المدينة قاعدة الإسلام الأمينة تطهير المدينة المنورة وفرض الحصار الاقتصادي على قريش
الموقف العام
١- المسلمون:
كان المسلمون قبل (بدر) يخشون مواطنيهم غير المسلمين من أهل المدينة المنورة، فلا تبلغ بهم الجرأة الى حد أخذ الحق ممن يعتدي على مسلم منهم؛ فلما عادوا من (بدر) منتصرين انقلب الموقف تماما، فأصبح سلطانهم مهيبا في المدينة المنورة وما حولها.
لقد قضوا على أكثر أعدائهم (كأفراد) كأبي عفك اليهودي «١» الذي كان يهجو المسلمين ويحرّض قومه على الخروج عليهم، وكعصماء بنت مروان «٢» التي كانت تعيب الاسلام وتؤذي النبي ﷺ وتحرّض عليه، وكعب بن الأشرف «٣» الذي قال حين علم بمقتل سادات مكة: (هؤلاء أشراف العرب وملوك الناس.
والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها)، وهو الذي
_________________
(١) - قتله سالم بن عمير العمري في شوال على رأس عشرين شهرا من مهاجرة رسول الله (ص) . أنظر طبقات ابن سعد ٢/ ٢٨.
(٢) - قتلها عمير بن عديّ بن خرشة الخطمي لخمس ليال بقين من رمضان على رأس تسعة عشر شهرا من مهاجرة رسول الله (ص)، فلما علم النبي (ص) بقتلها قال: (لا ينتطح فيها عنزان) . أنظر طبقات أبي سعد ٢/ ٢٧.
(٣) - قتله محمد بن مسلمة ونفر من الأوس منهم عبّاد بن بشر وأبو نائلة سلكان بن سلامة والحارث بن أوس بن معاذ وأبو عيسى بن جبر. أنظر طبقات ابن سعد ٢/ ٣٢.
[ ١٥١ ]
قصد مكة لما تيقّن الخبر يحرّض على رسول الله ﷺ وينشد الأشعار ويبكي أصحاب (القليب) «١»، فلما رجع الى المدينة المنورة جعل يشبّب بنساء المسلمين.
وسترى كيف قضى المسلمون على أعدائهم (كجماعات)
٢- المشركون ويهود:
أ- عزمت قريش على أخذ ثأرها من المسلمين مهما يكلفها الأمر من جهود وخسائر في الأنفس والمال، وفي سبيل ذلك أخذت تستعد لليوم الموعود.
ب- عقدت أكثر القبائل التي على طريق مكة- الشام التجارية التي تتاخم الساحل معاهدات مع المسلمين، فسيطر المسلمون على هذه الطريق، فلا يمرّ أحد منها إلا بإذنهم.
ومع ذلك فقد بدأ قسم من القبائل العربية التي تسيطر على طريق الشام- مكة، والقاطنة بين مكة والمدينة ترى ما يهدّد مصيرها في قوّة المسلمين خاصة وأنها حرمت من فوائد اقتصادية كانت تجنيها من مرور تجارة قريش في رحلة الصيف الى الشام، فأخذت تفكّر في التعرّض للمسلمين.
ج- أما مشركو المدينة فقد أعلن أكثرهم إسلامهم، وبقي بين صفوفهم قسم من المنافقين.
د- ولكنّ يهود المدينة ازدادوا حقدا على المسلمين، وأخذ قسم منهم يجاهرون بعدائهم لهم وينقل أخبارهم للمشركين ويؤوي أعداءهم ويدلهم على عورات المسلمين.
لذلك فقد أصبح بقاؤهم داخل المدينة خطرا محدقا بالمسلمين
_________________
(١) - هم قتلى المشركين في (بدر) والذين دفنوا في القليب.
[ ١٥٢ ]
الهدف الحيوي
١- تطهير المدينة المنورة من يهود، حتى تكون المدينة (قاعدة أمينة) لحركات المسلمين القادمة، فلا تنكشف حركاتهم للأعداء كما انكشفت في السابق، فيستطيعون بعد ذاك ترك المدينة المنورة بحراسة قليلة دون أن يتعرضوا لخطر كبير.
٢- حرمان قريش من الاستفادة من الطرق التجارية التي تربط العراق من جهة والشام من جهة أخرى بمكة موطن قريش، لغرض القضاء على أهم مورد من موارد تجارة قريش بفرض هذا الحصار الاقتصادي على هذه الطرق.
حصار بني قينقاع
(راجع الملحق- د)
١- أسباب الحصار:
أ- الأسباب غير المباشرة:
تجسّس يهود على المسلمين لصالح المشركين، ونقلهم كل المعلومات عن نيات المسلمين وحركاتهم الى قريش، وإظهار عداوتهم بوضوح للمسلمين.
ب- نبذ يهود العهد الذي كانوا قطعوه على أنفسهم للمسلمين بعد هجرة النبي ﷺ الى المدينة المنورة وأظهروا البغي «١» .
ج- الأسباب المباشرة:
تعرّض يهود لامرأة مسلمة تبيع حليّها في سوق بني قينقاع، فاستغاثت المرأة، فوثب أحد المسلمين على الصائغ اليهودي فقتله، فشدّت يهود على المسلم فقتلوه، ثم لجأ يهود الى حصونهم يحتمون بها.
_________________
(١) - أنظر طبقات ابن سعد ٢/ ٢٩.
[ ١٥٣ ]
٢- قوات الطرفين:
أ- المسلمون:
كل مسلمي المدينة المنورة القادرين على حمل السلاح بقيادة الرسول ﷺ.
ب- يهود:
كل بني قينقاع الساكنين داخل المدينة المنورة.
٣- الهدف:
القضاء على بني قينقاع في المدينة المنورة ليستقرّ الأمر فيها للمسلمين ولتكون المدينة قاعدة أمينة للمسلمين يرتكزون عليها في العمليات العسكرية المقبلة.
٤- الحوادث:
طلب الرسول ﷺ إلى بني قينقاع أن يكفّوا أذاهم عن المسلمين وأن يحفظوا عهد الموادعة لئلا ينزل بهم ما نزل بقريش، فاستخفّ بنو قينقاع بوعيده قائلين: (لا يغرنّك يا محمد أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة! إنّا والله لئن حاربنا لتعلمنّ أنّا نحن الناس) .
لم يبق بعد هذا التحدي الصارخ أمام المسلمين إلا مقاتلة بني قينقاع، فحاصروهم في قلاعهم خمسة عشر يوما، حتى اضطروهم على التسليم ورضوا بما يصنعه الرسول ﷺ في رقابهم ونسائهم وذرّيتهم وأموالهم، فجاء عبد الله بن أبيّ «١» الى الرسول ﷺ وقال: (يا محمد! أحسن في مواليّ)، وكانوا حلفاء الخزرج، فأبطأ عليه الرسول ﷺ، فكرّر ابن أبيّ مقالته، فأعرض
_________________
(١) - كان رأس المنافقين في المدينة.
[ ١٥٤ ]
عنه الرسول ﷺ، فأدخل ابن أبي يده في جيب درع الرسول ﷺ، فتغير لون النبي ﷺ وقال له: (أرسلني) ! وغضب حتى رأوا لوجهه ظللا.
ألح ابن أبي في رجائه قائلا: (والله لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ:
أربعمائة حاسر «١» وثلاثمائة دارع «٢» قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر)
فقال الرسول ﷺ: (هم لك على أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروننا بها) .
وسار بنو قينقاع تاركين وراءهم السلاح وأدوات الذهب الذي كانوا يصوغونه حتى بلغوا (وادي القرى) «٣»، وبقوا هناك زمنا ثم احتملوا ما معهم وساروا صوب الشمال حتى بلغوا (أذريعات) «٤»، على حدود الشام وبها أقاموا ولم يبقوا فيها طويلا حتى هلك أكثرهم، وبذلك تخلّص المسلمون من هذا (الرتل الخامس) الذي كان يعيش بين ظهرانيهم، فينقل أخبارهم ويكشف أسرارهم لأعدائهم المشركين.
فرض الحصار الاقتصادي على قريش
(راجع الملحق- د)
١- غزوة بني سليم:
أ- قوات الطرفين:
أولا- المسلمون:
دورية قتال بقوة مائتي راكب وراجل بقيادة الرسول ﷺ.
_________________
(١) - الحاسر: الذي لا درع له.
(٢) - الدارع: لابس الدرع.
(٣) - وادي القرى: موضع جنوبي خيبر وبين المدينة المنورة وخيبر.
(٤) - أذريعات: موضع كائن في منطقة شرقي الأردن حاليا بين أجنادين والشام.
[ ١٥٥ ]
ثانيا- المشركون:
بنو سليم وغطفان.
ب- الهدف:
لقضاء على مقاومة سليم وغطفان في عقر دارهم في (قرقرة الكدر) «١» الواقعة على الطريق التجارية الحيوية بين مكة والشام.
ج- الحوادث:
بلغ المسلمين أن جمعا من غطفان وبني سليم اعتزم الاعتداء عليهم، فخرج الرسول ﷺ وبإمرته مائتا راكب وراجل من المسلمين الى (قرقرة الكدر) ليأخذ عليهم الطريق. فلما وصل الى ذلك المكان رأى آثار النعم ولم يجد أحدا، إذ فرّت جموع بني سليم وغطفان لما سمعت بقدوم المسلمين، فجمع المسلمون ما وجدوا من إبل، وقسّمها الرسول ﷺ عليهم بالتساوي، وبقي في منازل القوم ثلاثة أيام لإظهار قوة المسلمين وعدم اكتراثهم بعدوّهم، ثم عادوا أدراجهم الى المدينة المنورة.
٢- غزوة السّويق:
أ- قوات الطرفين:
أولا- المسلمون:
قوة مطاردة خفيفة بقيادة الرسول ﷺ.
_________________
(١) - قرقرة الكدر. القرقرة: هي الأرض الملساء وليست ببعيدة. وهو موضع بناحية المعدن قريبة من الأرحضية بينها وبين المدينة ثمانية برد، وهي ماء لبني سليم. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٧/ ٥٦ و٧/ ٢٢٤.
[ ١٥٦ ]
ثانيا- المشركون:
مائتا فارس من قريش بقيادة أبي سفيان بن حرب.
ب- الهدف:
مطاردة أبي سفيان بن حرب للقضاء على قوته.
ج- الحوادث:
خرج أبو سفيان بن حرب بمائتي فارس من مكة المكرمة، وقرّر أن يباغت المدينة المنورة بغارة خاطفة ليردّ لقريش بعض سمعتها التي خسرتها يوم (بدر)، ويلحق بالمسلمين ما يستطيع من الخسائر، وحتى يبرّ بنذره الذي قطعه على نفسه بعد (بدر)؛ (ألّا يمسّ رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا) .
وصل أبو سفيان بقوته مساكن بني النضير «١» بأطراف المدينة المنورة في جنح الليل، ونزل على سلام بن مشكم من سادة يهود، فعرف منه أخبار المسلمين، وتدارس معه أجدى الطرق لإيقاع الأذى بهم والإفلات بعد ذلك سالما من مطاردتهم، وهكذا هجم أبو سفيان برجاله على ناحية يقال لها:
(العريض) «٢» على مقربة من المدينة المنورة وحرقوا بيتين في (العريض) ونخلا، ووجدوا رجلا من الأنصار وحليفا له في حرث لهما، فقتلوهما، ثم انكفأ أبو سفيان بن حرب بقوته هاربا خائفا أن يطلبه النبي ﷺ وأصحابه.
ندب محمد ﷺ أصحابه فخرجوا في أثر أبي سفيان بن حرب، حتى بلغوا (قرقر الكدر) وأبو سفيان ومن معه جادّون في الفرار يتزايد خوفهم فيتخفّفون من أرزاقهم التي يحملونها، حتى تمكنوا من النجاة، وعثر المسلمون
_________________
(١) - يهود.
(٢) - العريض: اسم موضع، وقال ياقوت: هو واد بالمدينة له ذكر في المغازي.
[ ١٥٨ ]
في طريق المطاردة على هذه الأرزاق وأكثرها من (السويق) «١»، فسمّوا هذه الغزوة بغزوة (السويق)، ولما رأى النبي ﷺ أن القوم أمعنوا في الفرار، عاد وأصحابه الى المدينة المنورة.
٣- غزوة ذي أمرّ:
أ- قوات الطرفين:
أولا- المسلمون:
أربعمائة وخمسون رجلا بين راكب وراجل بقيادة الرسول ﷺ.
ثانيا- المشركون:
بنو ثعلبة ومحارب.
ب- الهدف:
القضاء على بني ثعلبة ومحارب قبل التعرض بأطراف المدينة المنورة.
ج- الحوادث:
بلغ محمدا ﷺ أن جمعا من بني ثعلبة ومحارب قد تجمّعوا (بذي أمرّ) «٢» يريدون أن يتعرضوا بأطراف المدينة المنورة، فخرج الرسول ﷺ في أربعمائة وخمسين من المسلمين بين راكب وراجل، فلقي رجلا من (ثعلبة)، فسأله عن القوم فدله الرجل على مواضعهم، وأخبره أنهم سيهربون الى رؤوس الجبال إن سمعوا بمسير المسلمين.
_________________
(١) - السويق: ان تحمص الحنطة أو الشعير ثم تطحن، وقد تمزج باللبن والعسل والسمن تلتّ به.
(٢) - ذر أمر: موضع بنجد من ديار غطفان.
[ ١٥٩ ]
وما لبث بنو ثعلبة ومحارب أن فرّوا الى رؤوس الجبال عند سماعهم بمسير المسلمين.
وعاد المسلمون بعد أن بقوا في ديار القوم شهرا كاملا بدون قتال.
٤- غزوة بحران «١»:
أ- قوات الطرفين:
أولا- المسلمون:
ثلاثمائة مقاتل بين راكب وراجل بقيادة الرسول ﷺ.
ثانيا- المشركون:
بنو سليم.
ب- الهدف:
القضاء على بني سليم قبل إنجاز استعداداتهم لقتال المسلمين.
ج- الحوادث:
بلغ النبي ﷺ أن جمعا كبيرا من بني سليم يتهيّئون لقتاله، فخرج في ثلاثمائة رجل من المسلمين أغذّوا السير ليباغتوا بني سليم في ديارهم، حتى إذا وصلوا دون (بحران) بليلة، لقيهم رجل من بني سليم، فسأله النبي ﷺ عنهم، فأخبره أنهم تفرّقوا وعادوا أدراجهم حين سمعوا بخروجه إليهم.
وعاد النبي ﷺ بأصحابه الى المدينة المنورة بعد أن بقي في ديار القوم حوالي شهرين.
_________________
(١) - بحران: قيده جماعة بفتح الباء؛ وقيده آخرون بضمها، وقال ياقوت: موضع بين الفرع والمدينة، وقال الواقدي: بين الفرع والمدينة ثمانية برد.
[ ١٦٠ ]
٥- سرية زيد بن حارثة:
أ- قوات الطرفين:
أولا- المسلمون:
دورية قتال بقوة مائة راكب بقيادة زيد بن حارثة الكلبي.
ثانيا- المشركون:
قافلة تجارية لقريش بقيادة صفوان بن أمية.
ب- الهدف:
حرمان قريش من الاستفادة من طريق مكة- العراق التجارية بعد حرمانهم من الاستفادة من طريق مكة- الشام التجارية.
ج- الحوادث:
قطع الرسول ﷺ على قريش طريق مكة- الشام التجارية، مما أثر أسوأ الأثر على اقتصاديات قريش، خاصة وأن مكة تعيش على التجارة لأنها بواد غير ذي زرع.
قال صفوان بن أمية لقريش: (إن محمدا وأصحابه قد عوّروا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه وهم لا يبرحون الساحل، وأهل الساحل قد وادعهم ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك؟ وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رؤوس أموالنا فلم يكن لها من بقاء، وإنما حياتنا بمكة على التجارة الى الشام في الصيف والى الحبشة في الشتاء) .
قال له الأسود بن عبد المطلب: (تنكّب الطريق على الساحل، وخذ
[ ١٦١ ]
طريق العراق) . ثم دلّه على فرات بن حيّان من بني بكر بن وائل ليكون رائدهم في هذه الرحلة.
وتجهّز صفوان من الفضة والبضائع بما قيمته مائة ألف درهم، وما لبث النبي ﷺ أن بعث زيد بن حارثة بمائة راكب يتعرّضون للقافلة، فلقيها زيد عند ماء يقال له (القردة) «١»، وهو ماء من مياه نجد؛ ففرّ المشركون مذعورين، وأصاب المسلمون القافلة، وأسروا دليلها فرات بن حيّان، فلما جيء به الى المدينة المنورة دخل الإسلام
وهكذا حرم المشركون من طريق مكة- العراق، كما حرموا من قبل من طريق مكة- الشام، فأصبح الحصار الاقتصادي مطبقا عليهم من الطرق المؤدية الى الشام والعراق كافة.
دروس من حركات التطهير
١- القاعدة الامينة:
القاعدة الأمينة، هي المنطقة الحيوية التي يمكن الاعتماد عليها في كل حركة عسكرية، لإمداد القوات المحاربة بالرجال والمواد، ولتكون الملجأ الحصين الذين تلجأ إليه تلك القوات عند أسوأ الاحتمالات.
ولا بدّ من وجود (قاعدة أمينة) لكل حركة عسكرية ناجحة، لترتكز عليها القوات في صفحات القتال كافة.
ولا بدّ من وجود (قاعدة أمينة) لكل دعوة ناجحة أيضا، لتكون الملجأ الحصين لأصحاب الدعوة والدعاة، ولتنتشر منها الدعوة الى الخارج.
_________________
(١) - قردة: ماء بنجد في الرمّة لبني نعامة. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٧/ ٥٠.
[ ١٦٢ ]
لقد أصبحت المدينة المنورة أول قاعدة أمينة للاسلام بعد أن هاجر إليها الرسول ﷺ، ولكنها لم تكن قاعدة أمينة حقا قبل إجلاء بني قينقاع عنها.
لقد كان موقف يهود المدينة يختلف تماما عن موقف مشركيها.
كان مشركو المدينة يمتّون بصلة القربى والنسب الى الأنصار، أما يهود فلا نسب ولا قربى لهم مع سكان المدينة من غير يهود.
وقد أسلم أكثر مشركي المدينة بعد (بدر)، والذين بقوا على شركهم قليلون، لذلك كان خطر هؤلاء على المسلمين قليلا.
أما يهود المدينة فقد زادهم انتصار المسلمين في (بدر) حقدا على حقدهم، فأصبحوا يتربصون بالمسلمين الدوائر ويتجسّسون عليهم ويحرّضون أعداءهم للفتك بهم، ويؤذونهم بالقول والعمل.
لقد كان بقاء يهود بالمدينة بعد انتصار المسلمين في (بدر) خطرا داهما لا بد من القضاء عليه، لتكون المدينة قاعدة أمينة حقا للاسلام؛ ولترتكز عليها قواتهم للحركات المقبلة، ودعوتهم للإسلام في حاضرهم ومستقبلهم.
لقد ضعفت شوكة يهود بعد إجلاء بني قينقاع عنها، فقد كان أكثر يهود المنتسبين الى المدينة يقيمون بعيدا عنها (بخيبر) وبأم القرى؛ وهكذا طهّر المسلمون داخل المدينة من أخطر أعدائهم، وأصبحت المدينة قاعدة أمينة للاسلام حقا.
٢- الحصار الاقتصادي:
تعتمد قريش في حياتها على تجارتها بالدرجة الأولى، وهي تستورد بعض المواد التي تتيسر في الحبشة والشام والعراق واليمن، كالمواد الغذائية
[ ١٦٣ ]
والمنسوجات، وتصدّر إليها بعض المواد الأولية، كالجلود والصوف والطيب الذي يردها من الهند.
وطريق مكة- الشام أهم طريق تجارية لقريش، لأهمية تجارة الشام، ولأنها طريق برية يسهل قطعها بالإبل سفن الصحراء.
إن قطع المسلمين طريق مكة- الشام، أثّر أسوأ الأثر في الحياة الاقتصادية لقريش، لذلك حاولوا أن يستفيدوا من طريق مكة- نجد- العراق الشام الطويلة، حتى لا تموت تجارتهم نهائيا، إلا أن المسلمين حرموا قريشا من هذه الطريق الجديدة أيضا.
إن فرض الحصار الاقتصادي على قريش، جعلهم أمام مسلكين: محاولة القضاء على المسلمين لتنفتح أمامهم الطرق التجارية المقطوعة، أو الاستسلام قبل أن تموت قريش جوعا.
إن هدف المسلمين من غزواتهم بعد (بدر) على بني سليم وغطفان وبني ثعلبة وبني محارب وعلى قافلة قريش، كان لحرمان هذه القبائل من التعرّض بالمسلمين وللسيطرة على طريق مكة- الشام وطريق مكة- نجد العراق؛ ولم يكن هدف المسلمين الحصول على الغنائم، لأن الذين يحاولون السلب يعودون بسرعة الى قواعدهم خوفا من استرداد ما غنموه، ولا يبقون أياما بل شهورا في ديار أعدائهم كما فعل المسلمون.
لقد بقي المسلمون ثلاث ليال في ديار بني سليم في المرّة الأولى، وشهرين في المرة الثانية، وشهرا كاملا في ديار بني ثعلبة وبني محارب، فهل يبقى كل هذه المدة خائف من عدوه أو طالب للسلب والنهب؟!
[ ١٦٤ ]
إن الهدف الأول من الحصار الاقتصادي المضروب على قريش، هو التأثير المادي والمعنوي عليهم ليعيدوا النظر في موقفهم من المسلمين، وما غزوات الرسول ﷺ القبائل في هذه الفترة إلا للتخلص من تهديدها ولتأمين هدف الرسول ﷺ في ضرب الحصار الاقتصادي على قريش.
لقد كانت غزوات هذه الفترة (حربا باردة) كما يطلق عليها العسكريون اليوم، وكان لا بد من تطهير (القاعدة الأمينة) لتأمين النصر من هذه الغزوات.
[ ١٦٥ ]
النصر للمغلوب
(وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) .
(القرآن الكريم)
[ ١٦٩ ]