[ ١٥ ]
خصائص النباتات أكثر من خصائص الجماد، فواجباته أكثر، وخصائص الحيوان أكثر من خصائص النباتات، فواجباته أكثر، ومدارك الإنسان أرقى، فواجباته أعظم.
هذا العالم- وإذا سميناه «المتحف الأعظم» لم نعد الحقّ، ولم نرتكب الشطط «١» - يحتوي على أنواع من المخلوقات: ففيه ما شئت من جماد بديع الألوان، غريب الهيئات، وما يقع عليه نظرك من نبات بين أخضر ناضر، وأصفر فاقع، وأحمر قان إلى غير ذلك من شتى الألوان، وفيه ما يخطر أو لا يخطر على بالك من حيوان لو حاول أحدنا أن يحصي أنواعه لأعياه ذلك.
ومن أنواعه نوع عجيب يفوق سائر الأنواع في هيئته، ويفضل عليها بعلمه ونشاطه، وهو الإنسان.
هذا إذا نظرنا إلى العالم بعين من لا يتبصّر بحكمة ولا يتدبّر بعلم. أما الحكيم الذي ينعم النظر في الأشياء، والعالم الذي يحسن التأمّل في ملكوت الله، فيبدو لهما من الفوارق بين المخلوقات ما يتميّز به كلّ نوع عن غيره، ويكتشفان في كلّ شيء الخصوصية التي يمتاز بها ولا توجد في الأشياء الآخرى؛ لأن البارىء العظيم لما صوّر هذه المخلوقات اختصّ كلّا منها بخصائص، وأودع فيها من القوى ما امتاز به بعضها عن بعض. ومن هنا كانت هذه المخلوقات على غير اطّراد في الطبائع والمواهب، فتراها تتدرّج وترتقي- من أدنى إلى أعلى- على مدارج في الشعور والإدراك والإرادة. وإنّ أول الجماد وهو الهباءة- أو الذرّة كما يسمّونها اليوم- لا تجد فيها أثرا للحياة: من الشعور، والإدراك. ومن الجماد ما تلمح فيه أمارة خفيفة من أمارات الحياة. أما النبات فإن أمارات الحياة بارزة في نمائه واخضراره، بيد أنّه في درجة الصفر من حيث الشعور والإدراك. بينما نجد
_________________
(١) الشّطط: بفتحتين مجاوزة القدر في كل شيء. وفي الحديث «لا وكس ولا شطط» هو لابن مسعود أخرجه موقوفا أبو داود والترمذي والنّسائي.
[ ١٦ ]
في الحيوان- مع الإحساس والشعور- إرادة قوية تحمله على الحركة: في القعود، والنهوض، والمشي. وللإنسان إحساس تامّ، وإدراك كامل، وإرادة بالغة، وعزيمة ماضية، وإلى هذه القوى الإنسانية- من شعور تامّ، وإدراك كامل، وإرادة قويّة، وعزيمة صارمة- يرجع تكليف الإنسان، ومن جرّاء ذلك قد حمل أثقال الفرائض، وأعباء الواجبات. وكلّما كان نوع من أنواع المخلوقات أقلّ نصيبا من هذه القوى الموهوبة له من الله، كان أخفّ عبئا في المسؤوليات، وأقلّ واجبات في مناط التكليف. فالجماد ليس عليه واجب قطّ، والنبات قد نال نصيبا من صفات الحياة فأصابه حظّ من الواجبات، أما الحيوان فأكثر حظّا، وأوفر نصيبا من الجماد والنبات في القوى الحيوية، فثقلت عليه أعباؤه من واجبات الحياة وتكاليفها. ولما كان نصيب الإنسان من العقل والمدارك، ومن الذكاء والفطنة، أوفى من سائر المخلوقات وأوفر؛ فقد ازدادت تكاليفه، وواجباته بنسبة ذلك. وتتفاوت الواجبات والتكاليف بين أفراد بني الإنسان بحسب تفاوتهم في مناط هذه الواجبات والتكاليف، أعني العقل والمدارك: فالمجنون، والمعتوه، والأحمق، والصبيّ لا يطالبون بما يطالب به العاقل الفطن، والعالم المثقف، ولا يستطيع أولئك أن يقوموا بما يستطيع أن يقوم به هؤلاء، وكلّ ذلك يرجع إلى تفاوت القوى الباعثة على العلم: بين شعور ناقص، أو إحساس كامل، وخمود الطبيعة، أو توقد القريحة. بل منهم من لا يكلّف بواجب قطّ، ومنهم من يكلّف ببعض الواجبات دون بعضها الآخر، ومنهم من يضطلع بالعبء الأعظم من الواجبات والتكاليف.
ثم إذا تأمّلنا المخلوقات وأمعنا النّظر فيها يبدو لنا أنّه مهما يكن عند مخلوق من شعور ناقص، أو إحساس ضعيف، أو إدراك ضئيل؛ فإنّ القدرة الإلهية قد تتولّى تربيته، وترعى نشأته، وتختصّه بعنايتها، حتى إذا امتازت صفاته، وارتقت مميزاته؛ فوّضت إليه الفطرة من أمر نفسه ما تحتمله قواه، وتستحقّه مواهبه. أليس من مواهب الله لبعض أصناف الحجر أن تتحوّل في جبالها ومعادنها إلى ياقوت وزمرّد، وصار لها هذا البريق الذي تتلألأ به أحجارها، بينما باتت الأحجار الآخرى المجاورة
[ ١٧ ]
للياقوت والزمرد محرومة هذا الجمال الذي أخذ بالعيون، والصفات التي تحيّر الألباب. ومن ذا الذي يغذو الحيتان في أعماق البحار، والحيوانات في الآجام «١» والصحاري القاحلة؟ ومن ذا الذي يشفي الحيوان إذا مرض، ويقيه عوادي الحرّ والقرّ «٢» في شهور القيظ وليالي الشتاء؟
من جرّاء ذلك نرى هذا الاختلاف البادي في صور أفراد نوع واحد من الحيوان، وهو يرجع إلى عوامل مختلفة: من برودة الجوّ، وحرارة البيئة، وطبيعة المناخ. فالكلب الأوربي يختلف عن الكلب الإفريقيّ بقدر ما بين بلاديهما من اختلاف في الجوّ والبيئة، فتختلف بسبب ذلك حاجاتهما، وتتباين لوازم حياتهما. وقد هيأت الفطرة الإلهية لكلّ منهما أسباب العيش، ولوازم الحياة التي تلائم طبعه، وتقضي بها حاجاته. فللكلب الأوربيّ ما ليس لأخيه الكلب الإفريقيّ من الفرو «٣» الأثيث الضافي «٤» .
وهكذا ترى الفرق جليا بين الحيوانات الشرقية والحيوانات الغربية في فرائها، وشعورها، وأوبارها، وبراثنها، ومخالبها، وأظفارها بل ترى الفرق أوضح وأجلى في سحنها، ووجوهها، وهيئات جلودها. ومردّ ذلك إلى حكمة خالقها الحكيم المدبّر، العليم بكل مخلوق، وما يحتاج إليه في غذائه، وبقائه، ولوازم حياته.
لقد تبين مما تقدّم: أنّ الخالق القيّوم ﷻ تكفّل بحاجات مخلوقاته المسلوبة الإحساس والشعور، وأنّ المخلوقات التي رزقت الشعور والإحساس قد وكلت إليها الفطرة الإلهية أمر السعي لتحصيل حاجاتها على قدر ما هي حاصلة عليه من الاستعداد الفطريّ لذلك، فالإنسان مكلّف بالسعي في أسباب رزقه، ومتاع حياته، وهو يلقى من
_________________
(١) الآجام: (جمع الأجمة) الشجر الكثيف الملتف.
(٢) القرّ: البرد.
(٣) الفرو: جلود بعض الحيوان، كالدّببة والكلاب، والثعالب، تدبغ ويتخذ منها ملابس للدّفء وللزينة (ج) فراء.
(٤) الضافي: التامّ السّابغ.
[ ١٨ ]
التّعب والعناء ما يلقى في التجارة، والزراعة، والصناعة، وغير ذلك من وسائل الكسب. وليس لجسم الإنسان من الفرو الضّافي، والجلد المتين ما يدفع عنه عوادي البرد القارس، والحرّ اللافح «١»، لذلك هو مضطرّ إلى أن يعدّ بنفسه ما يقي جسمه حرارة القيظ، ولوافح السموم، وبرودة الشتاء، وسواقع الزّمهرير «٢»، فيصنع مختلف الثياب المناسبة لكلّ جوّ، ويعالج ما يصاب به من أمراض بما هداه إليه إدراكه من عقاقير، وأدوية، ووسائل.
ومن كان من المخلوقات أقلّ نصيبا من الإدراك، وأضعف حيلة في الحصول على متع الحياة، وأسباب العيش، تداركته الفطرة الإلهية، فمنحته في نفسه، وجسمه من أسباب الوقاية وأسلحة الجوارح ما يدفع به عن نفسه عادية الكون ومخلوقاته، ويسّرت له سبل العيش: فمن الحيوانات ما وهبه الخلّاق العظيم مخالب قاطعة، وبراثن مرهفة، ومنها المسلح في فمه بأسنان مفترسة، ومنها ذوات القرون، وذوات الأجنحة، والسوابح في اليمّ، والمدافعة عن كيانها بالحمة السّامة، إلى غير ذلك من الأسلحة والجوارح التي عوّض الله بها لبعض خلقه عما فقده من نعمة العقل، ونور البصيرة، ومذاهب الرأي. أما الإنسان المجرّد من مثل خرطوم الفيل، وقرن الثور، وسمّ الأفعى، وحمّة العقرب وسائر أسلحة الدوابّ والهوامّ، فكان لذلك أعزل ضعيفا، إلا أنه قد أوتي من العقل الكامل، والشعور الشامل، والحسّ المرهف، والفهم الثاقب، والبصيرة النافذة، ما لم يؤت أحد من خلق الله مثله. وهذه المواهب التي امتاز الإنسان بها على سائر المخلوقات تغنيه عما فقده من القوى الجسمية التي امتازت عليه بها الحيوانات القويّة، فاستطاع أن يسخّر الفيل العظيم الهيكل ذا الخرطوم الطويل، وأن يستذلّ الأسد الضّاري ذا البراثن الحديدية، وأن يقبض على الأفعى الثائرة، ويصيد الطيور المحلقة في جو السماء، بل صار لا يعييه حوت في لجج البحار الزاخرة، ولا وحش غابة كثيفة من الوحوش
_________________
(١) الحرّ اللافح: الحرّ الحارق.
(٢) الزّمهرير: شدّة البرد.
[ ١٩ ]
المفترسة الكاسرة؛ لأنه قد اخترع بمواهبه العقلية أسلحة فاق بها على أسلحة سائر المخلوقات مجتمعة بلا استثناء.
مسؤولية الإنسان بقدر مواهبه:
سادتي: لا بدّ لكم أن تعترفوا- على اختلاف أديانكم، وتباعد أوطانكم، وتنوّع نزعاتكم وأفكاركم- بأنّ الإنسان قد انهالت عليه الواجبات، وتعدّدت المسؤوليات بسبب ما امتاز به من عقل راجح، ورأي حصيف، وفكر ثاقب، وفقه لطيف، وهذه الواجبات والمسؤوليات تسمّى بلغة الشرع «التكاليف» وهي موجهة إليه من ناحية قواه الظاهرة والباطنة، وكأنّ الإنسان قد خاطب الفطرة الإلهية بلسان مواهبه وقواه أن تفرض عليه عملا، فكان بسببها مكلفا بهذه الواجبات التي تملأ وسعه، وتتناسب مع طاقته، قال الله ﷿: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦] .
وعبّر سبحانه عن هذا التكليف بالأمانة في قوله: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: ٧٢] . ولا يتصف بالظلم والجهل إلا المكلّف بالعدل والعلم، والظلم والجهل من نعوت الإنسان لا ينعت بهما غيره؛ لأنه لم يكلف بالعدل والعلم إلا هو، فهاتان الصفتان من صفات الإنسان: الأولى ضد العدل، والآخرى ضد العلم. وذلك لا يوجد إلا في الإنسان، فالظلم تعدّي الإنسان حدوده، واستعماله قوّته الظاهرة العاملة في غير محلّها.
والجهل نقص يتطرّق إلى الإنسان من جهة قواه العلمية. والظلوم يقابله العادل، والجهول يضادّه العالم. والعدل والعلم يتصف الإنسان بهما بالقوة لا بالفعل، فيحتاج إلى العدل لتكميل قوته العملية، وإلى العلم والمعرفة لتكميل قوته العلمية. والقرآن الحكيم قد يسمي العدل بالعمل الصّالح، والعلم بالإيمان. قال الله ﷿: وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [العصر: ١- ٣] فمن لم يعمل صالحا؛ فقد ظلم نفسه، ومن لم يؤمن بالله؛ فقد جهل. ولا ينجو من الخسران إلا من آمن وعمل صالحا. وقد أشهد الله الزمان على خسران الإنسان. ومن الظاهر البيّن أنّ المراد بالزمان الحوادث التي حدثت فيه منذ بدء العالم، وقد صدق
[ ٢٠ ]
كارليل «١» في وصفه التاريخ بأنه «سجل لأعمال العظماء وسيرهم»، وتاريخ العالم أصدق شاهد على أنّ كلّ أمّة لم تؤمن بالله، ولم تعمل صالحا بأنها قد خسرت، وهلكت، وكذلك الأفراد الذين لم يؤمنوا بالله، ولم يعملوا صالحا أنهم قد خسروا، وهلكوا. والصّحف السّماوية والأسفار القديمة ملأى بأنّ الظلم والجهل ما وجدا في بيئة إلا وجرّا عليها الخراب والدّمار، والعدل والعمل الصّالح ما وجدا في أمة إلا نتج عنهما الحياة والعمران.
وتقصّ عليك هذه الكتب وغيرها أنباء الذين آمنوا وعملوا الصالحات كيف أفلحوا، وعمروا الدّنيا، وأخبار الذين طغوا وبغوا كيف بادوا، وهلكوا، وذهبوا أحاديث تروى، وتفرّقوا أيدي سبأ، فلم يبق لهم إلا أثر بعد عين.
وتثني هذه الكتب على الذين قاموا أحسن قيام بالواجبات المكلفين بها من قبل فطرتهم، فأدّوا ما عليهم منها خير أداء، كما تذمّ الذين أهملوا فرائضهم، ونبذوها وراء ظهورهم. وحتى الإلياذة «٢»، والشاهنامة «٣»، ومهابهارته «٤»، ورامائن «٥»، وغيتا «٦»، كل هذه الأسفار، تقص علينا أخبار الأمم الذين خلوا من قبل، وتحدّثنا بما وقع من القتال بين الظالمين والعادلين، وبين الكافرين والمؤمنين، وفي ذلك عبرة لأولي الأبصار ممّن يعتبرون بتجارب الأمم، فينتهون عن الظلم والشر، ويرتدعون عن الكفر والشرك، ويقيمون الحقّ، ويتواصون بالخير ويعملون صالحا.
_________________
(١) كارليل توماس (Carlyle،Tomas) أحد كبار المستشرقين، من أشهر كتبه «الأبطال» وقد عقد فيه فصلا رائعا عن الرسول ﷺ، نقله إلى العربية الأستاذ علي أدهم، مات سنة ١٨٨١ م.
(٢) الإلياذة: ملحمة يونانية عن حرب طروادة، من روائع الشعر العالمي، عرّبها شعرا سليمان البستاني.
(٣) شاهنامه: ملحمة للفردوسي من ٠٠٠، ٦٠ بيت في أخبار ملوك فارس وأساطيرهم.
(٤) مهابهارته: الملحمة القومية السنسكريتية للهندوس، يزيد عدد أشعارها على مئتي ألف بيت.
(٥) رامائن: ملحمة سنسكريتية تروي قصة إله الهندوس «راما» وفيها قصص وأمور فلسفية وروحيّة.
(٦) غيتا: كتاب مقدّس عند الهندوس.
[ ٢١ ]
حكمة إرسال الله الرسل للبشر:
أليست سور القرآن الحكيم، وأسفار التوراة والإنجيل ملأى بالقصص، مسجلة بأنّ كلّ أمّة آمنت وعملت صالحا، وعدلت في الحكم وجاءت بالحسنة قد أفلحت، ونجت، وسعدت، وكلّ أمة ظلمت، وكفرت بأنعم الله، وركبت هواها، وعدت طورها، وتعدّت الحدود الفطرية قد هلكت، وانقرضت دولتها، وتقوّض صرح مجدها. إنّ في بعض آيات كتاب الله قصة لمؤمن عادل صالح، وفي البعض الآخر منها قصة لظالم طاغ: كلّ ذلك ليرتدع الطّاغية عن طغيانه، ويكفّ الفاسق عن الفسق، وينتهي الظالم عن الظلم والبغي، فيعودوا جميعا إلى الرشد، ويكونوا عادلين مؤمنين صالحين.
لأجل ذلك بعث الله الأنبياء والرسل- قبل محمد ﷺ- إلى كلّ بلد، بل إلى كلّ قرية، ليكونوا بسيرتهم الصالحة المستقيمة أسوة لأممهم، فتتبع الشعوب التي بعثوا إليها السنن التي يسنونها لأفرادهم وجماعاتهم، فيستقيموا، ويفلحوا جميعا، أو تهتدي بهدي الأنبياء والرسل طوائف من قومهم على الأقل، فيواصلوا الدّعوة، ويسيروا في طريق الحقّ. وقد بعث الله إلى الإنسانية خاتم رسله محمدا ﷺ بشيرا للناس كافة ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، ورحمة للعالمين، لتكون لهم فيه أسوة، ويكون لهم من حياته الشريفة قدوة، ثم يكون مثلا أعلى للذين يأتون بعده إلى أن تقوم الساعة. وقد جاء في القرآن الكريم على لسان نبيه ﷺ: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [يونس: ١٦]، وذلك أنّ الرسول ﷺ ولد فيهم، وترعرع بينهم، ونشأ أمام أعينهم، وعاش بين ظهرانيهم برهة من الدّهر قبل بعثته، فعرفوا أخلاقه كل المعرفة، وجرّبوا عاداته وأعماله، فهو لم يكن فيهم غريبا، ولا خاملا، ولا مجهول الأحوال. والوحي الإلهي في هذه الآية يقدّم حياة الرسول وسيرته الطاهرة قبل البعثة دليلا على نبوّته ﷺ وأنّ رسالته هي من عند الله العظيم؛ ليؤمن به العرب، ويصدّقوه فيما يخبر به، أو يدعو إليه، فإنّهم قد علموا مصبحه وممساه، واختبروا أخلاقه وعاداته من صباه ونعومة أظافره إلى أن شبّ واكتهل، وأعلن نبوّته، وخرج إلى الناس يدعوهم برسالة الإسلام.
[ ٢٢ ]
الفرق بين دعوة الرسل ودعاوى غيرهم:
لقد مضى في سالف الأيام كثير من العظماء، دعوا الناس إلى أن يقتدوا بأخلاقهم وأعمالهم، منهم ملوك جبابرة عاشوا في قصورهم الشامخة بين ندمائهم وجلسائهم وملؤوا القلوب مهابة وجلالة، ومنهم قادة جيوش عاشوا بين ضباطهم وجنودهم، يرهبون الناس، ويخيفونهم بشدّة بأسهم، وضخامة أجسامهم، ورواء هندامهم «١»، ومنهم حكماء وفلاسفة كانوا إذا نطقوا أبانوا، وإذا خطبوا أبدعوا، ونثروا من درر الحكمة ما شاءت بلاغتهم وطلاقة ألسنتهم، فملكوا القلوب، وبهروا النفوس. وترى بجانب هؤلاء طائفة الشعراء ممّن إذا أنشدوا أطربوا، وإذا رتلت أناشيدهم غلبوا السّامعين على أهوائهم، ولعبوا بالقلوب كيف شاؤوا. وقد خلا كثير من الفاتحين الذين دوخوا البلاد، واستولوا على المماليك، كما مرّ في مواكب التاريخ كثير من المثرين والأغنياء الذين كانت أقدامهم تطأ البسط الناعمة والزرابي «٢» الوثيرة، ويمشون على الحرير الفاخر والإستبرق «٣» الزاهر، اكتنزوا القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، واسترعوا أنظار بني آدم بما كانوا فيه من ترف، وعظمة، وسعة. وقد كان هنيبعل القرطاجني «٤»، والإسكندر المقدوني، وقيصر الروم، ودارا «٥» الفارسي، ونابليون الفرنسي يملأ كلّ منهم عيون بني آدم بعظمته، وأحداث حياته، ومختلف أعماله، وكذلك نجد سقراط، وأفلاطون، وديوجنس «٦»، وغيرهم من
_________________
(١) الهندام: حسن القدّ، وتنظيم الملابس.
(٢) الزّرابيّ (جمع الزّربية): الوسادة تبسط للجلوس عليها، وفي القرآن: وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ [الغاشية: ١٦] .
(٣) الإستبرق: الديباج الغليظ.
(٤) هنيبعل القرطاجني: قائد قرطاجني فينيقي الأصل (٢٤٧- ١٨٣ ق. م) أشعل الحرب الفونية ضد روما.
(٥) دارا: ملك الفرس.
(٦) هو: ديوجنس لا يرتيوس: فيلسوف يوناني صقلي، مؤلف أول تاريخ للفلسفة اليونانية.
[ ٢٣ ]
حكماء اليونان وغير اليونان مثل: سبنسر «١» وأضرابه، تجتذب سيرتهم النفوس، وتروق القلوب، وإن اختلفت مظاهر عظمتهم عن مظاهر عظمة الآخرين ممّن ذكرت أسماءهم قبلهم. فهل ترى في حياة هؤلاء وأولئك ما يضمن فلاح بني آدم؟ ومن منهم تؤدي سيرته ودعوته إلى صلاح الإنسانية وسعادتها؟
إنّ في هؤلاء وأولئك لقادة فتحوا البلاد، ودوّخوا المماليك، واقتحموا أقصى الأرض، وأدناها، وذلّلوا ما اعترض سبيلهم من صعاب، وسخّروا الملوك بظبا سيوفهم. ولكن من منهم ترك لمن أتى بعده أسوة يؤتسى بها في تعميم الخير؟ ومن منهم إذا اهتدى الناس بهديه ينجون من المهالك، ويسلكون سبيل السعادة والهناء؟ ومن من هؤلاء استعملوا سيوفهم البواتر «٢» في قطع حبائل العقائد الفاسدة، وتخليص العقول من الأوهام الواهية والأفكار الباطلة؟ ومن منهم وقف حياته على حلّ معضلات بني آدم، وكان حريصا على عقد أواصر الإخاء بينهم على الحق والتواصي في الخير؟ وهل يوجد في حياة من ذكرنا من هؤلاء العظماء ما يستعين به بنو الإنسان على تخفيف ما يعانونه من الغمرات في حياتهم الاجتماعية؟ أم في أخلاقهم وأعمالهم ما ييسر للإنسانية الشفاء من أمراضها الخلقية وأوصابها النفسية؟
أم في دعوتهم ما يجلو صدأ القلوب ورينها، أو يرتق فتقا في الحياة الاجتماعية؟
لا شكّ أنّ الشعراء نالوا إعجاب الناس بأناشيدهم الرنّانة، وملكوا النفوس، وتصرّفوا فيها بشعرهم البليغ وقصائدهم الغرّ. ولكن هل نعوا الإنسانية وهم يهيمون في أودية الخيال؟ كلّا! ولذلك لم يكن لهم في جمهورية أفلاطون نصيب، ولا منصب. والشعراء- من هوميروس «٣» إلى
_________________
(١) هو سبنسر هربرت (١٨٢٠- ١٩٠٣ م) فيلسوف وعالم اجتماع إنكليزي، صاحب مذهب قائم على التطوّر الطبيعي (أي: مذهب النشوء والارتقاء) .
(٢) سيوفهم البواتر: سيوفهم القاطعة.
(٣) هوميروس (Homers) شاعر ملحمي يوناني من القرن التاسع قبل المسيح، نسب-
[ ٢٤ ]
امرىء القيس فمن بعده من شعراء الأمم- لم يكن منهم إلا إثارة كامن العواطف، وتنبيه النائم من الأفكار، أو إحداث لذة، أو ألم في النفوس، ولا ينتظر منهم أن يحلّوا معضلات الحياة الإنسانية، وعويصات مشاكلها. وسبب ذلك أنّهم في سيرتهم وأعمالهم لا يقدمون للناس المثل التي تحتذى، والأسوة التي يقتدى بهم فيها. ولقد وصفهم القرآن الكريم الحكيم أصدق وصف عند ما ذكر سيرتهم بقوله: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [الشعراء: ٢٢٤- ٢٢٧] وبهذا سجّل القرآن الحكيم على الشعراء أنّهم لا يؤثّرون بشعرهم اللطيف الحلو على المجتمع البشري؛ لأنهم يهيمون في أودية الأفكار والعواطف بلا إيمان، ولا عمل صالح، ولو اجتمعت لهم هاتان الخصلتان- الإيمان والعمل الصالح- لكان لشعرهم أثر بارز في المجتمع البشري، وعلى كلّ فإنهم ليسوا من الإصلاح في شيء، ولا الإصلاح من شأنهم، ولذلك لا يقدرون على القيام بمهمة إصلاح العالم، وقيادة الناس إلى الرشاد الكامل والفلاح الشامل، ويشهد على صدق هذه الحقيقة تاريخ الأمم في غابرها وحاضرها.
وكذلك نرى الفلاسفة والحكماء بهروا عقول الناس بفلسفتهم، وحاولوا تغيير تيار الحياة البشرية، فعرضوا على الناس من طريف الأفكار ومستحدث النظريات ما حيّر العقول، وأدهش النفوس، لكنّهم لم يقدّموا للناس من سيرتهم أسوة يؤتسى بها، ولا أناروا ظلمات الحياة بقبس من أعمالهم تتضح به مشاكل الإنسانية، فتتمكن من حلّ معضلاتها. وهذا أرسطو قد وضع في فلسفة الأخلاق قوانين أسّس بنيانها، ووطّد أركانها، ولا تزال الجامعات وأساتذتها عاكفين على دراستها: يلقون المحاضرات على طلبتهم في فلسفته، ونسمعهم يثنون على ثقوب فكره، وبعد نظره،
_________________
(١) - إليه المؤلفون اليونان أشعار «الإلياذة» و«الأوديسة» و«الأغاني الهوميرية» التي أثّرت تأثيرا عميقا على مستقبل الشعر اليوناني.
[ ٢٥ ]
وحصافة رأيه، ورجاحة عقله، ولكنّنا- والحقّ يقال- لم نجد رجلا اهتدى بدراسة فلسفة أرسطو، أو وصل بها إلى السعادة المنشودة.
وكذلك نرى في الكلّيات أفاضل من العلماء، وفحول الأساتذة والمدرسين يعجب الطلبة فصيح كلامهم، وبراعة بيانهم، وبليغ حوارهم، وعذب حديثهم، وهم يؤثّرون فيهم بذلاقة ألسنتهم، واتساق أفكارهم، وترتيب معانيهم، لكنّهم لا تعدو محاضراتهم جدران كلياتهم، وقاعات محاضراتهم، وإذا خرجوا منها أصبحوا كعامّة الناس، لا يمتازون عليهم بعمل تتخذه الإنسانية مثالا يحتذى، ولا بخلق يختلفون به عن غيرهم هديا وسمتا.
لقد رأينا على مسرح العالم كثيرا من الملوك الجبابرة الذين حكموا العالم، واستولوا على المماليك، واستعبدوا الأمم. وكم من أرض عمروها، ومدينة دمّروها، وكم وضعوا شعوبا، ورفعوا آخرين، وكم سلبوا، ومنحوا، وضرّوا، ونفعوا، فكانوا في سيرتهم كما قال الله ﷿ على لسان ملكة سبأ: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً [النمل: ٣٤] . نعم إنّ السيوف البواتر في أيدي بعض الملوك قد قذفت الرّعب في قلوب المجرمين، فكفّوا عن اقتراف الجرائم علانية، وفي وضح النهار، مستترين وراء مكامن الريب، أو قابعين في بيوتهم.
لكنّ سيوف الملوك عجزت عن أن تستلّ الرذائل من قلوب أهلها، وأن تحسم مادة الشرّ في نفوسهم، وأن تطهّر صدورهم من فساد السّرائر، ذلك الفساد الذي يحمل أهله على ارتكاب المعاصي واقتراف السيئات. وأقصى ما يترتّب على رهبة المجرمين والمرجفين من سيف الملوك المسلط عليهم أن يسود الأمن والسّلام سبل البلاد، وأسواق المدن، وشوارعها، وحاراتها، أما إصلاح القلوب، وتهذيب النفوس؛ فمما يخرج عن سلطان السيف، بعجز عن إرادة الملوك. بل الحق- والحقّ أحقّ أن يقال- أنّ رأس كلّ شرّ إنما نجم من قصور بعض الملوك. وإنّ كلّ فساد نبت نابته في فناء حصونهم، بل في قصورهم نبعت عيون الفواحش والجرائم، ومن حصونهم انفجرت ينابيع الظّلم والعدوان، وعلى أيديهم تفاقم كلّ شرّ،
[ ٢٦ ]
ومن أخلاقهم سرت العدوى إلى أخلاق الناس، ولفساد قلوبهم وسوء أعمالهم اتّسع الخرق على الراقع، حتّى أعيا الأطباء داء المجتمع البشري.
وهل خلف لنا الإسكندر المقدوني، وقيصر روما الأعظم مثالا من أعمالهما يصلح المجتمع إذا اقتدى به، وسار على أثرهما فيه؟
وهل نالت حظّا من البقاء والدّوام أيّة سنّة سنّها عظاماء المفكرين للمجتمع البشري من أمثال سولون «١» وغيره من واضعي الشرائع التي يعتبرونها عادلة قيّمة، مع أنّهم أبدعوا فيها ما شاءت لهم أفكارهم الثاقبة، وأنظارهم البعيدة، وقرائحهم المتوقّدة. ولو سأل سائل عن تلك الشرائع القيّمة والقوانين العادلة كم استمرت؟ لما استطاع أحد من أتباعهم وأنصارهم إلا أن يعترف بأن بقاءها كان قصير الأمد، وأنّ نقّادها أكثروا من نقدها، بل شكّ حتى أتباعهم وأنصارهم في نصح أولئك المفكرين، ونقاء سرائرهم، وصفاء قلوبهم، وفي إخلاصهم للإنسانية وللبشر جميعا؛ لأنهم لم يجدوا فيها الحياد الصّادق، والنّصفة المحضة، والعدل الصريح، وبراءة الذمّة من المحاباة، ومن جرّاء ذلك نشأ بعدهم قوم آخرون نبذ حكامهم تلك الشرائع، ومحوها كما يمحو المصححون أخطاء الحروف في الكتابة، ثم شرع هؤلاء الآخرون في سنّ قوانين غيرها تلائم مصالحهم، وتوافق مطامعهم، فجاءت القوانين الجديدة كأختها التي سبقتها غير مراعى فيها حقوق بني آدم كلّهم، ومصالح الأمم بلا استثناء. وفي أيامنا هذه نرى مجالس التشريع في البلاد المتمدينة لا تفتأ تنسخ قوانين كان معمولا بها، وتسنّ بدلا منها قوانين أخرى جديدة، حتى صارت كلّ يوم شريعة تشرّع في مكان شرعية تنسخ، وقانون يسنّ بدلا من قانون يلغى. كل هذا طمعا في بقاء دولة، وتثبيت أركانها، واستيلاء رجالها على مناصبها، ورغبة منهم في زخرف الدنيا وزينتها ونعيمها، لا تحفزهم إلى ذلك مصالح الناس، ولا منافع الأمة كلّها.
_________________
(١) سولون ٥٥٨ -٦٤٠) (Solon) ق. م): مشرّع أثيني، أحد حكماء اليونان السبعة، سنّ قوانين إصلاحية اجتماعية وسياسيّة مهّدت الطريق لظهور ديموقراطية كليستنس.
[ ٢٧ ]
سادتي: لقد حدّثتكم عن الطبقة العليا من بني آدم، ممّن يظنّ بهم أنّهم معقد الرّجاء في إصلاح الحياة الاجتماعية وتوجيهها نحو الإرشاد. وقد علمتم من أحوالهم وسيرهم كيف خابت فيهم الآمال، وأخفق الرجاء.
والحقّ أنّ كلّ خير ترون له أثرا في بقعة من بقاع الأرض، وكلّ نور يومض «١» في أيّة أمّة حتى لو كان ضئيلا، وكلّ إثارة من صلاح، أو كرم خلق، أو صفاء سريرة وطهارة قلب، فإن ممّا لا ريب فيه أن مردّه في الأصل إلى رسالات الله، أي إلى هداية النبيين ﵈. فإذا وقعت أنظاركم في بقعة من أرض الله على مظهر من مظاهر العدل يسود الناس، أو رحمة في قلوب طائفة يتبادلونها بينهم، أو وجدتم فئة تتعامل بالتواسي ويساعد أيسارهم ذوي فاقتهم، وأقوياؤهم المظلومين منهم، وأهل العافية فيهم يغيثون الملهوفين، ويطعمون الأيتام، ويعولون الأيامى؛ فاعلموا جازمين غير مرتابين بأنّ هذه الفضائل من آثار تعاليم تلك الطائفة الطاهرة التي تسمّى «الأنبياء» صلاة الله وسلامه عليهم. وذلك لأنّ أقطار الأرض كلّها- على سعتها- قد بلغتها دعوة الأنبياء، وطرقت مسامع أهلها سنن هدايتهم، وأحكام تشريعهم، وحكمة رسالتهم، وما من أمّة إلّا وقد أرسل الله فيها رسله منذرين ومبشرين وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [الرعد: ٧] ولولا الأنبياء لتهارج الناس كالبهائم، ولتهارشوا كالسّباع الضّواري. فحيثما رأيتم شيئا من الصلاح، وقليلا من الخير، أو كثيرا منه؛ فهو من تعاليمهم، وكلّ دعوة للحقّ في مكان ما من الأرض فإنّما هي صدى لرسالات الله. وحتى الهمج في مجال إفريقية، فضلا عن الأمم الغربية المتمدينة، كل أولئك استقوا من منهل النبوات الصّافي، واستضاؤوا بأنوار الله التي بعث بها أنبياءه، ولا يزالون يستنيرون بهم في كل ما يسمّى حقّا، وكل ما تدلّ عليه عناوين الخير.
_________________
(١) أومض: لمع خفيفا وظهر.
[ ٢٨ ]
خلود دعوة الرسل واضمحلال دعاوى غيرهم:
إنّ الصفوة المختارة من أهل الطبقة العليا في البشر هم الذين يحكمون القلوب، وتنقاد لسيادتهم النفوس. وأين هؤلاء من الملوك الذين يحكمون الجسوم، ويملكون الأبدان، ويستولون على البلاد؟ أولئك تجري أوامرهم، وتنفذ أحكامهم حيث تخفق القلوب، وإذا كانوا لا يملكون الأسلحة التي يملكها الملوك وأمراء الأجناد، فإنهم يطهّرون الأنفس من آثامها، ويستأصلون الجرائم قبل وقوعها، حيث يجتثون من القلوب جذور الشرور.
وإذا لم يكن لهم ما للشعراء من أناشيد يتغنّى الناس بها؛ فإن الأمم لا تزال تستحلي كلامهم العذب، وتستعذب حديثهم الحلو. لا ريب أنّه لم يكن الرسل رؤساء المجالس التشريعية بالمعنى الحديث، لكنّ سننهم، وتشريعاتهم لا تزال- على تطاول الأيام ومضيّ القرون- نافذة بين الطوائف، يقدّسها علية الناس وسفلتهم، وأحكامهم منقوشة على صفحات القلوب، تذعن لها السّوقة والملوك، ويستسلم لها الفقراء، ويخضع لها الأغنياء.
إنّ يد الأيام قد عبثت- كما يشهد التاريخ بالراجا (أشوكا) «١» ملك (باتلي باتر) «٢» ولم تبق يد البلى من أوامره وأحكامه إلا صخورا منقوشة، وحجارة منحوتة. أما (بوذا) «٣» فإنه لا يزال يحكم القلوب، وسننه وقوانينه لا يزال كثير من الناس يدينون لها ويطأطئون الرؤوس لحرمتها. وإنّ أوامر ملوك (أجّين) «٤» و(هستابور) «٥» في دهلي
_________________
(١) أشوكا: ثالث ملوك سلالة موريا في الهند وأعظمهم (٢٧٣- ٢٣٢ ق. م)، نشر البوذية في الهند وفي جنوب شرقي آسيا.
(٢) باتلي بوتر: من أعظم ملوك الهند قبل المسيح.
(٣) بوذا (Buddah) حكيم هندي، أسس مذهب البوذية ضد البرهمية في القرن الخامس قبل المسيح.
(٤) أجّين (Ujjain) من أقدم المدن المقدسة لدى الهندوس، تقع اليوم في ولاية أترابرديش في الهند.
(٥) هستابور (Hastapar) من المدن العريقة في الهند كانت تقع قريبا من دلهي (عاصمة الهند اليوم) .
[ ٢٩ ]
وقنّوج «١» أمست أثرا بعد عين، بل درست آثارهم، وعفت أعلامهم، وأصبحت ديارهم كأطلال خولة، أما (دهرم شاستر) «٢» وهو كتاب العقائد الذي جاء به (منو) فلا زال باقيا نافذا أمره.
والملك (حمورابي) من ملوك بابل كان أول من سنّ القوانين، ولكن أين أوامره وأحكامه؟ لقد نسجت عليها العنكبوت منذ زمان طويل، ولم تدع يد البلى من قوانينه وأحكامه شيئا. أما تعاليم نبي الله إبراهيم ﵇ فما برحت غضّة طرّية.
وأين فرعون ودعواه أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [النازعات: ٢٤]؟ لقد أصبحت أضحوكة! أما نبيّ الله موسى ﵇؛ فإنه يسود نوازع القلوب، ويملك أهواء النفوس، ويدين له كثير من الناس، وتسلم لآياته وبيناته طوائف غير قليلة.
وقوانين سولون زال العمل بها وشيكا، بينما التوراة المنزلة من السماء لا تنفكّ أحكامها وقوانينها قسطاس العدل وميزان النصفة.
والقانون الرّوماني الذي عدّ عيسى ﵇ جانيا مجرما بمقتضى أحكامه، واعتبره قد اجترح السوء، وأتى ذنبا، قد خلت القرون تسفيه برياحها فأصبح هشيما مضمحلا. أما عيسى ﵇ فإنّ تعليمه لا يزال نورا تجلى به ظلمات القلوب، وهدى تطهر به نفوس المذنبين، وتزكى به أرواح المجرمين.
وأين أبو جهل «٣» وكبرياؤه، وأين كسرى الفرس ودولته وجبروته؟ وأين قيصر الروم وحكومته وطغيانه؟ كلّ أولئك قد طوى الدّهر صحائفهم، وطمست الأقدار دولهم، وتهدّم مجدهم، وذهبوا أدراج الرياح، أمّا
_________________
(١) قنوج: بلدة تقع في ولاية أترابرديش، وتعدّ من أقدم مدن الهند.
(٢) وهو كتاب العقائد عند الهنادك.
(٣) هو عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، أشدّ الناس عداوة للنبي ﷺ في فجر الإسلام، وأحد سادات قريش وأبطالها، وكان يقال له «أبو الحكم» فدعاه المسلمون «أبا جهل»، قتل في وقعة بدر الكبرى، سنة ٢ هـ.
[ ٣٠ ]
محمّد رسول الله ﷺ فإنّ حكمه ما زال ولن يزال باقيا على الدّهر، وأوامره نافذة، وسنته متبعة في كلّ زمان ومكان.
ما من طائفة من الناس أصلحت فساد المجتمع إلا الأنبياء:
سادتي وأصدقائي: أظنّكم قد استمعتم لما ألقيت عليكم من الأدلة العقلية والبراهين التاريخية، وإخالها قد تركت فيكم أثرا أورث في قلوبكم يقينا بأنّه لم تكن طائفة من الناس أصلحت من فساد الأخلاق، وقوّمت من عوجها، وهذبت النّفوس وهدتها من ضلال البشر مثل الذي قام به الأنبياء ﵈، فهم الذين أصلحوا الحياة الاجتماعية، وعلّموا الناس الاقتصاد في المعيشة والاعتدال في كلّ شيء. وهم الذين أقاموا العدل في الدنيا، وحكموا بالقسط بين الناس، وزكّوا القلوب، وأخذوا بيد الإنسانية إلى الحق والخير، وأنقذوها من حمأة الرذائل. وإنّ الله سبحانه قد بعثهم ليخرجوا الناس من الظلمات- ظلمات العقائد، وظلمات الأخلاق، وظلمات الأعمال- إلى النور: نور الإيمان، ونور الخلق الكريم، ونور العمل الصّالح. وتركوا بعدهم سنة للناس، يتبعها السّوقة، ويعمل بها الملوك، وينتفع بها صغار الناس وكبارهم، ويتمتّع بخيراتها الأغنياء والبؤساء على السّواء. وإن مثل الأسوة بهم كمثل عين ثرّة فيّاضة تروي البلاد، وتسقي العباد، يشرب منها كلّ عطشان بقدر حاجته، ويرتوي بمائها العذب الزلال كلّ ظمان، فينقع غلّته وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (٨٩) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٨٣- ٩٠] .
[ ٣١ ]
ترون في هذه الآيات ذكر طائفة خاصّة، وسمّي فيها بعض الذين بعثهم الله لهداية الناس، وفوّض إليهم أمر إصلاح المجتمع: فهم الشّفاء لمرضى القلوب، وبهم البرء لسقام النفوس، وهم هداة الغاوين، الآخذون على أيدي الطغاة، والمرشدون لأهل البغي، والناهون عن المنكرات، وهم الطائفة المقدّسة التي عمّ هديها، وجاد غيثها جميع أنحاء المعمورة، فاستضاء الناس كلّهم بنور هؤلاء الرسل في مختلف الأزمنة وشتّى العصور.
وإنّ الذي نراه في الأمم من الخير والصلاح، وكرم الخلق، وحسن العمل، وطهارة السيرة، وعلوّ النفس، وزكاء الرّوح، ونزاهة القلب، إنّما هو قطرة من بحر تعاليم الأنبياء ﵈، ولمحة من جمال شرائعهم، وأثارة من بركات سيرتهم. وإنّ الإنسانية القلقة المتألمة لا تزال تفتقد آثارهم، وتحرص على اتباع سننهم، ليذهب بذلك روعها، ويطمئنّ قلبها، فتقر الحياة الاجتماعية، وتجد بعض راحتها. ولو أنّ الناس اتبعوا سنن الأنبياء، واستقاموا على الطريق الذي دلوهم عليه؛ لساد الوئام بين الأمم، وعمّ السلام في العالمين.
لقد كان الأنبياء جميعا على خلق عظيم، وقد أوتوا من حميد الخصال، ومعالي الأخلاق ما لم يؤت أحد غيرهم مثله. غير أنّ منهم من تجلّى فيه خلق من الأخلاق، فكان فيه أبرز من غيره وأظهر، فنبيّ الله نوح كان متحمسا في تبليغ الدّين، وإبراهيم كان شديد العناية بأمر التوحيد، وورثه في ذلك إسحاق، وحبب الإيثار إلى إسماعيل، وجاهد موسى جهادا عظيما، وآزره في الحق أخوه هارون، وظهرت الإنابة والاعتراف بالخطأ في يونس، وكان لوط مجاهدا، وغلب على يعقوب التسليم والرضا بأمر الله، وكان داود يرثي للحقّ وخذلانه، وامتلأ قلب سليمان بالحكمة، وكان زكريا متعبدا، وتجلّى في يحيى العفاف، وطهارة النفس، أما عيسى فكان مظهر الزّهد في الدّنيا والرّغبة عن زهرتها، وكان أيوب صبورا على الآلام. وهذه الخصال العالية والأخلاق الفاضلة هي التي يتشرّف بها العالم، وتسعى الأمم للتحلّي بها، وحيثما وجدتم من هذه الخصال
[ ٣٢ ]
الحميدة والفضائل النبيلة أثرا؛ فكونوا على يقين بأنها من نفثات أولئك الأنبياء، ومن آثار تعليمهم.
إنّ تقدّم المدنيّة الصّالحة، وتوفير عوامل الهناء والرّغد للنّاس، وبلوغ الإنسانية مقام الشّرف، قد ساهمت فيه جميع الطوائف التي اشتركت في عمارة العالم: فعلماء الهيئة اكتشفوا للناس نظام سير الكواكب، والحكماء دلّوا على خواص الأعمال وتأثيرها في الأخلاق، ووصف الأطباء النّطاسيّون خواص العقاقير وتأثير الأدوية في الأدواء، وتفنّن المهندسون في تشييد المباني ومرافقها، وإقامة القصور ومعالمها، وعقدوا على الأنهار القناطر والجسور، واتّسع أهل الصناعات في تنويعها، وإتقانها، وتيسير الأعمال للعمال، فكان من مجموع هذه الجهود عمارة الأرض، ولكلّ فريق من أصحاب هذه الجهود يد في اكتمال المدنية، وتقدّم الحضارة، ونحن نذكر لهم ذلك بالثناء والشكر، غير أننا لا نستطيع أن ننسى أنّ أنبياء الله وحملة رسالاته هم الذين غمرونا بالمنن العظمى؛ لأنّهم عملوا لإصلاح فساد القلوب، واستئصال كوامن الشرور، وتطهير النفوس، وتزكيتها من الأهواء الفاسدة، والأطماع السافلة، والميول المهلكة، فنهجوا بذلك منهج السعادة للحياة الاجتماعية، وبيّنوا للناس ما تعلو به نفوسهم، وما تسفل به، وما تكون به شريفة أو منحطة، فكملت الثقافة الإنسانية برسالاتهم، وبلغت الحضارة بذلك مبلغ الكمال، وتيسّر للمجتمع البشري أن يكون صالحا إذا شاء، وقد أصبح من المتعارف عند الناس أنّ الأخلاق الفاضلة، والسيرة الطاهرة هي شرف الإنسانية ومجدها، ومكارم الأخلاق، ومحاسن العوائد أصل الإنسانية وجوهرها.
وبتعاليم الأنبياء توثّقت العلاقة بين الخلق وخالقه، وحسنت الرابطة بين العبد ومولاه، فتذكّر الإنسان عهده الأزليّ الذي أخذه على نفسه لربه، ولولا الأنبياء، وتعاليمهم، وتجليتهم أسرار النفوس، وكشفهم عن غرائز الفطرة الإنسانية، وما يسعد به المرء أو يشقى؛ لم تبلغ الإنسانية ما بلغته، ولذلك كانت الإنسانية مثقلة بمنن الرسل سلام الله عليهم، فإنّ لهم علينا من الأيادي البيضاء ما لا كفاء له. ومن عرف هذا عرف معه ما يجب لأنبياء
[ ٣٣ ]
الله جميعا من الشكر العظيم على كلّ فرد من أفراد البشر مهما كانت الطائفة التي تنتسب إليها، وهذا الشكر هو الذي نعبّر عنه نحن المسلمين بالصّلاة عليهم والتسليم لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥] ونجهر بذلك، ونعلنه كلّما سمي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
إنّ الهداية والدّعوة لا تثمر ولا تبقى إلا بالقدوة والأسوة:
أيها السادة: إنّ هؤلاء الأنبياء بعثوا في أعصار خاصّة، فبلّغوا رسالات الله، ثم مضوا، ولا بقاء لشيء في هذه الدّنيا الفانية، وإن سيرهم مهما تكن طاهرة مقدّسة فإنه لم يتح لها البقاء والدّوام؛ لأنّ يد الأيام قد عبثت بها كما تعبث بكل جديد فتحيله قديما، ثم تجعله رمادا تذروه الرياح. ومن المعلوم أنّ الذي يبقى لمن يأتي بعدهم من بني آدم هو المكتوب فيه سيرهم وهداهم، وهو الذي يصف حياتهم، ويمثّل أخلاقهم، والكتابة هي التي تحصي الأعمال، والأخلاق، وتعصمها من أيدي البلى، ولولاها لم تصل إلينا علوم القرون الخالية، وحكمتها، وفنون الأمم الماضية، وأفكارها، وشؤون الأقوام السّالفة وأخبارها، وما التاريخ إلا سير الرجال وشؤون الحياة الإنسانية ممّا حفظته الكتابة، وصانته من يد الضياع. وإنّ لحياة الإنسان نواحي شتّى، ومن المحتمل أن يعتبر الإنسان- في ناحية من نواحي حياته- بكلّ حادثة حدثت فيما مضى، لكنّ حياة الإنسان الخلقية والروحانية لا تكمل كمالها، ولا تبلغ مرادها، ولا تزكو زكاءها إلا بسنن الأنبياء، وهداهم، واقتفاء آثارهم، والتخلّق بأخلاقهم، ولن يذهب ظمأ الإنسانية فتروي غلّتها إلا بمنهل من سلسبيل هؤلاء الرسل، ولا يرجى خير العالم وصلاحه إلا إذا عمل أهله الأعمال التي هدى إليها الأنبياء، ودعوا إليها وحضّوا عليها؛ لأجل ذلك كان أهمّ الفرائض على أبناء الإنسانية حفظ سيرهم، وإحصاء أخلاقهم، لتبلغ مبلغ الكمال وتزكو زكاءها.
إنّ نظرية مهما تبلغ من الصحّة، ودقّة الفكر، وإنّ تعليما مهما يكن رائقا، ويقع من الناس موقع الإعجاب، وإنّ هداية مهما تجمع من صنوف الخير، كلّ أولئك لا يغني غناء، ولا يثمر ثمرة، ولا يبقى على الدّهر إلا
[ ٣٤ ]
إذا كان له من يمثّله بعمله، ويدعو إليه بأخلاقه وفضائله، ويعرفه إلى الناس بالقدوة والأسوة، فيقتدي الناس بدعاته من طريق العمل بعد العلم، معجبين بسجايا هؤلاء الدّعاة، معظمين لأخلاقهم، مكرمين طهارة قلوبهم، وزكاة نفوسهم، وسجاحة أخلاقهم، ورجاحة عقولهم، وحصافة آرائهم، وسداد أفكارهم. وأقصّ عليكم قصة: إنّ الباخرة (كروكوديا) التي ركبناها في عودتنا من مصر والحجاز في أوائل شهر رجب سنة ١٣٤٢ هـ (شباط ١٩٢٤ م) اجتمعنا فيها عرضا بالدكتور طاغور «١» الشاعر الذائع الصيت، وكان قافلا من سياحته في أمريكا، فسأله بعض رفقته: «ما بال نحلة (برهمو سماج) «٢» أخفقت في مساعيها ولم تنجح، مع أنها أنصفت الأديان، وجمعت الحسنات، وسالمت جميع الملل، ومن مبادئها وأصولها: أنّ الدّيانات كلّها على حق، وأن جميع المصلحين من الأنبياء والرسل والهداة هم خيار الناس وصلحاؤهم، ثم إنّها ليس فيها ما يخالف العقل أو يعارض المدنية الحاضرة أو يناوىء الفلسفة الحديثة، وصاحب هذه النحلة قد راعى فيها الظروف الراهنة والشؤون المألوفة الآن، ومع ذلك كلّه لم تنل من الفوز شيئا، ولم يتح لها من النجاح قليل ولا كثير؟!» وقد أحسن الشاعر في جوابه على هذا السؤال كلّ الإحسان؛ إذ قال: «إنّ النّحلة لم يكن لها داعية يدعو الناس إليها بسيرته الكاملة، وهديه العالي، ولم يكن لها لسان يدعو مؤيدا بعمل يصدقه، فتهوي إليه أفئدة الناس، وتطمح إليه أبصارهم، ويكون لهم من الدعاة أسوة يأتسون بها، وقدوة يقتدون بها» . وكلام طاغور هذا يدلّ على أنّ الدّين لا ينجح، ويعلو، وينتشر إلا بسيرة النّبيّ الذي بعث به، بما عرفه الناس عنه في شؤون حياته، في أخلاقه، وأعماله. وبالجملة: إنّ الجنس الإنسانيّ يحتاج أشدّ الحاجة- في بلوغه الكمال وسلوكه سبيل الرشاد- إلى هداة ودعاة طهرت
_________________
(١) هو رابندرناته طاغور، شاعر هندي، يعدّ من أعلام الأدب العالمي، نال جائزة نوبل، امتاز شعره بروح التديّن والوطنية، مات سنة ١٩٤١ م.
(٢) برهموسماج، أي: طبقة البراهمة.
[ ٣٥ ]
حياتهم، وزكت نفوسهم، وصفت قلوبهم من وصمات الذنوب، وشبهات الآثام، وتكون سيرهم كاملة في كلّ ناحية من نواحي الحياة الإنسانية، ولم يجتمع ذلك إلا في أنبياء الله صلوات الله عليهم وسلامه.
[ ٣٦ ]
المحاضرة الثانية السّيرة المحمّديّة هي العامّة الخالدة
[ ٣٧ ]
سادتي! هذا اليوم هو اليوم الثاني لحفلتنا هذه. وليكن ما سلف في اليوم الأول على ذكر منكم. وخلاصة ما ذكرت أمس: أنّ ظلمات الأيام المقبلة لا تنجلي إلا بنور من مضى من طوائف المصلحين؛ الذين أحسنوا إلى الإنسانية أيّ إحسان، ولهم جميعا علينا الشكر الجميل، ونخصّ منهم الأنبياء، فإنّهم أسدوا إلى البشر من الجميل ما لم تسده طائفة من المصلحين، فيجب علينا أن نضاعف الشكر لهم، ونعترف بجميلهم، وإحسانهم؛ إذ أنّ كلّ واحد منهم قدّم لأمته من سيرته الطاهرة، وخلقه العظيم، وهديه العالي ما كانت به الأسوة الكاملة التي لا تتأتّى من غيره:
فمنهم من صبر على الرزايا، والنوائب، والآلام أعظم صبر وأكمله، فكان أسوة للصّابرين في الضّراء والشّدة، ومن سيرة بعضهم خلق الإيثار، فكان إيثاره مثالا لأمته، ومنهم من اختار مرضاة الله مقدّما نفسه قربانا وأضحية، فكان المثل الأعلى لأمته في إيثار مرضاة الله حتّى على بقاء مهجته، وحفظ حياته.
لقد ظهر للناس في سيرة الذين حملوا رسالات الله عند تبليغهم عقيدة التوحيد الإلهي ما كان موضع العجب من العزيمة، والحميّة، والتسليم لأمر الله، والعفّة عن المنهيّات، والزهد في زهرة الحياة الدّنيا، وما كان ولا يزال مثلا أعلى في هذه الفضائل العظمى، ومنارا للسائرين في ظلمات الحياة، وكم من ظلمة في الحياة قد ضلّ بها من ضلّ، ثم أتى على البشر زمان كان فيه بأشدّ الحاجة إلى الهادي الكامل يضيء له الطريق كلّه بقوله، وعمله، ويجلو الدّجى «١» - دجى العقائد، والأعمال، والأخلاق- بنور تعاليمه، وضوء سيرته، وجمال خلقه، وكمال نفسه، فتكون حياته نبراسا بأيدي الناس، فمن اقتبس منه في يمينه سار في ظلمات الحياة آمنا مطمئنا، لا يخاف الزلّة، ولا يخشى العثرة حتى يبلغ غايته، وإنّ ذلك
_________________
(١) الدّجى: سواد الليل، وظلمته.
[ ٣٨ ]
الهادي الأعظم هو آخر الهداة، وخاتم النبيين الذي لم يرسل بعده رسول، ولن يرسل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا [الأحزاب: ٤٥- ٤٦] .
إنّ محمدا ﷺ شهد في هذا العالم تعليم الله وهدايته، وبشّر الصّالحين بالنجاح والفلاح، فهو مبشر. وقد نادى الغافلين، وأسمع الصمّ، وحذر المذنبين عاقبة ذنوبهم، وأنذر المشرفين على الهلاك، وأيقظ النائمين، فهو منذر. وقد دعا إلى الله من ضلّ عن سبيله، فهو داع. وإن هو إلا نور يستضاء به إلى يوم القيامة، ونبراس يستنار بأشعته في شعاب الحياة الملتوية، فتنكشف به الظّلمات المتراكمة، فهو السّراج المنير إلى الأبد.
نعم إنّ جميع الأنبياء كانوا شهداء، ودعاة، ومبشرين، ومنذرين، بيد أنّ هذه الصفات لم تكن سواسية في جميع الرّسل، بل كان بعضها في بعضهم أظهر من أخواتها، فكان يعقوب، وإسحاق، وإسماعيل ﵈ قد غلبت عليهم صفة الشهادة وكانوا شهداء الحقّ، وغلبت على إبراهيم، وعيسى صفة التبشير، فكانا مبشّرين. ومن الأنبياء من غلب عليه وصف الإنذار لمن خالف الحقّ وجحده، فكانوا منذرين، كنوح، وموسى، وهود، وشعيب. ومنهم من غلب عليه صفة الدّعوة إلى الحق، وامتاز بها أكثر ممّا امتاز بسائر النعوت الآخرى، كيوسف، ويونس عليهم الصلاة والسلام جميعا. وأما من كان جامعا لهذه الصفات كلّها، واتصف بها جميعا، فكان مبشرا، ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا، وكانت حياته ملأى بهذه النعوت، والشؤون، وسيرته ممتازة بهذه الخصال والخلال؛ فهو النبيّ الجامع محمد ﷺ؛ لأنه بعث ليختم الله به النبيين والنبوّات، فأعطي الرسالة الأخيرة ليبلغها إلى البشر كافّة، فجاء بالشريعة الكاملة؛ التي لا يحتاج البشر معها إلى غيرها، ولم تنزل من السماء إلى الأرض شريعة على قلب بشر بعد هذه الشريعة. لقد حظيت التعاليم المحمدية بالخلود، واختصّت بالبقاء والدوام إلى يوم القيامة، فكانت نفس محمد ﷺ جامعة لجميع الأخلاق العالية، والعادات السنيّة، وقد بعث ليتمّم مكارم الأخلاق.
[ ٣٩ ]