تراه، ووصفوا حياته العائلية من معاشرة الرجل أهله، وخليلته، وأتبعوا ذلك بذكر الطهارة من الغسل، فوصفوا ذلك كما وصفوا الوضوء للصلاة.
مثال من كتب الشمائل لتفاصيل ما يعرفه التاريخ عن محمد ﷺ من جليل ودقيق:
وأستعرض لكم فهرسة أقدم كتاب في الشمائل للترمذي؛ لتعلموا كيف ضبط المسلمون أحوال النبي ﷺ، وأحصوا أخباره جليلها ودقيقها، خطيرها وحقيرها، كثيرها وقليلها: (١) باب ما جاء في حلية النبيّ ﷺ، (٢) في ذكر شعره، (٣) في ترجّله، (٤) شيبه، (٥) خضابه، (٦) كحله، (٧) لباسه، (٨) عيشه، (٩) خفّه، (١٠) نعله، (١١) خاتمه، (١٢) صفة سيفه، (١٣) درعه، (١٤) مغفره، (١٥) عمامته، (١٦) إزاره، (١٧) مشيته، (١٨) تقنّعه، (١٩) جلسته، (٢٠) فرشه ووسادته، (٢١) ما جاء في اتكائه، (٢٢) صفة أكله، (٢٣) خبزه، (٢٤) إدامه، (٢٥) وضوءه، (٢٦) ما يقوله قبل الطعام وبعده، (٢٧) قدحه، (٢٨) فاكهته، (٢٩) شرابه، (٣٠) صفة شربه، (٣١) تعطره وتطيبه، (٣٢) كيف كان كلامه، (٣٣) إنشاده الشعر، (٣٤) مسامرته وقصصه، (٣٥) نومه، (٣٦) عبادته، (٣٧) ضحكه وتبسمه، (٣٨) مزاحه، (٣٩) عبادته بعد طلوع الشمس، (٤٠) تطوعه في بيته، (٤١) صومه، (٤٢) تلاوة القرآن، (٤٣) بكاؤه وخشوعه، (٤٤) فراشه، (٤٥) تواضعه، (٤٦) أخلاقه، (٤٧) أسماؤه الكريمة، (٤٨) معاشرته، (٤٩) سنه، (٥٠) وفاته، (٥١) ميراثه، (٥٢) حجامته.
ذلك ممّا يتعلق بنفسه الشريفة، وشخصه الكريم، وهنالك أحاديث عن كلّ طور من أطوار حياته، وناحية من نواحيها، كلّ ذلك في وضوح وجلاء، بحيث لم يبق شيء من حياته مخفيا أمره، مكتوما سرّه، فإذا دخل بيته؛ فهو بين أهله، وعياله، وأولاده، وإن خرج منه؛ فهو بين أصحابه، ورفقائه، وكلّ ذلك محفوظ، مذكور، مشهور.
[ ٩٤ ]
كلمات المستشرقين الكبيرين عما يعرفه التاريخ من دخائل محمد ﷺ:
إخواني! إنّ أعظم الناس وأجلّهم إذا انقلب إلى بيته كان فيه رجلا من الرجال، وواحدا كاحاد الناس، ولقد صدق فولتير «١» في كلمته المشهورة:
«إنّ الرجل لا يكون عظيما في داخل بيته، ولا بطلا في أسرته» يريد أنّ عظمة المرء لا يعترف بها من هو أقرب الناس إليه، لاطّلاعه على دخيلته في مباذله. وهذا الحكم يشذّ عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فيقول باسورت سمث: إن ما قيل عن العظماء في مباذلهم لا يصحّ- على الأقل- في محمد رسول الإسلام، واستشهد بقول كبن «٢»: «لم يمتحن رسول من الرسل أصحابه كما امتحن محمد أصحابه، إنه قبل أن يتقدّم إلى الناس جميعا، تقدم إلى الذين عرفوه إنسانا المعرفة الكاملة، فطلب من زوجته، وغلامه، وأخيه، وأقرب أصدقائه إليه وأحبّ خلانه أن يؤمنوا به نبيا مرسلا، فكلّ منهم صدّق دعواه، وآمن بنبوّته. وإنّ حليلة المرء أكثر الناس علما بباطن أمره، ودخيلة نفسه، وألصقهم به، فلا يوجد من هو أعرف منها بهناته، ونقائصه، أليس أول من آمن بمحمد رسول الله زوجه الكريمة التي عاشرته خمسة عشر عاما، واطّلعت على دخائله في جميع أموره، وأحاطت به علما ومعرفة، فلما ادّعى النبوّة كانت أول من صدّقه في نبوّته» .
تفاصيل أخرى عما يعرفه التاريخ عنه ﷺ:
إنّ أعظم الناس لا يأذن لزوجه- وإن كانت له زوج واحدة- بأن تحدّث الناس عن جميع ما تراه من حليلها، وأن تعلن كلّ ما شاهدته من أحواله، لكنّ رسول الله كانت له في وقت واحد تسع زوجات، وكانت كلّ منهن في
_________________
(١) فولتير، (Voltaire) من كبار المؤلفين الفرنسيين، كتب في الشعر، والتاريخ، والمسرح، والمراسلة، والفلسفة، وأجاد في أكثرها، ومن مؤلفاته المشهورة «محمّد» و«زئير» و«كنديد» و«شارك ١٢» . مات سنة ١٧٧٨ م.
(٢) أحد كبار المستشرقين، وله كتب قيمة في التاريخ، ومن أشهرها The History of Decline and Fall of the Roman Empire.:
[ ٩٥ ]
إذن من الرسول بأن تقول عنه للناس كلّ ما تراه منه في خلواته، وهن في حلّ من أن يخبرن الناس في وضح النهار كلّ ما رأين منه في ظلمة الليل، وأن يتحدّثن في الساحات، والمجامع بما يشاهدن منه في الحجرات، فهل عرفت الدّنيا رجلا كهذا الرجل يثق بنفسه كلّ هذه الثقة، ويعتمد عليها إلى هذا الحد، ولا يخاف قالة السّوء عنه من أحد؛ لأنه أبعد الناس عن السوء.
هذا ما يتعلق بذات الرسول، وأما ما تحلّت به نفسه من دماثة الخلق، ورجاحة العقل، وحصافة الرأي، وكرم النفس، وعلوّ الهمّة، ورحابة الصدر، فإنّ كتب الحديث ملأى بتفاصيله. وأحسن كتاب في ذلك كتاب (الشفا) للقاضي عياض الأندلسي. وقد قال لي يوما وأنا في فرنسا مستشرق اسمه ماسنيون «١»: يكفي لتعرف أوربا محاسن رسول الله محمد ﷺ ومحامده أن ينقل كتاب (الشفا) للقاضي عياض إلى إحدى اللغات الأوربية.
إنني بوّبت في الجزء الثاني من السيرة «٢» عند ذكر شمائله ﷺ هذه الأمور: خلق رسول الله ﷺ، وحليته، وخاتم النبوة، وشعره، ومشيته، وكلامه، وضحكه، وتبسمه، ولباسه، وخاتمه، ومغفره، ودرعه، وطعامه، وصفة أكله، وسنن طعامه، وشارته، واللون المحبب إليه، واللون الذي كان يرغب عنه، وتعطره، وحبه للنظافة والطهارة، وركوبه.
وذكرت في أشغاله: ما كان يعمله في نهاره من الصباح إلى المساء، ثم نومه، وتهجّده، ووظائفه في الصلوات، وأسلوب خطبته، وأعماله في السفر، وأعماله في الجهاد، وسنته في عيادة المرضى، وتعزيته أهل الميت، وسنته في لقاء الناس، وعامة أشغاله. وإليكم ما ذكرت عن مجلسه ﷺ: مجالس الإرشاد، آداب المجلس، أوقات جلوسه مع الناس، مجالسه الخاصة بالنساء، طريقة هديه وإرشاده، لقاؤه الناس بالبشاشة والبشر، تأثير صحبته فيمن يصحبه، وأسلوب كلامه معهم،
_________________
(١) ماسنيون (Massignon) مستشرق فرنسي، عني بالصّوفية، واهتمّ بنشر مؤلفات الحلّاج، وله مؤلفات في الشؤون الإسلاميّة، مات سنة ١٩٦٢ م.
(٢) أراد المحاضر كتابه في السيرة النبوية بالأردوية.
[ ٩٦ ]
وأنواع خطبه النبوية، وأثرها في السامعين. ومن العناوين التي وردت فيما ذكرته عن عبادته: دعاؤه، صلاته، صومه، زكاته وصدقاته، حجّه، مداومته ذكر الله، ذكره الله ﷿ في مواقف القتال، خشيته من الله، بكاؤه، محبته لله، توكله عليه، صبره، شكره لمفيض النعم ﷻ.
ومما جاء في كتابي المذكور عن أخلاقه ﷺ: أخلاقه بالتفصيل، مواظبته على العلم، مكارم أخلاقه، حسن معاملته للناس، عدله، جوده وكرمه، إيثاره، ضيافته وقراه، كراهته سؤال الناس، إباؤه لأموال الصدقة، قبوله الهدية، ترفعه عن فضل الغير ومنته، تنزهه عن الفظاظة، وموقفه من التقشف، وكرهه للهجاء والمدح، والتزامه عدم التكلف في الحياة، وبعده عن التأنق في المشرب والمأكل، اجتنابه الرياء والخيلاء، مساواته، تواضعه، كرهه للمبالغة في التعظيم والإطراء، حياؤه، عمله بيده، عزيمته، شجاعته، صدقه في القول، وفاؤه بالوعد، زهده في الدّنيا، قناعته، حلمه، عفوه عن الناس، صفحه عن أعدائه، إحسانه إليهم، معاملته للكافرين والمشركين، معاملته لليهود والنصارى، حبّه الفقراء والمساكين، عفوه عن أشد أعدائه، دعاؤه لأعدائه بالخير، شفقته على الصبيان، معاملته للنساء، رحمته بالحيوان، ما فطر عليه من الرحمة والمحبة بوجه عام، لين قلبه ورقته، عيادته للمرضى، سجاحة خلقه، ودماثته، محبّته لأولاده، معاشرته لأزواجه الطاهرات، هديه في المراسلة، معالجته لأمراض النفس وأمراض البدن.
استقصاء ابن القيم في «زاد المعاد» كلّ أحوال النبي ﷺ الخاصّة وشؤونه اليومية:
وقد استقصى الحافظ ابن القيم في كتابه (زاد المعاد) كل ما ينبغي معرفته عن النبي ﷺ وأحواله، فاستوعب ذلك أكثر من غيره من المؤلفين.
وإليكم فهرس ما ورد فيه عن أحواله الخاصّة ﷺ وشؤونه اليومية: هديه في إرسال الكتب والرسائل، هديه في الأكل، وذكر كيفيته، هديه في النكاح ومعاشرة الأهل، هديه في نومه وانتباهه، هديه في ركوب الدواب، هديه في العبيد والإماء، هديه في البيع والشراء، والتعامل مع الناس، هديه
[ ٩٧ ]
عند قضاء الحاجة، هديه في أمور الفطرة، هديه في قص الشارب، هديه في كلامه، وسكوته، وضحكه، وبكائه، هديه في خطبته، هديه في وضوئه، هديه في مسح الخفين، هديه في التيمم، هديه في الصلاة، هديه في الجلسة بين السجدتين، هديه في السجود، كيفية تورّكه «١» في القعدة الأخيرة بعد السجدة، هديه في جلوسه وإشارته بالتشهد، هيئة تسليمه عند الخروج من الصلاة، دعاؤه بعد التسليم، هديه في سجدة السهو، هديه في السنن الرواتب، وصلاة التطوع في الحضر والسفر، وفي المسجد والبيت، هديه في قيام الليل (التهجد)، اضطجاعه بعد سنة الفجر، صلاته في الليل ووتره، صلاته جالسا بعد الوتر، قنوت الوتر، هديه في قراءة القرآن، وترتيله، هديه في صلاة الضحى، هديه في سجود الشكر، هديه في سجدات القرآن، هديه في الجمعة، هديه في عبادات الجمعة، هديه في خطبة الجمعة، هديه في العيدين، هديه في صلاة الخوف، وصلاة الكسوف، هديه في الاستسقاء، هديه في السفر، والتطوع فيه، هديه في الجمع بين الصلاتين، هديه في تلاوة القرآن، والاستماع له، هديه في عيادة المرضى، هديه في الجنائز، والإسراع بها، هديه في تسجية الميت، هديه في السؤال عن الميت إذا حضرت جنازته، هديه في الصلاة على الجنازة، هديه في الصلاة على جنازة الصغير، هديه في تركه الصلاة على قاتل نفسه والغالّ، هديه في المشي أمام الجنازة، هديه في الصلاة على الميت الغائب، هديه في قيامه للجنازة إذا مرت به، هديه في التعزية، وزيارة القبور، هديه في الإكثار من العبادة في رمضان، هديه في الصوم عند رؤية الهلال، والإفطار لرؤية الهلال، هديه في قبول الشهادة لرؤية الهلال، هديه في الإفطار في السفر، الإفطار يوم عرفة، صومه أيام الجمعة، والسبت، والإثنين، هديه في صوم الوصال، هديه في صوم التطوع، وإفطاره، وترك قضائه، كراهيته
_________________
(١) التورّك: وضع الورك اليمنى على الرجل اليمنى منصوبة مصوّبا أطراف أصابعها إلى القبلة.
[ ٩٨ ]
تخصيص الجمعة للصوم، هديه في الاعتكاف، هديه في الحجّ والعمرة، اعتماره مرتين في سنة واحدة، أداؤه الحج، وهديه في التضحية بيده، هديه في تضحية البدنة، هديه في العقيقة، أذانه في أذن المولود، وتسميته، وختانه، هديه في تسمية الناس، وتكنيتهم، احتياطه في الكلام، وتخيّر الألفاظ، هديه في الذكر والدعاء، هديه في دخول البيت، هديه في لبس الثياب، هديه في الذهاب إلى الخلاء والرجوع منه، هديه في الدعاء عند الوضوء، هديه في ترديد كلمات الأذان، هديه في الدّعاء لرؤية الهلال، والدّعاء قبل الطعام وبعده، هديه في الطعام، وفي السلام، وألايدخل أحد على الناس في بيوتهم إلا بعد الاستئذان، هديه في الدعاء في السفر، وعند النكاح، هديه في كراهية بعض الكلمات، هديه في الغزو والجهاد، معاملته لأسرى الحرب والعبيد، وهديه في معاملة الجواسيس إذا أسروا، هديه في عقد الصلح، وتأمين المحارب، وضرب الجزية، ومعاملته أهل الكتاب والمنافقين.
لقد أجملت لكم فيما تقدّم ما جاء في أحوال النبيّ ﷺ خاصّة، ليتبين لكم أنه إذا كانت هذه الأمور الدقيقة قد عني المسلمون بحفظها، فما ظنكم بالأمور الجليلة العظيمة الخطر، وكم بذل رواة الشريعة من عنايتهم في إحصاء أمهات السنن، وأصول الرسالة، وإحصائها، وضبطها مفصلة، ويظهر لكم من ذلك: أنّ جميع وجوه الحياة النبوية، ومناحيها، وألوانها قد صينت، وحفظت من أن تعبث بها أيدي الدّهر.
إخواني! حسبكم الآن أنكم قد علمتم ما أوردته في أول هذه المحاضرة من وصف السيرة المحمدية بالكمال، والتمام، والإحاطة، وقد تبيّن لكم صدق ما ادعيته لها من أنه ما من أحد من الرسل قد حفظت سيرته، وأحصيت أخباره، وأحواله كما حفظت سيرة محمد ﷺ، وأحصيت أخباره وأحواله.
إباحة النبي ﷺ لأصحابه أن يذكروا عنه كل ما يعرفونه بلا تحفّظ:
إنّ الوقت ضيق، والذي أريد أن أفضي به إليكم متنوع، ومترامي
[ ٩٩ ]
الأطراف، وكثير المناحي، فأنا أجمل لكم في القول ما استطعت، وأرجو منكم أن تستمعوا له. إنّ النبي ﷺ أذن لأصحابه ولمن يحضر مجالسه أن يبلغوا عنه لمن غاب عنها، وهذا الإذن عامّ لما يكون عنه في بيته، وبين أهله وعياله، أو ما يصدر عنه في حلقته مع أصحابه، أو ما يقفون عليه من أعماله، وأقواله عند تعبده في مسجده، أو قيامه على منبره خطيبا، أو جهاده في ساحة الحرب تجاه أعدائه، وهو يسوّي صفوف المجاهدين في سبيل الله، أو إذا خلا إلى ربه في حجرة منعزلة في بيته يعبد الله ويتضرّع إليه، فكان أزواجه وأصحابه يتحدثون جميعا بكلّ ما يصدر عنه من قول أو عمل. ثم إنّه كان تجاه مسجده صفّة يأوي إليها فقراء الصحابة الذين لم تكن لهم بيوت يأوون إليها، فكانوا يتناوبون الخروج إلى ما بعد بنيان المدينة يحتطبون من أشجار الصحراء والجبل، ويبيعون ما يأتون به ليقتاتوا جميعا بثمنه، ولم يكن لسائرهم عمل غير صحبة النبي ﷺ ولزوم مجالسه؛ ليحافظوا عنه ما يقول، وما يعمل، ثم يروونه للناس بعناية، وأمانة، وقد بلغ عدد أهل الصفة هؤلاء سبعين رجلا، كان منهم أبو هريرة الذي لم يكن صحابيّ أكثر منه حديثا عن رسول الله ﷺ، وهؤلاء السبعون كانوا كأنهم جواسيس الحكومة وعيونها في نشاطهم وإخلاصهم لما يسّرهم الله له من حفظ كلّ ما يستطيعون حفظه مما يدخل في موضوع الحديث النبوي، ولا يفترون عن ذلك آناء الليل وأطراف النهار، وقد استمرّ الحال بهم على ذلك يوميا مدّة عشر سنوات متوالية، وإذا ارتحل عن المدينة في غزو، أو حجّ كانوا معه، وكذلك غيرهم من الصحابة، حتى لم تخف عنهم خافية من أمره، ولم يغب عنهم معنى من معاني رسالته، ولما كان فتح مكة كان معه من أصحابه عشرة آلاف، ولما سار إلى تبوك كان في معسكره ثلاثون ألفا، ولما حجّ حجّة الوداع حجّ معه في تلك السنة مئة ألف مسلم ينطبق عليهم عنوان الصحابة، وما منهم إلا من يحرص على الوقوف على شيء من هداية نبيه ﷺ، أو أيّ أمر من أموره، فيتحدّث عنه. بل هو الذي أمرهم أن يبلغوا عنه ما يسمعون منه، أو يرون من تصرفاته، فما ظنّكم به بعد ذلك؛ هل يخفى عن التاريخ وجه من وجوه حياته، أو ناحية من نواحيها.
[ ١٠٠ ]
هذا من جهة أصحابه، وأما أعداؤه؛ فإنهم أفرغوا جهدهم، واستنفذوا سعيهم؛ ليقفوا على دخيلة من دخائله، وليؤاخذوه بحقيقة يعلمونها عنه، فلم يستطع أحد منهم أن يجد له ناحية ضعف، ولا ما يندّد به. وأقصى ما استطاع أعداؤه في كل زمان ومكان أن يقولوه عنه: إنه سلّ سيفه للقتال، وإنّه كان كثير الأزواج، وقد تبين لكم مما سلف أنّ حياته الطاهرة التي فصّلنا حقيقتها تفصيلا، وأحطنا بجوانبها علما، هي حياة العصمة من كلّ نقص، البريئة من كلّ عيب، فأين هذا من حياة لا نعلم عنها شيئا، ولا تزال نواحيها ووجوها سرّا في ضمير الزّمن؟!
كان الرسول ﷺ معروف الدخائل لأعدائه أيضا فلم ينقلوا عنه إلا خيرا:
إخواني! أريد أن ألفت أنظاركم إلى أمر آخر: إنّ الرسول ﷺ لم يقض حياته كلّها بين أحبابه وأصحابه، بل قضى أربعين سنة من عمره في مكة قبل أن يبعث، فكان بين أهلها مشركي قريش، وكان يتعاطى فيهم التجارة، ويعاملهم في أمور الحياة ليل نهار، وهي الحياة اليومية، وما تنطوي عليه من أخذ وعطاء، ومن شأنها أن تكشف عن أخلاق المرء، فيتبين للناس فسادها وصلاحها، وهي عيشة طويل طريقها، كثيرة منعطفاتها، وعرة مسالكها، تعترضها وهدات مما قد يصدر عن المرء من خيانة، وإخفار عهد، وأكل مال بالباطل، وعقبات من الخديعة والخيانة، وتطفيف الكيل، وبخس الحقوق وإخلاف الوعد. وإنّ الرسول ﷺ اجتاز هذه السبيل الشائكة الوعرة، وخلص منها سالما نقيا، لم يصبه شيء مما يصيب عامّة الناس، حتى لقد دعوه «الأمين» . وإنّ قريشا بعد بعثته وادّعائه النّبوّة كانوا يودعون عنده ودائعهم، وأموالهم لعظيم ثقتهم به، وقد علمتم أنّه ﷺ لما هاجر من مكة خلّف فيها عليّا ليردّ ما كان لديه من الودائع إلى أهلها. فقريش خالفوه أشدّ الخلاف في دعوته، ولم يتركوا سبيلا إلى ذلك إلا سلكوه، فقاطعوه، وعاندوه، وصدّوا عن سبيله، وألقوا عليه سلى جزور وهو يصلّي، ورموه بالحجارة، وأرادوا قتله، وكادوا له كيدهم، وسمّوه ساحرا، ودعوه شاعرا، وفنّدوا آراءه، وسخّفوا حلمه، ولكن لم يجرؤ أحد منهم على أن يقول شيئا في أخلاقه، ولا أن يرميه بالخيانة، أو ينسب
[ ١٠١ ]
إليه الكذب في القول، أو إخلاف الوعد، أو إخفار الذمّة، أو نقض العهد. وإنّ من ادّعى النبوّة، وقال: إن الله يوحي إليه؛ فكأنه ادّعى العصمة والبراءة من جميع المفاسد، ومساوىء الأعمال. ألم يكن يكفي قريشا في ردّهم على الرسول أن يذكروا أمورا عمل فيها الرسول بغير الحقّ، وأن يشهدوا عليه بأن أخلفهم وعدا، أو خانهم في أموالهم، أو كذبهم في شيء مما قاله لهم؟ إنّ قريشا أنفقوا أموالهم، وبذلوا نفوسهم في عداوة الرسول، وضحوا بفلذات أكبادهم في قتاله حتى قتل منهم وجرح كثيرون، لكنّهم لم يستطيعوا أن يدنسوا ذيله الطّاهر، ولا أن يصموه بشيء في عظيم أخلاقه.
وكانت أحوال الرسول وشؤونه وهديه ظاهرة لجميع الناس، معلومة لهم، استوى في ذلك أحبابه وأعداؤه، ولم يخف عليهم شيء من أمره.
كان عظاماء قريش مجتمعين ذات يوم في ناديهم، فجرى ذكر الرسول ﷺ، وفيهم النضر بن الحارث «١» وكان رجلا داهية محنّكا، وعالما بالأخبار، فقال لهم: يا معشر قريش! لقد أعياكم أمر محمد، وعجزتم عن أن تدبروا فيه رأيا لما أصابكم به. إنّ محمدا قد نشأ فيكم حتى بلغ مبلغ الرجال، وكان أحبّ الناس إليكم، وأصدقهم فيكم، واتخذتموه أمينا، فلما وخطه الشيب، وعرض عليكم هذا الأمر قلتم ساحر، وكاهن، وشاعر، ومجنون. تالله لقد سمعت كلامه فليس فيه شيء مما ذكرتم!
وأبو جهل كان أشدّ الناس عداوة للرسول، وقد قال له ذات يوم:
يا محمد إنّي لا أقول: إنّك كاذب، لكني أجحد الذي جئت به، وما تدعو إليه. فأنزل الله هذه الآية: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] «٢» .
_________________
(١) هو النضر بن الحارث بن علقمة، كان من شجعان قريش ووجوهها، وهو ابن خالة الرسول ﷺ، ولما ظهر الإسلام استمرّ على عقيدة الجاهلية، وآذاه كثيرا، شهد «بدرا» مع مشركي قريش، فأسره المسلمون، وقتلوه.
(٢) قال السدي: التقى الأخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام، فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هاهنا من يسمع كلامك غيري. فقال أبو جهل: والله إنّ محمدا لصادق، وما كذب محمّد قط، -
[ ١٠٢ ]
ولما تلقى الرسول أمر ربه بأن يدعو ذوي قرباه إلى الإسلام، وينذر عشيرته الأقربين؛ صعد الجبل؛ ونادى: يا معشر قريش! فلما اجتمعوا؛ قال: هل كنتم مصدّقيّ إن قلت: إن جيشا قد بلغ سفح هذا الجبل؟ قالوا:
ما جرّبنا عليك كذبا قطّ (صحيح البخاري: سورة تبّت) .
شهادة أبي سفيان (قبل إسلامه) للنبي ﷺ عند هرقل:
ولما أرسل النبي ﷺ كتاب الدعوة إلى هرقل عظيم الروم؛ دعا هرقل أبا سفيان ليسأله عن هذه الدعوة وصاحبه، وأنتم تعلمون أنّ أبا سفيان كان يومئذ على العداوة للإسلام ورسوله مدة ست سنوات متوالية انقضت بحشد المقاتلة، واستنفار المشركين لحرب المسلمين. وانظروا إلى هذا الموقف يدعى فيه عدو ليسأل عن عدوه اللدود الذي يتمنى لو استطاع أن يقتله، ويمحو اسمه، ويخفض من شأنه، ثم يدعى إلى مجلس رجل عظيم صاحب سلطان ليشهد عنده في عدوّه. فسأله هرقل عن النبي ﷺ:
كيف نسبه فيكم؟
قال أبو سفيان: هو فينا ذو نسب.
هل قال هذا القول منكم أحد قبله؟
قال أبو سفيان: لا.
هل كان من آبائه من ملك؟
قال أبو سفيان: لا.
فأشراف النّاس اتّبعوه أم ضعفاؤهم؟
_________________
(١) - ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء، والسقاية، والحجابة، والندوة، والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال أبو ميسرة: إن رسول الله ﷺ مرّ بأبي جهل وأصحابه، فقالوا: يا محمد! إنا والله ما نكذبك، وإنك عندنا لصادق، ولكن نكذّب ما جئت به. فنزلت فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] . (أسباب النزول، للنيسابوري، ص ١٨٢) .
[ ١٠٣ ]
قال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم.
أيزيدون أم ينقصون؟
قال أبو سفيان: بل يزيدون.
فهل يرتدّ أحد منهم سخطة لدينه؟
قال أبو سفيان: لا.
فهل كنتم تتّهمونه بالكذب؟
قال أبو سفيان: لا.
فهل يغدر؟
قال أبو سفيان: لا، ونحن منه في مدّة لا ندري ما هو فاعل فيها.
ماذا يأمركم؟
يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصّلاة، والصّدق، والعفاف، والصّلة «١» .
فهل تجدون شهادة أعظم من هذه الشهادة؟ إنّ الموقف حرج، والسائل ملك ذو شوكة وقوة، يسأل رجلا ملأ الضغن صدره عن أمر الرسول، فلا يقول فيه إلا الصّدق، والحقّ. فهل تجدون رسولا كاملا أعظم من محمد ﷺ، وأيّ شهادة أصدق من هذه الشهادة؟ إنّ تاريخ الرسل أعجز من أن يأتي بمثلها عن غيره.
رجاحة عقول العرب تجعلهم لا ينخدعون في أمر الرسول ﷺ فاتبعوه وهم على بينة:
سادتي! أريد أن ألفت أنظاركم إلى أمر آخر جدير بأن تهتمّوا له، وتعنوا به، ذلك أنّ الذين آمنوا بمحمد ﷺ أولا لم يكونوا من صيادي الشواطىء، ولا من الذين استعبدهم فرعون مصر، بل كان الذين آمنوا بمحمد أولا
_________________
(١) البخاري، كتاب بدء الوحي (٧) .
[ ١٠٤ ]
رجالا من أمة عريقة في الحرية، ذات عقول ناضجة وفطنة، ولهم حماسة وحميّة، لم تلن قناتهم لحكومة قاهرة، ولا ذلّلت أنفتهم دولة قوية منذ فجر التاريخ، وكانت لهم تجارة واسعة النطاق تصدر فيها، وترد سلعهم وأمتعتهم بين بلاد وبلاد، وكانت مملكة فارس، وبلاد الشام، ومصر، وآسيا الصغرى مضربهم وموارد تجاراتهم، ولاحتكاكهم بالأمم المتمدنة ولقائهم الرجال من مختلف الأمم تفتقت آراؤهم، واتسعت عقولهم، وازدادت تجاربهم. يدلّ على ذلك ما أثر عنهم من الأحكام، وما وصل إلينا من صفحات التاريخ من الأخبار. وكان من هؤلاء من قاد الجيوش، وانتصر بها، فعدّ من أعظم القادة الفاتحين، وكان منهم من ساس البلاد، وحكم الناس، فأحسن الإحسان كلّه في سياسته وحكمه حتى عدّ من أعدل الولاة وأحكم الحكام سياسة وتدبيرا. وهل يسوغ في العقل، أن من أوتي مثل هذا العقل الراجح، والمواهب العظيمة، والرأي الحصيف يخفى عليه شيء من أمر هذا الرسول ﷺ، أو ينخدع به! هؤلاء الرجال هم الذين نقلوا عنه ما شهدوه بأنفسهم، وسمعوه باذانهم، وكانوا يرون الاقتداء به سعادة لهم، والاهتداء بهديه شرفا لهم في الدّنيا، وذخرا لهم في الآخرة، فاقتفوا آثاره، وسلكوا سبيله، واستنوا بسنته، وهذا دليل واضح على أنه الرسول الكامل، وأنّه على الحق، ومما لا يردّه، ولا يجادل فيه إلا مكابر.
إنّ رسول الله محمدا ﷺ لم يحاول أن يخفي عن الناس أمرا من أموره، ولا أن يكتمهم حالة من حالاته، لذلك عرفوه كما كان في الواقع، وهو الآن في أذهان عارفيه كما كان في أعين مشاهديه. تقول أمّ المؤمنين عائشة ﵂ وقد عاشرته زوجة مدّة تسع سنين: لا تصدّقوا من يزعم أنّ محمّدا رسول الله قد كتم ممّا أوحي إليه، فلم يبده للنّاس؛ إذ يقول الله تعالى: * يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [المائدة: ٦٧] «١» .
إن من طباع الناس- ولا سيما من يقوم لهم بالإصلاح والهداية
_________________
(١) البخاري في كتاب التوحيد (٧٥٢٩) .
[ ١٠٥ ]
والتهذيب- أنّهم لا يحبّون أن يظهر للناس من نفوسهم ما يؤاخذون به، أو يعاب عليهم. وفي القرآن الحكيم عدّة آيات نبه الله فيها رسوله على بعض خطئه، فكان الرسول يتلو هذه الآيات كلّها على الناس، ويدعوهم إلى حفظها وإلى تلاوتها في الصلاة والمساجد، ولا تزال هذه الآيات كأخواتها- تتلى بألسنة أتباع محمد رسول الله ﷺ، فحيثما يبلغ انتشار الدّين المحمّديّ، ويدين به كثير أو قليل من الناس تتلى هذه الآيات، ولولا أنّ هذه الأمور ذكرت في القرآن لما انتشر العلم بها هذا الانتشار، وهكذا السيرة الطاهرة، والحياة الكاملة هي التي تتّضح للجميع بمثل وضح النهار أو أشد.
لو كتم الرسول شيئا لكتم ما في القرآن من مؤاخذته:
كان العرب في الجاهلية ينكرون نكاح الرّجل مطلقة متبناه، وقد تزوج الرسول زينب التي كانت من قبل زوجا لمتبناه زيد بعد أن طلقها، فوردت هذه القصة في القرآن ببيان صريح، وإنّ أمّ المؤمنين عائشة تقول: لو كتم رسول الله ﷺ شيئا من القرآن لكتم هذه الآية (أي: قصة طلاق زيد لزوجه زينب وزواج النبي ﷺ بها) لكيلا يسيء فهمها الجهلاء وضعاف العقول، لكن الرسول ﷺ لم يفعل ذلك، أليس هذا مما يدل على أنّه ﷺ لم يكتم من أمره شيئا ولا خفي على الناس شيء من سيرته.
كلمات كبار المستشرقين في المقارنة بين محمد ﷺ والذين قبله:
وجدير بالذكر شهادة الفاضل الإنجليزي باسورث سميث «١»؛ إذ يقول:
«ترى الشمس هاهنا بارزة بيضاء، تنير أشعتها كلّ شيء، وتصل إلى كل شيء. لا شك أن في الوجود شخصيات لا نعلم عنها شيئا، ولا نتبين حقيقتها أبدا، أو تبقى منها أمور مجهولة، بيد أنّ التاريخ الخارجي لمحمد ﷺ نعلم جميع تفاصيله من نشأته إلى شبابه، وعلاقته بالناس، وروابطه، وعاداته، ونعلم أول تفكيره، وتطوره وارتقاءه التدريجي، ثم
_________________
(١) هو مستشرق أمريكي، مات سنة ١٨٥٧ م.
[ ١٠٦ ]
نزول الوحي العظيم عليه نوبة بعد نوبة، ونعلم تاريخه الدّاخلي بعد ظهور دعوته وإعلان رسالته، وإنّ عندنا كتابه (القرآن) لا مثيل له في حقيقته وفي كونه محفوظا مصونا، وفي عدم التزام الترتيب في معانيه، وإنّه لم يستطع أحد أن يشك في قيامه على أساس الصدق شكّا يعتدّ به، فهو عندنا ممثل لروح عصره، ومرآة لبيئته، فهو لذلك بريء من كل تصنّع أو تكلف. وإنه بعدم التزام الترتيب فيه، وفي تحدّثه عن الشيء وضدّه معتب لنا، غير أنه عامر بالأفكار العظيمة. فترى منه نفسا ملأى بتلك الرّوحانية، مرتبطة بها، مقصورة عليها، ثملة بأمر الله مع الضعف الإنسانيّ؛ الذي لم يدّع أنه بريء منه، بل أكبر دليل على عظمة محمد أنه لم يدّع قطّ أنه بريء من ذلك» (ص ١٥) . ويقول جيّبن: «لم ينجح في الامتحان العسير رسول من الرسل الأولين من بداية أمره كما نجح محمّد ﷺ حين عرض نفسه بادىء ذي بدء بصفته رسولا يوحى إليه- على الذين عرفوا ضعفه البشري، وعرفوه أكثر مما يعرفه غيرهم، فعرض رسالته على زوجه، وعبده العنيد، وابن عمه، وصديقه القديم؛ الذي لم يتحوّل عنه ولم يخذله، وهؤلاء هم الذين سبقوا الناس إلى الإيمان بنبوّته. إنّ نصيب الأنبياء انقلب في حقّ محمّد وتغيّر عما كان عليه فيمن مضى من الرسل، فلم يكن محمّد غير محبوب إلا من الذين لم يعرفوه» . فهذه الشهادات على أنّ من كان أعرف الناس برسول الله وأقربهم إليه كان أشدّهم إيمانا برسالته، وأما الرسل الآخرون فكان الأجانب والغرباء الذين لم يعرفوهم إلا قليلا هم الذين سبقوا إلى الإيمان بهم، وتأخر عن الإيمان بهم، وتلكأ ذووهم، وأهل بيوتهم، والذين كانوا أكثر معرفة بهم. وهكذا كان المؤمنون برسالة محمد ﷺ هم أعرف الناس بحقيقته، وأكثرهم اطّلاعا على أخلاقه، وسننه، وهديه، وقد بلي كلّ منهم في سبيل هذا الإيمان بلاء عظيما، وامتحن امتحانا شديدا، حتى أنّ خديجة زوج النبي ﷺ قضت معه ثلاث سنوات محصورة في شعب أبي طالب، تقاسي معه الجوع والظمأ، والفاقة المنهكة. وأبو بكر صحب النبي ﷺ يوم ضاقت به أرض مكة، فخرج معه مرتديا ظلام الليل خائفا يترقّب، والعدو في أثرهما يتعقّب مواطىء أقدامهما، فقام أبو بكر بحق
[ ١٠٧ ]
الصحبة، وكان الوفيّ بعهد الصداقة، أما عليّ فبات على فراش الرسول الذي كان المشركون قد بيتوا الفتك به. وعبده زيد حلّ من النبي الكريم محل الولد بعطفه عليه ورأفته به، فلما جاء أبوه الذي ولد من صلبه يطلب ردّ ابنه عليه خيّره رسول الله ﷺ بين أن يصحب أباه، أو يبقى تحت جناحين من عطف الرسول ورأفته، فاختار صحبة النبي ﷺ على الرجوع مع أبيه إلى قبيلته. يقول هيجنس في كتابه (الاعتذار عن محمد والقرآن (md.and Quran
:rof ygoloppA إنّ أتباع عيسى (﵇) ينبغي لهم أن يجعلوا على ذكر منهم أنّ دعوة محمد ﷺ أحدثت في نفوس أصحابه من الحميّة ما لم يحدث مثله في الأتباع الأولين لعيسى (﵇)، ومن بحث عن مثل ذلك لا يرجع إلا خائبا، فقد هرب الحواريون، وانفضوا عن عيسى حين ذهب به أعداؤه ليصلبوه، فخذله أصحابه، وصحوا من سكرتهم الدّينية، وأسلموا نبيّهم لأعدائه يسقونه كأس الموت، أما أصحاب محمد فالتفوا حول نبيهم المبغيّ عليه، ودافعوا عنه مخاطرين بأنفسهم إلى أن تغلّب بهم على أعدائه» .
وحين كرّ مشركو قريش يوم أحد على المسلمين، فاختلّت صفوفهم، وتفرّق جمعهم نادى الرسول ﷺ: من يفديني؟ فخرج من الأنصار سبعة دافع كلّ واحد منهم عن الرسول، وما زال يقاتل دونه حتى قتل، وقد قتل لامرأة من الأنصار في هذه الحرب ثلاثة رجال من بيتها: أبوها، وأخوها، وزوجها، وتتابع إليها نعي الثلاثة واحدا بعد واحد، فكانت تسأل أولا عن الرسول ﷺ: كيف هو؟ فيقولون لها: إنّه سالم، ثم لما رأت وجهه ﷺ سرّي عنها، ولم تتمالك أن صاحت قائلة: «كلّ مصيبة بعدك جلل يا رسول الله!» «٢» .
إنّ الذين دافعوا عنه، وقتلوا دونه، وفدوه بأنفسهم قد عرفوه حقّ المعرفة، وعلموا سنته، وهديه، وخلقه، ولولا أنّ حياة الرسول ﷺ
_________________
(١) انظر الترجمة الأردوية، ص ٦٦- ٦٧، طبع برلين سنة ١٨٧٣ م.
(٢) سيرة ابن هشام، ص ٩٩.
[ ١٠٨ ]
كانت عظيمة كاملة، ونفسه كانت أحبّ النفوس إليهم، وأعظمها في أعين أصحابه وأحبابه؛ لما فدوه بأنفسهم. ومن أجل ذلك كانت حياة النّبيّ ﷺ أسوة لأصحابه، وإن من طباع الناس- ولا سيما من يقوم لهم بالإصلاح والهداية
_________________
(١) البخاري في كتاب التوحيد (٧٥٢٩) .
[ ١٠٩ ]
والتهذيب- أنّهم لا يحبّون أن يظهر للناس من نفوسهم ما يؤاخذون به، أو يعاب عليهم. وفي القرآن الحكيم عدّة آيات نبه الله فيها رسوله على بعض خطئه، فكان الرسول يتلو هذه الآيات كلّها على الناس، ويدعوهم إلى حفظها وإلى تلاوتها في الصلاة والمساجد، ولا تزال هذه الآيات كأخواتها- تتلى بألسنة أتباع محمد رسول الله ﷺ، فحيثما يبلغ انتشار الدّين المحمّديّ، ويدين به كثير أو قليل من الناس تتلى هذه الآيات، ولولا أنّ هذه الأمور ذكرت في القرآن لما انتشر العلم بها هذا الانتشار، وهكذا السيرة الطاهرة، والحياة الكاملة هي التي تتّضح للجميع بمثل وضح النهار أو أشد.
لو كتم الرسول شيئا لكتم ما في القرآن من مؤاخذته:
كان العرب في الجاهلية ينكرون نكاح الرّجل مطلقة متبناه، وقد تزوج الرسول زينب التي كانت من قبل زوجا لمتبناه زيد بعد أن طلقها، فوردت هذه القصة في القرآن ببيان صريح، وإنّ أمّ المؤمنين عائشة تقول: لو كتم رسول الله ﷺ شيئا من القرآن لكتم هذه الآية (أي: قصة طلاق زيد لزوجه زينب وزواج النبي ﷺ بها) لكيلا يسيء فهمها الجهلاء وضعاف العقول، لكن الرسول ﷺ لم يفعل ذلك، أليس هذا مما يدل على أنّه ﷺ لم يكتم من أمره شيئا ولا خفي على الناس شيء من سيرته.
كلمات كبار المستشرقين في المقارنة بين محمد ﷺ والذين قبله:
وجدير بالذكر شهادة الفاضل الإنجليزي باسورث سميث «١»؛ إذ يقول:
«ترى الشمس هاهنا بارزة بيضاء، تنير أشعتها كلّ شيء، وتصل إلى كل شيء. لا شك أن في الوجود شخصيات لا نعلم عنها شيئا، ولا نتبين حقيقتها أبدا، أو تبقى منها أمور مجهولة، بيد أنّ التاريخ الخارجي لمحمد ﷺ نعلم جميع تفاصيله من نشأته إلى شبابه، وعلاقته بالناس، وروابطه، وعاداته، ونعلم أول تفكيره، وتطوره وارتقاءه التدريجي، ثم
_________________
(١) هو مستشرق أمريكي، مات سنة ١٨٥٧ م.
[ ١٠٦ ]
نزول الوحي العظيم عليه نوبة بعد نوبة، ونعلم تاريخه الدّاخلي بعد ظهور دعوته وإعلان رسالته، وإنّ عندنا كتابه (القرآن) لا مثيل له في حقيقته وفي كونه محفوظا مصونا، وفي عدم التزام الترتيب في معانيه، وإنّه لم يستطع أحد أن يشك في قيامه على أساس الصدق شكّا يعتدّ به، فهو عندنا ممثل لروح عصره، ومرآة لبيئته، فهو لذلك بريء من كل تصنّع أو تكلف. وإنه بعدم التزام الترتيب فيه، وفي تحدّثه عن الشيء وضدّه معتب لنا، غير أنه عامر بالأفكار العظيمة. فترى منه نفسا ملأى بتلك الرّوحانية، مرتبطة بها، مقصورة عليها، ثملة بأمر الله مع الضعف الإنسانيّ؛ الذي لم يدّع أنه بريء منه، بل أكبر دليل على عظمة محمد أنه لم يدّع قطّ أنه بريء من ذلك» (ص ١٥) . ويقول جيّبن: «لم ينجح في الامتحان العسير رسول من الرسل الأولين من بداية أمره كما نجح محمّد ﷺ حين عرض نفسه بادىء ذي بدء بصفته رسولا يوحى إليه- على الذين عرفوا ضعفه البشري، وعرفوه أكثر مما يعرفه غيرهم، فعرض رسالته على زوجه، وعبده العنيد، وابن عمه، وصديقه القديم؛ الذي لم يتحوّل عنه ولم يخذله، وهؤلاء هم الذين سبقوا الناس إلى الإيمان بنبوّته. إنّ نصيب الأنبياء انقلب في حقّ محمّد وتغيّر عما كان عليه فيمن مضى من الرسل، فلم يكن محمّد غير محبوب إلا من الذين لم يعرفوه» . فهذه الشهادات على أنّ من كان أعرف الناس برسول الله وأقربهم إليه كان أشدّهم إيمانا برسالته، وأما الرسل الآخرون فكان الأجانب والغرباء الذين لم يعرفوهم إلا قليلا هم الذين سبقوا إلى الإيمان بهم، وتأخر عن الإيمان بهم، وتلكأ ذووهم، وأهل بيوتهم، والذين كانوا أكثر معرفة بهم. وهكذا كان المؤمنون برسالة محمد ﷺ هم أعرف الناس بحقيقته، وأكثرهم اطّلاعا على أخلاقه، وسننه، وهديه، وقد بلي كلّ منهم في سبيل هذا الإيمان بلاء عظيما، وامتحن امتحانا شديدا، حتى أنّ خديجة زوج النبي ﷺ قضت معه ثلاث سنوات محصورة في شعب أبي طالب، تقاسي معه الجوع والظمأ، والفاقة المنهكة. وأبو بكر صحب النبي ﷺ يوم ضاقت به أرض مكة، فخرج معه مرتديا ظلام الليل خائفا يترقّب، والعدو في أثرهما يتعقّب مواطىء أقدامهما، فقام أبو بكر بحق
[ ١٠٧ ]
الصحبة، وكان الوفيّ بعهد الصداقة، أما عليّ فبات على فراش الرسول الذي كان المشركون قد بيتوا الفتك به. وعبده زيد حلّ من النبي الكريم محل الولد بعطفه عليه ورأفته به، فلما جاء أبوه الذي ولد من صلبه يطلب ردّ ابنه عليه خيّره رسول الله ﷺ بين أن يصحب أباه، أو يبقى تحت جناحين من عطف الرسول ورأفته، فاختار صحبة النبي ﷺ على الرجوع مع أبيه إلى قبيلته. يقول هيجنس في كتابه (الاعتذار عن محمد والقرآن. (md.and Quran
» هـ ئادعأ ى لع م هب بّ لغت ن أى لإ م هسفنأب ن يرطاخم هـ نع اوعفاد و، هـ يلع ّي غبملا م هيبن ل وح اوفتلاف دمحم ب احصأ امأ، ت وملا س أك هـ نوقسي هـ ئادعأل م هّيبن اوملسأ و، ةينيّدلا م هتركس ن م اوحص و، هـ باحصأ هـ لذخف، هـ وبلصيل هـ ؤادعأ هـ ب ب هذ ن يح ى سيع ن ع اوضفنا و، ن ويراوحلا ب ره دقف، ابئاخ لاإ ع جري لا ك لذ ل ثم ن ع ث حب ن م و،) م لاسلا هـ يلع (ى سيعل ن يلوألا ع ابتألا ي ف هـ لثم ث دحي م ل ام ةّيمحلا ن م هـ باحصأ س وفن ي ف ت ثدحأ م لس وهـ يلع هّ للا ىّ لص دمحم ةوعد ّن أم هنم ركذ ى لع اولعجي ن أم هل ي غبني) م لاسلا هـ يلع (ى سيع ع ابتأ ّن إ Appology for:
وحين كرّ مشركو قريش يوم أحد على المسلمين، فاختلّت صفوفهم، وتفرّق جمعهم نادى الرسول ﷺ: من يفديني؟ فخرج من الأنصار سبعة دافع كلّ واحد منهم عن الرسول، وما زال يقاتل دونه حتى قتل، وقد قتل لامرأة من الأنصار في هذه الحرب ثلاثة رجال من بيتها: أبوها، وأخوها، وزوجها، وتتابع إليها نعي الثلاثة واحدا بعد واحد، فكانت تسأل أولا عن الرسول ﷺ: كيف هو؟ فيقولون لها: إنّه سالم، ثم لما رأت وجهه ﷺ سرّي عنها، ولم تتمالك أن صاحت قائلة: «كلّ مصيبة بعدك جلل يا رسول الله!» «٢» .
إنّ الذين دافعوا عنه، وقتلوا دونه، وفدوه بأنفسهم قد عرفوه حقّ المعرفة، وعلموا سنته، وهديه، وخلقه، ولولا أنّ حياة الرسول ﷺ
_________________
(١) انظر الترجمة الأردوية، ص ٦٦- ٦٧، طبع برلين سنة ١٨٧٣ م.
(٢) سيرة ابن هشام، ص ٩٩.
[ ١٠٨ ]
كانت عظيمة كاملة، ونفسه كانت أحبّ النفوس إليهم، وأعظمها في أعين أصحابه وأحبابه؛ لما فدوه بأنفسهم. ومن أجل ذلك كانت حياة النّبيّ ﷺ أسوة لأصحابه،
ومحبته ذريعة لمحبة الله، فقال الله ﷿: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١] فجعل اتّباع الرسول في أخلاقه وأعماله، والاقتداء بسنته وهديه من علامات حبّهم لله، ومن السّهل أن يبذل الإنسان نفسه حميّة لدينه لأمر يعرض له فجأة، ولكن من العسير أن يقتدي المرء مدّة حياته كلّها في جميع أطوارها، وشعبها، ومناحيها بهدي شخص وسننه اقتداء كاملا، لا يحيد عنه، ولا يعدل إلى شيء غيره، أما أصحاب محمد رسول الله ﷺ؛ فإنهم اتبعوه في جميع أخلاقهم، وأعمالهم، وسائر نواحي حياتهم وطرقها، واقتفوا أثره، وامتحنوا في ذلك امتحانا شديدا، وأبلوا فيه بلاء عظيما، ثم خرجوا من هذا الامتحان فائزين. وإنّ الولع الشديد بالرسول، والمحبّة الصادقة له قد حمل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ثم المحدّثين ومؤلفي السير والمؤرخين، على أن يعنوا عناية كبرى بجمع كلّ ما يتعلق بالرسول ﷺ من قول وعمل، وأمر ونهي، وحديث وخلق، وأن يبلغوا ذلك للذين يأتون بعدهم، فأحسنوا كلّ الإحسان ووفوا هذه المهمّة حقها، ليعمل بهذه الهداية كلّ مسلم ما استطاع، ولولا أنّ حياة محمد ﷺ كانت كاملة وعظيمة في عيون أصحابه؛ لما اعتبروا اتّباعه شرفا لهم وكمالا، ولما عدّوا الاقتداء به ملاك السّعادة، وأصل الهناء، وقوام الخير.
فالإسلام قرّر أنّ حياة محمد هي المثل الكامل لجميع المسلمين، وينبغي بيان جميع نواحيها، وشعبها، ووجوهها للناس كافّة، وقد حقّق المسلمون ذلك، وحرصوا على تعرف ذلك وبيانه، فلم تخف منه خافية، ولم تفقد ولا حلقة واحدة من سلسلة الحياة النبوية المباركة، فجميع أحواله وشؤونه مسطورة في كتب التاريخ، ومن ذلك يستدلّ على أنّها كانت حياة كاملة، ولا تكون كذلك إلا إذا كانت واضحة ناصعة معلومة من كل وجوهها ونواحيها، جامعة لجميع المحامد، شاملة لأكرم الأخلاق وأحسن التعاليم.
[ ١٠٩ ]
سنن الأمم السالفة في الأخلاق بادت ولم يبق إلا سنن الإسلام:
لقد كانت لبلاد بابل، والهند، والصين، ولمصر، والشام، واليونان، والرومان حضارات زاهرة، ومدنيّات عظيمة، وثقافات عالية، وقد كانت لأهالي تلك البلاد سنن في الأخلاق اتخذوا منها أصولا، وضوابط للثقافة، وآدابا للمعاشرة: في النهوض، والقعود، والكلام، والطعام، والشراب، واختاروا مناهج خاصّة بمعيشتهم، ووضعوا آدابا لهم في الزّيّ والشارة، وأوضاعا في الملابس، وكان لهم هدي في نومهم، ويقظتهم، وحدود في لقاء الناس، والتعامل معهم، وسنّوا لأنفسهم سننا في الزواج، ورسموا رسوما للتهنئة، والتعزية، وتكفين الموتى، ودفنهم، ولم يتركوا حالا من أحوال الإنسان- من عيادة المريض، ومصافحة الإخوان، ولقاء الخلّان، والاستحمام- إلا اتخذوا لها السنن، والرسوم، والآداب، فنشأت من ذلك أصول وقواعد لمدنيتهم، وثقافتهم. وبديهيّ أنّ هذه السنن والآداب لم تتم لهم إلا في قرون متطاولة، ثم درست آثارها، ومحيت رسومها، وطمست معالمها، فكان قيامها واكتمالها في زمان طويل، وزوالها في مدّة قليلة. أما مدنية الإسلام وثقافته؛ فإن قيامهما، واكتمالهما، وظهور بهائهما في سنوات قليلة، ولا تزال مدنية الإسلام، وثقافته مستمرة، ومعمولا بها في الدّنيا منذ أربعة عشر قرنا بين أمم شتّى، وأقوام مختلفة، يستوي في ذلك العربيّ، والهنديّ، والشرقيّ، والغربيّ؛ لأنّ المسلمين اقتبسوا ذلك من مشكاة نبيهم ﷺ، وتأسّوا فيه بحياته الكريمة، فاستنارت بهذا النور حياة الصحابة، وانعكست أضواؤها على حياة التابعين، ومن جاء بعدهم، فنشأت عن ذلك بيئة صالحة زكيّة، وكان منها للعالم الإسلامي كلّه أسوة حسنة في رسومه الفاشية، وآدابه القويمة.
ويمكننا أن نقول بعبارة أخرى: إن الحياة المحمدية كانت مركز الدائرة، فجاء الصحابة، فخطّوا حول نقطة المركز خطوطا تمّت بها تلك الدائرة والتف المسلمون بعد ذلك من حولها. وإذا كانت المدنية الإسلامية
[ ١١٠ ]
لم تبق اليوم في مثل كمالها الأول، وجمالها الأسنى؛ فإن آثارها لا تبرح باقية تلمع، والمسلمون يقتفون تلك الآثار إلى يومنا هذا. وقد علمنا أنّ حياة محمد ﷺ كانت في بادىء الأمر قدوة لجميع الصحابة في حياتهم، فكانوا يهتدون بهديه، ويستنّون بسنّته، ثم كان لسائر المسلمين أسوة حسنة بها يتخذونها مثالا كاملا لهم، ولا تنفكّ صورتها معروفة لهم، باقية فيهم.
ولو أنّ قبيلة من وثنيي الهند، أو إفريقية تنصّرت، ودخلت في دين المسيح ﵇ فإنّها تأخذ مسيحيتها من الأناجيل، أما مدنيتها، ومنهاج حياتها في مظاهرها، وأوضاعها؛ فإن تلك القبيلة تأخذه عن مدنية أوربا وثقافتها ومنهاج حياتها، وليس ذلك من المسيحية في شيء. أمّا الإسلام فإذا دخل في هدايته قوم جدد لم يكونوا مسلمين من قبل، فإنهم كما يقتبسون دينهم مما كان يدعو إليه النبي ﷺ، فإنّهم من هديه ومن سنته أيضا يتعلمون آداب المعاشرة، ومنهاج الحياة الاجتماعية، وطرق المعيشة.
وإنّ تعاليم الرسول ﷺ- من أدب، وخلق، ومعاشرة- هي التي تؤثر في أخلاق المسلمين، فتصاغ في هذه البوتقة حتى تسبك بها في أزكى قالب.
وقد قال يهوديّ مرّة لأحد الصحابة وهو يعرّض بالإسلام: إنّ رسولكم يعلمكم كلّ شيء، حتى بعض الأمور الحقيرة، فأجابه الصحابي وهو مغتبط: نعم، إن رسولنا يعلمنا كل شيء، حتى آداب الخروج إلى الخلاء.
وكذلك نحن لا نزال نقدّم للناس تلك السيرة الكاملة التي هي لنا سراج وهّاج في جميع شؤون الحياة البشرية، فكأنّ السيرة المحمّدية مرآة صافية للدّنيا كلّها يرى فيها كلّ إنسان صورته وروحه، ظاهره وباطنه، قوله وعلمه، خلقه وأدبه، هديه وسنته، وفي استطاعته أن يصلح أخلاقه، ويثقف عوجه بحسب ما يراه في تلك المرآة الصّافية.
المسلمون لا يحتاجون من خارج دينهم إلى أصول وضوابط:
لأجل ذلك لا ترى أمّة مسلمة تبحث- في خارج دينها وبمنأى عن سيرة نبيّها- عن أصول وضوابط تقوّم بها اعوجاجها، وتثقف منادها، وتصلح زيغها، لأنها في غنى عمّا هو أجنبيّ عنها، وعندها في هدي سيرة نبيها ﷺ
[ ١١١ ]
الميزان القويم والقسطاس المستقيم، الذي تتبين به ما في العالم من خير وشرّ، وتميّز به الحقّ من الباطل. وفي الحق إنّ العالم كله لفي حاجة شديدة إلى سيرة بشر كامل تتّخذ من حياته الأسوة العظمى، وليس في الدّنيا إنسان كامل يعرف التاريخ سيرته على التفصيل كما يعرف تفاصيل حياة محمّد ﷺ خاتم النبيين. فالناس كلّهم في أمسّ الحاجة إلى أن يتخذوا من السيرة المحمدية منهاج حياتهم، ففيها الأسوة الطّاهرة، وهي الحياة المثاليّة للناس جميعا ﷺ.
[ ١١٢ ]
المحاضرة الخامسة السّيرة المحمّديّة من ناحيتها الجامعة
[ ١١٣ ]