كيف نتّبع الرّسول ﷺ وفيم نتبعه؟
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١] .
كيف نتبع الرسول، وفيم نتبعه؟ ذلك ما أتحدّث لكم عنه في السيرة المحمّدية في ناحيتها العمليّة، وذلك ما خلت منه صحائف حياة الأنبياء ﵈، أما لو نظرتم إلى هذه الناحية في السيرة المحمّدية؛ فستجدون حياة مليئة بالأعمال الجليلة، عامرة بشتّى الأفعال، وهذا الباب من كتاب سيرته ﷺ من أوسع الأبواب، وأعظمها، وبه يحكم من شاء أن يحكم: أيّ نبيّ هو خاتم النّبيين، وسيّد المرسلين، أمّا من سبقه من الأنبياء والرسل فلم يصل إلينا من تفاصيل حياتهم ما يكون لنا أسوة فيه، لأنّ الذي عرفناه من ذلك لا يشفي علّة، ولا يروي غلّة، والأحاديث الحلوة، والمواعظ الحسنة، والتعاليم العالية ليست قليلة في الدّنيا، ولكن الذي يعوز الناس هو العمل بها. وهم إذا بحثوا عن العاملين بالمواعظ البليغة، والحكم الرائعة، والأقوال المأثورة، والأمثال السائرة، كانوا كأنّهم يبحثون عن عنقاء مغرب، أو الكبريت الأحمر.
إنّ أخلاق المرء هي المرآة الصافية لسيرته، ومظهر جليّ من مظاهرها، وأيّ كتاب سماويّ غير القرآن يشهد لمن تنزل عليه بأنّه قد تحلّى بالأخلاق الحسنة، والعادات السنيّة، وأنّ صاحب ذلك الكتاب أعلى قدرا، وأرفع مكانة من سائر الناس لما هو عليه من جليل الأعمال، وقويم الأخلاق، أمّا القرآن؛ فقد أذاع بين أعداء الرسول وأوليائه قول الله ﷿ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٣- ٤] «١» وإذا كانت إحدى
_________________
(١) قال ابن عباس﵁- في تفسير هذه الآية: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وهو الإسلام»، وقال عطية: «لعلى أدب عظيم»، وعن أنس﵁- قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أفّ قطّ، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته؟ (متفق عليه) عن تفسير ابن كثير (٤/ ٤٩٣) .
[ ١٤٧ ]
هاتين الجملتين معطوفة على الآخرى فإنهما مربوطتان ربط العلّة بالمعلول، فالثانية علّة للأولى، فأجر الرسول لا ينقطع وثوابه من الله لا ينفد؛ إذ الرسول ذو خلق عظيم، وأعماله وأخلاقه بلغت من العلو والسّمو المبلغ الذي لا ينقطع معه أجر صاحبها، ولا يقلّ ثوابه؛ لأنّ معين خلقه فياض لا ينضب، ونبع حسناته فوار لا يغيض، وقد حقّ للنّبيّ الأميّ العربي أن يؤنب الناس بقول الله سبحانه لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ [الصف: ٢] .
مقارنة بين نتائج عظة جبل الزّيتون، ودعوة جبل الصّفا:
ادرسوا سيرة الواعظ العظيم عيسى ابن مريم ﵇، وصعوده جبل الزيتون؛ ليعظ الناس، وقارنوا ذلك بسيرة الدّاعي الهادي محمد رسول الله ﷺ وصعوده جبل الصفا يدعو أمته، فإن رأيتم أحدهما لم يقدر له العمل بما قال للناس ولم يتمّ ذلك له؛ فإنكم سترون سيرة الآخر عامرة بكلّ ما أمر به الناس، وحثّهم عليه. فالذي يعفو ويصفح مع المقدرة يعدّ حليما حقا، وغفورا صدقا، ويكون عمله هذا من أمثل أخلاق البشر، وأفضلها، أما الذي يسكت عن غيظ لضعف وعجز فلا يعدّ سكوته عفوا، ولا حلما؛ لأنّ العفو ينبغي أن يكون مع القدرة، والذي لا يقتل أحدا، ولا يسيء إلى الغير، ولا يضرب إنسانا، ولا يسلب مالا، ولا ينهب متاعا، ولا يا بني لنفسه بيتا، ولا يدّخر أموالا تعدّ فضائله هذه سلبية، أما إذا كان ينقذ المظلوم من القتل ظلما، وينصر الضعيف، ويدفع عن أموال الناس أيدي السّلب والنّهب، ويؤوي الذين لا بيت لهم، ويتصدّق بالمال على المحتاجين إليه، فإنّ فضائله تعدّ إيجابية، وتسمّى أعمالا صالحة، والدّنيا تحتاج إلى هذه الفضائل الإيجابية، والقرآن يذيع عن النّبيّ الكريم أنه رؤوف رقيق القلب فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: ١٥٩] وهذه أكبر شهادة على رقة قلب الرسول ورأفته ورحمته، ومن زعم أنّها دعوى؛ فإنه يرى الدلائل السّاطعة تدعمها، والبراهين الواضحة تؤيدها، ولو لم يكن الرسول ﷺ لينا، دمث الأخلاق، عفوا، حليما؛ لتفرقت عنه هذه الجماهير من العرب الذين
[ ١٤٨ ]
نشؤوا على العنجهية والإباء والشمم إلى حدّ الإسراف في الصلابة، ولرأفته بهم وحدبه «١» عليهم قال الله ﷿ فيه لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] «٢» فمنّ الله على العرب بهذا الرسول، وقال لهم:
إنه يعزّ عليه أن تبقوا في ضلال، ويشقّ عليه أن تعمهوا في ظلمات الكفر والشرك، وأن تعرضوا عن الحقّ وتلجّوا في عتوّ ونفور، وهو يبغي صلاحكم، ويودّ خيركم، ويحب فلاحكم، وهذا هو الذي يدعوه إلى نصحكم، ويحفزه لهدايتكم، وإبلاغ الرسالة إليكم، فمن لبّى دعوته، وقبل رسالته، وأقبل على ما عند الرسول من الحق البيّن، والخير الكثير؛ كان أهلا لأن يرعى الرسول جانبه، ويخصه بعنايته، ورحمته، والرسول وإن يكن مبعوثا إلى البشر كافة؛ فإنّ من آمن به، وصدّق بما جاء به؛ فإن له من رأفة الرّسول، ورحمته، وشفقته أوفر حظّ، وأكبر نصيب.
هذه هي شهادة القرآن، والقرآن أحكام، وتوجيهات أنزلت على رسول الله محمد ليبلغها للناس، وسيرة الرسول هي تفسير ما في القرآن من تلك الأحكام والتوجيهات، وحياته كلّها، وما صدر عنه فيها من أقوال، وأفعال هي تفصيل لما جاء في القرآن، فكلّ حكم جاء به القرآن قد امتثله الرسول، ومثّله للناس بفعله، وبيّنه بقوله، فما من شيء أمر به الرسول من الإيمان بالله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأداء نسك الحج، وبذل الصدقة، والجهاد، والإيثار، وتوجيه العزيمة، واحتمال الصبر على النوائب، وشكر الله على النعم، والتعامل مع الناس بالفضائل ومكارم الأخلاق- إلا وهو مستمدّ من القرآن، أو من الوحي الإلهي وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: ٣- ٤]، ومامن حكم أو توجيه في
_________________
(١) حدبه: عطفه.
(٢) (من أنفسكم) أي: منكم حسبا ونسبا، فكلّ ما يحصل له من العزّ والشّرف فهو عائد إليكم، أو هو بشر مثلكم جعله الله من جنسكم رحمة بكم، ولو جعله ملكا؛ لشقّ ذلك عليكم، كما قال جلّ شأنه في سورة الأنعام وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ [الأنعام: ٨] .
[ ١٤٩ ]
القرآن إلا وقد بينه الرسول للناس بقوله، وعمله، وخلقه هديا وسمتا.
جاء بعض الصحابة إلى أم المؤمنين عائشة يسألونها أن تصف لهم أخلاق الرسول، وتصرفاته، فأجابتهم: ألم تقرؤوا القرآن الكريم؟ لقد كان خلق رسول الله ﷺ القرآن «١» .
فايات القرآن، وسوره أصوات وكلمات، وعمل الرسول وخلقه معانيها وتفسيرها، وليس في الدنيا إنسان أكثر علما بالرّجل من حليلته، فهي التي تعلم من فضائل زوجها، وأخلاقه، وعاداته ما لا يعلمه أحد غيره، ولما ادّعى الرسول النبوة كان قد مضى على زواجه بخديجة خمسة عشر عاما، وهذه مدّة تكفي المرء أن يعرف أحوال صاحبه، وأخلاقه، وعاداته معرفة تامّة، فحين سمعت خديجة أنّ محمدا ﷺ نزل عليه الوحي؛ بادرت بتصديقه، وآمنت به، بل إنّ الرسول حين فزع من نزول الوحي عليه، ومجيء الملك إليه- لأنه لم يعهد ذلك من قبل- هدّأت خديجة جأشه، وربطت على قلبه، وخففت عنه ما يلقاه، وقالت له:
كلّا، والله! ما يخزيك الله أبدا، فإنّك تصل الرّحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتنصر المظلوم، وتقري الضّيف، وتعين على نوائب الحقّ «٢»، وهذا الذي ذكرته خديجة هو الذي يتحلّى به الرّسول من مكارم الأخلاق، وفضائل النفس قبل أن يوحى إليه.
_________________
(١) أخرج مسلم عن سعد بن هشام﵁- قال: سألت عائشة أم المؤمنين ﵂- فقلت: أخبريني عن خلق رسول الله ﷺ! فقالت: أما تقرأ القرآن؟! قلت: بلى، فقالت: «كان خلقه القرآن» [مسلم (١٧٣٩)] . أرادت بذلك على ما قيل: إنّ ما في القرآن من المكارم كلّه كان فيه ﷺ، وما فيه من الزجر عن سفساف الأخلاق كان منزجرا به ﵊، لأنه المقصود بالخطاب بالقصد الأول كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ الآية، قال المرصفي: أرادت بقولها: كان خلقه القرآن: تخلّقه بأخلاق الله تعالى لكنّها لم تصرّح بها تأدّبا منها. (شرح حياة الصحابة، للشيخ محمد إلياس الباره بنكوي، ص ٦، الجزء الثالث) .
(٢) رواه البخاري في كتاب بدء الوحي، وهذا بعض الحديث.
[ ١٥٠ ]
ما شهد به لمحمد ﷺ أقرب الناس إليه وأعرفهم به:
وإن أم المؤمنين عائشة التي صحبت الرسول تسع سنوات، وكانت أحبّ أزواجه إليه بعد خديجة تقول في وصفه ﷺ: إنه لم يكن يعيب أحدا، ولا يجزي على السوء بسوء، بل كان يعفو، ويصفح، وكان بعيدا عن السيئات، إنه لم ينتقم من أحد لنفسه، ولم يضرب غلاما، ولا أمة، ولا خادما قطّ، بل لم يضرب حيوانا، ولم يردّ سائلا إلا إذا لم يكن عنده شيء.
وعليّ صحب النبيّ ﷺ منذ صباه إلى أن شبّ، فلم يكن أحد من أهل بيته أعلم منه بأخلاقه ﷺ، وهو يشهد لرسول الله أنه كان طلق الوجه، ليّن الجانب، خافض الجناح، دمث الأخلاق، رحيما، ولم يكن فظا، ولا جافيا، ولا ينطق بسوء، ولا يتتبع عورات الناس، ولا يتجسّس على عيوبهم، فإن سأله أحد ما لا يرضى؛ سكت، ولم يبد له ما يسخطه، فيفطن من يعلم خلق الرسول ماذا يريد: لأنه لم يكن يحب أن يكسر قلب أحد بل كان يأسر القلوب، ويؤلفها؛ لأنه كان رؤوفا رحيما. فيقول عليّ كرم الله وجهه: إنّه ﷺ كان كريما، جوادا، وفياضا سخيا، صادق القول، ليّن العريكة، من جالسه أحبّه، ومن رآه بديهة هابه، ويقول عنه ناعته: لم أر مثله قبله، ولا بعده. وقد أبدى (كبّن) المؤرخ الإنكليزي الذائع الصيت هذا الرأي نفسه حين درس سيرة الرسول ﷺ.
ويشهد هند- ابن خديجة «١» من زوجها الأول، وهو ربيب الرسول في حجره- أنّه ﷺ كان ليّن الطبع، غير جاف ولا فظ، ولم يكن يسيء إلى أحد، ولا يصدر عنه نيل من شرف أحد، أو غضّ من كرامته، وكان يشكر
_________________
(١) هو هند بن أبي هالة، وهو ربيب رسول الله ﷺ، أمّه أم المؤمنين خديجة ﵂، وكان أبوه حليف بني عبد الدار. واختلف في اسم أبي هالة، كان زوج خديجة ﵂ قبل النبي ﷺ، فولدت له هند بن هند، وابن ابن ابنه هند بن هند بن هند. وشهد هند بن أبي هالة بدرا، وقتل مع علي﵁- يوم الجمل، روى هند بن أبي هالة حديث صفة النبي ﷺ.
[ ١٥١ ]
الناس على اليسير من عملهم الطيب، ويأكل ما يقدّم له، ولا يعيبه، وما كان يغضب، أو يقتصّ من أحد لنفسه، بيد أنّه إذا انتهك أحد شيئا من محارم الله؛ لم يقم لغضبه شيء (الشمائل) «١» .
_________________
(١) أخرج يعقوب بن سفيان الفسوي الحافظ عن الحسن بن علي ﵄ قال: سألت خالي هند بن أبي هالة- وكان وصّافا عن حلية رسول الله ﷺ وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلّق به، فقال: «كان رسول الله ﷺ فخما مفخما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع وأقصر من المشذّب، عظيم الهامة، رجل الشعر، (إن انغرقت عقيقته) فرق، وإلّا فلا، يجاوز شعره شحمة أذنيه (إذا هو وقّره)، أزهر اللون، واسع الجبين، أزجّ الحواجب، سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدرّه الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمّله أشمّ، كثّ اللحية، أدعج، سهل الخدّين، ضليع الفم، أشنب مفلّج الأسنان، دقيق المسربة، كأنّ عنقه جيد دمية في صفاء الفضّة، معتدل الخلق، بادن متماسك، سواء البطن والصّدر، عريض الصّدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرّد، موصول ما بين اللّبّة والسّرّة بشعر يجري كالخط، عاري الثّديين والبطن ممّا سوى ذلك، أشعر الذّراعين، والمنكبين وأعالي الصّدر، طويل الزّندين، رحب الرّاحة، سبط القصب، شثن الكفّين والقدمين، سابل الأطراف، خمصان الأخمصين، مسيح القدمين، ينبو عنها الماء، إذا زال زال قلعا، يخطو تكفّؤا، ويمشي هونا، ذريع المشية، إذا مشى كأنّما ينحطّ من صبب، وإذا التفت التفت جميعا، خافض الطّرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جلّ نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسّلام. قلت: صف لي منطقه. قال: «كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، لا يتكلّم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، يتكلم بجوامع الكلم، كلامه فصل لا فضول ولا تقصير، دمث، ليس بالجافي ولا المهين، يعظّم النّعمة وإن دقّت، لا يذم منها شيئا ولا يمدحه، ولا يقوم لغضبه- إذا تعرّض للحق- شيء حتى ينتصر له، وفي رواية: لا تغضبه الدنيا وما كان لها، فإذا تعرّض للحق لم يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، لا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفّه كلّها، وإذا تعجّب قلبها، وإذا تحدّث يصل بها، يضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض، وأشاح، وإذا فرح غضّ طرفه، جلّ ضحكه التبسّم يفترّه عن مثل حبّ الغمام. (حياة الصحابة، للشيخ يوسف الكاندهلوي، ص ٨٦- ٩٢)، طبع دار ابن كثير بدمشق. -
[ ١٥٢ ]
كان ﷺ أول من يعمل بما يأمر الناس به:
هذه شهادات أقرب الناس إليه ﷺ ممّن خالطوه، وعاشروه، وعرفوا دخائله، وهي تدلّ على أن سيرته الطاهرة كانت أعلى ما تكون عليه سيرة أفضل البشر، ومن أفضل سيرته وأعلاها أنه بعد ما أوحي إليه لم يأمر أتباعه وأصحابه بأمر إلا وقد سبقهم إلى العمل به، فدعا الناس إلى ذكر الله ومحبته، ولو راقبت حياته نفسها لرأيتها ملائمة لهذه الدّعوة؛ لأنه لم تكن تمضي عليه ساعة من نهار أو ليل إلا وهو يذكر الله بقلبه، ويحمده بلسانه، فكان لسانه رطبا بذكر الله، لا يفتر عنه طرفة عين، فإذا أكل، أو شرب ذكر اسم الله، وإذا فرغ من ذلك حمد الله، وإذا أخذ مضجعه أو استيقظ من نومه ذكر الله، وإذا نهض، أو جلس سبّح الله، أو حمده، وإذا لبس جديدا شكر الله، حتى أن أذكاره ودعواته التي حفظها الناس عنه في مختلف الأحوال شغلت فراغا واسعا من كتب الحديث، وجمعت في كتاب (الحصن الحصين) الذي يبلغ مئتي صفحة، ومن قرأ هذه الأدعية يقضي العجب؛ ويوقن بأنه ﷺ كان يحب الله، ويخشاه، ويهاب جلاله، فكان كما وصف الله في القرآن عباده الصّالحين الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ [آل عمران: ١٩١] وكما شهدت عائشة بأنّه ﷺ كان يذكر الله، ولا يغافل عن ذكره أبدا.
وأمر الناس بالصلاة، وحضّهم على إقامتها والمحافظة عليها أشدّ المحافظة، فماذا تحسبون الرسول كان يعمل في نفسه بما كان يأمر به غيره؟
إنه ﷺ كان يقيم الصلاة، ويحافظ عليها أكثر من غيره، كان المسلمون يقيمون الصلوات المفروضة خمسا. وكان ﷺ يتطوّع بالزيادة على ذلك في صلاة الضحى، وصلاة الإشراق، وصلاة التهجّد، وكان عامة المسلمين يصلون سبع عشرة ركعة المكتوبة عليهم، وكان هو ﷺ يصلي في اليوم
_________________
(١) - ومن أراد الاستزادة من قراءة الشمائل فليراجع «سيدنا محمد رسول الله ﷺ، شمائله الحميدة وخصائله المجيدة» للعلامة المحدّث الشيخ عبد الله سراج الدين، وهو من أنفس الكتب الحديثة في الشمائل، طبع مكتبة دار الفلاح، حلب.
[ ١٥٣ ]
والليلة خمسين إلى ستين ركعة من المكتوبة والنوافل. لقد سقطت عن عامة المسلمين فريضة التهجّد بعد ما فرضت عليهم الصلوات الخمس، لكنّ الرسول كان يقوم الليل، ويصلي صلوات لا تسل عن حسنهن وطولهن حتى كانت قدماه تتورمان من طول القيام، فقالت له عائشة يوما- وقد رأت ما يعاني ﷺ في قيام الليل-: إن الله قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر، فما بالك يا رسول الله! تلقى العناء، وتتعب هذا التعب الشديد؟ فأجابها ﷺ: «أفلا أكون لله عبدا شكورا» «١» وكان في هذه الصلوات معنى محبة الله أغلب عليه ﷺ من معنى الخوف، فكان يطيل الركوع حتى يخيل إلى من يراقبه أنه ربما قد نسي السجود، وكان يقيم صلاته من بدء الوحي في فناء بيت الله أمام المشركين الذين كانوا يعادونه، ويؤذونه إيذاء شديدا. وقد هجم عليه بعض المشركين وهو في الصلاة فلم يترك صلاته خوفا منهم. وكان جنباه يتجافيان عن المضجع، وكان قليلا من الليل ما يهجع، ويبيت ساجدا أو قائما والناس نيام، وأشد ما يكون إقام الصلاة حين يلتقي الجمعان في ساحة الحرب، والسيوف مصلتة، والرّماح مشرعة، والقلوب واجفة، ومع ذلك فإنه إذا حان وقت الصلاة صلى منفردا أو صلّى بأصحابه إماما.
فيتناوب بعضهم الصلاة، وبعضهم الحرب، وإمامهم ثابت في الحالين إلى أن يؤدوا فريضة الله، لا يمنعهم عنها مانع.
أيها القارئ! أحبّ أن أطوي لك من صحائف القرون السالفة ثلاث عشرة ورقة لأعود بك إلى السنة الثانية من الهجرة. فتعال معي تنظر إلى ساحة بدر: هؤلاء مؤمنون، وهؤلاء مشركون، لقد التقى الجمعان، واشتد القتال بين المشركين والمؤمنين، وحمي وطيس الحرب، أين هو الرسول يا ترى؟ هاهو ذا ساجد بين يدي رب العالمين، يدعوه ويسأله
_________________
(١) عن المغيرة بن شعبة﵁- أنّ رسول الله ﷺ قام حتى تفطّرت قدماه، فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا. [البخاري (١٥٢) ومسلم (٣٧٧)] .
[ ١٥٤ ]
النصر المبين بقلب ذاكر، ولسان بالدعاء ناطق، وناصية لعظمة الله ساجدة على الأرض، لقد أقام الصلاة لأوقاتها، ولم يؤخرها إلا مرتين: فقد فاتته مرّة في غزوة الخندق حين تألب عليه المشركون واليهود، ولم يمهلوه حتى يؤديها في وقتها، ومرّة أدلج الليل بطوله، ثم غفا غفوة هو وأصحابه، فطلعت عليهم الشمس، ولم يستيقظوا حتى أيقظتهم بأشعتها، فقضى ما فاته من الصّلاة، ثم لم تفته ﷺ حتى في مرضه الذي توفي فيه، بل قد اشتدّ به المرض، ووهنت قوته، فخرج مع ذلك متهاديا بين رجلين من حجرته إلى أن بلغ المسجد، وصلّى مع الجماعة، وقد غشي عليه ثلاث مرات قبل وفاته بثلاثة أيام، فكان كلما همّ أن يذهب إلى المسجد غشي عليه، ففاتته الصلاة مع الجماعة، هذا ما كان عليه الرسول من عبادة الله وذكره، وهذا ما تركه خلفه لم يأتسون به في عبادته، وذكره لله ﷿.
وأمر المسلمين بالصوم، وليس على المسلمين إلا صوم رمضان، ولكن ما ظنّكم بالرسول ﷺ وصومه؟ إنه قلّما يمرّ به شهر، أو أسبوع من شهر إلا كان يصوم فيه، تقول عائشة: كان ﷺ يصوم حتّى يظنّ أنّه لن يفطر «١» . ونهى المسلمين عن صوم الوصال، لكنه يواصل الصوم يومين بل ثلاثة أيام متوالية، لا يأكل فيهن، ولا يشرب، وذلك الذي يقال له صوم الوصال. وكان بعض الصحابة يحبّ أن يقتدي به في ذلك، فيقول ﷺ:
«لست كأحدكم، أيّكم مثلي إنّ ربّي يطعمني ويسقيني» «٢» وربما كان يصوم شهرين متواليين: شعبان ورمضان. وكثيرا ما كان يصوم الأيام البيض (الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر) من كلّ شهر، وكان يصوم ستّا من شوال، ويوم عاشوراء من المحرم، وكثيرا ما كان يصوم يوم السبت
_________________
(١) وفي البخاري، عن عائشة﵂- قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت النبيّ ﷺ استكمل صيام شهر إلا رمضان وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان. [البخاري (١٩٦٩)] .
(٢) وفي البخاري: عن أنس﵁- عن النبي ﷺ قال: «لا تواصلوا»، قالوا: إنّك تواصل، قال: «لست كأحد منكم، إنّي أطعم وأسقى، أو إنّي أبيت أطعم وأسقى» [البخاري (١٩٦١)] .
[ ١٥٥ ]
ويوم الخميس من كلّ أسبوع، كذلك كان دأبه وهديه في الصّوم.
وأمر المسلمين بإيتاء الزّكاة، وإنفاق المال في الخير، لكنّه بدأ ذلك بنفسه. وقد علمت شهادة أم المؤمنين خديجة له في ذلك يوم قالت له: إنك تحمل الكل، وتعين على نوائب الحق، وتكسب المعدوم، إنه لم يأمر الناس بأن يتبعوه في ترك الدّنيا، ولم يقل لهم ضحّوا بكل ما في أيديكم من أموال، ولم يخبرهم بأنّ ملكوت السّماوات موصدة أبوابه في وجوه الأغنياء، وإنما الذي أوصاهم به أن يتصدقوا ببعض أموالهم كما قال الله ﷿ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة: ٣] . هذا بينما رسول الله نفسه لم يكن يدّخر من المال شيئا في بيته، بل كان ينفق في سبيل الله جميع ما كان يملكه، ولم يكن قليلا ما كان يأتيه من خمس الغنائم من ذهب، وفضة، ومتاع، وغيره من عرض الدنيا، فكان يخرج عنه كله لغيره من الفقراء والمساكين، ولم يكن يتمتّع هو ولا أهل بيته بمتع الحياة الدنيا، فكان حظه وحظّ أهل بيته من الدنيا الفقر والتعفف، وكان من سنته بعد أن فتحت أرض خيبر أن يوزّع على أزواجه من الطعام والحبوب ما يكفيهم عاما، لكنه قبل أن ينقضي العام كان ينفد ما وزعه على أزواجه، فيمسهم الجوع والسغب «١»؛ لأنه كان ينفق على المحتاجين وعلى الضيوف مما يجده في بيوت أزواجه، يقول عبد الله بن عباس: إنّ رسول الله ﷺ كان أسخانا وأجودنا، وهو أسخى ما يكون في شهر رمضان، ولم يقل لسائل: «لا» قطّ طول حياته، ولم يأكل شيئا وحده مهما كان قليلا، بل يشرك فيه أصحابه، وقد آذن الناس أن «من مات وعليه دين فدينه عليّ أقضيه عنه، وما ترك من ميراث فميراثه لورثته» .
جاءه يوما أعرابيّ، فقال: يا محمد! إن هذا المال ليس لك ولا لأبيك، فأوقر منه جملي، فحمله رسول الله ﷺ من الشعير والتمر، ولم يسخط عليه ما أغلظه من القول، ثم قال: إنما أنا قاسم، وخازن، والله هو المعطي. يقول أبو ذر: كنت يوما أمشي مع رسول الله ﷺ في حرّة المدينة،
_________________
(١) السغب: الجوع مع التعب.
[ ١٥٦ ]
فاستقبلنا جبل أحد، فقال: «أبا ذر!» قلت: لبيك يا رسول الله! قال:
«ما يسرّني أنّ عندي مثل أحد ذهبا تمضي عليّ ثلاث ليال، وعندي منه دينار، إلا شيء أرصده لدين» «١» .
إخواني! لا تحسبوا أن ما قاله ﷺ إنما هو كلمات عذبة، وألفاظ يتجمّل بها، بل قال ما قاله عن عزيمة، ولم يظهر للناس إلا ما كان يكنّه صدره، ويعمل به مدّة حياته، جاءه مرة من البحرين ذهب، وفضّة، وأموال جمّة، فأمر بوضع ذلك كله في فناء المسجد، ثم غدا على الناس يصلي بهم الصبح دون أن تقع عينه على ذلك المال في الجهة التي وضع فيها، فلما انصرف من الصلاة دعا الناس، وطفق يوزع المال عليهم حتى فرغ منه، فقام ينفض يديه وثوبه لئلا يكون علق بثوبه الطاهر شيء من غبار ذلك المال، وجاءه من فدك أربعة جمال موقرة بالطعام، فقضى به بعض ديونه، وآتى منه بعض الناس، ثم سأل بلالا: هل بقي من ذلك الطعام شيء؟
فأجابه بلال: لقد بقي منه شيء وليس هاهنا من يأخذه. فقال ﷺ: لا أدخل بيتي ما بقي منه شيء. وبات تلك الليلة في المسجد، فلما أصبح بشره بلال قائلا: إنّ الله قد وضع عنك. يعني: أنّ بقية الطعام قد قسمت ولم يبق منه شيء، فشكر الله. ودخل بيته ذات يوم بعد صلاة العصر على غير عادته، ولم يلبث أن خرج منه فاستغرب الناس ذلك، فقال لهم: إني تذكّرت في الصلاة أن في بيتي شذرة من الذهب فخشيت أن يجيء الليل، وهي في بيت محمد. ودخل بيته ذات يوم حزينا كئيبا، فسئل عن ذلك، فقال:
يا أمّ سلمة! إنّ ما جاءنا من الدنانير السبعة قد بقي في الفراش، وقد حان المساء. وممّا يدلّ على زهده ﷺ في الدّنيا ومتاعها: أنّ الرسول ﷺ مرض مرضه الذي توفي فيه، وكان يتقلب على فراشه من شدّة المرض، فتذكر وهو في هذه الحالة أنّ في بيته دنانير، فأمر أن يتصدّق بها، وقال: أيلقى
_________________
(١) وفي مسلم عن أبي هريرة ﵁: أنّ النبي ﷺ قال: «ما يسرّني أنّ لي أحدا ذهبا تأتي عليّ ثالثة، وعندي منه دينار، إلّا دينار أرصده لدين عليّ» (أي أعدّه) . [مسلم (٢٣٠٢)] .
[ ١٥٧ ]
محمد ربه وقد خلف في بيته دنانير؟! فهذا ما كان عليه ﷺ في حياته من إنفاق المال والصّدقة.
لقد رغّب محمد رسول الله ﷺ في الآخرة، وزهّد في الدّنيا، وحثّ على القناعة بالقليل منها، والكفاف من العيش، فلننظر إلى عيشه كيف كان يعيش ويحيا، لقد علمتم أنّ الله بسط على المسلمين الدّنيا، ووسع في أرزاقهم، فكانت تجبى إليه الأموال من الخراج، والعشر، والجزية، والزكاة، والصدقات، وكانت قوافل الإبل تحمل الطعام والمال إلى المدينة، أمّا رسول الله ﷺ فلم يكن له حظّ من تلك الأموال الكثيرة، وكان أهل بيته في ضنك وكفاف، تقول عائشة ﵂: توفّي رسول الله ﷺ ولم يشبع يومين متواليين «١» . وتقول: لم يكن في بيته يوم التحق ﷺ بالرّفيق الأعلى سوى صاع واحد من شعير، وكانت درعه مرهونة عند يهوديّ بصاع من شعير، كان الرّسول ﷺ يقول: «ما لابن آدم من دنياه غير بيت يأوي إليه، وثوب يلبسه، وخبز جافّ يأكله، وماء يشربه»» .
ولم ينطق ﷺ بهذه الكلمات في الزهد بالدّنيا إلا وقد رضي لنفسه بهذا القدر، وعمل به طول حياته، ولم يمدّ عينيه إلى زهرة الدنيا وزينتها، فكانت له حجرة مطينة غير مشيدة جدرانها، وكان سقفها من الخوص والوبر. تقول عائشة: لم يطو ثوبه أبدا. تعني أنه لم يكن له ثوب آخر غير الذي على جسده الطّاهر، جاءه مرة سائل يشكو الجوع الشديد، فأرسل إلى أزواجه يطلب للسائل طعاما من بيوتهن، فلم يجد عند إحداهن شيئا غير الماء. ويقول طلحة «٣»: رأيت رسول الله ﷺ يوما مضطجعا على فرش المسجد، يتململ من الجوع، وشكا إليه بعض الصحابة الجوع ذات مرة،
_________________
(١) رواه البخاري في نفقة نساء النبي ﷺ بعد وفاته (٣٠٩٧) وفي وفاة النبي ﷺ (٤٤٦٧) .
(٢) رواه الترمذي (٢٣٤١) في الزهد، باب (٣٠) وقال: حديث حسن صحيح.
(٣) هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي القرشي، صحابي من الشجعان والأجواد، ومن المبشرين بالجنة، كان من دهاة قريش وعلمائهم، شهد سائر المشاهد، قتل يوم الجمل وهو بجانب عائشة ﵂، ودفن بالبصرة. وله ٣٨ حديثا مرويا.
[ ١٥٨ ]
وكشفوا عن بطونهم، فإذا حجر قد شدّه كلّ واحد على بطنه، وأراهم ﷺ بطنه، وقد شدّ عليه حجرين، وكان صوته ﷺ يضعف أحيانا من شدة الجوع، وذهب مرّة إلى بيت صاحبه أبي أيوب الأنصاري «١» وهو جائع، فصنع له أبو أيوب طعاما، وقطف له بعض الرّطب من حديقته، فلما قدم إليه الطعام أخذ منه خبزا ووضع عليه شيئا من اللحم، وقال: ابعثوا به إلى فاطمة، فإنها لم تأكل شيئا منذ أيام، وكان يحبّ بنته وسبطيه حبا جما، غير أنّ حبّه لهم لم يحمله على أن يكسوهم لباسا ناعما، أو يحلي بنته حلية ثمينة، ورأى فاطمة قد لبست ذات يوم قلادة من الذهب جاءها بها زوجها عليّ كرّم الله وجهه، فقال ﷺ لها: يا فاطمة أتحبين أن يقال أن بنت محمد قد لبست طوقا من نار؟ فنزعت تلك القلادة من عنقها، واشترت بثمنها عبدا وأعتقته، ورأى عائشة قد لبست سوارين من ذهب، فأمرها أن تنزعهما، فنزعتهما حين قال لها: هذا لا ينبغي لآل محمد، وكان يقول: يكفي الإنسان من الدّنيا ما يتزود به الغريب في سفره، هذا قوله، أما عمله فيدلّ عليه ما روي أنّ أحد الصحابة دخل عليه فرآه قد أثر الحصير في جسمه الشريف، فقال: ألا نهدي إليك فراشا وثيرا؟ فأجابه: مالي ولدنياكم، ليس لي إليها حاجة إلا كما يستظلّ الراكب في طريقه؛ ليستريح ساعة من نهار، ثم يمضي قدما. وفي السنة التاسعة للهجرة وكانت رقعة الدولة الإسلامية قد امتدّت إلى اليمن، والشام، ولا ينفذ فيها إلا أمره، حتى أنّه لم يكن يملك إلا إزارا وسريرا خشنا، لا فرش له، ووسادة حشوها ليف، وقليلا من الشعير، وجلد حيوان في ناحية من البيت، وقربة ماء معلقة على وتد، فإذا كان ذلك هو تزهيده الناس في الدنيا، فهذا هو عمله الذي رأيتم.
_________________
(١) هو خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة، أبو أيوب الأنصاري، من أكابر الصحابة، شهد سائر المشاهد، كان شجاعا صابرا تقيّا محبا للغزو والجهاد، كان يسكن المدينة، فرحل إلى الشام، شارك في غزوة القسطنطينية مع يزيد، توفي فدفن في أصل حصن القسطنطينية، له ١٥٥ حديثا مرويا.
[ ١٥٩ ]
إخواني! لا شكّ أنّكم سمعتم كثيرا من الناس يخطبون في «الإيثار» ويحثّون الناس عليه، فهل رأيتم مثالا عمليا للإيثار في صحيفة حياة واعظ؟
إذا شئتم أن تروا الأمثلة عليه فالتمسوها في سيرة الرسول الأعظم الذي علم الإنسانية فضائل «الإيثار» وحذرها عواقب «الأثرة» . أنتم تعلمون مبلغ حبه لابنته فاطمة ﵂، ومع ذلك فإنها كانت تطحن بيدها حتى مجلت، وتحمل قربة الماء على صدرها حتى اخضرّ. فجاءته ذات يوم تسأله خادمة- والإماء يومئذ كثيرة- فقال لها: يا فاطمة! لم أفرغ بعد من حاجات أهل الصّفة، فكيف أقضي حاجتك؟ ويروى أنه قال لها: إن أيتام شهداء بدر سبقوك في أمر الخوادم والعبيد. وأهدت إليه صحابية رداء في أحد الأيام، فنظر إليه أحد الحاضرين، وقال: ما أجمل هذا الرداء! فدفعه إليه.
وأراد أحد الصّحابة أن يقيم مأدبة فرح له، ولم يكن عنده ما يقدّمه للأضياف، فأتى النبيّ ﷺ يستعينه، فأرسله إلى عائشة لتعطيه سلّة دقيق كانت في بيتها، فذهب ورجع بها، ولم يبق في بيت الرسول تلك الليلة ما يأكله.
هلمي ما عندك من طعام، فجيء بطعام من نخالة، فلم يشبعهم، فقال لها: هلمي شيئا آخر، فجيء بحساء من تمر، ثم بقدح من لبن، ولم يكن في بيته غير ذلك، فكان اللبن آخر ما قدمه للأضياف، فاثرهم بكلّ ما عنده.
وإن شئت أن تشاهد المثل الأعلى للثقة بالله، والاعتماد عليه؛ فشاهد ذلك في بيت هذا الرسول، فإنّ الله أمره بقوله: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [الأحقاف: ٣٥] فامتثل أمر ربه. وأنت تعلم أنّه بعث في أمّة أميّة ذات حميّة وأنفة تمنعها أن تسمع كلمة مخالفة لعقائدها ومزاعمها، وهان عليها أن تموت في سبيل ذلك، لكن الرسول ﷺ قام برسالته صابرا مثابرا، فكان يوحّد الله في المسجد الحرام، ويصلّي على أعين المشركين في فناء المسجد الذي كان ناديا لهم ومجتمعهم، فكان
[ ١٦٠ ]
يركع لله ويسجد أمامهم غير مبال بهم، ولما نزل قول الله سبحانه فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر: ٩٤] صعد بين جبل الصفا ونادى المشركين، فلما اجتمعوا إليه بلّغهم دعوة الله، وقد امتحنوه بضروب من الأذى، حتى ألقوا عليه مرّة سلى جزور وهو قائم يصلي في فناء البيت الحرام، بل أرادوا مرّة أن يخنقوه بالرداء، وألقوا الشوك في طريقه، لكنه صبر كما صبر أولو العزم من الرسل.
ولما همّ عمه أبو طالب أن يخرج من ذمّته، ويمسك يده عن حمايته، قال له وقد حميت أنفته: «يا عم! إنّ قريشا لو وضعوا الشّمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته» «١» . وإنّ قريشا قد حصرته وبني هاشم في شعب أبي طالب مدّة ثلاثه أعوام، ومنعوهم الطعام، حتى كان الصبيان يتضورون جوعا، واضطر الرجال أن يقتاتوا بورق الشجر، ثم بيّتوا قتله، لكن الرسول ﷺ لم يداخله الخوف، ولم يتردّد في تبليغ الرسالة التي بعث بها، ثم خرج إلى المدينة واختفى في طريقه مع صاحبه أبي بكر في غار ثور، وتتبعه المشركون حتى بلغوا مدخل الغار، واقتربوا منه، ولو نظروا إلى أقدامهم لرأوه، وفزع أبو بكر في تلك الساعة العصيبة، فقال: يا رسول الله! إنما نحن اثنان، فقال له ﷺ بصوت تمازجه الطمأنينة: «ما ظنّك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إنّ الله معنا» «٢» ووعدت قريش من يأتي به جائزة قدرها مئة من الإبل، فخرج سراقة بن جعشم «٣» يركض فرسه، وبيده رمحه، حتى اقترب من الرسول، فقال أبو بكر: يا رسول الله! قد أدركنا،
_________________
(١) السيرة النبوية «لابن هشام» الجزء الأول، ص ١٠٠.
(٢) رواه البخاري في كتاب التفسير (٤٦٦٣) . وفي ذلك يقول الله تعالى: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة: ٤٠] .
(٣) هو سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، صحابي أسلم بعد غزوة الطائف سنة ٨ هـ، أرسلته قريش ليقتاف أثر رسول الله ﷺ حين خرج إلى الغار مع أبي بكر﵁- توفي سنة ٢٤ هـ، وله ١٩ حديثا مرويا في كتب الحديث.
[ ١٦١ ]
وكان أبو بكر يكثر الالتفات يمينا ويسارا، أما الرسول فكان هادىء النفس، مطمئن القلب، يذكر الله، ولا يلتفت إلى شيء، وبعد أن نجاه الله وبلغ المدينة لم يأمن غوائل قريش، ومكايد اليهود، فكان محاطا بالأخطار من كلّ جانب، حتى كان المسلمون يحرسون بيته في الليل، فنزلت هذه الآية وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧] فخرج لساعته من الخيمة وقال للذين يحرسونه: اذهبوا فإنّ الله وعدني بعصمته، وتولّى حفظي «١» .
ورجع من غزوة نجد «٢»، فاستظلّ بشجرة في ساعة الهاجرة، وتفرّق عنه أصحابه، ولم يبق عنده أحد، ولما غلبته عيناه جاءه أعرابي من المشركين وقد سلّ سيفه، فانتبه الرسول ﷺ، فقال له الأعرابي: «من يعصمك منّي؟» (تأمل حرج هذا الموقف)، فأجابه ﷺ وجأشه رابط، وقلبه مطمئن بالإيمان: «الله!» فما طرقت هذه الكلمة سمع الأعرابي حتى تأثر بها وأغمد سيفه «٣» .
وخرج المسلمون إلى ساحة بدر في قلّة من العدد والعدد، وهم لا يزيدون على ثلاثمئة وثلاثة عشر مقاتلا بعضهم معه سيف بلا رمح، وبعضهم معه رمح ولا سيف معه، وعدوهم نحو ألف مقاتل في سلاح تامّ وعتاد كامل، فالتقى الجمعان، وحمي وطيس الحرب. ترى أين هو قائد جيش المسلمين؟ انظر، هاهو قد اعتزلهم لاجئا إلى ربه يدعوه تارة،
_________________
(١) قالت عائشة﵂-: سهر رسول الله ﷺ ذات ليلة، فقلت: يا رسول الله! ما شأنك؟ قال: «ألا رجل صالح يحرسنا الليلة» . فقالت: بينما نحن في ذلك سمعت صوت السلاح، فقال: «من هذا» قال: سعد وحذيفة، جئنا نحرسك. فنام رسول الله ﷺ حتى سمعت غطيطه، ونزلت هذه الآية، فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من قبة أدم، وقال: «انصرفوا يا أيها الناس، فقد عصمني الله» (أسباب النزول، للواحدي، ص ١٥٨)، طبع دار ابن كثير بدمشق.
(٢) سميت هذه الغزوة «غزوة ذات الرقاع» .
(٣) انظر الحديث بكامله في صحيح البخاري في كتاب المغازي، باب «غزوة ذات الرقاع» (٤١٣٥) .
[ ١٦٢ ]
ويستفتح على المشركين، ويسجد لله تارة وهو يقول: «اللهمّ أنشدك عهدك ووعدك! اللهمّ إن شئت لم تعبد بعد اليوم!» «١» .
وربما وقع الخلل في صفوف المسلمين، وتفرقوا عن الرسول، فيبقى هو ثابتا في موضعه كالجبل الذي لا يزعزعه شيء واثقا بربه متوكلا على تأييده راجيا نصره، كما وقع في سفح أحد حين تفرق عنه أكثر الصحابة، فثبت هو مكانه، والمشركون تارة يحملون عليه بالسيوف، وأخرى يشدّون عليه بالرماح، ويرمونه أحيانا بالحجارة والسهام، حتى انكسرت ثنيته، وشدخ رأسه، ودخلت في رأسه حلقة المغفر، ففي تلك الساعة الرهيبة كان واثقا بنصر الله الذي وعده بعصمته فلا يخذله، وكذلك وقع في حنين حين كانت سهام المشركين تقع على المجاهدين المسلمين كالمطر، فتفرّق المسلمون، لكنّ الرسول ﷺ لم يبرح مكانه، بل ظلّ ثابتا يدعو الناس إلى الله وهو يقول:
أنا النّبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب «٢»
_________________
(١) راجع السيرة النبوية لابن هشام و«زاد المعاد» لابن قيم الجوزية، ورواه مسلم في كتاب الجهاد والسير عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «لما كان يوم بدر نزل رسول الله ﷺ وأصحابه ثلاثمئة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مدّ يديه، فجعل يهتف بربّه «اللهمّ! أنجز لي ما وعدتني! اللهمّ آت ما وعدتني! اللهمّ! إنّك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض!» فما زال يهتف بربّه مادّا يديه، مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه. [مسلم (٤٥٨٨)] . لقد شفع الرسول ﷺ لهذه العصابة المؤمنة في هذه الساعة الحاسمة الدقيقة، بالكلمة الوجيزة التي تجلت فيها الثقة والاضطراب والسكينة والافتقار جنبا لجنب، فكانت أدق تعريف بهذه الأمة وأدق تحديد لمركزها ومكانتها بين الأمم، وقيمتها وغنائها في هذا العالم، والثغر الّذي ترابط عليه، وهو الدعوة إلى الله، وإخلاص الدين، والعبادة له. وقد أثبت الانتصار الرائع المعجز الّذي أبطل كل تجربة، صدق هذه الكلمة ودقتها، وأنها كانت تصويرا دقيقا لهذه الأمة. (العلامة أبو الحسن علي الحسني الندوي في «السيرة النبوية» ص ٢٢٣، طبع دار ابن كثير، دمشق) .
(٢) رواه البخاري في المغازي، باب غزوة حنين (٢٨٦٤) ومسلم في الجهاد والسير، باب غزوة حنين (٤٦١٥) .
[ ١٦٣ ]
ثم ترجل عن مطيته وقال: «أنا عبد الله ورسوله» ورفع يديه يسأل الله ويدعوه.
إخواني! هل سمعتم بقائد باسل لا يبالي بقلّة جيشه، ونقص عدّتهم، ولا ينكص على عقبيه، ولا ينسحب من ساحة القتال، وإن تفرّق عنه جنده، ويستغني عن سلاحه باستنجاد ربه، وطلب نصرته؟ ذلك كان مبلغ ثقته بالله، ويقينه بنصرته، واعتماده على مدده «١» .
مقارنة بين عظة أحبوا أعداءكم ومعاملة النبي ﷺ لأعدائه:
وإخالكم سمعتم بواعظ يعظ الناس بأن يحبّوا أعداءهم، ويحثهم على مودة مبغضيهم، وأن يزجروا الطير تمرّ سعدا للذين يزجرون لهم الطير تمرّ نحسا، لكنّي لا أحسبكم رأيتم مثالا عمليّا لاتّعاظ الناس بهذه المبادىء، فتعالوا معي إلى مدينة الرسول؛ لنرى أمثلة رائعة للعمل بالمبادىء، لا أظنكم ترون مثلها في أمكنة أخرى، واتركوا ما جرى في مكّة؛ فإن النبي ﷺ لم تكن له فيها قوة، فلا نضرب المثل منها للحلم، والعفو عن مقدرة، لكنّه لما خرج من مكة ومعه صاحبه أبو بكر تعقّبهما سراقة، وهما في طريقهما إلى المدينة، وكان يطمع بجائزة قريش وهي مئة من الإبل لمن يأتيها برأس الرسول، فجعل يركض فرسه والطمع في الجائزة يستفزه حتى دنا منهما، وخاف أبو بكر على الرسول، ودعا الرسول ربه أن يعصمهما من شره، فساخت قوائم فرس سراقة في الرّمل، فاضطر أن يترجّل، وجعل يستقسم بالأزلام كعادتهم في الجاهلية فخرج له الذي يكره ثلاث مرات، ومع ذلك ظلّت قوائم الفرس في الرّمل فأيقن سراقة بالشرّ، وعزم على الرجوع، فنادى الرسول وطلب منه الأمان، وأن يكتب له بذلك كتابا، وألايؤاخذه يوم تعلو كلمته، فيتغلب على قريش، فأمر الرسول أبا بكر، فكتب له كتاب الأمان، فلما فتحت مكة ورأى سراقة بعينه كيف
_________________
(١) وكان هذا يعني أن معيار صدقي ليس بانهزام جيش أو انتصار جيش، ولكن معيار صدقي نابع من ذاتي (أي من كونه ﷺ نبي الله ورسوله) [رحمة للعالمين، للشيخ سليمان المنصور فوري، ص ١١٨، طبع دار السلام، الرياض] .
[ ١٦٤ ]
تغلّب الرسول ﷺ، وعلت كلمته دخل في الإسلام ولم يؤاخذه الرسول بما كان يريده من قتله، بل لم يسأله عن ذلك البتّة.
وقد علمتم أبا سفيان ومكانته من مشركي قريش، ونشاطه في مقاومة الإسلام، حتى لم يدع النبيّ ﷺ يقرّ قراره، ويطمئن باله في المدينة، وهو الذي زحف بالجيوش، وعبأ المشركين في بدر، وأحد، والخندق، وكان قائدهم في معظم الحروب التي قامت بين المسلمين ومشركي العرب، وكم من مسلم قتل، وجريح جرح في تلك المعارك، لكن أبا سفيان هذا مع كلّ ما تقدّم منه جاء إلى النبي ﷺ مع عمه العباس قبل فتح مكة، ولو أنه قتله لكان بذلك معذورا، لكنّه- وهو الذي بعث رحمة للعالمين- وقد وسعت رحمته أبا سفيان فشمله بعفوه «١»، ولم يكتف بالعفو حتى أكرمه وأعزّه ونادى في الناس يوم فتح مكة: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» .
وعرفتم هندا زوج أبي سفيان في الحروب، وهي التي كانت مع لدّاتها من نساء المشركين ترجز، وتحرض على القتال، وتخطب في غزوة أحد، وهي التي مثلت بعمّ النبي ﷺ حمزة، فلما رأى النبي ﷺ عمه حمزة بعد الحرب، وقد مثّل به، جزع لذلك المنظر المؤلم، ومع كل هذا فقد أتته هند يوم الفتح متنقبة فلم يتعرّض لها، ولم يسألها عما فعلت، بل عفا
_________________
(١) انطلق الرسول ﷺ إلى مكة في عشرة آلاف من المسلمين، وبعد أن ساروا مرحلتين لقيهم أبو سفيان وعبد الله بن أمية، وكانوا من الّذين بالغوا في إيذاء الرسول ﷺ، وحاولوا كل محاولة للقضاء على الإسلام، فرآهما الرسول ﷺ، وأعرض عنهما، فقالت له أم سلمة: يا رسول الله! أبو سفيان ابن عمّك، وعبد الله ابن عمتك، وبعدها قال علي﵁- لأبي سفيان أن يأتي النبي بمثل ما قاله إخوة يوسف وذلك طلبا لعفو الرسول ﷺ، فجاء أبو سفيان، وقرأ للنبي الآية: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ [يوسف: ٩١] فقال له الرسول ﷺ: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف: ٩٢] (زاد المعاد، ١/ ٤١٣، وابن هشام ٢/ ٤٠١) . وهاهو أبو سفيان بعد أن ظلّ يؤلب الجيوش ضدّ الرسول ﷺ سبع سنوات، ويلهب نار الحرب ضدّ المسلمين في جميع البلاد، يعلن اليوم الإسلام، ويرسل حاكما على منطقة نجران النصرانية.
[ ١٦٥ ]
عنها، وصفح. فلما رأت هذا العفو النبيل أكبرته، ولم تتمالك أن صاحت قائلة: يا محمد! لم يكن أهل خباء أبغض إليّ من أهل خبائك قبل اليوم، وأنا اليوم ليس أهل خباء أحبّ إلي من أهل خبائك!
وبعد فتح الطائف خرج وحشيّ «١» قاتل حمزة ﵁ هاربا يلتمس مكانا آخر، فاختبأ به، فلما أظلّ سلطان الإسلام هذا المخبأ الذي لجأ إليه وحشيّ قال له قائل: إنك لا تعلم ما نعلم من أمر محمد ﷺ، إنك لن تجد لنفسك مأمنا إلا عنده، فحضره خائفا، فلما وقع عليه نظر النبي ﷺ غضّ عنه بصره، وتذكر في تلك اللحظة عمه حمزة، وقتله بيد هذا الرجل، فذرفت الدّموع من عينيه الشريفتين، وهاهو القاتل أمامه، ولو أراد أن يقتصّ منه لكان ذلك حقا وعدلا، لكنه عفا عنه، واكتفى بأن صرفه قائلا:
«إليك عني! فإني إذا رأيتك تذكرت عمّي حمزة وشهادته» .
وهذا عكرمة «٢» وأبوه أبو جهل كانا أعدى عدوّ للإسلام، والمسلمين، ولرسول الله خاصّة، فأبو جهل آذى النبي الكريم أذى لم يؤذه أحد مثله، وابنه عكرمة قاتل المسلمين، فلمّا فتح الله مكة لرسوله خاف على نفسه مما فعله هو وأهل بيته بالنّبيّ والمسلمين، ففرّ ناجيا بنفسه إلى اليمن، وكانت زوجه قد أسلمت من قبل، وعرفت الرسول حقّ المعرفة، فذهبت بنفسها إلى اليمن، وربطت على قلب زوجها، وهدّأت روعه، ورجعت به إلى المدينة، فلما بلغ النبي ﷺ قدومه سارع إليه يرحب به، حتى سقط عنه رداؤه، ثمّ قال لعكرمة بن أبي جهل وهو فرح مسرور: «مرحبا بالرّاكب المهاجر» وهل تعلمون بمن يرحب رسول الله ﷺ، ومن هو هذا القادم الذي فرح ﷺ بقدومه حتى سقط عن منكبه رداؤه، وشمله بعفوه، وصفحه؟
_________________
(١) بعد إسلامه كان لا يرفع وجهه أمامه ﷺ خجلا وندامة، ثم كفّر عن جريمته السابقة بقتل مسيلمة الكذاب.
(٢) هو عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام المخزومي القرشي، من صناديد قريش في الجاهلية والإسلام، بعد إسلامه كان من أجلاء الصحابة، وكبار المجاهدين، والفاتحين، استشهد في اليرموك سنة ١٣ هـ.
[ ١٦٦ ]
إنّ هذا كلّه لرجل سبق منه قبل إسلامه أن قاتل المسلمين وآذاهم، بل هو ابن الذي ألقى على رسول الله ﷺ سلى جزور، والذي همّ أن يهجم عليه، وهو يصلي في المسجد الحرام، والذي همّ أن يخنقه بالرداء، والذي أشار في دار الندوة بقتل حامل هذه الرسالة الإلهية إلى الإنسانية، والذي أوقد نار الحرب بساحة بدر، وكاد للإسلام المكايد، ولم يقبل الصلح. هذا ابن ذلك العدو الألدّ، ولم يكن هذا الولد قد اعتزل أباه، بل شاركه في جميع فعلاته، فلما قدم على النبي ﷺ وهو في أوج قوّته هشّ له، وبشّ، ورحّب به، واستقبله بوجه طلق، وصدر رحب.
وهبار بن الأسود «١» هو الذي كان في الحقيقة قاتل زينب بنت الرسول ﷺ، وله فعلات أخرى، وجرائم شتّى، وقد خالف المسلمين أشدّ الخلاف، فلما فتح الله مكة لنبيه أهدر ﷺ دمه، فأراد هبار أن يهرب إلى فارس، ثم عدل عن ذلك، وبدا له أن يحضر مجلس الرسول ﷺ، فلما جاءه قال: يا رسول الله! كنت هممت أن أفرّ إلى بلاد فارس، لكنني تذكرت عفوك العام، وصفحك الشامل، فجئتك معترفا بجميع ما بلغك من ذنوبي، فلما سمع النبي ﷺ اعترافه، شمله بعفوه الذي وسع أعداءه جميعا، وفتح له باب رحمته الذي ما زال مفتوحا للجميع.
وعمير بن وهب «٢» تامر على قتل النّبيّ ﷺ مع صفوان بن أمية بعد وقعة بدر، فخرج إلى المدينة يترصّد النبيّ ﷺ، ومعه سيف مسموم، فوقع
_________________
(١) هو هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد العزى، هو الذي عرض للسيدة زينب بنت الرسول ﷺ وهي تركب الهودج من مكة إلى المدينة فنخس بها البعير حتى سقطت، وأسقطت جنينها، وتوفيت في النهاية من جراء هذه الصدمة. هجا الأسود النبيّ ﷺ قبل إسلامه، وقد أسلم فيما بعد وحسن إسلامه. توفي بعد ١٥ هـ.
(٢) هو عمير بن وهب بن خلف الجمحي، أبطأ في قبول الإسلام، لكن بعد إسلامه كان من الشجعان، شهد مع المسلمين أحدا وما بعدها، توفي بعد سنة ٢٢ هـ.
[ ١٦٧ ]
أسيرا بأيدي المسلمين، وثبتت عليه جرائمه، فخلّى النبيّ ﷺ سبيله، ولم يمسه بسوء.
وكان صفوان بن أمية «١» لما تامر مع عمير بن وهب على حياة النبي ﷺ، وحرّض عميرا على إتمام هذه الجريمة تعهّد لعمير بأن يعول عياله، ويقضي عنه ديونه لو أنه هلك في هذه المغامرة، فلما فتح الله مكة للنّبيّ ﷺ فرّ صفوان هاربا من مكة إلى جدة ليركب منها البحر إلى اليمن، فجاء عمير إلى النبيّ ﷺ يخبره بذلك، فأعطاه النبي ﷺ الأمان لصفوان، فطلب عمير من النبي ﷺ أمارة على أمان صفوان فأعطاه عمامته، فلما لقي عمير صفوان، وألحّ عليه بالرّجوع أبدى له الخوف على نفسه، فذكّره عمير بما كان من النبيّ ﷺ لما وقع في أسر المسلمين، وحدّثه بما جبل عليه النبيّ ﷺ من كرم النفس، وسعة الصّدر، وسجاحة الخلق، وعظيم العفو، فانقاد له صفوان، وذهب إلى المدينة، فلما حضر مجلس النبي ﷺ؛ قال له: بلغني أنّك قد أعطيتني الأمان، فهل هذا حقّ؟
فأجابه ﷺ: نعم. فقال للنبيّ ﷺ: لست داخلا بيتك حتى تمهلني شهرين، فأجابه: لقد أمهلتك أربعة أشهر. ولم تنقض تلك المدة حتى صلح حال صفوان، وتغيّر قلبه، ودخل في الإسلام.
ولما فتح رسول الله ﷺ خيبر معقل اليهود العظيم، وحصنهم المنيع، صنعت يهودية طعاما ودعت إليه النّبي ﷺ، فأجاب دعوتها: فقدّمت له لحما مسموما، فلما تناول منه؛ أعلمه الله بذلك، فأمسك يده عنه، ودعا باليهودية، فسألها عن الشاة المسمومة، فاعترفت بجريمتها، وقد بلغ من حلم رسول الله ﷺ أن تجاوز عنها ولم يؤاخذها على ذلك بسوء، وبقي مدة حياته ﷺ يشعر بأثر ذلك السّم.
وتقدّم آنفا أنّ الرسول ﷺ عند منصرفه من نجد استظلّ في الهاجرة
_________________
(١) هو صفوان بن أمية بن خلف بن وهب الجمحي، صحابي، فصيح، جواد، كان من أشراف قريش في الجاهلية والإسلام، أسلم بعد الفتح، وكان من المؤلفة قلوبهم، شهد اليرموك، وتوفي بمكة سنة ٤١ هـ وله ١٣ حديثا مرويا.
[ ١٦٨ ]
بشجرة، وعلّق فيها سيفه، ثم ساوره النوم، وقد ابتعد عنه الصحابة، وتفرقوا لحاجاتهم؛ إذ جاءه أعرابيّ من المشركين كان يرصده، فأخذ السيف، واخترطه، ودنا من الرسول، فاستيقظ ﷺ، فقال له الأعرابيّ:
من يعصمك مني؟ فقال له الرسول وقلبه مطمئن وجأشه رابط: الله! فلما سمع المشرك هذا الجواب الذي لم يكن يرتقبه تأثر، وأغمد السيف، وفي غضون ذلك رجع بعض الصحابة والأعرابيّ لابث لم ينصرف، فلم يتعرض له الرسول، ولم يعاقبه على ما كان همّ به. وكذلك وقع في أسر المسلمين أعرابيّ كان راصدا لقتل الرسول، فلما أحضر إليه ﷺ ذعر الأسير، فسكّن الرسول روعه وخفف عنه وقال له: لو أردت قتلي؛ ما قدرت عليه.
وقبض المسلمون على ثمانين من المشركين يوم فتح مكة، وكانوا ممّن يحرصون على قتل الرسول، فلما بلغه أمرهم؛ أمر بتخلية سبيلهم، ولم يمسسهم بسوء.
إخواني! إنكم تعلمون الطائف وأهلها، وكيف قابلوا الرسول بالشرّ والأذى أيام كان في مكة يعاني صنوفا من المصاعب والمعضلات، إنّ أهل الطائف لما عرض عليهم الرسول نفسه ليجيروه؛ جبهوه، وردّوه أقبح ردّ، ولم يصغوا إلى دعوته، إنّ سيد الطائف ورئيسها عبد ياليل «١» استهزأ به هو وعشيرته، وأغرى به طغام أهل الطائف، وسفلتها؛ ليسخروا منه، فلما مر بالطريق وقد اصطفوا صفّين رموه بالحجارة، فجرحت قدماه، وسالت منهما الدّماء على حذائه، وكان ﷺ كلما جلس يستجمّ من التعب يمنعونه من الجلوس، وإذا مرّ بهم يرجمونه بالحجارة «٢» . وإن ما لقيه من أذى أهل
_________________
(١) هو عبد ياليل الثقفي، الّذي كان قد أرسل العبيد والغلمان خلف رسول الله ﷺ في الطائف ليرموه بالحجارة، يحضر في النهاية إلى المدينة، ومنها حمل إلى قومه جواهر الإيمان واليقين.
(٢) ولكن قلب الرسول ﷺ كان مملوآ بحب الله وعظمته بعد ما كابد في هذا السفر من الأذى والألم، فدعا الله بالكلمات التالية: «اللهمّ إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ-
[ ١٦٩ ]
الطائف لم ينسه طول حياته. ولقد سألته عائشة بعد ذلك بتسع سنين عن أشدّ ما لقيه من بلاء فأخبرها بأنه يوم الطائف، وكان بعد ذلك أن زحف المسلمون على الطائف في السنة الثامنة للهجرة، وحاصروها، فأطالوا حصارها، واستعصى عليهم حصنها الحصين الذي قتل فيه كثيرون منهم، فهمّ الرسول أن يرجع عنهم، لكن أصحابه أبوا إلا الفتح، وسألوا النبيّ ﷺ أن يدعو على أهل الطائف، فرفع يديه إلى السماء يدعو فقال: اللهمّ اهد أهل الطّائف، اللهمّ ألن قلوبهم للإسلام، ومكّنه فيها» .
هذه هي رحمة الرسول، وسعة صدره، وسجاحة خلقه، وكرم نفسه، يدعو بالخير للذين آذوه بالشرّ أشدّ الأذى، وأبوا أن يجيروه حين استجار بهم، ثم قاتلوه أشدّ القتال، ومع كل هذا لم يسأل الله لهم إلا أعظم ما يعلمه من الخير، وهو الهدى. أرأيتم رجلا آخر في الدنيا بلغت الرحمة من قلبه هذا المبلغ؟ أجيبوني بالله عليكم، ولا تقولوا إلا الصدق.
دارت رحى الحرب على المسلمين بعد أن كانت الغلبة لهم، وذلك لأنهم خالفوا أمر الرسول، واستهوتهم أموال المشركين، فاشتغلوا بجمع الغنائم، وحينئذ كرّ عليهم العدوّ، فانهزموا، وزلزلت أقدامهم، فأحاط المشركون بالرسول، ورموه بالسهام والحجارة، وقاتلوه بالسلاح، فانكسرت ثنيته، وشجّ رأسه، ودخل فيه ثلاث حلقات من البيضة، وتضرّج بالدم، فلم يزد ﷺ في ذلك الموقف الرهيب على أن قال: «كيف تفلح أمّة تقتل نبيّها؟ اللهمّ اهد قومي فإنّهم لا يعلمون!»، وإذا كان المسيح عيسى ابن مريم قد قال في عظة الجبل «أحبب عدوك» فإن محمّدا رسول الله لم يقتصر على إرشاد الناس بلسانه بأن يحبوا أعداءهم، بل أراهم بسيرته وعمله كيف يكون موقفهم من أعدائهم.
_________________
(١) - غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الّذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحلّ عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» . وجاء هذا الدعاء في تاريخ الطبري بهذه الألفاظ [الطبري ٢/ ٢٣٠] .
[ ١٧٠ ]
إنّ عبد يا ليل- وأظنكم تذكرون اسمه- قد جبه الرسول هو وعشيرته بالمكروه، وآذوه أذى شديدا. فلما نزل مع قومه على الرسول ﷺ في المدينة بعد ذلك أنزله في مسجده، وضرب له قبّة فيه، وجعل يزوره بعد كلّ عشاء، ويقصّ عليه ما كان يلقى وهو في مكة من عناء وجهد، ومن هو عبد يا ليل؟ هو الذي استقبل الرسول ﷺ في الطائف بالأذى، ورجمه بالحجارة، وسامه الخسف، فهل عهد من أحد فيما مضى أن يحبّ عدوّه، ويعفو عنه بمثل هذه السماحة عند المقدرة؟ ولما فتح المسلمون مكة، ودخلوها أعزة ظافرين؛ اجتمع رجال قريش، وأشرافها بفناء المسجد الحرام، وفيهم من كان قد شتم الرسول، وأذاقه ضروب الأذى، وفيهم من كان قد ائتمر عليه بالقتل، وفيهم من كذب برسالته وافترى عليه، وفيهم من قاتله، وتذرّع بكل وسيلة لمحو الإسلام، وفيهم من طعن النبي بالرمح، وضربه بالسّيف، وفيهم من آذوا فقراء المسلمين، وضعفاءهم، وكووا صدورهم وظهورهم بالجمر الملتهب، كل أولئك من رجال قريش وساداتها كانوا يوم فتح مكة واقفين منكسي رؤوسهم صاغرين، ولعلهم كانوا يتذكرون ما سلف منهم، وتحز ذكراه في ضمائرهم مترقّبين أن يوقع بهم الرسول جزاء ما اقترفوا، وحقّ لهم أن يخافوا، فإن الذي أجلوه عن وطنه، وأخرجوه من داره قد عاد إليهم فاتحا عزيزا، يقود تحت راياته عشرة آلاف من الأبطال الباسلين؛ الذين ينتظرون أوامر سيدهم لينفذوها.
في ذلك الموقف الرّهيب سألهم الرّسول: ماذا ترون أنّي فاعل بكم؟
قالوا: خيرا. أخ كريم، وابن أخ كريم. فقال ﷺ: أقول اليوم ما قال يوسف لإخوته لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [يوسف: ٩٢] اذهبوا فأنتم الطّلقاء «١» .
هذه هي محبّة الأعداء، والعفو عنهم. وهذا ما حقّقه محمد رسول الله ﷺ، وضرب به المثل للسماحة التي لا عهد للدّنيا بمثلها، فذلك هو العفو والصفح، وتلك هي دماثة الخلق، وسعة الصدر، وكرم
_________________
(١) زاد المعاد، ج ١، ص ٤٢٤.
[ ١٧١ ]
المعدن. إنّه لم يدع الناس إلى فضيلة إلا بدأ بها بنفسه. لم تكن دعوته كلمات عذبة يرسلها على الناس، ولكنها كانت عملا يتقدّم به إلى الإنسانية؛ ليكون لها منه أسوة وقدوة.
إنّ دعاة الديانات الآخرى يسمعون الناس مواعظ حلوة من أقوال أنبيائهم، ومصلحيهم. أما دعاة الإسلام فيقدّمون للإنسان أمثلة عملية من سنة نبيهم وهديه. ولذلك كتب الله الخلود لهذه السنة وهذا الهدى، والدّين الإسلاميّ كما يدعو الأمم إلى كتاب الله يدعوها كذلك إلى سنة نبيه الكريم:
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١] . إنّ هذا يدلّ على أنّ الرسول نفسه مثال لهذه الدعوة، وحياته حياة مثالية للبشر جميعا، وهذا من خصوصيات الإسلام، فكما سنّ الإسلام للناس القوانين والأحكام، عرض عليهم كذلك حياة النّبيّ ﷺ لتكون مثلا لهم يقتدون بها في حياتهم.
ولذلك كان يقول لهم: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي» «١» . وكانوا يتداولون أخباره في آداب المعاشرة مع الأولاد، والأزواج، ويروون قوله ﷺ: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» «٢» .
ولما وقف بعرفات في حجّة الوداع كان عدد أصحابه من حوله نحو مئة ألف أو يزيدون، فبلغ رسالات ربه الأخيرة، وأعلن فيهم أحكامه، وأبطل بقايا رسوم الجاهلية، ومحا ما بقي عالقا من آثار مفاسدها، واستأصل شرّها، وأزال أسباب الحروب بين الأمة العربية، وأبطل دواعي الملاحم التي لم تكن قبل ذلك تنقطع. لكنّه لما أعلن إبطال دواعي الجاهلية بدأ بنفسه أولا، فقدّم من عمله ما يدعو الناس إلى أن يقتدوا به، فخاطب مئة ألف من العرب الذين شهدوا موسم الحج قائلا لهم:
_________________
(١) رواه البخاري عن مالك بن حويرث، في الأذان باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة (٦٣١) .
(٢) رواه الترمذيّ عن عائشة﵂ في المناقب باب في فضل أزواج النبي ﷺ (٣٨٩٥) .
[ ١٧٢ ]
«إنّ دماء الجاهليّة موضوعة تحت قدمي، وأوّل دم أضعه دم ابن ربيعة ابن الحارث «١»» «٢» .
وأبطل ربا الجاهلية، وأول ربا أبطله ربا عمه العباس بن عبد المطلب.
وتأتي الكرامة والشرف مع النفس والمال. وإنّ معالجة الأمور المتعلقة بأعراض الناس وشرفهم من أشدّ الأمور وأعضلها، وإصلاح ذلك يعد غضّا من كرامات الناس، ونيلا من شرفهم، لذلك قلما اجترأ المصلحون على إصلاح الرسوم الفاسدة المتمكنة من نفوس الناس، والضاربة جذورها في أعماق قلوبهم، حتى إنّها لتجري في عروقهم مجرى الدم. أما الرسول ﷺ فإنه علّم الناس المساواة بين جميع الطبقات، ودعاهم إلى الأخوة الإنسانية بأدقّ ما تصل إليه معانيها، حتى إنّ الرقيق الذي كان في اصطلاح الجاهلية
_________________
(١) اسم هذا القتيل إياس، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل.
(٢) هذه قطعة من الخطبة، ونذكر هنا نص الخطبة بكاملها، للموعظة البليغة، والفوائد الكثيرة التي تشتمل عليها وهي: «يا أيها الناس! إني لا أراني وإياكم نجتمع في هذا المجلس أبدا. إنّ دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضعه من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كلّه، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهم ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهنّ عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكبها إلى الناس: «اللهمّ اشهد» ثلاث مرات (معدن الأعمال (١١٠٧) - عن وابصة ﵁ رواه ابن عساكر- وروى مسلم في صحيحه عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جابر: ولما فرغ الرسول ﷺ من الخطبة نزلت هذه الآية الكريمة في نفس المكان: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا [المائدة: ٣] .
[ ١٧٣ ]
أذلّ الناس، وأحقرهم، دعاه ﷺ بنفسه، فاتخذ غلامه زيدا بمنزلة الابن، وسوى بين الرقيق والعربي الحرّ الكريم المحتد، الشريف النّجار. وكان قد بلغ الإباء والفخر والخيلاء بالعرب إلى أن كانوا يراعون ذلك في الحرب أشدّ المراعاة، فكانت القبائل تتفاضل في درجات الشرف والكرم، والذي يزعم لنفسه أنه أشرف من غيره، وأرفع قدرا يشمخ بأنفه مترفعا عن أن يدنس «١» سيفه في القتال بدم من يراه دونه شرفا، وكرما، ومنزلة. أما رسول الله ﷺ؛ فقد أذّن في الناس: أنّ الناس كلّهم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: ١٣] وبهذا التعليم الجديد أعلن أنّ الناس كلّهم سواسية إلا بالفضائل، فلا تعلو طبقة على طبقة، ولا طائفة من القوم على طائفة أخرى، وأصبح السيد، والمولى، والغني، والفقير سواء، لا يتفاضلون إلا بالنفوس الرضيّة، والأعمال الصالحة. ولم يبق للنسب وزن في ميزان الإسلام. واحتاج هذا التعليم إلى عمل يؤيده، ويقويه، ويقيم له وزنا في أعين الناس. وكان النبي ﷺ لما تبنّى «٢» زيد بن حارثة زوّجه زينب بنت جحش (وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ) وكان المتبنّى في نظام الجاهلية مثل الولد من الصّلب، فكانوا يحرمون على أنفسهم نكاح حلائل من اتخذوه ابنا لهم، كما يحرمون على أنفسهم نكاح حلائل الأبناء من الصلب، وقد جرّ هذا الحكم الجاهلي مفاسد عظيمة في حياة الأسرة عند العرب، فلما جاء الإسلام بإصلاح رسوم الجاهلية الفاسدة؛ أبطل بعضها، وعدّل بعضها، فلما أراد أن يبطل أحكام الجاهلية في المتبنّى، مست الحاجة إلى أن يبطل هذا الحكم الفاسد بعمل من أعمال الرسول، ولا يخفى أنّ الشرف من أشدّ ما يحافظ عليه الناس، ولا سيما العرب، فأقدم الرسول على ما دعا إليه من إبطال حكم التبني، وتزوج زينب حليلة زيد
_________________
(١) يدنّس سيفه: يوسّخه.
(٢) تبنّى فلانا: اتخذه ابنا.
[ ١٧٤ ]
بعد ما طلقها زيد، وبذلك امّحى هذا الرسم الفاسد، ولم يبق له أثر بعد عين.
إنّ حياة الرسول ملأى بالأمثلة، وعامرة بالوقائع التي تدل على أنه ﷺ قدّم حياته للإنسانية لتكون أسوة لأبنائها. وأنا طمعا مني في الإيجاز، ووقوفا بالسامعين عند هذا الحدّ لكيلا يسأموا، أمسك عن الإطناب في هذه المحاضرة؛ لأن الوقت قصير، والبحث طويل.
مقارنة بينه ﷺ وبين الأنبياء من آدم إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام:
إخواني! تأمّلوا حياة الأنبياء من آدم إلى عيسى! وتفكّروا فيمن سلف من المصلحين، والذين بعثوا بهداية الخلق؛ من الشام إلى أقصى الهند، فهل تعرفون واحدا منهم عمرت حياته بمثل هذه الأعمال الجليلة المتنوعة، وبمثل هذه الأفعال العظيمة الكاملة؛ التي يرى فيها الناس أسوة لهم، ومنهاجا لحياتهم الشخصية والاجتماعية؟
وإليكم الآن كلمة واحدة: إنّ أحد الواعظين والخطباء يذكر في مواعظه وخطبه (الحبّ الإلهي) بكلمات عذبة، وألفاظ فصيحة رائعة، ولكن- كما قيل- إن الشجرة تعرف من ثمرها، فماذا كان أثر الحبّ الإلهي الطاهر في حياته العملية؟ ولكن تعالوا ادرسوا سيرة هذا الرسول العربيّ الذي كان يحبّ الله؛ تجدوه قائما في ظلمات الليل يصلّي والناس نيام.
ثم ترونه باسطا ذراعيه إلى السماء يسأل ربه إقامة الحق، وتيسير الخير، وقلبه خاشع، وطرفه دامع، ولسانه رطب بحمد الله، وتسبيحه، وتمجيده، أليست هذه هي صورة الحبّ الإلهي في أكمل حالاتها؟
إنّ نبي الله عيسى ابن مريم لما قبض عليه أعداؤه، وأرادوا صلبه، انطلق لسانه مناديا: «إيلي، إيلي، لم سبقتني!» أي: ربي، ربي، لماذا تركتني، وخذلتني. أما محمد رسول الله فإنه لما دنا من الموت، وأيقن أنّه تارك هذه الدنيا، وكادت روحه الطاهرة تفيض صاعدة إلى ربها، أخذ
[ ١٧٥ ]
يناجي ربه قائلا: «اللهمّ إلى الرّفيق الأعلى» «١»، فهو في حنين شديد إلى لقاء ربه، وفي شوق عظيم إلى رفيقه الأعلى. فأيّ الجملتين أدلّ على الحبّ الإلهيّ، وأيهما أصرح في الحنين إلى لقاء رب العالمين عزّ جلاله، وعظم سلطانه؟
اللهم صلّ عليه، وعلى سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين.
_________________
(١) روى البخاري عن عائشة ﵂- كان رسول الله ﷺ يقول وهو صحيح: «لم يقبض نبي قطّ حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخيّر» فلما نزل به- ورأسه على فخذي- غشي عليه ساعة، ثم أفاق، فأشخص بصره إلى السقف، ثم قال: «اللهمّ الرّفيق الأعلى» قلت: إذا لا يختارنا، وعلمت أنّه الحديث الّذي كان يحدّثنا وهو صحيح، قالت: فكانت تلك آخر كلمة تكلم بها، «اللهمّ الرّفيق الأعلى» [البخاري (٦٣٤٨)] .
[ ١٧٦ ]
المحاضرة السّابعة رسالة رسول الإسلام إلى جميع الأنام
[ ١٧٧ ]