بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كلمة الناشر
إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه ونصلى ونسلم على عبده ورسوله وخليله وخيرته من خلقه الداعى إلى اللَّه بإذنه وسراجا منيرا نبينا محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب الهاشمى القرشى المكى ثم المدني من أرسله اللَّه رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا يبشر من اطاعه واتبعه بالجنة وينذر من عصاه وخالف نهجه بالنار، دعى إلى اللَّه على بصيرة
حتى أتاه اليقين وأنزل اللَّه عليه قوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١).
وبعد: فقد أراد اللَّه لى أن أزور أخى فى اللَّه الشيخ عبد القادر بن حبيب اللَّه بن كورو السندى ذات يوم ودار بيننا البحث العلمى كما جرت عادة طلاب العلم عند اللقاء وسألته عن رسالته فى الماجستير المسماة بالذهب المسبوك فى تحقيق روايات غزوة تبوك ماذا تم فيها وكنت مشتاقا إلى نيل نسخة منها لما امتازت به من دقة فى البحث على نهج المُحَدِّثِيْن لا على نهج كثير المُحْدَثِيْن فأخبرني أنها مازالت بدون طبع وقد تم لها التصريح الرسمى من قبل وزارة الاعلام السعودية برقم ٧٥٩/ م ٣١ وتاريخ ٥/ ١٢/ ١٤٠٣ هـ بتوقيع مدير فرع المطبوعات بالمدينة المنورة بالنيابة.
فاشتاقت نفسى لنشرها لعلى أنال من طلاب العلم دعوة مباركة ينفعنى
_________________
(١) سورة يوسف آية رقم (١٠٨).
[ ١ ]
اللَّه بها فى الدنيا ويوم لقاه ولعلى أكون زودت المكتبة الاسلامية بجوهرة نفيسة برزت فى هذا العصر الذى صار حشو الكلام المجرد من غير اسناد مسلك الكثير من الباحثين وربما اسند القول إلى غير ثقة فأخذ قوله على علاته منهجا ولربما كان من أعداء البشرية والاسلام وأهله. وحيث أن الرسالة مُوَثَّقَةً وسمح لها بالطبع طلبت منه حفظه اللَّه الاذن لى بطبعها ونشرها وها أنا ذا أقدمها بين يديك وأحيل الحكم عليها إليك والمنصف التقى لا يهضم صاحب الحق حقه وإن وجد زلة تغتفر غفرها وإن خفى أمر نافع أظهره. وآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين. وصلى اللَّه على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
الناشر الفقير إلى عفو اللَّه
محمد بن بكرى بن حسن السميرى
المدرس بالمسجد النبوى الشريف علي صاحبه أتم الصلاة والتسليم وعضو رئاسة البحوث العلمية للدعوة والإرشاد
المدينة المنورة
[ ٢ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
" خلاصة الرسالة"
الحمد للَّه الذى أعزنا بمحمد -ﷺ-، إذ بعثه إلينا هاديا، ومرشدا ومجاهدا، وداعيا إلى اللَّه بإذنه وسراجا منيرا، والصلاة والسلام على خليله الهادى إلى الحق الأبلج، وعلى من سار بهداه، من الأولين والآخرين إلى يوم الدين أما بعد،
فهذا موجز بسيط لما فى هذه الفصول الثلاثة والسبعين، من أمره -ﷺ- وشأنه، من رفعة هذا الدين، وبذله ﷺ ماله، وحياته، وجهده لإعلاء كلمة الدين، وذلك قيامه -ﷺ- فى سنة تسع من الهجرة، بأداء أكبر واجب اسلامى نحو تمديد هذه الرسالة السامية، وهو اداؤه ﷺ فريضة الجهاد، فى آخر غزوة غزاها -ﷺ-، وهي غزوة تبوك.
فخرج إليها -ﷺ- فى رجب سنة تسع من الهجرة، يوم الخميس، لخمس خلون من رجب بأكبر جيش إسلامي بلغ عدده ثلاثين ألفا، على أصح الروايات المحققة فى قحط شديد من كل شئ،
[ ٣ ]
حين طابت الثمار، واشتهيت الظلال والنساء والناس إليها صعر (١).
لم يكن سبب وقوع هذه الغزوة، أمرا خاصا كما يقوله اليعقوبى فى تاريخه، أنه خرج إليها -ﷺ- لاخذ ثأر ابن عمه جعفر ابن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه الذى استشهد فى غزوة مؤتة، ولا ما يقوله ابن سعد فى طبقاته الكبرى، أنة توجه إليها بناء على الاخبار التى وردت الى المدينة، بأن الروم جمعت جموعا كبيرة فى الشام، فتريد الهجوم على المدينة، وهناك أسباب أخرى ذكرها المؤرخون إلا أنها لم تكن صحيحة لانها لم تثبت عن طريق الأسانيد الصحيحة، إنما خرج إليها -ﷺ- بناء على أمر إلهي شامل، عندما أنتهت الحروب الداخلية فى الجزيرة العربية، فعليه أن يوجه عنايته الى خارج الجزيرة لإبلاغ هذه الرسالة السامية، مستندا على قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢) هذا هو الامر الالهى الذى كان سببا أساسيا لوقوع غزوة تبوك، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة وسعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك بن مزاحم الهلالى، وغيرهم رحمهم اللَّه تعالى.
وقد بحثت عن أسانيد هذه الاقوال، فوجدتها كلها تقريبا صالحة للاحتجاج بها، ففصول هذه الغزوة عبارة عن مائة وعشرين حادثة متنوعة وقعت فى غزوة تبوك، وقد حققت منها، ثلاثًا وسبعين حادثة
_________________
(١) مائلون.
(٢) سورة التوبة الآية ٢٩.
[ ٤ ]
على طريق المحدثين، عن طريق الاسناد، وقد تكون بعض هذه الحوادث متداخلة، بعضها فى البعض الآخر إلا أنها تختلف نوعيتها عن مثيلاتها فى جوانب أخرى، وتشمل هذه الحوادث التى جرت على يد رسول اللَّه -ﷺ- منذ خروجه من المدينة حتى رجوعه إليها، فمثلا، حادثة سبب وقوع الغزوة، ووجه تسميتها بتبوك، ولماذا سميت العسرة، وعدد جيش العسرة، كيفية اتخاذ الالوية فى الغزوة، ونفقات الصحابة فيها على الترتيب، وقصة كعب بن مالك واصحابه رضى اللَّه تعالى عنهم، وما نزل فيهم من القرآن، وموقف المنافقين من هذه الغزوة، ومعجزات الرسول -ﷺ- التى صدرت عنه فى الغزوة، إثناء سيره إلى تبوك، ورجوعه منها، وقصة ديار ثمود وما جرى فيها، وإكرامه -ﷺ- بعض أصحابه فى الغزوة كصلاته خلف عبد الرحمن بن عوف رضي اللَّه تعالى عنه، ومقالته -ﷺ- فى مناديل سعد بن معاذ الذى استشهد فى غزوة الاحزاب، وصلح رسول اللَّه -ﷺ- مع صاحب أيلة، كيفية صلاته هناك، ومدة اقامته -ﷺ- فى تبوك. وغير ذلك من الحوادث، ثم استقباله -ﷺ- بالمدينة عند رجوعه من تبوك من قبل الصبيان والولائد والنساء وغيرهم ممن كانوا تخلفوا بعذر.
ورجزهم بابيات رقيقة أخرجها النسائي وغيره بهذه المناسبة السعيدة:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا للَّه داع
وصلى اللَّه عليه وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
[ ٥ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الإِهداء
إلى كل مسلم يرغب السير على طريق الحق، مهما كان وعرا،
فيتبع أثر رسول اللَّهﷺ في سيرته، ودعوته وجهاده، وفى كل شئ من شأنه أن يجعله مسلما مثاليا على وجه الأرض، كما أراده اللَّه منه.
فيسير هذا العالم المحتضر على أثره طائعا مختارا فى الحق، وعلى الحق، ولأجل الحق، وبذلك يصبح هذا المسلم خليفة اللَّه فى أرضه جلّ وعلا.
عبد القادر بن حبيب اللَّه
[ ٦ ]
شكر وتقدير
الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبى بعده، أما بعد:
فقد قال ربنا جلّ وعلا: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (١).
وقال -ﷺ-: فيما روى عنه أبو هريرة رضى اللَّه تعالى عنه: "من لم يشكر الناس لم يشكر اللَّه ﷿" (٢)
وقال أيضا -ﷺ-: "إن أشكر الناس للَّه ﷿ أشكرهم للناس" (٣).
وقال أيضا -ﷺ-: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير" ومن لم يشكر الناس لم يشكر اللَّه، التحدث بنعمة اللَّه شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب" (٤).
فبناء على هذه الآية الكريمة، والأحاديث النبوية يطيب لى أن أتقدم بأجزل الشكر، وأوفر الثناء وأعذب الآمال السنية، وأطيب الدعوات
_________________
(١) سورة النمل الآية (٤٠).
(٢) أخرجه الإمام أحمد فى مسنده (٢٥٨/ ٢) بسند بلا بأس به، وكذا أبو داود فى سننه فى كتاب الأدب والترمذى فى جامعه فى كتاب البر.
(٣) أخرجه الإمام أحمد فى مسنده باسناد جيد (٢١٢/ ٥) عن الأشعث بن قيس الكندى رضي اللَّه تعالى عنه.
(٤) أخرجه الإمام أحمد فى مسنده بسند حسن (٢٧٨/ ٤) عن النعمان بن بشير رضى اللَّه تعالى عنه.
[ ٧ ]
الروحية، إلى فضيلة الدكتور العلامة الشيخ/ محمد أمين المصرى ﵀ ذلك الرجل الكريم الخلص الذى وهب حياته لأعمال البر -فيما علمت- فسخر اللَّه قلبه، وضميره وروحه.
ذلك الانسان الكريم الذى أحببته فى اللَّه حبا جما، منذ أن عرفته عن كثب، فوجهنى إلى الخير توجيها طيبا ولاعانته المعنوية، ومساعدته المادية أثر عميق فى نفسى منذ أن انتظمت بهذا المنهل العلمى المبارك (قسم الدراسات العليا) بهذا الجوار الكريم كما اتقدم ايضا بجزيل شكرى وعظم تقديرى لفضيلة الدكتور العلامة/ محمد خليل هراس الذى أشرف على هذه الرسالة إشرافا مباشرا، فأعطاني من علمه الجم، وخلقه النبيل، وتوجيهاته القيمة، الشئ الكثير -رحمه اللَّه تعالى وغفر له- وكذا فضيلة الدكتور العلامة محمد السماحى الذى ساعدني فى ترتيب هذه الرسالة، وتنظيم فصولها، فضيلة الدكتور الاستاذ محمد مصطفى الأعظمى الذى أعارني بعض المخطوطات النادرة، وفضيلة الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم الدوسرى مدير مكتبة الحرم الكى، وأمينها المساعد الشيخ عبد اللَّه بن عبد الرحمن المعلمى، وجميع المسئولين بها، وفقهم اللَّه تعالى.
كما أتوجه إلى اللَّه ﷿، بالدعاء الخالص، لسماحة العلامة العالم السلفى الشيخ محمد نصيف رحمه اللَّه تعالى الذى أعاننى اللَّه عن طريقه قبل أن يلقى ربه، بالاطلاع على عظيم المخطوطات النافعة، والمطبوعات القيمة التى استفدت منها بمعلومات عظيمة تتصل بهذه الدراسة.
[ ٨ ]
كما أتقدم إلى غيرهم وهم كثير بحيث لا يسع المقام، ذكر اسمائهم، خالص شكرى، وعاطر ثنائى، جزاهم اللَّه خيرا، وأحسن إليهم، وبارك فى أعمالهم، وجهودهم، وتولاهم، أنه سميع مجيب، وبالاجابة جدير.
[ ٩ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ