لما توجهت جيوش المسلمين نحو الشام أفزع ذلك الروم، وخافوا خوفًا شديدًا وكتبوا إلى هرقل يعلمونه بالأمر، فأمر هرقل بخروج الجيوش الرومية ليكون في مقابلة كل أمير من المسلمين جيش عرمرم جرّر، فكتب الأمراء إلى الصديق يعلمونه بما وقع من الأمر، فكتب إليهم أن يجتعوا ويكونوا جندًا واحدًا للقاء جنود الروم، وكتب الصديق إلى خالد بن الويد أن يستنيب على العراقوأن يقفل بمن جاء معه إلى العراق من اليمامة والحجاز إلى الشام لمساعدة المسلمين وأن يكون الأمير عليهم، فاستناب خالد المثني بن حارثة على العراق وسار في تسعة آلاف وخمسمائة يجتاب البراري والقفار، ترفعه نجاد، وتحطه وهاد حتى وصل في خمسة أيام فخرج على الروم من ناحية تدمر، فصالحه أهلها، وخرج من شرقي دمشق، وسار حتى وصل إلى قناة بصرى فوجد الصحابة يحاربون أهلها، فصالحه صاحبها وسلمها لخالد فكانت أول مدينة فتحت من الشام.
وقد نزلت الروم في الواقوصة فيما بين دير أيوب واليرموك، ونزل المسلمون من وراء النهر من الجانب الآخر وأذرعات (درعًا) خلفهم ليصل إليهم المدد من المدينة، وتكامل جيش الروم أربعين ومائتي ألف، وتكامل جيش المسلمين ستة وثلاثين ألفًا إلى الأربعين، وكانت الروم تحت إمرة باهان وهو قائد أرمني عرف فيه هرقل الشجاعة والإقدام، ورتب
[ ٣ / ١٥٥٧ ]
خالد الجيش في كراديس وجعل أبا عبيدة في القلب، وعمرو بن العاص على الميمنة، ويزيد ابن أبي سفيان على الميسرةن ودارت رحى حرب ضروس، وأبلى المسلمون بلاء حسنًا، وهُزم الروم هزيمة منكرة، وهوى من الروم مائة وعشرون ألفًا في وادي اليرموك، وشاركت النساء المسلمات في المعركة لصد هجمات الروم بعد أن اضطر المسلمون إلى التقهقر عدة مرات، وكن يعدن المنهزمين من المسلمين إلى حومة الوغى يلقين في قلوبهن الشجاعة والحمية.
وكان نصر المسلمين في اليرموك مؤزرًا مبينًا، وبينما كان المسلمون يقاتلون الروم جاء البريد من الحجز، فدفع إلى خالد وفيه وفاة أبي بكر الصديق ﵁، واستخلاف عمر الفاروق ﵁ واستنابة أبي عبيدة على الجيوش في اليرموك، فكتم خالد الأمر لئلا يحصل وهو ضعف في نفوس المسلمين، وقد عزى خالد المسلمين بوفاة الصديق وسلم قيادة الجيش لأبي عبيدة بن الجراح وغدا نديًا يقاتل تحت إمرته حرصًا على وحدة المسلمين وقوتهم حتى يستمروا في مسيرتهم الجهادية المظفرة المباركة. وشرع أبو عبيدة ﵁ في جمع الغنيمة وتخميسها، وبعث بالفتح والخمس إلى الحجاز وسار نحودمشق حتى نزل مرج الصفر، فأقام أبو عبيدة حتى جاءه كتاب الفاروق يأمره بفتحها.
ومما تجدر الإشارة إليه أن معركة حامية الوطيس دارت بين المسلمين والفرس في العراق بعد رحيل خالد إلى الشام، فقد اغتنم الفرس غيبة خالد فبعثوا إلى نائبه المثنى بن حارثة جيشًا عرمرمًا نحوًا من عشرة آلاف مقاتل عليهم هرمز بن جاذويه، فسار المثنى إلى بابل والتقى بالفرس بمنكان عند العراق الأول، فاقتتلوا قتالًا شديدًا فأرسل الفرس فيلًا ليفرق خيل المسلمين، فحملعليه المثنى فقتله واستمر القتل في الفرس، ودارت عليهم الدائرة، وفروا حتى انتهوا إلى المدائن، وغنم المسلمون منهم مالًا عظيمًا. وقد أوصى الصديق وهو على فراش المرض عمر بن الخطاب أن يندب الناس لقتال أهل العراق مع المثنى وأن يرد أصحاب خالد إلى العراق بعد فتح الشام لأنهم أعلم بحربه.
قال ابن كثير في البداية والنهاية: كانت وفاة الصديق ﵁ في يوم الإثنين عشية، وقيل بعد المغرب ودفن من ليلته وذلك لثمان بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث
[ ٣ / ١٥٥٨ ]
عشرة بعد مرض خمسة عشر يومًا، وكان عمر بن الخطاب يصلي عنه فيها بالمسلمين، وفي أثناء هذا المرض عهد بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب، وكان الذي كتب العهد عثمان بن عفان، وقرئ على المسلمين فأقروا به وسمعوا له وأطاعوا، فكانت خلافة الصديق سنتين وثلاثة أشهر، وكان عمره يوم توفي ثلاثًا وستين سنة، للسن الذي توفي فيه رسول الله ﷺ، وقد جمع الله بينهما في التربة، كما جمع بينهما في الحياة، فرضي الله عنه وأرضاه. أهـ.
وقد ترجم ابن حجر في الإصابة ترجمة مختصرة ومما قاله في ترجمته:
صحب النبي ﵌ قبل البعثة وسبق إلى الإيمان به واستمر معه طول إقامته بمكة، ورافقه في الهجرة وفي الغار وفي المشاهد كلها إلى أن مات، وكانت الراية معه يوم تبوك، وحج في الناس في حياة رسول الله ﵌ سنة تسع، واستقر خليفة في الأرض بعده ولقبه المسلمون خليفة رسول الله، وقد أسلمأبوه، وروى عن النبي ﵌ وروى عنه عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عمر وابن عمرو وابن عباس وحذيفة وزيد بن ثابت وعقبة بن عامر ومعقل بن يسار وأنس وأبو هريرة وأبو أمامة وأبو برزة وأبو موسى وابنتاه عائشة واسماء وغيرهم من الصحابة. وروى عنه من كبار التابعين الصنابحي ومرة بن شراحيل الطبيب وواسط البجلي وقيس بن أبي حازم وسويد بن غفلة وآخرون.
وفي المعرفة لابن منده:: كان أبيض نحيفًا خفيف العاضين معروق الوجه ناتئ الجبهة يخضب بالحناء والكتم.
وقال ابن إسحاق: كان أنسب العرب، وقال البجلي: كان أعلم قريش بأنسابها، وقال ابن إسحق في السيرة الكبرى: كان أبو بكر رجلًا مؤلفًا لقومه محببًا سهلًا وكان أنسب قريش لقريش وأعلمهم بما كان منها من خير أو شر، وكان تاجرًا ذا خلق ومعروف وكنوا يألفونه لعلمه وتجاربه وحسن مجالسته فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به فأسلم على يديه عثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف
وأخرج أبو داود في لازهد بسند صحيح عن هشام بن عروة أخبرني أبي قال: أسلم أبو بكر وله أربعون ألف درهم قال عروة وأخبرتني عائشة أنه مات وما ترك دينارًا ولا
[ ٣ / ١٥٥٩ ]
درهمًا. وقال يعقوب بن سفيان في تاريخه حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا هشام عن أبيه أسلم أبو بكر وله أربعون ألفًا فأنفقها في سبيل الله وأعتق سبعة كلهم يعذب في الله أعتق بلالًا وعامر بن فُهيرة وزنيرة والنهدية وابنتها وجارية بني المؤمل وأم عُبيس.
ومناقب أبي بكر ﵁ كثيرة جدًا، وقد أفرده جماعة بالتصنيف وترجمته في تاريخ ابن عساكر قدر مجلد، ومن أعظم مناقبه قول الله تعالى ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (١) فإن المراد بصاحبه أبو بكر بلا نزاع.
وثبت في الصحيحين من حديث أنس أن النبي ﵌ قال لأبي بكر وهما في الغار "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" والأحاديث في كونه كان معه في الغار كثيرة شهيرة ولم يشركه في هذه المنقبة غيره، وعند أحمد من طريق شهر بن حوشب عن أبي تميم أن النبي ﵌ قال لأبي بكر وعمر: "لو اجتمعما في مشورة ما خالفتكما" وأخرج الطبراني من طريق الوضين بن عطاء عن قتادة بن نسي عن عبد الرحمن بن تميم عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﵌ لما أراد أن يرسل معاذًا إلى اليمن استشار فقال: كل برأيه فقال: إن الله يكره فوق سمائه أن يُخطأ أبو بكر، وعند أبي يعلي من طريق أبي صالح الحيي عن علي قال: قال لي رسول الله ﵌ يوم بدر ولأبي بكر: مع أحدكما جبرائيل ومع الآخر ميكائيل وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال، وفي الصحيح عن عمرو بن العاص قتلت: يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة" قلت من الرجال؟ قال: "أبوها" قلت: ثم من؟ فذكر رجالًا، وأخرج الترمذي والبغوي والبزار جميعًا عن أبي سعيد الأشج عن عقبة بن خالد عن شعبة الجريري عن أبي نصرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال أبو بكر في السقيفة ألست أول من أسلم؟ ألست أحق بهذا الأمر؟ ألست كذا ألست كذا؟ رجاله ثقات.
وأخرج البغوي بسند جيد عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن عبد الله بن جعفر
_________________
(١) التوبة: ٤٠.
[ ٣ / ١٥٦٠ ]
قال: ولينا أبو بكر - فخير خليفة أرحم بنا وأحناه علينا وقال إبراهيم النخعي: كان يسمى الأواهُ لرأفته.
ومن أعظم مناقب أبي بكر أن ابن الدغنة سيد القارة لما رد إلي جواره بمكة وصفه بنظير ما وصفت به خديجة النبي ﵌ لما بعث فتواردا فيها على نعت واحد من غير أن يتواطأ على ذلك وهذا غاية في مدحه لأن صفات النبي ﵌ منذ نشأ كانت أكمل الصفات. أهـ.
١٥١٥ - * روى الطبراني عن عروة بن الزبير قال: أبو بكر الصديق اسمهُ عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرة بن لؤيٍ، شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ، وأم أبي بكرٍ أمُّ الخير سلمى بنتُ صخر بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرة بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالكٍ، وأم أمِّ الخير دلافٌ وهي أميمةُ بنتُ عبيد ابن الناقد الخزاعي، وجدةُ أبي بكرٍ أمُّ أبي قُحافة أمينة بنت عبد العُزى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عُويج بن عدي بن كعبٍ.
١٥١٦ - * روى الطبراني عن الليث بن سعد قال: إنما سُمي أبو بكر عتيقًا لعتاقة وجهه وكان اسمه عبد الله بن عثمان.
١٥١٧ - * روى الطبراني عن أبي حفصٍ عمرو بن علي أنه كان يقول: كان أبو بكر معروق الوجه، وإنما سثمي عتيقًا لعتاقة وجهه وكان اسمه عبد الله بن عثمان، وقد رُوي أن رسول الله ﷺ سماه عتيقًا من النار (١).
_________________
(١) المعجم الكبير (١/ ٥١) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٠) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن. وفي الفتح (٧/ ٩) سلمى بنت صخر بن مالك بن عامر إلخ وأما أن إسناده حسن فلا لأن ابن لهيعة ضعيف في رواية غير العبادلة عنه وهذه الرواية ليست من رواية العبادلة عنه وهم عب دالله بن المبارك وعبد الله بن وهب وعبد الله بن يزيد المقري فالسند ضعيف. وسيتكرر هذا الإسناد كثيرًا.
(٢) المعجم الكبير (١/ ٥٢) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤١): رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(٣) المعجم الكبير (١/ ٥٣) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤١): رواه الطبراني وإسناده جيد حسن. لعتاقة وجهه: لجماله.
[ ٣ / ١٥٦١ ]
١٥١٨ - * روى الطبراني عن حكيم بن سعد قال: سمعت عليًا يحلفُ: لله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق.
١٥١٩ - * روى البزار والطبراني عن عبد الله بن الزبير أن النبي ﷺ نظر إلى أبي بكر ﵁ فقال: "هذا عتيقُ الله من النار" فمن يومئذ سمى عتيقًا، وكان قبل ذلك اسمه عبد الله بن عثمان.
١٥٢٠ - * روى أحمد والترمذي عن زيد بن أرقم ﵁ قال: أولُ من أسلم عليّ. قال عمر بن مرة: فذكرتُ ذلك لإبراهيم النخعي، فأنكرهُ، وقال: أول من أسلم أبو بكر الصديقُ.
ولا وجه للإنكار، فإن أبا بكر أول من أسلم من الرجال، وإن عليًا أول من أسلم من الصبيان.
١٥٢١ - * روى الطبراني عن معاوية قال: دخلتُ مع أبي على أبي بكر الصديق فرأيتُ أسماء قائمة على رأسه بيضاء، ورأيتُ أبا بكر أبيض نحيفًا، فحملني وأبي على فرسين، ثم عرضنا عليه وأجازنا.
١٥٢٢ - * روى الطبراني عن رافع بن عمرو قال: مر بي أصحاب رسول الله ﷺ في غزو أو حج فتأملتُهم فلم أر منهم أحسن هيئةً من أبي بكر قد جُلل عليه كساءٌ من الحرِّ والبرد (١).
_________________
(١) المعجم الكبير (١/ ٥٥) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤١): رواه الطبراني ورجاله ثقات، وقال في الفتح (٧/ ٩) رجاله ثقات.
(٢) روى البزار: كشف الأستار (٣/ ١٦٣)، والمعجم الكبير (١/ ٥٣). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٠): رواه البزار والطبراني بنحوه ورجالهما ثقات.
(٣) أحمد في مسنده (٤/ ٣٦٨). والترمذي (٥/ ٦٤٢) ٥٠ - كتاب المناقب باب: ٢١ وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٤) المعجم الكبير (١/ ٥٧) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٢): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٥) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٢) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
[ ٣ / ١٥٦٢ ]
١٥٢٣ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: قدِمَ رسول الله ﷺ وليس في أصحابه أشمطُ غير أبي بكر فغلفها بالحناء والكتم.
١٥٢٤ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: لَمْ أعْقِلْ أبويَّ قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأيتنا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار، بُكرةً وعشيةً، فلما ابتُلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة، حت إذا بلغ برْك الغِمادِ، لقيه ابن الدغنةِ - وهو سيدُ القارة- فقال: اين تريدُ يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريدُ أن أسيحَ في الأرض وأعبد ربي، فقال ابن الدُّغُنةِ: فإن مثلكَ يا أبا بكر لا يخرجُ ولا يُخْرَجُ، إنك تكْسِبُ المعدوم، وتصلُ الرحم، وتحملُ الكل، وتقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق، فأنا لك جارٌ، ارجعْ واعبدْ ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدُّغُنَّة، فطاف ابن الدغنة عشيةً في أشراف كفار قريش، فقال لهم: إن أبا بكرٍ لا يخرج مثله ولا يُخْرَج، أتُخْرِجُون رجلًا يكسبُ المعدوم، ويصلُ الرحم، ويحملُ الكل، ويقري الضيف، ويعينُ على نوائب الحق؟ فلم تُكَذِّبْ قريش بجوار ابن الدٌّغنة- وقالوا لابن الدُّغُنة: مُرْ أبا بكر فليعبدْ ربهُ في داره، فليُصلِّ فيها (١)،
_________________
(١) البخاري (٧/ ٢٥٦) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -٤٥ - باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة. أشمط: رجل أشمط: قد شاب بعض شعره. غلفها: أي خضبها، والمراد اللحية وإن لم يقع لها ذكر. الكتم: نبت يختضب به مخلوطًا مع غيره.
(٢) البخاري (٧/ ٢٣٠ وما بعدها) ٦٢ - كتاب مناقب الأنصار -٤٥ - باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة. الدين: الطاعة. برك الغماد: بفتح الباء وكسر الغين، ويروي بضمها: اسم موضع جنوب مكة، بينه وبين مكة خمس ليالٍ مما يلي ساحل البحر، وقيل: هو بلد يمانٍ. القارة: بتخفي الراء: قبيلة، سُمي أبوهم بذلك حيث قال: دعونا قارة، لا تنفرونا فنُجفِل مثل إجفال الظليم تكسب المعدوم: يصف إحسانه وكرمه وعموم فضله، يقال: كسبتُ مالًا، وكسبت فلانًا مالًا، وأكسبته مالًا، الكل: ما يثقل حمله، من صلات الأرحام، والقيام بالعيال، وقري الأضياف، ونحو ذلك، ولهذا قرن هذه الأشياء بقوله: تكسب المعدوم. نوائب الحق: النوائب: ما ينوب الإنسان من المغارم، وقضاء الحقوق لمني قصده ويؤمله. فأنا لك جارُ: أي: حام وناصر ومُدافعَ. =
[ ٣ / ١٥٦٣ ]
وليقرأ ما شاء، ولا يؤذنا بذلك، ولا يستعلنْ به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدُّغُنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبُدُ ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير دره، ثم بدا لأبي بكر، فابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيتقذفُ عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكاء، لا يملكُ عينيه إذا قرأ القرآن؛ فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدُّغُنة، فقَدِمَ عليهم، فقالوا: إنا كُنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانههُ؛ فإن أحبَّ أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يُعلن بذلك، فسله أن يرُد إليك ذمتك، قإنا قد كرهنا أن نُخفِرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان، قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال: قد علمت الذي عاقدتُ لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إليَّ ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني قد أُخفرتُ ذمتي في رجل عقدت له، فقال له أبو بكر: فإني ردُّ إليك جوارك وأرضى بجوار الله - والنبي صلى الله لعيه وسلم يومئذ بمكة - فقال النبي ﷺ للمسلمين: "إني أُريتُ دار هجرتكم ذات نخلٍ، بين لابتين"- وهما الحرَّتان فهاجر من هاجر قِبَل المدينة، ورجع عامةُ من كان بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قِبَل المدينة، فقال رسول الله ﷺ: "على رسلك، فإني أرجو أن يُؤذن لي" فقال أبو بكر: وهل ترجوذلك بأبي أنت؟ قال: "نعم" فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده من ورق السمُر- وهو الخبط - أربعة أشهر (١).
_________________
(١) تقذف: الناس عليه، أي: ازدحموا. الذمة: العهد والأمان. أخفرتُ الرجل: إذا نقضت عهده. السبخ من الأرض: الموضع الذي لا يكاد يُنبت لملوحته، وقلما يوافق إلا للنخيل، وأرض سبخة: أي ذات ملح ونز. اللاية: الحرة، والحرة: الأرض ذات الحجارة السود. على رسلك: بكسر الراء: على هِينَتِكَ. الراحلة: البعير القويُّ على الأحمال والسيرِ.
[ ٣ / ١٥٦٤ ]
قال ابن شهاب (١): قال عروة: قالت عائشة: فبينما نحن يومًا جُلوسٌ في بيت أبي بكر في نحرِ الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ - مُنَقنِّعًا في ساعة لم يكن يأتينا فيها- فقال أبو بكر - فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن، فذِن له، فدخل، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: "أخرج من عندك" فقال أبو بكر: إنما هم أهلك - بأبي أنت يا رسول الله - فاقل: "فإني قد أُذن لي في الخروج" قال أبو بكر: الصحابة، بأبي أنت يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ: "نعم" قال أبو بكر: فخُذ بأبي أنت يا رسول الله - إحدى راحلتي هاتين، فقال رسول الله ﷺ: "بالثمن" قالت عائشة: فجهزناهما أحثَّ الجهاز، ووضعنا لهما سُفرةً في جرابٍ، فقطعتْ أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق قالت: ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغارٍ في جبل ثورٍ، فكمنا فيه لاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلامٌ شابٌ ثقِفٌ لقِنٌ، فيُدْلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائتٍ، فلا يسمع أمرًا يكتادان به إلا وعاهُ، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعلى عليهما عامر بن فهُيرة - مولى أبي بكر - منحةً من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعةٌ من العشاء، فيبيتان في رسلٍ -وهو لبنُ منحتهما،
_________________
(١) أخرجه البخاري هكذا تعليقًا في (٧/ ٣٣١). الظهيرة: أشدُّ الحرّ. ونحمرْها: أوائلها. النطاق: أن تشد المرأة وسطها بحبل أو نحوه، وترفع ثوبها من تحته، فتعطف طرفًا من أعلاه على أسفله، لئلا ينال الأرض. ثقف: حاذق فطن. لقِنِّ: اللقِنُ: سريع الفهم. أدلج: يدلج: إذا سار من أول الليل، وأدلج يدلج - بتشديد الدال -: إذا سار من آخره. كدت: الرجل أكيده: إذا طلبت له الفوائل ومكرت به. منحة: الأصل في المنحة: أن يجعل الرجل لبن ناقته أو شاته لآخر وقتًا ما، ثم يقع ذلك في كل ما يرزقه المرء ويعطاه، والمنحة والمنيحة واحد، يقال: "ناقة منوح": إذا بقى لبنها بعدما تذهب ألبان الإبل. فكأنها أعطت أصحابها اللبن ومنحتهم إياه. فيريحها: الرَّواح: ذهاب العشي، وهو من زوال الشمس إلى الليل. في رِسْل: الرَّسل، بكسر الراء وسكون السين: اللبن. =
[ ٣ / ١٥٦٥ ]
ورضيفُهما- حتى ينعِق بها عامر بن فُهيرة بغلسٍ، يفعل ذلك في كل ليلةٍ من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلًا من بني الدِّيل- وهو من بني عبد بن عديِّ - هاديًا خريتًا- والخريتُ: الماهر بالهداية- قد غمس حلفًا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كُفار قريش، فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما، فأتاهما صُبح ثلاث، فارتحلا وانطلق معهما ابن فهيرة، والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل.
وفي رواية: طريق الساحل.
قال ابن شهاب تلعيقًا: وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المُدلجيُّ- وهو ابن أخي سُراقة ابن جُعشم - أن أباه أخبره: أنه سمع سُراقة بن جُعشم يقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر ديةَ كل واحد منهما من قتله أو أسره، فبينما أنا جالسٌ في مجلس من مجالس قومي بني مُدلج، إذ أقبل رجل منهم، حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة، إني قد رأيتُ آنفًا أسوده بالساحل، أُراها محمدًا وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثتُ في المجلس ساعة، ثم قمتُ فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمةٍ، فتحبسها عليِّ، وأخذتُ رُمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزُجِّهِ الأرض، وخفضت عاليه، حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تُقرب بي، حتى دونتُ منهم، فعثرتْ بي فرسي، فخررتُ عنها (١)، فقمت فأهويتُ بيدي إلى كنانتي فاستخرجتُ
_________________
(١) الرضيف: اللبن المرضوف، وهو الذي جعل فيه الرضفة، وهي الحجارة المحماة. نعق الراعي بالغنم: دعاها لترجع إليه. بغلس: الغلس: ظلام آخر الليل. غمس: فلان حلفًا في آل فلان، أي: أخذ بنصيب من عقدهم وحلفهم، والحِلْف: التحالف. أسودة: جمع سواد، وهو الشخص. الأكمة: الرابية المرتفعة عن الأرض من جميع جوانبها. قرَّبَ: الفرسُ يقرب تقريبًا: إذا عدا عدْوًا دون الإسراع، وله تقريبان أدنى وأعلى. الكنانة: كالخريطة المستطيلة من جلود تجعل فيها السهام، وهي الجعبة.
[ ٣ / ١٥٦٦ ]
منها الأزلام، فاستقسمت بها: أضُرُّهم، أم لا؟ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي - وعصيتُ الأزلام - تُقرب بي، حتىإذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يُكثر الالتفات: ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضتْ، فلم تكد تُخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عُثان ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمتُ بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتُهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي - حين لقيتُ ما لقيتُ من الحبس عنهم - أن سيظهر أمر رسول الله ر، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية -وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم - وعرضتُ عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني شيئًا، ولم يسألاني، إلا أن قال: "أخف عنا ما استطعت" فسألته أن يكتب لي كتاب أمنٍ، فأمر عامر بن فهيرة، فكتب لي في رُقعةٍ من أدمٍ، ثم مضى رسول الله ﷺ.
قاب ابن شهاب (١): فأخبرني عروة بن الزبير أن رسل الله ﷺ لقي الزبير في ركب من المسلمين تجارًا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثياب بياض، وسمع المسلمون بالمدينة فخرج رسول الله ﷺ من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه، حتى يردهم حرُّ الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعدما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى
_________________
(١) = الأزلام: القداح، واحدها: زُلم، وزَلم- بفتح الزاي وضمها، وفتح اللام فيهما - والقِدْحُ: السهم الذي لا نصل له ولا ريش، وكان لهم في الجاهلية هذه الأزلام، مكتوب عليها الأمر والنهي، وكان الرجل منهم يضعها في كنانته أو في وعائه، ثم يخرج منها عند عزيمته على أمر ما اتفق له من غير قصد، فإن خرج الآمرُ مضي على عزمه، وإن خرج الناهي انصرف. الاستقسام: أصل الاستقسام: طلب ما قسم الله له من الأقسام، "والقَسَّم": النصيب المغيب عنه عند طلبه، وذلك محمود إذا طلب من جهته سبحانه، وكان أهل الجاهلية يطلبون ما غيب عنهم من ذلك من جهة الأزلام، فما دلتهم عليه فعلوه. ساخت: قوائم الدابة في الأرض: غاصت فيها. عثان: العثان: الغبار، وأصله الدخان. الساطع: المرتفع في الجو منتشرًا. ما رزأت فلانًا شيئًا: أي: ما أصبت منه شيئًا، والمراد أنهما لم يأخذا منه شيئًا.
(٢) رواه البخاري تعليقًا (٧/ ٢٣٩). قافلين: القافل: الراجع من سفره.
[ ٣ / ١٥٦٧ ]
بيوتهم أوفى رجلٌ من يهود على أطمٍ من آطامهم لأمرٍ ينظر إليه، فبصُرَ برسول الله ﷺ وأصحابه مُبيضين، يزولُ بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جدُّكم الذي تنتظرون، قال: فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف بقباء وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول. فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله ﷺ صامتًا، فطفِقَ من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف النسا رسول الله ﷺ عند ذلك. فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أُسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله ﷺ، ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس، حتى بركت عند مسجد الرسول ﷺ بالمدينةن وهو يصلي فيه يومئذ رجالٌ من المسلمين، وكان مربدًا للتمر، لسهل وسهيل - غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زُرارة، فقال رسول الله ﷺ حين بَركتْ راحلته: "هذا إن شاء الله المنزل" ثم دعا رسول الله ﷺ الغلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: بل نهبُه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبةً حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجدًا وطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللَّبِنَ في بنيانه، ويقول وهو ينقل اللبن:
هذا الحمالُ لاحمالُ خيبرْ هذا أبرُّ ربنا وأطهرْ
يقول (١):
_________________
(١) = أوفي: أشرف واطلع. آطامهم: الأطُم: بناء مرتفع. مبيضين: بكسر الياء، ذوو ثياب بيض. يزول بهم: زوال بهم السراب، أي: ظهرت حركتهم فيه للعين. جدتم: بفتح الجيم، أي حظكم وصاحب دولتكم الذي تتوقعون. المربد: البيدر الذي يوضع فيه التمر. الحِمال: بكسر الحاء: من الحمل والذي يحمل من خيبر هو التمر، ولعله عني: أن هذا في الآخرة أفضل من ذلك ثوابًا وأحسن عاقبة.
[ ٣ / ١٥٦٨ ]
اللهم إنالأجر أجرُ الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة
فتمثل بشعر رجل من المهاجرين، لم يسمِّ لي.
قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله ﷺ تمثل ببيت تامٍّ غير هذه الأبيات.
قال ابن حجر عن المعلق الأول:
قوله (قال ابن شهاب) هو موصول بإسند حديث عائشة، وقد أفرده البيهقي في "الدلائل" وقبله الحاكم في "الإكليل" من طريق ابن إسحق "حدثني محمد بن مسلم هو الزهري به" وكذلك أورده الإسماعيلي منفردًا من طريق معمر والمعافي في الجليس من طريق صالح بن كيسان كلاهما عن الزهري.
وقال عن المعلق الثاني:
قوله (قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ لقي الزبير في ركب) هو متصل إلى ابن شهاب بالإسناد المذكور أولًا، وقد أفرده الحاكم من وجه آخر عن يحيى بن بكير بالإسناد المذكور، ولم يستخرجه الإسماعيلي أصلًا وصورته مرسل، لكنه وصله الحاكم أيضًا م طريق معمر عن الزهري قال "أخبرني عروة أنه سمع الزبير" به، وأفاد أن قوله "وسمع المسلمون إلخ" من بقية الحديث المذكور. وأخرجه موسى بن عقبة عن ابن شهاب به وأتم منه وزاد "قال: ويقال لما دنا من المدينة كان طلحة قدم من الشام، فخرج عائًا إلى مكة إما متلقيًا وإما معتمرًا، ومعه ثياب أهداها لأبي بكر من ثياب الشام، فلما لقيه أعطاه فلبس منها هو وأبو كبر" انتهى، وهذا إن كان محفوظًا احتمل أن يكون كل من طلحة والزبير أهدى لهما من الثياب. والذي في السير هـ والثاني، ومال الدمياطي إلى ترجيحه على عادته في ترجيح ما في السير على ما في الصحيح، والأولى الجمع بينهما وإلا فما في الصحيح أصح، لأن الرواية التي فيها طلحة من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، والتي في الصحيح من طريق عقيل عن الزهري عن عروة. ثم وجدت عند ابن أبي شيبة من طريق هشام بن عروة عن أبيه نحو رواية أبي الأسود، وعند ابن
[ ٣ / ١٥٦٩ ]
عائذ في المغازي من حديث ابن عباس "خرج عمرو والزبير وطلحة وعثمان وعياش بن أبي ربيعة نحو المدينة، فتوجه عثمان وطلحة إلى الشام" فتعين تصحيح القولين، أهـ.
١٥٢٥ - * روى البخاري عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دُعي من أبواب - يعني الجنة - يا عبد الله هذا خيرٌ. فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهادن ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومنْ كان من أهل الصيام دُعي من باب الصيام وباب الريان". فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يُدعى من تلك الأبواب من ضرورة. وقال: هل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر".
١٥٢٦ - * روى البخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد: أن النبي ﷺ جلس على المنبر فقال: "إن عبدًا خيرهُ الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده" فقال أبو بكر: فديناك يا رسول الله بآبائنا وأمهاتنا، قال: فعجبنا، فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر النبي ﷺ عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الحياة الدنيا وبين ما عند الله، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان ﷺ هو المخير، وأبو بكر أعلمنا به، فقال ﷺ: "إن من من الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنتُ متخذًا خليلًا لاتخذتُ أبا بكر، ولكنْ أخوة الإسلام، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخةُ أبي بكر".
١٥٢٧ - * روى مسلم عن عائشة قالت: لما دخل رسول الله ﷺ بيتي، قال (١):
_________________
(١) البخاري (٧/ ١٩) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٥ - باب قول النبي ﷺ: "لو كنت متخذًا خليلًا". زوجين: صنفين من ماله في سبيل الله.
(٢) البخاري (٧/ ١٢) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٣ - باب قول النبي ﷺ سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر. ومسلم (٤/ ١٨٥٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٤٤ - باب من فضائل أبي بكر. والترمذي (٥/ ٦٠٨) ٥٠ - كتاب المناقب - ١٥ - باب. الخوخة: النافذة في الجدار.
(٣) مسلم (١/ ٣١٣) ٤ - كتاب الصلاة-٣١ - باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض أو سفر وغيرهما من يصلي بالناس.
[ ٣ / ١٥٧٠ ]
"مُروا أبا بكرٍ فليُصل بالناس" قالت فقلت: يا رسو الله! إن أبا بكر رجلٌ رقيقٌ. إذا قرأ القرآن لا يملك دمعهُ. فلو أمرت غير أبي بكر! قالت: والله! ما بي إلا كراهيةُ أن يتشاءم الناس بأول من يقوم في مقام رسول الله ﷺ. قالت فراجعته مرتين أو ثلاثًا. فقال: "ليُصل بالناس أبو بكر. فإنكن صواحبُ يوسف".
١٥٢٨ - * روى البخاي ومسلم عن عائشة قالت: لقد راجعتُ رسول الله ﷺ في ذلك. وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لمي قع في قلبي أن يُحب الناس بعده رجلًا قام مقامه أبدًا. وإلا أني كنتُ أرى أنه لن يقوم مقامه أحد إلا تشاءم الناس به. فأردتُ أن يعدل ذلك رسول الله ﷺ عن أبي بكر.
١٥٢٩ - * روى البزار عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "إذا كان يوم القيامة دُعي الإنسانُ بأكثر عمله فإن كانت الصلاة أفضل دُعي بها وإن كان صيامه دعي به، وإن كان الجهاد دُعي به، ثم يأتي بابًا من أبواب الجنة يُقال له الريانُ يدعى منه الصائمون" قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله أثم أحدٌ يُدعى بعملين قال: "نعم أنت".
١٥٣٠ - * روى الحاكم عن عمر ﵁ قال: كان أبو بكرٍ سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الهل ﵌.
١٥٣١ - * روى عبد الله بن أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار سُدُّوا كل خوخةٍ، في المسجد غير خوخةِ أبي بكرٍ" (١).
_________________
(١) البخاري (٨/ ١٤٠) ٦٤ - كتاب المغازي- ٨٣ - باب مرضي النبي ﷺ ووفاته، ومسلم في نفس الموضع السابق.
(٢) البزار: كشف الأستار (٤/ ١٧٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: (١٠/ ٣٩٨): رواه البزار، وإسناده حسن.
(٣) المستدرك (٣/ ٦٦) وقال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
(٤) أورده الهيثيمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٢) وقال: رواه عبد الله ورجاله ثقات.
[ ٣ / ١٥٧١ ]
١٥٣٢ - * روى أحمد والطبراني عن ربيعة الأسلمي قال: كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلمفأعطانا أرضًا، وأعطى أبا بكر أرضًا، وجاءت الدنيا فاختلفنا في عذق نخلةٍ، فقال أبو بكر: هي في حدي، وقلت أنا: هي في حدي، فكان بيني وبين أبي بكرٍ كلامٌ: فقال أبو بكر كلمةٌ كرهتُها وندم فقال لي: يا ربيعة رُدَّ علي مثلها حتى تكون قصاصًا، فقلت: لا أفعل. فقال أبو بكر: لتفعلن أو لأستعدين عليك رسول الله صلى الله لعيه وسلم: فقلتُ: ما أنا بفاعل ورفض الأرض، فانطلق أبو بكر إلى النبي ﷺ وانطلقت أتلوه فجاء أناسٌ من أسلم فقالوا: يرحمُ الله أبا بكر، في أي شيءٍ يستعدي عليك رسول الله ﷺ وهو الذي قال لك ما قال؟ قلتُ: أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصديق، وهو ثاني اثنين وهو ذو شيبة المسلمين، فإياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب فيأتي رسول الله ﷺ فيغضبُ لغضبه فيغضبُ الله لغضبهما فتهلك ربيعة قالوا: فما تأمرنا؟ قال: ارجعوا، فانطلق أبو بكر إلى رسول الله ﷺ وتبعته وحدي وجعلت أتلوهُ حتى أتى رسول اله ﷺ فحدثه الحديث كما كان، فرفع إليَّ رأسه فقال: "يا ربيعة مالك وللصديق؟ " قلت يا رسول الله كان كذا، كان كذا، قال لي كلمة كرهتُها فقال لي قل كما قلت حتى يكون قصاصًا. فقال رسول الله ﷺ: "أجلْ فلا تردنَّ عليه، ولكنْ قل غفر الله لك يا أبا بكر" فولى أبوب بكر وهو يبكي.
١٥٣٣ - * روى البخاري عن أبي الدرداء ﵁ قال: كنتُ جالسًا عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي ﷺ: "أما صاحبُكم فقد غامر" فسلم، وقال: إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعتُ إليه، ثم ندمتُ فسألته أن يغفر لي، فأبى عليِّ، فأقبلت إليك، فقال (١): "يغفرُ الله لك
_________________
(١) أحمد في مسنده (٤/ ٥٨). والمعجم الكبير (٥/ ٥٨) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٥): رواه الطبراني وأحمد بنحوه في حديث طويل وفيه مبارك بن فضالة وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات. عذق نخلة: العذقُ: النخلة بحملها. والعِذقُ: العرجون بما فيه من الشماريخ والجمع عِذاق.
(٢) البخاري (٧/ ١٨) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٥ - باب قول النبي ﷺ "لو كنت متخذًا خليلًا". غامر: أي: خاصم. أسرعت إليه: آذيته بالقول.
[ ٣ / ١٥٧٢ ]
يا أبا بكرٍ" - ثلاثًا- ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكرٍ، فقال: أثم أبو بكرٍ؟ قالوا: لا، فأتى النبي ﷺ، فجعل وجهُ النبي ﷺ يتمعَّر، حتى أشفق أبو بكرٍ، فجثا على ركبتيه، وقال: يا رسول الله والله أنا كنتُ أظلمَ - مرتين - فقال رسول الله ﷺ: "إنَّ الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟ " - مرتين- فما أوذي بعدها.
وفي أخرى (١) قال: كانت بين أبي بكر وعمر محاورةٌ، فأغضب أبو بكر عم، فانصرف عمر مُغضبًا، فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له، فلم يفعل، حتى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى النبي ﷺ - قال أبو الدرداء: ونحن عندهُ -فقال النبي ﷺ: "أما صاحبكم هذا فقد غامر" قال: وندم عمرُ على ما كان منه، فأقبل حتى سلم، وجلس إلى النبي ﷺ، فقص على رسول الله ﷺ الخبر، قال أبو الدرداء: وغضب رسول الله ﷺ، وجعل أبو بكر يقول: والله يا رسول الله لأنا كنتُ أظلم، فقال النبي ﷺ: "هل أنتمُ تاركون لي صاحبي؟ هل أنتم تاركون لي صاحبي؟ إني قلتُ: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت".
١٥٣٤ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان لأبي بكرٍ غلامٌ يُخرجُ له الخراجن وكان أبو بكر يأكلُ من خراجه، فجاء يومًا بشيء، فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تُكهنت لإنسان في الجهالية: وما أُحسنُ الكهانة، إلا أني خدعته، فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه (٢).
_________________
(١) = التمعر: تغير اللون من الغضب.
(٢) البخاري (٨/ ٣٠٣) ٦٥ - كتاب التفسير -٣ - باب (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا).
(٣) البخاري (٧/ ١٤٩) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار - ٢٦ - باب أيام الجاهلية. يخرج له الخراج: أي يأتيه بما يكسبه وهو ما يقرره السيد على عبده من مال يحضره له من كسبه. تكهنتُ: التكهُّنُ: فعلُ الكاهن، وهو إخباره لمن يسأله عماي سأله عنه من المغيبات.
[ ٣ / ١٥٧٣ ]
١٥٣٥ - * روى الحاكم عن سعيد بن المسيب ﵁، أن أبا بكر الصديق ﵁، لما بعث الجيوش نحو الشام يزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشُرحبيل بن حسنة مشى معهم حتى بلغ ثنية الوداع، فقالوا: يا خليفة رسول الله تمشي ونحنُ رُكبان؟
١٥٣٦ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يومًا: "من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ " قال أبو بكر الصديق: أنا، قال: "فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: "فمنْ أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ " قال أبو بكر: أنا، قال: "فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ " قال أبو بكر: أنا، قال رسول الله ﷺ: "ما اجتمعن في رجل إلا دخل النة"؟
١٥٣٧ - * روى أبو يعلي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "ما نفعنا مالُ أحدٍ ما نفعنا مالُ أبي بكرٍ".
١٥٣٨ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مالأحدٍ عندنا يد إلا وقد كافأناهُ، ما خلا أبا بكر، فإن له ندنا يدًا يكافئهُ الله به يوم القيامة، وما نفعني مالُ أحدٍ قط ما نفعني مال أبي بكر، ولو كنتُ متخذًا خليلًا من الناس لاتخذتُ أبا بكرٍ خليلًا، ألا وإن صاحبكم خليلُ الله".
(لو كنت متخذًا خليلاص لاتخذت أبا بكر خليلًا) قد ذكرنا معنى الخلة وأنها من المودة، وقيل: هو من تخللها القلب، أي دخولها فيه، والمقصود من الحديث: أن الخلة تلزم فضل مراعاة للخليل، وقيام بحقه، واشتغال القلب بأمره، فأخبر ﷺ أنه ليس عنده فضل مع خلة الحق للخلق، لاشتغال قلبه بمحبة الله سبحانه، فلا يحتمل ميلًا إلى غيره (١).
_________________
(١) المستدرك (٣/ ٨٠) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي: مرسل.
(٢) مسلم (٤/ ١٨٥٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-١ - باب من فضائل أبي بكر الصديق.
(٣) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٥١) وقال: رواه أبو يعلي، ورجاله رجال الصحيح، غير إسحاق بن إسرائيل وهو ثقة مأمون.
(٤) الترمذي (٥/ ٦٠٩) ٥٠ - كتاب المناقب، باب: ١٥، وهو حسن بشواهده.
[ ٣ / ١٥٧٤ ]
١٥٣٩ - * روى أبو داود والترمذي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق، فوافق ذلك مالًا، فقلتُ: اليوم أسبِقُ أبا بكر - إن سبقته - يومًا، قال: فجئتُ بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ: "ما أبقيت لأهلك؟ " قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: "يا أبا بكرٍ، ما أبقيت لأهلك؟ " قال: أبقيت لهم الله وروسله، قلتُ: لا أسبقه إلى شيءٍ أبدًا.
١٥٤٠ - * روى الطبراني عن عروة قال: أعتق أبو بكر سبعة ممن كان يعذب في الله منهم: بلال وعامر بن فهيرة.
١٥٤١ - * روى البخاري ومسلم عن جبير بن مُطعمٍ ﵁ قال: أتت امرأة رسول الله ﷺ فأمرها أن ترجع، قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ - كأنها تقول: الموت- قال: "إن لم تجديني فائتي أبا بكرٍ".
قال الحافظ في "الفتح": وفي الحديث أن مواعيد النبي ﷺ كان على من يتولى الخلافة بعده تنجيزها
١٥٤٢ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "لو قدْ جاءنا مالُ البحرين لقد أعطيتُك هكذا وهكذا وهكذا" وقال بيديه جميعًا. فقُبض النبي ﷺ قبل أن تجيء مال البحرين. فقدم على أبي بكر بعده. فأمر مناديًا فنادى: من كانت له على النبي ﷺ عدةٌ أودينٌ فليأتِ. فقمتُ فقلتُ: إن النبي ﷺ قال "لو قد جاءنا مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا" فحثى أبو بكرٍ مرة. ثم قال لي: عُدها. فعددتُها فإذ هي خمسمائة. فقال: خذْ مثليها (١).
_________________
(١) أبو داود (٣/ ١٢٩) كتاب الزكاة، باب في الرخصة في ذلك. والترمذي (٥/ ٦١٤) ٥٠ - كتاب المناقب - ١٦ - باب في مناقب أبي بكر وعمر. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٥٠) وقال: رواه الطبراني ورجاله إلى عروة رجال الصحيح وهو مرسل.
(٣) البخاري (٧/ ١٧) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة- ٥ - باب قول النبي ﷺ: "لو كنت متخذًا خليلًا". ومسلم (٤/ ١٨٥٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-١ - باب من فضائل أبي بكر الصديق.
(٤) مسلم (٤/ ١٨٠٧) ٤٣ - كتاب الفضائل -١٤ - باب ما سئل رسول الله ﷺ شيئًا قط فقال: لا، وكثرة عطائه.
[ ٣ / ١٥٧٥ ]
١٥٤٣ - * روى أحمد والطبراني عن أبي سعيد الخدري قال: لما توفي رسول الله ﷺ قام خطباء الأنصار فقال: يا معشر المهاجرين إن رسول الله ﷺ كان إذا بعث رجلًا منكم قرنه برجلٍ منا فنحن نرى أن يلي هذا الأمر رجلان رجلٌ منا ورجلٌ منكم. فقام زيد بن ثابتٍ ﵁ فقال إن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين، وكنا أنصار رسول الله ﷺ فنحنُ أنصارُ من يقومُ مقامه فقال أبو بكر: جزاكم الله خيرًا من حي يا معشر الأنصار وثبت قائلكم. والله لو قلتم غير ذلك ما صالحناكم.
١٥٤٤ - * روى الطبراني عن سالم بن عبيدٍ وكان من أصحاب الصُّفة قال: أغمي على رسول الله ﷺ في مرضه فأفاق فقال: "حضرت الصلاة؟ " قلنا: نعنم قال: "مُروا بلالًا فليؤذن ومروا أبا بكر فليصل بالناس" فقالت عائشة ﵂: إن أبي رجل أسيفُ فلو أمرت غيره فليصل بالناس. ثم أغمى عليه فأفاق فقال: "هل حضرت الصلاة؟ " قلت: نعم. قال: "مروا باللًا فليؤذنْ ومروا أبا بكر فليصل بالناس" فقالت عائشة ﵂: إن أبي رجلٌ أسيفٌ فلو أمرت غيره فليصل بالناس. ثم أغمي عليه فأفاق فقال: "أقيمت الصلاة؟ " قلنا: نعم. قال: "ائتوني بإنسان أعتمدُ عليه" فجاءه بُريدة وإنسان آخر فاعتمد عليهما فأتى المسجد فدخله وأبو بكر ﵁ يصلي بالناس فذهب أبو بكر يتنحى فمنعه رسول الله ﷺ وأجلس إلى جنب أبي بكر حتى فرغ من صلاته. فقُبض رسول الله ﷺ فقال عمر: لا أسمع أحدًا يقول مات رسول الله ﷺ إلا ضربته بالسيف؛ فأخذ أبو بكر بذراعي فاعتمد عليِّ وقام يمشي حتى جئنا فقال: أوسعوا فأوسعوا له، فأكب عليه ومسَّه قال: إنك ميت وإنهم ميتون، قالوا: يا صاحب رسول الله ﷺ مات رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. فعلموا أنه كما قال. قالوا: يا صاحب رسول الله ﷺ أنصلي على رسول الله ﷺ؟ قال: نعم، يدخل قومٌ فيكبرون ويدعون ويصلون ثم ينصرفون، ويجيء آخرون حتى يغرُغوا. قالوا (١): يا صاحب رسول الله ﷺ
_________________
(١) أحمد في مسنده (٥/ ١٨٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٨٣) وقال: رواه الطبراني وأحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٨٢) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات. أسيف: أي سريع البكاء والحزن، وقيل هو الرقيق.
[ ٣ / ١٥٧٦ ]
أيُدفنُ رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قالوا: وأين يدفنُ؟ قال: حيثُ قُبضَ، فإن الله ﵎ لم يقبضه إلا في بقعةٍ طيبةٍ. فعلموا أنه كما قال. ثم قام فقال: عندكم صاحبُكم، فأمرهم يغسلونه، ثم خرج واجتمع المهاجرون يتشاورون، فقالوا: انطلقوا إلى إخواننا من الأنصار فإن لهم في هذا الأمر نصيبًا، فانطلقوا. فقال رجلٌ من الأنصار: منا أميرٌ ومنكم أميرٌ، فأخذ عمر بيد أبي بكر ﵄ فقال: أخبروني من له هذه الثلاث: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي﴾ من هما؟ ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾ من صاحبه؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ فأخذ بيد أبي بكر ﵁ فضرب عليها وقال للناس: بايعوه. فبايعوه بيعةً حسنة جميلة.
١٥٤٥ - * روى أحمد عن بُريدة قال: مرض رسول الله ﷺ فقال: "مروا أبا بكر يصلي بالناس " فقال عائشةُ: يا رسول الله إن أبي رجل رقيقٌ، فقال: "مروا أبا بكر يصلي فإنكن صواحبات يوسف" فأم أبو بكر الناس والنبي ﷺ حي.
١٥٤٦ - * روى الحاكم عن عبد الله قال: ما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسنٌ، وما رآه المسلمون سيئًا فهو عند الله سيء، وقد رأى الصحابة جميعًا أنْ يستخلفُوا أبا بكرٍ ﵁.
١٥٤٧ - * روى الحاكمعن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: ولينا أبو بكر فكان خيرَ خليفةِ الله وأرحمهُ بنا وأحناهُ علينا.
١٥٤٨ - * روى الطبراني عن عائشة قالت: تذاكر رسول الله ﷺ وأبو بكر ميالدهما عندي وكان رسول الله ﷺ أكبر من أبي بكر، فتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاثٍ وستين، لسنتين ونصف التي عاش بعد رسول الله ﷺ، يعني أبا بكر (١).
_________________
(١) أحمد في مسنده (٥/ ٣٦١) ورجاله رجال الصحيح.
(٢) المستدرك (٣/ ٧٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٣) المستدرك (٣/ ٧١) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٤) المعجم الكبير (١/ ٥٨)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٠) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.
[ ٣ / ١٥٧٧ ]
أقول: المراد من النص أن أبا بكر توفي في السن نفسه الذي توفي فيه رسول الله ﷺ
١٥٤٩ - * روى الطبراني عن سعيد بن المسيب قال: تُوفي أبو بكر الصديقُ وهو ابنُ ثلاثٍ وستين سنة، وولي سنتين، ودُفن ليلًا وصلى عليه عمر.
١٥٥٠ - * روى الطبراني عن عائشة قالت: تُوفي أبو بكر ليلة الثلاثاء ودُفن ليلًا.
١٥٥١ - * روى الطبراني عن الهيثم بن عمران قال: سمعت جدي يقول: توفي أبو بكر الصديق وبه طرف من السل وولي سنتين ونصفًا.
١٥٥٢ - * روى الطبراني عن يحيى بن بكير قال: استُخلف أبو بكرٍ في اليوم الذي توفي فيه رسول الله ﷺ وتُوفي في جُمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة.
١٥٥٣ - * روى الطبراني عن الحسن بن علي قال: لما احتُضر أبو بكرٍ قال: يا عائشة انظري اللقحة اليت كنا نشربُ من لبنها والجفنة التي كنا نصطبحُ فيها والقطيفة التي كنا نلبسُها، فإنا كنا ننتفع بذلك حين كنا نلي أمر المسلمين فإذا متُّ فاردُديه إلى عمر فلما مات أبو بكر أرسلت به إلى عمر فقال عمر: رضي الله عنك يا أبا بكر لقد أتبعت من جاء بعدك (١).
* * *
_________________
(١) المعجم الكبير (١/ ٥٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٠) رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(٢) المعجم الكبير (١/ ٦١) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٠) رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(٣) المعجم الكبير (١/ ٦١) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٠) رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(٤) المعجم الكبير (١/ ٦١) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٠) رواه الطبراني ورجاله ثقات إلا أنه قال: عن الزبير بن بكار.
(٥) المعجم الكبير (١/ ٦٠) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٣١) رواه الطبراني ورجاله ثقات.
[ ٣ / ١٥٧٨ ]
تعليقات
* نستطيع أن نقول: إن أبا بكر الصديق ﵁ كان امتدادًا لشخصية رسول الله ﷺ، يظهر ذلك في أنه تابع عملية الجهاد على الأرض العربية وخارجها وتلك التي وضع رسول الله ﷺ أسسها العملية ونزل القرآن آمرًا بها، ومن خلال الرؤية الشاملة لمواقف الصحابة رضوان الله عليهم نجد أنه لولا أبو بكر لما سارت الأمور بالشكل الذي سارت فيه، ومن ثم فإن الفتوحات الإسلامية والانطلاقة التي دثت في عهد عمر ﵁ ومن جاء بعده، كل ذلك في صحيفة أبي بكر، وهي وهو في صحيفة رسول الله ﷺ، ومن ههنا نقول: إنه لا أفضل من أبي بكر ولا أثقل منه في نميزان الإسلام بعد رسول الله ﷺ.
* * *
* وإذا كان رسول الله ﷺ هو المؤسس فإن المجدد الأول لهذا الدين هو أبو بكر، فالردةُ كانت شاملة تقريبًا، ولقد كادت أن تعصف بكل شيء، فالمستقبل السياسي للإسلام أصبح في خطر، وأحكام الإسلام أصبحت في خطر، وكادت دولة الإسلام أن تنتهي، ولولا مواقف أبي بكر لم تعد الأمور إلى نصابها، ولم يقم الإسلام من جديد، فكان بحق المجدد الأول للإسلام، لكنه تجديد ليس له مثيل ولا عديل، فغيره من المجددين جاؤوا والإسلام في الأرض مكين وتجربته ممتدة، أما تجديده هو فكان في مرحلة عاصفة ونبت الإسلام غض.
* ومع الفهم السديد للإسلام ومع هذا العزم والحزم فقد امتلك أبو بكر قوة المبادرة التي قذفت بالمسلمين إلى عوالم جديدة، فلما تسلم الراية عمر ﵁ كانت نقاط الانطلاق محددة فسار بها بحزم وعزم ومبادرات مكافئة، ولكن لأبي بكر فضيلة السبق وشق الطريق، فمن يدعي بعد ذلك أن هناك أثقل من أبي بكر في الميزان؟
* ويرى بعض الباحثين أن موقف أبي بكر من بعث أسامة وموقفه من المرتدين دليل على أن الشورى في حق أمير المؤمنين معلمة لا ملزمة بدليل أن أبا بكر خالف الناس في ذلك والأمر عندنا أن في هاتين القضيتين نصوصًا، وحيثما كانت النصوص فلا محل للشورى، فالرسول ﷺ توفي وهو يوصي بإنفاذ جيش أسامة والرسول ﷺ يقول: "أمرت
[ ٣ / ١٥٧٩ ]
أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة " ولذلك فإنني لا أرى في هاتين الحادثتين دليلًا على عدم إلزامية الشورى والذي أراه لعصرنا أن المسلمين على شروطهم فحيثما تعاقدوا على حدود للشورى فإنها تلزم المتعاقدين.
* * *
* ولقد سن أبو بكر سننًا، واجتهد اجتهادات، ولقد خالفه بعد ذلك في بعض اجتهاداته عمر وغيره، ومن ههنا نقول: إن كل تصرفات الخلفاء الراشدين هي من باب السوابق الدستورية لهذه الأمة، وهذه الأمة تستطيع أن تبني على أي سنة من سننهم إذا رأت في ذلك مصلحة وكان ذلك من خلال الشورى.
* * *
* ومن أهم ميزات أبي بكر ﵁ حسن اختياره للرجال وإعطائهم الفرص لإطلاق طاقاتهم ومعرفته بنفسية رعيته يظهر ذلك من قولة عمر: "رحم الله أبا بكر فلقد كان أعرف مني بالرجال، ومن إطلاقه العنان لخالد في التصرفات ومن تحريكه العرب إلى فتح الشام والعراق مباشرة بعد ما أنهى، ولولا ذلك لأهلك العرب بعضهم بعضًا.
* * *
[ ٣ / ١٥٨٠ ]
عمر بن الخطاب ﵁ (١)
ميلاده ووفاته:
ولد عمر بن الخطاب بمكة قبل حرب الفِجار بنحو أربع سنوات على ما يرويه الطبري. ونشأ نشأة عالية كريمة، فكان فصيحًا بليغًا جريئًا في الحق. وهو من الرهط الذين انتهى إليهم الشرف في الجاهلية، وكانت إليه السفارة في قريش. أسلم في السنة الخامسة للبعثة وأعز الله به الإسلام، كان إسلامه فتحًا، وكانت هجرته نصرًا، وكانت إمرته رحمة، وقضى نحبه شهيدًا بعد أن طعنه أبو لؤلؤة المجوسي لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين للهجرة ودفن يوم الأحد صباح هلال المحرم سنة أربع وعشرين ﵁.
بيعته في الخلافة:
بويع عمر بن الخطاب ﵁ سنة ثلاث عشرة للهجرة بعد وفاة الصديق ﵁، واستمرت خلافته حتى سنة ثلاث وعشرين، فكانت خلافته عشر سنين كلها عدل ورحمة وبر وجهاد.
وكان أبو بكر الصديق ﵁ قد عهد بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب حرصًا منه على وحدة المسلمين، وجمع شملهم، وقطعًا لدابر الخلاف بينهم، وقد وقع اختيار الصديق على عمر ﵁ لأنه أهل لتحمل أعباء الخلافة والاضطلاع بمسؤولياتها، فعمر رجل شديد في غير عنف، ولين في غير ضعف، وكان الصديق ﵁ في مرضه الأخير يستشير الصحابة في عمر فيثنون عليه خيرًا ويشهدون له بالفضل ويقرون له بالجميل، وكان عثمان بن عفان ﵁ هو الذي كتب عهد الصديق إلى عمر بالخلافة، فلما قرئ العهد على المسلمين أقروا به وسمعوا له وأطاعوا.
سيرته قبل الخلافة:
وقف عمر بن الخطاب ﵁ حياته بعد أن أسلم على نصرة الإسلام والذود عن
_________________
(١) شارك في إعداد مقدمة هذه الترجمة أحد الإخوة فجزاه الله خيرًا.
[ ٣ / ١٥٨١ ]
حياضه، فقد صاحب الرسول ﷺ فأحسن صحبته وبالغ في نصرته، كان من أشد الناس على الكفر وأهله، وشهد الغزوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلمن فكان مع النبي ﷺ في بدر وأحد والخندق وبيعة الرضوان وخيبر والفتح وغيرها، كان يشير على الرسول بالأمر فينزل الوحي موافقًا لما أشار به، وكان الصديق ﵁ يستشيره في معضلات الأمور، ومشكل القضايا، وكان الساعد الأيمن للصديق في حرب المرتدين، وهو صاحب الفضل في حمل الصديق على جمع القرآن الكريم وتدوينه.
سيرته أثناء الخلافة:
كانت حياة الفاروق رضي الله عن حافلة بجلائل الأعمال، فقد قوض الله على يديه أعظم إمبراطوريتين في ذلك العصر: الروم وفارس. وتمت في عهده فتوحات واسعة، تسير جيوشه مكللة بأكاليل النصر والظفر، لا تنكس لها راية، ولا يطوى لها لواء، ناشرة عقيدة التوحيد أينما ألقت عصا التسيار، حاملة مبادئ الخير والعدل والرحمة إل كل الأقطار والأمصار، أهم هذه الفتوحات فتوح الشام، وهذه أهم معاركها في عهد عمر.
١ - فتح دمشق:
آلت قيادة الجيش بعد وفاة الصديق إلى أبي عبيدة بن الجراح بعد عزل خالد ﵁ من قبل الفاروق، وارتحل أبو عبيدة من اليرموك فنزل بالجيش على مرج الصُّفّر وهو عازم على حصار دمشق فقد نُمي إليه أن هرقل قد تحصن في حمص، وأن جموعًا كبيرة من الروم قد اجتمعت بفحْلٍ من أرض فلسطين، وقد كتب أبو عبيدة إلى الفاروق يستشيره ماذا يصنع؟ فأشار إليه أن يبدأ بفتح دمشق فإنها حصن الروم وبيت مملكتهم، وأن يشغل أهل فحل بخيل تكون تلقاءهم فإن فتح الله عليه دمشق سار إلى فِحْل، فإن فتحها الله له سار وخالد إلى حمص وترك عمرو بن العاص وشرحبيل على الأردن وفلسطين. وكان أبو عبيدة قائدًا أريبًا نجيبًا فقد بعث جيشًا ليكون بين دمشق وفلسطين، وأرسل جيشًا آخر يكون بين دمشق وحمص ليقطع عن دمشق كل مدد يأتيها من قبل الروم.
ومضى أبو عبيدة لحصار دمشق معه كبار قادته، فنزل خالد بن الوليد على الباب
[ ٣ / ١٥٨٢ ]
الشرقي، ونزل أبو عبيدة على باب الجابية الكبير، ونزل يزيد بن أبي سفيان على باب الجابية الصغير، وشرحبيل بن حسنة على بقية أبواب البلد وحاصروا دمشق حصارًا شديدًا، فأبلس أهلها وضعفوا، وقوي المسلمون واشتد حصارهم، وآنس خالد من الروم غِرَّة فقد ولد لبطريقهم - وهو القائد عند الروم تعادل اليوم رتبة جنرال- ولد فأكلوا وشربوا وناموا عن مواقعهم، فنهز خالد وأصحابه فقطعوا الخندق سباحة بقربٍ في أعناقهم ونصبوا السلالم وأثبتوا أعاليها بالشرفات وصعدوا فيها، فلما استووا على السور رفعوا أصواتهم بالتكبير وانحدروا إلى البوابين فصرعوهم وفتحوا الباب عنوة، ودخل الجيش من الباب الشرقي وشرع يقتل كل من وجد منأصحاب هذا الباب، وسأل أهل دمشق أمراء المسلمين على بقية الأبواب الصلح فأجابوهم دون أن يعلموا ما صنع خالد، واستقر أمر دمشق على الصلح.
٢ - فتح الأردن:
فتح شرحبيل بن حسنة الأردن كلها عنوة، وبعث أبو عبيدة خالدًا فغلب على البقاع وصالحه أهل بعلبك على أنصاف منازلهم وكنائسهم ووضع الخراج.
٣ - وقعة فِحل:
خلف أبو عبيدة يزيد بن أبي سفيان في خيله في دمشق وسار إلى فِحل وهي بلدة بالغور وعلى مقدمة الجيش خالد بن الوليد، وعلى ميمنته أبو عبيدة، وعمرو بن العاص على الميسرة، ولما علم أهل فحل بخروج المسلمين إليهم انحازوا إلى بيسان، وأرسلوا المياه على الأراضي تفصل بينهم وبين المسلمين فكانت مكيدة عظيمة، وظن الروم أن المسلمين على غرة فركبوا إليهم وهجموا عليهم، وكان المسلمون على أهبة الاستعداد، فقاموا إليهم وأعملوا السيوف في رقابهم، ففر الروم لا يلوون على شيء، وغرقوا في الوحل الذي كادوا به المسلمين، وقتل منهم ما يقارب الثمانين ألفًا وغنموا منهم مالًا جزيلًا، ومضى أبو عبيدة وخالد نحو حمص عملًا بوصية الخليفة الفاروق. واستخلف أبو عبيدة على الأردن شرحبيل ابن حسنة، فسار شرحبيل ومعه عمرو بن العاص فحاصر بيسان فخرجوا إليه فقتل منهم خلقًا كثيرًا، ثم صالحه أهلها فضرب عليهم الجزية والخراج على أراضيهم.
[ ٣ / ١٥٨٣ ]
فتوح العراق:
لما كان الصديق في مرضه الأخير أوصى عمر بن الخطاب أن يندب الناس لقتال أهل العراق ومناجزتهم، ومن أحرص من ابن الخطاب على تنفيذ وصية الصديق؟ فلما مات الصديق ﵁ طفق عمر يحث الناس على قتال أهل العراق، ويرغبهم في الأجر والثواب، فكان أبو بعيد بن مسعود الثقفي أول من لبّى، وتتابع الناس في الإجابة، وأمر الفاروق أبا عبيد على الجميع وأشخصه إلى العراق ومعه سبعة آلاف رجل، وكتب الفاروق إلى أبي عبيدة أن يرسل من كان بالعراق ممن قدم مع خالد إلى أرض العراق، فجهز عشرة آلاف مقاتل ولوا وجوههم شطر العراق.
١ - وقعة الجسر:
تذامرت الفرس بينهم بعد الهزيمة التي حاقت بهم أمام الجيش الإسلامي بقيادة أبي عبيد، فأرسل رُستم جيشًا جرارًا بقيادة ذا الحاجب - بهمن جاذويه - فوصلوا إلى المسلمين وبينهم النهر، فطلبوا من المسلمين أن يعبروا النهر فأجابهم أبو عبيد، ودار قتال شديد وبدأت خيول المسلمين تفرّ من الفيلة التي جاءت بها الفرس وعليها الجلاجل، فاحتوشها المسلمون وقتلوها سوى فيل أبيض عظيم حمل عليه أبو عبيد فقطع ذلومه، فهاج الفيل وتخبط أبا عبيد برجليه فصرعه وصرع سبعة من الأمراء الذي نص عليهم أبو عبيد، فوهن المسلمون وولوا مدبرين وقتل منهم خلق كثير.
٢ - وقعة البويب:
التقى المسلمون بقيادة المثنى بن حارثة مع الجيش الفارسي الذي يقوده مهران بمكان يقال له (البويب) قريب من الكوفة وبينهما الفرات، فعبرت الفرس إلى المسلمين واقتتلوا اقتتالًا شديدًا، فصُرع مهران وهرب الفرس وركب المسلمون أكتافهم وذلت لهذه الواقعة رقاب الفرس وقتل منهم وغرق ما يقارب مائة ألف، وكانت هذه الوقعة بالعراق نظير اليرموك بالشام.
وانتظم شمل الفرس، واجتمع أمرهم على يزدجرد الذي أقاموه من بيت الملك، ونبذ
[ ٣ / ١٥٨٤ ]
أهل الذمة في العراق المواثيق التي أخذها المسلمون الفاتحون عليهم، ونكثوا عهودهم وآذوا المسلمين وأخرجوا عمال الخليفة من بين أظهرهم، فعزم الفاروق ﵁ على غزو العراق بنفسه، ولكن عبد الرحمن بن عوف ثناه عن ذلك، واستصوب الصحابة رأي ابن عوف، وأشار عليه أن يؤمر سعد بن أبي وقاص ﵁ على الناس لقتال الفرس فاستجاد الفاروق رأيه وأمر سعدًا على العراق. وسار سعد إلى العراق فلما بلغ العذيب اعترض المسلمين جيشٌ للفرس مع شيرذاد أراذويه فهزمه المسلمون وغنموا أموالهم وأمتعتهم وفرح المسلمون وتفاءلوا.
٣ - غزوة القادسية:
أمر الفاروق سعد بن أبي وقاص أن يقصد القادسية فيَّمم سعد وجهه شطرها وكانت القادسية باب العراق، فالتقى برستم في جيش لجب يربو على مائة وعشرين ألفًا، وكان المسلمون يتراوح عددهم بين سبعة آلاف وثمانية آلاف مقاتل.
أرسل سعد ﵁ طائفة من أصحابه إلى كسرى (يزدجرد) يدعونه إلى الله تعالى فاستأذنوا فأذن لهم، وكان كسرى متكبرًا، فضلًا عن أنه لم يستوعب الموقف الجديد، فرد رسل سعد على تساؤلات يزدجردت ودعوه إلى الإسلام فإن أبى فالجزية فإن امتنع فالسيف الذي يفصل بينهم وبينه، فاستشاط غضبًا وورم أنفه، وقال لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم لا شيء لكم عندي، وقابل وفد آخر من المسلمين رستم قائد الجيش الفارسي، وقالوا له ما قالوا لكسرى، فأعجب رستم بقوة حجتهم وسديد إجابتهم وأيقن أن المسلمين سيملكون سرير ملكه.
وتواجه الفريقان واقتتلوا قتالًا شديدًا دام أيامًا، ثم هزم الله الفرس، وقُتل رستم عدد كبير من جنده وهرب الباقون، وغنم المسلمون أموالًا كثيرة، ثم طاردهم سعد إلى جلُولاء أوقع بهم وأسر إحدى بنات كسرى وعددًا كبيرًا من الفرس، وكتب سعد إلى الفاروق يبشره بالفتح المبين، فقرأ الفاروق هذه البشارة على الناس من فوق المنبر، وقد ردت القادسية كثيرًا من أهل العراق إلى صوابهم، فقد كانت بلاد العراق التي فتحها خالد نكثت العهود والذمم والمواثيق التي أعطوها خالدًا، ثم آب الجميع إلى رشدهم بعد النصر المؤزر الذي
[ ٣ / ١٥٨٥ ]
أحرزه المسلمون في القادسية، وكانوا قد زعموا أن الفرس قسروهم على نقض العهود وأخذوا منهم الخراج، فصدقهم المسلمون تألفًا لقلوبهم.
٤ - فتح المدائن:
ثم توغّل سعد في بلاد العراق واستولى على المدائن، وغنم المسلمون منها غنائم كثيرة، من بينها بساط كسرى، ولاذ يزدجرد بالفرار يجر أذيال الخيبة، حاملًا معه أمواله وما خف حمله من المتاع: وقصة ذلك أن سعدًا أُخْبِرَ أن كسرى يزدجرد عازم على أخذ الأموال والأمتعة من المدائن إلى حلوان وإن لم تدركه قبل ثلاث فات عليك وتفارط الأمر، فعند ذلك خطب سعد المسلمين على شاطئ دجلة وحثهم على إخلاص النيات لله والاعتصام به تعالى، وندب الناس إلى العبور للقاء الفرس وانتدب عاصم بن عمرو وقريب من ستمائة ليجوزوا النهر لحماية ثغرة المخاضة من الناحية الأخرى، فقبل عاصم وفقأ عيون خيول الفرس التي جاءت لقتالهم بالرماح، واستطاعوا أن ينفوا الفرس عن الجانب الآخر، وعبر المسلمون النهر بقيادة سعد لم يتخلف منهم أحد دون أن يمسهم سوء، واستحوذ المسلمون على ما في المدائن أجمع، وكان في جملة ذلك تاج كسرى وهو مكلل بالجواهر النفيسة التي تحير الأبصار ومنطقته وسيفه وسواره وقباؤه وبساط إيوانه، وقد استوهب سعد المسلمين أربعة أخماس البساط ولبس كسرى من المسلمين وأرسله إلى عمر والمسلمين بالمدينة لينظروا إليه ويتعجبوا منه، فلما نظر عمر إلى ذلك قال: إن قومًا أدوا هذا لأمناء، فقال له علي كرم الله وجهه: إنك عففت فعفوا ولو رتعت لرتعوا، وألبس عمر سراقة بن مالك سواري كسرى لأن الرسول ﷺ قال لسراقة وقد نظر إلى ذراعيه: "كأني بك وقد ألبست سواري كسرى".
٥ - وقعة جلولاء:
لما نكل يزدجرد من المدائن هاربًا لا يلوي على شيء، اجتمع إليه في أثناء الطريق جند وأعوان وخلق كثير وشايعة من الفرس جمع غفير، وأمر كسرى عليهم مهران الرازي وسار إلى حلوان، فأقام الجمع الذي جعه في جلولاء واحتفروا حولها خندقًا سحيقًا، فأرسل سعد بأمر الخليفة جيشًا كثيفًا يقارب اثني عشر ألفًا من سادات المسلمين ووجوه المهاجرين والأنصار بقيادة ابن أخيه هاشم بن عتبةن وجعل على مقدمة الجيش القعقاع بن عمرو،
[ ٣ / ١٥٨٦ ]
فحاصرهم المسلمون وحمي القتال واشتد النزال وحمل القعقاع في جماعة من الفرسان الشجعان على الفرس فملك باب الخندق وكان الظلام أرخى سدوله ففر المجوس وهربوا كل مهرب، فأخذهم المسلمون من كل وجه، وقعدوا لهم كل مرصد، فقتل منهم في ذصلك الموقف مائة ألف حتى جللوا وجه الأرض بالقتلى، فسميت جلولاء، وولى مهران قائد الجيش الأدبار فأدركه القعقاع بن عمرو فقتله، وأسر المسلمون سبايا كثيرة وأموالًا وفيرة قريبًا مما غنموا من المدائن قبلها.
٦ - فتح حلوان:
لما علم كسرى بقتل قائده مهران الرازي وهزيمة جيشه، فر من حلوان إلى الري، واستناب على حلوان أميرًا يقال له خسروشنوم، فتقدم إليه القعقاع بن عمرو وهزمه هزيمة منكرة ودخل حلوان ففتحها وأقام بها وضرب الجزية على من حولها من الكور والأقاليم عندما أبوا الدخول في الإسلام.
٧ - فتح تكريت والموصل:
اجتمع أهل الموصل بتركيت على رجل من الكفرة يقال له الأنطاق، فأمر الفاروق بقتالهم، فنهد المسلمون لحربهم بقيادة عبد الله بن المعتم في خمسة آلاف مقاتل، فسار عبد الله حتى نزل بتكريت على الأنطاق وهزم أهلها وقتل منهم خلقًا كثيرًا ولم يسلم من سيوف المسلمين إلا من أعلن إسلامه ودخل في دين الله، ثم سار المسلمون بقيادة ربعي بن الأفكل إلى الموصل سريعًا فاستسلم أهلها وأجابوا إلى الصلح فضربت عليهم الجزية.
ثم فتحت ماسيذان ووقرقيسيا والجزيرة والأهواز ورامهرمز والسوس وتُستَر ونهاوند وخراسان وأصبهان وأذربيجان والري والباب وتوج وفسا وداربجر وكرمان وسجستان ومكران، وبذلك سقطت مملكة فارس بيد المسلمين نهائيًا.
وفي عهد عمر تم فتح بلاد الشام جميعها، تم فتح مصر وكل ذلك في مدة لا تزيد عن عشر سنوات، وفتحت فارس كلها ووقف المسلمون منجهة الشرق على نهر السند ونهر جيحون.
[ ٣ / ١٥٨٧ ]
وهذا ملخص لما حدث في كل سنة من سني حكمه عليه ضوان الله نأخذه من البداية والنهاية:
قال ابن كثير: ما وقع سنة ثلاث عشرة من الحوادث:
فيها ولي عمر بن الخطاب ﵁ يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادي الآخرة منها، فولي قضاء المدينة علي بن أبي طالب ﵁، واستناب على الشام أبا عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري، وعزل عنها خالد بن الوليد المخزومي، وأبقاه على شورى الحرب، وفيها فتحت بصرى صلحًا وهي أول مدينة فتحت من الشام، وفيها فتحت دمشق في قول سيف وغيره كما قدمنا، واستنيب فيها يزيد بن أبي سفيان فهو أول من وليها من أمراء المسلمين ﵃، وفيها كانت وقعة فحل من أرض الغور وقتل بها جماعة من الصحابة وغيرهم. وفيها كانت وقعة جسر أبي عبيد فقتل فيها أربعة آلاف من المسلمين منهم أميرهم أبو عبيد بن مسعود الثقفي، وهو والد صفية امرأة عبد الله بن عمر وكانت امرأة صالحة رحمها الله، ووالد المختار بن أبي عبيد كذاب ثقيف وقد كان نائبًا على العراق في بعض وقعات العراق كما سيأتي، وفيها توفي المثنى بن حارثة في قول ابن إسحاق، وقد ان نائبًا على العراق استخلفه خالد بن الوليد حين سار إلى الشام، وقد شهد مواقف مشهورة وله أيام مذكورة ولا سيما يوم البويب بعد جسر أبي عبيد قتل فيه من الفرس وغرق بالفرات قريب من مائة ألف، الذي عليه الجمهور أنه بقي إلى سنة أربع عشرة كما سيأتي بيانه، وفيها حج بالناس عمر بن الخطاب على قول بعضهم وقيل بل حج عبدالرحمن ابن عوف، وفيها استنفر عمر قبائل العرب لغزو العراق والشام فأقبلوا من كل النواحي فرمى بهم الشام والعراق، وفيها كانت وقعة أجنادين في قول ابن إسحق يوم السبت لثلاث من جمادي الأولى منها، وكذا عند الواقدي فيما بين الرملة وبين جسرين، على الروم القيقلان وأمير المسلمين عمروبن العاص، وهو في عشرين ألفًا في قل فقتل القيقلان وانهزمت الروم وقتل منهم خلق كثير.
[ ٣ / ١٥٨٨ ]
سنة أربع عشرة من الهجرة:
استهلت هذه السنة والخليفة عمر بن الخطاب يحث الناس ويحرضهم على جهاد أهل العراق، وذلك لما بلغه من قتل أبي عبيد يوم الجسر، وانظام شمل الفرس، واجتماع أمرهم على يزدجرد الذي أقاموه من بيت الملك، ونقض أهل الذمة بالعراق عهودهم، ونبذهم المواثيق التي كانت عليهم، وآذوا المسلمين وأخرجوا لعمال من بين أظهرهم. وقد كتب عمر على من هنالك من الجيش أن يتبرزوا من بين أظهرهم إلى أطراف البلاد. قال ابن جرير ﵀: وركب عمر ﵁ في أول يوم من المحرم هذه السنة في الجيوش من المدينة فنزل على ماء يقال له صِرار - اسم موضع-، فعسكر به عازمًا على غزو العراق بنفسه واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب، واستصحب معه عثمان بن عفان وسادات الصحابة.
ثم عقد مجلسًا لاستشارة الصحابة فيما عزم عليه، ونودي أن الصلاة جامعة، وقد أرسل إلى علي فقدم من المدينة، ثم استشارهم فكلهم وافقوه على الذهاب إلى العراق، إلاعبد الرحمن بن عوف فإنه قال له: إني أخشى إن كسرت أن تضعف المسلمون في سائر أقطار الأرض، وإني أرى أن تبعث رجلًا وترجع أنت إلى المدينة، فارتاح عمر والناس عند ذلك واستصوبوا رأي ابن عوف. فقال عمر: فمن ترى أن نبعث إلى العراق؟ فقال: قد وجدته. قال: ومن هو؟ قال: الأسد في براثنه سعد بن مالك الزهري - ابن أبي وقاص -فاستجاد قوله وأرسل إلى سعد فأمره على العراق.
ثم سار سعد إلى العراق، ورجع عمر بمن معه من المسلمين إلى المدينة، ولما انتهى سعد إلى نهر زرود، ولم يبق بينه وبين أن يجتمع بالمثنى بن حارثة إلا اليسير، وكل منهما مشتاق إلى صاحبه، انتقض جرح المثنى بن حارثة الذي كان جرحه يوم الجسر فمات ﵀ ورضي الله عنه، واستخلف على الجيش بشير بن الخصاصية، ولما بلغ سعدًا موته ترحم عليه وتزوج زوجته سلمى، ولما وصل سعد إلى محلة الجيوش انتهت إليه رياستها وإمرتهان ولم يبق بالعراق أمير من سادات العرب إلا تحت أمره، وأمده عمر بإمداد أخر حتى اجتمع معه يوم القادسية ثلاثون ألفًا، وقيل ستة وثلاثون. وقال عمر: والله لأرمين ملوك العجم
[ ٣ / ١٥٨٩ ]
بملوك العرب، وكتب إلى سعد أن يجعل الأمراء على القبائل، والعرفاء على كل عشرة عريفًا على اليوش، وأن يواعدهم إلى القادسية، ففعل ذلك سعد، عرف العرفاء، وأمر على القبائل، وولى على الطلائع، والمقدمات، والمجنبات والساقات، والرُّجالة، والركبان، كما أمر أمير المؤمنين عمر.
قال ابن جرير والواقدي: في سنة أربع عشرة جمع عمر بن الخطاب الناس على أبي بن كعب في التراويح وذلك في شهر رمضان منها، وكتب إلى سائر الأمصار يأمرهم بالاجتماع في قيام شهر رمضان قال ابن جرير: وفيها بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان إلى البصرة وأمره أن ينزل فيها بمن معه من المسلمين، وقطع مادة أهل فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها منهم في قول المدائني.
ثم دخلت سنة خمس عشرة:
قال ابن جرير قال بعضهم: فيها مصر سعد بن أبي وقاص الكوفة دلهم عليها ابن بقيلة قال لسعد أدلك على أرض ارتفعت عن البق وانحدرت عن الفلاة؟ فدلهم على موضع الكوفة اليوم، قال: وفيها - في سنة سخمس عشرة - كانت وقعة مرج الروم، وذلك لما انصرف أبو عبيدة وخالد من وقعه فِحْل قاصدين إلى حمص حسب ما أمر به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كما تقدم في رواية سيف بن عمر، فسارا حتى نزلا على ذي الكلاع، فبعث هرقل بطريقًا يقال له توذرا في جيش معه فنزل بمرج دمشق وغربها، وقد هجم الشتاء فبدأ أبو عبيدة بمرج الروم، وجاء أمير آخر من الروم يقال له شنس وعسكر معه كثيف، فنازله أبو عبيدة فاشتغلوا به عن توذرا، فسار توذرا نحو دمشق لينازلها وينتزعها من يزيد بن أبي سفيان، فاتبعه خالد بن الوليد وبرز إليه يزيد بن أبي سفيان من دمشق، فاقتتلوا واجء خالد وهم في المعركة فجعل يقتلهم من ورائهم ويزيد يفصلُ - أي: يفتك - فيهم من أمامهم، حتى أناموهم ولم يفلت منهم إل الشارد، وقتل خالد توذرا وأخذوا من الروم أموالًا عظيمة فاقتسماها ورجع يزيد إلى دمشق، وانصرف خالد إلى أبي عبيدة فوجده قد واقع شنس بمرج الروم فقاتلهم فيه مقاتلة عظيمة حتى أنتنت الأرض من زهمهم، وقتل أبو عبيدة شنس وركبوا أكتافهم إلى حمص فنزل عليها يحاصرها.
[ ٣ / ١٥٩٠ ]
ثم دخلت سنة ست عشرة:
استهلت هذه السنة وسعد بن أبي وقاص منازل مدينة نهر شير، وهي إحدى مدينتي كسرى مما يلي دجلة من الغرب، وكان قدوم سعد إليها في ذي الحجة من سنة خمس عشرة، واستهلت هذه السنة وهو نازل عندها. وقد بعث السرايا والخيول في كل وجه، فلم يجدوا واحدًا من الجند، بل جمعوا من الفلاحين مائة ألف فحبسوا حتى كتب إلى عمر ما يفعل بهم، فكتب إليه عمر: إن من كان من الفلاحين لم يعن عليكم وهو مقيم ببلده فهو أمانه، ومن هرب فأدركتموه فشأنكم به. فأطلقهم سعد بعدما دعاهم إلى الإسلام فأبوا إلا الجزية. ولم يبق من غربي دجلة إلى أرض العرب أحد من الفلاحين إلا تحت الجزية والخراج.
قال الواقدي: وفي ربيع الأول من هذه السنة - أعني سنة ست عشرة - كتب عمر بن الخطاب التاريخ، وهو أول من كتبه. قلت: قد ذكرنا سببه في سيرة عمر، وذلك أنه رفع إلى عمر صك مكتوب لرجل على آخر بدين يحل عليه في شعبان، فقال: أي شعبان؟ أمن هذه السنة أم التي قبلها، أم التي بعدها؟ ثم جمع الناس فقال: ضعوا للناس شيئًا يعرفون فيه حلول ديونهم. فيقال: إنهم أراد بعضهم ان يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم، كلما هلك ملك أرخوا من تاريخ ولاية الذي بعده، فكرهوا ذلك. ومنهم من قال: أرخوا بتاريخ الروم من زمان إسكندر فكرهوا ذلك، ولطوله أيضًا. وقال قائلون: أرخوا من مولد رسول الهل ﷺ، وقال آخرون من مبعثه ﵇، وأشار علي بن أبي طالب وآخرون أن يؤرخ من هجرته من مكة إلى المدينة لظهوره لكل أحد فنه أظهر من المولد والمبعث. فاستحسن ذلك عمر والصحابة، فأمر عمر أن يؤرخ من هجرة رسول الله ﷺ وأرخوا من أول تلك السنة من مُحرمها.
ثم دخلت سنة سبع عشرة:
في المحرم منها انتقل سعد بن أبي وقاص من المدائن إلى الكوفة، وذلك أن الصحابة استوخموا المدائن، وتغيرت ألوانهم، وضعفت أبانهم، لكثرة ذبابها وغبارها، فكتب سعد إلى عمر في ذلك، فكتب عمر: إن العرب لا تصلح إلا حيث يوافق إبلها. فبعث سعد حذيفة وسلمان بن زياد يرتادان للمسلمين منزلًا مناسبًا يصلح لإقامتهم. فمرا على أرض
[ ٣ / ١٥٩١ ]
الكوفة وهي حصباء في رملة حمراء، فأعجبتهما ووجد هنالك ديرات ثلاث دير حرقة بنت النعمان، ودير أم عمرو، ودير سلسلة، وبين ذلك خصاص خلال هذه الكوفة، فنزلا فصليا هنالك، ثم كتبا إلى سعد بالخبر، فأمر سعد باختطاط الكوفة، وسار إليها في اول هذه السنة في محرمها، فكان أول بناء وضع فيها المسجد، وأمر سعد رجلًا راميًا شديد الرمي، فرمى من المسجد إلى الأربع جهات فحيث سقط سهمه بنى الناس منازلهم، وعمر قصرًا تلقاء محراب المسجد للإمارة وبيت المال، فكان أول ما بنوا المنازل بالقصب، فاحترقت في أثناء السنة، فبنوها باللبن عن أمر عمر، بشرط أن لا يسرفوا ولا يجاوزوا الحد، وبعث سعد إلى الأمراء والقبائل فقدموا عليه، فأنزلهم الكوفة، وأمر سعد أبا هياج الموكل بإنزال الناس فيها بان يعمرو ويدعوا للطريق المنهج وسع أربعين ذراعًا - أي نحوعشرين مترًا - ولما دون ذلك ثلاثين وعشرين ذراعًا، وللأزقة سبعة أذرع. وبُني لسعد قصر قريب من السوق، فكانت غوغء الناس تمنع سعدًا من الحديث، فكان يغلق بابه ويقول: سكن الصويت، فلما بلغت هذه الكلمة عمر بن الخاب بث محمد بن مسلمة، فأمره إذا انتهى إلى الكوفة أن يقدح زناده ويجمع حطبًا ويحرق باب القصر ثم يرجع من فوره. فلما انتهى إلى الكوفة فعل ما أمره به عمر، وأمر سعدًا أن لا يغلق بابه عن الناس، ولا يجعل على بابه أحدًا يمنع الناس عنه، فامتثل ذلك سعد وعرض على محمد بن مسلمة شيئًا من المال فامتنع من قبوله، ورجع إلى المدينة، واستمر سعد بعد ذلك في الكوفة ثلاث سنين ونصف، حتى عزله عنها عمر، من غير عجز ولا خيانة.
وذكر ابن جرير أن عمر بن الخطاب عقد الألوية والرايات الكبيرة في بلاد خراسان والعراق لغزو فارس والتوسع في بلادهم كما أشار عليه بذلك الأحنف بن قيس، فحصل بسبب ذلك فتوحات كثيرة في السنة المستقبلة بعدهاز
ثم دخلت سنة ثماني عشرة:
قال ابن إسحاق، وأبو معشر: كان في هذه السنة طاعون عمواس وعام الرمادة، فتفانى فيهما الناس. قلت: كان في عام الرمادة جدب عم أرض الحجاز، وجاع الناس جوعًا شديدًا، وسميت عام الرمادة لأن الرض اسودت من قلة المطر حتى عاد لونها شبيهًا
[ ٣ / ١٥٩٢ ]
بالرماد. وقيل: لأنها تسفي الريح ترابًا كالرماد، ويمكن أن تكون سميت لكل منهما والله أعلم، وقد أجدبت الناس في هذه السنة بأرض الحجاز، وجفلت الأحياء إلى المدينة ولم يبق عند أحد منهم زاد فلجأوا إلى أمير المؤمنين فأنفق فيهم من حواصل بيت المال مما فيه من الأطعمة والأموال حتى أنفده، وألزم نفسه أن لا يأكل سمنًا ولا سمينًا حتى يكشف ما بالناس، فكان في زمن الخصب يبث له الخبز باللبن والسمن، ثم كان عام الرمادة يبث له بالزيت والخل، وكان يستمرئ الزيت. وكان لا يشبع مع ذلك، فاسود لون عمر ﵁ وتغير جسمه حتى كاد يخشى عليه من الضعف، واستمر هذا الحال في الناس تسعة أشهر، ثم تحول الحال إلى الخصب والدعة وانشمر الناس عن المدينة إلى أماكنهم.
قال الشافعي: بلغني أن رجلًا من العرب قال لعمر حين ترحلت الأحياء عن المدينة: لقد انجلت عنك ولإنك لابن حرة. أي واسيت الناس وأنصفتهم واحسنت إليهم.
قال الواقدي وغيره: وفي هذه السنة في ذي الحجة منها حول عمر المقام - وكان ملصقًا بجدار الكعبة- فأخره إلى حيث هو الآن لئلا يشوش المصلون عنده على الطائفين. قلت: قد ذكرت أسانيد ذلك في سيرة عمر ولله الحمد والمنة. قال: وفيها استقضى عمر شريحًا على الكوفة، وكعب بن سور على البصرة قال: وفيها حج مر بالناس وكانت نوابه فيها الذين تقدم ذكرهم في السنة الماضية، وفيها فتحت الرقة والرُّها وحران على يدي عياض بن غَنْم. قال: وفتحت رأس عين الوردة على يدي بن سعد بن أبي وقاص. وقال غيره خلاف ذلك. وقال شيخنا الحافظ الذهبي في تاريخه: وفيها - يعني هذه السنة - افتتح أبوموسى الأِعري الرها وشمشاط عنوة، وفي أوائلها وجه أبو عبيدة عياض بن غنم إلى الجزيرة فوافق أبا موسى فافتتحا حران ونُصيبين وطائفة من الجزيرة عنوة، وقيل صلحًا. وفيها سار عياض إلى الموصل فافتتحها وما حولها عنوة. وفيها بنى سعد جامع الكوفة. وقال الواقدي: وفيها اكن طاعون عمواس فمات فيه خمسة وعشرون ألفًا. قلت: هذا الطاعون منسوب إلى بلدة صغيرة يقال لها عمواس - وهي بين القدس والرملة- لأنها كان أول ما نجم الداء بها، ثم انتشر في الشام منها فنسب إليها، فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال الواقدي توفى في عام طاعون عمواس من المسلمين بالشام خمسة وعشرون ألفًا. وقال غيره: ثلاثون ألفًا.
[ ٣ / ١٥٩٣ ]
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين:
وكانت وقعة نهاوند وهي وقعة عظيمة جدًا لها شأن رفيع ونبأ عجيب، وكان المسلمون يسمونها فتح الفتوح.
وفي هذه السنة افتتح المسلمون أيضًا بعد نهاوند مدينة جي - وهي مدينة أصبهان - بعد قتال كثير وأمور طويلة، فصالحوا المسلمين وكتب لهم عبد الله بن عبد الله كتاب أمان وصلح وفر منهم ثلاثون نفرًا إلى كرمان لم يصالحوا المسلمين. وقيل: إن الذي فتح أصبهان هو النعمان بن مقرن وأنه قتل بها، ووقع أمير المجوس وهو ذو الحاجبين عن فرسه فانشق بطنه ومات وانهزم أصحابه. والصحيح أن الذي فتح أصبهان عبد الله بن عبد الله بن عتبان - الذي كان نائب الكوفة - وفيها افتتح أبو موسى قم وقاشان، وافتتح سهيل بن عدي مدينة كرمان.
ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين:
وفيها كانت فتوحات كثيرة منها فتح همدان ثانية ثم الري وما بعدها ثم أذربيجان.
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وفيها وفاة عمر بن الخطاب:
قال الواقدي وأبو معشر: فيها كان فتح اصطخر وهمذان. وقال سيف: كان فتحها بعد فتح توِّج الآخرة. ثم ذكر أن الذي افتتح توج مجاشع بن مسعود، بعد ما قتل من الفرس مقتلة عظيمة وغنم منهم غنائم جمة، ثم ضرب الجزية على أهلها، وعقد لهم الذمة، ثم بعث بالفتح وخمس الغنائم إلى عمر بن الخطاب ﵁.
وقال ابن جرير: وفي هذه السنة حج عمر بأزواج النبي ﷺ، وهي آخر حجة حجها ﵁. قال: وفي هذه السنة كانت وفاته. أهـ من البداية والنهاية.
وقال ابن كثير في ترجمته وهو عمر بن الخطاب بن فنيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فِهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مصر بن نزار بن معد بن عدنان
[ ٣ / ١٥٩٤ ]
القرشي، أبو حفص العدوي: الملقب بالفاروق، قيل لقبه بذلك أهل الكتاب. وأمه حَنْتَمة بنت هشام أخت أبي جهل بن هشام، أسلم عمر وعمره سبع وعشرون سنة، وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع النبي صلى الله علي وسلم، وخرج في عدة سرايا، وكان أميرًا على بعضها، وهو أول من دعي أمير المؤمنين، وأول من كتب التاريخ، وجمع الناس على التراويح، وأول من عس بالمدينة، وحمل الدرة وأدب بها، وجلد فيالخمر ثمانين، وفتح الفتوح، ومصر الأمصار، وجند الأجناد. ووضع الخراج، ودون الدواوين، وعرض الأعطية، واستقضى القضاة، وكوَّرالكور، مثل السواد والأهواز والجبال وفارس وغيرها، وفتح الشام كله، والجزيرة والموصل وميافارقين، وآمد، ومات وعساكره على بلاد الري. فتح من الشام: اليرموك وبُصرى ودمشق والأردن، وبيسان، وطبرية، والجابية، وفلسطين، والرملةن وعسقلان، وغزة، والسواحل، والقدس، وفتح مصر، وإسكندرية، وطرابلس الغرب، وبرقة، ومن مدن الشام: بعلبك وحمص وقنسرين وحلب وأنطاكية وفتح الزيرة وحران والرها والرقة ونُصيبين ورأس عين وشمشاط وعين وردة وديار بكر وديار ربيعة وبلاد الموصل وأرمينية جميعها. وبالعراق: القادسية والحيرة ونهر سينوساباط، ومدائن كسرى وكورة الفرات ودجلة والأُبلة والبصرة والهواز وفارس ونهاوند وهمذان والري وقُومس - وهو صقع كبير من خراسان وبلاد الجبل - وخراسان واصطخر وأصبهان والسوس ومرو ونيسابور وجرجان وأذربيجان وغير ذلك، وقطعت جيوشه النهر مرارًا.
وكان متواضعًا في الله، خشن العيش، خشن المطعم، شديدًا في ذات الله، يرقع الثوب بالأديم، ويحمل القربة على كتفيه، مع عظم هيبته، ويركب الحمار عريًا، والبعير مخطومًا بالليف، وكان قليل الضحك لا يمازح أحدًا، وكان نفش خاتمه: كفى بالموت واعظًا يا عمر.
ولما فرغ من الحج سنة ثلاث وعشرين ونزل بالأبطح دعا الله ﷿ وشكا إليه أن قد كبرت سنه وضعفت قوته، وانتشرت رعيته، وخاف من التقصي، وسأل الله أن يقبضه إليه، وأني من عليه بالشهادة في بلد النبي ﷺ، كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول: اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتًا في بلد رسولك، فاستجاب له الله هذا الدعاء،
[ ٣ / ١٥٩٥ ]
وجمع له بين هذين الأمرين الشهادة في المدينة النبوية وهذا عزيز جدًا، ولكن الله لطيف بما يشاء ﵎، فاتفق له أن ضربه أبو لؤلؤة فيروز المجوسي الأصل، الرومي الدار، وهو قائم يصلي في المحراب، صلاة الصبح من يوم الأربعاء، لأربع بقين من ذي الحجة من هذه السنة بخنجر ذات طرفين، فضربه ثلاث ضربات، وقيل ست ضربات، إحداهن تحت سرته قطعت الصفاق - وهو ما بين الجلد والمصران أو جلد البطن كله - فخر من قامته نواستخلف عبد الرحمن بن عوف، ورجع العلج بخنجره لا يمر بأحد إلا ضربه، حتى ضرب ثلاثة عشر رجلًا مات منهم ستة، فألىق عليه عبد الله بن عوف بُرنسًا - وهو ثوب له رأس ملتصق به - فانتحر نفسه لعنه الله، وحمل عمر إل ى منزله والدم يسيل من جرحه- وذلك قبل طلوع الشمس - فجعل يفيق ثم يغمى عليه، ثم يذكرونه بالصلاة فيفيق ويقول: نعم، ولاحظ في الإسلام لمن تركها، ثم صلى في الوقت، ثم سأل عمن قتله من هو؟ فقالوا له: هو أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة. فقال: الحمد الله الذي لم يجعل منيتي على يدي رجل يدعي الإيمان ولم يسجد لله سجدة. ثم قال: قبحه الله، لقد كنا أمرنا به معروفًا - وكان المغيرة قد ضرب عليه في كل يوم درهمين ثم سأل من عمر أن يزيد في خراجه فإنه نجار نقاش حداد فزاد في خراجه إل مائة في كل شهر - وقال له: لقد بغلني أنك تحسن أن تعمل رحا تدور بالهواء فقال أبو لؤلؤة: أما والله لأعملن لك رحا يتحدث عنه الناس في المشارق والمغارب - وكان هذا يوم الثلاثاء عشية - وطعنه صبيحة الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة. وأوصى عمر أن يكون الأمر شورى بعده في ستة ممن توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وهم عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير وعبد
الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، ولم يذكر سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي فيهم، لكونه من قبيلته، خشية أن يراعى في الإمارة بسببه، وأوصى من يستخلف بعده بالناس خيرًا على طبقاتهم ومراتبهم، ومات ﵁ بعد ثلاث، ودفن في يوم الأحد مستهل المحرم من سنة أربع وعشرين، بالحجرة النبوية، إلى جانب الصديق، عن إذن أم المؤمين عائشة ﵂ في ذلك، وفي لك اليوم حكم أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁.
[ ٣ / ١٥٩٦ ]
صفته ﵁:
كان رجلًا طوالًا أصلع أعسر أيسر- أي يعمل بيديه جميعًا - أحور العينين، آدم اللون، وقيل كان أبيض شديد البياض تعلوه حمرة.
قال النووي في التهذيب: وإنما صار في لونه سمرة في عام الرمادة لأنه أكثر أكل الزيت وترك السمن للغلاء الذي وقع بالناس.
أشنب الأسنان، وكان يصفر لحيته، ويرجل رأسه بالحناء.
واختلف في مقدار سنه يوم مات ﵁ على أقوال عدتاه - عشرة: وروى ابن جرير عن أسلم مولى عمر أنه قال: توفي وهو ابن ستين سنة، قال الواقدي: وهذا أثبت الأقاويل عندنا.
قلت: فجملة أولاده ﵁ وأرضاه ثلاثة عشر ولدًا، وهم زيد الأكبر، وزيد الأصغر، وعاصم، وعبد الله، وعبد الرحمن الأكبر، وعبد الرحمن الأوسط، قال الزبير بن بكار وهو أبو شحمة، وعبد الرحمن الأصغر، وعبيد الله، وعياض، وحفصة، ورقية، وزينب، وفاطمة، ﵃. ومجموع نسائه اللاتي تزوجهن في الجاهلية والإسلام من طلقهن أو مات عنهن سبع، وهن جميلة بنت عاصم بن ثابت بن الأقلح، وزينب بنت مظعون، وعاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وقريبة بنت أبي أمية، ومليكة بنت جرول، وأم حكيم بنت الحاث بن هشام، وأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وأم كلثوم أخرى وهي مليكة بنت جرول. وكانت له أمان له منهما أولاد، وهما فكيهة ولهية، وقد اختلف في لهية هذه فقال بعضهم: كانت أم ولد، وقال بعضهم: كان أصلها من اليمن وتزوجها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فالله أعلم. أهـ من البداية والنهاية.
١٥٥٤ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم أعز الإسلام بأحبِّ هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب" قال (١):
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٦١٧) ٥٠ - كتاب المناقب -١٨ - باب في مناقب عمر بن الخطاب، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وإسناده حسن وله شواهد.
[ ٣ / ١٥٩٧ ]
وكان أحبهما إليه عمر.
١٥٥٥ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ "اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب، أو بأبي جهل بن هشام" فجعل الله دعوة رسوله ﷺ لعمر بن الخطاب فبنى عليه الإسلام، وهدم به الأوثان.
١٥٥٦ - * روى الطبراني عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ضرب صدر عمر بيده حين أسلم ثلاث مرات وهو يقول: "اللهم أخرجْ ما في صدر عمر من غل وأبدله إيمانًا" يقول ذلك ثلاث مرات.
١٥٥٧ - * روى الطبراني عن ابن عباس قال: أول من جهر بالإسلام عمر بن الخطاب.
١٥٥٨ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: لما أسلم عمر اجتمع الناس عند داره، وقالوا صبأ عمر، وأنا غلام فوق ظهر بيتي، فجاء رجل عليه قباء ديباج، فقال: قد صبأ عمر فما ذاك فأنا له جار فرأيت الناس تصدعوا عنه، فقلت من هذا؟ قالوا: العاص بن وائل.
١٥٥٩ - * روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر.
١٥٦٠ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: ركب عمر بن الخطاب فرسًا فركصه فانكشف فخذه، فرأى أهل نجران على فخذه شامة سوداء قالوا: هذا الذي نجدُ في كتابنا أنه يُخرجنا من أرضنا (١).
_________________
(١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦١) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط بنحوه وقال: أيد الإسلام، ورجال الكبير رجال الصحيح غير مجالد بن سعيد وقد وثق.
(٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٥) وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات.
(٣) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٣) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.
(٤) البخاري (٧/ ١٧٧) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -٣٥ - باب إسلام عمر بن الخطاب.
(٥) البخاري (في نفس الموضع السابق).
(٦) المعجم الكبير (١/ ٦٦) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦١) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.
[ ٣ / ١٥٩٨ ]
١٥٦١ - * روى الطبراني عن زر بن حبيش قال: كنتُ بالمدينة فإذا رجل آدمُ أعسر أيسرُ ضخم إذا أشرف على الناس كأنه على دبة، فإذا هو عمر.
١٥٦٢ - * روى الطبراني عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر أصلع شديد الصلع.
١٥٦٣ - * روى الطبراني عن عبد الله بن هلال قال: رأيت عمر رجلًا ضخمًا كأنه من رجال سدوس. ٍ
١٥٦٤ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: لو أن عِلَم عمر وُضع في كفة الميزان ووضع علم أهل الأرض في كفة لرجح علمه بعلمهم قال وكيعٌ: قال الأعمش: فأنكرت ذلك فأتيت إبراهيم فذكرته له فقال: وما أنكرت من ذلك فوالله لقد قال عبد الله أفضل من ذلك قال: إني لحسبُ تسعة أعشار العلم ذهب يوم ذهب عمر.
١٥٦٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم أوتيتُ بقدح لبنٍ، فشربتُ حتى إني لأرى الري يخرجُ من أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب" قالوا: فما أولتهُ يا رسول الله؟ قال: "والعلم".؟
قال محقق الجامع: المراد بالعلم هنا: العلم بسياسة الناس بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، واختص عمر بذلك لطول مدته واتفاق الناس على طاعته.
١٥٦٦ - * روى الترمذي عن عائشة رضي الل عنها قالت: كان رسول الله ﷺ جالسًا، فسمعنا لغطًا وصوت صبيان، فقام النبي ﷺ، فإذا حبشية تزفِنُ (١)، والصبيانُ
_________________
(١) المعجم الكبير (١/ ٦٧) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦١): وإسناده حسن.
(٢) المعجم الكبير (١/ ٦٥) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦١) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٣) المعجم الكبير (١/ ٦٧) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦١): رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(٤) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٩) وقال: رواه الطبراني بأسانيد، ورجال هذا رجال الصحيح غير أسد بن موسى وهو ثقة.
(٥) البخاري (١/ ١٨٠) ٣ - كتاب العلم -٢٢ - باب فضل العلم. ومسلم (٤/ ١٨٥٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٢ - باب من فضائل عمر.
(٦) الترمذي (٥/ ٦٢١) ٥٠ - كتاب المناقب -١٨ - باب في مناقب عمر بن الخطاب. اللفظ: الأصوات المختلفة والضجة. الزفن: الرقص، ورجل زفان: رقاص.
[ ٣ / ١٥٩٩ ]
حولها، فقال: "يا عائشة، تعالي فانظري" فجئتُ فوضعتُ لحي على منكب رسول الله ﷺ، فجعلتُ أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: "أما شبعت؟ أما شبعت؟ " قالت: فجعلتُ أقولُ: لا، لأنظر منزلتي عنده، إذ طلع عمر، قالت: فارفضّ الناسُ عنها، قالت: فقال رسول اله ﷺ: "إني لأنظرُ إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر" قالت: فرجعتُ.
١٥٦٧ - * روى الطبراني عن الحسن أن عثمانبنأبي العاص تزوج امرأة من نساء عمر ابن الخطاب فاقل: والله ما نكحتُها حين نكحتُها رغبةً في مال ولا ولد ولكن أحببتُ أن تُخبرني عن ليل عمر ﵁ فسألها كيف كانت صلاة عمر بالليل؟ قالت: كان يصلي العتمة ثم يأمر أن نضع رأسه تورًا من ماء نُغطيه ويتعارُ من اللي فيضعْ يده في الماء، فيمسح وجهه، ويديه ثم يذكر الله ما شاء أن يذكر ثم يتعارِّ مرارًا حتى يأتي على الساعة التي يقوم في لصلاته.
١٥٦٨ - * روى أحمد عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت عمر وبيده عسيبُ نخل وهو يجلس الناس يقول: اسمعوا لقول خليفة سول الله ﷺ فجاء مولى لأبي بكر يقال له شديد بصحيفة فقرأها على الناس فقال يقول أبو بكر: اسمعوا وأطيعوا لمن في هذه الصحيفة فوالله ما ألوتُكم. قال قيس: فرأيتُ عمر ﵁ بعد ذلك على المنبر.
١٥٦٩ - * روى مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب قال لرجلٍ: (١) ما اسمُك؟
_________________
(١) = ارفض: القوم: أي تفرقوا.
(٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٣) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات. تور: التورُ إناء يشرب فيه. يتعار: التعار: السهر والتقلب على الفراش ليلًا مع كلام.
(٣) أحمد في مسنده (١/ ٣٧). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٨٤): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. ما ألوتكم: ما قصرت في الخيرة لكم.
(٤) الموطأ (٣/ ٩٧٣) ٥٤ - كتاب الاستئذان -٩ - باب ما يكره من الأسماء. قال ابن عبد البر: منقطع، وصله أبو القاسم بن بشران في فوائده من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر.
[ ٣ / ١٦٠٠ ]
قال: جمرةُ، قال: ابنُ من؟ قال: ابنُ شهابٍ، قال: ممن؟ قال: من الحُرقة، قال: أين مسكنك؟ قال: بحرة النار؟ قال: بأيها؟ قال: بذات لظى؟ قال عمر: أدرِكْأهلك فقد احترقوا، فكان كما قال عمر.
١٥٧٠ - * روى الترمذي عن بريدة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جازية سوداءُ، فقالت: إني كنتُ نذرتُ إن ردك الله سالمًا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها: "إن كنت نذرت فاضربي، وإلا فلا" فقالت: نذرتُ، وجعلت تضربُ فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل عليٍّ وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضربُ، ثم دخل عمر، فألقت الدف تحت إستها وقعدت عليه، فقال رسول اله ﷺ: "إن الشيطان ليخافُ منك يا عمر إني كنت جالسًا وهي تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل عليٍّ وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلت أنت يا عمر ألقتِ الدُّفَّ".
١٥٧١ - * روى الطبراني عن أسلم مولى عمر قال: دعا عمر بن الخطاب عليِّ بن أبي طالب فساره ثم قام عليِّ فجاء الصُّفة فوجد العباس وعقيلًا والحسين فشاورهم في تزويج عمر أم كلثوم، فغضب عقيل وقال: يا عليُّ ما تزيدك الأيام والشهور والسنون إلا العمى في أمرك؟ والله لنئ فعلت ليكونن وليكونن لأشياء عددها، ومضى يجر ثوبه. فقال علي للعباس: ووالله ما ذلك منه نصيحةٌ ولكن درة عمر أحرجته إلى ما ترى. أما والله ما ذاك رغبةً فيك يا عقيل، ولكن أخبرني عمر بن الخطاب يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل سببٍ ونسبٍ. منقطعٌ يوم القيامة إلا سببي ونسبي" فضحك عمر وقال: ويح عقيل سفيه أحمق.
١٥٧٢ - * روى البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: استأذن عمر ابن الخطاب على رسول الله ﷺ وعنده نسوةٌ من قريش يكلمنه ويستكثرنه (١)، عاليةً
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٦٢٠) ٥٠ - كتاب المناقب- ١٨ - باب في مناقب عمر، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٧١) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. أحرجته: هنا بمعنى خوفته.
(٣) البخاري (٧/ ٤١) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٦ - باب مناقب عمر بن الخطاب. ومسلم (٤/ ١٨٦٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٣ - باب من فضائل عمر.
[ ٣ / ١٦٠١ ]
أصواتهن على صوته فلما استأذن عمر بن الخطاب قمن فبادرن الحجاب، فأذن له رسول الله ﷺ، فدخل عمر ورسوله ﷺ يضحك؛ فقال: أضحك الله سنك يا رسول الله، فقال النبي ﷺ: "عجبتُ من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب" قال عمر: فأنت أحقُّ أن يهبن يا رسول الله. ثم قال عمر: يا عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ؟ فقلن: نعم، أنت أفظُّ وأغلظُ من رسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: "إيهًا يا ابن الخطاب،، والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا قطُّ إلا سلك فجا غير فجك".
(أضحك الله سنك): قال الحافظ في "الفتح"، لم يرد به الدعاء بكثرة الضحك، بل لازمه وهو السرور، أو نفي ضد لازمه وهو الحزن.
(والمراد بالفظاظة والغلظة هنا الشدة عند عمر التي يقابلها اللين عند رسول الله ﷺ).
١٥٧٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم رأيتُ الناس يُعرضون وعليهم قُمصٌ، فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغُ دون ذلك، وعُرض عليِّ ابن الخطاب وعليه قميص اجتره" قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: "الدينُ".
١٥٧٤ - * روى البزار عن ابن عباس قال: لما فُتحتِ المدائنُ أقبل الناسُ على الدنيا وأقبلتُ على عمر. فكان عامةُ حديثه عن عمر.
١٥٧٥ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قَدِمَ عُيينةُ بن حصن بن حذيفة بن بدرٍ (١)، فنزل على ابن أخيه الحُرِّ بن قيس بن حصن وكان من النفر
_________________
(١) البخاري (٧/ ٤٣) ٦٣ - كتاب فضائل الصحابة-٦ - باب مناقب عمر. ومسلم (٤/ ١٨٥٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٢ - من فضائل عمر.
(٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٦١) وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح.
(٣) البخاري (١٣/ ٢٥٠) ٩٦ - كتاب الاعتصام -٢ - باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ وقول الله تعالى (واجعلنا للمتقين إمامًا). =
[ ٣ / ١٦٠٢ ]
الذين يُدْنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشورته، كهولًا كانوا أو شُبانًا. فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا المير، فتستأذن لي عليه؟ قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن لعيينة، فلما دخل قال: يا ابن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل، وما تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم بأن يقع به، فقال الحُر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١).
وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر ﵁ حين تلاهاعليه كان وقافًا عند كتاب الله تعالى.
١٥٧٦ - * روى البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه قال عمر ﵁: لولا آخر المسلمين ما فتحتُ قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم النبي ﷺ خيبر.
أقول: لا يعتبر هذا القول من عمر إلغاءًا لاجتهاده السابق، فإن الأمر يحتمل أن عمر شعر بأن ما وقفه على المسلمين كافٍ لتحقيق ما أراده من توسعة على حاضر الأمة ومستقبلها، فقرر أنه منذ العام اللاحق أن يغير سنته في الأراضي المفتوحة ولعله أراد أن يبين أن هذه القضية للاجتهاد فيها محل، ولذلك نرى أن أئمة المذاهب الأربعة لم يكونوا على رأي واحد في هذه القضية.
١٥٧٧ - * روى البخاري ومسلم عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "دخلتُ الجنة فرأيتُ فيها درًا أو قصرًا. فقلتُ: لمن هذا؟ فقالوال: لعمر بن الخطاب. فأردتُ أن أدخل. فذكرتُ غيرتك" فبكى عمر وقال: أي رسول الله! أو عليك يُغارُ؟.
_________________
(١) = ما تعطينا الجزل: العطاء الجزل: الكثير.
(٢) الأعراف: ١٩٩.
(٣) البخاري (٦/ ٣٣٤) ٥٧ - كتاب فرض الخمس-٩ - باب الغنيمة لمن شهد الوقعة.
(٤) البخاري (٧/ ٤٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٦ - باب مناقب عمر بن الخطاب. ومسلم (٤/ ١٨٦٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٣ - باب من فضائل عمر بن الخطاب.
[ ٣ / ١٦٠٣ ]
١٥٧٨ - * روى أحمد عن عائشة قالت: كنت أدخلُ بيتي الذي فيه رسول الله ﷺ وأبي فأضع ثوبي، وأقول: إنما هو زوجي وأبي فلما دُفن عمرُ معهم فوالله ما دخلته إلا وأنا مشدودة على ثيابي حياء من عمر ﵁.
١٥٧٩ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄: أن عمر بن الخطاب أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها فقال: يا رسول الله، إني أصبتُ أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: "إن شئت حبستَ أصلها وتصدقت بها" قال: فتصدق بها عمر أنه لا يُباع ولا يثوهب ولا يورث. وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، ولا جُناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويُطعم غير متمول. قال فحدثتُ به ابن سيرين فقال: "غير متأثِلٍ مالًا".
وعن عمرو (١) بن دينار قال في صدقة عمر: ليس على الولي جُناحٌ أن يأكل ويؤكل صديقًا له غير متأثل فكان ابن عمر هو يلي صدقة عمر ويُهدي لناسٍ من أهل مكة كان ينزل عليهم.
وفي الحديث من الفقه أمن من وقف شيئًا على صنف من الناس وولده منهم دخل فيه.
١٥٨٠ - * روى الحاكم عن طارق بن شهاب قال: خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعنا أبو عبيدة نب الجراح فأتوا على مخاضةٍ وعمرُ على ناقةٍ له، فنزل عنها وخلع خفيه، فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته، فخاض بها المخاضة فقال أبو عبيدة يا أمير المؤمنين أأنت تفعل هذا تخلعُ خفيك وتضعهما على عاتقك، وتأخذُ بزمام ناقتك،
_________________
(١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٧١) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٢) لبخاري (٥/ ٣٥٤) ٥٤ - كتاب الشروط -١٩ - باب الشروط في القف. ومسلم (٣/ ١٣٥٥) ٣٥ - كتاب الوصية-٤ - باب الوقف. متأثل: تأثل فلان: ادخر مالًا ليستثمره.
(٣) البخاري (٤/ ٤٩١) ٤٠ - كتاب الوكالة-١٢ - باب الوكالة في الوقف ونفقته وأن يطعم صديقًا له ويأكل بالمعروف.
(٤) المستدرك (١/ ٦٢) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
[ ٣ / ١٦٠٤ ]
وتخوضُ بها المخاضة ما يسُرني أن أهل البلد استشرفُوك، فقال عمر أوهُ لو يقول ذا غيرُك أبا عبيدة جعلتهُ نكالًا لأمة محمد ﵌ إنا كناأذلُّ قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلبُ العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله.
١٥٨١ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال عمر: وافقت الله في ثلاث - أو وافقني ربي في ثلاث - قلت: يا رسول الله، لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى. وقلت: يا رسول الله، يدخُلُ عليك البرُّ والفاجر، فلو أمرت أمهاتِ المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. قال: وبلغني معاتبةُ النبي ﷺ بعض نسائه، فدخلتُ عليهن قلت: إن انتهيتُنَّ أو ليبدلن الله رسوله خيرًا منكن، حتى أتيتُ إحدى نسائه قالت: يا عمر، أما في رسول الله ﷺ ما يعظُ نساءهُ حتى تعظهنَّ أنت؟ فأنزل الله ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾ (١) الآية.
وفي رواية (٢) لابن عمر قال: قال عمر: وافقتُ ربي في ثلاثٍ: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أساري بدرٍ.
١٥٨٢ - * روى الطبراني عن عمر بن ربيعة أن عمر بن الخطاب أرسل إلى كعب الأحبار فقال: يا كعبُ كيف تجدُ نعتي؟ قال: أجدُ نعتك قرنٌ من حديد قال: وما قرن من حديدٍ؟ قال أميرٌ شديدٌ لا تأخذه في الله لومة لائم قال: ثم مه قال: ثم يكون من بعدك خليفة تقتُله فئة ظالمةٌ. ثم قال: مه: قال: ثم يكونُ البلاء.
١٥٨٣ - * روى الطبراني عن ابن مسعودٍ قال: ما كنا نُبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر.
_________________
(١) البخاري (٨/ ١٦٨) ٦٥ - كتاب التفسير-٩ - باب قوله: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى).
(٢) التحريم: ٥.
(٣) مسلم (٤/ ١٨٦٥) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٢ - باب من فضائل عمر.
(٤) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٥) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(٥) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٧) وقال رواه الطبراني وإسناده حسن. السكينة: الوقار والسكون، وقيل: الرحمة، وقيل: أثر إلقاء الملك.
[ ٣ / ١٦٠٥ ]
١٥٨٤ - * روى الطبراني عن عليٍّ قال: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر، ما كنا نُبعدُ أصحاب محمد ﷺ أن السكينة تنطقُ على لسان عمر.
١٥٨٥ - * روى الحاكم عن أبي ذر ﵁ قال: مر فتى على عمر فقال عمر: نعم الفتى. قال، فتبعه أبو ذر فقال: يا فتى استغفر لي، فقال: يا أبا ذر أستغفر لك وأنت صاحب رسول الله ﵌؟ قال: استغفر لي، قال: لا أو تخبرني فقال: إنك مررت على عمر ﵁ فقال: نعم الفتى وإني سمعتُ رسول اله ﵌ يقول: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه".
١٥٨٦ - * روى البخاري عن أبي بردة بن أبي موسى الأِعري قال: قال لي عبد الله بن عمر: هل تدري ما قال أبي لأبيك؟ قلتُ: لا، قال: فإن أبي قال لأبيك: يا أبا موسى، هل يسرك إسلامنا مع رسول الله ﷺ، وهجرتنا معه، وجهادنا معه، وعملمنا كله معه برد لنا، وأن كل عملٍ عملنا بعدهُ: نجونا منه كفافًا، رأسًا برأس؟ فقال أبوك لأبي: لا والله، قد اهدنا بعد رسول الله صلى لاله عليه وسلم، وصلينا، وصمنا، وعملنا خيرًا كثيرًا، وأسلم على أيدينا بشركثير، وإنا لنرجو ذاك، قال أبي: لكني أنا، والذي نفس عمر بيده لوددت أن ذلك برد لنا، وأن كل شيء عملناه بعدهُ نجونا منهُ كفافًا رأسًا برأس، فقلت: إن أباك والله كان خيرًا من أبي.
١٥٨٧ - * روى مالك عن سعيد بن المسيب؛ أن عمر بن الخطاب اختصم إليه مسلمٌ ويهوديٌ. فرأى عمرُ أن الحق لليهودي فقضى له. فقال له اليهودي: والله لقد قضيت بالحق. فضربه عمر بن الخطاب بالدرة. ثم قال: وما يدريك؟ فقال له اليهوديُّ (١): إنا نجد أنه ليس قاضٍ يقضي بالحق، إلا كان عن يمينه ملك وعن شماله ملك يُسددانه
_________________
(١) أورده الهيثمي في مجمع لزوائد (٩/ ٦٧) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن.
(٢) المستدرك (٣/ ٨٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة، وقال الذهبي: على شرط مسلم.
(٣) البخاري (٧/ ٢٥٤) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار-٤٥ - باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة. برد لنا: سلم لنا أجره.
(٤) الموطأ (٢/ ٧١٩) ٣٦١ - كتاب الأقضية-١ - باب الترغيب في القضاء بالحق.
[ ٣ / ١٦٠٦ ]
ويوفقانه للحق. ما دام مع الحق. فإذا ترك الحق. عرجا وتركاهُ.
١٥٨٨ - * روى مالك عن أنس بن مالك ﵁ قال: رأيت عمر وهو يومئذ أميرُ المؤمنين، وقد وقع بين كتفيه برقاع ثلاثٍ، لبد بعضها بعض.
١٥٨٩ - * روى الطبراني عن ابن شهاب قال عمر بن عبد العزيز لأبي بكر بن سليمان ابن أبي حثمة: من أول من كتب من عند أمير المؤمنين؟ فقال: أخبرتني الشفاء بنت عبد الله وكانت من المهاجرات الأول أن لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم قدما المدينة فأتيا المسجد فوجدا عمرو بن العاص فقالا: يا ابن العاص استأذن لنا على أمير المؤمنين. فقال: أنتما والله أصبتما اسمه فهو الأميرُ ونحن المؤمنون. فدخل عمر على عمرو فقال: السلامُ عليك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: ما هذا؟ فقال: انت الأمير ونحن المؤمنون، فجرى الكتاب من يومئذ.
١٥٩٠ - * روى الطبراني عن عبد الله قال: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر إن إسلام عمر كان نصرًا وإن إمارته كانت فتحًا، وايمُ الله ما أعلمُ على وجه الأرض أحدًا إلا وجد فقد عمر، حتى العصاة، وإيم الله إني لأحسبُ بين عينيه ملكًا يسددهُ، وايمُ الله إني لأحسبُ الشيطانُ يفرقُ منه أن يحدث في الإسلام حدثًا فيرد عليه عمر، وايم الله لو أعلم كلبًا يحبُّ عمر لأحببته. وفي رواية: لقد أحببت عمر حتى لقد خفت الله، وودتُ أني كنت خادمًا لعمر حتى أموت.
وفي رواية: لو أن عمر أحب كلبًا كان أحب الكلاب إليَّ، وفي روايةٍ: لقد خشيتُ الله في حبي عمر.
١٥٩١ - * روى الطبراني عن زيد بن وهب قال: أتى عبد الله بن مسعود رجلان وأنا (١):
_________________
(١) الموطأ (٢/ ٩١٨) ٤٨ - كتاب اللباس -٨ - باب ما جاء في لبس الثياب، وإسناده صحيح.
(٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦١) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٣) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٨) وقال: رواه الطبراني من طرق وفي بعضها عاصم بن أبي النجود وهو حسن الحديث، وبقية رجالهما رجال الصحيح وبعضها منقطع الإسناد، ورجالهما ثقات. يفرَقُ: يخاف.
(٤) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٧) وقال: رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدهما رجال الصحيح.
[ ٣ / ١٦٠٧ ]
عنده فقالا: يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذه الآية؟ فقرأها عليه عبد الله، فقال الرجل: إن أبا حكيم أقرأنيها كذا وكذا، وقرأ الآخر فقال: من أقرأكما فقال: عمرُ. فقال عبد اللهك اقرأ كما أقرأك عمر، ثم بكى عبد الله حتى رأيتُ دموعه تحدُرُ في الحصى، ثم قال إن عمر كان حصننًا حصينًا على الإسلام يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه، وإن الحِصن أصبح قد أسلم فالناس يخرجون منه ولا يدخلون، وزاد في روايةٍ، قال عبد الله: ما أظنُّ أهل بيتٍ من المسلمين لم يدخل عليه حزنٌ يوم أُصيب عمر إل أهل بيت سوءٍ إن عمر كان أعلمنا بالله وأقرأنا لكتاب الله وأفقهنا في دين الله، فوالله فهي أبين من طريق السيلحين. وفي روايةٍ: وكان يعني عمر إذا سلك طريقًا وجدناهُ سهلًا فإذا ذُكر الصالحون فحيهلا بعمر كان فضل ما بين الزيادة والنقصان والله لوددتُ أني أخدم مثله حتى أموت.
١٥٩٢ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس مُحدثون، فإن يكُ في أمتي أحدٌ فإنه عمر" زاد زكريا بن أبي زائدة عن سعدٍ عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: "لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكنْ في أمتي منهم أحدٌ فعمر".
وفي رواية (١) مسلم عن عائشة، عن النبي ﷺ؛ أنه كان يقول: "قد كان يكون في الأمم قبلكم مُحدثون. فإن يكن في أمتي منهم أحدٌ، فإن عمر بن الخطاب منهم".
قال ابن وهبٍ: تفسيرُ محدثون مُلهمون.
_________________
(١) البخاري (٧/ ٤٢) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-٦ - باب مناقب عمر بن الخطاب.
(٢) مسلم (٤/ ١٨٦٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٢ - باب من فضائل عمر. محدثون: أراد بقوله: محدثون أقوامًا يصيبون إذا ظنوا وحدسوا فكأنهم قد حدثوه بما قالوا، وقد جاء في الحديث تفسيره، أنهم ملهمون، والملهم: الذي يُلقي في نفسه الشيء، فيخبر به حدثًا وظنًا وفراسة، وهو نوع يختص الله به من يشاء من عباده الذين اصطفى، مثل عمر ﵁.
[ ٣ / ١٦٠٨ ]
١٥٩٣ - * روى الحاكم عن حذيفة ﵁ قال: كان الإسلام في زمان عمر كالرجل المقبلِ لا يزدادُ إلا قُربًا، فلما قُتل عمرُ كان كالرجل المدبر لا يزدادُ إلا بعدًا.
١٥٩٤ - * روى مالك عن سعيد بن المسيب ﵀ قال: لما صدر عمر ب الخطاب من منىأناخ بالأبطح، ثم كوم كومةً من بطحاء، ثم طرح عليها رداءهُ، ثم استلقى، ومد يديه إلى السماء، فقال: اللهم كبرتْ سني وضعفت قوتي، وانتشرتْ رعيتي، فاقبضني إليك غير مُضيع ولا مُفرطٍ ثم قدم المدينة في عقب ذي الحجة، فخطب الناس فقال: أيها الناس، قد سُنت لكم السننُ، وفُرضت لكم الفرائض، وتُركتم على الواضحة، ليلها كنهارها، وضُرب بإحدى يديه على الأخرى، وقال: إلا أن تضلوا بالناس يمينًا وشمالًا، ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجمِ، أن يقول قائل: لا نجدُ حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا، والذي نفسي بيده، لولا أن يقول الناس: زاد ابن الخطاب ف يكتاب الله لكتبتها (الشيخ والشيخةُ فارجموهما ألبتمة) فإنا قد قرأناها.
قال ابن المسيب: فما انسلخ ذو الحجة حتى قُتل عمر. ﵀.
قال مالك: قوله: (الشيخُ والشيخةُ) يعني: الثيبُ والثيبةُ".
١٥٩٥ - * روى مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁: خطب يوم الجمعة فذكرني الله ﷺ، وذكر أبا بكر، ثم قال: إني رأيتُ كأن ديكًا نقرني ثلاث نقراتٍ، وإني لا أراهُ إلا لحُضور أجلي، وإن أقوامًا يأمرونني أن أستخلف، وإن الله لم يكن ليضيع دينهُ ولا خلافتهُ، ولا الذي بعث به رسوله ﷺ (١)، فإن عجل بي أمر فالخلافةُ شُورى بينَ هؤلاء
_________________
(١) المستدرك (٣/ ٨٤) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
(٢) الموطا (٣/ ٨٢٤) ٤١ - كتاب الحدود-١ - باب ما جاء في الرجم وإسناده صحيح. قوله: لولا أن يقول الناس: زاد ابن الخطاب في كتاب الله لكتبتها (الشيخ والشيخة فارجموهما البتة): مراد عمر ﵁: المبالغة والحث على العمل بالرجم، لأن معنى الآية باق وإن نسخ لفظها، إذ لا يسع مثل عمر ﵁ مع مزيد فقهه تجويز كتبها مع نسخ لفظها. قوله: (فإنا قد قرأناها): ثم نسخ لفظها وبقي حكمها، بدليل أنه ﷺ رجم ورجم الصحابة بعده ولم ينكر عليهم أحد. (الثيب والثيبة): أي المحصن والمحصنة وإن كانا شابين.
(٣) مسلم (١/ ٣٩٦) ٥ - كتاب مواضع الصلاة-١٧ - باب نهي من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو نحوهما.
[ ٣ / ١٦٠٩ ]
الستةِ الذين تُوفي رسول الله ﷺ، وهو عنهم راضٍ، وإني قد علمتُ أن أقوامًا يطعنون في هذا الأمر، أنا ضربتُهم بيدي هذه على الإسلام، فغن فعلوا ذلك، فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال، ثم إني لا أدعُ بعدي شيئًا أهم عندي من الكلالة، ما راجعتُ رسول الله ﷺ ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه، حتى طعن بإصبعه في صدري، فقال: "يا عمر، ألا تكفيك آيهُ الصيفِ، التي في آخر سورة النساء؟ " وإني إن أعشْ أقْض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن، ثم قال: اللهم إني أُشهدك على أمراء الأمصار، وإني إنما بعثتهم عليهم ليعدلُوا عليهم وليعلمُوا الناس دينهم، وسُنة نبيهم ﷺ ويقسموا فيهم فيئهم، ويرفعوا إليَّ ما أشكل عليهم من أمرهم، ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين: هذا البصل والثوم لقد رأيتُ رسول الله ﷺ إذا وجد ريحها من الرجُل في المسجد أمر به فأخُرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليُمتهما طبخًا.
وفي حديث جويرية (١): فما كانت إلا جمعةٌ أخرى حتى طُعن عمرُ، قال: فأذن للمهاجرين من أصحاب رسول الله ﷺ، وأذِنَ للأنصار، ثم أذن لأهل المدينة، ثم أذن لأهل الشام، ثم أذن لأهل العراق، فكنا آخر من دخل عليه، قال: فإذا هو قد عصب جُرحه ببُرْدٍ أسودَ، والدم يسيلُ عليه، قال: فقلنا: أوْصنا ولم يسأله الوصية أحد غيرنا، قال: أوصيكم بكتاب الله، فإنكم لن تضلوا ما اتبعتموه، قال: وأوصيكم بالمهاجرين، فإن الناس يكثرون ويقلون، وأوصيكم بالأنصار، فإنهم شعب الإسلام الذي لجأ إليه، وأوصيكم بالأعراب، فإنهم أصلكم ومادتكُم - وفي روايةٍ: فإنهم إخوانكُمْ وعدُو عدوكُم- وأوصيكم بأهل الذمة، فإنهم ذمة نبيكُمْ، ورزقُ عيالكم، قوموا عني.
المقصود بآية الصيف: أنزل الله تعالى في الكلالة آيتين، إحداهما: التي في أول سورة النساء، وكان نزولها في الشتاء، والثانية: التي في آخر سورة النساء وكان نزولها في
_________________
(١) أخرجه البخاري، وفيها زيادات للحميدي. الكلالة: في الميراث: أن لا يرث الميت ولد ولا والد ويرثه أقاربه. فيئهم: الفيء: ما يحصل للمسلمين من أموال الكفار عن غير حرب وقتال.
[ ٣ / ١٦١٠ ]
الصيف، فسميتْ آية الصيف.
وأما الستة الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض فهم: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف ﵃، ولم يدخل عمر ﵁ معهم سعيد بن زيد لأنه من أقاربه، فتورع عن إدخاله، كما تورع عن إدخال ابنه عبد الله ﵁.
قوله: (تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين: هذا البصل والثوم):
قال النووي في شرح مسلم: قال العلماء: ويلحق بالبصل والثوم والكراث، كل ما له رائحة كريهة، من المأكولات وغيرها، وقال النووي: قال القاضي: ويلحق به من أكل فجلًا وكان يتجشأ، قال: وقال ابن المرابط: ويلحق به من بخر في فيه، أو به جرح له رائحة. قال القاضي: وقاس العلماء على هذا مجامع الصلاة غير المسجد، كمصلي العيد والجنائز ونحوها من مجامع العبادات، وكذا مجامع العلم والذكر والولائم ونحوها، ولا يلحق بها الأسواق ونحوها.
١٥٩٦ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال لما طُعن عمر أرسلوا إلى طبيب فجاء رجل من الأنصار فسقاه لبنًا فخرج اللبنُ من الطعنة التي تحت السرة فقال له الطبيب: اعهد عهدك فلا أراك تمسي، فقال: صدقتني.
١٥٩٧ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: وُضع عمر ابن الخطاب على سريره. فتكنفهُ الناس يدعون ويثنون ويُصلون عليه. قبل أن يُرفع. وأنا فيهم. قال: فلم يرُعني إلا برجلٍ قد أخذ بمنكبي من ورائي (١). فالتفتُّ إليه فإذا هو
_________________
(١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٨) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٢) البخاري (٧/ ٤١) ٦٣ - كتاب فضائل الصحابة-٦ - باب مناقب عمر بن الخطاب. ومسلم (٤/ ١٨٥٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٢ - باب من فضائل عمر. فنتكنفه: تكنفتُ فلانًا: إذا أحطت به وصرت حولهز لم يرعني: إلا وفلان قائم: أي لم أشعر، وإن لم يكن من لفظه، والرَّوْع: الفزع، فكأنه فاجأه بغتة من غير موعِدٍ ولا معرفة، فراعه ذلك وأفزعه.
[ ٣ / ١٦١١ ]
عليٌّ. فترحم على عمر وقال: ما خلفُتَ أحدًا أحبَّ إليَّ، أن ألقى الله بمثل عمله، منك. وايم الله! إن كنتُ لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك. وذاك أني كنت أكثر أسمع رسول الله ﷺ يقول: "جئت أنا وأبو بكرٍ وعمرُ. ودخلتُ أنا وأبو بكر وعمرُ. وخرجتُ أنا وأبو بكر عمرُ". فإن كنت لأرجو، أو لأظنُّ، أن يجعلك الله معهما.
١٥٩٨ - * روى البخاري عن حفصة وأسلم ﵄ أن عمر قال: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك ﷺ.
١٥٩٩ - * روى البخاري عن المسور بن محرمة قال: لما طُعن عمر جعل يألم، فقال له ابن عباس - وكأنه يُجزعهُ-: يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت صحبتهم فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقته لتفارقنهم وهمعنك راضون. قال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ ورضاه فإنما ذاك منٌّ من الله تعالى منَّ به عليَّ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذاك منٌّ من الله جل ذكره منَّ به عليَّ، وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك. والله لو أن لي طلاع الأرض ذهبًا لافتديت به من عذاب الله ﷿ قبل أن أراه.
١٦٠٠ - * روى مسلم عن عبد الله بن نعمر ﵄ قال: دخلتُ على حفصة فقالت: أعلمت أن أباك غيرُ مُستخلفٍ؟ قلت: ما كان ليفعل، قالت: إنه فاعلٌ، قال: فحلفتُ أن أكلمهُ في ذلك فسكتُّ حتى غدوت ولم أكلمه قال: فكنت كأنما (١) أحمِلُ بيميني
_________________
(١) البخاري (٤/ ١٠٠) ٢٩ - كتاب فضائل المدين، باب: ١٢.
(٢) البخاري (٧/ ٤٣) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة- ٦ - باب مناقب عمر بن الخطاب. جزعت الرجل: أي نسبته إلى الجزع، ويجوز أن يكون: أذهبتُ عنه الجزع بما تسليه. جزعي: أي خوفي بسبب ما حملت من عبء الخلافة. طِلاعُ الأرض: ملؤها: كأنه قد ملأها حتى تطلع، وتسيل.
(٣) مسلم (٣/ ١٤٥٥) ٣٣ - كتاب الإامرة-٢ - باب الاستخلاف.
[ ٣ / ١٦١٢ ]
جبلًا حتى رجعتُ، فدخلتُ عليه، فسألني عن حال الناس، وأنا أخبره، قال: ثم قلت له: إني سمعت الناس يقولون مقالة، فآليتُ أن أقولها لك: زعموا أنك غير مستخلفٍ، وإنه لو كان لك راعي إبل، أو راعي غنمٍ، ثم جاءك وتركها رأيت أن قد ضيع، فرعاية الناس أشدُّ؟ قال: فوافقه قولي، فوضع رأسه ساعة، ثم رفعه إليَّ، فقال: إن الله ﷿ يحفظ دينه، وإني لئن لا أستخلف، فإن رسول الله ﷺ لم يستخلفْ، وإن أستخلفْ فإن أبا بكر قد استخلف، قال: فوالله، ما هو إلا أن ذكر رسول الله صلى الله علي هوسلم وأبا بكر، فعلمتُ أن لم يكن ليعدل برسول الله ﷺ أحدًا، وأنه غير مُستخلفٍ.
وفي رواية (١) بمعناه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قيل لعمر ألا تستخلف؟ قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله ﷺ فأثنوا عليه فقال: راغب وراهب، وددت أني نجوت منها كفافًا لا ليَّ ولا علي، لا أتحملها حيًا وميتًا.
(راغبٌ وراهبٌ) الراغبُ: الطالب، والراهب: الخائف، والمراد: أنكم في قولكم لي هذا القول، إما راغبٌ فيما عندي، أو راهب مني، وقيل: أراد: انني راغبٌ فيما عند الله، وراهبٌ من عقابه، فلا تعويل عندي على ما قلتم لي من الوصف والإطراء.
١٦٠١ - * روى البخاري عن مرو بن ميمونٍ قال: "رأيتُ عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن يُصاب بأيام بالمدينة ووقف على حُذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيفٍ قال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا حملتما الأرض مالا تطيقُ؟ قالا: حملناها أمرًا هي له مطيقةٌ، ما فيها كبيرُ فضل. قال: انظرا أن تكونا حملتما الأرض مالا تطيقُ. قالا: لا. فقال عمر: لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجلٍ بعدي أبدًا. قال فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب. قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن
_________________
(١) البخاري (١٣/ ٣٠٥) ٩٣ - كتاب الأحكام- ٥١ - باب الاستخلاف.
(٢) البخاري (٧/ ٥٩) ٦٣ - كتاب فضائل الصحابة-٨ - باب قصة البيعة. أرامل: جمع أرملة، هي التي مات زوجها، والرجل إذا ماتت امرأته: أرمل، وقيل: أراد بالأرامل: المساكين من الرجال والنساء. =
[ ٣ / ١٦١٣ ]
عباسٍ غداة أصيب- وكان إذا مرَّ بين الصفين قال: استوُوا، حتى إذا لم ير فيهم خللًا تقدمَ فكبر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس - فما هو إلا أن كبر فسمعتهُ يقول: قتلني - أو أكلني-الكلبُن حين طعنه، فطار العِلجُ بسكينٍ ذات طرفين، لا يمر على أحدٍ يمينًا ولا شمالًا إلا طعنهن حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا مات منهم سبعة. فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه بُرنسًا، فلما ظنَّ العِلجُ أنه مأخوذ نحر نفسه. وتناول مرُ يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون: سبحان الله. فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس، انظر من قتلني. فجال ساعة، ثم جاء فقال: غلامُ المغيرة. قال: الصِّنَع؟ قال: نعم. قال: قاتله الله، لقد أمرتُ به معروفًا، الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام، قد كنت أنت وأبوك تُحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقًا. فقال: إن شئت فعلتُ- أي إن شئت قتلنا. قال: كذبت، بعد ما تكلموا بلسانكم، وصلوا قبلتكم، وحجوا حجِّكم. فاحتُمِل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تُصبهم مُصيبة قبل يومئذٍ: فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه. فأُتي بنبيذٍ فشربه، فخرج من جوفه. ثم أتى بلبن فشربه، فخرج من جُرحه، فعلموا أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس فجعلوا يُثنون عليه. وجاء رجل شابٌّ فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببُشرى الله لك، من صحبة رسول الله ﷺ، وقدَمٍ في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة. قال: وددت أن ذلك كفافٌ لا عليَّ ولا لي. فلما أدبر إذا إزارُه يمسُّ الأرض، قال: ردوا عليَّ الغلام. قال: يا ابن أخي، ارفعْ ثوبك، فإنه أبقى لثوبك وأتقى لربك. يا عبد الله بن عمر، انظر ما عليَّ من الدين. فحسبوه فوجدوهُ ستة وثمانين ألفًا أو نحوه. قال: إن وفى له مالُ آل عمر فأدِّهِ من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب (١)، فإن لم
_________________
(١) = العلج: العجميُّ في ذلك الوقت. برنسًا البرنس: هو كل ثوب رأسه منه. رقيقًا: الرقيق: اسم لجميع العبيد والإماء. فأتى بنبيذ فشربه: المراد بالنبيذ: تمرات نبذت في ماء، أي نقعت فيه، كانوا يصنعون ذلك لاستعذاب الماء. كفافًا: يقال: خرجتُ من هذا الأمر كفافًا، أي: لا لي ولا عليَّ. =
[ ٣ / ١٦١٤ ]
تَفِ أموالُهم فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم، فأدِّ عني هذا المال. انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام - ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا - وقل: يستأذنُ عمر بن الخطاب أن يُدفن مع صاحبيه. فسلم واستأذن، ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويستأذن أن يُدفن مع صاحبيه. فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرنه به اليوم على نفسي. فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء. قال: ارفعوني فأسنده رجل إليه فقال: ما لديك؟ قال: الذي تُحب يا أمير المؤمنين، أذنتْ. قال: الحمد لله، ما كان من شيء أهم من ذلك، فإذا أنا قضيتُ فاحملوني، ثم سلم فقل: يستأذنُ عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين. وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسيرُ معها، فلما رأيناها قمنا، فولجتْ عليه فبكتْ عنده ساعة، واستأذن الرجال، فولجت داخلًا لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، واستخلف. قال: ما أجدُ أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر - أو الرهط - الين تُوفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض: فسمى عليًا وعثمان والزبير وطلحة وسعدًا وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء- كهيئة التعزية له - فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أُمِّر، فإني لم أعزله عن عجزٍ ولا خيانة. وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم. وأوصيه بالأنصار خيرًا، الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، أن يُقبل من مُحسنهم، وأن يثعفى عن مسيئهم. وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا، فإنهم ردء الإسلم، وجُباة المال وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم. وأوصيه بالأعراب خيرًا، فإنهم أصلُ العرب، ومادة الإسلام، أن يُؤخذ من حواشي أموالهم، ويُرد على فقرائهم. وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله ﷺ، أن يُوفى لهم بعهدهم، وأن يُقاتل من ورائهم، ولا يُكلفوا إلا طاقتهم. فلما قُبضَ خرجنا به فانطلقنا نمشي فسلم عبدُ الله بن عمر قال: يستأذن عمر بن الخطاب (١). قالت
_________________
(١) = تبوؤوا: تبوأت المنزل: إذا اتخذته منزلًا. ردء: الردء: العون. وأن يقاتل من ورائهم: أي: إن قصدهم عدوهم ودفع عنهم مضرتهم.
[ ٣ / ١٦١٥ ]
أدخِلوه، فأُدخِل، فوضِعَ هنالك مع صاحبيه. فلما فُرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهطُ، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثةٍ منك. فقال الزبير: قد جعلتُ أمري إلى عليِّ. فقال طلحة: قد علتُ أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف. فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظران أفضلهم في نفسه؟ فأسكت الشيخان. فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليَّ والله عليَّ أن لا آلو عن أفضلكم؟ قال: نعم. فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلموالقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمرتُك لتعدلن، ولئن أمرتُ عثمان لتسمعن ولتطيعنَّ. ثم خلا بالآخر فقال مثل ذلك. فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، فبايع له عليّ، وولج أهلُ الدار فبايعوه.
قوله: (كذتَ): قال الحافظ: هو على ما ألف من شدة عمر في الدين، لأنه فهم من ابن عباس من قوله: إن شئت فعلنا، أي قتلناهم، فأجابه بذلك، وأهل الحجاز يقولون: كذبت في موضع أخطأت، وإنما قال له بعد أن صلوا، لعلمه أن المسلم لا يحل قتله، ولعل ابن عباس إنما أراد قتل من لم يسلم منهم.
قوله: (يا عبد الله انظر ما علي من الدين فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفًا أو نحوه):
قال الحافظ: في حديث جابر: ثم قال: يا عبد الله أقسمت عليك بحق الله وحق عمر إذا مت فدفنتني أن لا تغسل رأسك حتى تبيع من رباع آل عمر بثمانين ألفًا فتضعها في بيت مال المسلمين، فسأله عبد الرحمن بن عوف، فقال: أنفقتها في حجج حججتها، وفي نوائب كانت تنوبني، وعرف بهذا جهة دين عمر.
قال الحافظ في الفتح: وفي قصة عمر هذه من الفوائد، شفقته على المسلمين ونصيحته لهم، وإقامة السنة فيهم، وشدة خوفه من ربه، واهتمامه بأمر الدين أكثر من اهتمامه بأمر نفسه، وأن النهي عن المدح في الوجه مخصوص بما إذا كان غلو مفرط أو كذب ظاهر، ومن ثم لم ينه عمر الشاب عن مدحه له مع كونه أمره بتشمير إزاره، والوصية بأداء الدين.
[ ٣ / ١٦١٦ ]
والاعتناء بالدفن عند أهل الخير، والمشورة في نصب الإمام، وتقديم الأفضل، وأن الإمامة تنعقد بالبيعة، وغير ذلك مما هو ظاهر بالتأمل، والله الموفق، وقال ابن بطال: فيه دليل على جواز تولية المفضول على الأفضل، منه، لأن ذلك لو لم يجز لم يجعل الأمر شورى إلى سنة أنفس مع علمه أن بعضهم أفضل من بعض، قال: ويدل على ذلك أيضًا قول أبي بكر: قد رضيت لكم أحد الرجلين: عمر وأبي عبيدة، مع علمه بأن أفضل منهما، وقد ستشكل جعل عمر الخلافة في ستة، ووكل ذلك إلى اجتهادهم، ولم يصنع ما صنع أبو بكر في اجتهاده فيه، لأنه إن كان لا يرى جواز ولاية المفضول على الفاضل، فصنيعه يدل على أن من عدا الستة كان عنده مفضولًا بالنبة إليهم، وإذا عرف ذلك فلم يخف عليه أفضلية بعض الستة على بعض وإن كان يرى جواز ولاية المفضول على الفاضل، فمن ولاه منهم أو غيرهم كان ممكنًا، والجواب عن الأول يدخل فيه الجواب الثاني، وهو أنه إذا تعارض عنده صنيع النبي ﷺ حيث لم يصرح باستخلاف شخص بعينه، وصنيع أبي بكر حيث صرح فتلك طريق تجمع التنصيص وعدم التعيين، وإن شئت قل: تجمع الاستخلاف وترك تعيين الخليفة، وقد أشار بذلك إلى قوله: لا أتقلدها حيثًا وميتًا، لأن الذي يقع ممن يستخلف بهذه الكيفية إنما ينسب إليه بطريق الإجمال، لا بطريق التفصيل، فعينهم ومكنهم من المشاورة في ذلك، والمناظرة فيه لتقع ولاية من يتولى بعده عن اتفاق من معظم الموجودين حينئذ ببلده التي هي دار الهجرة، وبها معظم الصحابة، وكمل من كان ساكنًا مع غيرهم في بلد غيرها، كان تبعًا لهم فيما يتفقون عليه. أهـ.
١٦٠٢ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمر قال: لما طعن أبو لؤلؤة عمر طعنه طعنتين، فظن عمر أن له ذنبًا في الناس لا يعلمه، فدعا ابن عباس وكان يحبه، ويدنيه ويسمع من، فقال: أحب أن نعلم عن ملأ من الناس كان هذا فخرج ابن عباس فكان لا يمر بملأ من الناس إلا وهم يبكون، فرجع إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين ما مررت على ملاء إلا رأيتهم يبكون كأنهم فقدوا اليوم أبكار أولادهم فقال: من قتلني؟ فقال: أبو لؤلؤة المجوسي عبد المغيرة بن شعبة، قال ابن عباس: فرأيت البشر في وجهه فقال (١): الحمدُ
_________________
(١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٤) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن. =
[ ٣ / ١٦١٧ ]
لله الذي لم يبتلني أحدٌ بحاجتي يقول لا إله إلا الله، أما إني قد كنتُ نهيتكُمْ أن تجلبوا إلينا من العلوج أحدًا فعصيتموني، ثم قال: ادعو إلى إخواني قالواك ومنْ؟ قال: عثمان وعلي وطلحة والزبير، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص فأرسل إلأيهم، ثم وضع رأسه في حجري. فلما جاءوا قلت هؤلاء قد حضروا قال: نعم، نظرت في أمر المسلمين فوجدتكم أيها السة رؤوس الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إلا فيك ما استقمتم يستقم أمر الناس وإن يكن اختلاف يكنْ فيكم، فلما سمعته ذكر الاختلاف والشقاق، وإن يكن ظننت أنه كائن، لأنه قلما قال شيئًا إلا رأيته، ثم نزفه الدم فهمسوا بينهم حتى خشيتُ أن يبايعوا رجلًا منهم فقلت: إن أمير المؤمنين حي بعدُ، ولا يكون خليفتان ينظرُ أحدهما إلى الآخر، فقال: احملُوني فحملناهُ. فقال: تشاوروا ثلاثًا ويُصلي بالناس صهيبٌ قالوا: من نشاور يا أمير المؤمنين؟ قال: شاوروا المهاجرين والأنصار وسراة من هنا من الأجناد، ثم دعا بشربة من لبن فشرب، فخرج بياض اللبن من الجرحين فعرف أنه الموت فقال: الآن لو أن لي الدنيا كلها لافتديت به من هول المطلع، وما ذاك والحمد لله أن أكون رأيت إلا خيرًا. فقال ابن عباس، وإن قلت فجزاك الله خيرًا أليس قد عدعا رسول الله ﷺ أن يُعز الله بك الدين والمسلمين إذ تخافون بمكة، فلما أسلمت كان إسلامُك عزًا وظهر بك الإسلامُ ورسول الله ﷺ وأصحابه، وهاجرت إلى المدينة فكانتْ هجرتك فتحًا ثم لم تغبْ عن مشهدٍ شهدهُ رسول الله ﷺ من قتال المشركين من يوم كذا ويوم كذا، ثم قُبض رسول الله ﷺ وهو عنك راضٍ فوازرتَ الخليفة بعده على منهاج رسول الله ﷺ فضربت بمن أقبل على من أدبر حتى دخل الناس في الإسلام طوعًا وكرهًا، ثم قُبض الخليفة وهو عنك راضٍ، ثم وليت بخير ما ولي الناس مَصَّرَ الله بك الأمصار وجبى بك الأموال، ونفى بك العدو، وأدخل الله بك على كل أهل بيت من توسعتهم في دينهم وتوسعتهم في أرزاقهم ثم ختم لك بالشهادة فهنيئًا لك: فقال: والله إن المغرور من تغرونه، ثم قال: أتشهدُ لي يا عبد الله عند الله يوم القيامة؟ فقال: نعم، فقال: اللهم لك الحمد، ألصق خدي بالأرض يا عبد لله بن عمر (١). فوضعته من فخذي علي
_________________
(١) = العلوج: جمع علج: وهو كل شديد غليظ من الرجال وكانت تطلق على كفار العجم. غرة: غر الرجل غرارة وغرة: جهل الأمور وغفل عنها.
[ ٣ / ١٦١٨ ]
ساقي فقال: ألصق خدي بالأرض فترك لحيتهُ وخده، حتى وقع بالأرض فقال: ويلك وويل أمك يا عمر إن لم يغفر الله لك يا عمر. ثم قُبض ﵀: فلما قُبض أرسلوا إلى عبد الله بن عمر فقال: لا آتيكم إنْ لم تفعلوا ما أمركم به من مشاورة المهاجرين والأنصار وسراة من هنا من الأجناد قال الحسن، وذُكر له فعمل عمر عند موته وخشيته من ربه فقال: هكذا المؤمن جمع إحسانًا وشفقة، والمنافق جمع إساءة وغرةً، والله ما وجدتُ فيما مضى ولا فيما بقى عبدًا ازداد إحسانًا إلا ازداد مخافة وشفقة منه، ولا وجدت فيما مضى ولا فيما بقى عبدًا ازداد إساءة إلا ازداد غر.
١٦٠٣ - * روى البخار يعن عروة بن الزبير ﵄ أنه لما سقط عليهم الحائط في زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه، فبدت لهم قدم، ففزعوا، وظنوا أنها قدم رسول الله ﷺ، فما وجدا أحدًا يعلم ذلك، حتى قال لهم عروة: لا والله، ما هي قدم رسول الله ﷺ، وما هي إلا قدم عمر.
قال الحافظ في الفتح: والسبب في ذلك ما رواه أبو بكر الآجري من طريق شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي قال: كان الناس يصلون إلى القبر، فأمر به عمر بن عبد العزيز فرفع حتى لا يصلي إليه أحدن فلما دم بدت قدم بساق وركبة، ففزع عمر بن عبد العزيز، فأتاه عروة فقال: هذا ساق عمر وركبته، فسري عن عمر بن عبد العزيز، وروى الآجري من طريق مالك بن المغول عن رجاء بن حيوة قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز وكان قد اشترى حجر أزواج النبي ﷺ: أن اهدمها ووسع بها المسجد، فقعد عمر في ناحية المسجد ثم أمر بهدمها، فم رأيته باكيًا أكثر من يومئذ، ثم بناه كما أراد، فلما أن بنى البيت على القبر، وهدم البيت الأول ظهرت القبور الثلاثة، وكان الرمل الذي عليها قد انهار، ففزع عمر بن عبد العزيز، وأراد أن يقوم فيسويها بنفسه، فقلت له: أصلحك الله، إنك إن قمت قام الناس معك، فلو أمرت رجلًا أن يصلحها، ورجوت أن يأمرني بذلك، فقال: يا مزاحم- يعني مولاه-: قم فأصلحها (١).
_________________
(١) البخاري (٣/ ٢٥٥) ٢٣ - كتاب الجنائز-٩٦ - باب ما جاء في قبر النبي ﷺ
[ ٣ / ١٦١٩ ]
١٦٠٤ - * روى الطبراني عن المسور بن مخرمة قال: ولي عمر عشر سنين ثم توفي.
١٦٠٥ - * روى الطبراني عن الليث بن سعد قال: قُتل أمير المؤمنين عمر مصدر الحاج وذلك في سنة ثلاث وعشرين.
١٦٠٦ - * روى الطبراني عن ابن شهاب قال: مات عمر وهو على رأس خمس وخمسين.
١٦٠٧ - * روى الطبراني عن سالم بن عبد الله أن عمر قُبض وهو ابن خمس وخمسين.
١٦٠٨ - *روى الطبراني عن ابن عمر قال: مات عمر وهو ابن خمس وخمسين وقال: أسرع إلى الشيبُ من قبل أخوالي بني المغيرة.
١٦٠٩ - * روى الطبراني عن قتادة قال قتل عمر وهو ابن إحدى وستين.
١٦١٠ - * روى الطبراني عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب مات وهو ابن ست وستين سنة.
وقد ذكرنا الروايات المتعددة في تقدير عُمْرِ عُمَرَ يوم وفاته للإشعار بأن الأمر فيه خلاف.
١٦١١ - * روى أحمد عن ابن عباس قال: أنا أول من أتى عمر حين طعن فقال: احفظ عني ثلاثًا، فإني أخاف أن لا يدركني الناس: أما أنا فلم أقض في الكلالة قضاء، ولم استخلف على الناس خليفة وكل مملوكٍ لي عتيق (١).
* * *
تعليقات
_________________
(١) المعجم الكبير (١/ ٦٨) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٨)؛ رواه الطبراني وإسناده حسن.
(٢) المعجم الكبير (١/ ٧٠) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٨)؛ رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(٣) المعجم الكبير (١/ ٦٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٨)؛ رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(٤) المعجم الكبير (١/ ٦٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٨)؛ رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(٥) المعجم الكبير (١/ ٦٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٩)؛ رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٦) المعجم الكبير (١/ ٦٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٨)؛ رواه الطبراني وإسناده حسن.
(٧) المعجم الكبير (١/ ٦٨) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٨)؛ رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(٨) المعجم الكبير (١/ ٤٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٣٤٧)؛ رواه الطبراني ورجاله ثقات.
[ ٣ / ١٦٢٠ ]
تعليقات
لم يزل عمر بن الخطاب ﵁ هو الأمير الأنموذج عند أهل الدنيا وأهل الآخرة، فلقد انطبعت هذه الحقيقة في الأذهان حتى غدت بدهية، فما يكاد يكون حديث عن تصرفات نموذجية لأمير إلا وتقفز مباشرة إلى الأذهان صورة عمر ﵁.
لقد كان جسمه كاملًا بين الأجسام وهو شيء مهم في الإمرة النموذجية، كما أن له سابقته وفضله في المجتمع الذي قاده، وساسه، وذلك محل إجماع، وكذلك هذه شيء مهم في الإمرة النموذجية.
وكان على غاية من الجدية في حياته الخاصة والعامة، وهذا شرط الإمرة النموذجية لأنه بذلك تستمر هيبة الأمير وتتنامى.
وكان لا يميز أهله ولا نفسه عن العامة بشيء، وبذلك أبعد نفسه عن أي مظنة تهمة، وهذا مه في شخصية الأمير النموذجي.
وكان أرحم الناس بالعامة وأرفقهم بهم وأكثرهم لهم رعاية، فلا يضيع أحد في سلطانه، ويستشعر كل فر بحنانه، وهذا شرط في الأمير النموذجي.
وكان يترك اجتهاده لاجتهاد غيره إذا أحس أن الأمر سيدخل بعض الناس في زوايا حادة كما فعل في أراضي السواد إذ أخر تنفيذ اجتهاده حتى انتهت المعارضة، وهذا شرط في الأمير النموذجي. مع ملاحظة أن اجتاد عمر ألا تقسم الأراضي المفتوحة على الفاتحين وأن تبقى وقفًا على جميع المسلمين إلى قيام الساعة. كان اجتهادًا وافقه عليه أكثر الصحابة، واستدل له عمر بنصوص قرآنية وكان هذا وحده هو الذي يسع حاضر الأمة الإسالمية ومستقبلها، وكان فيه البركة ولا زلنا نرى بركة تصرفه حتى أننا في عصرنا نعتبر فعله حجة للإسلام على المذاهب التي تتحدث عن خطورة تركيز رؤوس الأموال بأيد قليلة. ومع قوة هذا الاجتهاد ووقوف أكثر الصحابة معه فقد جمد عمر هذه القضية لأن بعض الصحابة كانت له شبهة، فخشي أن يؤثر تنفيذ اجتهاده على وحدة الصف فجمد القضية ومن هاهنا ندرك أن الحزم عند عمر هو والحكمة توأمان.
[ ٣ / ١٦٢١ ]
وكان يعرف أقدار الناس ويعرف ويعرف لأهل الفضل فضلهم ولأهل السبق سبقهم وهذا شرط لاستقرار أي نظام.
وكان مستشرفًا استشرافًا كاملاص لساحة المعركة التي يخوضها ولوازمها واحتياجاتها، وهذا شرط من شروط نجاح الأمير في أي معركةز
وكان يحسن اختيارالرجال للمهمات المنوطة بهم، وهذا شرط لنجاحات الأمير أي أمير.
وكان كل فرد حوله يحس أنه أكمل منه في خصوصياته، فالعبادة والعلم وحسن التدبير وسداد الرأي كل ذلك كان متفوقًا فيه على من حوله، وهذا شرط في نجاحات المير، فمتى أحسن من حول الأمير بتفوقهم عليه هان عليهم وذلك مقدمة الفشل.
وكان قوي المبادرة، كثير المشاورة، دراكًا للفكرة الصائبة، وتلك شروط في نجاحات الأمير.
وكان يؤدي لكل ذي حق حقه ويعرف لكل ذي فضل فضله، ولذلك أعطاه الجميع حقوقه كاملة، وكما كان لا يتساهل في حقوقه كا يعرف الحدود التي يحاسب بها الأمير على حقوقهز
ومهما قيل فيه فهو قليل: لقد أتعب أبو بكر من جاء بعده ما قال عمر، ولقد اتعب أبو بكر وعمر من جاء بعدهما إلى قيام الساعة، فمن الذي يستطيع ما استطاعا، ولكن من تهيأ له ما تهيأ لهما
لقد تهيأ لهما أن أصحاب رسول الله ﷺ هم جنودهما، ومن كان هؤلاء جنده وحاشيته وبطانته فإنه قد توافر له ما لا يتوافر لأحد بعده، ولعل هذا أحد الأسباب الرئيسية لانتقاض الأمر في عهد عثمان وعلي ﵄، فلقد أصبح أكثر جيل الصحابة الذين رباهم رسول الله ﷺ بشكل مباشر في عداد الشهداء.
* * *
[ ٣ / ١٦٢٢ ]
رقم الإيداع: ٢٨٧٢/ ٨٩
الترقيم الدولي: ٤ - ٢٤ - ١٤٧١ - ٩٧٧
[ ٣ / ١٦٣٠ ]
عثمان بن عفان ﵁
قال ابن حجر في ترجمته: عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي أمير للمؤمنين أبو عبد الله وأبو عمرو، وأمه أروى بنت كُرَيز بن ربيعة بن حبيب أبن عبد شمس، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﵌.
ولد بعد الفيل بست سنين على الصحيح، وكان ربعة حسن الوجه رقيق عظيم اللحية بعيد ما بين المنكبين.
أسلم قديمًا قال ابن إسحاق: كان أبو بكر مؤلفًا لقومه فجعل يدعو إلى الإسلام من يثق به فأسلم على يده فيما بلغني الزبير وطلحة وعثمان وزوجة النبي ﵌ ابنته رقية وماتت عنده أيام بدر، فزوجه بعدها أختها أم كلثوم فلذلك كان يلقب ذا النورين.
وجاء من أوجه متواترة أن رسول الله ﵌ بشره بالجنة وعده من أهل الجنة وشهد له بالشهادة.
وجاء من طرق كثيرة شهيرة صحيحة عن عثمان لما أن حصروه انتشد الصحابة في أشياء منها تجهيزه جيش العسرة، ومنها مبايعة النبي ﵌ عند تحت الشجرة لما أرسله إلى مكة، ومنها شراؤه بئر رومة وغير ذلك.
وروى عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر، روى عنه الواده: عمر وأبان وسعيد وابن عمه مروان بن الحكم بن أبي العاص، ومن الصحابة: ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وزيد بن ثابت وعمران بن حصين وأبو هريرة وغيرهم، ومن التابعين: الأحنف وعبد الرحمن بن أبي ضمرة وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وسعيد بن المسيب وأبو وائل وأبو عبد الرحمن السلمي ومحمد بن الحنفية وآخرون.
وهو أول من هاجر إلى الحبشة ومعه زوجته رقية وتخلف عن بدر لتمريضها، فكتب له النبي ﵌ بسهمه وأجره وتخلف عن بيعه الرضوان لأن النبي ﵌ كان بعثه إلى مكة فأشيع أنها قتلوه فكان ذلك سبب البيعة فضرب إحدى
[ ٤ / ١٦٣١ ]
يديه على الأخرى وقال: هذه عن عثمان وقال ابن مسعود: لما بويع بايعنا خيرنا ولم نأل. وقال علي: كان عثمان أوصلنا للرحم وكذا قالت عائشة لما بلغها قتله: قتلوه وإنه لأوصلهم للرحمن وأتقاهم للرب.
وقال ابن المبارك في الزهد أنبأنا الزبير بن عبد الله أن جدته أخبرته وكانت خادمًا لعثمان وقالت: كان عثمان لا يوقظ نائمًا من أهله إلا أن يجده يقظانًا فيدعوه فيناوله وضوءه، وكان يصوم الدهر.
وكان سبب قتله أن أمراء الأمصار كانوا من أقاربه، كان بالشام كلها معاوية وبالبصرة سعيد بن العاص وبمصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح وبخراسان عبد الله بن عامر، وكان من حج منهم يشكو من أميره، وكان عثمان لين العريكة كثير الإحسان والحلم وكان يستبدل ببعض أمرائه فيرضيهم ثم يعيده بعد، إلى أن رحل أهل مصر يشكون من ابن أبي سرح فعزله وكتب لهم كتابًا بتولية محمد بن أبي بكر الصديق فرضوا بذلك فلما كانوا في أثناء الطريق رأوا راكبًا على راحلة فاستخبروه فأخبرهم أنه من عند عثمان باستقرار ابن أبي سرح ومعاقبة جماعة من أعيانهم فأخذوا الكتاب ورجعوا وواجهوه به فحلف أنه ما كتب ولا أذن فقالوا سلمنا كاتبك فخشي عليه منهم القتل وكان كاتبه مروان بن الحكم وهو ابن عمه فغضبوا وحصروه في داره واجتمع جماعة يحمونه منهم فكان ينهاهم عن القتال إلى أن تسوروا عليه من دار إلى دار فدخلوا عليه فقتلوه فعظم ذلك على أهل الخير من الصحابة وغيرهم وانفتح باب الفتنة فكان ما كان وبالله المستعان.
وروى البخاري في قصة قتل عمر أنه عهد إلى ستة وأمرهم أن يختاروا رجلًا فجعلوا الاختيار إلى عبد الرحمن بن عوف فاختار عثمان فبايعوه ويقال كان ذلك يوم السبت غرة المحرم سنة أربعة وعشرين، وقال ابن إسحاق: قتل على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرًا واثنين وعشرين يومًا من خلافته فيكون ذلك في ثاني وعشرين ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وقال غيره: قتل لسبع عشرة وقيل: لثمان عشرة رواه أحمد عن إسحاق بن الطباع عن أبي معشر، وقال الزبير بن بكار: بويع يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وقتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة بعد العصر ودفن ليلة
[ ٤ / ١٦٣٢ ]
السبت بين المغرب والعشاء في حُشّ كوكب كان عثمان اشتراه فوسع به البقيع، وقتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وأشهر على الصحيح المشهور وقيل دون ذلك، وزعم أبو محمد ابن حزم أنه لم يبلغ الثمانين. أهـ.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية: هو عثمان بن عفان، ذو النورين، وصاحب الهجرتين، وزوج الابنتين، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشوري، وأحد الثلاثة الذين خلصت لهم الخلافة من الستة، ثم تعينت فيه بإجماع المهاجرين والأنصار ﵃، فكان ثالث الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، المأمور بإتباعهم والاقتداء بهم.
أسلم عثمان ﵁ قديمًا على يدي أبي بكر الصديق وهاجر إلى الحبشة أول الناس معه زوجته رقية بت رسول الله ﷺ، ثم عاد إلى مكة وهاجر إلى المدينة، فلما كانت وقعة بدر اشتغل بتمريض ابنه رسول الله ﷺ، وأقام بسببها في المدينة، وضرب له رسول الله ﷺ بسهمه منها وأجره فيها، فهو معدود فيمن شهدها، فلما توفيت زوّجه رسول الله ﷺ بأختها أم كلثوم فتوفيت أيضًا في صحبته، وقال رسول الله ﷺ: "لو كان عندنا أخرى لزوجناها بعثمان" وشهد أحدًا وفر يومئذ فيمن تولي، وقد نص الله على العفو عنهم، وشهد الخندق والحديبة، وبايع عنه رسول الله ﷺ يومئذ بإحدى يديه، وشهد خيبر وعمرة القضاء، وحضر الفتح وهوزان والطائف وغزوة تبوك، وجهز جيش العسرة، وتقدم عن عبد الرحمن بن خباب أنه جهزهم يومئذ بثلاثمائة بعير بأقتابها وأحلاسها، وعن عبد الرحمن بن سمرة أنه جاء يومئذ بألف دينار قصبها في حجر رسول الله ﷺ فقال: ﷺ "ما ضر عثمان ما فعل بعد هذا اليوم مرتين" وحج مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، وتوفي وهو عنه راض، وصح أبا بكر فأحسن صحبته، وتوفي وهو عنه راض، وصحب عمر فأحسن صحبته وتوفي وهو عنه راض. ونص عليه في أهل الشورى الستة فكان خيرهم.
[ ٤ / ١٦٣٣ ]
قصة استخلافه
الكّراديس (١)، بعيد ما بين المنكبين، كثير شعر الرأس حسن الثغر، فيه سمرة، وقيل كان في وجهه شيء من آثار الجدري، ﵁، وعن الزهري: كان حسن الوجه والثغر، مربوعًا، أصلع، أرْوَح (٢) يخضب بالصفرة، وكان شد أسنانه بالذهب، وقد كسي ذراعية الشعر.
وقال سيف عن خليفة بن زفر ومجالد قالا: استخلف عثمان لثلاث خلفون من المحرم سنة ثلاث وعشرين فخرج فصلى بالناس العصر، وزاد الناس يعني في أعطياتهم - مائة، ووفد أهل الأمصار، وهو أول من صنع ذلك.
وقصة استخلافه: أنه في أول يوم من سنة أربع وعشرين دفن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وذلك يوم الأحد في قول وبعد ثلاث أيام بويع أمير المؤمنين عثمان ابن عفان ﵁.
كان عمر ﵁ قد جعل الأمر بعده شورى بين ستة نفر وهم عثمان بن عفان، وعلى بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف ﵃، وتحرّج أن يجعلها لواحد من هؤلاء على التعيين، وقال: لا أتحمل أمرهم حيًا وميتًا، وإن يرد الله بكم خيرًا يجمعكم على خير هؤلاء، كما جمعكم على خيركم بعد نبيكم ﷺ، ومن تمام ورعه لم يذكر في الشورى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل لأنه ابن عمه خشي أن يراعي فيولي لكونه ابن عمه، فلذلك تركه - ولعله خشي أن يفتح بابًا بأن يجعل الخلافة وراثية في بني عدى، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، بل جاء في رواية المدائني عن شيوخه أنه استثناه من بينهم، وقال: لست مدخله فيهم، وقال لأهل الشورى يحضركم عبد الله - يعني ابنه- وليس إليه من الأمر شيء - يعني بل يحضر الشورى ويشير بالنصح ولا يولى شيئًا- وأوصى أن يصلى بالناس صهيب بن سنان الرومي ثلاثة أيام حتى تنقضي الشورى، وأن يجتمع أهل الشورى ويوكل بهم أناس حتى ينبرم الأمر، ووكل بهم خمسين رجلًا من
_________________
(١) الكراديس: جمع كردوس: وهو كل عصم نام ضخم، وكل عظمين التقيا في مفصل نحو المنكبين والركبتين والوركين.
(٢) أروح الرجلين: أي في رجليه اتساع دون الفحج، والفحج: الانفراج.
[ ٤ / ١٦٣٤ ]
المسلمين وجعل عليهم مستحثًا أبا طلحة الأنصاري، والمقداد بن الأسود الكندي، وقد قال عمر بن الخطاب: ما أظن الناس يعدلون بعثمان وعلي أحدًا، إنهما كانا يكتبان الوحي بين يدي رسول الله ﷺ بما ينزل به جبريل عليه.
والمقصود أن القوم خلصوا من الناس في بيت يتشاورون في أمرهم، فكثر القول، وعلت الأصوات وقال أبو طلحة: إني كنت أظن أن تدافعوها ولم أكن أظن أن تنافسوها ثم صار الأمر بعد حضور طلحة إلى أن فوض ثلاثة منهم ما لهم في ذلك إلى ثلاثة، ففوض الزبير ما يستحقه من الإمارة إلى علي، وفوض سعد ماله في ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف، وترك طلحة حقه إلى عثمان بن عفان ﵁، فقال عبد الرحمن لعلي وعثمان: أيكما يبرأ من هذا الأمر فنفوض الأمر إليه والله عليه والإسلام ليولين أفضل الرجلين الباقيين فأسكت الشيخان علي وعثمان، فقال عبد الرحمن: إني أترك حقي من ذلك والله عليّ والإسلام أن اجتهد فأولّي أولاكما بالحق، قالا: نعم! ثم خاط بكل واحد منهما بما فيه من الفضل، وأخذ عليه العهد والميثاق لئن ولاه ليعدلن ولئن ولي عليه ليسمعن وليطعين، فقال كل منهما: نعم ثم تفرقوا، ويروى أن أهل الشورى جعلوا الأمر إلى عبد الرحمن يجتهد للمسلمين أفضلهم ليوليه، فيذكر أنه سأل من يمكنه سؤاله من أهل الشورى وغيرهم فلا يشير إلا بعثمان بن عفان، حتى أنه قال لعلي: أرأيت إن لم أولك بمن تشير به علي؟ قال: عثمان، وقال لعثمان: أرأيت إن لم أولك بمن تشير به؟ قال: بعلي بن أبي طالب، والظاهر أن هذا كان قبل أن ينحصر الأمر في ثلاثة، وينخلع عبد الرحمن منها لينظر الأفضل والله عليه والإسلام ليجتهدن في أفضل الرجلين فيوليه، ثم نهض عبد الرحمن بن عوف ﵁ يستشير الناس فيهما ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس الناس وقوداهم جميعًا وأشتاتًا، مثني وفرادي، ومجتمعين، سرًا وجهرًا، حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الوالدان في المكاتب، وحتى سأل من يَرِدُ من الركبان والأعراب إلى المدينة، في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فلم يجد أثنين يختلفان في تقديم عثمان بن عفان، إلا ما ينقل عن عمار والمقداد إنهما أشارا بعلي بن أبي طالب، ثم بايعا مع الناس على ما سنذكره، فسعي في ذلك عبد الرحمن ثلاثة أيام بلياليها لا يغتمض بكثير نوم إلا صلاة ودعاءًا واستخارة، وسؤالًا من ذوي الرأي عنهم، فلم يد أحدًا يعدل عثمان بن عفان ﵁، فلما كانت الليلة يسفر
[ ٤ / ١٦٣٥ ]
صباحها عن اليوم الرابع من موت عمر بن الخطاب جاء إلى منزل ابن اخته المسور بن مخرمة فقال: أنائم يا مسور؟ والله لم أغتمض بكثير نوم منذ ثلاث، أذهب فادع إلي عليًا وعثمان قال المسور: فقلت بأيهما أبدًا؟ فقال بأيهما شئت، قال فذهبت إلى علي فقلت أجب خالي، فقال: أمرك أن تدعو معي أحدًا؟ قلت: نعم! قال: من؟ قلت: عثمان ابن عفان، قال: بأيبنا بدأ؟ قلت: لم يأمرني بذلك، بل قال أدعو لي أيهما شئت أولًا، فجئت إليك قال: فخرج معي فلما مررنا بدار عثمان بن عفان جلس علي حتى دخلت فوجدته يوتر مع الفجر، فقال لي كما قال لي على سواء، ثم خرج فدخلت بهما على خالي وهو قائم يصلي، فلما انصرف أقبل على علي وعثمان فقال: إني قد سألت الناس عنكما فلم أجد أحدًا يعدل بكما أحدًا، ثم أخذ العهد على كل منهما أيضًا لئن ولاه ليعدلن، ولئن ولي عليه ليسمعن وليطيعن، ثم خرج بهما إلى المسجد وقد لبس عبد الرحمن العمامة التي عّممه رسول الله ﷺ، وتقلد سيفًا، وبعث إلى وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ونودي في الناس عامة الصلاة جامعة، فامتلأ المسجد حتى غص بالناس، وتراص الناس وتراصوا حتى لم يبق لعثمان موضع يجلس إلا في أخريات الناس - وكان رجلًا حييًا ﵁ - ثم صعد عبد الرحمن بن عوف منبر رسول الله ﷺ، فوق وقوفًا طويلًا، ودعا دعاء طويلًا، لم يسمعه الناس ثم تكلم فقال: أيها الناس ثم تكلم فقال: أيها الناس، إني سألتكم سرًا وجهرًا بأمانيكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين إما علي وإما عثمان، فقم إلىٌ يا علي، فقام إليه فوقف تحت المنبر فأخذ عبد الرحمن بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي، قال فأرسل يده وقال: قم إلى يا عثمان، فأخذ بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم نعم قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان فقال اللهم أسمع وأشهد، اللهم أسمع وأشهد، اللهم أسمع وأشهد، اللهم إني قد خلعت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان، قال وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه تحت المنبر، قال فقعد عبد الرحمن مقعد النبي ﷺ، وأجلس عثمان تحته على الدرجة الثانية، وجاء إليه الناس يبايعونه، وبايعه إلى بن أبي طالب أولًا.
[ ٤ / ١٦٣٦ ]
فولى الخلافة بعده فتح الله على يديه كثيرًا من الأقاليم والأمصار، وتوسعت المملكة الإسلامية، وامتدت الدولة المحمدية، وبلغت الرسالة المصطفوية في مشارق الأرض ومغاربها، وظهر للناس مصداق قوله تعالي: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ (٢).
وقد كان ﵁ حسن الشكل، مليح الوجه كريم الأخلاق، ذا حياء كثير، وكرم عزير، يؤثر أهله وأقاربه في الله، تأليفًا لقلوبهم من متاع الحياة الدنيا الفاني، لعله يرغبهم في إيثار ما يبقي على ما يفنى، كما كان النبي ﷺ يعطي أقوامًا ويدع آخرين، يعطي أقوامًا خشية أن يكبه الله على وجوهم في النار، وبكل آخرين إلى ما جعل الله في قلوبهم من الهدي والإيمان، وقد تعنت عليه بسبب هذه الخصلة أقوام، كما تعنت بعض الخوارج على رسول الله ﷺ في الإيثار.
أقول: إن استعانة أمير المؤمنين ببعض أقاربه قد يكون فيه مصالح منها الضبط ومنها قوة الولاء ومنها الجرأة على المصارحة بواقع الحال، ولكن الناس ألفوا سنة عمر الذي كان يستبعد أن يولي أحدًا من أقاربه فلم يسلم بعضهم لعثمان بهذا الاجتهاد، وهو على كل حال من الأحوال اجتهاد خلية راشد يشكل سابقة من سوابق الحكم في الأمة الإسلامية، وعلى أمراء المؤمنين أن يجاهدوا أنفسهم فلا يميلوا مع الهوى ويتخيروا من سنن الخلفاء الراشدين ما هو الأنسب للصالح العام.
وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل عثمان ﵁:
قال البخاري في التاريخ: ثنا موسي بن إسماعيل ثنا مبارك بن فضالة قال: سمعت الحسن يقول: أدركت عثمان على ما نقموا عليه، قل ما يأتي على الناس يوم إلا وهم يقتسمون فيه خيرًا، يقال لهم: يا معشر المسلمين أعدوا على أعطياتكم، فيأخذونها وافرة، ثم
_________________
(١) النور: ٥٥.
(٢) التوبة: ٣٣.
[ ٤ / ١٦٣٧ ]
يقال لهم: أغدوا على أرزاقكم فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم اغدوا على السمن والعسل، الأعطيات جارية، والأرزاق دارة، والعدو متقي وذات البين حسن، والخير كثير، وما من مؤمن يخاف مؤمنًان ومن لقيه هو أخوه، بمعني أن الإخاء وافر بين المسلمين- قال الحسن: فلو أنهم صبروا لوسعهم ما كانوا فيه من العطاء والرزق والخير الكثير، بل قالوا: لا والله ما ناصبرها: فو الله ما نصابرها: فوالله ما وردا - أي ما حققوا الدنيا وخيرها - وما سلموا، والأخرى كان السيف مغمدًا عن أهل الإسلام فسلّوه على أنسهم، فوالله ما زال مسلولًا إلى يوم الناس هذا، وأيمن الله إني لأراه سيفًا مسلولًا إلى يوم القيامة.
وقد روي هذا من غير وجه أنه صلى بالقرآن العظيم ي ركعة واحدة عند الحجر الأسود أيام الحج، وقد كان هذا من دأبه ﵁، ولهذا روينا عن ابن عمر أنه قال في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ (١) قال: هو عثمان بن عفان، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢) قال: هو عثمان: وقال حسان:
ضحّوا بأشمطَ عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحًا وقرآنا
وقال سفيان بن عبينة: ثنا إسرائيل بن موسى سمعت الحسن يقول قال عثمان: لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي على يوم لا أنظر في المصحف، وما مات عثمان حتى خرق مصحفه نم كثرة ما يديم النظر يه، وقال أنس ومحمد بن سيرين: قالت امرأة عثمان يوم الدار: اقتلوه أو دعوه، فو الله لقد كان يحيي الليل بالقرآن في ركعة، وقال غير واحد: إنه ﵁ كان لا يوقظ أحدًا من أهله إذا قام من الليل ليعينه على وضوئه، إلا أن يجده يقظان، وكان يصوم الدهر، وكان يعاتب فيقال: لو أيقظت بعض الخدم؟ فيقول: لا الليل لهم يستريحون فيه، وكان إذا اغتسل لا يرع. المئزر عنه، وهو في بيت مغلق عليه، ولا يرفع صلبه جيدًا من شدة حيائه ﵁.
_________________
(١) الزمر: ٩.
(٢) النحل: ٧٦.
[ ٤ / ١٦٣٨ ]
ومن مناقبه الكبار وحسناته العظيمة أنه جمع الناس على قراءة واحدة، وكتب المصحف على العرضة الأخيرة، التي درسها جبريل على رسول الله ﷺ في آخر سني حياته، وكان سبب ذلك أن حذيفة بين اليمان كان في بعض الغزوات، وقد اجتمع فيها خلق من أهل الشام، ممن يقرأ على قراءة المقداد بن الأسود وأبي الدرداء، وجماعة من أهل العراق، ممن يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود وأبي موسى، وجعل من لا يعلم بسوغان القراءة على سبعة احرف، يفضّل قراءته على قراءة غيره، وربما خطًا الآخر أو كفره، فأدي ذلك إلى اختلاف شديد، وانتشار في الكلام السيئ بين الناس، فركب حذيفة إلى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها كاختلاف اليهود والنصارى في كتبهم، وذكر له ما شاهد من اختلاف الناس في القراءة، فعند ذلك جمع عثمان الصحابة وشاورهم في ذلك، ورأي أن يكتب المصحف على حرف واحد، وأن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به، دون ما سواه، لما رأي في ذلك من مصلحة كف المنازعة، ودع الاختلاف، فاستدعي بالصحف التي كان الصديق أمر زيد بن ثابت بجمعها، فكانت عند الصديق أيام حياته، ثم كانت عند عمر، فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين، فاستدعي بها عثمان وأمر زيد بن ثابت الأنصاري أن يكتب وأن يملي عليه سعيد بن العاص الأموي، بحضرة عبد الله بن الزبير الأسدي وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وأمرهم إذا اختلفوا في شييء أن يكتبوه بلغة قريش، كتب لأهل الشام مصحفًا، ولأهل مصر آخر، وبعث إلى البصرة مصحفًا وإلى الكوفة بآخر، وأرسل إلى مكة مصحفًا وإلى اليمن مثله، وأقر بالمدينة مصحفًا، ويقال لهذه المصاحف الأئمة، وليست كلها بخط عثمان، بل ولا واحد منها، وإنما هي بخط زيد بن ثابت، وإنما يقال لها المصاحف العثمانية نسبة إلى أمره وزمانه، وإمارته، كما يقال دينار هرقلي، أي ضرب في زمانه ودولته.
قال أبو عمر بن عبد البر: دفنوا عثمان ﵁ بحش كوكب - وكان قد اشتراه وزاده في البقيع - ولقد أحسن بعض السلف إذ يقول وقد سئل عن عثمان: هو أمير البررة، وقتيل الفجرة، مخذول من خذله، منصور من نصره.
[ ٤ / ١٦٣٩ ]
وقال شيخنا أبو عبد الله الذهبي في آخر ترجمة عثمان وفضائله - بعد حكايته هذا الكلام: الذين قتلوه أو ألبوا عليه قتلوا إلى عفو الله ورحمته، والذين خذلوه خذلوا وتنغص عيشهم، وكان الملك بعده في نائبه معاوية وبنيه، ثم في وزيره مروان وثمانية من ذريته، استطالوا حياته وملّوه مع فضله وسوابقه، فتملك عليهم من هو من بني عمه بضعًا وثمانين سنة، فالحكم لله العلي الكبير، وهذا لظه بحروفه.
ذكر زوجاته وبنيه وبناته ﵃:
تزوج برقية بنت رسول الله ﷺ فولد له منها عبد الله، وبه كان يكني، بعد ما كان يكني في الجاهلية بأبي عمرو، ثم لما توفيت تزوج بأختها أم كلثوم، ثم توفيت فتزوج بفاخته بنت غزوان بن جابر، فولد له منها عبيد الله الأصغر، وتزوج بأم عمرو بنت جندب بن عمرو الأزدية، فولدت له عمرًا، وخالدًا، وأبانا، وعمر، ومريم، وتزوج بفاطمة بنت الوليد بن عبد شمس المخزومية، فولدت له الوليد وسعيدًا، وتزوج أم البنين بنت عيينة بن الفزارية، فولدت له عبد الملك، ويقال وعتبة، وتزوج رملة بنت شيبة بن ربيعة ابن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي فولدت له عائشة وأم أبان وأم عمرو، بنات عثمان، وتزوج نائلة بنت الفرافصة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة بن حصن بن ضمضم بن عدي بن حيان بن كليب، فولدت له مريم، ويقال وعنبة، وقتل ﵁ وعنده أربع: نائلة، ورملة، وأم البنين، وفاخته، ويقال إنه طلق أم البنين وهو محصور أهـ، أبن كثير.
ومما قاله ابن كثير وهو يؤرّخ لسني عهد عثمان ﵁: قال ابن جرير: وفي هذه السنة - أعني سنة أربعة وعشرين - غزا الوليد بن عقبة أذربيجان وأرمينية حين منع أهلها ما كانوا صالحوا عليه أهل الإسلام في أيام عمر بن الخطاب، وهذا في رواية أبي مخنف، وأما في رواية غيره فإن ذلك كان في سنة ست وعشرين، ثم ذكر ابن جرير ههنا هذه الوقعة وملخصها: أن الوليد بن عقبة سار بجيش الكوفة نحو أذربيجان وأرمينية، حين نقضوا العهد فوطيء بالدهم وأغار بأراضي تلك الناحية فغنم وسبي وأخذ أموالًا جزيلة فلما أيقنوا بالهلكة صالحهم أهلها على ما كانوا صالحوا عليه حذيفة بن اليمان ثمانمائة ألف درهم
[ ٤ / ١٦٤٠ ]
في كل سنة فقبض منهم جزية سنة ثم رجع سالمًا غانمًا إلى الكوفة، فمر بالموصل وجاءه كتاب عثمان وهو بها يأمره أن يمد أهل الشام على حرب أهل الروم، قال ابن جرير: وفي هذه السنة جاشت الروم حتى خا أهل الشام وبعثوا إلى عثمان ﵁ يستمدونه فكتب إلى الوليد بن عقبة، أن إذا جاءك كتابي هذا فابعث رجلًا أمينًا كريمًا شجاعًا في ثمانية آلاف أو تسعة آلاف أو عشرة آلاف إلى أخوانكم بالشام، فقام الوليد بن عقبة في الناس خطيبًا حين وصل إليه كتاب عثمان فأخبرهم بما أمره به أمير المؤمنين وندب الناس وحثهم على الجهاد ومعاونة معاوية وأهل الشام، وأمرّ سلمان بن ربيعة على الناس الذين يخرجون إلى الشام فانتدب في ثلاثة أيام ثمانية آلاف فبعثهم إلى الشام وعلى جند المسلمين حيب بن مسلم الفهري، لما اجتمع الجيشان شنوا الفارات على بلاد الروم فغنموا وسبوا شيئًا كثيرًا وفتحوا حصونًا كثيرة ولله الحمد.
ثم دخلت سنة خمس وعشرين:
وفيها نقض أهل الإسكندرية العهد، وذلك أن ملك الروم بعث إليهم معويل الخصي في مراكب من البحر فطمعوا في النصرة ونقضوا ذمتهم، فغزاهم عمرو بن العاص في ربيع الأول، فافتتح الأرض عنوة وافتتح المدينة صلحًا.
وفيها وجه عمرو بن العاص عبد الله بن سعد بن أبي سرح لغزو بلاد المغرب، واستأذنه ابن أبي سرح في غزو إفريقية فأذن له.
ثم دخلت سنة ست وعشرين:
وفيها افتتح عثمان بن أبي العاص سابور صلحًا على ثلاثة آلاف ألف وثلاثمائة ألف.
ثم دخلت سنة سبع وعشرين:
أمر عثمان عبد الله بن سعد بن أبي سرح أن يغزو بلاد إفريقية إذا افتتحها الله عليه فله خمس الخمس من الغنيمة نقلًا - فسار إليها في عشرة آلاف فافتتحها سهلها وجبلها، وقتل خلقًا كثيرًا من أهلها، ثم اجتمعوا على الطاعة والإسلام، وحسن إسلامهم، وأخذ عبد الله ابن سعد خمس الخمس من الغنيمة وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان، وقسم أربعة أخماس الغنيمة
[ ٤ / ١٦٤١ ]
بين الجيش، فأصاب الفارس ثلاثة آلاف دينار والراجل ألف دينار.
غزوة الأندلس:
لما افتتحت إفريقية بعث عثمان إلى عبد الله بن ناع بن عبد قيس وعبد الله بن ناع بن الحصين الفهريين من فورها إلى الأندلس فأتياها من قبل البحر، وكتب عثمان إلى الذين خرجوا إليها يقول: إن القسطنطينية إنما تفتح من قبل البحر، وأنتم إذا فتحتم الأندلس أنتم شركاء لمن يفتتح قسطنطينية في الأجر آخر الزمان واللام، قال فساروا إليها فافتتحوها ولله الحمد والمنة.
أقول: وكان فتح الأندلس فيما بعد عثمان في زمن بني أمية، ولكن الأمر بالفتح كان في زمن عثمان، وكلام عثمان يدل على ما يسمي في اصطلاحات عصرنا ببعد النظر الاستراتيجي، إذا يد كلامه على أنه كان دراكًا ما يترتب على كل خطوة في الفتح من آفاق جديدة.
وقعة جرير والبربر مع المسلمين:
لما قصد المسلمون وهم عشرون ألفًا إفريقية، وعليهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وفي جيشه عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير صمد إليهم ملك البربر جرجير في عشرين ومائة ألف، وقيل في مائتي ألف، فلما تراءي الجمعان أمر جيشه فأحاطوا بالمسلمين هالة، فوقف المسلمون في موقف لم ير أشنع منه ولا أخوف عليهم منه، قال عبد الله بن الزبير، فنظرت إلى الملك جرجير من وراء الصفوف وهو راكب على برذون، وجاريتان تظلانه بريش الطواويس، فذهبت إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح فسألته أن يبعث معي من يحمي ظهري وأقصد الملك، فجهز معي جماعة من الشجعان، قال فأمر بهم فحموا ظهري وذهبت حتى خرقت الصفوف إليه - وهم يظنون أني في رسالة إلى الملك - لما اقتربت منه أحس مني الشر قر علي برذوته، لحقته فطعنته برمحي، وذففت عليه بسيفي، وأخذت رأسه فنصبته على رأس الرمح وكبرت، فلما رأي ذلك البربر فرقوا وفروا كفرار القطا، واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون فغنموا غنائم جمة وأموالًا كثيرة، وسبيًا عظيمًا، وذلك ببلد يقال
[ ٤ / ١٦٤٢ ]
له سبيطله - على يومين من القيروان - فكان هذا أول موقف اشتهر فيه أمر عبد الله بن الزبير ﵁ وعن أبيه وأصحابهما أجمعين.
قال الواقدي: وفي هذه السنة افتتحت اصطخر ثانية على يدي عثمان بن أبي العاص، وفيها غزا معاوية قنسرين، وفيها حج بالناس عثمان بن عفان، قال ابن جرير قال بعضهم وفي هذه السنة غزا معاوية قبرص.
فتح قبرص:
ذكر ابن جرير فتح قبرص تبعًا للواقدي وكان فتحها على يدي معاوية بن أبي سفيان، ركب إليهم في جيش كثيف من المسلمين ومع عباده بن الصامت وزوجته أم حرام بنت ملحان التي تقدم حديثهما في ذلك حين نام رسول الله ﷺ في بيتها ثم استيقظ يضحك فقالت: ما أضحكك يا رسول الله فقال: "ناس من أمتي عرضوا علي يركبون ثبج هذا البحر مثل الملوك على الأسرة". فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: "أنتم منهم" ثم نام فاستيقظ وهو يضحك فقال مثل ذلك فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: "أنت من الأولين" فكانت في هذه الغزوة وماتت بها وكانت الثانية عبارة عن غزوة قسطنطينية بعد هذا.
ثم دخلت سنة تسع وعشرين:
وفي هذه السنة افتتح عبد الله بن عامر فارس ي قول الواقدي وأبي معشر زعم سيف أنه كان قبل هذه السنة فالله أعلم.
وفيها وسع عثمان بن عفان مسجد النبي ﷺ، وبناه بالقضة - وهي الكلس- كان يؤتى به من بطن نخلة والحجارة المنقوشة، وجعل عمده حجارة مرصعة، وسقفه بالساج (١)، وجعل طوله ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل أبواب ستة، على ما كانت عليه في زمان عمر بن الخطاب، ابتداء بناءه في ربيع الأول منها.
_________________
(١) الساج: نوع من الشجر.
[ ٤ / ١٦٤٣ ]
ثم دخلت سنة ثلاثين من الهجرة النبوية:
فيها افتتح سعيد بن العاص طبرستان في قول الواقدي وأبي معشر والمدائني، وقال: هو أول من غزاها.
ثم خلت سنة إحدى وثلاثين:
ففيها كانت غزوة الصواري، وغزوة الأساودة في البحر فيما ذكره الواقدي وقال أبو معشر: كانت غزوة الصواري سنة أربع وثلاثين.
وملخص ذلك فيما ذكره الواقدي وسيف وغيرها أن الشام كان قد جمعها لمعاوية بن أبي سفيان لسنتين مضتا من خلافة عثمان بن عفان ﵁، وقد أحرزه غاية الحفظ وحمي حوزته، ومع هذا له في كل سنة غزوة في بلاد الروم، في زمن الصيف، ولهذا يسمون هذه الغزوة الصائفة - فيقتلون خلقًا، ويأسرون آخرين، ويفتحون حصونًا ويغنمون أموالًا ويرعبون الأعداء، فلما أصاب عبد الله بن سعد بن أبي سرح من أصاب من الفرنج والبربر، ببلاد إفريقية والأندلس، حميت الروم واجتمعت على قسطنطين بن هرقل، وساروا إلى المسلمين في جمع لم ير مثله منذ كان الإسلام، خرجوا في خمسمائة مركب، وقصدوا عبد الله بن أبي سرح في أصحابه من المسلمين الذين ببلاد المغرب، فلما تراءى الجمعان بات الروم يقسقسون (١) ويصلبون، وبات المسلمون يقرؤون ويصلون، فلما أصبحوا صف عبد الله بن سعد أصحابه صفوفًا في المراكب، وأمرهم بذكر الله وتلاوة القرآن قال بعض من حضر ذلك: فأقبلوا إلينا في أمر لم ير مثله من كثرة المراكب، وعقدوا صواريها، وكانت الريح لهم وعلينا، فأرسينا ثم سكنت الريح عنا، فقلنا لهم: إن شئتم خرجنا نحن وأنتم إلى البر فمات الأعجل منا ومنكم، قال: فنخروا نخرة رجل واحد وقالوا: الماء الماء، قال: فدنونا منهم وربطنا سفننا بسفنهم، ثم اجتلدنا وإياهم بالسيوف، يثب الرجال على الرجال بالسيوف والخناجر، وضربت الأمواج في عيون تلك السفن حتى ألجأتها إلى الساحل وألقت الأمواج جثث الرجال إلى الساحل حتى صارت مثل الجبل
_________________
(١) يقفون: أي يغلطون ويرفعون أصواتهم.
[ ٤ / ١٦٤٤ ]
العظيم، وغلب الدم على لون الماء، وصبر المسلمون يومئذ صبرًا لم يعهد مثله قط، وقتل منهم بشر كثير، ومن الروم أضعاف ذلك، ثم أنزل الله نصره على المسلمين فهرب قسطنطين وجيشه- وقد قلّوا جدًا- وبه جراحات شديدة مكينة مكث حينًا يداوي منها بعد ذلك، وأقام عبد الله بن سعد بذات الصواري أيامًا، ثم رجع مؤيدًا منصورًا مظفرًا.
وفي هذه السنة فتح ابن عامر فتوحات كثيرة، فمن ذلك ما فتح عنوة، ومن ذلك ما فتح صلحًا، فكان في جملة ما صالح عليه بعض المدائن وهي مرو على ألفي ألف ومائتي ألف، وقيل على ستة آلاف ألف ومائتي ألف.
ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين:
وفيها غزا معاوية بلاد الروم حتى بلغ المضيق - مضيق القسطنطينية - ومعه زوجته عاتكة، ويها استعمل سعيد بن العاص سلمان بن ربيعة على جيش وأمره أن يغزوا الباب، وكتب إلى عبد الرحمن بن ربيعة نائب تلك الناحية بمساعدته، سار حتى بلغ بلنجر (١) فحصروها ونصبت عليها المجانيق والعرادات. ثم إن أهل بلنجر خرجوا إليهم وعاونهم الترك فاقتتلوا قتالًا شديدًا - وكانت الترك تهاب قتال المسلمين، ويظنون أنهم لا يموتون - حتى اجترأوا عليهم بعد ذلك، فلما كان هذا اليوم التقوا معهم فاقتتلوا، فقتل يومئذ عبد الرحمن ابن ربيعة - وكان يقال له ذو النون - وانهزم المسلمون فافترقوا فرقتين، ففرقة ذهبت إلى بلاد الخزر، وفرقة سلكوا ناحية جيلان وجرجان، وفي هؤلاء أبو هريرة وسلمان الفارسي، وأخذت الترك جسد عبد الرحمن بن ربيعة - وكان من سادات المسلمين وشجعانهم - فدفنوه في بلادهم فهم يستقسون عنده إلى اليوم، وفيها فتح ابن عامر مرو الروذ والطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان.
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين:
وفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح إفريقية ثانية، حين نقض أهلها العهد.
_________________
(١) بلنجر: هي بلد بالخزر خلف باب الأبواب.
[ ٤ / ١٦٤٥ ]
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين:
قال الواقدي فيما رواه عن عبد الله بن محمد عن أبيه قال: لما كانت سنة أربع وثلاثين أكثر الناس بالمقالة على عثمان بن عفان ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ففيها مقتل عثمان:
إن قال قائل كيف وقع قتل عثمان ﵁ بالمدينة وفيها جماعة من كبار الصحابة ﵃؟ فجوابه من وجوه (أحدها) أن كثيرًا منهم بل أكثرهم أو كلهم لم يكن يظن أنه يبلغ الأمر إلى قتله، فإن أولئك الأحزاب لم يكونوا يحاولون قتله عينًا، بل طلبوا منه أحد أمور ثلاثة إما أن يعزل نفسه، أو يسلم إليهم مروان بن الحكم، أو يقتلوه، فكانوا يرجون أن يسلم إلى الناس مروان، أو أن يعزل نفسه ويستريح من هذه الضائقة الشديدة، وأما القتل فما كان يظن أحد أنه يقع، ولا أن هؤلاء يجترئون عليه إلى ما هذا حده، حتى وقع ما وقع والله أعلم. (الثاني) أن الصحابة مانعوا دونه أشد الممانعة، ولكن لما وقع التضييق الشديد، عزم عثمان على الناس أن يكفوا أيديهم ويغمدوا أسلحتهم ففعلوا، فتمكن أولئك مما أرادوا، ومع هذا ما ظن أحد من الناس أنه يقتل بالكلية (الثالث) أن هؤلاء الخوارج لما اغتنموا غيبة كثير من أهل المدينة في أيام الحج، ولم تقدم الجيوش من الآفاق للنصرة، بل لم اقترب مجيئهم، انتهزوا فرصتهم، قبحهم الله، وصنعوا ما صنعوا من الأمر العظيم (الرابع) أن هؤلاء الخوارج كانوا قريبًا من ألفي مقاتل من الأبطال، وربما لم يكن في أهل المدينة هذه العدة من المقاتلة، لأن الناس كانوا في الثغور وفي الأقاليم في كل جهة، ومع هذا كان كثير من الصحابة اعتزل هذه الفتنة ولزموا بيوتهم، ومن كان يحضر منهم المسجد لا يجيء إلا ومعه السيف، ويضعه على حبوته إذا احبتي، والخوارج محدقون بدار عثمان ﵁، وربما لو أرادوا صرفهم عن الدار لما أمكنهم ذلك، ولكن كبار الصحابة قد بعثوا أولادهم إلى الدار يحاجفون عن عثمان ﵁، لكي تقدم الجيوش من الأمصار لنصرته، فما فجيء الناس إلا وقد ظفر أولئك بالدار من خارجها، وأحرقوا بابها، وتسوروا عليه حتى قتلوه، وأما ما يذكره بعض الناس من أن بعض الصحابة أسلمه ورضي بقتله، فهذا لا يصح عن أحد من الصحابة أنه رضي بقتل عثمان
[ ٤ / ١٦٤٦ ]
﵁، بل كلهم كرهه، ومقته، وسب من فعله، ولكن بعضهم كان يوجد لو خلع نفسه من الأمر كعمار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر، وعمرو بن الحمق وغيرهم.
وقد أطال ابن كثير في البداية والنهاية الكلام عن مقتل عثمان وذكر الروايات الكثيرة في ذلك، وها نحن ننقل مختارات من كلامه، قال ﵀:
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ففيها مقتل عثمان:
وكان السبب في ذلك أن عمرو بن العاص حين عزله عثمان عن مصر ولى عليها عبد الله ابن سعد بن أبي سرح، وكان سبب ذلك أن الخوارج من المصريين كانوا محصورين من عمرو ابن العاص، مقهورين معه، لا يستطيعون أن يتكلموا بسوء في خليفة ولا أمير، فما زالوا حتى شكوه إلى عثمان لينزعه عنهم ويولي عليهم من هو ألين منه، فلم يزل ذلك دأبهم حتى عزل عمرًا عن الحزب وتركه على الصلاة، وولّى على الحرب والخراج عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ثم سعوا فيما بينهما بالنميمة فوقع بينهما: حتى كان بينهما كلام قبيح، فأرسل عثمان فجمع لابن أبي سرح جميع عمالة مصر، خراجها [وحربها] وصلاتها، وبعث إلى عمرو يقول له: لا خير لك في المقام عند من يكرهك، أقدم إلي، فانتقل عمرو بن العاص إلى المدينة وفي نفسه من عثمان أمر عظيم وشر كبير فكمله فيما كان من أمره بنفس، وتقاولا في ذلك، وافتخر عمرو بن العاص بأبيه على عثمان، وأنه كان أعز منه، قال له عثمان: دع هذا فإنه من أمر الجاهلية، وجعل عمرو بن العاص يؤلب الناس على عثمان، وكان بمصر جماعة يبغضون عثمان ويتكلمون فيه بكلام قبيح على ما قدمنا، وينقمون عليه في عزلة جماعة من عليه الصحابة وتوليته من دونهم، أو من لا يصلح عندهم للولاية وكره أهل مصر عبد الله ابن سعد بن أبي سرح، بعد عمرو بن العاص، واشتغل عبد الله بن سعد عنهم بقتال أهل المغرب، وفتحه بلاد البربر والأندلس وإفريقية، ونشأ بمصر طائفة من أبناء الصحابة يؤلبون الناس على حرية والإنكار عليه، وكان عظم ذلك مسندًا إلى محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة، حتى استنفروا نحوًا من ستمائة راكب يذهبون إلى المدينة في صفة معتمرين في شهر رجب، لينكروا على عثمان فساروا إليها تحت أربع رفاق، وأمر الجميع إلى عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعبد الرحمن بن عديس العلوي، وكنانة بن بشر
[ ٤ / ١٦٤٧ ]
التجيبي، وسودان بن حمران الكوني، وأقبل معهم محمد بن أبي بكر، وأقام بمصر محمد بن أبي حذيفة يؤلب الناس ويدافع عن هؤلاء، وكتب عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى عثمان يعلمه بقدوم هؤلاء القوم إلى المدينة منكرين عليه في صفة معتمرين، لما اقتربوا من المدينة أمر عثمان علي بن أبي طالب أن يخرج إليهم ليردهم إلى بلادهم قبل أن يدخلوا المدينة.
فانطلق علي بن أبي طالب إليهم وهم بالجحفة، وكانوا يعظمونه ويبالغون في أمره، فردهم وأنبهم وشتمهم، فرجعوا على أنفسهم بالملامة، وقالوا: هذا الذي تحاربون الأمير بسببه وتحتجون عليه به، ويقال إنه ناظرهم في عثمان، وسألهم ماذا ينقمون عليه، فذكروا أشياء منها أنه حمي الحمى، وأنه حرق المصاحف، وأنه أتم الصلاة وأنه ولى الأحداث الولايات وترك الصحابة الأكابر وأعطى بني أمية أكثر من الناس فأجاب علي عن ذلك: أما الحمى فإنما حماه لإبل الصدقة لتسمن، ولم يحمه لإبله ولا لغنمه وقد حماه عمر من قبله، وأما المصاحف إنما حرّق ما وقع يه اختلاف، وأبقى لهم المتفق عليه، كما ثب في العرضة الأخيرة، وأما إتمامه الصلاة بمكة، فإنه كان قد تأهل بها ونوى الإقامة فأتمها، وأما توليته الأحداث فلم يول إلا رجلًا سويًا عدلًا، وقد ولى رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد على مكة وهو ابن عشرين سنة، وولى أسامة بن زيد بن حارثة، وطعن الناس في إمارته فقال إنه لخليق بالإمارة وإما إيثاره قومه بني أمية فقد كان رسول الله ﷺ يؤثر قريشًا على الناس، ويقال: إنهم عتبوا عليه في عمار ومحمد بن أبي بكر، فذكر عثمان عذره في ذلك، وأنه أقام فيهما ما كان يجب عليهما، وعتبوا عليه في إيوائه الحكم بن أبي العاص، وقد نفاه رسول الله ﷺ إلى الطائف، فذكر أن رسول الله ﷺ كان قد نفاه إلى الطائف ثم رده، ثم نفاه إليها، قال قد نفاه رسول الله ﷺ ثم رده، وروي أن عثمان خطب الناس بهذا كله بمحضر من الصحابة، وجعل يستشهد بهم فيشهدون له فيما شهادة له، ويروى أنهم بعثوا طائفة منهم فشهدوا خطبة عثمان هذه، فلما تمهدت الأعذار وانزاحت عللهم ولم يبق لهم شبهة، أشار جماعة من الصحابة على عثمان بتأديبهم فصح عنهم، ﵁، وردّهم إلى قومهم فرجعوا خائبين من حيث أتوا، ولم ينالوا شيئًا مما كانوا أملوا وراموا، ورجع علي إلى عثمان، فأخبره برجوعهم عنه، وسماعهم منه، وأشار على عثمان أن يخطب الناس خطبة
[ ٤ / ١٦٤٨ ]
يعتذر إليهم يها مما كان وقع من الأثرة لبعض أقاربه، ويشهدهم عليه بأنه قد تاب من ذلك، وأناب إلى الاستمرار على ما كان عليه من سيرة الشيخين قبله، وأنه لا يحيد عنها، كما كان الأمر أولًا في مدة ست سنين الأول، استمع عثمان هذه النصيحة، وقابلها بالسمع والطاعة، ولما كان يوم الجمعة وخطب الناس، رفع يديه في أثناء الخطبة، وقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، اللهم إني أول تائب مما كان مني، وأرسل عينية بالبكاء بكي المسلمون أجمعون، وحصل الناس رقة شديدة على إمامهم، وأشهد عثمان الناس على نفسه بذلك، وأنه قد لزم ما كان عليه الشيخان، أبو بكر وعمر ﵄، وأنه قد سبل بابه لمن أراد الدخول عليه، لا يمنع أحد من ذلك، ونزل فصلى بالناس ثم دخل منزله وجعل من أراد الدخول على أمير المؤمنين لحاجة أو مسألة أو سؤال، لا يمنع أحد من ذلك مدة.
ثم ذكر ابن كثير: أن مروان بن الحكم لم يرق له أن يظهر عثمان بهذا الضعف، وأنه - أي مروان - تصرف تصرفات أغضبت عليًا ﵁ لدرجة أنه قرر ألا يتدخّل مرّة أخرى، ولما تسامعت أحزاب الفتنة بذلك ادّعوا دعوي وعادوا إلى المدينة.
ذكر مجيء الأحزاب إلى عثمان للمرة الثانية في مصر:
وذلك أن أهل الأمصار لما بلغهم خبر مروان، وغصب علي على عثمان بسببه، ووجدوا الأمر على ما كان عليه لم يتغير ولم يسلك سيرة صاحبيه، تكاتب أهل مصر وأهل الكوفة وأهل البصرة وتراسلوا، وروت كتب على لسان الصحابة الذين بالمدينة، وعلى لسان علي وطلحة والزبير، يدعون الناس إلى قتال عثمان ونصر الدين، وأنه أكبر الجهاد اليوم، وذكر سيف بن عمر التميمي عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان، وقاله غيرهم أيضًا، قالوا: لما كان في شوال سنة خمس وثلاثين، خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء، المقلل لهم يقول ستمائة، والمكثر يقول: ألف، على الرفاق عبد الرحمن بن عديس البلوي، وكنانة بن بشر الليثي، وسودان بن حمران السكوني، وقتيرة الكوني وعلى القوم جميعًا الغافقي بن حرب العكي، وخرجوا فيما يظهرون حجاجًا، ومعهم ابن السوداء - وكان أصله ذميًا فأظهر الإسلام وأحدث بدعًا قولية وفعلية، قبحة الله- وخرج
[ ٤ / ١٦٤٩ ]
أهل الكوفة في عدتهم في أربع رفاق أيضًا، وأمراؤهم: زيد بن صوحان، والأشتر النخعي، وزياد بن النصر الحارثي، وعبد الله بن الأصم، وعلى الجميع عمرو بن الأصم. وخرج أهل البصرة في عدتهم أيضًا في أربع رايات مع حكيم بن جبلة العبدي، وبشر بن شريح بن ضبيعة القيسي، وذريح بن عباد العبدي، وعليهم كلهم حرقوص بن زهير السعدي، وأهل مصر مصرون على ولاية علي بن أبي طالب، وأهل الكوفة عازمون على تأمير الزبير، وأهل البصرة مصممون على تولية طلحة، لا تشك كل فرقة أن أمرها سيتم، فسار كل طائفة من بلدهم حتى توافوا حول المدينة، كما تواعدوا في كتبهم، شهر شوال نزل طائقة منهم بذي خشب، وطائفة بالأعوص، والجمهور بذي المروة، وهم على وجل من أهل المدينة، فبعثوا قصادًا وعيونًا بين أيديهم ليخبروا الناس أنهم إنما جاءوا للحجج لا لغيرة، وليستعفوا هذا الوالي من بعض عماله، ما جئنا إلا لذلك، واستأذنوا للدخول، فكل الناس أبي دخولهم ونهي عنه، تجاسروا واقتربوا من المدينة، وجاءت طائفة من المصريين إلى علي وهو في عسكر عند أحجار الزيت، عليه حلة أقواف (١)، معتم بشقيقة حمار يمانية، متقلدًا السيف وليس عليه قميص وقد أرسل ابنه الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه فسلم عليه المصريون صاح بهم وطردهم، وقال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمد ﷺ، فارجعوا لا صبحكم الله، قالوا: نعم! وانصرفوا من عنده على ذلك، وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب علي - وقد أرسل ابنيه إلى عثمان - فسلموا عليه فصاح بهم وطردهم وقال لهم كما قال علي لأهل مصر، وكذلك كان رد الزبير على أهل الكوفة، فرجع كل فريق منهم إلى قومهم، وأظهروا للناس أنهم راجعون إلى بلدانهم، وساروا أيامًا راجعين، ثم كروا عائدين إلى المدينة، ما كان غير قليل حتى سمع أهل المدينة التكبير، وإذا القوم قد زحفوا على المدينة وأحاطوا بها، وجمهورهم عند دار عثمان بن عفان، وقالوا للناس: من كف يده فهو آمن، فكف الناس ولزموا بيوتهم، وأقام الناس على ذلك أيامًا، هذا كله ولا يدري الناس ما القوم صانعون ولا على ما هم عازمون، وفي كل ذلك وأمير المؤمنين عثمان بن عفان يخرج من داره فيصلى بالناس،
_________________
(١) حلة أقواف: أي ذات وبر أو شعر.
[ ٤ / ١٦٥٠ ]
فيصلى وراءه أهل المدينة وأولئك الآخرون، وذهب الصحابة إلى هؤلاء يؤنبونهم ويعذلونهم على رجوعهم، حتى قال على لأهل مصر: ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيه فقالوا: وجدنا مع بريد كتابًا بقتلنا، وكذلك قال البصريون لطلحة، والكوفيون للزبير، وقال أهل كل مصر: إنما جئنا لننصر أصحابنا، قال لهم الصحابة: كيف علمتهم بذلك من أصحابكم، وقد افترقتم وصار بينكم مراحل؟ إنما هذا أمر اتفقتم عليه، فقالوا: ضعوه على ما أردتم، لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا ونحن نعتزله - يعنون أنه إن نزل عن الخلافة تركوه أمنًا - وكان المصريون فيما ذكر، لما رجعوا إلى بلادهم وجدوا في الطريق بريدًا يسير، فأخذوه ففتشوه، فإذا معه في إداوة كتابًا على لسان عثمان فيه الأمر بقتل طائفة منهم، وبصلب آخرين، وبقطع أيدي آخرين منهم وأرجلهم، وكان على الكتاب طابع بخاتم عثمان، والبريد أحد غلمان عثمان وعلى جملة، فلما رجعوا جاءوا بالكتاب وداروا به على الناس، فكلم الناس أمير المؤمنين في ذلك، فقال: بينة على بذلك وإلا فو لله لا كتبت ولا أمليت، ولا دريت بشيء من ذلك، والخاتم قد يزور على الخاتم، فصدقه الصادقون في ذلك، وكذبه الكاذبون، ويقال: إن أهل مصر كانوا قد سألوا من عثمان أن يعزل عنهم أبي سرح، ويولي محمد بن أبي بكر، فأجابهم إلى ذلك، فلما وجدوا ذلك البريد ومعه الكتاب بقتل محمد بن أبي بكر، وآخرين معه فرجعوا وقد حنقوا عليه حنقًا شديدًا، وطافوا بالكتاب على الناس، دخل ذلك في أذهان كثير من الناس.
واستمر عثمان يصلى بالناس في تلك الأيام كلها، وهم أحقر في عينيه من التراب، فلما كان في بعض الجمعات وقام على المنبر، وفي يده العصا التي كان يعتمد عليها رسول الله ﷺ في خطبته، وكذلك أبو بكر وعمر ﵄ من بعده، فقام إليه رجل من أولئك فسبه ونال منه، وأنزله عن المنبر، فطمع الناس فيه من يومئذ.
ذكر حصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان:
لما وقع ما وقع يوم الجمعة، وشج أمير المؤمنين عثمان، وهو في رأس المنبر، وسقط مغشيًا عليه، واحتمل إلى داره وتفاقم الأمر، وطمع فيه أولئك الأجلاف الأخلاط من الناس، وألجأوه إلى داره وضيقوا عليه، وأحاطوا بها محاصرين له، ولزم كثير من الصحابة
[ ٤ / ١٦٥١ ]
بيوتهم، وسار إليه جماعة من أبناء الصحابة، عن أمر أبائهم، منهم الحسن والحسين، وعبد الله بن الزبير- وكان أمير الدار- وعبد الله بن عمرو، وصاروا يحاجون عنه، ويناضلون دونه أن يصل إليه أحد منهم، وأسلمه بعض الناس رجاء أن يجيب أولئك إلى واحدة مما سألوا، فإنهم كانوا قد طلبوا منه إما أن يعزل نفسه، أوي سلم إليهم مروان بن الحكم، ولم يقع في خلط أحد أن القتل كان في نفس الخارجين، وانقطع عثمان عن المسجد فكان لا يخرج إلا قليلًا في أوائل الأمر، ثم انقطع بالكلية في آخره، وكان يصلى بالناس في هذه الأيام الغافقي بن حرب، وقد استمر الحصر أكثر من شهر، وقيل أربعين يومًا، حتى كان آخر ذلك أن قتل شهيدًا ﵁.
كان الحصار مستمرًا من أواخر ذي القعدة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة، فلما كان قبل ذلك بيوم، قال عثمان للذين عنده في الدار من المهاجرين والأنصار- وكانوا قريبًا من سبعمائة، فيهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ومروان وأبو هريرة، وخلق من مواليه، ولو تركهم لمنعوه فقال لهم: أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده وأن ينطلق إلى منزله، وعنده من أعيان الصحابة وأبنائهم جم غفير، وقال لرقيقه: من أغمد سيفه فهو حر، فبرد القتال من داخل، وحمي من خارج، وأشتد الأمر، وكان سبب ذلك أن عثمان رأي في المنام رؤيا دلّت على اقتراب أجله فاستسلم لأمر الله رجاء موعوده، وشوقًا إلى رسول الله ﷺ، وليكون خير ابني آدم حيث قال حين أراد أخوه قتله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ (١). وروي أن آخر من خرج من عند عثمان من الدار، بعد أن عزم عليهم في الخروج، الحسن ابن علي وقد خرج، وكان أمير الحرب على أهل الدار عبد الله بن الزبير ﵃.
ولما رأى عثمان ذلك عزم على الناس لينصرفوا إلى بيوتهم، فانصرفوا كما تقدم، فلم يبق عنده أحدى سوى أهله، فدخلوا عليه من الباب، ومن الجدران وفزع عثمان إلى الصلاة وافتتح سورة طه، وكان سريع القراءة - فقرأها والناس في غلبة عظيمة، قد احترق الباب والسقيفة التي عنده وخافوا أن يصل الحريق إلى بيت المال، ثم فرغ عثمان من صلاته
_________________
(١) المائدة: ٢٩.
[ ٤ / ١٦٥٢ ]
وجلس وبين يديه المصحف، وجعل يتلو هذه الآية: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١)، كان أول من دخل عليه رجل يقال له الموت الأسود فخنقه خنقًا شديدًا حتى غشي عليه، وجعلت نفسه تتردد في حلقه، فتركه وهو يظن أنه قد قتله، ودخل ابن أبي بكر فمسك بلحيته ثم ندم وخرج، ثم دخل عليه آخر ومعه سيف فضربه، فاتقاه بيده فقطعها، فقيل: إنه أبانها وقيل: بل قطعها ولم يبنها، إلا أن عثمان قال: والله إنها أول يد كتبت المفصل، فكان أول قطرة دم منها سقطت على هذه الآية ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ثم جاء آخر شاهرًا سيفه فاستقبتله نائلة بنت الفرافصة لتمنعه منه، وأخذت السيف فانتزعه منها فقطع أصابعها، ثم إنه تقدم إليه فوضع السيف في بطنه فتحامل عليه، رضي الله عن عثمان. أهـ من البداية والنهاية.
١٦١٢ - *روى أحمد عن الحسن وذكر عثمان وشده حيائه قال إن كان ليكون في البيت والباب عليه مغلق فما يضع عنه الثوب ليفيض عليه الماء يمنعه الحياء أن يقيم صلبه.
١٦١٣ - * روى مسلم عن سعيد بن العاص ﵁ أن عائشة زوج النبي ﷺ وعثمان حدثاه أن أبا بكر الصديق استأذن على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراشه، لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضي إليه حاجته ثم انصرف، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو على تلك الحال، فضي إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه، فجلس وقال لعائشة: "اجمعي عليك ثيابك" قال: فقضيت إليه حاجتي، ثم انصرفت، فقالت عائشة: يا رسول الله، مالي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر ﵄ كما فزعت لعثمان؟ فقال: "إن عثمان رجل حبي، وإن خشيت
_________________
(١) آل عمران: ١٧٢.
(٢) أحمد في مسنده (١/ ٧٤) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٢) رواه أحمد ورجاله ثقات.
(٣) مسلم (٤/ ١٨٦٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣ - باب من فضائل عثمان. المرط: الكساء من الخز والصوف يؤتزر به. فزعت: لمجيء فلان: أي تأهُبتُ له متحولًا من حال إلى حال، يقال: فزع من نومه: إذا استيقظ، فانتقل من حال النوم إلى حال اليقظة.
[ ٤ / ١٦٥٣ ]
إن أذنتُ له على تلك الحال: أن لا يبلغ إلى في حاجته".
١٦١٤ - * روي أحمد والطبراني وأبو يعلى عن حفصة بنت عمر قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ذات يوم فوضع ثوبه بين فخذيه فجاء أبو بكر فاستأذن فأذن له رسول الله ﷺ على هيئته وجاء ناس من أصحابه، فأذن لهم وجاء علي فأذن له رسول الله ﷺ على هيأته، ثم جاء عثمان بن عفان، فاستأذن فتجلل ثوبه فأذن له فتحدثوا ساعة ثم خرجوا، فقتل: يا رسول الله دخل أبو بكر وعمر وعلي وناس من أصحابك وأنت على هيأتك لم تحرك، فلما دخل عثمان تخللت ثوبك، قال "ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة" ١٦١٥ - * روى الطبراني عن عب الرحمن بن عثمان القرشي أن رسول الله ﷺ على ابنته وهي تغسل رأس عثمان فقال: "يا بنية أحسني إلى أبي عبد الله فإنه أشبه أصحابي بي خلقًا".
١٦١٦ - * روى الطبراني عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: رأيت عثمان بن عفان يوم الجمعة على المنبر عليه إزار عدني غليظ، ثمنه أربعة دراهم، أو خمسة، وربطه كوفية ممشقة، ضرب اللحم طويل اللحية حسن الوجه.
١٦١٧ - * روى الترمذي والنسائي عن عثمان: أن النبي ﵌ قدم
_________________
(١) أحمد في مسنده (١/ ٧٤) والمعجم الكبير (٢٣/ ٢٠٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٤): رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط وأبو يعلي باختصار كثير وإسناده حسن.
(٢) المعجم الكبير (١/ ٧٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨١): رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(٣) المعجم الكبير (١/ ٧٥)، وقال الهيثمي فيمجمع الزوائد (٩/ ٨٠) رواه الطبراني وإسناده حسن. الرطبة: الملاءة، الثوب اللين الرقيق. ممشقة: مصبوغة بالمغرة والمغرة مسحوق أحمر. ضرب اللحم: خفيف اللحم ممشوق مستدق.
(٤) الترمذي (٥/ ٦٢٧) ٥ - كتاب المناقب- ١٨ - باب في مناقب عثمان بن عفان، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي (٦/ ٢٣٥) كتاب الأحباس، باب وقف المساجد.
[ ٤ / ١٦٥٤ ]
المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال: "من يشتري بئر رومة، فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ فاشتريتها من صلب مالي.
وفي الحديث جواز انتفاع الواقف بوقفه العام.
١٦١٨ - * روى الطبراني عن الحسن بن علي قال: رأيت النبي ﷺ في المنام متعلقًا بالعرش ورأيت أبا بكر آخذًا بحقوي النبي ﷺ ورايت عمر آخذًا بحقوي أبي بكر ورأيت عثمان آخذًا بحقوي عمر ورأيت الدم ينصب من السماء إلى الأرض، فحدث الحسن بهذا، وعنده قوم من الشيعة، فقالوا: وما رأيت عليًا، فقال الحسن: ما كان أحد أحب إلى أن أراه آخذًا بحقوي رسول الله ﷺ من علي، ولكنها رؤيا رأيتها، فقال أبو مسعود: إنكم لتحدثون عن الحسن بن علي في رؤيا رآها، وقد كنا مع النبي ﷺ في غزاة فأصاب الناس جهد حتى رأيت الكآبه في وجوه المسلمين والفرح في وجوه المنافقين، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ قال: "والله لا تغيب الشمس حتى يأتيكم الله برزق" فعلم عثمان أن الله ورسوله سيصدقان، فاشترى عثمان أربع عشرة راحلة بما عليها من الطعام، فوجه إلى النبي ﷺ منها بتسعة، فلما رأى ذلك النبي ﷺ قال: "ما هذا" قالوا: أهدي إليك عثمان، قال: فعرف الفرح في وجه المسلمين والكآبه في وجوه المنافقين، فرأيت النبي ﷺ قد رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه يدعو لعثمان دعاء ما سمعته دعا لأحد قبله: "اللهم أعط عثمان اللهم افعل لعثمان".
١٦١٩ - * روى البزار عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ فرأى لحمًا، فقال: "من بعث بهذا؟ " قلت: عثمان، قالت: فرأيت رسول الله ﷺ رافعًا يديه يدعو لعثمان.
_________________
(١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٩٥) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار، وإسناده حسن. الحقوا: معقد الإزار، ويسمي به الإزار للمجاورة، ويقال أيضًا أخذ بحقو فلان إذا استجار به.
(٢) البزار: كشف الأستار (٣/ ١٧٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٥): رواه البزار وإسناده حسن.
[ ٤ / ١٦٥٥ ]
١٦٢٠ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: كنت مع رسول الله ﷺ إذا جاء رجل إلى النبي ﷺ فصافحه، فلم ينزع النبي ﷺ يده من يد الرجل حتى انتزع الرجل يده ثم قال له: يا رسول الله جاء عثمان قال: "امرؤ من أهل الجنة".
١٦٢١ - * روى عبد الله بن أحمد عن أم موسى قالت: كان عثمان من أجمل الناس.
١٦٢٢ - * روى الطبراني عن أم عياش قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما زوجت عثمان أم كلثوم إلا بوحي من السماء".
١٦٣٢ - * روى الطبراني عن أم موسي قالت: ولدت رقية لعثمان غلامًا فسماه رسول الله ﷺ عبد الله وكني عثمان بأبي عبد الله.
١٦٢٤ - * روى الترمذي عن عبد الرحمن بن سمرة: قال: جاء عثمان إلى النبي ﷺ بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره، فرأيته ﷺ يقبلها في حجرة ويقول: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين" ١٦٢٥ - * روى البخاري عن عبد الرحمن أن المسور بن محرمة أخبره: أن الرهط الذين ولا هم عمر اجتمعوا فتشاوروا، فقال لهم عبد الرحمن: لست بالذي أنفاسكم على هذا، ولكنكم إن شئتم اخترتم لكم منكم، فجعوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم فمال الناس على عبد الرحمن، حتى ما أرى أحدًا من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبه، ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي، حتى إذا كانت الليلة
_________________
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٧): رواه الطبراني في الأوسط والكبير وإسناده حسن.
(٢) رواه عبد الله في زياداته على المسند (١/ ٧٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٠). وقال: رواه عبد الله ورجاله رجال الصحيح غير أم موسي وهي ثقة.
(٣) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٣) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وإسناده حسن، لما تقمه من الشواهد.
(٤) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٣): رواه الطبراني بإسناد الذي قبله.
(٥) الترمذي (٥/ ٦٢٦) ٥٠ - كتاب المناقب - ١٩ - باب مناقب عثمان. وقال: هذا حديث حسن غريب.
(٦) البخاري (١٣/ ١٩٣) ٩٣ - كتاب الأحكام -٤٣ - باب كيف يبايع الإمام الناس.=
[ ٤ / ١٦٥٦ ]
التي أصبحنا منهما فبايعنا عثمان - قال السور - طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل، فضرب الباب حتى استيقظت فقال: أراك نائمًا، فو الله ما اكتحلت هذه الثلاث بكثير نوم، انطلق فادع الزبير وسعدًا، فدعوتهما له، فشاورهما، ثم دعاني فقال: ادع لي عليًا، فدعوته، فنجاه حتى إبهار الليل، ثم قام علي من عنده وهو على طمع، وقد كان عبد الرحمن يخشي من علي شيئًا، ثم قال: ادع لي عثمان، فدعوته، فنجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح، فلما صلى للناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر، فأرسل إلى من كان حاضرًا من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد - وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر - فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلًا، فقال: أبايعك على سنة الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده: فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس: المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون.
١٦٢٦ - * روى الحاكم عن عبد الله بن حوالة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم: "تهجمون على رجل معتجر ببردة يباع الناس من أهل الجنة" فهجمت على عثمان ﵁ وهو معتجر ببرد حبرة يباع الناس.
١٦٢٧ - * روى الطبراني عن الحسن قال: أدركت عثمان وأنا يومئذ قد أرهقت الحلم فسمعته وهو يخطب وشهدته وهو يقول: يا أيها الناس ما تنقمون علي؟ قال: وما من يوم إلا وهم يقسمون فيه خيرًا كثيرًا يقول: يا أيها الناس اغدوا على أعطياتكم، فيغدون فيأخذونها وافرة، ثم يقال يا أيها الناس اغدوا على كسوتكم فيجاء بالحلل فتنقسم بينهم، قال الحسن: والعدو متقى، والعطيات دارة، وذات البين حسن، والخير كثير، ما على الأرض مؤمن يخاف مؤمنًا، من لقي من الأحياء فهو أخوة ومؤدته ونصرته والفتنة إن سل عليه سيفًا.
_________________
(١) = هجع: مضي هجع من اللي، أي طائفة منه. إبهار: الليل: إذا مضي نصفه، وبهره كل شيء: ويبسطه، وقيل: معظمه، والبهر: الضوء.
(٢) المستدرك (٣/ ٩٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي. معتجر: اعتجر فلان بالعمامة: لفها على رأسه ورد طرفها على وجهه.
(٣) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٩٣) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.
[ ٤ / ١٦٥٧ ]
١٦٢٨ - * روى أحمد والطبراني عند عبد الله بن حوالة قال: أتيت على رسول الله ﷺ وهو جالس في ظل دومة وعنده كات بيملي عليه فقال: "ألا نكتبك يا ابن حوالة" قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله، فأعرض عني وقال إسماعيل مرة فأكب يملي عليه ثم قال: "ألا نكتبك يا ابن حوالة" قلت: ما أدري ما خار الله لي ورسوله، فأعرض عني وأكب على كاتبه يملي عليه قال: فنظرت فإذا في الكتاب عمر، فعرفت أن عمر لا يكتب إلا في خير ثم قال: "أنكتبك يا ابن حوالة" قلت: نعم. قال "ابن حواة، كيف تفعل في فتن تخرج من أطراف الأرض كأنها صياصي بقر؟ " قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله، قال: "اتبعوا هذا" ورجل مقف حينئذ، فانطلقت فسعيت فأخذت بمنكبه، فأقبلت بوجهه إلى رسول الله ﷺ قلت هذا؟ قال: "نعم" فإذا هو عثمان بن عفان.
١٦٢٩ - * روى الحاكم عن أبي حبيبة أنه دخل الدار وعثمان ﵁ محصور فيها وإنه سمع أبا هريرة يستأذن عثمان في الكلام فأذن له، فقام فحمد الله تعالي وأثني عليه، ثم قال: إني سمعت رسول الله ﵌ يقول: "ستلقون بعدي فتنة واختلافًا، أم قال: اختلافًا وفتنة" فقال له قائل: يا رسول الله بم تأمرنا؟ قال: "عليكم بالأمير وأصحابه" وهو يشير بذلك إلى عثمان ﵁ ١٦٣٠ - * روى أحمد عن أبي عون الأنصاري أن عثمان بن عفان قال لابن مسعود هل أنت منته عما بلغني عنك؟ فاعتذر عليه بعض العذر فقال عثمان: ويحك إني قد حفظت
_________________
(١) أحمد في مسنده (٤/ ١٠٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٨): رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح. الدومة: شجرة عظيمة، وقيل شجرة المقل. صياصبي يقر: أي قرونها، واحدتها صيصة، شبه الفتنة بها لشدتها وصعوبة الأمر فيها، وكل شيء امتنع به وتحصن به فهو صيصة. رجل مقف: أي مول ذاهب.
(٢) المستدرك (٤/ ٤٣٢) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
(٣) أحمد في مسنده (١/ ٦٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٢٧) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات. =
[ ٤ / ١٦٥٨ ]
وسمعت وليس كما سمعت، إن رسول الله ﷺ قال: "إنه سيقتل أمير وينتزي منتز" وإني أنا المقتول وليس عمر إنما قتل عمر واحد وإنه يجتمع علي.
١٦٣١ - * روى الحاكم عن مرة بن كعب قال: سمعت رسول الله ﵌ يذكر فتنة فقربها، فمر به رجل مقنع في ثوب فقال: "هذا يومئذ على الهدى" فقمت إليه فإذا هو عثمان بن عفان ﵁ فأقبلت إليه بوجهه فقلت هو هذا. قال: "نعم".
١٦٣٢ - * وروى الحاكم عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﵌ قال: أدعوا لي - أو- ليت عندي رجلًا من أصحابي" قالت: قلت أبو بكر؟ قال: "لا" قلت: عمر. قال: "لا" قلت أبن عمك علي. قال: "لا" قلت فعثمان. قال: "نعم" قالت: فجاء عثمان فقال: "قومي" قال فجعل النبي ﵌ يسر إلى عثمان ولون عثمان يتغير. قال: فلما كان يوم الدار قلنا: ألا تقاتل؟ قال: لا. إن رسول الله ﵌ عهد إلى أمرًا فأنا صابر نفسي عليه ١٦٣٣ - *روى أحمد وأبو يعلي والبزار والطبراني عن شقيق قالك لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد مالي أراك قد جفوت أمير المؤمنين عثمان قال: أبلغه عن أني لم أفر يوم عينين - قال عاصم يوم أحد - ولم أتخف عن بدر ولم أترك سنة عمر قال: فانطلق فخبر بذلك عثمان قال: فقال أما قوله إني لم أفر يوم عينين فكيف يعيرني بذنب قد عفا الله عنه فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر فإني كنت أمرض رقبة بنت رسول الله ﷺ حتى ماتت وقد ضرب لي رسول الله ﷺ بسهم ومن ضرب رسول الله ﷺ بسهم فقد شهد وأما قوله: إني لم أترك سنة عمر فإني لا أطيقها أنا
_________________
(١) = ينتز منتز: الانتزاء، والتنزي: تسرع الإنسان إلى الشر.
(٢) المستدرك (٣/ ١٠٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجا وأقره الذهبي.
(٣) المستدرك (٣/ ٩٩) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
(٤) أحمد في مسنده (١ - ٧٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٣): رواه أحمد وأبو يعلي والطبراني باختصار والبزار بطوله بنحوه، وفيه عاصم بن بهدلة وهو حسن الحديث رجاله ثقات.
[ ٤ / ١٦٥٩ ]
ولا هو فائتة فحدثه بذلك.
١٦٣٤ - * روى البزار عن سعيد بن المسيب قال: رفع عثمان صوته على عبد الرحمن ابن عوف فقال له: لأي شيء ترفع صوتك على وقد شهدت بدرًا ولم تشهد وبايعت رسول الله ﷺ ولم تبايع وفررت يوم احد ولم أفر فقال له عثمان: أما قولك أنك شهدت بدرًا ولم أشهد فإن رسول الله ﷺ خلفني على ابنته وضرب لي بسهم وأعطاني أجري وأما قولك بايعت رسول الله ﷺ ولم أبايع فإن رسول الله ﷺ بعثني إلى أناس من المشركين وقد علمت ذلك فلما احتبست ضرب بيمينه على شماله فقال هذ لعثمان بن عفان فشمال رسول الله ﷺ خير من يميني وأما قولك فررت يوم التقي الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم﴾ فلم تعيروني بذنب قد عفا الله عنه.
أقولك هاتان الروايتان مهمتان في تعليل مجريات الأمور زمن عثمان ﵁، فعبد الرحمن بن عوف هو الذي قدم عثمان وبايعه على سنة أبي بكر وعمر، وتراه في هاتين الروايتين وهو عائب ناقد، مما يشير إلى أن كبار الصحابة لم يكونوا مرتاحين لسياسة عثمان وهذا الذي أعطي الفتنة وأهلها الفرصة أن يشوشوا، وفي ذلك درس للأمراء أن يلحظوا آراء كبار الناس يهم، وأن يعدلوا سياستهم على ضوء الصالح منها (١)
مع ملاحظة أن ما فعله عثمان لا يخرج عن كونه مباحًا، ولكن ألفوا سياسية عمر التي تأخذ في العزائم وتبتعد عن الرخص فلم يعودوا يرضون بسياسة أقل من ذلك، وهذا تصديق لما توقعه علي أن سياسة عمر ستتعب كل من سيأتي بعده.
١٦٣٥ - * روى النسائي عن الأحنف بن قيس قال خرجنا حجاجًا فقدمنا المدينة ونحن نريد الحجج، فبينا نحن في منازلنا نضع رحالنا إذ أتانا آت، فقال: إن الناس قد اجتمعوا في المسجد وفزعوا فانطلقنا، فإذا الناس مجتمعون على نفر في وسط المسجد وإذا
_________________
(١) البزار: كشف الأستار (٣/ ١٧٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٤): رواه البزار وإسناده حسن.
(٢) النسائي (٦/ ٣٣٤) كتاب الأحباس، باب وقف المساجد.=
[ ٤ / ١٦٦٠ ]
علي والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص، فإنا لكذلك إذا جاء عثمان بن عفان عليه ملاءمة صفراء قد قنع بها رأسه فقال: أههنا علي، أههنا طلحة، أههنا الزبير، أههنا سعد، قالوا: نعم. قال: فإني أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له" فابعتثه بعشرين ألفًا أو بخمسة وعشرين ألفا فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: "أجعلها في مسجدنا وأجره لك" قالوا: اللهم نعم، قال: فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "من يبتاع بئر رومة غفر الله له"فابتعته بكذا وكذا فأتيت رسول الله ﷺ فقلت قد ابتعتها بكذا وكذا قال: "أجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك" قالوا: اللهم نعم. قال: فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله ﷺ نظر في وجوه القوم فقال: "من جهز هؤلاء غفر الله له" يعني جيش العسرة، فجهزتهم حتى ما يفقدون عقالًا ولا خطامًا قالوا: اللهم نعم، قال: اللهم أشهد اللهم أشهد.
١٦٣٦ - * روى الترمذي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ﵁: أن عثمان بن عفان اشرف يوم الدار، فقال: أنشدكم بالله، أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل دم امرؤ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنًا بعد إحصان، أو كفر بعد إسلام، أو قتل نفس بغير حق، فيقتل به؟ "فو الله ما زنيت في جاهلية ولا في إسلام، ولا ارتددت منذ بايعت رسول الله ﷺ ولا قتلت النفس التي حرم الله، فبم تقتلونني؟
وفي رواية النسائي (١) عن أبي أمامة بن سهل، وعبد لله بن عامر بن ربيعة قال: كنا مع عثمان وهو محصور، وكنا إذا دخلنا مدخلًا نسمع كلام من بالبلاط، فدخل عثمان يومًا،
_________________
(١) = الملاءة: الإزار يرتدي به، ويتشح به. المرتد: موقف الإبل. أنشدكم: أي أسألكم وأقسم عليكم.
(٢) الترمذي (٤/ ٤٦٠) ٣٤ - كتاب الفتن -١ - باب ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث. وقال: هذا حديث حسن حسن. البلاط: ضرب من الحجارة تفرش به الأرض ثم سمي المكان بلاطًا اتساعًا.
(٣) النسائي (٧/ ٩٢) كتاب تحريم الدم، باب ذكر ما يحل به دم المسلم.
[ ٤ / ١٦٦١ ]
ثم خرج فقال: اللهم إنهم ليتواعدوني بالقتل، قلنا: يكفيكهم الله، قال: ولم يقتلونني؟ سمعت رسول اله ﷺ يقول: وذكر الحديث بنحوه.
١٦٣٧ - * روى البخاري عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أخبره: أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قالا: ما يمنعك أن تكلم عثمان لأخيه الوليد فقد أكثر الناس فيه؟ فقصدت لعثمان حتى خرج إلى الصلاة، قلت: إن لي إليك حاجة، وهي نصيحة لك، قال: يا أيها المرء منك، قال معمر: أراه قال: أعوذ بالله منك- فأنصرفت فرجعت إليهما، إذا جاء رسول عثمان: فأتيته، فقال: ما نصيحتك؟ فقلت: إن الله سبحانه بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكنت ممن استجاب لله ولرسوله ﷺ، فهاجرت الهجرتين، وصحبت رسول الله ﷺ ورأيت هدية، وقد أكثر الناس في شأن الوليد، قال: أدركت رسول الله ﷺ؟ قلتُ: لا، ولكن خلص إلى من علمه ما يخلص إلى العذارء في سترها. قال: أما بعد فإن الله بعث محمدًا ﷺ بالحق، فكنت ممن استجاب لله ولرسوله، وأمنت بما بعث به وهاجرت الهجرتين - كما قلت- وصحبت رسول الله ﷺ وبايعته، فو الله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله، ثم أبو بكر مثله، ثم عمر مثله، استخلفت، أفليس لي من الحق مثل الذي هم؟ قلت: بلي قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ أما ما ذكرت من شأن الوليد فسنأخذ فيه بالحق إن شاء الله، ثم دعا عليًا فأمره أن يجلد، فجلده ثمانين (١)
قوله: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ كأنهم كانوا يتكلمون في سبب تأخيره في إقامة الحد عليه، قال الحافظ في "الفتح" وإنما أخر إقامة الحد عليه ليكشف عن حال من شهد عليه بذلك، فلما وضح الأمر أمر بإقامة الحد عليه.
_________________
(١) روى البخاري (٧/ ٥٣) - كتاب فضائل الصحابة -٧ - باب مناقب عثمان بن عفان. الهجرة: فراق الرجل وطنه إلى بلد آخر فرارًا بدينه من الكفر، والهجرتان: هما: الهجرة الأولى، وهي هجرة المسلمين في صدر الإسلام إلى الحبشة، فرارًا من أذي قريش، وهجرة ثانية، هي هجرة النبي ﷺ والمسلمين قبله ومعه وبعده إلى المدينة، فكان عثمان ﵁ ممن هاجر الهجرتين. الهدي: السمت والطريقة والسيرة. العذراء: البكر المخدرة التي لم تتزوج بعد.
[ ٤ / ١٦٦٢ ]
قوله: فجلده ثمانين: قال الحافظ في "الفتح" في رواية معمر" فجلد الوليد أربعين جلدة، وهذه الرواية أصح من رواية يونس، والوهم فيه من الراوي عن شيب بن سعيد، ويرجح رواية معمر ما أخرجه مسلم من طريق أبي ساسان قال: شهدت عثمان أتى بالوليد وقد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم فشهد رجلان أحدهما حمران يعني مولى عثمان أنه. قد شرب الخمر، فقال عثمان: يا علي فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ولِّ حارها من تولى قارها، فكأنه وجد عليه فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده، فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين، فقال: امسك، ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين، فقال: امسك، ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي، والمعني وجلد أربعين أحب إلى من الثمانين ١٦٣٨ - * روى الترمذي عن ثمامة بن حزن القشيري قال: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان، فقال: ائتنوني بصاحبيكم اللذين ألباكم علي قال: فجيء بهما فكأنهما جملان أو كأنهما حماران، قال: فأشرف عليهم عثمان، فقال: أنشدكم بالله والإسلام: هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة فقال: "من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة" فاشتريتها من صلب مالي؟ فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر، قالوا: اللهم. نعم قال: أنشدكم بالله والإسلام: هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله، فقال رسول الله ﷺ: "من يشتري بقعة أل فلان فيزيدها في المسجد بخير منها في الجنة؟ " فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلى فيها ركعتين قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم بالله والإسلام، هل تعلمون أني جهزت جيش العشرة من مالي؟ قال: اللهم نعم، ثم قال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله ﷺ
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٦٢٧) ٥٠ - كتاب المناقب -١٩ - باب في مناقب عثمان بن عفان، وقال: هذا حديث حسن. وإسناده ضعيف وله شواهد بمعناه. ألبت: عليه الناس: أي: جمعتهم عليه، وحملتهم على قصده، وصار القوم على فلان ألبا واحدًا، أي: اجتمعوا عليه يقصدونه. استعذب الماء: أي: وجد عذبًا وهو الماء المشروب الحلو الطيب.=
[ ٤ / ١٦٦٣ ]
كان على ثبير مكة ومعه أبو بكر وعمر وأنا فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض، قال: فركضعه برجله وقال: "اسكن ثبير فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان؟ " قالوا: اللهم نعم قال: الله أكبر، شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد ثلاثًا.
١٦٣٩ - * روى البخاري عن عثمان بن عبد الله بن موهب ﵀ قال: جاء رجل من أهل مصر وحج البيت، فرأى قومًا جلوسًا فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر: قال: يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني عنه: هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم. فقال: تعلم أن تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم. قال الرجل: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: الله أكبر قال ابن عمر: تعال أبين لك. أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له، وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ: "إن لك أجر رجل ممن شهد بردًا وسهمه" وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: "هذه يد عثمان" فضرب بها على يده فقال: "هذه لعثمان" فقال له ابن عمر: أذهب بها الآن معك ١٦٤٠ - * روى أحمد عن المغيرة بن شعبة أنه دخل على عثمان وهو محصور فقال: إنك إمام العامة وقد نزل بك ما ترى، وأنا أعرض عليك خصالًا ثلاثًا فاختر إحداهن: إما أن تخرج فتقاتلهم فإن معك عددًا وقوة وأنت على الحق وهم على الباطل، وإما أن تخرق لك بابًا سوى الباب الذي هم عليه فتقعد على رواحلك فتلحق بمكة، فإنهم لن يستحلوك وأنت بها، وإما أن تلحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية، فقال عثمان: أما أن
_________________
(١) = الحشيش: ضد الأموج، وهو أسفل كل عال، كما أن الأوج: أعلاه.
(٢) البخاري (٧/ ٥٤) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة - ٧ - باب مناقب عثمان بن عفان.
(٣) أحمد في سنده (١/ ٦٧) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٢٩): رواه أحمد ورجاله ثقات إلى أن محمد ابن عبد الملك بن مروان لم أجد له سماعًا من المغيرة، ولهذا الحديث طرق في فضل مكة في الحج.
[ ٤ / ١٦٦٤ ]
أخرج فأقاتلهم فلن أكون أول من خلف رسول الله ﷺ في أمته بسفك الدماء، وأما أن أخرج إلى مكة فإنهم لن يستحلوني بها فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يلحد رجل من قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم"، فلن أكون أنا إياه وأما أن الحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله ﷺ.
١٦٤١ - * روى الطبراني عن النعمان بن بشير قال مات رجل منا يقال له زيد بن خارجة فسجيناه بثوب وقمت أصلى إذا سمعت ضوضاء، فانصرفت فإذا أنا به يتحرك فقال: أجلد القوم أوسطهم عبد الله عمر أمير المؤمنين القوى في أمره القوي في أمر الله ﷿ عثمان بن عفان أمير المؤمنين العفيف المتعفف الذي يعفو عن ذنوب كثيرة، خلت ليلتان وبقيت أربع واختلف الناس ولا نظام لهم. يا أيها الناس أقبلوا على إمامكم وأسمعوا وأطيعوا هذا رسول الله ﷺ وابن رواحة ثم قال وما فعل خارجة؟ يعني أباه (وكان قد استشهد في أحد) ثم قال أخذت بئر أرس ظلمًا ثم هدأ الصوت.
١٦٤٢ - * البزار عن أبي سعيد مولى أبي أسيد، قال: بلغ عثمان، أن وفد أهل مصر، قد أقبلوا فتلقاهم في قرية له، خارجًا من المدينة، وكره أن يدخلوا عليه، أو كما قال، فلما علموا بمكانه، أقبلوا إليه، فقال: ادع لنا بالمصحف، فدعي، يعني به فقال. افتح، فقرأ حتى انتهي إلى هذه الآية ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (١) فقالوا: أحمى الله أذن لك به أم على الله تفتر، فقال: امض، نزلت في كذا وكذا، وأما الحمى، فإن عمر حمى الحمى لإبل الصدقة، فلما وليست، فعلت الذي فعل، وما زدت على ما زاد،
_________________
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٣٠): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. سجيناه: غطيناه. زيد بن خارجة: هو ابن أبي زهير الأنصاري، صحابي بدري، توفي في خلافة عثمان، وهو الذي تكلم بعد موته.
(٢) البزار: كشف الأستار (٤/ ٨٩). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٢٨): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير أبي سعيد مولى أبي أسيد وهو ثقة. ماء البحر: أي ماء ملحًا كماء البحر.
(٣) يونس: ٥٩.
[ ٤ / ١٦٦٥ ]
قال: ولا أراه إلا قال: وأنا يومئذ ابن كذا سنة، قال: ثم سألوه عن أشياء، جعل يقول: أمضه، نزلت في كذا وكذا، ثم سألوه عن أشياء، عرفها، لم يكن عنه فيها مخرج، فقال: استغفر الله، ثم قال: ما تريدون؟ قال: نريد أن لا يأخذ أهل المدينة العطاء، فإن هذا المال، للذي قاتل عليه، ولهذه الشيوخ من أصحاب محمد قال: فرضي ورضوا، قال: وأخذوا عليه، قال: وكتبوا عليه كتابًا، وأخذ عليهم أن لا يشقوا غصًا، ولا يفارقوا جماعة، قال: فرضي ورضوا، فأقبلوا معه إلى المدينة، فحمد الله وأثني عليه، ثم قال: إني والله ما رأيت وفدًا هم خير من هذا الوفد، ألا من كان له زرع، فليلحق بزرعه، ومن كان له ضرع، فليحتلبه، ألا إنه لا مال لكم عندنا، إنما هذا المال، لمن قاتل عليه، ولهذه الشيوخ من أصحاب محمد، قال: فغضب الناس، وقالوا: هذا مكر بنى أمية، ورجع الوفد، راضون، فلما كان ببعض الطريق، إذا راكب، يتعرض لهم، ثم يفارقهم، ويعود إليهم، ويسبهم، فأخذوه، فقالوا: ما شأنك؟ إن لك لشأنا، قال: أنا رسول أمير المؤمنين، إلى عامله بمصر، ففتشوه، فإذا معه كتاب، على لسان عثمان، عليه خاتمه، أن يصلبهم، أو يضرب أعناقهم، أو يقطع أيديهم وأرجلهم، قال: فرجعوا وقالوا: قد نقض العهد، وأحل الله ذمة، فقدموا المدينة، فأتوا عليًا، فقالوا: ألم تر؟ إلى عدو الله، كتب فينا بكذا وكذا، قم معنا إليه، فقال: والله لا أقوم معكم، قالوا: فلم كتبت إلينا، قال: والله ما كتبت إليكم كتابًا قط، فنظر بعضهم على بعض، ثم بعضهم: ألهذا تقاتلون أم لهذا تغضبون؟ وخرج علي، فنزل قرية خارجًا من المدينة، فأتوا عثمان، فقالوا: كتبت فينا بكذا وكذا، قال: إنما هما اثنتان، أن تقيموا شاهدين، أو يمين بالله ما كتبت، ولا أمليت، ولا علمت، وقد تعلمون الكتاب يكتب على لسان الرجل، وقد ينقش الخاتم على الخاتم، قال: فحصروه، فأشرف عليهم ذات يوم، فقال: السلام عليكم فما أسمع أحدًا على الخاتم، قال: فحصروه، فأشرف عليهم ذات يوم، فقال: السلام عليكم فما أسمع أحدًا رد عليه، إلا أن يرد رجل في نفسه، فقال، أنشدكم بالله، أعلمتم أني اشتريت رومة من مالي، استعذب بها، فجعلت رثائي فيها كرشاء رجل من المسلمين؟ قيل: نعم، قال: فعلام تمنعوني أشرب من مائها، حتى أفطر على ماء البحر؟ قال: نشدتكم بالله، علمتم أني اشتريت كذا وكذا، من مالي، فزدته في المسجد، قالوا: نعم، قال: فهل علمتم أن أحدًا منع فيه الصلاة قبلي، ثم ذكر أشياء،
[ ٤ / ١٦٦٦ ]
قال له رسول الله ﷺ قال: وأراه ذكر كتاباته المفصل بيده، قال ففشا النهي، وقيل: مهلًا عن أمير المؤمنين.
١٦٤٣ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ ذكر فتنة، فقال: "يقتل فيها هذا مظلومًا" لعثمان.
١٦٤٤ - * روى أحمد والطبراني عن قتادة أن عثمان قتل وهو ابن تسعين أو ثمان وثمانين سنة.
١٦٤٥ - *روى الطبراني عن الزبير بن بكار قال: قتل عثمان بن عفان يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين بعد العصر وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وكان يومه صائمًا.
١٦٤٦ - * روى عن عبد الله بن أحمد وأبو يعلي عن مسلم أبي سعيد مولى عثمان بن عفان: أن عثمان بن عفان أعتق عشرين عبدًا مملوكًا، ودعا بسراويل فشدها عليه ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام، وقال: إني رأيت رسول الله ﷺ البارحة في المنام وأبا بكر وعمر فقالوا لي أصبر فإنك تفطر عندنا القابلة ثم دعا بمصحف فنشره بينيديه فقتل وهو بين يده ١٦٤٧ - * روى الطبراني عن يزيد بن أبي حبيب: أن عامة الركب الذين ساروا إلى عثمان جنوا.
يحتمل النص أن من سار إلى عثمان كان في حالة جنونية من السفه، لأن المعروف أن
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٦٣٠) ٥٠ - كتاب المناقب -١٩ - باب في مناقب عثمان بن عفان. وقال: هذا حدث حسن غريب.
(٢) أحمد في مسنده (١/ ٧٤). والمعجم الكبير (١/ ٧٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٩): رواه أحمد والطبراني ورجاله إلى قتاده ثقات، إلا أن قتادة لم يدرك عثمان.
(٣) المعجم الكبير (١/ ٧٧).
(٤) عبد الله في زيادته على المسند (١/ ٧٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٩٦)، رواه عبد الله وأبو يعلي في الكبير ورجالهما ثقات.
(٥) المعجم الكبير ١/ ٨٨) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٩٤): رواه الطبراني وإسناده حسن.
[ ٤ / ١٦٦٧ ]
بعض الذين ساروا إلى عثمان ولوحقوا فيما بعد قتلوا وهم في حالة عادية من العقل.
١٦٤٨ - *روى الحاكم عن عمير بن سعيد قال أراد علي أن يسير إلى الشام إلى صفين، واجتمعت النخع حتى دخلوا على الأشتر بيته فقال: هل في البيت إلا نخعي قالوا: لا قال: إن هذه الأمة عمدت إلى خير أهلها فقتلوه، يعني عثمان، وإنا قاتلنا أهل البصرة بيعه تأولنا عنه وإنكم، تسيرون إلى قوم ليس لنا عليهم بيعة، فيلنظر كل امرئ أين يضع سيفه.
١٦٤٩ - * روى الحاكم عن قيس بن عباد قال: سمعت عليًا ﵁ يوم الجمل يقول: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاؤوني للبيعة فقلت: والله إني لأستحي من الله أن أبايع قومًا قتلوا رجلًا قال له رسول الله ﵌: "ألا استحي ممن تستحي منه الملائكة" وإني لأستحيي من الله أن أبايع وعثمان قتيل على الأرض لم يدفن بعد، فانصرفوا، فلما دفن رجع الناس فسألوني البيعة، فقلت اللهم إني مشفق مما أقدم عليه، ثم جاءت عزيمة فبايعت فلقد قالوا يا أمير المؤمنين فكأنما صدع قلبي وقلت: اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى ١٦٥٠ - *روى الطبراني عن عبد الله بن سلام أنه قال حين هاج الناس في أمر عثمان: أيها الناس لا تقتلوا هذا الشيخ، واستعتبوه فإنه لن تقتل أمة نبيها فيصلح أمرهم حتى يهراق دماء سبعين ألفًا منهم، ولن تقتل أمة خليفتها فيصلح أمرهم حتى يهراق دماء أربعين ألفًا منهم، فلم ينظروا فيما قال: وقتلوه فجلس لعلي في الطريق فقال: أين تريد؟ فقال: أريد أرض العراق، قال: لا تأت العراق وعليك بمنبر رسول الله ﷺ، فوثبت به (أي عليه) أناس من أصحاب علي وهموا به، فقال علي: دعوه فإنه مننا أهل
_________________
(١) المستدرك (٣/ ١٠٧) وقال: هذا حديث وإن لم يكن له سند، فإنه معقد صحيح الإسناد في هذا الموضع، وقال الذهبي: صحيح على شرط مسلم.
(٢) المستدرك (٣/ ٩٥) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاء واقره الذهبي.
(٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٩٣): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
[ ٤ / ١٦٦٨ ]
البيت، فلما قتل علي قال عبد الله بن معقل: لهذه رأس الأربعين وسيكون على رأسها صلح ولن تقتل أمة نبيها إلا قتل به سبعون ألفًا، ولن تقتل أمة خليفتها إلا قتل به أربعون ألفاص.
١٦٥١ - * روى الطبراني عن مالك بن أنس: قال قتل عثمان فأقام مطروحًا على كناسة بني فلان ثلاثًا، وأتاه أثنا عشر رجلًا منهم جدي مالك بن أبي عامر وحويطب ابن عبد العزي وحكيم بن حزام وعبد الله بن الزبير، وعائشة بنت عثمان معهم مصباح في حق، فحملوه على باب وإن رأسه تقول على الباب طق، طق، حتى أتوا به البقيع فاختلفوا في الصلاة عليه فصلى عليه حكيم بن حزام أو حويطب بن عبد العزي- شك عبد الرحمن - ثم أرادوا دفنه فقام رجل من بني مازن، فقال: لئن دفنتموه مع المسلمين لأخبرن الناس غدًا، فحملوه حتى أتوا به حش كوكب، فلما دلوه في قبره صاحت عائشة بنت عثمان فقال لها ابن الزبير: اسكتي فوالله لئن عدت لأضربن الذي فيه عينك، فلما دفنوه وسوا عليه التراب قال لها أبن الزبير: صيحي ما بدا لك، أن تصيحي قال مالك: وكان عثمان قبل ذلك يمر بحش كوكب فيقول: ليدفنن هاهنا رجل صالح.
١٦٥٣ - * روى الطبراني عن أبي الأسود الديلي قال: سمعت أبا بكرة يقول: لأن أخر من السماء فأنقطع، أحب إلى من أكون شركت في دم عثمان.
١٦٥٣ - * روى الطبراني عن جبير بن نفير قال: بينا نحن معسكرون مع معاوية بعد قتل عثمان، فقام مرة بن كعب البهزي فقال: أنا والله لولا شيء سمعته من رسول الله ﷺ ما قمت هذا المقام، فلما سمع معاوية ذكر رسول الله ﷺ أجلس الناس قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ جلوس إذا مر بنا عثمان بن عفان مترجلًا معنقًا، فقال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) المعجم الكبير (١/ ٧٨) وقال الهيثمي في جمع الزوائد (٩/ ٩٥) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. مصباح في حق: أي في وعاء من زجاج. حش كوكب: بستان بظاهر المدينة خارج البقيع، وكوكب أسم رجل.
(٢) المعجم الكبير (١/ ٦٨) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٩٣) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٨٩): رواه الطبراني ورجاله وثقوا. معنقا: مسرعًا.
[ ٤ / ١٦٦٩ ]
"لتخرجن فتنة من تحت رجلي أو من تحت قدمي هذا، ومن اتبعه يومئذ على الهدي" فقمت حتى أخذت بمنكبي عثمان حتى بينته إلى رسول الله ﷺ فقلت: هذا؟ قال: "نعم هذا، ومن اتبعه يومئذ على الهدي" فقام عبد الله بن حوالة الأزدي من عند المنبر فقال: إنك لصاحب هذا، قال: نعم، قال: أما والله إني حاضر ذلك المجلس ولو كنت أعلم أن لي في الجيش مصدقًا لكنت أول من تكلم به.
أقول: في هذه الرواية صورة عن الأمور التي كانت تثبت المطالبين بدم عثمان فتجعلهم قلبًا واحدًا، كما أن أمثال هذه الروايات -مما سيمر معنا نموذج عنها - هي التي جعلت بعض المؤمنين بحق علي في الخلافة لا يتحمسون للخروج والقتال معه، ومن ههنا نفهم أن القتال بين الطرفين كانت له مسوغاته عند كل واحد منهم.
١٦٥٤ - * روى البخاري عن يزيد بن أبي عبيد ﵁ قال: لما قتل عثمان خرج سلمة بن الأكوع إلى الربذة، وتزوج هناك امرأة، وولدت له أولًا، فلم يزل بها، حتى قبل أن يموت بليال نزل المدينة، فمات بها.
١٦٥٥ - * روى البخاري ومسلم عن يزيد بن عبيد: أن سلمة دخل على الحجاج، فقال: يا ابن الأكوع، ارتددت على عقبيك، تعزبت؟ قال: لا، ولكن رسول الله ﷺ أذن لي في البدو.
وفي رواية (٣) النسائي إلى قوله: عقبيك قال: وذكر كلمة معناها "وبديت" وذكر باقية.
قال ابن الأثير: (تعزبت) تعزب: بعد، تقول: عزب الشيء يعزب، ويعزبك إذا بعد، والمراد: بعدت عن الجماعات والجمعات بالتزامك سكني البادية، هكذا شرحه الحميدي في كتابه، وقال الأزهري: تعرب الرجل - بالراء المهملة- إذا عاد إلى الأعراب بعد الهجرة،
_________________
(١) البخاري (١٣/ ٤٠) ٩٢ - كتاب الفتن- ١٤ - باب التعريب في الفتنة.
(٢) البخاري في نفس الموضع السابق. ومسلم (٣/ ١٤٨٦) ٣٣ - كتاب الإمارة ١٩ - باب تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه.
(٣) النسائي (٧/ ١٥١) كتاب البيعة، باب المرتد أعرابيًا بعد الهجرة.
[ ٤ / ١٦٧٠ ]
وأقام بالبادية، والذي جاء في كتاب مسلم الذي قرأناه: تعربت - بالراء المهملة-.
(وبديت) البدو: الخروج إلى البادية تقول: بدوت أبدو، وقد جاء في هذا الحديث "بديت" بالياء، ولعله سهو من الراوي، أو الكاتب، والأصل ما ذكرناه، أهـ كلام ابن الأثير.
أقول: في هذا الحديث إشارة إلى أن سلمة راي الفتنة بدأت بمقتل عثمان فاعتزل الناس.
١٦٥٦ - * روى الطبراني عن حميد بن هلال قال: لما هاجت الفتنة قال عمران بن حصين لحجير بن الربيع العدوي: اذهب إلى قومك فإنهم عن الفتنة قال: إني لمغموز فيهم وما أطاع قال: فأبلغهم عني وإنهم عنها. قال وسمعت عمران يقسم بالله لأن أكون عبدًا حبشيًا أسود في أعنز حصبات في رأس جبل ارعاهن حتى يدركني أجلي أحب إلى أن أرمي أحد الصفين بسهم أخطأت أم أصبت.
١٦٥٧ - * روى الطبراني عن زهدم الجرمي قال: خطبنا ابن عباس فقال: لو أن الناس لم يطلبوا بدم عثمان لرجموا بالحجارة من السماء.
١٦٥٨ - * روى الطبراني عن طليق بن خشاف يقول: وفدنا إلى المدينة لننظر فيم قتل عثمان؟ فلما قدمنا مر منا بعض إلى علي وبعض إلى الحسينبن علي ﵄ وبعض إلى أمهات المؤمنين ﵅، فانطلقت حتى أتيت عائشة فسلمت عليها فردت السلام، فقالت: ومن الرجل؟ قلت: من أهل البصرة، فقالت: من أي أهل البصرة؟ قلت: من بكر بن وائل، قالت: من أي بكر بن وائل؟ قلت: من بني قيس بن ثعلبة، قالت: أمن أهل فلان؟ فقلت لها: يا أم المؤمنين فيم قتل عثمان أمير المؤمنين رضي الله
_________________
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. أعاز حصبات: حصبات: جمع حصبة وهي العازة العجفاء كالحجارة.
(٢) المعجم الكبير (١/ ٨٤) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٩٧) رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجال الكبير رجال الصحيح.
(٣) المعجم الكبير (١/ ٨٨) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٩٧) ورجاله رجال الصحيح غير طلق وهو ثقة. وعنده طلق وليس طليق.
[ ٤ / ١٦٧١ ]
عنه؟ قالت: قتل والله مظلومًا، لعن الله قتلته أقاد الله ابن أبي بكر به وساق الله إلى أعين بني تميم هوانًا في بيته واهراق الله دماء بني بديل على ضلالة وساق الله إلى الأشتر سهمًا من سهامه، فو الله ما من القوم رجل إلا أصابته دعوتها.
١٦٥٩ - * روى الطبراني عن عدي بن حاتم قال: قال رجل لما قتل عثمان: لا ينتطح فيها عنزان: قلت: بلى وتفقًا فيها عيون كثيرة.
١٦٦٠ - * روى الطبراني عن عبد الملك بن عمير أن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام استأذن على الحجاج بن يوسف، فأذن له، فدخل وسلم وأمر رجلين مما يلي السرير أن يوسعا له فأوسعا له فجلس فقال له الحجج: لله أبوك، أتعلم حديثًا حدثه أبوك عبد الملك ابن مروان عند جدك عبد الله بن سلام قال: فأي حديث رحمك الله؟ فرب حديث، قال: حديث المصريين حين حصروا عثمان محصور فانطلق فدخل عليه فوسعوا له، حتى دخل فقال: السلام عليكم يا أمير المؤمنين. فقال: وعليك السلام، ما جاء بك يا عبد الله بن سلام؟ قال: جئت لأثبت حتى أستشهد أو يفتح الله لك، ولا أرى هؤلاء القوم إلا قاتليك فإن يقتلوك فذاك خير لك وشر لهم. فقال عثمان: أسألك بالذي لي عليك من الحق لما خرجت إليهم، خير يسوقه الله بك وشر يدفعه بك الله، فسمع وأطاع فخرج عليهم فلما رأوه اجتمعوا وظنوا أنه قد جاءهم ببعض ما يسرون به، فقام خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الله ﷿ بعث محمدًا ﷺ بشيرًا ونذيرًا يبشر بالجنة من أطاعه وينذر بالنار من عصاه وأظهر من اتبعه على الدين كله ولو كره المشركون، ثم اختار له المساكن فاختار له المدينة فجعلها دار الهجرة وجعلها دار الإيمان، فو الله ما زلت الملائكة حافين بالمدينة منذ قدمها رسول الله ﷺ إلى اليوم، وما زال سيف الله مغمودًا عنكم منذ قدمها رسول الله ﷺ إلى اليوم ثم قال: إن الله بعث محمدًا ﷺ بالحق فمن اهتدى فإنما يهتدي بهدي الله ومن ضل فإنما
_________________
(١) =ابن أبي بكر: هو أخوها محمد وكان هو والآخرون من المشاركين في قتل عثمان.
(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٩٥): رواه الطبراني وإسناده حسن. لا ينتطح فيها عنزان: أي لن يختلف الناس بسبب ذلك.
(٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٩٢): رواه الطبراني ورجاله ثقات.=
[ ٤ / ١٦٧٢ ]
يضل بعد البيان والحجة، وإنه لم يقتل نبي فيما مضي إلى قتل به سبعون ألف مقاتل كلهم يقتل به، ولا قتل خليفة قط إلا قتل به خمسة وثلاثون ألف مقاتل، كلهم يقتل به، فلا تعجلوا على هذا الشيخ بقتل، فو الله لا يقتله رجل منكم إلا ولهذا الشيخ عليكم مثله قال فقاموا فقالوا: كذبت اليهود كذبت اليهود فقال: كذبتم والله وأنتم آثمون ما أنا يهودي وإني لأحد المسلمين يعلم الله بذلك ورسوله والمؤمنون، وقد أنزل الله في القرآن ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (١)، وقد أنزل الآية الأخرى ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ (٢) قال: فقاموا فدخلوا على عثمان فذبحوه كما يذبح الحلان قال شعيب: فقلت لعبد الملك بن عمير: ما الحلان؟ قال: الحمل، قال: وقد قال عثمان لكثير من الصلت: يا كثير أنا والله مقتول غدًا، قال: بل يعلي الله كعبك ويكبت عدوك، قال: ثم أعادها الثالثة فقال مثل ذلك، قال: عم تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر فقال لي: "يا عثمان أنت عندنا غدًا وأنت مقتول غدًا" فأنا والمقتول قال: فقتل فخرج عبد الله بن سلام إلى القوم قبل أن يتفرقوا فقال: يا أهل مصر يا قتلة عثمان قتلتم أمير المؤمنين أما والله لا يزال عهد منكوث ودم مسفوح ومال مقسوم لا سقيتم.
١٦٦١ - * روى الطبراني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: لما ضرب الرجل يد عثمان ال: إنها لأول يد خطت المفصل.
١٦٦٢ - * روى أحمد عن أبي عبد الله الجسري قال: دخلت على عائشة وعندها حفصة بنت عمر فقالت لي: هذه حفصة زوج النبي ﷺ، ثم أقبلت عليها فقالت: أنشدك الله
_________________
(١) = الحلان: أو الحلام، الجدي أو الحمل والمقصود أن دمه أبطل كما يبطل دم الحلان.
(٢) الرعد: ٤٣.
(٣) الأحقاف: ١٠.
(٤) المعجم الكبير (١/ ٨٤) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٤): رواه الطبراني وإسناده حسن.
(٥) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٩٠): رواه أحمد كله.
[ ٤ / ١٦٧٣ ]
أن تصدقيني بكذب أو تكذبيني بصدق، تعلمين أني كنت أنا وأنت عند رسول الله ﷺ فأغمي عليه فقلت لك: أترينه قد قبض؟ قلت: لا أدري، ثم أفاق قال: "افتحوا له الباب" ثم أغمي عليه، فقلت لك: أترينه قد قبض؟ قلت: لا أدري. ثم أفاق قال: "افتحوا له الباب" ثم أغمي عليه، فقلت لك: أترينه قد قبض؟ لا أدري، ثم أفاق قال: "أفتحوا له الباب" فقلت لك: أبي أو أبوك؟ قلت: لا أدري، ففتحنا له الباب فإذا عثمان ابن عفان فلما رآه النبي ﷺ قال: "ادنه" فأكبعليه فساره شيء لا أدري أنا وأنت ما هو، ثم فع رأسه فقال: "أفهمت ما قلت لك؟ " قال: نعم، قال: "ادنه" فأكب عليه أخرى مثلها فساره بشيء لا ندري ما هو ثم رفع رأسه فقال: "أفهمت ما قلت لك؟ " قال: نعم قال: "ادنه" فأكب عليه إكبابًا شديدًا فساره شيء ثم رفع رأسه فقال: "فهمت ما قلت لك؟ "قال: سمعته أذناي ووعاه قلبي، فقال له: "أخرج" قال: فقالت حفصة: اللهم نعم، أو قالت: اللهم صدق.
وفي رواية (١) للطبراني في الأوسط بنحوه وزاد: فقال: "يا عثمان عسي أن يقمصك الله قميصًا فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه" ثلاث مرات فقال لها النعمان ابن بشير: يا أم المؤمنين أين كنت عن هذا الحديث؟ فقالت: نسيته ورب الكعبة حتى قتل الرجل.
وفي رواية عند الطبراني (٢) أيضًا: فما فجأني إلا وعثمان جاث على ركبتيه قائلًا أظلما وعدوانًا يا رسول الله؟ فحسبت أنه أخبره بقتله.
* * *
_________________
(١) (٢) عزاهما الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٩٠) إلى الطبراني وقال: أحد إسنادي الطبراني حسن.
[ ٤ / ١٦٧٤ ]
تعليقات
هؤلاء الذين ثاروا على عثمان أرادوا أن يتعجلوا انتهاء أمره فماذا حدث: كانت الأمة الإسلامية بخير وكانت في توسع مستمر وكانت الخيرات تنصب عليها من كل مكان، فانتقلت من هذه الحال فوقفت الفتوحات وأصبح بأس الأمة فيما بينها شديدًا، تعجلوا أمر عثمان لأنه قرب أقرباءه فأل الأمر نتيجة لاستعجالهم إلى أن استقر في بني أمية وانتهت الخلافة الراشدة وجاء الملك العضوض، هذه عاقبة فعل أهل الشؤم هؤلاء.
إن عثمان خليفة راشد يقتدي به وأفعاله تشكل سوابق دستورية في هذه الأمة، فكما أن عمر سن لمن بعده التحرج عن تقريب الأقربين، فإن عثمان سن لمن بعده تقريب الأقربين، فإن عثمان سن لمن بعده تقريب الأقربين إذا كانوا أهل كفاءة، ومن تتبع سير ولاة عثمان لا يشك في كفاءتهم الإدارية، وكل ما أنكر على عثمان لا يخرج عن دائرة المباح فكيف ترتكب من أجل ذلك الجريمة الكبرى قتل عثمان ﵁؟
ومع إيماننا أن كل ما فعله عثمان هو محل القدوة وأنه قتل مظلومًا، ومع براءتنا إلى الله من دمه فإنه قد يكون من المناسب أن نأخذ دروسًا مما حدث: إن عثمان خليفة راشد وهو أفضل خلق الله أثناء خلافته وله من القدم والسابقة الكثير الكبير، ثم هو الخليفة الشرعي للمسلمين وقتذاك بإجماع، ومع ذلك فقد حدث عليه تمرد وقامت فتنة انتهت بقتله عليه رضوان الله، وهذا يعطينا درسًا هو أن الشرعية النظامية وحدها ليست كافية لاستقرار الحكم، هذا مع أن هذه الشرعية كان يرافقها رخاء عريض.
هذا كله أمام قضية تحتاج إلى تحليل: لماذا انتفض الأمر على عثمان ﵁؟ لقد انتقض الأمر على عثمان ﵁ لأسباب كثيرة أجملها بما يلي:
بظهور الورع الجاهل، وتفتح الحاقدين على طرق للتآمر، وطموح الطامعين، والعفوية في التعامل مع المرحلة، وعدم مراعاة الرأي العام ونفسية المحكومين، أذكر ذلك ليأخذ المسلمون دروسها فيعرفوا أن الحكم هو الحكم، وأن الصلاح والسبق والقدم والوفاء كل ذلك إذا لم يرافقه قيام بشأن الحكم فإن الحكم يتعرض للتصدع والأمة تتعرض للهلاك، وهذا
[ ٤ / ١٦٧٥ ]
شرح مختصر لأسباب الفتنة في اجتهادي:
١ - ظهور الورع الجاهل:
الورع في الشريعة طيب وهو أن يترك الإنسان ما لا بأس به مخافة مما فيه بأس، وهو في الأصل ترفع عن المباحات في الله ولله، والورع شيء شخصي يصح للإنسان أن يطالب به نفسه، ولكن لا يصح أن يطالب به الآخرين، ومن أخطر أنواع الورع: الورع الجاهل الذي يجعل المباح حرامًا أو مفروضًا، وهذا الذي وقع فيه أصحاب الفتنة، ومن قبلهم وقع فيه أصحاب السامري، لقد أتي السامري قومه من فكرة الورع الجاهل هذه فقال لقوم موسي: إن هذا الذهب الذي أخذتموه من قوم فرعون ما كان يجوز لكم أن تأخذوه فهاتوه لنصنع به عجلًا، جاءهم من فكرة الورع مستغلًا جهلهم بأن ما فعله موسي مباح، لأن هذا مال حربيين، وهؤلاء أصحاب الفتنة أتوا إلى أفعال مباحة فعلها عثمان ﵁ وكان من قبله يتحرج من أمثالها فجعلوا المباح حرامًا، فاستغلوا الورع الجاهل عند أصناف من الناس فكانت الفتنة والمأساة.
٢ - تآمر الحاقدين:
لقد دخل في الإسلام منافقون موتورون اجتمع لهم من الحقد والذكاء والدهاء ما استطاعوا أن يستوعبوا الساحة النفسية للمجتمع الإسلامي وقتذاك، وأن يدركوا نقاط الضعف التي يستطيعون من خلالها أن يوجدوا الفتنة، ووجدوا في المجتمع آذانًا صاغية تصغي لهم فكان من آثار ذلك ما كان.
٣ - طموح الطامحين:
وجد في الجيل الثاني من أبناء الصحابة من يعتبر نفسه جديرًا بالحكم والإدارة، ووجد أمثال هؤلاء أن الطريق أمامهم مغلق، وفي العادة أنه متي وجد الطامحون الذين لا يجدون لطموحهم متنفسًا، فإنهم يدخلون في كل عملية تغيير، ومعالجة أمر هؤلاء في غاية الأهمية.
٤ - العفوية:
أصبح في المجتمع الإسلامي مستجدات كثيرة نتيجة لتوسع رقعة الأرض الإسلامية ونتيجة
[ ٤ / ١٦٧٦ ]
لقلة جيل الصحابة بالنسبة لمجموع من دخل في الإسلام من جديد، ونتيجة لتفرق الصحابة في الأمصار، وكانت هذه المستجدات تحتاج إلى مبادرات تكافئها وإجراءات تتناسب معه، ولم يكن التركيب النفسي للمسلمين يسمع بهذه المبادرات، ولذلك بقيت العفوية هي التي تحكم الوضع الجديد مما أتاح للمتآمرين فرص الانقضاض.
٥ - عدم مراعاة الرأي العام السائد:
لقد كانت سياسة أبي بكر وعمر تقوم على الحذر والبعد عن أي مظنة تهمة، وألف المسلمون هذه السياسة حتى اعتبروها بدهية، وكان جزء من هذه السياسة عدم تقريب الأقارب وعدم استعمالهم على الولايات، فلما جاء عثمان كان الرأي العام السائد وقتذاك أن هذه الأمور يجب أن تراعي، فلما أحس الناس أن بني أمية قد أصبحت الأمور بيدهم وموقفهم من الإسلام قريب لم ينس بعد، ورأي الناس أن الذين ضحوا وبذلوا وجاهدوا وسبقوا لهم من الأمر شيء، دخلوا في دائرة التذمر أو اللامبالاة، ومتي وجد التذمر عند بعض الناس واللامبالاة عند الآخرين فالانفجار حاصل، وقد كان.
هذه المعاني كلها توصلنا إلى الدرس التالي:
إن الشرعية الدستورية وحدها ليست كافية لاستقرار الحكم إذا لم يرافقها تلاحم في الصف الأول وحرص عند هذا الصف على النظام، وإذا لم يرافقها قوة مبادرة تسبق المشكلة أو تحلها سريعًا وإذا لم يرافقها رؤية واضحة للواقع وحسن تعامل معه، ومع هذا كله لا بد من استشراف للتركيب النفسي للأمة وحسن تأت لتوجيه الوجهة الصالحة وجعله متفاعلًا مع النظام.
ولا نريد بهذا الكلام أن نوجه نقدًا لعثمان فقد كان يسير بسياسة يستقبلها الصديقون بالتسليم وكان يتعامل مع الناس ويعاملهم بروح الصديقين، ولكن المجتمع الإسلامي طرأت عليه طوارئ ومستجدات تجعلها نحاول أخذ العبرة، ونبرأ إلى الله ﷿ من كل من يظن سوءًا بعثمان أو ينتقصه.
[ ٤ / ١٦٧٧ ]
على بن أبي طالب ﵁
قال ابن حجر في الإصابة: على بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القوضي الهاشمي أبو الحسن .. أول الناس إسلامًا في قول كثير من أهل العلم، ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح فربي في حجر النبي ﵌ ولم يفارقه وشهد معه المشاهد إلى غزوة تبوك، فقال له بسبب تأخيره له بالمدينة ألا ترضي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، وزوجة ابنته فاطمة وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد ولما أخي النبي ﵌ بين أصحابه قال له: أنت أخي، ومناقبه كثيرة حتى قال الإمام أحمد: لم ينقل لأحد من الصحابة ما نقل لعلي، وقال غيره: وكان سبب ذلك بغض بني أمية له، فكان كل من كان عنده علم من شيء من مناقبه من الصحابة يثبته وكلما أرادوا إخماده وهددوا من حدث بمناقبه لا يزداد إلا انتشارًا وقد ولد له الرافضة مناقب موضوعة هو غني عنها وتتبع النسائي ما خص به من دون الصحابة فجمع من ذلك شيئًا كثيرًا بأسانيد أكثرها جياد.
يروي عن النبي ﷺ، وروى عنه من الصحابة: ولده الحسن والحسين وابن مسعود وأبو موسي وابن عباس وأبو رافع وابن عمر وأبو سعيد وصهيب وزيد بن أرقم وجرير وأبو أمامة وأبو جحيفة والبراء بن عازب وأبو الطفيل وآخرون، ومن التابعين من المخضرمين أومن له رؤية: عبد الله بن شداد بن الهاد وطارق بن شهاب وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن الحارث بن نوفل ومسعود بن الحكم ومروان بن الحكم وآخرون، ومن بقية التابعية عدد كثير من أجلهم أولاده محمد وعمر والعباس وكان قد اشتهر بالفروسية والشجاعة والإقدام.
وكان أحد الشورى الذين نص عليهم عمر فعرضها عليه عبد الرحمن بن عوف وشرط عليه شروطًا امتنع من بعضها، فعدل عنه إلى عثمان فقبلها، فولاه وسلم علي وبايع عثمان ولم يزل بعد النبي ﵌ متصديًا لنصر العلم والفتيا، فلما قتل عثمان بايعه الناس ثم كان من قيام جماعة من الصحابة منهم طلحة والزبير وعائشة في طلب دم عثمان، فكان من وقعة الجمل ما اشتهر ثم قام معاوية في أهل الشام وكان أميرها لعثمان ولعمر من
[ ٤ / ١٦٧٨ ]
قبله فدعا إلى الطلب بدم عثمان فكان من وقعة صفين ما كان، وكان رأي على أنهم يدخلون في الطاعة ثم يقوم ولي دم عثمان فيدعي به عنده ثم يعمل معه ما يوجبه حكم الشريعة المطهرة وكان من خالفه يقول له: تتبعهم واقتلهم فيري أن القصاص بغير دعوي ولا إقامة بينه لا يتجه وكل من الفريقين مجتهد، وكان من الصحابة فريق لم يدخلوا في شيء من القتال، وظهر بقتل عمار أن الصواب كان من علي واتفق على ذلك أهل السنة بعد اختلاف كان في القيدم، ولله الحمد.
وقال يحيي بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب كان عمر يتعوذ من معضلة ليس لها أبو الحسن وقال سعيد بن جبير: كان ابن عباس يقول: إذا جاءنا الثبت عن علي لم نعدل به، وقال وهب بن عبد الله بن أبي الطفيل: كان علي يقول: سلوني سلوني وسلوني عن كتاب الله تعالي فو الله ما من آية إلا وأنا أعلم أنزلت بليل أو نهار.
وأخرج الترمذي - وأصله في مسلم - من علي قال: لقد عهد إلى النبي ﵌ أن لا يحبك إلا مؤمن، لا يبغضك إلا منافق وأخرج الترمذي بإسناده قوي عن عمران ابن حصين في قصة قال فيها: قال رسول الله ﵌: "ما تريدون علي؟ إن عليًا مني وأنا من علي وهو ولي كل مؤمن بعدي" وفي مسند أحمد بسند جيد عن علي قال قيل: يا رسول الله من نؤمر بعدك؟ قال: "إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينًا زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة وإن تؤمروا عمر تجدوه قويًا أمينًا لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا عليًا وما أراكم فاعلين تجدوه هاديًا مهديًا يأخذ بكم الطريق المستقيم"وكان قتل علي في ليلة السابع عشر من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة ومدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر ونصف شهر لأنه بويع بعد قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وكانت وقعة الجمل في جمادي سنة ست وثلاثين ووقعة صفين في سنة سبع وثلاثين ووقعة النهروان مع الخوارج في سنة وثلاثين ثم أقام سنتين يحرض على قتال البغاة فلم يتهيأ لك إلى أن مات أهـ كلام الحافظ.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمة الإمام على ﵁: أبو الحسن والحسين، ويكني بأبي تراب، وأبي القيم الهاشمي، ابن عمر رسول الله ﷺ وختنه على ابنته
[ ٤ / ١٦٧٩ ]
فاطمة الزهراء، وأمة فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، ويقال إنها أو هاشمية ولدت هاشميًا، وكان له من الإخوة طالب، وعقيل، وجعفر، وكانوا أكبر منه، بين كل واحد منهم ويبين الآخر عشر سنين، وله أختان، أم هانئ وجمانة، وكلهم من فاطمة بنت أسد، وقد أسلمت وهاجرت، كان علي أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى، وكان ممن توفي ورسول الله ﷺ راض عنهم وكان رابع الخلفاء الراشدين وكان رجلًا آدم شديد الأمة أشكل العينين (١)، عظيمهما، ذو بطن، أصلع، وهو إلى القصر أقرب، وكان عظيم اللحية، ضحوك السن، خفيف المشي على الأرض، أسلم علي قديمًا، ويقال إنه أول من أسلم، والصحيح أنه أول من أسلم من الغلمان، كما أن خديجة أول من أسلمت من النساء، وزيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي، وأبو بكر الصديق أول من أسلم من الرجال الأحرار، وكان سبب إسلام على صغير أنه كان في كفالة رسول الله ﷺ، لأنه كان قد أصابتهم سنة مجاعة فأخذه من أبيه، فكان عنده، فلما بعثه الله بالحق آمنت خديجة وأهل البيت ومن جملتهم علي.
وقد شهد علي بدرًا وكانت له اليد البيضاء فيها، بارز يومئذ فغلب وظهر، وفيه وفي عمه حمزة وابن عمه عبيده بن الحارث وخصومهم الثلاثة- عتبة وشيبة الوليد بن عتبة - نزل قوله تعالي: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (٢) الآية، وقال الحكم وغيره عن مقسم عن ابن عباس قال: دفع النبي ﷺ الراية يوم بدر إلى علي وهو ابن عشرين سنة، وشهد على أحدًا وكان على الميمنة ومعه الراية بعد مصعب بن عمير، وعلى الميسرة المنذر بن عمرو الأنصاري، وحمزة بن عبد المطلب على القلب، وعلى الرجالة الزبير بن العوام، وقيل المقداد بن الأسود، وقد قاتل على يوم أحد قاتلًا شديدًا، وقتل خلقًا كثيرًا من المشركين، وغسل عن وجه النبي ﷺ الدم الذي كان أصابه من الجراح حين شج في وجهه وكسرت رباعيته وشهد يوم الخندق فقتل يومئذ فارس العرب، وأحد شجعانهم المشاهير، عمرو بن
_________________
(١) أشكل العينين: في بياضهما شيء من حمرة، وهو محمود محبوب.
(٢) الحج: ١٩.
[ ٤ / ١٦٨٠ ]
عبد ود العامري، وشهد الحديبية وبيعة الرضوان، وشهد خيبر وكانت له بها مواقف هائلة، ومشاهد طائلة، وشهد علي عمرة القضاء وفيها قال له النبي ﷺ: "أنت مني، وأنا منك". وشهد الفتح وحنينًا والطائف، وقاتل في هذه المشاهد قتالًا كثيرًا، واعتمر من الجعرانة مع رسول الله ﷺ، ولما خرج رسول الله ﷺ إلى تبوك واستخلفه على المدينة، قال له: يا رسول الله أتخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي".وبعثه رسول الله ﷺ أميرًا وحاكمًا على اليمن، ومعه خالد بن الوليد، ثم وافى رسول الله ﷺ عام حجة الوداع إلى مكة، وساق معه هديًا كإهلال النبي ﷺ فأشركه في هديه، واستمر على إحرامه.
ولما مرض رسول الله ﷺ قال له العباس: سل رسول الله ﷺ فيمن الأمر بعده؟ فقال: والله لا أسأله، فإنه إن منعناها لا يعطيناها الناس بعده أبدًا، والأحاديث الصحيحة دالة على أن رسول الله ﷺ لم يوص إليه ولا إلى غيره بالخلافة، بل لوح بذكر الصديق، وأشار إشارة مفهمة ظاهرة جدًا إليه، ثم لما مات رسول الله ﷺ كان علي من جملة من غسله وكفنه وولي دفنه.
ولما بويع الصديق يوم السقيفة كان علي من جملة من بايع بالمسجد وكان بيدي يدي الصديق كغيره من أمراء الصحابة يري طاعته فرضًا عليه، وأحب الأشياء إليه، ولما توفيت فاطمة بعد ستة أشهر - وكانت قد تغضبت بعض الشيء على أبي بكر بسبب الميراث الذي فاتها من أبيها ﵊، ولم تكن اطلعت على النص المختص بالأنبياء وأنهم لا يورثون، فلما بلغها سألت أبا بكر أن يكون زوجها ناظرًا على هذه الصدقة، فأبي ذلك عليها، فبقي في نفسها شيء كما قدمنا، واحتاج علي أن يداريها بعض المدارة- فلما توفيت جدد البيعة مع الصديق ﵄، فلما توفي أبو بكر وقام عمر في الخلافة بوصية أبي بكر بذلك، كان علي من جملة من بايعه، وكان معه يشاروه في الأمور، ويقال إنه استقضاه في أيام خلافته، وقدم معه من جملة سادات أمراء الصحابة إلى الشام، وشهد خطبته بالجابية، فلما طعن عمر وجعل الأمر شورى في ستة أحدهم علي، ثم خلص منهم بعثمان وعلي كما قدمنا، فقدم عثمان علي علي، فسمع وأطاع، فلما قتل عثمان يوم الجمعة لثمان
[ ٤ / ١٦٨١ ]
عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين على المشهور عدل الناس إلى علي فبايعوه قبل أن يدفن عثمان، وقيل بعد دفنه وقد امتنع علي من إجابتهم إلى قبول الإمارة حتى تكرر قولهم له وفر منهم إلى حائط بني عمرو بن مبذول، وأغلق بابه فجاء الناس فطرقوا الباب وولجوا عليه، وجاؤوا معهم بطلحة والزبير، فقالوا له: إن هذا الأمر لا يمكن بقاؤه بلا أمير، ولم يزالوا به حتى أجاب.
وذكر سيف بن عمر عن جماعة من شيوخه قالوا: بقيت المدينة خمسة أيام بعد مقتل عثمان وأميرها الغافقي بن حرب، يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر. والمصريون يلحون على علي وهو يهرب منهم إلى الحيطان، ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه، والبصريون يطلبون طلحة فلا يجيبهم، فقالوا فيما بينهم لا نولي أحدًا من هؤلاء الثلاثة، فمضوا إلى سعد ابن أبي وقاص فقالوا: إنك من أهل الشورى فلم يقبل منهم، ثم راحوا إلى ابن عمر فأبى عليهم، فحاروا في أمرهم، ثم قالوا: إن نحن رجعنا إلى أمصارنا بقتل عثمان من غير إمرة اختلف الناس في أمرهم ولم نسلم، فرجعوا إلى علي فألحوا عليه، وأخذ الأشتر بيده فبايعه وبايعه الناس، وأهل الكوفة يقولون: أول من بايعه النخعي وذلك يوم الخميس الرابع والعشرون من ذي الحجة، وذلك بعد مراجعة الناس لهم في ذلك، وكلهم يقول: لا يصلح لها إلا علي، فلما كان يوم الجمعة وصعد على المنبر بايعه من لم يبايعه بالأمس، وكان أول من بايعه طلحة بيده الشلاء، فقال قائل: إنا لله وإنا إليه راجعون (١)، ثم الزبير، ثم قال الزبير: إنما بايعت عليًا واللج (٢) على عنقي والسلام، ثم راح إلى مكة فأقام أربعة أشهر، وكانت هذه البيعة يوم الجمعة لخمسة بقين من ذي الحجة اهـ. ابن كثير.
قال ابن حجرة: أخرج عمر بن شبة في كتاب أخبار البصرة من طريق المغيرة عن إبراهيم عن علقمة قال: قال الأشتر: رأيت طلحة والزبير يبايعا غير مكرهين.
وأخرج من طريق أبي نضرة، قال: كان طلحة يقول إنه بايع وهو مكره.
ومن طريق ابن شهاب قال: ثم أرسل -أي علي- إلى طلحة والزبير فبايعاه ا. هـ
_________________
(١) وكأنه تشاءم من هذه البيعة، وأن الخلافة لن تستقر لعلي.
(٢) اللج: هو السيف بلغة طيء، وقيل هو اسم سمي به السيف.
[ ٤ / ١٦٨٢ ]
من فتح الباري.
وقال ابن كثير: وكان على الكوفة أبو موسى الأشعري على الصلاة، وعلى الحرب القعقاع ابن عمرو، وعلى الخراج جابر بن فلان المزني، وعلى البصرة عبد الله بن عامر، وعلى مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقد تغلب عليه محمد بن أبي حذيفة، وعلى الشام معاوية ابن أبي سفيان، ونوابه على حمص عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعلى قنسرين حبيب ابن مسلمة، وعلى الأردن أبو الأعور، وعلى فلسطين حكيم بن علقمة، وعلى أذربيجان الأشعث بن قيس، وعلى قرقيسيا جرير بن عبد الله البجلي، وعلى حلوان عتيبة بن النهاس، وعلى قيسارية مالك بن حبيب، وعلى همذان جبيش. هذا ما ذكره ابن جرير من نواب عثمان الذين توفي وهم نواب الأمصار، وكان على بيت المال عقبة بن عمرو، وعلى قضاء المدينة زيد بن ثابت، ولما قتل عثمان بن عفان خرج النعمان بن بشير ومعه قميص عثمان مضمخ بدمه، ومعه أصابع نائلة التي أصيبت حين حاجفت عنه بيدها، فقطعت مع بعض الطف فورد به على معاوية بالشام، فوضعه معاوية على المنبر ليراه الناس، وعلق الأصابع في كم القميص، وندب الناس إلى الأخذ بهذا الثأر والدم وصاحبه، فتباكى الناس حول المنبر، وجعل القميص يرفع تارة ويوضع تارة، والناس يتباكون حوله سنة، ويحث بعضهم بعضًا على الأخذ بثأره، واعتزل أكثر الناس النساء في هذا العام، وقام في الناس معاوية وجماعة من الصحابة معه يحرضون الناس على المطالبة بدم عثمان، ممن قتله من أولئك الخوارج: منهم عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وأبو أمامة، وعمرو بن عنبسة وغيرهم من الصحابة، ومن التابعين: شريك بن حباشة، وأبو مسلم الخولاني، وعبد الرحمن ابن غنم، وغيرهم من التابعين. ولما استقر أمر بيعة علي دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة ﵃، وطلبوا منه إقامة الحدود، والأخذ بدم عثمان: فاعتذر إليهم بأن هؤلاء مدد وأعوان، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا، فطلب منه الزبير أن يوليه إمرة الكوفة ليأتيه بالجنود، وطلب منه طلحة أن يوليه إمرة البصرة، ليأتيه منها بالجنود ليقوى بهم على شوكة هؤلاء الخوارج وجهلة الأعراب الذين كانوا معهم في قتل عثمان ﵁، فقال لهما: مهلًا علي، حتى أنظر في هذا الأمر. ودخل عليه المغيرة بن شعبة على إثر ذلك
[ ٤ / ١٦٨٣ ]
فقال له: إني أرى أن تقر عمالك على البلاد، فإذا أتتك طاعتهم استبدلت بعد ذلك بمن شئت وتركت من شئت، ثم جاءه من الغد فقال له: إني أرى أن تعزلهم لتعلم من يطيعك ممن يعصيك، فعرض ذلك علي على ابن عباس فقال: لقد نصحك بالأمس وغشك اليوم، فبلغ ذلك المغيرة فقال: نعم نصحته فلما لم يقبل غششته ثم خرج المغيرة فلحق بمكة، ولحقه جماعة منهم طلحة والزبير: وكانوا قد استأذنوا عليًا في الاعتمار فأذن لهم، ثم إن ابن عباس أشار على علي باستمرار نوابه في البلاد، إلى أن يتمكن الأمر، وأن يقر معاوية خصوصًا على الشام وقال له: إني أخشى إن عزلته عنها أن يطلبك بدم عثمان ولا آمن طلحة والزبير أ، يتكلما عليك بسبب ذلك، فقال علي: إني أرى هذا ولكن اذهب أنت إلى الشام فقد وليتكها، فقال ابن عباس لعلي: إني أخشى من معاوية أن يقتلني بعثمان، أو يحبسني لقرابتي منك ولكن اكتب معي إلى معاوية فمنه وعده، فقال عليك والله إن هذا مالا يكون أبدًا، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين الحرب خدعة كما قال رسول الله ﷺ، فوالله لئن أطعتني لأوردنهم بعد صدرهم ونهى ابن عباس عليًا فيما أشار عليه أن يقبل من هؤلاء الذين يحسنون إليه الرحيل إلى العراق، ومفارقة المدينة، فأبى عليه ذلك كله، وطاوع أمر أولئك الأمراء من أولئك الخوارج من أهل الأمصار.
وهذا موجز لما حدث في سني عهده ﵁:
ثم دخلت سنة ست وثلاثين من الهجرة:
استهلت هذه السنة وقد تولى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الخلافة، وولى عى الأمصار نوابًا، فولى عبيد الله بن عباس على اليمن، وولى سمرة بن جندب على البصرة، وعمارة بن شهاب على الكوفة، وقيس بن سعد بن عبادة على مصر، وعلى الشام سهل بن حنيف بدل معاوية، فسار حتى بلغ تبوك فتلقته خيل معاوية، فقالوا: من أنت؟ فقال: أمير، قالوا: على أي شيء؟ قال: على الشام، فقالوا: إن كان عثمان بعثك فحيهلا بك، وإن كان غيره فارجع. فقال: أو ما سمعتم الذي كان؟ قالوا: بى، فرجع إلى علي. وأما قيس بن سعد فاختلف عليه أهل مصر فبايع له الجمهور، وقالت طائفة: لا نبايع حتى نقتل قتلة عثمان، وكذلك أهل البصرة، وأما عمارة بن شهاب المبعوث أميرًا على
[ ٤ / ١٦٨٤ ]
الكوفة فصده عنها طلحة بن خويلد غضبًا لعثمان، فرجع إلى علي فأخبره، وانتشرت الفتنة وتفاقم الأمر، واختلفت الكلمة، وكتب أبو موسى إلى علي بطاعة أهل الكوفة ومبايعتهم إلا القليل منهم، وبعث علي إلى معاوية كتبًا كثيرة فلم يرد عليه جوابها، وتكرر ذلك مرارًا إلى الشهر الثالث من مقتل عثمان في صفر، ثم بعث معاوية طومارًا (١) مع رجل فدخل به على علي فقال: ما وراءك؟ قال جئتك من عند قوم لا يريدون إلا القود كلهم موتور، تركت سبعين ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان، وهو على منبر دمشق، فقال علي: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ثم خرج رسول معاوية من بين يدي علي فهم به أولئك الخوارج الذين قتلوا عثمان يريدون قتله، فما أفلت إلا بعد جهد، وعزم علي ﵁ على قتال أهل الشام، وكتب إلى قيس بن سعد بمصر يستنفر الناس لقتالهم، وإلى أبي موسى بالكوفة: وبعث إلى عثمان بن حنيف بذلك، وخطب الناس فحثهم على ذلك، وعزم على التجهز، وخرج من المدينة، واستخلف عليها قثم بن العباس، وهو عازم أن يقاتل بمن أطاعه من عصاه وخرج عن أمره ولم يبايعه مع الناس، وجاء إليه ابنه الحسن بن علي فقال: يا أبتي دع هذا فإن فيه سفك دماء المسلمين، ووقوع الاختلاف بينهم، فلم يقبل منه ذلك، بل صمم على القتال، ورتب الجيش، فدفع اللواء إلى محمد بن الحنفية، وجعل ابن العباس على الميمنة، وعمرو بن أبي سلمة على الميسرة، وقيل جعل على الميسرة عمرو بن سفيان بن عبد الأسد، وجعل على مقدمته أبا ليلى بن عمرو بن الجراح ابن أخي أبي عبيدة، واستخلف على المدينة قثم بن العباس ولم يبق شيء إلا أن يخرج من المدينة قاصدًا إلى الشام، حتى جاءه ما شغله عن ذلك كله.
أقول: وهو خروج عائشة وطلحة والزبير ﵃ عليه مطالبين بقتل قتلة عثمان، ومسيرهم إلى البصرة، وما جرى هنالك من وقائع مما ألجأ عليًا ﵁ إلى المسير إلى البصرة، وكانت موقعة الجمل التي انتهت بانتصار علي ﵁.
وقال ابن كثير: بعد أن ذكر مجريات الأمور حتى نهاية المعركة وأقام علي بظاهر البصرة ثلاثًا صلى على القتلى من الفريقين، وخص قريشًا بصلاة من بينهم، ثم جمع ما
_________________
(١) طومارًا: جمعها طوامير، وهي الصحيفة.
[ ٤ / ١٦٨٥ ]
وجد لأصحاب عائشة في المعسكر وأمر به أن يحمل إلى مسجد البصرة. فمن عرف شيئًا هو لأهلهم فليأخذه، إلا سلاحًا كان في الخزائن عليه سمة السلطان، وكان مجموع من قتل يوم الجمل من الفريقين عشرة آلاف، خمسة من هؤلاء وخمسة من هؤلاء، ﵏ ورضي عن الصحابة منهم وقد سأل بعض أصحاب علي عليًا أن يقسم فيهم أموال أصحاب طلحة والزبير، فأبى عليهم، فطعن فيه السبأية وقالوا: كيف يحل لنا دماؤهم ولا تحل لنا أموالهم؟ فبلغ ذلك عليًا فقال: أيكم يحب أن تصير أم المؤمنين في سهمه؟ فسكت القوم، ولهذا لما دخل البصرة فض في أصحابه أموال بيت المال، فنال كل رجل منهم خمسمائة، وقال: لكم مثلها من الشام، فتكلم فيه السبأية أيضًا ونالوا منه من وراء وراء.
أقول: ثم إن عليًا ﵁ نهد إلى أهل الشام فالتقوا في أواخر السنة السادسة والثلاثين وكان قتال ودخلت سنة سبع وثلاثين والقتال مستمر.
وقال ابن كثير: استهلت هذه السنة وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ متواقف هو ومعاوية بن أي سفيان ﵁، كل منهما في جنوده بمكان يقال له صفين بالقرب من الفرات شرقي بلاد الشام، وقد اقتتلوا في مدة شهر ذي الحجة كل يوم، وفي بعض الأيام ربما اقتتلوا مرتين، وجرت بينهم حروب يطول ذكرها، والمقصود أنه لما دخل شهر المحرم تحاجز القوم رجاء أن يقع بينهم مهادنة وموادعة يؤول أمرها إلى الصلح بين الناس وحقن دمائهم.
أقول: ولكن القتال استمر بعد ذلك فترة طويلة حتى إذا تضايق أهل الشام رفعوا المصاحف وتم الاتفاق على التحكيم، وكان قد قتل خلال ذلك عمار بن ياسر فعرف أن الحق بجانب علي ﵁، وقد ذكر ابن كثير مختصرًا لهذه الأيام فقال:
وجرت بينهم أمور طويلة، ورغب أكثر الناس من العراقيين وأهل الشام بكمالهم إلى المصالحة والمسالمة مدة لعله يتفق أمر يكون فيه حقن لدماء المسلمين، فإن الناس تقانوا في هذه المدة، ولا سيما في هذه الثلاثة الأيام المتأخرة التي آخر أمرها ليلة الجمعة وهي ليلة الهرير. كل من الجيشين فيه من الشجاعة والصبر ما ليس يوجد في الدنيا مثله، ولهذا لم
[ ٤ / ١٦٨٦ ]
يفر أحد عن أحد، بل صبروا حتى قتل من الفريقين فيما ذكره غير واحد سبعون ألفًا. خمسة وأربعون ألفًا من أهل الشام، وخمسة وعشرون ألفًا من أهل العراق. قاله غير واحد منهم ابن سيرين وسيف وغيره، وزاد أبو الحسن بن البراء -وكان في أهل العراق- خمسة وعشرون بدريًا، قال: وكان بينهم في هذه المدة تسعون زحفًا واختلفا في مدة المقام بصفين فقال سيف: سبعة أشهر أو تسعة أشهر. وقال أبو الحسن بن البراء مائة وعشرة أيام. قلت: ومقتضى كلام أبي مخنف أنه كان من مستهل ذي الحجة في يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من صفر وذلك سبعة وسبعون يومًا فالله أعلم، وقال الزهري: بلغني أنه كان يدفن في القبر الواحد خمسون نفسًا. هذا كله ملخص من كلام ابن جرير وابن الجوزي في المنتظم.
ثم تراوض الفريقان بعد مكاتبات ومراجعات يطول ذكرها على التحكيم، وهو أن يحكم كل واحد من الأميرين -على ومعاوية- رجلًا من جهته. ثم يتفق الحكمان على ما فيه مصلحة للمسلمين. فوكل معاوية عمرو بن العاص، وأراد علي أن يوكل عبد الله بن عباس -وليته فعل- ولكنه منعه القراء وقالوا: لا نرضى إلا بأبي موسى الأشعري.
ثم أخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما، والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كليهما عهد الله وميثاقه أنهما على ما في هذه الصحيفة، وأجلا القضاء إلى رمضان وإن أحبا أن يوخرا ذلك على تراض منهما، وكتب في يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين، على أن يوافى علي ومعاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في رمضان، ومع كل واحد من الحكمين أربعمائة من أصحابه، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح.
وتفرق الناس إلى بلادهم من صفين، وخرج معاوية إلى دمشق بأصحابه، ورجع علي إلى الكوفة على طريق هيت فلما دخل الكوفة سمع رجلًا يقول: ذهب علي ورجع في غير شيء فقال علي: للذين فارقناهم خير من هؤلاء وأنشأ يقول:
أخوك الذي إن أحرجتك ملمة من الدهر لم يبرح لبثك راحما
[ ٤ / ١٦٨٧ ]
وليس أخوك بالذي غن تشعبت عليك أمور ظل يلحاك لائما
ثم مضى فجعل يذكر الله حتى دخل قصر الإمارة من الكوفة. ولما كان قد قارب دخول الكوفة اعتزل من جيشه قريب من -اثنى عشر ألفًا- وهم الخوارج، وأبوا أن يساكنوه في بلده، ونزلوا بمكان يقال له: حروراء وأنكروا عليه أشياء فيما يزعمون أنه ارتكبها، فبعث إليهم علي ﵁ عبد الله بن عباس فناظرهم فرجع أكثرهم وبقي بقيتهم، فقاتلهم علي بن أبي طالب وأصحابه.
أقول: ولم ينبثق عن التحكيم شيء وزادت شرة الخوارج فقاتلهم الإمام علي وقتلهم والراجح أن ذلك كان في السنة الثامنة والثلاثين. وفي هذه السنة خرجت مصر من يد أمير المؤمنين علي وأصبحت في يد معاوية وانتفض على الإمام علي أمره.
قال ابن كثير: قال الشعبي: لما قتل علي أهل النهر خالفه قوم كثير، وانتقضت أطرافه وخالفه بنو ناجية، وقدم ابن الحضرمي إلى البصرة، وانتفض أهل الجبال، وطمع أهل الخراج في كسره وأخرجوا سهل بن حنيف من فارس -وكان عاملًا عليها- فأشار عليه ابن عباس بزياد بن أبيه أن يوليه إياها فولاه إياها فسار إليها في السنة الآتية في جمع كثير، فوطئهم حتى أدوا الخراج.
قال ابن جرير وغيره: وحج بالناس في هذه السنة قثم بن العباس، نائب علي على مكة، وأخوه عبيد الله بن عباس نائب اليمن، وأخوهما عبد الله نائب البصرة، وأخوهم تمام ابن عباس نائب المدينة، وعلى خراسان خالد بن قرة اليربوعي وقيل ابن أبزى، وأما مصر فقد استقرت بيد معاوية فاستناب عليها عمرو بن العاص.
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين:
فيها جهز معاوية بن أبي سفيان جيوشًا كثيرة ففرقها في أطراف معاملات علي بن أبي طالب، وذلك أن معاوية رأى بعد أن ولاه عمرو بن العاص بعد اتفاقه مع أبي موسى على عزل علي، أن ولايته وقعت الموقع، فهو الذي يجب طاعته فيما يعتقده، ولأن جيوش علي من أهل العراق لا تطيعه في كثير من الأمر ولا يأتمرون بأمره، فلا يحصل بمباشرته المقصود
[ ٤ / ١٦٨٨ ]
من الإمارة والحالة هذه، فهو يزعم أنه أولى منه إذ كان الأمر كذلك.
أقول: ثم دخلت سنة أربعين وقد بقي الحبل فيها مضطربًا والإمام علي يحاول لملمة الأمر وكاد أن يصل إلى هدنة مع معاوية ثم استشهد ﵀ في هذه السنة.
قال ابن كثير: قال جرير: وفي هذه السنة جرت بين علي ومعاوية المهادنة بعد مكاتبات يطول ذكرها على وضع الحرب بينهما، وأن يكون ملك العراق لعلي ولمعاوية الشام، ولا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجبيش ولا غارة ولا عزوة. ثم ذكر عن زياد عن ابن إسحاق ما هذا مضمونه أن معاوية كتب إلى علي أما بعد فإن الأمة قد قتل بعضها بعضًا يعني فلك العراق ولي الشام، فأقر بذلك علي ﵁، وأمسك كل واحد منهما عن قتال الآخر، وبعث الجيوش إلى بلاده، واستقر الأمر على ذلك.
ذكر مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:
كان أمير المؤمنين ﵁ قد تنغضت عليه الأمور، واضطرب عليه جيشه، وخالفه أهل العراق، ونكلوا عن القيام معه، واستفحل أمر أهل الشام، وصالوا وجالوا يمينًا وشمالًا، زاعمين أن الإمرة لمعاوية بمقتضى حكم الحكمين في خلعهما عليًا وتولية عمرو بن العاص معاوية عند خلو الإمرة عن أحد، وقد كان أهل الشام بعد التحكيم يسمون معاوية الأمير، وكلما ازداد أهل الشام قوة ضعف جأش أهل العراق، هذا وأميرهم علي بن أبي طالب خير أهل الأرض في ذلك الزمان، أعبدهم وأزهدهم، وأعلمهم وأخشاهم لله ﷿، ومع هذا كله خذلوه وتخلوا عنه حتى كره الحياة وتمنى الموت، وذلك لكثرة الفتن وظهور المحن، فكان يكثر أن يقول: ما يحبس أشقاها؟ أي ما ينتظر؟ ماله لا يقتل؟ ثم يقول: والله لتخضبن هذه ويشير إلى لحيته من هذه ويشير إلى هامته.
صفة مقتله ﵁:
ذكر ابن جرير وغير واحد من علماء التاريخ والسير وأيام الناس: أن ثلاثة من الخوارج وهم عبد الرحمن بن عمرو المعروف بابن ملجم الحميري ثم الكندي حليف بني حنيفة من كندة المصري، وكان أسمر حسن الوجه أبلح شعره مع شحمة أذنيه وفي وجهه أثر
[ ٤ / ١٦٨٩ ]
السجود. والبرك بن عبد الله التميمي وعمرو بن بكر التميمي أيضًا -اجتمعوا فتذاكروا قتل علي إخوانهم من أهل النهروان فترحموا عليهم وقالوا: ماذا نصنع بالبقاء بعدهم؟ كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلال فقتلناهم فأرحنا منهم البلاد وأخذنا منهم ثأر إخواننا؟ فقال ابن ملجم: أما أنا فأكفيكم علي بن أبي طالب. وقال البرك: وأنا أكفيكم معاوية. وقال عمرو بن بكر: وأنا أكفيكم عمرو بن العاص. فتعاهدوا وتواثقوا أن لا ينكص رجل منهم عن صاحبه حتى يقتله أو يموت دونه فأخذوا أسيافهم فسموها واتعدوا لسبع عشرة من رمضان أن يبيت كل واحد منهم صاحبه في بلده الذي هو فيه فأما بان ملجم فسار إلى الكوفة فدخلها وكتم أمره حتى عن أصحابه من الخوارج الذين هم بها، فبينما هو جالس في قوم من بني الرباب يتذاكرون قتلاهم يوم النهروان إذ أقبلت امرأة منهم يقال لها قطام بنت الشجنة، قد قتل علي يوم النهروان أباها وأخاها، وكانت فائقة الجمال مشهورة به، وكانت قد انقطعت في المسجد الجامع تتعبد فيه، فلما رآها ابن ملجم سلبت عقله ونسي حاجته التي جاء لها، وخطبها إلى نفسها فاشترطت عليه ثلاثة آلاف درهم وخادمًا وقينة؛ وأن يقتل لها علي بن أبي طالب. قال: فهو لك، والله ما جاء بي إلى هذه البلدة إلا قتل علي، فتزوجها ودخل بها، ثم شرعت تحرضه على ذلك وندبت له رجلًا من قومها، من تيم الرباب يقال له وردان، ليكون معه ردءًا، واستمال عبد الرحمن بن ملجم رجلًا آخر يقال له شبيب بن نجدة الأشجعي الحروري.
ودخل شهر رمضان فواعدهم ابن ملجم ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت، وقال: هذه الليلة التي واعدت أصحابي فيها أن يثأروا بمعاوية وعمرو بن العاص فجاء هؤلاء الثلاثة -وهم ابن ملجم، ووردان، وشبيب- وهم مشتملون على سيوفهم فجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي، فلما خرج جعل ينهض الناس من النوم إلى الصلاة، ويقول: الصلاة الصلاة فثار إليه شبيب بالسيف فضربه به فوقع في الطاق، فضربه ابن ملجم بالسيف على قرنه فسال دمه على لحيته ﵁، ولما ضربه ابن ملجم قال: لا حكم إلا لله ليس لك يا علي ولا لأصحابك، وجعل يتلو قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ
[ ٤ / ١٦٩٠ ]
مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١) ونادى علي: عليكم به، وهرب وردان فأدركه رجل من حضرموت فقتله، وذهب شبيب فنجا بنفسه وفات الناس، ومسك ابن ملجم وقدم علي جعدة بن هبيرة بن أبي وهب فصلى بالناس صلاة الفجر، وحمل علي إلى منزله، وحمل إليه عبد الرحمن بن ملجم فأوقف بين يديه وهو مكتوف -قبحه الله- فقال له: أي عدو الله ألم أحسن إليك؟ قال: بلى. قال: فما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحًا وسألت الله أن يقتل به شر خلقه، فقال له علي: لا أراك إلا مقتولًا به، ولا أراك إلا من شر خلق الله، ثم قال: إن مت فاقتلوه وإن عشت فأنا أعلم كيف أصنع به، فقال جندب ابن عبد الله: يا أمير المؤمنين إن مت نبايع الحسن؟ فقال: لا آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر. ولما احتضر علي جعل يكثر من قول لا إله إلا الله، لا يتلفظ بغيرها. وقد قيل إن آخر ما تكلم به ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢). وقد أوصى ولديه الحسن والحسين بتقوى الله والصلاة والزكاة وكظم الغيظ وصلة الرحم والحلم عن الجاهل والتفقه في الدين والتثبت في الأمر، والتعاهد بالقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش، ووصاهما بأخيهما محمد بن الحنفية ووصاه بما وصاهما به، وأن يعظمهما ولا يقطع أمرًا دونهما وكتب ذلك كله في كتاب وصيته ﵁ وأرضاه.
وقد غسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وصلى عليه الحسن فكبر عليه تسع تكبيرات. وقال الإمام أحمد بسنده عن أبي يحيى قال: لما ضرب ابن ملجم عليًا قال لهم: افعلوا به كما أراد رسول الله ﷺ أن يفعل برجل أراد قتله فقال: "اقتلوه ثم حرقوه".
وروى ابن جرير قال: حدثني الحارث ثنا ابن سعد عن محمد بن عمر قال: ضرب علي يوم الجمعة فمكث يوم الجمعة ويوم السبت وتوفي ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان سنة أربعين عن ثلاث وستين سنة.
ولما مات علي ولي غسله ودفنه أهله، وصلى عليه ابنه الحسن وكبر أربعًا، وقيل أكثر
_________________
(١) البقرة: ٢٠٧.
(٢) الزلزلة: ٧، ٨.
[ ٤ / ١٦٩١ ]
من ذلك. ودفن علي بدار الخلافة بالكوفة وقيل تجاه الجامع من القبلة في حجرة من دور آل جعدة بن هبيرة، بحذاء باب الوراقين وقيل بظاهر الكوفة، وقيل بالكناسة، وقيل دفن بالبرية. وقال شريك القاضي وأبو نعيم الفضل بن دكين: نقله الحسن بن علي بعد صلحه مع معاوية من الكوفة فدفنه بالمدينة بالبقيع إلى جانب فاطمة بنت رسول الله ﷺ. وقال عيسى بن دآب: بل لما تحملوا به حملوه في صندوق على بعير، فلما مروا به ببلاد طيء أضلوا ذلك البعير فأخذته طيء تحسب فيه مالًا، فلما وجدوا بالصندوق ميتًا دفنوه في بلادهم فلا يعرف قبره إلى الآن، والمشهور أن قبره إلى الآن بالكوفة كما ذكر عبد الملك ابن عمران أن خالد بن عبد الله القسري -نائب بني أمية في زمان هشام- لما هدم دورًا ليبنيها وجد قبرًا فيه شيخ أبيض الرأس واللحية فإذا هو علي، فأراد أن يحرقه بالنار فقيل له: أيها الأمير إن بني أمية لا يريدون منك هذا كله، فلفه في قباطي ودفنه هناك. قالوا: فلا يقدر أحد أن يسكن تلك الدار التي هو فيها إلا ارتحل منها. رواه ابن عساكر. ا. هـ ابن كثير.
وقال الطبراني: علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك يكنى أبا الحسن شهد بدرًا، قال وحدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال: بلغني بنو هاشم أن أبا طالب اسمه بعد مناف بن عبد المطلب، وعبد المطلب اسمه شيبة بن هاشم، وهاشم اسمه عمرو بن عبد مناف بن قصي، وقصي اسمه زيد، وقال الزبير بن بكار: أم علي بن أبي طالب فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد منافٍ بن قصي، ويقال إنها أول هاشمية ولدت لهاشمي، وقد أسلمت وهاجرت إلى رسول الله ﷺ بالمدينة وماتت ودفنها رسول الله ﷺ وأمها فاطمة بنت هرم بن رواحة بن حجر بن عبد معيص بن عامر بن لؤي (١).
١٦٦٣ - * روى الحاكم عن زيد بان أرقم ﵁ قال: إن أول من أسلم مع رسول الله ﵌ علي بن أبي طالب ﵁.
_________________
(١) رواها الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٩٢) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٠): وهو صحيح.
(٢) المستدرك (٣/ ١٢٦) وقال هذا حديث صحيح الإسناد وأقره الذهبي.
[ ٤ / ١٦٩٢ ]
قال الحاكم: وإنما الخلاف في هذا الحرف أن أبا بكر الصديق ﵁ كان أول الرجال البالغين إسلامًا، وعلي بن أبي طالب تقدم إسلامه قبل البلوغ.
١٦٦٤ - * روى الطبراني عن الشعبي قال رأيت عليًا على المنبر أبيض اللحية قد ملأت ما بين منكبيه، زاد يحيى بن سعيد في حديثه: على رأسه زغيبات.
١٦٦٥ - * روى الطبراني عن شعبة قال: سألت أبا إسحاق: أنت أكبر من الشعبي؟ قال: الشعبي أكبر مني بسنةٍ أو سنتين. قال: ورأى أبو إسحاق عليًا وكان يصفه لنا: عظيم البطن أجلح، قال شعبة وكان أبو إسحاق أكبر من أبي البختري ولم يدرك أبو البختري عليًا ولم يره.
١٦٦٦ - * روى الطبراني عن أبي رجاء العطاردي قال: رأيت عليًا سمتًا أصلع الشعر كأن بجانبه إهاب شاة.
١٦٦٧ - * روى الطبراني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: خرج علينا علي بن أبي طالبٍ في الحر الشديد وعليه ثياب الشتاء، وخرج علينا في الشتاء وعليه ثياب الصيف، ثم دعا بما نشد به ثم مسح العرق عن جبهته ثم رجع إلى بيته فقتل لأبي: يا أبتاه أما رأيت ما صنع أمير المؤمنين، خرج علينا في الشتاء عليه ثياب الصيف وخرج علينا في الصيف وعليه ثياب الشتاء فقال أبو ليلى: ما فطنت. فأخذ بيد ابنه فأتى عليًا فقال له الذي صنع. فقال له علي: إن رسول الله صلى الله عليه سلم كان بعثني وأنا أرمد فبزق في عيني، ثم قال: "افتح عينيك" ففتحتهما فما اشتكيتهما حتى الساعة ودعا لي فقال: "اللهم أذهب عنه الحر والبرد" فما وجدت حرًا ولا بردًا حتى يومي هذا.
_________________
(١) المعجم الكبير (١/ ٩٤) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠١): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٢) المعجم الكبير (١/ ٩٤) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٠): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. أجلح: الجلح: ذهاب الشعر من مقدم الرأس، يقال هو أجلح وهي جلحاء.
(٣) المعجم الكبير (١/ ٩٥) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٠): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. سمتًا: حسن الهيئة.
(٤) قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.
[ ٤ / ١٦٩٣ ]
١٦٦٨ - * روى النسائي عن بريدة ﵁ عن أبيه قال: خطب أبو بكر وعمر ﵄ فاطمة، فقال رسول الله ﷺ: "إنها صغيرة" فخطبها علي، فزوجها منه.
١٦٦٩ - * روى الطبراني عن سلمان قال: أول هذه الأمة ورودًا على نبيها ﷺ أولها إسلامًا علي بن أبي طالب ﵁.
١٦٧٠ - * روى البزار والطبراني عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال لعلي: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه نبي بعدي".
وفي رواية الطبراني: "أنت مني بمنزلة هارون".
١٦٧١ - * روى الطبراني عن علي قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك".
١٦٧٢ - * روى الترمذي عن أم عطية ﵂ قالت: بعث النبي صلى الله جيشًأ فيهم علي، قالت: فسمعت رسول الله ﷺ يقول وهو رافع يديه: "اللهم لا تمتني حتى تريني عليًا".
١٦٧٣ - * روى البزار عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "يا علي من فارقني فارق الله، ومن فارقك يا علي فارقني".
١٦٧٤ - * روى الطبراني عن ابن عباس أن عليًا كان يقول في حياة رسول الله ﷺ إن
_________________
(١) النسائي (٦/ ٦٢) كتاب النكاح، باب تزوج المرأة مثلها في السن، وإسناده حسن.
(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٢): رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(٣) البزار: كشف الأستار (٣/ ١٨٥) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٩). رواه البزار والطبراني، ورجال البزار رجال الصحيح غير أبي بلج الكبير وهو ثقة.
(٤) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٠٣): رواه الطبراني وإسناده حسن.
(٥) الترمذي (٥/ ٦٤٣) ٥٠ - كتاب للناقب- ٢١ - مناقب علي بن أبي طالب. وقال: هذا حديث حسن غريب.
(٦) البزار: كشف الأستار (٣/ ٢٠١) وقال الهيثمي مجمع الزوائد (٩/ ١٣٥): رواه البزار ورجاله ثقات.
(٧) قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
[ ٤ / ١٦٩٤ ]
الله ﷿ يقول: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله تعالى. والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت. والله ني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه فمن أحق به مني.
١٦٧٥ - * روى البخاري ومسلم عن محمد بن شهاب الزهري ﵀ أن علي بن الحسين ابن علي حدثهم: أنهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية مقتل الحسين بن علي لقيه المسور، فقال له: هل لك إلي حاجة تأمرني بها؟ قال فقلت له: لا، فقال: هل أنت معطي سيف رسول الله ﷺ، فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه؟ وايم الله، لئن أعطيتنيه لا يخلص إليه أبدًا، حتى تبلغ نفسي، إن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل على فاطمة، فسمعت رسول الله ﷺ يخطب الناس في ذلك على منبره هذا -وأنا يومئذ محتلم- فقال: "إن فاطمة مني، وأنا أتخوف أن تفتن في دينها" قال: ثم ذكر صهرًا له من بني عبد شمس، فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن، قال: "حدثني فصدقني، ووعدني فأوفى لي، وإني لست أحرم حلالًا، ولا أحل حرامًا، ولكن والله، لا تجتمع بنت رسول الله ﷺ وبنت عدو الله مكانًا واحدًا أبدًا".
وفي رواية علي بن الحسين: أن المسور بن مخرمة قال: إن عليًا خطب بنت أبي جهلٍ، وعنده فاطمة بنت النبي ﷺ، فسمعت بذلك فاطمة فأتت رسول الله ﷺ، فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكحًا ابنة أبي جهلٍ، فقام رسول الله ﷺ، فسمعه حين تشهد يقول: "أما بعد، فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع، فحدثني فصدقني، وإن فاطمة بضعة مني، وأنا أكره أ، يسوؤوها" -وفي رواية أن يفتنوها- "والله، لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحدٍ أبدًا". فترك على الخطبة.
_________________
(١) البخاري (٧/ ٨٥) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة- ١٦ - باب ذكر أصهار النبي ﷺ منهم أبو العاص بن الربيع. ومسلم (٤/ ١٩٠٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -١٥ - باب فضائل فاطمة بنت النبي ﷺ. للبخاري ومسلم في الموضعين السابقين.
[ ٤ / ١٦٩٥ ]
وفي أخرى (١) قال: سمعت النبي ﷺ يقول وهو على المنبر: "إني بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي، وينكح ابنتهم، فإنما هي بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها".
وفي رواية (٢) مختصرًا: أن رسول الله ﷺ قال: "فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها فقد أغضبني".
وفي أخرى (٣): "إن فاطمة بضعة منين يؤذيني ما آذاها".
١٦٧٦ - * روى أحمد والبزار والطبراني عن عبد الله بن الرقيم الكناني قال: خرجنا إلى المدينة زمن الجمل فلقينا سعد بن مالكٍ بها فقال: أمر رسول الله ﷺ بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي. وزاد الطبراني في الأوسط: قالوا: يا رسول الله سددت أبوابنا كلها إلا باب علي، قال: "ما أنا سددت أبوابكم ولكن الله سدها".
أقول: لا منافاة بين هذا الحديث وبين سد الخوخات إلا خوخة أبي بكر فالخوخة في الاصطلاح غير الباب، وهناك احتمال أن يكون الأمر بسد خوخات الناس من غير بيت آل رسول الله ﷺ غير خوخة أبي بكر.
١٦٧٧ - * روى أحمد وأبو يعلى عن ابن عمر قال كنا نقول في زمن رسول الله ﷺ: رسول الله ﷺ خير الناس ثم أبو بكر ثم عمر ولقد أوتي ابن أبي طالب ثلاث خصال لأن
_________________
(١) البخاري (٩/ ٣٣٧) ٦٧ - كتاب النكاح- ١٩ - باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف. ومسلم (٤/ ١٩٠٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -١٥ - باب فضائل فاطمة بنت النبي ﷺ.
(٢) البخاري (٧/ ١٠٥) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة ٢٩ - باب مناقب فاطمة.
(٣) مسلم (٤/ ١٩٠٢) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -١٥ - باب فضائل فاطمة بنت النبي ﷺ.
(٤) أحمد في مسنده (١/ ١٧٥)، البزار: كشف الأستار (٣/ ١٩٥)، وقال الهيثي في مجمع الزوائد (٩/ ١١٤): رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط وإسناد أحمد حسن.
(٥) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٣٠) وقال: رواه أحمد وأبو يعلي، ورجالهما رجال الصحيح. الترمذي (٥/ ٦٣٩) ٥٠ - كتاب المناقب -٢١ - باب مناقب علي بن أبي طالب. وقال: هذا حديث حسن غريب لانعرفه إلا من حيدث الأجلح، وقد رواه غير ابن فضيل عن الأجلح.
[ ٤ / ١٦٩٦ ]
يكون لي واحدة منهم أحب إلي من حمر النعم: زوجه رسول الله ﷺ ابنته وولدت له، وسد الأبواب إلا بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر.
١٦٧٨ - * روى الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: دعا رسول الله ﷺ عليًا يوم الطائف فانتجاه، فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمه، فقال رسول الله ﷺ: "ما انتجيته، ولكن الله انتجاه".
١٦٧٩ - * روى الطبراني عن شراحيل بن مرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: "أبشر يا علي حياتك معي وموتك معي".
١٦٨٠ - * روى الطبراني عن أبي إسحاق قال: خرجت مع أبي إلى الجمعة وأنا غلام فلما خرج علي فصعد المنبر قال لي أبي: قم أي عمرو فانظر إلى أمير المؤمنين. فقمت فإذا هو قائم على المنبر فإذا هو أبيض اللحية والرأس، عليه إزار ورداء ليس عليه قميص قال فما رأيته جلس على المنبر حتى نزل عنه قلت لأبي إسحاق: هل قنت؟ قال: لا، وفي رواية لم أره خضب لحيته ضخم الرأس.
١٦٨١ - * روى الطبراني عن أبي الطفيل قال: جاء النبي ﷺ وعلي ﵁ نائم في التراب فقال: إن أحق أسمائك أبو ترابٍ، أنت أبو ترابٍ".
١٦٨٢ - * روى أحمد والبزار عن عمار بن ياسر أن النبي ﷺ كنى عليًا ﵁ بأبي ترابٍ فكانت من أحب كناه إليه.
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٦٣٩) ٥٠ - كتاب المناقب -٢١ - باب مناقب علي بن أبي طالب، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الأجلح وقد رواه غير ابن فضيل عن الأجلح.
(٢) المعجم الكبير (٧/ ٣٠٨). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١١٣٩): رواه الطبراني وإسناده حسن. حياتك معي وموتك معي: أي أنت معي في الدنيا والآخرة.
(٣) المعجم الكبير (١/ ٩٣٩). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٠): رواه الطبراني بأسانيد ورجاله رجال الصحيح. فما رأيته جلس على المنبر حتى نزل عنه: يعني كانت خطبة الجمعة قصيرة.
(٤) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٠١٩) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير ورجاله رجال الصحيح.
(٥) البزار: كشف الأستار (٣/ ١٩٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠١): رواه البزار ورواه أحمد وغيره ورجال أحمد ثقات.
[ ٤ / ١٦٩٧ ]
١٦٨٣ - * روى الترمذي عن حبشي بن جنادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: طعلي منين وأنا من علي، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي".
١٦٨٤ - * روى الطبراني عن ذؤيب أن النبي ﷺ لما حضر قالت صفية: يا رسول الله لكل امرأةٍ من نسائك أهل تلجأ إليهم وإنك أجليت أهلي، فإن حدث حدث فإلى من؟ قال: "إلى علي بن أبي طالب".
١٦٨٥ - * روى الطبراني عن أم سلمة قالت: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أحب عليًا فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله من أبغض عليًا فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله".
١٦٨٦ - * روى أحمد والبزار والطبراني عن عمرو بن شاس الأسلمي وكان من أصحاب الحديبية قال: خرجت مع علي ﵁ إلى اليمن فجفاني في سفري ذلك، حتى وجدت في نفسي عليه، فلما قدمت المدينة أظهرت شكايته في المسجد حتى سمع بذلك رسول الله ﷺ فدخلت المسجد ذات غداةٍ، ورسول الله ﷺ جالس في ناسٍ من أصحابه فلما رآني أبدلي عينيه (يقول حدد إلي النظر) حتى إذا جلست قال: "يا عمرو والله لقد آذيتني" قلت: أعوذ بالله من أذاك يا رسول الله قال: "بلى من آذى عليًا فقد آذاني".
١٦٨٧ - * روى البزار عن سعد بن أبي وقاصٍ أن رسول الله ﷺ أخذ بيد علي فقال: "ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ من كنت وليه فعلى وليه".
١٦٨٨ - * روى عبد الله بن أحمد والبزار عن زيد بن يثيع: قال نشد علي رضي الله
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٦٣٦) ٥٠ - كتاب المناقب -٢١ - باب مناقب علي بن أبي طالب. وقال: هذا حديث حسن غريب.
(٢) المعجم الكبير (٤/ ٢٣٠) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١١٢) رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٣) المعجم الكبير (٣/ ٢٨٠) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٣/ ١٢٢) رواه الطبراني وإسناده حسن.
(٤) أحمد (٣/ ٤٨٣)، والبزار: كشف الأستار (٣/ ٢٠٠) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٢٩) وقال: رواه أحمد والطبراني باختصار والبزار أخصر منه ورجال أحمد ثقات.
(٥) البزار: كشف الأستار (٣/ ١٨٧) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٧): رواه البزار ورجال ثقات.
(٦) عبد الله بن أحمد في زياداته على المسند (١/ ١١٨)، والبزار: كشف الأستار (٣/ ١٩٠) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٧): رواه عبد الله والبزار وإسنادهما حسن.=
[ ٤ / ١٦٩٨ ]
عنه الناس في الرحبة من سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم لما قام: قال فقام من قبل سعيد ستة ومن قبل زيد سبعة فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم لعلي: "أليس أنا أولى بالمؤمنين؟ " قالوا: بلى قال: "اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه".
١٦٨٩ - * روى أحمد عن علي: أن رسول الله ﷺ قال يوم غدير خم: "من كنت مولاه فعلي مولاه" قال: وزاد الراوون بعد وال من والاه وعاد من عاداه.
١٦٩٠ - * روى عبد الله بن أحمد وأبو يعلى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: شهدت عليًا في الرحبة يناشد الناس: أنشد الله من سمع رسول الله ﷺ يقول في يوم غدير خم: "من كنت مولاه فعلي مولاه" لما قام فشهد. قال عبد الرحمن فقال اثنا عشر بدريًا كأني أنظر إلى أحدهم عليه سراويل. فقالوا: نشهد أنا سمعنا رسول الله ﷺ يقول يوم غير خم: "ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجي أمهاتهم" قلنا: بلى يا رسول الله قال: "فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه".
١٦٩١ - * روى الطبراني عن زيد بن أرقم قال: نشد علي الناس: أنشد الله رجلًا سمع النبي ﷺ يقول: "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه" فقال اثنا عشر بدريًا فشهدوا بذلك. وكنت فيمن كتم فذهب بصري.
١٦٩٢ - * روى البزار عن عمرو بن ذي مر وسعيد بن وهب وعن زيد بن يثيع:
_________________
(١) = الزوئد (٩/ ١٠٧): رواه عبد الله والبزار وإسنادهما حسن.
(٢) رواه عبد الله بن أحمد في زياداته على السند (١/ ١٥٣) وقال الهيثمي في مجمع الزوئد (٩/ ١٠٧): رواه أحمد ورواته ثقات.
(٣) أحمد في مسنده (١/ ١١٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٥) وقال: رواه أبو يعلى ورجاله وثقوا وعبد الله بن أحمد.
(٤) المعجم الكبير (٥/ ١٧٥) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٦): رواه الطبراني في الكبير، والأوسط خاليًا من ذهاب البصر والكتمان ودعاء علي وفي رواية عنده "وكان علي دعا على من كتم" ورجاله الأوسط ثقات.
(٥) البزار: كشف الأستار (٣/ ١٩١) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٥) رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة.
[ ٤ / ١٦٩٩ ]
قالوا: سمعنا عليًا يقول: نشدت الله رجلًا سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم لما قام، فقال ثلاثة عشر رجلًا فشهدوا أن رسول الله ﷺ قال: "ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم" قالوا بلى يا رسول الله، قال: فأخذ بيد علي فقال: طمن كنت مولاه فهذا مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأحب من أحبه وأبغض من يبغضه وانصر من نصره واخذ من خذله".
١٦٩٣ - * روى أحمد عن سعيد بن وهب قال: نشد علي ﵁ الناس فقام خمسة أو ستة من أصحاب النبي ﷺ فشهدوا أن رسول الله ﷺ قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه".
١٦٩٤ - * روى أحمد عن أبي الطفيل قال: جمع علي الناس في الرحبة ثم قال لهم: أنشد بالله كل امرئٍ مسلم سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم ما قال لما قام فقام إليه ثلاثون من الناس، قال أبو نعيم: فقام ناس كثير فشهدوا حين أخذ بيده فقال: "أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم" قالوا: بلى يا رسول الله قال: "من كنت مولاه فهذا مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه" قال فخرجت كأن في نفسي شيئًا فلقيت زيد بن أرقم فقلت له: إني سمعت عليًا يقول كذا وكذا قال: فما تنكر قد سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك.
١٦٩٥ - * روى أحمد عن رباح بن الحارث قال: جاء رهط إلى علي بالرحبة قالوا السلام عليك يا مولانا، فقال: كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب، قالوا سمعنا رسول الله ﷺ يوم غدير خم يقول: "من كنت مولاه فهذا مولاه" قال رباح فلما مضوا تبعتهم فقلت: من هؤلاء؟ قالوا: نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري.
وفي رواية للطبراني قالوا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: "من كنت مولاه فعلي
_________________
(١) أحمد في مسنده (٥/ ٣٦٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٤): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٢) أحمد في مسنده (٤/ ٣٧٠) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٤): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة.
(٣) أحمد في مسنده (٥/ ٤١٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات.
[ ٤ / ١٧٠٠ ]
مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه" وهذا أبو أيوب بيننا فحسر أبو أيوب العمامة عن وجهه ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه".
أقول: بنى الشيعة على حديث غدير خم مذهبهم كله في أن الخلافة محصورة في علي وذريته، ونحن أكثرنا من روايات غدير خم ليعرف أن أهل السنة لم ينكروا الحديث ولكنهم لم يبنوا عليه ما بنى الشيعة، وأنت ترى من الروايات صحة ما ذهب إليه أهل السنة في فهم الحديث، ولاشك أن قضية الخلافة قضية حساسة جدًا، ولاشك أنه إذا تساوى اثنان في كل شيء وكان أحدهما من آل بيت رسول الله ﷺ فإن كل مسلم يرى بفطرته أن يقدم من كان من آل بيت رسول الله ﷺ.
١٦٩٦ - * روى الطبراني عن صهيب مولى العباس قال: أرسلني العباس إلى عثمان أدعوه فأتيناه فإذا هو يغدي الناس، فدعوته فأتاه فقال: أفلح الوجه أبا الفضل قال: ووجهك أمير المؤمنين. قال: ما زدت على أن أتاني رسولك وأنا أغدي الناي فغديتهم ثم أتيتك فقال العباس: أذكرك الله في علي فإنه ابن عمك وأخوك في دسنك وصاحبك مع نبيك ﷺ وصهرك، وأنه قد بلغني أنك تريد أن تقوم بعلي وأصحابه فاعفني من ذلك يا أمير المؤمنين. فقال عثمان: إن أول ما أجيبك أني قد شفعتك في علي إن عليا لو شاء ما كان أحد دونه ولكنه أبى ألا رأيه. ثم بعث إلى علي فقال: أذكرك الله في ابن عمك وابن عمتك وأخيك في دسنك وصاحبك مع رسول الله ﷺ وولي بيعتك فقال: والله لو أمرني أن أخرج عن داري لخرجت.
أقول: الظاهر أن شيئًا ما وقع بين عثمان وعلي ﵄، وأراد عثمان أن يعاقب عليًا، فتشفع العباس لعلي ونصح في الوقت نفسه عليًا، فكان جواب الاثنين ما يقتضيه مقامهما.
ومن هنا نأخذ درسًا أنه مهما علت الرتبة فقد يقع شيء ما بين أصحاب ذلك، وعلى
_________________
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات.
[ ٤ / ١٧٠١ ]
أهل الفضل أن يتدخلوا فيشفعوا.
١٦٩٧ - * روى أبو يعلى عن أبي سعيد الخدري قال: كنا عند بيت النبي ﷺ في نفر من المهاجرين والأنصار، فقال: "ألا أخبركم بخياركم؟ " قالوا: بلى قال: "الموفون المطيبون إن الله يحب الحفي التقي" قال ومر علي بن أبي طالب فقال: "الحق مع ذا الحق مع ذا".
١٦٩٨ - * روى أبو يعلى والبزار عن علي قال: أتاني عبد الله بن سلام وقد وضعت قدمي في الغرز فقال لي: لا تقدم العراق، فإني أخشى أن يصيبك بها ذباب السيف. قال علي: وايم الله لقد أخبرني به رسول الله ﷺ. قال أبو الأسود: فما رأيت كاليوم قط محاربًا يخبر بذا عن نفسه.
١٦٩٩ - * روى أحمد عن أبي سعيد قال: كنا جلوسًا ننتظر رسول الله ﷺ فخرج علينا من بعض بيوت نسائه قال فقمنا معه فانقطعت نعله فتخلف عليها علي يخصفها، ومضى رسول الله ﷺ ومضينا معه. ثم قام ينتظره وقمنا معه فقال: "إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت على تنزيله" فاستشرفنا وفينا أبو بكر وعمر فقال: "لا، ولكنه خاصف النعل" قال: فجئنا نبشره: فكأنه قد سمعه.
١٧٠٠ - * روى البخاري عن شفيق بن عبد الله قال: دخل أبو موسى وأبو مسعود على
_________________
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أبو يعلى ورجاله ثقات. المطيبون: المطهرون. الحفى: المبالغ في الإكرام. والعالم يتعلم باستقصاء.
(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٢٨): رواه أبو يعلى والبزار بنحوه، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح غير إسحاق بن أبي إسرائيل وهو ثقة مأمون. الغرز: أي الركاب. والغرز يكون للإبل. ذباب السيف: طرفه الذي يضرب به. بذاعين نفسه: بخضوعها وإقرارها. يقال أذعن وذعن.
(٣) أحمد في مسنده (٣/ ٨٢) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة.
(٤) البخاري (١٣/ ٥٣) ٩٢ - كتاب الفتن، باب: ١٨٠.
[ ٤ / ١٧٠٢ ]
عمار حيث أتى الكوفة ليستنفر الناس، فقالا: ما رأينا منك أمرًا منذ أسلمت أكره عندنا من إسراعك في هذا الأمر؟ فقال: ما رأيت منكما أمرًا منذ أسلمتما أكرة عندي من إبطائكما عن هذا الأمر، قال: ثم كساهما حلة.
وفي أخرى قال: كنت جالسًا مع أبي موسى وأبي مسعود وعمار، فقال أبو مسعود: ما من أصحابك من أحد إلا لو شئت لقلت فيه، غيرك، وما رأيت منك شيئًا منذ صبحت رسول الله ﷺ أعيب عندي من استسراعك في هذا؟ فقال عمار: يا أبا مسعود، وما رأيت منك ولا صاحبك هذا شيئًا منذ صحبت رسول الله ﷺ أعيب عندي من إبطائكما في هذا الأمر، فقال أبو مسعود- وكان موسرًا-: يا غلام! هات حلتين، فأعطي إحداهما أبا موسى، والأخرى عمارًا، وقال: روحا فيهما إلى الجمعة.
١٧٠١ - * روى البخاري عن أبي مريم عبد الله بن زياد الأسدي قال: لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة بعث علي عمار بن ياسر وحسن بن علي فقدما علينا الكوفة فصعدا المنبر، فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه وقام عمار أسفل من الحسن فاجتمعنا إليه، فسمعت عمارًا يقول: إن عائشة قد سارت إلى البصرة، والله إنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكن الله ﵎ ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي؟
وفي أخرى (١) له عن أبي وائل: قام عمار على منبر الكوفة فذكر عائشة وذكر مسيرها وقال: إنها زوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكنها مما ابتليتم.
١٧٠٢ - * روى البخاري عن أبي بكر ﵁ قال: لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل. لما بلغ النبي ﷺ أن فارسًا ملكوا ابنه كسرى قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة".
١٧٠٣ - * روى الترمذي عن أبي بكرة قال: عصمني الله ﷿ بشيء سمعته من
_________________
(١) البخاري (١٣/ ٥٣) ٩٢ - كتاب الفتن باب: ١٨
(٢) البخاري في نفس الموضع السابق
(٣) البخاري في نفس الموضع السابق
(٤) الترمذي (٤/ ٥٢٧) ٣٤ - كتاب الفتن، باب: ٧٥.
[ ٤ / ١٧٠٣ ]
رسول الله ﷺ: لما هلك كسرى قال: "من استخلفوا؟ " قالوا: ابنته، فقال النبي ﷺ: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" فلما قدمت عائشة- يعني: البصرة- ذكرت قول رسول الله ﷺ، فعصمني الله به.
١٧٠٤ - * روى الطبراني عن جري بن سمرة قال: لما كان من أهل البصرة الذي كان بينهم وبين علي بن أبي طالب انطلقت حتى أتيت المدينة فأتيت ميمونة بنت الحارث وهي من بنى هلال، فسلمت عليها فقالت ممن الرجل؟ قلت: من أهل العراق. قالت: من أي أهل العراق؟ قلت: من أهل الكوفة. قالت: من أي أهل الكوفة؟ قلت: من بني عامر. قالت: مرحبًا، قربًا على قرب ورحبًا على رحب. فمجيء ما جاء بك؟ قلت: كان بين علي وطلحة الذي كان، فأقبلت فبايعت عليًا. قالت: فالحق به فوالله ما ضل ولا ضل به حتى قالتها ثلاثًا.
١٧٠٥ - * روى الحاكم عن قيس بن عباد قال: دخلت أنا والاشتر على علي بن أبي طالب ﵁ يوم الجمل، فقلت: هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم عهدًا دون العامة؟ فقال: لا إلا هذا. وأخرج من قراب سيفه فإذا فيها: المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده.
١٧٠٦ - * روى الحاكم عن يزيد بن ضبيعة العبسي قال: نادى منادي عمار يوم الجمل وقد ولى الناس: ألا لا يذاف على جريح، ولا يقتل مول ومن ألقى السلاح فهو آمن. فشق ذلك علينا.
_________________
(١) المعجم الكبير (٢٤/ ٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٣٥) رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير جزي ابن سمرة وهو ثقة.
(٢) المستدرك (٢/ ١٤١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٣) المستدرك (٢/ ١٥٥) وسكت عنه وصححه الذهبي. نادى منادي عمار : في ابن كثير: ونادي منادي علي: إنه لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح ولا يدخلوا الدور. الناس: جيش طلحة والزبير. يذاف على جريح: يجهز عليه.
[ ٤ / ١٧٠٤ ]
أقول: ومن هذا النص وأمثاله أخذ العلماء أحكام قتال الخوارج والبغاة وهي كلها مما سنه علي ﵁، وأما قوله فشق ذلك على الناس فمعناه: أن الناس كانوا يطمعون بأن يفعلوا بمن قاتلوه أكثر مما فعلوا، وأن يسبوا وأن يأسروا. فلما جاءهم أمر علي حال بينهم وبين هذه الرغبات.
١٧٠٧ - * روى الحاكم عن أبي أمامة ﵁ قال: شهدت صفين فكانوا لا يجهزون على جريح ولا يقتلون موليًا ولا يسلبون قتيلًا.
١٧٠٨ - * روى البزار عن شقيق قال: قيل لعلي ألا تستخلف؟ قال: ما استخلف رسول الله ﷺ فأستخلف عليكم، وإن يرد الله ﵎ بالناس خيرًا فسيجمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم.
١٧٠٩ - * روى أبو يعلى عن عبد الله بن سبيع: قال: قيل لعلي ألا تستخلف؟ قال: لا، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله ﷺ.
١٧١٠ - * روى الطبراني عن أبي بكر أبي شيبة قال: قتل علي سنة أربعين، وكانت خلافته خمس سنين وستة أشهر.
١٧١١ - * روى الطبراني عن يحيى بن بكير قال: قتل علي بن أبي طالب يوم الجمعة يوم سبع عشرة من شهر رمضان سنة أربعين.
١٧١٢ - * روى الطبراني عن محمد بن علي بن الحسين قال: توفي علي وهو ابن ثمان وخمسين.
_________________
(١) المستدرك (٢/ ١٥٥) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي ..
(٢) قال الهيثمي في المجمع: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح غير إسماعيل بن أبي الحارث وهو ثقة.
(٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٩٧): رواه أبو يعلي ورجاله ثقات.
(٤) المعجم الكبير (١/ ١٠٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٤٦): رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(٥) المعجم الكبير (١/ ٩٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٤٥): رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(٦) المعجم الكبير (١/ ٩٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٤٦): رجاله رجال الصحيح.
[ ٤ / ١٧٠٥ ]
١٧١٣ - * روى أحمد عن أبي عبد الله الجدلي قال: دخلت على أم سلمة فقالت لي: أيسب رسول الله ﷺ فيكم؟! قلت: معاذ الله، أو سبحان الله أو كلمة نحوها، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "منسب عليا فقد سبني".
١٧١٤ - * روى عبد الله بن أحمد عن عاصم بن بهدلة قال: قلت للحسن بن علي: الشيعة يزعمون أن عليا يرجع. قال: كذب، أولئك الكذابون، لو علمنا ذلك ما تزوج نساؤه ولا قسمنا ميراثه.
قوله: "الشيعة يزعمون أن عليًا يرجع): الذي زعم ذلك عبد الله بن سبأ من غلاتهم.
١٧١٥ - * روى الترمذي عن ابن عمر: لما آخى النبي ﷺ بين أصحابه جاء علي تدمع عيناه، فقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تواخ بيني وبين أحد، فسمعته ﷺ يقول: "أنت أخي في الدنيا والأخرة".
١٧١٦ - * روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن معاوية قال له: ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثًا قالهن رسول الله ﷺ فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلى من حمر النعم، سمعته ﷺ يقول له وخلفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان، فقال له ﷺ: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنهلا نبوة بعدي" وسمعته يقول يوم خيبر: "لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" فتطاولنا لها، فقال: "ارعوا لي عليا" فأتي به أرمد فبصق في عينيه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه. ولما نزلت هذه الآية: (ندع أبناءنا وأبنائكم) (٥) دعا رسول الله ﷺ عليًا
_________________
(١) أحمد في مسنده (٦/ ٣٢٣) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٣٠) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير أبي عبد الله الحدلي وهو ثقة.
(٢) قال الهيثمي في المجمع: رواه عبد الله بن أحمد وإسناده جيد.
(٣) الترمذي (٥/ ٦٣٦) ٥٠ - كتاب المناقب، باب ٢١، وقال هذا حديث حسن غريب.
(٤) مسلم (٤/ ١٨٧١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٤ - باب من فضائل علي بن أبي طالب. آل عمران: ٦١
[ ٤ / ١٧٠٦ ]
وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: "اللهم هؤلاء أهلي".
١٧١٧ - * روى النسائي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كان لي من رسول الله ﷺ ساعة آتيه فيها فإذا أتيته استأذنت إن وجدته يصلى فتنحنح دخلت وإن وجدته فارغا أذن لي.
وفي رواية (٢): كان لي من رسول الله ﷺ مدخلان مدخل بالليل ومدخل بالنهار فكنت إذا دخلت بالليل تنحنح لي.
١٧١٨ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: بعث النبي ﷺ ببراءة مع أبي بكر، ثم دعاه فقال: "لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي" فدعا عليًا، فأعطاه إياها.
١٧١٩ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر، وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، ثم أتبعه عليًا، فبينا أبو بكر ببعض الطريق، إذ سمع رغاء ناقة رسول الله ﷺ القصواء، فخرج أبو بكر فزعا فظن أنه رسول الله ﷺ، فإذا هو علي، فدفع إليه كتاب رسول الله ﷺ، وأمر عليًا أن ينادي بهؤلاء الكلمات فانطلقا، فحجا، فقام على أيان التشريق ينادي: ذمة الله ورسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بعد اليوم عريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن، قال: فكان علي ينادي بهؤلاء الكلمات، فإذا
_________________
(١) النسائي (٣/ ١٢) كتاب السهو، باب التنحنح في الصلاة.
(٢) النسائي في نفس الموضع السابق.
(٣) الترمذي (٥/ ٢٧٥) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن -١٠ - باب ومن سورة التوبة، وقال: هذا حديث حسن غريب من حديث أنس بن مالك.
(٤) الترمذي (٥/ ٢٧٥) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن -١٠ - باب ومن سورة التوبة، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن عباس.
(٥) الرغاء: صوت البعير. القصواء: بالمد: لقب ناقة رسول الله ﷺ، ولم تكن قصواء، فإن القصواء: هي المشقوقة الأذن من النوق. ذمة الله: الذمة: العهد والأمان. ساح: في الأرض: إذا ذهب منها حيث أراد.
[ ٤ / ١٧٠٧ ]
عيي قام أبو بكر، فنادى بها.
١٧٢٠ - * روى أبو يعلى عن أبي بكر بن خالد بن عرفطة أنه أتى سعد بن مالك بن أبي وقاص فقال: بلغني أنكم تعرضون عن سب علي بالكوفة فهل سببته؟ قال: معاذ الله، والذي نفس سعد بيده لقد سمعت من رسول الله ﷺ يقول في علي شيئًا لو وضع المنشار على مفرقي ما سببته أبدًا.
١٧٢١ - * روى الطبراني عن قيس بن عباد قال: شهدت عليًا يوم الجمل يقول لابنه حسن: يا حسن وددت أني مت منذ عشرين سنة.
١٧٢٢ - * روى البخاري عن محمد بن علي ﵀ أن حرملة -مولى أسامة- أخبره قال: أرسلني أسامة إلى علي ليعطيني، وقال: إنه سيسألك الآن، فيقول: ما خلف صاحبك؟ فقل له: يقول لك: لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أكون معك فيه، ولكن هذا أمر لم أره، فلم يعطني شيئًا، فذهبت إلى حسن وحسين وابن جعفر، فأوقروا لي راحلتي.
١٧٢٣ - * روى الطبراني عن أبي سنان الدؤلي أنه عاد عليا في شكوى اشتكاها، فقال له: لقد تخوفنا عليك في شكواك هذه فقال: لكني والله ما تخوفت على نفسي منه لأني سمعت الصادق المصدوق ﷺ يقول: "إنك ستضرب ضربة هنا وضربة هاهنا" وأشار إلى صدغه "فيسيل دمها حتى تخصب لحيتك، ويكون صاحبها أشقاها كما كان عاقر الناقة أشقى ثمود".
_________________
(١) مجمع الزوائد (٩/ ١٣٠). وقال: رواه أبو يعلي وإسناده حسن.
(٢) المعجم الكبير (١/ ١١٤). مجمع الزوائد (٩/ ١٥٠). وقال: رواه الطبراني وإسناده جيد.
(٣) البخاري (٣/ ٦١) ٩٢ - كتاب الفتن - ٢٠ - باب قول النبي ﷺ للحسن بن علي "إن ابني هذا لسيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين". فأوقروا لي راحلتي: الوقر: الحمل والثقل، والراحلة: البعير القوي على الأسفار والأعمال.
(٤) المعجم الكبير ٠١/ ١٠٦). مجمع الزوائد (٩/ ١٣٧). وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.
[ ٤ / ١٧٠٨ ]
١٧٢٤ - * روى الطبراني عن طلحة بن مصرف أن عليًا انتهى إلى طلحة بن عبيد الله وقد مات، فنزل عن دابته وأجلسه فجعل يمسح الغبار عن وجهه ولحيته وهو يترحم عليه وهو يقول: ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.
١٧٢٥ - * روى الطبراني عن ابن سيرين قال: لما قيل لسعد بن أبي وقاص ألا تقاتل إنك من أهل الشورى وأنت أحق بهذا الأمر من غيرك قال: لا أقاتل حتى يأتوني بسيف له عينان ولسان وشفتان يعرف المؤمن من الكافر، فقد جاهدت وأنا أعرف الجهاد.
١٧٢٦ - * روى البزار عن زيد بن وهب قال: بينا نحن حول حذيفة إذ قال: كيف أنتم وقد خرج أهل بين نبيكم ﷺ فرقتين يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف؟ فقلنا: يا أبا عبد الله وإن ذلك لكائن فقال بعض أصحابه يا أبا عبد الله فكيف نصنع إن أدركنا ذلك الزمان؟ قال: انظروا الفرقة التي تدعو إلى أمر علي فالزموها، فإنها على الهدى.
١٧٢٧ - * روى أحمد والبزار عن أبي رافع أن النبي ﷺ قال لعلي: "إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر" قال: أنا يا رسول الله؟ قال: "نعم" قال: أنا من بين أصحابي؟ قال: "نعم" قال: أنا أشقاهم يا رسول الله؟ قال: "لا، ولكن إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها".
١٧٢٨ - * روى أحمد وأبو يعلى والبزار عن قيس بن أبي حازم: أن عائشة لما نزلت على الحوأب سمعت نباح الكلاب، فقالت: ما أظنني إلا راجعة، سمعت رسول الله ﷺ يقول لنا "أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب؟ " فقال لها الزبير: لا ترجعي عسى الله أن يصلح بك بين الناس
_________________
(١) مجمع الزوائد (٩/ ١٥٠). وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.
(٢) المعجم الكبير (١/ ١٤٤). مجمع الزوائد (٧/ ٢٩٩). وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٣) البزار: كشف الأستار (٤/ ٩٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٣٦): رواه البزار ورجاله ثقات.
(٤) أحمد في مسنده ٠٦/ ٣٩٣)، والبزار: كشف الأستار (٤/ ٩٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٣٤): رواه أحمد والبزار والطبراني ورجاله ثقات.
(٥) أحمد في مسنده (٦/ ٩٧)، والبزار: كشف الأستار (٤/ ٩٤)، وقال الهيثمي. في مجمع الزوائد (٧/ ٢٣٤): رواه أحمد وأبو يعلي والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح.
[ ٤ / ١٧٠٩ ]
١٧٢٩ - * روى البزار عن ابن عباس قال رسول الله ﷺ لنسائه: "ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدبب، تخرج فتنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثيرًا، ثم تنجو بعد ما كادت".
١٧٣٠ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: لم أجدني آسى على شيء إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي.
أقول: بعد أن قتل عمار الذي وردت النصوص مبينة أنه تقتله الفئة الباغية، تبين للمترددين أن عليًا كان على حق وأن القتال معه كان واجبًا، ولذا عبر ابن عمر عن تخلفه بأنه بأسى بسبب هذا التخلف، وما ذلك إلا أنه ترك واجبًا وهو نصرة الإمام الحق على الخارجين عليه بغير حق كما أفتى بذلك الفقهاء.
١٧٣١ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال لرجلين يختصمان في رأس عمار: يقول كل واحد منهما أنا قتلته، فقال عبد الله: ليطب به أحدكما نفسًا لصاحبه، فإني سمعت رسول الله ﷺ، يقول: "تقتله الفئة الباغية" فقال معاوية: فما بالك معنا؟ قال: إن أبي شكاني إلى النبي ﷺ، فقال: "أطع أباك ما دام حيا ولا تعصه" فأنا معكم ولست أقاتل.
١٧٣٢ - * روى البخاري ومسلم عن الأحنف بن قيس قال: خرجت وأنا أريد هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريد يا أحنف؟ قلت: أريد نصر ابن عم رسول الله ﷺ. فقال: يا أحنف ارجع فإني سمعته ﷺ يقول: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار" فقلت أو قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان قد أراد قتل صاحبه".
_________________
(١) البزار: كشف الأستار (٤/ ٩٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٣٤): رواه البزار ورجاله ثقات. الأدبب: الكثير وبر الوجه.
(٢) قال الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني في الكبير بأسانيد، وأحدها رجاله رجال الصحيح.
(٣) أحمد في مسنده (٢/ ١٦٤).
(٤) البخاري (١٣/ ٣١) ٩٢ - كتاب الفتن - ١٠ - باب إذا التقى المسلمان بسيفهما. ومسلم (٤/ ٢٢١٣) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة - ٤ - باب إذا تواجه المسلمان بسيفهما.
[ ٤ / ١٧١٠ ]
أقول: إن القتال مع علي كان حقًا وصوابًا ومن قتل معه فهو شهيد وله أجران، ولكن أبا بكرة حمل حديثًا ورد في غير الحالة قاتل فيها علي على حالة قتال الباغين وهو فهم منه ﵁ ولكنه فهم في غير محله. ومن هذه الرواية ندرك أن عقبات متعددة واجهت عليًا ﵁ في معركته مع الآخرين منها أمثال هذه الفتاوى التي هي أثر عن روح أكثر منها أثر عن فتوى تصيب محلها.
* * *
تعليقات
ورث الإمام علي ﵁ الحكم، والفتنة قائمة فلم يستطع السيطرة الكاملة على دفة الأمور رغم العلم والحزم والشجاعة والبطولة والفضل وذلك في رأيي يرجع إلى أمور:
١ - عدم مراعاة المستجدات التي طرأت على النفسية الإسلامية وعلى المجتمع الإسلامي، فلقد تلبست النفسية المسلمة في الدنيا فكان لابد أن تساس من خلال دين ودنيا، ولم يكن أبو الحسن عنده استعداد لذلك.
٢ - عدم استعمال الدهاء اعتمادًا على صولة الحق وحده في مخاطبة المسلمين، بينما حدث وضع جديد يخالف الوضع الذي كان عليه الحال في حياة رسول الله ﷺ، فالرسول ﷺ كان وراءه المجتمع الإسلامي كله، والحرب كانت مع الكافرين، فالخدعة كانت تنصب عليهم لكن ههنا مجتمع انقسم على نفسه، فههنا كان لابد للدهاء أن يعمل عمله.
٣ - اختلط حق بخطأ في موافق كل الأطراف ولذلك كان من الصعب جدًا أن يتخلى كل طرف عن قناعاته، فالمطالبة بدم عثمان كانت لا تحتمل عند أصحابها جدلًا، وكون علي هو الخليفة الشرعي وهو الأحق بالخلافة كانت لا تحتمل جدلًا، وفي جو كهذا كان لابد من سلب دعاوى الشرعية من الخصوم، ولم يكن أبو الحسن في وضع يسمح له بذلك.
٤ - كان التآمر جديدًا على الأمة الإسلامية وكانت التصورات تحول دون التدبير المكافئ لهذا التآمر. لذلك استطاع التآمر أن يعمل عمله دون أن يستطيع أحد السيطرة عليه.
[ ٤ / ١٧١١ ]
٥ - كان اعتماد أبي الحسن على رأيه وعزمه أكثر من اعتماده على من حوله، وكان الرجال الذين هم على مستوى المرحلة أقل من المطلوب، ولذلك كانت التعبئة النفسية أقل من اللازم، وكانت الأمور تنتقص واحدا بعد واحد.
٦ - وأهم من هذا كله أن الحماس المتأجج للصراع ضد الكافرين لم يكن هو نفسه عند أهل الحق في الصراع ضد المسلمين، وكان المفروض أن يكون رصيد الإمام هم أصحاب رسول الله ﷺ، ولكن الكثيرين من هؤلاء تهيبوا سفك الدم المسلم.
٧ - ومع ذلك فأبو الحسن هو الخليفة الراشد القدوة المهدى وقد سن لنا سننًا، سن لنا كيف نتعامل مع البغاة، وسن لنا القتال من أجل الوحدة الإسلامية وإذا كانت هذه الوحدة لا تتم إلا بفناء المسلمين فقد سن لنا التسليم بتعدد الأقطار والحكام، ولقد كان عليه الرضوان امتدادًا لعصر النبوة في تفكيره وتصرفاته ولكن الناس تغيروا، وما نحب أن نتغير، ولكن لابد أن نأخذ العبرة فنتعامل مع الزمان والمكان على حسب ما تجيزه الفتوى وتقتضيه المصلحة.
إن هذه الفتن الهائلة التي حدثت بين علي من جهة وطلحة والزبير وعائشة من جهة أخرى وبين علي من جهة وبين معاوية من جهة أخرى، كان فيها علي على الحق والصواب وكان الآخرون متأولين وكانوا مخطئين، ولكن ثقتهم بصواب ما ذهبوا إليه كانت كبيرة جدًا، لذلك استرخصوا دماءهم في سبيلها، فلقد كانوا مقتنعين أن عثمان قد قتل ظلمًا وأن قتلته يجب أن يحاسبوا وأن عليًا لم يجاسبهم بل أصبحوا جزءا من جنده، فكانوا يرون أن عليًا ظالم بحمايته لهؤلاء الناس، وكان علي ﵁ يعتبر نفسه وهو على حق في ذلك الخليفة الراشد وأن من يطيعه ومن بايعه وأخلص له هو الذي تتمثل به جماعة المسلمين، ولو أنه حاسب هؤلاء لفرط عقد جماعة المسلمين فتأول في ألا يبدأ في محاسبتهم، وهو الأعلم بالأحكام وصاحب الترجيح في كل قضية خلافية بحكم أنه إمام، وهكذا حدث الصراع المفجع وكل من الأطراف لاشك أنه على حق وهم خير الخلق بشهادة النصوص، فلذلك فنحن نعتقد أن المخلصين ممن كان مع علي على حق وصواب وهم مأجورون مرتين، وأن المخلصين ممن كان ضده مخطئون في اجتهادهم ولهم أجر واحد، وفي هؤلاء وهؤلاء من نكل أمرهم إلى
[ ٤ / ١٧١٢ ]
الله ﷿ ممن لم تكن لهم نية صادقة أو كان عندهم مطامع شخصية أو عندهم سوء نية أو لم يكونوا مخلصين في إسلامهم وهكذا.
* * *
[ ٤ / ١٧١٣ ]
عبد الله بن الزبير ﵁
قال ابن حجر في ترجمته: عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشي الأسدي، أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق .. ولد عام الهجرة وحفظ عن النبي صلى الله عليه وآلة وسلم وهو صغير، وحدث عنه بجملة من الحديث وعن أبيه وعن أبي بكر وعمر وعثمان وخالته عائشة وسفيان بن أبي زهير وغيرهم، وهو أحد العبادلة وأحد الشجعان من الصحابة وأحد من ولي الخلافة منهم، يكنى أبا بكر ثم قيل له أبو خبيب بولد، روى عنه أخوه عروة وابناه عامر وعباد وابن أخيه محمد بن عروة وأبو ذبيان خليفة بن كعب وعبيدة بن عمرو السلماني وعطاء وطاوس وعمرو بن دينار ووهب بن كيسان وابن أبي مليكة وسماك بن حرب وأبو الزبير وثابت البناني وآخرون، وبويع بالخلافة سنة أربع وستين عقب موت يزيد بن معاوية ولم يتخلف عنه إلا بعض أهل الشام، وهو أول مولود ولد للمهاجرين بعد الهجرة وحنكه النبي صلى الله عليه وآلة وسلم وسماه باسم جده وكناه بكنيته.
وقال الزبير بن بكار: حدثني عمي قال: سمعت أصحابنا يقولون: ولد سنة الهجرة وأتاه النبي صلى الله عليه وآلة وسلم في اليوم الذي ولد فيه يمشي وكانت أسماء مع أبيها بالسنح فأتي به فنحنكه قال الزبير: والثبت عندنا أنه ولد بقبا، وإنما سكن أبوه السنح لما تزوج مليكة بنت خارجة بن زيد.
ووقع في الصحيح من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة قالت: فخرجت وأنا متم، فأتيت المدينة ونزلت بقباء فولدته بقباء، ثم أتيت به رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم فوضعته في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل في جوفه ريق النبي صلى الله عليه وآلة وسلم ثم حنكه بالتمرة ثم دعا وبرك عليه، وكان أول مولود ولد في الإسلام.
وقد وقع في بعض طرق الحديث أن عبد الله بن الزبير جاء إلى النبي ﵌ ليبايعه وهو ابن سبع سنين أو ثمان كما أخرجه ابن منده، أمره بذلك الزبير فتبسم
[ ٤ / ١٧١٤ ]
رسول الله ﵌ حين رآه وبايعه وكان أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة، وكانت يهود تقول قد أخذناهم فلا يولد لهم بالمدينة ولد فكبر الصحابة حين ولد.
وفي الرسالة للشافعي أن عبد الله بن الزبير كان له عند موت النبي ﵌ تسع سنين وقد حفظ عنه. وقال الدينوري في المجالسة [بسنده] قال عبد الله بن الزبير: هاجرت وأنا في بطن أمي. وأخرج الزبير من طريق مسلم بن عبد الله بن عروة بن الزبير عن أبيه أن النبي ﵌ كلم في غلمة من قريش ترعرعوا عبد الله ابن جعفر وعبد الله بن الزبير وعمرو بن أبي سلمة فقيل لو بايعتهم فتصيبهم بركتك ويكون لهم ذكر فأتي بهم إليه فكأنهم تكعكعوا (١) فاقتحم عبد الله بن الزبير أولهم فتبسم رسول الله ﵌ وقال: إنه ابن أبيه، ومن طريق عبد الله بن مصعب كان رسول الله ﵌ قد جمع أبناء المهاجرين والأنصار الذين ولدوا في الإسلام حتى ترعرعوا فوقفوا بين يديه فبايعهم وجلس لهم فجمع منهم ابن الزبير وأخرج البخاري في ترجمة عبد الله بن معاوية عن عاصم بن الزبير أنه روى عن هشام بن عروة عن أبيه أن الزبير قال لابنه عبد الله: أنت أشبه الناس بأبي بكر وأخرج أبو يعلى والبيهقي في الدلائل من طريق هنيد بن القاسم سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير أن أباه حدثه أنه أتى النبي ﵌ وهو يحتجم فلما فرغ قال: يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يدرك أحد فلما برز عن رسول الله ﵌ عمد إلى الدم فشربه. فلما رجع قال: يا عبد الله ما صنعت بالدم؟ قال: جعلته في أخفى مكان علمت أنه يخفى على الناس قال: لعلك شربته: قال: نعم قال: ولم شربت الدم؟ الويل للناس منك، وويل لك من الناس. قال أبو موسى قال أبو عاصم: فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم وله شاهد من طريق كيسان مولى ابن الزبير عن سلمان الفارسي رويناه في جزء الغطريف، وزاد في آخره لا تمسك النار إلا تحلة القسم. وأخرج عن أسماء بنت أبي بكر في معجم البغوي وفي البخاري عن ابن عباس أنه وصف ابن الزبير فقال: عفيف الإسلام قارئ القرآن أبوه حواري رسول الله ﵌ وأمة بنت الصديق وجدته
_________________
(١) أي أحجموا وتأخروا.
[ ٤ / ١٧١٥ ]
صفية عمة رسول الله ﵌ وعمة أبيه خديجة بنت خويلد وقال ابن أبي خيثمة: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا الرنجي بن خالد عن عمرو بن دينار قال: ما رأيت مصليًا أحسن صلاة من ابن الزبير. وأخرج أبو نعيم بسند صحيح عن مجاهد: كان ابن الزبير إذا قام للصلاة كأنه عمود وقال ابن سعد حدثنا روح حدثنا حسين الشهيد عن ابن أبي مليكة كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام ثم يصبح اليوم الثامن وهو أليثنا (١) وأخرج البغوي من طريق ميمون بن مهران رأيت ابن الزبير واصل من الجمعة إلى الجمعة وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق ليث عن مجاهد ما كان باب من العبادة إلا تكلف ابن الزبير، ولقد جاء سيل بالبيت فرأيت ابن الزبير يطوف سياحة وشهد ابن الزبير وشهد فتح إفريقية، وكان البشير بالفتح إلى عثمان، ذكره الزبير وابن عائذ واقتص الزبير قصة الفتح وأن الفتح كان على يده وشهد الدار، وكان يقاتل عن عثمان، ثم شهد الجمل مع عائشة، وكان على الرجالة. قال الزبير: حدثني يحيى بن معين عن هشام بن يوسف عن معمر أخبرني هشام بن عروة قال: أخذ عبد الله بن الزبير من وسط القتلى يوم الجمل وفيه بضع وأربعون جراحة فأعطيت عائشة البشير الذي بشرها بأنه لم يمت عشرة آلاف، ثم اعتزل ابن الزبير حروب علي ومعاوية ثم بايع لمعاوية فلما أراد أن يبايع ليزيد امتنع وتحول إلى مكة وعاذ بالحرم. فأرسل إليه يزيد سليمان أن يبايع له فأبى، ولقب نفسه عائذ الله، فلما كانت وقعة الحرة وفتك أهل الشام بأهل المدينة ثم تحولوا إلى مكة فقاتلوا ابن الزبير، واحترقت الكعبة أيام ذلك الحصار ففجعهم الخبر بموت يزيد بن معاوية، فتوادعوا، ورجع أهل الشام وبايع الناس عبد الله بن الزبير بالخلافة وأرسل إلى أهل الأمصار يبايعهم إلا بعض أهل الشام فسار مروان فغلب على بقية الشام ثم علي مصر ثم مات، فقام عبد الملك بن مروان فغلب على العراق وقتل مصعب بن الزبير ثم جهز الحجاج إلى ابن الزبير فقاتله إلى أن قتل ابن الزبير في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين من الهجرة وهذا هو المحفوظ وهو قول الجمهور. اهـ.
ولقد سرد الحاكم عددًا من الروايات تشرح دقائق في حياة ابن الزبير، وها نحن ننقل
_________________
(١) أليثنا: أي شدنا وأجلدنا.
[ ٤ / ١٧١٦ ]
بعضها كتتمة لترجمة ابن حجر وكجزء من ترجمة أكثر منها روايات حديثية:
روى الحاكم (١) عن هشام بن عروة عن أبيه قال: محا ابن الزبير نفسه من الديوان حين قتل عثمان ﵄.
بمعنى أنه لم يعد يأخذ شيئًا من بيت مال المسلمين لإيمانه أن أمر بيت المال قد انتقض فتورع عن أن يأخذ شيئًا.
روى الحاكم (٢) عن عمر بن قيس قال: كان لابن الزبير مائة غلام يتكلم كل غلام منهم بلغة أخرى فكان ابن الزبير يكلم كل واحد منهم بلغته. وكنت إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت: هذا الرجل لم يرد الله طرفة عين وإذا نظرت إليه في أمر آخرته قلت هذا الرجل لم يرد الدنيا طرفة عين.
روى الحاكم (٣) عن ابن أبي مليكة قال: كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام فيصبح يوم الثامن وهو أليثنا.
أقول: صيام الوصال مكروه عند الفقهاء لغير رسول الله ﷺ، وتأولوا ما فعله عبد الله بن الزبير على أنه كان يفعله رياضة.
روى الحاكم (٤) عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما مات معاوية ﵁ تثاقل عبد الله بن الزبير عن طاعة يزيد بن معاوية وأظهر شتمه، فبلغ ذلك يزيد فأرسل أن يؤتى به، فقيل لابن الزبير: يصنع لك أغلالًا من ذهب فتسدل عليها الثوب وتبر قسمه والصلح أجمل فقال: لا أبر الله قسمه ثم قال:
ولا ألين لغير الحق أنملة حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
ثم قال: والله لضربة بسيف في عز أحب إلى من ضربة بسوط في ذل. ثم دعا إلى
_________________
(١) المستدرك (٣/ ٥٤٩).
(٢) المستدرك (٣/ ٥٤٩).
(٣) المستدرك (٣/ ٥٤٩).
(٤) المستدرك (٣/ ٥٥٠).
[ ٤ / ١٧١٧ ]
نفسه وأظهر الخلاف ليزيد بن معاوية فوجه إليه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المري في جيش أهل الشام وأمره بقتال أهل المدينة، فإذا فرغ من ذلك سار إلى مكة، وقال: فدخل مسلم بن عقبة المدينة وهرب منه يومئذ بقايا أصحاب رسول الله ﵌، وعبث فيها وأسرف في القتل، ثم خرج منها، فلما كان في بعض الطريق إلى مكة مات واستخلف حصين بن نمير الكندي وقال له: يا برذعة الحمار احذر خدائع قريش ولا تعاملهم إلا بالنفاق ثم القطاف، فمضى حصين حتى ورد مكة فقاتل بها ابن الزبير أيامًا.
روى الحاكم (١) عن عروة بن الزبير قال: أرسل ابن الزبير إلى الحصين بن نمير يدعوه إلى البزار فقال الحصين: لا يمنعني من لقائك جبن، ولست أدري لمن يكون الظفر، فإن كان لك كنت قد ضيعت من وراءي، وإن كان لي كنت قد اخطأت التدبير وضرب ابن الزبير فسطاطًا في المسجد فكان فيه نساء يسقين الجرحى ويداوينهم ويطعمن الجائع فقال حصين: ما يزال يخرج علينا من ذلك الفسطاط أسد كأنما يخرج من عينه فمن يكفينيه؟ فقال رجل من أهل الشام: أنا، فلما جن عليه الليل وضع شمعة في طرف رمحه ثم ضرب فرسه ثم طعن الفسطاط فالتهب نارًا والكعبة يومئذ مؤزرة في الطنافس، فطارت الريح باللهب على الكعبة حتى احترقت واحترق فيها يومئذ قرنا الكبش الذي فدي به ..
ذكرت الرواية أن المفدي هنا إسحاق وهذا خلاف صحيح، ولذلك لم نثبت كلمة إسحاق حتى لا يتوهم متوهم أن لهذا الرواية قيمة في كتب أهل العلم.
قال محمد بن عمر: ومات يزيد بن معاوية فهرب حصين بن نمير، فلما مات بن معاوية دعا مروان بن الحكم إلى نفسه فأجابه أهل حمص وأهل الأردن وفلسطين، فوجه إليه ابن الزبير الضحاك بن قيس الفهري في مائة ألف فالتقوا بمرج راهط ومروان يومئذ في خمسة آلاف من بني أمية ومواليهم وأتباعهم من أهل الشام فقال مروان لمولى له: احمل على أي الطرفين شئت. فقال: كيف نحمل على هؤلاء مع كثرتهم؟ فقال: هم بين مكره ومستأجر، احمل عليهم لا أم لك فيكفيك الطعان الناجع الجيد وهم يكفونك بأنفسهم، إنما هؤلاء عبيد الدينار والدرهم، فحمل عليهم فهزمهم وأقبل الضحاك بن قيس وانصدع الجيش.
_________________
(١) المستدرك (٣/ ٥٥٠).
[ ٤ / ١٧١٨ ]
قال: ثم مات مروان فدعا عبد الملك إلى نفسه وقام فأجابه أهل الشام فخطب على المنبر وقال: من لابن الزبير؟ فقال الحجاج: أنا يا أمير المؤمنين فأسكته ثم عاد فأسكته ثم عاد فأسكته ثم عاد فقال: أنا له يا أمير المؤمنين فإني رأيت في النوم كأني انتزعت جنة فلبستها فعقد له ووجهه في الجيش إلى مكة حرسها الله تعالى حتى وردها على ابن الزبير، فقاتله بها فقال ابن الزبير لأهل مكة: احفظوا هذين الجبلين فإنكم لن تزالوا بخير أعزة ما لم يظهروا عليهما قال: فلم يلبثوا أن ظهر الحجاج ومن معه في المسجد، فلما كان الغداة التي قتل فيها ابن الزبير دخل ابن الزبير على أمه أسماء بنت أبي بكر ﵂ وهي يومئذ بنت مائة سنة لم يسقط لها سن ولم يفسد لها بصر ولا سمع فقالت لابنها يا عبد الله ما فعلت في حربك؟ قال: بلغوا مكان كذا وكذا قال وضحك ابن الزبير قال: إن في الموت لراحة فقالت: يا بني لعلك تمنيته لي، ما أحب أن أموت حتى يأتي على أحد طرفيك إما أن تظفر فتقر بذلك عيني وإمام أن تقتل فأحتسبك. قال: ثم ودعها فقالت له: يا بني إياك أن تعطي خصلة من دينك مخافة القتل؟ وخرج عنها فدخل المسجد وقد جعل مصراعين على الحجر الأسود يتقي أن يصاب بالمنجنيق وأتى ابن الزبير آت وهو جالس عند زمزم فقال له: ألا نفتح لك الكعبة فتصعد فيها، فنظر إليه عبد الله ثم قال له: من كل شيء تحفظ أخاك إلا من أجله وهل للكعبة حرمة ليست لهذا المكان؟ والله لو وجدوكم معلقين بأستار الكعبة لقتلوكم فقيل له: ألا تكلمهم في الصلح فقال: أوحين صلح هذا؟ والله لو وجدوكم في جوفها لذبحوكم جميعا ثم أنشأ يقول.
ولست بمتاع الحياة بسبة ولا مرتق من خشية الموت سلما
ثم أقبل على آل الزبير يعظهم ليكن أحدكم سيفه كما يكن وجهه لا ينكس سيفه فيدفع عن نفسه بيده كأنه امرأة والله ما لقيت زحفا قط إلا في الرعيل الأول، ولا ألمت جرحًا قط إلا ألم الدواء قال: فبينما هم كذلك إذ دخل عليهم ومعه سبعون فأول من لقيه الأسود فضربه بسيفه حتى أطن رجله فقال له الأسود: آه يا ابن الزانية فقال له ابن الزبير: اخسأ يا ابن حام أسماء زانية؟ أي أم عبد الله بن الزبير وحاشاها ثم أخرجهم من المسجد، فانصرف فإذا بقوم قد دخلوا من باب بني سهم فقال: من هؤلاء؟ فقيل: أهل الأردن
[ ٤ / ١٧١٩ ]
فحمل عليهم وهو يقول:
لا عهد لي بغارة مثل السيل لا ينجلي غبارها حتى الليل
قال: فأخرجهم من المسجد ثم رجع فإذا بقوم قد دخلوا من باب بني مخزوم فحمل عليهم وهو يقول:
لو كان قرني واحدًا كفيته أوردته الموت وذكيته
قال: وعلى ظهر المسجد من أعوانه من يرمي عدوه بالآجر وغيره فحمل عليهم فأصابته آجرة في مفرقه حتى حلقت رأسه فوقف قائمًا وهو يقول
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدا منا تقطر الدماء
قال: ثم وقع فأكب عليه موليان له وهما يقولان: العبد يحمي ربه ويحتمي. قال: ثم سير إليه. فخر رأسه ﵁. اهـ روايات الحاكم.
١٧٣٣ - * روى البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ وعن أبيها أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة. قالت: فخرجت وأنا متم. فأتيت المدينة فنزلت بقباء، فولدته بقباء. ثم أتيت رسول الله ﷺ، فوضعه في حجره. ثم دعا بتمرة فمضغها. ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه: ريق رسول الله ﷺ، ثم حنكه بالتمرة، ثم دعا له. وبرك عليه، وكان أول مولود ولد في الإسلام.
زاد في رواية (١): ففرحوا به فرحًا شديدًا، لأنهم قيل لهم: إن اليهود قد سحرتكم،
_________________
(١) البخاري (٩/ ٥٨٧) ٧١ - كتاب العقيقة -١ - باب تسمية المولود غداة يولد لمن يعق عنه وتحنيكه. ومسلم (٣/ ١٦٩١) ٣٨ - كتاب الآداب - ٥ - باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته متم: امرأة: إذا كانت حاملًا، وقد دنا ولادها. بقباء: قباء - بالمد - موضع بالمدينة معروف، يصرف ولا يصرف. تفل: التف لان يبصق أقل شيء، وهو فوق النفث. حنكه: التحنيك: أن يدلك بالتمر حنك الصبي. وبرك عليه: التبريك على الولد: أن يدعو له بالبركة.
(٢) للبخاري في نفس الموضع السابق.
[ ٤ / ١٧٢٠ ]
فلا يولد لكم.
١٧٣٤ - * روى الترمذي عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ رأى في بيت الزبير مصباحًا، فقال: "يا عائشة، ما أرى أسماء إلا قد نفست، فلا تسموه حتى أسميه" فسماه عبد الله، وحنكه بتمرة.
١٧٣٥ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: أول مولود في الإسلام: عبد الله بن الزبير، أتوا به النبي ﷺ، فأخذ النبي ﷺ تمرة فلاكها، ثم أدخلها في فيه، فأول ما دخل بطنه ريق رسول الله ﷺ.
١٧٣٦ - * روى مسلم عن عروة وفاطمة بنت المنذر قالا: خرجت أسماء بنت أبي بكر حين هاجرت وهي حبلى بعبد الله بن الزبير، فقدمت قباء، فنفست بعبد الله بقباء، ثم خرجت حين نفست إلى رسول الله ﷺ ليحنكه، فأخذه رسول الله ﷺ منها فوضعه في حجره ثم دعا بتمرة. قال: قالت عائشة: فمكثنا ساعة نلتمسها -يعني تمرة- قبل أن نجدها، فمضغها ثم بصقها في فيه، فأول شيء دخل بطنه لريق رسول الله ﷺ ثم قالت أسماء: ثم مسحه، وصلى عليه، وسماه عبد الله، ثم جاء وهو ابن سبع -أو ثمان- ليبايع رسول الله ﷺ، وأمره بذلك الزبير، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآه مقبلًا إلية ثم بايعه.
وفي رواية (٢) قالت: جئنا بعبد الله بن الزبير إلى النبي ﷺ يحنكه، فطلبنا تمرة، فعز علينا طلبها.
١٧٣٧ - * روى البخاري عن ابن أبي مليكة ﵀ قال: كان بين ابن عباس وابن
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٦٨٠) ٥٠ - كتاب المناقب - ٤٥ - باب مناقب عبد الله بن الزبير، وقال هذا حديث حسن غريب.
(٢) البخاري (٧/ ٢٤٨) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار - ٤٥ - باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة.
(٣) مسلم (٣/ ١٦٩٠) ٣٨ - كتاب الآداب - ٥ - باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته نفست المرأة: بضم النون وفتحها: إذا ولدت.
(٤) مسلم (٣/ ١٦٩٠) ٣٨ - كتاب الآداب - ٥ - باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته.
(٥) البخاري (٨/ ٣٢٦) ٦٥ - كتاب التفسير -٩ - باب ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.=
[ ٤ / ١٧٢١ ]
الزبير شيء، فغدوت على ابن عباس فقلت: أتريد أن تقاتل ابن الزبير فتحل ما حرم الله؟ فقال: معاذ الله. إن الله كتب ابن الزبير وبني أمية محلين، وإني والله لا أحله أبدًا. قال: قال الناس: بايع لابن الزبير، فقلت: وأين بهذا الأمر عنه، أما أبوه فحواري النبي ﷺيريد الزبير- وأما جده فصاحب الغار -يريد أبا بكر- وأما أمه فذات النطاق -يريد أسماء- وأما خالته فأم المؤمنين -يريد عائشة- وأما عمته فزوج النبي ﷺيريد خديجة- وأما عمه النبي ﷺ فجدته -يريد صفية- ثم عفيف في الإسلام، قارئ للقرآن. والله إن وصلوني وصلوني من قريب، وإن ربوني ربوني أكفاء كرام. فآثر على التويتات والأسامات والحميدات يريد أبطنا من بني أسد: بني تويت وبني أسامة ومن أسد. إن ابن أبي العاص برز يمشي القدمية، يعني عبد المالك بن مروان. وإنه لوى ذنبه -يعني ابن الزبير-.
(القدمية) الذي جاء في الحديث فيما رواه البخاري "القدمية" ومعناها: أنه يقدم في الشرف والفضل على أصحابه، وقد جاء في كتب غير الحديث "مشي التقدمية واليقدمية" بالتاء والياء، والقدمية، والكل بمعنى واحد، قال الميداني صاحب كتاب الأمثال: إن اليقدمية بالياء المعجمة من تحت وهو التقدم بهمته وأفعاله، يقال: مشى فلان التقدمية، واليقدمية: إذا تقدم في الشرف والفضل ولم يتأخر عن غيره في الإفضال عن الناس، وقال: قال أبو عمرو: معناه: التبختر، ولم يرد المشي بعينه.
وفي رواية (١): أن ابن عباس قال حين وقع بينه وبين ابن الزبير: قلت: أبوه الزبير، وأمه أسماء، وخالته عائشة، وجده أبو بكر، وجدته صفية.
وفي أخرى (١) قال: دخلنا على ابن عباس، فقال: ألا تعجبون لابن الزبير، قام في أمره هذا؟ فقلت: لأحاسبن نفسى له ما حاسبتها لأبي بكر ولا لعمر، ولهما كانا أولى بكل خير منه، فقلت ابن عمة النبي ﷺ، وابن الزبير، وابن بنت أبي بكر، وابن أخي
_________________
(١) = ربوني: أي كانوا لي أربابًا، يعني رؤوسًا وأصحابًا مقدمين. أكفاء: الأكفاء النظراء والأمثال.
(٢) البخاري في نفس الموضع السابق.
[ ٤ / ١٧٢٢ ]
خديجة، وابن أخت عائشة، فإذا هو يتعلى عنى، ولا يريد ذلك، فقلت: ما كنت أظن أني أعرض هذا من نفسي فيدعه، وما أراه يريد خيرًا، وإن كان لابد أن يربني بنو عمي أحب إلي من أن يربني غيرهم.
١٧٣٨ - * روى البخاري عن نافع -مولى ابن عمر﵀: أن ابن عمر ﵄ أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس قد ضيعوا وأنت ابن عمر وصاحب النبي ﷺ، فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي. فقالا. ألم يقل الله (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) (٢)؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله.
١٧٣٩ - * * روى البخاري عن أبي المنهال قال: لما كان ابن زياد ومروان بالشام، وثب ابن الزبير بمكة، ووثب القراء بالبصرة، فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي حتى دخلنا عليه في داره وهو جالس في ظل علية له من قصب فجلسنا إليه، فأنشأ أبي يستطعمه الحديث فقال: يا أبا برزة، ألا ترى ما وقع فيه الناس؟ فأول شيء سمعته تكلم به: إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطًا على أحياء قريش، إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة، وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد ﷺ حتي بلغ ما ترون، وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم. إن ذلك الذي بالشام والله إن يقاتل إلا على دنيا، إن هؤلاء الذين بين أظهركم والله إن يقاتلون إلا على دنيا، وإن ذاك الذي بمكة والله إن يقاتل إلا على الدنيا.
وزاد في راوية للبخاري (٤): أنه سمع أبا برزة قال: إن الله نعشكم بالإسلام وبمحمد ﷺ.
_________________
(١) البخاري (٨/ ١٨٣) ٦٥ - كتاب التفسير - ٢٠ - باب ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
(٢) البقرة: ١٩٣.
(٣) البخاري (١٣/ ٦٨) ٩٣ - كتاب الفتن- ٢١ - باب إذا قال عند قوم شيئًا ثم خرج فقال بخلافه. استطعمته الحديث: إذا جاريته فيه وجذبته إليك ليحدثك.
(٤) البخاري (١٣/ ٢٤٥) ٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، في الترجمة.
[ ٤ / ١٧٢٣ ]
١٧٤٠ - * روى مسلم عن أبي نوفل قال: رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة، فجعلت قريش تمر عليه والناس، حتى مر عليه عبد الله بن عمر، فوقف عليه عبد الله، فقال: السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب السلام عليك أبا خبيب، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله إن كنت ما علمت صوامًا، قوامًا وصولًا للرحم، أما والله لأمة أنت أشرها لأمة خير، ثم نفذ عبد الله بن عمر، فبلغ الحجاب موقف عبد الله وقوله، فأرسل إليه، فأنزل عن جذعه، فألقي في قبور اليهود، ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر، فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرسول: لتأتيني، أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك، قال: فأبت، وقالت: والله لا آتيك حتى تبعث إلى من يسحبني بقروني، قال: فقال: أروني سبني، فأخذ نعليه، ثم انطلق يتوذف، حتى دخل عليها، قال: كيف رأيتني صنعت بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، بلغني أنك تقول له: يا ابن ذات النطاقين، أنا والله ذات النطاقين، أما أحدهما: فكنت أرفع به طعام رسول الله ﷺ وطعام أبي بكر من الدواب، وأما الآخر: فنطاق المرأة الذي لا تستغني عنه، وأما إن رسول الله ﷺ حدثنا: أن في تثقيف كذابًا ومبيرًا، فأما الكذاب: فرأيناه، وأما المبير: فلا إخالك إلا إياه قال: فقام عنها ولم يراجعها.
* * *
_________________
(١) مسلم (٤/ ١٩٧١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٥٨ - باب ذكر كذاب ثقيف ومبيرها. قرون: المرأة: ضفائرها، واحدها: قرن. سبتي: السبتيان: النعلان، وأصله من السبت، وهي جلود البقر المدبوغة بالقرظ تعمل منها النعال، كأنها نسبت غليها، وقيل: هو من السبت: خلق الشعر، لأن شعر الجلود يرمى عنها، ثم يعمل منها النعال. يتوذف: مشى يتوذف، أي: يتبختر، وقيل: يسرع وهو المقصود هنا. المبير: المهلك الذي يسرف في إهلاك الناس.
[ ٤ / ١٧٢٤ ]
تعليقات
كانت محاولة ابن الزبير أقوى محاولة لإعادة الخلافة الراشدة بعد الملك العضوض، ولقد كادت هذه المحاولة أن تنجح، بل كان ابن الزبير هو الخليفة الشرعي للمسلمين في المدة التي أخذ فيها البيعة لنفسه، وها أنت ترى أن الأكثرية المطلقة من المسلمين قد بايعته ثم قتل بعد ذلك، وعاد الأمر إلى بني أمية وإلى الشام، ولعل السر في ذلك يكمن في أن الشام وقتذاك هي ذات الجند الأقوى وهي الأكثر قدرة على الحركة فمن غلب عليها فقد غلب.
كانت المناطق التي تصلح أن تكون قواعد للحكم ثلاثة: العراق والشام والحجاز فهذه من الإمة الإسلامية في القلب، ولقد دخلت العراق أكثر من حرب خاسرة مع بني أمية فلم تربح الجولة لا مع علي ﵁ ولا مع الحسن ﵁، وقد خذلت الحسين ﵁ وكانت الشام لبن أمية خالصة فلم يبق إلا الحجاز، وقد ثارت الحجاز ثورتين: ثورة في المدينة، وانتهت نهاية مأساوية، والثورة الثانية في مكة وكان على رأسها ابن الزبير ﵁ وانتهت نهاية مأساوية. ولقد ثارت العراق مرة أخرى بزعامة عبد الرحمن بن الأشعث فلم تفلح.
كان انتزاع السلطة من بني أمية يحتاج إلى قوة أخرى، ولقد استطاع العباسيون أن يدخلوا هذه القوة في الميدان فأزالوا سلطان بني أمية.
من بعض الروايات التي مرت معنا ندرك سببًا من أسباب تغلب بني أمية وهو أن رؤوس المسلمين لم يكونوا متحمسين لاستخلاص الحكم من بني أمية لأنهم كانوا يرون أن الصراع ضدهم صراع دنيوي، فلم يكن أهل الآخرة متحمسين، وكان أهل الشام يصارعون بعقلية الجندي.
* * *
[ ٤ / ١٧٢٥ ]
الوصل الثالث
في
نماذج من أصحابه
[ ٤ / ١٧٢٧ ]
تمهيد
ذكرنا من قبل عددا من أصحاب النبي ﷺ رضوان الله عنهم، فذكرنا أزواجه وهن من أصحابه، وذكرنا عددا من اهل بيته الذين يعتبرون من أصحابه، وذكرنا الخلفاء الراشدين وهم من أصحابه، ونحن في هذا الوصل سنخص بالذكر عددًا من أصحابه ما بين رجل وامرأة بأكثر ما يكون الاختصار، وقد نكتفي عند ذكر بعضهم ببعض وما ورد فيهم ليأخذ القارئ صورة عن هذه النماذج الرفيعة وإلا فالأمر أوسع من أن يسعه هذا الكتاب، فقد ترجم ابن حجر العسقلاني في الإصابة الحوالي (١٢٢٧٩) من الصحابة، وهؤلاء إنما دخلوا في دائرة الترجمة عند المحدثين لأن لهم رواية عن رسول الله ﷺ، وإلا فعدد الصحابة أكثر بكثير، فقد ذكر كتاب السير أن الذين حجوا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع بلغوا تسعين ألفًا ويعتبرون هؤلاء جميعًا من أصحابه ولم يحج كل المسلمين، فعدد الصحابة أكبر من ذلك.
﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ ..﴾ (١).
ولنبدأ ذكر الصحابة مبتدئين بذكر ما سوى الخلفاء الراشدين من العسرة المبشرين بالجنة، مبتدئين بأبي عبيدة بن الجراح ﵁ مقلدين في ذلك الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء، وقد تخيرنا ثلاثة كتب ننقل عنها شذرات لبعض التراجم هي: البداية والنهاية، والإصابة، وسير أعلام النبلاء، وذلك لأن أصحاب هذه الكتب ممن استقر في ضمير هذه الأمة حبهم والثقة بهم، ثم هم من المتأخرين الذين استوعبوا ما كتب قبلهم، وكانوا من المحققين الذين محصوا الروايات والمرويات فكانوا أئمة في هذا الشأن، وقد استفدنا في هذا المقام وغيره من تحقيقات الشيخ شعيب الأرناؤوط حفظه الله على كتاب الذهبي
* * *
_________________
(١) الفتح: ٢٩.
[ ٤ / ١٧٢٩ ]
١ - أبو عبيدة بن الجراح ﵁
قال ابن كثير في البداية والنهاية:
عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر القرشي أبو عبيدة بن الجراح الفهري، أمين هذه الأمة، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الخمسة الذين أسلموا في يوم واحد، وهم عثمان بن مظعون، وعبيدة بن الحارث، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وأبو عبيدة بن الجراح أسلموا على يدي الصديق. ولما هاجروا آخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن معاذ وقيل بين محمد بن مسلمة. وقد شهد بدرًا وما بعدها، وقال رسول الله ﷺ "إن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة ابن الجراح" ثبت ذلك في الصحيحين. وثبت في الصحيحين أيضًا أن الصديق قال يوم السقيفة: وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوه -يعني عمر بن الخطاب وأبا عبيدة- وبعثه الصديق أميرًا على ربع الجيش إلى الشام، ثم لما انتدب خالدًا من العراق كان أميرًا على أبي عبيدة وغيره لعلمه بالحروب. فلما انتهت الخلافة إلى عمر عزل خالدًا وولى أبا عبيدة ابن الجراح، وأمره أن يستشير خالدا، فجمع للأمة بين أمانة أبي عبيدة وشجاعة خالد. قال ابن عساكر: هو أول من سمي أمير الأمراء بالشام
توفي بالطاعون عام عمواس والصحيح أن عمواس كانت في سنة ثماني عشرة- بقرية فحل، وقيل بالجابية. وقد اشتهر في هذه الإعصار قبر بالقرب من عقبة ينسب إليه والله أعلم. وعمره يوم مات ثمان وخمسون سنة. اهـ
وقال ابن حجر العسقلاني: كان فتح أكثر الشام على يده.
وقال الذهبي: "يجتمع هو والنبي ﷺ في فهر، شهد له النبي ﷺ بالجنة وسماه أمين الأمة، ومناقبه شهيرة جمة، روى أحاديث معدودة وغزا غزوات مشهودة.
هاجر إلى الحبشة وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها، وهو صاحب غزوة سيف البحر المشهورة بقصة حوت العنبر، وقد أمد به رسول الله ﷺ عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل، وهو ممن جمع القرآن، واجتمع له حسن الخلق والحلم الزائد والتواضع، وقد ولي
[ ٤ / ١٧٣٠ ]
لأبي بكر بيت المال ثم وجهه إلى الشام وولاه ربعا من الأرباع، ثم جعله عمر أمير الأمراء في الشام وكان هو الأمير يوم فتح دمشق.
كان رجلًا نحيفا معروق الوجه (قليل اللحم) خفيف اللحية طوالًا أجنى (ينعطف كاهله نحو صدره) أهتم (منزوع الثنتين بسبب نزعه حلقتي المغفر من وجنتي رسول الله ﷺ يوم أحد) وكان من أجمل الناس صورة.
قال الذهبي في ترجمته:
ولما تفرع الصديق من حرب أهل الردة، وحرب مسيلمة الكذاب، جهز أمراء الأجناد لفتح الشام. فبعث أبا عبيدة، وزيد ابن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنه، فتمت وقعة أجنادين بقرب الرملة، ونصر الله المؤمنين، فجاءت البشرى، والصديق في مرض الموت، ثم كانت وقعة فحل ووقعة مرج الصفر، وكان قد سير أبوبكر خالدًا لغزو العراق، ثم بعث إليه لينجد من بالشام، فقطع المفاوز على برية السماوة، فأمره الصديق على الأمراء كلهم، وحاصروا دمشق، وتوفي أبوبكر. فبادر عمر بعزل خالد، واستعمل على الكل أبا عبيدة، فجاءة التقليد، فكتمه مدة، وكل هذا من دينه ولينه وحلمه، فكان فتح دمشق على يده، فعند ذلك أظهر التقليد، ليعقد الصالح للروم، ففتحوا له باب الجابية صلحًا، وإذا بخالد قد افتتح البلد عنوة من الباب الشرقي، فأمضى لهم أبو عبيدة الصلح.
فمن المغيرة: أن أبا عبيدة صالحهم على أنصاف كنائسهم ومنازلهم، ثم كان أبو عبيدة رأس الإسلام يوم وقعة اليرموك، التي استأصل الله فيها جيوش الروم، وقتل منهم خلق عظيم. اهـ.
قال الزبير بن بكار: قد انقرض نسل أبي عبيدة وولد إخوته جميعًا.
وفيه نزل قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ (١) فقد أخرج الطبراني بسند جيد عن عبد الله بن شوذب قال: جعل
_________________
(١) المجادلة: ٢٣.
[ ٤ / ١٧٣١ ]
والد أبي عبيدة يتصدى لأبي عبيدة يوم بدر فيحيد عنه فلما أكثر قصده فقتله فنزلت.
وقد مر معنا اسمه في أكثر من مكان من قبل في غزوة ذات السلاسل وفي الأحاديث الواردة في فضل الصحابة.
ولأهمية ما حدث في غزوة ذات السلاسل في باب القدوة فإننا ننقل ما ذكره ابن الحجر:
قال موسى بن عقبة في المغازي أمر النبي ﵌ عمرو بن العاص في غزوة ذلت السلاسل وهي من مشارف الشام في بلي ونحوهم من قضاعة، فخشي عمر فبعث يستمد فندب النبي ﵌ الناس من المهاجرين الأولين فانتدب أبو بكر وعمر في آخرين فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح مددًا لعمر بن العاص فلما قدموا عليه قال أنا أميركم فقال المهاجرين بل أنت أمير أصحابك وأبو عبيدة أمير المهاجرين فقال إنما أنتم مددي فلما رأى ذلك أبو عبيدة وكان حسن الخلق متبعا لأمر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وعهده فقال تعلم يا عمرو أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال لي: "إن قدمت على صاحبك فتطاوعا"، وإنك إن عصيتني أطعتك. وفي فؤاد ابن أخي سمى بسند صحيح إلى الشعبي قال: قال المغير بن شعبة لأبي عبيدة: إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أمرك علينا وإن ابن النابغة ليس لك معه أمر يعني عمرو بن العاص فقال أبو عبيدة: إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أمرنا أن نتطاوع فأنا اطيعه لقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. اهـ
ومما ورد فيه:
١٧٤١ - * روى البخاري ومسلم عن حذيفة: جاء السيد والعاقب صاحبا نجران إلى النبي ﷺ يريدان أن يلاعناه، فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، والله إن كان نبيًا فلاعننا لا نفلح أبدا نحن ولا عقبنا بعدنا، قال: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث معنا إلا
_________________
(١) البخاري (٧/ ٩٣) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة - ٢١ - باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح ﵁. ومسلم (٤/ ١٨٨٢) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٧ - باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح ﵁. العاقب: الذي يلي السيد. يلاعناه: يباهلاه من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾.
[ ٤ / ١٧٣٢ ]
أمينًا، فقال: "لأبعثن معكما رجلًا أمينًا حق أمين حق أمين" فاستشرف لها أصحاب النبي ﷺ، فقال: "قم يا أبا عبيدة" فلما قام قال ﷺ: "هذا أمين هذه الأمة".
١٧٤٢ - * روى البخاري ومسلم عن أنس رفعه: "إن لكل أمة أمينا وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح".
وفي رواية (٢): إن أهل اليمن قدموا على النبي ﷺ فقالوا: ابعث معنا رجلًا يعلمنا السنة والإسلام، فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: "هذا أمين هذه الأمة".
١٧٤٣ - * روى أبو نعيم والحاكم عن عمر بن الخطاب، قال لأصحابه: تمنوا فقال أحدهم: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت دراهم فأنفقها في سبيل الله فقال: تمنوا، فقال آخر: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت ذهبا فأنفقه في سبيل الله. قال: تمنوا قال آخر: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت جواهرًا أو نحوه، فأنفقه في سبيل الله. فقال عمر. تمنوا فقالوا: ما تمنينا بعد هذا. قال عمر: لكني أتمنى أن يكون ملء هذا البيت رجلًا مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، فأستعملهم في طاعة الله قال: ثم بعث بمال إلى حذيفة قال: انظر ما يصنع، قال: فلما أتاه قسمه، ثم بعث بمال إلى معاذ بن جبل فقسمه، ثم بعث بمال -يعني إلى أبي عبيدة- قال: انظر ما يصنع. فقال عمر: قد قلت لكم. أو كما قال ..
أقول: المراد أن أبا عبيدة قسمه ووزعه وأنه بذلك تحققت فراسة عمر ﵁ فيما سيصنع هؤلاء جميعًا.
١٧٤٤ - * روى أحمد عن عمر قال: إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته، فإن
_________________
(١) البخاري (٨/ ٩٣) ٦٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٧٢ - باب قصة أهل نجران. ومسلم (٤/ ١٨٨١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٧ - باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح ﵁.
(٢) مسلم: الموضع السابق.
(٣) الحلية (١/ ١٠٢)، والمستدرك (٣/ ٢٦٢)، مختصرًا وسكت عنه الحاكم وكذلك الذهبي. وأورده البخاري في تاريخه الصغير.
(٤) أحمد في مسنده (١/ ١٨) مطولًا. وهو مرسل ورجاله ثقات.
[ ٤ / ١٧٣٣ ]
قال الله لم استخلفته على أمة محمد ﷺ؟ قلت إني سمعته ﷺ يقول: "لكل نبي أمين، وأميني أبو عبيدة".
١٧٤٥ - * روى الحاكم عن ثابت بن حجاج قال: قال عمر بن الخطاب: لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح لاستخلفته وما شاورت. فإن سئلت عنه قلت: استخلفت أمين الله وأمين رسوله ﷺ.
عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: بلغ عمر أن أبا عبيدة حصر الشام، ونال منه العدو، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه ما نزل بعبد مؤمن شدة، إلا جعل الله بعدها فرجا، وإنه لا يغلب عسر يسرين ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾، الآية (٢) قال فكتب إليه أبو عبيدة: أما بعد، فإن الله يقول: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾، إلى قوله: ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٣) قال: فخرج عمر بكتابه، فقرأه على المنبر فقال: يا أهل المدينة: إنما يعرض بكم أبو عبيدة أو بي ارغبوا في الجهاد.
١٧٤٦ - * روى الحاكم عن طارق بن شهاب قال أتانا كتاب عمر لما وقع الوباء بالشام، فكتب عمر إلى أبي عبيدة إنه قد عرضت لي إليك حاجة لا غنى لي بك عنها، فقال أبو عبيدة يرحم الله أمير المؤمنين يريد بقاء قوم ليسوا بباقين قال: ثم كتب إليه أبو عبيدة إني في جيش من جيوش المسلمين لست أرغب بنفسي عن الذي أصابهم فلما قرأ الكتاب استرجع فقال الناس مات أبو عبيدة؟ قال: لا وكان كتب إليه بالعزيمة فاظهر من أرض الأردن فإنها عميقة وبية إلى أرض الجابية فإنها نزهة ندية فلما أتاه الكتاب بالعزيمة أمر مناديه أذن في الناس بالرحيل. فلما قدم إلية بعيره ليركبه وضع رجله في الغرز ثني رجله فقال ما أرى داءكم إلا قد أصابني قال ومات أبو عبيدة، ورجع الوباء عن الناس.
_________________
(١) المستدرك (٣/ ٢٦٨)، وسكت عنه الحاكم والذهبي.
(٢) آل عمران: ٢٠٠.
(٣) الحديد: ٢٠.
(٤) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء، وعزاه لابن المبارك في "الجهاد". وقال محقق السير: إسناده قوي ورجاله ثقات.
(٥) المستدرك (٣/ ٢٦٣). وقال: رواه هذا الحديث كلهم ثقات وقال الذهبي: وهو على شرط البخاري ومسلم.
[ ٤ / ١٧٣٤ ]
١٧٤٧ - * روى الحاكم والطبراني عن الحارث بن عميرة الحارثي قال: أخذ معاذ بن جبل يرسل الحارث بن عميرة إلى أبي عبيدة بن الجراح يسأله كيف هو؟ وقد طعن فأراه أبو عبيدة طعنة خرجت من كفه فكأنه شانها وفرق منها حين رآها فأقسم أبو عبيدة له بالله ما يحب أن له مكانها حمر النعم.
_________________
(١) المستدرك (٣/ ٢٦٣). وسكت عنه الحاكم والذهبي. والمعجم الكبير (١/ ١٥٥).
[ ٤ / ١٧٣٥ ]
٢ - طلحة بن عبيد الله ﵁
قال ابن كثير في البداية والنهاية:
طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة أبو محمد القرشي التيمي، ويعرف بطلحة الخير، وطلحة الفياض لكرمه ولكثرة جوده. أسلم قديما على يدي أبي بكر الصديق، فكان نوفل بن خويلد بن العدوية يشدهما في حبل واحد، ولا تستطيع بنو تيم أن تمنعهما منه، فلذلك كان يقال لطلحة وأبي بكر القرينان، وقد هاجر وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي أيوب الأنصاري، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ إلا بدرًا -فإنه كان بالشام لتجارة- وقيل في رسالة، ولهذا ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره من بدر، وكانت له يوم أحد اليد البيضاء وشلت يده يوم أحد، وقى بها رسول الله ﷺ واستمرت كذلك إلى أن مات، وكان الصديق إذا حدث عن يوم أحد يقول: ذاك يوم كان كله لطلحه.
وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وقد صحب رسول الله ﷺ، فأحسن صحبته حتى توفي وهو عنه راض، وكذلك أبو بكر وعمر، فلما كان قضية عثمان اعتزل عنه فنسبه بعض الناس إلى تحامل فيه، فلهذا لما حضر يوم الجمل واجتمع به على فوعظه تأخر فوقف في بعض الصفوف. ا. هـ.
وكان قد بايع عليًا من قبل، وقد قتله مروان بن الحكم كما سنرى. قال الذهبي: "قاتل طلحة في الوزر كقاتل علي" ولنعد إلى ابن كثير:
وكان (قتله) يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، ودفن طلحة إلى جانب الكلأ وكان عمره ستين سنة، وقيل بضعًا وستين سنة، وكان آدم، وقيل أبيض، حسن الوجه كثير الشعر إلى القصر أقرب وكانت غلته في كل يوم ألف درهم.
وقال ابن حجر في ترجمته: أحد العشرة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر، وأحد الستة أصحاب الشوري.
[ ٤ / ١٧٣٦ ]
ومما ورد فيه:
١٧٤٨ - * روى أحمد والترمذي عن الزبير كان على النبي ﷺ درعان يوم أحد، فنهض إلى صخرة فلم يستطع، فأقعد طلحة تحته وصعد حتى استوى على الصخرة فسمعته يقول: "أوجب طلحة".
١٧٤٩ - * روى الترمذي وابن ماجه عن موسى بن طلحة، وأخيه عيسى عن أبيهما: أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا لأعرابي جاهل: سل رسول الله ﷺ عمن ﴿قَضَى نَحْبَهُ﴾ (٣) من هو؟ وكانوا لا يجترئون على مسألته، وكانوا يوقرونه ويهابونه، فسأله الأعرابي، فأعرض عنه، ثم سأله، فأعرض عنه، قال طلحة: ثم طلعت من باب المسجد وعلى ثياب خضر، فلما رآني رسول الله ﷺ قال: "أين السائل عمن قضى نحبه؟ " قال الأعرابي: أنا يا رسول الله، فقال: "هذا ممن قضى نحبه"
١٧٥٠ - * روى البخاري عن قيس بن أبي حازم: رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي ﷺ قد شلت.
١٧٥١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي عثمان النهدي قال: لم يبق مع النبي ﷺ في
_________________
(١) أحمد في مسنده (١/ ١٦٥). والترمذي (٥/ ٦٤٣، ٦٤٤) ٥٠ - كتاب المناقب - ٢٢ - باب مناقب طلحة بن عبيد الله ﵁. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٢) الترمذي ٠٥/ ٦٤٥) ٥٠ - كتاب المناقب - ٢٢ - باب مناقب طلحة بن عبيد الله ﵁. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وابن ماجة (١/ ٤٦) مختصرًا في المقدمة -١١ - باب في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ (فضل طلحة بن عبيد الله ﵁). النحب: النذر، وقيل: الموت، وذلك أن طلحة بن عبيد الله ألزم نفسه إذا لقي العدو، أن يصدقه القتال ففعل. الاجتراء: الإقدام على الأمر، والخسارة عليه.
(٣) الأحزاب: ٢٣.
(٤) البخاري (٧/ ٣٥٩) ٦٤ - كتاب المغازي - ١٧ - باب غزوة أحد.
(٥) البخاري (٧/ ٨٢) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة - ١٤ - باب ذكر طلحة بن عبيد الله. ومسلم (٤/ ١٨٧٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٦ - باب فضائل طلحة والزبير رضي الله تعالى عنهما. عن حديثهما: أي هما حدثاني بذلك.
[ ٤ / ١٧٣٧ ]
تلك الأيام التي قاتل فيهن غير طلحة وسعد عن حديثهما.
١٧٥٢ - * روى الطبراني عن قبيصة: ما رأيت رجلا قط أعطى الجزيل من المال غير مسألة من طلحة بن عبيد الله، وكان أهله يقولون أن النبي ﷺ سماه الفياض.
١٧٥٣ - * روى الطبراني عن طلحة بن يحي عن جدته سعدي قالت: دخل علي يومًا طلحة فرأيت منه فعلا فقلت له مالك؟ لعله رابك مناشئ فيعمك قال: لا، ولنعم حليلة المرء المسلم أنت ولا كبر، ولكن اجتمع عندي مال ولا أدري كيف أصنع به؟ قالت: وما يغمك منه! ادع قومك فاقسمه بينهم فقال: يا غلام علي قومي. فسألت الخازن كم قسم؟ قال أربعمائة ألف.
١٧٥٤ - * روى النسائي عن جابر قال: لما كان يوم أحد، وولى الناس، كان رسول الله ﷺ في ناحية في اثني عشر رجلًا، منهم طلحة، فأدركهم المشركون، فقال النبي ﷺ: "من للقوم؟ " قال طلحة: أنا، قال: "كما أنت" فقال رجل: أنا، قال: "أنت" فقاتل حتى قتل، ثم التفت فإذا المشركون، فقال: "من لهم؟ " قال طلحة: أنا. قال: "كما أنت" فقال رجل من الأنصار: أنا، قال: "أنت" فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى بقي مع نبي الله طلحة، فقال: "من للقوم؟ " قال طلحة: أنا، فقاتل طلحة، قتال الأحد عشر حتى قطعت أصابعه، فقال: حس، فقال رسول الله ﷺ: "لوقلت: باسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون" ثم رد الله المشركين.
١٧٥٥ - * روى الحاكم عن علقمة بن وقاص قال: لما خرج طلحة والزبير وعائشة
_________________
(١) المعجم الكبير (١/ ١١١، ١١٢). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٤٧). وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.
(٢) المعجم الكبير (١/ ١١٢). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٤٨). وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات. رأيت منه فعلًا: أي رأت منه فعلًا يدل على انزعاج.
(٣) النسائي (٦/ ٢٩، ٣٠) كتاب الجهاد، باب ما يقول من يطعن العدو. ورواته ثقات.
(٤) المستدرك (٣/ ١١٨) وقال: الذهبي: إسناده جيد.
[ ٤ / ١٧٣٨ ]
لطلب دم عثمان ﵃ عرضوا من معهم بذات عرق فاستصغروا عروة بن الزبير وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فردوهما قال: ورأيته وأحب المجالس إليه أخلاها أو هو ضارب بلحيته على زوره. فقلت له. يا أبا محمد إني أراك وأحب المجالس إليك أخلاها، وأنت ضارب بلحيتك على زورك. إن تكره هذا اليوم فدعه، فليس يكرهك عليه أحد قال: يا علقيه بن وقاص لا تلمني، كنا يدا واحدة على من سوانا فأصبحوا اليوم جبلين يزحف أحدنا إلى صاحبه ولكنه كان مني في أمر عثمان ﵁ ما لا أرى كفارته إلا أن يسفك دمي في طلب دمه. قلت: فمحمد بن طلحة لم تخرجه ولك ولد صغار دعه فإن كان أمرا خلفك في تركتك قال هو أعلم أكره أن أرى أحدا له في هذا الأمر نية فأراده فكلمت محمد بن طلحة في التخلف فقال: أكره أن أسأل الرجال عن أبي.
١٧٥٦ - * روى الترمذي عن مالك بن أبي عامر، قال: جاء رجل إلى طلحة فقال: أرأيتك هذا اليماني هو أعلم بحديث رسول الله ﷺ منكم -يعني أبا هريرة- نسمع منه أشياء لا نسمعها منكم، قال: أما إن قد سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع، فلا أشك، وسأخبرك: إنا كنا أهل بيوت، وكنا إنما نأتي رسول الله ﷺ غدوة وعشية، وكان مسكينا لا مال له، إنما هو على باب رسول الله ﷺ، فلا أشك إنه قد سمع ما لم نسمع، وهل تجد أحدا فيه خير يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل؟
١٧٥٧ - * روى الطبراني عن يحي بن بكير قتل طلحة يوم الجمل في جمادى سنة ست وثلاثين، وسنة ثنتان وخمسون أو أربع وخمسون سنة.
١٧٥٨ - * روى الطبراني عن قيس بن حازم قال: رأيت مروان بن الحكم حين رمى
_________________
(١) = ضارب بلحيته على زوره: أي مطرق، والزور: الصدر.
(٢) الترمذي (٥/ ٦٨٣، ٦٨٤) ٥٠ - كتاب المناقب - ٤٧ - باب مناقب لأبي هريرة ﵁. وقال: هذا حديث حسن غريب.
(٣) المعجم الكبير (١/ ١١٣). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٠). وقال: رواه الطبراني عن يحيى هكذا ورجاله رجال الصحيح.
(٤) المعجم الكبير (١/ ١١٣). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٠). وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
[ ٤ / ١٧٣٩ ]
طلحة بسهم فوقع في عين ركبته، فمازال يسيح إلى أن مات.
١٧٥٩ - * روى الطبراني عن طلحة بن مصرف: أن عليا انتهى إلى طلحة بن عبيد الله وقد مات فنزل عن دابته وأجلسه فجعل يمسح الغبار عن وجهه ولحيته وهو يترحم عليه ويبكي ويقول: ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.
* * *
_________________
(١) المعجم الكبير (١/ ١١٣، ١١٤). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٠). وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.
[ ٤ / ١٧٤٠ ]
٣ - الزبير بن العوام ﵁
قال ابن كثير في ترجمته:
الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة أبو عبد الله القرشي الأسدي، وامه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ أسلم قديما وعمره خمس عشرة سنة وقيل أقل وقيل أكثر هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة فآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سلمة بن سلامة ابن وقش، وقد شهد المشاهد كلها.
وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وصحب الصديق فأحسن صحبته، وكان ختنه على ابنته أسماء بنت الصديق، وابنه عبد الله منها أول مولود ولد للمسلمين بعد الهجرة، وخرج مع الناس إلى الشام مجاهدا فشهد اليرموك فتشرفوا بحضوره، وكانت له بها اليد البيضاء والهمه العلياء، اخترق جيوش الروم وصفوفهم مرتين من أولهم إلى أخرهم، وكان من جمله من دافع عن عثمان وحاجف عنه، فلما كان يوم الجمل ذكره علي بما ذكره به فرجع عن القتال وكر راجعا إلى المدينة، فمر بقوم الأحنف بن قيس -وكانوا قد انعزلوا عن الفريقين- فقال قائل له الأحنف: ما بال هذا جمع بين الناس حتى إذا التقوا كر راجعا إلى بيته؟ من رجل يكشف لنا خبره؟ فاتبعه عمرو بن جرموز وفضالة بن حابس ونفيع في طائفة من غواة بني تميم، فيقال إنهم لما أدركوه تعاونوا عليه حتى قتلوه، ويقال: بل أدركه عمرو بن جرموز فقال له عمرو: أن لى إليك حاجة فقال: ادن! فقال مولى الزبير، واسمه عطية، إن معه سلاحا فقال: وإن، فتقدم إليه فجعل يحدثه وكان وقت الصلاة فقال له الزبير: الصلاة فقال: الصلاة فتقدم الزبير ليصلى بهما فطعنه عمرو بن جرموز فقتله، ويقال بل أدركه عمرو بواد يقال له وادي السباع وهو نائم في القائلة فهجم عليه فقتله، وهذا القول هو الأشهر.
وقد كان الزبير ذا مال جزيل وصدقات كثيرة جدا، لما كان يوم الجمل أوصى إلى ابنه عبد الله فلما قتل وجدوا عليه من الدين ألفي ألف ومائتي ألف فوفوها عنه، وأخرجوا بعد
[ ٤ / ١٧٤١ ]
ذلك ثلث ماله الذي أوصى به ثم قسمت التركة بعد ذلك فأصاب كل واحدة من الزوجات الأربع من ربع الثمن ألف ألف ومائتا ألف درهم، فعلى هذا يكون مجموع ما قسم بين الورثة ثمانية وثلاثين ألف ألف وأربعمائة ألف والثلث الموصي به تسعة عشر ألف ألف ومائتا ألف فتلك الجملة سبعة وخمسون ألف ألف وستمائة ألف والدين المخرج فبل ذلك ألفا الف ومائتا ألف.
وقد جمع ماله هذا بعد الصدقات الكثيرة والمآثر الغزيرة مما أفاء الله عليه من الجهاد من خمس الخمس ما يخص أمه منه، ومن التجارة المبرورة من الخلال المشكورة، وقد قيل أنه كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فربما تصدق في بعض الأيام بخرجهم كلهم ﵁ وارضاه، وكان قتله يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخر سنة ست وثلاثين وقد نيف على الستين بست أو سبع. ا. هـ.
١٧٦٠ - * روى الطبراني عن أبي الأسود: أسلم الزبير وهو ابن ثمان سنين، وهاجر وهو ابن ثمان عشر، وكان عمه يعلق الزبير في حصير ويدخن عليه بالنار ويقول: ارجع إلى الكفر، فيقول لا أكفر أبدا.
وكانت أمه صفية عمة رسول الله ﷺ حازمة في تأديبه صغيرا فنشأ غلى الفتوة والقوة والصبر والجلد، وهو من جملة من أسلم على يد أبي بكر وكان هو وطلحة وعلى أترابا (في سن واحد)، وكان أسمر طويلا إذا ركب خطب رجلاه الأرض، خفيف اللحية والعارضين.
قال الذهبي: وعن الثوري قال: هؤلاء الثلاثة نجدة الصحابة حمزة وعلي والزبير، وكان إذ جعله بعض الصحابة وصيا على ذرية أنفق عليهم من ماله وحفظ أموالهم.
وقال الذهبي في عثمان وعلي وطلحة والزبير: من العشرة المشهود لهم بالجنة، ومن البدريين، ومن أهل بيعة الرضوان، ومن السابقين الأولين الذين أخبر الله تعالى أنه رضي
_________________
(١) المعجم الكبير (١/ ١٢٢). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥١). وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات إلا أنه مرسل.
[ ٤ / ١٧٤٢ ]
عنهم ورضوا عنه، ولأن الأربعة قتلوا ورزقوا الشهادة فنحن محبون لهم مبغضون للأربعة الذين قتلوا الأربعة.
وهذه بعض روايات في مناقبة وقد مرت روايات من قبل تشمله:
١٧٦١ - * روى البخاري ومسلم عن جابر: قال النبي ﷺ يوم الأحزاب: "من يأتينا بخير القوم؟ " فقال الزبير أنا، ثم قال: "من يأتين بخير القوم؟ " فقال الزبير أنا، ثم قال في الثلاثة: "إن لكل نبي حواريا وأن حواري الزبير".
١٧٦٢ - * روى البخاري ومسلم عن ابن الزبير قال: كنت يوم الأحزاب جعلت أنا وعمرو بن أبي سلمة مع النساء يعني نسوة النبي ﷺ في أطم حسان بن ثابت، فنظرت فإذا أنا بالزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة، فلما رجع قلت: يا أبت رأيتك تختلف، قال وهل رأيتني يا بني؟ قلت: نعم؟ قال: كان النبي ﷺ قال: "من يأتي بني قريظة فيأتني بخبرهم؟ " فانطلقت فلما رجعت جمع لي ﷺ أبويه قال: "فداك أبي وأمي".
١٧٦٣ - * روى الترمذي عن عروة أوصى الزبير إلى ابنه عبد الله صبيحه يوم الجمل فقال: ما مني عضو إلا وقد خرج مع النبي ﷺ حتى انتهى ذلك مني إلى الفرج.
١٧٦٤ - * روى البخاري عن مروان بن الحكم قال: أصاب عثمان رعاف شديد سنة الرغاف حتى حبسه عن الحج، وأوصى، فدخل عليه رجل من قريش فقال: استخلف، فقال عثمان: أو قالوه؟ قال: نعم، قال: ومن هو؟ فسكب، قال فلعلهم قالوا الزبير؟
_________________
(١) البخاري (٦/ ٥٢) ٥٦ - كتاب الجهاد - ٤٠ - باب فضل الطليعة. ومسلم (٤/ ١٨٧٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٦ - باب من فضائل طلحة والزبير ﵄.
(٢) البخاري (٧/ ٨٠) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة -١٣ - باب مناقب الزبير بن العوام. ومسلم (٤/ ١٨٧٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٦ - باب من فضائل طلحة والزبير ﵄
(٣) الترمذي (٥/ ٦٤٧) ٥٠ - كتاب المناقب -٢٥ - باب مناقب الزبير بن العوام ﵁. وقال: هذا حديث حسن غريب.
(٤) البخاري (٧/ ٧٩) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة -١٣ - باب مناقب الزبير بن العوام.
[ ٤ / ١٧٤٣ ]
قال: نعم، قال أما والذي نفسي بيده إنه لخيرهم ما علمت، وإن كان لأحبهم إلى رسول الله ﷺ.
١٧٦٥ - * روى البخاري عن عروة: كان في الزبير ثلاث ضربات: إحداهن في عاتقه إن كنت لأدخل أصابعي فيها ألعب بها وأنا صغير، قال له أصحاب النبي ﷺ يوم اليرموك: ألا تشد فنشد معك؟ فقل: إن شددت كذبتم، قالوا: لا نفعل، فحمل عليهم حتى شق صفوفهم فجاوزهم وما معه أحد، ثم رجع مقبلا فأخذوا بلجامه فضربوه ضربتين بينهما ضربه ضربها يوم بدر. وكان معه عبد الله يومئذ (أي يوم يرموك) وهو ابن عشر سنين [وقيل اثني أو ثلاث عشر، عاما] فحمله على فرسه فوكل به رجلا.
١٧٦٦ - * روى البخاري عن عروة، قال لي عبد الملك بن مروان حين قتل عبد الله: يا عروة هل تعرف سيف الزبير؟ قلت: نعم، قال: فما فيه؟ قلت فيه فلة فلها يوم بدر، وقال صدقت بهن فلول من قراع الكتائب، ثم رده على عروة، قال هشام: فأقمناه بثلاثة آلاف فأخذه بعضنا، ووددت أني كنت أخذته وكان على بعضه.
١٧٦٧ - * روى البخاري عن الزبير بن العوام القرشي ﵁ قال: لقيت يوم بدر عبيدة- ويقال: عبيدة- بن سعيد بن العاص، وهو مدجح، لا يرى منه ألا عيناه، وكان يكنى أبا ذات الكرش، فحملت عليه بالعنزة، فطعنته في عينه، فمات، قال هشام بن عروة: فأخبرت أن الزبير قال: لقد وضعت رجلي عليه، ثم تمطيت فكان الجهد: أن نزعتها، وقد انثنى طرفاها، قال عروة: فسأله إياها رسول الله ﷺ، فأعطاه إياها، فلما قبض أخذها، ثم طلبها ابو بكر، فأعطها إياها، فلما قبض أبو بكر أخذها، ثم سألها عمر، فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان
_________________
(١) البخاري (٧/ ٢٩٩) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨ - باب قتل أبي جهل.
(٢) البخاري (٧/ ٢٩٩) ٦٤ - كتاب المغازي - ٨ - باب قتل أبي جهل.
(٣) البخاري (٧/ ٣١٤) ٦٤ - كتاب المغازي - ١٢ - باب حدثني خليفة. مدجج: غائص في سلاحه. الجهد: بضم الجيم: الوسع والطاقة، وبفتحها: المشقة، وقيل: هما لغتان في المشقة. العنزة: شبه العكازة، في رأسها سنان كسنان الرمح.
[ ٤ / ١٧٤٤ ]
منه، فأعطاه إياها، فلما قتل وقعت إلى آل علي، فطلبها عبد الله بن الزبير، فكانت عنده حتى قتل.
١٧٦٨ - * روى البزار عن ابن عمر أن الزبير استأذن عمر في الجهاد فقال: اجلس فقد جاهدت مع رسول الله ﷺ.
١٧٦٩ - * روى البزار عن نافع قال: سمع ابن عمر رجلا يقول: يا ابن حواري رسول الله ﷺ قال: إن كنت من أهل الزبير وإلا فلا.
١٧٧٠ - * روى الحاكم عن زر بن حبيش قال: كنت جالسا عند علي فأتى برأس الزبير ومعه قاتله، فقال علي للآذن بشر قاتل ابن صفية بالنار، سمعت رسول الله ﷺ وآله يقول: "لكل نبي حواري وأن حواري الزبير".
١٧٧١ - * روى البخاري ومسلم عن جابر، قال رسول الله ﷺ يوم الخندق: "من يأتينا بخبر بني قريظة؟ " فقال لزبير: أنا، فذهب على فرس، فجاء بخبرهم. ثم قال الثانية، فقال الزبير: أنا، فذهب، ثم الثالثة، فقال النبي ﷺ "لكل بني حوراي، وحواري الزبير".
١٧٧٢ - * روى أحمد عن جابر قال قال رسول الله ﷺ: "الزبير ابن عمتي وحواري من أمتي".
١٧٧٣ - * روى الحاكم عن الزبير قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: "لكل بني
_________________
(١) البزار: كشف الأستار (٣/ ٢١٢). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٢): رواه البزار وإسناده حسن.
(٢) البزار: كشف الأستار (٣/ ٢١١، ٢١٢). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥١): رواه البزار ورجاله ثقات. قال: إن كنت: أي قال ابن عمر للمخاطب.
(٣) المستدرك (٦/ ٣٦٧). وصححه ووافقه الذهبي، وإسناده حسن.
(٤) البخاري (٦/ ٥٢) ٥٦ - كتاب الجهاد -٤ - باب فضل الطليعة. ومسلم (٤/ ١٨٧٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٦ - باب من فضائل طلحة والزبير ﵄.
(٥) أحمد في مسنده (٣/ ٣١٤) وإسناده صحيح.
(٦) المستدرك (٣/ ٣٦٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة. ووافقه الذهبي.
[ ٤ / ١٧٤٥ ]
حواري وحواري الزبير وابن عمتي".
١٧٧٤ - * روى الحاكم عن عروة قال: لما كان يوم الجمل دعا الزبير ابنه عبد الله فأوصى إليه فقال: يا بني إن هذا يوم ليقتلن فيه ظالم أو مظلوم والله لئن قتلت لأقتلن مظلومًا، والله ما فعلت ولا فعلت انظر يا بني ديني فأني لا أدع شيئًا أهم إلي منه، وهو ألف ألف ومائتا ألف.
وقصة وصاته لابنة عبد الله في دينه وتركته مذكورة في البخاري تفصيلًا.
١٧٧٥ - * روى الحاكم عن عروة قال قال عبد الله بن الزبير لأبيه يا أت حدثني عن رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم حتى أحدث عنك، فإن كل أبناء الصحابة يحدث عن أبيه. فقال: يا بني ما من أحد صحب رسول الله ﵌ بصحبة إلا وقد صحبته بمثلها أو أفضل منها ولقد علمت بأن أمك أسماء ابنة أبي بكر كانت تحتي وأن خالتك عائشة بنت أبي بكر ولقد علمت أن أمي صفية بنت عبد المطلب وأن أخوالي حمزة بن عبد المطلب وأبو طالب وعباس وأن رسول الله ﵌ ابن خالي ولقد علمت أن عمتي خديجة بنت خويلد كانت تحته، وأن ابنتها فاطمة ابنة رسول الله ﵌ ولقد علمت أن خديجة أم أمها حبيبة بنت أسد بن عبد العزى ولقد علمت أن أم رسول الله ﵌ آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة. ولقد صحبته بأحسن صحبة والحمد لله، ولقد سمعته يقول: "من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار".
١٧٧٦ - * روى الطبراني عن عروة قال: كانت على الزبير يوم يدر عمامة صفراء، فنزل جبريل على سماء الزبير.
_________________
(١) المستدرك (٣/ ٣٦٥) ورواته ثقات.
(٢) المستدرك (٣/ ٣٦١، ٣٦٢). وفي معناه روايات كثيرة والقسم الأخير منه معناه متواتر، وبعض روايات الحديث حسنة السند مرسلة، والقسم الأول من الرواية المراد منه: أن نسب الزبير مرتبط بنسب رسول الله ﷺ ارتباطًا وثيقًا.
(٣) المعجم الكبير (١/ ١٢٠). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٨٤): وهو مرسل صحيح الإسناد.
[ ٤ / ١٧٤٦ ]
١٧٧٧ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) قالت لعروة: يا ابن أختي، كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر. لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، قال: من يذهب في إثرهم؟ فانتدب منهم سبعون رجلا. قال: كان فيهم أبو بكر والزبير.
١٧٧٨ - * روى الحاكم عن عروة قال: كانت نفحة من الشيطان أن محمدا ﵌ قد أخذ فسمع بذلك الزبير وهو ابن إحدى عشرة سنة فخرج بالسيف مسلولا حتى وقف على النبي ﵌ فقال "ما شأنك؟ " فقال: أردت أن أضرب من أخذك فدعا له النبي ﵌ ولسيفه وكان أول سيف سل في سبيل الله ﷿.
١٧٧٩ - * روى أحمد (عن مطرف) قال: قلت للزبير: ما جاء بكم؟ ضيعتهم الخليفة حتى قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟ قال: إنا قرأنا على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٥)، لم نكن نحسب أنا أهلها، حتى وقعت منا حيث وقعت.
١٧٨٠ - * روى ابن سعد عن ابن عباس أنه أتى الزبير فقال: أين صفية بنت عبد المطلب حيث تقاتل بسيفك علي بن أبي طالب بن عبد المطلب؟ قال: فرجع الزبير فلقيه ابن جرموز فقتله، فأتى ابن عباس عليا فقال: إلى أين قاتل ابن صفية؟ قال علي: إلى النار.
_________________
(١) البخاري (٧/ ٣٧٣) ٦٤ - كتاب المغازي ٢٥ - باب ﴿الذين استجابوا لله والرسول﴾.
(٢) آل عمرن: ١٧٢.
(٣) المستدرك (٣/ ٣٦٠، ٣٦١). رجاله ثقات لكنه مرسل، وسكت عنه الذهبي. نفحت نفحة من الشيطان: المراد ظهرت شائعة.
(٤) أحمد في مسنده (١/ ١٦٥) وإسناده حسن.
(٥) الأنفال: ٢٥.
(٦) الطبقات الكبرى (٣/ ١١٠) ورجاله ثقات. وقال الحافظ في الإصابة: سنده صحيح.
[ ٤ / ١٧٤٧ ]
١٧٨١ - * روى ابن سعد عن (جون بن قتادة) قال: كنت مع الزبير يوم الجمل، وكانوا يسلمون عليه بالإمرة، إلى أن قال: فطعنه ابن جرموز ثانيا، فأثبته، فوقع، ودفن بوادي السباع، وجلس علي ﵁ يبكي عليه هو وأصحابه.
١٧٨٢ - * روى الطبراني عهن (يحيى بن بكير): قتل الزبير يوم الجمل لا أدري الأولى، أو الآخرة سنة ست وثلاثين، وأسلم وهو ابن ثمان سنين، فإن كان النبي ﷺ أقام بمكة ثلاث عشرة سنة، فهو يوم قتل ابن سبع وخمسين، وإن أقام عشر سنين فالزبير ابن أربع وخمسين.
١٧٨٣ - * روى البخاري عن عبدالله بن الزبير قال: لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني فقمت إلى جنبه فقال: يا بني لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلومًا، وإن من أكبر همي لديني، أفترى ببقي ديننا من مالنا شيئًا فقال: يا بني، بع مالنا، فاقض ديني وأوصى بالثلث، وثلثه لبنيه- يعني بني عبد الله بن الزبير، يقول: ثلث الثلت- فإن فضل من مالنا فضل بعد قضاء الدين فثلثه لولدك. قال هشام: وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير -خبيب وعباد- وله يومئذ تسعة بنين وتسع بنات. قال عبد الله: فجعل يوصيني بدينه ويقول: يا بني إن عجزت عن شيء منه فاستعن عليه مولاي. قال: فوالله ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبة من موالك؟ قال: الله. قال: فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه دينه، فيقضيه. فقتل الزبير ﵁ ولم يدع دينارًا ولا درهمًا، إلا أرضين منها الغابة، وإحدى عشرة دارًا بالمدينة، ودارين بالبصرة، ودارًا بالكوفة، ودارًا بمصر. قال: وإنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، فيقول الزبير: لا، ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة. وما ولي إمارة قط ولا جباية خراج ولا شيئًا إلا أن
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٣/ ١١١، ١١٢) ورجاله ثقات.
(٢) المعجم الكبير (١/ ١٢٢). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٥٣) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(٣) البخاري (٦/ ٢٢٧، ٢٢٨) ٥٧ - كتاب فرض الخمس - ١٣ - باب بركة الغازي في ماله حيًا وميتًا مع النبي ﷺ وولاة الأمر.
[ ٤ / ١٧٤٨ ]
يكون في غزوة مع النبي ﷺ أو مع أبي بكر وعمر وعثمان ﵃. قال عبد الله ابن الزبير فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف قال: فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير فقال: يا ابن أخي: كم على أخي من الدين؟ فكتمه. فقال: مائة ألف. فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تسع لهذه. فقال له عبد الله: أرايتك إن كانت ألفى ألف ومائتي ألف؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي: قال: وكان الزير اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف. فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف: ثم قام فقال: من كان له على الزبير حق فليوافنا بالغابة. فأتاه عبد الله بن جعفر- وكان له على الزبير أربعمائة ألف- فقال لعبد الله: إن شئتم تركتها لكم. قال عبد الله: لا. قال: فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخرون إن أخرتم. فقال عبد الله: لا. قال قال: فاقطعوا لي قطعة. قال عبد الله: لك من ها هنا إلى ها هنا. قال فباع منها فقضى دينه فأوفاه. وبقي منها أربعة أسهم ونصف، فقدم على معاوية- وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزبير، وابن زمعة- فقال له معاوية: كم قومت الغابة؟ قال: كل سهم مائة ألف. قال: كم بقي؟ قال: أربعة أسهم ونصف. فقال المنذر بن الزبير: قد أخذت سهمًا بمائة ألفة. وقال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهما بمائة ألف. وقال ابن زمعة: قد أخذت سهما بمائة ألف. فقال معاوية كم بقي؟ فقال: سهم ونصف. قال: أخذته بخمسين ومائة ألف. قال: وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف. فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه قال بنو الزبير: اقسم بيننا ميراثنا. قال: لا والله لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنين: ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه: قال: فجعل كل سنة ينادي بالموسم. فلما مضى أربع سنين قسم بينهم. قال: وكان الزبير أربع نسوة، ورفع الثلث فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف.
* * *
[ ٤ / ١٧٤٩ ]
٤ - عبد الرحمن ابن عوف ﵁
قال ابن كثير في ترجمته:
عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة، أبو محمد القرشي الزهري، أسلم قديمًا على يدي أبي بكر، وهاجر إلى الحبشة وإلى المدينة، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع، وشهد بدرًا وما بعدها، وأمره رسول الله ﷺ حين بعثه إلى بني كلب وارخى له عذبة بين كتفيه، لتكون أمارة عليه للإمارة، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الثمانية السابقين إلى الإسلام، وأحد الستة أصحاب الشورى، ثم أحد الثلاثة الذين انتهت إليهم منهم، كما ذكرنا. ثم كان هو الذي اجتهد في تقديم عثمان ﵁، وقد تقاول هو وخالد بن الوليد في بعض الغزوات فأغلظ له خالد في المقال، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" وهو في الصحيح.
وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ صلى وراءه الركعة الثانية من صلاة الفجر في بعض الأسفار، وهذه منقبة عظيمة لا تبارى. ولما حضرته الوفاة أوصى لكل رجل ممن بقى من أهل بدر بأربعمائة دينار - وكانوا مائة- فأخذوها حتى عثمان وعلي، وقال علي: اذهب يا ابن عوف فقد أدركت صفوها، وسبقت زنقها (كدرها) وأوصى لكل امرأة من أمهات المؤمنين بمبلغ كثير، حتى كانت عائشة تقول سقاه الله من السلسبيل. وأعتق خلقا من مماليكه ثم ترك بعد ذلك كله مالا جزيلا، من ذلك ذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال، وترك ألف بعير ومائة فرس، وثلاثة آلاف شاة ترعى بالبقيع، وكان نساؤه أربعا فصولحت إحداهن من ربع الثمن بثمانين ألفا، ولما مات صلى عليه عثمان بن عفان، وحمل في جنازته سعد بن أبي وقاص، ودفن بالبقيع عن خمس وسبعين سنة. وكان أبيض مشربا حمرة حسن الوجه، رقيق البشرة، أعين أهدب الأشفار، أقنى، له جمة، ضخم الكفين، غليظ الأصابع، لا يغير شيبه ﵁. ا. هـ.
[ ٤ / ١٧٥٠ ]
وقال ابن حجر في ترجمته:
وأسلم قديمًا قبل دخول دار الأرقم وهاجر الهجرتين وشهد بدرًا وسائر المشاهد .. وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع وبعثه النبي ﷺ إلى دومة الجندل وأذن له أن يتزوج بنت ملكهم الأصبغ بن ثعلبة الكلبي ففتح عليه فتزوجها وهي تماضر أم ابنة أبي سلمة وهو الذي رجع عمر بحديثه من سرع (موضع قرب الشام بين المغيثة وتبوك)، ولم يدخل الشام بسبب الطاعون ورجع إليه عمر في أخذ الجزية من المجوس كما في صحيح البخاري ويقال إنه جرح يوم أحد إحدى وعشرين جراحة وعاش اثنين وسبعين سنة ا. هـ.
وقال الذهبي في ترجمته:
ومن أفضل أعمال عبد الرحمن عزله نفسه من الأمر وقت الشورى واختياره للأمة من أشار به أهل الحل والعقد، فنهض في ذلك أتم نهوض على جمع الأمة على عثمان، ولو كان محاببا فيها، لأخذها لنفسه، أو لولاها ابن عمه وأقرب الجماعة إليه سعد بن أبي وقاص.
عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: كان أهل المدينة عيالًا على عبد الرحمن بن عوف: ثلث يقرضهم ماله، وثلث يقضي دينهم، ويصل ثلثًا.
عن ابن المسيب قال: كان بين طلحة وابن عوف تباعد، فمرض طلحة، فجاء عبد الرحمن يعوده، فقال طلحة أنت والله يا أخي خير مني. قال: لا تفعل يا أخي، قال: بلى والله، لأنك لو مرضت ما عدتك.
عن سعد بن الحسن قال: كان عبد الرحمن بن عوف لا يعرف من بين عبيدة. ا. هـ.
أقول: لقد كان عقل عبد الرحمن بن عوف من أثقب العقول في الحكم والسياسية والاقتصاد، فكثير من معضلات السياسة والحكم والاقتصاد كان له رأي سديد في حلها وهذه بعض الروايات فيه وفي مناقبه.
[ ٤ / ١٧٥١ ]
١٧٨٤ - * روى ابن ماجه عن المغيرة بن شعبة قال: تخلف رسول الله ﷺ: فانتهينا إلى القوم وقد صلى بهم عبد الرحمن بن عوف ركعة فلما أحس النبي ﷺ ذهب يتأخر، فأوما إليه النبي ﷺ أن يتم الصلاة، قال: "وقد أحسنت كذلك فافعل".
١٧٨٥ - * روى الحاكم عن عبد الرحمن بن عوف قال: كان اسمي في الجاهلية عبد عمرو، فسماني رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم عبد الرحمن.
١٧٨٦ - * روى الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: ابتلينا مع رسول الله ﷺ بالضراء، فصبرنا، ثم ابتلينا بعده بالسراء فلم نصبر.
١٧٨٧ - * روى الترمذي والحاكم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول لنسائه: "إن أمركن مما يهمني من بعدي، ولن يصبر عليكن إلا الصابرون الصديقون" قال عائشة: يعني المتصدقين- ثم قالت عائشة لأبي لسمة بن عبد الرحمن: سقى الله أباك من السلسبيل الجنة، وكان ابن عوف قد تصدق على أمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعين ألفًا.
١٧٨٨ - * روى الترمذي والحاكم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ﵄ أن عبد الرحمن بن عوف أوصى بحديقة لأمهات المؤمنين بيعت بأربعمائة ألف.
_________________
(١) ابن ماجة (١/ ٣٩٢) ٥ - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها - ١٤٣ - باب ما جاء في صلاة رسول الله ﷺ خلف رجل من أمته.
(٢) المستدرك (٣/ ٣٠٦). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم خرجاه. ووافقه الذهبي.
(٣) الترمذي (٤/ ٦٤٢) ٣٨ - كتاب صفة القيامة - ٣٠ - باب حدثنا قتيبة وقال: هذا حديث صحيح.
(٤) الترمذي (٥/ ٦٤٨) ٥٠ - كتاب المناقب - ٢٦ - باب مناقب عبد الرحمن بن عوف ﵁. وقال: هذا حديث حن صحيح غريب. والمستدرك (٣/ ٣١١، ٣١٢). وقال: فقد صح الحديث عن عائشة وأم سلمة ﵄. ووافقه الذهبي. سلسبيل: السلسبيل: اسم عين في الجنة، ويقال: شراب سلسل وسلسال وسلسبيل: إذا كان سائغًا سلسًا في الحلق: وهو صفة لما كان في غاية السلاسة. الحديقة: البستان عليه حائط أحدق به.
(٥) الترمذي (٥/ ٦٤٩) ٥٠ - كتاب المناقب - ٢٦ - باب مناقب عبد الرحمن بن عوف ﵁. وقال: هذا حديث حن صحيح غريب.=
[ ٤ / ١٧٥٢ ]
١٧٨٩ - * روى الحاكم وابن سعد عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنه غشي على عبد الرحمن بن عوف في وجعه غشية فظنوا أنها قد فاضت نفسه فيها حتى قاموا من عنده وجللوا ثوبا وخرجت أم كلثوم بنت عقبة امرأته إلى المسجد تستعين فيما أمرت به من الصبر والصلاة، فلبثوا ساعة وهو في غشيته ثم أفاق فكان أول ما تكلم به أن كبر فكبر أهل البيت ومن يليهم ثم قال لهم: غشي علي آنفا قالوا: نعم. فقال: صدقتم. فقال: إنه انطلق بي في غشيتي رجلان، أحدهما فيه شدة وفظاظة فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز العليم. فقال: ارجعاه فإنه من الذين كتب الله لهم السعادة والمغفرة في بطون أمهاتهم وإنه سيتمتع به بنوة إلى ما شاء الله، فعاش بعد ذلك شهرا ثم توفي ﵁.
١٧٩٠ - * روى الحاكم وابن سعد عن إبراهيم بن سعد قال سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: سمعت عليًا ﵁ يقول لعبد الرحمن بن عوف يوم مات: أذهب يا ابن عوف فقد أدركت صفوها وسبقت رنقها.
عن سعيد بن المسيب أن سعد بن أبي وقاص أرسل إلى عبد الرحمن رجلا وهو قائم يخطب: أن ارفع رأسك إلى أمر الناس. أي ادع إلى نفسك. فقال عبد الرحمن: ثكلتك أمك! إنه لن يلي هذا الأمر أحد بعد عمر إلا لامه الناس (٣).
عن (ابن عمر) قال: استخلف عمر عبد الرحمن بن عوف على الحج سنة ولي الخلافة، ثم حج عمر في بقية عمره (٤).
١٧٩١ - * روى البخاري عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: لما قدمنا المدينة
_________________
(١) = والمستدرك (٣/ ٣١٢) بنحوه. وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وله شاهد صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.
(٢) المستدرك (٣/ ٣٠٧). وسكت عنه الذهبي. والطبقات الكبرى (٣/ ١٣٤، ١٣٥) وأسانيده صحيحة.
(٣) المستدرك (٣/ ٣٠٨). وإسناده صحيح. والطبقات الكبرى (٣/ ١٣٥، ١٣٦). رنقها: الرنق الكدر.
(٤) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (١/ ٨٧). وقال محققه: رجاله ثقات.
(٥) ذكره الحافظ في الإصابة (٤/ ١٧٧) عن خليفة بسند قوي.
(٦) البخاري (٦/ ٢٨٨) ٣٤ - كتاب البيوع -١ - باب ما جاء في قول الله ﷿: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ وقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
[ ٤ / ١٧٥٣ ]
آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع. فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالا، فأقسم لك نصف مالي. وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت تزوجتها. قال: فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك. هل من سوق فيه تجارة؟ قال: سوق قينقاع. قال: فغدا إليه عبد الرحمن فأتى بأقط وسمن. قال: ثم تابع الغدو. فما لبث أن جاء عبد الرحمن عليه أثر صفرة. فقال رسول الله ﷺ: "تزوجت؟ " قال: نعم. قال: "من؟ " قال: امرأة من الأنصار. قال: "كم سقت؟ " قال: زنة نواة من ذهب -أو نواة من ذهب- فقال له النبي ﷺ: "أولم ولو بشاة". أخرجه البخاري.
قال الذهبي: ثم آل أمره في التجارة إلى ما آل. قال أبو عمر بن عب البر: كان مجدودًا في التجارة خلف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومائة فرس، وكان يوزع بالجرف على عشرين ناضحًا.
أقول: هذا على كثرة إنفاقه في سبيل الله، قال الذهبي: هذا هو الغني الشاكر، وأويس فقير صابر، وأبو ذر أو أبو عبيدة زاهد عفيف.
* * *
[ ٤ / ١٧٥٤ ]
٥ - سعد بن أبي وقاص ﵁
قال ابن كثير في ترجمته:
سعد بن أبي وقاص واسمه (أبو وقاص) مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، أبو اسحاق القرشي الزهري، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، أسلم قديمًا: وكان يوم أسلم عمره سبع عشرة سنة. وثبت عنه في الصحيح أنه قال: ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام سابع سبعة، وهو الذي كوف الكوفة (جعلها مدينة) ونفي عنها الأعاجم، وكان مجاب الدعوة، وهاجر وشهد بدرًا وما بعدها، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان فارسا شجاعا من أمراء رسول الله ﷺ، وكان في أيام الصديق معظما جليل المقدار، وكذلك في أيام عمر، وقد استنابه على الكوفة، وهو الذي فتح المدائن، وكانت بين يديه وقعة جلولاء. وكان سيدًا مطاعًا، وعزله عن الكوفة عن غير عجز ولا خيانة، ولكن لمصلحة ظهرت لعمر في ذلك. وقد ذكره في الستة أصحاب الشورى، ثم ولاه عثمان بعدها ثم عزله عنها.
وكانت وفاة سعد بالعقيق خارج المدينة، فحمل إلى المدينة على أعناق الرجال فصلى عليه مروان، وصلى بصلاته أمهات المؤمنين الباقيات الصالحات، ودفن بالبقيع. وكان ذلك في هذه السنة -سنة خمس وخمسين- على المشهور الذي عليه الأكثرون، وقد جاوز الثمانين على الصحيح.
قالوا كان قصيرًا غليظًا شثن الكفين أفطس أشعر الجسد، يخضب بالسواد، وكان ميراثه مائتي ألف وخمسين ألفا [من الدراهم] ا. هـ.
وقد وصفه النووي في تهذيب الأسماء والصفات: وكان آدم [اسمر] طوالًا ذا هامة. ومن كلام ابن حجر في ترجمته: وكان مجاب الدعوة مشهورًا بذلك ولما قتل عثمان لزم بيته واعتزل الفتنة وكان من أحد الناس بصرًا، وكان سعد أول من رمى بسهم في سبيل الله [وذلك في جيش عبيدة بن الحارث حين بعثه رسول الله ﷺ إلى رابغ يلقي غير
[ ٤ / ١٧٥٥ ]
قريش] عن أبي إسحاق قال: أشد الصحابة [أقواهم جسمًا] أربعة: عمر وعلي والزبير وسعد أ. هـ.
قال الذهبي: ومن مناقب سعد أن فتح العراق كان على يدي سعد، وهو كان مقدم الجيوش يوم وقعة القادسية، ونصر الله دينه. ونزل سعد بالمدائن، ثم كان أمير الناس يوم جلولاء فكان النصر على يده، واستأصل الله الأكاسرة.
وقع له في مسند بقي بن مخلد مئتان وسبعون حديثًا، فمن ذلك في الصحيح ثمانية وثلاثون حديثًا. أ. هـ.
ومما ورد فيه وفي مناقبه:
١٧٩٢ - * روى البخاري ومسلم عن علي: ما سمعت النبي ﷺ جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك، فإني سمعته يقول يوم أحد: "يا سعد ارم فداك أبي وأمي".
١٧٩٣ - * روى البخاري عند سعد: ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام.
قوله: (ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه): قال ابن حجر: هذا بحسب طلاعه أو يحمل قوله على الأحرار البالغين ا. هـ، ويشتمل قول سعد على ظاهره أنه لم يسلم أحد قبله، لكن وردت بدون "إلا" ولا إشكال فيها وعلى هذه الرواية تحمل "حسب اطلاعه" والله اعلم.
١٧٩٤ - * روى مسلم عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدا حتى يكفر بدينه. ولا تأكل ولا تشرب.، قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك. وأنا أمك. وأنا آمرك بهذا.
_________________
(١) البخاري (٧/ ٣٥٨) ٦٤ - كتاب المغازي -١٨ - باب: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا الآية﴾. ومسلم (٤/ ١٨٧٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٥ - باب فضل سعد بن أبي وقاص ﵁
(٢) البخاري (٧/ ٨٣) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة -١٥ - باب فضل سعد بن أبي وقاص الزهري.
(٣) مسلم (٤/ ١٨٧٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -١٥ - باب فضل سعد بن أبي وقاص الزهري
[ ٤ / ١٧٥٦ ]
قال: مكثت ثلاثًا حتى غشي عليها من الجهد. فقام ابن لها يقال له عمارة. فسقاها. فجعلت تدعو على سعد. فأنزل الله ﷿ في القرآن هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ (١) وفيها: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٢).
قال: وأصاب رسول الله ﷺ غنيمة عظيمة. فإذا فيها سيفا فأخذته. فأتيت به الرسول ﷺ. فقلت: نفلني هذا السيف. فأنا من قد علمت حاله. فقال "رده من حيث أخذته" فانطلقت. حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي، فرجعت إليه. فقلت: أعطنيه. قال فشد لي صوته "رده من حيث أخذته" قال فأنزل الله ﷿ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (٣).
قال: ومرضت فأرسلت إلى النبي ﷺ فأتاني فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت. قال فأبى. قلت: فالنصف. قال فأبى. قلت: فالثلث. قال فسكت. فكان، بعد، الثلث جائزا.
قال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين. فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمرا. وذلك قبل أن تحرم الخمر. قال فأتيتهم في حش -والحش البستان- فإذا رأس جزور مشوي عندهم، ورزق من خمر. قال فأكلت وشربت معهم. قال فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم. فقلت: المهاجرين خير من الأنصار. قال فأخذ رجل أحد لحيى الرأس فضربني به فجرح بأنفي. فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته. فأنزل الله ﷿ في -يعني نفسه- شأن الخمر- ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (٤).
_________________
(١) العنكبوت: ٨.
(٢) لقمان: ١٥. القبض: هو الموضع الذي يجمع فيه الغنائم.
(٣) الأنفال: ١.
(٤) المائدة: ٩٠.
[ ٤ / ١٧٥٧ ]
١٧٩٥ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة: كان رسول الله ﷺ سهر مقدمه المدينة ليلة، فقال: "ليت رجلًا من أصحابي صالحًا يحرسني الليلة" فبينا نحن كذلك إذ سمعنا خشخشة سلاح، فقال "من هذا؟ " قال: أنا سعد، قال له "ما جاء بك؟ " قال: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه، فدعا له ثم نام.
١٧٩٦ - * روى الترمذي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم استجب لسعد إذا دعاك".
وقال: وقد روي هذا الحديث عن قيس بن سعد: أن النبي ﷺ قال: "اللهم استجب لسعد إذا دعاك" وهذا أصح.
١٧٩٧ - * روى الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنت جالسًا مع رسول الله ﷺ، فأقبل سعد إلى رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "هذا خالي، فليرني امرؤ خاله".
وقال: كان سعد من بني زهرة، وكانت أم النبي ﷺ من بني زهرة، فلذلك قال النبي ﷺ "هذا خالي".
١٧٩٨ - * روى البخاري عن جابر بن سمرة ﵁ قال: شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر بن الخطاب، فعزله، واستعمل عليهم عمارًا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن
_________________
(١) البخاري (٦/ ٨١) ٥٦ - كتاب الجهاد -٧٠ - باب الحراسة في الغزو في سبيل الله. ومسلم (٤/ ١٨٧٥) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٥ - باب في فضل سعد بن أبي وقاص ﵁.
(٢) الترمذي (٥/ ٦٤٩) ٥٠ - كتاب المناقب-٢٧ - باب مناقب سعد بن أبي وقاص ﵁. وقال حديث صحيح الإسناد. والمستدرك (٣/ ٤٩٩). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
(٣) الترمذي (٥/ ٦٤٩) ٥٠ - كتاب المناقب-٢٧ - باب مناقب سعد بن أبي وقاص ﵁. وقال هذا حديث حسم غريب. والمستدرك (٣/ ٤٩٨). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي ..
(٤) البخاري (٢/ ٢٣٦) ١٠ - كتاب الأذان -٩٥ - باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر وما يجهر فيها وما يخافت.=
[ ٤ / ١٧٥٨ ]
يصلي، فأرسل إليه، فقال: يا أبا إسحاق، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي، قال: أما أنا فوالله إني كنت أصلى بهم صلاة رسول الله ﷺ، لا أخرم عنها: أصلى صلاتي العشي، فأركد في الأوليين، وأخفف في الأخريين، قال: فإن ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، فأرسل معه رجلًا -أو رجالًا- إلى الكوفة، يسأل عنه أهل الكوفة، فلم يدع مسجدًا إلا سأل عنه؟ ويثنون عليه معروفا، حتى دخل مسجدا لبني عبس، فقام رجل منهم يقال له: أسامة بن قتادة -يكنى أبا سعدة- فقال: أما إذ نشدتنا فإن سعدا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، قال سعد: أما والله، لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا، قام رياء وسمعة، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن. فكان بعد ذلك إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابني دعوة سعد. قال عبد الملك بن عمير -الراوي عن جابر بن سمرة- فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق، فيغمزهن.
١٧٩٩ - * روى البزار عن سعد قال: بعثني رسول الله ﷺ أستخبر له خبرا، فذهبت وأنا أسعى حتى صرت إلى القوم، ثم جئت وأنا أمشي على هينتي حتى صرت إلى النبي ﷺ فسألني فأخبرته، فقال "ذهبت شديدًا ثم جئت على هينتك" أو كما قال. فقلت: يا رسول الله إني كرهت أن أسعى فيظن بي القوم أني قد فرقت فقال النبي ﷺ "إن سعدا لمجرب".
_________________
(١) = لا أخرم عنها: ما خرمت منه شيئًا، أي: ما نقصت. صلاتي العشي: صلاتا العشي ها هنا: هما صلاة الظهر والعصر، فإن العشي: هو من لدن زوال الشمس إلى آخر النهار، وقيل: إلى طلوع الفجر. الركود: كناية عن السكون والثبات. لا يسير بالسرية: لا يسير بالسرية، أي لا يحرج بنفسه معها في الغزو، ويجوز أن يريد: لا يسر فينا بالقضية السرية، أي: النفيسة. رياء وسمعة: يقال: فعل فلان كذا وكذا رياء وسمعة، أي ليرى فعلة ويسمع عنه ذلك.
(٢) البزار: كشف الأستار (٣/ ٢٠٧). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٥): رواه البزار وإسناده حسن. أسعى: أعدو.
[ ٤ / ١٧٥٩ ]
١٨٠٠ - * روى البخاري ومسلم والترمذي عن قيس بن أبي حازم ﵀ قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: إني لأول رجل رمى بسهم في سبيل الله ورأيتنا نغزو مع رسول الله ﷺ ومالنا طعام إلا الحبلة وورق السمر، وإن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة، ماله خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعززني على الإسلام، لقد خبت إذا وضل عملي.
وكانوا وشوا به إلى عمر، وقالوا: لا يحسن يصلي.
١٨٠١ - * روى البخاري عن قبيصة بن جابر قال ابن عم لنا يوم القادسية:
ألم تر أن الله أنزل نصره وسعد بباب القادسية معصم
فأبنا وقد أمت نساء كثيرة ونسوة سعد ليس فيهن أيم
فبلغ سعدا قوله فقال عيي لسانه ويده فجاءت نشابة فأصابت فاه فخرس ثم قطعت يده في القتال فقال [سعد] احملوني على باب، فخرج به محمولا ثم كشف عن ظهره وفيه قروح فأخبر الناس بعذره فعذروه، وكان سعد لا يجبن. وفي رواية يقاتل حتى ينزل الله نصره وقال: وقطعت يده وقتل.
_________________
(١) البخاري (٩/ ٥٤٩) ٧٠ - كتاب الأطعمة -٢٣ - باب ما كان على النبي ﷺ وأصحابه يأكلون. مسلم (٤/ ٢٢٧٨) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق حديث ١٢. الترمذي (٤/ ٥٨٢) ٣٧ - كتاب الزهد - ٣٩ - باب ما جاء في معيشة أصحاب النبي ﷺ. وقال: حديث حسن صحيح غريب. الحبلة: ثم العضاه. والسمر: شجر معروف من شجر البادية وأشجار الشوك. يضع كما تضع الشاة: أرد أن نجوهم يخرج بعرًا، ليبسه وعدم الغذاء المألوف. ماله خلط: أي: لا يختلط بعضه ببعض، لجفافه ويبسه. تعززني: على الإسلام: أي: توقفني وتوبخني على التقصير فيه، وقيل: معناه يعلمونني الفقه.
(٢) المعجم الكبير (١/ ١٤١، ١٤٢). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٤). وقال: رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما ثقات. معتصم: معصم لم يغادره، بمعنى أنه لم يشارك في القتال، وكان سعد وقتذاك مريضًا وإلا فهو سيد الشجعان والمتفق عليه في عصرنا ان القائد لا يصح أن يكون في الصف الأول لأنه إذا حدث له شيء اختل توازن المعركة. أبنا: رجعنا. أمت: ترملت.
[ ٤ / ١٧٦٠ ]
١٨٠٢ - * روى البزار عن عبد الله يعني ابنُ مسعود قال: كانً سعدُ يُقاتلُ مَع رَسُولِ الله ﷺ يوم بدرٍ قِتَال الفَارس والرَاجلِ.
١٨٠٣ - * روى الطبراني عن عامر بن سعد قال: بينما سعد يمشي إذ مر برجل وهو يشتم عليًا وطلحة والزبير فقال له سعد: إنك تشتم أقوامًا قد سبق لهم من الله ما سبق، والله لتكفن عن شتمهم أو لأدعون الله ﷿ عليك قال: يخوفني كأنه نبي فقال سعد: اللهم إن كان يشتم أقوامًا قد سبق لهم منك ما سبق فاجعله اليوم نكالًا فجاءت بختية فأفرج الناس لها فتخبطته فرأيت الناس يتبعون سعدًا يقولون: استجاب الله لك يا أبا إسحاق.
١٨٠٤ - * روى الطبراني عن عامر الشعبي قال: قيل لسعد بن أبي وقاص: متى أحبت الدعوة؟ قال: يوم بدر كنت أرمي بين النبي ﷺ فأضع السهم في كبد القوس ثم أقول اللهم زلزل أقدامهم وأرعب قلوبهم وافعل بهم وافعل فيقول النبي ﷺ "اللهم استجب لسعد".
قال الهيثمي: السهام التي رمي بها يومئذ] يوم أحد [ألف سهم.
١٨٠٥ - * روى الطبراني عن سعيد بن المسيب قال: خرجت جارية لسعد يقال لها زيراء وعليها قميص حرير فكشفها الريح، فشد عليها بالدرة وجاء سعد ليمنعه فتناوله بالدرة: فذهب سعد يدعو على عمر، فناوله عمر الدرة وقال: اقتص فعفا عن عمر.
_________________
(١) البراز: كشف الأستار (٢/ ٣١٥). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٨٢): رواه البراز بإسنادين أحدهما متصل والأخر مرسل ورجالهما ثقات.
(٢) المعجم الكبير (١/ ١٤٠). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٤) وقال: رواه الطبراني ورجاله الصحيح. البختية: الأنثى من الجمال الخراسانية.
(٣) المعجم الكبير (١/ ١٤٣). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٣). وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.
(٤) المعجم الكبير (١/ ١٤١). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٣، ١٥٤). وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
[ ٤ / ١٧٦١ ]
١٨٠٦ - * روى الحاكم عن حسين بن خارجة الأشجعي قال: لما قُتل عثمان، أشكلت علىّ الفتنة، فقلتُ: اللهم أرني من الحق أمرًا أتمسك به، فرأيت في النوم الدنيا والآخرة بينهما حائط، فهبطتُ الحائط فإذا بنفر، فقالوا: نحن الملائكة، قلتُ: فأين الشهداء؟
قالوا: اصعد الدرجات، فصعدتُ درجة ثم أخرى، فإذا محمد وإبراهيم، صلى الله عليهما، وإذا محمد يقول لإبراهيم: استغفر لأمتي، قال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم أراقوا دماءهم، وقتلوا إمامهم، ألا فعلوا كما فعل خليلي سعد؟
قال: قلتُ: لقد رأيتُ رؤيا، فأتيت سعدًا، فققصتها عليه، فما أكثر فرحًا، وقال: قد خاب من لم يكن إبراهيم ﵇ خليله، قلتُ: مع أَيّ الطائفتين أَنتَ؟
قال: ما أنا مع واحد منهما، قلتُ: فما تأمرني؟ قال: هل لك من غَنَم؟ قلتُ: لا، قال: فاشتر غنمًا، فكن فيها حتى تنجلي.
١٨٠٧ - * روى البراز عن سعد قال: سمعني النبي ﷺ وأنا أدعو فقال: "اللهم استجب له إذا دعاك".
١٨٠٨ - * روى الطبراني وابن سعد عن ابن عُليّة: حدثنا أَيوب، عن محمد قال: نبّتُ أَنّ سعدًا قال: ما أَزعم أَني بقميصي هذا أَحقُ مني بالخلافة، جاهدتُ وأَنا أَعترفُ بالجهاد، ولا أبخَعُ نفسي إن كان رجلًا خيرًا مني، لا أقاتل حتى يأتوني بسيف له عينان ولسانُ، فيقول هُذا مؤمن وهذا كافر؟.
١٨٠٩ - * روى الطبراني عن سعد أنه قال لابنه عند الموت: يا بني إنك لن تلقي أحدًا هو أنصح لك مني، إذا أردْت أن تُصلى فأحسن وِضُوءك ثم صل صلاةً لا تري أنك تصلي
_________________
(١) المستدرك (٣/ ٥٠١، ٥٠٢). وسكت عنه الذهبي. وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (١/ ١٢٠). وقال محققه: ورجاله ثقات.
(٢) البراز: كشف الأستار (٣/ ٢٠٧). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٣) رواه البراز ورجاله رجال الصحيح.
(٣) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٩٩) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. والطبقات الكبرى (٣/ ١٤٣).
(٤) المعجم الكبير (١/ ١٤٣). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٢١). وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.=
[ ٤ / ١٧٦٢ ]
بعدها، وإياك والطمع فإنه فقر حاضر، وعليك بالإياس فإنه الغني وإياك وما يعتذر إليه من العمل والقول واعمل مابدا لك.
١٨١٠ - * روى مسلم عن سعد ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ (١) قال: نزلت في ستة أَنا وابنُ مسعود منهم.
١٨١١ - * روى مسلم وأحمد عن عامر بن سعد قال: كان سعد بن أبي وقاص في إبله. فجاءه ابنه عمر. فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب. فنزل. فقال له: أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم؟ فضرب سعد في صدره فقال: اسكت. سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي".
١٨١٢ - * روى أحمد عن سعد قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ، ضحك يوم الخندق حتى بدت نواجذه. كان رجل] من المشركين [معه ترس، وكان سعدُ راميًا، فجعل يقول كذا يُحوّي بالترُّس، ويغطي جبهته. فنزع له سعد بسهمِ، فلما رفع رأسه، رماه فلم، يُخطِ هذه منه، يعني جبهته، فانقلب، وأشال برجله، فضحك رسول الله من فعله، حتى بدت نواجذه.
١٨١٣ - * روى البخاري ومسلم عن سعد قال: رأيتُ رجلين عن يمين رسول الله ﷺ ويساره يوم أحد، عليهما ثيابّ بيضّ، يُقاتلان عنه كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد.
_________________
(١) = عليك بالإياس: يعني بالزهد والقناعة فيما في أيدي الناس.
(٢) مسلم (٤/ ١٨٧٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٥ - باب فضل سعد أبي وقاص ﵁.
(٣) الأنعام: ٥٢.
(٤) مسلم (٤/ ٢٣٧٧) ٥٣ - كتاب فضائل الصحابة- ٥ - باب فضل سعد بن أبي وقاص ﵁.
(٥) أحمد في مسنده (١/ ١٨٦). وهو حسن لشواهده. يُحّوي: يقبض ويحوَي: تجمع واستدار. نزع: نزع في القوس: مدّها.
(٦) البخاري (٧/ ٣٥٨) ٦٤ - كتاب المغازي- ١٨ - باب (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون). ومسلم (٤/ ١٨٠٢) ٤٣ - كتاب الفضائل- ١٠ - باب في قتال جبريل وميكائيل عن النبي ﷺ يوم أحد.
[ ٤ / ١٧٦٣ ]
٦ - سعيد بن زيد ﵁
قال ابن كثير في ترجمته:
وأما سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل القرشي فهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، أسلم قبل عمر هو وزوجه فاطمة، وأخته عاتكة زوجة عمر، وأخت عمر فاطمة زوجة سعيد، أسلم قبل عمرو هو وزوجته فاطمة، وهاجرا، وكان من سادات الصحابة. قال عروة والزهري وموسي بن عقبة ومحمد بن إسحاق والواقدي وغير واحد: لم يشهد بدرًا لأنه قد كان بعثه رسول الله هو وطلحة بن عبيد الله بين يديه يتجسسان أخبار قريش فلم يرجعا حتى فرغ من بدر، فضرب لهما رسول الله بسهمهما وأجرهما، ولم يذكره عمر في أهل الشورى لئلا يحابي بسبب قرابته من عمر فيولي فتركه لذلك، وإلا فهو ممن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة في جملة العشرة، كما صحت بذلك الأحاديث المتعددة الصحيحة.
مات بالكوفة، وقيل بالمدينة وهو الأصح، قال الفلاس وغيره: سنة إحدى وخمسين وقيل سنة سنتين وخمسين والله وأعلم. وكان رجلًا طوالًا أشعر، وقد غسله سعد، وحمل من العقيق على رقاب الرجال إلى المدينة، وكان عمره يومئذ بضعًا وسبعين سنة أ. هـ.
قال شّبَاب العُصْفري وهو خليفة بن خيّاط المؤرخ:
سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح ابن عدي بن كعب، وأمه فاطمة بنت بعجة بن أمية بن خويلد من خزاعة.
وقال ابن حجر في ترجمته:
أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم وهاجر وشهد أحدًا والمشاهد كلها وقد شهد سعيد بن زيد اليرموك وفتح دمشق، وقال سعيد بن حبيب: كان مقام أبي بكر وعمر وعثمان وعلى وسعد وسعيد وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف مع النبي ﷺ واحدًا كانوا أمامه في القتال وخلفه في الصلاة.
[ ٤ / ١٧٦٤ ]
وقال الذهبي في السير:
شهد المشاهد مع رسول الله ﷺ وشهد حصار دمشق وفتحها فولاة عليها أبو عبيدة بن الجراح فهو أول من عمل نيابة دمشق من هذه الأمة، كان والده زيد بن عمرو بن نفيل ممن فر إلى الله من عبادة الأصنام، رأي النبي ﷺ ولم يعش حتى بعث وهو ابن عم الأمام عمر بن الخطاب وامرأته هي ابنة عمه فاطمة أخت عمر بن الخطاب وكان لإسلامه وإسلام زوجته دخل في إسلام عمر رضي الله عن الجميع.
قال الذهبي: "لم يكن سعيد متأخرأ عن رتبة أهل الشورى في السابقة والجلالة وإنما تركه عمر ﵁ لئلا يبقي له في شائبة حظ لأنه ختنه وابن عمه فأخرج منها ولده وعصبته فكذلك فليكن العمل لله. ا. هـ.
وقد تقدّمت عدّة أحاديث أنه من أهل الجنة، ثم هو من الشهداء فقد مات مبطونًا، فَمَعِدته لم تعد تهضم طعامًا وكان يكْني أبا الأعور.
١٨١٤ - * روى البخاري عن قيس بن حازم سمعت سعيد بن زيد في مسجد الكوفة يقول: والله لقد رأيتّني وإن عمَر لموثقي على الإسلام أنا وأخْتَه قبل أن يسلَم عُمر، ولو أن أحدًا انقضً للذي صنعتم بعثمان، لكَان محقوقًا أن ينقص.
١٨١٥ - * روى أحمد ومسلم عن أبي بكر بن حزم قال: جاءت أروى بنت أوَيْس إلى محمد بن عمرو بن حزم فقالت: إن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قد بني ضَفِيرة في حقي، فائته، فكلمه، فوالله لئن لم يفعل، لأصيحنّ به في مسجد رسول الله ﷺ، فقال لها: لا تُؤذي صاحب رسول الله! ما كان ليظلمك، ما كان ليأخذ لك حقًا. فخرجت، فجاءت عُمارة بن عمرو وعبدَ الله بن سلمة، فقالت لهما: ائتيا سعيد بن زيد، فإنه قد
_________________
(١) البخاري (٧/ ١٧٦) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار ٣٤ - باب إسلام سعيد بن زيد ﵁. انقض: انقصم ظهره وانهد جسمه.
(٢) مسند أحمد (١/ ١٨٨). مسلم (٣/ ١٢٣٠) ٢٢ - كتاب المساقاة ٣٠ - باب تحريم الظلم وغضب الأرض وغيرها. المعجم الكبير (١/ ١٥٠/١٤٩).
[ ٤ / ١٧٦٥ ]
ظلمني، وبني ضفيرة في حقي، فو الله لئن لم ينزع، لأصيحنَّ به في مسجد رسول الله ﷺ، فخرجا حتى أتياه في أرضه بالعقيق، فقال لهما: ما أتي بكما؟ قالا: جاء بنا أروي، زعمتْ أنك بنيتُ ضفيرة في حقها، وحلفتْ بالله لئن لم تنزع لتصيحنَّ بكَ في مسجد رسول الله ﷺ، فأحببنا أن نأتيك، ونذكرك بذلك. فقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ، يقول "من أخذ شبرًا من الأرض بغير حق، طوقه يوم القيامة من سبع أرضين "لتأتين، فلتأخذ ما كان لها من حق، اللهم إن كانت كذبت علي، فلا تمتها حتى تُعمي بصرها، وتجعل منيَّها فيها. ارجعوا فأخبروها بذلك، فجاءت، فهدمت الضفيرة، وبنت بيتًا، فلم تمكث إلا قليلًا حتى عميت، وكانت تقوم الليل، ومعها جارية تقودها، فقامت ليلة، ولم توقظ الجارية، فسقطت في البئر، فماتت.
١٨١٦ - * روى الحاكم عن ابن عمر أنه استُصْرخَ في جنازة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وهو خارج من المدينة يوم الجمعة فخرج إليه ولم يشهد الجمعة.
١٨١٧ - * روى أحمد وأبو داود عن رباح بن الحارث، أَنُّ المغيرة كان في المسجد الأكبر، وعنده أهل الكوفة فجاء رجل من أهل الكوفة فاستقبل المغيرةُ، فسبَّ وسبَّ، فقال سعيدُ بن زيد: من يسبُّ هذا يا مغيرة؟ قال: يسبُّ علىَّ بنَ أَبي طالب، قال: يا مغير بن شُعَيب، يا مغير بن شُعيب! أَلا تسمعُ أصحاب رسول الله ﷺ، يُسبُّون عندك، ولا تُنكِر ولا تُغَيِّر؟ فأنا أَشهد على رسول الله ﷺ، بما سمعت أذناي، ووعاه قلبي من رسول الله ﷺ، فإني لم أَكن أَروي عنه كذباَ، إنه قال: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلىُّ في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة"، وتاسع المؤمنين في الجنة، ولو شئتُ أَن أُسمّيَهُ، فضجَّ أَهل المسجد يُناشدونه: يا صاحبَ رسول الله! من التاسِعُ؟
_________________
(١) المستدرك (٣/ ٣٨). وسكت عنه الذهبي.
(٢) أحمد في مسنده (١/ ١٨٧). وإسناده صحيح. وأبو داود (٤/ ٢١٣) كتاب السنة، باب في الخلفاء.
[ ٤ / ١٧٦٦ ]
قال: ناشدتموني بالله والله عظيمُ، أَنا هو، والعاشر رسول الله ﷺ، والله لمشهدُ شهده رجلُ مع رسول الله ﷺ، أَفضلُ من عمل أَحدكم، ولو عُمِّر ما عُمِّر نوح.
***
[ ٤ / ١٧٦٧ ]
٧ - زيد بن حارثة حِبُّ رسول الله ﷺ ومولاه ﵁
قال ابن كثير في ترجمته:
زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن أمريء القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات ابن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة الكلبي القضاعي مولى رسول الله ﷺ. وذلك أن أمه ذهبت تزور أهلها فأغارت عليهم خيل فأخذوه فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد. وقيل اشتراه رسول الله ﷺ لها فوهبته من رسول الله ﷺ قبل النبوة فوجده أبوه فاختار المقام عند رسول الله ﷺ فأعتقه وتبناه، فكان يقال له زيد بن محمد، وكان رسول الله صّلى عليه وسلم يحبه حبًا شديداَ، وكان أول من أسلم من الموالي، ونزل فيه آيات من القرآن منها قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ (١) وقوله تعالى ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٣) وقوله ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (٤) الآية أجمعوا أن هذه الآيات أنزلت فيه، ومعني أنعم الله عليه أي بالإسلام، وأنعمت عليه أي بالعتق، وقد تكلمنا عليها في التفسير. والمقصود أن الله تعالى لم يسم أحداُ من الصحابة في القرآن غيره، وهداه إلى الإسلام وأعتقه رسول الله ﷺ وزوجه مولاته أم أيمن واسمها بركة فولدت له أسامة بن زيد، فكان يقال له الحِب بن الحِب، ثم زوجه بابنة عمته زينب بنت جحش وآخي بينه وبين عمه حمزة بن عبد المطلب وقدمه في الإمرة على ابن عمه جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة كما ذكرناه. أ. هـ
_________________
(١) الأحزاب: ٤.
(٢) الأحزاب: ٥.
(٣) الأحزاب: ٤٠.
(٤) الأحزاب: ٣٧.
[ ٤ / ١٧٦٨ ]
وقال الحافظ ابن حجر: شهد زيد بن حارثة بدرًا وما بعدها وقتل في غزوة مؤتة وهو أمير واستخلفه النبي ﷺ في بعض أسفاره على المدينة أ. هـ.
قال الذهبي: وكانت مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان وهو ابن خمس وخمسين سنة اهـ.
١٨١٨ - * روى الترمذي والحاكم عن جَبَلة بن حارثة، قدمت على النبي ﷺ، فقلت يا رسول الله ابعث معي أخي زيدًا، قال: هو ذاك انطلق إليه، فإن ذهب معك لم أمنعه، فجاء زيد فقال يا رسول الله: أو أختار عليك أحدًا؟ قال جبلة: فأقمت أنا مع أخي، ورأيت رأي أخي أفضل من رأيي.
١٨١٩ - * روى البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عمر، بعث النبي ﷺ بعثًا وأمر عليهم أسامة بن زيد فطعن بعض الناس في إمارته، فقال ﷺ: "إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وكان لمن أحب الناس إلَّي، وإن هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده".
قال الحافظ: أخرج ابن أبي شيبة بإسناد قوي عن عائشة:
ما بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في سرية إلا أمره عليهم ولو بقي لاستخلفه. أ. هـ.
أقول: هذا يشير إلى أن مذهب عائشة ﵂ أنه يجوز استخلاف غير القرشي.
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٦٧٦) ٥٠ - كتاب المناقب- باب مناقب زيد بن حارثة ﵁. وقال: هذا حديث حسن غريب. والمستدرك (٣/ ٢١٤). وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
(٢) البخاري (٧/ ٤٩٨) ٦٤ - كتاب المغازي- ٤٢ - باب غزوة زيد بن حارثة. ومسلم (٤/ ١٨٨٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ١٠ - باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد ﵄. والترمذي (٥/ ٦٧٧، ٦٧٦) ٥٠ - كتاب المناقب- ٤٠ - باب مناقب زيد بن حارثة ﵁. وقال: هذا حديث حسن صحيح. خليق: فلان خليق بهذا الأمر: إذا كان أهلًا له، وأَنِّ ذلك مِنُ خُلُقِه وهو به حقيق.
[ ٤ / ١٧٦٩ ]
١٨٢٠ - * روى أحمد وابن سعد عن أسامة قال: رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: "يا زيد أنت مولايَ وإليّ".
١٨٢١ - * روى البخاري عن سلمةَ بن الأكُوَع اللهُ عنه قال: غزوتُ مع النبيِّ ﷺ تِسعَ غزوات، وغزوتُ مع ابن حارثْةَ استعملَهُ علينا.
١٨٢٢ - * روى ابن سعد عن عمرو بن شرحبيل الهمداني التابعي قال: لما بلغ رسول الله ﷺ قتل زيد وجعفر وابن رواحه قام ﷺ فذكر شأنهم فبدأ بزيد فقال: "اُلُلهم اغفر لزيد اللهم اغفر لزيد ثلاثًا".
وعن بريدة أن رسول الله ﷺ قال: "دخلت الجنة فاستقبلني جارية شابة فقلت: لمن أنت؟ قالت: أنا لزيد بن حارثة" (١).
١٨٣٢ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: إن رسولَ الله ﷺ دخل عليَّ مسرورًا، تَبُرقُ أسارير وجهه، فقال: "ألم ترى أن مجززًا المدلجي؟ نظر آنفًا إلى زيدِ بن حارثة، وأُسامة بن زيد، فقال: إِن هذه الأقدام بعضها من بعض".
_________________
(١) مسند أحمد (٥/ ٢٠٤) مطولًا والطبقات الكبرى (٣/ ٤٤). وقال الحافظ: إسناده حسن.
(٢) البخاري (٧/ ٥١٧) ٦٤ - كتاب المغازي- ٤٥ - باب بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة.
(٣) الطبقات الكبرى (٣/ ٤٦). وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (١/ ٢٢٩). وقال محققه: رواته ثقات إلا أنه مرسل.
(٤) ذكره السيوطي في الجامع الصغير وقال: أخرجه الروياني والضياء عن بريدة ورمز إلى حسنه صاحب فيض القدير (٣/ ٥٢١).
(٥) البخاري (١٢/ ٥٦) ٨٥ - كتاب الفرائض- ٣١ - باب القائف. ومسلم (٢/ ١٠٨١، ١٠٨٢) ١٧ - كتاب الرضاع- ١١ - باب العمل بإلحاق القائف الولد. تبُرق أسارير وجهه: الأسارير: التّكاسير التي تكون في لجبين، وبريقُها: ما يَعرض لها من البشاشة عند الفرح والاستبشار بالشيء السَّارُّ. القافة: جمع قائف، وهو الذي يعرف الآثار، تقول قُفْتُ أثره، أي: اتَّبعتُه، وهم قوم معَّرفون من العرب يعرفون الناس بالشُبَه، فيُلْحقُون إنسانًا بإنسان، لما يدركون من الشَّبه الذي يَرَونه بينهما مما بخفي على غيرهم، وكلام القافة يستأنس به للإثبات لا للنفي.
[ ٤ / ١٧٧٠ ]
وفي رواية "ألم تسمعي ما قال المدلجيُّ لزيدٍ وأُسامةَ، ورأي أقدامَها: إن بعض هذه الأَقدام لَمِنْ بعض".
وفي أخرى قال: إن عائشة قالت: دخل قائف والنبي ﷺ شاهد، وأسامة بن زيد، وزيد بن حارثة مضطجعان، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسُرَّ بذلك النبي ﷺ، وأعْجَبَهُ، وأخبر به عائشة.
وفي آخري "أَلَمْ تَرَيْ أن مُجزِّزاُ المدلجيَّ دخل عليَّ، فرأي أَسامة وزيدًا، وعليهما قطيفةُ، قد غَطَّيا رؤوسَهما، وبَدَتْ أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض؟ " وفي رواية: وكان مُجزِّزُ قائفًا.
وقال أبو داود: قال أحمد بن صالح: كان أُسامة بنُ زيد أسودَ شديد السواد، مثل القار، وكان زيدُ أبيضَ من القطن (١).
* * *
_________________
(١) أبو داود (٢/ ٢٨٠) كتاب الطلاق، باب في القافة.
[ ٤ / ١٧٧١ ]
٨ - أسامة بن زيد الحِبُّ بن الحِبُّ ﵁
قال ابن حجر في ترجمته:
الحب بن الحب يكني أبا محمد ويقال أبو زيد أم أيمن حاضنة النبي ﵌ .. قال ابن سعد ولد أسامة في الإسلام ومات النبي ﵌ وله عشرون سنة وقال ابن أبي خيثمة ثماني عشرة، وكان أمرَّه على جيش عظيم فمات النبي ﵌ قبل أن يتوجه فأنفذه أبو بكر وكان عمر يجله ويكرمه وفضَّله في العطاء على ولده عبد الله بن عمر واعتزل أسامة الفتن بعد قتل عثمان إلى أن مات في أواخر خلافة معاوية، وكان قد سكن المزه من عمل دمشق ثم رجع فسكن وادي القرى ثم نزل إلى المدينة فمات بها بالجرف، وصحح ابن عبد البر أنه مات سنة أربع وخمسين وقد روى عن أسامة من الصحابة أبو هريرة وابن عباس ومن كبار التابعين أبو عثمان وأبو وائل وآخرون وفضائله كثيرة وأحاديثه شهيرة. أ. هـ.
قال الذهبي:
وكان شديد السواد خفيف الروح شاطرًا شجاعًا رباه ﷺ وأحبه كثيرًا.
وقالت عائشة (تصف ما قالته قريش) في شأن المخزومية التي سرقت: من يجترئ على رسول الله ﷺ يكلمه فيها إلا أسامة حِبُّ رسول الله ﷺ (١).
وقال وكيع: سلم من الفتنة من المعروفين سعد وابن عمر وأسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "أحب الناس إليّ أسامة ما حاشا فاطمة ولا غيرها" (٢) أ. هـ.
_________________
(١) البخاري (١٢/ ٨٧) ٨٦ - كتاب الحدود-١٢ - باب الكراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان.
(٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٨٦). وقال: هو في الصحيح باختصار ورواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح.
[ ٤ / ١٧٧٢ ]
١٨٢٤ - * روى ابن سعد عروة أن النبي ﷺ أَخَّر الإضافةَ مِنّ عرفة من أجل أسامة ينتظِرُه، فجاء غلامّ أسودُ أفطسُ. فقال أهلّ اليمن: إنما جلسنا لهذا! فلذلك ارتدُّوا يعني أيامَ الردُّة.
١٨٢٥ - * روى أحمد وابن ماجه عن عائشة قالت: عثر أسامة بعتبة الباب فشج في وجهه، فقال رسول الله ﷺ: "أميطي عنه الأذى" فتقذرته، فجعل يمص عنه الدم ويمجه عن وجهه ثم قال: "لو كاَن أسامة جاريةَّ لّحليته وكسَوتُه حتى أُنَقّه".
١٨٢٦ - * روى الترمذي عن عائشة: أراد رسول الله ﷺ أن ينحي مخاط أسامة، قالت عائشة: دعني حتى أنا أفعله، قال يا عائشة: "أحبيه فإني أحبه".
١٨٢٧ - * روى الترمذي عن ابن عمر أن عمر فرض لأسامة في ثلاثة الآلف وخمسمائة، وفرض لعبد الله بن عمر في ثلاثة آلاف، فقال ابن عمر: لم فضلت أسامة عليَّ؟ فو الله ما سبقني إلى مشهد قال: لأن زيدًا كان أحب إلى النبي ﷺ من أبيك، وأسامة أحب إليه منك، فآثرت حبه ﷺ على حبي.
١٨٢٨ - * روى البخاري عن ابن عمر وقد نظر وهو في المسجد إلى رجل يسحب ثيابه في ناحية من المسجد، فقال انظروا من هذا؟ فقيل له: هذا محمد بن أسامة، فطأطأ ابن عمر رأسه ثم قال: لو رآه النبي ﷺ لأحبه.
وفي صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ كان يُجلس الحسن على فخذه ويجلس أسامة
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٤/ ٦٣). وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢/ ٥٠٠). وقال محققه: رجاله ثقات.
(٢) أحمد في مسنده (٦/ ٢٢٢، ١٣٩). وابن ماجه (١/ ٦٣٥) ٩ - كتاب النكاح- ٤٩ - باب الشفاعة في التزويج.
(٣) الترمذي (٥/ ٦٧٧) ٥٠ - كتاب المناقب- ٤١ - باب مناقب أسامة بن زيد ﵁. وقال: هذا حديث حسن غريب.
(٤) الترمذي (٥/ ٦٧٦، ٦٧٥) ٥٠ - كتاب المناقُب- ٤٠ - باب مناقب زيد بن حارثة ﵁. وقال: هذا حديث حسن غريب.
(٥) البخاري (٧/ ٨٨) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة-١٨ - باب ذكر أسامة بن زيد.
[ ٤ / ١٧٧٣ ]
على فخده الأخرى ويقول "اللهم إني أرحمهما فارحمهما" (١).
١٨٢٩ - * روى أحمد عن عائشة قالت: لا ينبغي لأحد أن يبغض أسامة بعد ما سمعت رسول الله ﷺ يقول "من كان يحب الله ورسوله فليحب أسامة".
لقي عليُّ أُسامةَ بنَ زيد، فقال: ما كنا نعدُّك إلا من أنفسنا يا أسامةُ، فلم لا تدخلُ معنا؟ قال: يا أبا حسن، إنَّك والله لو أَخذْتَ بمشفر الأسد، لأَخذت بمشفره الآخر معك، حتى نهلك جميعًا، أو نحيا جميعًا، فأما هذا الأمر الذي أنتَ فيه، فو الله لا أدخلُ فيه أبداُ (٢).
١٨٣٠ - * روى البخاري عن حرملة مولي أسامة قال: أرسَلني أسامة إلى علي وقال: إنه سيسألك الآن فيقول: ما خّلَّفَ صاحَبكَ؟ فقل له: يقول لك لو كنتَ في شِدقِ الأسدِ لأحَببتُ أن أكون معكَ فيه، ولكنُّ هذا أمرّ لم أَرَه. فلم يعُطني شيئًا، فذهبت وحسين وابن جعفر فأوقَرُوا لي راحلتي.
١٨٣١ - * روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد، قَالَ: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة. فأدركت رجلًا. فقال: لا إله إلا الله. فطعنته فوقع في نفسي من ذلك. فكرته للنبي ﷺ. فقال رسول الله ﷺ "أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟ " قال قلت: يا رسول الله! إنما قالها خوفًا من السلاح. قال: "أفلا شققت
_________________
(١) البخاري (١٠/ ٤٣٤) ٧٨ - كتاب الأدب- ٢٢ - باب وضع الصبي على الفخذ.
(٢) أحمد في مسنده (٦/ ١٥٧، ١٥٦). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٨٦). وقال: رواه أحمد ورجاله رجال صحيح.
(٣) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢/ ٥٠٤).
(٤) البخاري (١٣/ ٦٢، ٦١) ٩٢ - كتاب الفتن- ٢٠ - باب قول النبي ﷺ للحسن بن علي: "إن ابني هذا لسيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين".
(٥) البخاري (٧/ ٥١٧) ٦٤ - كتاب المغازي- ٤٥ - باب بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة. ومسلم (١/ ٩٦) ١ - كتاب الإيمان_ ٤٥ - باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله. فصبحنا الحرقات: أي أتيناهم صباحًا. والحرقات موضع ببلاد جهينة. والتسمية به كالتسمية بعرفات وأذرعات وفي رائه الضم والفتح، والحاء مضمومة في الوجهين. أفلا شققت عن قلبه: معناه إنما كلفت بالعمل بالظاهر وما ينطق به اللسان. وأما القلب ليس لك طريق إلى =
[ ٤ / ١٧٧٤ ]
عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا". فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ. قال فقال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلمًا حتى يقتله ذو البطين يعني أسامة. قال رجل: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ فقال سعد: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة. وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة.
١٨٣٢ - * روى الطبراني وابن حبان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: رأَيتُ بنَ زيد مُضطَجِعًا عند باب حجرة عائشة رافعًا عقيرته يتغنِّي، ورأيتُه يُصلى عند قبر النبي ﷺ، فمَّر به مروان، فقال: أَتُصلى عند قبر! وقال له قولًا قبيحًا.
فقال: يا مروانُ، إنِّك فاحش مُتَفحِّشّ، وإني سمعت رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إِنَّ اللهَ يُبِغضُ الفاحِشَ المُتَفَحِّشَ".
١٨٣٣ - * روى مسلم عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم، قال: دَخلتُ على فاطمةَ بنتِ قيس، وقد طلّقها زوجُها- الحديث- فلما حَلّتّ، قالَ رسولُ الله ﷺ: "هل ذكرك أحد"؟ قَالتْ: نعم، معاوية وأبو الَجْهم. فقال: "أَمَّا أبو الجهم فَشديدُ الخُلُق، وأَمَّا مُعاويةُ فَصعْلوك، لا مالَ له. ولكن أُنكِحُكِ أسامة"؟ فقلتُ: أسامة! - تهاوناُ بأمر أسامة- ثم قلتُ سمعًا وطاعةْ لله ولرسوله.
_________________
(١) = معرفة ما فيه. فأنكر عليه امتناعه من العمل بما ظهر باللسان. وقال: أفلا شققت عن قلبه لتنظر هل قالها القلب واعتقدها، وكانت فيه أم لم تكن فيه، بل جرت على اللسان فحسبُ.
(٢) المعجم الكبير (١/ ١٦٦). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٦٤) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوساط بأسانيد، وأحد أسانيد الطبراني رجاله ثقات. الإحسان بترتيب ابن حبان (٧/ ٤٨١) - كتاب الحظر والإباحة- باب الاستماع المكروه .. وصححه ابن حبان. وانظر- مسند أحمد (٥/ ٢٠٢).
(٣) مسلم (٢/ ١١١٩) ١٨ - كتاب الطلاق- ٦ - باب المطلق ثلاثًا لا نفقة لها. أبو زيد: هي كنية أسامة.
[ ٤ / ١٧٧٥ ]
فزوجنيه، فكرِّمني الله بأبي زيد، وشرَّفني اللهُ ورفعني به.
١٨٣٤ - (١) روي الطبراني عن الزُهَّري قال: كان أسامة بن زيد يدعى بالأمير حتى مات يقولون بعثه رسول الله ﷺ ثم لم ينزعه حتى مات.
* * *
_________________
(١) المعجم الكبير (١/ ١٥١). أورده الهيثمى في مجمع الزوائد (٩/ ٢٨٦). وقال: رواه الطبراني مرسلا ورجاله رجال الصحيح.
[ ٤ / ١٧٧٦ ]
٩ - عمار بن ياسر ﵁
قال ابن حجر في ترجمته:
عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوديم من بني ثعلبة ابن عوف بن حارثة بن عامر بن يام بن عَنْس بنون ساكنة ابن مالك العنسي أبو اليقظان حليف بني مخزوم وأمه سمية مولاة لهم .. كان من السابقين الأولين هو وأبوه وكانوا ممن يعذب في الله فكان النبي ﵌ يمر عليهم فيقول "صبَّرا آل ياسر موعدكم الجنة" واختلف في هجرته إلى الحبشة وهاجر إلى المدينة وشهد المشاهد كلها ثم شهد اليمامة فقطعت أذنه بها، ثم استعمله عمر على الكوفة وكتب إليهم أنه من النجباء من أصحاب محمد. قال عاصم عن زر عن عبد الله أن أول من أظهر إسلامه سبعة فذكر منهم عمارأ أخرجه ابن ماجه وعن وبره عن همام عن عمار قال رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر.
وتواترت الأحاديث عن النبي ﵌ أن عمارًا تقتله الفئة الباغية وأجمعوا على أنه قتل مع علي بصفين سنة سبع وثمانين في ربيع وله ثلاث وتسعون واتفقوا على أنه نزل فيه ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. أهـ.
وقال ابن كثير: وكان آدم اللون، طويلًا، بعيد ما بين المنكبين، أشهل العينين، رجلًا لا يغيرُه شيبه.
وقال الذهبي: له عدة أحاديث ففي مسند بقي له اثنان وستون حديثًا ومنها في الصحيحين خمسة
وروى منصور عن مجاهد: أول من أظهر إسلامه سبعة فذكرهم، زاد فجاء أبو جهل يشتم سمية وجعل يطعن بحربته في قلبها حتى قتلها فكانت أول شهيدة في الإسلام قال الشعبي: سئل عمار عن مسألة فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا، قال: فدعونا حتى يكون فإذا كان تجشمناه لكم.
[ ٤ / ١٧٧٧ ]
قال عبد الله بن أبي الهذيل: رأيت عمارًا اشتري قتًّا (١) بدرهم وحمله على ظهره وهو أمير الكوفة.
عن الشعبي قال عمر لعمار: أساءك عزلنا إياك: قال. لئن قلت ذاك: لقد ساءني حين استعملتني وساءني حين عذلتني قال أبو عاصم: عاش عمار ثلاثأ وتسعين سنة وكان لا يركب على سرح ويركب راحلته] قتل في صفين [وكانت صفين في صفر وبعض ربيع الأول من سنة سبع وثلاثين قالت عائشة: وقد كان عمار ينكر على عثمان أمورًا لو كف عنها لأحسن، فرضي الله عنهما. ا. هـ.
١٨٣٥ - (٢) روي الترمذي عن علي: جاء عمار بن ياسر يستأذن على النبي ﷺ فقال: "ائذنوا له، مرحبًا بالطيب المطيب".
١٨٣٦ - * روى الترمذي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال لعمار: "أبشر تقتلك الفئة الباغية".
١٨٣٧ - * روى البخاري عن أبي سعيد رفعه: "ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار".
١٨٣٨ - * روى الترمذي عن عائشة رفعته: "ما خُيِّرَ عمارّ بين أمرينِ إلا اختار أرشدهما".
١٨٣٩ - * روي البراز عن بلال بن يحي: لما قتل عمار قيل لحذيفة هذا الرجل
_________________
(١) القت: الفِصِفِعة من علف الدواب.
(٢) الترمذي (٥/ ٦٦٨) ٥٠ - كتاب المناقب- ٣٥ - باب مناقب عمار بن ياسر ﵁. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٣) الترمذي (٥/ ٦٦٩) ٥٠ - كتاب المناقب- ٣٥ - باب مناقب عمار بن ياسر ﵁. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٤) البخاري (١/ ٥٤١) ٨ - كتاب الصلاة- ٦٣ - باب التعاون في بناء المسجد.
(٥) الترمذي (٥/ ٦٦٨) ٥٠ - كتاب المناقب- ٣٥ - باب مناقب عمار بن ياسر ﵁. وقال: هذا حديث حسن غريب.
(٦) البزار: كشف الأستار (٣/ ٢٥٣). وقال الهثيمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٩٥): رواه البزار والطبراني في الأوسط=
[ ٤ / ١٧٧٨ ]
وقد اختلف الناس فما تقول؟ قال سمعت النبي ﷺ يقول: "أبو اليقظان على الفِطرة لا يدَعُها حتى يموت أو يَمَسه الَهَرم".
١٨٤٠ - * روى أحمد عن عثمان: أقبلت مع النبي ﷺ نتمشى في البَطحاء حتى أتى على عمار وأبيه وأمه يعذبون، فقال أبو عمار يا رسول الله: الدَّهر هكذا؟ فقال ﷺ "اصبر، اللهم اغفر لآل ياسر وقد فَعَلْتَ".
١٨٤١ - * روى الطبراني عن خالد بن الوليد رفعه: "من يحقِر عمارأ يحقِره الله، ومن يسبه يسُبه الله، ومن ينتقِصه ينتقِصه الله".
وفي رواية: "ومن يُعَادِ عمارأ يُعادِه الله".
١٨٤٢ - * روى الطبراني عن عمرو بن العاص وقد أتاه رجلان يختصمان في دم عمار وسلبه، فقال عمرو: خّلِّيَا عنه، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: "قاتِلّ عمار وسالِبُه في النار".
١٨٤٣ - * روى أحمد والطبراني عن عبد الله بن الحارث أن عمرو بن العاص قال لمعاوية يا أمير المؤمنين: أما سمع رسول الله ﷺ يقول حين كان يبني المسجد لعمار: "إنكَ لَحرِيصّ على الجهاد، وإنك لَمِن أهل الجنة، ولَتَقْتُلنك الفئة الباغية؟ " قال: بلي. قال: فلم قتلتُموه؟ قال: واللهِ ما تزالُ تَدْحَضُ في بَوْلك أنحن قتلناه؟ إنما قتلهُ الذي جاء به.
قال محقق السير: وهذه مغالطة من معاوية، غفر الله له، وقد رد عليه علي، رضي
_________________
(١) = باختصار ورجالهما ثقات.
(٢) أحمد في مسنده (١/ ٦٢). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٩٣): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٣) المعجم الكبير (٤/ ١١٣، ١١٢) مطولًا. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٩٤): رواه الطبراني مطولا ومختصرا بأسانيد منها ما وافق أحمد ورجاله ثقات، ومنها ما هو مرسل. كما أخرج نحوه أحمد في مسنده (٤/ ٩٠).
(٤) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٩٧)، وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٥) أحمد في مسنده (٤/ ١٩٩). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٩٧): رواه الطبراني ورجاله ثقات.
[ ٤ / ١٧٧٩ ]
الله عنه بأن محمدًا ﷺ، إذًا قتل حمزة حين أخرجه.
قال ابن دحيه: هذا من على إلزام مفحم لاجواب عنه، وحجة لا اعترض عليها، ونقل المناوي في فيض القدير قول عبد القاهر الجرجاني في كتاب "الإمامة": أجمع فقهاء الحجاز، والعراق من فريقي الحديث والرأي منهم مالك، الشافعي، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والجمهور الأعظم من المتكلمين والمسلمين أن عليأ مصيب في قتاله لأهل صفين. كما هو مصيب في أهل الجمل، وأن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له، ولكن لا يكفرون ببغيهم. وقال القرطبي ص: (٦١٣٨): فتقرر عند علماء المسلمين، وثبت بدليل الدين، أن عليأ ﵁ كان إمامًا، وأَن كل من خرج عليه باغ، وأن قتاله- يعني الخارج- واجب حتى يفيء إلى الحق، وينقاد إلى الصلح.
١٨٤٤ - * روى ابن سعد والحاكم عن عبد الله قال: أولُ من أَظهر إسلامه سَبعةّ: رسولُ الله ﷺ، وأبو بكر، وعمار، وأَمه سُميّة، وصهيبّ، وبلال، والمقداد. فأما رسول الله ﷺ، فمنعه الله بعمه، وأما أبو بكر، فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم، فألبسهم المشركون أذراع الحديد، وصفِّدوهم في الشمس، وما فيهم أَحد إلا وقد وَاتّاهم على ما أرادوا إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسُه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدانَ يطوفون به في شِعاب مكةَ وهو يقولُ: أَحد أَحد.
١٨٤٥ - * روى ابن سعد والحاكم عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: أَخذ المشركون عمارًا، فلم يتركوه حتى نال من رسول الله ﷺ وذكر آلهتهم بخير، فلما أَتي النبي ﷺ، قال: "ما وراءك؟ " قال: شّر يا رسول الله. والله ماتُركْتُ حتى نلتُ منك، وذكرتُ آلهتهم بخير، قال: "فكيف تَجدُ قلبك؟ " قال: مطمئن بالإيمان. قال: "فإن عادُوا فعُد".
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٣/ ٢٤٧). والمستدرك (٣/ ٢٨٤)، وصححه ووافقه الذهبي، وأورده الذهبي في السير (١/ ٣٤٧) وقال محقق السير: سنده حسن.
(٢) الطبقات الكبرى (٣/ ٢٤٩) والمستدرك (٢/ ٣٥٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
[ ٤ / ١٧٨٠ ]
١٨٤٦ - * روى أحمد والترمذي والحاكم عن حذيفة، مرفوعًا: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر اهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد".
١٨٤٧ - * روى مسلم وأحمد وابن سعد، عن أبي سعيد قال: أمرنا رسول الله ﷺ ببناء المسجد، فجعلنا ننقل لبنَةَّ لَبِنَةّ، وعمارّ ينقل لبنتين لبنتين، فَتَرِبَ رأسُه، فحدثني أصحابي ولم أسمعه من رسول الله أنه جعل يّنفْضُ رأسه ويقول "ويحك يا ابن سمية! تقتلك الفئة الباغية".
قال الحافظ في "الفتح": روى حديث عمار (تقتل عمار الفئة الباغية) جماعة من الصحابة. منهم قتادة بن النعمان كما تقدم، وأم سلمه عند مسلم، وأبو هريرة عند الترمذي، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند النسائي، وعثمان بن عفان، وحذيفة وأبو أيوب، وأبو رافع، وخزيمة بن ثابت، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وأبو اليسر، وعمار نفسه. وكلها عند الطبراني وغيره. وغالب طرقها صحيحة أو حسنة. وفيه عن جماعة آخرين يطول ذكرهم أ. هـ.
١٨٤٨ - * روى ابن سعد وعبد الرزاق عن طارِق بن شهاب: إن أهلَ البصرة غزوا نهاوند، فأمدهم أهل الكوفة وعليهم عمار، فظفِروا، أهلّ البصرة أن لا يقسموا لأهل الكوفة شيئًا. فقال رجل تميميّ: أيها الأجدعّ! تُريد أن تشاركنا في غنائمنا؟ فقال: خيرَ
_________________
(١) أحمد في مسنده (٥/ ٣٨٥). والترمذي (٥/ ٦٧٣) ٥٠ - كتاب المناقب- ٣٨ - باب مناقب عبد الله بن مسعود. وقال: هذا حديث حسن غريب. والمستدرك (٣/ ٧٥). وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) مسلم (٤/ ٢٢٣٥) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة- ١٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمني أن يكون مكان الميت من البلاء. وأحمد في مسنده (٣/ ٥). الطبقات الكبرى (٣/ ٢٥٢).
(٣) الطبقات الكبرى (٣/ ٢٥٤). والمصنف (٥/ ٣٠٣). وأورده الذهبي في السير (١/ ٤٢٢). وقال محققه: إسناده صحيح.
[ ٤ / ١٧٨١ ]
أذنَّي سببتُ، فإنها أُصيبت مع رسول الله ﷺ. قال: فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب عمر: إن الغنيمةّ لمن شَهدَ الوقعة.
١٨٤٩ - * روى أحمد عن عمار قال: إنَّ أمَّنا- يعني عائشة- قد مضت لسبيلها، وإنها لزوجتُه في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلانا بها ليِعلم إياهُ نُطيع أو إياها.
١٨٥٠ - * روى البخاري عن عمار، قال: إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها.
١٨٥١ - * روى أحمد وابن سعد والحاكم عن أبي البَحتري قال: عِّمار يومّ صفِّين: ائتوني بشربة لبن، قال: فشرب، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: "إن آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن" ثم تقدم فقتل.
١٨٥٢ - * روى البخاري عن عمار أنه قال: ثلاثة مَنْ كُنّ فيه، فقد استكمل الإيمان، أو قال: من كمال الإيمان: الإنفاقُ من الإقتار، والإنصافُ من نفسك، وبذلُ السلام للعالَمِ.
١٨٥٣ - * روى الحاكم عن حارثة بن مضرب قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب ﵁ إني قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرًا وعبد الله بن مسعود مُعلما ووزيرًا، وهما من النُجباء من أصحاب محمد ﷺ من أهل بدر فأسمعوا، وقد جعلت ابن مسعود على بيت ما لكم فأسمعوا فتعلموا منهما واقتدوا بهما وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي.
١٨٥٤ - * روى الترمذي والحاكم عن خيثمة بن أبي سبره الجعفي قال: أتيتّ المدينة
_________________
(١) أحمد في المسند (٤/ ٢٦٥). وأورده الذهبي في السير (١/ ٤٢٤).
(٢) البخاري (٧/ ١٠٦) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة- ٣٠ - باب فضل عائشة.
(٣) أحمد في مسنده (٤/ ٣١٩)، والطبقات الكبرى (٣/ ٢٥٧)، والمستدرك (٣/ ٣٨٩). وصححه ووافقه الذهبي.
(٤) علقه البخاري ووصله غير واحد، منهم الإمام أحمد وعبد الرزاق وابن أبي شيبة.
(٥) المستدرك (٣/ ٣٨٨) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٦) الترمذي (٥/ ٦٧٤) ٥٠ - كتاب المناقب- ٣٨ - باب مناقب عبد الله بن مسعود.
[ ٤ / ١٧٨٢ ]
فسألتُ الله أن يُيسر لي جَليسًا صالحًا فيِّسر لي أبا هريرة فقال لي: ممن أنت؟ فقلت: من أرض الكوفة جئت ألتمس العلم والخير، فقال: أليس فيكم سعد بن مالك مُجاب الدعوة، وعبد الله بن مسعود صاحب ظَهور رسول الله ﵌ نعليه، حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله ﷺ، وعمار بن ياسر الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه ﵌، وسلمان صاحب الكتابين؟ قال قتادة والكتابان الإنجيل والفرقان.
١٨٥٥ - * روى ابن سعد والحاكم عن عبد الله بن سلمه قال: رأيت عمار بن ياسر يوم صفين شيخًا طِوالا الَحربة بيده ويّده ترعد فقال: والذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه مع رسول الله ﵌ ثلاثَ مرات وهذه الرابعة ثم قال: والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سَعَفات هَجَر لعرفتُ أنَا على الحق وهم على الباطل.
١٨٥٦ - * روى الطبراني وعبد الله بن أحمد عن كلثوم بن جبر قال: كنت بواسط القصب عند عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر بن كريز القرشي في منزل عنبسة بن سعيد إذ جاء رجل فقال: إن قاتل عمار بالباب فتأذنون له فيدخل، فكره بعض القوم وقال بعض: أدخلوه، فدخل فإذا رجلّ عليه مقطَّعات له. فقال: لقد أدركت رسول الله ﷺ. وأنا أنفع أهلي فأرد عليهم الغنم، فقال رجل من القوم: أبا العادية كيف كان أمر عمار؟ قال: كنا نعد عمارًا من خيارنا حتى سمعته يومًا في مسجد قباء يقع في عثمان فلو خلصت إليه لوطئته برجلي فما صليت بعد ذلك صلاة إلا قلت: اللهم لقني عمارا، فلما كان يوم صفين استقبلني رجل بسوق الكتيبة فاختلفت أنا وهو ضربتين فبدرته فضربته فكبا لوجهه.
_________________
(١) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. والمستدرك (٣/ ٣٩٢). وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) الطبقات الكبرى (٣/ ٢٥٧). والمستدرك (٣/ ٣٩٢). وصححه الحاكم وسكت عنه الذهبي.
(٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٩٨): رواه كله الطبراني وعبد الله باختصار ورجال أحد إسنادي الطبراني رجال الصحيح. وذكره الذهبي في السير (١/ ٤٢٥). وقال محققه: رجاله ثقات. مقطعّات: برود عليها وشّي مقطّعّ.=
[ ٤ / ١٧٨٣ ]
ثم قتلته. وفي رواية قال عبد الأعلى أدخلوه، فأُدخل عليه مقطعات له، فإذا رجل طوال ضَرْب من الرجال كأنه ليس من هذه الأمة- قلت فذكر نحوه حتى قال: فلما كان يوم صفين أقبل يمشي أول الكتيبة راجلًا حتى كان بين الصفين طعن رجلًا في ركبته بالرمح فصرعه فانكفأ المغفر عنه فأضربه فإذا رأس عمار بن ياسر. قال له يقول له مولى: لنا أي يده كفتاه فلم أر رجلًا أبين ضلالة منه ..
١٨٥٧ - * روى الترمذي عن عمرو بن غالب رحمة الله، أن رجلًا نال من عائشة عند عمار بن ياسر ﵁، فقال: أغرب مقبوحًا منبوحًا، أتوذي حبِّيبة رسول الله ﷺ؟.
١٨٥٨ - * روى البزار والطبراني عن بلال بن يحي قال: لما قُتل عثمانُ ﵁ أُتِيَ حذيفةُ فقِيل له: يا أبا عبِد الله قُتل هذا الرجلُ وقد اختلف الناسَ فما تقول؟ قال: أسندوني- وقد كان مريضًا- فأسندوه إلى ظهرِ رجلٍ فقال: سمعَت رسولَ الله ﷺ يقول "أبو اليقظان على الفِطرة لا يدعها حتى يموت أو يمسه الهرم".
١٨٥٩ - * روى أبو يعلى والبزار والطبراني عن مولاة لعمار بن ياسر قالت: اشتكي عمار ابن ياسر شكوى بعل منها فُغُشيَ عليه فأفاق ونحن نبكي حوله، فقال: ما يبكيكم أتحسبون أني مت على فراشي، أخبرني حبيبي ﷺ أنه تقتلني الفئةُ الباغيةُ وأنَ آخر زادي مذّقَةُ من لبنٍ.
_________________
(١) =الضَّرب: البطل الخفيف اللحم ممشوق القَدِّ.
(٢) الترمذي (٥/ ٧٠٧) ٥٠ - كتاب المناقب- ٦٣ - باب فضل عائشة. وقال هذا حديث حسن. غرب: أُغُرُبّ: بمعني أبعد، كأنه أمره بالغروب والاختفاء. مقبوحًا: المقبوح: الذي يردّ ويطرد، ويقال: قبحُّه الله، أي: أبعده. منبوحا: المنبوح: الذي يضرب له مثل الكلب.
(٣) رواه البزار: كشف الأستار (٣/ ٢٥٢) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٩٥): رواه البزار والطبراني في الأوسط باختصار ورجالهما ثقات.
(٤) البزار: كشف الأستار (٣/ ٢٥٢). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٩٥): رواه أبو يعلى والطبراني بنحوه ورواه البزار باختصار وإسناده حسن. بعل منها: ضعف منها. مذقة: شربة
[ ٤ / ١٧٨٤ ]
١٨٦٠ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: جاء عمارّ بنَ ياسر، يَستْأذنُ على النبي ﷺ، فقال: "ائذنوا له، مرحبًا بالطيِّب الُطيِّب".
١٨٦١ - * روى الطبراني عن جابر: أن النبي ﷺ مرِّ بعمار بن ياسر وبأهله يعذبون في الله ﷿ فقال "أبشروا آل ياسر موعدكم الجنة".
١٨٦٢ - * روى أحمد والترمذي والحاكم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "ما خُيِّرَ عَمَّار بين أمرين إلا اختار أسدهما".
١٨٦٣ - * روى النسائي والحاكم والبزار عن عمرو بن شرحبيل ﵀ عن رجل من أصحاب رسولِ الله ﷺ قال: قال رسولُ الله ﷺ: "ملئ عمار إيمانًا إلى مشاشة".
١٨٦٤ - * روى أحمد عن حنظله بن خويلد العنبري قال: بينا أنا عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار يقول كل واحد منهما أنا قتلته، فقال عبد الله بن عَمْرو: ليطب به أحدكما نفسًا لصاحبه فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تقتله الفئة الباغية" فقال معاوية: فما بالك معنا؟ قال: إن أبي شكاني إلي رسول الله ﷺ قال: "أطع أباك ما دام حيًا ولا تعصه". فأنا معكم ولست أقاتل.
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٦٦٨) ٥٠ - كتاب المناقب-٣٥ - باب مناقب عمار بن ياسر. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٩٣): رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال صحيح غير إبراهيم بن عبد العزيز المقوم وهو ثقة.
(٣) أحمد في مسنده (٦/ ١١٣). والترمذي (٥/ ٦٦٨) ٥٠ - كتاب المناقب-٣٥ - باب مناقب عمار بن ياسر. وقال: حديث حسن غريب. والمستدرك (٣/ ٣٨٨).
(٤) النسائي (٨/ ١١١) كتاب الإيمان وشرائعه، باب تفاضل أهل الإيمان. والمستدرك (٣/ ٣٩٢). وصححه ووافقه الذهبي. والبزار: كشف الأستار (٣/ ٢٥٢). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٩٥): رجاله رجال الصحيح، وقال الحافظ في الفتح: إسناده صحيح. مشاشه: المشاش: جمع مشاشة: وهي رؤوس العظام اللينة التي يمكن مضغها.
(٥) أحمد في مسنده (٢/ ١٦٤).
[ ٤ / ١٧٨٥ ]
١٠ - عبد الله بن مسعود ﵁
قال ابن حجر:
عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي أبو عبد الرحمن حليف بني زهرة، احد السَابقين الأوّلين أسلم قديمًا وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد بعدها ولازم النّبيّ ﷺ وكان صاحب نعليه، من أخباره بعد رسول الله ﷺ أنّه شهد فتوح الشّام وسيّره عمر إلى الكوفة ليعلمهم أمور دينهم.
وقال ابن كثير:
وقد شهد ابن مسعود بعد النّبيّ ﷺ مواقف كثيرة منها اليرموك وغيرها وكان قدم العراق حاجَّا، فمر بالرِّبَذّة- موضع قرب المدينة نحو الشرق فشهد وفاة أبي ذر ودفنه، ثم قدم إلى المدينة فمرض بها فجاءه عثمان بن عفان عائدًا، ودفن بالبقيع عن بضع وستين سنة.
وقال الذهبي في ترجمته:
الإمام الَحّبر فقيه الأمّة، كان من السّابقين الأوّلين ومن النّجباء العالمين ومناقبه غزيرة روى علمًا كثيرًا، وروى عنه القراءة أبو عبد الرحمن السلمي وعُبَيْد بن نَضْلَة وطائفة، اتفقا له في الصحيحين على أربعة وستين وانفرد له البخاري بإخراج أحد وعشرين حديثًا ومسلم بإخراج خمسة وثلاثين حديثًا وله عند بَقي بالمكرر ثماني مِأئة وأربعون حديثًا، كان معدودًا في أذكياء العلماء، وروى الأعمش عن إبراهيم قال: كان عبد الله لطيفًا فطنًا وعن عبيد الله بن عبد الله قال: مات ابن مسعود بالمدينة ودفن بالبقيع سنة اثنتين وثلاثين وكان نحيفًا قصيرًا الأدمة. أ. هـ.
أقول: اجتمع له ﵁ السبق والجهاد ومخالطة رسول الله ﷺ وخدمته والعبادة الكثير والعلم الواسع والتعليم العريض، ويكفي أنه إمام أهل الكوفة في الفقه، وعن مدرسته انبثقت مدرسة الحنفية أوسع المدارس الفقهية وأكثرها انتشارًا وأبعدها تأثيرًا في تاريخ القضاء والفتيا، وكان له اجتهاد يخالف اجتهاد عثمان في إبقاء القراءات المأثور على غير حرف قريش الذي كتب به مصحف عثمان ولذلك لم يحرق مصحفه.
[ ٤ / ١٧٨٦ ]
١٨٦٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسي قال: قدمت أنا وأخي من اليمن، فمكثنا حينًا ولا ندري إلا أن ابن مسعود وأمه من أهل بيت النبي ﷺ من كثرة دخولهم عليه ولزومهم به.
١٨٦٦ - * روى ابن ماجة عن ابن مسعود قال: إن أبا بكر وعمر بشراه أن النبي ﷺ قال: "من أحب أن يقرأ القرآن غضأ كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد".
١٨٦٧ - * روى البزار والطبراني والحاكم عن ابن مسعود قال: لقد رأيتني وإني لسادس ستة ما على الأرض مسلمًا غيرنا.
١٨٦٨ - * روى أحمد بن ابن مسعود قال: كنت أرعي غنمًا لعُقبةَ بن أبي مُعَيّط، فمُّر بي رسول الله ﷺ وأبو بكر، فقال: "يا غلام! هل من لبن؟ " قلت: نعم، ولكني مؤتمن، قال: "فهل من شَاة لم ينُز عليها الفحل؟ " فأتيتُه بشاة، فمسح ضِرُعَها، فنزل لبنّ، فحلب في إناء، فشرب، وسقي أبا بكر، ثم قال للضرع: "اقلُصْ" فقلص. زاد أحمد قال: ثم أتيته بعد هذا، ثم اتفقا- فقلت: يا رسول الله! عَلّمني من هذا القول، فمسح رأسي، وقال: "يرحمك الله إنك غُلَيَّمّ معلَّم".
وفي رواية لأحمد (١) زاد: فأتيتُه بصخرة منقعرة، فحلب فيها، قال: فأسلمتُ وأتيتُه.
١٨٦٩ - * روى البخاري عن شقيق بن سلمه، قال: خطبنا عبد الله بن مسعود،
_________________
(١) البخاري (٧/ ١٠٢) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة- ٢٧ - باب مناقب عبد الله بن مسعود. ومسلم (٤/ ١٩١١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٢٢ - باب من فضائل عبد الله بن مسعود.
(٢) ابن ماجة (١/ ٤٩) المقدمة- ١١ - باب في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ، فضل عبد الله بن مسعود. ورجاله رجال الصحيح غير عاصم بن بهدلة، صدوق له أوهام.
(٣) البزار: كشف الأستار (٣/ ٢٤٨). والمعجم الكبير (٩/ ٥٨). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٨٧): رواه الطبراني والبزار ورجالهما رجال الصحيح. والمستدرك (٣/ ٣١٣) وصححه ووافقه الذهبي.
(٤) أحمد في مسنده (١/ ٣٧٩). وذكره الذهبي في السير (١/ ٤٦٥). وقال محققه: حديث حسن.
(٥) أحمد في مسنده (١/ ٤٦٢).
(٦) البخاري (٩/ ٤٦) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن-٨ - باب القراء من أصحاب النبي ﷺ.
[ ٤ / ١٧٨٧ ]
فقال: والله لقد أخذت من في رسول الله، ﷺ، بضعًا وسبعين سورة. والله لقد علم أصحاب النبي ﷺ، أني من أعلمهم لكتاب الله، وما أنا بخيرهم. قال شقيق: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون. فما سمعت رادًا يقول غير ذلك.
وذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة عن عروة بن الزبير عن أبيه قال: أول من جهرَ بالقرآن بمكة بعد رسول الله ﷺ عبدُ الله بنُ مسعود.
١٨٧٠ - * روى الحاكم عن أنس: أن النبيَّ ﷺ آخى بين الزبير وابن مسعود.
١٨٧١ - * روى مسلم عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "يا عبد الله، إذنك علي أن ترفع الحجاب، وتسمعَ سِوادي حتى أنهاك".
١٨٧٢ - * روى مسلم، عن أبي الأحوض قال: أتيت أبا موسي وعنده عبد الله وأبو مسعود الأنصاري وهم ينظرون إلى مصحف، فحدثنا ساعة، ثم خرج عبد الله، وذهب، فقال أبو مسعود: والله مَا أعَلَمُ النبيَّ ﷺ، ترك أحدًا أعلَم بكتاب الله من هذا القائم.
١٨٧٣ - * روى الحاكم أحمد والترمذي والحاكم عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: "اقتدوا باللَّذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدْي عمار، وتمسَّكوا بعهد ابن أم عبد".
١٨٧٤ - * روى الحاكم عن جعفر بن عمرو بن حريث: عن أبيه قال: قال رسولُ الله ﷺ: "قد رضيتّ لكم ما رضي لكم ابن أُم عبد".
_________________
(١) المستدرك (٣/ ٢١٤). وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) مسلم (٤/ ١٧٠٨) ٣٩ - كتاب السلام- ٦ - باب جواز جعل الإذن رفع حجاب أو نحوه من العلامات. السوّاد: الِّسرار والمحادثة.
(٣) مسلم (٤/ ١٩١٢) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- باب من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه.
(٤) أحمد في مسنده (٥/ ٣٨٥). والترمذي (٥/ ٦٧٢) ٥٠ - كتاب المناقب- ٣٨ - باب مناقب عبد الله بن مسعود. قال: وهذا حديث حسن غريب. والمستدرك (٢/ ٧٥). وصححه ووافقه الذهبي.
(٥) المستدرك (٣/ ٣١٩). وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٤ / ١٧٨٨ ]
١٨٧٥ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله قال: قال لي النبيُّ ﷺ: "اقرأ عليَّ"
قلت: يا رسول الله أقرأُ عليكَ أُنزل؟ قال: "إني أشتهي أن أسمعه من غيري".
فقرأتُ النساء حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (١) قال لي: كف أو أمسك. فرأيت عينيه تذرفان.
١٨٧٦ - * روى ابن سعد والحاكم عن حارثة بن مضرب قال: كتب عمرُ بن الخطاب إلى أهل الكوفة: إنني قد بعثت إليكم عمارأ أميرًا، وابنَ مسعود معلمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب محمد، ﷺ، من أهل بدر، فاسمعوا لهما واقتدُوا بهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي.
وذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢) عن زيد بن وهب قال: لما بعث عثمان إلى ابن مسعود يأمره بالمجيء إلى المدينة، اجتمع إليه الناسُ، فقالوا، أقم فلا تخرج، ونحن نمنعك أنْ يضلَ إليك شيء تكرهه. فقال: إنَّ له علي طاعة، وإنها ستكون أمور وفتنُ لا أحب أن أكون أولَ من فتحها. فردَّ الناس وخرج إليه.
وذكر الذهبي في السير (٣) عن أبي وائل أن ابن مسعود رأي رجلًا قد أسبل، فقال: ارفع إزارك، فقال: وأنت يا ابن مسعود فارفع إزارك، قال: إنَّ بساقِّي حموشة وأنا أؤم الناس فبلغ ذلك عمر، فجعل يضرب الرجل، ويقول: أتردّ على ابن مسعود؟
وذكر الذهبي أيضًا (٤) عن مسروق قال: شاعت أصحابَ محمد، ﷺ، فوجدتُ علمهم انتهي إلى ستة: عليِّ، وعُمَر، وعبد الله، وزيد، وأبي الدرداء، وأبيّ. ثم شاعتُ الستة،
_________________
(١) البخاري (٩/ ٩٨) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن- ٣٥ - باب البكاء عند قراءة القرآن. ومسلم (١/ ٥٥١) ٦ - صلاة المسافرين وقصرها- ٤٠ - باب فضل استماع القرآن وطلب القراءة من حافظ للاستماع والبكاء عند القراءة والتدبر.
(٢) النساء: ٤٠.
(٣) الطبقات الكبرى (٣/ ٢٢٥). والمستدرك (٢/ ٣٨٨). وصححه ووافقه الذهبي.
(٤) السير (١/ ٤٨٩). وقال محققه: رجاله ثقات وذكره الحافظ في الفتح (٦/ ٢١٧) ونسبه إلى ابن سعد.
(٥) السير (١/ ٤٩٢). وقال محققه: رجاله ثقات وقد ذكره ابن حجر في الإصابة ونسبه إلى البغوي.
(٦) السير (١/ ٤٩٣). وقال محققه رجاله ثقات.
[ ٤ / ١٧٨٩ ]
فوجدتُ علمهم انتهي إلى علي وعبد الله.
١٨٧٧ - * روى البخاري عن علقمة قال: جلستُ إلى أبي الدرداء، فقال: ممن أنتَ؟
قلتُ: من الكوفة. فقال: أو ليسَ عندكم ابنّ أمِّ عبد، صاحب النعلين، والوساد والمِطهرة، وفيكم صاحبُ السرِّ، وفيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيِّه.
وذكر الذهبي في السير (١) عن عبد الله قال: من أراد الآخرة أضرَّ بالدُّنيا، ومن أراد الدنيا، أضرَّ بالآخرة، يا قوم فأضِرُّوا بالفاني للباقي.
١٨٧٨ - * روى ابن سعد عن قيس قال: دخل الزبير على عثمان ﵁ بعد وفاة عبد الله فقال: أعطني عطاءّ عبد الله، فعيالُ عبد الله أحقُّ به من بيت المال. فأعطاه خمسة عشر ألفًا.
١٨٧٩ - * روى الحاكم بن زيد بن وَهّب قال: كنت جالسًا عند عمر إذ جاءه رجل نحيف فجعل ينظر إليه ويتهلل وجهه ثم قال: كُنَيْفّ مّلِيء علمًا. يعني عبد الله بن مسعود.
١٨٨٠ - * روى الحاكم عن عمرو بن ميمون قال: كان عبد الله يأتي عليه السنة لا يحدث عن رسول الله ﵌ فحدث ذات يوم عن رسول الله ﵌ بحديث فعلته كآبه وجعل العرق يتحادر على جبهته ويقول: نحو هذا أو قريبًا من هذا.
١٨٨١ - * روى الحاكم عن علي ﵁ قال: كنت مع النبي ﵌
_________________
(١) البخاري (٧/ ١٠٢) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة- ٢٧ - باب مناقب عبد الله بن مسعود.
(٢) السير (١/ ٤٩٦). وقال محققه: رجاله ثقات.
(٣) الطبقات الكبير (٣/ ١٦٠)، وذكره الذهبي في السير (١/ ٤٩٨). وقال محققه: رجاله ثقات.
(٤) المستدرك (٣/ ٣١٨). وصححه ووافقه الذهبي. الكُنّيّف: تصغير كنْف: وهو الوعاء، والتصغير هنا تصغير تعظيم.
(٥) المستدرك (٣/ ٣١٤). وصححه ووافقه الذهبي.
(٦) المستدرك (٣/ ٣١٧). وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٤ / ١٧٩٠ ]
وسلم ومعه أبو بكر ﵁ وما شاء الله من أصحابه فمررنا بعبد الله بن مسعود وهو يصلى فقال النبي ﵌: "من هذا؟ " فقيل: عبد الله بن مسعود.
فقال: "إن عبد الله يقرأ القرآن غضا كما أنزل". فأثني عبد الله علي ربه وحمده فأحسن في حمده على ربه ثم سأله فأجْمّلّ المسالةَ وسأله كأحسن مسألة سألها عبدُ رَبَّه ثم قال: اللهم إني أسألك إيمانا لا يَرْتَدّ، ونعيمًا لا ينفد، ومرافقة محمد ﵌ في أعلي عليين في جنانك جنان الخلد. قال: وكان رسول الله ﷺ يقول: "سل تعط سل تعط". مرتين. فانطلقت لأبشره فوجدت أبا بكر قد سبقني وكان سباقًا بالخير.
١٨٨٢ - (١) روي البخاري والترمذي عبد الرحمن بن يزيد قال: أتينا على حذيفة فقلنا: حدثنا من أقرب الناس من رسول الله ﷺ هديًا ودلا فنأخذ عنه ونسمع منه؟ قال: كان أقرب الناس هديًا وذلا وسمتًا برسول الله ﷺ ابن مسعود حتى يتوارى منا في بيته، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد أن ابن أم عبد هو أقربهم إلى الله زلفى.
١٨٨٣ - * روى أبو يعلى عن قيس بن مروان قال: جاء رجل إلى عمر وهو بعرفة فقال: يا أمير المؤمنين جئت من الكوفة وتركت بها رجلًا يملي المصاحف عن ظهر قلب، قال: فغضب عمر وانتفخ حتى كاد يملأ ما بين شعبتي الرحل فقال: ويحك من هو؟
فقال: عبد الله بن مسعود. فما زال عمر يطفئ ويسري عنه الغضب حتى عاد إلى حاله التي كان عليها. فقال: ويحك والله ما أعلمه بَقيَ أحد من الناس هو أحق بذلك منه،
_________________
(١) البخاري مختصرًا (٧/ ١٠٣) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة- ٢٧ - باب مناقب عبد الله بن مسعود. والترمذي (٥/ ٦٧٣) ٥٠ - كتاب المناقب- ٣٨ - باب مناقب عبد الله بن مسعود. السّمت: والذل والَهدْيُ: متقاربات، وهي بمعني السيرة والحالة. حتى يتوارى: احتراز من الشهادة على الباطل المستور. لقد علم المحفوظون: يعني: الذين حفظهم الله من تخريف في قول أو فعل.
(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٨٧) رواه أبو يعلى بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح، غير قيس بن مروان وهو ثقة. انتفخ حتى كاد يملأ ما بين شعبتي الرحل: تعبير عربي شائع كناية عن شدة الغضب.
[ ٤ / ١٧٩١ ]
وسأحدثك عن ذلك كان رسول الله ﷺ لا يزال يَسّمُرُ عند أبي بكر الليلة كذلك لأمر من أمر المسلمين وإنه سَمَرَ عنده ذات ليلة وأنا معه ثم خرج رسول الله ﷺ يمشي ونحن نمشي معه فإذا رجل قائم يصلى في المسجد فقام رسول الله ﷺ يستمع قرآنه فلما كدنا نعرف الرجل قال رسول الله ﷺ: "من سره أن يقرأ القرآن رطّبا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد". قال: ثم جلسَ الرجلُ يدعو فجلس رسول الله ﷺ "سلْ تعطَهُ"". قال عمر فقلت: والله لأعودن إليه فلأبشرنه. قال: فعدوت إليه لأبشره فوجدت أبا بكر قد سبقني فبشره، فلا والله ما سابقته إلى خير قط إلا سبقني إليه. وفي رواية: فأتي عمر عبد الله ليبشره فوجد أبا بكر خارجًا فقال: إن فعلت إنك لسباق بالخير.
١٨٨٤ - * روى أحمد والبزار عن مجاهد عن ابن عباس قال: أي القراءتين كانت آخر، قراءة عبد الله أو قراءة زيد؟ قال: قلنا قراءة زيد. قال: ألا إن رسول الله ﷺ كان يعرض القرآن على جبريل ﵇ كل عام مرة، فلما كان العام الذي قبض فيه عرضه عليه مرتين، وكان آخر القراءة قراءة عبد الله.
١٨٨٥ - * روى أحمد وأبو يعلى والطبراني عن علي قال: أمر النبي ﷺ ابن مسعود فصعد شجرة فأمره أن يأتيه منها بشيء فنظر أصحابه إلى ساق عبد الله حين صعد فضحكوا من حموشة ساقية النبي ﷺ: "ما تضحكون؟ لَرِجْل عبد الله أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد".
١٨٨٦ - * روى الطبراني والبزار والحاكم عن عبد الله بن مسعود قال: لقد رأيتني وإني
_________________
(١) أحمد في مسنده (١/ ٣٢٥). والبزار: كشف الأستار (٣/ ٣٥١). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٨٨): رواه والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح.
(٢) أحمد في مسنده (١/ ١١٤)، والمعجم الكبير (٩/ ٩٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٨٨): رواه أحمد وأبو يعلي والطبراني ورجالهم رجال الصحيح. حموشة: دقَّة.
(٣) الزار: كشف الأستار (٣/ ٢٤٨)، والمعجم الكبير (٩/ ٥٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٨٧): رواه البزار والطبراني ورجالهما رجال الصحيح، والمستدرك (٣/ ٣١٣)، وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٤ / ١٧٩٢ ]
لسادس ستة ما على الأرض مسلم غيرنا.
١٨٨٧ - * روى أحمد والطبراني عن الحسن قال: قال رجل لعمرو بن العاص: أرأيت رجلًا مات رسول الله ﷺ وهو يحبه أليس رجلًا صالحًا؟ قال: قلت بلي. قال: قد مات رسول الله ﷺ وهو يحبك وقد استعملك. قال: قد استعملني فوالله ما أدري حبُّا كان لي منه أو استعانة بي ولكن سأحدثك برجلين مات رسول الله ﷺ وهو عنهما راض عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر.
١٨٨٨ - * روى الطبراني عن حارثة بن مُضَرّب قال: كتب عمر إلى أهل الكوفة قد بعثت عمارّا أميًرا وعبد الله بن مسعود وزيًرا وهما من النجباء من أصحاب محمد ﵌ من أهل بدر فاقتدوا بهما واسمعوا من قولهما وقد آثرتكم بعد الله علي نفسي.
١٨٨٩ - * روى الحاكم عن علقمة قال: قدمت الشام فصليت ركعتين ثم قلت: اللهم يسر لي جليسًا صالحًا. فلقيت قومًا فجلست فإذا بواحد جاء حتى جلس إلى جنبي، فقلت: من ذا؟ قال: أبو الدرداء. فقلت: إني دعوت الله أن ييسر لي جليسًا صالحًا فَيُسِّرَ لي. فقال: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: أو ليس عندكم ابن أم عبد صاحب النعلين والوسادة والمطهرة، وفيكم صاحب سر رسول الله ﵌ الذي لا يعلمه غيره.
١٨٩٠ - * روى الحاكم عن علي ﵁ قيل له: أخبرنا عن أصحاب رسول الله ﵌ قال: عن أيهم؟ قال: أخبرنا عن عبد الله بن مسعود قال: عَلِمَ
_________________
(١) أحمد في مسنده (٤/ ٢٠٣). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٩٠): رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح.
(٢) المعجم الكبير (١/ ٨٥). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٩١): رواه الطبراني ورجاله رجاله الصحيح غير حارثة وهو ثقة.
(٣) المستدرك (٣/ ٣١٦). وصححه ووافقه الذهبي.
(٤) المستدرك (٣/ ١٢٨). وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
[ ٤ / ١٧٩٣ ]
الكتابَ والسنةَ ثم انتهي وكفى به. وذكر باقي الحديث.
١٨٩١ - * روى مسلم عن أبي الأحوص عوف بن مالك ﵀ قال: شهدتُ أبا موسي وأبا مسعود الأنصاري ﵄ حين مات ابن مسعود، فقال أحدهما لصحابه: أتّراه ترك بعده مثله؟ فقال: إن قلت ذَلك إن ليؤذَنُ له إذا حُجِبْنا، ويشهدّ إذا غبِنْا.
وفي رواية (١) قال: كنَّا في دار أبي موسي مع نَفَرٍ من أصحاب عبد الله وهم ينظرون في مُصحفٍ، فقام عبد الله، فقال أبو مسعود: ما أعلّم رسولَ الله ﷺ ترك بعده أعلم بما أنزل الله من هذا القائم. فقال أبو موسي: أما لئن قلتّ ذلك لقد كان يؤذَنُ له إذا حُجبِنا، ويشهدُ إذا غِبنْا.
وفي رواية (٢): قال زيد بن وهب الجهني: كنتُ جالسًا مع حذيفة وأبي موسي .. وساق الحديث.
١٨٩٢ - * روى مسلم عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما نَزلَتْ هذه الآية ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ (٣) إلى آخر الآية قال رسولُ الله ﷺ: "قيل لي: أنتّ منهم".
وفي رواية الترمذي (٤) قال عبد الله بن مسعود: لما نَزلَتْ- وقرأ الآية- قال لي رسولُ الله ﷺ: "أنتَ منهم".
* * *
_________________
(١) مسلم (٤/ ١٩١١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة-٣٢ - باب من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه.
(٢) مسلم (٤/ ١٩١٢) الموضع السابق.
(٣) مسلم (٤/ ١٩١٢) الموضع السابق.
(٤) مسلم (٤/ ١٩١٠) الموضع السابق.
(٥) النساء: ٩٣.
(٦) الترمذي (٥/ ٣٥٥) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن- ٦ - باب ومن سورة المائدة.
[ ٤ / ١٧٩٤ ]
١١ - أبو ذر الغفاري ﵁
قال ابن كثير في ترجمته:
أبو ذر الغفاري واسمه جُنْدُبُ بن جُنَادة على المشهور، أسلم قديمًا بمكة فكان رابع أربعة أو خامس خمسة وهو أول من حيا رسول الله ﷺ بتحية الإسلام، ثم رجع إلى بلاده وقومه، فكان هناك حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة فهاجر بعد الخندق ثم لزم رسول الله ﷺ حضرًا وسفرًا، وروى عنه أحاديث كثيرة، وجاء في فضله أحاديث كثيرة، ثم لما مات رسول الله ﷺ ومات أبو بكر خرج إلى الشام فكان فيه حتى وقع بينه وبين معاوية فاستقدمه عثمان إلى المدينة، ثم نزل الرَّبذةَ (١) فأقام بها حتى مات في ذي الحجة من هذه السنة، وليس عنده سوى امرأته وأولاده، فبينما هم كذلك لا يقدرون على دفنه إذ قدم عبد الله بن مسعود من العراق في جماعة من أصحابه، فحضروا موته، وأوصاهم كيف يفعلون به، وقيل قدموا بعد وفاته فولوا غسله ودفنه، وكان قد أمر أهله أن يطبخوا لهم شاة من غنمه ليأكلوه بعد الموت، وقد أرسل عثمان بن عفان إلى أهله فضمهم مع أهله. أ. هـ.
وقال ابن حجر في ترجمته:
الزّاهد المشهور الصّادق اللهجة ويقال: إن إسلامه كان بعد أربعة وانصرف إلى بلاد قومه فأقام بها حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة، ومضت بّدْرّ وأُحد ولم تتهيأ له الهجرة إلا بعد ذلك، وكان طويلًا أسمر اللون نحيفًا، وكان يوازي ابن مسعود في العلم، وكانت وفاته بالربذة سنة إحدى وثلاثين وقيل التي بعدها، وعليه الأكثر.
وقال الذهبي في ترجمته:
وكان يفتي في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وكان رأسًا في الزهد والصدق والعلم والعمل قوالًا بالحق، لا تأخذه في الله لوم لائم، على حدَة فيه، وله مائتا حديث وواحد وثمانون حديثًا، اتفقا منها على اثني عشر حديثًا، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بتسعة عشر
_________________
(١) الربذة: موضع قريب من المدينة نحو الشرق.
[ ٤ / ١٧٩٥ ]
ومما ورد فيه:
١٨٩٣ - * روى مسلم عن عبد الله بن الصامت، قال: قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار. وكانوا يحلون الشهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا، فنزلنا على خال لنا، فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا، فحسدنا قومه فقالوا: إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس. فجاء خالنا فنثا علينا الذي قيل له، فقلت: أما ما مضى من معروفك فقد كدرته، ولا جماع لك فيما بعد. فقربنا صرمتنا، فاحتملنا عليها، وتغطى خالنا ثوبة فجعل يبكي. فانطلقتا حتى نزلنا بحضرة ملكة، فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها، فأتيا الكاهن، فخير أنيسًا، فأتانا بصرمتنا ومثلها معها.
قال: وقد صليت يا ابن أخي! قبل أن ألقى رسول الله ﷺ بثلاث سنين. قلت: لمن؟ قال: لله. فقلت: فأين توجه؟ قال: أتوجه حيث يوجهني ربي، أصلى عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء، حتى تعلوني الشمس.
قال أنيس: إن لي حاجة بمكة فاكفني. فانطلق أنيس حتى أتى مكة، فراث علي، ثم جاء فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلا بمكة على دينك، يزعم أن الله أرسله. فقلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر. وكان أنيس أحد الشعراء.
_________________
(١) مسلم (٤/ ١٩١٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحاب- ٢٨ - باب من فضائل أبي ذر. فنثا: أي أشاعه وأفشاه. صِرمتنا: الصرمة هي القطعة من الإبل. وتطلق أيضًا على القطعة من الغنم. فنافر: قال أبو عبيد وغيره في شرح هذا: المنافرة المفاخرة والمحاكمة. فيفخر كل واحد من الرجلين على الآخر ثم يتحاكمان إلى رجل ليحكم أيهما خير وأعز نفرا. وكانت هذه المفاخرة في الشعر أيهما أشعر. عن صرمتنا وعن مثلها: معناه تراهن هو وآخر أيهما أفضل. وكان الرهن صرمه ذا وصرمة ذاك. فأيهما كان أفضل أخذ الصارمتين. فتحاكما إلى الكاهن. فحكم بأن أنيسا أفضل. وهو معني قوله فخيّر أنيسا. أي جعله الخيار والأفضل. خفاء: هو الكساء. وجمعه أخفية. ككساء وأكسية. فراث: عليَ: أي أبطا.=
[ ٤ / ١٧٩٦ ]
قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون.
قال: قلت: فاكفني حتى أذهب فأنظر: قال: فأتيت مكة، فتضعفت رجلًا منهم، فقلت: أين هذا الذي تدعونه الصابئ؟ فأشار إلى، فقال الصابئ. فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم. حتى خررت مغشيًا علي. قال فارتفعت حين ارتفعت، كأني نصب أحمر. فأتيت زمزم فغسلت عني الدماء، وشربت من مائها، ولقد لبثت، يا ابن أخي ثلاثين، بين ليلة ويوم، ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سخفة جوع.
قال: فبينما أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان، إذ ضرب على أسمختهم، فما يطوف بالبيت أحد، وامرأتين منهم تدعوان إسافا ونائلة. قال فأتتا علي في طوافهما فقلت: أنكحا أحدهما الأخرى. قال فما تناهتا عن قولهما. قال: فأتتا علي. فقلت: هن مثل
_________________
(١) = أقراء الشعر: أي طرقة وأنواعه. فتضعفت: نظرت إلى أضعفهم فسألته. لأن الضعيف مأمون الغائلة دائمًا. الصابئ: منصوب على الإغراء. أي انظروا وخذوا هذا الصابئ. نصب أحمر: يعني من كثرة الدماء التي سالت مني بضربهم. والنصّب النصّب الصنم والحجر كانت الجاهلية تنصبه وتذبح عنده، فيحمر بالدم. وجمعه أنصاب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. عكن بطني: جمع عكنة، وهو الطيَ في البطن من السمن: معني تكسرت أي انثنت وانطوت طاقات لحم بطنه. سُخُفة جوع: بفتح السين وضمها. هي رقة الجوع وضعفه وهزاله. قمراء: مقمرة. إضحيان: مضيئة، منورة. يقال: ليلة إضحان وإضحيانة. وضحياء ويوم أضحيان. أسمختهم: هكذا هو في جميع النسخ. وهو جمع سماخ، وهو الخرق الذي في الأذن يقضي إلى الرأس. يقال صماخ وسماخ. والصاد أفصح وأشهر. والمراد بأسمختهم هنا: آذانهم. أي ناموا، قال الله تعالي: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾. أي أنمناهم. وامرأتين: هكذا هو في معظم النسخ بالياء. وفي بعضها: وامرأتان، بالألف، والأول منصوب بفعل محذوف أي ورأيت امرأتين. فما تناهتا: أي ما انتهتا. هنّ مثل الخشبة: الهن والهنة، بتخفيف نونهما، هو كناية عن كل شيء. وأكثر ما يستعمل كناية عن الفرج والذكر. فقال لها أو مثل الخشبة في الفرج. وأراد بذلك سب أساف ونائلة وغيظ الكفار بذلك.
[ ٤ / ١٧٩٧ ]
الخشبة. غير أني لا أكني. فانطلقتا تولولان وتقولان: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا! قال: فاستقبلهما رسول الله ﷺ وأبو بكر. وهما هابطان، فقال: "ما لكما؟ " قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها. قال: " ما قال لكما؟ " قالتا: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم. وجاء رسول الله ﷺ حتى استلم الحجر. وطاف بالبيت هو وصاحبه، ثم صلى، فلما قضى صلاته (قال أبو ذر): فكنت أنا أول من حياه بتحية الإسلام، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله! فقال: "وعليك ورحمة الله". ثم قال: "من أنت؟ "، قال قلت: من غفار. قال: فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته. فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار، فذهبت آخذ بيده، فقدعني صاحبه، وكان أعلم به مني. ثم رفع رأسه، ثم قال: "متى كنت ههنا؟ " قال قلت: قد كنت ههنا منذ ثلاثين، بين ليلة ويوم، قال: "فمن كان يطعمك؟ " قال قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما أجد على كبدي سخفة جوع. فقال: "إنها مباركة. إنها طعام طعم".
فقال أبو بكر: يا رسول الله، ائذن لي في طعامه الليلة. فانطلق رسول الله ﷺ وأبو بكر، وانطلقت معهما، ففتح أبو بكر بابا، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، وكان ذلك أول طعام أكلته بها. ثم غبرت ما غبرت. ثم أتيت رسول الله ﷺ فقال: إنه قد وجهت لي ارض ذات نخل. لا أراها إلا يثرب. فهل أنت مبلغ عني
_________________
(١) = تولولان: الولولة الدعاء بالويل. أنفارنا: الأنفار جمع نفر أو نفير، وهو الذي ينفر عند الاستغاثة. تملأ الفم: أي عظيمة لا شيء أقبح منها، كالشيء ولا يسع غيره. وقيل معناه لا يمكن ذكرها وحكايتها. كأنها تسدّ فم حاكيها وتملؤها لاستعظامها. فقدعني: أي كفني. يقال: قدعه وأقدعه، إذا كفه ومنعه. طعام طعم: أي تشبع شاربها كما يشبعه الطعام. غبرت ما غبرت: أي بقيت ما بقيت. وجهت لي أرض: أي أريت جهتها. أراها: ضبطوه أراها بضم الهمزة وفتحها. يارب: هذا كان قبل تسمية المدينة طابة وطيبة. وقد جاء بعد ذلك حديث في النهي عن تسميتها يثرب.=
[ ٤ / ١٧٩٨ ]
قومك؟ عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم". فأتيت أنيسا فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني قد أسلمت وصدقت قال: ما بي رغبة عن دينك، فأني قد أسلمت وصدقت .. فأتينا أمنا، فقالت: ما بي رغبة عن دينكما، فأني قد أسلمت وصدقت. فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارا، فأسلم نصفهم، وكان يؤمهم إيماء بن رحضة الغفاري وكان سيدهم.
وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلمنا. فقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأسلم نصفهم الباقي. وجاءت أسلم، فقالوا: يا رسول الله، إخوتنا، نسلم على الذي أسلموا. عليه. فأسلموا فقال رسول الله ﷺ: "غفار غفر الله لها. وأسلم سالمها الله".
١٨٩٤ - * روى مسلم عن ابن عباس قال لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ بمكة قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء، فاسمع من قوله ثم ائتني. فانطلق الآخر حتى قدم مكة وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاما ما هو بالشعر. فقال: ما شفيتني فيما أردت. فتزود وحمل شنة له، فيها ماء، حتى قدم مكة فأتى المسجد فالتمس النبي ﷺ ولا يعرفه. وكره أن يسأل عنه. حتى أدركه- يعني الليل- فاضطجع فرآه علي فعرف أنه غريب. فلما رآه تبعه، فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء. حتى أصبح. ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد. فظل ذلك اليوم، ولا يرى
_________________
(١) = ما بي رغبة عن دينكا: أي لا أكرهه، بل أدخل فيه. فاحتملنا: يعني حملنا أنفسنا ومتاعنا على إبلنا، وسرنا. إياه: الهمزة في أوله مكسورة، على المشهور- وحكى القاضي فتحها أيضًا، وأشار إلى ترجيحه، وليس براجح.
(٢) مسلم (٤/ ١٩٢٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٢٨ - باب فضائل أبي ذر. ما شفيتني فيما: كذا في جميع نسخ مسلم: فيما. بالفاء وفي رواية البخاري: مما، بالميم، وهو أجود. أي ما بلغتني غرضي، وأزلت عني هَم كشف الأمر. شنة: هي القربة البالية. قريبته: على التصغير: وفي بعض النسخ: قربته، بالتكبير، وهي الشنة المذكورة قبله.=
[ ٤ / ١٧٩٩ ]
النبي ﷺ. حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه. فمر به علي. فقال: ما أنى للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه. فذهب به معه. ولا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء. حتى إذا كان يوم الثالث فعل مثل ذلك. فأقامه علي معه، ثم قال له: ألا تحدثني؟ ما الذي أقدمك هذا البلد؟ قال إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لترشدني، فعلت. ففعل. فأخبره. فقال فإنه حق، وهو رسول الله ﷺ. فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك، قمت كأني أريق الماء. فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي. ففعل. فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي ﷺ ودخل معه، فسمع من قوله. وأسلم مكانه. فقال له النبي ﷺ: "ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري". فقال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم. فخرج حتى أتى المسجد. فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. وثار القوم فضربوه حتى أضجعوه. فأتى العباس فأكب عليه. فقال: ويلكم! ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجاركم إلى الشام عليهم. فأنقذه منهم. ثم عاد من الغد بمثلها. وثاروا إليه فضربوه. فأكب عليه العباس فأنقذه.
١٨٩٥ - * روى الطبراني عن أبي ذرٌ قال: لقد رأيتني ربع الإسلام، لم يسلم قبلي إلا النٌبي ﷺ وأبو بكر وبلال.
١٨٩٦ - * روى أحمد والبزار عن إبراهيم بن الأشتر أن أبا ذر حضره الموت بالرٌبذَة، فبكت امرأته فقال: ما يبكيك؟ قالت: أبكي، إنه لا يد لي بنفسك وليس عندي ثوب.
_________________
(١) = ما أني: وفي بعض النسخ: أن. وهما لغتان. أي ما حان. وفي بعض النسخ: أما بزيادة ألف الاستفهام، وهي مراده في الرواية الأولى، ولكن حذفت، وهو جائز. يقفوه: أي يتبعه. لأصرخن بها: أي لأرفعنٌ صوتي بها. بين ظهرانيهم: أي بينهم. وهو بفتح النون. ويقال: بين ظهريهم.
(٢) المعجم الكبير (٢/ ١٤٨) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٢٧): رواه الطبراني بإسنادين وأحدهما متصل الإسناد ورجاله ثقات.
(٣) أحمد في مسنده (٥/ ١٦٦)، و(٥/ ١٥٥). البزار: كشف الأستار (٣/ ٢٦٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٣١): رواه أحمد من طريقين ورجال الأولى رجال الصحيح ورواه الزار بنحوه باختصار.=
[ ٤ / ١٨٠٠ ]
يسعك كفنًا. فقال: لا تبكي، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: «ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض من يشهده عصابة من المؤمنين». فكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية ولم يبق منهم غيري، وقد أصبحت بالفلاة أموت، فراقبي الطريق فإنك سوف ترين ما أقول، فإني ما كذبت ولا كذبت. فبينما هي كذلك إذا بقوم تخب بهم رواحلهم حتى وقفوا عليها، فقالوا: مالك؟ قالت: امرؤ من المسلمين تكفنوه وتؤجروا. قالوا: ومن هو؟ قالت: أبو ذر. ففدوه بآبائهم وأمهاتهم فابتدروه، فقال: أبشروا فأنتم النفر الذي قال فيكم النبي ﷺ ما قال، فأنشدكم بالله لا يكفنني رجل منكم كان عريفا أو أميرًا أو بريدًا. فكل القوم قد نال من ذلك شيئًا إلا فتى من الأنصار، قال: عندي ثوبان في غيبتي من غزل أمي. قال: أنت صاحبي.
أقول: وإنما لم يرد أن يكفنه أحد من هؤلاء لأن الأمير والعريف يحتمل أن يخالط أعمالها شيء من جور، وأما البريد فلأنه قد يحمل رسالة في زور أو جور.
وذكر الذهبي في السير (١) عن زيد بن خالد الجهني قال: كنت عند عثمان، إذ جاء أبو ذر، فلما رأه عثمان قال: مرحبًا وأهلًا بأخي. فقال أبو ذر: مرحبًا وأهلًا بأخي، لقد أغلظت علينا في العزيمة، والله لو عزمت علي أن أحبو لحبوت ما استطعت، إني خرجت مع النبي ﷺ نحو حائط بني فلان، فقال لي: «ويحك بعدي»! فبكيت، فقلت: يا رسول الله، وإني لباق بعدك؟ قال: «نعم، فإذا رأيت البناء على سلع (٢)، فالحق بالمغرب، أرض قضاعة».
قال عثمان: أحببت أن أجعلك مع أصحابك وخفت عليك جهال الناس.
_________________
(١) = عريفا: من كان له أسرة دون إمرة الأمير الأعلى. بريدًا: الذي يحمل البريد. عيبتي: العيبة وعاء من أدم ونحوه يكون فيه المتاع.
(٢) السير (٢/ ٧٠). وقال محققه: رجاله ثقات.
(٣) سلع: جبل من جبال المدينة.
[ ٤ / ١٨٠١ ]
١٨٩٧ - * روى أحمد عن أبي أسماء أنه دخل على أبي ذر بالربذة، وعنده امرأة له سوداء مشعثة، ليس عليها أثر المجاسد والخلوق. فقال: ألا تنظرون ما تأمرني به؟ تأمرني أن آتي العراق، فإذا أتيتها مالوا علي بدنياهم، وإن خليلي عهد إلي: «إن دون جسر جهنم طريقًا ذا دحض ومزلة». وإن أن نأتي عليه وفي أحمالنا اقتدار أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه ونحن مواقير.
١٨٩٨ - * روى ابن سعد عن ابن بريدة قال: لما قدم أبو موسى لقي أبا ذر فجعل أبو موسى يكرمه - وكان أبو موسى قصيرًا خفيف اللحم، وكان أبو ذر رجلًا أسود كث الشعر - فيقول أبو ذر: إليك عني! ويقول أبو موسى: مرحبًا بأخي! فيقول: لست بأخيك! إنما كنت أخاك قبل أن تلي.
١٨٩٩ - * روى مسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم».
قال الذهبي: فهذا محمول على ضعف الرأي [في أمر الدنيا]: فإنه لو ولي مال يتيم، لأنفقه كله في سبيل الخير، ولترك اليتيم فقيرًا، فقد كان لا يستجيز ادخار النقدين. والذي يتأمر على الناس، يريد أن يكون فيه حلم ومداراة، وأبو ذر ﵁ كانت فيه حدة فنصحه النبي ﷺ. أهـ.
١٩٠٠ - * روى ابن سعد عن أبي عثمان النهدي قال: رأيت أبا ذر يميد على راحلته، وهو مستقبل مطلع الشمس، فظننته نائمًا، فدنوت وقلت: أنائم أنت يا أبا ذر؟ قال:
_________________
(١) أحمد في مسنده (٥/ ١٩٥). وأورده الذهبي في السير (٢/ ٧٣). وقال محققه: رجاله ثقات. المجاسد: جمع مجسد وهو المصبوغ المشبع بالجسد. والجسد: الزعفران أو العصفر.
(٢) الطبقات الكبرى (٤/ ٢٣٠) مطولًا، وأورد الذهبي في السير (٣/ ٧٤). وقال محققه: رجاله ثقات.
(٣) مسلم (٣/ ١٤٥٨) ٣٣ - كتاب الإمارة -٤ - بابا كراهة الإمارة بغير ضرورة.
(٤) الطبقات الكبرى (٤/ ٢٣٦). وذكره الذهبي في السير (٢/ ٧٨). وقال محققه: رجاله ثقات.
[ ٤ / ١٨٠٢ ]
لا، بل كنت أصلي.
١٩٠١ - * روى البزار عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أبا ذر رأيت كأني وزنت بأربعين أنت فيهم فوزنتهم».
١٩٠٢ - * روى أبو داود عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: «أبا ذر!» قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله، وأنا فداؤك.
١٩٠٣ - * روى البخاري عن زيد بن وهب ﵀ قال: مررت بالربذة، فإذا بأبي ذر، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١). فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب. فقلت: نزلت فينا وفيهم. فكان بيني وبينه في ذلك كلام، فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إلي عثمان: أن اقدم المدينة. فقدمتها فكثر علي الناس، حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيت، فكنت قريبًا، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل ولو أمروا علي جبشيًا لسمعت وأطعت.
قال الحافظ في «الفتح»: وفي هذا الحديث من الفوائد: أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لاتفاق أبي ذر ومعاوية على أن الآية نزلت في أهل الكتاب، وفيه ملاطفة الأئمة للعلماء، فإن معاوية لم يجسر على الإنكار عليه، حتى كاتب من هو أعلى منه في أمره، وعثمان لم يحنق على أبي ذر، مع كونه كان مخالفًا له في تأويله، وفيه التحذير من الشقاق والخروج على الأئمة، والترغيب في الطاعة لأولي الأمر، وأمر الأفضل بطاعة المفضول خشية المفسدة، وجواز الاختلاف في الاجتهاد، والأخذ بالشدة في الأمر بالمعروف وإن أدى إلى
_________________
(١) البزار: كشف الأستار (٢/ ٢٦٥). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٣٠): رواه البزار ورجاله ثقات.
(٢) أبو داود (٤/ ١٠١) - كتاب الفتن والملاحم - باب في النهي عن السعي في الفتن.
(٣) البخاري (٣/ ٢٧١) ٢٤ - كتاب الزكاة - ٤ - باب ما أدى زكاته فليس بكنز. يكنزون: الكنز: الادخار والجمع: مصدر كنز المال يكنزه كنزا.
(٤) التوبة: ٢٤.
[ ٤ / ١٨٠٣ ]
فراق الوطن، وتقديم دفع المفسدة على جلب المصلحة، لأن في بقاء أبي ذر بالمدينة، مصلحة كبيرة من بث علمه في طالب العلم، ومع ذلك فرجح عند عثمان دفع ما يتوقع من المفسدة من الأخذ بمذهبه الشديد في هذه المسألة، ولم يأمره بعد ذلك بالرجوع عنه، لأن كلا منهما كان مجتهدًا. اهـ.
وقال ابن كثير ﵀:
وكان من مذهب أبي ذر ﵁، تحريم ادخار ما زاد على نفقة العيال، وكان يفتي بذلك ويحثهم عليه، ويأمرهم به، ويغلظ في خلافه، فنهاه معاوية فلم ينته، فخشي أن يضر بالناس في هذا، فكتب يشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان وأن يأخذه إليه، فاستقدمه عثمان إلى المدينة، وأنزله بالربذة وحده، وبها مات ﵁ في خلافة عثمان. اهـ.
١٩٠٤ - * روى الترمذي عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: «ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر، سبه عيسى بن مريم». فقال عمر بن الخطاب كالحاسد: يا رسول الله أفنعرف ذلك له؟ قال: «نعم فاعرفوه».
١٩٠٥ - * روى مسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدي الذي عليها فيها».
وفي رواية (١) قال له: «يا أبا ذر، إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٦٦٩) ٥٠ - كتاب المناقب - ٣٦ - باب مناقب أبي ذر. وقال: هذا حديث حسن غريب. وقد روى بعضهم هذا الحديث، فقال: أبو ذر يمشي في الأرض بزهد عيسى بن مريم ﵇. الحاسد: هنا حسد غبطة وهو حسد محمود.
(٢) مسلم (٣/ ١٤٥٧) ٣٣ - كتاب الإمارة - ٤ - باب كراهة الإمارة بغير ضرورة.
(٣) وأبو داود (٣/ ١١٤) - كتاب الوصايا - باب ما جاء في الدخول في الوصايا.
[ ٤ / ١٨٠٤ ]
لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم».
١٩٠٦ - * روى أحمد عن أبي ذر عن النبي ﷺ، قال: أوصاني بخمس: أرحم المساكين وأجالسهم، وانظر إلى من تحتي ولا أنظر إلى من فوقي، وأن أصل الرحم وإن أدبرت، وأن أقول الحق وإن كان مرا، وأن أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
١٩٠٧ - * روى ابن سعد عن عبد الله بن الصامت قال: دخلت مع أبي ذر في رهط غفار على عثمان من باب لا يدخل عليه منه - قال: وتخوفنا عثمان عليه - فانتهى إليه، فسلم، ما بدأه بشيء إلا أن قال: أحسبتني منهم يا أمير المؤمنين؟ والله ما أنا منهم ولا أدركهم. ثم استأذنه إلى الربذة.
١٩٠٨ - * روى ابن سعد عن ابن سيرين: أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذر: «إذا بلغ البناء سلعًا فاخرج منها». ونحا بيده نحو الشام، «ولا أرى أمراءك يدعونك»! قال: أولا أقاتل من يحول بيني وبين أمرك؟ قال: «لا». قال: فما تأمرني؟ قال: «اسمع وأطع، ولو لعبد حبشي».
فلما كان ذلك، خرج إلى الشام. فكتب معاوية: إنه قد أفسد الشام. فطلب عثمان؛ ثم بعثوا إلى أهله من بعده، فوجدوا عندهم كيسًا أو شيئًا؛ فظنوه دراهم، فقالوا: ما شاء الله! فإذا هي فلوس.
قال عثمان: كن عندي. قال: لا حاجة لي في دنياكم، ائذن لي حتى أخرج إلى الربذة. فأذن له، فخرج إليها، وعليها عبد حبشي لعثمان، فتأخر وقت الصلاة لما رأى أبا ذر - فقال أبو ذر: تقدم فصل، فقد أمرت أن أسمع وأطيع ولو لعبد حبشي، فأنت عبد حبشي.
_________________
(١) أحمد في مسنده (٥/ ١٥٩، ١٧٣). وسنده حسن.
(٢) الطبقات الكبرى (٤/ ٢٣٢). ورجاله ثقات. تخوفنا عثمان عليه: أي خفنا على عثمان منه. أحسبتني منهم: أي من الذين سيخرجون عليك.
(٣) الطبقات الكبرى (٤/ ٢٢٦) ورجاله ثقات إلا أنه مرسل.
[ ٤ / ١٨٠٥ ]
١٩٠٩ - * روى أحمد وابن سعد عن أبي ذر قال: كنت ردف رسول الله ﷺ على حمار وعليه برذعة، أو قطيفة.
١٩١٠ - * روى البخاري ومسلم عن الأحنف، قال: قدمت المدينة، فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش، إذ جاء رجل أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه، فقام عليهم فقال: بشر الكنازين برضف يحمي عليه في نار جهنم، فيوضع على حملة ثدي أحدهم، حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتجلجل.
قال: فوضع القوم رؤوسهم، فما رأيت أحدًا منهم رجع أليه شيئًا.
فأدبر، فتبعته حتى جلس إلى سارية، فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم. قال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئًا، إن خليلي أبا القاسم ﷺ دعاني فقال: «يا أبا ذر». فأجبته. فقال: «ترى أحدًا؟» فنظرت ما علي من الشمس - وأنا أظنه يبعثني في حاجة - فقلت: أراه فقال: «ما يسرني أن لي مثله ذهبًا، أنفقه كله، إلا ثلاثة دنانير». ثم هؤلاء يجمعون الدنيا، لا يعقلون شيئًا.
فقلت: مالك ولإخوانك من قريش، لا تعتريهم ولا تصيب منهم؟ قال: لا وربك، ما أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين حتى ألحق بالله ورسوله.
_________________
(١) أحمد في مسنده (٥/ ١٦٤). والطبقات الكبرى (٤/ ٢٢٨) وإسناده صحيح.
(٢) البخاري (٣/ ٢٧١) ٢٤ - كتاب الزكاة - ٤ - باب ما أدى زكاته فليس بكنز. ومسلم (٢/ ٦٨٩) ١٢ - كتاب الزكاة - ١٠ - باب في الكنازين للأموال والتغليظ عليهم. والرصف: الحجارة الحماة، الواحدة رضفة، مثل: تمر وتمرة، والنغض: العظم الدقيق الذي على طرف الكتف. أو على أعلى الكتف، وأصل النغض: الحركة، فسمي ذلك الموضع نفضا لأنه يتحرك بحركة الإنسان. ويتجلجل: يغوص، ورواية البخاري ومسلم «يتزلزل»: أي يضطرب ويتحرك. لا تعتريهم: لا تزورهم أو تقصدهم. تصيب منهم: تأخذ من عطياتهم.
[ ٤ / ١٨٠٦ ]
١٩١١ - * روى الطبراني عن محمد بن سرين قال: بلغ الحارث - رجل كان بالشام من قريش - أن أبا ذر كان به عوز فبعث إليه بثلثمائة دينار. فقال: ما وجد عبد الله من هو أهون عليه مني؟ سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: «من سأل وله أربعون فقد ألحف» ولأبي ذر أربعون درهمًا وأربعون شاة وماهنان. قال أبو بكر بن عياش: يعني خادمين.
* * *
_________________
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٣١): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد بن عبد الله ابن يونس وهو ثقة.
[ ٤ / ١٨٠٧ ]
١٢ - حذيفة بن اليمان ﵄
قال ابن حجر:
حذيفة بن اليمان العبسي .. من كبار الصحابة، كان أبوه قد أصاب دما فهرب إلى المدينة فحالف بني غبد الأشهل فسماه قومه اليمان لكونه حالف اليمانية، وتزوج والدة حذيفة فولد له بالمدينة، وأسلم حذيفة وأبوه وأرادا شهود بدر فصدهما المشركون، وشهدا أحدًا فاستشهد اليمان بها، وروى حديث شهوده أحدًا واستشهاده بها البخاري، وشهد حذيفة الخندق له بها ذكر حسن وما بعدها. وروى حذيفة عن النبي ﵌ الكثير وعن عمر، قال العجلي: استعمله عمر على المدائن فلم يزل بها حتى مات بعد قتل عثمان وبعد بيعة علي بأربعين يومًا قلت وذلك في سنة ست وثلاثين، وروى علي بن يزيد، عن سعيد بن المسيب، عن حذيفة: خيرني رسول الله ﷺ بين الهجرة والنصرة. فاخترت النصرة وفي الصحيحين أن أبا الدرداء قال لعلقمة: أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟ يعني حذيفة. وشهد حذيفة فتوح العراق وله بها آثار شهيرة. اهـ.
وقال الذهبي في ترجمته: وله في الصحيحين اثنا عشر حديثًا، وفي البخاري ثمانية، وفي مسلم سبعة عشر حديثًا .. وحذيفة هو الذي ندبه رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب ليجس له خبر العدو، وعلى يده فتح الدينور عنوة ومناقبه تطول.
وكان له مذهب في المداراة ذكره الذهبي في السير: من ذلك عن حذيفة قال: ما كلام أتكلم به، يرد عني عشرين سوطًا، إلا كنت متكلما به. وعن حذيفة، قال: إني لأشتري ديني بعضه ببعض، مخافة أن يذهب كله.
وعن بلال بن يحيي، قال: بلغني أن حذيفة كان يقول: ما أدرك هذا الأمر أحد من الصحابة إلا قد اشترى بعض دينه ببعض. قالوا: وأنت؟ قال: وأنا والله، إني لأدخل على أحدهم - وليس أحد إلا فيه محاسن ومساوئ - فأذكر من محاسنه، وأعرض عما سوى ذلك، وربما دعاني أحدهم إلى الغداء، فأقول: إني صائم. ولست بصائم.
[ ٤ / ١٨٠٨ ]
وكان النبي ﷺ قد أسر إلى حذيفة أسماء المنافقين، وضبط عن الفتن الكائنة في الأمة. وقد ناشده عمر: أأنا من المنافقين؟ فقال: لا، ولا أزكي أحدًا بعدك. اهـ.
وذكر الذهبي (١) أيضًا عن زادان: أن عليا سئل عن حذيفة. فقال: علم المنافقين وسأل عن المعضلات؛ فإن تسألوه تجدوه بها عالمًا.
١٩١٢ - * روى مسلم عن حذيفة قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلا إني خرجت أنا وأبي، فأخذنا كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمدًا! فقلنا: ما نريد إلا المدينة. فأخذوا العهد علينا: لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه. فأخبرنا النبي ﷺ. فقال: «نفي بعهدهم، ونستعين بالله عليهم».
١٩١٣ - * روى مسلم عن حذيفة قال: أخبرني ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا قد سألته إلا أني لم أسله ما يخرج أهل المدينة من المدينة.
١٩١٤ - * روى البخاري ومسلم عن حذيفة قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم» قلت: وهل هذا بعد هذا الشر من خير؟ فال: «قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر». قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها». قلت: يا رسول الله صفهم لنا؟ فقال: «هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا». قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». قلت: فإن لم يكن لهم جماعة
_________________
(١) السير (٢/ ٣٦٢). وقال محققه: رجال ثقات.
(٢) مسلم (٣/ ١٤١٤) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٣٥ - باب الوفاء بالعهد.
(٣) مسلم (٤/ ٢٢١٧) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة - ٦ - باب إخبار النبي ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة.
(٤) البخاري (٦/ ٦١٥) ٦١ - كتاب المناقب - ٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام. ومسلم (٢/ ١٤٧٥) ٣٣ - كتاب الإمارة - ١٣ - باب وجول ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال. الدخن: فاسد واختلاف في النفوس.
[ ٤ / ١٨٠٩ ]
ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك».
١٩١٥ - * روى البخاري ومسلم، عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا، ما ترك شيئًا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة، إلا حدث به، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، فقد علمه أصحابي هؤلاء. وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه.
قال الذهبي: قد كان ﷺ يرتل كلامه ويفسره: فلعله قال في مجلسه ذلك ما يكتب في جزء؛ فذكر أكبر الكوائن، ولو ذكر أكثر ما هو كائن في الوجود، لما تهيأ أن يقول في سنة، بل ولا في أعوام، ففكر في هذا.
١٩١٦ - * روى مسلم عن حذيفة قال: كنا مع رسول الله ﷺ: فقال: «أحصوا لي كم يلفظ الإسلام». قال: فقلنا: يا رسول الله أتخاف علينا ونحن ما بين الست مئة إلى السبع مائة؟ قال: «إنكم لا تدرون، لعلكم أن تبتلوا». قال: فابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرا.
١٩١٧ - * روى الحاكم عن بلال بن يحيي قال: لما حضر حذيفة الموت وكان قد عاش بعد عثمان أربعين ليلة قال لنا: أوصيكم بتقوى الله والطاعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
١٩١٨ - * روى الطبراني عن الزهري أن حذيفة كان أحد بني عبس وكان عداده في الأنصار.
_________________
(١) البخاري (١١/ ٤٩٤) ٨٢ - كتاب القدر - ٤ - باب (وكان أمر الله قدر مقدورا). ومسلم (٤/ ٢٣١٧) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة - ٦ - باب إخبار النبي ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة.
(٢) مسلم (١/ ١٣١) ١ - كتاب الإيمان - ٦٧ - باب الاستسرار بالإيمان للخائف.
(٣) المستدرك (٣/ ٣٨٠).
(٤) المعجم الكبير (٣/ ١٦٢).
[ ٤ / ١٨١٠ ]
١٩١٩ - * روى الترمذي عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: سألتني أمي: متى عهدك برسول الله ﷺ؟ فقلت: ما لي به عهد منذ كذا وكذا. فنالت مني، فقلت لها: دعيني آتي رسول الله ﷺ، فأصلي معه المغرب، وأسأله أن يستغفر لي ولك. فأتيته، فصليت معه المغرب، ثم قام فصلى حتى صلى العشاء، ثم انفتل، فتبعته، فسمع صوتي، فقال: «من هذا، حذيفة؟» قلت: نعم. فقال: «ما حاجتك؟ غفر الله لك ولأمك». قال: «إن هذا ملك لم ينزل إلى الأرض قط قبل هذه الليلة، استأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني أن فاطمة سيده نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة».
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٦٦٠) ٥٠ - كتاب المناقب - ٣١ - باب مناقب الحسن والحسين ﵉. وقال: هذا حديث حسن غريب.
[ ٤ / ١٨١١ ]
١٣ - سعد بن معاذ ﵁
هو في الأنصار كأبي بكر في المهاجرين.
قال ابن حجر في الإصابة: سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن النبيت بن مالك بن الأوس الأنصاري الأشهلي سيد الأوس. وأمه كبشة بنت رافع لها صحبة. ويكنى أبا عمرو .. شهد بدرًا باتفاق، ورمي بسهم يوم الخندق، فعاش بعد ذلك شهرًا حتى حكم في بني قريظة، وأجيبت دعوته في ذلك، ثم انتقض جرحه فمات أخرج ذلك البخاري وذلك سنة خمس، وقال المنافقون لما خرجت جنازته: ما أخفها. فقال النبي ﵌: «إن الملائكة حملته». في الصحيحين وغيرهما من طرق النبي ﵌ قال: «اهتز العرش لموت سعد بن معاذ». وروى يحيي بن عباد بين عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة لم يكن أحد أفضل منهم: سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وعباد بن بشر. وذكر ابن إسحاق أنه لما أسلم علي يد مصعب بن عمير قال لبني عبد الأشهل: كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تسلموا. فأسلموا، فكان من أعظم الناس بركة في الإسلام. وروى ابن إسحاق في قصة الخندق عن عائشة قالت: كنت في حصن بني حارثة وأم سعد بن معاذ معي فمر سعد بن معاذ وهو يقول:
لبث قليلًا يلحق الهيجاجل ما أحسن الموت إذا حان الأجل
فقالت له أمه: الحق يا بني فقد تأخرت. فقلت: يا أم سعد لوددت أن ردع سعد أسبغ مما هي. قال: فأصابه السهم حيث خافت عليه. وقال الذي رماه: خذها وأنا ابن العرقة. فقال: عرق الله وجهك في النار. اهـ.
وقال ابن كثير: كان قدوم الأحزاب في شوال سنة خمس كما تقدم، فأقاموا قريبًا من شهر ثم خرج رسول الله ﷺ لحصار بني قريظة فأقام عليهم خمسًا وعشرين ليلة، ثم نزلوا على حكم فمات بعد حكمه عليهم بقليل، فيكون ذلك في أواخر ذي القعدة أو أوائل ذي الحجة من سنة خمس ولله أعلم. اهـ.
[ ٤ / ١٨١٢ ]
وقال الذهبي: قيل كان سعد بن معاذ وأسعد بن زرارة ابني خالة. وقال ابن إسحاق: أخي رسول الله ﷺ بين سعد بن معاذ وأبي عبيدة بن الجراح، وقيل آخي بينه وبين سعد ابن أبي وقاص. اهـ.
قال الذهبي في السير: نقل ابن الكلبي أن قريشًا سمعت هاتفًا على أبي قبيس يقول:
فإن يسلم السعدان يصبح محمد بمكة لا يخسى خلاف المخالف
فقال أبو سفيان: من السعدان؟ سعد بكر، سعد تميم؟ فسمعوا في الليل الهاتف يقول:
أيا سعد الأوس كن أنت ناصرًا ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا على الله في الفردوس منية عارف
فإن ثواب الله للطالب الهدى جنان من الفردوس ذات رفارف
فقال أبو سفيان: هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة.
أسلم سعد بن معاذ على يد مصعب بن عمير. فقال ابن إسحاق: لما أسلم وقف على قومه، فقال: يا بني عبد الأشهل! كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا فضلًا، وأيمننا نقيبةً. قال: فإن كلامكم علي حرام، رجالكم ونساؤكم، حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فوالله ما بقي في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا وأسلموا.
أبو إسحاق: عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود قال: انطلق سعد بن معاذ معتمرًا، فنزل على أمية بن خلف وكان أمية إذا انطلق إلى الشام يمر بالمدينة، فينزل عليه، فقال أمية له: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس طفت. فبينا سعد يطوف إذ أتاه أبو جهل، فقال: من الذي يطوف آمنا؟ قال: أنا سعد. فقال: أتطوف آمنًا وقد أويتم محمدًا وأصحابه؟ قال: نعم. فتلاحيا. فقال أمية: لا ترفع صوتك على أبي الحكم، فإنه سيد أهل الوادي. فقال سعد: والله لو منعتني، لقطعت عليك متجرك بالشام. قال: فجعل أمية يقول: لا ترفع صوتك. فغضب وقال: دعنا منك، فإني سمعت محمدا ﷺ يقول: يزعم أنه قاتلك. قال: إياي؟ قال: نعم. قال: والله ما يكذب محمد فكاد
[ ٤ / ١٨١٣ ]
يحدث (١)، فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي؟ زعم أنه سمع محمدًا يزعم أنه قاتلي. قالت: والله ما يكذب محمد. فلما خرجوا لبدر قالت امرأته: ما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟ فأراد أن لا يخرج. فقال له أبو جهل: إنك من أشراف أهل الوادي، فسر معنا يومًا أو يومين. فسار معهم، فقتله الله.
قال ابن شهاب: وشهد بدرًا سعد بن معاذ، ورمي يوم الخندق، فعاش شهرًا، ثم انتقض جرحه فمات.
ابن إسحاق: حدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل أن عائشة كانت في حصن بن حارثة يوم الخندق وأم سعد معها، فعبر سعد عليه درع مقلصه قد خرجت منه ذراعة كلها وفي يده حربة يرفل بها [يمشي بقوة وجد] ويقول:
لبث قليلًا يشهد الهيجا جمل لا بأس بالموت إذا حان الأجل
يعني: حمل بن بدر. فقالت له أمه: أي بني! قد أخرت. فقلت لها: يا أم سعد، لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي. فرمي سعد بسهم قطع منه الأكحل، رماه ابن العرقة، فلما أصابه قال: خذها مني وأنا ابن العرقة. فقال: عرق الله وجهك في النار. اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا، فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب من أن أجاهدهم فيك من قوم آذوا نبيك وكذبوه وأخرجوه. اللهم إن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة (٢). أ. هـ.
١٩٢٠ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: أصيب سعد يوم
_________________
(١) كاد يحدث: من الحدث. وهو خروج خارج من أحد السبيلين، والضمير لأمية. أي أنه كاد أن يخرج من شيء لشدة فزعه. وهذه رواية البيهقي. أما رواية البخاري: «والله ما يكذب محمد إذا حدث». من التحديث. وعد الحافظ رواية البيهقي تصحيفًا.
(٢) قال محقق السير: رجاله ثقات، وهو في سيرة ابن هشام (٢/ ٢٢٦). وأخرجه أحمد (٦/ ١٤١).
(٣) البخاري (٧/ ٤١١) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٠ - باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة. ومسلم (٢/ ١٣٨٩) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٢٢ - باب جواز قتال من نقض العهد.=
[ ٤ / ١٨١٤ ]
الخندق، رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة، رماه في الأكحل، فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب. فلما رجع رسول الله ﷺ من الخندق وضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل ﵇ وهو ينفض رأسه من الغبار فقال: قد وضعت السلاح، والله ما وضعته، اخرج إليهم. قال النبي ﷺ: «فأين؟» فأشار إلى بني قريظة. فأتاهم رسول الله ﷺ فنزلوا على حكمه، فرد الحكم إلى سعد. قال: فإني أحكم أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى النساء والذرية، وأن تقسم أموالهم. قال هشام: فأخبرني أبي عن عائشة أن سعدًا قال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قومٍ كذبوا رسولك وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتي فيها. فانفجرت من لبته، فلم يرعهم - وفي المسجد خيمة من بني غفار - إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة، ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دمًا. فمات منها ﵁.
١٩١٢ - * روى أحمد عن عائشة فقالت: حضر رسول الله، ﷺ، وأبو بكر وعمر، سعد بن معاذ، وهو يموت في القبة التي ضربها عليه رسول الله ﷺ في المسجد قالت: والذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر، وإني لفي حجرتي، فكانا كما قال الله ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (١). قال علقمة فقلت: أي أمه! كيف كان رسول الله، ﷺ، يصنع؟ قالت: كان لا تدمع عينه على أحد، ولكنه كان إذا وجد، فإنما هو آخذ بلحيته.
١٩٢٢ - * روى ابن سعد عن محمود بن لبيد قال: لما أصيب أكحل سعد، فثقل؛
_________________
(١) = الأكحل: عرق في وسط الذراع. اللبة: النحر. يغدو: يسيل.
(٢) أحمد في مسنده (٦/ ١٤١). وإسناده حسن.
(٣) الفتح: ٢٩.
(٤) الطبقات الكبرى (٣/ ٤٢٧). وإسناده حسن.
[ ٤ / ١٨١٥ ]
حولوه عند امرأة يقال لها رفيدة تداوي الجرحى. فكان، ﷺ إذا مر به يقول: «كيف أمسيت، وكيف أصبحت؟» فيخبره حتى كانت الليلة التي نقله قومه فيها وثقل، فاحتملوه إلى بني عبد الأشهل إلى منازلهم، وجاء رسول الله، فقيل: انطلقوا به. فخرج وخرجنا معه، وأسرع حتى تقطعت شسوع نعالنا، وسقطعت أرديتنا، فشكا ذلك إليه أصحابه، فقال: «إني أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة فتغسله كما غلست حنظلة». فانتهى إلى البيت، وهو يغسل، وأمه تبكيه وتقول:
ويل أن سعدٍ سعدا حزامةً وجدًا
فقال: «كل باكية تكذب إلا أم سعد». ثم خرج به. قال: يقول له القوم: ما حملنا يا رسول الله ميتًا أخف علينا منه. قال: «ما يمنعه أن يخف وقد هبط من الملائكة كذا وكذا لم يهبطوا قط قبل يومهم، قد حملوه معكم».
١٩٢٣ - * روى ابن سعد عن شعبة: عن سماك، سمع عبد الله بن شداد يقول: دخل رسول الله، ﷺ، على سعد وهو يكيد بنفسه فقال الرسول ﷺ، «جزاك الله خيرًا من سيد قومٍ، فقد أنجزت ما وعدته. ولينجزنك الله ما وعدك»؟
١٩٢٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد، فأتاه على حمار، فلما دنا قريبًا من المسجد، قال رسول الله ﷺ للأنصار «قوموا إلى سيدكم»، أو: «خيركم». ثم قال: «إن هؤلاء نزلوا على حكمك». قال: تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذريتهم. قال: فقال النبي ﷺ: «قضيت بحكم الله».
١٩٢٥ - * روى ابن سعد عن عامر بن سعد عن أبيه قال: لما حكم سعد في بني قريظة
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٣/ ٤٢٧). وإسناده حسن. يكيد بنفسه: يجوز بها وهو يتوفى.
(٢) البخاري (٧/ ٤١١) ٦٤ - كتاب المغازي - ٣٠ - باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة. ومسلم (٣/ ١٣٨٨) ٣٢ - كتاب الجهاد - ٢٢ - باب جواز قتال من نقض العهد.
(٣) الطبقات الكبرى (٣/ ٤٢٦). وإسناده حسن.=
[ ٤ / ١٨١٦ ]
أن يقتل من جرت عليه المواسي قال رسول الله، ﷺ: «لقد حكم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سماوات».
١٩٢٦ - * روى ابن سعد عن محمد بن شرحبيل بن حسنة قال: أخذ إنسان قبضة من تراب قبر سعد، فذهب بها، ثم نظر فإذا هي مسك. ورواها محمد بن عمرو بن علقمة، عن ابن المنكدر.
ذكر الذهبي في السير (٢) عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه، عن جده، عن عائشة قالت: ما كان أحد أشد فقدًا على المسلمين بعد النبي ﷺ وصاحبيه أو أحدهما من سعد بن معاذ.
١٩٢٧ - * روى الحاكم عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: لما توفي سعد بن معاذ صاحت أمه فقال لها النبي ﷺ: «ليرقأ دمعك ويذهب حزنك فإن ابنك أول من ضحك الله إليه واهتز له العرش».
١٩٢٨ - * روى أحمد والحاكم والطبراني عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: لما أخرج بجنازة سعد بن معاذ صاحت أمه فقال لها رسول الله ﷺ: «ليرقأ دمعك ويذهب حزنك». والباقي بنحوه.
_________________
(١) = المواسي: جمع موسى وهي الآلة التي يحلق بها. والمراد هنا من بلغ الحلم وطالت سعرته، وصار بحلقها. يفسر ذلك حديث عطية القرظي قال: عرضنا على النبي، ﷺ، يوم قريظة، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت ممن لم ينبت فخلي سبيله. أخرجه أبو داود، والترمذي وسنده حسن.
(٢) الطبقات الكبرى (٣/ ٤٣١). وإسناده حسن.
(٣) السير (١/ ٢٩٥) وقال محققه: إسناده حسن.
(٤) المستدرك (٣/ ٢٠٦). وصححه ووافقه الذهبي.
(٥) أحمد في مسنده (٦/ ٤٥٦). والمستدرك (٣/ ٣٠٦). وصححه ووافقه الذهبي. والمعجم الكبير (٦/ ١٣)، (٢٤/ ٤٧). وقال الهيثمي في مجمع الزوائج (٩/ ٣٠٩): رواه الطبراني ورجاله رجال صحيح. ليرقأ: لينقطع.
[ ٤ / ١٨١٧ ]
١٩٢٩ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما حملت جنازة سعد ابن معاذ قال المنافقون: ما أخف ما كانت جنازته - يعني لحكمه في بني قريظة - فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال: «إن الملائكة كانت تحمله».
١٩٣٠ - * روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اهتز العرش لموت سعد بن معاذ».
فقال رجل لجابر: إن البراء يقول: اهتز السرير؟ فقال: إنه كان بين هذين الحيين ضغائن، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ».
وفي رواية لمسلم (١) قال: قال رسول الله ﷺ - وجنازة سعد بن معاذ بين أيديهم-: «اهتز لها عرش الرحمن ﷿».
١٩٣١ - * روى ابن سعد عن مجاهد، عن ابن عمر قال: اهتز العرش لحب لقاء الله سعدًا. قال: إنما يعني السرير. وقرأ ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢) قال: إنما تفسحت أعواده. قال: ودخل رسول الله ﷺ قبره، فاحتبس، فلما خرج، قيل يا رسول الله! ما حبستك؟ قال: «ضم سعد في القبر ضمة، فدعوت الله أن يكشف عنه».
قال الذهبي: تفسيره بالسرير ما أدري أهو من قول ابن عمر، أو من قول مجاهد. وهذا تأويل لا يفيد، فقد جاءنا ثابتًا عرش الرحمن وعرش الله، والعرش خلق لله مسخر إذا شاء أن يهتز اهتز بمشيئة الله، وجعل فيه شعورًا لحب سعد، كما جعل تعالى شعورا في جبل أحد
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٦٩٠) ٥٠ - كتاب المناقب - ٥١ - باب مناقب سعد بن معاذ. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٢) البخاري (٧/ ١٢٣) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار - ١٢ - باب مناقب سعد بن معاذ. اهتزاز العرش: كناية عن ارتياحه بروحه حين صعد بها لكرامته على ربه، وكل من خف لأمر وارتاح له، فقد اهتز له. والمعنى: فرح أهل العرش بقدومه على الله لما رأوا من منزلته وكرامته وفضله. ضغائن: الضغائن: الأحقاد والعداوات، واحدتها: ضغينة.
(٣) مسلم في نفس الموضع السابق.
(٤) الطبقات الكبرى (٣/ ٤٣٣)
(٥) يوسف: ١٠٠.
[ ٤ / ١٨١٨ ]
بحبه النبي ﷺ. وقال تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (١). وقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ﴾ (٢) ثم عمم فقال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٢). وهذا حق. وفي صحيح البخاري قول ابن مسعود: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وهذا باب واسع سبيله الإيمان. اهـ.
١٩٣٢ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: أهدي لرسول الله ﷺ جبة من سندس - وكان ينهي عن الحرير - فعجب الناس منها، فقال: «والذي نفس محمد بيده، إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا».
وفي رواية الترمذي والنسائي (٤) عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال: قدم أنس ابن مالك فأتيته، فقال: من أنت؟ فقلت: أنا واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال: فبكى، وقال: إنك لشبيه بسعد، وإن سعدًا كان من أعظم الناس وأطولهم، وإنه بعث إلى النبي ﷺ جبة من ديباج، منسوج فيها الذهب، فلبسها رسول الله ﷺ، فصعد المنبر، فقام - أو قعد - فجعل الناس يلمسونها، فقالوا: ما رأينا كاليوم ثوبا قط. فقال: «أتعجبون من هذا؟ لمناديل سعد في الجنة خير مما ترون» (٣).
١٩٣٣ - * روى البزار عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «لقد نزل لسعد بن معاذ ﵁ سبعون ألف ملك ما وطئوا الأرض قبلها».
وقال حين دفن: «سبحان الله لو انفلت أحد من ضغطة القبر لانفلت منها سعد».
_________________
(١) سبأ: ١٠.
(٢) الإسراء: ٤٤.
(٣) البخاري (٦/ ٣١٩) ٥٩ - كتاب بدء الخلق - ٨ - باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة. ومسلم (٤/ ١٩١٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٢٤ - باب من فضائل سعد بن معاذ. السندسي: الحرير وما رق من الإبرسيم.
(٤) الترمذي (٤/ ٣١٨) ٣٥ - كتاب اللباس ٣ - باب حدثنا أبو عمار .. وقاله: هذا حديث صحيح. والنسائي (٨/ ١٩٩) - ٤٨ - كتاب الزينة - ٨٨ - باب ليس الديباج المنسوج بالذهب.
(٥) البزار: كشف الستار (٣/ ٢٥٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٠٨): رواه البزار بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح.
[ ٤ / ١٨١٩ ]
قال الذهبي: هذه الضمة ليست من عذاب القبر في شيء، بل هو أمر يجده المؤمن كما يجد ألم فقد ولده وحميمه في الدنيا، وكما يجد من ألم مرضه، وألم خروج نفسه، وألم سؤاله في قبره وامتحانه، وألم تأثره ببكاء أهله عليه، وألم قيامه من قبره، وألم الموقف وهوله، وألم الورود على النار، ونحو ذلك فهذه الأراجيف كلها قد تنال البعد وما هي من عذاب القبر، ولا من عذاب جهنم قط، ولكن العبد التقي يرفق الله به في بعض ذلك أو كله، ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه. قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ (١). وقال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ (٢). فنسأله الله تعالى العفو واللطف الخفي. ومع هذه المزات، فسعد ممن نعلم أنه من أهل الجنة، وأنه من أرفع الشهداء، ﵁. كأنك يا هذا تظن أن الفائز لا يناله هول في الدارين، ولا روع ولا ألم، ولا خوف. سل ربك العافية، وأن يحسرنا في زمرة سعد. اهـ.
* * *
_________________
(١) مريم: ٢٩.
(٢) غافر: ١٨.
[ ٤ / ١٨٢٠ ]
١٤ - عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄
قال ابن كثير في ترجمته:
عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي. أبو عبد الرحمن المكي ثم المدني، أسلم قديمًا مع أبيه ولم يبلغ الحلم وهاجرا وعمره عشر سنين، وقد استصغر يوم أحد، فلما كان يوم الخندق أجازه وهو ابن خمس عشرة سنة فشهدها وما بعدها، وهو شقيق حفصة بنت عمر أم المؤمنين، أمهما زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون، وكان عبد الله بن عمر ربعة من الرجال آدم له جمة تضرب إلى منكبيه جسيما يخضب بالصفرة ويحفى شاربه، وكان يتوضأ لكل صلاة ويدخل الماء في أصول عينيه، وقد أراده عثمان على القضاء فأبى ذلك، وكذلك أبوه، وشهد اليرموك والقادسية وجلولاء وما بينهما من وقائع الفرس، وشهد فتح مصر، واختلط بها دارًا، وقدم البصرة وشهد غزو فارس وورد المدائن مرارا وكان عمره يوم مات النبي ﷺ ثنتين وعشرين سنة، وكان إذا أعجبه شيء من ماله يقرب إلى الله ﷿ وكان في مدة الفتنة لا يأتي أمير إلا صلى خلفه، وأدى إليه زكاة ماله، وكان أعلم الناس بمناسك الحج، وكان يتتبع آثار رسول الله ﷺ، يصلي فيها، حتى إن النبي ﷺ نزل تحت الشجرة وكان ابن عمر يتعاهدها ويصب في أصلها الماء، وكان إذا فاتته العشاء في جماعة أحيا تلك الليلة، وكان يقوم أكثر الليل، وقيل إنه مات وهو في الفضل مثل أبيه، وكان يوم مات خير من بقي، ومكث سنة يفتي الناس من سائر البلاد. اهـ.
وقال ابن حجر: وقال الزبير بن بكار: وكان ابن عمر يتحفظ ما سمع من رسول الله ويسأل من حضر عن قوله وفعله وكان يتبع آثاره في كل مسجد.
وقد ذكر الذهبي بعض من أخذ عنهم العلم غير رسول الله ﷺ فقد منهم خمسة عشر، وذكر مئتين وسبعة وعشرين ممن أخذوا عنه العلم ورووا عنه، وقال: ولابن عمر في مسند بقي ألفان وست مائة وثلاثون حديثًا بالمكرر، واتفقا له على مئة وثمانين وستين حديثًا، وانفرد له البخاري بأحد وثمانين حديثًا، ومسلم بأحد وثلاثين، وتكلم الذهبي عن يوم التحكيم بين علي ومعاوية فقال: كاد أن تنعقد البيعة له [لابن عمر] يومئذ مع وجود
[ ٤ / ١٨٢١ ]
الإمام علي وسعد بن أبي وقاص ولو بويع لما اختلف عليه اثنان ولكن الله حماه وخار له، والظاهر أنه توفي في آخر سنة ثلاث وسبعين. وقال مالك: بلغ ابن عمر سبعًا وثمانين سنة، ورجح الذهبي أنه عمر خمسًا وثمانين سنة ودفن في فخ من مكة (وفخ: حي الزاهر) في مقبرة المهاجرين. اهـ.
قال الذهبي:
وأولاده من صفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفي: أبو بكر، وواقد، وعبد الله، وأبو عبيدة، وعمر، وحفصة، وسودة.
ومن أم علقمة المحاربية: عبد الرحمن وبه يكنى.
ومن سُريةٍ له: سالم، وعبيد الله، وحمزة.
ومن سُريةٍ أخرى: زيد، وعائشة.
ومن أخرى: أبو سلمة، وقلابة.
ومن أخرى: بلال، فالجملة ستة عشر. اهـ.
قال الحافظ في الإصابة:
وأخرج أبو سعيد بن الأعرابي بسند صحيح وهو في الغيلانيات والحامليات عن سالم بن أبي الجعد عن جابر: ما منا من أحد أدرك الدنيا إلا مالت به ومال غير عبد الله بن عمر. وفي تاريخ أبي العباس السراج بسند حسن عن السدي: رأيت نفرًا من الصحابة كانوا يرون أنه ليس أحد فيهم على الحالة التي فارق عليها النبي ﷺ إلا ابن عمر. وفي الشعب للبيهقي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: مات ابن عمر وهو مثل عمر في الفضل. ومن وجه آخر عن أبي سلمة: كان عمر في زمان له فيه نظراء، وكان ابن عمر في زمان ليس له فيه نظير. وفي معجم البغوي بسند حسن عن سعيد بن المسيب: لو شهدت لأحد من أهل الجنة لشهدت لابن عمر. ومن وجه صحيح: كان ابن عمر حين مات خير من بقي. اهـ.
[ ٤ / ١٨٢٢ ]
قال الذهبي: قال ابن حزم في كتاب (الإحكام) في الباب الثامن والعشرين: المكثرون في الفتيا من الصحابة؛ عمر وابنه عبد الله، علي، عائشة، ابن مسعود، ابن عباس، زيد بن ثابت، فهم سبعة فقط يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم سفر ضخم. وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا ابن عباس في عشرين كتابًا. وأبو بكر هذا أحد أئمة الإسلام.
١٩٣٤ - * روى ابن سعد عن سليمان بن بلال: عن زيد بن أسلم: أن بن عمر كان يصفر حتى يملأ ثيابه منها، فقيل له: تصبغ بالصفرة؟ فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها.
١٩٣٥ - * روى ابن سعد عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «لو تركنا هذا الباب للنساء». قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات.
وذكر الذهبي في السير (١) عن نافع: أن ابن عمر كان إذا فاتته العشاء في جماعة، أحيا بقية ليلته.
وذكر أيضًا (٢) أن ابن عمر كان له مهراس فيه ماء، فيصلي فيه ما قدر له، ثم يصير إلى الفراش، فيغفي إغفاءة الطائر، ثم يقوم، فيتوضأ ويصلي، يفعل ذلك في الليل أربع مرات أو خمسًا.
وذكر أيضًا (٢) عن عطاء مولى ابن سباع، قال: أقرضت ابن عمر ألفي درهم، فوفانيها بزائد مئتي درهم.
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٤/ ١٧٩) وسنده صحيح.
(٢) انظر: سير أعلام النبلاء. للذهبي (٣/ ٢١٣). وقال محققه: رجاله ثقات. الباب: يعني أحد أبواب المسجد النبوي.
(٣) السير (٣/ ٢١٣). وقال محققه. رجاله ثقات. السير (٣/ ٢٣٥). وقال محققه: رجال ثقات. المهراس: حجر منقور ويتوضأ منه.
(٤) السير (٣/ ٢١٥) وقال محققه رجاله ثقات.
[ ٤ / ١٨٢٣ ]
قال محقق السير: وإنما تحل له الزيادة فيما إذا لم يكن ذلك على شرط منهما أو عادة، أما إذا شرط في القرض أن يرد أكثر أو أفضل، فهو حرام لا خير فيه وفعل ابن عمر هذا له سند من السنة، ففي الموطأ ومسلم من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ استلف من رجل بكرًا فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكرة، فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًا، فقال: «أعطه إياه إن خيار الناس أحسنهم قضاء». وأخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.
وذكر أيضا (١)، عن عاصم، أن مروان قال لابن عمر - يعني بعد موت يزيد-: هلم يدك نبايعك، فإنك سيد العرب وابن سيدها. قال: كيف أصنع بأهل المشرق؟ قال: نضربهم حتى يبايعوا. قال: والله ما أحب أنها دانت لي سبعين سنة، وأنه قتل في سيفي رجل واحد.
قال: يقول مروان:
إني أرى فتنة تغلي مراجلها والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا
وذكر أيضًا (٢) عن بن محمد بن زيد، عن أبيه: أن ابن عمر كاتب غلامًا له بأربعين ألفًا، فخرج إلى الكوفة، فكان يعمل على حمر له، حتى أدى خمسة عشر ألفًا، فجاءه إنسان، فقال: أمجنون أنت؟ أنت ها هنا تعذب نفسك. وابن عمر يشتري الرقيق يمينًا وشمالًا، ثم يعتقهم؛ ارجع إليه، فقل: عجزت. فجاء إليه بصحيفة، فقال: يا أبا عبد الرحمن! قد عجزت، وهذه صحيفتي، فامحها. فقال: لا، ولكن امحها أنت إن شئت. فمحاها، ففاضت عينا عبد الله، وقال: اذهب فأنت حر. قال: أصلحك الله، أحسن إلى ابني. قال: هما حران. قال: أصلحك الله، أحسن إلى أمي ولدي. قال: هما حرتان.
_________________
(١) السير (٣/ ٣١٦). وقال: محققه إسناده حسن. وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٤/ ١٦٩).
(٢) السير (٣/ ٢١٧) وقال محققه رجاله ثقات. المكاتبة: أن يكتب السيد لمولاه وثيقة يتعهد له فيها بالعتق إذا أعطاه يسميه من المال، فإذا جمعه العبد، ودفعه لسيده، أصبح حرا.
[ ٤ / ١٨٢٤ ]
وذكر أيضا (١) عن عاصم بن محمد العمري: عن أبيه، قال: أعطى عبد الله بن جعفر ابن عمر بنافع عشرة آلاف، فدخل على صفية امرأته، فحدثها، قالت: فما تنتظر؟ قال: فهلا ما هو خير من ذلك، هو حر لوجه الله: فكان يخيل إلي أنه كان ينوي قول الله ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٢).
وقال ابن شهاب: أراد ابن عمر أن يلعن خادمًا، فقال: الهمم الع، فلم يقها، وقال: ما أحب أن أقول هذه الكلمة.
وعن سالم، قال: ما لعن ابن عمر خادمًا له قط إلا واحدًا، فأعتقه (٣).
وذكر الذهبي في السير (٤) عن عمر بن محمد العمري، عن نافع قال: ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان، أو زاد.
وذكر أيضًا (٥): عن نافع، قال: بعث معاوية إلى ابن عمر بمئة ألف، فما حال عليه الحول وعنده منها شيء.
وذكر أيضا (٦) عن حمزة بن عبد الله، قال: لو أن طعامًا كثيرًا عند أبي ما شبع منه بعد أن يجد له آكلًا، فعاده ابن مطيع، فرآه قد نحل جسمه، فكلمه، فقال: إنه ليأتي علي ثمان سنين، ما أشبع فيها شبعة واحدة - أو قال؟: إلا شبعة - فالآن تريد أن أشبع حتى لم يبق من عمري إلا ظم حمار.
١٩٣٦ - * روى الطبراني عن مطعم بن المقدام قال: كتب الحجاج إلى ابن عمر: بلغني أنك طلبت الخلافة وأنها لا تصلح لعي ولا بخيل ولا غيور. فكتب إليه: أما ما ذكرت من
_________________
(١) السير (٣/ ٢١٧). وقال محققه: إسناده صحيح.
(٢) آل عمران: ٩٣.
(٣) رواه عبد الرزاق في مصنفه (١٠/ ٤١٣) وإسناده صحيح.
(٤) السير (٣/ ٢١٨). وقال محققه: إسناده صحيح.
(٥) السير (٣/ ٢١٩). قال محققه: إسناده صحيح.
(٦) السير (٣/ ٢١٨). وعبد الرازق في مصنفه (١١/ ٣١٢). وقال محقق السير: إسناده صحيح. ظمء حمار: أي شيء يسير وخص الحمار لأنه أقل الدواب صبرًا على الماء.
(٧) المعجم الكبير (١٢/ ٢٦٢).=
[ ٤ / ١٨٢٥ ]
الخلافة فما طلبتها، وما هي من بالي، وأما ما ذكرت من العي، فمن جمع كتاب الله، فليس بعيي. ومن أدى زكاته، فليس ببخيل. ومن أدى زكاته، فليس ببخيل. وإن أحق ما غرت فيه ولدي أن يشركني فيه غيري.
وذكر الذهبي في السير (١) عن نافع: أن المختار بن أبي عبيد كان يرسل إلى ابن عمر بالمال، فيقبله، ويقول: لا أسأل أحدًا شيئًا، ولا أرد ما رزقني الله.
وذكر أيضًا (٢) عن الثوري: عن أبي الوازع: قلت لابن عمر: لا يزال الناس بخير ما أبقاك الله لهم. فغضب، وقال: إني لأحسبك عراقيًا، وما يدريك ما يغلق عليه ابن أمك بابه.
١٩٣٧ - (٣) وروى ابن سعد عن نافع، أن ابن عمر كان يقبض على لحيته، ويأخذ ما جاوز القبضة.
١٩٣٨ - * روى البخاري عن نافع قال: وكان ابن عمر إذا اعتمر، قبض على لحيته، فما فضل أخذه.
وذكر الذهبي في السبر: (٣) عن ابن سيرين أن رجلًا قال لابن عمر: أعمل لك جوارش؟ قال: وما هو؟ قال: شيء إذا كظك الطعام، فأصبت منه، سهل. فقال: ما شبعت منذ أربعة أشهر، وما ذاك أن لا أكون له واجدًا، ولكني عهدت قومًا يشبعون مرة، ويجوعون مرة.
_________________
(١) = قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٤٧): رواه الطبراني ورجاله ثقات إلا أنه مرسل، فإن المطعم لم يسمع من ابن عمر.
(٢) السير (٣/ ٢٢٠) وقاله محققه: إسناده صحيح. ورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٤/ ١٥٠).
(٣) السير (٣/ ٢٢٠). وقال محققه: إسناده حسن. ورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٤/ ١٦١).
(٤) الطبقات الكبرى (٤/ ١٧٨).
(٥) البخاري (١٠/ ٣٤٩) ٧٧ - كتاب اللباس - ٦٤ - باب تقليم الأظفار.
(٦) السير (٣/ ٢٢٢). وقال محققه: أخرجه أبو نعيم (١/ ٣٠٠) ورجاله ثقات. جوارش: نوع من الأدوية المركبة يقوي المعدة ويهضم الطعام وليست اللفظة عربية. إذا كظك الطعام: إذا امتلأت منه وأثقلك.
[ ٤ / ١٨٢٦ ]
وذكر أيضًا: (١) عن ابن عمر: قال بعث إلي علي، يا أبا عبد الرحمن! إنك رجل مطاع في أهل الشام، فسر فقد أمرتك عليهم. فقلت: أذكرك الله، وقرابتي من رسول الله ﷺ وصحبتي إياه، إلا ما أعفيتني. فأبى علي، فاستعنت عليه بحفصة، فأبى، فخرجت ليلًا إلى مكة، فقيل له: إنك قد خرج إلى الشام. فبعث في أثري، فجعل الرجل يأتي المربد، فيخضم بعيره بعمامته ليدركني. قال: فأرسلت حفصة: إنه لم يخرج إلى الشام، إنما خرج إلى مكة. فسكن.
وذكر أيضا: (٢) عن ابن عمر قال دومة جندل: جاء معاوية على بختي عظيم. طويل، فقال: ومن الذي يطمع في هذا الأمر ويمد إليه عنقه؟ فما حدثت نفسي بالدنيا إلا يومئذ، هممت أن أقول: يطمع فيه من طربك وأباك عليه، ثم ذكرت الجنة ونعيمها، فأعرضت عنه.
وذكر أيضًا: (٣)، عن نافع؛ أن معاوية بعث إلى ابن عمر بمئة ألف، فلما أراد أن يبايع ليزيد، قال: أرى ذاك أراد، إن ديني عندي إذا لرخيص.
وذكر أيضًا: (٤) قال: حلف معاوية على منبر رسول الله ﷺ ليقتلن ابن عمر، يعني وكان ابن عمر بمكة. فجاء إليه [أي إلى ابن عمر] عبد الله بن صفوان، فدخلا بيتًا، وكنت على الباب، فجعل ابن صفوان يقول: أفتتركه حتى يقتلك؟! والله لو لم يكن إلا أن وأهل بيتي، لقاتلته دونك فقال: ألا أصير في حرم الله؟ وسمعت نحيبه مرتين، فلما دنا معاوية تلقاه ابن صفوان، فقال: إيها جئت لتقتل ابن عمر. قال: والله لا أقتله.
١٩٣٩ - * روى ابن سعد عن ميمون بن مهران قال: دس معاوية عمرًا وهو يريد أن
_________________
(١) السير (٣/ ٢٢٤). وقال محققه: رجاله ثقات.
(٢) السير (٣/ ٣٣٤). وقال محققه: رجاله ثقات.
(٣) السير (٣/ ٢٢٥). وقال محققه: إسناده صحيح.
(٤) السير (٣/ ٣٣٥). وقال محققه: إسناده صحيح. إيها: اسم فعل لأمر بمعنى اسكت وكف.
(٥) الطبقات الكبرى (٤/ ١٦٤) وسنده صحيح.
[ ٤ / ١٨٢٧ ]
يعلم ما في نفس ابن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن! ما يمنعك أن تخرج تبايعك الناس، أنت صاحب رسول الله ﷺ وابن أمير المؤمنين، وأنت أحق الناس بهذا الأمر. فقال: قد اجتمع الناس كلهم على ما تقول؟ قال: نعم، إلا نفر يسير. قال: لو لم يبق إلا ثلاثة أعلاج يهجر لم يكن لي فيها حاجة. قال: فعلم أنه لا يريد القتال. فقال: هل لك أن تبايع من قد كاد الناس أن يجتمعوا عليه ويكتب لك من الأرضين والأموال؟ فقال: أف لك! اخرج من عندي، إن ديني ليس بديناركم ولا درهمكم، وإني أرجو أن أخرج من الدنيا ويدي بيضاء نقية.
١٩٤٠ - * روى ابن سعد عن نافع، قال: كان ابن عمر يسلم على الخشبية والخوارج وهم يقتتلون وقال: من قال (حي على الصلاة) أجبته، ومن قال (حي على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله) فلا.
١٩٤١ - * روى ابن سعد عن نافع، قال: أصابت ابن عمر عارضة محمل بين أصبعيه عند الجمعة، فمرض فدخل عليه الحجاج، فلما رآه ابن عمر، غمض عينيه، فكلمه الحجاج، فلم يكلمه، فغضب، وقال: إن هذا يقول إني على الضرب الأول.
وذكر الذهبي في السير: (١) عن ابن عمر، أنه قام إلى الحجاج، وهو يخطب فقال: يا عدو الله! أستحل حرم الله، وخرب بيت الله. فقال: يا شيخنا قد خرف. فلما صدر الناس، أمر الحجاج بعد مسودته، فأخذ حربة مسمومة، وضرب بها رجل ابن عمر، فمرض، ومات منها ودخل عليه الحجاج عائدًا، فسلم فلم يرد عليه، وكلمه، فلم يجبه.
١٩٤٢ - * روى البخاري عن سعيد بن عمرو، قال: دخل الحجاج على ابن عمر وأنا عنده، فقال: كيف هو؟ فقال: صالح. قال: من أصابك؟ قال: أصابني من أمر بحمل السلاح في يوم لا تحل فيه حمله. يعني الحجاج.
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٤/ ١٩٦) وإسناده حسن. الخشبية: هم أصحاب المختار بن أبي عبيد.
(٢) الطبقات الكبرى (٤/ ١٨٦) وإسناده صحيح.
(٣) السير (٣/ ٢٣٠)
(٤) البخاري (٢/ ٥٥) ١٣ - كتاب العيدين - ٩ - باب ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم.
[ ٤ / ١٨٢٨ ]
١٩٤٣ - * روى ابن سعد عن سعيد بن جبير، قال: لما احتضر ابن عمر، قال: ما آسي على شيء من الدنيا إلا على ثلاث؛ طمأ الهواجر، ومكابدة الليل، وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت بنا. يعني الحجاج.
وذكر الذهبي (١) في السير: عن نافع أو غيره، أن رجلًا قال لابن عمر: يا خير الناس، أو ابن خير الناس. فقال: ما أنا بخير الناس، ولكني عبد من عباد الله، أرجو الله، وأخافه، والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه.
١٩٤٤ - * روى ابن سعد عن عروة قال: خطبت إلى ابن عمر ابنته، ونحن في الطواف، فسكت ولم يجبني بكلمة، فقلت: لو رضي، لأجابني، والله لا أراجعه بكلمة. فقدر له أنه صدر إلى المدينة قبلي، ثم قدمت، فدخلت مسجد الرسول ﷺ، فسلمت عليه، وأديت إليه حقه، فرحب بي، وقال: متى قدمت؟ قلت: الآن. فقال: كنت ذكرت لي سودة ونحن في الطواف، نتخايل الله بين أعيننا، وكنت قادرا أن تلقاني في غير ذلك المواطن. فقلت: كان أمرًا قدر. قال: فما رأيك اليوم؟ قلت: أحرص ما كنت عليه قط. فدعا ابنتيه سالمًا وعبد الله. وزوجني.
١٩٤٥ - * روى ابن سعد عن ابن عمر، قال: إنما مثلنا في هذه الفتنة كمثل قوم يسيرون على جادة يعرفونها، فبينا هم كذلك، إذ غشيتهم سحابة وظلمة، فأخذ بعضهم يمينًا وشمالًا، فأخطأ الطريق، وأقمنا حيث أدركنا ذلك، حتى جلا الله عنها، فأبصرنا طريقنا الأول. فعرفناه، فأخذنا فيه. إنما هؤلاء فتيان قريش يقتلون على هذا السلطان وعلى هذه الدنيا، ما أبالي أن لا يكون لي ما يقتل عليه بعضهم بعضًا بنعلي هاتين الجرداوين.
١٩٤٦ - * روى ابن سعد عن أبي جعفر القارئ: خرجت مع ابن عمر من مكة، وكان
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٤/ ١٨٥). وذكره الذهبي في السير (٣/ ٢٣٢) وقال: محققه إسناده صحيح.
(٢) السير (٣/ ٢٣٦). وقال محققه: سنده صحيح.
(٣) الطبقات الكبرى (٤/ ١٧١). وذكره الذهبي في السير (٣/ ٢٣٧). وقال محققه: رجاله ثقات.
(٤) الطبقات الكبرى (٤/ ١٧١). وذكره الذهبي في السير (٣/ ٢٣٧). وقال محققه: إسناده صحيح.
(٥) الطبقات الكبرى (٤/ ١٤٨). وذكره الذهبي في السير (٣/ ٢٣٩). وقال محققه: إسناده حسن.=
[ ٤ / ١٨٢٩ ]
له جفنة من ثريد يجتمع عليها بنوه، وأصحابه، وكل من جاء حتى يأكل بعضهم قائمًا، ومعه بعير له، عليه مزادتان، فيهما نبيذ وماء، فكان لكل رجل قدح من سويق بذلك النبيذ.
١٩٤٧ - * روى ابن سعد عن عبد الله بن دينار قال: لما اجتمعوا على عبد الملك كتب إليه ابن عمر: أما بعد: فإني قد بايعت لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت وإن نبي قد أقروا بذلك.
١٩٤٨ - * روى البزار عن ابن عمر أنه كان يأتي شجرة بين مكة والمدينة فيقيل تحتها ويخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك.
١٩٤٩ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: لم أجدني آسى على شيء إلا إني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي.
١٩٥٠ - * روى الطبراني عن نافع قال: إن كان ابن عمر ليقسم في المجلس ثلاثين ألفًا ثم يأتي عليه شهر ما يأكل فيه مزعة لحم. قال برد: قلت لنافع هل كان يأكل اللحم؟ قال: كان إذا صام أو سافر فإنه أكثر طعامه.
١٩٥١ - * روى الطبراني عن زيد بن أسلم قال: مر ابن عمر براعي غنم فقال: يا راعى الغنم هل من جزرة؟ قال: ما ههنا ربها. قال: تقول أكلها الذئب؟ فرفع الراعي رأسه
_________________
(١) = النبيذ: يعمل في الأشربة من التمر والزبيب ولا يسكر.
(٢) الطبقات الكبرى (٤/ ١٨٣). وذكره الذهبي في السير (٣/ ٢٣١). وقال محققه إسناده قوي.
(٣) رواه البزار ورجاله موثقون.
(٤) رواه الطبراني بأسانيد وأحدها رجاله رجال صحيح.
(٥) المعجم الكبير (١٢، ٢٦٠، ٢٦١). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٤٧): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير برد من سنان وهو ثقة. مزعة لحم: قطعة لحم؟
(٦) المعجم الكبير (١٢/ ٢٦٣). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٤٧): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن الحارث الحاطبي وهو ثقة. جزرة: جمل للذبح.
[ ٤ / ١٨٣٠ ]
إلى السماء ثم قال: فأين الله؟ فقال ابن عمر: فأنا والله أحق أن أقول فأين الله. فاشترى ابن عمر واشترى الغنم فأعتقه وأعطاه الغنم.
أقول: كان فعل ابن عمر امتحانًا للراعي.
١٩٥٢ - * روى الطبراني عن مكحول قال: بينا أنا مع ابن عمر وهو يمشي إذ مر به رجل أسود معه رمح فوضع زج الرمح بين السبابة والإبهام من قدم ابن عمر، فحمل الشيخ فأدخل، فورمت ساقه، فأتاه الحجاج يعوده فقال: يا أبا عبد الرحمن من أصابك بهذا حتى آخذ لك منه؟ قال: الله ليأخذن منه؟ الله ليأخذن منه؟ قال: ما بال حرم الله وأمنه يحمل فيه السلاح؟ قال: فمات فيه.
أقول: في الحديث إشارة إلى أن القاتل الحقيقي هو الحجاج الذي سمح بإدخال السلاح إلى حرم الله.
قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: في الزهد للبيهقي بسند صحيح عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر: سعت أبي يقول: ما ذكر ابن عمر رسول الله ﵌ إلا بكى، ولا مر على ربعهم إلا غمض عينيه. وأخرجه الدارمي من هذا الوجه في تاريخ أبي العباس بسند جيد عن نافع: كان ابن عمر إذا قرأ هذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ يبكي حتى يفنيه البكاء. وعند ابن سعد بسند صحيح، قيل لنافع: ما كان ابن عمر يصنع في منزله؟ قال: الوضوء لكل صلاة والمصحف فيما بينهما. وعند الطبراني وهو في الحليلة بسند جيد عن نافع؛ أن ابن عمر كان يحيى الليل صلاة ثم يقول: يا نافع أسحرنا. فيقول: لا. فيعاود فإذا قال: نعم. قعد يستغفر الله حتى يصبح اهـ.
والمقصود بربعهم: دار الرسول ﷺ.
_________________
(١) المعجم الكبير (١٢/ ٢٥٩). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٧): رواه الطبراني بإسنادين ورجال هذا ثقات. الزج: حربة الرمح.
[ ٤ / ١٨٣١ ]
١٩٥٣ - * روى ابن سعد عن نافع أن ابن عمر كان لا يصوم في السفر ولا يكاد يفطر في الحضر.
١٩٥٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: كان الرجل في حياة رسول الله ﷺ إذا رأى رؤيا قصها على النبي ﷺ، فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي ﷺ، وكنت غلامًا شابًا عزبًا، أنام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ، فرأيت في المنام كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان كقرني البئر، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، فلقيهما ملك آخر، فقال لي: لم ترع. فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: "نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل". قال سالم: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلًا.
وللبخاري (٣) أيضًا، أن ابن عمر قال: رأيت في النوم: كأن في كفي سرقة من حرير، لا أهوى بها إلى مكانٍ في الجنة إلا طارت بي إليه، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي ﷺ، فقال: "إن أخاك رجل صالح". أو قال: "إن عبد الله رجل صالح".
وفي أخرى (٤) له قال: إن رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله ﷺ، فيقصونها على رسول الله ﷺ، فيقول فيها رسول الله ﷺ ما شاء الله وأنا غلام حديث السن، بيتي المسجد قبل أن أنكح، فقلت في نفسي: لو كان فيك
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٤/ ١٤٨) وسنده جيد.
(٢) البخاري (٣/ ٦) ١٩ - كتاب التهجد -٢ - باب فضل قيام الليل. مسلم (٤/ ١٩٢٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣١ - باب فضائل عبد الله بن عمر.
(٣) البخاري (١٢/ ٤٠٣) ١١ - كتاب التعمير -٢٥ - باب الاستبراق ودخول الجنة في المنام. سرقة: السرقة بفتحتين: الحرير، وجمعها: سرق. أفرى: بيده إلى الشيء: مدها إليه ليأخذه.
(٤) البخاري (١٣/ ٤١٨) ٩١ - كتاب التعبير -٣٥ - باب الأمن وذهاب الروع في المنام.=
[ ٤ / ١٨٣٢ ]
خير، لرأيت ما يرى هؤلاء، فلما اضطجعت ليلة قلت: اللهم إن كنت تعلم في خيرًا، فأرني رؤيا. فبينا أنا كذلك إذ جاءني ملكان، في يد كل واحدٍ منهما مقمعة حديد، فحملاني إلى جهنم، وأنا بينهما أدعو الله: اللهم إني أعوذ بك من جهنم، ثم أراني لقيني ملك في يده مقمعة من حديدٍ، فقال: لم ترع، نعم الرجل أنت، لو تكثر الصلاة. فانطلقوا بي، حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا هي مطوية كطي البئر، ولها قرون كقرون البئر بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد، وأرى فيها رجالًا معلقين بالسلاسل، رؤوسهم أسفلهم، عرفت فيها رجالًا من قريش، فانصرفوا بي عن ذات اليمين، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: "إن عبد الله رجل صالح". قال نافع: فلم يزل بعد ذلك يكثر الصلاة.
وفي رواية لمسلم (١): رأيت في المنام كأن في يدي قطعة استبرق، وليس مكان من الجنة أريد إلا طارت بي إليه، فقصصته على حفصة، فقصته على النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: "أرى عبد الله رجلًا صالحًا".
(لو كان يصلي من الليل) هي هنا للتمني، لا للشرط، ولذلك لم يذكر الجواب.
قال المهلب: إنما فسر رسول الله ﷺ هذه الرؤيا في قيام الليل من أجل قول الملك. "لم ترع". أي لم تعرض عليك النار، لأنك مستحقها، وإنما ذكرت بها، ثم نظر رسول الله ﷺ في أحواله، فلم ير شيئًا يغفل عنه من الفرائض فيدني من النار، وعلم مبيته في المسجد، فعبر ذلك بأن تنبيه له على قيام الليل فيه.
١٩٥٥ - * روى الحاكم عن ابن عمر ﵄ قال: لما فرض عمر لأسامة بن زيد ثلاثة آلاف وفرض لي ألفين وخمس مائة، فقلت له: يا أبت لم تفرض لأسامة بن زيد ثلاثة
_________________
(١) =لم ترع: أي لم تفزع. مقمعة: واحدة المقامع، وهي سياط تعمل من حديد رؤوسها معوجة. شفير جهنم: شفير الوادي: جانبه وحرفة.
(٢) مسلم (٤/ ١٩٢٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣١ - باب من فضائل عبد الله بن عمر. استبرق: الاستبرق: ما غلظ من الديباج.
(٣) المستدرك (٢/ ٥٥٩). وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٤ / ١٨٣٣ ]
آلاف وتفرض لي ألفين وخمس مائة؟ والله ما شهد أسامة مشهدًا غبت عنه، ولا شهد أبوه مشهدًا غاب عنه أبي. قال: صدقت يا بني، ولكني أشهد: لأبوه كان أحب الناس إلى رسول الله ﵌ من أبيك، ولهو أحب إلى رسول الله ﵌ منك. قال الحاكم: فإن توهم متوهم أن هذه الفضيلة لأسامة فليعلم أني إنما خرجت هذا الحديث لأمرين: أحدهما شهادة عمر لابنه أنه لم يشهد أسامة مشهدًا إلا شهدته، وهذه من أجل فضائل ابن عمر، والثاني أن الشيخين ﵄ قد خرجا أكثر ما روي من فضائل ابن عمر على شرطهما من المسانيد فأنا أجتهد في تحصيل خبر مسند صحيح لم يخرجاه.
[ ٤ / ١٨٣٤ ]
١٥ - بلال بن رباح ﵁
قال ابن حجر في ترجمته:
بلال بن رباح الحبشي المؤذن، وهو بلال بن حمامة وهي أمه .. اشتراه أبو بكر الصديق من المشركين لما كانوا يعذبونه على التوحيد فأعتقه، فلزم النبي ﵌ وأذن له، وشهد معه جميع المشاهد، وآخى النبي ﷺ بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، ثم خرج بلال بعد النبي ﵌ مجاهدًا إلى أن مات بالشام. قال أبو نعيم: كان ترب أبي بكر وكان خازن رسول الله ﷺ. وروى أبو إسحاق الجوزجاني في تاريخه من طريق منصور عن مجاهد قال: قال عمار كل قد قال ما أرادوا -يعني المشركين- غير بلال.
ومناقبه كثيرة مشهورة قال ابن إسحاق: كان لبعض بني جمح. مولد من مولديهم واسم أمه حمامة، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة على صدره، ثم يقول: لا يزال على ذلك حتى يموت أو يكفر بمحمد. فيقول وهو في ذلك أحد أحد. فمر به أبو بكر فاشتراه منه بعبد له أسود جلد.
قال البخاري: ومات بالشام زمن عمر. وقال ابن بكير: مات في طاعون عمواس. وقال عمرو بن علي: مات سنة عشرين. وقال ابن زبر: مات بداريا. وفي المعرفة لابن منده أنه دفن بحلب. اهـ.
وقال ابن كثير: ولما شرع الأذان بالمدينة كان هو الذي يؤذن بين يدي رسول الله ﷺ وابن أم مكتوم يتناوبون، تارة هذا وتارة هذا، وكان بلال ندي الصوت حسنه، فصحًا وأذن يوم الفتح على ظهر الكعبة .. قالوا: وكان بلال آدم شديد الأدمة طويلًا نحيفًا كثير الشعر خفيف العارضين.
قال ابن بكير: توفي بدمشق في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة. وقال محمد بن إسحاق وغير واحد: توفي سنة عشرين. قال الواقدي: ودفن بباب الصغير، وله بضع وستون
[ ٤ / ١٨٣٥ ]
سنة. ا. هـ.
ومما ورد فيه:
١٩٥٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ لبلال صلاة الغداة: "حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام منفعة، فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة". قال بلال: ما عملت عملًا في الإسلام أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهورًا تامًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي.
١٩٥٧ - * روى البخاري عن جابر قال: كان عمر يقول: أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا. يعني بلالًا.
١٩٥٨ - * روى الحاكم عن عبد الله بن مسعود قال: أول من أظهر إسلامه سبعة؛ رسول الله ﷺ، وأبو بكر، وعمار، وأمة سمية، وبلال، وصهيب، والمقداد. فأما النبي ﷺ، وأبو بكر فمنعهما الله بقومهما، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم أحد إلا وأتاهم ما أرادوا إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد.
ذكر الذهبي في السير (١) عن قيس قال: اشترى أبو بكر بلالًا وهو مدفون في الحجارة بخمس أواق ذهبًا، فقالوا: لو أبيت إلا أوقية لبعناكه. قال: لو أبيتم إلا مئة أوقية لأخذته.
_________________
(١) البخاري (٢/ ٣٤) ١٩ - كتاب التهجد -١٧ - باب فضل الطهور بالليل والنهار وفضل الصلاة بعد الوضوء بالليل والنهار.
(٢) ومسلم (٤/ ١٩١٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٢١ - باب من فضائل بلال.
(٣) البخاري (٧/ ٩٩) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة ٢٣ - باب مناقب بلال بن رباح.
(٤) المستدرك (٢/ ٢٨٤). وصححه ووافقه الذهبي. السير (١/ ٣٥٢) وقال محققه: إسناده قوي.
[ ٤ / ١٨٣٦ ]
١٩٥٩ - * روى مسلم عن سعد قال: كنا مع رسول الله ﷺ ستة نفر، فقال المشركون: اطرد هؤلاء عنك فلا يجترئون علينا. وكنت أنا وابن مسعود وبلال ورجل من هذيل وآخران، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ (٢).
١٩٦٠ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة قالت: لما قدم النبي ﷺ المدينة، وعك أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما، فقلت: يا أبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئٍ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بوادٍ وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يومًا مياه مجنةٍ وهل يبدون لي شامة وطفيل
الله ألعن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء، ثم قالت: قال رسول الله ﷺ: "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم صححها، وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة". قالت: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله. قالت: وكان نطحان يجري نجلًا. يعني ماء آجنا.
_________________
(١) مسلم (٤/ ١٨٧٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٥ - باب في فضل سعد بن أبي وقاص.
(٢) الأنعام: ٥٢.
(٣) البخاري (٧/ ٢٦٢) ٦٢ - كتاب مناقب الأنصار -٤٦ - باب مقدم النبي ﷺ وأصحابه المدينة. ومسلم (٢/ ١٠٠٣) ١٥ - كتاب الحج -٨٦ - باب الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوائها. وعك: أصيب بالوعك وهو الحمى. مصبح: أي مصاب بالموت صباحًا. يرفع عقيرته: يرفع صوته. مجنة: موضع على ستة أميال من مكة وكان فيه سوق. شامة وطفيل: جبلان بأرض مكة وقيل هما عينان لا جبلان. اذخر وجليل: نبات. النجل: الماء القليل الذي ياز نزا وهو كالرشح. أجن: يأجن الماء فهو أجن: إذا تغير لونه وطعمه وريحه.
[ ٤ / ١٨٣٧ ]
١٩٦١ - * روى الحاكم عن عمرو بن ميمون: أن أخًا لبلال كان ينتمي إلى العرب ويزعم أنه منهم فخطب امرأة من العرب فقالوا: إن حضر بلال زوجناك. قال: فحضر بلال فقال: أنا بلال بن رباح وهذا أخي وهو امرؤ سيء الخلق والدين فإن شئتم أن تزوجوه فزوجوه وإن شئتم أن تدعوا فدعوا. فقالوا: من تكن أخاه نزوجه. فزوجوه.
قال الحاكم: أخو بلال هذا له رواية.
١٩٦٢ - * روى الحاكم عن عائشة، قالت: أعتق أبو بكر ﵁ سبعة ممن كان يعذب في الله ﷿ منهم بلال وعامر بن فهيرة.
١٩٦٣ - * روى الطبراني: عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "مثل بلال مثل النخلة غدت تأكل من الحلو والمر، ثم هو حلو كله".
* * *
_________________
(١) المستدرك (٢/ ٢٨٢) وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) المستدرك (٢/ ٢٨٤) وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٠٠): رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.
[ ٤ / ١٨٣٨ ]
١٦ - أبي بن كعب ﵁
قال ابن حجر في الإصابة:
أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري النجاري أبو المنذر وأبو الطفيل سيد القراء .. كان من أصحاب العقبة الثانية وشهد بدرًا والمشاهد كلها، قال له النبي ﵌: "ليهنك العلم أبا المنذر". وقال له: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك". وكان عمر يسميه سيد المسلمين، ويقول اقرأ: يا أبي. ويروى ذلك عن النبي ﵌ أيضًا. وأخرج الأئمة أحاديثه في صحاحهم. وعده مسروق في الستة من أصحاب الفتيا. قال الواقدي: وهو أول من كتب للنبي ﷺ، وأول من كتب في آخر الكتاب: وكتب فلان بن فلان. وكان ربعة أبيض اللحية لا يغير شيبه. وممن روى عنه من الصحابة عمر، وكان يسأله عن النوازل ويتحاكم إليه في المعضلات، وأبو أيوب وعبادة بن الصامت وسهل بن سعد وأبو موسى وابن عباس وأبو هريرة وأنس وسليمان بن صرد وغيرهم. قال ابن أبي خيثمة سمعت يحيى ابن معين يقول: مات أبي بن كعب سنة عشرين أو تسع عشرة. وقال الواقدي: ورأيت آل أبي وأصحابنا يقولون مات سنة اثنين وعشرين، فقال عمر: اليوم مات سيد المسلمين. قال: وقد سمعت من يقول مات من خلافة عثمان سنة ثلاثين. وهو أثبت الأقاويل. وقال ابن عبد البر: الأكثر على أنه في خلافة عمر. قلت: وصحح أبو نعيم أنه مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، واحتج له بأن زر بن حبيش لقيه في خلافة عثمان.
وروى البخاري في تاريخه عن عبد الرحمن بن أبزي قال: قلت لأبي لما وقع الناس في أمر عثمان فذكر القصة، وروى البغوي عن الحسن في قصته له: أنه مات قبل قتل عثمان بجمعة.
وقال ابن حبان: مات سنة ثنتين وعشرين في خلافة عمر وقد قيل إنه بقى إلى خلافة عثمان.
وثبت عن أبي سعيد الخدري أن رجلًا من المسلمين قال: يا رسول الله أرأيت هذه
[ ٤ / ١٨٣٩ ]
الأمراض التي تصيبنا مالنا فيها؟ قال: "كفارات". فقال أبي بن كعب: يا رسول الله وإن قلت؟ "وإن شوكة. فما فوقها". فدعا أبي أن لا يفارقه الوعك حتى يموت، وأن لا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد ولا صلاة مكتوبة في جماعة. قال: فما مس إنسان جسده إلا وجد حره حتى مات. رواه أحمد وأبو يعلى وابن أبي الدنيا وصححه ابن حبان ورواه الطبراني من حديث أبي بن كعب بمعناه وإسناده حسن ا. هـ.
وقال ابن كثير في ترجمته: كان سيدًا جليل القدر. وهو أحد القراء الأربعة الخزرجيين الذين جمعوا القرآن في حياة رسول الله ﷺ وقد قال لعمر يوما: إني تلقيت القرآن ممن تلقاه من جبريل وهو رطب. وفي المسند والنسائي وابن ماجة من طريق أبي قلابة عن أنس مرفوعًا: "أقرأ أمتي أبي بن كعب". وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال له: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن". قال: وسماني لك؟ قال: "نعم". فذرفت عيناه قال الهيثم ابن عدي: توفي أبي سنة تسع عشرة. وقال يحيى بن معين: سنة سبع عشرة أو عشرين. وقال الواقدي عن غير واحد: توفى سنة ثنتين وعشرين. وبه قال أبو عبيد وابن غير وجماعة. وقال الفلاس وخليفة: توفى في خلافة عثمان بن عفان ﵁. ا. هـ.
قال الذهبي: شهد العقبة، وبدرًا، وجمع القرآن في حياة النبي ﷺ، وعرض على النبي، ﵇، وحفظ عنه علمًا مباركًا، وكان رأسًا في العلم والعمل، ﵁ .. وكان أبي نحيفًا، قصيرًا، أبيض الرأس واللحية ا. هـ.
ومما ورد فيه:
١٩٦٤ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ لأبي: "إن الله ﷿ أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: وسماني؟ قال: "نعم" فبكى.
وفي رواية (١) مثله، ولم يسم سورة، وفيه قال: الله سماني لك؟ قال: "الله سماك
_________________
(١) البخاري (٧/ ١٢٧) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -١٦ - باب مناقب أبي بن كعب. ومسلم (٤/ ٦٩١٥) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٢٢ - باب من فضائل أبي بن كعب وجماعة من الأنصار.
(٢) مسلم في نفس الوضع السابق.
[ ٤ / ١٨٤٠ ]
لي". قال: فجعل أبي يبكي.
وللبخاري (١) أن النبي ﷺ قال لأبي بن كعب: "إن الله أمرني أن أقرئك القرآن". قال: الله سماني؟ قال: "نعم". قال: وقد ذكرت عند رب العالمين؟ قال: "نعم". فذرفت عيناه.
قال الحافظ في الفتح: ويؤخذ من هذا الحديث مشروعية التواضع في أخذ الإنسان العلم من أهله وإن كان دونه. وقال القرطبي: خص هذه السورة بالذكر، لما اشتملت عليه من التوحيد والرسالة والإخلاص والصحف والكتب المنزلة على الأنبياء، وذكر الصلاة والزكاة، والمعاد وبيان أهل الجنة والنار مع وجازتها.
١٩٦٥ - * روى أحمد والنسائي عن قيس بن عباد قال: أتيت المدينة للقاء أصحاب محمد ﷺ، ولم يكن فيهم رجل ألقاه أحب إلي من أبي، فأقيمت الصلاة، وخرج عمر مع أصحاب رسول الله ﷺ فقمت في الصف الأول، فجاء رجل فنظر في وجوه القوم، فعرفهم غيري، فنحاني، وقام في مقامي، فما عقلت صلاتي. فلما صلى، قال: يا بني! لا يسؤوك الله، فإني لم آت الذي أتيت بجهالة، ولكن رسول الله ﷺ قال لنا: "كونوا في الصف الذي يليني" وإني نظرت في وجوه القوم، فعرفتهم غيرك. وإذا هو أبي ﵁.
١٩٦٦ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "استقرئوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وأبي، ومعاذ، وسالم مولى أبي حذيفة".
١٩٦٧ - * روى أبو داود عن ابن عمر أن النبي ﷺ صلى صلاة، فلبس عليه، فلما
_________________
(١) البخاري (٨/ ٧٣٥) -٦٥ - كتاب التفسير ٩٨ - سورة: ﴿لَمْ يَكُنِ﴾.
(٢) أحمد في مسنده (٥/ ١٤٠). والنسائي (٢/ ٨٨) كتاب الإمامة -٢٣ - باب من يلي الإمام ثم الذي يليه: وإسناده صحيح.
(٣) البخاري (٧/ ١٠١) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة -٢٦ - باب مناقب مولى أبي حذيفة.
(٤) أبو داود (١/ ٢٣٩) كتاب الصلاة، باب الفتح على الإمام في الصلاة.
[ ٤ / ١٨٤١ ]
انصرف، قال لأبي: "أصليت معنا؟ " قال: نعم. قال: "فما منعك".
قال الخطابي: أراد: ما منعك أن تفتح علي إذ رأيتين قد لبس علي؟ وفيه دليل على جواز تلقين الإمام.
١٩٦٨ - * روى الترمذي وابن ماجه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وغن لكل أمة أمينًا، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة ابن الجراح".
١٩٦٩ - * روى أحمد عن أبي سعيد قال: قال أبي: يا رسول الله ﷺ، ما جزاء الحمى؟ قال: "تجري الحسنات على صاحبها". فقال: اللهم إني أسألك حمى لا تمنعني خروجًا في سبيلك. فلم يمس أبي قط إلا وبه الحمى.
قال الذهبي: ملازمة الحمى له حرفت خلقه يسيرًا، ومن ثم يقول زر بن حبيش: كان أبي فيه شراسة.
١٩٧٠ - * روى مسلم عن أبي بن كعبٍ؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "يا أبا المنذر! أتدري أي آيةٍ من كتاب الله معك أعظم؟ " قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "يا أبا المنذر! أتدري أي آيةٍ من كتاب الله معك أعظم؟ ". قال قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال: فضرب في صدري وقال: "والله! ليهنك العلم أبا المنذر".
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٦٦٥) ٥٠ - كتاب المناقب -٢٣ - باب مناقب معاذ بن جبل. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة (١/ ٥٥) المقدمة -١١ - باب في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ.
(٢) أحمد في مسنده (٣/ ٢٣).
(٣) مسلم (١/ ٥٥٦) ٦ - كتاب صلاة المسافرين -٤٤ - باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي. ليهنك العلم: ليكن العلم هنيئًا لك.
[ ٤ / ١٨٤٢ ]
١٩٧١ - * روى البخاري ومسلم عن قتادة، قال: سمعت أنسًا يقول: جمع القرآن، على عهد رسول الله ﷺ، أربعة، كلهم من الأنصار: معاذ بن جبلٍ، وأبي بن كعبٍ، وزيد بن ثابتٍ، وأبو زيدٍ.
قال قتادة: قلت لأنسٍ: من أبو زيدٍ؟ قال: أحد عمومتي.
١٩٧٢ - * روى أحمد عن ابن عباس قال: قال أبي لعمر بن الخطاب: إني تلقيت القرآن ممن تلقاه من جبريل ﵇ وهو رطب.
١٩٧٣ - * روى البخاري عن ابن عباس قال: قال عمر ﵁: أقرؤنا أبي، وأقضانا علي. وإنا لندع من قول أبي، وذاك أن أبيًا يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ. وقد قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ (١).
١٩٧٤ - * روى ابن سعد عن عتي بن ضمرة قال: رأيت أهل المدينة يموجون في سككهم. فقلت: ما شأن هؤلاء؟ فقال بعضهم: ما أنت من أهل البلد؟ قلت: لا. قال: فإنه قد مات اليوم سيد المسلمين، أبي بن كعب.
١٩٧٥ - * روى ابن سعد عن أبي قال: إنا لنقرؤه في ثمان ليالٍ. يعني القرآن.
_________________
(١) البخاري (٩/ ٤٧) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن -٨ - باب القراء من أصحاب النبي ﷺ. ومسلم (٤/ ١٩١٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٢٣ - باب من فضائل أبي بن كعب وجماعة من الأنصار.
(٢) أحمد في مسنده (٥/ ١١٧).
(٣) البخاري (٨/ ١٦٧) ٦٥ - كتاب التفسير -٧ - باب قوله: م (ما ننسخ من آية أو ننسها). وقوله: ننسها: من النسيان. وهي قراءة ما سوى ابن كثير، وأبي عمرو من السبعة: وفي رواية البخاري "أو ننسأها" أي: نؤخرها. وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو.
(٤) البقرة: ١٠٦.
(٥) الطبقات الكبرى (٣/ ٥٠١) ورجاله ثقات. وانظر السير (١/ ٢٣٩).
(٦) الطبقات الكبرى (٣/ ٥٠١) وإسناده صحيح.
[ ٤ / ١٨٤٣ ]
١٧ - أبو طلحة الأنصاري ﵁
قال ابن حجر في الإصابة:
زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عمرو بن مالك بن عدي ابن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي أبو طلحة .. مشهور بكنيته، ووهم عن سماه سهل بن زيد وهو قول ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة في تسمية من شهد العقبة، وقد قال ابن سعد: أخبرنا معن بن عيسى أخبرنا أبو طلحة من ولد أبي طلحة قال: اسم أبي طلحة زيد.
وهو القائل:
أنا أبو طحة واسمي زيد وكل يوم في سلاحي صيد
كان من فضلاء الصحابة وهو زوج أم سليم. ا. هـ.
وقال الذهبي: وكان قد سرد الصوم بعد النبي ﷺ .. وذكر عروة وموسى بن عقبة وابن إسحاق: أن أبا طلحة ممن شهد العقبة وبدرًا .. عاش بعد النبي ﷺ نيفًا وعشرين سنة وكان جلدًا صيتًا آدم مربوعًا لا يغير شيبه .. مات سنة أربع وثلاثين .. روى عن النبي ﷺ نيفًا وعشرين حديثًا منها في الصحيحين حديثان وتفرد البخاري بحديث ومسلم بحديث. ﷺ.
ومما ورد فيه:
١٩٦٧ - * روى الطبراني عن أنس قال: خطب أبو طلحة أم سليم قبل أن يسلم، فقالت: أما إني فيك لراغبة، وما مثلك يرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، فإن تسلم فذلك مهري لا أسألك غيره. فأسلم أبو طلحة وتزوجها.
قال ثابت البناني: فما سمعنا بمهر كان قط أكرم من مهر أم سليم: الإسلام.
_________________
(١) المعجم الكبير (٥/ ٩١) وإسناده صحيح.
[ ٤ / ١٨٤٤ ]
١٩٧٧ - * روى أبو داود والحاكم عن أنس أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: "من قتل قتيلًا فله سلبه". فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم.
١٩٧٨ - * روى مسلم عن أنس بن مالكٍ؛ أن رسول الله ﷺ رمى جمرة العقبة، ثم انصرف إلى البدن فنحرها، والحجام جالس، وقال بيده عن رأسه، فحلق شقه الأيمن فقسمه فيمن يليه، ثم قال: "احلق الشق الآخر". فقال: "أين أبو طلحة؟ " فأعطاه إياه.
١٩٧٩ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالكٍ، يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالًا، وكان أحب أمواله إليه بيرحى، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماءٍ فيها طيبٍ.
قال أنس: فلما نزلت هذه الآية ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٤) قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: إن الله يقول في كتابه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. وإن أحب أموالي إلي بيرحى، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله، حيث شئت، قال رسول الله ﷺ "بخ! ذلك مال رابح. ذلك مال رابح. قد سمعت ما قلت فيها".
_________________
(١) أبو داود (٣/ ٧١) -كتاب الجهاد، باب في السلب. والمستدرك (٣/ ٣٥٣). وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) مسلم (٢/ ٩٤٧) -كتاب الحج- ٥٦ - باب بيان أن السنة يوم النحر.
(٣) البخاري (٣/ ٣٢٥) ٢٤ - كتاب الزكاة -٤٤ - باب الزكاة على الأقارب. ومسلم (٢/ ٦٩٣) ١٢ - كتاب الزكاة -١٤ - باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين. بيرحى: اختلفوا في ضبط هذه اللفظة على أوجه. قال القاضي ﵀: روينا هذه اللفظة عن شيوخنا بفتح الراء وضمها مع الكسر الباء. وبفتح الباء والراء. وهذا الموضع يعرف بقصر بني جديلة قبلي المسجد. وهو حائط يسمى بهذا الاسم. ومعنى الحائط، هنا، البستان. وقال في الفائق: إنها فيعلى، من البراح، وهي الأرض المنكشفة الظاهرة. أرجو برها وذخرها: يعني لا أريد ثمرتها العاجلة الدنيوية الفانية، بل أطلب مثوبتها الآجلة الأخروية الباقية. بخ: قال أهل اللغة: بخ، بإسكان الخاء وتنوينها مكسورة. قال ابن دريد: معناه تعظيم الأمر وتفخيه.
(٤) آل عمران: ٩٢.
[ ٤ / ١٨٤٥ ]
١٩٨٠ - * روى أحمد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "لصوت أبي طلحة أشد على المشركين من فئة".
وفي رواية "لصوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة".
١٩٨١ - * روى مسلم، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني مجهود فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق! ما عندي إلا ماء. ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك. حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا، والذي بعثك بالحق! ما عندي إلا ماء. فقال: "من يضيف هذا، الليلة، رحمة الله". فقام رجل من الأنصار فقال: أنا. يا رسول الله! فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا. إلا قوت صبياني. قال: فعلليهم بشيءٍ. فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل، فإذ أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه. قال: فقعدوا وأكل الضيف. فلما أصبح غدا على النبي ﷺ. فقال: "قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة".
وفي رواية للبخاري (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أصابني الجهد. فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا، فقال رسول الله ﷺ: "ألا رجل يضيفه الليلة يرحمه الله؟ " فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيف رسول الله ﷺ لا تدخريه شيئًا. فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالى فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة. ففعلت. ثم غدا الرجل على رسول الله ﷺ فقال:
_________________
(١) أحمد في مسنده (٣/ ١١٢، ٢٤٩). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣١٢): رواه أحمد وأبو يعلى ورجال الرواية الأولى رجال الصحيح.
(٢) مسلم (٢/ ١٦٣٤) ٣٦ - كتاب الأشربة -٣٢ - باب إكرام الضيف وفضل إيثاره. مجهود: رجل مجهود: مهزول جائع. فعلليهم: تعليل الطفل: وعده وتسويفه وتمنيته، وشغله عما يراد صرفه عنه.
(٣) البخاري (٨/ ٦٣١) ٦٥ - كتاب التغير -٥٩ - سورة الحشر -٦ - باب ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. نطوي بطوننا الليلة: أي نبيت بغير عشاء. =
[ ٤ / ١٨٤٦ ]
"لقد عجب الله ﷿أوضحك- من فلانٍ وفلانة". فأنزل الله ﷿: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١).
وفي رواية الترمذي (٢) عن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا من الأنصار بات به ضيف، ولم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية، وأطفئي السراج، وقربي للضيف ما عندك. فنزلت هذه الآية: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
١٩٨٢ - * روى الحاكم عن أنس: أن أبا طلحة قال: لا أتأمر على اثنين ولا أذمهما.
١٩٨٣ - * روى الحاكم أخبرنا حماد بن سلمة عن أنس بن مالك أن أبا طلحة قرأ هذه الآية ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. فقال: استنفرنا الله وأمرنا الله واستنفرنا شيوخًا وشبابا جهزوني. فقال بنوه: يرحمك الله إنك قد غزوت على عهد النبي ﵌ وأبي بكر وعمر ونحن نغزو عنك الآن. فغزا البحر فمات. فطلبوا جزيرة يدفنونه فيها فلم يقدروا عليه إلا بعد سبعة أيام وما تغير.
١٩٨٤ - * روى الحاكم عن أنس بن مالك أن أبا طلحة كان يرمي بين يدي رسول الله ﵌ وكان النبي ﵌ يرفع ظهره من خلفه لينظر أين يقع نبله فيتطاول أبو طلحة بصدره يقي به رسول الله ﵌ هكذا: يا نبي الله جعلني الله فداك نحري دون حراك.
* * *
_________________
(١) = خصاصة: الخصاصة: الحاجة والقافة.
(٢) الحشر: ٩.
(٣) الترمذي (٥/ ٤٠٩) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن -٦٠ - باب ومن سورة الحشر. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٤) المستدرك (٣/ ٣٥٣). وصححه ووافقه الذهبي.
(٥) المستدرك (٣/ ٣٥٣). وصححه وسكت عنه الذهبي. قال ابن حجر: أخرجه القسوي في تاريخه، وأبو يعلى وإسناده صحيح.
(٦) المستدرك (٣/ ٣٥٣). وصححه وسكت عن الذهبي. وقال في الإصابة: صحيح الإسناد.
[ ٤ / ١٨٤٧ ]
١٨ - المقداد بن عمرو (المشهور بابن الأسود) ﵁
قال ابن حجر في الإصابة:
المقداد بن الأسود الكندي هو ابن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مطرود البهراني وقيل الحضرمي .. قال ابن الكلبي كان عمرو بن ثعلبة أصاب دما في قومه فلحق بحضرموت فحالف كندة فكان يقال له الكندي، وتزوج هناك امرأة فولدت له المقداد، فلما كبر المقداد وقع بينه وبين أبي شمر بن حجر الكندي فضرب رجله بالسيف وهرب إلى مكة فحالف الأسود بن عبد يغوث الزهري، وكتب إلى أبيه فقدم عليه، فتبنى الأسود المقداد فصار يقال له المقداد بن الأسود، وغلبت عليه واشتهر بذلك، فلما نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾. قيل له المقداد بن عمرو، واشتهرت شهرته بابن الأسود وكان المقداد يكنى أبا الأسود، وقيل كنيته أبو عمرو، وقيل أبو سعيد، وأسلم قديمًا وتزوج ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ابنة عم النبي ﵌ وهاجر الهجرتين وشهد بدرًا والمشاهد بعدها، وكان فارسًا يوم بدر حتى إنه لم يثبت أنه كان فيها على فرس غيره. وقال زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود: أول من أظهر إسلامه سبعة. فذكره فيهم. وقال مخارق بن طارق عن ابن مسعود: شهدت مع المقداد مشهدًا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به. وذكر البغوي من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم عن زر: أول من قاتل على فرس في سبيل الله المقداد بن الأسود. ومن طريق موسى بن يعقوب الزمعي عن عمته قريبة عن عمتها كريمة بنت المقداد عن أبيها: شهدت بدرًا على فرس لي يقال لها سبحة. ومن طريق يعقوب بن سلمان عن ثابت البناني قال: كان المقداد وعبد الرحمن بن عوف جالسين فقال له: مالك لا تتزوج؟ قال: زوجني ابنتك. فغضب عبد الرحمن وأغلظ له، وفشكا ذلك للنبي ﵌ فقال: "أنا أزوجك". فزوجه بنت عمه ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب. وعن المدايني قال: كان المقداد طويلًا آدم كثير الشعر أعين مقرونًا يصفر لحيته. وأخرج يعقوب بن سفيان وابن شاهين من طريقه بسنده إلى كريمة زوج المقداد: كان المقداد عظيم البطن، وكان له غلام رومي فقال له: أشق بطنك، فأخرج من شحمه حتى تلطف. فشق بطنه ثم خاطه، فمات المقداد وهرب الغلام. وقال
[ ٤ / ١٨٤٨ ]
أبو ربيعة الإيادي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ: "إن الله ﷿ أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم علي والمقداد وأبو ذر وسلمان". وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وسنده حسن. وروي المقداد عن النبي ﷺ أحاديث، روي عنه علي وأنس وعبيد الله بن عدي بن الخيار وهمام بن الحارث وعبد الرحمن بن أبي ليلى وآخرون. اتفقوا على أنه مات سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان، قيل وهو ابن سبعين سنة ا. هـ.
وقال الذهبي: صاحب رسول الله ﷺ وأحد السابقين الأولين القضاعي الكندي البهراني شهد بدرًا والمشاهد له جماعة أحاديث حديث في الستة، له حديث في الصحيحين، وانفرد له مسلم بأربعة أحاديث ا. هـ.
١٩٨٥ - * روى الحاكم عن المقداد بن الأسود قال: بعثني رسول الله ﵌ مبعثًا فلما رجعت قال لي: "كيف تجد نفسك؟ " قلت: ما زلت حتى ظننت أنه من معي خولي، وايم الله لا أعلم على رجلين بعدها.
١٩٨٦ - * روى مسلم عن المقداد بن عمرو -وهو ابن الأسود﵁ قال: أقبلت أنا وصاحبان لي، وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد، فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ﷺ، فليس أحد منهم يقبلنا فأتينا النبي ﷺ، فانطلق بنا إلى أهله، فإذا ثلاثة أعنزٍ، فقال النبي ﷺ: "احتلبوا هذا اللبن بيننا". قال: فكنا نحتلب، فيشرب كل إنسان منا نصيبه ونرفع لرسول الله ﷺ نصيبه. قال: فيجيء من الليل، فيسلم تسليمًا لا يوقظ نائمًا ويسمع القيظان. قال: ثم يأتي إلى المسجد فيصلي. قال: ثم يأتي شرابه فيشرب، فأتاني الشيطان ذات ليلة وقد شربت نصيبي، فقال: محمد يأتي الأنصار فيتحفونه، ويصيب عندهم، ما به حاجة إلى هذه الجرعة. فأتيتها فشربتها، فلما أن وغلت في بطني، وعلمت أنه ليس إليها سبيل، ندمني الشيطان، فقال: ويحك،
_________________
(١) المستدرك (٣/ ٣٥٠). وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) مسلم (٣/ ١٦٣٥) ٣٦ - كتاب الأشربة -٣٢ - باب إكرام الضيف. الجهد: المشقة. فيتحفونه: التحفة: الهدية والبر. وغلت: وغل الرجل يغل: إذا دخل في السحر (قبيل الفجر) استعار الوغول لدخول اللبن البطن.=
[ ٤ / ١٨٤٩ ]
ما صنعت؟ أشربت شراب محمد، فيجيء فلا يجده، فيدعو عليك فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك؟ وعلي شملة إذا وضعتها على رأسي خرج قدماي، وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي، فناما، ولم يصنعا ما صنعت، قال: فجاء النبي ﷺ فسلم كما كان يسلم، ثم أتى المسجد فصلى، ثم أتى شرابه فكشف عنه، فلم يجد فيه شيئًا، فرفع رأسه إلى السماء، فقلت: الآن يدعو علي فأهلك. فقال: "اللهم أطعم من أطعمني، واسسق من سقاني". قال: فعمدت إلى الشملة فشددتها علي، وأخذت الشفرة، فانطلقت إلى الأعنز، أيها أسمن فأذبحها لرسول الله ﷺ، فإذا هي حافلة، وإذا هن حفل كلهن، فعمدت إلى إناء لآل محمد ﷺ، ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه. قال: فحلبت فيه، حتى علته رغوة، فجئت إلى رسول الله ﷺ، فقال: "أشربتم شرابكم الليلة؟ " قلت: يا رسول الله! اشرب. فشرب ثم ناولني، فقلت: يا رسول الله! اشرب. فشرب ثم ناولني. فلما عرفت أن النبي ﷺ قد روى، وأصبت دعوته، ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض. قال فقال النبي ﷺ: "إحدى سوآتك يا مقداد". فقلت: يا رسول الله! كان من أمري كذا وكذا، وفعلت كذا. فقال النبي ﷺ: "ما هذه إلا رحمة من الله. أفلا كنت آذنتني، فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها". قال فقلت: والذي بعثك بالحق! ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك، من أصابها من الناس.
١٩٨٧ - (١) روي البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ للمقداد "إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قومٍ كفار فأظهر إيمانه، فقتلته، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل".
قال الحافظ: وهذا التعليق وصله البزار والدارقطني في (الأفراد) والطبراني في الكبير من رواية أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم والد محمد بن أبي بكر المقدمي عن حبيب،
_________________
(١) = شملة: الشملة: كل ما زر من مآزر الأعراب. حافل: ضرع حافل: ممتلئ لبنا والجمع حفل. إحدى سوءاتك: أي أنك فعلت سوأة من الفعلات فما هي. ما هذه إلا رحمة من الله: أي إحداث هذا اللبن في غير وقته وخلاف عادته، وإن الجميع من فضل الله.
(٢) البخاري (١٢/ ١٨٧) ٨٧ - كتاب الديات -١ - باب قول الله تعالى (ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم). تعليقًا.
[ ٤ / ١٨٥٠ ]
وفي أوله: بعث رسول الله ﷺ سرية فيها المقداد، فلما أتوهم وجدوهم وتفرقوا، وفيهم رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فأهوى إليه المقداد فقتله الحديث وفيه: فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: "يا مقداد قتلت رجلًا قال: لا إله إلا الله، فكيف لك بـ لا إله إلا الله" فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١) الآية، فقال النبي ﷺ للمقداد: "كان رجلًا مؤمنًا يخفي إيمانه".
* * *
_________________
(١) النساء: ٩٤.
[ ٤ / ١٨٥١ ]
١٩ - أبو قتادة الأنصاري السلمي ﵁
قال ابن حجر في ترجمته:
أبو قتادة بن ربعي الأنصاري، المشهور أن اسمه الحارث .. وجزم الواقدي وابن القداح وابن الكبي بأن اسمه النعمان وقيل اسمه عمرو. وأبوه ربعي هو ابن بلدهة بن خناس بضم المعجمة وتخفيف النون وآخره مهملة ابن عبيد بن غنم بن سلمة الأنصاري الخزرجي السلمي، وأمه كبشة بنت مطهر بن حرام بن سواد بن غنم، اختلف في شهوده بدرًا فلم يذكره موسى بن عقبة ولا ابن إسحاق واتفقوا على أنه شهد أحدًا وما بعدها وكان يقال له فارس رسول الله ﵌، ثبت ذلك في صحيح مسلم في حديث سلمة بن الأكوع الطويل الذي فيه قصة ذي قرد وغيرها. وكانت وفاة أبي قتادة بالكوفة في خلافة علي، ويقال إنه كبر عليه ستا وقال: إنه بدري. وقال الحسن بن عثمان: مات سنة أربعين وكان شهد مع علي مشاهده: وقال خليفة: ولاه على مكة ثم ولاها قثم بن العباس. اهـ.
ومما ورد فيه:
١٩٨٨ - * روى الطبراني عن سلمة بن الأكوع عن النبي ﷺ، قال: "خير فرساننا أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة بن الأكوع".
١٩٨٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي قتادة، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة. قال: فرأيت رجلًا من المشركين قد علا وجلا
_________________
(١) المعجم الكبير (٣/ ٢٣٩). وإسناده حسن.
(٢) البخاري (٦/ ٢٤٧) ٥٧ - كتاب فرض الخمس -١٨ - باب من لم يخمس الأسلاب ومن قتل قتيلًا فله سلبه. ومسلم (٣/ ١٣٧٠) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير -١٣ - باب استحقاق القاتل سلب القتيل. جولة: أي انهزام وخيفة ذهبوا فيها: وهذا إنما كان في بعض الجيش. وأما رسول الله ﷺ وطائفة معه فلم يولوا. والأحاديث الصحيحة بذلك مشهورة. وسيأتي بيانها في مواضعها. وقد نقلوا إجماع المسلمين على أنه لا يجوز أن يقال انهزم النبي ﷺ. ولم يرو أحد قط أنه انهزم بنفسه ﷺ في موطن من المواطن. بل ثبتت الأحاديث الصحيحة بإقدامه وثباته ﷺ في جميع المواطن.=
[ ٤ / ١٨٥٢ ]
من المسلمين، فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه، فضربته على حبل عاتقه، وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت، فأرسلني، فلحقت عمر ابن الخطاب فقال: ما للناس؟ فقلت: أمر الله. ثم إن الناس رجعوا، وجلس رسول الله ﷺ فقال: "من قتل قتيلًا، له عليه بينة، فله سلبه". قال: فقمت، فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست. ثم قال مثل ذلك. فقال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست. ثم قال ذلك، الثالثة. فقمت فقال رسول الله ﷺ "مالك؟ يا أبا قتادة! " فقصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق، يا رسول الله! سلب ذلك القتيل عندي، فأرضه من حقه. وقال أبو بكر الصديق: لاها الله! إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه. فقال رسول الله ﷺ: "صدق فأعطاه إياه". فأعطاني. قال: فبعت الدرع فابتعت به مخرفًا في بني سلمة. فإنه لأول مالٍ تأثلته في الإسلام.
وفي حديث الليث فقال أبو بكرٍ: كلا لا يعطيه أضيبع من قريشٍ ويدع أسدًا من أسد الله وفي حديث الليث: لأول مالٍ تأثلثه.
ذكر الذهبي في السير (١) موسى بن عبد الله بن يزيد الخطمي قال: صلى علي على أبي قتادة، فكبر عليه سبعًا.
وذكر أيضًا: (٢) أن عمر بعث أبا قتادة، فقتل ملك فارس بيده، وعليه منطقة قيمتها خمسة عشر ألفًا، فنفلها إياه عمر.
١٩٩٠ - * روى أبو داود عن أبي قتادة ﵁: أن النبي ﷺ كان في سفر له،
_________________
(١) = على حبل عاتقه: حب العاتق: عصبه، والعائق: موضع الرداء من المنكب. المخرف: البستان: سمي بذلك لأنه يخترف من الثمر، أي: يجنني. وتأثلثه: أي اقتنيته وتأصلته، وأثلة كل شيء: أصله. وقوله: "لاها الله" أي: لا والله، فالهاء هنا بمنزلة الواو.
(٢) السير (٢/ ٤٥٦). ورجاله ثقات.
(٣) السير (٢/ ٤٥٢). ورجاله ثقات.
(٤) أبو داود (٤/ ٢٥٨) كتاب الأدب -باب في الرجل يقول للرجل: حفظ الله. وهو طرف من حديث طويل رواه مسلم.
[ ٤ / ١٨٥٣ ]
فعشطوا، فانطلق سرعان الناس (١)، فلزمت رسول الله ﷺ تلك الليلة، فقال: "حفظك الله بما حفظت به نبيه".
* * *
_________________
(١) سرعان الناس: أولهم ومقدموهم.
[ ٤ / ١٨٥٤ ]
٢٠ - سلمان الفارسي ﵁
قال ابن حجر:
سلمان أبو عبد الله الفارسي .. ويقال له سلمان ابن الإسلام وسلمان الخير. وقال ابن حبان: من زعم أن سلمان الخير آخر فقد وهم، أصله من رام هرمز وقيل من أصبهان. وكان قد سمع بأن النبي ﵌ سيبعث فخرج في طلب ذلك فأسر وبيع بالمدينة، فاشتغل بالرق حتى كان أول مشاهده الخندق وشهد بقية المشاهد وفتوح العراق وولى المدائن.
وقال ابن عبد البر يقال: إنه شهد بدرًا وكان عالمًا زهدًا، روى عنه أنس وكعب بن عجرة وابن عباس وأبو سعيد وغيرهم من الصحابة، ومن التابعين: أبو عثمان النهدي وطارق ابن شهاب وسعيد بن وهب وآخرون بعدهم. كان اسمه ما به بكسر الموحدة ابن بود. قاله ابن منده بسنده وساق له نسبًا. وقيل اسمه بهبود.
قال الذهبي: وجدت الأقوال فس سنه كلها دالة على أنه جاوز المائتين وخمسين والاختلاف إنما هو في الزائد. قال: ثم رجعت عن ذلك وظهر لي أنه ما زاد على الثمانين.
قال أبو ربيعة الأيادي عن أبي بريدة عن أبيه أن النبي ﵌ قال: "إن الله يحب من أصحابي أربعة". فذكره فيهم. وقال سلمان بن المغيرة عن حميد بن هلال: آخى النبي ﵌ بين أبي الدرداء وسلمان. ونحوه في البخاري من حديث أبي جحيفة في قصته. ووقع في هذه القصة: فقال النبي ﵌ لأبي الدرداء: "سلمان أفقه منك". مات سنة ست وثلاثين في قول أبي عبيد، أو سبع في قول خليفة. وروى عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس: دخل ابن مسعود على سلمان عند الموت. فهذا يدل على أنه مات قبل ابن مسعود، ومات ابن مسعود قبل سنة أربع وثلاثين، فكأنه مات سنة ثلاث أو سنة اثنتين. وكان سلمان إذا خرج عطاؤه تصدق به وينسج الخوص ويأكل من كسب يده. اهـ.
[ ٤ / ١٨٥٥ ]
وقال الذهبي:
قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: هو سلمان ابن الإسلام، أبو عبد الله الفارسي سابق الفرس إلى الإسلام، صحب النبي، ﷺ وخدمه وحدث عنه.
وروى عنه ابن عباس، وأنس بن مالك، وأبو الطفيل، وأبو عثمان النهدي، وشرحبيل ابن السمط، وأبو قرة سلمة بن معاوية الكندي، وعبد الرحمن بن يزيد النخعي، وأبو عمرو زادان، وأبو ظبيان حصين بن جندب الجنبي، وقرثع الضبي الكوفيون.
له في مسند بقي ستون حديثًا، وأخرج له البخاري أربعة أحاديث، ومسلم ثلاث أحاديث.
وكان لبيبًا حازمًا، من عقلاء الرجال وعبادهم نبلائهم. اهـ.
ومما ورد فيه:
ما ذكره الذهبي أيضًا في السير (١): القاسم أبي عبد الرحمن قال: زارنا سلمان الفارسي فصلى الإمام الظهر، ثم خرج وخرج الناس، يتلقونه كما يتلقى الخليفة، فلقيناه وقد صلى بأصحابه العصر، وهو يمشي، فوقفنا نسلم عليه، فلم يبق فينا شريف إلا عرض عليه أن ينزل به، فقال: جعلت على نفسي مرتي هذه أن أنزل على بشر بن سعد. فلما قدم، سأل عن أبي الدرداء، فقالوا: هو مرابط. فقال: أين مرابطكم؟ قالوا: بيروت. فتوجه قبله، قال: فقال سلمان: يا أهل بيروت! ألا أحدثكم حديثًا يذهب الله به عنكم عرض الرباط، سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "رباط يومٍ وليلةٍ كصيام شهرٍ وقيامه، ومن مات مرابطًا أجير من فتنة القبر، وجرى له صالح عمله إلى يوم القيامة".
١٩٩١ - * روى مسلم عن عائذ بن عمرو أن أبا سفيان أتى على سلمان وبلال وصهيب في نفرٍ فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها. فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريشٍ وسيدهم. فأتى النبي ﷺ، فأخبره، فقال: "يا أبا بكر! لعلك
_________________
(١) السير (١/ ٥٠٦) وإسناده حسن، ولكنه مرسل.
(٢) مسلم (٤/ ١٩٤٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٤٢ - باب من فضائل سلمان وصهيب وبلال.
[ ٤ / ١٨٥٦ ]
أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك". فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا. يغفر الله لك يا أخي.
١٩٩٢ - * روى الطبراني عن أبي البختري قال: قيل لعلي: أخبرنا عن أصحاب محمد، ﷺ. قال: عن أيهم تسألون؟ قيل: عن عبد الله. قال: علم القرآن والسنة، ثم انتهى وكفى به علمًا. قالوا: عمار؟ قال: مؤمن نسي فإن ذكرته ذكر. قالوا: أبو ذر؟ قال: وعى علمًا عجز عنه. قالوا: أبو موسى؟ قال: صبغ في العلم صبغة، ثم خرج منه. قالوا: حذيفة؟ قال: أعلم أصحاب محمد بالمنافقين. قالواو: سلمان؟ قال: أدرك العلم الأول، والعلم الآخر بحر لا يدرك قعره، وهو منا أهل البيت. قالوا: فأنت يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت إذا سألت أعطيت، وإذا سكت ابتديت.
وذكر الذهبي في السير (١) عن أبي هريرة أن النبي، ﷺ، تلا هذه الآية: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ (٢). قال: يا رسول الله! من هؤلاء؟ قال: فضرب على فخذ سلمان الفارسي ثم قال: "هذا وقومه، لو كنا للدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس".
١٩٩٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة، قال: كنا جلوسًا، عند النبي، ﷺ، فأنزلت عليه سورة الجمعة ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. قال: قلت من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثًا -وفينا سلمان الفارسي. وضع رسول الله، ﷺ، يده على سلمان- ثم قال: "لو كان الإيمان عند الثريا، لناله رجال من هؤلاء".
١٩٩٤ - * روى الترمذي والحاكم عن يزيد بن عميرة قال: لما حضر معاذًا الموت قلنا:
_________________
(١) المعجم الكبير (٦/ ٢١٣). ورجاله ثقات.
(٢) السير (١/ ٥٤٢) وقال الذهبي: إسناده وسط.
(٣) الفتح: ٣٨.
(٤) البخاري (٨/ ٦٤١) ٦٥ - كتاب التفسير -٦٢ - سورة الجمعة. ومسلم (٤/ ١٩٧٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٥٩ - باب فضل فارس.
(٥) الترمذي (٥/ ٦٧١) ٥٠ - كتاب المناقب -٣٧ - باب مناقب عبد الله بن سلام. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
[ ٤ / ١٨٥٧ ]
أوصنا، قال: أجلسوني. ثم قال: إن الإيمان والعلم مكانهما، من ابتغاهما وجدهما. قالها ثلاثًا. فالتسموا العلم عند أربعة: أبي الدرداء، وسلمان، وابن مسعود، وعبد الله بن سلام الذي كان يهوديًا فأسلم. فإني سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "إنه عاشر عشرة في الجنة".
ذكر الذهبي في السير (١) عن عبيدة السلماني أن سلمان مر بحجر المدائن غازيًا وهو أمير الجيش وهو ردف رجل من كندة على بغلٍ موكوف، فقال أصحابه: أعطنا اللواء أيها الأمير نحمله، فيأبى حتى قضى غزاته ورجع وهو ردف الرجل.
١٩٩٥ - * روى مالك عن يحيى بن سعيد أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان: أن هلم إلى الأرض المقدسة. فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدًا، وإنما يقدس الإنسان عمله، وقد بلغني أنك جعلت طبيبًا، فإن كنت تبرئ، فنعما لك، وإن كنت متطببًا فاحذر أن تقتل إنسانًا، فتدخل النار. فكان أبو الدارداء إذا قضى بين اثنين، ثم أدبرا عنه، نظر إليهما، وقال: ارجعا إلي أعيدا علي قصتكما، متطبب والله.
١٩٩٦ - * روى الطبراني عن أبي البختري قال: جاء الأشعث بن قيس وجرير بن عبد الله، فدخلا على سلمان في خص، فسلما وحيياه، ثم قالا: أنت صاحب رسول الله ﷺ؟ قال: لا أدري. فارتابا. قال: إنما صاحب من دخل معه الجنة. قالا: جئنا من عند أبي الدارداء. قال: فأين هديته؟ قالا: ما معنا هدية. قال: اتقيا الله، وأديا الأمانة، ما أتاني أحد من عندي إلا بهدية. قالا: لا ترفع علينا هذا، إن لنا أموالًا فاحتكم. قال: ما أريد إلا الهدية. قالا: والله ما بعث معنا بشيء إلا أنه قال: إن فيكم رجلًا كان رسول الله ﷺ إذا خلا به، لم يبغ غيره، فإذا أتيتماه، فأقرناه مني السلام. قال: فأي هدية كنت أريد منكما غير هذه؟ وأي هديةٍ أفضل منها.
_________________
(١) = والمستدرك (٣/ ٤١٦). وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) السير (١/ ٥٤٥) ورجاله ثقات.
(٣) الموطأ (٢/ ٧٦٩) ٣٧ - كتاب الوصية -٨ - باب جامع القضاء وكراهيته.
(٤) المعجم الكبير (٦/ ٢١٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٤١): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. غير يحيى بن إبراهيم المسعودي وهو ثقة.
[ ٤ / ١٨٥٨ ]
١٩٩٧ - * روى الطبراني عن أبي وائل قال: ذهبت أنا وصاحب لي إلى سلمان، فقال: لولا أن رسول الله ﷺ نهانا عن التكلف، لتكلفت لكم. فجاءنا بخبز وملح. فقال صاحبي: لو كان في ملحنا صعتر. فبعث سلمان بمطهرته، فرهنها فجاء بصعتر، فلما أكلنا، قال صاحبي: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا. فقال سلمان: لو قنعت لم تكن مطهرتي مرهونة.
١٩٩٨ - * روى ابن ماجة والطبراني عن أنس قال: دخل سعد وابن مسعد على سلمان عند الموت، فبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: عهد عهده إلينا رسول الله ﷺ لم تحفظه. قال: "ليكن بلاغ أحدكم في الدنيا كزاد الراكب". وأما أنت يا سعد فاتق الله في حكمك إذا حكمت، وفي قسمك إذا قسمت، عند همك إذا هممت.
قال ثابت: فبلغني أنه ما ترك إلا بضعة وعشرين درهمًا نقيقة كانت عنه.
قال الذهبي في السير: روى جعفر بن سليمان البناني وذلك في (العلل) لابن أبي حاتم، قال: لما مرض سلمان، خرج سعد من الكوفة يعوده، فقدم، فوافقه وهو في الموت يبكي، فسلم وجلس، وقال: ما يبكيك يا أخى؟ ألا تذكر صحبة رسول الله؟ ألا تذكر المشاهد الصالحة؟
قال: والله ما يبكيني واحدة من ثنتين: ما أكبي حبًا بالدنيا ولا كراهية للقاء الله. قال سعد: فما يبكيك بعد ثمانين؟ قال: يبكيني أن خليلي عهد إلي عهدًا، قال: "ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب". وإنا قد خشينا أنا قد تعدينا.
١٩٩٩ - * روى البخاري عن ابن عثمان النهدي ﵁ قال: سمعت سلمان
_________________
(١) المعجم الكبير (٩/ ٢٣٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٧٩): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن منصور الطوسي وهو ثقة.
(٢) ابن ماجة (٢/ ١٣٧٤). ٣٧ - كتاب الزهد -١ - الزهد في الدنيا. والمعجم الكبير (٦/ ٢٢٧) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٥٤): رجاله رجال الصحيح غير الحسن بن يحيى بن الجعد وهو ثقة. السير (١/ ٥٥٦) وتخريجه كتخريج الحديث الذي قبله.
(٣) البخاري (٧/ ٢٧٧) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -٥٣ - باب إسلام سلمان الفارسي.
[ ٤ / ١٨٥٩ ]
يقول: أنا من رامهزمز.
٢٠٠٠ - * روى البخاري عن أبي عثمان النهدي ﵁: عن سلمان الفارسي أنه تداوله بضعة عشر، من رب إلى رب.
٢٠٠١ - * روى أحمد وابن سعد والطبراني عن ابن عباس قال: حدثني سلمان الفارسي قال: كنت رجلًا فارسيًا من أهل أصبهان، من أهل قرية منها يقال لها جي، وكان أبي دهقانها، فاجتهدت في المجوسية حتى كنت قاطن النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة. وكانت لأبي ضيعة عظيمة، فشغل في بنيان له يومًا، فقال لي: يا بني! إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب فاطلعها. وأمرني ببعض ما يريد، فخرجت، ثم قال: لا تحتبس علي، فإنك إن احتبست علي كنت أهم إلي من ضيعتي، وشغلتني عن كل شيء من أمري، فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمر الناس بحبس أبي إياي في بيته، فلما مررت بهم، وسمعت أصواتهم، دخلت إليهم انظر ما يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتني صلواتهم، ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه. فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبي ولم آتها، فقلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام. قال: ثم رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله، فلما جئته قال: أي بني! أين كنت؟ ألم أكن عهد إليك ما عهدت؟ قلت: يا أبة! مررت بناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس. قال: أي بني! ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه. قلت: كلا والله!
_________________
(١) البخاري في نفس الموضع السابق.
(٢) أحمد في مسنده (٥/ ٤٤١ - ٤٤٤). والطبقات الكبرى (٤/ ٧٥ - ٨٠). والمعجم الكبير (٦/ ٢٢٢)، وذكر الذهبي في السير (١/ ٥٠٦). وقال محققه: رجاله ثقات. وإسناده قوي فقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عند أحمد وابن هشام وابن سعد، وأخرجه أحمد، وابن سعد والجزري في "أسد الغابة" وابن هشام والطبراني في "الكبير" والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد". وقال الذهبي في السير بعد أن ساق رواية أوفى من هذه: هذا حديث جيد حكم الحاكم بصحته.
[ ٤ / ١٨٦٠ ]
إنه لخير من ديننا. قال: فخافني، فجعل في رجلي قيدًا، ثم حبسني في بيته. قال: وبعثت إلى النصارى فقلت: إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار من النصارى، فأخبروني بهم. فقدم عليهم ركب من الشام. قال: فأخبروني بهم، فقلت: إذا قضوا حوائجهم، وأرادوا الرجعة، فأخبروني. قال: ففعلوا. فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها، قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة. فجئته، فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين، وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك، وأتعلم منك، وأصلي معك. قال: فادخل، فدخلت معه، فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها شيئًا، اكتنزه لنفسه، ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق، فأبعضته بغضًا شديدًا لما رأيته يصنع.
ثم مات، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا رجل سوء، يأمركم بالصدقة، ويرغبكم فيها، فإذا جئتم بها، كنزها لنفسه، ولم يعط المساكين، وأريتهم موضع كنزه سبع قلال مملوءة، فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدًا. فصلبوه ثم رموه بالحجارة. ثم جاؤوا برجل جعلوه مكانه، فما رأيت رجلًا -يعني لا يصلي الخمس -أرى أنه أفضل منه، أزهد في الدنيا، ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلًا ونهارًا، ما أعلمني أحببت شيئًا قط قبله حبه، فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة، فقلت: يا فلان! قد حضرك ما ترى من أمر الله، وإني والله ما أحببت شيئًا قط حبك، فماذا تأمرني وإلى من توصيني؟
قال لي: يا بني والله ما أعلمه إلا بالموصل، فائته، فإنك ستجده على مثل حالي.
فلما مات وغَيْبَ، لحقت بالموصل، فأتيت صاحبها، فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد والزهد. فقلت له: إن فلانًا أوصاني إليك أن آتيك وأكون معك.
قال: فأقم أي بني. فأقمت عنده على مثل أمر صاحبه حتى حضرته الوفاة. فقلت له: إن فلانا أوصي بي إليك وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلي من توصي بي؟ وما تأمرني به؟ قال: والله أعلم، أي بني، إلا رجلًا بنصيبين. فلما دفناه، لحقت بالآخر، فأقمت عنده على مثل حالهم حتى حضره الموت، فأوصى بي إلى رجل من أهل عمورية بالروم، فأتيته فوجدته على مثل حالهم، واكتسبت حتى كان لي غنيمة وبُقيرات.
[ ٤ / ١٨٦١ ]
ثم اختصر فكلمته إلى من يوصي بي؟ قال: أي بني! والله ما أعلمه بقي أحد على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه، ولكن قد أظلك زمان نبي يبعث من الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفي، بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل، فإنه قد أظلك زمانه.
فلما واريناه، أقمت حتى مر بي رجال من تجار العرب من كلب، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب، وأعطيكم غنيمتي وبقراتي هذه؟ قالوا: نعم. فأعطيتهم إياها وحملوني، حتى إذا جاؤوا بي وادي القرى، ظلموني، فباعوني عبدًا من رجل يهودي بوادي القرى. فوالله لقد رأيت النخل، وطمعت أن يكون البلد الذي نعت لي صاحبي.
وما حقت عندي حتى قدم رجل من بني قريظة وادي القرى، فابتاعني من صاحبي، فخرج بي حتى قدمنا المدينة. فوالله ما هو إلا أن رأيتها، فعرفت نعتها.
فأقمت في رقي، وبعث الله نبيه، ﷺ، بمكة لا يذكر لي شيء من أمره مع ما أنا فيه من الرق، حتى قدم رسول الله ﷺ قباء، وأنا أعمل لصاحبي في نخلة له، فوالله إني لفيها إذ جاءه ابن عم له، فقال: يا فلان! قاتل الله بني قيلة، والله إنهم الآن لفي قباء مجتمعون على رجل جاء من مكة يزعمون أنه نبي.
فوالله ما هو إلا أن سمعتها فأخذتني العرواء -يقول الرعدة -حتى ظننت لأسقطن على صاحبي. ونزلت أقول: ما هذا الخبر؟.
فرفع مولاي يده فلكمني لكمة شديدة، وقال: مالك ولهذا، أقبل على عملك. فقلت: لا شيء، إنما سمعت خبرًا، فأحببت أن أعلمه.
فلما أمسيت، وكان عندي شيء من طعام، فحملته وذهبت إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء، فقلت له: بلغني أنك رجل صالح، وأن معك أصحابًا لك غرباء، وقد كان عندي شيء من الصدقة فرأيتكم أحق من بهذه البلاد، فهاك هذا، فكل منه.
[ ٤ / ١٨٦٢ ]
قال: فأمسك، وقال لأصحابه: "كلوا". فقلت في نفسي: هذه خلة مما وصف لي صاحبي.
ثم رجعت، وتحول رسول الله ﷺ إلى المدينة، فجمعت شيئًا كان عندي ثم جئته به فقلت: إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية. فأكل رسول الله ﷺ وأكل أصحابه، فقلت: هذه خلتان.
ثم جئت رسول الله ﷺ وهو يتبع جنازة وعلي شملتان لي وهو في أصحابه، فاستدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف.
فلما رآني استدبرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي، فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فانكببت عليه أقبله وأبكي.
فقال لي: "تحول". فتحولت، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس، فأعجب رسول الله ﷺ أن يسمع ذلك أصحابه.
ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله ﷺ بدر وأحد.
ثم قال رسول الله ﷺ: "كاتب يا سلمان". فكاتبت صاحبي على ثلاث مئة نخلة.
أحييها له بالفقير وبأربعين أوقية. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أعينوا أخاكم". فأعانوني بالنخل الرجل بثلاثين ودية (١)، والرجل بعشرين، والرجل بخمس عشرة، حتى اجتمعت ثلاث مئة ودية، فقال: "اذهب يا سلمان ففقر لها، فإذا فرغت فائتني أكون أنا أضعها بيدي". ففقرت لها وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت منها، جئته وأخبرته، فخرج معي إليها نقرب له الودي، ويضعه بيده. فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة، فأديت النخل، وبقي علي المال. فأتي رسول الله ﷺ بمثل بيضة دجاجة من ذهب من بعض المغازي. فقال: "ما فعل الفارسي المكاتب؟ " فدعيت له، فقال: "خذها فأد بها ما عليك". قلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي؟ قال: "خذها فإن الله سيؤدي بها عنك". فأخذتها فوزنت لهم أربعين أوقية، وأوفيتهم حقهم وعتقت، فشهدت مع رسول الله ﷺ الخندق حرًا، ثم لم يفتني معه مشهد.
* * *
[ ٤ / ١٨٦٣ ]
٢١ - عبد الله بن قيس (المشهور بأبي موسى الأشعري) ﵁
قال ابن حجر في ترجمته:
عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر بن غنم بن بكر بن عامر بن عدب بن وائل بن ناجية بن الجماهر بن الأشعر، أبو موسى الأشعري، مشهور باسمه وكنيته معًا. وأمه طيبة بنت وهب بن عك أسلمت وماتت بالمدينة، وكان هو سكن الرملة وحالف سعيد بن العاص ثم أسلم وهاجر إلى الحبشة، وقيل بل رجع إلى بلاد قومه ولم يهاجر إلى الحبشة، وهذا قول الأكثر، فإن موسى بن عقبة وابن إسحاق والواقدي لم يذكروه في مهاجرة الحبشة. وقدم المدينة بعد فتح خيبر، صادفت سفينته سفينة جعفر بن أبي طالب فقدموا جمعًا. واستعمله النبي ﷺ على بعض اليمن كزبيد وعدن وأعمالهما. استعمله عمر على البصرة بعد المغيرة فافتتح الأهواز ثم أصبهان، ثم استعمله عثمان على الكوفة، ثم كان أحد الحكمين بصفين، ثم اعتزل الفريقين. وأخرج ابن سعد والطبري من طريق عبد الله بن بريدة أنه وصف أبا موسى فقال: كان خفيف الجسم قصيرًا ثطا [قليل شعر اللحية]. وروى أبو موسى عن النبي ﵌ وعن الخلفاء الأربعة ومعاذ وابن مسعود وأبى بن كعب وعمار، روى عنه أولاده موسى وإبراهيم وأبو بردة وأبو بكر وامرأته أم عبد الله. ومن الصحابة أبو سعيد وأنس وطارق بن شهاب، ومن كبار التابعين فمن بعدهم زيد بن وهب وأبو عبد الرحمن السلمي وعبيد بن عمير وقيس بن أبي خازم وأبو الأسود وسعيد بن المسيب وزر بن حبيش وأبو عثمان النهدي وأبو رافع الصائغ وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود وربعي بن خراش وحطان الرقاشي وأبو وائل وصفوان ابن محرز وآخرون. قال مجاهد عن الشعبي: كتب عمر في وصيته لا يقر لي عامل أكثر من سنة وأقروا الأشعري أربع سنين. وكان حسن الصوت بالقرآن، وفي الصحيح المرفوع: "لقد أوتى مزمارًا من مزامير آل داود". وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج ولا ناي أحسن من صوت أبي موسى بالقرآن. وكان عمر إذا رآه قال: ذكرنا ربنا يا أبا موسى.
وفي رواية: شوقنا إلى ربنا. فيقرأ عنده. وكان أبو موسى هو الذي فقه أهل البصرة
[ ٤ / ١٨٦٤ ]
وأقرأهم. وقال الشعبي: انتهى العلم إلى ستة فذكره فيهم. وذكره البخاري من طريق الشعبي بلفظ العلماء، وقال ابن المديني: قضاة الأمة أربعة عمر وعلي وأبو موسى وزيد بن ثابت. وأخرج البخاري من طريق أبي التياح عن الحسن قال: ما أتاها يعني البصرة راكب خير لأهلها منه يعني من أبي موسى. وقال البغوي: حدثنا علي عن مسلم، حدثنا أبو داود، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس: كان لأبي موسى سراويل يلبسه بالليل مخافة أن ينكشف. صحيح. وقال أصحاب الفتوح: كان عامل النبي ﵌ على زبيد وعدن وغيرهما من اليمن وسواحلها، ولما مات النبي ﵌ قدم المدينة وعدن وغيرهما من اليمن وسواحلها، ولما مات النبي ﵌ قدم المدينة وشهد فتوح الشام ووفاة أبي عبيدة، واستعمله عمر على إمرة البصرة بعد أن عزل المغير، وهو الذي افتتح الأهواز وأصبهان، وأقره عثمان على عمله قليلًا ثم صرفه، واستعمل عبد الله بن عامر فسكن الكوفة وتفقه به أهلها حتى استعمله عثمان عليهم بعد عزل سعيد ابن العاص. قال البغوي: بلغني أن أبا موسى مات سنة اثنتين وقيل أربع وأربعين وهو ابن نيف وستين.
قلت: بالأول جزم ابن نمير وغيره، وبالثاني أبو نعيم وغيره. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: عاش ثلاثًا وستين. وقال الهيثم وغيره: مات سنة خمسين. زاد خليفة ويقال سنة احدى. وقال المدايني: سنة ثلاث وخمسين، واختلفوا مات بالكوفة أو بمكة. اهـ
وقال الذهبي: عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب، الإمام الكبير. صاحب رسول الله ﷺ. وأبو موسى الأشعري التميمي الفقيه المقرئ
وهو معدود فيمن قرأ على النبي ﷺ. أقرأ أهل البصرة، وفقههم في الدين. قرأ عليه حطان بن عبد الله الرقاشي، وأبو رجاء العطاردي.
ففي "الصحيحين" (١)، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا".
_________________
(١) البخاري (٨/ ٤١) ٦٤ - كتاب المغازي - ٥٥ - باب غزاة أوطاس. ومسلم (٤/ ١٩٤٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٣٨ - باب من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين.
[ ٤ / ١٨٦٥ ]
وقد استعمله النبي ﷺ ومعاذًا على زبيد، وعدن. وولي إمرة الكوفة لعمر، وإمرة البصرة. وقدم (١) ليالي فتح خيبر، وغزا، وجاهد مع النبي ﷺ، وحمل عنه علمًا كثيرًا.
قال سعيد بن عبد العزيز: حدثني أبو يوسف، حاجب معاوية: أن أبا موسى الأشعري قدم على معاوية، فنزل في بعض الدور بدمشق، فخرج معاوية من الليل ليستمع قراءته.
قال أبو عبيد: أم أبي موسى هي ظيبة بنت وهب؛ كانت أسلمت، وماتت بالمدينة.
وقال ابن سعيد (٢): حدثنا الهيثم بن عدي، قال: أسلم أبو موسى بمكة، وهاجر إلى الحبشة، وأول مشاهده خيبر، ومات سنة اثنتين وأربعين.
قال محقق السير: وكونه ممن شهد خيبر فيه نظر، فقد جاء في صحيح البخاري قول أبي موسى: فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر. وزاد في رواية: فأسهم لنا ولم يسهم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئًا! إلا لمن شهدها معه، إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، فإنه قسم لهم معهم.
قال أبو أحمد الحاكم: أسلم بمكة، ثم قدم مع أهل السفينتين بعد فتح خيبر بثلاث، فقسم لهم النبي ﷺ. ولي البصرة لعمر وعثمان؛ وولي الكوفة، وبها مات.
وقال ابن منده: افتتح أصبهان زمن عمر.
وقال العجلي: بعثه عمر أميرًا على البصرة، فأقرأهم وفقههم، وهو فتح تستر [مدينة بخورستان]. ولم يكن في الصحابة أحد أحسن صوتًا منه.
ابن بريدة قال: كان الأشعري قصيرًا، أثط (٣)، خفيف الجسم. اهـ.
_________________
(١) قدم: يرى قدومه من الحبشة مع من كان هاجر إليها.
(٢) الطبقات الكبرى (٦/ ١٦).
(٣) الأثط: القليل شعر اللحية.
[ ٤ / ١٨٦٦ ]
٢٠٠٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى قال: بلغنا مخرج رسول الله ﷺ ونحن باليمن. فخرجنا مهاجرين إليه. أنا وأخوان لي. أنا أصغرهما. أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم -إما قال بضعًا وإما قال ثلاثةً وخمسين أو اثنين وخمسين رجلًا من قومي -قال: فركبنا سفينة. فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة. فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده. فقال جعفر: إن رسول الله ﷺ بعثنا ههنا، وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا. فأقمنا معه حتى قدمنا جميعًا. قال: فوافقنا رسول الله ﷺ حين افتتح خيبر، فأسهم لنا. أو قال: أعطانا منها. وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئًا. إلا لمن شهد معه. إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه. قسم لهم معهم. قال: فكان ناس من الناس يقولون لنا -يعني لأهل السفينة -: نحن سبقناكم بالهجرة.
قال: فدخلت أسماء بنت عميس، وهي ممن قدم معنا، على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة. وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه. فدخل عمر على حفصة، وأسماء عندها. فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس. قال عمر: الحبشة هذه؟ البحرية هذه؟ فقالت أسماء: نعم. فقال عمر: سبقناكم بالهجرة. فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم. فغضبت. وقالت كلمة: كذبت. يا عمر! كلا. والله! كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعط جاهلكم. وكنا في دار، أو في أرض البعداء البغضاء في الحبشة. وذلك في الله وفي رسوله. وايم الله! لا أطعم ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ. ونحن كنا نؤذى ونخاف. وسأذكر ذلك لرسول الله ﷺ وأسأله. ووالله! لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك. قال: فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا نبي الله! أن عمر قال كذا وكذا. فقال رسول الله ﷺ "ليس بأحق بي منكم. وله ولأصحابه هجرة واحدة. ولكم أنتم، أهل السفينة، هجرتان".
_________________
(١) البخاري (٧/ ٤٨٥) ٦٤ - كتاب المغازي -٣٨ - باب غزوة خيبر. ومسلم (٤/ ١٩٤٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٤١ - باب من فضائل جعفر بن أبي طالب وأسماء بنت عميس وأهل سفينتهم.
[ ٤ / ١٨٦٧ ]
قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالًا. يسألوني عن هذا الحديث. ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله ﷺ.
قال أبو بردة: فقالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى، وإنه ليستعيد هذا الحديث مني.
٢٠٠٣ - * روى أحمد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "يقدم عليكم غدًا قوم هم أرق قلوبًا للإسلام منكم". فقدم الأشعريون، فلما دنوا جعلوا يرتجزون:
غدًا نلقى الأحبه محمدًا وحزبه
فلما أن قدموا تصافحوا، فكانوا أول من أحدث المصافحة.
٢٠٠٤ - * روى ابن سعد والحاكم عن عياض الأشعري قال: لما نزلت: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (١) قال رسول الله ﷺ: "هم قومك يا أبا موسى، وأومأ إليه".
٢٠٠٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: لما فرغ النبي من حنين، بعثت أبا عامر على جيش إلى أوطاس. فلقي دريد بن الصمة. فقتل دريد وهزم الله أصحابه. فقال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر. قال: فرمي أبو عامر في ركبته. رماه رجل من بني جشم بسهم. فأثبته في ركبته. فانتهت إليه فقلت: يا عم! من رماك؟ فأشار أبو عامر إلى أبي موسى. فقال: إن ذاك قاتلي. تراه ذلك الذي رماني. قال أبو موسى: فقصدت له فاعتمدته فلحقته، فلما رآني ولى عنى ذاهبًا. فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألست عربيًا؟ ألا تثبت؟ فكف. فالتقيت أنا
_________________
(١) أحمد في مسنده (٣/ ١٥٥). وإسناده صحيح.
(٢) الطبقات الكبرى (٤/ ١٠٧). والمستدرك (٢/ ٣١٣). وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) المائدة: ٥٧.
(٤) البخاري (٨/ ٤١) ٦٤ - كتاب المغازي -٥٥ - باب غزاة أوطاس. ومسلم (٤/ ١٩٤٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٨ - باب من فضائل أبى موسى وأبى عامر الأشعريين. أوطاس: واد ف ديار هوازن، وهو غير وادي حنين.
[ ٤ / ١٨٦٨ ]
وهو. فاختلفنا أنا وهو ضربتين. فضربته بالسيف فقتلته. ثم رجعت إلى عامر فقلت: إن الله قد قتل صاحبك. قال: فانزع هذا السهم. فنزعته فنزا منه الماء. فقال: يا ابن أخي! انطلق إلى رسول الله ﷺ فأقرئه مني السلام. وقل له: يقول لك أبو عامر: استغفر لي. قال: واستعملني أبو عامر على الناس. ومكث يسيرًا ثم إنه مات. فلما رجعت إلى النبي ﷺ دخلت عليه، وهو في بيت على سرير مرمل، وعليه فراش، وقد أثر رمال السرير بظهر رسول الله ﷺ وجنبيه. فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر. وقلت له: قال: قل له: يستغفر لي. فدعا رسول الله ﷺ بماء. فتوضأ منه. ثم رفع يديه. ثم قال "اللهم! اغفر لعبيد، أبي عامر". حتى رأيت بياض إبطيه. ثم قال "اللهم! اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك، أو من الناس" فقلت: ولي. يا رسول الله! فاستغفر. فقال النبي ﷺ "اللهم! اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه. وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا".
قال أبو بردة: إحداهما لأبي عامر. والأخرى لأبي موسى.
٢٠٠٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى، قال: كنت عند النبي ﷺ وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة. ومعه بلال. فأتى رسول الله ﷺ رجل أعرابي. فقال: ألا تنجز لي، يا محمد! ما وعدتني؟ قال له رسول الله ﷺ "أبشر". فقال له الأعرابي: أكثرت علي من "أبشر". فأقبل رسول الله ﷺ على أبي موسى وبلال، كهيئة الغضبان. فقال "إن هذا قد رد البشرى. فأقبلا أنتما". فقالا: قبلنا. يا رسول الله! ثم دعا رسول الله ﷺ بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه. ومج فيه. ثم قال "اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما وأبشرا" فأخذا القدح. ففعلا ما أمرهما به رسول الله ﷺ. فنادتهما أم سلمة من وراء الستر: أفضلا لأمكما مما في إنائكما. فأفضلا لها منه طائفة.
_________________
(١) البخاري (٨/ ٤٦) ٦٤ - كتاب المغازي - ٦٥ - باب غزوة الطائف. ومسلم (٤/ ١٩٤٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٨ - باب من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين. الجعرانة: بين مكة والطائف، وهي إلى مكة أقرب. وقال الفاكهي: بينها وبين مكة بريد. وقال الباجي: ثمانية عشر ميلًا.
[ ٤ / ١٨٦٩ ]
٢٠٠٧ - * روى أحمد عن ابن بريدة عن أبيه قال: خرج بريدة عشاء فلقيه النبي ﷺ فأخذ بيده فأدخله المسجد فإذا صوت رجل يقرأ فقال النبي ﷺ: "تراه مرائيًا". فأسكت بريدة فإذا رجل يدعو فقال: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. فقال النبي ﷺ: "والذي نفسي بيده أو قال والذي نفس محمد بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب". قال فلما كان من القابلة خرج بريدة عشاء فلقيه النبي ﷺ فأخذ بيده فأدخله المسجد فإذا صوت الرجل يقرأ فقال النبي ﷺ "أتقوله مراء". فقال بيدة: أتقوله مراء يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ: "لابل مؤمن منيب لابل مؤمن منيب". فإذا الأشعري يقرأ بصوت له في جانب المسجد فقال رسول الله ﷺ "إن الأشعري أو إن عبد الله بن قيس أعطي مزمارًا من مزامير داود". فقلت: ألا أخبره يا رسول الله؟ قال: "بلى فأخبره". فأخبرته. فقال: أنت لي صديق أخبرتني عن رسول الله ﷺ بحديث.
وذكر الذهبي في السير عن الأسود بن يزيد قال: لم أر بالكوفة أعلم من علي وأبي موسى.
وذكر أيضًا عن مسروق قال: كان القضاء في الصحابة إلى ستة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي، وزيد، وأبي موسى.
٢٠٠٨ - * روى ابن سعد عن عمر قال: بالشام أربعون رجلًا، ما منهم رجل كان يلي أمر الأمة إلا أجزأه، فأرسل إليهم. فجاء رهط، فيهم أبو موسى، فقال: إني أرسلك إلى قوم عسكر الشيطان بين أظهرهم. قال: فلا ترسلني. قال: إن بها جهادًا ورباطًا. فأرسله
_________________
(١) أحمد في مسنده (٥/ ٣٤٩) وأورده الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٥٨، ٣٥٩). وقال: رواه الحمد، وفي الصحيح منه أن عبد الله بن قيس أعطي مزمارًا من مزامير آل داود، وهنا: من مزامير داود، ورجال أحمد رجال الصحيح.
(٢) السير (٢/ ٣٨٨).
(٣) السير (٢/ ٣٨٨) وهو صحيح الإسناد.
(٤) الطبقات الكبرى (٤/ ١٠٩). ورجاله ثقات.
[ ٤ / ١٨٧٠ ]
إلى البصرة (١).
وذكر الذهبي في السير عن أنس: بعثني الأشعري إلى عمر، فقال لي: كيف تركت الأشعري؟
قلت: تركته يعلم الناس القرآن. فقال: أما إنه كيس! ولا يسمعها إياه.
٢٠٠٩ - * روى ابن سعد عن أبي سلمة: كان عمر إذا جلس عنده أبو موسى، ربما قال له: ذكرنا يا أبا موسى. فيقرأ.
٢٠١٠ - * روى ابن سعد عن أبي موسى: أن معاوية كتب إليه: أما بعد: فإن عمرو ابن العاص قد بايعني على ما أريد، وأقسم بالله، لئن بايعتني على الذي بايعني، لأستعملن أحد ابنيك على الكوفة، والآخر على البصرة؛ ولا يغلق دونك باب، ولا تقضى دونك حاجة. وقد كتبت إليك بخطي، فاكتب إلي بخط يدك.
فكتب إليه: أما بعد: فإنك كتبت إلي في جسيم أمر الأمة، فماذا أقول لربي إذا قدمت عليه، ليس لي فيما عرضت من حاجة، والسلام عليك.
قال أبو بردة: فلما ولي معاوية أتيته، فما أغلق دوني بابًا، ولا كانت لي حاجة إلا قضيت.
قال الذهبي: قد كان أبو موسى صوامًا قوامًا ربانيًا زاهدًا عابدًا، ممن جمع العلم والعمل والجهاد وسلامة الصدر، لم تغيره الإمارة، ولا اغتر بالدنيا.
٢٠١١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فجعل الناس يجهرون بالتكبير. فقال النبي ﷺ: "أيها الناس! اربعوا على أنفسكم، إنكم ليس تدعون أصم ولا غائبًا. إنكم تدعون سميعًا قريبًا. وهو معكم".
_________________
(١) السير (٢/ ٣٩٠) ورجاله ثقات.
(٢) الطبقات الكبرى (٤/ ١٠٩). ورجاله ثقات.
(٣) الطبقات الكبرى (٤/ ١١١). وإسناده صحيح.
(٤) البخاري (٧/ ٤٧٠) ٦٤ - كتاب المغازي -٣٨ - باب غزوة خيبر. ومسلم (٤/ ٢٠٧٦) ٤٨ - الذكر والدعاء -١١ - باب استحباب خفض الصوت بالذكر.
[ ٤ / ١٨٧١ ]
قال: وأنا خلفه، وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقال: "يا عبد الله بن قيس! ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ ".
فقلت: بلى. يا رسول الله! قال: "قل: لا حول ولا قوة إلا بالله".
قال الذهبي: وقد ذكرت ف طبقات القراء: توفى أبو موسى في ذي الحجة سنة أربع وأربعين، على الصحيح.
٢٠١٢ - * روى ابن سعد عن أنس: أن أبا موسى كان حلو الصوت، فقام ليلة يصلي، فسمع أزواج النبي ﷺ، فقمن يستمعن. فلما أصبح، قيل له: إن النساء سمعنك. قال: لو علمت لحبرتكن تحبيرًا، ولشوقتكن تشويقًا.
٢٠١٣ - * روى ابن سعد عن أبي نضرة قال عمر لأبي موسى: شوقنا إلى ربنا. فقرأ. فقالوا: الصلاة. فقال: أو لسنا في صلاة.
٢٠١٤ - * روى ابن سعد عن أبي لبيد قال: ما كنا نشبه كلام أبي موسى إلا بالحزار الذي ما يخطئ المفصل.
٢٠١٥ - * روى ابن سعد عن أبي موسى قال: لأن يمتلئ منخري من ريح جيفة حب إلى من أن يمتلئ من ريح امرأة.
٢٠١٦ - * روى ابن سعد عن عبد الرحمن بن مولى أم برثن قال: قدم أبو موسى الأشعري وزياد على عمر ﵁، فرأى في يد زياد خاتمًا من ذهب، فقال: اتخذتم حلق الذهب. فقال أبو موسى: أما أنا فخاتمي من حديد. فقال عمر: ذاك أنتن، أو أخبث، من كان متختمًا فليتختم بخاتم من فضة.
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٤/ ١٠٨). وإسناده صحيح.
(٢) الطبقات الكبرى (٤/ ١٠٩). وإسناده صحيح.
(٣) الطبقات الكبرى (٤/ ١١١). وإسناده صحيح.
(٤) الطبقات الكبرى (٤/ ١١٤). ورجاله ثقات.
(٥) الطبقات الكبرى (٤/ ١١٤). ورجاله ثقات.
[ ٤ / ١٨٧٢ ]
٢٠١٧ - * روى ابن سعد عن أبي بردة عن أبيه: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق مع جعفر إلى أرض النجاشي، فبعثت قريش عمرًا وعمارة بن الوليد، وجمعوا له هدية.
ولم يذكر ابن عقبة، وابن إسحاق، وأبو معشر، فيمن هاجر إلى الحبشة.
٢٠١٨ - * روى الترمذي عن أبي موسى قال: يا بني لو رأيتنا ونحن مع رسول الله ﷺ وأصابتنا السماء لحسبت أن ريحنا ريح الضأن.
قال الترمذي: ومعنى هذا الحديث: أنه كان ثيابهم الصوف، فإذا أصابهم المطر يجييء من ثيابهم ريح الضأن.
٢٠١٩ - * روى ابن سعد عن أبي بردة قال: دخلت على معاوية حين أصابته قرحته، فقال: هلم يا ابن أخي، فنظرت، فإذا هو قد سبرت -يعني: قرحته -فقلت: ليس عليك بأس. إذ دخل ابنه يزيد، فقال له معاوية: إن وليت، فاستوص بهذا، فإن أباه كان أخًا لي، أو خليلًا، غير أني قد رأيت في القتال ما لم ير.
روى ابن سعد (١) عن الحسن، قال: كان الحكمان: أبا موسى، وعمرًا. وكان أحدهما يبتغي الدنيا، والآخر يبتغي الآخرة.
روى ابن سعد (٢) عن أبي موسى قال: أعمقوا لي قبري.
٢٠٢٠ - * روى أبو يعلي عن أنس قال: قعد أبو موسى في بيته واجتمع إليه ناس فأنشأ يقرأ عليهم القرآن. قال: فأتى رسول الله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله ألا أعجبك من أبي
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٤/ ١٠٥). ورجاله ثقات.
(٢) الترمذي (٤/ ٦٥٠) ٣٨ - كتاب صفة القيامة والرقائق والورع -٣٨ - باب حدثنا قتيبة وقال: هذا حديث صحيح.
(٣) والطبقات الكبرى (٤/ ١١٢). ورجاله ثقات. السبر: مصدر سبر الجرح يسبره ويسبره سبرًا: نظر مقداره وقاسه ليعرف غوره.
(٤) الطبقات الكبرى (٤/ ١١٣). ورجاله ثقات.
(٥) الطبقات الكبرى (٤/ ١١٦). ورجاله ثقات.
(٦) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٦٠). وقال: رواه أبو يعلى وإسناده حسن.
[ ٤ / ١٨٧٣ ]
موسى قعد في بيت واجتمع إليه ناس فأنشأ يقرأ عليهم القرآن. فقال رسول الله ﷺ: "أتستطيع أن تقعدني حيث لا يراني أحد منهم؟ " قال: نعم. قال: فخرج رسول الله ﷺ. قال: فأقعده الرجل حيث لا يراه منهم أحد فسمع قراءة أبي موسى، فقال: "إنه يقرأ على مزمار من مزامير آل داود".
٢٠٢١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لو رأيتني، وأنا أسمع لقراءتك البارحة؟ لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود".
قال ابن الأثير: قال الحميدي: زاد البرقاني. قلت: والله يا رسول الله لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبرته لم تحبيرًا. قال: وحكى أن مسلمًا أخرجه.
ولم أجد هذه الزيادة عندنا من كتاب مسلم، وليس عند البخاري والترمذي قوله: "لو رأيتني وأنا أسمع قراءتك البارحة".
وقول رسول الله ﷺ مزمارًا: المزمار: واحد المزامير، وهو من آلات الغناء، وقد ضرب رسول الله ﷺ المزمار مثلًا لحسن صوت داود ﵇ وحلاوة نغمته، كأن في حلقه مزامير يزمر بها، والآل في قوله "آل داود" مقحمة، ومعناه: الشخص.
* * *
_________________
(١) البخاري (٩/ ٩٢) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن -٣١ - باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن. ومسلم (١/ ٥٤٦) ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها -٣٤ - باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن. لحبرته: التحبير: التحسين.
[ ٤ / ١٨٧٤ ]
٢٢ - عبد الله بن سلام ﵁
قال ابن حجر: عبد الله بن سلام بن الحارث أبو يوسف من ذرية يوسف النبي ﵇، حليف القواقل من الخزرج، الإسرائيلي ثم الأنصاري. كان حليفًا لهم وكان من نبي قينقاع يقال كان اسمه الحصين فغيره النبي ﷺ. وجزم بذلك الطبري. وقال ابن سعد: وأخرجه يعقوب بن سفيان في تاريخه عن أبي اليمان عن شعيب عن عبد العزيز قال: كان اسم عبد الله بن سلام الحصين فسماه النبي ﵌ عبد الله روى عنه ابناه يوسف ومحمد، ومن الصحابة فمن بعدهم أبو هريرة وعبد الله بن معقل وأنيس وعبد الله بن حنظلة، وحرشة بن الحر، وقيس بن عباد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وآخرون. أسلم أول ما قدم النبي ﷺ المدينة، وقيل تأخر إسلامه إلى سنة ثمان. قال قيس بن الربيع عن عاصم عن الشعبي قال: أسلم عبد الله بن سلام قبل وفاة النبي ﷺ بعامين. أخرجه ابن البرقي. وهذا مرسل وقيس ضعيف. وقد أخرج أحمد وأصحاب السنن من طريق زرارة بن أوفى عن عبد الله بن سلام قال: لما قدم النبي ﵌ المدينة كنت ممن انجفل فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب فسمعته يقول: "أفشوا السلام وأطعموا الطعام" الحديث. وفي البخاري من طريق حميد عن أنس أن عبد الله بن سلام أتى رسول الله ﷺ مقدمة المدينة فقال: إني سائلك عن ثلاث خصال لا يعلمها إلا نبي الحديث. وفيه قصته مع اليهود وأنهم قوم بهت. ومن طريق عبد العزيز بن صهيب عن أن أنس قال: أقبل نبي الله ﵌ إلى المدينة فاستشرفوا ينظرون إليه فسمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله فعجل، وجاء فسمع من نبي الله ﵌ فقال: أشهد إنك رسول الله حقًا وأنك جئت بحق ولقد علمت أني سيدهم وأعلمهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي. الحديث.
وفي الحديث الصحيح عن سعد بن أبي وقاص قال: ما سمعت النبي صل الله عليه وآله وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام. وفي التاريخ الصغير للبخاري بسند جيد عن يزيد بن عمير قال: حضرت معاذا الوفاة فقيل له أوصنا
[ ٤ / ١٨٧٥ ]
فقال: التمسوا العلم عند أبي الدرداء وسلمان وابن مسعود وعبد الله بن سلام الذي كان يهوديًا فأسلم، سمعت رسول الله ﵌ يقول: "إنه عاشر عشرة في الجنة". وأخرجه الترمذي عن معاذ مختصرًا. وأخرج البغوي في المعجم بسند جيد عن عبد الله بن معقل قال: نهى عبد الله بن سلام عليا عن خروجه إلى العراق، وقال: الزم منبر رسول الله ﵌ فإن تركته لا تراه أبدًا. فقال علي: إنه رجل صالح منا وأخرج ابن عساكر بسند جيد عن أبي بردة بن أبي موسى: أتيت المدينة فإذا عبد الله بن سلام جالس في حلقة متخشعًا عليه سيما الخير.
وروى الزبيدي من طريق ابن أخي عبد الله بن سلام قال: لما أريد قتل عثمان جاء عبد الله بن سلام فقال: جئت لأنصرك. فخرج عبد الله فقال: إنه كان اسمي في الجاهلية فلانا فسماني رسول الله ﵌ عبد الله ونزلت في آيات من كتاب الله ونزل في: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾. ونزل في: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾. قال الطبراني: مات في قول جميعهم بالمدينة سنة ثلاث وأربعين. قلت: وفيها أرخه الهيثم بن عدي وابن سعد وأبو عبيدة والبغوي وأبو أحمد العسكري وآخرون أ. هـ
وقال ابن كثير في ترجمته:
عبد الله بن سلام أبو يوسف الإسرائيلي أحد أحبار اليهود، أسلم حين قدم رسول الله ﷺ المدينة، قال: لما قدم رسول الله المدينة انجفل الناس إليه فكنت فيمن انجفل إليه، فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، فكان أول ما سمعته يقول: "أيها الناس افشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام تدخلوا الجنة بسلام". وهو ممن شهد له رسول الله بالجنة، وهو ممن يقطع له بدخولها. أ. هـ.
وقال الذهبي في ترجمته:
عبد الله بن سلام بن الحارث. الإمام الحبر، المشهود له بالجنة. أبو الحارث الإسرائيلي، حليف الأنصار. من خواص أصحاب النبي ﷺ.
[ ٤ / ١٨٧٦ ]
حدث عنه أبو هريرة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن معقل، وعبد الله بن حنظلة ابن الغسيل، وابناه: يوسف ومحمد، وبشر بن شغاف، وأبو سعيد المقرئ، وأبو بردة بن أبي موسى، وقيس بن عباد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار، وزرارة بن أوفى، وآخرون.
وله إسلام قديم بعد أن قدم النبي ﷺ المدينة، وهو من أحبار اليهود. أ. هـ.
٢٠٢٢ - * روى أحمد والترمذي والحاكم عن عبد الله بن سلام، قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة، انجفل الناس عليه، وكنت فيمن انجفل، فلما رأيته، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب. فكان أول شيء سمعته يقول: "يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام".
٢٠٢٣ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: أقبل نبي الله ﷺ إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف ونبي الله ﷺ شاب لا يعرف. قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل. قال: فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير. فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال: يا رسول الله، هذا فارس قد لحق بنا. فالتفت نبي الله ﷺ فقال: "اللهم أصرعه". فصرعة الفرس، ثم قامت تحمحم، فقال: يا نبي الله مرني بما شئت. قال: "فقف مكانك، لا تتركن أحدًا يلحق بنا". قال: فكان أول النهار جاهدًا علي نبي الله ﷺ، وكان آخر النهار مسلحة له. فنزل رسول الله ﷺ جانب الحرة، ثم بعث إلى الأنصار فجاءوا إلى نبي الله ﷺ وأبي
_________________
(١) أحمد في مسنده (٥/ ٤٥١). والترمذي (٤/ ٦٥٢) ٣٨ - كتاب صفة القيامة والرقائق والورع -٤٢ - باب حدثنا محمد بن بشار وقال: هذا حديث صحيح. والمستدرك (٣/ ١٣). وصححه ووافقه الذهبي. انجفل الناس عليه: أي: ذهبوا مسرعين نحوه.
(٢) البخاري (٧/ ٢٤٩) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -٤٥ - باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة.
[ ٤ / ١٨٧٧ ]
بكر فسلموا عليهما وقالوا: اركبا آمنين مطاعين. فركب نبي الله ﷺ وأبو بكر وحفوا دونهما بالسلاح، فقيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله ﷺ. فأشرفوا ينظرون ويقولون: جاء نبي الله. فأقبل يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب، فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف لهم، فعجل أن يضع الذي يخترف لهم فيها، فجاء وهي معه، فسمع من نبي الله ﷺ ثم رجع إلى أهله، فقال نبي الله ﷺ: "أي بيوت أهلنا أقرب؟ " فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري وهذا بابي. قال: "فانطلق فهيئ لنا مقيلًا". قال: قوما على بركة الله. فلما جاء نبي الله ﷺ جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله، وأنك جئت بحق. وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فأسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ما ليس في. فأرسل نبي الله ﷺ فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله ﷺ: "يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقًا، وأني جئتكم بحق، فأسلموا". قالوا: ما نعلمه -قالوا للنبي ﷺ قالها ثلاث مرار -قال: "فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ " قالوا: ذاك سيدنا، وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: "أفرأيتم إن أسلم؟ " قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. قال: "أفرأيتم إن أسلم؟ " قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. قال: "أفرأيتم إن أسلم؟ " قالوا: حاشا له ما كان ليسلم. قال: "يا ابن سلام اخرج عليهم". فخرج، فقال: "يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق. فقالوا: كذبت، فأخرجهم رسول الله ﷺ".
٢٠٢٤ - * روى أحمد والحاكم عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ أتي بقصعة من ثريد، فأكل، ففضل منه فضلة، فقال: "يدخل من هذا الفج رجل من أهل
_________________
(١) مسند أحمد (١/ ١٦٩). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٢٦): رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، وفيه عاصم بن بهدلة وفيه خلاف، وبقية رجالهم رجال الصحيح. والمستدرك (٣/ ٤١٩) وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٤ / ١٨٧٨ ]
الجنة، يأكل هذه الفضلة". قال سعد: وقد كنت تركت أخي عمير بن أبي وقاص يتهيأ لأن يأتي النبي ﷺ، فطمعت أن يكون هو، جاء عبد الله بن سلام، فأكلها.
٢٠٢٥ - * روى الترمذي والحاكم عن يزيد بن عميرة قال: لما حضر معاذ بن جبل الموت قيل له: يا أبا عبد الرحمن أوصنا. قال: أجلسوني. فقال: إن العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما. يقول ذلك ثلاث مرات. والتمسوا العلم عند أربعة رهط، عند عويمر أبي الدرداء، وعند سلمان الفارسي، وعند عبد الله بن مسعود، وعند عبد الله بن سلام الذي كان يهوديًا فأسلم، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه عاشر عشرة في الجنة".
ذكر الذهبي في السير (١): عن أبي بردة بن أبي موسى قال: أتيت المدينة، فإذا عبد الله ابن سلام جالس في حلقة متخشعًا عليه سيماء الخير، فقال: يا أخي، جئت ونحن نريد القيام. فأذنت له، أو قلت: إذا شئت. فقام، فاتبعته، فقال: من أنت؟ قلت: أنا ابن أخيك؛ أنا أبو بردة بن أبي موسى. فرحب بي، وسألني، وسقاني سويقًا، ثم قال: إنكم بأرض الريف، وإنكم تسالفون الدهاقين فيهدون لكم حملان القت والدواخل، فلا تقربوها، فإنها نار.
٢٠٢٦ - * روى أحمد عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: أجلسني النبي ﷺ في حجره ومسح على رأسي وسماني يوسف.
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٦٧١) ٥٠ - كتاب المناقب -٣٧ - مناقب عبد الله بن سلام. وقال: وهذا حديث حسن صحيح غريب. والحاكم (٣/ ٤١٦). وصححه ووافقه الذهبي، وذكره الحافظ في الإصابة عن التاريخ الصغير للبخاري، وجود إسناده.
(٢) السير (٢/ ٤٢٤) ورجال إسناده ثقات ونسبه الحافظ ابن حجر إلى ابن عساكر، وأخرج البخاري نحوه. تسالفون: من السلف وهو القرض. حملان: ما يحمل عليه من الدواب في الهبة خاصة. قت: علف الدواب. دواخل: جمع دوخلة: زبيل أوقفة من خوص يجعل فيه التمر والرطب.
(٣) مسند أحمد (٤/ ٣٥).
[ ٤ / ١٨٧٩ ]
٢٠٢٧ - * روى البخاري عن قيس بن عباد ﵁ قال: كنت جالسًا في مسجد المدينة، في ناس فيهم بعض أصحاب رسول الله ﷺ، فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع، فقال بعض القوم: هذا رجل من أهل الجنة، هذا رجل من أهل الجنة. فصلى ركعتين يتجوز فيهما، ثم خرج، فاتبعته فدخل منزله ودخلت فتحدثا، فلما استأنس قلت له: إنك لما دخلت قبل قال رجل كذا وكذا. قال: سبحان الله! ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك لم ذاك؟ رأيت رؤيًا على عهد رسول الله صل الله عليه وسلم، فقصصتها عليه: رأيتني في روضة -ذكر سعتها وعشبها وخضرتها -ووسط الروضة عمود من حديد، أسفله في الأرض، وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: ارقه. فقلت له: لا أستطيع. فجاءني منصف -قال ابن عون، والمنصف: الخادم -فقال بثيابي من خلفي -وصف أنه رفعه من خلفه بيده -فرقيت حتى كنت في أعلى العمود، فأخذت بالعروة، فقيل لي: استمسك، فلقد استيقظت وإنها لفي يدي، فقصصتها على النبي ﷺ، فقال: "تلك الروضة: الإسلام، وذلك العمود: عمود الإسلام، وتلك العروة: عروة الوثقى، وأنت على الإسلام حتى تموت". والرجل: عبد الله بن سلام.
ولمسلم (١) أيضًا من رواية خرشة بن الحر قال: كنت جالسًا في حلقة في مسجد المدينة، قال: وفيها شيخ حسن الهيئة، وهو عبد الله بن سلام. قال: فجعل يحدثهم حديثًا حسنًا. قال: فلما قام قال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا. قال: قلت: والله لأتبعنه، فلأعلمن مكان بيته. قال: فتبعته، فانطلق حتى كاد أن يخرج من المدينة، ثم دخل منزله. قال: فاستأذنت عليه. قال: فأذن لي، فقال: ما حاجتك يا بن أخي؟ قال. فقلت له: سمعت القوم يقولون لك -لما
_________________
(١) = وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٢٦، ٣٢٧): رواه أحمد بأسانيد، ورجال إسنادين منهما ثقات، ورواه الطبراني بنحوه وقال: ودعا.
(٢) البخاري (٧/ ١٢٩) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -١٩ - باب مناقب عبد الله بن سلام. ومسلم (٤/ ١٩٣٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٣ - باب من فضائل عبد الله بن سلام. تجوز: في صلاته: إذا اختصرها وقصرها. منصف -المنصف بكسر الميم: الخادم. مسلم (٤/ ١٩٣١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٣ - باب من فضائل عبد الله بن سلام. =
[ ٤ / ١٨٨٠ ]
قمت-: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا، فأعجبني أن أكون معك. قال: الله أعلم بأهل الجنة، وسأحدثك مم قالوا ذاك؟ إني بينا أنا نائم إذ أتاني رجل فقال لي: قم. فأخذ بيدي، فانطلقت معه، قال. فإذا أنا بجواد على شمالي. قال: فأخذت لآخذ فيها، فقال لي: لا تأخذ فيها، فإنها طرق أصحاب الشمال. وإذا جواد منهج على يميني، فقال لي: خذها هنا. قال: فأتى بي جبلًا، فقال لي: اصعد. قال: فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت على أستي. قال: حتى فعلت ذلك مرارًا. قال: ثم انطلق بي حتى أتى بي عمودًا، رأسه في السماء وأسفله في الأرض، في أعلاه حلقة، فقال لي: اصعد فوق هذا. قال: قلت: كيف أصعد هذا، ورأسه في السماء؟ قال: فأخذ بيدي. فرحل بي، قال: فإذا أنا متعلق بالحلقة. قال: ثم ضرب العمود فخر. قال: وبقيت منتعلقًا بالحلقة، حتى أصبحت. قال: فأتيت النبي ﷺ: فصصتها عليه، فقال: "أما الطرق التي رأيت عن يسارك: فهي طرق أصحاب الشمال، وأما الطرق التي رأيت عن يمينك: فهي طرق أصحاب اليمين: وأما الجبل: فهو منزل الشهداء، ولن تناله، وأما العمود، فهو عمود الإسلام، وأما العروة: فهي عروة الإسلام، ولن تزال متمسكًا بها حتى تموت".
٢٠٢٨ - * روى البخاري عن أنس قال: إن عبد الله بن سلامٍ بلغة مقدم النبي ﷺ المدينة، فأتاه يسأله عن أشياء فقال: إني سائلك عن ثلاثٍ لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة، وما أول طعام يأكله أهل الجنة، وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: "أخبرني به جبريل آنفًا". قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة. قال "أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعامٍ
_________________
(١) = بجواد: الجواد جمع جادة، وهي الطريق. المنهج: الطريق الواضح المطروق. خررت: خر يخر: إذا وقع من فوق إلى أسفل. فزجل: زجلته وزجلت به: إذا دفعته ورميته.
(٢) البخاري (٧/ ٢٧٢) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -٥١ - باب حدثني حامد بن عمر .. الأشراط: العلامات، وأشراط الساعة: العلامات التي تتقدمها، مثل خروج الدجال، وطلوع الشمس من المغرب. ينزع الولد: إلى أبيه أو أمه: إذا جاء يشبه أحدهما.=
[ ٤ / ١٨٨١ ]
يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت. وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد".
قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، فسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي. فجاءت اليهود؛ فقال النبي ﷺ: "أي رجل ٍ عبد الله بن سلام فيكم؟ " قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا. فقال النبي ﷺ: "أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ " قالوا: أعاذه الله من ذلك. فأعاد عليهم فقالوا مثل ذلك. فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. قالوا: شرنا وابن شرنا. وتنقصوه. قال: هذا كنت أخاف يا رسول الله.
٢٠٢٩ - * روى الحاكم عن عوف بن مالك الأشجعي قال: انطلق النبي ﵌ وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود، فقال: "يا معشر اليهود أروني اثنى عشر رجلًا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله يحط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليهم". قال: فأسكتوا ما أجابه منهم أحد. ثم رد فلم يجبه منهم أحد فقال: "أبيتم فوالله لأنا الحاشر وأنا العاقب وأنا النبي المصطفى آمنتم أو كذبتم". ثم انصرف وأنا معه حتى كدنا أن نخرج فإذا رجل من خلفنا يقول: كما أنت يا محمد. فقال ذلك الرجل: أي رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود؟ قالوا: والله ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب الله منك ولا أفقه منك ولا من أبيك قبلك ولا من جدك قبل أبيك. قال: فإني أشهد له بالله أنه نبي الله الذي تجدونه في التوراة. فقالوا: كذبت. ثم ردوا عليه قوله، وقالوا فيه شرا. فقال رسول الله ﵌: "كذبتم، لن يقبل قولكم، أما آنفًا فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم، وأما إذا آمن فكذبتموه وقلتم فيه ما قلتم فلن يقبل قولكم". قال: فخرجنا ونحن ثلاثة: رسول الله ﵌ وأنا وعبد الله بن سلام، وأنزل الله تعالى فيه: (قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به) الآية.
_________________
(١) =قوم بهت: بهت فلان فلانًا: إذا كذب عليه، فهو باهت، وقوم بهت.
(٢) المستدرك (٣/ ٤١٥) وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٤ / ١٨٨٢ ]
٢٠٣٠ - * روى البخاري عن أبي بردة قال: قدمت المدينة فلقيني عبد الله بن سلام فقال لي: انطلق إلى المنزل فأسقيك في قدح شرب فيه رسول الله ﷺ، وتصلي في مسجد صلى فيه النبي ﷺ، فانطلقت معه فأسقاني سويقًا أطعمني تمرًا وصليت في مسجده.
وفي رواية للبخاري (٢) أيضًا عن أبي بردة عن أبيه قال: أتيت المدينة فلقيت عبد الله ابن سلامٍ ﵁ فقال: ألا تجيء فأطعمك سويقًا وتمرًا وتدخل في بيت؟ ثم قال: إنك في أرضٍ الربا بها فاش، إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فإنه ربا. ولم يذكر النضر وأبو داود ووهب عن شعبة البيت.
قال الحافظ في الفتح: يحتمل أن يكون ذلك رأي عبد الله بن سلام، وإلا فالفقهاء على أنه إنما يكون ربا إذا شرطه، نعم الورع تركه.
٢٠٣١ - * روى البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحدٍ يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة. إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ ﴾ الآية (٤). قال الراوي: لا أدري، قال مالك: الآية، أو في الحديث؟
* * *
_________________
(١) البخاري (١٣/ ٢٠٥) ٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة -١٦ - باب ما ذكر النبي ﷺ وحض على اتفاق أهل العلم.
(٢) البخاري (٧/ ١٢٩) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -١٩ - باب مناقب عبد الله بن سلام. إنك بأرض: يعني أرض العراق. فاش: منتشر. قلت: القت الفصفصة وهي التي يسميها الناس الرطبة من علف الدواب.
(٣) البخاري (٧/ ١٢٨) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -١٩ - عبد الله بن سلام. ومسلم (٤/ ١٩٣٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة ٣٣ - باب من فضائل عبد الله بن سلام مختصرًا.
(٤) الأحقاف: ١٠.
[ ٤ / ١٨٨٣ ]
٢٣ - جرير بن عبد الله البجلي ﵁
قال ابن حجر:
جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نضرة بن ثعلبة بن جشم بن عوف بن خزيمة ابن حرب بن علي البجلي الصحابي الشهير، يكنى أبا عمرو وقيل يكنى أبا عبد الله.
اختلف في وقت إسلامه: ففي الطبراني الأوسط عن جرير قال: لما بعث النبي ﵌ أتيته فقال: "ما جاء بك"؟ قلت: جئت لأسلم فألقى إلي كساءه، وقال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه. حصين [أحد الرواة] فيه ضعف، ولو صح يحمل على المجاز، أي لما بلغنا خبر بعث النبي ﵌، أو على الحذف، أي لما بعث النبي ﵌ ثم دعا إلى الله ثم قدم المدينة ثم حارب قريشًا وغيرهم ثم فتح مكة ثم وفدت عليه الوفود. وجزم ابن عبد البر عنه بأنه أسلم قبل وفاة النبي ﵌ بأربعين يومًا وهو غلط، ففي الصحيحين عنه أن النبي ﵌ قال له: "استنصت الناس في حجة الوداع". وجزم الواقدي بأنه وفد على النبي ﵌ في شهر رمضان سنة عشر، وأن بعثه إلى ذي الخلصة كان بعد ذلك، وأنه وافى مع النبي ﵌ حجة الوداع من عامه. وفيه عندي نظر؛ لأن شريكًا حدث عن الشيباني عن الشعبي عن جرير قال: قال لنا رسول الله ﵌: "إن أخاكم النجاشي قد مات". الحديث، أخرجه الطبراني. فهذا يدل على أن إسلام جرير كان قبل سنة عشر لأن النجاشي مات قبل ذلك؛ وقدمه عمر في حروب العراق على جميع بجيلة وكان لهم أثر عظيم في فتح القادسية. ثم سكن جرير الكوفة، وأرسله علي رسولا إلى معاوية ثم اعتزل الفريقين وسكن قرقيسيا حتى مات سنة إحدى وقيل أربع وخمسين، وفي الصحيح أنه ﵌ بعثه إلى ذي الخلصة فهدمها.
ومن طريق إبراهيم بن إسماعيل الكهيلي قال: كان طول جرير ستة أذرع. وروى الطبراني من حديث علي مرفوعًا: جرير منا أهل البيت. وروى عنه من الصحابة أنس بن
[ ٤ / ١٨٨٤ ]
مالك، قال: كان جرير يخدمني وهو أكبر مني. أخرجه الشيخان. ا. هـ.
قال ابن كثير:
فأما جرير بن عبد الله البجلي فأسلم بعد نزول المائدة، وكان إسلامه في رمضان سنة عشر، وكان قدومه ورسول الله يخطب، وكان قد قال في خطبته: "إنه يقدم عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن، وإن على وجهه مسحة ملك". فلما دخل نظر الناس إليه فكان كما وصف رسول الله ﷺ، وأخبروه بذلك فحمد الله تعالى. ويروى أن رسول الله لما جالسه بسط له رداءه وقال: "إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه". وقد كان عاملًا لعثمان على همدان. ا. هـ.
٢٠٣٢ - * روى أحمد عن جرير بن عبد الله قال: لما دنوت من مدينة رسول الله ﷺ، أنخت راحلتي ثم حللت عيبتي ثم لبست حلتي، دخلت فإذا رسول الله ﷺ يخطب، فرماني الناس بالحدق، فقلت لجليسي: يا عبد الله هل ذكر رسول الله ﷺ من أمري شيئًا؟ قال: نعم ذكرك بأحسن الذكر بينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته، فقال: "إنه سيدخل عليكم من هذا الباب أو من هذا الفج من خير ذي يمن، ألا وإن على وجهه مسحة ملك" قال: فحمدت الله على ما أبلاني.
وقال الذهبي في السير:
جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نصر بن ثعلبة بن جشم بن عوف، الأمير النبيل الجميل. أبو عمرو -وقيل: أبو عبد الله- البجلي القسري. وقسر: من قحطان. ومن أعيان الصحابة.
_________________
(١) أحمد في مسنده (٤/ ٣٥٩، ٣٦٤) وإسناده قوي. مجمع الزوائد (٩/ ٣٧٣)، وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط باختصار عنهما وأسانيد الكبير رجاله رجال الصحيح. عيبتي: ما يوضع فيه المتاع.
[ ٤ / ١٨٨٥ ]
حدث عنه: أنس، وقيس بن أبي حازم، وأبو وائل، والشعبي، وهمام بن الحارث، وأولاده الأربعة: المنذر، وعبيد الله، وإبراهيم -لم يدركه- وأيوب. وشهر بن حوشب، وزياد بن علاقة، وحفيده أبو زرعة بن عمرو بن جرير، وأبو إسحاق السبيعي، وجماعة.
وبايع النبي ﷺ على النصح لكل مسلم.
٢٠٣٣ - * روى البخاري ومسلم عن همام قال: بال جرير، ثم توضأ، ومسح على خفيه فقيل: تفعل هذا؟ فقال: نعم. رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه.
قال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا؛ لأن جريرًا من آخر من أسلم.
أقول:
يعجب علماء التابعين لأن تأخر إسلام جرير دل على أنه غير منسوخ.
٢٠٣٤ - * روى البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: قال لي رسول الله ﷺ: "يا جرير! ألا تريحني من ذي الخلصة". بيت لخثعم كان يدعى كعبة اليمانية. قال: فنفرت في خمسين ومائة فارس. وكنت لا أثبت على الخيل. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فضرب يده في صدري فقال: "اللهم! ثبتة. واجعله هاديًا مهديًا".
قال: فانطلق فحرقها بالنار. ثم بعث جرير إلى رسول الله ﷺ رجلًا يبشره، يكنى أبا أرطاة، منا. فآتى رسول الله ﷺ فقال له: ما جئتك حتى تر كناها كأنها جمل أجرب. فبرك رسول الله ﷺ على خيل أحمس ورجالها، خمس مراتٍ.
ومسند جرير نحو من مئة حديث، بالمكرر. اتفق له الشيخان على ثمانية أحاديث
_________________
(١) البخاري (١/ ٤٩٤) ٨ - كتاب الصلاة -٢٥ - باب الصلاة في الخفاف. ومسلم (١/ ٢٢٧) ٢ - كتاب الطهارة -٢٢ - باب المسح على الخفين.
(٢) البخاري (٧/ ١٣١) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -٢١ - باب ذكر جرير بن عبد الله البجلي. ومسلم (٤/ ١٩٢٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٢٩ - باب من فضائل جرير بن عبد الله.
[ ٤ / ١٨٨٦ ]
وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بستة.
ذكر الذهبي في السير (١) عن جرير قال: كنت عند عمر، فتنفس رجل -يعني: أحدث- فقال عمر: عزمت على صاحب هذه، لما قام، فتوضأ. فقال جرير: اعزم علينا جميعًا. فقال: عزمت علي وعليكم، لما قمنا، فتوضأنا، ثم صلينا.
وذكر أيضًا (٢) عن إبراهيم بن جرير، أن عمر قال: جرير يوسف هذه الأمة.
ورواه يحيى القطان، عن مجالد، عن الشعبي -وله طرق- وزاد بعضهم- فقال عمر: يرحمك الله، نعم السيد كنت في الجاهلية، ونعم السيد كنت في الإسلام.
وذكر أيضًا (٣) عن جرير، قال: رآني عمر بن الخطاب متجردًا، فناداني: خذ رداءك، خذ رداءك. فأخذت ردائي؛ ثم أقبلت إلى القوم، فقلت: ماله؟ قالوا: لما رآك متجردًا، قال: ما أرى أحدًا من الناس صور صورة هذا، إلا ما ذكر من يوسف ﵇.
وذكر أيضًا (٤)، عن الشعبي: كان على ميمنة سعد بن أبي وقاص يوم القادسية جرير ابن عبد الله.
* * *
_________________
(١) السير (٢/ ٥٣٥). ورجاله ثقات.
(٢) السير (٢/ ٥٣٥). ورجاله ثقات.
(٣) السير (٢/ ٥٣٤) ورجاله ثقات، ونسبه الحافظ في الإصابة إلى البغوي. متجردًا: أي بإزار يستر عورته دون رداء يستر صدره وظهره وأعلى بطنه.
(٤) السير (٢/ ٥٣٥).
[ ٤ / ١٨٨٧ ]
٢٤ - ٢٥ - جابر بن عبد الله وأبوه عبد الله بن عمرو بن حرام
قال ابن حجر:
جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي .. يكنى أبا عبد الله وأبا عبد الرحمن وأبا محمد أقوال، أحد الكثيرين عن النبي ﵌، وروى عنه جماعة من الصحابة، وله ولأبيه، وفي الصحيح عنه أنه كان مع من شهد العقبة. ومن طريق حجاج بن الصواف حدثني أبو الزبير أن جابرًا حدثهم قال: غزا رسول الله ﵌ إحدى وعشرين غزوة بنفسه شهدت منها تسع عشرة غزوة، وأنكر الواقدي رواية أبي سفيان عن جابر المذكور، وروى مسلم من طريق زكريا بن إسحاق حدثنا أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول: غزوت مع رسول الله ﵌ تسع عشرة غزوة. قال جابر: لم أشهد بدرًا واحدًا منعني أبي فلما قتل لم أتخلف.
وفي مصنف وكيع عن هشام بن عروة قال: كان لجابر بن عبد الله حلقة في المسجد يعني النبوي يؤخذ عنه العلم. وروى البغوي من طريق عاصم بن عمرو بن قتادة قال: جاءنا جابر بن عبد الله وقد أصيب بصره وقد مس رأسه ولحيته بشيء من صفرة. من طريق أبي هلال عن قتادة قال: كان آخر أصحاب رسول الله ﵌ موتا بالمدينة جابر. قال البغوي: هو وهم وآخرهم سهل بن سعد. قال يحيى بن بكير وغيره: مات جابر سنة ثمان وسبعين. وقال علي بن المديني: مات جابر بعد أن عمر فأوصى أن لا يصلي عليه الحجاج. قلت: وهذا موافق لقول الهيثم بن عدي إنه مات سنة أربع وسبعين. وفي الطبراني وتاريخ البخاري ما يشهد له وهو أن الحجاج شهد جنازته. ويقال مات سنة ثلاث ويقال سنة سبع ويقال إنه عاش أربعًا وتسعين سنة.
وقال:
عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام الأنصاري الخزرجي السلمي والد جابر ابن عبد الله الصحابي المشهور .. معدود في أهل العقبة وبدر، وكان من النقباء، واستشهد
[ ٤ / ١٨٨٨ ]
بأحد، ثبت ذكره في الصحيحين من حديث ولده. قال: أتيت النبي ﵌ في دين كان على أبي فدفعت عليه الباب. الحديث بطوله. ومن حديثه أيضًا قال: لما قتل أبي يوم أحد جعلت أكشف الثوب عن وجهه. الحديث، وفيه: ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها. وروى الترمذي من حديث جابر: لقيني النبي ﵌ فقال: "يا جابر مالي أراك منكسرًا؟ " فقلت: يا رسول الله قتل أبي وترك دينًا وعيالًا. فقال: "ألا أخبرك، ما كلم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحا، قال: يا عبدي سلني أعطك". الحديث. وقال جابر: حولت أبي بعد ستة أشهر فما أنكرت منه شيئًا إلا شعرات من لحيته كانت مستها الأرض. وروى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام كانا قد حفر السيل عن قبرهما وكانا في قبر واحد مما يلي السيل فحفر عنهما فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس وكان أحدهما وضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت وكان بين الوقعتين ست وأربعون سنة. وروى أبو يعلى وابن السكن من طريق حبيب بن الشهيد عن عمرو بن دينار عن جابر قال: قال رسول الله ﵌: "جزى الله الأنصار عنا خيرًا لاسيما عبد الله بن عمرو بن حرام وسعد بن عبادة. وأخرجه النسائي من هذا الوجه لكن لفظه لا سيما آل عمرو بن حرام ا. هـ.
وقال الذهبي عن عبد الله بن حرام:
الأنصاري السلمي، أبو جابر أحد النقباء ليلة العقبة، شهد بدرًا واستشهد يوم أحد. اهـ.
٢٠٣٥ - * روى مسلم عن جابر: لما قتل أبي يوم أحد، جعلت أكشف عن وجهه، وأبكي، وجعل أصحاب رسول الله ﷺ، ينهونني وهو لا ينهاني. وجعلت فاطمة بنت عمرو تبكيه، فقال النبي، ﷺ: "تبكيه أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفعتموه".
_________________
(١) مسلم (٤/ ١٩١٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٦ - باب من فضائل عبد الله عمرو بن حرام والد جابر ﵄.
[ ٤ / ١٨٨٩ ]
٢٠٣٦ - * روى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن جابر قال: لما كان يوم أحد جاءت عمتي بأبي لتدفنه في مقابرنا فنادى منادي رسول الله ﷺ ردوا القتلى إلى مضاجعهم.
قال الذهبي في السير: قال مالك: كفن هو وعمرو بن الجموح في كفن واحد.
وعن جابر أن رسول الله، ﷺ، لما خرج لدفن شهداء أحد، قال: "زملوهم بجراحهم، فأنا شهيد عليهم" وكفن أبي في نمرة.
قال ابن سعد: قالوا: وكان عبد الله أول من قتل يوم أحد، وكان أحمر أصلع ليس بالطويل، وكان عمرو بن الجموح طويلًا، فدفنا معًا عند السيل، فحفر السيل عنهما، وعليهما نمرة، وقد أصاب عبد الله جرح في وجهه فيده على جرحه، فأميطت يده، فانبعث الدم، فردت، فسكن الدم.
قال جابر: فرأيت أبي في حفرته، كأنه نائم، وما تغير من حاله شيء، وبين ذلك ست وأربعون سنة، فحولا إلى مكان آخر، وأخرجوا رطابًا يتثنون.
عن جابر قال: صرخ بنا إلى قتلانا، حين أجرى معاوية العين، فأخرجناهم لينة أجسادهم، تتثنى أطرافهم.
عن عطاء، عن جابر قال: دفن رجل مع أبي، فلم تطب نفسي، حتى أخرجته، ودفنته وحده. ا. هـ.
٢٠٣٧ - * روى البخاري عن جابر قال: لما حضر أحد دعاني أبي من الليل فقال:
_________________
(١) أحمد في مسنده (٣/ ٣٠٨). وأبو داود (٣/ ٣٠٣) كتاب الجنائز، باب في الميت يحمل من أرض إلى أرض وكراهة ذلك. والترمذي (٤/ ٢١٥) ٢٤ - كتاب الجهاد -٣٧ - باب ما جاء في دفن القتيل في مقتله. وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي (٤/ ٧٩) كتاب الجنائز ٨٢ - باب أين يدفن الشهيد. وابن ماجة (١/ ٤٨٦) ٦ - كتاب الجنائز -٢٨ - باب ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم. وسنده قوي.
(٢) البخاري (٣/ ٢١٤) ٢٣ - كتاب الجنائز -٧٧ - باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة.=
[ ٤ / ١٨٩٠ ]
ما أراني إلا مقتولًا في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك، غير نفس رسول الله ﷺ. وإن علي دينًا، فاقض، واستوص بأخواتك خيرًا. فأصبحنا، فكان أول قتيل، ودفن معه آخر في قبرٍ، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر، فاستخرجته بعد ستة أشهرٍ، فإذا هو كيوم وضعته هنية، غير أذنه.
٢٠٣٨ - * روى البخاري عن جابر ﵁ أن أباه توفى وعليه دين، فأتيت النبي ﷺ فقلت: إن أبي ترك عليه دينًا، وليس عندي إلا ما يخرج نخله، ولا يبلغ ما يخرج سنين ما عليه، فانطلق معي لكي لا يفحش علي الغرماء، فمشى حول بيدرٍ من بيادر التمر فدعا، ثم آخر، ثم جلس عليه فقال: "انزعوه". فأوفاهم الذي لهم، وبقي مثل ما أعطاهم.
٢٠٣٩ - * روى الترمذي والحاكم عن جابر بن عبد الله يقول: لقيني رسول الله ﷺ. فقال لي: "يا جابر مالي أراك منكسرًا؟ " قلت: يا رسول استشهد أبي قتل يوم أحدٍن وترك عيالًا ودينًا. قال: "أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: "ما كلم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه كفاحًا. فقال: يا عبدي تمن علي أعطك. قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية. قال الرب ﷿: إنه قد سبق مني "أنهم إليها لا يرجعون". قال: وأنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ (٣) الآية.
٢٠٤٠ - * روى أحمد عن جابر أنه سمع رسول الله، ﷺ، يقول إذا ذكر أصحاب
_________________
(١) = هنية: أي شيئًا يسيرًا، وهو تصغير "هنة" أي شيء، فصغره لكونه أثرًا يسيرًا.
(٢) البخاري (٦/ ٥٨٧) ٦١ - كتاب المناقب -٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام.
(٣) الترمذي (٥/ ٢٣٠) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن -٤ - باب "ومن سورة آل عمران". وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. والمستدرك (٢/ ٢٠٢). وصححه ووافقه الذهبي. كفاحًا: أي مواجهة ليس بينهما حجاب.
(٤) آل عمران: ١٦٩.
(٥) أحمد في مسنده (٣/ ٢٧٥) وإسناده قوي. فحص الجبل: سفحه وما انبسط منه.=
[ ٤ / ١٨٩١ ]
أحدٍ: "والله لوددت أني غودت مع أصحاب فحص الجبل".
يقول: قتلت معهم ﷺ.
وقال الذهبي عن جابر عن عبد الله:
الإمام الكبير، المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله ﷺ، أبو عبيد الله، وأبو عبد الرحمن، الأنصاري الخزرجي السلمي المدني الفقيه. من أهل بيعة الرضوان، وكان آخر من شهد ليلة العقبة الثانية موتًا.
روى علمًا كثيرًا عن النبي ﷺ، وعن عمر، وعلي، وأبي بكر، وأبي عبيدة، ومعاذ بن جبل، والزبير، وطائفة.
وكان مفتي المدينة في زمانه. عاش بعد ابن عمر أعوامًا وتفرد. شهد ليلة العقبة مع والده. وكان والده من النقباء البدريين، استشهد يوم أحد وأحياه الله تعالى، وكلمه كفاحًا.
وقد انكشف عنه قبره إذ أجرى معاوية عينًا عند قبول شهداء أحد، فبادر جابر إلى أبيه بعد دهر، فوجده طريًا لم يبل. وكان جابر قد أطاع أباه يوم أحد وقعد لأجل أخواته، ثم شهد الخندق وبيعة الشجرة. وشاخ وذهب بصرة، وقارب التسعين ا. هـ.
٢٠٤١ - * روى الترمذي عن جابرٍ قال: استغفر لي رسول الله ﷺ ليلة البعير خمسًا وعشرين مرة.
قال الترمذي: ومعنى قوله ليلة البعيرك ما روي عن جابر من غير وجه أنه كان مع النبي ﷺ في سفرٍ فباع بعيره من النبي ﷺ واشترط ظهره إلى المدينة، يقول جابر ليلة بعت من النبي ﷺ البعير استغفر لي خمسًا
_________________
(١) =فحص الجبل: سفحه وما انبسط منه.
(٢) الترمذي (٥/ ٦٩١) ٥٠ - كتاب المناقب -٥٣ - باب في مناقب جابر بن عبد الله. وقال: هذا حديث حسن غريب.
[ ٤ / ١٨٩٢ ]
وعشرين مرة، وكان جابر قد قتل أبوه عبد الله بن عمرو بن حرامٍ يوم أحدٍ وترك بناتٍ، فكان جابر يعولهن وينفق عليهن، وكان النبي ﷺ يبر جابرًا ويرحمه لسبب ذلك. هكذا روي في حديثٍ عن جابرٍ نحو هذا.
وذكر الذهبي في السير، عن جابر قال: كنت أمتح [الماء] لأصحابي يوم بدر (١).
قال الذهبي: قال ابن عيينة: لقي عطاء وعمرو وجابر بن عبد الله سنة جاور بمكة.
وقيل: إنه عاش أربعًا وتسعين سنة، فعلى هذا، كان عمره يوم بدرٍ ثماني عشرة سنة.
روي ابن عجلان، عن عبيد الله بن مقسم، قال: رحل جابر بن عبد الله في آخر عمره إلى مكة في أحاديث سمعها، ثم انصرف إلى المدينة.
ويروى أن جابرًا رحل في حديث القصاص إلى مصر ليسمعه من عبد الله بن أنيس. ا. هـ.
قال الشيخ شعيب محقق السير:
الصواب: إلى الشام، فقد أخرج الإمام أحمد، والبخاري في (الأدب المفرد)، والخطيب البغدادي في "الرحلة" من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: بلغني عن رجل حديث سمعه من رسول الله ﷺ، فاشتريت بعيرًا، ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرًا، حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب. فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم. فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثًا بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الناس يوم القيامة -أو قال العباد- عراة غرلا بهما". قال: قلنا: وما بهما؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد -أحسبه قال- كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وله عند
_________________
(١) صحح إسناده الحافظ في الإصابة.
[ ٤ / ١٨٩٣ ]
أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه حتى اللطمة". قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله ﷿ عراة غرلًا بهما؟ قال: "بالحسنات والسيئات". وحسنه الحافظ في "الفتح"، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
٢٠٤٢ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض". وكنا ألفًا وأربعمائة، ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة. تابعه الأعمش: سمع سالمًا سمع جابرًا ألفًا وأربعمائة.
قال الذهبي: وروي عن جابر، قال: كنت في جيش خالدٍ في حصار دمشق.
قال ابن سعد: شهد جابر العقبة مع السبعين، وكان أصغرهم.
قال جابر: عادني رسول الله ﷺ، وأنا لا أعقل، فتوضأ وصب علي من وضوئه فعقلت.
وقال زيد بن أسلم: كفء بصر جابر.
قال الواقدي ويحيى بن بكير وطائفة: مات سنة ثمانٍ وسبعين.
وقال أبو نعيم: سنة سبعٍ وسبعين.
قيل: إنه عاش أربعًا وتسعين سنة: وأضر بأخرة.
مسنده بلغ ألفًا وخمس مئة وأربعين حديثًا، اتفق له الشيخان على ثمانيةٍ وخمسين حديثًا، انفرد له البخاري بستة وعشرين حديثًا، ومسلم بمئة وستة وعشرين حديثًا.
عن أبي نضرة قال: كان جابر بن عبد الله عريفًا، عرفه عمر.
عن أبي بكر المدني قال: كان جابر لا يبلغ إزاره كعبه، وعليه عمامة بيضاء، رأيته قد أرسلها من ورائه.
وقال عاصم بن عمر: أتانا جابر وعليه ملاءتان -وقد عمي- مصفرًا لحيته ورأسه بالورس، وفي يده قدح. ا. هـ.
_________________
(١) البخاري (٧/ ٤٤٣) ٦٤ - كتاب المغازي -٣٥ - باب غزوة الحديبية.
[ ٤ / ١٨٩٤ ]
٢٠٤٣ - * روى البزار عن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، قال: أمر أبي بحريرة، فصنعت، ثم أمرني فحملتها إلى رسول الله ﷺ، فقال لي: "ما هذا يا جبر؟ ألحم ذا؟ " قلت: لا يا رسول الله! ولكن أبي أمر بحريرة فصنعتها، ثم أمرني فحملتها إليك، فقال: "ضعها". فأتيت أبي، فقال لي: ما قال رسول الله ﷺ؟ قلت: قال لي: ما هذا يا جابر! ألحم؟ قال أبي: أرى رسول الله ﷺأو أحسب- يشتهي اللحم، فقام إلى داجن، فذبحها، ثم أمر بها، فشويت، ثم أمرني، فأتيت بها، فقال رسول الله ﷺ: "جزاكم الله معشر الأنصار خيرًا، ولا سيما آل عمرو بن حرام، وسعد بن عبادة".
٢٠٤٤ - * روى الطبراني عن أبي نعيم قال: مات جابر بن عبد الله سنة تسع وسبعين.
_________________
(١) كشف الأستار (٣/ ٢٦٠). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (/٣١٧): رواه البزار ورجاله ثقات.
(٢) المعجم الكبير (٢/ ١٨١). وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٠): رجاله ثقات.
[ ٤ / ١٨٩٥ ]
٢٦ - البراء بن مالك ﵁
قال ابن حجر:
البراء بن مالك بن النضر الأنصاري أخو أنس. تقدم نسبه في ترجمة أنس، وهو أخو أنس لأبيه. قاله أبو حاتم. وقال ابن سعد: أخوه لأبيه وأمه أمهما أم سليم انتهى. وفيه نظر لأنه سيأتي في ترجمة شريك بن سحماء أنه أخو البراء بن مالك لأمه، أمهما سمحاء، أما أم أنس فهي أم سليم بلا خلاف. وتقدم في ترجمة أنجشة أن البراء كان حادي النبي ﵌. وفي المستدرك من طريق ابن إسحاق عن عبد (عبيد) الله بن أنس سمعت أنس بن مالك يقول: كان البراء بن مالك حسن الصوت وكان يرجز لرسول الله صلى عليه وآله وسلم في بعض أسفاره فقال له: "إياك والقوارير". فأمسك. وروى السراج من طريق حماد عن ثابت عن أنس قال: كان البراء حادي الرجال. وقد تقدم بأتم منه في أنجشة. وشهد البراء مع رسول الله ﵌ المشاهد إلا بدرًا، وله يوم اليمامة أخبار، واستشهد يوم حصن تستر في خلافة عمر سنة عشرين وقيل قبلها وقيل سنة ثلاث وعشرين. ذكر سيف أن الهرمزان هو الذي قتله، وروى عنه أخوه أ، س، وروى البغوي بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين عن أنس قال: دخلت على البراء بن مالك وهو يتغنى فقلت له: قد أبدلك الله ما هو خير منه. فقال: أترهب أن أموت على فراشي لا والله ما كان الله ليحرمني ذلك وقد قتلت مائة منفردًا سوى ما شاركت فيه. وقال بقي بن مخلد في مسنده عن أبي إسحاق قال: زحف المسلمون إلى المشركين يوم اليمامة حتى ألجؤوهم إلى حديثة فيه عدو الله مسيلمة، فقال البراء بن مالك يا معشر المسلمين ألقوني إليهم فاحتمل حتى إذا أشرف على الجدار اقتحم فقاتلهم على الحديقة حتى فتحها على المسلمين ودخل عليهم المسلمون فقتل الله مسيلمة.
عن أنس قال: رمى البراء بنفسه عليهم فقاتلهم حتى فتح الباب وبه بضع وثمانون جراحة من بين رمية بسهم وضربة فحمل إلى رحله يداوى وأقام عليه خالد شهرًا. وفي تاريخ السراج من طريق يونس عن الحسن وعن ابن سيرين عن أنس أن خالد بن الوليد قال للبراء يوم اليمامة: قم يا براء. قال: فركب فرسه فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
[ ٤ / ١٨٩٦ ]
يا أهل المدينة لا مدينة لكم اليوم وإنما هو الله وحده والجنة. ثم حمل وحمل الناس معه فانهزم أهل اليمامة، فلقي البراء معكم اليمامة فضربه البراء وصرعه، فأخذ سيف محكم اليمامة فضرب به حتى انقطع. وروى البغوي عن البراء قال: لقيت يوم مسيلمة رجلًا يقال له حمار اليمامة رجلًا جسيمًا بيده السيف أبيض فضربت رجليه فكأنما أخطأته وانقعر فوقع على قفاه فأخذت سيفه وأغمدت سيفي، فما ضربت به ضربة حتى انقطع. وفي الطبراني من طريق إسحاق عن عبد الله بن أبي طلحة قال: بينما أنس بن مالك وأخوه عند حصن من حصون العدو يعني بالحريق (بالعراق) فكانوا يلقون كلاليب في سلاسل محماة فتعلق بالإنسان فيرفعونه إليهم، ففعلوا ذلك بأنس فأقبل البراء حتى تراءى في الجدار ثم قبض بيده على السلسلة فما برح حتى قطع الحبل ثم نظر إلى يده فإذا عظامها تلوح قد ذهب ما عليها من اللحم وأنجى الله أنس بن مالك بذلك. وروى الترمذي عن أنس أن النبي ﵌ قال: "رب أشعث أغبر لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك". فلما كان يوم تستر من بلاد فارس انكشف الناس، فقال المسلمون: يا براء أقسم على ربك. فقال: أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيك. فحمل وحمل الناس معه فقتل مرزبان الزاره من عظماء الفرس وأخذ سلبه فانهزم الفرس وقتل البراء. وفي المستدرك من طريق سلامة عن عقيل عن الزهري عن أنس نحوه. ا. هـ.
وقال الذهبي: البراء بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر ابن غنم بن عدي بن النجار، الأنصاري النجاري المدني.
البطل الكرار صاحب رسول الله ﷺ وأخو خادم النبي ﷺ، أنس بن مالك، شهد أحدًا، وبايع تحت الشجرة.
قيل: كتب عمر بن الخطاب إلى أمراء الجيش: لا تستعملوا البراء على جيش، فإنه مهلكة من المهالك يقدم بهم.
وبلغنا أن البراء يوم حرب مسيلمة الكذاب أمر أصحابه أن يحتملوه على ترس، على أسنة رماحهم، ويلقوه في الحديقة. فاقتحم إليهم، وشدد عليهم، وقاتل حتى افتتح باب
[ ٤ / ١٨٩٧ ]
الحديقة. فجرح يومئذ بضعة وثمانين جرحًا، ولذلك أقام خالد بن الوليد عليه شهرًا يداوي جراحه.
وقد اشتهر أن البراء قتل في حروبه مئة نفس من الشجعان مبارزة ا. هـ.
٢٠٤٥ - * روى الحاكم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "كم من ضعيف متضعف ذي طمرين لو أقسم على الله لأبر قسمه منهم البراء بن مالك". فإن البراء لقي زحفًا من المشركين وقد أوجع المشركون في المسلمين فقالوا: يا براء إن رسول الله ﵌ قال إنك لو أقسمت على الله لأبرك فأسقم على ربك. فقال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم. ثم التقوا على قنطرة السوس فأوجعوا في المسلمين فقالوا له: يا براء أقسم على ربك. فقال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيك ﵌ فمنحوا أكتافهم وقتل البراء شهيدًا.
٢٠٤٦ - * روى الترمذي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره. منهم البراء بن مالك".
٢٠٤٧ - * روى الحاكم عن أنس بن مالك أنه دخل على أخيه البراء وهو مستلق واضعًا إحدى رجليه على الأخرى يتغنى فنهاه، فقال: أترهب أن أموت على فراشي وقد تفردت بقتل مائة من الكفار سوى من شركني فيه الناس.
وفي رواية: يا أخي تتغنى بالشعر وقد أبدلك الله به القرآن؟
_________________
(١) المستدرك (٣/ ٢٩١) وصححه ووافقه الذهبي. الطمر: الثوب الخلق. لأبره: لصدقه وجعله بارًا غير حانث.
(٢) الترمذي (٥/ ٦٩٣) ٥٠ - كتاب المناقب -٥٥ - باب مناقب البراء بن مالك. وقال: هذا حديث صحيح من هذا الوجه. الأشعث: البعيد العهد بالدهن والتسريح والغسل. لا يؤبه له: لا يعرف ولا يعلم به لقلة شأنه.
(٣) المستدرك (٣/ ٢٩١) وصححه ووافقه الذهبي، وذكره الحافظ في الإصابة عن البغوي وقال: إسناده صحيح. ورواه أبو نعيم في الحلية.
[ ٤ / ١٨٩٨ ]
٢٠٤٨ - * روى ابن سعد عن أنس قال: دخلت على البراء وهو يتغنى، ويرنم قوسه، فقلت: إلى متى هذا؟ قال: أتراني أموت على فراشي؟ والله لقد قتلت بضعًا وتسعين.
قال الذهبي: ابن عون: عن محمد قال: بارز البراء مرزبان الزارة فطعنه، فصرعه، وأخذ سلبه.
الزارة: لفظ المرة من الزار. وعين الزارة بالبحرين معروفة. والزارة قرية كبيرة بها. ومنها مرزبان الزارة وله ذكر في الفتوح. وقد فتحت الزارة سنة (١٢) للهجرة في أيام أبي بكر الصديق ﵁، وصولحوا.
استشهد يوم فتح تستر سنة عشرين ا. هـ.
٢٠٤٩ - * روى الحاكم عن أنس بن مالك قال: كان البراء بن مالك رجلًا حسن الصوت فكان يرجز لرسول الله ﵌ في بعض أسفاره فبينما هو يرجز إذ قارب النساء فقال له رسول الله ﵌: "إياك والقوارير". قال فأمسك: قال محمد: كره رسول الله ﵌ أن تسمع النساء صوته.
٢٠٥٠ - * روى الطبراني عن ابن سيرين قال: بارز البراء بن مالك أخو أنس بن مالك مرزبان الزار فقتله فأخذ سلبه فبلغ سلبه ثلاثين ألفًا.
* * *
_________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد (٧/ ١٧) وإسناده صحيح.
(٢) المستدرك (٣/ ٢٩١). وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) المعجم الكبير (٢/ ٣٧). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٣٣١): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
[ ٤ / ١٨٩٩ ]
٢٧ - أنس بن مالك ﵁
قال ابن حجر:
أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي. خادم رسول الله ﵌ وأحد المكثرين من الرواية عنه.
عن أبي خلدة قلت لأبي العالية: أسمع أنس من النبي ﵌ قال: خدمة عشر سنين ودعا له النبي ﵌، وكان له بستان يحمل الفاكهة في السنة مرتين، وكان فيه ريحان ويجيء منه ريح المسك. وكانت إقامته بعد النبي ﵌ بالمدينة ثم شهد الفتوح ثم قطن البصرة ومات بها. قال علي بن المديني: كان آخر الصحابة موتا بالبصرة، وقال البخاري: حدثنا موسى حدثنا إسحاق بن عثمان: سألت موسى بن أنس: كم غزا أنس مع النبي ﵌؟ قال: ثمان غزوات. وروى ابن السكن من طريق صفوان بن هبيرة عن أبيه قال: قال ثابت البناني: قال لي أنس بن مالك: هذه شعرة من شعر رسول الله ﵌ فضعها تحت لساني، قال: فوضعها تحت لسانه فدفن وهي تحت لسانه.
قال جرير بن حازم. قلت لشعيب بن الحبحاب: متى مات أنس؟ قال: سنة تسعين. أخرجه ابن شاهين. وقال سعيد بن عفير والهيثم بن عدي ومعتمر بن سليمان مات سنة إحدى وتسعين. وقال ابن شاهين: حدثنا عثمان بن أحمد حدثنا حنبل حدثنا معتمر ابن سليمان عن حميد مثله وزاد: وكان عمره مائة سنة إلا سنة. قال ابن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن زيد الهذلي أنه حضر أنس بن مالك سنة ثنتين وتسعين. وقال أبو نعيم الكوفي: مات سنة ثلاث وتسعين وفيها أرخه المدائني وخليفة وزاد: وله مائة وثلاث سنين. وحكى ابن شاهين عن يحيى بن بكير أنه مات وله مائة سنة وسنة، قال وقيل مائة وسبع سنين. ورواه البغوي عن عمر بن شبة عن محمد بن عبد الله الأنصاري كذلك. قال الطبراني عن أنس قال: قالت أم سليم: يا رسول الله ادع الله لأنس فقال: "اللهم أكثر ماله
[ ٤ / ١٩٠٠ ]
وولده وبارك له فيه". قال أنس لقد دفنت من صلبي سوى ولد ولدي مائة وخمسة وعشرين وإن أرضي لتثمر في السنة مرتين. عن أنس جاءت بي أم سليم إلى النبي ﵌ وأنا غلام، فقالت: يا رسول الله أنس ادع الله له. فقال النبي صلى الله عليه وآله سلم: "اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة". قال قد رأيت اثنتين وأنا أرجو الثالثة.
وروى الطبراني في الأوسط من طريق عبيد بن عمرو الأصبحي عن أبي هريرة أخبرني أنس بن مالك أن النبي ﵌ كان يشير في الصلاة وقال. لا نعلم روى أبو هريرة عن أنس غير هذا الحديث. وقال محمد بن عبد الله الأنصاري: حدثنا ابن عون عن موسى بن أنس أن أبا بكر لما استخلف بعث إلى أنس ليوجهه إلى البحرين على السعاية فدخل عليه عمر فاستشاره فقال: أبعثه فإنه لبيب كاتب. قال: فبعثه. ومناقب أنس وفضائله كثيرة جدًا. ا. هـ.
قال الذهبي في ترجمته:
الإمام، المفتي، المقرئ، المحدث، راوية الإسلام، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي النجاري المدني، خادم رسول الله ﷺ، وقرابته من النساء، وتلميذه، وتبعه، وآخر أصحابه موتًا. ا. هـ.
٢٠٥١ - * روى مسلم عن أنس قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا ابن عشر، ومات وأنا ابن عشرين، وكن أمهاتي يحثثني على خدمة رسول الله ﷺ، فدخل علينا دارنا، فحلبنا له من شاة داجن، وشيب له من بئر في الدار، فشرب رسول الله ﷺ، فقال له عمر -وأبو بكر على شماله: يا رسول الله أعط أبا بكر، فأعطاه أعرابيًا عن يمينه، وقال رسول الله ﷺ: "الأيمن فالأيمن".
قال الذهبي: فصحب أنس نبيه ﷺ أتم الصحبة، ولازمه أكمل الملازمة منذ هاجر، وإلى أن مات، وغزا معه غير مرة، وبايع تحت الشجرة.
_________________
(١) مسلم (٣/ ١٦٠٣) ٣٦ - كتاب الأشربة -١٧ - باب استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما عن يمين المبتدئ.
[ ٤ / ١٩٠١ ]
وقد روى محمد بن سعد في (طبقاته): حدثنا الأنصاري، عن أبيه، عن مولى لأنس، أنه قال لأنس: أشهدت بدرًا؟ فقال: لا أم لك، وأين أغيب عن بدر. ثم قال الأنصاري: خرج مع رسول الله ﷺ إلى بدر، وهو غلام يخدمه.
وقد رواه عمر بن شبة، عن الأنصاري (١)، عن أبيه، عن ثمامة، قال: قيل لأنس: فذكر نحوه.
قلت: لم يعده أصحاب المغازي في البدريين لكونه حضرها صبيا ما قاتل، بل بقي في رحال الجيش. فهذا وجه الجمع. أ. هـ.
٢٠٥٢ - * روى مسلم عن أنس قال: جاءت بي أمي، أم أنس إلى رسول الله ﷺ، وقد أزرتني بنصف خمارها وردتني بنصفه. فقالت: يا رسول الله! هذا أنيس، ابني، أتيتك به يخدمك. فادع الله له. فقال: "اللهم أكثر ماله وولده".
قال أنس: فوالله! إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة، اليوم.
٢٠٥٣ - * روى البخاري ومسلم، عن أنس، أن أم سليم قالت: يا رسول الله! خادمك أنس، ادع الله له. فقال: "اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له فيما أعطيته".
٢٠٥٤ - * روى ابن سعد عن أنس، قال: دعا لي رسول الله ﷺ، فقال: "اللهم أكثر ماله وولده، وأطل حياته". فالله أكثر مالي حتى إن كرمًا لي لتحمل في السنة مرتين، وولد لصلبي مئة وستة.
_________________
(١) قال محقق السير: محمد بن عبد الله بن المثني الأنصاري ثقة، وأبوه عبد الله صدوق، خرج له البخاري إلا أنه كثير الغلط، ومولى أنس لا يعرف، لكن تابعه ثمامة في رواية عمر بن شبة، وهو صدوق.
(٢) مسلم (٤/ ١٩٢٩) ٤٤ - كتاب تابعه ثمامة في رواية عمر بن شبة، وهو صدوق.
(٣) البخاري (١١/ ١٤٤) ٨٠ - كتاب الدعوات -٢٦ - باب دعوة النبي ﷺ لخادمه بطول العمر وبكثرة ماله. ومسلم (٤/ ١٩٢٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٢ - باب من فضائل أنس بن مالك.
(٤) الطبقات الكبرى (٧/ ١٩) وسنده حسن.
[ ٤ / ١٩٠٢ ]
٢٠٥٥ - * روى عن أنس ﵁ قال: دخل النبي ﷺ على أم سليم، فأتته بتمر وسمن، قال: "أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه فإني صائم". ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل بيتها. فقالت أم سليم: يا رسول الله إن لي خويصة، قال: "ما هي؟ قالت: خادمك أنس. فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به: "اللهم ارزقه مالًا وولدًا، وبارك له". فإني لمن أكثر الأنصار مالا. وحدثني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة.
٢٠٥٦ - * روى الترمذي عن أبي خلدة قال: قلت لأبي العالية: سمع أنس من النبي ﷺ؟ قال: خدمه عشر سنين، ودعا له النبي ﷺ وكان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيها ريحان يجيء منها ريح المسك.
٢٠٥٧ - * روى ابن سعد عن أبي هريرة قال: ما رأيت أحدًا أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من ابن أم سليم. يعني أنسًا.
قال الذهبي: عن موسى بن أنس: أن أنسًا غزا غزوات.
وقال أنس بن سيرين: كان أنس بن مالك أحسن الناس صلاة في الحضر والسفر.
وروى الأنصاري عن أبيه، عن ثمامة، قال: كان أنس يصلي حتى تفطر قدماه دمًا، مما يطيل القيام ﵁.
ثابت البناني قال: جاء قيم أرض أنس، فقال: عطشت أرضوك. فتردي أنس، ثم خرج إلى البرية، ثم صلى، ودعا، فثارت سحابة، وغشيت أرضه ومطرت، حتى ملأت صهريجه وذلك في الصيف، فأرسل بعض أهله، فقال: انظر أين بلغت؟ فإذا هي لم تعد أرضه إلا يسيرًا.
_________________
(١) البخاري (٤/ ٢٢٨) ٣٠ - كتاب الصوم -٦١ - باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم. خويصة: تصغير خاصة وهي ما يخص به الإنسان.
(٢) الترمذي (٥/ ٦٨٣) ٥٠ - كتاب المناقب -٤٦ - باب مناقب لأنس بن مالك. وقال هذا حديث حسن. وأبو خلدة ثقة ورجاله ثقات.
(٣) الطبقات الكبرى (٧/ ٢٠). ورجاله ثقات.
[ ٤ / ١٩٠٣ ]
روى نحوه الأنصاري، عن أبيه، عن ثمامة.
قلت (أي الذهبي): هذه كرامة بينة ثبتت بإسنادين.
قال همام بن يحيى: حدثني من صحب أنس بن مالك قال: لما أحرم أنس، لم أقدر أن أكلمه حتى حل من شدة إبقائه على إحرامه.
ابن عون: عن موسى بن أنس؛ أن أبا بكر الصديق بعث إلى أنس ليوجهه على البحرين ساعيًا، فدخل عليه عمر، فقال: إني أردت أن أبعث هذا على البحرين وهو فتي شاب. قال: ابعثه فإنه لبيب كاتب. فبعثه فلما قبض أبو بكر قدم أنس على عمر، فقال: هات ما جئت به. قال: يا أمير المؤمنين، البيعة أولًا، فبسط يده.
عن أنس، قال: استعملني أبو بكر على الصدقة، فقدمت، وقد مات، فقال عمر: يا أنس أجئنا بظهر؟ قلت: نعم. قال: جئنا به، والمال لك. قلت: هو أكثر من ذلك. قال: وإن كان، فهو لك. وكان أربعة آلاف.
روى ثابت، عن أنس، قال: صحبت جرير بن عبد الله، فكان يخدمني، وقال: إني رأيت الأنصار يصنعون برسول الله ﷺ شيئًا، لا أرى أحدًا منهم إلا خدمته.
وروى عن النبي ﷺ أنه قال لأنس: "يا ذا الأذنين".
وقد كان النبي ﷺ يخصه ببعض العلم. فنقل أنس عن النبي ﷺ، أنه طاف على تسع نسوة في ضحوة بغسل واحد.
قال خليفة بن خياط: كتب ابن الزبير بعد موت يزيد إلى أنس بن مالك، فصلى بالناس بالبصرة أربعين يومًا. وقد شهد أنس فتح تستر فقدم على عمر بصاحبها الهرمزان فأسلم، وحسن إسلامه ﵀.
قال الأعمش: كتب أنس إلى عبد الملك بن مروان -يعني لما آذاه الحجاج -: إني خدمت رسول الله ﷺ تسع سنين، والله لو أن النصارى أدركوا رجلًا خدم نبيهم، لأكرموه.
[ ٤ / ١٩٠٤ ]
قال سلمة بن وردان: رأيت على أنس عمامة سوداء قد أرخاها من خلفه.
وقال أبو طالوت عبد السلام: رأيت على أنس عمامة.
حماد بن سلمة: عن حميد، عن أنس: نهى عمر أن نكتب في الخواتيم عربيًا. وكان في خاتم أنس ذئب أو ثعلب (١).
وقال ابن سيرين: كان نقش خاتم أنس: أسد رابض (٢).
قال ثمامة بن عبد الله: كان كرم أنس يحمل في السنة مرتين.
قال المثنى بن سعيد: سمعت أنسًا يقول: ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي. ثم يبكي (٣).
عن أنس -وقيل له: ألا تحدثنا؟ -قال: يا نبي إنه من يكثر يهجر (٤).
عن أنس، أنه نقش في خاتمه: "محمد رسول الله". فكان إذا دخل الخلاء، نزعه (٥).
قال ابن عون: رأيت على أنس مطرف خز، وعمامة خز، وجبة خز (٦).
روى عبد الله بن سالم الأشعري، عن أزهر بن عبد الله، قال: كنت في الخيل الذين بيتوا أنس بن مالك، وكان فيمن يؤلب على الحجاج، وكان مع ابن الأشعث، فأتوا به الحجاج، فوسم في يده: عتيق الحجاج.
عن أنس: يقولون: لا يجتمع حب علي وعثمان في قلب. وقد جمع الله حبهما في قلوبنا.
_________________
(١) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٧/ ١٨). ورجاله ثقات.
(٢) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٧/ ١٨). ورجاله ثقات.
(٣) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٧/ ٢٠). ورجاله ثقات.
(٤) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٧/ ٢٢). ورجاله ثقات. قال محقق السير: أن بني أنس بن مالك قالوا لأبيهم: يا أبانا ألا تحدثنا كما تحدث الغرباء؟ وقوله يهجر: ومن هجر في كلامه: إذا خلط فيه وإذا هذى.
(٥) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٧/ ٢٢).
(٦) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٧/ ٢٣). الخز: نوع من الثياب ينسج من صوف ونحوه.
[ ٤ / ١٩٠٥ ]
قال أبو اليقظان: مات لأنس في طاعون الجارف ثمانون ابنًا وقيل: سبعون.
عن أيوب قال: ضعف أنس عن الصوم، فصنع جفنة من ثريد، ودعا ثلاثين مسكينًا، فأطعمهم (١).
قلت [أي الذهبي]: ثبت مولد أنس قبل عام الهجرة بعشر سنين.
وأما موته فاختلفوا فيه، فروى معمر، عن حميد؛ أنه مات سنة إحدي وتسعين، وكذا أرخه قتادة، والهيثم بن عدي، وسعيد بن عفير، وأبو عبيد.
وروى معن بن عيسى، عن ابن لأنس بن مالك: سنة اثنتين وتسعين. وتابعه الواقدي.
وقال عدة -وهو الأصح -: مات سنة ثلاث وتسعين. قاله ابن علية وسعيد بن عامر، والمدائني، وأبو نعيم، وخليفة، والفلاس، وقعنب. فيكون عمره على هذا مئة وثلاث سنين.
قال الأنصاري: اختلف علينا في سن أنس؛ فقال بعضهم: بلغ مئة وثلاث سنين. وقال بعضهم: بلغ مئة وسبع سنين.
مسنده ألفان ومئتان وستة وثمانون، اتفق له البخاري ومسلم على مئة وثمانين حديثًا، وانفرد البخاري بثمانين حديثًا، ومسلم بتسعين. اهـ الذهبي.
_________________
(١) قال محقق السير: وكان طاعون الجارف بالبصرة سنة ٦٩ هـ، قال المدائني: حدثني من أدرك ذلك، قال: كان ثلاثة أيام، فمات فيها نحو مئتي ألف نفس، وقال غيره: مات في طاعون الجارف لأنس من أولاده وأولادهم سبعون نفسًا. وروى البخاري تعليقًا في (٨/ ١٧٩) -٦٥ - كتاب التفسير ٢ - سورة البقرة -٢٥ - باب (أيامًا معدودات) فقال: فقد أطعم أنس بن مالك بعدما كبر عامًا أو عامين كل يوم مسكينًا خبزًا ولحمًا وأفطر. وقال الحافظ: وروى عبد بن حميد من طريق النصر بن أنس، عن أنس أنه أفطر في رمضان وكان قد كبر، فأطعم مسكينًا كل يوم، ورويناه في فوائد محمد بن هشام بن ملاس، عن مروان، عن معاوية، عن حميد، قال: ضعف أنس عن الصوم عام توفي، فسألت ابنه عمر بن أنس: أطاق الصوم؟ قال: لا فلما عرف أنه لا يطيق القضاء، أمر بجفان من خبز ولحم، فأطعم العدة أو أكثر.
[ ٤ / ١٩٠٦ ]
٢٠٥٨ - * روى مسلم والترمذي، عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال له: "يا بني".
٢٠٥٩ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: لم يبق ممن صلى القبلتين غيري.
يعني الصلاة إلى بيت المقدس وإلى الكعبة، وفي هذا إشارة إلى أن أنسا آخر من مات ممن صلى القبلتين، والظاهر أن أنسًا قال ذلك وبعض الصحابة ممن تأخر إسلامه موجود، ثم تأخر أنس إلى أن كان آخر من مات بالبصرة من أصحاب رسول الله ﷺ، قاله علي بن المديني والبزار وغيرهما، بل قال ابن عبد البر: هو آخر الصحابة موتًا مطلقًا، لم يبق بعده غير أبي الطفيل. كذا قال، وفيه نظر، فقد ثبت لجماعة ممن سكن البوادي من الصحابة تأخرهم عن أنس.
وعن ثابت البناني ﵀: أن أنسا قال له: خذ عني فإنك لن تأخذ عن أحد أوثق مني، أخذته عن رسول الله ﷺ، وأخذه رسول الله ﷺ عن جبريل، وأخذه جبريل عن الله ﷿.
٢٠٦٠ - * روى الطبراني عن أنس قال: كانت لي ذؤابة وكان رسول الله ﷺ يمدها ويأخذ بها.
٢٠٦١ - * روى الطبراني عن قتادة قال: لما مات أنس بن مالك قال مورق العجلي: ذهب اليوم نصف العلم. فقيل وكيف ذاك يا أبا المغيرة؟ قال: كان رجل من أهل الأهواء إذا خالفنا في الحديث عن رسول الله ﷺ قلنا له: تعال إلى من سمعه منه.
_________________
(١) مسلم (٣/ ١٦٩٣) ٣٨ - كتاب الأدب -٦ - باب جواز قوله لغير ابنه: يا بني. الترمذي (٥/ ١٣١) ٤٤ - كتاب الأدب ٦٢ - باب ما جاء في يا بني. وقال: هذا حديث حسن صحيح، غريب من هذا الوجه.
(٢) البخاري (٨/ ١٧٣) ٦٥ - كتاب التفسير -١٥ - باب ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ -إلى- يَعْمَلُونَ﴾.
(٣) المعجم الكبير (١/ ٢٤٩). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٢٥): إسناده جيد.
(٤) المعجم الكبير (١/ ٢٥٠). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٢٥): ورجاله رجال الصحيح.
[ ٤ / ١٩٠٧ ]
٢٠٦٢ - * روى مسلم عن أنس، قال: دخل النبي ﷺ علينا. وما هو إلا أنا وأمي وأم حرام خالتي. فقال: "قوموا فلأصلي بكم" (في غير وقت صلاة) فصلى بنا. فقال رجل لثابت: أين جعل أنسًا منه؟ قال: جعله على يمينه. ثم دعا لنا، أهل البيت، بكل خير من خير الدنيا والآخرة. فقالت أمي: يا رسول الله! خويدمك. ادع الله له. قال: فدعا لي بكل خير. وكان في آخر ما دعا به أن قال: "اللهم! أكثر ماله وولده وبارك له فيه".
* * *
_________________
(١) مسلم (١/ ٤٥٧) ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة -٤٨ - باب جواز الجماعة في النافلة.
[ ٤ / ١٩٠٨ ]
٢٨ - ثابت بن قيس بن شماس ﵁ خطيب رسول الله ﷺ
وخطيب الأنصار
قال ابن حجر:
ثابت بن قيس بن شماس بن زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي.
لم يذكره أصحاب المغازي في البدريين، وقالوا أول مشاهده أحد وشهد ما بعدها وبشره النبي ﷺ بالجنة في قصة شهيرة رواها موسى بن أنس عن أبيه أخرج أصل الحديث مسلم أ. هـ.
قال الذهبي في ترجمته:
أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن.
خطيب الأنصار. كان من نجباء أصحاب محمد، ﷺ، ولم يشهد بدرًا، شهد أحدًا، وبيعة الرضوان.
وأمه هند الطائية، وقيل: بل كبشة بنت واقد بن الإطنابة. وإخوته لأمه عبد الله ابن رواحة، وعمرة بنت رواحة. وكان زوج جمييلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، فولدت له محمدًا.
قال ابن إسحاق: قيل: آخى رسول الله ﷺ، بينه وبين عمار، وقيل: بل المؤاخاة بين عمار وحذيفة. وكان جهير الصوت، خطيبًا، بليغًا.
٢٠٦٣ - * روى الحاكم عن أنس قال: خطب ثابت بن قيس مقدم رسول الله، ﷺ، المدينة، فقال: نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا، فما لنا؟ قال: "الجنة". قالوا: رضينا.
_________________
(١) المستدرك (٣/ ٢٣٤). وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٤ / ١٩٠٩ ]
٢٠٦٤ - * روى الحاكم عن إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس أن ثابت بن قيس قال: يا رسول الله! إني أخشى أن أكون قد هلكت، ينهانا الله أن نحب أن نحمد بما لا نفعل، وأجدني أحب الحمد. وينهانا الله عن الخيلاء، وإني امرؤ أحب الجمال. وينهانا الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك. وأنا رجل رفيع الصوت، فقال: "يا ثابت! أما ترضى أن تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا، وتدخل الجنة". اهـ.
٢٠٦٥ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ افتقد ثابت ابن قيس، فقال رجل: يا رسول الله أنا أعلم لك علمه. فأتاه، فوجده جالسًا في بيته منكسًا رأسه، فقال: ما شأنك؟ قال: شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ، فقد حبط عمله، وهو من أهل النار. فأتى الرجل النبي ﷺ، فأخبره أنه قال كذا وكذا، فقال موسى بن أنس: فرجع إليه المرة الأخيرة ببشارة عظيمة، فقال: اذهب إليه، فقل له: "إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة".
وفي رواية (١): أنه لما نزلت هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﴾ (٢) جلس ثابت في بيته، وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي ﷺ، فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ، فقال: "يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ اشتكى؟ " فقال سعد: إنه لجاري، وما علمت له شكوى. قال: فأتاه سعد، فذكر له قول النبي ﷺ، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية، وقد علمتم أني من أرفعكم صوتًا على رسول الله ﷺ، فأنا من أهل النار. فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ، فقال: "بل هو من أهل الجنة". هذا لفظ رواية حماد عن أنس.
_________________
(١) المستدرك (٣/ ٢٣٤). وصححه ووافقه الذهبي. وقال الحافظ في الفتح (٦/ ٦٢١): وهذا مرسل قوي الإسناد.
(٢) البخاري (٨/ ٥٩٠) ٦٥ - كتاب التفسير -٤٩ - سورة الحجرات. حبط عمله: إذا بطل أجره ولم يثب عليه.
(٣) مسلم (١/ ١١٠) ١ - كتاب الإيمان -٥٢ - باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله.
(٤) الحجرات: ٢.
[ ٤ / ١٩١٠ ]
وفي رواية لمسلم (١) كان ثابت بن قيس بن شماس خطيب الأنصار، فلما نزلت هذه الآية -وذكر قول ثابت -زاد في حديث سليمان التيمي: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة.
٢٠٦٦ - * روى أحمد عن أنس بن مالك قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾: وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ﷺ، حبط عملي، أنا من أهل النار. وجلس في أهله حزينا، فتفقده رسول الله ﷺ فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقدك رسول الله ﷺ مالك؟ فقال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي وأجهر بالقول، حبط عملي وأنا من أهل النار. فأتوا النبي ﷺ فأخبروه بما قال فقال: "لا. بل هو من أهل الجنة". قال أنس: وكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف فجاءنا ثابت بن قيس بن شماس وقد تحنط ولبس كفنه فقال: بئسما تعودون أقرانكم فقاتلهم حتى قتل.
٢٠٦٧ - * روى البخاري عن موسى بن أنس قال: وذكر يوم اليمامة قال: أتى أنس بن مالك ثابت بن قيس وقد حسر عن فخذيه وهو يتحنط فقال: يا عم ما يحبسك أن لا تجيء؟ قال: الآن يا ابن أخي. وجعل يتحنط -يعني من الحنوط -ثم جاء فجلس، فذكر في الحديث انكشافًا من الناس فقال: هكذا عن وجوهنا حتى نضارب القوم، ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله ﷺ، بئس ما عودتم أقرانكم.
٢٠٦٨ - * روى الحاكم عن أنس: أن ثابت بن قيس جاء يوم اليمامة، وقد تحنط، ولبس ثوبين أبيضين، فكفن فيهما، وقد انهزم القوم، فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به
_________________
(١) مسلم (١/ ١١١) ١ - كتاب الإيمان -٥٢ - باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله.
(٢) أحمد في مسنده (٣/ ١٣٧).
(٣) البخاري (٦/ ٥١) ٥٦ - كتاب الجهاد -٣٩ - باب التحنط عند القتال.
(٤) المستدرك (٣/ ٢٤٥). وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٤ / ١٩١١ ]
هؤلاء، وأعتذر من صنيع هؤلاء، بئس ما عودتم أقرانكم! خلوا بيننا وبينهم ساعة. فحمل، فقاتل حتى قتل، وكانت درعه قد سرقت، فرآه رجل في النوم، فقال له: إنها في قدر تحت إكاف، بمكان كذا وكذا. وأوصاه بوصايا، فنظرو فوجدوا الدرع كما قال، وأنفذوا وصاياه.
٢٠٦٩ - * روى الترمذي والحاكم عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: "نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس".
وذكر الذهبي في السير عن الزهري: أن وفد تميم قدموا، وافتخر خطيبهم بأمور، فقال النبي، ﷺ، لثابت بن قيس: "قم فأجب خطيبهم". فقام، فحمد الله وأبلغ، وسر رسول الله ﷺ والمسلمون بمقامه.
٢٠٧٠ - * روى البخاري عن ابن عباس، أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله ﷺ: "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم. قال رسول الله ﷺ: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة". قال أبو عبد الله: لا يتابع فيه عن ابن عباس.
قال الحافظ ابن حجر: قال ابن عبد البر: اختلف في امرأة ثابت بن قيس، فذكر البصريون أنها جميلة بنت أبي، وذكر المدنيون أنها حبيبة بنت سهل. قلت (القائل ابن حجر): والذي يظهر أنهما قصتان وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين وصحة الطريقين، واختلاف السياقين.
قال الذهبي: وقيل: ولدت محمدًا بعد، فجعلته في لفيف وأرسلت به إلى ثابت. فأتى به
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٦٦٧) ٥٠ - كتاب المناقب -٣٣ - باب مناقب معاذ. وقال هذا حديث حسن. والمستدرك (٣/ ٢٣٣). وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) البخاري (٩/ ٣٨٥) ٦٨ - كتاب الطلاق -١٢ - باب الخلع وكيف الطلاق فيه.
[ ٤ / ١٩١٢ ]
رسول الله، ﷺ، فحنكه وسماه محمدًا. فاتخذ له مرضعًا.
قال الحاكم: كان ثابت على الأنصار يوم اليمامة. ثم روى في ترجمته أحاديث منها لعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني عطاء الخراساني قال: قدمت المدينة، فأتيت ابنة ثابت بن قيس، فذكرت قصة أبيها، قالت: لما نزلت ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ جلس أبي يبكى. فذكرت الحديث.
وفيه: فلما استشهد، رآه رجل: فقال: إني لما قتلت، انتزع درعي رجل من المسلمين، وخبأه، فأكب عليه برمة، وجعل عليها رحلًا، فائت الأمير، فأخبره، وإياك أن تقول: هذا حلم، فتضيعه، وإذا أتيت المدينة، فقل لخليفة رسول الله ﷺ: إن علي من الدين كذا وكذا، وغلامي فلان عتيق، وإياك أن تقول: هذا حلم، فتضيعه. فأتاه، فأخبره الخبر، فنفذ وصيته، فلا نعلم أحدًا بعد ما مات أنفذت وصيته غير ثابت بن قيس ﵁ (١).
وقد قتل محمد، ويحيى، وعبد الله بنو ثابت بن قيس يوم الحرة. ا. هـ.
* * *
_________________
(١) أخرجه الحاكم وذكره الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٢١، ٣٢٢) وقال: رواه الطبراني، وبنت ثابت بن قيس لم أعرفها، وبقية رجاله رجال الصحيح والظاهر أن بنت ثابت صحابية لأنها قالت: سمعت أبي. والله أعلم. قال محقق السير: وذكره الحافظ في المطالب العالية ونسبه إلى أبي يعلى، وقال البوصيري: أصله في صحيح البخاري ومسلم والترمذي من حديث أنس. والبرمة: قدر من الحجارة.
[ ٤ / ١٩١٣ ]
٢٩ - أبو هريرة ﵁
قال ابن حجر في الإصابة:
قال النووي في مواضع من كتبه: اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر على الأصح من ثلاثين قولا. وقال القطب الحلبي اجتمع في اسمه واسم أبيه أربعة وأربعون قولًا مذكورة في الكنى للحاكم وفي الاستيعاب وفي تاريخ ابن عساكر. قلت: وجه تكثره أنه يجتمع في اسمه خاصة عشرة أقوال مثلا وفي اسم أبيه نحوها ثم تركبت ولكن لا يوجد جميع ذلك منقولًا.
وقد أجمع أهل الحديث على أنه أكثر الصحابة حديثًا وذكر أبو محمد بن حزم أن مسند بقي بن مخلد احتوى من حديث أبي هريرة على خمسة آلاف وثلثمائة حديث وكسر.
وأخرج ابن سعد بسند صحيح عن عكرمة أن أبا هريرة كان يسبح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة يقول: أسبح بقدر ذنبي.
وفي الحلية من تاريخ أبي العباس السراج بسند صحيح عن مضارب بن جزء: كنت أسير من الليل فإذا رجل يكبر فلحقته فقلت ما هذا؟ قال: أكثر شكر الله على أن كنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان لنفقة رحلي وطعام بطني فإذا ركبوا سقت بهم وإذا نزلوا خدمتهم فزوجنيها الله فأنا أركب وإذا نزلت خدمت. وأخرجه ابن خزيمة من هذا الوجه وزاد: وكانت إذا أتت على مكان سهل نزلت فقالت: لا أريم [لا أبرح] حتى تجعل لي عصيدة فها أنا ذا أتيت على نحو من مكانها، قلت: لا أريم حتى تجعل لي عصيدة.
وأخرج ابن أبي الدنيا في المختصرين بسند صحيح عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: دخلت على أبي هريرة وهو شديد الوجع فاحتضنته، فقلت: اللهم اشف أبا هريرة. فقال: اللهم لا ترجعها. قالها مرتين، ثم قال: إن استطعت أن تموت فمت والله الذي نفس أبي هريرة بيدة ليأتين على الناس زمان يمر الرجل على قبر أخيه فيتمنى أنه صاحبه. قلت: وقد جاء هذا الحديث مرفوعًا عن أبي هريرة عن عمير بن هانئ قال: كان أبو هريرة يقول: تشبثوا بصدغي معاوية اللهم لا تدركني سنة ستين. وأخرج أحمد والنسائي بسند صحيح عن عبد الرحمن بن مهران عن أبي هريرة أنه قال حين حضره الموت: لا تضربوا علي
[ ٤ / ١٩١٤ ]
فسطاطًا ولا تتبعوني بمجمرة وأسرعوا بي.
وكانت وفاته بقصره بالعقيق فحمل إلى المدينة. قال هشام بن عروة وخليفة وجماعة: توفي أبو هريرة سنة سبع وخمسين. وقال الهيثم بن عدي وأبو معشر وضمرة بن ربيعة: مات سنة ثمان وخمسين. وقال الواقدي وأبو عبيد وغيرهما: مات سنة تسع وخمسين. ا. هـ.
وقال الذهبي: الإمام الفقيه المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله ﷺ، أبو هريرة الدوسي اليماني. سيد الحفاظ الأثبات.
اختلف في اسمه على أقوال جمة؛ أرجحها: عبد الرحمن بن صخر. وقيل: ابن غنم.
والمشهور عنه أنه كني بأولاد هرة برية. قال: وجدتها، فأخذتها في كمي؛ فكنيت بذلك.
قال الطبراني: وأمه ﵂، هي: ميمونة بنت صبيح.
حمل عن النبي ﷺ علمًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه -لم يلحق في كثرته -وعن أبي، وأبي بكر، وعمر، وأسامة، وعائشة، والفضل، وبصرة بن أبي بصرة، وكعب الحبر.
حدث عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين؛ فقيل: بلغ عدد أصحابه ثمان مئة. ا. هـ.
وذكر الذهبي في السير (١) عن أبي هريرة قال: قال لي النبي ﷺ: "ممن أنت؟ " قلت: من دوس. قال: "ما كنت أرى أن في دوس أحدًا فيه خير".
وذكر أيضًا (٢) عن أبي هريرة، قال: خرج النبي ﷺ إلى خيبر، وقدمت المدينة مهاجرًا، فصليت الصبح خلف سباع بن عرفطة -كان استخلفه -فقرأ في السجدة الأولى بسورة مريم، وفي الآخرة: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾.
_________________
(١) السير (٢/ ٥٨٨). ورجاله ثقات.
(٢) السير (٢/ ٥٨٩) وإسناده قوي.
[ ٤ / ١٩١٥ ]
فقلت: ويل لأبي! قل رجل كان بأرض الأزد، إلا وكان له مكيالان: مكيال لنفسه، وآخر يبخس به الناس.
٢٠٧١ - * روى البخاري عن محمد قال: كنا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان، فتمخط فقال: بخ بخ، أبو هريرة يتمخط في الكتان، لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله ﷺ إلى حجرة عائشة مغشيا علي، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون وما بي من جنون، ما بي إلا الجوع.
٢٠٧٢ - * روى البخاري عن مجاهد: أن أبا هريرة كان يقول: الله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع. ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رأني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: "يا أبا هر". قلت: لبيك رسول الله. قال: "الحق". ومضى. فتبعته، فدخل فاستأذن فأذن لي، فدخل لبنًا في قدح فقال: "من أين هذا اللبن؟ " قالوا: أهداه لك فلان -أو فلانة -قال: "أبا هر". قلت: لبيك يا رسول الله. قال: "الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي". قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوي بها، فإذا جاءوا أمرني فكنت أنا أعيطهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن. ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بد، فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت. قال: "يا أبا هر" قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "خذ فأعطهم" فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد على
_________________
(١) البخاري (١٣/ ٣٠٣) ٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة -١٦ - باب ما ذكر النبي ﷺ وحض على اتفاق أهل العلم.
(٢) البخاري (١١/ ٢٨١) ٨١ - كتاب الرقاق -١٧ - باب كيف عيش النبي ﷺ وأصحابه وتخليهم عن الدنيا.
[ ٤ / ١٩١٦ ]
القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، حتى انتهيت إلى النبي ﷺ وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه علي يده، فنظر إلي فتبسم فقال: "أبا هر". قلت: لبيك يا رسول الله. قال: "بقيت أنا وأنت". قلت: صدقت يا رسول الله. قال: "اقعد فاشرب". فقعدت فشربت. فقال: "اشرب". فشربت، فما زال يقول: اشرب، حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق، ما أحد له مسلكًا. قال: "فأرني": فأعطيته القدح، فحمد الله وسمي وشرب الفضلة.
٢٠٧٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يومًا فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره. فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي. قلت: يا رسول الله! إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة. فقال رسول الله ﷺ: "اللهم! اهد أم أبي هريرة": فخرجت مستبشرًا بدعوة نبي الله ﷺ. فلما جئت فصرت إلى الباب. فإذا هو مجاف. فسمعت أمي خشف قدمي. فقالت: مكانك! يا أبا هريرة! وسمعت خضخضة الماء. قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها. ففتحت الباب. ثم قالت: يا أبا هريرة! أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ، فأتيته وأنا أبكي من الفرح. قال قلت: يا رسول الله! أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة. فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرًا. قال قلت: يا رسول الله! ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا. قال: فقال رسول الله ﷺ "اللهم! حبب عبيدك هذا -يعني أبا هريرة -وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم المؤمنين" فما خلق مؤمن يسمع بي، ولا يراني، إلا أحبني.
قال الذهبي: وكان حفظ أبي هريرة الخارق من معجزات النبوة.
_________________
(١) مسلم (٤/ ١٩٣٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٥ - باب من فضائل أبي هريرة الدوسي.
[ ٤ / ١٩١٧ ]
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك"؟ قلت: أسألك أن تعلمني مما علمك الله. فنزع نمرة كانت على ظهري، فبسطها بيني وبينه، حتى كأني أنظر إلى النمل يدب عليها، فحدثني، حتى إذا استوعبت حديثه، قال: "اجمعها فصرها إليك". فأصبحت لا أسقط حرفًا مما حدثني (١) ا. هـ.
٢٠٧٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: يقولون: إن أبا هريرة قد أكثر. والله الموعد. ويقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يتحدثون مثل أحاديثه؟ وسأخبركم عن ذلك: إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أرضيهم. وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق. وكنت ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني. فأشهد إذا غابوا. وأحفظ إنا نسوا. ولقد قال رسول الله ﷺ يومًا: "أيكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثي هذا، ثم يجمعه إلى صدره، فإنه لم ينس شيئًا سمعه". فبسطت بردة علي. حتى فرغ من حديثه. ثم جمعتها إلى صدري. فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئًا حدثني به. ولولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدثت شيئًا أبدًا: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى) (٢) إلى آخر الآيتين.
وفي رواية لمسلم (٣) عن أبي هريرة قال: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ. والله الموعد. كنت رجلًا مسكينًا، أخدم رسول الله ﷺ على ملء بطني. وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم. فقال رسول الله ﷺ: "من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئًا سمعه مني". فبسطت ثوبي حتى قضى حديثه. ثم ضمته إلي. فما نسيت شيئًا سمعته منه.
_________________
(١) السير (٢/ ٥٩٣). ورجاله ثقات. النمرة: شملة بها خطوط بيض وسود.
(٢) البخاري (٤/ ٢٨٧) ٣٤ - كتاب البيوع -١ - باب ما جاء في قول الله ﷿: (فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا). ومسلم (٤/ ١٩٤٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٥ - باب من فضائل أبي هريرة. الصفق بالأسواق: المقصود صوت وقع يد البائع على يد المشتري عند عقد التبايع في البيع والتجارة.
(٣) البقرة: ١٥٩، ١٦٠.
(٤) مسلم (٤/ ١٩٣٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٥ - باب من فضائل أبي هريرة.
[ ٤ / ١٩١٨ ]
٢٠٧٥ - * روى البخاري عن أبي هريرة، قال: حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين: فأما أحدهما، فبثثته في الناس، وأما الآخر، فلو بثثته لقطع هذا البلعوم.
قال محقق السير: وقد حمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم. وقد كان أبو هريرة يكني عن بعضه، ولا يصرح به خوفًا على نفسه منهم. كقوله: أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان. يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية، لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستحباب الله دعاء أبي هريرة، فمات قبلها بقليل.
وقال ابن المنير: جعل بعضهم هذا الحديث ذريعة إلى تصحيح باطلهم حيث اعتقدوا أن للشريعة ظاهرًا وباطنًا، وذلك الباطل، إنما حاصله الانحلال من الدين، وإنما أراد أبو هريرة بقوله: قطع. أي: قطع أهل الجور رأسه إذا سمعوا عيبه لفعلهم، وتضليله لسعيهم، يؤيد ذلك أن الأحاديث المكتومة لو كانت من الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانها.
قال الذهبي: هذا دال على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تحرك فتنة في الأصول، أو الفروع؛ أو المدح والذم؛ أما حديث يتعلق بحل أو حرام فلا يحل كتمانه بوجه؛ فإنه من البينات والهدى. وفي "صحيح البخاري": قول الإمام علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ وكذا لو بث أبو هريرة ذلك الوعاء، لأوذي، بل لقتل. ولكن العالم قد يؤديه اجتهاده إلى أن ينشر الحديث الفلاني إحياء للسنة، فله ما نوى وله أجر -وإن غلط -في اجتهاده.
وقال الحافظ في "الفتح": وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة، ومثله قول ابن مسعود: ما أنت محدثًا قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. رواه مسلم في مقدمة صحيحه.
_________________
(١) البخاري (١/ ٢١٦) ٣ - كتاب العلم -٤٢ - باب حفظ العلم.
[ ٤ / ١٩١٩ ]
٢٠٧٦ - * روى الحاكم عن سعيد بن أبي الحسن، قال: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثًا من أبي هريرة عن النبي ﷺ، وإن مروان -زمن إمرته على المدينة -أراد أن يكتب حديثه كله، فأبى، وقال: ارو كما روينا.
فلما أبى عليه تغفله مروان، وأقعد له كاتبًا ثقفًا ودعاه: فجعل أبو هريرة يحدثه، ويكتب ذاك الكتب، حتى استفرغ حديثه أجمع.
ثم قال مروان: تعلم أنا قد كتبنا حديثك أجمع؟ قال: وقد فعلت! قال: نعم. قال: فاقرؤوه علي، فقرؤوه. فقال أبو هريرة: أما إنكم قد حفظتم، وإن تطعني، تمحه. قال: فمحاه.
ثم قال مروان: تعلم أنا قد كتبنا حديثك أجمع، قال: وقد فعلت! قال: نعم. قال: فاقرؤوه علي، فقرؤوه. فقال أبو هريرة: أما إنكم قد حفظتم، وإن تطعني، تمحه. قال: فمحاه.
٢٠٧٧ - * روى البخاري عن وهب بن منبه، عن أخيه همام سمعت أبا هريرة يقول: ما أحد من أصحاب رسول الله أكثر حديثًا مني عنه إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب، وكنت لا أكتب.
قال محقق السير: وهذا الحديث يدل على أن أبا هريرة كان يجزم بأنه ليس في الصحابة أكثر حديثًا عن النبي ﷺ منه إلا عبد الله، مع أن الموجود المروي عن عبد الله بن عمرو أقل من الموجود المروي عن أبي هريرة بأضعاف مضاعفة. وقد قال العلماء: إن السبب فيه من جهات.
أحدها: أن عبد الله كان مشتغلًا بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم، فقلت الرواية عنه.
ثانيها: أنه كان أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف، ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وكان أبو هريرة متصديًا فيها للفتوى والتحديث إلى أن مات، ويظهر هذا من كثرة من حمل عن أبي هريرة، فقد ذكر البخاري أنه روى عنه ثمان مئة نفس من التابعين.
ثالثها: ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي ﷺ له بأن لا ينسى ما يحدثه به.
_________________
(١) المستدرك (٣/ ٥٠٩). ورجاله ثقات.
(٢) البخاري (١/ ٢٠٦) ٣ - كتاب العلم -٣٩ - باب كتابة العلم.
[ ٤ / ١٩٢٠ ]
رابعها: أن عبد الله كان قد ظفر في الشام بجمل جمل من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيه ويحدث منها، فتجنب الأخذ عنه لذلك كثير من أئمة التابعين. ا. هـ.
وذكر الذهبي في السير (١) عن السائب بن يزيد: سمع عمر يقول لأبي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله ﷺ أو لألحقنك بأرض دوس؛ وقال لكعب [الأحبار]: لتتركن الحديث، أو لألحقنك بأرض القردة.
قال ابن كثير بعد أن أورد الخبر: وهذا محمول من عمر على أنه خشي من الأحاديث التي قد تضعها الناس على غير مواضعها، وأنهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرخص، وأن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ، فيحملها الناس عنه أو نحو ذلك.
قال الذهبي: كان عمر ﵁ يقول: أقلوا الحديث عن رسول الله ﷺ. وزجر غير واحد من الصحابة عن بث الحديث، وهذا مذهب لعمر ولغيره.
فبالله عليك، إذا كان الإكثار من الحديث في دولة عمر، كانوا يمنعون منه، مع صدقهم وعدالتهم وعدم الأسانيد، بل هو غض لم يشب؛ فما ظنك بالإكثار من رواية الغرائب والمناكير في زماننا مع طول الأسانيد، وكثرة الوهم والغلط، فبالحري أن نزجر القوم عنه، فياليتهم يقتصرون على رواية الغريب والضعيف، بل يروون -والله- الموضوعات والأباطيل والمستحيل في الأصول والفروع، والملاحم والزهد، نسأل الله العافية.
فمن روى ذلك مع علمه ببطلانه، وغر المؤمنين، فهذا ظالم لنفسه جانٍ على السنن والآثار، يستتاب من ذلك؛ فإن أناب وأقصر، وإلا فهو فاسق؛ كفى به إثمًا أن يحدث بكل ما سمع. وإن هو لم يعلم، فليتورع، وليستعن بمن يعينه على تنقية مروياته. نسأل الله العافية؛ فلقد عم البلاء، وشملت الغفلة، ودخل الداخل على المحدثين الذين يركن إليهم المسلمون؛ فلا عتبى على الفقهاء وأهل الكلام.
_________________
(١) السير (٢/ ٦٠٠). وإسناده صحيح.
[ ٤ / ١٩٢١ ]
أقول: الظاهر أن هذا كان من عمر قبل أن يتأكد من ضبط أبي هريرة بدليل أن أبا هريرة استمر بالتحديث، أما نهيه لكعب الأحبار فلأنه كان يتحدث عن الإسرائيليات مع صدقه لكن عمر خشي أن تؤثر هذه الإسرائيليات على فطرة الصحابة وتبعدهم عن الإقبال الكامل على القرآن.
قال محقق السير: قال محدث الديار الشامية في عصره العلامة الشيخ بدر الدين الحسني رحمه اله ورضي عنه فيما نقله عنه الشيخ العلامة محمود ياسين في مجلة الهداية الإسلامية: لا يجوز إسناد حديث لرسول الله ﷺ إلا إذا نص على صحة هذا الحديث حافظ من الحفاظ المعروفين، فمن قال: قال رسول الله ﷺ، وهو لا يعلم صحة ذلك من طريق أحد الحفاظ يوشك أن يصدق عليه حديث: "من قال علي ما لم أقل، فليتبوأ مقعده من النار". فليحذر الخطباء والكتاب والمدرسون والوعاظ من إسناد حديث إلى رسول الله ﷺ ما لم يعلموا صحته من طريق حافظ مشهور من حفاظ الحديث، وعليهم إذا لم يعلموا ذلك أن يذكروا الحديث معزوا إلى الكتاب الذي نقلوا منه، كالترمذي، والنسائي مثلًا، وبذلك يخرجون من العهدة، أما الذين يحملون بأيديهم الكتب التي لا قيمة لها عند علماء الحديث الشريف ككثير من كتب الأخلاق والوعظ المنتشرة بالأيدي، فلا يكفي عزو الحديث إليها، ولا يخرج القارئ من الوزر.
٢٠٧٨ - * روى أحمد عن عاصم بن كليب: حدثنا أبي: سمع أبا هريرة، وكان يبتدئ حديثه بأن يقول: قال رسول الله ﷺ: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".
وذكر الذهبي في السير (١) عن بسر بن سعيد، قال: اتقوا الله، وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة؛ فيحدث عن رسول الله ﷺ، ويحدثنا عن كعب، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول الله ﷺ.
_________________
(١) أحمد في مسنده (٢/ ٤١٣). وإسناده قوي.
(٢) السير (٢/ ٦٠٦). وأورده ابن كثير وإسناده صحيح.
[ ٤ / ١٩٢٢ ]
قال الذهبي: مسنده: خمسة آلاف وثلاث مئة وأربعة وسبعون حديثًا.
المتفق في البخاري ومسلم منها ثلاث مئة وستة وعشرون. وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين حديثًا، ومسلم بثمانية وتسعين حديثًا.
٢٠٧٩ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أسمع منك أشياء فلا أحفظها، قال: "ابسط رداءك". فبسطته، فحدث حديثًا كثيرًا، فما نسيت شيئًا حدثني به.
وللترمذي (١) في أخرى: قال: أتيت رسول الله ﷺ فبسطت ثوبي عنده، ثم أخذه، فجمعه على قلبي، فما نسيت بعده.
ذكر الذهبي في السير (٢): محمد بن كناسة الأسدي، عن إسحاق بن سعيد، عن أبيه، قال: دخل أبو هريرة على عائشة، فقالت له: أكترث يا أبا هريرة عن رسول الله! قال: إي والله يا أماه، ما كانت تشغلني عنه المرآة، ولا المكحلة، ولا الدهن. قالت: لعله.
٢٠٨٠ - * روى الحاكم عن عائشة أنها دعت أبا هريرة، فقالت له: يا أبا هريرة، ما هذه الأحاديث التي تبلغنا أنك تحدث بها عن النبي ﷺ، هل سمعت إلا ما سمعنا؟ وهل رأيت إلا ما رأينا؟ قال: يا أماه، إنه كان يشغلك عن رسول الله ﷺ المرآة والمكحلة والتصنع لرسول الله ﷺ، وإني والله ما كان يشغلني عنه شيء.
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٦٨٤) ٥٠ - كتاب المناقب -٤٧ - باب مناقب لأبي هريرة. وقال هذا حديث حسن صحيح وهو كما قال.
(٢) الترمذي (٥/ ٦٨٢) ٥٠ - كتاب المناقب -٤٧ - باب مناقب لأبي هريرة. وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
(٣) السير (٢/ ٦٠٤). ورجاله ثقات. وذكره الحافظ في الغصابة ونسبه لابن سعد، وجود إسناده وهو في تاريخ ابن عساكر، وذكره ابن كثير في البداية عن سعيد.
(٤) المستدرك (٣/ ٥٠٩) وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٤ / ١٩٢٣ ]
٢٠٨١ - * روى مالك عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري: أنه كان جالسًا مع ابن الزبير، فجاء محمد بن إياس بن البكير، فسأل عن رجلٍ طلق ثلاثًا قبل الدخول. فبعثه إلى أبي هريرة، وابن عباس -وكانا عند عائشة- فذهب، فسألهما.
فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة؛ فقد جاءتك معضلة.
فقال: الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها. وقال ابن عباس مثله.
أقول: الظاهر أنهم اعتبروا أن الطلقة الواحدة تجلعها بائنة وذلك نص قرآني، والثلاث معًا تجعلها بائنة بينونة كبرى فلا تحل لزوجها حتى تنكح زوجًا غيره، وهذا من جملة الأدلة التي تعاضدت حتى استقر بالإجماع على أن الثلاثة دفعة واحدة توجب البينونة الكبرى على خلاف ما ذهب إليه ابن تيمية بعد قرون من انعقاد الإجماع.
٢٠٨٢ - * روى مسلم عن عروة بن الزبير أن عائشة قالت: ألا يعجبك أبو هريرة جاء فجلس إلى جنب حجرتي يحدث عن النبي ﷺ يسمعني ذلك، وكنت أسبح (أصلي نافلة) فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه، إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم.
قول عائشة: ولو أدركته لرددت عليه. أي: لأنكرت عليه، وبينت له أن الترتيل في الحديث أولى من السرد. قال الحافظ: واعتذر عن أبي هريرة بأنه كان واسع الرواية، كثير المحفوظ، فكان لا يتمكن من المهل عند إرادة التحديث، كما قال بعض البلغاء: أريد اقتصر، فتزدحم القوافي على في.
قال الذهبي: وأصح الأحاديث ما جاء عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.
_________________
(١) الموطأ (٢/ ٥٧١) ٢٩ - كتاب الطلاق -١٥ - باب طلاق البكر.
(٢) مسلم (٤/ ١٩٤٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٥ - باب من فضائل أبي هريرة الدوسي.
[ ٤ / ١٩٢٤ ]
وما جاء عن ابن عون، وأيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة.
وأين مثل أبي هريرة في حفظه وسعة علمه.
وذكر الذهبي في السير (١) عن أبي عثمان النهدي قال: تضيفت أبا هريرة سبعًا؛ فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثًا: يصلي هذا، ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا، ثم يوقظ هذا. قلت: يا أبا هريرة، كيف تصوم؟ قال: أصوم من أول الشهر ثلاثًا.
٢٠٨٣ - * روى مالك عن حميد بن مالك بن خثيمٍ، أنه قال: كنت جالسًا مع أبي هريرة بأرضه بالعقيق. فأتاه قوم من أهل المدينة على دواب. فنزلوا عنده. قال حميد: فقال أبو هريرة: اذهب إلى أمي فقل: إن ابنك يقرئك السلام ويقول: أطعمينا شيئًا. قال: فوضعت ثلاثة أقراص في صحفةٍ، وشيئًا من زيت وملحٍ، ثم وضعتها على رأسي، وحملتها إليهم. فلما وضعتها بين أيديهم، كبر أبو هريرة، وقال: الحمد لله الذي أشبعنا من الخبز بعد أن لم يكن طعامنا إلا الأسودين الماء والتمر. فلم يصب القوم من الطعام شيئًا. فلما انصرفوا، قال: يا ابن أخي، أحسن إلى غنمك، وامسح الرعام عنها، وأطب مراحها، وصل في ناحيتها فإنها من دواب الجنة. والذي نفسي بيده ليوشك أن يأتي على الناس زمان تكون الثلة من الغنم أحب إلى صاحبها من دار مروان.
٢٠٨٤ - * روى ابن سعد عن معمر، عن أيوب، عن محمد: أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال يا عدو الله، وعدو كتابه؟
_________________
(١) السير (٢/ ٦٠٩). ورجاله ثقات. وذكره الحافظ في الإصابة ونسبه لأحمد في الزهد وصحح إسناده. يعتقبون: يتناوبون.
(٢) الموطأ (٢/ ٩٣٣) ٤٩ - كتاب صفة النبي ﷺ١٠ - باب جامع ما جاء في الطعام والشراب. وسنده صحيح والبخاري في كتاب الأدب عن أبي أويس عن مالك ووثق النسائي حميدًا. الأقراص: الأرغفة. الرعام: مخاط رقيق يجري من أنوف الغنم. وأطب مراحها: نظفه. الثلة: جماعة الغنم، قليلة كانت أو كثيرة، وقيل: الثلة: الكثير منها.
(٣) الطبقات الكبرى (٤/ ٢٣٥). ورجاله ثقات.
[ ٤ / ١٩٢٥ ]
فقال أبو هريرة: فقلت: لست بعدو الله وعدو كتابه، ولكني عدو من عاداهما.
قال: فمن أين هي لك؟ قلت: خيل نتجت، وغلة رقيقٍ لي، وأعطية تتابعت.
فنظروا، فوجدوه كما قال.
فلما كان بعد ذلك، دعاه عمر ليوليه، فأبى. فقال: تكره العمل وقد طلب العمل من كان خيرًا منك: يوسف ﵇! فقال: يوسف نبي ابن نبي ابن نبي وأنا أبو هريرة بن أميمة، وأخشى ثلاثًا واثنتين. قال: فهلا قلت: خمسًا؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضي بغير حلم، وأن يضرب ظهري، وينتزع مالي، ويشتم عرضي.
ذكر الذهبي في السير (١) عن محمد بن زياد قال كان معاوية يبعث أبا هريرة على المدينة؛ فإذا غضب عليه، بعث مروان، وعزله، قال: فلم يلبث أن نزع مروان، وبعث أبا هريرة، فقال لغلامٍ أسود: قف على الباب، فلا تمنع إلا مروان. ففعل الغلام، ودخل الناس، ومنع مروان. ثم جاء نوبة، فدخل، وقال: حجبنا عنك. فقال: إن أحق من لا أنكر هذا لأنت.
٢٠٨٥ - * روى مسلم عن ابن أبي رافع، قال: استخلف مروان أبا هريرة على المدينة، وخرج إلى مكة، فصلى لنا أبو هريرة الجمعة، فقرأ بعد سورة الجمعة في الركعة الآخرة: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾. قال: فأدركت أبا هريرة حين انصرف، فقلت له: إنك قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما في الكوفة. فقال أبو هريرة: إني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما يوم الجمعة.
وذكر الذهبي في السير (٢) عن أبي رافع قال: كان مروان ربما استخلف أبا هريرة على المدينة، فيركب حمارًا ببرذعة، وفي رأسه خلبة من ليف، فيسير، فيلقى الرجل، فيقول:
_________________
(١) السير (٢/ ٦١٢). ورجاله ثقات.
(٢) مسلم (٢/ ٥٩٧) ٧ - كتاب الجمعة -١٦ - باب ما يقرأ في صلاة الجمعة.
(٣) السير (٢/ ٦١٤). ورجاله ثقات، وأبو رافع اسمه نفيع الصائغ المدني وهو ثقة ثبت. الخلبة: واحد الخلب: الحبل الرقيق الصلب من الليف والقطن وغيرهما.=
[ ٤ / ١٩٢٦ ]
الطريق، قد جاء الأمير.
وربما أتى الصبيان، وهم يلعبون بالليل لعبة الأعراب، فلا يشعرون، حتى يلقي نفسه بينهم، ويضرب برجليه، فيفزع الصبيان، فيفرون. وربما دعاني إلى عشائه، فيقول: دع العراق للأمير. فأنظر، فإذا هو ثريدة بزيت.
هذه بعض مداعبات أبي هريرة للناس وكان عنده مرح ودعابة ﵁.
وذكر الذهبي في السير (١): ثعلبة بن أبي مالك القرطي قال: أقبل أبو هريرة في السوق يحمل حزمة حطب، وهو يومئذ خليفة لمروان، فقال: أوسع الطريق للأمير.
٢٠٨٦ - * روى الحاكم عن محمد بن قيس بن محرمة: أن رجلًا أتى زيد بن ثابت، فسأله عن شيء، فقال: عليك بأبي هريرة. فإني بينما أنا وهو وفلان في المسجد، خرج علينا رسول الله ﷺ، ونحن ندعو، ونذكر ربنا. فجلس إلينا، فسكتنا. فقال: "عودوا للذي كنتم فيه". فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة. فجعل رسول الله يؤمن. ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللهم، إني أسألك ما سألك صاحباي هذان، وأسألك علمًا لا ينسى فقال النبي ﷺ: "آمين".
فقلنا: يا رسول الله، ونحن نسأل الله علمًا لا ينسى! قال: "سبقكما الغلام الدوسي".
٢٠٨٧ - * روى أحمد والحاكم عن ابن عمر: أنه مر بأبي هريرة -وهو يحدث- أن رسول الله ﷺ قال: "من تبع جنازة، فله قيراط". فقال: انظر ما تحدث عن رسول الله! فقام أبو هريرة، فأخذه بيده إلى عائش، فقال لها: أنشدك بالله، هل سمعت رسول الله يقول: "من تبع جنازة " -الحديث- فقالت: اللهم نعم.
_________________
(١) = العراق: العظم الذي أخذ عنه معظم اللحم.
(٢) السير (٢/ ٦١٤). ورجاله ثقات.
(٣) المستدرك (٣/ ٥٠٨). وصححه، وقال الذهبي: حماد بن شعيب ضعيف. وقال محقق السير (٢/ ٦١٦): لكنه لم ينفرد به فقد تابعه الفضل بن العلاء وهو صدوق.
(٤) أحمد في مسنده (٢/ ٢). والمستدرك (٣/ ٥١١). وصححه ووافقه الذهبي.=
[ ٤ / ١٩٢٧ ]
فقال أبو هريرة: لم يكن يشغلني عن رسول الله ﷺ غرس الودي، ولا صفق في الأسواق؛ وإنما كنت أطلب من رسول الله كلمة يعلمنيها: أو أكلة يطعمنيها.
فقال ابن عمر: كنت ألزمنا لرسول الله، وأعلمنا بحديثه.
٢٠٨٨ - * روى الحاكم، عن عاصم بن محمد، عن أبيه: رأيت أبا هريرة يخرج يوم الجمعة، فيقبض على رمانتي المنبر قائمًا، ويقول: حدثنا القاسم ﷺ الصادق الصدوق. فلا يزال يحدث حتى يسمع فتح باب المقصورة لخروج الإمامة، فيجلس.
ذكر الذهبي في السير (١) عن عمير بن هانئ العنسي: قال أبو هريرة: اللهم، لا تدركني سنة ستين. فتوفي فيها، أو قبلها بسنة.
وقال محققه: وذكره الحافظ في "الفتح" في شرحه لحديث أبي هريرة المرفوع: "هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش". ونسبه لابن أبي شيبة بلفظ: إن أبا هريرة كان يمشي في السوق، ويقول: اللهم لا تدركني سنة ستين ولا إمارة الصبيان. وقال: وفي هذا إشارة إلى أن أول الأغيلمة كان في سنة ستين، وهو كذلك، فإن يزيد بن معاوية استخلف فيها، وبقي إلى سنة ٦٤، فمات، ثم ولي ولده معاوية، ومات بعد أشهر.
وأخرج ابن سعد (٢) عن شعبة، عن محمد بن زياد: رأيت على أبي هريرة كساء خزم.
قال الذهبي: قال ابن حزم في كتاب: "الإحكام في أصول الأحكام": المتوسطون فيما روي عنهم من الفتاوى: عثمان، أبو هريرة، عبد الله بن عمرو بن العاص، أم سلمة، أنس، أبو سعيد، أبو موسى، عبد الله بن الزبير، سعد بن أبي وقاص، سلمان، جابر، معاذ، أبو بكر الصديق.
_________________
(١) = الودي: بفتح الواو، كسر الدال، وتشديد الياء: صغار النخل، الواحدة: ودية. الصفق: المرة من التصفيق، والمراد هنا: التبايع، لأن المتبايعين يضع أحدهما يده على يد الآخر، يريد أبو هريرة: أنه لم يشغله عن حفظ سنة رسول الله ﷺ زرع ولا تجارة.
(٢) المستدرك (٣/ ٥١٢). وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) السير (٢/ ٦٢٦). ورجاله ثقات.
(٤) الطبقات الكبرى (٤/ ٣٣٣). وإسناده صحيح.
[ ٤ / ١٩٢٨ ]
فهم ثلاثة عشر فقط، يمكن أن يجمع من فتيا كل امرئٍ منهم جزء صغير.
ويضاف إليهم: الزبير: طلحة، عبد الرحمن، عمران بن حصين، أبو بكرة الثقفي، عبادة بن الصامت، معاوية.
ثم باقي الصحابة مقلون في الفتيا، لا يروى عن الواحد لا المسألة والمسألتان.
ثم سرد ابن حزم عدة من الصحابة، منهم: أبو عبيدة، وأبو الدرداء، وأبو ذر، جرير، وحسان.
٢٠٨٩ - * روى أحمد والترمذي عن أبي هريرة قال: أتيت النبي ﷺ بتمراتٍ، فقلت: يا رسول الله ادع الله فيهن بالبركة فضمهن ثم دعا لي فيهن بالبركة، فقال: "خذهن واجعلهن في مزودك هذا أو في هذا المزود، كلما أردت أن تأخذ منه شيئًا فأدخل فيه يدك فخذه ولا تنثره نثرًا". فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسقٍ في سبيل الله، فكنا نأكل منه ونطعم، وكان لا يفارق حقوي حتى كان يوم قتل عثمان فإنه انقطع.
٢٠٩٠ - * روى الترمذي عن مالك بن أبي عامرٍ قال: جاء رجل إلى طلحة بن عبيد الله فقال: يا أبا محمد أرأيت هذا اليماني، يعني أبا هريرة، هو أعلم بحديث رسول الله ﷺ منكم، نسمع منه مالا نسمع منكم، أو يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل. قال: أما أن يكون سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع فلا أشك إلا أنه سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع، وذاك أنه كان مسكينًا لا شيء له ضيفًا لرسول الله ﷺ يده مع يد رسول الله صلى الله
_________________
(١) أحمد في مسنده (٢/ ٣٥٢). والترمذي (٥/ ٦٨٥) ٥٠ - كتاب المناقب -٤٧ - باب مناقب لأبي هريرة. وقال: هذا حديث حسن غريب. الوسق: مكيلة معلومة عندهم، يقال: هو حمل بعير. وهو ستون صاعًا بصاع النبي ﷺ. الحقو: معقد الإزار. والمزود: ما يجعل فيه الزاد من شراب ونحوه.
(٢) الترمذي (٥/ ٦٨٤) ٥٠ - كتاب المناقب -٤٧ - باب مناقب لأبي هريرة. وقال: هذا حديث حسن غريب.
[ ٤ / ١٩٢٩ ]
عليه وسلم وكنا نحن أهل بيوتاتٍ وغنى، وكنا نأتي رسول الله ﷺ طرفي النهار. فلا نشك إلا أنه سمع من رسول الله ﷺ ما لا نسمع، ولا نجد أحدًا فيه خير يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل.
٢٠٩١ - * روى أحمد والحاكم عن أبي بن كعب أن أبا هريرة كان جرئيًا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره.
٢٠٩٢ - * روى البزار عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله إني إذا رأيتك قرت عيني وطابت نفسي وإذا لم أرك لم تطب نفسي أو كلمة نحوها.
٢٠٩٣ - * روى البخاري عن أبي هريرة قال: كنت ألزم النبي ﷺ لشبع بطي، حين لا آكل الخمر، ولا ألبس الحرير، ولا يخدمني فلان ولا فلانة، وألصق بطني بالحصباء؛ وأستقرئ الرجل الآية -وهي معي- كي ينقلب بي فيطعمني. وخير الناس للمساكين جعفر ابن أبي طالب، ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة ليس فيها شيء، فنشتقها، فنعلق ما فيها.
وفي رواية الترمذي (١) قال: إن كنت لأسأل الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ عن الآيات من القرآن، أنا أعلم بها منه، ما أسأله إلا ليطعمني شيئًا، وكنت إذا سألت جعفر
_________________
(١) أحمد في مسنده (٥/ ١٣٩). والحاكم في المستدرك (٣/ ٥١٠) وصححه ووافقه الذهبي، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٦١) وقال: رواه عبد الله بن أحمد في المسند في حديث طويل في علامات النبوة ورجاله ثقات.
(٢) البزار: كشف الأستار (٢/ ٢٦٨). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٦٢): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير أبي ميمونة الفارسي وهو ثقة.
(٣) البخاري (٩/ ٥٥٧) ٧٠ - كتاب الأطعمة -٣٢ - باب الحلوى والعسل. الخمير: الطعام المختبر. استقرأت: فلانًا آية كذا، أي: طلبت إليه أن يقرئنيها. العكة: ظرف السمن. اللعق: أخذ الطعام بالأصابع ولحسها، وذلك لقلة الشيء.
(٤) الترمذي (٥/ ٦٥٥) ٥٠ - كتاب المناقب -٣٠ - باب مناقب جعفر بن أبي طالب. وقال: هذا حديث غريب.
[ ٤ / ١٩٣٠ ]
ابن أبي طالب لم يجبني حتى يذهب بي إلى منزله، فيقول لامرأته: يا أسماء أطعمينا شيئًا. فإذا أطعمتنا أجابني، وكان جعفر يحب المساكين، ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه، وكان رسول الله ﷺ يكنيه بأبي المساكين.
٢٠٩٤ - * روى الترمذي عن عبد الله بن رافع ﵁ قال: قلت لأبي هريرة: لم كنيت بأبي هريرة؟ قال: أما تفرق مني؟ قلت: بلى، والله إني لأهابك. قال: كنت أرعى غنم أهلي، وكانت لي هريرة صغيرة، فكنت أضعها بالليل في شجرة، فإذا كان النهار وسرحت الغنم ذهبت بها معي، فلعبت بها، فكنوني أبا هريرة.
* * *
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٦٨٦) ٥٠ - كتاب المناقب -٤٧ - باب مناقب لأبي هريرة ﵁. وقال: هذا حديث حسن غريب. تفرق: الفرق: الفزع والخوف. هريرة: الهريرة: تصغير الهرة.
[ ٤ / ١٩٣١ ]
٣٠ - حاطب بن أبي بلتعة ﵁
قال ابن حجر في الإصابة: حاطب بن أبي بلتعة بفتح الموحدة وسكون اللام بعدها مثناة ثم مهملة مفتوحات ابن عمرو بن عمير بن سلمة بن صعب بن سهل اللخمي حليف بني أسد بن عبد العزي يقال إنه حالف الزبير، وقيل كان مولى عبيد الله بن حميد بن زهير ابن الحارث بن أسد فكاتبه فأدى مكاتبته. اتفقوا على شهوده بدرًا، وثبت ذلك في الصحيحين من حديث علي في قصة كتابة حاطب إلى أهل مكة يخبرهم بتجهيز رسول الله ﵌ إليهم فنزلت فيه: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم) الآية فقال عمر: دعني أضرب عنقه. فقال: إنه شهد بدرًا. واعتذر حاطب بأنه لم يكن له في مكة عشيرة تدفع عن أهله فقبل عذره.
وروى قصته ابن مردويه من حديث ابن عباس فذكر معنى حديث علي وفيه: فقال: "يا حاطب ما دعاك إلى ما صنعت؟ " فقال: يا رسول الله كان أهلي فيهم فكتبت كتابًا لا يضر الله ولا رسول. وروى ابن شاهين والباوردي والطبراني وسمويه من طريق الزهري عن عروة عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة قال: وحاطب رجل من أهل اليمن، وكان حليفًا للزبير، وكان من أصحاب رسول الله ﵌، وقد شهد بدرًا، وكان بنوه وإخوته بمكة فكتب حاطب من المدينة إلى كبار قريش ينصح لهم فيه، فذكر الحديث نحو حديث علي، وفي آخره: فقال حاطب: والله ما ارتبت في الله منذ أسلمت ولكنني كنت أمرأ غريبا ولي بمكة بنون وإخوة الحديث، وزاد في آخره: فأنزل الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (١) الآيات.
ورواه ابن مردويه من حديث أنس وفيه نزول الآية. ورواه ابن شاهين من حديث ابن عمر بإسناد قوي. وروى مسلم وغيره من طريق أبي الزبير عن جابر أن عبدًا لحاطب ابن أبي بلتعة جاء يشكو حاطبًا فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار. فقال: "لا فإنه شهد بدرًا والحديبية".
_________________
(١) الممتحنة: ١.
[ ٤ / ١٩٣٢ ]
وروى ابن السكن من طريق محمد بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه عن حاطب: سممعت رسول الله ﷺ يقول: "يزوج المؤمن في الجنة ثنتين وسبعين زوجة سبعين من نساء الجنة وثنتين من نساء الدنيا" وأغرب أبو عمر فقال: لا أسلم له غير حديث واحد: "من رآني بعد موتي". الحديث، قلت: وقد ظفرت بغيره كما ترى ثم وجدت له ثلاثة أحاديث غيرها.
وروى مالك في الموطأ له قصة مع رفيقه في عهد عمر وقال المرزباني في معجم الشعراء: كان أحد فرسان قريش في الجاهلية وشعرائها. وقال ابن أبي خيثمة: قال المدائني: مات حاطب في سنة ثلاثين في خلافة عثمان وله خمس وستون سنة. وكذا رواه الطبراني عن يحيى ابن بكير. ا. هـ.
قال الذهبي في ترجمته: من مشاهير المهاجرين؛ شهد بدرًا والمشاهد.
وكان رسول النبي ﷺ إلى المقوقس، صاحب مصر.
وكان تاجرًا في الطعام، له عبيد. وكان من الرماة الموصوفين.
ذكره الحاكم في "مستدركه" فقال: كان حسن الجسم، خفيف اللحية، أجنى (١)، إلى القصر ما هو، شثن الأصابع (٢). اهـ.
٢٠٩٥ - * روى مسلم عن جابر: أن عبدًا لحاطب شكا حاطبًا فقال: يا نبي الله، ليدخلن النار. قال: "كذبت، لا يدخلها فإنه قد شهد بدرًا والحديبية".
٢٠٩٦ - * روى البخاري ومسلم عن عبيد الله بن أبي رافع -وهو كاتب علي- قال:
_________________
(١) أجنى: في كاهله انحناء على صدره ولم يبلغ الاحديداب.
(٢) شثن الأصابع: غليظها.
(٣) مسلم (٤/ ١٩٤٢) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٦ - باب من فضائل أهل بدر ﵃ وقصة حاطب ابن أبي بلتعة.
(٤) البخاري (٤/ ١٩٤١، ١٩٤٢) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٦ - باب من فضائل أهل بدر ﵃ وقصة حاطب ابن أبي بلتعة.=
[ ٤ / ١٩٣٣ ]
سمعت عليًا ﵁ وهو يقول: بعثنا رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد. فقال: "ائتوا روضة خاجٍ. فإن بها ظعينة معها كتاب. فخذوه منها". فانطلقنا تعادى بنا خيلنا. فإذا نحن بالمرأة. فقلنا: اخرجي الكتاب. فقالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب. فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ. فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين، من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ "يا حاطب! ما هذا؟ " قال: لا تعجل علي يا رسول الله! إني كنت امرأ ملصقًا في قريش قال سفيان: (كان حليفًا لهم. ولم يكن من أنفسها) وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت، إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن اتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي. ولم أفعله كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني. ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال النبي ﷺ: "صدق". فقال عمر: دعني. يا رسول الله! أضرب عنق هذا المنافق. فقال: "إنه قد شهد بدرًا. وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم. فقد غفرت لكم". فأنزل الله ﷿ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (١).
وقال الذهبي: وقد أتى بعض مواليه إلى عمر بن الخطاب يشكون منه من أجل النفقة عليهم، فلامه في ذلك.
وعبد الرحمن ولده، ممن ولد في حياة النبي ﷺ، وله رؤية.
يروي عنه ولده الفقيه يحيى، وعروة بن الزبير، وغيرهما. توفي سنة ثمان وستين.
ومات حاطب سنة ثلاثين. ا. هـ.
_________________
(١) = روضة خاخ: هي بخاءين معجمتين. هذا هو الصواب الذي قاله العلماء كافة من جميع الطوائف في جميع الروايات والكتب. وهي بين مكة والمدينة. بقرب المدينة. فإن بها ظعينة: الظعينة هنا الجارية. وأصلها الهودج. وسميت بها الجارية لأنها تكون فيه. تعادى: أي تجري. عقاصها: أي شعرها المضفور، جمع عقيصة.
(٢) الممتحنة: ١.
[ ٤ / ١٩٣٤ ]
٣١ - جليبيب ﵁
قال ابن حجر: جليبيب غير منسوب .. وهو تصغير جلباب .. روى مسلم من حديث حماد عن ثابت عن كنانة بن نعيم عن أبي برزة الأسلمي أن النبي ﵌ كان في مغزى له فأفاء الله فقال: "هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: نفقد فلانًا وفلانًا قال: ولكني أفقد جليبيبًا فذكر الحديث. وأخرجه النسائي. وله ذكر في حديث أنس في تزويجه بالأنصارية وفيه قوله ﵌: "لكنك عند الله لست بكاسد". وهو عند البرقاني في مستخرجه في حديث أبي برزة أيضًا، وقد أخرجه أحمد مطولًا، وأخرجه أحمد عن عبد الرزاق. وحكى ابن عبد البر في ترجمته أنه نزل في قصته (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) الآية. ولم أر ذلك في شيء من طرقه الموصولة من حديث أنس ومن حديث أبي برزة. ا. هـ.
٢٠٩٧ - * روى أحمد والبزار عن أنس قال: كان رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له جليبيب في وجهه دمامة فعرض عليه رسول الله ﷺ التزويج، قال: إذن تجدني كاسدًا. فقال: "غير أنك عند الله لست بكاسد".
٢٠٩٨ - * روى مسلم عن أبي برزة: أن النبي ﷺ كان في مغزى له، فأفاء الله عليه، فقال لأصحابه: "هل تفقدون من أحدٍ؟ " قالوا: نعم. فلانًا وفلانًا وفلانًا. ثم قال: "هل تفقدون من أحدٍ؟ " قالوا: نعم. فلانًا وفلانًا وفلانًا. ثم قال: "هل تفقدون من أحدٍ؟ " قالوا: لا. قال: "لكني أفقد جليبيبا. فاطلبوه". فطلب في القتلى. فوجدوه إلى جنب سبعةٍ قد قتلهم، ثن قتلوه. فأتى النبي ﷺ فوقف عليه فقال: "قتل سبعة. هذا مني وأنا منه. هذا مني وأنا منه". قال: فوضعه على ساعديه. ليس له إلا ساعدا النبي ﷺ. قال: فحفر له ووضع في قبره. ولم يذكر غسلًا.
_________________
(١) أحمد في مسنده: (٣/ ١٦١). وأخرجه نحوه البزار مطولًا: كشف الأستار (٣٠/ ٢٧٥، ٢٧٦) كتاب علامات النبوة، باب مناقب جليبيب. وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٦٨): رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح.
(٢) مسلم (٤/ ١٩١٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٢٧ - باب من فضائل جليبيب ﵁.
[ ٤ / ١٩٣٥ ]
٢٠٩٩ - * روى أحمد عن أبي برزة الأسلمي أن جليبيبًا كان امرأ يدخل على النساء يمر بهن ويلاعبهن، فقلت لامرأتي: لا تدخلن عليكم جليبيبًا إن دخل عليكم لأفعلن ولأفعلن. قال: وكانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيم لم يزوجها حتى يعلم هل للنبي ﷺ فيها حاجة أم لا. فقال النبي ﷺ لرجل من الأنصار: "زوجني ابنتك". قال: نعم وكرامة يا رسول الله ونعمة عين. قال: "إني لست أريدها لنفسي". قال: فلمن يا رسول الله؟ قال: "لجليبيب". قال: أشاور أمها. فقال: إن رسول الله ﷺ يخطب ابنتك. قالت: نعم ونعمة عين. قال: إنه ليس يخطبها لنفسه إنما يخطبها لجليبيب. قالت: لجليبيب انيه لجليبيب انيه لا لعمر الله لا نزوجه. فلما أن أراد ليقوم ليأتي النبي ﷺ ليخبره بما قالت أمها، قالت الجارية: من خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمها، فقالت: أتردون على رسول الله ﷺ أمره ادفعوني إليه فإنه لن يضيعني، فانطلق أبوها إلى رسول الله ﷺ له. قال: فلما أفاء الله ﷿ عليه قال: "هل تفقدون من أحد؟ ". قالوا: لا. قال: "لكني أفقد جليبيبًا". قال: "فاطلبوه". فوجدوه إلى جنب سبعة قتلهم ثم قتلوه، فقالوا: يا رسول الله ها هو ذا إلى جنب سبعة قتلهم ثم قتلوه، فأتاه النبي ﷺ فقال: "قتل سبعة ثم قتلوه هذا مني وأنا منه". مرتين أو ثلاثًا، ثم وضعه رسول الله ﷺ على ساعديه وحفر له ما له سرير إلا ساعد النبي ﷺ ثم وضعه في قبره لم يذكر أنه غسله. قال ثابت: فما كان في الأنصار أيم أنفق منها. وحدث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثابتًا هل تعلم ما دعا لها رسول الله ﷺ، قال: "اللهم صب عليها الخير صبًا ولا تجعل عيشها كدًا كدًا". قال: فما كان في الأنصار أيم أنفق منها.
_________________
(١) أحمد في مسنده (٤/ ٤٢٢). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٦٧). وقال: رواه أحمد روجاله رجال الصحيح. أيم: الأيم: المرأة التي لا زوج لها، بكرًا كانت أو ثيبًا. كدا: الكد الشدة والتعب.
[ ٤ / ١٩٣٦ ]
٣٢ - حارثة بن سراقة ﵁
قال ابن حجر: حارثة بن سراقة بن الحارث بن عدي بن مالك بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري النجاري، وأمه الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك .. استشهد يوم بدر. وروى أحمد والطبراني من طريق حماد بن سلمة عن ثابت بن أنس والبخاري والنسائي من غير وجه عن حميد عن أنس والترمذي من طريق سعيد عن قتادة عن أنس فاتفقوا على أنه قتل يوم بدر. وهكذا ذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة وأبو الأسود فيمن شهد بدرًا وقتل بها من المسلمين ولم يختلف أهل المغازي في ذلك، واعتمد ابن منده على ما وقع في رواية لحماد بن سلمة فقال: استشهد يوم أحد، وأنكر ذلك أبو نعيم فبالغ كعادته، ووقع في رواية للطبراني من طريق حماد، والبغوي من طريق حميد أنه قتل يوم أحد فالله أعلم والمعتمد الأول. ا. هـ.
٢١٠٠ - * روى البخاري عن أنس أن أم حارثة بن سراقة أتت النبي ﷺ فقالت يا نبي الله: ألا تحدثني عن حارثة؟ -وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب- فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، قال: "يا أم حارثة: إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى".
* * *
_________________
(١) البخاري (٦/ ٢٥) ٥٦ - كتاب الجهاد، باب: ١٤. سهم غرب: سهم بعيد من غير توقع.
[ ٤ / ١٩٣٧ ]
٣٣ - قيس بن سعد بن عبادة ﵄
قال ابن كثير في ترجمته: قيس بن سعد بن عبادة الخرزجي صحابي جليل كأبيه، وله في الصحيحين حديث، وهو القيام للجنازة، وله في المسند حديث في صوم عاشوراء، وحديث غسل رسول الله ﷺ في دارهم وغير ذلك، وخدم رسول الله ﷺ عشر سنين، وحمل لواء رسول الله ﷺ في بعض الغزوات، واستعمله على الصدقة، ولما بعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ومعه ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار، فأصابهم ذلك الجهد الكثير فنحر لهم قيس بن سعد تسع جزائر، حتى وجدوا تلك الدابة على سيف البحر فأكلوا منها، وأقاموا عليها شهرًا حتى سمنوا، وكان قيس سيدًا مطاعًا كريمًا ممدحًا شجاعًا، ولاه على نيابة مصر، وكان يقاوم بدهائه وخديعته وسياسته لمعاوية وعمرو بن العاص، ولم يزل معاوية يعمل عليه حتى عزله علي عن مصر وولى عليها محمد بن أبي بكر الصديق، فاستخفه معاوية، ولم يزل حتى أخذ منه مصر.
وقال موسى بن عقبة: قالت عجوز لقيس: أشكو إليك قلة فأر بيتي، فقال قيس: ما أحسن هذه الكناية!! املأوا بيتها خبزًا ولحمًا وسمنًا وتمرًا.
وقال غيره: كانت له صحفة يدار بها حيث دار، وكان ينادي له مناد: هلموا إلى اللحم والثريد وكان أبوه وجده من قبله يفعلان كفعله، وقال عروة بن الزبير: باع قيس ابن سعد من معاوية أرضًا بتسعين ألفًا، فقدم المدينة فنادى مناديه: من أراد القرض فليأت، فأقرض منها خمسين ألفًا وأطلق الباقي، ثم مرض بعد ذلك فقل عواده، فقال لزوجته -قريبة بنت أبي عتيق أخت أبي بكر الصديق- إني أرى قلة من عادني في مرضي هذا، وإني لأرى ذلك من أجل مالي على الناس من القرض، فبعث إلى كل رجل ممن كان له عليه دين بصكه المكتوب عليه، فوهبهم ماله عليهم، وقيل: إنه أمر مناديه فنادى: من كان لقيس بن سعد عليه دين فهو منه في حل، فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه من كثرة العواد، وكان يقول: اللهم ارزقني مالًا وفعالًا، فإنه لا يصلح الفعال إلا بالمال. وقال سفيان الثوري: اقترض رجل من قيس بن سعد ثلاثين ألفًا فلما جاء ليوفيه إياها قال له قيس: إنا قوم ما أعطينا أحدًا شيئًا فنرجع فيه. وقال الهيثم بن عدي: اختلف ثلاثة
[ ٤ / ١٩٣٨ ]
عند الكعبة في أكرم أهل زمانهم، فقال أحدهم: عبد الله بن جعفر، وقال الآخر: قيس ابن سعد، وقال الآخر: عرابة الأوسي، فتماروا في ذلك حتى ارتفع ضجيجهم عند الكعبة، فقال لهم رجل: فليذهب كل رجل منكم إلى صاحبه الذي يزعم أنه أكرم من غيره، فلينظر ما يعطيه وليحكم على العيان. فذهب صاحب عبد الله بن جعفر إليه فوجده قد وضع رجله في الغرز [ركاب الخيل] ليذهب إلى ضيعة له، فقال له: يا ابن عمر رسول الله ابن سبيل ومنطقع به، قال: فأخرج رجله من الغرز وقال: ضع رجلك واستو عليها فهي لك بما عليها، وخذ ما في الحقيبة ولا تخدعن عن السيف فإنه من سيوف علي، فرجع لى أصحابه بناقة عظيمة وإذا في الحقيبة أربعة آلاف دينار، ومطارف من خز وغير ذلك، وأجل ذلك سيف علي بن أبي طالب. ومضى صاحب قيس بن سعد إليه فوجده نائمًا، فقالت له الجارية: ما حاجتك إليه؟ قال: ابن سبيل ومنطقع به، قالت: فحاجتك أيسر من إيقاظه، هذا كيس فيه سبعمائة دينار ما في دار قيس مال غيره اليوم، واذهب إلى مولانا في معاطن الإبل فخذ لك ناقة وعبدًا، واذهب راشدًا. فلما استيقظ قيس من نومه أخبرته الجارية بما صنعت فأعتقها شكرًأ على صنيعها ذلك، وقال: هلا أيقظتني حتى أعطيه ما يكفيه أبدًا، فلعل الذي أعطيتيه لا يقع منه موقع حاجته. وذهب صاحب عرابة الأوسى إليه فوجده وقد خرج من منزله يريد الصلاة وهو يتوكأ على عبدين له -وكان قد كف بصره- فقال له: يا عرابة، فقال: قل، فقال: ابن سبيل ومنقطع به، قال: فخلى عن العبدين ثم صفق بيديه، باليمنى على اليسرى، ثم قال: أوه أوه، والله ما أصبحت ولا أمسيت وقد تركت الحقوق من مال عرابة شيئًا، ولكن خذ هذين العبدين، قال: ما كنت لأفعل، فقال: إن لم تأخذهما فهما حران، فإن شئت فأعتق، وإن شئت فخذ. وأقبل يلتمس الحائط بيده، قال: فأخذهما وجاء بهما إلى صاحبيه، قال فحكم الناس على أن ابن جعفر قد جاد بمال عظيم، وأن ذلك ليس بمستنكر له، إلا أن السيف أجلها، وأن قيسًا أحد الأجواد حكم مملوكته في ماله بغير علمه واستحسن فعلها وعتقها شكرًا لها على ما فعلت، وأجمعوا على أن أسخى الثلاثة عرابة الأوسي، لأنه جاد بجميع ما يملكه، وذلك جهد من مقل. وقال سفيان الثوري عن عمرو عن أبي صالح قال: قسم سعد بن عبادة ماله بين أولاده وخرج إلى الشام فمات بها، فولد له ولد بعد وفاته، فجاء أبو بكر وعمر إلى
[ ٤ / ١٩٣٩ ]
قيس بن سعد فقالا: إن أباك قسم ماله ولم يعلم مجال هذا الولد إذ كان حملًا، فاقسموا له معكم، فقال قيس: إني لا أغير ما فعله سعد ولكن نصيبي له
وقال ابن أبي خيثمة: كان قيس بن سعد لا يزال هكذا رافعًا أصبعه المسبحة -يعني يدعو- وقد تقدم أن محمد بن أبي حذيفة كان قد تغلب على مصر وأخرج منها عبد الله بن أبي سرح، نائب عثمان بعد عمرو بن العاص، فأقره عليها علي مدة يسيرة ثم عزله بقيس بن سعد، فلما دخلها سار فيها سيرة حسنة وضبطها، وذلك سنة ست وثلاثين، فثقل أمره على معاوية وعمرو بن العاص، فكاتباه ليكون معها على علي فامتنع وأظهر للناس مناصحته لهما، وفي الباطن هو مع علي، فبلغ ذلك عليًا فعزله وبعث إلى مصر الأشتر النخعي فمات الأشتر في الرملة قبل أن يصل إليها، فبعث علي محمد بن أبي بكر فخف أمره على معاوية وعمرو، فلم يزالا حتى أخذا منه الديار المصرية، وقتل محمد بن أبي بكر هذا وأحرق في جيفة حمار. ثم سار قيس إلى المدينة، ثم سار إلى علي بن أبي طالب إلى العراق، فكان معه في حروبه حتى قتل علي، ثم كان مع الحسن بن علي حين سار إلى معاوية ليقاتله، فكان قيس على مقدمة الجيش، فلما بايع الحسن بن علي حين سار إلى معاوية ليقتله، فكان قيس على مقدمة الجيش، فلما بايع الحسن معاوية ساء قيسًا ذلك وما أحبه، وامتنع من طاعة معاوية، ثم ارتحل إلى المدينة، ثم قدم على معاوية في وفد من الأنصار فبايع معاوية بعد معاتبة شديدة وقعت بينهما، وكلام فيه غلظة، ثم أكرمه معاوية وقدمه وحظي عنده، فبينما هو مع الوفود عند معاوية إذ قدم كتاب ملك الروم على معاوية وفيه: أن ابعث إلي بسراويل أطول رجل في العرب، فقال معاوية: ما أرانا إلا قد احتجنا إلى سراويلك؟ -وكان قيس مديد القامة جدًا لا يصل أطول الرجال إلى صدره- فقام قيس فتنحى ثم خلع سراويله فألقاها إلى معاوية فقال له معاوية: لو ذهبت إلى منزلك ثم أرسلت بها إلينا، فأنشأ يقول عن ذلك:
أردت بها كي يعلم الناس أنها سراويل قيس والوفود شهود
وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه سراويل عادٍ ثمة وثمود
وإني من الحي اليماني لسيد وما الناس إلا سيد ومسود
فكدهم بمثلي إن مثلي عليهم شديد وخلقي في الرجال مديد
[ ٤ / ١٩٤٠ ]
وفضلني في الناس أصل ووالد وباع به أعلو الرجال مديد
قال: فأمر معاوية أطول رجل في الوفد فوضعها على أنفه فوقعت بالأرض، وفي رواية أن ملك الروم بعث إلى معاوية برجلين من جيشه يزعم أن أحدهما أقوى الروم، والآخر أطول الروم فانظر هل في قومك من يفوقهما في قوة هذا وطول هذا، فإن كان في قومك من يفوقهما بعثت إليك من الأسارى كذا وكذا، ومن التحف كذا وكذا، وإن لم يكن في جيشك من هو أقوى وأطول منهما فهادني ثلاث سنين. فلما حضرا عند معاوية قال: من لهذا القوي؟ فقالوا: ماله إلا أحد رجلين، إما محمد بن الحنفية، أو عبد الله بن الزبير، فجيء بمحمد بن الحنفية وهو ابن علي بن أبي طالب، فلما اجتمع الناس عند معاوية قال له معاوية: أتعلم فيم أرسلت إليك؟ قال: لا! فذكر له أمر الرومي وشدة بأسه، فقال للرومي: إما أن تجلس لي أو أجلس إليك وتناولني يدك أو أناولك يدي، فأينا قدر أن يقيم الآخر من مكانه غلبه، وإلا فقد غلب. فقال له: ماذا تريد؟ تجلس أو أجلس؟ فقال له الرومي: بل اجلس أنت، فجلس محمد بن الحنفية وأعطى الرومي يده فاجتهد الرومي بكل ما يقدر عليه من القوة أن يزيله من مكانه أو يحركه ليقيمه فلم يقدر على ذلك، ولا وجد إليه سبيلًا، فغلب الرومي: عند ذلك، وظهر لمن معه من الوفود من بلاد الروم أنه قد غلب، ثم قام محمد بن الحنفية فقال للرومي: اجلس لي، فجلس وأعطى محمدًا يده فما أمهله أن أقامه سريعًا، ورفعه في الهواء ثم ألقاه على الأرض فسر بذلك معاوية سرورًا عظيمًا، ونهض قيس بن سعد فتنحى عن الناس ثم خلع سراويله وأعطاها لذلك الرومي الطويل فلبسها فبلغت إلى ثدييه وأطرافها تخط بالأرض، فاعترف الرومي بالغلب، وبعث ملكهم ما كان التزمه لمعاوية، وعاتب الأنصار قيس بن سعد في خلعه سراويله بحضرة الناس فقال ذلك الشعر المتقدم معتذرًا به إليهم، وليكون ذلك ألزم للحجة التي تقوم على الروم، وأقطع لما حاولوه. ورواه الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: كان قيس بن سعد رجلًا ضخمًا جسيمًا صغير الرأس له لحية في ذقنه، وكان إذا ركب الحمار العالي خطت رجلاه بالأرض، وقال الواقدي وخليفة بن خياط وغير واحد: توفي بالمدينة في آخر خلافة معاوية. وذكر ابن الجوزي وفاته في هذه السنة، فتبعناه في ذلك. اهـ.
[ ٤ / ١٩٤١ ]
وقال ابن حجر في الإصابة: قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري الخزرجي مختلف في كنيته فقيل أبو الفضل وأبو عبد الله وأبو عبد الملك، وذكر ابن حبان أن كنيته أبو القاسم وأمه بنت عم أبيه واسمها فكيهة بنت عبيد بن دليم وقال ابن عيينة عن عمرو بن دينار: كان قيس ضخمًا حسنًا طويلًا إذا ركب الحمار خطت رجلاه الأرض وقال الواقدي: كان سخيًا كريمًا داهية. وأخرج البغوي من طريق ابن شهاب قال: كان قيس حامل راية الأنصار مع رسول الله ﵌ وكان من ذوي الرأي من الناس. وقال ابن يونس: شهد فتح مصر واختط بها دارًا ثم كان أميرها لعلي، وذكر الزبير أنه كان سناطًا ليس في وجهة شعرة فقال: إن الأنصار كانوا يقولون وددنا أن نشتري لقيس بن سعد لحية بأموالنا قال أبو عمر: وكذلك كان شريح وعبد الله بن الزبير لم يكن في وجوههم شعرة. وأخرج البخاري في التاريخ من طريق مريم بن أسعد قال: رأيت قيس بن سعد وقد خدم النبي ﵌ عشر سنين. وقال أبو عمر: كان أحد الفضلاء الجلة من دهاة العرب من أهل الرأي والمكيدة في الحرب مع النجدة والسخاء والشجاعة، وكان شريف قومه غير مدافع وكان أبوه وجده كذلك. وفي الصحيح عن جابر في قصة جيش العسرة أنه كان في ذلك الجيش، وأنه كان ينحر ويطعم حتى استدان بسبب ذلك، ونهاه أمير الجيش وهو أبو عبيدة وفي بعض طرقه أن النبي ﵌ قال: الجود من شيمة أهل ذلك البيت، رويناه في الغيلانيات وأخرجه ابن وهب من طريق بكر بن سوادة عن أبي حمزة ابن جابر، وشهد مع رسول الله ﵌ المشاهد وأخذ النبي ﵌ يوم الفتح الراية من أبيه فدفعها له.
روى قيس بن سعد عن النبي ﵌ وعن أبيه روى عنه أنس وثعلبة ابن أبي مالك وأبو ميسرة وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعروة وآخرون، وصحب قيس عليًا وشهد معه مشاهده وكان قد أمره على مصر فاحتال عليه معاوية فلم ينخدع له فاحتال على أصحاب علي حتى حسنوا له تولية محمد بن أبي بكر فولاه مصر، وارتحل قيس فشهد مع علي صفين ثم كان مع الحسن بن علي حتى صالح معاوية فرجع قيس إلى المدينة فأقام بها.
قال خليفة وغيره: مات في آخر خلافة معاوية بالمدينة. قال ابن حبان: كان هرب
[ ٤ / ١٩٤٢ ]
من معاوية ومات سنة خمس وثمانين في خلافة عبد الملك، قال وقيل مات في آخر خلافة معاوية: قلت: وقول خليفة ومن وافقه هو الصواب. اهـ.
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: قيس بن سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي حزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج، الأمير المجاهد، أبو عبد الله سيد الخزرج وابن سيدهم أبي ثابت، الأنصاري الخزرجي الساعدي، صاحب رسول الله ﷺ وابن صاحبه. وفد على معاوية، فاحترمه، وأعطاه مالًا.
قال أحمد بن البرقي: كان صاحب لواء النبي في بعض مغازيه. وكان بمصر واليًا عليها لعلي.
وقال ابن يونس: شهد فتح مصر، واختط بها دارًا، ووليها لعلي سنة ست [وثلاثين]، وعزله عنها سنة سبع [وثلاثين].
الزهري: أخبرني ثعلبة بن أبي مالك: أن قيس بن سعد -وكان صاحب لواء النبي ﷺأراد الحج، فرجل أحد شقي رأسه، فقام غلام له، فقلد هدية، فأهل وما رجل شقه رجل.
أقول: لم يرجل لأنه دخل في الإحرام، وقد خشي أن يتساقط شيء من شعر رأسه بسبب ترجيله.
وذكر عاصم بن عمر: أن النبي ﷺ استعمل قيس بن سعد على الصدقة.
قال مسعر: عن معبد بن خالد، قال: كان قيس بن سعد لا يزال هكذا رافعًا أصبعه المسبحة، يعني: يدعو.
وجود قيس يضرب به المثل، وكذلك دهاؤه.
روى الجراح بن مليح البهراني، عن أبي رافع، عن قيس بن سعد، قال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المكر والخديعة في النار" لكنت من أمكر هذه الأمة (١).
_________________
(١) إسناده حسن والمكر والخديعة: اسمان لكل فعل يقصد فاعله في باطنه خلاف ما يقتضيه ظاهره، والمذموم من =
[ ٤ / ١٩٤٣ ]
ابن عيينة: حدثني عمرو، قال: قال قيس: لولا الإسلام، لمكرت مكرًا لا تطيقه العرب.
وعن الزهري: كانوا يعدون قيسًا من دهاة العرب، وكان من ذوي الرأي، وقالوا: دهاة العرب حين ثارت الفتنة خمسة: معاوية، وعمرو، وقيس، والمغيرة، وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي (١).
وكان قيس وابن بديل مع علي، وكان عمرو بن العاص مع معاوية، وكان المغيرة معتزلًا بالطائف حتى حكم الحكمان.
عوف عن محمد، قال: كان محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة بن عتبة من أشدهم على عثمان، فأمر علي قيس بن سعد على مصر، وكان حازمًا. فنبئت أنه كان يقول لولا أن المكر فجور، لمكرت مكرًا تضطرب منه أهل الشام بينهم، فكتب معاوية وعمرو إليه يدعوانه إلى مبايعتهما، فكتب إليهما كتابًا فيه غلظ، فكتبا إليه بكتاب فيه عنف، فكتب إليهما بكتاب فيه لين، فلما قرآه، علما أنهما لا يدان لهما بمكره، فأذاعا بالشام أنه قد تابعنا، فبلغ ذلك عليًا، فقال له أصحابه: أدرك مصر فإن قيسًا قد بايع معاوية، فبعث محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة إلى مصر، وأمر ابن أبي بكر، فلما قدما على قيس بنزعه، علم أن عليًا قد خدع فقال لمحمد: يا أخي احذر -يعني أهل مصر - فإنهم سيسلمونكما، فتقتلان. فكان كما قال.
وعن الزهري، قال: قدم قيس المدينة فتوامر (٢) فيه الأسود بن أبي البختري، ومروان أن يبيتاه (٣)، وبلغ ذلك قيسًا، فقال: والله إن هذا لقبيح أن أفارق عليًا وإن عزلني، والله لألحقن به. فلحق به، وحدثه بما كان يعتمد بمصر. فعرف علي أن قيسًا كان يداري
_________________
(١) = ذلك أن يقصد فاعلمه إنزال مكروه بالمخدوع، وإياه قصد المصطفى ﷺ بهذا الحديث، ومعناه: يوديان بقاصدهما إلى النار. قاله الراغب.
(٢) عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي الصحابي الجليل، انتهت إليه رئاسة خزاعة، وكان فصيحًا لسنًا، أسلم يوم الفتح، وشهد حنينًا وما بعدها، وقتل يوم صفين.
(٣) يتوامر: أي تآمر.
(٤) يبيتاه: يقتلاه ليلًا.
[ ٤ / ١٩٤٤ ]
أمرًا عظيمًا بالمكيدة، فأطاع علي قيسًا في الأمر كله، وجعله على مقدمة جيشه، فبعث معاوية يؤنب مروان والأسود، وقال: أمددتما عليًا بقيس؟ والله لو أمددتماه بمائة ألف مقاتل، ما كان بأغيظ علي من إخراجكما قيسًا إليه.
هشام بن عروة: عن أبيه، كان قيس مع علي في مقدمته ومعه خمسة آلاف قد حلقوا رؤوسهم بعد ما مات علي، فلما دخل الحسن في بيعة معاوية أبى قيس أن يدخل، وقال لأصحابه: إن شئتم جالدت بكم أبدًا حتى يموت الأعجل، وإن شئتم أخذت لكم أمانًا. فقالوا: خذ لنا، فأخذ لهم، ولم يأخذ لنفسه خاصة. فلما ارتحل نحو المدينة ومعه أصحابه، جعل ينحر لهم كل يوم جزورًا حتى بلغ صرارًا (١).
عن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان، قال: دخل قيس بن سعد في رهط من الأنصار على معاوية فقال: يا معشر الأنصار! بما تطلبون ما قبلي؟ فوالله لقد كنتم قليلًا معي، كثيرًا علي، وأفللتم حدي يوم صفين، حتى رأيت المنايا تلظى في أسنتكم، وهجوتموني حتى إذا أقام الله ما حاولتم ميله، قلت: ارع فينا وصية رسول الله ﷺ، هيهات يأبى الحقين العذرة (٢)، فقال قيس: نطلب ما قلبك بالإسلام الكافي به الله ما سواه، لا بما تمت به إليك الأحزاب، فأما عداوتنا لك، فلو شئت، كففتها عنك، وأما الهجاء فقول يزول باطله، ويثبت حقه، وأما استقامة الأمر عليك فعلى كره منا، وأما فلنا حدك، فإنا كنا مع رجل نرى طاعته [طاعة] الله، وأما وصية رسول الله ﷺ بنا فمن آمن به رعاها.
وأما قولك: يأبى الحقين العذرة، فليس دون الله يد تحجزك، فشأنك فقال معاوية: سوءة (٣). ارفعوا حوائجكم. اهـ. الذهبي.
_________________
(١) صرار: موضع على ثلاثة أميال من المدينة على طريق العراق.
(٢) العذرة: العذر وهو مثل يضرب للرجل يعتذر ولا عذر له، قال أبو عبيد: أصل ذلك أن رجلًا ضاف قومًا، فاستسقاهم لبنًا، وعندهم لبن قد حقنوه في وطب، فاعتلوا عليه، واعتذروا فقال: أبى الحقين العذرة، أي: هذا الحقين يكذبكم.
(٣) السوءة: الفاحشة، وكل عمل وأمر شائن، تقال يشعر بها قائلها أنه قد ارتكب غلطة.
[ ٤ / ١٩٤٥ ]
٢١٠١ - * روى البخاري والترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان قيس ابن سعد من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرط من الأمير قال الأنصاري. يعني مما يلي من أموره.
* * *
_________________
(١) البخاري (١٣/ ١٣٣) ٩٣ - كتاب الأحكام -١٢ - باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الإمام الذي فوقه، ولكن دون قول الأنصاري. والترمذي (٥/ ٦٩٠) ٥٠ - كتاب المناقب -٥٢ - باب في مناقب قيس بن سعد بن عبادة. الشرط: أعوان السلطان المرتبون لتتبع أحوال الناس، سموا بذلك لأنهم كانوا يعلمون على أنفسهم بعلامات يعرفون بها، والأشراط: العلامات.
[ ٤ / ١٩٤٦ ]
٣٤ - خالد بن الوليد ﵁
قال ابن حجر في الإصابة: خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي .. سيف الله أبو سليمان، أمه لبابة الصغرى بنت الحارث بن حرب الهلالية وهي أخت لبابة الكبرى زوج العباس بن عبد المطلب وهما أختا ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﵌، وكان أحد أشراف قريش في الجاهلية، وكان إليه أعنة الخيل في الجاهلية، وشهد مع كفار قريش الحروب إلى عمرة الحديبية. كما ثبت في الصحيح أنه كان على خيل قريش طليعة ثم أسلم في سنة سبع بعد خيبر وقيل قبلها ووهم من زعم أنه أسلم سنة خمس. قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن أبي حبيب عن راشد مولى حبيب بن أبي أوس عن حبيب حدثني عمرو بن العاص من فيه قال: خرجت عامدًا لرسول الله ﵌ فلقيت خالد بن الوليد وذلك قبل الفتح وهو مقبل من مكة فقلت: أين يا أبا سليمان؟ قال: أذهب والله أسلم فحتى متى قلت وما جئت إلا لأسلم فقدمنا جميعًا فتقدم خالد فأسلم وبايع ثم دنوت فبايعته ثم انصرفت، ثم شهد غزوة مؤتة مع زيد بن حارثة فلما استشهد الأمير الثالث أخذ الراية فانحاز بالناس وخطب النبي ﵌ فأعلم الناس بذلك كما ثبت في الصحيح وشهد مع رسول الله ﵌ فتح مكة فأبلى فيها وجرى مع له بني جذيمة ما جرى، ثم شهد حنينًا والطائف وهدم العزى، وله رواية عن النبي ﵌ في الصحيحين وغيرهما. روى عنه ابن عباس وجابر والمقدام بن معدي كرب وقيس بن أبي حازم وعلقمة بن قيس وآخرون وأخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: نزلنا مع رسول الله ﵌ منزلًا فجعل الناس يمرون فيقول رسول الله ﵌: "من هذا" فأقول فلان، حتى مر خالد فقال: "من هذا" قلت خالد بن الوليد فقال: "نعم عبد الله، هذا سيف من سيوف الله"، رجاله ثقات. وأرسله النبي ﵌ إلى أكيدر دومة فأسره، وعن أنس وعن عمرو بن أبي سلمة أن النبي ﵌ بعث خالدًا إلى أكيدر دومة فأخذوه فأتوا به فحقن له دمه وصالحه على الجزية، وأرسله أبو بكر إلى قتال أهل الردة فأبلى في قتالهم بلاء عظيمًا، ثم ولاه حرب فارس والروم فأثر فيهم تأثيرًا شديدًا،
[ ٤ / ١٩٤٧ ]
وافتتح دمشق. وروى يعقوب بن سفيان من طريق أبي الأسود عن عروة قال: لما فرغ خالد من اليمامة أمره أو بكر بالمسير إلى الشام فسلك عين النمر فسبى ابنة الجودي من دومة الجندل ومضى إلى الشام فهزم عدو الله واستخلفه أبو بكر على الشام إلى أن عزله عمر.
وقال ابن أبي الدنيا عن قتادة قال: بعث النبي ﵌ خالد بن الوليد إلى العزى فهدمها وقال أبو زرعة الدمشقي حدثني علي بن عباس حدثنا الوليد حدثني وحشي عن أبيه عن جده أن أبا بكر عقد لخالد بن الوليد على قتال أهل الردة فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سله الله على الكفار" وقال أحمد عن عبد الملك بن عمير قال: استعمل عمر أبا عبيدة على الشام وعزل خالد بن الوليد فقال خالد: بعث عليكم أمين هذه الأمة سمعت رسول الله ﷺ يقوله، فقال أبو عبيدة سمعت رسول الله ﷺ يقول: خالد سيف من سيوف الله، نعم فتى العشيرة، وروى أبو يعلى من طريق الشعبي عن ابن أبي أوفي رفعه لا تؤذوا خالدًا فإنه سيف من سيوف الله صبه الله على الكفار.
عن أبي هريرة في قصة الصدقة فقال النبي ﷺ: "إن خالدًا احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله" وفي البخاري عن قيس بن أبي حازم عن خالد ابن الوليد قال: لقد اندق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما صبرت معي إلا صفيحة يمانية. وقال يونس بن أبي إسحاق عن أبي السفر: لما قدم خالد بن الوليد الحيرة أتى بسم فوضعه في راحته ثم سعى وشربه فلم يضره، رواه أبو يعلى ورواه ابن سعد من وجهين آخرين وروى ابن أبي الدنيا بإسناد صحيح عن خيثمة قال: أتى خالد بن الوليد رجل معه زق خمر فقال: اللهم اجعله عسلًا فصار عسلًا. وفي روايه له من هذا الوجه: مر رجل بخالد ومعه زق خمر فقال: ما هذا؟ قال: خل. قال: جعله الله خلًا فنظر فإذا هو خل وقد كان خمرًا. وقال ابن سعد عن زياد مولى آل خالد قال: قال خالد عند موته ما كان في الأرض من ليلة أحب إلي من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين أصبح بهم العدو فعليكم بالجهاد وروى أبو يعلى من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس قال: قال خالد: ما ليلة يهدى إلي فيها عروس أنا لها محب أو أبشر فيها بغلام أحب إلي من ليلة شديدة
[ ٤ / ١٩٤٨ ]
الجليد، فذكر نحوه ومن هذا الوجه عن خالد: لقد شغلني الجهاد عن تعلم كثير من القرآن وكان سبب عزل عمر خالدًا ما ذكره الزبير بن بكار قال: كان خالد إذا صار إليه المال قسمه في أهل الغنائم ولم يرفع إلى أبي بكر حسابًا وكان فيه تقدم على أبي بكر يفعل أشياء لا يراها أبو بكر وأقدم على قتل مالك بن نويرة ونكح امرأته فكره ذلك أبو بكر وعرض الدية على متمم بن نويرة وأمر خالدًا بطلاق امرأة مالك ولم ير أن يعزله، وكان عمر ينكر هذا وشبهه على خالد وكان أميرًا عند أبي بكر بعثه إلى طليحة فهزم طليحة ومن معه ثم مضى إلى مسيلمة فقتل الله مسيلمة. قال الزبير: وحدثني محمد بن مسلم عن مسلم بن أنس قال: قال عمر لأبي بكر اكتب إلى خالد لا يعطي شيئًا إلا بأمرك فكتب إليه بذلك فأجابه خالد: إما أن تدعيني وعملي والإ فشأنك بعملك، فأشار عليه عمر بعزله فقال أبو بكر: فمن يجزئ عني إجزاء خالد، قال عمر: أنا. قال: فأنت، فتجهز عمر حتى أنييخ الظهر في الدار فمشى أصحاب النبي ﵌ إلى أبي بكر فقالوا: ما شأن عمر يخرج أنت محتاج إليه وما بالك عزلت خالدًا وقد كفاك؟ قال: فما أصنع؟ قالوا: تعزم على عمر فيقيم وتكتب إلى خالد فيقيم على عمله، ففعل، فلما قبل عمر [أي الخلافة] كتب إلى خالد أن لا تعطي شاة ولا بعيرًا إلا بأمري، فكتب إليه خالد بمثل ما كتب إلى أبي بكر فقال عمر: ما صدقت الله إن كنت أشرت على أبي بكر بأمر فلم أنفذه فعزله، ثم كان يدعوه إلى أن يعمل فيأبى إلا أن يخليه يفعل ما شاء، فيأبى عمر. قال مالك: وكان عمر يشبه خالدًا قال الزبير: ولما حضرت خالدًا الوفاة أوصى عمر فتولى عمر وصيته وسمع راجزًا يذكر خالدًا فقال: رحم الله خالدًا فقال له طليحة ابن عبيد الله:
لا أعرفنك بعد الموت تندبني وفي حياتي ما زودتني زادي
فقال عمر: إني ما عتبت على خالد إلا في تقدمه (١) وما كان يصنع في المال. مات خالد بن الوليد بمدينة حمص سنة إحدى وعشرين وقيل توفي بالمدينة النبوية. اهـ ابن حجر.
_________________
(١) إلا في تقدمه: كان يتقدم الناس في الحرب وهو القائد، وتلك مخاطرة.
[ ٤ / ١٩٤٩ ]
وقال ابن كثير في البداية والنهاية: خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي أبو سليمان المخزومي، سيف الله، أحد الشجعان المشهورين، لم يقهر في جاهلية ولا إسلام. وأمه عصماء بنت الحارث، أخت لبابة بنت الحارث، وأخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين. قال الواقدي: أسلم أول يوم من صفر سنة ثمان، وشهد مؤتة وانتهت إليه الإمارة يومئذ عن غير إمرة، فقاتل يومئذ قتالًا شديدًا لم ير مثله، اندقت في يده تسعة أسياف، ولم تثبت في يده إلا صفيحة يمانية.
وقد روي أن خالدًا سقطت قلنسوته يوم اليرموك وهو في الحرب فجعل يستحث في طلبها فعوتب في ذلك، فقال: إن فيها شيئًا من شعر ناصية رسول الله ﷺ وإنها ما كانت معي في موقف إلا نصرت بها.
وقد روينا في مسند أحمد (١) عن أبي بكر الصديق أنه لما أمر خالدًا على حرب أهل الردة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "فنعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد، خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سله الله على الكفار والمنافقين".
وفي الصحيح: (٢) "وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا وقد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله" وشهد الفتح وشهد حنينًا وغزا بني جذيمة أميرًا في حياته ﵇، واختلف في شهوده خيبر وقد دخل مكة أميرًا على طائفة من الجيش وقتل خلقًا كثيرًا من قريش.
وبعثه رسول الله ﷺ إلى العزى -وكانت لهوازن -فكسر قمتها أولًا ثم دعثرها وجعل يقول: يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك. ثم حرقها وقد استعمله الصديق بعد رسول الله ﷺ على قتال أهل الردة ومانعي الزكاة، فشفى واشتفى، ثم وجهه إلى العراق ثم أتى الشام فكانت له من المقامات ما ذكرناها مما تقر بها القلوب والعيون،
_________________
(١) أحمد في مسنده (١/ ٨).
(٢) البخاري (٣/ ٣٣١) ٢٤ - كتاب الزكاة -٤٩ - باب قول الله تعالى (التوبة: ٦٠) (وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله).
[ ٤ / ١٩٥٠ ]
وتتشنف بها الأسماع، ثم عزله عمر عنها وولي أبا عبيدة وأبقاه مستشارًا في الحرب، ولم يزل بالشام حتى مات على فراشه ﵁.
وقد روى الواقدي قال: لما حضرت خالدًا الوفاة بكى ثم قال: لقد حضرت كذا وكذا زحفًا، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة سيف، أو طعنة برمح أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء.
عن أنس قال: لقي خالد عدوًا له فولى عنه المسلمون منهزمين وثبت هو وأخوه البراء ابن مالك، وكنت بينهما واقفًا، قال: فنكس خالد رأسه ساعة إلى الأرض ثم رفع رأسه إلى السماء ساعة -قال: وكذلك كان يفعل إذا أصابه مثل هذا -ثم قال لأخي البراء: قم فركبا، واختطب خالد من معه من المسلمين وقال: ما هو إلا الجنة وما إلى المدينة سبيل، ثم حمل بهم فهزم المشركين.
وقد روى البخاري في التاريخ وغيره عن ياسر بن سمي البرني، قال: سمعت عمر يعتذر إلى الناس بالجابية من عزل خالد، فقال: أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فأعطاه ذا البأس، وذا الشرف واللسان، فأمرت أبا عبيدة. فقال أبو عمرو بن حفص بن المغيرة: ما اعتذرت يا عمر، لقد نزعت عاملًا استعمله رسول الله ﷺ، ووضعت لواء رفعه رسول الله ﷺ، وأغمدت سيفًا سله الله، ولقد قطعت الرحم، وحسدت ابن العم. فقال عمر: إنك قريب القرابة، حديث السن مغضب في ابن عمك.
وعن خالد أنه طلق امرأة من نسائه وقال: إني لم أطلقها عن ريبة، ولكنها لم تمرض عندي ولم يصبها شيء في بدنها ولا رأسها ولا في شيء من جسدها، وروى سيف وغيره: أن عمر قال حين عزل خالدًا عن الشام، والمثنى بن حارثة عن العراق: إنما عزلتهما ليعلم الناس أن الله نصر الدين لا بنصرهما وأن القوة لله جميعًا. وروى سيف أيضًا أن عمر قال حين عزل خالدًا عن قنسرين وأخذ منه ما أخذ: إنك علي لكريم، وإنك عندي لعزيز، ولن يصل إليك مني أمر تكرهه بعد ذلك.
قال عبد الله بن المبارك: ولما حضرت خالد بن الوليد الوفاة قال: لقد طلبت القتل
[ ٤ / ١٩٥١ ]
في مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي، وما من عملي شيء أرجى عندي بعد لا إله إلا الله من ليلة بتها وأنا متترس والسماء تهلني تمطر إلى الصبح، حتى نغير على الكفار. ثم قال: إذا أنا مت فانظروا إلى سلاحي وفرسي فاجعلوه عدة في سبيل الله. فلما توفي خرج عمر على جنازته فذكر قوله: ما على آل نساء الوليد أن يسفحن على خالد من دموعهن ما لم يكن نقع أو لقلقة (١). وقد علق البخاري في صحيحه (٢) بعض هذا فقال: وقال عمر: دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة.
وقال محمد بن سعد: لما مات خالد بن الوليد اجتمع نسوة بني المغيرة في دار خالد يبكين عليه فقيل لعمر: إنهن قد اجتمعن في دار خالد يبكين عليه، وهن خلقاء أن يسمعنك بعض ما تكره، فأرسل إليهن فانهن، فقال عمر: وما عليهن أن ينزفن من دموعهن على أبي سليمان، ما لم يكن نقعًا أو لقلقة. ورواه البخاري في التاريخ من حديث الأعمش بنحوه.
وقال إسحاق بن بشر وقال محمد: مات خالد بن الوليد بالمدينة فخرج عمر في جنازته وإذا أمه تندبه وتقول:
أنت خير من ألف ألف من القو م إذا كبت وجوه الرجال
فقال: صدقت والله إن كان لكذلك.
وقال سيف بن عمر عن شيوخه عن سالم. قال: فأقام خالد في المدينة حتى إذا ظن عمر أنه قد زال ما كان يخشاه من افتتان الناس به، وقد عزم على توليته بعد أن يرجع من الحج، واشتكى خالد بعده وهو خارج من المدينة زائرًا لأمه فقال لها: احدروني إلى مهاجري، فقدمت به المدينة ومرضته، فلما ثقل وأظل قدوم عمر لقيه لاق على مسيرة ثلاث صادرًا عن حجة فقال له عمر مهيم (أي مالك؟) فقال خالد بن الوليد: ثقيل لما به، فطوى عمر ثلاثًا في ليلة فأدركه حين قضى، فرق عليه واسترجع وجلس ببابه حتى جهز، وبكته البواكي، فقيل لعمر: ألا تسمع؟ ألا تنهاهن؟ فقال: وما على نساء قريش
_________________
(١) نقع: نثر التراب على الرأس، لقلقة: صوت.
(٢) البخاري (٣/ ١٦٠) ٢٣ - كتاب الجنائز -٢٣ - باب ما يكره من النياحة على الميت.
[ ٤ / ١٩٥٢ ]
أن يبكين أبا سليمان؟ ما لم يكن نقع ولا لقلقة. فلما خرج لجنازته رأى عمر امرأة محرمة تبكيه وتقول:
أنت خير من ألف ألف من النا س إذا ما كبت وجوه الرجال
أشجاع فأنت أشجع من ليث ضمر بن جهم أبي أشبال
أجواد فأنت أجود من سيل دياس يسيل بين الجبال
فقال عمر: من هذه؟ فقيل له: أمه. فقال: أمه وإلا له -ثلاثًا -وهل قامت النساء عن مثل خالد. قال: فكان عمر يتمثل في طيه تلك الثلاث في ليله وفي قدومه.
تبكي ما وصلت، به الندامى ولا تبكي فوارس كالجبال
تمنى بعدهم قوم مداهم فلم يدنوا لأسباب الكمال
وفي رواية أن عمر قال لأم خالد: أخالدًا أو أجره ترزئين؟ عزمت عليك أن لا تبيني (١) حتى تسود يداك من الخضاب، وهذا كله مما يقتضي موته بالمدينة النبوية، وإليه ذهب دحيم عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي.
ولكن المشهور عن الجمهور أنه مات بحمص سنة إحدى وعشرين. زاد الواقدي: وأوصى إلى عمر بن الخطاب. وقد روى محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد وغيره قالوا: قدم خالد المدينة بعد ما عزله عمر فاعتمر ثم رجع إلى الشام، فلم يزل بها حتى مات في سنة إحدى وعشرين.
لما مات خالد بن الوليد قال عمر: رحم الله أبا سليمان، لقد كنا نظن به أمورًا ما كانت. وقال جويرية عن نافع قال: لما مات خالد لم يوجد له إلا فرسه وغلامه وسلاحه.
قال أبو علي الحرنازي: دخل هشام بن البحتري في ناس من بني مخزوم على عمر بن
_________________
(١) عزمت عليك أن لا تبيني: عزمت عليك بعد أن تفارقيني أن تخضبى يديك لأن المرأة لا يحل لها أن تظهر الحزن أكثر من ثلاثة أيام على أحد إلا على زوجها. تسود: أن تخضب يديها بالحناء إشارة إلى تركها الحزن على فقد خالد.
[ ٤ / ١٩٥٣ ]
الخطاب فقال له: يا هشام أنشدني شعرك في خالد. فأنشده فقال: قصرت في الثناء على أبي سليمان ﵀، إنه كان ليحب أن يذل الشرك وأهله، وإن كان الشامت به لمتعرضًا لمقت الله. ثم قال عمر: قاتل الله أخا بني تميم ما أشعره:
وقل للذي يبقى خلاف الذي مضى تهيأ لأخرى مثلها فكأن قدي
فما عيش من قد عاش بعدي بنافعي ولا موت من قد مات بمخلدي
ثم قال عمر: رحم الله أبا سليمان ما عند الله خير له مما كان فيه. ولقد مات سعيدًا وعاش حميدًا ولكن رأيت الدهر ليس بقائل (١). اهـ ابن كثير.
وقال الذهبي في ترجمته: سيف الله تعالى، وفارس الإسلام، وليث المشاهد، السيد الإمام الأمير الكبير، قائد المجاهدين، أبو سليمان القرشي المخزومي المكي، وابن أخت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث.
هاجر مسلمًا في صفر سنة ثمان، ثم سار غازيًا، فشهد غزوة مؤتة واستشهد أمراء رسول الله ﷺ الثلاثة: مولاه زيد، وابن عمه جعفر ذو الجناحين، وابن رواحة، وبقي الجيش بلا أمير، فتأمر عليهم في الحال خالد، وأخذ الراية، وحمل على العدو، فكان النصر، وسماه النبي ﷺ، سيف الله، فقال: "إن خالدًا سيف سله الله على المشركين". وشهد الفتح وحنينًا، وتأمر في أيام النبي ﷺ، واحتبس أدراعه ولأمته في سبيل الله وحارب أهل الردة، ومسيلمة، وغزا العراق، واستظهر، ثم اخترق البرية السماوية بحيث إنه قطع المفازة من حد العراق إلى أول الشام في خمس ليال في عسكر معه، وشهد حروب الشام، ولم يبق في جسده قيد شبر إلا وعليه طابع الشهداء، ومناقبة غزيرة، أمره الصديق على سائر أمراء الأجناد، وحاصر دمشق فافتتحها هو وأبو عبيدة. اهـ الذهبي.
_________________
(١) رأيت الدهر ليس بقائل: من القيلولة، بمعنى أن الدهر لا يغفل عنه. أقول: إن عمر كان يعرف قدر خالد ومقامه وليس مثل عمر يجهل الرجال كما أنه فوق أن يحمله غرض نفسي على عزل خالد ولكنه خشي أن يستشهد خالد وهو أمير فتهن معنويات المسلمين وترتفع معنويات الكافرين، وحتى تبقى قلوب المسلمين تتعلق بالله وتثق أن النصر منه ﷻ فلا يداخلها نوع من الاعتماد على غير الله.
[ ٤ / ١٩٥٤ ]
٢١٠٢ - * روى الطبراني والبزار عن عبد الله بن أبي أوفى قال: شكا عبد الرحمن بن عوف خالد بن الوليد إلى رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ: "يا خالد لا تؤذ رجلًا من أهل بدر، فلو أنفقت مثل أحد ذهبًا لم تدرك عمله" فقال: يقعون في فأرد عليهم. فقال: "لا تؤذوا خالدًا فإنه سيف من سويف الله صبه الله على الكفار".
٢١٠٣ - * روى البخاري عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال: "أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب" -وعيناه تذرفان -"حتى أخذها سيف من سيوف الله. حتى فتح الله عليهم".
٢١٠٤ - * روى البخاري عن قيس قال سمعت خالدًا يقول: لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، وصبرت في يدي صفيحة لي يمانية.
٢١٠٥ - * روى أبو يعلى عن قيس بن أبي حازم قال: قال خالد بن الوليد: لقد منعني كثيرًا من القراءة الجهاد في سبيل الله.
قال الذهبي: عاش ستين سنة وقتل جماعة من الأبطال: ومات على فراشه، فلا قرت أعين الجبناء.
توفي بحمص سنة إحدى وعشرين. ومشهده على باب حمص. الصحيح موته بحمص، وله مشهد يزار. ا. هـ.
وذكر الذهبي في السير (١) عن أبي العالية: أن خالد بن الوليد قال: يا رسول الله إن
_________________
(١) المعجم الصغير: الروض الداني (١/ ٣٤٨). وكشف الأستار (٣/ ٢٦٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٤٩): رواه الطبراني في الصغير والكبير باختصار والبزار بنحوه ورجال الطبراني ثقات.
(٢) البخاري (٧/ ١٠٠) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة -٢٥ - باب مناقب خالد بن الوليد.
(٣) البخاري (٧/ ٥١٥) ٦٤ - كتاب المغازي -٤٤ - باب غزوة مؤتة من أرض الشام.
(٤) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٠): رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح.
(٥) السير (١/ ٣٦٨) ورجاله ثقات ولكنه مرسل. وأخرج أحمد الدعاء في مسنده (٣/ ٤١٩) عن عبد الرحمن بن خنيس التميمي بإسناد صحيح.
[ ٤ / ١٩٥٥ ]
كائدًا من الجن يكيدني، قال: "قل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ذرأ في الأرض، وما يخرج منها، ومن شر ما يعرج في السماء وما ينزل منها، ومن شر كل طارق إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن" ففعلت فأذهبه الله عني.
٢٠١٦ - * روى الطبراني عن عمرو بن العاص قال: ما عدل رسول الله ﷺ بي وبخالد ابن الوليد أحدًا منذ أسلمنا في حربه.
٢١٠٧ - * روى أحمد عن الزهري قال: وكان عبد الرحمن بن الأزهر يحدث أن خالد ابن الوليد بن المغيرة خرج يومئذ وكان على الخيل خيل رسول الله ﷺ. قال ابن الأزهر: قد رأيت رسول الله ﷺ بعدما هزم الله الكفار ورجع المسلمون إلى رحالهم يمشي في المسلمين ويقول: "من يدل على رحل خالد بن الوليد" قال: فمشيت أو قال فسعيت بين يديه وأنا محتلم أقول من يدل على رحل خالد حتى حللنا على رحله فإذا خالد بن الوليد مستند إلى مؤخرة رحله فأتاه رسول الله ﷺ فنظر إلى جرحه. قال الزهري: وحسبت أنه قال: ونفث فيه رسول الله ﷺ.
٢١٠٨ - * روى البخاري عن سالم عن أبيه قال: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر. ودفع إلى كل رجل منا أسيره. حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره. حتى قدمنا على النبي ﷺ فذكرناه، فرفع النبي ﷺ يديه فقال: "اللهم أني أبرأ إليك مما صنع خالد" مرتين.
٢١٠٩ - * روى ابن سعد عن هشام بن عروة: عن أبيه قال: كان في بني سليم ردة، فبعث أبو بكر إليهم خالد بن الوليد فجمع رجالًا منهم في الحظائر، ثم أحرقهم، فقال عمر
_________________
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٠): رواه الطبراني في الأوسط والكبير ورجاله ثقات.
(٢) أحمد في مسنده (٤/ ٨٨) وإسناده صحيح.
(٣) البخاري (٨/ ٥٦) ٦٤ - كتاب المغازي -٥٨ - باب بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة.
(٤) الطبقات الكبرى: ورجاله ثقات، لكنه مرسل.
[ ٤ / ١٩٥٦ ]
لأبي بكر: أتدع رجلًا: يعذب الله؟ قال: والله لا أشيم (١) سيفًا سله الله على عدوه، ثم أمره، فمضى إلى مسيلمة.
* * *
_________________
(١) أشيم: أغمد.
[ ٤ / ١٩٥٧ ]
٣٥ - عمرو بن العاص ﵁
قال ابن كثير: عمرو بن العاص: بن وائل بن هشام بن سعد بن سهم عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي السهمي، أبو عبد الله، ويقال أبو محمد، أحد رؤساء قريش في الجاهلية، وهو الذي أ ﴿سلوه إلى النجاشي ليرد عليهم من هاجر من المسلمين إلى بلاده فلم يجبهم إلى ذلك لعدله، ووعظ عمرو بن العاص في ذلك، فيقال إنه أسلم على يديه والصحيح أنه إنما أسلم قبل الفتح بستة أشهر هو وخالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة العبدري، وكان أحد أمراء الإسلام، وهو أمير ذات السلاسل، وأمده رسول الله ﷺ بمدد عليهم أبو عبيدة ومعه الصديق وعمر الفاروق، واستعمله رسول الله ﷺ على عمان فلم يزل عليها مدة حياة رسول الله ﷺ، وأقره عليها الصديق، ثم إن الصديق بعثه في جملة من بعث من أمراء الجيش إلى الشام فكان ممن شهد تلك الحروب، وكانت له الآراء السديدة، والمواقف الحميدة، والأحوال السعيدة، ثم بعثه عمر إلى مصر فافتتحها واستنابه عليها، وأقره عليها عثمان بن عفان أربع سنين ثم عزله، وقد كان معدودًا من دهاة العرب وشجعانهم وذوي آرائهم وله أمثال حسنة وأشعار جيدة. وقد روي عنه أنه قال: حفظت من رسول الله ﷺ ألف مثل، ومن شعره:
إذا المرء لم يترك طعامًا يحبه ولم ينبه قلبًا غاويًا حيث يمما
قضى وطرًا منه وغادر سبة إذا ذكرت أمثالها تملًا الفما
ا. هـ. ابن كثير
وقال ابن حجر في الإصابة: عمرو بن العاص من بني عنزة بفتح المهملة والنون .. أسلم قبل الفتح في صفر سنة ثمان وقيل بين الحديبية وخيبر وكان يقول أذكر الليلة التي ولد فيها عمر بن الخطاب. وقال داخر المعافري: رأيت عمرًا على المنبر أدعج (١) أبلج (٢) قصير القامة وذكر الزبير بن بكار والواقدي بسندين لهما أن إسلامه كان على يد النجاشي وهو بأرض الحبشة. وذكر الزبير بن بكار أن رجلًا قال لعمرو: ما أبطأ بك عن الإسلام وأنت
_________________
(١) أدعج: شديد سواد العين مع شدة بياض ما يحيط بالسواد.
(٢) أبلج: بعيد ما بين الحاجبين.
[ ٤ / ١٩٥٨ ]
أنت في عقلك؟ قال: إنا كنا مع قوم لهم علينا تقدم وكانوا ممن يوازي حلومهم الجبال فلما بعث النبي ﵌ فأنكروا عليه فلذنا بهم، فلما ذهبوا وصار الأمر إلينا نظرنا وتدبرنا فإذا حق بين فوقع في قلبي الإسلام فعرفت قريش ذلك مني من إبطائي عما كنت أسرع فيه من عونهم عليه فبعثوا إلي فتى منهم فناظرني في ذلك فقلت: أنشدك الله ربك ورب من قبلك ومن بعدك أنحن أهدى أم فارس والروم؟ قال: نحن أهدى. قلت: فنحن أوسع عيشًا أم هم؟ قال: هم قلت: فما ينفعنا فضلنا عليهم إن لم يكن لنا فضل إلا في الدنيا وهم أعظم منا فيها أمرًا في كل شيء وقد وقع في نفسي أن الذي يقوله محمد من أن البعث بعد الموت ليجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته حق ولا خير في التمادي في الباطل. وأخرج البغوي بسند جيد عن عمرو بن إسحاق أحد التابعين قال: استأذن جعفر ابن أبي طالب رسول الله ﵌ في التوجه إلى الحبشة فأذن له قال عمير: فحدثني عمرو بن العاص قال: لما رأيت مكانه قلت: والله لأستقلن (١) لهذا ولأصحابه فذكر قصتهم مع النجاشي قال: فلقيت جعفرًا خاليًا فأسلمت قال وبلغ ذلك أصحابي فغنموني وسلبوني كل شيء فذهبت إلى جعفر فذهب معي إلى النجاشي فردوا علي كل شيء أخذوه ولما أسلم كان النبي ﵌ يقربه ويدنيه لمعرفته وشجاعته وولاه غزاة ذات السلاسل وأمده بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح ثم استعمله على عمان فمات وهو أميرها ثم كان من أمراء الأجناد في الجهاد بالشام في زمن عمر وهو الذي افتتح قنسرين (٢) وصالح أهل حلب ومنبج وأنطاكية، وولاه عمر فلسطين أخرج ابن أبي خيثمة من طريق الليث قال: نظر عمر إلى عمرو يمشي فقال: ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرًا. وقال إبراهيم بن مهاجر عن الشعبي عن قبيصة بن جابر: صحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلًا أبين قرآنًا ولا أكرم خلقًا ولا أِبه سريرة بعلانية منه وقال محمد بن سلام الجمحي كان عمر إذا رأى الرجل يتلجلج في كلامه يقول أشهد أن خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد. وولي عمرو إمرة مصر في زمن عمر بن الخطاب وهو الذي
_________________
(١) لأستقلن: أي لأقللن من شأنهم عند النجاشي.
(٢) قتسرين: كورة بالشام.
[ ٤ / ١٩٥٩ ]
افتتحها وأبقاه عثمان قليلًا ثم عزله وولى عبد الله بن أبي سرح وكان أخا عثمان من الرضاعة فآل أمر عثمان بسبب ذلك إلى ما اشتهر ثم لم يزل عمرو بغير إمرة إلى أن كانت الفتنة بين علي ومعاوية فلحق بمعاوية فكان معه يدبر أمره في الحرب إلى أن جرى أمر الحكمين ثم سار في جيش معاوية إلى مصر فوليها لمعاوية من صفر سنة ثمان وثلاثين إلى أن مات سنة ثلاث وأربعين على الصحيح الذي جزم به ابن يونس وغيره من المتقنين وقيل قبلها بسنة وقيل وبعدها ثم اختلفوا فقيل بست وقيل بثمان وقيل بأكثر من ذلك قال يحيى بن بكير: عاش نحو تسعين سنة. وذكر ابن البرقي عن يحيى بن بكير عن الليث توفي وهو ابن تسعين سنة. اهـ ابن حجر.
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: عمرو بن العاص داهية قريش ورجل العالم، ومن يضرب به المثل في الفطنة، والدهاء، والحزم.
هاجر إلى رسول الله ﷺ مسلمًا في أوائل سنة ثمان، مرافقًا لخالد بن الوليد، وحاجب الكعبة عثمان بن طلحة، ففرح النبي ﷺ بقدومهم وإسلامهم، وأمر عمرًا على بعض الجيش، وجهزه للغزو. له أحاديث.
قال البخاري: ولاه النبي ﷺ على جيش ذات السلاسل. نزل المدينة ثم سكن مصر، وبها مات.
روى مجالد، عن الشعبي قال: دهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو، والمغيرة، وزياد، فأما معاوية فللأناة والحلم؛ وأما عمرو فللمعضلات؛ والمغيرة للمبادهة؛ وأما زياد فللصغير والكبير.
وكان من رجال قريش رأيًا، ودهاء، وحزمًا، وكفاءة، وبصرًا بالحروب، ومن أشراف ملوك العرب، ومن أعيان المهاجرين، والله يغفر له ويعفو عنه، ولولا حبه للدنيا [للإمرة] ودخوله في أمور، لصلح للخلافة، فإن له سابقة ليست لمعاوية. وقد تأمر على مثل أبي بكر وعمر، لبصره بالأمور ودهائه. اهـ.
[ ٤ / ١٩٦٠ ]
٢١١٠ - * روى أحمد وابن سعد والحاكم عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: "ابنا العاص مؤمنان، عمرو وهشام".
٢١١١ - * روى أحمد عن عمرو بن العاص قال: كان فزع بالمدينة فأتيت على سالم مولى أبي حذيفة وهو محتب بحمائل سيفه فأخذت سيفًا فاحتبيت بحمائله فقال رسول الله ﷺ: "يا أيها الناس ألا كان مفزعكم إلى الله وإلى رسوله" ثم قال: "ألا فعلتم كما فعل هذان الرجلان المؤمنان".
٢١١٢ - * روى أحمد عن عقبة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص".
٢١١٣ - * روى أحمد والحاكم عن موسى بن علي عن أبيه قال: سمعت عمرو بن العاص يقول: بعث إلي رسول الله ﷺ فقال: "خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني" فأتيته وهو يتوضأ فصعد في النظر ثم طأطأه فقال: "إني أريد أن أبعثك على جيشٍ فسلمك الله ويغنمك وأرغب لك من المال رغبة صالحة" قال قلت: يا رسول الله ما أسلمت من أجل المال ولكني أسلمت رغبة في الإسلام وأن أكون مع رسول الله ﷺ فقال: "يا عمرو نعم المال الصالح للمرء الصالح".
٢١١٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي عثمان أن رسول الله ﷺ بعث عمرو بن العاص على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة"
_________________
(١) أحمد في مسنده (٢/ ٢٠٤)، والطبقات الكبرى (٤/ ١٩١)، والمستدرك (٣/ ٢٤٠) وصححه وسكت عنه الذهبي.
(٢) أحمد في مسنده (٤/ ٢٠٣).
(٣) أحمد في مسنده (٤/ ١٥٥) وإسناده حسن. والترمذي (٥/ ٦٨٧) ٥٠ - كتاب المناقب -٤٩ - باب مناقب لعمرو بن العاص.
(٤) أحمد في مسنده (٤/ ١٩٧) وسنده صحيح. والمستدرك (٢/ ٢) وصححه ووافقه الذهبي.
(٥) البخاري (٨/ ٧٤) ٦٤ - كتاب المغازي -٦٣ - باب غزوة ذات السلاسل. ومسلم (٤/ ١٨٥٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -١ - باب من فضائل أبي بكر الصديق.
[ ٤ / ١٩٦١ ]
قلت: من الرجال؟ قال: "أبوها" قلت: ثم من؟ قال: "عمر" فعد رجالًا. فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم.
٢١١٥ - * روى أبو داود والحاكم عن عمرو بن العاص، قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت. ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ، فقال: "يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب"؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (١) فضحك رسول الله ﷺ، ولم يقل شيئًا.
قال الذهبي: ولما توفي النبي ﷺ كان عمرو على عمان، فأتاه كتاب أبي بكر بوفاة رسول الله ﷺ.
وشهد عمرو يوم اليرموك، وأبلى يومئذ بلاءً حسنًا، وقيل: بعثه أبو عبيدة، فصالح أهل حلب وأنطاكية، وافتتح سائر قنسرين عنوة.
وقال خليفة: ولى عمر عمرًا فلسطين والأردن، ثم كتب إليه عمر، فسار إلى مصر، وافتتحها، وبعث عمر الزبير مددًا له.
قال الزهري: استخلف عثمان، فنزع عن مصر عمرًا، وأمر عليها عبد الله بن أبي سرج. ا. هـ.
٢١١٦ - * روى أحمد في مسنده عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص أن عمرو بن العاص كان يسرد الصوم وقلما كان يصيب من العشاء أو الليل أكثر ما كان يصيب من السحر قال: وسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن فصلًا بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر".
_________________
(١) أبو داود (١/ ٩٢) كتاب الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أن يتيم. والحاكم بنحوه (١/ ١٧٧) وصححه وأقره الذهبي. وعلقه البخاري في صحيحه وقواه الحافظ وحسنه المنذري.
(٢) النساء: ٢٩.
(٣) أحمد في مسنده (٤/ ١٩٧) وروى مسلم بعضه (٢/ ٧٧١) ١٣ - كتاب الصيام -٩ - باب فضل السحور وتاكيد استحبابه.
[ ٤ / ١٩٦٢ ]
٢١١٧ - * روى أحمد عن أبي نوفل بن أبي عقرب قال: جزع عمرو بن العاص عند الموت جزعًا شديدًا فلما رأى ذلك ابنه عبد الله بن عمرو قال: يا أبا عبد الله ما هذا الجزع وقد كان رسول الله ﷺ يدنيك ويستعملك؟ قال: أي بني قد كان ذلك وسأخبرك عن ذلك إني والله ما أدري أحبًا ذلك كان أم تألفًا يتألفني ولكن أشهد على رجلين أنه قد فارق الدنيا وهو يحبهما ابن سمية وابن أم عبد فلما حدثه وضع يده موضع الغلال من ذقنه وقال: اللهم أمرتنا فتركنا ونهيتنا فركبنا ولا يسعنا إلا مغفرتك وكانت تلك هجيراه حتى مات.
٢١١٨ - * روى مسلم عن عبد الرحمن بن شماسة المهدي ﵀ قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فبكى طويلًا، وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه، فقال: إن أفضل ما نعد: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. إني كنت على أطباقٍ ثلاثٍ: لقد رأيتني وما أحد أشهد بغضًا لرسول الله ﷺ مني، ولا أحب إلى أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي، أتيت النبي ﷺ، فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: "مالك يا عمرو؟ " قال: قلت: أردت أن اشترط، قال: "تشترط بماذا؟ " قلت: أن يغفر لي قال: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهد ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ " وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني
_________________
(١) أحمد في مسنده (٤/ ١٩٩) وإسناده صحيح. أخرجه الإمام أحمد وإسناده صحيح. هجيراه: أي لم يزل يرددها. ابن سمية وابن أم عبد: أبي عمار بن ياسر وابن مسعود.
(٢) مسلم (١/ ١١٢) ١ - كتاب الإيمان -٥٤ - باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الحج والهجرة. سياقه الموت: وقت حضور الأجل، كأن روحه تساق لتخرج من جسده. أطباق: جمع طبق، وهو الحالة. شنآ: بالشين: الصب، وقيل بالسين: التفريق.=
[ ٤ / ١٩٦٣ ]
منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياء، ما أدري ما حالي فيها؟ فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنًا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي؟.
٢١١٩ - * روى الطبراني عن عمرو بن العاص قال: خرج جيش من المسلمين أنا أميرهم حتى نزلنا الإسكندرية فقال صاحبها أخرجوا إلي رجلًا منكم أكلمه ويكلمني، فقلت: لا يخرج إليه غيري فخرجت ومعي ترجمان ومعه ترجمان نتبعك ونقاتل من قاتلك فخرج إليهم وخرجنا إليه فقاتلناه فقتلنا وظهر علينا وغلبنا وتناول من يليه من العرب فقاتلهم حتى ظهر عليهم، فلو يعلم من ورائي ما أنتم فيه من العيش لم يبق أحد إلا جاءكم حتى يشرككم فيما أنتم فيه من العيش. فضحك ثم قال: إن رسولكم قد صدق قد جاءتنا رسلنا بمثل الذي جاءكم به رسولكم فكنا عليه حتى ظهر فينا ملوك فجعلوا يعملون فينا بأهوائهم ويتركون أمر الأنبياء فإن أنتم أخذتم بأمر نبيكم لم يقاتلكم أحد إلا غلبتموه ولم يتناولكم أحد إلا ظهرتم عليه فإذا فعلتم مثل الذي فعلنا وتركتم أمر الأنبياء وعملتهم مثل الذي عملوا بأهوائهم خلي بيننا وبينكم فلم تكونوا أكثر منا عددًا ولا أشد منا قوة قال عمرو بن العاص: فما كلمت رجلًا أذكر منه.
_________________
(١) =شنا: بالشين: الصب، وقيل بالسين: التفريق.
(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢١٨): رواه الطبراني وفيه محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث وبقية رجاله ثقات. القرظ: ورق شجر يدبغ به. قشنفنا له: أعرضنا عنه. أذكر منه: أعرف منه.
[ ٤ / ١٩٦٤ ]
قال الذهبي: كان أكبر من عمر بنحو خمس سنين. كان يقول: أذكر الليلة التي ولد فيها عمر، وقد عاش بعد عمر عشرين عامًا، فينتج هذا أن مجموع عمره بضع وثمانون سنة، ما بلغ التسعين ﵁.
وخلف أموالًا كثيرة، وعبيدًا، وعقارًا، يقال: خلف من الذهب سبعين رقبة جمل مملوءة ذهبًا. اهـ.
٢١٢٠ - * روى ابن سعد عن عبد الله بن عمرو أن أباه أوصاه قال: يا بني إذا مت فاغسلني غسلة بالماء، ثم جففني في ثوب، ثم اغلسني الثانية بماء قراح، ثم جففني في ثوب، ثم اغلسني الثالثة بماءٍ فيه شيء من كافور، ثم جففني في ثوب، ثم إذا ألبستني الثياب، فأزر علي، فإني مخاصم، ثم إذا أنت حلمتني على السرير، فامش بي مشيًا بين المشيتين، وكن خلف الجنازة، فإن مقدمها للملائكة، وخلفها لبني آدم، فإذا أنت وضعتني في القبر، فسن علي التراب سنًا. ثم قال: اللهم إنك أمرتنا فأضعنا، ونهيتنا فركبنا، فلا برئ فأعتذر، ولا عزيز فأنتصر، ولكن لا إله إلا الله، ما زال يقولها حتى مات.
* * *
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٤/ ٢٦٠) وإسناده قوي.
[ ٤ / ١٩٦٥ ]
٣٦ - أبو سفيان بن حرب ﵁
قال ابن حجر في الإصابة: صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو سفيان القرشي الأموي مشهور باسمه وكنيته وكان يكنى أيضًا أبا حنظلة، وأمه صفية بنت حرب الهلالية عمة ميمونة زوج النبي ﵌ وكان أسن من النبي ﵌ بعشر سنين وقيل غير ذلك بحسب الاختلاف في سنة موته وهو والد معاوية، أسلم عام الفتح وشهد حنينًا والطائف كان من المؤلفة وكان قبل ذلك رأس المشركين يوم أحد ويوم الأحزاب ويقال إن النبي ﵌ استعمله على نجران ولا يثبت، قال الواقدي: أصحابنا ينكرون ذلك ويقولون كان أبو سفيان بمكة وقت وفاة النبي ﵌، وكان عاملها حينئذ عمرو بن حزم وذكر ابن إسحاق أن النبي ﵌ وجهه إلى مناة فهدمها وتزوج النبي ﵌ ابنته أم حبيبة قبل أن يسلم وكانت أسلمت قديمًا وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة فمات هناك. وقد روى أبو سفيان عن النبي ﵌، وروى عنه ابن عباس وقيس بن حازم وابنه معاوية وعن ثابت البناني إنما قال النبي ﵌ من دخل دار أبي سفيان فهو آمن لأن النبي ﵌ كان إذا أوى بمكة دخل دار أبي سفيان، رواه ابن سعد وروى ابن سعد أيضًا بإسناد صحيح عن عكرمة أن النبي ﵌ أهدى إلى أبي سفيان بن حرب تمر عجوة وكتب إليه يستهديه أدمًا (١) مع عمرو بن أمية فنزل عمرو على إحدى امرأتي أبي سفيان فقامت دونه وقبل أبو سفيان الهدية وأهدى إليه أدمًا. وروى ابن سعد من طريق أبي السفر قال: لما رأى أبو سفيان الناس يطؤون عقب رسول الله ﵌ حسده فقال في نفسه: لو عاودت الجمع لهذا الرجل فضرب رسول الله ﵌ في صدره ثم قال: إذا يخزيك الله، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه والله ما تفوهت به إلا شيء حدثت به نفسي. ومن طريق أبي إسحاق السبيعي نحوه وقال: ما أيقنت أنك رسول الله حتى الساعة. ومن طريق
_________________
(١) أدمًا: جلودًا.
[ ٤ / ١٩٦٦ ]
عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: قال أبو سفيان في نفسه: ما أدري بم يغلبنا محمد؟ فضرب في ظهره وقال: بالله نغلبك فقال: أشهد أنك رسول الله. وروى الزبير بن بكار من طريق إسحاق بن يحيى عن أبي الهيثم عمن أخبره أنه سمع أبا سفيان بن حرب يمازح رسول الله ﵌ في بيت بنته أم حبيبة ويقول: والله إن هو إلا أن تركتك فتركتك العرب إن انتطحت فيك جماء (١) ولا ذات قرن، ورسول الله ﵌ يضحك ويقول: أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة. وروى الزبير من طريق سعيد بن عبيد الثقفي قال: رميت أبا سفيان يوم الطائف فأصبت عينه فأتى النبي ﵌ فقال: هذه عيني أصيبت في سبيل الله، قال: إن شئت دعوت فردت عليك وإن شئت فالجنة، قال: الجنة. وروى يعقوب بن سفيان وابن سعد بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: فقدت الأصوات يوم اليرموك إلا صوت رجل يقول: يا نصر الله اقترب، قال فنظرت فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يريد ويقال: فقئت عينه يومئذ. وروى البغوي بإسناد صحيح عن أنس أن أبا سفيان دخل على عثمان بعد ما عمي وغلامه يقوده.
قال علي بن المديني: مات لست خلون من خلافة عثمان، وقال الهيثم: لتسع خلون، وقال الزبير: في آخر خلافة عثمان، وقال المدائني: مات سنة أربع وثلاثين، وقيل مات أبو سفيان سنة إحدى، وقيل اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان، وقيل مات سنة أربع وثلاثين. قيل عاش ثلاثًا وتسعين سنة، وقال الواقدي وهو ابن ثمان وثمانين وقيل غير ذلك. اهـ ابن حجر.
وقال الذهبي عنه: رأس قريش وقائدهم يوم أحد ويوم الخندق. وله هنات وأمور صعبة، لكن تدراكه الله بالإسلام يوم الفتح فأسلم شبه مكره خائف. ثم بعد أيام صلح إسلامه.
وكان من دهاة العرب ومن أهل الرأي والشرف فيهم، فشهد حنينًا وأعطاه صهره رسول
_________________
(١) جماء: الشاة لا قرون لها.
[ ٤ / ١٩٦٧ ]
الله ﷺ من الغنائم مئة من الإبل، وأربعين أوقية من الدراهم يتألفه بذلك. ففرغ من عبادة "هبل" ومال إلى الإسلام.
وشهد قتال الطائف، فقلعت عينه حينئذ، ثم قلعت الأخرى يوم اليرموك، وكان يومئذ قد حسن إن شاء الله إيمانه، فإنه كان يومئذ يحرض على الجهاد. وكان تحت راية ولده يزيد، فكان يصيح: يا نصر الله اقترب. وكان يقف على الكراديس (١) يذكر، ويقول: الله الله، إنكم أنصار الإسلام ودارة العرب (٢)، وهؤلاء أنصار الشرك ودارة الروم؛ اللهم هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك.
فإن صح هذا عنه، فإنه يغبط بذلك. ولا ريب أن حديثه عن هرقل وكتاب النبي ﷺ يدل على إيمانه، ولله الحمد.
وكان أسن من رسول الله ﷺ بعشر سنين. وعاش بعده عشرين سنة: وكان عمر يحترمه؛ وذلك لأنه كان كبير بني أمية.
وكان حمو النبي ﷺ. وما مات حتى رأى ولديه: يزيد، ثم معاوية أميرين على دمشق.
وكان يحب الرياسة والذكر، وكان له سورة (٣) كبيرة في خلافة ابن عمه عثمان.
توفي بالمدينة سنة إحدى وثلاثين: وقيل: سنة اثنتين، وقيل: سنة ثلاث أو أربع وثلاثين، وله نحو التسعين. اهـ ذهبي.
* * *
_________________
(١) الكراديس: كتائب الخيل.
(٢) دارة العرب: أي: أرضها الطيبة النبات.
(٣) سورة: منزلة.
[ ٤ / ١٩٦٨ ]
٣٧ - معاوية بن أبي سفيان ﵄
قال ابن حجر: معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي أمير المؤمنين، ولد قبل البعثة بخمس سنين وقيل بسبع وقيل بثلاث عشرة والأول أشهر، وحكى الواقدي أنه أسلم بعد الحديبية وكتم إسلامه حتى أظهره عام الفتح وأنه كان في عمرة القضاء مسلمًا، وهذا يعارضه ما ثبت في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص أنه قال في العمرة في أشهر الحج فعلناها وهذا يومئذ كافر، ويحتمل إن ثبت الأول أن يكون سعد أطلق ذلك بحسب ما استصحب من حاله ولم يطلع على أنه كان أسلم لإخفائه لإسلامه، وقد أخرج أحمد من طريق محمد بن علي بن الحسين عن ابن عباس أن معاوية قال: قصرت عن رسول الله ﵌ عند المروة، وأصل الحديث في البخاري من طريق طاوس عن ابن عباس بلفظ: قصرت بمشقص ولم يذكر المروة، وذكر المروة يعين أنه كان معتمرًا لأنه كان في حجة الوداع حلق بمنى كما ثبت في الصحيحين عن أنس، وأخرج البغوي من طريق محمد بن سلام الجمحي عن أبان بن عثمان كان معاوية بمنى وهو غلام مع أمه إذ عثر فقالت: قم لا رفعك الله، فقال لها أعرابي: لم تقولين له هذا والله إني لأراه ليسود قومه، فقالت: لا رفعه الله إن لم يسد إلا قومه قال أبو نعيم: كان من الكتبة الحسبة الفصحاء حليمًا وقورًا. وعن خالد بن معدان: كان طويلًا أبيض أجلح، وصحب النبي ﵌ وكتب له.
عن معاوية قال: اتبعت رسول الله ﵌ بوضوء فلما توضأ نظر إلي فقال: "يا معاوية إن وليت أمرًا فاتق الله واعدل" فما زلت أظن أني مبتلي بعمل، سويد فيه مقال وقد أخرجه البيهقي في الدلائل من وجه آخر.
قال ابن عباس: ما رأيت أحدًا أحلى للملك من معاوية. وقال البغوي [بسنده]: كان عمر إذا نظر إلى معاوية قال: هذا كسرى العرب، وذكر ابن سعد عن المدائني قال: نظر أبو سفيان إلى معاوية وهو غلام فقال: إن ابني هذا لعظيم الرأس وإنه لخليق أن يسود قومه، فقالت هند: قومه فقط ثكلته إن لم يسد العرب قاطبة. وقال المدائني: كان زيد
[ ٤ / ١٩٦٩ ]
ابن ثابت يكتب الوحي وكان معاوية يكتب للنبي ﵌ فيما بينه وبين العرب وفي مسند أحمد وأصله في مسلم عن ابن عباس قال قال لي النبي ﵌: "ادع لي معاوية" وكان كاتبه.
وقال ابن المبارك في كتاب الزهد عن أسلم مولى عمر قال: قدم علينا معاوية وهو أبض الناس وأجملهم فخرج إلى الحج مع عمر بن الخطاب، وكان عمر ينظر إليه فيتعجب منه ثم يضع أصبعه على جبينه ثم يرفعها عن مثل الشراك فيقول: بخ بخ إذا نحن خير الناس أن جمع لنا خير الدنيا والآخرة، فقال معاوية: يا أمير المؤمنين سأحدثك أنا بأرض الحمامات والريف فقال عمر: سأحدثك ما بك إلطافك نفسك بأطيب الطعام وتصحبك حتى تضرب الشمس متنيك وذوو الحاجات وراء الباب، قال: حتى جئنا ذا طوى فأخرج معاوية حلة فلبسها فوجد عمر منها ريحًا كأنه ريح طيب فقال: يعمد أحدكم فيخرج حاجًا تفلًا حتى إذا جاء أعظم بلدان الله حرمة أخرج ثوبيه كأنهما كانا في الطيب فلبسهما، فقال له معاوية: إنما لبستهما لأدخل بهما على عشيرتي يا عمر: والله لقد بلغني أذاك ههنا وبالشام فالله يعلم أن لقد عرفت الحياء في عمر فنزع معاوية الثوبين ولبس ثوبيه اللذين أحرم فيهما وهذا سند قوي.
وأخرج ابن سعد [بسنده] قال: دخل معاوية على عمر بن الخطاب وعليه حلة خضراء فنظر إليه الصحابة فلما رأى ذلك عمر قام ومعه الدرة فجعل ضربًا بمعاوية ومعاوية يقول: الله الله يا أمير المؤمنين فيم فيم، فلم يكلمه حتى رجع فجلس في مجلسه فقالوا له: لم ضربت الفتى وما في قومك مثله؟ فقال: ما رأيت إلى خيرًا وما بلغني إلا خير، ولكني رأيته وأشار بيده يعني إلى فوق فأردت أن أضع منه.
وقال ابن أبي الدنيا: قال عمر إياكم والفرقة بعدي فإن فعلتم فاعلموا أن معاوية بالشام فإذا وكلتم إلي رأيكم كيف يستبزها منكم.
مات معاوية في رجب سنة ستين على الصحيح. وسنة بضع وسبعون إلى الثمانين اهـ. ابن حجر.
[ ٤ / ١٩٧٠ ]
وقال ابن كثير: أسلم هو وأبوه وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يوم الفتح. وقد روى عن معاوية أنه قال: أسلمت يوم عمرة القضاء ولكني كتمت إسلامي من أبي إلى يوم الفتح، وقد كان أبوه من سادات قريش في الجاهلية، وآلت إليه رياسة قريش بعد يوم بدر، فكان هو أمير الحروب من ذلك الجانب، وكان رئيسًا مطاعًا ذا مال جزيل، ولما أسلم قال: يا رسول الله مرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: "نعم" قال ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك، قال: "نعم" ثم سأل أن يزوج رسول الله ﷺ بابنته، وهي عزة بنت أبي سفيان واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة، فلم يقع ذلك، وبين رسول الله ﷺ أن ذلك لا يحل له.
والمقصود أن معاوية كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ مع غيره من كتاب الوحي ﵃. ولما فتحت الشام ولاه عمر نيابة دمشق بعد أخيه يزيد بن أبي سفيان، وأقره على ذلك عثمان بن عفان وزاده بلادًا أخرى، وهو الذي بنى القبة الخضراء بدمشق وسكنها أربعين سنة، قاله الحافظ ابن عساكر. ولما ولي علي بن أبي طالب الخلافة أشار عليه كثير من أمرائه ممن باشر قتل عثمان أن يعزل معاوية عن الشام ويولي عليها سهل بن حنيف، فعزله فلم ينتظم عزله والتف عليه جماعة من أهل الشام ومانع عليها عنها وقد قال: لا أبايعه حتى يسلمني قتلة عثمان فإنه قتل مظلومًا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (١).
وروى الطبراني عن ابن عباس أنه قال ما زلت موقنًا أن معاوية يلي الملك من هذه الآية فلما امتنع معاوية من البيعة لعلي حتى يسلمه القتلة، كان من صفين ما قدمنا ذكره، ثم آل الأمر إلى التحكيم.
أقول: هناك روايات مشهورة فيما توصل إليه الحكمان والتحقيق أن هذه الروايات المشهورة لا تمثل الحقيقة. وعلى كل الأحوال فقد ترتب على هذا التحكيم ضعف وضع علي وقوة معاوية، فالتحقيق أنهما اتفقا على تولية غير علي ومعاوية ولكن الأمر لم يتم.
_________________
(١) الإسراء: ٣٣.
[ ٤ / ١٩٧١ ]
ثم قال ابن كثير: واستفحل أمر معاوية، ولم يزل أمر علي في اختلاف مع أصحابه حتى قتله ابن ملجم كما تقدم، فعند ذلك بايع أهل العراق الحسن بن علي، وبايع أهل الشام لمعاوية بن أبي سفيان، ثم ركب الحسن في جنود العراق عن غير إرادة منه، وركب معاوية في أهل الشام، فلما تواجه الجيشان وتقابل الفريقان سعى الناس بينهما في الصلح، فانتهى الحال إلى أن خلع الحسن نفسه من الخلافة وسلم الملك إلى معاوية بن أبي سفيان، وكان ذلك في ربيع الأول من هذه السنة -أعني سنة إحدى وأربعين- ودخل معاوية إلى الكوفة فخطب الناس بها خطبة بليغة بعد ما بايعه الناس -واستوثقه له الممالك شرقًا وغربًا، وبعدًا وقربًا، وسمي هذا العام عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيه على أمير واحد بعد الفرقة، فولي معاوية قضاء الشام لفضالة بن عبيد، ثم بعده لأبي إدريس الخولاني، وكان على شرطته قيس بن حمزة، وكان كاتبه وصاحب أمره سرحون بن منصور الرومي، ويقال إنه أول من اتخذ الحرس وأول من حزم الكتب وختمها، اهـ. ابن كثير.
قال الذهبي في ترجمته: أمير المؤمنين، ملك الإسلام، أبو عبيد الرحمن، القرشي الأموي المكي، وأمه هي هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي. قيل: إنه أسلم قبل أبيه وقت عمرة القضاء، وبقي يخاف من اللحاق بالنبي ﷺ من أبيه، ولكن ما ظهر إسلامه إلا يوم الفتح، ذكر ابن أبي الدنيا وغيره أن معاوية كان طويلًا، أبيض، جميلًا إذا ضحك انقلبت شفته العليا، وكان يخضب.
وخلف معاوية خلق كثير يحبونه ويتغالون فيه ويفضلونه، إما قد ملكهم بالكرم والحلم والعطاء، وإما قد ولدوا في الشام على حبه، وتربي أولادهم على ذلك، وفيهم جماعة يسيرة من الصحابة، وعدد كبير من التابعين والفضلاء، وحاربوا معه أهل العراق، ونشؤوا على النصب (١)، نعوذ بالله من الهوى، كما قد نشأ جيش علي ﵁، ورعيته -إلا الخوارج منهم- على حبه والقيام معه، وبغض من بغى عليه والتبري منهم، وغلا خلق منهم في التشيع، فبالله كيف يكون حال من نشأ في إقليم، لا يكاد يشاهد فيه إلا غالبًا في
_________________
(١) النصب: عداوة أهل البيت النبوي الشريف.
[ ٤ / ١٩٧٢ ]
الحب، مفرطًا في البغض، ومن أين يقع له الإنصاف والاعتدال؟ فنحمد الله على العافية الذي أوجدنا في زمانٍ قد انمحص فيه الحق، واتضح من الطرفين، وعرفنا مآخذ كل واحدٍ من الطائفتين، وتبصرنا، فعذرنا، استغفرنا، وأحببنا باقتصاد، وترحمنا على البغاة بتأويلٍ سائع في الجملة، أو بخطأ إن شاء الله مغفورٍ، وقلنا كما علمنا الله ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) وترضينا أيضًا عمن اعتزل الفريقين، كسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة، وسعيد بن زيد، وخلق. وتبرأنا من الخوارج المارقين الذين حاربوا عليًا، وكفروا الفريقين، فالخوارج كلاب النار، وقد مرقوا من الدين، ومع هذا فلا نقطع لهم بخلود النار، كما نقطع به لعبدة الأصنام والصلبان.
قلت: [الذهبي] حسبك بمن يؤمره عمر، ثم عثمان على إقليم -وهو ثغر- فيضبطه، ويقوم به أتم قيام، ويرضي الناس بسخائه وحلمه، وإن كان بعضهم تألم مرة منه، وكذلك فليكن الملك. وإن كان غيره من أصحاب رسول الله ﷺ خيرًا منه بكثير وأفضل وأصلح، فهذا الرجل ساد، وساس العالم بكمال عقله، وفرط حلمه، وسعة نفسه، وقوة دهائه، ورأيه. وله هنات وأمور، والله الموعد.
وكان محببًا إلى رعيته. عمل نيابة الشام عشرين سنة، والخلافة عشرين سنة، ولم يهجه أحد في دولته، بل دانت له الأمم، وحكم على العرب والعجم، وكان ملكه على الحرمين، ومصر، والشام، والعراق، وخراسان، وفارس، والجزيرة، واليمن، والمغرب، وغير ذلك.
عن إسماعيل بن أمية: أن عمر أفرد معاوية بالشام، ورزقه في الشهر ثمانين دينارًا. والمحفوظ أن الذي أفرد معاوية بالشام عثمان.
وفي أول صفر شبت الحرب، وقتل خلق، وضجروا، فرفع أهل الشام المصاحف، وقالوا: ندعوكم إلى كتاب الله والحكم بما فيه، وكان ذلك مكيدة من عمرو بن العاص،
_________________
(١) الحشر: ١٠.
[ ٤ / ١٩٧٣ ]
فاصطلحوا وكتبوا بينهم كتابًا على أن يوافوا أذرح (١). ويحكموا حكمين.
قال: فلم يقع اتفاق. ورجع علي إلى الكوفة بالدغل (٢) من أصحابه والاختلاف، فخرج منهم الخوارج، وأنكروا تحكيمه، وقالوا: لا حكم إلا لله. ورجع معاوية بالألفة والاجتماع، وبايعه أهل الشام بالخلافة في ذي القعدة سنة ثمانٍ وثلاثين. فكان يبعث الغارات، فيقتلون من كان في طاعة علي، أو من أعان على قتل عثمان، وبعث بسر بن أبي أرطاة إلى الحجاز واليمن يستعرض الناس، فقتل باليمن عبد الرحمن وقثما ولدي عبيد الله بن عباس، ثم استشهد علي في رمضان سنة أربعين.
وصالح الحسن بن علي معاوية، وبايعه، وسمي عام الجماعة، فاستعمل معاوية على الكوفة المغيرة بن شعبة، وعلى البصرة عبد الله بن عامر بن كريز، وعلى المدينة أخاه عتبة ثم مروان، وعلى مصر عمرو بن العاص، وحج بالناس سنة خمسين، وكان على قضائه بالشام فضالة بن عبيد.
ثم اعتمر سنة ستٍ وخمسين في رجب، وكان بينه وبين الحسين، وابن عمر، وابن الزبير، وابن أبي بكر، كلام في بيعة العهد ليزيد، ثم قال: إني متكلم بكلام، فلا تردوا على أقتلكم، فخطب، وأظهر أنهم قد بايعوا، وسكتوا ولم ينكروا، ورحل على هذا وادعى زيادًا أنه أخوه، فولاه الكوفة بعد المغيرة، فكتب إليه في حجر بن عدي وأصحابه، وحملهم إليه، فقتلهم بمرج عذراء ثم ضم الكوفة والبصرة إلى زياد، فمات، فولاهما ابنه عبيد الله بن زياد. ا. هـ الذهبي.
٢١٢١ - * روى مسلم عن أبي عثمان: قال: لما ادعى زياد، لقيت أبا بكرة، فقلت له: ما هذا الذي صنعتم؟ إني سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمع أذناي من رسول الله ﷺ وهو يقول: "من ادعى أبًا في الإسلام غير أبيه يعلم أنه غير أبيه، فالجنة عليه
_________________
(١) أذرح: اسم بلد في أطراف الشام من نواحي البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز.
(٢) الدغل: الفساد.
(٣) مسلم (١/ ٨٠) ١ - كتاب الإيمان ٢٧ - باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم.
[ ٤ / ١٩٧٤ ]
حرام"؛ فقال أبو بكر: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ.
قال الحافظ: والمراد بزياد الذي ادعي: زياد بن سمية وهي أمه، كانت أمة للحارث ابن كلدة وهو زوجها لمولاه عبيد، فأتت بزياد على فراشه وهم بالطائف قبل أن يسلم أهل الطائف، فلما كان في خلافة عمر، سمع أبو سفيان بن حرب كلام زياد عند عمر، وكان بليغًا فأعجبه، فقال: إني لأعرف من وضعه في أمه، ولو شئت لسميته، ولكن أخاف من عمر، فلما ولي معاوية الخلافة، كان زياد على فارس من قبل علي، فأراد مدراراته، فأطعمه في أنه يلحقه بأبي سفيان، فأصغى زياد إلى ذلك، فجرت في ذلك خطوب إلى أن ادعاه معاوية، فأمره على البصرة، ثم على الكوفة، وأكرمه، وسار زياد سيرته المشهورة، وسياسته المذكورة، فكان كثير من الصحابة والتابعين ينكرون ذلك على معاوية محتجين بحديث "الولد للفراش".
وأما حديث حجر بن عدي فعن ابن سيرين أن زيادًا أطال الخطبة، فقال حجر بن عدي: الطلاق، فمضى في خطبته، فقال له: الصلاة وضرب بيده إلى الحصى، وضرب الناس بأيديهم إلى الحصى، فنزل، فصلى، ثم كتب فيه إلى معاوية، فكتب معاوية: أن سرح به إلي، فسرحه إليه، فلما قدم عليه، قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، قال: وأمير المؤمنين أنا؟ إني لا أقيلك ولا أستقيلك، فأمر بقتله، فلما انطلقوا به، طلب منهم أن يأذنوا له، فيصلي ركعتين، فأذنوا له. فصلى ركعتين، ثم قال: لا تطلقوا عني حديدًا ولا تغسلوا عني دمًا. وادفنوني في ثيابي، فإني مخاصم، قال: فقتل (١).
وذكر الذهبي في السير (٢) عن يعلى بن عبيد عن أبيه، قال: جاء أبو مسلم الخولاني وأناس إلى معاوية، وقالوا: أنت تنازع عليًا أم أنت مثله؟ فقال: لا والله، إني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلومًا، وأنا ابن عمه، والطالب بدمه، فائتوه، فقولوا له، فليدفع إلي قتلة عثمان، وأسلم له. فأتوا عليًا،
_________________
(١) رواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٦٩) وذكره الطبري وابن الأثير وابن كثير وتاريخ الإسلام وتاريخ خليفة.
(٢) السير (٣/ ١٤٠) ورجاله ثقات وذكره ابن كثير في البداية والنهائية (٨/ ١٢٩).
[ ٤ / ١٩٧٥ ]
فكلموه، فلم يدفعهم إليه.
وذكر الذهبي في السير (١) عن أنس قال: تعاهد ثلاثة من أهل العراق على قتل معاوية، وعمرو بن العاص، وحبيب بن مسلمة. وأقبلوا بعد بيعة معاوية بالخلافة حتى قدموا إيلياء، فصلوا من السحر في المسجد، فلما خرج معاوية لصلاة الفجر، كبر، فلما سجد انبطح أحدهم على ظهر الحرسي الساجد بينه وبين معاوية حتى طعن معاوية في مأكمته فانصرف معاوية، وقال: أتموا صلاتكم، وأمسك الرجل، فقال الطبيب: إن لم يكن الخنجر مسمومًا، فلا بأس عليك. فأعد الطبيب عقاقيره، ثم لحس الخنجر، فلم يجده مسمومًا، فكبر، وكبر من عنده وقيل: ليس بأمير المؤمنين بأس.
قال الذهبي: هذه المرة غير المرة التي جرح فيها وقتما قتل علي ﵁. فإن تلك فلق أليته وسقي أدوية خلصته من السم، لكن قطع نسله.
قال الذهبي: قتل بين الفريقين [يعني في صفين] نحو من ستين ألفًا. وقيل: سبعون ألفًا وقتل عمار مع علي، وتبين للناس قول رسول الله ﷺ: "تقتله الفئة الباغية" ا. هـ.
٢١٢٢ - * روى البخاري عن عكرمة قال لي ابن عباسٍ ولابنه علي: انطلقا إلى أبي سعيدٍ فاسمعا من حديثه. فانطلقنا، فإذا هو حائطٍ يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبى، ثم أنشأ يحدثنا، حتى أتى على ذكر بناء المسجد فقال: "كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين. فرآه النبي ﷺ، فينفض التراب عنه ويقول: "ويح عمارٍ تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار" قال يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن.
قال الشيخ شعيب: وهو حديث صحيح مشهور بل متواتر، ولما لم يقدر معاوية على إنكاره، قال: إنما قتله الذين جاؤوا به، كما في [المسند] بسند صحيح، فأجابه علي ﵁ بأن رسول الله ﷺ إذن قتل حمزة حين أخرجه، وهذا منه ﵁ إلزام
_________________
(١) السير (٣/ ١٤٣) ورجاله ثقات. إيلياء: اسم مدينة بيت المقدس. مأكمته: عجيزته. أليته: العجيزة.
(٢) البخاري (١/ ٥٤١) ٨ - كتاب الصلاة -٦٣ - باب التعاون في بناء المسجد.
[ ٤ / ١٩٧٦ ]
مفحم لا جواب عنه. وحجة لا اعترض عليها.
وما ذهب إليه الذهبي من كون طائفة معاوية هي الباغية هو مذهب فقهاء الحجاز والعراق من فريقي الحديث والرأي، منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي، وغيرهم كما قال الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتاب "الإمامة". نقله عنه المناوي في "فيض القدير".
قال الذهبي: وتسلم معاوية الخلافة في آخر ربيع الآخر، وسمي عام الجماعة لاجتماعهم على إمام، وهو عام أحد وأربعين.
وقال ابن إسحاق: بويع معاوية بالخلافة في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين لما دخل الكوفة.
وقال أبو معشر: بايعه الحسن بأذرح في جمادى الأولى، وهو عام الجماعة. اهـ.
ذكر الذهبي في السير (١) عن القاسم بن محمد؛ أن معاوية لما قدم المدينة حاجًا، دخل على عائشة، فلم يشهد كلامهما إلا ذكوان مولاها، فقالت له: أمنت أن أخبأ لك رجلًا يقتلك بأخي محمد؟ قال: صدقت. ثم وعظته، وحضته على الاتباع، فلما خرج، اتكأ على ذكوان، وقال: والله ما سمعت خطيبًا -ليس رسول الله ﷺ- أبلغ من عائشة.
٢١٢٣ - * روى أحمد عن سعيد بن المسيب أن معاوية دخل على عائشة، فقالت له: أما خفت أن أقعد لك رجلًا، فيقتلك؟ فقال؟: ما كنت لتفعليه وأنا في بيت أمان، وقد سمعت النبي ﷺ يقول: "الإيمان قيد الفتك".
_________________
(١) السير (٣/ ١٤٧) ورجاله ثقات.
(٢) أحمد في مسنده (٤/ ٩٢) وللمرفوع منه شاهد من حديث الزبير عند أحمد وعبد الرزاق، وآخر من حديث أبي هريرة عند أبي داود فالحديث صحيح. قال أبو عبيد: الفتك: أن يأتي الرجل الرجل وهو غار غافل حتى يشد عليه فيقتله، وقوله: "الإيمان قيد الفتك" أي أن الإيمان يمنع القتل كما يمنع القيد عن التصرف، فكأنه جعل الفتك مقيدًا.
[ ٤ / ١٩٧٧ ]
ذكر الذهبي في السير (١) عن عروة أن المسور بن مخرمة أخبره أنه وفد على معاوية، فقضى حاجته، ثم خلا به، فقال: يا مسور ما فعل طعنك على الأئمة؟ قال: دعنا من هذا وأحسن. قال: لا والله، لتكلمني بذات نفسك بالذي تعيب علي. قال مسور: فلم أترك شيئًا أعيبه عليه إلا بينت له. فقال: لا أبرأ من الذنب. فهل تعد لنا يا مسور مانلي من الإصلاح في أمر العامة، فإن الحسنة بعشرة أمثالها، أم تعد الذنوب، وتترك الإحسان؟ قال: ما تذكر إلا الذنوب. قال معاوية: فإنا نعترف لله بكل ذنبٍ أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم تغفر؟ قال: نعم. قال: فما يجعلك الله برجاء المغفرة أحق مني، فوالله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أخير بين أمرين بين الله وبين غيره، إلا اخترت الله على ما سواه، وإني لعلى دين يقبل فيه العمل ويجزى فيه بالحسنات، ويجزى فيه بالذنوب إلا أن يعفو الله عنها. قال: فخصمني. قال عروة: فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلى عليه [ترحم عليه].
عن كريب مولى ابن عباس: أنه رأى معاوية صلى العشاء، ثم أوتر بركعة واحدة لم يزد، فأخبر ابن عباس، فقال: أصاب. أي بني ليس أحد منا أعلم من معاوية. هي واحدة أو خمس أو سبع أو أكثر (٢).
وذكر الذهبي في السير (٣) عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما قتل عثمان، ووقع الاختلاف، لم يكن للناس غزو حتى اجتمعوا على معاوية، فأغزاهم مراتٍ. ثم أغزى ابنه في جماعة من الصحابة برًا وبحرًا حتى أجاز بهم الخليج، وقاتوا أهل القسطنطينية على بابها، ثم قفل.
قال الذهبي: قال الزبير بن بكار: كان معاوية أول من اتخذ الديوان للختم، وأمر بالنيروز والمهرجان، واتخذ المقاصير في الجامع، وأول من قتل مسلمًا صبرًا [يعني حجر بن عدي وأصحابه] وأول من قام على رأسه حرس، وأول من قيدت بين يديه الجنائب، وأول
_________________
(١) السير (٣/ ١٥٠) ورجاله ثقات، وأخرجه عبد الرزاق بنحوه في مصنفه (١١/ ٣٤٤).
(٢) مسند الشافعي (١/ ١٠٨) ورجاله ثقات.
(٣) السير (٣/ ١٥٠) وأخرجه أبو زرعة في تاريخ دمشق (١/ ١٨٨، ٣٤٦).
[ ٤ / ١٩٧٨ ]
من اتخذ الخدام الخصيان في الإسلام، وأول من بلغ درجات المنبر خمس عشرة مرقاة، وكان يقول: أنا أول الملوك.
قلت: نعم. فقد روى سفينة عن رسول الله ﷺ، قال: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة. ثم تكون ملكًا". فانقضت خلافة النبوة ثلاثين عامًا، وولي معاوية، فبالغ في التجمل والهيئة، وقل أن بلغ سلطان إلى رتبته، وليته لم يعهد بالأمر إلى ابنه يزيد، وترك الأمة من اختياره لهم.
ومعاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم، وما هو برئ من الهنات، والله يعفو عنه.
قال أبو مسهر: صلى الضحاك بن قيس الفهري على معاوية، ودفن بين باب الجابية وباب الصغير فيما بلغني. اهـ.
قال الشيخ شعيب: (دخل قبره اليوم في مقبرة الباب الصغير إحدى مقابر دمشق وهو ما زال معروفًا ثمة، وقد جدد بناؤه في السنوات الأخيرة).
٢١٢٤ - * روى أحمد وأبو داود والترمذي عن سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكًا" قال سعيد: قال لي سفينة: أمسك خلافة أبي بكر سنتين وعمر عشر، وعثمان ثنتي عشرة، وعلي ست. قال سعيد: قلت لسفينة: إن هؤلاء يزعمون أن عليًا ﵇ لم يكن بخليفة، قال: كذبت أستاه بني الزرقاء. يعني مروان.
٢١٢٥ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كنت ألعب مع
_________________
(١) أحمد في مسنده (٥/ ٢٢٠) وأبو داود (٤/ ٣١١) كتاب السنة، باب في الخلفاء. والترمذي (٤/ ٥٠٣) ٣٤ - كتاب الفتن -٤٨ - باب ما جاء في الخلافة وقال: هذا حديث حسن وسنده حسن. وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي.
(٢) مسلم (٤/ ٢٠١٠) ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب ٢٥ - باب من لعنه النبي ﷺ أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلًا لذلك، كان له زكاة وأجرا ورحمة.=
[ ٤ / ١٩٧٩ ]
الصبيان، فجاء رسول الله صلى الله عليه سلم، فتواريت خلف بابٍ، قال: فجاء فحطاني خطاة، وقال: "اذهب، وادع لي معاوية" قال: فجئت، فقلت: هو يأكل، ثم قال لي: "اذهب، فادع لي معاوية" قال: فجئت، فقلت: هو يأكل، فقال: "لا أشبع الله بطنه" قال ابن المثنى: فقلت: لأمية: ما حطأني؟ قال: قفدني قفدة".
قال الإمام النووي في شرح حديث: اللهم إنما أنا بشر، فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة. وفي رواية إني اشترطت على ربي فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طهورًا وزكاة وقربة، قال: هذه الأحاديث مبينة ما كان عليه ﷺ من الشفقة على أمته والاعتناء بمصالحهم والاحتياط لهم والرغبة في كل ما ينفعهم وهذه الرواية المذكورة آخرًا تبين المراد بباقي الروايات المطلقة وأنه إنما يكون دعاؤه عليه رحمة وكفارة وزكاة ونحو ذلك إذا لم يكن أهلًا للدعاء عليه والسب واللعن ونحوه وكان مسلمًا وإلا فقد دعا ﷺ على الكفار والمنافقين ولم يكن ذلك لهم رحمة، فإن قيل كيف يدعو على من ليس هو بأهل للدعاء عليه أو يسبه أو يلعنه ونحو ذلك؟ فالجواب ما أجاب به العلماء ومختصره وجهان: أحدهما: أن المراد ليس بأهل لذلك عند الله تعالى وفي باطن الأمر ولكنه في الظاهر مستوجب له فيظهر له ﷺ استحقاقه لذلك بأمارة شرعية ويكون في باطن الأمر ليس أهلًا لذلك وهو ﷺ استحقاقه لذلك بأمارة شرعية ويكون في باطن الأمر ليس أهلًا لذلك وهو ﷺ مأمور بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، والثاني: أن ما وقع من سبه ودعائه ونحوه ليس بمقصود بل هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نية كقوله تربت يمينك وعقري حلقي وفي هذا الحديث لا كبرت سنك وفي حديث معاوية لا أشبع الله بطنه ونحو ذلك لا يقصدون بشيء من ذلك حقيقة الدعاء فخاف ﷺ أن يصادف شيء من ذلك إجابة فسأل ربه ﷾ ورغب إليه في أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وقربة وطهورًا وأجرًا وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الأزمان ولم يكن ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا ولا لعانًا ولا منتقمًا لنفسه. اهـ.
_________________
(١) = فحطأني: الحطء بالهمز: الدفع بوسط الكف بين الكتفين، وقد جاء في الحديث غير مهموز، وهو أن تحرك الشيء وتزعزعه. قعدني: القفد: صفع الرأس ببسط الكف من قبل القفا، تقول: قفدته قفدًا.
[ ٤ / ١٩٨٠ ]
٢١٢٦ - * روى الطبراني عن قيس يعني ابن أبي حازم -قال: قال معاوية لأخيه: ارتدف فأبى، فقال: بئس ما أدبت فقال أبو سفيان: دع أخاك
٢١٢٧ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو: أن معاوية كان يكتب بين يدي رسول الله ﷺ.
٢١٢٨ - * روى البخاري عن ابن عمر قال: دخلت على حفصة ونوساتها تنظف، قلت: قد كان من أمر الناس ما ترين، فلم يجعل لي من الأمر شيء. قالت: الحق فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة. فلم تدعه حتى ذهب. فلما تفرق الناس خطب معاوية قال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به ومن أبيه. قال حبيب بن مسلمة: فهلا أجبته؟ قال عبد الله: فحللت حبوتي وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام. فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع وتسفك الدم ويحمل عني غير ذلك، فذكرت ما أعد الله في الجنان. قال حبيب: حفظت وعصمت.
٢١٢٩ - * روى الطبراني عن إسحاق بن يسار قال: رأيت معاوية بالأبطح أبيض الرأس واللحية.
٢١٣٠ - * روى الطبراني عن خالد بن معدان قال: كان معاوية طويلًا أبيض أجلح.
_________________
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٨): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٧): رواه الطبراني وإسناده حسن.
(٣) البخاري (٧/ ٤٠٣) ٦٤ - كتاب المغازي -٢٩ - باب غزوة الخندق وهي الأحزاب. نوساتها تنظف: ذوائبها تقنطر ماء.
(٤) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٥): رواه الطبراني وإسناده حسن.
(٥) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٥): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير صالح بن صفوان وهو ثقة.
[ ٤ / ١٩٨١ ]
٣٨ - عباد بن بشر ﵁
قال ابن حجر في ترجمته: عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل ذكره عقبة فيمن شهد بدرًا قال: واستشهد باليمامة وهو ابن خمس وأربعين سنة، وكان ممن قتل كعب بن الأشرف وقال في ذلك شعرًا
وفي الصحيح (١) عن عائشة أن النبي ﵌ سمع صوت عباد بن بشر فقال: "اللهم ارحم عبادًا". الحديث وله ذكر في الصحيح (٢) من حديث أنس أن عباد ابن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة فأضاءت عصا أحدهما فلما افترقا أضاءت عصا كل واحد منهما. اهـ.
وقال الذهبي في ترجمته: الإمام أبو الربيع الأنصاري الأشهلي، أحد البدرين، كان من سادة الأوس، عاش خمسًا وأربعين سنة، وهو الذي أضاءت له عصاته ليلة انقلب إلى منزله من عند رسول الله ﷺ، أسمل على يد مصعب بن عمير، وكان أحد من قتل كعب بن الأشرف اليهودي.
ابن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله، عن أبيه، قال: قالت عائشة: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعتد عليهم فضلًا، كلهم من بني عبد الأشهل: سعد بن معاذ، وعباد ابن بشر، وأسيد بن حضير (٣).
آخى النبي ﷺ، بينه وبين أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة.
وري بإسناد ضعيف عن أبي سعيد الخدري: سمع عباد بن بشر يقول: رأيت الليلة كأن السماء فرجت لي، ثم أطبقت علي، فهي إن شاء الله الشهادة.
عن عائشة قال: تهجد رسول الله ﷺ في بيتي، فسمع صوت عباد بن بشر، فقال:
_________________
(١) البخاري مطولًا (٥/ ٢٦٤) ٥٢ - كتاب الشهادات -١١ - باب شهادة الأعمى وأمره ونكاحه وإنكاحه ومبايعته.
(٢) البخاري (٧/ ١٢٥) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -١٣ - باب منقبة أسيد بن حضير وعباد بن شر.
(٣) المستدرك (٣/ ٢٢٩) وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٤ / ١٩٨٢ ]
"يا عائشة! هذا صوت عباد بن بشر" قلت: نعم. قال: "اللهم اغفر له" (١).
عباد بن بشر بن قيظي الأشهلي قال ابن الأثير: وقع تخبيط في اسم جده. قال: وإنما هو عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث ابن الخزرج بن الأوس الأوسي. استشهد ﵁ يوم اليمامة.
أما عباد بن بشر بن قيظي، فهو أنصاري من بني حارثة، أم قومه في عهد النبي ﷺ، له حديث في الاستدارة في الصلاة إلى الكعبة. والله أعلم.
قال عباد بن عبد الله بن الزبير: ما سماني أبي عبادًا إلا به يعني بالأشهلي، ومن شعره:
صرخت له فلم يعرض لصوتي ووافى طالعًا من رأس جذر
فعدت له فقال من المنادي فقلت أخوك عباد بن بشر
وهذي درعنا رهنًا فخذها لشهرٍ، إن وفى، أو نصف شهر
فقال: معاشر سغبوا وجاعوا وما عدموا الغني من غير فقر
فأقبل نحونا يهوي سريعًا وقال لنا لقد جئتم لأمر
وفي أيماننا بيض حداد مجربة، بها الكفار نفري
فعانقه ابن مسلمة المردي به الكفار كالليث الهزبر
وشد بسيفه صلتًا عليه فقطره أبو عبسٍ بن جبر
وكان الله سادسنا فأثنا بأنعم نعمةٍ وأغز نصر
واستعمله النبي، ﷺ، على صدقات مزينة، وبني سليم، وجعله على حرسه في غزوة تبوك، وكان كبير القدر ﵁، أبلى يوم اليمامة بلاءً حسنًا، وكان أحد الشجعان الموصوفين.
نظر يوم اليمامة وهو يصيح: احطموا جفون السيوف. وقاتل حتى قتل بضربات في وجهه، ﵁. اهـ الذهبي.
* * *
_________________
(١) البخاري تعليقًا (٥/ ٢٦٤) وقال الحافظ في الفتح: وصله أبو يعلى من طريق محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد ابن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة لكن بلفظ "اللهم ارحم عبادًا".
[ ٤ / ١٩٨٣ ]
٣٩ - ضماد ﵁
قال ابن حجر: ضماد بن ثعلبة الأزدي من أزد شنوءة. وله ذكر في حديث أخرجه مسلم.
وروى مسدد في مسنده في أوله زيادة قال: وكان ضماد صديقًا للنبي ﵌ وكان يتطيب فخرج يطلب العلم، ثم جاء وقد بعث النبي ﵌ فذكره قال البغوي: لا أعلم لضماد غيره ووقع في الصحابة لابن حبان ضماد الأزدي كان صديقًا للنبي ﵌ كذا رأيته بخط الحافظ أبي علي البكري وكذا قال ابن منده أنه يقال فيه ضماد وضمام. اهـ ابن حجر.
٢١٣١ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄: أن ضمادًا قدم مكة، وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الريح، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدًا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل، لعل الله يشفيه على يدي، قال: فلقيه، فقال: يا محمد، إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء، فهل لك؟ فقال رسول الله ﷺ: "إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد" قال فقال: أعد علي كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مراتٍ، قال فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، وقد بلغن ناعوس البحر، قال فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام، قال: فبايعه فقال رسول الله ﷺ: "وعلى قومك؟ " قال: وعلى قومي؟ فبعث رسول الله ﷺ سرية فمروا بقومه، فقال صاحب السرية للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئًا؟ فقال رجل من القوم: أصبت منهم مطهرة. فقال: ردوها، فإن هؤلاء قوم ضمادٍ.
_________________
(١) مسلم (٢/ ٥٩٣) ٧ - كتاب الجمعة -١٣ - باب تخفيف الصلاة والخطبة. من هذه الريح: المراد بالريح هنا: الجنون ومس الجن. ناعوس: وردت في النسخ قاموس والأولى أشهر ومعناه: وسطه. وقيل: لجتة وقيل: قعره الأقصى. مطهرة: الإدارة أو السطحية.
[ ٤ / ١٩٨٤ ]
٤٠ - عدي بن حاتم ﵁
قال ابن حجر: عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي الطائي ولد الجواد المشهور أبو طريف أسلم في سنة تسع وقيل سنة عشر وكان نصرانيًا قبل ذلك وثبت على إسلامه في الردة وأحضر صدقة قومه إلى أبي بكر وشهد فتح العراق ثم سكن الكوفة وشهد صفين مع علي ومات بعد الستين وقد أسن قال خليفة بلغ عشرين ومائة سنة وقال أبو حاتم السجستاني بلغ مائة وثمانين. قال عدي بن حاتم: ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء .. وفي الصحيحين أنه سأل النبي ﵌ عن أمور تتعلق بالصيد وفيهما قصة في حمله قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (١) على ظاهره وقوله له إنك لعريض الوسادة.
وروى أحمد والترمذي من طريق عباد بن حبيش الكوفي عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي ﵌ في المسجد فقال الناس هذا عدي بن حاتم قال: وجئت بغير أمان ولا كتاب وكان قال قبل ذلك: إني لأرجو الله أن يجعل يده في يدي فقام فأخذ بيدي فلقيته امرأة وصبي معها فقالا: إن لنا إليك حاجة فقام معهما حتى قضى حاجتهما ثم أخذ بيدي حتى أتى إلى داره فألقت إليه الوليدة وسادة فجلس عليها وجلست بين يديه فقال: هل تعلم من إله سوى الله؟ قلت: لا. ثم قال: هل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ قلت: لا. قال: فإن اليهود مضغوب عليهم وإن النصارى ضالون.
وذكر ابن المبارك في الزهد عن ابن عيينة أنه حدث عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال: ما دخل وقت صلاة قط إلا وأنا أشتاق إليها.
وكان جوادًا وقد أخرج أحمد عن تميم بن طرفة قال: سأل رجل عدي بن حاتم مائة درهم، فقال: تسألني مائة درهم وأنا ابن حاتم والله لا أعطيك: وسنده صحيح اهـ ابن حجر.
_________________
(١) البقرة: ١٨٧.
[ ٤ / ١٩٨٥ ]
وقال الذهبي في ترجمته: الشريف، أبو وهب وأبو طريف الطائي، صاحب النبي ﷺ، ولد حاتم طي الذي يضرب بجوده المثل.
وفد عدي على النبي ﷺ في وسط سنة سبع، فأكرمه واحترمه.
وكان أحد من قطع برية السماوة مع خالد بن الوليد إلى الشام، وقد وجهه خالد بالأخماس إلى الصديق نزل الكوفة مدة ثم قرقيسيا من الجزيرة.
عن أبي عبيدة بن حذيفة، قال: كنت أسأل الناس عن حديث عدي بن حاتم وهو إلى جنبي لا أتيه، ثم أتيته فسألته، فقال: بعث النبي ﷺ فكرهته، ثم كنت بأرض الروم، فقلت: لو أتيت هذا الرجل، فإن كان صادقًا، تبعته، فلما قدمت المدينة، استشرفني الناس، فقال لي: يا عدي! أسلم تسلم، قلت: إن لي دينًا، قال: أنا أعلم بدينك منك، ألست ترأس قومك؟ قلت: بلى قال: ألست ركوسيًا (١) تأكل المرباع؟ (٢) قلت: بلى. قال: فإن ذلك لا يحل لك في دينك. فتضعضعت لذلك. ثم قال: يا عدي! أسلم تسلم. فأظن ما يمنعك أن تسلم خصاصة تراها بمن حولي، وأنك ترى الناس علينا إلبًا واحدًا. هل أتيت الحيرة؟ قلت: لم آتها، وقد علمت مكانها. قال: توشك الظعينة أن ترتحل من الحيرة بغير جوارٍ حتى تطوف بالبيت، ولتفتحن علينا كنوز كسرى. قلت: كسرى بن هرمز! قال: كسرى بن هرمز، وليفيض المال حتى يهم الرجل من يقبل منه ماله صدقة.
قال عدي: فلقد رأيت اثنتين، وأحلف بالله لتجيئن الثالثة، يعني فيض المال (٣).
قال أبو عبيدة: كان عدي بن حاتم على طيء يوم صفين مع علي.
وروى سعيد بن عبد الرحمن، عن ابن سيرين، قال: لما قتل عثمان، قال عدي: لا
_________________
(١) ركوسيًا: دين بين النصارى والصابئين.
(٢) المرباع وهو ربع الغنيمة الذي يأخذه الرئيس خالصًا دون أصحابه وذلك حينما تغزو قبيلة الأخرى وتغنم.
(٣) رواه أحمد في مسنده (٤/ ٢٧٨) وإسناده قوي.
[ ٤ / ١٩٨٦ ]
ينتطح فيها عنزان (١) ففقئت عينه يوم صفين، فقيل له: أما قلت: لا ينتطح فيها عنزان، قال: بلى وتفقأ عيون كثيرة وقيل: قتل ولده يومئذ.
قال أبو إسحاق: رأيت عديًا رجلًا جسيمًا أعور، يسجد على جدارٍ ارتفاعه نحو ذراع.
جرير عن مغيرة قال: خرج عدي، وجرير البجلي وحنظلة الكاتب من الكوفة، فنزلوا قرقيسيا (٢)، وقالوا: لا تقيم ببلدٍ يشتم فيه عثمان اهـ.
٢١٣٢ - * روى البخاري عن عدي بن حاتم ﵁ قال: أتينا عمر في وفدٍ، فجعل يدعو رجلًا رجلًا، ويسميهم، فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى، أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا، فقال عدي: فلا أبالي إذًا.
وفي رواية أحمد (٢) قال: أتيت عمر بن الخطاب في أناسٍ من قومي، فجعل يفرض للرجل من طيء في ألفين، ويعرض عني، قال: فاستقبلته فأعرض عني، ثم أتيته من حيال وجهه، فأعرض عني، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، أتعرفني؟ قال: فضحك، ثم قال: نعم، والله إني لأعرفك آمنت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وإن أول صدقة بيضت وجه رسول الله ﷺ ووجوه أصحابه صدقة طيء، جئت بها إلى النبي ﷺ، ثم أخذ يعتذر، ثم قال: إنما فرضت لقوم أجحفت بهم الفاقة، وهم سادة
_________________
(١) لا ينتطح فيها عنزان، لا يلتقي فيها اثنان ضعيفان لأن النطاح من شأن التيوس والكباش لا العنوز، فكان عدي. يظن بعد مقتل عثمان أو الناس سيجتمعون على علي دون نزاع ولكن جرى خلاف ما ظن.
(٢) قرقيسيا: بلد في الشام على نهر الخابور قرب رحبة مالك بن طوق على ستة فراسخ، وعندها مصب الخابور في الفرات، فهي في مثلث بين الخابور والفرات.
(٣) البخاري (٨/ ١٠٢) ٦٤ - كتاب المغازي -٧٦ - باب قصة وفد طيء.
(٤) أحمد في مسنده (١/ ٤٥) مسلم بعضه (٤/ ١٩٥٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٤٧ - باب من فضائل غفار وأسلم. يفرض في ألفين: أي يوجب له هذا المقدار من المال في العطاء. حيال الشيء: تلقاؤه وما يواجهه. أجحفت: به الحاجة، إذا أفقرته وأذهبت ماله، وجعلته محتاجًا إلى غيره، والفاقة، الفقر والحاجة.=
[ ٤ / ١٩٨٧ ]
عشائرهم، لما ينوبهم من الحقوق، فقال عدي: فلا أبالي إذًا.
قال الذهبي: قال ابن الكلبي: مات عدي سنة سبعٍ وستين، وله مئة وعشرون سنة.
وقال ابن سعد: سنة ثمان وستين، وقيل: سنة ست وستين. اهـ.
* * *
_________________
(١) = ينويهم: نابهم الأمر: أي طرقهم وعرض لهم، والمراد به: ما يتجدد من الحوادث التي يحتاجون أن ينفقوا فيها.
[ ٤ / ١٩٨٨ ]
٤١ - ثمامة بن أثال ﵁
قال ابن حجر: ثمامة بن أثال بن النعمان بن سلمة بن عتيبة بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة الحنفي أبو أمامة اليمامي .. حديثه في البخاري من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: بعث النبي ﵌ خيلًا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج النبي صلى الله عليه آله وسلم فقال: أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأخرجه أيضًا مطولًا ورواه ابن إسحاق في المغازي عن سعيد المقبري مطولًا وأوله أن ثمامة كان عرض لرسول الله ﵌ فأراد قتله فدعا رسول الله ﵌ ربه أن يمكنه منه فلما أسلم قدم مكة معتمرًا فقال: والذي نفسي بيده لا تأتيكم حبة من اليمامة وكانت ريف أهل مكة حتى يأذن فيها رسول الله ﵌ ورواه الحميدي عن سفيان عن ابن عجلان عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، وذكر أيضًا ابن إسحاق أن ثمامة ثبت على إسلامه لما ارتد أهل اليمامة وارتحل هو ومن أطاعه من قومه فلحقوا بالعلاء ابن الحضرمي فقاتل معه المرتدين من أهل البحرين، فلما ظفر واشترى ثمامة حلة كانت لكبيرهم فرآها عليه ناس من بني قيس بن ثعلبة فظنوا أنه هو الذي قتله وسلبه فقتلوه.
وروى ابن منده من طريق علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس قصة إسلام ثمامة ورجوعه إلى اليمامة ومنعه عن قريش الميرة ونزول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (١) وإسناده حسن وذكر وثيمة له مقامًا حسنًا في الردة وأنشد له في الإنكار على بني حنيفة أبياتًا منها:
أهم بترك القول ثم يردني إلى القول إنعام النبي محمد
شكرت له فكي من الغل بعدما رأيت خيالًا من حسام مهند
اهـ. ابن حجر.
_________________
(١) المؤمنون: ٧٦.
[ ٤ / ١٩٨٩ ]
٢١٣٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ خيلًا قبل نجدٍ، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثالٍ. سيد أهل اليمامة، فربطوه بساريةٍ من سواري المسجد. فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال "ماذا عندك؟ يا ثمامة! " فقال: عندي، يا محمد! خير. إن تقتل تقتل ذا دمٍ. وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله ﷺ حتى كان بعد الغد. فقال: "ما عندك؟ يا ثمامة! " قال: ما قلت لك. إن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله ﷺ حتى كان من الغد. فقال: "ماذا عندك؟ يا ثمامة! " فقال: عندي ما قلت لك. إن تنعم تنعم على شاكر. وإن تقتل تقتل ذا دمٍ. وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فقال رسول الله ﷺ: "أطلقوا ثمامة" فانطلق إلى نخلٍ قريبٍ من المسجد. فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا محمد! والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي. والله! ما كان من دينٍ أبغض إلي من دينك. فأصبح دينك أحب الدين كله إلي. والله! ما كان من بلدٍ أبغض إلي من بلدك. فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي. وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة. فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ. وأمره أن يعتمر. فلما قدم مكة قال له قائل: أصوت؟ فقال: لا. ولكني أسلمت مع رسول الله ﷺ. ولا، والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطةٍ حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ.
وأخرج النسائي (١) منه طرفًا في غسل الكافر إذا أراد أن يسلم، وهذا لفظه. قال أبو هريرة: إن ثمامة بن أثال الحنفي انطلق إلى نخلٍ قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله،
_________________
(١) البخاري (٨/ ٨٢) ٦٤ - كتاب المغازي -٧٠ - وفد بني حنيفة، وحديث ثمامة بن أثال. ومسلم (٢/ ١٢٨٦) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير -١٩ - باب ربط الأسير وحبه، وجواز المن عليه. إن تقتل تقتل ذا دم: إن تقتل تقتل صاحب دم، لدمه موقع يشتفي بقتله قاتله، ويدرك قاتله به ثأره، أي لرياسته وفضيلته وقيل: تقتل من عليه دم مطلوب به، وهو مستحق عليه فلا عتب عليك في قتله.
(٢) النسائي (١/ ١٠٩) كتاب الطهارة، باب تقديم غسل الكافر إذا أراد أن يسلم.
[ ٤ / ١٩٩٠ ]
يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلى من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ، وأمره أن يعتمر.
* * *
[ ٤ / ١٩٩١ ]
٤٢ - عمرو بن عبسة السلمي ﵁
قال ابن حجر: عمرو بن عبسة بن خالد بن عامر بن غاضرة بن خفاف بن امرئ القيس بن بهتة بن سليم .. وقيل ابن عبسة بن خالد بن حذيفة بن عمرو بن خالد بن مازن ابن مالك بن ثعلبة بن بهثة. كذا ساق نسبه ابن سعد وتبعه ابن عساكر والأول أصح، وهو الذي قاله خليفة وأبو أحمد الحاكم وغيرهما، السلمي أو نجيح ويقال أبو شعيب قال الواقدي: أسلم قديمًا بمكة ثم رجع إلى بلاده فأقام بها إلى أن هاجر بعد خيبر وقبل الفتح فشهدها قال الواقدي، وزعم أحمد بن محمد بن عيسى البغدادي في ذكر من نزل حمص من الصحابة عمرو بن عبسة من المهاجرين الأولين شهد بدرًا كذا قال وتبعه عبد الصمد بن سعيد: قال أحمد وذكر بقية أنه نزلها أربعمائة من الصحابة منهم عمرو بن عبسة أو نحيج، قال ابن عساكر كذا قالا ولم يتابعا على شهوده بدرًا ويقال إنه كان أخا أبي ذر لأمه قاله خليفة واسما رملة بنت الوقيعة. أخرج مسلم في صحيحه قصة إسلامه وسؤاله عن أشياء من أمور الصلاة وغيرها، وقد روى عنه ابن مسعود مع تقدمه وأبو أمامة الباهلي وسهل بن سعد ومن التابعين شرحبيل بن السبط وسعدان بن أبي طلحة وسليم بن عامر وعبد الرحمن ابن عامر وجبير بن نفير وأبو سلام وآخرون. قال ابن سعد: كان قبل أن يسلم اعتزل عبادة الأوثان، وأخرج أبو يعلى من طريق لقمان بن عامر عن أبي أمامة من طريق ابن عبسة لقد رأيتني وإني لرابع الإسلام، وفي رواية أبي أحمد الحاكم من هذا الوجه وإني لربع الإسلام.
وأخرج أبو نعيم عن مولى لكعب قال: انطلقنا مع المقداد بن الأسود وعمرو بن عبسة وشافع بن حبيب الهذلي فخرج عمرو بن عبسة يومًا للرعية فانطلقت نصف النهار لأراه فإذا سحابة قد أظلته ما فيها عنه مفصل فيقظته فقال: إن هذا شيء إن علمت أنك أخبرت به أحدًا لا يكون بيني وبينك خير، قال: فوالله ما أخبرت به حتى مات. وقال الحاكم أبو احمد: قد سكن عمرو بن عبسة الشام ويقال إنه مات بحمص. وأظنه مات في أواخر خلافة عثمان فإنني لم أر له ذكرًا في الفتنة ولا في خلافة معاوية. اهـ.
قال الذهبي: عمرو بن عبسة بن خالد بن حذيفة، الإمام الأمير، أبو نجيح السلمي
[ ٤ / ١٩٩٢ ]
البجلي، أحد السابقين، ومن كان يقال هو ربع الإسلام. وبنو بجيلة رهط من سليم وكان من أمراء الجيش يوم وقعة اليرموك.
نزل عمرو حمص باتفاق. ويقال: شهد بدرًا، وما تباع أحد عبد الصمد بن سعيد، وأحمد بن محمد بن عيسى على ذا (١) اهـ.
ذكر ابن سعد (٢) عن بن عمرو بن عبسة قال: أتيت رسول الله ﷺ، وهو نازل بعكاظ، فقلت: من معك؟ قال: «أبو بكر وبلال» فأسلمت. فلقد رأيتني ربع الإسلام.
وذكر الذهبي في السير (٣) عن عمرو بن عبسة، قال: أسلمت، فقال لي النبي ﷺ: «الحق بقومك» ثم أتينه قبل الفتح.
٢١٣٤ - * روى مسلم عن أبي أمامة الباهلي قال: قال عمرو بن عبسة السلمي: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفيًا، حراء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: «أنا نبي» فقلت: وما نبي؟ قال: «أرسلني الله» فقلت: فبأي شيء أرسلك؟ قال: «أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوان، وأن يوحد الله ولا يشرك به شيء» قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: «حر وعبد» قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به، فقلت: إني متبعك، قال: «إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت
_________________
(١) أي على كونه شهد بدرًا، ولفظ الإصابة: وزعم أحمد بن محمد بن عيسى البغدادي في ذكر من نزل حمص من الصحابة عمرو بن عبسة من المهاجرين الأولين شهد بدرًا. كذا قال، وتبعه عبد الصمد بن سعيد قال ابن عساكر: كذا قالا، ولم يتابعا على شهوده بدرًا.
(٢) الطبقات الكبرى (٤/ ٢١٥) ونسبه ابن حجر للطبراني وإسناده حسن.
(٣) السير (٢/ ٤٥٩) وإسناده حسن.
(٤) مسلم (١/ ٥٦٩) ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها - ٥٢ - باب إسلام عمرو بن عنبسة. ما أنت: هكذا هو في الأصول ما أنت ولم يقل: من أنت، لأنه سأله عن صفته، ولا عن ذاته، والصفات مما لا يعقل.
[ ٤ / ١٩٩٣ ]
فائتني» فال: ذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله ﷺ المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخير الأخبار، وأسأل الناس حين قدم المدينة، حتى قدم علي نفر من أهل يثرب من أهل المدينة فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله، فلم يستطيعوا ذلك، فقدمت المدينة، فدخلت عليه؛ فقلت: يا رسول الله، أتعرفني؟ قال: «نعم، أنت الذي لقيتني بمكة؟» قال: فقلت: بلى. فقلت: يا رسول الله، أخبرني عما علمك الله وأجهله أخبرني عن الصلاة؟ قال: «صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل، فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى يستقل الظل بالمرح، ثم أقصر عن الصلاة، فإن حينئذ تسجر جهم، فإذا فاء الفي فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار».
قال فقلت: يا نبي الله فالوضوء؟ حدثني عنه. قال: «ما منكم رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه، كما أمره الله تعالى، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خَرّت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلى، فحمد الله وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه لله، إلا انصرف من
_________________
(١) = مشهودة: تشهدها الملائكة ويحضرونها. يستقل الظل بالرمح: استقلال الظل بالرمح: كناية عن وقت الظهر، وهو أن يصير الظل مثل ذي الظل. تسجر: سجرت النار، إذا أوقدنها. قرني شيطان: قرنا الشيطان: كناية عن جني رأسه، وقيل: هو مثل: معناه: أنه في هذا الوقت يتحرك الشيطان فيتسلط، وقيل: القرن: القوة. فاء: الفيء: أي رجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق. مجدة: التمجيد: التعظيم، والمجيد: الكريم الشريف.
[ ٤ / ١٩٩٤ ]
خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه».
فحدث عمرو بت عبسة بهذا الحديث أبا أمامة صاحب رسول الله ﷺ فقال له أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة انظر ما تقول. في مقام واحد يعطى هذا الرجل؟ فقال عمرو: يا أبا إمامة، لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله ولا على رسوله، لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا - حتى عد سبع مرات - ما حدثت به أبدًا، ولكني سمعته أكثر من ذلك.
قال الذهبي: لم يؤرخوا موته، لعله مات بعد سنة ستين. فالله أعلم.
* * *
[ ٤ / ١٩٩٥ ]
٤٣ - خباب بن الأرتِّ ﵁
قال ابن حجر: خباث بن الأرت بتشديد المثناه بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب ابن سعد بن زيد مناة بن تميم التميمي ويقال الخزاعي أبو عبد الله .. سبي في الجاهلية فبيع بمكة مولى أم أنمار الخزاعية وقيل غير ذلك، ثم حالف بني زهرة، وكان من السابقين الأولين. قال ابن سعد: بيع بمكة ثم حالف بني زهرة وأسلم قديمًا وكان من المستضعفين. وروى البارودي أنه أسلم سادس ستة وهو أول من أظهر إسلامه وعذب عذابًا شديدًا لأجل ذلك. وقال الطبري: إنما انتسب في بني زهرة لأن آل سباع حلفاء عمرو بن عوف بن الحارث بن زهرة وآل سباع منهم سباع بن أم أنمار الخزاعية ثم شهد المشاهد كلها، آخى رسول الله ﵌ بينه وبين حبر بن عتيك. روى عن النبي ﵌.
روى الطبراني من طريق زيد بن وهب قال: لما رجع علي من صفين مر بقبر خباب فقال: رحم الله خبابًا أسلم راغبًا وهاجر طائعًا وعاش مجاهدًا وابتلي في جسمه أحوالًا ولن يضيع الله أجره وشهد خباب بدرًا وما بعدها ونزل الكوفة ومات بها سنة سبع وثلاثين، زاد ابن حبان منصرف على من صفين وصلى عليه علي، وقال مات سنة تسع عشرة والأول أصح وكان يعمل السيوف في الجاهلية ثبت ذلك في الصحيحين وثبت فيهما أيضا أنه تمول وأنه مرض مرضًا شديدًا حتى كاد أن يتمنى الموت روى مسلم من طريق قيس بن أبي حازم قال: دخلنا على خباب وقد اكتوى فقال: لولا أن رسول الله عليه وآله وسلم نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به، ويقال إنه أول من دفن بظهر الكوفة ذلك الطبري بسند له إلى علقمة بن قيس النخعي عن ابن البخاب قال وعاش ثلاثًا وستين سنة. اهـ.
قال الذهبي في ترجمته: من نجباء السابقين. له عدة أحاديث. وقيل: كنيته أبو عبد الله، شهد بدرًا، والمشاهد.
قال منصور، عن مجاهد: أول من أظهر إسلامه رسول الله ﷺ، وأبو بكر، وخباب، وبلال، وصهيب، وعمار.
[ ٤ / ١٩٩٦ ]
وأما ابن إسحاق، فذكر إسلام خباب بعد تسعة عشر إنسانًا، وأنه كمل العشرين. اهـ.
٢١٣٥ - * روى ابن ماجه وابن سعد عن أبي ليلى الكندي، قال: قال عمر لخباب: ادنه، فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار. قال: فجعل يريه بظهره شيئًا يعني من آثار تعذيب قريش له.
٢١٣ - * روى البخاري وابن سعد عن خباب، قال: كنت فينًا بمكة، فعملت للعاص بن وائل سيفًا، فجئت أتقاضاه، فقال: لا أعطيك حق تكفر بمحمد. فقلت: لا أكفر بمحمد ﷺ حتى تموت ثم تبعث. فقال: إذا بعثت كان لي مال، فسوف أقضيك. فقلت ذلك لرسول الله ﷺ. فأنزلت: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا) (١).
قال الذهبي: لخباب - بالمكرر - اثنان وثلاثون حديثًا ومنها: ثلاثة في الصحيحين وانفرد له البخاري بحديثين ومسلم بحديث. اهـ الذهبي.
٢١٣٧ - * روى البخاري عن علقمة بن قيس النخعي ﵀ قال: كنا جلوسًا مع ابن مسعود، فجاء خباب، فقال: يا أبا عبد الرحمن، أيستطيع هؤلاء الشباب أن يقرؤوا كما تقرأ؟ قال: أما إنك لو شئت أمرت بعضهم يقرأ عليك، قال: أجل، قال: اقرأ يا علقمة، فقال زيد بن حدير - أخو زياد بن حدير -: أتأمر علقمة أن يقرأ وليس بأقرئنا؟ فقال: أما إنك إن شئت أخبرتك بما قال النبي ﷺ في قومك وقومه، فقرأت خمسين آية من سورة مريم، فقال عبد الله: كيف ترى؟ قال: قد أحسن، قال عبد الله: ما أقرأ شيئًا إلا وهو يقرؤه، ثم التفت إلى خباب وعليه خاتم من ذهب، فقال: ألم يأن لهذا الخاتم أن يلقى؟ قال: أما إنك لن تراه علي بعد اليوم، فألقاه.
_________________
(١) ابن ماجه (١/ ٥٤) المقدمة - ١١ - باب من فضائل أصحاب رسول الله ﷺ. فضائل خباب وقال في الزوائد: إسناده صحيح. والطبقات الكبرى (٣/ ١٦٥).
(٢) البخاري بنحوه (٨/ ٤٢٩) ٦٥ - كتاب التفسير - ١٠ - باب (أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالًا وولدًا). الطبقات الكبرى (٢/ ٣٢٤).
(٣) مريم: ٧٨.
(٤) البخاري (٨/ ١٠٠) ٦٤ - كتاب المغازي - ٧٤ - باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن.
[ ٤ / ١٩٩٧ ]
قال الذهبي: قيل: مات في خلافة عمر، وصلى عليه عمر. وليس هذا بشيء، بل مات بالكوفة سنة سبع وثلاثين، وصلى عليه علي.
وقيل: عاش ثلاثًا وسبعين سنة.
نعم، الذي مات سنة تسع عشرة وصلى عليه عمر: هو خباب مولى عتبة بن غزوان، صحابي مهاجري أيضًا. اهـ.
* * *
[ ٤ / ١٩٩٨ ]
٤٤ - سالم مولى أبي حذيفة ﵄
قال ابن حجر في الإصابة: سالم مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة شمس .. أحد السابقين الأولين قال البخاري: مولاته امرأة من الأنصار وقال ابن حبان يقال لها ليلى ويقال ثبيتة بنت يعار وكانت امرأة أبي حذيفة وبهذا جزم ابن سعد، وقال ابن شاهين: سمعت ابن أبي داود يقول: هو سالم بن معقل وكان مولى امرأة من الأنصار يقال لها فاطنة بنت يعار أعتقته سائبة فوالى أبا حذيفة وسيأتي في ترجمته وديعة أن اسمها سلمى وزعم ابن منده أنه سالم بن عبيد بن ربيعة وتعقبه أبو نعيم فأجاد وإنما هو مولى أبي حذيفة ابن عتبة ابن ربيعة فوقع فيع سقط وتصحيف وكان أبو حذيفة قد تبناه كما تبنى رسول الله ﵌ زيد بن حارثة فكان أبو حذيفة يرى أن ابنه فانكحه أبنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة فأما أنزل الله ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ رد كل أحد تبنى ابنًا من أولئك إلى أبيه ومن لم يعرف أبوه رد إلى مواليه، أخرجه مالك في الموطأ عن الزهري عن عروة بهذا وفيه قصة إرضاعه. وروى البخاري من حديث ابن عمر كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين في مسجد قباء فيهم أبو بكر وعمر أخرجه الطبراني من طريق هشام بن عروة عن نافع وزاد وكان أكثرهم قرآنا، وفي الرضاع مشهورة فعند مسلم من طريق القاسم عن عائشة أن سالما كان مع أبي حذيفة فأتت سهلة بنت سهيل بن عمرو رسول الله ﷺ كان مع أبي حذيفة فأتت سهلة بنت سهيل بن عمرو رسول الله ﵌ فقالت إن سالمًا بلغ ما يبلغ الرجال وإنه يدخل غلي وأظن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئًا فقال: أرضعيه تحرمي عليه الحديث، ومن طريق الزهري عن أبي عبيد الله بن عبد الله بن زمعة عن أمه زينب بنت أم سلمة أن أزواج النبي ﵌ لسالم، وقال مالك في الموطأ عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير أن أبا حذيفة فذكر الحديث قال جاءت سهلة بنت سهيل وهي امرأة أبي حذيفة فقال: يا رسول الله إنا كنا نرى سالمًا ولدًا وكان يدخل علي وأنا فضل [أي استقبله دون تكلف وكأني أمه لا أتستر منه تستر الأجنبية عنه] فماذا ترى فيه فذكره. ووصله عبد الرازق عن مالك فقال عن عروة عن عائشة وأخرجه البخاري من طريق الليث عن الزهري موصولًا وروى البخاري ومسلم
[ ٤ / ١٩٩٩ ]
والنسائي والترمذي من طريق مسروق عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رفعه خذوا القرآن من أربعة من ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل.
وروى ابن المبارك في كتاب الجهاد أو لواء المهاجرين كان مع سالم فقيل له في ذلك. فقال: بئس حامل القرآن أنا - يعني إن فرتت - فقطعت يمينه فأخذه بيساره فقطعت فاعتنقه إلى أن صرع، فقال لأصحابه ما فعل أبو حذيفة يعني مولاه قيل قتل قال فأضجعوني بجنبه فأرسل عمر ميراثه إلى معتقته ثبيتة فقال: إنما أعتقته سائبة فجعله في بيت المال وذكر ابن سعد أن عمر أعطى ميراثه لأمه فقال كليه. اهـ ابن حجر.
وقال الذهبي في ترجمته: من السابقين الأولين البدريين المقربين العالمين.
قال موسى بن عقبة: هو سالم بن معقل. أصله ك إصطخر. وإلى أبا حذيفة. وإنما الذي أعتقه هي ثبيتة بنت يعار الأنصارية، زوجة أبي حذيفة بن عتبة وتبناه أبو حذيفة، كذا قال.
وعن ابن عمر، قال: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الذين قدموا من مكة، حتى قدم المدينة، لأنه كان أقرأهم. أهـ.
٢١٣٨ - * روى ابن سعد، عن القاسم بن محمد أن سهلة بنت سهيل أتت رسول الله ﷺ وهي امرأة أبي حذيفة فقالت: يا رسول الله! إن سالما معي، وقد أدرك ما يدرك الرجال، فقال: «أرضعيه، فإذا أرضعيه فقد حرم عليك ما يحرم من ذي المحرم». قالت أم سلمة: أبي أزواج رسول الله ﷺ أن يدخل أحد عليهن بهذا الرضاع، وقلن: إنما هي رخصة لسالم خاصة.
٢١٣٩ - * روى أحمد والحاكم عن عائشة قالت: استبطأني رسول الله ذات ليلة، فقال: ما حسبك؟ قلت: إن في المسجد لأحسن من سمعت صوتًا بالقرآن، فأخذ رداءه، وخرج
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٢/ ٨٧) ورجاله ثقات، لكنه مرسل. وروى مسلم بنحوه (٢/ ١٠٧٧) ١٧ - كتاب الرضاع - ٧ - باب رضاعة الكبير.
(٢) أحمد في مسنده (٦/ ١٦٥)، والمستدرك (٣/ ٢٢٦) وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٤ / ٢٠٠٠ ]
يسمعه، فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة، فقال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك».
٢١٤٠ - * روى البخاري عن ابن عمر قال: لما قدم المهاجرون الأولون العصبة - موضع بقباء - قبل مقدم رسول الله ﷺ كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وكان أكثرهم قرانًا.
قال الذهبي: وروى عبيد بن أبي الجعد، عن عبد الله بن الهاد أن سالمًا باع ميراثه عمر ابن الخطاب فبلغ مئتي درهم، فأعطاها أمه، فقال: كليها.
وقيل: إن سالمًا وجد هو مولاه أبو حذيفة، رأس أحدهما عن رجلي الآخر صريعين، ﵄.
ومن مناقب سالم: عن أبي رافع أن عمر بن الخطاب قال: من أدرك وفاتي من سبي العرب فهو من مال الله. فقال سعيد بن زيد: أما إنك لو أشرت برجل من المسلمين، لائتمنك الناس، وقد فعل ذلك أبو بكر الصديق، وائتمنه الناس، فقال: قد رأيت من أصحابي حرصًا سيئًا، وإني جاعل هذا الأمر إلى هؤلاء النفر الستة. ثم قال: لو أدركني أحد رجلين، ثم جعلت إليه الأمر لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة بن الجراح (١).
فإن صح هذا، فهو دال على جلالة هذين في نفس عمر، وذلك على أنه يجوز الإمامة في غير القرشي، والله أعلم. اهـ الذهبي.
٢١٤١ - * روى أحمد عن عمرو بن العاص قال: كان فزع بالمدينة فأتيت على سالم مولى أبي حذيفة وهو محتب بحمائل سيفه فأخذت سيفي فاحتبيت بحمائله فقال رسول الله ﷺ: «يا أيها الناس ألا كان مفزعكم إلى الله ورسوله». قال: «ألا فعلتم كما فعل هذان الرجلان المؤمنان».
* * *
_________________
(١) ابلخاري (٢/! ٨٤) ١٠ - كتاب الأذان - ٥٤ - باب إمامة العبد والمولى.
(٢) أحمد في مسنده (١/ ٢٠).
(٣) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٠٠) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
[ ٤ / ٢٠٠١ ]
٤٥ - عامر بن ربيعة ﵁
قال ابن حجر: عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك بن ربيعة بن عامر بن سعد بن عبد الله بن الحارث بن رفيدة بن عنز بن وائل العنزي وقيل في نسبه غير ذلك، وعنز بسكون النون أخو بكر بن وائل، أبو عبد الله حليف بني عدي ثم، الخطاب والد عمر ومنهم من ينسبه إلى مذحج وأستخلفه عثمان على المدينة لما حج. وقال ابن سعد: كان الخطاب قد تبنى عامرًا فكان يقال عامر بن الخطاب حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (١) قال يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قام عامر بن ربيعة يصلي من الليل وذلك حين نشب الناس في الطعن فنام فأتاه آت فقال له: قم فاسأل الله أن يعيذك من الفتنة فقام فصلى ثم اشتكى فما خرج بعد إلا بجنازته أخرجه مالك في الموطأ. قال مصعب الزبيري: مات سنة اثنتين وثلاثين كذا قال أبو عبيدة ثم ذكره في سنة سبع وثلاثين وقال: أظن هذا أثبت وقال الواقدي كان موته بعد قتل عثمان بأيام وقيل في وفاته غير ذلك. اهـ.
وقال الذهبي في ترجمته: من السابقين الأولين. أسلم قبل عمر، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا.
قال ابن إسحاق: أو من قدم المدينة مهاجرًا: أبو سلمة بن عبد الأسد، وبعده، عامر ابن ربيعة.
وكان الخطاب قد تبناه. وكان معه لواء عمر لما قدم الجايبة (٢).
عن عبد الله بن عامر بن ربيعة: أن أباه رئي في المنام حين طعنوا على عثمان، فقيل له: قم فسل الله أن يعيذك من الفتنة.
_________________
(١) الأحزاب: ٥.
(٢) والجايبة: قرية في الشام من ناحية الجولان قرب مرج الصفر في شمالي إذا وقف الإنسان في الصفين، واستقبل الشمال، ظهرت له، وتظهر من نوى أيضًا. وفيها خطب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب خطبته المشهورة لما قدم الشام، وباب الجايبة الذي بدمشق منسوب إليها.
[ ٤ / ٢٠٠٢ ]
توفي عامر سنة خمس وثلاثين، قبل مقتل عثمان ييسير. اهـ.
٢١٤٢ - * روى الطبراني عن الزهري قال: حدثني ابن عامر بن ربيعة وكان من كبراء بن عدي وكان أبوه شهد بدرًا.
* * *
_________________
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٠١): رواه الطبراني وإسناده حسن.
[ ٤ / ٢٠٠٣ ]
٤٦ - عبد الله بن جحش ﵁
قال ابن حجر في الإصابة: عبد الله بن جحش بن رياب براء وتحتانية وآخره موحدة ابن يعمر الأسدي حليف بني عبد شمس.
أحد السابقين. قال ابن حبان: له صحبة، وقال ابن إسحاق هاجر إلى الحبشة وشهد بدرًا وروى البغوي من طريق إبراهيم عن مسلم بن محمد الأنصاري عن رجل من قومه قال آخى النبي ﵌ بين عبد الله بن جحش وعاصم بن ثابت ومن طريق زياد بن علاقة عن سعد بن أبي وقاص قال: بعثنا رسول الله ﵌ في سرية وقال: لأبعثن عليكم رجلًا أصبركم على الجوع والعطش فبعث علينا عبد الله ابن جحش فكان أول أمير في الإسلام. وروى السراج من طريق زر بن حبيش قال: أول راية عقدت في الإسلام لعبد الله بن جحش عن عروة قال: بعث النبي صلى الله علية وآله وسلم عبد الله بن جحش إلى نخلة فذكر القصة بطولها. وروى الطبراني من طريق أبي السوار عن جندب بن عبد الله البجلي قال: بعث رسول الله ﵌ عبد الله بن جحش على سرية فذكر الحديث بطوله وقال ابن أبي حاتم له صحبة، دعا الله يوم أحد أن يرزقه الشهادة فقتل بها، وروى عنه سعد بن أبس وقاص حدثني أبي عبد الله بن جحش قال له يوم أحد: ألا تأتي فندعو؟ قال: فخلونا في ناحية فدعا سعد فقال: يارب إذا التقينا اليوم غدا قلقني رجلًا شديدًا حرده أقاتله فيك ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سلبه قال: فأمن عبد الله بن جحش ثم قال عبد الله: اللهم ارزقني رجلًا شديدًا حرده أقاتله فيك حتى يأخذني فيجدع أنفي وأذني فإذا لقيتك قلت هذا فيك وفي رسولك فتقول صدقت. قال سعد: فكانت دعوة عبد الله خيرًا من دعوتي فلقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلق في خيط وأخرجه ابن شاهين من وجه آخر عن سعيد بن المسيب أن رجلًا سمع عبد الله بن جحش فذكر نحوه وهذا أخرجه ابن المبارك في الجهاد مرسلًا وقال الزبير كان يقال له المجدع في الله، وكان سيفه انقطع يوم أحد فأعطاه النبي ﵌ عرجونا فصار في يد سيفًا فكان يسمى العرجون قال وقد بقي هذا السيف حتى
[ ٤ / ٢٠٠٤ ]
بيع من بغاء التركي بمائتي دينار. وروى زكريا الساجي من حديث أبي عبيدة بن عبد الله ابن مسعود عن أبي قال: استشار النبي ﷺ أبا بكر وعمر وعبد الله بن جحش في أسارى بدر فذكر القصة وأخرجه أحمد وكان قاتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق ودفن هو وحمزة في قبر واحد وكان له بوم قتل نيف وأربعون. اهـ.
* * *
[ ٤ / ٢٠٠٥ ]
٤٧ - صهيب بن سنان ﵁
قال ابن حجر: صهيب بن سنان بن مالك .. ويقال خالد بن عمرو بن عقيل ويقال طفيل بن عامر بن جندلة بن سعد بم جذيم بن كعب بن سعد بن أسلم بن أوس بن زيد مناة بن النمر بن قاسط أبو يحيى، وأمه من بني مالك بن عمرو بن تميم وهو الرومي قيل له ذلك لأن الروم سبوه صغيراُ؛ قال ابن سعد: وكان أبوه على الأبلة (١) من جهاز كسرى وكانت منازلهم على دجلة من جهة الموصل فنشأ صهيب بالروم فصار ألكن (٢) ثم اشتراه رجل من كلب فباعه بمكة فاشتراه عبد الله بن جدعان التميمي فأعتقه ويقال بل هرب من الروم فقدم مكة فحالف ابن جدعان.
وروى ابن سعد أنه أسلم هو وعمار ورسول الله ﵌ في دار الأرقم، ونقل الوزير أبو القاسم المغربي أنه كان اسمه عميرة فسماه الروم صهيبًا قال: وكانت أخته أميمة تنشده في المواسم وكذلك عماه لبيد وزحر ابنا مالك وزعم عمارة بن وثيمة أن اسمه عبد الملك، ونقل البغوي أنه كان أحمر شديد الصهوبة تشوبها حمرة وكان كثير شعر الرأس يخضب بالحناء، وكان من المستضعفين ممن يعذب في الله وهاجر إلى المدينة مع علي بن أبي طالب في آخر من هاجر في تلك السنة فقدما في نصف ربيع الأول وشهد بدرًا والمشاهد بعدها. وروى ابن عدي بن صهيب قال: صحبت رسول الله ﵌ قبل أن يبعث، وروى ابن عدي من حديث أنس والطبراني من حديث أم هانيء، ومن حديث أبي أمامة عن رسول الله ﷺ: السباق أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وبلال سابق الحبشة، وسلمان سابق الفرس، وروى ابن ابن عيينة في تفسيره وابن سعد من طريق منصور عن مجاهد أول من أظهر إسلامه سبعة فذكرة فيهم، وروى ابن سعد من طريق عمر بن الحكم قال: كان عمار بن ياسر يعذب حتى لا يدري ما يقول وكذا صهيب وأبو فائد وعامر بن فهيرة وقوم وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ
_________________
(١) الأبلة: بلدة بالعراق تبعد البصرة أربعة فراسخ وهي أقدم من البصرة.
(٢) ألكن: هو الذي لا يقيم العربية من عجمة في لسانه.
[ ٤ / ٢٠٠٦ ]
هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ (١).
وروى البغوي من طريق زيد بن أسلم عن أبيه خرجت مع عمر حتى دخلت على صهيب بالعالية فلما رآه صهيب قال: يا ناس يا ناس فقال عمر: ماله يدعو الناس. قلت: إنما يدعو غلامه يحنس. فقال: له يا صهيب: ما فيك شيء أعيبه إلا ثلاث خصال أراك تنتسب عربيًا ولسانك أعجمي وتكنى باسم نبي [كان يكنى بأبي يحيى] وتبذر مالك، قال: أما تبذيري ما لي فما أنفقه إلا في حق، وأما كنيتي فكنانيها النبي ﵌، وأما انتمائي إلى العرب فإن الروم سبتني صغيرًا فأخذت لسانهم، ولما مات عمر أوصى أن يصلى عليه صهيب وأن يصلي بالناس إلى أن يجتمع المسلمون على إمام رواه البخاري في تاريخه. وروى الحميدي والطبراني من حديث صهيب من طريق الستة عنه قال: لم يشهد رسول الله ﵌ مشهدًا قط إلا كنت حاضره. ولم يبايع بيعة قط إلا كنت حاضره، ولم يسر سرية قط إلا كنت حاضرها، ولا غزا غزاة إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله، وما خافوا أمامهم قط إلا كنت أمامهم ولا ما وراءهم إلا كنت وراءهم وما جعلت رسول الله ﵌ بيني وبين العدو قط حتى توفي. ومات صهيب سنة ثمان وثلاثين وقيل سنة تسع. اهـ.
قال الذهبي في ترجمته: أبو يحيي النمري. من النمر بن قاسط. ويعرف بالرومي، كان من كبار السابقين البدريين.
قال الحافظ ابن عساكر: صهيب بن سنان بن مالك بن عبد عمرو بن عقيل بن عامر، أبو يحيي - ويقال: أبو غسان - النمري الرومي البدري المهاجرس.
عن حمزة بن صهيب عن أبيه قال: كناني النبي ﷺ: أبا يحيى (٢).
عن صيفي بن صهيب عن أبيه، قال: صحبت النبي ﷺ قبل أن يوحى إليه (٣).
_________________
(١) النحل: ١١٠.
(٢) الطبقات الكبرى (٢/ ٢٢٧).
(٣) المستدرك (٣/ ٤٠٠) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
[ ٤ / ٢٠٠٧ ]
قال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله ﷺ، وأبو بكر وبلال، وخباب، وصهيب مختصر.
عن أبي عثمان: أن صهيبًا حين أراد الهجرة، قال له أهل مكة: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فتغير حالك! قال: أرأيتم إن تركت مالي، أمخلون أنتم سبيلي؟ قالوا: نعم. فخلع لهم ماله. فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال: «ربح صهيب! ربح صهيب» (١).
يعقوب بن محمد الزهري: حدثنا حصين بن حذيفة بن صيفي حدثنا أبي وعمومتي، عن سعيد بن المسيب، عن صهيب، قال: قال رسول الله ﷺ: «أرأيت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرة! فإما أن تكون هحر، أو يثرب» (٢).
قال [صهيب]: وخرج رسول الله ﷺ إلى المدينة، وقد كنت هممت بالخروج معه، فصدني فتيان من قريش، فجعلت ليلتي تلك أقوم لا أقعد، فقالوا: قد شغله الله عنكم ببطنه - ولم أكن شاكيًا - فناموا، فذهبت، فلحقني ناس منهم على بريد، فقلت لهم: أعطيكم أوافي من ذهب وتخلوني؟ ففعلوا، فقلت: احفروا تحت أسكفة الباب (٣) تجدوها، وخذوا من فلانة الحلتين. وخرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ قباء فلما رآني، قال: «يا أبا يحيى، ربح البيع»! ثلاثًا. فقلت: ما أخبرك إلا جبريل.
قال: قدمت على رسول الله ﷺ قباء، وقد رمدت في الطريق وجعت، وبين يديه رطب، فوقعت فيه. فقال عمر: يا رسول الله: ألا ترى صهيبا يأكل الرطب وهو أرمد؟ فقال النبي ﷺ لي ذلك. قلت: إنما آكل على شق عيني الصحيحة. فتبسم (٤).
عن عائذ بن عمرو أن سلمان، وصهيبًا، وبلالًا، كانوا قعودًا، فمر بهم أبو سفيان،
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٣/ ٢٢٧) ورجاله ثقات.
(٢) ذكره الحافظ في "الفتح" ونسبه إلى البيهقي، وسكت عليه، وأخرج البخاري: من حديث أببى موسى، عن النبي ﷺ: رأيت في المنام إني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب].
(٣) أسكفه الباب: هي خشبة الباب التي يوطأ عليها.
(٤) الطبقات الكبرى: (٣/ ٢٢٨) وأخرج بنحوه ابن ماجه (٢/ ١١٣٩) ٣١ - كتاب الطب - ٣ - باب الحمية. وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات.
[ ٤ / ٢٠٠٨ ]
فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها بعد. فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها؟ قال: فأخبر بذلك النبي صلي الله عليه وسلم، فقال: «يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم، لقد أغضبت ربك». فرجع إليهم، فقال: أي إخواننا لعلكم غضبتم؟ قالوا: لا يا أبا بكر، يغفر الله لك (١).
قال الواقدي: مات صهيب بالمدينة في شوال سنة ثمان وثلاثين عن سبعة سنة. وكذلك قال المدائني وغيره في وفاته.
قال المدائني: عاش ثلاثًا وسبعين سنة.
وقال الفسوي: عاش أربعًا وثمانين سنة. ﵁. اهـ الذهبي.
* * *
_________________
(١) مسلم (٤/ ١٩٤٧) - ٤٤ - كتاب من فضائل سلمان وصهيب وبلال.
[ ٤ / ٢٠٠٩ ]
٤٨ - عثمان بن مظعون ﵁
قال ابن حجر: عثمان بن مظعون بالظاء المعجمة ابن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح للجحمي .. قال ابم إسحاق: أسلم بعد ثلاثة عشر رجلًا وهاجر إلى الحبشة هو وابنه السائب الهجرة الأولى في جماعة فلما بلغه أن قريشًا أسلمت رجعوا فدخل عثمان في جوار الوليد بن النغيرة ثم ذكر رده جواره ورضاه بما عليه النبي ﷺ وذكر قصته مع لبيد بن ربيعة حين أنشد: ألا كل شيء ما حلا الله باطل، فقال عثمان بن مظعون، صدقت، فقال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل، فقال عثمان: كذبت نعيم الجنة لا سزول، فقام سفيه منهم إلى عثمان فلطم عينه فاخضرت. وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص، قال: رد النبي صلى الله عليه وآله وسل على عثمان بن مظعةن التبتل ولو أذن له لاختصينا، وروى ابن شاهين والبيهقي في الشعب من طريق قدامة بن إبراهيم الجمحي عن عمر بن حسين عن عائشة بنت قدامة عن أبيها عن عمها قال قلت: يا رسول الله، إني رجل تشق على العزبة في المغزي فتأذن لي في الخصي فأختصى، فقال: لا ولكن عليه يا ابن مظعون بالصوم، وروى البزار من طريق قدامة بن موسى عن أبيه عن جده قدامة بن مظعون حديثا وقال: لا أعلم له غيره، وفي الصحيحين عن أم العلاء قالت: لما مات عثمان ابن مظعون قلت شهادتي عليك أبا السائب لقد أكرمك الله، توفي بعد شهوده بدرًا في السنة الثانية من الهجرة، وهو أول من مات بالمدينة من المهاجرين وأول من دفن بالبقيع منهم وروى الترمذي من طريق القاسم ع عائشة قالت: قبل النبي ﵌ عثمان بن مظعون وهو ميت وهو يبكي وعيناه تذرفان، ولما توفي إبراهيم بن النبي ﵌ قال: الحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون وقالت امرأة ترثيه:
يا عين جودي بدمع غير ممنون على رزية عثمان بن مظعون
اهـ. ابن حجر.
قال الذهبي في ترجمته: من سادة المهاجرين، ومن أولياء الله المتقين الذين فازوا بوفاتهم في حياة نبيه فصلى عليهم، وكان أبو السائب ﵁ أول من دفع بالبقيع.
[ ٤ / ٢٠١٠ ]
روى كثير بن زيد المدني: عن المطَّلب بن عبد الله قال: لما دفن النبي ﷺ عثمان بن مظعون، قال لرجل: هلم تلك الصخرة، فجعلها عند قبر أخي، أعرفه بها، أدفن إليه من دفنت من أهلي، فقام الرجل فلم يُطقها، فقال- يعني الذي حدثه: - فلكأني أنظر إلى بياض ساعدي رسول اللهﷺ- حين احتملها، حتى وضعها عند قبره هذا مرسل (١) وكان ممن حرَّم الخمر في الجاهلية. اهـ.
٢١٤٣ - * روى عبد الرازق وابن سعد عن عائشة قالت: دخلت امرأة عثمان بن مظعون- واسمها خولة بنت حكيم- على عائشة، وهي باذة الهيئة. فسألتها ما شأنك؟ فقالت: زوجي يقوم الليل ويصوم النهار، فدخل النبي ﷺ، فذكرت ذلك له عائشة، فلقي النبي، ﷺ، فقال: "يا عثمان! إن الرهبانية لم تكتب علينا، أما لك فيَّ أسوة؟ فوالله إن أخشاكم لله، وأحفظكم لحدوده لأنا".
قال الذهبي: وعن عبيد الله بن عتبة قال: خطَّ رسول الله صلى الله عليه والسلام لآل مظعون موضع دراهم اليوم بالمدينة.
ومات في شعبان سنة ثلاث.
وعن عائشة بنت قدامة قالت: كان بنو مظعون متقاربين في الشبه. كان عثمان شديد الأدمة، كبير اللحية. ﵁ اهـ.
٢١٤٤ - * روى الترمذي والحاكم عن عائشة: أنَّ رسول الله ﷺ قبَّل عثمان بن مظعون وهو ميت، ودموعه تسيل على خدِّ عثمان بن مظعون.
_________________
(١) رواه أبو داود (١٣/ ٢١٢) كتاب الجنائز، باب في جمع الموتى في قبر والقبر يُعلَّم، وسنده حين مرسل. وابن ماجة بنحوه مختصرًا عن أنس (١/ ٤٩٨) ٦ - كتاب الجنائز- ٤٢ - باب ما جاء في العلامة في القبر. وقال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد حسن.
(٢) المصنف (٦/ ١٦٧)، والطبقات الكبرى (٣/ ٣٩٥) عن أبي بردة.
(٣) أبو داود (٣/ ٢٠١) كتاب الجنائز، باب تقبيل الميت. والترمذي (٣/ ٣٠٥) ٨ - كتاب الجنائز- ١٤ - باب ما جاء في تقبيل الميت. وقال: هذا حديث حسن صحيح. والمستدرك (٣/ ١٩٠) وصححه الذهبي.
[ ٤ / ٢٠١١ ]
٢١٤٥ - * روى الإمام مالك عن أبي النَّظْر قال: لما مُرَّ بجنازة عثمان بن مظعون قال رسولُ الله: "ذهبت ولم تلبس منها بشيء".
٢١٤٦ - * روى البخاري عن خارجة بن زيد بن ثابت أن أم العُلاء- امرأَةً من نسائهم بايعت النبي، ﷺ- أخبرتْهُ أن عثمان بن مَظعونِ طارَ لهم في السُّكنى حين اقترعت الأنصار على سُكنى المهاجرين. قالت أمُّ العلاء: فاشتكى عثمانُ عندنا، فمرضته حتى توفي، وجعلناه في أثوابه، فدخل علينا النبيُّ ﷺ، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، شهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال النبي ﷺ: "وما يُدريك أن الله أكرمهُ؟ " قالت: قلت: لا أدري، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فمن؟ قال: "أما هو فقد جاءُه والله اليقين، والله إني لأرجو له الخير، وما أدري والله- وأنا رسول الله- ما يُفعل بي" قالت: فوالله لا أُزكِّى أحدًا بعده. قالت فأحزنني ذلك، فنمت، فرأيتُ لعثمان عينًا تجري، فجئت رسول الله ﷺ وأخبرتُه، فقال: "ذلك عمله".
* * *
_________________
(١) الموطأ (١/ ٢٤٢) ١٦ - كتاب الجنائز- ١٦ - باب جامع الجنائز، وهو مرسل وقد وصله ابن عبد البر عن عائشة.
(٢) البخاري (٧/ ٢٦٤) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار- ٤٦ - باب مقدم النبي ﷺ وأصحابه المدينة.
[ ٤ / ٢٠١٢ ]
٤٩ - معاذ بن جبل ﵁
قال ابن حجر: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عابد بن عدي بن كعب بن عمرو ابن أدي بن علي بن أسد بن سارة بن يزيد بن جُشم بن عدي بن بابي بن تميم بن كعب بن سلمة أبو عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي الإمام المقدم في علم الحلال والحرام .. قال أبو إدريس الخولاني: كان أبيض وضيء الوجه براق الثنايا أكحل العينين، وقال كعب بن مالك: كان شابًا جميلًا سمحًا من خير شباب قومه، وقال الواقدي: كان من أجمل الرجال وشهد المشاهد كلها .. وشهد بدرًا وهو ابن إحدى وعشرين سنة وأمّره النبي ﷺ وآله وسلم على اليمن، والحديث بذلك في الصحيح من رواية ابن عباس عنه. وذكر سيف في الفتوح بسند له عن عبيد بن صخر قال: قال النبي ﵌ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: إني قد عرفت بلاءك في الدِّين والذي قد ركبك من الدَّين وقد طيبت لك الهدية فإن أهدى لك شيء فاقبل، قال فرجع حين رجع بثلاثين رأسًا أهديت له قال بهذا الإسناد أن النبي ﵌ قال له لما ودعه: حفظك الله من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك ومن فوقك ومن تحتك ودرأ عنك شرور الإِنس والجن. وقال أبو نعيم في الحلية: إمام الفقهاء وكنز العلماء شهد العقبة وبدرًا والمشاهد، وكان من أفضل شباب الأنصار حلمًا وحياء وسخاء، وكان جميلًا وسيمًا، روى عنه من الصحابة عمر وأبو قتادة وعبد الرحمن بن سمرة وغيرهم، وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر والزهري عن ابن كعب بن مالك كان معاذ شابًا جميلًا سمحًا لا يسأل الله شيئًا إلا أعطاه.
وفي مرسل أبي عون الثقفي عن النبي ﵌ يأتي معاذ يوم القيامة أمام الناس برتوة (١) أخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في تاريخه، وأورده ابن عساكر من طريق عن محمد بن الخطاب والرتوة بفتح الراء المهملة وسكون المثناة وفتح الواو. وفي طبقات ابن سعد من طريق منقطع أن النبي ﵌ كتب إلى أهل اليمن لما بعث معاذًا إني بعثت لكم خير أهلي. ومناقبه كثيرة جدًا، وقدم من اليمن في خلافة أبي
_________________
(١) رتوة: رمية سهم وقيل: مدى البصر.
[ ٤ / ٢٠١٣ ]
بكر، وكانت وفاته بالطاعون في الشام سنة سبع عشرة أو التي بعدها، وهو قول الأكثر وعاش أربعًا وثلاثين سنة وقيل غير ذلك. اهـ ابن حجر.
وقال الذهبي عنه: السيد الإمام أبو عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي المدني البدري، شهد العقبة شابًا أمرد، وله عدة أحاديث.
قال شباب: أمه هي هند بنتُ سهل من بني رفاعة، ثم من جُهينة، ولأمه ولد من الجدّ بن قيس.
وروى الواقدي عن رجاله أن معاذًا شهد بدرًا وله عشرون سنة أو إحدى وعشرون. قال ابن سعد: شهد العقبة في روايتهم جميعًا مع السبعين. وقال عبدُ الصمد بن سعيد: نزل حمص. وكان طويلًا، حسنًا، جميلًا. وقال الجماعة: كنيتُه أبو عبد الرحمن، إلا أبا أحمد الحاكم، فقال: كُنيتُه أبو عبد الله.
قال علي بن محمد المدائني: معاذ لم يُولد له قطُّ، طُوال، حسنُ الثغر، عظيمُ العينين، أبيضُ، جعدٌ، قطط (١).
وأما ابنُ سعد، فقال: له ابنان عبدُ الرحمن وآخر.
قال عطاء: أسلم معاذ وله ثمان عشرة سنة.
وقال ابنُ إسحاق: ومن السبعين (٢) من بني جُشَم بن الخزرج معاذُ بن جبل. اهـ.
٢١٤٧ - * روى البخاري ومسلم عن أنس قال: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعةٌ كُلُّهم من الأنصار: أُبيُّ بنُ كعب، وزيدٌ، ومعاذُ بن جبل، وأبو زيد قال قتادة: قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي.
_________________
(١) قطط: شديد الجعودة.
(٢) ومن السبعين: أي الذين شهدوا العقبة من الأنصار.
(٣) البخاري (٩/ ٤٧) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن- ٨ - باب القراء من أصحاب النبي ﷺ ومسلم (٤/ ١٩١٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٢٣ - باب من فضائل. أبي بن كعب وجماعة من الأنصار.
[ ٤ / ٢٠١٤ ]
٢١٤٨ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسولُ الله ﷺ: "خُذُوا القُرآن مِن أربعةٍ: مِن ابن مسعود، وأُبيٍّ، ومعاذ بن جبل، وسالمٍ مولى أَبي حُذيفة".
٢١٤٩ - * روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن أنس مرفوعًا "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشهدها في دين الله عمر، وأصدقها حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذٌ، وأفرضهم زيدٌ، ولكل أمةٍ أمينٌ وأمين هذه الأمة أبو عبيدة".
٢١٥٠ - * روى أحمد وأبو داود والترمذي عن معاذ قال: لما بعثني النبي، ﷺ، إلى اليمن، قال لي: "كيف تقضي إن عرض قضاءٌ؟ " قال: قلت: أقضي بما في كتاب الله، فإن لم يكن، فبما قضي به رسول الله، ﷺ، قال: "فإن لم يكن فيما قضى به الرسول؟ " قال: أجتهدُ رأيي ولا آلو، فضرب صدري، وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله، ﷺ، لما يُرضي رسول الله".
٢١٥١ - * روى البخاري ومسلم عن سعيد بن أبي بُردة عن أبيه قال: "بعث النبي ﷺ جَدَّةُ أَبا موسى ومُعاذًا إلى اليمن فقال: "يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا"
_________________
(١) البخاري (٩/ ٤٦) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن- ٨ - باب القراء من أصحاب النبي ﷺ. ومسلم (٤/ ١٩١٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٢٢ - باب من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه.
(٢) أحمد في مسنده (٣/ ١٨٤، ٢٨١) وإسناده صحيح. والترمذي (٥/ ٦٦٥) ٥٠ - كتاب المناقب- ٣٣ - باب مناقب معاذ بن جبل. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجه (١/ ٥٥) المقدمة- ١١ - باب من فضائل أصحاب رسول الله ﷺ.
(٣) أحمد في سنده (٥/ ٣٣٦، ٢٤٢) وأبو داود (٣/ ٣٠٣) كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء. والترمذي (٣/ ٦٠٧) ١٣ - كتاب الأحكام- ٣ - باب ما جاء في القاضي كيف يقضي. وقد صحح الحديث غير واحد من المحققين العلماء. انظر شرح السنة بتحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط (١٠/ ١١٦).
(٤) البخاري (٨/ ٦٢) ٦٤ - كتاب المغازي- ٦٠ - باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع. ومسلم بعضه (٣/ ١٣٥٩) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير- ٣ - باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير. وبعضه (٣/ ١٥٨٧) ٣٦ - كتاب الأشربة- ٧ - باب بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام. =
[ ٤ / ٢٠١٥ ]
فقال أبو موسى: يا نبيَّ الله، إن أرضنا بها شرابٌ من الشعير: المزز، وشرابٌ من العسل: فقال: "كلُّ مسكرٍ حرام" فانطلقا. فقال مُعاذٌ لأبي موسى: كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائمًا وقاعدًا وعلى راحلتي، وأتفوَّقه تفوقًا. قال: أما أنا فأنام وأقوم، فأحتسب نومتي، كما أحتسبُ قومتي. وضرب فسطاطًا فجعلا يتزوران، فزار معاذ أبا موسى، فإذا رجل موثق. فقال: ما هذا؟ فقال أبو موسى: يهودي أسلم ثمَّ ارتدَّ فقال معاذ: لأضربن عنقه.
٢١٥٢ - * روى الترمذي عن أبي هريرة قال رسول الله، ﷺ: "نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل معاذ بن جبل".
٢١٥٣ - * روى أبو داود والنسائي والحاكم عن معاذ قال: لقيني النبي، ﷺ، فقال: "يا معاذ إني لأحبُّك في الله" قلت: وأنا والله يا رسول الله أحبك في الله. قال: "أفلا أعلمك كلماتٍ تقولهن دُبُر كل صلاة: رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
قال الذهبي في السير عن الشعبي قال: قرأ عبد الله: إن معاذًا كان أمةً قانتًا لله حنيفًا. فقال له فروة بن نوفل: إن إبراهيم، فأعادها، ثم قال: إن الأمة معلم الخير، والقانت المطيع، وإن معاذًا، ﵁، كان كذلك.
وروى حيان، عن الشعبي، نحوها. فقيل له: يا أبا عبد الرحمن نسيتها قال: لا، ولكنا كنا نشبهه بإبراهيم (١).
وعن محمد بن سهل بن أبي حثمة: عن أبيه قال: كان الذين يفتون على عهد رسول الله
_________________
(١) = البتع: نبيذ العسل. المِزْر: نبيذ الشعير.
(٢) الترمذي (٥/ ٦٦٦) ٥٠ - كتاب المناقب- ٣٣ - باب مناقب معاذ بن جبل وزيد بن ثابت. وقال: هذا حديث حسن، إسناده حسن وصححه ابن حبان.
(٣) أبو داود (٢/ ٨٦) كتاب الصلاة، باب في الاستغفار. والنسائي (٣/ ٥٣) كتاب السهو، باب نوع آخر من الدعاء. والمستدرك (٣/ ٢٧٣) وصححه ووافقه الذهبي.
(٤) المستدرك (٣/ ٢٧١) وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٤ / ٢٠١٦ ]
ﷺ ثلاثة من المهاجرين؛ عمر، وعثمان، وعليُّ. وثلاثة من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ، وزيد.
وعن نيار الأسلمي: أن عمر كان يستشير هؤلاء، فذكر منهم معاذًا وروى موسى بن عُلي بن رباح، عن أبيه، قال: خطب عمر الناس بالجابية فقال: من أراد الفقه فليأت معاذ بن جبل (١).
وروى الأعمش عن أبي سفيان، قال: حدثني أشياخ منا أن رجلًا غاب عن امرأته سنتين، فجاء وهي حُبلى، فأتى عمر، فَهَمَّ برجمها، فقال له معاذ: إن يك لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل، فتركها، فوضعت غلامًا بان أنه يشبه أباه قد خرجت ثنيَّتاه، فقال الرجل: هذا ابني فقال عمر: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر.
عن شهر بن حوشب، قال: كان أصحاب محمد ﷺ إذا تحدثوا وفيهم معاذ، نظروا إليه هيبةً (٢) له.
عن أبي مسلم الخولاني قال: دخلتُ مسجد حمص، فإذا فيه نحو من ثلاثين كهلًا من الصحابة، فإذا فيهم شاب أكحل العينين، برَّاقُ الثنايا ساكت، فإذا امترى القوم، أقبلوا عليه، فسالوه، فقلت: مَنْ هذا؟ قيل معاذُ بن جبل. فوقعت محبتُه في قلبي (٣).
عن عبد الرحمن بن كعب قال: كان معاذ شابًا جميلًا سمَّحًا من خير شباب قومه، لا يُسأل شيئًا إلا أعطاه، حتى كان عليه دينٌ أغلق ماله كلَّه، فسأل رسول الله، ﷺ، أن يُكلِّم له غرماءه ففعل، فلم يضعوا له شيئًا، فلو ترك أحد لكلام أحد، لترك لمعاذ لكلام رسول الله، ﷺ، فدعاه النبيُّ ﷺ، فلم يبرح حتى باع ماله، وقسمه بينهم، فقام معاذ ولا مال له، ثم بعثه على اليمن ليجبُره، فكان أول من تجر في هذا المال، فقدم على أبي
_________________
(١) المستدرك (٣/ ٢٧٢) وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الحافظ في الفتح (٧/ ١٢٦).
(٢) أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٣١).
(٣) المستدرك (٣/ ٢٩٦)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٣٠). امترى القوم: اختلفوا وتجادلوا.
[ ٤ / ٢٠١٧ ]
بكر، فقال له عمر: هل لك يا معاذ أن تطيعني؟ تدفع هذا المال إلى أبي بكر، فإن أعطاكه فاقبله، فقال: لا أدفعه إليه، وإنما بعثني نبيُّ الله ليجبرني، فانطلق عمر إلى أبي بكر، فقال: خذ منه ودع له، قال: ما كنت لأفعل، وإنما بعثه رسول الله ﷺ ليجبره، فلما أصبح معاذ، وانطلق إلى عمر، فقال: ما أراني إلا فاعل الذي قلت، لقد رأيتني البارحة، أظنه قال: أجرُّ إلى النار، وأنت آخذ بحجزتي فانطلق إلى أبي بكر بكل ما جاء به، حتى جاءه بسوطه قال أبو بكر: هو لك لا آخذُ منه شيئًا، وفي لفظ قد وهبتهُ لك، فقال عمر: هذا حينُ حلَّ وطاب، وخرج معاذ عند ذلك إلى الشام (١).
ورواه الذهلي: عن عبد الرزاق عن معمر: فقال: بدل (أُجرُّ إلى النار) كأنِّي في ماء قد خشيت الغرق فخلَّصتني.
الأعمش عن شقيق قدم معاذ من اليمن برقيق، فلقي عمر بمكة، فقال: ما هؤلاء؟ قال: أُهدُوا لي، قال: ادفعهم إلى أبي بكر، فأبى، فبات، فرأى كأنه يجرُّ إلى النار وأن عمر يجذبه، فلما أصبح، قال: يا ابن الخطاب ما أراني إلا مطيعك. إلى أن قال: فدفعهم أبو بكر إليه، ثم أصبح فرآهم يصلُّون، قال: لمن تُصلون؟ قالوا: لله، قال: فأنتم لله (٢).
عن سعيد بن المسيِّب أن عمر بعث معاذًا ساعيًا على بني كلاب أبو غيرهم، فقسم فيهم فيئهم حتى لم يدع شيئًا، حتى جاء بحلسه الذي خرج به على رقبته.
وعن نافع قال: كتب عمر إلى أبي عبيدة ومعاذ: انظروا رجالًا صالحين، فاستعملوهم على القضاء وارزقوهم.
روى أيوب: عن أبي قلابة وغيره أن فلانًا مرَّ به أصحاب النبيِّ ﷺ، فقال، أوصُوني فجعلوا يوصُونه، وكان معاذ بن جبل في آخر القوم، فقال: أوصيني يرحمك الله، قال:
_________________
(١) رواه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٣١) بطوله، والحاكم في المستدرك (٣/ ٢٧٣) مختصرًا.
(٢) أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٣٢) مرسلًا، ووصله الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٧٢) من طريق الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله. وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٤ / ٢٠١٨ ]
قد أوصوك فلم يألوا، وإني سأجمع لك أمرك: اعلم أنه لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك إلى الآخرة أفقر، فابدأ بنصيبك من الآخرة، فإنه سيمر بك على نصيبك من الدنيا فينتظمه، ثم يزول معك أينما زلت.
روى حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن معاذ قال: ما بزقت على يميني منذ أسلمت (١).
عن معاذ قال: ما عمل آدمي عملًا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله. قالوا: يا أبا عبد الرحمن! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا، إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع، لأن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٢) (٣).
عن أم سلمة أنَّ أبا عُبيدة لما أُصيب، استخلف معاذ بن جبل، يعني في طاعون عمواس، اشتد الوجع، فصرخ الناس إلى معاذ: ادُع الله أن يرفع عنا هذا الرِّجْز، قال: إنه ليس برجز ولكن دعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وشهادة يخص الله من يشاء منكم، أيها الناس أربع خلال من استطاع أن لا تدركه، قالوا: ما هي؟ قال: يأتي زمان يظهر فيه الباطل، ويأتي زمان يقول الرجل: والله ما أدري ما أنا، لا يعيش على بصيرة، ولا يموت على بصيرة (٤).
عن خالد بن معدان أن عبد الله بن قُرْط قال: حضرتُ وفاة معاذ بن جبل، فقال: روِّحوني ألقى الله مثل سنِّ عيسى ابن مريم ابن ثلاث أو أربع وثلاثين سنة.
قلت [أي الذهبي]: يعني عندما رُفع عيسى إلى السماء.
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٣/ ٥٨٦) والمستدرك (٣/ ٢٧١). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣١١) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٢) العنكبوت: ٤٥.
(٣) أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٣٥).
(٤) الطبقات الكبرى (٣/ ٥٨٨). وقع الوباء في عمُواس- قرية في غور الأردن- وكان طاعونًا عظيمًا مات فيه كثير من فضلاء الصحابة والتابعين وذلك سنة ١٨ هـ.
[ ٤ / ٢٠١٩ ]
قال ضمرة بن ربيعة: توفي معاذ بقُصير خالد من الأردن، قال يزيد بن عبيدة: توفي معاذ سنة سبع عشرة، وقال المدائني وجماعة: سنة سبع أو ثمان عشرة، وقال ابن إسحاق والفلاس: سنة ثمان عشرة. اهـ الذهبي.
* * *
[ ٤ / ٢٠٢٠ ]
٥٠ - عمرو بن الجموح ﵁
قال ابن حجر: عمرو بن الجموح بفتح الجيم ونخفيف الميم ابن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة الأنصاري السلمي .. من سادات الأنصار واستشهد بأحد قال ابن إسحاق في المغازي: كان عمرو بن الجموح سيدًا من سادات بني سلمة وشريفًا من أشرافهم وقال ابن الكلبي: كان عمرو بن الجموح آخر الأنصار إسلامًا علي قال: وكان عمرو يولم على رسول الله صلى عليه وآله وسلم إذا تزوج ورواه أبو نعيم في المعرفة قال أحمد عن أبي قتادة قال: أتى عمرو بن الجموح النبي ﵌ فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه في الجنة؟ قال: نعم وكانت رجله عرجاء حينئذ. وقال ابن أبي شيبة [بسنده] عن أبي قتادة أنه حضر ذلك قال: أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله ﵌ فقال: يا رسول الله أرأيت إن قاتلت حتى أقتل في سبيل الله تراني أمشي برجلي هذه في الجنة؟ قال: نعم وكانت عرجاء فقتل يوم أحد هو وابن أخيه فمر النبي ﵌ به فقال: فإني أراك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة، وأمر رسول الله ﵌ بها ومولاها فجعلوا في قبر واحد وأنشد له المرزباني قوله لما أسلم:
أتوب إلى الله سبحانه وأستغفر الله من ناره
وأثني عليه بآلائه بإعلان قلبي وأسراره
اهـ. ابن حجر.
قال الذهبي في ترجمته:
والدُ معاذ، ومعوذ، وخلاد وعبد الرحمن، وهند.
روى ثابت البناني، عن عكرمة قال: قدمُ مُصعب بن عُمير المدينة يُعلِّم الناس. فبعث إليه عمرو بن الجموح: ما هذا الذي جئتمونا؟ قالوا: إن شئت جئناك، فأسمعناك القرآن. قال: نعم. فقرأ صدرًا من سورة يوسف. فقال عمرو: إن لنا مؤامرة في قومنا (١)، وكان
_________________
(١) إن لنا مؤامرة في قومنا: أي علينا أن نشاور قومنا.
[ ٤ / ٢٠٢١ ]
سيد بني سلمة. فخرجوا، ودخل على مناف فقال: يا مناف! تعلم والله ما يريد القوم غيرك، فهل عندك من نكير؟ قال: فقلده السيف وخرج، فقام أهله فأخذوا السيف، فلما رجع قال: أين السيف يا مناف؟ ويحك! إن العنز لتمنع استها. والله ما أرى في أبي جعار غدًا من خير. ثم قال لهم: إني ذاهب إلى مالي فاستوصوا بمناف خيرًا. فذهب، فأخذوه فكسروه وربطوه مع كلب ميت وألقوه في بئر، فلما جاء قال: كيف أنتم؟ قالوا بخير يا سيدنا. طهر الله بيوتنا من الرجس، قال: والله إني أراكم قد أسأتم خلافتي في مناف. قالوا: هو ذاك، انظر إليه في ذلك البئر. فأشرف فرآه، فبعث إلى قومه فجاؤوا فقال: ألستم على ما أنا عليه؟ قالوا: بلى. أنت سيدنا. قال: فأشهدكم أني قد آمنتُ بما أنزل على محمد.
قال: فلما كان يوم أحُد قال رسول الله ﷺ: "قوموا إلى جنة عرضها السماواتُ والأرض أعدت للمتقين" فقام وهو أعرج فقال: والله لأقْحَزَنَّ (١) عليها في الجنة. فقاتل حتى قتل.
وعن عاصم بن عمر أنّ إسلام عمرو بن الجموح تأخر. وكان له ضمٌ يُقال له مناف، وكان فتيان بني سَلَمة قد آمنوا، فكانوا يمهلون، حتى إذا ذهب الليل دخلوا بيت صنمه فيطرحونه في أنتن حُفرة منكسًا. فإذا أصبح عمرو غمه ذلك، فيأخذه فيغسله ويطيبه. ثم يعودون لمثل فعلهم. فأبصر عمرو شأنه وأسلم، وقال أبياتًا منها:
والله لو كنت إلهًا لم تكن أنت وكلبٌ وسط بئر في قرن (٢)
أُفٍ لمشواك إلهًا مستدن (٣) فالآن فتشناك عن شر الغبن
روى محمد بن مسلم، عن عمرو ين دينار وفطر بن خليفة، عن حبيب بن أبي ثابت، وابن عيينة، عن ابن المنكدر أنّ رسول الله ﷺ قال: يا بني سلمة! مَنْ سيدكم؟ قالوا:
_________________
(١) لأقحزنّ: أي لأثبن.
(٢) والقرن: الحبل.
(٣) ومستدن: ذليل مستعبد. وقال السهيلي: مستدن من السدانة، وهي خدمة البيت وتعظيمه، وكان لكل صنم سدنة يقومون بخدمة البيت الذي فيه الصنم.
[ ٤ / ٢٠٢٢ ]
الجدُّ بن قيس، وإنا لنبخِّلُه. قال: وأي داء أدوى من البُخل؟ بل سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموع (١) اهـ.
قال ابن حجر: قال ابن عائشة فقال بعض الأنصار في ذلك:
وقال رسول الله والقول قوله لمن قال منا من تسمون سيدًا
فقالوا له جّدُّ بن قيس على التي نبخله منها وإن كان أسودًا
فسود عمرو بن الجموح لجوده وحق لعمرو بالندى أن يسودا
فلو كنت ياجد بن قيس على التي على مثلها عمرو لكنت المسودا
قال الذهبي قال الواقدي: لم يشهد بدرًا. كأن أعرج. ولما خرجوا يوم أحُد منعه بنوه وقالوا: عذرك االله. فأتى رسول الله ﷺ، يشكوهم. فقال: لا عليكم أن لا تمنعوه، لعل الله يرزقه الشهادة.
قالت امرأته هند أخت عبد الله بن عمرو بن حرام: كأني أنظر إليه قد أخذ درقته وهو يقول: اللهم لا تردني. فقتل هو وابنُه خلاَّد
قال مالك: كفن هو وعبدُ الله بن عمرو بن حرام في كفن واحد.
مالك: عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح، وابن حرام كان السيل قد خرب قبرها، فحفر عنهما ليتغيرا من مكانها، فوُجدا لم يتغيرا، كأنما ماتا بالأمس. وكان أحدُهما قد جُرح، فوضع يده على جرحه، فدفن كذلك. فأُميطت يدُه عن جرحه، ثم أرسلت، فرجعت كما كانت. وكان بين يوم أحُد ويوم حُفر عنها ستٌ وأربعون سنة (٢). اهـ.
_________________
(١) رجاله ثقات لكنه مرسل. ورواه أبو نعيم في "الحلية" من طريق: ابن عيينة، عن ابن المنكدر، عن جابر. وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" من طريق عبد الله بن أبي الأسود، حدثنا حميد بن الأسود، عن الحجاج الصواف قال: حدثني أبو الزبير قال: حدثنا جابر قال: قال رسول الله ﷺ وذكره، وهذا سند قوي.
(٢) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٤٧٠) ٢١ - كتاب الجهاد- ٢١ - باب الدفن في قبر واحد من ضرورة. ورجاله ثقات، لكنه مرسل، وأخرجه ابن سعد (٣/ ٥٦٢، ٥٦٣)، من طريق الوليد بن مسلم، حدثني الأوزاعي، عن الزهري، عن جابر فذكره بأطول مما هنا، وهذا سند صحيح كما قال الحافظ في "الفتح".
[ ٤ / ٢٠٢٣ ]
٥١ - حارثة بن النعمان ﵁
قال ابن حجر: حارثة بن النعمان بن نقيع بن زيد بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك ابن النجار الأنصاري. ذكره موسى بن عقبة وابن سعد فيمن شهد بدرًا وقد ابن إسحاق إلا أنه سمى جده رافعًا وقال ابن سعد يكنى أبا عبد الله.
وروى ابن شاهين من طريق المسعودي عن الحكم عن القاسم أن حارثة أتى النبي ﵌ وهو يناجي رجلًا ولم يسلم فقال جبرائيل: إما إنه لو سلم لرددنا عليه، فقال لجبرائيل وهل تعرفه؟ فقال: نعم هذا من الثمانين الذين صبروا يوم حنين رزقهم ورزق أولادهم على الجنة. ورواه الحارث من وجه آخر عن المسعودي فقال عن القاسم عن الحارث بن النعمان كذا قال. ورواه الطبراني من طريق ابن أبي ليلى عن الحكم فقال عن ابن عباس فذكره نحوه وله حديث آخر عند أحمد وغيره ورواه البخاري في التاريخ من طريق ثابت عن عبد الله بن رباح أن حارثة بن النعمان قال لعثمان: إن شئت قاتلنا دونك وقال مقسم ابن سعد أدرك خلافه معاوية ومات فيها بعد أن ذهب بصره. وروى الطبراني والحسن بن سفيان من طريق محمد بن أبي فديك عن محمد بن عثمان عن أبيه قال: كان حارثة بن النعمان وفي رواية له عن حارثة بن النعمان وكان قد ذهب بصره فاتخذ خيطًا في مصلاه إلى باب حجرته فكان إذا جاء المسكين أخذ من مكتله شيئًا ثم أخذ بطرف الخيط حتى يناوله فكان أهله يقولون له نحن نكفيك فيقول إني سمعت رسول الله ﵌ يقول مناولة المسكين تقي مصارع السوء اهـ.
وقال الذهبي في ترجمته: وله من الولد: عبدُ الله، وعبدُ الرحمن، وسودةُ، وعمرةُ، وأم كلثوم يُكنى: أبا عبد الله.
شهد بدرًا، والمشاهد، ولا نعلمُ له رواية، وكان دينًا خيرًا، برًا بأمه.
ومن ذريته: المحدث أبو الرجال محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حارثة بن النعمان الأنصاري، ولدُ عْمرة الفقيهة (١) اهـ.
_________________
(١) عَمْرة: هي بنت عبد الرحمن بن سعيد بن زرارة الأنصاري، المدينة، أكثرت عن عائشة، روى حديثها الستة.
[ ٤ / ٢٠٢٤ ]
٢١٥٤ - * روى أحمد والطبراني عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن حارثة بن النعمان قال: مررت على رسول الله ﷺ ومعه جبريل جالس في المقاعد فسلمت عليه ثم أجزت فلما رجعت وانصرف النبي ﷺ قال: "هل رأيت الذي كان معي؟ " قلت: نعم، قال: "إنه جبريل ﷺ وقد ردَّ عليك السلام".
٢١٥٥ - * روى أحمد عن موسى بن عقبة قال: حدثني أبو سلمة عن الرجل الذي مر برسول الله ﷺ وهو يناجي جبريل ﵇ فزعم أبو سلمة أنه تجنب أن يدنو من رسول الله ﷺ تخوفًا أن يسمع حديثه، فلما أصبح قال له رسول الله ﷺ: "ما منعك أن تسلم إذ مررت بي البارحة؟ " فقال: رأيتك تناجي رجلًا فخشيت أن تكره أن أدنو منكما، قال: "فهل تدري من الرجل؟ قال: لا، قال: "جبريل ﷺ ولو سلمت لرد السلام" وقد سمعت من غير أبي سلمة أنه حارثة بن النعمان.
٢١٥٦ - * روى أحمد والحاكم عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "نمتُ فرأيتني في الجنة فسمعت صوت قارئ يقرأ فقلت من هذا قالوا: هذا حارثة بن النعمان" فقال لها رسول الله ﷺ "كذلك البرُّ، كذلك البرُّ" وكان أبر الناس بأمه.
* * *
_________________
(١) أحمد في مسنده (٥/ ٤٣٣)، المعجم الكبير (٣/ ٢٢٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح. المقاعد: اسم مكان.
(٢) أحمد في مسنده (٤/ ١٧) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣١٤): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٣) أحمد في مسنده (٦/ ١٥١) وإسناده صحيح. والمستدرك (٣/ ٢٠٨) وصححه ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣١٣): رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله رجال الصحيح. ونسبه الحافظ في الإصابة إلى النسائي وقال: إسناده صحيح.
[ ٤ / ٢٠٢٥ ]
٥٢ - عبد الله بن رواحة ﵁
قال ابن حجر: عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي الشاعر المشهور، يكنى أبا محمد، ويقال كنيته أبو رواحة، ويقال أبو عمرو، وأمه كبشة بنت واقد بن عمرو بن الأطنابة خزرجية أيضًا، وليس له عقب، من السابقين الأولين من الأنصار، وكان أحد النقباء ليلة العقبة وشهد بدرًا وما بعدها إلى أن استشهد بمؤتة.
قال ابن سعد: كان يكتب للنبي ﵌، وهو الذي جاء بشارة وقعة بدر إلى المدينة، وبعثه رسول الله ﷺ في ثلاثين راكبًا إلى أسير بن رزام اليهودي بخيبر فقتله، وبعثه بعد فتح خيبر فخرص عليهم. عن أبي هريرة أن النبي ﵌ قال: نعم الرجل عبد الله بن رواحة في حديث طويل، وفي الزهد لأحمد من طريق زياد النميري عن أنس كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحابه يقول: تعال نؤمن بربنا ساعة. الحديث، وفيه أن النبي ﵌ قال: رحم الله ابن رواحة إنه يجب المجالس التي تتباهى بها الملائكة.
وفي الزهد لعبد الله بن المبارك بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلي قال: تزوج رجل امرأة عبد الله بن رواحة فسألها عن صنيعه فقالت: كان إذا أراد أن يخرج من بيته صلى ركعتين وإذا دخل بيته صلى ركعتين لا يدع ذلك، قالوا وكان عبد الله أول خارج إلى الغزو وآخر قافل.
وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم وقال: كان زيد بن أرقم يتيمًا في حجر عبد الله بن رواحة: فخرج معه إلى سرية مؤتة فسمعه في الليل يقول:
إذا آدنيتني وحملت رحلي مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك فانعمي وخلاك ذم ولا أرجع إلى أهلي ورائي
وجاء المؤمنون وخلفوني بأرض الشام مشهور الثواء
[ ٤ / ٢٠٢٦ ]
فبكى زيد. فخفقه بالدرة فقال: ما عليك يالكع أن يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل فذكر القصة في صفة قتله في غزوة مؤتة بعد أن قتل جعفر وقبله زيد بن حارثة. وقال ابن سعد: لما نزلت ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ قال عبد الله بن رواحة: قد علم الله أني منهم فأنزل الله ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (١).
ومناقبه كثيرة قال المرزباني في معجم الشعراء كان عظيم القدر في الجاهلية والإسلام، وكان يناقض قيس بن الخطيم في حروبهم، ومن أحسن ما مدح به النبي ﵌ قوله:
لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تنبيك بالخبر
اهـ.
وقال الذهبي: عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن ثعلبة الأميرُ السعيد الشهيدُ أبو عمرو الأنصاري الخزرجي البدريُّ النقيبُ الشاعر. له عن النبي ﷺ وعن بلال. حدث عنه أنس بن مالك، والنعمان بن بشير، وأرسل عنه قيسُ بن أبي حازم، وأبو سلمة ابن عبد الرحمن، وعطاءُ بن يسار، وعكرمة وغيرهم. شهد بدرًا والعقبة. يكنى أبا محمد، وأبا رواحة، وليس له عقب، وهو خال النعمان بن بشير، وكان من كُتَّاب الأنصار. استخلفه النبي ﷺ على المدينة في غزوة بدر الموعد (٢) وبعثه النبيُّ ﵊ سرية في ثلاثين راكبًا إلى أُسير بن رزام اليهودي بخيبر فقتله.
قال الواقدي: وبعثه النبي ﷺ خارصًا على خيبر.
قلت [الذهبي]: جرى ذلك مرة واحدة، ويحتمل على بُعد مرتين.
_________________
(١) الشعراء: ٢٣٧.
(٢) قال محقق السير: (بدر الموعد): هي التي تواعدوا عليها من أحد، وذلك أن أبا سفيان لما انصرف منها نادى: إن موعدكم بدر، العام المقبل. ولما رجع النبي ﷺ، من غزوة ذات الرقاع أقام في المدينة إلى شعبان حيث خرج لميعاد أبي سفيان، وخرج أبو سفيان حتى نزل مجنة من ناحية الظهران ثم رجع ورجع الناس، فسماهم أهل مكة: جيش السويق، إذ يقولون: خرجتم تشربون السويق.
[ ٤ / ٢٠٢٧ ]
قال قتيبة: ابن رواحة وأبو الدرداء أخوان لأم.
حماد بن زيد: حدثنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنَّ عبد الله بن رواحة أتى النبي ﷺ وهو بخطُب، فسمعه وهو يقولُ: "اجلسوا" فجلس مكانه خارج المسجد حتى فرغ من خطبته، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال: "زادك الله حرصًا على طواعية الله ورسوله" (١). اهـ.
٢١٥٧ - * روى ابن سعد عن ابن عمران الجوني، أنَّ عبد الله بن رواحة أُغمي عليه، فأتاه النبي، فقال: "اللهم إن كان حضر أجلُه، فيسر عليه، وإلا فاشفه" فوجد خفة، فقال يا رسول الله أمي قالت: واجبلاه، واظهراه! وملك رفع مرزبةً من حديد يقول: أنت كذا، فلو قلتُ: نعم لقمعني بها.
وقوله "أمي" خطأ والصواب ما ورد في حديث البخاري التالي:
٢١٥٨ - * روى البخاري عن النعمان بن بشير ﵁، قال: أغمي على عبد الله ابن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي: واجبلاه، واكذا، واكذا تعدد عليه. فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيل لي: أنت كذلك؟.
فعلم من ذلك أن الباكية أخته عمرة وليست أمه. وهي الدة النعمان بن بشير راوي الحديث.
٢١٥٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي الدرداء قال: خرجنا مع النبي، ﷺ في بعض أسفاره في يوم حار، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما
_________________
(١) إسناده صحيح، لكنه مرسل. وذكره الحافظ في "الإصابة" ٦/ ٧٨، قال: أخرجه البيهقي بسند صحيح من طريق: ثابت، عن ابن أبي ليلى وأخرجه من وجه آخر إلى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، والمرسل أصح سندًا. ونسبه صاحب "الكنز" (٣٧١٧٣) إلى ابن عساكر.
(٢) الطبقات الكبرى: (٣/ ٥٢٩) مرسلًا.
(٣) البخاري (٧/ ٥١٦) ٦٤ - كتاب المغازي- ٤٤ - باب غزوة مؤتة من أرض الشام.
(٤) البخاري (٤/ ١٨٢) ٣٠ - كتاب الصوم- ٣٥ - باب حدثنا عبد الله بن يوسف. ومسلم (٢/ ٧٩٠) ٣١ - كتاب الصيام- ١٧ - باب التخبير في الصوم والفطر في السفر.
[ ٤ / ٢٠٢٨ ]
كان النبي ﷺ، وابن رواحة.
قال الذهبي في السير: عن ابن أبي ليلى قال: تزوج رجلٌ ابن رواحة فقال لها: تدرين لم تزوجتُك؟ لتخبريني عن صنيع عبد الله في بيته. فذكرت له شيئًا لا أحفظه، غير أنَّها قالت: كان إذا أراد أن يخرُج من بيته صلى ركعتين، وإذا دخل صلى ركعتين، لا يدعُ ذلك أبدًا (١).
قال ابن سيرين: كان شعراءُ رسول الله ﷺ، عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وكعب بن مالك.
قيل: لما جهز النبيُّ ﷺ، إلى مؤتة الأمراء الثلاثة، فقال: الأميرُ زيد، فإن أصيب فجعفرٌ، فإن أصيب، فابنُ رواحة، فلما قُتلا، كره ابنُ رواحة الإقدام فقال:
أقسمت يا نفس لتنزلنه طائعة أو لا لتكرهنه
فطالما قد كنت مطمئنه مالي أراك تكرهين الجنة
فقاتل حتى قُتل.
قال مُدرك بن عُمارة: قال ابنُ رواحة: مررت بمسجد النبي ﷺ، فجلستُ بين يديه، فقال: كيف تقول الشعر إذا أردت أن تقول. قلت أنظر في ذاك، ثم أقولُ. قال: فعليك بالمشركين، ولم أكن هيأت شيئًا. ثم قلتُ:
فخبروني أثمان العباء متى كنتم بطاريق أو دانت لكم مضر
فرأيته قد كره هذا أن جعلت قومه أثمان العباء فقلتُ:
يا هاشم الخير إن الله فضلكم على البرية فضلًا ما له غير
إني تفرست فيك الخير أعرفه فراسةً خالفتهم في الذي نظروا
ولو سألت إن استنصرت بعضهم في جل أمرك ما آووا ولا نصروا
فثبت الله ما أتاك من حسنٍ تثبيت موسى ونصرًا كالذي نصروا
_________________
(١) ورجاله ثقات، ونسبه الحافظ في (الإصابة) إلى ابن المبارك في الزهد وصحح سنده.
[ ٤ / ٢٠٢٩ ]
فأقبل، ﷺ، بوجهه مستبشرًا وقال: "وإياك فثبت الله".
وقال ابن سيرين: كان حسان وكعبُ يُعارضان المشركين بمثل قولهم بالواقع والأيام والمآثر. وكان ابنُ رواحة يعيرهم بالكفر، وينسبهم إليه، فلما أسلموا وفقهوا، كان أشدَّ عليهم.
قال أبو زرعة الدمشقي: قلتُ لأحمد بن حنبل: فحديثُ أنس: دخل النبي ﵇ مكة وابن رواحة أخذ بغرزه (١) فقال: ليس له أصل.
وعن قيس بن أبي حازم أنَّ رسول الله ﷺ، قال لابن رواحة: "انزل فحرك الركاب". قال: يا رسول الله لقد تركتُ قولي: فقال له عمر: اسمع وأطع، فنزل وقال:
تالله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا (٢)
اهـ كلام الذهبي.
٢١٦٠ - * روى الترمذي والنسائي عن أنس أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تنزيله
ضربًا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله
فقال له عمر: يا ابن رواحة بين يدي رسول الله ﷺ وفي حرم الله تقول الشعر، فقال له النبي ﷺ "خل عنه يا عمر، فلهي أسرع فيهم من نضح النبل".
_________________
(١) غرزه: ركاب الخيل.
(٢) رواه ابن سعد مطولًا في الطبقات الكبرى (٣/ ٥٢٧) ورجاله ثقات، لكنه مرسل.
(٣) الترمذي (٥/ ١٣٩) ٤٤ - كتاب الأدب- ٧٠ - باب ما جاء في إنشاد الشعر وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. والنسائي (٥/ ٢٠٢) كتاب مناسك الحج، باب إنشاد الشعر في الحرم والمشي بين يدي الإمام. وذكره الحافظ في الإصابة (٤/ ٦٧) ونسبه إلى أبي يعلى؛ وقال: سنده حسن.
[ ٤ / ٢٠٣٠ ]
٢١٦١ - * روى أحمد وابن المبارك عن بكر بن عبد الله المزني قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ ذهب عبد الله بن رواحة إلى بيته فبكى، فجاءت المرأة فبكت، وجاءت الخادم فبكت. وجاء أهل البيت فجعلوا يبكون. فلما انقطعت عبرتهم قال: يا أهلاه ما الذي أبكاكم؟ قالوا: لا ندري. ولكن رأيناك بكيت فبكينا. قال: إنه أنزلت على رسول الله ﷺ، آية ينبئني فيها ربي ﵎ أني وارد النار، ولم ينبئني أني صادر عنها، فذاك الذي أبكاني.
٢١٦٢ - * روى أبو نعيم عن ابن شهاب الزهري قال: زعموا أن ابن رواحة بكى حين أراد الخروج إلى مؤتة. فبكى أهله حين رأوه يبكي فقال: والله ما بكيت جزعًا من الموت، ولا صبابة لكم. ولكني بكيت من قول الله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (٣) فأيقنت أني واردها، ولم أدر أنجو منها أم لا.
قال الذهبي: الزهري عن سليمان بن يسار أن النبي ﷺ، كان يبعثُ ابن رواحة خيبر فيخرص بينه وبين يهود، فجمعوا حُليًا من نسائهم فقالوا: هذا لك وخفف عنا. قال: يا معشر يهود! والله إنكم لمن أبغض خلق الله إليَّ، وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم، والرشوةُ سُحت. فقالوا: بهذا قامت السماء والأرض (٤).
ابن وهب: حدثني أسامة بن زيد أنَّ نافعًا حدثه قال: كانت لابن رواحة امرأة، وكان يتقيها، وكانت له جارية، فوقع عليها. فقالت له. فقال: سبحان الله! قالت: اقرأ عليَّ إذا، فإنك جُنُب فقال:
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك وأحمد في الزهد وابن عساكر.
(٢) حلية الأولياء (١/ ١١٨).
(٣) مريم: ٧١.
(٤) وقال ابن هشام: فكان رسول الله ﷺ، كما حدثني عبد الله بن أبي بكر، يبعث عبد الله بن رواحة خارصًا بين المسلمين ويهمود. فإذا قالوا: تعديت علينا، قال: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلنا. فتقول يهود: بهذا قامت السماوات والأرض. (أي كأن يقدر في البستان مائة وسق، للمسلمين منها خمسون وسقًا، فإن رفضتم فنحن نأخذها جميعًا ونعطيكم حصتكم "المصنف" منها خمسين وسقًا).
[ ٤ / ٢٠٣١ ]
شهدت بإذن الله أن محمدًا رسول الذي فوق السموات من علُ
وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما له عملٌ من ربه متقبلُ (١)
عن عروة قال: ثم أخذ الراية، يعني بعد قتل صاحبه، قال: فالتوى بعض الالتواء، ثم تقدم بها على فرسه، فجعل يستنزل نفسهـ ويتردد بها بعض التردد.
قال: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم أنه قال عند ذلك:
أقسمت بالله لتنزلنه طائعة أو لا لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة مالي أراك تكرهين الجنه
قد طال ما قد كنت مطمئنه هل أنت إلا نطفةٌ في شنه
ثم نزل فقاتل حتى قُتل.
وقال أيضًا:
يا نفس إن لا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد لقيت
وما تمنيت فقد أعطيت إن تفعلي فعلها هديت
وإن تأخرت فقد شقيت (٢)
قال الوليد بن مسلم: فسمعت أنهم ساروا بناحية معان، فأخبروا أن الروم قد جمعوا لهم جموعًا كثيرة، فاستشار زيد أصحابه فقالوا: قد وطئت البلاد وأخفت أهلها، فانصرف وابن رواحة ساكت، فسأله فقال: إنا لم نسر لغنائم، ولكنا خرجنا للقاء، ولسنا نقاتلهم بعدد ولا عدة، والرأي المسير إليهم. قال عروةُ بن الزبير: قال النبي ﷺ: "فإن أصيب ابن رواحة، فليرتض المسلمون رجلًا" ثم ساروا حتى نزلوا بمعان، فبلغهم أن هرقل قد نزل بمآب في مئة ألف من الروم، ومئة ألف من المستعربة، فشجع الناس ابن رواحة، وقال: يا قوم والله إن الذي تكرهون للتي خرجتم لها: الشهادة. وكانوا ثلاثة آلاف (٣). اهـ.
_________________
(١) ورواه أبو نعيم في الحلية (١/ ١١٩).
(٢) رجاله ثقات، ولكنه مرسل.
(٣) ورواه أبو نعيم في الحلية (١/ ١٢٠).
[ ٤ / ٢٠٣٢ ]
٢١٦٣ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "رحم الله أخي عبد الله بن رواحة، كان أينما أدركته الصلاة أناخ".
* * *
_________________
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣١٦): رواه الطبراني وإسناده حسن.
[ ٤ / ٢٠٣٣ ]
٥٣ - عبد الله بن عبد الله بن أبي ﵁
قال ابن حجر: عبد الله بن عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث بن مالك بن سالم بن غنم ابن عوف بن الخرزج الأنصاري الخزرجي وهو ابن أبي ابن سلول وكانت سلول امرأة من خزاعة وكان أبوه رأس المنافقين وشهد عبد الله هذا بدرًا وأحدًا والمشاهد ويقال إنه استأذن النبي ﵌ في قتل أبيه. فقال: "بل أحسن صحبته" روى ذلك ابن منده من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة بهذا وفيه قصة، وروى الطبراني من طريق عروة عن عبد الله بن عبد الله بن أبي أنه استأذن نحوه فقال: لا تقتل أباك وذكره ابن عبد البر فيمن كتب للنبي ﵌ واستشهد عبد الله باليمامة في قتال الردة سنة اثنتي عشرة. اهـ.
وقال الذهبي: عبد الله بن عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث بن عبيد بن مالك بن سالم -وسالم هو الذي يقال له الحبلى لعظم بطنه- بن غنم بن عوف بن الخزرج، الأنصاري الخزرجي، المعروف والده بابن سلول المنافق المشهور، وسلول الخزاعية هي والدة أبي المذكور، وقد كان عبد الله بن عبد الله من سادة الصحابة وأخيارهم، وكان اسمه الحباب، وبه كان أبوه يكنى، فغيره النبي صلى الله عليه سلم، وسماه عبد الله. شهد بدرًا وما بعدها.
روي عن عائشة، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي أنه قال: ندرت (١) ثنيتي فأمرني رسول الله ﷺ أن اتخذ ثنية من ذهب.
استشهد عبد الله يوم اليمامة، وقد مات أبوه سنة تسع، فألبسه النبي ﷺ قميصه وصلى عليه، واستغفر له إكرامًا لولده، حتى نزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (٢).
وقد كان رئيسًا مطاعًا، عزم أهل المدينة قبل أن يهاجر النبي، ﷺ، على أن يملكوه عليهم، فانحل أمره، ولا حصل دنيا ولا آخرة، نسأل الله العافية، اهـ.
_________________
(١) ندرت: أي سقطت.
(٢) التوبة: ٨٤.
[ ٤ / ٢٠٣٤ ]
٢١٦٤ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمر، قال: لما توفي عبد الله بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه سلم، فسأله أن يعطيه قيمصه أن يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ، ليصلي عليه. فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله، ﷺ: "إنما خيرني الله فقال: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة وسأزيد على السبعين" قال: إنه منافق. فصلى عليه رسول الله، ﷺ، وأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (١).
* * *
_________________
(١) مسلم (٤/ ١٨٦٥) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٢ - باب من فضائل عمر.
(٢) سورة التوبة ٨٤.
[ ٤ / ٢٠٣٥ ]
٥٤ - قتادة بن النعمان ﵁
قال ابن حجر: قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر بن سواد بن ظفر الأوسي ثم الظغري أخو أبي سعيد الخدري لأمه أمهما أنيسة بنت قيس النجارية مشهور، يكنى أبا عمر والأنصاري يكنونه أبا عبد الله وقيل كنيته أبو عثمان قال البخاري له صحبة وقال خليفة وابن حبان وجماعة شهد بدرًا وحكى ابن شاهين عن ابن أبي داود أنه أول من دخل المدينة بسورة من القرآن وهي سورة مريم وأخرج البغوي وأبو يعلى [بسندهما] عن قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه يوم بدر فسالت حدقته على وجنته، فأرادوا أن يقطعوها فقالوا لا حتى نستأمر رسول الله ﵌، فاستأمروه فقال: لا، ثم دعا به فوضع راحته على حدقته ثم غمزها فكان لا يدري أي عينيه ذهب. ومن طريق يعقوب بن محمد الزهري عن إبراهيم بن جعفر عن أبيه عن عاصم بن عمر بن قتادة عن جده أنه سالت عينه على خده يوم بدر فردها فكانت أصح عينيه قال عاصم فحدثت به عمر بن عبد العزيز فقال:
تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
وجاء من أوجه أخر أنها أصيبت يوم أحد، أخرجه الدارقطني وابن شاهين من طريق عبد الرحمن بن يحيى العذري عن مالك عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه يوم أحد فقوعت على وجنته فردها النبي ﵌ فكانت أصح عينيه، وأخرجه الدارقطني والبيهقي في الدلائل [بسندهما].
عن قتادة أن عينه ذهبت يوم أحد فجاء النبي ﵌ فردها فاستقامت وساقها ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة مطولة مرسلة وذكر الواقدي أنه كان معه يوم حنين وأنه من ظفر.
مات في خلافة عمر فصلى عليه ونزل في قبره، وعاش خمسًا وستين سنة، قاله ابن أبي حاتم وابن حبان وغيرهما. اهـ.
وقال الذهبي في ترجمته: الأمير المجاهد من نجباء الصحابة، وهو أخو أبي سعيد الخدري
[ ٤ / ٢٠٣٦ ]
لأمه، وهو الذي وقعت عينه على خده يوم أحد، فأتى بها إلى النبي ﷺ، فغمزها رسول الله ﷺ بيده الشريفة، فردها؛ فكانت أصح عينيه. وكان على مقدمة أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب لما سار إلى الشام وكان من الرماة المعدودين.
وقال الواقدي: شهد العقبة مع السبعين، وكذا قال ابن عقبة، وأبو معشر، ولم يذكره ابن إسحاق فيمن شهد العقبة ﵁.
عاش خمسًا وستين سنة، توفي في سنة ثلاث وعشرين بالمدينة، ونزل عمر يومئذ في قبره. اهـ الذهبي.
٢١٦٥ - * روى أحمد والطبراني والبزار عن قتادة بن النعمان قال: كانت ليلة شديدة الظلمة والمطر فقلت: لو أني اغتنمت هذه الليلة شهود العتمة مع النبي ﷺ، ففعلت فلما انصرف النبي ﷺ أبصرني ومعه عرجون يمشي عليه فقال: "ما لك يا قتادة ههنا هذه الساعة؟ " قلت: اغتنمت شهود الصلاة معك يا رسول الله، فأعطاني العرجون، فقال: "إن الشيطان قد خلفك في أهلك. فاذهب بهذا العرجون فأمسك به حتى تأتي بيتك فخذه من وراء البيت فاضربه بالعرجون" فخرجت من المسجد فأضاء العرجون مثل الشمعة نورًا فاستضأت به، فأتيت أهلي فوجدتهم، فنظرت في الزاوية فإذا فيها قنفذ، فلم أزل أضربه بالعرجون حتى خرج.
* * *
_________________
(١) أحمد في مسنده (٣/ ٦٥) عن أبي سعيد الخدري عن أبي هريرة والمعجم الكبير (١٦/ ٦). والبزار: كشف الأستار (٣/ ٢٦١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني وأحمد في حديث طويل تقدم في الصلاة، ورواه البزار أيضًا ورجال أحمد الذي تقدم في الصلاة رجال الصحيح.
[ ٤ / ٢٠٣٧ ]
٥٥ - عبادة بن الصامت ﵁
قال ابن حجر في الإصابة: عبادة بن الصامت بن قيس بن صرم بن فهر بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي أبو الوليد، قال خليفة بن خياط: وأمه قرة العين بنت عبادة بن نضلة بن العجلان شهد بدرًا وقال ابن سعد: كان أحد النقباء بالعقبة، وآخى رسول الله ﵌ بينه وبين أبي مرثد الغنوي، وشهد المشاهد كلها بعد بدر. وقال ابن يونسك شهد فتح مصر وكان أمير ربع المدد، وفي الصحيحين عن الصنابحي عن عبادة قال: أنا من النقباء الذين بايعوا رسول الله ﵌ ليلة العقبة الحديث، وروى عن النبي ﵌ كثيرًا
أخرج حميد بن زنجويه في كتاب الترغيب من طريق أبي الأشعث أنه راح إلى المسجد دمشق فلقي شداد بن أوس والصنابحي فقالا: اذهب بنا إلى أخ لنا نعوده، فدخلا على عبادة فقالا: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت بنعمة من الله وفضله. قال عبد الصمد بن سعيد في تاريخ حمص: هو أول من ولي قضاء فلسطين. ومن مناقبه ما ذكر في المغازي لابن إسحاق حدثني أبي -إسحاق بن يسار- عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: لما حارب بنو قينقاع بسبب ما أمرهم عبد الله بن أبي وكانوا حلفاءه فمشى عبادة بن الصامت وكان له من الحلف مثل الذي لعبد الله بن أبي فخلعهم وتبرأ إلى الله ورسوله من خلفهم فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى﴾ (١) الآية وذكر خليفة أن أبا عبيدة ولاه إمرة حمص ثم صرفه وولى عبد الله بن قرط ..
وروى ابن سعد في ترجمته من طريق محمد بن كعب القرظي أنه ممن جمع القرآن في عهد النبي ﷺ، وكذا أورده البخاري في التاريخ من وحه آخر عن محمد بن كعب وزاد: فكتب يزيد بن أبي سفيان إلى عمر: قد احتاج أهل الشام إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم فأرسل معاذًا وعبادة وأبا الدرداء فأقام عبادة بفلسطين. وقال السراج في
_________________
(١) الممتحنة: ١.
[ ٤ / ٢٠٣٨ ]
تاريخه: حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن جنادة دخلت على عبادة وكان قد تفقه في دين الله، هذا سند صحيح، وفي مسند إلحاق بن راهويه والأوسط للطبراني من طريق عيسى بن سنان عن يعلى بن شداد قال ذكر معاوية الفرار من الطاعون -فذكر قصة له مع عبادة- فقام معاوية عند المنبر بعد صلاة العصر فقال: الحديث كما حدثني عبادة فاقتبسوا منه فهو أفقه مني. ولعبادة قصص متعددة مع معاوية وإنكاره عليه أشياء، وفي بعضها رجوع معاوية له، وفي بعضها شكواه إلى عثمان منه تدل على قوته في دين الله وقيامه في الأمر بالمعروف.
وروى ابن سعد في ترجمته أنه كان طوالًا جميلًا ومات بالرملة سنة أربع وثلاثين، وكذا ذكره المدايني وفيها أرخه خليفة بن خياط وآخرون، ومنهم من قال: مات ببيت المقدس، وأورد ابن عساكر في ترجمته أخبارًا له مع معاوية تدل على أنه عاش بعد ولاية معاوية الخلافة، وبذلك جزم الهيثم بن عدي وقيل: إنه عاش إلى سنة خمس وأربعين. اهـ ابن حجر.
قال الذهبي عنه: الإمام القدوة أبو الوليد الأنصاري، أحد النقباء ليلة العقبة، ومن أعيان البدريين. سكن بيت المقدس. وقال ابن إسحاق في تسمية من شهد العقبة الأولى: عبادة بن الصامت. شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ. اهـ.
عن قبيصة بن ذؤيب: أن عبادة أنكر على معاوية شيئًا، فقال: لا أساكنك بأرض، فرحل إلى المدينة، قال له عمر: ما أقدمك؟ فأخبره بفعل معاوية. فقال له: ارحل إلى مكانك، فقبح الله أرضًا لست فيها وأمثالك، فلا إمرة له عليك (١).
عن عبيد بن رفاعة: أن عبادة بن الصامت مرت عليه قطارة، وهو بالشام، تحمل الخمر، فقال: ما هذه؟ أزيت؟ قيل: لا، بل خمر يباع لفلان، فأخذ شفرة من السوق، فقام إليها، فلم يدر فيها راوية إلا بقرها -وأبو هريرة إذ ذاك بالشام- فأرسل فلان إلى أبي هريرة، فقال: ألا تمسك عنا أخاك عبادة، أما بالغدوات، فيغدو إلى
_________________
(١) رجاله ثقات.
[ ٤ / ٢٠٣٩ ]
السوق يفسد على أهل الذمة متاجرهم، وأما بالعشي، فيقعد في المسجد ليس له عمل إلا شتم أعراضنا وعيبنا!
قال: فأتاه أبو هريرة: فقال: يا عبادة، مالك ولمعاوية؟ ذره وما حمل. فقال: لم تكن معنا إذ بايعنا على السمع والطاعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألا يأخذنا في الله لومة لائم، فسكت أبو هريرة، وكتب فلان إلى عثمان: إن عبادة قد أفسد علي الشام (١).
أقول: الذي عليه الفتوى أن خمر الذمي لا تراق، ولكن الظاهر أن عبادة فعل ذلك لأنه كان يرى أنه ليس لأهل الذمة أن يظهروا ما هو منكر عند المسلمين فيتأذى منه المسلمون.
٢١٦٦ - * روى الحاكم عن عبادة بن الصامت قال: وكان قد غزا مع رسول الله ﵌ ست غزوات.
٢١٦٧ - * روى الحاكم عن أبي سلام الأسود قال: كنت إذا أتيت بيت المقدس نزلت على عبادة بن الصامت.
٢١٦٨ - * روى الحاكم عن عبادة بن الصامت أن معاوية قال لهم: يا معشر الأنصار ما لكم لم لا تأتوني مع إخوانكم من قريش؟ قال عبادة: الحاجة. قال: فهلا على النواضح، قال: أمضيناها يوم بدر مع رسول الله ﵌.
قوله الحاجة: أي يمنعنا من المجيء إليك فقرنا فلا نقدر أن نسافر حتى نصل إليك فلما قال له معاوية: فهلا على النواضح أي: إنكم تستطيعون أن تأتوا على الإبل، قال له معرضًا فقدناها يوم بدر.
_________________
(١) قال محقق السير: إسناده محتمل للتحسين. القطارة: أن تشد الإبل على نسق، واحد خلف واحد.
(٢) المستدرك (٣/ ٣٥٥) وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) المستدرك (٣/ ٣٥٥).
(٤) المستدرك (٣/ ٣٥٥).
[ ٤ / ٢٠٤٠ ]
قال الذهبي: عن الوليد بن عبادة قال: كان عبادة رجلًا طوالًا جسيمًا جميلًا. مات بالرملة سنة أربع وثلاثين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. قال ابن سعد: وسمعت من يقول: إنه بقي حتى توفي زمن معاوية في خلافته. وقال يحيى بن بكير وجاعة: مات سنة أربع وثلاثين. وقال ضمرة، عن رجاء بن أبي سلمة، قال: قبر عبادة ببيت المقدس، وقال الهيثم بن عدي: مات سنة خمس وأربعين ﵁. اهـ.
* * *
[ ٤ / ٢٠٤١ ]
٥٦ - خزيمة بن ثابت ﵁
قال ابن حجر: خزيمة بن ثابت بن الفاكه بالفاء وكسر الكاف ابن ثعلبة بن ساعدة ابن عامر بن غياث بالمعجمة والتحتانية وقيل بالمهملة والنون -ابن عامر بن حطمة- بفتح المعجمة وسكون المهملة- واسمه عبد الله بن جشتم -بضم الجيم وفتح المعجمة- ابن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي ثم الخطمي: وأمه كبشة بنت أوس الساعدية أبو عمارة من السابقين الأولين شهد بدرًا وما بعدها، وقيل أول مشاهده أحد وكان يكسر أصنام بني خطمة وكانت راية خطمة بيده يوم الفتح، وروى أبو داود من طريق الزهري عن عمارة بن خزيمة بن ثابت أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي ﵌ أن النبي ﵌ ابتاع فرسًا من أعرابي الحديث، وفيه فقال النبي ﵌: من شهد له خزيمة فحسبه، وروى الدارقطني من طريق أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة بن ثابت أن النبي ﵌ جعل شهادته شهادة رجلين، وفي البخاري من حديث زيد بن ثابت قال: فوجدتها مع خزيمة بن ثابت الذي جعل النبي ﵌ شهادته بشهادتين، وروى أبو يعلى عن أنس قال: افتخر الحيان الأوس والخزرج، فقال الأوس: ومنا من جعل رسول الله ﵌ شهادته بشهادة رجلين الحديث، وعند أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أن خزيمة استشهد بصفين، وروى أحمد من طريق أبي معشر عن محمد بن عمارة بن خزيمة قال: ما زال جدي كافًا سلاحه حتى قتل عمار بصفين فسل سيفه وقاتل حتى قتل، ورواه يعقوب بن شيبة من طريق أبي إسحاق نحوه.
قتل مع علي بصفين وهو القائل:
إذا نحن بايعنا عليًا فحسبنا أبو الحسن مما نخاف من الفتن
وفيه الذي فيهم من الخير كله وما فيهم بعض الذي فيه من حسن
وقال ابن سعد شهر بدرًا وقتل بصفين. اهـ ابن حجر.
وقال الذهبي في ترجمته: الفقيه، أبو عمارة الأنصاري الخطمي المدني، ذو الشهادتين.
[ ٤ / ٢٠٤٢ ]
قيل: إنه بدري. والصواب: أنه شهد أحدًا وما بعدها، وكان من كبار جيش علي، فاستشهد معه يوم صفين. اهـ.
٢١٦٩ - * روى البخاري عن زيد بن ثابت قال: لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت كثيرًا أسمع رسول الله ﷺ يقرأها لم أجدها عند أحدٍ إلا مع خزيمة الأنصاري الذي جعل رسول الله صلى الله عليه سلم شهادته شهادة رجلين (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه).
٢١٧٠ - * روى أبو داود عن عمارة بن خزيمة، أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع رسول الله ﷺ المشي، وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي، فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه، فنادى الأعرابي رسول الله ﷺ، فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس، وإلا بعته فقام النبي صلى الله عليه سلم حين سمع نداء الأعرابي، فقال: "أو ليس قد ابتعته منك"؟ فقال الأعرابي: لا، والله ما بعتكه، فقال النبي ﷺ: "بلى قد اتبعته منك" فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا، فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد ابتعته، فأقبل النبي ﷺ على خزيمة، فقال: "بم تشهد"؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين.
قال الذهبي: قال قتادة، عن أنس، قال: افتخر الحيان من الأنصار، فقالت الأوس: منا غسيل الملائكة حنظلة بن الراهب؛ ومنا من اهتز له العرش سعد، ومنا من حمته الدبر (١) عاصم بن أبي الأقلح؛ ومنا من أجيزت شهادته بشهادتين: خزيمة بن ثابت (٢).
قال الذهبي: قتل ﵁ سنة سبع وثلاثين، وكان حامل راية بني خطمة. وشهد مؤته. اهـ.
_________________
(١) البخاري (٨/ ٥١٨) ٦٥ - كتاب التفسير -٣ - باب (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر).
(٢) أبو داود (٣/ ٢٠٨) كتاب الأقضية، باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به، وإسناده صحيح.
(٣) الدبر: النحل والزنابير.
(٤) نسبه الحافظ في الإصابة (٢/ ١١١) لأبي يعلى.
[ ٤ / ٢٠٤٣ ]
٥٧ - خالد بن زيد المشهور بأبي أيوب الأنصاري ﵁
قال ابن حجر في الإصابة: خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار أبو أيوب الأنصاري النجاري معروف باسمه وكنيته، وأمه هند بنت سعيد ابن عمرو من بني الحارث بن الخزرج من السابقين روى عن النبي ﵌، شهد العقبة وبدرًا وما بعدها، ونزل عليه النبي ﵌: لما قدم المدينة فأقام عنده حتى بنى بيوته ومسجده وآخى بينه وبين مصعب بن عمير وشهد الفتوح وداوم الغزو واستخلفه علي على المدينة لما خرج إلى العراق ثم لحق به بعد وشهد معه قتال الخوارج قال ذلك الحكم بن عيينة، وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة وابن أبي عاصم من طريق أبي الخير عن أبي رهم أن أبا أيوب حدثهم أن النبي ﵌ نزل في بيته وكنت في الغرفة فهريق ماء في الغرفة فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا نتتبع الماء شفقًا أن يخلص إلى رسول الله ﵌ فنزلت إلى رسول الله ﵌ وأنا مشفق فسألته فانتقل إلى الغرفة قلت: يا رسول الله كنت ترسل إلي بالطعام فأنظر فأضع أصابعي حيث أرى أثر أصابعك حتى كان هذا الطعام قال: أجل إن فيه بصلًا فكرهت أن آكل من أجل الملك وأما أنتم فكلوا.
وقال ابن سعد أخبرنا ابن علية عن أيوب عن محمد شهد أبو أيوب بدرًا ثم لم يتخلف عن غزاة المسلمين إلا وهو في أخرى إلا عامًا واحدًا استعمل على الجيش شاب فقعد فتلهف بعد ذلك فقال ما ضرني ما استعمل، فمرض وعلى الجيش يزيد بن معاوية فأتاه يعوده فقال: ما حاجتك؟ قال: حاجتي إذا أنا مت فاركب بي ما وجدت مساغًا في أرض العدو فإذا لم تجد فادفني ثم ارجع ففعل. ورواه أبو إسحاق الفزاري عن هشام عن محمد وسمى الشاب عبد الملك ابن مروان ولزم أبو أيوب الجهاد بعد النبي ﵌ إلى أن توفي في غزاة القسطنطينية سنة خمسين وقيل إحدى وقيل اثنتين وخمسين وهو الأكثر، عن سعيد بن عبد العزيز قال أغزى معاوية ابنه يزيد سنة خمس وخمسين في جماعة من الصحابة في البر والبحر حتى أجاز القسطنطينية وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها. اهـ. إصابة.
وقال الذهبي عنه: الخزرجي النجاري البدري. السيد الكبير، الذي خصه النبي ﷺ
[ ٤ / ٢٠٤٤ ]
بالنزول عليه في بني النجار إلى أن بنيت له حجرة أم المؤمنين سودة، وبنى المسجد الشريف. اهـ.
٢١٧١ - * روى أحمد وابن حبان والحاكم والطبراني عن أبي أيوب الأنصاري: أن رسول الله ﵌ قال: "اكتم الخطبة ثم توضأ فأحسن وضوءك ثم صل ما كتب الله لك ثم احمد ربك ومجده ثم قل اللهم إنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، فإن رأيت لي فلانة تسميها باسمها خيرًا لي في ديني ودنياي وآخرتي فاقدرها لي وإن كان غيرها خيرًا لي منها في ديني ودنياي وآخرتي فاقض لي بها" أو قال "فاقدرها لي".
٢١٧٢ - * روى الحاكم عن سعيد بن المسيب عن أبي أيوب أنه أخذ من لحية رسول الله ﵌ شيئًا فقال: "لا يكن بك السوء يا أبا أيوب".
قال الذهبي: إسحاق بن سليمان الرازي: حدثنا أبو سنان، عن حبيب بن أبي ثابت: أن أبا أيوب قدم على ابن عباس البصرة، ففرغ له بيته، وقال: لأصنعن بك كما صنعت برسول الله ﷺ، كم عليك؟ قال: عشرون ألفًا فأعطاه أربعين ألفًا، وعشرين مملوكًا، ومتاع البيت (١).
ابن علية، عن أيوب، عن محمد: قال شهد أبو أيوب بدرًا، ثم لم يتخلف عن غزاة إلا عامًا، استعمل على الجيش شاب، فقعد، ثم جعل يتلهف، ويقول: ما علي من استعمل علي. فمرض، وعلى الجيش يزيد بن معاوية، فأتاه يعوده، فقال: حاجتك؟ قال: نعم، إذا أنا مت، فاركب بي، ثم تبيغ بي في أرض العدو ما وجدت مساغًا؛ فإذا لم تجد
_________________
(١) أحمد في مسنده (٥/ ٤٣٣). وابن حبان: موارد الظمآن حديث ١٧٧، والمعجم الكبير (٤/ ١٣٣) والمستدرك (١/ ٣١٤) وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) المستدرك (٣/ ٤٦٢) وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٤/ ١١٨، ١٢٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٢٣٠): رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح إلا أن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من أبي أيوب. والمستدرك (٢/ ٤٥٩) وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٤ / ٢٠٤٥ ]
مساغًا، فادفني، ثم ارجع.
فلما مات، ركب به، ثم سار به، ثم دفنه. وكان يقول: قال الله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (١) لا أجدني إلا خفيفًا أو ثقيلًا (٢).
وروى همام، عن عاصم بن بهدلة، عن رجل: أن أبا أيوب قال ليزيد: أقرئ الناس مني السلام؛ ولينطلقوا بي وليبعدوا ما استطاعوا. قال: ففعلوا.
قال الواقدي: توفي عام غزا يزيد في خلافة أبيه القسطنيطينية. فلقد بلغني: أن الروم يتعاهدون قبره، ويرمونه، ويستسقون به. وذكره عروة والجماعة في البدريين.
وقال ابن إسحاق: شهد العقبة الثانية.
قال محمد بن سيرين: النجار (٣): سمي بذلك؛ لأنه اختتن بقدوم (٤).
وعن ابن إسحاق: أن النبي ﷺ آخى بين أبي أيوب ومصعب بن عمير شهد أبو أيوب المشاهد كلها.
وقال أحمد بن البرقي: جاء له نحو من خمسين حديثًا.
وقال ابن يونس: قدم مصر في البحر سنة ستٍ وأربعين.
وقال أبو زرعة النصري: قدم دمشق زمن معاوية.
وقال الخطيب: شهد حرب الخوارج مع علي. اهـ الذهبي.
_________________
(١) التوبة: ٤١.
(٢) أخرجه ابن سعد (٣/ ٤٨٥) من طريق إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، ورجاله ثقات. ثم تبيغ: تبيع به الدم، أي: تردد فيه الدم، وتبيغ الماء إذا تردد فتحير في مجراه كذا ومرة كذا وفي "الطبقات"، "والنهاية" وأسد الغابة" "وتهذيب ابن عساكر": "ثم سغ"، وفسره ابن الأثير، فقال: أي: ادخل فيها ما وجدت مدخلًا، وساغت به الأرض، أي: ساخت، وساغ الشراب في الحلق يسوغ، أي: دخل سهلًا.
(٣) النجارك الجد الأعلى لأبي أيوب.
(٤) القدوم: الفأس التي ينحت بها الخشب، وفي تهذيب ابن عساكر: إنما سمي النجار لأنه نجر وجه رجل بقدوم.
[ ٤ / ٢٠٤٦ ]
٢١٧٣ - * روى أحمد والطبراني والحاكم عن أبي رهم السماعي أن أبا أيوب حدثه أن رسول الله ﷺ نزل في بيته الأسفل، وكنت في الغرفة فأهريق ماء في الغرفة، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا نتبع الماء شفقة أن يخلص إلى رسول الله ﷺ، فنزلت إلى رسول الله ﷺ، وأنا مشفق، فقلت: يا رسول الله ليس ينبغي أن نكون فوقك، انتقل إلى الغرفة، فأمر رسول الله ﷺ بمتاعه فنقل، ومتاعه قليل، فقلت: يا رسول الله كنت ترسل إلينا بالطعام فأبصر فيه، فإذا رأيت أثر أصابعك وضعت يدي فيه، حتى كان هذا الطعام الذي أرسلت به إلي، فنظرت فيه فلم أر أثر أصابعك، فقال رسول الله ﷺ: "أجل إن فيه بصلًا، وكرهت أن آكله من أجل الملك الذي يأتيني، وأما أنتم فكلوه".
٢١٧٤ - * روى أحمد والطبراني عن جبير بن نفير عن أبي أيوب قال: لما قدم رسول الله ﵌ المدينة اقترعت الأنصار أيهم يؤوي رسول الله ﷺ فقرعهم أبو أيوب فآوى رسول الله ﷺ فكان إذا أهدى لرسول الله ﷺ طعام أهدى لأبي أيوب قال: فدخل أبو أيوب يومًا فإذا قصعة فيها بصل فقال ما هذا فقالوا أرسل به رسول الله ﷺ قال: فطلع أبو أيوب إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما منعك من هذه القصة قال: "رأيت فيها بصلًا" قال: ولا يحل لنا البصل؟ قال: "بلى: فكلوه ولكن يغشاني ما لا يغشاكم" وقال حيوة "إنه يغشاني ما لا يغشاكم".
٢١٧٥ - * روى الطبراني عن سالم بن عبد الله بن عمر، قال: أعرست، فدعا أبي الناس، فيهم أبو أيوب، وقد ستروا بيتي بجنادي أخضر. فجاء أبو أيوب، فطأطأ رأسه، فنظر فإذا البيت مستر. فقال: يا عبد الله، تسترون الجدر؟ فقال أبي واستحى: غلبنا النساء يا أبا أيوب. فقال: من خشيت أن تغلبه النساء، فلم أخش أن يغلبنك. لا أدخل
_________________
(١) أحمد في مسنده (٥/ ٤٢٠) وإسناده صحيح. والطبراني (٤/ ١٢٦)، والمستدرك (٣/ ٤٦١) وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) أحمد في مسنده (٥/ ٤١٤)، المعجم الكبير (٤/ ١٨٦). ورجاله ثقات، إلا أن بقية مدلس، وقد عنعن.
(٣) المعجم الكبير (٤/ ١١٩) وإسناده قوي وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٥٥) ورجاله رجال الصحيح. جنادي أخضر: هو جنس من الأنماط أو الثياب يستر بها الجدران.
[ ٤ / ٢٠٤٧ ]
لكم بيتًا، ولا آكل لكم طعامًا.
٢١٧٦ - * روى الطبراني عن محمد بن كعب، قال: كان أبو أيوب يخالف مروان، فقال: ما يحملك على هذا؟ قال: إني رأيت رسول الله ﷺ يصلي الصلوات، فإن وافقته، وافقناك، وإن خالفته، خالفناك.
٢١٧٧ - * روى الحاكم عن مقسم أن أبا أيوب أتى معاوية فذكر له حاجة قال: ألست صاحب عثمان؟ قال أما إن رسول الله ﵌ قد أخبرنا أن سيصيبنا بعده أثره قال: وما أمركم؟ قال: أمرنا أن نصبر حتى نرد عليه الحوض، قال فاصبروا، قال: فغضب أبو أيوب وحلف أن لا يكلمه أبدًا ثم إن أبا أيوب أتى عبد الله بن عباس فذكر له فخرج له عن بيته كما خرج أبو أيوب لرسول الله ﵌ عن بيته وقال: إيش تريد؟ قال: أربعة غلمة يكونون في محلي، قال: لك عندي عشرون غلامًا.
٢١٧٨ - (٣) عن أبي عمران التجيبي قال: غزونا القسطنطينية ومعنا أبو أيوب الأنصاري فصففنا صفين ما رأيت صفين قط أطول منهما، ومات أبو أيوب الأنصاري في هذه الغزاة، وكان أوصى أن يدفن في أصل سور القسطنطينية وأن يقضى دين عليه ففعل.
قال الذهبي: ذكر خليفة: أن عليًا استعمل أبا أيوب على المدينة. وقال الحاكم: لم يشهد أبو أيوب مع علي صفين.
عمر بن كثير بن أفلح قال: قدم أبو أيوب على معاوية، فأجلسه معه على السرير، حادثه، وقال: يا أبا أيوب، من قتل صاحب الفرس البلقاء التي جعلت تجول يوم كذا وكذا؟ قال: أنا؛ إذ أنت وأبوك على الجمل الأحمر معكما لواء الكفر. فنكس معاوية، وتنمر أهل الشام، وتكلموا. فقال معاوية: مه! وقال: ما نحن عن هذا سألناك.
_________________
(١) المعجم الكبير (٤/ ١٥٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٦٨): رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات. ويخالف مروان: أي لا يصلي بصلاته، إذا أخرها عن الوقت المستحب.
(٢) المستدرك (٣/ ٤٥٩) وصححه ووافقه الذهبي. في محلي: ينوب عني في محلي.
(٣) المستدرك (٣/ ٤٥٧) وسكت عنه الذهبي.
[ ٤ / ٢٠٤٨ ]
عن أبي ظبيان، قال: غزى أبو أيوب، فمرضن فقال: إذا مت فاحملوني، فإذا صافقتم العدو، فارموني تحت أقدامكم. أما إني سأحدثكم بحديثٍ سمعته من رسول الله ﷺ، سمعته يقول: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة" إسناده قوي (١).
قال الوليد، عن سعيد بن عبد العزيز: أغزى معاوية ابنه في سنة خمس وخمسين في البر والبحر، حتى أجاز بهم الخليج، وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها، ثم قفل.
وعن الأصمعي، عن أبيه: أن أبا أيوب قبر مع سور القسطنطينية، وبني عليه، فلما أصبحوا، قالت الروم: يا معشر العرب، قد كان لكم الليلة شأن. قالوا: مات رجل من أكابر أصحاب نبينا، والله لئن نبش، لا ضرب بناقوسٍ في بلاد العرب، فكانوا إذا قحطوا، كشفوا عن قبره، فأمطروا وقال خليفة: مات سنة خمسين. وقال يحيى بن بكير: سنة اثنتين وخمسين. اهـ.
* * *
_________________
(١) رواه أحمد في مسنده (٥/ ٤١٩).
[ ٤ / ٢٠٤٩ ]
٥٨ - زيد بن ثابت ﵁
قال ابن حجر: زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف ابن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي أبو سعيد .. وقيل أبو ثابت وقيل غير ذلك في كنيته استغصر يوم بدر، ويقال إنه شهد أحدًا ويقال أول مشاهده الخندق، وكانت معه راية بني النجار يوم تبوك، وكانت أولًا مع عمارة بن حزم فأخذها النبي ﵌ منه فدفعها لزيد بن ثابت فقال: يا رسول الله بلغك عني شيء؟ قال: لا ولكن القرآن مقدم وكتب الوحي للنبي ﵌ وأمه النوار بنت مالك بن معاوية ابن عدي، وقتل أبوه يوم بعاث، وذلك قبل الهجرة بخمس سنين وهو الذي جمع القرآن في عهد أبي بكر ثبت ذلك في الصحيح، وقال له أبو بكر إنك شاب عاقل لا نتهمك.
وروى الواقدي من طريق زيد بن ثابت قال لم أجز في بدر ولا أحد وأجزت في الخندق. قال وكان فيمن ينقل التراب مع المسلمين فنعس زيد فجاء عمارة بن حزم فأخذ سلاحه وهو لا يشعر فقال له النبي ﵌ يا أبا رقاد، ويومئذ نهى النبي ﵌ أن يروع المؤمن ولا يؤخذ متاعه جادًا ولا لاعبًا وعن أنس قال قال النبي ﵌ أفرضكم زيد رواه أحمد بإسناد صحيح وقيل إنه معلول، وروى ابن سعد بإسناد صحيح قال: كان زيد بن ثابت أحد أصحاب الفتوى، وهم ستة: عمر وعلي وابن مسعود وأبي وأبو موسى وزيد بن ثابت، وروى بسند فيه الواقدي من طريق قبيصة قال: كان زيد رأسًا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض [وهو العلم بقسمة المواريث].
مات زيد سنة اثنتين أو ثلاث أو خمس وأربعين وقيل سنة إحدى أو اثنتين أو خمس وخمسين وفي خمس وأربعين قول الأكثر وقال أبو هريرة حين مات اليوم مات حبر هذه الأمة وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا. اهـ.
وقال الذهبي: الإمام الكبير، شيخ المقرئين، والفرضيين، مفتي المدينة أو سعيد، وأبو خارجة. الخزرجي، النجاري الأنصاري. كاتب الوحي، ﵁.
حدث عن النبي ﷺ، وعن صاحبيه. وقرأ عليه القرآن بعضه أو كله، ومناقبه جمة.
[ ٤ / ٢٠٥٠ ]
وتلا عليه ابن عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، وغير واحد وكان من حملة الججة، وكان عمر بن الخطاب يستخلفه إذا حج على المدينة.
وهو الذي تولى قسمة قسمة الغنائم يوم اليرموك. وقد قتل أبوه قتل الهجرة يوم بعاث (١)، فربي زيد يتيمًا. وكان أحد الأذكياء. فلما هاجر النبي ﷺ، أسلم زيد، وهو ابن إحدى عشرة سنة، فأمره النبي ﷺ أن يتعلم خط اليهود: ليقرأ له كتبهم. قال: "فإني لا آمنهم". اهـ.
٢١٧٩ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان يوم بعاث يومًا قدمه الله لرسوله ﷺ، فقدم رسول الله ﷺ وقد افترق ملؤهم، وقتلت سرواتهم، وجرحوا، فقدمه الله لرسوله ﷺ في دخولهم في الإسلام.
قال الذهبي: قال ابن سعد: ولد زيد بن ثابت: سعيدًا، وبه كان يكنى، وأمه أم جميل.
وولد لزيد: خارجة، وسليمان، ويحيى، وعمارة، وإسماعيل، وأسعد، وعبادة، وإسحاق، وحسنة، وعمرة، وأم إسحاق، وأم كلثوم، وأم هؤلاء: أم سعد ابنة سعد بن الربيع، أحد البدريين.
وولد له: إبراهيم، ومحمد، وعبد الرحمن، وأم حسن، من عمرة بنت معاذ بن أنس. وولد له: زيد، وعبد الرحمن، وعبيد الله، وأم كثلوم؛ لأم ولد. وسليط، وعمران، والحارث، وثابت، وصفية، وقريبة، وأم محمد؛ لأم ولد.
قال البخاري ومسلم والنسائي زيد: يكنى أبا سعيد. ويقال: أبو خارجة. وقال محمد ابن أحمد المقدمي: له كنيتان.
روى خارجة عن أبيه، قال: قدم النبي ﵇ المدينة، وأنا ابن إحدى عشرة سنة. وأمره النبي ﷺ أن يتعلم كتابة يهود. قال: وكنت أكتب، فأقرأ إذا كتبوا إليه. اهـ.
_________________
(١) بعاث: موضع على ليلتين من المدينة المنورة، وفيه كانت الوقيعة بين الأوس والخزرج ونسبت إليه.
(٢) البخاري (٧/ ١١٠) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -١ - باب مناقب الأنصار.
[ ٤ / ٢٠٥١ ]
٢١٨٠ - * روى أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي والحاكم عن خارجة بن زيد أن أباه زيدًا أخبره أنه لما قدم النبي ﷺ المدينة قال زيد: ذهب بي إلى النبي ﷺ فأعجب بي فقالوا: يا رسول الله هذا غلام من بني النجار معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة فأعجب ذلك النبي ﷺ وقال: "يا زيد تعلم لي كتاب يهود فإني والله ما آمن يهود على كتابي" قال زيد: فتعلمت كتابهم ما مرت بي خمس عشرة ليلة حتى حذقته وكنت اقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه وأجيب عنه إذا كتب.
٢١٨١ - * روى أحمد والحاكم عن ثابت بن عبيد قال زيد: قال لي رسول الله: "أتحسن السريانية"؟ قلت: لا. قال: "فتعلمها" فتعلمتها في سبعة عشر يومًا.
٢١٨٢ - * روى البخاري عن البراء، قال لي رسول الله ﷺ: "ادع لي زيدًا، وقل له: يجيء بالكتف والدواة" قال: فقال: "اكتب" ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم. فقال: يا رسول الله، أنا ضرير، فنزلت مكانها: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١).
٢١٨٣ - * روى أحمد عن شرحبيل بن سعد قال: كنت مع زيد بن ثابت بالأسواف، فأجد طيرًا: فدخل زيد، قال: فدفعوا في يدي، وفروا، فأخذ الطير، فأرسله، ثم ضرب في قفاي، وقال: لا أم لك، ألم تعلم أن رسول الله ﷺ حرم ما بين لابتيها.
_________________
(١) أحمد في مسنده (٥/ ١٨٦)، والبخاري تعليقًا (١٢/ ١٨٥) ٩٣ - كتاب الأحكام -٤٠ - باب ترجمة الحكام، وهل يجوز ترجمان واحد. وأبو داود (٣/ ٢١٨) كتاب العلم، باب رواية حديث أهل الكتاب والترمذي (٥/ ٦٧) ٤٣ - كتاب الاستئذان -٢٢ - باب ما جاء في تعليم السريانية. وقال: هذا حديث حسن صحيح. والمستدرك (١/ ٢٧٥) وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) أحمد في مسنده (٥/ ١٨٢) وإسناده صحيح. والمستدرك (٣/ ٤٢٢) وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) البخاري ٦٥ - كتاب التفسير -١٨ - باب لا يستهوي القاعدون من المؤمنين.
(٤) النساء: ٩٥.
(٥) أحمد في مسنده (٥/ ١٩٢) وشرحبيل فيه لين ما والحديث يتقوى بما أخرجه البخاري، ومسلم بن حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما بين لابتيها حرام"، ولمسلم من حديث سعد أن رسول الله ﷺ قال: "إني أحرم ما بين
[ ٤ / ٢٠٥٢ ]
٢١٨٤ - * روى البخاري عن زيد بن ثابت ﵁ قال: أرسل إلي أبو بكر الصديق مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر ﵁: إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى إن استحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال عمرك هذا والله خير. فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فتتبع القرآن فاجعمه. فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄. فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحدٍ غيره (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم) (٢) حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر ﵁.
٢١٨٥ - * روى البخاري عن أنس قال: جمع القرآن على عهد رسول الله أربعة، كلهم من الأنصار: أبي، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد.
_________________
(١) = لابتي المدينة أن يقطع عضامها، أو يقتل صيها". واللابة: هي الحرة. والمدينة المنورة بين حرئين شرقية وغربية تكتنفان، والحرة: هي الأرض ذات الحجارة السوداء، كأنها أحرقت بالنار. ومعنى ذلك: اللابتان وما بينهما. الأسواف: موضع ببعض أطراف المدينة بين الحرتين. وفي "الموطأ" عن رجل، قال: دخل علي زيد بن ثابت وأنا بالأسواف، وقد اصطدت نهسا (طائر يشبه الصرد)، فأخذه من يدي، وأرسله.
(٢) البخاري (١/ ١٠) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن -٣ - باب جمع القرآن. العسب: جمع عسيب: وهو جريد النخل إذا نحي عنه خوصه. وكانوا يكتبون في تلك الأشياء، لقلة القراطيس عندهم يومئذ.
(٣) التوبة: ١٢٨.
(٤) البخاري (٩/ ٤٧) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن -٨ - باب القراء من أصحاب النبي ﷺ.
[ ٤ / ٢٠٥٣ ]
٢١٨٦ - * روى الترمذي والحاكم عن أنس: قال رسول الله ﷺ: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي ابن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابتٍ وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبلٍ، ولكل أمةٍ أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح".
قال الذهبي: بتقدير صحة "أفرضهم زيد، وأقرأهم أبي" لا يدل على تحتم تقليده في الفرائض، كما لا يتعين تقليد أبي في قراءته، وما انفرد به.
روى عاصم، عن الشعبي، قال: غلب زيد الناس على اثنتين الفرائض والقرآن.
عن أبي سعيد، قال: لما توفي رسول الله، قام خطباء الأنصار، فتكلموا، وقالوا: رجل منا، ورجل منكم. فقام زيد بن ثابت، فقال: إن رسول الله كان من المهاجرين ونحن أنصاره؛ وإنما يكون الإمام من المهاجرين ونحن أنصاره.
فقال أبو بكر: جزاكم الله خيرًا يا معشر الأنصار، وثبت قائلكم، لو قلتم غير هذا ما صالحناكم (١).
عن مسروق، قال: كان أصحاب الفتوى من أصحاب رسول الله ﷺ: عمر، وعلي، وابن مسعود، وزيد، وأبي، وأبو موسى (٢).
وعن القاسم بن محمد: كان عمر يستخلف زيدًا في كل سفر.
عن الشعبي: قال: القضاة أربعة: عمر، وعلي، وزيد وابن مسعود.
وعن يعقوب بن عتبة: أن عمر استخلف زيدًا، وكتب إليه من الشام: إلى زيد بن
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٦٦٥) ٥٠ - كتاب المناقب -٢٣ - مناقب معاذ بن جبل وزيد بن ثابت. وقال: هذا حديث حسن صحيح وهو كما قال. والمستدرك (٢/ ٤٢٢) وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) ورواه أحمد في مسنده (٥/ ١٨٦)، والمعجم الكبير (٥/ ١١٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ورجاله رجال الصحيح.
(٣) إسناده صحيح.
[ ٤ / ٢٠٥٤ ]
ثابت، من عمر.
قال خارجة بن زيد: كان عمر يستخلف أبي، فقلما رجع إلا أقطعه حديقة من نخل.
عن الشعبي قال: تنازع أبي وعمر في جداد نخلٍ (١). فبكى أبي، ثم قال: أفي سلطانك يا عمر؟ قال: اجعل بيني وبينك رجلًا. قال أبي: زيد. فانطلقا، حتى دخلا عليه، فتحاكما إليه. فقال: بينتك يا أبي؟ قال: مالي بينة. قال: فاعف أمير المؤمنين من اليمين. فقال عمر: لا تعف أمير المؤمنين من اليمين إن رأيتها عليه.
عن نافع، قال: استعمل عمر زيدًا على القضاء، وفرض له رزقًا (٢).
قال الزهري: لو هلك عثمان وزيد في بعض الزمان، لهلك علم الفرائض، لقد أتى على الناس زمان وما يعلمها غيرهما (٣).
وقال جعفر بن برقان: سمعت الزهري يقول: لولا أن زيد بن ثابت كتب الفرائض، لرأيت أنها ستذهب من الناس.
قال مالك: كان إمام الناس عندنا بعد عمر، زيد بن ثابت. وكان إمام الناس عندنا بعد زيد، ابن عمر.
قال أحمد بن عبد الله العجلي: الناس على قراءة زيد، وعلى فرض زيد.
وعن ابن عباس، قال: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن زيد بن ثابت، من الراسخين في العلم (٤).
عن عبد الله بن معسود؛ أنه كان يقول في أخواتٍ لأبٍ وأم، وإخوة وأخواتٍ لأبٍ: للأخوات للأب والأم الثلثان، فما بقي، فللذكور دون الإناث.
_________________
(١) جداد النخل: قطع ثمره.
(٢) رواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٥٩).
(٣) وأخرجه الدرامي (٢/ ٢٤١) كتاب الفرائض، باب في تعليم الفرائض.
(٤) نسبه الحافظ في الإصابة (٣/ ٢٢) للبغوي. وأخرج أبو زرعة في تاريخ دمشق نحوه.
[ ٤ / ٢٠٥٥ ]
فقدم مسروق المدينة، فسمع قول زيد فيها، فأعجبه. فقال له بعض أصحابه: أتترك قول عبد الله؟ فقال: أتيت المدينة، فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم. يعني: كان زيد يشرك بين الباقين (١).
عن أبي سلمة، أن ابن عباس قام إلى زيد بن ثابت. فأخذ له بركابه، فقال: تنح يا ابن عم رسول الله ﷺ، فقال: إنا هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا (٢).
قال علي بن المديني: لم يكن من الصحابة أحد له أصحاب حفظوا عنه، وقاموا بقوله في الفقه، إلا ثلاثة: زيد، وعبد الله، [بن مسعود]، وابن عباس.
عن الزهري: بلغنا أن زيد بن ثابت كان يقول إذا سئل عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم. حدث فيه بالذي يعلم. وإن قالوا: لم يكن. قال: فذروه حتى يكون.
عن الشعبي: أن مروان دعا زيد بن ثابت، وأجلس له قومًا خلف ستر، فأخذ يسأله، وهم يكتبون؛ ففطن زيد، فقال: يا مروان، أغدرا، إنما أقول برأيي (٣).
رواه إبراهيم بن حميد الرواسي، عن ابن أبي خالد، نحوه "وزاد": فمحوه.
عن ابن سيرين، قال: حج بنا أبو الوليد، ونحن ولد سيرين سبعة؛ فمر بنا على المدينة، فأدخلنا على زيد بن ثابت، فقال: هؤلاء بنو سيرين. فقال زيد: هؤلاء لأم، وهذان لأم، وهذان لأم. قال: فما أخطأ، وكان محمد، ومعبد، ويحيى لأم (٤).
عن ثابت بن عبيد، قال: كان زيد بن ثابت من أفكه الناس في أهله، وأزمته (٥) عند القوم.
_________________
(١) إسناده صحيح: يشرك بين الباقين: يسوي بينهم في القسمة.
(٢) ورواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٦٠) وإسناده حسن. والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٣٣) وصححه وسكت عنه الذهبي.
(٣) ورواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٦١) من طريقين عن سفيان به، والطبراني بنحوه (٥/ ١٣٧) عن خارجة ابن زيد.
(٤) ورواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٤٣٨) وأخرجه الفسوي في تاريخه ورجاله ثقات.
(٥) أزمته: أي من أرزنهم وأوقرهم، الزميت: الحليم الساكن القليل الكلام.
[ ٤ / ٢٠٥٦ ]
هشام، عن ابن سيرين، قال: خرج زيد بن ثابت يريد الجمعة، فاستقبل الناس راجعين، فدخل دارًا، فقيل له. فقال: إنه من لا يستحيي من الناس لا يستحيي من الله (١).
ومن جلالة زيد: أن الصديق اعتمد عليه في كتابة القرآن العظيم في صحف، وجمعه من أفواه الرجال، ومن الأكتاف والرقاع، واحتفظوا بتلك الصحف مدة، فكانت عند الصديق؛ ثم تسلمها الفاروق، ثم كانت بعد عند أم المؤمنين حفصة، إلى أن ندب عثمان زيد بن ثابت ونفرًا من قريش إلى كتابه هذا المصحف العثماني الذي به الآن في الأرض أزيد من ألفي ألف نسخة، ولم يبق بأيدي الأمة قرآن سواه؛ ولله الحمد.
حفص، عن عاصم، عن أبي عبد الرحمن [السلمي]، قال: لم أخالف عليًا في شيء من قراءته، وكنت أجمع حروف علي، فألقى بها زيدًا في المواسم بالمدينة. فما اختلفا إلا في "التابوت" كان زيد يقرأ [الحرف الأخيرٍ بالهاء وعلي بالتاء.
عن مكحول: أن عبادة بن الصامت دعا نبطيًا يمسك دابته عند بيت المقدس، فأبى. فضربه، فشجه. فاستعدى عليه عمر. فقال: ما دعاك إلى ما صنعت بهذا؟ قال: أمرته، فأبى؛ وأنا في حدة، فضربته. فقال: اجلس للقصاص. فقال زيد بن ثابت: أتقيد لعبدك من أخيك؟ فترك عمر القود، وقضى عليه بالدية (٢).
عن عمار بن أبي عمار، قال: لما مات زيد، جلسنا إلى ابن عباس في ظل، فقال: هكذا ذهاب العلماء، دفن اليوم علم كثير (٣).
وفيه يقول حسان بن ثابت:
فمن للقوافي بعد حسان وابنه ومن للمثاني (٤) بعد زيد بن ثابت
_________________
(١) وذلك لأن زيدًا ﵁ كان في منطقة لا يسمع الآذان فيها.
(٢) ورواه البيهقي في السفن الكبرى (٨/ ٣٢) ورجاله ثقات.
(٣) ورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ٣٦١) والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٢٨) والطبراني الكبير (٥/ ١٠٨) ورجاله ثقات.
(٤) المثاني: القرآن وسمي بذلك لأن المعاني تثنى منه.
[ ٤ / ٢٠٥٧ ]
وقد اختلفوا في وفاة زيد ﵁ على أقوال: فقال الواقدي، وهو إمام المؤرخين: مات سنة خمس وأربعين، عن ست وخمسين سنة، وتبعه على وفاته يحيى بن بكير، وشباب، ومحمد بن عبد الله بن نمير.
قال أبو عبيد: مات سنة خمس وأربعين. ثم قال: وسنة ست وخمسين أثبت.
وقال أحمد بن حنبل، عمرو بن علي: سنة إحدى وخمسين.
وقال المدائني، والهيثم، ويحيى بن معين: سنة خمس وخمسين. وقال أبو الزناد: سنة خمس وأربعين. فالله أعلم. اهـ ذهبي.
* * *
[ ٤ / ٢٠٥٨ ]
٥٩ - سلمة بن الأكوع ﵁
قال ابن حجر: سملة بن عمرو بن الأكوع واسم الأكوع سنان بن عبد الله، يأتي بقية نسبه في عامر بن الأكوع، وقيل اسم أبيه وهب، وقيل غير ذلك أول مشاهده الحديبية، وكان من الشجعان ويسبق الفرس عدوًا، وبايع النبي ﵌ عند الشجرة على الموت رواه البخاري من حديثه وقيل مات سنة أربع وستين وزعم الواقدي ومن تبعه أنه عاش ثمانين سنة وهو على القول الأول باطل إذ يلزم منه أن يكون له في الحديبية نحو من عشر سنين ومن يكون في ذلك السن لا يبايع على الموت، ثم رأيت عند ابن سعد أنه مات في آخر خلافة معاوية وكذا ذكر البلاذري اهـ ابن حجر.
قال الذهبي في ترجمته: أبو عامر وأبو مسلم. ويقال: أبو إياس الأسلمي الحجازي المدني.
قيل: شهد مؤتة، وهو من أهل بيعة الرضوان.
قال مولاه يزيد: رأيت سلمة يصفر لحيته. وسمعته يقول: بايعت رسول الله ﷺ على الموت، وغزوت معه سبع غزوات.
عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: بيتنا هوازن مع أبي بكر الصديق، فقتلت بيدي ليلتئذ، سبعة أهل أبيات (١).
عكرمة بن عمار: حدثنا إياس، عن أبيه [سلمة بن الأكوع] قال: خرجت أنا ورباح غلام النبي ﷺ بظهر النبي ﷺ. وخرجت بفرسٍ لطلحة. فأغار عبد الرحمن بن عيينة على الإبل، فقتل راعيها، وطرد الإبل هو وأناس معه في خيل. فقلت: يا رباح! اقعد على هذا الفرس، فألحقه بطلحة، وأعلم رسول الله ﷺ. وقمت على تل، ثم ناديت ثلاثًا: يا صباحاه! واتبعت القوم، فجعلت أرميهم، وأعقر بهم، وذلك حين يكثر الشجر فإذا رجع إلي فارس، قعدت له في أصل شجرة، ثم رميته، وجعلت أرميهم، وأقول:
_________________
(١) ورواه أحمد في مسنده (٤/ ٤٦) وأبو داود بنحوه (٣/ ٤٣) كتاب الجهاد، باب في البيات وإسناده حسن. التبييت: الطروق ليلًا على غفلةٍ للغارة.
[ ٤ / ٢٠٥٩ ]
أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع
وأصبت رجالً بين كتفيه، وكنت إذا تضايقت الثنايا، علوت الجبل، فردأتهم بالحجارة، فما زال ذلك شأني وشأنهم حتى ما بقي من شيء من ظهر النبي ﷺ إلا خلفته وراء ظهري، واستنقذته. ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحًا، وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها، ولا يلقون شيئًا إلا جعلت عليه حجارة، وجمعته على طريق رسول الله ﷺ، حتى إذا امتد الضحى، أتاهم عيينة بن بدر مددًا لهم، وهم في ثنيةٍ ضيقة، ثم علوت الجبل، فقال عيينة: ما هذا؟ قالوا: لقينا من هذا البرح، ما فارقنا بسحر إلى الآن، وأخذ كل شيءٍ كان في أيدينا. فقال عيينة: لولا أنه يرى أن وراءه طلبًا لقد ترككم، ليقم إليه نفر منكم. فصعد إلي أربعة، فلما أسمعتهم الصوت، قلت: أتعرفوني؟ قالوا: ومن أنت؟ قلت: أنا ابن الأكوع. والذي أكرم وجه محمدٍ ﷺ لا يطلبني رجل منكم فيدركني، ولا أطلبه فيفوتني. فقال رجل منهم: إني أظن. فما برحت ثم، حتى نظرت إلى فوارس رسول الله ﷺ يتخللون الشجر وإذا أولهم الأخرم الأسدي، وأبو قتادة، والمقداد؛ فولى المشركون. فأنزل، فأخذت بعنان فرس الأخرم، لا آمن أن يقتطعوك، فائتذ حتى يلحقك المسلمون؛ فقال: يا سلمة! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة، فخليت عنان فرسه، ولحق بعبد الرحمن بن عيينة، فاختلفا طعنتين، فعقر الأخرم بعبد الرحمن فرسه، ثم قتله عبد الرحمن، وتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم، فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن، فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة، فقتله أبو قتادة، وتحول على فرسه.
وخرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار أصحابنا شيئًا، ويعرضون قبيل المغيب إلى شعبٍ فيه ماء يقال له: "ذو قرد" (١)، فأبصروني أعدو وراءهم، فعطفوا
_________________
(١) ذو قرد: ماء على ليلتين من المدينة بينها وبين خيبر، وقال البخاري في "صحيحه": وهي الغزوة التي أغاروا فيها على لقاح النبي ﷺ قبل خيبر بثلاث [ليال]. قال الحافظ: كذا جزم به، ومستنده في ذلك حديث إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، فإنه قال في آخر الحديث الطويل الذي أخرجه مسلم من طريقه، قال: فرجعنا، أي: من الغزوة إلى المدينة، فوالله ما لبثنا بالمدينة إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر، وأما ابن سعد، فقال: كانت غزوة ذي قرد في ربيع الأول في سنة ست قبل الحديبية، وقيل في جمادى الأولى، وقيل في جمادى الأولى، وعن ابن إسحاق: في شعبان منها.
[ ٤ / ٢٠٦٠ ]
عنه، وأسندوا في الثنية، وغربت الشمس، فألحق رجلًا، فأرميه؛ فقلت: خذها وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع. فقال: يا ثكل أمي أكوعي بكرة؟ قلت: نعم با عدو نفسه. وكان الذي رميته بكرة، فأتبعته سهمًا آخر، فعلق به سهمان. ويخلفون فرسين، فسقتهما إلى رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي حليتهم عنه - «ذو قرد» - وهو في خمس مئة، وإذا بلال نحر جزورًا مما خلفت، فهو يشوي لرسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله! خلني فأنتخب من أصحابك مئة، فآخذ عليهم بالعشوة، فلا يبقى منهم مخبر. قال: «أكنت فاعلًا يا سلمة؟» قلت: نعم، فضحك حتى رأيت نواجذه في ضوء النار. ثم قال: إنهم يقرون الآن بأرض غطفان.
قال: فجاء رجل، فأخبر أنهم مروا على فلان الغطفاني، فنحر لهم جزورًا، فلما أخذوا يكشطون جلدها، رأوا غيرة، فهربوا. فلما أصبحنا، قال رسول الله ﷺ: «خير فرساننا أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة» وأعطاني سهم الراجل والفارس جميعًا. ثم أردفني وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة.
فلما كان بيننا وبينها قريبًا من ضحوة، وفي القوم رجل كان لا يسبق جعل ينادي: ألا رجل يسابق إلى المدينة؟ فأعاد ذلك مرارًا. فقلت: ما تكرم كريمًا ولا تهاب شريفًا؟ قال: لا، إلا رسول الله ﷺ. فقلت: يا رسول الله بأبي وأمي، خلني أسابقه. قال" إن شئت. وقلت: امض.
وصبرت عليه شرفًا أو شرفين حتى استبقيت نفسي، ثم إني عدوت حتى ألحقه، فأصك بين كتفيه، وقلت: سبقتك والله، أو كلمة نحوها، فضحك، وقال: إن أظن، حتى قدمنا المدينة. اهـ.
هكذا ذكره الذهبي وهو عند مسلم بأطول منه.
٢١٨٧ - * روى البخاري عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: «غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، فذكر خيبر، والحديبية، ويوم حنين، ويوم القرد، قال يزيد بن
_________________
(١) البخاري (٧/ ٥١٧) ٦٤ - كتاب المغازي - ٤٥ - باب بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة.
[ ٤ / ٢٠٦١ ]
أبي عبيد: ونسيت بقيتهم.
وفي رواية (١): أنه سمعه يقول: غروت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات، مرة علينا أبو بكر، ومرة علينا أسامة.
٢١٨٨ - * روى ابن سعد عن عبد الرحمن بن رزين، قال: أتينا سلمة بن الأكوع بالربذة، فأخرج إلينا يدًا ضخمة كأنها خف البعير، فقال: بايعت بيدي هذه رسول الله ﷺ. قال: فأخذنا يده، فقلبناها.
٢١٨٩ - * روى الطبراني عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: أردفني رسول الله ﷺ مرارًا، ومسح على وجهي مرارًا، واستغفر لي مرارًا عدد ما في يدي من الأصابع.
٢١٩٠ - * روى البخاري ومسلم عن سلمة بن الأكوع: أنه دخل على الحجاج فقال: يا ابن الأكوع! ارتددت على عقبيك؟ تعربت؟ قال: لا. ولكن رسول الله ﷺ أن لي في البدو.
وذكر الذهبي في السير (٢) عن عبادة بن الوليد أن الحسن بن محمد بن الحنفية قال: اذهب بنا إلى سلمة بن الأكوع، فلنسأله، فإنه من صالحي أصحاب النبي ﷺ القدم، فخرجنا نريده، فلقيناه يقوده قائده. وكان قد كف بصره.
٢١٩١ - * روى البخاري عن يزيد بن أبي عبيد، قال: لما قتل عثمان، خرج سلمة إلى
_________________
(١) البخاري في نفس الموضع السابق ومسلم (٣/ ١٤٤٨) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٤٩ - باب عدد غزوات النبي ﷺ.
(٢) الطبقات الكبرى (٤/ ٢٠٦) وإسناده حسن.
(٣) المعجم الكبير (٧/ ٢٤) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد «٩/ ٣٦٣) رجاله رجال الصحيح غير علي بن يزيد بن أبي حكيمة وهو ثقة.
(٤) البخاري (١٣/ ٤٠) ٩٣ - كتاب الفتن - ١٤ - باب الثغرب في الفتنة. ومسلم (٣/ ١٤٨٦) ٣٢ - كتاب الإمارة - ١٩ - باب تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه.
(٥) السير (٣/ ٣٣١) ورواه ابن عساكر في تاريخه.
(٦) البخاري (١٣/ ٤٠) ٩٢ - كتاب الفتن - ١٤ - باب التغرب في الفتنة
[ ٤ / ٢٠٦٢ ]
الربذة (١)، وتزوج امرأة، فولدت له أولادًا، فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليالٍ، نزل المدينة.
* * *
_________________
(١) الربذة: من قرى المدينة على ثلاثة أميال قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز إذا رحلت من قيد تريد مكة. قال الحافظ في «الفتح»: ويستفاد من هذه الرواية مدة سكنى سلمة البادية وهي نحو الأربعين سنة، لأن قتل عثمان كان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وموت سلمة سنة أربع وسبعين على الصحيح.
[ ٤ / ٢٠٦٣ ]
٦٠ - أبو الدرداء ﵁
قال ابن حجر في الإصابة: عويمر أبو الدرداء .. مشهور بكنيته وباسمه جميعًا واختلف في اسمه فقيل هو عامر وعويمر لقب حكاه عمرو بن الغلاس عن بعض ولده وبه جزم الأصمعي في رواية الكديمي عنه واختلف في اسم أبيه فقيل عامر أو مالك أو ثعلبة أو عبد الله أو زيد وأبوه ابن قيس بن أمية بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخرزجي. قال أبو شهر عن سعيد بن عبد العزيز: أسلم يوم بدر وشهد أحدًا وأبلى فيها، قال صفوان بن عمر. وعن شريح بن عبيد قال رسول الله ﵌ يوم أحد: نعم الفارس عويمر، وقال هو حكيم أمتي. وقال ابن حبان: ولاه معاوية قضاء دمشق في خلافة عمر. قال أبو شهر عن سعيد بن عبد العزيز: مات أبو الدرداء وكعب الأحبار لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وقال الواقدي وجماعة مات سنة اثنتين وثلاثين، وقال ابن عبد البر إنه مات بعد صفين والأصح عند أصحاب الحديث أنه مات في خلافة عثمان اهـ.
قال الذهبي: أبو الدرداء، الإمام القدوة. قاضي دمشق، وصاحب رسول الله ﷺ، أبو الدرداء عويمر بن زيد بن قيس، ويقال: عويمر بن عامر، ويقال: ابن عبد الله. وقيل: ابن ثعلبة بن عبد الله - الأنصاري الخزرجي. حكيم هذه الأمة. وسيد القراء بدمشق.
وقال ابن أبي حاتم: هو عويمر بن قيس بن زيد بن قيس بن أمية بن عامر بن عدي بن كعب الخزرج. قال: ويقال: اسمه عامر بن مالك.
روى عن النبي ﷺ عدة أحاديث، وهو معدود فيمن تلا على النبي ﷺ، ولم يبلغنا أنه قرأ غيره، وهو معدود فيمن جمع القرآن في حياة رسول الله ﷺ، وتصدر للإقراء بدمشق في خلافة عثمان، وقبل ذلك، وقرأ عليه عطية بن قيس، وأم الدرداء.
وقال أبو عمرو الداني: عرض عليه القرآن، خليد بن سعد، وراشد بن سعد، وخالد ابن معدان، وابن عامر. كذا قال الدامي. وولي القضاء بدمشق، في دولة عثمان. فهو أول من ذكر من قضاتها، وداره بباب البريد. ثم صارت في دولة السلطان صلاح الدين تعرف
[ ٤ / ٢٠٦٤ ]
بدار الغزي.
وآخر من زعم أنه رأى أبا الدرداء، شيخ عاش إلى دولة الرشيد، فقال أبو إبراهيم الترجماني: حدثنا إسحاق أبو الحارث، قال: رأيت أبا الدرداء أقنى أشهل يخضب بالصفوة.
عن خيثمة: قال أبو الدرداء: كنت تاجرًا قبل المبعث، فلما جاء الإسلام، جمعت التجارة والعبادة، فلم يجتمعا، فتركت التجارة، ولزمت العبادة (١).
قلت [القائل الذهبي]: الأفضل جمع الأمرين مع الجهاد، وهذا الذي قاله، هو طريق جماعة من السلف والصوفية، ولا ريب أن أمزجة الناس تختلف في ذلك، فبعضهم يقوى على الجمع، كالصديق، وعبد الرحمن بن عوف، وكما كان ابن المبارك؛ وبعضهم يعجز، ويقتصر على العبادة، وبعضهم يقوى في بدايته، ثم يعجز، وبالعكس؛ وكل سائغ. ولكن لابد من النهضة بحقوق الزوجة والعيال.
قال سعيد بن عبد العزيز: أسلم أبو الدرداء يوم بدر، ثم شهد أحدًا وأمره رسول الله ﷺ يومئذ أن يرد من على الجيل، فردهم وحده. وكان قد تأخر إسلامه قليلًا.
قال شريح بن عبيد الحمصي: لما هزم أصحاب رسول الله يوم أحد، كان أبو الدرداء يومئذ فيمن فاء إلى رسول الله في الناس، فلما أظلهم المشركون من فوقهم، قال رسول الله: «اللهم، ليس لهم أن يعلونا» فثاب إليه ناس، وانتدبوا (٢)، وفيهم عويمر أبو الدرداء، حتى أدحضوهم (٣) عن مكانهم، وكان أبو الدرداء يومئذ حسن البلاء. فقال رسول الله: نعم الفارس عويمر».
وقال [رسول الله ﷺ] «حكيم أمتي عويمر»! هذا رواه يحيي البابلتي: حدثنا صفوان بن عمرو، عن شريح، عن أنس: مات النبي ﷺ، ولم يجمع القرآن غير أربعة:
_________________
(١) رواه ابن سعد في الطبقات (٧/ ٣٩١) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٦٧) وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.
(٢) انتدبوا: أسرعوا.
(٣) أدحضوهم: أزللهم.
[ ٤ / ٢٠٦٥ ]
أبو الدرداء، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد (١).
عن الشعبي: جمع القرآني على عهد رسول الله ستة، وهم من الأنصار: معاذ، وأبو الدرداء، وزيد، وأبي، وسعد بن عبيد (٢).
قال أبو الزاهرية: كان أبو الدرداء من آخر الأنصار إسلامًا، وكان يعبد صنمًا، فدخل ابن رواحة، ومحمد بن مسلمة بيته، فسكرا صنمه، فرجع فجعل يجمع الصنم، ويقول: ويحك! هلا امتنعت! ألا دفعت عن نفسك، فقالت أم الدرداء: لو كان ينفع أو يدفع عن أحد، دفع عن نسفه ونفعها!
فقال أبو الدرداء: أعدي لي ماء في المغتسل. فاغتسل، ولبس خلته ثم ذهب إلى النبي ﷺ فنظر إليه ابن رواجة مقبلًا، فقال: يا رسول الله، هذا أبو الدرداء، وما أراه إلا جاء في طلبنا؟ فقال: «إنما جاء ليسلم، إن ربي وعدني بأبي الدرداء أن يسلم.
عن جبير، عن أبي الدرداء: قال النبي ﷺ: «إن الله وعدني إسلام أبي الدرداء فأسلم».
عن سعيد بن عبد العزيز: أن أبا الدرداء أسلم يوم بدر، وشهد أحدًا. وفرض له عمر في أربع مئة - يعني في الشهر - ألحقه في البدريين.
عن مكحول: كانت الصحابة يقولون: أرحمنا بنا أبو بكر؛ وأنطقنا بالحق عمر؛ وأميننا أبو عبيدة؛ وأعلمنا بالحرام والحلال معاذ؛ وأقرنا أبي، ورجل عنده علم ابن مسعود، وتبعهم عويمر أبو الدرداء بالعقل.
وقال ابن إسحاق: كان الصحابة يقولون: أتبعنا للعلم والعمل أبو الدرداء (٣).
وروى عون بن أبي حجيقة، عن أبيه: أن رسول الله آخى بين سلمان وأبي الدرداء؛ فجاءه سلمان يزوره، فإذا أم الدرداء متبذلة، فقال: ما شأنك؟ قالت: إن أخاك لا
_________________
(١) رواه البخاري (٩/ ٤٧) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن - ٨ - باب القراء من أسحاب النبي ﷺ.
(٢) رواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٥٥) ورجاله ثقات، وسنده صحيح مع إرساله.
(٣) راه البخاري في تاريخه (٧/ ٢٧).
[ ٤ / ٢٠٦٦ ]
حاجة له الدنيا، يقوم الليل، ويصوم النهار. فجاء أبو الدرداء، فرحب به، وقرب إليه طعامًا. فقال له سلمان: كل. قال: إني ضائم. قال: أقسمت غليك لتفطرن، فأكل معه، ثم بات عنده، فلما كان من الليل، أراد أبو الدرداء أن يقوم، فمنعه سلمان وقال: إن لجسدك عليك حقًا، ولربك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا؛ صم، وأفطر، وصل، وائت أهلك، وأعط كل ذي حق حقه.
فلما كان وجه الصبح، قال: قم الآن إن شئت؛ فقاما، فتوضا، ثم ركعا، ثم خرجا إلى الصلاة، فدنا أبو الدرداء ليخبر رسول الله بالذي أمره سلمان. فقال له: «يا أبا الدرداء، إن لجسدك عليك حقًا، مثل ما قال لك سلمان» (١).
قال أبو الدرداء: لو نسيت آية لم أجدا أحدًا يذكرنبها إلا رجلًا ببرك الغماد (٢)، رحلت إليه.
عن أبي الدرداء، قال: سلوني، فوالله لئن فقدتموني لتفقدن رجلًا عظيمًا من أمة محمد ﷺ.
عن يزيد بن عميرة، قال: لما حضرت معاذًا الوفاة، قالوا: أوصنا. فقال: العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما - قالها ثلاثًا - فالتمسوا العلم عند أربعة: عند عويمر أبي الدرداء، وسلمان، وابن مسعود، وعبد الله بن سلام، الذي كان يهوديًا فأسلم.
عن عبد الرحمن الحجري، قال: قال أبو ذر لأبي الدرداء: ما حملت ورقاء، ولا أظلت خضراء (٣)، أعلم منك يا أبا الدرداء.
عن مسروق: قال: وجدت علم الصحابة انتهى إلى ستة: عمر، وعلي، وأبي، وزيد،
_________________
(١) رواه البخاري (٤/ ٢٠٩) ٣٠ - كتاب الصوم - ٥١ - باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع. والترمذي (٤/ ٦٠٨) ٣٧ - كتاب الزهد، باب: ٦٣. مبتذلة: لابسة ثياب البذلة وهي المهنة.
(٢) برك الغماد: موضع بناحية اليمن، وقيل: موضع في أقاصي أرض هجر.
(٣) الورقاء: الغيراء، أراد بها الأرض، والخضراء: السماء.
[ ٤ / ٢٠٦٧ ]
وأبي الدرداء، وابن مسعود؛ ثم انتهى علمهم إلى علي، وعبد الله (١).
وقال خالد بن معدان: كان ابن عمر يقول: حدثونا عن العاقلين فيقال: من العاقلان؟ فيقول: معاذ، وأبو الدرداء (٢).
عن محمد بن كعب، قال: جمع القرآن خمسة: معاذ، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وأبي، وأبو أيوب. فلما كان زمن عمر، كتب إليه يزيد بن أبي سفيان: إن أهل الشام قد كثروا، وملؤوا المدائن، واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم. فأعني برجال يعلمونهم. فدعا عمر الخمسة؛ فقال: إن إخوانكم قد استعانوني من يعلمهم القرآن، ويفقههم في الدين، فأعينوني يرحكمهم الله بثلاثة منكم إن أحبتتم، وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا.
فقالوا: ما كنا لتتساهم، هذا شيخ كبير - لأبي أيوب - وأما هذا فسقيم - لأبي - فخرج معاذ، وعبادة، وأبو الدرداء.
فقال عمر: ابدؤوا بحمص، فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة، منهم من يلقن، فإذا رأيتم ذلك، فوجهوا إليه طائفة من الناس، فإذا رضيتم منهم، فليقم بها واحد، وليخرج واحد إلى دمشق، والآخر إلى فلسطين. قال: فقدموا حمص فكانوا بها؛ حتى إذا رضوا من الناس أقام بها عبادة بن الصامت؛ وخرج أبو الدرداء إلى دمشق، ومعاذ إلى فلسطين. فمات في طاعون عمواس، ثم صار عبادة بعد إلى فلسطين وبها مات. ولم يزل أبو الدرداء بدشمق حتى مات (٣).
عن يحيي بن سعيد، قال: كان أبو الدرداء، إذا قضى بين اثنين، ثم أدبرا عنه، نظر
_________________
(١) رواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٥١) وإسناده صحيح.
(٢) رواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٥٠) ورجاله ثقات.
(٣) رواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٥٦) والبخاري في التاريخ الصغير (١/ ٤١) تساهم: تتقارع من القرعة. يفقن: يفهم. عسواس: قرية على ستة أميال من الرملة على طريق بيت المقدس، وطاعون عمواس كان في سنة ١٨ هـ وفيه استشهد أبو عبيدة ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان وغيرهم.
[ ٤ / ٢٠٦٨ ]
إليهما، فقال: ارجعا إلي، أعيدا علي قضيتكما.
عن ابن أبي ليلى، قال: كتب أبو الدرداء إلى مسلمة بن مخلد: سلام عليك. أما بعد، فإن العبد إذا عمل بمعصية الله، أبغضه الله؛ فإذا أبغضه الله، بغضه إلى عباده.
عن أبي الدرداء: إني لآمركم بالأمر وما أفعله، ولكن لعل الله يأجرني فيه.
سعد بن إبراهيم، عن أبيه: أن عمر قال لابن مسعود وأبي ذر، وأبي الدرداء: ما هذا الحديث عن رسول الله ﷺ؟ وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب. الذهبي. اهـ.
أقول: كان مذهب عمر أن يقلل الحديث عن رسول الله ﷺ إلا فيما لابد منه كي لا ينشغل الناس عن القرآن، وكان يحب أن لا يتفرق الصحابة بالأمصار كي تبقى حوله نخبة من الصحابة يستشيرها، وكي تبقى للعاصمة مركزيتها القوية.
قال الذهبي: عن مسلم بن مشكم قال لي أبو الدرداء: اعدد من في مجلسنا. قال: فجاؤوا ألفًا وست مئة ونيفا. فكانوا يقرؤون ويتسابقون عشرة عشرة، فإذا صلى الصبح، انفتل وقرأ جزءًا؛ فيحدقون به يسمعون ألفاظه. وكان ابن عامر مقدمًا فيهم (١).
يزيد بن أبي مالك، قال: كان أبو الدرداء يضلي، ثم يقرئ ويقرأ، حتى إذا أراد القيام، قال لأصحابه: هل من وليمة أو عقيقة (٢) نشهدها؟ فإن قالوا: نعم، وإلا قال: اللهم، إني أشهدك أني صائم. وهو الذي سن هذه الحلق للقراءة.
وعن يزيد بن معاوية قال: إن أبا الدرداء من العلماء والفقهاء، الذين يشفون من الداء.
وقال الليث، عن رجل عن آخر: رأيت أبا الدرداء دخل مسجد النبي ﷺ ومعه الأتباع مثل السلطان: فمن سائل عن فريضة، ومن سائل عن حساب، وسائل عن حديث، وسائل عن معضلة، وسائل عن شعر.
_________________
(١) رجاله ثقات.
(٢) العقيقة: هي الشاة التي تذبح عن المولد في اليوم السابع من ولادته.
[ ٤ / ٢٠٦٩ ]
قال ربيعة بن يزيد القصير: كان أبو الدرداء إذا حدث عن رسول الله قال: اللهم إن لا هكذا، وإلا فكشكله.
قال أبو الدرداء: مالي أري علماءكم يذهبون، وجهالكم لا يتعلمون! تعلموا، فإن العالم والمتعلم شريكان في الأجر.
وعن أبي الدرداء، من وجه مرسل: لن تكون عالمًا حتى تكون متعلمًا، ولا تكون متعلمًا حتى تكون بما علمت عاملًا؛ إن أخوف ما أخاف إذا وقفت للحساب أن يقال لي: ما عملت فيما علمت؟.
قال أبو الدرداء: ويل للذي لا يعلم مرة، وويل للذي يعلم ولا يعمل سبع مرات.
عن عون بن عبد الله: قلت لأم الدرداء: أي عبادة أبي الدرداء كانت أكثر؟ قالت: التفكر والاعتبار.
وعن أبي الدرداء: تفكر ساعة خير من قيام ليلة.
عن ابن حلبس: قيل لأبي الدرداء - وكان لا يفتر من الذكر -: كم تسبح في كل يوم؟ قال: مئة ألف، إلا أن تخطئ الأصابع.
عن بلال بن سعد، أن أبا الدرداء قال: أعود بالله من تفرقة القلب. قيل: وما تفرقة القلب؟ قال: أن يجعل لي في كل واد مال.
وري عن أبي الدرداء، قال: لولا ثلاث ما أحببت البقاء: ساعة ظمأ الهواجر، والسجود في الليل، وكجالسة أقوام ينتقوم جيد الكلام كما ينتقى أطايب الثمر.
عن يحيي بن أبي كثير، عن أبيه: أن أبا الدرداء أوجعت عينه حتى ذهبت، فقيل له: لو دعوت الله؟ فقال: ما فرغت بعد من دعائه لذنوبي؛ فكيف أدعو لعيني؟.
حريز بن عثمان: حدثنا راشد بن سعد، قال: جاء رجل إلى أبي الدرداء فقال: أوصني. قال: اذكر الله في السراء يذكرك في الضراء؛ وإذا ذكرت الموتى، فاجعل نفسك
[ ٤ / ٢٠٧٠ ]
كأحدهم، وإذا أشرفت نفسك على شيء (١) من الدنيا، فانظر إلى ما يصير.
عن عبد الله بن مرة، أن أبا الدرداء قال: اعبد الله كأنك تراه وعد نفسك في الموتى، وإياك ودعوة المظلوم، واعلم أن قليلًا يغنيك خير من كثير يلهيك، وأن البر لا يبلى، وأن الإثم لا ينسى.
عن أبي الدرداء: إياك ودعوات المظلوم؛ فإنهن يصعدن إلى الله كأنهن شرارات من نار.
وروى لقمان بن عامر، أن أبا الدرداء قال: أهل الأموال يأكلون ونأكل، ويشربون ونشرب، ويلبسون ونلبس، ويركبون ونركب، ولهم فضول أموال ينظرون إليها، وننظر إليها معهم، وحسابهم عليها ونحن منها برآء.
وعنه، قال: الحمد لله الذي جعل الأغنياء يتمنون أنهم مثلنا عند الموت، ولا نتمنى أننا مثلهم حينئذ، ما أنصفنا إخواننا الأغنياء: يحبوننا على الدين، ويعادوننا على الدنيا.
قال: لما فتحت قبرس، مر بالسبي على أبي الدرداء، فبكى، فقلت له: تبكي في مثل هذا اليوم الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ قال: يا جبير، بينا هذه الأمة قاهرة ظاهرة إذ عصوا الله، فلقوا ما ترى. ما أهون العباد على الله إذا هم عصوه.
عن أم الدرداء، قالت: كان لأبي الدرداء ستون وثلاث مئة خليل في الله. يدعو لهم في الصلاة، فقلت له في ذلك، فقال: إنه ليس رجل يدعو لأخيه في الغيب، إلا وكل الله به ملكين يقولان: ولك بمثل. أفلا أرغب أن تدعو لي الملائكة (٢).
قالت أم الدرداء: لما احتضر أبو الدرداء، جعل يقول: من يعمل لمثل يومي هذا؟ من يعمل لمثل مضجعي هذا؟.
عن يزيد بن مزيد، قال: ذكر الدجال في مجلس فيه أبو الدرداء فقال نوف
_________________
(١) وإذا أشرفت نفسك على شيء: أي تطلعت إليه.
(٢) أقول: هذا محمول على الدعاء في صلاة.
[ ٤ / ٢٠٧١ ]
البكالي (١): إني لغير الدجال أخوف مني من الدجال. فقال أبو الدرداء: وما هو؟ قال: أخاف أن أستلب إيماني وأنا لا أشعر. فقال أبو الدرداء: ثكلتك أمك يا ابن الكندية! وهل في الأرض خمسون يتخوفون ما تتخوف؟ ثم قال: وثلاثون، وعشرون، وعشرة، وخمسة. ثم قال: وثلاثة. كل ذلك يقول: ثكلتك أمك! والذي نفسي بيده ما أمن عبد علي إيمانه إلا سلبه، أو انتزع منه فيفقده. والذي نفسي بيده ما الإيمان إلا كالقميص يتقمصه مرة ويضعه أخرى.
وقيل: الذين في حلقة إقراء أبي الدرداء كانوا أزيد من ألف رجل، ولكل عشرة منهم ملقن، وكان أبو الدرداء يطوف عليهم قائمًا، فإذا أحكم الرجل منهم، تحول إلى أبي الدرداء- يعني يعرض عليه.
وعن أبي الدرداء، قال: من أكثر ذكر الموت قل فرحه، وقل حسده.
قال الواقدي، وأبو مسهر، وابن نمير: مات أبو الدرداء سنة اثنتين وثلاثين.
وعن خالد بن معدان، قال: مات سنة إحدى وثلاثين.
فهذا خطأ، لأن الثوري روى عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن حريث بن ظهير، قال: لما جاء نعي- يعني ابن مسعود- إلى أبي الدرداء، قال: أما إنه لم يخلف بعده مثله! ووفاة عبد الله في سنة ٣٢.
وروى إسماعيل بن عبيد الله، عن أبي عبيد الله الأشعري، قال: مات أبو الدرداء قبل مقتل عثمان، ﵄ مات قبل عثمان بثلاث سنين. أهـ الذهبي.
وروى أبو زرعة في تاريخ دمشق عن الأوزاعي قال: مات أبو الدرداء وكعب الأحبار في خلافة عثمان لسنتين من خلافته.
٢١٩٢ - * وروى الطبراني عن أبي الدرداء قلت: يا رسول الله بلغني أنك تقول: إن قومًا من أمتي سيكفرون بعد إيمانهم؟ قال: "أجل يا أبا الدرداء ولست منهم".
_________________
(١) هو ابن امرأة كعب الأحبار.
(٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٦٧) وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح غير أبي عبد الله الأشعري وهو ثقة.
[ ٤ / ٢٠٧٢ ]
٦١ - عبد الله بن الأرقم ﵁
قال ابن حجر في ترجمته: عبد الله بن الأرقم بن أبي الأرقم واسمه عبد يغوث بن وهب ابن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري .. قال البخاري: عبد يغوث جده وكان خال النبي ﷺ، أسلم يوم الفتح وكتب للنبي ﵌ ولأبي بكر وعمر وكان على بيت المال أيام عمر وكان أميرًا عنده. حديث حفصة أنه قال لها: لولا أن ينكر علي قومك لاستخلفت عبد الله بن الأرقم وقال السائب بن يزيد ما رأيت أخشى لله منه وأخرج البغوي عن عبد الله بن الزبير أن النبي ﵌ استكتب عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث وكان يجيب عنه الملوك وبلغ من أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب ويختم ولا يقرأه لأمانته عنده واستكتب أيضًا زيد بن ثابت وكان يكتب الوحي وكان إذا غاب بن الأرقم وزيد بن ثابت واحتاج أن يكتب إلى أحد أمر من حضر أن يكتب فمن هؤلاء عمر وعلي وخالد بن سعيد والمغيرة ومعاوية، ومن طريق محمد بن صدقة الفدكي عن مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن أبيه قال قال عمر: كتب إلى النبي ﵌ كتاب فقال لعبد الله بن الأرقم الزهري أجب هؤلاء عني فأخذ عبد الله الكتاب فأجابهم ثم جاء به فعرضه على النبي ﵌ فقال: أصبت قال عمر: فقلت رضي رسول الله ﵌ بما كتبت فما زالت في نفسي يعني حتى جعلته على بيت المال وقد روى عن النبي ﵌، وعنه عبد الله بن عتبة بن مسعود وأسلم مولى عمر ويزيد بن قتادة وعروة قال ابن السكن: توفي في خلافة عثمان وهو مقتضى صنيع البخاري في تاريخه الصغير، ووقع في ثقات ابن حبان أنه توفي سنه أربع وأربعين وهو وهم، وقال مالك: بلغني أن عثمان أجاز عبد الله بن الأرقم بثلاثين ألفًا فأبى أن يقبلها وقال: إنما عملت لله. وأخرج البغوي من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار: استعمل عثمان عبد الله بن الأرقم على بيت المال فأعطاه عمالة ثلثمائة ألف فأبى أن يقبلها فذكر نحوه. أهـ.
وقال الذهبي في ترجمته: من مسلمة الفتح، وكان ممن حسن إسلامه، وكتب للنبي ﷺ، ثم كتب لأبي بكر، ولعمر، وولاه عمر بيت المال، وولي بيت المال أيضًا لعثمان
[ ٤ / ٢٠٧٣ ]
مدة، وكان من جلة الصحابة وصلحائهم.
وروي عن عمر أنه قال لعبد الله بن الأرقم: لو كانت لك سابقة، ما قدمت عليك أحدًا! وكان يقول: ما رأيت أخشى لله من عبد الله بن الأرقم.
وروى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبيه، قال: والله ما رأيت رجلًا قط كان أخشى لله من عبد الله بن الأرقم. أهـ.
[ ٤ / ٢٠٧٤ ]
٦٢ - عثمان بن أبي العاص ﵁
قال ابن حجر: عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبد بن دهمان بن عبد الله بن همام الثقفي أبو عبد الله نزيل البصرة .. أسلم في وفد ثقيف فاستعمله النبي ﵌ على الطائف وأقره أبو بكر ثم عمر ثم استعمله عمر على عمان والبحرين سنة خمس عشرة ثم سكن البصرة حتى مات بها في خلافة معاوية، قيل سنة خمس وقيل سنة إحدى وخمسين، وكان هو الذي منع ثقيفًا عن الردة خطبهم فقال: كنتم آخر الناس إسلامًا فلا تكونوا أولهم ارتدادًا، وجاء عنه أنه شهد آمنة لما ولدت النبي ﵌ وهي قصة أخرجها البيهقي في الدلائل، والطبراني من طريق محمد بن أبي سويد الثقفي عنه قال: حدثتني أمي فعلى هذا يكون عاش نحوًا من مائة وعشرين سنة. روى عثمان عن النبي ﵌ أحاديث في صحيح مسلم وفي السنن، وذكر المرزباني في معجم الشعراء أن عثمان بن بشر بن عبد بن دهمان كان قد شد في الجاهلية على عمرو بن معد يكرب فهرب عمرو فقال عثمان:
لعمرك لولا الليل قامت مآتم حواسر يخمشن الوجوه على عمرو
فأفلتنا فوت الأسنة بعدما رأى الموت والخطي أقرب من شعر
فما أدري أهو هذا نسب إلى جده أو هو عنه. أهـ ابن حجر.
وقال الذهبي في السير: عثمان بن أبي العاص الأمير الفاضل المؤتمن. أبو عبد الله الثقفي الطائفي.
قدم في وفد ثقيف على النبي ﷺ في سنة تسع. فأسلموا، وأمره عليهم لما رأى من عقله وحرصه على الخير والدين، وكان أصغر الوفد سنًا.
ثم أقره أبو بكر على الطائف، ثم عمر، ثم استعمله عمر على عمان والبحرين، ثم قدمه [أمره] على جيش، فافتتح توج (١)، ومصرها، وسكن البصرة.
_________________
(١) توج: مدينة بفارس وكان فتحها سنة ٢١.
[ ٤ / ٢٠٧٥ ]
ذكره الحسن البصري، فقال: ما رأيت أحدًا أفضل منه وكانت أمه قد شهدت ولادة رسول الله ﷺ.
حدث عنه: سعيد بن المسيب، ونافع بن جبير بن مطعم، ويزيد، ومطرف: ابنا عبد الله بن الشخير، وموسى بن طلحة، وآخرون. أهـ ذهبي.
٢١٩٣ - * روى الطبراني عن عثمان بن أبي العاص قال: قدمت في وفد ثقيف حين قدموا على رسول الله ﷺ فلبسنا حللنا بباب النبي ﷺ، فقالوا من يمسك لنا رواحلنا؟ فكل القوم أحب الدخول على النبي ﷺ وكره التخلف عنه. قال عثمان: وكنت أصغرهم فقلت: إن شئتم أمسكت لكن على أن عليكم عهد الله لتمسكن لي إذا خرجتم؟ قالوا: فذلك لك، فدخلوا عليه ثم خرجوا، فقالوا: انطلق بنا، قلت: أين؟ قالوا: إلى أهلك، فقلت: خرجت من أهلي حتى إذا حللت بباب النبي ﷺ أرجع ولا أدخل عليه وقد أعطيتموني ما قد علمتم، قالوا فاعجل فإنا قد كفيناك المسألة فلم ندع شيئًا إلا سألناه فدخلت، فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يفقهني في الدين ويعلمني، قال: "ماذا قلت" فأعدت عليه القول، فقال: "لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أصحابك، اذهب فأنت أمير عليهم وعلى من يقدم عليك من قومك".
٢١٩٤ - * روى مسلم عن عثمان بن أبي العاص الثقفي؛ أن النبي ﷺ قال له: "أم قومك" قال قلت: يا رسول الله! إني أجد في نفسي شيئًا. قال: "ادنه" فجلسني بين يديه، ثم وضع كفه في صدري بين ثديي. ثم قال: "تحول" فوضعها في ظهري بين كتفي ثم قال: "أم قومك. فمن أم قومًا فليخفف، فإن فيهم الكبير، وإن فيهم المريض وإن فيهم الضعيف، وإن فيهم ذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم وحده، فليصل كيف شاء".
_________________
(١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٧٠) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير حكيم بن حكيم بن عياد وقد وثق. وقال عنه في التقريب: صدوق.
(٢) مسلم (١/ ٣٤١) ٤ - كتاب الصلاة- ٣٧ - باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام.
[ ٤ / ٢٠٧٦ ]
٢١٩٥ - * روى أبو داود والنسائي عن عثمان بن أبي العاص قال قلت: يا رسول الله اجعلني إمام قومي فقال: "أنت إمامهم واقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا".
٢١٩٦ - * روى الطبراني عن أبي نضرة قال: أتيت عثمان بن أبي العاص في أيام العشر وكان له بيت قد أخلاه للحديث فمر عليه بكبش فقال لصاحبه: بكم أخذته؟ فقال: باثني عشر درهمًا فقلت: [أي أبو نضرة] لو كان معي اثنا عشر درهمًا اشتريت بها كبشًا فضحيت وأطعمت عيالي، فلما قدمت [إلى بيتي] اتبعني [عثمان] بصرة فيها خمسون درهمًا فما رأيت دراهم قط كانت أعظم بركة منها أعطاني وهو لها محتسب وأنا إليها محتاج.
قال الذهبي: عن عثمان بن أبي العاص: أنه بعث غلمانًا له تجارًا؛ فلما جاؤوا، قال: ما جئتم به؟ قالوا: جئنا بتجارة يربح الدرهم عشرة. قال: وما هي؟ قالوا: خمر. قال: خمر! وقد نهينا عن شربها وبيعها، فجعل يفتح أفواه الزقاق، ويصبها (١).
توفي ﵁ سنة إحدى وخمسين. أهـ.
_________________
(١) أحمد في مسنده (٤/ ٢١) أبو داود (١/ ١٤٦) كتاب الصلاة. باب أخذ الأجر على التأذين. والنسائي (٢/ ٢٣) كتاب الآذان، باب اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على آذنه أجرا. اقتد بأضعفهم: أي لا تطل وصل بقدر طاقة أضعفهم.
(٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٧١) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٣) إسناده حسن، سالم بن نوح صدوق له أوهام، وباقي رجاله ثقات.
[ ٤ / ٢٠٧٧ ]
٦٣ - أبو زيد عمر بن أخطب ﵁
قال ابن حجر: أبو زيد بن أخطب اسمه عمرو بن أخطب بن رفاعة بن محمود بن يسير ابن عبد الله بن الصيف بن يعمر بن عدي بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن عامر الأنصاري الخزرجي أبو زيد، مشهور بكنيته وهو جد عزرة بن ثابت لأمه .. أخرج الترمذي من طريق أبي عاصم عن عن عزرة عن علباء بن أحمر عن أبي زيد بن أخطب قال: مسح النبي ﵌ يده على وجهي ودعا لي، وفي رواية أحمد في هذا الحديث وحده: زادني جمالًا، قال فأخبرني غير واحد وأنه بلغ بضعًا ومائة سنة أسود الرأس واللحية وفي رواية لأحد من وجه آخر عن أبي نهيك: حدثني أبو زيد قال: استسقى رسول الله صلى عليه وآله وسلم ماء فأتيته بقدح فيه ماء فكانت فيه شعرة فأخذتها فقال: اللهم جمله، قال فرأيته ابن أربع وتسعين ليس في لحيته شعرة بيضاء، وصححه ابن حبان والحاكم وعند مسلم من هذا الوجه عن أبي بكر صلى بنا النبي ﵌ الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتى حضر الظهر الحديث، وفي الشمائل للترمذي من الطريق المذكورة عن أبي زيد قال لي النبي ﵌: يا أبا زيد ادن مني امسح ظهري فمسحت ظهره فوضعت أصابعي على الخاتم الحديث وصححه ابن حبان والحاكم. أهـ.
قال الذهبي في ترجمته: أبو زيد الأنصاري الخزرجي المدني الأعرج من مشاهير الصحابة الذين نزلوا البصرة، وله بالبصرة مسجد يعرف به، وغزا معه ثلاث عشرة غزوة (١).
توفي في خلافة عبد الملك بن مروان. أهـ.
_________________
(١) ورواه أحمد في مسنده (٥/ ٣٤٠) ورجاله ثقات.
[ ٤ / ٢٠٧٨ ]
٦٤ - أبو أمامة الباهلي ﵁
قال ابن حجر: صدي بالتصغير ابن عجلان بن الحارث ويقال ابن وهب ويقال ابن عمرو بن وهب بن غريب بن وهب بن رياح بن الحارث بن معن بن مالك بن الباهلي أبو أمامة. مشهور بكنيته روى عن النبي ﵌ وعن عمر وعثمان وعلي وأبي عبيدة ومعاذ وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وعمرو بن عبسة وغيرهم. روى أبو سلام الأسود ومحمد بن زياد الألهاني وشرحبيل بن مسلم وشداد وأبو عمار والقاسم بن عبد الرحمن وشهر بن حوشب ومكحول وخالد بن معدان وآخرون قال ابن سعد: سكن الشام، وأخرج الطبراني ما يدل على أنه شهد أحدًا لكن بسند ضعيف، وروى أبو يعلى من طريق أبي غالب عن أبي أمامة قال: بعثني رسول الله ﵌ إلى قوم فانتهيت إليهم وأنا طاو وهم يأكلون الدم، فقالوا: هلم، قلت: إنما جئت أنهاكم عن هذا، فنمت وأنا مغلوب، فأتاني آت بإناء فيه شراب فأخذته وشربته فكظني بطني فشبعت ورويت، ثم قال لهم رجل منهم: أتاكم رجل من سراة قومكم فلم تنجعوه فأتوني بلبن فقلت لا حاجة لي به ورأيتهم بطني فأسلموا عن آخرهم، ورواه البيهقي في الدلائل وزاد فيه أنه أرسله إلى قومه باهلة، وقال ابن حبان كان مع علي بصفين. مات أبو أمامة الباهلي سنة ست وثمانين قال ابن البرقي بغير خلاف، وأثبت غيره الخلاف فقيل سنة إحدى قال محمد بن سعد، وقال عبد الصمد بن سعيد ولما مات خلف ابنًا يقال له المغلس، وله يعني صاحب الترجمة مائة وست سنين فقد صح عنه أن النبي ﵌ مات وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وأخرج البخاري في تاريخه من طريق عبد الحميد بن ربيعة: رأيت أبا أمامة خرج من عند الوليد بن عبد الملك في ولايته سنة ست وثمانين ومات ابنه الوليد سنة ست وتسعين.
عن يوسف بن حزن الباهلي سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: لما نزلت ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ قلت: يا رسول الله أنا ممن بايعك تحت الشجرة قال: أنت مني وأنا منك. وأخرج أبو يعلى عن أبي أمامة أنشأ رسول الله ﵌ غزوًا فأتيته فقلت: ادع الله لي بالشهادة فقال: اللهم سلمهم وغنمهم. الحديث. أهـ.
[ ٤ / ٢٠٧٩ ]
قال الذهبي عنه: صاحب رسول الله ﷺ، ونزيل حمص. روى علمًا كثيرًا، وحدث عن عمر، ومعاذ، وأبي عبيدة. قال سليم بن عامر: سمعت أبا أمامة، سمعت النبي ﷺ يقول في حجة الوداع، قلت لأبي أمامة: مثل من أنت يومئذ؟ قال: أنا يومئذ ابن ثلاثين سنة.
وروي أنه بايع تحت الشجرة.
رجاء بن حيوة، عن أبي أمامة، قلت: يا رسول الله ادع الله لي بالشهادة، فقال: "اللهم سلمهم وغنمهم" فغزونا، فسلمنا، وغنمنا، وقلت: يا رسول الله، مرني بعمل. قال: "عليك بالصوم فإنه لا مثل له" فكان أبو أمامة، وامرأته وخادمه لا يلفون إلا صيامًا (١).
محمد بن زياد: رأيت أبا أمامة أتى على رجل في المسجد، وهو ساجد يبكي، ويدعو، فقال: أنت أنت لو كان هذا في بيتك.
سليم بن عامر قال: كنا نجلس إلى أبي أمامة، فيحدثنا حديثًا كثيرًا عن رسول الله ﷺ، ثم يقول: اعقلوا، وبلغوا عنا ما تسمعون. أهـ الذهبي.
٢١٩٧ - * روى الطبراني عن أبي أمامة قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قومي فانتهيت إليهم وأنا طاوٍ فانتهيت إليهم وهم يأكلون دمًا، فقلت: إنما جئت أنهاكم عن هذا، فوضعت رأسي فقمت مغلوب فأتاني آت في منامي بإناء فيه شراب، فقال: خذ هذا واشرب ثم كظني بطني فشبعت ثم رويت، فسمعتهم يقولون أتاكم رجل من سراة قومكم فلم تنجعوه بالمذيقة، فأتوني بمذيقتهم، فقلت: لا حاجة لي فيها إن الله أطعمني وسقاني فأريتهم بطني فأسلموا عن آخرهم.
_________________
(١) رواه أحمد في مسنده (٥/ ٢٤٨) وسنده صحيح.
(٢) المعجم الكبير (٨/ ٣٣٥) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٨٧) وقال: رواه الطبراني في الكبير بإسنادين وإسناد أحدهما حسن فيها أبو غالب، وقد وثق وقال في التقريب: صدوق يخطأ.
[ ٤ / ٢٠٨٠ ]
٦٥ - عبد الله بن بسر ﵁
قال الذهبي في ترجمته: عبد الله بن بسر بن أبي بسر، الصحابي المعمر، بركة الشام، أبو صفوان المازني نزيل حمص، وقد غزا جزيرة قبرس مع معاوية في دولة عثمان.
عثمان قال: رأيت عبد الله بن بسر وثيابه مشمرة، ورداؤه فوق القميص، وشعره مفروق يغطي أذنيه، وشاربه مقصوص مع الشفة، كنا نقف عليه ونتعجب.
قال صفوان بن عمرو: رأيت في جبهة عبد الله بن بسر أثر السجود.
عصام بن خالد: حدثنا الحسن بن أيوب الحضرمي قال: أراني عبد الله بن بسر شامة في قرنه، فوضعت أصبعي عليها، فقال: وضع رسول الله ﷺ أصبعه عليها، ثم قال: "لتبلغن قرنًا".
رواه أحمد في "المسند" (١).
عبد الله بن بسر قال: أكل رسول الله ﷺ عندنا حيسًا، ودعا لنا، ثم التفت إلي وأنا غلام، فمسح على رأسي، ثم قال: "يعيش هذا الغلام قرنًا" فعاش مئة.
روى نحوه سلمة بن حواس عن محمد بن القاسم؛ أنه كان مع ابن بسر في قريته، وزاد فيه: فقلت: يا رسول الله! كم القرن؟ قال: مئة سنة.
وفي "صحيح البخاري" (٢) لحريز بن عثمان أنه سأل عبد الله بن بسر؛ أكان النبي ﷺ شيخًا؟ قال: كان في عنفقته (٣) شعرات بيض.
أم هاشم الطائية قالت: رأيت عبد الله بن بسر يتوضأ، فخرجت نفسه ﵁.
وقال أبو زرعة الدمشقي: مات قبل سنة مئة. وقال عبد الصمد بن سعيد الحافظ:
_________________
(١) أحمد في مسنده (٤/ ١٨٩) وسنده حسن وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٠٥) رواه الطبراني. وأحمد ورجال أحمد رجال الصحيح غير الحسن بن أيوب، وهو ثقة، ورجال الطبراني ثقات.
(٢) البخاري (٦/ ٥٦٤) ٦١ - كتاب المناقب- ٢٣ - باب صفة النبي ﷺ.
(٣) العنفقة: ما بين الذقن والشفة السفلى.
[ ٤ / ٢٠٨١ ]
توفي سنة ست وتسعين. وقال يزيد بن عبد ربه الجرجسي: توفي في إمرة سليمان ابن عبد الملك. أهـ الذهبي.
٢١٩٨ - * روى البزار والطبراني عن عبد الله بن بسر وضع النبي ﷺ يده على رأسي فقال: "يعيش هذا الغلام قرنًا" فعاش مائة سنة، وكان في وجهه ثألول فقال: لا يموت حتى يذهب الثالول من وجهه، فلم يمت حتى ذهب الثألول من وجهه.
* * *
_________________
(١) البزار: كشف الأستار (٣/ ٢٨٠) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٠٤): رواه الطبراني في الكبير والبزار ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح غير الحسن بن أيوب الحضرمي وهو ثقة.
[ ٤ / ٢٠٨٢ ]
٦٦ - السائب بن يزيد ﵁
قال في الإصابة: السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة، ويقال عائد بن الأسود الكندي أو الأزدي. وقيل هو كناني ثم ليثي وقيل هذلي، يعرف بابن أخت النمر، والنمر خال أبيه يزيد هو النمر بن جبل، ووهم من قال أنه النمر بن قاسط، وقال الزهري: هو أزدي حالف بني كنانة، له ولأبيه صحبة.
ومن طريق الزهري عنه قال: خرجت مع الصبيان نتلقى النبي ﵌ من تبوك. وفي الصحيحين أيضًا من طريق محمد بن يوسف عن السائب أن خالته ذهبت به وهو وجع فمسح النبي ﵌ رأسه ودعا له وتوضأ فشرب من وضوئه ونظر إلى خاتم النبوة، وأم أم السائب أم العلاء بنت شريح الحضرمية وكان العلاء ابن الحضرمي خاله. وقد روى عن النبي ﵌ أحاديث.
قال مصعب الزبيري: استعمله عمر على سوق المدينة هو وسليمان بن أبي خيثمة وعبد الله بن عتبة بن مسعود، وقال أبو نعيم: مات سنة اثنتين وثمانين وقيل بعد التسعين وقيل سنة إحدى وقيل سنة أربع. وقال ابن أبي داود: هو آخر من مات بالمدينة من الصحابة ووهم يعقوب بن سفيان فذكره فيمن قتل يوم الحرة. أهـ.
وقال الذهبي في ترجمته: أبو عبد الله، وأبو يزيد الكندي المدني، ابن أخت نمر، وذلك شيء عرفوا به، وكان جده سعيد بن ثمامة حليف بني عبد شمس. قال السائب: حج بن أبي مع النبي ﷺ وأنا ابن سبع سنين (١).
عكرمة بن عمار: حدثنا عطاء مولى السائب قال: كان السائب رأسه أسود من هامته إلى مقدم رأسه، وسائر رأسه- مؤخره وعارضاه ولحيته- أبيض. فقلت له: ما رأيت أعجب شعرًا منك! فقال لي: أوتدري مما ذاك يابني؟ إن رسول الله ﷺ مر بي وأنا ألعب، فمسح يده على رأسي، وقال: "بارك الله فيك" فهو لا يشيب أبدًا. يعني:
_________________
(١) البخاري (٤/ ٧١) - ٢٨ - كتاب جزاء الصيد- ٢٥ - باب حج الصبيان.
[ ٤ / ٢٠٨٣ ]
موضع كفه (١).
عن الزهري، قال: ما اتخذ رسول الله ﷺ قاضيًا، ولا أبو بكر، ولا عمر، حتى قال عمر للسائب ابن أخت نمر: لو روحت عني بعض الأمر. حتى كان عثمان.
قال عبد الأعلى الفروي: رأيت على السائب بن يزيد مطرف خز، وجبة خز، وعمامة خز.
يروى عن الجعيد بن عبد الرحمن، وفاة السائب بن يزيد في سنة أربع وتسعين.
وقال الواقدي، وأبو مسهر، وجماعة: توفي سنة إحدى وتسعين، وشذ الهيثم بن عدي فقال: مات سنة ثمانين. أهـ. الذهبي.
* * *
_________________
(١) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٧/ ١٦٠) والصغير (١/ ٢٤٩). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤٠٩): رجال الكبير رجال الصحيح غير عطاء مولى السائب وهو ثقة.
[ ٤ / ٢٠٨٤ ]
٦٧ - ورقة بن نوفل ﵁
قال ابن حجر في الإصابة:
ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي ابن عم خديجة زوج النبي ﵌ .. ذكره الطبري والبغوي وابن قانع وابن السكن وغيرهم في الصحابة، وأوردوا كلهم من طريق روح بن مسافر أحد الضعفاء عن الأعمش عن عبد الله ابن عبد الله عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن ورقة بن نوفل قال: قلت يا محمد كيف يأتيك الذي يأتيك؟ قال: "يأتيني من السماء جناحاه لؤلؤ وباطن قدميه أخضر".
قال ابن عساكر: لم يسمع ابن عباس من ورقة ولا أعرف أحدًا قال إنه أسلم. وقد غاير الطبري بين صاحب هذا الحديث وبين ورقة بن نوفل الأسدي، لكن القصة مغايرة لقصة ورقة التي في الصحيحين من طريق الزهري عن عروة عن عائشة أول ما بدئ به رسول الله ﵌ الحديث في مجيء جبريل بحراء، وفيه: فانطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة وكان تنصر في الجاهلية الحديث، وفيه: فقال ورقة هذا الناموس الذي أنزل على موسى ياليتني فيها جذعًا [شابًا] ليتني أكون حيًا حين يخرجك قومك، وفي آخره: ولم ينشب ورقة أن توفي فهذا ظاهره أنه أقر بنبوته ولكنه مات قبل أن يدعو رسول الله ﵌ الناس إلى الإسلام فيكون مثل بحيرا. وفي إثبات الصحبة له نظر، لكن في زيادات المغازي من رواية يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال يونس بن بكير عن يونس بن عمرو وهو ابن أبي إسحاق السبيعي عن أبيه عن جده عن أبي ميسرة، واسمه عمرو بن شرحبيل وهو من كبار التابعين أن رسول الله ﵌ قال لخديجة: "إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء فقد والله خشيت على نفسي" فقالت: معاذ الله ما كان الله ليفعل بك فوالله إنك لتؤدي الأمانة الحديث، فقال له ورقة: أبشر ثم أبشر فأنا أشهد إنك الذي بشر به ابن مريم وإنك على مثل ناموس موسى وإنك نبي مرسل وإنك سوف تؤمر بالجهاد بعد
[ ٤ / ٢٠٨٥ ]
يومك هذا وإن يدركني ذلك لأجاهدن معك، فلما توفي قال رسول الله ﵌ "لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني" وقد أخرجه البيهقي في الدلائل من هذا الوجه وقال هذا منقطع.
(قلت) [أي ابن حجر]: يعضده ما أخرجه الزبير بن بكار حدثنا عثمان عن الضحاك ابن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عروة بن الزبير قال: كان بلال لجارية من بني جمح وكانوا يعذبونه برمضاء مكة يلصقون ظهره بالرمضاء لكي يشرك فيقول أحد أحد، فيمر به ورقة وهو على تلك الحال فيقول أحد أحد يا بلال والله لئن قتلتموه لأتخذنه حنانًا، وهذا مرسل جيد يدل على أن ورقة عاش إلى أن دعا النبي ﵌ إلى الإسلام حتى أسلم بلال، والجمع بين هذا وبين حديث عائشة أن يحمل قوله: ولم ينشب ورقة أن توفي، أي قبل أن يشتهر الإسلام ويؤمر النبي صلى الله عليخ وسلم بالجهاد، ولكن يعكر على ذلك ما أخرجه محمد بن عائذ في المغازي من طريق عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس في قصة ابتداء الوحي وفيها قصة خديجة مع ورقة بنحو حديث عائشة، وآخرها لئن كان هو ثم أظهر دعاءه وأنا حي لأبلين الله من نفسي في طاعة رسوله وحسن موازرته فمات ورقة على نصرانيته، كذا قال لكن عثمان ضعيف وقال الزبير: كان ورقة قد كره عبادة الأوثان وطلب الدين في الآفاق وقرأ الكتب وكانت خديجة تسأله عن أمر النبي ﵌ فيقول لها: ما أراه إلا نبي هذه الأمة الذي بشر به موسى وعيسى.
وفي المغازي الكبير لابن إسحاق وساقه الحاكم من طريقه قال: حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن حارثة الثقفي وكان راعيه، قال قال ورقة بن نوفل فيما كانت خديجة ذكرت له من أمر رسول الله ﵌:
يا للرجال وصرف الدهر والقدر
وفيها:
هذي خديجة تأتيني لأخبرها ومالنا بخفي الغيب من خبر
بأن أحمد يأتيه فيخبره جبريل أنك مبعوث إلى البشر
[ ٤ / ٢٠٨٦ ]
فقلت عل الذي ترجين ينجزه له الإله فرجي الخير وانتظري
وأخرج ابن عدي في الكامل من طريق إسماعيل بن مجالد عن أبيه عن الشعبي عن جابر عن النبي ﵌: رأيت ورقة في بطنان الجنة عليه السندس، قال ابن عدي تفرد به إسماعيل عن أبيه.
(قلت) قد أخرجه ابن السكن من طريق يحيى بن سعيد الأموي عن مجالد لكن لفظه: رأيت ورقة على نهر من أنهار الجنة لأنه كان يقول ديني دين زيد وإلهي إله زيد [هو زيد ابن عمرو بن نفيل وكان من الحنفاء على ملة إبراهيم دون أن يعرف تفاصيلها] وأخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في تاريخه من هذا الوجه.
وأخرج الزبير من طريق أبي معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: إن النبي ﵌ نهى عن سب ورقة، وهو في زيادات المغازي ليونس بن بكير، أخرجه عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ساب أخ لورقة رجلًا فتناول الرجل ورقة فسبه، فبلغ النبي ﵌ فقال: "هل علمت أني رأيت لورقة جنة أو جنتين" فنهى عن سبه وأخرجه البزار من طريق أبي أسامة عن هشام مرسلا.
وأخرج أحمد من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة: أن خديجة سألت النبي ﵌ عن ورقة بن نوفل؟ فقال: "قد رأيته فرأيت عليه ثيابًا بيضا فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بيض" أ. هـ ابن حجر.
٢١٩٩ - * روى الطبراني عن أسماء بنت أبي بكر أن النبي ﷺ سئل عن ورقة بن نوفل فقال: "يبعث يوم القيامة أمة وحده".
* * *
_________________
(١) المعجم الكبير (٢٤/ ٨٢). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤١٦): رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.
[ ٤ / ٢٠٨٧ ]
٦٨ - حكيم بن حزام ﵁
قال ابن حجر في الإصابة:
حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي الأسدي ابن أخي خديجة زوج النبي ﵌، واسم أمه صفية وقيل فاختة وقيل زينب بنت زهير ابن الحارث بن أسد بن عبد العزى ويكنى أبا خالد موسى بن عقبة عن أبي حبيبة مولى الزبير سمعت حكيم بن حزام يقول: ولدت قبل الفيل بثلاثة عشر سنة وأعقل حين أراد عبد المطلب أن يذبح عبد الله ابنه وقتل والد حكيم في الفجار، وشهدها حكيم. وحكى الزبير بن بكار أن حكيمًا ولد في جوف الكعبة. قال: وكان من سادات قريش، وكان صديق النبي ﵌ قبل المبعث، وكان يوده ويحبه بعد البعثة لكنه تأخر إسلامه حتى أسلم عام الفتح، وثبت في السيرة وفي الصحيح أنه ﵌ قال: "من دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن" وكان من المؤلفة، وشهد حنينًا وأعطي من غنائمها مائة بعير ثم حسن إسلامه، وكان قد شهد بدرًا مع الكفار ونجا مع من نجا، فكان إذا اجتهد في اليمين قال والذي نجاني يوم بدر، وكنيته أبو خالد. قال الزبير جاء الإسلام وفي يد حكيم الوفادة. وكان يفعل المعروف ويصل الرحم
وكان من العلماء بأنساب قريش وأخبارها. مات سنة خمسين وقيل سنة أربع وقيل ثمان وخمسين وقيل سنة ستين وهو ممن عاش مائة وعشرين سنة شطرها في الجاهلية وشطرها في الإسلام. قال البخاري في التاريخ: مات سنة ستين وهو ابن عشرين ومائة سنة قاله إبراهيم بن المنذر أ. هـ ابن حجر.
وقال الذهبي في السير عن حكيم: أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه. وغزا حنينًا والطائف. وكان من أشراف قريش، وعقلائها، ونبلائها. وكانت خديجة عمته، وكان الزبير ابن عمه وقدم دمشق تاجرًا. قيل: إنه كان إذا اجتهد في يمينه، قال: لا والذي نجاني يوم بدر من القتل. وقال البخاري في (تاريخه): عاش ستين سنة في الجاهلية، وستين في الإسلام. قلت: لم يعش في الإسلام إلا بضعًا وأربعين سنة.
[ ٤ / ٢٠٨٨ ]
وقال أحمد بن البرقي: كان من المؤلفة، أعطاه النبي ﷺ من غنائم حنين مئة بعير، فيما ذكر ابن إسحاق. وأولاده هم: هشام، وخالد، وحزام، وعبد الله، ويحيى، وأم سمية، وأم عمرو، وأم هشام وقيل: قتل أبوه يوم الفجار الأخير (١).
وعن هشام، عن أبيه؛ [حكيم]؛ أن رسول الله ﷺ قال يوم الفتح: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل دار حكيم بن حزام، فهو آمن، ومن دخل دار بديل بن ورقاء فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن" (٢).
وعن هشام بن عروة، عن أبيه، أن أبا سفيان، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، أسلموا وبايعوا رسول الله ﷺ، فبعثهم إلى أهل مكة يدعونهم إلى الإسلام (٣) أ. هـ.
٢٢٠٠ - * روى البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: "يا حكيم! هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى." قال حكيم: فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر ﵁ يدعو حكيمًا ليعطيه العطاء، فيأبى أن يقبل منه شيئًا، ثم إن عمر ﵁ دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله، فقال: يا معشر المسلمين أشهدكم على حكيم أني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له
_________________
(١) قال محقق السير: الفجار: بالكسر بمعنى المفاجرة، وذلك أنه كان قتال في الشهر الحرام، ففجروا فيه جميعًا، فسمي الفجار. وللعرب فجارات أربعة، والفجار الأخير هذا شهده رسول ﷺ مع أعمامه، وعمره إذ ذاك ﷺ عشرون سنة، وكانت هذه الحرب بين قريش ومن معهم وبين قيس عيلان.
(٢) رجاله ثقات لكنه مرسل. ونسبه الحافظ في الفتح إلى موسى بن عقبة في المغازي.
(٣) رجاله ثقات لكنه مرسل.
(٤) البخاري (٣/ ٣٣٥) ٢٤ - كتاب الزكاة- ٥٠ - باب الاستعفاف عن المسألة. ومسلم مختصرًا (٢/ ٧١٧) ١٢ - كتاب الزكاة- ٣٢ - باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى. يرزأ: لم يأخذ من أحد شيئًا. إشراف النفس: تطلعها وطمعها وشرهها. سخاوة النفس: ضد ذلك.
[ ٤ / ٢٠٨٩ ]
في هذا الفيء، فيأبى أن يأخذه، ولم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد النبي ﷺ حتى توفي ﵁.
قال الذهبي: قال ابن مندة: ولد حكيم في جوف الكعبة، وعاش مئة وعشرين سنة.
روى الزبير، عن مصعب بن عثمان قال: دخلت أم حكيم في نسوة الكعبة، فضربها المخاض، فأتيت بنطع (١) حين أعجلتها الولادة، فولدت في الكعبة.
وكان حكيم من سادات قريش. قال الزبير: كان شديد الأدمة، خفيف اللحم.
عن عراك بن مالك أن حكيم بن حزام قال: كان محمد ﷺ أحب الناس إلي في الجاهلية، فلما نبئ وهاجر، شهد حكيم الموسم كافرًا، فوجد حلة لذي يزن تباع، فاشتراها بخمسين دينارًا ليهديها إلى رسول الله، فقدم بها عليه المدينة، فأراده على قبضها هدية، فأبى، قال عبيد الله: حسبته قال: "إنا لا نقبل من المشركين شيئًا، ولكن إن شئت بالثمن" قال: فأعطيته حين أبى علي الهدية (٢).
وفي رواية: فلبسها، فرأيتها عليه على المنبر، فلم أر شيئًا أحسن منه يومئذ فيها، ثم أعطاها أسامة فرآها حكيم على أسامة، فقال: يا أسامة أتلبس حلة يزن؟ قال: نعم، والله لأنا خير منه، ولأبي خير من أبيه. فانطلقت إلى مكة، فأعجبتهم بقوله.
الزبير: أخبرنا إبراهيم بن حمزة قال: كان مشركو قريش لما حصروا بني هاشم في الشعب، كان حكيم تأتيه العير بالحنطة فيقبلها (٣) الشعب، ثم يضرب أعجازها، فتدخل عليهم، فيأخذون ما عليها.
الزبير: أخبرنا مصعب بن عثمان؛ سمعتهم يقولون: لم يدخل دار الندوة للرأي أحد
_________________
(١) النطع: قطعة من الجلد يوقى بها ما تحتها.
(٢) رواه أحمد في مسنده (٣/ ٤٠٢) والطبراني في الكبير (٣/ ٢٠٢). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٥١): رواه أحمد والطبراني في الكبير، وإسناده رجاله صحيح. والحاكم في مستدركه (٣/ ٤٨٤) وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) أقبل الإبل الطريق: أسلكها إياه، وذلك أن يجعل وجوهها مستقبلة وجه الطريق.
[ ٤ / ٢٠٩٠ ]
حتى بلغ أربعين سنة، إلا حكيم بن حزام، فإنه دخل للرأي وهو ابن خمس عشرة. وهو أحد النفر الذين دفنوا عثمان ليلًا.
وعن أبي حازم قال: ما بلغنا أنه كان بالمدينة أكثر حملًا في سبيل الله من حكيم.
وقيل: إن حكيمًا باع دار الندوة من معاوية بمئة ألف. فقال له ابن الزبير: بعت مكرمة قريش، فقال: ذهبت المكارم يا ابن أخي إلا التقوى، إني اشتريت بها دارًا في الجنة، أشهدكم أني قد جعلتها لله (١).
الأصمعي: حدثنا هشام بن سعد صاحب المحامل، عن أبيه قال: قال حكيم بن حزام: ما أصبحت وليس ببابي صاحب حاجة، إلا علمت أنها من المصائب التي أسأل الله الأجر عليها.
وكان حكيم علامة بالنسب فقيه النفس، كبير الشأن.
قال الهيثم: والمدائني، وأبو عبيد، وشباب: مات سنة أربع وخمسين ﵁. وقيل: إنه دخل على حكيم عند الموت وهو يقول: لا إله إلا الله قد كنت أخشاك، وأنا اليوم أرجوك أ. هـ الذهبي.
٢٢٠١ - * روى الحاكم عن حسان بن بلال عن حكيم بن حزام: أن النبي ﵌ لما بعثه واليًا إلى اليمن قال: "لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر".
٢٢٠٢ - * روى البخاري ومسلم عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن حكيم بن حزام أعتق في الجاهلية مئة رقبة، وحمل على مئة بعير، فلما أسلم حمل على مئة بعير، وأعتق مئة رقبة، قال: فسألت رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله، أرأيت أشياء كنت أصنعها
_________________
(١) رواه الطبراني في الكبير (٣/ ١٨٧). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٨٤): رواه الطبراني بإسنادين أحدهما حسن.
(٢) المستدرك (٣/ ٤٨٥) وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) البخاري (٣/ ٣٠١) ٢٤ - كتاب الزكاة - ٢٤. باب من تصدق في الشرك ثم اسلم. ومسلم (١/ ١١٣) ١ - كتاب الإيمان - ٥٥ - باب بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده.
[ ٤ / ٢٠٩١ ]
في الجاهلية، كنت أتحنث بها، (يعني: أتبرر بها) قال: فقال رسول الله ﷺ: "أسلمت على ما سلف لك من خير".
قال إبراهيم بن المنذر الحزامي: حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي يكنى أبا خالد، مات سنة أربع وخمسين وهو ابن مائة وعشرين سنة ولد قبل الفيل بثلاث عشرة سنة ومات بالمدينة (١).
* * *
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٧٢).
[ ٤ / ٢٠٩٢ ]
٦٩ - قيس بن عاصم المنقري ﵁
قال ابن حجر: قيس بن عاصم بن سنان بن منقر بن خالد بن عبيد بن مقاعس، واسمه الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم التميمي المنقري، يكنى أبا علي. وحكى ابن عبد البر أنه قيل في كنيته أيضًا أبو طليحة وأبو قبيصة والأول أشهر وبه جزم البخاري، وقال: له صحبة وجزم ابن أبي حاتم بأنه أبو طلحة.
قال ابن سعد: كان قد حرم الخمر في الجاهلية ثم وفد على رسول الله ﵌ في وفد بني تميم فأسلم فقال رسول الله ﵌: "هذا سيد أهل الوبر" وكان سيدًا جوادًا، ثم ساق بسند حسن إلى الحسن عن قيس بن عاصم قال: أتيت النبي ﵌، فلما دنوت منه قال "هذا سيد أهل الوبر" فذكر الحديث وفيه فقال قيس: كيف تصنع بالمنيحة [المنحة] فقال قيس: إني لأمنح في كل عام مائة. قال: فكيف تصنع بالعارية؟ فذكر الحديث، وفي آخره قال قيس: لئن عشت لأدعن عدتها قليلًا. قال الحسن: ففعل والله ثم ذكر وصيته.
وقال ابن السكن: كان عاقلًا حليمًا يقتدى به، وقال أبو عمر: قيل للأحنف: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم رأيته يومًا محتبيًا فأتي برجل مكتوف وآخر مقتول، فقيل: هذا ابن أخيك قتل ابنك، فالتفت إلى ابن أخيه فقال: يا ابن أخي بئسما فعلت أثمت بربك وقطعت رحمك ورميت نفسك بسهمك، ثم قال لابن له آخر: قم يابني فوار أخاك وحل أكتاف ابن عمك وسق إلى أمه مائة ناقة دية ابنها فإنها غريبة.
وذكر الزبير في الموفقيات عن عمه عن عبد الله بن مصعب قال قال أبو بكر لقيس بن عاصم: ما حملك على أن وأدت؟ وكان أول من وأد- فقال: خشيت أن يخلف عليهن غير كفء. قال: فصف لنا نفسك؟ فقال: أما في الجاهلية فما هممت بملامة ولا حمت على تهمة ولم أر إلا في خيل مغيرة أو نادي عشيرة أو حامي جزيرة، وأما في الإسلام فقد قال الله تعالى (فلا تزكوا أنفسكم) فأعجب أبو بكر بذلك.
روى قيس عن النبي ﵌ أحاديث، روى عنه ابناه حكيم وحصين
[ ٤ / ٢٠٩٣ ]
وابن ابنه خليفة بن حصين والأحنف بن قيس ومنفعة بن التوأم وآخرون.
النعمان بن بشير يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول وسئل عن هذه الآية ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ فقال: جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله ﵌ فقال: إني وأدت ثماني بنات لي في الجاهلية، فقال "أعتق عن كل واحدة منهن رقبة" قال: إني صاحب إبل، قال "اهد إن شئت عن كل واحدة منهن بدنة".
خليفة بن حصين عن جده قيس بن عاصم أنه أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر وأخرج أحمد والنسائي من طريق حكيم بن قيس عن أبيه أنه قال: لا تنوحوا علي فإن النبي ﵌ لم ينح عليه، الحديث اختصره النسائي وأورده أحمد مطولًا، وفيه: أنه قال لبنيه اتقوا الله وسودوا أكبركم فإن القوم إذا سودوا أكبرهم أحيوا ذكر أبيهم وإياكم والمسئلة فإنها آخر كسب الرجل فذكر بقية الوصية وهي نافعة أ. هـ.
ونورد الوصية بتمامها كما أخرجها الحاكم (١) للفائدة:
عن عبد الملك بن أبي سوية المنقري قال شهدت قيس بن عاصم عند وفاته وهو يوصي فجمع بنيه اثنان وثلاثون ذكرًا فقال: يا بني إذا أنا مت فسودوا أكبركم تخلفوا آباءكم، ولا تسودوا أصغركم فيزري بكم ذاك عند أكفائكم، ولا تقيموا علي نائحة فإني سمعت رسول الله ﵌ نهى عن النياحة، وعليكم بإصلاح المال فإنه منبهة للكريم ويستغنى به عن اللئيم، ولا تعطوا رقاب الإبل في غير حقها ولا تمنعوها من حقها، وإياكم وكل عرق سوء فمهما يسركم يوما فما يسوءكم أكبر، واحذروا أبناء أعدائكم فإنهم لكم أعداء على منهاج آبائهم، وإذا أنا مت فادفنوني في موضع لا يطلع علي هذا الحي من بكر بن وائل فإنها كانت بيني وبينهم خماشات (٢) في الجاهلية فأخاف أن ينبشوني من قبري فتفسدوا عليهم دنياهم ويفسدوا عليكم آخرتكم، ثم دعا بكنانته فأمر ابنه الأكبر وكان يسمى عليًا فقال: أخرج
_________________
(١) المستدرك (٣/ ٦١١).
(٢) خماشات: من الجروح والجنايات مما ليس له دية.
[ ٤ / ٢٠٩٤ ]
سهمًا من كنانتي فأخرجه فقال: اكسره، فكسره، ثم قال: أخرج سهمين، فأخرجهما، فقال: اكسرهما، فكسرهما فلم يستطع كسرهما، فقال: يا بني هكذا أنتم في الاجتماع وكذلكم أنتم في الفرقة ثم أنشأ يقول:
إنما المجد ما بنى والد الصد ق وأحيا فعاله المولود
وكفى المجد والشجاعة والحلم إذا زانه عفاف وجود
وثلاثون يابني إذا ما عقدتم للنائبات العهود
كثلاثين من قداح إذا ما شدها للزمان عقد شديد
لم تكسر وإن تقطعت الأسهم أودى بجمعها التبديد
وذوو السن والمروءة أولى إن يكن منكم لهم تسويد
وعليكم حفظ الأصاغر حتى يبلغ الحنث الأصغر المجهود
قال ابن حجر: ونزل قيس البصرة ومات بها، ولما مات رثاه عبدة بن الطيب بقوله:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما
وما كان قيس هلكه. هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما
قال ابن حبان: كان له ثلاثة وثلاثون ولدًا ونقل البغوي عن ابن أبي خيثمة عن يحيى ابن معين أن قيس بن عاصم كان يكنى أبا هراسة. وذكر ابن شاهين من طريق المدائني عن أبي معشر ورجاله قالوا: قدم على رسول الله ﵌ قيس بن عاصم ونعيم ابن بدر وعمرو بن الأهتم قبل وفد بني تميم وكان النبي ﵌ استبطأ قيس ابن عاصم، فقال له عتبة ائذن لي أن أغزوه فاقتل رجاله وأسي نساءه، فأعرض عنه وقدم قيس، فقال النبي ﵌ "هذا سيد أهل الوبر" ثم تقدم فأسلم فسأله النعمان بن مقرن فقال: يا رسول الله ائذن لي أن يكون منزله علي؟ قال: نعم، فبينما هو يتعشى إذ قال أخو النعمان بئسما قال عتبة، فقال له قيس وما قال؟ فأخبره فغدا على النبي ﵌ فقال: أمالي سبيل إلى الرجوع؟ قال: لا، قال: لو كان لي إلي الرجوع سبيل لأدخلت على عتبة ونسائه الذل أ. هـ من الإصابة.
* * *
[ ٤ / ٢٠٩٥ ]
٧٠ - عكرمة بن أبي جهل ﵁
قال ابن حجر في الإصابة: عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله ابن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي. كان كأبيه من أشد الناس على رسول الله ﵌، ثم أسلم عكرمة عام الفتح وخرج إلى المدينة ثم إلى قتال أهل الردة، ووجهه أبو بكر الصديق إلى جيش نعمان فظهر عليهم، ثم إلى اليمن ثم رجع فخرج إلى الجهاد عام وفاته فاستشهد. وذكر الطبري أن النبي ﵌ استعمله على صدقات هوازن عام وفاته وأنه قتل بأجنادين وكذا قال الجمهور [وقيل قتل يوم اليرموك].
روى سيف في الفتوح بسند له أن عكرمة نادى: من يبايع على الموت فبايعه عمه الحارث وضرار بن الأزور في أربعمائة من المسلمين وكان أميرًا على بعض الكراديس وذلك سنة خمس عشرة في خلافة عمر فقتلوا كلهم الإضرارًا وقيل قتل يوم مرج الصفر وذلك سنة ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر. وله عند الترمذي حديث من طريق مصعب بن سعد عنه قال النبي ﵌ يوم جئته: مرحبًا مرحبًا بالراكب المهاجر، وهو منقطع لأن مصعبًا لم يدركه، وقد أخرج قصة مجيئه موصولة الدارقطني والحاكم وابن مردويه من طريق أسباط بن نصر عن السدي بن مصعب بن سعد عن أبيه قال: لما كان فتح مكة أمن رسول الله صلى عليه وآله وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين فذكر الحديث وفيه وأما عكرمة فركب البحر فأصابهم عاصف فقال أصحاب السفينة أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم ههنا شيئًا فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره اللهم إن لك علي عهدًا إن عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا حتى أضع يدي في يده فلا أجدنه إلا عفوا كريمًا. قال فجاء أسلم. أ. هـ ابن حجر.
قال الذهبي: عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لوي، الشريف الرئيس الشهيد، أبو عثمان القرشي المخزومي المكي. لما قتل أبوه، تحولت رئاسة بني مخزوم إلى عكرمة، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه بالمرة. قال ابن أبي ملكية: كان عكرمة إذا اجتهد في اليمين قال: لا والذي نجاني
[ ٤ / ٢٠٩٦ ]
يوم بدر. ولما دخل رسول الله ﷺ [مكة]، هرب منها عكرمة وصفوان بن أمية بن خلف، فبعث النبي، ﷺ، يومنهما، وصفح عنهما، فأقبلا إليه.
قال الشافعي: كان محمود البلاء في الإسلام، ﵁.
قال أبو إسحاق السبيعي: نزل عكرمة يوم اليرموك، فقاتل قتالًا شديدًا، ثم استشهد، فوجدوا به بضعًا وسبعين من طعنة ورمية وضربة. وقال عروة وابن سعد وطائفة: قتل يوم أجنادين. أ. هـ الذهبي.
* * *
[ ٤ / ٢٠٩٧ ]
٧١ - عبد الله بن حذافة السهمي
قال ابن حجر: عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم القرشي السهمي أبو حذافة أو أبو حذيفة. وأمه بنت حرثان من بني الحارث بن عبد مناة من السابقين الأولين .. يقال شهد بدرًا ولم يذكره موسى بن عقبة ولا ابن إسحاق ولا غيرهما من أصحاب المغازي .. عن عبد الله بن حذافة قال أمرني رسول الله ﵌ أن أنادي أهل منى أن لا يصوم هذه الأيام أحد. ومن طريق شعيب عن الزهري عن مسعود أخبرني بعض أصحابه أنه رأى ابن حذافة. وأخرجه من طريق الحارث بن أسامة عن روح عن صالح عن ابن أبي الأخضر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي ﵌ بعث عبد الله بن حذافة، وأخرجه أبو نعيم في المعرفة من طريق سليمان ابن أرقم عن الزهري عن سعيد عن عبد الله بن حذافة والاحتمال فيه كثير جدًا، وقال البخاري في التاريخ: يقال له صحبة ولا يصح. إسناد حديثه ثقات. مات في خلافة عثمان، حكاه البغوي، وقال أبو نعيم: توفى بمصر في خلافة عثمان وكذلك قال ابن يونس إنه توفي بمصر ودفن بمقبرتها. أ. هـ.
قال الذهبي: أبو حذافة السهمي. أحد السابقين. هاجر إلى الحبشة، ونفذه النبي ﷺ رسولًا إلى كسرى خرج إلى الشام مجاهدًا، فأسر على قيسارية، وحملوه إلى طاغيتهم، فراوده عن دينه، فلم يفتتن. وقال أبو سعيد بن يونس، وابن مندة شهد بدرًا. أ. هـ.
٢٢٠٣ - * روى ابن سعد عن أبي سلمة: أن عبد الله بن حذافة قام يصلي، فجهر، فقال النبي ﷺ: "يا ابن حذافة، لا تسمعني وسمع الله".
٢٢٠٤ - * روى ابن ماجه عن عمر بن الحكم بن ثوبان، أن أبا سعيد قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، عليهم علقمة بن مجزز، وأنا فيهم، فخرجنا، حتى إذا كنا ببعض
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٤/ ١٩٠) ورجاله ثقات.
(٢) ابن ماجه (٢/ ٩٥٥) ٢٤ - كتاب الجهاد ٤٠ باب لا طاعة في معصية الله. وقال في الزوائد: إسناده صحيح. ورواه أحمد (٣/ ٦٧) والحاكم (٣/ ٦٣٠).=
[ ٤ / ٢٠٩٨ ]
الطريق، استأذنه طائفة، فأذن لهم، وأمر عليهم عبد الله بن حذافة، وكان من أهل بدر، وكانت فيه دعابة. فبينما نحن في الطريق، فأوقد القوم نارًا يصطلون بها، ويصنعون عليها صنيعًا لهم، إذ قال: أليس لي عليكم السمع والطاعة؟ قالوا: بلى. قال: فإني أعزم عليكم بحقي وطاعتي إلا تواثبتم في هذه النار، فقام ناس، فتحجزوا حتى إذا ظن أنهم واقعون فيها قال: أمسكوا، إنما كنت أضحك معكم. فلما قدموا على رسول الله ﷺ، ذكروا ذلك له. فقال: "من أمركم بمعصية فلا تطيعوه".
٢٢٠٥ - * روى البخاري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن ابن عباس أخبره: أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه خرقه، قال الزهري: فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يمزقوا كل ممزق.
٢٢٠٦ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال في قوله تعالى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي، إذ بعثه النبي ﷺ في سرية.
٢٢٠٧ - * روى البخاري ومسلم عن أنس، أن النبي ﷺ خرج حين زاغت الشمس، فصلى الظهر، فلما سلم، قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أمورًا عظامًا، ثم قال: "من أحب أن يسأل عن شيء، فليسأل عنه، فوالله لا تسألوني عن شيء، إلا أخبرتكم به، ما دمت في مقامي هذا" قال أنس: فأكثر الناس البكاء، وأكثر رسول الله ﷺ أن يقول: "سلوني" فقال أنس: فقام إليه رجل، فقال: أين
_________________
(١) = تحجزوا: شدوا أوساطهم فِعْلَ من يتهيأ.
(٢) البخاري (١/ ١٥٤) ٣ - كتاب العلم -٧ - باب ما يذكر في المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان.
(٣) البخاري (٨/ ٢٥٢) ٦٥ - كتاب التفسير -٤ - سورة النساء ١١ - باب (أطيعوا الله واطيعوا الرسول). ومسلم: (٣/ ١٤٦٥) ٢٣ - كتاب الإمارة -٨ - باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية.
(٤) البخاري (٢/ ٢١) ٩ - كتاب مواقيت الصلاة -١١ - باب وقت الظهر عند الزوال. ومسلم (٤/ ١٨٣٢) ٤٣ - كتاب الفضائل -٣٧ - باب توقيره ﷺ.
[ ٤ / ٢٠٩٩ ]
مدخلي يا رسول الله؟ قال: "النار" فقام عبد الله بن حذافة، فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: "أبوك حذافة" قال: ثم أكثر أن يقول: "سلوني سلوني" فبرك عمر على ركبتيه، فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولًا. قال: فسكت رسول الله ﷺ حين قال عمر ذلك، ثم قال رسول الله ﷺ: "أولى، والذي نفسي بيده لقد عرضت علي الجنة والنار آنفًا في عرض هذا الحائط وأنا أصلي، فلم أر كاليوم في الخير والشر".
ذكر الذهبي في السير (١) عن أبي رافع، قال: وجه عمر جيشًا إلى الروم، فأسروا عبد الله بن حذافة، فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا: إن هذا من أصحاب محمد. فقال: هل لك أن تتنصر وأعطيك نصف ملكي؟ قال: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملك، وجميع ملك العرب، ما رجعت عن دين محمد طرفة عين. قال: إذًا أقتلك. قال: أنت وذاك. فأمر به، وقال للرماة: ارموه قريبًا من بدنه، وهو يعرض عليه ويأبى، فأنزله. ودعا بقدر، فصب فيها ماء حتى احترقت، ودعا بأسيرين من المسلمين، فأمر بأحدهما، فألقي فيها، وهو يعرض عليه النصرانية، وهو يأبى. ثم بكى. فقيل للملك: إنه بكى. فظن أنه قد جزع، فقال: ردوه. ما أبكاك؟ قال: قلت: هي نفس واحدة تلقى الساعة فتذهب، فكنت أشتهي أني يكون بعدد شعري أنفس تلقى في النار في الله.
فقال له الطاغية: هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك؟
فقال له عبد الله: وعن جميع الأسارى؟ قال: نعم. فقبل رأسه.
وقدم بالأسارى على عمر، فأخبره خبره. فقال عمر: حق على كل مسلم أن يقبل رأس ابن حذافة، وأنا أبدأ. فقبل رأسه.
أقول: في هذا النص تعليم للمتشددين الذين تختلط عندهم قوة النفس بقوة الإيمان فتمنعهم قوة النفس بما تقتضيه قوة الإيمان من الأخذ بالعزائم في محلها والرخص في محلها،
_________________
(١) السير: (٢/ ١٤) وأخرجه ابن عساكر في تاريخه من طريق البيهقي وله شاهد من حديث لابن عباس موصولا عند ابن عساكر.
[ ٤ / ٢١٠٠ ]
فههنا نجد عبد الله بن حذافة يقبل رأس هرقل في مقابل أن يخلص أسرى المسلمين وهذا مقتضى قوة الإيمان على حسب قوة النفس، فكثيرون من الناس تمنعهم قوة النفس من الأخذ بالفتوى التي تناسب المقام وخاصة فيما يظنه الناس رخصة فيحبون أن يسجلوا مواقف بطولية لا تتحقق فيها مصلحة للإسلام والمسلمين، وما فعله عبد الله بن حذافة درس لهؤلاء فليس العبرة بقوة الموقف أو ضعفه بل العبرة في أن يكون المسلم عاملًا بحكم الشريعة في تعامله مع الكافرين والمسلمين، ملاحظًا أن في الشريعة فتوى أصلية وأخرى استثنائية وفيها رخصة وعزيمة والرخصة في محلها قد تكون أقوى من العزيمة، ولا يفطن لمثل هذه الدقائق إلا أصحاب البصيرة ممن اجتمع لهم علم وتقوى وتوفيق.
قال الذهبي:
الوليد بن مسلم: حدثنا أبو عمرو، ومالك بن أنس: أن أهل قيسارية أسروا ابن حذافة، فأمر به ملكهم، فجرب أشياء صبر عليها. ثم جعلوا له في بيتٍ معه الخمر ولحم الخنزير ثلاثًا لا يأكل، فأطلعوا عليه، فقالوا للملك: قد انثنى عنقه، فإن أخرجته وإلا مات. فأخرجه، وقال: ما منعك أن تأكل وتشرب؟
قال: أما إن الضرورة كانت قد أحلتها لي، ولكن كرهت أن أشمتك بالإسلام. قال: فقبل رأسي، وأخلي لك مئة أسير. قال: أما هذا، فنعم. فقبل رأسه، فخلى له مئة، وخلى سبيله.
وقد روى ابن عائذ قصة ابن حذافة فقال: حدثنا الوليد بن محمد: أن ابن حذافة أسر. فذكر القصة مطولة، وفيها: أطلق له ثلاث مئة أسير، وأجازه بثلاثين ألف دينار، وثلاثين وصفة، وثلاثين وصيفًا.
ولعل هذا الملك قد أسلم سرًا. ويدل على ذلك مبالغته في إكرام ابن حذافة.
وكذا القول في هرقل إذ عرض على قومه الدخول في الدين، فلما خافهم قال: إنما كنت أختبر شدتكم في دينكم.
[ ٤ / ٢١٠١ ]
فمن أسلم في باطنه هكذا، فيرجى له الخلاص من خلود النار؛ إذ قد حصل في باطنه إيمانًا ما وإنما يخاف أن يكون قد خضع للإسلام وللرسول، واعتقد أنهما حق، مع كون أنه على دين صحيح، فتراه يعظم الدينين، كما قد فعله كثير من المسلمانية الدواوين، فهذا لا ينفعه الإسلام حتى يتبرأ من الشرك.
مات ابن حذافة في خلافة عثمان ﵃. ا. هـ.
* * *
[ ٤ / ٢١٠٢ ]
٧٢ - عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁
قال ابن حجر: عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي القرشي السهمي قال الطبري: قيل كان طوالا أحمر عظيم الساقين أبيض الرأس واللحية، وعمي في آخر عمره. وقال ابن سعد: أسلم قبل أبيه ويقال لم يكن بين مولدهما إلا اثنتا عشرة سنة أخرجه البخاري عن الشعبي، وجزم ابن يونس بأن بينهما عشرين سنة قال الواقدي، مات بالشام سنة خمس وستين وهو يومئذ ابن اثنتين وسبعين، وقال ابن البرقي: وقيل مات بمكة، وقيل بالطائف وقيل بمصر ودفن في داره قاله يحيي بن بكير. وحكى البخاري قولًا آخر: أنه مات سنة تسع وستين وبالأول جزم ابن يونس، وقال ابن أبي عاصم: مات بمكة وهو ابن اثنتين وسبعين وقيل مات سنة ثمان وستين وقيل تسع وستين ا. هـ.
قال الذهبي: الإمام الحبر العابد، صاحب رسول الله ﷺ وابن صاحبه، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن. وقيل: أبو نصير القرشي السهمي. وأمه هي رائطة بنت الحجاج ابن منبه السهيمة، وليس أبوه أكير منه إلا بإحدى عشرة سنة أو نحوها.
وقد أسلم قبل أبيه فيما بلغنا، ويقال: كان أسمه العاص، فلما أسلم، غيره النبي ﷺ بعبد الله.
وله مناقب وفضائل ومقام راسخ في العلم والعمل، حمل عن النبي ﷺ علمًا جمًا. وكتب الكثير بإذن النبي ﷺ، وترخيصه له في الكتابة بعد كراهيته للصحابة أن يكتبوا عنه سوى القرآن وسوغ ذلك ﷺ، ثم انعقد الإجماع بعد اختلاف الصحابة ﵃ على الجواز والاستحباب لتقييد العلم بالكتابة.
والظاهر أن النهي كان أولًا لتتوفر هممهم على القرآن وحده، وليمتاز القرآن بالكتابة عما سواه من السنن النبوية، فيؤمن اللبس، فلما زال المحذور واللبس، ووضح أن القرآن لا يشتبه بكلام الناس أذن له في كتابه العلم، والله أعلم. ا. هـ.
قال محقق السير: قال ابن القيم ﵀ في (تهذيب اللسنن): قد صح النبي ﷺ
[ ٤ / ٢١٠٣ ]
النهي عن الكتابة والإذن فيها متأخر، فيكون ناسخًا لحديث النهي، فإن النبي ﷺ قال في غزاة الفتح "اكتبوا لأبي شاة" يعني خطبته التي سأل أبو شاه كتابتها، وأذن لعبد الله ابن عمرو في الكتابة، وحديثه متأخر عن النهي، لأنه لم يزل يكتب، مات وعنده كتابته، وهي الصحيفة التي كان يسميها (الصادقة) ولو كان النهي عن الكتابة متأخرًا، لمحاها عبد الله، لأمر النبي ﷺ بمحو ما كتب عنه غير القرآن، فلما لم يمحها، وأثبتها، دل على أن الإذن في الكتابة متأخر عن النهي عنها، هذا واضح والحمد لله.
٢٢٠٨ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: "اقرأ القرآن في كل شهر" قال: قلت: إني أجد قوة، قال: "فاقرأه في عشرين ليلة" قال: إني أجد قوة، قال: "فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك".
وقد نازله رسول الله ﷺ إلى ثلاث ليال ونهاه أن يقرأه في أقل من ثلاثٍ.
٢٢٠٩ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: "لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث".
قال الذهبي: وهذا [التنازل] كان في الذي نزل من القرآن، ثم بعد هذا القول نزل ما بقي من القرآن. فأقل مراتب النهي أن تكره تلاوة القرآن كله في أقل من ثلاث، فما فقه ولا تدبر من تلاه في أقل من ذلك. ولو تلا ورتل في أسبوع، ولازم ذلك، لكان عملًا فاضلًا، فالدين يسر، فوالله إن ترتيل سبع القرآن في تهجد قيام الليل مع المحافظة على النوافل الراتبة، والضحى، وتحية المسجد، مع الأذكار المأثورة الثابتة، والقول عند النوم واليقظة، ودبر المكتوبة والسحر، مع النظر في العلم النافع والاشتغال به مخلصا لله، مع الأمر بالمعروف، وإرشاد الجاهل وتفهيمه، وزجر الفاسق، ونحو ذلك، مع أداء الفرائض
_________________
(١) البخاري (٩/ ٩٥) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن - ٣٤ - باب في كم يقرأ القرآن. ومسلم (٢/ ٨١٣) ١٣ - كتاب الصيام - ٣٥ - باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به.
(٢) أبو دواد (٢/ ٥٦) كتاب الصلاة، باب تحزيب القرآن. والترمذي (٥/ ١٩٨) ٤٧ - كتاب القراءات باب: ١٣ حدثنا عبيد بن أسباط . وابن ماجه (١/ ٤٢٨) ٥ - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها - ١٧٨ - باب في كم يستحب يختم القرآن.
[ ٤ / ٢١٠٤ ]
في جماعة بخشوع وطمأنينة وانكسار وإيمان، مع أداء الواجب، واجتناب الكبائر، وكثرة الدعاء والاستغفار، والصدقة وصلة الرحم، والتواضع، والإخلاص في جميع ذلك، لشغل عظيم جسيم، ولمقام أصحاب اليمين وأولياء الله المتقين، فإن سائر ذلك مطلوب. فمتى تشاغل العابد بختمة في كل يوم، فقد خالف الحنيفية، ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه، ولا تدبر ما يتلوه.
هذا السيد العابد الصاحب كان يقول لما شاخ: ليتني قبلت رخضة رسول الله ﷺ.
وكذلك قال له ﵇ في الصوم، وما زال يناقصه، حتى قال له: "صم يومًا وأفطر يومًا، صوم أخي داود ﵇" وثبت أنه قال: "أفضل الصيام صيام داود" (١). ونهى ﵇ عن صيام الدهر (٢). وأمر ﵇ بنوم قسط من الليل، وقال: "لكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وأكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني" ا. هـ الذهبي.
قال الحافظ في الفتح: والمراد بالسنة: الطريقة، لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء: الإعراض عنه إلى غيره، والمراد: من ترك طريقتي، وأخذ بطريقة غيري، فليس مني ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية، فإنهم الذين ابتدعوا التشديد كما وصفهم الله تعالى، وقد عابهم بأنهم ما وفوه بما التزموه، وطريقة النبي ﷺ الحنيفية السمحة، فيفطر ليقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة، وإعفاف النفس، وتكثير النسل.
ثم قال الذهبي: وكل من لم يلزم نفسه في تعبده وأورده بالسنة النبوية، يندم ويترهب ويسوء مزاجه، ويفوته خير كثير من متابعة سنة نبيه الرؤوف الرحيم بالمؤمنين، الحريص على نفعهم، وما زال ﷺ معلمًا للأمة أفضل الأعمال، وأمرًا يهجر التبتل والرهبانية التي لم
_________________
(١) رواه البخاري (٤/ ٢٢٠) ٢٠ - كتاب الصوم - ٥٦ - باب صوم الدهر. ومسلم (٢/ ٨١٦) ١٣ - كتاب الصيام - ٣٥ - باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به.
(٢) رواه البخاري (٤/ ٢٢٤) ٢٠ - كتاب الصوم - ٥٩ - باب صوم داود ﵇. ومسلم في الموضع السابق.
[ ٤ / ٢١٠٥ ]
يبعث بها، فنهى عن سرد الصوم، ونهى عن الوصال، وعن قيام أكثر الليل إلا العشر الأخير، ونهى عن العزبة للمستطيع، ونهى عن ترك اللحم إلى غير ذلك من الأوامر والنواهي، فالعابد بلا معرفة لكثير من ذلك معذور مأجور، والعابد العالم بالآثار المحمدية. المتجاوز لها مفضول مغرور، وأحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل. ألهمنا الله وإياكم حسن المتابعة، وجنبنا الهوى والمخالفة. ا. هـ.
٢٣١٠ - * روى أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قلت: يا رسول الله! أكتب ما أسمع منك؟ قال: "نعم" قلت: في الرضي والغضب؟ قال: "نعم، فإني لا أقول إلا حقًا".
٢٢١١ - * روى البخاري عن أبي هريرة قال: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم أكثر حديثًا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب.
٢٢١٢ - * روى أبو نعيم عن أبي عبد الرحمن الحبلي، سمعت عبد الله بن عمرو يقول: لأن أكون عاشر عشرة مساكين يوم القيامة، أحب إلي من أن أكون عاشر عشرة أغنياء، فإن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا، ويقول: يتصدق يمينًا وشمالًا.
٢٢١٣ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو، قال: زوجني أبي امرأة من قريش، فلما دخلت علي، جعلت لا أنحاش لها مما بي من القوة على العبادة، فجاء أبي إلى كنته، فقال: كيف وجدت بعلك؟ قالت: خير رجلٍ لم يفتش لها كنفًا، ولم يقربه لها فراشًا: فأقبل علي، وعضني بلسانه، ثم قال: أنكحتك امرأة ذات حسب، فعضلتها
_________________
(١) أحمد في مسنده (٢/ ١٦١، ١٩٢). وأبو داود (٣/ ٣٦٨) كتاب العلم، باب في كتاب العلم. والدارمي (١/ ١٢٥) المقدمة، باب من رخص في كتابة العلم.
(٢) البخاري (١/ ٢٠٦) ٣ - كتاب العلم - ٩ - باب كتابة العلم.
(٣) الحلية (١/ ٢٨٨) ورجاله ثقات.
(٤) أحمد في مسنده (٢/ ١٥٨) ورجاله ثقات.
[ ٤ / ٢١٠٦ ]
وفعلت، ثم انطلق، فشكاني إلى النبي ﷺ، فطلبني، فأتيته، فقال لي: "أتصوم النهار وتقوم الليل"؟ قلت: نعم. قال: "لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأمس النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني".
٢٢١٤ - * روى البخاري، عن عبد الله بن عمرو قال: أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كنته، فيسألها عن بعلها، فتقول: نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشًا، ولم يفتش لنا كنفًا منذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه، ذكر للنبي ﷺ، فقال: "ألقني به"
والكنة: زوج الولد، وقولها لم يفتش لنا كنفًا: الكنف: الجانب، أرادت أنه لم يقربها، ولم يطلع منها على ما جرت به عادة الرجال مع نسائهم. واسم المرأة: أم محمد بنت محمية بن جزء الزبيدي حليف قريش، ذكرها الزبير.
٢٢١٥ - * روى أحمد عن عبد الله بن عمرو، قال: دخل رسول الله ﷺ بيتي هذا، فقال: "يا عبد الله! ألم أخبر أنك تكلفت قيام الليل وصيام النهار"؟ قلت: إني لأفعل. فقال: "إن من حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فالحسنة بعشر أمثالها، فكأنك قد صمت الدهر كله" قلت: يا رسول الله، إني أجد قوة، وإني أحب أن تزيدني. فقال: "فخمسة أيام" قلت: إني أجد قوة. قال: "سبعة أيام"، فجعل يستزيده، ويزيده حتى بلغ النصف، وأن يصوم نصف الدهر: "إن لأهلك عليك حقًا، وإن لعبدك عليك خقًا، وأن لضيفك عليك حقًا" فكان بعد ما كبر وأسن يقول: ألا كنت قبلت رخصة النبي ﷺ أحب إلي من أهلي ومالي.
أقول: الأصل في حياة المسلم أن يلزم نفسه من النوافل بما يستطيع وإذا ألزم نفسه بشيء من النوافل دون نذر، وعجز أو حيل بينه وبين أن يؤدي ما ألزم نفسه به فالأمر واسع في
_________________
(١) البخاري (٩/ ٩٤) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن - ٣٢ - باب قول المقرئ للقرآن حسبك.
(٢) أحمد في مسنده (٢/ ٢٠٠) وإسناده حسن. وهذا الحديث له طرق مشهورة في الصحيحين وغيرهما.
[ ٤ / ٢١٠٧ ]
حقه، وقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسل لما كبر وثقل خفف بعض ما كان يلزم به نفسه من قبل ولو أن عبد الله فعل ذلك لما كان عليه من حرج، ولكن التزامه أمام رسول الله ﷺ جعله يستشعر أن عليه أن يبقى على الحالة التي فارقه عليها رسول الله ﷺ، وهذا من باب الورع ولم يكن واجبًا في حقه، ومن كلامه نأخذ درسًا ألا يضيق الإنسان على نفسه فيما وسعت به الشريعة، ونخص بالتذكير بعض الطبقات التي تتعامل مع المباح وكأنه فريضة أو ومع خلاف الأولى وكأنه محرم، فهؤلاء لهم أجرهم ولكنهم يضيقون واسعًا إذا كانوا أئمة يقتدي بهم أو يلتزم الناس بأوامرهم.
٢٢١٦ - * روى أحمد عن حنظلة بن خويلد العنبري، قال: بينما أنا عند معاوية، إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار ﵁، فقال كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال عبد الله بن عمرو: ليطب به أحدكما نفسًا لصاحبه، فإني سمعت رسوله ﷺ يقول: "تقتله الفئة الباغية" فقال معاوية: يا عمرو ألا تغني عنا مجنونك، فما بالك معنا؟ قال: إن أبي شكاني إلى رسول ﷺ، فقال: "أطع أباك مادام حيًا" فأنا معكم، ولست أقاتل.
أقول: أمر الرسول ﷺ ههنا عام، ومن ورع عبد الله أنه حمل العموم على عمومه، ولكن مقتضى الفتوى أن ما يخصص العام تخصيصًا لا ليس فيه فإن على المسلم أن يأخذ به، وفي الواقعة التي نحن فيها كان مقتضي الفتوى ألا يكون عبد الله مع جند معاوية بل أن يكون مع جند علي، فكان الواجب عليه أن يأخذ بهذا الخصوص الواضح البين، ولكنه اجتهد فحمل العام على عمومه، فنرجو أن يكون مأجورا إن شاء الله.
٢٢١٧ - * روى ابن سعد عن ابن أبي مليكة، قال: قال عبد الله بن عمرو ﵁: مالي ولصفين، مالي ولقتال المسلمين، لوددت أني مت قبلها بعشرين سنة - أو قال بعشر سنين - أما والله على ذلك ما ضربت بسيف، ولا رميت بسهم. وذكر أنه كانت الراية بيده.
_________________
(١) أحمد في مسنده (٢/ ١٦٤) وإسناده صحيح.
(٢) الطبقات الكبرى (٤/ ٢٦٦) ورجاله ثقات.
[ ٤ / ٢١٠٨ ]
٢٢١٨ - * روى الحاكم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو قال: كانت أم عبد الله بن عمرو وريطة بنت منبه بن الحجاج تلطف برسول الله ﵌، فأتاها ذات يوم فقال "كيف أنت يا أم عبد الله"؟ قالت: بخير وعبد الله رجل قد ترك الدنيا. قال له أبوه يوم صفين: اخرج فقاتل. قال: يا أبتاه أتأمرني أن أخرج فأقاتل وقد كان من عهد رسول الله ﵌ ما قد سمعت؟ قال: أنشدك بالله أتعلم أن ما كان من عهد رسول الله ﵌ إليك أنه أخذ بيدك فوضعها في يدي فقال أطع أباك عمرو بن العاص قال: نعم، قال: فإني آمرك أن تقاتل. قال: فخرج يقاتل. فلما وضعت الحرب قال عبد الله:
لو شهدت جمل مقامي ومشهدي بصفين يوما شاب منها الذوائب
عشية جاء أهل العراق كأنهم سحاب ربيع زعزعته الجنائب
إذا قلت قد ولوا سراعا ثبتت لنا كنائب منهم واجحنت كتائب
فقالوا لنا إنا نرى أن تبايعوا عليا فقلنا نرى أن تضاربوا
٢٢١٩ - * روى الحاكم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﵌ في غزوة له ففزع الناس، فخرجت وعلي سلاحي فنظرت إلى سالم مولى أبي حذيفة عليه سلاحه يمشي وعليه السكينة، فقلت: لأفتدين بهذا الرجل الصالح حتى أتى فجلس عند باب رسول الله ﷺ وآله وسلم وجلست معه، فخرج رسول الله ﷺ مغضبا فقال: "يا أيها الناس ما هذه الخفة ما هذا الترف أعجزتم أن تصنعوا كما صنع هذان الرجلان المؤمنان".
قال الذهبي:
عن سلمان بن ربيعة الغنوي: أنه حج زمن معاوية في عصابة من القراء، فحدثنا أن
_________________
(١) المستدرك (٣/ ٥٢٧) تلطف: ألطف فلانًا بكذا: أتحفه وأبره، واللطف: الهدية واليسير من الطعام وغيره.
(٢) المستدرك (٣/ ٥٢٧) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
[ ٤ / ٢١٠٩ ]
عبد الله في أسفل مكة. فعمدنا إليه، فإذا نحن بثقل عظيم يرتحلون ثلاث مئة راحلة، منها مئة راحلة ومئتا زاملة (١) وكنا نحدث أنه أشد الناس تواضعًا. فقلنا: ما هذا؟ قالوا: لإخوانه يحملهم عليها ولمن ينزل عليه، فعجبنا، فقالوا: إنه رجل غني، ودلونا عليه أنه في المسجد الحرام، فأتيناه، فإذا هو رجل قصير أرمص (٢)، بين بردين وعمامة، قد علق نعليه في شماله.
عن سليمان بن الربيع قال: انطلقت في رهط من نساك أهل البصرة إلى مكة، فقلنا: لو نظرنا رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ، فدللنا على عبد الله بن عمرو، فأتينا منزله، فإذا قريب من ثلاث مئة راحلة. فقلنا: على كل هؤلاء حج عبد الله بن عمرو؟ قالوا: نعم. هو ومواليه وأحباؤه. قال: فانطلقنا إلى البيت، فإذا نحن برجل أبيض الرأس واللحية، بين بردين قطريين، عليه عمامة وليس عليه قميص.
عن عبيد بن سعيد: أنه دخل مع عبد الله بن عمرو المسجد الحرام، والكعبة محترقة حين أدبر جيش حصين بن نمير، والكعبة تتناثر حجارتها. فوقف وبكى حتى إني لأنظر إلى دموعه تسيل على وجنتيه. فقال: أيها الناس! والله لو أن أبا هريرة أخبركم أنكم قاتلو ابن نبيكم، ومحرقو بيت ربكم، لقلتم: ما أحد أكذب من أبي هريرة. فقد فعلتم، فانتظروا نقمة الله فليلبسنكم شيعًا، ويذيق بعضكم بأس بعض.
وقد أسلم عبد الله وهاجر بعد ستة سبع، وشهد بعض المغازي.
قال أبو عبيد: كان على ميمنة جيس معاوية يوم صفين. وذكره خليفة بن خياط في تسمية عمال معاوية على الكوفة. قال: ثم عزله وولى المغيرة بن شعبة.
ورث عبد الله من أبيه قناطير مقنطرة من الذهب المصري، فكان من ملوك الصحابة. قال قتادة: كان رجلًا سمينًا.
_________________
(١) الراحلة من الإبل: البعير النجيب القوي على الأسفار والأحمال. الذكر والأنثى فيه سواء. وهي التي يختارها الرجل لمركبه، والهاء فيه للمبالغة في الصفة كما يقال: رجل داهية وبافعة وعلامة، والزاملة: بعير يستظهر به الردل، يحمل عليه متاعه وطعامه.
(٢) الرمص: قذى في عينه.
[ ٤ / ٢١١٠ ]
قال أحمد بن حنبل: مات عبد الله ليالي الحرة سنة ثلاثٍ وستين. وقال يحيي بن بكير: توفي عبد الله بن عمرو بمصر، ودفن بداره الصغيرة سنة خمسٍ وستين، وكذا قال في تاريخ وفاته: خليفةً، وأبو عبيد، والواقدي، والفلاس وغيرهم. [وهو الصحيح] وقال خليفة: مات بالطائف، ويقال: بمكة. وقال ابن البرقي أبو بكر: فأما ولده فيقولون: مات بالشام. ا. هـ الذهبي
* * *
[ ٤ / ٢١١١ ]
٧٣ - محمد بن مسلمة ﵁
محمد بن مسلمة بن سلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الخزرج بن عمرو ابن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي الحارثي أبو عبد الرحمن المدني حليف بني عبد الأشهل .. ولد قبل البعثة باثنتين وعشرين سنة في قول القوادي، وهو ممن سمي في الجاهلية محمدا وقيل يكنى أبا عبد الله وأبا سعيد والأول أكثر.
قول ابن شاهين: حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث أنه شهد بدرًا وصحب النبي ﵌ هو وأولاده جعفر وعبد الله وسعد وعبد الرحمن وعمر، وقال: وسمعته يقول قتله أهل الشام ثم أخرج من طريق هشام عن الحسن أن محمد بن مسلمة قال: أعطاني رسول الله ﵌ سيفًا فقال "قاتل به المشركين ما قاتلوا فإذا رأيت أمتي يضرب بعضهم بعضا فائت به أحدا فاضرب به حتى ينكسر ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية" ففعل قلت [القائل ابن حجر] ورجاله هذا السند ثقات إلا أن الحسن لم يسمع من محمد بن مسلمة وأخي رسول الله ﷺ بينه وبين أبي عبيدة وشهد الشاهد بدرًا وما بعدها إلا غزوة تبوك فإنه تخلف بإذن النبي ﵌ له أن يقيم بالمدينة وقال ابن عبد البر، كان من فضلاء الصحابة واستخلفه النبي ﵌ على المدينة في بعض غزواته، وكان ممن اعتزل الفتنة فلم يشهد الجمل ولاصفين.
وقال ابن الكلبي: ولاه عمر على صدقات جهينة، وقالى غيره كان عند عمر معدًا لكشف الأمور المعضلة في البلاد وهو كان رسوله في الكشف عن سعيد بن أبي وقاص حين بنى القصر بالكوفة وغير ذلك.
وقال ابن مبارك في الزهد أنبأنا ابن عيينة عن عمر بن سعيد بن عباية بن رفاعة قال: بلغ عمر بن الخطاب أن سعد بن أبي وقاص اتخذ قصرًا وجعل عليه بابًا وقال انقطع الصوت، فأرسل محمد بن مسلمة وكان عمر إذا أحب أن يؤتى بالأمر كما يريد بعثه بالأمر كما بعثه فقال له: ائت سعدًا فأحرق عليه بابه فقدم الكوفة فلما وصل إلى الباب أخرج زنده فاستورى نارًا ثم
[ ٤ / ٢١١٢ ]
أحرق الباب فأخبر سعد فخرج إليه فذكر القصة.
قال ابن شاهين: كان من قدماء الصحابة سكن المدينة ثم سكن الربذة يعني بعد قتل عثمان. قال الواقدي: مات بالمدينة في صفر سنة ست وأربعين وهو ابن سبع وسبعين سنة وأرخه المدائني سنة ثلاث وأربعين وقال ابن أبي داود: قتله أهل الشام، وكذا قال يعقوب ابن سفيان في تاريخه دخل عليه رجل من أهل الشام من أهل الأردن وهو في داره فقتله وقال محمد بن الربيع في صحابة مصر: بعثه عمر إلى عمرو بمصر فقاسمه ماله وأسند ذلك في حديث، ثم قال: مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين وله سبع وسبعون سنة، وكان طويلًا معتدلًا أصلع. ا. هـ. ابن حجر.
وقال الذهبي عنه: من نجباء الصحابة، شهد بدرًا والمشاهد.
وقيل: إن النبي ﷺ استخلفه مرة على المدينة. وكان ﵁ ممن اعتزل الفتنة، ولا حضر الجمل، ولا صفين؛ بل اتخذ سيفًا من خشب، وتحول إلى الربذة، فأقام مديدة.
وهو حارثي، من حلفاء بني عبد الأشهل. وكان رجلًا طوالًا أسمر معتدلًا أصلع وقورًا. قد استعمله عمر على زكاة جهينة. وقد كان عمر إذا شكي إليه عامل، نفذ محمدًا إليهم ليكشف أمره. خلف من الولد عشرة بنين؛ وست بنات. ﵁. وقدم للجابية، فكان على مقدمة جيش عمر.
عباد بن موسى السعدي: حدثنا يونس، عن الحسن، عن محمد بن مسلمة، قال: مررت، فإذا رسول الله ﷺ على الصفا، واضعًا يده على يد رجل، فذهبت. فقال: "ما منعك أن تسلم"؟ قلت: يا رسول الله، فعلت بهذا الرجل شيئًا ما فعلته بأحد، فكرهت أن أقطع عليك حديثك، من كان يا رسول الله؟ قال: "جبريل، وقال لي: هذا محمد بن مسلمة لم يسلم، أما إنه لو سلم رددنا ﵇". قلت: فما قال لك يا رسول الله؟ قال: "ما زال يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه يأمرني فأورثه" (١).
_________________
(١) وعياد بن موسى السعدي لم يوثقه غير ابن حبسان، والحسن هو البصري لم يسمع من محمد بن مسلمة، لكن حديث=
[ ٤ / ٢١١٣ ]
قال ابن سعد: أسلم محمد بن مسلمة على يد مصعب بن عمير، قبل إسلام سعد بن معاذ. قال: وأخي رسول الله ﷺ بينه وبين أبي عبيدة، واستخلفه على المدينة عام تبوك (١).
قال ابن يونس: شهد محمد فتح مصر، وكان فين طلع الحصن مع الزبير. قال عباية ابن رفاعة: كان محمد بن مسلمة، أسود طويلًا عظيمًا.
وفي الصحاح، من حديث جابر: مقتل كعب بن الأشرف على يد محمد بن مسلمة (٢) عاش ابن مسلمة سبعًا وسبعين سنة. قال يحيي بن بكير، وإبراهيم بن المنذر، وابن نمير، وشباب، وجماعة: مات محمد بن مسلمة في صفر سنة ثلاث وأربعين. أ. هـ.
٢٢٢٠ - * روى الحاكم بن عمرو بن دينار سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: بعثني عثمان ﵁ في خمسين فارسًا إلى ذي خشب وأميرنا محمد بن مسلمة الأنصاري، فجاء رجل في عنقه مصحف وفي يده سيف وعيناه تذرفان، فقال: إن هذا يأمرنا أن نضرب بهذا على ما في هذا، فقال له محمد بن مسلمة: اجلس فقد ضربنا بهدا على ما في هذا قبل أن تولد فلم يزل يكلمه حتى رجع.
٢٢٢١ - * روى أبو دواد عن ثعلبة بن ضبيعة، قال: دخلنا على حذيفة، فقال: إني لأعرف رجلًا لا تضره الفتن شيئًا، قال: فخرجنا فإذا فسطاط مضروب، فدخلنا، فإذا فيه محمد بن مسلمة، فسألناه عن ذلك، فقال: ما أريد أن يشتمل علي شيء من أمصاركم حتى تنجلي عما انجلت.
_________________
(١) = "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" صحيح من حديث عائشة وابن عمر، أخرجه البخاري ومسلم.
(٢) تبوك: موضع بين وادي القرى والشام، وبه كانت الغزوة.
(٣) رواه البخاري (٧/ ٣٣٦) ٦٤ - كتاب المغازي - ١٥ - باب قتل كعب بن الأشرف. ومسلم (٣/ ١٤٢٥) ٣٢ - كتاب الجهاد والسير - ٤٢ - باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود.
(٤) المستدرك (٣/ ٤٣٦) وصححه ووافقه الذهبي.
(٥) أبو داود (٤/ ٢١٦) كتاب السنة، باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة.
[ ٤ / ٢١١٤ ]
وفي رواية (١) عن حذيفة قال: ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه إلا محمد بن مسلمة فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا تضرك الفتنة".
٢٢٢٢ - * روى الحاكم عن محمد بن إسحاق في ذكر من شهد بدرا قال: ومن الأوس ثم حلفائه من بني عبد الأشهل محمد بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن عمرو بن مالك بن الأوي كان حليفًا لبني عبد الأشهل، توفي سنة ثلاث وقيل سنة ست وأربعين وهو يومئذ ابن سبع وسبعين سنة، وكان يكنى أبا عبد الرحمن وصلى عليه مروان بن الحكم.
* * *
_________________
(١) أبو داود في نفس الموضوع السابق. ما أريد أن يشتل علي من أمصاركم شيء، لا أسكن بلدًا فأتعرض للفتنة حتى تنقضي.
(٢) المستدرك (٣/ ٤٣٣).
[ ٤ / ٢١١٥ ]
٧٤ - حسان بن ثابت
قال الذهبي في السير: ابن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، سيد الشعراء المؤمنين، المؤيد بروح القدس، أبو الوليد؛ ويقال: أبو الحسام. الأنصاري الخزرجي النجاري المدني، ابن الفريعة.
شاعر رسول الله ﷺ وصاحبه. قال ابن سعد: عاش ستين سنة في الجاهلية، وستين في الإسلام. أمه الفريعة بنت خنيس. قال مسلم: كنيته أبو عبد الرحمن. وقيل: أبو الوليد. قال ابن إسحاق: سألت سعيد بن عبد الرحمن بن حسان: ابن كم كان حسان وقت الهجرة؟ قال: ابن ستين سنة، واهجر رسول الله ابن ثلاث وخمسين.
الزهري، عن ابن المسيب، قال: كان حسان في حلقة فيهم أبو هريرة، فقال: أنشدك الله يا أبا هريرة،
فقال: أنشدك الله يا أبا هريرة، هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أجب عني، أيدك الله بروح القدس"؟ فقال: اللهم نعم (١).
وروى عدي بن ثابت، عن البراء: أن رسول الله قال لحسان: "اهجهم وهاجهم وجبريل معك" (٢).
وقال سعيد بن المسيب: مر عمر بحسان، وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظه، فقال حسان: قد كنت أنشد فيه، وفيه خير منك. قال: صدقت (٣).
عن عائشة، قالت: كان حسان يضع له النبي ﷺ منبرًا في المسجد، يقوم عليه قائمًا ينافح عن رسول الله ﷺ، ورسول الله يقول: "إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن رسول الله ﷺ" (٤).
_________________
(١) رواه البخاري (٦/ ٣٠٤) ٥٩ - كتاب بدء الخلق - ٦ - باب ذكر الملائكة. ومسلم (٤/ ١٩٣٣) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٣٤ - باب فضائل حسان بن ثابت.
(٢) رواه البخاري ومسلم في نفس الموضعين السابقين.
(٣) رواه البخاري ومسلم في نفس الموضعين السابقين.
(٤) رواه أحمد في مسنده (٦/ ٧٢)، وأبو داوج (٤/ ٣٠٤) كتاب الأدب، باب ما جاء في الشعر. والترمذي (٥/ ١٣٨) ٤٤ - كتاب الأدب - ٧٠ - باب ما جاء في إنشاد الشعر. والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٨٧) وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٤ / ٢١١٦ ]
وعن عروة، قال: سببت ابن فريعة عند عائشة، فقالت: يا ابن أخي، أقسمت عليك لما كففت عنه، فإنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ. (١)
أقول: وفي منع ابن أختها من سب حسان مع دوره في حادثة الإفك دليل على أن المسلم لا يحقد ويمتنع عن أن يشفي قلبه من غيظ الغيبة منه أو من غيره، وهو خلق عز في عصرنا وقل أصحابه.
عمر بن حوشب، عن عطاء بن أبي رباح، سمعه يقول: دخل حسان على عائشة، بعدما عمي، فوضعت له وسادة، فدخل أخوها عبد الرحمن، فقال: أجلستيه على وسادة، وقد قال ما قال؟ - يريد: مقالته نوبة الإفك - فقالت: إنه - تعني أنه كان يجيب عن رسول الله ﷺ، ويشفي صدره من أعدائه، وإني لأرجو ألا يعذب في الآخرة.
وروي عن عائشة قالت: قدد رسول الله المدينة، فهجته قريش، وهجوا معه الأنصار. فقال لحسان: "اهجهم، وإني أخاف أن تصيبني معهم بهجو بني عمي".
قال: لأسلنك منهم سل الشعرة من العجين، ولي مقول يفري ما لا تفريه الحربة. ثم أخرج لسانه، فضرب به أنفه، كأنه لسان شجاع (٢) بطرفه شامة سوداء، ثم ضرب به ذقنه.
عن أبي سلمة: أن حسان قال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني هذا. ثم أطلع لسانه، كأنه لسان حية.
فقال رسول الله ﷺ: "إن فيهم نسبًا، فائت أبا بكر، فإنه أعلم قريش بأنسابها، فيخلص لك نسبي". قال: والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم ومسبك سل الشعرة من
_________________
(١) رواه البخاري (١٠/ ٥٤٦) ٨٧ - كتاب الأدب - ٩١ - باب هجاء المشركين. ومسلم (٤/ ١٩٣٢) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٣٤ - فضائل حسان بن ثابت.
(٢) شجاع: الحية الذكر.
[ ٤ / ٢١١٧ ]
العجين. فهجاهم. فقال له رسول الله ﷺ: "لقد شفيت واشتفيت" (١).
محمد بن السائب بن بركة، عن أمه: أنها طافت مع عائشة، ومعها نسوة، فوقعن في حسان، فقالت: لا تسبوه، قد أصابه ما قال الله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) وقد عمي، والله إني لأرجو إن يدخله الله الجنة بكلمات قالهن لأبي سفيان بن الحارث:
هجوت محمدًا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء
فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء
أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء
انتهى. من السير للذهبي.
قال الشيخ شعيب: أبو سفيان بن الحارث: هو ابن عم النبي ﷺ وأخوه من الرضاعة، كان يألف النبي ﷺ في الجاهلية، فلما بعث عاداه، وهجاه، ثم أسلم عام الفتح، وشهد حنينًا، وقوله: (فشركما لخيركما الفداء). قال السهيلي: وفي ظاهر اللفظ بشاعة، لأن المعروف أن لا يقال: هو شرهما إلا وفي كليهما شر .. ولكن سيبويه قال في (كتابه): تقول: مررت برجل شر منك: إذا نقص عن أن يكون مثله، وهذا يدفع الشناعة، ونحو منه قوله ﷺ: "شر صفوف الرجال آخرها" يريد: نقصان حظهم عن حظ الأول.
عن مسروق، قال: كنت عند عائشة، فدخل حسان - بعد ما عمي - فقال:
حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح من لحوم الغوافل
فقالت: لكن أنت لست كذلك. فقلت لها: تأدنين له، وقد قال الله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣) فقالت: وأي عذاب أشد من العمى.
_________________
(١) رواه الطبراني في الكبير (٤/ ٣٨) ومسلم بنحوه في (٤/ ١٩٣٥) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٣٤ - باب فضائل حسان بن ثابت.
(٢) آل عمران ١١.
(٣) النور: ١١. ٠
[ ٤ / ٢١١٨ ]
وقالت: إنه كان ينافح، أو يهاجي عن رسول الله ﷺ (١).
خديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن سعيد بت جبير، قال: قبل لابن عباس: قدم حسان اللعين، فقال ابن عباس: ما هو بلعين، قد جاهد مع رسول الله ﷺ بنفسه ولسانه (٢).
وقال [الذهبي] هذا دال على أنه غزا.
أقول: من المشهور عن حسان قلة مشاركته في القتال وذلك يرجع في نظري إلى أنه كان كبير السن عندما دخل في الإسلام كما مر، وقد علل بعضهم عدم مشاركته في القتال تعليلات لا تليق ولم تثبت بسند صحيح يطمئن إليه القلب، وإنما هو ما ذكرناه فقد كان معذورًا بدليل أنه لم يعاقب ولم يعاتب ولم يؤثر عن رسول الله ﷺ لوم له في هذا الشأن.
قال الذهبي: عبدة بن سليمان، عن أبي حيان التيمي، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: أنشد حسان النبي ﷺ:
شهدت بإذن الله أن محمدًا رسول الذي فوق السماوات من عل
وأن أبا يحيي ويحيي كلاهما له عمل من ربه متقبل
وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم يقول بذات الله فيهم ويعدل (٣)
فقال النبي ﷺ: "وأنا".
وروى أبو غسان النهدي: حدثنا عمر بن زياد، عن عبد الملك بن عمير: أن النبي ﷺ أنشده حسان - فذكرها وزاد:
وأن الذي عادي اليهود ابن مريم نبي أتى من عند ذي العرش مرسل
_________________
(١) البخاري (٧/ ٤٣٦) ٦٤ - كتاب المغازي - ٢٤ - باب حديث الإفك. ومسلم (٤/ ١٩٣٤) - كتاب فضائل الصحابة - ٣٤ - باب فضائل حسان بن ثابت.
(٢) أخرجه أبو الفرج في الأغاني، وهو في تهذيب ابن عساكر.
(٣) أبو يحيي: هو زكريا ﵇. أخو الأحقاف: هو هود ﵇.
[ ٤ / ٢١١٩ ]
قال ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر، وعبد الله بن حزم: إن حسان لما قال هذه الأبيات:
من النوم بالغشاء الهموم وخيال إذا تغور النجوم
من خبيب أصاب قلبك منه سقم فهو داخل مكتوم
يا لقومٍ هل يقتل المرء مثلي واهن البطش والعظا سؤوم
شأنها العطر والفراش ويعلو ها لجين ولؤلو منظوم
لو يدب الحولي من ولد الذ ر عليها لأندبتها الكلوم
لم تفقها شمس النهار بشيء غير أن الشباب ليس بدوم
زاد بعضهم:
رب حلم أضاعه عدم الما ل وجهل غظى عليه النعيم
نادى بأعلى صوته على أطمة فارع: يا بني قيلة، فلما اجتمعوا، قالوا: ما لك ويلك؟ قال: قلت قصيدة لم يقل أحد من العرب مثلها، ثم أنشدها لهم، فقالوا: ألهذا جمعتنا؟ فقال: وهل يصبر به من وحر الصدر. [أي وساوسه].
قال سليمان بن يسار: رأيت حسان لع ناصية قد سدلها بين عينيه.
قال ابن إسحاق: توفي حسان سنة أربعٍ وخمسين. وأما الهيثم بن عدي، والمدائني فقالا: توفي سنة أربعين. قلت: له وفادة على جبلة بن الأبهم، وعلى معاوية.
قال: ابن سعد: توفي زمن معاوية. ا. هـ. الذهبي.
وقال ابن حجر: قال عبيدة فضل حسان بن ثابت على الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي ﵌ في أيام النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام مات حسان قبل الأربعين في قول خليفة وقبل سنة أربعين وقبل خمسين وقيل أربع وخمسين وهو قول ابن هشام حكاه عنه ابن البرقي وزاد وهو ابن عشرين ومائة سنة أو نحوها وذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ قدم المدينو ولحسان ستون
[ ٤ / ٢١٢٠ ]
سنة (قلت [القائل ابن حجر] من قال إنه سنة أربعين بلغ مائة أو دونها او في سنة خمسين مائة وعشرة أو سنة أربع وخمسين مائة وأربع عشرة، والجمهور أنه عاش مائة وعشرين سنة وقيل عاش مائة وأربع سنين جزم به أنه أبي خيثمة عن المدائني وقال ابن سعد عاش في الجاهلية ستين وفي الإسلام ستين ومات وهو ابن عشرين ومائة. ا. هـ.
٢٢٢٢ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: "استأذن حسان بن ثابت رسول الله ﷺ في هجاء المشركين، فقال رسول الله ﷺ: "فكيف بنسبي؟ " فقال حسان: لأسئلنك منهم كما تسل العشرة من العجين.
وفي رواية قال عروة: ذهبت أسب حسان عند عائشة، فقالت: لا تسبه، فإنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ.
وفي رواية لمسلم (٢) قالت: قال حسان: يا رسول الله، ائذن لي في أبي سفيان، قال: "كيف بقرابتي منه؟ " قال: والذي أكرمك، لأسلنك كما تسل العشرة من الخمير، فقال حسان:
وإن سنام المجد من آل هاشم بنو بيت مخزوم، ووالدك العبد
قصيدته هذه.
وبعد بيت "وإن سنام المجد " بيت لم يذكره البخاري ومسلم، وبذكره تتم الفائدة والمراد، وهو:
ومن ولدت أبناء زهرة منهم كرام ولم يقرب عجائزك المجد
والمراد ببيت مخزوم: فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم أم عبد الله والزبير وأبي طالب بني عبد المطلب، والمراد بأبي سفيان المهجو في الحديث: أبو سفيان بن الحارث
_________________
(١) البخاري (١٠/ ٥٤٧) ٧٨ - كتاب الأدب - ٩١ - باب هجاء المشركين.
(٢) مسلم (٤/ ١٩٣٤) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة - ٣٤ - باب فضائل حسان بن ثابت. سنام المجد: سنام كل شيء: أعلاه، والمجد: الشرف والعلاء والفخر والسؤدد. وما أشبهه.
[ ٤ / ٢١٢١ ]
ابن عبد المطلب، وهو ابن عم رسول الله ﷺ وكان يؤذي النبي ﷺ والمسلمين في ذلك الوقت، ثم أسلم وحسن إسلامه.
وقوله: ولدت أبناء زهرة منهم، مراده: هالة بنت وهب بن عبد مناف أم حمزة وصفية، وأما قوله في البيت الأول: ووالدك العبد، فهو سب لأبي سفيان بن الحارث، ومعناه: أن أم الحارث بن عبد المطلب والد أبي سفيان هذا: هي سمية بنت موهب، وموهب غلام لبني عبد مناف، وكذا أم أبي سفيان بن الحارث كانت كذلك، وهو مراده يقوله، ولم يقرب عجائزك المجد.
وفي رواية لمسلم (١) أن رسول الله ﷺ قال: "اهجوا قريشًا، فإنه أشد عليها من رشق النبل" فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: اهجهم، فلم يرض، فأرسل إلى كعب بم مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبة، ثم أدلع لسانه، فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم، فقال رسول الله ﷺ: "لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبًا، حتى يلخض لك نسبي" فأتاه حسان، ثم رجع، فقال: والذي بعثك بالحق، لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين، قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان: إن روح القدس لا يزال يؤديك ما نافحت عن الله ورسوله. وقالت عائشة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: هجاهم حسان، فشفى واتشفى، قال حسان:
هجوت محمدًا، فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء
هجوت محمدًا برًا تقيًا رسول الله شيمته الوفاء
_________________
(١) مسلم في نفس الموضع السابق. رشق النبل: الرشق: الري، وهو بالفتح: المصدر، تقول: رشقته رشقًا، وبالكسر: الوجه من الرمي: إذا رموا بأجمعهم، قالوا: رميًا رشقًا. أذلع: دلع لسانه وأدلعه إذا أخرجه، ودلع لسانه يتعدى ولا يتعدى. لأفرينهم قري الأديم: أقريت الشيء، إذا قطعته على جهة الإفساد، فإذا فعلته على جهة الإصلاح قلت: فريته، وفري الأديم: قطع الجزار الجلد. برأ: البر: الصادق.=
[ ٤ / ٢١٢٢ ]
فإني أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء
ثكلت بنيتي لم تروها تثير النقع من كنفي كداء
يبارين الأعنة مصعدات على اكتافها الأسل الظماء
تظل جيادنا متمطرات تلطمهن بالخمر النساء
فإن أعرضتم عنا اعتمرنا وكان الفتح، وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لضراب يومٍ يعز الله فيه من يشاء
وقال الله: قد أرسلت عبدًا يقول الحق، ليس به خفاء
وقال الله: قد يسرت جندًا هم الأنصار عرضتها اللقاء
تلافى كل يوم من مقد سباب، أو قتال، أو هجاء
فمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء
وجبريل رسول الله فينا وروح القدس ليس له كفاء
أقول: ترجمنا لحسان ﵁ لأنه يشكل ظاهرة تحتاج إلى تأمر كبير ليأخذ منها دعاة الإسلام دروسًا كثيرة، فلقد كان الشعر في الجاهلية هو الأداة الأقوى في التأثير على الرأي العام، وقد استعمل الرسول ﷺ هذا السلاح استعمالا كثيرًا فلم يبق شاعرًا إلا وقد استخرج ما عنده في نصرة الإسلام أو الدعوة له أو الذنب عنه أو الرد على خصومه أو في
_________________
(١) = حنيفًا: الحنيف: المائل عن الأديان إلى الإسلام. تثيير النقع: النقع: الغبار، وإثارته: نشره وإظهاره في الحق. كداء: الممدود - بفتح الكاف -: هو بأعلى مكة عند المقبرة، وتسمى الناحية: المعلي، وهنالك الحصب، وليس بمحصب مني، وكان باب بني شيبة بإزائه، وكدي - بالقصر والضم مصروفًا -: هو بأسفل مكة، وهو بقرب شعب الشافعين وابن الزبير، عند قعيقعان، وهنالك موضع آخر يقال له: كدي، مضغرًا، وإنما هو لمن خرج من مكة إلى اليمن، فهو في طريقه، وليس من هذين المقدمين في شيء. يبارين الأعنة: المباراة: المجارة والمسابقة. الأسل الغلماء: الأسل: الرماح، وهو في الأصل: نبات له أغضان. دقاق طوال. والغلماء: جمع ظامئ، وهو العطشان، جمع الرماح عطاشًا إلى ورود الدماء استعارة، فهي إلى ذلك أسرع، كسارعة العطشالن إلى ورود الماء. متمطرات: مطر الفرس يمطر مطرًا: إذا أسرع، وتمطر تمطرًا: مثله. عرضتها: يقال: فلان عرضة لكذا" إذا كان مستعدًا له، متعرضًا له.
[ ٤ / ٢١٢٣ ]
التعليل للمواقف، وهذا يعطينا درسًا في أن يبذل الدعاة أقصى ما يستطيعونه للتأثير على الرأي العام بكل وسيلة مشروعة متاحة، وقد كان من سننه ﵇ أن يرد على شاعر بشاعر وعلى خطيب بخطيب، وهذا درس كذلك للدعاة في أن يردوا على الجريدة بالجريدة وعلى الكتاب بالكتاب وعلى البيان بالبيان على ضوء الحكمة والفتوى.
ومن الدروس في ترجمة حسان أن نعرف أن للشاعر قيمته للدعوة الإسلامية، قال تعالى لرسوله ﵇ ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ ولقد أثر رسول الله ﷺ على كثير من شعرائه، ووصف قوة تأثير شعرهم في العدو، كما دعا لبعضهم، وهذا رد على بعض المنتطعين الذين لا يعطون للشعر الإسلامي أهميته.
* * *
[ ٤ / ٢١٢٤ ]
٧٥ - حجر بن عدي ﵁
قال ابن حجر في ترجمته:
حجر بضم أوله وسكون الجيم ابن عدي بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين الكندي المعروف بحجر بن الأدبر حجر الخير. ذكر ابن سعد ومصعب الزبيري فيما رواه الحاكم عنه أنه وفد على النبي ﵌ هو وأخوه هانئ بن عدي وأن حجر بن عدي شهد القادسية وأنه شهد بعد ذلك الجمل وصفين وصحب عليًا فكان من شيعته وقتل بمرج عذراء بأمر معاوية وكان حجر هو الذي افتتحها فقدر أن قتل بها.
وقد ذكر ابن الكلي جميع ذلك وذكره يعقوب بن سفيان في أمراء علي يوم صفين، وروى ابن السكن وغيره من طريق بن الأشتر عن أبيه أنه شهد وهو حجر بن الأدبر موت أبي ذر بالربذة، وأما البخاري وابن أبي حاتم عن أبيه وخليفته بن خياط وابن حبان فذكروه في التابعين، وكذا ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، فإما أن يكون ظنه آخر وإما أن يكون ذهل. وروى ابن قانع في ترجمته من طريق شعيب بن حرب عن شعبة عن أبي بكر بن حفص عن حجر بن عدي رجل من أصحاب النبي ﵌ عن النبي ﷺ قال "إن قومًا الخمر يسمونها بغير اسمها" وروى أحمد في الزهد والحاكم في المستدرك من طريق ابن سيرين قال: أطال زياد الخطبة فقال حجر: الصلاة، فضى في خطبته فحصبه حجر والناس، فنزل زياد فكتب إلى معاوية، فكتب إليه أن سرح به إلي، فلما قدم قال: السلام، عليك يا أمير المؤمنين، فقال: أو أمير المؤمنين أنا؟ قال: نعم، فأمر بقتله، فقال: لا تطلقوا عني حديدًا ولا تغسلوا عني دمًا فإني لاق معاوية بالجادة وإني مخاصم. وروى الروياني والطبراني والحاكم من طريق أبي إسحاق قال: رأيت حجر بن عدي وهو يقول ألا إني على بيعتي لا أقيلها ولا أستقيلها ا. هـ. ابن حجر.
وقال الذهبي: هو حجر الخير، وأبوه عدي الأدبر، وكان قد طعن موليًا. فسمي الأدبر، الكوفي، أبو عبد الرحمن الشهيد. له صحبة ووفادة.
[ ٤ / ٢١٢٥ ]
قال غير واحد: وفد مع أخيه هانئ بن الأدبر، ولا رواية له عن النبي ﷺ. وسمع من علي وعمار.
وكان شريفًا، أميرًا مطاعًا، أمارًا بالمعروف، مقدمًا على الإنكار، من شيعة علي ﵄. شهد صفين أميرًا، وكان ذا صلاح وتعبد.
قال ابن عون: عن محمد [بن سيرين]، قال: لما أتي بحجر، قال: ادفنوني في ثيابي، فإني أبعث مخاصمًا (١).
وروى ابن عون عن نافع، قال: كان ابن عمر في السوق، فنعي إليه حجر، فأطلق حبوته، وقام، وقد غلب عليه النحيب (٢).
هشام بن حسان: عن محمد، قال: لما أتي معاوية بحجر، قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! قال: أو أمير المؤمنين أنا؟ اضربوا عنقه، فصلى ركعتين، وقال لأهله: لا تطلقوا عني حديدًا، ولا تغسلو علي دمًا، فإني ملاقٍ معاوية على الجادة.
وقيل: إن رسول معاوية عرض عليهم البراءة من رجلٍ والتوبة. فأبى ذلك عشرة، وتبرأ عشرة، فلما انتهى القتل إلى حجر، جعل يرعد.
وقيل: لما حج معاوية، استأذن على عائشة، فقالت: أقتلت حجرًا؟ قال: وجدت فى قتله صلاح الناس، وخفت من فسادهم.
ومشهدهم ظاهر بعذراء (٣) يزار. وخلف حجر ولدين: عبيد الله، وعبد الرحمن. قتلهما مصعب بن الزبير الأمير، وكانا يتشيعان. ا. هـ.
أقول: إننا مع رغبتنا في أن لا نذكر إلا بخير، ولكن لابد أن نسجل أن
_________________
(١) رواه ابن سعد (٦/ ٢٣٠).
(٢) رواه أحمد كما في البداية (٨/ ٥٥) من طريق ابن علية بهذا الإسناد، وهو صحيح.
(٣) عذراء: هي من قرى غوطة دمشق، تقع في الشمال الشؤقي، وتبعد عنها خمسة عشر ميلًا تقريبًا، وبها قبر حجر وأصحابه، في مسجدها، ولا تزال إلى يومنا هذا.
[ ٤ / ٢١٢٦ ]
معاوية ﵁ كان بداية الملك العضوض بالنص الصريح عن رسول الله ﷺ كما كان رأس الفئة الباغية التي قتلت عمارًا، وهذا كذلك منصوص عليه، ثم هو أول من سن القتل السياسي بقتله حجر بن عدي وأصحابه صبرًا فكانت سنة سيئة في تاريخ الأمة الإسلامية، ونحن إذ نسجل هذه الظواهر نسجلها للعبرة والله تعالى هو الذي يحاسب عباده، ولمعاوية عندنا كما لبقية الصحابة: طلب الرضوان والغفران والأمر لله من قبل ومن بعد.
* * *
[ ٤ / ٢١٢٧ ]
٧٦ - عمران بن حصين ﵁
قال ابن حجر: عمران بن حصين بن عبيد بن خلف بن عبد نهم بن حذيفة بن جهمة ابن غاضرة بن حبشة بن كعب بن عمرو الخزاعي .. هكذا نسبه إلى ابن الكلبي ومن تبعه وعند أبي عمر عبد نهم بن سالم بن غاضرة ويكنى أيا نيجد بنون وجيم مصغرًا. روى عن النبي ﵌ عدة أحاديث، وكان إسلامه عام خيبر، وغزا عدة غزوات، وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح قاله ابن البرقي، وقال الطبراني: أسلم قديمًا هو وأبوه وأخته، وكان ينزل ببلاد قومه ثم تحول إلى البصرة إلى أن مات بها وأخرج الطبراني بسند صحيح عن سعيد بن أبي هلال عن أبي الأسود الدئلي قال: قدمت البصرة وبها عمران بن حصين كان عمر بعثه ليفقه أهلها، وقال خليفة: استقضى عبد الله بن عامر بن عمران بن حصين على البصرة فأقام أيامًا ثم استعفاه، وقال ابن سعد: استقضاه زياد ثم استعفاه فأعفاه. وأخرج الطبراني وابن منده بسند صحيح عن ابن سيرين قال: لم يكن تقدم على عمران أحد من الصحابة ممن نزل البصرة، وقال أبو عمر: كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم يقول عنه أهل البصرة إنه كان يرى الحفظة وكانت تكلمه حتى اكتوى وقال ابن سيرين: أفضل من نزل البصرة من الصحابة عمران وأبو بكرة، وكان الحسن يحلف أنه ما قدم البصرة والسرو خير لهم من عمران أخرجه أحمد في الزهد عن سفيان قال: كان الحين يقول نحوه وكان قد اعتزل الفتنة فلم يقاتل فيها، وقال أبو نعيم: كان مجاب الدعوة ا. هـ. ابن حجر
وقال الذهبي في ترجمته: القدوة الإمام، صاحب رسول الله ﷺ. أبو نجيد الخزاعي.
أسلم هو وأبوه وأبو هريرة في وقت، سنة سبع. وله عدة أحاديث.
وولي قضاء البصرة، وكان عمر بعثه إلى اهل البصرة ليفقههم؛ فكان الحسن يحلف؛ ما قدم عليهم البصرة خير لهم من عمران بن الخصين.
قال زرارة: رأيت عمران بن حصين يلبس الخز.
وقال مطرف بن عبد الله: قال لي عمران بن حصين: أحدثك حديثًا عسى الله أن
[ ٤ / ٢١٢٨ ]
ينفعك به: إن رسول الله ﷺ جمع بين الحج والعمرة، ولم ينه حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه، وأنه كان يسلم علي - يعني الملائكة - قال: فلما اكتويت، أما ذلك؛ فلما تركه، عاد إلي (١).
أقول: في تسليم الملائكة على عمران بن حصين ﵁ دليل على أنه يمكن للمسلم أن يكون له صلة بعالم الغيب، وهي الظاهرة التي يسميها أهل السلوك إلى الله (الكشف) وهي ليست مستغربة فالقرآن وصف مريم بالصديقية، ومع ذلك ذكر أن الملائكة خاطبتها ومن وقعت له واقعة من هذه الواقعات فله أن يذكرها إذا ترتب على ذلك مصلحة شرعية، ويجوز للمسلم أن يصدقه في كلامه إذا لم يعرف عنه كذب أو فسوق، ولم يترتب على كلامه تكليف شرعي أو نقض لشرع، ولا نفي ما حدث لعمران جواز الكي وأمثاله للتداوي ولكن يشعر أن الكمال في حق عمران ألا يكتوي.
قال الذهبي: وقد غزا عمران مع النبي ﷺ غير مرة. وكان ينزل ببلاد قومه، ويتردد إلى المدينة.
عن الحكم بن الأعرج، عن عمران بن حصين، قال: ما مسست ذكرى بيميني منذ بايعت بها رسول الله ﷺ (٢).
عن محمد: ما قدم البصرة أحد بفضل على عمران بم حصين (٣).
قال ققتادة: يلغني أن عمران قال: وددت أني رماد تذروني الرياح (٤).
قلت [القائل الذهبي]: وكان ممن اعتزل الفتنة، ولم يحارب مع علي.
عن قتادة: قال لي عمران بن حصين: الزم مسجدك. قلت: فإن دخل علي؟
_________________
(١) رواه مسلم (٢/ ٨٩٨) ١٥ - كتاب الحج - ٢ - باب جواز التمتع.
(٢) رواه أحمد في مسنده (٤/ ٤٣٩) ورجاله ثقات. والحاكم في المستدرك (٣٤٧٣) وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٤/ ٢٨٧)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد: (٩/ ٣٨١) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٤) رواه ابن سعد (٤/ ٢٨٧).
[ ٤ / ٢١٢٩ ]
قال: الزم بيتك. قلت: فإن دخل علي؟ قال: لو دخل علي رجل يريد نفس ومالي، لرأيت أن قد حلي لي أن أقتله (١).
عن عمران، قال: اكتوينا، فما أفلحن، ولا أنجحن - يعني المكاوي (٢).
عن مطرف: قال لي عمران في مرضه: إنه قد كان يسلم علي، فإن عشت، فاكتم علي (٣).
قال مطرف: قال لي عمران: أشعرت أن التسليم عاد إلي؟ قال: ثم لم يلبث إلا يسيرًا حتى مات (٤).
عن مطرف، قلت لعمران: ما يمنعني من عيادتك إلا ما أرى عن حالك. قال: فلا تفعل، فإن أحبه إلي أحبه إلى الله (٥).
إبراهيم بن عطاء مولى عمران، عن أبيه أن عمران قضى على رجل بقضية، فقال: والله، قضيت علي بجور، وما ألوت. قال: وكيف؟ قال: شهد علي بزور. قال: فهو في مالي، والله لا أجلي هذا أبدًا (٦).
عن أبي رجاء، قال: خرج علينا عمران في مطرف خز لم نره قط، فقال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله إذا أنعم على عبد نعمة يجب أن ترى عليه" (٧).
قال ابن سيرين: سقى بطن عمران بن حصين ثلاثين سنة، كل ذلك يعرض عليه
_________________
(١) رواه ابن سعد (٤/ ٢٨٧) ورجاله ثقات.
(٢) رواه أحمد في مسنده (٤/ ٤٢٧)، وأبو داود (٤/ ٥) كتاب الطب، باب في الكي. والترمذي (٤/ ٣٨٩) ٢٩ - كتاب الطب - ١٠ - باب ما جاء في كراهية التداوي بالكي. وابن ماجه (٢/ ١١٥٥) ٣١ - كتاب الطب - ٣ - باب الكي. وإسناده صحيح.
(٣) الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٧٢).
(٤) ابن سعد (٤/ ٢٨٩).
(٥) ابن سعد (٤/ ٢٨٧) ورجاله ثقات.
(٦) ابن سعد بنحوه (٤/ ٢٨٧) ورجاله ثقات، لا أجلس مجلسي هذا أبدًا لأقضي.
(٧) رواه أحمد في مسنده (٤/ ٤٣٨) وابن سعد (٤/ ٢٩١) وسنده صحيح.
[ ٤ / ٢١٣٠ ]
الكي، فيأبى؛ حتى كان قبل موته بسنتين، فاكتوى (١).
عمران بن حدير، عن أبي مجلز، قال: كان عمران ينهى عن الكي، فابتلي، فاكتوى، فكان يعج (٢).
عن الحسن: أن عمران بن حصين أوصى لأمهات أولاده بوصايا، وقال: من صرخت علي، فلا وصية لها.
توفي عمران سنة اثنتين وخمسين. ﵁. ا. هـ الذهبي.
٢٢٢٤ - * روى الحاكم عن إبراهيم بن عطاء عن أبيه أن زيادًا أو ابن زياد بعث عمران ابن حصين ساعيًا فجاء ولم يرجع معه درهم فقال له: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني أخذناها كما كنا نأخذها على عهد رسول الله ﵌ ووضعناها في الموضع الذي كنا نضعها على عهد رسول الله ﵌.
٢٢٢٥ - * روى الحاكم عن هلال بن يساف قال: انطلقت إلى البصرة فدخلت المسجد فإذا شيخ مستند إلى إسطوانة يحدث يقول: قال رسول الله ﵌: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم تاتي أقوام يعطون الشهادة قبل أن يسألوها" فقلت: من هذا الشيخ؟ قالوا: عمران بن حصين.
٢٢٢٦ - * روى الحاكم عن رافع بن سحبان أن رجلًا أتى عمران بن حصين وهو في المسجد فقال: رجل طلق امرأته وهو في مجلس ثلاثًا، فقال: إثم لزمه وحرمت عليه امرأته، فانطلق فذكر ذلك لأبي موسى يريد عيبه، فقال أبو موسى: أكثر الله فينا مثل أبي نجيد.
_________________
(١) ابن سعد (٤/ ٢٨٨) السقي: ماء أصفع يقع في البطن، يقال: سقي بطنه يسقي سقيًا.
(٢) ابن سعد (٤/ ٢٨٩). يعج: يضج ويرفع صوته.
(٣) المستدرك (٣/ ٤٧١) وصححه ووافقه الذهبي.
(٤) المستدرك (٣/ ٤٧١) وصححه ووافقه الذهبي.
(٥) المستدرك (٣/ ٤٧٢).
[ ٤ / ٢١٣١ ]
٧٧ - سهيل بن عمرو ﵁
قال ابن حجر: سهيل بن عمرو بن شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشي العامري خطيب قريش أبو يزيد قال البخاري سكن مكة ثم المدينة، وذكره ابن سميع في الأولى ممن نزل الشام، وهو الذي تولى أمر الصلح بالحديبية، وكلامه ومراجعته للنبي ﵌ في ذلك في الصحيحين وغيرهما، وله ذكر في حديث ابن عمر في الذين دعا النبي ﵌ عليهم في القنوت فنزلت (ليس لك من الأمر شيء) زاد أحمد في روايته، فتابوا كلهم. وروى حميد بن زنجويه في كتاب الأموال من طريق ابن أبي حسين قال: لما فتح رسول الله ﵌ مكة دخل البيت ثم خرج فوضع يده على عضادتي الباب فقال ماذا تقولون؟ فقال سهيل بن عمرو: نقول خيرًا ونظن خيرًا أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت فقال: أقول كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم. وذكره ابن إسحاق فيمن أعطاه النبي ﵌ مائة من الإبل من المؤلفة وذكر ابن أبي حاتم عن عبد الله بن أحمد عن أبيه عن الشافعي كان سهيل محمود الإسلام من حين أسلم. وروى البيهقي في الدلائل من طريق الحسن بن محمد بن الحنفية قال قال عمر للنبي ﵌: دعني أنزع ثنيتي سهيل فلا يقوم علينا خطيبًا؟ فقال: دعها فلعلها أن تسرك يومًا فلما مات النبي ﵌ قام سهيل بن عمرو فقال لهم: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وروى أوله يونس بن بكير في مغازي ابن إسحاق عنه عن محمد بن عمرو بن عطاء وهو في المحامليات. موصول من طريق سعيد بن أبي هند عن عمرة عن عائشة وذكر ابن خالويه أن السر في قوله أنزع ثنيتيه أنه كان أعلم والأعلم إذا نزعت ثنيتاه لم يستطع الكلام وروى أبو قرة من طريق ابن أبي حسين أن النبي ﵌ استهداه من ماء زمزم، وروى البخاري في تاريخه والباوردي من طريق حميد عن الحسن قال: كان المهاجرون، والأنصار بباب عمر فجعل يأذن لهم على قدر منازلهم وثم جماعة من الطلقاء فنظر بعضهم إلى بعض فقال لهم سهيل بن عمرو: على أنفسكم فاغضبوا دعي القوم ودعيتم فأسرعوا وأبطأتم فكيف بكم إذا دعيتم إلى أبواب الجنة ثم خرج إلى الجهاد، وأخرجه ابن المبارك في الجهاد أتم منه، وروى ابن شاهين من طريق ثابت البناني قال قال
[ ٤ / ٢١٣٢ ]
سهيل بن عمرو: والله لا أدع موقفًا وقفته مع المشركين إلا وقفت مع المسلمين مثله ولا نفقة أنفقتها مع المشركين إلا أنفقت على المسلمين مثلها لعل أمري أن يتلو بعضه بعضًا، وقال ابن أبي خيثمة: مات سهيل بالطاعون سنة ثمان عشرة ويقال قتل باليرموك وقال خليفة بمرج الصفر والأول أكثر، وأنه مات بالطاعون وأخرجه ابن سعد بإسناد له إلى أبي سعد بن فضالة وكانت له صحبة، قال: اصطحبت أنا وسهيل بن عمرو إلى الشام فسمعته يقول سمعت رسول الله ﵌ يقول: مقام أحدكم في سبيل الله ساعة من عمره خير من عمله عمره في أهله، قال سهيل: فإنما أرابط حتى أموت ولا أرجع إلى مكة، قال: فلم يزل مقيمًا بالشام حتى مات في طاعون عمواس. ا. هـ ابن حجر.
وقال الذهبي: يكنى أبا يزيد. وكان خطيب قريش، وفصيحهم، ومن أشرافهم.
لما أقبل في شأن الصلح، قال النبي، ﷺ، "سهل أمركم" (١) تأخر إسلامه إلى يوم الفتح، ثم حسن إسلامه. وكان قد أسر يوم بدر وتخلص. قام بمكة وحض على النفير، وقال: يال غالب! أتاركون أنتم محمدًا والصباة (٢) يأخذون عيركم؟ من أراد مالًا، فهذا مال، ومن أراد قوة، فهذه قوة. وكان سمحًا جوادًا مفوهًا. وقد قام بمكة خطيبًا عند وفاة رسول الله، ﷺ، بنحوٍ من خطبة الصديق بالمدينة، فسكنهم وعظم الإسلام.
قال الزبير بن بكار: كان سهيل بعد كثير الصلاة والصوم والصدقة، خرج بجماعته إلى الشام مجاهدًا، ويقال: إنه صام وتهجد حتى شحب لونه وتغير، وكان كثير البكاء إذا سمع القرآن. وكان أميرًا على كردوسٍ (٣) يوم اليرموك.
قال المدائني وغيره: استشهد يوم اليرموك. وقال الشافعي، والواقدي: مات في طاعون عمواس. ا. هـ.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري بأطول منه (٥/ ٣٢٩) ٥٤ - كتاب الشروط -١٥ - باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط. وفيه: عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو، قال النبي ﷺ "قد سهل لكم من أمركم".
(٢) الصباة: جمع صابيء. وهو من يترك دينه لدين آخر.
(٣) الكردوس: الطائفة العظيمة من الخيل والجيش. والجمع كراديس.
[ ٤ / ٢١٣٣ ]
٧٨ - أبو سعيدٍ الخدري ﵁
قال ابن حجر: سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن الأبجر، وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي أبو سعيد الخدري مشهور بكنيته استصغر بأحد واستشهد أبوه بها وغزا هو ما بعدها (١) كان من أفقه أحداث الصحابة، وقال الخطيب: كان من أفاضل الصحابة وحفظ حديثًا كثيرًا، وروى الهيثم ابن كليب في مسنده من طريق عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده قال بايعت النبي ﵌ أنا وأبو ذر وعبادة بن الصامت ومحمد بن مسلمة وأبو سعيد الخدري وسادس على أن لا تأخذنا في الله لومة لائم فاستقال السادس فأقاله، وروى ابن سعد من طريق حنظلة بن سفيان الجمحي عن أشياخه قال: لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله ﵌ أفقه من أبي سعيد الخدري، ومن طريق يزيد بن عبد الله بن الشخير قال: خرج أبو سعيد يوم الحرة فدخل غارًا فدخل عليه شامي، فقال: أخرج، فقال: لا أخرج وإن تدخل علي أقتلك، فدخل عليه فوضع أبو سعيد السيف، وقال: بؤ بإثمك، قال: أنت أبو سعيد الخدري؟ قال: نعم. قال: فاستغفر لي. وروى أحمد وغيره من طريق عطية عن أبي سعيد قال: قتل أبي يوم أحد شهيدًا وتركنا بغير مال، فأتيت رسول الله ﵌ أسأله فحين رآني قال "من استغنى أغناه الله ومن يستعف يعفه الله" فرجعت، وأصل هذا الحديث في الصحيحين من طريق عطاء بن يزيد عن أبي سعيد بقصة أخرى غير هذه ولفظه: "من يستغن يغنه الله ومن يستعفف يعفه الله ومن يتصبر يصبره الله" الحديث، قال شعبة عن أبي سلمة سمعت أبا نضرة عن أبي سعيد رفعه: لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يتكلم بالحق إذا رآه أو علمه، قال أبو سعيد: فحملني ذلك على أن ركبت إلى معاوية. فملأت أذنيه ثم رجعت، وقال ابن أبي خيثمة حدثنا يحيى بن معين حدثنا عمرو بن محمد بن عمرو بن معاذ الأنصاري سمعت هند ابنة سعيد بن أبي سعيد الخدري عن عمها جاء رسول الله ﵌ عائدًا إلى
_________________
(١) مسند أبي سعيد ألف ومئة وسبعون حديثًا [بالمكرر]، ففي البخاري ومسلم ثلاثة وأربعون، وانفرد البخاري بستة عشر حديثًا، ومسلم باثنين وخمسين.
[ ٤ / ٢١٣٤ ]
أبي سعيد فقدمنا إليه ذراع شاة. عن أبي سعيد قلنا له: هنيًا لك برؤية رسول الله ﵌ وصحبته قال إنك لا تدري ما أحدثنا بعده، وقال علي بن الجعد حدثنا شعبة عن سعيد بن يزيد سمع أبا نضرة يحدث عن أبي سعيد قال: تحدثوا فإن الحديث يهيج الحديث، قال الواقدي: مات سنة أربع وسبعين وقيل أربع وستين وقال المدائني: مات سنة ثلاث وستين، وقال العسكري: مات سنة خمس وستين.
وقال الذهبي عنه: الإمام المجاهد، مفتي المدينة. وأخو أبي سعيد لأمه هو قتادة بن النعمان الظفري أحد البدريين.
استهشد أبوه مالك يوم أحد، وشهد أبو سعيد الخندق، وبيعة الرضوان. وحدث عن النبي ﷺ، فأكثر وأطاب، وعن أبي بكر، وعمر، وطائفة، وكان أحد الفقهاء المجتهدين.
وعن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: عرضت يوم أحد على النبي ﷺ وأنا ابن ثلاث عشرة، فجعل أبي يأخذ بيدي ويقول: يا رسول الله! إنه عبل العظام. وجعل نبي الله يصعد في النظر، ويصوبه. ثم قال: رده، فردني.
إسماعيل بن عياش: أنبأنا عقيل بن مدرك، يرفعه إلى أبي سعيد الخدري قال: عليك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء. وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن، فإنه روحك في أهل السماء، وذكره في أهل الأرض، وعليك بالصمت إلا في حق، فإنك تغلب الشيطان.
وروى حنظلة بن أبي سفيان، عن أشياخه: أنه لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله ﷺ أعلم من أبي سعيد الخدري.
قال أبو عقيل الدورقي: سمعت أبا نضرة يحدث قال: دخل أبو سعيد يوم الحرة غارًا، فدخل عليه رجل، ثم خرج، فقال لرجلٍ من أهل الشام: أدلك على رجل تقتله؟ فلما انتهى الشامي إلى باب الغار، وفي عنق أبي سعيد السيف، وقال: بؤ بإثمي وإثمك. وكن من أصحاب النار. قال: أنت أبو سعيد الخدري؟ قال: نعم. قال:
[ ٤ / ٢١٣٥ ]
فاستغفر لي، غفر الله لك.
عبد الله بن عمر: عن وهب بن كيسان، قال: رأيت أبا سعيد الخردي يلبس الخز.
ابن عجلان: عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع، قال: رأيت أبا سعيد يحفي (١) شاربه كأخي الحلق.
عن أبي سعيد، قال: أتى علينا رسول الله ﷺ ونحن أناس من ضعفة المسلمين ما أظن رسول الله يعرف أحدًا منهم، وإن بعضهم ليتوارى من بعضٍ من العري. فقال رسول الله بيده، فأدارها شبه الحلقة، قال: فاستدارت له الحلقة، فقال: "بما كنتم تراجعون"؟ قالوا: هذا رجل يقرأ لنا القرآن، ويدعولنا، قال: "فعودوا لما كنتم فيه"، ثم قال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم" ثم قال: "ليبشر فقراء المؤمنين بالفوز يوم القيامة قبل الأغنياء بمقدار خمس مئة عام، هؤلاء في الجنة يتنغمون، وهؤلاء يحاسبون" (٢).
* * *
_________________
(١) يحفي: الحفي: المبالغة في القص.
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٢٣) كتاب العلم، باب في القصص بنحوه. قال محقق السير: والعلاء بن بشير: [أحد الرواة] قال ابن المديني: مجهول لم يرو عنه غير المعلى، وذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجاله ثقات. وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد والترمذي. وابن ماجه بلفظ، يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمس مئة عام وسنده حسن، وصححه الترمذي، وابن حيان.
[ ٤ / ٢١٣٦ ]
٧٩ - المغيرة بن شعبة ﵁
قال ابن حجر: المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب ابن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس الثقفي أبو عيسى أو أبو محمد، وقال الطبري يكنى أبا عبد الله. قال وكان ضخم القامة عبل الذراعين بعيد ما بين المنكبين أصهب الشعر جعد. وكان لا يفرقه. أسلم قبل عمرة الحديبية وشهدها وبيعة الرضوان وله فيها ذكرن وحدث عن النبي ﵌ قال ابن سعد: وشهد اليمامة وفتوح الشام والعراق قال البغوي: كان أول من وقع ديوان البصرة، وقال ابن حبان: كان أول من سلم عليه بالإمرة، ثم ولاه عمر الكوفة وأقره عثمان ثم عزله، فلما قتله عثمان اعتزل القتال إلى أن حضر مع المحكمين ثم بايع معاوية بعد أن اجتمع الناس عليه ثم ولاه بعد ذلك الكوفة فاستمر على إمرتها حتى مات سنة خمسين عند الأكثر ونقل فيه الخطيب الإجماع وقيل مات قبل بسنة وقيل بعدها بسنة، وقال الطبري أيضًا كان مع أبي سفيان في هدم طاغية ثقيف بالطائف وبعثه أبو بكر الصديق إلى أهل النجير وأصيبت عينه باليرموك ثم كان رسول سعد إلى رستم، وفي صحيح البخاري في قصة النعمان بن مقرن في قتال الفرس أنه كان رسول النعمان إلى امرئ القيس وشهد تلك الفتوح
وقال ابن سعد كان رجلًا طوالا مصاب العين أصيبت عينه باليرموك وقال البخاري في التاريخ قال أبو نعيم عن زكريا عن الشعبي: انكسفت الشمس في زمن المغيرة بن شعبة يوم الأربعاء في رجب سنة تسع وخمسين فقام المغيرة وأنا شاهد فذكر القصة كذا قال والصواب سنة تسع وأربعين. ا. هـ.
وقال الذهبي: الأمير أبو عيسى، ويقال: أبو عبد الله، وقيل: أبو محمد. من كبار الصحابة أولي الشجاعة والمكيدة. شهد بيعة الرضوان. كان رجلًا طوالًا مهيبًا، ذهبت عينه يوم اليرموك، وقيل: يوم القادسية.
قالت عائشة: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ، فقام المغيرة بن شعبة بنظير إليها، فذهبت عينه.
[ ٤ / ٢١٣٧ ]
قال ابن سعد: كان المغيرة أصهب الشعر (١) جدًا، يفرق رأسه فروقًا أربعة، أقلص الشفتين، مهتومًا، ضخم الهامة، عبل الذراعين، بعيد ما بين المنكبين، وكان داهية، يقال له: مغيرة الرأي.
وعن الشعبي: أن المغيرة سار من دمشق إلى الكوفة خمسًا.
معمر، عن الزهري قال: كان دهاة الناس في الفتنة خمسة، فمن قريش: عمرو، ومعاوية، ومن الأنصار؛ قيس بن سعد، ومن ثقيف، المغيرة. ومن المهاجرين: عبد الله ابن بديل بن ورقاء الخزاعي. فكان مع علي قيس وابن بديل، واعتزل المغيرة بن شعبة.
وعن أبي موسى الثقفي قال: كان المغيرة رجلًا طوالًا، أعور، أصيبت عينه يوم اليرموك.
وعن غيره: ذهبت عينه يوم القادسية، وقيل: بالطائف، ومر أنها ذهبت من كسوف الشمس.
ابن إسحاق، عن عامر بن وهب، قال: خرج المغيرة في ستةٍ من بني مالكٍ إلى مصر تجارًا، حتى إذا كانوا ببزاق (٢) عدا عليهم، فذبحهم، واستاق العير، وأسلم.
عن المغيرة، قال: أنا آخر الناس عهدًا برسول الله ﷺ، لما دفن خرج علي بن أبي طالب من القبر، فألقيت خاتمي، فقلت: يا أبا الحسن، خاتمي. قال: انزل فخذه، قال: فمسحت يدي على الكفن، ثم خرجت.
عن سماك بن سلمة قال: أول من سلم عليه بالإمرة المغيرة بن شعبة.
يعني: قول المؤذن عند خروج الإمام إلى الصلاة: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته.
عن ابن سيرين: كان الرجل يقول للآخر: غضب الله عليك كما غضب أمير المؤمنين
_________________
(١) أصهب الشعرك الأصفر الضارب إلى شيء من الحمرة والبياض.
(٢) بزاق: موضع قريب من مكة، وهو بالصاد أعرف.
[ ٤ / ٢١٣٨ ]
على المغيرة، عزله عن البصرة، فولاه الكوفة.
قال الليث: وقعة أذربيجان كانت سنة اثنتين وعشرين، وأميرها المغيرة بن شعبة. وقيل: افتتح المغيرة همذان عنوة.
سلمة بن بلال: عن أبي رجال العطاردي قال: كان فتح الأبلة (١) على يد عتبة بن غزوان، فلما خرج إلى عمر، قال للمغيرة بن شعبة، صل بالناس، فلما هلك عتبة، كتب عمر إلى المغيرة بإمرة البصرة، فبقي عليها ثلاث سنين.
سعيد بن داود الزنبري: حدثنا مالك، عن عمه أبي سهيل، عن أبيه؛ قال: لقي عمار المغيرة في سكك المدينة، وهو متوشح سيفًا، فناداه يا مغيرة! فقال: ما تشاء؟ قال: هل لك في الله؟ قال: وددت والله أني علمت ذلك، إني والله ما رأيت قتله صوابًا، فهل لك يا أبا اليقظان أن تدخل بيتك، وتضع سيفك حتى تنجلي هذه الظلمة، ويطلع قمرها فنمشي مبصرين؟ قال: أعوذ بالله أن أعمى بعد إذ كنت بصيرًا. قال: يا أبا اليقظان، إذا رأيت السيل، فاجتنب جريته.
عن الزهري: قال: دعا معاوية عمرو بن العاص بالكوفة، فقال: أعني على الكوفة، قال: كيف بمصر؟ قال: استعمال عليها ابنك عبد الله بن عمرو، قال: فنعم. فبينا هم على ذلك جاء المغيرة بن شعبة -وكان معتزلًا بالطائف- فناجاه معاوية. فقال المغيرة: تؤمر عمرًا على الكوفة، وابنه على مصر، وتكون كالقاعد بين لحي الأسد، قال: ما ترى؟ قال: أنا أكفيك الكوفة. قال: فافعل. فقال معاوية لعمرو حين أصبح: إني قد رأيت كذا، ففهم عمرو، فقال: ألا أدلك على أمير الكوفة؟ قال: بلى، قال: المغيرة، واستعن برأيه وقوته عن المكيدة، وأعزله عن المال، قد كان قبلك عمر وعثمان ففعلا ذلك، قال: نعم ما رأيت. فدخل عليه المغيرة، فقال: إني كنت أمرتك على الجند والأرض، ثم ذكرت سنة عمر وعثمان قبلي، قال: قد قبلت.
قال الليث: كان المغيرة قد اعتزل، فلما صار الأمر إلى معاوية كاتبة المغيرة.
_________________
(١) الأبلة: بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة.
[ ٤ / ٢١٣٩ ]
عن عبد الملك بن عمير قال: كتب المغيرة إلى معاوية، فذكر فناء عمره، وفناء أهل بيته، وجفوة قريشٍ له. فورد الكتاب على معاوية وزياد عنده، فقال: يا أمير المؤمنين، ولني إجابته، فألقى إليه الكتاب، فكتب: أما ما ذكرت من ذهاب عمرك؛ فإنه لم يأكله غيرك. وأما فناء أهل بيتك، فلو أن أمير المؤمنين قدر أن يقي أحدًا لوقى أهله، وأما جفوة قريش؛ فأنى يكون ذاك وهم أمروك.
قال ابن شوذب: أحصن المغيرة أربعًا من بنات أبي سفيان، وكان آخر من تزوج منهن بها عرج.
عن أبي السفر؛ قيل للمغيرة: إنك تحابي، قال: إن المعرفة تنفع عند الجمل الصؤول (١)، والكلب العقور (٢)، فكيف بالمسلم.
عن المغيرة بن شعبة قال: لقد تزوجت سبعين امرأة أو أكثر.
ابن المبارك قال: كان تحت المغيرة بن شعبة أربع نسوة. قال: فصفهن بين يديه وقال: أنتن حسنات الأخلاق، طويلات الأعناق، ولكني رجل مطلاق، فأنتن الطلاق.
حدثنا مالك قال: كان المغيرة نكاحًا للنساء، ويقول: صاحب الواحدة إن مرضت مرض، وإن حاضت حاض، وصاحب المرأتين بين نارين تشعلان، وكان ينكح أربعًا جميعًا ويطلقهن جميعًا.
عن زياد بن علاقة، سمعت جريرًا يقول حين مات المغيرة بن شعبة: أوصيكم بتقوى الله، وأن تسمعوا وتطيعوا حتى يأتيكم أمير، استغفروا للمغيرة غفر الله له، فإنه كان يحب العافية.
وفي لفظ أبي عوانة عن زياد: فإنه كان يحب العفو.
قال عبد الملك عن عمير: رأيت زيادًا واقفًا على قبر المغيرة يقول:
_________________
(١) الجمل الصؤول: الذي يأكل راعيه، ويواثب الناس فيأكلهم.
(٢) الكلب العقور: كل سبع يجرح ويقتل ويفترس.
[ ٤ / ٢١٤٠ ]
إن تحت الأحجار حزمًا وعزمًا وخصيمًا ألد ذا معلاق
حية في الوجار أربد لا ينـ ـفع منه السليم نفثه راق (١)
وقال الجماعة: مات أمير الكوفة المغيرة في سنة خمسين في شعبان، وله سبعون سنة. انتهى من السير الذهبي.
٢٢٢٧ - * روى أبو داود عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب ضرب ابنًا له تكنى بأبي عيسى، وأن المغيرة بن شعبة تكنى بأبي عيسى، فقال له عمر: أما يكفيك أن تكنى بأبي عبد الله؟ فقال: إن رسول الله ﷺ كناني، فقال: إن رسول الله ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وإنا في جلجتنا. فلم يزل يكنى بأبي عبد الله حتى هلك.
٢٢٢٨ - * روى الطبراني عن ابن أبي مرحب قال: نزل في قبر النبي ﷺ أربعة أحدهم عبد الرحمن بن عوف وكان المغيرة بن شعبة يدعي أنه أحدث الناس عهدًا برسول الله ﷺ ويقول أخذت خاتمي فألقيته عمدًا وقلت إن خاتمي سقط من يدي لأمس رسول الله ﷺ فأكون آخر الناس عهدًا به.
* * *
_________________
(١) قال الشيخ شعيب: يقال: رجل معلاق، أي: خصم شديد الخصومة يتعلق بالحجج ويستدركها، والمعلاق: اللسان البليغ، ورواه ابن دريد: ذا مغلاق: قال الزمخشري عن المبرد: من رواه بالعين المهملة، فمعناه، إذا علق خصمًا لم يتخلص منه، وبالغين المعجمة، فتأويله: يغلق الحجة على الخصم، انظر "تاج العروس": علق. والبيتان لمهلهل في رثاء أخيه كليب. والوجار: جحر الضبع والأسد والذئب والثعلب ونحوه، ذلك. والأربد: ما اختلط سواده بكدرة.
(٢) أبو داود (٤/ ٢٩١) كتاب الأدب، باب فيمن يتكنى بأبي عيسى. بسند حسن. إنا في جلجتنا: إنا بقينا في عدد من أمثالنا من المسلمين، لا ندري ما يصنع بنا، وفي النهاية الجلج: رؤوس الناس، واحدها جلجة.
(٣) المعجم الكبير (٩/ ٣٦١) وقال الهيثمي: رواه الطبراني وإسناده حسن.
[ ٤ / ٢١٤١ ]
٨٠ - النجاشي ﵁
قال الذهبي:
النجاشي: واسمه أصحمة ملك الحبشة. معدود في الصحابة ﵃، وكان ممن حسن إسلامه ولم يهاجر، ولا له رؤية، فهو تابعي من وجه، صاحب من وجه، وقد توفي في حياة النبي، فصلى عليه بالناس صلاة الغائب ولم يثبت أنه ﷺ على غائب سواه، وسبب ذلك أنه مات بين قوم نصارى، ولم يكن عنده من يصلي عليه، لأن الصحابة الذين كانوا مهاجرين عنده خرجوا من عنده مهاجرين إلى المدينة عام خيبر.
عن أم سلمة زوج النبي ﷺ، قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نؤذي ولا نسمع شيئًا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشًا، ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم (١) فجمعوا له أدمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته (٢) بطريقًا إلا أهدوا إليه هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، وعمرو بن العاص السهمي، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا له هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم. قالت: فخرجا، فقدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار عند خير جار. فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته، وقالا له: إنه قد ضوى (٣) إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم، فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينا (٤) وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهم: نعم. ثم إنهما قربا هدايا النجاشي، فقبلها منهم،
_________________
(١) الأدم: الأدم: جمع أديم وهي الجلود، والأدم: اسم جمع.
(٢) البطريق: الحاذق بأمور الحرب، كالضابط.
(٣) ضوى: أوى ولاذ.
(٤) عينًا: أبصريهم.
[ ٤ / ٢١٤٢ ]
ثم كلماه، فقالا له: أيها الملك إنه ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليه، فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله وعمرو من أن يسمع النجاشي كلامهم. فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك. فأسلمهم إليهما. فغضب النجاشي، ثم قال: لا ها الله إذا لا أسلمهم إليهما، ولا أكاد (١) قومًا جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم. ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله فدعاهم، فلما جاءهم رسوله، اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمتنا، وما أمرنا به نبينا ﷺ كائنًا في ذلك ما كان. فلما جاؤوه، وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟.
قالت: وكان الذي يكلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك، إنا كنا قومًا أهل جاهلية: نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قالت: فعدد له أمور الإسلام -فصدقناه وآمنا به واتبعناه، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.
قالت: فقال: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قال: نعم؟ قال: فاقرأه
_________________
(١) لا أكاد: من المكيدة.
[ ٤ / ٢١٤٣ ]
علي، فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص﴾. فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته (١)، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكم أبدًا ولا أكاد.
فلما خرجا قال عمرو: والله لأنبئه غدًا عيبهم ثم أستأصل خضراءهم (٢) فقال له عبد الله ابن أبي ربيعة، وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل، فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى عبد. ثم غدا عليه، فقال: أيها الملك! إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم، فسلهم عما يقولون فيه. فأرسل يسألهم.
قالت. ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم، ثم قالوا: نقول والله فيه ما قال الله تعالى كائنًا ما كان. فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى؟ فقال له جعفر: نقول فيه الذي جاء به نبينا. هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فضرب النجاشي يده إلى الأرض، فأخذ عودًا، ثم قال: ما عدا عيسى ما قلت هذا العود. فتناخرت (٣) بطارقته حوله فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي -والسيوم الآمنون- من سبكم غرم ثم من سبكم غرم، ما أحب أن لي دبري ذهبًا وأني آذيت رجلًا منكم والدبر بلسانهم الجبل، ردوا عليهما هداياهما، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في، فأطيعهم فيه. فخرجا مقبوحين، مردودًا عليما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار. فوالله إنا على ذلك، إذ نزل به، يعني من ينازعه في ملكه، فوالله ما علمنا حربًا قط كان أشد من حربٍ حربناه (٤)، تخوفًا أن يظهر ذلك على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه، وسار النجاشي وبينهما عرض النيل. فقال أصحاب رسول الله ﷺ: من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ فقال الزبير: أنا، وكان من أحدث القوم سنًا. فنفخوا
_________________
(١) أخضل لحيته: بلها بالدموع.
(٢) استأصل خصراءهم: أي أبيدهم.
(٣) تناخرت: تكلمت كلام غضب ونفور.
(٤) وفي المسند: (حزنًا قط أشد من حزن حزناه).
[ ٤ / ٢١٤٤ ]
له قربة، فجعلها في صدره، ثم سبح عليها حتى خرج إلى مكان الملتقى، وحضر، فدعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده، واستوسق (١) له أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو بمكة (٢).
عن عمير بن إسحاق أن جعفرًا قال: يا رسول الله ائذن لي حتى أصير إلى أرضٍ أعبد الله فيها، فأذن له، فأتى النجاشي. فحدثنا عمرو بن العاص قال: لما رأيت جعفرًا آمنًا بها هو وأصحابه حسدته، فأتيت النجاشي، فقلت: إن بأرضك رجلًا ابن عمه بأرضنا يزعم أنه ليس للناس إلا إله واحد، وإنك إن لم تقتله وأصحابه لا أقطع إليك هذه النطفة أبدًا ولا أحد من أصحابي. قال: اذهب إليه، فادعه. قلت: إنه لا يجيء معي، فأرسل معي رسولًا. فأتيناه وهو بين ظهري أصحابه يحثهم. قال له: أجب. فلما أتينا الباب ناديت: ائذن لعمرو بن العاص، ونادى جعفر: ائذن لحزب الله. فسمع صوته، فأذن له قبلي (٣).
وحدثني جعفر بن محمد، عن أبيه قال: اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: فارقت ديننا. وخرجوا عليه، فأرسل إلى جعفر وأصحابه، فهيأ لهم سفنًا، وقال: اركبوا، فإن هزمت، فامضوا، وإن ظفرت فاثبتوا. ثم عمد إلى كتاب، فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم. ثم جعله في فبئه، وخرج إلى الحبشة، وصفوا له، فقال: يا معشر الحبشة: ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى. فكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة، قال: فما بالكم؟ قالوا: فارقت ديننا، وزعمت أن عيسى عبد. قال: فما تقولون فيه؟ قالوا: هو ابن الله، فقال -ووضع يده على صدره على قبائه- هو يشهد أن عيسى، لم يزد على هذا شيئًا، وإنما عني على ما كتب، فرضوا، وانصرفوا. فبلغ ذلك النبي ﷺ،
_________________
(١) استوثق: استقر.
(٢) ورواه أحمد (١/ ٢٠١، ٢١٠) وابن هشام وصرح ابن إسحاق بالسماع وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٤) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وإسناده قوي.
(٣) رواه البزار: كشف الأستار (٢/ ٢٩٧) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد مطولًا (٦/ ٢٩) وقال: رواه الطبراني والبزار: وعمير بن إسحاق وثقه ابن حبان وغيره، وفيه كلام لا يضر، وبقية رجاله رجال الصحيح. النطفة: الماء القليل والمراد هنا: البحر الأحمر، أي أنهم لا يأتون إليه أبدًا.
[ ٤ / ٢١٤٥ ]
فلما مات النجاشي صلى عليه، واستغفر له.
ومن محاسن النجاشي أن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب الأموية أم المؤمنين أسلمت مع زوجها عبيد الله بن جحش الأسدي قديمًا، فهاجر بها زوجها، فانملس بها إلى أرض الحبشة، فولدت له حبيبة ربيبة النبي ﷺ. ثم إنه أدركه الشقاء فأعجبه دين النصرانية فتنصر، فلم ينشب أن مات بالحبشة، فلما وفت العدة، بعث رسول الله ﷺ، يخطبها، فأجابت، فنهض في ذلك النجاشي، وشهد زواجها بالنبي ﷺ، وأعطاها الصداق عن النبي ﷺ من عنده أربع مئة دينار، فحصل لها شيء لم يحصل لغيرها من أمهات المؤمنين، ثم جهزها النجاشي.
وكان الذي وفد على النجاشي بخطبتها عمرو بن أمية الضمري، فيما نقله الواقدي بإسناد مرسل.
عن عبد الله بن أبي بكر: كان الذي زوجها، وخطب إليه النجاشي خالد بن سعيد بن العاص الأموي، وكان عمرها لما قدمت المدينة بضعًا وثلاثين سنة.
معمر: عن الزهري، عن عروة، عن أم حبيبة أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش، وكان رحل إلى النجاشي، وأن رسول الله ﷺ تزوجها بالحبشة، زوجه إياها النجاشي، ومهرها أربعة آلاف درهم من عنده، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة، وجهازها كله من عند النجاشي (١).
فقيل: بنى بها رسول الله ﷺ سنة ست. وقال خليفة: دخل بها سنة سبع من الهجرة.
وأصحمة بالعربي: عطية. ولما توفي، قال النبي ﷺ للناس: "إن أخًا لكم قد مات بأرض الحبشة" فخرج بهم إلى الصحراء وصفهم صفوفًا، ثم صلى عليه. فنقل بعض العلماء أن ذلك كان في شهر رجب سنة تسع من الهجرة. ا. هـ الذهبي.
_________________
(١) رواه أبو داود (٢/ ٢٣٥) كتاب النكاح، باب الصداق. والنسائي (٦/ ١١٩) كتاب النكاح، باب القسط في الأصدقة.
[ ٤ / ٢١٤٦ ]
٢٢٢٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات.
٢٢٣٠ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "مات اليوم بعد لله صالح، أصحمة" فقام فأمنا وصلى عليه.
٢٢٣١ - * روى البزار والطبراني عن أنس أن النبي ﷺ صلى على النجاشي حين نعي، فقيل: يا رسول الله: نصلي على عبدٍ حبشي؟، فأنزل الله ﷿ ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ (١) الآية.
٢٢٣٢ - * روى البزار عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ قال نزلت في النجاشي وأصحابه.
أقول: ترجمنا للنجاشي ﵁ لأنه يمثل نموذجًا يحتذى وسابقةً كثر تكرارها في تاريخ الأمة الإسلامية وخاصة في العصور المتأخرة، فهذا حاكم مسلم بشهادة النصوصل يحكم شعبًا غير مسلم وبغير أحكام الإسلام ومع ذلك فبالإجماع إنه من خيار المسلمين، وهذا يدل على أن كفر النظام لا يعني كفر كل مشارك فيه، وهذه القضية من أخطر قضايا عصرنا، فإذا لم نتوسع في الفتوى حيث لا تعسف ولا تكلف فإن مآل الأمة الإسلامية ألا يبقى رجل مسلم في أجهزة الحكم وبالتالي يفقد المسلمون الخدمة والرعاية كما يفقدون قوة التجربة، ولذلك فإننا نعتبر أن أمر المشاركة في الأعمال الحكومية والمؤسسات يخضع للفتوى البصيرة من أهلها.
_________________
(١) البخاري (٣/ ١١٦) ٢٣ - كتاب الجنائز -٤ - باب الرجل ينعي إلى أهل الميت بنفسه. ومسلم (٢/ ٦٥٦) ١١ - كتاب الجنائز -٢٢ - باب في التكبير على الجنازة.
(٢) مسلم (٢/ ٦٥٧) في نفس الموضع السابق.
(٣) البزار: كشف الأستار (١/ ٣٩٢) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣٨): رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجال الطبراني ثقات.
(٤) آل عمران: ١١٩.
(٥) البزار: كشف الأستار (٢/ ٢٨٦). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤١٩): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عثمان بن بحر وهو ثقة، وقال في التقريب: صدوق يغرب.
[ ٤ / ٢١٤٧ ]
كما أن قصة أصحاب الرسول ﷺ عند النجاشي وعدم وجود رواية صحيحة تدل على أنهم قاموا بنشاط في الدعوة تعتبر سابقة لأدب اللجوء السياسي الإسلامي فإذا اضطر مسلم للجوء السياسي في بلد آخر فلا عليه أن لا يقوم بنشاط دعوي إذا كان الظرف أو القانون لا يسمحان بذلك، على أن هناك رواية تذكر في أسباب النزول أن جعفرًا أثر على عددٍ من نصارى الحبشة فوفدوا على رسول الله ﷺ وأسلموا.
* * *
[ ٤ / ٢١٤٨ ]
٨١ - أسيد بن حضير ﵁
قال ابن حجر:
أسيد بن الحضير بن سماك بن عيتك بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأنصاري الأشهلي .. يكنى أبا يحيى وأبا عتيك، وكان أبوه حضير فارس الأوس ورئيسهم يوم بعاث وكان أسيد من السابقين إلى الإسلام، وهو أحد النقباء ليلة العقبة وكان إسلامه على يد مصعب بن عمير قبل سعد بن معاذ، واختلف في شهوده بدرًا قال ابن سعد: كان شريفًا كاملًا وآخى رسول الله ﵌ بينه وبين زيد بن حارثة، وكان ممن ثبت يوم أحد وجرح حينئذ سبع جراحات عن عائشة قالت: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد منهم يلحق في الفضل كلهم من بني عبد الأشهل سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وعباد ابن بشر، وأخرج أحمد في مسنده عن عائشة قالت: كان أسيد بن حضير من أفاضل الناس روى ابن السكن من طريق ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما مات أسيد بن حضير باع عمر ماله ثلاث سنين فوفى بها دينه وقال لا أترك بني أخي عالة فرد الأرض وباع ثمرها، وأرخ البغوي وغيره وفاته سنة عشرين وقال المدائني سنة إحدى وعشرين. ا. هـ.
وقال الذهبي:
الإمام أبو يحيى، وقيل أبو عتيك الأنصاري، الأوسي الأشهلي: أحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة، أسلم قديمًا، وقال: ما شهد بدرًا، وكان أبوه شريفًا مطاعًا يدعى حضير الكتائب، وكان رئيس الأوس يوم بعاث (١) فقتل يومئذ قبل عام الهجرة بست سنين، وكان أسيد يعد من عقلاء الأشراف وذوي الرأي.
قال محمد بن سعد: آخى النبي، ﷺ، بينه وبين زيد بن حارثة، وله رواية
_________________
(١) بعاث: موضع في نواحي المدينة كانت به وقائع بين الأوس والخزرج في الجاهلية، وكان الظفر فيه يومئذ للأوس على الخزرج. وكان على الأوس يومئذ حضير والد الصحابي الجليل المترجم وكان على الخزرج عمر بن النعمان البياضي فقتلا جميعًا.
[ ٤ / ٢١٤٩ ]
أحاديث، روت عنه عائشة، وكعب بن مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ولم يلحقه.
قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: "نعم الرجل أبو بكر. نعم الرجل عمر، نعم الرجل أسيد بن حضير". أخرجه الترمذي، وإسناده جيد (١).
ابن إسحاق: عن يحيى بن عباد بن عبد الله، عن عائشة قالت: ثلاثة من الأنصار من بني عبد الأشهل لم يكن أحد يعتد عليهم فضلًا بعد رسول الله ﷺ: سعد بن معاذ، وأسيد ابن حضير، وعباد بن بشر ﵃ (٢).
وروى أن أسيدًا كان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن.
قال ابن إسحاق: أسيد بن حضير، نقيب لم يشهد بدرًا، يكنى أبا يحيى. ويقال: كان في أسيد مزاح وطيب أخلاق.
عن أسيد بن حضير -وكان فيه مزاح- أنه كان عند النبي ﷺ، فطعنه النبي ﷺ بعود كان معه، فقال: أصبرني، فقال: اصطبر، قال: إن عليك قميصًا وليس علي قميص، قال: فكشف النبي ﷺ قميصه، قال: فجعل يقبل كشحه ويقول: إنما أردت هذا يا رسول الله (٣).
قال يحيى بن بكير: مات أسيد سنة عشرين، وحمله عمر بين العمودين -عمودي السرير- حتى وضعه بالبقيع، ثم صلى عليه.
وندم على تخلفه عن بدر، وقال: ظننت أنها العير، ولو ظننت أنه غزو ما تخلفت. وقد جرح يوم أ؛ د سبع جراحات. ا. هـ الذهبي.
_________________
(١) الترمذي: (٥/ ٦٦٦) ٥٠ - كتاب المناقب، ٣٣ - باب مناقب معاذ بن جبل وزيد بن ثابت. والحاكم في المستدرك (٣/ ٢٦٨) وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) رواه الحاكم في المستدرك: (٣/ ٢٢٩) وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) أبو داود (٤/ ٢٥٦) كتاب الأدب، باب في قبلة لجسد. وإسناده قوي. والحاكم في المستدرك (٣/ ٢٨٨) وصححه ووافقه الذهبي. أصبرني: أقدني. واصطبر: استقد. الكشح: ما بين الخاصرة والضلوع.
[ ٤ / ٢١٥٠ ]
٢٢٣٣ - * روى الحاكم عن أسيد بن حضير أنه كان تأوه وكان يومنا فصلى بنا قاعدًا فعاده رسول الله ﵌ فقالوا: يا رسول الله إن أسيدًا إمامنا وإنه مريض وإنه صلى قاعدًا. فقال رسول الله ﵌ "فصلوا وراءه قعودًا فإن الإمام ليؤتم به فإذا صلى قاعدًا فصلوا خلفه قعودًا".
٢٢٣٤ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁: أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمةٍ، ومعهما مثل المصباحين يضيئان بين أيديهما، فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد، حتى أتى أهله.
وفي رواية (٣) قال: كان أسيد بن حضير وعباد بن بشرٍ عند النبي ﷺ، فخرجا في ليلة مظلمة، فإذا نور بين أيديهما وذكر نحوه.
٢٢٣٥ - * روى البخاري ومسلم عن أسيد بن حضير قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوط عند إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها فأشفق أن تصيبه، فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبي ﷺ فقال له: "اقرأ يا ابن حضير، اقرأ باابن حضير" قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريبًا، فرفعت رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها، قال: "وتدري ما ذاك" قال: لا، قال "تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم".
٢٢٣٦ - * روى البخاري ومسلم عن البراء قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف، وإلى
_________________
(١) المستدرك (٣/ ٢٨٩). وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) البخاري (١/ ٥٥٧) ٨ - كتاب الصلاة، باب: ٧٩.
(٣) البخاري (٧/ ١٢٥) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -١٣ - باب منقبة أسيد بن حضير وعباد بن بشر.
(٤) البخاري (٩/ ٦٣) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن -١٥ - باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن. ومسلم (١/ ٥٤٨) ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها -٢٦ - باب نزول السكينة لقراءة القرآن.
(٥) البخاري (٩/ ٥٧) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن -١١ - باب فضل الكهف. مسلم (١/ ٥٤٨) ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها -٢٦ - باب نزول السكينة عند قراءة القرآن.
[ ٤ / ٢١٥١ ]
جانبه حصان مربوط بشطنين، فتغشته سحابة، فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينفر. فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: "تلك السكينة تنزلت بالقرآن".
قال ابن حجر في الفتح: قيل هو أسيد بن حضير
وقد وقع قريب من القصة التي لأسيد لثابت بن قيس بن شماس لكن في سورة البقرة أيضًا. وأخرج أبو داود من طريق مرسلة قال "قيل للنبي ﷺ: ألم تر ثابت بن قيس لم تزل داره البارحة تزهر بمصابيح؛ قال: "فلعله قرأ سورة البقرة". فسئل قال: قرأت سورة البقرة، ويحتمل أن يكون قرأ سورة البقرة وسورة الكهف جميعًا أو من كل منهما".
انتهى من الفتح.
* * *
[ ٤ / ٢١٥٢ ]
٨٢ - عبد الله بن أم مكتوم ﵁
قال ابن حجر في الإصابة:
عمرو بن أم مكتوم القرشي ويقال اسمه عبد الله وعمرو أكثر وهو ابن قيس بن زائدة بن الأصم ومنهم من قال عمرو بن زائدة لم يذكر قيسًا ومنهم من قال قيس بدل زائدة وقال ابن حبان من قال ابن زائدة نسبة لجده؟ ويقال كان اسمه الحصين فسماه النبي ﵌ عبد الله حكاه ابن حبان، وقال ابن سعد أل المدينة يقولون اسمه عبد الله وأهل العراق يقولون اسمه عمرو، وقال واتفقوا على نسبه وأنه ابن قيس بن زائدة بن الأصم وفي هذا الاتفاق نظر (قلت) [القائل ابن حجر] نسبه كذلك ابن منده وتبعه أبو نعيم وحكي في اسمه أيضًا عبد الله بن عمرو قال وقيل عمرو بن قيس بن شريح ابن مالك.
واسم أمه أم مكتوم عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بمهملة ونون ساكنة وبعد الكاف مثلثة، ابن عائد بن مخزوم، وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين فإن أم خديجة أخت قيس ابن زائدة واسمها فاطمة، أسلم قديمًا بمكة، وكان من المهاجرين الأولين قدم المدينة قبل أن ياجر النبي ﵌. وكان النبي صلى الله عليه وآل وسلم يستخلفه على المدينة في عامة غزواته يصلي بالناس وقال ابن عبد البر: روى جماعة من أهل العلم بالنسب والسير أن النبي ﵌ استخلف ابن أم مكتوم ثلاث عشرة مرة في الأبواء وبواط وذي العشيرة وعزوته في طلب كرز بن جابر وغزوة السويق وغطفان وفي غزوة أحد وحمراء الأسد ونجران وذات الرقاع وفي خروجه في حجة الوداع وفي خروجه إلى بدر ثم استخلف أبا لبابة لمارده من الطريق، قال: وأما رواية قتادة عن أنس أن النبي ﵌ استخلف ابن أم مكتوم فلم يبلغه ما بلغ غيره، انتهى، وهو المذكور في سورة عبس وتولى ونزلت فيه غير أولي الضرر لما نزلت (لا يستوي القاعدون) أخرجه البخاري وفي السنن من طريق عاصم بن أبي رزين عن ابن أم مكتوم قال قلت يا رسول الل رجل ضرير الحديث في تأكيد الصلاة في الجماعة والله أعلم. ا. هـ إصابة.
[ ٤ / ٢١٥٣ ]
وقال في السير:
ابن أم مكتوم مختلف في اسمه، فأهل المدينة يقولون: عبد الل بن قيس بن زائدة بن الأصم بن رواحة القرشي العامري.
وأما أل العراق، فسمو عمرًا. وأمه أم مكتوم: هي عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة ابن عامر بن مخزوم بن يقظة المخزومية. من السابقين المهاجرين.
وكان ضريرًا مؤذنًا لرسول الل ﷺ مع بلال، وسعد القرظ، وأبي محذورة، مؤذن مكة. هاجر بعد وقعة بدر بيسير، قاله ابن سعد، وقد كان النبي ﷺ يحترمه، ويستخلفه على المدينة، فيصلي ببقايا الناس.
قال الشعبي: استخلف النبي ﷺ عمرو بن أم مكتوم يوم الناس، وكان ضريرًا، وذلك في غزوة تبوك. كذا قال، والمحفوظ أن النبي ﷺ إنما استعمل على المدينة عامين علي بن أبي طالب.
عن أبي إسحاق، سمع البراء يقول: أول من قدم علينا مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئان الناس القرآن (١).
حدثنا أبو ظلال، قال: كنت عند أنس، فقال: متى ذبت عينك؟ قلت: وأنا صغير. فقال: إن جبريل أتى رسول الله ﷺ وعنده ابن أم مكتوم، فقال: متى ذهب بصرك؟ قال: وأنا غلام، فقال: قال الله تعالى: "إذا أخدت كريمة عبدي لم أجد له جزاء إلا الجنة" (٢) قالت عائشة: كان ابن أم مكتوم مؤذنًا لرسول الله ﷺ وهو أعمى (٣).
وقال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ: "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا
_________________
(١) رواه ابن سعد (٤/ ٢٠٦) والحاكم في المستدرك (٣/ ٦٣٤) ورجاله ثقات.
(٢) رواه ابن سعد (٤/ ٢٠٦) والترمذي (٤/ ٦٠٢) ٣٧ - كتاب الزهد -٥٧ - باب ما جاء في ذهاب البصر. وأبو ظلال ضعيف لكن أخرج البخاري عن أنس قال: سمعت النبي، ﷺ، يقول: "إن الله تعالى قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتي فصبر عوضته منهما الجنة".
(٣) رواه ابن سعد (٤/ ٢٠٧).
[ ٤ / ٢١٥٤ ]
حتى ينادي ابن أم مكتومٍ" وكان أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت (١).
قال عروة: كان النبي، ﷺ، مع رجالٍ من قريش منهم عتبة بن ربيعة، فجاء ابن أم مكتوم يسأل عن شيء، فأعرض عنه، فأنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ (٢) ا. هـ الذهبي.
٢٢٣٧ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرتين.
وذكر الذهبي (٣) عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن عبد الله بن معقل، قال: نزل ابن أم مكتوم على يهودية بالمدينة كانت ترفقه، وتؤذيه في النبي، ﷺ، فتناولها فضربها، فقتلها، فرفع ذلك إلى النبي، ﷺ، فقال هو: أما والله إن كانت لترفقني، ولكن آذتني في الله ورسول. فقال النبي ﷺ: "أبعدها الله، قد أبطلت دمها".
٢٢٣٨ - * روى أبو داود عن علي ﵁. أن يهودية كانت تشتم النبي، ﷺ، وتقع في. فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله، ﷺ، دمها.
٢٢٣٩ - * روى البخاري عن زيد بن ثابت ﵁: أن رسول الله ﷺ أملى عليه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤) فجاءه
_________________
(١) رواه البخاري (٢/ ٩٩) ١٠ - كتاب الأذن -١١ - باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره. ومسلم (٣/ ٧٦٨) ١٣ - كتاب الصيام -٨ - باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الشمس.
(٢) عبس: ١. أخرجه ابن سعد في الطبقات (٤/ ٢٠٨) ورجاله ثقات إلا أنه منقطع، وذكره السيوطي في الدر للنثور عن عائشة ونسبه إلى ابن المنذر وابن مردويه.
(٣) أبو داود (٣/ ١٣١) كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في الضرير يولي وإسناده حسن.
(٤) ورجاله ثقات.
(٥) أبو داود (٤/ ١٢٩) كتاب الحدود، باب الحكم فيمن سب النبي ﷺ ورجاله ثقات. ترفقه: ترفق ب تنفعه.
(٦) البخاري (٨/ ٢٥٩) ٦٥ - كتاب التفسير -١٨ - باب ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. والترمذي (٥/ ٢٤٢) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن -٥ - باب ومن سورة النساء. والنسائي (٦/ ٩) كتاب الجهاد، باب فضل المجاهدين على القاعدين. قرض: الرض: شبه الدق والكسر من غير إبانة.
(٧) النساء: ٩٥.
[ ٤ / ٢١٥٥ ]
ابن أم مكتوم -وهو يملها علي فقال: يا رسول الله والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت- وكان أعمى -فأنزل الل ﷿ على رسول الله ﷺ- وفخذه على فخذي- فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله ﷿: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.
وفي رواية أبي داود (١) قال: كنت إلى جنب رسول الله ﷺ، فغشيته السكينة، فوقعت فخذ رسول الله ﷺ على فخذي، فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله ﷺ، ثم سري عنه، فقال لي: "اكتب" فكتبت في كتف: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ ﴾ إلى آخر الآية. فقام ابن أم مكتوم -وكان رجلًا أعمى- لما سمع فضيلة المجاهدين، فقال: يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه، غشيت رسول الله ﷺ السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، ووجدت من ثقلها في المرة الثانية، كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عن رسول الله ﷺ فقال: "اقرأ يا زيد" فقرأت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فقال رسول الله ﷺ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ﴾ الآية كلها، قال زيد: أنزلها الله وحدها، فألحقها. والذي نفسي بيده، لكأني انظر إلى ملحقها عند صدع في كتفٍ.
٢٢٤٠ - * روى ابن سعد عن أنس: أن عبد الله بن أم مكتوم يوم القادسية كانت معه راية سوداء، عليه درع له.
وأخرج ابن سعد (٢) عن أنس: أن عبد الله بن زائدة وهو ابن أم مكتوم، كان يقاتل يوم القادسية وعليه درع له حصينة سابغة.
قال الذهبي: ويقال استشهد يوم القادسية.
والقادسية ملحمة كبرى تمت بالعراق، وعلى المسلمين سعد بن أبي وقاص، وعلى
_________________
(١) أبو داود (٣/ ١١) كتاب الجهاد، باب في الرخصة في القعود من العذر. وإسناده حسن. السكينة من السكون، والمراد بها: ما كان يأخذه ﷺ عند الوحي من ذلك. كتف: عظم كنف الشاة العريض.
(٢) الطبقات الكبرى (٤/ ٢١٢) سابغة: تغطي الجسم والأطراف.
(٣) الطبقات الكبرى (٤/ ٢١٢).
[ ٤ / ٢١٥٦ ]
المشركين رستم، وذو الحاجب، والجالينوس.
قال أبو وائل: كان المسلمون أزيد من سبعة آلاف، وكان العدو أربعين وقيل: ستين ألفًا معهم سبعون فيلًا.
قال المدائني: اقتتلوا ثلاثة أيام في آخر شوال سنة خمس عشرة، فقتل رستم وانهزموا. ا. هـ.
[ويقال: الأصح أن المسلمين كانوا نحوًا من ثلاثين ألفًا وأن الفرس كانوا نحوًا من مائة وثلاثين ألفًا].
* * *
[ ٤ / ٢١٥٧ ]
٨٣ - أسعد بن زرارة ﵁
قال ابن حجر في الإصابة: أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك ابن النجار أبو أمامة الأنصاري الخزرجي النجاري قديم الإسلام شهد العقبتين وكان نقيبًا على قبيلته ولم يكن في النقباء أصغر سنًا منه ويقال إنه أول من بايع ليلة العقبة.
قال ابن إسحاق: إن أسعد إنما أسلم في العقبة الأولى مع النفر الستة الله أعلم، ووهم ابن منده فقال: كان لي بني ساعدة. وقيل إنه أول من بايع ليلة العقبة. وقال ابن إسحاق شهد العقبة الأولى والثانية والثالثة. وذكر ابن إسحاق إنه مات والنبي ﵌ يبني المسجد قال البغوي بلغني أنه أول من مات من الصحابة بعد الهجرة وأنه أول ميت صلى عليه النبي ﵌.
وروى الحاكم بسنده عن زينب بنت نبيط أن النبي ﵌ حلى أمها وخالتها رعاثا (١) من تبر وذهب فيه لؤلؤ، وكان أبوهما أسعد بن زرارة أوصى بهما إلى رسول الله ﵌ وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي أمامة بن سهل قال دخل النبي ﵌ على أسعد بن زرارة وكان أحد النقباء ليلة العقبة وقد أخذته الشوكة (٢) فكواه الحديث، وكذلك رواه الحاكم من طريق يونس عن الزري (قلت) [القائل ابن حجر] هذا هو المحفوظ ورواه عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن أنس أخرجه الحاكم أيضًا وهي شاذة، ورواه ابن أبي ذئب عن الزهري عن عروة عن عائشة وهي شاذة أيضًا، ورواه زمعة بن صالح عن الزري عن أبي أمامة بن سهل عن أبي أمامة أسعد بن زرارة، وهذا موافق لرواية عبد الرزاق لأنه لم يرد بقوله عن أبي أمامة أسعد بن زرارة الرواية وإنما أراد أن يقول عن قصة أسعد بن زرارة والله أعلم، وقد اتفق أهل المغازي والتواريخ على أنه مات في حياة النبي ﵌ قبل بدر ا. هـ ابن حجر.
_________________
(١) رعاثا: أقراط.
(٢) الشوكة: مرض وهو حمرة تعلوا الوجه والجسد.
[ ٤ / ٢١٥٨ ]
قال في السير: السيد نقيب بني النجار، أبو أمامة الأنصاري الخزرجي، من كبراء الصحابة. توفي شهيدًا بالذبحة (١).
قال أبو العباس الدغولي: قيل: إنه لقي النبي ﷺ بمكة قبل العقبة الأولى بسنة مع خمسة نفر من الخزرج، فآمنوا ب. فلما قدموا المدينة تكلموا بالإسلام في قومهم، فلما كان العام المقبل، خرج منهم اثنا عشر رجلًا، فهي العقبة الأولى، فانصرفوا معهم، وبعث النبي ﷺ، مصعب بن عمير يقرئهم ويفقههم.
قال ابن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي أمامة بن سهل، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي حين عمي، فإذا خرجت به إلى الجمعة. فسمع الأذان، صلى على أبي أمامة، واستغفر له. فقلت: يا أبة أرأيت استغفارك لأبي أمامة كلما سمعت أذان الجمعة ما هو؟ قال: أي بني كان أول من جمع بنا بالمدينة في هزم النبيت من حرة بني بياضة يقال له: نقيع الخضمات قلت: فكم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلًا. فكان أسعد مقدم النقباء الاثني عشر، فو نقيب بني النجار، وأسيد بن الحضير نقيب بني عبد الأشهل، وأبو الهيثم بن التيهان البلوي من حلفاء بني عبد الأشهل، وسعد بن خيثمة الأوسي أحد بني غنم بن سلم، وسعد بن الربيع الخزرجي الحارثي قتل يوم أحد، وعبد الله بن رواحة بن ثعلبة الخزرجي الحارثي قتل يوم مؤتة، وعبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر السلمي نقيب بني سلمة [استشهد في أحد] وسعد بن عبادة بن دليم الخزرجي الساعدي رئيس، نقيب، والمنذر بن عمرو الساعدي النقيب قتل يوم بئر معونة، والبراء بن معرور الخزرجي السلمي، وعبادة بن الصامت الخزرجي من القوافلة ورافع بن مالك الخزرجي الزرقي ﵃ (٢).
_________________
(١) الذبحة: وجع الحلق، أو داء يأخذ الحلق وربما قتل.
(٢) وروى أبو داود بعضه (١/ ٢٨٠) كتاب الصلاة، باب الجمعة في القرى. والحاكم في المستدرك (١/ ٢٨١) والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٧٦) وسنده حسن وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث. الهزم: ما اطأن من الأرض. النبيت: بطن من الأنصار. النقيع: بطن من الأرض يستنقع فيه الماء مدة، فإذا نضب الماء أبنت الكلا، الخصمات الخضمات: قرية قرب المدينة. القوقل: اسم أبي بطن من الأنصار، لأنه كان إذا أتاه إنسان يستجير به أو بيثرب، قال له: قوقل في هذا الجبل=
[ ٤ / ٢١٥٩ ]
وروى شعبة: عن محمد بن عبد الرحمن، أن جده أسعد بن زرارة أصابه وجع الذبح في حلقه، فقال رسول الله، ﷺ: "لأبلغن أو لأبلين في أبي أمامة عذرًا" فكواه بيده فمات. فقال رسول الله ﷺ: "ميتة سوء لليهود يقولون: هلا دفع عن صاحبه، ولا أملك له ولا لنفسي من الله شيئًا". ا. هـ (١).
٢٢٤١ - * روى أحمد وابن سعد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن بعض أصحاب النبي، ﷺ، قال: كوى رسول الله ﷺ أسعد أو سعد بن زرارة مرتين في حلق من الذبحة. وقال: "لا أدع في نفسي من حرجًا".
أقول: لله الحكمة البالغة فقد بعث رسوله ﷺ ليكون قدوة للناس جميعًا، ومن هذه الحادثة نأخذ درسًا أن الطبيب غير مسؤول عما يحدث بسبب طبه ما دام الطبيب قد طبب في حدود المعروف، ومن الحكم في هذه الحادثة أن يستقر في قلوب الخلق جميعًا معنى التوحيد الذي يدخل فيه أن الله وحده هو الذي يملك الضر والنفع وأنه حتى رسول الله ﷺ لا يملك ضرًا ولا نفعًا إلا بإذن الله، وقد غلب على كثير من المسلمين وهم أن من تتلمذ على بعض الصالحين فإنه لا يصيبه ضر وأن الصلاح لا يرافق ابتلاء وهذا يتناقض مع نصوص كثيرة. والأمر لله من قبل ومن بعد.
قال الذهبي: عن عائشة قالت: نقب النبي ﷺ أسعد على النقباء.
وعن أم خارجة: أخبرتني النوار أم زيد بن ثابت أنها رأت أسعد بن زرارة قبل مقدم النبي ﷺ، يصلي بالناس الصلوات الخمس، يجمع بهم في مسجد بناه. قالت: فانظر إلى رسول الله ﷺ لما قدم صلى في ذلك المسجد وبناه، فو مسجده اليوم (٢).
_________________
(١) = وقد أمنت. أي: ارتق، وهم القواقل. ونقل الزبيدي عن ابن هشام في سبب تسميتهم بذلك، أنهم كانوا إذا أجاروا أحدًا أعطوه سهمًا وقالوا: قوقل به حيث شئت، أي: سر به حيث شئت.
(٢) ورواه ابن ماجه (٢/ ١١٥٥) ٣١ - كتاب الطب -٢٤ - باب من اكتوى. وإسناده صحيح. ميتة سوء لليهود: فتنة لليهود حيث قالوا ما قالوا.
(٣) أحمد في مسند (٤/ ٦٥) و(٥/ ٣٧٨) والطبقات الكبرى (٣/ ٦١٠).
(٤) ابن سعد (٣/ ٣٠٩).
[ ٤ / ٢١٦٠ ]
الثوري: عن أبي الزبير، عن جابر قال: كواه رسول الله، ﷺ، في أكحله مرتين (١).
وقيل: كواه فحجر (٢) به حلقه يعني بالكي.
وقيل: أوصى أسعد ببناته إلى رسول الله، ﷺ، وكن ثلاثًا. فكن في عيال رسول الله، ﷺ، يدرن معه في بيوت نسائه، وهن: فريعة، وكبشة، وحبيبة. فقدم عليه حلي فيه ذهب ولؤلؤ، فحلاهن منه (٣).
وقيل: إنه مات في السنة الأولى من الهجرة، ﵁، وقد مات فيها ثلاثة أنفس من كبراء الجاهلية، ومشيخة قريش: العاص بن وائل السهمي والد عمرو، والوليد ابن المغيرة المخزومي، والد خالد، وأبو أحيحة سعيد بن العاص الأموي، ا. هـ الذهبي.
* * *
_________________
(١) ابن سعد (٣/ ٦١٠) الأكحل: عرق وسط الذراع يقصد.
(٢) حجر: يقال حجر عين البعير: إذا وسم حولها بمبسم مستدير.
(٣) ابن سعد (٣/ ٦١٠).
[ ٤ / ٢١٦١ ]
٨٤ - أبو دجانة سماك بن خرشة الخزرجي ﵁
قال ابن حجر:
أبو دجانة الأنصاري اسمه سماك بن خرشة وقيل ابن أوس بن خرشة متفق على شهود بدرًا وقال علي إنه استشهد باليمامة وأسند ابن إسحاق من طريق يزيد بن السكن أن رسول الله ﷺ لما التحم القتال ذب عنه مصعب بن عمير يعني يوم أحد حتى قتل، وأبو دجانة سماك بن خرشة حتى كثرت فيه الجراحة، وقيل أنه ممن شارك في قتل مسيلمة، وثبت ذكره في الصحيح لمسلم ا. هـ.
وقال الذهبي: أبو دجانة الأنصاري: سماك بن خرشة بن لوذان بن عبد ود بن زيد الساعدي. كان يوم أحد عليه عصابة حمراء، يقال: آخى النبي ﷺ بينه وبين عتبة بن غزوان. وقيل: هو سماك بن أوس بن خرشة.
وقال زيد بن أسلم: دخل على أبي دجانة وهو مريض، وكان وجهه يتهلل. فقيل له: ما لوجهك يتهلل؟ فقال: ما من عمل شيء أوثق عندي من اثنتين: كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، والأخرى فكان قلبي للمسلمين سليمًا (١).
وعن أنس بن مالك قال: رمى أبو دجانة بنفسه يوم اليمامة إلى داخل الحديقة، فانكسرت رجله، فقاتل وهو مكسور الرجل حتى قتل ﵁.
وكان سيف أبي دجانة غير دميم. وذلك أن النبي ﷺ عرض ذلك السيف حتى قال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فأحجم الناس عنه. فقال أبو دجانة: وما حقه يا رسول الله؟ قال: تقاتل به في سبيل الل حتى يفتح الله عليك أو تقتل. فأخذه بذلك الشرط. فلما كان قبل الهزيمة يوم أحد خرج بسيفه مصلتًا وهو يتبختر، ما عليه إلا قميص وعمامة حمراء قد عصب بها رأسه، وإنه ليرتجز ويقول:
إني امرؤ عاهدني خليلي إذ نحن بالسفح لدى النخيل
_________________
(١) ابن سعد (٣/ ٥٥٧).
[ ٤ / ٢١٦٢ ]
أن لا أقيم الدهر في الكبول أضرب بسيف الله والرسول
قال: يقول رسول الله ﷺ: "إنها لمشية يبغضها الله ورسوله إلا في مثل هذا الموطن" ا. هـ.
٢٢٤٢ - * روى مسلم عن أنس: أن رسول الله ﷺ، أخذ سيفًا يوم أحد فقال: "من يأخذ مني هذا؟ " فبسطوا أيديهم، كل إنسان منهم يقول: أنا، أنا. قال: "فمن يأخذه بحقه؟ " قال: فأحجم القوم. فقال سماك بن خرشة، أبو دجانة: أنا آخذه بحقه. قال: فأخذه ففلق به هام المشركين.
* * *
_________________
(١) مسلم (٤/ ١٩١٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٣٥ - باب من فضائل أبي دجانة. أحجم: تأخر وكف. فلق هام المشركين: شق رؤوسهم.
[ ٤ / ٢١٦٣ ]
٨٥ - أسماء بنت أبي بكر ﵄
قال ابن حجر:
أسماء والدة عبد الله بن الزبير بن العوام التيمية، وهي بنت أبي بكر الصديق وأمها قتلة أو قتيلة بنت عبد العزى قرشية من بني عامر بن لؤي أسلمت قديمًا بمكة قال ابن إسحاق بعد سبعة عشر نفسًا وتزوجها الزبير بن العوام. وأخرج ابن سعد بسند حسن عن ابن أبي مليكة كانت تصدع فتضع يدها على رأسها وتقول بذنبي وما يغفر الل أكثر، وقال هشام بن عروة عن أبيه بلغت أسماء مائة سنة لم يسقط لها سن ولم ينكر لها ا. هـ ابن حجر.
وقال الذهبي: أم عبد الله القرشية التيمية، المكية، ثم المدينة. والدة الخليفة عبد الله ابن الزبير، وأخت أم المؤمنين عائشة، وآخر المهاجرات وفاة روت عدة أحاديث. وعمرت دهرًا. وتعرف بذات النطاقين. وكانت أسن من عائشة ببضع عشرة سنة. هاجرت حاملًا بعبد الله. وقيل: لم يسقط لها سن وشهدت اليرموك مع زوجها الزبير. وهي، وأبوها، وجدها، وابنها ابن الزبير، أربعتهم صحابيون. ا. هـ.
٢٢٤٣ - * روى أحمد عن مسلم القري، قال: دخلنا على أم ابن الزبير، فإذا هي امرأة ضخمة عمياء -نسألها عن متعة الحج. قد رخص رسول الله ﷺ فيها.
٢٢٤٤ - * روى البخاري عن هشام بن عروة، عن أبيه، وفاطمة بنت المنذر، عن أسماء، قالت: صنعت سفرة النبي ﷺ في بيت أبي حين أراد أن يهاجر؛ فلم أجد لسفرته ولا لسقائه ما أربطهما، فقلت لأبي: ما أجد إلا نطاقي، قال: شقيه باثنين، فاربطي بهما؛ قال: فلذلك سميت: ذات النطاقين.
٢٢٤٥ - * روى البخاري عن وهب بن كيسان ﵀ قال: كان أهل الشام يعيرون
_________________
(١) أحمد في مسنده (٦/ ٣٤٨) وإسناده صحيح.
(٢) البخاري (٧/ ٢٤٠) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -٤٥ - باب هجرة النبي ﷺ.
(٣) البخاري (٩/ ٥٣٠) ٧٠ - كتاب الأطعمة -٨ - باب الخبز المرقق والأكل على الخوان والسفرة.
[ ٤ / ٢١٦٤ ]
ابن الزبير، يقولون: يا ابن ذات النطاقين، فقالت له أسماء: يا بني إنهم يعيرونك بالنطاقين، وهل تدري ما كان النطاقان إنما كان نطاقي شققته نصفين، فأوكيت قربة رسول الله ﷺ بأحدهما، وجعلت في سفرته آخر، فكان ابن الزبير إذا عيروه بالنطاقين يقول: إيها والإله:
وتلك شكاة ظاهر عنك عارها.
٢٢٤٦ - * روى البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكرٍ. قالت: تزوجني الزبير وماله في الأرض من مالٍ ولا مملوكٍ ولا شيء غير فرسه. قالت: فكنت أعلف فرسه، وأكفيه مؤنته، وأسوسه، وأدق النوى لناضحه، وأعلفه، وأستقي الماء، وأخرز غربه، وأعجن. ولم أكن أحسن أخبز. وكان يخبز لي جارات من الأنصار. وكن نسوة صدقٍ. قالت: وكنت أنقل النوى، من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ، على رأسي وهي على ثلثي فرسخ قالت: فجئت يومًا والنوى على رأسي. فلقيت رسول الله ﷺ ومعه نفر من أصحابه. فدعاني ثم قال "إخ! إخ" ليحملني خلفه. قالت:
_________________
(١) = ذات النطاقين: النطاق: ما تشد به المرأة وسطها عند معاناة الأشغال لترفع به ثوبها. فأوكيت: أوكيت الوعاء: إذا شددته. أيها: زجر: ونهي (إيه) بمعنى الاستزادة، فكأنه قال: زيدوني من قولكم هذا، فإنه مما يزيدني فخرًا وشرفًا، أو أنه وجر عما بنوا عليه قولهم من إرادة عيبيه وذمه، فقال: كفوا عن جهلكم. الإله: قم، أي: والله إن الأمر كما تزعمون، أو أن استعطاف، كما تقول: بالله أخبرني، لما تريد أن تستعلمه منه. شكاة: الشكاة: الذم والعيب. ظاهر عندك عارها: بعيد عنك، مجاوز لك، والبيت لأبي ذؤيب الهذلي، وأوله: وغيرها الواشون: أني أحبها وتلك شكاة ظاهر عنك عارها وذا البيت من قصيدة أولها: هل الدهر إلا ليلة ونهارها وإلا طلوع الشمس ثم غيارها أبي القلب إلا أم عمرو فأصبحت تحرق ناري بالشكاة ونارها
(٢) البخاي (٩/ ٣١٩) ٦٧ - كتاب النكاه -١٠٧ - باب الغيرة. ومسلم (٤/ ١٧١٦) ٣٩ - كتاب السلام -١٤ - باب جواز إرداف المرأة الأجنبية إذا أعيت في الطريق. ناضح: الناضح: البعير يستقى عليه الماء والنوى: عجم التمر كانوا يدقونه ويعلفون دوابهم. غربة: الغرب، الدلو، يعني أنها كانت تخرز له دلوه وراويته.
[ ٤ / ٢١٦٥ ]
فَاسْتَحْيَيْتُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ! لَحَمْلُكِ النَّوَى عَلَى رَأْسِكِ أَشَدُّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ. قَالَتْ: حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ، بَعْدَ ذَلِكَ، بِخَادِمٍ فَكَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ. فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي.
وفي رواية لمسلم (١) عن أسْمَاءَ قاَلَتْ: كُنْتُ أَخْدُمُ الزُّبَيْرَ خِدْمَةَ الْبَيْتِ. وَكَانَ لَهُ فرَسٌ. وكُنْتُ أَسُوسُهُ. فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْخِدِمَةِ شَيءٌ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ سِياسَةِ الفَرَسِ. كُنْتُ أَحْتَشُّ لَهُ عَليْه وَأَسوُسُه. قاَلَ ثُمَّ إنَّها أصاَبَت خَادما. جاءَ النَّبي (ص) سَبْي فَأَعطَاهَا خَادِمًا. قَالت: كَفَتْني سِيَاسَةَ الفرَسِ. فَألْقَت عَني مؤنتهُ.
فَجَاءَبي رجل فَقَالَ: ياأُمَّ عبدِ الله: إني رَجُلٌ فَقِير. أَردتُ أَّن أبيِع فِي ظِل دَارِكِ. قَالتْ: إني إنْ رَخَّصْتُ لكَ أبى ذَاكَ الزُّبَيْرُ. فَتَعَالَ فَاطْلبْ إلىَّ، والزَبيْر شاهِدٌ. فجَاءَ فَقاَلَ: يااُّم عبدِ اللهِ! إني رجلٌ فَقِير أردتُ أَن أبيع فىِ ظِل دارِكِ. فَقاَلت: مالَك بِالمدينَةِ إلا دَارِي؟ فَقاَلَ لَهَا الزبَيْرُ: ماَلَكِ أنْ تَمْنعي رجُلاّ فَقِيرا يبيعُ؟ فكان يبيع إلى أنْ كَسَبَ. فَبِعْتُه الجَارِيَةَ. فَدَخَلَ عَلَيَّ الزُّبيرُ وَثَمنهُا في حِجري. فَقَالَ: هَبيهِا لِي قَالتْ: إني قدْ تَصَدقْتُ بِها.
قال الذهبي: عن أسماء، قالت: لما توجه النبيُّ من مكة حمل أبو بكر معه جميع ماله - خمسة آلاف، أو ستة آلاف - جدّي أبو قُحافة وقد عّمي، فقال: إن هذا قد فجعكم بمالِهِ ونفسه. فقلتُ: كلا، قد ترك لنا خيرًا كثيرًا.
فعمدتُ إلى أحجارٍ، فجعَلْتُهنَّ فى كَوَّة البيت، وغطيت عليها بثوب، ثم أخذت بيده، ووضعتها على الثوب، فقلتُ: هذا تركه لنا. فقال: أمَا إذْ ترك لكَم هذا، فنعم (٢).
قال ابنُ أبي مليكة: كانت أساء تصدع، فتضعُ يدها على رأسها، وتقول: بذنبي، وما يغفرهُ الله أكثر.
وفي "الصحيح": قالت أسماءُ: يا رسولَ الله، إنَّ اُّمي قَدِمتْ، وهي راغب [أي فى
_________________
(١) مسلم (٤/ ١٧١٧) في نفس الموضع السابق.
(٢) رواه ابن هشام (١/ ٤٤٨) عن ابن إسحاق وإسناده صحيح.
[ ٤ / ٢١٦٦ ]
الصلة وهي مشركة]، أفأصلها؟ قال: "نعم، صلي أمك" (١).
عن محمد بن المنكدر، قال: كانت أسماء بنت أبي بكر سخية النفس.
عن القاسم بن محمد: سمعت ابن الزبير يقول: ما رأيت امرأة قط أجود من عائشة وأسماء؛ وجودهما مختلف: أما عائشة، فكانت تجمع الشيء إلى الشيء، حتى إذا اجتمع عندها وضعته مواضعه، وأما أسماء، فكانت لا تدخر شيئًا لغد.
قال عروة: دخلت أنا وأخي، قبل أن يقتل، على أمنا بشعر ليال، وهي وجعة، فقال عبد الله: كيف تجدينك؟ قالت: وجعة. قال: إن في الموت لعافية. قالت: لعلك تشتهي موتي؛ فلا تفعل، وضحكت، وقالت: والله، ما أشتهي أن أموت، حتى تأتي على أحد طرفيك: إما أن تقتل فاحتسبك؛ وإما أن تظفر فتقر عيني. إياك أن تعرض على خطة فلا توافق، فتقبلها كراهية الموت.
قال: وإنما عني أخي أن يقتل: فيحزنها ذلك. وكانت بنت مئة سنة.
قال مصعب بن سعد: فرض عمر للمهاجرات: ألفا ألفًا، منهن: أم عبد، وأسماء (٢). عن فاطمة بنت المنذر: أن أسماء كانت تمرض المرضة، فتعيق كل مملوك لها (٣).
ا. هـ الذهبي.
٢٢٤٧ - * روى الحاكم عن أسماء: أنها اتخذت خنجرًا في زمن سعيد بن العاص في الفتنة فوضعته تحت مرفقيها، فقيل لها: ما تصنعين بهذا؟ قالت: إن دخل علي لص بعجت بطنه، وكانت عمياء. وروى ابن سعد (٥): أن أسماء اتخذت خنجرًا زمن سعيد بن العاص
_________________
(١) رواه البخاي (١٠/ ٤١٣) ٨٧ - كتاب الأدب -٧ - باب صلة الوالد المشرك. ومسلم (٢/ ٦٩٦) ١٢ - كتاب الزكاة -١٤ - باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين.
(٢) ابن سعد (٨/ ٢٥٣).
(٣) ابن سعد (٨/ ٢٥١).
(٤) المستدرك (٤/ ٦٦).
(٥) ابن سعد (٨/ ٢٥٢). استعر: كثر.
[ ٤ / ٢١٦٧ ]
للصوص، وكانوا قد استعروا بالمدينة، فكانت تجعله تحت رأسها.
٢٢٤٨ - * روى مسلم عن أبي نوفل بن أبي عقرب من حديث مطول، في: أن الحجاج لما قتل ابن الزبير وصلبه ثم أنزل عن جذعه، وألقاه في قبور اليهود، أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر، فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرسول: لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك، قال: فأبت: وقالت: والله لاآتيك حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني، فانطلق حتى دخل عليها، فقال: كيف رأيتني صنعت بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنيا، وأفسد عليك آخرتك، بلغني أنك تقول له: يا ابن ذات النطاقين! أنا والله ذات النطاقين! أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله ﷺ، وطعام أبي بكر من الدواب. وأما الآخر فنطاق المأرة التي لا تستغني عن. أما إن رسول الله ﷺ حدثنا "أن في ثقيف كذابًا ومبيرًا" فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه. قال فقام عنها ولم يراجعها.
قال الذهبي عن ابن أبي مليكة، قال: دخلت على أسماء بعد ما أصيب ابن الزبير، فقالت: بلغني أن هذا صلب عبد الل: اللهم لا تمتني حتى أوتي ب، فأحنطه وأكفنه.
فأتيت به بعد، فجعلت تحنطه بيدها، وتكفنه، بعد ما ذهب بصرها.
ومن وجه آخر -عن ابن أبي مليكة-: وصلت عليه؛ وما أتت عليه جمعة إلا ماتت.
عن الركين بن الربيع، قال: دخلت على أسماء بنت أبي بكر، وقد كبرت، وهي تصلي، وامرأة تقول لها: قومي، اقعدي، افعلي، من الكبر.
قال ابن سعد: ماتت بعد ابنها بليال. وكان قتله لسبع عشر خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين.
قلت [القائل الذهبي]: كانت خاتمة المهاجرين والمهاجرات.
* * *
_________________
(١) مسلم (٤/ ١٩٧١) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٥٨ - باب ذكر كذاب ثقيف ومبيرها.
[ ٤ / ٢١٦٨ ]
٨٦ - أم حرامٍ ﵂
قال الذهبي: أم حرام بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار. الأنصارية النجارية المدنية.
أخت أم سليم. وخالة أنس بن مالك. وزوجة عبادة بن الصامت. حديثها في جميع الدواوين: سوى جامع أبي عيسى. [الترمذي] كانت من علية النساء.
عن أنس، قال: دخل علينا رسول الله ﷺ، ما هو إلا أنا وأمي وخالتي أم حرام، فقال: "قوموا فلأصل بكم" فصلى بنا في غير صلاة (١).
قلت [القائل الذهبي]: يقال هذه غزوة قبرس في خلافة عثمان.
[قبرس: هي الجزيرة المعروفة اليوم باسم قبرص، وكان أمير ذلك الجيش معاوية بن أبي سفيان ومعه أبو ذر وأبو الدرداء، وغيرهما من الصحابة وذلك سنة سبع وعشرين.
وبلغني أن قبرها تزوره الفرنج. ا. هـ الذهبي.
٢٢٤٩ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان يدخل على أم حرام بنت ملحان، فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله ﷺ يومًا، ثم جلست تفلي رأسه، فنام رسول الله ﷺ، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: "ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر ملوكًا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة" قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، ثم وضع رأسه، فنام، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: "ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله" كما قال في الأولى. قالت: فقلت: يا رسول
_________________
(١) رواه مسلم (١/ ٤٥٧) ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة -٤٨ - باب جواز الجماعة في النافلة.
(٢) البخاري (١٢/ ٣٩١) ٩١ - كتاب التعبير -١٢ - باب رؤيا النهار. ومسلم (٣/ ١٥١٨) ٣٣ - كتاب الإدارة -٤٩ - باب فضل الغزو في البحر.
[ ٤ / ٢١٦٩ ]
الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "أنت من الأولين" فركبت أم حرام بن ملحان البحر في زمن معاوية، فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر، فهلكت.
قال النووي: اتفق العلماء أن أم حرام بنت ملحان كانت محرمًا له ﷺ، واختلفوا في كيفية ذلك، فقال ابن عبد البر وغيره كانت إحدى خالاته من الرضاعة، وقال آخرون كانت خالته لأبيه أو لجده لأن عبد المطلب كانت أمه من بني النجار ا. هـ.
وقد ذكر ابن حجر أنها كانت خالته.
* * *
[ ٤ / ٢١٧٠ ]
٨٧ - أمُّ سُلَيْمٍ ﵂
قال ابن حجر: أم سليم بنت سليمان بن خالد بن زد بن حرام بن جندب الأنصارية، وهي أم أنس خادم رسول الله ﵌، اشتهرت بكنيتها واختلف في اسمها فقيل سهلة وقيل رميلة وقيل رمينة وقيل مليكة وقيل الغميصاء أو الرميصاء، تزوجت مالك بن النض في الجاهلية فولدت أنسا في الجاهلية، وأسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار فغضب مالك وخرج إلى الشام فمات بها، فتزوجت بعده أبا طلحة وكانت أم سليم تقول لا أتزوج حتى يبلغ أنس ويجلس في المجالس، فيقول جزى الله أمي عني خيرا لقد أحسنت ولايتي، فقال لها أبو طلحة فقد جلس أنس وتكلم فتزوجها وفي الصحيح عن أنس أن أم سليم لما قدم النبي صل الله عليه وآله وسلم قالت: يا رسول الله هذا أنس يخدمك وكان حينئذ ابن عشر سنين، فخدم النبي ﵌ منذ قدم المدينة حتى مات، فاشتهر بخادم النبي ﵌ وذكر أبو عمر نسبها من كتاب ابن السكن بحروفه ولكن قال اسم أمها مليكة والذي في كتاب ابن السكن اسم أمها أنيقة نبه عليه ابن فتحون، وكأن أبا عمر أخذه عن ابن سعد وإنه جزم بأن أمها مليكة بنت مالك بن عدي بن زيد مناة.
وقال الذهبي: مات زوجها مالك بن النضر، ثم تزوحها أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري، فولدت له: أبا عمير، وعبد الله.
شهدت: حنينا، وأحدا. من أفاضل النساء.
قال محمد بن سيرين: كانت ام سليم مع النبي (ص) يوم أحد، ومعها خنجر (١).
عن أنس: أن أم سليم اتخذت خنجرا يوم حنين، فقال أبو طلحة: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر! فقالت: يا رسول الله، إن دنا مني مشرك بقرت به بطنه (٢).
_________________
(١) ورواه ابن سعد (٨/ ٤٢٥).
(٢) ورواه ابن سعد (٨/ ٤٢٥) وإسناده صحيح.
[ ٤ / ٢١٧١ ]
عن إسحاق بن عبد الله، عن جدته أم سليم: أنها آمنت برسول الله ﷺ، قالت: فجاء أبو أنس، وكان غائبًا، فقال أصبوت؟ فقالت: ما صبوت، ولكني آمنت!.
وجعلت تُلقن أنسًا: قل: لا إله إلا الله، قل: أشهدُ أنَّ محمدًا رسول الله ففعل. فيقول لها أبوه: لا تفسدي عليَّ ابني. فتقول إني لا أفسده! فخرج مالك، فلقيه عدوٌ له، فقتله. فقالت: لا جرمَ، لا أفطم أنسًا حتى يدع الثَّدي؛ ولا أتزوج حتى يأمرني أنس.
فخطبها أبو طلحة، وهو يومئذٍ مُشرك (١) ا. هـ الذهبي.
٢٢٥٠ - * روى النسائي عن أنس قال: تزوج أبو طلحة أم سليم، فكان صداق ما بينهما الإسلام. أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة فخطبها، فقالت: إني قد أسلمت، فإن أسلمت نكحتك، فأسلم، فكان صداق ما بينهما.
٢٢٥١ - * روى ابن سعد عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ كان يزور أم سليم، فتتحفه بالشيء تصنعه له، وأخٌ لي أصغر مني يُكنى أبا عُمير، فزارنا يومًا، فقال: مالي أرى أبا عمير خاثر النفس؟ قالت: ماتت صعوةٌ [له كان يلعب بها]. فجعل النبيُّ يمسح رأسه، ويقول: "يا أبا عمير، ما فعل النُغير؟ ".
٢٢٥٢ - * روى البخاري عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان لا يدخل في المدينة بيت امرأة، غير بيت أم سُليمٍ، إلا على أزواجه، فقيل له، فقال: "إني أرحمها، قُتل معي أخوها".
_________________
(١) ورواه ابن سعد (٨/ ٢٥) وتمامه: فقالت له يومًا فيما تقول: أرأيت حجرًا تعبده لا يضرك ولا ينفعك أو خشبة تأتي بها النجار، فينجرها لك: هل يضرك؟ هل ينفعك؟ قال: فوقع في قلبه الذي قالت، قال: فأتاها فقال: لقد وقع في قلبي الذي قلت، وآمن، قالت: فإني أتزوجك ولا آخذ منك صداقًا غيره.
(٢) النسائي (٦/ ١١٤) كتاب النكاح، باب التزويج على الإسلام.
(٣) الطبقات الكبرى (٨/ ٤٢٧) وإسناده صحيح. وأخرجه البخاري مختصرًا (٦٠/ ٥٢٦) ٧٨ - كتاب الأدب -٨١ - باب الانبساط إلى الناس. الصعوة: طائر أصغر من العصفور: النُغير: تصغير نُغُر، وهو فرخ العصفور.
(٤) البخاري (٦/ ٥٠) ٥٦ - كتاب الجهاد، ٧٨ - باب فضل من جهز غازيًا أو خلفه بخير.
[ ٤ / ٢١٧٢ ]
وفي رواية (١): كان رسول الله ﷺ لا يدخل على أحدٍ من النساء إلا على أزواجه، إلا أم سليمٍ، فإنه كان يدخل عليها، فقيل له في ذلك، فقال: "أرحمها، قُتِلَ معي أخوها".
وأم سليم: هي أم أنس بن مالك، ولعله أراد: على الدوام، فإنه كان يدخل على أم حرام، وهي خالة أنس.
قد سبق القول إن أم حرام خالته ﷺ، وأم سليم أختها فهي محرم ودخوله ﷺ صلة رحم.
٢٢٥٣ - * روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "رأيتُني دخلت الجنة، فسمعت خشفةً، فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة".
٢٢٥٤ - * روى ابن سعد عن أنس: أن النبي ﷺ دخل على أم سليم، وقربةً مُعلقةٌ، فشرب منها قائمًا، فقامت إلى فيَّ السقاء، فقطعته.
وفي الباب ما يقويه عن أم ثابت كبشة بنت ثابت أخت حسان بن ثابت ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ، فشرب من قِربة معلقة قائمًا، فقمت إلى فيها فقطعته (٢).
قال النووي في (رياضه): (وإنما قطعتها لتحفظ موضع فم رسول الله ﷺ، وتتبرك به، وتصونه عن الابتذال).
_________________
(١) مسلم (٤/ ١٩٠٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -١٩ - باب من فضائل أم سليم.
(٢) البخاري (٧/ ٤٠) ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة -٦ - باب مناقب عمر بن الخطاب. ومسلم (٤/ ١٩٠٨) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -١٩ - باب من فضائل أم سليم أم أنس بن مالك لكن عن أنس. الخشفة: الحس والحركة، وقيل هو الصوت ليس بالشديد، ومعنى الحديث هنا: ما يسمع من حس وقع القدم.
(٣) الطبقات الكبرى (٨/ ٤٢٨).
(٤) الترمذي (٤/ ٣٠٦) ٣٧ - كتاب الأشربة -١٨ - باب ما جاء في الرخصة في ذلك. وابن ماجه (٢/ ١١٣٢) -٢ - كتاب الأشربة -٢١ - باب الشرب قائمًا وإسناده صحيح.
[ ٤ / ٢١٧٣ ]
٢٢٥٥ - * روى ابن سعيد عن أم سليم، قالت: كان رسول الله ﷺ يَقيلُ في بيتي، فكنت أبسطُ له نِطعًا، فيقيلُ عليه، فيعرقُ، فكنتُ آخذ سكًا فأعجنه بعرقه.
وأخرج بنحوه البخاري ومسلم عن أنس (١).
وزاد ابن سعد في طبقاته:
قال ابن سيرين: فاستوهبتُ من أم سُليم من ذلك السُّك، فوهبت لي منه.
قال أيوب: فاستوهبتُ من محمد [هو ابن سيرين] من ذلك السُّكِّ، فوهب لي منه؛ فإنه عندي الآن.
قال: ولما مات محمد حُنِّط بذلك السُّكِّ.
قال أنس: ثَقُلَ ابنٌ لأم سليم، فخرج أبو طلحة إلى المسجد، فتوفي الغلام. فهيأت أم سليم أمره، وقالت: لا تخبره. فرجع، وقد سَيَّرت له عشاءه، فتعشى، ثم أصاب من أهله. فلما كان من آخر الليل، قالت: يا أبا طلحة، ألم تر آل أبي فلان استعاروا عارية، فمنعُوها، وطُلبت منهم، فشق عليهم. فقال: ما أنصفوا. قالت: فإن ابنك كان عاريةً من الله، فقبضه. فاسترجع، وحمد الله.
فلما أصبح غدًا إلى رسول الله ﷺ، فلما رآه، قال: "بارَك اللهُ لكُما في ليلتكما".
فحملت بعبد الله بن أبي طلحة، فولدت ليلًا، فأرسلت به معي، وأخذتُ تمرات عجوة، فانتهيتُ به إلى النبي ﷺ، وهو يهنأ أباعر له، ويَسِمُها، فقلتُ: يا رسول الله، ولدت أم سليم الليلة.
فمضغ بعض التمرات بريقه، فأوجره (٢) إياه، فتلمظ الصبي، فقال: "حِبُّ الأنصار
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٨/ ٤٢٨).
(٢) البخاري (١١/ ٧٠) ٧٩ - كتاب الاستئذان -٤١ - باب من زار قومًا فقال عندهم. ومسلم (٤/ ١٨١٦) ٤٣ - كتاب الفضائل -٢٢ - باب طيب عرق النبي ﷺ والتبرك به. يقيل: قال يقيل من القيلولة: وهي النوم في الظهيرة عند اشتداد الحر. السُّك: نوع من الطيب.
(٣) أوجره: وضعها في فيه بشيء من الكلفة.
[ ٤ / ٢١٧٤ ]
التمر" فقلت: سَمِّه يا رسول الله. قال: "هو عبد الله" (١).
سعيد بن مسروق الثوري، عن عباية بن رفاعة، قال: كانت أم أنس تحت أبي طلحة. فذكر نحوه. وفيه: فقال رسول الله: "اللهم بارك لهما في ليلتهما".
قال عباية: فلقد رأيت لذلك الغلام سبع بنين، كلهم قد ختم القرآن (٢).
عن أنس: أن النبي ﷺ لما أراد أن يحلق رأسه بمنى، أخذ أبو طلحة شِق شعره، فجاء به إلى أم سليم، فكانت تجعله في سكها.
قالت: وكان يقيلُ عندي على نِطعٍ، وكان مِعراقًا (٣) ﷺ، فجعلت أسلتُ العرق في قارورة. فاستيقظ، فقال: "ما تجعلين"؟ قلت: أريد أن أدُوف (٤) بعرقك طيبي (٥).
عن أنس: أن النبي ﷺ دخل على أم سليم، فأتته بسمن وتمر. فقال: إني صائم. ثم قام، فصلَّى، ودعا لأم سليم ولأهل بيتها، فقالت: إن لي خُوَيْصَةً (٦) قال: "ما هي"؟ قالت: خادمُك أنس، فما ترك خير آخرة ولا دُنيا إلا دعا لي به، وبعثت معي بمكتلٍ من رُطبٍ إلى رسول الله ﷺ (٧) أ. هـ ابن سعد.
* * *
_________________
(١) البخاري (٩/ ٥٨٧) ٧١ - كتاب العقيقة -١ - باب تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق عنه وتحنيكه. ومسلم (٤/ ١٩٠٩) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٢٠ - باب من فضائل أبي طلحة الأنصاري ﵁.
(٢) رواه ابن سعد (٨/ ٤٣٤) ورجاله ثقات.
(٣) المعراق: كثير العرق.
(٤) أدوف: أخلط.
(٥) رواه أحمد في مسنده (٢/ ٢٨٧) وابن سعد (٨/ ٤٢٨).
(٦) خويصة: قال الحافظ: بتشديد الصاد وتخفيفها تصغير خاصة. وهو ما اغتُفِر فيه التقاء الساكنين.
(٧) ورواه البخاري (٤/ ٢٢٨) ٣٠ - كتاب الصوم -٦١ - باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم.
[ ٤ / ٢١٧٥ ]
٨٨ - هند بنت عتبة ﵂
قال ابن حجر في الإصابة:
هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية العبشمية والدة معاوية ابن أبي سفيان. أخبارها قبل الإسلام مشهورة، وشهدت أحدًا، وفعلت ما فعلت بحمزة ثم كانت تؤلب على المسلمين، إلى أن جاء الله بالفتح فأسلم زوجها ثم أسلمت هي يوم الفتح، وقصتها في قولها عند بيعة النساء وأن لا يسرقن ولا يزنين فقالت وهل تزني الحرة، وعند قوله ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ وقد ربيناهم صغارًا وقتلتهم كبارًا مشهورة، ومن طرقه ما أخرجه ابن سعد بسند صحيح مرسل عن الشعبي وعن ميمون بن مهران، ففي رواية الشعبي: ولا يزنين، قالت هند: وهل تزني الحرة ولا تقتلن أولادكن قالت: أنت قتلتهم، وفي رواية نحوه لكن قالت: وهل تركت لنا ولدًا يوم بدر وسؤالها عن أخذها من مال زوجها بغير إذنه ما يكفيها وهل عليها فيه من حرج مخرج في الصحيحين، وفيه خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك وولدك، وهو من رواية هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وشذ عبد الله بن محمد بن عروة فقال عن هشام عن أبيه عن هند، أخرجه ابن منده وأوله قالت هند: إني أريد أن أبايع محمدًا، قال قد رأيتك تكفرين، قالت: أي والله والله ما رأيت الله تعالى عبد حق عبادته في هذا المسجد قبل الليل والله إن باتوا إلا مصلين قيامًا وركوعًا وسجودًا قال: فإنك قد فعلت ما فعلت فاذهبي برجل من قومك معك فذهبت إلى عمر، فذهب معها فاستأذن لها فدخلت وهي متنقبة، فذكر قصة البيعة وفيه ما قدمته، وفيه فقالت: إن أبا سفيان رجل بخيل ولا يعطيني ما يكفيني إلا ما أخذت منه من غير علمه الحديث، وفيه عن مرسل الشعبي المذكور قالت هند: قد كنت أفنيت من مال أبي سفيان، فقال أبو سفيان: ما أخذت من مالي فهو حلال، وقال ابن سعد: قال الواقدي: لما أسلمت هند جعلت تضرب صنمًا لها في بيتها بالقدوم حتى فلذته فلذة فلذة، وتقول: كنا معك في غرور. قال أبو عمر: ماتت في خلافة عمر بعد أبي بكر بقليل في اليوم الذي مات فيه أبو قحافة كذا قال، وقد ذكر صاحب الأمثال ما يدل على أنها بقتي إلى خلافة عثمان بل بعد ذلك لأن أبا سفيان مات في خلافة عثمان بلا خلاف، وقال هذا
[ ٤ / ٢١٧٦ ]
قال رجل لمعاوية زوجني هندًا إنها قعدت عن الولد ولا حاجة إلى الزواج قال فولني ناحية كذا فأنشد معاوية:
طلب الأبيض العقوق فلما أعجزته أراد بيض الأنوقِ (١)
يعني أنه طلب مالًا يصل إليه فلما عجز عنه طلب أبعد منه. ثم رأيت في طبقات ابن سعد الجزم بأنها ماتت في خلافة عثمان أ. هـ. عن الإصابة.
٢٢٥٦ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: جاءت هندُ بنت عتبة، فقالت: والله يا رسول الله، ما كان على ظهر الأرض من أهلِ خباءٍ أحبُّ إليَّ من أن يذلوا من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهلُ خباءٍ أحبَ إليَّ من أن يعزوا من أهل خبائك، قال رسول الله ﷺ: "وأيضًا، والذي نفسي بيده" ثم قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجلٌ مسيك، فهل عليَّ حرج أن أُطعِم من الذي له عيالنا؟ قال: "لا حرج عليك أن تنفقي عليهم".
أقول:
ترجمنا لهند بنت عتبة كنموذج على امرأة ذات شخصية قوية هائلة فعلت الأفاعيل ضد الإسلام والمسلمين، وحرضت بأقصى ما تستطيع على حرب الإسلام والمسلمين، وكان في قلبها إحن ولها ثارات، ومع ذلك كله فقد أسلمت وقُبِلَ إسلامها. فهذا درس للدعاة إلى الله ألا ييئسوا من إنسان ما دام على قيد الحياة. وعليهم أن يعرفوا أنهم بقدر ما يحققون للإسلام من انتصارات تتغير القلوب وتتبدل المواقف.
وإن إسلامها ليدل على أكثر من دلالة، منها: أن أعظم الشخصيات تذوب في النهاية
_________________
(١) الأنوق: جمع ناقة.
(٢) البخاري (٧/ ١٤١) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار -٣٣ - باب ذكر هند بنت عتبة. مسلم (٤/ ١٩٠٩) ٣٠ - كتاب الإقضية -٤ - باب قضية هند. مَسيك: رجل ميسك: بوزن شريف، إذا كان بخيلًا شديدًا يمسك مآله، ومِسّيك، بالكسر والتشديد: المبالغ في البخل.
[ ٤ / ٢١٧٧ ]
أمام قوة شخصية رسول الله وتستلم له. وأن هذا الإسلام من العظمة بحيث يصهر أقوى الشخصيات فيه، وهذا درس آخر يأخذه الدعاة.
أن الإسلام كما أنه يحمل في أحقيته قوة انتصاره فإنه يحتاج إلى شخصيات ذات كفاءة عالية تستطيع أن تكسب ثقة الآخرين فيسلموا للقيادة وللإسلام.
ثم إن هناك درسًا آخر للدعاة وهي أن استجابة الناس للإسلام أقوى عندهم من الثأر والغضب للذات والقبيلة، فهذه هند التي بقرت بطن حمزة ولاكَت كبده قبلها رسول الله ﷺ، والحالات النادرة التي أهدر الرسول ﷺ فيها دم بعض الناس كانت لأن هؤلاء ارتكبوا جرائم في حق الدعوة تقتضي العقاب.
ومع ذلك فإن من أسلم منهم قد عفا عنه رسول الله ﷺ وقَبِلَ إسلامهم.
* * *
[ ٤ / ٢١٧٨ ]
٨٩ - نسيبةُ بنتُ كعب ﵂
قال ابن حجر في الإصابة:
نَسيبة بفتح النون أيضًا بنت كعب بن عمرو بن عوف بن عمرو بن مبدول بن عمرو ابن غَنْم بن مازن بن النجار الأنصارية أم عُمارة مشهورة بكنيتها واسمها معًا .. قال ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير وغيره عنه في بيعة العقبة الثانية، وكان من بني الخزرج اثنان وستون رجلًا وامرأتان فيزعمون أن امرأتين بايعتا النبي ﷺ، وكان لا يصافح النساء إنما كان يأخذ عليهن فإذا أقررن قال اذهبن، والمرأتان هما من بني مازن بن النجار، نَسيبة وأختها ابنتا كعب فساق النسب، قال: وكان معها زوجها زيد بن عاصم وابناها منه حبيب الذي قتله مسيلمة بعد وعبد الله وهو راوي حديث الوضوء
(قلت): [أي ابن حجر]: ذكر ابن هشام في زياداته من طريق أم سعد بنت سعد ابن الربيع قال: دخلت على أم عمارة فقلت يا خالة أخبريني؟ فقالت: خرجت يعني يوم أحد ومعي سقاء وفيه ماء فانتهينا إلى رسول الله ﵌ وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله ﵌ فكنت أباشر القتال وأذب عنهمن بالسيف وأرمي عن القوس حتى خلصت الجراح إليَّ فرأيت على عاتقها جرحًا أجوف له غور، فقتل: من أصابك بهذا؟ قلت ابن قمئة. قال أبو عمر وشهدت بيعة الرضوان ثم شهدت اليمامة فقاتلت حتى قطعت يدها وجرحت اثني عشر جرحًا وروت عن النبي ﵌: الصائم إذا أكل عنده صلت عليه الملائكة أ. هـ من الإصابة.
وقال الذهبي في السير:
أم عُمارة نَسيبةُ بنتُ كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول الفاضلة المجاهدة الأنصارية الخزرجيةُ النجاريةُ المازنيةُ المدنيةُ.
[ ٤ / ٢١٧٩ ]
كان أخوها عبد الله بن كعب المازني من البدريين. وكان أخوها عبد الرحمن، من البكائين (١).
شهدت أم عمارة ليلة العقبة، وشهدت أُحدًا، والحديبية، ويوم حُنين، ويوم اليمامة. وجاهدت، وفعلت الأفاعيل.
روي لها أحاديث. وقُطعت يدُها في الجهاد. خرجت تسقي، ومعها شنٍّ (٢)، وقاتلت، وأبلت بلاءً حسنًا. وجُرحت اثني عشر جرحًا.
وكان ضمرةُ بن سعيد المازني يحدثُ عن جدته، وكانت قد شهدت أُحدًا، قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لمقامُ نسيبةُ بنتِ كعبٍ اليوم خيرٌ من مقام فلان وفلان".
وكانت تراها يومئذٍ تقاتل أشد القتال، وإنها لحاجزةٌ ثوبها على وسطها، حتى جُرحت ثلاثة عشر جُرحًا؛ وكانت تقول: إني لأنظر إلى ابن قمئة وهو يرضبها على عاتقها. وكان أعظم جراحها، فداوته سنةً. ثم نادى منادي رسول الله ﷺ: إلى حمراء الأسد (٣). فشدت عليها ثيابها، فما استطاعت من نزف الدم. ﵂ ورحمها.
وعن موسى بن ضمرة بن سعيد، عن أبيه، قال: أُتي عُمر بن الخطاب بُمروط (٤) فيها مِرط جيدٌ؛ فبعث به إلى أم عُمارة.
وعن محمد بن يحيى بن حبان، قال: جُرحت أم عمارة بأُحد اثني عشر جرحًا، وقُطعت يدها يوم اليمامة؛ وجُرحت يوم اليمامة سوى يدها أحد عشر جرحًا. فقدمت المدينة وبها الجراحة، فلقد رئي أبو بكر ﵁، وهو خليفة، يأتيها يسأل عنها.
_________________
(١) البكائين: أي من الذين يكثرون البكاء من خشية الله.
(٢) الشن: القربة الخلق.
(٣) حمراء الأسد: موضع على ثمانية أميال من المدينة عن يسار الطريق إذا أردت ذا حليفة.
(٤) المرط: كساء من خز أو صوف أو كتان.
[ ٤ / ٢١٨٠ ]
وابنها حبيبُ بن زيد بن عاصم هو الذي قطعه مُسيلمة وابنها الآخر عبد الله بن زيد المازني، الذي حكى وضوء رسول الله ﷺ، قُتل يوم الحرة؛ وهو الذي قتل مسيلمة الكذاب بسيفه أ. هـ من السير.
قال محقق السير:
الحرة: كل أرض ذات حجارة سود، وأكثر الحرار حول مدينة الرسول. والحرة المرادة هنا حرة واقم، وهي الشرقية من حرتي المدينة كانت فيها الوقعة فنسب إليها. وسببها: أن أكابر أهل المدينة نقضوا بيعة يزيد بن معاوية وخرجوا عليه لسوء سيرته، فجهز لحربهم جيشًا عليه مسلم ابن عُقبة المري، فالتقوا بظاهر المدينة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ٦٣ هـ. وانهزم أهل المدينة، وقتل جهرًا ظلمًا في الحرب وصبرًا أفاضل المسلمين وبقية الصحابة، وخيار المسلمين من جلة التابعين أ. هـ.
قال الذهبي:
انفرد أبو أحمد الحاكم، وابن منده بأنه شهد بدرًا. قال ابن عبد البر: بل شهد أُحدًا قلت [أي الذهبي]: نعم الصحيح أنه لم يشهد بدرًا. والله أعلم أ. هـ.
* * *
[ ٤ / ٢١٨١ ]
٩٠ - أم أيمن بركة بنت ثعلبة ﵂
قال ابن حجر في الإصابة:
أم أيمن مولاة النبي ﵌ وحاضنته .. قال أبو عمر اسمها بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان وكان يقال لها أم الظباء. وقال ابن أبي خيثمة حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال: أم أيمن اسمها بركة وكانت لأم رسول الله ﵌، وكان رسول الله ﵌ يقول أم أيمن أمي بعد أمي، وقال أبو نعيم، قيل كانت لأخت خديجة فوهبتها للنبي ﵌، وقال ابن سعد قالوا: كان ورثها عن أمه فأعتق رسول الله ﵌ أم أيمن ح ين تزوج خديجة، وتزوج عبيد بن زيد من بني الحارث بن الخزرج أم أيمن فولدت له أيمن فصحب النبي ﵌ فاستشهد يوم خيبر، وكان زيد بن حارثة لخديجة فوهبته لرسول الله ﵌ فأعتقه وزوجه أم أيمن بعد النبوة فولدت له أسامة
وقال ابن سعد: أخبرنا أبو أمامة عن جرير بن حازم سمعت عثمان بن القاسم يقول لما هاجرت أم أيمن أمست بالنصر ودون الروحاء فعطشت وليس معها ماء وهي صائمة فأجهدها العطش فدلي عليها من السماء دلو من ماء برشاء أبيض فأخذته فشربته حتى رويت، فكانت تقول ما أصابني بعد ذلك عطش ولقد تعرضت للعطش بالصوم في الهواجر فما عطشت وأخرجه ابن السكن من طريق هشام بن حسان عن عثمان بنحوه وقال في روايته: خرجت مهاجرة من مكة إلى المدينة وهي ماشية ليس معها زاد، وقال فيه: فلما غابت الشمس إذ أنا بإناء معلق عند رأسي، وقالت فيه: ولقد كنت بعد ذلك أصوم في اليوم الحار ثم أطوف في الشمس كي أعطش فما عطشت بعد. أخبرنا عبد الله بن موسى أخبرنا فضيل بن مرزوق عن سفيان بن عيينة قال: كانت أم أيمن تُلْطف (١) النبي ﵌ وتقدم عليه فقال: "من سره أن يتزوج امرأة من أهل الجنة فليتزوج
_________________
(١) تُلطف: تهدي له ما يحب.
[ ٤ / ٢١٨٢ ]
أم أيمن" فتزوجها زيد بن حارثة
وأخرج البخاري في تاريخه ومسلم وابن السكن من طريق الزهري قال: كان من شأن أم أيمن أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب والد النبي ﵌ وكانت من الحبشة فلما ولدت آمنة رسول الله ﵌ بعدما توفي أبوه كانت أم أيمن تحضنه حتى كبر ثم أنكحها زيد بن حارثة .. لفظ ابن السكن أ. هـ الإصابة.
وقال الذهبي في السير:
أم أيمن الحبشية، مولاة رسول الله ﷺ، وحاضنتهُ. ورثها من أبيه، ثم أعتقها عندما تزوج بخديجة. وكانت من المهاجرات الأول. اسمها: بركة. وقد تزوجها عبيد بن الحارث الخزرجي، فولدت له: أيمن. ولأيمن هجرةٌ وجهادٌ، استُشهد يوم حنين. ثم تزوجها زيد بن حارثة ليالي بُعث النبي ﷺ، فولدت له أسامة بن زيد، حِبّ رسول الله ﷺ أ. هـ.
٢٢٥٧ - * روى ابن سعد عن أنس: إن الرجل كان يجعلُ للنبي ﷺ من ماله النخلات، حتى فُتحت قُريظة والنضيرُ، فجعل يرد. وإن أهلي أمرتني أن أسأل النبي ﷺ الذي كان أهله أعطوه أو بعضه، وكان النبي أعطى ذاك أم أيمن، فسألته فأعطانيهن. فجاءت أم أيمن، فجعلت الثوب في عنقي، وجعلت تقول: كلا والله لا يعطيكهن، وقد أعطانيهن. فقال النبي ﷺ: "لك كذا" وتقول: كلا والله. أو كالذي قالت. ويقول: لك كذا، الذي أعطاها، حسبت أنه قال: عشرة أمثاله، أو قريبًا من عشرة أمثاله، أو كما قال.
٢٢٥٨ - * روى مسلم عن أنس ﵁ قال: انطلق النبي ﷺ إلى أم أيمن، فانطلقت معه فناولته إناءٌ فيه شرابٌ، قال: فلا أدري أصادفته صائمًا، أو لم يُرده، فجعلت تصخبُ عليه، وتذمر عليه.
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٨/ ٢٢٥) وإسناده صحيح. وروى البخاري ومسلم نحوه.
(٢) مسلم (٢/ ١٩٠٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -١٨ - باب من فضائل أم أيمن. يصخب: الصخبُ: الضجة والغلبة والجلبة، أراد: أنها تصيح عليه. وتذمر الذامر: الغاضب، وذمرت أُذمر: إذا غضبت وتهددت.
[ ٤ / ٢١٨٣ ]
قال النووي: أي: تصيح وترفع صوتها، إنكارًا لإمساكه عن شرب الشراب الذي قدمته و(تذمر) هو بفتح التاء والذال المعجمة والميم، أي: تتذمر، وتتكلم بالغضب، يقال: ذمر يذمر، كقتل يقتل: إذا غضب وإذا تكلم بالغضب، ومعنى الحديث: أن النبي ﷺ رد الشراب عليها، إما لصيام وإما لغيره، فغضبت وتكلمت بالإنكار والغضب، وكانت تدل عليه ﷺ، لكونها حضنته وربته.
قال الطبراني: أم أيمن أم أسامة بن زيد مولاة رسول الله ﷺ كانت لأخت خديجة فوهبتها لرسول الله ﷺ فأنكحها زيد بن حارثة ويقال اسمها بركة. وعن ابن عباس قال: أم أيمن هي أم أسامة بن زيد (١).
٢٢٥٩ - * روى ابن سعد عن حرملة مولى أسامة بن زيد: أنه بينا هو جالس مع ابن عمر، إذ دخل الحجاج بن أيمن، فصلى صلاةً لم يُتم ركوعها ولا سجودها. فدعاه ابنُ عمر، وقال: أتحسب أنك قد صليت؟ إنك لم تصل، فعد لصلاتك فلما ولى! قال ابن عمر: من هذا؟ فقلت: الحجاج بن أيمن بن أم أيمن فقال: لو رآه رسول الله ﷺ، لأحبه.
٢٢٦٠ - * روى مسلم عن أنس قال: قال أبو بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله، فقالت: ما أبكي ألا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء.
وفي رواية (٢) عن أنس: أن أم أيمن بكت حين مات النبي ﷺ. قيل لها: أتبكين؟ قالت: والله، لقد علمتُ أنه سيموت؛ ولكني إنما أبكي على الوحي إذا اقنطع عنا من السماء.
_________________
(١) المعجم الكبير (٩/ ٢٥٨) وإسناده حسن.
(٢) الطبقات الكبرى (٨/ ٢٢٥) ورجاله ثقات.
(٣) مسلم (٤/ ١٩٠٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -١٨ - باب من فضائل أم أيمن.
(٤) ابن سعد في الطبقات الكبرى (٨/ ٢٢٦) وإسناده صحيح.
[ ٤ / ٢١٨٤ ]
قال الذهبي: وروى قيسٌ بن مسلم، عن طارق قال: لما قُتل عمر، بكت أم أيمن، وقالت: اليوم وهي الإسلام. وبكت حين قُبض النبي.
قال الواقدي: ماتت في خلافة عُثمان أ. هـ.
وذكر الحاكم عن مصعب بن عبد الله قال: توفيت أم أيمن مولاة رسول الله ﵌ وحاضنته في أول خلافة عثمان بن عفان ﵁.
* * *
[ ٤ / ٢١٨٥ ]
٩١ - أم عطية الأنصارية ﵂
قال ابن حجر في الإصابة:
أم عطية الأنصارية اسمها نُسيبة بنون وسين مهملة وباء موحدة مصغرة وقيل بفتح النون وكسر السين معروفة باسمها وكنيتها وهي بنت الحارث .. وقيل بنت كعب وأنكره أبو عمر دخل النبي ﷺ على عائشة ﵂ فقال: "هل عندكم من شيء؟ " قالت: إلا شيء بعثت به إلينا نُسيبة من الشاة التي بعثت إليها من الصدقة قال: "إنها قد بلغت محلها" وفي الصحيح عن حفصة بنت سيرين بن أم عطية قدمت البصرة فنزلت قصر بني خلف أ. هـ. من الإصابة.
قال الذهبي في السير: أم عطية الأنصارية من فُقهاء الصحابة. لها عدة أحاديث. وهي التي غسَّلت بنت النبي ﷺ زينب. حديثها مخرّج في الكُتب الستة. أ. هـ.
٢٢٦١ - * روى البخاري ومسلم عن أم عطية قالت: نُهينا عن اتباع الجنازة ولم يُعزم علينا.
قال الشيخ شعيب: (ولم يعزم علينا) أي لم يؤكد علينا في المنع كما أكد علينا في غيره من المنهيات، فكأنها قالت: كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم. وقال القرطبي: ظاهر سياق أم عطية أن النهي نهي تنزيه، وبه قال جمهور أهل العلم. ومال مالك إلى الجواز، وهو قول أهل المدينة. ويدل على الجواز ما رواه ابن أبي شيبة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان في جنازة، فرأى عمر امرأة، فصاح بها، فقال: دعها يا عمر " وأخرجه ابن ماجه والنسائي من هذا الوجه، ومن طريق أخرى، ورجاله ثقات كما قال البوصيري وابن حجر.
_________________
(١) البخاري (٢/ ١٤٤) ٢٣ - كتاب الجنائز -٢٩ - باب اتباع النسائ الجنائز. ومسلم (٢/ ٦٤٦) ١١ - كتاب الجنائز -١١ - باب نهي النساء عن اتباع الجنائز.
[ ٤ / ٢١٨٦ ]
٢٢٦٢ - * روى مسلم عن أم عطية ﵂ قالت: غزوتُ مع رسول الله ﷺ سبع غزواتٍ، أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى.
_________________
(١) مسلم (٣/ ١٤٤٧) ٣٣ - كتاب الجهاد والسير -٤٨ - باب النساء الغازيات يرضخ لهن ولا يسهم والنهي عن قتل صبيان أهل الحرب.
[ ٤ / ٢١٨٧ ]
٩٢ - أم سَلِيط ﵂
قال ابن حجر:
أم سليط .. قال أبو عمر من المبايعات حضرت مع النبي ﵌ يوم أحد قال عمر بن الخطاب كانت ممن يزفر لنا القرب يوم أحد (قلت) ثبت ذكرها في صحيح البخاري عن عمر، كناها عمر بابنها سليط بن أبي سليط بن أبي حارثة وهي أم قيس بنت عبيد ذكر ذلك ابن سعد ثم ذكر أنها تزوجت بعد أبي سليط مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري فولدت أبا سعيد فهو أخو سليط بن أبي سليط لأمه أ. هـ الإصابة.
٢٢٦٣ - * روى البخاري عن ثعلبة بن أبي مالك ﵁ إن عمر بن الخطاب ﵁ قسم مُروطًا بين نساء من نساء المدينة، فبقي مِرطٌ جيدٌ فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين أعطِ هذا ابنة رسول الله ﷺ التي عندك -يريدون أم كلثوم بنت علي- فقال عمر: أم سليطٍ أحق. وأم سليطٍ من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله ﷺ، قال عمر: فإنها كانت تزفِرُ لنا القِرَب يوم أحدٍ.
قال الشيخ شعيب:
[أم سليط] هي والدة أبي سعيد الخدري ﵁، كانت زوجًا لأبي سليط بن أبي حارثة عمرو بن قيس من بني عدي بن النجار، فولدت له سليطًا قبل الهجرة فتزوجها مالك بن سنان الخدري، فولدت أبا سعيد الخدري. ويقال لها: أم قيس، وهي بنت عبيد بن زياد بن ثعلبة من بني مازن.
* * *
_________________
(١) البخاري (٧/ ٣٦٦) ٦٤ - كتاب المغازي -٢٢ - باب ذكر أم سليط. و(٦/ ٧٩) ٥٦ - كتاب الجهاد -٦٦ - باب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو. مُروطًا: المروط جمع مرط، وهو كساءٌ من خز أو صوف يؤتزرُ به. تزفر: زَفر الحمل يزفره: إذا حمله.
[ ٤ / ٢١٨٨ ]
٩٣ - بريرة مولاة أم المؤمنين عائشة ﵂
٢٢٦٤ - * روى مسلم عن عروة؛ أن عائشة أخبرته؛ أن بريرة جاءت عائشة تستعينها في كتابتها. ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا. فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك. فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك، ويكون ولاؤك لي، فعلت. فذكرت ذلك بريرة لأهلها. فأبوا. وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل. ويكون لنا ولاؤك فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فقال لها رسول الله ﷺ: "ابتاعي فأعتقي. فإنما الولاء لمن أعتق" ثم قام رسول الله ﷺ فقال: "ما بال أناسٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله، فليس له، وإن شرط مائة مرةٍ. شرط الله أحق وأوثق".
وفي رواية (١) عن عائشة. قالت: دخلت عليَّ بريرةُ فقالت: إن أهلي كاتبوني على تسع أواقٍ في تسع سنين. في كل سنةٍ أوقيةً فأعينيني. فقلت لها: إن شاء أهلُكِ أن أعدها لهم عدةً واحدةً، وأعتقك، ويكون الولاء لي؛ فعلت. فذكرت ذلك لأهلها فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم فأتتني فذكرت ذلك. قالت: فانتهرتها. فقالت: لاها الله إذا.
_________________
(١) مسلم (٢/ ١١٤١) ٢٠ - كتاب العتق -٢ - باب إنما الولاء لمن أعتق. أقضي عنك كتابتك: أي أؤدي عنك جميع ما عليك من بدل الكتابة. إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل: أي إن أرادت الثواب عند الله وأن لا يكون لها ولاء، فلتفعل. ما بال أناس: أي ما شأنهم. يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله: أي ليست في حكمه ولا على موجب قضاء كتابه. لأن كتاب الله أمر بطاعة الرسول، وأعلم أن سنته بيان له. وقد جعل الرسول الولاء لمن أعتق، لا أن الولاء مذكور في القرآن نصًا.
(٢) مسلم في نفس الموضع السابق. كاتبوني: الكتابة أن يكاتب عبده على مال يؤديه إليه منجمًا. فإذا أداه صار حرًا. وسميت كتابة لمصدر كتب، كأنه يكتب على نفسه لمولاه ثمنه. ويكتب مولاه له عليه العتق. وقد كاتبه مكاتبة. والعبد مكاتب وإنما خص العبد بالمفعول لأن أصل المكاتبة من المولى، وهو الذي يكاتب عبده. أن أعدها لهم عدة واحدة: أي أعطيها لهم جملة حاضرة. لاها الله إذا: وفي بعض النسخ: لاهاء الله إذا. قال المازري وغيره من أهل العربية: هذان لحنان. وصوابه لاها الله ذا. بالقصر في ها وحذف الألف من إذا. قالوا ومعناه: ذا يميني. ومعناه: لا والله هذا ما أقسم به. فأدخل اسم الله تعالى بين ها وذا.
[ ٤ / ٢١٨٩ ]
قالت: فسمع رسول الله ﷺ: فسألني فأخبرته فقال "اشتريها وأعتقيها. واشترطي لهم الولاء. فإن الولاء لمن أعتق" ففعلت. قالت: ثم خطب رسول الله ﷺ عشيةً. فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله. ثم قال: "أما بعد. فما بال أقوامٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله ﷿ فهو باطل وإن كان مائة شرطٍ. كتابُ الله أحق. وشرط الله أوثق. ما بال رجالٍ منكم يقول أحدهم: أعتقُ فلانًا والولاء لي. إنما الولاء لمن أعتق".
وعن جرير زاد (١): قال: وكان زوجها عبدًا. فخيرها رسول الله ﷺ فاختارت نفسها. ولو كان حرًا لم يخيرها. وليس في حديثهم: (أما بعد).
٢٢٦٥ - * روى مسلم عن عائشة. قالت: كان في بريرة ثلاث قضياتٍ: أراد أهلها أن يبيعوها ويشترطوا ولاءها. فذكرت ذلك للنبي ﷺ. فقال: "اشتريها وأعتقيها، فإن الولاء لمن أعتق" قالت: وعتقت. فخيرها رسول الله ﷺ. فاختارت نفسها. قالت: وكان الناس يتصدقون عليها وتهدي لنا. فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "هو عليها صدقة. وهو لكم هديةً فكلوه".
٢٢٦٦ - * روى ابن سعد عن ابن سيرين: أن رسول الله خيْر بريرة. فكلمها فيه. فقالت: يا رسول الله، أشي واجب؟ قال: "لا إنما أشفعُ له".
٢٢٦٧ - * روى البخاري عن ابن عباس أن زوج بريرة كان عبدًا يقال له مغيث كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي ﷺ لعباس: "يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثًا" فقال النبي ﷺ: "لو راجعته" قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: "إنما أنا أشفع" قالت: فلا حاجة لي فيه.
_________________
(١) مسلم في نفس الموضع السابق.
(٢) مسلم (٢/ ١١٤٣) ٢ - كتاب العتق -٢ - باب إنما الولاء لمن أعتق.
(٣) الطبقات الكبرى (٨/ ٢٥٩) ورجاله ثقات لكنه مرسل.
(٤) البخاري (٩/ ٤٠٨) ٦٨ - كتاب الطلاق ١٦ - باب شفاعة النبي ﷺ في زوج بريرة.
[ ٤ / ٢١٩٠ ]
أقول: في قصة بريرة عِبرٌ كثيرة منها:
إن الإسلام رفع من مكانة المرأة حتى جعل امرأة كبريرة ترفض شفاعة رسول الله ﷺ ما دامت غير ملزمة.
كما أن في قصة زوجها معها والسكوت على تصرفاته دليلًا على أن الإسلام قد راعى العواطف الشريفة الجائزة ما لم يكن إثم، ومن ذلك عاطفة الحب والتعبير العفيف عنها.
* * *
[ ٤ / ٢١٩١ ]
٩٤ - الربيع بنت معوذ ﵂
قال الذهبي في السير:
الربيع بنت مُعوذ بن عفراء الأنصارية من بني النجار. لها صحبةٌ ورواية، وقد زارها النبي ﷺ صبيحة عُرسها صلة لرحمها. عمرت دهرًا، وروت أحاديث. وأبوها من كبار البدريين، قتل أبا جهلٍ.
تُوفيت في خلافة عبد الملك سنة بضع وسبعين ﵂، وحديثها في الكتب الستة. والربيع: هي والدة محمد بن إياس بن البُكير أ. هـ.
٢٢٦٨ - * روى البخاري عن خالد بن ذكوان قال: قالت الرُبيع بنت معوّذ بن عفراء: جاء النبي ﷺ يدخل حين بُني عليَّ، فجلس على فراشي كمجلسك مني؛ فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدرٍ، إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال: "دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين".
قوله ﷺ: (دعي هذه):
قال الشيخ شعيب الأرنؤوط: وإنما أنكر عليها ﷺ وصفها له بعلم الغيب، لأنه صفة تختص بالله ﷾ كما قال جل شأنه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. وقال لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ وما كان النبي ﷺ يخبر به من الغيوب إنما هو بإعلام الله تعالى إياه، لا أنه يستقل بعلم ذلك قال سبحانه ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾.
٢٢٦٩ - * روى أحمد والطبراني عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: بعثني معوذ بن
_________________
(١) البخاري (٩/ ٢٠٢) ٦٧ - كتاب النكاح -٤٨ - باب ضرب الدفوف في النكاح والولية.
(٢) أحمد في مسنده (٦/ ٢٥٩) والمعجم الكبير (٢٤/ ٢٧٤) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٣): رواه الطبراني واللفظ له وأحمد بنحوه. وزاد: فقال تحلي بهذا، وإسنادهما حسن.
[ ٤ / ٢١٩٢ ]
عفراء بصاع من رطب عليه آخر من ثقاء زغب إلى رسول الله ﷺ وكان النبي ﷺ يحب القثاء، وكانت حلية قد قدمت من البحرين فملأ يده منها فأعطانيها.
وفي رواية فأعطاني ملء كفي حليًا أو ذهبًا.
٢٢٧٠ - * روى البخاري عن الربيع بنت معوذٍ ﵂ قالت: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ لنسقي القوم ونخدمهم، ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة.
* * *
_________________
(١) البخاري (٦/ ٨٠) ٥٦ - كتاب الجهاد -٦٨ - باب رد النساء الجرحى والقتلى.
[ ٤ / ٢١٩٣ ]
٩٥ - أسماء بنت عُميْس ﵂
قال في الإصابة:
أسماء بنت عميس بن معد بوزن سعد أوله ميم قيده ابن حبيب [وقيل معبد] .. ووقع في الاستيعاب معد بفتح العين وتعقب ابن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن غانم بن معاوية بن زيد الخثعمية وقيل عميس هو ابن النعمان ابن كعب والباقي سواء. كانت أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﵌ لأمها وأخت جماعة والصحابيات لأب أو أم أو لأب وأم يقال إن عدتهن تسع وقيل عشر لأم وست لأم وأب واسمها خولة بنت عوف بن زهير ووقع عند أبي عمر هند بدل خولة تزوجها أبو بكر بعد قتل جعفر وذكر ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال وقال: إن النبي ﵌ زوج أبا بكر أسماء بنت عميس يوم حنين، أخرجه عمر بن شبة في كتاب مكة وهو مرسل جيد الإسناد .. وكان عمر يسألها عن تفسير المنام ونقل عنها أشياء من ذلك ومن غيره ووقع في البخاري في باب هجرة الحبشة من طريق أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه وأسماء فذكر حديثًا وأسماء هي صاحبة هذه الترجمة ويقال إنها لما بلغها قتل ولدها محمد بمصر قامت إلى مسجد بيتها وكظمت غيظها حتى شخب ثدَّياها دمًا. أ. هـ الإصابة.
وقال الذهبي في السير:
أسماء بنت عميس بن معبد، بن الحارث الخثعمية أم عبد الله من المهاجرات الأول قيل: أسلمت قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم. وهاجر بها زوجها جعفر الاطيار إلى الحبشة. فولدت له هناك: عبد الله، ومحمدًا، وعونًا.
فلما هاجرت معه إلى المدينة سنة سبع، واستشهد يوم مؤتة، تزوج بها أبو بكر الصديق: فولدت له: مُحمدًا، وقت الإحرام، فحجت حجة الوداع، ثم توفي الصديق فغسلته (١) وتزوج بها علي بن أبي طالب أ. هـ من السير.
_________________
(١) رواه ابن سعد (٨/ ٢٨٢).
[ ٤ / ٢١٩٤ ]
٢٢٧١ - * روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر؛ أن أسماء بنت عميسٍ غسَّلت أبا بكرٍ الصديق، حين توفي. ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين. فقالت: إني صائمة وإن هذا يوم شديد البرد، فهل عليَّ من غُسلٍ؟ فقالوا: لا.
روى عبد الرزاق (١) عن ابن أبي مليكة: أن امرأة أبي بكر غ سلته حين توفي. أوصي بذلك.
٢٢٧٢ - * روى ابن سعد عن الشعبي، قال: قدمت أسماء من الحبشة، فقال لها عُمر: يا حبشية، سبقناكم بالهجرة.
فقالت: لعمري، لقد صدقت: كنتم مع رسول الله ﷺ يُطعم جائعكم، ويُعلم جاهلكم؛ وكنا البُعداء الطرداء. أما والله لأذكرن ذلك لرسول الله. فأتته. فقال: "للناس هجرةٌ واحدةٌ، ولكم هجرتان".
٢٢٧٣ - * روى ابن سعد عن عامر، قال: قالت أسماء بنت عميس: يا رسول الله، إن هؤلاء يزعمون أنَّا لسنا من المهاجرين. قال: "كذب من يقول ذلك، لكم الهجرة مرتين: هاجرتم إلى النجاشي، وهاجرتم إليَّ".
عن الشعبي قال: أول من أشار بنعش المرأة -يعني المكبة- أسماء، رأت النصارى يصنعونه بالحبشة (٢).
_________________
(١) الموطأ (١/ ٢٢٣) ١٦ - كتاب الجنائز -١ - باب غسل الميت.
(٢) المصنف (٣/ ٤٠٨) حديث: ٦١١٧.
(٣) الطبقات الكبرى (٨/ ٢٨) وأخرجه البخاري ومسلم بأطول منه. البخاري (٧/ ٤٨٤) ٦٤ - كتاب المغازي -٤٨ - باب غزوة خيبر. ومسلم (٤/ ١٩٤٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٤١ - باب من فضائل جعفر ابن أبي طالب وأسماء بنت عميس وأهل سفينتهم.
(٤) الطبقات الكبرى (٨/ ٢٨١).
(٥) رواه ابن سعد في الطبقات (٨/ ٣٨١).
[ ٤ / ٢١٩٥ ]
٢٢٧٤ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله في حديث طويل وصف فيه حجة النبي ﷺ وفيه: حتى إذا أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ: كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب، وأحرمي.
قال الذهبي في السير عن قيس، قال: دخلتُ مع أبي بكر -﵁- وكان أبيض، خفيف اللحم، فرأيتُ يدي أسماء موشوموة تذبُّ عن أبي بكر.
قال سعد بن إبراهيم قاضي المدينة: أوصى أبو بكر أن تُغسله أسماء قال قتادة: فغسلته بنت عميس، امرأته (١).
وقيل: عزم عليها لما أفطرت، وقال: هو أقوى لك. فذكرت يمينه في آخر النهار، فدعت بماء، فشربت، وقالت: والله لا أتبعه اليوم حنثًا (٢).
مالك، عن عبد الله بن أبي بكر: أن أسماء غسَّلت أبا بكر؛ فسألت من حضر من المهاجرين، وقالت: إني صائمة، وهذا يوم شديدُ البرد، فهل عليُّ من غُسل؟ فقالوا: لا (٣).
روى أبو إسحاق، عن مصعب بن سعد: أن عمر فرض الأعطية؛ ففرض لأسماء بنت عُميس ألف درهم (٤).
زكريا بن أبي زائدة: سمعتُ عامرًا يقول: تزوج عليّ أسماء بنت عُميس، فتفاخر ابناها: محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر، فقال كل منهما: أنا أكرم منك، وأبي خيرٌ من أبيك.
_________________
(١) مسلم (٢/ ٨٨٧) ١٥ - كتاب الحج -١٩ - باب حجة النبي ﷺ. ذو الحليفة: قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، وهي ميقات أهل المدينة.
(٢) رواه ابن سعد في الطبقات (٨/ ٢٨٣).
(٣) رواه ابن سعد في الطبقات (٨/ ٢٨٤).
(٤) ورواه مالك في الموطأ (١/ ٢٢٣) ١٦ - كتاب الجنائز ١ - باب غسل الميت.
(٥) ابن سعد (٨/ ٢٨٤).
[ ٤ / ٢١٩٦ ]
قال: فقال لها عليٌّ، اقضي بينهما. قالت: ما رأيت شابًا من العرب خيرًا من جعفر، ولا رأيت كهلًا خيرًا من أبي بكر.
فقال عليٌّ: ما تركت لنا شيئًا، ولو قُلت غير الذي قلت لمقتك. قالت: إن ثلاثة أنت أخسُّهم خيار.
عاشت بعد علي. أ. هـ من السير. (١)
* * *
_________________
(١) ابن سعد (٨/ ٢٨٥).
[ ٤ / ٢١٩٧ ]
تعليقات على هذا الباب
١ - دأب بعض الكاتبين أن يغفلوا الجانب السلبي في علاقات الصحابة بعضهم ببعض، ودأب بعضهم ممن في قلوبهم زيغ يضخمون هذه السلبيات كذبًا وزورًا، وليس هذا صحيحًا، ولا هذا، فإغفال الجوانب السلبية يصور الصحابة وكأنهم معصومون وليس كذلك، ثم إن هذا يعمق معنى المثالية عند القراء فيستغربون بسبب ذلك ما يصادفهم من وقائع حياتية تجري بين المسلمين عامة وبين الدعاة خاصة، وأما الذين يضخمون السلبيات فهؤلاء كاذبون أولًا ثم هم يريدون أن يطعنوا في الرسالة ثانيًا، فالسلبيات في حياة أصحاب رسول الله ﷺ قليلة وعارضة ثم إنهم يفيئون لأول تذكير ولولا كمالهم ما حسبت عليهم.
٢ - لقد ربى رسول الله ﷺ جيلًا قويًا في كل شيء، ولعل هذا هو سر الكثير مما حدث فيما بينهم فهذا الجيل العاشق للحق الوقاف عنده كان منصهرًا في بوتقة واحدة زمن الرسالة، فلما توفي رسول الله ﷺ أصبح للاجتهادمحل، وفي جو الاجتهاد وشدة الشكيمة وقوة الوقوف مع الحق يكون ما يكون، ومن عرف هذا أدرك أن الكثير مما وقع بين الصحابة كان ميزة لهذا الجيل على أن هذا مما يذكر في معرض الدفاع وفي معرض تقرير الحكمة، وإلا فما حدث بين الصحابة ﵃ من أمور ينبغي أن تؤخذ منه العبرة، فالكمال هو ما كان زمن رسول الله ﷺ وفي زمن أبي بكر وعمر من وحدة المسلمين والتفافهم حول قيادتهم.
٣ - لم يصل جيل من الأجيال في تاريخ البشرية إلى ما وصل إليه هذا الجيل من تضحيات في سبيل الحق الخالص ومن تفاعل مع هذا الحق ومن ارتقاء فيه، هناك من يضحي ولكن من أجل الباطل، وهناك من يعمل لحق ولكن أفعاله تناقض أقواله، لكن هذا الجيل أصاب الحق وتفاعل معه وانسجم مع ضميره وذاته وكل ذلك ببركات رسول الله ﷺ.
تأمل في عدد الشهداء من هذا الجيل وتأمل مَنْ مِنْ هذا الجيل لم يُبتل بالنفس أو المال أو الأهل أو بذلك كله، ثم لاحظ تلك الاندفاعية من المركز أو الثورة الضوئية نحو هذا العالم لترى شيئًا عجبًا تعرف به وبغيره أن هذا الجيل لم يُسبق ولن يُلحق.
[ ٤ / ٢١٩٨ ]