سلسلة الأيام النضرة في السيرة العطرة [حجه وعمرته، غزواته، كتابه، بعوثه إلى الملوك]
لقد من الله تعالى على نبيه بفضائل عديدة جعلها تعالى شرعة لأمته، ومن ذلك عمرته وحجته التي نقلها الصحابة منسكًا منسكًا، كما من عليه في السابق بالجهاد في سبيله، حيث خاض المعارك غازيًا ومدافعًا ومنافحًا ﷺ عن دين الله، وبعث في ذلك السرايا والبعوث، مبينًا بذلك فضيلة الجهاد في سبيل الله، ولما كان المقصود منه هو دعوة الناس إلى الله ودعاءه ﷺ الناس بالقلم حين وضعت الحرب أوزارها، فكاتب الملوك برسالة الإسلام رحمة وشفقة بالناس.
[ ٣ / ١ ]
ذكر عدد عمراته ﷺ
قال المصنف ﵀: [فصل: في حجه وعمرته.
روى همام بن يحيى عن قتادة قال: قلت لـ أنس: كم حج النبي ﷺ من حجة؟ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع عمر: عمرة النبي ﷺ حيث صده المشركون عن البيت، والعمرة الثانية حيث صالحوه من العام القابل، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنيمة حنين في ذي القعدة، وعمرته مع حجته.
صحيح متفق عليه].
هذا بعد قدومه المدينة، وأما بمكة فلم يحفظ عنه حج ولا عمرة، وحجة الوداع ودع الناس فيها، وقال: (عسى ألا تروني بعد عامي هذا).
إن النبي ﵊ لم يحج إلا حجة واحدة، واعتمر أربع عمرات: عمرة لم يكتب لها التمام، وعمرة مقرونة بالحج، وعمرتان منفصلتان.
وتفصيل ذلك أن العمرة الأولى كانت في العام السادس، حيث خرج ﷺ من ذي الحليفة محرمًا حتى وصل مكة فردته قريش، وحصل بينهم المفاوضات، وفي هذه المفاوضات بعثت قريش سهيل بن عمرو، فلما رآه النبي ﷺ قال: (سهل أمركم)، وهذا من باب التفاؤل بالأسماء، فاصطلح ﷺ مع القرشيين على أن يعود في العام القادم بعد العام السادس، فيعود ليعتمر وليس معهم إلا السيوف في أغمادها، فوافق ﷺ، وأمر الناس أن يحلوا إحرامهم وينحروا هديهم، فلم يقبلوا ولم يرفضوا، ولكن لن يبادر أحد إلى فعل شيء، فدخل ﷺ على أم سلمة حزينًا، فأخبرها الخبر، فقالت له: يا رسول الله! انحر هديك واحلق رأسك.
فإنهم سيصنعون كذلك ففعل ﷺ ولم يجد الصحابة بدًا من ذلك؛ لأنه عز عليهم أن يأتوا محرمين ثم يردوا من البيت وهم على مقربة منه عند الحديبية، ولكن: المسلم يسلم لقدر الله، ولا يدري أين مواطن الخير، والنبي ﵊ في عمرته هذه كان على القصواء، فلما وصلت قريبًا من البيت بركت من غير سبب، ففهم ﷺ الأمر، فقال الناس: خلأت القصواء، فقال ﵊: (والله ما خلأت، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل)؛ لأن البيت معظم، (والله لا تسألني قريش أمرًا يعظمون فيه حرمات الله إلا أعطيتهم إياه)، فقبل ﷺ ورجع من عامه، وفي الطريق أنزل الله جل وعلا عليه سورة الفتح.
ثم في العام الذي بعده في السنة السابعة خرج ﷺ محرمًا من المدينة، فالعمرة الأولى لم تتم، وكان أحرم بالأولى في ذي القعدة، والثانية كذلك في ذي القعدة، فخرج ﷺ إلى مكة فدخلها، فلما دخلها خرج القرشيون إلى أحد جبال مكة وهم يقولون: سيأتيكم محمد وأصحابه وقد أوهنتهم حمى يثرب، وكان الجبل الذي علاه القرشيون شمال البيت، ومعلوم أن الركنين اليمانيين سميتا يمانيين لأنهما جهة اليمن، فأمر النبي ﷺ أصحابه بالاضطباع -وهو إخراج الكتف الأيمن- وأمرهم أن يرملوا -أي: يسرعوا المشي المتقارب- في الأشواط الثلاثة الأولى حتى يرد على القرشيين قولهم: إن الصحابة أهلكتهم حمى يثرب.
فعند الطواف بين الركن اليماني والحجر كانوا في منأى عن أبصار قريش، فلا داعي إذًا للرمل، فكان يمشون المشي العادي، فإذا جاوزوا الحجر بدءوا يسرعون حين تراهم قريش.
ثم رجع ﷺ إلى المدينة، وفي العام الذي بعد فتح مكة، وبعد فتح مكة توجه إلى حنين والطائف، ومعلوم أنه ﷺ بعد أن انتهى من هوازن في حنين حاصر الطائف واشتد الحصار دون أن يستطيع ﷺ أن يدخلها، فشاور أحد الناس -وأظن أن اسمه نوفل - فقال له: يا رسول الله! إنهم كثعلب في جحر، إن تركته لن يؤذيك، وإن أقمت عليه أمسكت، فقبل النبي ﷺ النصيحة وتركهم ورجع إلى مكة، وفي الجعرانة قبل أن يقسم الغنائم أو بعدها جعلها منزلًا له، فأحرم ﷺ بالليل ودخل مكة ليلًا فاعتمر، ثم رجع من ليلته إلى الجعرانة، وعلى هذا قال بعض المالكية: إن الجعرانة أفضل حل على وجه الأرض، والذي جعلهم يقولون هذا هو النبي ﵊ في كل حجته وعمراته أحرم من حرم، والمدينة حرم كما هو معلوم، فأحرم ﷺ من ذي الحليفة وهي حرم، ولم يحرم ﷺ أبدًا من حل إلا من الجعرانة، فلذا قال بعضهم: إنها أفضل حل على وجه الأرض، وقال بعضهم: هذا شيء قدري لا علاقة له بالأحكام الفقهية، والله أعلم.
والعمرة الرابعة كانت في حجة الوداع، حيث قرن ﷺ بين الحج والعمرة، فساق الهدي معه وأحرم في شهر ذي القعدة، ولكنه دخل مكة في شهر ذي الحجة.
[ ٣ / ٢ ]
ذكر حجة الوداع
وحجة الوداع هي الحجة الوحيدة التي حجها النبي ﷺ في الإسلام، ولم ينقل عنه أنه حج قبل الهجرة أو لم يحج، أو قبل البعثة، فهذا كله غير منقول وغير محفوظ ولم ينقل فيه شيء.
وفي حجة الوداع أحرم من ذي الحليفة، وساق الهدي معه صلوات الله وسلامه عليه، وفي الطريق أناخ المطايا وجلس ﷺ، وكان مع أبي بكر زوجته أسماء، ثم إن أبا بكر أسند الراحلة إلى غلام له، فتأخر الغلام، فجاء أبو بكر يسأل الغلام: أين الراحلة؟ فقال: أضعتها، فأخذ أبو بكر يضربه ويقول: بعير واحد وتضيعه! فأخذ يضربه، وأخذ النبي ﷺ يتبسم وينظر إليه ويقول: (انظروا إلى المحرم، يضرب غلامه وهو محرم)، ولذا قال أبو داود في ذلك: (باب تأديب المحرم غلام).
[ ٣ / ٣ ]
دخول مكة وطوافه بالبيت
ثم سار حتى وصل ﷺ إلى مكة، فبدأ بالبيت، فبدأ بالحجر فاستلمه وقبله، وفي رواية لـ ابن عباس أنه سجد عليه، ثم جعل الكعبة عن يساره وطاف سبعًا، وهنا رمل ﷺ، ولم تكن هناك حاجة للرمل؛ لأن مكة فتحت، فرمل ﷺ الثلاثة الأشواط بين الركنين، فأصبحت سنة الرمل قائمة في الثلاثة الأشواط؛ حتى بين الركنين الذين كان قد ترك النبي ﷺ الرمل بينهما في عمرة القضاء كما بينا، ففي حجة الوداع رمل ﷺ ثلاثًا، ثم مشى أربعًا لتبقى تلك سنة، ثم أتى مقام إبراهيم وتلا الآية: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥]، وصلى ركعتين قرأ فيهما في الأولى بالكافرون وفي الثانية بالإخلاص.
ثم رجع إلى الحجر واستلمه، ثم توجه إلى الصفا، فلما أقبل على الصفا تلا الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]، وقال: (أبدأ بما بدأ الله به)، ولم يقلها ﵊ كما يفعل الناس اليوم، حيث يقولها الواحد منهم كلما يرقى الصفا أو يرقى المروة.
[ ٣ / ٤ ]
سعيه بين الصفا والمروة
ثم نزل ﵊ حتى جاء إلى ما بين العلمين الأخضرين اليوم وكان آنذاك حصباء من الأرض، فأخذ يسرع في مشيه ويقول: (لا يقطع الأبطح إلا شدًا)، أي: بقوة، قال الراوي: فأرى ركبتيه تدوران في إزاره صلوات الله وسلامه عليه.
ثم رقى المروة، وفعل عليها كما فعل على الصفا، فاستقبل البيت ووحد الله وكبره ودعا وهلل ورفع يديه ثلاثًا، ثم أتم سعيه، ولم يحلق رأسه؛ لأنه قد ساق الهدي.
[ ٣ / ٥ ]
توجهه إلى منى ثم عرفة
وفي اليوم الثامن توجه إلى منى، ومكث فيها وصلى فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وفي الفجر ذهب إلى عرفة، ولما توجه إلى عرفة ضربت له القبة بنمرة -قرية شرقي عرفات- فأناخ فيها، ونام فيها وارتاح قليلًا حتى زالت الشمس، ولما زالت الشمس ركب القصواء وتقدم حتى أتى بطن عرنة، وهو ليس من عرفة، وليس بحرم، وإن كان بين المشعر وبين مكة، فوقف فيه وخطب الناس خطبته العظيمة وقال فيها: (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)، فعرفت بحجة الوداع، ثم تقدم حتى أتى الموقف وجعل بطن ناقته إلى يمين الصخرات، ووقف يدعو رافعًا يديه حتى غابت الشمس.
[ ٣ / ٦ ]
إفاضته إلى مزدلفة
ثم أردف أسامة بن زيد خلفه حين ذهب إلى مزدلفة، وفي الطريق توقف ونزل في أحد الشعاب وبال وتوضأ وضوءًا خفيفًا، فلما ركب الناقة - قال له أسامة: الصلاة يا رسول الله.
فقال: (الصلاة -وفي رواية: المصلى- أمامك)، أي: في مزدلفة.
فأتى مزدلفة فصلى المغرب والعشاء جمع تأخير؛ لأنه دخلها في وقت صلاة العشاء، ثم اضطجع حتى أذن الفجر، فصلى الفجر في أول وقته، ثم بعد ذلك أتى المشعر الحرام الذي بني عليه المسجد اليوم، فوقف عنده وذكر الله، ثم قبل أن تشرق الشمس أنزل أسامة وأردف الفضل بن عباس، وكان شابًا حسن الشعر وسيمًا، وهو في الطريق إلى منى رأى ضعنًا -أي: نساء ركب- يجرين، فأخذ الفضل ينظر إليهن، فأمال شقه ﷺ إلى الشق الثاني، فكأنه رأى النساء الأخريات، فأمال النبي ﷺ وجهه مرة أخرى.
[ ٣ / ٧ ]
رميه وحلقه ونحره بمنى
ثم أتى ﷺ منى فأتى الجمرة ولم يبدأ بشيء قبلها، فرماها وهو على ناقته بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم أتى الحلاق وكان اسمه معمر بن عبد الله، فقال له: (قد أمكنك الله من شحمة أذن نبيه ومعك الموسى)، فحلق رأسه ﷺ، ثم بعد ذلك ذهب إلى المنحر ونحر هديه ﷺ، فنحر ثلاثًا وستين بيده، فكان عمره ﷺ ثلاثًا وستين، فنحر ثلاثًا وستين والإبل معقولة أيديها اليسرى، فتسابقت تقدم رقابها إليه صلوات الله وسلامه عليه، وبعد أن أتم نحرها أمر عليًا بأن يكمل عنه، فأكمل عنه علي ما تبقى، وكانت مائة ناقة قدمها ﷺ لنحرها.
ثم جاءته امرأة من خثعم، وهي قبيلة إلى الآن موجودة لهم مواطن وأماكن في الطريق بين الطائف إلى أبها، وكانت هذه المرأة جميلة جدًا، فجاءت تسأله أن أباها رجل كبير فرض عليه الحج وهو لا يستطيع، فقالت: أأحج عنه، فقال: نعم.
فأخذ الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، كما في حديث ابن عباس، فأمال النبي ﷺ وجه الفضل ولم ينزله من راحلته.
ومن أراد أن يسوس الناس فلابد له من أن ينظر إلى الأشياء بعينين: عين شرع وعين قدر، كما ساسهم ﷺ، والخير كل الخير في اتباعه.
فـ الفضل شاب أعزب وسيم، فكونه ينظر إلى النساء أمر محرم، ولكن ذلك أقرب إلى طبيعة هذا الشباب، فهذا هو القدر، والحرمة هي الشرع، فماذا فعل ﷺ؟ لقد أنكر عليه وأمال وجهه، فنظر للأمر بعين الشرع، أما عين القدر فهو ﷺ يعلم أن هذا شاب أعزب والفتاة جميلة، فلم ينزله من الناقة ولم يعنفه ولم يسبه ولم يشتمه مراعاة لوضعه وحالته وعمره ﵁ وأرضاه.
فإذا أراد الإنسان أن يسوس الناس فلينظر في كل أمر، ولذلك جاء في الإسلام التفريق بين كبر الغني وكبر الفقير؛ لأن الغني عندما يتكبر يكون لكبره وإن كان حرامًا؛ لأنه ذو مال، وأما الفقير فعلى أي وجه يتكبر؟! وكذلك الزنا حرمة الله على الجميع، ولكن الزنا من الكبير في السن ليس كالزنا من الشاب، قال ﷺ: (أشيمط زان وعائل مستكبر وملك كذاب)، فالملك يكره منه الكذب لأنه يحتاج إلى أن يكذب، فليس هناك أحد يخاف منه من أجل أن يكذب، ولكن عندما يكذب الخائف يكون لكذبه وجه وإن كان حرامًا.
فمن أراد أن يسوس الناس فليسسهم بهدي محمد ﷺ، فينظر بعين الشرع وعين القدر.
[ ٣ / ٨ ]
إحلاله من الإحرام وطواف الإفاضة ورميه أيام التشريق
ثم دخل على عائشة فطيبته بعد أن أحل من إحرامه، وتوجه إلى مكة وطاف طواف الإفاضة، والصواب أنه طاف طواف الإفاضة وهو راكب على بعير، ولم يسع؛ لأنه ﷺ كان قارنًا، فرجع إلى مكة فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، واليوم الحادي عشر يسمى في عرف الفقهاء: يوم القر؛ لأنه ليس فيه تعجل ولا ذهاب ولا إياب، وليس فيه إلا الرمل، فمكث ﷺ فيه، ثم في اليوم الثاني عشر أذن لمن أراد أن يتعجل، أما هو ﷺ فبقي إلى اليوم الثالث عشر، وقال في اليوم الثاني عشر: (إنا نازلون غدًا في خيف بني كنانة)، والخيف في اللغة: ما قرب من الأرض، فلم يصل إلى الوادي، ولذلك يسمى المسجد الرسمي الذي في منى يسمى مسجد الخيف؛ لأنه ليس في الوادي ولا في أعلى الجبل، وإنما هو في منحدر الجبل.
فقال ﵊: (إنا نازلون غدًا في خيف بني كنانة)، وخيف بني كنانة هو المكان الذي اجتمعت فيه قريش على أن تحصر بني هاشم في الشعب، فلما نزل ﷺ في اليوم الثالث عشر رمى الجمرات الثلاث ولم يصل الظهر والعصر في منى، وأتى خيف بني كنانة -وهو ما يسمى المعابدة اليوم- فنزل فيه ﷺ وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء يقصر الرباعية.
[ ٣ / ٩ ]
طواف الوداع ورجوعه ﷺ إلى المدينة
وقبل السحر بقليل نزل إلى مكة، فطاف بالبيت طواف الوداع، ثم صلى بالناس صلاة الفجر، ثم قفل ﷺ راجعًا إلى المدينة تشرف به المهاد والنجاد يكبر على كل شرف من الأرض حتى رأى معالمها فقال: (آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون)، ودخلها ﷺ بعد أن نام في أبيار علي في مسجد يسمى مسجد المعرس، بجوار مسجد الميقات اليوم، ثم لما أصبح دخل ﷺ المدينة نهارًا، وكان لا يدخلها ليلًا صلوات الله وسلامه عليه.
[ ٣ / ١٠ ]
ذكر غزوات الرسول ﷺ
قال المؤلف ﵀: [غزا رسول الله ﷺ بنفسه خمسًا وعشرين غزوة، هذا هو المشهور، قاله محمد بن إسحاق، وأبو معشر، وموسى بن عقبة وغيرهم، وقيل: غزا سبعًا وعشرين، والبعوث والسرايا خمسون أو نحوها.
ولم يقاتل إلا في تسع: بدر، وأحد، والخندق، وبني قريظة، والمصطلق، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف.
وقد قيل: إنه قاتل بوادي القرى، وفي الغابة، وبني النضير].
[ ٣ / ١١ ]
ذكر فضل الجهاد في سبيل الله
هذا ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى حول غزواته ﷺ، والحديث عن الغزوات حديث طويل، كما أنه في نفس الوقت مشهور لا يكاد يجهله أحد، وعلى الأقل يلم به الجميع إلمامًا عامًا، ولذلك سنتحدث إجمالًا عن غزواته ﷺ، ثم سنذكر تعليقًا علميًا ومعرفيًا وعقديًا عليها.
فنقول والله المستعان وعليه البلاغ: إن الله جل وعلا أذن بالجهاد بعد هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]، والجهاد في دين الله جل وعلا بمنزلة عالية، قال ﷺ: (وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله)، ولما أراد أن يبين ﷺ لأصحابه فضيلة العشر الأول من ذي الحجة قال ﵊: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر)، فقال الصحابة لما استقر في قلوبهم فضل الجهاد: ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال ﷺ: (ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)، والله جل وعلا يقول وهو أصدق القائلين: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران:١٩٦ - ١٧٠]، فهذه الأمور من باب التمهيد للدرس، وإلا فلا يكاد مؤمن يجهل فضل الجهاد بضوابطه الشرعية في سبيل الرب ﵎، وهذا التقديم نقوله بين يدي ذكر غزواته ﷺ.
[ ٣ / ١٢ ]
ذكر الفرق بين السرية والبعث والغزوة
ومن الناحية العلمية يرد عليك وأنت طالب علم الغزوة والسرية والبعث، فالسرية والبعث يجعلها غالب المؤرخين بمعنى واحد، فتكون الغزوة هي التي يقودها النبي ﷺ بنفسه ويشارك فيها، فإذا كانت المعركة بهذا المناط سميت غزوة.
أما السرية أو البعث فهي التي يبعثها النبي ﷺ دون أن يكون فيها ﵊، مثل سرية مؤتة؛ فإنها كانت بقيادة زيد بن حارثة، ولم يكن النبي ﷺ عليها، والسرية سميت سرية لأنها جرت العادة بأنها تبعث في الليل، يقال: فلان سرى أي: مضى في الليل.
وأما البعث فقد قلنا: إن أكثر المؤرخين على أنه بمنزلة السرية، ولكن بعضًا منهم يقول: إن البعث هو المجموعة من الجند التي يبعثها صاحب السرية، فيصبح البعث منفكًا نسبيًا عن السرية عند بعض العلماء، وجمهورهم على أن السرية والبعث بمعنى واحد.
[ ٣ / ١٣ ]
ذكر الغزوات إجمالًا
وأول الغزوات بدر، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: بدر الصغرى، وبدر الكبرى، وبدر الموعد.
فبدر الصغرى سببها أن رجلًا يقال له: قلس أغار على سرح المدينة، فتبعه النبي ﷺ إلى بدر وهذا كله قبل معركة بدر، وتسمى هذه معركة بدر الصغرى، وأما التي نزل فيها القرآن فهي المعركة الشهيرة في رمضان عند المسلمين، وكانت في السابع عشر من رمضان، وأصلها -كما هو معلوم- أن النبي ﷺ بلغه أن عيرًا لقريش عائدة من الشام، فقال لأصحابه: (لعل الله ينحلكموها) يعني: يمنحكم إياها، فهبوا لها فلم يدركوها، فقال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧]، وإحدى الطائفتين هنا ليست إحدى الحسنيين، فإحدى الحسنيين هي النصر أو الشهادة، وأما إحدى الطائفتين فالعير أو النصر، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧]، فقال ﷺ بعد أن استشار أصحابه قال: (امضوا؛ فإن الله وعدني إحدى الطائفتين)، أي: وعدني إما أن تدركوا العير، وإما أن تقابلوا قريشًا فتنتصروا.
فأتى النبي ﷺ بدرًا كما هو معروف، وكانت الغلبة للمسلمين، واستشهد منهم أربعة عشر صحابيًا جليلًا شهيدًا، ووقف النبي ﵊ وأثنى على أهل بدر.
فهذه بدر الكبرى التي قال الله فيها: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران:١٢٣].
وبعد بدر جمعت قريش أمرها، فكان في السنة الثالثة غزوة أحد بقيادة أبي سفيان، وأحد هو الجبل المعروف في شمال المدينة، وسمي أحدًا لانفراده عن بقية الجبال، وهو جبل قال فيه ﷺ: (هذا أحد جبل يحبنا ونحبه)، وارتقى عليه ﵊ ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فاهتز فرحًا، فقال ﵊: (اثبت أحد؛ فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان).
والذي يعنينا أن في ساحته كانت معركة أحد، وكانت الغلبة -كما هو معلوم- أول الأمر للمسلمين، ثم إن الرماة عصوا النبي ﷺ وتركوا أماكنهم فانقلب الوضع وتغير الحال وجال خالد بمن معه من القرشيين فأصبح الأمر لهم، واستشهد من المسلمين آنذاك سبعون ﵃ وأراضهم.
ثم كانت غزوة بني النضير، وهم قوم من اليهود كانوا يسكنون المدينة، كان منهم بعض التآمر، ثم إن النبي ﵊ ذهب إليهم في دية رجلين، فلم يساعدوه، وتآمروا على قتله، فأجلاهم النبي ﷺ من المدينة.
ثم بعد ذلك كانت غزوة الأحزاب، ومن اسمها يظهر أن قريشًا وغطفان ومن حالفهم حاصروا المدينة في القصة المعروفة، فأخذ النبي ﵊ مشورة سلمان الفارسي وحفر الخندق، فاختصم الناس في سلمان، وقال المهاجرون: سلمان منا، وقال الأنصار: سلمان منا، فقال ﷺ: (سلمان منا آل البيت).
ثم بعد ذلك لما رجع المشركون من غزوة الخندق فردهم الله، انكسر المشركون معنويًا، فقال ﷺ: (الآن نغزوهم ولا يغزونا)، فوقع الأمر كما قال صلوات الله وسلامه عليه.
وبعد ذلك كان مسير النبي ﷺ للعمرة في العام السادس، فاصطلح مع القرشيين في الصلح الذي تم تاريخيًا وعرف في كتب السيرة بصلح الحديبية، واتفق الطرفان على ألا يكون قتال عشر سنين.
وبعد هذا الصلح رجع ﷺ إلى المدينة فغزا خيبر في نفس العام، وأظهر علي ﵁ بلاء معروفًا، وكان في السبي صفية بنت حيي بن أخطب ﵂، ثم تزوجها النبي ﷺ في منصرفه من خيبر.
فهذا كله في أحداث السنة السادسة.
وفي السنة الثامنة كان فتح مكة، حيث خرج النبي ﷺ بعد أن استنصر به عمرو بن سالم الخزاعي، قيل: إنه كان من شروط الصلح -صلح الحديبية- أن من أراد أن يدخل في حلف محمد دخل، ومن أراد أن يدخل في حلف قريش دخل، فدخلت بكر في حلف قريش، ودخلت خزاعة في حلف النبي ﷺ، ثم إن قريشًا أعانت بكرًا على خزاعة، فجاء عمرو بن سالم الخزاعي يستنصر برسول الله ﷺ، فقال له: (نصرت يا عمرو بن سال م)، فخرج ﷺ في العام الثامن من الهجرة إلى مكة ومعه أكثر من عشرة آلاف من أصحابه، ثم دخلها عنوة صلوات الله وسلامه عليه والمغفر على رأسه وطاف بالبيت، ففتح مكة، ثم جعل عليها عتاب بن أسيد.
ثم خرج ﷺ إلى حنين فقاتل هوازن وثقيفًا، وحاصر الطائف، ولكنه لم يستطع أن يدخلها، ثم رجع، فقيل له: يا رسول الله! ادع على ثقيف، فقال: (اللهم اهد ثقيفًا وائت بهم)، فتحققت ﵊ ودعوته وهدى الله ثقيف.
ثم رجع ﷺ إلى المدينة، وفي رجب من العام التاسع كانت آخر الغزوات، وهي غزة تبوك، فخرج ﷺ بجيش العسرة إلى تبوك -وهي منطقة تبعد عن المدينة اليوم سبعمائة كيلو تقريبًا- في الحر والقيض، وقد تآمر المنافقون وخذله أكثرهم، فخرج ﵊ ولم يلق حربًا، فأناخ في تبوك قرابة عشرين يومًا، ثم رجع صلوات الله وسلامه عليه.
فهذا على وجه الإجمال، وهناك غزوات لنبينا ﷺ تركنا ذكرها، كذات الرقاع وبني المصطلق وغيرهما.
[ ٣ / ١٤ ]
بيان عظم التوحيد
والذي يعنينا من هذا كله الدروس والعبر والعظات التي يجدها شارح السيرة في هذه الغزوات التي غزاها النبي ﷺ.
فأول ذلك: أن يعلم المرء أن الله ما أمر بشيء أعظم من توحيده، وما نهى عن شيء أعظم من الإشراك به، فما بعث الرسل ولا أنزلت الكتب إلا ليعبد الله وحده دون سواه، ففي بدر قال ﵊ لأصحابه: (امضوا؛ فإن الله وعدني إحدى الطائفتين)، وقلنا: إن إحدى الطائفتين العير أو النصر، فلما فر أبو سفيان بالعير ونجا ذهبت الأولى، وبقيت الثانية وهي النصر، فهو ﵊ أتى بدرًا وهو يعلم أنه منصور لا محالة؛ لأن الله وعده، وأخبر الناس بذلك، ومع ذلك وقف ﷺ ليلة بدر في العريش رافعًا يديه يدعو ويتضرع إلى الله ويسأله جل وعلا ويحمد الله بحامد عظيمة حتى قرب الصبح، وهو يعلم أنه منصور، ولكنه فعل ذلك ليحقق التوحيد على أكمل وجه، والتوحيد لا يتحقق في مظهر أكبر من دعاء الله ﵎، فوقف ﷺ يدعو ويلح على ربه حتى أشفق عليه أبو بكر، فجاءه من الخلف والتزمه وقد سقط رداءه ﷺ عن كتفيه، وهو واقف يتضرع إلى ربه ويدعوه في أمر قد أخبره الله جل وعلا بأنه كائن، فما وقف ﷺ يدعو إلا ليبين التوحيد للناس، وليعلم كل أحد أنه لا يمكن لمخلوق أن يستغني عن الله ﵎ طرفة عين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، والعبد لو ترك لحوله وفصاحته أو ماله أو بلاغته أو أولاده أو عشيرته أو ملكه أو سلطانه لهلك، فلا ينجي من كل مكروه إلا الله، ولا يهب النعم ويعطيها ويمنحها إلا الله، فمن استعان بالله جل وعلا وفق، وقد تجد الرجل من الفصاحة والبلاغة والدعوة بمكان، وتجد من يدعوه لا يتأثر؛ لأن الله لم يكتب لذلك المتلقي التأثر، قال الله جل وعلا حكاية عن نوح بعد أن أخلص لقومه ودعاهم وبين لهم معالم الهدى: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤]، فمهما بذلت معكم من جهد فلا ينفع إن كان الله جل وعلا لم يرد لكم الهداية.
فاسأل الله ﵎ من فضله، وأر الله جل وعلا من التضرع والمسكنة ما يحب يعطك الله جل وعلا ما تحب من خيري الدنيا والآخرة.
[ ٣ / ١٥ ]
ذكر غزوة بدر الكبرى
وبدر هي أول معركة في الإسلام، وهذه المعركة بعدها كان الصحابة على ثلاثة أقسام: قسم حمى النبي ﷺ، وقسم تتبع فلول قريش، وقسم جمع الغنائم.
ولم يكن يوم ذاك غنائم من قبل ليمضي بهذه الغنائم على السنة الأولى، فاختصموا في الغنائم، فذهبوا إلى النبي ﷺ يسألونه، فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١]، ولم يأت جواب، فقال الله تأديبًا لهم: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١]، أي: احرصوا على جمع الكلمة، وليس الصحيح أن تختصموا من أجل غنائم، فالمهم أن تتآلف قلوبكم، وأن يتوحد رأيكم، وأن تجتمع كلمتكم، ثم بعد أربعين آية في نفس السورة قال الله جل وعلا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال:٤١] إلى آخر الآية فبين جل وعلا كيفية تقسيم الغنائم.
ثم اختلفوا في الأسرى، فاستشار النبي ﷺ الصديق والفاروق، فـ الصديق أشار عليه بقبول الفدية، والفاروق أشار عليه بالقتل، فشبه ﷺ الصديق بإبراهيم عندما قال ﵊: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٦] أي: الأصنام: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي﴾ [إبراهيم:٣٦] فلم يدع عليهم، بل قال: ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦].
وشبه الفاروق بنوح حين قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧]، ثم أخذ النبي ﷺ برأي الصديق وقبل فداء الأسرى، فنزل القرآن يعاتبه.
[ ٣ / ١٦ ]
ذكر غزوة أحد
وأما غزوة أحد فإن الرماة ﵃ خالف منهم طائفة أمر قائدهم، ونزلوا إلى أرض المعركة يجمعون الغنائم، وكانت فرصة لـ خالد، ولا يهلك الناس مثل المعاصي، ولا ينجي مثل الطاعة، وهذا أكبر دليل على ذلك كله.
فلما عصى الرماة النبي ﷺ معصية واحدة كانت سببًا في هزيمة جيش بأكمله فيه رسول الله ﷺ، فليس بين الله وبين أحد من خلقه نسب، فمقاليد التوفيق مقرونة بالطاعات، ومقاليد الخيبة والخسران مقرونة بالمعاصي، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٥٢].
فهذا الأسلوب القرآني جاء رقيقًا لأنهم انهزموا، فما جمع الله لهم الهزيمة أمام أهل الكفر وتأديب القرآن القاسي، بل جاء تأديب القرآن لينًا لأنهم انهزموا، قال الله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٥٢].
وأما في بدر التي أرجأت الكلام فإنهم لما اختلفوا في الأسرى ولم يأخذوا بالأمر الأصوب -وهو قتل الأسارى- قال الله ﵎ عنهم: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال:٦٧] إلى أن قال الله جل وعلا في الآية التي بعدها: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨]، فالعتاب في بدر كان أقسى من العتاب في أحد؛ لأنهم كانوا في بدر منتصرين يتقبلون العتاب القاسي، أما في أحد فكانوا منكسرين، فما أراد الله جل وعلا أن يجمع عليهم عتابًا قاسيًا مع هزيمة وفي غزوة أحد أشيع أن النبي ﷺ قتل، زعم ذلك عمرو بن قمئة أخزاه الله، فلما أشيع ذلك أصاب المسلمون نوع من الإحباط، فقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]، فما ربط الله جل وعلا عبادته قط بحياته ﷺ فأوامر الله تنفذ، سواء مات النبي أو بقي، وجد الإمام أو لم يوجد، وجد القائد المسلم أو لم يوجد، فأوامر الله وعبادته وطاعته وشكره والإذعان له ﵎ دأب المؤمن في كل زمان ومكان، وهذا الدين الذي هو من عند الله أجل وأعظم من أن يعلق بحياة أحد، ولو أريد لهذا الدين أن يعلق بحياة أحد لعلق بحياة النبي ﷺ، لكن الله يقول للصحابة الذين هم خير جيل وأمثل رعيل: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤]، أي: أن الرسل من قبله ماتوا ولم يتغير شيء، فهو ﷺ له عند الله ربه المنزلة العالية والمقام الرفيع ولكن أوامر الله ليس تنزيلها معلقًا بحياة أحد كائنًا من كان.
ثم إن هؤلاء الرسل تركوا مبادئ وتركوا قيمًا، ومن أعظم أخطائنا في الصحوة أن نعلق الناس بالدعاة أو بالعلماء أو بالقادة أو بالمجاهدين، هذا من أعظم أخطائنا في التربية، فالإنسان يعلق بالمبادئ ويعلق بالقيم؛ لأن هذا الذي تفتن به اليوم لا يؤمن عليه الفتنة، فهو نفسه قد يترك الدين ويرجع وينتكس أو يموت ويتغير، فلا تتعلق بمخلوق كائنًا من كان، فخذ من الناس ومن العلماء من الدعاة وممن تحب القيم والمبادئ التي عاشوا من أجلها، أما هم فلا تتعلق بهم، وما يحصل عند موت زعيم أو ما أشبه ذلك من هلاك الناس وضياعهم وبكائهم غير صحيح، فأن يبكي الإنسان على شخص يحبه لا بأس به، فالنبي ﷺ بكى على موت إبراهيم، ولكن لا يعتقد أحد أن الدين سيتبدل أو يتغير؛ لأن فلانًا مات أو لأن عالمًا ربانيًا هلك، فالدين أعظم من أن يعلقه الله بحياة أحد كائنًا من كان.
[ ٣ / ١٧ ]
ذكر غزوة الخندق
وفي يوم الخندق أراد الله أن يبين أن مع العسر يسرًا، وأن آخر الليل فجر، ففي عز ما كان فيه المشركون مسيطرين محيطين بالمدينة، أخذ النبي ﵊ بالرأي، والإنسان مهما بلغ عقله ورأيه وفضله يحتاج إلى أن يستشير الناس، وما استكبر ﷺ عن أن يستشير أصحابه، وأخذ برأي سلمان، حيث قال له: إننا كنا في بلاد فارس نصنع كذا وكذا.
فلا يأتي إنسان ويقول: هذا تشبه بالكفار؛ فالتشبه بالكفار إنما يكون في المسائل التي تكون رمزًا لهم، وتكون عنوانًا على كفرهم، فهذا لا يجوز، أما حضارات الأمم فلا يجوز لأحد أن يقيدها، فقد كان الفرس يصنعون هذا في حروبهم، فما امتنع ﷺ عن أن يصنعه في حروبه إذا كان يقيه غائلة الأعداء، وقد قال ﵊ في حديث آخر هو عند مسلم: (كنت أريد أن أنهى أمتي عن الغيلة، حتى علمت أن فارس والروم تصنعانها فلا يضرانها شيئًا)، والغيلة أن تضرع المرأة ابنها وهي حامل على إحدى التفسيرين لها، وهو المشهور، ومع ذلك لما علم ﵊ أن فارس والروم -وهم مجوس ونصارى- يصنعون هذا الصنيع قبله ﷺ؛ لأن هذه حضارة مشتركة يأخذ الناس بها كلهم، فليس وقفًا على أمة دون أمة، وإنما المحظور ما كان شعارًا ليهود أو كان شعارًا لمجوس أو كان شعارًا لنصارى يتعلق بدينهم وشعائرهم، فهذا هو الذي فيه الموالاة والبراء، ولا يجوز لأحد أن يحاكيهم فيه أبدًا حفاظًا على شعيرة الدين.
وفي ذروة هذا كله ينزل ﷺ فيضرب صخرة فيقول: (الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إنني لأرى قصر المدائن الأبيض من مكانها)، ثم يضرب ضربة ثانية ويقول: (الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إنني لأرى قصور هرقل -أو كلمة نحوها- من مكانها)، ثم ضرب الثالثة وقال: (الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إنني لأرى قصر صنعاء الأبيض في مكانه)، ففي شدة ما هو فيه كان يبشر الصحابة ليبين لهم ألا يدب اليأس إليهم.
وقال النبي ﷺ هذا كله وهو لم يدرك واحدة منها، فلم تفتح فارس ولا بلاد الروم ولا اليمن في حياته ﷺ؛ إذ ليس شرطًا أن تفتح في حياته، كما قال تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ [يونس:٤٦] والمقصود أن الآيات تقع في حياته وتقع بعد وفاته، فالدين ليس معلقًا بأحد، والقائد الموفق من يبذر الفأل الحسن والعزيمة في نفوس المسلمين.
فهذه المعركة كانت اختبارًا للناس وتصفية لهم، فالمنافقون قالوا: محمد يعدنا بكذا وكذا وأحدنا لا يقدر أن يقضي حاجته، فقال الله عنهم: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢]، وقال عن أهل الإيمان: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]، فهذا ما يتعلق بمعركة الأحزاب.
[ ٣ / ١٨ ]
ذكر صلح الحديبية
وأما في الحديبية فإنه ﷺ خرج حتى وصل إلى مكة، وقبيل مكة بركت الناقة، فقال من معه: خلأت القصواء، فقال: (والله ما خلأت وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل)، ثم فهم أنه لن يصل إلى البيت، وقال: (إن قريشًا لا تسألني اليوم خطة يعظمون فيها البيت إلا أعطيتهم إياها).
فهذا النص، -وهو قوله ﵊: (حبسها حابس الفيل) - قرأه كثير من العلماء، ولكن الفهم يتفاوت من عالم إلى عالم في استنباط الفوائد، قال الحافظ ابن حجر ﵀وهذا من دلائل قدرته العلمية-: إنه لا يلزم من التشبيه بين أمرين التشبه من كل وجه، فإن النبي ﵊ شبه حبس ناقته بحبس الفيل، مع أن أصحاب الفيل كانوا على باطل محض، وصاحب الناقة ﷺ كان على حق محض، ولكن المقصود هنا بالتشبيه شيء واحد، وهو حفظ الله جل وعلا لبيته، وليس المقصود تشبيه صاحب الناقة ﷺ بصاحب الفيل أبرهة، فبينهما من البون والفرق ما لا يخفى على أحد.
هذا معنى كلامه رحمه الله تعالى وغفر له.
[ ٣ / ١٩ ]
ذكر غزوة خيبر
والمقصود من هذا أن النبي ﵊ رجع بعد أمور وأحداث علق عليها المصنف، فخرج في نفس العام إلى خيبر، وقد كان يقطنها اليهود، فأقبل على خيبر فجرًا، فخرج الناس ومعهم المساحي، فلما رأى المساحي بأيديهم تفاءل وقال: (الله أكبر، خربت خيبر، إننا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)، وهنا حصلت أمور، فبعض الحصون عزت على الصحابة، فقال ﵊: (لأعطين الراية غدًا رجلًا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله)، فاستشرف الناس ليلتهم كلهم يريد أن يكون هو، فلما أصبح أعطاها عليًا رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهذا من مناقب علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وتم فتح خيبر بعد ذلك، واصطفى النبي ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب، فوجد في خدها أثر ضربة، فسألها عنها، وكانت قبله تحت رجل آخر، فقالت له: إنني قصصت رؤيا على زوجي فصفعني، ثم سألها بعد ذلك فأخبرته، فقالت: رأيت الهلال ينزل فيقع في حجري، فقصصتها على زوجي فضرني وقال: تتزوجين هذا الملك الذي في المدينة.
يقصد النبي ﷺ، فبقي أثر الضربة فيها حتى تزوجها نبينا ﷺ.
فهذا ما كان من غزوة خيبر، وقد حاول اليهود سمه ﵊، فنجاه الله ﵎، وأخبرته ذراع الشاه بأنها مسمومة، فلفظ ما أكل صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من معجزاته ﵊.
[ ٣ / ٢٠ ]
ذكر فتح مكة
ثم بعد خيبر كان فتح مكة في العام الثامن من الهجرة، فخرج ﵊لأنه استنصر به عمرو بن سالم - حتى أتى مكة وأناخ بجوارها، وفي تلك الفترة أسلم بعض القرشيين وعلى رأسهم أبو سفيان بن حرب، وكان أبو سفيان رجلًا يحب الفخر، والعباس كان الوسيط بين النبي ﵊ وبين أبي سفيان، وكان العباس عم النبي ﵊ يدل على رسول الله، فقال: يا نبي الله! إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فقال ﵊: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن)، فدخل ﷺ مكة وقد أخرج منها قبل ثمان سنوات والمغفر على رأسه، ثم قيل له وهو ينزع المغفر: إن فلانًا -أحد خصومه- متعلق بأستار الكعبة.
فقال ﵊: (اقتلوه)، وهذا قد كان منه كثير الأذى لرسولنا ﷺ، ثم طاف ﷺ بالبيت ومعه المحجن وهو يشير إلى الأصنام ويقرأ: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، والذي يعنينا هنا أنه ﵊ كان مطأطئًا رأسه، معظمًا لربه، يعرف فضل الله جل وعلا عليه، ولم يكن يخرج منه ﵊ مثقال ذرة من أمارات الكبر ولا علاماته؛ لأنه يعرف أن الله هو الذي مكنه وأظهره على عدوه، ولذلك كان يقول دائمًا: (لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)، وطاف بالبيت، ثم أمر بالأصنام أن تخرج من البيت، فكان من الأصنام التي أخرجت صورة لإبراهيم ﵇، وهي رسم لإبراهيم وإسماعيل وهما يستقسمان بالأزلام، والأزلام أعواد كان القرشيون يستقسمون بها، في أحدها (نعم) وفي الآخر (لا) والثالث لا شي فيه، فإذا خرجوا أو سافروا أو أرادوا أمرًا أتوا بهذه الأزلام يستقسمون بها، فالقرشيون لكي يثبتوا مذهبهم رسموا صورة إبراهيم وإسماعيل وهما يستقسمان بالأزلام، فلما نظر فيها ﷺ قال: (قاتلهم الله، لقد علموا أن شيخنا ما استقسم بها قط)، ولم يحفظ أن النبي ﷺ نعت أحدًا من الأنبياء بأنه شيخه إلا إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، وقد كان أبًا لنبينا ﵊.
ثم دخل ﷺ الكعبة وكبر في نواحيها وصلى ركعتين، وهو خارج آخذ بعتبتي الباب أنزل الله جل وعلا عليه قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، فأعطى مفاتيح الكعبة لبني شيبة وقال: (خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم).
[ ٣ / ٢١ ]
ذكر غزوة حنين
ثم خرج ﷺ بعد ذلك إلى حنين جهة الطائف، فلما خرج إلى حنين مر على شجرة كان القرشيون وأهل الجاهلية يعبدونها، فكانوا يعلقون بها بعض أمورهم معتقدين فيها، فقال من معهم ممن هو حديث عهد بالإسلام: يا نبي الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط.
فقال ﵊: (الله أكبر؛ إنها السنن، لقد قلتم كما قال أصحاب موسى لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨])، ثم أتى حنين ﷺ، وغلب المسلمون أولًا، ثم أخذها أبو سفيان بن الحارث، والقلوب بين يدي الله يقلبها كيف يشاء، فـ أبو سفيان بن الحارث كان طوال دهره يهجو النبي ﷺ، وهو ابن عمه، فـ الحارث أحد أعمام النبي ﷺ من أبناء عبد المطلب، وسيأتي الحديث عن أعمام الرسول.
فالمهم أن أبا سفيان هذا هو الذي قال له حسان رضي الله تعالى عنه: أتهجوه ولست له بكفءٍ فشركما لخيركما الفداء فأخذ أبو سفيان بزمام ناقة النبي ﵊، والرسول واقف على ناقته ويقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)، ثم نادى: يا أصحاب السمرة يا أصحاب الشجرة.
حتى اجتمعوا ﵃ وأرضاهم، ونصر الله جل وعلا جنده المؤمنين.
ثم حاصر النبي ﵊ الطائف، فاستعصت عليه فقفل راجعًا بعد أن استشار بعض الناس، ثم قال: (اللهم اهد ثقيفًا وائت بهم)، ورجع ﷺ إلى المدينة.
[ ٣ / ٢٢ ]
ذكر غزوة تبوك
وفي العام التاسع في شهر رجب خرج ﷺ إلى تبوك، وكان الأصل في غزواته أنه إذا أراد أن يخرج لا يبين الوجه الذي يريد، إلا تبوك لبعد المشقة وشدة الحر وحاجة الناس، فأظهر ﷺ وجهته ودعا الناس واستنفرهم إلى المعونة فيها، فكان لـ عثمان رضي الله تعالى عنه اليد الطولى وقصب السبق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فجهز أكثر جيش العسرة ﵁ وأرضاه، ثم خرج النبي ﷺ.
وتخلف ثلاثة: مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك، وتخلف المنافقون، ثم لم يجد ﷺ قتالًا ولا حربًا، فأقام في تبوك ما شاء الله له أن يقيم، ثم رجع إلى المدينة جاءت قصة توبة الله على الثلاثة الذين خلفوا.
[ ٣ / ٢٣ ]
ذكر كتبة رسول الله ودلالة ذلك
وبعد أن ذكر المصنف ﵀ بعضًا مما يشير إلى غزواته صلوات الله وسلامه عليه أشار إلى من كان يكتب له ﵊، وهذا يسوقنا إلى مسألة مهمة، وهي أن الله جل وعلا بعث نبيه أميًا لا يقرأ ولا يكتب، وقد عاش ﵊ لا يقرأ ولا يكتب أربعين عامًا قبل النبوة، وهذا لحكمة أرادها الله، حتى لا يأتي أحد ويقول: إن هذا النبي حصل على ما حصل عليه مما يقوله من قرآن لمعرفة بأخبار الأمم السابقة، وهذا أمر أكد القرآن عليه كثيرًا، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨]، وقال جل وعلا: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:٨٦]، فالنبي ﵊ حفظه الله من أن يقرأ ويكتب قبل النبوة حتى لا يتسلط أحد عليه ويكون ذلك عذرًا لأحد ممن يعترض على دينه، كما أخبر الله عن الكفار أنهم قالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان:٥]، أي: طلب من غيره أن يكتبها له.
فرد الله جل وعلا عليهم ذلك كله، كما هو ظاهر في القرآن، فلما كان الله قد حفظ الله نبيه من هذا جعل له كتبة، والشيء الذي لا يحسنه الإنسان يكله إلى غيره، وليس هذا بنقص فيه، بل هذا من مقومات كمال المرء، والنبي ﵊وهو رأس الملة وإمام الأمة يقود الناس- شرع الله جل وعلا له أن يتخذ كتبة يعينونه على أمره ﵊، فيكتبون الوحي الذي ينزل من السماء، ويكتبون كتبه التي يبعثها إلى غيره، ويكتبون بعض الأحكام التي وجدت عندهم، كما في كتاب عمرو بن حزم، فهذا كله قام به ثلة من الصحابة؛ لأن العرب كانت -في الغالب- أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، فالذين كانوا يكتبون كانوا قليلين، ومنهم الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وكلهم كانوا كتبة، وكان هناك بعض الصحابة قد جمع المزيتين، فكان خطيبًا للنبي ﵊ وكان كاتبًا، كما هو شأن ثابت بن قيس، وكان من هؤلاء الكتبة من هو متميز، كما يوجد في الطلاب أو في الوزراء أو في المساندين لأي حاكم قوم مميزون، فكان زيد بن ثابت ﵁ أحسن الصحابة في الكتابة، وتعلم لغة يهود، وهو الذي طلب منه الصديق رضي الله تعالى عنه -والفاروق بعد ذلك- أن يجمع القرآن.
فهؤلاء ﵃ وأرضاهم ثلة من الصحابة كانوا مع النبي ﷺ، وهذا دليل على أن العاقل يتخذ من أسباب العصر الذي يعيش فيه ما ينفعه في أموره، خاصة تلك التي تتعلق بشئون الدعوة.
[ ٣ / ٢٤ ]
الطور الجديد في الدعوة إلى الله
وذكر المصنف هنا من بعثهم النبي ﷺ إلى الملوك، وبدأ بـ النجاشي.
وقبل أن نشرع في هذا نقول: هذا الطور يسمى الطور الجديد في الدعوة إلى الله، وهذا الطور وقع بعد صلح الحديبية، فقد كان القرشيون يمثلون الوثنية في جزيرة العرب، وكان اليهود يمثلون اليهودية، وكانت القوى الثلاثة التي تحارب الإسلام ثلاث: اليهود وقريش وغطفان، فلما صالح النبي ﷺ قريشًا في صلح الحديبية انكسرت شوكت الوثنيين، فتفرغ ﷺ للدعوة عمومًا، والله يقول عنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ:٢٨]، وفي الحديث: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة)، فكان هذا كله يتطلب طورًا جديدًا ومرحلة دعوية، والنبي ﵊ لم يبدأ بهذا الطور أولًا، مع الحاجة إليه، ولكن المسلم العاقل لا يقيم الإسلام في غيره حتى يقيمه في نفسه، فلما أقام ﷺ دولة الإسلام وتخلص من خصومه القريبين، تفرغ للدعوة إلى الله جل وعلا، والعاقل لا يستعدي الناس عليه في يوم واحد، ولا يجعل جبهات متعددة تحاربه؛ لأن هذا أدعى لأن يخسر ويفشل، فالعاقل يؤمن بالمرحلية في حياته، ويؤمن بالواقع الذي يعيشه، فهو ﵊ لم يخاطب كسرى ولا قيصر ولا أقيال اليمن ولا غيرهم حتى كسر شوكة قريش بصلح الحديبية على أن يمكث الناس عشر سنين ليس بينهم حرب، فلما توقفت الحرب كان هذا هو الفتح العظيم الذي بشر الله به نبيه يوم منصرفه من الحديبية فقال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، فكان ذلك سببًا في أن يتهيأ ﷺ ليخاطب الآخرين غير جماعته وعشيرته الأقربين الذين أمر بأن يبدأ بهم أولًا، وهم قريش الذي هو منهم صلوات الله وسلامه عليه.
وقد دعا ﵊ بالسنان ودعا باللسان، واتخذ الأسباب المشروعة في الدعوة التي توافق عصره آنذاك.
[ ٣ / ٢٥ ]
بيان أدب رسول الله مع ربه
ولما أخبره الصحابة بأن العرب أو الملوك والسلاطين والأمراء لا يقبلون إلا كتابًا مختومًا لم يعاند، وإنما اتخذ خاتمًا من فضة فكتب فيه: (محمد رسول الله)، فجعل كملة (محمد) أسفل، وكلمة (رسول) في الوسط، وكلمة (الله) لفظ الجلالة في الأعلى، فأصبح الخاتم يقرأ من الأدنى: محمد رسول الله، ففي نفس خاتمه ﵊ تأدب مع ربه جل وعلا، ولا يوجد أحد تأدب مع ربه ﵎ كما كان نبينا ﵊ متأدبًا مع ربه يعرف لله قدره، وهذا واحد من أسباب كثيرة أفاءها الله عليه جعلته أعظم النبيين وأكمل الخلق صلوات الله وسلامه عليه.
ومن ذلك أنه لما عرج به إلى سدة المنتهى لم يلتفت يمينًا ولا شمالًا، ولم ينظر في أي شيء إلا وفق ما يريه الله، فما أراه الله رآه، وما لم يره الله لم يتحرك إليه منه جارحة، ولذلك زكى الله بصره في القرآن، فقال الله في سورة النجم: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]، أي: لم يتجاوز حدوده، وكان ﵊ في كل حاله متأدبًا مع ربه جل وعلا، فإذا كنت تريد الرفعة فالرفعة لها أسباب، ومن أعظمها الأدب مع الله جل وعلا، وما أورث أنبياء الله ورسله الناس شيئًا أعظم من أدبهم مع الله، فقد قال الله عن خليله إبراهيم: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء:٧٥ - ٧٩] فلما ذكر المرض نسبه إلى نفسه، فقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠]، ولم يقل: وإذا أمرضني.
تأدبًا مع ربه ﵎، ثم قال: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٨١]، فكل ذلك من كمال أدبهم مع ربهم جل وعلا.
ونبينا ﷺ كان يخطب في صلاة الجمعة، فدخل رجل يشتكي جدب الديار وقلة الأمطار، فرفع ﷺ يديه يقول: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، فتكون السحاب بأمر الله وأمطر الناس أسبوعًا، ثم في يوم الجمعة الثانية دخل رجل من نفس الباب، فخاطب رسول الله يشكو كثرة السيول، حيث قطعت السبل وفرقت الناس وأضرت بالطرق، فلم يقل ﷺ لربه: أمسك عنا رحمتك؛ لأنه يعلم أنها رحمة، بل قال: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر) وجعل يشير بيديه، قال أنس: فوالله ما أشار إلى ناحية إلا اتجه السحاب إليها صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا الأدب يغفل عنه كثير مع الناس، وكما حظي به النبيون حظي به الأتقياء عبر التاريخ كله، فقد قال الله عن الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠]، فلما ذكروا الرشد نسبوه إلى الله فقالوا: «أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا»، ولما ذكروا الشر نسبوه إلى ما لم يسم فاعله، كما يقول النحويون، فقالوا: «وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ»، ولم ينسبوه إلى الله مع أن الله خالق الخير وخالق الشر.
وكذلك الخضر ﵇ لما ذكر السفينة وعيبها قال -كما أخبر الله عنه-: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩]، وأسند العيب إلى نفسه.
ولما ذكر قصة الجدار قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا﴾ [الكهف:٨٢]، ولم يقل: فأردت، ولما ذكر العيب نسبه إلى نفسه فقال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩] وهذا كله مندرج ضمن أدب رسولنا ﷺ مع ربه، وهو أعظم ما ينقل عنه ويتأسى به صلوات الله وسلامه عليه.
[ ٣ / ٢٦ ]
بيان كمال عقل ﷺ في مكاتبة الملوك
ونعود إلى فقه الواقع الذي كان عليه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فقد كتب الكتب وبعث بها إلى الملوك والزعماء يدعو إلى الله ويبلغ رسالة ربه، وهو في كل رسالة يبعثها يختار من يحملها، والعاقل تدل على عقله ثلاثة أشياء: هديته وكتابه ورسوله، ولذلك كان ﷺ يختار قومًا معينين من أصحابه وهو يبعثهم إلى الملوك والرؤساء لما يوافق حالهم، أي: حال هؤلاء الملوك؛ لأنه ليس المقصود التجبر والتكبر، وإنما المقصود أن يدخل الناس في دين الله أفواجًا، فبعث إلى النجاشي، و(النجاشي) لقلب يطلق على من ملك الحبشة، واختلف في النجاشي الذي بعث النبي ﷺ عمرو بن أمية إليه، هل هو النجاشي الذي هاجر إليه المهاجرون الأوائل، أم هو غيره، والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أنه غير النجاشي الأول، كما يدل عليه حديث أنس.
والله تعالى أعلم.
[ ٣ / ٢٧ ]