فساد الأديان السابقة بسبب التشبيه وتجسيم الصّفات الإلهية:
إخواني! اليوم آخر اجتماعي بكم، بعد أن استمرّ شهرا. ومحاضرة اليوم آخر المحاضرات الثّمان، وقد حاولت في المحاضرتين الماضيتين أن ألمّ بكلّ ما يتعلق بأصول الإسلام، وما يرجع إلى مبادئه، وقواعده، وسننه، ولكن أنّى لي أن أوفي ذلك؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يجمع ضوء الشمس بيده، أو يحصي نجوم السّماء؟!
إنّ الأديان السالفة قبل الإسلام، التي كانت دعوتها إلى توحيد الله، قد تطرّق إليها الفساد في أمر التّوحيد لوجوه ثلاثة: الأول التشبيه والتمثيل، أي: أنّهم قد شبهوا الله بغيره من خلقه، والثاني: أنّهم جعلوا صفات منفصلة عنه ومستقلة. والثالث: أنهم اغتروا بكثرة المظاهر في العالم، وخدعوا بضروب من مصنوعات الله، وآثار مقدوراته، فلما منّ الله على الإنسانية بالإسلام أزال به الأوهام، وكشف خفايا الشبهات، فانجلت عن البصائر غياهب التّمثيل، والتشبيه.
وإليكم أولا أمر التمثيل: فإن أهل الملل والنّحل من غير الإسلام اختاروا طرقا واتّخذوا وسائل لمعرفة ما لله ﷿ من الصفات الجليلة، والصّلة التي بينه وبين خلقه، فشبهوه ﷻ بأجسام مختلفة، ومثّلوا صفاته في ضروب من الصّور والأشكال، فلما طال عليهم الأمد بقيت هذه السّور الممثل بها، وزال عن قلوب الناس اسم الله الذي لم يزل ولا يزال، فصارت المشبّه بها أوثانا، وأصناما، وتماثيل، وطفق الناس يعبدونها، ويسجدون لها ظنّا منهم بأنها مظاهر صفات الله، ومشاهد قدرته، وتفنّنوا في تصور صفات الله بهذه التماثيل المنحوتة، والأوثان المصنوعة، ومن ذا الذي يشكّ في أن الله يحبّ عباده، ويرأف بهم، ويحنّ عليهم؟ لكن الجاهلين جعلوا لحبّ الله عباده، ولرأفته بهم تمثالا من حجر أو غيره، والأمم الآرية اتخذت تمثال المرأة رمزا للحبّ الإلهي، فإنها عندهم مظهر
[ ٢٠١ ]
الحنان والأمومة، وإلهة الحبّ والغرام، فعبروا عن حبّ الله بنوع من العبادة، وعن حنانه عليهم بحنان الأم على ولدها، فانقلب الإله عندهم أما حنونا، ونحتوا له صورة أمّ حنون، وأخذوا يعبدونها، ويسجدون لها.
والطوائف الآخرى من الهنادك قد أظهروا هذا الحبّ الإلهي لعباده وحنانه عليهم بما بين الحليلة وزوجها من المودة والمحبة، فاختار لفيف من الرجال زيّ النّساء وهيئتهن، وتأنثوا، وتخنثوا شكلا وأخلاقا، على زعم أنّ الله يحبّهم كما يحبّ الزوج حليلته.
وكما ظهر الإله عند الروم والإغريق في صورة امرأة.
أما الأمم السّاميّة فقد تمثل الإله عندها رجلا وأبا؛ إذ كان ذكر المرأة عندها على ملأ من الناس مخالفا للآداب السّاميّة، وكان الأب هو رأس الأسرة وأصلها، ويدلّ عليه ما استخرج من بطون الأرض في بابل، وأثور، وديار الشام من تماثيل تصور الإله بصور الرجال، وكذلك بنو إسرائيل، يظهر أنهم في بدء أمرهم كانوا يتصوّرون الله بصورة الأب، ويحسبونه والدا، ويحسبون الملائكة وسائر الناس أولادا له، ثم ضاق نطاق تفكيرهم، فلم يبق للإله أولاد عندهم سوى بني إسرائيل.
ويوجد في بعض صحف بني إسرائيل ما يدلّ على أن الرابطة كانت بين الإله وبني إسرائيل كالرابطة التي تكون بين الزوج وحليلته، وأنّ بني إسرائيل وأورشلم حلائل، والإله زوجهن، تعالى الله عما يقولون ويتصورون!!.
وقد أخطأ المنتسبون إلى المسيح ﵇، فجعلوا ما كان بادىء بدء استعارة كأنّه حقيقة ثابتة. وانقلب تشبيه الإله بالأب لحنانه على نبيه عيسى ﵇، ورأفته به، فاعتبروه حقيقة، والإله الذي لم يلد ولم يولد اعتبروه والدا، وعيسى ولده.
وشبيه بذلك ما نجده عند قدماء العرب من ظنّهم بالله أنّه أب، والملائكة بنات له، فلما بزغت شمس الإسلام انكشفت ظلمات التشبيه، والتمثيل كلّها، وانجلى قتام الشّرك، وأهمل استعمال جميع الكلمات التي
[ ٢٠٢ ]
تقضي إلى الإشراك بالله، منذ نادى رسول الإسلام ﷺ بهذه الحقيقة لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] ثم نزلت سورة من قصار سور القرآن محت الأوهام الباطلة كلّها، والعقائد الفاسدة التي نسجها الناس حول وجود الله، وهي قول الله ﷿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ١- ٤] فكان الإسلام بذلك طاهرا من دنس الشرك، نقيّا من كلّ شوائبه.
إخواني وخلاني! إيّاكم أن تظنّوا أنّ الرسالة المحمدية نفت شيئا ممّا لله ﷿ من عظيم الرأفة، وواسع الرحمة بعباده، أو أبطلت ما لله في عباده من حنان، إنّها لم تفعل ذلك، بل وثقت حبل الله الذي يسّره لعباده وزادته قوة. وإنما أبطلت ما زاد على ذلك من أوهام تفضي إلى تجسيم الله، أو تمثيله بشيء من خلقه، ومحت وسائل كاذبة تجرّ إلى الإشراك بالله ممّا اتخذته الأمم السالفة، فضلّت به، وأضلّت، وفيما عدا ذلك فإنّ الإسلام أشاد بما بين الله وعباده من رابطة هي أشدّ، وأقوى من كلّ ما يمتّ به المخلوقون بعضهم إلى بعض من نسب، ورحم، وآصرة، ودم، فالإنسان الذي يعيش في طاعة الله أقرب إلى الله من قرابة الولد لوالده، وقرابة الزوجة من زوجها.
انظروا كيف أراد الله أن يعلّم الصالحين من عباده بأنه يحبّهم كما يحبّ الأب أولاده، فأمرهم أن يذكروه كما يذكرون آباءهم، أو أشدّ ذكرا. فهو ﷿ لم يشبه نفسه بالأب، لكنّه شبه حبّه بحبّ الأب، واجتنب ما يدلّ على القرابة الواشجة، والرّحم الماسّة، فأبقى من هذه العلاقة ما يدلّ على الحبّ، ثم زاد الحثّ على أن يذكروه أشدّ، وأكثر مما يذكرون آباءهم بقوله أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا [البقرة: ٢٠٠] لأنّ الصلة بين العبد وخالقه أشدّ، وأسمى من جميع ما يمتّ به المرء إلى أحد من ذوي قرابته، فقال تعالى:
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة: ١٦٥]، والإسلام لا يسمّي الله أبا للناس، بل يدعوه «رب العالمين» لأنّ الربّ أعلى مكانا من الأب، وإنّ الصّلة بين الابن وأبيه عارض يفنى، والصّلة بين المربوب وربه أثبت وأبقى؛ لأنها مستمرة من أول نشأة المخلوق إلى أن تنتهي حياته بلا انقطاع،
[ ٢٠٣ ]
فالله ودود، رؤوف، حنّان بأكثر ممّا في الرجال من الودّ لأولادهم، وما في الأب من الشفقة والرأفة نحو بنيه، وما في الأم من الحنان على أولادها، ومع ذلك فإنه سبحانه ليس بأب ولا أمّ، وهو منزّه، ومقدّس عن كلّ شائبة من شوائب البشرية.
فساد الأديان بسبب فصل الصفات الإلهية عن الذات:
والأمر الثاني الذي أفضى بالأديان القديمة إلى فساد العقائد في معنى التوحيد: مسألة الصفات الإلهية. ومنشأ ذلك أن أتباع الأديان الآخرى قد فصلوا صفات الله عن ذاته، وجعلوها مستقلة عنه، وبذلك تعدّدت الآلهة، وكثرت في جميع الفرق الهندوكية من الدين البرهمي؛ لأنّهم اتخذوا من كلّ صفة إلهية إلها، وجسموا تلك الصفة في صورة أو صاغوها في قالب، ثمّ وسعوا نطاق الشرك، وطبقوه على جميع ما شبّهت به صفات الإله من مختلف التشابيه، ومتنوع التماثيل، وصاغوا هذه الصفات، وما شبهت به في صور وتماثيل وأوثان، وبعد أن كان الله إلها واحدا لا إله غيره، صار لهم ثلاثون وثلاثمئة مليون من الآلهة. وتفصيل ذلك أنهم أرادوا أن يعبّروا عن قوة الله وقدرته، وظاهر أنّ اليد من مظاهر القوة والبطش، فنحتوا لله تعالى يدين قويتين من الحجر، بل سوّلت لهم أنفسهم أن ينحتوا له كثيرا من الأيدي. وحاولوا أن يعبروا عن حكمته البالغة؛ فجعلوا له رأسين، واتخذوا له وثنا ذا رأسين، وإذا تأملنا نحل الهنادك الكثيرة العدد؛ بدا لنا أنّها لم تكثر هذه الكثرة الهائلة، ولم تفترق إلى فرق كثيرة، إلا لأجل تجسيمهم صفات الإله، فإنّ الله عندهم ثلاث صفات عظيمات: الخلق، والقيام على المخلوق، والإماتة، وإن شئت فلك أن تعبّر عن هذه الصفات بالخالقية، والقيومية، والإماتية، وقد جعلت الفرق من الهنادك هذه الصفات الثلاث أشخاصا مستبدين أطلقوا عليهم أسماء:
برهما، ووشنو، وشيو، فبرهما رمز للخالق، ووشنو هو القيّوم، وشيو هو المميت. ونجمت عن ذلك ثلاث نحل: نحلة يعبد أتباعها برهما، ونحلة إلهها وشنو، ونحلة معبودها شيو. وقد انفصل بعض هذه الفرق عن بعض. وهناك فرقة منهم تعبد فروج الرّجل والمرأة؛ لأنهم تمثلوا بها صفة
[ ٢٠٤ ]
الخلق، وأرادوا أن يمثلوها بجسم، كما فعلوا في الصفات الآخرى، فهداهم سوء بصيرتهم إلى أن فروج الرّجال والنساء من أكبر الأسباب للخلق في هذا الكون، فاتخذوا لها صورا، وأوثانا، وجعلوا يسجدون لها، ويتقرّبون إليها.
وفي النصرانية صفات إلهية ثلاث: الحياة، والعلم، والإرادة، تمثلوها ذواتا سمّوها الأقانيم الثلاثة: فالأب رمز للحياة، وروح القدس رمز للعلم، والابن رمز للإرادة.
ونجد مثل ذلك في عالم الأصنام عند قدماء المصريين والإغريق والروم، وإنّ محمدا ﷺ بعث بتنفيذ آراء الأمم في صفات الله، فأظهر خطأ تلك المذاهب، وفسادها، وبين أنّ الله واحد، وأنّ صفاته الكثيرة ليست أشخاصا منفصلة عنه، وأنّ من جعل الله الواحد اثنين أو أكثر مغترا بتعدد أسمائه الحسنى وصفاته العليا؛ فقد ضلّ وغوى، وحاد عن سواء السبيل.
فالقرآن أعلمنا بأنّ الله رَبِّ الْعالَمِينَ [الفاتحة: ٢] وأنّ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى [الروم: ٢٧] وأنه نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [النور: ٣٥] وكان نصارى العرب يدعون الخالق بالرحمن؛ لاتصافه بالرحمة، أما عامة المشركين فكانوا يدعونه «الله» ونزل القرآن تصديقا لهما قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [الإسراء: ١١٠] وفي سورة الشورى فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الشورى: ٩] وفيها أيضا:
أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الشورى: ٥] وفي سورة الزخرف وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ [الزخرف: ٨٤]، وفي سورة الدخان إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الدّخان:
٦- ٨] أما برهما بمعنى الخالق، ووشنو بمعنى القيوم، وشيو بمعنى المميت فمدلول الثلاثة كلّها واحد هو الله الخالق القيوم المميت، والموصوف لا يتعدّد مهما كثرت صفاته فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[الجاثية:
٣٦- ٣٧]، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ [الحشر: ٢٢]
[ ٢٠٥ ]
الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحشر: ٢٢- ٢٤] .
فالله واحد وإن كثرت أسماؤه، وتعدّدت صفاته، وهذه الكثرة ليست في ذاته بل في صفاته، وإنّما علمنا ذاته الواحدة الموصوفة بالصفات الكثيرة بسبب رسالة محمّد ﷺ. أما الأديان الآخرى فقد جعل أتباعها الله الواحد آلهة متعددة بتعدّد صفاته، فسبحان الله عما يشركون.
وقد بين الإسلام وأحسن البيان بأنّ القدوس، والخالق، والملك، والمؤمن، والجبار، والعزيز، والمصور، والرحمن، والرحيم هو الله ليس غير.
فساد الأديان بسبب تعديد أهلها للفاعل بتعدّد أفعاله:
والمنشأ الثالث للشرك كثرة أفعال الله، وتنوّع شؤونه.
وحين رأوا أنّ الله تصدر عنه ضروب من الأعمال حسبوا أنّها تصدر عن مصادر متعددة، وأنّ لها فاعلين كثيرين، فحملهم فساد رأيهم على أن جعلوا لكلّ عمل عاملا مستقلّا، فاعتقدوا أن الذي يحيي غير الذي يميت، ومن يحبّ العباد غير الذي يبغضهم، فاتخذوا إلها للعلم، وإلها للثروة والرزق، فتعدّد الواحد بذلك، وصارت الآلهة بعدد الأفعال، أما الإسلام؛ فقد أخبر بأنّ الأفعال وإن كانت كثيرة فإنّ الفعّال هو الله الواحد، العزيز، المتعال.
إنّ جميع ما في الدّنيا من الأعمال ينقسم إلى قسمين: الخير، والشر.
وقد عجب الذين زاغت بصائرهم كيف أن الواحد يفعل فعلين متضادّين، فذهبوا إلى أن من يصدر عنه الخير لا يأتي منه ضدّه، فعبد أتباع زردشت إلهين اثنين أحدهما للخير، والآخر للشر، وسموا مسدي الخير (يزدان) ومصدر الشر (أهرمن) وتصوروا أنّ هذا العالم ساحة حرب يعترك فيها هذان القرنان المتصارعان. وما حملهم على هذا الفساد في العقيدة إلا خطؤهم في فهم الخير والشر.
[ ٢٠٦ ]
منشأ الخير والشرّ حسن استعمال الأمور أو سوء استعمالها:
والحق أنه ليس في الدّنيا شيء يصحّ أن يطلق عليه اسم الشر، فالنار لا شك أنّها تحرق، ولكنّ الإحراق في نفسه لا يعدّ خيرا ولا يسمى شرا، فإن أوقدتها لتنضج عليها غذاءك، أو لتقتبس منها قبسا تصطلي به من البرد فإنّ عملك هذا هو الذي يعدّ إحسانا، ويطلق عليه اسم الخير. وإذا أضرمت النار لتحرق مأوى يأوي إليه فقير بائس لم يرتكب ذنبا فإنّ عملك هذا هو الذي يعد سيئة وشرّا، بينما النار نفسها ليست بنفسها خيرا محضا لا شرّ فيه، أو شرا محضا لا خير فيه، وأنت الذي جعلتها بعملك خيرا أو شرا.
والسيف القاطع لا يعدّ خيرا، ولا شرّا، بل أنت الذي تتّخذ منه ذريعة للخير أو الشر. والظلام لا يعدّ شرا لكنك إن تسترت به في جوف الليل لترتكب فيه السوء، فالشرّ هو عملك لا الظلام، وإن تواريت فيه لتعمل صالحا أو أويت فيه إلى الراحة، والدّعة؛ فهو خير.
وقد خلق الله الأرض والسماء، وجعل بينهما أشياء: الريح، والسحاب، والماء، والنار، والطين، وخلق منهنّ أشياء، وخصّ كلّ شيء بخصيصة، وبثّ فيه قوة تناسبه، ثم خلق الإنسان، ووهبه الحكمة البالغة، والبصيرة النافذة، والآراء السديدة، فنظر هذا المخلوق في الكون، وتأمّل حسن تقويمه، وعجيب تنسيقه، وبديع نظامه، فملكه الإعجاب به، وملأ نفسه الاستغراب منه، فلم يتمالك أن انطلق لسانه قائلا فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [المؤمنون: ١٤] ثم نادى في خشوع وخضوع لرب العالمين إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٩]، كما فعل إبراهيم خليل الله، وبجانب هذه الطائفة من البشر طوائف أخرى لم يكن لهم من بليغ الحكمة، وسداد الرأي، وثاقب الفكر ما ينقذهم من جحود الله والكفر به، فالتبست عليهم حقائق العالم، واشتبهت لهم خواص الأشياء والقوى المودعة فيها، فجعلوا المادة علّة العالم، وسبب خلقه، وقالوا: ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: ٢٤] .
[ ٢٠٧ ]
الهدى والضّلال بما كسبت أيدي الناس:
إنّ العالم لا يضل ولا يغوي، ولا يرشد ولا يهدي، ولكنّ الإنسان هو الذي يهتدي بسليم فطرته، وسديد رأيه، وسلامة قلبه، أو يضل بسوء تفكيره، وخطل رأيه «١»، وقبح تأمله. وإن شئت قلت: إنّ العالم يهدي من يهتدي به، ويضلّ من يضل به. وما أنزل الله من كتبه- التوراة، والإنجيل، والقرآن- يهدي الذين يحسنون تدبره، وتلاوته، فتطمئنّ قلوبهم إلى ما فيه من حقّ، ويؤمنون به، وآخرون يتلون ما أنزل الله من حقّ فيزدادون ريبا به، ولا تسكن نفوسهم إليه، فيجحدون، ويكفرون، مع أنّ الكلام واحد، إلا أن تأثيره في القلوب مختلف: فيخرج هذا منه مؤمنا به، ويخرج ذاك منه كافرا به، وكلاهما من خلق الله الواحد، والذي يستنتج من كثرة الأفعال، وتعدّدها، واختلافها كثرة الفاعلين؛ فقد أخطأ، وإنّ بيد الله تعالى الخير والشرّ، والهداية، والضّلال، وكل ما ترى في الكون، وفي الناس من ضروب العجائب وأنواع الغرائب، فهي من بديع السموات والأرض وجميل صنعته وعظيم قدرته، فهو الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [البقرة: ٢٦- ٢٧] .
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ [البقرة: ٢٦٤] .
فهذه الآيات تدلّ على أنّ الضلال والهدى يرجعان إليه ﷿، لكن الإنسان هو الذي يختار بادىء ذي بدء ما يفضي به إلى الضلال أو الهدى، فمن فسق عن أمر ربه، أو قطع الرحم، وأفسد في الأرض، وكفر، جاءه من الله الضلال، والضّلال لا يتقدّم الفسق، والقطيعة، والإفساد في الأرض، بل هو يعقب هذه الخلال، ويتلوها.
إنّ الله ﷿ خلق بني آدم، ودلّهم على الخير والشرّ، وبصّرهم
_________________
(١) الخطل: المنطق الفاسد المضطرب.
[ ٢٠٨ ]
بالحسن والسيىء، ثم أمرهم بالخير، ونهاهم عن الشر، وهداهم الطريق المستقيم، وحذّرهم سوء العقبى إذا عصوه، إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان: ٣] وهو الذي قد خلق كلّ شيء خيره وشره ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [غافر: ٦٢] وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦] ثم بيّن لهم الخير من الشر، والحسن من السيىء أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: ٥٠] .
ومما تقدّم تعلمون أنّه لا يوجد في الدّنيا خير لذاته ولا شرّ لذاته، وإنما يكون الأمر خيرا أو شرّا باختيار الإنسان، وبعمله، فإذا سلك الصراط المستقيم، كان بذلك راشدا واهتدى، وإذا سدر في الفساد والغيّ، وآثر بنيّات الطريق على الطريق المستقيم ضلّ، وغوى، وإذا صحّ اختياره لما ينفع، ويسعد أصاب الخير، وأتى بالحسن، وإذا ارتكب الشطط في اختيار ما يضرّ أصاب الشرّ، وكان من المخطئين. والذي يظن أنّ للكون إلهين اثنين؛ لأن في الكون خيرا وفيه شرا؛ فقد زاغت بصيرته، وأخطأ الحقيقة أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [فصلت: ٦] والله وحده خالق كلّ شيء هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:
٣] والله قد بلغ رسالاته وأحكامه بألسنة أنبيائه ومرسليه، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر: ٣٢] وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠] فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [الشمس:
٨- ١٠] .
تعبّد الضّالين بتعذيبهم أنفسهم:
ما من دين خلا من العبادة لله، لكن الأديان القديمة حسب أتباعها أنّ الدّين يطالبهم بإيذاء أجسامهم وتعذيبها، وأن الغرض من العبادة إدخال الألم على الجوارح، وأنّ الجسم إذا ازدادت آلامه كان في ذلك طهارة للروح، ونزاهة للنفس.
[ ٢٠٩ ]
وعن هذه العقيدة نشأ التبتل «١» عند الهنادك، والرّهبانية عند النّصارى، وابتدعوا من رياضات الجسم أنواعا عجيبة أشدّها على الجسم أفضلها عندهم، وأقربها إلى الله في زعمهم؛ فمنهم من آلى على نفسه ألا يغتسل طول حياته، ومنهم من لا يلبس إلا المسوح والثياب الخشنة، وبعضهم آلى على نفسه أن يعيش عريان إلا من خرقة يستتر بها، ماضيا على ذلك مهما أثرت فيه حمارّة القيظ، أو زمهرير الشتاء، ومنهم من لزم كهفا فلا يبرحه أبدا، وبعضهم اختار لنفسه أن يبقى واقفا في حرّ الشمس طول حياته، ومنهم من يحلف ألا يقتات إلا بورق الشجر، ومنهم من بقي صارورة «٢» حصورا لا يتزوج، ومنهم من يعدّ من العبادة والقربة إلى الله منع التناسل، وفيهم من يرفع إحدى يديه في الهواء، ويبقى كذلك طول عمره حتى تيبس يده وتجف، وكان بعضهم يحبس نفسه ما استطاع، وهو يحسب أن ذلك من العبادة، ولا يزال في الهند من يتعلّق بشجرة منكسا رأسه إلى تحت. وهذا كلّه وأمثاله مما كان عليه أتباع الأديان قبل مبعث محمد رسول الله ﷺ ظانّين أنّ أعمالهم هذه من أقرب الوسائل إلى الله، ومن أفضل ما تزكى به النفوس وتطهر به الأرواح، فأنقذ الله ﷿ الإنسانية من هذا العذاب الأليم والأذى الشديد بالرسالة المحمدية الكاملة، وأرشدهم إلى أنّ ما يحسبونه عبادة من هذا السخف والشرّ إنما هو من الملاهي التي يتعلّل بها من زاغ بصره، والتوى عليه الرأي فظنّ في الله غير الحق، وقد أعلنت الرسالة المحمدية للناس هذه الحقيقة: «إنّ الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم» «٣» . وما يفعل الله بتعذيبكم لأجسادكم وجوارحكم. لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها [البقرة:
٢٨٦] وجعل الرهبانية بدعة من عند الناس، لا من عند الله وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ [الحديد: ٢٧] وفي الحديث النبوي «لا صرورة
_________________
(١) التبتّل: الانقطاع عن الدنيا إلى الله تعالى، وكذا (التبتيل) ومنه قوله تعالى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل: ٨] .
(٢) الصّارورة: يقال لمن لم يتزوّج.
(٣) رواه مسلم في كتاب البر (٢٥٦٤) .
[ ٢١٠ ]
في الإسلام» «١» وأنكر على الذين حرّموا على أنفسهم طيبات الدنيا، فقال ﷿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:
٣٢]، وقد أنكر الله على رسوله حين حرم على نفسه العسل، فقال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم: ١]، والرسالة المحمّدية علّمت الناس لأول مرة أنّ حكمة العبادة إقرار العبد لربه بأنه عبده، ومطيع لأوامره إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [غافر: ٦٠] فالدّين الإسلاميّ يعلّم المسلمين خاصّة، وغيرهم عامّة: أنّ الله يريد منهم أن يؤمنوا به، ولا يشركوا به شيئا، وأن يطيعوا أوامره، ولا يستكبروا عليه، فلا جرم أن تظهر طاعتهم له في صور وأساليب متعددة من العبادة.
وغاية العبادة في الإسلام اعتياد التقوى، والتمرن عليها يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٢١] وثمرة الصلاة في الإسلام الكفّ عن الفحشاء والمنكر إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: ٤٥] أما الصّوم فمن الوسائل إلى نيل التقوى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٣] .
وأما الحجّ فمن حكمته أنه لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ [الحج: ٢٨] والزكاة تزكي القلوب، وتنزع منها رذيلة البخل، وتسدّ حاجات الفقراء، وتقضي ضرورات البائسين؛ لأنها تؤخذ من أغنياء الأمة وتردّ على فقرائها، قال الله ﷿ الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى [الليل: ١٨- ٢٠] . ومن الدين عند المسلمين النكاح، والزواج، وقد قال لهم نبيهم «النكاح من سنّتي ومن يرغب عن سنّتي فليس منّي» «٢» وعدّ القرآن الكريم أولاد الإنسان وأزواجه قرّة أعين له، وأرشدهم إلى أن يسألوا
_________________
(١) رواه الطبراني في الكبير، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٣٤): رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات.
(٢) رواه مسلم في النكاح (٥٠٦٣) .
[ ٢١١ ]
الله ذلك وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ [الفرقان: ٧٤] .
التضحية والأضاحي والقربان:
وكان قتل المرء نفسه مما يتقرّب به الأقدمون إلى الآلهة، فكانوا ينذرون لآلهتهم قرابين بشرية تذبح كالأضاحي استرضاء للآلهة، فإذا سفكت دماء البشر لهذا الغرض نثرت دماؤهم على الأوثان، وربما أحرقت لحوم الأضاحي، وجمرت بها الأصنام، وبخرت بدخانها، ولأجل ذلك كان اليهود يحرقون لحوم الأضاحي، أمّا الإسلام فقد بيّن رسوله الكريم الغرض من الأضاحي، وحرّم ذبح الإنسان، وتقديمه قربانا، وأحل تضحية البهائم إلا أنه نهى أن يرش دم الأضاحي، أو تحرق لحومها، وقد ذكر الله ﷿ ما في التضحية من منافع للعباد بقوله وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ [الحج: ٣٦- ٣٧] أمّا العقيدة الفاسدة في التضحية فقد حملت الناس على أن يحسبوا أنّهم يملكون حياتهم، وموتهم، ويملكون أولادهم على حياتهم وزعموا أنهم يملكون أزواجهم، حياتهن وموتهن، وهذه العقيدة الفاسدة قد جرّت شرّا عظيما، وفسادا كبيرا في الحياة الاجتماعية، فأباحوا لأنفسهم الانتحار، وقتل الأولاد، ووأد البنات، وذبح الأبناء على النّصب، والأوثان، وانتحار الحلائل، أو إحراقهن أنفسهن بعد موت أزواجهن، وغير ذلك من المفاسد التي محاها الإسلام، واجتثّها من أصولها منذ أذّن في النّاس: أنّ النفوس لله، هو الذي يملكها، ولا يملكها أحد غيره، ولا تقتل نفس إلا بحقّ الله، لذلك لا يحلّ في الإسلام أكل لحم ذبيحة لم يذكر اسم الله عند ذبحها، والذي ينتحر؛ فإن الجنّة محرمة عليه، أما في أوربا المتحضرة وأمريكا المتمدنة فإنّ الانتحار لا يزال أفضل وسائل النجاة من مضائق الحياة وآلامها، والدول التي تحاول عبثا أن تأخذ على أيدي المنتحرين، فتذهب مساعي الحكام، والولاة
[ ٢١٢ ]
أدراج الرياح؛ لأنّ الناس يزعمون أنّهم يملكون أنفسهم، فلهم أن يتصرفوا فيها كما يشاؤون، والانتحار عندهم أفضل وسائل النجاة من آلام الدّنيا، ولا يرون أنّ بعد هذه الحياة حياة يؤاخذون فيها على الانتحار، وحتى لو أيقنوا أنهم يبعثون بعد مماتهم، وينشرون تارة أخرى، فإنهم يستبعدون أن يحاسبوا على انتحارهم وقتلهم أنفسهم، أما الإسلام فقد شدّد في أمر الانتحار، وعدّه جريمة عظيمة، وحذّر عاقبته، وعلّمهم أنّ هذه الوسيلة الذميمة لا يركن إليها في الخلاص من آلام الحياة وشدائدها، وأنّ من انتحر فقد أقدم على ما ليس له به من حق، لأنّ الحياة والموت من أمر الله، ومن تجاوز أمر الله استحقّ سخطه، وغضبه، وسيحلّ به عذاب الله في الحياة الآخرى، وهو أشدّ وأبقى من آلام الدّنيا التي أراد المنتحر أن يخلص منها وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الإسراء: ٣٣] وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا [النساء: ٢٩- ٣٠] .
النفوس ملك لله، فليس للإنسان أن ينتحر أو يحدّد النّسل:
كان قتل البنات ووأدهن فاشيا بين العرب، وبين «الراجبوت» «١» من أهل الهند، وفي كثير من الممالك، فلما ظهر الإسلام أنكر ذلك ومحاه وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير: ٨- ٩] وقتل الأولاد لم يكن جريمة عند العرب، ولا يزال هذا المنكر باقيا في الأمم المتمدنة: يدفعهم إلى ذلك خشية الإملاق، وضيق النفقة، وربما يبرّرون ذلك بأنّ غلال البلاد وحاصلاتها لا تسدّ حاجات العمران البشري، فيقتلون أولادهم دفعا للأزمات الاقتصادية عن البلاد، والعرب وغيرهم لم يكونوا يرون تبعة على من أجهضت حملها، وقتلت ولدها، وكان الإغريق يتتبعون كلّ مولود يولد في بلادهم، فيقتلون منهم الضعفاء، والمخدجين، وناقصي الخلق، وقد يقذفونهم من قلل الجبال، ويستحيون منهم الأقوياء، وتامّي الخلق.
_________________
(١) الراجبوت: قبيلة من قبائل الهند المشهورة، اشتهرت بالبطولة والبسالة في الحروب، تسكن في راجهسان الولاية الشمالية في الهند.
[ ٢١٣ ]
وتحديد النسل (Berth Control) بجميع طرقه المعروفة في هذه الأيام ليس إلا ضربا من ضروب قتل الأولاد، ووأد البنات، وقد نادى الإسلام في الناس أنه ما من أحد يرزق أحدا، وإنما الرزّاق هو الله المتكفل بحاجات خلقه، قال تعالى: * وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [هود: ٦] وقال: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا [الإسراء: ٣١] .
قضاء الإسلام على نظام الطبقات، وعلى التفاضل بالمال والنسب واللون:
ومن أكبر الجرائم التي اقترفتها الأمم ولا تزال باقية في بلاد لم تبلغها دعوة الإسلام، ولم تشرق أنواره في أرضها، أنهم جعلوا ثراء المال، ونقاء الدّم، وشرف النّسب، وكرم المحتد، ولون البشرة أساس الكرامة، ورأس ما يتفاضلون به ويتفاخرون. وقد جعلوا لثراء المال، ونقاء الدم، وبياض اللون أصولا يرجعون إليها في هذا التفاضل بين أفراد الأمة، وبين الطوائف من الأمم، وسنّوا لذلك من القوانين والآداب في المعاشرة، والمجتمع ما يلائم أهواءهم ومذاهبهم في النّسب. أما الهند فقد عدّ الهنادك من أهلها كلّ من خرج عنهم من الأمم والناس أنجاسا مناكيد، فإن لمسهم لامس من غيرهم، أو صحافهم، أو مسّ أجسامهم رأوا أنهم قد تنجّسوا، ووجب عليهم أن يغتسلوا؛ لأن من سواهم رجس يجب أن يتطهّروا منه.
وقسّم الهنادك أنفسهم أقساما ووزعوا بين هذه الأقسام حظوظا متفاوتة من الشّرف، فرفعوا بعضهم على بعض درجات، لا في الفضائل، والأخلاق، بل في أمور المعيشة، وشؤون الحياة، وأحكام الحكومة. فالشودر (وهم الطبقة السفلى منهم) يعدّون أنجاسا، وعبيدا، وخدّاما، وهم أصحاب المهن الحقيرة، ويرون أنّهم لاحظّ لهم في الدّين أيضا، وكذلك قدماء الفرس تفرقوا إلى أربع طوائف، وهكذا فعل أهل أوربا فخصّوا أنفسهم بأمر الحكومة والسّلطان على الأمم، ولم يتركوا لمن سواهم إلا أن يستعبدوا، ويخضعوا لحكمهم، وبنو إسرائيل عدّوا أنفسهم أبناء الله (تعالى الله عمّا يقولون) ومن سواهم من الأمم أذلة صاغرين. ثم فرقوا بين بني إسرائيل
[ ٢١٤ ]
أنفسهم، فأنزلوا طوائفهم منازل مختلفة، وجعلوا بعضهم فوق بعض، وهذه أوربا الرّاقية التي تدّعي دعاوى عريضة في الإخاء، والمساواة، والمدنية، ألسنا نرى أن الرّجل الأبيض قد أثقل كاهله بأعباء الحكم في العالم، ويرى أن غير الأوربي لا يستأهل السيادة والحكم، فالأبيض المثقف هو الذي اختص بالحضارة والاستعلاء، أما السّود- وكل من عداهم يعدونه من السود- فإنّهم لا يعدلونهم، ولا يساوونهم، بل إنّ بعض البيض يربؤون بأنفسهم أن يركبوا في أسفارهم مع الآسيوي في عربة واحدة من القطار، وترفعوا عن مجالسته، ومساكنته، وقد عزلوا الجنس الأسود (Negro) في إفريقية الجنوبية وأمريكا المتحضرة، فبنوا لهم أحياء منعزلة عن البيض؛ لأنهم لا حقّ لهم بأن يجاوروا البيض، فالأمريكيون الذين يدعون العدالة التامة، والإخاء العظيم يعاملون السود من سكان أمريكا نفسها أسوأ معاملة، ويضيقون عليهم حياتهم، كأنّهم ليسوا من البشر، أو من خلق الله، وفي جنوبي إفريقية وشرقيها ليس للسود، ولا للهنود، ولا للآسيويين عامّة من الحقوق المدنية والإنسانية مثل ما للإنسان في بلاد أخرى، ولم يقصروا جورهم هذا على الأمور الدنيوية، بل إنّهم عدوا طورهم، وجاوزوا الحقّ إلى الأمور الدينية، فبنوا الكنائس للبيض خاصّة وجعلوها بمعزل عن السود، فلا يأذنون للسود بدخول تلك الكنائس، وإنّ الأبيض يشمخ بأنفه، ويربأ بنفسه أن يدخل كنيسة يغشاها السود، أو الآسيويون، والإفريقيون، فليس للأسود أن يركع لله مع الغربي الأبيض أبدا.
أمّا الإسلام؛ فقد محا هذه الفوارق والعصبيات الذميمة كلّها، وأنكر أن يكون التفاضل باللون، والدم، والنسب وسوّى بين بني آدم كلهم، وهدم كلّ ما كان يحول بين المرء وأخيه من ثراء المال، ونقاء الدم، ولون البشرة، والجاه العريض، والنسب الأصيل، والمجد الأثيل. وكانت قريش تعتزّ بابائها، وتباهي بأنسابها، فخاطبهم النبيّ ﷺ يوم وقف فيهم خطيبا في فناء المسجد الحرام يوم فتح مكة، فقال لهم: «يا معشر قريش! إنّ الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهليّة وتعظمها بالآباء، النّاس من آدم وآدم
[ ٢١٥ ]
من تراب» «١» . ثم أعلن الرسول ﷺ في جمع عظيم، وحفل هائل يوم حجّة الوداع: أنّ لا فضل لعربيّ على عجميّ، ولا لعجميّ على عربيّ إلا بالتّقوى. كلّكم أبناء آدم، وآدم من تراب. فملاك الشرف والمجد التقوى، والعمل هو الذي يرفع صاحبه أو يضعه. وإنّ الله قد أذهب عبية الجاهلية، وفخرها بالآباء، فالمرء إما مؤمن تقيّ، أو فاجر شقيّ «٢»، وقد خاطب الرسول فيها عامة الناس بلسان الوحي: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: ١٣] وقال سبحانه: وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا [سبأ: ٣٧] ثم آخى بين المسلمين وجعلهم إخوة، فقال عزّ من قائل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠] وقد نادى الرسول يوم حجة الوداع في جمع من المسلمين عظيم يبلغ عددهم مئة ألف أو يزيدون: «المسلم أخو المسلم» «٣» . فهذه المساواة والمؤاخاة قد محتا الفوارق بين الهنديّ، والأفغانيّ، والصينيّ، والتركيّ، والإيرانيّ، والأندنوسيّ، والعربيّ، وبين الشرقي والغربي، بل ذهبتا بكل ما يفرّق بين الأسود والأبيض من فوارق الجنسية، واللون، والدم، وأعلن الله إحسانه إليهم بقوله: فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا [آل عمران: ١٠٣] .
إنّ أبواب بيوت الله مفتوحة في الإسلام لكلّ مسلم بلا تفريق بينهم في
_________________
(١) ثم تلا ﷺ هذه الآية: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: ١٣] . (زاد المعاد، الجزء الأول، ص ٤٢٤) .
(٢) وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله قد أذهب عنكم عبيّة الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقيّ وفاجر شقيّ، أنتم بنو آدم وآدم من تراب، ليدعنّ رجال فخرهم بأقوام، إنما هم فحم من فحم جهنّم، أو ليكوننّ أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النّتن» . [رواه أبو داود (٥١١٦)] .
(٣) رواه البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» . [البخاري (٢٤٤٢)] .
[ ٢١٦ ]
المهن، والأجناس، والمراتب الاجتماعية؛ لأنهم لا يتفاضلون بالثراء، ولا يتفاوتون في الآباء، واختلاف المحتد، وليس في الإسلام نظام طبقات كما بين البراهمة والشودر (المنبوذين)، فلكلّ مسلم أن يتلو كتاب الله، وأن يؤمّ الناس في الصلاة، من أيّ بيت كان، ومن أيّ قوم كان. والتزاوج مطلق بين طوائف المسلمين وأجناسهم، وباب العلم مفتوح لكل داخل، بل هو نهب مقسم بين الجميع، والناس سواء في الحقوق، وفي أحكام القصاص: الدم بالدم، والنّفس بالنفس.
إخواني الأعزاء! كان بودّي أن أذكر عن رسالة محمد ﷺ كل ما أحسنت به إلى الإنسانيّة، وأن أعدّد أفضالها، ونعمها على جميع طبقات البشر، ولكن وقتنا لم يسمح بذلك، ومثل هذا الموضوع العظيم يحتاج إلى وقت أطول، وأوسع من الوقت الذي تحدّثت إليكم فيه، ممّا كنت أحب أن أبسطه لكم فضل الرسالة المحمّدية على الرقيق والمستعبدين في الأرض من بني البشر، والحقوق الممنوحة لهم في الإسلام، والمستوى الذي رفعهم الإسلام إليه لأول مرّة.
وكنت أحب أن ألمّ بما للرسالة المحمدية من جميل نحو النّساء، وما حفظت من حقوقهن، وما رعت من كرامتهن.
كان بودّي أن أفصّل لكم جميع هذا، وكثيرا غيره تفصيلا تتبيّنوا منه أن أوربا التي تدعي التقدّم الفكريّ لا تزال وراء الإسلام بمسافات طويلة، ولن تضارعه فيما قدّم للإنسانية من رعاية، وما أسدى إليها من حقوق.
من أعظم الجرائم فصل الدين عن الدّنيا:
إن من أعظم الجرائم التي عمّ بها الضّلال وطمّ الدعوة إلى التفريق بين الدّين والدّنيا، حتى صار يقال: هذا من حكم السلطان، وهذا من حكم الرّحمن، وحتى صاروا يميزون بين ما يكسبون به الدّنيا، وما يكسبون به الدّين، وقد أفردوا لكلّ واحد منهما طريقا غير طريق الآخر. والرسالة المحمدية هي التي كشفت الستار عن وجه الحقيقة في ذلك، فأعلنت في أرجاء الدنيا ما بين أمور الدين وأمور الدنيا من التلازم، وأنّ أعمال الدنيا
[ ٢١٧ ]
التي يراد بها وجه الله، والفوز في الآجلة؛ إنّما هي من صميم الدّين، ومن الدّين أن يقوم الناس بأمور الدّنيا من تجارة، وزراعة، وصناعة، وحرفة، وخدمة بالطريقة السليمة التي هدى إليها الدين، وأرشدت إليها تعاليمه، ومن أعظم الخطأ أن يحسب الناس أنّ الدين منحصر في العبادة من صلاة وصوم، وفي الفرار من الناس واعتزالهم في مغارة، أو جبل للعبادة، بزعم أنّ اشتغال المرء بأمور نفسه وشؤون أولاده وعياله، والمشاركة في مصالح أمته، وبلاده، وأحبابه، وخلانه هو من أمور الدّنيا، لا من أمور الدين، كلّا، بل إنّ هذه العقيدة قد أعلن رسول الإسلام ﷺ فسادها، وأبدى عوارها بدعوته، وبلاغه من جهة، وبحياته المثلى من جهة أخرى، وقد بيّن بقوله وعمله أنّ أمور الدّنيا التي تؤدّى بالطريق الذي هدى إليه الدين تعدّ من الدّين، ويثيب الله عليها كما يثيب على العبادات وغيرها ممّا هو من صميم الدّين.
الإسلام إيمان بالحقّ وعمل به:
ألا إن ملاك النجاة للإنسان في الإسلام الإيمان، والعمل الصالح. أما الإيمان فهو الإيقان بالله وحده، والإيقان بأنّ رسله إنّما بعثوا لهداية البشر ودلالتهم على طريق الله، والإيقان بالملائكة الذين هم رسل الله بينه وبين من أرسل إليهم من البشر، وبالكتب التي أنزلت على الرسل، وفيها أحكام الله من الأوامر، والنواهي، والإيقان بأنّ الله يحاسب الإنسان على أعماله، ويجزيه خيرا عمّا يعمله من خير، أو شرّا عما يصدر عنه من شرّ، فهذه الخمسة هي أساس الإيمان وملاكه، والإيمان أساس العمل، ومن لا إيمان له لا ينتظر منه الخلاص فيما يصدر عنه من عمل.
والمراد بالعمل أن تكون تصرفات الإنسان صالحة، وللأعمال ثلاثة ضروب كما ذكرت في المحاضرة السابقة من هذا الكتاب «١»: الضرب الأول: (العبادات)، وهي عبارة عن تعظيم الإنسان لإلهه الذي خلقه، وعن خشوعه له وخضوعه لأوامره وإظهار افتقاره له. الضرب الثاني:
(المعاملات) وهي ما يتعاطاه الناس فيما بينهم لتبادل مصالحهم،
_________________
(١) انظر المحاضرة السابقة.
[ ٢١٨ ]
واستعمال مرافقهم، ومنها أحكام الدولة وقوانينها التي يراعيها الإنسان، ويتقيّد بها ليسود الأمن، ويعمّ السلام في البلاد، فلا يقع فيها الفساد والفوضى التي تنتهي إلى الهرج، والمرج، والهلاك، والدّمار. والضرب الثالث: (الأخلاق) وهي القيود التي توجب الآداب التقيّد بها، وإن لم تفرض على الناس بالتشريع وأحكامه القانونية، وباتباعها تطهر القلوب، وتزكو النفوس، ويرتفع مستوى المجتمع البشري، ويتقدّم في إنسانيته.
وهذه الأربعة- الإيمان، والعبادات، والمعاملات، والأخلاق- هي التي تهيىء للمجتمع أسباب النجاة.
سادتي وإخواني! سامحوني إذا قلت لكم: إنّ التبتل في الدنيا، والعزلة عن المجتمع، وحبّ الخلوة عن الناس ولو لذكر الله ليست مما يحتمه الإسلام، ويدعو إليه، والإسلام نشاط دائم، وجهاد طويل، لذلك تراه يحثّ المسلمين على أن يكونوا دائما في عمل، وسعي، ونشاط، وذلك ينافي السكون الدائم، والانصراف عن الحركة والعمل وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [النجم: ٣٩] كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثّر: ٣٨]، فالعزلة عن الناس ليست من الإسلام، بل من الإسلام الإقدام في معترك الحياة، واقتحام حلبة الحركة، والزّحام لنشر دعوة الحقّ والخير، وإصلاح البشر، وبين أيديكم التأسي برسول الله ﷺ، وما كان عليه أصحابه، فإذا عملتم كما عملوا، وجاهدتم كما جاهدوا، وثابرتم على إقامة الحق، كما ثابروا؛ كنتم مسلمين حقّا، كما كانوا، وكتب الله لكم مثل الذي كتب لهم من الفلاح في الدّنيا، والنّجاة في الآخرة.
إن محمدا ﷺ لم يدع إلى مثل ما دعا إليه (بوذا) من هجر الدنيا، ومعارضة الفطرة بقمع الشهوات، ومحاولة انتزاعها من النفوس، بل دعا إلى تعديلها، وتسكين ثورتها، والحدّ من شططها، والإسراف فيها.
ولم يدع إلى مثل ما يقال عن دعوة المسيح من احتقار الثروة والقوة، بل دعا إلى تحرّي الطرق الصالحة في الحصول عليهما، وفي حسن استعمالهما.
إنما الإسلام إيمان بالحقّ، وعمل به، ولذلك تفاصيل، وفروع ومساع
[ ٢١٩ ]
متنوعة، وجهاد عظيم، وكفاح متواصل، فترك العمل عكس ما جاء به الإسلام، والدّين الذي يأمر بالفرائض لا يعقل أن يرضى بالإعراض عنها.
وإن شئتم تفصيل ذلك فاقرؤوا سيرة الرسول، وادرسوا تراجم أصحابه، أليس الله ﷿ قد وصف نبيه ﷺ بقوله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا [الفتح: ٢٩] .
كان في جهاد عظيم، وكفاح مستمر، وما برح طول حياته الشريفة مختلطا بالناس متحدثا إلى أصحابه، يجالسهم، ويساكنهم، ويؤاكلهم، ويشاركهم، ويلقاهم بوجه طلق، وقلب نقيّ سليم متعلق بالله، وبما يرضى به الله، وقد تراه راكعا ساجدا لله، كما قد تراه عاملا ساعيا يبتغي الفضل من الله، ويكسب رزقه بعمله مع تعلّق قلبه بربه، لا يلهيه عن ذلك شيء رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [النور: ٣٧] فهو إذا ذكر الله لا يحمله ذلك على ترك الدنيا والعمل فيها، وهجر أهله وعياله، وإذا قام بعمل الدّنيا لا ينقطع مع ذلك عن ذكر الله بقلبه، وتحرّي مرضاته في كلّ ما يعمله.
ألم يأتكم نبأ المسلمين وهم يقاتلون الرّوم في بلاد الشام؟ إنّ العدو أرسل عيونا يتجسّسون له أحوال المسلمين في معسكرهم، ولما عادوا إلى قائدهم قالوا: لقد رأينا عجبا، «إنهم بالليل رهبان، وفي النّهار فرسان» «١» .
إخواني! اليوم آخر عهدي بكم في هذه المحاضرات. وكنت أحسبني قادرا على أن أصف لكم رسول الإسلام ورسالته وصفا كاملا، وإني سأوفيهما حقهما مبينا سيرة الرسول الطاهرة ومناحيها المختلفة في هذه المحاضرات الثمان، وهاهي ذي المحاضرة الثامنة قد انتهت، وفرغت الآن من إلقائها، ولكن الرسالة المحمّدية قد بقيت منها نواح لم أوفّها حقّها من البيان.
اللهمّ صلّ على محمّد وآله وصحبه وسلم وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
_________________
(١) قول أسير روميّ في وصف المسلمين أمام هرقل، [البداية والنهاية، ج ٧، ص ٥٢] .
[ ٢٢٠ ]
فهرس الموضوعات
مقدمة الكتاب ٥
ترجمة العلامة سيد سليمان الندوي ٩
مقدمة المؤلف ١٣
المحاضرة الأولى: سيرة الأنبياء هي الأسوة الحسنة للبشر ١٥
خصائص النبات أكثر من خصائص الجماد فواجباته أكثر، وخصائص الحيوان أكثر من خصائص النبات فواجباته أكثر، ومدارك الإنسان أرقى فواجباته أعظم ١٦
مسؤولية الإنسان بقدر مواهبه ٢٠
حكمة إرسال الله الرسل للبشر ٢٢
الفرق بين دعوة الرسل ودعاوى غيره ٢٣
خلود دعوة الرسل واضمحلال دعاوى غيرهم ٢٩
ما من طائفة من الناس أصلحت فساد المجتمع إلا الأنبياء ٣١
إن الهداية والدعوة لا تثمر وتبقى إلا بالقدوة والأسوة ٣٤
المحاضرة الثانية: السيرة المحمدية هي العامة الخالدة ٣٧
امتياز محمد ﷺ كان شاهدا ومبشرا ونذيرا ٣٨
السيرة المحمدية هي السيرة التاريخية ٤٠
سيرة متبوعي الهنادك ليست تاريخية ٤١
سيرة بوذا ليست تاريخية ٤٣
الذي نعلمه عن كونفوشيوس أقل من الذي نعلمه عن بوذا ٤٣
شكوك العلماء المحققين في كثير من سير أنبياء بني إسرائيل ٤٤
الكلام على الأناجيل من ناحية التاريخ ٤٥
ليس في أصحاب الدعوات من يمكن التأسي به إلا محمد ﷺ ٤٦
ما يمكن معرفته من أسفار التوراة عن موسى ٤٨
شؤون حياة المسيح أخفى من غيره وأغمض ٥٠
[ ٢٢١ ]
الحياة المثالية هي التي يبدأ صاحب دعوتها بنفسه فيعمل بما يدعو إليه ٥١
الحسنات السلبية والحسنات الإيجابية ٥٧
اشتراط أن تكون سيرة المتبوع تاريخية، وجامعة، وكاملة، وعملية ٥٨
المحاضرة الثالثة: السيرة المحمدية من الناحية التاريخية ٦٠
امتياز الإسلام بحفظ السيرة النبوية وتراجم الصحابة والتابعين والأئمة والمتبوعين ٦١
عناية الصحابة بحفظ الحديث النبوي وعناية التابعين والأئمة والمتبوعين ٦٢
الكلام على التابعين، وأساتذتهم من الصحابة ٦٣
المستشرقون وتشكيكهم في رواية الحديث والكلام على الحفظ والكتابة ٦٧
كتابة الحديث في العهد النبوي ٦٩
التابعون الذين دونوا الحديث ٧٩
جمع الحديث له ثلاثة أطوار ٨٠
علم نقد الحديث من جهة الدراية والفهم ٨٢
ستة مصادر لسيرة النبي ﷺ وهديه ٨٣
كتب السيرة المحمدية تعد بالألوف ٨٧
مرجليوث أشد المستشرقين تحاملا على الإسلام ٨٧
اعترافات كبار المستشرقين حول السيرة النبوية ٨٨
السيرة النبوية أوثق رواية وأكثر صحة من كل ما كتب في سيرة النبيين ٩٠
المحاضرة الرابعة: السيرة المحمدية من ناحية كمالها وتمامها وإحاطتها بشؤون الحياة البشرية ٩١
لا تكون حياة أحد كاملة إلا إذا كانت معلومة للناس، وحياة محمد ﷺ من ميلاده إلى ساعة وفاته معلومة التفاصيل بجميع دخائلها ٩٢
مثال من كتب الشمائل لتفاصيل ما يعرفه التاريخ عن محمد ﷺ من جليل ودقيق ٩٤
كلمتا المستشرقين الكبيرين عما يعرفه التاريخ من دخائل محمد ﷺ ٩٥
تفاصيل أخرى عما يعرفه التاريخ عنه ﷺ ٩٥
استقصاء ابن القيم في زاد المعاد كل أحوال النبي ﷺ الخاصة وشؤونه اليومية ٩٧
إباحة النبي ﷺ لأصحابه أن يذكروا عنه كل ما يعرفونه بلا تحفظ ٩٩
كان الرسول ﷺ معروف الدخائل لأعدائه أيضا، فلم ينقلوا عنه إلا خيرا ١٠١
شهادة أبي سفيان قبل إسلامه للنبي ﷺ عند هرقل ١٠٣
رجاحة عقول العرب تجعلهم لا ينخدعون في أمر الرسول فاتبعوه وهم على بينة ١٠٤
لو كتم الرسول شيئا لكتم ما في القرآن من مؤاخذته ١٠٦
[ ٢٢٢ ]
كلمات كبار المستشرقين في المقارنة بين محمد ﷺ والذين قبله ١٠٦
سنن الأمم السالفة في الأخلاق بادت ولم يبق إلا سنن الإسلام ١١٠
المسلمون لا يحتاجون من خارج دينهم إلى أصول وضوابط ١١١
المحاضرة الخامسة: السيرة المحمدية من ناحيتها الجامعة ١١٣
الأديان الآخرى تتحرى أقوال أنبيائها والمسلمون يتحرون أعمال نبيهم ١١٤
حياة محمد ﷺ جمعت ما تفرق في الأنبياء مما امتازوا به ١١٦
انتباه أحد البراهمة لهذه الناحية من الحياة المحمدية ١١٩
ما أعطى الله الرسل جميعا متفرقين قد أوتيه محمد ﷺ وحده ١٢٣
مقارنات بين النبي ﷺ وإخوانه الأنبياء ١٢٤
مدرسة محمد ﷺ كانت جامعة للطوائف وعامة للأمم ١٢٨
استعراض نماذج من تلاميذ مدرسة محمد ﷺ ١٣١
إن العالم لا تتم هدايته إلا بالمصلح الأخير للدنيا ١٤٥
المحاضرة السادسة: الناحية العملية من السيرة المحمدية ١٤٦
كيف نتبع الرسول وفيم نتبعه؟ ١٤٧
مقارنة بين نتائج عظة جبل الزيتون، ونتائج دعوة جبل الصفا ١٤٨
ما شهد به لمحمد ﷺ أقرب الناس إليه وأعرفهم به ١٥١
كان ﷺ أول من يعمل بما يأمر الناس به ١٥٣
مقارنة بين عظة «أحبوا أعدءكم» ومعاملة النبي ﷺ لأعدائه ١٦٤
مقارنة بينه ﷺ وبين الأنبياء من آدم إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام ١٧٥
المحاضرة السابعة: رسالة رسول الإسلام إلى جميع الأنام ١٧٧
ما هي السيرة الكاملة الجامعة في الرسول، وماذا بلغ عن ربه ١٧٨
كفالة الله حفظ الرسالة المحمدية لأنها رسالة الحاضر والمستقبل ١٧٩
الإسلام أول رسالة عامة في تاريخ الإنسانية ١٨٠
الدين إيمان وعمل، ولم يجتمعا إلا في الإسلام ١٨٢
مقارنات بين رسالة الإسلام والرسالات الآخرى ١٨٣
مقارنة بين الوصايا العشر والآيات من سورة الإسراء ١٨٣
عناية الشرع المحمدي بكرامة الجنس البشري ومكانته من سائر المخلوقات ١٨٨
الرسالة المحمدية عرفت الناس بأقدارهم وأنزلتهم منازلهم ١٩٠
الإسلام وحقيقة التوحيد ١٩١
فطرة الإنسان في الإسلام بريئة في الأصل ولم يولد آثما ١٩٣
[ ٢٢٣ ]
الدين والفطرة كلمتان لمدلول واحد ١٩٣
الناس سواسية في الإسلام، والدنيا كلها لله وحده ١٩٤
الإسلام سوى بين جميع الأنبياء ودعا إلى الإيمان بهم جميعا ١٩٥
دين الله بين الذين غلو في الأنبياء والذين فرّطوا فيهم ١٩٧
المحاضرة الثامنة: السيرة المحمدية من الناحية العملية ٢٠٠
فساد الأديان السابقة بسبب التشبيه وتجسيم الصفات الإلهية ٢٠١
فساد الأديان بسبب فصل الصفات الإلهية عن الذات ٢٠٤
فساد الأديان بسبب تعديد أهلها الفاعل بتعدد أفعاله ٢٠٦
منشأ الخير والشر حسن استعمال الأمور أو سوء استعمالها ٢٠٧
الهدى والضلال بما كسبت أيدي الناس ٢٠٨
تعبد الضالين بتعذيبهم أنفسهم ٢٠٩
التضحية والأضاحي والقربان ٢١٢
النفوس ملك لله، فليس للإنسان أن ينتحر أو يحدد النسل ٢١٣
قضاء الإسلام على نظام الطبقات، وعلى التفاضل بالمال والنسب واللون ٢١٤
من أعظم الجرائم فصل الدين عن الدنيا ٢١٧
الإسلام إيمان بالحق وعمل به ٢١٨
فهرس الموضوعات ٢٢٢
[ ٢٢٤ ]