المقدمة
الحمد لله تعالى على عظيم نعمه، والشكر له سبحانه على عميم فضله، والصلاة والسلام كثيرًا على محمد خاتم الأنبياء والرُّسل، الذي أرسله ربُّ العالمين إلى النّاس رحمةً، فقال تعالى فيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ وبعد: فأودُّ أن أقدِّم كلمةً موجزةً لتعريف القارئ على القصد من اختياري هذا الكتاب ونشره، وعدم ذكر أسماء العلماء المحققين الذين قاموا بتحقيق نصه، وتخريج أحاديثه، والتدقيق فيها، والتعليق عليها، حتى خرج بجهدهم المشكور بهذه الصورة التى نترك الحكم فيها للقارئ، وندعو الله لهم بخير الجزاء، وأن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم.
أما السبب الذي حدا بي إلى اختيار كتاب "الرصف" من بين كتب السيرة العطرة، فلكونه قد جمع فيه مؤلفه رحمه الله تعالى ما أمكن له الجمع من السنة القولية والفعلية، نقلًا عن الكتب الصحاح، من غير تطويل مُمِلّ، أو اختصار مُخِلٍّ، الأمرُ الذي قل أن يوجد له نظير فى موضوعه فى المكتبات فى حدود اطلاعي.
ولقد كان لأحد الكتاب - وهو باحث محقق - ولاطلاعه على مكتبة (الفاتح) فى استانبول، فضل التعريف بالكتاب، والإشارة إليه في إحدى المجلات الإسلامية.
كما أن لنسخة الشيخ الطاهر بن عاشور التي سمح - جزاه الله خيرًا - بأخذ صورة عنها من مكتبته، فائدة كبيرة بمقارنتها مع نسخة استانبول، واعتمادها في الطبع لكونها مصححة ومضبوطة، والخطأ فيها قليل، وقد أثبت عليها إجازة المؤلف، أو خطه.
[ ١ / ٥ ]
ومما زادني قناعة ورضى بهذا الكتاب فيما بعد، أن قرأت مقالًا منشورًا في إحدى المجلات الثقافية بعنوان: إحياء تراث السيرة، لأحد الكتاب أيضًا، وله اطلاع واسع بالمخطوطات العربية، وهذا نص ما نقلته من مقالته:
وهذا الكتاب جامع، جاء في آخره: كتب على يد الفقير إلى الله تعالى إسماعيل بن موسى بن علي الجرجاني، ولم يذكر تاريخ كتابته: كان المؤلف مدرس المستنصرية ببغداد كأبيه وجده، ودرَّس أيضًا بالنظامية كأبيه، وكان عالم بغداد، ورئيس العلماء بالمشرق.
وهناك سير عديدة أخرى لا مجال لتعدادها الآن، وبينها ما يوافق مختلف الرغبات، بين مختصر ومتوسط ومفصل، وليس لنا إلا أن ندعو في هذا السبيل إلى أمر يصرف الناس عن النزعات الضالة والمضلة، وأن يميلوا إلى معرفة خير من خدم البشر في الإصلاح والتقوى، وفي الدعوة إلى السلوك المرضي.
وأملنا من المؤسسات الإسلامية في مختلف الأرجاء، الالتفات إلى أمر جليل، وهو إحياء تراث سيرة الرسول ﵊، لتكون قدوة في الإِصلاح، وطريقًا في النهج الحق، ووسيلة لتهذيب الخلق الإسلامي السامي في الفلاح وخير العمل، فإن النفوس في أكثر قد شذت عن الغرض، وصرفت عن المطلوب، وصارت على سِيَر غير محمودة، ولا مرضية، وليس لنا إلا أن نهتم بتحقيق هذه السيرة الجليلة تحقيقًا علميًا، يتيسَّر لكل أحدٍ اقتناؤها، حتى ترجع النفوس عن غيّها، ولنعيد ذكريات الرسول ﵊ في حياته الخاصة والعامة، ولنجعلها قدوة للعمل المشترك لخير الإنسانية.
وأما عن إغفال ذكر المحققين، فمهما كان من سبب، فلا أظن أنه سيشفع لي، لما للمحققين من الحق أن ينسب إليهم ما يقومون به من ضبط وتحقيق وتخريج، كذلك للقارئ حق آخر، وهو الاطلاع على من خدموا في هذا الكتاب السنة المطهرة، وإذا لم يكن العذر مقبولًا على كل حال في هذا عند كثير من الناس، فلا أقل من تبيان الداعي إلى ذلك، وهو أن يبقى هذا العمل خالصًا لله تعالى، وليس فيه مَظِنَّة لشُهْرَةٍ، أو انتفاع بدعاية، والله ولي التوفيق.
النّاشر
[ ١ / ٦ ]
ترجمة المؤلف
هو أبو المكارم غياث الدين محمد بن صدر الدين محمد بن محي الدين عبد الله بن أبي الفضل محمد بن علي بن حماد بن ثابت الواسطي ثم البغدادي الشافعي المعروف بابن العاقولي.
ولد ببغداد سنة ٧٣٣ هـ ونشأ بها، وسمع من والده وجماعة، وأجاز له جماعة.
قال ابن قاضي شهبة في طبقاته: صدر العراق، ومدرس بغداد، وعالمها، ورئيس العلماء بالمشرق.
وقال الحافظ شهاب الدين بن حِجي: كان مدرس المستنصرية ببغداد كأبيه وجده، ودرس أيضًا بالنظامية كأبيه، ودرس هو بغيرهما، وكان هو وأبوه وجده كبراء بغداد، وانتهت إليه الرياسة بها في مشيخة العلم والتدريس، وصار المشار إليه، والمعوّل عليه، تهرع القضاة والوزراء إلى بابه، والسلطان يخافه، وكان بارعًا في الحديث والمعاني والبيان.
وقال الحافظ برهان الدين الحلبي: كان إمامًا علامة، متبحرًا في العلوم، غاية في الذكاء، مشارًا إليه، وكان دخله كل سنة زيادة على مائة ألف درهم، وكلها ينفقها.
وقال السيوطي في "بغية الوعاة": برع في الفقه والأدب والعربية والمعاني والبيان، وشارك في الفنون، وانتهت إليه رياسة المذهب هناك، سمع من السراج القزويني،
[ ١ / ٧ ]
وأجاز له الميدومي وغيره، وكان عند أهل بلده شيخ الحديث في الدنيا، وكان فهمًا جيدًا مفرط الكرم، ديِّنًا، حسن الشكل والأخلاق، حدث بمكة والمدينة والشام، وصنف "شرح المصابيح"، و"شرح منهاج البيضاوي"، و"الغاية القصوى"، وغيرها.
وقال ابن حجر: ولما دخل تيمورلنك هرب منها مع السلطان أحمد بن أويس فنهبت أمواله وسبيت حريمه.
قال ابن قاضي شهبة: ولما رجع السلطان إلى بغداد رجع معه فأقام دون خمسة أشهر في بغداد.
توفي ﵀ في بغداد سنة ٧٩٧ هـ. وقال السيوطي: ٧٩٨ هـ ودفن بالقرب من معروف الكرخي بوصية منه.
[ ١ / ٨ ]
راموز الصفحة الأولى من نسخة الطاهر بن عاشور
[ ١ / ٩ ]
راموز الصفحة الأخيرة من نسخة الطاهر بن عاشور
[ ١ / ١١ ]
راموز الصفحة الأولى من النسخة الاستنبولية
[ ١ / ١٣ ]
راموز الصفحة الأخيرة من النسخة الاستنبولية
[ ١ / ١٥ ]