سلسلة الأيام النضرة في السيرة العطرة [المقدمة، اسمه ونسبه، أبواه، مولده، مرضعاته، أسمائه، نشأته، رحلاته، زواجه من خديجة]
لقد هيأ الله تعالى نبيه قبل البعثة وأعده روحًا وبدنًا ونسبًا، فقد اختاره تعالى من خير البيوت، وقدر رضاعته في البادية ليصلب عوده، واختار له طريق الكسب بالرعي والتجارة، وأنعم عليه قبل النبوة بالزواج بالفاضلة الرشيدة خديجة سيدة نساء العالمين، فلقي منها المعين والنصير في أيام الشدة والرخاء، وأحاط برعايته جده له صغيرًا، وكفالة عمه له إلى أن صار نبيًا رسولًا.
[ ١ ]
ذكر بعض مناقب عبد الغني المقدسي مؤلف الدرة المضيئة في السيرة النبوية
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ عن الله رسالاته ونصح له في برياته، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة، فجزاه الله بأفضل ما جزى به نبيًا عن أمته، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم عليه، وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهج بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا بحمد الله وتوفيقه وعونه أول دروسنا العلمية في التعليق على الدرة المضيئة في السيرة النبوية للعلامة عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي رحمه الله تعالى.
وإن من التأدب مع أهل التصنيف أن يذكر ما لهم من فضل وما قدموه لدين الله جل وعلا من عمل نافع، وصاحب هذا التصنيف هو أحد أئمة المسلمين الذين عاشوا في القرن السادس الهجري، وكان ذا ورع وعبادة، وهو ممن اشتغل بطلب العلم وتعليمه، وممن عرف عنهم كثرة التعبد والتماس الأثر، وكان فقيهًا حنبليًا رحمه الله تعالى، ومما يذكر عنه في وفاته أنه -﵀- أصابه المرض، حتى إنه لم يقدر على الذهاب إلى المسجد، فلما اشتد عليه المرض دخل عليه أحد أبنائه، فقال له: يا أبتاه! ما تشتهي؟ قال: أشتهي الجنة.
ثم إنه صلى الفجر، فقال له ابنه: يا أبتاه! هاهنا دواء؟ قال: يا بني! لم يبق إلا الموت شاعرًا بدنو الأجل.
ثم قال له ابنه يكرر
السؤال
ماذا تشتهي؟ قال: أشتهي أن أنظر إلى وجه الله ﵎.
فدخل عليه جماعة من أصحابه يعودونه، فلما سلموا عليه رد عليهم بصوت ضعيف، ثم أخذوا يتحدثون فيما بينهم، فكان العجب أنه -وهو المريض الذي يعاد- قال لهم: قولوا لا إله إلا الله، اذكروا الله، ففيم تخوضون؟ فلما قاموا عنه أخذ يردد (لا إله إلا الله) ويحرك بها شفتيه، حتى فاضت روحه وانتقل إلى جوار ربه.
[ ٢ ]
مكانة دراسة السيرة النبوية وأثرها
وهذا المتن الذين بين يديك خاص بالسيرة العطرة والأيام النضرة لرسولنا صلوات الله وسلامه عليه، وفيه تعريف بجملة من أصحابه، وهم العشرة المبشرون بالجنة.
وقبل أن نشرع في شرح المتن يجب أن ننبه على أن الإنسان لا يمكن أن يهيأ له مقام بعد أن يدرس كتاب الله جل وعلا أعظم من أن يدرس سيرة نبيه ﷺ، ولا ريب في أن نبينا ﵊ ختم الله به الرسالات، وأتم الله جل وعلا به النبوات، وبعثه بين يدي الساعة هاديًا ومبشرًا ونذيرًا صلوات الله وسلامه عليه، وعلى هذا فإنه ينبغي أن يقرر ذلك شرعًا قبل أن نشرع في شرح هذه الدرة المضيئة حتى نتأسى به صلوات الله وسلامه عليه، ونجعله بيننا وبين ربنا، فنقتفي أثره ونلتمس سنته ونتبع هديه الذي أمرنا الله جل وعلا به في المقام الأول، قال تباركت أسماؤه وجل ثناؤه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١].
وقد فطر الله جل وعلا كثيرًا من خلقه على محبة نبيه ﷺ، فقد صعد أحد فرجف الجبل فرحًا بصعوده، فقال ﵊: (اثبت أحد؛ فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان)، وترك الجذع الذي كان يخطب عليه لما صنع له المنبر، فحن الجذع إليه، فنزل إليه وضمه إليه، وكان الحسن البصري ﵀ إذا حدث بهذا الحديث يقول: يا معشر المسلمين! الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ، فما بال قلوبكم لا تحن إليه؟! ولقد أعطاه الله من المزايا والعطايا ما لم يعط أحدًا من العالمين، فقد أشار إلى القمر وأومأ إليه فانفلق بإذن الله تأييدًا لرسالته، وأشار إلى السحاب فتفرق إكرامًا لإشارته، إلى غير ذلك مما سيأتي في المتن من معجزاته صلوات الله وسلامه عليه.
فهذا كله يدفع المؤمن وطالب العلم في المقام الأول إلى أن يكون عالمًا فقيهًا مطلعًا على سيرته ﷺ، حتى يدعو الناس إلى هديه ﵊، فإن الله سد كل باب موصل إليه إلا ما كان عن طريقه صلوات الله وسلامه عليه.
[ ٣ ]
النبوة اصطفاء
والرسالة والنبوة لا تنال بالسعي ولا بالكد ولا بالعمل ولا بطلب علم، وإنما هي هبة من الله، يقول الله جل شأنه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، فالله ﵎ اصطفى هؤلاء الرسل من بين خلقه أجمعين ومنحهم النبوة وأعطاهم الرسالة، فكانوا أئمة هدى ومصابيح دجى، نشر الله بهم دينه على مر العصور وكر الدهور؛ حجة من الله ﵎ على خلقه، كما قال الله ﵎: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٦٥].
والمقصود من هذا كله إخلاص النية والسعي بقدر الإمكان في فهم سيرته العطرة وأيامه النضرة صلوات الله وسلامه عليه قبل أن نشرع تفصيلًا في ذكرها.
وصاحب هذا المتن قال في أوله: إنه موجز ومختصر، وإن المراد به الإلمام الشامل بسيرته ﵊، وسنحاول أن نعرج بقدر الإمكان على ما أطلق منها؛ لأن بعض النصوص في المتن -كما هو معلوم- لا يكاد يجهلها أحد، وإنما سنقف على ما يغلب على الظن أنه يحتاج إلى أن يقف الإنسان معه ويبينه لغيره، والله تعالى هو المستعان وعليه التكلان.
فنسأل الله أن يرزقنا وإياكم صلاح النية وإخلاص القصد، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه يبتغى بها رضاه ويتقى بها سخطه؛ إنه سميع مجيب.
[ ٤ ]
اختيار الله واصطفاؤه لأنبيائه
قال المصنف رحمه الله تعالى: هو أبو القاسم.
ثم ذكر اسمه الصريح.
وقبل أن نشرع في هذا نبين أن لله جل وعلا في خلقه سننًا، وهذه السنن لا تتبدل ولا تتغير، كما قال الله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٢].
ومن سننه ﵎ في خلقه سنة الاختيار والاصطفاء، ولن نتوسع في الباب حفاظًا على المتن، ولكن نقول: إن الله جل وعلا لم يختر من بني آدم كلهم أنبياء إلا مائة وأربعة وعشرين ألفًا، ومن هؤلاء الأنبياء اختار الله جل وعلا ثلاثمائة وثلاثة عشر دجلًا جعلهم رسلًا، ومن هذا الجم الغفير من الرسل اختار خمسة هم أولوا العزم من الرسل، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونبينا ﷺ، ثم من هؤلاء الخمسة اختار نبينا ﷺ ليكون خاتم النبيين وأفضل المرسلين وخير خلق الله أجمعين، ومن هنا نفهم أن سنة الله مضت في قضية الاصطفاء والاختيار.
أما نسبه ﷺ فإن أهل السيرة إذا ذكروه صلوات الله وسلامه عليه فبدهي أن يبدءوا باسمه ونسبه، ونسبه ﷺ من أبيه عبد الله ومن أمه آمنة إلى آدم ﵇ لم يكن من سفاح قط، ولم يأت رجس من الشيطان لأحد أبويه إلى آدم ﵇، بل حفظه الله في أرحام النساء وأصلاب الرجال، حتى ولدته أمه آمنة من أبيه عبد الله، وهذا لا خلاف فيه بين أحد ممن ينتسب إلى أمة الإسلام.
وعدم الاطلاع إنما هو قائم على أسماء آبائه ﷺ، فهذا هو الذي وقع فيه الجهل، وهو الذي لم يثبت كله، وإنما هو مقسم عند العلماء إلى ثلاثة أقسام، فنسبه إلى جده عدنان ثابت عند أهل النسب، ثم من عدنان إلى إسماعيل بن إبراهيم ﵇ مختلف فيه يعرف بعضه ويجهل بعضه، ولكن لا يستطيع أحد أن يجزم به، ومن إسماعيل إلى آدم ذكر فيه خلاف أكثر من الأول، وسيأتي اسم جد واحد سنعلق عليه -إن شاء الله- في المتن.
[ ٥ ]
ذكر نسب رسول الله ﷺ
فأما النسب الثابت فهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن معد بن عدي.
فهذا النسب ثلاثة وعشرون جدًا ثابتة صحته عنه صلوات الله وسلامه عليه، وقصي أشهر من فيهم، وهو الذي جمع القرشيين، ويسمى مجمعًا، وأما فهر الذي ورد في النسب فهو المسمى قريشًا عند العرب، وهاشم هو آخر من ينتسب إليه النبي ﷺ ممن يتعلق بهم الحكم الشرعي كما سيأتي.
فهذا النسب ثابت بلا خلاف عند أهل العلم، وإنما الخلاف فيما بعد، فأما عدنان فلا خلاف بين العلماء في أنه ينتسب إلى إسماعيل، ولكن الأسماء المذكورة من عدنان إلى إسماعيل هي التي يعتريها عدم الثبت، فالاختلاف في الأسماء لا في ثبوت أنه ﷺ من ذرية إسماعيل، فلا ريب أنه ﵊ من ذرية إسماعيل بن إبراهيم، فقد قال له أبوه إبراهيم: أهلًا بالابن الصالح.
ثم ينتهي نسبه ﵊ إلى آدم، وهذا من جهة أبيه.
[ ٦ ]
ذكر نسبه من جهة أمه ﷺ
وأما من جهة أمه فإن أمه آمنة بنت وهب يلتقي نسبها مع نسب أبيه في كلاب بن مرة، فيصبح زهرة الذي تنتسب إليه آمنة بنت وهب أخًا لـ قصي جد النبي ﷺ الخامس، فـ زهرة وقصي أخوان لـ كلاب بن مرة، فيلتقي نسب أبيه ﷺ مع نسب أمه في كلاب بن مرة، فهو ﵊ من جهة أبيه من بني هاشم، ومن جهة أمه من بني زهرة، وأشهر أصحابه الذين كانوا من بني زهرة سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو الذي جمع له النبي ﷺ أبويه، فقال له في يوم أحد: (ارم فداك أبي وأمي)، وقال ﷺكما عند الترمذي بسند صحيح، وعند الحاكم في المستدرك من حديث جابر -: (هذا خالي، فليرني امرؤ خاله)، فافتخر به ﷺ؛ لأنه من بني زهرة، وبنو زهرة هم أخواله صلوات الله وسلامه عليه، ومن رحمة الله بنبيه أن قريشًا لما جمعت لنبينا ﵊ في يوم بدر، كانوا بنو زهرة ممن قدموا لحربه ﵊، ثم تبين لهم نجاة العير، فرجع بهم الأخنس بن شريق فلم يقاتل أحد من بني زهرة في بدر، فأخواله ﷺ من جهة أمه لم يقاتل منهم أحد في بدر.
[ ٧ ]
اصطفاء الله لنبيه ﷺ
نعود للنسب فنقول: إن الله جل وعلا اختار من بني آدم كلهم بني إسماعيل، ثم اختار بني كنانة من بني إسماعيل، ثم اختار قريشًا من بني كنانة، ثم اختار بني هاشم من قريش، ثم اختار نبينا ﷺ من بني هاشم، فهو ﵊ خيار من خيار من خيار، فما خلق الله الخلق وجعلهم فرقتين إلا كان ﷺ في خير تلك الفرقتين، وما زال الناس يفرقهم الله شعوبًا وقبائل وبيوتًا حتى انتهى بهم ﷻوهو العليم بخلقه- إلى بني هاشم، فجعلهم أفضل خلقه عمومًا من حيث الإجمال، ثم جعل من بني هاشم نبينا وسيدنا وإمامنا ﷺ.
[ ٨ ]
صلة بني المطلب ببني هاشم
ويضاف إلى ذلك أن هاشمًا هو ابن عبد مناف، وعبد مناف ترك أربعة من الولد، ترك نوفلًا وترك عبد شمس وترك المطلب وترك هاشمًا، وهذا مسألة يجب تحريرها؛ لأنها تتعلق بها مسائل شرعية.
فهؤلاء الأربعة إخوان من أبيهم الذي هو عبد مناف، ورسول الله ﷺ عندما ينسب ينسب إلى هاشم، لما حصل ما حصل ما حصل في شعب أبي طالب وحاصرت قريش النبي ﵊ في الشعب انضم أبناء المطلب إلى بني هاشم في الشعب كافرهم ومؤمنهم، وبقي بنو عبد شمس وبني نوفل مع قريش ضد النبي ﷺ وبني هاشم.
فهذا الموقف لبني المطلب حفظه النبي ﷺ لهم، فلما كانت غزوة خيبر وقسم النبي ﷺ الغنائم جاءه وفد من بني عبد شمس وبني نوفل، ومنهم جبير بن مطعم وعثمان ﵁؛ لأنه من بني عبد شمس، فقالوا: يا نبي الله! إنك أعطيت إخواننا من بني هاشم، وهذه لا تثريب فيها؛ لأن الله شرفهم بك، ولكنك أعطيت إخواننا من بني المطلب، ونحن وإياهم شيء واحد؛ لأن المطلب أخ لـ نوفل وأخ لـ عبد شمس، فقال ﷺ: (لا، إن بني المطلب لم يفارقونا في جاهلية ولا في إسلام، وشبك بين أصبعه)، ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أن بني المطلب يدخلون في آل البيت بمقتضى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ، وهذه أهم ما يعرف من فوائد ذكر النسب الشريف على نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
[ ٩ ]
ذكر بعض أخبار هاشم وعبد المطلب
وكان اسم هاشم عمرًا، وإنما سمي هاشمًا لأنه كان يكسر الخبز ويضعه مع المرق وكان يسمى ذلك عند العرب آنذاك الثريد ويطعم به الحجاج، وهو الذي سن رحلتي الشتاء والصيف، ولذا قال فيه القائل: عمرو الذي هشم الثريد لقومه قوم بمكة مسنتين عجاف سنت إليه الرحلتان كلاهما سفر الشتاء ورحلة الأصياف وهو الذي ينسب إليه ﷺ في المقام الأول، فيقال: النبي الهاشمي، وعندما يقال: النبي المضري يخرج بنو ربيعة.
ثم كان من أولاد هاشم عبد المطلب، وليس هو المطلب الأول، وهو جد النبي ﷺ وأحد الذين كفلوه كما سيأتي تحريره في موضعه، واسمه شيبة، فقيل له: شيبة الحمد، وإنما سمي عبد المطلب لأن المطلب أخا هاشم جاء المدينة وكان شيبة فيها صغيرًا، وقد ولد بالمدينة ومات أبوه هاشم وتركه بها، فأخذ المطلب شيبة هذا وأردفه وراءه، ودخل به مكة، فلما دخل به مكة ظنه الناس من قريش عبدًا للمطلب، فأخذوا يقولون: عبد المطلب، عبد المطلب حتى غلب عليه.
هنا تظهر فائدة ثانية قلما ينتبه لها، وهي أن النبي ﷺ قال مفتخرًا: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، فهذا الحديث قاله النبي ﷺ في غزوة حنين، والشراح عندما يأتون إلى ذلك يقولون: إنه لا يذكر الإنسان أنه عبد لغير الله، ويجوز من باب النسب، ويأتون بهذا الدليل، فيقولون: إن النبي ﷺ يقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، وهذا وهم ممن قاله؛ لأن العبودية هنا لم يقصد بها القرشيون عبودية الذل وعبودية التعبد، وإنما قصدوا بها عبودية الرق، كما تقول: إن زيدًا من الناس عبد لبني فلان، بمعنى أنه رقيق، لا أنه يعبدهم.
فقوله ﵊: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) لم يغير فيه ﵊ اسم جده، ولم يقل: إن عبد المطلب لم يكن عبدًا؛ لأنه فهم الحال الذي وضع له الاسم، وهو أن قريشًا فهمت أن شيبة عبد للمطلب، أي أنه غلام، بمعنى عبودية رق، والعبودية ثلاثة أقسام: الأولى: عبودية رق وضدها الحرية، وهذه تسمى عبودية شرعية.
الثانية: عبودية ذل وقهر، وهذه يشترك فيها كل الخلق، فالملائكة والجن والإنس كلهم عبيد لله ﵎ من هذا الباب، ودليلها من القرآن: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣].
ودليل الأولى قوله تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة:١٧٨].
الثالثة: عبودية الطاعة، وتنقسم إلى قسمين: عبودية طاعة لله، وعبودية طاعة لغير الله ﵎، كما قال ﵊: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة) إلى آخر الحديث.
وعبودية طاعة الله هي التي يتنافس فيها المتنافسون ويشمر فيها العاملون، وهي التي بلغ النبي ﷺ الذروة منها، فكان كما سماه الله جل وعلا، حيث قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]، فقصد الله بها هنا عبودية الطاعة.
فـ عبد المطلب جد النبي ﷺ الأول، ومن هذا نفهم أن النبي ﷺ من جهة أبيه وأمه عربي من العرب المستعربة.
[ ١٠ ]
أقسام العرب
والعرب ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة.
أما العرب البائدة فهم ثمود وعاد، فهذه أمم عربية كانت موجودة ثم بادت، ولم يبق لها على الأرض نسل، والعرب العاربة عرب أقحاح، وهم ذرية يعرب بن قحطان، فـ يعرب هو جد العرب، ويسمى هؤلاء بالقحطانيين نسبة إلى يعرب بن قحطان.
والقسم الثالث: العرب المستعربة، والسين والتاء في اللغة غالبًا ما تعني الطلب، والاكتساب، فالعرب المستعربة ليسوا عربًا في أصلهم، وإنما اكتسبوا العروبة، فإسماعيل ﵊ هو ابن إبراهيم، وإبراهيم لم يكن عربيًا، ولذلك جاء في القرآن ممنوعًا من الصرف للعلمية والعجمة، أي أنه: غير عربي.
فإبراهيم ﵊ ليس عربيًا، وعليه فإسماعيل ليس عربيًا، ولكن إسماعيل اكتسب العربية من جهة قبيلة زوجته؛ لأنه أخذها من جرهم، وجرهم قبيلة عربية قحطانية، فأخذ منهم إسماعيل، فمن ولدوا من ذرية إسماعيل وزوجته التي من جرهم يسمون عربًا مستعربة، ومنهم نبينا ﷺ.
فالعرب قحطانيون وعدنانيون، وهذا تقسيم، ويسمون عرب الشمال وعرب الجنوب، وهذا تقسيم، ويقال: عرب الحجاز، وهم العرب المستعربة في الغالب، وليس لهذا التقسيم قسيم.
فعلى هذا يفهم أن العرب أمة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة، وأنه ﷺ من العرب المستعربة الذين اكتسبوا العربية من جرهم، وهي قبيلة قحطانية نزلت مكة وتزوج منهم إسماعيل ﵊، فهذا كله في ذكر نسبه ﷺ، وقد بينا أهم ما فيه.
[ ١١ ]
ذكر أول نبي
وقد ذكر المصنف أن إدريس ﵇ أو من نبئ وأول من خط بالقلم، وهذا ذكر أبو هلال العسكري في الأوائل، ولا دليل عليه، وإذا أطلقنا النبوة فمن الخطأ أن يقال: إن إدريس ﵇ أول من نبئ؛ لأن هذا قد يفهم منه بادي الرأي أن آدم ﵊ ليس بنبي، والمعلوم شرعًا أن النبي ﵊ سئل عن آدم: أنبي هو؟ فقال: (نعم، نبي مكلم)، فآدم نبي، فالقول بأن إدريس أول من نبئ غير صحيح، إلا أن يكون المقصود أول من نبئ بعد آدم ﵇، أما مسألة أنه أول من خط بالقلم وما إلى ذلك فلا سبيل ولا دليل إلى إثباته.
[ ١٢ ]
بيان المراد بقريش
وذكر المصنف أن قريشًا هو ابن فهر، والصواب أنه هو فهر نفسه، فقريش لقب لـ فهر واختلفوا لماذا سمي قريشًا، والأظهر أنه كان قادرًا على أن يجمع الناس، وكان ذا سلطان، فلهذا سمي قريشًا، فقريش لقب لـ فهر غلب عليه حتى غلب على الاسم، وليس ابن فهر فهذا ما يتعلق بالنسب الشريف.
[ ١٣ ]
القول في مصير والدي رسول الله يوم القيامة
ثم بعد أن ذكر المصنف الاسم والنسب ذكر آمنة بنت وهب، وقد عرجنا عليها، والصواب عندنا من أقوال العلماء ألا يتكلم في شأن والديه ولا يحكم لهما لا بجنة ولا بنار، فهما من أهل الفترة، والله أعلم بحالهما، وإن كان الإمام السيوطي ﵀ ألف رسالة مشهورة اسمها (قرة العينين في نجاة الأبوين)، وحكم فيها بنجاة أبوي النبي ﷺ، ولكن نقول: إن التوقف في هذه المسألة أفضل.
أما أبوه فقد مات في المدينة، ودفن بها، وقد أخطأ المصنف ﵀ عندما ذكر أن أباه دفن في الأبواء، وإنما الذي دفن بالأبواء هو أمه صلوات الله وسلامه عليه، وقد ثبت عنه ﷺ: (أنه وقف على قبر أمه وبكى، فقيل له: يا رسول الله! ما يبكيك؟ قال: هذا قبر أمي آمنة بنت وهب، سألت الله جل وعلا أن أزور قبرها فأذن لي، وسألته أن أستغفر لها فلم يأذن لي.
فبكى ﷺ وقال: حضرتني رقتها علي فبكيت، فبكى أصحابه رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم).
قال الحافظ ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية: رؤيت ساعة أكثر باكيًا من تلك الساعة.
والمقصود أنه ﷺ بشر يحن إلى أبويه، وإن كانا ماتا على غير ملة الإسلام، وطالب العلم يفرق بين الكافر والمؤمن ومن لم يدرك الإسلام، فالمؤمن من جاءته الدعوة فقبلها، والكافر من جاءته الدعوة فردها، وأما الذي لم تبلغه الدعوة فلا يقال له: مؤمن؛ لأنه ما استجاب لشيء، ولا يقال له: كافر؛ لأنه لم يرد شيئًا، فأبواه ﷺعلى الصحيح- يحكم بأنهما من أهل الفترة، والله تعالى أعلم.
[ ١٤ ]
ذكر زمن مولده ﷺ
ثم ذكر مولده صلوات الله وسلامه عليه، ونبدأ بالمتفق عليه وننتهي بالمختلف فيه كما هي طريقتنا في الشرح.
فالمتفق عليه أنه ولد في يوم الإثنين، وهذا مقطوع به، فقد قال ﵊: (ذلك يوم ولدت فيه) أي: يوم الإثنين، واختلف في أي يوم كان من الشهر مع الاتفاق على أنه كان في شهر ربيع الأول.
والمشهور عند العلماء -نقل بعض العلماء الإجماع عليه- أنه كان في الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وهذا ما تجرأ عليه بعض العلماء فنقل الإجماع عليه، وليس عليه إجماع على الصحيح، وقيل: إنه في اليوم الثاني من شهر ربيع الأول، وقيل غير ذلك، ولكن الحساب الفلكي المعاصر يقول: إن يوم الإثنين في عام مولده ﷺ لا يمكن أن يكون اليوم الثاني عشر، وإنما هو اليوم التاسع من شهر ربيع الأول.
فإن قال قائل: كيف يعرف بالفلك المعاصر الآن يوم قد مر عليه أكثر من ألف وأربعمائة وخمسين عامًا أو أكثر؟ فإننا نقول: إنه إذا دخل رمضان في يوم الجمعة، فبالحساب المعروف والمعقول والمعهود الذي لا يختلف فيه اثنان يستحيل أن يكون عيد الفطر في ذلك العام في يوم الجمعة؛ لأن الشهر ثلاثون يومًا، فإما أن يكون يوم الجمعة يوم ثمانية وعشرين، ولا يعقل أن يكون الشهر أقل من تسعة وعشرين، وإما أن يكون بعده بأسبوع، فيكون في اليوم الخامس والثلاثين، والشهر لا يكون خمسة وثلاثين يومًا، فعندما تقطع بأنه لا يمكن أن يكون العيد في هذا العام في يوم الجمعة فهذا بناء على حساب معروف، فهو ﵊ ثبت عنه أنه وقف في عرفة في شهر ذي الحجة من العام العاشر في يوم الجمعة، فيمكن أن يرجع الإنسان إلى الخلف فيعرف أي يوم الإثنين في شهر ربيع الأول كان يوم مولده، ويوم الجمعة كذلك كان في اليوم السابع عشر في شهر رمضان الذي قاتل فيه النبي ﷺ في غزوة بدر، فمن الممكن أن ترجع إلى الوراء لتعرف، ولكن الفلكيين يرجعون إلى حسابات غير هذا، وأنا أتكلم في أن الأمر يمكن أن يستدل عليه بيسر.
وأكثر العلماء على أنه ولد عام الفيل، وعام الفيل هو العام الذي غزا فيه أبرهة الأشرم الكعبة، وهذا ثابت جملة بنص القرآن، قال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١]، فأصحاب الفيل هم أبرهة وجيشه ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ﴾ [الفيل:٢] أي: مكرهم وإرادتهم الكعبة بسوء ﴿فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:٢ - ٥].
ففي هذا العام الذي كان فيه محاولة غزو الكعبة من أبرهة -والعرب تؤرخ بالأحداث العظام- ولد نبينا ﷺ، فأصبح المتفق عليه أنه ولد في عام الفيل في يوم الإثنين من شهر ربيع الأول، مع الخلاف في أي يوم ولد فيه تاريخيًا، ولا ريب في أن يوم مولده لم يكن يومًا عاديًا قطعًا: يوم يسير على الزمان صباحه ومساؤه بمحمد وضاء وإن كنا نعلم أنه لا يتعلق بمعرفة يوم مولده أمر شرعي، إلا أن يوم مولده ﷺ لن يكون يومًا عاديًا، فإن الدنيا بعد ولادته ﷺ لم تكن كالدنيا قبل ولادته صلوات الله وسلامه عليه.
[ ١٥ ]
ذكر مرضعاته ﷺ
ثم انتقل المصنف إلى مرضعاته صلوات الله وسلامه عليه، وأول من تولى رضاعته أمه آمنة بلا شك، وقد أرضعته ثلاثة أيام على المشهور عند العلماء، ثم أرضعته ثويبة جارية لـ أبي لهب، وكان لها ولد يقال له: مسروح، فأرضعته بلبن ابنها مسروح وأرضعت معه عمه حمزة بن عبد المطلب، فأصبح حمزة ﵁ وأرضاه عم النبي من جهة النسب وأخاه من جهة الرضاعة.
[ ١٦ ]
ذكر خبر رضاعته من حليمة السعدية
ثم أرضعته حليمة السعدية ﵂ وأرضاها حيث قدمت إلى مكة فأخذته معها -في قصة معلومة عجيبة سنتعرض لها تفصيلًا- إلى بادية بني سعد الموجودة إلى اليوم في جنوب الطائف، فمكث في بادية بني سعد ﷺ أربع سنين، وفي بادية بني سعد كانت حادثة شق الصدر الأولى.
والعلماء ﵏ إذا عرجوا على ذكر حليمة السعدية لا يدخلون بقلمهم في الكتاب، وإنما ينقلون ما قصته حليمة فيما نقله محمد بن إسحاق بن يسار المدني إمام أهل السير في قصة إرضاع حليمة لنبينا ﷺ، ونحن لسنا أحسن من أولئك حالًا ولا أفصح منهم مقالًا، فإن تحديث حليمة بنفسها عن قصة رضاعته ﷺ أبلغ من خطاب أحد غيرها، وسأذكره على وجه الإجمال.
قال ابن إسحاق: وحدثني جهم مولى الحارث بن حاطب الجمحي عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أو عمن حدثه عنه قال: كانت حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية أم رسول الله ﷺ التي أرضعته تحدث أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر تلتمس الرضعاء، قالت: وهي في سنة شهباء لم تبق لنا شيئًا، قالت: فخرجت على أتان لي قمراء معنا شارف لنا والله ما تبض بقطرة وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه وما في شارفنا ما يغذيه -والشارف: الناقة المسنة- وكلنا كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك، فلقد أدمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفًا وعجفًا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه إذ قيل لها: إنه يتيم؛ وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم وما عسى أن تصنع أمه وجده؟! فكلنا نكره لذلك، فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعًا غيري، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعًا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، قال: لا عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة، قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره، قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا إنها لحافل فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا ريًا وشبعًا، فبتنا بخير ليلة، قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي -والله يا حليمة - لقد أخذت نسمة مباركة، قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك، قالت: ثم خرجنا وركبت أتاني وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما يقدر عليها شيء من حمرهم حتى إن صواحبي يقلن لي: يا بنت أبي ذؤيب! ويحك أربعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله إنها لهي هي، فيقلن: والله إن لها لشأنًا، قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا به معنا شباعًا لبنًا فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم؛ اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب.
فتسرح أغنامهم جياعًا -أي: تروح أغنامهم جياعًا- ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعًا لبنًا، فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شبابًا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا، قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا؛ لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه، وقلت لها: لو تركت بني عندي حتى يغلظ؛ فإني أخشى عليه وباء مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا، قالت: فرجعنا به، فوالله إنه بعد مقدمنا بأشهر مع أخيه لفي بهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد، فقال لي ولأبيه: ذلك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فاضطجعاه فشقا بطنه فهما يسوطانه، قالت: فخرجت أنا وأبوه نحوه، فوجدناه قائمًا منتقعًا وجهه، قالت: فالتزمته والتزمه أبوه، فقلنا له: ما لك يا بني؟ قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فاضطجعاني وشقا بطني، فالتمسا به شيئًا لا أدري ما هو.
قالت: فرجعنا إلى خبائنا، قالت: وقال لي أبوه: يا حليمة! لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به، قالت: فحملناه فقدمنا به على أمه، فقالت: ما أقدمك به يا ظئر -أي: يا مرضعة- وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك؟ قالت: فقلت: نعم قد بلغ الله بابني وقضيت الذي علي وتخوفت الأحداث عليه، فأديته عليك كما تحبين، قالت: ما هذا شأنك فاصدقيني خبرك، قالت: فلم تدعني حتى أخبرتها، قالت: أفتخوف عليه الشيطان؟ قالت: قلت: نعم، قالت: كلا والله، ما للشيطان عليه منه سبيل، وإن لبني لشأنًا، أفلا أخبرك ما خبره؟ قالت: قلت: بلى، قالت: رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي به قصور بصرى من أرض الشام، ثم حملت به، فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف ولا أيسر منه، ووقع حين ولدته وإنه لواضع يده بالأرض رافع رأسه إلى السماء، دعيه عنك وانطلقي راشدة.
هذا ما ذكره الإمام ابن إسحاق ﵀ وأخذه عنه أهل العلم، والسند فيه ما فيه كما قال العلماء، ولكن الحديث أصله في صحيح مسلم؛ فإن شق الصدر ثابت في صحيح مسلم عنه صلوات الله وسلامه عليه.
والذي يعنينا من هذا المقام أن مرضعاته صلوات الله وسلامه عليه ثلاث: أمه آمنة، وثويبة جارية أبي لهب، وحليمة السعدية.
[ ١٧ ]
ذكر أسمائه ﷺ
وهنا فصل في ذكر أسمائه صلوات الله وسلامه عليه، وتحرير المسألة أن يقال: إن من أسمائه ﷺ ما يشاركه فيه الناس، مثل: محمد وأحمد، فالناس يسمون بمحمد وأحمد، ولهذا لم يقل ﷺ في تفسيرهما شيئًا، فقال: أنا محمد، ولم يبين، وقال: أنا أحمد، ولم يفصل؛ لأنهما من الأسماء المشتركة التي يسمى بها غيره، ولكن عندما قال: أنا الماحي أنا العاقب فصل صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن الماحي والعاقب يتعلقان بكونه نبيًا ورسولًا، لا بكونه رجلًا ينادى بين الناس.
فهو الماحي لكونه ﵊ يمحي به الكفر، والعاقب لأنه: جاء عقب النبيين ﵊، وهذان يتعلقان برسالته، فلهذا بين معنى الماحي، وبين أنه العاقب الذي يحشر الناس على يديه.
وأحمد هو الاسم المسمى به في الإنجيل، ومحمد هو الاسم المسمى به ففي التوراة، في التوراة جاء أن اسمه محمد، وفي الإنجيل جاء أن اسمه أحمد.
والحديث -كما بين المصنف- أخرجه الإمام مسلم في الصحيح، وقد ذكر فيه النبي ﷺ أسماء خاصة به، كمحمد وأحمد بالنسبة للنبيين، أي: لا يوجد نبي من الأنبياء اسمه محمد ولا يوجد نبي من الأنبياء اسمه أحمد ولكن كلمة (نبي التوبة) تطلق عليه وعلى غيره من الأنبياء، و(نبي الرحمة) تطلق عليه وعلى غيره من الأنبياء؛ لأن كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا رحمة وتوبة للناس، والفرق بينه وبينهم أن له ﷺ منها الحظ الأوفر والنصيب الأكمل.
والأسماء الأولى التي ذكرها ﷺ ونقلها المصنف تدل على رفيع مقامه ﵊ عند ربه وعلو منزلته.
[ ١٨ ]
ذكر بعض خصائصه ﷺ
وله ﵊ خصائص في الدنيا وخصائص في الآخرة، والمقام المحمود خصيصة في الآخرة، وهو أعظم خصائصه ﷺ، فقد قال ﵊كما في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد، وأرجو أن أكون أنا هو) صلوات الله وسلامه عليه، ونحن نقول كما علمنا نبينا ﵊: (وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته)، والله جل وعلا قال له في الإسراء: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، فالمقام المحمود له ﷺ، وله لواء الحمد، فقد قال ﵊ في حديث صحيح: (ولواء الحمد يومئذ بيدي) فكل الناس -آدم فمن سواه- تحت هذا اللواء الذي يحمله صلوات الله وسلامه عليه.
والمقصود بيان رفيع مقامه وجليل مكانته، ولا أريد أن أفصل في هذا أكثر؛ لأن هذا سيأتي بيانه في فصول قادمة، ومعلوم من الدين بالضرورة مقامه صلوات الله وسلامه عليه بين خلق الله أجمعين ورفيع منزلته وعلو درجته ﵊ عند ربه.
قال المصنف: [وسماه الله بشيرًا ونذيرًا ورءوفًا ورحيمًا ورحمة للعالمين]، هذه الكلمات الأفضل أن يقال فيها: إنها صفات أكثر من كونها أسماء؛ لأن جميع الرسل كانوا مبشرين وكانوا منذرين وكانوا رؤفاء بأممهم، وكانوا رحمة للعالمين أجمع، والفرق بينهم وبينه صلوات الله وسلامه عليه أن له المقام الأعلى، فهو أوفر حظًا وأكمل نصيبًا ﵊.
ولا ريب في أن الله أعد نبيه ﷺ لهذا الأمر العظيم منذ الأزل، فكان بدهيًا أن يتعاهده ربه جل وعلا، والله جل وعلا قد قال لموسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، فإذا كان هذا في حق موسى فكيف بحق محمد ﷺ؟!
[ ١٩ ]
كفالة جده وعمه له ﷺ
وذكر المصنف ما أفاء به الله جل وعلا عليه من إيواء جده عبد المطلب له أول الأمر، ثم عمه أبي طالب، وكلا الرجلين بذلا جهدًا عظيمًا في كفالة نبينا ﷺ.
أما عبد المطلب فقد كان يقربه منه، وكان يفرش له فراشًا عند الكعبة فيجلس ﷺ بجوار جده، ولا يعاتبه أحد رغم أن عبد المطلب كان وجيهًا سيدًا مطاعًا مهابًا، ولكن كانت الحظوة برسول الله ﷺ وهو صبي عند جده عظيمة.
فلما مات كفله عمه أبو طالب، وأبو طالب اسمه عبد مناف، وهذا العم مات على غير إسلام، ولكن ذلك يمنع القول بأنه كان من أعظم النصراء لنبينا ﷺ، ومما ينقل عنه في تعهده لنبينا ﵊ صغيرًا وكبيرًا أن قريشًا كانت تطلب من أبي طالب أن يستسقي لهم إذا أجدبت الديار -كما نقل ابن عساكر في تاريخ دمشق- فجاء أبو طالب وحمل النبي ﷺ، وكان يومئذ صغيرًا أبيض، فألصقه بجدار الكعبة، فلما ألصقه بجدار الكعبة أشار ﷺ بإصبعه إلى السماء وهو صبي، فجاء السحاب من كل مكان، فسقوا حتى سال الوادي، فقال أبو طالب في لاميته بعد ذلك: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل فهذا من حظوة النبي ﷺ عند أبي طالب، فلما كبر بقيت هذه الحظوة كما هي، وكان ﷺ قد رباه الله وتعهده بأنه يفقه يفعل وما يصنع من دون أن يعلم أنه سيكون نبيًا، فكان يرعى الغنم على قراريط لأهل مكة من أجل أن يسد العوز والفقر والحاجة المالية التي كانت موجودة عند أبي طالب حتى لا يكون عبئًا عليه، فلما حوصرت بنو هاشم في الشعب كان أبو طالب -رغم كفره- أحد الذين حوصروا مع النبي ﷺ في الشعب.
وبلغ من محبته للنبي ﷺ أنه كان إذا جاء الليل يحمل النبي ﵊ من مكانه ويضعه في مكان آخر، ثم يأتي بأحد أبنائه ويضعه مكان النبي ﵊، حتى إذا بيت أحد النية على أن يغتال النبي ﵊ وهو نائم فإنه يغتال ابنه لصلبه، ولا يغتال النبي ﵊.
فهذا كان يفعله كله وهو مشرك، يقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦]، ينهون أي أحد عن أن يصل إلى النبي ﷺ، ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦]، فلا يقبلون الدخول في الدين، حتى تعلم أن الهداية مردها إلى الرب ﵎.
[ ٢٠ ]
الرحلة الأولى إلى الشام
ثم كانت رحلة النبي ﷺ الأولى إلى الشام، وفيها كان خبر بحيرى الراهب، وما نقل من أن الراهب قال: إنه لما دخل لم يبق حجر ولا شجر إلا سجد له، فغير ثابت، وإن ثبت فمحمول على أن المقصود بالسجود هنا سجود تحية لا سجود عبادة؛ لأن الله لا يأذن لأحد شرعًا أن يسجد لغيره ﵎، فسجود الملائكة لآدم وسجود إخوة يوسف ليوسف كله كان سجود تحية ولم يكن سجود عبادة.
والمقصود أنه ﷺ كان معروفًا في التوراة، وهذا الراهب اطلع على ما في التوراة، فعرف من الدلائل ما يدل على أنه ﷺ سيكون خاتم الأنبياء.
[ ٢١ ]
زواجه بخديجة رضي الله تعالى عنها
والرحلة الثانية كانت -كما ذكر المصنف- مع ميسرة غلام خديجة، وهي أحد الأسباب التي أرادها الله أن تقع ليتزوج ﷺ من خديجة بنت خويلد.
ونقف هنا عند خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فـ خديجة لها خصائص لا يشاركها فيها واحدة من أمهات المؤمنين، ولها خصيصة واحدة لا يشاركها فيها واحدة من نساء العالمين، فمن الخصائص التي لم يشاركها فيها واحدة من أمهات المؤمنين: أن النبي ﷺ لم يتزوج عليها وهي حية، فلم يجمع بينها وبين غيرها من النساء.
والثانية: أن الله رزقه منها الولد، ولم يرزقه الولد من غيرها، إلا ما كان من جاريته مارية أم إبراهيم.
فهذه من الخصائص التي تفردت بها خديجة رضي الله تعالى عنها عن أمهات المؤمنين.
وأما الخصيصة التي تفردت بها عن نساء العالمين أجمعين فهي أن الله جل وعلا بلغها سلامه مع جبريل ﵇، وهذه خصيصة لا يعلم نقلًا أن واحدة من نساء العالمين نالتها، فرضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد ثبت عنه ﷺكما في الصحيحين- أنه قال: (إني رزقت حبها)، أي: حب خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
والمقصود أن الرحلة الثانية له ﷺ كانت إلى الشام، وخديجة هي أول نسائه، وسيأتي فصل عن نسائه صلوات الله وسلامه عليه.
فلما بلغ خمسًا وعشرين سنة تزوج خديجة ﵍، هكذا قال المصنف، فلما بلغ أربعين سنة اختصه الله بكرامته.
[ ٢٢ ]
كرامات خديجة الإلهية وخصائصها
[ ٢٣ ]
سبقها بالإسلام كل الأمة
وكانت خديجة قد تزوجت قبله رجلين هما عتيق بن عائذ، وأبو هالة التميمي وكلاهما توفيا عنها، ثم تزوجت نبينا ﷺ وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة، وعمرها أربعون سنة، فالفارق بينهما خمسة عشر عامًا، وهذا المرأة هي سيدة نساء العالمين على الصحيح، وقد اختصها الله جل وعلا بكرامات، منها كرامات إلهية ومنها كرامات نبوية، وكل من عند الله.
أما الكرامات الإلهية فإنها أول إنسان في هذه الأمة آمن بنبينا ﷺ، قال عز الدين بن بكير ﵀: وأجمع المسلمون على أن خديجة بنت خويلد أول الناس إسلامًا من هذه الأمة، فلم يسبقها إلى الإسلام أحد، لا أبو بكر ولا غيره من الصحابة ﵃ وأرضاهم، فمنذ أن نزل ﷺ من الجبل إلى بيت خديجة لم يقابل أحدًا ويعرض عليه الدين، فعرض الدين أول الأمر على خديجة خائفًا، وقال: (حتى خشيت على نفسي) فقالت: لا والله لن يخزيك الله أبدًا، وهي امرأة تتكلم بعقل ومنطق، فلما أقسمت كان يجب عليها أن تأتي بالدليل على قسمها، وهو ما يسمى في علم المنطق بالاستنباط أو بالاستقراء، فقالت: (إنك لتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق، وتصدق الحديث)، وذكرت فضله ﷺ، وهي زوجته وأعلم الناس به، وقد يكون الإنسان سخيًا في الظاهر بخيلًا على أهله، وقد يكون الإنسان حليمًا في الخارج ويغضب على أهل بيته، وقد يكون الإنسان عدلًا بين الناس جائرًا في منزله جائرًا على طلابه، ولكن هذه الزوجة تعرف كل شيء من مخبره ومظهره وباطنه ﷺ، فأقسمت على أنه لن يخزيه الله، فكانت أول خلق الله إسلامًا من هذه الأمة.
[ ٢٤ ]
سلام الله تعالى عليها
الخصيصة الإلهية الثانية: أنه نزل جبريل من السماء -كما في الخبر الصحيح- فقال لنبينا ﷺ: (هذه خديجة بنت خويلد ستأتيك، فإذا هي أتتك فاقرئها من الله ومني السلام، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.
فلما جاءت خديجة أخبرها النبي ﷺ بما قال جبريل، فقال: إن الله يقرئك السلام وجبريل يقرئك السلام).
ولم يبلغنا -فيما نعلم- أن الله جل وعلا أرسل سلامًا إلى امرأة إلا لـ خديجة بنت خويلد، وهذه المنقبة لو عرفت مقدار عظمة الله لعرفت مقدار عظمتها، وذلك أن يبعث الله بسلام منه إلى امرأة تمشي على قدميها بين الناس، والرسول بين الله وبين خديجة جبريل، ثم محمد ﷺ، وانظر إلى تأدب جبريل، فقد كان بإمكان جبريل أن يقول هذه الرسالة لـ خديجة مباشرة، ولن يغار النبي ﷺ من جبريل؛ لأن جبريل ليست الشهوة موجودة فيه، فالملائكة لا يتناكحون ولا يتناسلون، ولكن كل شيء له باب، والله يقول: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة:١٨٩]، فلا يعقل أن يكلم أحد زوجة رجل وهو موجود، فأقرأه جبريل السلام لها فأقرأها النبي ﷺ السلام.
ثم انظر إلى فقهها ﵂ مع أن الإسلام في أول أيامه، فقد قالت: إن الله هو السلام، وعليك وعلى جبريل السلام.
ولم تقل: وعلى الله السلام، مع أن الصحابة لما هاجروا إلى المدينة وفرضت الصلاة كانوا يقولون: السلام على الله، السلام على جبريل، فأخبرهم النبي ﷺ بأن الله هو السلام، ولا ينبغي أن يقال: السلام على الله، وعلمهم ﷺ يقولون، فهذه من مناقبها ﵂ وأرضاها، وهاتان خصيصتان من الله جل وعلا.
[ ٢٥ ]
مبالغة النبي ﷺ في إكرامها
ومن الخصائص الإلهية التي تندرج في الخصائص النبوية أن النبي ﷺ كان يكرمها أعظم الإكرام، ومن دلائل إكرام النبي ﷺ لها ما يأتي: أولًا: لم يتزوج عليها صلوات الله وسلامه عليه مدة حياتها حتى ماتت عن خمس وستين سنة، وكان عمره ﷺ عندما ماتت قرابة الخمسين عامًا، فعاشت معه ﵂ وأرضاها خمسًا وعشرين سنة، فلم يتزوج عليها ولم يتسر أيام حياته معها.
ثانيًا: أن النبي ﷺ أكثر من ذكرها وهو في المدينة، فقالت له عائشة وقد أصابتها الغيرة: (وهل كانت إلا عجوزًا قد أبدلك الله خيرًا منها.
فقال: لا والله ما أبدلني الله خيرًا منها؛ لقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وكان لي منها الولد) ولم تنجب واحدة من زوجات النبي ﷺ غير خديجة، اللهم إلا ما كان من أمر جاريته مارية القبطية، فقد تسراها ﷺ فأنجب منها إبراهيم، وأما زوجاته اللاتي هن أمهات المؤمنين فلم تنجب منه ﷺ واحدة منهن، إلا خديجة أنجبت منه غلامين وأربع بنات، وسيأتي فصل في ذكر أولاده ﷺ.
ثالثًا: أنه لما ماتت نزل النبي ﷺ قبرها ودفنها ولم يصل عليها؛ إذ لم تكن الصلاة قد فرضت، وماتت وبنو هاشم لتوهم خارجون من الشعب قبل أن تفرض الصلاة، والصلاة إنما فرضت بعد رحلة الإسراء والمعراج، ففي صبيحة ليلة الإسراء والمعراج عند الظهر نزل جبريل فأم النبي ﷺ، وقبلها لم تكن الصلاة مفروضة الفرض فضلًا عن صلاة الجنازة وهي نافلة، فلم يصل عليها ﷺ، وإنما نزل قبرها ﵂ وأرضاها.
فهذه بعض مناقب أم المؤمنين ﵂ وأرضاها خديجة بنت خويلد التي تزوجها النبي ﷺ.
وهذا كله يندرج في عناية الله بنبيه، فإن قلت: أين عناية الله بنبيه من هذا الزواج؟ فنقول: إن الله علم أن هذا النبي سيبلغ الوحي، وهو يحتاج في أيام الدعوة إلى امرأة تنصره، ولا يحتاج إلى امرأة شابة تكثر مطالبها، وإنما يحتاج إلى امرأة راشدة عاقلة، فالنبي ﵊ ترك عندها الأبناء والبنات وذهب إلى غار حراء يتحنث الليالي ذوات العدد، فلما رجع لم تخبره ولم تلمه ولم تعنفه على أنه تركها وترك الأبناء، وإنما ضمته إلى صدرها، وهو يقول: زملوني زملوني، فلما سمعت ذلك منه أخذت بيده، وذهبت به إلى ورقة بن نوفل ابن عمها، فقالت: اسمع من ابن أخيك، وأخذت تعضده وتأويه ﷺ وتنصره وتعينه بإيمانها، كما قال صلوات الله وسلامه عليه بعد ذلك عنها، فحفظ النبي ﷺ لها هذا الجميل، وهذا كله من عناية الله بنبينا صلوات الله وسلامه عليه.
[ ٢٦ ]