السيرة المحمّدية هي السيرة التاريخيّة:
إخواني! أنا لا أقول ما أقول جزافا وادّعاء منّي لأجل عقيدة لي خاصّة أعتقدها، وإنما هي حقيقة يشهد لها التاريخ، وتؤيدها البراهين، والدّلائل، وإنّ السيرة التي يحقّ لصاحبها أن يتّخذ الناس من حياته أسوة حسنة، ومثلا أعلى، يشترط لها قبل كل شيء أن تكون سيرة «تاريخيّة»، أما السيرة القائمة على أساطير، وأحاديث خرافة، لا تدعمها الروايات الموثوق بصحّتها؛ فإنّ من طبيعة الإنسان ألايتأثر بما يحكى له من سيرة لشخصية مفترضة، لا يعرف لها التاريخ أصلا صحيحا، وإنّما اختلق لها المناقب أناس أحسنوا الظنّ بها، فرفعوا مكانها، وقد يخدعون بهذه المناقب بعض الناس أمدا قصيرا حين يعرضونها عليهم في حلّة قشيبة من الألفاظ، وثوب قشيب «١» من العبارات، ثم لا تلبث الحقيقة أن تظهر من وراء غلائل الأوهام، فيعرض الناس عنها إعراضا؛ لأنها قامت على غير أساس من التاريخ. إذا فلا بدّ لكلّ سيرة من سير الكمال الإنسانيّ يدعى الناس إلى الاقتداء بها، واتخاذها أسوة أن يدعمها التاريخ، ويشهد لها المحقّقون، ولهذا نرى النفوس البشرية لا تتأثر بالأساطير والأوهام كتأثرها بحوادث التاريخ والروايات الثابتة عن الثقات الأثبات، وذلك لأنّ سيرة الرجل العظيم الكامل لا تعرض على الناس ليشغلوا بها أوقات فراغهم ويروّحوا بها عن أنفسهم في حالة الملل أو الضجر، بل تعرض عليهم ليدعوا إلى الاقتداء بها واتخاذها نبراسا لحياتهم يسيرون على ضوئها في ظلمات الحياة لاقتحام العقبات، وكم من عقبة تعترض الإنسان في حياته، فيحتاج إلى من يسير أمامه ليأخذ بيده في اجتيازها، فإن لم تكن الشخصية تاريخية كيف يدعى الناس إلى الاقتداء بها، وهي في الواقع مفترضة، والمناقب التي تذكر عنها من الأساطير والأوهام؟!
نحن معشر المسلمين نؤمن برسالات الله كلّها وبجميع الرسل،
_________________
(١) القشيب: الجديد أو النظيف، يقال: ثوب قشيب.
[ ٤٠ ]
ونعظمهم بلا استثناء، مع علمنا بأنّهم متفاضلون* تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [البقرة: ٢٥٣]، وأنّ الدوام والبقاء لم يتح إلا لسيرة آخر المرسلين وخاتم النبيين محمد ﷺ، أمّا غيره من الأنبياء فلم تختم النبوة بأحد منهم، ولم تكن سيرتهم خالدة، بل ولا محفوظة، وقد أرسلوا إلى أممهم خاصّة، وإلى زمن خاصّ بأجل مسمّى، فكانت حياتهم أسوة للذين أرسلوا إليهم في عهدهم، ثم نسيت تلك السيرة، وامّحت بكرّ الليالي ومرور الأيام، وقد جاء في رواية إسلامية أنّ الله أرسل من الأنبياء عشرين ألفا ومئة ألف.
إنّه ما من بلاد، ولا أمّة قبل مبعث محمد ﷺ إلا جاء فيهم نبيّ، وإذا كان عدد الأنبياء على ما في تلك الرواية الإسلامية عشرين ألفا ومئة ألف؛ فكم نبيا منهم نعرف أسماءهم؛ هل نعرف من سيرتهم كثيرا أو قليلا؟!
سيرة متبوعي الهنادك ليست تاريخيّة:
إنّ من أقدم الأمم عهدا هنادك الهند كما يدّعون، وهم ليسوا بمسلمين، وفي تاريخهم مئات من العظماء والنابهين، فهل يؤيد التاريخ سيرة أحد منهم؟ إن التاريخ لا يستطيع ذلك، وكثير منهم لا يعرف الناس من شؤون حياتهم وحقائق أحوالهم إلا أسماءهم، وهم لا يحظون في كتب التاريخ بمكانة، وإنّما تعدّ سيرتهم من علم الأساطير، وخرافات الوثنية.
ومن أحظاهم تاريخا، وأحسنهم سمعة رجال «مهابهارتا وراماينا» «١» وأبطالها، ومع ذلك فإنّ سيرة أولئك الرجال لا تعدّ من التاريخ، بل لا يعرف التاريخ زمانهم، فضلا عن أن تتعيّن في الزّمان قرونهم، أو تعرف من قرونهم سنوات حياتهم.
لقد درس بعض علماء أوربا تاريخ الهند القديم درسا متواليا، وقاسوا له أقيسة، وذهبوا في ذلك شوطا بعيدا، فصاروا يعيّنون عهد عظاماء الهنادك
_________________
(١) «مها بهارتا: (Mahabharata) «و«راماينا (Ramayana) «الملحمتان الهنديتان الكبيرتان اللتان تقصّان وقائع بعض الأبطال من العظام الهنود القدامى، والحروب التي جرت فيما بينهم في العصور القديمة.
[ ٤١ ]
وأبطالهم تعيينا، يرى علماء الهنادك وفضلاؤهم أنّه مجازفة، ورجم بالغيب، وأكثر المحققين من علماء أوربا لا يعدّون ذلك من التاريخ، بل لا يعترفون بأنّ هؤلاء قد وجدوا في العالم يوما ما، أو كان لما حيك حولهم من أساطير شبه وجود. وإن «زردشت» صاحب المجوسية لا يزال معظّما عند كثير من أتباعه، لكنّ التاريخ لم يكشف الحجاب عن وجوده الحقيقي بعد، فهو لا يزال سرّا غامضا من أسرار التاريخ، حتى شكّ بعض المؤرخين من الأمريكيين والأوربيين في نفس وجوده، أما المستشرقون الذين يعترفون بوجوده التاريخيّ؛ فإنّهم يثبتون بعض شؤون حياته بظنون متباينة، وأوهام متباعدة إثباتا لا يروي غلّة، ولا يشفي علّة، فكيف يستطيع أحد أن يطمئن إلى اتخاذ حياة زردشت أسوة لنفسه في الحياة مادام الشكّ وتضارب الآراء يحومان حوله زمانه، وبلده، ونسبه، وأسرته، وشريعته، ودعوته، وكتابه، ولغته، وعام وفاته، ومكان موته، والروايات عن ذلك أوهام، وأقيسة، وظنون لا تغني من الحقّ شيئا. ومع ذلك فإنّ المجوس ليس لهم سبيل إلى معرفة هذه الأمور المرتاب فيها إلا ما زعمه بعض المستشرقين والباحثين من أهل أمريكا وأوربا، وإنّ علم المجوس الأصلي بنبيهم وحياته وسيرته لا يعدو ما في «الشاهنامة» للفردوسي، ومن ذا الذي يعذرهم فيما يعتذرون من أن كتبهم الدّينيّة قد ذهبت بها حروبهم مع اليونانيين، وأنّ أعداءهم أبادوها. ونحن ليس من غرضنا إلا أن نثبت أنّها غير موجودة ولا معلومة، ولا يهمّنا كيفية انعدامها، وزوالها، وهذا يدل على أنّ حياة زردشت لم تنل حظّ الدّوام والبقاء حتى أنكر أمثال Kern «١» و«٢» Dermeletes وشخصية زردشت، ووجوده التاريخي.
_________________
(١) هو فرديخ كيرن (Friedrich Kern) مستشرق ألماني، درس في جامعات أوربا، وسافر إلى القاهرة حيث أتقن اللغة العربية، مات سنة ١٩٢١ م، من آثاره: «آثار البوذية في الهند» وتحقيق «اختلاف الفقهاء» للطبري. (Dermetetes) (٢) أحد كبار المستشرقين، وله مؤلفات حول تاريخ إيران وحول شخصية زردشت.
[ ٤٢ ]
سيرة بوذا ليست تاريخيّة:
ودين (بوذا) أقدم الأديان، وأوسعها نطاقا، وأكثرها انتشارا في سالف الأيام، وكان له سلطان على الهند، والصين، وآسيا الوسطى، وأفغانستان، وتركستان، ولا يزال إلى الآن في سيام، والصين، واليابان، وتبت، وإنما تقلص ظله وعفي أثره في الهند على أيدي البراهمة، وزال عن آسيا الوسطى بغلبة الإسلام، لكنّه ما برح موجودا في آسيا القصوى تحت ظلّ دولة قويّة ذات مدنيّة وثقافة ناضرتين، وهي اليابان التي لم تخضع بعد لأجنبيّ، ولم يفتح بلادها فاتح «١» .
ولسائل أن يسأل: هل يقيم التاريخ وزنا لوجود بوذا؟ وهل يقدر مؤرخ على أن يعرض للناس صورة حقيقية لتاريخه؟ وهل يستطيع كاتب أن يصف ظروفه، وأحواله التي كان عليها في حياته وصفا كاملا لا يغادر شيئا من تحديد زمن ميلاده، ووطنه، وأصول دينه، كما دعا هو إليه، ومبادىء دعوته وأهدافها؟ الذي نعلمه أن ذلك كلّه محجوب عن علم الناس بظلمات كثيفة متراكمة، وكلّ ما أمكن للباحثين أنهم حاولوا تعيين زمان وجوده بحوادث راجوات بلاد (مكده) ولم يكن لهم سبيل سوى ذلك، وتسنّى لمؤرخ أن يقارن زمن هؤلاء الراجوات بملوك اليونان الذين كانت بينهم وبين راجوات عدّة روابط.
الذي نعلمه عن كونفوشيوس أقلّ من الّذي نعلمه عن بوذا:
وأما دين الصين فلم نعلم عنه إلا قليلا بطريق الحدس، ولم يصل العلم إلى شيء يقينيّ عنه. و(كونفوشيوس) «٢» صاحب النّحلة المعروفة في الصين نعلم عنه أقل مما نعلم عن بوذا، مع أن المنتسبين لطريقته الدينية يبلغ عددهم مئات الملايين.
_________________
(١) ألقيت هذه المحاضرة لما كانت اليابان في أوج سيادتها قبل الحرب العالمية الثانية.
(٢) كونفوشيوس: (٥٥١- ٤٧٩ ق. م) فيلسوف صيني، أسس مذهبا أدبيا يدعو إلى حياة عائلية واجتماعية مثالية.
[ ٤٣ ]
والأمم السّامية بعث فيها مئات من الرّسل، لكن التاريخ لم يحفظ لنا عنهم إلا أسماء بعضهم، ولا نعلم عن هؤلاء الرسل- من نوح، وإبراهيم، وهود، وصالح، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وزكريا، ويحيى ﵈- إلا بعض سيرهم، وقليلا من صفحات حياتهم، والذي نعلمه من ذلك لا يكاد يروي غلّة أو يشفي علّة. وحياة العظماء لها نواح وأطراف، وتتخلّلها شعاب وعقبات في أطوار وأدوار. ومادام الذي غاب عن علمنا من ذلك أكثر بكثير من الذي عرفناه، فكيف يتسنّى لمن شاء أن يتّخذ من سيرتهم أسوة كاملة لحياته في جميع أطوارها، وهو لم يبلغه من سيرهم إلا قليل؟
شكوك العلماء المحقّقين في كثير من سير أنبياء بني إسرائيل:
إن أسفار اليهود التي تضمنت سير هؤلاء الأنبياء قد خالج المحققين من العلماء ضروب من الشكّ في كلّ سفر من هذه الأسفار، على أننا إذا ضربنا صفحا عن هذه الشكوك نرى سير هؤلاء النبيين في تلك الأسفار ناقصة، مثال ذلك أحوال موسى المذكورة في أسفار التوراة، إنّ مؤلفي «دائرة المعارف البريطانية» أنفسهم توصلوا إلى تحقيق أنّ هذه الأسفار دونت، وجمعت بعد موسى ﵇ بقرون كثيرة، زد على ذلك أنّ التوراة الموجودة فيها لكلّ حادثة روايتان مختلفتان، وحكايتان متباينتان، كما حقّق ذلك بعض علماء الألمان، وربما دفع بعض هذه الروايات بعضا فتعارضت أولاها بأخراها، ونحن نواجه الوصف المتعارض في سير الرجال والحوادث جميعا، ومن أراد أن يزداد علما بهذا الموضوع فليراجع مادة (بايبل) في الطبعة الأخيرة من دائرة المعارف البريطانية «١»، وإذا كان الأمر كذلك فبأيّ منزلة من التاريخ ننزل حوادث العالم من آدم إلى موسى ﵉؟ وكيف نقدّر قدر التاريخ الصّحيح الثابت في هذه الأمور.
_________________
(١) Encyclopeadia of Britanica. (١)
[ ٤٤ ]
الكلام على الأناجيل من ناحية التّاريخ:
وأحوال عيسى ﵇ وسيرته مكتوبة في الأناجيل، والأناجيل كما تعلمون- كثيرة، غير أنّ أكثرية المسيحيين اقتصرت على أربعة أناجيل. أما (إنجيل الطفولة) و(إنجيل برنابا) وغيرهما فلا يعتبرونهما، ومع ذلك فإنّ الأناجيل الأربعة التي اقتصروا عليها لم يلق أحد من الذين جمعوها سيدنا عيسى ﵇، وإذا تساءلنا: عمّن رووا هذه الأناجيل؟
نجد التاريخ يجهل ذلك كلّ الجهل. ويزداد المرء شكا إذا توصل إلى حقيقة أخرى، وهي أنّ الرجال الأربعة المنسوبة إليهم هذه الأناجيل الأربعة لا يمكن القطع يقينا بأنهم هم الذين جمعوها في الواقع. فإذا كان الأشخاص المنسوبة إليهم هذه الأناجيل لا يطمئن التاريخ إلى صدورها عنهم فكيف يطمئن إلى صحّتها؟
وزاد الطين بلّة أنّنا لا نعلم يقينا اللغة التي كتبت بها هذه الأناجيل في الأصل، وفي أيّ زمان كتبت. فقد اختلف مفسرو الأناجيل اختلافا شديدا في تعيين زمان جمعها، وتدوينها، فمن قائل: إنها كتبت سنة ٦٠ للميلاد، ومن قائل: إنها جمعت بعد ذلك التاريخ بكثير. وذهب بعض نقدة العلماء الأمريكيين مذهبا بعيدا مستغربا في أمر المسيح، وولادته، ووفاته، ودين التثليث، فأنكر ذلك الناقد الأمريكي وجود المسيح ﵇ قائلا: إن هذا كلّه من الأساطير، وإنّ ما ذكروه عنه إنما هو بقية من بقايا وثنية الرّوم واليونان؛ إذ أنّ تلك الأمم كانت تدين بمثل هذه الأفكار والعقائد في آلهتهم وأبطالهم القدماء. وقد استمرّ الجدال أشهرا حول وجود عيسى ﵇ في مجلّة (روبن كورت) التي تطبع في شيكاغو «١»، ودار البحث عمّا إذا كان للمسيح وجود تاريخيّ أم هو مما ابتدعته أوهام القدماء من الأمم السالفة، واختلقته اختلاقا. أليس كلّ هذا مما يوهن الأمر فيما يتعلّق بعض سيرة المسيح ﵇، وموقف التاريخ من ذلك؟ ونعود
_________________
(١) شيكاغو (Chicago) مدينة أميركية.
[ ٤٥ ]
فنقول: كيف يمكن اتخاذ الأسوة الكاملة التي تطمئن لها القلوب إن لم تكن جميع نواحي الحياة في الشخصيّة المقتدى بها معلومة، وليس فيها ما يجهله الناس، وما هو مكتوم عنهم وراء حجب التاريخ. إنّ المقتدى به والذي يتّخذ الناس من حياته أسوة لا بدّ أن تكون حياته كلّها واضحة صافية كالمرآة، ليلها كنهارها، لتبين للناس المثل العليا التي يحتذونها في حياتهم بجميع أطوارها ومناحيها.
ليس في أصحاب الدّعوات من يمكن التأسّي به إلا محمد ﷺ:
إذا نظرنا إلى حياة أصحاب النّحل، ودعاة الملل، وهداة البشر من الأنبياء والرسل نظر الناقد البصير، وتأمّلنا هداهم، وسيرهم؛ لم نجد فيمن تقدّم ذكرهم من يمكن أن يتّخذ من حياته مثلا أعلى للحياة الإنسانية إلا محمدا ﷺ، وهديه، وسيرته، فهو الذي أرسله الله ليكون فيه أسوة لبني آدم في جميع نواحي حياتهم، وأطوارها، وأحوالها. وقد سبق لنا القول بأنّه ليس في مئات الألوف من المصلحين والنبيين من يشهد لهم التاريخ إلا ثلاثة أو أربعة، ومع ذلك فإنّ التاريخ لا يعرف من تفاصيل أحوالهم، وشؤون حياتهم، ودخائل سيرتهم إلا نزرا يسيرا، وغير كامل، فكيف يتسنّى للإنسان أن يتّخذ من ذلك أسوة لحياته ذات النّواحي المختلفة؟
أليس من المستغرب أنّ بوذا الذي يبلغ عدد المنتسبين إليه ربع سكان المعمورة، ولا يحفظ التاريخ من سيرته إلا عدّة أقاصيص وحكايات، لو أننا نقدناها بمقاييس التاريخ لنتّخذ لأنفسنا قدوة من حياته وسيرته؛ لخرجنا من ذلك خاسرين. إنّ إحدى تلك الأقاصيص تنبئنا بأنّه ولد في زمان غير معلوم في واد من أودية (نيبال) «١» في بيت «راجه» «٢»، فكان ذكيّا، وذا طبيعة متوثبة، وله نفس متدبرة، وقلب حسّاس، فلما بلغ أشدّه، وتزوّج، وصار أبا؛ اتفق أن رأى جماعة من الفقراء والبؤساء، فأثّر فيه منظرهم المؤلم، وأثار في نفسه كامن الرّحمة والشفقة، فخرج من
_________________
(١) نيبال (Nepal) دولة في وسط جنوب آسيا بين الصين والهند.
(٢) راجه، أي: ملك.
[ ٤٦ ]
وطنه هائما على وجهه حتى بلغ (بنارس) «١» ثم (كيا) «٢» و(بايلي بتر) «٣» ثم (راجكير) «٤» وتاه فيما بين ذلك من جبال وغابات ومدن وقرى، ولم يزل هائما على وجهه متجولا بين هذه البقاع النائية حتى بلغ في تجواله إلى (كيا) فتجلت له الحقيقة المحجوبة، وهو تحت شجرة من أشجار «بيبل» «٥» فرأى نور الحقّ ساطعا، وادّعى أنه أدرك سرّ الحقيقة، فخرج يدعو الناس إلى دينه بين (بنارس) و(بهار) ثم مضى لسبيله. هذه جملة ما نعلم من سيرة «بوذا» وحياته.
وزردشت يعدّ واحدا من الذين أسسوا بنيان الدّين وبدؤوا بالدّعوة إليه، وقد أسلفنا أنّ حياته مجهولة كذلك، ولا يتتبع أثرها إلا أهل القياس والاستنتاج من علماء التاريخ. وأنا لا أقول شيئا من عند نفسي في سيرة زردشت، بل أعرض عليكم نبذة مما كتب عنه في «دائرة المعارف البريطانية للقرن العشرين» وهي تعدّ من أوثق المصادر في التاريخ:
«إن زردشت الذي عرفناه من أبيات شعرية في (كاثا) «٦» غير زردشت الذي نراه في (وستا) الجديدة، فالموصوف في المصدر الأول مباين للمذكور في المصدر الثاني ومضادّ له. وعلى كل فإن الأسطورة التي تشتمل على الحياة المستغربة (وقد نقل الكاتب شؤونا في سيرته من كاثا) لا تدلّنا على حياة زردشت دلالة واضحة، ولا تهديناا السبيل إلى معرفته معرفة تاريخية، بسبب ما نجد من غموض لا ندرك معناه.
وأخذ الكاتب يسرد المصنفات التي وضعت في هذا العصر عن حياة
_________________
(١) بنارس (Banares) إحدى مدن الهند تقع على نهر غنغا في ولاية أترابرديش، وهي مقدّسة عند الهندوس.
(٢) كيا (Gaya): مدينة هندية قديمة تقع في ولاية «بهار» .
(٣) بايلي بتر: مدينة هندية قديمة تسمّى اليوم ب «بتنه» وهي عاصمة ولاية «بهار» .
(٤) راجكير: مدينة هندية قديمة تسمّى اليوم ب «بهار» .
(٥) بيبل: نوع من الأشجار ذات أوراق كبيرة، تكثر في الهند.
(٦) الأفستا: هو الأسفار المقدسة عند الزرادشتية، كان مفقودا، عثر عالم الآثار الفرنسي دوبرن على قسم منه، وقام بنشره وترجمته.
[ ٤٧ ]
زردشت، وقال: إنّ مولده لم يعيّن بعد، والشهادات على ذلك يناقض بعضها بعضا. والعهد الذي كان فيه زردشت مجهول كذلك، فالمؤرخون من اليونان اختلفوا فيه اختلافا شديدا، كما اختلف علماء عصرنا في تعيين عهده، وانتهى كاتب ترجمته في دائرة المعارف البريطانية إلى القول بأنّنا لا نعلم زمن زردشت البتّة، ونجهله جهلا تامّا.
وخلاصة ما نعلمه عن حياة زردشت أنّه ولد في مقاطعة أذربيجان، ونشر دعوته في بلخ وأطرافها، وأنّ الملك هشتاسب دخل في دينه، ثم ظهرت على يده معجزات، وقد تزوّج، وولد له أولاد، ثمّ توفي. فهل يظنّ أحد أنّ هذه المعلومات عن حياة رجل صاحب دعوة تكفي لأن يتّخذ من حياته أسوة، وأن يقتدى به في جميع مراحل الحياة، فيكون للناس سراجا يستضيئون بنوره في تصرّفاتهم، وسلوكهم؟
ما يمكن معرفته من أسفار التوراة عن موسى:
ومن أكثر الأنبياء ذكرا وأوضحهم حياة موسى ﵇، ترى ماذا تقول أسفار التوراة الخمسة عن حياته؟ ذلك ما نستعرضه بلا أيّ نقد لما فيه من روايات ضعيفة، وغير متعرضين الآن لذكر صحتها، أو سقمها، بل نوردها مفترضين صحّتها:
لا نجد في هذه الأسفار الخمسة من التوراة عن حياة موسى إلا أنّه بعد ولادته تربّى في قصر فرعون، ولما بلغ مبلغ الرجال نصر قومه بني إسرائيل على ظلم فرعون مرّة أو مرّتين، ثم هرب من مصر إلى (مدين) من بلاد العرب، وتزوج فيها، وأقام هناك برهة من الزمن، ثم رجع منها إلى مصر، وبينما هو في طريقه إليها أوحي إليه من ربّه، وبعث إلى قومه نبيّا وداعيا، ثم لقي فرعون، وأراه آيات بيّنات، واستأذنه في الخروج ببني إسرائيل من مصر، فلم يأذن له بذلك، فخرج بهم على حين غفلة من فرعون، ووجد في البحر طريقا بإذن الله، وتبعه فرعون فأدركه الغرق. أما موسى فقصد بقومه إلا بلاد العرب، ودخل بهم أرض الشام، وجاهد من كانوا على الشّرك من أهلها، ومازال يقاتل ويجاهد إلى أن هرم، وبلغ من
[ ٤٨ ]
العمر عتيّا، وأرعشه الكبر، فجاءه الموت وهو على ربوة، وقد اختتم سفر التثنية بهذه الفقرات:
«إنّ عبد الله موسى مات بإذن الله في أرض موآب، ودفنه الله في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فغور، ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم.
وكان موسى ابن عشرين ومئة سنة حين جاءه الموت ولم يقم بعد نبيّ في إسرائيل مثل موسى» «١» .
هذه الفقرات نقلناها من سفر التثنية وهو السّفر الخامس من التوراة الموحى إلى موسى ﵇، ولا يخفى على ناظر هذا السفر أنّ الكلمات التي نقلناها لم ينطق بها موسى ﵇، وهذا يدلّ على أنّ هذا السفر كلّه، أو جزءه الأخير على الأقل، ليس لموسى، وأنّ الدّنيا تجهل كاتب هذه السيرة لموسى.
ومما يلفت نظر القارئ قول القائل في هذا السفر «ولم يعرف إنسان قبره (أي قبر موسى ﵇) إلى اليوم» وقوله «لم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى» . إنّ هاتين الفقرتين تدلان على أنّ هذا الجزء الأخير من سيرة موسى ﵇ قد أضيفت إلى كتاب حياته بعد أيام طويلة ذهبت فيها يد الدهر باثار هذا المزار العظيم والمشهد الكبير حتى عمي محلّه عن الأجيال التالية، ونسوه، بل أضيف هذا الجزء من سيرة موسى إلى سفر التثنية بعد زمان طويل كان يرجى فيه أن يقوم في إسرائيل نبيّ يسدّ فراغ موسى، فنوّه كاتب السفر بأنه لم يقم بعد مثله.
إنّ موسى ﵇ عمّر طويلا، وقد نسأ الله من أجله حتى عاش عشرين ومئة سنة، فما الذي نعرفه عن حياته الطويلة، وبأي الأعمال شغل فراغ حياته المباركة، وما هي النواحي التي نعلمها واضحة مفصّلة من سيرته الحافلة بكثير ممّا كان ينبغي أن يعلم؛ لتحسن به الأسوة؟ إننا لا نعلم إلا مولده، وشبابه، وهجرته، وزواجه، وبعثته، ثم قتاله المشركين إلى
_________________
(١) سفر التثنية (٣٤: ٥- ١٠) .
[ ٤٩ ]
أن لقيناه مرّة أخرى وهو يرتعش من الكبر، وقد أدركه الهرم، وبلغ من العمر عشرين ومئة سنة. وهل يغنينا ذكر ما يتعلق بحياته الخاصّة مما يمرّ بكلّ إنسان في حياته وبيئته العادية؟ إنّ الأمور التي كان يحتاج البشر إلى معرفتها من حياة موسى الاجتماعية هي: الأخلاق، والعادات، والهدي، وكلّ ذلك لا نجده في سيرته. أما ذكر أسماء الرجال، وأنسابهم، وأماكنهم، وبلادهم، وعددهم، فممّا لا يهمّنا علمه في مقام القدوة والأسوة والهداية، مع أنه هو الذي نراه مفصلا في التوراة. وكذلك نرى فيها شيئا كثيرا من القوانين، والمبادئ، والأصول، لكن هذه الأمور والتي سبقتها مهما تكن أهميتها عند علماء الجغرافيا، والأنساب، والحقوق فإنّها لا تعنينا نحن من جهة الأسوة والقدوة في الحياة، ولا تسدّ الخلل الواقع في سيرة موسى ﵇ من هذه النّاحية؛ التي لا يكمل بيانها إلّا بذكر أخلاقه، وشؤون حياته، وأحواله في معاشرته، وهو ما لا بدّ منه ليتخذه البشر مثالا يعمل به.
شؤون حياة المسيح أخفى من غيره وأغمض:
ومن أقرب الأنبياء عهدا بالإسلام عيسى ﵇ الذي يزيد عدد المنتسبين إليه بحسب إحصاآت الأوربيين على عدد المنتسبين إلى الدّيانات الآخرى، وإنّ المرء ليستغرب حين يعلم أنّ شؤون حياته وأحوال معيشته أخفى من غيره، وأغمض، وقد أسدل الزمان عليها حجابا أكثف مما نراه في حياة العظماء الآخرين من الرسل الذين يعدّون من أصحاب الأديان المشهورة. وإنّ أوربا المسيحية قد حملها حافز البحث والكشف على أن تستثير بطون الصّحارى، وقلل الجبال، وأطراف الصّخور والأطلال الدارسة، ومظانّ الآثار، ومجالات الحوادث التي مرّت عليها الأحقاب الطويلة، فكتب المستشرقون التاريخ القديم لبابل، وأشور، والعرب، والشام، ومصر، وإفريقية، والهند، وتركستان، وأخذوا يلائمون بين الحوادث القديمة المجهولة الزّمن، ويعرضونها على الناس واضحة، نقيّة، منسّقة، مرتبطا بعضها ببعض، وطفقوا يعثرون على الصّفحات المفقودة من كتاب التاريخ القديم للبشر، إلا أنهم قد أعياهم البحث
[ ٥٠ ]
والفحص، فلم يجدوا الصفحات المفقودة عن حياة نبيهم. وقد استفرغ العلامة رينان «١» جهده، ولقي من العناء والنصب مبلغا عظيما ليقف على حياة عيسى كاملة تامّة، ومع ذلك فإنّ شؤون عيسى ﵇ وأحواله لا تزال سرا مكنونا في ضمير الزّمن لم يبح به لسانه بعد.
إنّ عيسى ﵇ عاش في هذه الدنيا ثلاثا وثلاثين سنة كما يروي الإنجيل، والأناجيل الموجودة في الأيدي- على ما في رواياتها من ضعف ولبس- مقصورة على ذكر أحواله لمدة ثلاث سنوات من أواخر حياته وحسب، فنحن لا نعلم عن حياته علم اليقين إلا أنّه ولد، وجيء به إلى مصر، وأراه الله آية أو آيتين في صباه، ثم غاب عن الناس، وظهر لهم وهو في الثلاثين من عمره، فنراه قائما يعظ الملّاحين، وصيادي السّمك على الشواطىء، وفي بعض الرّبوات، فصحبه جماعة من حوارييه، وقد جادل اليهود، وناظرهم في بعض الأحيان، إلى أن حمل اليهود الحكام الروميين على القبض عليه، ورفع أمره إلى محكمة يرأسها قاض من الروم، فقضى عليه بالصّلب، وبعد ثلاثة أيام وجد قبره خاليا من جسده ﵇.
أين قضى عيسى ﵇ الثلاثين أو الخمس والعشرين سنة على الأقل من حياته؟ وفيم قضاها؟ وبأيّ الأعمال شغل هذا الفراغ الواسع من عمره؟ إنّ الدّنيا لا تعلم عن ذلك شيئا ولن تعلم. والسنوات الثلاث الأخيرة ماذا نجد فيها؟ آيات ومعجزات معدودات، وبعض العظات، ثم قيل: إنّه صلب، فانطوت صحيفة حياته.
الحياة المثالية هي التي يبدأ صاحب دعوتها بنفسه فيعمل بما يدعو إليه:
من الشروط المحتّمة التي لا بدّ منها لكلّ من يرجّى أن تكون سيرته وهدايته أسوة للبشر: الكمال، والتّمام، والجمع. والمراد بالكمال، والتمام، والجمع: أنّ الطوائف الإنسانية المتفرقة والطبقات البشرية
_________________
(١) هو أرنست رينان (Aurnest Renan) مستشرق وفيلسوف فرنسي، تضلّع من اللغات الشرقية، أخذ بمذهب حرية الفكر، فصنف كتابه «حياة يسوع» . عني بالعقائد الإسلامية، مات سنة ١٨٩٢ م.
[ ٥١ ]
المختلفة تحتاج إلى أمثلة كثيرة ومتنوعة تتخذها منهاجا لحياتها الاجتماعية.
وكذلك الأفراد في المجتمع البشريّ هم في حاجة إلى مثل عليا يقتدون بها في مناحي حياتهم البيتية؛ لتتوثق الروابط بين الأفراد، وتحسن العلاقات بين شتّى الطوائف في داخل الأسرة وخارجها. لذلك ينبغي أن تكون تلك المثل كلّها واضحة في حياة الإنسان العظيم الذي يتّخذ مثالا في الحياة. وإذا صحّت هذه النظرة- وهي صحيحة- لم نجد في سالف الأيام قدوة واضح الحياة غير محمّد خاتم النبيين عليه وعليهم السّلام. والدّين هو طاعة المخلوق للخالق، وبالدّين يتعلّم المرء ما فرضه الخالق على خلقه من فرائض، وما أوجبه من واجبات، فيؤمن بها، ويحقّقها بالعمل. وإذا أردنا أن نعبّر عن الدّين بعبارة أخرى قلنا: هو القيام بحقوق الله، وحقوق خلقه، إذا فيجب على كلّ متّبع لدين أن يتعرّف هذه الحقوق، والفرائض، والواجبات من سيرة نبيه، والأحوال التي كان عليها صاحب ملّته، ثم يقتدي بها، ويفرغ حياته في قالبها. وإذا نظرنا إلى سير الأنبياء هذه النظرة، وحاولنا معرفة حقوق الله، وحقوق خلقه كاملة تامّة من سيرتهم؛ لم نجد ذلك إلا في سيرة محمّد ﷺ المبعوث إلى الناس كافّة.
والدّيانات إذا تأملناها يبدو لنا أنها على نوعين: نوع لا نجد فيه ذكر الله تعالى البتة، ومن هذا النوع دين «بوذا» ودين الصين، فليس فيهما ذكر الله تعالى، ولا لصفاته، وليس فيهما فرائض وواجبات على الإنسان، ومن باب أولى ليس فيهما ذكر للحبّ في الله، وتوحيده، والإخلاص له، فالذي يبحث فيهما عن هذه الأمور لا يخرج من بحثه بشيء.
ونوع آخر ورد فيه ذكر الله ﷿، وسلّموا فيه بوجوده على وجه ما، وآمنوا به إيمانا بالجملة، لكنّك لا ترى في سير أنبيائه، أو في تعاليم دعاته ما يعرف منه الإنسان كيف يعتقد بربه، وكيف يؤمن به، وبأيّ الأوصاف يصفه، وكيف كان هؤلاء يعتقدون بالله، وإلى أيّ حدّ تأثّروا بتلك العقائد في أعمالهم وأخلاقهم، وفي أيّ صورة من صور الأعمال تجلّت عقائدهم، وبرزت للوجود. كلّ هذا لا نرى له أثرا في سير هؤلاء. اقرأ التوراة، واستقص النظر في فصولها، وفقراتها، وتدبّر ذلك ما استطعت فإنك لن
[ ٥٢ ]
تجد فيها إلا توحيد الله، وشرائط القربان، وشيئا من الأحكام، أما إذا أردت أن تعرف من الأسفار الخمسة التي تتألف منها التوراة شيئا عمّا كان في قلب موسى ﵇ من الحبّ لله، والشّوق للقائه، وكيف كان يطيع الله ويعبده، وكيف كان توكّله على الله، ويقينه به، وكم أثرت الصفات الإلهية على قلبه، فإنّك لا تجد فيها شيئا من ذلك. ولو كانت الشرعية الموسوية وأحكامها عامّة للبشر، دائمة بدوام الدّهر؛ لكان واجبا على أتباع موسى ﵇ أن يقيّدوها بالحفظ والكتابة، وأن يصونوها من عبث الدّهر بها، لكن الله ﷿ لمّا لم يرد أن تكون شريعته عامّة خالدة لم يتح لها هذه العناية في الحفظ والتّخليد.
والإنجيل مرآة صافية، تجلّت فيها حياة عيسى ﵇، لكننا نجد فيه أن الله (تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا) هو أبو عيسى ﵇.
أما كيف كانت رابطة الأبوّة بين هذا الولد المقدّس ووالده، فإن الولد يخبرنا بأن أباه كان يحبه حبّا جمّا، لكنّنا لم نعلم إلى أيّ حدّ بلغ حبّ الولد لوالده، وكيف كانت طاعة الابن لأبيه، وهل كان يركع له، ويسجد في النّهار، أو في الليل، وهل سأله شيئا غير خبز يومه، وهل دعا أباه بدعوة في ليلة من الليالي قبل الليلة التي اعتقل في نهارها؟ إنّنا لا نعلم هذا ولا ذاك.
ولو أنّ سيرة سيدنا عيسى ﵇ المذكورة في الإنجيل تحتوي على بيان العلاقة بين المخلوق وخالقه، وتهدي المرء إلى ذلك هداية تامّة؛ لما احتاج أول ملوك المسيحية أن يعقد مجلسا شهده ثلاثمئة حبر من أحبار الكنيسة بعد ثلاثة قرون ونصف قرن من المسيح، ليبتوا الحكم في أمر المسيحية. ومع ذلك بقي أمر سيدنا عيسى ﵇ سرّا من أسرار الزّمان، وسيبقى سرّا في ضمير الزمان، لا يعرب عنه لسان البحث.
هذا فيما يتعلّق بحقوق الله، أما حقوق الخلق؛ فلا تراها مفصّلة أحكامها، محكمة أصولها وأركانها في سيرة أحد من الأنبياء، وتعاليمهم غير محمد ﷺ.
[ ٥٣ ]
أما «بوذا» «١» فإنّه منذ هجر أهله وعياله إلى الصحارى والغابات لم يرجع قطّ إلى خليلته التي كانت حبيبة إلى قلبه، ولم ير ولده الوحيد مرّة أخرى، وترك خلانه، وأحباءه، فخفّف عن كاهله أعباء الحكم، وارتضى الموت آخر وسيلة له إلى النجاة، فكان الأجل المحتوم الغاية القصوى للحياة البشرية عنده. فمن ذا الذي يرضى بأن يتّخذ من حياة «بوذا» أسوة في هذه الدّنيا التي لا بقاء لها، ولا عمران إلا بالحياة الاجتماعية، والروابط العمرانية، والأواصر الإنسانية، ولا بدّ فيها من راع يرعى رعيته، وصديق يألف صديقه، ووالد يشفق على ولده، وأمّ تحنّ على فلذة كبدها. وهل في حياة «بوذا» شيء من ذلك يكون به أسوة للجميع: من الرهبان الذين انقطعوا للآخرة، إلى الآباء ذوي العيال وأصحاب الضياع والمزارع والمصانع والأموال؟ كلا ثمّ كلا، لم تكن سيرة «بوذا» قطّ أسوة للهناء العائلي، ولا لأهل الصناعات والمتاجر، ولو اتخذ أتباع «بوذا» قدوة لهم من حياة «بوذا» لما قامت لهم هذه الدّول في «الصّين» و«اليابان» و«سيام» و«تبت» و«برما»، ولما عمرت للتجارة في بلادهم سوق، ولا دبّت الحياة في صناعاتهم ومصانعهم. ولو اختار أهل تلك البلاد سيرة متبوعهم سيرة لهم، وساروا عليها؛ لأقفرت الأرض العامرة، وتحوّلت إلى صحارى قاحلة، ولأصبحت المدن خرابا، أو أرضا جرداء.
وأما موسى ﵇ فلا نعلم عن حياته- حسب الأسفار الخمسة من التوراة- إلا قتاله وقيادته في الحرب وبسالته فيها. أما النّواحي الآخرى من
_________________
(١) هو المفكر الهندي «جوتام بوذا (Gautam Buddah) «يرجع تاريخ ولادته حسب تحديد المؤرخ الغربي أدوارد توماس إلى ٥٣٦ قبل الميلاد، ووفاته ٥٤٤ قبل الميلاد، ومن المعلوم أن «بوذا» لم يضع كتابا خاصا، أو دستورا جامعا واضح المعالم يحتوي على تعاليم دعوته، ومبادىء فلسفته، ولكنه نشر فلسفته بطريق خطبه أمام أتباعه وتلاميذته، فقام عدد منهم بتأليف كتب تضم القواعد والمبادىء الدينية التي بشّر بها «بوذا» في مواعظه وخطبه، والحكم والكلمات السّديدة التي لقنها في مختلف المناسبات، وتجلّت منها بوضوح الأهداف المنشودة من هذه الفلسفة ومبادئها الجوهرية.
[ ٥٤ ]
حياته، كالحقوق في أمور الدّنيا، والفرائض، والواجبات؛ فلا نتبيّنها بوضوح وجلاء، لذلك يتعذّر على المرء أن يتّخذ منها أسوة في أعماله.
ومن يحاول أن يقف على ما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الزوج وزوجه، والولد ووالده، وشروط الصداقة بين الصديقين، وأساليب الهدنة بين الفريقين المتقاتلين، وكيف ينفق المرء أمواله، وفيم ينفقها؟
وكيف يعامل اليتامى والفقراء والمساكين؟ فإنّ من يحاول معرفة ذلك من سيرة موسى ﵇ فسيرى: أنّ صحيفة حياته قد خلت من ذكر هذه الأمور، مع أنّ موسى كان له زوج، وإخوة، وأقارب، ولا ريب أنّ موسى كان يعاشرهم أحسن معاشرة، فكان خير زوج لأهله، وأفضل أخ لإخوته، وأوفى صديق لأصدقائه، والأسوة به في ذلك كلّه مرغوب فيها، محمود أثرها، لكن كتبهم التي استعرضت سيرته خالية من ذلك. والتاريخ لم يطرق سمعه شيء عن هذه الأنباء من حياة موسى؛ ليتسنى للناس أن يتّخذوا منها أسوة في الحياة.
وكان لعيسى ﵇ أمّ، والإنجيل يخبرنا بأنّه كان له أخ وأخت، بل كان له والد أيضا كما يكون لعامة الأبناء آباء وأمهات، لكن قصة حياته لا تدلّنا على كيفية معاملته لذويه، وكيف كان يعاشرهم، مع أنّ الدّنيا معمورة بالإخوة، والخلّان، وذوي القربى، وستبقى حافلة بهم، وقد اعتنت الدّيانات بحقوق هؤلاء وأولئك، وفرضت كثيرا من فرائضها المتعلقة بحقوق الأسرة والعائلة، وحثّت على القيام بتلك الفرائض.
إنّ عيسى ﵇ عاش عيشة المغلوبين المحكومين، فلا غرو إذا لم نجد في حياته مثالا من واجبات الحاكم الغالب. ولم يكن له ﵇ زوجة، لذلك لا نرى في حياته مثالا لما ينبغي أن يتبادله الزّوج والزوجة من واجبات وحقوق، خصوصا وأنّ الذي بين الزوجين من الصلة أوثق، وأشدّ من الذي بين الأولاد وآبائهم كما جاء في سفر التكوين من التوراة «١»: أنّ هذه الدنيا معظم سكانها يعيش عيشة الزواج والمناكحة، فليس له في حياة
_________________
(١) لعلّ العلّامة المؤلف يشير إلى ما جاء في سفر التكوين: (١: ٢٧ و٨: ١٥- ١٩) .
[ ٥٥ ]
عيسى ﵇ مثال. وأنّ العالم الذي يحتاج سكانه في حياتهم إلى أسوة تامّة ليعلموا كيف تكون الرابطة بين الزوج وزوجه، وبين الصديق وأصدقائه، والأب وبنيه، والمقاتل وأعدائه، والهدنة بين المتحاربين، وكيف تنعقد، لا يستطيع أن يجد له أسوة في حياة من لا يجد لهذه الأمور ذكرا في سيرته. ولو أنّ الناس في أيامنا هذه آثروا التأسي بحياة عيسى ﵇، وأرادوا أن يعيشوا كما عاش؛ لخربت الدّنيا واستحال عمرانها خرابا يبابا، ولأصبحت القرى مقابر تتردّد في أنحائها أصوات البوم. أما الحضارة، وتقدّمها فسرعان ما يعتريهما الزوال، ويمحى اسمهما، وأوربا المسيحية لن تبقى بعد ذلك يوما واحدا.
إنّ الحياة المثالية لن تكون أسوة الناس ما لم تكن أعمال صاحبها- الذي يؤسس دينا، ويدعو الناس إليه- مثالا وأنموذجا لمن يدعو إليه، ولا يتطرّق الشكّ إلى الناس بأنّ ما يدعو إليه هو مما يعمل به. ومن السّهل أن يدعو الدّاعي إلى فلسفة تحظى بإعجاب الناس، وإلى فكرة يستحسنونها، أو نظرية جديدة في الحياة تروق لهم. وكلّ ذلك مما يقدر عليه كثير من الناس متى شاؤوا وأين شاؤوا. أما الذي لا يستطاع دائما فهو عمل الدعاة بما يدعون إليه، وليست الأفكار الصّحيحة، والنّظريات الشائقة، والأقوال الحسنة هي التي تجعل الإنسان إنسانا كاملا، وتجعل من حياته أسوة للناس، ومثلا أعلى في الحياة، بل أعمال الدّاعي وأخلاقه هي التي تجعله كذلك. ولولا ذلك لما كان هناك فرق بين الخير والشر، ولما تميّز المصلح عن غيره. ولا متلأت الدّنيا بالثرثارين والمتفيهقين الذين يقولون ما لا يفعلون.
وهنا ينبغي لنا توجيه السؤال إلى العالم أجمع: من ذا الذي تعدّ حياته أسوة للبشر، وفيها المثل الأعلى للبشر، من بين مئات الألوف من الرسل والأنبياء، وعظاماء المصلحين ممّن شرعوا للإنسانية دياناتها، وسنّوا السنن للناس؟
«تحبّ الربّ إلهك من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ فكرك. أحبب
[ ٥٦ ]
أعداءك. من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا. من سخّرك ميلا فاذهب معه ميلين. من أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك؛ فاترك له الرداء أيضا. اذهب وبع أملاكك، وأعط الفقراء. واعف عن أخيك سبعين مرّة.
يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السموات» .
إنّ هذا وأمثاله لا شكّ أنّه من الموعظة الحسنة المحببة إلى النفوس، لكنّها لا تعدّ سيرة ما لم يقترن بها العمل. نعم إنّها قول ليّن وحديث لذيذ، ولكنّ الذي لا يغلب عدوه كيف يتسنّى له العفو، ومن لا يملك، ومن لا يكون له مال كيف يتصدّق على الفقراء والمساكين واليتامى، وكيف يقضي لهم حاجاتهم؟ ومن لا زوج له، ولا ولد، ولا أهل كيف تكون حياته أسوة للأزواج، وذوي البنين، والمتأهلين، وهم هم الناس الذين تعمر الدنيا بهم؟ ومن لم يتفق له أن يصفح عن أحد في حياته كيف يقتدي به من كان شديد الغضب، سريع البادرة.
الحسنات قسمان: قسم سلبي، وآخر إيجابيّ. وأنت إذا اعتزلت الدّنيا في غار بسفح جبل تعبد فيه ربّك، ولم تبرحه طوال حياتك، تصرف فيه أوقاتك بالتبتّل إلى الله، فإنّ أحسن ما يقال في مدحك: إنك اتقيت الشرّ، ولم تقترف سيئة تذمّ عليها، وذلك من الحسنات، إلا أنها حسنات سلبية.
ولكن ماذا فعلت من الناحية الإيجابية من خير: هل حملت كلّا، أو نصرت مظلوما، أو كسبت معدما، أو أطعمت جائعا، أو كسوت عاريا، أو ساعدت فقيرا، أو ذدت عن ضعيف، أو هديت ضالّا؟ إن الأخلاق الحسنة ومكارمها من العفو، والسماحة، والقرى، وبذل المال، والصّدق بالحق، والحميّة في قمع الباطل، والجهاد في أداء الواجب لا تعدّ مكارم أخلاق لأجل ترك الدّنيا، والتبتّل في عزلة عن المجتمع، وليست الحسنات من الأمور السلبية فحسب، بل معظم الحسنات ترجع إلى العمل الإيجابيّ الذي يقوم به المرء، ولا يكفي فيها ترك المعاصي، واجتناب السّوء. وهذا كلّه يدلّ على أنّ حياة العظيم لا تكون فيها الأسوة للناس ما لم تصدر عن صاحبها الأعمال الإيجابية المحمودة، والأخلاق النّافعة الكريمة ممّا يوافق
[ ٥٧ ]
الحياة المثالية، (Idial Life) وأيّ عمل يعمله المتأسّي إن لم ير لمن يأتسي به أعمالا إيجابية تتمّ بها الحياة الصالحة في شتى أطوارها. إنّ الإنسان ينشد مثالا يقتدي به في كلّ عمل يقدم عليه في غناه وفقره، وفي سلمه وحربه، ويتحرّى السبيل الذي يسلكه إذا تزوّج، أو بقي عازبا، ويريد أنموذجا عاليا يأتمّ به إذا عبد ربّه، أو عاشر الناس، ويحاول أن يلمّ بالقوانين التي ينبغي العمل بها بالنسبة إلى الرّاعي والرعية، والحكام والمحكومين. جميع هذه الأمور ينبغي للمرء أن يتّخذ لنفسه القدوة فيها؛ لأنّ الأمم قد التوت عليها هذه المسألة، فأهمّها التماس الطريق الموصل إلى حلّ هذه المعضلات، وتذليل هذه المصاعب. ومعظم الشعوب تشعر بالحاجة الشديدة إلى المثل العليا في ذلك؛ لتخفّف عن الإنسانية آلامها، وتأسو جراحها: وهي متلهفة على مثال لذلك من الأعمال، لا على مثال عليه من الأقوال.
ولست بمبالغ إذا قلت: إنّ التاريخ أصدق شاهد على أنّه ليس في الدّنيا أحد يصحّ أن تكون للإنسانية أسوة من سيرته وحياته غير سيرة محمّد ﷺ، وحياته.
اشتراط أن تكون سيرة المتبوع تاريخية وجامعة وكاملة وعمليّة:
وليكن على ذكر منكم ما تحدثت به إليكم من قبل، وهو أنّ حياة العظيم التي يجدر بالناس أن يتّخذوا منها قدوة لهم في الحياة. ينبغي أن تتوفر فيها أربع خصال:
١- أن تكون «تاريخيّة»، أي: أنّ التاريخ الصحيح الممحص يصدّقها، ويشهد لها.
٢- أن تكون «جامعة» أي: محيطة بأطوار الحياة، ومناحيها، وجميع شؤونها.
٣- أن تكون «كاملة» أي: أن تكون متسلسلة، لا تنقص شيئا من حلقات الحياة.
[ ٥٨ ]
٤- أن تكون «عملية» أي: أن تكون الدّعوة إلى المبادىء، والفضائل، والواجبات بعمل الدّاعي وأخلاقه، وأن يكون كلّ ما دعا إليه بلسانه قد حقّقه بسيرته، وعمل به في حياته الشخصية، والعائلية، والاجتماعية، فأصبحت أعماله مثلا عليا للناس يأتسون بها. وأنا لا أقول: إنّ الأنبياء صفرت صحائف حياتهم من هذه الميزة مدّة وجودهم في الحياة الدّنيا، بل أقول: إن سيرتهم التي توجد الآن بين أيدي الناس لا تنصّ على هذه الأمور، ويخيّل إليّ أنّ الحكمة الإلهية في ذلك ترجع إلى أن أولئك الأنبياء إنما بعثوا لأزمانهم، وشعوبهم، فكان الموفقون للخير من شعوبهم في أزمانهم يرون سيرتهم فيأتسون بها، ولم يكن هنالك حاجة إلى أن تبقى سيرتهم معلومة للأجيال التالية بعدهم؛ لأنّ النبوّات ستختم برسالة محمد ﷺ الكاملة إلى الناس كافّة في كلّ زمان ومكان، فمسّت الحاجة إلى أن تكون سيرته ﷺ معلومة على حقيقتها في كلّ زمان ومكان إلى يوم القيامة؛ ليتيسّر التأسّي بها لجميع أمم الأرض. وهذا من أصدق البراهين على كون محمّد ﷺ خاتم النبيين، ولا نبيّ بعده ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠] .
[ ٥٩ ]
المحاضرة الثّالثة السّيرة المحمّديّة من النّاحية التّاريخيّة
[ ٦٠ ]