تأليف
الدكتور سعد المرصفي
[ ٤ / ١٣٨٢ ]
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة
الطَّبعة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
مكتبة ابْن كثير
ص. ب: ١١٠٦ حَولي ٣٢٠١٢ الكويت
تليفون: ٢٢٦٣١٢٩٨ - فاكس: ٢٢٦٥٧٠٤٦
[ ٤ / ١٤٤٠ ]
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾
[ ٤ / ١٤٤١ ]
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ (الأعراف)!
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (الأنبياء)!
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ (الأحزاب)!
[ ٤ / ١٤٤٢ ]
(في علم المغازي خير الدنيا والآخرة)!
الزهري
(كنا نعلّم مغازي رسول الله - ﷺ -، كما نعلم السورة من القرآن الكريم)!
زين العابدين علي بن الحسين
(كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا، ويقول:
يا بني هذه شرف آبائكم فلا تضيّعوا ذكرها)!
إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص
[ ٤ / ١٤٤٣ ]
مقدمة
الإسراء والمعراج من أعظم الأحداث في تاريخ الإِسلام؛ إذ يتضمَّن معاني أكبر من المعاني القريبة التي تتكشَّف عن النظرة الأولى لتشمل آمادًا وآفاقًا أوسع من الزمان والمكان، وتربط بين عقيدة التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل -﵉- إلى خاتم النبيِّين محمَّد - ﷺ -، وتربط الأماكن المقدَّسة لرسالات التوحيد جميعًا، معلنة وراثة خاتم النبيين - ﷺ - لمقدّسات الرسل قبله، واشتمال رسالته على هذه المقدّسات وارتباط رسالته بها جميعًا!
وإذا كان اليهود قد ترهَّلت نفوسهم، وأسنت ورتعت في الفسق والمجانة، واستهتروا بالقيم والمقدّسات، وولغوا في الأعراض والحرمات، وعاثوا في الأرض فسادًا، فإنهم بذلك قد أخذوا بأسباب الهلاك الحتميّة ليحق القول عليهم، وتجري فيهم سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلًا! فها هي أمة الإِسلام تستيقظ من جديد وتمسح عن عينيها غشاوة البعد عن منهج رسالتها، وتضع قدميها على طريق الفئة المؤمنة الأولى ليتحقق لها وعد نطق الشجر والحجر، ويعود لها تمكينها وتفرض هيبتها، وليس هذا ببعيد، بل قريب قريب!
والله أسأل: التوفيق والسداد!
والعون والرشاد!
إنه سميع مجيب!
الكويت في: غرة ربيع الآخر ١٤٣٠ هـ ٢٧ من مارس ٢٠٠٩ م
راجي عفو ربه
سعد محمَّد محمَّد الشيخ (المرصفي)
أستاذ الحديث وعلومه
كلية الشريعة والدراسات الإِسلامية جامعة الكويت. سابقًا
[ ٤ / ١٤٤٥ ]
منحة ربَّانيَّة
[ ٤ / ١٤٤٧ ]
منحةٌ ربَّانية
* طريق الدعوة:
* أعظم آيات الإعجاز الكوني:
* تشريف وتكريم:
* آيات الأنبياء:
* رسالة عقليَّة علميَّة خالدة:
* القرآن آية التحدي العظمى:
* الآيات الحسيَّة لخاتم النبيين - ﷺ -
* انشقاق القمر:
* نبع الماء من بين أصابع النبي - ﷺ -:
* تكثير الطعام القليل:
* حنين الجذع:
* التحدِّي بالقرآن:
* آية الإسراء أرفع المراتب:
* مفهوم الإسراء:
* مفهوم المعراج:
* حكم الإسراء والمعراج:
* أهم الأحاديث:
- الحديث الأول:
- الحديث الثاني:
- الحديث الثالث:
* الحكمة في اختصاص كل نبيّ بسماء:
* صلاة النبي - ﷺ - بالأنبياء:
* بين الرسول - ﷺ - وقريش:
* حقيقة الإسراء والمعراج:
- القول الأول:
- القول الثاني:
- القول الثالث:
- قول باطل:
* الإسراء ووحدة الوجود:
* إنكار النصوص وتحريفها:
* إغراب وتشويش:
* دعاء على الطريق:
* طريق الكفاح في مسيرة الدعوة:
* وقت الإسراء والمعراج:
* بدء الإسراء:
[ ٤ / ١٤٤٨ ]
منحةٌ ربَّانيَّة
طريق الدعوة:
سبق أن عرفنا -في طريق جهاد الدعوة- كيف وقفت قريش موقف العناد والجحود، والضلال والكنود، وعادت الرسول - ﷺ -، وظلَّت عقبةً كؤودًا في سبيل دعوة الحقّ، ولجّت في العداوة والكفران، وتمادت في الإيذاء والطغيان!
وهنا تطالعنا أعظم آيات الإعجاز الكونيّ لنبيِّنا محمَّد - ﷺ -، التي كُتب بمداد نورها الحرف الأوّل في سطر الحفاوة الربَّانيَّة الذي افتتحت به نفحات الفرج، وانكشاف غُمم المحن والبلاء، وضائقات المعوّقات التي كان يقيمها طغاة الشرك، وعتاولة الوثنيّة أمام الرسول - ﷺ - في طريق تبليغ رسالته، ونشر دعوته .. دعوة الهُدى والنور، إعلاءً لكلمة الله .. كلمة الحق والعدل، والخير والإصلاح، والإخاء بين أبناء الإنسانيَّة كافّة، وزرع المحبَّة بين الناس من كل جنس ولون، وعصر ومصر، وجيل وقبيل، أينما وجدوا من أرض الله؛ لأن هذه المنحة الربَّانيَّة جاءت بعد مقتضياتها التي كان من أظهرها العام الذي ابتُلي فيه رسول الله - ﷺ - بفقد زوجه ومأنس قلبه، ومطمئن فؤاده، وزيرة الصدق له في دياجير المحن، وهي تخفّف عنه آلامه، وتمسح عن نفسه ما كان يلمُّ به من حزن، لما يلقاه من عتوّ الشرك، وفجور الوثنيّة على أيدي أحلاسها من المستكبرين الطغاة البغاة العتاة (١)،
_________________
(١) محمَّد رسول الله - ﷺ -: ٢: ٣٢٧ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٤٤٩ ]
ربائب الجهل الظلوم، من ملأ قريش، الذين كان يدعوهم إلى النجاة، ويأبون إلا أن يكون مأواهم النار، لا يخفّف عنهم من عذابها، وما هم منها بمخرجين!
تلك زوجه الصّدِّيقة المصدَّقة، الأمينة الطاهرة، سيّدة نساء العالمين، السيّدة خديجة أمّ المؤمنين ﵂!
ثم بفقد الحفيّ القويّ الحميّ الجريء، المطاع في قومه، العظيم في حياته، الحدب المدافع عن رسول الله - ﷺ - حميّةً قوميّة .. العزيز في حسبه، الفارع في نسبه .. الذي إذا دعا لنضال الحماية لدفع مذلة الضّيم أجابته السيوف المنافية الهاشميّة، شاكيةً تأبى أن تقرّ في أغمادها، حتى يُقضى بينها وبين من يتلمّظ لعداوتها، ويتعرض لملاقاتها وسخطها!
ذلك الفحل لا يُجدع أنفه، ولا يطمع في مهادنته إذا اسْتُغضب .. أبو طالب بن عبد المطّلب، سيّد البطحاء، عمّ رسول الله - ﷺ - صنو أبيه، صاحب المواقف التي أرعبت أفئدة ملأ قريش، وروّعت أمنهم، وذهبت باستقرارهم، وأذلت استكبارهم، دفاعًا عن سياج العزّة الهاشميّة التي أبى عليها تعزّزها بالسؤدد والمجد والشرف في العرب قاطبةً، أن تقبل ضَيمًا في شخص وحيد الدنيا في عليا المكارم محمَّد الأمين - ﷺ -، حفيّها، ونور حياتها، ولباب أفئدتها، يهبّون إذا أهبهم شيخهم أبو طالب، ويسكنون متحفّزين إذا سكّنهم، فهم طوع إرادته، ورهن إشارته!
وهاتان المحنتان المتعاقبتان في زمن يسير -كما أسلفنا- من أشدّ ما لقي محمَّد رسول الله - ﷺ - من أحزان الدّنيا؛ لأنه - ﷺ - فقد بفقدهما حنان
[ ٤ / ١٤٥٠ ]
الأنس، وعاطفة الحبّ في الزوج المحبّة الأمينة، وفقد القوّة الحامية، والحدب في عمّه الذي وقف إلى جانبه يُدافع عنه، ويقوِّي عزيمته، ويردّ عنه سفه السفهاء، وعتوّ البغاة العتاة الطغاة، وفجور الفجّار!
ولا سيما كان فقدهما عقب محنة مريرة قاسية، تجلّت فيها بشاعة اللؤم العتيّ، وفظاعة الحقد الوثنيّ، والاستكبار العنيد .. تلك هي محنة الحصار الاقتصادي، والمقاطعة الصارمة، والإجاعة المميتة ثلاث سنين، بين البؤس والحرمان، وأنين الأطفال، ودموع النساء .. هذا الحصار الذي تعاهدت عليه قريش، وأفقدها كل عاطفة حيوانيّة، بَلْه إنسانيّة، كان أشدّ على النبيّ - ﷺ - وأصحابه- ومن دخل معهم حميّة من الهاشميّين والمطّلبيين، إيلامًا ومضاضة وقسوة -من سنيّ يوسف ﵇-، وكانت أيّامها أظلم الحوالك في دنيا الظلم والفجور، حتّى أكل المحصورون ما لم يؤكل، وصبروا على ما لم يصبر عليه الصُّبَّر من أولي البلاء والمحن، مع ما سبق ذلك من سفه سفهاء قريش، وفجور ملئها في إيذاء النبي - ﷺ - في صور متعدّدة، وأشكال مختلفة، تدلّ على حنق مغيظ، وغيظ حانق حقود!
وكان من آثار ذلك في تبليغ الرسالة، وقوّة الحميّة القوميّة، أن خرج رسول الله - ﷺ - بعد يأسه من طغاة الوثنيّة البليدة لدعوة الحقّ والهُدى، ويأسه - ﷺ - أن يتركوه يبلّغ رسالة ربّه، ويخلّوا بينه وبين الناس في محافلهم وأسواقهم وتجمّعاتهم، ليدعوهم إلى الله الواحد الأحد، الذي يجب أن يفرد بإخلاص العبادة -إلى الطائف حيث ثقيف .. ليؤوه وينصروه، حتى
[ ٤ / ١٤٥١ ]
يُبلِّغ رسالة ربّه .. فلقي منهم -كما عرفنا- أفرادًا وجماعات، السّفه الطائش، ولؤم الضيافة، وشراسة الخلق، ورذالة الطبع، وخسّة المروءة، فقد فَظِع بكبرائهم أن يسمعوا منه أنه رسول الله، وأنّه يدعو إلى توحيد الله، وخلع الأصنام والأوثان، فأساؤوا ردّه من أوّل وهلة، وتنمّروا له من أوّل كلمة .. وسلّطوا عليه غلمانهم وسائر سفهائهم، فوقفوا له في الطريق سِمَاطَيْن، يرمونه بالحجارة، حتى لقي من سوء ما لقي .. وبلغ مأمنًا يهابه جبناء ثقيف، فرجعوا عنه .. وْعاد - ﷺ - إلى مكّة وملؤها وسفهاؤها على أخبث ما كانوا من غيظ حقود!
وهكذا تجمّعت غمامات الآلام على النبيّ - ﷺ -، وتكاثفت سحب العوائق أمام نهوضه بتبليغ رسالة ربّه، وانتشر الشر في آفاق الحياة، واحلولك الظلام في جنباتها، وتقاصر الأمل عن غايته، وضاقت حلقات العزائم عند كثير، واستحكم الشرُّ في نفوس الشرّيرين، وتثاءب اليأس المظلم، وبقي رسول الله - ﷺ - وحيدًا يُقلِّب وجهه في السماء، انتظارًا للفرج، وترقّبًا لانجلاء غمامات المحن والبلايا!!
لقد كانت هذه المرحلة الكفاحيّة غير المتكافئة تمحيصًا للمؤمنين .. ودروسًا لتربية صدق العزائم عند طلائع السابقين .. وإعدادًا لكتائب الدعاة إلى الله تعالى في التأسّي برسول الله - ﷺ -، صبرًا جميلًا، واحتمالًا لنوازل البلاء، وتوجيهًا للأحداث بفكر حكيم محكم، وسياسة رحيمة، تجعل من العدوّ صديقًا حميمًا، ومن السفيه الجهول حكيمًا عليمًا!
[ ٤ / ١٤٥٢ ]
أعظم آيّات الإعجاز الكوني:
وهنا نبصر القدم التي سال منها الدم الطاهر في الطائف -كما عرفنا- تستقيم على الطريق (١)، من أوّل بيت وُضع للناس إلى بيت بارك الله تعالى حوله .. ثمّ إلى السماوات العُلا!
ونبصر رحمة الله الرحمن الرحيم بعبده وحبيبه محمَّد - ﷺ - .. حيث شاهد من آيات ربّه ما شاهد، وعاين من أمارات العناية به وبدعوته ما زاده يقينًا إلى يقين بنجاح دعوته، وتبليغ رسالته، والنصر على أعدائه .. وأطلعه الله على ما زاد النفس رضًى، والقلب نورًا، والرّوح أنسًا، فقد جاءت تلك المنحة الربّانيّة تثبيتًا له على طريق المقاومة الطويل، وتكريمًا في أعقاب سنين طويلة من الصبر والمصابرة، والصمود والكفاح!
وجاءت تتويجًا لهذه السنين الصعبة، فقد رفعه إلى السماوات، وأطلعه على جوانب الإعجاز في الكون الكبير .. !
وجاءت امتحانًا لإيمان الصحابة وتصديقهم بكل ما يخبر به، ويدعو إليه!
وجاءت اختبارًا لمدى ثباتهم على الإيمان، واستجابتهم إلى تحقيق الغاية من رسالته، وهي إخراج الناس من عبوديّة الشيطان إلى عبادة الرحمن!
وهو مدى رحب تتجاوز أبعاده الملموس والمحسوس والمسموع
_________________
(١) انظر: أضواء على أحاديث الإسراء والمعراج: للمؤلف، بتصرف.
[ ٤ / ١٤٥٣ ]
والمنظور .. ويتأتَّى عن الوقائع، ويمتدّ بعيدًا بعيدًا صوب الآفاق التي ترفع قدر الإنسان!
وهكذا كانت آية الإسراء في جوّها الخاصّ والعامّ (١) بلسمًا لجراح بشريّة محمَّد - ﷺ - التي نالها أعداء الحقّ والخير بالإيذاء .. وكانت سراجًا وهّاجًا أضاء الطريق أمام دعوته إلى الله!
وكانت نورًا تبلج من آفاق العناية الربّانيّة علمًا ومعرفة، وشرفًا وفضلًا، ليقيم له - ﷺ - ولدعوته ورسالته الخالدة الخاتمة معالم الطريق الذي أسّس على الكفاح الصبور، في سبيل الحقّ والخير والهُدى والإصلاح، بغير إعجاز مادّيّ يُكرِه الناس على الاستجابة إلى الإيمان بالدّعوة، ليكون ذلك رسمًا لطريق الدّعوة إلى الله أينما كانت، ومَعْلَمًا للدّعاة إلى الله، حيثما كانوا وكيفما كانوا!
وهكذا كانت -أيضًا- آية الإسراء في حقيقتها ومقاصدها صورةً جامعةً للقدوة في العلم والمعرفة، والعمل لإصلاح الحياة .. وبُشرى بابتداء عهد البناء والمعرفة، ومطالعة آيات الله في ملكوت السماوات والأرض المسخّرة للإنسان، وتحقيقًا لخلافة الأمّة التي يربّيها نبيّ الإِسلام - ﷺ - بعقيدته وتعبّداته وشرائعه وأحكامه، وسياسته، وآدابه، ونظمه ومناهجه في الحياة، لتقيم من هذه العقائد والتعبّدات والشّرائع والآداب والنّظم والمناهج بناءً شامخًا تأوي إليه الإنسانيّة إخوةً متحابّين، لتكون خير أمّة أُخرجت من ضمير الغيب للناس!
_________________
(١) محمَّد رسول الله - ﷺ -: ٢: ٢٣٠ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٤٥٤ ]
تشريف وتكريم:
ومن ثمَّ كانت آية الإسراء أشرف آية مادّيّة حسيّة أوتيها نبيٌّ من رسل الله، وهي أجلّ ما أعطيه محمَّد الأمين خاتم الأنبياء والمرسلين من الآيات الحسّيّة، والكرامات المادّيّة، وهي في فضلها وعظمة الحفاوة تالية للقرآن الكريم في روعة دلالتها على صدق نبوّة محمَّد - ﷺ -، وعموم رسالته وخلودها، وما له عند الله من مكانة ورفعة شأن، ممَّا فُضِّل به على جميع الأنبياء والمرسلين بعد القرآن العظيم!
وقد كانت آيات الأنبياء والمرسلين -التي جعلها الله برهان صدقهم في دعواهم أنهم رسل من عند الله إلى قومهم، يدعونهم إلى توحيد الله وإلى الهُدى والخير- آيات ماديّة حسّيّة تخرق نواميس نظام الترابط المادّي بصورة قاهرة، لا طاقة للبشر بها، ولو اجتمعوا بعلومهم وأفكارهم وتجاربهم وحيلهم على معارضتها بوسائلهم البشريّة المادّيّة، فلا يجدون ذريعةً لردّها، إلا المكابرة والعناد، وأعناقهم لها خاضعة!
وآيات الأنبياء والمرسلين ومعجزاتهم إنما تجري على مقتضى سنن إلهيّة خاصّة، لا سبيل لتحكّم العقل فيها، وفي إدراك حقائقها، وتعرّف أسبابها .. والعقل بمعزل تام عن تحكيمه في ثبوتها .. ومدار التصديق بها على صحة ثبوتها هو الإخبار بها في واقع الوجود بسند صحيح، لا يعتريه ريب، ولا يعارض متنه أصل أثبت منه وأدخل في أصول الإسلام!
[ ٤ / ١٤٥٥ ]
آيات الأنبياء:
وقد ضرب الله المثل في القرآن الكريم لهذه الآيات الحسّيّة المادّيّة التي أوتيها مَن ذُكِروا في القرآن من المرسلين .. وكان من أبينها وأكثرها ذكرًا آيات موسى وعيسى ﵉، وآياتهما أهدى الآيات الحسّيّة المادّيّة سبيلًا، وأظهرها إعجازًا، وأقواها حجّةً، وأبلغها أثرًا!
فعصا موسى -﵇- لها خصائص سائر العصيِّ في بعدها عن حلول نوع من الحياة فيها، وقد أخبر عنها موسى حين سئل من رب العزّة- سؤال تأنيس وتمهيد، لا سؤال استخبار- بقوله: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسَى (١٧)﴾ (طه)! بما يعلمه عنها من حقيقتها الأصيلة، ومن الأسباب التي اتخذها لها، فقال:
﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخرَى (١٨)﴾ (طه)!
من كل مأرب تؤديه عصا، فيدفع بها عن نفسه صولة عدوّ، ويقيمها عمودًا ليسدل عليها ما يقيه من الحرّ والبرد، ولكنها حيثما أريد لها أن تجري على السنن الإلهيّة الخاصّة خرجت عن طبيعة العصا التي لا تحيلها الحياة إلى طبيعة أخرى قابلة للحياة، فانقلبت جانًّا يتحرّك، وثعبانًا يلقف ما يأفك سحرة فرعون، بكل ما فيه من وسائل مادّيّة، وإلى أن ضرب بها موسى البحر فانفلق فلقتين، فكانت كل فلقة منه كالطّود العظيم في قوّة تماسك ذرّاته، والماء طبيعته سيّالة يستحيل عليها هذا التماسك في نواميس السنن
[ ٤ / ١٤٥٦ ]
العامّة للكون، وإلى أن يضرب بها الحجر الصلد فينبجس منه الماء اثنتي، عشرة عينًا، لكل قوم من بني إسرائيل شرب معلوم منها!
وتصوير عيسى -﵇- قطعةً من الطّين الذي له خصائص الطّين، بكل ما فيها من بعد ومنافاة للحياة على هيئة طائر، ثم ينفخ فيه فيصير طائرًا بإذن الله، يتحرّك ويطير، ويذهب ويجيء، ويأكل ويشرب، ويغرّد ويرفرف!
ومسّه بيده الأكمه الذي لم ير النّور ببصره قطّ يجعله بصيرًا بإذن الله!
ومسحه على الأبرص الذي ابتلي بداء عجز عنه طبّ عصره يشفيه من مرضه العضال!
ونداؤه الميّت الذي غير عليه من الزّمن ما غير، يقيمه من قبره بإذن الله إنسانًا حيًّا، يتحرّك ويمشي ويتكلّم، ويفكّر ويخبر ويرشد ويسترشد!
والمقصود بذلك من هذه الآيات التي وقعت على يد هذين الرسولين الكريمين بيان أن سنن الله في الكون لا يقيّدها نظام الترابط الكونيّ في نواميس السنن العامّة!
ويطالعنا قوله جل شأنه:
﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا
[ ٤ / ١٤٥٧ ]
وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ (آل عمران)!
ونبصر حسم التعقيب في حقيقة عيسى -﵇- وفي طبيعة الخلق والإرادة التي تنشئ كل شيء .. ولكن أيّة غرابة فيها حين تقاس إلى خلق آدم أبي البشر .. وتتجلّى حقيقة الخلق كله، وتدخل إلى النفس في يسر وفي وضوح وتلك هي طريقة ﴿الذِّكرِ الْحَكِيمِ﴾ في مخاطبة الفطرة بالمنطق الفطري الواقعي في أعقد القضايا، وهي اليسر الميسور!
وما كان الرسول - ﷺ - ممتريًا ولا شاكًا فيما يتلوه عليه ربّه في لحظة من لحظات حياته، وإنما هو التثبيت على الحق، ندرك عنه مدى ما كان يبلغه كيد أعداء الجماعة المسلمة في بعض أفرادها في ذلك الحين، كما ندرك ما تتعرض له الأمّة المسلمة في كل جيل من هذا الكيد، وضرورة تثبيتها على الحق الذي معها في وجه الكائدين والخادعين، ولهم في كل جيل أسلوب من أساليب الكيد جديد .. !
ونبصر الحقائق التي تقرّرها الآيات واضحة الدلالة!
ونبصر معجزات عيسى -﵇- تتعلّق بإنشاء الحياة أو ردّها، أو ردّ العافية وهي فرع عن الحياة، ورؤية غيب بعيد عن مدى الرؤية .. وهي
[ ٤ / ١٤٥٨ ]
في صميمها تتسق مع مولد عيسى، ومنحة الوجود والحياة على غير مثال إلا مثال آدم ﵇!
﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)﴾ (آل عمران)!
وإذا كان الله قادرًا أن يجري هذه المعجزات على يد واحد من خلقه، فهو قادر على خلق ذلك الواحد من غير مثال .. ولا حاجة إذن لكل الشبهات والأساطير التي نشأت عن هذا المولد الخاص متى ردّ الأمر إلى مشيئة الله الطليقة! (١)
وهكذا كانت آيات الأنبياء والرسل قبل رسالة خاتم النبيين محمَّد - ﷺ - حسّيّة ومادّيّة؛ لأن مدارك الإنسان وقوى تفكيره كانت مجذوبةً إلى الأرض، بقوّة التماسك العنصري في ترابط ذرّات الكون!
رسالة عقليّة علميّة خالدة:
وحين بلغت النبوّة مداها في التآخي مع العقل الإنساني -وهو قوّة لا سلطان للمادّة عليها- وقد بلغ العقل رشده واستوى تفكيره، أرسل الله تعالى محمدًا - ﷺ - برسالة كاملة المعالم في أصول العقائد والتعبّدات،
_________________
(١) انظر: في ظلال القرآن: ١: ٣٩٧ وما بعدها.
[ ٤ / ١٤٥٩ ]
وأنظمة الحياة، ختم بها رسالات المرسلين، قامت على دعائم من القواعد والأصول العامة المحكمة، جعلها هاديةً للعقل في مسيرته مع الحياة، يسترشد بها، ليستخرج من أصولها أحكام الأحداث والوقائع المتجدّدة التي لا تتناهى، دون حاجة إلى الوقوف عند نصّ ربما لا يفي بالمقصود!
ومن ثمَّ كانت خصّيصة هذه الرسالة الخاتمة في خلودها بخلود الحياة في تآخيها مع العقل الإنسانيّ الذي اكتمل رشده، وشبّ عن طريق المحاكاة والتقليد والتبعيّة!
ومن هذه الخصّيصة لهذه الرسالة الخاتمة في تآخيها مع العقل، كان لا بدَّ في آيات صدقها، وبراهن حقّيّتها، ودلائل إعجازها من أن تكون مسايرةً لهذا التآخي العقلي، مناسبة له في منابعه الإدراكيّة، هاديةً له في أسس التشريع، مهتديةً به في تطبيق الوقائع، على تلك الأسس والأصول!
وعندئذ لم يبق للإعجاز الحسيّ وآياته المادّيّة قوّة دلالته على حقّيّة ماجاءت به من الهُدى والخير، فكانت الآية العظمى، والمعجزة الكبرى التي وقع بها التحدّي والاستدلالّ على صدق حامل أمانتها آية عقليّة، علميّة، فكريّة .. يجد فيها كل عقل مجاله الإدراكي .. ويجد فيها كل عالم طريقه إلى المعرفة واليقين .. ويجد فيها الفكر (المتطوّر) مجالًا لسبحات أطواره، بعيدًا عن الجمود المادّيّ .. ليستصفي من أصولها الحقّ خالصًا من شوائب الخداع والتضليل!
[ ٤ / ١٤٦٠ ]
القرآن آية التحدّي العظمى:
تلك هي آيات الكتاب المبين، القرآن العظيم، الجامع لمنازل الخير وجوامع الهُدى والنّور، الذي تحدّى بذاته وإعجازه كل عَيْلم عليم، وكل عقل محكم حكيم، وكل فكر غوّاص عميق، بما جاءت به آياته من حقائق ومعان هادية، ومقاصد مستهدفة للحق، كما تحدّى كل فصيح بليغ، وكل ذي بيان وبراعة في روعة الإحسان، بأسلوبه ونظمه وجزالة ألفاظه، ونصاعة جمله وكلماته، ونسق آياته، فكان آية الصدق على دعوى الرسالة الخالدة، بما فيه من ألوان الهداية، فهو معجزتها الكبرى، وآيتها العظمى التي كانت به خاتمة الرسالات الإلهيّة، فلا رسالة لله تعالى إلى الخلق بعدها، ولا كتاب ينزل بعد كتابها من السماء، وقد صبّ الله تعالى فيض إحسانه في آيات كتابها، خالدةً لا تنتهي وباقيةً لا تنفد!
ومن هنا كانت فيوضات الله لا تنقطع، ولكنها مستمرّة سرمديّة عن طريق آياتها في كتابها الحكيم المحكم، فالنظر فيه، وتدبّر حقائقه ومعانيه، ومعرفة هدايته، والغوص في حكَمه هي طريق الإيمان، وهذه سبيل ممهّدة للعقل، وطريق موطأة للفكر، يَهتدي بها السالكون إلى مشارع الإيمان، وهي عامرة بالسائرين فيها الذين أقيمت لهم منائر الحق، ونصبت لهم معالم الهداية، وأنيرت لهم آفاقها، ليهتدوا بها في دياجير أوهام العلم التجريبيّ وتخيّلاته وتخرّصاته وظنونه إلى نور الحقّ واليقين!
لا تتوقّف مسيرته، ولا تخدو عن الراغبين مشارعه، فهو داعٍ مستجاب، وهادٍ خِرِّيت لا يضلّ الطريق أبدًا، ومرشد لا يملّ ولا يعيا،
[ ٤ / ١٤٦١ ]
مشارعه مفعمةٌ بالواردين، ومسالكه مليئةٌ بالقاصدين، وروّاده قوافلهم متواصلةٌ لا تنقطع، وداخلو ساحته متوافدون، لا قوّة تدفعهم إليه إلَّا قوّة الحق فيه، ولا وسائل تجذبهم إليه إلَّا وسيلة الرّغبة فيه!
وإلى هذه الحقائق والمعاني أشار النبي - ﷺ - في قوله الجامع فيما رواه الشيخان عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال:
"ما من الأنبياء نبيٌّ إلا أعْطي من الآيات ما مثله آمَن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحْيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" (١).
الآيات الحسيّة لخاتم النبيين - ﷺ -:
وإذا كان القرآن العظيم هو الآية العظمى، والمعجزة الكبرى التي وقع بها التحدّي للدلالة على صدق نبيّنا محمَّدﷺ -، ولا يزال هذا التحدّي قائمًا إلى يوم القيامة، في كل زمان ومكان، وجيل من الناس وقبيل، مهما بلغت الحياة من أطوار التقدّم العلميّ، لما فيها من أبديّة الهداية التي لا تنتهي، كما انتهت الآيات الحسّيّة المادّيّة التي أوتيها رسُل الله تعالى برهانًا على صدق دعواهم في رسالاتهم -فقد أوتي نبينا محمَّد - ﷺ - من الآيات الحسّيّة المادّيّة، وعجائب خرق نواميس الترابط المادّيّ في عناصر الكون ما لم يؤت مثله كيفًا وكمًّا نبيّ من الأنبياء ﵈!
_________________
(١) البخاري: ٦٦: فضائل القرآن (٤٩٨١)، وانظر (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢).
[ ٤ / ١٤٦٢ ]
ومن الآيات الحسّيّة المادّيّة التي أوتيها نبيّنا محمَّد - ﷺ -، والتي لم تدخل في إطار التحدّي بها، ما ثبت وفق قواعد التحديث روايةً ودرايةً!
وإذا كانت معجزات الأنبياء السابقين في صورها العامّة ملائمة لما اشتهر في زمان كل رسول، حتى إذا ما عجز الناس عن الإتيان بمثلها كان ذلك أكبر شاهد على صدق من ظهرت على يديه .. فقد شاء الحق جلّ شأنه أن يجمع الفضل من أطرافه، لخاتم رسله، فأعطاه معجزات حسّيّة؛ لأن الناس ليسوا سواء في الإدراك والتفكير، ومن ثم أوتي من الآيات المتكاثرة ما لم يؤت غيره من الأنبياء .. ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلًا منيفًا على سائر المعجزات!
ونقل البيهقي عن الشافعي أنه قال:
ما أعطى الله نبيًّا إلا أعطى الله محمدًا - ﷺ - ما هو أكثر منه، فقيل له: أعطى عيسى ابن مريم إحياء الموتى، فقال الشافعي: حنين الجذع أبلغ؛ لأن حياة الخشبة أبلغ من إحياء الميّت، ولو قيل: كان لموسى فلق البحر، عارضناه بفلق القمر، وذلك أعجب؛ لأنه آية سماويّة، وإن سئلنا عن انفجار الماء من الحجر، عارضناه بانفجار الماء من بين أصابعه - ﷺ -؛ لأن خروج الماء من الحجر معتاد، أمّا خروجه من اللحم والدم فأعجب، ولو سئلنا عن تسخير الرياح لسليمان عارضناه بالمعراج! (١)
وفي القرآن الكريم قصص لهذه المعجزات .. ومن تتبّع منهج القرآن
_________________
(١) مناقب الشافعي: ٣٨، وأضواء على أحاديث الإسراء والمعراج: ٧ وما بعدها.
[ ٤ / ١٤٦٣ ]
وجد أنه اعتمد في الإقناع على المحاكمة العقليّة، والمشاهد المحسوسة لعظيم آلاء الله، والمعرفة التامّة بالرسول النبيّ الأمّيّ بما يجعل نزول القرآن عليه دليلًا على صدق دعوته:
﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ (العنكبوت)!
ومقالة هؤلاء عن الآيات يعنون بها الخوارق المادّيّة التي صاحبت الرسالات من قبل، والتي لا تقوم حجّة إلَّا على الجيل الذي شاهدها .. بينما تقوم حجّة الرسالة الخاتمة على كل من بلغته الدّعوة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .. ومن ثم جاءت آياتها متلوّة في الذكر الحكيم الذين لا تنفد عجائبه، والذي تتفتّح كنوزه لجميع الأجيال في جميع الأحوال:
﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾ (العنكبوت)!
وقد أرادت قريش أن تتحدّى الرسول - ﷺ - بأن يأتيهم بالخوارق الكونيّة، وسجّل القرآن الكريم ذلك في سورة الإسراء:
﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ
[ ٤ / ١٤٦٤ ]
يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾!
فكان الردّ عليهم:
﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ (الإسراء)!
والأمر ليس مجرّد خوارق كونيّة، فالتحدّي قائم بالقرآن الكريم، وفي نفس السورة نقرأ قبل هذه الآيات:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾!
ونقرأ التعقيب في الآية التالية:
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾ (الإسراء)!
وفي نفس السورة نبصر أن التحدّي الأكبر إنما هو بالقرآن الكريم، وأن الهدف الكبير من الإيمان أن يعمل الناس صالحًا وفق ما أراده الله:
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ ﴿الإسراء: ٥٩)!
ونبصر منهج القرآن في بيان أن كثرة الخوارق لا تنشئ الإيمان في القلوب الجاحدة القاسية، والنفوس الميّتة الجاسية، ونحن نقرأ في نفس السورة:
[ ٤ / ١٤٦٥ ]
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾ (الإسراء)!
ونبصر موقف أهل الإيمان عقب تلك الآيات مباشرة:
﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ (الإسراء)!
وهكذا تصوّر الآيات مشهد الذين أوتوا العلم من قبله، وهم لا يتمالكون أنفسهم .. وتنطلق ألسنتهم بما خالج مشاعرهم من إحساس عميق بالحق، ويغلبهم التأثّر البالغ، فلا تكفي الكلمات في تصوير ما يجيش في صدورهم، فإذا القطرات التي تكوّنت خشوعًا، وتجمّعت خضوعًا، تتساقط دموعًا!
ونبصر تسجيل القرآن الكريم لهذه الآية في أول سورة الإسراء:
[ ٤ / ١٤٦٦ ]
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ (الإسراء)!
ونبصرها منحةً ربَّانيَّة بعد اشتداد المحن .. ونبصر التنزيه والتقديس في مطلع تلك الآية .. كما نبصر الحمد في ختام السورة:
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ (الإسراء)!
انشقاق القمر:
ويطالعنا قوله تعالى:
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ (القمر)!
إنه مطلع باهر مثير، على حادث كونيّ كبير، وإرهاص بحادث أكبر، لا يُقاس إليه ذلك الحدث الكونيّ الكبير: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾!
[ ٤ / ١٤٦٧ ]
يا له من إرهاص!
ويا له من خبر!
لقد رأوا الحدث الأوّل فلم يبق إلا أن ينتظروا الحدث الأكبر .. وتمضي الآيات واضحة الدلالة .. والروايات عن انشقاق القمر، ورؤية العرب له في حالة انشقاقه ثابتة وفق قواعد التحديث رواية ودراية ..
يروي الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن مسعود - ﷺ - قال:
انشقّ القمر على عهد النبي - ﷺ - شقّين، فقال النبي - ﷺ -: "اشهدوا" (١)!
وفي رواية عن أنس - ﷺ -:
أن أهل مكّة سألوا رسول الله - ﷺ - أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر. (٢)
وفي رواية عن ابن عباس -﵄: أن القمر انشقّ زمان النبي - ﷺ -. (٣)
_________________
(١) البخاري: ٦١ - المناقب (٣٦٣٦)، وانظر (٣٨٦٩، ٣٨٧١، ٤٨٦٤، ٤٨٦٥)، ومسلم (٢٨٠٠)، والنسائي: التفسير ٥٧٢، ٥٧٣، والطبري: التفسير: ٢٧: ٨٥، والطحاوي: شرح المشكل (٦٩٨، ٦٩٩، ٧٠٢، ٧٠٣)، وابن حبان (٦٤٩٥).
(٢) البخاري (٣٦٣٧)، وانظر (٣٨٦٨، ٤٨٦٧، ٤٨٦٨)، ومسلم (٢٨٠٢)، والطيالسي (١٩٦٠)، وأحمد: ٣: ١٦٥، ٢٠٧، ٢٢٠، ٢٧٥، وعبد بن حميد (١١٨٥).
(٣) البخاري (٣٦٣٨)، وانظر (٣٨٧٠، ٤٨٦٦)، وأحمد: ١: ٣٧٧، ٤٤٧، ٤٥٦)، والنسائي: الكبرى (١١٥٥٣)، والتفسير (٥٧٣)، وأبو يعلى (٤٩٦٨)، والبيهقي: =
[ ٤ / ١٤٦٨ ]
تلك أهم روايات انشقاق القمر .. تحددّ مكان الحادث وزمانه وهيئته .. وهي آية واجه بها القرآن الكريم المشركين في حينه، ولم يرو عنهم تكذيب لوقوعه، فلا بد أن يكون قد وقع فعلًا بصورة يتعذَّر معها التكذيب (١)، ولو على سبيل المراء الذي كانوا يمارونه في الآيات، لو وجدوا منفذًا للتكذيب، وكل ما روي عنهم أنهم قالوا: سحرنا! ولكنهم هم أنفسهم اختبروا الأمر، فعرفوا أنه ليس بسحر، فلئن كان قد سحرهم فإنه لا يسحر المسافرين خارج مكة الذين رأوا الحادث وشهدوا به، حين سئلوا عنه، كما في بعض الروايات!
ونبصر توجيه القلب البشريّ إلى آيات الله القائمة في الأنفس والآفاق، وفي أحداث التاريخ سواء .. ومن ثم نبصر الإشارة إلى اقتراب الساعة، باعتبار هذه البشارة لمسة للقلب البشريّ ليستيقظ ويستجيب!
وانشقاق القمر إذن كان آيةً كونيّةً يوجه القرآن الكريم القلوب إليها، كما يوجّهها دائمًا إلى الآيات الكونيّة الأخرى، ويعجب من أمرهم وموقفهم إزاءها، كما يعجب من مواقفهم تجاه آيات الله الكونيّة الأخرى!
إن الخوارق الحسّيّة قد تدهش القلب البشريّ في طفولته، قبل أن يتهيأ لإدراك الآيات الكونيّة القائمة الدائمة والتأثر بإيقاعها الثابت الهادئ ..
_________________
(١) = الدلائل: ٢: ٢٦٤، ٢٦٥، وعبد الرزاق: التفسير: ٢: ٢٥٧ مطوّلًا، والحاكم: ٢: ٤٧١ - ٤٧٢، والترمذي (٣٢٨٥، ٣٢٨٦، ٣٢٨٧)، والطبري: التفسير: ٢٧: ٨٥، وانظر: فتح القدير للشوكاني: ٥: ١٢٣.
(٢) في ظلال القرآن: ٦: ٣٤٢٦ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٤٦٩ ]
وكل الخوارق التي ظهرت على أيدي الرسل عليهم صلوات الله وتسليماته، قبل أن تبلغ البشريّة الرشد والنضوج يوجد في الكون ما هو أكبر منها وأضخم، وإن كان لا يستثير الحسّ البدائي كما تستثيره تلك الخوارق!
والقمر في ذاته آية أكبر!
هذا الكوكب بحجمه، ووضعه، وشكله، وطبيعته، ومنازله، ودورته، وآثاره في حياة الأرض، وقيامه هكذا في الفضاء بغير عمد!
هذه هي الآية الكبرى القائمة الدائمة حيال الأبصار وحيال القلوب، توقع إيقاعها، وتلقي ظلالها، وتقوم أمام الحسّ شاهدًا على القدرة المبدعة التي يصعب إنكارها إلا عنادًا أو مراءً!
وقد جاء القرآن ليقف بالقلب البشريّ في مواجهة الكون كله، وما فيه من آيات الله القائمة الثابتة، ويصله بهذا الكون وآيات الله فيه في كل لحظة لا مرّة عارضة في زمان محدود، يشهدها جيل من الناس في مكان محدود!
والكون كله هو مجال النظر والتأمّل في آيات الله التي لا تنفد، ولا تذهب، ولا تغيب، وهو بجملته آية، وكل صغيرة فيه وكبيرة آية .. والقلب البشريّ مدعوّ في كل لحظة لمشاهدة الخوارق القائمة الدائمة، والاستماع إلى شهادتها الفاصلة الحاسمة .. وعجائب الإبدل الممتعة، التي يلتقي فيها الجمال بالكمال، والتي تستجيش انفعال الدهش والحيرة مع وجدان الإيمان والاقتناع الهادئ العميق!
ونبصر في مطلع السورة تلك الإشارة إلى اقتراب الساعة وانشقاق
[ ٤ / ١٤٧٠ ]
القمر، إيقاعًا يهزّ القلب البشريّ هزًّا، وهو يتوقّع الساعة التي اقتربت، ويتأمّل الآية التي وقعت، ويتصوّر أحداث الساعة في ظل هذا الحدث الكونيّ الذي رآه المخاطبون بهذا الإيقاع المثير!
ومع اقتراب الموعد المرهوب، ووقوع الحادث الكونيّ المثير، وقيام الآيات التي يرونها في صور شتّى .. فإن تلك القلوب كانت تلج في العناد، وتصرّ على الضلال، ولا تتأثّر بالوعيد كما لا تتأثّر بإيقاع الآيات الكثيرة الكافية للعظة والكفّ عن التكذيب! (١)
نبع الماء من بين أصابع النبيّ - ﷺ -:
ويطالعنا نبع الماء من بين أصابع النبيّ - ﷺ - فيما رواه الشيخان وغيرهما عن سالم عن جابر بن عبد الله ﵄، قال:
قد رأيتني مع النبيّ - ﷺ -، وقد حضرت العصر. وليس معنا ماءٌ غير فضلة، فجعل في إناء، فأتى النبي - ﷺ - به، فأدخل يده فيه، وفرّج أصابعه، ثم قال: "حيَّ على أهل الوضوء، البركة من الله" فلقد رأيت الماء يتفجّر من بين أصابعه، فتوضّأ الناس وشربوا، فجعلت لا آلو ما جعلت في بطني منه، فعلمت أنه بركة.
قلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألف وأربعمائة! (٢)
_________________
(١) انظر: السابق ٣٤٢٨ وما بعدها.
(٢) البخاري: ٧٤ - الأشربة (٥٦٣٩)، ومسلم (١٨٥٦)، وابن حبان (٦٥٣٨)، والبيهقي: الدلائل: ٤: ١١٧.
[ ٤ / ١٤٧١ ]
وفي رواية عن أنس - ﵁ - قال:
رأيت رسول الله - ﷺ -، وحانت صلا العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأُتي رسول الله - ﷺ - بوضوء، فوضع رسول الله - ﷺ - في ذلك الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضّؤوا منه. قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، حتّى توضّؤوا عن آخرهم. (١)
وفي رواية عن عبد الله - ﵁ - قال:
كنا نعدّ الآيات بركةً، وأنتم تعدّونها تخويفًا، كنّا مع رسول الله - ﷺ - في سفر فَقَلَّ الماء، فقال: اطلبوا فضلةً من ماء، فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخَل يده في الإناء، ثم قال: "حَيَّ على الطهور المبارك، والبركة من الله" فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله - ﷺ -، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. (٢)
_________________
(١) البخاري: ٤ - الوضوء (١٦٩)، وانظر (١٩٥، ٢٠٠، ٣٥٧٢، ٣٥٧٣، ٣٥٧٤، ٣٥٧٥)، ومالك: ١: ٣٢، ومسلم (٢٢٧٩)، والشافعي: ٢: ١٨٦، وأحمد: ٣: ١٣٢، والترمذي (٣٦٣١)، والنسائي: ١: ٦٠، والفريابي: الدلائل (١٩، ٢٠)، وابن حبان (٦٥٣٩).
(٢) البخاري: ٦١ - المناقب (٣٥٧٩)، وأبو يعلى (٥٣٧٢)، وأحمد: ١: ٤٦٠، والدارمي: ١: ١٤ - ١٥، والترمذي (٣٦٣٣)، وابن خزيمة (٢٠٤)، وأبو الشيخ: العظمة (١٢١٢، ١٢١٣)، واللالكائي: أصول الاعتقاد (١٤٧٩)، والبيهقي: الدلائل: ٤: ١٢٩، ٦: ٦٢، والبغوي: شرح السنة (٣٧١٣)، والتفسير: ٤: ١٦٢، وابن أبي شيبة: ١١: ٤٧٤، والطحاوي: شرح مشكل الآثار: ٤: ٣٣٢، وأبو نعيم: الدلائل: ٢: ٥٢١.
[ ٤ / ١٤٧٢ ]
تكثير الطعام القليل:
ويطالعنا تكثير الطعام القليل فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أنس قال: قال أبو طلحة لأمّ سُليم:
لقد سمعت صوت رسول الله - ﷺ - ضعيفًا، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم، فأخرجت أقراصًا من شعير، ثم أخرجتْ خمارًا لها، فلفّت الخُبز ببعضه، ثم دسّته تحت يدي، ولا ثتني ببعضه، ثم أرسلتْني إلى رسول الله - ﷺ -، قال: فذهبْتُ به، فوجدت رسول الله - ﷺ - في المسجد، ومعه الناس، فقمْتُ عليهم، فقال لي رسول الله - ﷺ -: "آرْسَلَكَ أبو طلحة؟ " فقلت: نعم، قال: "بطعام" قلت: نعم، فقال رسول الله - ﷺ - لمن معه: "قوموا". فانطلق وانطلقْتُ بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أمّ سُليم، قد جاء رسول الله - ﷺ - بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله - ﷺ -، فأقبل رسولُ الله - ﷺ - وأبو طلحة معه، فقال رسول الله - ﷺ -: "هَلُمِّي يا أمّ سُليم ما عندك"، فأتتْ بذلك الخُبْز، فأمر به رسول الله - ﷺ - ففُتَّ، وعصرت أمّ سُليم عُكَّةً فأدَمَتْه، ثم قَال رسول الله - ﷺ - فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة"، فأذن لهم، فأكلوا حتى
[ ٤ / ١٤٧٣ ]
شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة" فأكل القوم كلهم حتى شبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلًا! (١)
وتعددت الروايات في ذلك!
حنين الجذع:
ويطالعنا حنين الجذع فيما رواه البخاري وغيره عن جابر عبد الله ﵄ قال:
إن النبيّ - ﷺ - كان يقوم إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار - أو رجل: يا رسول الله! ألا نجعل لك منبرًا؟ قال: "إن شئتم" فجعلوا له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة دُفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصّبيّ، ثم نزل النبي - ﷺ - فضمّه إليه، يئن أنين الصَّبيّ الذي يُسكَّن، قال: "كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها"!
وفي رواية:
كان المسجد مسقوفًا على جذوع من نخل، فكان النبيّ - ﷺ - إذا خطب يقوم إلى جِذْع منها، فلما صُنع له المنبر فكان عليه، فسمعنا
_________________
(١) البخاري: ٦١ - المناقب (٣٥٧٨)، وانظر (٤٢٢، ٥٣٨١، ٥٤٥٠، ٦٦٨٨)، ومسلم (٢٠٤٠)، ومالك: ٢: ٩٢٧ - ٩٢٨، وأحمد: ٣: ٢١٨، ٢٣٢، ٢٤٢، واللالكائي: أصول الاعتقاد (١٤٨٣)، والفريابي (٦، ٧)، وأبو نعيم (٣٢٢)، كلاهما في الدلائل، والبيهقي: ٧: ٣٧٣، والدلائل: ٦: ٨٨ - ٨٩، والاعتقاد: ٨٠، والبغوي (٣٧٢١)، وابن حبان (٦٥٣٤).
[ ٤ / ١٤٧٤ ]
لذلك الجذعِ صَوْتًا كصوت العِشَارِ، حتى جاء النبيّ - ﷺ - فوضع يده عليها، فسَكنت!
وفي رواية:
كان رسول الله - ﷺ - يقوم إلى أصل شجرة -أو قال: إلى جذع- ثم اتخذ منبرًا، قال: فحنّ الجذع، قال جابر: حتى سمعه أهل المسجد، حتى أتاه رسول الله - ﷺ - فمسحه فسكن، فقال بعضهم: لو لم يأته، لحَنَّ أبدًا إلى يوم القيامة! (١)
قال ابن حجر (٢): وفي حديث أبي الزبير عن جابر عند النسائي في الكبير: اضطربت تلك السارية كحنين الناقة الخلوج - والخلوج: الناقة التي انتزع منها ولدها.
وفي حديث أنس عند ابن خزيمة: فحنّت الخشبة حنين الوالد!
وفي روايته الأخرى عند الدارمي: خار ذلك الجذع كخوار الثور!
وفي حديث أبيّ بن كعب عند أحمد والدارمي وابن ماجه: فلما جاوزه خار الجذع حتى تصدعّ وانشق!
_________________
(١) البخاري: ٦١ - المناقب (٣٥٨٤ - ٣٥٨٥)، وانظر (٩١٨)، وأحمد: ٣، ٢٩٣، ٢٩٥، ٣٠٠، ٣٠٦، ٣٢٤، وعبد الرزاق (٥٢٥٤)، والبيهقي: ٣: ١٩٥، والدلائل: ٢: ٥٥٦، ٥٦٠، ٥٦١، ٥٦٢، ٥٦٣، والبغوي (٣٧٢٤)، والدارمي (٣٣، ٣٥، ١٥٧٠)، وأبو يعلى (١٠٦٨، ٢١٧٧)، وابن ماجه (١٤١٧)، وابن حبان (٦٥٠٨)، والشافعي: ١: ١٤٢ - ١٤٣، وابن أبي شيبة: ١١: ٤٨٥ - ٤٨٦، والنسائي: ٣: ١٠٢، وأبو نعيم: الدلائل: (٣٠٣).
(٢) فتح الباري: ٦: ٦٠٣ بتصرف.
[ ٤ / ١٤٧٥ ]
وفي حديثه: فأخذ أبيّ بن كعب ذلك الجذع لمَّا هدم المسجد، فلم يزل عنده، حتى بلي وعاد رفاتًا!
ثم قال: وفي حديث بريدة عند الدارمي، أن النبيّ - ﷺ - قال له:
"اختر أن أغرسك في المكان الذي كنت فيه، فتكون كما كنت -يعني قبل أن تفسير جذعًا- وإن شئت أن أغرسك في الجنّة، فتشرب من أنهارها، فيحسن نبتك وتثمر، فيأكل منك أولياء الله، فقال النبي - ﷺ -: "اختار أن أغرسه في الجنة".
قال البيهقي: قصّة حنين الجذع من الأمور الظاهرة، التي حملها الخلف عن السلف وفي الحديث دلالة على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكًا كالحيوان، بل كأشرف الحيوان، وفيه تأييد لقول من يحمل ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّح بِحَمْدِهِ﴾ (الإسراء: ٤٤)! على ظاهره، وقد نقل ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن أبيه عن عمرو بن سواد عن الشافعي قال: -كما سبق- ما أعطى الله نبيًّا ما أعطى محمدًا، فقلت: أُعطي عيسى إحياء الموتى، قال: أعطى الله محمدًا حنين الجذع، حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذاك!
ويطول بنا الحديث لو حاولنا ذكر الأحاديث في استجابة الجمادات لدعائه - ﷺ - لها وإتيانها إليه .. وإبراء المرضى وردّ ما انفصل من أعضاء الإنسان .. وغير ذلك من الروايات الصحيحة وفق قواعد التحديث رواية ودراية!
[ ٤ / ١٤٧٦ ]
التحدّي بالقرآن:
وهذه الآيات المعجزة، والعجائب الخارقة للعادة، على كثرتها وتنوّعها، وصحة وقوع حوادثها، لم يقع بها التحدّي العام لإثبات دعوى الرسالة، كما وقع بالقرآن الكريم، الذي تحدّى العالمين، فكان هو بذاته ونصّه موطن الدعوة والشاهد على صدقها شهادة بلغت مبلغ اليقين (١)، فقد أهاب القرآن الكريم بغطارفة المشركين الوثنيين، وكانوا أرفع البشر فصاحة، وأبلغهم بيانًا، وأروعهم بلاغة، وأبرعهم منطقًا، وأذربهم ألسنة، وأهداهم إلى طريق البراعة البيانيّة سبيلًا، وكانوا يدلّون على الناس بصفاء قرائحهم وحدّة مداركهم، فتحدّاهم أن يأتوا بحديث مثله، آية فما فوقها، وقد تدرّج معهم التحدّي بعشر سور من مثله، ثم إلى سورة واحدة، ولم يتركهم بعد هذه المراتب المتدرّجة حتى غمز قناتهم، وأذلّ استكبارهم، وسخر بغرورهم، وهزأ بتنفّجهم وغطرستهم، فأنبأهم وهو يتحدّاهم بأنهم عاجزون عن معارضته عجزًا لا تواتيهم فيه قدرة على هذه المعارضة، في أي صور التحدّي المتدرجّ، فقال لهم:
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ (البقرة)!
_________________
(١) محمَّد رسول الله - ﷺ -: ٢: ٣٤١ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٤٧٧ ]
ثم أيأسهم بما وخز عنجهيّتهم وخزًا موجعًا، لا أمل من ورائه قطّ في المعارضة، فقال الله ﷿ لرسوله محمَّد - ﷺ -:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ (الإسراء)!
وذكر الجنّ في هذه الآية بيان لبلوغ التحدّي والتعجيز غاية يقف عندها غرور التفاصح الأجوف ذليلًا خزيان لا يبين!
فالآيات الحسّيّة المادّيّة التي أعطيها نبيّنا محمَّد - ﷺ - كانت تشريفًا وتكريمًا له، وإشارةً بمنزلته عند ربّه، وتنبيهًا للغافلين الذين لم تتبوأ عقولهم مكانتها من الرشد في الإدراك، حتى تتكامل له - ﷺ - دعائم تبليغ رسالته في عمومها وخلودها، ليجد فيها وفي وسائل عرضها كل عقل إنسانيّ طلبته المصاحبة لاستعداده، حتى إذا نهض من كبوة جهله، واستشرف آفاق العلم والمعرفة وجد أمامه القرآن العظيم كتابًا محكمًا حكيمًا، صدوق الدّلالة، عميق البرهنة، سيّال الفكرة، منطلق الحقائق، غزير المعاني، لطيف المأخذ، خالد التحدّي، أَبَديّ الإعجاز بهدايته، مهيمنًا على ما جاء به الأنبياء والمرسلون من آيات قاهرة، على مثلها يؤمن البشر:
﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ (فصلت)!
﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (فصلت)!
[ ٤ / ١٤٧٨ ]
قال الدكتور دراز (١) - ﵀: إن التاريخ سجّل على أهل اللغة أنفسهم في عصر نزول القرآن، وما أدراك ما عصر نزول القرآن؟
هو أزهى عصور البيان العربي، وأرقى أدوار التهذيب اللغوي، وهل بلغت المجامع اللغويّة في أمّة من الأمم ما بلغته العربيّة في ذلك العصر من العناية بلغتها، حتّى أدركت هذه اللغة أشدّها، وتمّ لها بقدر الطاقة البشريّة تهذيب كلماتها وأساليبها؟!
ما هذه المجموع المحتشدة في الصحراء؟! وما هذه المنابر المرفوعة هنا وهناك؟!
إنها أسواق العرب تعرض فيها أنفس بضائعهم، وأجود صناعتهم، وما هي إلا بضاعة الكلام، وصناعة الشعر والخطابة، يتبارون في عرضها، واختيار أحسنها، والمفاخرة بها، ويتنافسون فيها أشدّ التنافس، يستوي في ذلك رجالهم ونساؤهم، وما أمْرُ حسَّان والخنساء وغيرهما بخاف على متأدّب!
فما هو إلا أن جاء القرآن .. وإذا الأسواق قد انفضّت، إلا منه، وإذا الأندية قد صفرت، إلا عنه، فما قدر أحد منهم أن يباريه أو يجاريه، أو يقترح فيه إبدال كلمة بكلمة، أو حذف كلمة أو زيادة كلمة، أو تقديم واحدة وتأخير أخرى!
ذلك على أنه لم يسدّ عليهم باب المعارضة، بل فتحه على مصراعيه، بل دعاهم إليه أفرادًا أو جماعات، بل تحدّاهم وكرّر عليهم ذلك التحدّي في صور شتّى، متهكّمًا بهم، متنزّلأَ معهم إلى الأخفّ فالأخفّ:
فدعاهم أول مرة أن يجيئوا بمثله!
ثم دعاهم أن يأتوا بعشر سور مثله!
_________________
(١) النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن: ٨٣ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٤٧٩ ]
ثم بسورة واحدة من مثله!
انظر كيف تنزّل معهم في هذه المرتبة من طلب المماثل إلى طلب شيء مما يماثل، كأنه يقول:
لا أكلفكم بالمماثلة العامة، بل حسبكم أن تأتوا بشيء فيه جنس المماثلة ومطلقها، وبما يكون مثلًا على التقريب لا التحديد!
وهذا أقصى ما يمكن من التنزّل، ولذا كان هو آخر صنيع التحدّي نزولًا، فلم يجيء التحدّي بلفظ (من مثل) إلا في سورة البقرة المدنيّة، وسائر المراتب بلفظ (مثله) في السور التي نزلت قبل ذلك بمكّة!
فتأمّل هذا الفرق فإنه طريف، وأسأل الله أن يوفقنا وإيّاك لفهم أسرار كتابه والانتفاع بهدايته وآدابه!
وأباح لهم في كل مرّة أن يستعينوا بمن شاؤوا ومن استطاعوا، ثم رماهم والعالم كله بالعجز في غير مواربة، فقال تعالى:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ (الإسراء)
وقال:
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ (البقرة: ٢٤)!
فانظر أيّ إلهاب!
وأيّ استفزاز!
[ ٤ / ١٤٨٠ ]
لقد أجهز عليهم بالحكم الباب المؤبد في قوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾!
ثم هدّدهم بالنار!
ثم سوّاهم بالأحجار!
فلعمري لو كان فيهم لسان يتحرّك لما صمتوا عند منافسته، وهم الأعداء الألدّاء، وأباة الضيم الأعزّاء، وقد أصاب منهم موضع عزتهم وفخارهم، ولكنهم لم يجدوا ثغرة ينفذون منها إلى معارضته، ولا سلمًا يصعدون به إلى مزاحمته، بل وجدوا أنفسهم منه أمام طود شامخ، فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا .. حتى إذا استيأسوا من قدرتهم واستيقنوا عجزهم ما كان جوابهم إلا أن ركبوا متن الحتوف، واستنطقوا السيف بدل الحروف، وتلك هي الحيلة التي يلجأ إليها كلّ مغلوب!
الحجّة والبرهان، وكل من لا يستطيع دفعًا عن نفسه بالقلم واللسان!
ومضى عصر نزول القرآن، والتحدّي قائم، ليجرّب كل امرئ نفسه .. وجاء العصر الذي بعده، وفي البادية وأطرافها أقوام لم تختلط أنسابهم، ولم تنحرف ألسنتهم، ولم تتغيّر سليقتهم، وفيهم من لو استطاعوا أن يأتوا هذا الدّين من أساسه، ويثبتوا أنهم قادرون من أمر القرآن، على ما عجز عنه أوائلهم لفعلوا، ولكنهم ذلت أعناقهم له خاضعين، وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فُعل بأشياعهم من قبل!
ثم مضت تلك القرون، وورث هذه اللغة عن أهلها الوارثون .. غير أن هؤلاء الذين جاؤوا من بعد، كانوا أشدّ عجزًا، وأقلّ طمعًا، في هذا المطلب العزيز، فكانت شهادتهم على أنفسهم مضافة إلى شهادة التاريخ على أسلافهم، وكان برهان هذا الإعجاز قائمًا أمامهم من طريقين:
[ ٤ / ١٤٨١ ]
وجداني!
وبرهاني!
ولا يزال هذا دأب الناس والقرآن، حتى يرث الله الأرض ومن عليها!
آية الإسراء أرفع المراتب:
وقد كان فيما أوتيه نبيّنا محمَّد - ﷺ - من الآيات الحسّيّة المادّيّة آيات جمعت أرفع مراتب التشريف، وأعلى درجات التكريم، وأبلغ منازل التعظيم، لم يعط مثلها نبيّ من الأنبياء، انفردت بنصّ قرآنيّ، أثبتها منوِّهًا بخطر قدرها، وهو نصّ صريح لا يقبل التأويل، ولا يحتمل الجدل، ذلك هو آية الإسراء، التي يقول الله تعالى في شأنها:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ (الإسراء)!
ومن ثمَّ كان جحود وقوع آية الإسراء، وإنكار وجودها مُخرجًا عن ملّة الإِسلام بإجماع المسلمين؛ لأنه إنكار لنصّ قرآنيّ صريح، وخرق لإجماع الأمّة إجماعًا لم يعرف له مخالف من المسلمين كافة، عامّتهم وخاصّتهم، والتأوّل في كيفيّة وقوع هذه الآية العجيبة العظيمة، وكونها وقعت بالجسد والرّوح معًا، أي بالصورة البشريّة التي يطلق عليها لفظ (عبد) كما هو اعتقاد جمهور المسلمين، من عهد الصحابة ﵃، وإلى أن يرث
[ ٤ / ١٤٨٢ ]
الله الأرض ومن عليها .. أو وقعت بالرّوح فقط، أو رؤيا مناميّة رآها - ﷺ -، كما نسب إلى آحاد في روايات لا تقوم لها أسانيد- لا يخدش إجماع المسلمين على أن الله تعالى أسرى بعبده محمَّد - ﷺ -!
مفهوم الإسراء:
والإسراء مصدر أسرى، مأخوذ من السرى، وهو سير الليل، تقول: أسرى وسرى إذا سار ليلًا بمعنى، هذا قول الأكثر، وقال الحوفي: أسرى: سار ليلًا، وسرى: سار نهارًا، وقيل: أسرى: سار من أول الليل، وسرى: سار من آخره، وهذا أقرب! (١)
مفهوم المعراج:
أمَّا المعراج فهو مفعال من العروج، ويطلق على الصعود، وكأنه آلة له، وأصله: عَرَج -بفتح الراء-يعرُج- بضمّها: إذا صعد، وسيأتي في الأحاديث أن النبي - ﷺ - عُرج به إلى السماوات السبع فما فوقها، ورجع من ليلته، وبهذا يتضح أن المعراج يطلق على صعود النبي - ﷺ - إلى السماوات السبع وما فوقها، ورجوعه في جزء من الليل! (٢)
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة، ولسان العرب، والقاموس المحيط، والمعجم الوسيط "سرى"، وفتح الباري: ٧: ١٩٨، وشرح المواهب اللدنيّة: ٦: ١٠، وأضواء على أحاديث الإسراء والمعراج: ١٣.
(٢) السابق، وانظر: عمدة القاري: ٤: ٤٣.
[ ٤ / ١٤٨٣ ]
حكم الإسراء والمعراج:
والإسراء -كما عرفنا- ثابت بالقرآن الكريم، وثابت أيضًا بالأحاديث الكثيرة (١) التي رواها الشيخان وغيرهما -كما سيأتي-، وقد تواترت (٢) الأخبار بأنه - ﷺ - أسري به على البراق، وعليه فالإسراء، متواتر، وكونه على البراق كذلك!
ونقل ابن كثير (٣) عن أبي الخطاب عمر بن دحية في كتابه (التنوير في مولد السراج المنير) قوله: تواترت الروايات في حديث الإسراء
ثم قال: فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة والملحدون:
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ (الصف)!
أما المعراج فقد أشار إليه القرآن الكريم -كما سيأتي- وثبت بالأحاديث الصحيحة التي رواها الشيخان وغيرهما، ولذلك لا يجوز إنكاره!
ولا شك أن قطع مسافة تضرب أكباد الإبل لقطعها شهرًا مصعدةً، وشهرًا آيبةً، في جزء من الليل أمر خارق لنواميس الطبيعة وقوانينها، ونظمها التي أقامها الله على سنن عامّة في ترابط ذرّات الكون وعناصره، تسير عليها منذ أوجد الله تعالى بقدرته هذا الكون العظيم!
_________________
(١) انظر: شرح المواهب اللدنيّة: ٦: ١٢ - ١٤.
(٢) انظر: نظم المتناثر في الحديث التواتر: ١٣٣، وأضواء على أحاديث الإسراء والمعراج: ١٤.
(٣) تفسير ابن كثير: ٣: ٢٤.
[ ٤ / ١٤٨٤ ]
ونعود إلى قوله تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ (الإسراء)!
نعود فنبصر سورة الإسراء تبدأ بتسبيح الله، وهو أليق حركة نفسيّة تتَّسق مع جوّ الإسراء اللطيف، وأليق صلة بين العبد والرّبّ في ذلك الأفق الوضيء!
وهذا لا يقال إلا في الأمور المستبعدة عادة لتعاظمها (١)، والتي لا تألفها مدارك العقول في متعارف الحياة، وقد تنكرها لأوّل وهلة، نظرًا للسنن العامّة التي قام عليها نظام الكون وطبيعة الترابط بين عناصره ومكوّناته، فإذا رُميت بسهم التأمّل ومعرفة اقتدار الله تعالى وقهره لكل مخلوق له من مادّة أو نظام، رجعت العقول إلى التصديق والقبول، ما لم يصدّها العناد المستكبر، وآمنت بأن لله تعالى في عظمة اقتداره وقهر سلطانه سننًا خاصّة لها أسبابها ومناسباتها وأزمانها وأحداثها ودواعيها؛ لأن الألوهيّة الحقّة القاهرة القادرة المدبّرة الحكيمة لا تقيّدها من مخلوقة لها مرئيّة أو معلومة، لدى العقول، أو معتادة في متعارف الحياة ومألوفاتها، بل إن هذه الألوهيّة الحقّة تقتضي أن يكون الإطلاق الكامل حقًّا لها في مشيئة كينونة ما تشاء كونه!
ولكن ذلك يجري على نظام خاصّ مقدّر -وهو ما سمّيناه بالسنن الخاصّة التي تقتضيها مناسباتها في أزمانها وأشخاصها وأحدائها- شُرِّف به
_________________
(١) محمَّد رسول الله - ﷺ -: ٢: ٣٤٤ بتصرف.
[ ٤ / ١٤٨٥ ]
نبيّنا محمَّد - ﷺ - ووقع له بحالته الطبيعيّة الكاملة بشريّةً وروحًا، فلم تفقد روحه جسمه، ولم يُفارق جسمه روحَه، بل أسرى بهما ربّ العزة جل شأنه، وهذه الحالة الكاملة لشخص النبيّ - ﷺ - التي لا تفارق فيها الرُّوح جسمَها المقدور لها في الحياة به ومعه في تلازم امتزاجيّ لا يعرف حقيقته إلا الله تعالى هي التي يطلق عليها في لغة العرب عند التفاهم، وفي عرف الناس كافّةً عند التعامل تعريفًا لفظ (عبد)، كما جاء في آية الإسراء ويتأكّد ذلك بإضافة التشريف والتكريم لهذا العبد المكرّم التي خصّه الله بها في هذا المقام، فقال: ﴿سُبحَانَ الَّذِي أَسرَى بِعَبدِهِ﴾! لاستشعار وقوع ما لم يكن في حسبان العقول، وقد جرى عرف القرآن الأسلوبي على ذلك، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبدُ اللهِ يَدْعُوهُ﴾ (الجن: ١٩)!
والقائم الذي يدعو الله هو الشخص المؤلف من روح وجسد، ويزيد ذلك تأكيدًا تحديد مبدأ الإسراء ونهايته، وهذا في المتعارف لدى العقول لا يقال إلا في أمر مادّيّ يفيد الانتقال من مكان إلى مكان!
فالإسراء كان قطعًا بمقتضى منطوق الآية الكريمة ومفهومها وإشاراتها ولوائحها بأكمل ما يطلق عليه لفظ (عبد)، وهو شخص النبيّ - ﷺ - المكوّن من روحه وجسده، لم تُفارق روحُه جسدَه، ولم يفقد جسدُه روحَه في جميع لحظات الرحلة المباركة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومن المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام ذهابًا وأوبةً، فلا وجه مطلقًا لصرف هذه الحقيقة عن وجهها الذي تدلّ عليه الآية دلالةً بيّنةً!
[ ٤ / ١٤٨٦ ]
أهم الأحاديث:
والأحاديث في الإسراء والمعراج كثيرة، يطالعنا منها ما يلي:
الحديث الأول:
ونجد أنفسنا أمام الحديث الأول، وهو أجود أحاديث الإسراء والمعراج وأتقنها -كما يقول السيوطي (١) - وهو حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، فإنه أجود وأتقن، وقد سلم ممَّا في غيره من التعارض -كما سيأتي:
قال مسلم: حدّثنا شيبان بن فرّوخ. حدّثنا حمّاد بن سلمة. حدّثنا ثابت البُنَاني، عن أنس بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - قال:
"أُتيتُ بالبُراق (وهو دابةٌ أبيض طويلٌ فوق الحمار ودون البَغْل، يضع حافره عند فنتَهى طَرفه) قال: فركبتُه حتى أتيتُ بيت المقدس، قال: فربطته بالحلقة التي يَربِطُ به (٢) الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد فصلّيت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جُبريل ﵇ بإِناء من خمر وإِناء من لَبنٍ، فاخترت اللّبن، فقال جبريل - ﷺ -: اخترت الفطرة!
ثم عرج بنا إِلى السماء، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال:
_________________
(١) الآية الكبرى: ٤٥.
(٢) قال النووي: كذا هو في الأصول (به) بضمير المذكر، أعاده على معنى الحلقة، وهو الشيء، قال صاحب التحرير: المراد حلقة باب مسجد بيت المقدس: مسلم بشرح النووي: ٢: ٢١١.
[ ٤ / ١٤٨٧ ]
جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بُعِت إِليه؟ قال: قد بُعث إِليه، فَفُتِحَ لنا، فإذا أنا بآدم، فرحّب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إِلى السماء الثانية، فاستفتح جبريلُ ﵇، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بُعِثَ إِليه؟ قال: قد بُعِثَ إِليه، فَفُتِحَ لنا، فإِذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم، ويحيى بن ذكريَّاءَ صلوات الله عليهما، فرحَّبَا ودعَوَا لِي بخير.
ثم عَرَج بِي إِلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد - ﷺ -، قيل: وقد بُعِثَ إِليه؟ قال: قد بُعِثَ إِليه، فَفُتِحَ لنا، فإِذا أنا بيوسف - ﷺ -، إِذا هو قد أُعطي شَطر الحُسْن، فرحّب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إِلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل ﵇؟ قيل: مَنْ هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قال: وقد بُعِثَ إِليه؟ قال: قد بُعثَ إِليه، فَفُتِح لنا، فإِذا أنا بإِدريس، فرحّب ودعا لي بخير، قال الله ﷿: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ (مريم)!
ثم عرج بنا إِلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد. قيل: وقد بُعِثَ إِليه؟ قال: قد بُعِث إِليه، ففتح لنا، فإِذا أنا بهارون - ﷺ -، فرحّب ودعا لي بخير.
[ ٤ / ١٤٨٨ ]
ثم عرج بنا إِلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل ﵇، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بُعِثَ إِليه؟ قال: قد بُعِثَ إِليه، فَفُتِحَ لنا، فإِذا أنا بموسى - ﷺ -، فرحَّب ودعا لي بخير!
ثم عرج (١) إِلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد - ﷺ -، قيل: وقد بُعِثَ إِليه؟ قال: قد بُعِثَ إِليه، فَفُتِحَ لنا، فإِذا أنا بإِبراهيم - ﷺ -، مسندًا ظهره إِلى البيت المعمور، وإِذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إِليه!
ثم ذهب بي إِلى السِّدرة المنتهى (٢)، وإِذا ورقُها كآذان الفِيَلَةِ، وإِذا ثمرها كالقِلال (٣)، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيّرت، فما أحدٌ من خلق الله يستطيع أن يَنْعتها من حُسْنها، فأوحى الله إِليَّ ما أوحى، ففرض عليَّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إِلى موسى - ﷺ -، فقال: ما فرض ربك على أمّتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال:
_________________
(١) في مسلم بشرح النووي: ٢: ٢١٣ (بنا).
(٢) هكذا وقع في الأصول، السدرة: بالألف والسلام، وفي الروايات بعد هذا (سدرة المنتهى)، قال ابن عباس والمفسرون وغيرهم: سميت سدرة المنتهى؛ لأن علم الملائكة ينتهي إليها، ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله - ﷺ -، وحكي عن عبد الله بن مسعود، - ﵁ -: أنها سمّيت كذلك لكونها ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله تعالى!
(٣) جمع قلة، وهي جرة كبيرة تسع قربتين أو أكثر!
[ ٤ / ١٤٨٩ ]
ارجع إِلى ربّك، فاسأله التخفيف، فإِن أمّتك لا يطيقون ذلك، فإِنّي قد بَلَوْت بني إِسرائيل وخَبَرْتُهُم!
قال: فرجعت إِلى ربّي فقلت: يا ربِّ! خَفِّف على أمّتي، فحطَّ عنِّي خمسًا، فرجعتُ إِلى موسى فقلت: حطّ عَنِّي خمسًا!
قال: إِن أمّتك لا يطيقون ذلك، فارجع إِلى ربّك فاسأله التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربّي ﵎ وبين موسى ﵇، حتى قال: يا محمَّد! إِنّهن خمسُ صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومَن هَمَّ بحسنة فلم يعْملها كُتِبَتْ له حسنة، فإِن عملها كُتِبَتْ عشرًا، وَمَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فلم يعملها لم تكتب شيئًا، فإِن عملها كُتِبَتْ سَيِّئَةً واحدة!
قال: فنزلت حتى انتَهَيتُ إِلى موسى - ﷺ - فأخبرته، فقال: ارجع إِلى ربِّك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله - ﷺ -، فقلت: قد رجَعْت إِلى ربِّي حتى استَحيَيْتُ منه! " (١)
_________________
(١) مسلم: ١ - الإيمان (١٦٢)، وأحمد: ٣: ١٤٨ - ١٤٩، وأبو يعلى (٣٣٧٥، ٣٤٥٠، ٣٤٥١، ٣٤٩٩)، وأبو عوانة: ١: ١٢٦ - ١٢٨، والبيهقي: الدلائل: ٢: ٣٨٢ - ٣٨٤، والبغوي (٣٧٥٣) من طرق عن حماد بن سلمة، وعند أبي يعلى منقطع، وأبو عوانة: ١: ١٢٥ - ١٢٦ من طريق شريك عن أنس، وانظر: أحمد: ٣: ١٥٣، وعبد بن حميد: (١٢١٠)، والنسائي: الكبرى (١١٥٣٠)، وأبو يعلى (٣٤٤٧)، والطبري: التفسير: ٢٧: ١٧، والحاكم: ٢: ٤٦٨ من طرق، وأحمد: ٥: ٣٩٢ بسند حسن عن حذيفة، وفيه عاصم ابن بهدلة، وباقي رجاله ثقات، والطيالسي (٤١١)، والبيهقي: الدلائل: ٢: ٣٦٤، والطحاوي: شرح المشكل (٥٠١٤)، وانظر: الفتح الرباني: ٢٠: ٢٥١ أو ما بعدها.
[ ٤ / ١٤٩٠ ]
قلت: سلم هذا الحديث من التعارض الذي سيأتي -كما قال السيوطي- ولذا قدّمته على غيره في الترتيب، وأيضًا ذكر الإسراء إلى بيت المقدس قبل المعرج، وفيه إثبات أن النبيّ - ﷺ - أتى بيت المقدس في ليلة المعراج، وبه قال الجمهور!
الحديث الثاني:
يروي الشيخان وغيرهما عن ابن شهاب عن أنس بن مالك، قال: كان أبو ذرٍّ يحدّث أن رسول الله - ﷺ - قال:
"فُرِجَ (١) عن سقف بيتي وأنا بمكّة، فنزل جبريل ففرج (٢) صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بِطسْتٍ (٣) من ذهب ممتلئٍ حكمةً وإِيمانًا، فأفرغَه في صدري، ثم أطبقه!
ثم أخذ بيدي، فَعَرَجَ بي إِلى السماء الدنيا، فلمَّا جئت إِلى السماء الدّنيا، قال جبريل لخازن السماء: افتح، قال: مَنْ هذا؟ قال: هذا جبريل، قال: هل معك أحد؟ قال: نعم، معي محمَّد - ﷺ -، فقال: أرسل إِليه؟
قال: نعم، فلمّا فَتَحَ علونا السماء الدنيا، فإِذا رجلٌ قاعدٌ على يمينه أسودَةٌ (٤)، وعلى يساره أسودةٌ، إِذا نظر قِبَل يساره بكى،
_________________
(١) أي انفتح: فتح الباري: ١: ٤٦٠.
(٢) أي شقّ: المرجع السابق.
(٣) أي إناء: السابق.
(٤) أسودةٌ: كل شخص من إنسان وغيره يسمَّى سوادًا، وجمعه أسودة.
[ ٤ / ١٤٩١ ]
فقال: مرحبًا بالنبيّ الصالح، والابن الصالح، قلت لجبريل: مَن هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نَسَمُ بَنِيه، فأهل اليمين منهم هم أهل الجنّة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإِذا نَظر عن يمينه ضحك، وإِذا نَظَر قبَل شماله بكى! حتى عرج بي إِلى السماء الثانية فقال لخازنها: افْتَحَ، فقال له خازنها مثل ما قال الأول، ففتح"!
قال أنس: فذكر أنه وجد في السماوات آدم، وإِدريس، وموسى، وعيسى، وإِبراهيم، صلوات الله عليهم، ولم يثْبِتْ كذلك منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدّنيا، وإِبراهيم في السماء السادسة!
قال أنس: فلمّا مرَّ جبريل بالنبي - ﷺ - قال: مرحبًا بالنبيّ الصالح، والأخ الصالح، فقلت: "مَن هذا؟ " قال: هذا إِدريس!
ثمَ مررت بموسى فقال: مرحبًا بالنبيّ الصالح، والأخ الصالح، قلت: "من هذا؟ " قال: هذا موسى!
ثمَّ مررت بعيسى فقال: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبيّ الصالح، "من هذا؟ " قال: هذا عيسى!
ثمّ مررت بإِبراهيم فقال: مرحبًا بالنبيّ الصالح، والابن الصالح، قلت: "من هذا؟ " قال: هذا إِبراهيم - ﷺ -!
[ ٤ / ١٤٩٢ ]
قال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم أن ابن عباس، وأبا حَبَّةَ الأنصاري، كانا يقولان: قال النبي - ﷺ -: "ثم عُرِجَ بي حتّى ظهرتُ لِمُستَوى أسمع فيه صَرِيف (١) الأقلام"!
قال ابن حزم، وأنس بن مالك: قال النبيّ - ﷺ -: "فَفَرض الله على أمّتي خمسين صلاة، فرجعتُ بذلك، حتى مررْتُ على موسى، فقال: ما فَرَضَ الله لك على أُمَّتِك؟ قلت: فرض خمسين صلاةً، قال: فارجِعْ إِلى ربّك، فإِن أُمَّتَك لا تطيق ذلك، فراجعني فوضَع شَطرها (٢)، فرجعت إِلى موسى، قلت: وضعَ شطْرها، فقال: راجع ربّك، فإِن أمّتك لا تُطيق، فراجعت فوضَعَ شَطرَها، فرجعت إِليه، فقال: ارجِعْ إِلى ربّك، فإِن أمّتك لا تُطيق ذلك، فراجعتُه فقال: هي خمس وهي خمسون، لا يُبَدّل القول لديَّ، فرجعت إِلى موسى فقال: راجِع ربّك، فقلت: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ ربِّي، ثم انطلق إِلى سدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا أدْرِي ما هيَ، ثم أُدخِلْتُ
_________________
(١) الصريف: الصوت، وصريف الأقلام: تصويتها حال الكتابة. والمراد ما تكتبه الملائكة من أقضية الله ﷾: فتح الباري: ١: ٤٦٢.
(٢) قال ابن المنير: ذكر الشطر في الحديث أعم من كونه وقع في دفعة واحدة، أو المراد بالشطر في الحديث البعض .. قال ابن حجر: فتح الباري: ١: ٤٦٢ وقد حققت رواية ثابت أن التخفيف كان خمسًا خمسًا، وهي زيادة؛ معتمدة يتعيّن حمل باقي الروايات عليها، وأما قول الكرماني: الشطر هو النصف ففي المراجعة الأولى وضع خمسًا وعشرين، وفي الثانية ثلاثة عشر، يعني نصف الخمسة والعشرين يجبر الكسر، وفي الثانية سبعًا، كذا قال.
[ ٤ / ١٤٩٣ ]
الجنَّة، فإِذا فيها حبايل (١) اللؤلؤِ، وإِذا تُرَابُها الْمِسْكُ". (٢)
_________________
(١) قال ابن حجر: السابق: ٤٦٣ - ٤٦٤ كذا وقع لجميع رواة البخاري في هذا الموضع، بالحاء المهملة ثم الموحدة وبعد الألف تحتانيّة ثم لام، وذكر كثير من الأئمة أنه تصحيف، وإنما هو (جنابذ) بالجيم والنون وبعدها الألف موحدة ثم ذكر معجمة كما وقع عند المصنف في أحاديث الأنبياء من رواية ابن المبارك وغيره عن يونس، وكذا عند غيره من الأئمة، ووجدت في نسخة معتمدة من رواية أبي ذر في هذا الموضع (جنابذ) على الصواب، وأظنه من إصلاح بعض الرواة. وقال ابن حزم في أجوبته على مواضع من البخاري فتشت على هاتين اللفظتين فلم أجدهما ولا واحدة منهما، ولا وقفت على معناهما. وذكر غيره أن الجنابذة شبه القباب، واحدها جنبذة بالضم، وهو ما ارتفع من البناء، فهو فارسي معرب، وأصله بلسانهم كنبذة بوزنه، لكن الموحدة مفتوحة الكاف ليست خالصة، ويؤيده ما رواه المصنف في التفسير من طريق شيبان عن قتادة عن آنس قال: لما عرج بالنبي - ﷺ - قال: "أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ". وقال صاحب المطالع في الحائل، قيل: هي القلائد والعقود، أو هي من حبال الرمل، أي فيها لؤلؤ مثل حبال الرمل، جمع حبل، وهو ما استطال من الرمل، وتعقّب بأن الحبائل لا تكون إلا جمع حبالة، وحبالة جمع حبل، على غير قياس. والمراد أن فيها عقودًا أو قلائد من اللؤلؤ.
(٢) البخاري: ٨ - الصلاة (٣٤٩)، وانظر (١٦٣٦، ٣٣٤٢)، ومسلم (١٦٣)، وأحمد: ٥: ١٢١، ٢٨٨، وفيه عبد العزيز بن محمَّد، وشيخه شريك، وعطاء بن يسار عن أبيّ بن كعب، وسنده قوي، إن ثبت سماع عطاء من أبي، وابن ماجه (١١١١)، وفيه محرز، وابن خزيمة (١٨٠٧، ١٨٠٨)، والحاكم: ١: ٢٨٧ - ٢٨٨، ٢: ٢٢٩ - ٢٣٠، والبيهقي: ٣: ٢١٩ - ٢٢٠ من طرق، وانظر: الضياء: المختارة (١١٢٦)، والبخاري تعليقًا (١٦٣٦، ٣٣٤٢)، ومسلم (١٦٣)، والنسائي: الكبرى (٣١٤)، وأبو عوانة (٣٥٤)، وابن حبان (٧٤٠٦)، وانظر: الفتح الرباني: ٢٠: ٣٤٩ وما بعدها، والمجمع: ١: ٦٥ - ٦٦.
[ ٤ / ١٤٩٤ ]
الحديث الثالث:
ويروي الشيخان وغيرهما عند قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة ﵄ قال: قال - ﷺ -:
"بينا أنا عند البيت، بين النائم واليقظان -وذكر-يعني رجلًا بين الرجلين- فأُتيتُ بطستٍ من ذهبٍ ملآن حكمةً وإِيمانًا، فشقَّ من النحر إِلى مراقّ (١) البطن، ثم غُسل البطن بماء زمزم، ثم ملئ حكمةً وإِيمانًا.
وأُتِيتُ بدابّة أبيض، دون البغل وفوق الحمار: البراق، فانطلقت مع جبريل، حتى أتينا السماء الدّنيا، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد أُرسل إِليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على آدم، فسلّمت عليه، فقال؛ مرحبًا بك من ابن ونبيّ!
فأتينا السماء الثانية، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد - ﷺ -، قيل: أُرسل إِليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على عيسى ويحيى، فقالا: مرحبًا بك من أخٍ ونبيّ!
فأتينا السماء الثالثة، قيل مَن هذا؟ قيل: جبريل، قيل: من معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد أرسل إِليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به
_________________
(١) مارق منه ولان، ولا واحد له من لفظه: الصحاح (رقق).
[ ٤ / ١٤٩٥ ]
ولنعم المجيء جاء، فأتيت على يوسف، فسلّمت، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيّ!
فأتينا السماء الرابعة، قيل: مَن هذا؟ قيل: جبريل؟ قيل: من معك؟ قيل: محمَّد - ﷺ -، قيل: وقد أُرسل إِليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على إِدريس، فسلّمت عليه، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيّ!
فأتينا السماء الخامسة، قيل: مَن هذا؟ قيل: جبريل، قيل: ومَن معك؟ قال: محمَّد - ﷺ -، قيل: وقد أُرسل إِليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على هارون فسلّمت عليه، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيّ!
فأتينا على السماء السادسة، قيل: مَن هذا؟ قيل: جبريل، قيل: مَن معك؟ قيل: محمَّد - ﷺ -، قِيل: وقد أُرسل إِليه؟ مرحبًا به، نعم المجيء جاء، فأتيت على موسى فسلّمت عليه، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيّ، فلمَّا جاوزت بكى، قيل: ما أبكاك؟ قال: يا ربّ! هذا الغلام الذي بُعث بعدي، يدخل الجنّة من أمّته أفضل مما يدخل من أمّتي!
فأتينا السماء السابعة، قيل: مَن هذا؟ قيل: جبريل، قيل: مَن معك؟ قيل: محمَّد، قيل: وقد أُرسل إِليه؟ مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على إِبراهيم، فسلّمت عليه، فقال: مرحبًا بك من ابن ونبيّ!
[ ٤ / ١٤٩٦ ]
فَرُفِع لي البيت العمور، فسألت جبريل، فقال: هذا البيت المعمور، يصلّي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إِذا خرجوا لم يعودوا إِليه آخر ما عليهم!
ورُفعَت لي سدرة المنتهى، فإِذا نبقها كأنه قلال هجر، وورقها كأنه آذان الفيلة، في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فسألت جبريل، فقال: أما الباطنان ففي الجنّة، وأمّا الظاهران النيل والفرات!
ثم فُرضتْ عليّ خمسون صلاة، فأقبلت حتى جئت موسى، فقال: ما صنعت؟ قلت: فُرضتْ عليَّ خمسون صلاة، قال: أنا أعلم بالناس منك، عالجت بني إِسرائيل أشدّ المعالجة، وإِن أمّتك لا تُطيق، فارجع إِلى ربّك فَسَلْه، فجعلها أربعين، ثم مثله، ثم ثلاثين، ثم مثله، فجعل عشرين، ثم مثله، فجعل عشرًا.
فأتيت موسى، فقال: مثله، فجعلها خمسًا، فأتيتُ موسى، فقال: ما صنعت؟ قلت: جعلها خمسًا، فقال مثله، قلت: فسلّمت، فنُودي: إِنّي قد أمضيت فريضتي، وخفّفت عن عبادي، وأجزي الحسنة عشرًا". (١)
_________________
(١) البخاري: ٥٩ - بدء الخلق (٣٢٠٧)، وانظر (٣٣٩٣، ٣٤٣٠، ٣٨٨٧)، ومسلم (١٦٤)، وأحمد: ٤: ٢٠٨، والفتح الرباني: ٢٠: ٢٤٤، والنسائي: ١: ٢١٧ - ٢٢١، والكبرى (٣١٣)، والبيهقي: الدلائل: ٢: ٣٧٧، وابن منده: الإيمان (٧١٥)، وأبو عوانة: ١: ١٢٠ - ١٢٤، والطبراني: ١٩ (٥٩٩)، والترمذي مختصرًا (٣٣٤٦).
[ ٤ / ١٤٩٧ ]
الحكمة في اختصاص كل نبيّ بسماء:
وأمّا عن الحكمة في اختصاص كل نبيّ بالسماء التي التقاه بها، فقد اختلف في ذلك، كما يقول ابن حجر (١) فقيل: ليظهر تفاضلهم في الدرجات، وقيل: لمناسبة تتعلّق بالحكمة في الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء، فقيل: أمروا بملاقاته، فمنهم من أدركه من أوّل وهلة، ومنهم من تأخّر فلحق، ومنهم من فاته، وهذا زيفه السهيلي فأصاب، وقيل: الحكمة في الاقتصار على هؤلاء المذكورين للإشارة إلى ما سيقع له - ﷺ - مع قومه، من نظيرما وقع لكل منهم:
فأمّا آدم فوقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنّة إلى الأرض، بما سيقع للنبيّ - ﷺ - من الهجرة إلى المدينة، والجامع ما حصل لكل منهما من المشقّة، وكراهة فراق ما ألفه من الوطن، ثم كان مآل كل منهما أن يرجع إلى موطنه الذي أخرج منه!
وبعيسى ويحيى على ما وقع له من أول الهجرة من عداوة اليهود وتماديهم في البغي عليه، وإرادتهم وصول السوء إليه!
وبيوسف على ما وقع له من قريش في نصبهم الحرب له، ولإرادتهم هلاكه، وكانت العاقبة له!
وبإدريس على رفيع منزلته عند الله!
وبهارون على أن قومه رجعوا إلى محبّته بعد أن آذوه!
_________________
(١) فتح الباري: ٧: ٢١٠ - ٢١١ بتصرف.
[ ٤ / ١٤٩٨ ]
وبموسى على ما وقع له من معالجة قومه!
وبإبراهيم في استناده إلى البيت المعمور بما ختم له - ﷺ - في آخر حياته من إقامة مناسك الحج، وتعظيم البيت!
قال ابن حجر: وهذه مناسبات لطيفة، أبداها السهيلي، فأوردتها منقحة ملخصة. (١)
وقال ابن أبي جمرة: الحكمة في كون آدم في السماء الدّنيا؛ لأنه أوّل الأنبياء، وأوّل الآباء، وهو أصل، فكان أوّلًا في الأولى، ولأجل تأنيس النبوّة بالأبوّة!
وعيسى في الثانية؛ لأنه أقرب الأنبياء عهدًا من محمَّد!
ويليه يوسف؛ لأن أمّة محمَّد تدخل الجنة على صورته!
وإدريس في الرابعة، لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيَّا (٥٧)﴾ (مري)!
والرابعة من السبع وسط معتدل!
وهارون لقربه من أخيه موسى!
وموسى أرفع منه لفضل كلام الله!
وإبراهيم؛ لأنه الأب الأخير، فناسب أن يتجدّد للنبيّ - ﷺ - بلقيه أُنسًا، لتوجّهه بعده إلى عالم آخر، وأيضًا فمنزلة الخليل تقتضي أن تكون أرفع المنازل، ومنزلة الحبيب أرفع منزلته، فلذلك ارتفع النبي - ﷺ - عن منزلة إبراهيم إلى قاب قوسين أو أدنى!
_________________
(١) انظر: الروض الأنف: ٢: ١٥٧ - ١٥٨.
[ ٤ / ١٤٩٩ ]
صلاة النبي - ﷺ - بالأنبياء:
يروي أحمد وغيره بسند حسن عن زرّبن حبيش، عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله - ﷺ - قال:
"أُتِيتُ بالبراق، وهو دابّة أبيض طويل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فلم نُزايل (١) ظهره أنا وجبريل، حتى أتيت بيت المقدس، ففُتحت لنا أبواب السماء، ورأيت الجنّة والنار"!
قال حذيفة بن اليمان: ولم يُصَلِّ في بيت المقدس، قال زرّ: فقلت له: بلى، قد صلى - ﷺ - قال حذيفة: ما اسمك يا أصلع؟ فإِنّي أعرف وجهك، ولا أدْرِي ما اسمك؟ فقلت: أنا زِرّ بن حُبَيش، قال: وما يدريك أنه قد صلّى؟ قال: فقلت يقول الله:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾!
فقال: فهل تجده صلّى؟ لو صلّى لصلّيتم فيه كما تصلّون في المسجد الحرام!
قال زرّ: وربط الدابّة بالحلقة التي يربط بها الأنبياء!
فقال حذيفة: أو كان يخاف أن تذهب منه، وقد أتاه الله بها! (٢)
_________________
(١) أي نفارق.
(٢) أحمد: ٥: ٣٨٧، ٣٩٠، ٣٩٢، ٣٩٤ وفيه عاصم بن بهدلة، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح، والطيالسي (٤١١)، والحميدي (٤٤٨)، وابن أبي شيبة: ١١: ٤٦٠، ٤٦١، =
[ ٤ / ١٥٠٠ ]
وفي رواية لأحمد عنه عن حذيفة - ﷺ -، وهو يحدّث عن ليلة أسري بمحمد - ﷺ - .. إلى أن قال: دخله - ﷺ - ليلتئذ وصلَّى فيه الحديث. (١)
قال ابن كثير: وهذا الذي قاله حذيفة نفي، وما أثبته غيره من الصلاة وربط الدابّة مقدّم عليه! (٢)
وحذيفة رضي الله تعالى عنه يحكي ما بلغه، وقد ثبت عند غيره من الصحابة ﵃كما سبق- في حديث مسلم وأحمد عن أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - صلى في بيت المقدس، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. (٣)
وجاء في رواية لأحمد بسند صحيح عن ابن عباس ﵄ قال: ليلة أُسرِي بنبيّ الله - ﷺ -، ودخل الجنّة، فسمع في جانبها ونجسًا (٤)، قال: "يا جبريل ما هذا؟ " قال: هذا بلال المؤذّن، فقال نبيِّ الله - ﷺ - حين جاء إِلى الناس: "قد أفلح بلال، رأيت له كذا وكذا! ".
_________________
(١) = ١٤: ٣٠٦، والطبري: التفسير: ١٥: ١٥، والطحاوي: شرح المشكل (٥٠١٤)، والحاكم: ٢: ٣٥٩، والبيهقي: الدلائل: ٢: ٣٦٤، والترمذي (٣١٤٧)، وصحيح الترمذي (٢٥١٥)، وابن حبان (٤٥)، وأبو داود الطيالسي: منحة المعبود: ٢: ٩١ (٢٣٣١) (١) الفتح الرباني: ٢٠: ٢٥٣ - ٢٥٤.
(٢) الآية الكبرى: ١٠٠.
(٣) انظر: الفتح الرباني: ٢٠: ٢٥٤.
(٤) أي صوتًا خفيًّا.
[ ٤ / ١٥٠١ ]
قال: فلقيه موسى - ﷺ - فرحّب به، وقال: مرحبًا بالنبيّ الأمّي، فقال: "وهو رجل آدمٌ طويلٌ، سَبطٌ شعرُه مع أُذُنَيه أو فوقهما" فقال: "مَنْ هذا يا جبريل؟ " قال: هذا موسى ﵇!
قال: فمضى فلقيه عيسى، فرحّب به، وقال: "مَنْ هذا يا جبريل؟ " قال: "هذا عيسى" قال: فمضى فلقيه شيخٌ جليلٌ مهيبٌ، فرحّب به، وسلّم عليه، وكلهم يُسَلِّم عليه، قال: "مَن هذا يا جبريل؟ " قال: هذا أبوك إِبراهيم!
قال: فنظر في النار، فإِذا قوم يأكلون الجِيَف، قال: "مَنْ هؤلاء يا جبريل؟ " قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس" (١)، ورأى رَجُلًا أحمر أزرق جعدًا (٢) شَقِيًّا إِذا رأيته قال: "منْ هذا يا جبريل؟ " قال: هذا عاقر الناقة!
قال: فلمّا دخل النبي - ﷺ - المسجد الأقصى قام يُصلِّي، ثم التفت فإِذا النبيّون أجمعون يُصلّون معه، فلما انصرف جيء بِقَدَحَينِ، أحدهما عن اليمين، والآخر عن الشمال، في أحدهما لَبَن، وفي الآخر عَسَلٌ، فأخذ اللبن فشرب منه، فقال الذي كان معه القدح: أصبْتَ الفطرة! (٣)
وجاء ذلك صريحًا في رواية مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا -كما سيأتي:
_________________
(١) أي الذين يغتابون الناس، قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ (الحجرات: ١٢)!
(٢) الظاهر: أزرق العينين (جعدًا) قال في النهاية: الجعد في صفات الرجال يكون مدحًا وذمًا، والمراد: الثاني.
(٣) السابق: ٢٥٤ - ٢٥٥، وانظر: أحمد (٢٣٢٤) تحقيق أحمد شاكر، وأورده ابن كثير.
[ ٤ / ١٥٠٢ ]
حكمة اجتماع الأنبياء في الصلاة:
وانطلاقًا من ضرورة الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين، وفق ما جاء صريحًا في الكتاب والسنة، ومن اجتماع الأنبياء في الصلاة -كما عرفنا- نبصر وجهًا من وجوه الحكمة في كون معجزة الإسراء والمعراج تبدأ من المسجد الحرام، أول بيت وضع للناس في مكّة، إلى المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، ثم إلى السماوات العلى .. وفي هذا ربط بين رسالات التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل ﵈، إلى محمَّد خاتم النبيّين، عليهم صلوات الله وتسليماته أجمعين!
وربط كذلك بين الأماكن المقدّسة لرسالات الرسل جميعًا!
ومن هنا نبصر الدعوة تمتدّ زمانًا ومكانًا .. ونبصر التكامل الإنسانيّ في رحاب هذه المعجزة، في صورة اجتماع الأنبياء في صلاة واحدة .. والصلاة في حقيقتها صلةٌ بالله، وتوجّه إليه بالجَنان واللسان والحركة!
ونبصر توجيهًا إلى الإنسانيّة عبر آباد الزمان وأبعاد المكان أن تكون على طريق واحد، هو طريق الخير للجميع .. بيد أن الواقع الإنسانيّ يندى له الجبين، والبشريّة مازالت تتعثّر وتتعثّر -كما يشهد الواقع الأليم!
كما نبصر الألوان في حديث الإسراء والمعراج تتساقط دونها حواجز
_________________
(١) التفسير: ٥: ٢٦، وعزاه لأحمد وصحح إسناده، وقال: لم يخرجوه، والسيوطي: الدر المنثور: ٥: ٢١٤، وزاد نسبته إلى ابن مردويه، وأبي نعيم: الدلائل، والضياء: المختارة، وصحح إسناده، وانظر: فتح التاريخ: ٧: ٢٠٨ - ٢٠٩.
[ ٤ / ١٥٠٣ ]
اللون والتفرقة العنصريّة .. تلك التي مازالت تعاني منها المجتمعات التي قطعت مراحل ومراحل من التقدّم المادّيّ، بينما ظلّت في طفولة عقليّة إزاء الألوان والأجناس!
بين الرسول - ﷺ - وقريش:
وحدّث الرسول - ﷺ - الناس بما حدث.
فقد روى أحمد وغيره بسند صحيح عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -:
"لما كان ليلة أسري بي، وأصبحت بمكّة، فظعت (١) بأمري، وعرفت أن الناس مكذِّبِيّ"!
فقعد معتزلًا حزينًا، قال: فمرّ عدوّ الله أبو جهل، فجاء فجلس عليه، فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "نعم" قال: ما هو؟: "إِنه أُسري بي الليلة" قال: إِلى أين؟ قال: "إِلى بيت المقدس" قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ (٢) قال: "نعم" قال:
_________________
(١) أي اشتدّ عليّ وتعبت: الفتح الرباني: ٢٠: ٢٦٢، وفي المجمع: ١: ٦٤ (فضعت) قال: وفي زوائد البزار (ففظعت)، وفي النهاية (فظعت بأمري)، وفي إيراده بالضاد نظر!
(٢) بفتح النون، قال ابن فارس: ولا تكسر، وقال جماعة: الألف والنون زائدتان للتأكيد، وبين ظهرانيهم وبين أظهرهم كلها بمعنى بينهم، وفائدة إدخاله في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد إليهم، وكأن المعنى أن ظهرًا منهم قدامه وظهرًا وراءه، فكأنه مكنوف من جانبيه، هذا أصله، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم، وإن كان غير مكنوف بينهم: الفتح الرباني: ٢٠: ٢٦٣، وانظر: أحمد: ٥: ٢٩، هامش الرسالة.
[ ٤ / ١٥٠٤ ]
فلم يُرِه أنه يكذّبه مخافة أن يجحد الحديث إِن دعا قومه إِليه، قال: أرأيت إِن دعوتُ قومك تحدّثهم ما حدّثتني؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "نعم" فقال: هيا معشر بني كعب بن لؤي، حتى قال: فانتفضَتْ إِليه المجالس، وجاؤوا حتى جلسوا إِليهما، قال: حدِّث قومك بما حدثتني!
فقال: رسول الله - ﷺ -: "إِنّي أُسريَ بي الليلة" قالوا: إِلى أين؟ قال: "إِلى بيت المقدس" قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟! قال: "نعم"، قال: فمن بين مُصَفِّقٍ، ومن بين واضعٍ يده على رأسه، مُتَعَجِّبًا للكذب زَعَم!! قالوا: وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد، وفي القوم من قد سافر إِلى ذلك البلد، ورأى المسجد، فقال رسول الله - ﷺ -: "فذهبت أنعتُ، فما زلت أنعتُ حتى التبس عليَّ بعض النّعت" قال: "فجيء بالمسجد وأنا أنظر، حتى وُضع دون دار عِقال -أو عقيل- فنعتّه وأنا أنظر إِليه" قال: "وكان مع هذا نعتٌ لم أحفظه" قال: فقال القوم: أمّا النعت فوالله لقد أصاب! (١)
وفي رواية للشيخين وغيرهما عن جابر بن عبد الله ﵄، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول:
_________________
(١) أحمد: ١: ٣٠٩، والبزار: ٥٦ كشف الأستار، وابن أبي شيبة: ١١: ٤٦١ - ٤٦٢، والنسائي: الكبرى (١١٢٨٥)، والطبراني (١٢٧٨٢)، والبيهقي: الدلائل: ٢: ٣٦٣ - ٣٦٤، وأورده السيوطي: الدر المنثور: ٥: ٢٢٢، وزاد نسبته إلى ابن مردويه وأبي نعيم: الدلائل، والضياء: المختارة، وابن عساكر، وصحح إسناده.
[ ٤ / ١٥٠٥ ]
"لمَّا كذّبتني قريش قمت في الحجر، فجلى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا انظر إِليه". (١)
وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة - ﷺ - قال: قال رسول الله -ﷺ -:
"لقد رأيتني في الحجر، وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت القدس، لم أُثْبِتهَا (٢)، فكرِبْتَ كُربةً ما كربت مثله قط (٣)، قال: فرفعه الله لي أنظر إِليه، ما يسألوني عن شيء إِلَّا أنبأتُهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإِذا موسى قائمٌ يُصَلِّي، فإِذا رجلٌ ضَربٌ جَعدٌ كأنه من رجال شنوءة، وإِذا عيسى ابن مريم ﵇ قائم يُصلّي، أقرب الناس به شبهًا عروة بن مسعود الثّقفي، وإِذا إِبراهيم ﵇ قائمٌ يُصلّي، أشبه الناس به صاحبكم (يعني نفسه) فحانت الصلاة فأمَمْتُهم، فلمّا فرغت من الصلاة قال قائل: يا محمَّد! هذا مالك صاحب النار، فسلِّمْ عليه، فالتفتُّ إِليه فبدأني بالسلام". (٤)
_________________
(١) البخاري: ٦٣ - مناقب الأنصار (٣٨٨٦)، وانظر (٤٧١٠)، ومسلم (١٧٠)، وأحمد: ٣: ٣٧٧، وعبد الرزاق (٩٧١٩)، والترمذي (٣١٣٣)، والنسائي: الكبرى (١١٢٨٢)، وأبو عوانة: ١: ١٢٤ - ١٢٥، ١٣١، وأبو يعلى (٢٠٩١)، والطحاوي: شرح المشكل (٤٨٥٢، ٤٨٥٣)، وابن منده (٧٣٨، ٧٣٩)، والبيهقي: الدلائل: ٢: ٣٥٩، والبغوي (٣٧٦٢)، والطبري: التفسير: ١٥: ٦، وابن حبان (٥٥).
(٢) أي لم أحفظها.
(٣) الضمير يعود على معنى الكربة، وهو الكرب أو الغم أو الهم أو الشيء. قال الجوهري: الكربة: الغم الذي يأخذ بالنفس، وكذا الكرب، وكربه الغم: إذا اشتدَّ عليه.
(٤) مسلم: ١ - الإيمان (١٧٢).
[ ٤ / ١٥٠٦ ]
وفي رواية لأحمد وغيره بسند صحيح عن ابن عباس ﵄ قال:
"أُسرِيَ بالنبيّ - ﷺ - إِلى بيت المقدس، ثم جاء من ليلته، فحدّثهم بمسيره، وبعلامة بيت المقدس، وبعيرهم، فقال ناس، قال حسن (١): نحن نصدّق محمدًا - ﷺ -، فارتدّوا كفّارًا، فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل، وقال أبو جهل: يخوّفنا محمدٌ بشجرة الزّقُّوم! هاتُوا تمرًا وزبْدًا، فتزقّموا، ورأى الدجال في صورته رؤيا عَيْن، ليس رؤيا منام، وعيسى، وموسى، وإِبراهيم، صلوات الله عليهم، فسئل النبي - ﷺ - عن الدّجَّال؟ فقال: "أقمرُ هِجان -قال حسن: قال: رأيته فَيْلَمانيًّا أقمر هِجانًا- إِحدى عينيه قائمة، كأنّها كوكبٌ دُرِّيٌّ، كأن شعر رأسه أغْصانُ شجرة، ورأيت عيسى شابًّا أبيضَ، جَعْد الرّأس، حديد البصر، مُبَطَّنَ الخَلْق، ورأيت موسى أسحَمَ آدَمَ، كثير الشّعر -قال حسن: الشَّعْرَة- شديدَ الخلْق، ونظرت إِلى إِبراهيم، فلا أنظر إِلى إِربٍ من آرابه، إِلاّ نظرت إِليه منِّي، كأنّه صاحبكم، فقال جبريل ﵇: سلِّم على أبيك، "فسلّمت عليه"! (٢)
_________________
(١) قوله: (قال حسن) ليس في الفتح الرباني: ٢٠: ٢٦٣.
(٢) أحمد: ١: ٣٧٤، وصححه ابن كثير: التفسير: ٥: ٢٦، وأبو يعلى (٢٧٢٠) باختلاف يسير، وأخرج قول أبي جهل في الزقّوم النسائي (١١٤٨٤). قوله (الأقمر): الشديد البياض، و(الهجان): الأبيض، و(الفيلماني): العظيم الجثة، والعين القائمة: الباقية في مكانها، وفقدت الأبصار، والكوكب الدّرّي: المضيء، وجعد الرأس: أي جعد الشعر، وهو ضدّ الشعر المسترسل، وحديد البصر: قويّه، والمبطّن: الضامر البطن، =
[ ٤ / ١٥٠٧ ]
وأخرج البيهقي من طريق عباد بن حنيف، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، أنه قال (١):
لمّا ذكر الله الزّقوم خوّف به هذا الحيّ من قريش، فقال أبو جهل: هل تدرون ما هذا الزّقوم الذي يخوّفكم به محمَّد؟ قالوا: لا، قال نتزبّد بالزّبدة، أما والله لئن أمكننا لنتزقَمها تزقيمًا، فأنزل الله ﷿ فيه:
﴿وَالشَّجَرَةَ الْملْعُونَةَ في الْقُرآن﴾
يقول: المذمومة:
﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُم إِلَّا طُغيَانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾ (الإسراء)!
وأخرج الطبري (٢) بسنده عنه - ﵁ -، قوله:
﴿وَالشَّجَرَةَ الْملْعُونَةَ في الْقُرآن﴾! قال:
هي شجرة الزّقوم، قال أبو جهل: أيخوّفني ابن أبي كبشة بشجرة الزّقوم، ثم دعا بتمر وزبد، فجعل يقول: زقمني، فأنزل الله تعالى:
﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾ (الصافات)!، وأنزل فيهم:
_________________
(١) = والأسحم: الأسود، وهو الآدم أيضًا، والإرب: العضو. الزّقّوم: قال ابن الأثير: من الزَّقْم: اللَّقْم الشديد، والشرب المفرط.
(٢) البيهقي: كتاب البعث والنشور (٥٤٦)، وأورده السيوطي: وزاد نسبته إلى ابن إسحاق، وابن أبي حاتم: الدر المنثور: ٥: ٣١٠.
(٣) التفسير: ١٥: ١١٣، وأورده السيوطي بهذا اللفظ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.
[ ٤ / ١٥٠٨ ]
﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾!
قال ابن حجر (١) في بيان ما رآه - ﷺ - ليلة الإسراء: من ذلك ما وقع عند النسائي من رواية يزيد بن أبي مالك أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -:
"أُتيت بدابّة فوق الحمار ودون البغل " الحديث، وفيه: "فركبت ومعي جبريل، فسرت، فقال: أنزل فصل، ففعلت، فقال: أتدري أين صلّيت؟ صلّيت بطيبة، وإِليها المهاجَرة" يعني بفتح الجيم!
ودفع في حديث شدّاد بن أوس عند البزّار، والطبراني، أنه:
أول ما أُسري به مرّ بأرض ذات نخل، فقال له جبريل: انزل فصلّ، فنزل فصلّى، فقال: صلّيت بيثرب. ثم قال في رواية، ثم قال: انزل فصلّ مثل الأول، قال: صلّيت بطور سيناء، حيث كلَّم الله موسى، ثم قال: أنزل -فذكرت مثله، قال: صلّيت ببيت لحم، حيث ولد عيسى.
وقال في رواية شدّاد بعد قوله يثرب، ثم مرّ بأرض بيضاء، فقال: انزل فصلّ، فقال: صلّيت بمدين!
وفيه أنه دخل المدينة من بابها اليماني، فصلَّى في المسجد!
وفيه أنه مرّ في رجوعه بعير لقريش فسلّم عليهم، فقال بعضهم: هذا صوت محمَّد!
_________________
(١) فتح الباري: ٧: ١٩٩ - ٢٠١ بتصرف.
[ ٤ / ١٥٠٩ ]
وفيه أنه أعلمهم بذلك، وأن عيرهم تقدم يوم كذا، فقدمت الظهر، يقدمهم الجمل الذي وصفه!
وزاد في رواية يزيد بن أبي مالك:
"ثم دخلت بيت المقدس، فجمع لي الأنبياء، فقدّمني جبريل حتى أممتهم"!
وفي رواية عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة عن أنس، عند البيهقي في الدلائل:
أنه مرّ بشيء يدعوه متنحّيًا عن الطريق، فقال له جبريل: سر، وأنه مر على عجوز فقال: "ما هذه؟ " فقال: سر، وأنه مرّ بجماعة فسلّموا، فقال له جبريل: اردد عليهم!
وفي آخره فقال له:
الذي دعاك إِبليس، والعجوز الدنيا، والذين سلّموا إِبراهيم وموسى وعيسى!
ثم قال بعد أن ذكر بعض المشاهد التي سنتحدث عنها -كما سيأتي: وفي حديث أبي هريرة عند البزار والحاكم:
"أنه صلّى ببيت المقدس مع الملائكة، وأنه أتي هناك بأرواح الأنبياء، فأثنوا على الله، وفيه قول إِبراهيم: "لقد فضلكم محمَّد"!
[ ٤ / ١٥١٠ ]
وفي رواية عبد الرحمن بن هاشم عن أنس:
"ثم بعث له آدم فمن دونه، فأمّهم تلك الليلة" أخرجه الطبراني.
ثم قال: وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني في الأوسط:
"ثم أقيمت الصلاة، فتدافعوا، حتى قدموا محمدًا"، ثم قال: وفي حديث ابن عباس:
"فجيء بالمسجد وأنا أنظر إِليه حتى وضع عند دار عقيل، وأنا أنظر إِليه"
وهذا أبلغ في المعجزة، ولا استحالة فيه، فقد أحضر عرش بلقيس في طرفة عين لسليمان، وهو يقتضي أنه أزيل من مكانه، حتى أحضر إِليه، وما ذاك في قدرة الله بعزيز!
ووقع في حديث أم هانئ عند ابن سعد:
"فخيّل لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته، فإِن لم يكن مغيرًا من قوله "فجلى" وكان ثابتًا احتمل أن يكون المراد أنه مثل قريب منه، وأشار إِلى حديث "أريت الجنة والنار" وتأوّل قوله: "جيء بالمسجد" أي جيء بمثاله، والله أعلم!
ووقع في حديث شدّاد بن أوس عند البزّار والطبراني ما يؤيد الاحتمال الأول، ففيه:
[ ٤ / ١٥١١ ]
"ثم مررت بعير قريش -فذكر القصة- ثم أتيت أصحابي بمكّة قبل الصبح، فأتاني أبو بكر، فقال: أين كنت الليلة؟ " فقال:
"إِني أتيت بيت المقدس"، فقال: إِنه مسيرة شهر، فصفه لي، قال: "ففتح الله لي شراكًا كأنّي أنظر إِليه، لا يسألني عن شيء إِلا أنبأته عنه".
وفي حديث أم هانئ أيضًا أنهم قالوا له: كم للمسجد من باب؟
قال:
"ولم أكن عددتها، فجعلت أنظر إِليه وأعدها بابًا بابًا"!
وفيه عند أبي يعلى أن الذي سأله عن صفة بيت المقدس هو المطعم بن عدي، والد جبير بن مطعم، وفيه من الزيادة:
فقال رجلٌ من القوم: هل مررتَ بإِبل لنا في مكان كذا وكذا؟ قال: "نعم، لهم ناقة حمراء" قالوا: فأخبرنا عن عدتها، وما فيها من الرعاة، قال: كنت عن عدّتها مشغولًا"، فقام فأتى الإِبل فعدّها وعلم ما فيها من الرعاء، ثم أتى قريشًا فقال: "هي كذا وكذا، وفيها من الرعاء فلان وفلان، فكان كما قال"!
قال الشيخ أبو محمَّد بن أبي جمرة:
الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج إلى السماء، إرادة
[ ٤ / ١٥١٢ ]
إظهار الحق، لمعاندة من يريد إخماده؛ لأنه لو عرج به من مكّة إلى السماء لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلًا إلى البيان والإيضاح، فإنه لمّا ذكر أنه أسري به إلى بيت المقدس سألوه عن تعريفات جزئيّات من بيت المقدس، كانوا رأوها وعلموا أنه لم يكن رآها قبل ذلك، فلمَّا أخبرهم بها حصل التحقيق بصدقه فيما ذكر من الإسراء في ليلة، وإذا صحّ خبره في ذلك لزم تصديقه في بقيّة ما ذكره، فكان ذلك زيادةً في إيمان المؤمن، وزيادة في شقاء الجاحد المعاند!
وقال ابن حجر (١):
اختلف في حال الأنبياء عندما لقي النبيّ - ﷺ - إيَّاهم ليلة الإسراء، هل أُسري بأجسادهم لملاقاة النبيّ - ﷺ - تلك الليلة، أو أن أرواحهم مستقرّة في الأماكن التي لقيهم النبي - ﷺ -، وأرواحهم مشكلة بحسب أجسادهم، كما جزم به أبو الوفاء بن عقيل، واختار الأوّل بعض شيوخنا، واحتجّ بما ثبت في مسلم عن أنس أن النبي - ﷺ - قال:
"رأيت موسى ليلة أسري بي قائمًا يصلّي في قبره" فدلّ على أنه أسري به لا مرّ به!
قال ابن حجر:
وليس ذلك بلازم، بل يجوز أن يكون لروحه اتصال بجسد الأرض، فلذلك يتمكّن من الصلاة وروحه مستقرّة في السماء ..
_________________
(١) السابق: ٢١٢ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٥١٣ ]
وقال القرطبي في المفهم:
ظاهر حديث أنس أنها -أي سدرة المنتهى- في السابعة، لقوله بعد ذكر السماء السابعة: "ثم ذهب بي إلى السدرة"، وفي حديث ابن مسعود، أنها في السادسة، وهذا تعارض لا شك فيه، وحديث أنس هو قول الأكثر، وهو الذي يقتضيه وصفها بأنها التي ينتهي إليها علم كل نبيّ مرسل، وكل ملك مقرّب على ما قال كعب، قال: وما خلفها فغيب لا يعلمه إلا الله أو من أعلمه، وبهذا جزم إسماعيل بن أحمد، وقال غيره: إليها منتهى أرواح الشهداء، قال: ويترجّح حديث أنس بأنّه مرفوع، وحدث ابن مسعود موقوف، كذا قال، ولم يعرج على الجمع، بل جزم بالتعارض!
قال ابن حجر:
ولا يعارض قوله إنها في السادسة ما دلّت عليه بقيّة الأخبار أنه وصل إليها بعد أن دخل السماء السادسة؛ لأنه يحمل على أن أصلها في السماء السادسة، وأغصانها وفروعها في السابعة، وليس في السادسة منها إلا أصل ساقها!
وأشار إلى حديث أبي ذر أوّل الصلاة "فغشيها ألوان لا أدري ما هي" وبقيّة حديث ابن مسعود المذكور، قال تعالى:
﴿إِذ يَغشَى السّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ (النجم)!
[ ٤ / ١٥١٤ ]
قال: فراش من ذهب، كذا فسر المبهم في قوله: ﴿مَا يَغْشَى﴾ بالفراش!
ووقع في رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس "جراد من ذهب" قال البيضاوي: وذكر الفراش وقع على سبيل التمثيل، لأن من شأن الشجر أن يسقط عليها الجراد وشبهه، وجعلها من الذهب لصفاء لونها وإضاءتها في نفسها اهـ.
ويجوز أن يكون من الذهب حقيقة، ويخلق فيه الطيران، والقدرة صالحة لذلك!
وفي حديث أبي سعيد وابن عباس: "يغشاها الملائكة"!
وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: "على كل ورقة منها ملك"!
ووقع في رواية ثابت عن أنس عند مسلم: "فلمّا غشيها من أمر الله ما غشيها تغيّرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها"!
وفي رواية حميد عن أنس عند ابن مردويه نحوه، لكن قال: تحوّلت قوتًا، ونحو ذلك!
وقوله: "فإذا نبقها" بفتح النون وكسر الموحدة وسكونها أيضًا، قال ابن دحية: والأوّل هو الذي ثبت في الرواية، أي التحريك، والنبق معروف، وهو تمر السدر!
[ ٤ / ١٥١٥ ]
وقوله: "مثل قلال هجر" قال الخطابي: القلال بالكسر جمع قُلّة. بالضم -هي الجرار، يريد أن ثمرها في الكبر مثل القلال، وكانت معروفة عند المخاطبين، فلذلك وقع التمثيل بها، قال: وهي التي وقع تحديد الماء الكثير بها في قوله - ﷺ -: "إذا بلغ الماء قلّتين " (١).
قال محمَّد بن إسحاق (٢):
القلّة هي الجرار، والقلّة التي يستقى فيها، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: (إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء، ما لم يتغيّر ريحه أو طعمه، وقالوا: يكون نحوًا من خمس قرب)!
قال ابن حجر:
قال ابن دحية: واختيرت السدرة دون غيرها؛ لأن فيها ثلاثة أوصاف: ظلّ ممدود، وطعام لذيذ، ورائحة ذكيّة، فكانت بمنزلة الإيمان الذي يجمع القول والعمل والنيّة، والظلّ بمنزلة العمل، والطعم بمنزلة النيّة، والرائحة بمنزلة القول!
_________________
(١) يشير إلى ما رواه أحمد وغيره عن ابن عُمر ﵄ بعدة روايات قال: سمعت النبي - ﷺ - يسأل عن الماء، يكون بأرض الفلاة، وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال النبي - ﷺ -: "إذا كَان الماء قدر قلّتين لم يحمل الخبث" أحمد: ٢: ١٢، ٢٣، ٢٦، ٣٨، ١٠٧، وابن أبي شيبة: ١: ١٤٤، عبد بن حميد (٨١٨)، والدارمي (٧٣٧، ٧٣٨)،؛ أبو داود (٦٤، ٦٥)، والترمذي (٦٧)، وابن ماجه (٣١٧)، والدارقطني: ١: ١٩ وغيرهم، وفيه ابن إسحاق، وقد صرّح بالسماع عند الدارقطني، ورواه الجم الغفير من الثقات عنه.
(٢) الترمذي (٦٧) عقب الحديث.
[ ٤ / ١٥١٦ ]
وفي قوله: "أربعة أنهار "، قال ابن حجر:
يحتمل أن تكون سدرة المنتهى مغروسة في الجنة، تخرج من تحتها، فيصح أنها من الجنة .. قال ابن أبي جمرة: فيه أن الباطن أجل من الظاهر؛ لأن الباطن جعل في دار البقاء، والظاهر جعل في دار الفناء، ومن ثمّ كان الاعتماد على ما في الباطن، كما قال - ﷺ -: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". (١)
قوله: "وأما الظاهران فالنيل والفرات"، ووقع في رواية شريك -كما سيأتي- "أنه رأى في السماء الدنيا نهرين يطردان" فقال له جبريل: هما النيل والفرات عنصرهما، والجمع بينهما أنه رأى هذين النهرين عند سدرة المنتهى، مع نهري الجنة، ورآهما في السماء الدنيا دون نهري الجنّة، وأراد بالعنصر عنصو امتيازهما بسماء الدنيا!
قال ابن دحية:
ووقع في حديث شريك أيضًا: "ومضى به يرقى السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربّك".
ووقع في رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس عند ابن أبي حاتم أنه بعد أن رأى إبراهيم قال:
_________________
(١) الحديث رواه مسلم: ٤٥ - البر (٢٥٦٤)، وأحمد: ٢: ٢٨٤، ٢٨٥، ٥٣٩، (والزهد: ٥٩)، والبغوي (٤١٥٠)، وابن ماجه (٤١٤٣)، وأبو نعيم: الحلية: ٤: ٩٨، وابن حبان (٣٩٤).
[ ٤ / ١٥١٧ ]
"ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة حتى انتهى إلى نهر عليه خيام اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعليه طير خضر، أنعم طير رأيت، قال جبريل: هذا الكوثر الذي أعطاك الله، فإذا فيه آنية الذهب والفضة يجري على رضراض من الياقوت والزمرد، ماؤه أشدّ بياضًا من اللبن، قال: فأخذت من آنيته، فاغترفت من ذلك الماء فشربت، فإذا هو أحلى من العسل، وأشد رائحة من المسك"!
وفي حديث أبي سعيد:
"فإذا فيها عين تجري يقال لها السلسبيل، فينشق منها نهران، أحدهما الكوثر، والآخر يقال له نهر الرحمة"، قلت: فيمكن أن يفسّر بهما النهران الباطنان المذكوران في الحديث!
وكذا روي عن مقاتل، قال: الباطنان السلسبيل والكوثر، وأما الحديث الذي رواه مسلم بلفظ: "سيحان وجيحان، والنيل والفرات، من أنهار الجنّة، فلا يغاير هذا؛ لأن المراد به أن في الأرض أربعة أنهار أصلها من الجنّة، وحينئذ لم يثبت لسيحون وجيحون أنهما ينبعان من أصل سدرة المنتهى، فيمتاز النيل والفرات عليهما بذلك، وأمّا الباطنان المذكوران في الحديث فهما غير سيحون وجيحون، والله أعلم!
قال النووي: في هذا الحديث أن أصل النيل والفرات من الجنّة، وأنهما يخرجان من أصل سدرة المنتهى، ثم يسيران حيث شاء الله، ثم ينزلان إلى
[ ٤ / ١٥١٨ ]
الأرض، ثم يسيران فيها، ثم يخرجان منها، وهذا لا يمنعه العقل، وقد شهد به ظاهر الحديث فليعتمد!
وأما قول عياض:
إن الحديث يدلّ على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض، لكونه قال: إن النّيل والفرات يخرجان من أصلها، وهما بالشاهدة يخرجان من الأرض، فيلزم منه أن يكون أصل السدرة في الأرض، وهو متعقّب، فإن المراد بكونهما يخرجان من أصلها غير خروجهما بالنبع من الأرض، والحاصل أن أصلها من الجنّة، وهما يخرجان أوّلًا من أصلها، ثم يسيران إلى أن يستقرّا في الأرض، ثم ينبعان، واستدلّ به على فضيلة ماء النّيل والفرات، لكون منبعهما من الجنّة، وكذا سيحان وجيحان!
قال القرطبي:
لعلّ ترك ذكرهما في حديث الإسراء، لكونهما ليسا أصلًا برأسهما، وإنما يحتمل أن يتفرّعا عن النّيل والفرات، قال: وقيل إنما أطلق على هذه الأنهار أنها من الجنّة تشبيهًا لها بأنهار الجنّة، لما فيها من العذوبة والحسن والبركة، والأول أولى، والله أعلم!
[ ٤ / ١٥١٩ ]
حقيقة الإسراء والمعراج:
وبعد أن عرضنا -إجمالًا- لأهم الأدلّة، نبصر دعوةً تنادي المسلم، وتدعوه أن يتحرّك ويرتفع، فالإسراء لم يكن لغير محمَّد - ﷺ -، والمعراج كذلك .. والمسلم من أتباع هذا النبيّ الذي أسرى الله به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في لحظات، وعرج به إلى السماوات العلا في لمحات، إلى أن جاوز مرتبةً وقفت عندها الخواطر والأماني .. ومن ثم يتحرّك المؤمن في طريق الصعود، فقد عبّد الرسول - ﷺ - طريق الحق، وذلّل سبيل الهُدى، وتحمّل ما تحمّل .. وقد فتحت هذه الآية الربّانيّة عوالم، وقدّمت معالم، وأبصرتنا آفاق المجد واسعة!
ونبصر المسلم الصادق لا يختص بأرض دون أرض، ولا يحدّه مكان دون مكان، فهو كالشمس تشرق لتضيء الدنيا كلها، ومكانها في العلياء .. ونبصره يتحرّك لتبليغ دعوة الله إلى خلق الله، عسى أن يفتح الله به قلوبًا غلفًا، وآذانًا صمًّا، وأعينًا عميًا!
وإذا ما كانت هذه الآية عوضًا عن جفوة الأرض وفقد النصير فإن مطلع سورة الإسراء -كما أسلفنا- يبصّرنا بالتنزيه والتقديس، وختامها يدعونا إلى الحمد، ووسط البدء والختام نقرأ عقب دعاوى المشركين عن الآية:
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ (الإسراء)!
[ ٤ / ١٥٢٠ ]
ونبصر كل شيء يتوجّه إلى الله، فإذا الكون كله حركة وحياة، وإذا الوجود كله تسبيحة شجيّة نديّة، تنبض بها كل ذرّة في هذا الكون، وتنتفض تسبّح الله، وترتفع في جلال وكمال إلى الخالق جلّ شأنه!
ونبصر إعلان وراثة خاتم النبيّين - ﷺ - لمقدّسات الرسل قبله، واشتمال رسالته على هذه المقدّسات، وارتباط رسالته بها جميعًا، فهي رحلة مباركة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان، وتشمل آمادًا وآفاقًا أوسع من الزمان (١)، وتتضمّن معاني أكبر من المعاني الغريبة التي تتكشَّف عنها للنظرة الأولى!
ونبصر السياق ينتقل في مفتتح سورة الإسراء من صيغة التسبيحِ لله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ إلى صيغة التقرير: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ إلى صيغة الوصف: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وفقًا لدقائق الدلالات التعبيريّة بميزان دقيق حسّاس!
فالتسبيح يرتفع موجّهًا إلى ذات الله سبحانه، وتقرير القصد من الإسراء يجيء منه تعالى نصًا، والوصف بالسميع البصير في صورة الخبر الثابت لذاته الإلهيّة، وتجتمع هذه الصيغ المختلفة في الآية الواحدة لتؤدّي دلالتها بدقّة كاملة!
وإنه لمشهد كونيّ فريد، حين يتصوّر المؤمن كل شيء يسبّح بحمد الله .. وإن الوجدان ليرتعش وهو يستغرق تلك الحقيقة في كل ما حوله ممّا يراه وممّا لا يراه!
_________________
(١) انظر: في ظلال القرآن: ٤: ٢٢١٢.
[ ٤ / ١٥٢١ ]
وحين تشفّ الروح وترفّ وتصفو تدرك سرًا من أسرار هذا الوجود!
ونبصر مطلع السورة ووسطها وختامها يتّسق مع جوّ الإسراء اللطيف، والرحلة من المسجد الحرام -أول بيت وضع للناس- إلى المسجد الأقصى، وهي تربط عقيدة التوحيد في موكب الأنبياء والأماكن المقدّسة!
ونبصر اتجاهًا إلى الهدف الواحد الذي بعث الله النبيّين لدعوه الناس إليه، وسجودًا لله الذي كرّم الإنسان، ووقوفًا وراء خاتم النبيّين الذي جاء ليتمّم البناء، ويضع اللبنة المحكمة الأخيرة!
وفي سَبَحَات من الجلال والجمال والكمال، وفضاء لا يعلم مداه إلا الله، نبصر المعراج إلى مستوى لم يكن لغير محمَّد - ﷺ -!
ونبصر تشويقًا للمسلم، ليصعد معارج الكمال، وليلقى كل صعب، ويعلو كل مركب خطر!
وفي هذا نداء قويّ يهزّ أعطاف المؤمن هزًا، ويهمس في أذنه:
لست مجرد إنسان في هذه الحياة!
لست مجرد كائن في هذا الوجود!
فلك روح دونها كل روح لا تؤمن بالله!
ولك همة عالية دونها قمم الجبال!
وقد خلقت لتحلّق وتعلو دائمًا!
ومن ثم يعلو ويعرج بروحه، ويسمو بفكره، ويتحرّك في طريق الصعود!
[ ٤ / ١٥٢٢ ]
وهنا نبصر في الإنسانيّة خلفًا صالحًا لسلف صالح، يحمل الراية، ويؤمن بالرسل، ويمثّل الوحدة الكبرى بين الرسالات والرسل جميعًا!
وتلك هي قاعدة التصوّر الإيماني التي تجعل من خير أمّة أخرجت للناس الأمّة الوارثة لتراث العقيدة الحقّة، الموصولة بهذا الأصل العريق، السائرة في طريق الحق، على هدى ونور .. وفي الوقت ذاته تقدّم هذه الحقيقة التي تبصرها في سلوك المسلمين وعقيدتهم، وفي معالم عرض الدعوة الإسلاميّة على الناس .. فتلك رسالتنا، وتلك مسؤوليتنا، وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمّة المسلمة، لتعرف حقيقتها، وتعرف مكانتها، وأنها أخرجت لتكون لها القيادة!
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: ١٤٣)!
وقد اختلفوا في حقيقة الإسراء والمعراج اختلافًا كثيرًا، وكلمة (حقيقة) اقتبستها من قول السيوطي تحت عنوان (في حقيقته) (١) -أي الإسراء والمعراج- هل كانا في ليلة واحدة أم لا؟
وأيهما كان قبل الآخر؟ وهل كان في اليقظة أو المنام، أو بعضه في اليقظة وبعضه في المنام؟ وهل كان مرّة أو مرتين أو مرّات؟
القول الأول:
وهو قول الجمهور من المفسّرين والمحدّثين والفقهاء والمتكلّمين: أنهما وقعا في ليلة واحدة في اليقظة!
_________________
(١) الآية الكبرى: ١٠٥.
[ ٤ / ١٥٢٣ ]
وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة، وفي المقدمة قوله تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ (الإسراء)!
لأن التسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، ولو كان منامًا لم يكن فيه كبير شيء!
ولمَّا بادرت قريش إلى إنكاره -كما أسلفنا- ولأن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد -كما عرفنا- ولو كان منامًا لم يقل ﴿بِعَبدِهِ﴾ بل (بروح عبده)!
قال ابن حجر: ولا ينبغي العدول عن ذلك؛ إذ ليس في العقل ما يحيله، حتى يحتاج إلى تأويل! (١)
قال السيوطي: ولأنه حمل على البراق، والرّوح لا تحمل، وإنما يحمل البدن! (٢)
وقال ابن القيّم: أُسري برسول الله - ﷺ - بجسده على الصحيح، من المسجد الحرام إلى بيت المقَدس، راكبًا على البراق، صحبة جبريل عليهما الصلاة والسلام، فنزل هناك، وصلّى بالأنبياء إمامًا! (٣)
_________________
(١) فتح الباري: ٧: ١٩٧.
(٢) الآية الكبرى: ١٠٥.
(٣) زاد المعاد: ٣: ٣٤.
[ ٤ / ١٥٢٤ ]
وفي شرح المواهب اللدنيّة، قال الرازي (١): قال أهل التحقيق: الذي يدلّ على أنه تعالى أسْرى بروح سيّدنا محمَّد - ﷺ - وجسده معًا يقظةً من مكّة إلى المسجد الأقصى القرآن والخبر!
أما القرآن، فهو قوله تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾!
وتقرير الدليل أن العبد اسم للجسد والروح، فواجب أن يكون الإسراء حاصلًا بجميع الجسد والروح، إذ لو كان منامًا لقال بروح عبده، ويدلّ عليه قوله:
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾ (العلق)!
ولا شك أن المراد هنا مجموع الجسد والروح؛ لأن العبد هنا محمَّد - ﷺ -، والناهي له عن الصلاة أبو جهل، وهو لا ينهاه عن الصلاة بروحه!
وأيضًا قال ﷾:
﴿وَأَنَّهُ لمَّا قَامَ عَبدُ اللهِ يَدعُوهُ﴾ (الجن: ١٩)!
والمراد جميع الجسد والروح!
وفي قوله: ﴿أَسرَى بِعَبدِهِ لَيْلًا﴾!
إذ الآيات تحمل على نظيرها!
_________________
(١) شرح العلامة الزرقاني على المواهب اللدنيّة للقسطلاني: ٦: ٧ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٥٢٥ ]
واحتجّوا أيضًا بظاهر قوله - ﷺ -: "أُسْري بي" لأن الأصل في الأفعال أن تحمل على اليقظة، حتى يدلّ دليل على خلافه عقلي أو شرعي!
قال عياض وتبعه غيره: الحق والصحيح أنه إسراء بالجسد والروح في القصة كلها، وتدل عليه الآية نصًا، وصحيح الأخبار إلى السماوات استفاضة، ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل، إلا عند الاستحالة، وليس في الإسراء بجسده حال يقظته استحالة تؤذن بتأويل، إذ لو كان منامًا لقال (بروح عبده)، ولم يقل ﴿بِعَبْدِهِ﴾!
وقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ (النجم)! أي ما عدل عن رؤية ما أمر به من عجائب الملكوت، وما جاوزها، لصراحة ظاهره، في أنه بجسده يقظة؛ لأنه أضاف الأمر إلى البصر، وهو لا يكون إلا يقظة بجسده، بشهادة: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ (النجم)!
ولو كان منامًا لما كانت فيه آية ولا معجزة خارقة للعادة دالَّة على صدقه، وإن كانت رؤيا الأنبياء وحيًا؛ إذ ليس فيها من الأبلغيّة وخرق العادة ما فيه يقظة، على أن ذلك إنما يعرفه من صدقه وصدق خبره!
وإن ذلك لو كان منامًا لما كان فيه فتنة للضعفاء الذين وقعوا في بليّة عظيمة توقعهم في العذاب -كما أسلفنا- لتكذيبهم وإنكارهم لخبر الصادق بما هو خارق للعادة، ولا استبعده الأغبياء، ولا كذّبوه فيه؛ لأن مثل هذا من المنامات لا ينكر، بل لم يكن منهم ذلك إلا وقد علموا أن خبره
_________________
(١) انظر ما أخرجه أبو نعيم، كما في: الآية الكبرى: ١٠٥ - ١٠٦. [قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: لم يتبين لي موضع هذا الهامش]
[ ٤ / ١٥٢٦ ]
إنما كان عن إسرائه بجسده وحال يقظته؛ ولأن الدواب لا تحمل الأرواح، وإنما تحمل الأجسام!
وقد تواترت الأخبار بأنه أسري به على البراق، وهو دابّة، فوجب كونه بالجسد والروح معًا! (١)
وقال ابن القيم: أسري برسول الله - ﷺ - بجسده على الصحيح، من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، راكبًا البراق، صحبة جبريل عليهما الصلاة والسلام، فنزل هناك، وصلّى بالأنبياء إمامًا (٢)، وربط البراق بحلْقة باب المسجد.
وقد قيل: إنه نزل ببيت لحم، وصلّى فيه، ولم يصحّ ذلك عنه البتة!
ثم عُرِجَ به تلك الليلة من بيت المقدس إلخ! (٣)
القول الثاني:
وذهب جماعة إلى أن الإسراء كان بروحه في المنام! (٤)
قال ابن إسحاق (٥): حدثني بعض آل أبي بكر: أن عائشة زوج النبيّ - ﷺ - كانت تقول: ما فُقد جسد رسول الله - ﷺ -، ولكن الله أسرى بروحه!
قلت: هذا غير ثابت، وإن صرح ابن إسحاق بالسماع، فسنده
_________________
(١) زاد المعاد: ٣: ٣٤.
(٢) انظر: السيرة النبوية: ابن كثير: ٢: ١٥٣، ١٥٤.
(٣) انظر: زاد المعاد ٣: ٣٤ وما بعدها.
(٤) انظر: الآية الكبرى: ١٠٦.
(٥) الروض الأنف: ٢: ١٤٣.
[ ٤ / ١٥٢٧ ]
منقطع (١)، وقد رواه الطبري (٢)، قال عياض (٣): وأمّا قول عائشة ما فقد جسده، فعائشة لم تحدّث عن مشاهدة؛ لأنها لم تكن حينئذ زوجة، ولا في سنّ من يضبط، ولعلها لم تكن ولدت بعد .. ويقول: وأيضًا فليس حديث عائشة بالثابت، والأحاديث الأخرى أثبت. (٤)
قال الكوثري (٥): وأمّا ما يروى عن عائشة من قولها: ما فُقد جسد رسول الله - ﷺ -، لكنه أسري بروحه، فغير ثابت عنها البتة؛ لأنه من رواية ابن إسحاق بلفظ: حدّثني بعض آل بكر، فمن هو هذا؟ وأين ابن إسحاق المتوفى في منتصف القرن الثاني الهجري من إدراك زمن عائشة (٦)!
وفي هذا دحض لمن يرى أن الإسراء كان في المنام!
وفي شرح المواهب أن الشاميّ نقل في قول عائشة: (ما فُقد) بالبناء للمفعول، وما (فقدتُ) بالبناء للفاعل، وإسناد الفعل لتاء المتكَلم، وقد حكاهما في الشفاء روايتين، فقال أولًا: وأما قول عائشة (ما فُقد جسده) فهي لم تحدّث عن مشاهدة إلخ .. ثم قال: وأيضًا فقد روي (ما فَقدتُ) قال: ولم يدخل بها النبي - ﷺ - إلا بالمدينة!
_________________
(١) ابن هشام: ٢: ٤٦.
(٢) التفسير: ١٥: ١٦.
(٣) الشفا: ١: ٢٥٥.
(٤) السابق: ٢٥٦.
(٥) انظر: السيرة للذهبي: ١٦٦.
(٦) انظر: الشفا: ١: ٢٤٥ وما بعدها، والسيرة للذهبي: ١٦٦ هامش.
[ ٤ / ١٥٢٨ ]
وكل هذا يوهنه، بل الذي يدلّ عليه صحيح قولها إنه بجسده الشريف، لإنكارها رؤيته لربّه رؤية عين، ولو كانت عندها منامًا لم تنكره، وحديثها هذا ليس بالثابت عنها .. يعني لما في متنه من العلّة القادحة، وفي سنده من انقطاع، وراو مجهول!
وقال ابن دحية في التنوير (١): إنه حديث موضوع عليها، وقال في معراجه الصغير، قال إمام الشافعيّة أبو العباس بن سريج: هذا حديث لا يصح، وإنما وضع ردًا للحديث الصحيح!
وأجيب على تقدير صحته بأن عائشة لم تحدّث به عن مشاهدة؛ لأنها لم تكن إذ ذاك زوجًا، ولا في سنّ من يضبط ..
قال عياض: وإذا لم تشاهد ذلك عائشة دلّ على أنها حدّثت بذلك عن غيرها، فلم يرجح خبرها على خبر غيرها!
وكان الظاهر أن يقول: فرجح خبر غيرها، على خبرها: أي لعدم تبوثه عنها، كما أفصح به!
وقال التفتازاني في الجواب على تقدير الصحة: أي ما فُقد جسده عن الروح، بل كان مع روحه، وكان المعراج للجسد والرّوح جميعًا!
وهو جواب حسن، على ما فيه من كونه خلاف المتبادر من اللفظ!
قال السيوطي: فلم يرجح خبرها، مع قول أم هانئ بخلافه (٢)!
_________________
(١) الزرقاني على المواهب اللدنية: ٦: ٤ وما بعدها بتصرف.
(٢) الآية الكبرى: ١٠٨.
[ ٤ / ١٥٢٩ ]
وقال ابن إسحاق (١): حدّثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس: أن معاوية بن أبي سفيان قال: كانت رؤيا من الله تعالى صادقة!
قلت: يعقوب بن عتبة هذا مات سنة ١٢٨ هـ بينما معاوية - ﵁ - توفي سنة ٦٠ هـ، فالحجة منقطعة؛ لأنه لم يدرك معاوية (٢).
وقال ابن القيّم بعد أن ذكر قول ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية، والحسن (٣): ولكن ينبغي أن يُعلم الفرق بين أن يقال: كان الإسراء منامًا، وبين أن يقال: كان بروحه دون جسده، وبينهما فرق عظيم، وعائشة ومعاوية لم يقولا: كان منامًا، وإنما قالا أسري بروحه ولم يفقد جسده، وفرق بين الأمرين، فإن ما يراه النائم قد يكون أمثالًا مضروبة للمعلوم في الصور المحسوسة، فيرى كأنه قد عُرج به إلى السماء، أو ذُهب به إلى مكّة وأقطار الأرض، وروحه لم تصعد ولم تذهب، وإنما تلك الرؤيا ضرب له المثال، والذين قالوا: عُرج برسول الله - ﷺ - طائفتان:
طائفة قالت: عُرج بروحه وبدنه!
وطائفة قالت: عُرِج بروحه ولم يفقد بدنه!
وهؤلاء لم يريدوا أن المعراج كان منامًا، وإنما أرادوا أن الروح ذاتها أُسري بها، وعُرج بها حقيقة، وباشرت من جنس ما تباشر به بعد المفارقة، وكان حالها في ذلك كحالها بعد المفارقة في صعودها إلى السماوات سماءً
_________________
(١) ابن هشام: ٢: ٤٦.
(٢) الإصابة: ٦: ١١٤.
(٣) زاد المعاد: ٣: ٤٠ - ٤١.
[ ٤ / ١٥٣٠ ]
سماءً، حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فتقف بين يدي الله ﷿، فيأمر فيها بما يشاء، ثم تنزل إلى الأرض، والذي كان لرسول - ﷺ - ليلة الإسراء أكمل مما يحصل للروح عند المفارقة!
ومعلوم أن هذا أمر فوق ما يراه النائم، لكن لما كان رسول الله - ﷺ - في مقام خَرْق العوائد، حتى شُقَّ بطنه، وهو حيٌّ لا يتألم بذلك، عُرِج بذات روحه المقدّسة حقيقة من غير إماتة، ومن سواه لا ينال بذات روحه الصعود إلى السماء إلا بعد الموت والمفارقة، فالأنبياء إنما استقرّت أرواحهم هناك بعد مفارقة الأبدان، ورُوح رسول الله - ﷺ - صعدت إلى هناك في حال الحياة ثم عادت، وبعد وفاته استقرّت في الرّفيق الأعلى مع أرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام!
ومع هذا، فلها إشراف على البدن، وإشراق وتعلّق به، بحيث يردّ السلام على مَن سلّم عليه (١)!
وبهذا التعلّق رأى موسى قائمًا يصلي في قبره، ورآه في السماء السادسة، ومعلوم أنه لم يُعرج بموسى من قبره، ثم رُدّ إليه، وإنما ذلك مقام روحه واستقرارها. وقبره مقام بدنه واستقراره إلى يوم معاد الأرواح إلى أجسادها، فرآه يُصَلِّي في قبره، ورآه في السماء السادسة!
_________________
(١) الحديث رواه أحمد وغيره بسند حسن عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: "ما من أحد يسلِّم عليَّ، إلَّا ردّ الله ﷿ إليَّ روحي حتى أردّ ﵇" أحمد: ٢: ٥٢٧، وفيه أبو صخر -حميد بن زياد الخراط- حسن الحديث، روى له مسلم، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين، وأبو داود (٢٠٤١)، والبيهقي: ٥: ٢٤٥، والطبراني: الأوسط (٣١١٦).
[ ٤ / ١٥٣١ ]
كما أن وجه - ﷺ - في أرفع مكان في الرّفيق الأعلى مُستقرّة هناك، وبدنه في ضريحه غيرُ مفقود، وإذا سلّم عليه السلم ردّ الله عليه روحه حتّى يردّ ﵇، ولم يفارق الملأ الأعلى!
ومن كثُفَ إدراكه، وغلظت طباعُه عن إدراك هذا، فلينظر إلى الشمس في علوّ محلّها، وتعلّقها، وتأثيرها في الأرض، وحياة النبات والحيوان بها!
هذا، وشأن الرُّوح فوق هذا، فلها شأن، وللأبدان شأن!
وهذه النار تكون في محلّها، وحرارتها تؤثّر في الجسم البعيد عنها، مع أن الارتباط والتعلّق الذي بين الروُح والبدن أقوى وأكمل من ذلك وأتمّ، فشأن الرُّوح أعلى من ذلك وألطف!
فقل للعيون الرُّمْدِ إِيّاكِ أن تَري سَنَا الشَّمس فاستغشي ظلام اللّياليا
القول الثالث:
بالجسد يقظة إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح (١)، واستدلوا بآية الإسراء .. وقالوا: جعل المسجد الأقصى غاية الإسراء الذي وقع التعجّب به من الكفّار تعجّب استحالة، ومن المؤمنين تعجّب تعظيم، بعظيم قدرة الله الباهرة، والتمدّح بتشريف النبي - ﷺ -، وإظهار الكرامة له بالإسراء، ولو كان الإسراء بجسده إلى مكان زائد عن المسجد الأقصى لذكره، فيكون أبلغ
_________________
(١) انظر: شرح المواهب اللدنية: ٦: ٥.
[ ٤ / ١٥٣٢ ]
في المدح، فلمّا لم يقع ذكر المعراج في هذا الموضع مع كون شأنه أعجب، وأمره أغرب بكثير من الإسراء، دلّ على أنه كان منامًا، وأما الإسراء فلو كان منامًا لما كذّبوه ولا استنكروه!
وأجيب كما ذكر ابن المنير بأن حكمة التخصيص بالمسجد الأقصى سؤال قريش له على سبيل الامتحان، على ما شاهدوه وعرفوه من صفة بيت المقدس، وقد علموا أنه لم يسافر إليه، فيجيبهم بما عاين -كما سبق- ويوافق ما يعلمونه، فتقوم الحجة، وكذلك وقع!
ولهذا لم يسألوه عما رأى في السماء، ولا عهد لهم بذلك!
وفي الشامي: وأجاب الأئمّة عن ذلك بأنه استدرجهم إلى الإيمان بذكر الإسراء، فلمّا ظهرت أمارات صدقه، ووضحت لهم براهين رسالته، واستأنسوا بتلك الآية، أخبرهم بما هو أعظم منها، وهو المعراج، فحدّثهم به، وأنزله الله في سورة النجم!
قال ابن حجر (١): ويؤيد وقوع المعراج عقب الإسراء في ليلة واحدة رواية ثابت عن أنس عند مسلم -الحديث الأول الذي سبق- ففي أوّله: "أتيت بالبُراق .. " إلى أن قال: "ثم عرج بنا ".
قال ابن القيم (٢): وكان الإسراء مرّة واحدة، وقيل: مرّتين (٣): مرّة يقظة، ومرّة منامًا، وأرباب هذا القول كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك -الآتي- وقوله: (ثم استيقظت) وبين سائر الروايات!
_________________
(١) فتح البارى: ٧: ١٩٨، وفي شرح المواهب: (وقوع الإسراء عقب المعراج)، وهو خطأ ظاهر.
(٢) زاد المعاد: ٣: ٤٢.
(٣) انظر: الآية الكبرى: ١٠٩.
[ ٤ / ١٥٣٣ ]
ومنهم من قال: بل كان هذا مرّتين، مرَّة قبل الوحي، لقوله في حديث شريك: (وذلك قبل أن يوحى إليه) ومرّة بعد الوحي، كما دلّت عليه سائر الأحاديث!
ومنهم من قال: بل ثلاث مرّات: مرّة قبل الوحي، ومرّتين بعده!
وكلّ هذا خبط، وهذه طريقة ضعفاء الظاهريّة من أرباب النقل الذين إذا رأوا في القصة لفظة تخالف سياق بعض الروايات، جعلوه مرّة أخرى، فكلما اختلفت عليهم الروايات عددوا الوقائع!
والصواب الذي عليه أئمّة النقل أن الإسراء كان مرّة واحدة بمكّة بعد البعثة!
ويا عجبًا لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مرارًا، كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في صلّ مرّة تفرض عليه الصلاة خمسين، ثم يتردّد بين ربّه وبين موسى، حتى تفسير خمسًا، ثم يقول: "أمضيت فريضتي، وخفّفت عن عبادي" ثم يعيدها في المرّة الثانية إلى خمسين، ثم يحطها عشرًا عشرًا، وقد غلّط الحفّاظ شريكًا في ألفاظه من حديث الإسراء -كما سيأتي!
تلك هي الأقوال المشهورة، وهناك أقوال أخرى نتحدث عنها في حديث شريك بعون الله وتوفيقه!
ونعود إلى كلام الإِمام ابن القيّم، نعود لنرى تشييده بكلام فلسفي لا يقبله الشيخ عرجون (١)، الذي قال:
_________________
(١) محمَّد رسول الله - ﷺ -: ٢: ٣٥٤ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٥٣٤ ]
لابدّ من التساؤل حينئذ أمام الحماسة المتدفّقة في تشييد بناء هذا القول المتداعي: هل كان التصوّر للإسراء على قول القائلين بالرّوح ولم يفقد جسده - ﷺ - موجودًا في ذهن رسول الله - ﷺ -، حين أخبر مجتمع الكفر من قريش برحلته الإعجازيّة، فاستمعوا له ما بين مصفّق وضاحك وساخر، إنكارًا وتكذيبًا لما قال لهم، وحين استوصفوه المسجد الأقصى، وكان رسول الله - ﷺ - لم يثبت في ذاكرته بعض أشياء منه، فكرب كربًا شديدًا، فجلاّه ربّ العزّة في الحجر، فجعل ينظر إليه ويخبر عمّا يسألون، فلمّا وافق وصفه ما عندهم ممّا عرفوه عن المسجد الأقصى، لكثرة تردّدهم عليه للتجارة وغيرها، قال قائلهم: أمّا الوصف فقد صدق فيه؟
وهل المسلمون وهم يستمعون إلى نبيّهم - ﷺ - يتحدّث عن رحلته الإعجازيّة يفهمون أنها رحلة روح فقط، تركت جسدها وانسلخت منه، ثم عادت إليه؟
ففيم إذن كان موقف الذين لم يصدقوا، وهم يعلمون أن الرُّوح لها شأنها الخاص الذي لا تقيّده المادّيّات، فتنطلق إلى أقصى المشرق ثم تعود إلى أقصى المغرب في لحظات من الزمن، وتباشر من الأمور المادّيّة ما يقتضي أعوامًا وشهورًا، لو كان حصوله حصولًا ماديًّا؟
وهل كان ملأ قريش حين استمعوا إليه - ﷺ -، وهو يحدثّهم عن رحلته، وعجائب ما رأى فيها من آيات الله في ملكوته في طريقه ذهابًا وجيئةً يفهمون أنها رحلة روح انسلخت عن جسدها، وتركته حيًا، حتى عادت إليه، وامتزجت به، كما كان حالها قبل الرحلة؟
[ ٤ / ١٥٣٥ ]
وإذن ففيم كان الإنكار والتكذيب والاستسخار؟! وهم يعلمون أن الأرواح لا ينكر عليها قطع المسافات البعيدة جدًا في زمن يسير، وقد قالوا في إنكارهم:
إننا نضرب لها أكباد الإبل شهرًا مصعدةً وشهرًا آيبةً، وأنت تقول: إنك ذهبت إليها في لحظة من ليل، ثم عدت إلينا تحدّثنا؟
وهل لهذا الطراز من التخيّلات سند من أمثاله وشواهده في آثار الأنبياء ومعجزاتهم مثل ما وجد من الشواهد لنقل جسم عظيم من مكان قصيّ البعد في لحظة من ارتداد طرف العين، كنقل عرش ملكة سبأ، وهو ثابت بنصّ القرآن الكريم؟
وانسلاخ الروح عن الجسم وبقاؤه حيًّا ينتظرها هوس إشراقي متفلسف، انتقل إلى بعض الفارغين من أدعياء التصوّف الإشراقي الفلسفي، وقد جاء في بعض شروح عينيّة ابن سينا أن بعض متقدّمي متفلسفة الإشراق الوثنييّن قال: انسلخت عن بدني فعرفت من أنا، فهل هذا الهوس المأفون يتفق في شيء مع منهج الإِسلام وشريعته؟!
ومن العجيب أن الإِمام ابن القيّم افتتح حديثه عن الإسراء -كما أسلفنا- بقوله: ثم أسري برسول الله - ﷺ - بجسده على الصحيح من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، راكبًا على البراق، صحبة جبريل عليهما الصلاة والسلام!
ففي قوله على الصحيح دليل على أن مقابله ليس صحيحًا، وإذا كان ذلك كذلك ففي أيّ شيء كانت الحماسة لتشييد قول غير صحيح، وإهمال القول الصحيح لمجرد السرد، وقصص الروايات؟
[ ٤ / ١٥٣٦ ]
إن آية الإسراء والمعراج كانت إعجازًا من الله تعالى، كرّم به نبيّه وحبيبه محمدًا - ﷺ -، أسرى به من المسجد الحرام بمكّة إلى المسجد الأقصى بإيلياء من الشام بروحه وجسده، وهو - ﷺ - كامل البشريّة، فأراه من عجائب آياته في ملكوته ما أراه، حفاوة به، وتشريفًا له ولأمّته، وعرج به جسمًا وروحًا في كامل بشريّته، فسما في عروجه حتى سمع صريف أقلام الغيب تجري بمقادير الخلق في الكون، وفرضت عليه الصلاة، وأوتي من المنح الإلهيّة علمًا وعملًا وبهاءً ما لم يؤت مثله أخذ من العالمين!
هذا اعتقاد المسلمين كافة، وهو ما ندين الله عليه ونعتقده، والله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين!
قول باطل:
ومع هذا فقد قال الدكتور هيكل بعد أن قدّم قول القائلين بأن الإسراء والمعراج إنما كانا بروح محمَّد - ﷺ - (١) وفي رأي آخرين أن الإسراء من مكّة إلى بيت المقدس كان بالجسد، مستدّلين على ذلك بما ذكر محمَّد - ﷺ - أنه شاهده في البداية .. وأن المعراج إلى السماء كان بالروح، ويذهب غير هؤلاء وأولئك إلى أن الإسراء والمعراج كانا جميعًا بالجسد.
قلت: سبق بيان قول الجمهور مع الأدلة في هذا!
وقال: ولنا في حكمة الإسراء رأي نبديه، ولسنا ندري أسبقنا إليه أم لم
_________________
(١) حياة محمَّد: ١٨٩ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٥٣٧ ]
نُسبق، لكنا قبل أن نبدي هذا الرأي، بل لكي نبديه، يجب أن نروي قصّة الإسراء والمعراج على نحو ما جاءت به كتب السيرة!
وذكر تصوير المستشرق (درمنجم) هذه القصّة !
ولا أدري كيف ينقل عن هذا المستشرق آية الإسراء والمعراج، ولا يذكر الأحاديث السابقة أو بعضها مما يثبت تواتر الحديث -كما قال المرتضى الزبيدي (١) - حيث رواه من الصحابة سبعٌ وعشرون نفسًا، وأوصلهم الكتاني إلى خمسة وأربعين صحابيًا (٢)!
وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية (٣): وأحاديث المعراج، وصعوده إلى ما فوق السماوات، وفرض الربّ عليه الصلوات الخمس حينئذ، ورؤيته لما رآه من الآيات، والجنّة والنار، والملائكة والأنبياء في السماوات، والبيت المعمور، وسدرة المنتهى وغير ذلك مما هو معروف متواتر في الأحاديث، وهذا النوع لم يكن لغيره من الأنبياء مثله، يظهر به تحقيق قوله تعالى:
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (البقرة: ٢٥٣)!
_________________
(١) لفظ اللآلئ: ٢٢٤.
(٢) نظم المتناثر: ٢٠٧ - ٢٠٨.
(٣) الجواب الصحيح: ٤: ١٦٥.
[ ٤ / ١٥٣٨ ]
فالدرجات التي رُفعَها محمَّد - ﷺ - ليلة المعراج -وسَيُرْفَعُها في الآخرة، كالمقام المحمود الذي يغَبطه به الأوّلون والآخرون- ليس لغيره مثلها .. !
قلت: ومع هذا التواتر للأحاديث لم يجد الدكتور هيكل إلا تصوير هذا المستشرق، وفيه ما فيه من طعن في الروايات المتواترة للإسراء والمعراج، مع أنه اعترف صراحة بأن في تصوير (درمنجم) خلافًا بزيادة أو نقص!
أمّا عن هذا الرأي الذي أبداه، فقد أشار إليه بعنوان:
الإسراء ووحدة والوجود:
وقال: ففي الإسراء والمعراج في حياة محمَّد الرُّوحيّة معنى سام غاية السمو، معنى أكبر من هذا الذي يصوّرون، والذي قد يشوب بعضه من خيال المتكلّمة الخصب حظّ غير قليل، فهذا الرُّوح القويّ قد اجتمعت فيه في ساعة الإسراء والمعراج (وحدة هذا الوجود) بالغةً غاية كمالها، لم يقف أمام ذهن محمَّد وروحه في تلك الساعة حجاب من الزمان أو المكان أو غيرهما من الحجب التي تجعل حكمنا نحن في الحياة نسبيًا محدودًا بحدود قوانا المحسّة والمدبِّرة والعاقلة، تداعت في هذه الساعة كل الحدود أمام بصيرة محمَّد، واجتمع الكون كله في روحه، فوعاه منذ أزله إلى أبده وصوره في تطوّر وحدته إلى الكمال عن طريق الخير والفضل والجمال والحق في مغالبتها وتغلّبها على الشرّ والنقص، والقبح والباطل، بفضل من الله ومغفرة!
وليس يستطيع هذا السموّ إلا قوّة فوق ما تعرف الطبائع الإنسانيّة، فإذا
[ ٤ / ١٥٣٩ ]
جاء بعد ذلك ممن اتّبعوا محمدًا مَن عجز عن متابعته، في سموّ فكرته، وقوة إحاطته بوحدة الكون في كماله وفي جهاده لبلوغ هذا الكمال، فلا عجيب في ذلك ولا عيب فيه، والممتازون من الناس والموهوبون منهم درجات، وبلوغنا الحقيقة معرّض دائمًا لهذه الحدود التي تعجز قوانا عن تخطيها!
وإذا كان من القياس مع الفارق أن نذكر، لمناسبة ما نحن الآن بصدده، قصّة أولئك المكفوفين الذين أرادوا أن يعرّفوا الفيل ما هو؟
فقال أحدهم: إنه حبل طويل؛ لأنه صادف ذنبه!
وقال الآخر: إنه غليظ كالشجرة؛ لأنه صادف رجله!
وقال ثالث: إنه مدبّب كالرمح؛ لأنه صادف سنّه!
وقال رابع: إنه مستدير ملتو؛ كثير الحركة؛ لأنه صادف خرطومه!
فإن هذا المثل، مقرونًا إلى الصورة لدى المبصر من الفيل لأول ما يراه، يسمح لنا بالموازنة بين إدراك محمَّد عنه (وحدة الكون والوجود)، وتصويره في الإسراء والمعراج؛ حيث يتّصل بأول الزمن من قبل آدم إلى آخره يوم البعث، وحيث تنعدم نهائية المكان، إذ يُطل بعين البصيرة من لدن سدرة المنتهى إلى هذا الكون يصبح أمامه سديمًا، وبين ما يستطيع الكثير إدراكه من حكمة هذا الإسراء والمعراج، إذ يقفون عند تفاصيل ليست من وحدة الكون وحياته إلا كذرّات الجسم، بل كالذرّات العائقة به من غير أن يتأثّر بها نظامه، أين الواحدة من هذه الذرّات من حياة هذا الجسم، ومن
[ ٤ / ١٥٤٠ ]
نبض قومه، وإشراق روحه، وضياء ذهنه، وامتلائه بالحياة التي لا تعرف حدًّا؛ لأنها تتّصل من الوجود بكل حياة الوجود!
والإسراء بالرّوح هو في معناه كالإسراء والمعراج بالرّوح جميعًا، سموًا وجمالًا وجلالًا، فهو تصوير قويٌّ للوحدة الرّوحيّة من أزل الوجود إلى أبده، فهذا التعريج على جبل سيناء، حيث كلم الله موسى تكليمًا، وعلى بيت لحم حيث ولد عيسى، وهذا الاجتماع الرّوحيّ ضمّت الصلاة فيه محمدًا وعيسى وموسى وإبراهيم، مظهر قويٌّ لوحدة الحياة الدّينيّة، على أنها من قوام وحدة الكون في مَوْره الدائم إلى الكمال!
والعلم في عصرنا الحاضر يقرّ هذا الإسراء بالرُّوح، ويقرّ المعراج بالرُّوح، فحيث تتقابل القوى السليمة يشعّ ضوء الحقيقة، كما أن تقابل قوى الكون في صورة معيّنة قد طوّع لـ (ماركوني)، إذ سلّط تيّارًا كهربائيًا خاصًا من السفينة التي كانت راسيةً بـ (البندقيّة)، وأن يضيء بقوّة موجات الأثير مدينة (سدني) في (أستراليا)!
وفي عصرنا هذا يقرّ العلم نظريات قراءة الأفكار، ومعرفة ما تنطوي عليه، كما يقرّ انتقال الأصوات على الأثير ب (الراديو)، وانتقال الصور والمكتوبات كذلك، مما كان يعتبر فيما مضى بعض أفانين الخيال!
وما تزال القوى الكمينة في الكون تتكشّف لعلمنا كل يوم عن جديد .. فإذا بلغ روح من القوّة، ومن السلطان، ما بلغت نفس محمَّد، فأسرى به الله ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله، ليريه من آياته، كان ذلك مما يقرّ العلم، وكانت حكمة ذلك هذه المعاني القويّة
[ ٤ / ١٥٤١ ]
السامية في جمالها وجلالها، والتي تصوّر الوحدة الرّوحيّة، ووحدة الكون في نفس محمَّد تصويرًا صريحًا، يستطيع الإنسان أن يصل إلى إدراكه إذا هو حاول السموّ بنفسه عن أوهام العاجلة في الحياة، وحاول الوصول إلى كنه الحقيقة العليا، ليعرف مكانه، ومكان العالم كله منها!
لم يكن العرب من أهل مكة ليستطيعوا إدراك هذه المعاني، لذلك ما لبثوا حين حدّثهم محمَّد بإسرائه أن وقفوا عند الصورة المادّيّة من أمر هذا الإسراء، وإمكانه أو عدم إمكانه!
ثم ساور أتباعه والذين صدّقوه أنفسهم بعض الرّيب فيما يقول!
وقال كثيرون: هذا، والله إن العير لتطرد شهرًا من مكّة إلى الشام مدبرة، وشهرًا مقبلة، أيذهب محمَّد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكّة؟!
ثم قال: وذهب من أخذتهم الرّيبة في الأمر إلى أبي بكر وحدّثوه حديث محمَّد، فقال أبو بكر:
(والله لئن كان قاله لقد صدق، وما يعجبكم من ذلك! فوالله! إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار، فهذا أبعد مما تعجبون منه) ثم أقبل على النبي - ﷺ - يسأله عن وصفه، وكلما ذكر شيئًا قال: صدقت، أشهد أنك رسول الله .. فقال النبي - ﷺ -: "وأنت يا أبا بكر الصدّيق، فيومئذ سماه الصدّيق"! (١)
قال: ويدلل الذين يقولون إن الإسراء بالجسد على رأيهم بأن قريشًا لمّا
_________________
(١) السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية: وانظر: الحاكم: ٣: ٦٢ - ٦٣ وصححه الذهبي ووافقه.
[ ٤ / ١٥٤٢ ]
سمعت بأمر سراقة سألته وسأله الذين آمنوا به عن آية ذلك، فإنهم لم يسمعوا بشيء من مثله، فوصف لهم عيرًا مرّ بها في الطريق، فضلّت دابّة من العير فدلهّم عليها، وأنه شرب من عير أخرى وغطّى الإناء بعد أن شرب منه، فسألت قريش في ذلك فصدّقت العير ما روى محمَّد عنهما!
وأحسبك لو سألت الذين يقولون بالإسراء بالرُّوح في هذا لما رأوا فيه عجبًا بعد الذي عرف العلم في وقتنا الحاضر من إمكان التنويم المغناطيسي للتحدّث عن أشياء واقعة في جهات نائية، ما بالك بروح يجمع وحدة الحياة الرّوحيّة في الكون كله، ويستطيع بما حباه الله من قوّة يتّصل بسرّ الحياة من أزل الكون إلى أبده!
إبطال وحدة الوجود:
هذا، والقول بـ (وحدة الوجود) قول شيطاني قديم، أبان بطلانه كثير من المحققين، كما أبان إبطاله والردّ على القائلين به، شيخ الإِسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى! (١)
وحسبنا أن نذكر قول شيخنا الأستاذ الدكتور محمَّد أبو شهبة - ﵀ (٢):
إن فكرة (وحدة الوجود) فكرة خاطئة وافدة إلى الإِسلام فيما وقد إليه
_________________
(١) انظر: إبطال وحدة الوجود والرد على القائلين بها، تحقيق محمَّد بن حمود النجدي، ط: مكتبة الذهبي.
(٢) السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة: ١: ٤١٤ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٥٤٣ ]
من آراء فاسدة، لا يشهد لها عقل ولا نقل، وهي من مخلّفات الفلسفات القديمة، وفيها ما فيها من أخطاء وأباطيل، وقد انتصر لها وتشيّع بعض المتصوفة الذين ينتسبون إلى الإِسلام، وكتبوا فيها فكان عاقبتهم الإلحاد في الله وصفاته!
وقد أبان بطلانها كثير من علماء الأمة الراسخين في العلم، المتثبّتين في العقيدة، والقول بها يؤدّي إلى القول بالطبيعة، وقدم العالم، وإنكار الألوهيّة، وهدم الشرائع السماويّة التي قامت على أساس التفرقة بين الخالق والمخلوق، وبين وجود الربّ، ووجود العبد، وتكليف الخالق للخلق بما يحقّق لهم السعادة!
ومقتضى هذا المذهب أن الوجود واحد، فليس هناك خالق ومخلوق، ولا عابد ومعبود، ولا قديم وحادث، وعابدو الأصنام والكواكب والحيوانات حين عبدوها إنّما عبدوا الحق؛ لأن وجودها الحق .. إلى آخر خرافاتهم التي ضلّوا بسببها، وأضلّوا غيرهم، والتي أضرّت بالمسلمين، وجعلتهم شيعًا وأحزابًا .. ولقد بلغ من بعضهم أنه قال: إن النصارى ضلّوا لأنّهم اقتصروا على عبادة ثلاثة، ولو أنهم عبدوا الوجود كله لكانوا راشدين، وقال بعض المعتنقين لهذه الفكرة:
العبد حق والرّبّ حق يا ليت شعري من المكلّف؟
إِن قلت عبدٌ فذاك ربّ أو قلت ربٌّ أنّى يكلّف؟
[ ٤ / ١٥٤٤ ]
قال الإِمام تقيّ الدين أحمد بن تيمية الحراني في بعض كتبه، بعد أن ذكر الفناء المحمود، والفناء المذموم:
ولهذا لمَّا سلك ابن عربي، وابن سبعين، وغيرهما هذه الطرق الفاسدة أورثهم ذلك (الفناء) عن وجود السويّ، فجعلوا الوجود واحدًا، ووجود كل مخلوق هو عين وجود الحق، وحقيقة الفناء عندهم أن لا يرى إلا الحق، وهو الرائي والمرئي، والعابد والمعبود، والذاكر والمذكور، والناكح والمنكوح، والأمر الخالق هو الأمر المخلوق، وهو المتّصف بكل ما يوصف به الوجود من مدح وذم، وعبّاد الأصنام ما عبدوا غيره، وما ثمّ موجود مغاير له البتة عندهم، وهذا منتهى سلوك هؤلاء الملحدين!!
وأكثر هؤلاء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود يقولون: فرعون أكمل من موسى، وإن فرعون صادق في قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ لأن الوجود فاضل ومفضول، والفاضل يستحق أن يكون ربّ المفضول، ومنهم من يقول: (إنه مات مؤمنًا، وأن تغريقه كان ليغتسل غسل الإِسلام) (١)!!
فالحق أن فكرة (وحدة الوجود) فكرة زائفة، تصادم نصوص الدّين القطعية، ولا يدل عليها شيء، من قرآن أو سنّة، وأن العقيدة الإِسلاميّة السمحة براء من مذهب (وحدة الوجود)!
_________________
(١) الرد على المنطقيِّين: ٥٢١ ط الهند.
[ ٤ / ١٥٤٥ ]
إنكار النصوص وتحريفها:
ثم إن تفسير الإسراء والمعراج بهذه الفكرة، وتصويرها هذا التصوير الذي ارتضاه (هيكل) يقتضي إنكارها، على حسب ما جاء به القرآن القطعيّ، والسنّة الصحيحة المشهورة -كما أسلفنا- فليس ثمّة إسراء حقيقة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بذات النبيّ - ﷺ -، وليس هناك عروج بالنبيّ من بيت المقدس إلى السماوات السبع وما فوقهن، ولا صلاة بالأنبياء، ولا لقاء ولا تسليم، ولا تكليم الله لنبيّه، وإنما كل ذلك تمثيل وتقريب!
وما الداعي إلى ذلك ما دام الكون كله قد اجتمع في روح النبي - ﷺكما قال صاحب هذا الرأي: فالمسجد الحرام في وجه، والأقصى في روحه، والسماوات وما فيهنّ في روحه، ووجودها في وجوده.
إغراب وتشويش:
ثم ما الداعي إلى كل هذا التكلّف والإغراب من الدكتور هيكل في فهم نصوص صريحة، جاءت بلسان عربيّ مبين؟
وما الذي حدا به إلى أن (يشطح) هذه (الشطحات) التي لا داعي إليها!
إن الإسراء والمعراج كما جاء بهما القرآن والأحاديث الصحاح المتواترة أقرب منالًا، وأشدّ استساغة لعقول الناس مما ذهب هو إليه .. ولو جلست زمانًا لتفهم رجلًا أميًّا أو متعلّمًا، بالإسراء والمعراج -على ما رأى الدكتور-
[ ٤ / ١٥٤٦ ]
ما أنت بمستطيع إفهامه هذه الألغاز والطلاسم التي حاول بها إحداث رأي جديد، لا يدري أسبق إليه أم لا!
وهل تصوير الإسراء والمعراج بهذا التصوير إلا إشكال على عقول الكثرة من الناس، ومخاطبة لهم بما لا تبلغه عقولهم ومداركهم، وقد أُمرنا أن نحدّث الناس بما يعقلون، وأن ندع ما ينكرون، وفي الحكم الذهبية عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - ﷺ -:
(ما أنت بمحدّث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة). (١)
الحق أن الإغراب على القراء بمثل هذه الأفكار المسمومة، والآراء الشاذّة الغريبة تشكيك لهم في عقائدهم الصحيحة، وتسميم لعقولهم، وانحراف بهم عن فطرتهم السليمة، والحق أبلج لا يحتاج إلى تكلّف، وتعمّل وتفلسف، من غير داع:
﴿وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ (ص)!
كما أنه أثر من آثار مجاراة المستشرقين ومتابعتهم في أفكارهم!
طريق الكفاح في مسير الدعوة:
ومعلوم أن آية الإسراء والمعراج من أعجب ما أوتي الأنبياء والرسل عليهم صلوات الله وتسليماته، رسمت في إطارها الإعجازي طريق مسير الرسالة في تشريعها، وتطبيق أحكامها، بما شاهد فيها رسول الله - ﷺ -،
_________________
(١) صحيح مسلم: المقدمة: ٣: باب النهي عن كل ما سمع.
[ ٤ / ١٥٤٧ ]
ورأى من آيات ربّه في ملكوته من عجائب الكون التي أوتيها رسول الله - ﷺ - في صور من عالم الغيب، تتضاءل أمام جلالها وعظمتها كل صور المشاهد الأرضيّة! (١)
وهذه الآيات لعجائب الملكوت هي في الحقيقة موطن الحفاوة بالنبي - ﷺ -، ليمسح الله بها كل أثر لقيه - ﷺ - من آثار الفجور الوثنيّ، وطغيان الشرك، وعتوّ العناد، وبأو الاستكبار، والبغي في معاملة هؤلاء الفجرة له - ﷺ - ولأصحابه، ليزداد - ﷺ - علمًا بأن رسالته في عمومها الأشمل، وخلودها المؤبّد، رسالة كفاح صبور أبديّ مستمر، ما قامت الحياة على ظهر هذه الأرض، وأنها دعوة نضال لا يعرف التوقّف والمهادنة؛ لأنها دعوة تستهدف إخراج الإنسانيّة من ظلمات الظلم والجهل إلى نور العدل والعلم، وتطهير هذه الإنسانيّة من أوضار الشرك، ورجس الوثنيّات، في صورها كافة وأشكالها، مهما ألبست من لبوس العلم الزائف والمعرفة المتهافتة -كما عرفنا في دعوى وحدة الوجود- وإنقاذ الحياة من ظلم الطغيان الممثل في جبروت المستعبدين للبشريّة في صورة زعماء وحكام وأباطرة، وثراء في المال، يسخّرونهم لقضاء شهواتهم الفاجرة، ويعملون على سرمدة الجهل فيهم، لتدوم لهم طاعتهم وتسخيرهم عبيدًا لا يعرفون طعم الحريّة في حياتهم، حتى يعلم الناس كل الناس في مشارق الأرض ومغاربها أن التأسّي بالنبيّ - ﷺ - يتمثّل في إقامة منهجه في رسالته علمًا وعملًا، وصبرًا وجهادًا!
_________________
(١) محمَّد رسول الله - ﷺ -: ٢: ٣٦١ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٥٤٨ ]
وحتى يعلم وارثو منهجه - ﷺ - في الدعوة إلى الحق من حملة دعوته ورسالته المنتصبين للدعوة .. أنهم يحملون أثقال ما حُمّل رسول الله - ﷺ - في تطبيق منهجه على أنفسهم، وأقرب المقرّبين إليهم، وأبعد الأبعدين عنهم، ليكونوا مُثلًا حيّةً لحياته - ﷺ - في تبليغ رسالته، ونشر دعوته، تتحرّك بين الناس، حاملة لواء الوراثة النبويّة، يخفق في آفاق الأرض منادين: أن رسالة محمَّد - ﷺ - عقد لواء انتصارها على عتوّ المعاندين المستكبرين في الأرض في ظلّ (سدرة المنتهى) ليلة شرّفه الله بالإسراء والمعراج، وما عقد في السماء فلن يحلّ في الأرض!
فلتسمع الدنيا بمن فيها وما فيها صوت الحق والخير والهدى في هذه الرسالة السرمديّة، وليستجب الذين يسمعون إلى دعوة العدل والحبّ والإخاء الإنسانيّ لله ولرسوله - ﷺ -، وهو يدعوهم لما يحييهم!
وعندئذ تتحقّق لهؤلاء الدعاة إلى الله، وراثة منهج محمَّد - ﷺ - في مشاهدة آثار آيات الله، وأعاجيب ملكوته، وأسرار ملكه في خزائنها في قلوب العباد؛ لأن كل قلب يفتح للحق والخير والتراحم الإنسانيّ هو سماء من سماوات البشريّة، تنحدر منه غيوث بشائر الإيمان والهدى والإخاء المواسي، بل المؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة!
هكذا كان واقع رسالة محمَّد - ﷺ - في الحياة، بعد أن شرّفه الله تعالى بآية الإسراء والمعراج؛ لأنها كانت مبدأ التمكين في التطبيق العملي .. وهكذا كان تطبيق منهجه - ﷺ - الذي رجع به من رحلة السماء بين الناس والأشياء!
[ ٤ / ١٥٤٩ ]
دعاة على الطريق:
والدعاة إلى الله بأيديهم مفاتيح القلوب التي أنزلت مع محمَّد - ﷺ - من سماء العزّة ليلة الإسراء والمعراج .. أمانة يتقلّدها العلماء بالله في أعناقهم، ليؤدّوها إلى أهلها، منهجًا وسلوكًا، كما أدّاها خاتم المرسلين - ﷺ - في حياته المباركة!
ويوم تقاعس حاملو أمانة الوراثة في تبليغ الرسالة، ونشر دعوة الحق والنور والهدى، مُخْلدين إلى الأرض، تَلَمُّظًا للدّنيا، وغرورًا بزخارفها وشهواتها .. وليس لهم منها إلا ما يتساقط من فتات موائد المفتونين بها من المترفين -لم يبق لهم من هذه الوراثة إلا عبء التحمّل في الدنيا وعسير الحساب في الآخرة، وقد ضُربت ليلة الإسراء والمعراج لهم الأمثال -كما سيأتي- لو كانوا يعقلون:
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ (العنكبوت)!
هذه حقائق يجب أن تستخلص من واقع آية الإسراء والمعراج ووقائعها وأحداثها في الأرض وفي السماء .. والروايات -كما سبق أن عرفنا- تصوّر ذلك أكمل تصوير!
[ ٤ / ١٥٥٠ ]
وقت الإسراء والمعراج:
وأما عن الوقت فقد قال ابن حجر (١): اختلف في وقت المعراج، فقيل: كان قبل المبعث، وهو شاذ، إلا إن حُمل على أنه وقع حينئذ في المنام!
قلت: وسيأتي بيان ذلك في ردّ الشبهة الأولى في حديث شريك!
قال: وذهب الأكثر إلى أنه كان بعد المبعث، ثم اختلفوا، فقيل: قبل الهجرة بسنة، قاله ابن سعد وغيره (٢)، وبه جزم النووي، وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه، وهو مردود، فإن في ذلك اختلافًا كثيرًا يزيد على عشرة أقوال!
وسيأتي مزيد بيان في الرد على ما ذهب إليه ابن حزم في ردّ الشبهة الثانية في حديث شريك!
وقال: منها ما حكاه ابن الجوزي أنه كان قبلها بثمانية أشهر، وقيل: بستة أشهر، وحكى هذا الثاني أبو الربيع بن سالم (٣)، وحكى ابن حزم مقتضى الذي قبله؛ لأنه قال: كان في رجب سنة اثنتي عشرة من النبوّة، وقيل: بأحد عشر شهرًا، جزم به إبراهيم الحربي، حيث قال: كان في ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، ورجّحه ابن المنير في شرح السيرة لابن عبد البر،
_________________
(١) فتح الباري: ٧: ٢٠٣ بتصرف.
(٢) انظر الطبقات الكبرى: ١: ٢١٤، وشرح المواهب اللدنية: ١: ٣٠٧.
(٣) انظر: الآية الكبرى: ١١١.
[ ٤ / ١٥٥١ ]
وقيل: قبل الهجرة بسنة وشهرين، حكاه ابن عبد البر، وقيل: قبلها بسنة وثلاثة أشهر، حكاه ابن فارس، وقيل: بسنة وخمسة أشهر، قاله السدي، وأخرجه من طريقه الطبريّ، والبيهقيّ، فعلى هذا كان في شوال أو في رمضان، على إلغاء الكسرين منه، ومن ربيع الأوّل، وبه جزم الواقدي، وعلى ظاهره ينطبق ما ذكره ابن قتيبة، وحكاه ابن عبد البر، أنه كان قبلها بثمانية عشر شهرًا، وعند ابن سعد (١) عن ابن أبي سبرة أنه كان في رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا، وقيل: كان في رجب، حكاه ابن عبد البر، وجزم به النوويّ في الروضة. (٢)
قال السيوطي: المشهور أنه في رجب. (٣)
وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين، حكاه ابن الأثير، وحكى عياض وتبعه القرطبي والنوويّ عن الزهري أنه كان قبل الهجرة بخمس سنين، ورجّحه عياض ومن تبعه. (٤)
قال السيوطي (٥): وأما تعيين تلك الليلة، فعيّنها ابن سعد (٦) ليلة السبت لسبع عشرة من رمضان وقال ابن المنير كالحربي: إنها ليلة سبع
_________________
(١) انظر: الطبقات الكبرى: ١: ٢١٣.
(٢) انظر: شرح المواهب اللدنيّة: ١: ٣٠٨.
(٣) الآية الكبرى: ١١٢.
(٤) انظر احتجاجه ورد ابن حجر في: فتح الباري: ٧: ٢٠٣، وشرح المواهب اللدنية: ١: ٣٠٧، والآية الكبرى ١١١ - ١١٢.
(٥) الآية الكبرى: ١١٢.
(٦) الطبقات الكبرى: ١: ٢١٣.
[ ٤ / ١٥٥٢ ]
وعشرين من ربيع الآخر، وبذلك رجّح القول بأنّه في ربيع الآخر قبل الهجرة بأحد عشر شهرًا؛ لأنه أحاط بتفصيل القضيّة وحرّرها بخلاف غيره، قال: -أي ابن المنير- ويمكن أن يعين اليوم الذي أسفرت عنه هذه الليلة، ويكون يوم الإثنين، استقراء من تاريخ الهجرة، فإنها على الأصح كانت يوم الإثنين ثاني عشر ربيع الأوّل .. ثم قال: ويكون أول ربيع الآخر، وهو شهر الإسراء الأربعاء، بفرض ربيع الأوّل تامًا، وحينئذ فالسابع والعشرون منه الإثنين، وهو اليوم الذي أسفرت ليلة الإسراء عنه إن شاء الله، وحينئذ يوافق مولده يوم الإثنين، ومبعثه يوم الإثنين، وكذا هجرته ووفاته، فإن هذه الخمسة أطوار الانتقالات النبويّة، واتفق على أربعة منها أنها يوم الإثنين، فيقرب جدًا في الخامس أن يكون أسوتها، ويكون يوم الإثنين في حقّه - ﷺ - كيوم الجمعة في حق آدم ﵇!
وقيل (١): الجمعة، وقيل: السبت، وقيك: ليلة السابع والعشرين من رجب، وعليه عمل الناس .. ثم قال: ذلك مما يغلب على الظنّ كونه راجحًا، واختاره المقدسي!
بدء الإسراء:
هذا عن الزمان، وأمّا ما ورد في المكان الذي بدأ منه الإسراء، فقد سبق في رواية الحديث الثاني قوله - ﷺ -: "فرُجّ عن سقف بيتي، وأنا بمكة" الحديث. وفي الحديث الثالث: "بينا أنا عند البيت" الحديث، لكن ورد
_________________
(١) شرح المواهب اللدنية: ١: ٣٠٨.
[ ٤ / ١٥٥٣ ]
في رواية للبخاري: "بينا أنا في الحطيم (١) - وربما قال في الحجر (٢) - مضطجعًا". (٣)
والمراد بقوله: "في الحطيم" كما قال ابن حجر: الحجر (٤)، وأبعد من قال: المراد به ما بين الركن والمقام، أو بين زمزم والحجر، وهو وإن كان مختلفًا في الحطيم هل هو الحجر أم لا .. لكن المراد هنا بيان البقعة التي وقع ذلك فيها، ومعلوم أنها لم تتعدّد؛ لأنّ القصّة متّحدة؛ لاتّحاد مخرجها!
وقيل: من شعب (٥) أبي طالب، وقيل: من بيت أم هانئ، وقيل: غير ذلك. (٦)
قال ابن حجر بعد أن ذكر طرفًا من ذلك (٧): والجمع بين هذه الأقوال أنه نام في بيت أم هانئ، وبيتها عند شعب أبي طالب، ففرج سقف بيته، وأضاف البيت إليه، لكونه كان يسكنه، فنزل منه الملك، فأخرجه من البيت إلى المسجد، فكان به مضطجعًا، وبه أثر النعاس، ثم أخرجه الملك
_________________
(١) الحطيم: الجدار، والمراد جدار حجر الكعبة، وإنما سمّي حطيمًا؛ لأنّ البيت رفع وترك ذلك محطومًا: لسان العرب، ومختار الصحاح (حطم).
(٢) حجر الكعبة، السابق.
(٣) البخاري: ٦٣ - مناقب الأنصار (٣٨٨٧).
(٤) فتح الباري: ٧: ٢٠٤.
(٥) الشّعب: ما انفرج بين جبلين، والشِّعب: الطريق، وقيل: الطريق في الجبل. والجمع شعاب: لسان العرب. والمصباح المنير (شعب).
(٦) انظر: الآية الكبرى: ١١٤.
(٧) فتح الباري: ٢٠٤.
[ ٤ / ١٥٥٤ ]
إلى باب المسجد، فأركبه البراق، وقد وقع في مرسل الحسن عند ابن إسحاق أن جبريل أتاه، فأخرجه إلى المسجد، فأركبه البراق، وهو يؤيّد هذا الجمع!
[ ٤ / ١٥٥٥ ]
شبهات .. وردُّها
[ ٤ / ١٥٥٧ ]
شبهات وردُّها
* حديث شريك.
* الشبهة الأولى وردّها.
* الشبهة الثانية وردّها.
* الشبهة الثالثة وردّها.
* الشبهة الرابعة وردّها.
* الشبهة الخامسة وردّها.
* الشبهة السادسة وردّها.
* الشبهة السابعة وردّها.
* الشبهة الثامنة وردّها.
* رؤية النبي -ﷺ- ربَّه ليلة المعراج.
* ثلاثة أقوال.
- القول الأوّل.
- القول الثاني.
- بين القولين.
- القول الثالث.
- الراجح من الأقوال.
* الشبهة التاسعة وردّها.
* الشبهة العاشرة وردّها.
* بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
[ ٤ / ١٥٥٨ ]
شبهات وردُّها
حديث شريك:
كثر الكلام حول حديث شريك -كما أسلفنا- وأثيرت شبهات كثيرة!
وإليك الحديث:
قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني سليمان، عن شريك بن عبد الله أنه قال: سمعت ابن مالك يقول:
ليلة أسري برسول الله - ﷺ - من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يُوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أوّلهم: أيّهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال أحدهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى، فيما يرى قلبه، وتنام عينه، ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه، فوضعوه عند بئر زمز، فتولاه منهم جبريل، فشقّ جبريل ما بين نحره إلى لبّته، (١) حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده، حتى أنقى جوفه، ثم أتى
_________________
(١) لَبّته -بفتح اللام وتشديد الموحّدة- وهي موضع القلادة من الصدر، وقال الداوودي: (إلى لبّته) أي إلى عانته؛ لأنّ اللبة العانة، وقال ابن التّين: وهو الأشبه، وفيه الرد على من أنكر شقّ الصّدر، وعدد الإسراء: عمدة القاري: ٢٥: ١٧١.
[ ٤ / ١٥٥٩ ]
بطست من ذهب فيه تَوْرٌ (١) من ذهب، محشُوًّا إيمانًا وحكمةً، فحشا به صدره ولغاديده -يعني عروق حلقه- (٢)، ثم أطبقه!
ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابًا من أبوابها، فناداه أهل السماء، من هذا؟ فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمَّد، قال: وقد بُعث؟ قال: نعم، قالوا: فمرحبًا به وأهلًا، فيستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض، حتى يعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك فسَلِّمْ عليه، فَسَلَّمَ عليه، وردّ عليه آدم، وقال: مرحبًا وأهلًا بابني، نعم الابن أنت!
فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطّردان، فقال: "ما هذان النهران يا جبريل؟ " قال: هذان النِّيل والفرات، عنصرهما (٣)، ثم مضى في السماء، فإذا نهر آخر عليه قصرٌ من لؤلؤ وزبرجد، فضرب يده فإذا هو مسك أذْفر (٤)، قال: "ما هذا يا جبريل؟ " قال: هذا الكوثر الذي خَبَأ لك ربّك!
_________________
(١) توْرٌ -بفتح التاء المثناة من فوق وبالراء- هو إناء يشرب فيه: السابق، وانظر: فتح الباري: ١٣: ٤٨١ ففيه زيادة بيان.
(٢) قال أهل اللغة: هي اللحمات التي تكون بين الحنك وصفحة العنق، واحدها لغدود ولغديد، ويقال: لغد، وجمعه ألغاد: مجمل اللغة (لغد) وفتح الباري: ١٣: ٤٨١.
(٣) أي عنصر النيل والفرات، والعُنصر -بضم العين والصاد المهملتين بينهما نون ساكنة- هو الأصل، انظر: السابق.
(٤) أي جيد إلى الغاية، شديد ذكاء الريح: عمدة القاري: ٢٥: ١٧٢.
[ ٤ / ١٥٦٠ ]
ثم عرج إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى، من هذا؟
قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمَّد - ﷺ -، قالوا: وقد بُعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به وأهلًا!
ثم عرج به إلى السماء الثالثة، وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية!
ثم عرج به إلى الرابعة، فقالوا له مثل ذلك!
ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فقالوا له مثل ذلك!
ثم عرج به إلى السادسة، فقالوا له مثل ذلك!
ثم عرج به إلى السماء السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سمّاهم!
فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه. وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة، بفضل كلام الله، فقال موسى: ربّ لم أظنّ أن ترفع عليّ أحدًا!
ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبّار ربّ العزّة، فتدلّى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى خمسين صلاةً على أمّتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال: يا محمَّد! ماذا عهد إليك ربُّك؟ قال: عهد إليّ خمسين صلاةً كلّ يوم وليلة. قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليُخفِّف عنك ربّك وعنهم!
[ ٤ / ١٥٦١ ]
فالتفت النبي -ﷺ- إلى جبريل، كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل أن نعم، إن شئت، فعلا به إلى الجبّار، فقال وهو مكانه: يا ربِّ! خفف عنّا، فإن أمتي لا تستطيع هذا، فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يُردّده موسى إلى ربّه، حتى صارت إلى خمس صلوات!
ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: يا محمَّد! والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه، فأمّتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجع فليُخفِّف عنك ربّك، كل ذلك يلتفت النبي -ﷺ- إلى جبريل، ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل!
فرفعه عند الخامسة فقال: يا ربّ! إن أمّتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم فخفِّف عنّا، فقال الجبّار: يا محمَّد! قال: لبَّيك (١) وسَعْدَيْك (٢)، قال: إنه لا يبدّل القول لديّ، كما فرضت عليك في أم الكتاب، قال فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أمّ الكتاب، وهي خمسٌ عليك!
فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ فقال: خَفَّفَ عنّا، أعطانا
_________________
(١) يقال: لبّيك لزومًا لطاعتك، أو إلبابًا بعد إلباب، وإقامة بعد إقامة، وإجابة بعد إجابة، أو معناه اتجاهي إليك وقصدي وإقبالي على أمرك: الصحاح، والمعجم الوسيط، ومجمل اللغة (لب).
(٢) يقال في الدعاء: لبّيك وسعديك: أي إسعادًا لك بعد إسعاد: الصحاح، والمعجم الوسيط (سعد).
[ ٤ / ١٥٦٢ ]
بكل حسنة عشر أمثالها، قال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، ارجع إلى ربّك فليخفف عنك أيضًا، قال رسول الله -ﷺ-: "يا موسى قد والله اسْتَحييتُ من ربِّي مما اختلفت إليه"، قال: فاهبط باسم الله. قال: واستيقظ وهو في المسجد الحرام (١).
وقال مسلم: حدثنا هارون بين سعيد الأيلي: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني سليمان، وهو ابن بلال، قال: حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر، قال: سمعت أنس بن مالك يحدّثنا عن ليلة أُسري برسول الله - ﷺ - من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفرٍ قبل أن يُوحى إليه، وهو نائمٌ في المسجد الحرام، وساق الحديث بقصّته نحو حديث ثابت البناني، وقدّم فيه شيئًا وآخر، وزاد ونقص! (٢)
قلت: سبق أن قدمنا الحديث الأوّل من رواية مسلم وغيره، وعرفنا أنه أجود وأتقن، وقد سلم ممّا في غيره من الأحاديث!
أما حديث شريك فقد قال ابن حجر: (٣) مجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره من المشهورين عشرة أشياء، بل تزيد على ذلك!
_________________
(١) البخاري: ٦٧ - التوحيد (١٥١٧).
(٢) مسلم: ١ - الإيمان (١٦٢).
(٣) فتح الباري: ١٣: ٤٨٥.
[ ٤ / ١٥٦٣ ]
الشبهة الأولى وردّها:
قال عبد الحق في الجمع بين الصحيحين: زاد فيه -يعني شريكًا- زيادةً مجهولةً، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفّاظ .. فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث.
وسبق إلى ذلك أبو محمَّد بن حزم فيما حكاه الحافظ أبو الفضل بن طاهر في جزء سماه (الانتصار لأيامى الأنصار) فنقل عنه الحميدي عن ابن حزم قال: لم نجد للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئًا لا يحتمل مخرجًا إلا حديثين، ثم غلبه في تخريجه (١) الوهم، مع إتقانهما وصحة معرفتهما، فذكر هذا الحديث، وقال: فيه ألفاظ معجمة، والآفة من شريك، من ذلك قوله (قبل أن يوحى إليه)! (٢)
قال ابن حجر (٣) في جملة (قبل أن يوحى إليه): وهو غلط لم يوافق عليه! وأجمع العلماء أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون قبل الوحي؟ وقال: صرّح المذكورون بأن شريكًا تفرّد بذلك، وفي دعوى التفرّد نظر، فقد وافقه كثير بن خنيس -بمعجمة ونون مصغّر- عن
_________________
(١) كذا في فتح الباري: ١٣: ٤٨٤ ولعلها تخريجهما ليتسق مع المعنى!
(٢) السابق: ٤٨٤ - ٤٨٥، وانظر: مسلم بشرح النوويّ: ٢: ٢١٠.
(٣) فتح الباري: ١٣: ٤٨٠، وانظر: إكمال إكمال المعلم: ١: ٣١٤.
[ ٤ / ١٥٦٤ ]
أنس، كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في (كتاب المغازي) من طريقه!
وقال ابن حزم: الآفة من شريك (١)، ورد أبو الفضل بن طاهر على ذلك بقوله: (٢)
تعليل الحديث بتفرّد شريك، ودعوى ابن حزم أن الآفة منه شيء لم يسبق إليه، فإن شريكًا قبله أئمة الجرح والتعديل ووثّقوه، ورووا عنه، وأدخلوا حديثه في تصانيفهم، واحتجوا به، وروى عبد الله بن أحمد الدورقي، وعثمان الدارمي، وعباس الدوري، عن يحيى بن معين: لا بأس به، وقال ابن عديّ: مشهور من أهل المدينة. حدّث عنه مالك وغيره من الثقات، وحديثه إذا روى عنه ثقة لا بأس به، إلا أن يروي عنه ضعيف، قال ابن طاهو: وحديثه هذا رواه عنه ثقة، وهو سليمان بن بلال، قال: وعلى فرض تسليم تفرّده (قبل أن يوحى إليه) لا يقتضي طرح حديثه، فوهم الثقة في موضع من الحديث لا يسقط جميع الحديث، ولا سيما إذا كان الوهم لا يستلزم ارتكاب محذور، ولو ترك حديث من وهم في تاريخ لترك حديث جماعة من أئمة المسلمين، ولعله أراد أن يقول: بعد أن أوحي إليه، فقال: (قبل أن يوحى إليه)!
قلت: ومما يقوّي هذا قوله في نفس الحديث (وقد بعث؟ قال:
_________________
(١) توجيه النظر: ١٣٧.
(٢) فتح الباري: ١٣: ٤٨٥.
[ ٤ / ١٥٦٥ ]
نعم)، ومن هنا كان هذا التأويل أولى، حتى يمكن الجمع، ومع هذا يمكن أن يكون الملائكة الذين أتوا النبي -ﷺ- قبل أن يوحى إليه، أتوه ليلة أخرى، كما جاء في الحديث أيضًا (حتى أتوه ليلة أخرى)، ولم يعيّن المدّة التي بين الحديثين -كما يقول ابن حجر- (١) فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد أن أوحي إليه، وحينئذ وقع الإسراء والمعراج!
وإذا كان بين المجيئين مدّة فلا فرق في ذلك بين أن تكون تلك المدة ليلة واحدة أو ليالي كثيرة أو عدة سنين، وبهذا يرتفع الإشكال عن رواية شريك، ويحصل به الوفاق، أن الإسراء كان في اليقظة، بعد البعثة، وقبل الهجرة، ويسقط تشنيع الخطَّابي وابن حزم وغيرهما بأن شريكًا خالف الإجماع في دعواه أن المعراج كان قبل البعثه!
وأما ما ذكره بعض الشرّاح: أنه كان بين الليلتين اللتين أتاه فيهما الملائكة سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع، وقيل: عشر. وقيل: ثلاث عشرة، فيحمل على إرادة السنين، لا كما فهمه الشارح المذكور أنها ليال، وبذلك جزم ابن القيمّ في هذا الحديث نفسه!
قلت: وبهذا يتبيّن أن شريكًا قبله كثير من أئمة الجرح والتعديل وأن هذا الحديث رواه عنه ثقة، وأنه لم يتفرّد به، ولا إشكال في الجمع بين قوله: (قبل أن يوحى إليه) وقوله: (وقد بعث؟ قال: نعم)!
وأجاب بعضهم عن قوله: (قبل أن يوحى إليه) بأن القبليّة هنا في
_________________
(١) السابق، بتصرف.
[ ٤ / ١٥٦٦ ]
أمر مخصوص، وليست مطلقة، واحتمل أن يكون المعنى قبل أن يوحى إليه في شأن الإسراء والمعراج مثلًا، أي أن ذلك وقع بغتةً قبل أن ينذر به، ويؤيّده في حديث الزهري: "فرج عن سقف بيتي" (١).
الشبهة الثانية وردّها:
زاد ابن حزم على قوله السابق: الآفة من شريك، من ذلك قوله: (قبل أن يوحى إليه)، قال: وأنه حينئذ فرض عليه الصلاة، قال: وهذا لا خلاف بين أهل العلم إنما كان قبل الهجرة بسنة، وبعد أن أوحي إليه بنحو اثنتي عشرة سنة! (٢)
قلت: وتلك أيضًا شبهة مردودة، حيث اختلفوا في تاريخ الإسراء والمعراج -كما سبق- اختلافًا كثيرًا!
ومردودة أيضًا، حيث ذهب بعض العلماء إلى أن ذلك وقع مرّتين: مرَّة في المنام، توطئة وتمهيدًا أو تسهيلًا عليه، كما كان بدء نبوّته الرؤيا الصادقة -كما أسلفنا- ليسهل عليه أمر النبوّة!
ومرّة ثانية في اليقظة .. قالوا: وبذلك يجمع بين الأحاديث. وممن اختار هذا القول أبو نصر القشيري، وابن العربي، والسهيلي!
وجوّز بعض أصحاب هذا القول أن تكون قصّة المنام وقعت قبل البعث، لأجل ما في رواية شريك (وذلك قبل أن يوحى إليه)!
_________________
(١) السابق: ٤٨٥.
(٢) السابق.
[ ٤ / ١٥٦٧ ]
قال السهيلي: (١) وهذا القول هو الذي يصحّ، وبه تتفق معاني الأخبار!
قلت: سبق أن عرفنا أن الجمهور من المفسّرين والمحدّثين والفقهاء والمتكلّمين قد ذهبوا إلى أنهما وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسد النبي -ﷺ- وروحه بعد المبعث، فكيف يقول السهيلي عن القول بأن ذلك وقع مرّتين (هو الذي يصح؟!) وعلى كل فهو قول محتمل للجمع بين الأحاديث!
وقال ابن كثير: (٢) تنبيه: ونحن لا ننكر وقوع منام قبل الإسراء، طبق ما وقع بعد ذلك، فإنه - ﷺ - كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وقد تقدّم مثل ذلك في حديث بدء الوحي (٣) أنه رأى مثل ما وقع له يقظةً منامًا قلبه، ليكون ذلك من باب الإرهاص والتوطئة والتثبت والإيناس!
قال ابن حجر: (٤) وقوع التعدّد في قصّة المعراج التي فيها سؤاله عن كل نبيّ، وسؤال أهل كل باب: هل بعث إليه؟ وفرض الصلوات الخمس، وغير ذلك، فإن تعدّد ذلك في اليقظة لا يتّجه، فيتعيّن ردّ بعض الروايات المختلفة إلى بعض، أو الترجيح، إلا أنه لا
_________________
(١) الروض الأنف: ٢: ١٤٩.
(٢) البداية: ٣: ١١٤.
(٣) سبق ذكر ذلك، وانظر: البخاري ١ - بدء الوحي (٣)، ومسلم (١٦٠).
(٤) فتح الباري: ٧: ١٩٨.
[ ٤ / ١٥٦٨ ]
يعد في جميع وقوع ذلك في الشام توطئة، ثم وقوعه في اليقظة على وفقه .. ومن المستغرب قول ابن عبد السلام في تفسيره: كان الإسراء في النوم واليقظة، ووقع بمكة والمدينة، فإن كان يريد تخصيص المدينة بالنوم، ويكون كلامه على طريق اللفّ والنّشر غير المرتّب، فيحتمل، ويكون الإسراء الذي اتّصل به المعراج، وفرضت الصلوات فيه في اليقظة بمكة، والآخر في الشام بالمدينة!
الشبهة الثالثة وردّها:
جاء في رواية شريك: (وهو نائم في المسجد الحرام)، ومن ثم ذهب بعضهم إلى أن ذلك وقع في المنام!
قال البغوي: (١) هذا الاعتراض الذي اعترض به على رواية شريك لا يصح عندي؛ لأنّ ذلك كان رؤيا في النوم أراه الله تعالى ﷿ قبل الوحي، بدليل آخو الحديث -أي حديث شريك الذي معنا- (واستيقظ وهو في مسجد الحرام) (٢)، ثم عرج به في اليقظة بعد الوحي، تحقيقًا لرؤياه من قبل، كما أنه ﵊ فتح مكّة في المنام عام الحديبية سنة ست من الهجرة، ثم كان تحقيقه سنة ثمان، ونزل قوله تعالى:
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧]
_________________
(١) شرح الشفا: ١: ٣٨٧.
(٢) في السابق: (فاستيقظ وهو بالمسجد الحرام).
[ ٤ / ١٥٦٩ ]
قلت: سبق الردّ على قوله (قبل الوحي)، وتدفعنا ضرورة البحث إلى أن شريكًا لم ينفرد بتلك الرواية، وأن لفظ (نائم) يطلق على حال النبي -ﷺ- أوّل وصول الملك إليه، كما سيأتي من قول عياض!
أمّا عن عدم انفراد شريك بالرواية، فقد سبق ذكر رواية الشيخين وغيرهما عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة ﵄ قال: قال النبي -ﷺ-:
"بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان .. " الحديث، وتعدّدت الروايات في ذلك!
وأمّا عن حال النبي -ﷺ- في هذا المقام، فقد قال عياض: وأما قولهم إنه قد سمّاها في الحديث منامًا، وقوله في حديث آخر "بين النائم واليقظان"، وقوله: "واستيقظ" (١) فلا حجة فيه؛ إذ قد يحتمل أن وصول الملك إليه كان وهو نائم، أو أوّل حمله والإسراء به وهو نائم، وليس في الحديث أنه كان نائمًا في القضيّة كلها، إلا ما يدلّ عليه (واستيقظ وهو في مسجد الحرام)، وفي لفظ (استيقظت) بمعنى أصبحت، واستيقظ من نوم آخر بعد وصول بيته، ويدل على أن مسراه لم يكن طول ليله!
وقد يكون قوله: (واستيقظت وأنا في المسجد الحرام) لما كان غمره من عجائب ما طالع من ملكوت السماوات والأرض، وخامر باطنه من
_________________
(١) في الأصل: (ثم استيقظت) وما ذكرته هو نصّ حديث شريك الذي معنا.
[ ٤ / ١٥٧٠ ]
مشاهد الملأ الأعلى، وما رأى من آيات ربّه الكبرى، فلم يستفق ويرجع إلى حال البشريّة إلّا وهو بالمسجد الحرام .. أو يعبّر بالنوّم هنا عن هيئة النائم من الاضطجاع، ويقوّيه قوله في رواية عبد بن حميد عن همام: (بينا أنا نائم، وربما قال مضطجع)، وفي رواية هدبة عنه: (بينا أنا في الحطيم، وربما قال في الحجر مضطجع)، وقوله في الرواية الأخرى: (بين النائم واليقظان) سمّى هيئته بالنوّم، لما كانت هيئة النائم غالبًا! (١)
الشبهة الرابعة وردّها:
قال عياض: قد ذكر في أوله -أي حديث شريك- مجيء الملك له، وشق بطنه، وغسله بماء زمزم، وهو إنما كان وهو صبيّ، وقبل الوحي، (٢) وادّعى ابن حزم وعياض أن ذلك من تخليط شريك! (٣)
قلت: وأيضًا لم ينفرد شريك بذلك، فقد سبق في رواية الشيخين وغيرهما عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن صعصعة ﵄: " .. فأتيت بطست من ذهب ملآن حكمةً وإيمانًا، فشقّ من النحر إلى مراق البطن، ثم غسل البطن بماء زمزم، ثم ملئ حكمة وإيمانًا .. " الحديث.
قال ابن حجر: وقد استنكر بعضهم وقوع شقّ الصدر ليلة
_________________
(١) الشفا: ١: ٤١١ - ٤١٣ بتصرف.
(٢) السابق: ٣٨٧.
(٣) شرح المواهب اللدنيَّة: ٦: ٢٣.
[ ٤ / ١٥٧١ ]
الإسراء، وقال: إنما كان ذلك، وهو صغير في بني سعد، ولا إنكار في ذلك، فقد تواترت الروايات به، وثبت شقّ الصدر أيضًا عند البعثة، كما أخرجه أبو نعيم في (الدلائل) ولكل منهما حكمة!
فالأول: وقع فيه من الزيادة، كما عند مسلم من حديث أنس -كما سبق- "فاستخرج منه علقة (١) فقال: هذا حظ الشيطان منك"! (٢)
وكان هذا في زمن الطفوليّة، فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان!
ثم وقع شقّ الصدر عند البعث، زيادةً في إكرامه، ليتلقّى ما يوحى إليه بقلب قويّ في أكمل الأحوال من التطهير!
ثم وقع شقّ الصدر عند إرادة العروج إلى السماء، ليتأهّب للمناجاة، ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرّة الثالثة، كما تقرّر في شرعه - ﷺ -!
ويحتمل أن تكون الحكمة في انفراج سقف بيته الإشارة إلى ما سيقع من شقّ صدره، وأنه سيلتئم بغير معالجة يتضرّر بها!
وجميع ما ورد من شقّ الصدر، واستخراج القلب، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة، مما يجب التسليم له، دون التعرّض لصرفه عن حقيقته، لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك!
_________________
(١) العلقة: الدم الغليظ، المصباح، والمعجم الوسيط (علق).
(٢) مسلم: ١ - الإيمان (١٦٢).
[ ٤ / ١٥٧٢ ]
وقال القرطبي في (المفهم): لا يلتفت لإنكار الشقّ ليلة الإسراء، لأنّ رواته ثقاة مشاهير! (١)
الشبهة الخامسة وردّها:
تتعلّق بأمكنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد أفصح بأنّه لم يضبط منازلهم، (٢) فقد جاء في رواية شريك: (فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة، بفضل كلام الله).
بينما رواية قتادة وغيرها -كما سبق- تذكر في السماء الأولى آدم، وفي الثانية عيسى ويحيى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم!
قلت: لم ينفرد شريك أيضًا في هذا، فقد سبق أن ذكرنا ما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: كان أبو ذرّ يحدّث أن رسول الله -ﷺ- قال: "فرج سقف بيني، وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري .. " إلى أن قال: قال أنس: فذكر أنه وجد في السماوات آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى، وإبراهيم، صلوات الله عليهم، ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة .. الحديث!
_________________
(١) فتح الباري ٧: ٢٠٤ - ٢٠٥، وانظر: شرح المواهب اللدنيَّة: ٦: ٢٥.
(٢) انظر: فتح الباري: ١٣: ٤٨٥.
[ ٤ / ١٥٧٣ ]
وبهذا نتبيّن أن رواية الشيخين هذه قد وافقت رواية شريك في أن إبراهيم في السماء السادسة .. بينما هو -كما سبق- في السابعة!
وفي رواية للنسائي (١) عن يزيد بن أبي مالك، عن أنس بن مالك .. وفيه:
" .. ثم صعد بي إلى السماء الدنيا، فإذا فيها آدم ﵇، ثم صعد بي إلى السماء الثانية، فإذا فيها ابنا الخالة عيسى ويحيى ﵉، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة، فإذا فيها يوسف ﵇، تم صعد بي إلى السماء الرابعة، فإذا فيها هارون ﵇، ثم صعد بي إلى السماء الخامسة، فإذا فيها إدريس ﵇، ثم صعد بي إلى السماء السادسة، فإذا فيها موسى ﵇، ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فإذا فيها إبراهيم ﵇، ثم صعد بي فوق سبع سماوات، فأتينا سدرة المنتهى .. " الحديث.
قال النوويّ: فإن كان الإسراء مرّتين فلا إشكال فيه، ويكون في كل مرّة وجده في سماء، وإحداهما موضع استقراره ووطنه، والأخرى كان فيها غير مستوطن، وإن كان الإسراء مرّة واحدة فلعلّه وجده في السادسة، ثم ارتقى إبراهيم أيضًا إلى السابعة! (٢)
وقال ابن حجر: فمع التعددّ لا إشكال، ومع الاتحاد فقد جمع بأن
_________________
(١) النسائيّ: ١: ٢٢١ - ٢٢٢.
(٢) مسلم بشرح النوويّ: ٢: ٢١٩ - ٢٢٠.
[ ٤ / ١٥٧٤ ]
موسى كان في حالة العروج في السادسة، وإبراهيم في السابعة، على ظاهر حديث مالك بن صعصعة، وعند الهبوط كان موسى في السابعة؛ لأنه لم يذكر في القصة أن إبراهيم كلّمه في شيء مما يتعلّق بما فرض الله على أمّته من الصلاة، كما كلّمه موسى، والسماء السابعة هي أوّل شيء انتهى إليه حالة الهبوط، فناسب أن يكون موسى بها، لأنه هو الذي خاطبه في ذلك، كما ثبت في جميع الروايات، ويحتمل أن يكون لقي موسى في السادسة، فأصعد معه إلى السابعة، تفضيلًا له على غيره، من أجل كلام الله تعالى، وظهرت فائدة ذلك في كلامه مع المصطفى فيما يتعلّق بأمر أمّته في الصلاة (١).
الشبهة السادسة وردّها:
وجاء في رواية شريك: (ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى).
قال ابن حجر: كذا وقع في رواية شريك، وهو ممّا خالف فيه غيره، فإن الجمهور على أن سدرة المنتهى في السابعة، وعند بعضهم في السادسة! (٢)
قلت: لم ينفرد شريك أيضًا بهذه الرواية، ففي رواية الشيخين
_________________
(١) فتح الباري: ١٣: ٤٨٢.
(٢) السابق: ٤٨٣.
[ ٤ / ١٥٧٥ ]
وغيرهما -كما سبق- عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة:
" .. ورفعت إلى سدرة المنتهى .. " الحديث!
وفي رواية لهما -أيضًا كما سبق- عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك:
" .. ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى .. " الحديث.
وفي رواية يزيد التي سبق ذكرها عن أنس:
" .. ثم صعد بي فوق سبع سماوات، فأتينا سدرة المنتهى .. " الحديث!
قلت: وهذا صريح في كون سدرة المنتهى فوق سبع سماوات، ومع هذا فقد روى مسلم وغيره من حديث ابن مسعود - ﵁ - قال:
(لمّا أُسري برسول الله - ﷺ - انتُهي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرُجُ به من الأرض، فيُقبض منها، وإليها ينتهي ما يُهبط به من فوقها، فيقبض منها، قال: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ [النجم: ١٦]! ..) الحديث (١).
_________________
(١) مسلم: ١ - الإيمان (١٧٣)، وأحمد: ١: ٣٨٧، ٤٢٣، وأبو يعلى (٥٣٠٣)، وابن أبي شيبة: ١١: ٤٦٠، والنسائيُّ: ١: ٢٢٣ - ٢٢٤، والكبرى (٣١٥)، والطبري: التفسير: ٢٧: ٥٢، ٥٥، والبيهقي: الدلائل: ٥: ٤٧٤، والترمذي (٣٢٧٦).
[ ٤ / ١٥٧٦ ]
قال ابن حجر: (١) ولعلّ في السياق تقديمًا وتأخيرًا؛ وكان ذكر سدرة المنتهى قبل، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله!
ثم قال: ويحتمل أن يكون المراد بما تضمّنته هذه الرواية من العلوّ البالغ لسدرة المنتهى صفة أعلاها، وما تقدّم صفة أصلها!
وقال: (٢) ولا يعارض قوله إنها في السادسة ما دلت عليه بقيّة الأخبار أنه وصل إليها بعد أن دخل السماء السابعة؛ لأنه يحمل على أن أصلها في السماء السادسة، وأغصانها وفروعها في السابعة، وليس في السادسة منها إلا أصل ساقها!
وقال القاري: (٣) يمكن الجمع بأن مبدأها في الأرض، ومعظمها في السماء السادسة، وانتهاءها ومحلّ أثمارها، وغشيان أنوارها، في السماء السابعة، ويؤيّده قوله (إليها) أي إلى السدرة (ينتهي ما يعرج به من الأرض) بصيغة المجهول، وكذا قوله (فيقبض منها) أي تقبضه الملائكة الموكلون فيها بأخذ ما صعد به من الأعمال، والأرواح إليها (وإليها ينتهي ما يهبط) أي ينزل (من فوقها فيقبض منها) أي فيقبض من أذن له، وإيصاله إلى من قضي له به!
_________________
(١) فتح الباري: ١٣: ٤٨٣.
(٢) السابق: ٧: ٢١٣.
(٣) شرح الشفا: ١: ٣٩٣.
[ ٤ / ١٥٧٧ ]
الشبهة السابعة وردّها:
وجاء في الرواية أيضًا: (فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال: (ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذان النّيل والفرات عنصرهما).
قال ابن حجر: (١) وظاهر هذا يخالف حديث مالك بن صعصعة -أي الذي سبق ذكره- فإن فيه بعد ذكر سدرة المنتهى (فإذا في أصلها أربعة أنهار) ويجمع بأن أصل نبعها من تحت سدرة المنتهى، ومقرّها في السماء الدنيا، ومنها ينزلان إلى الأرض!
وقال أيضًا: (٢) والجمع بينهما هذين النهرين عند سدرة المنتهى مع نهري الجنة، ورآهما في السماء الدنيا دون نهري الجنة، وأراد بالعنصر عنصر امتيازهما لسماء الدنيا، كما قال ابن دحية!
قال النوويّ (٣)، والمراد من أصل سدرة المنتهى، كما جاء مبيّنًا في صحيح البخاري وغيره، قال مقاتل: الباطنان هما السلسبيل والكوثر، قال عياض: هذا الحديث يدلّ على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض، لخروج النيّل والفرات من أصلها، وقال النوويّ: هذا الذي قاله ليس بلازم، بل معناه أن الأنهار تخرج من أصلها، ثم تسير حيث أراد الله
_________________
(١) فتح الباري: ١٣: ٤٨٢.
(٢) السابق: ٧: ٢١٤.
(٣) مسلم بشرح النووي: ٢: ٢٢٤ - ٢٢٥.
[ ٤ / ١٥٧٨ ]
تعالى، حتى تخرج من الأرض، وتسير فيها، وهذا لا يمنعه عقل ولا شرع، وهو ظاهر الحديث، فوجب المصير إليه!
وقال الأبيّ: (١) ووجه الجمع أن يكون أصلها في السماء، وأنزل من أصلها إلى الأرض النيل والفرات!
الشبهة الثامنة وردّها:
وجاء قوله: (ودنا الجبّار، ربُّ العزّة، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى) قال الخطابي (٢): ليس في هذا الكتاب -يعني صحيح البخاري- حديث أشنع ظاهرًا، ولا أشنع مذاقًا من هذا الفصل، فإنه يقتضي تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر، وتمييز مكان كل واحد منهما، هذا إلى ما في التدلّي من التشبيه والتمثيل له بالشيء الذي تعلّق من فوق إلى أسفل، قال: فمن لم يبلغه من هذا الحديث إلا هذا القدر مقطوعًا عن غيره، ولم يعتبره بأول القصّة وآخرها اشتبه عليه وجهه ومعناه، وكان قصاراه إمّا رد الحديث من أصله، وإمّا الوقوع في التشبيه، وهما خطتان مرغوب عنهما!
وأمّا من اعتبر أوّل الحديث بآخره فإنه يزول عنه الإشكال، فإنه مصرّح فيهما بأنّه كان رؤيا لقوله في أوله (وهو نائم) وفي آخره (استيقظ)، وبعض الرؤيا مثل يضرب ليتأوّل على الوجه الذي يجب أن
_________________
(١) إكمال إكمال المعلم: ١: ٣١٨.
(٢) فتح الباري: ١٣: ٤٨٣ - ٤٨٤ بتصرف.
[ ٤ / ١٥٧٩ ]
يصرف إليه معنى التعبير في مثله، وبعض الرؤيا لا يحتاج إلى ذلك، بل يأتي كالمشاهدة!
ثم قال الخطابي مشيرًا إلى رفع الحديث من أصله بأن القصّة بطولها إنما هي حكايته يحكيها أنس من تلقاء نفسه، لم يعزها إلى النبي -ﷺ-، ولا نقلها عنه، ولا أضافها إلى قوله، فحاصل الأمر في النقل أنها من جهة الراوي إمّا عن أنس، وإمّا من شريك، فإنه كثير التفرّد بمناكير الألفاظ التي لا يتابعه عليها سائر الرواة ..
وقال: إن الذي وقع في هذه الرواية من نسبة التدلّي للجبّار ﷿ مخالف لعامّة السلف، والعلماء، وأهل التفسير، ومن تقدّم منهم ومن تأخّر .. قال: والذي قيل فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه دنا جبريل من محمَّد - ﷺ -، فتدلّى، أي تقرّب منه، وقيل: هو على التقديم والتأخير: أي تدلّى فدنا؛ لأنّ التدلّي بسبب الدنو.
الثاني: تدلّى له جبريل بعد الانتصاب والارتفاع، حتى رآه متدلّيًا، كما رآه مرتفعًا، وذلك من آيات الله، حيث أقدره على أن يتدلّى في الهواء من غير اعتماد على شيء، ولا تمسّك بشيء.
الثالث: دنا جبريل، فتدلّى محمَّد - ﷺ - ساجدًا لربّه تعالى، شاكرًا على ما أعطاه.
[ ٤ / ١٥٨٠ ]
قال: وقد روي هذا الحديث عن أنس من غير طريق شريك، فلم يذكر هذه الألفاظ الشنيعة، وذلك مما يقوّي الظنّ أنها صادرة من جهة شريك!
قال ابن حجر: وما نفاه من أن أنسًا لم يسند هذه القصة إلى النبي لا تأثير له، فأدنى أمره فيها أن يكون مرسل صحابي، فإمّا أن يكون تلقّاها عن النبي -ﷺ-، أو عن صحابي تلقاها عنه، ومثل ما اشتملت عليه لا يقال بالرأي، فيكون لها حكم الرفع، ولو كان لما ذكره تأثير لم يحمل حديث أحد روى مثل ذلك على الرفع أصلًا، وهو خلاف عمل المحدّثين قاطبةً، فالتعليل بذلك مردود ..
قال: وقد أخرج الأموي في مغازيه من طريق البيهقي، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس في قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾! [النجم]
قال: دنا منه ربه، وهذا سند حسن، وهو شاهد قويّ لرواية شريك!
وقال: وأمّا ما جزم به من مخالفة السلف والخلف لرواية شريك عن أنس في التدلّي ففيه نظر، فقد ذكرت من وافقه، وقد نقل القرطبي عن ابن عباس أنه قال: (دنا الله ﷾)! (١)
ثم قال وقد أزال العلماء إشكاله، فقال القاضي عياض: إضافة
_________________
(١) السابق: ٤٨٤، وانظر: الدر المنثور: ٦: ١٢٣، والبيهقيُّ: الدلائل: ٢: ١٣٠، ١٣٢، ففيه متابع آخر لرواية شريك!.
[ ٤ / ١٥٨١ ]
الدنوّ والقرب إلى الله تعالى أو من الله، ليس دنوّ مكان، ولا قرب زمان، وإنما هو بالنسبة إلى النبي -ﷺ- إبانة لعظيم منزلته، وشريف رتبته، وبالنسبة إلى الله ﷿ تأنيس لنبيّه وإكرام له، ويتأوّلُ فيه ما قالوه فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله -ﷺ- قال:
"ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الأخير، يقول: من يدعوني فأستجيب له؛ ومن يسألني فأعطيَه؟ ومن يستغفرني فأغفر له؟ " (١).
وفي رواية:
"ينزل الله ﵎ إلى السماء الدّنيا كلّ ليلة، حين يمضي ثلث الليل الأوّل، فيقول: أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأُعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر".
وفي رواية:
"إذا مضى شطرُ الليل أو ثلثاه، ينزل الله جلّ وعلا، إلى سماء الدنيا فيقول: من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يدعوني أستجيب له؟
_________________
(١) البخاري: ١٩ - التهجد (١١٤٥)، وانظر (٦٣٢١، ٧٤٩٤)، ومسلم (٧٥٨)، ومالك: ١٥ - القرآن (٣٠)، وأحمد: ٢: ٢٦٧، ٢٨٢، ٤١٩، ٤٣٣، والترمذي (٤٤٦)، والدارمي (١٤٨٧)، وأبو داود (١٣١٥، ٤٧٣٣)، وابن ماجه (١٣٦٦)، وابن أبي عاصم: السنة (٤٩٢)، وابن حبّان (٩٢٠).
[ ٤ / ١٥٨٢ ]
من ذا الذي يسترزقني أرزقه؟ من ذا الذي يستغفرني أغفر له؟ حتى ينفجر الصبح".
وفي رواية:
"ينزل الله ﷿ حين يبقى ثلث الليل الآخر".
قال الترمذي: وقد رُوي هذا الحديث من أوجه كثيرة، عن النبي -ﷺ-!
وقال: وفي الباب عن عليّ بن أبي طالب، وأبي سعيد، ورفاعة الجهني، وجبير بن مطعم، وابن مسعود، وأبي الدرداء، وعثمان بن أبي العاص!
والأحاديث في هذا كثيرة، وعليه فإذا كان كل حديث متشابه يردّ فإن تلك الأحاديث تردّه، وهذا أمر مردود!
وقد نقل القرطبي عن ابن عباس أنه قال: (دنا الله ﷾) قال: والمعنى دنا أمره وحكمه، وأصل التدلّي النزول إلى الشيء، حتى يقرب منه، قال: وقيل تدلّى الرفرف لمحمد - ﷺ - حتى جلس عليه، ثم دنا من ربّه، وقيل: الدنوّ مجاز عن القرب المعنوي، لإظهار عظيم منزلته عند ربّه تعالى، والتدلّي: طلب زيادة القرب، وقاب قوسين بالنسبة إلى النبي -ﷺ- عبارة عن لطف المحل، وإيضاح المعرفة، وبالنسبة إلى الله إجابة سؤاله، ورفع درجته! (١)
_________________
(١) فتح الباري: ١٣: ٤٨٤.
[ ٤ / ١٥٨٣ ]
وقال السهيلي: وأمّا الدنوّ والتدلّي فهما خبر عن النبي -ﷺ-، عن بعض المفسّرين، وقيل: إن الذي تدلى هو جبريل ﵇، تدلّى إلى محمَّد - ﷺ -، حتى دنا منه، وهذا قول طائفة أيضًا، وفي الجامع الصحيح في إحدى الروايات منه (فتدلّى الجبّار)، وهذا مع صحة نقله، لا يكاد أحد من المفسّرين يذكره، لاستحالة ظاهره، أو للغفلة عن موضعه ولا استحالة فيه؛ لأنّ حديث الإسراء إن كان رؤيا رآها بقلبه، وعينه نائمة كما في حديث أنس فلا إشكال .. ثم قال: وقد بيّنا آنفًا أن حديث الإسراء كان رؤيا، ثم كان يقظة، فإن كان قوله: (فتدلّى الجبار) في المرّة التي كان فيها غير نائم، وكان الإسراء بجسده فيقال فيه من التأويل ما يقال في قوله: "ينزل ربنا .. " الحديث، فليس بأبعد منه في باب التأويل، فلا نكارة فيه، كان في نوم أو يقظة! (١)
رؤية النبي -ﷺ- ربّه ليلة المعراج:
وهنا تدفعنا منهجيّة البحث إلى بيان موقف العلماء من رؤية النبي -ﷺ- ربّه ليلة المعراج: هل حصلت للنبيﷺ- أم لا؟
_________________
(١) الروض الأنف: ٢: ١٥٦ بتصرف.
[ ٤ / ١٥٨٤ ]
ثلاثة أقوال:
وفي هذا ثلاثة أقوال:
القول الأوّل:
أن الرسول - ﷺ - رأى ربّه ليلة المعراج، وقد روي -كما يقول عياض- (١) عن ابن عباس ﵄ أنه رآه بعينه، ومثله عن أبي ذر، وكعب ﵄، والحسن ﵀، وكان يحلف على ذلك، وحكي مثله عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وأحمد بن حنبل، وحكى أصحاب المقالات عن أبي الحسن الأشعري وجماعة من أصحابه أنه رآه!
ووقف بعض مشايخنا في هذا، وقال: ليس عليه دليل واضح، ولكنه جائز، ورؤية الله تعالى في الدنيا جائزة، وسؤال موسى إيّاها دليل على جوازها، إذ لا يجهل نبيّ ما يجوز أو يمتنع على ربّه!
وقد اختلفوا في رؤية موسى ربّه في مقتضى الآية ورؤية الجبل، ففي جواب القاضي أبي بكر ما يقتضي أنهما رأياه!
وكذلك اختلفوا في أن نبيّنا - ﷺ - كلّم ربّه ﷾ ليلة الإسراء بغير واسطة أم لا؟!
فحكي عن الأشعري وقوم من المتكلّمين أنه كلّمه، وعزا بعضهم هذا إلى جعفر بن محمَّد، وابن مسعود، وابن عباس!
_________________
(١) مسلم بشرح النوويّ: ٣: ٤ - ٥، بتصرف، وانظر: إكمال إكمال المعلم: ١: ٣٢٦ - ٣٢٧.
[ ٤ / ١٥٨٥ ]
وكذلك اختلفوا في قوله تعالى:
﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ [النجم]!
فالأكثرون على أن هذا الدنوّ والتدلّي منقسم ما بين جبريل والنبي - ﷺ -، أو مختصّ بأحدهما من الآخر، ومن السدرة المنتهى!
وذكر عن ابن عباس، والحسن، ومحمد بن كعب، وجعفر بن محمَّد، وغيرهم: أنه دنوّ من النبيّ - ﷺ - إلى ربّه ﷾، أو من الله تعالى!
وعلى هذا القول يكون الدنوّ والتدلّي متأوّلًا، ليس على وجهه، بل كما قال جعفر بن محمَّد، الدنوّ من الله تعالى لا حدّ له، ومن العباد بالحدود، فيكون معنى دنوّ النبيّ - ﷺ - من ربّه ﷾، وقربه منه ظهور عظيم منزلته لديه، وإشراق أنوار معرفته عليه، وإطلاعه من غيبه وأسرار ملكوته، على ما لم يطلع سواه عليه!
والدنوّ من الله سبحانه له إظهار ذلك له، وعظيم بره وفضله العظيم لديه، ويكون قوله تعالى:
﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩]!
على هذا عن لطف المحل، وإيضاح المعرفة، والإشراف على الحقيقة من نبينا - ﷺ -، ومن الله إجابة الرغبة، وإبانة المنزلة، ويتأوّل في ذلك ما يتأوّل في قوله - ﷺ - فيما رواه الشيخان وغيرهما عن
[ ٤ / ١٥٨٦ ]
أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله -ﷺ-: "يقول الله تعالى: أنا عند حسن ظنّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرّب إليّ شبرًا تقرّبت إليه ذراعًا، وإن تقرّب إليّ ذراعًا تقرّبت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة" (١).
قال النوويّ: وأما صاحب التحرير فإنه اختار إثبات الرؤية، قال:
والحجج في هذه المسألة وإن كانت كثيرة، ولكنا لا نتمسك إلا بالأقوى منها، وهو حديث ابن عباس ﵄:
أتعجبون أن تكون الخلّة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد - ﷺ -!
وعن عكرمة، سئل ابن عباس ﵄: هل رأى محمَّد - ﷺ - ربّه؟ قال: نعم، وقد روي بإسناد لا بأس به، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس - ﵁ -:
رأى محمد - ﷺ - ربه!
وكان الحسن يحلف: لقد رأى محمَّد - ﷺ - ربّه!
_________________
(١) البخاري: ٩٧ - التوحيد (٧٤٠٥)، وانظر (٧٥٠٥، ٧٥٣٧)، وخلق أفعال العباد (٥٥)، ومسلم (٢٦٧٥)، وأحمد: ٢: ٢٥١، ٤١٣، ٤٨٠، ٥١٦، ٥١٧، ٥٢٤، ٥٣٤، والترمذي (٣٦٠٣)، وابن ماجه (٣٨٢٢)، والنسائيّ: الكبرى (٧٧٣٠)، وابن خزيمة: التوحيد: ٦، ٧، وابن حبّان (٨١١، ٨١٢)، وأبو نعيم: الحلية: ٩: ٢٦ - ٢٧، والبغويّ (١٢٥١).
[ ٤ / ١٥٨٧ ]
والأصل في الباب حديث ابن عباس، حبر الأمة، والمرجوع إليه في المعضلات، وقد راجعه ابن عمر ﵃ في هذه المسألة وراسله: هل رأى محمَّد - ﷺ - ربّه! فأخبره أنه رآه!
وإذا صحت الروايات عن ابن عباس في إثبات الرؤية وجب المصير إلى إثباتها؛ فإنها ليست مما يدرك بالعقل، ويؤخذ بالظن، وإنما يتلقى بالسماع، ولا يستجيز أحد أن يظن بابن عباس أنه تكلم في هذه المسألة بالظن والاجتهاد.
قال النوويّ: فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله -ﷺ- رأى ربّه بعيني رأسه ليلة الإسراء، لحديث ابن عباس وغيره مما تقدّم، وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله -ﷺ-، هذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه!
القول الثاني:
أن النبيّ - ﷺ - لم ير ربّه، فقد أنكرت ذلك عائشة ﵂، وجاء مثله عن أبي هريرة وجماعة، وهو المشهور عن ابن مسعود، وإليه ذهب جماعة من المحدّثين والمتكلّمين!
يروي الشيخان وغيرهما عن مسروق قال: قلت لعائشة ﵂: يا أمتاه! هل رأى محمَّد - ﷺ - ربّه؟ فقالت: لقد قفّ (١) شعري مما قلت: أين أنت من ثلاث من حدّثكهن فقد كذب:
_________________
(١) أي قام من الفزع، لما حصل عندهما من هيبة الله، واعتقدته من تنزيهه، واستحالة وقوع ذلك، =
[ ٤ / ١٥٨٨ ]
من حدّث أن محمدًا - ﷺ - رأى ربّه فقد كذب، ثم قرأت:
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام]!
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى]!
ومن حدّثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت:
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]!
ومن حدّثك أنه كتم فقد كذب، تم قرأت:
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]!
ولكن رأى جيريل ﵇ في صورته مرّتين! (١)
_________________
(١) = قال النضر بن شميل: القفّ -بفتح القاف وتشديد الفاء، كالقشعريرة، وأصله (القبض) والاجتماع؛ لأنّ الجلد ينقبض عند الفزع، فيقوم الشعر لذلك: فتح الباري: ٨: ٦٠٧ وما بين القوسين هكذا في الفتح، وصوابه (التقبّض) و(يتقبّض) كما في مقاييس اللغة، والمعجم الوسيط، ولعل ما في الفتح يرجعه إلى الخطأ الطباعي!
(٢) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٨٥٥)، ومسلم (١٧٧)، وانظر: إسحاق بن راهويه: (١٤٢١، ١٤٢٢، ١٤٣٩)، وأحمد: ٦: ٢٣٦، ٢٤١، والترمذي (٣٠٦٨)، وأبو يعلى (٤٩٠٠، ٤٩٠١)، والطبري: التفسير: ٢٧: ٥٠، ٥١، وابن خزيمة: التوحيد: ٢٢٢، ٢٢٣، ٢٢٤، ٢٢٥، وأبو عوانة: ١: ١٥٣، ١٥٤، ١٥٥، والطحاوي: شرح المشكل (٥٥٩٩، ٥٦٠٠)، وابن حبّان (٦٠)، وابن منده (٧٦٣، ٧٦٤، ٧٦٥، ٧٦٧، ٧٦٨)، والبيهقيّ: الأسماء والصفات: ٢: ١٨٠، ١٨١.
[ ٤ / ١٥٨٩ ]
وفي رواية عن الشيباني قال: سألت زِرًّا عن قوله تعالى:
﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم]!
قال: أخبرنا عبد الله أنه محمَّد - ﷺ - من رأى جبريل له ستمائة جناح! (١)
قال ابن حجر: (٢) والحاصل أن ابن مسعود كان يذهب في ذلك إلى أن الذي رآه النبي -ﷺ- هو جبريل، كما ذهبت إلى ذلك عائشة، والتقدير على رأيه ﴿فَأَوْحَى﴾ أي جبريل: ﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾ أي عبد الله محمَّد؛ لأنه يرى أن الذي دنا فتدلّى هو جبريل، وأنه هو الذي أوحى إلى محمَّد!
وكلام أكثر المفسّرين من السلف يدلّ على أن الذي أوحى هو الله، أوحى إلى عبده محمَّد!
ومنهم من قال: إلى جبريل!
وفي رواية عن أبي هريرة في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم]
قال: رأى جبريل (٣).
_________________
(١) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٨٥٧)، ومسلم (١٧٤).
(٢) فتح الباري: ٨: ٦١٠ - ٦١١.
(٣) مسلم (١٧٥).
[ ٤ / ١٥٩٠ ]
قال ابن القيم: (١) وأما قوله تعالى في سورة النجم:
﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾
فهو غير الدنوّ والتدلّي في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو جبريل وتدلّيه، كما قالت عائشة وابن مسعود، والسياق يدلّ عليه، فإنه قال:
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ [النجم]!
فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوي، وهو الذي دنا فتدلّى، فكان من محمَّد - ﷺ - قدر قوسين أو أدنى!
بين القولين:
قال النوويّ عقب ذكره أدلة القول الأوّل: (٢) ولا يقدح في هذا حديث عائشة ﵂؛ لأنّ عائشة لم تخبر أنها سمعت النبي -ﷺ- يقول: لم أر ربّي، وإنما ذكرت متأوّلة لقول الله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]!
ولقول الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]!
_________________
(١) زاد المعاد: ٣١: ٣٨.
(٢) النوويّ على مسلم: ٣: ٥.
[ ٤ / ١٥٩١ ]
والصحابي إذا قال قولًا، وخالفه غيره منهم، لم يكن قوله حجة!
وذكر ابن حجر تعليقًا على قول النوويّ: وجزمه بأن عائشة لم تنف الرؤية بحديث مرفوع تبع فيه ابن خزيمة (١)، فإنه قال في كتاب التوحيد من صحيحه: النفي لا يوجب علمًا، ولم تحلّ عائشة أن النبي -ﷺ- أخبرها أنه لم ير ربّه، وإنما تأوّلت الآية.
قال ابن حجر: وهو عجيب، فقد ثبت ذلك عنها في صحيح مسلم الذي شرحه الشيخ، فعنده من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي، عن مسروق في الطريق المذكور قال مسروق: وكنت متكئًا فجلست، فقلت: ألم يقل الله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾
فقالت: أنا أوّل هذه الأمة سأل رسول الله عن ذلك، فقال: "إنما هو جبريل".
وأخرجه ابن مردويه من طريق أخرى عن داود بهذا الإسناد، فقالت: أنا أول من سأل رسول الله -ﷺ- عن هذا، فقلت: يا رسول الله! هل رأيت ربّك؟ فقال: "لا، إنما رأيت جبريل منهبطًا"!
نعم، احتجاج عائشة بالآية المذكورة خالفها فيه ابن عباس، فأخرج الترمذي من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: (٢) رأى محمَّد ربّه.
_________________
(١) فتح الباري: ٨: ٦٠٧ - ٦٠٨.
(٢) انظر: الترمذي (٣٢٧٩)، (٣٢٧٨ - ٣٢٨٠)،
[ ٤ / ١٥٩٢ ]
قلت: أليس الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]!
قال: ويحك، ذاك إذا تجلّى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى ربّه مرتين!
قال ابن حجر: وحاصله أن الراد بالآية نفي الإحاطة به عند رؤياه، لا نفي أصل رؤياه!
واستدل القرطبي في (المفهم) لأنّ الإدراك لا ينافي الرؤية بقوله تعالى حكايته عن أصحاب موسى:
﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ [الشعراء]!
وهو استدلال عجيب؛ لأنّ متعلق الإدراك في آية الأنعام البصر، فلما نفى كان ظاهره نفي الرؤية، بخلاف الإدراك الذي في قصّة موسى، ولولا وجود الإخبار بثبوت الرؤية ما ساغ العدول عن الظاهر!
ثم قال القرطبي: الأبصار في الآية جمع محلّى بالألف واللام، فيقبل التخصيص، وقد ثبت دليل ذلك سمعًا في قوله تعالى:
﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين].
فيكون المراد الكفّار، بدليل قوله تعالى في الآية الأخرى:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة]!
[ ٤ / ١٥٩٣ ]
قال: وإذا جازت في الآخرة جازت في الدنيا، لتساوي الوقتين بالنسبة إلى المرئي!
قال ابن حجر: وهو استدلال جيّد!
وقال عياض: رؤية الله ﷾ جائزة عقلًا، وثبتت الأخبار الصحيحة المشهورة بوقوعها للمؤمنين في الآخرة، وأمّا في الدنيا، فقال مالك: إنما لم يُر سبحانه في الدنيا لأنه باق، والباقي لا يرى بالفاني، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصارًا باقيةً رأوا الباقي بالباقي!
قال عياض: وليس في هذا الكلام استحالة الرؤية إلا من حيث القدرة، فإذا قدر الله من شاء من عباده عليها لم يمتنع!
قال ابن حجر: لكن من أثبتها للنبي -ﷺ- له أن يقول: إن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه!
ثم قال: يمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة بأن يحمل نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب، ثم المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب لا مجرد حصول العلم؛ لأنه - ﷺ - كان عالمًا بالله على الدّوام، بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له خلقت في قلبه كما يخلق الرؤية بالعين لغيره، والرؤية لا يشترط لها شيء مخصوص عقلًا، ولو جرت العادة بخلقها في العين، وروى ابن خزيمة بإسناد قوي عن أنس قال:
[ ٤ / ١٥٩٤ ]
وعند مسلم من حديث أبي ذر أنه سأل النبي -ﷺ- عن ذلك، فقال: "نور أنّى أراه" (١).
وفي رواية لأحمد عنه قال: "رأيت نورًا".
وقال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم]!
معناه فأوحى جبريل إلى عبد الله محمَّد ما أوحى، أو فأوحى الله إلى عبده ما أوحى بواسطة جبريل، وكلا المعنيين صحيح! (٢)
قلت: سبق في رواية ثابت عن أنس بن مالك: "فأوحى الله إليّ ما أوحى .. " وهو صريح في هذا، اللهم إلا أن يقال: لأنّ الإيحاء الوارد في هذه الرواية كان في ليلة الإسراء، بدليل نصّ هذا الحديث، فهو في الإسراء والمعراج، والإيحاء الآخر الذي سبق ذكره في بدء الدعوة، والرسول - ﷺ - لم يكن قد أسري به!
وفي هذا يقول ابن القيمّ بعد أن ذكر أن الدنوّ والتدلّي في سورة النجم غيره في قصة الإسراء:
فأمّا الدنوّ والتدلّي الذي في حديث الإسراء فذلك صريح في أنه دنوّ الربّ تبارك وتدلّيه، ولا تعرّض في سورة النجم بذلك، بل فيها أنه
_________________
(١) مسلم (١٧٨).
(٢) تفسير ابن كثير: ٤: ٢٤٩.
[ ٤ / ١٥٩٥ ]
رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، وهذا هو جبريل، رآه محمَّد - ﷺ - على صورته مرّتين: مرّة في الأرض، ومرّة عند سدرة المنتهى! (١)
ويقول القسطلاني: وهذا الدنوّ والتدلّي المذكور في هذا الحديث وغيره من أحاديث المعراج غير الدنوّ والتدلّي المذكور في قوله تعالى في سورة النجم:
﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٨، ٩]!
وإن اتفقا في اللفظ، فإن الصحيح أن المراد في الآية جبريل؛ لأنه الموصوف بما ذكر من أول السورة إلى قوله:
﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾
هكذا فسره النبي -ﷺ- في الحديث الصحيح -الذي سبق ذكره- ثم دلّل على ذلك! (٢)
ويقول ابن كثير: فأمّا قول شريك عن أنس في حديث الإسراء: (ودنا الجبّار ربّ العزّة، فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى) فقد يكون من فهم الراوي فأقحمه في الحديث .. وإن كان محفوظًا فليس بتفسير للآية الكريمة، بل هو شيء آخر، غير ما دلّت عليه الآية الكريمة! (٣)
_________________
(١) زاد المعاد: ٣: ٣٨.
(٢) المواهب اللدنيِّة: ٦: ٩٨.
(٣) البداية: ٣: ١١٢.
[ ٤ / ١٥٩٦ ]
القول الثالث:
أمّا القول الثالث فهو التوقّف في هذه المسألة، وقد رجّحه القرطبي في (المفهم)، وعزاه لجماعة من المحقّقين، وقوّاه بأنّه ليس في الباب دليل قاطع، وغاية ما استدلّ به للطائفتين ظواهر متعارضة قابلة للتأويل قال: وليست المسألة من العمليات، فيكتفي فيها بالأدلة الظنّيّة، وإنما هي من المعتقدات، فلا يكتفي فيها إلا بالدّليل القطعي! (١)
الراجح من الأقوال:
وبعد هذا التطواف أرجح إثبات الرؤية، لأدلة المثبتين من جهة، ولما سبق في (بين القولين) من جهة ثانية، ومن جهة ثالثة لما أخرجه البخاري (٢) عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى:
﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]!
قال: هي رؤيا عين أُريها رسول الله -ﷺ- ليلة أُسري به إلى بيت المقدس.
قال: والشجرة الملعونة في القرآن هي شجرة الزقوم!
قال ابن حجر: إضافة الرؤيا إلى العين للاحتراز عن رؤيا القلب، وقد أثبت الله تعالى رؤيا القلب في القرآن فقال:
_________________
(١) فتح الباري: ٨: ٦٠٨.
(٢) البخاري: ٦٣ - مناقب الأنصار (٣٨٨٨)، وانظر (٤٧١٦ - ٦٦١٣).
[ ٤ / ١٥٩٧ ]
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾!
ورؤيا العين فقال:
﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾!
وروى الطبراني في الأوسط بإسناد قوي عن ابن عباس، قال: (رأى محمَّد ربّه مرتين)!
ومن وجه آخر قال: (نظر محمَّد إلى ربه)!
جعل الكلام لموسى، والخلّة لإبراهيم، والنظر لمحمد!
فإذا تقرّر ذلك ظهر أن مراد ابن عباس هنا برؤية العين المذكورة جميع ما ذكره - ﷺ - في تلك الليلة من الأشياء التي تقدّم ذكرها" (١)
وفي رواية للحاكم بسند صحيح عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، قال: أتعجبون أن تكون الخلّة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد - ﷺ -! (٢)
قال ابن حجر (٣): وجنح ابن خزيمة في (كتاب التوحيد) إلى ترجيح الإثبات، وأطنب في الاستدلال له بما يطول ذكره، وحمل ما ورد عن ابن عباس على أن الرؤيا وقعت مرّتين، مرّة بعينه، ومرّة
_________________
(١) فتح الباري: ٧: ٢١٨.
(٢) المستدرك: ١: ٦٥، وقال: على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.
(٣) فتح الباري: ٨: ٦٠٨.
[ ٤ / ١٥٩٨ ]
بقلبه، وفيما أوردته من ذلك مقنع، وممن أثبت الرؤيا لنبيّنا - ﷺ - الإمام أحمد، فروى الخلال في (كتاب السنة) عن المروزي، قلت لأحمد: إنهم يقولون: إن عائشة قالت: من زعم أن محمدًا رأى ربّه فقد أعظم على الله الفرية، فبأيّ شيء يدفع قولها؟ قال: بقول النبي -ﷺ-: "رأيت ربِّي"، قول النبي -ﷺ- أكبر من قولها (١).
الشبهة التاسعة وردّها:
وقد جاء في رواية شريك: (فعلا به الجبّار فقال: وهو مكانه: يا ربّ! خفّف عنّا).
قال الخطابي: (٢) وفي هذا الحديث لفظة أخرى تفرّد بها شريك أيضًا، لم يذكرها غيره، وهي قوله: (فعلا به -يعني جبريل- إلى الجبّار تعالى، فقال وهو مكانه: يا ربّ! خفّف عنا).
قال: والمكان لا يضاف إلى الله تعالى!
إنما هو مكان النبي -ﷺ- في مقامه الأوّل الذي قام به قبل هبوطه!
قال ابن حجر: وهذا الأخير متعيّن، وليس في السياق تصريح بإضافة المكان إلى الله تعالى!
قلت: واضح أن القائل هو النبي -ﷺ-، وأن الضمير المذكور (هو)
_________________
(١) أحمد: ١: ٢٨٥ عن ابن عباس بلفظ: "رأيت ربّي ﵎"، ورجاله رجال الصحيح، وانظر: مجمع الزوائد: ١: ٧٨، وأحمد: ٤: ٣٥٠ وما بعدها (٢٥٨٠).
(٢) فتح الباري: ١٣: ٤٨٤.
[ ٤ / ١٥٩٩ ]
معطوف على الضمير في (قال)، ومعلوم أن الرسول - ﷺ - هو الذي سأل ربّه التخفيف، وعليه يتعيّن ما قاله ابن حجر، وينتفي الإشكال!
الشبهة العاشرة وردّها:
وجاء في شريك: (ارجع إلى ربّك فليخفّف ..) بعد قوله تعالى: (إنه لا يبدلّ القول لديّ ..).
قال ابن حجر: (١) أنكر ذلك الداودي فيما نقله ابن التين فقال:
الرجوع الأخير ليس بثابت، والذي في الروايات أنه قال:
"استحييت من ربّي فنودي أمضيت فريضتي، وخفّفت عن عبادي".
وقوله هنا: (فقال موسى: ارجع إلى ربك) قال الداودي: كذا وقع في هذه الرواية أن موسى قال له: ارجع إلى ربّك بعد أن قال: (لا يبدّل القول لديّ) ولا يثبت، لتواطؤ الروايات على خلافه، وما كان موسى ليأمره بالرجوع بعد أن يقول الله تعالى له ذلك!
قلت: سبق في رواية ابن شهاب عن أنس عن أبي ذر "لا يبدّل القول لديّ، فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربك، فقلت: استحييت من ربّي .. ".
وبهذا يتبيّن أن قول الداودي: (ولا يثبت لتواطؤ الروايات على خلافه) قد ثبت في هذه الرواية ما يردّه!
_________________
(١) السابق: ٤٨٦.
[ ٤ / ١٦٠٠ ]
وفي رواية للنسائي عن يزيد بن أبي مالك عن أنس: (فارجع إلى ربّك فاسأله التخفيف، فإنه فرض علي بن بني إسرائيل صلاتين، فما قاموا بهما، فرجعت إلى ربي ﷿ فسألته التخفيف، فقال: إني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمّتك خمسين صلاة، فخمس بخمسين، فقم بها أنت وأمّتك، فعرفت أنها من الله تعالى صرّي، فرجعت إلى موسى ﵇ فقال: ارجع، فعرفت أنها من الله صرّى -أي حتم- فلم أرجع! (١)
وهذا يردّ قول الداودي أيضًا! (٢)
بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام:
وأمّا عن الحكمة فيما جرى بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، حيث جاء في رواية البخاري عن قتادة عن أنس بن مالك عن صعصعة: "فلمّا خلصت فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلِّم عليه، فسلَّمت عليه، فردّ ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والشعبي الصالح، فلمّا
_________________
(١) النسائيُّ: ١: ٢٢١ - ٢٢٣ وفيه صرّى -بكسر الصاد المهملة وفتح الراء المشدّدة، آخرها ألف مقصورة- أي عزيمة باقية لا تقبل النسخ، قال في النهاية: أي حتم واجبة وعزيمة وجد، وقيل: هي مشتقة من صر: إذا قطع، وقيل: هي مشتقة من أصررت الشيء: إذا لزمته، فإن كان من هذا فهو بالصاد والراء المشدّدة، وقال أبو موسى: إنه صرّي بوزن جنّي، وصري العزم: أي ثابتة ومستقرّة، وقال ابن فارس: الإصرار: الثبات على الشيء والعزم عليه، يقال: هذا يمين صري: أي جد: انظر معجم مقاييس اللغة.
(٢) انظر: فتح الباري: ١: ٤٦٢ - ٤٦٣، وأضواء على أحاديث الإسراء والمعراج: ٧٣.
[ ٤ / ١٦٠١ ]
تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأنّ غلامًا بُعث بعدي يدخل الجنّة من أمّته أكثر ممن يدخُلها من أمّتي ".
وفي رواية شريك: (فقال موسى: ربّ لم أظنّ أن ترفع عليّ أحدًا ..)!
قال ابن حجر: وفي حديث أبي سعيد (قال موسى: يزعم بنو إسرائيل أنّي أكرم على الله، وهذا أكرم على الله منّي)!
زاد الأموي في روايته: (ولو كان هذا وحده وإن عليّ، ولكن معه أمّته، وهم أفضل عند الله)!
قال العلماء: لم يكن بكاء موسى حسدًا، معاذ الله، فإن الحسد في ذلك العالم منزوع عن آحاد المؤمنين، فكيف بمن اصطفاه الله تعالى؛ بل كان أسفًا على ما فاته من الأجر الذي يترتّب عليه رفع الدرجة، بسبب ما وقع من أمّته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم المستلزم لتنقيص أجره؛ لأنّ لكل نبيّ مثل أجر كل من اتبعه، ولهذا كان من اتبعه من أمّته في العدد دون من أَتبع نبيّنا - ﷺ -، مع طول مدّتهم بالنسبة لهذه الأمة!
وأمّا قوله (غلامًا) فليس على سبيل النقص، بل على سبيل التنويه بقدرة الله وعظيم كرمه، إذا أعطى لمن كان في ذلك السنّ ما لم يعطه أحدًا قبله ممن هو أسنّ منه!
وقد وقع من موسى من العناية بهذه الأمّة من أمر الصلاة ما لم يقع
[ ٤ / ١٦٠٢ ]
لغيره. ووقعت الإشارة لذلك في حديث أبي هريرة عند الطبري والبزار، قال - ﷺ -: "كان موسى أشدّهم عليّ، حين مررت به، وخيرهم لي حين رجعت إليه".
وفي حديث أبي سعيد: "فأقبلت راجعًا، فمررت بموسى، ونعم الصاحب كان لكم، فسألني: كم فرض عليك ربك؟ .. " الحديث.
قال ابن أبي جمرة: إن الله جعل الرحمة في قلوب الأنبياء أكثر مما جعل في قلوب غيرهم، لذلك بكى رحمةً لأمّته!
وأمّا قوله (هذا الغلام) فأشار إلى صغر سنّه بالنسبة إليه!
قال الخطّابي: العرب تسمّي الرجل المستجمع السنّ غلامًا، ما دامت فيه بقيّة من القوّة!
قال ابن حجر: ويظهر لي أن موسى ﵇ أشار إلى ما أنعم الله به على نبيّنا ﵊ من استمرار القوّة في الكهوليّة، وإلى أن دخل في سنّ الشيخوخة، ولم يدخل على بدنه هرم، ولا اعترى قوّته نقص .. !
وقال القرطبي: الحكمة في تخصيص موسى بمراجعة النبيّ - ﷺ - في أمر الصلاة، لعلّها لكون أمّة موسى كلّفت من الصلوات بما لم تكلف به غيرها من الأمم، فثقلت عليهم، فأشفق موسى على أمّة محمَّد من مثل ذلك، ويشير إلى ذلك قوله: (إني قد جرّبت الناس قبلك)!
[ ٤ / ١٦٠٣ ]
وقال غيره: لعلّها من جهة أنه ليس في الأتباع من له أتباع أكثر من موسى، ولا من له كتاب أكبر ولا أجمع للأحكام من هذه الجهة، فناسب أن يتمنّى أن يكون له مثل ما أنعم به عليه، من غير أن يريد زواله عنه، وناسب أن يطلعه على ما وقع له، وينصحه فيما يتعلّق به، ويحتمل أن يكون موسى لما غلب عليه في الابتداء الأسف على نقص حظّ أمته بالنسبة لأمّة محمَّد، حتى تمنّى ما تمنّى أن يكون، استدرك ذلك ببذل النصيحة لهم، والشفقة عليهم، ليزيل ما عساه أن يتوهم عليه فيما وقع منه في الابتداء!
وذكر السهيلي: (١) أن الحكمة في ذلك أنه كان رأى في مناجاته صفة أمّة محمَّد - ﷺ -، فدعا الله أن يجعله منهم، فكان إشفاقه عليهم كعناية من هو منهم .. !
قال ابن حجر: (٢) وقد وقع من موسى ﵇ في هذه القصة من مراعاة جانب النبي -ﷺ- أنه أمسك عن جميع ما وقع له، حتى فارقه النبي -ﷺ- أدبًا معه، وحسن عشرة، فلمّا فارقه بكى وقال ما قال!
تلك أضواء على ردود تلك الشبهات وفق قواعد التحديث رواية ودراية .. رجاء أن يعلم من يريد أن يعلم .. وبخاصة الذين يدرسون سيرة الرسول - ﷺ - للتأسّي: أن المحدّثين كانوا ملهمين، تحقيقًا لمعجزة
_________________
(١) انظر: الروض الأنف: ٢: ١٦٢.
(٢) فتح الباري: ٧: ٢١٢.
[ ٤ / ١٦٠٤ ]
سيد المرسلين - ﷺ -، حين استنبطوا القواعد المحكمة لنقد رواية الحديث، ومعرفة الصحاح من الزّياف، وأنهم ما كانوا هازلين ولا مخدوعين، وأنهم كانوا جادّين وعلى صراط مستقيم، وأن القواعد التي ارتضوها رواية ودراية أحكم القواعد وأدقّها!
[ ٤ / ١٦٠٥ ]
مكانة المسجد الحرام
[ ٤ / ١٦٠٧ ]
مكانة المسجد الحرام
* أول بيت للعبادة.
* دين السلام.
* ليلة القدر يكتنفها السلام.
* أخوّة إنسانيّة.
* الأسرة قاعدة الحياة البشرية.
* أساس السلام.
* ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
* أخص خصائص التحرّر الإنساني.
* حرية الدعوة.
* إدراك العجز إدراك.
* مكانة المسؤوليّة.
* سلام عالمي.
* ملّة إبراهيم.
* سؤال الأمن يوم الخوف.
* الأمن عبر التاريخ.
* ﴿أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
* ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾.
* حقوق الإنسان.
* دعوة إبراهيم.
[ ٤ / ١٦٠٨ ]
مكانة المسجد الحرام
أول بيت للعبادة:
وإذا كان الإسراء والمعراج آية من آيات الله، ونقلة عجيبة بالقياس إلى مألوف البشر -كما عرفنا- ورحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مختارة من اللطيف الخبير، تربط بين عقيدة التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل ﵉، إلى محمَّد خاتم النبيين صلوات الله وتسليماته عليهم أجمعين .. وتربط الأماكن المقدّسة لرسالات التوحيد جميعًا .. رجاء أن نبصر إعلان وراثة خاتم النبيين - ﷺ - لمقدّسات الرسل قبله .. واشتمال رسالته على هذه المقدّسات .. وارتباط رسالته بها جميعًا .. فهي رحلة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان .. وتشمل آمادًا وآفاقًا أوسع من الزمان والمكان .. وتتضمّن معاني أكبر من المعاني القريبة التي تتكشف عنها للنظرة الأولى!
ويطالعنا قوله تعالى:
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران]!
وهنا نبصر أول بيت عبر التاريخ (١) وضع في الأرض للعبادة، وخصّص لها، منذ أمَر الله إبراهيم ﵇ أن يرفع قواعده، وأن يخصّصه للطائفين والعاكفين والرّكع السجود، وجعله مباركًا وجعله هُدى للعالمين، يجدون عنده
_________________
(١) في ظلال القرآن: ١: ٤٣٤ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٦٠٩ ]
الهُدى في رحاب ملة إبراهيم، وفيه علامات بينة على أنه مقام إبراهيم .. وقبل ذلك يطالعنا قوله ﷿:
﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾ [آل عمران]!
ونبصر أن هذا البيت بناه إبراهيم وإسماعيل ﵉ ليكون مثابةً للناس وأمنًا، وليكون للمؤمنين قبلةً ومصلّى .. ومن ثم يجيء الأمر باتباع إبراهيم في ملّته، وهي التوحيد الخالص المبرّأ من الشرك في كل صوره: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾!
واليهود كانوا يزعمون أنهم ورثة إبراهيم، فها هو ذا القرآن الكريم يدلّهم على حقيقة دين إبراهيم، وأنه الميل عن كل شرك، ويؤكّد هذه الحقيقة مرّتين:
مرّة بأنّه كان حنيفًا!
ومرّة بأنّه ما كان من المشركين!
فما بالهم هم غير مقرّين!
ثم يقرّر أن الاتجاه للكعبة هو الأصل، فهي أول بيت وضع في الأرض للعبادة وخصّص لها .. ومن دخله كان آمنًا، وحتى في جاهليّة العرب، وفي الفترة التي انحرفوا فيها عن التوحيد الخالص الذي يمثّله هذا الدّين .. حتى في هذه الفترة بقيت حرمة هذا البيت سارية، كما قال الحسن البصري وغيره:
(كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة، ويدخل الحرم فيلقاه ابن المقتول، فلا يهيجه حتى يخرج)!
[ ٤ / ١٦١٠ ]
دين السلام:
وما أحوجنا كأمّة أن نفقه عظمة هذا (الدّين القيّم) في ذوات أنفسنا، وفي الصغير والكبير من أمورنا، وأن نستسلم الاستسلام الذي لا تبقى معه بقيّة ناشزة من تصوّر أو شعور، ومن نيّة أو عمل، ومن رغبة أو رهبة، لا تخضع لله، ولا ترضى بحكمه .. استسلام الطاعة الواثقة المطمئنّة الراضحة .. الاستسلام للمنهج الذي يقول خطانا، ونحق واثقون أنه يريد بنا الخير والنصح والرشاد .. مطمئنّون إلى معالم الطريق والمسير والصير، في الدنيا والآخرة سواء!
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ [البقرة]!
إنها دعوة للمؤمنين باسم الإيمان بهذا الوصف المحبّب إليهم، والذي يميزهم ويفردهم، ويصلهم بالله الذي يدعوهم إلى أن يدخلوا في السلم كافة (١) .. ونبصر نفوسًا ما تزال يثور فيها بعض التردّد في الطاعة المطلقة في السرّ والعلن .. وهو أمر طبيعي أن يوجد في الجماعة مدى الحاجة إلى توجيه الدعوة للذين آمنوا، ليخلصوا ويتجرّدوا، وتتوافق خطرات نفوسهم، واتجاهات مشاعرهم، مع ما يريد الله بهم، وما يقودهم إليه الرسول - ﷺ - في غير ما تلجلج ولا تردّد ولا تلفّت!
والمسلم حين يستجيب هذه الاستجابة يدخل في عالم كله سلم وسلام،
_________________
(١) السابق: ١: ٢٠٦ وما بعدها بتصرف، وكتابنا: الإِسلام دين السلام العالمي وحاجة الإنسانية إليه: مقدمة.
[ ٤ / ١٦١١ ]
وأمن وأمان .. عالم كله ثقة واطمئنان، وكله رضي واستقرار .. لا حيرة ولا قلق، ولا شرود ولا ضلال!
سلام مع النفس والضمير!
وسلام مع العقل والمنطق!
وسلام مع الناس والأحياء!
وسلام مع الوجود كله!
وسلام يرفّ في حنايا السريرة!
ويظلّل الحياة والأحياء على سواء!
وأول ما يفيض هذا السلام على القلب يفيض من صحّة تصوّره لله ﷿، ونصاعة هذا التصوّر ويسره!
إله واحد جلّ شأنه يتجه إليه المسلم .. وجهة واحدة يستقرّ عليها جَنَانه، فلا تتفرّق به السبل، ولا تتعدّد به الجهات، ولا يطارده إله من هنا وإله من هناك -كما في الوثنيّة والجاهليّة قديمًا وحديثًا عبر التاريخ- إنما هو إله واحد يتجه إليه في ثقة وفي طمأنينة وفي نصاعة وفي وضوح!
إله واحد قويّ قادر عزيز قاهر .. فإذا اتجه إليه المسلم فقد اتجه إلى القوّة الحقّة الوحيدة في هذا الوجود، وقد أمن كل قوّة زائفة، واطمأن واستراح .. ولم يعد يخاف أحدًا أو يخشى شيئًا، وهو يعبد الله القويّ القادر العزيز القاهر .. ومن ثم لم يخشَ فوت شيء!
إله واحد عادل حكيم، فقوّته وقدرته ضمان من الظلم، وضمان من
[ ٤ / ١٦١٢ ]
الهوى، وضمان من البخس ومن ثم يأوي المسلم إلى ركن شديد، ينال فيه العدل والأمان!
إله واحد رحيم ودود، منعم وهّاب، غافر الذنب، وقابل التوب، يجيب المضطرّ إذا دعاه، ويكشف السوء .. فالمسلم في كنفه آمن آنس، سالم غانم، مرحوم إذا ضعف، مغفور له متى تاب!
وهكذا يمضي المسلم مع صفات ربّه التي يعرفه بها الإِسلام، فيجد في كل صفة ما يؤنس قلبه، وما يطمئن روحه، وما يضمن له الحماية والوقاية، والعطف والرحمة، والعزّة والنعة، والاستقرار والسلام!
هكذا يفيض السلام على قلب المسلم من صحة تصوّر العلاقة بين العبد والربّ، وبين الخالق والكون، وبين الكون والإنسان!
فالله ﷿ خلق هذا الكون بالحق، وخلق كل شيء فيه بقدر وحكمة .. والإنسان مخلوق قصدًا، وغير متروك سدىً، ومهيّأ له كل الظروف الكونيّة المناسبة لوجوده، ومسخّر له ما في السماوات وما في الأرض جميعًا، وهو كريم على الله، وخليفة في الأرض، والله معينه على هذه الخلافة، والكون من حوله صديق مأنوس، تتجاوب روحه مع روحه، حين يتجه كلاهما إلى الله، وهو مدعوّ إلى الحياة في هذه الرحاب، والتعاطف مع كل شيء، ومع كل حيّ في هذا الوجود الكبير!
والعقيدة التي تقف صاحبها أمام معالم الحياة عقيدة جميلة فوق أنها عقيدة كريمة تسكب في روحه السلام، وتطلقه يعانق الوجود، ويشيع من حوله الأمن والرفق، والحبّ والسلام!
والاعتقاد بالآخرة يؤدي الدور الأساسيّ في إفاضة السلام على روح المؤمن
[ ٤ / ١٦١٣ ]
وعالمه، ونفي القلق والسخط والقنوط .. ذلك أن الحساب الختاميّ ليس في لهذه الحياة الدنيا، والجزاء الأوفى ليس في هذه العاجلة!
إنه هناك في الآخرة، والعدالة المطلقة مضمونة في هذا الحساب .. فلا ندم على الخير والجهاد في سبيله إذا لم يتحقّق في الأرض أو لم يلق جزاءه!
ولا قلق على الأجر إذا لم يوفّ في هذه العاجلة بمقاييس الناس، فسوف يوفّاه بميزان الله، ولا قنوط من العدل إذا توزّعت الحظوظ في الرحلة القصيرة على غير ما يريد، فالعدل لا بدّ واقع:
﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١)﴾ [غافر: ٣١]!
والاعتقاد بالآخرة حاجز كذلك دون الصراع المجنون المحموم الذي تداس فيه القيم، وتداس فيه الحرمات، بلا تحرّج ولا حياء، فهناك الآخرة فيها عطاء، وفيها غناء، وفيها عوض عمّا يفوت!
وهذا التصوّر من شأنه أن يفيض السلام على مجال السباق والمنافسة، وأن يخلع التجمّل على حركات المتسابقين، وأن يخفّف السعار الذي ينطلق من الشعور بأن الفرصة الوحيدة المتاحة هي فرصة العمر القصير المحدود!
ومعرفة المؤمن بأن غاية الوجود الإنساني هي العبادة:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات]!
مخلوق ليعبد الله .. ومن شأن هذه الغاية -ولا شك- أن ترفعه إلى هذا الأفق الوضيء .. ترفع شعوره وضميره، وترفع نشاطه وعمله، وتنظف وسائله وأدواته .. فهو يريد العبادة بنشاطه وعمله، وهو يريد العبادة بكسبه وإنفاقه، وهو يريد العبادة بالخلافة في الأرض وتحقيق منهج الله فيها .. فأولى به ألا يغدر
[ ٤ / ١٦١٤ ]
ولا يفجر، وأولى به ألا يفسق ولا يخدع، وأولى به ألا يطغى ولا يتجبّر، وأولى به ألا يستخدم أداة مدنّسة ولا وسيلة خسيسة، وأولى به ألا يستعجل المراحل، وألا يعتسف الطريق، وألا يركب الصعب من الأمور، فهو بالغ هدفه من العبادة بالنّيّة الخالصة، والعمل الدائب في حدود الطاقة!
ومن شأن هذا كله ألا تثور المخاوف والمطامع في نفسه، وألا يستبدّ به القلق في أيّة مرحلة من مراحل الطريق، فهو يعبد في كل خطوة، وهو يحقّق غاية وجوده في كل خطرة، وهو يرتقي صعدًا إلى الله في كل نشاط، وفي كل مجال!
وشعور المؤمن بأنّه يمضي مع قدر الله، في طاعة الله، لتحقيق إرادة الله .. وما يسكبه هذا الشعور في روحه من الطمأنينة والسلام والاستقرار، والمضيّ في الطريق بلا حيرة ولا قلق ولا سخط على العقبات والمشاق، وبلا قنوط من عون الله ومدده، وبلا خوف من ضلال القصد أو ضياع الجزاء!
ومن ثم يحسّ بالسّلام في روحه، حتى وهو يقاتل أعداء الله وأعداءه -كما سيأتي- فهو إنما يقاتل لله، وفي سبيل الله، ولإعلاء كلمة الله .. ولا يقاتل لجاه أو مغنم أو نزوة أو عرض من أعراض هذه الحياة!
كذلك شعوره بأنّه يمضي على سنّة الله مع هذا الكون كله .. قانونه، ووجهته، فلا صدام ولا خصام، ولا تبديل للجهد، ولا بعثرة للطاقة، وقوى الكون كله تتجمّع إلى قوّته، وتهتدي بالنور الذي يهتدي به، وتتجه إلى الله وهو معها يتجه إلى الله!
والتكاليف التي يفرضها الإِسلام على المسلم كلها من الفطرة، ولتصحيح السلوك .. لا تتجاوز الطاقة، ولا تتجاهل طبيعة الإنسان وتركيبه، ولا تهمل
[ ٤ / ١٦١٥ ]
طاقة واحدة من طاقاته لا تطلقها للعمل والبناء والنماء، ولا تنسى حاجة من حاجات تكوينه الجسمانيّ والرّوحيّ لا تلبّيها في يسر وفي سماحة وفي رخاء!
ومن ثم لا يحار ولا يقلق في مواجهة تكاليفه .. يحمل منها ما يطيق حمله، ويمضي في الطريق إلى الله، في طمأنينة وروح وسلام!
والمجتمع الذي ينشئه هذا النهج الربّاني، في ظلّ النّظام الذي ينبثق من هذه العقيدة الجميلة الكريمة، والضمانات التي يحيط بها النفس والعرض والمال .. كلها مما يشيع السلم. وينشر روح السلام!
هذا المجتمع المتوادّ المتحابّ المترابط المتكامل المتناسق!
هذا المجتمع الذي حقّقه الإِسلام مرّة في أرقى وأصفى صورة .. ثم ظلّ يحقّقه في صور شتّى على توالي الحقب، تختلف درجة صفائه .. ولكنه يظل في جملته خيرًا من كل مجتمع آخر صاغته الجاهليّة في الماضي والحاضر، وكل مجمع لوّثته هذه الجاهليّة بتصوراتها ونظمها الأرضيّة!
هذا المجتمع الذي تربطه آصرة واحدة -آصرة العقيدة -حيث تذوب فيها الأجناس والأوطان، واللغات والألوان، وسائر هذه الأواصر العرضيّة التي لا علاقة بها بجوهر الإنسان!
هذا المجتمع الذي يسمع الله ﵎ يقول له:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات]!
والذي يرى صورته في قول الرسول - ﷺ - فيما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله - ﷺ - قال:
[ ٤ / ١٦١٦ ]
"المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فَرّج عن مسلم كُربةً فرّج الله عنه كُربةً من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة" (١).
وفي رواية للبخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة - ﵁ -: "المؤمن مرآة أخيه، إِذا رأى فيه عيبًا أصلحه" (٢).
وفي رواية أخرى:
"المؤمن مرآة أخيه، والمؤمن أخو المؤمن، يكفّ عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه" (٣).
وفي رواية لمسلم عن النعمان بن بشير أن رسول الله -ﷺ- قال:
"المسلمون كرجل واحد، إِن اشتكى عينه اشتكى كلّه، وإِن اشتكى رأسه اشتكى كله" (٤).
هذا المجتمع المثاليّ النظيف الشريف العفيف الذي لا تشيع فيه الفاحشة، ولا يتبجح فيه الإغراء، ولا تروج فيه الفتنة، ولا ينتشر فيه التبرّج، ولا تتلفّت فيه الأعين علي العورات، ولا ترفّ فيه الشهوات على الحرمات، ولا ينطلق
_________________
(١) البخاري: ٤٦ - المظالم (٢٤٤٢)، وانظر (٦٩٥١)، ومسلم (٢٥٨٠)، وأحمد (٥٦٤٦)، وانظر (٤٧٤٩، ٥٣٥٧)، وأبو داود (٤٨٩٣)، والترمذي (١٤٢٦)، والنسائيُّ: الكبرى (٧٢٩١)، والبيهقي: ٦: ٩٤، ٢٠١، ٨: ٣٣٠، والشعب (٧٦١٤)، والآداب (١٠٤)، والقضاعي (١٦٨، ١٦٩، ٤٧٧)، والبغوي (٣٥١٨)، والطبراني: الكبير (٣١٣٧، ٣٥٤٩)، وابن حبّان (٥٣٣).
(٢) البخاري: الأدب المفرد (٢٣٨).
(٣) البخاري: الأدب المفرد (٢٣٩)، وأبو داود (٤٨٩٧) عون المعبود، وإسناده حسن، كما قال العراقي في تخريج الإحياء: ٢: ١٨٢ وأقره المناوي، وهو كما قالا.
(٤) مسلم: ٤٥ - البر (٢٥٨٦).
[ ٤ / ١٦١٧ ]
فيه سعار الجنس، وعرامة اللحم والدم، كما تنطلق في المجتمعات الجاهليّة قديمًا وحديثًا!
هذا المجتمع الذي تكفل فيه حريّات الناس وكراماتهم وحرماتهم وأموالهم بحكم كفالتها بالتشريع الربّاني المطاع .. فلا يؤخذ واحد فيه بالظنّة، ولا يتسوّر على أحد بيته، ولا يذهب فيه لم هدرًا والقصاص حاضر ولا يضيع فيه على أحد ماله سرقةً أو نهيًا والحدود حاضرة!
هذا المجتمع الذي يقوم على الشورى والنصح والتعاون .. كما يقوم على المساواة والعدالة الحقّة التي يشعر معها كل أحد أن حقّه منوط بحكم شريعة الله لا بإرادة حاكم، ولا هوى حاشية، ولا قرابة كبير!
هذا المجتمع الذي تحكمه التوجيهات الربانيّة التي يضيق المقام عن ذكرها .. مجتمع السّلم والسّلام، والأمن والأمان!
تلك بعض معانى الأمان التي سبق ذكرها في قوله جلِّ شأنه:
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾!
وقوله ﷿:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾!
ونبصر دعوة الذين آمنوا للدخول في السلم كافة، ليسلموا أنفسهم كلّها لله، فلا يعود لهم منها شيء، ولا يعود لنفوسهم من ذاتها حظّ، وإنما تعود كلها لله في طواعية وفي انقياد وفي تسليم!
[ ٤ / ١٦١٨ ]
ولا يدرك معنى هذا السلم حق إدراكه من لا يعلم كيف تنطلق الحيرة، وكيف يعربد القلق في النفوس التي لا تطمئن بالإيمان .. في المجتمعات التي لا تعرف الإِسلام، أو التي عرفته ثم تنكّرت له، وارتدّت إلى الجاهليّة تحت عناوين شتّى في جميع الأزمان!
هذه المجتمعات الشقيّة الحائرة، على الرغم من كل ما قد يتوافر لها من الرخاء المادّي، والتقدّم الحضاري، وسائر مقوّمات الرّقيّ في عرف الجاهليّة الضالّة التصوّرات، المختلّة الموازين!
والمجتمعات الجاهليّة الضالة نبصرها في حياة أمم كثيرة .. ونبصر شعوبها مهدّدة بالانقراض!
فالنسل في تناقص مطّرد بسبب فوضى الجنس .. والعلاقات المثليّة الفاجرة، والجيل مدمن على المسكرات والمخدّرات .. كما يشهد الواقع الأليم!
والأمراض النفسيّة والعصبيّة والشذوذ بأنواعه هلاك ودمار! وخراب وبوار! ثم انتحار!
ولا ننسى أن نشير -مجرّد إشارة- إلى ما حدث في الحرب العالميّة الأولى، والحرب العالمية الثانية، وما هو معلوم من العدوان الآثم الذي استخدمت فيه أسلحة الدمار الشامل في كثير من الحروب الطاحنة هنا وهناك، والتي ما زالت شعوب كثيرة تعاني منها، والعالم الإِسلامي كذلك!
ومع هذا الواقع الأليم يفتري بعض الجاهلين الضالّين المعاصرين بأن الإِسلام دين الإرهاب! (١)
إنها الشقوة النكدة المكتوبة على كل قلب خلا من بشاشة الإيمان، وطمأنينة
_________________
(١) انظر كتابنا: الوسطيّة والإرهاب العالمي.
[ ٤ / ١٦١٩ ]
العقيدة، فلا يذوق طعم السلم الذي نبصره حين نذكر أوّل بيت للعبادة عبر التاريخ، ودعوة المؤمنين للدخول فيه كافة، لينعموا بالأمن والسلام والظل والراحة والقرار!
ونبصر في الدعوة إلى الدخول في السلم كافة تحذيرًا بعد ذلك أن يتبعوا خطوات الشيطان الرجيم، فإنه ليس هناك إلا اتجاهان اثنان:
إمّا الدخول في السلم كافةً!
وإمّا اتباع خطوات الشيطان!
إمّا إسلام وإمّا جاهليّة!
إما هدى وإمّا ضلال!
ومن ثم ينبغي للمسلم أن يلزم الهُدى، فلا يتلجلج ولا يتردّد، ولا يتحيّر بين شتّى الاتجاهات!
إنه ليست هناك مناهج متعدّدة للمؤمن أن يختار واحدًا منها، أو يخلط واحدًا منها بآخر!
كلا، إنه من لا يدخل في السلم بكلّيّته، ومن لا يسلم نفسه خالصةً لمنهج الله وشريعته، ومن لا يتجرّد من كل تصوّر آخر، ومن كل منهج آخر .. يسلك سبيل الشيطان لا محالة!
ليس هناك حلّ وسط، ولا منهج بين بين، ولا خطّة نصفها من هنا ونصفها من هناك! إنما هناك:
حق، وباطل!
وهدى، وضلال!
والله -﷿- يدعو المؤمنين في الأولى إلى الدخول في السلم كافّة،
[ ٤ / ١٦٢٠ ]
ويحذّرهم في الثانية من اتّباع خطوات الشيطان، ويستجيش ضمائرهم ومشاعرهم، ويستثير مخاوفهم بتذكيرهم بعداوة الشيطان لهم .. تلك العداوة الواضحة البيّنة، التي لا ينساها إلا غافل .. ثم يخوّفهم عاقبة الزلل بعد البيان:
﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾!
وتذكيرهم بأن الله تعالى ﴿عَزِيزٌ﴾ يحمل التلويح بالقوّة والقدرة والغلبة، وأنهم يتعرّضون لقوّة الله حين يخالفون عن توجيهه!
وتذكيرهم بأنّه جلّ شأنه ﴿حَكِيمٌ﴾ فيه إيحاء بأن ما اختاره لهم هو الخير، وما نهاهم عنه هو الشرّ، وأنهم يتعرّضون للخسارة، حين لا يتبعون أمره، ولا ينتهون عما نهاهم عنه، فالتعقيب بشطريه يحمل معنى التهديد والتحذير في هذا المقام!
هذا وحسبنا أن كلمة (سلام) قد وردت في القرآن الكريم أكثر من أربعين مرّة، فضلًا عن مادّة تلك الكلمة التي ذكرت أكثر من ذلك في الكتاب والسنة الصحيحة!
وهي تحمل أواصر القربى بين الناس، وتدعوهم إلى أن يعيشوا على هذه الأرض إخوة متعاونين لا متعادين، ومتراحمين لا متزاحمين!
والسلام اسم من أسماء الله تعالى:
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣]!
[ ٤ / ١٦٢١ ]
والسلام مصدر بمعنى المسالمة (١)، وُصف الله تعالى به على طريقة الوصف بالمصدر، للمبالغة في الوصف، أي ذو السلام، أي السلامة، وهي أنه تعالى سالم الخلق من الظلم والجور!
وأوّل خطاب من الحق ﵎ لأوّل رسول بعد أن انحسر الطوفان كان دعوةً إلى السلام، وحثًّا على نشره في الآفاق:
﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾ [هود: ٤٨]!
ولم يرسل الله رسولًا، إلا ومنحه السلام، وأفاض عليه، ليكون شعاره في حياته، وأساسًا لتعامله مع الناس:
﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ [الصافات: ٧٩]!
﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩)﴾ [الصافات: ١٠٩]!
﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠)﴾ [الصافات: ١٢٠]!
﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات]!
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان]!
إنهم لا يتلفّتون إلى حماقة الحمقى وسفه السفهاء، ولا يشغلون بالهم ووقتهم وجهدهم بالاشتراك مع السفهاء والحمقى في جدل أو عراك، ويترفّعون عن المهاترة مع المهاترين الطائشين!
_________________
(١) التحرير والتنوير: ٢٨: ١٢٠.
[ ٤ / ١٦٢٢ ]
لا عن ضعف ولكن عن ترفّع!
ولا عن عجز إنما عن استعلاء!
وعن صيانة للوقت والجهد أن ينفقا فيما لا يليق بالمسلم المشغول بما هو أهم وأكرم وأرفع!
والسلام تحيّة المسلمين عند لقائهم وتزاورهم كما هو معلوم، ومن شأن هذه التحيّة أن تؤلّف القلوب، وتوثق الصلات، وتربط بين المسلمين برباط المحبّة والمودّة، ومن ثم فهي شعار دائم، ومفتاح للخير!
وفي كل صلاة تشهّد، وفي كل تشهّد يطالعنا ما رواه الشيخان وغيرهما عن عبد الله قال: كنّا إِذا صلّينا خلف النبي -ﷺ- قلنا: السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان، فالتفت إِلينا رسول الله -ﷺ- فقال: "إِن الله هو السلام، فإذا صلّى أحدكم فليقل: التحيّات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين -فإِنكم إِذا قلتموها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض- أشهد أن لا إِله إِلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"! (١)
_________________
(١) البخاري: ١٠ - الأذان (٨٣١)، وانظر (٨٣٥، ١٢٠٢، ٦٢٣٠، ٦٢٦٥، ٦٣٢٨، ٧٣٨١)، والأدب المفرد (٩٩٠)، ومسلم (٤٠٢)، وأحمد: ١: ٣٤٩، ٣٨٢، ٣٩٤، ٤١٣، ٤١٤، ٤١٨، ٤٢٣، ٤٢٧، ٤٤٠، ٤٦٤، والدارميّ: ١: ٣٠٨، والطيالسي (٢٤٩)، وابن أبي شيبة: ١: ٢٩١، ٢٩٢، وأبو داود (٩٦٨، ٩٦٩)، والنسائيّ: ٢: ٢٣٩، ٢٤٠، ٣: ٤٠، ٥١، ٥٠، والكبرى (٦٦٤، ٦٦٨، ١١٠٩، ١١١، ١١٣٠، وابن ماجه (٨٩٩)، وابن خزيمة (٧٠٣، ٧٠٤)، وأبو عوانة: ٢: ٢٢٩، ٢٣٠، والطحاوي: ١: ٢٦٢، ٢٦٣، والطبراني: (٩٨٨٦، ٩٩٠٢، ٩٩٠٣)، والبيهقي: ٢: ١٠٣، ١٣٨، والبغويّ: (٦٤٤، ٦٤٥، ٦٧٨)، وابن حبّان (١٩٤٨، ١٩٤٩).
[ ٤ / ١٦٢٣ ]
يقول المسلم هذه التحيات المباركات الطيّبات تسمع مرات على الأقل في اليوم، فضلًا عن النوافل!
إنها تحيّات طيّبات مباركات لله ﷿، متجدّدات في كل صلاة، تعبق بأريج الحبّ، وشذى العبوديّة، تتصاعد من أعماق الجَنان في الإنسان!
تحمل روح الحياة وطهرها، ومعنى العبوديّة وجلالها، والإنسانيّة وكمالها، وخشوع الإنسان وخضوعه .. تنقل المسلم من اللصوق بالمادّة إلى التحليق في رحاب الكون، بفكر طموح، وعقل ثاقب!
وإنها روح الحبّ، وصفاء الوجدان!
تعرج بقائلها إلى أن يعلو على الزمان والمكان، فيرسل سلامًا طيّبًا مباركًا بكاف الخطاب إلى النبي -ﷺ-، وسلامًا عليه وعلى عباد الله الصالحين، ممن أطاعوا الله وعبدوه في السماء والأرض، يضيء معالم الطريق إلى الآخرة ونعيمها الخالد العظيم!
وتأتي شهادة التوحيد، وعقيدة الإِسلام، ورسالة الإيمان، ومبعث الخير للحياة!
وفي التشهد الأخير يجد السلم نفسه أمام الصلاة على النبي - ﷺ -، وفيها عشرة مذاهب، كما نقل الحافظ ابن حجر! (١)
وحسبنا ما رواه الشيخان وغيرهما عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (لقيني كعب بن عُجرة فقال: ألا أهدي لك هديّة سمعتها من النبي -ﷺ-؟ فقلت: بلى، فأهدها لي، فقال: سألنا رسول الله -ﷺ-، فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عنكم أهل البيت؟ فإِن الله قد علّمنا كيف نسلم، قال:
_________________
(١) انظر: فتح الباري: ١١: ١٥٢ - ١٥٣.
[ ٤ / ١٦٢٤ ]
"قولوا: اللهم! صلّ على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما صلّيت على إِبراهيم وعلى آل إِبراهيم، إِنك حميد مجيد، اللهم! بارك على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما باركت على إِبراهيم، وعلى آل إِبراهيم، إِنك حميد مجيد" (١).
وفي رواية لمسلم وغيره عن أبي مسعود الأنصاري قال: "أتانا رسول الله -ﷺ-، ونحن جلوس في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله تعالى أن نُصلي عليك، يا رسول الله! فكيف نصلّي عليك؟ قال: فسكت رسول الله -ﷺ-، حتى تمنّينا أنه لم يسأله ثم قال رسول الله -ﷺ-: "قولوا: اللهم! صلّ على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما صلّيت على آل إِبراهيم، وبارك على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما باركت على آل إِبراهيم، في العالمين إِنك حميد مجيد. والسلام كما علمتم"! (٢)
_________________
(١) البخاري: ٦٠ - الأنبياء (٣٣٧٠)، وانظر (٤٧٩٧، ٦٣٥٧)، والشافعي: ١: ١٩٢، وعبد الرزاق (٣١٠٥)، والحميدي (٧١١، ٧١٢)، وأحمد: ٤: ٢٤١، ٢٤٣، ٢٤٤، وعبد بن حميد (٣٦٨)، والدارمي: ١: ٣٠٩، وأبو داود (٩٧٦، ٩٧٧، ٩٧٨)، والنسائيّ: ٣: ٤٧، ٤٨، والكبرى (١١١٩، ١١٢٠، ١١٢١)، وعمل اليوم والليلة (٥٤، ٣٥٩)، والترمذي (٤٨٣)، وابن ماجه (٩٠٤)، والبيهقي: ٢: ١٤٧ - ١٤٨، والطبري: التفسير: ٢٢: ٤٣، وأبو عوانة: ٢: ٢١٣، والطبراني: الكبير: ١٩ (٢٧٠، ٢٧٣، ٢٧٥ - ٢٧٩)، وانظر (٢٨٣، ٢٨٤، ٢٨٥، ٢٩٢)، والأوسط (٤٤٧٨، ٦٨٣٤)، والبغوي (٦٨١)، والتفسير: ٥: ٢٧٤، والجعديات (١٤١)، والطحاوي: شرح المشكل (٢٣٤)، وابن حبّان (٩١٢)، وانظر (١٩٥٧).
(٢) مسلم: ٤ - الصلاة (٤٠٥)، ومالك: ١٦٥٠١ - ١٦٦، والشافعي: ٩٠٠١ - ١٩١، وعبد الرزاق (٣٠١٨)، وأحمد: ٤: ١١٨، ١١٩، ٥: ٢٧٣، وعبد بن حميد (٢٣٤)، والدارميّ: ١: ٣١٠، وأبو داود (٩٨٠، ٩٨١)، والنسائيّ: ٣: ٤٥، والكبرى (١١١٧)، وعمل اليوم والليلة (٤٨، ٤٩)، والدراقطني: ٣٥٤٠١، والحاكم: ١: ٢٦٨، والبيهقي: ٢: ١٤٦، ٣٧٨، وابن حبّان (١٩٥٨، ١٩٥٩).
[ ٤ / ١٦٢٥ ]
وتعدّدت الروايات مع اختلاف يسير!
وفي فضل الصلاة على النبي -ﷺ- أحاديث كثيرة، منها ما رواه أحمد وغيره بسند حسن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -ﷺ-:
"من صلّى عليّ واحدة، صلّى الله عليه عشر صلوات، وحطّ عنه عشر خطيئات" (١).
وفي فضل السلام على النبي -ﷺأيضًا- أحاديث كثيرة، منها ما رواه أحمد وغيره بسند حسن عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: "ما من أحد يسلِّم عليّ إِلا ردّ الله ﷿ إِليّ روحي حتى أردّ ﵇" (٢).
وهنا يطالعنا قول الله ﷿:
_________________
(١) أحمد: ٣: ١٠٢، ٢٦١، وابن أبي شيبة: ٢: ٥١٧، والضياء المختارة: (١٥٦٤، ١٥٦٦، ١٥٦٧، ١٥٦٨)، والبخاري: الأدب المفرد (٦٤٣)، والنسائيُّ: ٣: ٥٠، وعمل اليوم والليلة (٦٢، ٣٦٢، ٣٦٣)، والحاكم: ١: ٥٥٠، والبيهقيّ: الشعب (١٥٥٤)، والبغويّ (١٣٦٥)، وابن حبّان (٩٠٤)، وانظر: مسلم (٤٠٨) عن عبد الله بن عمرو، والترمذي (٣٦١٤)، والنسائي: ٢: ٦٥، وعمل اليوم والليلة (٤٥).
(٢) أحمد: ٢: ٥٢٧، فيه أبو صخر: حميد بن زياد الخراط، حسن الحديث، روى له مسلم، وباقي رجاله ثقات، رجال الشيخين، وأخرجه أبو داود (٢٠٤١)، والبيهقيّ: ٥: ٢٤٥ من طريق عبد الله بن يزيد المقري، والطبراني: الأوسط (٣١١٦) عن عكرمة بن سهل الدمياطي، عن مهدي بن جعفر الرملي، عن عبد الله بن يزيد الإسكندراني، عن حيوة بن شريح، وعن عبد الله بن يزيد الإسكندراني، لم نجد له ترجمة، ولعله المقرئ والمكي نفسه، وإنما وهم في نسبته، شيخ الطبراني بكر بن سهل الدمياطي، أو شيخه مهدي الرملي، فكلاهما تكلّم في حفظه، والله أعلم! وانظر: أحمد: ٢: ٣٦٧، وأبو داود (٢٠٤٢)، والطبراني: الأوسط (٨٠٢٦)! وانظر معنى الحديث في: عون المعبود: ٦: ٢٦ وما بعدها!
[ ٤ / ١٦٢٦ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]!
قال البخاري: قال أبو العالية: صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء! (١)
وقال ابن عباس: يصلّون: يبرّكون! (٢)
وروى الترمذي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم أنهم قالوا: صلاة الربّ: الرحمة، وصلاة الملائكة: الاستغفار!
والصلاة تكون بمعنى التمجيد والدعاء والرحمة، على حسب ما أضيفت إليه، وقد أفاض ابن القيّم في بيان ذلك، فأجاد وأفاد! (٣)
ويا لها من مرتبة سنيّة، حيث تردّد جنبات الوجود ثناء الله ﷿ على نبيّه محمد - ﷺ -! (٤)
ويشرق الكون كله، وتتجاوب أرجاؤه، ويثبت في كيان الوجود ذلك الثناء الأزلي القديم، الأبديّ الباقي!
_________________
(١) فتح الباري: ٨: ٥٣٢ - ٥٣٣ قال ابن حجر: أخرجه ابن أبي حاتم، ومن طريق آدم بن أبي إياس: حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع، وهو ابن أنس بهذا، وزاد في آخره (له).
(٢) قال ابن حجر: وصله الطبري من طريق عليَّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قال: يبرّكون على النبي، أي يدعون له بالبركة، فيوافق قول أبي العالية، لكنه أخصّ منه، وقد سئلت عن إضافة الصلاة إلى الله، دون السلام، وأمر المؤمنين بها وبالسلام، فقلت: يحتمل أن يكون السلام له معنيان: التحية والانقياد، فأمر به المؤمنون، لصحّتها منهم، والله وملائكته لا يجوز منهم الانقياد، فلم يضف إليهما، دفعًا للإيهام، والعلم عند الله: المرجع السابق!
(٣) انظر: تفسير ابن كثير: ٣: ٥٠٦، والشوكاني: ٤: ٢٩٢، والقاسمي: ١٣: ٤٩٠١، وجلاء الأفهام: ١٥٧ وما بعدها!
(٤) في ظلال القرآن: ٥: ٨٧٩ بتصرف.
[ ٤ / ١٦٢٧ ]
وما من نعمة ولا تكريم بعد هذه النعمة، وذلك التكريم!
وأين تذهب صلاة البشر وتسليمهم بعد صلاة الله العليّ، وصلاة الملائكة في الله الأعلى؟
إنما يشاء الله تشريف المؤمنين بأن يقرن صلاتهم إلى صلاته وأن يصلهم عن هذا الطريق بالأفق العلويّ الكريم، الأزليّ القديم!
وما يكاد المسلم ينتهي من صلاته حتى يسلّم عن يمينه وعن شماله!
يروى أحمد وغيره بسند صحيح عن عبد الله: أن النبي - ﷺ - كان يسلِّم على يمينه، وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله" حتى يُرى -أو نرى- بياض خدّيه! (١)
وما يكاد ينتهي من التسليم حتى يدعو بهذا الدعاء الذي رواه مسلم وغيره عن عائشة قالت: كان النبيّ - ﷺ - إِذا سلّم لم يقعد إِلا مقدار ما يقول: "اللهم! أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإِكرام".
وفي رواية: "يا ذا الجلال والإِكرام" (٢).
_________________
(١) أحمد: ١: ٣٩٠، ٤٠٨، ٤٠٩، ٤٤٤، ٤٤٨، والطيالسي (٣٠٨)، وعبد الرزاق (٣١٣٠)، وابن أبي شيبة: ١: ٢٩٩، وأبو داود (٩٩٦)، والترمذي (٢٩٥)، والنسائي: ٣: ٦٣، والكبرى (١١٥٤، ١١٥٥، ١١٥٦)، وابن ماجه (٩١٤)، وأبو يعلى (٥١٠٢، ٥١١٤)، وابن خزيمة (٧٢٨)، والطحاوي: ١: ٢٦٨، والبيهقيّ: ٢: ١٧٧، والطبراني: الكبير (١٠٧٣)، وابن حبّان (١٩٩٣).
(٢) مسلم: ٥ - المساجد (١٩٢)، والطيالسي (١٥٥٨)، وابن أبي شيبة: ١: ٣٠٢، ٣٠٤، وأحمد: ٦: ٦٢، ١٨٤، ٢٣٥، والدارميّ (١٣٥٤)، وأبو داود (١٥١٢)، والترمذي (٢٩٨، ٢٩٩)، والنسائيُّ: ٣: ٦٩، والكبرى (١١٧٠)، وعمل اليوم والليلة (٩٥، ٩٦، ٩٧، ٣٦٧)، وابن ماجه (٩٢٤)، وأبو يعلى (٤٧٢١)، وأبو عوانة: ٢: ٢٤١، ٢٤٢، والبيهقيّ: ٢: ١٨٣، والبغوي (٧١٣) وابن حبّان (٢٠٠٠).
[ ٤ / ١٦٢٨ ]
ليلة القدر يكتنفها السلام:
والليلة المباركة التي أنزل الله ﷿ فيها القرآن الكريم ليلة يكتنفها السلام من أولها إلى آخرها:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ [سورة القدر]!
إنها ليلة عظيمة باختيار الله لها لبدء تنزيل القرآن، (١) وإفاضة النور على الوجود كله، وإسباغ السلام الذي فاض على الضمير البشري والحياة الإنسانيّة، وبما تضمنّه هذا القرآن من عقيدة وتصوّر وشريعة وآداب تشيع السلام في الأرض والضمير، وتنزيل الملائكة وجبريل خاصة بإذن ربّهم .. وانتشارهم فيما بين السماء والأرض!
وحين ننظر اليوم من وراء الأجيال المتطاولة إلى تلك الليلة المباركة السعيدة، ونتصوّر ذلك الموكب العجيب الذي شهدته الأرض في هذه الليلة، ونتدبّر حقيقة الأمر الذي تمّ فيها، ونتملّى آثاره المتطاولة في مراحل الزمان، وفي واقع الأرض، وفي تصوّرات القلوب والعقول .. نرى أمرًا عظيمًا حقًا، وندرك طرفًا من الإشارة إلى تلك الليلة، ونحن نقرأ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾!
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)﴾ [الدخان]!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٦: ٣٩٤٥.
[ ٤ / ١٦٢٩ ]
ولقد تغفل البشريّة -لجهالتها- عن قدر ليلة القدر، وعن حقيقة وعظمة هذا الأمر .. وهي منذ جهلت هذا وأغفلته فقدت أسعد وأجمل آلاء الله عليها، وخسرت السعادة والسلام!
سلام الضمير!
وسلام البيت!
وسلام المجتمع!
وسلام الإنسانية!
ولم يعوّضها عمّا فقدت ما فتح عليها من أبواب كل شيء من الحضارة الماديّة والعمارة .. فهي شقيّة على الرغم من فيض الإنتاج وتوافر وسائل المعاش!
لقد انطفأ النور الجميل الذي أشرق في روحها مرّة، وانطمست الفرحة الوضيئة التي رفت بها وانطلقت إلى الملأ الأعلى، وغاب السلام الذي أفاض على الأرواح والقلوب، فلم يعوّضها شيء عن فرحة الرّوح ونور السماء، وطلاقة الرفرفة إلى علّيّين!
وفي موقف من مواقف الكافرين الجاحدين يشكو الرسول - ﷺ - كفر هؤلاء وعدم إيمانهم: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ [الزخرف]!
ويطالعنا عقب ذلك مباشرة توجيه الرسول - ﷺ - إلى الصفح والإعراض، وعدم الاحتفال والمبالاة، والشعور بالطمأنينة، ومواجهة الأمر بالسلام في القلب والسماحة:
﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ [الزخرف]!
ونبصر الجنّة التي أعدّت للمتقين دار السلام:
﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾ [الأنعام]!
[ ٤ / ١٦٣٠ ]
والمؤمن حين ينظر إلى هذا الثواب يعيش دنياه في سلام حقيقيّ مع ضميره والناس من حوله .. ينتظر هذا الفضل من الله ﷿:
والمؤمنون حين يدخلون الجنّة يكتنفهم السلام والأمان:
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾ [الحجر]!
وتحيّة الملائكة لأهل الجنّة هي السلام:
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ [الزمر: ٧٣]!
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]!
وأهل الجنّة حين يتزاورون تحيّتهم هي السلام:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ٩، ١٠]!
وتحية المؤمنين حين يلقون ربّهم السلام:
﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾ [الأحزاب: ٤٤]!
ونبصر المؤمنين مشغولين بما هم فيه من النعيم، في ظلال مستطابة يستروحون نسيمها .. على أرائك متّكئين، في راحة ونعيم، هم وأزواجهم، لهم فيها فاكهة ولهم كل ما يشاءون، ولهم كل ما يدعون .. وفوق ذلك سلام يتلقونه من ربّهم الكريم:
[ ٤ / ١٦٣١ ]
﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٥ - ٥٨]!
أخوّة إنسانيّة:
ونجد أنفسنا أمام بيان أن الناس جميعًا خُلقوا من نفس واحدة، ومن ثم تجمع بينهم الأخوة الإنسانيّة التي تقتضي سلامًا عالميًّا، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]!
وتلك حقيقة فطريّة، يعرفها الناس جميعًا .. ولو ألقوا أسماعهم وقلوبهم إليها لكانت كفيلة بمراعاة الأخوّة الإنسانيّة بمالها من حقوق وما عليها من واجبات!
ولو تذكّروا هذه الحقيقة لتضاءلت في حسّهم كل الفروق الطارئة، التي نشأت في حياتهم متأخّرة (١)، ففرّقت بين أبناء النفس الواحدة، ومزّقت وشائج الرحم الواحدة .. وكلها ملابسات طارئة، ما كان يجوز أن تطغى على مودّة الرحم وحقّها في الرّعاية، وصلة النفس وحقّها في المودّة، وصلة الربوبيّة وحقّها في التقوى!
واستقرار هذه الحقيقة كفيل باستبعاد الاستعباد الطبيعي السائد في كثير من الدول، والذي ما تزال الجاهليّة تعتبره قاعدة فلسفتها، ونقطة انطلاقها إلى
_________________
(١) في ظلال القرآن: ١: ٥٧٤.
[ ٤ / ١٦٣٢ ]
تحطيم الطبقات كلها، لتسويد طبقة واحدة، ناسية أو متناسية النفس الواحدة التي انبثق منها الجميع، والرّبوبيّة الواحدة التي يرجع إليها الجميع!
وكفيل بأن يقرّر للمرأة كرامتها؛ لأنها من النفس الواحدة فطرةً وطبعًا، خلقها الله ﷿ لتكون لها زوجًا، وليبثّ منهما رجالًا كثيرًا ونساءً!
ولقد خبطت البشريّة في هذا التّيه طويلًا، حين جرّدت المرأة من كل خصائص الإنسانيّة وحقوقها .. تحت تأثير تصوّر سخيف لا أصل له، فلما أن أرادت معاني هذا الخطأ الشنيع اشتطت وأطلقت للمرأة العنان، ونسيت أنها إنسان خلقت لإنسان، ونفس خلقت لنفس، وشطر مكمل لشطر، وأنهما ليسا فردين متماثلين، إنهما زوجان متكاملان!
الأسرة قاعدة الحياة البشريّة:
وكفيل بأن يقرّر أن الأسرة قاعدة الحياة البشريّة .. ولو شاء الله لخلق -في أوّل النشأة- رجالًا كثيرًا ونساء، وزوّجهم، فكانوا أسرًا شتى من أوّل الطريق، لا رحم بينها من مبدأ الأمر، ولا رابطة تربطها إلا صدورها عن إرادة الخالق جلّ شأنه، وهي الوشيجة الأولى، ولكنه ﷿ شاء لأمر يعلمه ولحكمة يريدها أن يضاعف الوشائج، فيبدأ بها من وشيجة الرّبوبيّة -وهي أصل وأوّل الوشائج- ثم يثني بوشيجة الرحم، فتقوم الأسرة الأولى من ذكر وأنثى، من نفس واحدة، وطبيعة واحدة، وفطرة واحدة!
ومن هذه الأسرة الواحدة يبثّ رجالًا ونساءً، كلهم يرجعون ابتداء إلى وشيجة الرّبوبيّة، ثم يرجعون بعدها إلى وشيجة الأسرة، التي يقوم عليها نظام المجتمع الإنساني!
[ ٤ / ١٦٣٣ ]
ومن ثم هذه الرعاية للأسرة في النظام الإِسلامي، وهذه العناية بتوثيق عراها، وتثبيت بنيانها، وحمايتها من جميع المؤثّرات التي توهن هذا البناء!
في أوّل هذه المؤثّرات مجانبة الفطرة، وتجاهل استعدادات الرجل واستعدادات المرأة، وتناسق هذه الاستعدادات مع بعضها بعضًا، وتكاملها لإقامة الأسرة من ذكر وأنثى!
وإن نظرةً إلى التنوّع في خصائص الأفراد واستعدادتهم -بعد بثّهم من نفس واحدة وأسرة واحدة- على هذا المدى الواسع، الذي لا يتماثل فيه فردان قطّ تمام التماثل، على توالي العصور، وفيما لا يحصى عدده من الأفراد في جميع الأحوال!
التنوّع في الأشكال والسمات والملامح!
والتنوّع في الطباع والأمزجة والأخلاق والمشاعر!
والتنوّع في الاستعدادات والاهتمامات والوظائف!
إن نظرةً إلى هذا التنوّع المنبثق من ذلك التجمّع لتشي بالقدرة المبدعة على غير مثال، المدبّرة عن علم وحكمة .. وتطلق القلب والعين يجولان في ذلك التنوّع الحيّ العجيب، يتملّيان ذلك الحشد من النماذج التي لا تنفد، والتي دائمًا تتجدّد، والتي لا يقدر عليها إلا الله .. ولا يجرؤ أحد على نسبتها لغير الله، فالإرادة التي لا حدّ لما تريد، والتي تفعل ما تريد، هي وحدها التي تملك هذا التنويع الذي لا ينتهي، من ذلك الأصل الواحد الفريد!
والتأمل في (الناس) على هذا النحو كفيل بأن يمنح القلب زادًا من الأنس والمتاع، فوق زاد الإيمان والتقوى، وهو كسب فوق كسب، وارتفاع بعد ارتفاع!
[ ٤ / ١٦٣٤ ]
وفي ختام الآية التي معنا نبصر إيحاء بكل هذه الحشود من الخواطر، وما يتصل بها، يردّ (الناس) إلى تقوى الله، الذي يسأل بعضهم بعضًا به، وإلى تقوى الأرحام التي يرجعون إليها جميعًا:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾!
واتقوا الله الذي تتعاهدون باسمه، وتتعاقدون باسمه، ويسأل بعضكم بعضًا باسمه، ويحلف بعضكم لبعض باسمه .. اتقوه فيما بينكم من الوشائج والصلات والمعاملات!
وتقوى الله مفهومة ومعهودة لتكرارها في القرآن .. أما تقوى الأرحام فهي تعبير عجيب يلقي ظلاله الشعوريّة في النفس .. اتقوا الأرحام .. أرهفوا مشاعركم للإحساس بوشائجها .. والإحساس بحقها .. وتوقي هضمها وظلمها .. والتحرّج من خدشها ومسّها .. توقوا أن تؤذوها، وأن تجرحوها، وأن تغضبوها .. أرهفوا حساسيتكم لها، وتوقيركم إياها، وحنينكم إلى نداها وظلّها:
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾!
وما أهولها من رقابة!
والله ﷿ هو الرقيب!
وهو الربّ الخالق الذي يعلم من خلقه، وهو العليم الخبير الذي لا تخفى عليه خافية، لا في ظواهر الأفعال ولا في خفايا القلوب!
[ ٤ / ١٦٣٥ ]
أساس السلام:
وهنا نبصر أساس سلام الضمير، وسلام الأسرة، وسلام الإنسانيّة!
ونبصر الناس قد اختلفوا هكذا للتعارف والوئام، لا للتناحر والخصام!
وأمّا اختلاف الألسن والألوان، والطباع والأخلاق، والمواهب والاستعدادات، فتنوّع يقتضي التعارف والتآلف:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]!
وهكذا تسقط جميع الفوارق (١) .. ويرتفع ميزان واحد بقيمة واحدة، وإلى هذا الميزان يتحاكم البشر، وإلى هذه القيمة يرجع اختلاف البشر في الميزان!
وهكذا تتوارى جميع أسباب النزاع والخصومات في الأرض، وترخص جميع القيم التي يتكالب عليها الناس، ويظهر سبب ضخم واضح للتآلف والتعاون:
ألوهيّة الله للجميع!
وأصل واحد للناس!
كما يرتفع لواء واحد يتسابق الجميع ليقفوا تحته!
لواء تقوى الله .. وهذا هو اللواء الذي رفعه الإِسلام لينقذ البشريّة من عقابيل العصبيّة للجنس، والعصبيّة للأرض، والعصبيّة للقبيلة، والعصبيّة للبيت .. وكلها من الجاهليّة وإليها، تتزيّا بشتّى الأزياء، وتسمّى بشتّى الأسماء .. جاهليّة عارية عن الإِسلام!
_________________
(١) السابق: ٦: ٣٣٤٨ بتصرف.
[ ٤ / ١٦٣٦ ]
وتلك هي القاعدة التي يقوم عليها المجتمع الإِسلامي .. المجتمع العالمي .. المجتمع الذي يحاول العقلاء من الناس في الخيال المحلّق أن يحقّقوا لونًا من ألوانه، ولكن هيهات؛ لأنهم لم يسلكوا إليه الطريق الواحد الواصل المستقيم .. الطريق إلى الله .. الدخول في الدّين القيّم .. والحياة وفق المنهج الربانيّ!
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾:
ونجد أنفسنا أمام تقرير الحريّة في (الدّين القيّم) .. تلك الحريّة التي تطلق على التحرّر من العبوديّة والاسترقاق، والخلوص من القيد، كما تطلق على الشرف وطيب الأرومة وكرم المنبت!
وهي من الحقوق التي وهبها الله ﷿ للإنسان، كحق الحياة، والعلم، والتملّك، والكرامة!
والحريّة ليست انطلاقًا من كل قيد وراء الأهواء والشهوات .. وليست انفلاتًا من كل نظام، وخروجًا على العادات الصالحة والتقاليد القويمة!
ذلك أن حريّة الفرد لا تصان إلا حين تتقيّد ببعض القيود الضروريّة التي لا بدّ منها، لتسلم حريّات المجتمع!
وهنا يطالعنا قول الله تعالى:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦]!
وقد وردت روايات في سبب النزول، أوردها الطبري وغيره (١).
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري: ٣: ١٦ وما بعدها، وابن كثير: ١: ٣٠ وما بعدها، والنار: ٣: ٣٦ وما بعدها، والتحرير والتنوير: ٣: ٢٦ وما بعدها.
[ ٤ / ١٦٣٧ ]
والآية على عمومها في كل كافر! (١)
وهي صريحة في قضيّة العقيدة، وكيف أنها قضيّة اقتناع بعد البيان والإدراك (٢)، وليست قضيته إكراه وغصب وإجبار!
ذلك أن (الدّين القيّم) يخاطب الإدراك البشريّ بكل قواه، يخاطب العقل المفكر، والبداهة الناطقة، والوجدان المنفعل .. كما يخاطب الفطرة المستكنّة!
وهنا يتجلّى تكريم الله للإنسان، واحترام إرادته وفكره ومشاعره، وترك أمره لنفسه فيما يختص بالهُدى والضلال في الاعتقاد، وتحميله تبعة عمله وحساب نفسه!
أخص خصائص التحرّر الإنساني:
وتلك هي أخص خصائص التحرر الإنساني .. التحرر الذي تنكره على الإنسان في هذا العصر مذاهب متعسّفة، ونظم مذلّة، لا تسمح للإنسان الذي كرّمه الله باختياره لعقيدته أن ينطوي ضميره على تصوّر للحياة ونظمها غير ما تمليه عليه دول تلك المذاهب بشتى أجهزتها، وما تمليه بقوانينها وأوضاعها، فإمّا أن يعتنق ما يحرمه من الإيمان بالله، وإمّا أن يتعرّض للموت بشتّى الوسائل والأسباب!
إن حرية الاعتقاد هي (أولى حقوق الإنسان) التي يثبت له بها وصف إنسان .. والذي يسلب إنسانًا حريّة الاعتقاد إنما يسلبه إنسانيّته ابتداء!
_________________
(١) انظر: بدائع التفسير: ١: ٤١٤ وما بعدها.
(٢) في ظلال القرآن: ١: ٢٩١ بتصرف.
[ ٤ / ١٦٣٨ ]
حرّية الدعوة:
ومع حريّة الاعتقاد حريّة الدعوة للعقيدة، والأمن من الأذى والفتنة .. وإلا فهي حريّة بالاسم، لا مدلول لها في واقع الحياة!
والإسلام -وهو أرقى تصوّر للوجود والحياة، وأقوم منهج للمجتمع الإنسانيّ بلا مراء- هو الذي ينادي بأن ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾!
وهو الذي يبيّن لأصحابه قبل سواهم أنهم ممنوعون من إكراه الناس على هذا الدّين .. فكيف بالمذاهب والنظم الأرضيّة القاصرة المتعسّفة، وهي تفرض فرضًا بسلطان القانون، ولا يسمح لمن يخالفها بالحياة؟!
والتعبير هنا يرد في صورة النفي المطلق: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾! نفي جنس الإكراه .. والنهي في صورة النفي، والنفي للجنس أعمق إيقاعًا، وآكد دلالة!
ولا يزيد السياق على أن يلمس الضمير لمسة توقظه، وتشوقه إلى الهُدى، وتهديه إلى الطريق، وتبيّن حقيقة الإيمان التي أعلن أنها أصبحت واضحة:
﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾!
فالإيمان هو الرشد الذي ينبغي للإنسان أن يتوخّاه، ويحرص عليه، والكفر هو الغيّ الذي ينبغي للإنسان أن ينفر منه، ويتّقي أن يوصم به!
والأمر -كذلك- فعلًا، فحين يتدبّر الإنسان نعمة الإيمان بالله ربًّا وبالإِسلام دينًا وبمحمد - ﷺ - نبيًّا ورسولًا، وما تمنحه هذه النعمة للإدراك البشريّ من تصوّر ناصع واضح، وما تمليه للقلب البشريّ من طمأنينة وسلام، وما تثيره في النفس البشريّة من اهتمامات رفيعة، وما تحققه في المجتمع الإنسانيّ من نظام سليم قويم دافع إلى تنمية الحياة .. !
[ ٤ / ١٦٣٩ ]
حين يتدبر الإنسان نعمة الإيمان على هذا النحو، يجد الرشد الذي لا يرفضه إلا سفيه .. يترك الرشد إلى الغيّ، ويدع الهُدى إلى الضلال، ويؤثر التخبّط والقلق والهبوط والضآلة على الطمأنينة والسلام، والرفعة والاستعلاء!
ثم يزيد حقيقة الإيمان إيضاحًا وتحديدًا وبيانًا:
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾!
إن الكفر ينبغي أن يوجّه إلى ما يستحق الكفر، وهو (الطاغوت)!
وإن الإيمان يجب أن يتّجه إلى من يجدر الإيمان به، وهو (الله)!
والطّاغوت صيغة من الطغيان، تفيد كل ما يطغى على الوعي، ويجور على الحق .. ولا يكون له ضابط من العقيدة في الله، ومن الشريعة التي يسنّها الله، ومن كل منهج غير مستمدّ من الله .. فمن يكفر بهذا كله في كل صورة من صوره، ويؤمن بالله وحده، ويستمدّ من الله وحده فقد نجا .. وتتمثل نجاته في استمساكه بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها!
ونجد أنفسنا أمام صورة حسيّة لحقيقة شعوريّة ومعنويّة .. ذلك أن الإيمان بالله ﷿ عروة لا تنفصم أبدًا .. متينة لا تنقطع .. والذي يمسك بتلك العروة يمضي على هُدىً إلى ربّه، فلا يرتطم ولا يتخلّف، ولا تتفرّق به السبل، ولا يذهب به الشرود والضلال: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾!
يسمع منطق الألسنة، ويعلم مكنون القلوب!
ومن تأمّل سيرة الرسول - ﷺ -، تبيّن له بجلاء ووضوح أنه - ﷺ - لم يكره أحدًا على الإِسلام .. وأنه صالح اليهود حين قدم على المدنية وأقرّهم على دينهم
[ ٤ / ١٦٤٠ ]
-كما سيأتي- ولكنهم ما لبثوا أن أعلنوا الحرب على الرسالة والرسول - ﷺ -، ومن ثم كانت ضرورة الدفاع والمواجهة -كما سبق أن عرفنا (١)!
إدراك العجز إدراك:
والإنسان الذي يحيا في دائره الإيمان بالله ﷿، ويشرق قلبه بنور الله، ويحقّق معنى الإنسانيّة بسلوكه يسمو قدره، وتزكو منزلته!
ومن ثم فهو يتصرّف في جميع أحواله بحريّة تامّة، موافقة لطبيعته إلى التحرّر .. لكن روابط المجتمع وعلاقات الأفراد بعضهم ببعض، وصلة كل منهم في المحيط المحدود والنطاق الواسع .. كل أولئك يفرض عليه أن يساير النظم والقوانين، وفي ذلك متسع، طالما ذلك في المباح .. وهذا من شأنه أن يجعله مسؤولًا تجاه التصرّفات التي تسيء إليه وإلى المجتمع الذي يعيش فيه!
ومع أن الله ﷿ قد كرّمه وفضّله على كثير من خلقه، بالتكوين والاستعدادات التي أودعها فطرته، وبمكانه في الكون، وبما لا يُحصى ولا يعدّ من الآلاء والنعم .. وخصّه بالعقل الذي هو مناط التكليف، والذي هو عين مبصرة، يرى بها عظمة الخالق جلّ شأنه!
ومعلوم أن العقل هو المركز الذي يبدأ منه التفلسف، ويتركّز النظر، فيرتفع بسهولة ويسر إلى المنصب الذي رشّح له، ويرتقي إلى الغاية المنوطة به .. ومن ثم يدرك مشاعر الخشية والجلال، والعظمة والكمال!
والإنسان مطالب بأن ينتفع بالعقل في حدود ما يدرك؛ لأنه عاجز وقاصر دون الحقيقة .. وعليه أن يدرك ما أدركه الصّدّيق - ﵁ - في قوله:
_________________
(١) انظر كتابنا (الرسول - ﷺ - واليهود وجهًا لوجه) أربعة أجزاء ١٩٢٧ صفحة.
[ ٤ / ١٦٤١ ]
(إن إدراك العجز إدراك) (١).
ومطالب -أيضًا- بأن ينتفع به في دائرة النقل، لا يحيد ولا يزيغ .. وبأن يدرك أنه إذا استبدّ به الغرور، ولم يقبس من النور، ضلّ وغوى، وسقط وهوى، وصدق الله العظيم:
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النور: ٤٠]!
ومن ثم كان النقل هو الشعاع الذي يضيء لهذه العين المبصرة أن تنظر وترى آثار ومظاهر هذا النور في القلوب والأرواح، ممثّلةً في معالم الحياة، تنير القلوب، وتنير الحياة .. مرتبطة بالنور الكونيّ الشامل الكامل .. ومن ثم يفيض النور على المشاعر والجوارح، وينسكب في الحنايا والجوانح:
﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥]!
وهما معًا متعاضدان .. ولذا سلب الحق اسم العقل من الذين حادوا عن الفطرة السليمة التي فطرهم الله عليها:
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة: ١٧١]!
مكانة المسؤوليّة:
والكون الذي سخره الله ﷿ للإنسان، هو ميدان نشاطه، ومجال تأمّلاته، وحقل تجاربه، ومرمى آماله ورغائبه، ومن ثم فهو عضو في المجتمع، مسؤول عن تصرّفاته!
وفي الآخرة نقرأ في سورة الإسراء:
_________________
(١) الأربعين في أصول الدين: ٦٨.
[ ٤ / ١٦٤٢ ]
﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٣، ١٤]!
ويروي الشيخان وغيرهما عن ابن عُمر ﵄، أن رسول الله -ﷺقال:
"ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيّته، فالإِمام الأعظم الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيّته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيّته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده، وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده، وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيّته" (١).
وفي حديث أنس مثل حديث ابن عمر، وزاد في آخره:
"فأعدوا للمسألة جوابًا"
قالوا: وما جوابها؟
قال: "أعمال البر".
أخرجه ابن عديّ، والطبراني في الأوسط، وسنده حسن.
_________________
(١) البخاري: ٩٣ - الأحكام (٧١٣٨)، وانظر (٨٩٣، ٢٤٠٩، ٢٥٥٤، ٢٥٥٨، ٢٧٥١، ٥١٨٨، ٥٢٠٠)، والأدب المفرد (٢٠٦، ٢١٢، ٢١٤، ٤١٦)، ومسلم (١٨٢٩)، وأحمد: ٢: ٥، ٥٤ - ٥٥، ١١١، ١٢١، ومالك (٢٩١، ٢١٢١١) رواية أبي مصعب الزهري، وعبد الرزاق (٢٠٦٤٩)، وعبد بن حميد (٧٤٥)، وابن الجارود (١٠٩٤)، وأبو يعلى (٥٨٣١)، وأبو عوانة: ٤: ٤١٥ - ٤١٨، ٤١٩ - ٤٢١، والبغويّ (٢٤٦٩)، والطبراني: الأوسط (٤٢٦٧)، والكبير (١٣٢٨٤)، والبيهقي: ٦: ٢٨٧، ٧: ٢٩١ والشعب (٧٣٦٠، ٨٧٠٣)، والشهاب (٢٠٩)، والخطيب: ١١: ٤٠٢، وأبو نعيم: أخبار أصبهان: ٢: ٣١٨، وأبو داود (٢٩٢٨)، والترمذي (١٧٠٥)، وابن حبّان (٤٤٩٠).
[ ٤ / ١٦٤٣ ]
وفي رواية لابن عديّ بسند صحيح عن أنس: "إِن الله سائل كل راع عما استرعاه، حفظ ذلك أو ضيّعه" (١).
ويروي الشيخان وغيرهما عن معقل بن يسار، قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: "ما من عبد يسترعيه الله رعيّة، فلم يحطه بنصحه، إِلا لم يجد رائحة الجنّة".
وفي رواية: "ما من وال يلي رعيَّةً من المسلمين فيموت وهو غاشٌ لهم إِلا حرّم الله عليه الجنّة" (٢).
وهناك حالات يجازى فيها الإنسان على عمل غيره، يطول فيها الحديث! (٣)
ومعلوم أن (الدّين القيّم) يحرص على مودّة المخالفين في العقيدة.
ومجادلة أهل الكتاب:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ [العنكبوت: ٤٦]!
ومعلوم -كذلك- أن السلام يهدف إلى حقن الدماء، وإشاعة الأمن والطمأنينة بين الناس .. ومن ثم فهو سلام قويٌ عزيز، لا استسلام فيه ولا تفريط في الحقوق المغتصبة!
_________________
(١) فتح الباري: ١٣: ١١٣.
(٢) البخاري: ٩٣ - الأحكام (٧١٥٠، ٧١٥١)، ومسلم (١٤٢)، والبيهقيُّ: ٩: ٤١، والدارمي: ٢: ٣٢٤، والبغوي (٢٤٧٨)، وابن حبّان (٤٤٩٥)، وانظر: الطيالسي (٩٢٨، ٩٢٩)، وأحمد: ٥: ٢٥، ٢٧، والطبراني: ٢٠ (٤٤٩، ٤٥٥ - ٤٥٩، ٤٦٩، ٤٧٢، ٤٧٣، ٤٧٤، ٤٧٦، ٤٧٨، ٥٠٦، ٥١٣، ٥١٩، ٥٢٤، ٥٣٣، ٥٣٤).
(٣) انظر كتابنا: (المسؤولية الوطنية في الإِسلام): ٣٢ وما بعدها.
[ ٤ / ١٦٤٤ ]
وقد مكث الرسول - ﷺ - بمكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى الله ﷿ بالحكمة والموعظة الحسنة .. في الوقت الذي كان يصبّ عليه الأذى، ويتعرّض أصحابه ﵃ لأقسى أنواع العذاب، وأفدح ألوان الاضطهاد -كما أسلفنا- حتى كانت الهجرة إلى الحبشة!
ومع ذلك كله كان - ﷺ - يصفح الصفح الجميل!
ويطالعنا القرآن بأن قوم ثمود الذين أرسل الله إليهم صالحًا فكذّبوه .. كانت عاقبتهم صاعقة العذاب: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)﴾ [فصلت: ١٧]!
﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾ (الحاقة)!
وقوم عاد الذين أرسل إليهم هودًا فكذبوه .. كانت عاقبتهم الريح الصرصر العاتية: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾ [فصلت: ١٦]!
﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦)﴾ [الحاقة: ٦]!
وقوم نوح أهلكهم الله بالطوفان: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠)﴾ [الشعراء]!
في الوقت الذي نبصر فيه رفع العذاب عن قريش، مع كل ما فعلوه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: ٣٣]!
إنها رحمة الله تمهلهم، عسى أن يستجيب للهدى من تخالط بشاشة الإيمان قلبه -ولو بعد حين- وما دام الرسول - ﷺ - بينهم يدعوهم، فهنالك توقّع
[ ٤ / ١٦٤٥ ]
لاستجابة البعض منهم، فهم إكرامًا لوجود رسول الله - ﷺ - بينهم يمهلون، والطريق أمامهم لاتقاء عذاب الاستئصال مفتوح!
وبعد الهجرة إلى المدينة -كما سيأتي- أذن الله للمسلمين أن يدفعوا عن أنفسهم وعن عقيدتهم اعتداء المعتدين، بعد أن بلغ أقصاه، وليحقّقوا لأنفسهم ولغيرهم حريّة العقيدة، وحريّة العبادة في ظل دين الله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾ [الحج: ٣٩، ٤٠]!
والصوامع أماكن العبادة للرهبان، والبيع للنصارى عامّة وهي أوسع من الصوامع، والصلوات أماكن العبادة لليهود، والمساجد للمسلمين!
هكذا في جلاء ووضوح، نبصر أماكن العبادة للرهبان، والنصارى، واليهود، والمسلمين!
سلام عالمي:
وهنا نبصر السلام في الإِسلام عالميًّا لا يعدّ القتال غاية لذاته، ولا يأذن به إلا للضرورة التي لا بدّ منها .. مع مراعاة الآداب الإِسلاميّة التي يتفرّد بها هذا (الدّين القيّم)!
ولنا بعون الله وتوفيقه حديث خاص في هذه الدراسات عن معالم تلك الآداب!
[ ٤ / ١٦٤٦ ]
هذا، والسلام -كما عرفنا- دين الأمن والسلام منذ أوّل بيت للعبادة وضع في الأرض إلى أن تقوم الساعة!
ملّة إبراهيم:
وهنا يطالعنا موقف إبراهيم ﵇ من قومه الكلدانيّين الذين كانوا يعبدون الأصنام، كما كانوا يعبدون الكواكب والنجوم، ونحن نقرأ:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٤ - ٧٩]!
إنه مشهد رائع باهر، مشهد الفطرة تنكر تصوّرات الجاهليّة وتستنكرها (١) تنطلق على لسان إبراهيم ﵇.
واختار سبيل العقل، وطريق الحجة .. وسلك طريقًا في الحوار حكيمًا، ومنهجًا في البيان قويمًا!
_________________
(١) انظر تفسير الطبري: ٧: ٢٤٢ وما بعدها، وابن كثير: ١٤٩ وما بعدها، والشوكاني: ٢: ١٣٨ وما بعدها، والفخر الرازي: ٧: ٣٤ وما بعدها، والآلوسي: ٧: ١٨٣ وما بعدها، وزاد المسير: ٣: ٧٠ وما بعدها، وابن عطيّة: ٥: ٢٥١ وما بعدها، وبدائع التفسير: ٢: ١٥١ وما بعدها، والقاسمي: ٦: ٢٣٦٨ وما بعدها، والمنار: ٧: ٥٣٣ وما بعدها، والتحرير والتنوير: ٧: ٣١٠ وما بعدها.
[ ٤ / ١٦٤٧ ]
وأعلن براءته من معبوداتهم، وأفاض في الحديث عمن يخصّه بخضوعه، وأقام الأدالة على أن الربّ جلّ شأنه لا يكون كوكبًا يلمع، ولا قمرًا يطلع، ولا شمسًا تسطع!
إنها العقيدة، فوق روابط الأبوّة والبنوّة، وفوق مشاعر الحلم والسماحة .. وهذا هو منطق الفطرة (١) .. وعيٌ لا يطمسه الركام، وبصرٌ يلحظ ما في الكون من عجائب صنع الله، وتدبّر يتبع الشاهد حتى تنطق له بسرّها المكنون، وهداية من الله جزاءً على الجهاد فيه!
وكانت المواجهة: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾!
إنه الاتجاه إلى فاطر السماوات والأرض!
الاتجاه الحنيف الذي لا ينحرف إلى الشرك!
الكلمة الفاصلة واليقين الجازم!
فلا تردّد بعد ذلك ولا حيرة فيما تجلّى للعقل من تصوّر مطابق للحقيقة التي في الضمير!
ها نحن نشهد ذلك المشهد الرائع الباهر .. مشهد العقيدة وقد استعلنت في النفس، واستولت على القلب، بعدما وضحت وضوحها الكامل، وانجلى عنها الغبش!
نشهدها وقد ملأت الكيان الإنساني، فلم يعد وراءها شيء، وقد سكبت فيه الطمأنينة الواثقة بربّه .. في قلبه وعقله وفي الوجود من حوله!
وهو مشهد يتجلّى بكل روعته وبهائه في الآيات التالية مباشرة:
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٢: ١١٤١ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٦٤٨ ]
﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾ [الأنعام: ٨٠، ٨١]!
إن الفطرة حين تنحرف تضل .. ثم تتمادى في ضلالها، وتتّسع الزاوية، ويبعد الخط عن نقطة الابتداء، حتى ليصعب عليها أن تثوب!
وهؤلاء يعبدون ما يعبدون، فلا يتفكّرون ولا يتدبّرون هذه الرحلة الهائلة التي تمَّت في نفس إبراهيم ﵇!
ولم يكن هذا داعيًا لهم للتفكر والتدبّر، بل جاؤوا يجادلونه ويحاجّونه، وهم على هذا الوهن الظاهر في تصوّراتهم وفي ضلال مبين!
ولكن إبراهيم الذي وجد الله في قلبه وعقله، وفي الوجود كله من حوله، يواجههم مستنكرًا في طمأنينة ويقين: ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾!
أتجادلونني في الله تعالى، وهو يأخذ بيدي، ويفتح بصيرتي، ويهديني إليه، ويعرفني به؟!
لقد أخذ بيدي وقادني فهو موجود .. وهذا هو في نفسي دليل الوجود .. لقد رأيته في ضميري وفي وعيي، كما رأيته في الكون من حولي، فما جدالكم في أمرانا أجده في نفسي، ولا أطلب عليه الدليل، فهدايته لي إليه هي الدليل!
﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾!
وكيف يخاف من وجد الله؟
وماذا يخاف ومن ذا يخاف؟
[ ٤ / ١٦٤٩ ]
وكل قوّة -غير قوّة الله- هزيلة!
وكل سلطان -غير سلطان الله- لا يُخاف!
ولكن إبراهيم ﵇ في عمق إيمانه، واستسلام وجدانه، لا يريد أن يجزم بشيء إلا مرتكنًا إلى مشيئة الله الطليقة، وإلى علم الله الشامل:
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾!
إنه يكل إلى مشيئة الله حمايته ورعايته، ويعلن أنه لا يخاف من آلهتهم شيئًا؛ لأنه يركن إلى حماية الله ورعايته، ويعلم أنه لا يصيبه إلا ما شاء الله، ووسعه علمه الذي يسع كل شيء!
﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾ [الأنعام: ٨١]!
إنه منطق المؤمن الواثق المدرك لحقائق الوجود!
إنه إن كان أحد قمينًا بالخوف فليس هو إبراهيم!
وليس المؤمن المطمئن الذي يمضي في الطريق!
وكيف يخاف ما أشرك هؤلاء، ولا ما يتبدّى -أحيانًا- في صورة جبّارين في الأرض بطاشين، وهم أمام قدرة الله مهزولون مضعوفون!
كيف يخاف إبراهيم هذه الآلهة الزائفة العاجزة، ولا يخافون هم أنهم أشركوا بالله، ما لم ينزل به سلطانًا، ولا قوّةً من الأشياء والأحياء؟
هذا، وأيّ الفريقين هنا أحق بالأمن؟
الذي يؤمن بالله تعالى ويكفر بالشركاء؟
[ ٤ / ١٦٥٠ ]
أم الذي يشرك بالله ما لا سلطان له ولا قوّة؟
وهنا يتنزّل الجواب من الملأ الأعلى، ويقضي الله بحكمه:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام)!
الذين آمنوا وأخلصوا أنفسهم لله، لا يخلطون بهذا الإيمان شركًا في عبادة ولا طاعة ولا اتجاه!
هؤلاء لهم الأمن!
وهؤلاء هم المهتدون!
لقد كشف لهم عن وَهَن ما هم عليه من تصوّرهم أن هذه الآلهة تملك أن تسيء إليه .. وواضح أنهم ما كانوا يجحدون وجود الله، ولا أنه هو صاحب القوّة والسلطان .. ولكنهم كانوا يشركون به هذه لآلهة .. فلما واجههم إبراهيم بأن من كان يخلص نفسه لله لا يخاف من دونه، فأمّا من يشرك بالله فهو أحق بالخافة .. سقطت حجّتهم، وعلت حجّة إبراهيم ﵇، وارتفع على قومه عقيدةً وحجّةً ومنزلةً!
يروي الشيخان وغيرهما عن عبد الله قال: لمَّا نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾. قال أصحاب رسول الله - ﷺ -: أينا لم يظلم؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ (لقمان)! (١)
_________________
(١) البخاري: ٢ - الإيمان (٣٢)، وانظر (٣٣٦٠، ٣٤٢٨، ٣٤٢٩، ٤٦٢٩، ٤٧٧٦، ٦٩١٨، ٦٩٣٧)، ومسلم (١٢٤)، وأحمد: ١: ٣٧٨، ٤٢٤، ٤٤٤، والطيالسي (٢٧٠)، والترمذي (٣٠٦٧)، والنسائي: الكبرى (١١١٦٥، ١١٣٩٠)، والتفسير (١٨٦ ط ٤١٠)، =
[ ٤ / ١٦٥١ ]
وهنا نبصر كيف كان حسّ هذا الرّهط الكريم!
وكيف كانت جدية وقعه في نفوسهم!
وكيف كانوا يتلقّونه وهم يشعرون أنه أوامر مباشرة للتنفيذ، وتقريرات حاسمة للطاعة، وأحكام نهائيّة للنفاذ!
وكيف كانوا يجزعون أن يؤاخذوا بأيّ درجة من درجات التقصير، والتفاوت بين عملهم وبين مستوى التكليف، حتى يأتيهم التيسير! (١)
هكذا كان يتنزّل القرآن الكريم على هؤلاء الرّهط غضًّا، وتشربه نفوسهم، وتعيش به وله، وتتعامل به وتتعايش بمدلولاته وإيحاءاته ومقتضياته، في جدّ وفي وعي وفي التزام عجيب، تأخذنا روعته، وتبهرنا جدّيّته، وندرك كيف كان هذا الرهط الفريد من الناس!
وكيف صنع الله بهذا الرهط ما صنع من الخوارق، في ربع قرن من الزمان!
إنه الإيمان الذي يضفي على أهله الأمن والأمان، واليقين والطمأنينة!
سؤال الأمن يوم الخوف:
ويطالعنا سؤال الأمن يوم الخوف، فيما رواه الحاكم وغيره بسند رجاله ثقات عن عبيد بن رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه، قال: لمَّا كان يوم أحد انكفأ المشركون، قال رسول الله - ﷺ -: "اسْتَوُوا حتى أُثْني على ربِّي ﷿".
_________________
(١) = والطبري: التفسير: ٧: ٢٥٥، ٢٥٦، وأبو يعلى (٥١٥٩)، وأبو عوانة: ١: ٧٣، ٧٤، والشاشي (٣٣٤ - ٣٣٧)، وابن منده: الإيمان (٢٦٦، ٢٦٧، ٢٦٨)، والبيهقي: ١٠: ١٨٥، وابن حبان (٢٥٣).
(٢) في ظلال القرآن: ٢: ١١٤٣ بتصرف.
[ ٤ / ١٦٥٢ ]
فصاروا خلفه صفوفًا، فقال: "اللهمَّ! لك الحمدُ كلّه، اللهمَّ! لا قابض لما بَسَطْت، ولا باسط لمَا قَبَضتَ، ولا هاديَ لمَا أَضْلَلْتَ، ولا مُضلَّ لمَن هَدَيْتَ، ولا معطِيَ لمَا مَنَعْتَ، ولا مانِعَ لمِا أَعْطَيْتَ، ولا مُقَرِّبَ لمِا باعَدْتَ، ولا مُباعِدَ لمَا قَرَّبْتَ، اللهُم! ابْسُطْ عَلَيْنَا مِن بَرَكَاتِكَ، ورحمتك وفضلِكَ ورزقك، اللهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمَ الْمُقِيْمَ الذي لا يَحُولُ ولا يَزُولُ، اللهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلكَ الأَمْنَ يَوْمَ الْخَوْف، اللهُمَّ! عَائِذٌ مِنْ شَرِّ مَا أَعْطَيْتَنَا وشَرِّ مَا مَنَعتَنَا، اللهُمَّ! حَبِّبْ إِلينا الإِيْمانَ، وَزَيِّنهُ في قُلُوبِنَا، وَكَرِّهُ إِلينا الْكُفْر والفُسوقَ والعِصْيَان، واجعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِين، اللهُمَّ! تَوَفَّنَا مُسْلِمين، وأَحينَا مُسْلِمِين، وَأَلحِقْنَا بالصَّالحِين، غير خَزَايا ولا مَفْتُونين، اللهُمَّ! قَاتِل الْكَفَرة الذين يكَذِّبُون رُسُلَكَ، وَيَصدّون عن سَبيلكَ، واجعَلْ عليهم رِجْزَكَ وعذابك، إِلَهَ الْحَقِّ، آمِيْنَ". (١)
ويطالعنا ما رواه ابن حبان وغيره بسند حسن عن ابن عمر قال: كان رسول الله - ﷺ - إِذا رأى الْهِلالَ قال: "اللهُمَّ! أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بالأَمْنِ والإِيْمَان، والسَّلاَمَةِ والإِسلام، والتوفيق لما تُحبّ وتَرْضَى، رَبّنَا وربّكَ الله" (٢)
_________________
(١) الحاكم: ٣: ٢٣ - ٢٤، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأحمد: ٣: ٤٢٤، والبخاري: الأدب المفرد (٦٩٩)، والنسائي: الكبرى (١٠٤٤٥)، وعمل اليوم والليلة (٦٠٩)، والبزار: زوائد (١٨٠٠)، وابن أبي عاصم: السنة (٣٨١) مختصرًا، والطبراني: الكبير (٤٥٤٩)، والدعاء (١٠٧٥)، وأبو نعيم: الحلية: ١٠: ١٢٧، وانظر: الحاكم: ١: ٥٠٦ - ٥٠٧، والمجمع: ٦: ١٢٢.
(٢) ابن حبان (٨٨٨)، وأحمد: ١: ١٦٢، وفيه سليمان بن سفيان، ضعّفه ابن معين، وابن المديني، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والنسائي، والدارقطني، وبلال بن يحيى بن طلحة ليّن، والترمذي (٣٤٥١)، وقال: هذا حديث حسن غريب، وعبد بن حميد (١٠٣)، والبخاري: التاريخ الكبير: ٢: ١٠٩، (١٨٦١)، والبزار (٩٤٧)، وابن أبي عاصم: السنة (٣٧٦)، =
[ ٤ / ١٦٥٣ ]
الأمن عبر التاريخ:
ومن هنا نبصر أهميّة بيان الأصل والسلام عبر التاريخ في رحاب أول بيت وضع في الأرض للعبادة إلى أن تقوم الساعة!
وصدق الله العظيم: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ (آل عمران)!
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ (سورة الفيل)!
﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ (سورة قريش)!
_________________
(١) = وأبو يعلى (٦٦١، ٦٦٢)، والعقيلي: الضعفاء: ٢: ١٣٦، والطبراني: الدعاء (٩٠٣)، وابن السني: اليوم والليلة (٦٤١)، وابن عدي: الكامل: ٣: ١١٢١، والخطيب: ١٤: ٣٢٤ - ٣٢٥، والحاكم: ٤: ٢٨٥، والبغوي (١٣٣٥)، وحسَّنه الحافظ: نتائج الأفكار، ونقله عنه ابن علان: الفتوحات الربَّانية: ٤: ٣٢٩، وقال: إنما حسَّنه الترمذي لشواهده، وقول الترمذي: غريب، أي بهذا السند! وله شاهد عن ابن عمر: الدارمي: ٢: ٤، والطبراني: الكبير (١٣٣٣٠)، وفي إسناده ضعف! وعن عبد الله بن هشام قال: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يتعلّمون هذا الدعاء وإذا أدخلت السنة أو الشهر: اللهم! أدْخله علينا .. فذكر نحوه، قال الهيثمي، المجمع: ١٠: ١٣٩، رواه الطبراني: الأوسط، وإسناده حسن. وتعقَّبه الحافظ في الحاشية بقوله: فيه رشدين بن سعد، وهو ضعيف. وانظر: الأحاديث الصحيحة (١٨١٦).
[ ٤ / ١٦٥٤ ]
وما أحوجنا كأمّة أن نعرف معالم (ديننا القيّم)، الذي يحمل الكثيرون اسمه، ويجهلون كنهه، ويأخذونه بالوراثة والتقليد أكثر مما يجب أن يكونوا عليه من الفهم والسلوك، وأن يكيّفوا حياتهم في دائرة الإذعان والخضوع، والانقياد والخشوع، لأمر الله ورسوله:
رجاء أن نرى خير أمّة أخرجت للناس، تدعو إلى هذا (الدّين القيّم)، وترفع راية الأمن والإيمان والسلامة والإِسلام عبر التاريخ!
ولا سلام لعالم ضمير الفرد فيه لا يستمتع بالسلام، ومن ثم فإن الإيمان الحق هو الأساس، ومنهج (الدّين القيّم) هو المنهج الذي يدعو إلى الأمن والسلام!
ومعلوم أن التصوّر الإِسلامي للسلام العالمي له خصائص .. انطلاقًا من وحدة الوحي والمصدر: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾ (الشورى)!
والموُحِي هو الله ﷿ العزيز الحكيم!
والموُحَى إليهم هم رسل الله على مدار الزمان!
والوحي واحد في جوهره، على اختلاف الرسل، واختلاف الزمان! (١)
إنها حقيقة بعيدة البداية، ضاربة في أطواء الزمان، وسلسلة كثيرة الحلقات، ومنهج ثابت الأصول، على تعدّد الفروع!
وهذه الحقيقة -على هذا النحو- حين تستقرّ في ضمائر المؤمنين تشعرهم بأصالة ما هم عليه وثباته، ووحدة حقيقته وطريقه، وتشدّهم إلى مصدر هذا الوحي: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٥: ٣١٣٩ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٦٥٥ ]
كما تشعرهم بالقرابة بينهم وبين المؤمنين أتباع الوحي، عبر آباد الزمان، وأبعاد المكان: فتلك أسرتهم تضرب في بطون التاريخ، وتمتدّ جذورها في شعاب الزمن، وتتصل كلها بالله في النهاية، فيلتقون فيه جميعًا!
وهو ﴿الْعَزِيزُ﴾ القويّ القادر ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يوحي لمن يشاء بما يشاء، وفق حكمة وتدبير!
فأنّى يصرفون عن هذا المنهج الإلهيّ الواحد الثابت إلى السبل المتفرّقة التي لا تؤدّي إلى الله، ولا يعرف لها مصدر، ولا تستقيم على اتجاه قاصد قويم؟
وبعد ذلك مباشرة يطالعنا قوله تعالى:
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾ (الشورى)!
وكثيرًا ما يُخدع الناس فيحسبون أنهم يملكون شيئًا، لمجرد أنهم يجدون أشياء في أيديهم، مسخرةً لهم، ينتفعون بها، ويستخدمونها فيما يشاؤون .. ولكن هذا ليس ملكًا حقيقيًّا، إنما الملك لله ﷿ مالك الملك .. الذي يحيي ويميت .. ويملك أن يعطي البشر ما يشاء .. وأن يذهب بما في أيديهم من شيء .. وأن يضع في أيديهم بدلًا مما أذهب!
الملك الحقيقي لله الذي يحكم طبائع الأشياء، ويصرفها وفق الناموس المختار، فتلبي وتطيع، وتتصرّف وفق ذلك الناموس!
وكل ما في السماوات وما في الأرض من شيء (لله) بهذا الاعتبار الذي لا يشاركه فيه أحد سواه!
[ ٤ / ١٦٥٦ ]
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)﴾!
فليس هو المالك فحسب، ولكنه ملك العلوّ والعظمة، على وجه التفرّد كذلك!
العلوّ الذي كل شيء بالقياس إليه سفول، والعظمة التي كل شيء بالقياس إليها ضآلة!
ومتى استقرّت هذه الحقيقة استقرارًا صادقًا في الضمائر، عرف الناس إلى أين يتجهون فيما يطلبون لأنفسهم من خير ومن رزق ومن كسب، فكل ما في السماوات وما في الأرض (لله) الذي بيده العطاء!
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)﴾!
الذي لا يصغر ولا يسفل من يمدّ يده إليه بالسؤال، كما لو مدّها إلى مخاليق، وهم ليسوا بأعلياء ولا عظماء!
ثم يعرض مظهرًا لخلوص الملكيّة (لله) في الكون، وللعلوّ والعظمة كذلك .. يتمثّل في حركة السماوات تكاد تنفطر من روعة العظمة التي تستشعرها (لله)، ومن زيغ بعض من في الأرض عنها!
كما يتمثّل في حركة (الملائكة) يسبحون بحمد ربهم، ويستغفرون لمن في الأرض من انحرافهم وتطاولهم:
﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾!
السماوات، هذه الخلائق الضخمة الهائلة التي نراها تعلونا، حيثما كنّا على ظهر هذه الأرض، والتي لا نعلم إلا أشياء قليلة عن جانب منها صغير!
[ ٤ / ١٦٥٧ ]
وقد عرفنا حتى اليوم أن بعض ما في السماوات نحو من مائة ألف مليون مجموعة من الشموس، في كل منها نحو مائة ألف مليون شمس كشمسنا هذه، التي مبلغ حجمها أكثر من مليون ضعف من حجم أرضنا الصغيرة!
وهذه المجموعات من الشموس التي أمكن لنا -نحن البشر- أن نرصدها بمراصدنا الصغيرة متناثرةً في فضاء السماء مبعثرةً، وبينها مسافات شاسعة تحسب بمئات الألوف والملايين من السنوات الضوئيّة، أي المحسوبة بسرعة الضوء التي تبلغ ٠٠٠/ ١٦٨ ميل في الثانية!
هذه السماوات التي عرفنا منها هذا الجانب الصغير المحدود يكدن يتفطّرن من فوقهن .. من خشية الله وعظمته وعلوه .. وإشفاقًا من انحراف بعض أهل الأرض، ونسيانهم لهذه العظمة التي يحسّها ضمير الكون، فيرتعش وينتفض، ويكاد ينشق من أعلى مكان فيه!
والملائكة دائبون في تسبيح ربّهم، لما يحسّون من علوه وعظمته، ولما يخشون من التقصير في حمده وطاعته.
بينما أهل الأرض المقصّرون الضعاف ينكرون وينحرفون، فيشفق الملائكة من غضب الله ويروحون يستغفرون لأهل الأرض، مما يقع من معصية وتقصير!
وهنا نبصر تقرير معنى عظمة الله تعالى وجلاله، المدلول عليهما بقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)﴾!
مرتبة واجب الوجود سبحانه، وهو أهل التنزيه والحمد! (١)
ومرتبة الروحانيّات، وهي الملائكة، وهي واسطة المتصرّف القدير،
_________________
(١) التحرير التنويري: ٢٥: ٣١.
[ ٤ / ١٦٥٨ ]
ومفيض الخير في تنفيذ أمره، من تكوين وهدى وإفاضة الخير على الناس .. فهي حين تتلقّى من الله أوامره تسبّحه وتحمده .. وحين تفيض خيرات ربّها على عباده تستغفر للذين يتقبّلونها تقبّل العبيد المؤمنين بربّهم!
وتلك إشارة إلى حصول ثمرات إبلاغها، وذلك بتأثيرها في نظم أحوال العالم الإنساني!
ومرتبة البشريّة المفضّلة بالعقل، إذا أكمله الإيمان:
﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾!
ونبصر استغفار الملائكة للدَّين آمنوا ونحن نقرأ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ (غافر)!
ويطالعنا إشفاق الملائكة من أيّة معصية تقع في الأرض، حتى من الذين آمنوا .. وكم يرتاعون لها فيستغفرون ربّهم، وهم يسبّحون بحمده استغفارًا لعلوّ عظمته .. واستهوالًا لأيّة معصية تقع في ملكه .. واستدرارًا لمغفرته ورحمته، وطمعًا فيهما: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾!
فيجمع إلى العزّة والحكمة العلوّ والعظمة، ثم المغفرة والرحمة .. ويعرف العباد ربهم بصفاته!
وتبدو للضمير صورة هؤلاء المناكيد التعساء، وهم يتخذون من دون الله أولياء، وأيديهم مما كسبت خاوية، وليس هنالك إلا الهباء! (١).
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٥: ٣١٤١ بتصرف.
[ ٤ / ١٦٥٩ ]
تبدو للضمير صورتهم في ضآلتهم وضآلة أوليائهم من دون الله!
ولابد أن تستقرّ هذه الحقيقة في ضمائر المؤمنين لتهدأ وتطمئن من هذا الجانب في جميع الأحوال!
ومن ثم يسير المؤمنون في طريقهم، مطمئنين إلى أنه الطريق الموصول بوحي الله، وأن ليس عليهم من ضير في انحراف المنحرفين عن الطريق، كائنًا ما يكون هذا الانحراف!
﴿أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾:
ويعود السباق القرآني إلى الحقيقة الأولى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩)﴾ (الشورى)!
و﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ مكّة المكرمة، بيت الله العتيق فيها .. والتي سبق أن ذكرنا أنها عبر التاريخ مكان الأمن والسلام!
وحين ننظر اليوم من وراء الحوادث واستقرائها، ومن وراء الظروف ومقتضياتها .. وبعدما سارت الدعوة في الطريق الذي سارت فيه!
حين ننظر اليوم هذه النظرة ندرك طرفًا من حكمة الله تعالى في اختيار ﴿أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ في ذلك الوقت من الزمان، لتكون مقرّ الرسالة الخاتمة الأخيرة، التي جاءت للبشريّة كلها .. والتي تتصح عالميّتها منذ أيامها الأولى!
[ ٤ / ١٦٦٠ ]
ومعلوم أن الأرض المعمورة -عند مولد هذه الرسالة الخاتمة الأخيرة- تكاد تتقسّمها امبراطوريات أربع:
الإمبراطوريّة الرومانيّة في أوروبّا وطرف من آسيا وإفريقيا!
والإمبراطوريّة الفارسيّة وتمدّ سلطانها على قسم كبير من آسيا وإفريقيا!
والإمبراطوريّة الهنديّة، ثم الإمبراطوريّة الصينيّة، تكادان تكونان مغلقتين ومنعزلتين بعقائدهما واتصالاتهما السياسيّة وغيرها، وهذه العزلة كانت تجعل الإمبراطوريتين الأوليين هما ذواتا الأثر الحقيقي في الحياة البشرية وتطوّراتها!
ومن ثم جاء (الدّين القيم) لينقذ البشريّة كلها مما انتهت إليه من انحلال وفساد واضطهاد، وجاهليّة جهلاء، وفوضى عمياء، في كل مكان معمور!
جاء ليهيمن على حياة البشريّة، ويقودها في الطريق إلى الله، على هدى وعلى نور!
ولم يكن هنالك بدٌّ من أن يبدأ الإِسلام رحلته من أرض حرّة، لا سلطان فيها لإمبراطوريّة من تلك الإمبراطوريّات، وأن ينشأ نشأة حرّة لا تسيطر عليه فيها قوّة خارجة عن طبيعته!
وكانت الجزيرة العربيّة، و﴿أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ بالذات أصلح مكان على وجه الأرض لتلك النشأة، ليبدأ الإِسلام رحلته العالميّة المباركة، منذ اللحظة الأولى!
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾:
ونزل القرآن عربيًّا لينذر ﴿أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾!
[ ٤ / ١٦٦١ ]
وعاش الرسول - ﷺ - حتى خلصت الجزيرة العربية للإسلام، وتمحّض هذا المهد للعقيدة التي اختير لها عن علم!
كما اختير لها اللسان الذي يصلح لحملها إلى أقطار الأرض، حيث بلغت العربيّة نضجها، وأصبحت صالحة لحمل هذه الدعوة، والسير بها في أقطار الأرض: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام: ١٢٤)!
ونبصر السياق القرآنيّ يعود إلى الحقيقة الأولى، لبيان الجهة التي يرجع إليها عند كل اختلاف، وهي هذا الوحي الذي جاء من عند الله ﷿ يتضمن حكم الله، كي لا يكون للهوى المتقلّب أثر في الحياة، بعد ذلك المنهج الإلهي القويم:
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾ (الشورى)!
ويعود بعد ذلك مباشرة إلى تلك الحقيقة .. تقرير وحدة المصدر، ووحدة المنهج، ووحدة الاتجاه:
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)
[ ٤ / ١٦٦٢ ]
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾ (الشورى)!
ونبصر أتباع الرسل قد تفرّقوا شيعًا وأحزابًا:
﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾!
إنهم لم يتفرّقوا عن جهل، ولم يتفرّقوا لأنهم لا يعرفون الأصل الواحد الذي يربطهم، ويربط رسلهم ومعتقداتهم!
إنما تفرّقوا بعد ما جاءهم العلم!
تفرّقوا بغيًا وحسدًا وظلمًا للحقيقة ولأنفسهم سواء!
تفرّقوا تحت تأثير الأهواء الجائرة والشهوات الباغية!
تفرّقوا غير مستندين إلى سبب من العقيدة الصحيحة!
ولو أخلصوا لعقيدتهم واتّبعوا منهج تلك العقيدة ما تفرّقوا!
ولقد كانوا يستحقّون أن يأخذهم الله أخذًا عاجلًا، جزاء بغيهم وظلمهم في هذا التفرّق والتفريق، ولكن كلمة سبقت من الله لحكمة أرادها، بإمهالهم إلى أجل مسمى:
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾!
[ ٤ / ١٦٦٣ ]
فحق الحق، وبطل الباطل، وانتهى الأمر في هذه الحياة الدنيا، ولكنهم مؤجّلون -كما أسلفنا- إلى يوم الوقت المعلوم!
فأمّا الأجيال التي ورثت الكتاب من بعد أولئك الذين تفرّقوا وفرقوا من أتباع كل نبيّ، فقد تلقوّا عقيدتهم وكتابهم بغير يقين جازم؛ إذ كانت الخلافات السابقة مثارًا لعدم الجزم بشيء، وللشك والغموض والحيرة بين شتّى المذاهب والاختلافات:
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾!
وما هكذا تكون العقيدة؛ لأنها هي الصخرة الصلبة التي يقف عليها المؤمن، فتميد الأرض من حوله، وهو ثابت راسخ القدمين فوق تلك الصخرة التي لا تميد .. وهي النجم الهادي الثابت، يتجه إليه المؤمن وسط الأنواء والزوابع، فلا يضل ولا يحيد!
فأمّا حين تصبح العقيدة ذاتها موضع شك ومثار ريبة، فلا ثبات لشيء ولا لأمر في نفس صاحبها، ولا قرار له على جهة، ولا اطمئنان إلى طريق!
لقد جاءت العقيدة ليعرف أصحابها طريقهم ووجهتهم إلى الله، ويقودوا - من وراءهم- من البشر في غير ما تلجلج ولا تردد ولا ضلال، فإذا هم استرابوا وشكوا فهم غير صالحين لقيادة أحد، وهم أنفسهم حائرون، وكذلك كان أتباع الرسل يوم جاء هذا (الدّين القيّم)!
يقول المفكر الإِسلامي (أبو الحسن الندوي) - ﵀: (١)
(أصبحت الديانات العظمى فريسة العابثين والمتلاعبين، ولعبة المحرّفين
_________________
(١) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: ٣٧ - ٣٨ دار القلم، ط تاسعة ١٣٩٣ هـ ١٩٧٣ م.
[ ٤ / ١٦٦٤ ]
والمنافقين، حتى فقدت روحها وشكلها، فلو بعث أصحابها الأوّلون، لم يعرفوها، وأصبحت مهود الحضارة والثقافة والحكم والسياسة مسرح الفوضى والانحلال والاختلال وسوء النظام، وعسف الحكام، وشغلت بنفسها، لا تحمل للعالم رسالة، ولا للأمم دعوة، وأفلست في معنويّاتها، ونضب معين حياتها، لا تملك مشرعًا صافيًا من الدّين السماويّ، ولا نظامًا ثابتًا من الحكم البشري)!
ويقول الكاتب الأوروبيّ (ج. هـ. دنيسون) في كتابه (العواطف كأساس للحضارة): (١)
(في القرنين الخامس والسادس كان العالم المتمدين على شفا جرف هار من الفوضى؛ لأن العقائد التي كانت تعين على إقامة الحضارة كانت قد انهارت، ولم يك ثمّ ما يعتدّ به مما يقوم مقامها، وكان يبدو إذ ذاك أن المدنيّة الكبرى التي تكلّف بناؤها جهود أربعة آلاف سنة، مشرفة على التفكّك والانحلال، وأن البشريّة توشك أن ترجع ثانيةً إلى ما كانت عليه من الهمجيّة، إذ القبائل تتحارب وتتناحر، لا قانون ولا نظام، أما النظم التي خلّفتها المسيحيّة فكانت تعمل على الفرقة والانهيار، بدلًا من الاتحاد والنظام، وكانت المدنيّة كشجرة ضخمة متفرّعة امتدّ ظلّها إلى العالم كله، واقفةً تترنح، وقد تسرّب إليها العطب، حتى اللباب .. وبين مظاهر هذا الفساد الشامل ولد الرجل الذي وحّد العالم جميعه!).
يعني محمدًا - ﷺ -!
_________________
(١) ترجمة (Emotion as the Basis of Givilisation) نقلًا عن: في ظلال القرآن: ٥: ٣١٤٩.
[ ٤ / ١٦٦٥ ]
ولأن أتباع الرسل تفرقوا: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾!
ولأن: ﴿الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾!
لهذا وذاك، ولخلوّ مركز القيادة البشريّة من قائد ثبت مستيقن يعرف طريقه إلى الله .. أرسل الله ﷿ محمدًا - ﷺ -، ووجّه إليه الأمران يدعو وأن يستقيم على دعوته، وألا يلتفت إلى الأهواء المصطرعة حوله وحول دعوته الواضحة المستقيمة، وأن يعلن تجديد الإيمان بالدعوة الواحدة التي شرعها الله للنبيين أجمعين:
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾ (الشورى)!
يقول ابن كثير: (اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات، كل منها منفصلة عن التي قبلها، حكم برأسها، قالوا: ولا نظير لها إلا آية الكرسي، فإنها -أيضًا- عشرة فصول كهذه) (١).
إنها القيادة الجديدة للبشريّة جمعاء .. القيادة المستقيمة على نهج واضح ويقين ثابت .. القيادة التي تدعو إلى الله على بصيرة .. وتستقيم على أمر الله دون انحراف .. وتنأى عن الأهواء المضطربة من هنا وهناك!
القيادة التي تعلن وحدة النهج والطريق .. وتردّ الإيمان إلى أصله الثابت الواحد .. وتردّ البشرية إلى ذلك الأصل الواحد!
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٤: ١٠٩، وانظر: بدائع التفسير: ٤: ١١٤ - ١١٥ والتحرير والتنوير: ٦٠٢٥ وما بعدها.
[ ٤ / ١٦٦٦ ]
وفي ختام تلك السورة نقرأ:
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ (الشورى)!
وهنا نبصر مرّة من بعد مرّة قاعدة التصوّر الإِسلامي للسلام العالمي .. في حقيقة هذا الوحي .. هذا الروح .. هذا النور الذي تخالط بشاشته القلوب الحي يشاء الله لها أن تهتدي!
وقد حفظ لنا ديننا كيف ارتبط تاريخ الإِسلام والنبوّة بهذه الرحاب الطاهرة .. وكيف سعى إبراهيم الخليل ﵇، وأسكن من ذريته بواد غير ذي زرع .. وكيف كان الفداء!
وفوق هذه الأرض سعى خاتم النبيين - ﷺ - يعرض نفسه على القبائل .. واستجاب الأنصار للرسول - ﷺ - .. وفتحت مكة .. وخطب الرسول - ﷺ - داعيًا إلى الإيمان، مؤكدًا إكرامه الإنسان!
ونبصر في الحج وحدة إسلامية تظهر في أصالتها كل عام (١)، وفي بقاء هذا الدّين بعيدًا عن التحريف والغموض والالتباس، وبقاء هذه الأمة بعيدة عن الانقطاع عن الأصل والمصدر والأساس، محفوظة من المؤامرات؛ المغالطات التي وقعت أمم كثيرة فريستها في الزمن الماضي، وعن هذا الطريق تبقى الأمّة
_________________
(١) انظر كتابنا ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾: ٢٦ وما بعدها، و"الإِسلام دين السلام العالمي وحاجة الإنسانية إليه": ١٠٤ وما بعدها.
[ ٤ / ١٦٦٧ ]
الخالدة محتفظةً بالحنيفيَّة السمحة، الثائرة على الباطل، القويّة بالحق، وتتوارثها جيلًا بعد جيل، فكأنها الجَنان القوي الفيّاض الذي يبث الحياة!
هذا، والجماعة المسلمة الأولى تدرك حق الإدراك مدى وعمق هذه الحقيقة في حياتها! (١).
لقد كانت قريبة عهد بما كان عليه العرب من ضلال في التصوّر والاعتقاد، وضلال في الحياة الاجتماعيّة والأخلاقيّة!
تمثله تلك الفوارق الطبقيّة، والمشاحنات القبليّة التي لم تجعل من العرب أمةً يحسب لها حساب في العالم الدولي!
وتمثله تلك الفوضى الخلقيّة التي كانوا عليها!
وتمثّله تلك المظالم التي يزاولها الأقوياء ضد الضعفاء!
وتمثله حياة العرب بصفة عامّة، ووضعهم الذي لم يرفعهم منه إلا هذا الدّين، وحين كانوا يبيتون في مبيت واحد، ويفيضون إفاضة واحدة:
﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ (البقرة)!
كانت ولا شك تتواكب على خيالهم وذاكرتهم ومشاعرهم صور حياتهم الضالة الزّريّة الهابطة التي كانت تطبع تاريخهم كله، ثم يتلفّتون على أنفسهم ليروا مكانهم الجديد الذي رفعهم إليه هذا الدّين، والذي هداهم الله إليه بهذا الدّين، فيدركون عمق هذه الحقيقة وأصالتها في وجودهم كله بلا جدال!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ١: ١٩٩ بتصرف.
[ ٤ / ١٦٦٨ ]
وهذه الحقيقة ما تزال قائمةً بالقياس إلى المسلمين من كل أمة ومن كل جيل:
من هم بغير هذا الدين؟
وما هم بغير هذه العقيدة؟
ويطالعنا قول الله تعالى:
﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ (المائدة)!
إنها الكعبة الحرام!
والأشهر الحرم!
منطقة الأمان، يقيمها الحق للبشر في زحمة الصراع بين المتحاربين والمتصارعين والمتزاحمين!
بين الرغائب والمطامع والشهوات!
فتحلّ الطمأنينة مكان الخوف!
ويحل السلام مكان الخصام!
وترفرف أجنحة من الحب والسلام!
وتدرّب النفس في واقعها العملي -لا في عالم الله والنظريات- على هذه المشاعر، وتلك المعاني، فلا تبقى مجرّد كلمات مجنحة ورؤى حالمة!
لقد جعل الله ﷿ هذه المحرمات تشمل الإنسان والطير والحيوان بالأمن
[ ٤ / ١٦٦٩ ]
في البيت الحرام، وفي فترَة الإحرام بالنسبة للمحرم، حتى وهو لم يبلغ الحرم، كما جعل الأشهر الحرم الأربعة لا يجوز فيها القتل ولا القتال!
جعلها الله كذلك؛ لأنه أراد للكعبة -بيت الله الحرام- أن تكون مثابة أمن وسلام، تقي الناس الخوف والفزع!
كذلك جعل الأشهر الحرم، لتكون منطقة أمن في الزمان، كالكعبة منطقة أمن في المكان!
ثم مدّ رواق الأمن خارج منطقة الزمان والمكان، فجعله حقًّا للهدي -وهو النّعم- الذي يطلق ليبلغ الكعبة .. فلا يمسه أحد في الطريق بسوء، كما جعله لمن يتقلّد من شجر الحرم، معلنًا احتماءه بالبيت العتيق!
لقد جعل الله ﷿ هذه الحرمات، وجعل الكعبة البيت الحرام مثابةً للناس وأمنًا!
حتى لقد امتنَّ به على المشركين أنفسهم؛ إذ كان بيت الله بينهم -كما أسلفنا- مثابةً لهم وأمنًا، والناس من حولهم يتخطفون، وهم فيه وبه آمنون، ثم هم بعد ذلك لا يشكرون الله، ولا يفردونه بالعبادة في بيت التوحيد:
﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ (القصص)!
إنها النظرة السطحيّة الخاطئة (١)، أوحت إلى هؤلاء أن اتباع هدى الله يعرضهم للمخافة، ويُغري بهم الأعداء!
_________________
(١) السابق: ٥: ٢٧٠٣ بتصرف.
[ ٤ / ١٦٧٠ ]
ومع ذلك فهم لا ينكرون أنه الهدى، ولكنهم يخافون في الوقت ذاته أن يتخطفهم الناس، وهم لا يدركون أن قوى الأرض لا تملك أن تتخطفهم وهم في حمى الله، ولا تملك أن تنصرهم إذا خذلهم الله، ذلك أن الإيمان لم يخالط قلوبهم!
ولو خالطها لتبدّلت نظرتهم للقوى، ولاختلف تقديرهم للأمور، ولعلموا أن الأمن لا يكون إلا في التزام منهج الله، وأن الخوف لا يكون إلا في البعد عن هُداه، وأن هذا الهدى موصول بالعزّة، وأن هذا ليس وهمًا، وليس قولًا يقال لطمأنة القلوب .. إنما هو حقيقة عميقة، منشؤها أن اتباع هدى الله معناه الاصطلاح مع ناموس الكون وهداه، والاستعانة بهذه القوّة وتسخيرها في الحياة، والذي يتبع هُدى الله يستمدّ مما في الكون من قوى غير محدودة، ويأوي إلى ركن شديد في واقع الحياة!
وهُدى الله منهج حياة صحيحة .. حياة واقعة في هذه الأرض .. وحين يتحقق هذا المنهج تكون له السيادة الأرضيّة إلى جانب السعادة الأخرويّة!
وميزته أنه لا انفصال فيه بين طريق الدنيا وطريق الآخرة .. ولا يقتضي إلغاء هذه الحياة الدنيا أو تعطيلها ليحقّق أهداف الحياة الآخرة، إنما هو يربطهما معًا برباط واحد:
صلاح القلب!
وصلاح المجتمع!
وصلاح الحياة!
ومن ثم نبصر الطريق إلى الآخرة، فالدنيا مزرعة الآخرة، وعمارة هذه
[ ٤ / ١٦٧١ ]
الأرض وسيادتها وفق المنهج الرباني وسيلة إلى سعادة الآخرة، بشرط اتباع هُدى الله والتوجيه إليه بالعمل، والتطلّع إلى رضاه!
وما حدث قطّ في تاريخ البشريّة أن استقامت جماعة على هدى الله إلا منحها القوّة والمنعة والسيادة في نهاية المطاف، بعد إعدادها لحمل هذه الأمانة .. أمانة الخلافة في الأرض، وتصريف الحياة!
وإن الكثيرين ليشفقون من اتباع شريعة الله، والسير على هداه .. يشفقون من عداوة أعداء الله ومكرهم .. ويشفقون من تألّب الخصوم عليهم .. ويشفقون من المضايقات في الحياة!
وإن هي إلا أوهام كأوهام قريش يوم قالت للرسول - ﷺ -:
﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾!
فلما تبعت هدى الله سيطرت على مشارق ومغاربها في ربع قرن أو أقلّ من الزمان!
وقد ردّ الله عليهم في وقتها بما يكذّب هذا العذر الموهوم!
فمن الذي وهبهم الأمن في رحاب الحرم الآمن؟
ومن الذي جعل الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس؟
ومن الذي جعل القلوب تهوي إليهم تحمل من ثمرات الأرض جميعًا؟ تتجمع في الحرم من كل أرض، وقد تفرّقت في مواطنها ومواسمها الكثيرة:
﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾!
فما بالهم يخافون أن يتخطفهم الناس لو اتبعوا هُدى الله، والله هو الذي مكّن لهم هذا الحرم منذ أيّام إبراهيم ﵇؟
[ ٤ / ١٦٧٢ ]
أفمن أمّنهم وهم عصاة، يدع الناس يتخطفونهم وهم تقاة؟
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾!
لا يعلمون أين يكون الأمن!
وأين تكون المخافة!
ولا يعلمون أن الأمر لله!
وهؤلاء الذين كانوا يدينون بحرمة البلد الحرام والبيت الحرام، ويستمدّون سيادتهم من عقيدة تحريم البيت، كيف لا يوحّدون الله الذي حرّمه وأقام حياتهم عليه!
ويطالعنا إعلان الرسول - ﷺ - أنه مأمور أن يعبد ربّ هذه البلدة الذي حرّمها، لا شريك له، وأن ربّ هذه البلدة هو ربّ كل شيء في الوجود، وأنه مأمور بأن يكون من المسلمين. والرّعيل الممتدّ في الزمن المتطاول من الموحدّين:
﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾ (النمل)!
ويطالعنا ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو ابن سعيد. وهو يبعث البعوث إِلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أحدِّثك قولًا قام به النبيّ - ﷺ - الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حين تكلّم به: حمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"إِن مكّة حرّمها الله، ولم يُحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضدَ بها شجرةً، فإِن أحد ترخَّص لقتال رسول الله - ﷺ - فيها فقولوا: إِن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن لكم،
[ ٤ / ١٦٧٣ ]
وإِنما أذن له فيها ساعةً من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلِّغ الشاهد الغائب".
فقيل لأبي شريح: ما قال عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، لا يعيذُ عاصيًا، ولا فارًّا بدم، ولا فارًّا بخربة! (١)
وفي رواية عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي - ﷺ - يوم افتتح مكّة: "لا هجرة، ولكن جهاد ونيّة، وإِذا استُنفرتم فانفروا، فإِن هذا بلدٌ حرّم الله يوم خلق السماوات والأرض، وهو حرام بحرمة الله إِلى يوم القيامة، وإِنه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحلّ لي إِلاّ ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إِلى يوم القيامة، لا يعضدُ شوكه، ولا يُنفَّر صيده، ولا يلتقطُ لُقطته إِلاّ من عرّفها، ولا يُختلى خلاها".
قال العباس: يا رسول الله! إِلاّ الإِذخر، فإنه لقَيْنهم ولبيوتهم، قال: "إِلا الإِذخر" (٢).
_________________
(١) البخاري: ٣ - العلم (١٠٤)، وانظر (١٨٣٢، ٤٢٩٥)، وخلق أفعال العباد (٥١)، ومسلم (١٣٥٤)، وأحمد: ٤: ٣١، ٣٢، ٣٨٤، ٣٨٥، وأبو داود (٤٥٠٤)، والترمذي (٨٠٩، ١٤٠٦)، والنسائي: ٥: ٢٠٥ - ٢٠٦، والكبرى (٥٨٤٦)، والفاكهي: أخبار مكة (١٤٩٣)، والبيهقي: الدلائل: ٥: ٨٢ - ٨٣، والطحاوي: شرح مشكل الآثار (٤٧٩١)، ومعاني الآثار ٢: ٢٦١، والطبراني: الكبير: ٢٢ (٤٨٤).
(٢) البخاري: ٢٨ - جزاء الصيد (١٨٣٤)، وانظر (٢٧٨٣، ٢٨٢٥، ٣٠٧٧)، ومسلم (١٣٥٣)، وعبد الرزاق (٩٧١٣)، وأحمد: ١: ٢٢٦، ٢٥٩، ٣١٥ - ٣١٦، ٣٥٥، وابن أبي عاصم: الجهاد (٢٦١)، والدارمي: ٢: ٢٣٩، والترمذي (١٥٩٠)، والنسائي: ٥: ٢٠٣، ٢٠٤، ٧: ١٤٦، وأبو داود (٢٠١٨، ٢٤٨٠)، والطحاوي: شرح المشكل (٢٦١٥، ٢٦١٦، ٣١٣٨)، والقضاعي (٨٤٦)، والطبراني: الكبير (١٠٩٤٣، ١٠٩٤٤)، وابن حبان (٤٥٩٢).
[ ٤ / ١٦٧٤ ]
ومن الطبيعي أن يحنّ المسلم، لا سيما الوافد من مكان بعيد إذا قضى حجّه، (١) وأدّى مناسكه، إلى مهجر رسول الله - ﷺ -!
إلى المسجد الذي انبثق منه النور، وانطلقت منه موجة الهداية والعلم، وقوّة (الدين القيم) في العالم كله!
إلى المدينة المنوّرة التي آوى إليها الإِسلام -كما سيأتي- وتمثّلت فصول التاريخ الإِسلاميّ الأوّل، وشهد ترابها جهاد الرسول - ﷺ - وصحبه ﵃، وابتل بدماء الشهداء، فيصلِّي في المسجد الذي تعادل صلاة فيه ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام!
يروي الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إِلا المسجد الحرام" (٢).
ويروي البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء رفعه: "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة" قال البزار: إسناده حسن. (٣)
ويشهد المسلم مواقف الشهداء والصّدّيقين، والسابقين الأوّلين، فيستمدّ
_________________
(١) انظر كتابنا: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾: ٤٥ يتصرف.
(٢) البخاري: ٢٠، فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (١١٩٠)، ومسلم (١٣٩٤)، ومالك: ١: ١٩٦، وابن أبي شيبة: ٢: ٣٧١، والدارمي: ١: ٣٣٠، وأحمد: ٢: ٢٥٦، ٣٨٦، ٣٦٦، ٤٧٣، ٤٨٥، والحميدي (٩٤٠)، وأبو يعلى (٥٨٥٧)، والطحاوي: شرح المشكل (٥٩٦، ٦٠٤)، والترمذي (٣٢٥، ٣٩١٦)، والنسائي: ٥: ٣٥، ١٤٢، والكبرى (٦٨٤)، وابن ماجه (١٤٠٤)، وابن حبان (١٦٢١، ١٦٢٥).
(٣) انظر: فتح الباري: ٣: ٦٧.
[ ٤ / ١٦٧٥ ]
الصدق والإيمان، والحبّ والحنان، والبطولة والشهادة، ويصلي ويسلّم على الرسول - ﷺ -، ويتعرّف معالم الطريق إلى الله ﷿!
ويعود المسلم بذاكرته إلى مكّة، حين يقرأ ما رواه مسلم وغيره عن جابر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا يحلّ لأحدكم أن يحمل بمكّة السلاح" (١).
وفي رواية قال: قال النبي - ﷺ -: "إِن إِبراهم حرّم مكّة، وإِنِّي حرّمت المدينة، ما بين لابَتَيها، لا يُقطع عضاهها، ولا يُصاد صيدها" (٢).
ويقرأ ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة، ومنبري على حوضي" (٣).
وتسيطر علينا روحانيّة عالية، يعجز القلم عن تصويرها .. وتهبّ نفحات حرمة الزمان والمكان. ونتعرّف معالم الطريق إلى الأمن والسلام، في عالم أحوج ما تكون الإنسانيّة فيه إلى معرفة معالم هذا (الدّين القيم)، ليبصر العالم طريق الهداية إلى السلام الذي يسكبه هذا الدّين في الحياة كلها!
_________________
(١) مسلم: ١٥ - الحج (١٣٥٦)، والبيهقي: ٥: ١٥٥، والبغوي (٢٠٠٥)، وابن حبان (٣٧١٤).
(٢) مسلم (١٣٦٢).
(٣) البخاري: ٢٩ - فضائل المدينة (١٨٨٨)، وانظر (٦٥٨٨، ٧٣٣٥)، ومسلم (١٣٩١)، ومالك: ١: ١٩٧، وأحمد: ٢: ٢٣٦، ٤٠١، ٤٣٨، وعبد الرزاق (٥٢٤٣)، وابن سعد: ١: ٢٥٣، وابن أبي شيبة: ١١: ٤٣٩، والبيهقي: ٥: ٢٤٦، وابن عبد البر: التمهيد: ٢: ٥٢٨٦، والطحاوي: شرح المشكل (٢٨٧٨)، والطبراني: الصغير (١١١٠)، وأبو نعيم: أخبار أصبهان: ٢: ٢٧٦، ٣٣٢، والترمذي (٣٩١٦)، وابن حبان (٣٧٥٠).
[ ٤ / ١٦٧٦ ]
حقًّا، إننا أمّة تملك إنقاذ البشريّة من ويلات الجاهليّة وحربها المشبوبة في شتّى الصور والألوان .. ولكننا لا نملك ذلك قبل أن ننقذ أنفسنا مما نحن فيه، وقبل أن نفيء إلى ظلال الأمن والسلام!
السلام الذي لا تجده البشريّة -ولم تجده يومًا- إلاّ في هذا (الدّين القيّم)، وفي منهجه ونظامه وشريعته ومجتمعه الذي يقوم على عقيدته وشريعته!
وإن محنة الساعة التي تواجهنا، والتي سلبتنا مقدّساتنا، يجب أن نقول فيها كلمة حق، لا رياء فيها ولا زيف، ولا مداراة ولا حيف!
وإذا أهملنا قضية (الدّين القيّم) بالمعنى الحقيقي ضاع الإنسان، وضاعت القيم، وضاع الأمن والسلام!
حقوق الإنسان:
وإن أوروبا عاشت في غفلتها وتأخرّها، وغفوتها وتخلفها، خلال القرون الوسطى في جوّ من التفكك الفكري والاجتماعي، يختلف تمامًا عما كان عليه العالم الإِسلاميّ من حضارة زاهرة، حتى فتحت أعينها على روائع الحضارة الإِسلاميّة، وبدأت تحطم القيود والأغلال .. إلى أن كانت نهضتها الحديثة!
في الوقت الذي ظهر فيه التخلّف والتفكّك في المجتمع الإِسلامي، والتخلّي عن حمل لواء الحضارة، والأمن والسلام، حتى كان ما كان من بسط النفوذ الاستعماري على مقدّراتنا، كما يشهد الواقع!
وقد شهدت أوروبا في العصر الحديث حركات متعدّدة تتوخّى معالجة التخلّف، كما تتوخى مسح جراح الجماهير!
[ ٤ / ١٦٧٧ ]
وأفقنا نحن من غفلتنا الطويلة على ضجيج الحضارة الغربيّة الحديثة ومخترعاتها!
وكما هي السنة الجارية من افتتان الضعفاء بالأقوياء، ساد الفكر- الثقافي المعاصر جَوٌّ من الإعجاب بالحركات السائدة في عالم الحضارة المعاصرة، يصحبه جَوٌّ من الشك فيما بين أيدينا من تراث عَقَدي وحضاري، وأمان وسلام، من حيث الصلاح للحياة الحديثة!
وأخذ هذا الصوت يخفت شيئًا فشيئًا، بعد أن تكشفت الأمور!
وجدير بنا أن نتعرّف الذي نام في النور!
ونتعرّف حال الذي استيقظ في الظلام!
الأول: يصدق على المسلمين، وأشعة الوحي تغمر ما حولهم، وتنير الطريق أمامهم إلى الأمن والسلام، وهم في غفلة!
والثاني: يصدق على أولئك الذين استيقظوا في الظلام، وساروا بقوَّة، وهم في حرمان من شعاع يهديهم الطريق!
ولا تزال النقائص تترى وتتتابع!
وليس هناك ما يحول دون ذلك!
وقصّة حقوق الإنسان مثل صادق لهذه المفارقات!
وقد ادعت الأمم الأخرى أن العالم الإنسانيّ مدين لها بتقرير حق المساواة، وحق الحريّة، وحق الأمن والسلام!
فذهبت أمّة إلى أنها أعرق شعوب العالم في هذا المضمار!
[ ٤ / ١٦٧٨ ]
وزعمت أخرى أن هذه الاتجاهات جميعًا وليدة ثورتها!
وأنكرت أخرى على هذه وتلك هذا القول وأدعته لنفسها!
والحق أن (الدّين القيّم) هو أوّل من قرّر هذه المبادئ، في أكمل صورة وأوسع نطاق!
يظهر ذلك واضحًا جليًّا حين نذكر ميلاد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من ديسمبر عام ١٩٤٨ م!
في الوقت الذي تطالعنا فيه حقوق الإنسان منذ بعث الله خاتم النبيين - ﷺ -!
ولا وجه للمقارنة بين حقوق الإنسان في الإعلان العالمي وحقوق الإنسان في الإِسلام!
يروي مسلم وغيره قول الرسول - ﷺ - في حجة الوداع من حدثي طويل عن جابر - ﵁ -:
"إِن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا كل شيء من أمر الجاهليّة تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهليّة موضوعة، وإِن أوّل دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعًا في بني سعد، فقتلته هذيل!
وربا الجاهليّة موضوع، وأوّل ربًا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله!
فاتّقوا الله في النساء، فإِنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشَكم أحدًا تكرهونه، فإِن
[ ٤ / ١٦٧٩ ]
فعلن فاضربوهن ضربًا غير مبَرِّح، ولهنّ عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف!
وقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إِن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عنِّي، فما أنتم قائلون؟!
قالوا: نشهد أنك بلّغت وأدّيت ونصحت، فقال بإِصبعه السبابة، يرفعها إِلى السماء وَينْكُتُها إِلى الناس:
اللهم! اشهد. اللهم! اشهد (ثلاث مرات) " (١).
وإذا كان العصر الحديث قد ألجأته ظروف التوتر المتتابعة، والقلق المتزايد، لإقامة هيئة الأمم، ومجلس الأمن والإعلان العالمي لحقوق الإنسان -كما عرفنا- فإن من معالم (الدين القيّم) إقامة هذا المؤتمر العالمي بخصائصه الحيّة، ووسائله المباركة، على أنه عبادة، وأن المنطقة التي يكون فيها منطقة محرّمة، يحرم فيها الجدال والفسوق، والتنابز والعقوق، كما يحرم التعرّض بالأذى لكل مخلوق، حتى وجدنا الطير يعيش دون ما خوف، في حرمة الزمان، وحرمة المكان!
وواضح أن هذه الضمانات لا يمكن أن تكون في المؤتمرات التي هي من صنع البشر، وهي تجعل للقويّ صوتًا نافذًا بما تعطيه من حق الاعتراض (الفيتو) كما يزعمون!
_________________
(١) مسلم: ١٥ - الحج (١٢١٨)، وفيه قصة طويلة .. والدارمي: ٢: ٤٤، ٤٥، وابن الجارود (٤٦٩)، والبيهقي: ٥: ٧ - ٩، ٤٩، والشافعي: ٢: ٥٤، والبغوي (١٩٢٨)، وأبو داود (١٩٠٥، ١٩٠٦)، والنسائي: ١: ٢٩٠، وابن ماجه (٣٠٧٤)، وابن حبان (١٤٥٧).
[ ٤ / ١٦٨٠ ]
ومعلوم أن من اعتمد على زاد مثله طال جوعه!
ومن نام في مواطن الخطر طال هجوعه!
ومن شغلته شهرته عن كرامته كثرت حسرته!
ومن صرفته أحلامه عن تحقيق آماله ازدادت ندامته!
وعجيب والله أمر من يحاول إطفاء النار بالبنزين!
دعوة إبراهيم:
ونذكر دعوة إبراهيم ﵇!
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ (إبراهيم)!
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (البقرة: ١٢٦)!
واستجاب الله ﷿ دعوة خليله إبراهيم ﵇، وهو يتوجّه إلى الله عقب بناء البيت وتطهيره، فجعل هذا البيت آمنًا، وجعله عتيقًا من سلطة المتسلّطين، وجبروت الجبّارين، وجعل من يأوي إليه آمنًا والمخافة من حوله في كل مكان .. حتى حين انحرف الناس وأشركوا بربّهم عبادة الأصنام لأمر يريده سبحانه بهذا البيت الحرام!
ويطول بنا الحديث لو حاولنا الوقوف أمام حادث أصحاب الفيل، وقد أفردناه بالحديث فيما سبق!
[ ٤ / ١٦٨١ ]
كذلك الحديث عن مركز الدعوة العاليّة، وإثبات أن (الكعبة مركز العالم)، و(الإعجاز العلمي في إثبات الوسطيّة في المكان) (١).
تلك إشارات إلى مكانة المسجد الحرام .. تبصرنا ببعض معالم وجوه الحكمة في اختياره بدء الإسراء .. والله أعلم!
* * *
_________________
(١) انظر كتابنا: (الكعبة مركز العالم) بالعربية والإنجليزية وتحت الترجمة إلى لغات أخرى، وأيضًا كتاب: (الإعجاز العلمي في إثبات الوسطيّة في المكان).
[ ٤ / ١٦٨٢ ]
مكانة المسجد الأقصى ودور اليهود عبر التاريخ
[ ٤ / ١٦٨٣ ]
مكانة المسجد الأقصى
ودور اليهود عبر التاريخ
• تاريخ المسجد الأقصى
• في رحاب سورة الإسراء.
• العصر الذهبي.
• عهد الانقسام وزوال الملك.
• مع الآيات القرآنيّة.
• أشهر أقوال المفسّرين.
• نبوءة المسيح ﵇.
• رأي جديد.
• سورة بني إسرائيل.
• ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾.
• ردّ الكرّة.
• فرصة للاختيار.
• بشرى للمؤمنين.
• تعليق على المقال.
• فتح المسلمين للقدس.
• القدس الشريف.
• خطبة الفاروق ﵁.
• العهدة العمريّة.
• أساطير التعصّب والحروب.
• قذائف الحق.
• نبوءة النصر.
[ ٤ / ١٦٨٤ ]
مكانة المسجد الأقصى ودور اليهود عبر التاريخ
تاريخ المسجد الأقصى:
وبعد أن ألقينا الضوء على مكانة المسجد الحرام، وأنه أوّل بيت وضع في الأرض للعبادة .. يطالعنا ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي ذرّ - ﵁ - قال:
قلت: يا رسول الله! أيّ مسجد وضع في الأرض أول؟
قال: "المسجد الحرام".
قال: قلت: ثم أيّ؟ قال: "المسجد الأقصى".
قال: قلت: كم كان بينهما؟
قال: "أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة فصله، فإن الفضل فيه".
وفي رواية:
حيثما أدركتك الصلاة فصلِّ، والأرض كلها مسجد" (١).
قال ابن الجوزي (٢): فيه إشكال؛ لأن إبراهيم بني الكعبة، وسليمان بني بيت المقدس، وبينهما أكثر من ألف سنة. اهـ
_________________
(١) البخاري: ٦٠ - كتاب الأنبياء (٣٣٦٦)، وانظر (٣٤٢٥)، ومسلم (١٢٠)، وعبد الرزاق (١٥٧٨)، والحميدي (١٣٤)، وابن خزيمة (٧٨٧)، وأحمد: ٥: ١٥٠، ١٥٦، ١٥٧، ١٦٠، ١٦٦، ١٦٧، والنسائي: ٢: ٣٢، والكبرى (١١٢٨١)، وابن خزيمة (١٢٩٠)، وأبو عوانة (١١٥٨، ١١٥٩، ١١٦٠)، وابن ماجه (٧٥٣)، والبغوي: التفسير: ١: ٣٢٨، وأبو نعيم: الحلية: ٤: ٢١٧، وابن حبان (٦٢٢٨).
(٢) فتح الباري: ٦: ٤٠٨ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٦٨٥ ]
قال ابن حجر: ومستندة في أن سليمان -﵇- هو الذي بني المسجد الأقصى ما رواه النسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا بإسناد صحيح:
"أن سليمان لمَّا بنى المسجد سأل الله تعالى خلالًا ثلاثًا " الحديث.
وفي الطبراني من حديث رافع بن عميرة:
"أن داود ﵇ ابتدأ ببناء المقدس، ثم أوحى الله إليه: إنّي لأقضي بناء على يد سليمان". وفي الحديث قصة.
قال: وجوابه أن الإشارة إلى أوّل البناء، ووضع أساس المسجد!
وليس إبراهيم أوّل من بني الكعبة، ولا سليمان أول من بني بيت المقدس، فقد روينا أن أول من بني الكعبة آدم، ثم انتشر ولده في الأرض، فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس، ثم بني إبراهيم الكعبة بنص القرآن، وكذا قال القرطبي: إن الحديث لا يدل على أن إبراهيم وسليمان لما بنيا المسجدين ابتدآ وضعهما لهما، بل ذلك تجديد لما كان أسسه غيرهما.
قال ابن حجر: وقد مشى ابن حبان في صحيحه على ظاهر هذا الحديث فقال: في هذا الخبر ردّ على من زعم أن بين إسماعيل وداود ألف سنة، ولو كان كما قال لكان بينهما أربعون سنة، وهذا عين الحال لطول الزمان -بالاتفاق- بين بناء إبراهيم -﵇- البيت وبين موسى -﵇.
ثم إن في نص القرآن أن قصة داود في قتل جالوت كانت بعد موسى بمدة.
وقد تعقَّب الحافظ الضياء بنحو ما أجاب به ابن الجوزي.
وقال الخطابي: يشبه أن يكون المسجد الأقصى أول ما وضع بناءه بعض
[ ٤ / ١٦٨٦ ]
أولياء الله قبل داود وسليمان، فزادا فيه ووسعاه، فأضيف إليهما بناؤه.
قال: وقد ينسب هذا المسجد إلى إيلياء، فيحتمل أن يكون هو بانيه أو غيره، ولست أحقق لِم أضيف إليه؟
وقيل: الملائكة، وقيل: سام بن نوح ﵇، وقيل: يعقوب ﵇.
فعلى الأوّلين يكون ما وقع ممن بعدهما تجديدًا كما في الكعبة، وعلى الأخير يكون الواقع من إبراهيم أو يعقوب أصلًا وتأسيسًا. ومن داود تجديدًا لذلك، وابتداء بناء فلم يكمل على يده، حتى أكمله سليمان ﵇.
لكن الاحتمال الذي ذكره ابن الجوزي أوجه.
قال ابن حجر: وقد وجدت ما يشهد له، ويؤيد قول من قال: إن آدم هو الذي أسَّس كلًا من المسجدين.
فذكر ابن هشام في (كتاب التيجان) أن آدم لمَّا بنى الكعبة أمره الله بالسير إلى بيت المقدس، وأن يبنيه، فبناه ونسك فيه، وبناء آدم للبيت مشهور، وأشار إلى حديث عبد الله بن عمرو: أن البيت المعمور رفع في زمن الطوفان حتى بوأه الله لإبراهيم!
وقال: روى ابن أبي حاتم من طريق معمر عن قتادة قال: وضع الله البيت مع آدم لمَّا هبط، ففقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، فقال الله له: يا آدم، إنّي قد أهبطت بيتًا يطاف به، كما يطاف حول عرشي، فانطلق إليه، فخرج آدم إلى مكّة، وكان قد هبط بالهند ومدّ له في خطوه، فأتى البيت فطاف به!
وقيل: إِنه لما صلّى إِلى الكعبة أُمر بالتوجه إِلى بيت المقدس، فاتّخذ فيه مسجدًا وصلّى فيه، ليكون قبلة لبعض ذرّيّته!
[ ٤ / ١٦٨٧ ]
وأمّا ظن الخطابي أن إيليا اسم رجل ففيه نظر، بل هو اسم البلد، فأضيف إليه المسجد، كما يقال مسجد المدينة، ومسجد مكّة!
وقال أبو عبيد البكري في (معجم البلدان): إيليا مدينة بيت المقدس، فيه ثلاث لغات: مدّ آخره، وقصره، وحذف الياء الأولى!
وعلى ما قاله الخطابي يمكن الجمع بأن يقال: إنها سمّيت باسم بانيها كغيرها، والله أعلم!
تلك هي الأقوال في بيان معنى الحديث كما أوردها الحافظ ابن حجر، رأيت ضرورة ذكرها لأهميّة ذلك!
وقال الحافظ: قيل له الأقصى، لبعد المسافة بينه وبين الكعبة!
وقيل: لأنه لم يكن وراءه موضع عبادة!
وقيل: لبعده عن الأقذار والخبائث، والمقدّس: المطهّر عن ذلك!
في رحاب سورة الإسراء:
وسبق أن عرفنا فضل الصلاة في المسجد الأقصى .. وأنه قلب الأرض المقدّسة .. ومن ثمَّ نبصر الحديث عن سيرة موسى وبني إسرائيل، ونحن نقرأ:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا
[ ٤ / ١٦٨٨ ]
أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾ (الإسراء)!
وهذا الحديث في سورة الإسراء يتضمَّن نهاية بني إسرائيل التي صاروا إليها (١)؛ ودالت دولتهم بها، وتكشف عن مصارع الأمم وفشوّ الفساد فيها، وفاقًا لسنة الله ﷿ المذكورة في قوله تعالى في نفس السورة:
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾ (الإسراء)!
وتطالعنا الآيات بذكر كتاب موسى -التوارة- وما اشتمل عليه من إنذار لبني إسرائيل، وتذكير لهم بما سبق من ذكر نوح والأوّلين الذين حملوا معه في السفينة، ولم يُحمل معه إلا المؤمنون:
﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ (الإسراء)!
ذلك الإنذار، وهذا التصديق مصدّق لوعد الله الذي يتضمّنه سياق السورة كذلك بعد قليل:
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٤: ٢٢١٢ وما بعدها بتصرف، والرسول - ﷺ - واليهود وجهًا لوجه: ٤٢٣ وما بعدها.
[ ٤ / ١٦٨٩ ]
﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ (الإسراء)!
وقد نصّ على القصد الأول من إيتاء موسى الكتاب:
﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾!
ولقد خاطبهم باسم آبائهم الذين حملهم مع نوح، وهم خلاصة البشريَّة على عهد نوح ﵇ .. ليذكرهم بهذا النسب، واستخلاص آبائهم الأوّلين .. مع نوح العبد الشكور، وليردّهم إلى هذا النسب المؤمن العريق!
ووصف نوحًا بالعبوديّة لهذا المعنى ولمعنى آخر، هو تنسيق صفة الرسل المختارة وإبرازها .. وقد وصف بها محمدًا - ﷺ - من قبل، على طريقة التناسق القرآنية في جو السورة وسياقها!
ومعلوم أن الذين تترهّل نفوسهم وتأسن، وترتع في الفسق والمجانة، وتستهتر بالقيم، والمقدسات والكرامات، وتلغ في الأعراض والحرمات .. إذا لم يجدوا من يضرب على أيديهم عاثوا في الأرض فسادًا، ونشروا الفاحشة وأشاعوها، وأرخصوا القيم العليا التي لا تعيش الشعوب الراقية إلا بها ولها!
ومن ثمَّ تتحلّل الأمّة وتسترخي، وتفقد حيويتها، وعناصر قوّتها، وأسباب بقائها، فتهلك وتطوى صفحتها!
وإذا ما قدّر الله لقرية أنها هالكة؛ لأنها أخذت بأسباب الهلاك، فكثر فيها المترفون، فلم تضرب على أيديهم، سلّط الله هؤلاء المترفين ففسقوا فيها، فعم فيها الفسق، فتحلّلت وترهّلت، فحقّت عليها سنّة الله، وأصابها الهلاك والدمار، ونزل الضياع والبوار!
[ ٤ / ١٦٩٠ ]
وهي المسؤولة عما يحل بها؛ لأنها لم تضرب على أيدي هؤلاء المفسدين، ولم تصلح من نظامها الذي يسمح بوجود هؤلاء المتحلّلين، فوجودهم ذاته هو السبب الذي من أجله سلّطهم الله عليهم ففسقوا، ولو أخذت عليهم الطريق فلم تسمح لهم بالظهور فيها ما استحقّت الهلاك، وما سلّط الله عليها من يفسق فيها ويفسد فيقودها إلى الهلاك!
إن الله قد جعل للحياة البشرية نواميس لا تتخلّف، وسننًا لا تتبدّل، وحين توجد الأسباب تتبعها النتائج، فتنفذ إرادة الله، وتحق كلمته!
والله لا يأمر بالفسق، ولا يأمر بالفحشاء، لكن وجود هؤلاء في ذاته دليل على أن الأمّة قد تخلخل بناؤها، وسارت في طريق الانحلال، وأن قدر الله سيصيبها جزاءً وفاقًا .. وهي التي تعرّضت لما أصابها بسماحها لهؤلاء بالوجود والحياة!
فالإرادة هنا ليست إرادة للتوجيه القهري الذي ينشئ السبب؛ ولكنها ترتّب النتيجة على السبب .. الأمر الذي لا مفرّ منه؛ لأن السنّة جرت به .. والأمر ليس أمرًا توجيهيًا إلى الفسق، ولكنه إنشاء النتيجة الطبيعيّة المترتّبة على وجود هؤلاء المترفين، وهي الفسق!
وهنا تبرز تبعة الجماعة في ترك النظم الفاسدة تنشئ آثارها التي لا مفرّ منها، وعدم الضرب على أيدي المفسدين فيها، كي لا يفسقوا فيها فيحقّ عليها القول فيدمّرها تدميرًا!
هذه السنة قد مضت في الأوّلين من بعد نوح، قرنًا بعد قرن، كلما فشا التحلّل في أمّة انتهى بها إلى ذلك المصير، والله هو الخبير بذنوب عباده، البصير:
[ ٤ / ١٦٩١ ]
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾!
ونبصر الحديث في الآيات التي معنا يبدأ بذكر كتاب موسى وما اشتمل عليه من إنذار لبني إسرائيل، وتذكير لهم بهذا النبي -نوح- العبد الشكور، والأوّلين الذين حملوا معه في السفينة:
﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾!
ذلك الإنذار وهذا التذكير مصداق لوعد الله الذي يتضمّنه سياق السورة كذلك، وذلك ألاّ يعذّب الله قومًا، حتى يبعث إليهم رسولًا ينذرهم ويذكّرهم .. وقد نصّ على هذا -كما سبق- ومن ثم فلا اعتماد إلا على الله وحده، فهذا هو الهُدى وهذا هو الإيمان .. ولقد خاطبهم باسم الآباء الذين حملهم مع نوح، وهم خلاصة البشريَّة على عهده .. ليذكّرهم باستخلاص الله للأوّلين، مع نوح العبد الشكور، وليردّهم إلى هذا النسب المؤمن العريق!
في ذلك الكتاب الذي آتاه الله لموسى -﵇- ليكون هدى لبني إسرائيل، أخبرهم بما قضاه عليهم من تدميرهم بسبب إفسادهم في الأرض .. وتكرار هذا التدمير مرّتين، لتكرّر أسبابه من أفعالهم .. وأنذرهم بمثله كلما عادوا إلى الإفساد في الأرض، كما قضى الله سنته الجارية التي لا تتخلّف:
﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾!
[ ٤ / ١٦٩٢ ]
العصر الذهبي:
وتطالعنا قصّة الملأ من بني إسرائيل، ونحن نقرأ قوله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨) فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾ (البقرة)!
[ ٤ / ١٦٩٣ ]
والحديث هنا يطول .. وحسبنا أن نشير بإجمال إلى أن دولة اليهود لم يكن لها وجود من قبل، كما سبق أن بيّنا في حديثنا عن (أسطورة الوطن اليهودي) بما يجعلنا في غنى عن ذلك!
وهنا نشير بإجمال إلى أن دولة اليهود قد تأسست برئاسة (طالوت) .. وتولّى الملك بعده (داود ﵇)، وقد دام ملكه -كما تقول المصادر التاريخية- زهاء أربعين سنة، وكانت عاصمة ملكه في أول العهد (حبرون) التي تسمَّى (الخليل) الآن، أمّا المدّة الباقية، فكانت (أورشليم) وقد ازدهرت المملكة في عهده ازدهارًا عظيمًا، واتسعت رقعتها، وشيّدت فيها المباني الفاخرة، والحصون المنيعة ورأت عهدًا زاخرًا بالأمان والاطمئنان والرخاء والقوة! (١)
وبعد (داود ﵇)، تولى ملك بني إسرائيل ابنه (سليمان ﵇) فازدهرت حالتهم في عهده رقيًّا ومنعة!
ويصف أحد الكتاب حال بني إسرائيل في عهد (سليمان ﵇) فيقول:
وفي عهد "سليمان" اعتزّ شأن الإسرائيليين، وامتدّ ملكهم من البحر الأحمر إلى نهر الفرات الكبير، وهابتهم الأمم المجاورة لهم .. وأرسل سفنه في الآفاق تجوب البحار، وتأتيه بالذهب والفضّة والأحجار الكريمة، وكانت مدّة حكمه أربعين سنة، ذاق فيها الإسرائيليون الهناء والرخاء! (٢)
والخلاصة أن عهد حكم (داود وسليمان ﵉) لبني إسرائيل يعد
_________________
(١) بنو إسرائيل في القرآن والسنة: ٢: ٣٤٩ وما بعدها بتصرف.
(٢) السابق نقلًا عن: تاريخ الإسرائيليين: ٢٣ شاهين مكاريوس.
[ ٤ / ١٦٩٤ ]
العصر الذهبي لهم، والفترة الزاهية من تاريخهم، إذ اتسع فيها ملكهم، وعظم نفوذهم، وترادفت النعم والخيرات عليهم، ومع كل هذا لم يسلم (داود وسليمان) من افتراءات اليهود مما يطول فيه الحديث، فتلك هي طبيعة يهود!
عهد الانقسام وزوال الملك:
وبعد وفاة (سليمان ﵇) تولى (رحبعام) فانتشرت في عهده الفتن -كما يقول المؤرخون- وكثرت المنازعات، واضطربت الأحوال فأدّى ذلك إلى انقسامها إلى قسمين:
مملكة يهوذا!
ومملكة إسرائيل!
أما مملكة يهوذا فكانت عاصمتها "أورشليم"، وملكها (رحبعام) وكانت تتكوّن من سبطي يهوذا وبنيامين، وقد تعاقب عليها واحد وعشرون ملكًا!
وكانت نهايتها على يد (بخت نصر) الذي غزاها سنة ٥٨٨ ق. م فدمّرها تدميرًا، وساق الأحياء من أهلها إلى "بابل"، ومكثوا في الأسر خمسين سنة، وما فعله (بخت نصر) (يسمّى خراب أورشليم الأول).
وأمّا مملكة "إسرائيل" فكانت عاصمتها (السامرة) -نابلس الآن- وقد تأسّست كأختها مملكة "يهوذا" سنة ٩٧٥ ذ. م، وملكها (يربعام) أخو (رحبعام)، وكانت تتكوّن من بقية الأسباط العشرة، وقد تعاقب عليها تسعة عشر ملكًا، وكانت نهايتها على يد (سرجون) ملك آشور، الذي غزاها وانتصر عليها، وأجلى سكانها من اليهود إلى ما وراء الفرات، وكان ذلك سنة ٧٢١ ق. م.
[ ٤ / ١٦٩٥ ]
وفي سنة ٥٣٨ ق. م نشبت حرب بين (فورش) ملك الفرس، و(بخت نصر) ملك بابل، انتهت بانتصار ملك الفرس، فأصدر أمرًا سنة ٥٣٦ ق. م يأذن فيه لليهود بالعودة إلى أورشليم، ولكن أكثر اليهود كانوا قد ألفوا الحياة البابليّة، وامتدّت بها أعراقهم، ومن ثم فقد تردّدوا في العودة إليها، ولم يقبل العودة إلا عدد قليل منهم، أكثرهم من سبطي يهوذا وبنيامين، وقد أعاد هؤلاء العائدون بناء الهيكل بتصريح من (قورش) سنة ٤١٥ ق. م تقريبًا!
ومن ذلك التاريخ أصبحت كلمة (اليهود) تعني من اعتنق اليهوديّة، ولو لم يكن من بني إسرائيل، وهذا هو الفرق بين اليهودي والإسرائيلي!
وظلّ اليهود بعد ذلك يتولّى أمرهم كهنة منهم تحت رقابة حكام من الفرس، وكانت المناوشات بينهم لا تنقطع، إلى أن زال حكم الفرس عنهم سنة ٣٢٢ ق. م!
وفي سنة ٣٢٣ ق. م التي مات فيها الإسكندر المقدوني، قسمت مملكته بين قوّاده، فكانت أورشليم من نصيب بطليموس ملك مصر، فحكمها بالعنف والشدة، رغم مقاومة اليهود له، وقد اضطرّ أمام ثوراتهم المتكرّرة إلى هدم جزء كبير منها، وقتل الكثيرين من سكانها، وإرسال مائة ألف إلى مصر سنة ٣٢٠ ق. م!
وقد تعاقب البطالسة على حكم أورشليم فترة طويلة، بعضهم عامل اليهود فيها بالقسوة والشدة، وبعضهم عاملهم باللين والعطف، حتى استولى السلوقيّون عليها من البطالسة ١٩٨ ق. م!
وقد أوقع السلوقيّون باليهود أشدّ الضربات وأقساها، فعندما احتل
[ ٤ / ١٦٩٦ ]
(أنطوخيوس) السلوقي أوشليم هدم أسوارها، ونهب ما فيها من أموال، وقتل من اليهود ثمانين ألفًا وأذلّ كهنتهم إذلالًا شديدًا!!
وفي سنة ١٦٨ ق. م قام اليهود بقيادة الكاهن (ماتياس) بثورة ضد السلوقيّين لم تنجح، ومات بعدها بعام واحد، فتولى ابنه الكاهن (مكابياس) قيادة الثائرين اليهود من جديد، وإلى هذا الكاهن تنسب أسرة المكابيين، وهم فريق من كهان اليهود اتصفوا بالحنكة وسعة الحيلة، وكانوا أقرب إلى القادة العسكريين منهم إلى رجال الدين، وقد استطاعوا أن يستقلّوا بحكم أورشليم لفترة من الزمان!
وفي سنة ٦٣ ق. م بلغ الخلاف أشدّه بين المكابيّين، وضعف مركزهم، فانتهزت الدولة الرومانيّة هذه الفرصة، وانقضت على أورشليم فاحتلتها بقيادة (بمبيوس) الروماني!
ومنذ ذلك التاريخ خضعت أورشليم لحكم الرومان، إلى أن استولى عليها الفرس سنة ٦١٤ م ثم عادت إلى الرّومان!
ولنا حديث خاص عن فتح المسلمين لها سنة ١٥ هـ ٦٣٦ م في عهد عمر بن الخطاب - ﵁ -، وبقيت بعد ذلك إسلاميّة، حتى اقتطع اليهود جزءًا كبيرًا منها أقاموا عليه دولتهم سنة ١٣٦٧ هـ ١٩٤٨ م ومن ثمَّ نتحدّث عن معالم النصر على اليهود في العصر الحاضر!
ولعلنا بهذا نكون قد ألقينا الضوء على تاريخ اليهود الإجمالي في فلسطين .. وقد تبيّن بجلاء ووضوح أهم ما تعرّض له اليهود!
[ ٤ / ١٦٩٧ ]
مع الآيات القرآنية:
ونعود إلى قوله جلَّ شأنه: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾!
نعود فنبصر هذا القضاء إخبارًا من الله تعالى لهم بما سيكون منهم حسب ما سبق في علمه تعالى من مآلهم .. فالله ﷿ قد قضى لبني إسرائيل في الكتاب الذي آتاه موسى أنهم سيفسدون في الأرض مرّتين، وأنهم سيعلون بغير حق على الناس ويستكبرون .. وكلما ارتفعوا بغير حق واتخذوا ذلك وسيلة للإفساد سلّط الله عليهم من عباده من يقهرهم ويستبيح حرماتهم ويدمّرهم تدميرًا.
وكان من مظاهر إفسادهم في الأرض تحريفهم للتوراة، وتركهم العمل بما جاء فيها، وقتلهم الأنبياء، وافتراؤهم واعتداؤهم على الذين يأمرون بالقسط من الناس، وشيوع الفواحش والرذائل فيهم!
فإن قال قائل (١): وما فائدة أن يخبر الله تعالى بني إسرائيل في التوراة أنهم يفسدون في الأرض مرّتين، وأنه يعاقبهم على ما كان منهم بتسليط الأعداء عليهم للتدمير؟!
فالجواب: أن إخبارهم بذلك يفيد أن الحق ﵎ لا يظلم الناس شيئًا، وإنما يعاقبهم على ما يكون منهم من إفساد ويعفو عن كثير، وأن رحمته مفتوحة للمفسدين متى أصلحوا وأنابوا إليه!
وهناك فائدة أخرى لهذا الإخبار، نبصرها في تنبيه العقلاء، في جميع الأمم
_________________
(١) بنو إسرائيل في القرآن والسنة: ٢: ٣: ٣٥ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٦٩٨ ]
أن يحذروا من مواقعة المعاصي التي تؤدي بالأمة إلى الهلاك، وأن يحذّروا أممهم من ذلك، ويبصّروهم بعواقب العصيان والإفساد في الأرض، حتى لا يعرّضوا أنفسهم لعقوبة الله تعالى!
والفائدة الثالثة من هذا الإخبار، بيان أن الأمم المغلوبة تستطيع أن تستعيد قوّتها، وأن تستردّ مجدها السالف، إذا صحت عزائمها على طاعة الله تعالى، والعمل بما جاءهم به الأنبياء عليهم صلوات الله وتسليماته!
ومن فوائد إيراد هذا الخبر في القرآن الكريم، تنبيه اليهود المعاصرين للرسول - ﷺ -، ومن على شاكلتهم .. إلى سنّة من سنن الله تعالى في خلقه، وهي أن الإفساد في الأرض، والانصراف عن طاعة الله سبحانه، وتعدّي حدوده، والمخالفة لأوامره، والعصيان لرسله .. كل ذلك يؤدّي إلى الخسران في الدّنيا والآخرة، فعلى اليهود ومن على شاكلتهم أن يؤمنوا بخاتم النبيّين - ﷺ -، الذي ثبتت نبوّته ثبوتًا لا شك فيه، حتى يسعدوا في دنياهم وأخراهم!
ثم بيّن الحق ﵎ أنه يسلّط عليهم بعد الإفساد الأول من يقهرهم، ويدمّرهم تدميرًا، عقوبةً لهم على ما كان منهم فقال تعالى:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾!
والمعنى: فإذا جاء وعد عقابكم، يا بني إسرائيل، على أولى المرّتين اللّتين تفسدون فيهما في الأرض، وجّهنا إليكم، وسلّطنا عليكم: ﴿عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾! ذوي قوة وبطش في الحرب الشديد: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾! تردّدوا بين المساكن لقتالكم، وسلب أموالكم، وتخريب دياركم: ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾!
[ ٤ / ١٦٩٩ ]
أي كان ذلك العقاب بسبب إفسادكم في الأرض وعدًا نافذًا لا مردّ له، ولا مفرّ لكم منه!
وهكذا يفسد اليهود في الأرض، فيبعث الله عليهم عبادًا من عباده أولي بأس شديد، وبطش وقوة، يستبيحون الديار، ويروحون فيها ويغدون باستهتار، ويطؤون ما فيها ومن فيها بلا تهيّب، وكان ذلك وعدًا لا يتخلّف!
ثم بيَّن سبحانه أنه إذا ذاق بنو إسرائيل ويلات العذاب والقهر والذل (١)، فرجعوا إلى ربّهم، وأصلحوا أحوالهم، وأفادوا من البلاء المسلّط عليهم .. وحتى إذا استعلى الفاتحون، وغرّتهم قوّتهم، فطغوا هم الآخرون، وأفسدوا في الأرض، أدال الله للمغلوبين من الغالبين، ومكّن للمستضعفين من المستكبرين!
﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾!
فمن الواجب أن تقدروا هذه النعمة، وتحسنوا الاستفادة منها، فقد جرت سنّة الله تعالى أن يمنّ على الذين استضعفوا في الأرض، ويجعلهم أئمة، ويجعلهم الوارثين، متى استقاموا على طريق الحق، وخافوا مقامه، ونهوا أنفسهم عن الهوى!
فعليكم يا بني إسرائيل، أن تذكروا نعمة الله عليكم، وأن تشكروه عليها أجزل الشكر، وأن تؤمنوا بنبيّه محمَّد - ﷺ -، الذي تعرفون صدقه كما تعرفون أبناءكم!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٤: ٢٢١٤ بتصرف.
[ ٤ / ١٧٠٠ ]
ثم تتكرَّر القصة من جديد!
وقبل أن يتمَّ السياق القرآني بقيّة النبوة الصادقة والوعد المفعول، يقرر قاعدة العمل، والجزاء: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾!
القاعدة التي لا تتغيّر في الدنيا والآخرة، والتي تجعل عمل الإنسان كله له، بكل ثماره ونتائجه .. وتجعل الجزاء ثمرة طبيعيّة للعمل، منه تنتج، وبه تتكيّف، وتجعل الإنسان مسؤولًا عن نفسه، إن شاء أحسن إليها، وإن شاء أساء، لا يلومنَّ إلا نفسه حين يحقَّ عليه الجزاء!
فإذا تقرّرت القاعدة مضى السياق يكمل النبوءة الصادقة:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾!
ويحذف السياق ما يقع من بني إسرائيل بعد الكرّة من إفساد في الأرض، اكتفاء بذكره من قبل: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾!
ويثبت ما يسلطه عليهم في المرّة الآخرة:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾!
بما يرتكبونه معكم من نكال يملأ النفوس بالإساءة، حتى تفيض على الوجوه، أو بما يجبهون به وجوهكم من مساءة وإذلال .. ويستبيحون المقدّسات، ويستهينون بها:
﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾!
يقال: تبَره وتبَّره، وتبّر الله عمل الكافرين: أي أهلكه (١).
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة، ولسان العرب، والمفردات، والمعجم الوسيط (تبر).
[ ٤ / ١٧٠١ ]
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ (الأعراف)!
وقال جل شأنه: ﴿وَلا تَزِد الظَّالمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾ (نوح)!
وفي دوله: ﴿وَلِيتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتبِيرًا (٧)﴾!
يقول ابن جرير: وليدمّروا ما غلبوا عليه من بلادكم تدميرًا، يقال منه: دمرت البلد: إذا خرّبته وأهلكت أهله! (١)
وهي صورة للدمار الشامل الكامل الذي يطغى على كل شيء، والذي لا يُبقي على شيء، والذي نرى مشاهده في (غزَّة) الآن!
وكان من ضروب إفسادهم في الأرض في هذه المرّة الثانية قتلهم زكريّا ويحيى ﵉كما تنطق آثارهم- ومحاولتهم قتل عيسى ﵇، وعدم تناهيهم عن منكر فعلوه، واستحلالهم لمحارم الله .. إلى غير ذلك من الرذائل التي فشت فيهم، واشتهروا بها في كل زمان ومكان، وفي كل جيل وقبيل!
ثم بيّن الحق ﵎ أن هذا الدّمار الذي حلّ بهم بسبب إفسادهم في الأرض مرتين، قد يكون طريقًا لرحمتهم، وسببًا في توبتهم وإنابتهم، إن هم فتحوا قلوبهم للحق، واعتبروا بالحوادث الماضية، وفهموا عن الحق سنّته التي لا تتخلّف، وهي أن الإحسان يؤدّي إلى السعادة، والإفساد يؤدي إلى الهلاك!
﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرحَمَكُمْ﴾! إن أفدتم منه عبرة!
_________________
(١) تفسير الطبري: ١٥: ٤٣.
[ ٤ / ١٧٠٢ ]
فأمَّا إذا عاد بنو إسرائيل إلى الإفساد فالجزاء حاضر، والسنة ماضية: ﴿وَإِنْ عُدتُم عُدنَا﴾!
ولقد عادوا إلى الإفساد، حيث كذَّبوا الرسول - ﷺكما هو معلوم، وكتموا ما جاء بشأنه في كتبهم، وهمّوا بقتله - ﷺ - أكتر من مرّة، وقدّموا له السمَّ .. فكانت المواجهة .. وكانت المعارك التي فصَّلنا القول فيها -كما سبق- حتى كان إجلاؤهم من الجزيرة كلها!
ثم عادوا إلى الإفساد، فسلّط الله عليهم آخرين، حتى كان العصر الحديث -كما سيأتي- حيث اغتصبوا الأرض، وقتلوا النساء والأطفال، وعاثوا في الأرض فسادًا .. وليسلّطنَّ الله عليهم من يسومهم سوء العذاب، تصديقًا لوعد الله القاطع، ووفاقًا لسنّته التي لا تتخلّف!
وقد بدت المقدّمات للأيادي المتوضئة التي تستحق نصر الله .. وإنَّ غدًا لناظره قريب!
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ﴾ (الأعراف)!
ثم بيَّن سبحانه عقوبتهم ومن على شاكلتهم في الآخرة:
﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾!
مهادًا وبساطًا لهم، وسجنًا حاصرًا، لا رجاء لهم في الخلاص، بسبب كفرهم وبغيهم، ففي الدنيا لهم ما تقدّم وصفه من الإهلاك والتدمير، وفي
[ ٤ / ١٧٠٣ ]
الآخرة لهم عذاب السعير، المحيط بهم من جميع الجهات، جزاء فسادهم وإفسادهم .. تحصرهم فلا يفلت منهم أحد، وتتّسع لهم فلا يندّ عنها أحد!
أشهر أقول المفسِّرين:
هذا، مع أنه لم يصح عن الرسول - ﷺ - حديث في بيان المراد بالعباد الذين سلّطهم الحق ﵎ علي بني إسرائيل في مرتيّ هذا الإفساد!
ومع أن إفساد بني إسرائيل قد حدث كثيرًا، بحيث لا يُحصى ولا يُعدّ -كما أسلفنا- وأن المقصود من الآيات التي معنا إنما هو إظهار مرّتين حدث فيهما الإفساد منهم .. وأن نفس الآيات تدل على أن التسليط عليهم مستمرّ إلى يوم القيامة، بسبب كفرهم وفسوقهم: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾!
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾!
ومع أن أقوال المؤرخين والمفسّرين قد اختلفت في المقصود من مرّتي إفسادهم، وفيمن سلّطه الله عليهم، على حسب ما يتراءى لكل قائل فيما حدث من بني إسرائيل من فساد، وما تبعه من عقوبات!
ومع أن المقصود من سياق الآيات إنما هو بيان سنّة من سنن الله في الأمم، حال صلاحها وفسادها .. وأن القرآن -كما سبق- قد ساق هذا المعنى بأحكم عبارة!
يقول ابن كثير بعد أن ذكر هذه الأقوال وعلّق عليها: (١)
وفيما قصَّ الله علينا في كتابه غنية عما سواه من بقيّة الكتب قبله، ولم
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٣: ٢٥.
[ ٤ / ١٧٠٤ ]
يحوجنا الله ولا رسوله إليهم، وقد أخبر الله عنهم أنهم لما طغوا وبغوا سلّط الله عليهم عدوّهم، فاستباح بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم، وأذلّهم وقهرهم، جزاء وفاقًا، وما ربك بظلاّم للعبيد، فإنهم كانوا قد تمرّدوا وقتلوا خلقًا من الأنبياء والعلماء!
ويروي ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾!
قال: بعث الله عليهم في المرّة الأولى جالوت، فجاس خلال ديارهم، وضرب عليهم الخراج والذّلّ، فسألوا الله تعالى أن يبعث لهم ملكًا يقاتلون في سبيل الله، فبعث الله (طالوت) فنصر الله بني إسرائيل، وقتل جالوت بيد داود، ورجع إلى بني إسرائيل ملكهم، فلمّا أفسدوا بعث الله عليهم في المرة الآخرة (بخت نصر) فخرب المساجد وتبّر ما علوا تتبيرًا، قال الله تعالى بعد الأولى والآخرة: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾
قال: فعادوا فسلّط الله عليهم المؤمنين (١)!
وفي رواية لهما -أيضًا- عن قتادة قال:
أما المرّة الأولى فسلّط عليهم (جالوت)، حتى بعث (طالوت) ومعه (داود)، ثم ردّ الكرّة لبني إسرائيل: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾
_________________
(١) بنو إسرائيل في القرآن والسنة: ٢: ٣٦٢ وما بعدها، نقلًا عن: الدر المنثور: ٤: ١٦٣، انظر: تفسير الطبري: ١٥: ٢٨.
[ ٤ / ١٧٠٥ ]
أي عددًا، وذلك في زمان (داود): ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾!
آخر العقوبتين: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾!
وقال: ليقبحوا وجوهكم: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾!
قال: كما دخل عدوهم قبل ذلك: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾!
قال: يدمّرون ما علوا تدميرًا، فبعث الله عليهم في الآخرة (يخت نصر) البابلي المجوسي، أبغض خلق الله إليه، فسبى وقتل وضرب بيت المقدس وسامهم سوء العذاب. (١)
وهذا الرأي الذي نختاره -كما يقول الدكتور طنطاوي (٢) - نستند في اختيارنا له إلى أمور أهمها ما يلي:
أولًا: ذكر القرآن الكريم عند عرضه لقصّة القتال الذي دار بين (طالوت) قائد بني إسرائيل وبين (جالوت) قائد أعدائهم ما يدلّ على أن بني إسرائيل كانوا قبل ذلك مقهورين مهزومين من أعدائهم، ويتجلّى هذا المعنى في قوله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾!
فقولهم كما حكى القرآن عنهم: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾!
يدلّ دلالة قويّة على أنهم قبل قتالهم لـ (جالوت) كانوا قد هزموا على أيدي أعدائهم هزائم منكرة، اضطروا معها إلى الخروج من ديارهم ومفارقة أبنائهم!
_________________
(١) السابق.
(٢) بنو إسرائيل في القرآن والسنة: ٢: ٣٦٦ وما بعدها، بتصرف.
[ ٤ / ١٧٠٦ ]
ثانيًا: صرّح بعض المفسّرين بأن الأعداء الذين أخرجوا بني إسرائيل من ديارهم وأبنائهم هم قوم (جالوت)، وأنهم كانوا قد غلبوا بني إسرائيل، وقتلوا عددًا كبيرًا منهم، وذلك قبل أن تعود الكرّة لبني إسرائيل عليهم بقيادة (طالوت)!
قال الآلوسي: وكان سبب طلب بني إسرائيل من نبيّهم أن يبعث الله لهم ملكًا ليقاتلوا في سبيل الله، أن أعداءهم وهم العمالقة قوم (جالوت) ظهروا عليهم، وتغلّبوا على كثير من بلادهم، وضربوا عليهم الجزية! (١)
ثالثًا: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾! صريح في أن الله تعالى نصر بني إسرائيل بعد أن تابوا وأنابوا على أعدائهم الذين قهروهم وأذلّوهم وجاسوا خلال ديارهم!
وهذا المعنى ينطبق على ما قصّه القرآن الكريم علينا من أن بني إسرائيل بقيادة (طالوت) قد انتصروا على (جالوت) وجنوده، ومن أن داود قتل (جالوت)، قال تعالى:
﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾!
ولقد كان هذا النصر نعمة كبرى لبني إسرائيل؛ لأنه أتاهم بعد ما أخرجوا من ديارهم وأبنائهم، وبعد أن اعترضوا على اختيار (طالوت) ملكًا عليهم، وبعد أن قاتل مع (طالوت) عدد قليل منهم .. ولا شك أن هذا النصر في هذه الحالة أدعى لطاعة الله تعالى وشكره على آلائه!
_________________
(١) السابق: نقلًا عن تفسير الآلوسي: ٢: ١٤١ بتصرف.
[ ٤ / ١٧٠٧ ]
رابعًا: قوله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾!
أكثر ما يكون انطباقًا على عهد حكم (داود) و(سليمان) ﵉ لبني إسرائيل، ففي هذا العهد الذي دام زهاء ثمانين سنة، ازدهرت مملكتهم، وعزّ سلطانهم، وأمدّهم الله خلاله بالأموال الوفيرة، وبالبنين الكثيرة، وجعلهم أكثر من أعدائهم قوة وعددًا!
أمّا بعد هذا العصر الذهبي -كما أسلفنا- فقد انقسمت مملكتهم إلى قسمين:
مملكة يهوذا!
ومملكة إسرائيل!
واستمرّتا في صراع ونزاع وتدهور، حتى قضى الآشوريون على مملكة إسرائيل سنة ٧٢١ ق. م، وقضى (بخت نصر) على مملكة (يهوذا) سنة ٥٨٨ ق. م!
وتاريخهم بعد ذلك ما هو إلا سلسلة من المآسي والنكبات والعقوبات التي حلّت بهم من الشعوب المختلفة في شتّى مراحل التاريخ، بسبب فسادهم وإفسادهم في الأرض!
وأمّا المراد بالعباد الذين سلّطهم الله على بني إسرائيل بعد إفسادهم الثاني في الأرض، فيرى جمهور المفسّرين أنهم البابليّون بقيادة (بخت نصر) .. الذي غزاهم ثلاث مرات:
الأولى: سنة ٦٠٦ ق. م
والثانية: سنة ٥٩٩ ق. م
والثالثة: سنة ٥٨٨ ق. م
[ ٤ / ١٧٠٨ ]
وفي هذه المرّة الثالثة قتل الآلاف منهم، وهدم هيكلهم، وساق الأحياء أسارى إلى بابل!
وهذا الرأي الذي قاله جمهور المفسّرين ليس ببعيد، لما ذكرنا من تنكيله بهم .. إلا أننا نؤثر على هذا الرأي أن يكون المسلّط عليهم بعد إفسادهم الثاني، هم الرومان بقيادة (تيطس) لأمور، أهمها:
أولًا: الذي يتتبَّع التاريخ يرى أن رذائل بني إسرائيل في الفترة التي سبقت تنكيل الرومان بهم أشدّ وأكبر من رذائلهم التي سبقت (بخت نصر) لهم، وبالتالي كان تسليط الرومان عليهم أنكى وأقسى، فهم -على سبيل المثال- قبيل بطش الرومان بهم بقيادة (تيطس) كانوا قد قتلوا من أنبياء الله (زكريا) و(يحيى) -﵉كما أسلفنا- وحاولوا قتل (عيسى) -﵇- واتخذوا لذلك كل السبل، ولكنهم لم يفلحوا لأسباب خارجة عن إرادتهم، وكانت الرذائل والمنكرات قد فشت فيهم، مما أدّى إلى لعنهم بسبب ذلك!
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ (المائدة)!
فكانت ضربات الرومان القاصمة لهم، والهادمة لكيانهم، عقابًا مناسبًا من الحق ﵎، نتيجة عصيانهم لأوامره، واعتدائهم على خلقه، وعدم تناهيهم عن منكر فعلوه!
ثانيًا: المفسرون يذكرون أن تسليط الله عليهم (بخت نصر) في المرّة الثانية من مرّتي إفسادهم، كان من أسبابه قتلهم لـ (يحيى) ﵇، و(بخت
[ ٤ / ١٧٠٩ ]
نصر) كان سابقًا على (يحيى) ﵇ في الزمن بأكثر من خمسة قرون، والذين كانت أورشليم تحت سيطرتهم في عهد (يحيى) ﵇ هم الرومان وقد قتل بنو إسرائيل (زكريّا) و(يحيى) ﵉ في عهدهم كذلك!
وإذن فما ذكره المفسّرون من أن الله تعالى سلّط عليهم (بخت نصر) بعد إفسادهم بسبب قتلهم (يحيى) ﵇ ينطبق على عهد الرومان؛ لأنه كان معاصرًا لهم .. ولا ينطبق على عهد (بخت نصر)؛ لأنه قبل (يحيى) ﵇ بأكثر من خمسة قرون كما ذكرنا!
ثالثًا: ضربات الرومان في ذاتها كانت أشدّ وأقسى على بني إسرائيل من ضربات (بخت نصر) لهم، فمثلًا عدد القتلى من اليهود على يد الرومان بقيادة (تيطس) بلغ مليون قتيل، وبلغ عدد الأسرى نحو مائة ألف أسير -كما يقول المؤرخون (١) - بينما عدد القتلى والأسرى على يد (بخت نصر) كان أقل من هذا العدد بكثير، ولقد وصف المؤرّخون النكبة التي أوقعها (تيطس) باليهود بأوصاف تفوق بكثير ما وصفوا به ما أوقعه بخت نصر بهم!
يقول أحد الكتّاب واصفًا ما حلّ على يد تيطس:
كان (تيطس) في الثلاثين من عمره، حينما وقف سنة ٧٠ م أمام أسوار أورشليم على رأس جيشه، وبدأت المدينة تعاني أهوال الحصار، وتقاسي في الوقت نفسه هولًا أكبر، هو هول الحرب الأهليّة، فقد احتلّ المتعصّبون والمتطرّفون ورجال العصابات من اليهود أحياء المدينة، وأخذوا يشنّون هجمات وحشيّة على أحيائها الأخرى، حتى جرت الدماء في الطرقات، وسرت المجاعة
_________________
(١) تاريخ الإسرائيليين: ٧٦.
[ ٤ / ١٧١٠ ]
اليهوديّة، فكانوا يخرجون على أيديهم وأرجلهم كما لأشباح الذّابلة، تسبقهم الشائعات بأنهم قد ابتلعوا ذهبهم في بطونهم، فكان الجنود يفتحون بطونهم بعد قتلهم بحثًا عن الذّهب .. وبعد أن اقتحم (تيطس) وجنده المدينة أصدر أمره إليهم أن احرقوا وانهبوا واقتلوا؛ فأموال اليهود وأعراضهم حلال لكم .. وقد أحرق الرومان معبد اليهود ودمّروه!
نبوءة المسيح ﵇:
وتحقّقت نبوءة المسيح ﵇ حين قال:
(ستلقى هذه الأرض بؤسًا وعنتًا، وسيحلّ الغضب على أهلها وسيسقطون صرعى على حدّ السيف، ويسيرون عبيدًا إلى كل مصر وستطأ أورشليم الأقدام). (١)
رابعًا: النكبة التي أنزلها الرومان بقيادة (تيطس) باليهود -من حيث آثارها- أشنع بكثير من النكبة التي أنزلها بهم (بخت نصر)؛ لأنهم بعد تنكيل (بخت نصر) بهم وسجنهم في أسره زهاء خمسين سنة، عادوا إلى أورشليم مرة أخرى بمساعدة (قورش) ملك الفرس، وبدأوا يتكاثرون من جديد .. أما بعد تنكيل الرومان بهم فلم تقم لهم قائمة، ومزّقوا في الأرض شرّ ممزّق، وانقطع دابرهم كأمّة، وقضي على كيان مجتمعهم .. ولقد وصل بالرومان أنهم في سنة ١٣٥ م دمّروا أورشليم تدميرًا تامًا، وحرقوا أرضها، وخلطوها بالملح، حتى لا ينبت بها الزرع، وأقام الإمبراطور الروماني (أدريانوس) مكان الهيكل اليهوديّ هيكلًا وثنيًا باسم الإله المشترى -إذ لم تكن الكنيسة قد اعترف بها بعد، وبقي هذا
_________________
(١) تدمير أورشليم: مجلة الأزهر: المجلة ٢١: ٤٧ عمر طلعت زهران.
[ ٤ / ١٧١١ ]
الهيكل إلى أن قامت المسيحيّة في أورشليم، فدمّره المسيحيّون من أساسه في عهد الإمبراطور (قسطنطين)، وقد صرّح بهذا المعنى صاحب (تاريخ الإسرائيلين) حيث قال بعد وصفه لما أوقعه (تيطس) بهم: (١)
(إلى هنا ينتهي تاريخ الإسرائيليين كأمّة، فإنهم بعد خراب أورشليم -كما تقدّم- تفرّقوا في جميع بلاد الله، وتاريخهم فيما بقي من العصور ملحق بتاريخ الممالك التي توطّنوا أو نزلوا فيها!).
وإذن فما أنزل (تيطس) ومن بعده من الرومان باليهود يعتبر -في رأينا- أشدّ وأقسى في ذاته وفي آثاره، مما أنزله (بخت نصر) بهم، بل لعلنا لا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا: إن ضربة (تيطس) الروماني هي أكبر عقوبة حلّت بهم منذ موت سليمان ﵇، حتى أواخر القرن الأوّل الميلادي!
ولهذه الأسباب نرجّح أن يكون المراد بالعباد الذين سلّطهم الله على بني إسرائيل عقب إفسادهم الثاني في الأرض هم الرومان بقيادة (تيطس)!
ومع ترجيحنا بأن المسلّط عليهم في المرّة الأولى (جالوت) وجنوده وفي المرّة الثانية الرومان بقيادة (تيطس) .. مع ترجينا لذلك .. نعود فنكرّر ما قلناه سابقًا من أن المقصود من الآيات الكريمة إنما هو بيان سنّة من سنن الله الكونيَّة في الأمم حال صلاحها وفسادها!
_________________
(١) تاريخ الإسرائيليين: ٧٧.
[ ٤ / ١٧١٢ ]
رأي جديد:
ونعود إلى تلك الآيات القرآنية التي تتحدّث عن مرّتي إفساد بني إسرائيل.
نعود لنجد أقوال المفسرين تتفق على أمرين:
الأوّل: أن مرّتي الإفساد في الأرض كانتا قبل الإِسلام!
الثاني: أن العباد الذين سلّطهم الله عليهم -أيضًا- قبل الإِسلام!
وخلاف المفسّرين إنما هو فيما سوى هذين الأمرين!
وسبق أن ذكرنا أشهر أقوال المفسرين في ذلك!
ولكن رأيًا جديدًا في تفسير الآيات القرآنيّة للشيخ عبد المعزّ عبد الستّار (١)، خالف فيه إجماع المفسّرين، نعرضه هنا بإيجاز، حيث ذهب إلى أن هاتين المرّتين لم تكونا قبل البعثة، وإنما هي في الإِسلام، وأن المرّة الأولى كانت على عهد رسول الله - ﷺ - وأصحابه، والآخرة هي التي نحن فيها الآن!
يقول: أطبق المفسّرون على أن ذلك الإفساد وقع منهم مرّتين في الماضي قبل الإِسلام، أيّام أن علوا وغلوا وقتلوا الأنبياء، وكذّبوا المرسلين، وإن اختلفت أقوالهم في ذلك اختلافًا كبيرًا في تحديد نوع إفسادهم الأوّل وزمنه، والمسلّط عليهم، وكذلك في الثاني!
والذي يعنيني أن أكشف عنه وأن أثبته في هذا أمران:
الأول: أن هاتين المرّتين لم تكونا قبل البعثة، وإنما هما في الإِسلام!
_________________
(١) بنو إسرائيل في القرآن والسنة: ٢: ٣٧٣ وما بعدها بتصرف، نقلًا عن مجلة الأزهر: المجلد ٢٨: ٦٨٩ تحت عنوان: سورة الإسراء تقص نهاية إسرائيل!
[ ٤ / ١٧١٣ ]
الثاني: أن المرّة الأولى كانت على عهد رسول الله - ﷺ - وأصحابه، والآخرة هي التي نحن فيها الآن، والتي سنسوء فيها وجوههم، وندخل المسجد كما دخلناه إن شاء الله رب العالمين!
وأبادر فأطمئن الذين قد يهولهم هذا التخريج، فيرونه مخالفًا للمأثور أو المعروف من أقوال المفسّرين، إلى أنه لم يصح عن رسول الله - ﷺ - فيه شيء وإلى أن المأثور عن بعض الصحابة مضطرب لا تقوم به حجّة، وإلى أن الأمر لا يعدو أن يكون تاريخًا أو تأويلًا!
لا يقال في مخالفته إنه تحريف للكلم عن مواضعه!
وأعود لأثبت الأمر الأوّل فأقول:
الحديث عن الإسراء تبشير وإنباء بمستقبل .. والثابت أن الإسراء وقع لرسول الله - ﷺ - وهو بمكّة قبل الهجرة، فإن سورة الإسراء أنزلت كذلك، فهي مكيّة، إلا آيات معلومات، وقد كان المسلمون يومئذ بمكّة مستضعفين في الأرض، يخافون أن يتخطّفهم الناس، فلم يكن لبني إسرائيل يومئذ صلة ولا بشأن مع المسلمين، ولم يكن لهم أثر بمكّة، ولا خطر يقتضي أن يتحدّث القرآن عنهم في سورة مكيّة بمثل هذا التفصيل!
فما السرُّ في أن يخبر الله عند إسرائه برسوله - ﷺ - في آية واحدة أول السورة، ينقطع بعدها الحديث عن الإسراء جملة إلى آخرها، ويبدأ الحديث عن بني إسرائيل وما أنعم عليهم وعهد إليهم، وعن دور خطير يكون لهم؟!
وما وجه المناسبة بين هذه الآيات والأحداث؟!
السرُّ في ذلك أن الله ﷿ يخبر عن الإسراء بمقدار ما يبشر به نبيّه،
[ ٤ / ١٧١٤ ]
والمسلمين المضطهدين: بمكّة، المستضعفين في الأرض، بأن أمرهم سيمتدَّ ويعلو وشيكًا، حتى تدين لهم عاصمة الشرك، وعاصمة أهل الكتاب، فهو سبحانه يقول:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ (الإسراء)!
لم يقل من مكّة إلى بيت المقدس، كما هو الحال؛ إذ الكعبة يومئذ لم تكن مسجدًا، وإنّما كانت بيتًا تقوم حوله الأصنام، ويطوف به العائذون والمشركون، ولم يكن هيكل دولة داود وسليمان في دولة يهوذا وإسرائيل مسجدًا، وإنما كان بيتًا يأكل بنو إسرائيل من حوله السحت، ويعيثون الفساد!
ولكن الله ﷿ أخبر عن هذا الإسراء بأنه انتقال من مسجد إلى مسجد، تبشيرًا للمسلمين بأن أمرهم سيعلو ويتم، بحيث يصبح البلد الذي استضعفوا فيه وهانوا، وحلّت حرماتهم فيه مسجدًا حرامًا ودار أمن وإسلام .. ليس هذا فحسب، بل سيمتد نفوذه وضياؤه، بحيث يصل عاصمة أهل الكتاب، ويصبح هيكل داود وسليمان لهم مسجدًا أقصى كذلك، فهم أولى له: ﴿إِن أَولِيَاؤهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ (الأنفال: ٣٤)!
وهنا يتضح الجواب، ويظهر وجه المناسبة بين قوله تعالى:
﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ وبين آية الإسراء الأولى!
فقد اتصل الحديث، وإن انتقل الكلام من الإنباء بمصير الهيكل إلى الإنباء عن مصير أهله!
[ ٤ / ١٧١٥ ]
سورة بني إسرائيل:
وبحق ما سمّيت سورة الإسراء سورة بني إسرائيل؛ فإنها أحق بهذه التسمية وأجدر؛ لأنها لم تتحدّث عن الإسراء إلا بمقدار ما بشرف بصيرورة الكعبة والهيكل للمسلمين حرمًا ومسجدًا، ثم اتصل الحديث ببني إسرائيل وخطبهم مع المسلمين بعد ذلك فقال:
﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾!
فإذا لاحظنا أن الله ﷿ لم يخبر عن بني إسرائيل في سورة مكيّة إلا بمقدار ما تساق العبرة من مواقفهم من موسى وصاياه، وموقفهم من فرعون وجنوده، وأخبر عنهم في السور المدنية كثيرًا، فسجّل لهم ضروبًا من الفساد والإفساد، فأخبر عن نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقولهم قلوبنا غلف، وأخبر عن ظلمهم وصدهم عن سبيل الله كثيرًا، وأخذهم الربا وقد نُهُوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وأخبر عن اعتدائهم في السبت، وحذرهم الموت، وسكوتهم عن المنكر، واشتراءهم بآيات الله ثمنًا قليلًا، وأخبر عن إخراجهم فريقًا من ديارهم، وقولهم ليس علينا في الأميّين سبيل إلخ!
﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأَرضِ مَرَّتَينِ﴾:
فإذا لاحظنا هُنا أن الله ينصّ على أنه قضى أنهم يفسدون في الأرض مرّتين، فإذا جاء وعد أولاهما كان كذا، وإذا جاء وعد الآخرة كان كذا دلّ على أن المرّتين غير ما سبق أن سجّل لهما، وأنهما يقعان في المستقبل، بالنسبة
[ ٤ / ١٧١٦ ]
لمن أنزل عليه الكتاب - ﷺ -؛ لأن الحديث من أوّله تبشير وإيحاء لمستقبل، فذلك من الأنباء بالغيب، والإخبار بما لم يقع، وإلا فهم قد أفسدوا من قبل .. فالمرّتان المعنيتان في الآية وقعتا بعد، وقد أكّد ذلك إعجاز القرآن وصدق ما جاء به محمَّد - ﷺ -!
أولاهما: قال تعالى:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾! إلخ
لا تنطبق هذه المرّة تمام الانطباق إلا على الدّور الذي قاموا به على عهد النبي - ﷺ - وأصحابه، وما عاقبهم الله به، وسلط عليهم فيه!
فهم أفسدوا في الأرض، ونقضوا عهد الله ورسوله، وكان - ﷺ - قد عاهدهم أوّل ما وصل المدينة! (١)
رغم هذه الرعاية والمصافاة والمواساة، انطلقوا بالبغي والمكر والفساد في الأرض، يشككون في شخص النبي - ﷺ - ونزاهته ورسالته، ويفتون المشركين أنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا!
ويفتحون دورهم وصدورهم لأعداء النبي - ﷺ -، ويدلونهم على عورات المؤمنين، وبلغ من أمرهم أن همّوا بقتل الرسول - ﷺ - غير مرة -كما عرفنا- وهيَّجوا قريشًا وغطفان، حتى حاصروا المدينة، للقضاء على رسول الله - ﷺ - ودعوته وأتباعه، وانضموا لهم، ونقضوا عهد الله ورسوله في ساعة الشدة ويوم الأحزاب، فسلط عليهم عباده المؤمنين، فأجلوا بني قنقاع، وبني النضير،
_________________
(١) ذكر هنا نصوصًا من وثيقة موادعة اليهود، وقد رواها ابن إسحاق: ٢: ١٧ - ١٨ بدون إسناد: انظر كتابنا: الهجرة النبويّة: ٣٤٢ وسيأتي تفصيل القول في ذلك!
[ ٤ / ١٧١٧ ]
وقتلوا المقاتلين من بني قريظة، ثم فتحوا خيبر، ثم منَّ عليهم رسول الله - ﷺ -، فاستبقاهم عملاء حتى أجلاهم عمر - ﷺ - في خلافته، وكان وعدًا من الله للمؤمنين بالتمكن، وقد فعل، وهذه هي المرّة الأولى، لا تنطبق أوصافها إلا على أصحاب رسول الله - ﷺ -!
فهم الذين يستحقون شرف هذه النسبة ﴿عِبَادًا لَّنَا﴾ لأنهم الموحّدون أتباع عبده الذي أسرى به!
أمّا أتباع (بخت نصر) أو غيره مما اضطربت فيه أقوال المفسّرين فقد كانوا عبّاد وثن، لا يستحقّون شرف الاختصاص بالله في قوله ﴿لّنَا﴾!
وهم الذين وصفهم الله في كتابه بأنهم:
﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: ٢٩)!
وهم الذين لم يكلفهم تأديب اليهود إلا كما قال:
﴿فَجَاسوا خِلالَ الدِّيَار﴾!
أمّا (بخت نصر) فقد ذكروا أنه قتل على دم زكريا وحده سبعين ألفًا، وأنه دخل المقدس في أهله، وسلب حليّه إلخ، فهو اجتياح، وليس جوسًا!
ردّ الكرة:
قال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾!
ردَّت لليهود الكرّة علينا بعد ألف وثلاثمائة وسبعين سنة من تأديب الله لهم، منذ بعث عليهم عباده المؤمنين من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فجاسوا خلال الدّيار!
[ ٤ / ١٧١٨ ]
بعد هذه المقدّمة -التي أشار القرآن إلى طولها بقوله: ﴿ثُمَّ﴾ التي تقتضي في العطف تراخيًا في الأجل- ردت لليهود الكرّة، وأمدّوا بثلاث ما أمدّوا بمثلها في تاريخهم:
١ - بأموال تتدفَّق عليهم من أقطار الأرض، وعلى ما أرادوا من صعبه أو سهله!
٢ - وبنين مهاجرين ومقاتلين، ينتجون بحماسهم وصلاحيتهم لبناء دولتهم!
٣ - ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾!!
ولم يكن اليهود في يوم ما أكثر نفيرًا وناصرًا منهم اليوم، ولم يتمتّع اليهود في تاريخهم، ولا أمّة في الأرض غيرهم، بمثل ما يتمتّعون به، من كثرة الناصرين لهم، والنافر لنجدتهم، إذا غضبوا غضبت لهم أمريكا، وإنجلترا، وفرنسا، وأمم الغرب جميعًا، وإن دعوا أجابهم الظالمون، وتنادوا لنصرتهم!
لقد اتفق الشرق والغرب -ولم يتفق يومًا- على إنشاء إسرائيل، وتقسيم فلسطين، وسكتوا -ولم يسكتوا يومًا- على مأساة اللاجئين والمنكوبين والمشرَّدين.
كل هذه الأوصاف تؤكد أن الدّور الذي نعانيه اليوم هو الكرّة المعنيّة في الآية، وكل ما ذكره المفسّرون بعيد، لا تنطبق عليه هذه الصفات!
فرصة للاختيار:
وقال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾!
بعد أن قرّر سبحانه أنه سيرد لليهود الكرّة، قرّر أنها فرصة لهم، ليختاروا
[ ٤ / ١٧١٩ ]
لأنفسهم، وليرسموا نهايتهم، فللذين أحسنوا الحسنى، وللذين أساءوا السوآى، ثم قرّر سبحانه أنهم لن ينفكّوا عن فسادهم وإفسادهم، فقرر بعد ذلك على الفور عاقبة أمرهم؛ لأنها معروفة محتومة، فقال تعالى:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾!
يقرّر الله ﷿ أنهم لن يستقبلوا النعمة بالشكر، ولا الكرة بالذكر والانتهاء عن الفساد، وإنما سيعاودون فسادهم الموروث، على نحو يدخلهم في شديد مقت الله ونقمة عباده، بما يبعد أن تدركهم عند ذلك رحمته، فيقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾!
سلّطنا عليكم عبادنا الأوّلين الذين دخلوا المسجد، ثم رددت لكم الكرة على خلائقهم: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾!
بما ترون من مصارعكم، ومصارع أحلامكم، وما تعاينون من سوء المنظر في المال والأهل والولد: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾! دخول العزيز الظاهر: ﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّة﴾ ظافرين منصورين: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾!
وذلك دورنا المرتقب، وعملنا الذي نرجو أن يشرّفنا الله به في القريب، فإنا لنطمع أن يعذّبهم الله بأيدينا ويخزهم، وينصرنا عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنين!
وقد قرّر سبحانه أنه سيجمعهم ألفافًا لنبيدهم:
﴿وفَإذَا جَاءَ وَعدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفيفًا (١٠٤)﴾!
[ ٤ / ١٧٢٠ ]
بشرى للمؤمنين:
ويؤكد هذه النهاية ويبشر بقرب وقوعها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ﴾ فإن العطف بالفاء يقتضي الترتيب مع التعقيب، فالوعد واقع بعد هذه الكرّة!
والتعبير بـ (إذا) يدل على تحقيق المجيء لا محالة!
وبشائر النصر التي تحدونا أولًا وأخيرًا في هذه السورة!
وقال تعالى بعد هذه الآيات:
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: ٩)!
وقال تعالى في آخر السورة:
﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾ (الإسراء)!
تعليق على المقال:
والذي يقرأ هذا المقال يتبيّن له أن كاتبه يرى أن المراد من الكتاب في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ في الْكِتَابِ﴾! هو القرآن الكريم لا التوراة!
وهذا الفهم لا يمكن أن ينساق إلى ذهن من يقرأ الآيات القرآنيّة بتدبّر، لأن الله يقول:
﴿وَآتَيْنَا مُوسى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾!
ثم يقول بعد ذلك: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ في الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾!
[ ٤ / ١٧٢١ ]
فالكتاب في الآية الثانية يقصد به عين الكتاب في الآية الأولى، وهو التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى -﵇- وجعلها هدى لبني إسرائيل!
وسبق أن بيّنا ذلك، وأنه المعنى المتبادر من الآيات، والذي لا يمكن أن يفهم المتأمل في كتاب الله غيره، وقد أجمع عليه جمهور المفسّرين، وقليل منهم أضاف إلى ذلك أنه يجوز أن يراد به اللوح المحفوظ، ومنهم القاسمي! (١)
وقد سبق بيان فائدة إخبار الله بني إسرائيل في التوراة أنهم يفسدون في الأرض مرتّين!
وبإثباتنا أن المراد بالكتاب في الآية الثانية هو التوراة، نكون قد رددنا أساس رأيه من أن المراد به هو القرآن (٢)، ورددنا ما بناه على هذا الرأي من أن مرّتي الإفساد في الإِسلام، وأن ذلك من الإنباء بالغيب الذي يكون في المستقبل بالنسبة لنزول الآية الكريمة على النبي - ﷺ -!
هذا، ولنا تعليقات يسيرة على بعض ما جاء في هذا المقال، منها:
أولًا: يقول: ما السرّ في أن يخبر الله عن إسرائه برسوله - ﷺ - في آية واحدة أوّل السورة، ينقطع بعدها الحديث عن الإسراء جملة إلى آخر السورة، ويبدأ الحديث عن بني إسرائيل، وما أنعم الله عليهم، وعهد إليهم، وعن دور خير يكون لهم، وما وجه المناسبة بين هذه الآيات والأحداث ؟ إلخ!
ونقول: إن الله تعالى ما ذكر الإسراء إلا يكون آية من الآيات من أول الإسراء مثارًا لتشكيك من في قلوبهم مرض في رسال النبيّ - ﷺ - وصدق نبوّته،
_________________
(١) انظر: تفسير القاسمي: ١٠: ٣٩٠٢.
(٢) انظر: بنو إسرائيل في القرآن والسنة: ٢: ٣٨١ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٧٢٢ ]
كما اتّخذها ذريعة للسخرية برسول الله - ﷺ -، ومن آمن به، فالله تعالى يقول لهؤلاء الذين في قلوبهم مرض، ويصدّون عن سبيل الله من آمن، ويهزؤون برسوله الكريم - ﷺ -: إن لم تنتهوا عن إثارة الفساد في الأرض، ووضع العراقيل أمام الدعوة، ليصيبنّكم ما أصاب بني إسرائيل قبلكم، حين عاثوا فسادًا في الأرض مرّتين، وعلو علوًّا كبيرًا، فقد سلّط الله عليهم بعد كل من المرّتين من يسومهم سوء العذاب، ومن يجوس خلال ديارهم بالقتل والتّخريب!
وتبدأ السورة بتسبيح الله تعالى (١)، وتضمّ موضوعات شتّى، معظمها عن العقيدة، وبعضها عن قواعد السلوك الفردي والجماعي وآدابه القائمة على العقيدة إلى شيء من القصص عن بين إسرائيل يتعلّق بالمسجد الأقصى الذي كان إليه الإسراء!
ولكن العنصر البارز في كيان هذه السورة ومحور موضوعاتها الأصيل هو شخص الرسول - ﷺ - .. وموقف القوم منه في مكة .. والقرآن الذي نزل عليه .. وطبيعة هذا القرآن وما يهدي إليه، واستقبال القوم له!
واستطرد بهذه المناسبة إلى طبيعة الرسالة والرسول - ﷺ - .. وإلى امتياز الرسالة الإِسلاميّة بطابع غير طابع الخوارق الحسيّة وما يتبعها من هلاك المكذّبين بها .. وإلى تقرير التبعة الفرديّة في الهدى والضلال الاعتقادي، والتبعة الجماعيّة في السلوك العملي في محيط المجتمع!
ويتكرر في سياق السورة تنزيه الله وتسبيحه وحمده وشكر آلائه .. ففي مطلعها:
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٤: ٢٢٠٨ بتصرف.
[ ٤ / ١٧٢٣ ]
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾!
وفي أمر بني إسرائيل بتوحيد الله يذكرهم بأنهم من ذرّيّة المؤمن مع نوح: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾!
وعند دعاوى المشركين عن الآلهة يعقب بقوله:
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾!
وفي حكايته قول بعض أهل الكتاب حين يتلى عليهم القرآن:
﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾!
وتنتهي السورة بالحمد:
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾!
وفي تلك الموضوعات المنوّعة حول ذلك المحور الواحد الذي بيّنا يمضي سياق السورة في مواقف متتابعة:
يبدأ الموقف الأول بالإشارة إلى الإسراء:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾!
[ ٤ / ١٧٢٤ ]
مع الكشف عن حكمة الإسراء: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آيَاتِنَا﴾!
وبمناسبة المسجد الأقصى يذكر كتاب موسى، وما قضى الله لبني إسرائيل من نكبة وهلاك وتشريد مرّتين، بسبب طغيانهم وإفسادهم، مع إنذارهم بثالثة ورابعة: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾!
ثم يقرر أن القرآن يهدي للتي هي أقوم، بينما الإنسان عجول مندفع، لا يملك زمام انفعالاته .. ويقرّر قاعدة التبعة الفرديّة في الهدى والضلال، وقاعده التبعة الجماعية في التصرفات والسلوك!
وهكذا نجد السياق ينتقل من سيرة بني إسرائيل وكتابهم الذي آتاه الله موسى ﵇، ليهتدوا به فلم يهتدوا، بل ضلّوا فهلكوا ينتقل إلى القرآن الكريم:
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾ (الإسراء)!
هكذا على وجه الإطلاق فيمن يهديهم، وفيما يهديهم، فيشمل الهدى أقوامًا وأجيالًا بلا حدود من زمان أو مكان .. ويشمل ما يهديهم إليه كل منهج، وكل طريق، وكل خير يهتدي إليه الشر في كل زمان ومكان، وجيل وقبيل!
يهدي للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور، بالعقيدة الواضحة التي لا تعقيد فيها ولا غموض .. والتي تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة، وتطلق الطاقات البشريّة الصالحة للعمل والبناء، وتربط بين نواميس الكون الطبيعيّة ونواميس الفطرة البشريّة في تناسق واتّساق!
[ ٤ / ١٧٢٥ ]
ويهدي للتي هي أقوم في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره وسلوكه، وبين عقيدته وعمله .. فإذا هي كلها مشدودة إلى العروة الوثقى التي لا تنفصم، متطلّعة إلى أعلى وهي مستقرّة على الأرض .. وإذا العمل عبادة متى توجّه الإنسان به إلى الله، ولو كان هذا العمل متاعًا واستمتاعًا بالحياة، فلا مادّية كما نشهد في عالمنا المعاصر .. ولارهبانية أيضًا!
ويهدي للتي هي أقوم في عالم العبادة بالموازنة بين التكاليف والطاقة، فلا تشقّ التكاليف على النفس حتى تملّ وتيأس من الوفاء، ولا تترخّص حتى تشيع في النفس الرخاوة والاستهتار، ولا تتجاوز القصد والاعتدال وحدود الاحتمال!
ويهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس بعضهم ببعض: أفرادًا وأسرًا، وحكومات وشعوبًا، ودولًا وأجناسًا!
ومعلوم أن (الدين القيّم) يقيم العلاقات على الأسس الوطيدة الثابتة التي لا تتأثر بالرأي والهوى، ولا تميل مع المودة، والشنآن، ولا تصرّفها المصالح والأغراض .. الأسس التي أقامها العلم الخبير لخلقه، وهو أعلم بمن خلق، وأعرف بما يصلح لهم في كل أرض وفي كل جيل، فيهديهم للتي هي أقوم في نظام الحكم، ونظام المال، ونظام الاجتماع، ونظام التعامل الدّولي اللاّئق بعالم الإنسان!
ويهدي للتي هي أقوم في تبنِّي الرسالات السماوية -ومنها رسالة موسى ﵇- والربط بين هذه الرسالات، وتعظيم مقدّساتها، وفق هدى الحق، وصيانة حرماتها، وفق وحي السماء، فإذا البشريّة بجميع رسالاتها السماويّة في سلام ووئام!
ولكن اليهود -كما عرفنا- هم اليهود!
[ ٤ / ١٧٢٦ ]
فأمّا الذين لا يهتدون بهدي القرآن، فهم متروكون لهوى الإنسان .. العجول .. الجاهل بما ينفعه وما يضرّه .. المندفع الذي لا يضبط انفعالاته، ولو كان من ورائها الشرّ كله:
﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ ﴿الإسراء)!
ذلك أنه لا يعرف مصائر الأمور وعواقبها، ولقد يفعل الفعل وهو شرّ، ويعجل به على نفسه وهو لا يدري، أو يدري ولكنه لا يقدر على كبح جماحه وضبط زمامه .. فأين هذا من هدي القرآن الثابت الهادئ الهادي؟!
ألا إنهما طريقان مختلفان: شتان شتان .. هدي القرآن، وهوى الإنسان!
ومن الإشارة إلى الإسراء وما صاحبه من آيات. والإشارة إلى نوح ﵇ ومن حُملوا معه من المؤمنين .. والإشارة إلى قصّة بني إسرائيل، وما قضاه الله لهم في الكتاب، وما يدل عليه هذا القضاء من سنن الله في العبادة ومن قواعد العمل والجزاء .. والإشارة إلى القرآن الكريم الذي يهدي للتي هي أقوم!
من هذه الإشارات إلى آيات الله التي أعطاها، ينتقل السياق إلى آيات الله الكونيّة في هذا الوجود، يربط بها نشاط البشر وأعمالهم، وجهودهم وجزاءهم، وكسبهم وحسابهم، فإذا نواميس العمل والجزاء والكسب والحساب، مرتبطة أشدّ ارتباط بالنواميس الكونيّة الكبرى، محكومة بالنواميس ذاتها، قائمة على قواعد وسنن لا تتخلّف، دقيقة منظمة دقة النظام الكونيّ الذي يصرف الليل والنهار، مدبرة بإرادة الخالق الذي جعل الليل والنهار آيتين!
[ ٤ / ١٧٢٧ ]
ويبدأ الموقف الثاني بقاعدة التوحيد .. وهي قد أصابها التحريف اليهودي والتخريف الصهيوني الجهول -كما يشهد الواقع التاريخي- وذلك ليقيم عليها البناء الاجتماعي كله، وآداب العمل والسلوك فيه. ويشدّها إلى هذا المحور الذي لا يقوم بناء الحياة إلا مستندًا إليه!
ويتحدث في الموقف الثالث عن أوهام الوثنيّة الجاهلية .. وعن استقبالهم للقرآن الكريم، وتقوّلاتهم على الرسول - ﷺ - ويأمر المؤمنين أن يتكلموا بالتي هي أحسن!
وفي الموقف الرابع يبيّن لماذا يرسل الله خاتم النبيّين - ﷺ - بالخوارق؛ فقد كذَّب بها الأوّلون، فحقّ عليهم الهلاك اتباعًا لسنة الله .. كما يتناول موقف المشركين من إنذار الله لهم في رؤيا الرسول - ﷺ - وتكذيبهم وطغيانهم!
ويجيء في هذا السياق طرف من قصّة إبليس، وإعلانه أنه سيكون حربًا على ذرّيّة آدم .. يجيء هذا الطرف من القصّة كأنه كشف لعوامل الضلال الديني يبدو من المشركين، والإفساد في الأرض الذي يقوم به اليهود .. ويعقب عليه بالتخويف من عذاب الله، والتذكير بنعم الله في تكريم الإنسان، وما ينتظر الطائعين والعصاة:
﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ (الإسراء)!
وهو مشهد يصوّر الخلائق محشورة .. وكل جماعة تنادي بعنوانها باسم المنهج الذي اتبعته، أو الرسول الذي اقتدت به، أو الإِمام الذي انتمت إليه في الحياة الدنيا!
[ ٤ / ١٧٢٨ ]
فهل تبع اليهود موسى ﵇؟!
إنهم انحرفوا عن رسالته، وكفروا بالحق الذي آمن به ودعا إليه!
إن موسى ﵇ من المسلمين، فهل أتباعه -كما يزعمون- كذلك؟!
وهنا في هذا الموقف الرهيب الرعيب تنادي كل جماعة، ليسلّم لها كتاب عملها وجزائها في الدار الآخرة .. فمن أوتي كتابه بيمينه فهو فرح بكتابه يقرؤه ويتملاّه .. ويوفَّى الأجر! ومن عمي في الدنيا عن دلائل الحق -كهؤلاء اليهود ومن على شاكلتهم- فهو في الآخرة أعمى عن طريق النجاة، وأضلّ سبيلًا .. وجزاؤه معروف!
ولكن السياق يرسمه في هذا المشهد المزدحم المهيب، الهائل الرعيب، أعمى ضالًاّ يتخبّط، لا يجد من يهديه ولا من يهتدي به، ويدعه كذلك، لا يقرّر في شأنه أمرًا هنا؛ لأن مشهد العمى والضلال في ذلك الموقف العصيب الرهيب هو وحده جزاء مرهوب، يؤثر في القلوب!
ويستعرض في الموقف كيد المشركين للرسول - ﷺ -، ومحاولة فتنته عن بعض ما أُنزل إليه، ومحاولة إخراجه من مكة، ولو أخرجوه قسرًا -ولم يخرج هو مهاجرًا بأمر الله- لحلّ بهم الهلاك الذي حلّ بالقرى من قبلهم، حين أخرجت رسلها أو قتلتهم، كما عرفنا في تاريخ اليهود!
ويأمر الرسول - ﷺ - أن يمضي في طريقه، يقرأ القرآن، ويقيم الصلاة، ويدعو الله أن يحسن مدخله ومخرجه، ويعلن مجيء الحق وزهوق الباطل، ويعقب بأن هذا القرآن الذي أرادوا فتنته عن بعضه فيه شفاء وهدى للمؤمنين!
بينما الإنسان قليل العلم، وهو يعرض موقفًا من مواقف هؤلاء اليهود -كما
[ ٤ / ١٧٢٩ ]
أسلفنا- وهم يسألونه عن الرّوح ما هو؟ .. والمنهج الذي سار عليه القرآن -وهو المنهج الأقوم- أن يجيب الناس عمّا هم في حاجة إليه، وما يستطيع إدراكهم البشري بلوغه ومعرفته، فلا يبددّ الطاقة العقليّة التي وهبهم الله إيّاها فيما لا يفيد ولا يثمر، وفي غير مجالها الذي تملك وسائله وتحيط به، فلما سألوه عن الرّوح أمره الله أن يجيبهم بأن الروح من أمر الله، واختصّ بعلمه دون سواه:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قلِ الرُّوح مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيل (٨٥)﴾!
وليس في هذا حجر على العقل البشري أن يعمل .. ولكنَّ فيه توجيهًا لهذا العقل أن يعمل في حدود مجاله، الذي يدركه .. ولكنها سمات يهود! فلا جدوى من الخبط في التّيه، ومن إنفاق الطاقة فيما لا يملك العقل إدراكه؛ لأنه لا يملك وسائل إدراكه .. !
والرّوح غيب من غيب الله لا يدركه سواه، وسرّ من أسراره القدسيّة أودعه هذا المخلوق البشري، وبعض الخلائق التي لا نعلم حقيقتها .. وعلم الإنسان محدود بالقياس إلى علم الله المطلق .. وأسرار هذا الوجود أوسع من أن يحيط بها العقل البشري المحدود .. والإنسان لا يدبّر هذا الكون، فطاقته ليست شاملة .. إنما وهب منها بقدر محيطه، وبقدر حاجته ليقوم بالخلافة في الأرض، ويحقّق فيها ما شاء الله أن يحقق، في حدود علمه القليل!
ولقد أبدع الإنسان في هذه الأرض ما أبدع، ولكنه وقف حسيرًا أمام ذلك السَّرّ اللطيف -الرّوح- لا يدري ما هو؟ ولا كيف جاء؟ ولا كيف يذهب؟ ولا أين كان؟ ولا أين يكون؟ إلا ما يخبر به العلم الخبير في التنزيل!
ويستمرّ في الحديث عن القرآن وإعجازه، بينما هم يطلبون خوارق مادّيّة،
[ ٤ / ١٧٣٠ ]
ويطلبون نزول الملائكة، ويقترحون أن يكون للرسول - ﷺ - بيت من زخرف أو جنّة من نخيل وعنب، يفجّر الأنهار خلالها تفجيرًا! أو يفجّر لهم في الأرض ينبوعًا!! وأن يرقى هو في السماء، ثم يأتيهم مادّيّ يقرؤونه!
إلى آخر هذه المقترحات التي يصليها العنت والمكابرة -وكما هو شأن اليهود ومن على شاكلتهم- لا طلب الهدى والاقتناع!
ويردّ على هذا كله بأنه خارج عن وظيفة الرسول - ﷺ -، وطبيعة الرسالة، وبكل الأمر إلى الله .. ويتهكَّم على أولئك الذين يقترحون هذه الاقتراحات بأنهم لو كانوا يملكون خزائن رحمة الله -على سعتها وعدم نفادها- لأمسكوا خوفًا من الإنفاق! وقد كان حسبهم أن يستشعروا أن الكون وما فيه يسبّح الله!
﴿تُسَبّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمدِهِ وَلَكِن لًا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ (الإسراء)!
والآيات الخارقة قد جاء بها موسى من قبل، فلم تؤدِّ إلى إيمان هؤلاء المتعنّتين؛ لأن كثرة الخوارق لا تنشئ الإيمان في القلوب الجامدة:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾ (الإسراء)!
وهذا المثل من قصّة موسى وبني إسرائيل يذكر لتناسقه مع سياق السورة، وذكر المسجد الأقصى في أوّلها، وطرف من قصّة بني إسرائيل مع موسى ﵇!
[ ٤ / ١٧٣١ ]
وكذلك يعقّب عليه بذكر الآخرة والمجيء بفرعون وقومه لمناسبة مشهد القيامة القريب في سياق السورة، ومصير المكذّبين!
وتنتهي السورة بالحديث عن القرآن والحق الأصيل فيه .. القرآن الذي نزل مفرّقًا ليقرأه الرسول - ﷺ - على القوم زمنًا طويلًا بمناسبته ومقتضياته، وليتأثّروا به ويستجيبوا له استجابة حيّةً عمليةً، والذي يتلقاه الذين أوتوا العلم من قبله بالخضوع والتأثر إلى حدّ البكاء والسجود:
﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ (الإسراء)!
وهو مشهد مونع يلمس الوجدان .. ويرسم تأثير هذا القرآن في القلوب المتفتّحة لاستقبال فيضه .. العارفة بطبيعته وقيمته .. بسبب ما أوتيت من العلم قبله .. هذا المشهد الموحي للدَّين أوتوا العلم من قبله يعرضه السياق بعد تخيير القوم في أن يؤمنوا بهذا القرآن أو لا يؤمنوا!
يقول ابن كثير: قوله تعالى: ﴿وإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِه﴾!
أي من صالحي أهل الكتاب الذين تمسكوا بكتابهم ويقيمونه، ولم يبدّلوه! (١)
فهل يفهم اليهود ذلك؟!
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٣: ٦٨، وانظر القرطبي: ١٠: ٣٤٠، والكشاف: ٢: ٣٧٨، والماوردي: ٢: ٤٦٢.
[ ٤ / ١٧٣٢ ]
من هذا العرض الموجز لمقاصد السورة يتبيّن لنا أن الحديث فيها -كما سبق- مسوق لإثبات رسالة خاتم النبيين - ﷺ -، وحقيقة ما أنزل عليه .. وأن الذين يقترحون غيره من الآيات ما تأمّلوه وما عرفوه حقّ المعرفة، وأنهم إذا استمرّوا في هذا الإعراض سيصيبهم ما أصاب الأمم قبلهم، وكذلك ما أصاب بني إسرائيل بعد فسادهم وإفسادهم في الأرض!
ثانيًا: ما قاله من أن الآيات مكيّة، وأن المسلمين بمكة كانوا مستضعفين، فلم يكن لبني إسرائيل يومئذ صلة، ولا شأن مع المسلمين، ولم يكن لهم أثر بمكة يقتضي أن يتحدّث الله عنهم في سورة مكيّة بمثل هذا التفصيل إلخ!
هذا القول نوافقه عليه في جملته، إلا أننا -كما يقول الدكتور طنطاوي (١) - نخالفه فيما ذهب إليه من أنه لم يكن لبني إسرائيل صلة بالمسلمين، تقتضي أن يتحدّث القرآن عنهم بمثل هذا التفصيل!
ومن أسباب مخالفتنا له، أن عدم وجود الصلة التجاريّة أو السكنيّة بين مسلمي مكّة واليهود، وعدم وجود الأثر أو الخطر، لا يقتضي أن يترك القرآن الكريم الحديث عن بني إسرائيل بالتفصيل، إذ هناك ما هو أهمّ من كل ذلك، وهو تشابه موقف أهل مكة واليهود من الدين الحق، فكلاهما قد وقف من الرسالات السماوية موقف الجاحد العاصي، فبيّن القرآن الكريم لأهل مكّة أن الله تعالى قد أنزل التوراة على موسى ﵇ لهداية بني إسرائيل، ولكنهم لم يعملوا بها، بل أفسدوا في الأرض، فكان مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارًا:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التّوْرَاةَ ثُمَّ لَم يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسفَارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهدِي الْقَوْمَ الظَّالمِينَ (٥)﴾ (الجمعة)!
_________________
(١) بنو إسرائيل في القرآن والسنة: ٢: ٣٧٤ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٧٣٣ ]
فبنو إسرائيل حمّلو التوراة، وكلّفوا أمانة العقيدة والشريعة:
﴿ثُمَّ لَم يَحْمِلُوهَا﴾!
لأن حملها يبدأ بالإدارك والفهم والفقه، وينتهي بالعمل لتحقيق مدلولها في عالم الضمير، وعالم الواقع .. ولكن سيرة بني إسرائيل كما عرضها القرآن الكريم لا تدل على أنهم قدروا هذه الأمانة، ولا أنهم فقهوا حقيقتها، ولا أنهم عملوا بها -كما يشهد بذلك واقعهم قديمًا وحديثًا- ومن ثم كانوا كالحمار يحمل الكتب الضخام، وليس له منها إلا الثقل، فهو ليس صاحبها، وليس شريكًا في الغاية منها!
وهي صورة رزيّة بائسة، ومثل سيّء شائن، ولكنها صورة معبِّرة عن حقيقة صادقة!
ومثل هؤلاء اليهود، هؤلاء الذين غبرت بهم أجيال كثيرة، والذين يعيشون في هذا الزمان، وهم يحملون أسماء، ويرفعون رايات، ولا يعملون عمل المسلمين .. وبخاصة أولئك الذين يقرؤون الكتب، ويقومون بدور العلّم والموجّه والمفكر والأستاذ -مهما كانت مناصبهم- وهم لا ينهضون بما تفرضه عليهم العقيدة، وهم كثيرون كثيرون، وهذا خلق يهود!
فليست المسألة مسألة كتب تحمل وتدرس، إنما هي مسألة فقه وعمل في الكتب! وحسبنا أن نذكر مثلًا للانحراف عن سوء الفطرة، ونقض لعهد الله المأخوذ عليها، ونكوص عن آيات الله بعد رؤيتها والعلم بها!
ذلك الذي آتاه الله آياته، فكانت في متناول نظره، وفكره، ولكنه انسلخ سنها، وتعرّى عنها، ولصق بالأرض، واتبع الهوى، فلم يستمسك بالميثاق
[ ٤ / ١٧٣٤ ]
الأول، ولا بالآيات الهادية، فاستوى عليه الشيطان، وأمسى مطرودًا من حمى الله، لا يهدأ ولا يطمئن إلى قرار!
ولكن البيان القرآنيّ المعجز لا يصوغ المثل هذه الصياغة، إنما يصوّره في مشهد حيّ متحرّك، عنيف الحركة، شاخص السمات، بارز الملامح، واضح الانفعالات، يحمل كل إيقاعات الحياة الواقعة، إلى جانب العبارات الموحية:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾ (الأعراف)!
روى عبد الرزاق عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: هو رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعام بن باعوراء، رواه شعبة وغير واحد عن منصور به ..
وتعدّدت الروايات وتنوَّعت فيمن هو!
قال ابن كثير: المشهور في سبب نزول هذه الآية الكريمة إنما هو رجل من المتقدّمين في زمن بني إسرائيل، كما قال ابن مسعود وغيره من السلف! (١)
وجاء في النار: والضمير في قوله ﴿عَلَيْهِم﴾ للناس المخاطبين بالدعوة، وأوّلهم كفَّار مكّة، والسورة مكيّة، وقيل: لليهود؛ لأن المثل تابع لقصة موسى في السورة! (٢)
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٢: ٢٦٤ - ٢٦٥ بتصرف.
(٢) تفسير المنار: ٩: ٤٠٥.
[ ٤ / ١٧٣٥ ]
وعلى كل، فهو مثل ينطبق تمام الانطباق على اليهود ومن على شاكلتهم .. وعلينا أن نأخذ من الخبر ما وراءه (١)، فهو يمثل حالة الذين يكذبون بآيات الله بعد أن تبيّن لهم فيعرفوها، ثم لا يستقيموا عليها!
وما أكثر ما يتكرّر هذا النبأ في حياة البشر -وبخاصة اليهود- ما أكثر الذين يُعطون علم دين الله، ثم لا يهتدون به، إنما يتّخذون هذا العلم وسيلة لتحريف الكلم عن مواضعه، واتباع الهوى به .. هواهم وهوى المتسلّطين الذين يملكون لهم -في وهمهم- عرض الحياة الدنيا .. وهو خلق يهود ومن على شاكلتهم!
وكم من عالم دين رأيناه يعلم حقيقة دين الله، ثم يزيغ عنها، ويعلن غيرها، ويستخدم علمه في التحريفات المقصودة، والفتاوى المطلوبة لسلطان الأرض الزائل! يحاول أن يثبّت بها هذا السلطان المعنوي على سلطان الحق وحرماته في الأرض جميعًا!
لقد رأينا من هؤلاء من يدعو للطواغيت الذين يدّعون حق التشريع ويبارك الجاهليّة .. ويخلع على هذا الفجور رداء الدّين وشاراته وعناوينه!
فماذا يكون هذا إلا أن يكون مصداقًا لنبأ الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين؟!
وماذا يكون هذا إلا أن يكون المسخ الذي يسجّله القرآن على صاحب هذا النبأ:
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٣: ١٣٩٧ بتصرف.
[ ٤ / ١٧٣٦ ]
ولو شاء الله لرفعه بما آتاه من العلم بآياته .. ولكنه سبحانه لم يشأ؛ لأن ذلك الذي علم الآيات أخلد إلى الأرض واتبع هواه ولم يتبع الآيات!
إنه مثل كل من آتاه الله من العلم، فلم ينتفع بهذا العلم، ولم يستقم على طريق الإيمان، وانسلخ من نعمة الله، ليصبح تابعًا ذليلًا ذيلًا للشيطان، ولينتهي إلى المسخ في مرتبة الحيوان، وهو خلق يهود، ومن على شاكلتهم!
ثم ما هذا اللهاث الذي لا ينقطع؟!
إنه -في حسّنا كما توجيه إيقاعات هذا النبأ وتصوبر مشاهده في القرآن- ذلك اللهاث وراء أعراض هذه الحياة الدنيا التي من أجلها ينسلخ الذين يؤتيهم الله آياته فينسلخون منها .. وذلك اللهاث القلق الذي لا يطمئن أبدًا .. والذي لا يترك صاحبه، سواء وعظته أم لم تعظه، فهو منطلق فيه أبدًا، وهو خلق يهود، ومن على شاكلتهم!
والحياة البشريّة ما تني تطلع علينا بهذا الله في كل زمان وفي كل مكان، وفي كل جيل وفي كل قبيل .. حتى إنه لتمرّ فترات كثيرة وما تكاد العين تقع إلا على هذا المثل .. فيما عدا الندرة ممن عصم الله ممن لا ينسلخون من آيات الله، ولا يخلدون إلى الأرض، ولا يتبعون الهوى، ولا يستذلهّم الشيطان، ولا يلهثون وراء الحطام الذي يملكه أصحاب السلطان!
فهذا مثل لا ينقطع وروده ووجوده، وما هو بمحصور في قصّة وقعت، في جيل من الزمان، فهو خلق يهود، ومن على شاكلتهم!
وقد أمر الله رسوله - ﷺ - أن يتلو هذا النبأ على قومه الذين كانت تتنزّل عليهم آيات الله، كي لا ينسلخوا منها وقد أوتوها .. ثم ليبقى من بعده ومن
[ ٤ / ١٧٣٧ ]
بعدهم يتلى، ليحذر الذين يعلمون من علم الله شيئًا أن ينتهوا إلى هذه النهاية البائسة، وأن يصيروا إلى هذا اللهاث الذي لا ينقطع أبدًا، وأن يظلموا أنفسهم ذلك الظلم الذي لا يظلمه عدوّ لعدو، فإنهم لا يظلمون إلا أنفسهم بهذه النهاية النكدة!
إنه مشهد من المشاهد العجيبة، الجديدة كل الجدة على ذخيرة هذه اللغة من التصوّرات والتصويرات .. إنسان يؤتيه الله آياته، ويخلع عليه من فضله، ويكسوه من علمه، ويعطيه الفرصة كاملة للهدى والاتصال والارتفاع .. ولكن ها هو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخًا .. ينسلخ كأنما الآيات أديم له متلتس بلحمه، فهو ينسلخ منها بعنف وجهد ومشقّة، انسلاخ الحيّ من أديمه اللاصق به .. لأنه يهوديّ الخلق!
أو ليست الكينونة البشريّة متلبّسة بالإيمان بالله تلبّس الجلد بالكيان؟!
ومع هذا، ها هو ذا ينسلخ من آيات الله، ويتجرّد من الغطاء الواقي، والدرع الحامي، وينحرف عن الهُدى ليتبع الهوى، ويهبط من الأفق المشرق فيلتصق بالطّين المعتم، فيصبح غرضًا للشيطان، لا يقيه منه واقع ولا يحميه منه حام، فيتبعه ويلزمه ويستحوذ عليه؛ لأنه يهوديّ الخلق!
ثم إذا نحن أولاء، أمام مشهد مفزع بائس نكد .. إذا نحن بهذا المخلوق لاصقًا بالأرض، ملوّثًا بالطّين! ثم إذا هو مسخ في هيئة الكلب، يلهث إن طورد، ويلهث إن لم يطارد!
كل هذه المشاهد المتحرّكة تتتابع وتتوالى، والخيال شاخص يتبعها في انفعال وانبهار وتأثّر .. فإذا انتهى المشهد الأخير منها .. مشهد اللهاث الذي لا ينقطع .. مع التعليق المرهوب الموحي على المشهد كله:
[ ٤ / ١٧٣٨ ]
﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾ (الأعراف)!
ذلك مثلهم! فلقد كانت آيات الهدى وموحيات الإيمان متلبّسة بفطرتهم وكيانهم وبالوجود كله من حولهم .. ثم إذا هم ينسلخون منها انسلاخًا .. ثم إذا هم أمساخ شائهو الكيان، هابطون عن مكان الإنسان، إلى مكان الحيوان .. مكان الكلب الذي يتمرَّغ في الطّين .. وكان لهم من الإيمان جناح يرفون به إلى علّيّين .. وكانوا من فطرتهم الأولى في أحسن تقويم، فإذا هم ينحطون إلى أسفل سافلين:
﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾!
وهل أسوأ من هذا المثل؟!
وهل أسوأ من الانسلاخ والتعرّي من الهدى؟!
وهل أسوأ من اللصوق بالأرض واتباع الهوى؟!
وهل يظلم إنسان نفسه كما يظلمها من يصنع بها هكذا؟!
من يعرّيها من الغطاء الواقي، والدرع الحامي، ويدعها غرضًا للشيطان يلزمها ويركبها، ويهبط بها إلى عالم الحيوان اللاصق بالأرض، الحائر القلق اللاهث لهاث الكلب أبدًا!
حقًا، إنه خلق يهود، ومن على شاكلتهم!
وقد ترتَّب على ذلك أن سلّط الله عليهم من يذلهّم بسبب فسوقهم عن أمر
[ ٤ / ١٧٣٩ ]
الله (١)، فإذا ما سار أهل مكة على هذا الطريق المعوج الذي سار عليه بنو إسرائيل بعد أن جاءهم خاتم النبيّين - ﷺ - بالهُدى ودين الحق، فسيصيبهم من العقاب ما أصابهم!
وهذا التفصيل الذي تحدّث القرآن به هنا عن بني إسرائيل، قد جاء ما هو أطول منه بكثير في سور مكّية، كسور: الشعراء، والأعراف، وطه، والقصص، وغير ذلك من السور المكّية التي تحدّثت عنهم باستفاضة!
وإذن فهناك مقتضى لهذا الحديث المفصّل عن بني إسرائيلَ في سورة الإسراء المكّيّة، وهو تماثل موقف أهل مكّة وبني إسرائيل من الدّين الحق، ومخالفة الفريقين لشريعة سماويّة خالدة، هي شريعة الإِسلام، لا لقانون وضعي أو لعرق دنيوي، وتبشير المسلمين بحسن العقبى، لاستجابتهم لله وللرسول - ﷺ -.
ثالثًا: قال في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾!
لا تنطبق هذه المرّة تمام الانطباق الأعلى الذين قاموا به على عهد النبي - ﷺ - وأصحابه، وما عاقبهم الله به، وسلّط عليهم فيه إلخ!
ونحن لا نوافقه فيما ذهب إليه، للأسباب التالية:
١ - الذي عليه المفسّرون أن المراد بالأرض في قوله تعالى: ﴿وَقضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ في الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾!
أرض الشام التي كان يسكنها اليهود وقت نزول التوراة، وليس المراد بها أرض الجزيرة العربية؛ لأنها -كما سبق- لم تكن سكنًا لهم عند نزول التوراة!
٢ - نحن نعرف أنه قد حصل منهم إفساد في عهد النبي - ﷺ - كما هو معروف
_________________
(١) بنو إسرائيل في القرآن والسنة: ٣: ٣٨٥ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٧٤٠ ]
-ولكن هذا الإفساد-رغم ضراوته- كان دون ما قاموا به من إفساد قبل ذلك، بدليل أن الحق ﵎ قد نعى عليهم في القرآن الكريم، رذائل كثيرة اقترفوها!
منها أنهم قتلوا قبل بعثة خاتم النبيين - ﷺ - بعض أنبياء الله، وحاولوا قتل عيسى ﵇، واتخذوا لذلك كل الطرق والوسائل، إلا أنهم لم يفلحوا في مسعاهم لأسباب خارجة عن إرادتهم!
وإذن فإفسادهم في الأرض قبل بعثة النبي - ﷺ - كان أشدّ وأفحش من إفسادهم بعد بعثته - ﷺ -!
٣ - إفسادهم في الأرض في عهد النبي - ﷺ - وأصحابه ﵃، كان يأخذ في غالبه طابع النفاق والمخادعة، وعدم المجاهرة، خوفًا من المسلمين، عدا ما حدث من معارك خيبر، أما إفسادهم قبل ذلك فكان يأخذ طابع الظلم الصريح، والعصيان الواضح، والطغيان المعتمّد، كما يفيده قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾!
وهذا يدل على أن المقصود بإفسادهم في الأرض مرّتين ما كان منهم قبل بعثة خاتم النبيين - ﷺ -!
٤ - قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾! هذا العلوّ الكبير الذي وصفتهم به الآية الكريمة لا ينطبق على حالهم في عهد النبي - ﷺ -، ولا في عهد أصحابه ﵃؛ لأن اليهود في هذه الفترة كانوا يمثّلون جزءًا من اليهود المنتشرين في الأرض، وبلغ بهم ضعف الحال أن بعضهم انضمَّ إلى طائفة الخزرج، وبعضهم انضم إلى طائفة الأوس -كما سيأتي- فإذا ما حصل قتال بين
[ ٤ / ١٧٤١ ]
الطائفتين قاتل حلفاء الخزرج من اليهود إخوانهم المنضميّن إلى الأوس، وقاتل حلفاء الأوس من اليهود إخوانهم أبناء عمومتهم حلفاء الخزرج، وقد بيّن القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى:
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ (البقرة)!
وإذن فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾! عقب قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾! ينطق على أدوار الفساد الكبيرة التي قاموا بها قبل الإِسلام أيّام أن طغوا وبغوا وعلوا علوًّا كبيرًا في الأرض!
٥ - ما أصابهم من عقوبات في عهد النبي - ﷺ -، وفي عهد أصحابه ﵃، جزاء غدرهم شيء هيّن بالنسبة لما أصابهم من عقوبات قبل ذلك، على أيدي البابليّين والرومان وغيرهم؛ لأن ما أصابهم في العهد النبويّ كان عدلًا، وكان يختلف من موقف إلى آخر، وكان في الوقت ذاته ينطبق على الجزء الخاص الذي يستحق ذلك ممن يسكن الجزيرة من اليهود -كما سيأتي- بينما العقوبات التي نزلت بهم قبل ذلك، على أيدي البابليّن والرّومان -مثلًا- كانت لليهود الذين كانوا متجمّعين في منطقة واحدة، هي أرض الشام!
ثم إن العقوبات التي أنزلها المسلمون بهم في صدر الإِسلام، كانت في أوقات متفرّقة، وكانت على قدر إساءة المسيء منهم!
ومن هذا ترى أن ما قام به اليهود من إفساد وفي المرّة الأولى ينطبق على الدور الذي قاموا به قبل الإِسلام، وأن العباد الذين سلّطهم الله عليهم لإذلالهم بسبب فسادهم وإفسادهم كانوا أيضًا قبل الإِسلام!
[ ٤ / ١٧٤٢ ]
رابعًا: جزم بأن المعاقبين لليهود في المرّة الأولى لا تنطبق أوصافهم إلا على أصحاب رسول الله - ﷺ -، فهم الذين يستحقون شرف هذه النسبة .. وهم الذين لم يكلفهم تأديب اليهود إلا أن جاسوا خلال الديار، أما أتباع (بخت نصر) فقد ذكروا أنه قتل على دم زكريّا وحده سبعين ألفًا .. فهو اجتياح وليس جوسًا!
ونحن نخالفه في ذلك لأمور، أهمها:
أ- أن الناس جميعًا مؤمنهم وكافرهم عباد الله تعالى، والذين سلّطهم الله على بني إسرائيل لإذلالهم بعد إفسادهم الأوّل هم عباد لله مع كفرهم!
ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى:
﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦)﴾ (الزمر)!
ففي هذه الآية نسب الله تعالى العباد إلى نفسه بصيغة العموم التي تشمل مؤمنهم وكافرهم، وهناك آيات أخرى نسب الله فيها العباد جميعًا إلى ذاته، سواء أكانوا مؤمنين أم كافرين! (١)
ب- يقول: وهم الذين لم يكلّفهم تأديب اليهود إلا أن جاسوا خلال الديار .. ولم يبيّن لنا معنى الجوس عنده، إلا أن الذي يفهم من كلامه أن الجوس -في رأيه- معناه التردّد بين الدور والمساكن بدون قتال يُذكر!
وهذا التفسير للجوس -في رأينا- يأباه سياق الآيات، ومخالف للمشهور عن أئمّة التفسير واللغة!
_________________
(١) انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم (عبد).
[ ٤ / ١٧٤٣ ]
أمّا أنه يأباه سياق الآيات، فلأن الآية تذكر أن فسادًا كبيرًا، وطغيانًا عظيمًا يقع من بني إسرائيل في المرّة الأولى من مرّتي إفسادهم، وأنهم بعد ذلك يؤدّبون على إفسادهم، بأن يبعث الله عليهم عبادًا له أقوياء، وقد بيّن الله تعالى مهمّة هؤلاء العباد فقال: ﴿فَجَاسوا خِلالَ الدّيَارِ﴾!
أي فتردّدوا بين مساكنكم يا بني إسرائيل، لقتلكم ولسلب أموالكم، ولتخريب دياركم، وهذا ينطبق على ما نزل باليهود من عقوبات عامّة مدمّرة قبل الإِسلام، على يد البابليّين، والرومان وغيرهم، ولا ينطبق على العقوبات التي أنزلها المسلمون بهم في العهد النبويّ؛ لأنها كانت عقوبات تتّسم بالعدالة -كما هو معلوم- إذ لم تتناول إلا مَن يستحقّها منهم!
وأمّا أنه مخالف للمشهور عن أئمّة التفسير واللغة في معنى الجوس، فإليك الدليل:
١ - قال ابن جرير: وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول: معنى جاسوا: قتلوا، ويستشهد لقوله ذلك ببيت حسان:
ومنّا الذي لاقى بسيف محمَّد فجاس به الأعداء عُرض العسكر
قال: وجائز أن يكون معناه: فجاسوا خلال الدّيار، فقتلوهم ذاهبين وجائيين! (١)
قال القرطبي: فجمع بين قول أهل اللغة! (٢)
_________________
(١) تفسير الطبري: ١٥: ٢٧ - ٢٨.
(٢) تفسير القرطبي: ١٠: ٢١٦.
[ ٤ / ١٧٤٤ ]
٢ - وقال صاحب الكشاف: وأسند الجوس -وهو التردّد خلال الدّيار بالفساد- إليهم، فتخريب المسجد وإحراق التوراة من جملة الجوس المسند إليهم! (١)
٣ - وقال البيضاوي: ﴿فَجَاسُوا﴾! تردّدوا لطلبكم ﴿خِلالَ الدِّيَارِ﴾! وسطها للقتل والغارة، فقتلوا كبارهم، وسبوا صغارهم، وحرقوا التوراة، وخرَّبوا المسجد! (٢)
٤ - وقال ابن منظور: الجوس مصدر عباس جوسًا وجوَسانًا: تردّد، وفي التنزيل العزيز:
﴿فَجَاسوا خِلالَ الدّيَارِ﴾!
أي تردّدوا بينها للغارة، وهو الجوسان!
وقال القراء: قتلوكم بين بيوتكم!
وقال الزجاج: أي فطافوا في خلال الدّيار ينظرون، هل بقي أحد لم يقتلوه؟ (٣)
وبهذا يتبيَّن أن الجوس معناه هنا التردّد للقتل والإفساد!
ثم على فرض التسليم برأيه في معنى الجوس، لنا أن نتساءل: هل المسلمون لم يكلفهم تأديب اليهود إلا أن جاسوا خلال الدّيار؟!
الذي يبدو أن المسلمين كلفهم تأديب اليهود أكثر من ذلك؛ لأنهم بالنسبة
_________________
(١) تفسير الكشاف: ٢: ٣٥٢.
(٢) تفسير البيضاوي: ٣٧١.
(٣) لسان العرب (جوس) وانظر: تاج العروس، والمعجم الوسيط.
[ ٤ / ١٧٤٥ ]
لبني قينقاع -كما سيأتي- حاصروهم بضعة عشر يومًا، وأجلوهم عن المدينة بعد مفاوضات ومجادلات!
وبالنسبة لبني النضير حاصرهم المسلمون -كما سيأتي- حتى اضطرّوهم إلى الجلاء عن المدينة!
وبالنسبة لبني قريظة حاصرهم المسلمون -كما سيأتي- ثم قتلوا المقاتلين!
وبالنسبة ليهود خيبر دارت معارك ضارية -كما سيأتي- انتهت بالقضاء عليهم عسكريًا!
فتأديب اليهود كلّف المسلمين أكثر من جوس الديار بالمعنى الذي يراه!
جـ- قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾!
يفيد أن المسجد يؤخذ من أيدي اليهود عنوة، ومن يأخذه يخربه ويهدمه، وهذه الأوصاف والأعمال تنطبق على البابليّين والرّومان وغيرهم؛ لأنهم عندما دخلوا أورشليم قبل الإِسلام دمّروها وهدموا هيكلها!
أما المسلمون فإنهم عندما فتحوا فلسطين -كما سيأتي- في عهد عمر بن الخطاب - ﵁ - سنة ١٥ هـ ٦٣٦ م، لم يكن لليهود أثر فيها، ولم يأخذوا المسجد الأقصى منهم، وإنما أخذوه من النصارى، وهم الرومان يومئذ، الذين كانوا قد استولوا على بلاد الشام مئات السنين، ثم بعد أن دخلوا أزالوا معالم الوثنيّة والشرك، وطهّروه للعابدين، ولم يحصل من المسلمين تخريب أو تدمير لمسجد أو غيره من بلاد الله كما يفيده قوله تعالى: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾!
وإذن فالعباد الذين سلّطهم الله علي بني إسرائيل بعد إفسادهم الأوّل في
[ ٤ / ١٧٤٦ ]
الأرض، تنطبق أوصافهم وأعمالهم وعقوباتهم المدمّرة لبني إسرائيل على العباد الذين أذلوهم قبل الإِسلام، كالبابليّن والرّومان، ولا تنطبق على أصحاب رسول الله - ﷺكما قال!
خامسًا: تحدّث تحت عنوان: (ردّ الكرة)!، فقال: قال تعالى:
﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾!
ردّت ليهود الكرّة علينا بعد ألف وثلائمائة ونيّف وسبعين من تأديب الله لهم، منذ بعث عليهم عباده المؤمنين من أصحاب رسول الله - ﷺ - فجاسوا خلال الديار إلخ!
ونحن لا نوافقه لأمور منها:
أ- أن قوله تعالى: ﴿ثمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾! يفيد أنه حسنت حالهم، وتركوا ما هم عليه من فساد وإفساد، حتى ردّ الله لهم الكرّة على عدوّهم، وتلك سنّة الله في خلقه، ينصر من تاب إليه وأناب، وهذا المعنى الذي تفيده الآية لا يمكن أن يوسف به اليهود في عصرنا؛ إذ هم مازالوا على فسادهم وإفسادهم وكفرهم وطغيانهم، ولكن يمكن أن توصف به القلّة المؤمنة التي أطاعت طالوت وقاتلت معه -كما أسلفنا-، وأيّدت داود ﵇ وناصرته، وقالت عندما برزت لجالوت وجنوده: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللهِ " (البقرة: ٢٥١)!
وإذن فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾! أكثر ما يكون انطباقًا على بني إسرائيل الذين قاتلوا مع طالوت بعزيمة صادقة، وإيمان راسخ، وصبر جميل، ولهذا نصرهم الله على أعدائهم!
[ ٤ / ١٧٤٧ ]
ب- ما قاله من أن اليهود ردّت لهم الكرّة علينا، وأمدّوا بثلاث، ما أمدّوا في تاريخهم بمثلها!
بأموال تتدفَّق عليهم من أقطار الأرض!
وبنين مهاجرين ومقاتلين!
وكثرة الناصر لهم إلخ!
ينطبق على حالهم في عهد داود ﵇كما أسلفنا- لأنهم في ذلك العهد أمدّهم الله بالأموال الكثيرة، والبنين، وصاروا أكثر عددًا من أعدائهم، ولعلّنا لا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا: إن عهد حكم داود وسليمان ﵉ لبني إسرائيل هو العهد الذهبي الوحيد لهم طول حياتهم!
أمّا ما جاء بعد ذلك من تاريخ بني إسرائيل إلى وقتنا الحاضر، فما هو إلا سلسلة من المآسي والنكبات -كما عرفنا وكما سيجيء- وسيستمر احتقار العالم لهم، وكرهه إيّاهم، وانتقامه منهم إلى يوم القيامة، وإن بدا في عصرنا هذا أنه متعاطف معهم ومساند لباطلهم، وذلك بسبب أنانيتهم وسعيهم في الأرض فسادًا، وقد صرح القرآن الكريم بذلك في قوله تعالى:
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُم سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (الأعراف: ١٦٧)!
هذا، وإن اليهود مهما أمدّوا وأُعينوا من دول الكفر الكبرى فهم ليسوا أكثر أبناء ولا نفيرًا منا نحن المسلمين، وليسوا أيضًا أكثر أموالًا منا إذا وازنا بين ما نملكه
[ ٤ / ١٧٤٨ ]
من ثروات فوق الأرض وتحتها، ومن قدرة على العمل الذي يجلب المال بحكم كثرة العدد، لو أحسنا التصرّف فيما نملك!
وعندما يطبق المسلمون تعاليم الإِسلام تطبيقًا كاملًا، ويؤدّون رسالتهم في الحياة كما أمرهم الله، ويحسّون الشعور بالمسؤوليّة، ويراقبون الله في كل تصرّفاتهم، عندما ما يكونون كذلك يفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض!
سادسًا: يقول: وقد قرّر سبحانه أنه سيجمعهم ألفافًا لنبيدهم، فقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾!
ويبدو بوضوح أنه يفسر ﴿الآخِرَةِ﴾ هنا بمعنى المرّة الآخرة من مرّتي إفسادهم .. وهو مخالف لأقوال المفسّرين.
قال ابن جرير: (١) فإذا جاءت الساعة، وهي وعد الآخرة جئنا بكم لفيفًا!
يقول: حشرناكم من قبوركم إلى موقف القيامة لفيفًا: أي مختلطين، قد التفّ بعضكم ببعض، لا تتعارفون، ولا ينحاز أحد منكم إلى قبيلته وحيّه!
وقال القرطبي: (٢) ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ﴾! أي القيامة: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾!
أي من قبوركم مختلطين من كل موضع، قد اختلط المؤمن بالكافر لا يتعارفون!
وقال صاحب الكشاف: (٣) ﴿فإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَة﴾! يعني قيام الساعة!
_________________
(١) تفسير الطبري: ٥: ١٧٦ - ١٧٧.
(٢) تفسير القرطبي: ١٠: ٣٣٨.
(٣) تفسير الكشاف: ٢: ٣٧٧.
[ ٤ / ١٧٤٩ ]
﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾! جميعًا مختلطين إيّاكم وإيّاهم، ثم يحكم بينكم، ويميز بين سعدائكم وأشقيائكم!
وقال القاسمي: (١) أي قيام الساعة!
سابعًا: يقول في صدر مقاله: وأبادر فأطمئن الذين يهولهم هذا التخريج فيروله مخالفًا للمأثور والمعروف من أقوال المفسّرين إلى أنه لم يصح عن رسول الله - ﷺ - فيه شيء، وإلى أن المأثور عن بعض الصحابة مضطرب لا تقوم به حجة، وإلى أن الأمر لا يعدو أن يكون تاريخًا أو تأويلًا، لا يقال في مخالفته إنه تحريف للكلم عن مواضعه!
وهذا القول نردّ عليه -أولًا- بأنه خروج عن ظاهر القرآن، بل عن صريحه الذي لا يمكن للمتأمل أن يفهم غيره، وهو أن المراد من الكتاب في قوله تعالى: ﴿وَقضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ في الْكِتَابِ﴾!
هو التوراة، لا القرآن الكريم .. وهذا -كما سبق- هو قول جمهور المفسّرين!
والخروج عن النصوص الصريحة يعد مجافاة للحق، ولا ينبغي للمسلم أن يتجاوز مدلول الألفاظ القرآنيّة ويخرج عما تقتضيه معانيها!
ونردّ عليه- ثانيًا- بأن ذلك لا يساعد عليه التاريخ الصحيح -كما أسلفنا-، فإذا ضممنا إلى ذلك أن الآيات تفيد أن ردّ الكرة لليهود يكون نتيجة صلاح في الدين، وإحسان في العمل، وتوبة من الآثام .. كان استيلاء اليهود اليوم على فلسطين نتيجة لذلك!
_________________
(١) تفسير القاسمي: ١٠: ٤٠٠٨.
[ ٤ / ١٧٥٠ ]
وهذا كله يناقض الواقع الذي نلمسه بأيدينا، من حيث فسادهم وإفسادهم واعتداؤهم وطغيانهم!
وعلينا أن نجتمع على العقيدة ونمكّن لدين الله في الحياة حتى ينصرنا الله!
﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (الروم: ٥)!
فتح المسلمين للقدس:
ونجد أنفسنا أمام فتح المسلمين للقدس؛ لأنها حرم مقّدس، ربط القرآن الكريم بينها وبين الحرم المكّي -كما عرفنا- في قوله تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾!
وهي في الدين والعقيدة أولى القبلتين، وثالث الحرمين، وحرمها مع الحرمين: المكّي والمدني يمثلون المساجد الثلاثة التي تنفرد بشد الرحال للصلاة فيها!
يروي الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول - ﷺ -: "لا تشدّ الرحال إِلا إِلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول - ﷺ -، ومسجد الأقصى". (١)
وسبق أن عرفنا فضل الصلاة في هذه المساجد .. !
_________________
(١) البخاري: ١٩ - التهجد (١١٨٩)، ومسلم (١٣٩٧)، والحميدي (٩٤٣)، وعبد الرزاق (٩١٥٨)، وأحمد: ٢: ٢٣٤، ٢٣٨، وأبو داود (٢٠٣٣)، والنسائي: ٢: ٣٧، والبيهقي: ٥: ٢٤٤، والخطيب: تاريخ بغداد: ٩: ٢٢٢، وتعدّدت الروايات في ذلك.
[ ٤ / ١٧٥١ ]
وقد حرص المسلمون على فتحه سلمًا وصلحًا، وقد تسلّم مفاتيحه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ -، وسار على هذه السنة صلاح الدّين الأيوبي عندما استردّها من الصليبيّين (٥٨٣ هـ - ١١٨٧ م) بعد ما يقرب من تسعين عامًا، وانتهكوا حرمتها وقدسيّتها! (١)
وكانت القدس -على مرّ تاريخ الصّراع بين الغرب الصّليبي والشرق الإِسلامي- رمز هذا الصّراع، وبوابة الانتصارات .. حتى لقد لخّص الشاعر العماد الكاتب (٥١٩ - ٥٩٧ هـ/ ١١٢٥ - ١٢٥١ م) هذه الحقيقة من حقائق إستراتيجية هذا الصراع عندما قال لصلاح الدّين الأيوبي:
وهيّجت للبيت المقدّس لوعة يطول بها منه إِليك التشوّق
هو البيت إِن تفتحه والله فاعل فما بعده باب من الشام مغلق
القدس الشريف:
ولقد حرص المسلمون عندما حرّروا القدس (١٥ هـ/ ٦٣٦ م) من الاستعمار الرّومانيّ .. الذي دام عشرة قرون -على أن يكون اسمها عنوانًا على قداستها وقدسيتها اسم (القدس)، و(القدس الشريف) و(الحرم القدسي)، كما حرصوا على أن تكون السلطة الإِسلاميّة هي الضمان الوحيد لذلك .. فلم تحتكرها للإسلام، كما احتكرها الرومان لأنفسهم -عندما كانوا وثنيّن-
_________________
(١) مجلة المجتمع: العدد ١٨٤١ - ٣ ربيع الأول ١٤٣٠ هـ ٢٨/ ٢ / ٢٠٠٩ م بتصرف.
[ ٤ / ١٧٥٢ ]
ولمذهبهم النصراني- عندما تنصّروا- وكما احتكرها الصليبيون الكاثوليك- إبان الاحتلال الصليبي .. وكما يحتكرها اليهود ويهوّدونها هذه الأيام!
وكما شأن العقيدة الإِسلاميّة التي تفرّدت وتميّزت وامتازت بالاعتراف بالآخرين .. وبحماية مقدّساتهم!
خطبة الفاروق - ﵁ -:
وحسبنا أن نذكر خطبة الفاروق عمر - ﵁ -، في المجموع المحتشدة بإيلياء
فقال:
"يا أهل اللياء، لكم ما لنا وعليكم ما علينا".
ثم دعاه البطريرك صفرونيوس لتفقد (كنيسة القيامة) فلبّى دعوته، وأدركته الصلاة، وهو فيها، فالتفت إلى البطريرك وقال له: (أين أصلِّي؟) فقال: مكانك صلّ، فقال: ما كان لعمر أن يصلي في كنيسة القيامة، فيأتي المسلمون من بعدي ويقولون: هنا صلى عمر، ويبنون عليه مسجدًا!!)
وابتعد عنها رمية حجر، وفرش عباءته، وصلى، وجاء المسلمون من بعده، وبنوا على مصلاه مسجدًا، وهو قائم على رمية حجر من كنيسة القيامة إلى يومنا هذا!
العهدة العمرية:
وأعطى أمير المؤمنين عمر - ﵁ - هؤلاء الروم وثيقة أمان، عرفت بالعهدة العمريّة، وهي لم تزل محفوظة في بطريرك الروم الأرثوذكس في القدس الشريف، وهذا نصّها:
[ ٤ / ١٧٥٣ ]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان:
أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم: سقيمها وبريئها وسائر ملّتها، إنه لا تسكن كنائسهم، ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها ولا من خيرها، ولا من صلبهم، ولا شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولايضارّ أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود!
وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية، كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية!
ومن أحبّ من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم، وعلى بيعهم وصلبهم، حتى يبلغوا مأمنهم، فمن شاء منهم قعد، وعليهم مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الرّوم، ومن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتّى يحصدوا حصادهم!
وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمّة رسوله، وذمّة الخلفاء، وذمّة المؤمنين، إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية!
شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان)! (١)
ونلاحظ النص على منع اليهود من السكن في إيلياء، بناء على طلب
_________________
(١) انظر كتابنا: الرسول واليهود وجهًا لوجه: ٤: ١٧١٧ وخطر اليهودية: ١٣٠ - ١٣١.
[ ٤ / ١٧٥٤ ]
البطريرك؛ لأن المسلمين حين فتحوا بيت المقدس لم يجدوا فيها أحدًا من اليهود، والنصارى قد حرّموا عليهم العيش في المدينة المقدّسة تخلّصًا من مؤامراتهم ودسائسهم!
أساطير التعصّب والحروب:
ومعلوم أن أساطير التعصّب الصليبي هي التي دفعت البابا الذهبي (أوريان الثاني ١٠٨٨ - ١٠٩٩ م) لتغليف الأطماع الاستعمارية بالأساطير اللاّهوتيّة .. فخطب في أمراء الإقطاع الأوروبّيين - بمدينة (كليرمونت) بجنوبي فرنسا ١٠٩٥ م مفتتحًا قرنين من الحروب الصليبية (٤٨٩ - ٦٩٠ هـ / ١٠٩٦ - ١٢٩١ م) ضد الإِسلام وأمّته وحضارته، فقال:
يا من كنتم لصوصًا كونوا اليوم جنودًا! لقد آن الزمان الذي فيه تحوّلون ضدّ الإِسلام تلك الأسلحة التي أنتم الآن تستخدمونها ضد بعضكم بعضًا .. فالحرب المقدّسة المعتمدة الآن .. هي (في حق الله عينه) .. وليست هي لاكتساب مدينة واحدة .. بل هي أقاليم آسيا بجملتها، مع غناها وخزائنها العديمة الإحصاء!
فاتخذوا محجة القبر المقدّس، وخلّصوا الأراضي المقدسة أيادي المختلسين، وأنتم املكوها لذواتكم، فهذه الأرض -حسب ألفاظ التوراة- تفيض لبنًا وعسلًا .. ومدينة (أورشليم) هي قطب الأرض المذكورة، والأمكنة المخصبة المشابهة فردوسًا سماويًا!
اذهبوا وحاربوا البربر (يقصد المسلمين!) لتخليص الأراضي المقدّسة
[ ٤ / ١٧٥٥ ]
من استيلائهم - امضوا متسلّحين بسيف مفاتيحي البطرسيّة (أي مفاتيح الجنّة التي صنعها لهم البابا) واكتسبوا بها لذواتكم خزائن المكافآت السماويّة الأبديّة، فإذا أنتم انتصرتم على أعدائكم، فالملك الشرقيّ يكون لكم قسمًا وميراثًا!
وهذا هو الحين الذي فيه أنتم تغدون عن كثرة الاغتصابات التي مارستموها عدوانًا، من حيث إنكم صبغتم أيديكم بالدم ظلمًا، فاغسلوها بدعم غير المؤمنين. (١)
وعندما اقتحمت الجيوش الصليبية يومئذ - مدينة القدس (٤٩٢ هـ - ١٥٩٩ م) أبادوا جميع من بها من المسلمين- ومعهم اليهود -بالقتل والذبح والحرق .. حتى الذين احتموا بمسجد عمر -قبّة الصخرة- ذبحهم الصليبيون في المسجد، حتى تحوّل المسجد إلى بحر من الدماء! .. وبعبارة صاحب (حرب الصليب):
إن الصليبيين -خيّالة ومشاة- قد دخلوا المسجد المذكور، وأبادوا بحدّ السيف كل الموجودين هناك، حتى الجامع من الدم بحرًا متموّجًا، علا إلى حدّ الركب، بل إلى لجم الخيل!!
ولما حلّ المساء تدافع الصليبيون يبكون من فرط الضحك!! بعد أن أتوا المسيح، فأخذ في غسل يديه تخلصًا من الدماء اللاصقة بها، مرددًا المزمور التالي:
_________________
(١) انظر: المجتمع: العدد ١٨٤١ - ٣ ربيع الأول ١٤٣٠ هـ ٢٨/ ٢ / ٢٠٠٩ م، والعدد ١٨٤٢ - ١٠ ربيع الأول ١٤٣٠ هـ - ٧/ ٣ / ٢٠٠٩ م.
[ ٤ / ١٧٥٦ ]
(يفرح الأبرار حين يرون عقاب الأشرار، ويغسلون أقدامهم بدمهم، فيقول الناس: حقًا إن للصديق مكافأة، وإن في الأرض إلهًا يقضي: المزمور: ٥٨: ١٠ - ١١) ثم أخذ في أداء القداس قائلًا: إنه لم يتقدّم في حياته للرب بأي قربان أعظم من ذلك ليرضى الرب). (١)
هكذا بدأت الأساطير النصرانيّة حول القدس .. وهكذا وضعها الصليبيّون في الممارسة والتطبيق!
وهذه الأساطير النصرانيّة هي التي وضعت (كريستوفر كولومبس) (١٤٥١ - ١٥٠٦ م) بعد هزيمة الحملات الصليبيّة في الشرق، وعقب نجاح الصليبيين في إسقاط غرناطة في يناير سنة ١٤٩٢ م إلى أن يسعى إلى القيام بغزوة صليبيّة جديدة -يعيد بها اختطاف القدس من الإِسلام والمسلمين، فكتب إلى ملك إسبانيا (فرديناندز) (١٤٧٩ - ١٥١٦ م)، و(إيزابيلا) (١٤٧٤ - ١٥٠٤ م) يقول: إن هدفه هو العثور على الذهب بكميات كبيرة، حتى يتسنّى للملكين أن يفتحا الديار المقدّسة خلال ثلاث سنوات .. فقد أعلنت لسموّكما أن كل المغانم التي سيدرها مشروعي هذا سوف تنفق على فتح القدس، وقد ابتسمتما -يا صاحبي الجلالة- وقلتما: إن ذلك يسركما! (٢)
وفي رسالة ثانية تحدث (كولمبس) إلى ملك إسبانيا عن أن هدف حياته ومشاريعه رحلاته هو تجهيز حملة صليبيّة لإعادة القدس إلى الكنيسة الكاثوليكية فقال:
_________________
(١) انظر: السابق.
(٢) انظر: السابق.
[ ٤ / ١٧٥٧ ]
لقد مكثت في بلاطكم سبعة أعوام مناقشة هذا الأمر مع العديد من الرجال .. ولهذا فيجب علينا أن نؤمن بأن أمر القيام بحملة صليبيّة لاستعادة مدينة القدس، لهو أمر سوف يتحقّق بالفعل .. لقد قال به يسوع المسيح المخلص، وذكره من قبل عبر رسالة القدّيسين!
لقد ذكر الكاردينال (بيير) الكثير عن نهاية المسلمين، كما أن الأب (يواقيم الفيوري) قد ذكر أن الشخص الذي سيقوم بإعادة بناء الضريح المقدس، فوق جبل صهيون بالقدس، سوف يخرج من إسبانيا .. فلتكونوا واثقين من إحراز النصر في مسألة استعادة الضريح المقدس ومدينة القدس إلى أحضان الكنيسة الكاثوليكية! (١)
تلك هي الأساطير النصرانيّة -حول القدس -كما أمر بها (كريستوفر كولمبس) - الذي ما نزال ندرّسه لأبنائنا في المدارس باعتباره من عظماء المستشكفين الجغرافيين!
ولقد أدخلت البروتستانتيّة (البعد اليهودي) إلى هذه الأساطير -المحرّكة لاختطاف القدس- وذلك عندما أصدر (مارتن لوثر) (١٤٨٣ - ١٥٤٦ م) سنة ١٥٢٣ م كتابه (المسيح يهوديًا) وقال:
إن الروح القدس أنزل كل أسفار الكتاب المقدّس عن طريق اليهود وحدهم، إن اليهود هم أبناء الله، ونحن الضيوف والغرباء، ولذلك فإن علينا أن نرضى أن نكون كالكلاب التي تأكل مما يتساقط من فتات مائدة أسيادها! (٢)
_________________
(١) انظر: السابق.
(٢) انظر: السابق.
[ ٤ / ١٧٥٨ ]
ولقد أدخلت البروتستانتيّة إلى صميم العقيدة المسيحيّة ثلاثة مبادئ -هي ثلاث أساطير- دمجت البعد اليهوديّ في البعد النصراني إزاء قضيّة القدس وفلسطين .. وهذه (المبادئ - الأساطير) هي:
أولًا: إن اليهود هم أبناء الله وشعبه المختار!
ثانيًا: إن ثمة ميثاقًا إلهيًا يربط اليهود بالأرض المقدّسة بعودة المسيح بقيام دولة صهيون!
وهذه (المبادئ - الأساطير) هي التي أثمرت تيّار (المسيحيّة - الصهيونيّة) في الحضارة الغربيَّة .. ذلك التيّار الذي استغلّته الحركة الصهيونيّة في شراكتها مع الإمبراياليّة الغربيّة .. والذي قال عنه (بنيامين نتنياهو) عندما كان سفيرًا للكيان الصهيوني بالأمم المتحدة - في خطابه أمام الجمعيّة العامة في فبراير سنة ١٩٨٥ م:
(إن كتابات المسيحيّين الصهيونيين -من الإِنجليز والأمريكان- أثرت بصورة مباشرة على تفكير قادة تاريخيين، مثل (لويد جورج - ١٨٦٣ - ١٩٤٥ م) و(آرثر بلفور - ١٨٤٨ - ١٩٣٥ م)، و(درو ولسون - ١٨٥٩ - ١٩٢٤ م) في مطلع القرن العشرين!
إن حكم اللقاء العظيم (عودة المسيح) أضاء شعلة خيال هؤلاء الرجال الذين لعبوا دورًا رئيسًا في إرساء القواعد السياسيّة والدوليّة لإحياء الدولة اليهوديّة .. لقد تفجّر الحلم اليهودي من خلال المسيحيّن الصيهونيّين!) (١)
_________________
(١) انظر: السابق.
[ ٤ / ١٧٥٩ ]
ويطول بنا الحديث إذا حاولنا ذكر ما نقله المفكر الإِسلامي المعاصر الدكتور محمَّد عمارة في ذكر تلك الأساطير .. ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتابه القيم: (في فقه الصراع على القدس وفلسطين). (١)
قذائف الحق:
وإذا كان الأمر كذلك فإن علينا أن ندرس سيرة النبيّ - ﷺ - دراسة موضوعيّة -كما سبق- أن بيّنت كل ما يتصل بقضيّتنا مع اليهود في إذاعة القرآن الكريم من دولة الكويت صباحًا، وأذيعت في البرنامج العام مساء، طيلة سبعة أشهر كاملة!
ولقيت الأحاديث بفضل الله وتوفيقه ترحيبًا وتقديرًا، مما دفعني إلى تقديمها للطبع في دار الوفاء بالمنصورة بعد المعاهدة المسمَّاة (كامب ديفيد)، اشتملت على الكتب التالية:
الأول: أسطورة الوطن اليهودي!
الثاني: مفتريات الفكر اليهودي!
الثالث: موقف اليهودي من الرسالة والرسول - ﷺ -!
الرابع: فساد الطبيعة اليهودية!
الخامس: التآمر اليهودي على حياة الرسول - ﷺ -.
السادس: اليهود والخيانة عبر تاريخهم!
_________________
(١) ط دار الشروق - القاهرة ٢٠٠٥ م.
[ ٤ / ١٧٦٠ ]
السابع: القضاء على اليهود عسكريًا!
الثامن: محاكمة اليهود ودورهم في انحطاط الأخلاق!
التاسع: هذا هو الخطر اليهودي!
العاشر: معالم النصر على اليهود في العصر الحاضر!
ونفدت الطبعة بسرعة، ومن ثمّ طلب الكثيرون إعادة الطبع تحت العنوان الذي قدّمتها فيه إلى إذاعة الكويت (الرسول - ﷺ - واليهود وجهًا لوجه: دراسة تحليليّة عبر التاريخ في ضوء الكتاب والسنة - ضرورية لكل مسلم)، وترجمتها إلى اللغات الأخرى، لأهميّة موضوعها!
وإذا كنا قد أبصرنا بعض أساطير التعصّب والحروب، فإن علينا أن نوقن بالواقع المقرّر الذي تجري به السنة، ويقتضيه الناموس، وهو غلبة الحق وزهوق الباطل (١)، والحق أصيل على الباطل العارض:
﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: ١٨)!
والتعبير يرسم هذه السنة في صورة حسّيّة حيّة متحرّكة، فكأنما الحق قذيفة في يد القدرة، تقذف به على الباطل، فيشق دماغه!، فإذا هو زاهق هالك ذاهب!
هذه هي السنة المقرّرة، فالحق أصيل في طبيعة الكون، عميق في تكوين الوجود، والباطل منفي عن خلقة هذا الكون أصلًا، طارئ لا أصالة فيه، ولا سلطان له، يطارده الحق، ويقذف عليه فيدمغه، ولا بقاء لشيء يطارده الحق، ولا حياة لشيء تقذفه يد الحق فتدمغه!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٤: ٢٣٧٢ بتصرف
[ ٤ / ١٧٦١ ]
ولقد يخيّل للناس أحيانًا أن واقع الحياة يخالف هذه الحقيقة التي يقررها العلم الخبير .. وذلك في الفترات التي يبدو فيها الباطل منتفشًا كأنه غالب، ويبدو فيها الحق منزويًا كأنه مغلوب -كما نرى ونشاهد الآن- وإن هي إلا فترة من الزمان، يمدّ الله فيها ما يشاء، للفتنة والابتلاء .. ثم تجري السنّة الأزليّة الباقية التي قام عليها بناء السماء والأرض، وقامت عليها العقائد والدعوات سواء بسواء!
والمؤمنون بالله لا يخالجهم الشك في صدق وعده، وفي أصالة الحق في بناء الوجود ونظامه، وفي نصرة الحق الذي يقذف به على الباطل فيدمغه .. فإذا ابتلاهم الله بغلبة الباطل حينًا من الدهر، عرفوا أنها الفتنة، وأدركوا أنه الابتلاء، وأحسّوا أن ربّهم يربّيهم ويريد أن يعدّهم لاستقبال الحق المنتصر، وأن يجعلهم ستار القدرة، فيدعهم يجتازون فترة الابتلاء .. وكلما سارعوا إلى العلاج قصّر الله عليهم فترة الابتلاء .. وحقّق على أيديهم ما يشاء .. أما العاقبة فهي مقررة:
﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾!
ونبصر الفجر قد أشرقت أنواره، وبدت مطالعه .. ونبصر قلوبًا تتطلَّع إلى الخير، والمستقبل المليء بالخير .. ونحسّ بأننا نتطلّع إلى يوم النصر!
ويحدونا الأمل والبشر، ونحن نذكر قول الرسول - ﷺ - فيما يرويه أبو داود وغيره بسند صحيح عن أبي هريرة - ﵁ -: "إِن الله يبعث لهذه الأمّة على رأس كل سنة من يجدّد لها دينها"! (١)
_________________
(١) أبو داود (٤٢٩١)، والحاكم: ٤: ٥٢٢، والبيهقي: معرفة السنن والآثار: ٥٢٠، وانظر الأقوال في معنى التجديد والمجددين في: عون المعبود: ١١: ٣٨٥ - ٣٩٦.
[ ٤ / ١٧٦٢ ]
ويزداد الأمل والبشر، ونحن نعيش في رحاب السيرة النبويّة، في هذه الدراسات التي تصنع أيدينا على معالم طريق النصر على اليهود وغيرهم .. كما تمعَّنا في أطيافها قرأنا شجنًا، واستعرضنا جهادًا، وتبيَّنَّا استشهادًا، ولمسنا صدقًا، وأبصرنا يقينًا!
وهذه المعالم حين تستقرّ في الجَنان المؤمن، يستحيل أن تظلّ مجرد شعور وجداني في أعماق الضمير .. وإنما تندفع بصاحبها لتحقِّق ذاتها في عالم الواقع، ولتمثل حركة إبداعيّة في عالم المنظور، تبدع الحياة كلها، وما ينشأ عنها من أطياف:
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ (البقرة)!
وإذا كنا قد أبصرنا كيف اقتحم جيشنا في العاشر من رمضان المعظم ١٣٩٣ هـ ٦ أكتوبر ١٩٧٣ م خط (بارليف) الذي كان أسطورة من أساطير الفنون الحربيّة في العصر الحديث، باعتباره سدًّا منيعًا لا تتخطاه الجيوش، ولا تنال منه أسلحة الهدم والتدمير -هكذا قال اليهود عن هذا الخط، وهكذا شهد خبراء الحرب في العالم بأنه إن لم يكن على هذا الوصف الخارق، فإنه قريب منه- إذا كنا قد أبصرنا ذلك فإننا يجب ألا ننسى شعار هذه الحرب -كما سبق أن قدمت في الجزء الأول من هذه الدراسات -وهو (الله أكبر) في قصيدة طويلة، ومن ثم فقد رأينا ما كان من إمدادات تفوق كل ما هو متوقّع تقف بجانب اليهود .. حتى لا تكون هزيمتهم؛ لأن هذا الاقتحام كان خطوة لإزالة ما رمتنا به من نكسة ١٩٦٧ م!
ورغم الضباب الذي لفّ القضيّة والمعركة، والقيل والقال، في شأن
[ ٤ / ١٧٦٣ ]
الدوافع الكامنة وراء ذلك. فإننا نؤمن بأن هذا الاقتحام كان بلا شك عملًا مميزًا جديرًا بالوقوف أمامه طويلًا، وجديرًا بأن نذكر الدرس والعبرة، حين رفع الجند شعار (الله أكبر)، هذا الشعار الذي يجب أن نجتمع حوله، ونرفعه عاليًا، ونحمل أعناقنا على أكفّنا فداء وتضحية في سبيله:
﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾ (الروم: ٥)!
ونبصر معالم قضيّتنا مع أحفاد القردة والخنازير واضحة، يصوّرها الكتاب والسنة، وأنها ليست مجرّد صراع كما يدّعيه الغافلون، ويسمّيه العابثون، بل قذائف حق تدمغ الباطل!
- ونرى اليهود في العصر الحاضر قد تجمع منهم كثيرون في الأرض المقدسة:
- وهذا التجمع قد أفادنا، حيث تجمّعوا تحت راية عقيدتهم الباطلة، التي أصابها التزييف والتحريف والتخريف!
- وهذا يتطلّب مواجهتهم تحت راية الدّين الحق!
- ونبصر اليهود قد تملكوا أسباب القوّة والبطش كما يشهد الواقع الأليم!
- وهذا يتطلب ضرورة الأخذ بكل الأسباب الممكنة، والأمة الإِسلاميّة تملك القدرة على ذلك!
- ونبصرهم قد تجمّعوا من كل أنحاء الدنيا، ليتحقّق فيهم إذن الأمر الذي تحقّق منذ زمن، فبعث الله عليهم في فترات من الزمان من يسومهم سوء العذاب:
[ ٤ / ١٧٦٤ ]
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ (الأعراب: ١٦٧)!
نبوءة النصر:
- وهنا تتحقَّق فيهم نبوءة النصر فيما يرويه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقوم الساعة، حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم! هذا يهودي ورائي فاقتله"! (١)
وفي رواية عن عبد الله بن عُمر ﵄ قال: سمعت رسول
الله - ﷺ - يقول: "تقاتلكم اليهود، فتسلّطون عليهم، حتى يقول الحجر يا مسلم! هذا يهوديّ ورائي فاقتله" (٢)
وقال الشنقيطي (٣): لا وجه لتقييد شروح البخاري هذا النصر للمسلمين على اليهود، بكونه في زمان قتال اليهود -مع الدجال- للمسلمين، ومعهم عيسى بعد نزوله ﵇؛ إذ لا مانع من وقوع ذلك النصر مرّتين، فينصرون عليهم قبل نزول عيسى ﵇، ويستمرّ ذلك النصر عليهم إلى نزول عيسى: "حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم! هذا يهودي ورائي فاقتله"!
_________________
(١) البخاري: ٥٦ - الجهاد (٢٩٢٦)، ومسلم (٢٩٢٢)، وأحمد: ٢: ٥٣، والطبراني: مسند الشاميّين: ٤: ٢٢٧ (٣٢٣٦).
(٢) البخاري: ٦١ - المناقب (٣٥٩٣)، وانظر (٢٩٢٥)، ومسلم (٢٩٢١)، وعبد الرزاق (٢٠٨٣٧)، وأ حمد: ٢: ١٢١ - ١٢٢، ١٣١، ١٣٥، ١٤٩، والترمذي (٢٢٣٦)، وأبو يعلى (٥٥٢٣)، والبغوي (٤٢٤٦)، والطبراني: الأوسط (٩١٦١)، والآجري: الشريعة ٣٨١، والبيهقي: ٩: ١٧٥، وابن حبان (٦٨٠٦).
(٣) زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم: ٥: ٢٤٤ بتصرف.
[ ٤ / ١٧٦٥ ]
والتعبير بـ (حتى) في الحديث يدلّ على أن النصر لا يزال من حين قتالنا لليهود، حتى يقول الحجر ذلك القول، سواء كان قبل عيسى ﵇ أو في زمنه، والعقل قابل لكل ذلك، والإيمان بما أخبر به رسول الله - ﷺ - واجب، وهو في حديث الصحيحين هذا لم يقيّد بما بعد نزول عيسى -﵊- وحينئذ فهو شامل لما قبل نزوله وما بعده، حيث أراد الله ذلك إن شاء!
وذكر لفظ مسلم عن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال (١): "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إِلا الغرقد، فإِنه من شجر اليهود"!
وفي هذا ظهور الآيات قبل قرب قيام الساعة، من كلام الجماد من شجر وحجر، وظاهره أن ذلك ينطق حقيقة، ولا مانع، ويحتمل المجاز بأن يكون المراد أنهم لا يفيدهم الاختبار وراء الشجر والحجر، والحمل على الحقيقة أولى! (٢)
قال ابن حجر: وفيه أن الإِسلام يبقى إلى يوم القيامة! (٣) ومن أراد المزيد فليرجع إلى معالم النصر على اليهود في العصر الحاضر من كتاب (الرسول - ﷺ - واليهود وجهًا لوجه: دراسة تحليليّة عبر التاريخ في ضوء الكتاب والسنة فهي ضرورية لكل مسلم. (٤)
_________________
(١) مسلم: ٥٢ - الفتن (٢٩٢٢).
(٢) زاد المسلم: ٥: ٢٤٥ بتصرف.
(٣) فتح الباري: ٦: ٦١.
(٤) انظر: ٤: ١٦٥٩ وما بعدها.
[ ٤ / ١٧٦٦ ]
الأقصى بين الأمس واليوم
[ ٤ / ١٧٦٧ ]
الأقصى بين الأمس واليوم
• الأقصى ينادي
• شكوى
• جواب الشكوى
• فلسطين الدامية
• أخي
• ردّ على الشهيد
• نكبة فلسطين
• يا أمّتي وجب الكفاح
• يا قدس
• إلى القدس هيّا نشدّ الرحال
• فلسطين الغد الظاهر
• مناجاة في رحاب الأقصى
• ذبحوني من وريد لوريد
• اغضب لله
• مشاهد وعبر
[ ٤ / ١٧٦٨ ]
الأقصى بين الأمس واليوم
الأقصى ينادي:
هذا، والإِسلام حيويّة زاخرة، في روحانيّة باهرة .. وإنسانيّة سامية، في واقعيّة عاملة .. ومن ثم فهو دين ودنيا .. وتشترك في ذلك قوى الإنسان جميعًا، وتتعاون ملكاته كافّة، وتتكامل مواهبه عامّة، فإذا كل أولئك قائم في خدمة الإِسلام، ملحوظ بعنايته، مشارك في حمايته، مؤبّد برعايته .. وهو متجدد باق على الدهر!
وواقعنا كأمّة إسلاميّة يندى له الجبين .. ولا يختلف اثنان من العقلاء على ضرورة اليقظة من هذه الغفلة التي تعيشها الأمّة .. رجاء أن تعود إلينا سيرتنا الأولى، وتهب نفحات القرن الأول، ويولد لـ (الدين القيم) عالم جديد، يكون قضاء الله الغالب، وقدره الذي لا يرد .. ويعود المسجد الأقصى المبارك إلى أيدي المسلمين!
المسجد الأقصى يئن بحرقة مسرى الرسول يهيب بالعبّاد!
لبّوا الندا إِن اليهود بساحتي فعلوا خسيس الفحش والإِفساد!
فليشهد التاريخ أنّا أمّة تحمي الحمى بعقيدة وجهاد!
[ ٤ / ١٧٦٩ ]
شكوى
ويطيب لي أن أقدّم هذه الشكوى للمفكر الإِسلامي المرحوم محمَّد إقبال (١) نراه في مطلع هذه الشكوى يصوّر أشجانه وآلامه، ثم يوجّه العتب المرير إلى النفس واستسلامها للمحن، ويقول:
لماذا أبقى بقاء الزهرة الخرساء، ولا أحلّق كالطير المغرّد .. ثم يستأذن .. وفي فمه التراب، ليعلن صرخة المسلمين، ويجأر بدعواتهم، ولم لا؟! وقيثارته مملوءة بالأنين والأشجان، تريد أن تنطلق على شفتيه بأنفاسه المتصاعدة!
ربّاه! إليك شكوى عبيدك الأوفياء الذين لم يتعوّدوا إلا إزجاء الحمد وترتيل الثناء!
لقد كانت الدنيا قبل هذا الدين الإِسلاميّ عالمًا من الظلام، تسوده الوثنيّة، وتحكمه الأصنام .. وفي بقاع هذا المعمور كانت سجدات الإنسان لا تعرف غير الأوثان .. ولم يكن الإنسان يعبد غير هذه التماثيل المنحوتة من الأحجار، والصور المصنوعة من الأشجار، وحارت فلسفة اليونان وتشريع الرومان، وضلّت حكمة الصّين في الفلوات، ولكنَّ ساعد المسلم القويّ اقتلع من الأرض شجرة الاتحاد، وأطلع على الإنسانيّة نورًا من التوحيد وظلًّا من الاتحاد!
ربّاه! لقد كانت بساتن هذا الكون بغير أنغام، وأزهارها خالية من العطر، وكان هواؤها دوي العاصفة، ونسيمها دمدمة الرعود، حتى إذا جاء
_________________
(١) فلسفة إقبال والثقافة الإِسلاميّة في الهند وباكستان: ٧٧ وما بعدها بتصرف.
[ ٤ / ١٧٧٠ ]
رسول مكّة الأمّيّ علّم أهل الأرض حياة أهل السماء، ودلّ سكّان عالم الفناء على طريق عالم البقاء!
نحن الذين نشرنا في الأرض العبير، ومحونا آية الليل بآية الصبح المنير، أصبح إيماننا جنون عشق، فوجهنا الإنسانية بنورك في مثل كرة الطرف إلى معرفة الحق والنور والجمال!
لقد كانت الدنيا عامرة بشعوب وممالك، وكان بها السلجوقي والتوراني والصيني، وكان بها ملك ساسان وبقايا الرومان واليونان، فرفعنا علم التوحيد، وجمعنا أبناء البشر وأجياله أسرة مؤمنة بك موحّدة لك، أصلحنا الفاسد، وقوّمنا المعوجّ، وناضلنا في البر والبحر، وارتفع صوتنا بالأذان فوق معابد أوروبا، وارتسمت سجداتنا على رمال الصحراء في إفريقيا، لم نخش عسف الأكاسرة، ولا طغيان الجبابرة، ولا سلطان الأباطرة، وأسمعنا العالم كله كلمة التوحيد، وصليل السيوف المشرعات كان يدوّي مع الهاتفين "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك القدّوس العزيز الحكيم"، لم نكن نحرص على الحياة، ولكن كنا نجاهد من أجل دينك ليحيا إلى الأبد في تفانينا، وما بعنا الأرواح لدنيا نشتريها، بل كنا نطوف حول الكرة، ورؤوسنا على أكفنا، لنجعل اسمك الأعلى منارًا، ونحن نحطم في تطوافنا الهياكل والأصنام، جاعلين فضتها ونضارها ترابًا تحت الأقدام، ولو أن أقدام الأسود تزلزلت من هول الميادين، فلقد كانت أقدامنا على الشوك والنار لا تأذن لشمس النهار أن تغرب حتى يضيء لنا هلال الانتصار، لقد نقشنا توحيدك على كل قلب، والإيمان بك في كل ضمير، نرحّب بالحتوف، ونرى الجنّة تحت ظلال السيوف!
[ ٤ / ١٧٧١ ]
من الذي جعل درعه يوم الجهاد باب خيبر؟
ومن الذي حمل مصباح الحق إلى مدينة قيصر؟
من قبلنا هدم التماثيل وقوض صرح الأباطيل؟
من الذي رد الكفَّار وأبطل عبادة النار؟
أما أيقظنا الكون الهاجع بصوت الأذان؟
ألم نقم الصلاة تحت الأسنّة في الميدان؟
حتى سجدت لك على الأرض الأوثان وسمع تكبيرنا في الجنة رضوان؟
لقد كانت وجوهنا إلى الكعبة، وعزائمنا إلى الميدان، وقلوبنا إليك، وصلّى بين يديك السوقة والأمير، والغني والفقير، ووقف محمود الغزوني الملك وخادمه إياز وجسماهما في الهند وقلباهما إلى الحجاز، كنا ندور
بكأس الإيمان في محفل الكون والمكان، لم نقف عند الصحارى والقفار، بل امتطينا النجائب من أمول البحار، حتى استضاءت النيّرات بوجوه مجاهدينا في بحر الظلمات، ومحونا الباطل من كتاب الدهر، وحررنا المستعبدين، وملأنا بجباهنا بيتك المعمور، وجعلنا لآياتك مصحفًا في الصدور!
إنّي لأرى في شعوب المدنيّة الزائفة من يجترئون على الخطايا، ويقتحمون حرم الفضائل والآداب، وفيهم سكارى الخمر، وسكارى الإلحاد، ولكن الدّنيا ترسل عليهم السحب أمطارًا، وتمطر أرضنا صواعق ونارًا!
[ ٤ / ١٧٧٢ ]
نظرت إلى الأوثان والطواغيت، فإذا هي راقصة في ملاعب الأهواء، إنها ساخرة منا، وما أمرَ سخرية الأعداء!
أقول أَن المؤمنين قد انتثروا، وكاد المخلصون أن يندثروا، ولم تعد الصحراء ترى حدة القوافل ولا المتعبدين في المنازل!
ونحن لا نشكو أن فاضت خزائن الكفار بالنضار، ولكن الشكوى أن يصيبنا الفقر والقصور، حتى لا نجد للجنة صداق الحور، ولا ثمن القصور!
يا ربّ رحماك! هب لنا ما عودنا فضلك من نصر وتأييد، فقد دارت بنا الكواكب في أفلاكها دورة العكس .. إن قدرتك هي قدرتك، وما لفضلك حدّ، ولا لنعماك عد .. لو شئت أجريت النهر في الصحراء، أو رفعت الجبال من الماء!
لم يبق لنا يا ربِّ من ثروة سوى الفقر، ولا من قوّة سوى العجز .. إن ذهاب المسلمين من الدنيا هو ذهاب الدنيا بأسرها، وما نطلب البقاء فيها لحظة إلا للفناء في حبّك يا أرحم الراحمين!
لقد ذهب الأغيار بما كان في أيدينا، وبقيت قلوبنا عامرة بك، وما بقاء الدين إلا ببقاء أهله، والجام بما فيه لا يبقى بغير ساقيه!
ربّاه! .. أين محافل العشّاق؟
أين الذين توضؤوا للصباح بمدامع الأشواق؟
أين الذين اقتبست الشمس من وجوههم الإشراق؟
لقد مضى زجل المسبّحين، وخف أنين المستغفرين، وخلا ضمير الليل
[ ٤ / ١٧٧٣ ]
من دعوات المتبتّلين، وبكاء المصلّين، وهبوك قلوبهم يا ربّ!، وفازوا بأجر العاملين، وأصبحت الأرض بعدهم خالية، والديار خاوية، فكأنهم ما سلموا حين قدموا، أو كأنهم ما أقاموا بعد أن سلموا!
مَن لي بنور محمَّد ليكون مصباحي، حين أنقّب عن حفلهم المذاهب، ونورهم الغارب .. لا لا .. إنّي لن أصغي إلى أنّات قلبي المحزون، فما زال من الدنيا سحر ليلى ولا غرام قيس، وما برحت صحراء نجد مرتعًا للمها والغزال، ومبعثًا للهوى والدّلال، ولن يزول جمالها حتى تزول الجبال!
إن جمال أمة محمَّد لا يزال يجتذب قلوب الكون بإشراقه الساطع فأنقذنا من ظلمة هذا اليأس الميت!
ما زال في قلوبنا وفاء الصّدّيق، وعدل الفاروق، وفي كل قلب للقرآن مصحف عثمان، ولا زالت قلوبنا عامرة بتقوى عليّ، وسلمان، وصوت بلال في الأذان، لم نفقد الإيمان القويم، ولا قياس طرق التسليم!
أيقظنا يا رب! بصلصلة الجرس الأوّل، وأحينا بقانون الوفاء!
لقد أكملت الدين على قمّة فاران، وأنرت قلوب العاشقين بجذوة الإيمان، فأحرق متاع حب دنيانا بذلك الشرر من وميض محبتك!
لقد طرب أعداؤنا بين الجداول، وسكروا بالأنغام في ظل الخمائل، وهم في الأوطان، ونحن خارج البستان، فأرسل فراشك مرة أخرى يطف حول نار حبّك، ومر البرق القديم بإحراق القلوب الجامدة!
ربّ! اهد القلوب إلى قبلة الحجاز، وأعطها جناحًا من الإيمان لتعرف قوة الطيران!
[ ٤ / ١٧٧٤ ]
إن العبير حائر بين البراعم والأزهار، والألغام محتبسة في الأوتار، والطير في شوق إلى تجلّي أنوارك، وإقبال أسرارك!
ربّنا وأنت الحكيم القادر! احلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، ألهم النملة الضعيفة حكمة الإيمان، حتى تضع يدها على ملك سليمان، وافتح العيون على ضياء الحق للعالمين، حتى نرى براهمة الهند مسلمين!
إن عطر الأزهار قد فاح بسر البستان، ونمت الصرخات عمّا في الوجدان!
أعد الطيور المغرّدة إلى أغصان الصنوبر، فقد فرّت من روضها إلا بلبلًا يحمل في قلبه ضجّة القيامة، وهول المحشر!
أعد الأوراق الذابلة إلى روضها الأخضر، وجدّد في المسلمين ظمأهم إلى حياض الكوثر!
يا ربِّ! إني بلبل تحررت من موسم نيسان لأرسل أنغامي طليقة بالشكوى، في مسمع الزمان، فاجعل ندائي قبسًا من وحي الإيمان، إن خمري حجازيّة، وإن كنت أعجميّ الدّنان، ونغمي من الهند، ولكن صوتي من عدنان!
* * *
وإليك القصيدة:
شكواي أم نجواي في هذا الدّجى ونجوم ليلي حُسَّدي أم عُوَّدي
[ ٤ / ١٧٧٥ ]
أمسيت في الماضي أعيشُ كأنما قطعَ الزمانُ طريق أمسي عن غدي
والطير صادحةّ على أفنانها تُبكي الربى بأنينها المتجدّد
قد طال تسهيدي وطال نشيدها ومدامعي كالطلِّ في الغصن الندي
فإِلى متى صمتي كأني زهرة خرساء لم ترزق براعة منشدِ
* * *
قيثارتي مُلئت بأنات الجوى لابد للمكبوت من فيضانِ
صعدتْ إِلى شفتي بلابل مهجتي ليبين عنها منطقي ولساني
أنا ما تعديت القناعة والرضا لكنما هي قصة الأشجانِ
أشكو وفي فمي التراب وإِنما أشكو مصاب الدين للدَّيَّانِ
[ ٤ / ١٧٧٦ ]
يشكو لك اللهم قلب لم يعش إِلا لحمدِ علاك في الأكوان
* * *
قد كان هذا الكون قبل وجودنا روضًا وأزهارًا بغير شميمِ
والورد في الأكمام مجهول الشذى لا يُرتجي وردٌ بغير نسيمِ
بل كانت الأيام قبل وجودنا ليلًا لظالها وللمظلومِ
لما أطل (محمدٌ) زكت الربى واخضر في البستان كل هشيمِ
وأذاعت الفردوس مكنون الشذى فإِذا الورى في نضرةٍ ونعيمِ
* * *
من قام يهتف باسم ذاتك قبلنا من كان يدعو الواحد القهارا
عبدوا تماثيل الصخور وقدسوا من دونك الأحجار والأشجارا
[ ٤ / ١٧٧٧ ]
عبدوا الكواكب والنجوم جهالةً لم يبلغوا من هديها أنوارا
هل أَعلن التوحيد داعٍ قبلنا وهدى الشعوب إِليك والأنظارا؟
كنا نقَدِّم للسيوف صدورنا لم نخش يومًا غاشمًا جبارا
* * *
قد كان في اليونان فلسفةٌ وفي الـ رومان مدرسةٌ وكان المُلكُ في ساسان
لم تغن عنهم قوةٌ أو ثروةٌ في المالِ أو في العلمِ والعِرفانِ
وبكل أرض (سامريٌ) ماكرٌ يكفي اليهود مؤونةَ الشيطانِ
والحكمة الأولى جرت وثنية في الصين أو في الهند أو تورانِ
نحن الذين بنور وحيك أوضحوا نهج الهدى ومعالم الإِيمانِ
* * *
[ ٤ / ١٧٧٨ ]
من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسـ مك فوق هامات النجوم منارا
كنا جبالا في الجبال، وربما سرنا على موج البحار بحارا
بمعابد الإِفربخ كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا
لم تنس إِفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا
وكأن ظِل السيف ظِل حديقةٍ خضراء تُنبت حولنا الأزهارا
* * *
لم نخش طاغوتًا يحاربنا ولو نصب المنايا حولنا أسوارا
ندعو جهارًا لا إِله سوى الذي صنع الوجود وقدّر الأقدارا
ورؤوسنا يا رب فوق أكُفِّنا نرجو ثوابك مغنمًا وجوارا
[ ٤ / ١٧٧٩ ]
كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
لو كان غير المسلمين لحازها كنزًا، وصاغ العلي والدينارا
* * *
كم زلزل الصخر الأشم فما وهي من بأسنا عزم ولا إِيمانُ
لو أن آساد العرين تفزَّعت لم يلق غير ثباتنا الميدان
وكأن نيران المدافع في صدو ر المؤمنين الروح والريحانُ
توحيدك الأعلى جعلنا نقشه نورًا تضيء بصُبحه الأزمانُ
فغدت صدور المؤمنين مصاحفًا في الكون مسطورًا بها القرآنُ
* * *
[ ٤ / ١٧٨٠ ]
من غيرنا هدم التماثيل التي كانت تقدسها جهالات الورى؟
حتى هوت صور المعابد سُجّدًا لجلال من خلق الوجودَ وعموّرا
ومن الأُلى حملوا بعزم أكُفهم باب المدينة يوم غزوة خيبرا؟
أمّن رمى نار المجوس فأطفئت وأبان وجه الحق أبلج نيِّرا؟
ومن الذي بذل الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شيْءٍ فاشترى؟
* * *
نحن الذين استيقظت بأذانهم دنيا الخليقة من تهاويل الكرى
نحن الذين إِذا دُعُوا لصلاتهم والحرب تسقي الأرض جامًا أحمرا
جعلوا الوجوه إِلى الحجاز وكبّروا في مسمع الروح الأمين فكبرا
[ ٤ / ١٧٨١ ]
محمود مثل إِياز (١) قام كلاهما لك بالخشوع مصليًا مستغفرًا
العبد والمولى على قدم التُّقى سجدا لوجهك خاشعين على الثرى
* * *
بلغت نهاية كل أرض خيلنا وكأن أبحرها رمال البيد
في محفل الأكوان كان هلالنا بالنصر أوضح من هلال العيد
في كل موقعة رفعنا راية للمجد تعلن آية التوحيد
أُمم البرايا لم تكن من قبلنا إِلا عبيدًا في إِسار عبيدِ
بلغت بنا الأجيال حُرياتها من بعد أصفادٍ وظلِ قُيودِ
* * *
_________________
(١) السلطان محمود الغزنوي وإياز خادمه.
[ ٤ / ١٧٨٢ ]
رحماك ربّ! هل بغير جباهنا عرف السجودُ ببيتك المعمورِ؟
كانت شغاف قلوبنا لك مصحفًا يحوي جلال كتابك المسطورِ
إِن لم يكن هذا وفاءً صادقًا فالخلق في الدنيا بغيرِ شعورِ
ملأ الشعوبَ جُناتُها وعُصاتُها من ملحدٍ عاتٍ ومن مغرورِ
فإِذا السحاب جرى سَقاهم غيثه واختصنا بصواعق التدمير
* * *
قد هبت الأصنام من بعد البلى واستيقظت من قبل نفخ الصورِ
والكعبة العليا توارى أهلها فكأنهم موتى لغير نشورِ
وقوافل الصحراء ضل حُداتها وغدت منازلها ظلال قبورِ
أنا ما حسدت الكافرين وقد غدوا في أنعُمٍ ومواكب وقصورِ
[ ٤ / ١٧٨٣ ]
بل محنتي ألاّ أرى في أمتي عملًا تقدمه صَداق الحورِ
* * *
لك في البرية حكمةٌ ومشيئةٌ أعيت مذاهبها أولي الألبابِ
إِن شئت أجريت الصحاري أنهرًا أو شئت فالأنهارُ موجُ سرابِ
ماذا دهى الإِسلامَ في أبنائه حتى انطووا في محنةٍ وعذابِ؟
فثراؤهم فقرٌ ودولة مجدهم في الأرض نهب ثعالبٍ وذئابِ
عاقَبتنا عدلًا فهب لعدونا عن ذنبه في الدهر يوم عقابِ
* * *
عاشوا بثروتنا وعشنا دونهم للموت بين الذل والإِملاقِ
الدين يحيى في سعادة أهله والكأس لا تَبقى بغير الساقي
[ ٤ / ١٧٨٤ ]
أين الذين بنار حبك أرسلوا الأنوار بين محافل العشاقِ
سكبوا الليالي في أنين دموعهم وتوضؤوا بمدامع الأشواقِ
والشمس كانت من ضياء وجوههم تهدي الصباح طلائع الإِشراقِ
* * *
كيف انطوت أيامهم وهم الأُلى نشروا الهدى وعلوا مكان الفرقدِ؟
هجروا الديار فأين أزمع ركبهم من يهتدي للقوم أو من يقتدي؟
يا قلبُ حسبك لن تُلِمَّ بطيفهم إِلا على مصباح وجه محمدِ
فازوا من الدنيا بمجدٍ خالدٍ ولهم خلودُ الفوز يوم الموعد
يا ربِّ! ألهمنا الرشاد فما لنا في الكون غيرك من وليٍّ مرشد
* * *
[ ٤ / ١٧٨٥ ]
ما زال قيسٌ والغرام كعهده وربوع ليلى في ربيع جمالها
وهضاب نجد في مراعيها المها وظباؤها الخفراتُ ملء جبالها
والعشق فياضٌ وأمة أحمد يتحفز التاريخ لاستقبالها
لو حاولت فوق السماء مكانةً رفّت على شمس الضحى بهلالها
ما بالها تلقى الجدود عواثرًا وتصدها الأيام عن آمالها
* * *
هجْر الحبيب رمى الأحبة بالنوى وأصابهم بتصرّم الآمالِ
لم يبق في الأرواح غير بقية رحماك يا مرآة كل جمالِ
لو قد مللنا العشق كان سبيلُنا أن نستكين إِلى هوى وضلالِ
[ ٤ / ١٧٨٦ ]
أو نصنع الأصنام ثم نبيعها حاشا الموحد أن يَذِلَّ لمالِ
أيام سلمان بنا موصولة وتُقى أويس في أذان بلالِ
* * *
يا طيب عهد كنت فيه منارنا فبعثت نور الحق من فاران
وأسرت فيه العاشقين بلمحة وسقيتهم راحًا بغير دنانِ
أحرقت فيه قلوبهم بتوقد الـ إِيمان لا بتلهُّب النيرانِ
لم نبق نحن ولا القلوب، كأنها لم تحظ من نار الهوى بدخانِ
إِن لم يُنر وجه الحبيب بوصله فمكان حُزن القلب كل مكانِ
* * *
يا فرحة الأيام حين نرى بها روض التجلي وارف الأغصانِ
[ ٤ / ١٧٨٧ ]
ويعود محفلنا بحسنك مسفرًا كالصبح في إِشراقه الفينانِ
قد هاج حزني أن أرى أعداءنا بين الطلا والظل والألحانِ
ونعالج الأنفاس نحن ونصطلي في الفقر حين القوم في بستانِ
أشرِقْ بنورك وابعت البرق القديـ م بومضةٍ لفراشك الظمآنِ
* * *
أشواقنا نحو الحجاز تطلعت كحنين مغترب إِلى الأوطانِ
إِن الطيور وإِن قصصت جناحها تسمو بفطرتها إِلى الطيرانِ
قيثارتي مكبوتةّ ونشيدها قد مل من صمتٍ ومن كتمانِ
واللحن في الأوتار يرجو عازفا ليبوح من أسراره بمعانِ
[ ٤ / ١٧٨٨ ]
والطّورُ يرتقب التجلي صارخًا بهوى المشُوق ولهفة الحيرانِ
* * *
أكبادنا احترقت بأنَّات الجوى ودماؤنا نهر الدموع القاني
والعطر فاض من الخمائل والربى وكأنه شكوى بغير لسانِ
أوليس من هول القيامة أن يكو ن الزهر نَمَّامًا على البستانِ؟
النمل لا يخشى سليمانًا إِذا حرست قراه عناية الرحمنِ
أرشد براهمة الهنود ليرفعوا الإِسلام فوق هياكل الأوثانِ
* * *
ما بال أغصان الصنوبر قد نأت عنها قماريها بكل مكانِ
وتعرت الأشجار من حلل الربى وطيورها فرَّت إِلى الوديانِ
[ ٤ / ١٧٨٩ ]
يا ربِّ! إِلا بلبلًا لم ينتظر وحي الربيع ولا صَبا نيسانِ
ألحانه بحرٌ جرى متلاطمًا فكأنه الحاكي عن الطوفانِ
يا ليت قومي يسمعون شِكايةً هي في ضميري صرخة الوجدانِ
* * *
أن الجواهر حيَّرت مرآة هـ ذا القلب فهو على شفا البركانِ
أسمِعهمو يا ربِّ! ما ألهمتني وأعدْ إِليهم يقظة الإِيمانِ
وأذقهم الخمر القديمة إِنها عين اليقين وكوثر الرضوانِ
أنا أعجمي الدَّنّ لكن خمرتي صُنع الحجاز وكرمها الفينانِ
إِن كان لي نغمُ الهنود ولحنهم لكن هذا الصوت من عدنانِ
* * *
[ ٤ / ١٧٩٠ ]
جواب الشكوى
أمّا القصيدة الثانية للمفكر الإِسلامي المرحوم محمَّد إقبال (١) فهي جواب الشكوى، تخيّلها إقبال صوتًا سماويًّا يدوي بصيحة الحق، جوابًا لهذه الشكوى التي تبدو في صرختها المتململة المضطربة كأنها خيال جائر لا يقوم على الحجّة والبرهان، ولا يستقرّ على دليل من الواقع!
قال إقبال: كل كلام يصدر عن القلب يترك أثره في القلوب، والأفكار الصادقة لا أجنحة لها، ولكنها تسبق الطيور، وكل كلام قدسي المنبع فهو أبدًا يتجه إلى العلا، ومن عجيب أنه نجم من التراب، ومتى صعد كان أول منازله السحاب!
كان عشقي فاتنًا ساحرًا جموحًا، فشق ستار السماء بأنين لا يتهيّب، ولا يرتعد، ولمّا سمع شيخ السماء زفرات الشكوى والبكاء قال: (إنه في مكان ما كائن يتكلّم)، فتساءلت النجوم والسيارات في عجيب وإنكار وكيف اقترب هذا الكائن من بساط العرش الرفيع)، فقال القمر: (إنه إنس من أهل الأرض)، وقالت المجرّة: (عجبت لهذا الإنسان، كيف يستتر عن العيون، ويختفي عن المادة، خلف الظنون)!
هكذا كان الجميع يشتجرون في أمري، فلا يهتدون، ولئن كان من بينهم من فهم الشكوى، وعرف النجوى، فهو رضوان .. إذ قال:
(إنه قوي العنصر، رفع الله مكانته، وأسجد له ملائكته)!
وسأل سائل: كيف تعلمتْ هذه القبضة من التراب أن تخترق من
_________________
(١) السابق: ٨٩ وما بعدها تصرف.
[ ٤ / ١٧٩١ ]
العناصر كل حجاب .. حقًا إن سكان الأرض المستخلصين فيها لمخلوقات جامعة .. !
هذا هو نفس آدم ما أقدره في علم الكيف والكم! ولكن ما أجهله بأسرار العجز والفناء!
وأخيرًا دوى صوت تفزّعت له الجنبات، واخترق بجلجلته ذرات النيرات:
(يا هذا! إن قصتك محزنة شائكة، وقدحك مليء بدموع مضطربة حيرى، ولقد أطافت صيحتك بالسماوات، فما أبعد قلبك المجنون عن قرار السكون، ولكنك على كل حال أعلنت شكواك، فأثبت قدرة الخالق فيك)!
لقد مددنا بساط الكرم، فأين السائلون، ومهدنا الطريق إلى المجد، فأين السالكون!
لقد أنزلنا الأنوار على الفطر، ولكن الجواهر ظلت غير قابلة، وكأن هذا التراب ليس الذي جبلت منه البداية الأولى للإنسانية العالية!
إن الإنس كما ترى قد نسوا ناموس فطرتهم، وتغيّر ترابهم، ولو أنهم أدركوا سرّ خلْقهم، وحكمة وجودهم، لأعطوا فوق ما يطلبون، ونالوا من العظمة فوق ما ينشدون، ولكن الأداة أدركها الفساد، ومالت القلوب إلى الإلحاد .. !
وهؤلاء المتأخرون في هذه الأمّة قد أصبحوا خجلًا لماضيها، وتوهينًا لعظمتها!
[ ٤ / ١٧٩٢ ]
لقد انقرض الذين هدموا الأصنام وجعلوها جذاذًا تحت الرغام .. أما هؤلاء فقد جدّدوا لها البنيان، وأصبحوا صنّاعها في هذا الزمان، كانوا هم أبناء إبراهيم، غير أنهم أقرب إلى آزر القديم!
الشارب والخمر جديدان، والدنّ أيضًا جديد، وها هي أصنام جديدة، تطبع الأجيال الحديثة على غرارها!
لقد انطوى عهد أولئك الذين لهم من سمات الجلال ما هو خليق بالدّلال .. إنهم كانوا مرآة متاع العظمة، وصفاء موسم الورود، وشقائق نعمان الصحراء، وأغنية أحلام البيداء!
ويومئذ تفانى كل مسلم في الله .. وكان يوم محمَّد المحبوب مهرجانًا للشعوب!
هل لكم في عهد جديد تكونون فيه عبيدًا لله، وجنودًا لمحمد، وجواهر في عقد الملّة .. !.
أَنَّى وقد أصبح عسيرًا عليكم، وثقيلًا على أجفانكم، أن تستقبلوا نور الصباح بتكبيرة صلاتكم، وصحو حياتكم، لكأن الطبائع قد نامت منع الأجفان، وما أشبه نهار المنام بليل الظلام!
أليس رمضان يقيّد حرّيتكم، ويخالف مدنيّتكم .. فاشهدوا على أنفسكم، أهذا هو الوفاء لماضيكم وملتكم؟!
إن وجود الشعب من وجود الملّة، والدّين في الأمّة هو قوام الدّولة، فإذا ذهب الدّين فما أنتم بباقين!
[ ٤ / ١٧٩٣ ]
الدّين هو الذي يجمعكم صفًا واحدًا، ولولا التساند بين الكواكب لم ينعقد حفل النجوم، ولم يسطع جمال القمر الساحر!
من هؤلاء الذين ضاعت علومهم وفنونهم من الدّنيا؟!
ومن أولئك الذين لا يبالون أن يعيشوا بلا مأوى؟
بل ما هذا البيدر الذي لم تجد الصواعق مكانًا تستقرّ فيه نيرانها سواء؟!
تم مَن هؤلاء الذين يبيعون تركة الآباء، ويحاولون الشهرة بتجارة القبور؟!
لعلكم تستطيعون بأنفسكم أن تدركوا الجواب عما تسألون، فأيّ هذه الحقائق تنكرون؟
ومن أولئكم الأبرار الأخيار الذين محوا الأباطيل من صحائف الأجيال والأمصار؟!
مَن الذين حرّروا شعوب الإنسانيّة من الذل؟!
من الذين عمروا الكعبة بجباههم؟
ومن الذين ضَمُّوا القرآن إلى صدورهم؟!
أليسوا آباءكم وأجدادكم، وقد بقيتم بعدهم تضعون يدًا على يد، وترتقبون ما يأتيكم به الغد؟!
لقد وُعد المسلمون جمال الحور، ونعيم القصور، ووعدوا خلافة الأرض، وأن تدين لهم الدنيا بكنوزها، والأرض بخيراتها، والسماء بنجومها، وملائكتها، والآخرة بجنّاتها ونعيمها!
[ ٤ / ١٧٩٤ ]
ها هي الدنيا قد أفلتت من أيديكم؛ لأن أيديكم قد أصبحت طليقة من سنن الفطرة، ومن عروة الدّين، أليس ربكم هو الذي يقيم العدل والحق، وهو أحكم الحاكمين؟
أكنتم تنتظرون أن يعمل أعداؤكم في الأرض، وأن يتخلقوا بأخلاق أسلافكم في الجهاد، وينفقوا أوقاتهم في الزراعة، ثم يحرموا الحصاد؟!
ولقد سار الكافر في طريق المسلم الأوّل فأعطي حظًا من الدنيا، ولكنكم لا تنشدون اليوم محاسن الحور ولا كنوز القصور!
ألا لقد بقي تجلّي النور، ولكن ذهب الكليم من الطور!
إن أمر المسلمين في الخسارة والربح واحد، والذي يقع لأقصاهم ينال أدناهم .. أليس نبي الجميع واحدًا. وكذا الدّين والإيمان والحرم والقرآن؟!
وإلهكم إله واحد، فهل كان من الصعب أن تحيوا متّحدين؟
نار العصبية هنا، وجذوة الجنسيّة هنالك .. فحدّثوني عن قوم أدركوا نجاحهم بالفراق، ونالوا سعادتهم بالشقاق!
لقد تركتم القرآن، وجعلتم مقياس رقيّكم صلاحية الزمان، واتخذتم من المدنيّة كل شعار، واتبعتم سبيل الأغيار، فلم يبق في القلوب مذاق، ولا للوعة احتراق!
ها هي مساجد الله لا يعمرها غير فقرائكم، فهم الصائمون والمصلّون، وهم العابدون الذاكرون، وهم الساترون لعيوبكم، وأنتم ترحمون!
أمّا الأغنياء فهم في سكر غفلتهم معرضون!
[ ٤ / ١٧٩٥ ]
ومن عجيب أن الملّة البيضاء ما تزال قويمة البناء، ممتدّة النماء بحرارة أنفاس الفقراء!
ولقد فقدتم القوّة في سحر الكلام، ومررتم بالمواعظ مرّ الكرام، ولولا روح من بلال ما بقي للأذان جمال!
مساجدكم تبكي قلّة صفوفها، والمحراب موحش من المصلّين، والمنابر ساخرة من سيوف تحوّل حديدها إلى خشب لا يقاوم النار!
أما دياركم فقد امتلأت بالمفاخر والرتب والألقاب، الميرزا في إيران وفي غيرها الصاحب والخان، ولكننا ننشد رتبة المسلم في هذه الأوطان!
عندما كان المسلم ينهض إلى طلب المجد فكم اقتحم الصعاب، وعزمه غير هيّاب!! وكم كان عدله ميزانًا للصواب لم يلوّثه رياء، ولم يفسده دهاء، تخطى بشجاعته الأوهام، وفاق الأحلام!! .. كان خاليًا من المقاصد الشخصيّة، والمتع النفسيّة، مثل الكأس المليئة بالشراب وشرابها لغيرها!
وكان المسلم مشرطًا لعروق الباطل، وكان العمل في قانون حياته هو الجوهر لا العرض، معتمدًا على قوّة ساعده بعد ربّه .. وإذا كنتم تخافون الموت، فقد كان خوفه من الله الذي خلق الموت والحياة!
أين فيكم دولة عثمان ورفده؟! وفقر عليّ وزهده؟! وما الذي بقي لديكم من فضائل المسلمين الأوّلين، وتراث المؤمنين السابقين؟!
لقد أصبح بعضكم يبغي على بعض، بينما هم كانوا متراحمين! كم تخطئون وتغتابون الصالحين؟! وكم ستروا عيوب الخلق وهم أئمة المتقين؟!
[ ٤ / ١٧٩٦ ]
أيطمع كل امرئ منكم أن يبلغ أوج الثّريّا بلا عزم قويم، ولا قلب سليم؟!
لقد ملكوا عرش (كسرى) وسرير (كيقباد) وتاج (فخفور) وعظمة القياصر؟!
أما أنتم فقد اقتنيتم الكلام وأكثرتم الأوهام!
لقد كانوا حكّام أنفسهم قبل أن يكونوا حكّام الخلق!
وكانوا بناة الأخوّة والاتحاد في الأمّة، وأنتم تفقدون المودّة حتى في الأسرة!
كانت حياتهم عملًا، وأصبحت حياتكم أملًا، تبحثون عن الزهرة فلا تجدونها، أما هم فقد كان لهم من الدنيا بستانها، وصار لهم من الآخرة رضوانها، لا تزال الشعوب تؤلف من مجدهم الأنغام، ولا تزال عاطرة بذكرهم الأيام، فهم نجوم الآفاق ونور الأخلاق!
عاشوا أصواتهم أحرار القلوب، وبراهمة بيت المحبوب .. !
ابتعدوا عن الأوكار، وهجروا الدّيار، وأقاموا على النجوم المطار!
أمّا شباب اليوم فالعطلة والفقر والشقاء، وينسبون إلى الدّين ما لحقهم من بلاء .. ومنهم بليّتهم، ولكن لا يشعرون .. !!
لقد أطلقتهم المدنيّة من القوانين، فعاشوا مستهترين، صنعت لهم هيكل الصنم فألهتهم عن جلال الحرم .. فلم يبق قيس يحن إلى ليلى بين الشعاب .. بل يتمنّى في حرّية العشق أن يرى ليلى بغير حجاب، وأن يشهد جمالها بغير نقاب!
[ ٤ / ١٧٩٧ ]
هذا الشباب يستطيع لو شاء في عهد جديد أن يجدِّد قوّة الإيمان، وأن يحمل شعلة الهداية يوقدها من تعاليم خاتم الأنبياء والرسل، فتنشر في الربوع إيمان إبراهيم .. فالنار قد تحرق، وقد تنضج أيها الشاكي الولهان .. لا تحزن من رؤيةَ البستان، وقد فقد زاهي الألوان، فسرعان ما تلمع الأزهار من كواكب البراعم، ويتلألأ دم الشهداء على شفاه الورود .. ألا ترى السماء بلونها العنابي، أليس هذا لمعان الأفق يستقبل اليوم الجديد، ويستبشر بالشمس الطالعة!
انظر إلى الأرض .. هلا ترى قومًا يلتقطون الثمار، وآخرين في البوار!
ألا ترى مئات النخيل خاوية الأشجار، بينما مئات أخرى في باطن الأرض، في طريقها إلى ربيع الحياة، فلو سقيناها من تعاليم الملة السمحة لأينعت ونمت، فنخيل الإِسلام أنموذج للإثمار والنماء!
واستطرد إقبال يبيّن أن المسلم لا وطن له ولا مكان، ولن يفنى مسلم بفناء الأزمنة والأوطان، إذ لا علاقة بين الكأس وسكر الشراب، ولقد تعرّضت الأوطان الإِسلاميَّة لهجمات التتار، وما حدث من غوغاء إثر حملات البلقان، وكان كل ذلك امتحانًا لذاتية المسلم، فما ارتاع، ولكن بقي الإِسلام والمسلم في كل البقاع!
فلماذا إذن يرتاع مسلم اليوم من صهيل خيل الأعداء، ولن يطفئ ذلك نور الحق الوضاء!
فهيّا أظهر حقيقتك للأقوام والشعوب، فمحافل الأكوان في حاجة إليك ترنو إلى حرارة أنفاسك، ومضاء عزمك .. فلتتدفق دماؤك بالحرارة ليحيا الدهر في حماية دينك!
[ ٤ / ١٧٩٨ ]
إن خلافة الأرض لك فكن بها خليقًا .. وقم لتثبت وجودك فيتمّ بك نور التوحيد .. فإنك عطر، ولكن حبستك عن العالم براعم وزهرات .. فقم واحمل الأمانة في عنقك، وانشر أنفاسك، حتى تعطر نسيم البستان!
لا تكن كنغمة الأمول حبيسة الشواطئ، ولكن كن فيّاضًا بالعمل، وانشر جناحك حول الآفاق، وأنر الدهر بنور إيمانك، وأرسل الضياء بقوّة يقينك، وباسم نبيّك!
فلو لم يكن الزهر في البستان ما تغني قمري على الأغصان، وما صدحت العنادل بأعذب الألحان، ولو لم تبتسم البراعم بين الأوراق ما رأيت ابتسام الزهر في حديقة الدهر، ولو لم يكن اسم محمَّد لما نبض الوجود بالحرارة!
وإليك القصيدة:
* * *
كلام الروح للأرواح يسري وتدركه القلوب بلا عناء
هتفت به فطار بلا جناح وشق أنينه صدر الفضاء
ومعدنه ترابي ولكن جرت في لفظه لغة السماء
[ ٤ / ١٧٩٩ ]
لقد فاضت دموع العشق مني حديثًا كان علوي النداء
فحلق في ربا الأفلاك حتى أهاج العالم الأعلى بكائي
* * *
تحاورت النجوم وقلن صوت بقرب العرش موصول الدعاء
وجاوبت المجرة علّ طيفًا سرى بين الكواكب في خفاء
وتمال البدر هذا قلب شاك يواصل شدوه عند المساء
ولم يعرف سوى رضوان صوتي وما أحراه عندي بالوفاء
ألم أك قبلُ في جنات عدن فأخرجني إِلى حين قضائي
* * *
وقيل هو ابن آدم في غرور تجاوز قدره دون ارعواء
[ ٤ / ١٨٠٠ ]
لقد سجدت ملائكة كرام لهذا الخلق من طين وماء
يظن العلم في كيف وكم وسرّ العجز عنه في انطواء
وملء كؤوسه دمع وشكوى وفي أنغامه صوت الرَّجاء
فيا هذا لقد أبلغت شيئًا وإِن أكثرت فيه من المراء
* * *
عطايانا سحائب مرسلات ولكن ما وجدنا السائلينا
وكل طريقنا نور ونورٌ ولكن ما رأينا السالكينا
ولم نجد الجواهر قابلات ضياء الوحي والنور المبينا
وكان تراب آدم غير هذا وإِن يك أصله ماء وطينا
[ ٤ / ١٨٠١ ]
ولو صدقوا وما في الأرض نهر لأجرينا السماء لهم عيونا
وأخضعنا لملكهم الثّريّا وشيّدنا النجوم لهم حصونا
ولكن ألحدوا في غير دين بني في الشمس ملك الأوّلينا
تراث محمَّد قد أهملوه فعاشوا في الخلائق مهمَلينا
تولّى هادم الأصنام قدما فعاد لها أولئك يصنعونا
أباهم كان إِبراهيم ولكن أرى أمثال آزر في البنينا
وفي أسلافكم كانت مزايا بكل فم لذكراها نشيد
تضوع شقائق الصحراء عطرًا بريّاها وتبسم الورود
[ ٤ / ١٨٠٢ ]
فهل بقيت محاسنهم لديكم فيجعل في دلالكم الصدود
لقد هاموا بخالقهم فناء فلم يكتب لغيرهم الخلود
وكوثر أحمدٍ منكم قريب ولكن شوقكم عنه بعيد
وكم لاح الصباح سنًا وبشرى وأذَّنت القماري والطيور
وكبَّرت الخمائل في رباها مصلِّيةً فجاوبها الغدير
ونوم صباحكم أبدًا ثقيلٌ كأن الصبح لم يدركه نور
وأضحى الصوم في رمضان قيدًا فليس لكم به عزمٌ صبور
تمدّن عصركم جمع المزايا وليس بغائبٍ إِلا الضمير
[ ٤ / ١٨٠٣ ]
لقد ذهب الوفاء فلا وفاء وكيف ينال عهدي الظالمينا
إِذا الإِيمان ضاع فلا أمان ولا دنيا لمن لم يُحي دينا
ومن رضي الحياة بغير دينٍ فقد جعل الفناء لها قرينا
وفي التوحيد للهمم اتحاد ولن تبنوا العلا متفرقينا
تساندت الكواكب فاستقرت ولولا الجاذبية ما بقينا
غدوتم في الديار بلا ديار وأنتم كالطيور بلا وكور
وكل صواعق الدنيا سهام لبيدركم وأنتم في غرور
أهذا الصقر في علم ومال وأنتم في القطيعة والنفور
[ ٤ / ١٨٠٤ ]
وبَيع مقابر الأجداد أضحى لدى الأحفاد مدعاة الظهور
سيعجب تاجرو الأصنام قدمًا إِذا سمعوا بتجار القبور
من المتقدّمون إِلى المعالي على نهج الهداية والصواب؟
ومن جبهاتهم أنوار بيتي وفي أخلاقهم يُتلى كتابي؟
أما كانوا جدودكم الأوالي بناة المجد والفن العجاب؟
وليس لكم من الماضي تراث سوى شكوى اللغوب والاكتئاب
ومن يك يومه في العيش يأسًا فما غده سوى يوم العذاب
أتشكو أن ترى الأقوام فازوا بمجد لا يراه النائمونا
[ ٤ / ١٨٠٥ ]
مشوا بهدي أوائلكم وجدوا وضيعتم تراث الأوّلينا
أيحرم عامل وِرد المعالي ويسعد بالرّقيّ الخاملونا
أليس من العدالة أن أرضي يكون حصادها للزارعينا
تجلّي النور فوق الطور باق فهل بقي الكليم بطورسينا؟
ألم يبعث لأمّتكم نبيّ يوحّدكم على نهج الوئام
ومصحفكم وقبلتكم جميعًا منارٌ للأخوّة والسلام
وفوق الكلّ رحمان رحيمٌ إِلهٌ واحدٌ رب الأنام
فما نهار ألفتكم تولّى وأمسيتم حيارى في الظلام
[ ٤ / ١٨٠٦ ]
وحسن اللؤلؤ المكنون رهن بصوغ العِقد في حسن النظام
وكيف تغيّرت بكم الليالي وكيف تفرّقت بكم الأماني
تركتم دين أحمدَ ثم عدتم ضحايا للهوى أو للهوان
رقي الشعب قد أضحى لديكم تقرّره صلاحية الزمان
وكيف تقاس أوهام ولغو بحكمة مُنزل السبع المثاني؟
أرى نارًا قد انقلبت رمادًا سوى ظلّ مريض من دخان
أرى الفقراء عبادًا تقاةً فيامًا في المساجد راكعينا
هم الأبرار في صوم وفطر وبالأسحار هم يستغفرونا
[ ٤ / ١٨٠٧ ]
وليس لكم سوى الفقراء ستر يواري عن عيوبكم العيونا
أضلت أغنياءكم الملاهي فهم في ريبهم يترددونا
وأهل الفقر ما زالوا كنوزًا لدين الله رب العالمينا
أرى التفكير أدركه خمول ولم تبق العزائم في اشتعال
وأصبح وعظكم من غير سحر ولا نور يطل من المقال
وعند الناس فلسفة وفكر ولكن أين تلقين (الغزالي؟)
وجلجله الأذان بكل أرض ولكن أين صوت من (بلال؟)
منائركم علت في كل حيّ ومسجدكم من العبّاد خالي
[ ٤ / ١٨٠٨ ]
فأين أئمّة وجنود صدق تهاب شَباة عزمهم الحراب
إِذا صنعوا فصنعهم المعالي وإِن قالوا فقولهم الصواب
مرادهم الإله فلا رياء ونهجهم اليقين فلا ارتياب
لأمتهم وللأوطان عاشوا فليس لهم إِلى الدنيا طلاب
كمثل الكأس نبصرها دهاقًا وليس لأجلها صُنع الشراب
جهاد المؤمنين لهم حياة ألا إِن الحياة هي الجهاد
عقائدهم سواعد ناطقات وبالأعمال يثبت الاعتقاد
وخوف الموت للأحياء قبر وخوف الله للأحرار زاد
[ ٤ / ١٨٠٩ ]
أرى ميراثهم أضحى لديكم مضاعًا حيث قد ضاع الرشاد
وليس لوارث في الخير حظ إِذا لم يحفظ الإِرث اتحاد
لأي مأثر القوم انتسبتم؟ لتكتسبوا فخار المسلمينا
فأين مقام ذي النورين منكم ودولة عزه دنيا ودينا
وفقر عليٍّ الأوّاب هلاّ ربحتم فيه كنز الفاتحينا
أقمتم في الذنوب وفي الخطايا وتغتابون حتى الصالحينا
وهم ستروا عيوب الحلق فضلًا وإِن كانوا أبرّ المتقينا
أريكة قيصر وسرير كسرى قد احتميا بملكهم العميمِ
[ ٤ / ١٨١٠ ]
وأنتم تطمحون إِلى الثّريّا بلا عزم ولا قلب سليمِ
تضيعون الإِخاء وهم أقاموا صروح إِخائهم فوق النجومِ
طلبتم زهرة الدنيا وعدتم بلا زهر يضوع ولا شميمِ
وكان لديهم البستان محضًا وهم أصحاب جنّات النعيمِ
يعيد الكون قصتهم حديثًا وينشئ من حديثهم الفنونا
فكم نزحوا عن الأفكار شوقًا إِلى التحليق فوق العالينا
ويأس شبابكم أدمى خطاهم فظنوا فيه بالدين الظنونا
هي المدنية الحمقاء ألقت بهم حول المذاهب حائرينا
[ ٤ / ١٨١١ ]
لقد صنعت لهم صنم الملاهي لتحجب عنهم الحق الأمينا
لقد سئم الهوى في البيد قيس ومل من الشكاية والعذاب
يحاول أن يباح العشق حتى يرى ليلاه وهي بلا حجاب
يريد سفور وجه الحسن لما رأى وجه الغرام بلا نقاب
فهذا العهد أحرق كل غرس من الماضي وأغلق كل باب
لقد أفنت صواعقه المغاني وعاثت في الجبال وفي الهضاب
هي النار المجديدة ليس يُلقى لها حطب سوى المجد القديم
خذوا إِيمان إِبراهيم تنبت لكم في النار روضات النعيم
[ ٤ / ١٨١٢ ]
ويذكر من دم الشهداء ورد سنيّ العطر قدسىّ النسيم
ويلمع في سماء الكون لون من العناب مخضوب الأديمِ
فلا تفزع إِذا الرجان أضحى عقودًا للبراعم والكرومِ
فكم زالت رياض من رباها وكم بادتْ نخيل في البوادي
ولكن نخلة الإِسلام تنمو على مر العواصف والعوادي
ومجدك في حمى الإِسلام باق بقاء الشمس والسبع الشداد
وانك يوسف في أرض مصر يرى كنعانه كل البلاد
تسير بك القوافل مسرعات بلا جرس ولا ترجيع حادي
[ ٤ / ١٨١٣ ]
ضياؤك مشرق في كل أرض لأنك غير محدود المكان
بغت أمم التتار فأدركتها من الإِيمان عاقبة الأمان
وأصبح عابدو الأصنام قدمًا حماة الحجر والركن اليمان
فلا تجزع فهذا العصر ليلٌ وأنت النجم يشرق كل آن
ولا تخش العواصف فيه وانهض بشعلتك المضيئة في الزمان
أعد من مشرق التوحيد نورًا يتم به اتحاد العالمينا
وأنت العطر في روض المعاني فكيف تعيش محتبسًا دفينا
وأنت نسيمه فاحمل شذاه ولا تحمل غبار الخاملينا
[ ٤ / ١٨١٤ ]
وأرسل شعلة الإِيمان شمسًا وصغ من ذرةٍ جبلًا حصينا
وكن في قمة الطوفان موجًا ومزنًا يمطر الغيث الهتونا
فباسم محمَّد شمس البرايا أقيمت خيمة الفلك المنير
تلألأ في الرّياض وفي الصحاري وفوق الموج والسير المغير
ونبض الكون منه مستمد حراراته على مرّ العصور
ومن مرّاكش يغزو صداه ربوع الصين بالصوت الجهير
وما مشكاة هذا النّور إِلا ضمير المسلم الحرّ الغيور
ورفع الذكر للمختار رفع لقدرك نحو غايات الكمال
[ ٤ / ١٨١٥ ]
فكن إِنسان عين الكون واشهد مقامك عاليًا فوق المعالي
بخنجر عزمك الوثاب لاحت على الأعلام أنوار الهلال
نداؤك في العناصر مستجاب إِذا دوى بصوت من بلال
وعقلك في الخطوب أجلّ درع وعشقك خير سيف للنضال
خلافة هذه الأرض استقرت بمجدك وهو للدنيا سماء
وفي تكبيرك القدسي يبدو صغيرًا كل ما ضمّ الفضاء
فيا من هب للإِسلام يدعو وأيقظ صدق غيرته الوفاء
سترفع قدرك الأقدار حتى تشاهد أن ساعدك القضاء
وقيل للث احتكم دنيا وأخرى وشأنك والخلود كما تشاء
[ ٤ / ١٨١٦ ]
فلسطين الدامية
وتحت هذا العنوان قال الشهيد الأستاذ سيد قطب - ﵀ - وقد سعدت بمعرفته، والاستماع إليه وقراءة كتبه منذ أوائل الخمسينيات من القرن الماضي: (١)
عهد على الأيام ألا تُهزموا النصر ينبت حيث يرويه الدّم
في حيث تعتبط الدماء فأيقنوا أن سوف تحيوا بالدماء وتعظموا
تبغون الاستقلال تلك طريقه ولقد أخذتم بالطريق فيمّموا
وهو الجهاد حميّة جيّاشة ما إِن تخاف من الردى أو تحجم
إِن الخلود لن يطيق مُيَسَّر فليمض طلاب الخلود ويقدموا
وطن يقسم للدخيل هديّة فعلام يحجم بعد هذا محجم؟
_________________
(١) جريدة الشباب المصرية - العدد الصادر في ٥: ١٠: ١٩٣٨ م، وشعراء الدعوة الإِسلاميّة في العصر الحديث: ٤: ٣٩ - ٤٠.
[ ٤ / ١٨١٧ ]
والشرق ويح الشرق تلك دماؤه والغرب ويح الغرب يضربه الدم
وحشيّة كشف الزمان حجابها لا بل أشد من الوحوش وأظلم
الوحش يفتك جائعًا ويعفَّ عن فتكاته إِذ ما يعب ويطعم
الشرق ويح الشرق كيف تقحّموا حرماته الكبرى وكيف تهجّموا
غرّتهمو سنة الكبرى فتوهّموا يا للذكاء! فكيف قد غرّتهمو
سنة ومرّت والنيام تيقّظوا فليعلموا من نحن أو لا يعلموا
اليوم قد شربوا الدماء وفي غدٍ فليندموا عنها ولات المندم
إِخواننا في الحال والعقبى معًا إِخواننا فيما يلذّ ويؤلم
مصر الشقيقة شيبها وشبابها تهفو إِليكم بالقلوب وتعظم
[ ٤ / ١٨١٨ ]
وغدًا وما يدري عِداكم ما غدًا النصر يهزج حولكم ويرنم
في كل مطّلع وكل ثنيّة نار من الشرق الفتي ستضرم
والموت إِن الموت أشرف منهلًا مما نسام به ومما نوسم
[ ٤ / ١٨١٩ ]
أخي
وقال تحت هذا العنوان: (١)
أخي أنت حرٌّ وراء السدود أخي أنت حرٌّ بتلك القيود
إِذا كنت بالله مستعصمًا فماذا يضيرك كيد العبيد
أخي ستبيد جيوش الظلام ويشرق في الكون فجر جديد
فأطلق لروحك إِشراقها ترى الفجر يرمقنا من بعيد
أخي قد أصابك سهم ذليل وغدرًا رماك ذراعٌ كليل
ستُبتر يومًا فصبر جميل ولم يَدْمَ بعدُ عرينُ الأسود
_________________
(١) الكفاح الإِسلامي الأردنية - العدد ٢٩ - الصادر في ٢٨/ ١٢ / ١٣٧٦ هـ، الموافق ٢٦: ٧: ١٩٥٧ م، وشعراء الدعوة الإِسلامية في العصر الحديث: ٤: ٤٣ - ٤٧، ومن الشعر الإِسلامي: جمعية الإصلاح الاجتماعي: ١٣ - ١٥.
[ ٤ / ١٨٢٠ ]
أخي قد سرت من يديك الدماء أبت أن تُشلّ بقيد الإِماء
سترفعُ قُربانها للسماء مخضبة بوسام الخلود
أخي هل تُراك سئمت الكفاح وألقيت عن كاهليك السلاح
فمن للفحايا يواسي الجراح ويرفع رايتها من جديد
أخي هل سمعت أنين الترب تدُك حَصاه جيوشُ الخراب
تُمَزقُ أحشاءه بالحراب وتصفعهُ وهو صلب عنيد
[ ٤ / ١٨٢١ ]
أخي إِنني اليوم صلب المراس أدُك صخور الجبال الرواس
غدًا سأشجّ بفأس الخلاص رءوس الأفاعي إِلى أن تبيد
أخي إِن ذرفت علىّ الدموع وبللّت قبري بها في خشوع
فأوقد لهم من رفاتي الشموع وسيروا بها نحو مسجد تليد
أخي إِن نمُتْ نلقَ أحبابنا فروضاتُ ربي أعدت لنا
وأطيارُها رفرفت حولنا فطوبى لنا في ديار الخلود
أخي إِنني ما سئمت الكفاح ولا أنا ألقيت عني السلاح
[ ٤ / ١٨٢٢ ]
وإِن طوقتني جيوشُ الظلام فإِني على ثقة بالصباح
وإِني على ثقة من طريقي إِلى الله رب السنا والشروق
فإِن عافني الشُّوقُ أو عَقّنِي فإِني أمين لعهدي الوثيق
أخي أخذوك على إِثرنا وفوج على إِثر فجرٍ جديد
فإِن أنا مُتّ فإِني شهيد وأنت ستمضي بنصر جديد
قد اختارنا الله في دعوته وإِنا سنمضي على سُنته
فمنا الذين قضوا نحبهم ومنا الحفيظ على ذِمته
[ ٤ / ١٨٢٣ ]
أخي فامض لا تلتفت للوراء طريقك قد خضبته الدماء
ولا تلتفت ها هنا أو هناك ولا تتطلع لغير السماء
فلسنا بطير مهيض الجناح ولن نستذل .. ولن نستباح
وإني لأسمع صوت الدماء قويًا ينادي الكفاحَ الكفاح
سأثأرُ لكن لرب ودين وأمضي على سنتي في يقين
فإِما إِلى النصر فوق الأنام وإِما إِلى الله في الخالدين
[ ٤ / ١٨٢٤ ]
رد على الشهيد
وتحت هذا العنوان ردٌّ لشاعر الموصل ذي النون على الشهيد سيد قطب ﵀ (١):
أخي سوف تبكي عليك العيون وتسأل عنك دموع المئين
فإِن جف دمعي سيبكي الغمام يرصع قبرك بالياسمين
أخي إِن قضيت ستحيا بنا كأن لم يمر عليك الفناء
فتمرح مهما احتوتك القيود وتنعم بالحب ما بيننا
أخي عند ذكرك تجري الدموع لتربأ صدع الفؤاد الهلوع
وتسجد في سيرها للإله وتذكركم عنده في الركوع
_________________
(١) من الشعر الإِسلامي: جمعية الإصلاح: ١٨ - ١٩.
[ ٤ / ١٨٢٥ ]
أخي أنت مصباح هذي الحياة تموت لتبعد عنهما الممات
فأشعل لها في الظلام الظلوم منار الشعوب ونار الطغاة
أخي قد مضى ستة بالمثل فكان شهيد وكان بطل
فإِن ذقت أنت صنوف العذاب فإِنك في دربهم لم تزل
أخي ما لنا لسكوت سبيل فلا يوهمنك صمت طويل
فحقك ينشد في كل سمع سنثأر يومًا فصبر جميل
أخي ستنير الدماء الظلام وزرعه رحمة وسلام
[ ٤ / ١٨٢٦ ]
فيا سحب غطي شعاع الهلال يشرق بعده بدر التمام
أخي إِننا ما أسأنا الظنون روح قويّ وجسسم طعين
فماذا تروم لديك الخطوب ماذا يضيرك كيد السنين
أخي ما يريدون من مؤمن له قبره أفضل السكن
هلّمي أيا حادثات الزمان فلن تجدي فيه من موهن
أخي لن ننام وتحيى السهاد أخي سنحرك قلب الجماد
أخي إِن إِيماننا لكفيل بهزّ الرواسي ومحق الفساد
[ ٤ / ١٨٢٧ ]
أخي ما يئسنا ولن نيأسا وما طال في القلب لبث الأسى
وما حل أفئدة المؤمنين سوى أهل في الجَنان رسا
أخي لست وحدك في الامتحان فكن رابط الجأش عملب الجَنان
ستصرخ بالظلم كل الشفاه ويهزأ بالموت كل لسان
أخي أنت في النار في المرجل ونحن على بعدها نصطلي
فكن مشعلًا خالدًا لا يزول فنحن الوقود لذا المشعل
[ ٤ / ١٨٢٨ ]
أخي فانتظر ولتعش في غد سينبثق الأمل السرمدي
فإِن فرقتنا سنيّ الحياة فإِنا مع النصر في موعد
فِإِنا مع النصرِ في موعد
* * *
[ ٤ / ١٨٢٩ ]
نكبة فلسطين
وتحت هذا العنوان قال الشاعر أحمد محرم ﵀ (١):
في حمى الحق ومن حول (الحرم) أمة تؤذى وشعب يُهتضم
(فزع القدس) وضجت مكة (وبكت طيبة) (٢) من فرط الألم
ومضى الظلم خليًا ناعمًا يسحب البردين من نار ودم
يأخذ الأرواح ما يعصمها معقل الحق إِذا ما تعتصم
ويرى الناس إِذا أعجبه أن يبيدوا كأقاطيع البهم
بعثته شهوة وحشية تتلظى مثل أجواف الأطم
ما تبالي إِن مضت ويلاتها ما أصابت من شعوب وأمم
_________________
(١) الحديقة: ٢: ٢٢ لمحب الدين الخطيب، وشعراء الدعوة الإِسلامية في العصر الحديث: ٤: ٧٩ - ٨٦.
(٢) في الأصل (يثرب).
[ ٤ / ١٨٣٠ ]
أهون الأشياء في شرعتها أمة تمحى وشعب يلتهم
هي من روح الدهاقين الألى نشروا النور وطاحوا بالظلم
أنقذوا العالم من أرزائه وأذاقوه أفاويق النعم
وأزالوا ما حوت أرجاؤه للأوالي من قبور ورمم
فإِذا الدنيا جمال يجتنى وإِذا العيش سلام يغتنم
زينوها قصة ناعقة زينت للناس مكروه الصمم
كشف التجريب عن سوآتها ومضت عارية ما تحتشم
أفسدوا العالم مما عبثوا بالدساتير القدامى والنظم
[ ٤ / ١٨٣١ ]
نقض الأرسان واستن العمى فهو يمضى في جامحًا أو يرتطم
سلبوه العقل مما عربدوا وسقوه من خيال ولمم
الحياة البغي والدين الهوى والضعيف الخصم والسيف الحكم
زمن تصدق إِن سميته زمن (الطاغوت) أو عصر الصنم
يا (فلسطين) اصطليها نكبة هاجها للقوم عهد مضطرم
واشهديه في حماهم مأتمًا لو راعوا للفعف حقًّا لم يقم
واشربي كأسك مما عصروا من زعاف حائل في كل فم
أذكري يومك في أفيائهم ودعي الأمس فما يغني الندم
[ ٤ / ١٨٣٢ ]
آية للبغي من أسمائها حكمة الأقدار أو عدل القسم
اكشفيها غمة ليس لها من كفاء غير كشاف الغمم
الجهاد الحر يقضي حقه سؤدد العرب ويحميه (العلم)
لا تنامي للعوادي وادأبي واذهبي طامحة في المزدحم
ليس بالدرك حقًا غافل نام والأحداث يقظى لم تنم
في فؤادي جرحك الدامي وفي كبدي ما فيك من حزن وهم
كم صريع لك في أشلائه مصرع القربى وأشلاء الرحم
فجعوني فيه بابن صالح وأخ حر السجايا وابن عم
[ ٤ / ١٨٣٣ ]
(شهداء الحق) ماتوا دونه وهو حي العزّ موفور الشمم
واشتروه بنفوس حرة بذلوها من سخاء وكرم
نهض الملك على أمثالثها واستتب الأمر فيه وانتظم
إِن رسا البنيان يومًا أو سما فهي الأركان فيه والدعم
ذهبوا للشرق في مأتمهم مرح الخالي وبشر المبتسم
سره أن هب من أبنائه قضب الهند وآساد الأجم
وانتضى من بين جنبيه الأسى ما انتضى العدوان من تلك الهمم
همم الأحرار تحمي وطنًا عربيًا سليم خسفًا وظلم
باعه ذئب لذئب غيلة فهو للذئبين نهب مقتسم
[ ٤ / ١٨٣٤ ]
تنزع الأرزاق من أبنائه وتسل الأرض من فرط النهم
يرهق القوم فإِن هم غضبوا راحت الأرواح منهم تخترم
أخذتهم للأذى عاصفة هاجها البغي فهبت من أَمم
وارتمت هوجاء ما يردعها فاجع الثكل ولا عادي اليتم
عصفت ظمأى إلى آجالهم فتَروّت من شباب وهرم
وأراها من تلظّي جوفها تتداعى كالشواظ المحتدم
تتمنى من تباريح الصدى لو يكون الدم كالبحر الخضم
(شعب إسرائيل) ما بال الألى حفظوا العهد وبروا بالقسم؟
[ ٤ / ١٨٣٥ ]
ذكروكم ونسوا ما عقدوا لسواكم من عهود وذمم
اذكروا (بلفور) في (تلمودكم) واغفروا اليوم لـ (عيسى) ما اجترم
واسألوا (موسى) أطابت نفسه أم أبى ما كان منكم فنقم
ليس من مال عن الحق كمن جعل الحق سبيلًا يلتزم
هدم (التيه) قديمًا ملككم فبنى (بلفور) منه ما انهدم
أبت الأرض فكنتم شعثًا طائرًا في كل واد ما يلم
فرهى أشتاتكم في وطن راعه منكم بشعب ملتئم
نبئوا الغرقى وإِن لم يسمعوا أهو (الطوفان) أم سيل العرم
[ ٤ / ١٨٣٦ ]
(مصر) ناجي من (فسطين) الربى وابعثي صوتك من أعلى (الهرم)
وإِذا أعوز همٌّ أو أسى فاستمدّي الهمّ من هذا القلم
وخذي معنى الأسى عنه فما لك من معناه إِلا ما نظم
نبئيها أننا من وجدها نجد العلقم في العذب الشّبم
نشتكي الليل ويرمينا الأسى إِن مضى الليل بصبح مدلهم
فكأنا منهما في ملتقى نكبة تطغى وأخرى تستجم
أختك الولهى عناها شجوها ودهى أبناءها الخطب الملم
فزعت تدعوك في محنتها (مصر) جل الخطب هبي لا جرم
اذكريني أدركيني خففي ألمي بوركت من أخت وأم
[ ٤ / ١٨٣٧ ]
هد قومي باسم (موسى) ظالم لو رأى في القوم (موسى) ما رحم
زعم (التوراة) من أنصاره فهي تشكو خطبها مما زعم
هل رأى الألواح فاستهدى بما جاء فيها من عظات وحكم؟؟
أم تلقّى الوحي أم كان امرأً جهل الناس جميعًا وعلم؟؟
رب! هل قدرت ألاَ ينجلي ما أصاب الشرق من خطب عمم
عاث فيه القوم حتى ماله حرمة ترعى وحق يحترم
اكشف البأساء وارحم أمما تتلوى من ملال وسأم
عمل الناس فسادوا وعلوا وهي فوضى من عبيد وخدم
[ ٤ / ١٨٣٨ ]
تحمل الضيم ولولا أنها تحسب الموت حياة لم تضم
ما لنا من هذه الدنيا سوى غارة العادي وعسف المحتكم
ساءنا من شرها ما نجتوي وعنانا من أذاها ما نذم
فسئمناها حياة مرة ومللناه وجودًا (كألم)؟
رب! أنت العون إِن طاف بنا طائف البغي وأنت المنتقم
من يجير القوم إِن صبحهم خطب (عاد) و(ثمود) في القدم
لا يغرن قويا جنده قوة صرعى وجند منهزم
[ ٤ / ١٨٣٩ ]
يا أمتي وجب الكفاح
وتحت هذا العنوان قال الأخ العلاّمة الدكتور يوسف القرضاوي: حركت الأحداث خواطري، وأنا على فراش المرض، أسمع وأقرأ وأرى ما يجري على الساحة في ديارنا: صليبيّون ولا صلاح الدين، وتتار ولا قطز، ومرتدّون ولا أبا بكر، فكان من هذه المشاعر والخواطر هذه القصيدة (١):
يا أمتي وجب الكفاح فدعي التشدق والصياح
ودعي التقاعس ليس يُنـ ـصر من تقاعس واستراح
ودعي الرياء فقد تكلّ ـمت المذابح والجراح
كذب الدعاة إِلى السلا م فلا سلام ولا سماح
ما عاد يجدينا البكا ء على الطلول ولا النواح
لغة الكلام تعطلت إِلا التكلم بالرماح
_________________
(١) نفحات ولفحات: ٩٤ - ٩٨.
[ ٤ / ١٨٤٠ ]
إنا نتوق لألسنٍ بكم على أيد فصاح
يا قوم إِن الأمر جدّ قد مضى زمن المزاح
سموا الحقائق باسمها فالقوم أمرهمو صراح
سقط القناع عن الوجو هـ وفعلهم بالسر باح
عاد الصليبيون ثا نيةً وجالوا في البطاح
عاثوا فسادًا في الديا ر كأنها كلأ مباح
عادوا يريقون الدما ء لا حياء من افتضاح
والباطنية مثلوا الدّو ر المقرر في نجاح
[ ٤ / ١٨٤١ ]
دور الخيانة وهو معلو م الختام والافتتاح
من كل حشّاش أعا دَ رواية (الحسن الصباح)
عادوا وما في الشرق (نو ر الدين) يحكم أو (صلاح)
كنا نسينا ما مضى لكنهم نكؤوا الجراح
أرأيت لبنانًا وما يجري به من كل ساح؟
أرأيت (شاتيلا) و(صَبـ را) و(البراجنَ) و(الضّواح)؟
أرأيت من حملوا أنا جيل البشارة والسماح؟
ما هم من الإِنجيل إِلا مثل أبناء السفاح!
لم يخجلوا من ذبح شيـ ـخ لو مشى في الريح طاح
[ ٤ / ١٨٤٢ ]
أو صبية كالزهر لم ينبت لهم ريش الجناح
لم يشف حقدهمو دم سفحوه في صلف وقاح
عبثوا بأجساد الضحا يا في انتشاء وانشراح
وعدوا على الأعراض لم يخشوا قصاصًا أو جناح
ما ثم (معتصم) يغيـ ـث من استغاث به وصاح
أرأيت كيف يكاد للإِسـ ـلام في وضح الصباح؟
أرأيت أقصانا وما هدم العدو وما استباح؟
أرأيت أرض الأنبيا ء وما تعاني من جراح؟
أرأيت كيف بغى اليهو د وكيف أحسنّا الصياح؟
[ ٤ / ١٨٤٣ ]
غصبوا فلسطينا وقا لوا: ما لنا عنها براح
كشروا عن الأنياب لَمْ يخفوا وجوههم القباح
لم يعبؤوا بقرار (أمـ ـن) دانهم أو باقتراح
ولطالما اجترحوا العَظَا ئم لم يُبالوا باجتراح
عاد التتار (١) يقودهم جنكيز ذو الوجه الوقاح
عادت جيوشهمو تهدّ د بالخراب والاجتياح
يا ويل أرض دنَّسُو ها إِنهم عُقم الرياح
عادوا ولا (قطز) ينا دي المسلمين إِلى الكفاح
لولا صلابة فتية غرٌّ بدينهمو شحاح
_________________
(١) يعني لشاعر بالتتار هنا (الروس) وغزوهم لأفغانستان.
[ ٤ / ١٨٤٤ ]
في أرض أفغان العَرِيقـ ـة في البطولة والصلاح
غَنِمُوا السّلاح من العَد وّ وقاتلوه بذا السلاح
بذلوا الدماء وما على من يبذل الدم من جناح
بسيوف (سيَّاف) وحكمتِ يَارٍ) أبطال النفاح
ورجال (برهان) و(يُو نس) والمغاوير الصباح
قد بيّضوا وجه الحَنيـ ـفة ليس ذلك بامتداح
عاد المروق مجاهرًا ما عاد يخشى الافتضاح
نفقت هنا سوق النفاق تروج الزور الصراح
[ ٤ / ١٨٤٥ ]
فيها يباع الفسق تحـ ـت اسم الفنون والانفتاح
وترى الفساد يصول جهـ ـرًا في الغدو وفي الرواح
وتطاول المرتدُّ لا يخفي من الكفر البواح
من كل أكذب مسيـ ـلمة وأفجر من سجاح
وجد الحصون بغير حرّا سٍ لها فغدا وراح
ومضى يعربد لا يبا لي في حمانا المستباح
وتعالت الأصوات تد عو للفجور وللسفاح
مسعورة إِن رحت تزجر ها تمادت في النباح
ما من (أبي بكر) يؤد بهم ويكبح من جماح
[ ٤ / ١٨٤٦ ]
ويعيدهم لحظيرة الإيـ ـمان قد خفضوا الجناح
يا أمة الإِسلام هبـ وا واعملوا، فالوقت راح
الكفر جمّع شمله فلم النزاع والانتطاح؟
فتجمعوا وتجهزوا بالمستطاع وبالمتاح
يا ألف مليون وأيـ ـن همو إِذا دعت الجراح؟!
هاتوا من المليار ملـ ـيونًا صحاحًا من صحاح
من كل ألف واحدًا اغزوا بهم في كل ساح
من كل صافي الروح يو شك أن يطير بلا جناح
[ ٤ / ١٨٤٧ ]
ممن يخفّ إِلى صلا ة الليل بادي الارتياح
ممن يعف عن الحرا م وليس يسرف في المباح
ممن زكا بالصالحا ت وذكره كالمسك فاح
ممن يهيم بجنة الـ ـفردوس لا الغيد الملاح
من همه نصح العبا د وليس يأبى الانتصاح
يرجو رضا مولاه لم يعبأ بمن عنه أشاح
بكّاء محراب ولَـ ـكنْ في الوغى كبش النّطاح
مرٌّ على أعدائه ولقومه ماء قراح
في الرّوعِ يبذل روحه ويقول عند الغنْم صاح (١)
_________________
(١) أي يدع المغانم لغيره، وينادي أصحابه ليأخذوها.
[ ٤ / ١٨٤٨ ]
إِن ضاقت الدنيا به وسعته (سورة الانشراح)
لا بد من صنع الرجا ل ومثله صنع السلاح
وصناعة الأبطال علـ ـمٌ في التراث له اتضاح
من لم يلقنْ أصله من أهله فقد النجاح
لا يصنع الأبطال إِلاّ في مساجدنا الفساح
في روضة القرآن في ظل الأحاديث الصحاح
في صحبة الأبرار ممن في رحاب الله ساح
من يرشدون بحالهم قبل الأقاويل الفصاح
[ ٤ / ١٨٤٩ ]
من صمتهم فكر وذكرٌ نطقهم ومقالهم شكر ومجلسهم رباح
وغراسهم بالحق مو صول فلا يمحوه ماح
من لم يعش لله عا ش وقلبه ظمآن ضاح
يحيا سجين الطين لم يطلق له يومًا سراح
ويدور حول هواه يلهث ما استراح ولا أراح
لا يستوي في منطق الإِ يمان سكران وصاح
من همه التقوى وآ خر همه كأس وراح
شعب بغير عقيدة ورق تذرِّيه الرياح
من خان (حي على الصلا ة) يخون (حي على الفلاح)
[ ٤ / ١٨٥٠ ]
يا أمتي صبرًا، فليـ ـلك كاد يسفر عن صباح
لا بد للكابوس أن ينـ زاح عنا أو يزاح
والليل إِن تشتد ظلـ ـمته نقول الفجر لاح
والفجر إِن يَبْزُغْ فلا نَوْمٌ وحيّ على الفلاح
[ ٤ / ١٨٥١ ]
يا قدس
وقال تحت هذا العنوان الأخ الشاعر الداعية يوسف العظم - ﵀ (١):
يا قدس يا محراب يا منبر يا نور يا إِيمان يا عنبر
أقدام من داست رحاب الهدى ووجه مَن في ساحها أغبر؟
وكفّ من تزرع أرضي وقد حنى عليها ساعدي الأسمر؟
من لوث الصخرة تلك التى كانت بمسرى أحمد تفخر؟
وأمطر القدس بأحقاده فاحترق اليابس والأخضر
ودنس المهد على طهره إِلا عدو جاحد أكفر
يا سورة الأنفال من لي بها قدسيّة الآيات تستنفر
_________________
(١) ديوانه (في رحاب الأقصى): ١٠، وشعراء الدعوة الإِسلامية في العصر الحديث: ٤: ١٥ - ٢١.
[ ٤ / ١٨٥٢ ]
جندًا يذوق الموت عذب المنى كالصبح عن إِيمانه يسفر
ومن يبع لله أزكى دم يمت شهيد الحق أو ينصر
والبغي مهما طال عدوانه فالله من عدوانه أكبر
* * *
يا قدس يا محراب يا مسجد يا درّة الأكوان يا فرقد
سفوحك الخضر ربوع المنى وتربك الياقوت والعسجد
كم رتلت في أفقها آية! وكم دعانا للهدى مرشد!
أقدام عيسى باركت أرضها وفي سماها قد سرى أحمد
أبعد وجه مشرق بالتقى يطلّ وجه كالح أسود؟
[ ٤ / ١٨٥٣ ]
وبعد ليث في عرين الشرى يحل كلب راح يستأسد؟
وبعد شعب دينه رحمة يحل مَن وجدانه يحقد؟
يا أفرع الزيتون في قدسنا كم طاب في أفيائها الموعد
إِن مزق الغاصب أرحامنا وقومنا في الأرض قد شردوا
فما لنا غير هتاف العلى إِنا لغير الله لا نسجد
* * *
القدس في أفق العلى كوكب تشع بالنور فلا تعجبوا
أيّامها بالحقّ وضّاءة كانت بأطراف القنا تكتب
إِن أطرب القيثار أسماعنا فاللحن في أفق الهُدى أعذب
[ ٤ / ١٨٥٤ ]
أو حلّت الأمجاد ساح العُلى فالمسجد الأقصى لها أرحب
والمجد مذ أشرق في قدسنا ما باله في قدسنا يغرب؟
يا روضة كانت لنا مرتعًا وكوثرًا من فيضه نشرب
وجنّة فيها ربيع المُنَى في ظلّها أكبادنا تلعب
مذْ حلّ في أفيائها غاصب ما عاد فيها بلبل يطرب
مَنْ لي بسيف لا يهابُ الردى في كفّ من يزهو به الموكب
أَوْ راية في جحفل ظافر يقوده الفاروق أو مصعب
* * *
الوحي والتنزيل والأحرف والآي والإِنجيل والمصحف
[ ٤ / ١٨٥٥ ]
وسورة الإِسراء ما رتّلت إِلا وأسماع الدنا تُرهف
تبارك القدس وما حولها وصخرة القدس بنا تهتف
في كل صدر من دمي دفقة وكل عين دمعة تذرف
إِن ضمد الأسى جراح الورى فالجرح منّي راعف ينزف
يا درّةً في جيد تاريخنا رباك من كل الربا ألطف
كم قد مشت أبكادنا فوقها من كل روض زهرة تقطف
وكم سقينا تربها أنفسًا أنقى من الياقوت بل أشرف
يا قدس مهما باعدوا بيننا ففي غد جيش الهدى يزحف
كنائب الإِيمان قد بايعت لا فاسق فيها ولا مترف
* * *
[ ٤ / ١٨٥٦ ]
يا قدس يا أنشودة في فمي ويا منارًا في ذرا الأنجمِ
في كل أفق منك تسبيحة وكل شبر دفقة من دمِ
وكل روض نفحة من شذى وماؤك الرقراق من زمزمِ
وكل صدر زفرة حرّة وكل خدر عفّة المبسمِ
تحنو بقلب خافق بالمنى على برئ رف كالبرعمِ
قد أغمض الأجفان في هدأة وثغره في الثّدي لم يفطمِ
من مزق الطفل بلا رحمة فمات بين الصدر والمعصمِ
شظية عمياء من حاقد ورمية من ساعد مجرمِ
قد أطلقت هوجاء في غفلة وهلكة من ليلنا المظلمِ
[ ٤ / ١٨٥٧ ]
ما كان للهامات أن تنحني لو كان فينا عزّة المسلمِ
* * *
القدس واللطرون والمنتدى وبلبل في روضه غرّدا
وغابة الزيتون يا حسنها تضوّعت زهرًا وطابت ندى
في ظلّها يحنو على نايه فتى كريم الكف عذب الصدى
من حطم الناي على ثغره وشرد السامع والمنشدا
والمسجد الأقصى ومحرابه يحنو علينا ركّعًا سجّدا
قبابه كانت تناجي العلا وأرضه كانت منار الهدى
تحدث الأكوان عن زحفنا وقد بسطنا للمعالي يدا
[ ٤ / ١٨٥٨ ]
وهامة الفاروق مرفوعة أكرم بها في قدسنا مشهدا
يعلي لواء العدل تكبيره ويصنع الأمجاد والسؤددا
يا قدس إِن طالت بنا فرقة فسيفنا يا قدس لن يغمدا
* * *
[ ٤ / ١٨٥٩ ]
إلى القدس هيّا نشدّ الرحال
ويقول ﵀ تحت هذا العنوان (١):
إلى القدس هيّا نشدّ الرحال ندوس القيود نخوض المحال
ونمحو عن الأرض فجّارها بعصف الجبال وسيل النضال
بعزم الأسود وقصف الرعود ونار الحديد ونور الهلال
فهلاّ سمعتم أيا إخوتي حنين التراب وندب الرمال
ونوح المآذن في لوعة وآه الحصى وأنين التلال
وشعبي الشريد يسيل دمًا ومسرى الرسول يئن اشتعال
* * *
إِليَّ إِليَّ أسود الفداء فما عاد يجدي مقال وقال
_________________
(١) المجتمع: العدد ١٨٤٤ - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٠ هـ ٢١/ ٣ / ٢٠٠٩ م، بتصرف.
[ ٤ / ١٨٦٠ ]
لقد حان يوم انتفاض الأسير ودقَّت طبول الفدا والنضال
ونادت ربا القدس أبطالها فأين عليّ؟ وأين بلال؟
فإِما نسر في طريق الإِله ننل عزّة فوق شمّ الجبال
ولا بدّ للنور يومًا نعود ولا بد للقيد من أن يُزال
وتعلو المآذن في عزّة لتعرف لحنًا طوته الليال
* * *
[ ٤ / ١٨٦١ ]
فلسطين الغد الظاهر
ويقول - ﵀ - تحت هذا العنوان (١):
فلسطيني فلسطيني فلسطيني فلسطيني
ولكن في طريق الله والإِيمان والدينِ
أهيم براية اليرموك أهوى أخت حطينِ
تفجر طاقتي لهبًا غضوبًا من براكيني
لأنزع حقّي المغصوب من أشداق تنّينِ
وأرفع راية الأقصى وربّ البيت يحميني
* * *
قتلت الحقد من قلبي فأنبت زهر نسرينِ
أحبّ القدس والجولان أهوى ثلج جينين
أحبّ الأردن المعطاء من كفّيه يسقيني
* * *
ونار الغدر والطغيان والعدوان تكويني
فإِن حفروا لي الأخدود أو قاموا بتسميمى
_________________
(١) السابق.
[ ٤ / ١٨٦٢ ]
فلا التعذيب يرهبني ولا الترغيب يغريني
وإِن نلت الشهادة بين آلاف القرابينِ
فأنبت غاية الشهداء فيها ألف مليونِ
* * *
سلاح النور في كفّي ورشّاشي وسكّيني
أرتّل آية الكرسي وأتلو ربع ياسينِ
ولكن دون أوهام لجيفارا ولينينِ
ففكر الغرب يتعبني وفكر الشرق يشقيني
* * *
كفرت بدعوة الإِلحاد من صنع الشّياطينِ
وأوثان صنعناها من الأوحال والطّينِ
وآمنّا بربِّ البيت والزيتون والتّينِ
ليشمخ شعبنا حرًا عزيزًا في فلسطينِ
ويرفع راية التحرير في كل الميادينِ
* * *
[ ٤ / ١٨٦٣ ]
مناجاة في رحاب الأقصى
ويقول ﵀ تحت هذا العنوان (١):
ربّاه! إِني قد عرفتك خفقةً في أضلعي
وهتفت باسمك يا له لحنًا يرنّ بمسمعي
أنا من يذوب تحرّقًا بالشوق دون توجّعِ
قد فاض كأسي حتى سئمت تجرّعي
يا ربّ! إِنّي قد غسلت خطيئتي بالأدمعِ
يا ربّ! إنّي ضارع أفلا قبلت تضرعي
إِن لم تكن لي في أساي فمن يكون إِذن معي؟
* * *
يا رب! في جوف الليالي كم ندمت وكم بكيت!
ولكم رجوتك خاشعًا وإلى رحابك كم سعيت
قد كنت يومًا تائهًا واليوم يا ربّي وعيت
إِن كنت تعرض جنَة للبيع بالنفس اشتريت
أو كنت تدعوني إلهي للرجوع فقد أتيت
_________________
(١) السابق.
[ ٤ / ١٨٦٤ ]
ذبحوني من وريد لوريد
ويقول - ﵀ - تحت هذا العنوان (١):
ذبحوني من وريد لوريد وسقوني المرّ في كل صعيدِ
مزّقوا زوجي فلم أعبأ بهم ومضوا نحو صغيري ووحيدي
غرسوا الحربة في أحشائه فغدا التكبير أصداء نشيدي
دمّروا بيتي وهل بيتي هنا! إِن بيتي خلف هاتيك الحدود
وتلفّت فلم أعثر على غير أبناء الأفاعي والقرود
أين بأس العرب مذخور لمن؟ أين أبناء الحمى درع الصمود؟
ودمي سال على تلك الربى ينثر العطر في حمر الورود
ولغ الغاصب في أحشائنا غير أنّا لم نزل سمر الزنود
_________________
(١) السابق.
[ ٤ / ١٨٦٥ ]
ولوائي فوق هامات الورى يتحدّى في العلا كل البنود
قل لمن يحب أنّا أمّة أنكرت أمجاد سعد والوليد
نحن شعب لم يعد يخشى الردى أو يبالي برصاص وحديد
كلّما أطفئ منا قبس أشرق القرآن بالفجر الجديد
قد رجعنا راية زاحفة بعد أيّام ضياع وشرود
ومضينا نحو آفاق العلا نسلم الرايات جدًّا لحفيد
إِنها الجنّات تبغي ثمنًا عزَّ إِلا من شرايين الشهيد
قل لمن يلهث في غفلته ينشد السلم تمتّع بالصديد
ذبحوني من وريد لوريد غير أنّي لم أطأطئ ليهودي
* * *
[ ٤ / ١٨٦٦ ]
اغضب لله
وقال الأخ الشاعر أحمد محمَّد الصديق، تحت هذا العنوان (١):
اغضب لله ولا ترهب فرضاء الله هو المطلب
هيّا فخيولك مسرجة والزحف قريب يتأهب
ورؤى التحرير مُجنّحة كنجوم في الأفق الأرحب
انهض فسماؤك واعدة وعطاء الموسم قد أخصب
وشبابك فيض من نور يتلظى في وجه الغيهب
ويا طرد أشباح الظلما ت ويتكسح الزيف الخلب
من كان وليًّا للرحمـ ـن فسيف القدرة لا يغلب
* * *
_________________
(١) المجتمع: العدد ١٨٣١ - ٢٢ ذو الحجة ١٤٢٩ هـ- ٢٠/ ١٢ / ٢٠٠٨ م.
[ ٤ / ١٨٦٧ ]
اغضب لله فلا نامت في الذل عيون الجبناء
من يخش الموت يعش ميتًا والمجد حليف الجرآء
قلها كالرعد كبرق السيـ ـف تزلزل ركن الظلماء
فى صيحة حق لاهبة تجتاح غثاء الأهواء
أو دفقة عطر من جرح تهمي في الأفق المعطاء
يغتر بها وجه النعمى تستأصل جرثوم الداء
وتخط لنا عبر الأيا م طريق الفجر المترائي
* * *
وإِذا ما الروح سرى فيها الإِعياء وأقعدها الوهن
[ ٤ / ١٨٦٨ ]
وتلاشت جذوتها حتى صارت كرماد يمتهن
فاغضب لله فإِن الحـ ر ذرا الجوزاء له سكن
وكتاب الله هو النبرا س وأنت الصدر المؤتمن
أبدًا يدعوك إِلى الفردو س فكيف بقيدك ترتهن؟
آفاتك تنضح بالأشوا ك ودربك تفرشه المحن
فاثبت كي تسقط أوثان والحق يعز به الوطن
* * *
مهد الإِسراء وهل ترضى ما يصنع فيه الأعداء
أنفاس تزهق أعراض تُسبى آهات ودماء
[ ٤ / ١٨٦٩ ]
تاريخ يسرق آمال تغتال دماء وبلاء
ومساجد تحرقها الأحقا د ويعبث فيها السفهاء
فإِلام الصمت ترى هل نحـ ـن من الموتى أم أحياء؟
وإلام سيبقى أطفال درعًا يحمينا ونساء؟
والأمة في الدرك الأدنى تهوي ويمزقها الداء
* * *
اغضب لله فأنت لها إِذ تدعوك صيحات القدس
وتنادي الصخرة والأقصى وتمزق أكفان الرمس
وتهبّ أعاصير الأبطا ل لخوض ميادين البأس
[ ٤ / ١٨٧٠ ]
الصحوة بذل وجهاد بالمال تجود وبالنفس
وتفيض بحار صاخبة كي تغسل أدران الرجس
بالحجر الثائر بالمقلا ع بحدّ المدية بالفأس
وغدًا لا بد سنعلنها بالعودة أفراح القدس
* * *
[ ٤ / ١٨٧١ ]
مشاهد وعبر
ونجد أنفسنا أمام ضرورة الوقوف بسرعة أمام أهم المشاهد والعبر والأمثال التي ضربت للنبي -ﷺ- فى هذه الليلة المباركة، تحمل العبر والعظات، والإشارات والبشارات!
وللأمثال عند بني الإنسان -ولا سيّما العرب- شأن وأيّ شأن، فهي ترينا المعقول في صورة المحسوس، والغائب في صورة المشاهد، والمأمول المرتقب في صورة الواقع المحقّق .. وهي بما فيها من دقة التصوير، وسموّ التعبير، وعظمة التقدير، وقوّة التأثير، تستولي على النفس، وتسيطر على الحسّ، وتهزّ أوتار القلوب هزًّا!
ومن ثمَّ لا عجب أن ضربت الأمثال للنبيّ -ﷺ- وصوّرت تصويرًا دقيقًا معبّرًا، حيث يرى المشهد العجيب، فيستفسر عنه، فيجيبه جبريل ﵇!
وأوّل ما يطالعنا من هذه المشاهد أمانة الكلمة، ففي الحديث الذي رواه أحمد وغيره عن ابن عباس ﵄:
"فإِذا قوم يأكلون الجيف، قال: ومن هؤلاء يا جبريل؟ " قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس " هذا مشهد. (١)
وفي رواية بسند حسن عن أنس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال:
_________________
(١) انظر: أحمد: ١: ٢٥٧ وفيه قابوس مختلف فيه، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين، وصحح إسناده ابن كثير: التفسير: ٥: ٢٦ وله شواهد، وأورده السيوطي: الدر المنثور: ٥: ٢١٤ وزاد نسبته إلى ابن مردويه، وأبي نعيم: الدلائل، والضياء: المختارة.
[ ٤ / ١٨٧٢ ]
"مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قال: قلت: من هؤلاء؟ قال خطباء من أهل الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالمعروف وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب .. أفلا يعقلون؟ "
وفي رواية: "من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك"! (١)
هذا مشهد ثانٍ!
ويأتي مشهد ثالث بسند صحيح عن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لمّا عرج بي ربِّي ﷿ مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم"! (٢)
تلك المشاهد تحذّر الإنسان وتنذره أن يقول غير الحق، وهي ترهب النفس في صور ترتجف لها فرقًا، ويقشعرّ الوجدان رعبًا، سواء في صورة هؤلاء الذين يأكلون الجيف، وهؤلاء الذين تقرض شفاههم بمقاريض من نار، وهؤلاء الذين يخمشون وجوههم وصدورهم بأظفار من نحاس!
يا للهول!
إن الخيال الشاخص يقف عاجزًا عن أن يتصوّر مآل هؤلاء الذين يقولون غير الحق! في آية صورة من صوره!
_________________
(١) أحمد: ٣: ١٢٠، ٢٣١، ٢٣٩، والفتح الرباني: ٢٠، ٢٥٧.
(٢) أحمد: ٣: ٢٢٤، والفتح الرباني: ٢٠: ٢٥٧، وأورده ابن كثير، وعزاه لأحمد، ثم قال: وأخرجه أبو داود من حديث صفوان بن عمرويه من وجه آخر ليس فيه أنس، وانظر: عون المعبود: ٢٢٣: ١٣ - ٢٢٤ (٤٨٥٧ - ٤٨٥٨).
[ ٤ / ١٨٧٣ ]
ألا إنه للهول البشع الذي يتحامى الخيال ذاته أن يتخيّله؛ لأنه أشدّ وأغلظ من أن يطيقه!
ولكنه الواقع الذي ينتظر هؤلاء الذين يسعون بالفتنة، ويمشون بالسوء من القول!
ويزداد الهول البشع شدّة، ويعجز القلم عن التعبير، وترتجف الأوصال، ونحن نقرأ: "خطباء من أمّتك"!
وهذه المشاهد -وهي قليل من كثير- تدعو الإنسان إلى أن يرغب في أن يحفظ للكلمة أمانتها!
وحسبنا -كذلك- أن نذكر ما رواه الترمذي وغيره عن معاذ بن جبل قال:
"كنت مع النبي -ﷺ- في سفر، فأصبحت يومًا قريبًا منه، ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنّة، ويباعدني عن النار، قال: "لقد سألتني عن عظيم، وإِنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت".
ثم قال: "ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل".
قال: "ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (١٦) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ (السجدة)!
[ ٤ / ١٨٧٤ ]
ثم قال: "ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده، وذورة سنامه"!
قلت: بلى يا نبيّ الله!
فأخذ بلسانه قال: "كفّ عليك هذا"!
فقلت: يا نبيّ الله!، وإِنا لمؤاخذون بما نتكّلم به؟
فقال: "ثكلتك أمّك يا معاذ، وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إِلا حصائد ألسنتهم"! (١)
وهكذا تأتي أمانة الكلمة ملاك هذا كله .. ومع هذا فما يزال الوجدان يرتعش -وهو يتصوّر- مجرّد تصوّر - تلك المشاهد .. وهنا تشفّ الروح ويراقب الإنسان ربّه فيما يقول وفيما يعمل!
وفي سورة الإسراء نبصر مكانة الفرد ومسؤوليّته، ونحن نقرأ قول الحق ﵎:
﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ " (الإسراء)!
وبذلك الناموس تتضح التبعيّة الفرديّة التي تربط كل إنسان بنفسه، وتربط قاعدة العمل والجزاء .. ومن ثمَّ نبصر الربط بين الحركة المسؤولة والكلمة الصادقة، والقول والعمل، والعقيدة والسلوك، والفكرة والتنفيذ!
_________________
(١) الترمذي (٢٦١٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصحيح الترمذي (٢١١٠)، وأحمد: ٥: ٢٣١، وعبد بن حميد (١١٣)، وابن ماجه (٣٩٧٣).
[ ٤ / ١٨٧٥ ]
وسبق أن عرفنا كيف أن النبي -ﷺ- اختار اللبن، وأعرض عن الخمر، وذلك في الحديث الأوّل الذي رواه مسلم عن ثابت عن أنس، وفيه:
"فجاءني جبريل -﵇- بإِناء من خمر، وإِناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة".
ونبصر في هذا ترفعًا عن الحرام، وبعدًا وإعراضًا، واختيارًا للفطرة .. هذا مشهد!
ومشهد ثان نبصره فيما رواه أحمد، قال: حدّثنا أبو عمر الضرير، أخبرنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لما كانت الليلة التي أسري بي فيها، أتَتْ عليَّ رائحة طيبة، فقلت: يا جبريل، ما هذه الرائحة الطيّبة؟! فقال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها، قال: قلت: وما شأنها؟ قال: بيْنَا هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم، إِذ سقطت المدرَى من يدها، فقالت: بسم الله! فقالت لها ابنةُ فرعون: أبي؟ قالت: لا، ولكن ربِّي وربّ أبيك الله، قالت: أُخْبره بذلك! قالت: نعم، فأخبرتْه فدعاها، فقال: يا فلانة، وإِنّ لك ربًّا غيري؟ قالت: نعم، ربّي وربّك الله، فأمَرَ ببقرةٍ من نحاس فأُحمِيَت، ثم أمر بها أن تُلْقَى هي وأولادها فيها، قالت له: إِنّ لي إِليك حاجة، قال: وما حاجتك؟ قالت: أحبُّ أن تجمع عظامي وعظامَ ولدي في ثوب واحد، وتدفننا، قال: ذلك لك علينا من الحق، قال: فأَمَرَ بأولادها فأُلقوا بين يديها، واحدًا واحدًا، إِلى أن انْتَهَى ذلك إِلى صبِيٍّ لها مُرْضَعٍ، كأنّها تقاعست من أجله، قال: يا أُمَّهْ، اقْتَحِمِي، فإِن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فاقْتَحَمَت".
[ ٤ / ١٨٧٦ ]
قال: قال ابن عباس: تكلّم أربعة صغار: عيسى ابن مريم -﵇، وصاحب جريج، وشاهد يوسف، وابن ماشطة ابنة فرعون! (١)
ونبصر في مشهد الفطرة كل خصائص (الدّين القيّم) وتصوّراته، ومن ثم يتكوّن الفرد في جوّ نظيف شريف عفيف، بعيد عن العلاقة الآثمة، ويوجد الربط بين أمانة الكلمة -كما عرفنا- وأداء الأمانات، وانطلاقًا من أن الدّين القيّم دين الحياة، بكل ما تحمله الحياة المباركة الطيّبة من معان!
ونبصر في المشهد الأخير ثبات القلب المؤمن أمام الصعاب، مهما كان شأنها .. ويتضاءل الإنسان أمام هذا الموقف المهيب .. وأمام واقع المسجد الأقصى الذي يئن بحرقة، ويهيب بأتباع النبي -ﷺ- أن يرفعوا راية الحق.
وأخيرًا وليس آخرًا:
نبصر المسجد الأقصى محلّ عناية الله، ومكان رعايته، حيث أسرى بخاتم رسله إليه .. ولئن تاهت البلاد التي سبقت إلى الإِسلام وافتخرت، لأن الفتح كان على أيدي السابقين الأعلام، وجحافل جيوش المسلمين، فإن لموطن المسجد الأقصى أن يعتزّ بأنه قد أسْرى الله ﷿ بخاتم رسله إليه .. وجعل ذلك أمرًا محكمًا في القرآن الكريم، يتعبّد المسلمون
_________________
(١) أحمد: ١: ٣١٠، وسنده حسن، فقد سمع حماد بن سلمة من عطاء بن السائب قبل الاختلاط عند جميع الأئمة، وأبو عُمر الضرير اسمه حفص بن عُمر البصري، روى له أبو داود، وهو صدوق، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح! وأخرجه بنحوه الطبراني (١٢٢٨٠) عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه بهذا الإسناد! وابن حبان (٢٩٠٣) عن طريق يزيد بن هارون، والطبراني (١٢٢٧٩)، وانظر: ابن ماجه (٤٠٣٠).
[ ٤ / ١٨٧٧ ]
بتلاوته .. وقد أدرك سلفنا الصالح هذه الحقائق، وتلك المعاني، فكانت الشهادة أمنية رفيعة الشأن، جليلة القدر، عظيمة الأثر، وكان الشهداء في مؤتة وحطّين وغيرهما، وقوافل المقاتلين إلى أرض فلسطين، أرض المسجد الأقصى .. وكأنّ هذه الدماء على أرض فلسطين الآن لم تكن كافية، على ما يظهر، أن نجدّد العزم على تحرير المسجد الأقصى .. وكأنه لم يبق لدى الكثير اسم ولا رسم، ولا روح ولا جسم، بيد أن الأمل قائم، ومعادلة النصر حق، والله لا يخلف الميعاد، وصدق الله العظيم:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: ٥٥)!
ونبصر ضرورة دراسة السيرة النبويّة، وفق هذا المنهج الموضوعي في تلك الدراسات، رجاء أن نرى أنفسنا أمام تفسير الأحداث -وفق قول الرافعي- (١) إن الدنيا لم تستطع تحقيق غايتها الأخلاقيّة العليا إلا فيها، وأنه -ﷺ- كان إنسانًا، وكان أيضًا حركة في تقدّم الإنسانيّة، وأن من معجزاته أنه أطاق في تاريخه ما عجزت عنه البشريّة في تاريخها، وأن كل أموره موضوعة وضعًا إلهيًّا، كأنها صفات كوّنها الحق وعلّقها في التاريخ لمعاني الحياة، تعليق الشمس في السماء لمواد الحياة!
وكأن الحقيقة السامية في سيرة هذا النبيّ تنادي الناس (٢) أن قابلوا على هذا الأصل، وصحّحوا ما اعترى أنفسكم من غلط الحياة وتحريف الإنسانيّة!
_________________
(١) وحي القلم: ٣: ٢٤ - ٢٥ بتصرف.
(٢) السابق: ٢: ٦.
[ ٤ / ١٨٧٨ ]
ونبصر اليقين بأن الآلام مهما اشتدّت، والمحن مهما طال أمدها، فإن الآمال الكبيرة المرتقبة تخفّف آلام الكفاح، وتمسح الجراح، وتوضح معالم الطريق.
والمنح التي تعقب المحن، تحملها معها بشائر النصر ..
ومن ثم نبصر خلفًا صالحًا لسلف صالح. تربط الجميع أخوّة زكيّة، صافية نقيَّة، ومحبّة نديّة، ومودّة رضيّة، ونفحة علويّة، وألفة قدسيّة، تنشئ في قلوبنا معالم يعجز القلم عن تصويرها .. وتهبّ نفحات القرن الأوّل .. ويولد للإسلام عالم جديد، يكون قضاء الله الغالب، وقدره الذي لا يرد!
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
* * *
[ ٤ / ١٨٧٩ ]