ذكر علماء السيرة أعمام النبي ﵊ وعماته، وذكروا من أدركه الإسلام منهم ومن مات قبل بعثته، وذكروا من أسلم منهم ومن كفر.
وذكر العلماء أزواج النبي ﵊، ووقت زواجه بهن، وذكروا أخبارهن، وأرخوا تاريخ وفاتهن، وكل هذا ما تناقله العلماء خلفًا عن سلف، وهذا دليل على كمال محبتهم للنبي ﷺ حيث ذكروا كل ما يتعلق به من صغير وكبير، ومن قليل وكثير.
[ ٢ / ١ ]
أعمامه ﷺ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره وتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
اليوم إن شاء الله تعالى سنشرع في التعليق على ما جاء في ذكر أعمامه وعماته وأزواجه صلوات الله وسلامه عليه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل في أعمامه وعماته.
وكان له ﷺ من العمومة أحد عشر؛ منهم: الحارث: وهو أكبر ولد عبد المطلب، وبه كان يكنى، ومن ولده وولد ولده جماعة لهم صحبة النبي ﷺ.
وقثم: هلك صغيرًا، وهو أخو الحارث لأمه.
والزبير بن عبد المطلب: وكان من أشراف قريش، وابنه عبد الله بن الزبير شهد مع رسول الله ﷺ حنينًا، وثبت يومئذ، واستُشهد بأجنادين، ورُوي أنه وجد إلى جنب سبعة قد قتلهم وقتلوه، وضباعة بنت الزبير، لها صحبة، وأم الحكم بنت الزبير، روت عن النبي ﷺ.
وحمزة بن عبد المطلب: أسد الله وأسد رسوله، وأخوه من الرضاعة، أسلم قديمًا وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، وقُتل يوم أحد شهيدًا، ولم يكن له إلا ابنة.
وأبو الفضل العباس بن عبد المطلب: أسلم وحسن إسلامه، وهاجر إلى المدينة، وكان أكبر من النبي ﷺ بثلاث سنين، وكان له عشرة من الذكور: الفضل، وعبد الله، وقثم له صحبة، ومات سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان بن عفان بالمدينة.
ولم يسلم من أعمام النبي ﷺ إلا العباس وحمزة.
وأبو طالب بن عبد المطلب: واسمه عبد مناف، وهو أخو عبد الله أبي رسول الله ﷺ لأمه، وعاتكة صاحبة الرؤيا في بدر، وأمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وله من الولد طالب مات كافرًا وعقيل، وجعفر، وعلي، وأم هانئ لهم صحبة، واسم أم هانئ فاختة وقيل: هند؛ وجمانة ذكرت في أولاده أيضًا.
وأبو لهب بن عبد المطلب: واسمه عبد العزى، كناه أبوه بذلك لحسن وجهه، ومن ولده عتبة ومعتب، ثبتا مع النبي ﷺ يوم حنين، ودرة لهم صحبة، وعتيبة قتلة الأسد بالزرقاء من أرض الشام على كفره بدعوة النبي ﷺ.
وعبد الكعبة، وحجْلٌ واسمه المغيرة، وضرار أخو العباس لأمه، والغيداق، وإنما سمي الغيداق لأنه أجود قريش، وأكثرهم طعامًا].
الشيخ: العم أصل وارث، وعبد المطلب هو جد النبي ﷺ، ولم يكن له في أول الأمر إلا ابن واحد، ثم إنه اشتد عليه بعض الخلاف مع زعماء قريش، فنذر إن رزقه الله أولادًا يمنعونه أن يذبح أحدهم، فرزقه الله عشرة بنين، فأراد أن يذبح ابنه عبد الله، ثم فدى عبد الله بمائة من الإبل، وهؤلاء المذكورون كلهم إخوة لـ عبد الله والد النبي ﷺ، فهم أعمام النبي ﵊.
ويحسن بطالب العلم أن يربط بين حياة الأنبياء ويفقه السنن التي يبعث الله جل وعلا من أجلها الرسل، فلوط ﵊ كان ابن أخ لإبراهيم ﵇، فلما هاجر لوط ونزل أرض سدوم في جهة البحر الميت اليوم، وجاءته الملائكة بصورة وجوه حسان تامي الخلقة، فتن بهم قوم لوط ودخلوا عليه وراودوه عن ضيفه كما قال الله: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠]، فكان يتمنى أن يكون له قوم ينصرونه على هؤلاء؛ لأنه لو كان منيعًا لما تجرأ هؤلاء عليه، قال ﷺ كما في البخاري وغيره: (فما بعث الله بعده من نبي إلا في منعة من قومه) فكان للنبي ﷺ أعمام، وبنو هاشم كان لهم صيت عند القرشيين، وهذا كله من أجل حفظ نبينا ﷺ، والمسلم قد يستفيد حتى من الكافر، فبنو هاشم مؤمنهم وكافرهم كانوا عصبة للنبي ﵊، وكلهم جميعًا دخلوا معه الشعب المؤمن منهم والكافر، وقبلوا الحصار لأنهم يشعرون بالأنفة والحمية لمن يحمونه ولو كانوا يخالفونه.
والشاهد من هذا أن النبي ﵊ كان له أعمام كثيرون، وطالب العلم ليس ملزمًا بحفظهم، لكن أنت ملزم بالتصور الكامل للمتن، أن تعلم أن أعمام النبي ﷺ يمكن تقسيمهم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: من لم يدرك نبوته ﷺ ومبعثه، فيكون مات على دين آبائه فهو من أهل الفترة، يجري عليه ما يجري على أهل الفترة؛ لأنه ما أدرك بعثة النبي ﷺ، هذا القسم الأول.
القسم الثاني: من أدرك مبعث النبي ﷺ ولم يؤمن، وهذا القسم يضم اثنين شهيرين هما: أبو طالب وأبو لهب، فكلاهما أدرك البعثة النبوية ولم يؤمن، إلا أن هذا القسم الثاني ينقسم إلى قسمين: قسم لم يؤمن وناصر النبي ﷺ وهو أبو طالب، وقسم لم يؤمن وعادى النبي ﵊ ولم ينصره وهو أبو لهب.
وسمي أبو لهب بهذا لجمال خديه ونورهما، وإلا فاسمه الحقيقي عبد العزى، وأبو لهب كنيته، وفيه نزل قول الله جل وعلا: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:١ - ٢] وهذه الآية من أعظم الأدلة على أنه لا يمكن لأحد أن يخرج عن مشيئة الله، فالنبي ﵊ كان يقول: هذا القرآن من عند الله، وقريش ومن ضمنها أبو لهب يقولون: هذا القرآن ليس من عند الله، فلما قال أبو لهب لنبينا ﵊: تبًا لك سائر هذا اليوم! ألهذا جمعتنا؟! أنزل الله على نبينا هذه السورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:١ - ٣]، ومعلوم أن النار لا يصلاها المؤمن، بل يصلاها الكافر، فهو يقول للناس وأبو لهب يسمع: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣] وكان بإمكان أبي لهب أن يقول للناس: محمد يقول: إنني في النار، وأنا الآن مؤمن بمحمد! وهو يقول لكم: إن المؤمن لا يدخل النار، فأنا أريد أن أبطل قرآن محمد فأقول لكم الآن: أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فكيف أدخل النار؟! إذًا محمد كذاب! مع سهولة هذه الحيلة لم يستطع أن يقولها، لكن الله جل وعلا يعلم يقينًا أنه لن يقولها، ولذلك قال الله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣]، وأنا لا أريد أن أخرج من السيرة إلى التفسير، ولكن من أراد أن يخشع في القرآن فليتدبر القرآن، ففي القرآن كنوز ليس هذا وقت إخراجها، ومن رزق قدرة على التفسير سيرى شيئًا عجبًا من دلائل قدرة الله، والمقصود أن أبا لهب لم يؤمن بالنبي ﷺ وعاداه.
القسم الثالث: من أدرك بعثة النبي ﷺ وآمن، وهذا يشمل اثنين فقط ﵄ وأرضاهما وهما العباس وحمزة ابنا عبد المطلب عما الرسول ﷺ، لكن حمزة تقدم إسلامه، والعباس تأخر إسلامه، وحمزة لم يترك إلا ابنة، وهو أسد الله وأسد رسوله ﷺ، وهو سيد الشهداء كما صح الخبر عن رسول الله ﷺ، وقاتل قتالًا عظيمًا يوم بدر ويوم أحد، فأراد أحد المشركين ممن وتر في بدر أن يقتله فقال لـ وحشي ووهو عبد ليس له ناقة ولا جمل في دين قريش: تشتري حريتك بأن تقتل حمزة؛ فأعد حربة ومكث في يوم أحد لا يريد أن تنتصر قريش ولا أن ينتصر محمد ﷺ، المهم عنده أن يفوز بحريته، فاتخذ الحربة وتربص لـ حمزة ثم رماه بها فقتله، ثم جاءت هند قبل إسلامها فقطعت بعضًا من جسده ﵁ وأرضاه، وأخذت كبده ولاكتها في فمها، وحصل ما حصل له من التمثيل ﵁ وأرضاه.
فـ وحشي اشترى حريته بقتل حمزة، ثم مضت الأيام ومرت السنون وكل بشيء بقدر (وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، فأسلم وحشي، فلما أسلم وحشي قص على النبي ﵊ كيف قتل حمزة، فقال له ﵊: (غرب وجهك عني) أي لا أستطيع أن أراك، ولم يرد إسلامه؛ لأن هذا دين، وليس للنبي ﵊ أن يتحكم فيه، لكن العاطفة مع العم هذا أمر متروك له فهو شيء بشري، فلم يستطع عليه الصلاة وا
[ ٢ / ٢ ]
عماته ﷺ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعماتُه ﷺ ست: صفية بنت عبد المطلب: أسلمت وهاجرت، وهي أم الزبير بن العوام، توفيت بالمدينة في خلافة عمر بن الخطاب، وهي أخت حمزة لأمه.
وعاتكة بنت عبد المطلب: قيل: إنها أسلمت، وهي صاحبة الرؤيا في بدر، وكانت عند أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ولدت له عبد الله، أسلم وله صحبة، وزهيرًا، وقريبة الكبرى.
وأروى بنت عبد المطلب: كانت عند عمير بن وهب بن عبد الدار بن قصي، فولدت له طليب بن عُمير، وكان من المهاجرين الأولين، شهد بدرًا وقُتِل بأجنادين شهيدًا، ليس له عقب.
وأميمة بنت عبد المطلب: كانت عند جحش بن رئاب، ولدت له عبد الله المقتول بأحد شهيدًا، وأبا أحمد الأعمى الشاعر واسمه عبد، وزينب زوج النبي ﷺ، وحبيبة، وحمنة، كلهم لهم صحبة، وعبيد الله بن جحش أسلم ثم تنصر، ومات بالحبشة كافرًا.
وبرة بنت عبد المطلب: كانت عند عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فولدت له أبا سلمة، واسمه عبد الله، وكان زوج أم سلمة قبل النبي ﷺ، وتزوجها بعد عبد الأسد أبو رهم بن عبد العزى بن أبي قيس فولدت له أبا عبرة بن أبي رهم.
وأم حكيم: وهي البيضاء بنت عبد المطلب، كانت عند كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف فولدت له أروى بنت كريز، وهي أم عثمان بن عفان ﵁].
بعد أن ذكر المصنف أعمام النبي ﷺ ذكر ﵀ عمّات النبي ﵊، وكما قلنا في الأعمام نقول في العمّات، فالذي يلزم طالب العلم المعرفة الإجمالية، ولم يثبت من الست أنها أسلمت إلا صفية، وهي أم الزبير بن العوام والأخت الشقيقة لـ حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه وأرضاه؛ وأما عاتكة وأروى فاختلف في إسلامهما، وأروى بعض العلماء يُصحح إسلامها، أما عاتكة فقليلٌ من قال بإسلامها، وقد قال المصنف: إن عاتكة هي صاحبة رؤيا بدر، والمقصود برؤيا بدر أن عاتكة قبل موقعة بدر رأت في منامها رجلًا يأتي على مكة ويقول: يا آل بدر هلم إلى مصرعكم، ثم إن صخرةً جاءت فانفلقت فخرجت منها شظايا فلم تترك بيتًا في مكة إلا أصابته، فلمّا شاع الخبر في قريش جاء أبو جهل إلى العباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه وقال: يا بني عبد المطلب! أما يكفيكم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم؟! لقول عاتكة أنها رأت كذا وكذا، ثم تحققت هذه الرؤيا، وصدّق الله رؤياها، ووقع ما وقع في بدرٍ، ولم تترك غزوة بدر أحدًا من قريش إلا قليلًا إلا أصابته بسوء، وناله من كربها.
[ ٢ / ٣ ]
أزواجه ﵊
[ ٢ / ٤ ]
أم المؤمنين خديجة ﵂
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر أزواجه عليه وعليهن الصلاة والسلام.
وأول من تزوج رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، تزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وبقيت معه حتى بعثه الله ﷿، فكانت له وزير صدق، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين، وهذا أصح الأقوال، وقيل: قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل: بأربع سنين].
هذه أولى أمهات المؤمنين، وهي خديجة بنت خُويلد، ولها مزايا، منها أن الله جلّ وعلا أبلغها السلام عن طريق جبريل، وأن النبي ﷺ لم يتزوج امرأة عليها في حياتها، وأنها رضي الله تعالى عنها وأرضاها رزق الله نبينا منها الولد، ورزق الله جلّ وعلا نبينا حبها، وكان ﵊ يحبها حبًّا جمًّا، تقول عائشة: (ما غرت من أحد من النساء ما غرت على خديجة، وقد كان النبي ﷺ يذبح الشاة ثم يبعث بها إلى صديقات خديجة) من كانت لها علاقة أو قرابة أو معرفة بـ خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد ورد أن عائشة قالت للنبي ﵊: وهل كانت إلا عجوزًا في غابر الأزمان أبدلك الله خيرًا منها (تقصد نفسها)، فقال: (والله ما أبدلني الله خيرًا منها، لقد آمنت بي إذ كفر بيَ الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، وصدقتني إذ كذّبني الناس، ورزقني الله منها الولد)، وهي إحدى سيدات نساء العالمين كما صحّت بذلك الأخبار وجاءت بذلك الآثار، وهي كما يظهر أعظم أمهات المؤمنين قدرًا، رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
[ ٢ / ٥ ]
أم المؤمنين سودة بنت زمعة ﵂
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم تزوج سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد وُدِّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤي بعد خديجة بمكة قبل الهجرة، وكانت قبله عند السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو، وكبرت عنده وأراد طلاقها فوهبت يومها لـ عائشة فأمسكها].
ثاني أمهات المؤمنين سودة بنت زمعة، وقد كانت ﵂ وأرضاها بدينة ثقيلة الحركة، ولذلك رخّص لها النبي ﷺ أن تنزل في يوم مزدلفة قبل الناس، وكذلك من كان في وضعها، أذن لها أن تخرج من مُزدلفة بعد مُنتصف الليل كما هو معروف في كتب الفقهاء، وأذن لها أن تأتي منًى قبله، لأنها كانت امرأة ثبطة، ثم إنها في آخر أيامها خشيت أن يطلقها النبي ﷺ وأرادت أن تكون زوجته في الجنة فاتفقت معه أن تمنح ليلتها لـ عائشة رضي الله وأرضاها، فاجتمع عند النبي ﵊ تسع من النساء، وكان يقسم لثمان؛ لأن سودة تنازلت عن ليلتها لـ عائشة ﵂ وأرضاها.
[ ٢ / ٦ ]
أم المؤمنين عائشة ﵂
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتزوج رسول الله ﷺ عائشة بنت أبي بكر الصديق بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث سنين، وهي بنت ست سنين، وقيل: سبع سنين، والأول أصح، وبنى بها بعد الهجرة بالمدينة وهي بنت تسع سنين على رأس سبعة أشهر، وقيل: على رأس ثمانية عشر شهرًا.
ومات النبي ﷺ وهي بنت ثمان عشرة، وتوفيت بالمدينة، ودفنت بالبقيع، أوصت بذلك سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة سبعٍ وخمسين، والأول أصح، وصلى عليها أبو هريرة، ولم يتزوج رسول الله ﷺ بكرًا غيرها، وكُنيتها أم عبد الله، وروي أنها أسقطت من النبي ﷺ سقطًا، ولم يثبت].
هذه هي الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله ﷺ، وهي أمنا أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر، ولها خصائص منها: أن النبي ﷺ لم يتزوج بكرًا غيرها، وأن الوحي لم ينزل عليه ﵊ في لحاف امرأة غير عائشة.
وقد شاع عنها حديث الإفك المعروف، وأصله أن النبي ﵊ انصرف من بني المصطلق، ولما أناخ الجيش مطاياه، خرجت تلتمس عقدًا لها فقدته كانت أمها أم رومان قد أهدته لها، فلما ذهبت تلتمسه مضى الجيش، فجاء الموكلون بحمل هودجها وكانت امرأة آنذاك سنها تقريبًا في الرابعة عشر؛ لأن غزوة بني المصطلق كانت في نحو السنة الخامسة، والنبي ﷺ تُوفي في الحادية عشرة ولها ثمانية عشر عامًا، فينجم عن هذا أن عمرها في حادثة الإفك في الرابعة عشر تقريبًا، فكانت امرأة خفيفة البدن غير مكتنزة اللحم، بل إنها كانت قبل أن يتزوجها النبي ﷺ نحيلةً جدًا، فأشار النبي ﵊ على أبويها أبي بكر وأم رومان أن يُطعماها القثاء بالرطب حتى يمتلئ بدنها يسيرًا، ودخل عليها النبي ﷺ بالمدينة في شهر شوال.
والمقصود أن الذين يحملون الهودج حملوه ولم يخطر ببالهم أبدًا أن أم المؤمنين ليست موجودةً فيه، فحملوا الهودج وذهبوا، فلما ذهبوا جاءت ﵂ فأرضاها ولم يكن في ظنها أن تحدث أمور عظام على تأخرها هذا، وظنت أن الجيش سيفقدها على بعد قليل ثم يعودوا إليها، فأناخت تحت شجرة وتقنعت ﵂ وأرضاها، وكان قد تأخر عن الجيش صفوان بن مُعطل السُلمي، فلما جاء صفوان ورآها عرفها، فلما عرفها رزقه الله وألهمه أن يقول ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]، والإنسان إذا ابتلي عليه أن يوطن نفسه على كثرة قول هذه الكلمة: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]، فـ صفوان كأنه علم أن هذا الأمر لن يتم بسهولة ولن يتركه المنافقون يمضي فقال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]، ثم أناخ بعيره عندها وتنحى فركبت على البعير ﵂ وأرضاها، وقاد صفوان الرجل الطاهر البعير دون أن يكلمها بكلمةٍ واحدة، فلما أشرف على الجيش رآه المنافقون، فقام عبد الله بن أبي فقال للناس: امرأة نبيكم مع رجل غيره، والله ما سلمت منه ولا سلم منها! (عياذًا بالله)، فألاك الناس الخبر وهي لا تدري، والله يقول: ﴿الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور:٢٣]، يعني لا يعلمن ما يُدار ويُحاك حولهن، فلما رجعت إلى بيتها ﵂ وأرضاها وجدت تغيُّرًا من النبي ﷺ رغم وجعها، لكنه لم يخطر ببالها أن يكون هذا الأمر، حتى إن أمها أم رومان لم تكن تعلم؛ ثم إنها خرجت مع أم مسطح لتقضي حاجتها، ولم يكن الناس قد اتخذوا الكُنُف آنذاك، فعثُرت أم مسطح فقالت: تعس مسطح! فسكتت عائشة، ثم عثرت مرة ثانية فقالت: تعس مسطح! تسب ابنها، فتعجبت عائشة، هي تريد أن تفتح الموضوع معها، فقالت لها: عجبًا لك! رجلًا شهد بدرًا تسبينه؟! فذكرت لها القصة، فتعجبت وقالت: أو خاض الناس في هذا؟! ورجعت إلى البيت تبكي، ثم استأذنت النبي ﷺ أن تُمرض عند أمها أم رومان فوافق ﵊.
فكان أبو بكر ﵁ يجلس على سقف البيت وهو الصديق الأكبر وأول الناس إسلامًا وخير العباد بعد النبيين والمرسلين ﵁ وأرضاه، لكن المؤمن مُبتلى، يجلس على سطح البيت يقرأ القرآن، وهو يسمع بكاء ابنته تحته، فلا يملك إلا أن يذرف دمعه ويقول: والله إنه لأمر ما فعلناه لا في جاهلية ولا في إسلام، يعني الزنا والخوض في الفواحش أمر لا نعرفه لا في جاهلية ولا في الإسلام، ثم لا يلبث أن يقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]، ويستحيي أن يُكلم النبي ﷺ في الموضوع، ويصبر على ما يجد.
وحدثت أمور بعد ذلك منها اختصام الأوس والخزرج لما خطب النبي ﷺ فيهم، ثم بعد شهر تقريبًا والنبي ﵊ لا يأتيه وحي حتى يعلم الناس أن النبي لا يأتي بقرآن من عنده، ولو كان القرآن من عنده لكان قاله سريعًا حتى يُبرئ زوجته، لكنه سكت لأن الله سكت، ومضى شهرًا ﵊ والناس يخوضون في عرض أم المؤمنين ﵂ وأرضاها، ثم بعد شهر دخل عليها ﷺ وهي في بيت أبويها وأم رومان وأبو بكر عندها وهي تبكي، فقال لها: (يا عائشة! إن كنت قد فعلتِ فاستغفري الله)، وأخذ يعرض عليها الأمر، فقالت ﵂ وأرضاها: والله إن قلت أنني بريئة لن تصدقوني، ولكني أقول كما قال العبد الصالح -نسيت اسم يعقوب على شهرته-: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] ثم إن النبي ﵊ نزل عليه الوحي، وكان إذا نزل عليه الوحي تصبب منه العرق ولو كان في يوم شات، فنزل عليه الوحي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١] إلى آخر الآيات في سورة النور فقال رسول الله ﵊: (يا عائشة! أبشري فقد برأك الله)، فقالت لها أمها: قومي إلى رسول الله فاحمديه، فرفضت أن تقوم تدللًا على رسول الله ﷺ وإظهارًا لمكانتها، وقالت: لا أحمد إلا الله، فنجاها الله جلّ وعلا من حادثة الإفك، وبرأها الله ﵎ من فوق سبع سماوات، وبرأ صفوان بن المعطل، وقال جلّ وعلا فيما قاله: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:٢٦]، ولم يقل جلّ وعلا -وهو أعلم-: أولئك مبرءون مما قالوا، بل قالها بصيغة المضارع ولم يقلها بصيغة الماضي مما يدل على أنه سيبقى من الناس من يخوض في عرض هذه الطاهرة التي برأها الله جلّ وعلا من فوق سبع سماوات، وهو ما هو حاصلٌ من بعض الفرق.
الذي يعنينا براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد مات النبي ﷺ وهو مُسنِدٌ رأسه الشريف إلى صدرها ونحرها ﵂ وأرضاها، وجمع الله بين ريقه وريقها حيث أعطته المسواك قبل أن يموت صلوات الله وسلامه عليه، ومات في بيتها ودُفن في حجرتها ﵂ وأرضاها وعن جميع أمهات المؤمنين.
[ ٢ / ٧ ]
أم المؤمنين حفصة بنت عمر ﵂
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتزوج رسول الله ﷺ: حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄، وكانت قبله عند خُنَيس بن حذافة، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ، توفي بالمدينة، وقد شهد بدرًا.
ويروى أن النبي ﷺ طلقها، فأتاه جبريل ﵇ فقال: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة.
وروى عقبة بن عامر الجهني قال: طلق رسول الله ﷺ حفصة بنت عمر، فبلغ ذلك عمر فحثا على رأسه التراب، وقال: ما يعبأ الله بـ عمر وابنته بعد هذا، فنزل جبريل من الغد على النبي ﷺ وقال: إن الله ﷿ يأمرك أن تراجع حفصة رحمة ل عمر، توفيت سنة سبع وعشرين، وقيل: سنة ثمان وعشرين عام أفريقية].
يعني عام فتح أفريقية، وحفصة هي بنت عمر بن الخطاب ﵁ كما أن عائشة بنت الصديق، فـ عائشة وحفصة يتفقان في أنهما ابنتا وزيري رسول الله ﷺ، وحفصة ﵂ وأرضاها تزوجها النبي ﷺ بعد وفاة زوجها، وكان أبوها عمر قد عرضها على عثمان فأخبره أنه لا حاجة له في النساء، ثم عرضها على أبي بكر فسكت، فوجد عمر في نفسه شيئًا على أبي بكر، فلما خطب النبي ﵊ حفصة أفصح أبو بكر عن السبب الذي جعله يمتنع أن يقبل حفصة عندما عرضها عليه عمر وقال: إني سمعت النبي ﷺ يذكرها.
[ ٢ / ٨ ]
أم المؤمنين أم حبيبة ﵂
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتزوج رسول الله ﷺ: أم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها: رَمْلَةُ بنت صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة، فتنصر بالحبشة، وأتم الله لها الإسلام، وتزوجها رسول الله ﷺ وهي بأرض الحبشة، وأصدقها عنه النجاشي بأربعمائة دينار، بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري فيها إلى أرض الحبشة، وولي نكاحها عثمان بن عفان، وقيل: خالد بن سعيد بن العاصي، توفيت سنة أربع وأربعين].
هذه أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكما كانت عائشة وحفصة بنت وزيريه فإن أم حبيبة تزوجها رسول الله وهي بنت عدوه أبي سفيان قبل أن يسلم أبو سفيان.
وكان عبيد الله بن جحش خرج من مكة مُسلمًا إلى الحبشة فارًا بدينه، وهناك في الحبشة تنصر ومات على الكفر! فالقلوب بيد الرحمن جلّ وعلا، ومن أسباب سوء الخاتمة الخوض في أعراض الناس، أعظم أسباب سوء الخاتمة الخوض في أعراض الناس، كان أحد الصالحين محبوبًا من طلابه، وهذه القصة ذكرها الذهبي في الأعلام، وذكرها ابن خلكان، فكان رجل يحسده على هذه المنزلة من طلابه، فكان إذا جاء الشيخ يحدِّث يقوم هذا ويُشغِّب عليه في الحلقة، مع أنه حافظٌ للقرآن حسن الصوت به، فمرة أغضب الشيخ فقال الشيخ: اجلس فوالله إني لأخشى أن تموت على غير ملة الإسلام، ثم قدِّر لهذا الرجل الذي شغَّب على الشيخ أنه زار بغداد رجلٌ من سفراء النصارى من القسطنطينية، فلما أراد الرجوع أحب هذا الذي يحفظ القرآن الندي الصوت به أن يرى بلاد الروم، فذهب معه إلى القسطنطينية، فلما ذهب معه إلى القسطنطينية أعجبه عالمهم وترك الإسلام وبقي على النصرانية، ثم إن أحد تجار المسلمين دخل القسطنطينية فرآه وعرفه، وكان يعرف جمال صوته بالقرآن، فرآه وهو على باب إحدى الكنائس يهش الذباب عن نفسه، فقال له: يا هذا ما فعل الله بك؟! قال: أنا كما ترى، قال: إنني كنت أراك حافظًا للقرآن فما بقي في صدرك منه؟ فقال: لم يبق منه ولا شيء إلا آية واحدة، ثم مات والعياذ بالله على الكفر، فصدقت عليه مقولة الشيخ لما كان يراه يُشغب عليه في الحلقة فقال له: إني لأخشى أن تموت على غير ملة الإسلام! والإنسان إذا سلم قلبه من الحقد على الناس وسلم لسانه من الخوض في أعراضهم كان أدعى إلى أن يُوفق إلى حسن الخاتمة، وقد كان عندنا في مدينة رسول الله ﷺ رجلٌ يمني، ليس له علاقة بالناس، يدخل المسجد وقت الصلوات ويخرج، وليس له أي ارتباط بالناس، وكان لا يقرأ ولا يكتب، فكان إذا دخل المسجد يأتي لأي إنسان يعني خال فيأخذ مصحفًا ويُعطيه للرجل الخالي ويقول: اقرأ عليَّ من كلام ربي، والناس يعرفونه خاصةً من يُكثر الصلاة في الحرم، فبقي على هذه الطريقة سنين، حتى كان عام ١٤١٨هـ دخل الحرم فرأى رجلًا خاليًا فأخذ مصحفًا كالعادة وأعطاه للرجل، وقال له: اقرأ عليَّ من كلام الله، فقرأ عليه ومرَّ بآية سجدة، فسجد الاثنان القارئ والأخ اليمني، فانتهى القارئ من التسبيح ورفع رأسه وبقي الأخ اليمني ساجدًا وقبضه الله جلّ وعلا وهو ساجد، مات في حرم رسول الله ﷺ في هيأة ليس بعدها ولا أشرف منها هيأة وهي هيأة السجود لرب العالمين، نحن نتكلم عن الظاهر، أما سريرته فأمرها إلى الله، ولا نحكم لأحد بجنة ولا نار.
وهذا عبيد الله بن جحش يأخذ زوجته ويفر بدينه من مكة إلى الحبشة ثم يتنصر! ثق تمامًا أنه لا يهلك على الله إلا هالك، دواخل القلوب هي من أعظم أسباب سوء الخاتمة، لكن الله جلّ وعلا أكرم وأرحم أن يكون أحد صادقًا معه ثم إن الله جل وعلا يخذله ويُميته ميتة السوء، فمن صدقت سريرته حسنت خاتمته، ومن صدق إلى الله فراره صدق مع الله قراره، من صدق إلى الله في فراره، وكان صادقًا في أوبته إلى الله، صدق مع الله قراره، يبقى مع ربه جلّ وعلا في إيمانه.
فلما تنصر زوج أم حبيبة ثم مات أكرمها النبي ﷺ بأن طلبها وخطبها وتزوجها ﵊، وسيقت له من الحبشة.
[ ٢ / ٩ ]
أم المؤمنين أم سلمة ﵂
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتزوج رسول الله ﷺ أم سلمة، واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، وكانت قبله عند أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، توفيت سنة اثنتين وستين، ودفنت بالبقيع بالمدينة، وهي آخر أزواج النبي ﷺ وفاة، وقيل: إن ميمونة آخرهن].
أم سلمة ﵂ وأرضاها لما مات زوجها استرجعت، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وعوضني خيرًا منها، فكانت تقول في نفسها: من يخلفني في أبي سلمة؟ فلما مات خطبها النبي ﷺ فاعتذرت بثلاث حجج: اعتذرت بأنها مُصبِية أي لديها صبيان كثيرون، وأنها شديدة الغيرة، وأنها ليس لها عائل أي وال يزوجها؛ فأما التزويج فاختلف فيمن زوجها، وقيل: إنه عمر بن الخطاب، وأما كونها مُصبية فأخبرها النبي ﷺ أن الله جل وعلا يكفيها ذاك، وأما أنها غيرة فإن النبي ﵊ قال: (أسأل الله أن يذهب غيرتك)، فتزوجها ﵊، وابنها هو عمرو بن سلمة الذي طاشت يده في الصفحة وقال له ﵊: (يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) وعمرو هذا هو ربيب رسول الله ﷺ.
[ ٢ / ١٠ ]
أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش بن رئاب بن يَعْمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن مَعَد بن عدنان، وهي بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة، فطلقها، فزوجها الله إياه من السماء، ولم يعقد عليها، وصح أنها كانت تقول لأزواج النبي ﷺ: زوجكن آباؤكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات، توفيت بالمدينة سنة عشرين، ودفنت بالبقيع].
هذه زينب بنت جحش التي قالت مُفتخرة: زوجكن أهاليكن وزوجني الله جلّ وعلا من فوق سبع سماوات، والنبي ﵊ كان قبل البعثة تبنّى زيد بن حارثة، فكان يُسمّى عند الناس زيد بن محمد فلما قال الله جلّ وعلا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤٠]، وقال: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥] أصبح يُدعى زيد بن حارثة باسمه الحقيقي، وزيد هذا تزوج زينب بنت جحش ابنة عمة النبي ﷺ، فلما تزوجها كانت ترى في نفسها أنها أعلى منه؛ لأنه مولى وهي قرشية، فأخبر الله نبيه أن زينب هذه التي هي الآن تحت زيد ستصبح زوجة لك.
فجاء زيد يشتكي زوجته زينب إلى النبي ﵊ فقال له ﵊: (اتق الله وأمسك عليك زوجك)، فقال الله جلّ وعلا في كتابه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا * وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٦ - ٣٧] فالقائل هو النبي ﷺ، والذي أنعم الله عليه وأنعم عليه الرسول هو زيد، قال الله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾ [الأحزاب:٣٧] الذي أخفاه في نفسه ﷺ هو أنها ستكون زوجته ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧] الذي سيظهره الله وسيقع وسيكون هو زواجه من زينب ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ [الأحزاب:٣٧] تخشى الناس أن يقولوا: تزوج محمد ابنة ابنه على ما كانوا يعتقدونه في الجاهلية.
قال الله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ﴾ [الأحزاب:٣٧] ليس في القرآن ذكرٌ لأحد من الصحابة إلا زيد، وليس للقضية فضل في ذاته، وإنما القضية قضية حادثة عين، فلابد أن يُذكر باسمه حتى ينجلي ما في القلوب، وإلا فـ أبو بكر وعمر وغيرهما أفضل من زيد ولم يُذكر اسمهم صراحة في القرآن، لم يُذكر في القرآن إلا النبيون وثلاثة أو أربعة اختلف فيهم كـ لقمان وعزير، والنساء لم يُذكر منهن في القرآن إلا مريم ابنة عمران لشرفها وفضلها.
[ ٢ / ١١ ]
أم المؤمنين زينب بنت خزيمة ﵂
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية، وكانت تسمى أم المساكين؛ لكثرة إطعامها المساكين، وكانت تحت عبد الله بن جحش، وقيل: عبد الطفيل بن الحارث، والأول أصح.
وتزوجها سنة ثلاث من الهجرة، ولم تلبث عنده إلا يسيرًا شهرين أو ثلاثة].
لم تلبث عند النبي ﷺ إلا شهرين، وورد في بعض الروايات أنها لبثت عنده ثمانية أشهر، وبسبب كونهالم تلبث مع النبي ﷺ إلا هذه المدة اليسيرة فإن المصادر التاريخية شحيحة بالكثير من أخبارها، لكن أنت كطالب علم تضمها مع خديجة؛ لأنها هي وخديجة فقط اللتان ماتتا في حياته ﷺ، أما باقي أمهات المؤمنين فكلهن متن بعد وفاته ﷺ.
[ ٢ / ١٢ ]
أم المؤمنين جويرية بنت الحارث ﵂
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتزوج رسول الله ﷺ جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك بن المصطلق الخزاعية، سُبِيت في غزوة بني المصطلق، فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها فقضى رسول الله ﷺ كتابتها، وتزوجها في سنة ست من الهجرة، وتوفيت في ربيع الأول سنة ست وخمسين].
هذه جويرية بنت الحارث، خزاعية سُبيت في بني المصطلق، فدخلت على النبي ﷺوكان أبوها زعيمًا- تريد أن تدفع ثمنًا لتخرج من الأسر، جمعت مالًا يسيرًا وبقي عليها، فدخلت عليه ﵊ تطلب منه زيادة مال، فلما رآها قدر الله جلّ وعلا أن يطلبها على أنه يساعدها فيتزوجها، فوافقت ﵂ وأرضاها، فتزوجها، فلما علم الصحابة أن النبي ﵊ تزوجها تركوا من بأيديهم من الأسرى من بني المصطلق، فكانت امرأة عظيمة البركة على قومها، ثم جاء أبوها الحارث إلى النبي ﵊ يطلبها فخيرها النبي ﵊ بين البقاء معه أو أن تذهب مع أبيها فاختارت البقاء مع رسول الله ﷺ، ثم أسلم الحارث بعد ذلك، وجعله النبي ﵊ على صدقات قومه.
[ ٢ / ١٣ ]