الحديث عن موت النبي ﵊ ذو شجون، فهو أعظم وأفضل خلق الله أجمعين، وبه أخرج الله الناس من الظلمات إلى النور، وهو الرحمة المهداة والنعمة المسداة.
وقد رزقه الله بأربع من البنات وثلاثة من البنين، وقد ذكر العلماء أخبار أولاده، كما ذكروا حجه وعمراته.
[ ٦ / ١ ]
فوائد من السيرة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاءً أحوى.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: بالأمس قد ذكرنا شيئًا من نسبه ﵊ ومولده وهجرته، ثم انتهينا إلى وفاته صلوات الله وسلامه عليه، وذكرنا جملة من الفوائد لعله قد يكون من المناسب استحضار بعضها.
فإننا ذكرنا زواجه ﵊ من خديجة بنت خويلد، وقلنا: إن هذه الصحابية الجليلة أم المؤمنين خصها الله جل وعلا ببعض من الخصائص، منها: ما انفردت به عن أمهات المؤمنين ومنها ما انفردت به عن نساء العالمين أجمعين، فالذي انفردت به عن أمهات المؤمنين أن النبي ﷺ لم يتزوج عليها أحدًا في حياتها، وأن الله جل وعلا رزقه منها الولد، هذا ما انفردت به عن أمهات المؤمنين.
وذكرنا أن لها خصيصة ليست لأحد من نساء العالمين، وهي أن الله أمر جبريل أن يبلغها السلام، وهذه الخصيصة لأحد من نساء العالمين فيما نعلم.
ثم ذكرنا أن الهجرة حدث يتعلق بشخصيته ﷺ كقدوة، وذكرنا أن ما لا يتعلق به كقدوة فهذا يعلم، لمعرفة شرفه وفضله ﵊ لكن الأمة غير ملزمة بالاقتداء به فيه، وذلك مثل حادثة الإسراء والمعراج.
وتكلمنا عن أبي طالب، وقلنا: إنه ناصر النبي ﵊ وعضده وكان معه في شعب بني هاشم عندما حاصرت قريش النبي ﷺ.
وذكرنا أنه يتعلق بنصرة أبي طالب للنبي ﵊ فوائد، ذكرنا منها فائدتين: الأولى: أن الإنسان يستخدم الوسائل التاريخية المتاحة إذا كان في ذلك نصرة للإسلام.
الثانية: الهداية، وقلنا: إن كون أبي طالب رغم نصرته للنبي ﵊ لم يرزق الهداية يدل على أن الهداية بيد الرب ﵎، ونسأل الله جل وعلا أن يثبتنا وإياكم على هدايته.
[ ٦ / ٢ ]
دفنه ﵊
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفرش تحته قطيفة حمراء كان يتغطى بها].
الأصل أن الميت لا يطرح له شيء في قبره، فقد دفن النبي ﷺ كثيرًا من أصحابه ماتوا في حياته ولم ينقل أنه أدخل معهم في قبورهم أي شيء، ولكن هذه القطيفة كان ﵊ يفرشها ويجلس عليها ويلبسها أحيانًا، فأنزلها مولاه شقران الذي هو صالح في القبر، ثم فرشها وجعل النبي ﵊ عليها، وهذا في صحيح مسلم من حديث ابن عباس.
مسألة: هل يجوز أن يفرش تحت الميت قطيفة أو لا؟ حكى النووي عن الجمهور أنه يكره فعله، وأن شقران فعلها دون علم الصحابة؛ لأنه كره أن يلبس القطيفة أحد بعد نبينا ﷺ.
وهذا التعليل الذي ذكره النووي ﵀ ضعيف؛ لأننا نقول: إن الله جل وعلا لا يختار لنبيه إلا الأفضل، فما كان الله ليسمح قدرًا لـ شقران أن يضع هذه القطيفة تحت النبي ﷺ والله يكره ذلك؛ لأن النبي ﵊ يكفله ربه ويرعاه ويحفظه ويحيطه بعنايته حيًا وميتًا، فينجم عن هذا تخريج المسألة فنقول: إنه يكره أن يوضع تحت أي ميت قطيفة من أي نوع، وما فعله شقران خاص بالنبي ﷺ.
فإن قال قائل: ما وجه الخصوصية هنا؟ قلنا: إن النبي ﷺ أخبر أن الأرض حرم الله عليها أن تأكل أجساد الأنبياء، فلأن الأرض لا تأكل جسده أذن الله قدرًا لـ شقران أن يضع هذه القطيفة تحت نبينا ﷺ، وبهذا يمكن تخريج المسألة بأن الله لا يختار لنبيه إلا الأفضل، وأن هذا من خصائصه.
وممن نص من العلماء على أن هذه خصيصة للنبي ﷺ وكيع بن الجراح ﵀ المحدث المشهور شيخ كثير من السلف وشيخ الإمام أحمد وغيره، فقد نص وكيع على أنها خصيصة للنبي ﷺ، وبهذا ينجلي الإشكال في المسألة، والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ودخل قبره العباس وعلي والفضل وقثم وشقران، وأطبق عليه تسع لبنات، ودفن في الموضع الذي توفاه الله فيه حول فراشه، وحفر له وألحد في بيته الذي كان بيت عائشة، ثم دفن معه أبو بكر وعمر ﵄].
ذكر المصنف ﵀ أنه نزل القبر خمسة: العباس وقثم والفضل وعلي وصالح مولاه الذي هو شقران.
وهذه رواية ضعيفة، والصحيح أن الذين نزلوا القبر أربعة فقط ليس منهم العباس، وقد ذكر المقدسي ﵀ العباس كما ذكره النووي، لكن الصحيح أن الذي نزل القبر أربعة هم: قثم والفضل بن العباس بن عبد المطلب وعلي ومولاه شقران، هؤلاء الأربعة هم الذين أنزلوه ﷺ إلى قبره.
ثم وضعت عليه تسع لبنات، وكانوا قد اختلفوا هل يلحدون له لحدًا كما هو صنيع أهل المدينة أو يجعلون القبر شقًا كما هو صنيع أهل مكة، فبعثوا إلى اثنين ممن يحضرون القبور وقالوا: اللهم خر لنبيك، أي: اختر لنبيك.
فالذي كان يشق لم يأت، والآخر جاء وهو أبو طلحة، وكان يلحد لأهل المدينة، فحفر القبر للنبي ﵊.
وقبل أن يحفروا القبر اختلفوا أين يدفن؟ وهذا أحد أسباب تأخير دفن النبي ﷺ، وعندما أقول: أحد الأسباب يدل على أن هناك أسبابًا أخر، هذا أحد الأسباب التي دعت الصحابة إلى أن يتأخروا في دفن النبي ﷺ حتى قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: سمعت النبي ﷺ يقول: (ما مات نبي إلا دفن حيث يقبض).
[ ٦ / ٣ ]
خصائص الأنبياء
الله جل وعلا جعل للأنبياء خصائص أذكر منها إجمالًا: الأول: الوحي، وهو أعظم خصائص الأنبياء.
الثاني: أنهم يخيرون عند الموت.
الثالث: أنهم يدفنون حيث يموتون.
الرابع: أن الأرض لا تأكل أجسادهم.
الخامس: أنهم جميعًا رعوا الغنم.
السادس: أنه تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم.
هذه ستة من خصائص أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، ومنها أنهم جميعًا رعوا الغنم، قال ﵊ كما في حديث جابر: عندما جنى النبي ﵊ معهم ثمر الأراك فقال: (عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه، قالوا: يا رسول الله، كأنك كنت ترعى الغنم؟ قال: وما من نبي إلا رعاها، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة).
فهذه بعض خصائص الأنبياء ذكرناها استطرادًا، وذكرنا: أن النبي ﷺ دفن في الموقع الذي مات فيه، أي: في حجرة عائشة، وهذا مما تواتر بين المسلمين وتقرر لديهم أنه في المكان المقبور فيه.
[ ٦ / ٤ ]
دفن أبي بكر وعمر بجوار النبي ﵊
ذكر المصنف أنه دفن معه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، فـ أبو بكر وعمر دفنا في نفس حجرة عائشة، وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها رأت قبل أن يموت النبي ﷺ في منامها أن ثلاثة أقمار سقطت في حجرها، فذهبت إلى أبيها أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه وقصت عليه الرؤيا، وكان أبو بكر ممن يعبرون، فسكت عنها ولم يجبها أدبًا مع رسول الله ﷺ.
فلما مات ﵊ ودفن في حجرة عائشة جاء أبو بكر إلى عائشة وقال لها: هذا أول أقماركِ يا عائشة.
ثم دفن أبو بكر رضي الله تعالى عنه بجوار النبي ﷺ.
وكانت عائشة تريد أن تدخر ما بقي من الحجرة لها، فلما طعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أرسل ابنه عبد الله يستأذن عائشة في أن يدفن مع صاحبيه، وقال: قل لها: عمر بن الخطاب ولا تقل: أمير المؤمنين يستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فدخل عليها عبد الله وقال لها: عمر بن الخطاب يستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: لأوثرنه اليوم على نفسي، ولقد كنت أدخره - أي الموضع - لنفسي، فوافقت، فلما رجع عبد الله إلى أبيه كان عمر ما زال حيًا طريح الفراش من طعنة أبي لؤلؤة المجوسي، فلما دخل قال: ما وراءك؟ فقال ابنه عبد الله: أبشر بالذي يسرك يا أمير المؤمنين، فإنها قد وافقت، فقال عمر ﵁: والله ما من شيء كان أهم علي من هذا الأمر أن أدفن مع صاحباي.
ثم ظهرت عدالة عمر فقال: إذا أنا مت فغسلوني وكفنوني ثم استأذنوا لي من عائشة مرة أخرى، فإنني أخاف أنها وافقت استحياءً مني وأنا حي! فلما مات عمر وغسل وكفن وصلي عليه، حمل وقيل لها وهو محمول على أعناق الرجال: عمر بن الخطاب يستأذن أن يدفن مع صاحبيه مرة أخرى، فوافقت ﵂ فدفن عمر مع النبي ﵊ وصاحبه.
وقال بعض المؤرخين: بقي موضع للدفن، فقد جاءت جملة من الروايات تدل على أنه سيدفن معهم عيسى بن مريم، والله تعالى أعز وأعلى وأعلم.
[ ٦ / ٥ ]
ذكر خبر وفاة النبي ﵊
لن يفقد الناس أحدًا أعظم من رسولهم ﷺ، وقد شعر ﷺ بدنو الأجل في حجة الوداع، لما أنزل الله جل وعلا عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] عرف ﷺ أن الأمر الذي بعث من أجله قد تم فأخذ يودع الناس ويقول: (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا) كان يخطب ثم يقطع ويقول: (أيها الناس! لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، وإنكم ستسألون عني فما أنتم قائلون؟ فيجيبون: نشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، فيرفع يده إصبعه إلى السماء ثم ينكتها إلى الأرض ويقول: اللهم فاشهد، اللهم فاشهد).
ثم رجع إلى المدينة، ثم في آخر شهر صفر أو أول ربيع حضر جنازة، فلما رجع شعر بصداع في رأسه وحمى تصيبه فدخل على عائشة فقالت له: وارأساه فقال: (بل أنا وارأساه).
فلما شعر بدنو الأجل خرج إلى شهداء أحد فاستغفر لهم ودعا لهم كالمودع، ثم خرج في ليلة مع غلام له يقال له: أبو مويهبة فأتى أهل البقيع فدعا لهم واستغفر لهم وقال: (ليهنئكم ما أنتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى)، ثم قال: (يا أبا مويهبة! إن الله خيرني ما بين خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة وما بين لقاء ربي ثم الجنة فاخترت لقاء الله ثم الجنة، فقال له: أبو مويهبة: يا نبي الله! بأبي أنت وأمي اختر الخلد في الدنيا ثم الجنة، قال: يا أبا مويهبة! إنني اخترت لقاء الله ثم الجنة).
ثم خرج يومًا عاصبًا رأسه فخطب على المنبر وقال: (إن رجلًا خيره الله بين الدنيا ثم الجنة وبين لقاء الله ثم الجنة، فقال أبو بكر: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله! وجعل يبكي فتعجب الناس من بكاء أبي بكر، ثم قال ﵊: على رسلك يا أبا بكر)، ومدحه وأثنى عليه رضي الله تعالى عنه كأنه يشير إليه في الخلافة من بعده.
ثم قبل وفاته بيوم تصدق بدنانير تسعة أو سبعة كانت عنده، ثم أعتق غلمانه وتحرر من قيود الدنيا، ولم يبق من ماله إلا بغلته وسيفه وشيئًا يتجمل به الأئمة والملوك بعده.
ثم إنه ﵊ في يوم الإثنين الذي مات فيه كشف ستار حجرة عائشة وأبو بكر ﵁ يصلي بالناس فأطل ﵊ عليهم وهو - كما يقول أنس - يتهلل وجهه كأنه ورقة مصحف، وقرت عينه أن الأمة اجتمعت بعده على إمام واحد في صلاتهم، فاضطرب الناس وكادوا أن يفتنوا، ثم أعيد الستار كما كان ورجع ﷺ إلى حجرته، وخرج أبو بكر فرحًا إلى بيت له بالسنح بعوالي المدينة وتفرق الناس على الخير.
(ثم دخل عليه ﷺ في ذلك اليوم ابنته فاطمة فأسرها أنه سيموت في مرضه هذا فبكت، ثم قالت: واكرب أبتاه، قال: ليس على أبيكِ كرب بعد اليوم).
ثم إنه ﵊ دخل عليه أسامة وجعل يسأله الدعاء، فدعا له دون أن يرفع صوته وهو نبي الأمة ورأس الملة وسيد الفصحاء وإمام البلغاء.
ثم دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر وفي يد عبد الرحمن سواك، فجعل يحرك النظر فيه دون أن يستطيع أن يطلبه من عبد الرحمن ففهمت عائشة مراده، فأخذته من أخيها وقضمته وطيبته وأعطته نبينا ﵊ فاستاك.
وكان يضع يده في ركوة فيها ماء ويمسح بها وجهه الطاهر الشريف ويقول: (لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات فأعني على سكرات الموت).
ثم جاءه الملك يخيره الملك وهو يقول: (مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا)، والملك يخيره وهو يقول: (بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى) قالها ثلاثًا ثم مالت يده وفاضت روحه إلى أعلى عليين في الملكوت الأعلى والمحل الأسنى صلوات الله وسلامه عليه.
قال حسان: بطيبة رسم للرسول ومعهد منير وقد تعفو الرسوم وتهمد بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد معارف لم تطمس على العهد آيها أتاها البلى فالآي منها تجدد عرفت بها رسم الرسول وصحبه وقبرًا بها واراه في الترب ملحد وهل عدلت يومًا رزية هالك رزية يوم مات فيه محمد وما فقد الماضون مثل محمد ولا مثله حتى القيامة يفقد صلى الإله ومن يحف بعرشه والطيبون على المبارك أحمد
[ ٦ / ٦ ]
أبناؤه ﷺ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل في أولاده.
وله ﷺ من البنين ثلاثة: القاسم: وبه كان يكنى، ولد بمكة قبل النبوة، ومات بها وهو ابن سنتين، وقال قتادة: عاش حتى مشى.
وعبد الله: ويسمى الطيب والطاهر، لأنه ولد في الإسلام.
وقيل: إن الطاهر والطيب غيره، والصحيح الأول.
وإبراهيم: ولد بالمدينة، ومات بها سنة عشر، وهو ابن سبعة عشر شهرًا أو ثمانية عشر.
وقيل: كان له ابن يقال له: عبد العزى، وقد طهره الله ﷿ من ذلك وأعاذه منه].
بعد أن ذكر المصنف ﵀ مولد النبي ﷺ وحياته ووفاته ذكر جملة مما يتعلق بأولاده ﵊.
والولد في اللغة إذا أطلق يراد به الذكر والأنثى سويًا، قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، فتعبير العامة أن فلانًا رزق ولد على أنه ابن غير صحيح من حيث اللغة، وعلى العموم فإنه ﵊ رزق من الأولاد ذكورًا وإناثًا.
بدأ المصنف ﵀ بذكر الذكور الذين رزقهم ﵊ وهم: القاسم، وهذا أكبر أبنائه، وأول من رزق على الأظهر، لكنه رزقه قبل أن يبعث، ومات وهو صغير، قيل: كان ابن سنتين.
وقيل غير ذلك.
وأيًا كان؛ فإنه لم يدرك النبي ﵊ وقد نبئ، وكان يكنى ﵊ - كما مر معنا - بأبي القاسم.
ورزق عبد الله بعد النبوة، ولذلك لقب عبد الله بالطيب والطاهر، لكن عبد الله هذا مات كذلك وهو صغير.
ثم رزق إبراهيم من سريته مارية القبطية التي أهداها إليه المقوقس حاكم مصر، فتسراها ﵊ فأنجب منها إبراهيم، وإبراهيم هذا عاش ثمانية عشر شهرًا، ومات في شوال في السنة العاشرة قبل حجة الوداع، وهو الذي قال عنه النبي ﵊ فيه: (وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون).
وكانت له مرضعة اسمها فاطمة ترضعه في عوال المدينة، قال أنس رضي الله تعالى عنه: ما رأيت أحدًا أرحم بالعيال من رسولنا ﷺ.
وكان ﵊ يأتي إلى عوال المدينة فيحمل ابنه إبراهيم ويشمه ويضمه ويقبله، ثم فجع ﵊ بوفاة ابنه إبراهيم فحزن قلبه ودمعت عيناه وقال: (إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون).
وهذا من الدلائل على أن الإنسان مهما عظم شرفه وعظم قدره فإنه عرضة للبلاء، والصالحون أعظم عرضة، ونبينا ﵊ إمام الصالحين وإمام الخلق أجمعين، فلم يكتب له أن يعيش له ولد كبير يعضده، وهذا من حكمة الله ﵎.
وإبراهيم ﵇ مات وعمره ثمانية عشر شهرًا، والله يقول في كتابه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] وكذلك الناس يعطون ويمنعون ويحرمون ويأخذون، والداعية وطالب العلم والموفق المسدد لسبيل الله يعلم أن الدنيا أخذ وعطاء، وصبر وابتلاء، وقد جعل الله جل وعلا الدنيا سجنًا للمؤمن وجنة للكافر.
والمؤمن يأخذ من هذه العبر في وفاته ﵊ ووفاة ابنه، وأنه لا راحة للمؤمن دون لقاء الله، ولو لم يظفر طالب العلم بكلمة أعظم من هذه لكفى، لا راحة للمؤمن دون لقاء الله، فأي عناء وأي مشقة تعتريك في طريقك إلى الله فتذكر جيدًا أنه لا راحة للمؤمن دون لقاء الله، لن ترتاح حتى تلقى الله ﵎ على الإيمان، أما دون ذلك فلا يمكن أن يصفو لك أمر لا القبر ولا القيام بين يدي رب العالمين، النبي ﵊ دفن سعد بن معاذ، وذكر أنه شيعه سبعون ألف ملك من السماء ثم قال: (لقد ضم عليه القبر ضمة لو نجا منها أحد لنجا منها هذا العبد الصالح)، فالمؤمن لا راحة له حتى يلقى الرب ﵎، نسأل الله أن يجعل خير أيامنا يوم نلقاه.
[ ٦ / ٧ ]
بناته ﷺ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [البنات: زينب: تزوجها أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، وهو ابن خالتها، وأمه هالة بنت خويلد، ولدت له عليًا مات صغيرًا، وأمامة التي حملها النبي ﷺ في الصلاة، وبلغت حتى تزوجها علي بعد موت فاطمة.
وفاطمة بنت رسول الله ﷺ تزوجها علي بن أبي طالب، فولدت له الحسن والحسين، ومحسنًا - مات صغيرًا - وأم كلثوم تزوجها عمر بن الخطاب، وزينب تزوجها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب].
بناته ﵊ أربع: رقية وأم كلثوم وزينب وفاطمة.
ذكر المصنف أولهن زينب والأظهر أنها الكبرى، وهذه زينب ﵂ وأرضاها تزوجها أبو العاص بن الربيع وكان مشركًا في أول الأمر ثم أسلم، وهي التي أهدتها أمها خديجة بنت خويلد قلادة يوم أن دخلت على زوجها، ثم لما كانت معركة بدر كان زوجها ضمن الأسرى الذين أسرهم المسلمون، فلما شرع الفداء ليفدوا سراهم أخرجت زينب بنت رسول الله هذه القلادة التي أعطتها إياها أمها خديجة لتفدي بها زوجها الكافر العاص بن الربيع.
فلما رأى النبي ﷺ القلادة التي أهدتها زوجته خديجة أم زينب لـ زينب يوم زواجها دمعت عيناه صلوات الله وسلامه عليه وتحرك قلبه؛ لأنه تذكر أيام خديجة، والإنسان جبلة إذا رأى شيئًا يذكره بشيء قديم يحزن إذا كان أمرًا محزنًا ويفرح إذا كان أمرًا مفرحًا.
فقلت له إن الأسى يبعث الأسى فهذا كله قبر مالك وزينب ولدت من العاص أمامة، وهي التي كان يحملها النبي ﷺ.
أما رقية فقد تزوجها عثمان ﵁ وأرضاه.
وأما فاطمة رضي الله تعالى عنها فقد تزوجها علي بن أبي طالب ﵁، وهي أصغر بناته على قول، وقول آخر أن أصغرهن أم كلثوم.
وذكر المصنف ﵀ أنها ولدت لـ علي الحسن والحسين ومحسن.
ولما ولدت فاطمة ابنها الأول دخل النبي ﵊ على علي وفاطمة، وقال: (أين ابني؟ ما سميتموه؟ قالوا: سميناه حربًا، قال: بل هو حسن).
فلما حملت بـ الحسين وولدت قال: (أين ابني؟ ما سميتموه؟ قالوا: سميناه حربًا، قال: بل هو الحسين).
فلما ولدت الثالث قال: (ما سميتموه؟ قالوا: حربًا) وكأن اسم حرب كان علي وفاطمة يحبان أن يسميا به ولدًا لهما.
(قالوا: سميناه حربًا، قال: لا، بل هو م حسن، ثم قال: سميتهم بولد نبي الله هارون: بشار وبشير ومبشر).
هذا م حسن مات وهو صغير، وبقي الحسن والحسين ريحانتا رسول الله ﷺ من الدنيا.
ثم قال المصنف: وأم كلثوم تزوجها عمر بن الخطاب، وليست هذه أم كلثوم بنت النبي ﷺ، هذه أم كلثوم بنت علي أخت الحسن وأخت الحسين، وهي بنت علي بن أبي طالب من فاطمة، ولدت في السنة السادسة من الهجرة، أي: أنه مات النبي ﷺ وعمرها أربع سنوات، وتزوجها عمر ﵁ وأصدقها أربعين ألفًا، وكان يريد أن يحظى بقرابة من آل بيت رسول الله ﷺ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ورقية بنت رسول الله ﷺ تزوجها عثمان بن عفان فماتت عنده، ثم تزوج أم كلثوم فماتت عنده، وولدت رقية ابنًا فسماه عبد الله، وبه كان يكنى.
فالبنات أربع بلا خلاف، والصحيح من البنين أنهم ثلاثة، وأول من ولد له القاسم، ثم زينب، ثم رقية، ثم فاطمة، ثم أم كلثوم، ثم في الإسلام عبد الله، ثم إبراهيم بالمدينة.
وأولاده كلهم من خديجة إلا إبراهيم؛ فإنه من مارية القبطية، وكلهم ماتوا قبله إلا فاطمة فإنها عاشت بعده ستة أشهر].
ذكر المصنف ما تبقى من البنات وهن رقية وأم كلثوم، تزوج رقية عثمان، فماتت عنده، أي: تحته.
ماتت في أيام غزوة بدر؛ ولذلك لم يشهد عثمان ﵁ غزوة بدر لأنه يمرض زوجته رقية، فلما عاد النبي ﷺ وجدها قد ماتت، ثم زوجه النبي ﵊ أختها أم كلثوم، ثم ماتت عنده في حياة النبي ﷺ، ولذلك لقب عثمان بذي النورين؛ لأنه تزوج ابنتي رسول الله ﷺ.
وقد قال المؤرخين: إنه لا يوجد أحد من أهل الأرض جمع الله له ابنتي نبي تحت سقف واحد إلا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
ثم ذكر فاطمة ﵂ وهي أحب بنات النبي ﷺ إليه، والإمام الذهبي لما ترجم لها في الأعلام قال: هي البضعة النبوية والجهة المصطفوية.
وكانت أشبه الناس مشية برسول الله ﷺ، وكان ﵊ يحبها ويجلها ويعظمها، وإذا دخلت قام لها ويقبلها ويضمها ويقول: (فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها ويضيرني ما أضرها) أو كلمة نحوها.
وأنجب منها علي الحسن والحسين، ولذلك كان ﵊ يحب الحسن والحسين حبًا جمًا، وكان يضعهما على كتفيه ويقبل هذا مرة وهذا مرة ويقول: (اللهم إني أحبهما فأحبهما).
وقال: (هما ريحانتاي من الدنيا).
وقطع خطبته وهو على المنبر لما دخلا المسجد ورآهما يمشيان فيعثران، فقطع الخطبة ونزل وحملها ووضعهما بين يديه، ثم جلس إلى الناس وقال: (صدق الله ورسوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥]، لقد نظرت إلى ابني هذين يمشيان فيعثران فلم أصبر حتى نزلت وحملتهما).
ومن الناس خطأ أو جهلًا يتباعد عن أن يسمي أولاده بـ الحسن والحسين، ويقول: إن هذا تقرب من الشيعة، والحق لا يترك إذا تلبس به أهل الباطل، فتسمية الحسن والحسين تسمية نبوية لا يمكن أن تترك لأن أحدًا مبغوضًا فعلها.
وكذلك ترك الناس التسمية بأسماء بعض آل البيت كقاسم والعباس وفضل، قلما يوجد هذا بين الناس رغم أنها أسماء لآل بيت نبينا ﷺ، والله يقول: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣].
وقد حث النبي ﵊ على حب آل بيته وعلى نصرتهم وعلى موالاتهم في أحاديث، منها أنه قال: (تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي فإنهما لم يختلفا حتى يردا علي الحوض).
لكن حب آل البيت يكون مميزًا بالضوابط الشرعية، ويكون المؤمن فيهم لا مجاف ولا مغال كما هو ديدن المسلم في سائر أمره، والله أعلم.
[ ٦ / ٨ ]
حجه وعمَره ﷺ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل في حجه وعمره.
روى همام بن يحيى عن قتادة قال: قلت لـ أنس: كم حج النبي ﷺ من حجة؟ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع عمر: عمرة النبي ﷺ حين صده المشركون عن البيت، والعمرة الثانية حيث صالحوه من العام المقبل، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنيمة حنين في ذي القعدة، وعمرته مع حجته.
صحيح متفق عليه.
هذا بعد قدومه المدينة، وأما ما حج بمكة واعتمر فلم يحفظ، والذي حج حجة الوداع ودع الناس فيها، وقال: (عسى ألا تروني بعد عامي هذا)].
بعد أن ذكر المصنف أولاده ﵊ ذكر حجه وعمرته.
ذكر الحج والعمرة لأنها لا تفعل -عادة- بكثرة، ولأنه ﵊ كان يصوم ويصلي بين الناس بشكل يرونه يوميًا، ثم بين ماذا كان من حجه وعمرته ﵊ كما سمعتم.
والنبي ﵊ اعتمر أربع عمر، العمرة التي كانت في عام الحديبية سنة ست، أحرم من ذي الحليفة من المدينة، وانطلق إلى مكة، فلما وصل إلى الحديبية بركت الناقة، فقال الصحابة: خلأت القصواء! فقال: (والله ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، والذي نفسي بيده! لا يسألونني اليوم خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها).
فبين ﵊ عظمة حرمة البيت، وكانت إشارة من الله أنه لم يدخل البيت، وقول الصحابة: خلأت القصواء بمعنى: بركت من غير علة ظاهرة.
وقال ﵊: (حبسها حابس الفيل) أي: أن بيت الله عظيم.
فطلبت منه قريش ألا يدخل مكة في صلح الحديبية المشهور، فقبل ﵊ ورضي، وهذا يجب أن يفقهه كل من يدعو إلى الله، فلا ينتصر لنفسه، فليس شيئًا تلذذت به لا بد أن تمضيه، بل انظر أين مصلحة الإسلام، فهذا نبي الأمة ورأس الملة يحرم من ذي الحليفة ويقطع كل هذه المسافات حتى يصل إلى مكة، ثم يقبل أن يحل إحرامه ويرجع كما جاء من غير أن يدخل مكة؛ لأنه رأى أن الصلح فيه مصلحة للإسلام والمسلمين، وكأن صلح الحديبية فتحًا عظيمًا، فقد دخل كثير من الناس في دين الله أفواجًا، فأنزل الله عليه وهو راجع إلى المدينة: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١].
ولما أمر الصحابة أن يحلوا إحرامهم لم يستجيبوا، ولا يعني هذا أنهم كانوا يعاندون النبي ﵊، حاشاهم، وإنما قد لا يطيعك من يحبك ويتغلب عليه حال السفيه، فلما أمرهم ﵊ أن يحلوا إحرامهم لم يفعل أحد، فدخل على أم سلمة فأخبرها بما لقي من الناس، فـ أم سلمة تعلم محبة الصحابة للنبي ﵊ فأشارت عليه أن يحلق رأسه وينحر الهدي، فحلق رأسه ونحر الهدي، فاستجاب الصحابة؛ لأنهم رأوا أنه أمر واقع، فحلقوا رءوسهم ونحروا هديهم حتى أصابهم الغم وكاد يقتل بعضهم بعضًا.
وهذه العمرة لم تتم، لكن المصنف ذكرها كما ذكرها أهل السير من قبل؛ لأنه أحرم بها ﷺ.
وكان من شروط صلح الحديبية أن يعود ﷺ ثم يعتمر من العام القابل، فلذلك دخل مكة في العام التالي في السنة السابعة، أحرم من ذي الحليفة ودخل مكة وأقام فيها ثلاثة أيام، فهذه أول عمرة أداها النبي ﷺ كاملة في الإسلام.
والعمرة الثالثة كانت بعد غزوة حنين، حيث نزل ﵊ إلى الجعرانة وهي حل خارج مكة ودخل مكة ليلًا، ثم اعتمر ورجع في نفس الليلة أو في صباحها إلى الجعرانة وأكمل مسيره بعد ذلك إلى المدينة، وإحرامه من الجعرانة دليل على أن الجعرانة حل؛ لأنها لو كانت حرمًا لما جاز أن يحرم منها.
وابن القيم رحمه الله تعالى أغلظ كثيرًا في زاد المعاد على ما كان يصنعه أهل مكة في أيامه من أنهم كانوا يحرمون من الجعرانة، وقال: إن النبي ﷺ أحرم منها لأنها وافقت محله.
وبعض المالكية يقول: إن الجعرانة هي أفضل حل على وجه الأرض؛ لأن النبي ﷺ أحرم منها ولم يحرم ﵊ من حل إلا الجعرانة، ولما أحرم من المدينة فالمدينة حرم، وأحرم بالحج من مكة ومكة حرم، ولم يحرم من حل إلا من الجعرانة، هذه الفضائل قد يصيب أصحابها وقد لا يصيبون.
العمرة الرابعة كانت مع حجته؛ لأنه حج قارنًا ﵊.
من هذا يتحرر أن العمر الثلاث كلهن كن في شهر ذي القعدة، حتى عمرة الحج أحرم بها في شهر ذي القعدة لكنه لم يؤديها إلا في شهر ذي الحجة، لأنه ما وصل مكة إلا قد ودخل هلال شهر ذي الحجة.
هذه الأربع العمر التي ثبتت عنه ﷺ، أما الحج فلم يحج في الإسلام إلا حجة واحدة سميت بحجة الوداع؛ لأنه ودع الناس فيها، وهي حجة عظيمة علم ﵊ أنه لن يحج غيرها فأعلن للناس أنه سيحج، فقدم المدينة خلق كثير كلهم يريد أن يأتم بحجته ﵊، وفيها كثير من الفوائد، فقد ذكر في خطبته فيها كثيرًا من قواعد الدين، وأوصى بالنساء خيرًا، وجعل ربا الجاهلية تحت قدميه، وأقام كثير من قواعد الإسلام، وبين حرمة الدماء والأعراض والأموال، وهي حجته صلوات الله وسلامه عليه، والله أعلم إن كان قد حج ﵊ أو اعتمر قبل الإسلام وهو في مكة، وما ينقل من ذلك هو بطرائق غير صحيحة أو غير مكتملة السند فلا نستطيع أن نحكم عليه بالصحة.
[ ٦ / ٩ ]