وفيها ثلاثة عشر حدثًا:
١ - في المحرم من هذه السنة: وقعتْ غَزْوَةُ نَجدٍ عند ماءٍ يقَالُ له (ذو أمَرّ).
الشرح:
مكث النبي - ﷺ - شهرًا بعد رجوعه مِن غزوة السويق، فأقام بقية ذى الحجة، ثم غزا نجدًا يريد غطفان، حيث تجمعوا عند مَاءٍ يقالُ له (ذو أمَرّ) بناحية نجدٍ، واستعمل النبي - ﷺ - على المدينة عثمان بن عفان ﵁، فأقام بنجدٍ صفرًا كلَّه أو قريبًا مِن ذلك، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدًا (١).
٢ - وفي ربيع الأول من هذه السنة: قتل كعبُ بن الأشرف اليهودىُّ بأمر رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
كان كعب بن الأشرف اليهودي من الحاقدين على الإِسلام والمسلمين بالمدينة، وهو من قبيلة طيء، وأمُّه من بني النضير، وكان يكتم غيظه وحقده على المسلمين، حتى انتصر المسلمون على المشركين في موقعة بدر، وجاء الخير، فلم يستطع كتم مَا بداخله من حقد وغيظ على النبي - ﷺ -، وعلى الإسلام والمسلمين، حتى إنه قال حين بلغه الخبر: أحق هذا؟ أترون محمدًا قتل هؤلاء، فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس، والله لئن كان محمدٌ أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها.
_________________
(١) انظر:"سيرة ابن هشام" ٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨.
[ ٢١٧ ]
فلما تيقن عدوُّ الله الخبر خرج حتى قدم مكة، فنزل على المطلب بن أبي وداعة بن ضُبيرة السهمىَّ، وعنده عاتكة بنت أبي العيص بن أمية بن عبد شمس، فأنزلته وأكرمته وجعل يحرَّض على الرسول - ﷺ -، وينشد الأشعار، ويبكي أصحاب القليب من قريش الذين أصيبوا ببدر.
ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة فشبَّبَ بنساء المسلمين (١) حتى آذاهم (٢) فقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "مَنْ لِكَعْبِ بن الْأَشْرَفِ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى الله وَرَسُولَهُ؟ "، فَقَامَ مُحَمَّدُ بن مَسْلَمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أَمُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا، قَالَ: «قُلْ»، فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بن مَسْلَمَةَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً - يقصد النبي - ﷺ - وَإِنَّهُ قَدْ عزَّانا (٣)، وإنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ، قَالَ: وَأَيْضًا وَاللهِ لَتَمَلُّنَّهُ، قَالَ: إِنَّا قَدْ اتَّبَعْنَاهُ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إلى أَيِّ شَئءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ، قَالَ: نَعَمِ ارْهَنُونِي، قَالُوا: أَيَّ شَئءٍ تُرِيدُ؟ قَالَ: ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ؟ قَالَ: فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ فَيُقَالُ: رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ؟ هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا وَلَكِنَّا نَرهَنُكَ اللَّأْمَةَ- يَعْنِي السّلَاحَ- فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ فَجَاءَهُ لَيْلًا (٤) وَمَعَهُ أبو نَائِلَةَ، وَهُوَ أَخُو كَعْبٍ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وأبو عيسى بن جبر، والحارث بن أوس وعباد بن بشر.
ومشى معه رسول الله - ﷺ - إلى بقيع الغرْقد، ثم وجههم، فقال: "انطلقوا
_________________
(١) شبب بنساء المسلمين: أي تغزل فيهنَّ وذكرهن في شعره.
(٢) من "سيرة ابن هشام" بتصرف.
(٣) أي: أتعبنا.
(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٠٣٧)، كتاب: المغازي، باب: قتل كعب بن الأشرف، ومسلم (١٨٠١)، كتاب: الجهاد والسير، باب: قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود.
[ ٢١٨ ]
على اسم الله اللهم أعنهم" ثم رجع رسول الله إلى بيته، وهو في ليلة مقمرة، وأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف به أبو نائلة وكان حديث عهد بعرس، فوثب في مِلحفته، فأخذت امرأته بناصيتها، وقالت: إنك امرؤ محارَب، وإنَّ أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة، قال: إنه أبو نائلة لو وجدني نائمًا لما أيقظني، فقالت: والله إني لأعرف في صوته الشر، فقال: لو يُدعى الفتى لطعنة لأجاب، فنزل فتحدث معهم ساعة، وتحدثوا معه، ثم قالوا: هل لك يا ابن الأشرف أن نتماش إلى شعب العجوز، فنتحدث به بقية ليلتنا هذه، قال: إن شئتم، فخرجوا يتماشون فمشوا ساعة، ثم إن أبا نائلة شامَ يده في فود رأسه (١)، ثم شمَّ يده فقال: ما رأيت كالليلة طيبًا أعطر قط، ثم مشى ساعة، ثم عاد لمثلها حتى اطمأنَّ، ثم مشى ساعة، ثم عاد لمثلها، فأخذ بفود رأسه، ثم قال: اضربوا عدو الله فضربوه، فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئًا، قال محمد بن مسلمة: فذكرتُ مغولًا (٢) في سيفي، حين رأيت أسيافنا لا تغني شيئًا، فأخذته، وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حِصن إلا وقد أوقدت عليه نارٌ قال: فوضعته في ثُنَّته (٣)، ثم تحاملتُ عليه حتى بلغتُ عانته فوقع عدو الله وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذ فجرح في رأسه أو في رجله، أصابه بعض أسيافنا، قال: فخرجنا حتى سلكنا علي بني أمية بن زيد، ثم علي بني قُريظة، ثم على بُعاث حتى أسْندْنا (٤) في حرة العريض (٥) وقد أبطأ علينا صاحبنا
_________________
(١) شام يده: أي أدخل يده، وفود رأسه: أي جانبه من جهة الأذن، ومعناه أدخل يده في رأسه.
(٢) المغول: السكين.
(٣) الثُنَّة: ما بين السرة والعانة.
(٤) أسندنا: ارتفعنا.
(٥) حرة العريض: مكان بالمدينة.
[ ٢١٩ ]
الحارث بن أوس ونزفه الدم، فوقفنا له ساعة، ثم أتانا يتْبعُ آثارنا، قال: فاحتملناه فجئنا به رسول الله - ﷺ - آخر الليل، وهو قائم يصلي، فسلمنا عليه، فخرج إلينا، فأخبرناه بقتل عدو الله، وتفل على جُرح صاحبنا، فرجع ورجعنا إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت يهود لوقعتنا بعدو الله فليس بها يهودي إلا وهو يخاف على نفسه (١).
٣ - وفي ربيع الأول من هذه السنة: عقد عثمان بن عفان ﵁ على أم كلثوم بنت رسول الله بعد وفاة أختها رقيه، وبنى بها في جمادى الآخرة.
الشرح:
قال ابن كثير ﵀:
وفيها - أي: في السنة الثالثة- عقد عثمان بن عفان على أم كلثوم بنت رسول الله -ﷺ - بعد وفاة أختها رُقية، وكان عقده عليها في ربيع الأول منها، وبنى بها في جمادى الآخرة منها (٢).
٤ - وفي ربيع الآخر من هذه السنة: وقعت غزوة الفرع من بُحران.
الشرح:
وفي ربيع الآخر من السنة الثالثة غزا رسول الله -ﷺ - يريد قريشًا، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، حتى بلغ بُحران (٣) من ناحية الفرع، فأقام بها شهر
_________________
(١) صحيح: أخرجه ابن هشام في "السيرة" ٢/ ٢٤٤، ٢٤٥، عن ابن إسحاق بسند صحيح عن ابن عباس ﵁.
(٢) "البداية والنهاية" ٤/ ٧١.
(٣) قيده جماعة بفتح الباء، وقيده آخرون بضمها.
[ ٢٢٠ ]
ربيع الآخر وجمادى الأولى؛ ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدًا (١).
٥ - وفي جمادى الآخرة من هذه السنة: كانت سرية زيد بن حارثة - ﵁ - إلى القَرَدَةِ، فغنموا عيرًا ومالًا لقريش.
الشرح:
وسرية زيد بن حارثة التي بعثه رسولُ الله - ﷺ - فيها حين أصاب عير قريش، وفيها أبو سفيان بن حرب على القَرَدَة، ماء من مياه نجد، وكان من حديثها: أنَّ قريشًا خافوا طريقهم الذي كانوا يسلكون إلى الشام، حين كان من وقعة بدر ما كان، فسلكوا طريق العراق، فخرج منهم تُجار فيهم: أبو سفيان بن حرب، ومعه فضة كثيرة، وهي عُظْم تجارتهم، واستأجروا رجلًا من بني بكر بن وائل، يقال له: فرات بن حيَّان يدُلُّهم على الطريق.
فبعث رسول الله - ﷺ - زيد بن حارثة فلقيهم على ذلك الماء، فأصاب تلك العير وما فيها، فقدم بها على رسول الله - ﷺ - (٢).
٦ - وفي شعبان من هذه السنة: تزوج رسول الله - ﷺ - حفصة بنت عمر - ﵄ -.
الشرح:
عن عبد الله بن عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ حِينَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بنتُ عُمَرَ مِنْ خُنَيْسِ بن حُذَافَةَ السَّهْمِيّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله - ﷺ - فَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ عُمَرُ بن الْخَطَّابِ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بن عَفَّانَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ، فَقَالَ: سَأَنْظُرُ في أَمْرِي فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ لَقِيَنِي، فَقَالَ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" ٢/ ٢٣٨.
(٢) "سيرة ابن هشام" ٢/ ٢٤٠.
[ ٢٢١ ]
يَوْمِي هَذَا، قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ زَوَّجْتُكَ حَفْصَةَ بنتَ عُمَرَ فَصَمَتَ أبو بَكْرٍ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، وَكُنْتُ أَوْجَدَ عَلَيْهِ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ الله - ﷺ -، فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ فَلَقِيَنِي أبو بَكْرٍ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ شَيْئًا، قَالَ عُمَرُ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ أبو بَكْرٍ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيكَ فِيمَا عَرَضْتَ عَلَيَّ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَدْ ذَكَرَهَا فَلَم أَكُنْ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ الله - ﷺ - وَلَوْ تَرَكَهَا رَسُولُ الله - ﷺ - قَبِلْتُهَا (١).
٧ - وفي رمضان من هذه السنة: تزوج رسول الله - ﷺ - زينب بنت خزيمة أم المساكين - ﵂ -.
الشرح:
ذكر ابن حجر - ﵀ -: أن زينب بنت خزيمة - ﵂ - كانت تحت عبد الله بن جحش، وقيل: كانت تحت الطفيل ابن الحارث، ثم خلف عليها أخوه عبيدة بن الحارث، فقتل عنها ببدر، فخطبها رسول الله -ﷺ -، وتزوجها في رمضان سنة ثلاث، ثم لم تلبث إلا شهرين أو ثلاثة، وماتت وقيل: ثمانية أشهر.
وكانت تُسمى أم المساكين، لأنها كانت تطعمهم، وتتصدق عليهم (٢).
٨ - وفي رمضان من هذه السنة: ولد الحسنُ بن علي - ﵄ -.
الشرح:
قال ابن حجر - ﵀-:
الحسن بن عليِّ، أمير المؤمنين، أبو محمد، ولد في نصف شهر رمضان
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٥١٢٢)، كتاب: النكاح، باب: عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير.
(٢) "الإصابة" ٤/ ٢٥٢٠.
[ ٢٢٢ ]
سنة ثلاث من الهجرة وقيل: في شعبان منها، وقيل: ولد سنة أربع، وقيل: سنة خمس، والأول أثبت (١).
٩ - وفي شوال من هذه السنة: وقعتْ غزوة أحد.
الشرح:
لم تهدأ قريش ولم يسكن لها بالٌ منذ انتهاء وقعة بدر، بل ظلتْ في غيظ شديد وغليان مما حدث، فقد قُتِلَ زعماؤها وكُسِر كبرياؤها، وضاعتْ هيبتُها أمام العرب، وأصبح زعماؤها مطالبون بالثأر واسترداد الكرامة.
فأخذوا يعدودن لذلك منذ رجوعهم من بدر.
بل قيل إنهم خصصوا القافلة التي نجتْ من المسلمين يوم بدر لهذا الأمر (٢).
وبعد مرور ثلاثة عشر شهرًا فقط من وقعة بدر جهزت قريش جيشًا تعداده ثلاثة آلاف مقاتل، معهم مئتا فرس، وجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل (٣)، ثم خرجوا لمحاربة المسلمين، وخرج معهم من أطاعهم من قبائل كنانة، وأهل تهامة (٤).
وقد رَأى النَّبيُ - ﷺ - هذا في رؤيا منامية قبل علمه بقدوم المشركين، وقصها على أصحابه- رضوان الله عليهم- فقَالَ - ﷺ -:"رَأَيْتُ في رُؤْيَايَ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُه فَإذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى
_________________
(١) "الإصابة" ١/ ٣٧٤. بتصرف.
(٢) ذكر ذلك ابن هشام في سيرته ٣/ ٣، عن ابن إسحاق عن بعض التابعين مرسلًا.
(٣) "سيرة ابن هشام" ٣/ ٣.
(٤) السابق.
[ ٢٢٣ ]
فَعَادَ أَحْسَنَ ممَا كَانَ، فَإذَا هُوَ مَا جَاءَ بِهِ الله مِنْ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللهُ خَيْرٌ، فَإِذَا هُمْ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ" (١) أي: هم المؤمنون الذين قتلوا يوم أُحُد.
وفي رواية: "وَرَأَيْتُ أَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَاَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ" (٢).
ثم أخبر النبي - ﷺ - بقدوم المشركين فجمع أصحابه وأشار عليهم فَقَالَ لهم: "لَوْ أَنَّا أَقَمْنَا بِالْمَدِينَةِ فَإنْ دَخَلُوا عَلَيْنَا فِيهَا قَاتَلْنَاهُمْ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله وَاللهِ مَا دُخِلَ عَلَيْنَا فِيهَا في الْجَاهِلِيَّةِ فَكَيْفَ يُدْخَلُ عَلَيْنَا فِيهَا في الْإِسْلَامِ؟ فَقَالَ النبي - ﷺ -: "شَأْنكُمْ إِذًا"، ولَبِسَ - ﷺ - لَأْمَتَهُ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: رَدَدْنَا عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - رَأْيَهُ، فَجَاءُوا فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ الله شَأْنَكَ إِذًا، فَقَالَ - ﷺ -: "إِنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ" (٣).
فخرج النبي - ﷺ - بجيش تعداده ألف مقاتل، معهم فرسان فقط، ومائة دارع (٤).
ولَبِسَ النبي - ﷺ - دِرْعَيْنِ (٥).
واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم للصلاة بالناس (٦).
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٠٨١)، كتاب: المغازي، باب: من قتل من المسلمين يوم أحد، ومسلم (٢٢٧٢)، كتاب: الرؤيا، باب: رؤيا النبي - ﷺ -.
(٢) صحيح: أخرجه أحمد (١٤٧٢٣)، الدارمي ٢/ ٥٥، الحاكم ٢/ ١٢٩، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الشيخ أحمد شاكر.
(٣) التخريج السابق.
(٤) "تاريخ الطبري" ٣/ ٥٠٤، "الطبقات" ٣/ ٤٤.
(٥) صحيح: أخرجه أبو داود (٢٥٩٠)، كتاب: الجهاد، باب: في لبس الدروع، والترمذي (١٦٩٢)، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود".
(٦) "سيرة ابن هشام" ٣/ ٣.
[ ٢٢٤ ]
ثم سار بالجيش متوجهًا إلى أُحُد (١) حتى إذا كانوا بالشَّوْط بين المدينة وأحد انخزل عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش، وقال: أطاعهم وعصاني (٢) ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس، فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والرَّيب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، أخو بني سلمة، يقول: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال (٣).
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧)﴾ [آل عمران: ١٦٧،١٦٦].
وما جعل الله ذلك إلا ليميز الخبيث من الطيب.
يقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩].
وكاد بنو سَلِمَةَ وَبَنُو حَارِثَةَ أنْ يفشلا ويتَّبعا المنافقين لولا أنْ ثبتهم الله.
_________________
(١) يقع جبل أحد في شمال المدينة، وكان يرتفع ١٢٨ مترًا أما الآن فيرتفع ١٢١ مترًا فقط بسب عوامل التعرية، ويبعد عن المسجد النبوي حوالي ٥.٥ كيلو مترًا، بدءًا من باب المجيد أحد أبواب المسجد النبوي. "السيرة النبوية الصحيحة" ٢/ ٣٧٨.
(٢) أي: أطاعهم في الخروج والقتال خارج المدينة، وعصاه حيث كان يرى القتال بداخل المدينة.
(٣) "سيرة ابن هشام" ٣/ ٣.
[ ٢٢٥ ]
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)﴾ [آل عمران: ١٢٢] (١).
ولما رجع المنافقون وتركوا الجيش قال فريق من أصحاب النبيِ - ﷺ -: نُقَاتِلُهُمْ، وقال فريق آخر: لَا نُقَاتِلُهُمْ، فأنزل الله عزوجل: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ وَقَالَ النبي - ﷺ -: "إِنَّهَا طَيْبَةُ تَنْفِي الذُّنُوبَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ" (٢).
وفي الطريق استعرض النبيُّ - ﷺ - الجيش فردَّ صغار السن، ومنهم عبد الله بن عمر ﵄، وكان عمره أربعة عشر سنة (٣).
وأخذ النبيُّ - ﷺ - سيفًا وقال: "مَن يأخذ هذا السيف بحقه" فقام إليه رجال كلٌ يقول: أنا، أنا، فامسكه عنهم وقال: "من يأخذه بحقه" فقام أبو دُجانة سماكُ بن خَرَشة وقال: وما حقه يا رسول - ﷺ -؟ قال: "أن تضرب به العدوَّ حتى ينحني" فقال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه فأعطاه إيَّاه، وكان أبو دُجانة رجلًا شجاعًا يختال عند الحرب، وكان إذا أُعلم بعصابة له حمراء فاعتصب بها، علم الناس أنه سيُقاتل، فلما أخذ السيف من يد رسول الله - ﷺ - أخرج عصابته تلك،
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٠٥١)،كتاب المغازي باب: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)﴾، مسلم (٢٥٠٥)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل الأنصار - ﵃ -.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٠٥٠):كتاب: المغازي، باب: غزوة أحد، ومسلم (٢٧٧٦)، كتاب: صفات المنافقين وأحوالهم. ومعنى أركسهم: أي ردهم.
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٠٩٧)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق وهي الأحزاب، ومسلم (١٨٦٨)، كتاب: الإمارة، باب: بيان سن البلوغ.
[ ٢٢٦ ]
فعصب بها رأسه ثم جعل يتبختر بين الصفين فقال رسول الله - ﷺ - حين رأى أبا دُجانة يتبختر: "إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن" (١).
وتقدم الجيش الإِسلامي إلى ميدان أحد وأخذ النبيُّ - ﷺ - ينظم مواقع الجيش ويملي على الجند خطته، فجعل النبيُّ - ﷺ - وجه جيشه إلى المدينة وظهره إلى جبل أحد لحماية ظهر المسلمين من أن يُداهمهم أَحدٌ من خلفهم، ثم عزَّز ذلك بخمسين راميًا بقيادة عبدلله بن جبير - ﵁ - أوقفهم على جبل عَيْنَيْن (٢) - الذي يقع خلف جبل أُحُد- حتى إذا فكَّر أحدٌ في مباغتة المسلمين من الخلف أمطروه بوابلٍ من النبال فمنعوه من ذلك، وشدد عليهم النبي - ﷺ - بلزوم أماكنهم، وعدم مغادرة الجبل تحت أي ظرف من الظروف، فقال لهم النبي - ﷺ -: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أُرسل إليكم" (٣).
وبذلك سيطر المسلمون على مرتفعات الميدان فأصبحوا في مأمن من أن يباغتهم أحد من الخلف، وأصبحوا لا يفكرون إلا في جبهة واحدة، بخلاف المشركين الذين عسكروا في وادي أحد المكشوف من كل جوانبه، فتميز عنهم المسلمون بالموقع رغم وصول المشركين إلى المكان قبلهم، ولكنها عبقرية النبي - ﷺ - القائد.
وبدأت المعركة بمبارزة بين حمزة - ﵁ - وبين رجل من المشركين يقال له سِباع، حيث خرج سِباع هذا من بين الصفوف - لما اصطف الفريقان للقتال-
_________________
(١) "سيرة بن هشام" ٣/ ٣، وأصل الحديث عند مسلم (٢٤٧٠)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل أبي دجانة سماك بن خرشة - ﵁ -.
(٢) الذي سُمِّي بعد أحُدٍ بجبل الرماة.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٤٠٤٣)، كتاب: المغازي، باب: غزوة أحد، أبو داود (٢٦٦٢)، كتاب: الجهاد، باب: في الكُمناء، وأحمد (١٨٥٠١)، واللفظ لهما.
[ ٢٢٧ ]
فقال: هل من مبارز؟ فخرج إليه حمزة - ﵁ - فقال: يا سباع يا ابن أم أنمار مُقطّعة البظور (١) أَتُحادُّ الله ورسوله؟ ثم شد عليه حمزة - ﵁ - فقتله (٢)، ثم حانت ساعة القتال فالتقى الفريقان، والتحم الجيشان، واشتد النزال بني جيش المسلمين المكون من سبعمائة مقاتل بعد انسحاب المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه من المنافقين، وجيش المشركين البالغ عدده ثلاثة آلاف مقاتل فكانت الغلبة أولا للمسلمين، حيث ألحقوا بالمشركين هزيمة نكراء وردوهم إلى معسكرهم، وقاتل أبو دُجانة بسيف النبي - ﷺ - حتى فلق به هام المشركين (٣)، حتى قتل في أول النهار من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة (٤).
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] (٥) أي: ولقد صدقكم الله وعده أيها المؤمنون الذي وعدكم إياه إن أطعتم الله ورسوله، أن لكم النصر على الأعداء.
وفي وسط المعركة جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فَأَيْنَ أَنَا؟ قَالَ: "في الْجَنَّةِ"، فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ في يَدِهِ ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ (٦).
_________________
(١) مُقطِّعة البظور: أي التي تختن النساء، فهي تقطع بظر المرأة عند ختنها.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٤٠٧٢)، كتاب: المغازي، باب: قتل حمزة بن عبد المطلب - ﵁ -.
(٣) سبق تخريجه. هام المشركين: أي رؤوس المشركين.
(٤) صحيح: أخرجه أحمد (٢٦٠٩)، وصححه الشيخ أحمد شاكر.
(٥) الحسُّ: القتل، أي: إذ تقتلونهم بإذنه.
(٦) متفق عليه أخرجه البخاري (٤٠٤٦)، كتاب: المغازي، باب: غزوة أحد، مسلم (١٨٩٩)، كتاب: الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد. وهذا الرجل غير عُمير بن الحُمام الذي استشهد يوم بدر، حيث جاء في رواية: (قال رجل للنبي - ﷺ - يوم أحد ).
[ ٢٢٨ ]
مخالفة الرماة أمر النبي - ﷺ -:
فلما انهزم المشركون وفرُّوا من الميدان وتركوا أموالهم وأمتعتهم في ساحة المعركة، ورأى الرماة ذلك تركوا أماكنهم على الجبل ونزلوا وهم يقولون: الغنيمة، الغنيمة، فَقَالَ لهم عبد الله بن جبير - ﵁ -: عَهِدَ إِليَّ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ لَا تَبْرَحُوا، فَأَبَوْا (١).
فلما تركوا الجبل ونزلوا انكشف ظهر المسلمين، فرأى المشركون الفرصة سانحة للإلتفات حولهم ومحاصرتهم، ففعلوا ذلك، وأحاطوا بالمسلمين من الخلف والأمام، فارتبكت صفوف المسلمين ارتباكًا شديدًا وأصبحوا يقاتلون دون تخطيط (٢)، واستغل إِبْلِيسُ عليه لَعْنَةُ الله الفرصة فصرخ في المسلمين: أَيْ عِبَادَ الله أُخْرَاكُمْ، فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ فَاجْتَلَدَتْ مع أُخْرَاهُمْ، وأخذ المسلمون يضرب بعضهم بعضًا، حتى إن حُذَيْفَةَ بن اليمان - ﵄ - رأى أباه الْيَمَانِ﵁ - يضربه المسلمون، فَقَالَ: أَيْ عِبَادَ الله أَبِي، أَبِي، فمَا احْتَجَزُوا عنه حَتَّى قَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَغْفِرُ الله لَكُمْ (٣).
وفي وسط المعركة قُتل مصعب بن عمير - ﵁ - سفير النبي - ﷺ - إلى المدينة قبل الهجرة- الذي قيل أنه كان يحمل لواء المهاجرين في هذه المعركة مع أسيد بن حضير الذي كان يحمل لواء الأوس، والخُباب ابن المنذر الذي كان يحمل لواء الخزرج (٤) قتله ابن قمئة الليثي، وهو يظن أنه رسول الله - ﷺ -، فرجع
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٤٠٤٣)، كتاب: المغازي، باب: غزوة أُحُد.
(٢) صحيح: أخرجه أحمد (٢٦٠٩)، وصححه أحمد شاكر.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٤٠٦٥)، كتاب: المغازي، باب: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)﴾ [آل عمران: ١٢٢].
(٤) جاء ذكر الألوية في "مغازي الواقدي" ١/ ٣٣.
[ ٢٢٩ ]
إلى قريش فقال: قتلت محمدًا، فلما قتل مصعب - ﵁ - أعطى رسول الله - ﷺ - اللواء علي بن أبي طالب - ﵁ - (١).
وَصَاحَ الشَّيْطَانُ وسط الميدان: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَلَمْ يُشَكَّ أحد أَنَّهُ حَقٌّ (٢).
فلما انتشر الخبر وشاع بين صفوف المسلمين، خارت قوى بعض المسلمين، ولانت عزيمتهم، حتى إنهم جلسوا عن القتال، فرآهم أنس بن النضر - ﵁ - عم أنس بن مالك - ﵁ - فقال لهم ما يُجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله - ﷺ - قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ فموتوا على ما مات عليه، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل (٣).
وكان أنس بن النضر - ﵁ - لَمْ يَشْهَدْ مَعَ النبي - ﷺ - غزوة بَدْر، فقَالَ: غِبْتُ عَنْ أول قتال النبي - ﷺ - لئن أشهدني الله مع النبي - ﷺ - ليرينَّ الله مَا أَصْنَعُ، فلما رأى ذلك من المسلمين يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين- وأبرأُ إليك مما جاء به المشركون، فتقدم بسيفه فلقيَ سَعْدُ بن مُعَاذٍ، فَقَالَ: أَيْنَ يا سعد إني أجد رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ، فما عرف حتى عرفته أُخْتُهُ بشامة أو ببنانة وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم فنَزَلَتْ فيه وفي أصحابه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ [الأحزاب: ٢٣] (٤).
وكما تقدم فإن بعض القوم جلسوا عن القتال وفرَّ آخرون بين الشعاب
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" ٣/ ٣.
(٢) صحيح: أخرجه أحمد (٢٦٠٩)، الحاكم في "المستدرك" ٢/ ٢٩٦، ٢٩٧، وصححه وأقره الذهبي، وصححه أحمد شاكر.
(٣) "سيرة ابن هشام" ٣/ ٣، والحديث في "الصحيحين" بلفظ مختلف، انظر الذي بعده.
(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٠٤٨)، كتاب: المغازي، باب: غزوة أحد، ومسلم (١٩٠٣)، كتاب: الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد.
[ ٢٣٠ ]
بعدما شاع بينهم خبر مقتل النبي - ﷺ -.
أمَّا النبي - ﷺ - فكان كالليث يقاتل بين الصفوف، وكان أولُ من عرف بأن الرسول - ﷺ - حيٌّ هو كعب بن مالك - ﵁ - فنادى في المسلمين يبشرهم فأمره الرسول - ﷺ - بالسكوت لئلا يفطن له المشركون (١).
وظل النبي - ﷺ - يقاتل وحوله فئةٌ قليلة من الصحابة رضوان الله عليهم صمدوا معه يدافعون عنه - ﷺ -.
وقد تفطن المشركون بأن النبي - ﷺ - حيٌ لم يُقتلْ فتكاثروا عليه يريدون قتله.
وكان حول النبي - ﷺ - تسعة من الصحابة سَبْعَةٌ مِنْ الْأَنصَارِ، واثنان من المهاجرين، فَلَمَّا رَهِقُوهُ (٢) قَالَ: "مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ- أَوْ هُوَ رَفِيقِي في الْجَنَّةِ-"، فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضًا فَقَالَ: "مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ- أَوْ هُوَ رَفِيقِي في الْجَنَّةِ-"، فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَةُ من الأنصار، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - لِصاحِبَيْهِ: "مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا" (٣).
_________________
(١) صحيح: أخرجه الحاكم في "المستدرك" ٣/ ٢٠١، وقال: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي وقال: صحيح.
(٢) أي: قربوا منه - ﷺ -.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (١٧٨٩)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة أُحُد. وكان هذا الدفاع من هؤلاء الأنصاريين السبعة عن النبي - ﷺ - لحبهم الشديد له - ﷺ - أولًا وايثاره على أنفسهم، ثم لما عاهدوه ﵊ عند بيعة العقبة وأنهم يمنعونه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم. وقول النبي - ﷺ - "مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا" قال النووي ﵀: الرواية المشهورة فيه (ما أنصفنا) بإسكان الفاء، و(أصحابنا) منصوب مفعول به، هكذا ضبطه جماهير العلماء=
[ ٢٣١ ]
وأخذ النبي - ﷺ - يدعوا أصحابه للعودة إلى القتال وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ (١) وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ (٢) وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣] أي: والرسول يناديكم من خلفكم، إلىّ عباد الله، إليّ عباد الله (٣).
وكان طلحة بن عبيد الله ممن ثبت مع النبي - ﷺ -، ودافع عنه حتى شُلَّتْ يده - ﵁ - كان يقي بها النبي - ﷺ - (٤).
وكان ممن ثبت أيضًا مع النبي سعد بن أبي وقاص - ﵁ -، وكان راميًا ماهرًا لا تكاد رميته تُخطئ، فنثل له النبي - ﷺ - كنانته (٥) وجعل يقول له: "ارْمِ فِدَاكَ أبي وَأُمِّي" (٦).
_________________
(١) = من المتقدمين والمتأخرين، ومعناه: ما أنصفت قريش الأنصار، لكون القريشيين لم يخرجا للقتال، بل خرجت الأنصار واحدًا بعد واحد، وذكر القاضي وغيره أن بعضهم رواه (ما أنصفَنا) بفتح الفاء، والمراد على هذا: الذين فرُّوا من القتال، فإنهم لم ينصفوا لفرارهم. اهـ "شرح مسلم" ٦/ ٣٢٩، ٣٣٠.
(٢) أي: تهربون في بطون الأوديه والشعاب.
(٣) أي: ولا يلتفت بعضكم إلى بعض هربًا من عدوكم.
(٤) "تفسير الطبري" ٤/ ١٣٩ وفي قراءة: ﴿إذ تصعدون﴾ بفتح التاء وتسكين الصاد وفتح العين، ومعناه: إذ تصعدون إلى جبل أحد حيث قيل إنهم صعدوا إلى الجبل هربًا من القوم.
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٤٠٦٣)، كتاب: المغازي، باب: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)﴾ [آل عمران: ١٢٢].
(٦) نثل كنانته: أي نثر كنانته واستخرج ما بها من السهام، والكنانة: جُعبة السهام.
(٧) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٠٥٥)، كتاب: المغازي، باب: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)﴾ [آل عمران: ١٢٢]، ومسلم=
[ ٢٣٢ ]
وممن ثبت مع النَّبِي - ﷺ - يدافع عنه أبو طَلْحَةَ زيد بن سهل الأنصاري - ﵁ - فكان مُجَوِّبٌ على النبي - ﷺ - بِحَجَفَةٍ لَهُ (١)، وَكَانَ أبو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ (٢) كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ جَعْبَةٌ مِنْ النَّبْلِ فَيَقُولُ له النبي - ﷺ -: انْثُزهَا لِأبي طَلْحَةَ، وكان النَّبِي - ﷺ - يشرف برأسه ليَنْظُرَ إلى الْقَوْمِ، فَيَقُولُ له أبو طَلْحَةَ: بِأبي أَنْتَ وَأُمِّي لَا تُشْرِفْ يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ (٣).
وكان يتترس مع النبي - ﷺ - بترس واحد، فكان كلما رمى رمية رفع النبي - ﷺ - بصره ينظر إلى أين وقع السهم، فيدفع أبو طلحة صدر رسول الله - ﷺ - بيده، ويقول: يا رسول الله هكذا لا يصيبك سهم (٤).
ورغم استبسال الصحابة- رضوان الله عليهم- في الدفاع عن النبي - ﷺ -، وأنهم أفدوه بأرواحهم إلا أن المشركين استطاعوا أن يصلوا إلى النبي - ﷺ - حيث
_________________
(١) = (٢٤١١)، كتاب: فضائل الصحابة باب: في فضل سعد بن أبي وقاص - ﵁ -. وفي ذلك يقول علي بن أبي طالب - ﵁ -: ما سمعت النبي - ﷺ - يجمع أبويه لأحدٍ غير سعد. (متفق عليه). وقال سعد - ﵁ -: جمع لي النبي - ﷺ - أبويه يوم أُحُد. (متفق عليه).
(٢) مُجوِّبٌ عليه بحَجَفَة: أي مُتترس عليه بترس، ليقيه من ضربات المشركين، فالحجفة: الترس.
(٣) شديد النزع: أي شديد رمي السهم.
(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٠٦٤)، كتاب: المغازي، باب: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، ومسلم (١٨١١)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة النساء مع الرجال. ومعنى نحري دون نحرك: أي: أفديك بنفسي.
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٢٩٠٢)، كتاب: الجهاد والسير، باب: المجنِّ ومن يتَّرس بترس واحد، وأحمد ٣/ ٢٨٦، ٢٨٧.
[ ٢٣٣ ]
جُرح وجهه - ﷺ -، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ (١) وهشمت الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ (٢).
جبريل وميكائيل ينزلان للدفاع عن النبي - ﷺ -:
لما حدث هذا للنبي - ﷺ - وكاد المشركون أن يقتلوه، وقد تكفل الله تعالى بعصمته من الناس، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] أنزل الله تعالى جبريل وميكائيل -﵉ - يدافعان عن النبي - ﷺ - ويمنعانه من المشركين.
عَنْ سَعْد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: لقد رَأَيْتُ يوم أحد عن يمين رسول الله - ﷺ - وعن يساره رَجُلَيْنِ عَلَيهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، يقاتلان عنه كأشد القتال، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ -يعني جبريل وميكائيل ﵉ - (٣).
مقتل أسد الله حمزة - ﵁ -:
وفي تلك المعمعة كان هناك رجلٌ له هدف آخر غير الذي جاء من أجله الطرفان، فهو لا يشغله من ينتصر، المسلمون أم المشركون، ولا يهمه ذلك الأمر كثيرًا، إنما كل الذي يشغله هو التحرر من الرق وأن ينفك من قيود العبودية.
وهذا الرجل هو وحشيٌ - ﵁ - الذي أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه.
_________________
(١) هي السنُّ التي تلي الثنية من كل جانب وللإنسان أربع رباعيات. "شرح مسلم" للنووي ٦/ ٣٣٠.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٠٧٥)، كتاب: المغازي، باب: ما أصاب النبي - ﷺ - من الجراح يوم أحد، ومسلم (١٧٩٠)، كتاب: الجهاد والسير، باب غزوة أحد. والبيضة: واقي الرأس الذي يلبسه المحارب.
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٥٨٢٦)، كتاب: اللباس، باب: الثياب البيض، ومسلم (٢٣٠٦)، كتاب: الفضائل، باب: في قتال جبريل وميكائيل عن النبي - ﷺ - يوم أحد.
[ ٢٣٤ ]
ولنتركه يقصُّ علينا تفاصيل ما حدث بنفسه - ﵁ -.
يقول وحشيٌ - ﵁ -: إِنَّ حَمْزَةَ قَتَلَ طُعَيْمَةَ ابْنَ عَدِيّ بن الْخِيَارِ بِبَدْرٍ، فَقَالَ لِي مَوْلَايَ جُبَيْرُ بن مُطْعِمٍ: إِنْ قَتَلْتَ حَمْزَةَ بِعَمّي فَأَنْتَ حُرٌّ، قَالَ: فَلَمَّا أَنْ خَرَجَ النَّاسُ عَامَ عَيْنَيْنِ - وَعَيْنَيْنِ جَبَلٌ بِحِيَالِ أُحُدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَادٍ - خَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ إلى الْقِتَالِ فَلَمَّا أَنْ اصطَفُّوا لِلْقِتَالِ خَرَجَ سِبَاعٌ فَقَالَ: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟ فَخَرَجَ إِلَيْهِ حَمْزَةُ بن عبد الْمُطَّلِبِ فَقَالَ: يَا سِبَاعُ يَا ابْنَ أُمّ أَنْمَارٍ مُقَطِّعَةِ الْبُظُورِ أَتُحَادُّ الله وَرَسُولَهُ؟ ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ فَكَانَ كَأَمْسِ الذَّاهِبِ (١) قَالَ: وَمَكنْتُ لِحَمْزَةَ تَحْتَ صخْرَةٍ فَلَمَّا دَنَا مِنِّي رَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي فَأَضَعُهَا في ثُنَّتِهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ وَرِكَيهِ (٢) قال النبي - ﷺ -: "رأيت الملائكة تغسل حمزة بن عبد المطلب" (٣).
_________________
(١) كأمس الذاهب: كناية عن قتله، أي: صيَّره عدمًا.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٤٠٧٢)، كتاب: المغازي، باب: قتل حمزة بن عبد المطلب - ﵁ -، يقول وحشيٌ - ﵁ -: فَلَمَّا رَجَعَ النَّاسُ رَجَعْتُ مَعَهُمْ فَأَقَمْتُ بمَكَّةَ حَتَّى فَشا فِيهَا الْإِسْلَامُ، ثُمَّ خَرَجْتُ إلى الطَّائِفِ فَأرْسَلُوا إلى رَسُولِ الله - ﷺ - رَسُولًا، فَقِيلَ لِي: إِنَّهُ لَا يَهِيجُ الرُّسُلَ - أي: لا ينالهم منه إزعاج - قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: "آنتَ وَحْشِي؟ "، قُلْتُ: نَعَم، قَالَ: "أَنْتَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ؟ "، قُلْتُ: قَدْ كَانَ مِنْ الْأَمْرِ مَا بَلَغَكَ قَالَ: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَن تُغيّبَ وَجْهَكَ عَنِّي؟ "، قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَلَمَّا قُبض رَسُولُ الله - ﷺ - فَخَرَجِ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ، قُلْتُ: لأخْرُجَنَّ إلى مُسَيْلِمَةَ لَعَلّي أَقْتُلُهُ فَأُكَافِئَ بهِ حَمْزَة، قَالَ: فخَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ قَالَ: فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ في ثَلْمةِ جِدَارٍ كَأَنَّهُ جَمَلٌ أَوْرَقُ ثَائِرُ الرَّأْسِ، قَالَ: فَرَمَيْتُهُ بحَرْبَتِي فَأَضَعُهَا بَيْنَ ثَدْيَيْهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ، قَالَ: وَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الأنْصَارِ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلَى هَامَتِهِ. يقول عبد الله بن عُمَرَ -﵄-: فَقَالَتْ جَارِيَةٌ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ: وَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَتَلَهُ الْعبد الْأَسْوَدُ. قوله: (في ثلمة جدار) أي: في خلل جدار. قوله: (كأنه جمل أورق) الجمل الأورق الذي لونه رمادي وكان لون مسيلمة كذلك من غبار الحرب. قوله: (ثائر الرأس) أي: شعره مُنتفش.
(٣) حسن: سيأتي تخريجه.
[ ٢٣٥ ]
دور النساء في المعركة:
عن أنس - ﵁ - قال: وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بنتَ أبي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا (١) تُنْقِزَانِ الْقِرَبَ (٢) عَلَى مُتُونِهِمَا (٣) تُفْرِغَانِهِ في أَفْوَاهِ الْقَوْمِ (٤).
وقَالَ عُمَرُ بن الخطاب - ﵁ -: أن أُمُّ سَلِيطٍ كَانَتْ تُزْفِرُ لَهم الْقِرَبَ يَوْمَ أُحُدٍ (٥).
عدد من قتل من المسلمين في هذه المعركة:
عَنْ الْبَرَاءِ بن عازب - ﵁ - أنه أُصِيبَ من المسلمين في هذه المعركة سَبْعُونَ قَتِيلًا (٦).
وعن أبي بن كَعْبٍ - ﵁ - قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أُصِيبَ مِنْ الْأَنْصَارِ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا، وَمِنْ الْمُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ منهِمْ حَمْزَةُ، فَمَثَّلُوا بِهِمْ (٧).
_________________
(١) خدم سوقهما: أي الخلاخيل.
(٢) تُنقزان: النقز: الوثب والقفز، كناية عن سرعة السير.
(٣) متن الشيء: أعلاه، يقال: متن الجبل أي أعلاه.
(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٠٦٤)، كتاب: المغازي، باب: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)﴾ [آل عمران: ١٢٢]، ومسلم (١٨١١)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة النساء مع الرجال.
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٤٠٧١)، كتاب: المغازي، باب. ذكر أم سليط. وتُزفر: أي تحمل.
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (٤٠٤٣)، كتاب: المغازي، باب: غزوة أحد.
(٧) صحيح: أخرجه الترمذي (٣١٢٩)، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة النحل، وقال: هذا حديث حسن غريب، وهو في مسند أحمد من زوائد عبد الله ٥/ ١٣٥، وصححه الألباني في "صحيح سنن الترمذي".
[ ٢٣٦ ]
وقيل: قتل من المشركين اثنان وعشرون رجلًا (١).
عمرو بن أُقَيش يدخل الجنة وما صلى لله صلاة:
عنْ أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنّ عَمْرَو بن أُقَيْشٍ كَانَ لَهُ رِبًا في الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَرِهَ أَنْ يُسْلِمَ حَتَّى يَأْخُذَهُ، فَجَاءَ يَوْمُ أُحُدٍ، فَقَالَ: أَيْنَ بنو عَمِّي؟ قَالُوا: بِأُحُدٍ، قَالَ: أَيْنَ فُلَانٌ؟ قَالُوا: بِأُحُدٍ، قَالَ: فَأَيْنَ فُلَانٌ؟ قَالُوا: بِأُحُدٍ، فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ، وَرَكِبَ فَرَسَهُ، ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ قَالُوا: إِلَيْكَ عَنَّا يَا عَمْرُو، قَالَ: إِنِّي قَدْ آمَنْتُ، فَقَاتَلَ حَتَّى جُرِحَ، فَحُمِلَ إلى أَهْلِهِ جَرِيحًا، فَجَاءَهُ سَعْدُ بن مُعَاذٍ، فَقَالَ لِأُخْتِهِ: سَلِيهِ حَمِيَّةً لِقَوْمِكَ، أَوْ غَضَبًا لَهُمْ، أَمْ غَضَبًا لِلَّهِ؟ فَقَالَ: بَلْ غَضَبًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَمَاتَ فَدَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَا صَلَّى للهِ صَلَاةً (٢).
عبد الله بن حرام - ﵁ - تظله الملائكة بأجنحتها، ويكلمه الله من غير حجاب:
عَنْ جَابِرٍ بن عبد الله - ﵄ - قَالَ: لَمَّا حَضرَ أُحُدٌ دَعَاني أبي مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا في أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيّ - ﷺ -، وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَىَّ مِنْكَ غَيرَ نَفْسِ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَإِنَّ عَلَيَّ ديْنًا فَاقْضِ وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا، فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ في قَبْرٍ ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ (٣).
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" ٣/ ٣.
(٢) حسن: أخرجه أبو داود (٢٥٣٧)، كتاب: الجهاد، باب: فيمن يسلم ويقتل في مكانه في سبيل الله، وحسنه الشيخ الألباني في "صحيح سنن أبي داود".
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (١٣٥١)، كتاب: الجنائز، باب: هل يُخرج الميت من القبر أو اللحد لعلة؟.
[ ٢٣٧ ]
وعن جَابِر أيضًا قَالَ: لما كان يوم أحد جِيءَ بِأبي مُسجىً وقَدْ مُثِّلَ بِهِ، قال: فأردتُ أن أرفع الثوب فَنَهَانِي قَوْمِي، ثُمَّ أردت أن أرفع الثوب فَنَهَانِي قَوْمِي، فرفعه رَسُولُ الله - ﷺ - أو أمر به فَرُفِعَ، فَسَمِعَ صوْتَ باكية أو صَائِحَةٍ فَقَالَ: "مَنْ هَذهِ؟ "، فَقَالُوا: بنت عَمْرٍو أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو فقَالَ: "ولِمَ تَبْكِي؟ فَمَا زَالَتْ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ".
وفي رواية لمسلم: "تَبْكِيهِ أَوْ لَا تَبْكِيهِ، مَا زَالَتْ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ" (١).
وعنه أيضًا قال: لَقِيَنِي رَسولُ الله - ﷺ - فَقَالَ لِي: "يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله اسْتُشْهِدَ أَبِي، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا قَالَ: "أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بمَا لَقِيَ الله بِهِ أَبَاكَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "مَا كَلَّمَ الله أَحَدًا قَطُّ إِلًّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا فَقَالَ: يَا عَبدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً، قَالَ الرَّبُّ عزوجل: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنّي أَنَّهُم إِلَيهَا لَا يُرجَعُونَ، قَالَ: وَأُنْزِلَتْ هَذهِ الْأيَةُ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩] (٢).
حنظلةُ تُغسله الملائكة:
عن الزبير - ﵁ - قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول عند قتل حنظلة بن
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (١٢٩٣)، كتاب: الجنائز، باب: ما يكره من النياحة على الميت، ومسلم (٢٤٧١)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر رضي الله تعالى عنهما.
(٢) حسن: أخرجه الترمذي (٣٠١٠)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة آل عمران، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، لا نعرفه. إلا من حديث موسى بن إبراهيم، والحاكم ٣/ ٢٠٤، وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الشيخ الألباني في "صحيح سنن الترمذي".
[ ٢٣٨ ]
أبي عامر بعد أن التقى هو وأبو سفيان بن الحارث حين علاه شداد بن الأسود بالسيف فقتله، فقال رسول الله -ﷺ -: "إن صاحبكم تُغسله الملائكة فسألوا صاحبته عنه" فقالت: إنه خرج لما سمع الهائعة وهو جنب فقال رسول الله -ﷺ -: "لذلك غسلته الملائكة" (١).
وقال النبي - ﷺ -: "رأيت الملائكة تُغسِّل حمزة بن عبد المطلب، وحنظلة بن الراهب" (٢).
عمرو بن الجموح يطأُ برجله في الجنة:
كان عمرو بن الجموح - ﵁ - رجلًا أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة يشهدون مع رسول الله المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه، وقالوا له: إن الله عزوجل قد عذرك، فأتى رسول الله -ﷺ - فقال: إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه، والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال رسول الله - ﷺ -: "إما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك" فقال لبنيه: "ما عليكم أن لا تمنعوه فلعل الله أن يرزقه الشهادة" فخرج معه فقتل يوم أحد (٣).
_________________
(١) حسن: أخرجه الحاكم ٣/ ٢٠٤، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي، وأخرجه البيهقي في "السنن" ٤/ ١٥، وحسنه الشيخ مصطفى العدوي لشواهده "فضائل الصحابة" للعدوي (٢٧٩)، وحسنه الألباني في "الإرواء" رقم (٧١٣).
(٢) حسن: أخرجه الطبراني في "الكبير" عن ابن عباس - ﵁ -، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" (٣٤٦٣).
(٣) صحيح: أخرجه ابن هشام في "السيرة" عن ابن إسحاق ٣/ ٢٣، وصححه الألباني في تخريج "فقه السيرة" (٢٦٧).
[ ٢٣٩ ]
وعن أبي قتادة قال: جاء عَمْرُو بن الْجَمُوحِ - ﵁ - إلى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلْتُ في سَبِيلِ الله حَتَّى أُقْتَلَ أَمْشِي بِرِجْلِي هَذهِ صَحِيحَةً في الْجَنَّةِ؟ فقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "نَعَم"، فَقُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ هُوَ وَابْنُ أَخِيهِ وَمَوْلىً لَهُمْ، فَمَرَّ عَلَيْهِ رَسُولُ الله - ﷺ - فَقَالَ: "كَأنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكَ تَمْشِي بِرِجْلِكَ هَذهِ صَحِيحَةً في الْجَنَّةِ"، فَأَمَرَ رَسُولُ الله بِهِمَا وَبِمَوْلَاهُمَا فَجُعِلُوا في قَبْرٍ وَاحِدٍ (١).
عبد الله بن جحش - ﵁ - يتمنى الشهادة في سبيل الله فينالها:
عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ -، أن عبد الله بن جحش - ﵁ - قال له يوم أحد ألا تدعو الله، فخلوا في ناحية فدعا سعد فقال: يا رب إذا لقيت العدو، فلقني رجلًا شديدًا بأسه، شديدًا حردُهُ، أقاتله ويُقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله، وآخذ سلبه، فأمن عبد الله بن جحش، ثم قال: اللهم ارزقني رجلًا شديدًا حرده، شديدًا بأسه، أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع (٢) أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدًا، قلت: من جدع أنفك وأذنك، فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول صدقت، قال سعد: يا بني كانت دعوة عبد الله بن جحش خيرًا من دعوتي، لقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلقتان في خيط (٣).
بعد انتهاء المعركة:
وبعد انتهاء القتال وانصراف كل فريق إلى معسكره وقد تأكد بعض الصحابة أن النبي - ﷺ - قد قُتل، إذ بالنبي - ﷺ - يطلع عليهم بَينَ السَّعْدَين (٤) عرفه
_________________
(١) صحيح: أخرجه أحمد (٢٢٤٥٢)، وصححه أحمد شاكر، والألباني أيضًا في "فقه السيرة" (٢٦٧).
(٢) يجدع: أي يقطع.
(٣) صحيح: أخرجه الحاكم ٣/ ٩٩٩، وقال: صحيح على شرطهما لولا إرساله، ووافقه الذهبي، وصححه موصولًا من حديث إسحاق بن سعد، والبيهقي في "السنن" ٩/ ٢٤.
(٤) اسم مكان. والله أعلم.
[ ٢٤٠ ]
الصحابة -رضوان الله عليهم- بِتَكَفُّئِهِ إِذَا مَشَى (١) يقول ابن عباس - ﵄ -: فَفَرِحَ به الصحابة حَتَّى كَأَنَّهُم لَمْ يُصِبْهم شيء فَرَقِيَ النبي - ﷺ - نَحْوَهم وَهُوَ يَقُولُ: "اشْتَدَّ غَضَبُ الله عَلَى قَوْمٍ دَمَّوْا وَجْهَ رَسُولِهِ"، وَيقُولُ مَرَّةً أُخْرَى: "اللهُمَّ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا" (٢).
وجعل النبي - ﷺ - يقول: "اشْتَدَّ غَضَبُ الله عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا هذا بنبِيِّهِ"، وهو حينئذ يُشِيرُ إلى رَبَاعِيَتِهِ ويقول: "اشْتَدَّ غَضَبُ الله عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ الله فِي سَبِيلِ الله" (٣).
كما كان النبي - ﷺ - يَسْلُتُ عن نفسه الدَّمَ وَيَقُولُ: "كَيفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلى الله"، فَأَنْزَلَ الله - ﷿-: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] (٤).
وعن عبد الله بن مسعود قال: كَأَنِّي أَنْظُرُ إلى النَّبِي - ﷺ - يَحْكِي نَبيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: "اللهُمًّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" (٥).
_________________
(١) التكفؤ: التمايل إلى قدام.
(٢) صحيح: أخرجه أحمد (٢٦٠٩)، الحاكم ٢/ ٢٩٦، ٢٩٧، وصححه وأقره الذهبي، وصححه الشيخ أحمد شاكر.
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٠٧٣)، كتاب: المغازي، باب: ما أصاب النبي - ﷺ - من الجراح يوم أحد، ومسلم (١٧٩٣)، كتاب: الجهاد والسير، باب: اشتداد غضب الله علي من قتله رسول الله - ﷺ -.
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (١٧٩١)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة أحد.
(٥) متفق عليه: أخرجه البخاري (٣٤٧٧)، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: حدثنا أبو اليمان، ومسلم (١٧٩٢)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة أحد. قال الدكتور أكرم العمري: لقد استبعد الرسول - ﷺ - أن يوفق الله من آذوه بهذه الصورة - فقال النبي - ﷺ -: "كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ "- فأخبره الله سبحانه بأن ذلك ليس ببعيد إن =
[ ٢٤١ ]
ثم أراد النبي - ﷺ - أن يصعد على صخرة - ليجلس عليها- فلم يستطع - من شدة ما فيه من إصابات وإرهاق شديد- فَأَقْعَدَ النبي - ﷺ - تَحْتَهُ طَلْحَةَ - ﵁ - ثم صعِدَ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الصَّخْرَةِ، ثم قَالَ النَّبُيُّ - ﷺ -: "أَوْجَبَ طَلْحَةُ" (١).
ثم أخذت فَاطِمَةُ - ﵂ - تغسل الدم عن وجه أبيها - ﷺ - وَعَلِيُّ بن أبي طَالِبٍ يَسْكُبُ عَلَيْهَا بِالْمِجَنِّ، فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ - ﵂ - أَنَّ الْمَاءَ لَا يَزِيدُ الدَّمَ إِلَّا كَثْرَةً، أَخَذَتْ قِطْعَةَ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا ثُمَّ أَلْصَقَتْهُ بِالْجُرْحِ فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ (٢).
الله -﷿- يُهدِّىءُ من روع المؤمنين بالنعاس:
ثم أنزل الله -﷿- النعاس على المسلمين تهدئة لروعهم، وراحة لأجسادهم من عناء القتال. يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
_________________
(١) = أراد الله هدايتهم -فأنزل عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ - فقال ﵊ لما طمع بإسلامهم: "اللَهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" "السيرة النبوية الصحيحة" ٢/ ٣٨٨.
(٢) حسن: أخرجه الترمذي (٣٧٣٨)، كتاب: المناقب، باب: مناقب أبي محمد طلحة بن عبيد الله - ﵁ -، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" (٢٥٤٠) ومعنى قوله: "أَوْجَبَ طَلْحَةُ" أي: أوجب لنفسه الجنة. والله أعلم.
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٠٧٥)، كتاب: المغازي، باب: ما أصاب النبي - ﷺ - من الجراح يوم أحد، ومسلم (١٧٩٠)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة أحد.
[ ٢٤٢ ]
عَنْ أبي طَلْحَةَ - ﵁ - قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ تَغَشَّاهُ النُّعَاسُ يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى سَقَطَ سَيْفِي مِنْ يَدِي مِرَارًا يَسْقُطُ وَآخُذُهُ وَيَسْقُطُ فَآخُذُهُ (١).
وبعد ذلك أشرف أبو سفيان بن حرب ونادى على المسلمين فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ قال رَسُولُ الله - ﷺ -: "لا تجِيبُوهُ"، فقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أبي قُحَافَةَ؟ -يعني أبا بكر- قال رَسُولُ الله - ﷺ -: "لا تجِيبُوهُ"، فقال: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ لو كانوا أحياءً لأجابوا، فلم يمَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ فقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ الله أَبْقَي الله عليك ما يخزيك، قال أبو سفيان: اعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ النبي - ﷺ -: "أجِيبُوهُ"، قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا الله أَعْلَى وَأَجَلُّ"، قَالَ أبو سفيان: لنا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النبي - ﷺ -: "أجِيبُوهُ"، قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا الله مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ"، قَالَ أبو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ (٢)، فَقَالَ عُمَرُ: لَا سَوَاءً، قَتْلَانَا في الْجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ في النَّارِ، قَالَ أبو سفيان: إِنَّكُمْ لَتَزْعُمُونَ ذَلِكَ، لَقَدْ خِبْنَا إِذَنْ وَخَسِرْنَا، ثُمَّ قَالَ أبو سُفْيَانَ: أَمَا إِنَّكُمْ سَوْفَ تَجِدُونَ في قَتْلَاكُمْ مُثْلًا (٣)، وَلَمْ يَكُنْ ذَاكَ عَنْ رَأْيِ سَرَاتِنَا (٤)، ثمَّ أَدْرَكَتْهُ حَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَانَ ذَاكَ وَلَمْ نَكْرَهْهُ (٥).
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٠٦٨)، كتاب: المغازي، باب: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾، ومسلم (١٨١١)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة النساء مع الرجال.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٤٠٤٣)، كتاب: المغازي، باب: غزوة أحد.
(٣) مثلًا: أي تمثيلًا بالقتلى.
(٤) السراة: الأشراف والكبراء، أي لم يكن ذلك التمثيل بالقتلى عن رأي ورضيً من كبرائنا.
(٥) صحيح: أخرجه أحمد (٢٦٠٩)، وصححه أحمد شاكر. أي: قد كان ذلك التمثيل بالجثث ليس عن أمرنا ولكنا لم نكرهه.
[ ٢٤٣ ]
النبي - ﷺ - يتفقد الشهداء، ويرى عمه الحمزة - ﵁ - وسطهم، ثم يأمر بدفنهم:
عَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - مَرَّ عَلَى حَمْزَةَ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ، فَقَالَ: "لَوْلَا أَنْ تَجِدَ صَفِيَّةُ في نَفْسِهَا لَتَرَكْتُهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الْعَافِيَةُ (١) حَتَّى يُحْشَرَ مِنْ بُطُونِهَا" ثم دعا بنمرة فكفنه فيها فكانت إذا مُدَّت على رأسه بدت رجلاه وإذا مدت على رجله بدا رأسه، وَقَلَّتْ الثِّيَابُ وَكَثُرَتْ الْقَتْلَى فَكَانَ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ يُكَفَّنُونَ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، ثُمَّ يُدْفَنُونَ في قَبْرٍ وَاحِدٍ، فَكَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَسْأَلُ عنهم: "أَيُّهُمْ أَكْثَرُ قُرْآنًا" فَيُقَدِّمُهُ إلى الْقِبْلَةِ (٢).
وعَنْ أَنَسٍ أيضًا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَرَّ بِحَمْزَةَ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الشُّهَدَاءِ غَيْرِهِ (٣).
وعَنْ جَابِرِ بن عبد الله - ﵄ - قَالَ: كَانَ رسول الله - ﷺ - يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَينِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: "أَيُّهُمْ أَكثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ " فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ وَقَالَ: "أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ في دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ (٤).
_________________
(١) العافية: قال الخطابي: هي السباع والطير تقع على الجيف فتأكلها. "عون المعبود" ٦/ ٤٣.
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٣١٣٦)، كتاب: الجنائز، باب: في الشهيد يُغسل، وأحمد ٣/ ١٢٨، والترمذي (١٠١٦)، كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في قتلى أحد وذكره حمزة، وصححه الألباني "صحيح سنن الترمذي".
(٣) حسن: أخرجه أبو داود (٣١٣٧)، كتاب: الجنائز، باب: في الشهيد يغسل، وصححه الألباني "صحيح سنن أبي داود".
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (١٣٤٣)، كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على الشهيد، وفي =
[ ٢٤٤ ]
وعَن خَبَّابٍ بن الأرت - ﵁ - قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَنَحْنُ نَبْتَغِي وَجْهَ الله فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى الله فَمِنَّا مَنْ مَضَى أَوْ ذَهَبَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا كَانَ مِنْهُمْ مُصْعَبُ بن عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ يَتْرُكْ إِلَّا نَمِرَةً (١) كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غُطِّيَ بِهَا رِجْلَاهُ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ - ﷺ -: "غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيهِ الْإِذْخِرَ"، أَوْ قَالَ: "أَلْقُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ الْإِذْخِرِ" (٢).
وقَالَ جابر - ﵁ -: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ جَاءَتْ عَمَّتِي بِأبي لِتَدْفِنَهُ في مَقَابِرِنَا، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ الله - ﷺ - رُدُّوا الْقَتْلَى إلى مَضَاجِعِهِمْ (٣).
حُزْن النبي - ﷺ - علي الشهداء:
عَنْ جَابِرِ بن عبد الله - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابُ أُحُدٍ: "أَمَا وَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي غُودِرْتُ مَعَ أَصْحَابِ نُحْض الْجَبَلِ" (٤).
_________________
(١) = رواية للبخاري أيضًا قال جابر: فكفن أبي وعمي في نمرة واحدة. وقد تقدم أن النبي - ﷺ - صلى على حمزة - ﵁ - والظاهر -والله أعلم- كما قال بعض العلماء منهم ابن القيم - ﵀ - أن النبي - ﷺ - مخير بين الصلاة على الشهداء وعدم الصلاة.
(٢) النَّمِرة: نوع من الكساء.
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٠٨٢)، كتاب: المغازي، باب: من قتل من المسلمين يوم أحد، ومسلم (٩٤٠)، كتاب: الجنائز، باب: في كفن الميت. والإذخر: حشيش معروف طيب الرائحة.
(٤) صحيح: أخرجه الترمذي (١٧١٧)، كتاب: الجهاد، باب: في دفن القتيل في مقتله، صححه الألباني "صحيح سنن الترمذي"، أحمد (١٤١٠١)، وصححه أحمد شاكر.
(٥) صحيح: أخرجه أحمد (١٤٩٦٥)، الحاكم ٣/ ٢٨. نحض الجبل: سفح الجبل، والمعنى: لوددت أني قتلت معهم، وهذا من شدة حزنه عليهم - ﷺ -.
[ ٢٤٥ ]
النبي - ﷺ - يثني علي ربه:
ولما انصرف العدو من الميدان قَالَ النبي - ﷺ -: "اسْتَوُوا حَتَّى أُثْنِيَ عَلَى رَبِّي -﷿-" فَصَارُوا خَلْفَهُ صُفُوفًا، فَقَالَ: "اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ اللهمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلَا هَادِيَ لِمَا أَضْلَلْتَ، وَلَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ، وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ، اللهمَّ ابْسُطْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ، وَرَحْمَتِكَ، وَفَضْلِكَ، وَرِزْقِكَ، اللهمَّ إِنِّي أَسْاَلُكَ النَّعِيمَ الْمُقِيمَ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، اللهمَّ إِنِّي أَسْاَلُكَ الْأَمْنَ يَوْمَ الْخَوْفِ، اللهمَّ إنِّي عَائِذٌ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا أَعْطَيْتَنَا، وَشَرِّ مَا مَنَعْتَنا، اللهمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْاِيمَانَ وَزِيّنْهُ في قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ وَاجْعَلْنَا مِنْ الرَّاشِدِينَ، اللهمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَفْتُونِينَ، اللهمَّ قَاتِلْ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ إِلَهَ الْحَقِّ آمين" (١).
وعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ: "اللهُمَّ إِنَّكَ إِنْ تَشَأْ لَا تُعبد في الْأَرْضِ" (٢).
وقال النبي - ﷺ -: "اللهُمَّ الْعَنْ أَبَا سُفْيَانَ، اللهمَّ الْعَنْ الْحَارِثَ بن هِشَامٍ، اللهمَّ الْعَنْ صَفْوَانَ بن أُمَيَّةَ" فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. فَتَابَ الله عَلَيْهِمْ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ (٣).
_________________
(١) صحيح: أخرجه أحمد ٣/ ٤١٤، الحاكم ١/ ٥٠٧، ٣/ ٢٣، ٢٤، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في تخريج "فقه السيرة" (٢٦٩).
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (١٧٤٣)، كتاب: الجهاد والسير، باب: استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٤٠٦٩)، كتاب: المغازي باب: ليس لك من الأمر شيء، والترمذي (٣٠٠٤)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة آل عمران واللفظ له.
[ ٢٤٦ ]
ولقد عفا الله -﷿- عن المؤمنين الذين فروا يوم أحد فأنزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾ [آل عمران: ١٥٥].
وربط الله -﷿- من جأش المسلمين فقال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)﴾ [آل عمران: ١٣٩، ١٤٠].
وبعد أن رجع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة مرَّ بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله - ﷺ - بأُحُد، فلما نُعُوا لها قالت: فما فعل رسول الله - ﷺ -؟ قالوا: خيرًا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى انظر إليه، قال: فأشير لها إليه، حتى إذا رأته، قالت: كل مصيبة بعدك جلل! تريد صغيرة (١).
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵁ - قال: مر رَسُولُ الله بنسَاءِ عبد الْأَشْهَلِ يَبْكِينَ هَلْكَاهُنَّ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "لَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ"، فَجَاءَ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ يَبْكِينَ حَمْزَةَ، فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ الله - ﷺ - فَقَالَ: "ويحَهُنَّ مَا انْقَلَبْنَ (٢) بَعْدُ؟ مُرُوهُنَّ فَلْيَنْقَلِبْنَ، وَلَا يَبْكِينَ عَلَى هَالِكٍ بَعْدَ الْيَوْمِ" (٣).
١٠ - وفي اليوم التالي لغزوة أُحُد: خرج المسلمون لغزوة حمراء الأسد.
الشرح:
بعد عودة النبي - ﷺ - إلى المدينة أراد أن يطارد المشركين حتى لا يفكروا
_________________
(١) حسن: أخرجه ابن هشام في "السيرة" ٣/ ٢٩، عن ابن إسحاق بسند حسن إلى سعد بن أبي وقاص - ﵁ -.
(٢) أي: ما رجعن إلى بيوتهن.
(٣) صحيح: أخرجه أحمد ٢/ ٨٤، ابن ماجه (١٥٩١)، كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في البكاء على الميت، وصححه الألباني في "صحيح السنن".
[ ٢٤٧ ]
في العودة ومداهمة المدينة، فأرسل مناديًا ينادي في الناس بطلب العدو وأن لا يخرجن أحدٌ إلا أَحَد حضر أُحُد، وكان ذلك في اليوم التالي لغزوة أُحُد فخرج مع النبي - ﷺ - كل من شهد أحدًا، سوى جابر بن عبد الله خرج وهو لم يشهد أُحدًا، حيث تخلف عن أحُد لأن أباه خلفه على أخواته.
فسار جيش المسلمين حتى بلغ حمراء الأسد وهي على بعد حوالي عشرين كيلو جنوب المدينة المنورة، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، فلم يلق أحدًا من المشركين، ووجدهم قد رجعوا إلى مكة، فأقام بها الاثنين، والثلاثاء والأربعاء ثم رجع إلى المدينة (١).
عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قالت: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)﴾ [آل عمران: ١٧٢] قَالَتْ لِعُرْوَةَ: يَا ابْنَ أُخْتِي كَانَ أَبَوَاكَ مِنْهُمْ الزُّبَيْرُ، وَأبو بَكْرٍ لَمَّا أَصَابَ رَسُولَ الله - ﷺ - مَا أَصابَ يَوْمَ أُحُدٍ وَانْصَرَفَ عَنْهُ الْمُشْرِكُونَ خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا قَالَ: "مَنْ يَذْهَبُ في إِثْرِهِمْ؟ " فَانْتَدَبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا، قَالَ: كَانَ فِيهِمْ أبو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ (٢).
١١ - وفي هذه السنة: تزوج رسول الله - ﷺ - بزينب بنت جحش - ﵂ - بأمر الله ﵎.
الشرح:
هي زينب بنت جحش بن رئاب بن يَعْمَر بن صبرة بن مُرَّة بن كبير بن
_________________
(١) انظر تلك الغزوة في "سيرة ابن هشام" ٣/ ٢٩، ٣٠.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٤٠٧٧)، كتاب: المغازي، باب ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. هكذا جاء في حديث عائشة أن الذين خرجوا في هذه الغزوة سبعون صحابيًا فقط، والمشهور عند أهل السير أنه خرج كل من شارك بأُحُد فالله أعلم. وقد يكون هؤلاء السبعون أول من خرجوا ثم تبعهم الباقون، كما وجه ذلك بعض العلماء والله أعلم.
[ ٢٤٨ ]
غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، الأسدية، أم المؤمنين.
وهي بنت أميمة بنت عبد المطلب، عمة رسول الله - ﷺ - (١).
وكانت عند زيد بن حارثة - ﵁ - قبل أن يتزوجها النبي - ﷺ -.
وزيد بن حارثة بن شراحيل - ﵁ - كان مولى للنبي - ﷺ - أهدته إليه خديجة بنت خويلد أم المؤمنين - ﵂ -.
وكان يدعى زَيْدَ بن مُحَمَّدٍ، حيث كان قد تبناه النبي - ﷺ - فكان ينسب إليه، حَتَّى نَزَلَت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] (٢).
فبنزول هذه الآية تم تحريم التبني، وأصبح كلٌ يُنسبُ إلى أبيه الذي هو من صلبه، فأصبح يقال زيد بن حارثة.
ولكن قاعدة التبني كانت متأصلة في نفوس العرب، ليس من السهل محوها، فكأن الله -﷿- أراد حدوث شيء عملي يمحو هذا تمامًا من نفوسهم، فكان تزويج النبي - ﷺ - من زينب بنت جحش التي كانت زوجة لرعيِّه زيد بن حارتْة - ﵁ -.
وقد ذكر الله -﷿- ذلك في كتابه العزيز فقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] يقول الله تعالى لنبيه - ﷺ -:
_________________
(١) "البداية والنهاية" ٤/ ١٦٣.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٧٨٢)، كتاب: التفسير، باب: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ مسلم (٢٤٢٥)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد.
[ ٢٤٩ ]
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ وهو زيد بن حارثة أنعم الله عليه بالإِسلام، واتباع النبي - ﷺ -، وأنعم النبي - ﷺ - عليه بالعتق من الرق.
﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ زينب - ﵂ -، حيث جَاءَ زَيْدُ بن حَارِثَةَ يَشْكُو للنَّبِيِ - ﷺ - زينب - ﵂ -، فجعل النبي - ﷺ - يَقُولُ: "اتَّقِ الله وَأَمْسِكْ عَلَيكَ زَوْجَكَ" (١).
وكان الله -﷿- قد أعلم نبيه - ﷺ - أنها ستكون زوجته، ولذلك قال الله تعالى له: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ أي: لا تخفي ما أطلعك الله عليه من أنها ستكون زوجتك، ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ من أن يقولوا: طلق محمد زوجة ابنه ليتزوجها، ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾.
ثم يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ الوطر: الحاجة، أي: فلما فرغ زيدٌ منها وفارقها ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فكان زواجها - ﵂ - من النبي - ﷺ - بأمر من الله -﷿-، ولذلك كَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى زوجات النَّبِيّ - ﷺ - وتَقُولُ لهن: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي الله تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ (٢).
عَنِ أَنَس بن مالك - ﵁ - قَالَ: لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - لِزَيْدٍ: "اذْهَبْ فَاذْكُرْهَا عَلَيَّ"، قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَاهَا قَالَ وَهِيَ تُخَمِّرُ عَجِينَهَا، قال: فَلَمَّا رَأَيْتُهَا عَظُمَتْ في صَدْرِي حَتَّى مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَيهَا؛ أَنَّ رَسُولَ الله ذَكَرَهَا، فَوَلَّيْتُهَا ظَهْرِي، وَنكَصْتُ عَلَى عَقِبَيَّ فَقُلْتُ: يَا زَيْنَبُ أَرْسَلَنِي رَسُولُ الله - ﷺ - يَذْكُرُكِ، قَالَت: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا حَتَّى أُؤَامِرَ رَبِّي، فَقَامَتْ إِلَى
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٧٤٢٠)، كتاب: التوحيد، باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩].
(٢) صحيح: انظر التخريج السابق.
[ ٢٥٠ ]
مَسْجِدِهَا، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ وَجَاءَ رَسُولُ الله - ﷺ - فَدَخَلَ عَلَيهَا بِغَيرِ إِذْنٍ (١).
وليمةْ عُرس زينب - ﵂ -:
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا رأيت رسول الله - ﷺ - أَوْلَمَ عَلَى امرأة -أو على شَيءٍ مِنْ نِسَائِهِ- مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ فإنه ذبح شَاةً (٢).
وفي لفظ لمسلم: مَا أَوْلَمَ رسول الله - ﷺ - عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ أكثر أو أفضل ممَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ، أطعمهم خبزًا ولحمًا حتى تركوه.
وعَنْ أَنَسِ أيضًا قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ الله - ﷺ - فَدَخَلَ بِأَهْلِهِ -زينب - ﵂ - قَالَ: فَصَنَعَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْسًا (٣)، فَجَعَلَتْهُ في تَوْرٍ (٤) فَقَالَتْ: يَا أَنَسُ اذْهَبْ بِهَذَا إلى رَسُولِ الله - ﷺ - فَقُلْ بَعَثَتْ بِهَذَا إِلَيكَ أُمِّي، وَهِيَ تُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ: "ضَعْهُ"، ثُمَّ قَالَ: "اذْهَبْ فَادْعُ لِي فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا وَمَنْ لَقِيتَ" وَسَمَّى رِجَالًا، قَالَ: فَدَعَوْتُ مَنْ سَمَّى وَمَنْ لَقِيتُ. وقيل لِأَنَسٍ: عَدَدَكَمْ كَانُوا؟ قَالَ: زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ. وَقَالَ لِي رَسُولُ الله - ﷺ -: "يَا أَنَسُ هَاتِ التَّوْرَ"، قَالَ: فَدَخَلُوا حَتَّى امْتَلَأَتْ الصُّفَّةُ وَالْحُجْرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "لِيَتَحَلَّقْ عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ وَلْيَأْكُلْ كُل إِنْسَانٍ مِمَّا يَلِيهِ"، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبعُوا، قَالَ: فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ وَدَخَلَتْ طَائِفَةٌ، حَتَّى أَكَلُوا كُلُّهُمْ، فَقَالَ لِي: "يَاَ أَنَسُ ارْفَعْ"، قَالَ: فَرَفَعْتُ فَمَا أَدْرِي حِينَ وَضعْتُ كَانَ أَكْثَرَ أَمْ حِينَ رَفَعْتُ (٥).
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (١٤٢٨)، كتاب: النكاح، باب: زواج زينب بنت جحش.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٥١٦٨)، كتاب: النكاح، باب: الوليمة ولو شاة، ومسلم (١٤٢٨)، كتاب: النكاح، باب: زواج زينب بنت جحش، ونزول الحجاب وإثبات وليمة العُرس.
(٣) الحيس: هو التمر والسمن والأقط يخلط ويُعجن، والأقط: الجبن الجاف.
(٤) التور: إناء من نحاس.
(٥) متفق عليه: أخرجه البخاري (٥١٦٣)، كتاب: النكاح، باب: الهدية للعروس، ومسلم (١٤٢٨)، كتاب: النكاح، باب: زواج زينب بنت جحش، ونزول الحجاب، وإثبات وليمة العُرس.
[ ٢٥١ ]
واختلف أهل التاريخ والسير في تاريخ زواج النبي - ﷺ - من زينب - ﵂ - وقد رجح فضيلة الشيخ وحيد بن بالي -حفظه الله- زواجه منها في العام الثالث من الهجرة، حيث قال: وهو قول خليفة بن خياط، وأبي عبيدة معمر بن المثنى، وابن منده، وهو أقوى من قول من قال بأنه في العام الخامس من الهجرة (١).
١٢ - وفي صبيحة عُرس زينب - ﵂ - نزلت آية الحجاب.
الشرح:
قَالَ أنس - ﵁ -: فَرَفَعْتُ -أي: الطعام- فَمَا أَدْرِي حِينَ وَضَعْتُ كَانَ أَكْثَرَ أَمْ حِينَ رَفَعْتُ، قَالَ: وَجَلَسَ طَوَائِفُ مِنْهُمْ يَتَحَدَّثُونَ في بَيْتِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَرَسُولُ الله - ﷺ - جَالِسٌ وَزَوْجَتُهُ مُوَلِّيَةٌ وَجْهَهَا إلى الْحَائِطِ فَثَقُلُوا عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَخَرَجَ رَسُولُ الله - ﷺ - فَسَلَّمَ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ رَجَعَ فَلَمَّا رَأَوْا رَسُولَ الله - ﷺ - قَدْ رَجَعَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ ثَقُلُوا عَلَيْهِ، قَالَ: فَابْتَدَرُوا الْبَابَ فَخَرَجُوا كُلُّهُمْ، وَجَاءَ رَسُولُ الله - ﷺ - حَتَّى أَرْخَى السِّتْرَ وَدَخَلَ وَأَنَا جَالِسٌ في الْحُجْرَةِ فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى خَرَجَ عَلَيَّ، وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَخَرَجَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] إلى آخِرِ الْآيَةِ (٢).
١٣ - وفي هذه السنة: نزل تحريم الخمر.
الشرح:
كان شرب الخمر عادة أساسية عند رجالات العرب في الجاهلية، وكان
_________________
(١) "الخلاصة البهية" (٣٨) هامش.
(٢) متفق عليه: انظر التخريج السابق.
[ ٢٥٢ ]
يصعب على الواحد منهم ترك ذلك الأمر.
فلما جاء الإسلام، وجاء النبي - ﷺ - بالتشريع من عند العليم الخبير، لم يُحرم الخمر مرة واحدة بل كان ذلك تدريجيًا، تيسيرًا من الله تعالى على هؤلاء الذين تأصلت فيهم هذه العادة.
فأنزل الله تعالى أولًا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].
فشربه بعض الناس وتركه البعض، فقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فكان المنادي إذا أقام الصلاة قال: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، فقَالَ عُمَرُ: اللهمَّ بَيِّنْ لَنَا في الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠] إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١] فقَالَ عُمَرُ - ﵁ -: انْتَهَيْنَا، انْتَهَيْنَا (١).
وعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قَالَ: أَتَيْتُ عَلَى نَفَرٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: تَعَالَ نُطْعِمْكَ وَنَسْقِكَ خَمْرًا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الْخَمْرُ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُمْ في حَشٍّ -الْحَشُّ: الْبُسْتَانُ- فَإِذَا رَأْسُ جَزُورٍ مَشْوِيٌّ عِنْدَهُمْ، وَزِقٌّ مِنْ خَمْرٍ (٢)، قَالَ: فَأَكَلْتُ وَشَرِبْتُ مَعَهُمْ، قَالَ: فَذَكَرْتُ الْأَنْصارَ وَالْمُهَاجِرِينَ عِنْدَهُمْ، فَقُلْتُ: الْمُهَاجِرُونَ خَيْرٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، قَالَ: فَأَخَذَ رَجُلٌ أَحَدَ لَحْيَيْ
_________________
(١) صحيح: أخرجه النسائي (٥٥٤٠)، كتاب: الأشربة، باب: تحريم الخمر، وصححه الألباني.
(٢) الزقُّ: وعاء من جلد.
[ ٢٥٣ ]
الرَّأْسِ (١) فَضَرَبَنِي بِهِ فَجَرَحَ بِأَنْفِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَنْزَلَ الله -﷿- فِيَّ شَأْنَ الْخَمْرِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (٢).
وعَنْ أَنَس بن مالك - ﵁ - قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ في مَنْزِلِ أبي طَلْحَةَ، فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى، فَقَالَ أبو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَانْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ، قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَقُلْتُ: هَذَا مُنَادٍ يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ لِي: اذْهَبْ فَأَهْرِقْهَا، قَالَ: فَجَرَتْ في سِكَكِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: وَكَانَتْ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْفَضِيخَ (٣)، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: قُتِلَ قَوْمٌ وَهْيَ في بُطُونِهِمْ، قَالَ: فَأَنْزَلَ الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] (٤).
وكان تحريم الخمر سنة ثلاث بعد وقعة أُحُد (٥).
_________________
(١) أي رأس الجزور الذي كانوا يأكلونه، واللَّحْى: الفك.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (١٧٤٨)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: في فضل سعد بن أبي وقاص - ﵁ -.
(٣) الفضيخ: خمر يصنع من ثمر النخل.
(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٦٢٠)، كتاب: تفسير القرآن، باب: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ ومسلم (١٩٨٠)، كتاب: الأشربة، باب: تحريم الخمر.
(٥) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي ٦/ ٢١٤.
[ ٢٥٤ ]
السنة الرابعة من الهجرة
[ ٢٥٥ ]