١- بعض المعلومات المهمة عن رسول الله ﷺ
نسبه الشريف.
تاريخ ومكان ولادته.
أسماؤه.
أمهاته.
نبوته.
أزواجه أمهات المؤمنين ﵅.
أولاده الكرام.
بعثته وهجرته.
وفاته.
١- نسبه الشريف
هو رسول الله ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وينتهى نسبه الشريف إلى سيدنا إسماعيل بن إبراهيم ﵉.
٢- تاريخ ومكان ولادته
ولد عام الفيل صبيحة يوم الاثنين سنة ٥٧١ ميلادية فى مكة المكرمة وبقى فيها قرابة الثلاث والخمسين سنة ثم هاجر إلى المدينة وتوفى عن عمر يوافى ثلاثا وستين سنة.
[ ٢٠٩ ]
٣- أسماؤه
قال رسول الله ﷺ: «أنا محمد، وأنا أحمد وأنا الماحى الذى يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذى يحشر الناس على قدمى، وأنا العاقب الذى ليس بعده نبى»، وقد سماه الله رؤوفا رحيما (متفق عليه) .
كان رسول الله ﷺ يسمى لنا نفسه أسماء فقال: «أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا المقفى، ونبى التوبة، ونبى الرحمة)، (المقفى: آخر الأنبياء)»، رواه مسلم.
قال القاضى عياض: قد حمى الله هذين الاسمين (يعنى محمدا وأحمد) أن يتسمى بهما أحد قبل زمانه، أحمد الذى ذكر فى الكتب وبشر به عيسى ﵇، فمنع الله بحكمته أن يتسمى به أحد غيره، ولا يدعى به مدعو قبله حتى لا يدخل اللبس ولا الشك فيه على ضعيف القلب، وأما محمد فلم يتسم به أحد من العرب ولا غيرهم إلا حين شاع قبيل مولده أن نبيا ييبعث اسمه محمد، فسمى قليل من العرب أبناءهم بذلك رجاء أن يكون أحدهم هو، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
ومن تكريم الله تعالى له ولاسمه الشريف أنه صرف كفار قريش عن شتم اسمه، فكانوا يدعونه مذمّما وفى ذلك يقول ﵊: «ألا تعجبون كيف يصرف الله عنى شتم قريش، ولعنهم؟ يشتمون مذمّما، ويلعنون مذمّما وأنا محمد» .
٤- أمّهاته
آمنة بنت وهب: «أمه ولادة»، كانت خير امرأة فى قريش نسبا وموضعا من أسرة تعتبر من أشرف القبائل العربية وأشرفها سلالة.
حليمة السعدية: «أمه رضاعة»، كانت فاضلة طيبة وحاضنة مرضعة، كسبت شرف أمومة رسول الله ﷺ برضاعته.
بركة ثعلبة (أم أيمن): «أمه حضانة»، كانت من موالى عبد الله بن
[ ٢١٠ ]
عبد المطلب، احتضنت النبى ﷺ عندها حتى شب وقد أحسنت حضانته وأخلصت إليه. وقد أعتقها رسول الله ﷺ بعد زواجه من السيدة خديجة وتزوجت وولدت أيمن ﵁ الذى كان له شأن كبير فى الإسلام، فقد هاجر وجاهد مع رسول لله واستشهد يوم حنين. وأم أيمن كانت قد أعلنت إسلامها من بداية الدعوة وكانت من أوائل النسوة اللاتى هاجرن إلى الحبشة وإلى المدينة وبايعن الرسول ﷺ.
ولقد كانت خلال هجرتها إلى المدينة المنورة، صائمة مهاجرة ماشية، ولم يكن معها شيء من الزاد أو الشراب ولما حانت ساعة الإفطار منحها الله تعالى كرامة عظيمة إذ دلى عليها من السماء دلو فيها ماء، فأخذتها وشربت منها حتى رويت فما عطشت بعدها أبدا. أسلمت روحها الطاهرة فى خلافة عثمان بن عفان ﵁ ودفنت فى البقيع.
فاطمة بنت أسد الهاشمية: «أمه تكريما»، وهى زوجة عم الرسول ﷺ أبى طالب، وأم على بن أبى طالب كرم الله وجهه. وطالب وعقيل وجعفر وأم هانىء وجمانة وريطة أولاد أبى طالب أولاد عم الرسول ﵊.
أولت النبى ﷺ رعاية خاصة وبذلت أقصى جهدها حتى لا تجعله يشعر بالغربة أو اليتم، حتى أنها كانت تفضله فى بعض الأوقات على أبنائها وبهذا أصبحت فاطمة بنت أسد ﵂ من أقرب المقربات للرسول الكريم ﵊ ولقد حفظت عن رسول الله ﷺ الكثير من الأحاديث.
٥- نبوّته
فى الأربعين من عمره الشريف، نزل عليه أمين الوحى جبريل ﵇ وهو فى غار حراء حيث بلغه رسالة ربه ﷿ وكان ذلك فى رمضان سنة ١٣ قبل الهجرة الموافق تموز سنة ٦١٠ م.
[ ٢١١ ]
٦- أزواجه أمهات المؤمنين ﵅
- ست توفاهن الله قبله وهن:
١- خديجة بنت خوليد ﵂: وهى أول نسائه تزوجها قبل النبوة وعمره خمس وعشرون سنة وهى أم أولاده ما عدا إبراهيم فإنه من مارية القبطية.
لم يتزوج عليها حتى ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين وهى أول من آمن من النساء بالله وبرسوله وراحت تدعو إلى الإسلام بجانب زوجها ﵊ بالقول والعمل ضاربة أروع النماذج وأصدقها فى الدعوة إلى الجهاد فى سبيله، فكانت بحق الزوجة الحكيمة التى تقدر الأمور حق قدرها وتبذل من العطاء ما فيه إرضاء لله ولرسوله ﷺ، وبذلك استحقت أن يبلغها جبريل من ربها السلام ويبشرها ببيت فى الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب (رواه البخارى) . كانت وفاتها ﵂، قبل الهجرة بثلاث سنين على الصحيح ودفنها النبى ﵁ بالحجون فى مكة.
٢- زينب بنت خزيمة الهلالية: لم تلبث عند رسول الله ﵁ إلا يسيرا- شهرين أو ثلاثة- حتى توفيت فى حياته.
٣- سبا بنت الصّلت أو سناء بنت الصّلت: ماتت قبل أن يدخل بها.
٤- أساف أو شراف أخت دحية الكلبى: ماتت قبل أن تصل إليه.
٥- خولة بنت الهذيل: ماتت قبل أن يدخل بها وقد وهبت نفسها له.
٦- خولة بنت حكيم السلمية: ماتت قبل أن يدخل بها، وقد وهبت نفسها للنبى ﵊ وكانت تخدمه وكانت صالحة فاضلة.
- نساؤه اللاتى مات عنهن:
١- عائشة بنت الصديق: تزوجها بعد موت خديجة بسنتين أو ثلاث بمكة وهى بنت ست أو سبع سنين كما ورد فى الصحيح. زفت إليه وهى بنت تسع سنين ومات عنها وهى بنت ثمان عشرة سنة وكان وفاتها سنة ٥٧ من الهجرة.
[ ٢١٢ ]
ولم يتزوج بكرا غيرها وكانت أحب نسائه إليه. ولعائشة بنت الصديق الأكبر، حبيبة حبيب رب العالمين من الفضائل ما لا يخفى على أحد.
٢- سودة بنت زمعه: تزوجها بعد عائشة وهى أرملة، توفيت فى آخر زمان عمر بن الخطاب ﵁.
٣- حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄: تزوجها بالمدينة بعد سودة وكانت من المهاجرات ولدت قبل البعثة بخمس سنين وماتت يوم بايع الحسن معاوية وكان النبى ﷺ قد طلقها فقال له جبريل ﵇: «راجع حفصة فإنها صوّامة قوّامة وإنها زوجتك فى الجنة»، فراجعها.
٤- أم حبيبة بنت أبى سفيان واسمها رملة: هاجرت مع زوجها الأول إلى أرض الحبشة ولكن زوجها افتتن وتنصر ومات نصرانيّا ولكن الله ثبتها على الإسلام. تزوجها النبى ﷺ سنة سبع من الهجرة، ويذكر أن النبى ﷺ أوصى بحضانة ابنه إبراهيم لها. توفيت سنة أربع وأربعين فى خلاقة أخيها معاوية ابن أبى سفيان.
٥- أم سلمة: هى هند بنت أبى أمية بن المغيرة المخزوميّة: تزوجها النبى ﷺ فى السنة الثانية من الهجرة بعد موقعة بدر. كانت رشيدة الرّأى فهى التى أشارت على النبى ﷺ يوم الحديبية أن يخرج إلى هديه لينحره ثم يدعو الحلاق ليحلق رأسه فما كان من المسلمين لمّا رأوه إلا أن فعلوا مثلما فعل، بعد أن كان أمرهم بحلق رؤوسهم ونحر هداهم والتحلل من إحرامهم، غير أنهم لم يمتثلوا لأمره فى بادئ الأمر لأنهم شعروا بضيق شديد من المعاهدة التى عقدها النبى ﵁ مع كفار قريش والتى عرفت (بصلح الحديبية) فهم كانوا يمنون أنفسهم بدخول مكة للعمرة بينما نصت المعاهدة فيما نصّت ألا يعتمروا فى ذاك العام وأن يرجعوا فى العام المقبل ليدخلوا مكة بعد أن تخرج قريش منها ويمكثوا فيها ثلاثة أيام فقط ليس معهم من السلاح إلا السيوف فى قرابها.
توفيت أم سلمة فى أول خلافة يزيد بن معاوية.
[ ٢١٣ ]
٦- ميمونة بنت الحارث: بدأ به ﵁ المرض فى بيتها، وقد قيل إنها من اللائى وهبن أنفسهن للنبى ﷺ وكانت آخر نسائه موتا.
٧- صفية بنت حيىّ بن أخطب: من سبى بنى النضير، اصطفاها ﵊ وأعتقها ثم تزوجها وكانت عاقلة حليمة فاضلة توفيت فى رمضان سنة خمسين هجرية فى زمن معاوية ﵁.
٨- جويرية بنت الحارث من بنى المصطلق: كان اسمها برّة فسمّاها النبى ﵁ جويرية، كانت أبرك امرأة على قومها لأنها عندما تزوجت النبى ﵁ تسامع الناس بذلك فأطلق المسلمون ما فى أيديهم من السّبى وأعتقوهم قائلين: هم أصهار رسول الله ﵁، فعتق بسببها مائة من بنى المصطلق مما دفع العديد منهم للدخول فى الإسلام.
٩- زينب بنت جحش: كانت ممن أسلم قديما وهاجرت مع رسول الله ﵁ إلى المدينة، خطبها النبى لزيد بن حارثة فلم ترض به فنزلت الآية من سورة الأحزاب: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (الأحزاب: ٣٦)، فرضيت عندها وتزوجت منه. ولكن زيد طلقها ثم تزوجها النبى وكان ذلك لحكمة وهى إزالة آثار التبنى، توفيت سنة عشرين فى خلافة عمر بن الخطاب.
٧- أولاده الكرام
وكلهم من خديجة رضي الله تعالى عنها إلا إبراهيم من مارية القبطية.
أما بناته ﵊ فأربع:
زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة رضي الله تعالى عنهن.
وأما أبناؤه ﵊ فثلاثة: القاسم وعبد الله وإبراهيم، رضى الله تعالى عنهم.
١- القاسم: هو أول ولد له ﵊ قبل النبوة فى مكة
[ ٢١٤ ]
المكرمة وبه يكنّى وعاش حتى مشى.
٢- زينب: هى أكبر بناته ولدت سنة ثلاثين من مولده ﷺ وأدركت الإسلام.
٣- رقية: ولدت سنة ثلاث وثلاثين من مولده ﷺ وتزوجها عثمان بن عفان ﵁ وتوفيت والنبى ﷺ ببدر فزوجه أم كلثوم وسمى بذى النورين.
٤- فاطمة الزهراء: ولدت سنة إحدى وأربعين من مولد النبى ﷺ وسمّيت فاطمة لأن الله تعالى قد فطمها وذريتها عن النار. وتزوجت بعلى بن أبى طالب كرم الله وجهه، فى السنة الثانية للهجرة ولها من العمر خمس عشرة سنة وخمسة أشهو. وهى أفضل بناته وأحبهنّ إليه وكان يقول كما فى صحيح البخارى: «فاطمة بضعة منى فمن أغضبها أغضبنى»، وقال لها كما فى صحيح مسلم: «أو ما ترضين أن تكونى سيدة نساء المؤمنين» . توفيت بعده ﷺ بستة أشهر أى وهى فى الثالثة والعشرين من عمرها ولم يكن لرسول الله ﷺ عقب (أى أحفاد) إلا من ابنته فاطمة.
٥- عبد الله: قيل: إنه مات صغيرا بمكة واختلف هل مات قبل النبوة أو بعدها.
٦- إبراهيم: من مارية القبطية، ولد فى ذى الحجة سنة ثمان من الهجرة وتوفى صغيرا.
٧- أم كلثوم: هى أصغر من فاطمة وليس لها اسم غير هذه الكنية، «١» فأسمها كنيتها. ولدت بعد البعثة وتزوجها عثمان بن عفان ﵁ سنة ثلاث من الهجرة بعد موت أختها رقية ولذا لقب بذى النورين، وتوفيت فى حياة النبى ﵁، فقال ﵁ لعثمان: «لو كان عندنا ثالثة لزوجناكها» .
_________________
(١) الكنية ما بدأت بأب أو أم مثل أبى القاسم محمد ﷺ وأم الخير مثلا.
[ ٢١٥ ]
٨- بعثته وهجرته
بعث إليه فى الأربعين من عمره فى مكة وبقى فيها ثلاث عشرة سنة بعد البعثة ثم هاجر إلى المدينة المنورة فمكث فيها عشر سنوات تقريبا.
٩- وفاته
فى الثالث والستين من عمره توفاه الله تعالى وانتقل إلى الرفيق الأعلى بعد أن أدّى الأمانة وبلّغ الرسالة ونصح الأمة وكان ذلك يوم الاثنين سنة ١١ هجرية وكان وفاته وقبره الشريف فى المدينة المنورة.
عن عائشة ﵂ قالت: «كان الرسول ﷺ يقول وهو صحيح: إنه لم يقبض نبى حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يخيّر بين الدنيا والآخرة، قالت عائشة: فلما نزل به ورأسه على فخذى، غشى عليه، ثم أفاق فأشخص بصره إلى السقف، ثم قال: «اللهم الرفيق الأعلى. قلت إذا لا يختارنا.
قالت: عرفت أنه الحديث الذى كان يحدثنا به وهو صحيح.
[ ٢١٦ ]
٢- وصف أخلاق النبى ﷺ
قال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (سورة القلم: ٤) عن عطاء ﵁ قال قلت لعبد الله بن عمرو أخبرنى عن صفة رسول الله ﷺ فى التوراة قال أجل والله إنه لموصوف فى التوراة بصفته فى القرآن يا أيّها النّبىّ إنّا أرسلناك شاهدا ومبشّرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدى ورسولى، سميتك المتوكل، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب فى الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا- رواه البخارى.
عن عائشة ﵂ قالت «كان خلق رسول الله ﵁ القرآن» - رواه أحمد ومسلم وأبو داود، وزاد مسلم يغضب لغضبه ويرضى لرضاه.
- دفع السيئة بالحسنة
لما أراد الله هدى زيد بن سعية، قال زيد لم يبق شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفتها فى وجه محمد ﷺ إلا اثنتين يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما. قال زيد فقلت يا محمد، هل لك أن تبيعنى ثمرا- معلوما لى- فباعنى فأعطيته ثمانين مثقالا من ذهب، فلما حل الأجل أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه وهو فى جنازة مع أصحابه ونظرت إليه بوجه غليظ وقلت له يا محمد ألا تقضينى حقى؟ فو الله ما علمتكم بنى عبد المطلب إلا مطلا.
ونظرت إلى عمر وعيناه تدوران فى وجهه ثم رمانى ببصره وقال: يا عدو الله أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع وتصنع به ما أرى؟ فلولا ما أحاذر لومه
[ ٢١٧ ]
لضربت بسيفى رأسك.
ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر فى سكون وتؤدة، وقال أنا وهو كنا أحوج إلى غير ذلك منك يا عمر. أن تأمرنى بحسن الأداء وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فاقضه حقه وزد عشرين صاعا من تمر مكان ما روعته.
فذهب بى عمر فأعطانى حقى وزادنى عشرين صاعا، وقال لى ما دعاك إلى أن فعلت ما فعلت وقلت ما قلت؟ قلت يا عمر لم يكن من علامات النبوة شيء إلا عرفته فى وجه النبى ﷺ حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، وقد خبرتهما، فأشهدك يا عمر أنى قد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا، وأشهدك أن شطر مالى صدقة على أمة محمد.
ثم توفى فى غزوة تبوك مقبلا غير مدبر- رواه الطبرانى فى (المعجم الكبير) ورجاله ثقات، ورواه أيضا ابن حبان والحاكم والبيهقى ورواه أبو نعيم فى الدلائل.
الرسول ﷺ يعتق من أرادوا قتله
عن أنس ﵁ قال إن ثمانين نزلوا على النبى ﷺ وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الصبح، يريدون أن يقتلوه، فأخذوا فأعتقهم النبى ﷺ فأنزل الله تعالى وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (سورة الفتح آية ٢٤) - رواه مسلم والترمذى وأبو داود.
كان أحسن الناس خلقا
عن أنس ﵁ قال «كان النبى ﷺ أحسن الناس خلقا» - الحديث رواه الشيخان (البخارى ومسلم) وأبو داود والترمذى.
[ ٢١٨ ]
وعن صفية بنت حيى ﵂ قالت «ما رأيت أحسن خلقا من رسول الله ﷺ» - رواه الطبرانى فى الأوسط بإسناد حسن.
لم يكن فاحشا ولا متفحشا
عن عبد الله بن عمرو قال «لم يكن النبى ﷺ فاحشا ولا متفحشا» - رواه البخارى.
من مكارم أخلاقه ﷺ فى المصافحة والمحادثة والمجالسة
عن أنس ﵁ قال «كان النبى ﷺ إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع يده، ولا يصرف وجهه من وجهه حتى يكون الرجل هو يصرفه، ولم ير مقدما ركبتيه بين يدى جليس له» - رواه أبو داود والترمذى بلفظه.
وعن عمرو بن العاص ﵁ قال «كان ﷺ يقبل بوجهه وحديثه على أشر القوم يتألفهم بذلك» - رواه الطبرانى والترمذى.
وروى مسلم «وما سئل رسول الله ﷺ قط فقال لا.»
كان الرسول ﷺ يدعو بحسن الخلق
عن عائشة ﵂ قالت «كان ﷺ يقول اللهم كما أحسنت خلقى فأحسن خلقى» - رواه أحمد ورواته ثقات.
وقال ﷺ «إن من خياركم أحسنكم أخلاقا» - رواه البخارى.
وروى عن عائشة ﵂ أن رجلا استأذن على النبى ﷺ، فلما رآه قال بئس أخو العشيرة أو بئس ابن العشيرة، فلما جلس تطلق النبى ﷺ فى وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت فى وجهه وانبسطت إليه، فقال رسول الله ﷺ يا عائشة متى عهدتنى فحاشا، إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس- أو ودعه الناس- اتقاء شره- رواه البخارى.
[ ٢١٩ ]
كان ﷺ يستعيذ من سوء الأخلاق وينهى عن اللعن
عن أبى هريرة ﵁ قال كان ﷺ يدعو فيقول «اللهم إنى أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق» - رواه أبو داود والنسائى.
وقال ﷺ «لا ينبغى لصدّيق أن يكون لعانا» - رواه مسلم.
وعندما قيل له ادع على المشركين قال ﷺ «إنى لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة» - رواه مسلم.
أما من لعنه الرسول ﷺ أو سبه أو دعا عليه، وليس هو أهلا لذلك، كان ذلك له زكاة وأجرا ورحمة؛ لأن الرسول ﷺ شارط ربه على ذلك كما فى الحديث «اللهم إنما أنا بشر، فأى المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا» رواه مسلم.
فلما لا نكون على خلق رسول الله ﷺ «١» .
_________________
(١) زيادة من المعلومات عن صفاته الخلقية ﷺ اقرأ كتاب الترمذى (الشمائل المحمدية والخصائل المعطفوية) تحقيق الشيخ طه عبد الرؤف سعد.
[ ٢٢٠ ]
٣- صفات النبى ﷺ الخلقيّة
صفة لونه ﷺ صفة عنقه ﷺ صفة ساقيه ﷺ
صفة وجهه ﷺ صفة رقبته ﷺ صفة قدميه ﷺ
صفة جبينه ﷺ صفة منكبيه ﷺ صفة قامته وطوله ﷺ
صفة حاجبيه ﷺ صفة خاتم النبوة ﷺ صفة عرقه ﷺ
صفة عينيه ﷺ صفة إبطيه ﷺ صفة رأسه ﷺ
صفة أنفه ﷺ صفة ذراعيه ﷺ صفة شعره ﷺ
صفة خديه ﷺ صفة كفيه ﷺ صفة سرته ﷺ
صفة فمه وأسنانه ﷺ صفة أصابعه ﷺ صفة مفاصله
صفة ريقه ﷺ صفة صدره ﷺ وركبته ﷺ
صفة لحيته ﷺ صفة بطنه ﷺ
صفة لونه ﷺ
عن أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ، أزهر اللون، ليس بالأدهم ولا بالأبيض الأمهق (أى لم يكن شديد البياض كمن به برص)، يتلألأ نورا» .
صفة وجهه ﷺ
كان ﵁ أسيل الوجه مسنون الخدين ولم يكن مستديرا غاية التدوير، بل كان بين الاستدارة والإسالة هو أجمل عند كل ذى ذوق سليم. وكان وجهه مثل الشمس والقمر فى الإشراق والصفاء، مليحا كأنما صيغ من فضة لا أوضأ ولا أضوأ منه وكان ﷺ إذا سرّ استنار وجهه حتى كأنّ وجهه قطعة قمر. قال عنه
[ ٢٢١ ]
البراء بن عازب: «كان أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا» .
صفة جبينه ﷺ
عن أبى هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ أسيل الجبين»، (الأسيل:
هو المستوى)، أخرجه عبد الرزاق والبيهقى وابن عساكر.
وكان ﷺ واسع الجبين أى ممتد الجبين طولا وعرضا، والجبين هو غير الجبهة، هو ما اكتنف الجبهة من يمين وشمال، فهما جبينان، فتكون الجبهة بين جبينين. وسعة الجبين محمودة عند كل ذى ذوق سليم.
وصفه ابن أبى خيثمة فقال: «كان رسول الله ﷺ أجلى الجبين، إذا طلع جبينه بين الشعر أو طلع من فلق الشعر أو عند الليل أو طلع بوجهه على الناس، تراءى جبينه كأنه السراج المتوقد يتلألأ» .
صفة حاجبيه ﷺ
حاجباه قويان مقوّسان، متّصلان اتصالا خفيفا. لا يرى اتصالهما إلا أن يكون مسافرا وذلك بسبب غبار السفر.
صفة عينيه ﷺ
كان ﷺ مشرب العينين بحمرة، وقوله مشرب العينين بحمرة: هى عروق حمر رقاق وهى من علاماته ﷺ التى فى الكتب السالفة. وكانت عيناه واسعتين جميلتين، شديدتى سواد الحدقة، ذات أهداب طويلة (أى رموش العينين)، ناصعتى البياض وكان ﷺ أشكل العينين، قال القسطلانى فى المواهب: الشكلة بضم الشين هى الحمرة تكون فى بياض العين وهو محبوب محمود.
قال الزرقانى: قال الحافظ العراقى: هى إحدى علامات نبوته ﷺ، ولما سافر مع ميسرة إلى الشام سأل عنه الراهب ميسرة فقال: فى عينيه حمرة؟
فقال: ما تفارقه، قال الراهب: هو (شرح المواهب) .
[ ٢٢٢ ]
وكان ﷺ «إذا نظرت إليه قلت أكحل العينين وليس بأكحل»، رواه الترمذى.
وعن عائشة ﵂ قالت: «كانت عيناه ﷺ بخلاوين أدعجهما- والعين النجلاء الواسعة الحسنة والدعج: شدة سواد الحدقة، ولا يكون الدعج فى شيء إلا فى سواد الحدقة- وكان أهدب الأشفار حتى تكاد تلتبس من كثرتها»، أخرجه البيهقى فى الدلائل وابن عساكر فى تهذيب تاريخ دمشق.
صفة أنفه:
يحسبه من لم يتأمله أشمّا ولم يكن أشم وكان مستقيما، أقنى أى طويلا فى وسطه بعض ارتفاع، مع دقة أرنبته (الأرنبة هى ما لان من الأنف) .
صفة خدّيه ﷺ
كان ﷺ صلب الخدين. وعن عمار بن ياسر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يسلّم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده»، أخرجه ابن ماجه وهذا حديث صحيح.
صفة فمه وأسنانه ﷺ
قال هند بن أبى هالة ﵁: «كان رسول الله ﷺ أشنب مفلج الأسنان (الأشنب: هو الذى فى أسنانه رقة وتحديد)، أخرجه الطبرانى فى المعجم الكبير والترمذى فى الشمائل وابن سعد فى الطبقات والبغوى فى شرح السنة.
وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ، ضليع الفم (أى واسع الفم) جميله، وكان من أحسن عباد الله شفتين وألطفهم ختم فم. وكان ﵊ أشنب (أبيض الأسنان مفلج أى متفرق الأسنان، بعيد ما بين الثنايا والرباعيات)، أفلج الثنيتين (الثنايا جمع ثنية بالتشديد وهى الأسنان الأربع التى فى مقدم الفم، ثنتان من فوق وثنتان من تحت، والفلج هو تباعد بين الأسنان)، إذا تكلم رئى كالنور يخرج من بين ثناياه»، (النور المرئى يحتمل أن يكون حسيّا كما يحتمل أن يكون معنويّا فيكون المقصود من التشبيه ما
[ ٢٢٣ ]
يخرج من بين ثناياه من أحاديثه الشريفة وكلامه الجامع لأنواع الفصاحة والهداية) .
صفة ريقه ﷺ
لقد أعطى الله تعالى ﷺ خصائص كثيرة لريقه الشريف ومن ذلك أن ريقه ﷺ فيه شفاء للعليل، ورواء للغليل وغذاء وقوة وبركة ونماء فكم داوى ﷺ بريقه الشريف من مريض فبرئ من ساعته!.
جاء فى الصحيحين عن سهل بن سعد ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ يوم خيبر: لأعطينّ الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ وكلهم يرجو أن يعطاها، فقال ﷺ: أين على بن أبى طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكى عينيه. قال: فأرسلوا إليه.
فأتى به وفى رواية مسلم: قال سلمة: فأرسلنى رسول الله ﷺ إلى على، فجئت به أقوده أرمد فتفل رسول الله ﷺ فى عينيه، فبرئ كأنه لم يكن به وجع
وروى الطبرانى وأبو نعيم أنّ عميرة بنت مسعود الأنصارية وأخواتها دخلن على النبى ﷺ يبايعنه، وهن خمس، فوجدنه يأكل قديدا (لحم مجفف)، فمضغ لهن قديدة، قالت عميرة: ثم ناولنى القديدة فقسمتها بينهن، فمضغت كل واحدة فلقين الله تعالى وما وجد لأفواههن خلوف، (أى تغيّر رائحة فم) .
صفة لحيته ﷺ
«كان رسول الله ﷺ حسن اللحية»، أخرجه أحمد وصححه أحمد شاكر.
وقالت عائشة ﵂: «كان ﷺ كث اللحية، (والكث: الكثير منابت الشعر الملتفها)، وكانت عنفقته بارزة، وحولها كبياض اللؤلؤ، فى أسفل عنفقته شعر منقاد حتى يقع انقيادها على شعر اللحية حتى يكون كأنه منه»،
[ ٢٢٤ ]
أخرجه أبو نعيم والبيهقى فى دلائل النبوة وابن عساكر فى تهذيب تاريخ دمشق وابن أبى خيثمة فى تاريخه.
وعن عبد الله بن بسر ﵁ قال: «كان فى عنفقة رسول الله ﷺ شعرات بيض»، أخرجه البخارى.
وقال أنس بن مالك ﵁: «لم يختضب رسول الله ﷺ إنما كان البياض فى عنفقته» أخرجه مسلم.
كما كان ﷺ أسود كثّ اللحية، بمقدار قبضة اليد، يحسّنها ويطيّبها (أى يضع عليها الطيب) . وكان ﷺ يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته ويكثر القناع كأن ثوبه ثوب زيات، أخرجه الترمذى فى الشمائل والبغوى فى شرح السنة.
وكان من هديه ﵊ حف الشارب وإعفاء اللحية.
صفة رأسه ﷺ
كان النبى ﷺ ذا رأس ضخم.
صفة شعره ﷺ
كان شديد السواد رجلا (أى ليس مسترسلا كشعر الروم ولا جعدا كشعر السودان وإنّما هو على هيئة المتمشّط) . يصل إلى أنصاف أذنيه حينا ويرسله أحيانا فيصل إلى شحمة أذنيه أو بين أذنيه وعاتقه، وغاية طوله أن يضرب منكبيه إذا طال زمان إرساله بعد الحلق، وبهذا يجمع بين الروايات الواردة فى هذا الشأن، حيث أخبر كل واحد من الرواة عمّا رآه فى حين من الأحيان.
قال الإمام النووى: «هذا، ولم يحلق النبى ﷺ رأسه (أى بالكلية) فى سنى الهجرة إلا عام الحديبية ثم عام عمرة القضاء ثم عام حجة الوداع» . قال على ابن أبى طالب ﵁: «كان رسول الله ﷺ كثير شعر الرأس راجله»، أخرجه أحمد والترمذى وقال حسن صحيح.
ولم يكن فى رأس النبى ﷺ شيب إلا شعيرات فى مفرق رأسه، فقد أخبر
[ ٢٢٥ ]
ابن سعد أنه ما كان فى لحية النبى ﷺ ورأسه إلا سبع عشرة شعرة بيضاء وفى بعض الأحاديث ما يفيد أن شيبه لا يزيد على عشر شعرات وكان ﵊ إذا ادهن واراهن الدهن (أى أخفاهن)، وكان يدّهن بالطيب والحنّاء.
وعن ابن عباس ﵄ قال: «كان النبى يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، فسدل النبى ﷺ ناصيته ثم فرق بعد»، أخرجه البخارى ومسلم.
وكان رجل الشعر حسنا ليس بالسبط ولا الجعد القطط، كما إذا مشطه كأنه حبك الرّمل، أو كأنه المتون التى تكون فى الغدر إذا سفتها الرياح، فإذا مكث لم يرجل أخذ بعضه بعضا، وتحلق حتى يكون متحلقا كالخواتم، لما كان أول مرة سدل ناصيته بين عينيه كما تسدل نواصى الخيل جاءه جبريل ﵇ بالفرق ففرق.
وعن عائشة ﵂ قالت: «كنت إذا أردت أن أفرق رأس الله صدعت الفرق من نافوخه وأرسل ناصيته بين عينيه»، أخرجه أبو داود وابن ماجه.
وكان ﷺ يسدل شعره أى يرسله ثم ترك ذلك وصار يفرقه، فكان الفرق مستحبا، وهو آخر الأمرين منه ﷺ. وفرق شعر الرأس هو قسمته فى المفرق وهو وسط الرأس. وكان يبدأ فى ترجيل شعره من الجهة اليمنى، فكان يفرق رأسه ثم يمشّط الشق الأيمن ثم الشقّ الأيسر.
وكان رسول الله ﷺ يترجّل غبا (أى يمشط شعره ويتعهّده من وقت إلى آخر) .
وعن عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ يحب التيمن فى طهوره (أى الابتداء باليمين) إذا تطهر وفى ترجله إذا ترجل وفى انتعاله إذا انتعل، أخرجه البخارى.
[ ٢٢٦ ]
صفة عنقه ورقبته ﷺ
رقبته فيها طول، أما عنقه فكأنه جيد دمية (الجيد: هو العنق. والدمية:
هى الصورة التى بولغ فى تحسينها) .
عن على بن أبى طالب ﵁ قال: «كأن عنق رسول الله ﷺ إبريق فضة»، أخرجه ابن سعد فى الطبقات والبيهقى.
وعن عائشة ﵂ قالت: «كان أحسن عباد الله عنقا، لا ينسب إلى الطول ولا إلى القصر، ما ظهر من عنقه للشمس والرياح فكأنه إبريق فضة يشوبه ذهبا يتلألأ فى بياض الفضة وحمرة الذهب، وما غيب فى الثياب من عنقه فما تحتها فكأنه القمر ليلة البدر»، أخرجه البيهقى وابن عساكر.
صفة منكبيه ﷺ
كان ﵊ أشعر المنكبين (أى عليهما شعر كثير)، واسع ما بينهما، والمنكب هو مجمع العضد والكتف. والمراد بكونه بعيد ما بين المنكبين أنه عريض أعلى الظهر ويلزمه أنه عريض الصدر مع الإشارة إلى أن بعد ما بين منكبيه لم يكن منافيا للاعتدال. وكان كتفاه عريضين عظيمين.
صفة خاتم النبوة ﷺ
وهو خاتم أسود اللون مثل الهلال وفى رواية أنه أخضر اللون، وفى رواية أنه كان أحمر، وفى رواية أخرى أنه كلون جسده. والحقيقة أنه لا يوجد تدافع بين هذه الروايات لأن لون الخاتم كان يتفاوت باختلاف الأوقات، فيكون تارة أحمر وتارة كلون جسده وهكذا بحسب الأوقات. ويبلغ حجم الخاتم قدر بيضة الحمامة، وورد أنه كان على أعلى كتف النبى ﷺ الأيسر. وقد عرف سلمان الفارسى رسول الله ﷺ بهذا الخاتم.
وعن عبد الله بن سرجس قال: «رأيت النبى ﷺ وأكلت معه خبزا ولحما أو قال ثريدا.
[ ٢٢٧ ]
فقيل له: استغفر لك النبى؟ قال: نعم ولك، ثم تلى هذه الآية: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ (محمد: ١٩) .
قال: «ثم درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى عليه خيلان كأمثال الثاليل»، أخرجه مسلم.
قال أبو زيد ﵁: «قال لى رسول الله ﷺ اقترب منى، فاقتربت منه، فقال: أدخل يدك فامسح ظهرى، قال: فأدخلت يدى فى قميصه فمسحت ظهره فوقع خاتم النبوة بين أصابعى قال: فسئل عن خاتم النبوة فقال: «شعرات بين كتفيه»، أخرجه أحمد والحاكم وقال (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبى.
اللهم كما أكرمت أبا زيد ﵁ بهذا فأكرمنا به يا ربنا يا إلهنا يا من تعطى السائلين من جودك وكرمك ولا تبالى.
صفة إبطيه ﷺ
كان ﵊ أبيض الإبطين، وبياض الإبطين من علامة نبوّته إذ إن الإبط من جميع الناس يكون عادة متغييّر اللون.
قال عبد الله بن مالك ﵁: «كان النبى ﷺ إذا سجد فرّج بين يديه (أى باعد) حتى نرى بياض إبطيه»، أخرجه البخارى.
وقال جابر بن عبد الله ﵄: «كان رسول الله ﷺ إذا سجد جافى حتى يرى بياض إبطيه»، أخرجه أحمد وقال الهيثمى فى المجمع رجال أحمد رجال الصحيح.
صفة ذراعيه ﷺ
كان ﵊ أشعر، طويل الزندين (أى الذراعين)، سبط القصب (القصب يريد به ساعديه) .
[ ٢٢٨ ]
صفة كفيه ﷺ
كان ﷺ رحب الراحة (أى واسع الكف) كفه ممتلئة لحما، غير أنها مع غاية ضخامتها كانت ليّنة أى ناعمة. قال أنس ﵁: «ما مسست ديباجة ولا حريرة ألين من كفّ رسول الله ﷺ» . وأمّا ما ورد فى روايات أخرى عن خشونة كفيه وغلاظتهما، فهو محمول على ما إذا عمل فى الجهاد أو مهنة أهله، فإنّ كفه الشريفة تصير خشنة للعارض المذكور (أى العمل) وإذا ترك رجعت إلى النعومة.
وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: «صليت مع رسول الله ﷺ الأولى، ثم خرج إلى أهله وخرجت معه فاستقبله ولدان فجعل يمسح خدى أحدهم واحدا واحدا. قال: وأما أنا فمسح خدى. قال: «فوجدت ليده بردا أو ريحا كأنما أخرجها من جونة عطار»، أخرجه مسلم.
صفة أصابعه ﷺ
قال هند بن أبى هالة ﵁: «كان رسول الله ﷺ سائل الأطواف، قوله (سائل الأطراف)، (يريد الأصابع أنها طوال ليست بمنعقدة)، أخرجه الطبرانى فى المعجم الكبير والترمذى فى الشمائل وابن سعد فى الطبقات والحاكم مختصرا والبغوى فى شرح السنة والحافظ ابن حجر فى الإصابة.
صفة صدره ﷺ
عريض الصدر، ممتلئ لحما، ليس بالسمين ولا بالنحيل، سواء البطن والظهر. وكان ﷺ أشعر أعالى الصدر، عارى الثديين والبطن (أى لم يكن عليها شعر كثير) طويل المسربة وهو الشعر الدقيق.
صفة بطنه ﷺ
قالت أم معبد ﵂: «لم تعبه ثلجه»، الثلجة»: كبر البطن.
[ ٢٢٩ ]
صفة سرته ﷺ
عن هند بن أبى هالة ﵁: «كان رسول الله ﷺ.. دقيق المسربة موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجرى كالخط، عارى الثديين والبطن مما سوى ذلك: حديث هند تقدم تخريجه. واللّبة المنحر وهو النقرة التى فوق الصدر.
صفة مفاصله وركبتيه ﷺ
كان ﷺ ضخم الأعضاء كالركبتين والمرفقين والمنكبين والأصابع، وكل ذلك من دلائل قوّته ﵊.
صفة ساقيه ﷺ
عن أبى جحيفة ﵁ قال: « وخرج رسول الله ﷺ كأنى أنظر إلى بيض ساقيه» . أخرجه البخارى فى صحيحه.
صفة قدميه ﷺ
قال هند بن أبى هالة ﵁: «كان النبى ﷺ خمصان الأخمصين مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء شسن الكفين والقدمين» .. قوله: خمصان الأخمصين: الأخمص من القدم ما بين صدرها وعقبها، وهو الذى لا يلتصق بالأرض من القدمين، يريد أن ذلك منه مرتفع. مسيح القدمين: يريد أنهما ملساوان ليس فى ظهورهما تكسر لذا قال ينبو عنهما الماء يعنى أنه لا ثبات للماء عليهما وشسن الكفين والقدمين أى غليظ الأصابع والراحة رواه الترمذى فى الشمائل والطبرانى.
وكان ﷺ أشبه النّاس بسيدنا إبراهيم ﵇، وكانت قدماه الشّريفتان تشبهان قدمى سيدنا إبراهيم ﵇ كما هى آثارها فى مقام سيدنا إبراهيم ﵇.
صفة عقبيه ﷺ
كان الرسول ﷺ منهوس العقبين أى لحمهما قليل.
[ ٢٣٠ ]
صفة قامته وطوله ﷺ
عن أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ ربعة من القوم» (أى مربوع القامة)، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، وكان إلى الطول أقرب. وقد ورد عند البيهقى وابن عساكر أنه ﷺ لم يكن يماشى أحدا من الناس إلا طاله، ولربّما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما فإذا فارقاه نسب إلى الرّبعة، وكان إذا جلس يكون كتفه أعلى من الجالس. وبالجملة كان ﷺ حسن الجسم، معتدل الخلق ومتناسب الأعضاء.
صفة عرقه ﷺ
عن أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ أزهر اللون كأنّ عرقه اللؤلؤ» (أى كان صافيا أبيض مثل اللؤلؤ) وقال أيضا: «ما شممت عنبرا قط ولا مسكا أطيب من ريح رسول الله ﷺ»، أخرجه البخارى ومسلم واللفظ له. وعن أنس أيضا قال: «دخل علينا رسول الله ﷺ فقال (أى نام نومة القيلولة) عندنا، فعرق وجاءت أمى بقارورة فجعلت تسلت العرق، فاستيقظ النبى ﷺ فقال: يا أم سليم ما هذا الذى تصنعين؟ قالت: عرق نجعله فى طيبنا وهو أطيب»، رواه مسلم، وفيه دليل أن الصحابة كانوا يتبرّكون باثار النبى ﷺ، وقد أقرّ الرسول ﵊ أم سليم على ذلك.
وكان ﷺ إذا صافحه الرجل وجد ريحه (أى تبقى رائحة النبى ﵊ على يد الرجل الذى صافحه)، وإذا وضع يده على رأس صبى، فيظل يومه يعرف من بين الصبيان بريحه على رأسه.
ما جاء فى اعتدال خلقه ﷺ
قال هند بن أبى هالة ﵁: «كان رسول الله ﷺ معتدل الخلق، بادن متماسك، سواء البطن والصدر»، أخرجه الطبرانى والترمذى فى الشمائل والبغوى فى شرح السنة وابن سعد وغيرهم.
قال البراء بن عازب ﵁: «كان رسول الله أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا»، أخرجه البخارى ومسلم.
[ ٢٣١ ]
الرسول المبارك ﷺ بوصف شامل
يروى أن الرسول ﷺ وأبا بكر ﵁ ومولاه ودليلهما، خرجوا من مكة ومرّوا على خيمة امرأة عجوز تسمّى (أم معبد)، كانت تجلس قرب الخيمة تسقى وتطعم، فسألوها لحما وتمرا ليشتروا منها، فلم يجدوا عندها شيئا. نظر رسول الله ﷺ إلى شاة فى جانب الخيمة، وكان قد نفد زادهم وجاعوا.
سأل النبى ﵊ أم معبد: ما هذه الشاة يا أم معبد؟
فاجابت أم معبد: شاة خلّفها الجهد والضعف عن الغنم.
قال الرسول ﷺ: هل بها من لبن؟.
ردت أم معبد: بأبى أنت وأمى، إن رأيت بها حلبا فاحلبها!.
فدعا النبى ﵊ الشاة، ومسح بيده ضرعها، وسمّى الله جلّ تناؤه ثم دعا لأم معبد فى شاتها حتى فتحت الشاة رجليها، ودرّت. فدعا بإناء كبير، فحلب غبة حتى امتلأ، ثم سقى المرأة حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا (أى شبعوا)، ثم شرب آخرهم، ثم حلب فى الإناء مرة ثانية حتى ملأ الإناء، ثم تركه عندها وارتحلوا عنها وبعد قليل أتى زوج المرأة (أبو معبد) يسوق أعنزا يتمايلن من الضعف، فرأى اللبن!!.
قال لزوجته: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد والشاة عازب (أى لم تحمل ولم تلد) ولا حلوب فى البيت؟!!.
أجابته: لا والله، إنه مرّ بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا.
فقال لها أبو معبد: صفيه لى يا أم معبد!!.
أم معبد تصف رسول الله ﷺ
رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه (أى مشرق الوجه)، لم تعبه نحلة (أى نحول الجسم) ولم تزر به صقلة (أنه ليس بسمين)، وسيم قسيم (أى
[ ٢٣٢ ]
حسن وضئ)، فى عينيه دعج (أى سواد)، وفى أشفاره وطف (طويل شعر العين)، وفى صوته صحل (بحّة وحسن)، وفى عنقه سطع (طول)، وفى لحيته كثاثة (كثرة شعر)، أزجّ أقرن (حاجباه طويلان ومقوّسان ومتّصلان)، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأجلاهم وأحسنهم من قريب، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر (كلامه بيّن وسط ليس بالقليل ولا بالكثير)، كأنّ منطقه خرزات نظم يتحدّرن، ربعة (ليس بالطويل البائن ولا بالقصير)، لا يعاب من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنظر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره، محشود محفود (أى عنده جماعة من أصحابه يطيعونه)، لا عابس ولا مفند (غير عابس الوجه، وكلامه خال من الخرافة) .
قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذى ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلا.
وأصبح صوت بمكة عاليا يسمعه الناس، ولا يدرون من صاحبه وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلّا خيمتى أم معبد
هما نزلاها بالهدى واهتدت به فقد فاز من أمسى رفيق محمد
حديث حسن قوى أخرجه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبى.
وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ فى ليلة إضحيان، وعليه حلّة حمراء، فجعلت أنظر إلى رسول الله ﷺ وإلى القمر، فإذا هو عندى أحسن من القمر» . (إضحيان هى االليلة المقمرة من أولها إلى آخرها) .
وما أحسن ما قيل فى وصف الرسول ﷺ:
«وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل»
(ثمال: مطعم، عصمة: مانع من ظلمهم) .
[ ٢٣٣ ]
ما جاء فى حسن النبى ﷺ
لقد وصف بأنه كان مشربا حمرة وقد صدق من نعته بذلك، ولكن إنما كان المشرب منه حمرة ما ضحا للشمس والرياح، فقد كان بياضه من ذلك قد أشرب حمرة، وما تحت الثياب فهو الأبيض الأزهر لا يشك فيه أحد ممن وصفه بأنه أبيض أزهر
يعرف رضاه وغضبه وسروره فى وجهه وكان لا يغضب إلا لله، كان إذا رضى أو سرّ استنار وجهه فكأن وجهه المرآة، وإذا غضب تلون وجهه واحمرت عيناه.
عن عائشة ﵂ قالت: «استعرت من حفصة بنت رواحة إبرة كنت أخيط بها ثوب رسول الله ﷺ فطلبتها فلم أقدر عليها، فدخل رسول الله ﷺ فتبينت الإبرة لشعاع وجهه »، أخرجه ابن عساكر والأصبهانى فى الدلائل والديلمى فى مسند الفردوس كما فى الجامع الكبير للسيوطى.
وفى ختام هذا العرض لبعض صفات الرسول الكريم ﷺ الخلقية التى هى أكثر من أن يحيط بها كتاب لا بد من الإشارة إلى تمام الإيمان بالنبى ﷺ هو الإيمان بأن الله ﷾ خلق بدنه الشريف فى غاية الحسن والكمال على وجه لم يظهر لآدمى مثله.
ويرحم الله القائل:
فهو الذى تم معناه وصورته ثم اصطفاه حبيبا بارئ النّسم
فتنزه عن شريك فى محاسنه فجوهر الحسن فيه غير منقسم
وقيل فى شأنه ﷺ أيضا:
بلغ العلى بكماله كشف الدجى بجماله
حسنت جميع خصاله صلوا عليه وآله
ورحم الله ابن الفارض حيث قال:
[ ٢٣٤ ]
وعلى تفنن واصفيه يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف
مسألة: من المعلوم أن النسوة قطعت أيديهن لما رأين يوسف ﵇ إذ أنه ﵇ أوتى شطر الحسن، فلماذا لم يحصل مثل هذا الأمر مع النبى ﷺ؟ هل يا ترى سبب ذلك أن يوسف ﵇ كان يفوق الرسول ﵊ حسنا وجمالا؟
الجواب: صحيح أن يوسف ﵇ أوتى شطر الحسن ولكنه مع ذلك ما فاق جماله جمال وحسن النبى ﷺ. فلقد نال سيدنا محمد ﷺ صفات كمال البشر جميعا خلقا وخلقا، فهو أجمل الناس وأكرمهم وأشجعهم على الإطلاق وأذكاهم وأحلمهم وأعلمهم إلخ هذا من جهة، ومن جهة أخرى وكما مر معنا سابقا أن النبى ﷺ كان يعلوه الوقار والهيبة من عظمة النور الذى كلّله الله تعالى به، فكان الصحابة إذا جلسوا مع النبى ﷺ كأن على رؤوسهم الطير من الهيبة والإجلال فالطير تقف على الشيء الثابت الذى لا يتحرك.
وما كان كبار الصحابة يستطيعون أن ينظروا فى وجهه ويصفوه لنا لشدة الهيبة والإجلال الذى كان يملأ قلوبهم وإنما وصفة لنا صغار الصحابة، ولهذا لم يحصل ذلك مع يوسف ﵇. «١»
_________________
(١) لمعرفة رسول الله ﷺ بخلقه الظاهر وخلقه الباطن اقرأ للإمام الترمذى كتاب (الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية) تحقيق الشيخ طه عبد الرؤف سعد.
[ ٢٣٥ ]
٤- من صفات النبى ﷺ الشاملة
ونفرد هنا هذه الصفحات زيادة فى بيان صفاته ﷺ صفة كلامه ﷺ صفة شرابه ﷺ أحاديث عن تواضعه
صفة ضحكه ﷺ صفة شربه ﷺ رفقه ﵊
صفة لباسه ﷺ صفة تكأته ﷺ الرحمة عند رسول الله
صفة عمامته ﷺ صفة فراشه ﷺ سعة قلبه ﷺ
صفة نعله ﷺ صفة نومه ﷺ حبه لأمته ﷺ
صفة خاتمه ﷺ صفة عطاسه ﷺ صفة كرمه ﷺ
صفة سيفه ﷺ صفة مشيته ﷺ جامع صفاته ﷺ
صفة درعه ﷺ صفة دعائه ﷺ عراقة أصله ﷺ
صفة عطره ﷺ صفة تسبيحه ﷺ تعظيم الصحابه له
محبته من الإيمان من أخلاقه ﷺ علامة محبته ﷺ
صفة كحله ﷺ العفو عند الخصام ثمرة محبة ﷺ صفة عيشه ﷺ
صور من حب السلف للنبى ﷺ
مائة خصلة انفرد بها الرسول ﷺ عن بقية الرسل
[ ٢٣٦ ]
صفة كلامه ﷺ
كان كلامه ﷺ بين فصل ظاهر يحفظه من جلس إليه.
ورد فى حديث متفق عليه أنّه ﵊: «كان يحدّث حديثا لو عدّه العادّ لأحصاه» .
«وكان ﷺ يعيد الكلمة ثلاثا لتعقل عنه» . رواه البخارى.
وروى أنه كان ﷺ يعرض عن كل كلام قبيح ويكنّى عن الأمور المستقبحة فى العرف إذا اضطره الكلام إلى ذكرها، وكان ﷺ يذكر الله تعالى بين الخطوتين.
صفة ضحكه وبكائه ﷺ
كان رسول الله ﷺ لا يضحك إلا تبسّما، وكنت إذا نظرت إليه قلت أكحل العينين وليس بأكحل» . حسن رواه الترمذى.
وعن عبد الله بن الحارث قال: «ما رأيت أحدا أكثر تبسما من الرسول ﷺ، وكان رسول الله ﷺ لا يحدّث حديثا إلا تبسّم، وكان ضحك أصحابه ﷺ عنده التبسّم من غير صوت اقتداء به وتوقيرا له. وكان ﷺ إذا جرى به الضحك وضع يده على فمه، وكان ﷺ من أضحك الناس وأطيبهم نفسا» .
وكان ﷺ إذا ضحك بانت نواجذه أى أضراسه من غير أن يرفع صوته وكان الغالب من أحواله التّبسّم. وبكاؤه ﷺ كان من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن تدمع عيناه حتى تنهملان ويسمع لصدره أزيز، ويبكى رحمة لميّت وخوفا على أمّته وشفقة من خشية الله تعالى وعند سماع القرآن وفى صلاة الليل.
وعن عائشة قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعا قط ضاحكا، حتى أرى منه لهاته، (أى أقصى حلقه)» .
[ ٢٣٧ ]
صفة لباسه ﷺ
عن أم سلمة ﵂ قالت: «وكان أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ القميص (وهو اسم لما يلبس من المخيط)، رواه الترمذى فى الشمائل وصححه الحاكم. ولقد كانت سيرته ﷺ فى ملبسه أتم وأنفع للبدن وأخف عليه، فلم تكن عمامته بالكبيرة التى يؤذيه حملها أو يضعفه أو يجعله عرضة الآفات، ولا بالصغيرة التى تقصر عن وقاية الرأس من الحر والبرد وكذلك الأردية (جمع رداء) والأزر (جمع إزار)
ويفضل من الثياب ما خف على البدن من غيرها. ولم يكن لرسول الله ﷺ نوع معين من الثياب، فقد لبس أنواعا كثيرة، وذلك أنه ﷺ كان يلبس ما يجده. وكان ﵊ يلبس يوم الجمعة والعيد ثوبا خاصا، وإذا قدم عليه الوفد، لبس أحسن ثيابه وأمر أصحابه بهديه فى ذلك.
وعن أبى سعيد الخدرى قال: «كان رسول الله ﷺ إذا استجد ثوبا سماه باسمه، (عمامة أو قميصا أو رداء) ثم يقول: اللهم لك الحمد كما كسوتنيه أسألك خير ما صنع له وأعوذ من شره وشر ما صنع له»، رواه الترمذى فى الشمائل، والسنن فى اللباس، وأبو داود.
كان أحب الثياب إليه البيضاء. وكان ﷺ لا يبدو منه إلا طيب، كان آية ذلك فى بدنه الشريف أنه لا يتسخ له ثوب أى كانت ثيابه لا يصيبها الوسخ من العرق ولا ما سوى ذلك وكان الذباب لا يقع على ثيابه.
صفة عمامته ﷺ
كان رسول الله ﷺ يلبس قلنسوة بيضاء، والقلنسوة هى غشاء مبطن يستر الرأس، وكان ﷺ يلبس القلانس (جمع قلنسوة) أحيانا تحت العمائم وبغير العمائم، ويلبس العمائم بغير القلانس أحيانا. كان ﷺ إذا اعتمّ (أى لبس العمامة)، سدل عمامته بين كتفيه، وكان ﵊ لا يولى واليا حتى يعمّمه ويرخى له عذبة من الجانب الأيمن نحو الأذن. ولم
[ ٢٣٨ ]
يكن ﷺ يطول العمامة أو يوسعها. قال ابن القيم: لم تكن عمامته ﷺ كبيرة يؤذى الرأس حملها ولا صغيرة تقصر عن وقاية الرأس بل كانت وسطا بين ذلك وخير الأمور الوسط. وكان الرسول ﷺ يعتم بعمامة بيضاء وأحيانا خضراء أو غير ذلك. وعن جابر ﵁ قال: «دخل النبى ﷺ مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء» . ولقد اعتم ﷺ بعد بدر حيث رأى الملائكة تلبسها.
وصحة لبس المصطفى للسواد ونزول الملائكة يوم بدر بعمائم صفر لا يعارض عموم الخبر الصحيح الآمر بالبياض لأنه لمقاصد اقتضاها خصوص المقام كما بيّنه بعض الأعلام.
صفة نعله وخفه ﷺ
كان لنعل رسول الله ﷺ قبالان مثنى (قبال) شراكهما أى لكل منهما قبالان، والقبال هو زمام يوضع بين الإصبع الوسطى والتى تليها ويسمى شسعا، وكان النبى ﷺ يضع أحد القبالين بين الإبهام والتى تليها والآخر بين الوسطى والتى تليها والشراك للسير (أى النعل) . وكان يلبس النعل ليس فيها شعر، كما رؤى بنعلين مخصوفتين أى مخروزتين مخاطتين ضم فيها طاق إلى طاق. وطول نعله شبر وإصبعان وعرضها مما يلى الكعبان سبع أصابع وبطن القدم خمس أصابع ورأسها محدد. وكان ﵊ يقول موصيا الناس: «إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين وإذا نزع فليبدأ بالشمال» .
صفة خاتمه ﷺ
عن أنس بن مالك ﵁ قال: «لما أراد رسول الله ﷺ أن يكتب إلى العجم، قيل له: إن العجم لا يقبلون إلا كتابا عليه ختم، فاصطنع خاتما، فكأنى أنظر إلى بياضه فى كفه» . رواه الترمذى فى الشمائل والبخارى ومسلم. ولهذا الحديث فائدة أنه يندب معاشرة الناس بما يحبون وترك ما يكرهون واستئلاف العدو بما لا ضرر فيه ولا محذور شرعا والله أعلم.
ولقد كان خاتم رسول الله ﷺ من فضة وفصه (أى حجره) كذلك،
[ ٢٣٩ ]
وكان ﷺ يجعل فص خاتمه مما يلى كفه، نقش عليه من الأسفل إلى الأعلى «محمد رسول الله»، وذلك لكى لا تكون كلمة «محمد» ﷺ فوق كلمة (الله) ﷾. وعن ابن عمر ﵁ قال: «اتخذ رسول الله ﷺ خاتما من ورق (أى من فضة) فكان فى يده، ثم كان فى يد أبى بكر ويد عمر، ثم كان فى يد عثمان، حتى وقع فى بئر أريس. نقشه «محمد رسول الله»، رواه الترمذى فى الشمائل ومسلم وأبو داود، وأريس بفتح الهمزة وكسر الراء، هى بئر بحديقة من مسجد قباء.
ولقد ورد فى بعض الروايات أن النبى ﷺ كان يلبس الخاتم فى يمينه وفى روايات أخرى أنه كان يلبسه بيساره ويجمع بين روايات اليمين وروايات اليسار بأن كلّا منهما وقع فى بعض الأحوال أو أنه ﷺ كان له خاتمان كل واحد فى يد وقد أحسن الحافظ العراقى حيث نظم ذلك فقال:
يلبسه كما روى البخارى فى خنصر يمين أو يسار كلاهما فى مسلم ويجمع بأن ذا فى حالتين يقع أو خاتمين كل واحد بيد كما بفص حبشى قد ورد.
ولكن الذى ورد فى الصحيحين هو تعيين الخنصر، فالسنّة جعل الخاتم فى الخنصر فقط، والخنصر هو أصغر أصابع اليد وحكمته أنه أبعد عن الامتهان فيما يتعاطاه الإنسان باليد وأنه لا يشغل اليد عمّا تزاوله من الأعمال بخلاف ما لو كان فى غير الخنصر.
صفة سيفه ﷺ
عن سعيد بن أبى الحسن البصرى قال: «كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ من فضة» .
والمراد بالسيف هنا، ذو الفقار وكان لا يكاد يفارقه ولقد دخل به مكة يوم الفتح. والقبيعة كالطبيعة «١» ما على طرف مقبض السيف يعتمد الكف عليها
_________________
(١) أى على وزنها أى عمى وزن فعيلة
[ ٢٤٠ ]
لئلا يزلق. وفى رواية ابن سعد عن عامر قال: «أخرج إلينا على بن الحسين سيف رسول الله ﷺ فإذا قبيعته من فضة وحلقته من فضة» . وعن جعفر بن محمد عن أبيه أنه كان نعل سيف رسول الله ﷺ أى أسفله وحلقته وقبيعته من فضة.
صفة درعه ﷺ
عن الزبير بن العوام قال: «كان على النبى ﷺ يوم أحد درعان فنهض إلى الصخرة فلم يستطع (أى فأسرع إلى الصخرة ليراه المسلمون فيعلمون أنه ﵊ حى فيجتمعون عليه، فلم يقدر على الارتفاع على الصخرة قيل لما حصل من شج رأسه وجبينه الشريفين واستفراغ الدم الكثير منهما) فأقعد طلحة تحته (أى أجلسه فصار طلحة كالسلم) وصعد النبى ﷺ (أى وضع رجله فوقه وارتفع) حتى استوى على الصخرة (أى حتى استقر عليها)، قال: سمعت النبى ﷺ يقول: «أوجب طلحة (أى فعل فعلا أوجب لنفسه بسببه الجنة وهو إعانته له ﷺ على الارتفاع على الصخرة الذى ترتب عليه جمع شمل المسلمين وإدخال السرور على كل حزين ويحتمل أن ذلك الفعل هو جعله نفسه فداء له ﷺ ذلك اليوم حتى أصيب ببضع وثمانين طعنة وشلّت يده فى دفع الأعداء عنه)» . وقوله (كان عليه يوم أحد درعان) دليل على اهتمامه ﷺ بأمر الحرب وإشارة إلى أنه ينبغى أن يكون التوكل مقرونا بالتحصن لا مجردا عنه. ولقد ورد فى روايات أخرى أنه كان للنبى ﷺ أدرع.
صفة طيبه (أى عطره) ﷺ
كان رسول الله ﷺ يأخذ المسك فيمسح به رأسه ولحيته وكان ﷺ لا يردّ الطيب، رواه البخارى. وعن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفى لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفى ريحه»، ورواه الترمذى فى الأدب باب ما جاء فى طيب الرجال والنساء، والنسائى فى الزينة باب الفصل بين طيب الرجال والنساء، وهو حديث صحيح.
[ ٢٤١ ]
صفة كحله ﷺ
عن ابن عباس ﵄ أنّ النبى ﷺ قال: «اكتحلوا بالإثمد فإنّه يجلو البصر وينبت الشعر»، وزعم أنّ النبى ﷺ كانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة ثلاثة فى هذه وثلاثة فى هذه. قوله (اكتحلوا بالإثمد) المخاطب بذلك الأصحّاء أمّا العين المريضة فقد يضرّها الإثمد، والإثمد هو حجر الكحل المعدنى المعروف ومعدنه بالمشرق وهو أسود يضرب إلى حمرة. وقوله (فإنّه يجلو البصر) أى يقوّيه ويدفع المواد الرديئة المنحدرة إليه من الرأس لاسيما إذا أضيف إليه قليل من المسك. وأمّا قوله (ينبت الشعر) أى يقوى طبقات شعر العينين التى هى الأهداب وهذا إذا اكتحل به من اعتاده فإن اكتحل به من لم يعتده رمدت عينه.
صفة عيشه ﷺ
عن عائشة ﵂ قالت: «ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدموا المدينة ثلاثة أيام تباعا من خبز برّ، حتى مضى لسبيله أى مات ﷺ» .
قال رسول الله ﷺ: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا» (أى ما يسدّ الجوع) متفق عليه.
صفة شرابه ﷺ
عن ابن عباس ﵄ قال: «دخلت مع رسول الله ﷺ أنا وخالد ابن الوليد على ميمونة فجاءتنا بإناء من لبن فشرب رسول الله ﷺ وأنا على يمينه وخالد عن شماله فقال لى: الشّربة لك فإن شئت آثرت بها خالدا، فقلت ما كنت لأوثر على سؤرك أحدا، ثم قال رسول الله ﷺ: من أطعمه الله طعاما فليقل: «اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه، ومن سقاه الله ﷿ لبنا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه»، ثم قال، قال رسول الله ﷺ: «ليس شيء يجزئ مكان الطعام والشراب غير اللبن» .
[ ٢٤٢ ]
صفة شربه ﷺ
عن ابن عباس ﵄ أن النبى ﷺ شرب من زمزم وهو قائم.
وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبى ﷺ كان يتنفس فى الإناء ثلاثا إذا شرب ويقول هو أمرأ وأروى، قوله (كان يتنفس فى الإناء ثلاثا) وفى رواية لمسلم (كان يتنفس فى الشراب ثلاثا) المراد منه أنه يشرب من الإناء ثم يزيله عن فيه (أى فمه) ويتنفس خارجه ثم يشرب وهكذا لا أنه كان يتنفس فى جوف الإناء أو الماء المشروب. وكان ﵊ غالبا ما يشرب وهو قاعد «١» .
صفة تكأته ﷺ
عن جابر بن سمرة قال: «رأيت رسول الله ﷺ متّكئا على وسادة على يساره» .
وعن عبد الرحمن بن أبى بكرة عن أبيه قال: «قال رسول الله ﷺ: ألا أحدّثكم بأكبر الكبائر قالوا بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، قال وجلس رسول الله ﷺ وكان متّكئا، قال وشهادة الزور أو قول الزور، قال فمازال رسول الله ﷺ يكررها حتى قلنا ليته سكت» .
صفة فراشه ﷺ
ولرسول الله ﷺ فراش من أدم. (أى من جلد مدبوغ) محشو بالليف.
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «دخلت على رسول الله ﷺ وهو نائم على حصير قد أثر بجنبه فبكيت، فقال: ما يبكيك يا عبد الله؟ قلت: يا رسول الله ﷺ كسرى وقيصر قد يطؤون على الخز والديباج والحرير وأنت نائم على هذا الحصير قد أثّر فى جنبك!.
فقال: لا تبك يا عبد الله فإن لهم الدنيا ولنا الآخرة» .
_________________
(١) أما شربه قائما فهو للجواز أو للحاجة.
[ ٢٤٣ ]
صفة نومه ﷺ
كان عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ينام أول الليل، ويحيى آخره. وكان إذا أوى إلى فراشه قال:
(باسمك اللهم أموت وأحيا)، وإذا استيقظ قال: (الحمد لله الذى أحيانا بعدما أماتنا وإليه النّشور) .
عن البراء بن عازب ﵁: أن النبى ﷺ كان إذا أخذ مضجعه، وضع كفه اليمنى تحت خده الأيمن، وقال: «رب قنى عذابك يوم تبعث عبادك»، رواه أحمد فى المسند والنسائى فى عمل اليوم والليلة وابن حبان وصححه الحافظ ابن حجر فى الفتح (فتح البارى) .
وعن عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه فنفث فيهما وقرأ فيهما: قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يصنع ذلك ثلاث مرات»، رواه البخارى فى الطب والترمذى، والظاهر أنه كان يصنع ذلك فى الصحة والمرض وقال النووى فى الأذكار: «النفث نفخ لطيف بلا ريق» . ويستفاد من الحديث أهمية التعوذ والقراءة عند النوم لأن الإنسان يكون عرضة لتسلط الشياطين.
وعن أبى قتادة أن النبى ﷺ كان إذا عرّس بليل، اضطجع على شقه الأيمن، وإذا عرّس قبيل الصبح، نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، رواه أحمد فى المسند ومسلم فى الصحيح، كتاب المساجد باب قضاء الصلاة، والتعريس هو نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة قاله فى النهاية لعل ذلك تعليما للأمة لئلا يثقل بهم النوم فتفوتهم الصبح فى أول وقتها. ويستفاد من الحديث أن من قارب وقت الصبح ينبغى أن يتجنب الاستغراق فى النوم وأن يستلقى على هيئة تقتضى سرعة انتباهه اقتداء بالمصطفى ﷺ.
[ ٢٤٤ ]
صفة عطاسه ﷺ
عن أبى هريرة ﷺ: «أن النبى ﷺ كان إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه وخفض بها صوته»، رواه أبو داود والترمذى وصححه الحاكم وأقره الذهبى.
صفة مشيته ﷺ
عن أبى هريرة ﵁ قال: «ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ﷺ كأن الشمس تجرى فى وجهه، وما رأيت أحدا أسرع من رسول الله ﷺ كأنّما الأرض تطوى له، إنّا لنجهد أنفسنا وإنّه غير مكترث» .
وعن أنس ﵁ أنّ النبى ﷺ كان إذا مشى تكفّأ (أى مال يمينا وشمالا ومال إلى قصد المشية) ويمشى الهوينا (أى يقارب الخطا) .
وعن ابن عباس ﵁ أن النبى ﷺ كان إذا مشى، مشى مجتمعا ليس فيه كسل»، (أى شديد الحركة، قوى الأعضاء غير مسترخ فى المشى) رواه أحمد.
كان ﷺ إذا التفت التفت معا أى بجميع أجزائه فلا يلوى عنقه يمنة أو يسرة إذا نظر إلى الشيء لما فى ذلك من الخفة وعدم الصيانة وإنّما كان يقبل جميعا ويدبر جميعا لأن ذلك أليق بجلالته ومهابته هذا بالنسبة لالتفاته وراءه، أمّا لو التفت يمنة أو يسرة فالظاهر أنه كان يلتفت بعنقه الشريف.
صفة دعائه ﷺ
«كان النبى ﷺ يحب الجوامع من الدعاء ويدع ما بين ذلك»، حديث صحيح رواه أحمد.
ومن دعاء الرسول ﷺ فى الأخلاق: (اللهم اهدنى لأحسن الأعمال وأحسن الأخلاق لا يهدى لأحسنها إلا أنت، وقنى سىء الأعمال وسىء الأخلاق، لا يقى سيئها إلا أنت)، أخرجه النسائى.
[ ٢٤٥ ]
صفة تسبيحه ﷺ
«كان يعقد التسبيح بيمينه»، حديث صحيح رواه البخارى والترمذى وأبو داود (أى يسبح على عقد أصابع يده اليمنى) .
من أخلاقه ﷺ
عن عائشة ﵂ قالت: «ما خيّر رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد ما يكون عنه وما أنتقم رسول الله ﷺ لنفسه فى شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله بها» .
وعن عائشة أيضا قالت: «ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا بيده قط، ولا امرأة، ولا خادما إلا أن يجاهد فى سبيل الله، وما نيل من شيء قط، فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيئا من محارم الله، فينتقم لله» .
وعن أنس بن مالك ﵁ (خادم رسول الله ﷺ) قال: «كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقا، فأرسلنى يوما لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفى نفسى أن أذهب لما أمرنى به نبى الله ﷺ. فخرجت حتى أمرّ على صبيان وهم يلعبون فى السوق، فإذا برسول الله ﷺ بقفاى (من ورائى)، فنظرت إليه وهو يضحك.
قال رسول الله ﷺ: يا أتيس ذهبت حيث أمرتك، فقلت: أنا أذهب يا رسول الله!.
قال أنس ﵁: والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشيء صنعته، لو فعلت كذا وكذا؟ ولا عاب علىّ شيئا قط، والله ما قال لى أف قط»، رواه مسلم.
قلت فكم من مرة قلنا لوالدينا أفّ أما رسول الله ﷺ فما قال لخادمه أفّ قط!!.
وعن أبى هالة عن الحسن بن على قال ان النبى ﷺ كان خافض الطرف
[ ٢٤٦ ]
(من الخفض ضد الرفع فكان إذا نظر لم ينظر إلى شيء يخفض بصره لأن هذا من شأن من يكون دائم الفكرة لاشتغال قلبه بربه)، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، وكان جل نظره الملاحظة (المراد أنه لم يكن نظره إلى الأشياء كنظر أهل الحرص والشره بل بقدر الحاجة)، يسوق أصحابه أمامه (أى يقدمهم أمامه، ويمشى خلفهم تواضعا، أو إشارة إلى أنه كالمربى، فينظر فى أحوالهم وهيئتهم، أو رعاية للضعفاء وإغاثة للفقراء، أو تشريعا، وتعليما، وفى ذلك رد على أرباب الجاه وأصحاب التكبر والخيلاء)، وكان ﷺ يبدر من لقى بالسلام.
لقد كان النبى ﷺ من أكمل الناس شرفا وألطفهم طبعا وأعدلهم مزاجا وأسمحهم صلة وأنداهم يدا لأنه مستغن عن الفانيات بالباقيات الصالحات.
وقد أكد الرسول ﷺ على التواضع فى جملة فى الأحاديث منها:
قوله ﷺ: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائه خلقا» .
وقوله ﷺ: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم»، صحيح رواه أبو داود.
العفو عند الخصام
عن أبى هريرة ﵁، أن رجلا شتم أبا بكر والنبى ﷺ جالس يتعجب ويبتسم، فلما أكثر ردّ عليه بعض قوله، فغضب النبى ﷺ، فلحقه أبو بكر قائلا له: يا رسول الله كان يشتمنى وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت!!.
فقال له رسول الله ﷺ: «كان معك ملك يرد عليه، فلما رددت عليه وقع الشيطان (أى حضر) يا أبا بكر ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضى (أى يعفو) عنها لله ﷿ إلا أعز الله بها نصره وما فتح رجل باب عطيّة (أى باب صدقة يعطيها لغيره) يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة (أى يسأل الناس المال) يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلّة» .
[ ٢٤٧ ]
من تواضع الرسول ﷺ
عن أنس ﵁ قال: «ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهيته لذلك»، رواه أحمد والترمذى بسند صحيح.
«كان يزور الأنصار، ويسلّم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم»، حديث صحيح رواه النسائى.
وكان ﵊ يأتى ضعفاء المسلمين ويزورهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم وكان يجلس على الأرض ويأكل على الأرض ويجيب دعوة العبد، كما كان يدعى إلى خبز الشعير فيجيب.
عن أنس ﵁ قال: «كانت ناقة رسول الله ﷺ لا تسسبق أو لا تكاد تسبق، فجاء أعرابى على قعود له (أى جمل) فسبقها، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه، فقال الرسول ﷺ: «حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه»، رواه البخارى.
من رفق الرسول ﷺ
قال الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (التوبة: ١٢٨)
عن أنس ﵁ قال: «بينما نحن فى المجلس مع رسول الله ﷺ، إذ جاء أعرابى فقام يبول فى المسجد فصاح به أصحاب رسول الله ﷺ: مه مه (أى أترك) !!. أو امتنع عن ذلك.
قال النبى ﷺ: لا تزرموه، (لا تقطعوا بوله) .
[ ٢٤٨ ]
فترك الصحابة الأعرابى يقضى بوله، ثم دعاه الرسول ﷺ وقال له:
«إن المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنما هى لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن» . ثم قال لأصحابه ﷺ: «إنّما بعثتم مبشرين، ولم تبعثوا معسرين، صبّوا عليه دلوا من الماء» .
عندها قال الأعرابى: «اللهم ارحمنى ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا» .
فقال له الرسول ﷺ: «لقد تحجرت واسعا»، (أى ضيّقت واسعا)، فإن رحمة الله تعالى وسعت كل شيء- متفق عليه.
وعن عائشة ﵂ روت أنّ اليهود أتوا النبى ﷺ، فدار بينهم الحوار الآتى:
اليهود: السّام عليك، (أى الموت عليك) .
الرسول ﷺ: وعليكم.
عائشة: السّام عليكم، ولعنكم الله وغضب عليكم!.
الرسول ﷺ: مهلا يا عائشة! عليك بالرّفق، وإيّاك والعنف والفحش.
عائشة: أو لم تسمع ما قالوا؟!!.
الرسول ﷺ: أولم تسمعى ما قلت، رددت عليهم، فيستجاب لى فيهم ولا يستجاب لهم فىّ.
وفى رواية لمسلم: (لا تكونى فاحشة، فإن الله لا يحب الفحش ولا التّفحّش) .
الرحمة عند رسول الله ﷺ
عن أبى هريرة ﵁ قال «قبّل رسول الله ﷺ الحسن بن علىّ، وعنده الأقرع بن حابس التيمى، فقال الأقرع: إن لى عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحدا، فنظر إليه رسول الله ﷺ، ثم قال: «من لا يرحم لا يرحم»، متفق عليه.
[ ٢٤٩ ]
سعة قلبه منذ طفولته إلى لحظة وفاته ﷺ
روى ابن إسحق وابن هشام أنّ حليمة لمّا جاءت كان على صدرها ولد لا يشبع من ثديها ولا من ناقتها، فناقتها عجفاء وثديها جاف. وراحت تبحث عن طفل ترضعه وتأخذ من المال من أهله ما تأكل به طعاما فيفيض حليبا. بحثت فى الأطفال فلم تر إلا اليتيم (محمدا ﷺ)، فأعرضت عنه وسألت عن غيره فما جاءها غيره، فعادت إليه، فأخذته ومشت. تقول حليمة فيما رواه ابن إسحق: فلمّا وضعته على ثديى ما أقبل عليه، وقد شعرت أن ثديى قد امتلأ بالحليب، أعطيه الثدى لا يقبله، انتبهت إلى أن أخاه يبكى من الجوع فوضعته فأخذت أخاه فأرضعته، فشرب، فشبع، ثم حملت ابنى محمدا فوضعته على ثديى فأخذه» .
ما أخذ ثديها وله أخ جائع وهو طفل صغير. إن الله تعالى جعله محبوبا من اللحظة الأولى، فما كان يقبل أن يأكل حتى يأكل أخاه، وما كان يقبل أن يأكل حتى يفيض الطعام.
وما ثبت أن رسول الله ﷺ أكل من إناء وانتهى الطعام الذى فيه أبدا.
قال عنه عمه أبو طالب: كان إذا جاء الأولاد للطعام، امتنع حتى يأكل الأولاد جميعا، ولا يقترب حتى يأكلوا لأنه لا يريد أن يقلّل على أحد غذاءه، فهو يصبر ليشبع الآخرون، فما كان يوما يجاذب الدنيا أحدا، فهو يعلم أن الحب ينبع من إعراضك عن الدنيا، فإذا أحببت الدنيا أعرض الناس عنك وإذا أحببت الله أقبل الناس إليك.
من منّا إذا دخلت عليه ابنته يقوم لها؟ كان إذا دخلت فاطمة قام لها وقال: «مرحبا بمن أشبهت خلقى وخلقى» . وتعالوا نرى كيف عبّر ﷺ عن حبه للزهراء، هل كان ذلك بمال أو بأثاث؟ أبدا ولكن بقربان إلى الله تعالى، فكانت كلما جاء جبريل ﵇ بكنز فيه قربة من الله، يقول ﷺ: «يا فاطمة، جاءنى
[ ٢٥٠ ]
جبريل بكنز من أعمال المنزل، وطلبت منه خادمة، قال لها ﵊: ألا أعطيك ما هو خير من ذلك؟ قالت: نعم فقال لها: تقولى بعد كل فريضة، سبحان الله ثلاثا وثلاثين والحمد لله ثلاثا وثلاثين والله أكبر ثلاثا وثلاثين وتمام المئة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير» . فهذا خير لها من الخادمة فى الدنيا والآخرة، فهو يعينها فى دنياها وينفعها فى آخرتها، وقد قبلت فاطمة ما أعطاها والدها وهى مسرورة فرحة
حبه لأمّته ﷺ
بعد أن عرج بالنبى ﷺ وكرّمه ربه، سأله رب العزة: «يا محمد، أبقى لك شيء؟ قال: نعم ربى. فقال ﷾: سل تعط. فقال: أمّتى، أمّتى» . لم يقل أبنائى، لم يقل أصحابى، لم يقل أهلى، قال أمّتى.
وقد ورد فى بعض كتب التفسير عند قوله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (الضحى: ٥)، أنه لمّا نزلت عليه هذه الآية قال: «اللهم لا أرضى يوم القيامة وواحد من أمّتى فى النار» .
لقد أرسل لنا ﵊ نحن الذين نعيش فى هذا الزمن ولكل الذين عاشوا بعده: «بلّغوا السلام عنى من آمن بى إلى يوم القيامة» .
سلّم علنينا قبل أن نكون شيئا مذكورا، وعرفنا قبل أن نعرفه، فكيف لا نكافئ هذا الحب بحب؟!!!.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه عدد خلقك ورضاء نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك، كلما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكرنا الغافلون.
من كرم النبى ﷺ
عن أنس ﵁ أن رجلا سأل النبى ﷺ فأعطاه غنما بين جبلين، فأتى قومه فقال:
[ ٢٥١ ]
«أى قوم، أسلموا، فإنّ محمدا يعطى عطاء ما يخاف الفاقة، فإنه كان الرجل ليجىء إلى رسول الله ما يريد إلا الدنيا، فما يمسى حتى يكون دينه أحبّ إليه وأعزّ عليه من الدنيا وما فيها» .
ولقد كان الرسول ﷺ أجود الناس صدرا، أى أن جوده كان عن طيب قلب وانشراح صدر لا عن تكلف وتصنع.
وورد فى رواية أخرى أنه ﵊ كان أوسع الناس صدرا وهو كناية عن عدم الملل من الناس على اختلاف طباعهم وتباين أمزجتهم.
جامع صفاته ﷺ
عن إبراهيم بن محمد من ولد على بن أبى طالب قال:
كان على ﵁ إذا وصف النبى ﷺ قال: «أجود الناس صدرا وأصدق الناس لهجة وألينهم عريكة، وأكرمهم عشيرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته (واصفه) لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ»، أخرجه الترمذى وابن سعد والبغوى فى شرح السنة والبيهقى فى شعب الإيمان.
وما ألطف قول ابن الوردى رحمة الله تعالى:
يا ألطف مرسل كريم ما ألطف هذه الشمائل
عراقة أصله ﷺ
هو خير أهل الأرض نسبا على الإطلاق، فلنسبه من الشرف أعلى ذروة، وأعداؤه كانوا يشهدون له بذلك، ولهذا شهد له به عدوه إذ ذاك أبو سفيان بين يدى ملك الروم، فأشرف القوم قومه وأشرف القبائل قبيلته. وصدق الله ﵎ إذ يقول: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
(الأنعام: ٣٣)
ويؤيد ذلك ما جاء على لسان أبى جهل عدو الله وعدو رسوله إذ قال للنبى ﷺ:
[ ٢٥٢ ]
«قد نعلم يا محمد أنك تصل الرحم وتصدق الحديث ولا نكذبك ولكنّ نكذب الذى جئت به» أخرجه الحاكم فى مستدركه هذا صحيح على شرط الشيخين. فأنزل الله ﷿: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (الأنعام: ٣٣) .
ولهذا ورد أنهم عرضوا عليه الجاه والسيادة والملك وجمع الأموال والمغريات الآخرى مقابل ترك هذه الدعوة أو جزآ منها كحل وسط ولكنهم لم ينجحوا فيها لأن موقف الرسول ﷺ كان ثابتا.
وعرض هذه الأمور عليه يدل على سمو مكانة النبى ﷺ من جهة النسب عند قومه قريش الذين كانوا يأنفون أن يخضعوا للوضيع مهما كان الأمر وخاصة إذا جاء بأمر يخالف عاداتهم وتقاليدهم مثل ما جاء به رسول الله ﷺ من الدين الحنيف والدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك والأوثان وما كان سائدا فى مجتمع مكة من عادات وتقاليد جاهلية.
عادة الصحابة فى تعظيمه ﵊ وتوقيره وإجلاله ﷺ
عن ابن شماسة المهرىّ قال حضرنا عمرو بن العاص فذكر لنا حديثا طويلا فيه: «وما كان أحد أحب إليّ من رسول الله ﷺ، ولا أجلّ فى عينى منه، وما كنت أطيق أن أملأ عينى منه إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، لأنى لم أكن أملأ عينى منه» .
وروى الترمذى عن أنس أن رسول الله ﷺ كان يخرج على اصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس فيهم أبو بكر وعمر، فلا يرفع أحد منهم إليه بصره إلا أبو بكر وعمر، فإنهما كانا ينظران إليه، وينظر إليهما، ويبتسمان إليه، ويبتسم لهما.
ولما أذنت قريش لعثمان فى الطواف بالبيت حين وجهه النبى ﷺ إليهم
[ ٢٥٣ ]
فى القضية (غزوة الحديبية) أبى وقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ.
وروى أسامة بن شريك قال: «أتيت النبى ﷺ وأصحابه حوله كأنما على رؤوسهم الطير» .
وفى رواية أخرى: «إذا تكلم أطرق جلساؤه وكأنما على رؤوسهم الطير» .
وقال عروة بن مسعود حين وجّهته قريش عام القضية إلى رسول الله ﷺ، ورأى من تعظيم أصحابه له ما رأى، وأنه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوئه (ماء وضوئه)، وكادوا يقتتلون عليه ولا يبصق بصاقا ولا يتنخم نخامة إلا تلقوها بأكفهم، فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم، ولا تسقط منه شعرة إلا ابتدروها، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر تعظيما له، فلما رجع إلى قريش قال:
«يا معشر قريش، إنى جئت كسرى فى ملكه، وقيصر فى ملكه، والنجاشى فى ملكه، وإنى والله ما رأيت ملكا فى قوم قط مثل محمد فى أصحابه، وقد رأيت قوما لا يسلمونه أبدا» .
غض الصوت وقت مخاطبته ﷺ
من المعلوم أن الرسول ﷺ هو المصدر الوحيد الذى يتلقى عنه المسلمون تعاليم الله ﷾ سواء كان قرآنا أو سنة أو حديثا قدسيّا، لذلك يجب عليهم أن يتأدبوا معه ﷺ أثناء كلامه معهم أو كلامهم معه، وذلك بخفض الصوت وترك الجهر العالى كما يكون بين الإنسان وصديقه لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (الحجرات: ٢) .
يقول ابن كثير فى تفسير هذه الآية: «هذا أدب ثان أدّب الله تعالى به المؤمنين أن لا يرفعوا أصواتهم بين يدى النبى ﷺ فوق صوته ﷺ» .
[ ٢٥٤ ]
والأدب هنا يحصل بمجانية أمرين اثنين:
أولهما: رفع الصوت فوق صوته ﷺ أخذا من النهى الوارد فى قوله:
لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ (الحجرات: ٢) .
ثانيهما: الجهر بالقول له ﷺ كالجهر بعضكم بعضا أخذا من النهى الوارد فى قوله تعالى: وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ
وقد فرق المفسرون بين النهيين الواردين فى الآية حيث قالوا: إن الأول يتعلق برفع الصوت فوق صوته ﷺ أثناء كلامه معهم، وأما الثانى فيتعلق بالجهر له ﷺ وقت صمته.
ومنهم من يقول: إن النهى الأول يتعلق وقت خطابه معهم أو خطابهم معه أو صمته، وأنّ الثانى يتعلق بندائه ﷺ باسمه المجرد أو بكنيته، مثل يا محمد أو يا أبا القاسم.
وقد أجمل النيسابورى رحمه الله تعالى فى ما ورد فى التفريق بين هذين النهيين قائلا: والجمهور على أن بين النهيين فرقا ثم اختلفوا فقيل:
الأول: فيما إذا نطق ونطقتم أو أنصت ونطقوا فى أثناء كلامه فنهوا أن يكون جهرهم باهر الجهر.
والثانى: فيما إذا سكت ونطقوا ونهوا عن جهر مقيد بما اعتادوه بما بينهم وهو الخالى عن مراعاة أبهة النبوة. وقيل: النهى الأول أعم مما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا والمراد بالنهى الثانى أن لا ينادى وقت الخطاب باسمه أو كنيته كنداء بعضكم لبعض فلا يقال: يا أحمد يا محمد يا أبا القاسم، ولكن يا نبى الله يا رسول الله.
والأدب الثانى هو أدبهم مع نبيهم فى الحديث والخطاب وتوقيرهم له فى قلوبهم توقيرا ينعكس على نبراتهم وأصواتهم، ويميز شخص رسول الله ﷺ بينهم، ويميز مجلسه فيهم، والله يدعوهم إلى ذلك النداء الحبيب ويحذرهم
[ ٢٥٥ ]
من مخالفة ذلك التحذير الرهيب.
والتحذير الرهيب هو إحباط العمل الصالح بدون شعور صاحبه أخذا من قوله تعالى:.. أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ.
وأحسن ما قيل فى تأويل هذه الآية ما ذكره ابن المنير﵀ حيث يقول:
«والقاعدة المختارة أن إيذاءه ﷺ يبلغ مبلغ الكفر المحبط للعمل باتفاق، فورد النهى عما هو مظنة لأذى النبى ﷺ سواء وجد هذا المعنى أو لا، حماية للذريعة وحسما للمادة.
وهذا على عزار قوله تعالى فى قضية الإفك: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ.
وقوله ﷺ «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقى لها بالا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالا يهوى بها فى جهنم»، صحيح البخارى.
وقد التزم الصحابة رضوان الله عليهم بهذا الأدب مع رسول الله ﷺ فى عهده كما ورد فى الآثار: منها قول أبى بكر ﷺ لرسول الله ﷺ: «والذى أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخى السرار حتى ألقى الله ﷿»، أورده الحاكم فى مستدركه وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه ووافقه الذهبى.
هكذا ارتعشت قلوبهم وارتجفت تحت وقع ذلك النداء الحبيب، وذلك التحذير الرهيب، وهكذا تأدبوا فى حضرة رسول الله ﷺ خشية أن تحبط أعمالهم وهم لا يشعرون وتداركوا أمرهم ولكن هذا المنزلق الخافى عليهم كان أخوف عليهم فخافوه واتقوه: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (الحجرات: ٣) .
[ ٢٥٦ ]
هكذا كان الأمر فى حياته ﷺ وأما بعد مماته فكذلك يجب على المسلم أن يتأدب مع رسول الله ﷺ بحيث لا يرفع صوته عند سماع أحاديثه ﷺ لأن حرمته ميتا كحرمته حيّا سواء بسواء وأن أحاديثه تقوم مقامه.
يقول ابن العربى رحمه الله تعالى:
«حرمة النبى ﷺ ميتا كحرمته حيّا وكلامه المأثور بعد موته فى الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه، فإذا قرئ كلامه وجب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه، ولا يعرض عنه كما كان يلزمه ذلك فى مجلسه عند تلفظه به، وقد نبه الله تعالى على دواء الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله تعالى:
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا (الأعراف: ٢٠٤) .
وكلام النبى ﷺ من الوحى وله الحرمة مثلما القرآن إلا معانى مستثناة بيانها فى كتب الفقه، والله أعلم. ويراعى هذا الأدب- وهو عدم رفع الصوت أيضا فى مسجده ﷺ، لما أخرجه البخارى بسنده عن السائب بن يزيد قال:
«كنت قائما فى المسجد فحصبنى رجل، فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب فقال: اذهب فأتنى بهذين فجئته بهما، قال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا:
من أهل الطائف قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ترفعان أصواتكما فى مسجد رسول الله ﷺ»، صحيح البخارى.
كما أن هذا الأدب المستفاد من الآية يكون مع العلماء لأنهم ورثة الأنبياء وكذلك مع الأبوين وغيرهما لمن له فضل على الإنسان المسلم. فلا شك أنّ هؤلاء الأشخاص يأخذون هذا الحكم وينبغى التأدب معهم وتوقيرهم بالشكل اللائق بهم مع مراعاة الفرق بينهم وبين رسول الله ﷺ لأن مقامه أرفع من هؤلاء جميعا وهو ﷺ المعنىّ بالآية أصلا وهؤلاء تبعا وليس الفرع كالأصل وإن اشتركا فى أمور، والله تعالى يقول: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (الأحزاب: ٦) بل ينبغى أن يحترم العبد النبى ﷺ أكثر من سيده.
وفى مجال التأدب مع الرسول ﷺ جاء التنبيه فى القرآن الكريم على
[ ٢٥٧ ]
ضرورة عدم مناداته بطريقة جافة ومزعجة بل لابد من مراعاة مقامه وقدره وبالأخص عندما يكون فى بيته مع نسائه وأولاده.
يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (الحجرات: ٤- ٥) .
عن الأقرع بن حابس ﵁ أنه أتى النبى ﷺ فقال: «يا محمد اخرج إلينا، فلم يجبه، فقال: يا محمد إن حمدى زين وإنّ ذمى شين»، فقال الله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ.
وقد تضمنت الآية أمرين:
أولهما: عدم إزعاج الرسول ﷺ فى وقت خلوته فى بيته مع نسائه بالنداء غير اللائق به.
وثانيهما: الإرشاد إلى ما ينبغى أن يفعل فى هذه الحالة وهو الانتضار إلى أن يحين وقت خروجه.
وفى ذلك قال الله ﷿: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ (الحجرات: ٥) أى: لكان فى ذلك الخير والمصلحة فى الدنيا والآخرة.
وهذا لا يعنى أنه لا يجوز مناداته ﷺ بتاتا، وإنما المحظور مناداته فى وقت خلوته مع نسائه فى بيته كما فى هذه الحالة، وكذلك مناداته بصوت مرتفع خال من الاحترام والتقدير بل ينبغى أن ينادى بصوت منخفض وبصيغة معينة تتناسب مع قدره وعظمته ووقاره مثل: يا رسول الله، يا نبى الله، لا مجرد اسمه مثل: يا محمد، ويا أحمد، ويا أبا القاسم. كما ينادى الناس بعضهم بعضا.
وهذا ما أشار إليه قوله تعالى:
لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا (النور: ٦٣) .
ومما تدل عليه هذه الآية أنه نهى لهم عن الإبطاء إذا أمرهم والتأخر إذا دعاهم.
[ ٢٥٨ ]
يجب على المسلم أن يدع هذه النداآت السوقية فى لفظها وكيفيتها مثل:
يا محمد، ويا أحمد، أو كنيته مثل: يا أبا القاسم كما كانوا يفعلونه من قبل، وأن ينادوه ﷺ نداء يتناسب مع مقامه ومكانته مثل: يا رسول الله ويا نبى الله، اقتداء بما فى القرآن من نداء الله ﷾ له ﷺ بحيث لم يناد رسوله فى القرآن بمجرد اسمه ولو مرة واحدة وإنما ناداه بصفة النبوة والرسالة وغيرها من الصفات الثابتة له فى القرآن الكريم.
كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا (الأحزاب:
٢٨) . ويا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ويا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ مع أنه سبحانه قد قال:
وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ.. (البقرة: ٣٥) .
يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ (هود: ٤٦) .
يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا (هود: ٧٦) .
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ.. (ص: ٢٦) .
لزوم محبته ﷺ
قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ.
(التوبة: ٢٤)
فكفى بهذا حثّا وتنبيها ودلالة وحجّة على إلزام محبته، ووجوب فرضها وعظم خطرها، واستحقاقه لها ﷺ، إذ قرّع الله تعالى من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وتوعدهم بقوله تعالى: فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ (التوبة: ٢٤) . ثم فسقهم بتمام الآية، وأعلمهم أنهم ممن ضلّ ولم يهده الله ﷾.
[ ٢٥٩ ]
وعن أنس ﵁ أن النبى ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان:
أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود فى الكفر كما يكره أن يقذف فى النار»، رواه مسلم والنسائى.
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده ووالده والناس أجمعين»، أخرجه البخارى ومسلم.
حب الرسول ﷺ من تمام الإيمان
قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده ووالده والناس أجمعين»، أخرجه الشيخان وأحمد والنسائى.
وفى الحديث جمع رسول الله ﷺ أقسام المحبة التى تكون بين الناس وهى ثلاثة:
١- محبة إجلال وإعظام كمحبة الولد والده.
٢- محبة إشفاق ورحمة كمحبة الوالد ولده.
٣- محبة مشاكلة واستحسان كمحبة سائر الناس.
أما محبته ﷺ فهى هذا كله كما يفيد أفعل التفضيل فى قوله: «أحب إليه» .
وفى حديث عمر: «أنت أحب إلىّ يا رسول الله من كل شيء إلا نفسى التى بين جنبى. فقال له ﵊: لا تكون مؤمنا حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر: والذى أنزل عليك الكتاب، لأنت أحب إليّ من نفسى التى بين جنبى، فقال ﷺ: «الآن يا عمر تم إيمانك»، أخرجه البخارى.
قال القاضى عياض:
«اختلف الناس فى تفسير محبة الله ومحبة النبى ﷺ وكثرت عباراتهم فى ذلك وليست ترجع بالحقيقة إلى اختلاف مقال ولكنها اختلاف أحوال، فقال سفيان: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (آل عمران: ٣١) وقال
[ ٢٦٠ ]
بعضهم: محبة الرسول اعتقاد نصرته والذب (الدفاع) عن سنته والانقياد لها وهيبة مخالفته، وقال بعضهم: دوام الذكر للمحبوب، وقال آخر إيثار المحبوب وقال بعضهم: المحبة الشوق إلى المحبوب، وقال بعضهم: المحبة مواطأة القلب لمراد الرب بحب ما أحب وبكره ما كره، وقال آخر: المحبة ميل القلب إلى موافق له، ثم قال: وأكثر العبارات المتقدمة إشارة إلى ثمرات المحبة دون حقيقتها، وحقيقة المحبة الميل إلى ما يوافق الإنسان» .
ويقول أبو عبد الله المحاسبى
«والمحبة فى ثلاثة أشياء لا يسمى محبّا لله ﷿ إلا بها:
١- محبة المؤمنين فى الله ﷿.
٢- محبة الرسول ﷺ فى الله ﷿.
٣- محبة الله ﷿ فى إيثار الطاعة على المعصية.
«وحقيقة المحبة الميل إلى ما يوافق الإنسان وتكون موافقته إما لاستلذاذه بإدراكه كحب الصور الجميلة والأصوات الحسنة والأطعمة والأشربة اللذيذة وأشباهها مما يميل كل طبع سليم إليها لموافقتها له، أو لاستلذاذه بإدراكه بحاسة عقله وقلبه معانى باطنة شريفة كحب الصالحين والعلماء وأهل المعروف المأثور عنهم السير الجميلة والأفعال الحسنة، فإن طبع الإنسان مائل إلى الشغف بأمثال هؤلاء حتى يبلغ التعصب بقوم لقوم والتشيع من أمة فى آخرين ما يؤدى إلى الجلاء عن الأوطان وهتك الحرم واحترام النفوس أو يكون حبه إياه لموافقته له من جهة إحسانه له وإنعامه عليه فقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها» .
ثم ذكر بعد ذلك أنّ هذه الأنواع المسببة للمحبة كلها مجتمعة فى شخصيته ﷺ أتم وجه حيث قال: «فإذا تقرر لك هذا نظرت هذه الأسباب كلها فى حقه ﷺ فعلمت أنه جامع لهذه المعانى الثلاثة الموجبة للمحبة. فقد تميز بجمال الصورة والظاهر وكمال الأخلاق والباطن، كما تميز بإحسانه
[ ٢٦١ ]
وإنعامه على أمته.
وقد ذكر الله تعالى فى أوصافه رأفته بهم ورحمته لهم وهدايته إياهم وشفقته عليهم واستنقاذهم من النار وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم ورحمة للعالمين ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه، ويتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويهداهم إلى صراط مستقيم، فأى إحسان أجل قدرا وأعظم خطرا من إحسانه إلى جميع المؤمنين، وأى إفضال أعم منفعة وأكثر فائدة من إنعامه على كافة المسلمين، إذ كان ذريعة إلى الهداية، ومنقذهم من العماية وداعيهم إلى الفلاح والكرامة، ووسيلتهم إلى ربهم وشفيعهم والمتكلم عنهم والشاهد لهم والموجب لهم البقاء الدائم والنعيم السرمدى فقد استبان لك أنه ﷺ مستوجب للمحبة الحقيقية شرعا.. إلى أن قال: فإذا كان الإنسان يحب من منحه فى دنياه مرة أو مرتين معروفا أو استنقذه من هلكة أو مضرة مدة التأذى بها قليل منقطع فمن منحه ما لا يبيد من النعيم ووقاه ما لا يفنى من عذاب الجحيم أولى بالحب، وإذا كان يحب بالطبع ملكا لحسن سيرته أو حاكما لما يؤثر من قوام طريقته أو قاص بعيد الدار لما يشاد من علمه أو كرم شيمته فمن جمع هذه الخصال كلها على غاية مراتب الكمال أحق بالحب وأولى بالميل» .
علامة محبته ﷺ
إن من أحب شيئا آثر موافقته، وإلا لم يكن صادقا فى حبه، وكان مدعيا، فالصادق فى حب النبى ﷺ من تظهر علامة ذلك عليه، وأولها: الاقتداء به، واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتأدب بادابه فى عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وشاهد هذا قوله تعالى:
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (آل عمران: ٣١)، وإيثار ما شرعه، والحض عليه وتقديمه على هوى نفسه وموافقة شهوته.
قال الله تعالى:
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي
[ ٢٦٢ ]
صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ (الحشر: ٩) .
قال أنس بن مالك ﵁: «قال لى رسول الله ﷺ: يا بنىّ إن قدرت أن تصبح وتمسى ليس فى قلبك غش لأحد فافعل»، ثم قال لى: يا بنى وذلك من سنتى، ومن أحيا سنتى فقد أحبنى، ومن أحبنى كان معى فى الجنة» .
فمن اتصف بهذه الصفة فهو كامل المحبة لله ورسوله، ومن خالفها فى بعض هذه الأمور فهو ناقص المحبة ولا يخرج عن اسمها.
ومن علامات محبته ﷺ:
الإيثار أى إيثاره ﷺ على النفس كما يدل عليه قوله تعالى:
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الحشر: ٩) .
والآية وإن كانت عامة فى إيثار المهاجرين إلا أنه ﷺ هو رئيس المهاجرين وقائدهم، وهو المحبوب الأول من الخلق أساسا، وأما غيره فتبع له بحسب قربهم إليه ﷺ ومتابعتهم إياه.
ومن علامات محبته ﷺ أيضا: بغض من أبغض الله ورسوله مهما كانت صلته ورتبته لقوله تعالى:
لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ
(المجادلة: ٢٢) .
يقول ابن كثير فى تفسير هذه الآية:
قيل فى قوله تعالى: وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ: نزلت فى أبى عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح حين قتل أباه يوم بدر، وأَوْ أَبْناءَهُمْ فى الصديق لابنه عبد الرحمن، أَوْ عَشِيرَتَهُمْ: فى عمر قتل قريبا له يومئذ أيضا..» .
[ ٢٦٣ ]
وهؤلاء قاموا بقتل أقرب أقربائهم فى معركة بدر لأن حب الله ورسوله ﷺ يقتضى قتل من حادّ الله ورسوله وبغض من أبغض الله ورسوله.
ومن العلامات كذلك: حب من أحب رسول الله ﷺ أى عكس الصورة السابقة لقوله ﷺ: «الله الله فى أصحابى لا تتخذوهم غرضا بعدى فمن أحبهم فبحبى أحبهم ومن أبغضهم فببغضى أبغضهم ومن آذاهم فقد آذانى ومن آذانى فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه»، حديث حسن غريب.
ثمرة محبته ﷺ
من ثمرة محبته ﵊، مرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين لحديث عائشة ﵂: «جاء رجل إلى النبى ﷺ، فقال يا رسول الله: إنك لأحب إلى من نفسى وإنك لأحب إلى من ولدى وإنى لأكون فى البيت فأذكرك، فما أصبر حتى آتى فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتك عرفت إنك دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإنى إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك فأنزل الله تعالى:
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا (النساء: ٦٩)، (مجمع الزوائد) .
وقال الهيثمى: ورواه الطبرانى فى الصغير والأوسط ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران الغامدى وهو ثقة.
عن أنس ﵁ أن رجلا أتى النبى ﵁، فقال: «متى الساعة يا رسول الله؟
قال: ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة، ولا صوم، ولا صدقة، ولكنى أحب الله ورسوله، قال: «أنت مع من أحببت»، أخرجه البخارى ومسلم.
فهل من ثواب أرجى من أن يحشر المرء مع من أحب خاصة إذا كان المحبوب هو المصطفى ﷺ!.
قال شهاب الدين الخفاجى رحمه الله تعالى:
[ ٢٦٤ ]
وحق المصطفى لى فيه حب إذا مرض الرجاء يكون طبّا
ولا أرضى سوى الفردوس مأوى إذا كان الفتى مع من أحبّا
صور من حب السلف للرسول ﷺ
هناك صور متعددة من حب السلف للرسول ﷺ نذكر طرفا منها فى هذا المقام وخاصة ما روى فى حب الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين للرسول ﷺ:
من ذلك ما أخرجه الحاكم عن ابن عمر ﵄ قال: «لما فرض عمر لأسامة بن زيد ثلاثة آلاف وفرض لى ألفين وخمسمائة قلت له: يا أبت لم تفرض لأسامة بن زيد وثلاثة آلاف وتفرض لى ألفين وخمسمائة والله ما شهد أسامة ما غبت عنه ولا شهد أبوه مشهدا غاب عنه أبى، فقال: صدقت يا بنى، ولكنى أشهد لأبوه كان أحب الناس إلى رسول الله ﷺ من أبيك ولهو أحب إلى رسول الله ﷺ منك»، رواه الحاكم فى مستدركه وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبى.
ومنها ما روى أنه لما أخرج أهل مكة زيد بن الدثنة من الحرم ليقتلوه، قال له أبو سفيان بن حرب: «أنشدك بالله يا زيد أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك لضرب عنقه وإنك فى أهلك؟ فقال زيد: والله ما أحب أن محمدا الآن فى مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكة وإنى جالس فى أهلى، فقال أبو سفيان:
ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا» .
ومنها ما روى أن امرأة من الأنصار قتل أبوها وأخوها وزوجها فأخبروها بذلك فقالت: «ما فعل الله برسول الله؟ قالوا: بحمد الله كما تحبين، قالت:
أرونيه حتى أنظره، فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل» . أى هينة.
وقال ﷺ: «أشد أمتى لى حبّا قوم يكونون من بعدى، يود أحدهم أنه فقد أهله وماله وأنه رآنى»، أخرجه أحمد بسند حسن.
[ ٢٦٥ ]
٥- مائة خصلة انفرد بها الرسول عن بقية الأنبياء
ما أكرمه الله تعالى به لذاته فى الدنيا
١- أخذ الله له العهد على جميع الأنبياء، ﷺ.
٢- كان عند أهل الكتاب علم تام به ﷺ.
٣- كان نبيا وآدم منجدل فى طينته ﷺ.
٤- هو أول المسلمين ﷺ.
٥- هو خاتم النبيين ﷺ.
٦- هو نبى الإسلام ﷺ.
٧- هو أولى بالأنبياء من أممهم ﷺ.
٨- هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم ﷺ.
٩- كونه منة يمتن الله بها على عباده ﷺ.
١٠- كونه خيرة الخلق، وسيد ولد آدم ﷺ.
١١- طاعته ومبايعته هى عين طاعة الله ومبايعته ﷺ.
١٢- الإيمان به مقرون بالإيمان بالله تعالى ﷺ.
١٣- هو رحمة للعالمين ﷺ.
١٤- هو أمنة لأمته ﷺ.
١٥- عموم رسالته ﷺ.
[ ٢٦٦ ]
١٦- تكفل المولى بحفظه وعصمته ﷺ.
١٧- التكفل بحفظ دينه ﷺ.
١٨- القسم بحياته ﷺ.
١٩- القسم ببلده ﷺ.
٢٠- القسم له ﷺ.
٢١- لم يناده باسمه ﷺ.
٢٢- ذكر فى أول من ذكر من الأنبياء ﷺ.
٢٣- النهى عن مناداته باسمه ﷺ.
٢٤- لا يرفع صوت فوق صوته ﷺ.
٢٥- تقديم الصدقة بين يدى مناجاتهم له ﷺ (ثم نسخ ذلك) .
٢٦- جعله الله نورا ﷺ.
٢٧- فرض بعض شرعه فى السماء ﷺ. (الصلاة) .
٢٨- تولى الإجابة عنه ﷺ.
٢٩- استمرار الصلاة عليه ﷺ.
٣٠- الإسراء والمعراج به ﷺ.
٣١- معجزاته ﷺ.
٣٢- غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ﷺ.
٣٣- تأخير دعوته المستجابة فعلا ليوم القيامة ﷺ.
٣٤- أعطى جوامع الكلم ﷺ.
٣٥- أعطى مفاتيح خزائن الأرض ﷺ.
[ ٢٦٧ ]
٣٦- إسلام قرينه من الجن ﷺ.
٣٧- نصره بالرعب مسيرة شهر ﷺ.
٣٨- شهادة الله وملائكته له ﷺ.
٣٩- إمامته بالأنبياء فى بيت المقدس ﷺ.
٤٠- قرنه خير قرون بنى آدم ﷺ.
٤١- ما بين بيته ومنبره روضة من رياض الجنة ﷺ.
٤٢- أعطى انشقاق القمر ﷺ.
٤٣- يرى من وراء ظهره ﷺ.
٤٤- رؤيته فى المنام حق ﷺ.
٤٥- عرض الأنبياء مع أممهم عليه ﷺ.
٤٦- جعل خاتم النبوة بين كتفيه ﷺ.
٤٧- اطلاعه على المغيبات ﷺ.
ما أكرمه الله تعالى به فى الآخرة
٤٨- وصفه بالشهادة ﷺ.
٤٩- ما أعطى من الشفاعات ﷺ.
٥٠- هو أول من يبعث ﷺ.
٥١- هو إمام الأنبياء وخطيبهم ﷺ.
٥٢- كل الأنبياء تحت لوائه ﷺ.
٥٣- هو أول من يجوز على الصراط ﷺ.
٥٤- هو أول من يقرع باب الجنة ﷺ.
[ ٢٦٨ ]
٥٥- هو أول من يدخل الجنة ﷺ.
٥٦- إعطاؤه الوسيلة والفضيلة ﷺ. (الوسيلة: أعلى منزلة فى الجنة) .
٥٧- إعطاؤه المقام المحمود ﷺ. (وهى الشفاعة العظمى) .
٥٨- إعطاؤه الكوثر ﷺ. (وهو نهر فى الجنة) .
٥٩- إعطاؤه لواء الحمد ﷺ.
٦٠- يكون له كرسى عن يمين العرش ﷺ.
٦١- هو أكثر الأنبياء تبعا ﷺ.
٦٢- هو سيد الأولين والآخرين يوم القيامة ﷺ.
٦٣- هو أول شافع ومشفع ﷺ.
٦٤- هو مبشر الناس يوم يفزع إليه الأنبياء ﷺ.
٦٥- ما يوحى إليه فى سجوده تحت العرش مما لم يفتح على غيره من قبل ومن بعد ﷺ.
٦٦- منبره على حوضه ﷺ.
ما أكرمه الله به فى أمته فى الدنيا
٦٧- جعلت خير الأمم.
٦٨- سماهم الله تعالى المسلمين، وخصهم بالإسلام.
٦٩- أكمل الله لها الدين، وأتم عليها النعمة.
٧٠- ما حطه الله لها عنها من الإصر والأغلال.
٧١- صلاة المسيح خلف إمام المسلمين.
٧٢- أحلت لها الغنائم.
[ ٢٦٩ ]
٧٣- جعلت صفوفها كصفوف الملائكة.
٧٤- التيمم والصلاة على الأرض.
٧٥- خصهم بيوم الجمعة.
٧٦- خصهم بساعة الإجابة يوم الجمعة.
٧٧- خصهم بليلة القدر.
٧٨- هذه الأمة هى شهداء الله فى الأرض.
٧٩- مثلها فى الكتب السابقة (ذلك مثلهم فى التوراة ومثلهم فى الإنجيل) .
٨٠- لن تهلك بجوع، ولا يسلط عليها عدو من غيرها فيستأصلها.
٨١- خصت بصلاة العشاء.
٨٢- تؤمن بجميع الأنبياء.
٨٣- حفظها من التنقص فى حق ربها ﷿.
٨٤- لا تزال طائفة منها على الحق منصورة.
ما أكرمه الله تعالى به فى أمته فى الآخرة
٨٥- هى شاهدة للأنبياء على أممهم.
٨٦- هى أول من يجتاز الصراط.
٨٧- هى أول من يدخل الجنة، وهى محرمة على الناس حتى تدخلها.
٨٨- انفرادها بدخول الباب الأيمن من الجنة.
٨٩- سيفديها بغيرها من الأمم.
٩٠- تأتى غرا محجلين من آثار الوضوء.
٩١- هى أكثر أهل الجنة.
[ ٢٧٠ ]
٩٢- سيرضى الله نبيه ﷺ فيها.
٩٣- زيادة الثواب مع قلة العمل.
٩٤- كلها تدخل الجنة إلا من أبى بمعصيته لله ورسوله للحديث الذى رواه البخارى.
٩٥- كثرة الشفاعات فى أمته.
٩٦- تمنى الكفار لو كانوا مسلمين.
٩٧- هم الآخرون فى الدنيا السابقون يوم القيامة.
٩٨- دخول العدد الكثير منها الجنة بغير حساب.
٩٩- لها علامة تعرف بها ربها ﷿ وهو الساق.
١٠٠- فيها سادات أهل الجنة.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المرجع كتاب/ تذكير المسلمين باتباع سيد المرسلين ﷺ المؤلف/ عبد الله بن جار الله
[ ٢٧١ ]
وأخيرا نقول
إن ما قدمه الغربيون عامة، والمستشرقون على وجه الخصوص، يتضمن الأبيض والأسود، سواء على مستوى المنهج أو الموضوع، فبعضهم ينظر إلى الإسلام ونبيه محمدﷺ- نظرة موضوعية بينما ينظر البعض الآخر نظرة يسودها التعصب ومجانبة الحقيقة، والرؤية العلمية الحيادية.
ولقد قدمنا فى هذا الكتاب مجموعة من الشهادات الغربية المنصفة للرسولﷺ- صدرت عن أعلام معظمهم غير مسلمين، فيهم السياسى والأديب والشاعر والعالم، والعسكرى، والرجل، والمرأة.
وهذه الشهادت تؤكد أن الدنيا لا تخلو من أحرار الفكر الذين يمكن أن يصلوا إلى الحق أو إلى جوانب منه، ويؤدوا حق الشهادة فى ذلك.
وإذا كان هذا يشكل بالنسبة لنا مادة للفخر والسرور، فإنه يزيد اعتزازنا بهذا الدين ويلقى علينا مسئولية كبيرة، وهى أن ننهض بواجب الدفاع عن ديننا ومعتقداتنا ومقدساتنا، متوقعين أن نحقق مساحة من النجاح تتوازى مع إخلاصنا وجهدنا فى الدعوة الإسلامية.
وتأتى هذه الشهادات لتؤكد أيضا على أن الدين الإسلامى هو الدين الحق، الدين الأخير الذى أنزل لكى يكون صالحا لكل زمان ومكان، وكذلك لترد على شبهات المشككين، وأباطيل المكذبين، وافتراآت المغرضين.
ولكى تثبت أن القدوة الحسنة للرسولﷺ- ليست للمسلمين فحسب
[ ٢٧٢ ]
وإنما للإنسانية جمعاء. ومن أجل أن تبرز بعض جوانب العظمة الإنسانية لأعظم العظماء فى التاريخ الإنسانى كله وهو محمدﷺ-. وكل ذلك يفرض علينا أن نقتدى به فى تصوراتنا وسلوكياتنا وسائر شئون الحياة. وأن نذود عن منهجه وشريعته فى كل وقت، وأن ندافع عن رسالته ضد افتراآت الضالين، وأن نبلغ دينه فى شتى أنحاء المعمورة حتى يسود العدل والحق والخير لبنى الإنسان.
والله من وراء القصد وهو يهدى إلى سواء السبيل، المؤلف،
[ ٢٧٣ ]
خاتمة نرجو من الله تعالى حسن الخاتمة
الحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله الكريم المتعال.
والصلاة والسلام عليك سيدى يا رسول الله صلى الله عليك وعلى آلك وأصحابك وأزواجك وتابعيك وتابعيهم بإحسان ومن نهج نهجك وسار على سبيلك واتبع سنتك وسار على طريقتك إلى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله تعالى بقلب سليم.
يوم يقول الحق جل فى علاه «لمن الملك اليوم..» فلا يجد من يجيبه ولا ما يجيبه حتى يجيب حضرته العظيمة الكريمة الجليلة: «لله الواحد القهار» .
وبعد: فماذا يقول العلماء أو ينطق البلغاء أو يزيد ويعيد الأدباء الفصحاء فى سيرة وفضل خير الأنبياء وشمائل أفضل الرسل على الإطلاق ولو أنفدوا أحبار الأقلام وبيضوا بها وجه الأوراق كل الأوراق فى جميع الآفاق ومهما يقول المؤرخون ومهما يكتب الكاتبون ومهما يصف الواصفون فأنت أعز وأكرم وأشرف وأفضل. إنهم لن يستطيعوا أن يحلوك مكانا رفعك الله إليه بقوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ وقولك صلى الله عليك وسلم: «أدبنى ربى فأحسن تأديبى» فعبدته حق عبادته وعرفته حق معرفته.
رأيت نور وجهه فى المعراج فأنت أفضل من الملائكة حتى المقربين وأعطيت جميع معجزات الأنبياء المرسلين وأنت حى فى قبرك ترد سلام من يسلم عليك، ولا تقبل صلاة من لم يصلّ عليك وعلى آلك.
أنزل الله تعالى عليك خير الكتب القرآن العظيم وأقسم فيه بحياتك
[ ٢٧٤ ]
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ.
حتى إنه لم يتركك لتختار أصحابك وزوجاتك بل اختارهم لك. يقول ﷺ:
«إن الله تعالى اختارنى واختار لى أصحابى» .
أراح قلبك من حر الهجران ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى.
شرح لك صدرك ورفع لك ذكرك أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ
اختارك من البلد الأمين وحفظ جسمك الشريف فى خير بقعة من الأرض.
فلتكف الأقلام ولتصمت الألسنة فلن توفيك الأقلام حقك ولن تستطيع الألسنة أن تقدرك حق قدرك ولكن الكل يكتب عنك بقدر ما وفقه الله وما أراد.
أما من هجاك بلسانه القذر- قطعه الله من أصله- وصورك فى غير صورتك بقلمه أو ريشته قصفها الله تعالى وقصف رقبته فإنه إناء قذر ينضح بما فيه وأى خير تستخلصه من إناء قذر وأى صوت تسمعه من كلب نبح مهما كثرت الكلاب.
لو كل كلب عوى ألقمته حجرا لأصبح الصخر قيراطا بدينار
وأختم كلمتى بقوله تعالى وليس بعد قول الله قول:
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (التوبة: ١٢٨، ١٢٩)
ندعو الله أن يجعلنا من الذين يقولون فيفعلون ويفعلون فيخلصون ويخلصون فيقبلون.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
مراجع الكتاب ومدققه ومصححه طه عبد الرؤوف سعد
[ ٢٧٥ ]
المصادر والمراجع
١- القرآن الكريم.
٢- نعمات أحمد فؤاد: الإسلام فى رأى الشرق والغرب، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، ١٩٩٩.
٣- رجب البنا: الغرب والإسلام، ط ٢، دار المعارف، القاهرة، ١٩٩٨.
٤- رجب البنا: صناعة العداء للإسلام، ط ٢، دار المعارف، القاهرة، ٢٠٠٤.
٥- رجب البنا: المنصفون للإسلام فى الغرب، دار المعارف، القاهرة، ٢٠٠٥
٦- زكريا هاشم زكريا: آراء فلاسفة وعباقرة الغرب فى الإسلام، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مهرجان القراءة للجميع، ٢٠٠٠.
٧- عبد الحليم محمود: أوروبا والإسلام، مطابع الأهرام التجارية، القاهرة، ١٩٧٣.
٨- عبد الحليم محمود: المسيحية نشأتها وتطورها، دار المعارف، القاهرة، ١٩٧٥.
٩- أحمد حامد: الإسلام ورسوله فى فكر هؤلاء، مطبوعات دار الشعب، القاهرة، ١٩٩١.
١٠- أحمد حامد: لماذا أسلم هؤلاء، مطبعة دار الشعب، القاهرة، ١٩٧٦.
١١- نجيب العقيقى: المستشرقون، ثلاثة أجزاء، دار المعارف، القاهرة.
١٢- د/ محمود حمدى زقزوق: الإسلام فى تصورات الغرب، مكتبة وهبة، القاهرة.
[ ٢٧٦ ]
١٣- لواء أحمد عبد الوهاب: الإسلام فى الفكر الغربى، مكتبة التراث الإسلامى، القاهرة، ١٩٩٣.
١٤- محمد البهى: الفكر الإسلامى الحديث وصلته بالاستعمار الغربى، مكتبة وهبة، القاهرة.
١٥- مجلة منار الإسلام: تصدر فى دولة الإمارات العربية المتحدة، العدد ٣٧٣، السنة ٣٢، شهر محرم ١٤٢٧ هـ- فبراير ٢٠٠٦.
١٦- عماد الدين خليل: قالوا عن الرسولﷺ-، موقع صيد الفوائد، عبر شبكة الإنترنت.
١٧- مواقع لبعض الشبكات الإسلامية على الإنترنت تتضمن مقالات ومعلومات عن الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبىﷺ-.
[ ٢٧٧ ]
الفهرس
آيات من القرآن الكريم ٥
الإهداء ٧
مقدمة ٩
الفصل الأول الإساءة للرسولﷺ- هوس غربى قديم ١٧
١- تاريخ العدوان الفكرى الغربى على الإسلام وعلى نبيه محمد ﷺ ١٧
٢- مشكلة الفكر الغربى مع نبى الإسلام محمدﷺ- ٤٥
٣- الإساءة إلى الإسلام فى الغرب حرية تعبير أم وجدان صليبى ٥٧
٤- موسم التهجم على الذات النبوية الشريفة ٦٢
٥- اعترفات غربية ٦٧
الفصل الثانى الرسولﷺ- فى عيون غربية منصفة ٩٥
١- عظاماء دافعوا عن الرسولﷺ- ٩٥
٢- النبىﷺ- كما تحدث عنه المنصفون العقلاء فى الغرب ١٠٠
٣- شهادات غربية منصفة ١٠٨
٤- شهادات متفرقة ١٦٥
[ ٢٧٩ ]
الفصل الثالث كيف نواجه حملات تشويه صورة النبىﷺ- فى الغرب ١٩١
١- من يدافع اليوم عن نبى الإسلام؟ ١٩١
٢- كيف نواجه هذه الحملات المغرضة؟ ١٩٤
٣- مائة وسيلة لنصرة المصطفى ﷺ ١٩٥
٤- لتتوحد أصواتنا ضد الإساءة إلى الرسولﷺ-. ٢٠٦
الفصل الرابع تعرف على نبيك محمد ﷺ ٢٠٩
١- بعض المعلومات المهمة عن رسول الله ﷺ ٢٠٩
٢- وصف أخلاق النبى ﷺ ٢١٧
٣- صفات النبىﷺ- الخلقيّة ٢٢١
٤- صفات النبىﷺ- الخلقيّة ٢٣٦
٥- مائة خصلة انفرد بها الرسولﷺ- عن باقى الأنبياء ٢٦٦
وأخيرا نقول ٢٧٢
خاتمة ٢٧٤
المصادر والمراجع ٢٧٦
فورإتش للكمبيوتر ٦٦٧٤٣٣٥/ ٠١٠
[ ٢٨٠ ]