أعطى الله رسوله محمدًا ﷺ من العطايا والمزايا والخصائص ما لم يعط أحدًا من خلقه، وأثنى عليه بما لم يثن على أحد من أنبيائه، فهو سيد المرسلين، وإمام المتقين، وأفضل خلق الله أجمعين.
فحق على كل مسلم أن يعرف سيرته المباركة، وأن يعرف نسبه ونشأته، ويعرف ألطاف الله به، فإن هذا مما يزيد الإيمان به، والتمسك بسنته.
[ ١ ]
التعريف بالمؤلف والكتاب وبيان أهمية السيرة النبوية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فهذا بحمد الله وتوفيقه وعونه أول دروسنا العلمية في التعليق على الدرة المضيئة في السيرة النبوية للعلامة: عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي رحمه الله تعالى، وإن من التأدب مع أهل التصنيف أن يُذكر ما لهم من فضل، وما قدموه لدين الله جلّ وعلا من عملٍ نافع، وصاحب هذا التصنيف الذي بين أيديكم أحد أئمة المسلمين الذي عاشوا في القرن السادس الهجري، وكان ذا ورعٍ وعبادة، ممن اشتغل بطلب العلم وتعليمه، وممن عُرف عنهم كثرة التعبد والتماس الأثر، وكان فقيهًا حنبليًا رحمه الله تعالى.
ومما يُذكر عنه في ذكر وفاته -والخواتيم تدل على أيام الإنسان ومراحله التي مضت- أنه ﵀ أصابه المرض حتى لم يقدر على الذهاب إلى المسجد، فلما اشتد عليه المرض دخل عليه أحد أبنائه فقال له: يا أبتاه ما تشتهي؟ قال: أشتهي الجنة، ثم إنه صلى الفجر، ثم قال له ابنه: يا أبتاه هاهنا دواء، قال: يا بني لم يبق إلا الموت! شعر بدنو الأجل، ثم إنه قال له ابنه مُكررًا له
السؤال
ماذا تشتهي؟ قال: أشتهي أن أنظر إلى وجه الله ﵎، فدخل عليه جماعة من أصحابه يعودونه فلما سلّموا عليه رد عليهم بصوتٍ ضعيف، ثم أخذوا يتحادثون فيما بينهم، فكان العجب أنه وهو المريض الذي يُعاد يقول لهم: قولوا: لا إله إلا الله، اذكروا الله، فيم أنتم تخوضون؟! فلما قاموا عنه أخذ يُردد لا إله إلا الله ويحرك بها شفتيه حتى فاضت روحه وانتقل إلى جوار ربه.
وهذا يدلك على ما كان عليه بعض علماء السلف من البركة، وما أفاءه الله جلّ وعلا عليهم من الفضل.
وهذا المتن الذي بين يديك خاصٌّ بالسيرة العطرة والأيام النضرة لرسولنا صلوات الله وسلامه عليه، وتعريفًا بجملة من أصحابه، وهم العشرة المبشرون بالجنة ﵃ وأرضاهم.
قبل أن نشرع في شرح المتن يجب أن ننبه إلى أمور: الإنسان لا يمكن أن يُهيأ له مقام بعد أن يُدرس كتاب الله جلّ وعلا أعظم من أن يدرس سيرة نبيه ﷺ، ولا ريب أن نبينا ﵊ ختم الله به الرسالات، وأتم الله جلّ وعلا به النبوات، وبعثه بين يدي الساعة هاديًا مُبشرًا ونذيرًا، وأمر العباد بمحبته وطاعته والتماس هديه واقتفاء أثره صلوات الله وسلامه عليه، وعلى هذا فإنه ينبغي أن يُقرر شرعًا قبل أن نشرع -مُتكلمًا وسامعين- في شرح هذه الدرة المضيئة أن نقول: يجب علينا أن نتعلم سيرته ﷺ لا لئن نبز أقراننا ونفوق إخواننا ونترفع على من بين أيدينا، وإنما حتى نتأسّى به صلوات الله وسلامه عليه، ونجعله بيننا وبين ربنا فنقتفي أثره، ونلتمس سنته، ونتبع هديه، ذلكم الذي أمرنا الله جلّ وعلا به في المقام الأول، قال تباركت أسماؤه وجل ثناؤه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١].
وقد فطر الله جلّ وعلا كثيرًا من خلقه على محبة نبيه ﷺ، فقد صعد أحد فرجف الجبل فرحًا بصعوده، فقال ﵊: (اثبت أُحد فإنما عليك نبيٌ وصديقٌ وشهيدان)، ولما ترك الجذع الذي كان يخطب عليه لما صُنع له المنبر حنّ الجذع إليه، فنزل ﵊ والتمس الجذع وضمه إليه، كان الحسن البصري ﵀ كان إذا حدث بهذا الحديث يقول: يا معشر المسلمين! الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ فما بال قلوبكم لا تحن إليه.
وقد أعطاه الله من المزايا والعطايا ما لم يُعط أحدٌ من العالمين، أشار إلى القمر وأومأ إليه فانفلق بإذن الله تأييدًا لرسالته، وأشار إلى السحاب فتفرق إكرامًا لإشارته، إلى غير ذلك مما سيأتي في المتن من معجزاته صلوات الله وسلامه عليه، وهذا كله يدفع المؤمن وطالب العلم في المقام الأول إلى أن يكون عالمًا فقيهًا مُطلعًا على سيرته ﷺ؛ حتى يدعو الناس إلى هديه ﵊ فإن الله سد كل بابٍ موصلٍ إليه إلا ما كان عن طريقه صلوات الله وسلامه عليه.
والرسالة والنبوة لا تنال بالسعي ولا بالكد ولا بالعمل ولا بطلب العلم وإنما هي هبةٌ من الله، يقول الله جل شأنه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، فالله ﵎ اصطفى هؤلاء الرسل من بين خلقه أجمعين ومنحهم النبوة وأعطاهم الرسالة فكانوا أئمة هدًى ومصابيح دُجى، نشر الله بهم دينه على مر العصور وكر الدهور حجةً من الله ﵎ على خلقه كما قال الله ﵎ في سورة النساء: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٦٥].
والمقصود من هذا كله: إخلاص النية والسعي قدر الإمكان في فهم سيرته العطرة وأيامه النضرة صلوات الله وسلامه عليه قبل أن نشرع تفصيلًا في ذكرها.
وصاحب هذا المتن قال في أوله: إنه موجز وإنه مُختصر، وإن المراد به الإلمام الشامل بسيرته ﵊، وسنحاول أن نعرج قدر الإمكان على ما أطلق منها؛ لأن بعض النصوص في المتن كما هو معلومٌ لا يكاد يجهلها أحد، وإنما سنقف على ما يغلب على الظن أنه يحتاج إلى أن يقف الإنسان معه وأن يبينه لغيره، والله تعالى هو المستعان وعليه التكلان.
ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم صلاح النية وإخلاص القصد، وأن يجعل أعمالنا خالصةً لوجهه يُبتغى بها رضاه ويُتقى بها سخطه إنه سميعٌ مجيب.
وطريقة التدريس أنه سيقرأ المتن أخوكم صفحة صفحة ونعلق على كل صفحة لوحدها.
[ ٢ ]
نسبه ﷺ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الحمد لله خالق الأرض والسماء، وجاعل النور والظلماء، وجامع الخلق لفصل القضاء، لفوز المحسنين وشقوة أهل الشقاء، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة يسعد بها قائلها يوم الجزاء، وصلى الله على سيد المرسلين والأنبياء، محمد وآله وصحبه النجباء.
أما بعد: فهذه جملة مختصرة من أحوال سيدنا ونبينا المصطفى محمد ﷺ، لا يستغني عنها أحد من المسلمين، نفعنا الله بها، ومن قرأها، وسمعها.
نسبه ﷺ: فنبدأ بنسبه: فهو أبو القاسم، مُحمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هَاشِمِ بن عبد مَنَاف بن قُصَيِّ ابن كِلابِ بن مُرَّةَ بن كَعْبِ بن لُؤَيِّ بن غَالِبِ بن فِهْرِ بن مَالِكِ بن النَّضْرِ بن كِنَانَة بن خُزَيْمَةَ ابن مُدْرِكَةَ بن إِلْيَاسَ بن مُضَرَ بن نِزَار بن مَعَدّ بن عَدْنَانَ بن أُدَد ابن الْمُقَوَّم بن نَاحُورَ بن تَيْرَحَ بن يَعْرُبَ بن يَشْجُبَ بن نَابِت بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن بن تَارح وهو: آزر بن نَاحُورَ بن سَارُوعَ بن رَاعُو بن فَالِخ ابن عَيْبَر بن شَالِخ بن أَرْفَخَشْد بن سَام بن نُوح بن لَمْكِ بن مُتُوشَلْخ بن أَخْنُوخ -وهو إدريس النبي فيما يزعمون، وهو أول بني آدم أعطي النبوة وخط بالقلم- ابن يَرْدَ بن مَهْلِيلَ بن قَيْنَن بن يَانِش بن شِيث بن آدم ﷺ.
هذا النسب ذكره محمد بن إسحاق بن يسار المدني في إحدى الروايات عنه.
وإلى عدنان متفق على صحته من غير اختلاف فيه، وما بعده مختلف فيه.
وقريش ابن فهر بن مالك، وقيل: النضر بن كنانة].
بدأ المصنف ﵀ كتابه بذكر كنية نبينا ﷺ وهي: أبو القاسم، والكنية: ما صُدِّر بأبٍ أو أم أو ابن، كما يقال: ابن أم مكتوم، أو ابن أم عبد، أو أبو القاسم، أو أبو حفص، هذه كلها تُسمى كُنى، والنبي ﷺ كان له من خديجة رضي الله تعالى عنها أولاد ذكورًا وإناثًا، كان له القاسم والطيب المُسمى: عبد الله، وكان له أربع بنات، فكان بديهيًا أن الأصل أن الإنسان يُكنى بأكبر بنيه، فكُني ﷺ بأبي القاسم، وقد وردت هذه الكنية في كثير من الأحاديث، فد كان اليهود ينادونه بها كما في حديث ثوبان في صحيح مسلم وغيره قال اليهودي: (يا أبا القاسم! ما أول أشراط الساعة؟) إلى آخر ذلك مما ورد في الصحيحين وفي غيرهما من مناداة اليهود أو بعض كفار قريش له بأبي القاسم، فهذه كنيته صلوات الله وسلامه عليه.
أما نسبه ﷺ فيُمكن تصنيف النسب الشريف إلى ثلاثة أقسام: نسبه ﷺ منه إلى جده عدنان، وهذا أمرٌ مُتفقٌ عليه، ومن عدنان إلى إسماعيل فيه مُختلفٌ فيه، ومن إسماعيل وإبراهيم إلى آدم ﵇ كثيرٌ منه غير صحيح، ويمكن أن يُقال علميًا: إنه يصعب إثباته وذكره.
فعلى هذا يتحرر أن النسب الشريف المذكور ثلاثة أقسام، قسمٌ ثبتت صحته، وقسمٌ مُختلفٌ فيه لكن الصحيح منه أكثر، وقسمٌ مُختلفٌ فيه وأكثره غير صحيح؛ لصعوبة الإثبات.
[ ٣ ]
حفظ الله لنبيه في أصلاب الرجال
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فكان حقًا على الله -ولا ممتن على الله- أن يحفظه ﷺ في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فكان ﷺ يولد من نكاحٍ إلى نكاح محفوظًا في أصلاب الرجال وفي أرحام النساء حتى وضعته أمه آمنة بنت وهب من أبيه عبد الله بن عبد المطلب].
وهذا النسب الشريف الطاهر جاء عن بعض العلماء أنه المقصود بقول الله ﵎: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٧ - ٢١٩]، وهذا وهم ممن ظنه؛ لأن معناه أن جميع آباء النبي ﷺ وأجداده كانوا مؤمنين، وهذا لا يدل الواقع التاريخي عليه، فنبينا ﷺ من آباءٍ وأجدادٍ من أهل الفترة، والله أعلم بهم، ولاشك أن من إبراهيم إلى آدم من كان على غير ملة الإسلام.
والمقصود أنه ﷺ كان محفوظًا برعاية ربه ﵎.
[ ٤ ]
ذكر عدنان ومضر وهاشم
عندما نقول: النبي العدناني فإننا ننسبه إلى جده عدنان الذي هو قطعًا من ذرية إسماعيل، وعندما نقول النبي المضري ننسبه إلى مضر الذي هو أخو ربيعة، فإن مضر له أخٌ يُقال له: ربيعة، افترقت العرب منهما فرقتين: المضريون، وكانوا يسكنون مكة وهم عرب الحجاز، وربيعة وكانوا يسكنون جهة البادية في بادية نجد والعراق، ولما ظهر مسيلمة -وكان من ربيعة- كان أتباع مسيلمة يقولون: كاذب ربيعة -يقصدون مسيلمة - ولا صادق مُضر! يقصدون النبي ﷺ، أخذتهم الحمية.
ولا يتعلق بهذين الاسمين أي حكمٍ شرعي.
النبي ﷺ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وعندما يصل الأمر إلى جده هاشم يتعلق به أمرٌ شرعي وهو أنه إذا قيل: آل بيت رسول الله ﷺ فإن المقصود بهم بنو هاشم، والحكم الشرعي الذي يتعلق بهذا أن الزكاة لا تُعطى إليهم كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه.
وهاشم هو: ابن عبد مناف، وعبد مناف ترك أربعة من الولد: نوفل وعبد شمس والمطلب وهاشم، وهذه يجب تحريرها؛ لأنه يتعلق بها مسائل شرعية، فقد خلف عبد مناف أربعة من الولد ذكورًا هم: هاشم، والمطلب بدون عبد، ونوفل، وعبد شمس، فهؤلاء الأربعة إخوة من أبيهم عبد مناف.
قال ﵊: (عندما ننسب ننسب إلى بني هاشم)، هاشم هذا له إخوة ثلاثة وهم الذين ذكرناهم: نوفل وعبد شمس والمطلب، ولما حصل ما حصل في شعب بني هاشم وحاصرت قريشٌ النبي ﵊ في الشعب انضم إليه أبناء المطلب، انضموا إلى بني هاشم في الشعب كافرهم ومؤمنهم، وبقي بنو عبد شمس وبنو نوفل مع قريش ضد النبي ﷺ وبني هاشم.
هذه الخصيصة لبني المطلب حفظها النبي ﷺ لهم، فلما كانت غزوة خيبر وقسم النبي ﷺ الغنائم، جاءه وفدٌ من بني عبد شمس وبني نوفل، جاءه جبير بن مطعم وهو من بني نوفل وجاءه عثمان ﵁ وهو من بني عبد شمس فقالا: يا نبي الله! إنك أعطيت إخواننا من بني هاشم وهذه لا تثريب عليك فيها؛ لأن الله شرفهم بك، ولكنك أعطيت إخواننا من بني المطلب ونحن وإياهم شيءٌ واحد؛ لأن المطلب أخٌ لـ نوفل وأخ لـ عبد شمس، فقال ﷺ: (إن بني المطلب لم يفارقونا في جاهلية ولا في إسلام، وشبك بين أصبعه)، ومن هنا ذهب جمهور العلماء إلى أن بني المطلب يدخلون في آل البيت بمقتضى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ، وهذه أهم فوائد ذكر النسب الشريف.
وهاشم هذا اسمه عمرو، وإنما سُمي هاشمًا؛ لأنه كان يكسر الخبز ويضعه مع المرق، ويُسمى هذا عند العرب الثريد، ويطعم به الحجاج، وهو الذي سن رحلتي الشتاء والصيف لقريش، وقد قيل فيه: عمرو الذي هشم الثريد لقومه قوم بمكة مسنتين عجاف سنت إليه الرحلتان كلاهما سفر الشتاء ورحلة الأصياف وهذا هو الذي يُنسب إليه ﷺ في المقام الأول، يُقال: النبي الهاشمي، وعندما يقال: النبي المضري يخرج بنو ربيعة، وعندما يُقال: العدناني المقصود نسبته إلى إسماعيل وسيأتي بيان هذا.
[ ٥ ]
ذكر عبد المطلب
عبد المطلب ليس هو المطلب، وهو جد النبي ﷺ، وأحد الذين كفلوه كما سيأتي تحريره في موضعه، واسمه شيبة، وقيل: شيبة الحمد، وإنما سُمي عبد المطلب؛ لأن المطلب الذي ذكرناه في الأول أخو هاشم لما جاء المدينة كان هذا شيبة صغيرًا، وهو ابن أخيه هاشم، فلما مات هاشم أخذ المطلب شيبة وأردفه وراءه ودخل به مكة، فلما دخل به مكة ظن الناس من قريش أنه عبد للمطلب، فأخذوا يقولون: عبد المطلب عبد المطلب عبد المطلب حتى غلبت عليه، وإلا اسمه شيبة.
وتظهر فائدة ثانية قلما ينتبه إليها إلا القليل وهي أن النبي ﷺ قال مُفتخرًا: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، هذا الحديث قاله النبي ﷺ في غزوة حنين، والشُرَّاح عندما يأتون إلى ذكر أنه لا يُذكر الإنسان أنه عبدٌ لغير الله يقولون: يجوز من باب النسب، ويأتون بهذا الدليل، يقولون: إن النبي ﷺ يقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، وهذا وهمٌ ممن قاله؛ لأن النبي ﵊ عندما قال: (أنا ابن عبد المطلب)، العبودية هنا لم يقصد بها القرشيون عبودية الذل وعبودية التعبد، وإنما قصدوا بها عبودية الرق، كما يقال: زيد مثلًا عبدٌ لبني فلان، عبدٌ بمعنى: رقيق ليس أنه يعبدهم.
فلم يُغير ﵊ اسم جده، ولم يقل: إن عبد المطلب لم يكن عبدًا؛ لأنه فهم الوضع الذي ذُكر منه الاسم، وهو أن شيبة ظنته قريشٌ عبدًا للمطلب أي: أنه غلام له وعبد بمعنى عبودية رق.
والعبودية ثلاثة أقسام: عبودية رق وضدها الحرية، وهذه تُسمى عبودية شرعية قال الله: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة:١٧٨].
وعبودية ذل وقهر وهذه يشترك فيها كل الخلق، الملائكة والجن والإنس كلهم عبيدٌ لله ﵎ من هذا الباب، عبودية ذل وقهر من جانب الرب ﵎، ودليلها من القرآن: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣].
العبودية الثالثة: عبودية الطاعة، وتنقسم إلى قسمين: عبودية طاعةٍ لله، وعبودية طاعة لغير الله ﵎، كما قال ﵊: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة) إلى آخر الحديث.
إذًا: عبودية الطاعة تنقسم إلى قسمين: طاعة للرب جل وعلا، وطاعة لغير الله، فالطاعة لله هي التي يتنافس فيها المتنافسون، ويشمر فيها العاملون، وهي التي بلغ النبي ﷺ الذروة منها فكان كما قال الله جلّ وعلا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]، قصد الله بها هنا: عبودية الطاعة.
هذا عبد المطلب جد النبي ﷺ الأول، ومن هذا نفهم أن النبي ﷺ من جهة أبيه وأمه عربيٌ من العرب المستعربة.
[ ٦ ]
أقسام العرب
العرب أمة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة.
أما العرب البائدة فهم ثمود وعاد، فهذه أمم عربية كانت موجودة ثم بادت، ولم يبق منها على الأرض نسل.
وعربٌ عاربة أي: عرب أقحاحٌ جدًا، وهم ذرية يعرب بن قحطان، والمصنف هنا رحمه الله تعالى لم يذكر أن يعرب ابن لـ قحطان، فهذا هو جد العرب، ويُسمى هؤلاء العرب بالقحطانيين نسبةً إلى يعرب بن قحطان، وهؤلاء هم العرب العاربة.
القسم الثالث: العرب المستعربة، والألف والسين والتاء في اللغة غالبًا تعني الاكتساب، تعني الطلب، فمعنى عرب مستعربة أي: ليسوا عربًا في أصلهم وإنما اكتسبوا العروبة، فإسماعيل ﵊ ابن إبراهيم، وإبراهيم لم يكن عربيًا وإن كان من ذرية سام، ولذلك تقرأ في القرآن: ﴿إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة:١٢٥] بالفتح، ويقول النحاة: ممنوع من الصرف للعلمية وللعُجمة أي: أنه اسم غير عربي، فإبراهيم ﵊ ليس عربيًا، وبالتالي إسماعيل ابنه ليس عربيًا، لكن إسماعيل اكتسب العربية من جهة زوجته، لأنه تزوج من جُرهم، وجُرهم قبيلة عربية قحطانية، فمن تولد من ذرية إسماعيل وزوجته التي من جُرهم يُسمون: عربًا مُستعربة، ومنهم نبينا ﷺ.
فالعرب قحطانيون وعدنانيون هذا تقسيم، ويُسمون عرب الشمال وعرب الجنوب هذا تقسيم، ويقال: عرب الحجاز، وهم العرب المستعربة في الغالب، وليس لهذا التقسيم قسيم، يعني: إذا قلنا عرب الحجاز لا يوجد له قسيمٌ آخر نحيل عليه.
على هذا يُفهم أن العرب أمةٌ تنقسم إلى ثلاثة أقسام، عرب بائدة، وعربٌ عاربة، وعرب مستعربة، وأنه ﷺ من العرب المستعربة الذين اكتسبوا العربية من جرهم القبيلة القحطانية التي نزلت مكة وتزوج منهم إسماعيل ﵊، هذا كله في ذكر نسبه ﷺ، وقد بينا أهم ما فيه.
[ ٧ ]
ذكر إدريس
ذكر المصنف أن إدريس أول من نُبئ وأول من خط بالقلم، وهذا ذكره أبو هلال العسكري في الأوائل ولا دليل عليه، وإذا أطلقنا النبوة فمن الخطأ أن يُقال: إن إدريس ﵇ أول من نُبئ؛ لأن هذا قد يُفهم منه بادي الرأي أن آدم عليه الصلاة السلام ليس بنبي، والمعلوم شرعًا والمقرر في الحديث أن النبي ﵊ سُئل عن آدم أنبيٌ هو؟ قال: (نعم، نبيٌ مُكلم)، فآدم نبي، فالقول أن إدريس أول من نُبئ غير صحيح، إلا أن يكون المقصود أول من نُبئ بعد آدم ﵇، أما أن يُقال: إنه أول من خط بالقلم فلا سبيل إلى إثباته.
[ ٨ ]
ذكر قريش
ذكر المصنف أن قريشًا هو ابن فهر، والصواب: أنه هو فهر نفسه، وقريش لقبٌ لـ فهر، واختلفوا لماذا سُمي قريشًا؟ والأظهر أنه كان قادرًا على أن يجمع الناس، كان ذا سلطان على هذا فسُمي قريشًا، فـ قريش لقبٌ لـ فهر وليس هو ابن فهر على الصحيح من أقوال العلماء، هذا ما يتعلق بالنسب الشريف.
[ ٩ ]
أمه ﷺ وولادته
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أمه ﷺ وولادته.
أمه ﷺ: وأم رسول الله ﷺ آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب.
ولادته ﷺ: وولد رسول الله ﷺ بمكة عام الفيل في شهر ربيع الأول لليلتين خلتا منه، يوم الإثنين، وقال بعضهم: بعد الفيل بثلاثين عامًا، وقال بعضهم: بأربعين عامًا، والصحيح: أنه ولد عام الفيل].
ذكر المصنف هنا أن أم النبي ﷺ هي آمنة، ولم يقل: أبوه هو فلان؛ لأنه ورد ذكره في النسب الأول، وأفرد الأم لأنه لم يرد ذكرها في النسب الأول.
أمه هي: آمنة بنت وهب أم نبينا ﷺ، وهي من بني زهرة، وبنو زهرة بطنٌ من بطون قريش، فتجتمع مع النبي ﷺ في جده كلاب، وهذه آمنة تزوجها أبو النبي ﵊ عبد الله، فلما تزوجها حملت منه بسيد الخلق ﷺ.
ولحكمة أرادها الله مات الأبوان قبل أن ينشأ ﷺ النشأة التي يمكن أن نقول: إنه بلغ سن التمييز، فأظهر أقوال العلماء: أن أباه مات وهو حملٌ ﵊، كان له أخوالٌ من بني النجار في مدينة النبي ﷺ، فذهب عبد الله لتجارة فمات في المدينة، ودُفن في دار النابغة الجعدي، وهو أحد شعراء الجاهلية وأدرك الإسلام وأسلم وحسن إسلامه.
وقد ذكر المصنف الاختلاف في زمان ولادة النبي ﷺ، ويجب أن تعلم أن المُتفق عليه: أنه ولد يوم الإثنين في شهر ربيعٍ الأول، ودائمًا الإنسان في طلب العلم يأخذ ما اتفق عليه أولًا، وما اختلف عليه يبدأ به بعد ذلك، فلا بد في المسيرة العلمية من شيءٍ قوي تركن إليه، ثم تُخرج الأضعف فالأضعف، فالثابت أنه ﷺ ولد في يوم الإثنين فإنه كان يصومه وسئل عن ذلك فقال: (هو يومٌ وُلدت فيه)، فقطعًا أنه ولد يوم الإثنين، ولا أعلم أن هناك خلافًا في أنه وُلد في يوم الإثنين.
الأمر الثاني المُتفق عليه: أنه وُلد في شهر ربيعٍ الأول، والخلاف هو في أي يومٍ من شهر ربيعٍ الأول ولد، والذي عليه عامّة الناس في عصرنا أنه يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وهو ما ذكره المصنف، والأظهر -والله أعلم- ما دلت عليه الدراسات المعاصرة، وهو أنه ولد يوم الإثنين التاسع من شهر ربيعٍ الأول، لأن الفلكيين كالعلامة محمود باشا والمنصور فوري وغيرهما ذكروا أنه لا يمكن فلكيًا أن يكون يوم الإثنين في العام الذي وُلد فيه النبي ﷺ يوم الثاني عشر، وإنما هو يوم الإثنين التاسع من شهر ربيعٍ الأول الموافق في السنة الميلادية الثاني والعشرين من شهر إبريل لعام خمسائة وواحد وسبعين من ميلاد المسيح ﵊.
لكننا كطلبة علم لا يعنينا هذا، ودائمًا الإنسان لا يتعلق كثيرًا بما لا طائل من ورائه، إنما الذي يعنينا أنه وُلد يوم الإثنين لأنه صامه ﷺ، لكن هذا من الناحية التاريخية، ولو فرضنا أن القول الذي رجحناه أنه ولد في اليوم التاسع خطأ فهذا لا يُغير من الموضوع شيء، قد يكون ولد يوم الإثنين التاسع من شهر ربيع الأول كما قال الفلكيون وهو الذي نعتمده وهو الأظهر، وقد يكون قبله أو بعده، لكنه قطعًا يوم الإثنين من شهر ربيعٍ الأول.
وُلد في عام الفيل، وقد جرت العادة عند العرب قديمًا وعند الأمم كلها أنهم يؤرخون بالحدث العظيم، فالنصارى كانوا يؤرخون بميلاد المسيح، فلما كانت العرب أمة لا احتكاك لها مع الأمم الأخرى أرخوا بحادثة الفيل، والفيل قصته شهيرة وهي أن أبرهة نائب النجاشي على اليمن قدم إلى مكة يريد هدم البيت في القصة المعروفة، حتى وصل إلى وادي محسر ما بين مزدلفة ومنى، وهناك أناخ الفيل وبرك ورفض التوجه إلى الكعبة كما هو معلومٌ، وحيثما وُجِّه توجه إلا إذا ذُهِبَ به إلى مكة، فأرسل جلّ وعلا عليهم طيرًا أبابيل، ففي هذا العام لعظيم الحادثة التي وقعت فيه أرخ العرب آنذاك بعام الفيل؛ لأنه أصبح أمرًا مُميزًا، ولعل هذا وقع لحدوث شيءٍ عظيم وهو مولده صلوات الله وسلامه عليه.
والمقصود أنه وُلد ﵊ في عام الفيل، أما القول: أنه بعد الفيل بثلاثين عامًا أو أربعين عامًا فهذا خلاف الصحيح، وهي أقوالٌ -وإن كانت موجودة- مردودة، تردها أكثر الروايات التي تدل على أنه ﷺ وُلد في عام الفيل.
[ ١٠ ]
وفاة أبوي الرسول وجده
الملقي: [وفاة والد رسول الله ﷺ، وأمه، وجده: ومات أبوه عبد الله بن عبد المطلب ورسول الله ﷺ قد أتى له ثمانية وعشرون شهرًا.
وقال بعضهم: مات أبوه وهو ابن سبعة أشهر.
وقال بعضهم: مات أبوه في دار النابغة وهو حمل.
وقيل: مات بالأبواء بين مكة والمدينة.
وقال أبو عبد الله الزبير بن بكار الزبيري: توفي عبد الله بن عبد المطلب بالمدينة ورسول الله ﷺ ابن شهرين.
وماتت أمه وهو ابن أربع سنين.
ومات جده عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين.
وقيل: ماتت أمه وهو ابن ست سنين.
الشيخ: هنا ذكر المصنف يُتمه ﷺ مع الخلاف في زمن اليتم، فقيل: إنه وهو حمل، وقيل غير ذلك كما هو مذكور عندك، والأظهر أنه ﷺ أكثر الروايات على أنه مات أبوه وهو حملٌ في بطن أمه، وقد يكون مات أبوه بعد ولادته، هذه الروايات كلها موجودة والأظهر كما قلت الرواية الأولى: أنه وهو حملٌ صلوات الله وسلامه عليه، وقلنا أن أباه عبد الله مات في المدينة.
أما القول: بأنه مات في الأبواء بين مكة والمدينة كما هو مكتوب فهذا خلاف الصحيح، والصحيح: أن أمه ماتت بالأبواء وقبرها موجود هناك، أن أمه ماتت بالأبواء بعد أن مرضت بالمدينة ماتت بالأبواء صلوات الله وسلامه عليه، ثم بعد دفنه كفلته أمه مدة أربع سنوات وماتت بعد ذلك، ثم كفله جده عبد المطلب إلى ست أو ثمان، ثم كفله عمه أبو طالب.
الذي يعنينا في هذا المقام في فقه السيرة أن يُفهم أن الله جلّ وعلا لحكمةٍ أرادها أن يعيش نبيه ﷺ يتيمًا حتى تكتمل عليه منة الله، والله إذا أراد أن يمن على عبدٍ من عباده بشيء جنبه الناس، فإبراهيم ﵊ قدم جسده قبرنًا قدم ولده للقربان، وقدم جسده للنيران، وقدم قلبه للرحمن، فلما هم قومه بأن يلقوه في النار قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، وكان إبراهيم ﵊ أعبد أهل زمانه، بل أعبد الناس على الإطلاق بعد نبينا ﷺ، وكان ملك القطر يعلم أن الله لن يُخزي إبراهيم فيحرقه بالنار، وأن الله سينصر إبراهيم لا محالة، ولكن يعلم أن النار لا يطفئها إلا الماء فغلب على ظنه أن الله جلّ وعلا سيأمره أن ينزل الماء القطر على النار حتى يطفئها فيسلم إبراهيم، فجعل ميكال يطأطأ رأسه ينتظر متى يؤمر أن ينزل القطر، ولكن الله جلّ وعلا إكرامًا لإبراهيم خاطب النار بذاته العلية بقوله: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، فخرج منها صلوات الله وسلامه عليه بعد أن جعلها الله بردًا وسلامًا خرج منها معافًا يمشي على قدميه والناس ينظرون.
ما لا يفقهه الناس هو أنه خرج وليس لأحدٍ من أهل الأرض عليه منة صلوات الله وسلامه عليه إلا منة الله، وهذه منزلة لا ينالها الإنسان إلا إذا بلغ درجة عظيمة في العبودية، فإن الإنسان إذا تحرر قلبه من غير الله كان أقرب إلى الله، وكلما تعلق قلبه بأحدٍ غير الله كان أبعد من الله جلّ وعلا، ومن أراد الله يرزقه الفلاح الحق الكامل لم يجعل في قلبه أحد غير ربه ﵎، يحب بحبه، ويُبغض ببغضه، ويوالي بموالاته، فإذا بقي هذا القلب لا يعرف إلا الله جلّ وعلا في سرائه وضرائه وليله ونهاره وإقامته وسفره كانت رعاية الله جلّ وعلا به أعظم وعنايته به أكمل ﵎، وهذا هو المقصود الأسمى من كونه ﷺ نشأ يتيمًا لم يرعاه أب حتى إذا بلغ النبوة نسب الناس نبوته إلى أبيه، ولم ترعاه أمه حتى إذا بلغ المجد نسب الناس رعايته وتربيته إلى أمه، قال الله جلّ وعلا مُمتنًا عليه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨].
ذكرت باليتم في القرآن تكرمة وقيمة اللؤلؤ المكنون في اليتم الله قسم بين الخلق رزقهم وأنت خُيِّرتَ في الأرزاق والقسم إن قلت في الأمر لا أو قلت فيه نعم فخِيرةُ الله في لا منك أو نعم يا أفصح الناطقين الضاد قاطبة حديثك الشهد عند الذائق الفهم جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم آياته كلما طال المدى جددٌ يزينهن جلال العتق والقدم أخوك عيسى دعا ميتًا فقام له وأنت أحييت أجيالًا من الرمم صلوات الله وسلامه عليه.
الملقي: رضاعه ﷺ: وأرضعته ﷺ ثويبة جارية أبي لهب، وأرضعت معه حمزة بن عبد المطلب، وأبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، أرضعتهم بلبن ابنها مسروح.
وأرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية.
الشيخ: بعد أن ذكر: أنه ﷺ نشأ يتيمًا وبينا الحكمة في كونه ﷺ نشأ يتيمًا ذكر المصنف ﵀ من نلنا شرف رضاعته صلوات الله وسلامه عليه، ممن أرضعنه بلا شك أمه آمنة، وممن أرضعنه ثويبة جارية كانت لعمه أبي لهب، ولم يكن بالطبع أبو لهب يعلم أن هذا سيكون نبيًا رسولا وأنه سيعاديه، ولكن جاريته ثويبة أرضعت النبي ﷺ، وممن أرضعنه وهي أكثر من أرضعته حليمة السعدية المشهورة، خرجت به إلى بادية بني سعد في قصة نُقلت عنها، أنها جاءت إلى مكة وأخذته صلوات الله وسلامه عليه إلى بادية بني سعد، فتغير حالها وحال قومها مما هو مذكورٌ مشهور في كتب السيرة، أنا قلت: أنه في منهجنا في التدريس أن ما كان مشهورًا لا نُعرج عليه، وإنما نُعرج على ما كان مخفيًا يحتاج الناس إلى بيانه، هؤلاء الثلاثة هن اللاتي أرضعنه صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من لطف ربه به ﵊.
[ ١١ ]