سلسلة الأيام النضرة في السيرة العطرة [أعمامه وعماته، أزواجه، خدمه]
في هذه المادة تجد الكلام عن أعمام النبي ﷺ؛ عمن أسلم منهم ومن لم يسلم منهم، وعمن لم يدرك البعثة، وذكر شيء من أخبارهم.
وتجد أيضًا الكلام على عمات النبي، من أسلم منهن، ومن لم تدرك البعثة، وذكر شيء من أخبارهن.
وكذلك تجد الكلام عن أزواجه اللاتي عقد عليهن، وهن أقسام: فمنهن من دخل بها ومنهن من لم يدخل بها، ومنهن من كان يقسم لهن ومنهن من كان لا يقسم لهن، ومنهن من ماتت في حياته ومنهن من عشن بعده.
والكلام أيضًا على خدمه، وعمل كل واحد منهم.
[ ٢ / ١ ]
ذكر أعمام النبي ﷺ
ذكر صاحب المتن أعمام النبي ﷺ، وقبل التعليق على هذا يحسن أن تعلم أن العم معروف أنه أخو الوالد، وأن عبد المطلب هو جد النبي ﷺ، ولم يكن له في أول الأمر إلا ابن واحد، ثم إنه اشتد عليه بعض الخلاف مع زعماء قريش فنذر إن رزقه الله أولادًا يمنعونه أن يذبح أحدهم، وهذا في الجاهلية، فرزقه الله جل وعلا أولادًا، فأراد أن يذبح ابنه عبد الله، ثم حصل ما حصل من قضية الاستهام، ففدي عبد الله بمائة من الإبل، فهؤلاء كلهم إخوة لـ عبد الله والد النبي ﷺ، فأصبح إخوة أبيه أعمامًا له.
نعود لأصل الموضوع: أصل الموضوع أن لوطًا ﵊ويحسن بطالب العلم أن يربط بين حياة الأنبياء، ويفقه السنن التي يبعث الله جل وعلا من أجلها الرسل- كان ابن أخ لإبراهيم ﵊، فلما هاجر لوط ونزل أرض سدوم في جهة البحر الميت اليوم، وجاءته الملائكة بصورة أناس ذوي وجوه حسان تامي الخلقة، وفتن بهم قوم لوط، ودخلوا عليه وراودوه عن ضيفه كما قال القرآن، قال لوط -كما قال الله-: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠]، فكان يتمنى أن يكون له قوم ينصرونه على هؤلاء؛ لأنه لو كان منيعًا لما تجرأ هؤلاء عليه، قال ﷺ كما في البخاري وغيره قال: (فما بعث الله نبيًا بعده إلا في منعة من قومه).
فكان للنبي ﷺ أعمام، وبنو هاشم كانوا لهم صيت عند القرشيين، وهذا كله من أجل حفظ نبينا ﷺ، وقد بينا في السابق أن الإنسان قد يستفيد حتى من الكافر، فبنو هاشم مؤمنهم وكافرهم كانوا عصبة للنبي ﵊، وقلنا إنهم جميعًا دخلوا معه الشعب المؤمن منهم والكافر، وقبلوا الحصار؛ لأنهم يشعرون بالأنفة والحمية لمن يحمونه ولو كانوا يخالفونه.
[ ٢ / ٢ ]
أقسام أعمام النبي من حيث الإسلام وعدمه
والشاهد من هذا كله أن النبي ﵊ كان له أعمام كثيرون، لكن هؤلاء الأعمام أنت لست ملزمًا بحفظهم، وإنما ذكرهم صاحب المتن من باب التعلم، والذي أنت ملزم به هو التصور الكامل للمسألة، وأن تعلم أن أعمام النبي ﷺ يمكن تقسيمهم إلى ثلاثة أقسام: قسم لم يدرك نبوة الرسول ﷺ ومبعثه، وبالتالي عندما لم يدرك النبوة لم يدرك المبعث، فيكون قد مات على دين آبائه، فهو من أهل الفترة، فيجري عليه ما يجري على أهل الفترة؛ لأنه ما أدرك بعثة النبي ﷺ.
القسم الثاني: أدرك مبعث النبي ﷺ ولم يؤمن، وهذا يضم اثنين شهيرين: أبو طالب وأبو لهب، فكلاهما أردك البعثة النبوية ولم يؤمن، وهذا القسم نفسه ينقسم إلى قسمين: قسم لم يؤمن وناصر النبي ﷺ، وهو أبو طالب.
وقسم لم يؤمن وعادى النبي ﵊ ولم ينصره، وهو أبو لهب، وسمي أبا لهب لجمال خديه ونورهما، وإلا فاسمه الحقيقي عبد العزى، وإنما أبو لهب كنيته، وفي هذا نزل قول الله جل وعلا: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:١ - ٢].
وهذه الآية من أعظم السور الدالة على أنه لا يمكن لأحد أن يخرج عن مشيئة الله، وذلك أن النبي ﵊ يقول: هذا القرآن من عند الله، وقريش تقول -ومن ضمنها أبو لهب -: هذا القرآن ليس من عند الله، فلما قال أبو لهب لنبينا ﵊: تبًا لك سائر اليوم؛ ألهذا جمعتنا؟! أنزل الله على نبينا هذه السورة، فقال ﵊ يتلوها: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:١ - ٣].
ومعلوم أن النار ذات لهب لا يصلاها المؤمن، وإنما يصلاها الكافر، فهو يقول للناس وأبو لهب يسمع: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣]، فكان بإمكان أبي لهب أن يقول للناس: محمد يقول: إنني في النار، وأنا الآن مؤمن بمحمد؛ حتى يبطل على النبي القرآن، إذًا فمحمد كذاب.
فهذه على سهولتها لم يستطع أن يقولها، وإلا لو قالها لخرج، لكن الله جل وعلا يعلم يقينًا أنه لن يقولها، ولذلك قال الله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣]، وأنا لا أريد أن أخرج من السيرة إلى التفسير، ولكن من أراد أن يخشع في القرآن فليتدبر القرآن في المقام الأول، ففي القرآن كنوز ليس هذا وقت إخراجها، من رزق قدرة على التفسير فسيرى شيئًا عجبًا في دلائل قدرة الله، لكن كما قلت: لا أريد أن أخرج إلى هذا المنحى.
والمقصود أن أبا لهب لم يؤمن بالنبي ﷺ وعاداه.
القسم الثالث: قسم أدرك البعثة وأسلم، وهما حمزة والعباس، وحمزة ﵁ تقدم إسلامه، وأما العباس فقد تأخر إسلامه إلى قريب من زمن الفتح، وبعض المؤرخين يقول: إنه أسلم قبل ذلك، لكنه ما أشهر إسلامه إلا في زمن الفتح، والذي يعنينا أنه أسلم ومات على الإسلام.
[ ٢ / ٣ ]
ذكر حمزة ﵁ وذكر قصة قتله
وحمزة هو أخو النبي ﵊ من الرضاعة، وكنيته أبو عمارة، ولم يترك إلا ابنة ماتت قبل أن تنجب، فالنسب إذًا إلى حمزة منقطع، فلا يوجد أحد اليوم من ذرية حمزة بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه، وهذا الصحابي الجليل أسلم قديمًا، أي: أنه من السابقين الأولين من المسلمين، ثم هاجر مع النبي ﵊، وكان ينصر الرسول في مكة، فلما هاجر كان فارسًا مقدامًا ورجلًا شجاعًا، فلما كانت يوم بدر كانت لـ حمزة اليد الطولى في رفع لواء أهل الإسلام؛ لأنه كان رجلًا فارسًا مغوارًا، فكان أكثر من مات من القرشيين مات بسبب قتل حمزة له، وممن قتل رجل يقال له: مطعمة بن عدي، ومطعمة هذا عم لرجل اسمه جبير بن مطعم، فـ مطعم ومطعمة أخوان، ومطعم له ابن اسمه جبير أسلم بعد ذلك.
فـ جبي ر هذا جاء لغلام اسمه وحشي، ووحشي هذا كان عبدًا عند جبير، ولا يعنيه هل ينتصر المسلمون أو ينتصر الكافرون، لا تضره ذلك شيئًا، لكنه كان غلامًا يجيد الرمي بالحربة، فجاءه جبير وعرض عليه أكثر شيء يتمناه وهو الحرية، فقال له: إن قتلت حمزة فأنت حر، فأعد وحشي حربة له، ولما جاء أبو سفيان بجيشه في أحد جاء معه، وليس له هم إلا حمزة، فتربص به والناس يقتتلون، وهو لا ينتصر لا لهؤلاء ولا لهؤلاء، ويوجد في كل قوم أقوام من الساقة ليس عليهم بأس، فأخذ يتربص بـ حمزة وحمزة يفتك في الناس، حتى جاء حمزة لرجل قرشي كانت أمه تختن النساء في الجاهلية، فناداه حمزة: هلم إليّ يا بن كذا وكذا يسبه ويعيره بأمه، ثم ضربه فمات، فلما فرغ والتف إذا بـ وحشي يرميه بالحربة فسقطت في أعلى سرته ونزلت من ثنته، فسقط على الأرض وأخذ يتلوى، ولم يكن بجواره أحد ينقذه، يقول وحشي راوي الخبر: وأنا أنظر إليه، أي: أنه يريد الحربة، قال: وأنا أنظر إليه حتى تيقنت أنه مات، فقام إليه وحشي وأخذ الحربة، قال وحشي: وليس لي شأن ولا هم في غيره، فهمّي حريتي وقد نلتها، ثم انتظر قليلًا حتى ينتهي الناس من الحرب، وجاءت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان فكأنها قطعت شيئًا من جسد حمزة، فجاء النبي ﷺ وحمزة قد مثّل به فحزن حزنًا شديدًا، وكان ﵊ يحب حمزة حبًا شديدًا، فقال: لولا أن تبكي عليه صفية وهي عمة النبي ﷺ وأخت حمزة الشقيقة -لتركت حمزة هكذا حتى يحشر من بطون السباع والوحوش والطير، لكنه دفنه ﵊ كما دفن معه بقية الشهداء وقال ﵊ بعد ذلك: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ثم ذكر رجلًا آخر يقوم إلى إمام جائر فيأمره فينهاه فيقتله الإمام).
[ ٢ / ٤ ]
ذكر شيء من خبر وحشي ﵁
ثم إن وحشيًا هذا رجع إلى مكة ونال حريته، ثم عاش حتى جاء النبي ﵊ ودخل مكة، ففر إلى الطائف، فلما ذهب النبي ﵊ إلى الطائف وأسلم أهلها قال: قلت في نفسي: أذهب إلى الشام أذهب إلى اليمن، فبلغني أن النبي ﵇ لا يؤذي أحدًا دخل في دين الله، فقدم المدينة والنبي ﵊ فيها، فلما رآه ﵊ قال: (أنت وحشي؟ قال: نعم يا رسول الله! قال: أنت قتلت حمزة؟ قال: نعم، قال: نعم، قال: كيف قتلته؟ فأخذ وحشي يقص على النبي ﷺ قتله لحمزة، وعيناه ﵊ تذرفان)؛ حزنًا على عمه، ثم قال له: (غرب وجهك عني) أي: لا أستطيع أن أراك، فهناك حقوق شرعية وهناك حقوق خاصة، فالحق الشرعي أن النبي ﷺ لا يستطيع أن يمنع وحشيًا من الإسلام؛ لأن هذا دين، هو ﵊ ما بعث إلا رحمة للعالمين، وأما الحق الخاص الشخصي فلا يستطيع الإنسان أن يتخلص منه، فهو شيء في القلب، فهو ﵊ لا يستطيع أن يطيق رجلًا قتل عمه الذي من أحب الناس إليه، والذي ناصره، وقتله هكذا غيلة من غير مواجهة، فقال له: (غرب وجهك عني)، فكان وحشي ﵁ وأرضاه يتحرج من الطرائق والأماكن التي يمشي فيها النبي ﷺ.
ثم عُمِّر وحشي حتى قالوا: إنه قتل مسيلمة الكذاب بنفس الحربة.
ثم إنه كان ﵁ وأرضاه مبتلىً بشرب الخمر، فقلما يصحو في آخر عمره، حتى إن الرواية هذه في قضية قتل حمزة يقول الراوي عن وحشي: لما بُعثت إليه قيل لي: لعلك أن تجده غير شارب للخمر، يعني: في وقت صحو، قال: فوافقته في وقت صحو.
وهنا تأتي مسألة عند العلماء وهي: ينقل عن عمر ﵁ أنه قال: (لا يجتمع حمزة وقاتله في الجنة)، لكن يشك في صحة الكلام إلى عمر على اعتبار أن وحشيًا مات مدمنًا على للخمر فلا يدخل الجنة.
لكن الصواب أن يقال: إن وحشيًا أسلم والنبي ﷺ قَبِل إسلامه، وهو معدود في الصحابة؛ لأنه رأى النبي ﵊ وآمن به ومات على الإيمان، لكن يتوقف عند هذا ولا يدخل في قضية أن وحشيًا لا يدخل الجنة؛ لأنه مات شارب للخمر، فالصحابة كلهم يتفاوتون في قضية إتيانهم للطاعات وبعدهم عن المعاصي، والذي يعنينا هنا أن وحشيًا هو الذي قتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عن جميع الصحابة.
ثم إن جبيرًا هذا نفسه الذي أوصى وحشيًا أن يقتل حمزة هو نفسه أسلم، فرحمة الله واسعة، ومن تاب تاب الله جل وعلا عليه، والصحابة لهم منزلة خاصة، والقرآن والسنة لا يجوز لأحد أن يخوض فيهما فيما لا يعرف ولو كانت على غرار المسائل العلمية، وإنما يخوضها بتحقق وبمعرفة ما للصحابة من حق عظيم عند الله وعند رسوله ﷺ.
هذا ما كان من شأن حمزة.
[ ٢ / ٥ ]
ذكر العباس بن عبد المطلب ﵁
وأما العباس فقد كان أسن من النبي ﷺ بثلاث سنوات -أي أكبر-، لكنه كان مؤدبًا، فإذا سئل أيهما أكبر أنت أم رسول الله ﷺ؟ يقول: هو أكبر مني، وأنا أسن منه، فهذا من الأدب؛ فكلمة أكبر تحتمل أشياء كثيرة، فيقول: هو أكبر مني، أي: في الفضل والعلم والعقل والدين والهداية، وأنا أسن منه، وكلمة أسن تعطي نفس المعنى بالسن، لكنها تؤتي نفس الضعف، كمن يقال: أسن فلان، يعني: ضعف، فاللغة من يعرفها كثيرًا يستطيع أن يلعب بألفاظها، فقال العباس: هو أكبر مني، وأنا أسن منه.
قلنا: إن العباس أسلم قبل عام الفتح على الصحيح، وفي معركة خيبر كان أحد الصحابة قد أسلم ويخفي إسلامه عن قريش، ثم لما دخل مكة والنبي ﵊ قد انتصر في خيبر، أشاع هذا الرجل في القرشيين أن النبي ﵊ غلب في خيبر وهزم وقتل، حتى يطمئن على ماله ويريد أن يخرج من مكة، قبل أن يخرج جاء إلى العباس وقال له: إن النبي ﵊ قد انتصر، وإنما أنا قلت هذا خوفًا على تجارتي، وأبشرك أن النبي ﵊ قد تزوج بنت ملكهم، أي: بنت حيي بن أخطب، فسكت العباس حتى اطمأن أن صاحبه هذا خرج من مكةفلبس أحسن ثياب -وهذه عادة عند القرشيين الناس من قديم يفرون من الشماتة- فدخل المسجد وقريش في أنديتها تحسب أن النبي ﵊ قد غلب في خيبر أو قتل، فدخل وهو متجمل متطيب وطاف بالبيت، فلما طاف بالبيت جاء القرشيون إليه يقولون له: هذا والله التجمل لحر المصيبة يا أبا الفضل، يعنون أن محمدًا ابن أخيه قد مات، هذا والله التجمل لحر المصيبة يا أبا الفضل! وهي كنية العباس، فقال: وما ذاك؟ فقالوا له: قتل ابن أخيك كذا وكذا، قال: كذبتم، والله لقد أضحى منتصرًا معرسًا في ابنة ملكهم، أي: متزوجًا بابنة ملكهم، ثم تبين للقرشيين صدق ما قاله أبو الفضل ﵁ وأرضاه.
ثم هاجر العباس بعد ذلك وأدرك النبي ﷺ عندما مات، وقلنا: إنه واحد من الستة الذين اشتركوا في غسل النبي ﵊، وقلنا: إن الصحيح أنه لم ينزل القبر، وإنما نزل قبره ابناه قثم والفضل، وكنيته أبو الفضل ﵁ وأرضاه.
وزوجته كنيتها أم الفضل لها أخت اسمها ميمونة، وكان أبو الفضل العباس يرى من ميمونة أخت زوجته يرى منها التقوى، فأشار على النبي ﵊ أن يتزوجها فتزوجها، وهي ميمونة بنت الحارث الهلالية، وهي خالة ابن عباس كما سيأتي، فكان عندها مع النبي ﵊ فينقل للناس أخبار قيام الليل عن رسول الله ﷺ.
والعباس كان الصحابة يعرفون له قدره وأنه سيد بني هاشم في زمانه؛ لأنه أكبرهم، وهو أول من صلى على رسول الله ﷺ وهو ميت، وقلنا في درس وفاته ﵊: إن الناس صلوا عليه أرسالًا -أي: متفرقين-، فكان أول من صلى عليه عمه العباس، ولم يتقدم أحد، ثم صلى عليه بنو هاشم كلهم كـ علي وغيره من بني هاشم.
هذا ما كان من العباس ﵁، وقد أكرمه الله أن من ذريته ابنه عبد الله بن عباس الصحابي المعروف بالعلم، ثم من ذريته قيام دولة بني العباس، فـ أبو العباس السفاح مؤسس دولة بني العباس من ذرية العباس بن عبد المطلب ﵁، وإنما سميت دولتهم بالدولة العباسية نسبة إلى العباس بن عبد المطلب عم النبي صلوات الله وسلامه عليه.
هذا بالنسبة لأعمامه.
[ ٢ / ٦ ]
عمات رسول الله ﷺ
[ ٢ / ٧ ]
ذكر صفية بنت عبد المطلب ﵁
وأما عماته ﷺ فقد اختلف فيمن أسلم منهن ممن لم تسلم، وممن ثبت إسلامها صفية بنت عبد المطلب، وهذه صفية هي أم الزبير بن العوام حواري النبي ﷺ، وقلنا كما مر معنا أنها أخت شقيقة لـ حمزة بن عبد المطلب، ولا شك في إسلامها فإسلامها وهجرتها، ﵂ وأرضاها ثابتان.
[ ٢ / ٨ ]
ذكر عاتكة بنت عبد المطلب ﵁
ومنهن امرأة يقال لها عاتكة، وقد اختلف في أنها أسلمت أو لم تسلم، وهذه عاتكة هي التي رأت الرؤيا قبل معركة بدر، فقد رأت في مكة أن صخرة كبيرة انفلقت عند جبال مكة، ثم تناثرت حجارها على كل بيت في قريش، ثم سمعت مناديًا ينادي يقول: يا آل بدر انصرفوا إلى مصارعكم، فلما أصبح الناس يتحدثون بهذه القصة كان أبو جهل مازال حيًا؛ لأن هذا قبل موقعة بدر، وكان بنو مخزوم أحد أنداد بني هاشم، فبنو مخزوم أندار لبني هاشم، فالنزاع الذي كان ما بين أبي جهل وبين النبي ﷺ بالنسبة لـ أبي جهل كان نزاع أقران وتنافس أقران من جهة أبي جهل نفسه، فلما بلغته هذه الرؤيا دخل على العباس، ودخل على بني هاشم وقال: يا بني عبد المطلب أما كفاكم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم؟! والله لا يتحدثن أحد بهذه الرؤيا إلا فعلت وفعلت وفعلت، فصدق الله رؤيا عاتكة وجاء المنادي ينادي ويستغيث بالقرشيين حتى ينقذوا العير، ثم خرج الناس كما وقع في الرؤيا، ومن لم يخرج أخرج بدلًا منه، فخرجوا كلهم كما قال في الرؤيا: يا آل بدر انصرفوا لمصارعكم، وخرجوا جميعًا إلى بدر، فكان ما كان من أمر بدر، وأصيبت قريش في قتلاها، وهذا كله مر معنا في غزوة بدر، لكن تكلمنا عنه من باب الحديث عن عاتكة التي اختلف في إسلامها.
وأما أكثر عماته ﷺ وهن أربع فلم يدركن بعثته صلواته الله وسلامه عليه.
[ ٢ / ٩ ]
ذكر أزواجه ﷺ
والفصل الذي نحن بصدد إيضاحه اليوم هو ذكر أزواجه عليه وعليهن الصلاة والسلام: وقبل أن نشرع فيما ذكره المصنف من ذكر أسماء أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن، فإننا نقول: إن نبينا ﷺ جعله الله -كما مر معنا- بشرًا، فأخذ الخصائص البشرية التي أعطيت للناس، كما قال جل وعلا عن أنبيائه ورسله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨].
والبيت النبوي كان يتكون في أول الإسلام وقبل الإسلام قبل البعثة، كان يتكون من النبي ﷺ وأم المؤمنين خديجة بنت خويلد والستة الذين رزقهم جل وعلا نبيه من خديجة.
طفلان صغيران ماتا وهما صغيران، وبقي أربع بنات، فكان البيت النبوي قد استقر على أربع بنات مع النبي ﵊، أما القاسم وعبد الله الملقب بـ الطيب أو الطاهر فقد مر معنا أن هذين توفيا وهما صغار، لكن البيت النبوي اقتصر على أربع بنات وأمهن خديجة ورسول الله ﷺ.
ومضى على هذا من زواجه ﵊ حتى توفيت خديجة خمسة وعشرون عامًا، فإن خديجة توفيت والنبي ﷺ عمره قرابة خمسين عامًا، وذلك قبل أن يهاجر إلى المدينة بثلاث سنوات، هذا كله وهو ﵊ لم يتزوج، ثم بعد ذلك تزوج سودة ومازال ﵊ يتزوج لأسباب سيأتي ذكرها حتى توفي ﷺ.
وبالنسبة لك كطالب علم يجب أن تعلم التالي: الثابت أنه ﵊ عقد على ثلاث عشرة امرأة، هذا مجرد عقد، ودخل على إحدى عشرة امرأة، وتوفي ﷺ عن تسع، وكان يقسم قبل وفاته لثمان، وبيان هذا على النحو التالي: قلنا: إنه عقد على ثلاثة عشر امرأة صلوات الله وسلامه عليه: اثنتان منهن عقد عليهما ولم يدخل عليهما، فلا تجري عليهما قضايا وأحكام أمهات المؤمنين في الآخرة، وأما في الدنيا فالمسألة خلافية، فلا يقال لواحدة منهما: إنها أم المؤمنين، لكن هل يتزوجها أحد بعد النبي ﷺ؟ هذه مسألة لم تثبت.
هاتان المرأتان هما أسماء بنت النعمان الكندية، فهذه رأى فيها بياضًا فطلقها ومتعها صلوات الله وسلامه عليه، ولم يدخل عليها، والمرأة الثانية عمرة بنت يزيد الكلابية، فهذه لما دخل عليها كانت حديثة عهد بجهل وقبح، والله جل وعلا جعل لأكثر الأشياء أسبابًا، فلما دخل عليها قالت: أعوذ بالله منك؛ لجهلها تقول لرسول الله ﷺ: أعوذ بالله منك، فقال لها ﷺ: (لقد عذت بعظيم)، وفي رواية قال: (عائذ مانع، الحقي بأهلك)، فطلقها ولم يدخل عليها، فهاتان لم يدخل عليهما صلوات الله وسلامه عليه.
وبقي إحدى عشرة امرأة فهؤلاء هن أمهات المؤمنين قطعًا، فكلهن دخل عليهن صلوات الله وسلامه عليه، اثنتان منهن توفيتا في حياته صلوات الله وسلامه عليه وهما: خديجة بنت خويلد وزينب بنت خزيمة الهلالية.
والتسع الباقيات منهن سودة بنت زمعة أول زوجاته بعد خديجة، فهذه كبرت ووهبت في آخر عمره ﷺ وهبت ليلتها لـ عائشة، فأصبح النبي ﷺ لا يقسم لتسع وإنما يقسم لثمان من نسائه، تحرر من هذا أنه ﵊ عقد على ثلاث عشرة امرأة، ولم يدخل باثنتين منهن، ودخل بإحدى عشرة، اثنتان من الإحدى عشرة توفيتا في حياته وهما خديجة بنت خويلد وزينب بنت خزيمة ﵄، وتسع نسوة بقين في حياته مات عنهن، منهن سودة بنت زمعة لم يكن ﷺ يقسم لها في آخر حياته كما سيأتي، ووهبت ليلتها لـ عائشة ﵅، فهؤلاء هن أمهات المؤمنين.
وهؤلاء ﵅ وأرضاهن اختارهن الله ليكن أزواج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، ويجب عليهن رغم أنهن أمهات المؤمنين يجب عليهن الحجاب في المقام الأول، فلا يصح لأحد من الأمة أن يرينه أو أن يراهن، يعني: أن الحجاب فرض عليهن رغم أنهن أمهات المؤمنين، إلا رجل بينه وبينهن محرم من جهة أخرى كقرابة مثلًا، فـ ميمونة هي خالة ابن عباس لذلك فهو يراها، لكن كونها أم المؤمنين لا يعني ذلك أنه يراها، هذا الأمر الأول.
والأمر الثاني: أن الله حرم على المؤمنين نكاح أمهات المؤمنين بعد نبينا ﷺ، وجعل هذا أمرًا عظيمًا لا يقبل، ولم يحصل ولله الحمد والمنة قطعًا.
وأما في الآخرة: فإنهن جميعًا الإحدى عشرة زوجاته ﷺ، كما أنهن زوجاته في الدنيا.
[ ٢ / ١٠ ]
سبب تعدد زوجات النبي ﷺ
وأما قضية تعدد زواجه ﵊ فبالنسبة لنا معشر المسلمين لا نقول: كيف تزوج النبي ﷺ إحدى عشرة امرأة أو عقد على ثلاث عشرة امرأة، لماذا؟ لأننا نعلم أن الله جل وعلا جعله أفضل الخلق، ويعطيه يوم القيامة المقام المحمود، فهو ﷺ لا يفتح باب الجنة إلا إذا طرقه، فيقول له الخازن من أنت؟ فيقول: أنا محمد، فإذا كنا نعلم هذا من دين، وأنه ﷺ أفضل الخلق، وأفضل الأنبياء والرسل، وأول من يطرق باب الجنة فلا نستكثر عليه بعد ذلك أن يهبه جل وعلا أن ينكح ما شاء الله من النساء.
فنحن -معشر المسلمين- مؤمنون أنه ﷺ في أعلى الدرجات، فلا نستكثر أن يهبه ويمنحه ويعطيه الله أن يتزوج أكثر مما نتزوج نحن، أي: أكثر من أربع نساء، لكن كيف نرد على غير المسلمين؟ وهذه النقطة أكثر فيها القول المستشرقون وغيرهم في أنه ﵊ تزوج كثيرًا، فنقول: إنه ﵊ لم يتزوج إلا بعد خديجة، أي: بعد أن أتم الخمسين، فلو كان زواجه ﵊ لمجرد الشهوة الجسدية لتزوج قبل الخمسين، هذا أمر.
الأمر الثاني: أنه ﵊ لم يتزوج بكرًا إلا عائشة، وجميع نسائه الباقيات كن ثيبات، ولم يتزوج بكرًا إلا عائشة، وأما الباقيات فكلهن تزوجهن لمصالح ستأتي في ذكر أسمائهن ومناسبة زواجه منهن.
الأمر الثالث: أن حياته ﷺ لم تكن حياة غنىً وبطرًا وثراء وفخرًا وخيلاء، بل كان يمر الهلال ثم الهلال ثم الهلال شهران والنبي ﷺ لم يوقد في بيته نار، فيقال لـ عائشة: ما طعامكم يومئذ؟ قالت: الأسودان التمر والماء.
ثم إن الله جل وعلا بين هذا الأمر، والدين ليس فيه غموض، فقال لنبيه أن يقول للنساء كما في آية الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٨ - ٢٩]، فاخترن ﵅ وأرضاهن ضيق الحياة وشغف العيش مع نبينا ﷺ؛ ليظفرن يوم القيامة بأن يكن أزواجه صلوات الله وسلامه عليه في الجنة.
كما أنهن رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن كان في زواجه منهن ﵊ مصالح لا تعد ولا تستقصى في مصالح الدعوة.
فمنهن بنات أحب الناس وألصق الناس به كـ عائشة وحفصة بنتا أبي بكر وعمر، ومنهن بنات عدوه كـ صفية بنت حيي بن أخطب، ومنهن قريبات، ومنهن أرامل جاهد أزواجهن في سبيل الله ثم تركوا، فمنهن من ارتد زوجها وبقيت وحيدة في الغربة، فتزوجها حتى يلم عليها مسألة الغربة، فلمصالح عدة تزوج صلوات الله وسلامه عليه، ثم إنه ﵊ أمر بأن يربي الجيل، ومن تربية الجيل تربية النساء، ولا سبيل له ﵊ إلى أن يصل إلى النساء، فلما ربى أزواجه قمن رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن بتربية النساء وتعليم النساء مبادئ الدين والحكمة، فمصالح عدة لا تعد ولا تحصى في زواجه منهن صلوات الله وسلامه عليه.
أما هن ومناقبهن وشيء من سيرهن فهذا ما عرض له المؤلف إجمالًا، ونعلق عليه تفصيلًا.
[ ٢ / ١١ ]
من زوجاته خديجة بنت خويلد
قال ﵀: أول من تزوج رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد، تزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وبقيت معه حتى بعثه الله ﷿، فكانت له وزير صدق، وماتت قبل الهجرة بثمان سنين، وهذا أصح الأقوال، وقيل: قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل: بأربع سنين.
وقد مر معنا سيرتها ﵂ وأرضاها في مناسبة قبلها، وقلنا: إنها سيدة نساء العالمين، وتوقف بعض العلماء في أيهما أفضل هي أو عائشة، والمقطوع إن شاء الله أنها أفضل أزواج النبي ﷺ قاطبة، قال ﵊: (والله ما أبدلني خير منها، لقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، وصدقت بي إذ كذبني الناس، وأعطاني الله منها الولد، وإني رزقت حبها)، هذا كلام النبي ﷺ.
ومر معنا أن الله بلغها سلامه عن طريق جبريل، ومر معنا أنها أول خلق الله من هذه الأمة إسلامًا، فلم يسلم أحد قبلها للنبي ﷺ لا أبو بكر ولا عمر ولا زيد ولا بلال ولا علي، فهي أول خلق الله إسلامًا من هذه الأمة ﵂ وأرضاها، ولم يتزوج النبي ﵊ في حياتها أبدًا حتى ماتت ﵂ وأرضاها.
[ ٢ / ١٢ ]
من زوجاته سودة بنت زمعة
ثم قال: ثم تزج سودة بنت زمعة بعد خديجة بمكة قبل الهجرة، وكانت قبله عند السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو، وكبرت عنده وأراد طلاقها فوهبت يومها لـ عائشة فأمسكها.
وسودة ﵂ وأرضاها كانت سيدة، ثبطة ثقيلة البدن، وطالب العلم إذا قرأ حياة أمهات المؤمنين يربطها بالفقه، ويربطها بالعقيدة، ويربطها السيرة؛ حتى يفهم السيرة العطرة لرسولنا ﷺ.
قلنا: كانت ثبطة خفيفة الدم خفيفة الروح، وهي التي أذن لها ﷺ في مزدلفة أن تغدو قبل حطمة الناس في الليل، أذن لها أن تخرج من مزدلفة في الليل قبل طلوع الشمس إلى منى، فقابلته ﵂ في منى؛ لأنها كانت ثقيلة البدن بطيئة الحركة، حتى كانت إذا سعت تجعل سعيها متفرق ﵂ وأرضاها، فهذا يعرف به الناس أن النبي ﵊ بعث بالتيسير، وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، فلما رأى أم المؤمنين ﵂وهي زوجته- ثقيلة البدن بطيئة الحركة، أذن لها أن تخرج قبله إلى منى حتى توافيه بمنى من مزدلفة في منتصف الليل تقريبًا، كل ذلك تقديرًا لوضعها ﵂ وأرضاها.
وقلنا: إنها كانت امرأة ضخمة جدًا وكانت مع ذلك خفيفة الروح، روى ابن سعد بسند مرسل: أنها صلت وراءه ذات يوم فأطال الركوع، فلما فرغ من صلاته قالت: لقد وضعت يدي على أنفي خشية أن يخرج الرعاف، فضحك ﷺ لخفة دمها.
وهي أول امرأة تزوجها النبي ﷺ بعد خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وفي آخر عمرها آخر أيامه ﵊ وهبت يومها لـ عائشة، وتنازلت عن تلك الليلة لـ عائشة؛ لأن النبي ﵊ كان يحب عائشة فمالت مع ما يهواه؛ رغبة في أن تبقى يوم القيامة زوجة له صلوات الله وسلامه عليه.
[ ٢ / ١٣ ]
من زوجاته عائشة بنت أبي بكر الصديق
ثم قال: وتزوج رسول الله ﷺ عائشة بنت أبي بكر الصديق في مكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث سنين، ومات النبي ﷺ وهي بنت ثمانِ عشرة، وتوفيت بالمدينة ودفنت بالبقيع، ثم ذكر أشياء أخرى عنها.
عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها هي أم المؤمنين كأخواتها، وقد تزوجها هنا قال: قبل الهجرة، وهذا بمعنى العقد، والأظهر عند العلماء أن النبي عقد على سودة وعقد على عائشة في وقت واحد، أي: في أيام متقاربة، فدخل على سودة قبل الهجرة، ولم يدخل على عائشة إلا بعد الهجرة.
ومن مناقبها: أن النبي ﷺ لم يتزوج بكرًا غيرها، وكان أحب نسائه إليه، وهذه مسألة قلبية لا يجب فيها العدل، وكانت ﵊ يقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) أي: في المسألة القلبية، وكن نساء الأنصار وأصحابه إذا أردن أن يهدين النبي ﵊ شيئًا من الهدايا أو من العطايا يتحين الليلة التي يكون فيها ﷺ عند عائشة، ولما مرض ﵊ وغلبته الحمى وأصبح يمرَّض في بيوت أزواجه كان يقول: (أين أنا غدًا؟ أين أنا غدًا؟)، حتى فهمن أنه يريد بيت عائشة، فبقي ﷺ يمرض في بيت عائشة، وأسندت رسول الله ﷺ إلى صدرها في اللحظات الأخيرة، وطيبت له السواك بفمها، فاجتمع ريقه مع ريقها صلوات الله وسلامه عليه قبل وفاته ﷺ.
فهذا كله يبين منزلتها عند رسول الله ﷺ، وهي ابنة أحب وأقرب الناس إليه أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فهي الصديقة بنت الصديق، حبيبة رسول الله ﷺ، وابنة أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
ولما مات ﵊ كان سنها إذ ذاك ثمانِ عشرة سنة، وعمِّرت بعده حتى ماتت سنة ثمانِ وخمسين على الأشهر، ودفنت بالبقيع -أي: بقيع الغرقد-، وصلى عليها أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وفي غزوة بني المصطلق -غزوة المريسيع- اتهمت بحديث الإفك المشهور، فبرأها الله جل وعلا من فوق سبع سماوات، فقد رماها المنافقون بـ صفوان بن معطل، فبرأ الله صفوان وبرأ الصديقة بنت الصديق بعد شهر من انقطاع الوحي عنه صلوات الله وسلامه عليه، وكانت عالمة جدًا بالشرع، وهي من المكثرين رواية عن رسول الله ﷺ.
[ ٢ / ١٤ ]
من زوجاته حفصة بنت عمر بن الخطاب
وتزوج رسول الله ﷺ حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵁ وكانت قبله عند خنيس بن حذافة، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ، وقد توفي بالمدينة، وقد شهد بدرًا، ويروى أن النبي ﷺ طلقها فأتاه جبريل ﵇، فقال له: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة؛ فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة.
وروى عقبة بن عامر الجهني قال: (طلق رسول الله ﷺ حفصة بنت عمر فبلغ ذلك عمر فحثا على رأسه التراب، وقال: ما يعبأ الله بـ عمر وابنته بعد هذا، فنزل جبريل من الغد على النبي ﵊ وقال: إن الله ﷿ يأمرك أن تراجع حفصة؛ رحمة لـ عمر).
وقد توفيت سنة سبع وعشرين.
أما قول المؤلف ﵀، أن عمر حثا على رأسه التراب، فهذا لم أقف فيه على سند صحيح، لكن كونها طلقت وكون النبي ﷺ راجعها بأمر من الله عند طريق جبريل هذا ثابت عند أبي داود وعند غيره من أصحاب السنن بسند صحيح، وهي ﵂ وأرضاها كما جاء في الحديث كانت صوامة قوامة، وهي بنت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فكما تزوج النبي بنت أبي بكر فقد تزوج بنت عمر، والأربعة الراشدون: اثنان منهما تزوج النبي ابنتيهما، واثنان منهما زوجه، فزوج رقية وأم كلثوم لـ عثمان، وزوج فاطمة لـ علي، فهؤلاء الأربعة الراشدون أصهار مع النبي ﷺ.
وقد رأى عبد الله بن عمر رؤيا فقصها عليها، فقصتها على النبي ﷺ، فقال لها: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل، فكان عبد الله بعدها لا يترك قيام الليل).
[ ٢ / ١٥ ]
من زوجاته أم حبيبة بنت أبي سفيان
ومن أزواجه ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رملة كما قال المؤلف، وهذا فيه وهم؛ لأن رملة اسم لأختها على الصحيح، وقد هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة فتنصر بالحبشة وأتم الله لها الإسلام، فتزوجها رسول الله ﷺ وهي بأرض الحبشة.
وأم حبيبة بنت أبي سفيان تتعلق بها أمور: أولها: أنها خرجت مع زوجها عبيد الله بن جحش هجرة إلى الحبشة فرارًا بالدين، فهذا عبيد الله بن جحش أخذ زوجته وترك مكة التي فيها أهله ومقامه، وهاجر إلى الحبشة فرارًا بدينه فتنصر، أي: بالحبشة، وارتد عن الإسلام ومات على الكفر، فنسأل الله جل وعلا الثبات على دينه فلا يغتر أحد بعمل، والمرء إذا سجد وإذا أحس بالقرب من الله في دعائه فإنه يسأل الله الثبات على الدين، ولا تجزم لأحد تراه لا بجنة ولا بنار، فإن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وسل الله لنفسك ولمن تحب وللمؤمنين الثبات على دينه.
فلما تنصر زوجها وارتد تركها، فتزوجها النبي ﷺ، فأرسل عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة يخطبها، فخطبها النجاشي لنبينا ﷺ، وأصدقها النجاشي نيابة عن رسول الله ﷺ أربعمائة دينار، فهي أكثر نساء النبي ﷺ صداقًا، فلما جاءت عنده في المدينة، ولما أخلت قريش بصلح الحديبية جاء أبو سفيان ليجدد الصلح، فدخل عليها في المدينة، فلما دخل عليها كان فراش النبي ﷺ مفردًا، فطوت الفراش، فقال لها أبوها وهو زعيم قريش يومئذ على الكفر، قال: يا ابنتي والله لا أدري أرغبت بي عن الفراش أو رغبت بالفراش عني! أي: هل أنا لا أستحق أن أجلس عليه أو أن هذا الفراش لا يليق بي، فقالت: هذا فراش رسول الله ﷺ وأنت امرؤ مشرك نجس، فما أحببت أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ، وهذا من موالاتها لنبيها ﵊ وبراءتها من أهل الشرك ولو كان أباها.
[ ٢ / ١٦ ]
بطلان حديث في صحيح مسلم
وقد وقع عند مسلم في الصحيح من حديث عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ جاءه أبو سفيان فقال له: إنني أريد منك ثلاثة أمور: أن تتزوج ابنتي أم حبيبة أيم العرب، وأن تولي ابني معاوية، وأن تجعلني أقاتل أهل الشرك كما كنت أقاتل أهل الإسلام)، لكن هذا الحديث وإن كان عند مسلم في الصحيح إلا أنه لا يعقل تطبيقه على السيرة؛ لاتفاق أهل السير أن النبي ﷺ تزوج أم حبيبة في السنة السابعة وليس بعد إسلام أبي سفيان، وأبو سفيان تأخر إسلامه إلى عام الفتح، ولهذا اختلف العلماء في هذا الحديث رغم أنه عند مسلم في الصحيح، فجزم أبو محمد بن حزم رحمة الله تعالى عليه العلامة المعروف أن هذا كذب موضوع وضعه عكرمة بن عمار على ابن عباس.
وبعض العلماء قال: هذا وهم، والمقطوع به عند العلماء أن الحديث لا يمكن أن يصح وإن كان عند مسلم في الصحيح، وذلك لأمور عدة منها: أن أم حبيبة ثبت بإجماع الناس أن النبي ﷺ تزوجها قبل إسلام أبي سفيان.
[ ٢ / ١٧ ]
من زوجاته أم سلمة
وتزوج رسول الله ﷺ أم سلمة، واسمها هند بنت أمية، وكانت قبله عند أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد، وقد توفيت سنة اثنتين وستين، ودفنت بالبقيع، وهي آخر أزواج النبي ﷺ وفاة.
وقد كانت زوجة لـ أبي سلمة، وبعد أن استشهد ﵁ ترك لها عمرًا ودرة وابنتين أخريين، وهذه المرأة خطبها أبو بكر عندما مات زوجها فردته، ثم خطبها عمر فردته، ثم خطبها النبي ﷺ وبعث لها رسولًا، فقالت: مرحبًا إلا أنه اخبر رسول الله ﷺ أني فيّ ثلاث: أنني غيراء وأنني في مصبية، فقال ﷺ: (أما كونك غيراء فإنني أسأل الله أن يذهب غيرتك، وأما كونك مصبية -أي: عندي صبيان- فإنني أسأل الله أن يكفيك الصبيان) يعني: يعينك الله جل وعلا على هؤلاء الصبيان.
ومن صبيانها عمرو بن أبي سلمة ربيب رسول الله ﷺ، وهو الذي طاشت يده في الصحفة لما وضع الطعام، فقال له ﷺ: (يا غلام سم الله، وكل مما يليك، قال عمرو: فمازلت تلك طعمتي بعد)، فهذا ربيب النبي ﷺ الذي كان باقي مع أم سلمة.
وأم سلمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها ذكر المؤلف أنها آخر أزواج النبي ﷺ وفاة.
[ ٢ / ١٨ ]
من زوجاته زينب بنت جحش
وتزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، وهي بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة فطلقها، فزوجها الله إياه من السماء.
زينب بنت جحش كانت تحت زيد بن حارثة، وزيد بن حارثة هو مولى النبي ﷺ، وقد كان عند خديجة فوهبته للنبي ﵊ فأعتقه، فجاء أهله من اليمن يطلبونه قبل الهجرة، فاختار النبي ﷺ على أبيه وأعمامه، فقال ﵊: (أشهدكم أن زيدًا يرثني وأرثه)، فكان يعرف بأنه زيد بن محمد، وهذا كان قبل أن تنزل الشرائع على ما كانت تصنعه قريش والعرب في الجاهلية، فكان التبني مسموح به، ويرث الرجل من ابنه المتبنى كما يرث الابن من أبيه الذي تبناه، فأبطل الله جل وعلا التبني وأبطل الله ما يتعلق بالتبني، أبطل الله التبني بقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥]، وأبطل الله ما يتعلق به بقوله: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٧٥]، ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٦].
وكانت العرب ترى من أعظم العار أن يتزوج الرجل ابنة ابنه الذي تبناه، فأراد الله أن يبطل هذا الأمر، وكانت زينب بنت جحش ترى في نفسها أنفة على زيد؛ لأنه مولى، فكان زيد يأتي للنبي ﷺ ويشتكيها، وقد أخبر الله نبيه أن زيدًا سيطلق لا محالة، وأنك ستتزوج زينب بعده، هذا أخبر الله به نبيه عن طريق جبريل، فلما جاء زيد للنبي ﵊ يشتكي له قال له ﷺ: (أمسك عليك زوجك)، وأخفى في نفسه ما أخبره الله جل وعلا به، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٣٧]، أي: بالإسلام، ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٣٧] أي: بالعتق، ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧] أي: ما الله مظهره، وهو زواجك من زينب، ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧] لماذا؟ ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ﴾ [الأحزاب:٣٧] ابن حارثة، وهو الصحابي الوحيد المذكور نصًا في القرآن، ثم بين الله العلة: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب:٣٧]، فلهذه العلة أراد الله جل وعلا أن يتزوج النبي ﵊ زينب بنت جحش، فكانت تفتخر على أمهات المؤمنين وتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات، ﵂ وأرضاها.
[ ٢ / ١٩ ]
من زوجاته زينب بنت خزيمة
وتزوج ﷺ زينب بنت خزيمة، وكانت تسمى أم المساكين؛ لكثرة إطعامها المساكين، وكانت تحت عبد الله بن جحش.
هذه ﵂ وأرضاها لا يوجد الكثير عن سيرتها؛ لسبب بسيط وهو: أنها لم تمكث مع النبي ﵊ إلا ثمانية أشهر، والثمانية الأشهر ليست مدة طويلة يمكن أن نعرف شيئًا عنها، إلا أنها كانت رقيقة القلب تأوي المساكين فعرفت بـ أم المساكين، وهي أخت لـ ميمونة بنت الحارث آخر زوجات النبي ﷺ من أمها، فيكون النبي ﵊ قد تزوج أختين من الأم: زينب وميمونة، فهاتان أختان من الأم، وكلاهما من بني هلال.
[ ٢ / ٢٠ ]
من زوجاته جويرية بنت الحارث
وتزوج رسول الله ﷺ جويرية بنت الحارث، وهي من سبي بني المصطلق، وكانت امرأة حلوة ملاحة، تقول عائشة: لا يراها أحد إلا أخذت بقلبه، ويعجب بها، تقول عائشة: فلما رأيتها: أبغضتها، وهذه عادة بين النساء، وعائشة ﵂ صحيحة نفسيًا ما في شيء تخفيه، بل تقول كل شيء بوضوح، وتقول: إنها كانت امرأة صوامة قوامة برة، لكن مع ذلك تقول: أول ما رأيتها أبغضتها؛ لما كان عليها من الملاحة، فلا يراها أحد إلا أعجبته، فدخلت على رسول الله ﷺ تسأله أن يعينها في مكاتبة وقعت في الأسر، والمكاتبة أن تدفع مالًا لمن أسرها فتصبح طليقة، فعرض عليها النبي ﷺ أن يعينها ويؤدي كتابها عنها ثم يتزوجها، فوافقت ورضيت، وهذا من إكرام الله لها، ولما وافقت قال الناس: أصهار رسول الله ﷺ فتركوا ما في أيديهم من السبي، تقول عائشة: فما رأيت امرأة أعظم بركة على قومها منها ﵂ وأرضاها.
وأما أبوها الحارث فإنه أسلم وجعله النبي ﵊ على صدقات قومه.
[ ٢ / ٢١ ]
من زوجاته صفية بنت حيي
وتزوج رسول الله ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب من ولد هارون بن عمران أخي موسى.
هذه قد مرت معنا، وأبوها زعيم اليهود حيي بن أخطب، وقدر الله لها أن يخرجها من تلك الملة ويدخلها في ملة الإسلام، وأن يجعلها زوجة نبينا ﷺ، وقد قال ابن القيم وغيره: إنها كانت من أجمل نساء العالمين، ولعل الله يفتح لكم القدس فتأخذون السبي، وتحيون السنة وتتزوجون من اليهود بعد أن تعتقوهن كما فعل نبيكم ﷺ.
هذه المرأة تزوجها النبي ﷺ وكانت من ولد هارون، فعيرتها إحدى أمهات المؤمنين ذات مرة قائلة: يا يهودية! فقال ﷺ: (ولماذا تعيرك؟ والله إنك لابنة نبي -يقصد هارون-، وعمك نبي يقصد موسى، وإنك لتحت نبي يقصد نفسه ﷺ)، وأغضبتها إحدى أمهات المؤمنين، فهجرها النبي ﵊ ثلاث ليال لا يكلمها؛ إكرامًا لـ صفية رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
[ ٢ / ٢٢ ]
من زوجاته ميمونة بنت الحارث الهلالية
وتزوج ﷺ ميمونة بنت الحارث الهلالية وهي آخر من تزوج صلوات الله وسلامه عليه من أمهات المؤمنين.
وميمونة هذه قلنا: إنها أخت لـ زينب بنت خزيمة، وتزوجها بعد عمرة القضاء، وهي آخر أمهات المؤمنين تزوجها النبي ﷺ، وقد تزوجها في سرف، وأنت خارج من مكة إلى المدينة تأتيك النوارية، وبعد النوارية بقليل قبل المركز يأتي وادٍ اسمه سرف، وعلى اليمين وعلى اليسار الآن فيه محطات وبقالات، يعني: معمور.
في هذا الوادي تزوج النبي ﷺ ميمونة بنت الحارث بعد أن حل من عمرة القضاء، ومن أعاجيب قدر الله أنها -أي: ميمونة - ماتت في نفس المكان وفي نفس هذا الوادي، وهي آخر أمهات المؤمنين وفاة على ما أذكر.
[ ٢ / ٢٣ ]
إعطاء الإنسان الحرية في المطالبة بحقه
هؤلاء -على وجه الإجمال- أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن، وقلنا: إنه ﷺ مات عن تسع، وكان يقسم لثمان، وأن أقرب نسائه إليه عائشة ﵂ وأرضاها، وكن أمهات المؤمنين يبعثن فاطمة ابنة رسول الله ﷺ فتأتي فاطمة لأبيها وتقول: إن نساءك يسألنك العدل في ابنة ابن أبي قحافة وهو أبو بكر، فأريد أن أستشهد بهذه القضية على شيء خلاف ما يظن الناس، فالناس هنا من المحدثين وأهل السير يقولون: هذا فيه دلالة على فضل عائشة رضي الله تعالى عنها، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى شرح، لكن الذي يحتاج إلى التنبيه هو ما يسمى اليوم بحقوق الإنسان في حياة النبي ﷺ، فهؤلاء أمهات المؤمنين يجهرن بمطالبهن علانية ويذكرن حقوقهن ولا يغضب صلوات الله وسلامه عليه، ويبعثن ابنته لتقول له ﵊: إن نساءك يسألنك العدل في بنت ابن أبي قحافة، وأعظم تكريم للإنسان وآدميته أن يعطى حقه في أن يقول مطالبه، فإذا وجد معلم يمنع الطلاب من كل سؤال، أو جد أمير أو قاضي أو والي أو حاكم يمنع الناس من حقوقهم، أو وجد أب يمنع الأبناء من حقوقهم، أو وجد زوج يمنع الزوجات من حقوقهن فهذا لم يعرف سماحة الإسلام حقيقة، فينبغي أن يعطى الناس حقهم في إظهار رغباتهم، لكن ينبغي على الناس وهم يظهرون رغباتهم أو مطالبهم أن يظهروها بالسبل الشرعية الواضحة البينة التي لا تخرج عن نطاق الأدب مع من هو أكبر منا، أو من جعل الله جل وعلا له ولاية علينا إن كان أبًا أو كان زوجًا أو إن كان حاكمًا أو إن كان غير ذلك.
[ ٢ / ٢٤ ]
ذكر من خدمه ﷺ
ثم ذكر المؤلف ﵀ خدمه ومواليه صلوات الله وسلامه عليه، ثم ذكر أفراسه التي كان يمتطيها، وسلاحه صلوات الله وسلامه عليه، وسنعرض لهذه الأربع القضايا إن شاء الله في هذا اللقاء، فأقول مستعينًا بالله ﵎: أما ما يتعلق بخدمه ﷺ فإنه صلوات الله وسلامه عليه خدمه بعض أصحابه، وكان ﵊ يزاوج بالمهام التي يعطيها لأولئك الخدم، بمعنى: أن الناس يتفاوتون في القدرات والمواهب والسن، فلم يكن كل أولئك الخدم يكلفون بشيء واحد، ومن أشهر من خدمه صلوات الله وسلامه عليه أنس بن مالك، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن مسعود، وربيعة بن كعب الأسلمي وغيرهم ﵃ وأرضاهم أجمعين.
[ ٢ / ٢٥ ]
أنس ممن خدم النبي
أما أنس فكانت مهمته في الأشياء اليسيرة: في قضاء الحوائج، والقرب منه ﷺ يبعثه هنا وهناك، وقد أتت به أمه إلى النبي ﷺ وهو صغير، وقد أعطته إياه ليخدمه، فقبله ﵊، فمكث يخدم النبي ﵊ عشر سنين، وكان ﵊ قد دعا لـ أنس بأن يكثر الله في ماله وولده، وأن يبارك فيه، فعمر أنس حتى أدرك مائة شخص من صلبه ﵁ وأرضاه، وأدرك خلافة عبد الملك بن مروان، فكان الحجاج بن يوسف القائد الأموي المعروف يتعرض له بالأذى أحيانًا، فكتب أنس ﵁ إلى عبد الملك بن مروان: إن اليهود لو وجدت رجلًا خدم موسى ساعة من نهار لعظمته وبجلته، وأنا خدمت نبيكم ﷺ عشر سنين، فبعث عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف يأمره أن يكف أذاه عن أنس ﵁ وأرضاه، وقد حدث أنس بأحاديث كثيرة، وهو أحد المكثرين من الصحابة رواية عن رسول الله ﷺ.
وذلك ﵁ أنه خدم النبي ﷺ عشر سنين فلم يقل له ﵊ لشيء فعله لم فعلته، ولا لشيء تركه لم لم تفعله، وهذا من رفق الإنسان بمن تحت يده خاصة إذا كان صغيرًا لا يعقل، والنبي ﵊ ذاق مرارة فقد الوالدين، ومرارة فقد الأبناء، فطبعه الله جل وعلا على الرقة والرحمة لكل من حوله صلوات الله وسلامه عليه، وما كان أنس يرى من رسول الله ﷺ إلا الشفقة والرحمة، ولم ينقل أبدًا أنه ضرب قط ﵊.
[ ٢ / ٢٦ ]
عقبة بن عامر ممن خدم النبي
وأما عقبة بن عامر فكان موكولًا إليه أن يأخذ بزمام ناقة النبي ﷺ في أسفاره، وهو الذي كان مع النبي في الأبواء ما بين مكة والمدينة، فهاجت ريح شديدة فقال ﷺ له -أي: لـ عقبة -: (يا عقبة تعوذ بالفلق والناس، وأخذ يقرأهما ﵊: (قل أعوذ برب الفلق) و(قل أعوذ برب الناس)، ويقول: ما تعوذ متعوذ بمثلهما).
[ ٢ / ٢٧ ]
ربيعة بن كعب الأسلمي ممن خدم النبي
وممن خدمه ربيعة بن كعب الأسلمي، وكان يسكب الوضوء لرسولنا ﷺ، وقد رأى ربيعة من خلق رسول الله وسماحته وحب جواره ما جعله يطمع ويرغب في أن يكون جارًا له في الآخرة، فبينما هو يسكب الوضوء له أراد ﵊ أن يكافئه؛ لأن ربيعة يفعل هذا تطوعًا، فهو ليس من الموالي كما سيأتي، فقال له، النبي: (سلني حاجتك، قال: يا رسول الله! أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أوغير ذلك يا ربيعة؟! قال: هو ذاك يا رسول الله! قال ﵊: فأعني على نفسك بكثرة السجود) أي: أعني على نفسك بكثرة الصلاة، وهذا من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، فأطلق السجود صلوات الله وسلامه عليه وأرد الصلاة كلها، ومن هنا تؤخذ فائدة: أن كثرة الصلاة من أسباب جوار النبيين عمومًا، ومن أسباب جوار نبينا ﷺ في جنات النعيم، رزقنا الله وإياكم هذه المنزلة.
[ ٢ / ٢٨ ]
ابن مسعود ممن خدم النبي
وممن خدمه ﵊ عبد الله بن مسعود الصحابي الشهير، وكان يحمل له وضوءه ونعليه وسواكه، فيضع نعلي النبي ﷺ تحت ذراعيه، فـ عبد الله بن مسعود صحابي شهير أخذ القرآن من في رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وأثنى عليه النبي بقوله: (إنك غلام معلم)، وهو القائل عن نفسه: (والله ما من آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ومتى نزلت)، إلى غير ذلك مما يدل على فقهه في القرآن ﵁ وأرضاه.
فهؤلاء بعض ممن خدم نبينا ﷺ، وقد قلنا: إنهم كانوا يخدمونه تطوعًا صلوات الله وسلامه عليه.
[ ٢ / ٢٩ ]