محاسبة الغادرين
الموقف العام
١- المسلمون:
إستطاع المسلمون الثبات أمام الأحزاب ويهود في ظروف قاسية جدا ضد قوات متفوقة عليهم فواقا ساحقا، فثبتوا تجاه الخطر الداهم الذي هدّدهم من خارج المدينة ومن داخلها.
وهذا الصمود والثبات جعل معنويات المسلمين في وضع متميز لم يسبق له مثيل من قبل.
لقد تخلّصوا من الأحزاب، وبقي أمامهم بنو (قريظة) جيرانهم في المدينة الذين لم يرعوا للجار حقا ولم يحافظوا على العهد، وخانوا المسلمين في أخطر أوقات محنتهم، فلا بدّ من تصفية الحساب معهم.
٢- المشركون:
انسحب الأحزاب وقريش الى ديارهم يحملون معهم كلّ معاني الإخفاق، فلم تستطع قريش القضاء على المسلمين، ولم تستطع القبائل الأخرى نهب أموال المسلمين، ولم يعودوا بأية فائدة يمكن أن تخفف عنهم ما بذلوه من جهد في السفر والحصار أيام الشتاء، ومن مال صرفوه لتزويد قواتهم بالمواد الادارية والأرزاق قبل المعركة وأثناءها وبعدها.
لقد أثّر ذلك في معنويات المشركين ويهود، وجعلهم يخافون المسلمين كل الخوف، ويخشونهم كل الخشية.
[ ٢٤٣ ]
٣- يهود:
بقي يهود من بني قريظة وحدهم أمام المسلمين بعد انسحاب الأحزاب، وبقيت معهم غدرتهم الشنيعة التي فضحت طواياهم، فأصبحوا كالمجرم الذي ثبتت إدانته فهو يرقب القصاص العادل.
لقد كانت معنوياتهم منحطة للغاية، إذ كانوا يتوقّعون هجوم المسلمين عليهم ويعرفون نتيجة هذا الهجوم.
الهدف الحيوي
محاسبة الغادرين من يهود على غدرهم بالمسلمين في أشد أوقاتهم حرجا، ومحاسبة القبائل التي غدرت بدعاة المسلمين.
غزوة بني قريظة
١- أسباب الغزوة:
نكث بني قريظة لعهدهم مع المسلمين عند تجمع الأحزاب حول المدينة المنورة.
٢- قوات الطرفين:
أ- المسلمون:
ثلاثة آلاف بقيادة الرسول ﷺ معهم ستة وثلاثون فارسا.
ب- بنو قريظة:
ستمائة مقاتل الى سبعمائة مقاتل بقيادة كعب بن أسد يعاونه حييّ بن أخطب رأس يهود الذين حشدوا الأحزاب وجمعوها حول المدينة المنورة.
[ ٢٤٤ ]
٣- الهدف:
القضاء على بني قريظة لنكثها عهودها التي قطعها على نفسها مع المسلمين، مما جعل المسلمين مهددين بالإبادة والفناء.
٤- الحوادث:
عاد الرسول ﷺ الى المدينة المنورة صباح الليلة التي انسحب الاحزاب فيها الى ديارهم، وأمر أصحابه ظهر ذلك اليوم بالحركة الى بني (قريظة) والإسراع بالإطباق على حصونهم بحيث لا يصلي المسلمون صلاة العصر إلا منطقة (قريظة) .
وعلى الرغم من تعب المسلمين الشديد لبقائهم مدة طويلة محاصرين، وعلى الرغم من برودة الطقس، فقد أسرع المسلمون لتنفيذ أمر الرسول ﷺ، وأنجزوا تجمعهم حول حصون بني قريظة قبل أن يحل الظلام من ذلك اليوم!
واستمرّ الحصار خمسا وعشرين ليلة لم يقع خلالها إلا بعض المناوشات الطفيفة بالنبل والحجارة، كان من أثرها استشهاد أحد المسلمين مصابا برحى رمته بها امرأة يهودية من فوق سطح منزلها «١» .
لم يجرؤ بنو (قريظة) على الخروج من حصونهم طيلة مدة الحصار، وكانوا مترددين لا يستقر رأيهم على شيء من شدّة الخوف.
طلب منهم قائدهم أن يعتنقوا الاسلام، فرفضوا وطلب منهم الخروج للقتال، فرفضوا أيضا، وبقوا في حصونهم لا يفعلون شيئا.
وأخيرا أرسل يهود يعرضون الخروج الى (أذرعات) «٢» تاركين وراءهم ما يملكونه؛ فأبى الرسول ﷺ إلا أن يستسلموا بدون قيد أو شرط.
_________________
(١) - هو: خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو من بني الحارث بن الخزرج، ومات في أثناء الحصار أبو سنان بن محصن الأسدي. انظر جوامع السيرة لابن حزم ١٩٧- ١٩٨.
(٢) - اذرعات: بلد في اطراف الشام يجاور أرض البلقاء وعمان. انظر معجم البلدان ١/ ١٦٢. وهي بلدة درعا السورية الواقعة على الحدود الأردنية السورية على الطريق العام.
[ ٢٤٥ ]
وعاد يهود يطلبون الاستسلام على أن يحكم سعد بن معاذ في مصيرهم، وقد اختاروه لأنه سيد الأوس حلفائهم في الجاهلية، لعلّ الرسول ﷺ يقبل من حلفاء الأوس ما قبل من يهود بني قينقاع حلفاء الخزرج.
ورضي الرسول ﷺ بنزولهم على حكم سعد، وقبل سعد أن يقوم بالتحكيم بين المسلمين من جهة ويهود من جهة أخرى بعد أن أخذ المواثيق على الطرفين أن يرضى كلاهما بقضائه، فلما أعطوه المواثيق، أمر بني قريظة أن ينزلوا من حصونهم وأن يضعوا السلاح، ففعلوا
وكان حكم سعد فيهم: (أن يقتل المقاتلون، وتقسّم الأموال وتسبى الذراري والنساء)، لأن سعدا ذكر أن الأحزاب لو انتصروا بخيانة بني قريظة على المسلمين، لكان مصير المسلمين الإبادة، فجزاهم سعد بمثل ما عرّضوا المسلمين له.
لم تكن حرب بني قريظة حرب ميدان، إنما كانت حرب أعصاب، فلم يستطع يهود أن يتحمّلوا الحصار على الرغم من توفّر المواد الغذائية لديهم وتوفر المياه والآبار ومناعة حصونهم وصعوبة اقتحامها، فآثروا الاستسلام على مكابدة الحصار.
والحق أن الموقف العسكري كان الى جانب يهود لتلك الأسباب كلها، ولشدة تعب المسلمين، ولبرودة الطقس، ولكنّ معنوياتهم انهارت، فلم يقاوموا طويلا كما كان المتوقع منهم.
وقتل مقاتلو بني قريظة جميعا ومعهم حييّ بن أخطب الذي تزعّم حركة تجميع الأحزاب ضد المسلمين، إلا ثلاثة رجال من يهود أسلموا «١»، ولم يقتل من
_________________
(١) - هم: ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد وهم نفر من بني هدل ليسوا من بني قريظة ولا النضير، نسبهم فوق ذلك وهم بنو عم القوم، اسلموا تلك الليلة. انظر سيرة ابن هشام ٣/ ٢٥٦.
[ ٢٤٦ ]
الأطفال والنساء أحد عدا المرأة التي قتلت الشهيد المسلم برحاها، فقتلت بجرمها هذا.
سرية عبد الله بن عتيك
١- الهدف:
قتل أبي رافع سلّام بن أبي الحقيق اليهودي الذي حرّض الأحزاب مع حييّ بن أخطب، ثم فر الى يهود (خيبر) ليتخلّص من القصاص العادل.
٢- الحوادث:
بعد القضاء على بني قريظة، خرج من المدينة المنورة خمسة من الخزرج «١» الى خيبر، للقضاء على أبي رافع بن أبي الحقيق وإلقاء الرعب في قلوب يهود خيبر، حتى لا يعيدوا الدور الذي قام به يهود الآخرون، وقد كانت هذه المفرزة بقيادة عبد الله بن عتيك.
وصل المسلمون الى (خيبر) ليلا، فأمر عبد الله بن عتيك أصحابه بالبقاء.
قريبا من الحصن حتى يستطلع لهم موضع ابن أبي الحقيق، فلما وصل الى حصنه استطاع دخوله وكمن في اسطبل الحيوانات.
وعندما آوى ابن أبي الحقيق الى فراشه وهدأت الأصوات والحركة، خرج عبد الله وأخذ مفاتيح الحصن من موضعها الذي كانت فيه، ثم قصد غرفة ابن أبي الحقيق، فناداه ليعرف مكانه من صوته، لأن الظلام كان مخيما على الغرفة التي
_________________
(١) - هم: عبد الله بن عتيك ومسعود بن سنان وعبد الله بن انيس وابو قتادة الحارث بن ربعي وخزاعي بن اسود حليف لهم.
[ ٢٤٧ ]
كان بها ابن أبي الحقيق، ثم هجم بالسيف عليه حتى قضى عليه، وانسحب الى أصحابه بعد أن سقط من الدرج وانكسرت رجله «١» .
وعاد المسلمون الى المدينة وقد أزالوا عن طريق الدعوة عدوا لدودا.
وتسامع الناس بعاقبة من يؤلب الناس على المسلمين، مما زاد هيبة المسلمين في النفوس وجعلهم يسيطرون سيطرة تامة على المدينة، فلم يبق فيها أي صوت يهود أو المنافقين.
غزوة بني لحيان
١- الهدف:
أ- عقاب بني لحيان الذين غدروا بدعاة المسلمين عند ماء (الرجيع) قبل عامين خلوا وهم ستة من كبار الصحابة: اغتالوا أربعة منهم وباعوا الإثنين الباقيين لقريش، فضربت قريش عنق أحدهما وصلبت الثاني.
ب- التأثير في معنويات قريش والقبائل الأخرى، وإطلاعهم (عمليا) على عاقبة الذين يغدرون بالمسلمين.
٢- الحوادث:
علم الرسول ﷺ بمحاولة قريش التجمع مع حلفائها لغزو المسلمين، ففكّر في الحركة إليهم للتأثير في معنويات قريش والقبائل الأخرى والتعرّض ببني لحيان الذين غدروا بدعاة المسلمين عند ماء (الرجيع) .
_________________
(١) - في سيرة ابن هشام ٣/ ٣١٣- ٣١٦، وجوامع السيرة ١٩٨- ٢٠٠: انهم لما أتوا (خيبر) ليلا، وكان سلام ساكنا في دار مع جماعة وهو في علية منها، فتسوروا الدار وأغلقوا كافة أبوابها، ثم اتوا العلية التي هو فيها فاستأذنوا عليه، فلما دخلوا عليه اغلقوا الباب على انفسهم ثم تعاوروه بأسيافهم وهو راقد على فراشه حتى قتلوه ورجعوا الى المدينة. وأرجح ما ذكرناه اعلاه لأنه اقرب الى العقل والمنطق.
[ ٢٤٨ ]
وأظهر الرسول ﷺ أنه يريد الشام، حتى يستطيع مباغتة بني لحيان دون أن يعرفوا بحركته اليهم، فتحرك بقواته شمالا، فلما اطمأن الى انتشار أخبار حركته الى الشمال باتجاه الشام، عاد راجعا باتجاه مكة مسرعا في حركته حتى بلغ منازل بني لحيان ب (غرّان) «١»، ولكن بني لحيان فروا الى رؤوس الجبال، واستطاعوا النجاة بأرواحهم وأموالهم.
عند ذاك ترك الرسول ﷺ القسم الأكبر من قواته في (غران) وسار على رأس مائتي راكب باتجاه مكة حتى وصل (عسفان) «٢» شمال مكة للتأثير في معنويات قريش، فلم تخرج قريش للقائه. ثم عاد المسلمون الى المدينة متحملين شدة الحر، بعد أن أثروا في معنويات القبائل وجعلوهم يخافون المسلمون أشد الخوف.
غزوة ذي قرد «٣»
١- الهدف:
مطاردة عيينة بن حصن وجماعة من غطفان لإعادة إبل المسلمين التي انتهبها المشركون.
٢- الحوادث:
أغار عيينة بن حصن الفزاري على أطراف المدينة، فوجد هناك بعض اللقاح «٤» ترعى بحراسة مسلم وامرأته، فقتل عيينة وأصحابه الرجل وهو ابن أبي ذر الغفاري، وساقوا الإبل واحتملوا المرأة.
_________________
(١) - غران: منازل بني لحيان، وغران واد بين امج وعسفان.
(٢) - عسفان: موضع بين الجحفة ومكة وهي من مكة على مرحلتين. أنظر معجم البلدان ٦/ ١٧٤.
(٣) - ذو قرد: ماء على ليلتين من المدينة بينها وبين خيبر. أنظر معجم البلدان ٧/ ٥٠.
(٤) - اللقاح: الإبل الحوامل ذوات اللبن.
[ ٢٤٩ ]
ولكن سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي بصر بالقوم وقد اقتادوا الإبل، فأنذر المسلمين فنادى: الفزع الفزع. فنودي: يا خيل الله اركبي! وكان أول ما نودي بها! وقام سلمة بمطاردة غيينة وأصحابه وحده، حتى لحق به المسلمون الذين استطاعوا تخليص الإبل والمرأة المسلمة بعد أن وصلوا بمطاردتهم ماء (بذي قرد) .
وجاء من يخبر المسلمين أن عيينة وأصحابه وصلوا موضعا بعيدا عن (ذي قرد) فنحروا لهم جزورا، فلما كشطوا عنها جلدها رأوا غبارا، فتركوا جزورهم في محلها وهربوا بسرعة، لأنهم ظنوا أن المسلمين اقتربوا من مواضعهم.
ولم يكد هؤلاء الأعراب يصدقون أنهم يستطيعون النجاة بأنفسهم!!!
سرايا توطيد الأمن وتشديد الحصار الاقتصادي
راجع الملحق (ز)
١- الهدف:
تأمين المدينة المنورة التي هي القاعدة الأمينة للإسلام، وفرض سيطرة المسلمين على القبائل التي حولها، وتشديد وطأة الحصار الاقتصادي على قريش وحلفائها.
٢- الحوادث:
أ- سرية عكاشة بن محصن الأسدي الى الغمر «١»:
وجّه رسول الله ﷺ عكاشة بن محصن الأسدي في شهر ربيع الأول سنة
_________________
(١) - الغمر: غمر مرزوق، وهو ماء لبني أسد على ليلتين من قيد طريق الأول الى المدينة. أنظر طبقات ابن سعد ٢/ ٨٤.
[ ٢٥٠ ]
ست الهجرية الى (الغمر) في أربعين رجلا، فخرج سريعا يغذّ السير، ولكن الأعراب علموا بمسيره إليهم فهربوا وتركوا ديارهم خالية، فاستاق المسلمون مائتي بعير وعادوا الى المدينة دون أن يلقوا كيدا.
ب- سرية محمد بن مسلمة الى (ذي القصّة) «١»:
بعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة في ربيع الآخر سنة ست الهجرية الى بني ثعلبة وبني عوال من ثعلبة وهم (بذي القصة) في عشرة نفر، فوردوا عليهم ليلا؛ ولكنّ الأعراب وهم مائة رجل استطاعوا قتل أصحاب محمد بن مسلمة وجرحه فبعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا الى مصارع المسلمين فلم يجدوا أحدا ووجدوا نعما وشاء فساقه أبو عبيدة ورجع الى المدينة المنورة.
ج- سرية أبي عبيدة بن الجراح الى ذي القصّة:
بعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا في شهر ربيع الآخر سنة ست الهجرية الى (ذي القصّة) الى بني محارب الذين أجمعوا أن يغيروا على سرح المدينة وهو يرعى ب (هيفا) «٢»، فمشوا إليهم بعد صلاة المغرب حتى وافوا (ذا القصة) في عماية الصبح، فأغاروا عليهم، فهرب الأعراب، وأصاب أبو عبيدة رجلا واحدا فأسلم وتركه وأخذ نعما من نعمهم فاستاقه كما أخذ متاعهم وقدم بذلك المدينة المنورة.
_________________
(١) - ذو القصة: موضع بينه وبين المدينة أربعة وعشرون ميلا وهو طريق الربذة. وهي على بريد من المدينة تلقاء نجد. أنظر معجم البلدان ٧/ ١١٤.
(٢) - هيفا: موضع على سبعة أميال من المدينة. أنظر طبقات ابن سعد ٢/ ٨٦.
[ ٢٥١ ]
د- سرية زيد بن حارثة الى سليم بالجموم «١»:
بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة الكلبي في شهر ربيع الآخر سنة ست الهجرية الى بني سليم، فسار حتى ورد (الجموم)، فأصاب نعما وشاء وأسرى، ثم عاد بأصحابه الى المدينة المنورة.
هـ- سرية زيد بن حارثة الى العيص «٢»:
بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة الكلبي في جمادى الأولى سنة ست الهجرية يتعرض لعير قريش في طريق عودتها من الشام الى مكة، فأخذ المسلمون العير وما فيها وأسروا ناسا ممن كان في العير وعادوا الى المدينة المنورة.
وسرية زيد بن حارثة الى الطرف «٣»:
بعث رسول الله س زيد بن حارثة الكلبي في جمادى الآخرة سنة ست الهجرية الى الطرف، فخرج الى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا، فأصاب نعما وشاء وهربت الأعراب، وصبّح زيد بالنعم المدينة المنورة بعد أن غاب أربع ليال دون أن يلقى كيدا.
_________________
(١) - الجموم: أرض لبني سليم. أنظر معجم البلدان ٣/ ١٤٠، تقع ناحية بطن نخل عن يسارها، وبطن نخل من المدينة على أربعة برد. أنظر طبقات ابن سعد ٢/ ٨٦.
(٢) - العيص: موضع في بلاد بني سليم به ماء يقال له: ذنبان العيص. أنظر معجم البلدان ٦/ ٢٤٨، بينها وبين المدينة أربع ليال وبينها وبين ذي المروة ليلة. أنظر طبقات ابن سعد ٢/ ٨٧.
(٣) - الطرف: ماء قريب من المراض دون النخيل على ستة وثلاثين ميلا من المدينة طريق البصرة على المحجة. أنظر طبقات ابن سعد ٢/ ٨٧.
[ ٢٥٢ ]
ز- سرية زيد بن حارثة الى حسمي «١»:
بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة الكلبي في جمادى الآخرة سنة ست الهجرية الى (حسمي) في خمسمائة رجل، فكان زيد يسير الليل ويكمن النهار ومعه دليل من بني عذرة، فلما وصل (حسمي) هجم على القوم مع الصبح فقتلوا فيهم فأوجعوا وأغاروا على ما شيتهم فأخذوا من النعم ألف بعير ومن الشاة خمسة آلاف شاة ومن السبي مائة من النساء والصبيان.
ولكنّ زيد بن رفاعة الجذامي رحل في نفر من قومه الى رسول الله ﷺ فدفع إليه كتابه الذي كان كتب له ولقومه ليالي قدم عليه فأسلم، فبعث علي ابن أبي طالب ﵁ الى زيد بن حارثة يأمره أن يخلي بينهم وبين أموالهم وحرمهم.
وكان سبب هذه الغزوة، أن دحية بن خليفة الكلبي أقبل مرة عند قيصر في طريق عودته الى المدينة، فلقيه الهنيد بن عارض وابنه عارض بن الهنيد في ناس من جذام بحسمي، فقطعوا عليه الطريق فلم يتركوا عليه إلا سمل ثوب، فقدم دحية على النبي ﷺ فأخبره بذلك، فبعث زيدا لإعطاء درس قاس لجذام حتى لا يعودوا لمثلها أبدا.
ح- سرية عبد الرحمن بن عوف الى دومة الجندل:
بعث رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف في شعبان سنة ست الهجرية الى بني كلب في (دومة الجندل)، وقبل أن يبعثه دعاه فأقعده بين يديه وعمّمه بيده وقال: (أغز باسم الله وفي سبيل الله فقاتل من كفر بالله! لا تغلّ ولا تغدر ولا تقتل وليدا) !
_________________
(١) - حسمي: أرض ببادية الشام بينها وبين وادي القرى ليلتان وبين وادي القرى والمدينة ست ليال. أنظر التفاصيل في معجم البلدان ٣/ ٢٧٦. وهي الأراضي المتحدة على طوار سفوح جبال البتراء جنوبا، فشرقا حتى الحدود الأردنية السعودية، وتشمل منطقة رم (إرم)، وتبلغ مساحتها (٥٠٠٠) كيلومتر مربع في المنطقة الأردنية.
[ ٢٥٣ ]
سار عبد الرحمن حتى قدم (دومة الجندل) فمكث فيها ثلاثة أيام يدعوهم الى الإسلام، فأسلم الأصبع بن عمرو الكلبي وكان نصرانيا وكان رأسهم، وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام من أقام على إعطاء الجزية.
ط- سرية علي بن أبي طالب الى بني سعد بن بكر ب (فدك) «١»:
بلغ رسول الله ﷺ أن جمعا من بني سعد بن بكر يريدون أن يمدّوا يهود خيبر، فبعث إليهم علي بن أبي طالب ﵁ في مائة رجل، فسار الليل وكمن النهار حتى انتهى الى (الهجح) «٢»، فوجدوا به رجلا فسألوه عن القوم فقال: أخبركم على أنكم تؤمنوني. فأمنوه، فدلهم، فأغاروا عليهم، فأخذوا خمسمائة بعير وألفي شاة، وهربت بنو سعد.
وقدم على المدينة ولم يلق كيدا.
ي- سرية زيد بن حارثة الى أم قرفة بوادي القرى «٣»:
خرج زيد بن حارثة في تجارة الى الشام ومعه بضائع لأصحاب النبي ﷺ، فلما كان دون (وادي القرى) لقيه ناس من فزارة من بني بدر فضربوه وضربوا أصحابه وأخذوا ما كان معهم.
وعاد زيد الى المدينة المنورة فبعثه رسول الله ﷺ في شهر رمضان سنة ست
_________________
(١) - فدك: قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان. أنظر معجم البلدان ٦/ ٤٢، وفي طبقات ابن سعد ٢/ ٩٢ انه بينها وبين المدينة ست ليال. وتقع شمال المدينة المنورة في طريقها الى تبوك.
(٢) - هجح: ماء وعيون عليه نخل من جهة وادي القرى. أنظر معجم البلدان ٨/ ٤٧١، وفي طبقات ابن سعد ٢/ ٩٠، أنه ماء بين خيبر وفدك.
(٣) - وادي القرى: واد بين المدينة والشام من أعمال المدينة كثير القرى. أنظر معجم البلدان ٨/ ٣٧٥.
[ ٢٥٤ ]
الهجرية إليهم، فكمنوا النهار وساروا الليل. وعلم بنو بدر بحركة المسلمين إليهم ولكن زيدا وأصحابه صبّحوهم وأخذوا منهم أسرى.
وعاد زيد الى المدينة وبشّر رسول الله ﷺ بنصر الله.
ك- سرية عبد الله بن رواحة الى أسير بن زارم.
لما قتل أبو رافع سلام بن أبي الحقيق أمّرت يهود عليهم أسير بن زارم، فسار في غطفان وغيرهم يجمعهم لحرب المسلمين.
وبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فوجّه عبد الله بن رواحة على رأس ثلاثة نفر من المسلمين في شهر رمضان سنة ست الهجرية سرا فسأل عن خبر أسير فأخبر بأنه يحرّض غطفان وغيرها من القبائل على حرب المسلمين.
وقدم ابن رواحة على النبي ﷺ وأخبره خبر أسير، فندب الناس فانتدب له ثلاثون رجلا، فبعث عليهم عبد الله بن رواحة، فقدموا على أسير وقالوا:
(إن رسول الله ﷺ بعثنا إليك لتخرج إليه فيستعملك على خيبر ويحسن إليك)، فطمع في ذلك، فخرج وخرج معه ثلاثون رجلا من يهود مع كل رجل رديف من المسلمين حتى إذا كانوا ب (قرقرة ثبار) «١»، ندم أسير وأراد الغدر بالمسلمين، ولكنّ المسلمين حملوا عليهم فقتلوا أصحابه جزاء غدرهم.
وعادوا الى المدينة فأخبروا رسول الله ﷺ بغدر يهود، فقال: (نجاكم الله من القوم الظالمين) .
ل- سرية كرز بن جابر الفهري الى العرانيين:
قدم نفر من (عرينة) «٢» ثمانية على رسول الله ﷺ فأسلموا، فأمر بهم الى
_________________
(١) - قرقرة ثبار: موضع بين خيبر والمدينة.
(٢) - عرينة: قبيلة من العرب، واسم موضع ببلاد فزارة. أنظر معجم البلدان ٦/ ١٦٥.
[ ٢٥٥ ]
لقاحه وكانت ترعى في منطقة (قباء) على ستة أميال من المدينة، فكانوا فيها حتى صحّوا وسمنوا فغدوا على اللقاح فاستاقوها، فأدركهم يسار مولى رسول الله ﷺ ومعه نفر فقاتلهم فقطعوا يده ورجله وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات.
وبلغ رسول الله ﷺ الخبر، فبعث في أثرهم عشرين فارسا واستعمل عليهم كرز بن جابر الفهري فأدركوهم وأحاطوا بهم وأسروهم وربطوهم ثم أردفوهم على الخيل حتى قدموا بهم المدينة، فقتلوا.
م- سرية عمرو بن أمية الضّمري:
قال أبو سفيان بن حرب لنفر من قريش: (ألا أحد يغتال محمدا، فإنه يمشي في الأسواق)؟ فأتاه رجل من الأعراب متطوعا لقتل النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، فأعطاه أبو سفيان بعيرا ونفقة وقال: (إطو أمرك)؛ فخرج ليلا حتى قدم المدينة بعد خمسة أيام.
ولما رأى رسول الله ﷺ هذا الأعرابي رابه أمره فقال: (إن هذا ليريد غدرا)
وحاول الأعرابي اغتيال رسول الله ﷺ، فجذبه أسيد بن الحضير فأسره من إزاره فوجد خنجرا لديه، فقال له رسول الله ﷺ: (اصدقني ما أنت)؟
قال: (وأنا آمن)؟ قال: (نعم) . فأخبره بأمره وما جعل له أبو سفيان، فخلّى عنه.
وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية وسلمة بن أسلم إلى أبي سفيان بن حرب وقال: (إن أصبتما منه غرّة فاقتلوه) ! فدخلا مكة ومضى عمرو بن أمية يطوف بالبيت ليلا فرآه معاوية بن أبي سفيان فعرفه، فأخبر قريشا بمكانه، فخافوه وطلبوه.
[ ٢٥٦ ]
وهرب عمرو وسلمة، وقتل عمرو في طريق عودته الى المدينة المنورة رجلين مشركين.
دروس من غزوات محاسبة الغادرين والسرايا
١- الوقت:
انسحبت الأحزاب عن المدينة، وعاد المسلمون الى ديارهم صباح ليلة الإنسحاب، وأصدر الرسول ﷺ أمره الإنذاري للحركة الى بني قريظة ظهر ذلك اليوم نفسه، على ألّا يصلي المسلمون العصر إلا في ديار بني قريظة.
لقد أدرك الرسول ﷺ بثاقب فكره أهمية الوقت في الحصول على نتائج باهرة في القتال، فلو أنّ الرسول ﷺ أبطأ بحركته هذه، لاستفاد يهود من الوقت في الاستعانة بحلفائهم أو إقناع يهود الآخرين بمعاونتهم، أو التشبّث بالحصول على قوات من القبائل لتساند قواتهم، ولكان بإمكانهم إكمال قضاياهم الإدارية التي يحتاجون إليها في القتال، حتى يستطيعوا الصمود في حصارهم أطول مدة ممكنة.
ولكنّ إسراع الرسول ﷺ بتحريك قواته لتطويقهم، حالت بين يهود وبين كل ذلك، إذ لم يكن يهود يعلمون بالموعد الأكيد لانسحاب الأحزاب ليسبقوا النظر في إعداد كل متطلبات القتال المتوقع ضدّ المسلمين.
بل إنّ حركة المسلمين السريعة لم تترك الوقت الكافي لليهود لتنظيم خطة دفاعية عن حصونهم، كما لم تترك الوقت الكافي لليهود لتنظيم أي خطة عسكرية على الاطلاق يقابلون بها المسلمين، فقد ظهر لنا من سير حوادث غزوة بني قريظة أنهم لم يفعلوا شيئا، وكانوا مترددين في كل شيء. وأكثر من ذلك فإن حركة المسلمين المبكرة شلّت معنويات يهود وقضت على روح المقاومة فيهم، فلم يستطيعوا أن يستفيدوا من المحسنات العسكرية التي كانت بجانبهم والتي كان
[ ٢٥٧ ]
بإمكانهم- لو أحسنوا التصرّف- الاستفادة من تلك المحسنات لكي يقاوموا المسلمين وقتا غير قصير.
حصونهم قوية منيعة، وعددهم كبير، وسلاحهم وفير، والأرزاق والماء لديهم متيسران، كل ذلك يساعدهم على الصمود. ولكنّ هذه المحسنّات العسكرية التي بجانب يهود لا تفيد شيئا ما دامت معنوياتهم منحطة تماما، ولولا استفادة الرسول ﷺ من الوقت لتحسّنت معنويات يهود ولا استطاعوا أن يقوموا بدور أكثر حزما من الدور الذي قاموا به (فعلا) أثناء حصارهم.
ومما يزيد من قيمة حرص المسلمين على المحافظة على الوقت، أن ظروفهم لم تكن حسنة بعد انسحاب الأحزاب.
لقد كانوا منهو كي القوى لسهرهم الطويل على حراسة مواضعهم حوالي شهرا في موقف عصيب يحطم أعصاب أشجع الشجعان.
وكان الطقس باردا، وقد تحمّلوا البرد في العراء وقتا طويلا أثناء حصارهم، فلما انسحبت الأحزاب آن لهم أن ينالوا بعض الدفء في بيوتهم القريبة.
وكانت قضاياهم الإدارية بشكل لا يحسدون عليه.
إنّ عدم اكتراث المسلمين بكل هذه المشاكل لغرض الإسراع بتطويق حصون بني قريظة يدعو الى الاعجاب والتقدير.
٢- المباغتة:
تكون المباغتة بالوقت والمكان والأسلوب.
المباغتة بالمكان، أن تقوم بحركة من مكان لا يتوقعه العدو. والمباغتة بالزمان أن تقوم بحركة في وقت لا يتوقعه العدو. والمباغتة بالأسلوب أن تقوم بالقتال بأسلوب جديد أو بسلاح جديد.
[ ٢٥٨ ]
والقائد العبقري هو الذي يحاول أن يباغت خصمه حتى يقضي عليه ماديا ومعنويا، لأن المباغتة الناجحة تشلّ حركة العدو وتقضي عليه كليا.
لقد طبّق الرسول ﷺ كل أساليب المباغتة؛ فقد رأينا كيف باغت الأحزاب بأسلوب جديد في القتال هو حفر الخندق، كما رأينا كيف أنه باغت قريشا بالقتال بأسلوب الصفوف في غزوة (بدر) الحاسمة.
وفي غزوة بني قريظة باغت يهودا بالزمان في حركته بسرعة ما كانوا ليتوقعوها، فشلّ معنوياتهم واحتفظ بالمبادأة بيده حتى نهاية المعركة.
وفي غزوة بني لحيان تحرك شمالا باتجاه الشام حتى لا يعرف بنو لحيان وقريش اتجاه حركته الحقيقية، وبذلك باغتهم بالمكان.
إنّ المباغتة أهم مبادىء الحرب قديما وحديثا، وقد حرص المسلمون على تطبيق هذا المبدأ في أكثر غزواتهم، مما ساعدهم على النصر.
٣- القصاص:
القصاص العادل الذي أصاب بني قريظة بعد استسلامهم، يقرّه كلّ إنسان واقعي سليم التفكير منصفا.
لقد طعن يهود المسلمين في أحرج وقت من أوقات محنتهم، ولو لم يكن هناك عهد بينهم وبين المسلمين لهان الخطب ولوجدنا بعض العذر لهم، ولكنّ أي عذر لهم وقد خانوا العهد الذي كان بينهم وبين المسلمين في مثل تلك الظروف العصيبة؟ وأحب أن أتساءل: لو نجح الأحزاب في غزوة الخندق، فماذا كانوا يفعلون بالمسلمين؟ ألم تكن عاقبة المسلمين الإبادة والتمثيل؟ فلماذا لا يبيدون الذين حاولوا معاونة أعدائهم على إبادتهم؟ لقد أفسح المسلمون المجال أمام بني قينقاع وبني النضير من يهود للجلاء الى (خيبر) والى ضواحي الشام، فماذا كانت النتيجة؟ أثار يهود الذي عفا عنهم النبي ﷺ الأحزاب وحشدوهم أمام خندق المدينة للقضاء على المسلمين.
[ ٢٥٩ ]
ومع ذلك فالموقف جدّ مختلف بين موقف يهود الذين خانوا عهودهم في غزوة الخندق وبين يهود بني قريظة، إذ أن خيانة هؤلاء ونكثهم عهودهم كان في أحرج الأوقات وأشدها خطورة على مستقبل الاسلام والمسلمين
فهل يبقي المسلمون سلما على بني قريظة أيضا ليقوموا بدور أسلافهم بني قينقاع وبني النضير؟
لقد كان بإمكان يهود بني قريظة ان يتخلصوا من القتل لو أعلنوا إسلامهم كما فعل ثلاثة رجال منهم، فنجوا بحياتهم وأموالهم.
ولم يقض المسلمون بالقتل إلا على الرجال الذين قاتلوهم (فعلا) بعد أن خانوا عهودهم وعرّضوا المسلمين للإبادة، أما الأطفال والنساء فلم يصابوا بأذى، كما أن الذين ثبتوا على عهودهم من يهود لم يصابوا بسوء.
والمرأة الوحيدة التي قتلت من بني قريظة هي التي قتلت مسلما بقذفه بالرحى من فوق سطحها، وإنما كان قتلها على جريمتها هذه لا بسبب آخر.
أما قتل أبي رافع بن أبي الحقيق، فلأنه أحد رؤوس يهود الذين حرّضوا الأحزاب، وقتله كان عبرة لغيره من الذين يحاولون محاولته في المستقبل؛ وحتى قوانين الحرب الدولية الحديثة تجيز القتل في مثل هذا الموقف، فهذا اليهودي كان من بني النضير الذين أرادوا اغتيال الرسول ﷺ، فحاصرهم وتغلّب عليهم واضطرهم على الاستسلام، ثم سمح لهم بالرحيل بعيدا عن المدينة على ألا يعودوا الى قتاله أو التحريض عليه، فإذا نكث هذا بالعهد وحرّض الأحزاب على تطويق المدينة، وحرّض بني قريظة على نكث عهدهم مع المسلمين. إذا كانت هذه أعماله بعد أن أطلقه الرسول ﷺ مع قومه بعد استسلامهم، فمن حق المسلمين أن يقتلوه كمجرم حرب لا كمحارب شريف «١» .
_________________
(١) - راجع قانون الحرب والحياد من القانون الدولي. يطلق الأسير إذا اعطى كلمة (الشرف) بألا يقاتل الدولة التي اطلقت سراحه ولا يحرض على قتالها، فاذا اخل بكلمة الشرف التي اعطاها والتحق بالجيش ثم اسرته الدولة التي اطلقت سراحه، جاز محاكمته على إخلاله، والعقوبة في العادة هي الإعدام.
[ ٢٦٠ ]
وما يقال عن ذلك يقال عن سرايا القصاص التي بعثها الرسول ﷺ لمحاسبة الغادرين الآخرين.
لقد كان قصاص المسلمين من يهود ومن غيرهم ضروريا عادلا.
٤- العقيدة:
ظهر لنا في هذه الفترة من جهاد النبي ﷺ، أثر العقيدة في توحيد الصفوف للعمل للمصلحة العامة وحدها، وأثرها في اندفاع المسلمين كل يسابق أخاه الى الشهادة، وأثرها في جعل المسلم يحاسب نفسه على ما اقترفه من ذنب لا يعلم به أحد غيره من الناس.
طلبت بنو قريظة من المسلمين حضور أبي لبابة بن عبد المنذر ليستشيروه، وقد كان أبو لبابة حليفا لهم في الجاهلية وصديقا شريفا لا يشكون في إخلاصه، فبعثه الرسول ﷺ إليهم؛ فاستقبله الرجال والنساء والأطفال بالبكاء والعويل، فأثر ذلك في نفسه انسانا. واستشاره يهود: أينزلون على حكم محمد؟ .. فقال لهم: (نعم) . وأشار الى حلقه كأنه ينبّههم الى أن مصيرهم الذبح.
ولكنّ أبا لبابة أدرك لفوره أنه خان النبي ﷺ ب (إشارته) تلك، وأنه خضع لشعوره العاطفي لا لعقيدته الملتزم بها فيما وقع منه، فمضى هائما على وجهه نادما حتى وصل مسجد المدينة، فربط نفسه الى سارية فيه، وحلف: لا يفكّ نفسه حتى يتوب الله عليه.
وبقي على حاله هذا متشفعا بالرسول ﷺ حتى تاب الله عليه.
لم يعرف أحد ب (إشارة) أبي لبابة الى حلقه حين استشاره يهود في الاستسلام، ولم تكن إشارته هذه نتيجة تدّبر وتفكير، ومع ذلك لم يستر أبو لبابة فعلته هذه وأعلنها للناس جميعا وعاقب نفسه بنفسه عقابا صارما، مما يدّل على عقيدته الراسخة وإيمانه العميق.
[ ٢٦١ ]
وحكم سعد بن معاذ على بني قريظة بأن يقتل الرجال وتسبى الذرية وتقسم الأموال يدلّ على عقيدته الراسخة أيضا.
لقد كان سعد سيد الأوس حلفاء بني قريظة في الجاهلية، وقد توقّع يهود أن تنفعهم هذه الصلة القوية عند الحكم عليهم، كما توقّع الأوس أيضا أن يتساهل سعد مع أصدقائهم وأصدقائه الأقدمين، بل استقبله الأوس حين قدومه للحكم هاتفين: يا أبا عمرو! أحسن في مواليك.
وقد أحسنت الخزرج قبل ذلك في مواليها من يهود عندما استسلموا للمسلمين، فلماذا لا يحسن الأوس الى مواليهم مثلما أحسن الخزرج؟
ولكنّ سعدا صاح بقومه وقد أكثروا عليه الرجاء: (قد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم)
وأصدر سعد حكمه العادل غير متأثر بالأهواء بل بعقيدته الراسخة فقط وإيمانه العظيم.
وماذا يعني دخول عبد الله بن عتيك وحده الحصن الذي يسكنه اليهودي أبو رافع بن أبي الحقيق في وسط أهله وعشيرته، وتعريض عبد الله نفسه للخطر الداهم، بينما أبقى أصحابه خارج الحصن في أمان؟
هل يعني هذا العمل إلا استئثار القائد لنفسه بالخطر دون أصحابه طمعا في الشهادة، وقد كان بإمكانه أن يبعث أحد أصحابه لينهض بهذا الواجب، ولكنه آثر أن ينهض بنفسه بهذا العمل كله، فنجح في القضاء على ابن أبي الحقيق، والتحق بأصحابه ليلا بعد أن كسرت رجله أثناء نزوله من سطح الحصن
هذه الأمثلة التي ظهرت لنا في هذه الفترة من حياة المسلمين ومثلها كثير، تدلّ بوضوح على رسوخ العقيدة في نفوسهم، مما جعلهم يستهينون بكل شيء في سبيل عقيدتهم.
[ ٢٦٢ ]
٥- القضايا الادارية:
أ- الغنائم:
قسّمت غنائم بني قريظة على المسلمين: سهم للراجل وثلاثة أسهم للفارس منها سهمان للفرس، وذلك تشجيعا للإكثار من الخيل لفائدتها الكبيرة في القتال، وبقي الخمس للرسول ﷺ لتوزيعه على المحتاجين، ولتأمين إعاشة وركوب وسلاح المجاهدين الذين لا يجدون ما ينفقونه على أنفسهم في الجهاد.
لقد تحسّنت الحالة الاقتصادية للمسلمين بهذه الغنيمة، فاستطاعوا الاستغناء عن بعضها لشراء الخيل والأسلحة من نجد استعدادا للعمليات الحربية المقبلة.
ب- الماء:
عندما وصل المسلمون الى حصون بني قريظة، سيطروا على بئر تعود لبني قريظة بسرعة خاطفة للاستفادة من مائها في أيام الحصار.
ولولا سرعة المسلمين في الاستيلاء على هذه البئر، لكان من المؤكدة أن تقوم قريظة بتغويرها حتى تحرم المسلمين من مياهها الضرورية لهم للصبر على القتال.
[ ٢٦٣ ]
الفتح القريب
(لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) .
(القرآن الكريم)
[ ٢٦٧ ]