مقدمة الطبعة الثالثة
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الثالثة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
فإن حاجة العالم أجمع للدعوة الإسلامية كان أمرا حتميا تمليه الظروف الحضارية والسياسية والعسكرية والدينية والاقتصادية التي كان يعيشها الإنسان الجاهلي: في أمة العرب، أو في أمة فارس، أو في أمة الرومان.
ذلك لأن العقيدة وهي غاية الغايات لبني آدم إذ لم يخلقوا إلا ليعرفوا ربهم الواحد الأحد الفرد الصمد. هذه العقيدة كان قد تراكم عليها حطام الزنادقة في جميع بلدان العالم:
- فقد كان العرب في اعتقادهم قد انحرفوا عن ملة إبراهيم وتوجهوا نحو أصنام لا تضر ولا تنفع.
- وكان الفارسيون قد تخبطوا في اثنينية ماني بن فاتك ذلك الحكيم الفارسي الذي ظهر في زمان "سابور بن أردمشير" وقتله "بهرام بن هرمز بن سابو".
فقد ذهب ذلك الحكيم المخرف إلى أن العالم مصنوع من النور والظلمة ثم اختلفوا بعد ذلك في العلاقة بين النور والظلمة.
هل امتزجا بالخيط والإتقان أو بالقصد والاختيار.
[ ١ ]
كما اختلفوا في سبب هذا المزاج هل هو التشاغل، أو شيء آخر، ثم قالوا: إن المزاج القديم هو:
امتزاج الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة.
وأن المزاج الحديث هو:
الخير والشر.
ولم يكن في حلبة المحكمة سوى ماني بل كان هناك مزدك الذي ظهر أيام قباذ والد أنوشروان، ونهاية مذهبه شيوع في النساء والأموال والخلاص بالانتحار.
- كما تخبط الرومانيون في عقائدهم فالألوهية عندهم أسرة تتناسل: تعيش وتموت، وتحب وتكره، وتغار وتكيد.
فالإله "جوبيتر" يغضب على إله العلم والصناعة "برومثيوس" لأنه يعلم الإنسان كيف يستخدم النار في الصناعة فيعطيه قوة تصارع قوة الأرباب.
كما كان "جوبيتر" يخدع زوجته "هيرة" فيرسل إليها الغمام ليحجب عنها الشمس حتى لا تراه مع عشيقاته.
كذلك كان الإله "جوبيتر" شرها يحب الطعام لذلك كان يغضب على الإله "استولاب" إله الطب، لأنه يداوي المرضى وبذلك يحجبه عن جباية الضرائب على أرواح الموتى.
- وفي الهند عجب عجاب آلهة تتوالد وتتناسل وبعضها لما يوجد فبينما الآلهة: براهما، وفشتو، وسيفا تتصاهر نجد لهما زميلا لما يولد بعد هو الإله كلاكي kalaki فهو إله بلا وظيفة، بل إن وظيفته لما تحدد بعد.
[ ٢ ]
وفي زيارة لي لجزيرة بينانج pinang بماليزيا الغربية زرت معبدا لابن الإله سيفا وسألت الحارس: معبد من هذا؟ فقال لي: معبد ابن الإله سيفا. فقلت له: وأين أبوه؟ قال لي: إنه تحت هناك أسفل الجبل. فقلت له: ولم تركه أبوه؟ ألم يخشى عليه صعود الجبل؟ ألا يخشى أن تأكله الثعابين؟ أو أن يضربه الأطفال؟ فنظر إلي الرجل ونام، فقلت له: هل تعلم لماذا مات ابن الإله سيفا؟ قال: لا. قلت له: لأن الأطفال ضربوه على رأسه بعرف شجرة الرمبوتان.
هل تترك العقائد هكذا يعبث بها البشر. آلهة تصنع من الحجارة، وخرافات تنظم عقائد، وفلسفة تقدس البشر، ومصالح شخصية تجعل الأسطورة دينا.
لقد كانت الرسالة الإسلامية ذات أهمية خاصة لتصحح مسار الاتجاه الديني في البشرية بعد أن ضلت طريقها إلى العقيدة الصحيحة والإيمان المستقيم.
وكذلك كان لا بد من مجيء الدعوة الإسلامية لتضع ميزانا كريما للأخلاق.
فهل ستظل الأخلاق موجة بالمبدأ الشخصي عند السفوسطائية؟ ذلك المبدأ الأناني الذي يثير الفوضى في كل اتجاه.
أو بمبدأ المعرفة دون احترام لبقية مكونات الإنسان وظروف حياته؟
أو ميزانها الوسط وما هو المعيار في معرفة هذا الوسط وهل الميزان في الفضيلة المجردة واحتقار الحياة وأساليبها؟
أو هل المعيار هو اللذة والمنفعة سواء كانت قريبة أو بعيدة خاصة أو عامة؟
[ ٣ ]
هل الخليط الفلسفي المختلف في معيار الأخلاق وميزانها هو الرصيد الذي تحتاجه البشرية لمعرفة كمال الأخلاق التي تتفق مع كرامة الإنسان؟
وهل الإنسان قادر على أن يشرع لأخلاق زملائه من البشر؟ ومن هو ذلك الإنسان الذي يستوعب أفق عقله كل إمكانات البشر النفسية والعصبية والعقلية حتى يضع لهم ميزانا للأخلاق ومعيارا للسلوك؟
لذلك كانت الدعوة الإسلامية حتمية لإراحة الإنسان في مجال الأخلاق من مهاترات نظريات الفلاسفة المختلفين. وكذلك في السلم والحرب، وفي العلم والتعلم، وفي الاجتماع والأسرة، وفي الحرية والرق. كان لا بد لليل الكئيب أن ينتهي وتأتي شمس الحقيقة لتنير للناس الطريق الصواب في العقيدة والأخلاق والسلوك، والسلم والحرب، والعلم والتعلم، والعمل والإنتاج، والحرية والرق، والأسرة والمجتمع، والدولة والأفراد.
بل، إن الدعوة الإسلامية كان لا بد وأن تأتي حتى لو كان المجتمع الإنساني فاضلا لتنقل سلوك المجتمع من العادة إلى العبادة لأن الغاية من وجود العباد في حياتهم الدنيا هي عبادة الله وحده، وهم قد عبدوا بالفعل لكنهم عبدوا أهواء، واخترعوا أديانا ما أنزل الله بها من سلطان. فكان لا بد للدعوة الإسلامية أن تأتي لهذه المهمة ويظهر ذلك جليا في قول الله تعالى:
﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ، فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا
[ ٤ ]
وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٤، ١٥] .
ولقد صادفت هذه الدعوة من القوى المعادية لها مثلما تصادفه اليوم.
لقد صادفت من العلمانيين أصحاب الشهوة والملذات والمنفعة الشخصية صدا بالحرب، والإشاعة، والصد، والقطيعة، وجلب الفكر المعادي، كما صادفت الصليبية بقسميها: المتعصبة والعسكرية الغازية.
كذلك لم يمهل اليهود عمر الدعوة منذ سمعوا عن بعثة سيدنا محمد -ﷺ- فألبوا عليه الخصوم من بعيد، ثم شرعوا أسنة الرماح وحاكوا جلابيب الغدر والخيانة وزينوا للنفاق والمنافقين مقاعد في حصونهم.
وبنفس الأسلحة المعاصرة:
التقدمية في لغة الشيوعيين.
القومية في لغة العلمانيين.
الدهاء والمراوغة والإشاعة في لغة المنافقين.
اللقاء الروحي والسلام الاجتماعي في لغة الماجنين.
والاعتقالات، والسجون، والحصار الاقتصادي، والزحف العسكري، والتضليل السياسي. كل ذلك واجهته الدعوة منذ عهدها المكي. لكنها استطاعت أن تتخطى الحواجز، وأن تتغلب على الصعاب لأنها لم ترتجل العمل ارتجالا، ولا ركنت إلى المعجزات كوسيلة، بل اتخذت لها -كما أراد لها ربها- المناهج، والمراحل، والوسائل، وساوقت بين المرحلة، والوسيلة، والمنهج حتى صنعت جماعة لا تعرف العرقية، ولا العصبية ولا الثأر للذات، ولا التفاني
[ ٥ ]
في مجد الأسرة ولا حب الديار من أجل ليلى بل تعرف العقيدة آصرة، ومحل قرابة، ووطنا لجميع المسلمين.
ثم تخطت بهذه الجماعة إلى بناء المجتمع الذي أقام أول دولة ذات أيديولوجية لا تقوم على أساس من الميراث الملكي، ولا الغلبة العسكرية، ولا على الجنس الواحد بل قامت بناء على رغبة من جميع بانيها، وعلى أساس من العقيدة التي هي آصرة الولاء والإخاء واللقاء في الله العلي العظيم.
وكان بناءو هذه الدولة هم الأمة التي خاطبها الله ﷻ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
ولئن كان الله ﷻ قد فتح علي من فيوضات رحمته وعلمه فكتبت عن تصوري فيما يتعلق بالدعوة الإسلامية في عهدها المكي لأبرز المراحل، والوسائل، والمناهج التي أسسها سيدنا رسول الله -ﷺ- في تبليغ الدعوة لتكون لنا أسوة ونبراسا، فسوف أحاول إن شاء الله أن أضع تصوري عن الدعوة في عهدها المدني من حيث المناهج والغايات كذلك، وكان ذلك عزمي منذ عشرة أعوام لولا أنني تركتها لعل بعض أبنائي في قسم الدعوة أو في كلياتها يكون لهم الحظ في التشرف بالاضطلاع بخدمة الدعوة في هذا الجانب. إلا أنني حتى هذا الحين لم أجد من كتب فيه. فعزمت بحول الله تعالى وقدرته على الإقدام لهذه المحاولة عسى الله جل شأنه أن يهبنا الفتوح والمدد كي أكمل خدمتي للدعوة الإسلامية في طوريها: الطور المكي الذي أقدم له بهذه المقدمة للطبعة الثالثة،
[ ٦ ]
والطور المدني الذي أتعشم وآمل في فضل الله أن يرزقني نعمة التوفيق في حسن آدائه وكتابته والله من وراء القصد وهو وحده مالك الملك بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والدعاة المخلصين والتابعين بإحسان إلى يوم الدين١.
انتهى في الدوحة، قطر
عصر يوم الأربعاء
١٩ من رجب مضر ١٤٠٢هـ
١٢ من مايو ١٩٨٢م
دكتور
رءوف شلبي
الأستاذ المعار إلى جامعة قطر
_________________
(١) ١ راجع المعلومات حول ما جاء في هذه المقدمة في الكتب التالية: * الوحي في الإسلام وأهميته في الحضارة الإنسانية. * آلهة في الأسواق. د/ رءوف شلبي. * يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء. * فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة. تحقيق دكتور سليمان دنيا.
[ ٧ ]
مقدمة المؤلف
مدخل
مقدمة المؤلف:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والداعين بدعوته إلى يوم الدين.
وبعد..
فإن أحلى كلمة تقال وتصعد إلى الله مع الكلم الطيب هي كلمة الدعوة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ . وإن أشرف وظيفة على الأرض يتشرف بها الإنسان المسلم هي وظيفة الدعوة: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ .
إن كل الوظائف على وجه الأرض تصدر عن تنظيم بشري أو قرار من سلطة الأرض إلا وظيفة الدعوة فإنها تصدر عن تفويض رباني وتوكيل عن النبوة العاقبة الخاتمة: "العلماء ورثة الأنبياء".
لهذا استحقت الدعوة الإسلامية هذا الشرف المجيد واستحق المشتغلون بها تكريما خاصا وكان عليهم تجاهها واجب يثابون عليه أداء ويعاقبون عليه إهمالا.
ولما كانت مادة الدعوة الإسلامية لم تحظ من قبل بتقعيد علمي لموضوعاتها بحيث يدرك السامع حدود وأبواب وفصول وميادين العمل لهذه المادة كما حظي الفقه والأصول وعلم الاجتماع والجعرافيا والتاريخ إلخ.
[ ٨ ]
لقد كان من الواجب الذي يثاب عليه بالأداء ويعاقب عليه بالترك والإهمال أن تبذل جهود جمة لإبراز موضوعات الدعوة الإسلامية في إطار أكاديمي علمي حتى تكون نبراسا يستضاء به في الأحوال والظروف والملابسات المتشابهة.
ولقد تفضل الل جل شأنه فمنحني من واسع فضله العون لأفتح للمشتغلين بالدعوة الإسلامية هذا الباب ولأقدم طرفا من الواجب تجاه أحلى كلمة تقال وتصعد إلى الله مع الكلم الطيب، وأعظم وظيفة يصدر قرارها من عند الله ورسوله الخاتم عليه أفضل الصلاة والسلام.
فكانت هذه الرسالة منحة ونعمة وتوفيقا من عند الله. أعرض نواحيها الثلاث في هذه المقدمة عرضا موجزا.
[ ٩ ]
أولا: الدافع
الدافع إلى هذا البحث أمشاج من الظروف:
أ- منها البعيدة والقريبة.
ب- ومنها العالمية والخاصة.
١- إن أخص خصائص وظيفة الإنسان على وجه الأرض هي العبودية لله.
والعبودية هي: أن تسجد جوارح الإنسان وقلبه وعقله لله وحده، ولا يتأتى مطلقا أن تتحقق هذه العبودية إلا إذا كانت القوامة عليه من الأفق الأعلى الكريم عن طريق الوحي الأمين.
[ ٩ ]
ولقد استطاعت التربية الإسلامية عن طريق هذا الوحي في العهد النبوي المضيء ببركة النبي -ﷺ- أن تروض نفوس العرب على الانقياد لهذا الدين والاعتياد على السلوك، والأخلاق، والعادات، والتقاليد، التي أنشأتها معالم المنهج القرآني فكانت النقلة البعيدة من: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" في جوها الجاهلي.
إلى:
﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ .
وبهذه العبودية التي حققها الرعيل الأول أنشأ القرآن "دولة الإسلام" أعز دولة في الوجود لم يكن لها من مآرب سوى أن تكون العبودية فوق الأرض لله وحده، فلا تسجد الجباه، ولا تخفق القلوب، ولا تقشعر الأبدان، إلا لجلال الله وعظمته وكبريائه، وبذلك فقط تتحقق للإنسانية كلها معاني الكرامة والسعادة في الحياة.
ثم كانت نكسة المسلمين وانزواؤهم عن المنهج القرآني حتى وقفت البشرية اليوم على شفا جرف هار، وذاقت مرارة ضياع الدولة الإسلامية التي كانت تصون -بالعبودية لله- كرامة الإنسان وتضمن له الأمن على ماله وعرضه وحياته كلها.
لقد كانت مأساة إنسانية عامة يوم خسر العالم دولة الإسلام. وإنه ليتذوق اليوم أنواعا شتى من مضاعفات هذه الخسارة.
إن نار الحرب التي تتأجج في كل جانب من جوانب الأرض.
[ ١٠ ]
وإن الشقوة الاقتصادية التي أعمت عيون الأخصائيين مع الحيارى التائهين في أزقة الجوع والحرمان.
وإن تزعزع الأمن للفرد والأسرة والدولة.
وإن انحراف الأخلاق التي مزجت في الشكل والموضوع تقاسيم الرجال بالنساء.
وإن الرعب العسكري الذي يحيط بالكرة الأرضية كلها.
وإن الضياع الفكري الذي امتلأت به بطون كتب إبليسية تهوي بقيمة العقل في مستواه الإنساني، إلى مستوى الأنعام بل أضل.
إن كل ذلك من المضاعفات التي جناها العالم كله نتيجة لضياع دولة الإسلام الحنيف وصدق الله العظيم: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ .
ولن يعود للإنسان معناه وقيمته وكرامته إلا إذا عاد إلى العبودية لله وحده، ولن يتأتى مطلقا أن يحقق الإنسان العبودية لله وحده إلا إذا عادت القيادة إلى القرآن الكريم وحده: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ .
فالقرآن وحده هو الذي يملك توجيه الحياة إلى الصراط المستقيم والإسلام وحده هو الذي يملك إعادة بناء الإنسانية ليعد للإنسان معناه وقيمته وكرامته؛ للمسلم ولغيره على السواء.
[ ١١ ]
والسؤال الآن: هل في حياة الدعوة الإسلامية منهج يمكن من إعادة هذا البناء؟
٢- لقد قامت في هذه القاعة الكبرى بالجامع الأزهر الشريف عدة دورات دراسية عن أسلوب العمل مع الجماعة لمجموعات من شباب الأزهر الذين شِيءَ لهم حسبما زعم يومها أن يكونوا رواد العمل الاجتماعي في الوحدات المجمعة التي تتبع وزارة الشئون الاجتماعية لخدمة الريف المصري.
وكان أساس هذه الفكرة ادعاء أن الثقافة الأزهرية أو الإسلامية خالية من أسس ومناهج العمل مع الجماعة، وأكد المدرسون الذين اختيروا من خريجي جامعات أوربا وأمريكا ذلك الزعم. فهل كان ذلك حقا؟
٣- ثم مضت أيام وتبدلت أحوال وكرمني الله جل شأنه فأنابني الأزهر الشريف عنه في تبليغ الرسالة بالقطر الحبيب أندونيسيا وكلفت بتدريس مادة الدعوة الإسلامية في العصر الحديث بكلية أصول الدين بسومطرة الجنوبية palembang فوقع في نفسي أنه لا يمكن تدريس مادة الدعوة الإسلامية في العصر الحديث إلا إذا عدنا إلى مرحلتها الأولى في العهد النبوي، والناس يومها في رحاب النبي الكريم يتشرفون بالاتصال بالملأ الأعلى، وبالوحي الذي يترى ويأخذ بأيديهم رويدا رويدا إلى العبودية لله وحده. لا سيما أن ناسا في أندونيسيا تعدادهم يزيد أو ينقص على أربعة ملايين من البوذيين
[ ١٢ ]
ما زالوا يعكفون على عبادة الأصنام ومنطقهم كمنطق الذين مضوا: ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ .
٤- وكان هناك دافع آخر هو ما تعانيه الدعوة الإسلامية من الفشل حتى تعرضت للتصفية ولم يبق لها كما يقولون من أثر بعد عين إلا الجامع الأزهر الشريف الذي تتكأكأ عليه محن وإحن.
فهل هذا الفشل العام الذي أصاب حقل الدعوة الإسلامية سببه خروج العاملين عن المنهج الذي حدده الله للدعوة؟
تلك هي الدوافع أو هي كلها الدافع الذي وجهني لتحمل مسئولية شرف هذه الدراسة منذ عام ١٩٦٤م.
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
[ ١٣ ]
ثانيا: المنهج
والمنهج الذي التزمته بتوفيق الله ﷿ في عرض هذه الدراسة قام على ركيزة خاصة هي: "الذاتية الإسلامية".
إن الذاتية الإسلامية ليست مفهوما يصور في حد أو رسم منطقي أو فلسفي ولكنها سلوك عملي قدم له الرعيل الأول إطاره الذي يعيه العقل المسلم وتطبقه الجوارح الخاشعة.
[ ١٣ ]
لقد قال سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه لأمه:
والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت واحدة واحدة ما تركت دين محمد -ﷺ.
وقالت: زنيرة يوم عذبوها فكف بصرها فقالوا: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: كذبوا والله؛ ما تضر اللات والعزى ولا تنفعان.
والذاتية الإسلامية في حدودها الإسلامية هي ما يصفه سيدنا عبد الله بن مسعود ﵁: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يتجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن.
لقد كان هناك قصد من الجماعة الإسلامية نفسها أن يكون النبع الذي تستقي منه هو القرآن الكريم وحده، وهي يوم أن تستقي من القرآن الكريم لا تستقي للثقافة والعلم أو للنهضة الفكرية أو للحركة الدائبة في الدراسة والبحوث والمناقشة، ولكنها كانت تستقي منه لتحقق العبودية المطلقة لله وحده.
وكانت الأمة الإسلامية تستقي من النبع الصافي وتتخرج عليه وتتكيف به لذته لا لفقر عالمي في الثقافة أو جدب في العلوم والمعارف.
فلقد كانت للعرب أسواق للأدب والحكم.
ولقد كان لفارس والروم والهند والصين ثقافات ومعارف.
ولكنها كلها نبع طيني لا ينهض لبناء حضارة تقوم العبودية فيها لله وحده، ويتحقق بها للإنسان معناه وقيمته وكرامته.
[ ١٤ ]
ومن هنا فإن رسول الله -ﷺ- يوم غضب لورقة من التوراة كان يقرؤها سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ قال له: $"والله لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني".
كان يقصد ﵊ بهذا الغضبة الربانية أن يظل النبع الصافي الذي تستقي منه الأمة الإسلامية ماء حياتها هو القرآن الكريم وحده.
وإذن فالركيزة التي يجب أن يقوم عليها منهج البحث الإسلامي عامة، وخاصة في مجال الدعوة ورسالتي هذه: هي الذاتية الإسلامية. تلك التي جعلت الدنيا كحلقة مغفر في يد الرعيل الأول فأقاموا دولة العبودية لله في أقل من ربع قرن وصار في خلالها الرجل يسير من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه.
وحدات المنهج:
أولا: قسمت الدعوة إلى قسمين رئيسين:
١- دور العرض.
٢- دور الدفاع.
ثم قسمت دور العرض إلى قسمين:
١- دور العهد المكي، وهو موضوع هذا البحث.
٢- دور العهد المدني، وهو بحث أسأل الله تعالى أن ييسره لي لتتم نية صالحة لخدمة الدعوة الإسلامية.
[ ١٥ ]
ودور الدفاع ينقسم إلى قسمين:
١- دفاع عن المجابهة الفكرية الثقافية.
٢- ودفاع عن الخصومة التاريخية.
فموقع هذه الدراسة ومكان هذا البحث من هذا التقسيم هو العهد المكي فقط، لأن النواة الأولى التي ستترعرع بعد إن شاء الله في العهد المدني لتتكون منها ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ .
ثانيا: قسمت دراسة العهد المكي إلى:
١- مرحلة تمهيدية تصور البيئة التي نشأت فيها الدعوة، وكيف هيأ الله تعالى نبيه محمدا -ﷺ- في هذا الجو ليكون للعالمين نذيرا، واستتبع هذا العمل تحديد المراد من اصطلاح الدعوة الإسلامية فقدمت حديثا عن التعريف بالدعوة الإسلامية وناقشت بعض الآراء التي تعرضت لتحديد المراد من هذا الاصطلاح ليكون حادي الطريق في دراسة العمل الإسلامي مستقبلا إنْ في العهد المكي أو في العهد المدني أو في دور مناقشة الخصوم والمجابهين للدعوة فيما بعد إن شاء الله.
٢- ثم دراسة التحرك النبوي منذ بدئَ نبيا بالرؤيا الصالحة لاستنباط وحدات المناهج التي قدمتها الدعوة الإسلامية منذ القرون الوسطى لتكون أسلوبا عمليا للعمل مع الجماعة، في مستقبل حياة الأمة الإسلامية ﴿وَلَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ .
[ ١٦ ]
ثالثا: التزمت في دراسة هذه المرحلة تاريخ الدعوة من مصادر رئيسية ثلاثة:
- القرآن الكريم وعلومه.
- والسنة الإسلامية وشروحها.
- وكتب السيرة المعتمدة وخاصة ما دونه السالفون الذين تسمح حياتهم الاجتماعية بالثقة والاطمئنان إلى ما كتبوه بوعي وإخلاص.
وقد استبعدت في عرضي لهذا الدور المكي المناقشات مع الخصوم، كما رفضت الأخذ في كتبهم فلهم دور سيأتي فيما بعد إن شاء الله.
رابعا: اعتمدت في إبراز نتائج الدعوة الإسلامية على القرآن الكريم المكي وحده لأنه منبعها الأصيل الذي قصد به رسول الله -ﷺ- أن يكون وحده المنبع الذي تستقي منه الأمة الإسلامية ماء حياتها، وقد أثبتت الأحداث التاريخية فيما بعد صحة وصدق ذلك في التربية والبناء.
خامسا: درست النظريات الحديثة بعد انتهائي من استيعاب ما كتب عن العهد المكي في مراجعه الأصيلة، لأتعرف على مقدار ما اقترضه الغربيون ثم أصبحوا به يفتخرون.
سادسا: كنت أحاول أن أختبر وحدات المنهج التي استخلصتها قبل تدوين البحث في البيئة المماثلة للحياة الجاهلية حيث منحني الله جل شأنه فرصة التشرف بالعمل الإسلامي في ماليزيا في وظيفة تتساوى مع طبيعة البحث ودراساته.
[ ١٧ ]
سابعا: مع وضوح المعلومات في رأسي حسبما كان يرزق الله جل شأنه، فإني كنت أنتظر دائما لحظات تفضله جل وعلا أن يشرح لي صدري للكتابة، وكثيرا ما كنت أبدؤها بعد صلاة ركعتين لله تقربا وشكرا ودعاء.
ثامنا: اخترت في عرض مادة الرسالة الأسلوب الذي يتفق مع الذاتية الإسلامية، فلم أجنح إلى صرامة الأسلوب الفلسفي المنطقي الذي يعتمد على إثبات المقدمات وإقامة الملازمات، ولم أجنح إلى الأسلوب الطنان البراق الأديب، ولكن حاولت أن أكون مع أسلوب الدعوة حيث تكون هي منطقية كقرآنها أو وجدانية كقرآنها، مرغبة أو مرهبة كقرآنها، لقد كان الأسلوب الذي أحاول به تدوين مادة هذه الرسالة هو أسلوب الدعوة الإسلامية حسب طبيعة مواقفها: صرامة وحنانا.
فإن أكن هديت فلله وحده المنة والفضل والله يهدي من يشاء، وإن تكن الأخرى، فكل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب الروضة الشريفة -ﷺ.
ومع هذا فقد كان الإخلاص لله رائدي والخير قصدي والله من وراء القصد، أستغفر الله لي ولكم وحسبي في ذلك: "كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون".
هذا وبالله التوفيق
متولي يوسف شلبي
الشهير: رءوف شلبي
[ ١٨ ]