غزوة الخندق
الموقف العام
١- المسلمون:
نجح المسلمون في إعادة النظام الى صفوفهم بعد (أحد)، وتخلصوا من يهود بني النضير، وبذلك قوي مركزهم في المدينة قاعدتهم الأمينة، كما أثّروا على معنويات قريش كل القبائل التي كانت تطمع في مهاجمة المدينة.
لقد استعادوا في هذه الفترة سمعتهم، وأصبح سلطانهم مهيبا في المدينة المنورة وخارجها على حد سواء.
٢- المشركون ويهود:
لم تستطع قريش لقاء المسلمين في (بدر) الصغرى، لأنها قدّرت أن قوة المسلمين أكبر من أن تستطيع القضاء عليها وحدها.
كما لم تستطع القبائل أن تهاجم المدينة تنفيذا لمطامعها، إذ هاجمها المسلمون على انفراد في عقر دارها وتغلبوا عليها بالتعاقب.
وكان يهود أضعف من أن يفكروا في التعرض وحدهم بالمسلمين، ولكنهم كانوا يترقبون الفرص.
وكان لا بدّ من تجمّع قوى قريش والقبائل الاخرى ويهود في صعيد واحد للقضاء على المسلمين، إذ أصبح المسلمون بدرجة من القوة يصعب معها القضاء عليهم بدون تحشد أعداؤهم كل قواهم المادية والمعنوية كافة؛ وفعلا قام الموتورون من يهود بني النضير بمهمة تجميع قوات المشركين ويهود حول المدينة، ونجحوا في
[ ٢٢٥ ]
حشد أكبر قوة معادية للمسلمين متفوقة عليهم فواقا ساحقا للقضاء على الدين الجديد
قوات الطرفين
١- المسلمون:
ثلاثة آلاف رجل بقيادة النبي ﷺ.
٢- المشركون:
عشرة آلاف عدا قوات يهود من بني قريظة، منهم أربعة آلاف من قريش وستة آلاف من بني سليم وأسد وفزارة وأشجع وغطفان.
كانت قريش بقيادة أبي سفيان بن حرب بن أمية.
وكانت غطفان بقيادة عيينة بن حصن والحارث بن عوف.
وكانت أشجع بقيادة مسعود بن رخيلة وهم أربعمائة.
وكانت سليم سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس حليف حرب بن أمية.
وكانت بنو أسد بقيادة طلحة بن خويلد الأسدي.
أهداف الطرفين
١- المسلمون:
الدفاع عن الإسلام.
٢- المشركون واليهود:
القضاء على المسلمين وانتهاب أموالهم وذراريهم.
[ ٢٢٦ ]
التوقيت
كانت غزوة الخندق في شوال من السنة الخامسة الهجرية واستمر حصار المدينة المنورة حوالي شهرا واحدا.
قبل المعركة
١- المسلمون:
أ- قرر المسلمون البقاء في المدينة المنورة وحفروا (خندقا) عميقا يحيط بشمال المدينة ويقع بين حرّة المدينة وجبل (سلع) «١»، لأن هذه المنطقة هي المنطقة الوحيدة المكشوفة من المناطق المحيطة بالمدينة المنورة؛ إذ أن جهات المدينة الأخرى محاطة بالبساتين الكثيفة والعوارض الطبيعية الأخرى، وذلك يحول دون إمكان إجراء القتال بقوات كبيرة في أطراف المدينة عدا الشمالية منها، حيث إنها مكشوفة كما أسلفنا؛ لذلك أشار سلمان الفارسي «٢» بحفر (الخندق) في هذه المنطقة، ولم يكن حفر الخنادق للأغراض الدفاعية معروفا عند العرب من قبل.
وقسّم النبي ﷺ منطقة حفر الخندق على أصحابه: لكل عشرة منهم
_________________
(١) - جبل سلع: جبل بالقرب من المدينة المنورة. أنظر معجم البلدان ٥/ ١٠٧.
(٢) - سلمان الفارسي: يعرف بسلمان الخير، أصله من فارس، وكان اذا قيل له: ابن من أنت؟ قال: (أنا سلمان ابن الاسلام) . أول مشاهده غزوة (الخندق) وبقية المشاهد وفتوح العراق، وولي المدائن. دخل قوم على سلمان أمير المدائن وهو يعمل الخوص، فقيل له: لم تعمل هذا وأنت أمير يجري عليك رزق؟ فقال: (أحب ان آكل من عمل يدي)، وكان اذا خرج عطاؤه تصدّق به ويأكل من عمل يده. وكان خيّرا فاضلا جدا متقشفا، وقد توفي في المدائن في خلافة عثمان بن عفان وقبره لا يزال فيها. راجع الإصابات ٣/ ١١٣ وأسد الغابة ٢/ ٢٢٨ والاستيعاب ٢/ ٦٣٤ وطبقات ابن سعد ٤/ ٧٥ و٦/ ١٦. والمدائن اليوم تسمى: سلمان باك، وهي قريبة من بغداد، وقبر سلمان الفارسي ﵁ في مسجد كبير يزار.
[ ٢٢٨ ]
أربعون ذراعا، واشتغل هو بالحفر أيضا، كأي فرد منهم، بل كان المسلمون يستعينون به عندما يصادفون بعض المصاعب والعقبات أثناء الحفر، كظهور الصخور، فيحضر بنفسه لتفتيتها.
وكان العمل يستمر طيلة النهار، ثم يأوى المسلمون ليلا الى دورهم ليأخذوا قسطا من الراحة، وقد سيطر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام بنفسه على العمل، فلا يعود مسلم من عمله في الحفر إلا بموافقته شخصيا.
ب- عسكر المسلمون الى سفح (سلع) وجعلوا (سلعا) خلف ظهرهم.
ج- جمع الرسول ﷺ النساء والأطفال في بيوت قوية البنيان في منطقة أمينة داخل المدينة للإفادة من مناعتها في حمايتهم، وهجروا البيوت الواهنة التي لا تساعد على الحماية والدفاع.
د- بعد إنجاز حفر (الخندق)، احتلّ المسلمون مواضعهم خلف (الخندق) واستفادوا من مناعة جبل (سلع) لحماية ظهورهم وجناحهم الأيسر من التفات الأحزاب من ذلك الاتجاه لقطع خط رجعتهم الى المدينة المنورة وضربهم من الخلف وتطويقهم.
٢- المشركون ويهود:
أ- قصد نفر من يهود قريشا في مكة منهم سلّام بن أبي الحقيق وحييّ بن أخطب، فدعوهم الى حرب النبي ﷺ، ووعدوهم أنهم سيكونون معهم في قتال المسلمين.
فلما وافقت قريش على قتال المسلمين، قصد يهود غطفان وغيرها من القبائل ودعوهم ألى حرب النبي ﷺ أيضا، وأخبروهم أن قريشا معهم على ذلك، فوافقت غطفان والقبائل الأخرى.
ب- لما وصلت قريش وغطفان والقبائل الأخرى الى ضواحي المدينة
[ ٢٢٩ ]
المنورة، استطاع حييّ بن أخطب التأثير على يهود بني قريظة، فنكثوا عهدهم مع المسلمين وانضموا الى الأحزاب.
ج- كانت مواضع قتال الأحزاب في ضواحي المدينة كما يلي: (راجع المخطط) .
أولا- قريش في موضع (مجمع الأسيال) من دومة بين الجرف وزغابة.
ثانيا- غطفان وقبائل نجد في موضع (ذنب نقمى) الى جانب (أحد) .
ثالثا- بنو قريظة في حصونهم في ضواحي المدينة المنورة.
سير القتال
١- تحرّج موقف المسلمين كثيرا، خاصة بعد انضمام بني قريظة للأحزاب، فقد كان بإمكان هؤلاء يهود التسلل الى داخل المدينة والتعرض بالنساء والأطفال، خاصة وأنهم يعرفون تفاصيل مسالك المدينة لأنهم من أهلها، مما يؤثّر في معنويات المسلمين الذين يقاتلون في ساحة المعركة، لأنهم أصبحوا غير مطمئنين على مصير عوائلهم وذراريهم وأموالهم.
كما كان بامكان يهود القيام بحركة جريئة لقطع خط رجعة المسلمين الى داخل المدينة، وبذلك يفسحون المجال للأحزاب لاقتحام (الخندق) دون مقاومة تذكر
لذلك كان وقع نكث بني قريظة لعهدهم شديدا على نفوس المسلمين.
٢- بعث يهود رجلا منهم الى داخل المدينة، فاستطاع التسلل الى الدور التي تجمّع فيها النساء والأطفال، ولكنّ هذا اليهودي لم يعد الى قومه ليخبرهم عن مواضع النساء والأطفال، وعن درجة مناعتها وحمايتها، لأن امرأة
[ ٢٣٠ ]
مسلمة «١» رأته يحوم حول تلك الدور ليستطلع ما فيها ومن فيها ودرجة قوتها ومقدار حماتها من المسلمين، فاستطاعت قتله مستفيدة من عمود خشبي.
إنّ هذا اليهودي كان دورية استطلاع للحصول على المعلومات عن مواضع النساء والأطفال، حتى يمهد بما يحصل عليه من معلومات لقيام يهود بهجوم مباغت عليهم بعد التأكد من عدم تيسر الحماية الكافية لهم، ليضطر المسلمون الى الانسحاب من مواضعهم الأصلية لنجدة أهليهم وإنقاذ أموالهم.
إنّ قتل هذا اليهودي أنفذ المسلمين من خطر داهم، إذ جعل يهود يفكرون أن في داخل المدينة حرّاسا أشداء من المسلمين، وليس من السهل التغلب على هذه الحراسة الشديدة، لذلك قبع يهود في حصونهم لا يفكرون في الخروج «٢» .
٢- تحرّكت مفرزة من فرسان قريش فيهم عمرو بن عبدودّ وعكرمة ابن أبي جهل، ومرّوا ببني كنانة واستثاروا حميتهم للقتال، فلما وصلت هذه المفرزة الى الخندق استطلعوا منطقة ضيقة فيه، وعبروها بخيولهم، فخرج علي ابن أبي طالب ﵁ في نفر من المسلمين للقائهم، واتجهوا فورا الى الثغرة التي عبر المشركون منها لقطع خط رجعة المشركين أولا ولمنع الأمدادات من الأحزاب إليهم ثانيا؛ ثم نازل علي بن أبي طالب عمرو بن عبدودّ فقتله، كما قتل المسلمون رجلين من المشركين، وعادت بقية فرسان قريش هاربة الى قواعدها.
٣- قامت مفرزة من المشركين بالهجوم على المسلمين باتجاه دار النبي ﷺ، فقاتلهم المسلمون النهار كله حتى الليل، فلما حانت صلاة العصر تحرّج موقف
_________________
(١) - هي صفية بنت عبد المطلب عمة النبي (ص) . انظر سيرة ابن هشام ٣/ ٢٤٦.
(٢) - كان الرسول (ص) يبعث سلمة بن أسلم في مائة رجل وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويظهرون التكبير، وذلك أنه كان يخاف على الذراري من بني قريظة. انظر طبقات ابن سعد ٢/ ٦٧.
[ ٢٣١ ]
المسلمين لاقتراب المشركين من منزل النبي ﷺ، حتى لم يستطع المسلمون أن يصلوا، ولكنهم استطاعوا مع الليل صدّ مفرزة المشركين خائبة على أعقابها.
٤- حاول الرسول ﷺ أن يرد قسما من الأحزاب عن المدينة لقاء ثلث الثمار، وكاد أن يصل في مفاوضاته مع قادة غطفان الى هذا الاتفاق، ولكن سادات الأوس والخزرج اقترحوا ألا يعطوا المشركين شيئا من ثمارهم، فوافق الرسول ﷺ على اقتراحهم هذا.
٥- أثّر بقاء الأعراب مدة طويلة حول المدينة في معنوياتهم خاصة وأن الموسم كان شتاء، وأن الأعراب لا يطيقون الصبر طويلا على الحصار المديد ولا على قتال لمدة طويلة بصورة عامة، لذلك أخذوا يبدون تذمرهم من بقائهم مدة طويلة دون جدوى.
٦- جاء نعيم بن مسعود الغطفاني الى النبي ﷺ وأخبره أنه أسلم ولا يعلم قومه بإسلامه، فقال له النبي ﷺ: (إنما أنت رجل واحد، فخذّل عنا ما استطعت، فان الحرب خدعة) «١» .
خرج نعيم حتى أتى بني قريظة وكان نديما لهم في الجاهلية، فقال لهم:
(عرفتم ودي إياكم، وقد ظاهرتم قريشا وغطفان على حرب محمد، وليسوا كأنتم: البلد بلدكم به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون أن تتحوّلوا منه،
_________________
(١) - خدع الحرب: راجع قانون الحرب والحياد من القانون الدولي. يجوز للدولة المحاربة ان تلجأ في حربها الى الخدع بشرط ألا تصل فيها الى حد الغدر والخيانة. ومن أمثلة خدع الحرب القيام بمناورات كاذبة، وإيقاع العدو في كمين وتضليله (بالمعلومات الكاذبة) إخفاء لما تنوي القيام به من حركات عسكرية، كما يعتبر من الخدع المشروعة العمل بواسطة الأعوان والمأجورين على إثارة الشغب في دولة العدو او نشر الأخبار الكاذبة لغرض إضعاف القوة المعنوية.
[ ٢٣٢ ]
وإنّ قريشا وغطفان إن رأوا نهزة «١» وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلّوا بينكم وبين محمد، ولا طاقة لكم به، فلا تقاتلوا حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم حتى تناجزوا محمدا) .
قالت بنو قريظة (أشرت بالنصح ولست عندنا بمنّهم) .
ثم خرج نعيم الى قريش، فقال لهم: (بلغني أن قريظة ندموا، وقد أرسلوا الى محمد: هل يرضيك عنا أن نأخذ من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم؟
فأجابهم: أن نعم. فإن طلبت قريظة منكم رهنا من رجالكم، فلا تدفعوا لهم رجلا واحدا)
وجاء نعيم غطفان فقال لهم: (أنتم أهلي وعشيرتي)، وقال لهم مثل ما قال لقريش وحذّرهم!!.
أرسل أبو سفيان وسادة غطفان الى قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان في ليلة سبت، وطلبوا منهم الاستعداد للهجوم نهار السبت، ولكنّ قريظة اعتذروا بأنهم لا يقاتلون يوم السبت، ثم طلبت قريظة رهائن من قريش وغطفان قبل أن تشرع بأي هجوم!
قالت قريش وغطفان: لقد صدق نعيم!!
ولما رفض طلب قريظة بإعطائها رهائن من قريش وغطفان قالت: لقد صدق نعيم!
وتفرّقت قلوب الأحزاب وزالت الثقة بينهم.
٧- أرسل الرسول ﷺ حذيفة بن اليمان ليلا ليستطلع أخبار الأحزاب،
_________________
(١) - نهزة، بضم النون وسكون الهاء: الفرصة.
[ ٢٣٣ ]
فرأى قريشا تشدّ رحالها متجهة الى مكة، فلما علمت غطفان بارتحال قريش دون علمها، عادت أدراجها مع القبائل الأخرى الى مواطنها.
وحينذاك علم الرسول ﷺ ببصيرته النافذة أن المشركين فقدوا فرصتهم الثمينة، وأن مثل هذه الفرصة لن تعود إليهم مرة أخرى. وإذا لم يستطع المشركون بعد تجمّعهم الضخم هذا أن يقضوا على المسلمين، فكيف يستطيعون القضاء عليهم بعد تفرّقهم؟
خسائر الطرفين
١- المسلمون:
ستة شهداء «١» .
٢- المشركون:
ثلاثة قتلى.
أسباب فشل الأحزاب
١- قيادة غير موحدة:
لم تكن للأحزاب قيادة موحّدة تستطيع السيطرة على جميع القوات المتجمعة وتوجيهها للعمل الحاسم في الوقت الحاسم.
كان لكل قبيلة قائد بل عدّة قواد، ولم يستطع هؤلاء القادة تنظيم خطة موحدة للهجوم على المسلمين.
_________________
(١) - هم: سعد بن معاذ وأنس بن أوس بن عتيق من بني عبد الأشهل وعبد الله بن سهل الأشهلي وثعلبة بن غنمة بن عدي وكعب بن زيد من بني دينار والطفيل بن النعمان.
[ ٢٣٤ ]
وقد كان من المستحيل اتفاقهم على قائد منهم ليسيطر على الجميع، لأن هذا القائد سينال شرفا عظيما يتميّز به على الآخرين، ولا يمكن للآخرين أن يرضوا بهذا الامتياز.
لقد كانت النعرة الجاهلية لا الهدف المشترك هي التي تسيطر على القيادة، ولا يمكن أن تنجح مثل هذه القيادة في أي موقف بأي معركة حتى ولو كانت لها كل الظروف المؤاتية لها كما كانت الظروف في غزوة الخندق بالنسبة للأحزاب ويهود.
٢- المباغتة بالخندق:
لقد كان حفر الخندق مباغتة تامة للأحزاب، فلم تكن العرب تعرف هذا الأسلوب، كما لم تكن تعرف أسلوب القتال المناسب لاجتياز الخندق والتغلب على المدافعين عنه.
لذلك بقي القتال (مستكّنا) «١» طول مدة الحصار، عدا محاولات قليلة قام بها المشركون لمحاولة اجتياز الخندق باءت كلها بالفشل الذريع.
٣- الطقس:
كان موسم القتال شتاء، وكان الأعراب في العراء يعيشون في غير مواطنهم التي يستفيدون فيها من موادهم المتيسرة للتدفئة وللإعاشة وللسكنى
لذلك لم يستطيعوا البقاء لحصار المدينة مدة طويلة.
_________________
(١) - القتال المستكن: هو القتال الجامد الخالي من قابلية الحركة التي بدونها لا نصر في حرب.
[ ٢٣٥ ]
٤- انعدام الثقة:
كانت الثقة بين الأحزاب أنفسهم من جهة وبينهم وبين يهود من جهة أخرى واهنة جدا، بل لم تكن هناك ثقة بينهم على الإطلاق.
قريش تريد القضاء على المسلمين بالإفادة من جهود القبائل الأخرى ويهود.
والقبائل الأخرى تريد الأسلاب بالدرجة الأولى من أي مصدر كان، ولو وقعت أموال أحلافهم بني قريظة بيدهم لأخذوها أيضا.
ويهود لا يثقون في الجميع ويريدون القضاء على المسلمين بدماء قريش والقبائل الأخرى.
وهكذا انعدمت الثقة بينهم لتفرق الأهداف والمقاصد والمصالح والرغبات.
٥- الصبر على الحصار:
يحتاج الصبر على الحصار المديد الى قوات مدربة لها أهداف معلومة وقيادة مسيطرة. أما القبائل فلا صبر لها على الحصار المديد، لأنها اعتادت التنقل بين فترة وأخرى، كما أنها لا تطيق صبرا على فراق وطنها وأهلها مدة طويلة.
لذلك تذمّر الأعراب من طول مدّة الحصار- على قصرها- وآثروا الارتحال على البقاء.
دروس من غزوة الخندق
١- القيادة:
عالجنا أسلوب القيادة المرتبك عند الأحزاب ويهود، مما كان له أسوأ الأثر في نتيجة معركتهم.
وبقدر ما كانت قيادة الأحزاب واهنة، كانت قيادة المسلمين قوية حازمة رشيدة.
[ ٢٣٦ ]
قرّر الرسول ﷺ البقاء في المدينة المنورة، وأمر بحفر الخندق، وانتخب منطقة الحفر في السهول الكائنة شمال المدينة، ووزّع أعمال الحفر بالتساوي بين أصحابه، وسيطر على العمل، فلا يستطيع أحد ترك واجبه إلا بأمر منه، حتى أنجز أعمال حفر الخندق قبل وصول المشركين الى المدينة المنورة.
واشتغل هو بنفسه بالحفر كبقية أصحابه تماما، بل استأثر دونهم بالأماكن الصلبة في منطقة حفر الخندق التي لم يستطع أصحابه التغلّب عليها، كفلق الصخور القاسية!!
ثم قسّم واجبات احتلال الموضع بين أصحابه، بحيث لا يغفل أحد عن شبر من الخندق ليلا ونهارا، على الرغم من برودة الطقس؛ وقد كان هو بنفسه لا يترك مقرّه إلا ليقوم بتفتيش الحرّاس والمواضع الدفاعية وليحرض المؤمنين على القتال ويرفع من معنوياتهم.
وأمّن حرسا قويا للذراري الذين تركهم في دور المدينة.
وأهم من ذلك كله سيطرته على أصحابه عندما تأزّم الموقف حين وصلت الأحزاب الى ضواحي المدينة بقوات متفوقة على المسلمين، وحين نكثت قريظة عهدها، فأصبح الخطر يهدّد المسلمين من داخل المدينة وخارجها.
٢- تعبئة جديدة:
استفاد المسلمون من حفر الخندق للدفاع عن المدينة المنورة، وهذا الأسلوب الجديد من أساليب القتال يدخل في أساليب العرب الحربية لأول مرة في التاريخ.
إنّ القائد العبقري هو الذي يستخدم أسلوبا جديدا أو سلاحا جديدا في القتال، والخندق هو الأسلوب الجديد الثاني الذي استخدمه الرسول ﷺ في القتال، بعد أن استخدم أسلوب الصفوف في معركة (بدر) كما رأينا.
[ ٢٣٧ ]
لقد أخذ الرسول ﷺ بفكرة حفر الخندق من سلمان الفارسي، لذلك قال فيه كلمته الخالدة: (سلمان منّا أهل البيت)، ليشجّع على التفكير المفيد ويشيد بالعاملين للمصلحة العامة ويقطع دابر العصبيّات.
٣- الحرب خدعة:
رأينا أثر الإشاعات التي بثّها نعيم بن مسعود في تفريق كلمة الأحزاب، ولا يمكن نجاح الأحزاب أو غيرهم إلا بجمع الكلمة، فلما تفرّقت كلمتهم، كان نصيبهم الإخفاق.
إن الحرب الحديثة تعتمد على بثّ الإشاعات المثيرة لتصديع الصفوف وبلبلة الافكار، وقسم بث الإشاعات من أهم أقسام شعب الاستخبارات في تشكيلات الجيوش، وهي أسلوب من أشد أساليب الحرب النفسية فتكا.
وبقدر ما كانت الإشاعة تعمل عملها في صفوف الأحزاب، فإن الإشاعة لم يكن لها أي أثر في صفوف المسلمين.
حاول المنافقون أن يبثّوا سموم إشاعاتهم لتحطيم معنويات المسلمين، ولكنّ محاولتهم فشلت.
وعندما أرسل الرسول ﷺ أصحابه لمعرفة موقف بني قريظة، وعاد هؤلاء إليه بعد أن تأكدوا من صحة إشاعة نكث بني قريظة بعهودها، حرصوا على أن يخبروا الرسول ﷺ بهذا الخبر باسلوب من الكلام لا يفهمه غير الرسول ﷺ نفسه، فقد أخبروه بالرمز دون الافصاح حتى لا يؤثر هذا الخبر في معنويات المسلمين.
لقد عرف المسلمون أثر الإشاعة في المعنويات قبل أربعة عشر قرنا.
[ ٢٣٨ ]
٤- المبادأة «١»:
غزوة (الخندق) هي المعركة الحاسمة الثانية بعد معركة (بدر) الكبرى، فلو نجح المشركون ويهود في هذه المعركة لتغيرت وجهة التاريخ الاسلامي.
لقد استطاع يهود أن يجمعوا الأحزاب حول المدينة المنورة، وعاونهم يهود بني قريظة بعد وصولهم الى المدينة، للقضاء على المسلمين ماديا ومعنويا، وهذا التجمع فرصة لا تعود أبدا خاصة إذا أخفقت هذه الأحزاب.
إن معنى إخفاق الأحزاب ويهود بعد هذا التجمع الهائل، أنهم لن يجتمعوا مرة أخرى، وأنهم لا يستطيعون القضاء على المسلمين بعد ذلك منفردين بعد أن عجزوا عن القضاء عليهم مجتمعين، ولهذه النتيجة أثر حاسم في انتشار الاسلام فيما بعد.
لقد انتقل المسلمون من دور الدفاع «٢» الى دور الهجوم «٣» في اليوم الذي انتهت به غزوة الخندق، لذلك قال الرسول ﷺ لأصحابه بعد انسحاب الأحزاب: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا) .
وانتقلت المبادأة الى يد المسلمين بعد هذه الغزوة، ولم يتركوها حتى شمل الإسلام شبه الجزيرة العربية كلها، وارتفعت راية الاسلام شرقا وغربا فوق كل راية: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ، وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا) «٤»
_________________
(١) - المبادأة: تعبير يقصد به من الناحية العسكرية السبق بالعمل لإجبار العدو على تبديل خطته والاحتفاط بهذا السبق.
(٢) - الدفاع: تعبير عسكري يقصد به التدابير المتخذة لإيقاف تقدم العدو في موضع ما لمدة قصيرة أو طويلة.
(٣) - الهجوم: تعبير عسكري يقصد به سلسلة حملات تتخللها وقفات ضرورية.
(٤) - الآية الكريمة من سورة الأحزاب ٣٣: ٢٥.
[ ٢٣٩ ]
القصاص العادل
(وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) .
(القرآن الكريم)
[ ٢٤١ ]