وفيها أربعة عشر حدثًا:
١ - في ربيع الأول من هذه السنة: غزا رسول الله - ﷺ - دومه الجندل.
الشرح:
قاد الرسول - ﷺ - جيشًا من ألف مقاتل في شهر ربيع الأول من سنة خمس باتجاه دومة الجندل، وقد بلغه وجود تجمع للمشركين بها، ولكن الجمع تفرق عندما علموا بقدوم المسلمين الذين أقاموا أيامًا في المنطقة بثُّوا خلالها السرايا فلم يلقوا مقاومة، ورجعوا إلى المدينة بعد أن وادع في العودة عُيينة بن حصن الفزاري (١).
٢ - وفي رجب من هذه السنة: قَدم وفد مُزَينة على رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
عَنِ النعْمَانِ بن مُقَرِّنٍ، قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، فلما أردنا أن ننصرف قال: "يا عمر زوِّد القوم"، فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا شحا مِنْ تَمْرٍ، ما أظنه يقع من القوم موقعًا، قَالَ: "انْطَلِقْ فَزَوِّدْهُمْ"، قال: فَانْطَلَقَ بهم عمر، فأدخلهم منزله، ثم أصعدهم إلى عليه، فلما دخلنا، إِذَا فِيهَا تَمْرٌ مِثْلُ الْبَكْرِ الْأَوْرَقِ، فَقَالَ: خُذُوا فَأَخَذَ الْقَوْمُ حَاجَتَهُمْ، قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا في آخِرِ الْقَوْمِ، قَالَ: فَالْتَفَتُّ وَمَا أَفْقِدُ مَوْضِعَ تَمْرَةٍ، وَقَدْ احْتَمَلَ مِنْهُ أَرْبَعُمِائَةِ رَجُلٍ (٢).
_________________
(١) "السيرة النبوية الصحيحة" ٢/ ٤٠٢، وقد ذكر هذه الغزوة ابن هشام في "سيرته" عن ابن إسحاق ٣/ ١١٤، وغيره من أهل المغازي والسير.
(٢) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٢٣٦٣٦).
[ ٢٧٣ ]
قال ابن سعد:
وذلك في رجب من سنة خمس (١).
٣ - وفي هذه السنة: تُوفيت أم سعد بن عبادة - ﵄ -.
الشرح:
ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" عن الواقدي أن أم سعد - ﵄ - تُوفيتْ سنة خمس، وابنها سعد - ﵁ - مع النبي - ﷺ - في غزوة دومة الجندل (٢).
وأخرج الترمذي - ﵀ - عن سعيد بن المسيب أن النبي - ﷺ - صلى على قبرها بعد وفاتها بشهر (٣).
٤ - وفي شعبان من هذه السنة: غزا رسول الله - ﷺ - بني المصطلق على
الراجح.
الشرح:
بنو المصطلق بطن من قبيلة خزاعة الأزْديَّة اليمانية، وكانوا يسكنون قديدًا وعُسْفان على الطريق من المدينة إلى مكة، فقديد تبعد عن مكة ١٢٠ كيلو متر، وعُسْفان تبعد ٨٠ كيلو مترًا، فيكون بينهما أربعون كيلو، في حين تنتشر ديار خزاعة على الطريق من المدينة إلى مكة ما بين مَرِّ الظهران التي تبعد عن مكة ٣٠ كيلو وبين الأبواء (شرق مستورة بثلاثة أكيال) التي تبعد عن مكة ٢٤٠ كيلو، وبذلك يتوسط بنو المصطلق ديار خزاعة، وموقعهم مهم بالنسبة للصراع
_________________
(١) "طبقات ابن سعد" ١/ ٢٩١.
(٢) "البداية والنهاية" ٤/ ١٠٤.
(٣) مرسل: أخرجه الترمذي (١٠٣٧)، كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في الصلاة على القبر، مرسلًا عن سعيد بن المسيب.
[ ٢٧٤ ]
بين المسلمين وقريش، وقد عُرفت خزاعة بموقفها المسالم للمسلمين، وربما كان لصلات النسب والمصالح مع الأنصار تأثير في تحسين العلاقات رغم المحالفات القديمة بينهم وبين قريش ذات المصالح الكبرى في الطريق التجارية إلى الشام، ورغم سيادة الشرك في ديار خزاعة حيث كانت هضبة المشلل التي كانت بها (مناة) في قديد، ورغم أن ديارها كانت أقرب إلى مكة منها إلى المدينة.
ولعل هذه العوامل أعاقت - في نفس الوقت - انتشار الإسلام في خزاعة عامة وبني المصطلق خاصة الذين يستفيدون إلى جانب الموقع التجاري بوجود مناة الطاغية في ديارهم معنويًا وماديًا حيث يحج إليها العرب.
وأول موقف عدائي لبني المصطلق من الإسلام كان في إسهامهم ضمن الأحابيش في جيش قريش في غزوة أُحد.
وقد تجرأت بنو المصطلق على المسلمين نتيجة لغزوة أحد، كما تجرأت القبائل الأخرى المحيطة بالمدينة ولعلها كانت تخشى انتقام المسلمين منها لدورها في غزوة أحد، وكذلك كانت ترغب في أنْ يبقى الطريق التجاري مفتوحًا أمام قريش لا يهدده أحد لما في ذلك من مصالح لها محققة فكانت بزعامة الحارث بن أبي ضرار تتهيأ للأمر بجمع الرجال والسلاح وتأليب القبائل المجاورة ضد المسلمين (١).
قال ابن إسحاق - ﵀ -:
بلغ رسول الله - ﷺ - أنَّ بني المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث بن أبي ضرار فلما سمع رسول الله - ﷺ - بهم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء لهم
_________________
(١) "السيرة النبوية الصحيحة" ٢/ ٤٠٤، ٤٠٥.
[ ٢٧٥ ]
يقال له (المريسيع) ولذلك تسمى أيضًا بغزوة المريسيع من ناحية قُديد إلى الساحل فتزاحف الناس واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق وقتل من قتل منهم ونفل رسول الله - ﷺ - أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءهم عليه (١).
عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - فِي غَزْوَةِ بني الْمُصْطَلِقِ فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ وَأَحْبَبْنَا الْعَزْلَ فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ، وَقُلْنَا: نَعْزِلُ وَرَسُولُ الله - ﷺ - بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبلَ أَنْ نَسْأَلَهُ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ" (٢).
وقد أَغَارَ النبي - ﷺ - عَلَى بني الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ (٣) وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ - ﵂ - (٤).
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" ٣/ ١٦٩، واختُلف في تاريخ غزوة بني المصطلق، قال الدكتور /أكرم العمري: وفي يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر شعبان من السنة الخامسة للهجرة خرج الرسول - ﷺ - بجيشه من المدينة نحو ديار بني المصطلق، وهذا هو الراجح، وهو قول موسى بن عقبة الصحيح حكاه عن الزهري وعن عروة وتابعه أبو معشر السنوى والواقدي وابن سعد، ومن المتأخرين ابن القيم والذهبي، وأما ابن إسحاق فذهب إلى أنها في شعبان سنة ست، ويعارض ذلك ما في صحيحي البخاري ومسلم من اشتراك سعد بن معاذ في غزوة بني المصطلق مع استشهاده في غزوة بني قريظة عقب الخندق مباشرة فلا يمكن أن تكون غزوة بني المصطلق إلا قبل الخندق. "السيرة النبوية الصحيحة" ٢/ ٤٠٦.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤١٣٨)، كتاب: المغازي، باب: غزوة بني المصطلق من خزاعة وهي غزوة المريسيع، ومسلم (١٤٣٨) كتاب: النكاح، باب: حكم العزل.
(٣) غارُّون: أي غافلون.
(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري (٢٥٤١)، كتاب: العتق، باب: من ملك من العرب رقيقًا =
[ ٢٧٦ ]
ظهور حقد المنافقين بعد انتصار المؤمنين:
ولما انتصر المسلمون في تلك المعركة وظهروا على عدوهم اغتاظ المنافقون غيظًا شديدًا وظهر حقدهم الذي كان دفينًا، فهذا عبد الله بن أبي بن سلول لم يستطع كتم غيظه.
عَنْ زَيْدِ بن أَرْقَمَ - ﵁ - أنه سمع عبد الله بن أبي يَقُولُ لأصحابه: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ الله حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ، وقال: وَلَئِنْ رَجَعْنَا إلى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، قال زيد - ﵁ -: فأتيت النبي - ﷺ - فأخبرته بذلك، فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله فاجتهد يمينه ما فعل، فقالوا: كذب زيدٌ على رسول الله - ﷺ - قال فوقع في نفسي مما قالوه شدة حتى أَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١]، ثم دعاهم النَّبِيُّ - ﷺ - ليستغفر لهم، قال: فلوَّوا رءوسهم (١).
وعن جَابِرَ - ﵁ - قَالَ: كُنَّا في غَزَاةٍ فَكَسَعَ (٢) رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَقَالَ: "مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصارِ، فَقَالَ: "دَعُوهَا فَإنَّهَا مُنْتِنَةٌ"، فَسَمِعَ
_________________
(١) = فوهب وباع وجامع وفدى وسبق الذرية ومسلم (١٧٣٠)، كتاب: الجهاد والسير، باب: جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام من غير تقدم الإعلام بالإغارة.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٩٠٠)، كتاب: تفسير سورة المنافقين، ومسلم (٢٧٧٢)، كتاب: صفة المنافقين وأحكامهم.
(٣) كسع: أي ضرب دبره وعجيزته بيد أو رجل أو سيف وغيره.
[ ٢٧٧ ]
بِذَلِكَ عبد الله بن أُبَيٍّ، فَقَالَ: فَعَلُوهَا؟ أَمَا وَاللهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إلى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَبَلَغَ - ذلك - النَّبِي - ﷺ -، فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ" (١).
فلما سمع ابْنُهُ عبد الله بأن أباه قال هذا، قال: وَاللهِ لَا تَنْقَلِبُ حَتَّى تُقِرَّ أَنَّكَ الذَّلِيلُ وَرَسُولُ الله الْعَزِيزُ، فَفَعَلَ (٢).
٥ - وفي شعبان أيضًا من هذه السنة: أعتق النبي - ﷺ - جويرية بنت الحارث وتزوجها.
الشرح:
عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ بنتُ الْحَارِثِ بن الْمُصْطَلِقِ في سَهْمِ ثَابِتِ بن قَيْسِ بن شَمَّاسٍ - أَوْ ابْنِ عَمٍّ لَهُ - فَكَاتَبَتْ عَلَى نَفْسِهَا، وَكَانَتْ امْرَأَةً مَلَّاحَةً تَأْخُذُهَا الْعَيْنُ، قَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: فَجَاءَتْ تَسْأَلُ رَسُولَ الله - ﷺ - فِي كِتَابَتِهَا (٣) فَلَمَّا قَامَتْ عَلَى الْبَابِ فَرَأَيْتُهَا كَرِهْتُ مَكَانَهَا، وَعَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - سَيَرَى مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي رَأَيْتُ، فَقَالَتْ - جويرية -: يَا رَسُولَ الله جُوَيْرِيَةُ بنتُ الْحَارِثِ، وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ أَمْرِي مَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ، وَإِنِّي وَقَعْتُ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بن قَيْسِ بن شَمَّاسٍ وَإِنِّي كَاتَبْتُ عَلَى نَفْسِي فَجِئْتُكَ أَسْأَلُكَ في
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٩٠٥)، كتاب: التفسير تفسير سورة المنافقين، ومسلم (٢٥٨٤)، كتاب: البر والصلة والأدب، باب: نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا، والترمذي (٣٣١٥)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة المنافقين، وجاء التصريح في روايته أنها غزوة بني المصطلق.
(٢) صحيح: أخرجه الترمذي، انظر التخريج السابق.
(٣) المكاتبة: أن يشتري العبد نفسه بمال من سيده فيكاتبه على ذلك.
[ ٢٧٨ ]
كِتَابَتِي؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "فَهَلْ لَكِ إلى مَا هُوَ خَيرٌ مِنْهُ؟ "، قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "أُؤَدِّي عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَأَتَزَوَّجُكِ"، قَالَتْ: قَدْ فَعَلْتُ، قَالَتْ: فَتَسَامَعَ - تَعْنِي النَّاسَ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَدْ تَزَوَّجَ جُوَيْرِيَةَ، فَأَرْسَلُوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ السَّبْيِ، فَأَعْتَقُوهُمْ، وَقَالُوا: أَصْهَارُ رَسُولِ الله - ﷺ -! فَمَا رَأَيْنَا امْرَأَةً كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا أُعْتِقَ في سَبَبِهَا مِائَةُ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بني الْمُصطَلِقِ (١).
٦ - وفي مرجع النبي - ﷺ - من غزوة بني المصطلق افترى المنافقون على أُمِّ المؤمنين عائشة - ﵂ - حديث الإفك فأنزل الله براءتها في القرآن.
الشرح:
لم يكتف عبد الله بن أبي بما فعله حين الرجوع من غزوة بني المصطلق من محاولة تأليب المسلمين بعضهم على بعض، وبما قاله في حق النبي - ﷺ -، حتى فعل أمرًا عظيمًا وافترى على أم المؤمنين عائشة - ﵂ - الطاهرة الشريفة العفيفة الحصان الرَّزان، وطعنها في شرفها، وافترى عليها كذبًا.
ولنترك السيدة عائشة - ﵂ - تحكي لنا تفاصيل ما حدث، تقول السيدة عائشة: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ فَأَيُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ الله - ﷺ - مَعَهُ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَينَنَا في غَزْوَةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ فَكُنْتُ أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ فَسِرْنَا حَتَّى إِذا فَرَغَ رَسُولُ الله - ﷺ - مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ دَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ قَافِلِينَ آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتَّى
_________________
(١) حسن: أخرجه أحمد ٦/ ٢٧٧، وأبو داود (٣٩٣١)، كتاب: العتق، باب: في بيع المكاتب إذا فُسخت المكاتبة، وحسنه الشيخ الألباني "صحيح سنن أبي داود".
[ ٢٧٩ ]
جَاوَزْتُ الْجَيْشَ فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إلى رَحْلِي فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدْ انْقَطَعَ فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ قَالَتْ: وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يُرَحِّلُونِي فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ عَلَيْهِ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَهْبُلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ إِنَّمَا يَأكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنْ الطَّعَامِ فَلَمْ يَسْتَنْكِرْ الْقَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ وَحَمَلُوهُ وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ فَبَعَثُوا الْجَمَلَ فَسَارُوا وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا مِنْهُمْ دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَزجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ في مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ وَكَانَ صَفْوَانُ بن الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي وَكَانَ رَآنِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابي وَوَاللهِ مَا تَكَلَّمْنَا بِكَلِمَةٍ وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرجَاعِهِ وَهَوَى حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ مُوغِرِينَ في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ وَهُمْ نُزُولٌ قَالَتْ: فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَ الْإِفْكِ عبد الله بن أبي بن سَلُولَ قَالَ عُرْوَةُ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ كَانَ يُشَاعُ وَيُتَحَدَّثُ بِهِ عِنْدَهُ فَيُقِرُّهُ وَيَسْتَمِعُهُ وَيَسْتَوْشِيهِ وَقَالَ عُرْوَةُ أَيْضًا لَمْ يُسَمَّ مِنْ أَهْلِ الْإِفْكِ أَيْضًا إِلَّا حَسَّانُ بن ثَابِتٍ وَمِسْطَحُ بن أُثَاثَةَ وَحَمْنَةُ بنتُ جَحْشٍ في نَاسٍ آخَرِينَ لَا عِلْمَ لِي بِهِمْ غَيْرَ أَنَّهُمْ عُصْبَةٌ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى وَإِنَّ كِبْرَ ذَلِكَ يُقَالُ لَهُ عبد الله بن أبي بن سَلُولَ قَالَ عُرْوَةُ كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ وَتَقُولُ إِنَّهُ الَّذِي قَالَ:
فَإِنَّ أبي وَوَالِدهَ وَعِرْضِي لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ
[ ٢٨٠ ]
في قَوْلِ أَصْحَابِ الْإِفْكِ لَا أَشْعُرُ بشَيءٍ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ يَرِيبُنِي في وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - اللُّطْفَ الًّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي إِنَّمَا يدخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ الله - ﷺ - فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟ " ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَذَلِكَ يَرِيبُنِي وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ حَتَّى خَرَجْتُ حِينَ نَقَهْتُ فَخَرَجْتُ مَعَ أُمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ وَكَانَ مُتَبَرَّزَنَا وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إلى لَيْلٍ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، قَالَتْ: وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ في الْبَرِّيَّةِ قِبَلَ الْغَائِطِ وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأمُّ مِسْطَحٍ وَهِيَ ابْنَةُ أبي رُهْمِ بن الْمُطَّلِبِ بن عبد مَنَافٍ وَأُمُّهَا بنتُ صَخْرِ بن عَامِرٍ خَالَةُ أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَابْنُهَا مِسْطَحُ بن أُثَاثَةَ بن عَبَّادِ بن الْمُطَّلِبِ فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ في مِرْطِهَا، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟ فَقَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهْ وَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قَالَتْ: وَقُلْتُ: مَا قَالَ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ، قَالَتْ: فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي فَلَمَّا رَجعْتُ إلى بَيْتِي دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله - ﷺ - فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟ " فَقُلْتُ لَهُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ، قَالَتْ: وَأُرِيدُ أَنْ أَسْتَيقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، قَالَتْ: فَأَذِنَ لِي رَسُولُ الله - ﷺ -، فَقُلْتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّتَاهُ مَاذَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قَالَتْ: يَا بنيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ فَوَاللهِ لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ: سُبْحَانَ الله أَوَ لَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بنوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي، قَالَتْ: وَدَعَا رَسُولُ الله - ﷺ - عَلِيَّ بن أبي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بن زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْأَلُهُمَا وَيَسْتَشِيرُهُمَا في فِرَاقِ أَهْلِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ في نَفْسِهِ، فَقَالَ أسَامَةُ: أَهْلَكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله لَمْ يُضَيِّقْ الله عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ وَسَلْ الْجَارِيَةَ
[ ٢٨١ ]
تَصْدُقْكَ، قالَتْ: فَدَعا رَسُولُ الله - ﷺ - بَرِيرَةَ، فَقالَ: "أَيْ بَرِيرَةُ هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيءٍ يَرِيبُكِ؟ " قالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ما رَأَيْتُ عَلَيْها أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ غَيْرَ أَنَّها جارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ، قالَتْ: فَقامَ رَسُولُ الله - ﷺ - مِنْ يَوْمِهِ فاسْتَعْذَرَ مِنْ عبد الله بن أبي وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقالَ: "يا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُني مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي عَنْه أَذَاهُ في أَهْلِي واللهِ ما عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلّا خَيْرًا وَلَقَد ذَكَرُوا رَجُلًا ما عَلِمْتُ عَلَيهِ إِلّا خَيرًا وَما يدخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلّا مَعِي"، قالَتْ: فَقامَ سَعْدُ بن مُعاذٍ أَخُو بني عبد الْأَشْهَلِ فَقالَ: أَنا يا رَسُولَ الله أَعْذِرُكَ فَإِنْ كانَ مِنْ الْأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ وَإِنْ كانَ مِنْ إِخْوانِنا مِنْ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ، قالَتْ: فَقامَ رَجُلٌ مِنْ الْخَزْرَجِ وَكانَتْ أُمُّ حَسّانَ بنتَ عَمِّهِ مِنْ فَخِذِهِ وَهُوَ سَعْدُ بن عُبادةَ وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، قالَتْ: وَكانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صالِحًا وَلَكِنْ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، فَقالَ لِسَعْدٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ الله لا تَقْتُلُهُ وَلا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ وَلَوْ كانَ مِنْ رَهْطِكَ ما أَحْبَبْتَ أَنْ يُقْتَلَ فَقامَ أُسَيْدُ بن حُضَيْرٍ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدٍ، فَقالَ لِسَعْدِ بن عُبادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ الله لَنَقْتُلَنَّهُ فَإِنَّكَ مُنافِقٌ تُجادِلُ عَنْ الْمُنافِقِينَ، قالَتْ: فَثارَ الْحَيّانِ الْأَوْسُ والْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا وَرَسُولُ الله - ﷺ - قائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، قالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ الله - ﷺ - يُخَفِّضُهُم حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، قالَتْ: فَبَكَيتُ يَوْمِي ذَلِكَ كُلَّهُ لا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلا أَكْتَحِلُ بنوْمٍ، قالَتْ: وَأَصْبَحَ أَبَوايَ عِنْدِي وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا لا يَرْقَأُ لِي دَمْغٌ وَلا أَكْتَحِلُ بنوْمٍ حَتَّى إِنِّي لَأَظُنُّ أَنَّ الْبُكاءَ فالِقٌ كَبِدِي، فَبَيْنا أَبَوايَ جالِسانِ عِنْدِي وَأَنا أَبْكِي فاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصارِ، فَأَذِنْتُ لَها، فَجَلَسَتْ تَبكِي مَعِي، قالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - عَلَينا فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، قالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ ما قِيلَ قَبْلَها وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لا يُوحَى إِلَيهِ في شَأْنِي بِشَيءٍ، قالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ الله - ﷺ - حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قالَ: "أَمّا بَعْدُ يا عائِشَةُ إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا فَإنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ الله وَإِنْ
[ ٢٨٢ ]
كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فاسْتَغْفِرِي الله وَتُوبِي إِلَيهِ فَإنَّ الْعبد إِذَا اعْتَرَفَ ثُمَّ تابَ تابَ الله عَلَيهِ"، قالَتْ: فَلَمّا قَضَى رَسُولُ الله - ﷺ - مَقالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى ما أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ رَسُولَ الله - ﷺ - عَنِّي فِيما قالَ، فَقالَ أَبِي: واللهِ ما أَدْرِي ما أَقُولُ لِرَسُولِ الله - ﷺ -، فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي رَسُولَ الله - ﷺ - فِيما قَالَ قالَتْ أُمِّي: واللهِ ما أَدْرِي ما أَقُولُ لِرَسُولِ الله - ﷺ -، فَقُلْتُ: وَأَنا جارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لا أَقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ كَثِيرًا إِنِّي واللهِ لَقَد عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذا الْحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ في أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ لا تُصَدِّقُونِي وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ واللهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي فَواللهِ لا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلّا أَبا يُوسُفَ حِينَ قالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] ثُمَّ تَحَوَّلْتُ واضْطَجَعْتُ عَلَى فِراشِي واللهُ يَعْلَمُ أَنِّي حِينَئِذٍ بَرِيئَةٌ وَأَنَّ الله مُبَرِّئِي بِبَراءَتِي وَلَكِنْ واللهِ ما كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الله مُنْزِلٌ في شَأنِي وَحْيًا يُتْلَى لَشَأْنِي في نَفْسِي كانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ الله فِيَّ بِأَمْرٍ، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ الله - ﷺ - في النَّوْمِ رُؤْيا يُبَرِّئُنِي الله بِها فَواللهِ ما رَامَ رَسُولُ الله - ﷺ - مَجْلِسَهُ وَلا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ ما كانَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْبُرَحاءِ حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِنْ الْعَرَقِ مِثْلُ الْجُمانِ وَهُوَ في يَوْمٍ شَاتٍ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ قالَتْ فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - وَهُوَ يَضْحَكُ فَكانَتْ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِها أَنْ قالَ: "يا عَائِشَةُ أَمَّا الله فَقَدْ بَرَّأَكِ"، قالَتْ: فَقالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَيهِ، فَقُلْتُ: واللهِ لا أَقُومُ إِلَيهِ فَإِنِّي لا أَحمَدُ إِلّا الله -﷿-، قالَتْ: وَأَنْزَلَ الله تَعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] الْعَشْرَ الْآياتِ ثُمَّ أَنْزَلَ الله هَذا في بَراءَتِي، قالَ أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: وَكانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بن أُثاثَةَ لِقَرابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ واللهِ لا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قالَ لِعائِشَةَ ما قالَ فَأَنْزَلَ الله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، قالَ أبو بَكْرٍ
[ ٢٨٣ ]
الصِّدِّيقُ: بَلَى واللهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ الله لِي فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كانَ يُنْفِقُ عَلَيهِ، وَقالَ: واللهِ لا أَنْزِعُها مِنْهُ أَبَدًا، قالَتْ عائِشَةُ: وَكانَ رَسُولُ الله - ﷺ - سَأَلَ زَيْنَبَ بنتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقالَ لِزَيْنَبَ: ماذا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيْتِ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ الله أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي واللهِ ما عَلِمْتُ إِلّا خَيْرًا، قالَتْ عائِشَةُ: وَهِيَ الَّتِي كانَتْ تُسامِينِي مِنْ أَزْواجِ النَّبِي - ﷺ - فَعَصَمَها الله بِالْوَرَعِ، قالَتْ: وَطَفِقَتْ أُخْتُها حَمْنَةُ تُحارِبُ لَها فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ (١).
٧ - وفي شوال من هذه السنة: وقعت غزوة الأحزاب، فردهم الله خاسئين.
الشرح:
لمّا علمت قريش أنها لن تستطيع محاربة المسلمين وحدها، وكذلك أيقنت يهود بذلك، وأن قوتهم لا تُحاكي قوة المسلمين، اتفقوا على جمع المجموع لمحاربة المسلمين وغزوهم في عقر دارهم في محاولة للقضاء على الإِسلام والمسلمين.
وقيل أن الذي بدأ بذلك وجمع الجموع هم اليهود حيث خرج وفد منهم إلى مكة فيهم سلام بن أبي الحُقيق النضري وحيي بن أخطب النضري، فدعوا قريشًا إلى حرب المسلمين ووعدوهم أن يقاتلوا معهم، ثم خرجوا من مكة إلى نجد حيث حالفوا قبيلة غطفان الكبيرة على حرب المسلمين، فكان تحالف الأحزاب بجهود من يهود بني النضير (٢).
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٤١٤٢)، كتاب: المغازي، باب: حديث الإفك.
(٢) أخرج ذلك ابن هشام في سيرته ٣/ ١١٤، ١١٥، عن ابن إسحاق إلى عروة مرسلًا.
[ ٢٨٤ ]
عيينة بن حصن الفزاري، وبني مُرَّة وقائدها الحارث بن عوف بن أبي حارثة المرِّيُّ، وخرجت أشجع وقائدها مُسْعر بن رُخيلة.
فلما سمع بهم رسول الله -ﷺ-، وما أجمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة، فعمل فيه رسول الله ترغيبًا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون فيه، فدأب فيه ودأبوا (١).
فكان النبي -ﷺ- يعمل وهو يقول، تسلية لهم ليُهون عليهم ما هم فيه من شدة وبلاء وجوع: "اللهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْاَخِرَةْ، فاغْفِرْ لِلْأَنْصارِ والْمُهاجِرَةْ"، فيقولون مُجِيبِينَ لَهُ:
نَحْنُ الَّذِينَ بايَعُوا مُحَمَّدَا عَلَى الْجِهادِ ما بَقِينَا أَبَدَا (٢)
ويَقُولُ أيضًا - ﷺ -:
اللهُمَّ لَوْلا أَنْتَ ما اهْتَدَيْنا وَلا تَصدَّقْنا وَلا صَلَّيْنا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنا وَثَبِّتْ الْأَقْدامَ إِنْ لاقَيْنا
إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنا وَإِنْ أَرادُوا فِتْنَةً أَبَيْنا
ثُمَّ يرفع صَوْتَهُ ويقول: أبينا أبينا ويمد صوته بِآخِرِهَا (٣).
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" ٣/ ١١٥، بتصرف يسير.
(٢) متفق عليه أخرجه البخاري (٤٠٩٩)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق وهي الأحزاب، ومسلم (١٨٠٥)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة الأحزاب وهي الخندق، واللفظ للبخاري.
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤١٠٤)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق وهي الأحزاب، ومسلم (١٨٠٣)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة الأحزاب وهي الخندق.
[ ٢٨٥ ]
وأثناء عمل المسلمين في الحفر عَرَضَتْ لَهُمْ صَخْرَةٌ حالَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْحَفْرِ، فَقامَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَأَخَذَ الْمِعْوَلَ، وَوَضَعَ رِدَاءَهُ ناحِيَةَ الْخَنْدَقِ، وَقالَ: "تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"، فَنَدَرَ ثُلُثُ الْحَجَرِ، وَسَلْمانُ الْفارِسِيُّ قائِمٌ يَنْظُرُ فَبَرَقَ مَعَ ضَرْبَةِ رَسُولِ الله - ﷺ - بَرْقَةٌ، ثُمَّ ضَرَبَ الثّانِيَةَ، وَقالَ: "تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"، فَنَدَرَ الثُّلُثُ الْآخَرُ، فَبَرَقَتْ بَرْقَةٌ، فَرَآها سَلْمانُ، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ، وَقالَ: "تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"، فَنَدَرَ الثُّلُثُ الْباقِي، وَخَرَجَ رَسُولُ الله - ﷺ - فَأَخَذَ رِداءَهُ وَجَلَسَ، فقالَ سَلْمانُ: يا رَسُولَ الله رَأَيْتُكَ حِينَ ضَرَبْتَ ما تَضْرِبُ ضَرْبَةً إِلّا كانَتْ مَعَها بَرْقَةٌ؟! قالَ لَهُ رَسُولُ الله - ﷺ -: "يا سَلْمانُ رَأَيْتَ ذَلِكَ؟ "، فَقالَ: إِي والَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يا رَسُولَ الله، قالَ: "فَإنِّي حِينَ ضَرَبْتُ الضَّرْبَةَ الْأُولَى، رُفِعَتْ لِي مَدائِنُ كِسْرَى وَما حَوْلَها، وَمَدائِنُ كَثِيرَةٌ، حَتَّى رَأَيْتُها بِعَيْنَيَّ"، قالَ لَهُ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَصْحابِهِ: يا رَسُولَ الله ادْعُ الله أَن يَفْتَحَها عَلَيْنا، وَيُغَنِّمَنا دِيَارَهُم، وَيُخَرِّبَ بِأَيْدِينا بِلادَهُمْ، فَدَعا رَسُولُ الله - ﷺ - بِذَلِكَ، "ثُمَّ ضَرَبْتُ الضَّرْبَةَ الثّانِيَةَ فَرُفِعَتْ لِي مَدائِنُ قَيصَرَ وَما حَوْلَها، حَتَّى رَأَيْتُها بِعَيْنَيَّ"، قالُوا: يا رَسُولَ الله ادْعُ الله أَنْ يَفْتَحَها عَلَينا، وَيُغَنِّمَنا دِيارَهُمْ، وَيُخَرِّبَ بِأَيْدِينا بِلادَهُمْ، فَدَعا رَسُولُ الله - ﷺ - بِذَلِكَ، "ثُمَّ ضَرَبْتُ الثّالِثَةَ، فَرُفِعَتْ لِي مَدائِنُ الْحَبَشَةِ، وَما حَوْلَها مِنْ الْقُرَى، حَتَّى رَأَيْتُها بِعَينَيَّ"، قالَ رَسُولُ الله - ﷺ - عِنْدَ ذَلِكَ: "دَعُوا الْحَبَشَةَ ما وَدَعُوكُمْ، واتْرُكُوا التُّرْكَ ما تَرَكُوكُمْ" (١).
_________________
(١) حسن: أخرجه أحمد ٤/ ٣٠٣، والنسائي (٣١٧٦)، كتاب: الجهاد، باب: غزوة الترك والحبشة، وحسنه الألباني في "الصحيحة" (٧٧٢). ومعنى ندر: أي سقط.
[ ٢٨٦ ]
ويحكي لنا جابر - ﵁ - معجزة عجيبة للنبيﷺ- في هذا الموقف.
يقول جابر - ﵁ -: لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِالنَّبِيّ - ﷺ - خَمَصًا شَدِيدًا (١)، فانْكَفَأْتُ إلى امْرَأَتِي فَقُلْتُ: هَلْ عِنْدَكِ شَئيءٌ؟ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ الله - ﷺ - خَمَصًا شَدِيدًا فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرابًا فِيهِ صاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنا بُهَيْمَةٌ داجِنٌ (٢) فَذَبَحْتُها، وَطَحَنَتْ الشَّعِيرَ، فَفَرَغَتْ إلى فَراغِي (٣)، وَقَطَّعْتُها في بُرْمَتِها (٤)، ثُمَّ وَلَّيْتُ إلى رَسُولِ الله - ﷺ - فَقالَتْ: لا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ الله - ﷺ - وَبِمَنْ مَعَهُ فَجِئْتُهُ فَسارَرْتُهُ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنا وَطَحَنَّا صاعًا مِنْ شَعِيرٍ كانَ عِنْدَنا، فَتَعالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ، فَصاحَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقالَ: "يا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إِنَّ جابِرًا سُورًا (٥) فَحَيَّ هَلًا بِهَلّكُمْ (٦) "، فَقالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "لا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُم، وَلا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُم حَتَّى أَجِيءَ"، فَجِئْتُ وَجاءَ رَسُول الله - ﷺ - يَقْدُمُ النّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي، فَقالَتْ: بِكَ وَبِكَ (٧)، قَدْ فَعَلْتُ الَّذي قُلْتِ فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبارَكَ ثُمَّ عَمَدَ إلى بُرْمَتِنا فَبَصَقَ وَبارَكَ، ثُمَّ قالَ: ادْعُ خابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعِي، واقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ، وَلا تُنْزِلُوها، وَهُمْ أَلْفٌ، فَأُقْسِمُ بِاللهِ لَقَدْ أَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وانْحَرَفُوا (٨) وإنَّ بُرْمَتَنا. لَتَغِطُّ كَما هِيَ وإنَّ عَجِينَنا لَيُخْبَزُ كَما هُوَ (٩).
_________________
(١) خمصًا: أي جوعًا.
(٢) أي سمينة.
(٣) أي ففرغت من طحن الشعير حين فرغت من ذبح البهيمة.
(٤) البرمة: القدر التي تُطبخ فيه.
(٥) السُور: كلمة حبشية معناها الضيف.
(٦) أي: هلموا مسرعين.
(٧) أي: تعاتبه على ما فعل، وأن الطعام لن يكفي هذا العدد.
(٨) أي: ذ هبوا.
(٩) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤١٠٢)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق وهي الأحزاب، مسلم (٢٠٣٨)، كتاب: الأشربة، باب: جواز استتباعه إلى دار من يثق برضاه.
[ ٢٨٧ ]
لقد جاءت هذه المعجزة للنبيﷺ- في وقتها، فإن النبي -ﷺ- والصحابة- رضوان الله عليهم- كانوا في أشد الحاجة إلى الطعام حتى يستطيعوا مواصلة العمل في الحفر ثم مواجهة المشركين بعد ذلك، حيث كانوا قد أوشكوا على الهلاك من شدة الجوع وعدم وجود الطعام.
فقد لبثوا ثلاثة أيام لا يأكلون ولا يذوقون ذواقًا، حتى إن النبي -ﷺ- كان يربط على بطنه حجرًا من شدة الجوع (١).
وحتى إنهم من شدة الجوع وعدم وجود شيئًا يأكلوه كانوا يأكلون الطعام المنتن الذي تغيرت رائحته ولونه.
يقول أنس بن مالك - ﵁ -:كانوا يُؤْتَوْنَ بِمِلْءِ كَفِّي مِنْ الشَّعِيرِ فَيُصْنَعُ لَهُمْ بِإِهالَةٍ سَنِخَةٍ (٢) تُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْ الْقَوْمِ والْقَوْمُ جِياعٌ وَهِيَ بَشِعَةٌ في الْحَلْقِ وَلَها رِيحٌ مُنْتِنٌ (٣).
وظل النبي -ﷺ- يعمل ويحمل التراب على كتفه الشريف حتى غطى التراب بطنه - ﷺ -.
يقول الْبَراءُ - ﵁ -: لَمّا كانَ يَوْمُ الْأَحْزابِ وَخَنْدَقَ رَسُولُ الله - ﷺ - رَأَيْتُهُ يَنْقُلُ مِنْ تُرابِ الْخَنْدَقِ حَتَّى وارَى (٤) عَنِّي الْغُبارُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ (٥).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٤١٠١)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق وهي الأحزاب.
(٢) الإهالة: الدهن أو الزيت أو السمن ونحو ذلك، وسنخة: أي تغير طعمها ولونها من قدمها.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٤١٠١)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق وهي الأحزاب.
(٤) وارى: أي حجب من كثرته.
(٥) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤١٠٦)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق وهي الأحزاب، ومسلم (١٨٠٣)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة الأحزاب وهي الخندق.
[ ٢٨٨ ]
وظل الصحابة رضوان الله عليهم يعملون معه - ﷺ - وينقلون التراب على متونهم (١) وهم يرتجزون (٢) بما تقدم من أشعار حتى فرغوا من حفر الخندق قبل وصول المشركين (٣)، وكان ذلك في غداة باردة (٤).
ثم أمر النبي -ﷺ- بالنساء والأطفال فوضعوا في الحصون.
عَنْ عبد الله بن الزُّبَيْرِ قالَ: كُنْتُ أَنا وَعُمَرُ بن أبي سَلَمَةَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ مَعَ النِّسْوَةِ في أُطُمِ (٥) حَسّانَ فَكانَ يُطَأْطِئُ لِي مَرَّةً فَأَنْظُرُ، وَأُطَأْطِئُ لَهُ مَرَّةً فَيَنْظُرُ (٦).
ثم ظهرت فلول المشركين، الذين تحزَّبوا لمحاربة الله ورسوله، والصدِّ عن سبيل الله (٧).
_________________
(١) أي: على أكتافهم.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤١٠٠)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق وهي الأحزاب، ومسلم (١٨٠٥)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة الأحزاب وهي الخندق.
(٣) وردت أخبار في بعض كتب السير تُفيد بأن سلمان الفارسي الذي أشار على النبي -ﷺ- بحفر الخندق، وكلها لا تثبت، إذ لا إسناد لها. كما وردت أخبار تحدد حجم الخندق الذي حفره المسلمون طولًا وعرضًا وعمقًا، وتحدد مكانه تحديدًا دقيقًا، وجميعها لا يصح.
(٤) متفق عليه: من حديث أنس، انظر التخريج السابق، واللفظة للبخاري (٤٠٩٩).
(٥) الأُطُم: الحصين، وجمعها آطام.
(٦) متفق عليه: أخرجه البخاري (٣٧٢٠)، كتاب: "فضائل الصحابة" باب: مناقب الزبير بن العوام، مسلم (٢٤١٦)، كتاب: فضائل الصحاح باب: فضائل طلحة والزبير - ﵄ -. وكان عُمْر عبد الله بن الزبير حينها يقرب من خمس سنوات حيث ولد في العام الأوّل من الهجرة - كما تقدم.
(٧) ذكر أهل السير أن عددهم بلغ عشرة آلاف مقاتل.
[ ٢٨٩ ]
فالتفوا حول المدينة وحاصروها من كل مكان فلما رأت يهود بني قريظة ذلك، تيقنوا أن المسلمين -بأي حالٍ- لن يفلتوا من هذه القوة الهائلة وأنهم سيُقضى عليهم لا محالة، ففكَّروا في نقض العهد الذي بينهم وبين المسلمين، ومساعدة الأحزاب للقضاء عليهم.
وفعلًا نقض يهود بني قريظة العهد، وأصبحوا على استعداد لمعاونة الأحزاب على المسلمين.
ووصل الخبر للنبي -ﷺ- وشاع بين صفوف المسلمين، فاشتد الخطب عليهم.
وكانت ديار بني قريظة في العوالي في الجنوب الشرقي للمدينة على وادي مهزور، فكان موقعهم يمكنهم من إيقاع ضربة بالمسلمين من الخلف (١).
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ أي: الأحزاب، ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي: بنو قريظة، ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ من شدة الخوف والفزع، ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] الظنون السيئة، والخوف من المشركين، وأن الله لن ينصر دينه، ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾ [الأحزاب: ١١] بالخوف والجوع والقلق الذي عاشوه، فكان هذا ابتلاء واختبار للمسلمين، ليتبين الخبيث من الطيب. وحدث ما أراده الله -﷿-.
فأما المؤمنون فسُرعان ما تنبهوا وظهر إيمانهم وثقتهم بالله -﷿-، وقالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ من الابتلاء والامتحان الذي يعقبه النصر، ﴿وَصَدَقَ
_________________
(١) "السيرة النبوية الصحيحة" ٢/ ٤٢٧.
[ ٢٩٠ ]
اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].
وأما المنافقون والذين في قلوبهم مرض، فقالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢].
وقالوا: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾، واستأذنوا النبي -ﷺ- فقالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ ففضحهم الله -﷿-، وقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٣].
ثم أرسل النبي -ﷺ- الزبير بن العوام - ﵁ - إلى بني قريظة ليتأكد من صحة هذا الخبر.
عن جابر بن عبد الله - ﵁ - قَالَ: قال رَسُولُ الله - ﷺ - يَوْمَ الْأَحْزابِ: "مَنْ يَأتِينا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ "، فَقالَ الزُّبَيْرُ: أَنا، ثُمَّ قالَ: "مَنْ يَأتِينا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ "، فَقالَ الزُّبَيْرُ: أَنا، ثُمَّ قالَ: "لِكُلِّ نَبِيٍ حَوارِيُّ، وإِنَّ حَوارِيَّ الزُّبَيْرُ" (١).
وعَنْ عبد الله بن الزُّبَيرِ - ﵄ -، قالَ: كُنْتُ يَوْمَ الْأَحْزابِ جُعِلْتُ أَنا وَعُمَرُ بن أبي سَلَمَةَ في النِّساءِ، فَنَظَرْتُ فَإِذا أَنا بِالزُّبَيرِ عَلَى فَرَسِهِ يَخْتَلِفُ إلى بني قُرَيْظَةَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، فَلَمّا رَجَعْتُ، قُلْتُ: يا أَبَتِ رَأَيْتُكَ تَخْتَلِفُ، قالَ: أَوَ هَلْ رَأَيْتَنِي يَا بنيَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: كانَ رَسُولُ الله - ﷺ - قالَ: "مَنْ يَأتِ بني قُرَيْظَةَ فَيَأتِينِي بِخَبَرِهِم؟ "، فانْطَلَقْتُ، فَلَمّا رَجَعْتُ جَمَعَ لِي رَسُولُ الله أَبَوَيْهِ، فَقالَ: "فِدَاكَ أبي وَأُمِّي" (٢).
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤١١٣)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق وهي الأحزاب، مسلم (٢٤١٥)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل طلحة والزبير.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٣٧٢٠)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب الزبير بن العوام، مسلم (٢٤١٦)، كتاب: "فضائل الصحابة" باب: فضائل طلحة والزبير - ﵄ -.
[ ٢٩١ ]
فذهب الزبير فوجدهم قد نقضوا العهد.
أما المشركون فقد فُجئوا بالخندق أمامهم، فوقفوا حيارى، لا يستطيعون اقتحامه.
ولكنهم حاولوا اقتحامه، فكانوا كلما حاولوا ذلك أمطرهم المسلمون بوابل من السهام فردوهم.
عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قالَ: لَمَّا كانَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ وَرَجُلٌ يَتَتَرَّسُ جَعَلَ يَقُولُ بِالتُّرْسِ هَكَذا، فَوَضَعَهُ فَوْقَ أَنْفِهِ، ثُمَّ يَقُولُ (١): هَكَذا يُسَفِّلُهُ بَعْدُ (٢)، قالَ: فَأَهْوَيْتُ إلى كِنانَتِي فَأَخْرَجْتُ مِنْها سَهْمًا مُدَمًّا (٣) فَوَضَعْتُهُ في كَبِدِ الْقَوْسِ، فَلَمّا قالَ هَكَذا يُسَفِّلُ التُّرْسَ، رَمَيْتُ، فَما نَسِيتُ وَقْعَ الْقِدْحِ (٤) عَلَى كَذا وَكَذا مِنْ التُّرْسِ، قالَ: وَسَقَطَ، فَقالَ: بِرِجْلِهِ، فَضَحِكَ نَبِيُّ الله - ﷺ - حَتَّى بَدَتْ نَواجِذُهُ، لِفِعْلِ الرَّجُلِ (٥).
ولم تنقطع هجمات المشركين على الخندق في محاولات شرسة لاقتحامه، حتى إن النبي -ﷺ- وأصحابه لم يتمكنوا من أداء صلاة العصر في أحد الأيام حتى غربت الشمس، من شدة انشغالهم في صدِّ المشركين عن الخندق.
عَنْ جابِرِ بن عبد الله - ﵄ -، أَنَّ عُمَرَ بن الْخَطّابِ - ﵁ - جاءَ يَوْمَ الخَنْدَقِ بَعْدَ
_________________
(١) يقول: أي يشير.
(٢) يسفله: أي ينزل به لأسفل ليحمي أسفله، فهو يرفعه تارة فوق أنفه ليحمي أعلاه، وتارة لأسفل ليحمي أسفله.
(٣) السهم المدمى: الذي أصابه الدم فحصل في لونه سواد وحمرة مما رمى به العدو، ويطلق على ما تكرر به الرمي، والرماة يتبركون به. (نهاية).
(٤) القدح -بكسر القاف وسكون الدال-: عود السهم.
(٥) صحيح: أخرجه أحمد (١٦٢٠)، وصححه الشيخ أحمد شاكر.
[ ٢٩٢ ]
ما غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفّارَ قُرَيْشٍ، قالَ: يا رَسُولَ الله ما كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصرَ حَتَّى كادَتْ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، قالَ النَّبِي - ﷺ -: "واللهِ ما صَلَّيْتُهَا"، فَقُمْنا إلى بُطْحانَ فَتَوَضَّأَ لِلصلاةِ، وَتَوَضَّأْنا لَها، فَصلَّى الْعَصرَ بَعْدَ ما غَرَبَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ صلَّى بَعْدَها الْمَغْرِبَ (١).
فقام النبي -ﷺ- بالدعاء على المشركين.
عَنْ عَلِيّ بن أبي طالب - ﵁ - قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ الْأَحزابِ، قالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "مَلَأَ الله بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نارًا، شَغَلُونا عَنْ الصَّلاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غابَتْ الشَّمْسُ" (٢).
ثم استمر النبي -ﷺ- في دعائه على المشركين والأحزاب.
عن عبد الله بن أبي أَوْفَى - ﵄ - قال: دَعا رَسُولُ الله - ﷺ - يَوْمَ الْأَحْزابِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَقالَ: "اللهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتابِ، سَرِيعَ الْحِسابِ، اللهمَّ اهْزِمْ الْأَحْزابَ، اللهمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ" (٣).
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٥٩٦)، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت، مسلم (٦٣١)، كتاب: المساجد مواضع الصلاة، باب: الدليل لمن قال الصلاة الوسطي هي صلاة العصر. ولم تكن صلاة الخوف قد شرعت بعد.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٢٩٣١)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة، مسلم (٦٢٧)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: التغليظ في تفويت صلاة العصر.
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٢٩٣٣)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة، مسلم (١٧٤٢)، كتاب: الجهاد والسير، باب: استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو.
[ ٢٩٣ ]
فاستجاب الله -﷿- دعاء نبيه - ﷺ - عليهم، فأرسل عليهم ريحًا شديدًا فخلعت خيامهم، وأكفأت قدورهم، وأطفأت نيرانهم، وأرسل الملائكة فزلزلتهم وألقت في قلوبهم الرعب والخوف.
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾ [الأحزاب: ٩].
فلم تتحمل الأحزاب جنود الله -﷿-، ولم يستطيعوا مواجهتها، فأسرعوا بالتجهز للرحيل.
عن حذيفة بن اليمان - ﵄ - قال: لَقَد رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - لَيلَةَ الْأَحْزابِ وَأَخَذَتْنا رِيحٌ شَدِيدَةٌ وَقُرٌّ (١)، فَقالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "أَلا رَجُلٌ يَأتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ الله مَعِي يَوْمَ الْقِيامَةِ؟ "، فَسَكَتْنا فَلَم يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ قالَ: "أَلا رَجُلٌ يَأتِينا بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ الله مَعِي يَوْمَ الْقِيامَةِ؟ "، فَسَكَتْنا فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ قالَ: "ألا رَجُلٌ يَأتِينا بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ الله مَعِي يَوْمَ الْقِيامَةِ؟ "، فَسَكَتْنا فَلَم يُجِبهُ أَحَدٌ، فَقالَ: "قُمْ يا حُذَيْفَةُ فَأتِنا بِخَبَرِ الْقَوْمِ"، فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا إِذْ دَعانِي بِاسْمِي أَنْ أَقُومَ، قالَ: "اذْهَبْ فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ وَلا تَذْعَرْهُم عَلَيَّ" (٢)، فَلَمّا وَلَّيْتُ مِنْ عِنْدِهِ جَعَلْتُ كَأَنَّما أَمْشِي في حَمَّامٍ (٣) حَتَّى أَتَيْتُهُمْ، فَرَأَيْتُ أَبا سُفْيانَ يَصْلِي ظَهْرَهُ بِالنَّارِ (٤)، فَوَضَعْتُ سَهْمًا في كَبِدِ الْقَوْسِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْمِيَهُ، فَذَكَرتُ قَوْلَ رَسُولِ الله - ﷺ -: "وَلا تَذْعَرْهُم عَلَيَّ"، وَلَوْ رَمَيتُهُ لَأَصَبْتُهُ، فَرَجَعْتُ وَأَنا أَمْشِي في
_________________
(١) القُرُّ: البرد.
(٢) لا تذعرهم عليَّ: أي لا تُهيجهم عليَّ.
(٣) أي: في جوٍّ دافئ.
(٤) أي: يدفئه ويدنيه منها.
[ ٢٩٤ ]
مِثْلِ الْحَمّامِ، فَلَمّا أَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ، وَفَرَغْتُ، قُرِرْتُ (١)، فَأَلْبَسَنِي رَسُولُ الله - ﷺ - مِنْ فَضْلِ عَباءَةٍ كانَتْ عَلَيهِ يُصَلِّي فِيها، فَلَم أَزَلْ نائِمًا حَتَّى أَصْبَحْتُ، فَلَمّا أَصْبَحْتُ قالَ: "قُمْ يا نَوْمانُ! " (٢) وفي رواية: قال حذيفة: يا رسول الله تفرق الناس عن أبي سفيان، فلم يبق إلا عصبة يوقد النار، وقد صبَّ الله عليهم من البرد مثل الذي صبَّ علينا، ولكنا نرجوا من الله ما لا يرجون (٣).
وبذلك تفرقت جموع الأحزاب وهزمهم الله -﷿- وحده: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ [الأحزاب: ٢٥].
وانفك الحصار الذي دام أربعًا وعشرين ليلة (٤)، بفضلٍ من الله﷿-.
ولذا كانَ النبي -ﷺ- يَقُولُ: "لا إِلَهَ إِلّا الله وَحْدَهُ أَعَزَّ جُنْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَغَلَبَ الْأَحْزابَ وَحْدَهُ، فَلا شَيءَ بَعْدَهُ" (٥).
_________________
(١) أي: شعرتُ بالبرد، أي أنه لما ذهب لقضاء مهمته التي أرسله النبي -ﷺ- من أجلها لم يشعر بالبرد بل شعر بدفءٍ تام، ولم يشعر بالريح الشديدة كبقية القوم، فلما قضى مهمته، عاد إليه البرد الذي يجده الناس. قال النوويّ -﵀-: وهذه من معجزات النبي -ﷺ-. اهـ "شرح مسلم" ٦/ ٣٢٧.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (١٧٨٨)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة الأحزاب.
(٣) البزار "كشف الأستار" ٢/ ٣٣٥، ٣٣٦.
(٤) ذكر ذلك ابن سعد في "الطبقات" ٢/ ٧٣ بإسناد رجاله ثقات إلى سعيد بن المسيب مرسلًا، ومراسيله قوية.
(٥) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤١١٤)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق وهي الأحزاب، مسلم (٢٧٢٤)، كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: ما يقول عند النوم وأخذ المضجع.
[ ٢٩٥ ]
وقال النَّبِيُّ - ﷺ - لما أَجْلَى الله الْأَحْزابَ: "الْآنَ نَغْزُوهُم، وَلا يَغْزُونَنا نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِمْ" (١).
٨ - وفي ذي القعدة من هذه السنة: وقعت غزوة بني قريظة، ونالوا جزاء خيانتهم العظمى.
الشرح:
لَمّا رَجَعَ رَسُولُ الله - ﷺ - مِنْ الْخَنْدَقِ ووَضَعَ السِّلاحَ واغْتَسَلَ، أَتاهُ جِبْرِيلُ -﵇ - وَهُوَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنْ الْغُبارِ فَقالَ: قَدْ وَضَعْتَ السِّلاحَ؟ واللهِ ما وَضَعْتُهُ اخْرُجْ إِلَيهِم، قالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "فأَيْنَ"، فَأَشارَ إلى بني قُرَيْظَةَ، فخرج النبي -ﷺ- إليهم (٢).
وسارع في الخروج، وحث الصحابة على سرعة اللحاق به، حتى قالَ لهم - ﷺ -: "لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلّا في بني قُرَيْظَةَ"، فَأَدْرَكَ بَعْضُهُم الْعَصرَ في الطَّرِيقِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَها، وَقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَلَمْ يُعَنِّفْ واحِدًا مِنْهُمْ (٣).
خروج جبريل ﵇ في كوكبة من الملائكة مع النبي - ﷺ - إلى بني قريظة:
عَنْ أَنَس بن مالك - ﵁ - قالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إلى الْغُبارِ سَاطِعًا في زُقاقِ بني غَنْمٍ
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٤١١٠)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق وهي الأحزاب.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤١٢٢)، كتاب: المغازي، باب: مرجع النبي -ﷺ- من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته إياهم، مسلم (١٧٦٩)، كتاب: الجهاد والسير، باب: جواز قتال من نقض العهد.
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤١١٩)، كتاب: المغازي، باب: مرجع النبي -ﷺ- من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة، مسلم (١٧٧٠)، كتاب: الجهاد والسير، باب: المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين.
[ ٢٩٦ ]
مَوْكِبَ جِبرِيلَ صَلَواتُ الله عَلَيهِ حِينَ سارَ رَسُولُ الله - ﷺ - إلى بني قُرَيْظَةَ (١).
وعن البراء بن عازب - ﵄ - قالَ: قالَ رسول الله -ﷺ- يوم قريظة لِحَسَّانَ بن ثابت: "اهْجُ المشركين فإنَ جِبْرِيلَ مَعَكَ" (٢).
ووصل النبي -ﷺ- والمسلمون إلى بني قريظة، وسمع بنو قريظة بقدوم النبي -ﷺ- إليهم فتحصنوا في حصونهم، فحاصرهم النبي -ﷺ-، خمسًا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وقد كان حُييُّ بن أخطب النضري دخل مع بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان (٣).
فلما أيقنوا بأن النبي -ﷺ- غير منصرف عنهم أعلنوا استسلامهم فحكّم النبي -ﷺ- فيهم سعد بن معاذ - ﵁ - ورضي أهلُ قريظة بحكمه.
عن أبي سعيد الْخُدرِيِّ - ﵁ - قالَ: نَزَلَ أَهْلُ قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بن مُعاذٍ، فأَرْسَلَ النبي -ﷺ- إلى سَعْدٍ، فأَتَى عَلَى حِمَار، فَلَمّا دَنا مِنْ الْمَسجِدِ، قالَ لِلْأَنْصارِ: "قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ -أَوْ خَيرِكُم-" فقالَ له رسول الله -ﷺ-: "هَؤُلاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ"، فقالَ: تَقْتُلُ مُقاتِلَتَهُمْ، وَتَسْبِي ذُرِّاريهُمْ، قالَ: "قَضَيْتَ بِحُكْمِ الله"، وَرُبَّما قالَ: "بِحُكْمِ الْمَلِكِ" (٤).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٤١١٨)، كتاب: المغازي، باب: مرجع النبي -ﷺ- ومخرجه إلى بني قريظة.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤١٢٤)، كتاب: المغازي، باب: مرجع النبي -ﷺ- من الأحزاب، مسلم (٢٤٨٦)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل حسان بن ثابت - ﵁ -.
(٣) "سيرة ابن هشام" ٣/ ١٢٧.
(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤١٢٢)، كتاب: المغازي، باب: مرجع النبي -ﷺ- من الأحزاب، مسلم (١٧٦٨)، كتاب: الجهاد والسير، باب: جواز قتل من نقض العهد.
[ ٢٩٧ ]
وفي رواية قَالَ سعد: وَأَنْ تُقْسَمَ أَمْوالُهُمْ (١).
النبي - ﷺ - يميز بين الصغار والبالغين استعدادًا لتنفيذ حكم سعد - ﵁ -:
عن عطية الْقُرَظِيِّ قالَ: كُنْتُ مِنْ سَبْيِ بني قُرَيْظَةَ، فَكانُوا يَنْظُرُونَ فَمَنْ أَنْبَتَ الشَّعْرَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ لَمْ يُقْتَلْ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبتْ.
وفي لفظ: فَكَشَفُوا عانَتِي فَوَجَدُوها لَمْ تَنْبُتْ، فَجَعَلُونِي مِنْ السَّبْيِ (٢).
قال ابن إسحاق:
ثم استنزلوا، فحبسهم رسول الله -ﷺ- بالمدينة في دار بنت الحارث، امرأة من بني النجار، ثم خرج رسول الله -ﷺ- إلى سوق المدينة، التي هي سوقها اليوم، فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم، فضرب أعناقهم في تلك الخنادق، يُخرج بهم إليه أرسالًا (٣) وفيهم عدو الله حُييُّ بن أخطب، وكعب بن أسد رأس القوم، وهم ستمائة أو سبعمائة، والمكثر لهم يقول: كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة وقد قالوا لكعب بن أسد وهم يُذهب بهم إلى رسول الله -ﷺ- أرسالًا: يا كعب، ما تراه يُصنع بنا؟ قال: أفي كل موطن لا تعقلون؟ ألا ترون الداعي لا ينزع، وأنه من ذهب منكم لا يرجع؟ هو والله القتل فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله -ﷺ- (٤).
_________________
(١) هذا لفظ البخاري.
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٤٠٤، ٤٤٠٥)، كتاب: الحدود، باب: في الغلام يصيب الحد، وصححه الشيخ الألباني "صحيح سنن أبي داود".
(٣) أرسالًا: أي طائفة بعد طائفة.
(٤) "سيرة ابن هشام" ٣/ ١٣٠.
[ ٢٩٨ ]
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: عاونوا الأحزاب وساعدوهم على حرب المسلمين، ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ أي: من حصونهم، ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾ [الأحزاب: ٢٦، ٢٧].
المرأة الوحيدة التي قتلت من بني قريظة:
عَنْ عائِشَةَ - ﵂ - قالَتْ: لَمْ تُقْتَلْ مِنْ نِسائِهِمْ -تَعْنِي بني قُرَيْظَةَ- إِلّا امْرَأَةٌ، إِنَّها لَعِنْدِي تُحَدِّثُ: تَضْحَكُ ظَهْرًا وَبَطْنًا، وَرَسُولُ الله - ﷺ - يَقْتُلُ رِجالَهُمْ بِالسُّيُوفِ، إِذْ هَتَفَ هاتِفٌ بِاسْمِها: أَيْنَ فُلانَةُ؟ قالَتْ: أَنا، قُلْتُ: وَما شَأْنُكِ؟ قالَتْ: حَدَثٌ أَحْدَثْتُهُ، قالَتْ: فانْطَلَقَ بِها، فَضُرِبَتْ عُنُقُها، فَما أَنْسَى عَجَبًا مِنْها: أَنَّها تَضْحَكُ ظَهْرًا وَبَطْنًا وَقَدْ عَلِمَتْ أَنَّها تُقْتَلُ (١).
قال ابن هشام:
وهي التي طرحت الرَّحى على خلاد بن سويد فقتلته (٢).
فكان هذا آخر عهد لليهود بالمدينة، وآخرهم بني قريظة الذين نالوا جزاء خيانتهم العظمى، ونقضهم العهد الذي كان بينهم وبين النبي -ﷺ-، وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٠].
ثم أسلم بعض بني قريظة وآمنوا بالنبي - ﷺ - فبقوا بالمدينة.
_________________
(١) صحيح: أخرجه أحمد ٦/ ٢٧٧، أبو داود (٢٦٧١)، كتاب: الجهاد، باب: في قتل النساء، وصححه الألباني "صحيح سنن أبي داود".
(٢) "سيرة ابن هشام" ٣/ ١٣١.
[ ٢٩٩ ]
عَنْ عبد الله بن عُمَرَ - ﵁ - قالَ: حارَبَتْ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ، فَأَجْلَى بني النَّضِيرِ، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ، حَتَّى حارَبَتْ قُرَيْظَةُ، فَقَتَلَ رِجالَهُمْ، وَقَسَمَ نِساءَهُمْ، وَأَوْلادَهُم، وَأَمْوالَهُم بَينَ الْمُسْلِمِينَ، إِلّا بَعْضَهُم لَحِقُوا بِالنَّبِي - ﷺ - فَآمَنَهُم وَأَسْلَمُوا، وَأَجْلَى يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُم بني قَيْنُقاعَ، وَهُمْ رَهْطُ عبد الله بن سَلامٍ وَيَهُودَ بني حارِثَةَ وَكُلَّ يَهُودِ الْمَدِينَةِ (١).
٩ - وفي ذي الحجة من هذه السنة: توفي سعد بن معاذ - ﵁.
الشرح:
عَنْ عائِشَةَ - ﵂ - قالَتْ: أُصيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، رَماهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ: حِبَّانُ بن الْعَرِقَةِ، وَهُوَ حِبَّانُ بن قَيْسٍ، مِنْ بني مَعِيصِ بن عامِرِ بن لُؤَيّ، رَماهُ في الْأَكْحَلِ (٢) فَضَرَبَ النَّبيُّ - ﷺ - خَيمَةً في الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَقال سعد: اللهمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أُجاهِدَهُمْ فِيكَ مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ - ﷺ - وَأَخْرَجُوهُ، اللهمَّ فَإِنِّي أَظنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ، فَإِنْ كانَ بَقِيَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيءٌ فأَبْقِنِي لَهُ حَتَّى أُجاهِدَهُمْ فِيكَ، وَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ فافْجُرْها واجْعَلْ مَوْتَتِي فِيها، فانْفَجَرَتْ مِنْ لَبَّتِهِ (٣) فَلَم يَرُعْهُمْ- وَفِي الْمَسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ بني غِفارٍ - إِلّا الدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ، فَقالُوا: يا أهْلَ الْخَيْمَةِ ما هَذا الَّذِي يَأْتِينا مِنْ قِبَلِكُمْ؟ فَإِذا سَعْدٌ يَغْذُو جُرْحُهُ دَمًا، فَما زال يسيل حتى ماتَ (٤).
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٠٢٨)، كتاب: المغازي، باب: حديث بني النضير، ومسلم (١٧٦٦)، كتاب: الجهاد والسير، باب: إجلاء اليهود من الحجاز.
(٢) الأكحل: عرقٌ في وسط الذراع، إذا قُطع لم يرقأ الدم.
(٣) اللَّبة: موضع القلادة من الصدر، وكان موضع الجرح ورم حتى اتصل الورم إلى صدره فانفجر من صدره.
(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤١٢٢)، كتاب: المغازي، باب: مرجع النبي -ﷺ- من الأحزاب، مسلم (١٧٦٩)، كتاب: الجهاد والسير، باب: جواز قتل من نقض العهد، وجواز إنزال أهل الحصن على حُكم حاكم عدل أهلٍ للحكم.
[ ٣٠٠ ]
فلَمَّا حُمِلَتْ جَنَازَةُ سَعْدِ بن مُعَاذٍ قَالَ الْمُنَافِقُونَ: مَا أَخَفَّ جَنَازَتَهُ، وَذَلِكَ لِحُكْمِهِ في بني قُرَيْظَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ: "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تَحْمِلُهُ" (١).
وقال النَّبِي - ﷺ -: "اهْتَزَّ عَرْشُ الرحمن لِمَوْتِ سَعْدِ بن مُعَاذٍ" (٢).
وعن البراء بن عازب - ﵄ - قال: أُهْدِيَتْ لِلنَّبِي - ﷺ - حُلَّةُ حَرِيرٍ فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَمَسُّونَهَا وَيَعْجَبُونَ مِنْ لِينِهَا، فَقَالَ النبي - ﷺ -: "أَتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بن مُعَاذٍ خَيرٌ مِنْهَا أَوْ أَلْيَنُ" (٣).
١٠ - وفي ذي الحجة من هذه السنة: قتلت الخزرج أبا رافع سلام بن أبي الحقيق اليهودي بإذن رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
كان مما صنع الله به لرسوله - ﷺ - أن هذين الحيَّين من الأنصار، الأوس والخزرج كانا يتصاولان (٤) مع رسول الله -ﷺ - تصاول الفحلين لا تصنع الأوس شيئًا فيه عن رسول الله - ﷺ - غناء (٥) إلا قالت الخزرج: والله لا تذهبون بهذه فضلًا علينا عند رسول الله -ﷺ - وفي الإِسلام قال: فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها، وإذا
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذي (٣٨٤٩)، كتاب: المناقب، باب: مناقب سعد بن معاذ - ﵁ - وقال: حسن صحيح غريب، عبد الرزاق (٢٠٤١٤)، الحاكم ٣/ ٢٠٧، وصححه الألباني "المشكاة" (٦٢٢٨).
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٣٨٠٣)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: مناقب سعد بن معاذ - ﵁ - مسلم (٢٤٦٦)، كتاب: "فضائل الصحابة" باب: من فضائل سعد بن معاذ - ﵁ -.
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٣٨٠٢)، باب: مناقب سعد بن معاذ - ﵁ -، مسلم (٢٤٦٨)، كتاب: فضائل الصحابة باب: من فضائل سعد بن معاذ - ﵁ -.
(٤) أي: يتنافسان.
(٥) غَناء: أي دفع مكروه، وجلب منفعة.
[ ٣٠١ ]
فعلت الخزرج شيئًا قالت الأوس مثل ذلك (١).
ولما انقضى شأن الخندق، وأمر بني قريظة، وكان سلام بن أبي الحُقيق- وهو أبو رافع- فيمن حزب الأحزاب على رسول الله - ﷺ -، وكانت الأوس قبل أُحُد قد قتلت كعب بن الأشرف في عداوته لرسول الله - ﷺ - وتحريضه عليه استأذنت الخزرج رسول الله - ﷺ - في قتل سلام بن أبي الحُقيق، وهو بخيبر فأذن لهم (٢).
عن الْبَرَاءِ بن عَازِبٍ - ﵄ - قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ الله - ﷺ -، إلى أبي رَافِعٍ، عبد الله بن عَتِيكٍ وَعبد الله بن عُتْبَةَ في نَاسٍ مَعَهُمْ فَانْطَلَقُوا حَتَّى دَنَوْا مِنْ الْحِصنِ، فَقَالَ لَهُمْ عبد الله بن عَتِيكٍ: امْكُثُوا أَنْتُمْ حَتَّى أَنْطَلِقَ أَنَا فَأَنْظُرَ، قَالَ: فَتَلَطَّفْتُ أَنْ أَدْخُلَ الْحِصْنَ، فَفَقَدُوا حِمَارًا لَهُمْ- وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم (٣) - فَخَرَجُوا بِقَبَسٍ (٤) يَطْلُبُونَهُ، قَالَ: فَخَشِيتُ أَنْ أُعْرَفَ، قَالَ: فَغَطَّيْت رَأْسِي وَجَلَسْتُ كَأَنِّي أَقْضِي حَاجَةً، ثُمَّ نَادَى صَاحِبُ الْبَابِ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ فَلْيَدْخُلْ قَبْلَ أَنْ أُغْلِقَهُ، فَدَخَلْتُ ثُمَّ اخْتَبَأْتُ في مَرْبِطِ حِمَارٍ عِنْدَ بَابِ الْحِصْنِ، فَتَعَشَّوْا عِنْدَ أبي رَافِعٍ وَتَحَدَّثُوا حَتَّى ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى بُيُوتِهِمْ، فَلَمَّا هَدَأَتْ الْأَصْوَاتُ، وَلَا أَسْمَعُ حَرَكَةً خَرَجْتُ، قَالَ: وَرَأَيْتُ صَاحِبَ الْبَابِ حَيْثُ وَضَعَ مِفْتَاحَ الْحِصْنِ في كَوَّةٍ، فَأَخَذْتُهُ فَفَتَحْتُ بِهِ بَابَ الْحِصْنِ، قَالَ: قُلْتُ: إِنْ نَذِرَ بِي الْقَوْمُ انْطَلَقْتُ عَلَى مَهَلٍ ثُمَّ عَمَدْتُ إلى أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ فَغَلَّقْتُهَا عَلَيْهِمْ مِنْ ظَاهِرٍ ثُمَّ صَعِدْتُ إلى أبي رَافِعٍ في سُلَّمٍ فَإِذَا الْبَيْتُ
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" ٣/ ١٥٨.
(٢) "سيرة ابن هشام" ٣/ ١٥٧.
(٣) أي: بمواشيهم.
(٤) أي: شعلة من نار.
[ ٣٠٢ ]
مُظْلِمٌ قَدْ طَفِئَ سِرَاجُهُ فَلَمْ أَدْرِ أَيْنَ الرَّجُلُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: فَعَمَدْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ فَأَضْرِبُهُ وَصَاحَ فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ كَأَنِّي أُغِيثُهُ، فَقُلْتُ: مَالَكَ يَا أَبَا رَافِعٍ؟ وَغَيَّرْتُ صَوْتِي، فَقَالَ: أَلَا أُعْجِبُكَ لِأُمِّكَ الْوَيْلُ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَضَرَبَنِي بِالسَّيْفِ، قَالَ: فَعَمَدْتُ لَهُ أَيْضًا فَأَضْرِبُهُ أُخْرَى فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا فَصَاحَ وَقَامَ أَهْلُهُ، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ وَغَيَّرْتُ صَوْتِي كَهَيْئَةِ الْمُغِيثِ فَإِذَا هُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَأَضَعُ السَّيْفَ في بَطْنِهِ ثُمَّ أَنْكَفِئُ عَلَيْهِ- حتى أخذ في ظهره- حَتَّى سَمِعْتُ صَوْتَ الْعَظْمِ، ثُمَّ خَرَجْتُ دَهِشًا حَتَّى أَتَيْتُ السُّلَّمَ أُرِيدُ أَنْ أَنْزِلَ فَأَسْقُطُ مِنْهُ فَانْخَلَعَتْ رِجْلِي فَعَصَبْتُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُ أصحابي أَحْجُلُ، فَقُلْتُ: انْطَلِقُوا فَبَشِّرُوا رَسُولَ الله - ﷺ - فَإِنِّي لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَسْمَعَ النَّاعِيَةَ، فَلَمَّا كَانَ في وَجْهِ الصُّبْحِ صَعِدَ النَّاعِيَةُ، فَقَالَ: أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ، قَالَ: فَقُمْتُ أَمْشِي مَا بِي قَلَبَةٌ فَأَدْرَكْتُ أصحابي قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا النَّبِيَّ - ﷺ - فَبَشَّرْتُهُ، فَقَالَ: "ابْسُطْ رِجْلَكَ"، فَبَسَطْتُ رِجْلِي فَمَسَحَهَا فَكَأَنَّهَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ (١).
١١ - وفي هذه السنة: تسرَّى رسول الله - ﷺ - بريحانة، وهي من سبي بني قريظة بعدما أسلمت وظلت معه حتى ماتت في السنة العاشرة للهجرة.
الشرح:
قال ابن إسحاق ﵀:
وكان رسول الله - ﷺ - قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن جُنافة، إحدى نساء بني عمرو بن قريظة، فكانت عند رسول الله -ﷺ - حتى تُوفي عنها وهي ملكه (٢).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٤٠٤٠)، كتاب: المغازي، باب: قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحُقيق، ويقال: سلام بن أبي الحقيق.
(٢) "سيرة ابن هشام" ٣/ ١٣٣.
[ ٣٠٣ ]
١٢ - وفي هذه السنة: قدم وفد أشجع على رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
قال ابن سعد ﵀:
وقدمتْ أشجع على رسول الله -ﷺ - عام الخندق، وهم مائة- على- رأسهم مسعود بن رخيلة، فنزلوا شعب سَلْع، فخرج إليهم رسول الله - ﷺ -، وأمرهم بأحمال التمر، فقالوا: يا محمَّد لا نعلم أحدًا من قومنا أقرب دارًا منك منَّا، ولا أقلَّ عددًا، وقد ضقنا بحربك وبحرب قومك، فجئنا نوادعك، فوادعهم، ويقال: بل قدمت أشجع بعد ما فرغ رسول الله - ﷺ - من بني قريظة وهم سبعمائة، فوادعهم ثم أسلموا بعد ذلك (١).
١٣ - وفي هذه السنة: سابق النبي - ﷺ - بين الخيل.
الشرح:
عن ابْنِ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - سَابَقَ بَينَ الْخَيلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ (٢) مِنْ الْحَفْيَاءِ إلى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ (٣)، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنْ الثَّنِيَّةِ إلى مَسْجِدِ بني زُرَيْقٍ (٤) وَكان ابْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا (٥).
_________________
(١) "الطبقات" ١/ ٣٠٦.
(٢) يقال: أُضمرت الخيل، وهو أن يُقلل علفها مدة، وتدخل بيتًا، وتُجلل فيه لتعرق ويجف عرقها، فيخف لحمها وتقوى على الجري.
(٣) بين ثنية الوداع والحفياء خمسة أميال أو ستة.
(٤) وبين ثنية الوداع ومسجد بني زريق ميلٌ واحد.
(٥) متفق عليه: أخرجه البخاري (٢٨٦٨)، كتاب: الجهاد والسير، باب: السبق بين الخيل، ومسلم (١٨٧٠)، كتاب: الإمارة، باب: المسابقة بين الخيل وتضميرها.
[ ٣٠٤ ]
وذكر ابن سيد الناس ذلك ضمن أحداث السنة الخامسة، فقال: وفيها سابق- النبي - ﷺ - بين الخيل (١).
١٤ - وفي هذه السنة: زُلزلت المدينة.
الشرح:
قال ابن سيد الناس ﵀:
وفيها -أي: في السنة الخامسة- زلزلت المدينة (٢).
_________________
(١) "عيون الأثر" ٢/ ٣٧٣.
(٢) المصدر السابق.
[ ٣٠٥ ]
السنة السادسة من الهجرة
[ ٣٠٧ ]