للنبي محمد ﷺ أسماء كثيرة، وهي تدل على معان عظيمة وصفات شريفة ومناقب حميدة، فمن أسمائه أحمد والماحي الذي يمحو الله به الكفر، والحاشر والعاقب الذي ليس بعده نبي ووصف بأنه نبي التوبة ونبي الرحمة، وسماه الله في كتابه بشيرًا ونذيرًا ورءوفًا ورحيمًا ورحمة للعالمين.
[ ٤ / ١ ]
أسماؤه ﷺ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [روى جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ: (إني أنا محمد وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي حشر الناس، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي) صحيح متفق عليه].
هذا فصل في ذكر أسمائه صلوات الله وسلامه عليه.
وتحرير المسألة أن يقال: إن من أسمائه ﷺ ما يشاركه فيه الناس مثل محمد وأحمد، فالناس يسمون بمحمد وأحمد، ولهذا لم يقل ﷺ في تفسيرهما شيئًا، قال: أنا محمد ولم يبين، وقال: أنا أحمد ولم يفصل؛ لأنهما من الأسماء المشتركة التي يجوز أن يتسمى بها كل أحد، لكن عندما قال: (أنا الماحي، أنا العاقب) فصل صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن الماحي والعاقب تتعلق بكونه نبيًا ورسولًا، ولا تتعلق بكونه رجلًا ينادى بين الناس.
ومعنى كونه ﵊ ماحيًا أي: يمحو الله به الكفر، والعاقب أي: جاء عقب النبيين ﵊، هذا يتعلق برسالته، فلهذا بين ما معنى الماحي، وبين ما معنى العاقب، وهو الحاشر الذي يحشر الناس على يديه، بمعنى: أن من أشراط الساعة خروجه ﷺ، لكنه عندما قال: أنا محمد وأنا أحمد فهذا من أسمائه التي يشترك فيها ﷺ في أصل التسمية مع الناس.
وأحمد هو الاسم المسمى به في الإنجيل، ومحمد هو الاسم المسمى به في التوراة، في التوراة جاء أن اسمه محمد، وفي الإنجيل جاء أن اسمه أحمد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [روى أبو موسى عبد الله بن قيس قال: (سمى لنا رسول الله ﷺ نفسه أسماء منها ما حفظنا فقال: أنا محمد وأنا أحمد والمقفي ونبي التوبة ونبي الرحمة).
وفي رواية: (ونبي الملحمة) وهي المقتلة.
صحيح رواه مسلم].
أبو موسى هو أبو موسى الأشعري الصحابي الجليل المعروف، أحد الذين وفدوا على النبي ﷺ من اليمن.
والحديث كما بين المصنف أخرجه الإمام مسلم في الصحيح، وقد ذكر فيه النبي ﷺ أسماء خاصة به هي محمد وأحمد بالنسبة للنبيين، فلا يوجد نبي من الأنبياء اسمه محمد أو أحمد، لكن نبي التوبة تطلق عليه وعلى غيره من الأنبياء، ونبي الرحمة تطلق عليه وعلى غيره من الأنبياء؛ لأن كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا رحمة وتوبة للناس، لكن الفرق بينه وبينهم أن له منها ﷺ الحظ الأوفر والنصيب الأكمل.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: (أنا أحمد وأنا محمد وأنا الحاشر، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، فإذا كان يوم القيامة لواء الحمد معي، وكنت إمام المرسلين، وصاحب شفاعتهم).
وسماه الله ﷿ في كتابه العزيز: بشيرًا ونذيرًا ورءوفًا ورحيمًا ورحمة للعالمين، ﷺ].
الأسماء الأولى التي ذكرها ﷺ ونقلها المصنف تدل على رفيع مقامه ﵊ عند ربه، وعلو منزلته.
وله ﵊ خصائص في الدنيا وخصائص في الآخرة، والمقام المحمود خصيصة في الآخرة وهي أعظم خصائصه ﷺ، قال ﵊ كما في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ثم صلوا علي، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد وأرجو أن أكون أنا هو) صلوات الله وسلامه عليه، ونحن نقول كما علمنا نبينا ﵊: (وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته).
والله جل وعلا قال له في الإسراء: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] فالمقام المحمود له ﷺ.
قال ﵊ في الحديث الصحيح: (ولواء الحمد يومئذ بيدي) كل الناس آدم فمن سواه تحت هذا اللواء الذي يحمله صلوات الله وسلامه عليه.
والمقصود: رفيع مقامه وجليل مكانته، ولا نريد أن نفصل فيها أكثر لأنها سيأتي بيانها في فصول قادمة، لكن معلومٌ من الدين بالضرورة مقامه الرفيع صلوات الله وسلامه عليه بين خلق الله أجمعين ورفيع منزلته وعلو درجته ﵊ عند ربه.
ثم قال المصنف: وسماه الله بشيرًا ونذيرًا ورءوفًا ورحيمًا ورحمة للعالمين، هذه صفات له ﵊ أكثر من كونها أسماء، لأن جميع الرسل كانوا مبشرين وكانوا منذرين، وكانوا رءوفين بأممهم، وكانوا راحمين للعالم أجمع، لكن الفرق بينه وبينهم صلوات الله وسلامه عليه أن له المقام الأعلى وأنه أوفر حظًا وأكمل نصيبًا ﵊.
[ ٤ / ٢ ]
نشأته ﵊
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ونشأ رسول الله ﷺ يتيمًا يكفله جده عبد المطلب، وبعده عمه أبو طالب بن عبد المطلب.
وطهره الله ﷿ من دنس الجاهلية ومن كل عيب، ومنحه كل خُلق جميل، حتى لم يكن يعرف بين قومه إلا بالأمين لما شاهدوا من أمانته وصدق حديثه وطهارته].
لا ريب أن الله أعد نبيه ﷺ لهذا الأمر العظيم منذ الأزل، فكان منطقيًا أن يتعهده ربه جل وعلا من صغره، والله جل وعلا قال لموسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] فإذا كان في حق موسى فكيف بحق محمد ﷺ؟! والمصنف هنا ذكر ما أفاءه الله جل وعلا عليه من إيواء جده عبد المطلب أول الأمر، ثم عمه أبي طالب، وكلا الرجلين بذلا جهدًا عظيمًا في كفالة نبينا ﷺ.
أما عبد المطلب فقد كان يقربه منه، وكان يُفرش له فراش عند الكعبة فيجلس ﷺ بجوار جده ولا يُعاتبه أحد رغم أن عبد المطلب كان وجيهًا سيدًا مُطاعًا مهابًا، لكن كانت الحَظْوَة برسول الله ﷺ وهو صبي عند جده عظيمة.
فلما مات كفله عمه أبو طالب، وأبو طالب اسمه عبد مناف - على الأظهر -، وهذا العم مات على غير إسلام، مع أنه كان من أعظم النصراء لنبينا ﷺ.
ومما يذكر عنه من تعهده لنبينا ﵊ صغيرًا وكبيرًا أن قريشًا طلبت من أبي طالب أن يستسقي لهم حين أجدبت الديار - كما نقل ابن عساكر في تاريخ دمشق- فجاء أبو طالب وحمل النبي ﷺ - وكان صغيرًا أبيض - فألصقه بجدار الكعبة، فلما ألصقه بجدار الكعبة أشار ﷺ بإصبعه إلى السماء وهو صبي، فجاء السحاب من كل مكان فسقوا حتى سال الوادي، فقال أبو طالب في لاميته بعد ذلك: وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل وهذا من حظوة النبي ﷺ عند أبي طالب، فلما كبر بقيت هذه الحَظْوَة كما هي، وكان ﷺ قد رباه الله وتعهده أنه يفقه ماذا يفعل وماذا يصنع من دون أن يعلم أنه سيكون نبيًا، فكان يرعى الغنم على قراريط لأهل مكة من أجل أن يسد العوز والفقر والمسكنة المالية التي أصابت أبا طالب حتى لا يكون عبئًا عليه، فلما حوصرت بنو هاشم في الشعب كان أبو طالب - رغم كفره - أحد الذين حوصروا مع النبي ﵊ في الشعب.
وبلغ من محبته - رغم الكفر- للنبي ﷺ أنه كان إذا جاء الليل يحمل النبي ﵊ من مكانه ويضعه في مكانًا آخر، ثم يأتي بأحد أبنائه ويضعه مكان النبي ﵊ حتى إذا أراد أحد قد بيت النية أن يغتال النبي ﵊ وهو نائم يغتال ابنه لصلبه ولا يغتال النبي ﵊، كان يفعل هذا وهو مشرك! يقول الله في الأنعام: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦] ينهون عن قتل النبي ﷺ، ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦] أي: لا يقبل أن يدخل في الدين، حتى نعلم أن الهداية مردها إلى الرب ﵎.
[ ٤ / ٣ ]
قبول النبي نصرة عمه أبي طالب له رغم كفره
يجب على العاقل المسلم أن يستفيد من الأوضاع التاريخية التي يعاصرها، فـ أبو طالب كان كافرًا، فاستفاد النبي ﷺ من جاه عمه ومن نصرته، ولم يقل: إنه كافر ولا أستعين به ولا ألجأ إليه، فإن الأوضاع تختلف من زمن إلى زمن ومن مرحلة إلى مرحلة، والمقصود هو نصرة الدين، فحيثما كان الطريق يؤدي إلى نصرة الدين فاعمل به ولا تبال؛ لأنه لا يخلو الأمر من مصالح ومفاسد، لكن إذا كان الإنسان يقدم أعظم المصلحتين ويدرأ أعظم المفسدتين فإن المقصود الأعظم نصرة الدين، وقد قبل ﷺ أن يكون مع عمه وهو كافر يسجد لغير الله في شعب واحد استفادة من جاه عمه ونصرته، وكان ﵊ يُثني على عمه، وتشفع له عند ربه أن يكون أهون أهل النار عذابًا، هذه الفائدة الأولى، وهي أن النبي ﷺ استفاد من نصرة عمه أبي طالب.
الفائدة الثانية أن الهداية بيد الله، وأن الإنسان قلبه كقلب غيره بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وأنت لا تفرح بشيء أعظم من نعمة الهداية، فإن نعمة الهداية التي رزقك الله إياها أو رزقكِ الله إياها يا أختاه حُرمها أبو طالب الذي نصر النبي ﷺ، حتى تعلم فضل الرب ﵎ عليك، ولا ييئس أحد من أحد وهو يدعوه، ولا يجزم أحد في أحد وهو يراه، بمعنى: مهما رأيت على رجل من الصلاح لا تقطع له بجنة ولا بنار، ومهما رأيت على أحد من سوء وفساد لا تقطع له بجنة ولا نار، إنما الأعمال بالخواتيم.
كان عبد الله بن أبي السرح أحد الصحابة، أسلم قديمًا ثم هاجر إلى المدينة وكان يجيد الكتابة، فكان يكتب الوحي لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
فلما نزلت سورة المؤمنون كان جبريل يمليها على النبي ﵊ وعبد الله بن أبي السرح يسمعها منه، (فقرأ جبريل على النبي ﵊: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢] فكان يقرؤها النبي ﵊ فيكتبها عبد الله، ثم قرأ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون:١٣] فكتبها، ثم أتم الآية، حتى قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون:١٤] فكتبها عبد الله، فقال عبد الله قبل أن يتكلم النبي ﷺ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] فقال ﷺ: هكذا أنزلت علي أو هكذا أملاني إياها جبريل، فطبق الورقة التي كان يكتبها وقال: إن كان محمد كاذبًا فأنا أكذب كما يكذب محمد، وإن كان محمد صادقًا فأنا يوحى إلي كما يوحى إلى محمد، وترك الإسلام وخرج من الدين ورجع إلى الكفر، وأصبح كافرًا حتى كان عام الفتح).
وعبد الله هذا أخ لـ عثمان ﵁ من الرضاعة، فلما كان عام الفتح دخل عثمان به على النبي ﷺ، وكان ﵊ قد أهدر دمه، فطلب له العهد أي: طلب منه أن يصون دمه، فسكت ﷺ وهو في ملأ من أصحابه، فجعل يحدق النظر فيه مدة طويلة، فلما ألح عثمان على رسول الله قال ﵊: (نعم) أي: أجرناه، فخرج عثمان بأخيه عبد الله خارج معسكر المسلمين، فلما خرجوا قال ﵊ لأصحابه: (أما قام منكم أحد حين رآني قد أبطأت عنه فيضرب عنقه؟ قالوا: يا رسول الله! لم نكن ندري ما مرادك، لو أشرت إلينا بعينيك، قال: ما كان ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين).
موضع الشاهد: أن هذا الرجل الذي ارتد أصابه الندم على ما كان عليه من الردة، فلما أسلم أخذ يكثر من الصالحات تعويضًا عما فات، فلما كانت الفتنة بين علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما ترك الفتنة واعتزلها وسكن في عكا في أرض فلسطين، ومكث حريصًا على الصلوات خوفًا من أن يختم له بسوء، وذات ليلة دعا ربه: اللهم أمتني وأنا أصلي الفجر، فلما كانت صلاة الفجر صلى بالناس إمامًا، وقرأ في الأولى والعاديات ضبحًا - ولم ينقل الرواة ماذا قرأ في الركعة الثانية - ثم سلم التسليمة الأولى وقبل أن يسلم التسليمة الثانية فاضت روحه إلى ربه جل وعلا، ومات في صلاة الفجر كما دعا.
فانظر كيف تقلب ثم استقر على خير حال، فالقلوب بين يدي الرحمن.
وهذا أبو طالب كان مع النبي ﵊ في الحرب والسلم والسراء والضراء، وأقول: الحرب تجوزًا وإلا فلم يكن في مكة حرب، ومع ذلك لم يرزق الهداية، وقد يرزقها رجل في أقاصي الأرض كما قال الله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] نسأل الله لنا ولكم الثبات على هذا الدين.
[ ٤ / ٤ ]
خبر بحيرا الراهب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلما بلغ اثنتي عشرة سنة خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام، حتى بلغ بصرى فرآه بحيرا الراهب فعرفه بصفته، فجاء وأخذ بيده وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثه رحمة للعالمين.
فقيل له: وما علمك بذلك؟ قال: إنكم حين أقبلتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدًا، ولا يسجدون إلا لنبي، وإنا نجده في كتبنا، وسأل أبا طالب فرده خوفًا عليه من اليهود].
هذه رحلة النبي ﷺ الأولى إلى الشام، وفيها خبر بحيرا الراهب وقوله: لم يبق حجر ولا شجر إلا سجد له، غير ثابتة، وإن ثبتت فيكون تخريجها على أن المقصود بالسجود هنا سجود تحية لا سجود عبادة؛ لأن الله لا يأذن لأحد شرعًا أن يسجد لغيره ﵎، فسجود الملائكة لآدم وسجود أخوة يوسف ليوسف كله كان سجود تحية ولم يكن سجود عبادة.
والمقصود: أنه ﷺ كان معروفًا في التوراة، وهذا الراهب اطلع على ما في التوراة، فعرف فيه من الدلائل ما يدل على أنه ﷺ سيكون خاتم الأنبياء.
[ ٤ / ٥ ]
خروجه ﵊ إلى الشام في تجارة لخديجة ثم زواجه بها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم خرج ثانيًا إلى الشام مع ميسرة غلام خديجة ﵂ في تجارة لها قبل أن يتزوجها، حتى بلغ إلى سوق بصرى، فباع تجارته، فلما بلغ خمسًا وعشرين سنة تزوج خديجة ﵍].
هذه هي الرحلة الثانية إلى الشام، وكانت كما ذكر المصنف مع ميسرة غلام خديجة، وهذه أحد الأسباب التي أرادها الله أن تقع حتى يتزوج ﷺ من خديجة بنت خويلد.
وخديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وأرضاها لها خصائص لا يشاركها فيها أحد من أمهات المؤمنين، ولها خصيصة واحدة لا يشاركها فيها أحد من نساء العالمين.
من الخصائص التي لم يشاركها فيها أحد من أمهات المؤمنين أن النبي ﷺ لم يتزوج عليها وهي حية، فلم يجمع بينها وبين أحد من النساء.
والثانية: أن الله رزقه منها الولد ولم يرزقه الولد من غيرها إلا ما كان من جاريته مارية أم إبراهيم، هذه الخصائص التي تفردت بها خديجة رضي الله تعالى عنها عن أمهات المؤمنين.
أما الخصيصة التي تفردت بها عن نساء العالمين أجمعين: أن الله جل وعلا بلغها سلامه مع جبريل ﵇، وهذه خصيصة لا يعلم أن أحدًا من نساء العالمين نالها رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
وقد ثبت عنه ﷺ كما في الصحيحين أنه قال: (إني رزقت حبها) أي: حب خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
[ ٤ / ٦ ]
بدء الوحي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلما بلغ أربعين سنة اختصه الله بكرامته وابتعثه برسالته، أتاه جبريل ﵇ وهو بغار حراء -جبل بمكة- فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة، وقيل: عشرًا، والصحيح الأول].
هذا ذكر ما كان له ﷺ عند تمام الأربعين، ولما قارب الأربعين بدأ ما يدل على أن الله جل وعلا سيختصه بأمر عظيم، فكان لا يمشي في طرقات مكة إلا ناداه الحجر والشجر: السلام عليك يا نبي الله، فيلتفت يمينًا وشمالًا فلا يرى شخصًا ولا خيالًا فيتعجب ويمضي، وكان يرى الرؤيا فتقع كفلق الصبح، فحبب إليه الخلاء، فكان يأخذ معه سويقًا وماءً وكان يتحنث الليالي ذوات عدد في غار حراء يتأمل في ملكوت الله، وكل هذا يمضي بقدر الله حتى أتم ﵊ رأس الأربعين.
فلما أتمها جاءه جبريل بالوحي من الله ليعطيه أعظم شرف على الإطلاق وهو أنه خاتم النبيين، ولم يكن ﵊ قد رأى الملك من قبل لا في صورته الحقيقية ولا في غيرها، كان رجلًا من عامة الناس.
وما بين هذه اللحظة وهذه اللحظة أصبح خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، جاءه الملك وقال: اقرأ، فقال: (ما أنا بقارئ) أي: لا أجيد القراءة.
فالملك يردد الطلب، والنبي ﷺ يردد الإجابة، ثم قال له الملك: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥] الخمس الآيات الأول من سورة العلق.
فنزل ﷺ يرجف فؤاده وتتسابق خطواته، يشكل عليه أمران، لذة المناجاة، والخوف والفزع الذي أصابه مما رآه لأول وهلة، فلما وصل إلى خديجة ﵁ وأرضاها أخبرها بما رأى فصدقته، فأصبحت خديجة أول هذه الأمة إيمانًا برسولنا ﷺ، فضمته وهو يقول: (دثروني دثروني، زملوني زملوني).
ولما أخبرها الخبر كانت تعلم أن باطنه وظاهره سواء، فقالت: والله لا يخزيك الله أبدًا، ثم هذا اليمين استدلت عليه بدلائل، قالت: إنك لتعين على نوائب الحق، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وأخذت تعدد ما تراه وما تشاهده من زوجها صلوات الله وسلامه عليه، وأنه أهل للنبوة ﵊، فلم تفاجأ أنه سينبأ لما علمت ﵂ وأرضاها وهي تعاشره وتخالطه ويأوي إليها من عظيم صفاته وجليل مناقبه التي فطره الله جل وعلا عليها قبل أن ينبأ.
والإنسان إذا خاف يحتاج إلى شيء ثقيل يمسك جوارحه حتى تقل وحشته، فكانت بديهيًا أن يقول: (زملوني زملوني دثروني دثروني) لأن الخوف بلغ به مبلغًا عظيمًا، فدثرته خديجة فأنزل الله جل وعلا عليه قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢] وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢] فأخذ ﷺ يدعو إلى ربه.
ثم انقطع الوحي فترة لحكمة إلهية، ولما انقطع الوحي لفترة ذهب الخوف وبقيت لذة المناجاة، فأصبح ﷺ في أعظم الشوق للمناجاة، فلما جاءه الوحي مرة أخرى بالقرآن كان ﷺ في أكمل حال يبلغ رسالة ربه على أكمل وجه.
ثم ذكر المصنف أنه عاش بمكة ثلاث عشرة سنة، وهذا هو الصحيح، وغيره شاذ لا يعول عليه، وفي المدينة عشر سنين بعد أن هاجر إليها صلوات الله وسلامه عليه.
[ ٤ / ٧ ]
فرض الصلوات
الصلاة أعظم فرائض الدين، وكان ﷺ يصلي قبل أن تفرض عليه الصلوات الخمس -على الأظهر- ركعتين قبل الغروب وركعتين قبل طلوع الشمس، وكان يصلي بين الركنين اليمانيين.
فالإنسان إذا وقف بين الركنين اليمانيين واستقبل القبلة يصبح بيت المقدس أمامه، فيكون ﷺ في آن واحد قد جمع بين استقبال بيت المقدس لأنه شمال مكة، وما بين استقبال الكعبة، يعني: لم يجعل الكعبة وراء ظهره، فكان يصلي على هذه الحال.
ثم فرضت عليه الصلوات الخمس في رحلة الإسراء والمعراج، ثم هاجر إلى المدينة فمكث فيها ستة عشر شهرًا، ثم أنزل الله جل وعلا عليه قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤].
فولى النبي ﷺ وجهه شطر المسجد الحرام، وعلى هذا يفهم أن ما ينقل من أن النبي ﷺ لما أراد أن يبني المسجد جاءه جبريل فمحى ما بينه وبين مكة حتى رأى الكعبة فجعل القبلة عليها هذا غير صحيح؛ لأن النبي ﷺ لما بنى المسجد كانت قبلته جهة الشمال، ولم تكن جهة مكة جهة الجنوب، وإنما بدل هذا بعد ستة عشر شهرًا، لكن إن قيل: إن هذا حصل بعد التبديل ربما يكون له وجه من النظر.
[ ٤ / ٨ ]
هجرته ﷺ
ثم هاجر ﷺ إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق ﵁ ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن الأريقط الليثي، وهو كافر ولم يعرف له إسلام، وأقام بالمدينة عشر سنين].
ذكر المصنف هنا هجرته ﷺ إلى المدينة، فالنبي ﵊ لما اشتد عليه أذى الكفار رأى رؤيا أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل، فظن أنها أرض هجر - الأحساء -، ثم استبان له ﵊ أنها المدينة، وهي ذات نخل بين حرتين، فهاجر إليها ﵊.
والهجرة قصتها معروفة، لكن الذي يعنينا في الهجرة كدرس أن يعلم أن هناك أمورًا تتعلق بكونه ﷺ يقتدى به، وأمورًا تتعلق بكونه نبيًا له مقام عظيم عند الله.
فما كان يتعلق بكونه نبيًا له مقام عند الله لا علاقة لنا به من حيث الاقتداء، وما يتعلق بكونه نبيًا يقتدى به هذا الذي لنا علاقة به.
وحتى تتضح الصورة فإن الله جلّ وعلا أسرى به في برهة من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به في نفس الليلة إلى السماوات السبع، وعاد به ليلتها، ولأنها رحلة لا يتعلق بها اقتداء جعلها الله جل وعلا رحلة خارجة عن نطاق البشر، وهي تتعلق برفيع مقامه، ولا نؤمر نحن بالعروج.
أما الهجرة فتتعلق بكونه نبيًا يقتدى به، فلما كان النظر إليه ﷺ هنا على أنه يقتدى به في هذا الأمر كانت الرحلة أمرًا بشريًا بحتًا أخذ له ﷺ الأسباب التي يأخذها البشر عادة، فتخفى ووارى وخرج إلى الجهة التي لا يعتقد أنه سيخرج إليها، وجعل عليًا مكانه على الفراش، واختفى في الغار ثلاثة أيام، وأمر من يمسح آثاره بعد صعوده إلى الجبل، ووضع له الطعام يذهب به إليه حتى لا يموت من الجوع، زاد مادي، وزاد معنوي مع الله، وجلس في الغار ثلاثة أيام، ثم مكث تقريبًا أحد عشر يومًا في الطريق معه دليل كافر يدله على الطريق، ومعه مولى لـ أبي بكر يعينه في الطعام والشراب، ومعه صاحبه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فهذه كلها أسباب مادية، ولو استغنى عن الأسباب أحد لاستغنى عنها رسولنا ﷺ.
والناس في هذا الباب على ثلاث فرق: فرقة تترك الأخذ بالأسباب كلية وتقول: جنون منك أن تسعى لرزق ويرزق في غياهبه الجنين وهذا باطل لا تدل السنة عليه.
وفرقة لا تعرف الله أبدًا، وإنما تنظر إلى الماديات، وهو ما تمليه العلمانية المعاصرة.
وفرقة هداها الله للإيمان وإلى سنة نبيه ﷺ فتأخذ بالأسباب وتعتمد على الملك الغلاب جل شأنه، وهذا هو هديه صلوات الله وسلامه عليه حتى يقتدي الناس به ﵊.
هذه هي القضية الأولى.
القضية الثانية بالهجرة: أن الولاة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كانوا يكتبون لـ عمر فيرد عليهم حصل هذا في شعبان، حصل هذا في رمضان، حصل هذا في شوال، فكتبوا إليه إننا لا نفهم منك أي شوال تقصد، وأي شعبان تقصد، فلو جعلت شيئًا نؤرخ به.
فاجتمع ﵁ مع الصحابة وتشاوروا في أن يختاروا حدثًا يؤرخون به، فنظروا إلى ثلاثة أمور، مولد النبي ﵊ وهجرته ووفاته، فأعرضوا عن المولد وأعرضوا عن الوفاة، واختاروا الهجرة، ورأوها أنها يوم فرق الله به بين الحق والباطل، وقامت بعدها دولة الإسلام، وكان هذا مشورة من علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه وأقره عمر، ثم أجمع المسلمون عليه.
وهذا من أعظم الدلائل على عظيم حدث الهجرة في التاريخ الإسلامي.
واستعانة النبي ﷺ بـ عبد الله بن أريقط - بالطاء على رواية وعبد الله بن أريقد بالدال على رواية - فيه دلالة على أن المؤمن يستعين بما يمكن الاستعانة به إذا احتاج إليه إذا كان المقصود نصرة دين الرب ﵎].
[ ٤ / ٩ ]
وفاته ﷺ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتوفي وهو ابن ثلاث وستين.
وقيل: خمس وستين.
وقيل: ستين، والأول أصح.
وتوفي ﷺ يوم الاثنين حين اشتد الضحى لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وقيل: لليلتين خلتا منه، وقيل: لاستهلال شهر ربيع الأول.
ودفن ليلة الأربعاء، وقيل: ليلة الثلاثاء].
السن التي مات فيها ﷺ كانت ثلاثًا وستين، هذه هي الرواية الصحيحة، وتوجد روايات في الصحيح أنه كان ابن خمس وستين، لكن الصواب أن هذه رواية شاذة في متنها وإن كانت في أحد الصحيحين، قال هذا بعض العلماء.
وقال بعضهم: إنه يمكن الجمع بأن العرب تتجاوز عن الكسر، لكن هذا القول يمكن قوله في رواية أنه مات ابن ستين سنة، يمكن أن نقول: من قال: إنه مات وهو ابن ستين لم يعد الكسر، أما على القول بأنه مات صلوات الله وسلامه عليه وهو ابن خمس وستين صلوات الله وسلامه عليه فلا يمكن تخريجها إلا أن ترد الرواية، لأنه لا يمكن الجمع بين القول بأنه مات وهو ابن ثلاث وستين وبأنه مات وهو ابن خمس وستين.
وأكثر الروايات الصحيحة والتي دلت عليها الروايات المتعددة وقرائن كثر على أنه مات ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكانت مدة علته اثني عشر يومًا، وقيل: أربعة عشر يومًا.
وغسله علي بن أبي طالب وعمه العباس والفضل بن العباس وقثم بن العباس وأسامة بن زيد وشقران مولياه، وحضرهم أوس بن خولي الأنصاري].
هذا ما يتعلق بوفاته ﷺ، واعلم أن الأمة لم تصب بشيء أعظم من وفاته ﵊، ولذلك قال: (تعزوا عن مصائبكم بمصيبتي).
والحديث عن وفاته ﷺ يحرك القلوب ويثير الشجون، ولكنني ملزم بالحديث عنه وفق المتن، ثم أتكلم عن الحديث عنه إجمالًا ذكر المصنف رحمه الله تعالى الاختلاف في مدة مرضه ﵊، وذكر منها ثلاثة عشر يومًا أو أربعة عشر يومًا أو اثني عشر يومًا.
والحق أن مدة مرض الوفاة عشرة أيام، وإن كان الأمر في هذا واسع بغير التحديد في بداية المرض، والمحفوظ أنه ﷺ كان أول ما اشتكى وهو راجع من جنازة من البقيع، شعر بصداع في الرأس وحمى أصابته معها، (ثم لما دخل بيته وجد عائشة قد عصبت رأسها تقول: وارأساه، قال: بل أنا وارأساه) هذا أول ما اشتكى المرض صلوات الله وسلامه عليه، وهذا في آخر صفر وأول ربيع الأول.
[ ٤ / ١٠ ]
تغسيله ﵊ بعد موته
ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى أن الذين تولوا غسله ﵊ علي والعباس وقثم والفضل وشقران وأسامة بن زيد وحضره أوس بن خولي، هذا فيه تفصيل: الميت أولى الناس به أهل بيته، والنبي ﷺ تولى أهل بيته وعصبته من بني هاشم أمر غسله، والذي باشر الغسل مباشرة علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أسند النبي ﷺ وهو ميت إلى صدره.
والذي كان يقلب النبي ﵊ لـ علي ثلاثة: عمه العباس وابنا العباس قثم والفضل.
والذي كان يصب الماء أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه وشقران - واسمه صالح -، وسيتكرر شقران هذا مرة باسمه ومرة بلقبه، اسمه صالح ولقبه شقران مولى النبي ﷺ.
وقبل أن يشرع علي ﵁ في غسل نبينا ﷺ ناداه أوس بن خولي من بني عمرو بن عوف من الخزرج من خلف الدار: يا علي أنشدك الله وحظنا من رسول الله ﷺ إلا أدخلتني أشهد غسله، فوافق علي ﵁ لأن زمام الأمر بيده وبيد بني هاشم؛ لأن القضية الآن قضية عصبة وليست قضية صحبة، ولذلك لم يتول غسله أبو بكر ولا عمر.
فأذن علي لـ أوس أن يدخل ويجلس دون أن يباشر غسل النبي ﵊، فـ أوس شهد الغسل لكنه لم يشارك فيه، شهده رغبة منه ﵁ وأرضاه أن يحظى بأن يكون ممن يشهد غسل نبي الأمة ﷺ.
وإن الذي باشر الغسل علي فقط، وقثم والفضل وأبوهم العباس يقلبون النبي ﵊، وشقران وأسامة يصبان الماء، وعلي مسند رسول الله إلى صدره من غير تجريد من ثيابه، وبيده خرقة يغسل بها النبي ﵊ وهو يقول: ما أطيبك يا رسول الله حيًّا وميتًا.
هذا ما ذكره المصنف في غسل نبينا ﷺ.
[ ٤ / ١١ ]
تكفينه والصلاة عليه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية من ثياب سحول -بلدة باليمن- ليس فيها قميص ولا عمامة، وصلى عليه المسلمون أفذاذًا، لم يؤمهم عليه أحد].
ذكر المصنف أنه لما فرغوا من غسله كفنوه، وكفن ﵊ في ثلاثة أثواب سحولية -وهي بلدةٌ في اليمن-، والثياب كانت من قطن، ولذلك جاءت في بعض الروايات أنها من كرسف، والكرسف هو القطن.
فكفن ﵊ في ثلاثة أثواب، أدرج فيها إدراجًا دون أن يخلعوا ما كان عليه من ثياب، ثم شرع المسلمون يصلون عليه، والناس الآن يصلون على الميت جماعة خلف إمام كما صلى النبي ﵊ على أموات المسلمين في حياته، صفهم لما صلى على النجاشي، وصفهم لما صلى على غيره، لكن الصحابة ﵃ لم يصلوا على النبي ﵊ خلف إمام، وإنما صلوا عليه أفذاذًا بمعنى أفرادًا، كل شخص يصلي عليه لوحده من غير إمام.
والروايات جملة تدل على أن أول من صلى عليه عمه العباس لكونه كبير بين هاشم وعم النبي ﷺ، ثم أخذوا يصلون عليه عشرة عشرة، فصلى عليه أول الأمر بنو هاشم آله ﵊، ثم صلى عليه المهاجرون، ثم صلى عليه الأنصار، ثم صلى عليه باقي الناس، ثم صلى عليه النساء ثم الصبيان، وقيل: الصبيان ثم النساء.
والمقصود أنهم لم يصلوا عليه خلف إمام، وإنما صلوا عليه أفذاذًا أفرادًا، وهذا أمر متفق عليه.
واختلف العلماء في العلة التي من أجلها صلى الصحابة على نبيهم ﷺ بهذه الطريقة، وقد قيل: إن هذا من باب التعبد الذي لا يعقل معناه، وأجمل الأجوبة التي قيلت ما قاله الإمام أبو عبد الله الشافعي ﵀: إن الصحابة صلوا على النبي ﷺ أفذاذًا لعظيم قدره؛ ولأنه لا يمكن أن يأمهم عليه أحد لتنافسهم على ذلك.
يعني: استعظموا أن يأمهم أحد على صلاتهم على نبيهم ﷺ لعظيم قدره.
هذا تعليل الشافعي ﵀، وقال غيره - ولا تعارض بين تعليل الشافعي وتعليل غيره -: حتى تكثر الصلاة عليه لكثرة من يصلي عليه أفرادًا، فتكثر الصلاة عليه جماعة بعد جماعة، عشرةً بعد عشرةً، كلهم يصلي عليه فردًا فردًا.
هذا من إكثار الصلاة عليه ﵊.
وقيل: حتى تكون الصلاة فردية من المصلي عليه صلوات الله وسلامه عليه.
[ ٤ / ١٢ ]