[مقدمة المحقق]
بسم الله الرّحمن الرّحيم وبه نستعين الحمد لله والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وسيد ولد آدم أجمعين، محمد صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله الذين اهتدوا بهديه إلى يوم الدين.
«أما بعد» فبإسم الله نقدم الجزء الثالث من «الروض الأنف» للسهيلى والسيرة النبوية لابن هشام، سائلين الله أن يعين على التمام، وأن يجعل عملنا هذا صالحة عنده. إنه سميع مجيب؟.
القاهرة- حلوان- مدينة الزهراء
عبد الرحمن الوكيل
[ ٣ / ٥ ]
[ابتداء ما افترض الله ﷾ عَلَى النّبِيّ ﷺ مِنْ الصلاة وأوقاتها]
وَافْتُرِضَتْ الصّلَاةُ عَلَيْهِ، فَصَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَآلِهِ، وَالسّلَامُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ ورحمة الله وبركاته.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: اُفْتُرِضَتْ الصّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَوّلَ مَا اُفْتُرِضَتْ عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، كُلّ صَلَاةٍ، ثُمّ إنّ اللهَ تَعَالَى أَتَمّهَا فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَأَقَرّهَا فِي السّفَرِ عَلَى فَرْضِهَا الْأَوّلِ رَكْعَتَيْنِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنّ الصّلَاةَ حِينَ اُفْتُرِضَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكّةَ، فَهَمَزَ لَهُ بِعَقِبِهِ فِي نَاحِيَةِ الْوَادِي، فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ عَيْنٌ. فَتَوَضّأَ جِبْرِيلُ ﵇، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْظُرُ إلَيْهِ، لِيُرِيَهُ كَيْفَ الطّهُورُ لِلصّلَاةِ، ثُمّ تَوَضّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَمَا رَأَى جِبْرِيلَ تَوَضّأَ، ثُمّ قَامَ بِهِ جِبْرِيلُ، فَصَلّى بِهِ، وَصَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَلَاتِهِ، ثُمّ انْصَرَفَ جِبْرِيلُ ﵇.
فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خديجة، فتوضأ لها ليريها كيف الطهور الصلاة، كَمَا أَرَاهُ جِبْرِيلُ فَتَوَضّأَتْ كَمَا تَوَضّأَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﵊، ثُمّ صَلّى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﵊، كَمَا صلى به جبريل، فصلّت بصلاته.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٦ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، مَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ- وَكَانَ نَافِعُ كَثِيرَ الرّوَايَةِ- عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: لَمّا اُفْتُرِضَتْ الصّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أتاه جِبْرِيلُ ﵇، فَصَلّى بِهِ الظّهْرَ حِينَ مَالَتْ الشّمْسُ، ثُمّ صَلّى بِهِ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلّهُ مِثْلَهُ، ثُمّ صَلّى بِهِ الْمَغْرِبَ حِين غَابَتْ الشّمْسُ، ثُمّ صَلّى بِهِ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حِين ذَهَبَ الشّفَقُ، ثُمّ صَلّى بِهِ الصّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، ثُمّ جَاءَهُ، فَصَلّى بِهِ الظّهْرَ مِنْ غَدٍ حِينَ كَانَ ظِلّهُ مِثْلَهُ، ثُمّ صَلّى بِهِ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلّهُ مِثْلِيّهُ، ثُمّ صَلّى بِهِ الْمَغْرِبَ حِين غَابَتْ الشّمْسُ لِوَقْتِهَا بِالْأَمْسِ، ثُمّ صَلّى بِهِ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللّيْلِ الْأَوّلُ، ثُمّ صَلّى بِهِ الصّبْحَ مُسْفِرًا غَيْرَ مُشْرِقٍ، ثُمّ قَالَ: يَا مُحَمّدُ، الصّلَاةُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاتِك الْيَوْمَ، وَصَلَاتِك بِالْأَمْسِ
[ذِكْرُ أَنّ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَوّلُ ذكر أسلم]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ كَانَ أَوّلَ ذَكَرٍ مِنْ النّاسِ آمَنَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَصَلّى مَعَهُ، وَصَدّقَ بِمَا جَاءَهُ مِنْ اللهِ تَعَالَى: عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ- رِضْوَانُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ- وهو يومئذ ابن عشر سنين.
وكان مما أنعم الله عَلَى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَنّهُ كَانَ فِي حِجْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قبل الإسلام.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى نجيح، عن مجاهد بن جبر بن أَبِي الْحَجّاجِ، قَالَ: كَانَ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ عَلَى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمِمّا صَنَعَ اللهُ لَهُ، وَأَرَادَهُ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ، أَنّ قُرَيْشًا أَصَابَتْهُمْ أَزْمَةٌ شَدِيدَةٌ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ ذا عيال
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٧ ]
كَثِيرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ- لِلْعَبّاسِ عَمّهِ، وَكَانَ مِنْ أَيْسَرِ بَنِي هَاشِمٍ: يَا عَبّاسُ، إنّ أَخَاك أَبَا طَالِبٍ كَثِيرُ الْعِيَالِ، وَقَدْ أَصَابَ النّاسَ مَا تَرَى مِنْ هَذِهِ الْأَزْمَةِ، فَانْطَلِقْ بِنَا إلَيْهِ، فَلْنُخَفّفْ عَنْهُ مِنْ عِيَالِهِ، آخُذُ مِنْ بَنِيهِ رَجُلًا، وَتَأْخُذُ أَنْتَ رَجُلًا، فَنَكِلُهُمَا عَنْهُ، فَقَالَ الْعَبّاسُ: نَعَمْ، فَانْطَلَقَا، حَتّى أَتَيَا أَبَا طَالِبٍ، فَقَالَا لَهُ: إنّا نُرِيدُ أَنْ نُخَفّفَ عَنْك مِنْ عِيَالِك حَتّى يَنْكَشِفَ عَنْ النّاسِ مَا هُمْ فِيهِ، فَقَالَ لَهُمَا أَبُو طَالِبٍ: إذَا تَرَكْتُمَا لِي عَقِيلًا، فَاصْنَعَا مَا شِئْتُمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَال: عَقِيلًا وَطَالِبًا.
فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيّا، فَضَمّهُ إلَيْهِ، وَأَخَذَ الْعَبّاسُ جَعْفَرًا فَضَمّهُ إلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلِيّ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حَتّى بَعَثَهُ اللهُ ﵎ نَبِيّا، فَاتّبَعَهُ عَلِيّ ﵁، وَآمَنَ بِهِ وَصَدّقَهُ، وَلَمْ يَزَلْ جَعْفَرٌ عِنْدَ الْعَبّاسِ، حَتّى أسلم واستغنى عنه.
أبو طالب يكتشف إيمان على:
قال ابن إسحاق: ذكر بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إذَا حَضَرَتْ الصّلَاةُ خَرَجَ إلَى شِعَابِ مَكّةَ، وَخَرَجَ مَعَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مُسْتَخْفِيًا مِنْ أَبِيهِ أَبِي طَالِبٍ، وَمِنْ جَمِيعِ أَعْمَامِهِ وَسَائِرِ قَوْمِهِ، فَيُصَلّيَانِ الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا، فمكثا كذلك ما شَاءَ اللهُ أَنْ يَمْكُثَا. ثُمّ إنّ أَبَا طَالِبٍ عَثَرَ عَلَيْهِمَا يَوْمًا وَهُمَا يُصَلّيَانِ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: يَا بن أَخِي! مَا هَذَا الدّينُ الّذِي أَرَاك تَدِينُ بِهِ؟ قَالَ: أَيْ عَمّ هَذَا دِينُ اللهِ، وَدِينُ مَلَائِكَتِهِ، وَدِينُ رُسُلِهِ، وَدِينُ أَبِينَا إبْرَاهِيمَ- أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ- بَعَثَنِي اللهُ بِهِ رَسُولًا إلَى الْعِبَادِ، وَأَنْتَ أَيْ عَمّ، أَحَقّ مَنْ بَذَلْتُ لَهُ النّصِيحَةَ، وَدَعَوْته إلَى الْهُدَى،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٨ ]
وَأَحَقّ مَنْ أَجَابَنِي إلَيْهِ، وَأَعَانَنِي عَلَيْهِ، أَوْ كَمَا قَالَ. فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: أَيْ ابْنَ أَخِي، إنّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُفَارِقَ دِينَ آبَائِي، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ وَاَللهِ لَا يَخْلُصُ إلَيْك بِشَيْءٍ تَكْرَهُهُ مَا بَقِيتُ.
وَذَكَرُوا أَنّهُ قَالَ لِعَلِيّ: أَيْ بُنَيّ، مَا هَذَا الدّينُ الّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ:
يَا أَبَتِ، آمَنْتُ بِاَللهِ وَبِرَسُولِ اللهِ، وَصَدّقْته بِمَا جَاءَ بِهِ، وَصَلّيْت مَعَهُ لِلّهِ وَاتّبَعْته.
فَزَعَمُوا أَنّهُ قَالَ لَهُ: أَمَا إنّهُ لَمْ يَدْعُك إلّا إلَى خَيْرٍ فَالْزَمْهُ.
[إسْلَامُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ثانيا]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ أَسْلَمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ شرحبيل بن كعب بن عبد العزّى ابن امرىء الْقِيسِ الْكَلْبِيّ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ أَوّلَ ذَكَرٍ أَسْلَمَ، وَصَلّى بعد عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ بْنِ كَعْبِ بن عبد العزّى بن امرىء القيس بْنِ النّعْمَانِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بن عوف بن كنانة بن بكر ابن عَوْفِ بْنِ عُذْرَةَ بْنِ زَيْدِ اللّاتِ بْنِ رُفَيْدَةَ بْنِ ثَوْرِ بْنِ كَلْبِ بْنِ وَبْرَةَ.
وَكَانَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ قَدِمَ مِنْ الشّامِ بِرَقِيقٍ، فِيهِمْ زَيْدُ بْنُ حارثة وصيف.
فدخلت عليه عمته خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَهِيَ يَوْمئِذٍ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهَا: اخْتَارِي يَا عَمّةُ أَيّ هَؤُلَاءِ الْغِلْمَانِ شِئْتِ فَهُوَ لَك، فَاخْتَارَتْ زَيْدًا فَأَخَذَتْهُ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَهَا، فَاسْتَوْهَبَهُ مِنْهَا، فَوَهَبَتْهُ لَهُ، فَأَعْتَقَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَبَنّاهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يوحى إليه.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٩ ]
وَكَانَ أَبُوهُ حَارِثَةُ قَدْ جَزِعَ عَلَيْهِ جَزَعًا شَدِيدًا، وَبَكَى عَلَيْهِ حِينَ فَقَدَهُ، فَقَالَ:
بَكَيْت عَلَى زَيْدٍ وَلَمْ أَدْرِ مَا فَعَلْ أَحَيّ، فيرجى أم أتى دونه الأجل
فو الله مَا أَدْرِي، وَإِنّي لَسَائِلٌ أَغَالَكَ بَعْدِي السّهْلُ، أَمْ غَالَك الْجَبَلْ
وَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ لَك الدّهْرُ أَوْبَةٌ فَحَسْبِي مِنْ الدّنْيَا رُجُوعُك لِي بَجَلْ
تُذَكّرْنِيهِ الشّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا وَتَعْرِضُ ذِكْرَاهُ إذَا غَرْبُهَا أَفَلْ
وَإِنْ هَبّتْ الْأَرْوَاحُ هيّجن ذكره فياطول مَا حُزْنِي عَلَيْهِ وَمَا وَجَلْ
سَأُعْمِلُ نَصّ الْعِيسِ فِي الْأَرْضِ جَاهِدًا وَلَا أُسْأَمُ التّطْوَافَ أَوْ تَسْأَمُ الْإِبِلْ
حَيَاتِي أَوْ تَأْتِي عَلَيّ منيتى فكلّ امرىء فان، وإن غرّه الأمل
تم قَدِمَ عَلَيْهِ- وَهُوَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ- فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِﷺ: إنْ شِئْتَ فَأَقِمْ عِنْدِي، وَإِنْ شِئْت فَانْطَلِقْ مَعَ أَبِيك، فَقَالَ: بَلْ أُقِيمُ عِنْدَك. فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِﷺ- حَتّى بَعَثَهُ الله فصدّقه وأسلم، وَصَلّى مَعَهُ، فَلَمّا أَنْزَلَ اللهُ ﷿: «ادعوهم لابائهم» الأحزاب: ٥ قَالَ: أَنَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ.
[إسْلَامُ أَبِي بكر الصديق ﵁]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ أَسْلَمَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَاسْمُهُ: عَتِيقٌ، وَاسْمُ أَبِي قُحَافَةَ: عُثْمَانُ بْنُ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرّةَ بن كعب ابن لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ أَبِي بَكْرٍ: عَبْدُ اللهِ، وَعَتِيقٌ: لقب لحسن وجهه وعتقه
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٠ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا أَسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَظْهَرَ إسْلَامَهُ، وَدَعَا إلَى الله وإلى رسوله.
وكان أبو بكر رجلا مؤلّفا لِقَوْمِهِ، مُحَبّبًا سَهْلًا، وَكَانَ أَنْسَبَ قُرَيْشٍ لِقُرَيْشٍ، وَأَعْلَمَ قُرَيْشٍ بِهَا، وَبِمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرّ، وَكَانَ رَجُلًا تَاجِرًا، ذَا خُلُقٍ وَمَعْرُوفٍ، وَكَانَ رِجَالُ قَوْمِهِ يَأْتُونَهُ، وَيَأْلَفُونَهُ لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرِ، لِعِلْمِهِ وَتِجَارَتِهِ وَحُسْنِ مُجَالَسَتِهِ، فَجَعَلَ يَدْعُو إلَى اللهِ، وَإِلَى الْإِسْلَامِ مَنْ وَثِقَ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ، مِمّنْ يَغْشَاهُ وَيَجْلِسُ إليه.
ــ
فَرْضُ الصّلَاةِ وَذَكَرَ حَدِيثَ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: «فُرِضَتْ الصّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ، وَأُقِرّتْ صَلَاةُ السّفَرِ» «١»، وَذَكَرَ الْمُزَنِيّ أَنّ الصّلَاةَ قَبْلَ الْإِسْرَاءِ «٢» كَانَتْ صَلَاةً قَبْلَ غُرُوبِ الشّمْسِ، وَصَلَاةً قَبْلَ طُلُوعِهَا، وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ «٣») غافر: ٥٥. وقال يحيى
_________________
(١) البخارى ومسلم ومالك وأبو داود والنسائى.
(٢) قال الحافظ فى الفتح: «كان ﷺ قبل الإسراء يصلى قطعا، وكذلك أصحابه» أقول: وفى ختام سورة المزمل، وهى التى نزلت بعد القلم: «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة» آية: ٢٠ وفى سورة القلم: «أرأيت الذى ينهى عبدا إذا صلى» وهى قطعا قبل الإسراء وفى المدثر بعدها عن المجرمين: (ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قالُوا: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) وآيات غيرها تؤكد أن الصلاة كانت مفروضة قبل الإسراء.
(٣) لا تصلح دليلا لما يقول، إذ يمكن أن يفهم أن المقصود هو الأمر بالتسبيح طول اليوم.
[ ٣ / ١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن سَلّامٍ مِثْلَهُ، وَقَالَ: كَانَ الْإِسْرَاءُ وَفُرِضَ الصّلَوَاتُ الخمس قبل الهجرة بِعَامِ، فَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ قَوْلُ عَائِشَةَ: فَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ، أَيْ: زِيدَ فِيهَا حِينَ أُكْمِلَتْ خَمْسًا، فَتَكُونُ الزّيَادَةُ فِي الرّكَعَاتِ، وَفِي عَدَدِ الصّلَوَاتِ، وَيَكُونُ قَوْلُهَا:
«فُرِضَتْ الصّلَاةُ رَكْعَتَيْن» أَيْ: قَبْلَ الْإِسْرَاءِ، وَقَدْ قَالَ بِهَذَا طَائِفَةٌ مِنْ السّلَفِ، مِنْهُمْ: ابْنُ عَبّاسٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهَا: فُرِضَتْ الصّلَاةُ: أَيْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، حِينَ فُرِضَتْ الْخَمْسُ فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمَرْوِيّ عَنْ بَعْضُ رِوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ، وَمَنْ رَوَاهُ هَكَذَا الْحَسَنُ وَالشّعْبِيّ أَنّ الزّيَادَةَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ كَانَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِعَامِ، أَوْ نَحْوِهِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيّ مِنْ رِوَايَةِ معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قَالَتْ: فُرِضَتْ الصّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ هَاجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى المدينة، ففرضت أربعا، هكذا لفظ حديثه وههنا سُؤَالٌ يُقَالُ: هَلْ هَذِهِ الزّيَادَةُ فِي الصّلَاةِ نُسِخَ أَمْ لَا؟ فَيُقَالُ: أَمّا زِيَادَةُ رَكْعَتَيْنِ أَوْ رَكْعَةٍ إلَى مَا قَبْلَهَا مِنْ الرّكُوعِ حَتّى تَكُونَ صَلَاةً وَاحِدَةً، فَنُسِخَ لِأَنّ النّسْخَ رَفْعُ الْحُكْمِ، وَقَدْ ارْتَفَعَ حُكْمُ الْإِجْزَاءِ مِنْ الرّكْعَتَيْنِ، وَصَارَ مَنْ سَلّمَ مِنْهُمَا عَامِدًا أَفْسَدَهُمَا، وإن أراد أن يتم صلاته بعد ما سَلّمَ، وَتَحَدّثَ عَامِدًا لَمْ يَجُزْهُ إلّا أَنْ يَسْتَأْنِفَ الصّلَاةَ مِنْ أَوّلِهَا، فَقَدْ ارْتَفَعَ حُكْمُ الْإِجْزَاءِ بِالنّسْخِ، وَأَمّا الزّيَادَةُ فِي عَدَدِ الصّلَوَاتِ حين أكملت خمسا بعد ما كَانَتْ اثْنَتَيْنِ، فَيُسَمّى نَسْخًا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنّ الزّيَادَةَ عِنْدَهُ عَلَى النّصّ نَسْخٌ، وَجُمْهُورُ الْمُتَكَلّمِينَ عَلَى أَنّهُ لَيْسَ بِنَسْخِ وَلِاحْتِجَاجِ الفريقين موضع غير هذا «١» .
_________________
(١) ليس فى القرآن آية منسوخة بالمعنى الذى فسر به النسخ علماء الأصول. والايات التى-
[ ٣ / ١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْوُضُوءُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ نُزُولَ جِبْرِيلَ ﵇ بِأَعْلَى مَكّةَ حِينَ هَمَزَ لَهُ بِعَقِبِهِ، فَأَنْبَعَ الْمَاءَ، وَعَلّمَهُ الْوُضُوءَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَقْطُوعٌ فِي السّيرَةِ، وَمِثْلُهُ لَا يَكُونُ أَصْلًا فِي الْأَحْكَامِ الشّرْعِيّةِ، وَلَكِنّهُ قَدْ رُوِيَ مُسْنَدًا إلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ- يَرْفَعُهُ- غَيْرَ أَنّ هَذَا الْحَدِيثَ الْمُسْنَدَ يَدُورُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ لَهِيعَةَ وَقَدْ ضَعُفَ، وَلَمْ يُخَرّجْ عَنْهُ مُسْلِمٌ وَلَا الْبُخَارِيّ؛ لِأَنّهُ يُقَالُ: إنّ كُتُبَهُ احْتَرَقَتْ، فَكَانَ يُحَدّثُ مِنْ حِفْظِهِ، وَكَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يُحْسِنُ فِيهِ الْقَوْلَ، وَيُقَالُ إنّهُ الّذِي رُوِيَ عَنْهُ حَدِيثُ بَيْعِ الْعُرْبَانِ «١» فِي الْمُوَطّإِ مَالِكٌ، عَنْ الثّقَةِ عِنْدَهُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، فيقال: إن الثقة ههنا ابْنُ لَهِيعَةَ، وَيُقَالُ: إنّ ابْنَ وَهْبٍ حَدّثَ بِهِ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَحَدِيثُ ابْنِ لَهِيعَةَ هَذَا، أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ مُحَمّدُ ابن الْعَرَبِيّ قَالَ: نا أَبُو الْمُطّهِرِ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي الرّجَاءِ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ الْحَافِظُ قَالَ: نا أَبُو بَكْرٍ أَحَمْدُ بْنُ يُوسُفَ الْعَطّارُ قَالَ: نا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، قَالَ:
نا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: حَدّثَنِي أَبِي زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ أن رسول الله- صلى الله عليه
_________________
(١) - زعموا أنها منسوخة هى آيات يجب العمل بها. كل آية فى المصحف الذى بأيدينا يجب تدبرها والعمل بمقتضاها. ولنحذر من القول بنسخ آية فيه فنحكم ببطلان ما هو حق.
(٢) بيع العربان هو أن يشترى السلعة، ويدفع إلى صاحبها شيئا، على أنه إن أمضى البيع حسب من الثمن، وإن لم يمض البيع كان لصاحب السلعة، ولم يرجعه المشترى، وهو بيع باطل عند الفقهاء لما فيه من الشرط والغرر وأجازه أحمد، قال ابن الأثير، وحديث النّهى منقطع «مفردات ابن الأثير واللسان» .
[ ٣ / ١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَسَلَّمَ- فِي أَوّلِ مَا أُوحِيَ إلَيْهِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَعَلّمَهُ الْوُضُوءَ، فَلَمّا فَرَغَ مِنْ الْوُضُوءِ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَنَضَحَ بِهَا فَرْجَهُ، وَحَدّثَنَا بِهِ أَيْضًا أَبُو بَكْرٍ محمد ابن طَاهِرٍ، عَنْ أَبِي عَلِيّ الْغَسّانِيّ عَنْ أَبِي عُمَرَ النّمَرِيّ، عَنْ أَحَمْدَ بْنِ قَاسِمٍ، عَنْ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدّمِ، فَالْوُضُوءُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مَكّيّ بِالْفَرْضِ، مَدَنِيّ بِالتّلَاوَةِ، لِأَنّ آيَةَ الْوُضُوءِ مَدَنِيّةٌ «١»، وَإِنّمَا قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى آيَةَ التّيَمّمِ، وَلَمْ تَقُلْ: آيَةَ الْوُضُوءِ، وَهِيَ هِيَ؛ لِأَنّ الْوُضُوءَ قَدْ كَانَ مَفْرُوضًا قَبْلَ، غَيْرَ أَنّهُ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا يُتْلَى، حَتّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمَائِدَةِ.
إمَامَةُ جِبْرِيلَ:
وَذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ فِي إمَامَةِ جِبْرِيلَ للنبىﷺ-
_________________
(١) يقول ابن حجر فى الفتح عن حديث ابن لهيعة: وهو مرسل، ووصله أحمد من طريق ابن لهيعة، لكن قال: عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيد عن أبيه، وأخرجه ابن ماجة من رواية راشد بن سعد عن عقيل عن الزهرى نحوه، لكن لم يذكر زيد بن حارثة في السند، وأخرجه الطبرانى فى الأوسط من طريق الليث عن عقيل موصولا، ولو ثبت لكان على شرط الصحيح. لكن المعروف رواية ابن لهيعة. هذا وقد روى حديث صلاة جبريل بالرسول أبو داود والترمذى مع اختلاف يسير عما في السيرة، وقال الترمذى: حسن صحيح، وصححه الحاكم والذهبي والنووى وغيرهم من «المشكاة» . وعن ابن مسعود عن النبي «نزل جبريل فأمنى، فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، يحسب بأصابعه خمس صلوات. - زاد في رواية- ثم قال: بهذا أمرت «رواه الخمسة إلا الترمذى- التاج» .
[ ٣ / ١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَتَعْلِيمِهِ إيّاهُ أَوْقَاتَ الصّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْيَوْمَيْنِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْكُرُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِأَنّ أَهْلَ الصّحِيحِ مُتّفِقُونَ عَلَى أَنّ هَذِهِ الْقِصّةَ، كَانَتْ فِي الغد من ليلة الإسراء، وذلك بعد ما نُبّئَ بِخَمْسَةِ أَعْوَامٍ، وَقَدْ قِيلَ إنّ الْإِسْرَاءَ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِعَامِ وَنِصْفٍ، وَقِيلَ: بِعَامِ، فَذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي بَدْءِ نُزُولِ الْوَحْيِ، وَأَوّلِ أَحْوَالِ الصّلَاةِ.
أَوّلُ مَنْ آمَنَ:
وَذَكَرَ أَنّ أَوّلَ ذَكَرٍ آمَنَ بِاَللهِ عَلِيّ﵁-، وَسَيَأْتِي قَوْلُ مَنْ قَالَ:
أَوّلُ مَنْ أَسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنْ ذَلِكَ- وَاَللهُ أَعْلَمُ- مِنْ الرّجَالِ؛ لِأَنّ عَلِيّا كَانَ حِينَ أَسْلَمَ صَبِيّا لَمْ يُدْرِكْ، وَلَا يَخْتَلِفُ أَنّ خَدِيجَةَ هِيَ أَوّلُ مَنْ آمَنَ بِاَللهِ، وَصَدّقَ رَسُولَهُ، وَكَانَ عَلِيّ أَصْغَرَ مِنْ جَعْفَرٍ بِعَشْرِ سِنِينَ «١»، وَجَعْفَرٌ أَصْغَرُ مِنْ عَقِيلٍ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَعَقِيلٌ أَصْغَرُ مِنْ طَالِبٍ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَكُلّهُمْ أَسْلَمَ إلّا طَالِبًا اخْتَطَفَتْهُ الْجِنّ، فَذَهَبَ وَلَمْ يُعْلَمْ بِإِسْلَامِهِ «٢»، وَأُمّ عَلِيّ: فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ، وَقَدْ أَسْلَمَتْ، وَهِيَ إحْدَى الْفَوَاطِمِ الّتِي قَالَ فِيهِنّ رَسُولُ اللهِﷺ- لِعَلِيّ ﵁: اقْسِمْهُ بَيْنَ الْفَوَاطِمِ الثّلَاثِ، يَعْنِي ثَوْبَ حَرِيرٍ، قَالَ الْقُتَبِيّ.
يَعْنِي: فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ، وَلَا أَدْرِي مَنْ الثّالِثَةُ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الْغَنِيّ بْنُ سعيد: اقسمه بين الفواطم الأربع، وذكر
_________________
(١) هو كما قال فى نسب قريش ص ٣٩.
(٢) خرافة.
[ ٣ / ١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَاطِمَةَ بِنْتَ حَمْزَةَ مَعَ اللّتَيْنِ تَقَدّمَتَا، وَقَالَ: لَا أَدْرِي مَنْ الرّابِعَةُ، قَالَهُ فِي كِتَابِ الْغَوَامِضِ وَالْمُبْهَمَاتِ «١» .
إسْلَامُ زَيْدٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَقَالَ فِيهِ: حَارِثَةُ بْنُ شُرَحْبِيلَ، وَقَالَ: ابْنُ هِشَامٍ شَرَاحِيلُ، قَالَ أَصْحَابُ النّسَبِ كَمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، وَرُفِعَ نَسَبُهُ إلَى كَلْبِ بْنِ وَبْرَةَ، وَوَبْرَةُ هُوَ: ابْنُ ثَعْلَبِ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ «٢»، وأم زيد:
_________________
(١) استدل من حكموا بسبق على بحديث عند الطبرانى أن النبى «ص» صلى أول يوم الاثنين، وصلت خديجة آخره، وصلّى على يوم الثلاثاء. وبما جاء في المستدرك للحاكم: نبىء النبى يوم الاثنين، وأسلم على يوم الثلاثاء. وإلى هذا ذهب سلمان وخباب وجابر وأبو سعيد الخدرى، وبما جاء فى الطبرانى عن الحسن وغيره: كان أول من آمن على بن أبى طالب، وهو ابن خمس عشرة سنة، أو ست عشرة. بينما روى عن عروة أنه أسلم وهو ابن ثمان سنين وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف.
(٢) فى جمهرة ابن حزم: حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ. وجاء فى مجمع الزوائد عن نسبه: بن رفيدة بن كليب بن وبرة بن الحارث بن قضاعة وفى جمهرة ابن حزم: زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى بن عامر بن النعمان ابن عامر بن عبدود بن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة ابن كلب بن وبرة، ونسبه في الإصابة: زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبدود بن عوف ابن كنانة بن بكر بن عوف بن زيد اللات بن ثور بن كلب بن وبرة الكلبى وما سأزيده بين قوسين فى نسب أمه من الإصابة. هذا وقد اتفق على أنه أول من أسلم من الموالى. وقيل إن حكيم بن حزام اشتراه لعمته خديجة بأربعمائة درهم كما جاء فى الإصابة. أما كونه أول ذكر أسلم، فهو فى حديث مرسل عند الطبرانى كما فى السيرة. وفى مجمع الزوائد أن خديجة ﵂ هى التى استوهته.
[ ٣ / ١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سُعْدَى بِنْتُ ثَعْلَبَةَ [بْنِ عَبْدِ عَامِرٍ] مِنْ بنى معن من طيّىء، وَكَانَتْ قَدْ خَرَجَتْ بِزَيْدِ لِتُزِيرَهُ أَهْلَهَا، فَأَصَابَتْهُ خَيْلٌ مِنْ بَنِي الْقَيْنِ بْنِ جِسْرٍ، فَبَاعُوهُ بِسُوقِ حُبَاشَةَ، وَهُوَ مِنْ أَسْوَاقِ الْعَرَبِ، وَزَيْدٌ يَوْمُئِذٍ ابْنُ ثَمَانِيّةِ أَعْوَامٍ، ثُمّ كَانَ مِنْ حَدِيثِهِ مَا ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ، وَلَمّا بَلَغَ زَيْدًا قَوْلُ أَبِيهِ: بَكَيْت عَلَى زَيْدٍ، وَلَمْ أَدْرِ مَا فَعَلْ.
الْأَبْيَاتَ. قَالَ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ الرّكبان:
أحن إلى أهلى، وإن كنت نَائِيًا بِأَنّي قَعِيدُ الْبَيْتِ عِنْدَ الْمَشَاعِرِ
فَكُفّوا مِنْ الْوَجْدِ الّذِي قَدْ شَجَاكُمْ وَلَا تُعْمِلُوا فِي الْأَرْضِ نَصّ الْأَبَاعِرِ
فَإِنّي بِحَمْدِ اللهِ فِي خَيْرِ أُسْرَةٍ كِرَامِ مَعَدّ كَابِرًا بَعْدَ كَابِرِ
فَبَلَغَ أَبَاهُ «١» قَوْلُهُ، فَجَاءَ هُوَ وَعَمّهُ كَعْبٌ، حَتّى وَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- بِمَكّةَ، وَذَلِكَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فقالا له: يابن عَبْدِ الْمُطّلِبِ، يَا بْنَ سَيّدِ قَوْمِهِ، أَنْتُمْ جِيرَانُ اللهِ، وَتَفُكّونَ الْعَانِيَ، وَتُطْعِمُونَ الْجَائِعَ، وَقَدْ جِئْنَاكُمْ فِي ابْنِنَا عَبْدِك «٢»، لِتُحْسِنَ إلَيْنَا فِي فدائه، فقال: أو غير ذَلِكَ؟ فَقَالَا: وَمَا هُوَ؟
فَقَالَ: اُدْعُوهُ وَأُخَيّرُهُ، فإن اختاركما فذاك، وإن اختارنى فو الله ما أنا بالذى
_________________
(١) فى الإصابة أن بعض الحجاج رأوا زيدا فعرفهم وعرفوه، فطلب منهم أن يبلغوا أباه: أحن إلى قومى وإن كنت نائيا بأنى قطين البيت عند المشاعر فانطلق الحجاج، وأعلموا أباه، ووصفوا له موضعه
(٢) فى رواية: عندك.
[ ٣ / ١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَخْتَارُ عَلَى مَنْ اخْتَارَنِي «١» أَحَدًا، فَقَالَا لَهُ: قَدْ زِدْت عَلَى النّصْفِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِﷺ- فَلَمّا جَاءَ قَالَ: مِنْ هَذَانِ؟ فَقَالَ: هَذَا أَبِي حَارِثَةُ بْنُ شَرَاحِيلَ، وَهَذَا عَمّي: كَعْبُ بْنُ شَرَاحِيلَ، فَقَالَ: قَدْ خَيّرْتُك إنْ شِئْت ذَهَبْت مَعَهُمَا، وَإِنْ شِئْت أَقَمْت مَعِي، فَقَالَ: بَلْ أُقِيمُ مَعَك «٢»، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَا زَيْدُ أَتَخْتَارُ الْعُبُودِيّةَ [عَلَى الْحُرّيّةِ وَ] عَلَى أَبِيك «٣» وَأُمّك وَبَلَدِك وَقَوْمِك؟! فَقَالَ: إنّي قَدْ رَأَيْت مِنْ هَذَا الرّجُلِ شَيْئًا، وَمَا أَنَا بِاَلّذِي أُفَارِقُهُ أَبَدًا فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ رَسُولُ اللهِﷺ- بِيَدِهِ، وَقَامَ بِهِ إلَى الْمَلَإِ مِنْ قُرَيْشٍ «٤»، فَقَالَ: اشْهَدُوا أَنّ هَذَا ابْنِي، وَارِثًا وَمَوْرُوثًا، فَطَابَتْ نَفْسُ أَبِيهِ عِنْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ يُدْعَى: زَيْدَ بْنِ مُحَمّدٍ، حَتّى أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ «٥» الْأَحْزَابُ: ٥.
وَفِي الشّعْرِ الّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ لِحَارِثَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ:
حياتى وإن تأتى «٦» علىّ منيّتى فكل امرىء فان وإن غره الأمل
_________________
(١) فى الإصابة: «فامنن علينا، وأحسن فى فدائه، فإنا سنرفع لك. قال: وما ذاك؟ قالوا: زيد بن حارثة: فقال: أو غير ذلك!. ادعوه، فخيروه، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارنى فو الله مَا أَنَا بِاَلّذِي أَخْتَارُ عَلَى مَنْ اخْتَارَنِي فداء»
(٢) فى الإصابة: «أنت منى بمكان الأب والعم» .
(٣) الزيادة من الإصابة
(٤) وقد أخرجه إلى الحجر كما ورد فى الإصابة
(٥) عن عبد الله بن عمر، قال: «إن زيد بن حارثةرضي الله عنه- مَوْلَى رَسُولِ اللهِﷺ- ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ» الصحيحان والترمذى والنسائى
(٦) فى السيرة: أو تأتى
[ ٣ / ١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَأُوصِي بِهِ قَيْسًا وَعَمْرًا كِلَيْهِمَا وَأُوصِي يَزِيدَ ثُمّ أُوصِي بِهِ جَبَلْ «١»
يَعْنِي: يَزِيدَ بْنَ كَعْبِ [بْنِ شَرَاحِيلَ] وَهُوَ ابْنُ عَمّ زَيْدٍ وَأَخُوهُ [لِأُمّهِ] «٢» وَيَعْنِي بِجَبَلِ: جَبَلَةَ بْنَ حَارِثَةَ أَخَا زَيْدٍ، وَكَانَ أَسَنّ مِنْهُ. سُئِلَ جَبَلَةُ: من أكبر أنت أم زيد؟ فقال: زيد أَكْبَرُ مِنّي، وَأَنَا وُلِدْت قَبْلَهُ، يُرِيدُ: أَنّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ بِسَبْقِهِ لِلْإِسْلَامِ «٣» .
إسْلَامُ أَبِي بَكْرٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ إسْلَامَ أَبِي بَكْرٍ وَنَسَبَهُ، قَالَ: وَاسْمُهُ: عَبْدُ اللهِ، وَسُمّيَ عَتِيقًا لِعَتَاقَةِ وَجْهِهِ، وَالْعَتِيقُ: الْحَسَنُ «٤» كَأَنّهُ أُعْتِقَ مِنْ الذّمّ وَالْعَيْبِ- وَقِيلَ: سُمّيَ عَتِيقًا؛ لِأَنّ أُمّهُ كَانَتْ لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَنَذَرَتْ إنْ وُلِدَ لَهَا وَلَدٌ أَنْ تُسَمّيَهُ: عَبْدَ الْكَعْبَةِ، وَتَتَصَدّقُ بِهِ عَلَيْهَا، فَلَمّا عَاشَ وَشَبّ، سُمّيَ: عَتِيقًا، كَأَنّهُ أُعْتِقَ مِنْ الْمَوْتِ «٥»، وَكَانَ يُسْمَى أَيْضًا: عَبْدَ الْكَعْبَةِ إلَى أَنْ أَسْلَمَ، فَسَمّاهُ رَسُولُ اللهِ-
_________________
(١) فى الإصابة: ثم من بعدهم حبل
(٢) الزيادة من الإصابة
(٣) ورد فى البخارى عن ابن عمر: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وأيم الله إن كان لخليقا للامارة- يعنى: زيد بن حارثة- وإن كان من أحب الناس إلى» هذا وقد قتل زيد فى غزوة مؤتة، وهو أمير سنة ٨ هجرية
(٤) العتق أيضا الكرم والنجابة والشرف والحرية.
(٥) فى الإصابة: فلمّا ولدته استقبلت به البيت، فقالت: اللهم هذا عتيقك من الموت، فيه لى، وقيل: لقب بهذا لأنه قديم فى الخير، أو لأنه لم يكن فى نسبه شىء يعاب به أهله.
[ ٣ / ١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ﷺ-: عَبْدَ اللهِ «١»، وَقِيلَ: سُمّيَ: عَتِيقًا؛ لِأَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قَالَ لَهُ حِينَ أَسْلَمَ: أَنْتَ عَتِيقٌ مِنْ النّارِ «٢»، وَقِيلَ: كَانَ لِأَبِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ: مُعْتَقٌ وَمُعَيْتِقٌ وَعَتِيقٌ «٣»، وَهُوَ: أَبُو بَكْرٍ «٤»، وَسُئِلَ ابْنُ مَعِينٍ عَنْ أُمّ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: أُمّ الْخَيْرِ عِنْدَ اسْمِهَا، وَهِيَ: أُمّ الْخَيْرِ بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَمْرِو «٥» بِنْتِ عَمّ أَبِي قُحَافَةَ، وَاسْمُهَا: سَلْمَى، وَتُكَنّى: أُمّ الخيره، وَهِيَ مِنْ الْمُبَايَعَاتِ، وَأَمّا أَبُوهُ عُثْمَانُ أَبُو قُحَافَةَ فَأُمّهُ: قَيْلَةُ- بِيَاءِ بِاثْنَتَيْنِ مَنْقُوطَةٍ مِنْ أَسْفَلَ- بِنْتُ أَذَاةَ بْنُ رِيَاحِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رَزَاحِ بْنِ عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ. وَامْرَأَةُ أَبِي بَكْرٍ أُمّ ابْنِهِ عَبْدِ اللهِ وَأَسْمَاءَ: قَتْلَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْعُزّى بِتَاءِ مَنْقُوطَةٍ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ فَوْقٍ، وَقِيلَ فِيهَا: بِنْتُ عَبْدِ أَسْعَدَ بْنِ نَصْرِ بْنِ حِسْلِ بن عامر
_________________
(١) عند سعيد بن منصور عن عائشة: قالت: اسم أبى بكر الذى سماء عبد الله. ولكن غلب عليه اسم عتيق، وقال مصعب الزبيرى: قيل له عتيق لأنه، لم يكن فى نسبه شىء يعاب به.
(٢) فى الترمذى: قالت عائشة: «دخل أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- فقال: أنت عتيق الله من النار. قالت: فمن يومئذ سمى: عتيقا» وفى أبى يعلى بسنده إلى عائشة: «من سره أن ينظر إلى عتيق من النار، فلينظر إلى أبى بكر» .
(٣) فى جمهرة ابن حزم: «ولد أبى قحافة أبو بكر، واسمه عبد الله، وعتيق ومعتق لا عقب لهما» ص ١٢٧.
(٤) ورد نسب أبى بكر فى جمهرة ابن حزم، وفى نسب قريش كما هو فى السيرة أما فى الاشتقاق لابن دريد، فليس فيه عمرو، وفى تهذيب الأسماء واللغات النووى «عمير» بدلا من عمرو «انظر ص ٢٧٥ نسب قريش» .
(٥) فى الإصابة، وفى نسب قريش؛ وفى تهذيب النووى، وفى جمهرة ابن حزم: عامر.
[ ٣ / ٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَهُوَ قَوْلُ الزّبَيْرِ «١» وَذَكَرَ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- عَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَمَا عَكَمَ عِنْدَ ذَلِكَ، أَيْ: مَا تَرَدّدَ، وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ تَوْفِيقِ اللهِ إيّاهُ- فِيمَا ذَكَرَ- رُؤْيَا رَآهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنّهُ رَأَى الْقَمَرَ يَنْزِلُ إلَى مَكّةَ، ثُمّ رَآهُ قَدْ تَفَرّقَ عَلَى جَمِيعِ مَنَازِلِ مَكّةَ وَبُيُوتِهَا، فَدَخَلَ فِي كُلّ بَيْتٍ مِنْهُ شُعْبَةٌ، ثُمّ كَأَنّهُ جُمِعَ فِي حِجْرِهِ، فَقَصّهَا عَلَى بَعْضِ الكنابيين، فَعَبَرَهَا لَهُ بِأَنّ النّبِيّ الْمُنْتَظَرَ الّذِي قَدْ أَظَلّ زَمَانُهُ تَتْبَعُهُ، وَتَكُونُ أَسْعَدَ النّاسِ بِهِ، فَلَمّا دَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْإِسْلَامِ، لَمْ يَتَوَقّفْ، وَفِي مَدْحِ حَسّانَ الّذِي قَالَهُ فِيهِ، وَسَمِعَهُ النّبِيّ ﷺ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنّهُ أَوّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الرّجَالِ، وَفِيهِ:
خَيْرُ الْبَرّيّةِ أَتْقَاهَا، وَأَفْضَلَهَا بَعْدَ النّبِيّ، وَأَوْفَاهَا بِمَا حَمَلَا
وَالثّانِي التّالِي الْمَحْمُودُ مَشْهَدُهُ وَأَوّلُ الناس قدما صدّق الرّسلا «٢»
_________________
(١) نسبها فى نسب قريش لأبى عبد الله الزبيرى: قتيلة بنت عبد العزى بن عبد أسعد بن نصر بن مالك بن حسل ص ٢٧٦ وفى جمهرة ابن حزم: نتيلة بنت عبد العزى بن عبد بن سعد بن جابر بن مالك بن حسئل بن عامر بن لؤى ص ١٢٧
(٢) قبلهما: إذا تذكرت شجوا من أخى ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا وقيل: إن ابن عباس كان يستشهد بهذه الأبيات على أولية إسلام أبى بكر، وفى الروض جاء الشطر الثانى من البيت الثانى هكذا: «والثانى التالى صدق المرسلا» وقد روى هذا ابن عبد البر والطبرانى فى الكبير. وقد توفى أبو بكر ﵁ فى ٤ من جمادى الأولى سنة ١٣ من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين ولد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر. وأولاده: عبد الله وعبد الرحمن ومحمد وعائشة وأسماء وأم كلثوم. وأم عائشة وعبد الرحمن: أم رومان بنت عامر بن عمير بن ذهل بن دهمان بن الحارث بن تيم بن مالك بن كنانة، وفى جمهرة ابن حزم، وفى نسب قريش: بنت عبد شمس بن عتّاب بن أذينة بن سبيع بن عامر بن عويمر بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة. نسب قريش ٢٧٦.
[ ٣ / ٢١ ]
[الذين أسلموا بدعوة أبى بكر]
فَأَسْلَمَ بِدُعَائِهِ- فِيمَا بَلَغَنِي- عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ بن أبى العاص بن أميّة ابن عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيّ بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤىّ ابن غَالِبٍ، وَالزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ بْنِ كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.
وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.
وَسَعْدُ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ، وَاسْمُ أَبِي وَقّاصٍ: مَالِكُ بن أهيب بن عبد مناف ابن زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ.
وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ، فَجَاءَ بِهِمْ إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- حين استجابوا له، فأسلموا وَصَلّوْا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- يَقُولُ فِيمَا بَلَغَنِي: مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إلَى الْإِسْلَامِ إلّا كَانَتْ فِيهِ عِنْدَهُ كَبْوَةٌ، وَنَظَرٌ وَتَرَدّدٌ، إلّا مَا كَانَ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، مَا عَكَمَ عَنْهُ حِينَ ذَكَرْتُهُ لَهُ، وَمَا تَرَدّدَ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ: «بِدُعَائِهِ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ: عَكَمَ: تَلَبّثَ. قال رؤبة بن العجّاج:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٢ ]
والصاع وَثّابٌ بِهَا وَمَا عَكَمَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَ هَؤُلَاءِ النّفَرُ الثّمَانِيَةُ الّذِينَ سَبَقُوا النّاسَ بِالْإِسْلَامِ فَصَلّوْا وَصَدّقُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ بما جاءه من الله.
ثم أسلم أبو عبيدة، وَاسْمُهُ: عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْجَرّاحِ بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ. وَأَبُو سَلَمَةُ، وَاسْمُهُ: عَبْدُ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بن مرّة بن كعب ابن لؤىّ.
وَالْأَرْقَمُ بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ. وَاسْمُ أَبِي الْأَرْقَمِ: عَبْدُ مَنَافِ بْنِ أَسَدٍ- وَكَانَ أَسَدٌ يُكَنّى: أبا جندب- بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب ابن لُؤَيّ. وَعُثْمَانُ بْنِ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حذافة بن جمح بن عمرو ابن هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ. وَأَخَوَاهُ: قَدَامَةُ وَعَبْدُ اللهِ ابْنَا مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبٍ وَعُبَيْدَةُ بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رِيَاحِ بْنِ رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، وَامْرَأَتُهُ: فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُرْطِ بن رياح بن رزاح بن عدىّ ابن كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ، أُخْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ. وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ. وَعَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وَهِيَ يَوْمئِذٍ صَغِيرَةٌ. وَخَبّابُ بْنُ الْأَرَتّ، حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: خَبّابُ بْنُ الْأَرَتّ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَيُقَالُ: هُوَ من خزاعة.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٣ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُمَيْرُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ، أَخُو سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ.
وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ شَمْخِ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ صَاهِلَةَ بْنِ كاهل ابن الْحَارِثِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلٍ حليف بنى زهرة، وَمَسْعُودُ بْنُ الْقَارّيّ، وَهُوَ مَسْعُودُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ حَمَالَةَ بْنِ غَالِبِ بْنِ مُحَلّمِ بْنِ عَائِذَةَ بْنِ سُبَيْعِ بْنِ الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ من القارة.
قال ابن هشام: والقارة: لقب، وَلَهُمْ يُقَالُ:
قَدْ أَنْصَفَ الْقَارّةَ مَنْ رَامَاهَا
وكانوا قوما رماة.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَلِيطُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عبد شمس بن عبدودّ بن نصر ابن مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ بن غالب بن فهر. وعيّاش ابن أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بن مخزوم بن يقظة بن مرّة ابن كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ. وَامْرَأَتُهُ أَسَمَاءُ بِنْتُ سَلَامَةَ بْنِ مُخَرّبَةِ التّمِيمِيّةُ.
وَخُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قيس بن عدي بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هصيص ابن كعب بن لؤىّ. وعامر بن ربيعة بن عنز بن وائل، حليف آل الخطّاب ابن نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَنْزُ بْنُ وَائِلِ أَخُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، من ربيعة بن نزار.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشِ بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٤ ]
مرة بن كَبِيرُ بْنُ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدٍ بْنِ خُزَيْمَةَ. وَأَخُوهُ: أَبُو أَحَمْدَ بْنُ جَحْشٍ، حَلِيفَا بَنِي أُمّيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ. وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَامْرَأَتُهُ:
أَسَمَاءُ بنت عميس بن النعمان بن كعب بن مَالِكِ بْنِ قُحَافَةَ، مِنْ خَثْعَمَ، وَحَاطِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جمح بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ، وَامْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ المجلّل بن عبد الله أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لؤى بن غالب بن فهر- وأخوه خطّاب بْنُ الْحَارِثِ، وَامْرَأَتُهُ فُكَيْهَةُ بِنْتُ يَسَارٍ. وَمَعْمَرُ بن الحارث ابن مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جمح بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ. وَالسّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ. والمطّلب ابن أزهر بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ، وَامْرَأَتُهُ: رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي عَوْفِ بْنُ صُبَيْرَةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ. وَالنّحّامُ، وَاسْمُهُ:
نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَسِيد، أَخُو بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أسيد بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ، وَإِنّمَا سُمّيَ النّحّامَ، لِأَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قَالَ: لَقَدْ سَمِعْت نَحْمَهُ فِي الْجَنّةِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: نَحْمُهُ: صوته وحسّه.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ ﵁
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٥ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مُوَلّدٌ مِنْ مُوَلّدِي الْأَسْدِ، أَسْوَدُ اشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ منهم.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ، وَامْرَأَتُهُ أَمِينَةُ بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة بن سبيع بن جعثمة بن سعد بْنِ مُلَيْحِ بْنِ عَمْرٍو، مِنْ خُزَاعَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: هُمَيْنَةُ بِنْتُ خَلَفٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَاطِبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شمس بن عبد ودّ بن نصر ابن مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ. وَأَبُو حُذَيْفَةَ، وَاسْمُهُ:
مهشم- فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مناف ابن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بْنِ لُؤَيّ. وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عبد مناف ابن عرين بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، حَلِيفُ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: جَاءَتْ بِهِ بَاهِلَةُ، فَبَاعُوهُ مِنْ الْخَطّابِ بْنِ نُفَيْلٍ، فَتَبَنّاهُ، فَلَمّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: «ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ» الأحزاب: ٥ قَالَ: أَنَا وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فِيمَا قال أبو عمرو المدنى.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَالِدٌ وَعَامِرٌ وَعَاقِلٌ وَإِيَاسٌ بنو البكير ابْنِ عَبْدِ ياليل بْنِ نَاشِبِ بْنِ غَيْرَةَ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةِ حَلْفَاءُ بَنِي
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٦ ]
عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ. وَعَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ، حَلِيفُ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عمّار بن ياسر عنسىّ من مذحج.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَصُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ، أَحَدُ النّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، حَلِيفُ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرّةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: النّمِرُ بْنُ قَاسِطِ بن هنب بن أفصى بن جديلة بن أسد ابن رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ، وَيُقَالُ: أَفْصَى بْنِ دُعْمِيّ بْن جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ، وَيُقَالُ:
صُهَيْبٌ: مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ.
وَيُقَالُ: إنّهُ رُومِيّ. فَقَالَ بَعْضُ مَنْ ذَكَرَ أَنّهُ مِنْ النّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ: إنّمَا كَانَ أَسِيرًا فِي أَرْضِ الرّومِ، فَاشْتُرِيَ مِنْهُمْ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النّبِيّ ﷺ: صُهَيْبٌ سابق الروم.
ــ
إسْلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ:
وَذَكَرَ إسْلَامَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرّاحِ وَاسْمَهُ، وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ، فَقِيلَ:
عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرٍ، وَقِيلَ: عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. وَأُمّهُ: أُمَيْمَةُ بنت غنم بن جابر ابن عَبْدِ الْعُزّى بْنِ عَامِرَةَ بْنِ وَدِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ، قَالَهُ الزّبَيْرُ «١» .
وَذَكَرَ إسْلَامَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى، وَذَكَرْنَا أُمّهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ بَعْجَةَ «٢» بْنِ خَلَفٍ الْخُزَاعِيّةَ، وَمَا وَقَعَ فِي نَسَبِهِ مِنْ التّقْدِيمِ والتأخير، ومن
_________________
(١) فى ص ٤٤٥ من نسب قريش لأبى عبد الله الزبيرى، وفى التهذيب النووى أميمة بنت جابر.
(٢) فى الإصابة: بعجة بن مليح.
[ ٣ / ٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْفَتْحِ فِي رَزَاحِ بْنِ عَدِيّ وَالْكَسْرِ، وَأَنّ رَزَاحَ بْنَ رَبِيعَةَ هُوَ الّذِي لَمْ يُخْتَلَفْ فى كسر الراء منه، ويكنى سعيد: أَبَا الْأَعْوَرِ، تُوُفّيَ بِأَرْضِهِ بِالْعَقِيقِ، وَدُفِنَ بِالْمَدِينَةِ فى أيام معاوية سنة خمسين، وَهُوَ ابْنُ بِضْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، رَوَى عَنْهُ ابْنُ عُمَرَ، وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ، وَأَبُو الطّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ التّابِعِينَ «١»، وَلَمْ يَرْوِ عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ- إلّا حَدِيثَيْنِ «٢» . أَحَدُهُمَا: «مَنْ غَصَبَ شِبْرًا من أرض طوقه يوم القيامة من سبع أَرَضِينَ «٣»» وَهُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الّذِينَ شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِﷺ- بِالْجَنّةِ، وَأَحَدُ الّذِينَ رَجَفَ بِهِمْ الْجَبَلُ، فَقَالَ لَهُ النّبِيّ ﷺ:
«اُثْبُتْ حِرَاءُ؛ فَإِنّمَا عَلَيْك نَبِيّ أَوْ صِدّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ «٤»» ويروى: اثبت أحد «٥»،
_________________
(١) من كبارهم: أبو عثمان النهدى، وابن المسيب، وقيس بن أبى حازم وغيرهم
(٢) فى ذخائر المواريث ذكر له عشرة أحاديث.
(٣) رواه البخارى فى المظالم وبدء الخلق، ومسلم فى البيوع
(٤) بعد هذا ورد: «قيل: ومن هم؟ قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف. قيل: ومن العاشر؟ قال- أى سعيد بن زيدر وأى الحديث- أنا» رواه الترمذى وأبو داود.
(٥) روى قصة أحد البخارى وأحمد والترمذى والنسائى وأبو حاتم وأبو داود. والذين كانوا معه: أبو بكر، وعمر وعثمان وفيه: «فإنما عليك نبى وصديق وشهيدان» وحديث ثبير- وهو جبل بالمزدلفة على يسار الذاهب إلى منى- عن ثمامة بن شراحيل اليمانى. والذين كانوا مع الرسول ﷺ هم: أبو بكر وعمر وعثمان. وفيه: فإنما عليك نبى وصديق وشهيدان. وقد أخرجه النسائى والترمذى والدار قطنى. وفى حديث حراء المروى عن أبى هريرة أمه كان معه أبو بكر-
[ ٣ / ٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَنّ الْقِصّةَ كَانَتْ فِي جَبَلِ أُحُدٍ، وَيُرْوَى أَنّهَا كَانَتْ فِي جَبَلِ ثَبِيرٍ ذَكَرَهُ التّرْمِذِيّ، وَأَنّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَةً مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُمْ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ، وَلَعَلّ هَذَا أَنْ يَكُونَ مِرَارًا، فَتَصِحّ الْأَحَادِيثُ كُلّهَا، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
إسْلَامُ سَعْدٍ وَابْنُ عَوْفٍ وَالنّحّامِ:
وَذَكَرَ فِيمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ، وَاسْمُ أَبِي وَقّاصٍ: مَالِكُ بْنُ أُهَيْب، وَأُهَيْبٌ: هُوَ عَمّ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ أُمّ النّبِيّﷺ- وَالْوَقّاصُ فِي اللّغَةِ، هُوَ وَاحِدُ الْوَقَاقِيصِ وَهِيَ شِبَاكٌ يَصْطَادُ بِهَا الطّيْرُ، وَهُوَ أَيْضًا فَعَالٍ مِنْ وُقِصَ إذَا انْكَسَرَ عُنُقُهُ، وَأُمّ سَعْدٍ: حَمْنَةُ «١» بِنْتُ سُفْيَانَ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، يُكَنّى: أَبَا إسْحَاقَ، وَهُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ، دَعَا لَهُ النّبِيّﷺ- أَنْ يُسَدّدَ اللهُ سَهْمَهُ، وَأَنْ يُجِيبَ دَعْوَتَهُ، فَكَانَ دُعَاؤُهُ أَسْرَعَ الدّعَاءِ إجَابَةً «٢» . وَفِي الْحَدِيثِ أن
_________________
(١) - وعمر وعثمان وطلحة والزبير، وفى رواية: وسعد بن أبى وقاص، ولم يذكر عليا فى هذه الرواية، وفيه: فما عليك إلا نبى أو صديق أو شهيد. وقد خرجهما مسلم، والترمذى، وذكر عليا، ولم يذكر سعدا. ولكن الثابت أن سعدا مات بقصره بالعقيق قرب المدينة. ولم يستشهد.
(٢) فى الإصابة: حمزة، ولعله خطأ مطبعى، وكانت غير واضحة فى الروض فأثبتها من نسب قريش ص ٢٦٣.
(٣) فى البخارى ومسلم والترمذى أن الرسول «ص» كان يقول له يوم أحد «ارم، فداك أبى وأمى» . وزاد الترمذى أيها الغلام الحزور «الشديد القوى» وروى البخارى عن سعد: «لقد مكثت ثلاثة أيام، وإنى لثلث الإسلام» يعنى ثالث رجل أسلم، وروى الترمذى: اللهم استجب لسعد إذا دعاك. مات سعد-
[ ٣ / ٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: احْذَرُوا دَعْوَةَ سَعْدٍ. مَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ.
وَذَكَرَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بن عبد بن الحارث ابن زُهْرَةَ «١»، وَهُوَ أَيْضًا أَحَدُ الْعَشَرَةِ يُكَنّى: أَبَا محمد، أمّه: الشّفاء بنت عوف ابن عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ «٢» وَهِيَ بِنْتُ عَمّ عَوْفٍ وَالِدِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَأَبُوهَا: عَوْفٌ عم عوف وأخو عبد عوف.
_________________
(١) - ﵁ بالعقيق، وحمل إلى المدينة، وقال الواقدى: أثبت ما قيل فى وقت وفاته أنها سنة خمس وخمسين، وهو الذى بنى الكوفة، وفتح مدائن كسرى واعتزل الفتنة. وعن عائشة قالت: سهر رسول الله «ص» مقدمه المدينة ليلة، فقال: ليت رجلا صالحا من أصحابى يحرسنى الليلة، قالت: فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح، فقال: من هذا؟ قال: سعد بن أبى وقاص، فقال له رسول الله: ما جاء بك؟ فقال: وقع فى نفسى خوف فجئت أحرسك، فدعا له رسول الله «ص» ثم نام. رواه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى.
(٢) نسبه هكذا فى نسب قريش، وقد سقط من نسبه فى الإصابة: ابن بين عبد، وبين الحارث، أما فى جمهرة ابن حزم، فنسبه: عبد الرحمن بن عوف بن عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب.
(٣) فى الإصابة جاء نسبها: أبوها: عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث ابن زهرة. وهو خطأ لأنها بهذا تكون أخت عبد الرحمن. وفى نسب قريش: الشفاء بنت عوف بن الحارث بن زهرة. فأسقط «عبد بن الحارث» من نسبها. وفى مكان آخر: «الشفاء بنت عوف بن عبد» ص ٢٦٥، ٢٦٣ وفى الإصابة: واسم أمه: صفية، ويقال: الصفا، حكاه ابن منده ذكر البخارى فى تاريخه من طريق الزهرى: قال: أوصى عبد الرحمن بن عوف لكل من شهد بدرا بأربعمائة دينار، فكانه مائة رجل، مات سنة ٣١ أو ٣٢ هـ وعاش ٧٢ عاما. دفن بالبقيع وصلى عليه عثمان. أو الزبير.
[ ٣ / ٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ النّحّامُ «١»، وَقَوْلُ النّبِيّﷺ:
سَمِعْت نِحْمَةً فِي الْجَنّةِ، وَلَمْ يُفَسّرْ النّحْمَ مَا هُوَ، وَهِيَ سُعْلَةٌ مُسْتَطِيلَةٌ، وَيُقَال لِلْبَخِيلِ: نَحّامٌ؛ لِأَنّهُ يَسْعَلُ إذَا سُئِلَ يَتَشَاغَلُ بِذَلِكَ، وَأَنْشَدَ الزّبَيْرُ:
مالك لَا تَنْحِمُ يَا رَواحَهْ إنّ النّحِيمَ لِلسّقَاةِ رَاحَهْ
قَالَ: وَيُقَالُ لِلنّحْمَةِ: نَحْطَةٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: النّحْطَةُ فِي الصّدْرِ، وَالنّحْمَةُ فِي الْحَلْقِ، وَالنّحّامُ أَيْضًا طَائِرٌ أَحْمَرُ فِي عَظْمِ الْإِوَزّ «٢» .
عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَمَسْعُودٌ الْقَارِيّ:
وَذَكَرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودِ «٣» بْنِ شَمْخِ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ صَاهِلَةَ بْنِ كاهل
_________________
(١) نسبه فى نسب قريش. نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَسِيد بْنِ عبد بن عوف. ابن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب، أما فى الإصابة فكما فى السيرة، أى: بإسقاط ابن بين عبد وعوف. وقد استشهد نعيم بأجنادين فى خلافة عمر سنة خمس عشرة. وقيل: يوم مؤته فى حياة النبى «ص» .
(٢) فى القاموس: نحط ينحط نيحطا، زفر زفيرا، النحاط كغراب: تردد البكاء فى الصدر من غير أن يظهر كالنحط. وقال عن النحيم إنه كالزحير أو فوقه. وقال عن النحام بمعنى طائر إنها على وزن غراب، وخطأ الجوهرى فى فتحها وشدها، وفى الاستيعاب لابن عبد البر، وعند ابن الكلبى: أسيد بن عبد عوف انظر الخشنى ص ٨٠، وفى كتاب حذف نسب قريش ص ٨٢ لمؤرج بن عمرو السدوسى «أسيد بن عبد عوف» .
(٣) فى الإصابة: عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن سمع بن فار ابن مخزوم بن صاهلة بن الحارث بن تيم بن سعد بن هذيل الهذلى أبو عبد الرحمن. فى جمهرة ابن حزم: شمخ وتميم.
[ ٣ / ٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن الْحَارِثِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلٍ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، وَقَالَ فِي نَسَبِهِ: كَاهِلٌ، وَقَيّدَهُ الْوَقَشِيّ بِفَتْحِ الْهَاءِ مِنْ كَاهِلٍ، كَأَنّهُ سُمّيَ بِالْفِعْلِ مِنْ كَاهَلَ يُكَاهِلُ، كَمَا قَالَ﵇ لِرَجُلِ اسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ- وَاسْمُهُ: جَاهِمَةُ- فَقَالَ: هَلْ فِي أَهْلِك مِنْ كَاهِلٍ أى: من قوىّ على التصرف «١»، والكتهال: الْقُوّةُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: كَاهَلَ أَيْ: أَسَنّ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيّ: إنّمَا لَفْظُ الْحَدِيثِ هَلْ فِي أَهْلِك مِنْ كَاهِنٍ، وَغَيّرَهُ الرّاوِي لَهُ، فَقَالَ: مِنْ كَاهِلٍ، قَالَ: وَكَاهِنُ الرّجَالِ، هُوَ الّذِي يَخْلُفُ الرّجُلَ فِي أَهْلِهِ يَقُومُ بِأَمْرِهِمْ بَعْدُ، يُقَالُ مِنْهُ: كَهُنَ يَكْهُنُ كَهَانَةً.
وَذَكَرَ فِي نَسَبِهِ أَيْضًا شَمْخًا وَهُوَ مَنْ شَمَخَ بِأَنْفِهِ إذَا رَفَعَهُ عِزّةً. وَأُمّ عَبْدِ اللهِ هِيَ: أُمّ عَبْدِ بِنْتِ سَوْدِ بْنِ قَدِيمِ بْنِ صَاهِلَةَ هُذَلَيّة «٢» .
وَذَكَرَ مَسْعُودًا الْقَارِيّ، وَهُوَ: مسعود بن ربيعة ورفع نسبه إلى الهوز ابن خُزَيْمَةَ، وَهُمْ الْقَارَةُ وَفِيهِمْ جَرَى الْمَثَلُ الْمَثَلُ: قَدْ أَنْصَفَ الْقَارَةَ مَنْ رَامَاهَا.
قَالَ الرّاجِزُ:
قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى، وَمَنْ وَالَاهَا أَنّا نَرُدّ الخيل عن هواها
_________________
(١) فى النهاية والقاموس: ويروى من كاهل- بفتح ميم من- وهاء كاهل باعتبارها فعلا ماضيا أى تزوج. أو أسن وفى الاشتقاق: من كاهل أى كهل يقوم بأمرهم ذو سن محتنك
(٢) فى الإصابة: أمه: أم عبيد بنت عبدود بن سود أو اسواءة بن مريم وفى جمهرة ابن حزم: وأم عبد الله بن مسعود: أم عبد من المهاجرات الأول من بنى قديم بن صاهلة بن كاهل.
[ ٣ / ٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَرُدّهَا دَامِيَةً كُلَاهَا قَدْ أَنْصَفَ الْقَارَةَ مَنْ راماها
إنّا إذا ما فئة ناقاها نَرُدّ أُولَاهَا عَلَى أُخْرَاهَا
وَسُمّيَ بَنُو الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ قَارَةً لِقَوْلِ الشّاعِرِ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ الْحُرُوبِ:
دَعُونَا قَارَةً لَا تُذْعِرُونَا فَنُجْفِلُ مِثْلَ إجْفَالِ الظّلِيمِ «١»
هَكَذَا أَنْشَدَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَنْسَابِ، وَأَنْشَدَهُ قَاسِمٌ فِي الدّلَائِلِ:
دَعُونَا قَارَةً لَا تُذْعِرُونَا فَتَنْبَتِكَ الْقَرَابَةُ وَالذّمَامُ
وَكَانُوا رُمَاةَ الْحَدَقِ «٢»، فَمَنْ رَامَاهُمْ فَقَدْ أَنْصَفَهُمْ، وَالْقَارَةُ: أَرْضٌ كَثِيرَةُ الْحِجَارَةِ، وَجَمْعُهَا «٣» قُورٌ، فَكَأَنّ مَعْنَى الْمَثَلِ عِنْدَهُمْ: أَنّ الْقَارَةَ لَا تَنْفَدُ حِجَارَتُهَا إذَا رُمِيَ بِهَا، فَمَنْ رَامَاهَا فَقَدْ أَنْصَفَ.
وَهُمْ فِي نَسَبِ أَبِي حُذَيْفَةَ:
وَذَكَرَ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُهُ: مُهَشّمٌ، وَهُوَ وَهْمٌ عِنْدَ أَهْلِ النّسَبِ، فَإِنّ مُهَشّمًا إنّمَا هُوَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ أَخُو هَاشِمٍ، وَهِشَامٌ ابْنَيْ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَأَمّا أبو حذيفة بن عتبة فاسمه:
_________________
(١) فى الاشتقاق واللسان: لا تنفرونا. وفى مجمع الأمثال: القارة قبيلة، وهم عضل والديش ابنا الهون بن خزيمة، وإنما سموا قارة، لاجتماعهم والتفافهم لما أراد الشداخ أن يفرقهم فى بنى كنانة، وهم اليوم فى اليمن. وقيل غير ذلك.
(٢) يقال: هو من رماة الحدق: حاذق ماهر فى النضال.
(٣) فى الاشتقاق: القارة: أكمة سوداء فيها حجارة، وفى القاموس جاء أيضا أنها الجبل الصغير المنقطع عن الجبال، أو الصخرة العظيمة أو الصخرة السوداء وجمعها قارات وقار وقور، وقيران. هذا وقد ورد فى نسب مسعود فى الإصابة بعد غالب هو ابن عائدة بن نثيع بن مليح، وعند الكلبى: مسعود بن عامر ابن ربيعة بن عمير بن سعد بن مخلد بن غالب.
[ ٣ / ٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَيْسٌ فِيمَا ذَكَرُوا «١» .
عُمَيْسٌ:
وَذَكَرَ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ امْرَأَةَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعُمَيْس أَبُوهَا هُوَ: ابْنُ مَعَدّ «٢» بْنِ الْحَارِثِ بْنِ تَيْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ قُحَافَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَسْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ شَهْرَانِ بْنِ عِقْرِسِ بْنِ حُلْفِ بْنِ أَفْتَلَ، وَهُوَ: جَمَاعَةُ خَثْعَمِ بْنِ أَنْمَارٍ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي أَنْمَارِ هَذَا، وَقَدْ تَقَدّمَ.
وَأُمّهَا: هِنْدُ بِنْتُ عَوْفِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ الْحَارِثِ «٣» مِنْ كِنَانَةَ، وَهِيَ أُخْت مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الْهِلَالِيّةِ زَوْجِ النّبِيّﷺ- أُمّهُمَا وَاحِدَةٌ، وَأُخْتُ لُبَابَةَ أُمّ الْفَضْلِ امْرَأَةُ الْعَبّاسِ «٤»، وَكُنّ تسع أخوات «٥»، فيهن، قال رسول الله
_________________
(١) فى الإصابة أيضا مع هذا: وقيل: هاشم. استشهد يوم اليمامة، وهو ابن ست وخمسين سنة، وفى الخشنى ص ٨٠ مثل تصويب السهيلى
(٢) هو بإسكان العين أو فتحها. ونسبه فى نسب قريش: عميس بن معبد بن تيم ابن مَالِكِ بْنِ قُحَافَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ معاوية بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَسْرِ بْنِ وهب الله بن شَهْرَانَ بْنِ عِفْرِسِ بْنِ حُلْفِ بْنِ أَفْتَلَ، وفى جمهرة ابن حزم، وعميس بن مَعَدّ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ تَيْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ قُحَافَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ ربيعة بن عامر بن سعد، ابن مالك بن بشر بن وهب بن شهران بن عفرس بن حلف بن خثعم «ص «٨٠ نسب قريش: ٣٦٨ جمهرة» . والإصابة تنفق مع الروض حتى ربيعة. ثم تقول عن ربيعة: ابن غانم بن معاوية بن زيد الخثعمية. وقيل: «عميس هو ابن النعمان ابن كعب، والباقى سواء» .
(٣) قيل خولة بنت عوف بن زهير.
(٤) فى الاشتقاق: أنها أم بنى العباس بن عبد المطلب إلا تماما وكثيرا.
(٥) قيل: عشر لأم، وست لأم وأب.
[ ٣ / ٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- ﷺ: الْأَخَوَاتُ مُؤْمِنَات، وَكَانَتْ قبل جعفر عند حمزة ابن عَبْدِ الْمُطّلِبِ، فَوَلَدَتْ لَهُ أَمَةَ اللهِ، ثُمّ كَانَتْ عِنْدَ شَدّادِ بْنِ الْهَادِ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللهِ وَعَبْدَ الرّحْمَنِ، وَقَدْ قِيلَ: بَلْ الّتِي كَانَتْ عِنْدَ حَمْزَةَ، ثُمّ عِنْدَ شَدّادٍ هِيَ أُخْتُهَا: سَلْمَى، لَا أَسْمَاءَ، وَتَزَوّجَهَا بَعْدَ حَمْزَةَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ، فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمّدَ ابن أَبِي بَكْرٍ، وَتَزَوّجَهَا بَعْدَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ يَحْيَى. قَالَ الْكَلْبِيّ:
وَلَدَتْ لَهُ مَعَ يَحْيَى عَوْنَ بْنَ عَلِيّ «١»، وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَنّهَا وَلَدَتْ لِجَعْفَرِ ابْنًا اسْمُهُ:
عَوْنٌ «٢»، وَوَلَدَتْ لَهُ أَيْضًا عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ، وَكَانَ جَوَادَ الْعَرَبِ فِي الْإِسْلَامِ، وَبَنَاتُ عُمَيْسٍ: أَسْمَاءُ وَسَلَامَةَ وَسَلْمَى، وَهُنّ أَخَوَاتُ مَيْمُونَةَ وَسَائِرُ أَخَوَاتِهَا لِأُمّ.
تَصْوِيبٌ فِي نَسَبِ بَنِي عَدِيّ:
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي السّابِقِينَ إلَى الْإِسْلَامِ مِنْ بَنِي سَهْمٍ: عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسِ ابن الحارث بْنُ عَدِيّ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَهْمٍ «٣»، وَحَيْثُمَا تكرر نسب بنى عدى بن سعد
_________________
(١) فى الإصابة أن الذى روى هذا هو ابن سعد عن الواقدى. أما ابن الكلبى فقال إنها ولدت له عونا، وقال أبو عمر: تفرد بذلك ابن الكلبى.
(٢) ولدته له فى الحبشة فى هجرتها. وفى الإصابة أنها تزوجت أبا بكر بعد قتل زوجها جعفر، وروى عمر بن شبة فى كتاب مكة أن الرسول زوجها أبا بكر يوم حنين.
(٣) المذكور فى السيرة فى هذا الموضع: خنيس، أما عبد الله فأخوه، وكان خنيس زوج حفصة ﵁- وقد مات بجراحه يوم أحد، وقد تزوج النبى ﷺ حفصة بعده. ونسب خنيس فى نسب قريش هو: خنيس بن حذافة ابن قيس بن عدي بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هصيص بن كعب. وهو مطابق لما فى السيرة-
[ ٣ / ٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن سَهْمِ يَقُولُ فِيهِ ابْنُ إسْحَاقَ: سُعَيْد «١»، وَالنّاسُ عَلَى خِلَافِهِ، وَإِنّمَا هُوَ سَعْدٌ، وَسَيَأْتِي فِي شِعْرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسِ شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنّمَا سُعَيْد بْنُ سَهْمٍ أَخُو سَعْدٍ، وَهُوَ جَدّ آلِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ سُعَيْد بْنِ سَهْمٍ وَفِي سَهْمٍ: سَعِيدٌ آخَرَ، وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ جَدّ الْمُطّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، وَاسْمُ أَبِي وَدَاعَةَ: عَوْفُ بْنُ صُبَيْرَةَ «٢»، ابْنُ سُعَيْد بْنُ سَعْدٍ، وَقَدْ قِيلَ فِي صُبَيْرَةَ: ضُبَيْرَةَ بِالضّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ الّذِي كَانَ شَابّا جَمِيلًا يَلْبَسُ حُلّةً، وَيَقُولُ لِلنّاسِ: هَلْ تَرَوْنَ بِي بَأْسًا إعْجَابًا بِنَفْسِهِ، فَأَصَابَتْهُ الْمَنِيّةُ بَغْتَةً، فَقَالَ الشّاعِرُ فِيهِ:
مَنْ يَأْمَنُ الْحَدَثَانِ بَعْدَ صُبَ يْرَةَ الْقُرَشِيّ مَاتَا
سَبَقَتْ مُنْيَتُهُ الْمَشِي بَ وَكَانَ مَنِيّتُهُ افْتِلَاتَا «٣»
عَنْزٌ:
وَذَكَرَ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَقَالَ: هُوَ مِنْ عَنْزِ بْنِ وَائِلٍ. عَنْزٌ بِسُكُونِ النّونِ، وَيَذْكُرُ عَنْ عَلِيّ بْنِ الْمَدِينِيّ أَنّهُ قَالَ، فِيهِ عَنَزٌ بِفَتْحِ النّونِ، وَالسّكُونُ أَعْرَفُ ذَكَرَ أَهْلُ النّسَبِ أَنّ وَائِلًا [بْنَ قَاسِطٍ] كَانَ إذَا وُلِدَ لَهُ ولد، خرج من خبائه،
_________________
(١) - ولهذا يكون السهيلى مخطئا فى نقله عن السيرة إذ ذكر عبد الله بن قيس بن الحارث بن عدى دون خنيس. وليس لعدى ولد اسمه الحارث، فالحارث ابن قيس، ووالد قيس هو عدى.
(٢) وقوله هنا حق، وقد صوبتها فى السيرة عن صاحب الروض، وعن نسب قريش لأبى عبد الله المصعب الزبيرى ص ٤٠٠ وما بعدها، وعن جمهرة ابن حزم ص ١٥٤، وعن الإصابة فى ترجمة خنيس.
(٣) هو كذلك فى النسب أما فى جمهرة ابن حزم فهبيرة وهو خطأ
(٤) منية: موت، افتلات: فجأة
[ ٣ / ٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَمَا وَقَعَتْ عَيْنُهُ عَلَيْهِ سَمّاهُ بِهِ، فَلَمّا وُلِدَ لَهُ بَكْرٌ وَقَعَتْ عَيْنُهُ عَلَى بَكْرٍ مِنْ الْإِبِلِ، فَسَمّاهُ بِهِ، فَلَمّا وُلِدَ لَهُ تَغْلِبُ رَأَى نَفْسَيْنِ يَتَغَالَبَانِ، فَسَمّاهُ تَغْلِبَ، فَلَمّا وُلِدَ لَهُ عَنْزٌ، رَأَى عَنْزًا- وَهِيَ الْأُنْثَى مِنْ الْمَعْزِ- فَسَمّاهُ عَنْزًا، فَلَمّا وُلِدَ لَهُ الشّخَيْصِ خَرَجَ فَرَأَى شَخْصًا عَلَى بُعْدٍ صَغِيرًا، فَسَمّاهُ: الشّخَيْصَ، بِهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ «١»، هُمْ قَبَائِلُ وَائِلٍ، وَهُمْ مُعْظَمُ رَبِيعَةَ، وَهُوَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَنْزِيّ الْعَدَوِيّ حَلِيفٌ لَهُمْ، وَيُقَالُ: هُوَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ رُفَيْدَة بْنِ عَنْزِ بْنِ وَائِلِ بْنِ قَاسِطٍ، وَقِيلَ: عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حُجَيْرِ بْنِ سَلَامَانِ بْنِ هِنْبِ بْنِ أَفْصَى بْنِ دُعْمِيّ بْن جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدّ بْنِ عَدْنَانَ «٢»
إسْلَامُ عَامِرِ بْنِ فَهَيْرَةَ:
وَذَكَرَ عَامِرَ بن فَهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَفُهَيْرَةَ: أُمّهُ، هِيَ تَصْغِيرُ فِهْرٍ، لِأَنّ الْفِهْرَ مُؤَنّثَةٌ، وَكَانَ عَبْدًا أسود للطّفيل بن الحارث بن سخبرة «٣» اشتراه
_________________
(١) القصة فى الاشتقاق لابن دريد ص ٦ وفيها: «فإذا هو بشخيص قد ارتفع له، ولم تتبينه نظراته» وعن تغلب: «فغلبه أن يرى شيئا فسماه تغلب»
(٢) فى جمهرة ابن حزم ص ٢٨٥ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ ابن ربيعة بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حُجَيْرِ بْنِ سلامان بن مالك بن ربيعة ابن رُفَيْدَة بْنِ عَنْزِ بْنِ وَائِلِ بْنِ قَاسِطٍ بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جديلة ابن أسد بن ربيعة بن نزار. وفى الإصابة كالنسب الأول فى الروض مات سنة ٣٢ هـ وقال أبو عبيدة سنة ٣٧ هـ،
(٣) فى الإصابة الطفيل بن عبد الله بن سخبرة.
[ ٣ / ٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَبُو بَكْرٍ فَأَعْتَقَهُ، وَأَسْلَمَ قَبْل دُخُولِ النّبِيّﷺ- دَارَ الْأَرْقَمِ، وَسَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ نُبَذٌ مِنْ أَخْبَارِهِ، مِنْهَا: أَنّهُ قَتَلَهُ عَامِرُ بْنُ الطّفَيْلِ «١» يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ، فَلَمّا طَعَنَهُ خَرَجَ مِنْ الطّعْنَةِ نُورٌ، وَكَانَ عَامِرٌ يَقُولُ: مَنْ رَجُلٌ لَمّا طَعَنْته رُفِعَ، حَتّى حَالَتْ السّمَاءُ دُونَهُ، هَذِهِ رِوَايَةُ الْبَكّائِيّ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّ عَامِرًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِﷺ- حين قَدِمَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمّدُ مَنْ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِك لَمَا طَعَنْته رُفِعَ إلَى السّمَاءِ؟ فقال: هو عامر بن فُهَيْرَةَ، وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ:
أَنّ عَامِرًا اُلْتُمِسَ فِي الْقَتْلَى يَوْمئِذٍ فَلَمْ يُوجَدْ، فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنّ الْمَلَائِكَةَ رَفَعَتْهُ، أَوْ دفنته «٢» ذكره ابن المبارك.
_________________
(١) عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر الكلابى العامرى مات كافرا بإجماع أهل النقل. وفى الصحيح أنه قدم على النبى «ص» فقال له: لك أهل السهل، ولى أهل المدر، أو أكون خليفتك أو أغزوك بألف أشقر، وألف شقراء، فقال «ص»: اللهم اكفنى عامرا فطعن فى بيت امرأة- فقال: ائتونى بفرسى، فمات على ظهر فرسه، وليس هو عامر بن الطفيل الأسلمى الصحابى.
(٢) قتل عامر وسنه أربعون سنة، وفى البخارى أنه كان غلاما لعبد الله بن الطفيل بن سخيرة أخى عائشة لأمها، وهو الذى كان يرعى بمنحة من غنم لأبى بكر- كما جاء فى البخارى- فيريحها على الرسول «ص» وأبى بكر، وهما فى غار ثور، فيبيتان- كما جاء فى الحديث- فى رسل- وهو لبن منحتهما- غنم- ورضيفهما «الرسل اللبن، والرضيف اللبن الذى وضعت فيه الحجارة المحماة ليذهب وخمه أو اللبن المغلى» حتى ينعق عامر بهذه الغنم بغلس، وكان يفعل هذا كل ليلة من الليالى الثلاث دون أن يشعر به أحد. وقد روى البخارى أنه لما قتل الذين ببئر معونة، وأسر عمرو بن أمية الضمرى قال له عامر بن الطفيل: من هذا؟ وأشار-
[ ٣ / ٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَمَا الْمَصْدَرِيّةُ وَاَلّذِي:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ اللهِ سُبْحَانَهُ: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ «١» الْحِجْرُ: ٩٤.
وَالْمَعْنَى: اصْدَعْ بِاَلّذِي تُؤْمَرُ بِهِ، وَلَكِنّهُ لَمّا عَدّى الْفِعْلَ إلَى الْهَاءِ حَسُنَ حَذْفُهَا، وكان الحذف ههنا أَحْسَنَ مِنْ ذِكْرِهَا؛ لِأَنّ مَا فِيهَا مِنْ الْإِبْهَامِ أَكْثَرُ مِمّا تَقْتَضِيهِ الّذِي، وَقَوْلُهُمْ: مَا مَعَ الْفِعْلِ بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ، رَاجِعٌ إلَى مَعْنَى الذى إذا
_________________
(١) - إلى قتيل، فقال له عمرو: هذا عامر بن فهيرة، فقال: لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء، حتى إنى لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض، ثم وضع. ونلحظ أن قائل هذا هو عامر بن الطفيل الكافر.
(٢) فى البخارى عن ابن عباس. قال: لما نزلت (وأنذر عشيرتك) جعل النبى يدعوهم قبائل قبائل. وعن أبى هريرة أن النبى قال: يا بنى عبد مناف. اشتروا أنفسكم من الله. يا بنى عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله. يا أم الزبير ابن العوام عمة رسول الله، يا فاطمة بنت محمد اشتريا أنفسكما من الله. لا أملك لكما من الله شيئا، سلانى من مالى ما شئتما. وعن ابن عباس أيضا: «لما نزلت وأنذر عشيرتك، جعل النبى ينادى: يا بنى فهر يا بنى عدى ببطون قريش» وهذه القصة إن كانت وقعت فى صدر الإسلام بمكة، فإن ابن عباس لم يدركها. لأنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ولا أبو هريرة لأنه إنما أسلم بالمدينة، وفى نداء فاطمة يومئذ أيضا ما يقتضى تأخر القصة؛ لأنها كانت حينئذ صغيرة أو مراهقة، وإن كان أبو هريرة حضرها، فلا يناسب الترجمة (يعنى ترجمة البخارى لهذا الباب بقوله: باب من انتسب إلى آبائه فى الإسلام والجاهلية» لأنه إنما أسلم بعد الهجرة، بمدة، والذى يظهر أن ذلك وقع مرتين مرة فى صدر الإسلام- ورواية ابن عباس وأبى هريرة لها من مراسيل الصحابة- ومرة بعد ذلك حيث يمكن أن تدعى فيها فاطمة ﵍، أو يحضر ذلك أبو هريرة أو ابن عباس «الحافظ فى الفتح ج ٦ ص ٤٣٣ طبعة ١ عبد الرحمن محمد. هذا وحديث ابن إسحاق بعد يؤكد فرضية الصلاة قبل الإسراء.
[ ٣ / ٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَأَمّلْته، وَذَلِكَ أَنّ الّذِي تَصْلُحُ فِي كُلّ مَوْضِعٍ تَصْلُحُ فِيهِ مَا الّتِي يُسَمّونَهَا الْمَصْدَرِيّةَ نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ:
عَسَى الْأَيّامُ أَنْ يَرْجِعْ نْ يَوْمًا كَاَلّذِي كَانُوا «١»
أَيْ: كَمَا كَانُوا، فَقَوْلُ اللهِ ﷿ إذًا: «فَاصْدَعْ بِمَا تؤمر» إمّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: بِاَلّذِي تُؤْمَرُ بِهِ مِنْ التّبْلِيغِ وَنَحْوِهِ، وَإِمّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: اصْدَعْ بِالْأَمْرِ الّذِي تُؤْمَرُهُ، كَمَا تَقُولُ: عَجِبْت من الضرب الذى تضربه، فتكون ما ههنا عِبَارَةٌ عَنْ الْأَمْرِ الّذِي هُوَ أَمْرُ اللهِ تَعَالَى، وَلَا يَكُونُ لِلْبَاءِ فِيهِ دُخُولٌ، وَلَا تَقْدِيرٌ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوّلِ تَكُونُ مَا مَعَ صِلَتِهَا عِبَارَةٌ عَمّا هُوَ فِعْلٌ لِلنّبِيّ ﷺ- وَالْأَظْهُرُ أَنّهَا مَعَ صِلَتِهَا عِبَارَةٌ عَنْ الْأَمْرِ الّذِي هُوَ قَوْلُ اللهِ وَوَحْيُهُ، بِدَلِيلِ حَذْفِ الْهَاءِ الرّاجِعَةِ إلَى: مَا، وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى الّذِي فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، إلّا أَنّك إذَا أَرَدْت مَعْنَى الْأَمْرِ لَمْ تَحْذِفْ إلّا الْهَاءُ وَحْدَهَا، وَإِذَا أَرَدْت مَعْنَى الْمَأْمُورِ بِهِ، حُذِفَتْ بَاءٌ وَهَاءٌ، فَحَذْفُ وَاحِدٍ أيسر من حذفين
_________________
(١) البيت للفند- بكسر الفاء- الزمانى بكسر الزاى وتشديد الميم، وهو شهل ابن شيبان بن ربيعة بن زمان بن مالك بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وائل جاهلى قديم. وفى الحيوان للجاحظ: الرمانى وهو خطأ، والقصيدة فى الحيوان ج ٦ ص ١٤٠ ط ١: ساسى، والأمالى للقالى، وهى فيه تسعة أبيات. وفى الحيوان: عسى الأيام ترجعهم جميعا كالذى كانوا وفى الأمالى «يرجعن قوما» ويقول البكرى فى السمط عن شهل صاحب الشعر، وليس فى العرب شهل بشين معجمة غيره» انظر ص ٣٦٠ ج ١ ط ١: الأمالى للقالى، وص ٥٧٨ سمط اللالى البكرى
[ ٣ / ٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مَعَ أَنّ صَدْعَهُ وَبَيَانَهُ إذَا عَلّقْته بِأَمْرِ اللهِ وَوَحْيِهِ، كَانَ حَقِيقَةً، وَإِذَا عَلّقْته بِالْفِعْلِ الّذِي أَمَرَ بِهِ كَانَ مَجَازًا، وَإِذَا صَرّحْت بِلَفْظِ الّذِي، لَمْ يَكُنْ حَذْفُهَا بِذَلِكَ الْحَسَنِ، وَتَأَمّلْهُ فِي الْقُرْآنِ تَجِدْهُ كَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ، وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ الْبَقَرَةُ: ٣٣ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ التّغَابُنُ: ٤. ولِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ص: ٧٥. ولا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ الْكَافِرُونَ. وَلَمْ يَقُلْ: خَلَقْته، وَحَذَفَ الْهَاءَ فِي ذَلِكَ كُلّهِ، وَقَالَ فِي الذى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ البقرة: ١٢١ والَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْحَجّ: ٢٥ وَمَا أَشَبَهُ ذَلِكَ، وَإِنّمَا كَانَ الْحَذْفُ مَعَ مَا أَحْسَنَ لِمَا قَدّمْنَاهُ مِنْ إبْهَامِهَا، فَاَلّذِي فِيهَا مِنْ الْإِبْهَامِ قَرّبَهَا مِنْ مَا الّتِي هِيَ شَرْطٌ لَفْظًا وَمَعْنًى، أَلَا تَرَى أَنّ مَا إذَا كَانَتْ شَرْطًا تَقُولُ فِيهَا: مَا تَصْنَعْ أَصْنَعَ مِثْلَهُ، وَلَا تَقُولُ: مَا تَصْنَعُهُ؛ لِأَنّ الْفِعْلَ قَدْ عَمِلَ فِيهَا، فَلَمّا ضَارَعَتْهَا هَذِهِ الّتِي هِيَ مَوْصُولَةٌ، وَهِيَ بِمَعْنَى الّذِي أُجْرِيَتْ فِي حَذْفِ الْهَاءِ مَجْرَاهَا فِي أَكْثَرِ الْكَلَامِ، وَهَذِهِ تَفْرِقَةٌ فِي عَوْدِ الضّمِيرِ عَلَى مَا، وَعَلَى «الّذِي» يَشْهَدُ لَهَا التّنْزِيلُ، وَالْقِيَاسُ الّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْإِبْهَامِ، وَمَعَ هَذَا لَمْ نَرَ أَحَدًا نَبّهَ عَلَى هَذِهِ التّفْرِقَةِ، وَلَا أَشَارَ إلَيْهَا، وَقَارِئُ الْقُرْآنِ مُحْتَاجٌ إلَى هَذِهِ، التّفْرِقَةِ. وَقَدْ يَحْسُنُ حَذْفُ الضّمِيرِ الْعَائِدِ عَلَى الّذِي؛ لِأَنّهُ أَوْجَزُ، وَلَكِنّهُ لَيْسَ كَحَسَنِهِ مَعَ مَنْ وَمَا، فَفِي التّنْزِيلِ: وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا التّغَابُنُ: ٨ فَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مُتَعَدّيًا إلَى اثْنَيْنِ كَانَ إبْرَازُ الضّمِيرِ أَحْسَنَ مِنْ حَذْفِهِ، لِئَلّا يُتَوَهّمُ أَنّ الْفِعْلَ واقع على الْمَفْعُولِ الْوَاحِدِ، وَأَنّهُ مُقْتَصَرٌ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: [وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي] جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْحَجّ: ٢٥ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ الْبَقَرَةُ: ٢١ وَشَرَحَ ابْنُ هِشَامٍ مَعْنَى قَوْلِهِ: اصْدَعْ شَرْحًا صَحِيحًا، وَتَتِمّتُهُ أَنّهُ صَدْعٌ عَلَى جِهَةِ الْبَيَانِ، وَتَشْبِيهٌ لِظُلْمَةِ الشّكّ وَالْجَهْلِ بِظُلْمَةِ اللّيْلِ. وَالْقُرْآنُ نُورٌ، فَصَدَعَ بِهِ تِلْكَ الظّلْمَةَ، وَمِنْهُ سُمّيَ الْفَجْرُ: صَدِيعًا، لِأَنّهُ يَصْدَعُ ظلمة الليل، وقال الشّمّاخ:
[ ٣ / ٤١ ]
[مُبَادَأَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قومه]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ دَخَلَ النّاسُ فِي الْإِسْلَامِ أَرْسَالًا مِنْ الرّجَالِ وَالنّسَاءِ، حَتّى فَشَا ذِكْرُ الْإِسْلَامِ بِمَكّةَ، وَتُحَدّثَ بِهِ. ثُمّ إنّ اللهَ﷿- أَمَرَ رَسُولَهُﷺ- أَنْ يَصْدَعَ بِمَا جَاءَهُ مِنْهُ، وَأَنْ يُبَادِيَ النّاسَ بِأَمْرِهِ، وَأَنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ، وَكَانَ بَيْنَ مَا أَخْفَى رَسُولُ اللهِﷺ- أَمْرَهُ، وَاسْتَتَرَ بِهِ إلَى أَنْ أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِإِظْهَارِ دِينِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ- فِيمَا بَلَغَنِي- مِنْ مَبْعَثِهِ، ثُمّ قَالَ اللهُ تَعَالَى لَهُ: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ الحجر: ٩٤. وَقَالَ تَعَالَى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ الشعراء: ٢١٥: ٢١٧
ــ
تَرَى السّرْحَانَ مُفْتَرِشًا يَدَيْهِ كَأَنّ بَيَاضَ لَبّتِهِ صَدِيعُ «١»
عَلَى هَذَا تَأَوّلَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَعَانِي، وَقَالَ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ: الصّدِيعُ فِي هَذَا الْبَيْتِ: ثَوْبٌ أَسْوَدُ تَلْبَسُهُ النّوّاحَةُ تَحْتَهُ ثَوْبٌ أَبْيَضُ، وَتَصْدَعُ الْأَسْوَدَ عِنْدَ صَدْرِهَا فَيَبْدُو الْأَبْيَضُ، وَأَنْشَدَ:
كَأَنّهُنّ «٢» إذْ وَرَدْنَ لِيعَا نَوّاحَةٌ مُجْتَابَةٌ صديعا
_________________
(١) نسبه فى اللسان فى مادة صدع إلى عمرو بن معدى كرب، والشماخ شاعر ذبيانى مخضرم وهو ابن ضرار بن سنان، وقيل اسمه: معقل والشماخ لقب له، وقيل اسمه: الهيثم، والأول أكثر. ص ٨٥ سمط اللالى.
(٢) فى معجم البكرى: كأنها
[ ٣ / ٤٢ ]
قال ابن هشام: فاصدع: اُفْرُقْ بَيْنَ الْحَقّ وَالْبَاطِلِ. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيّ، وَاسْمُهُ: خُوَيْلِدُ بْنُ خَالِدٍ، يَصِفُ أُتُنَ وَحْشٍ وَفَحْلَهَا:
وَكَأَنّهُنّ رِبَابَةٌ، وَكَأَنّهُ يَسَرٌ يُفِيضُ عَلَى الْقِدَاحِ وَيَصْدَعُ
أَيْ: يُفَرّقُ عَلَى الْقِدَاحِ وَيُبَيّنُ أَنْصِبَاءَهَا. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجّاجِ:
أَنْتَ الْحَلِيمُ، وَالْأَمِيرُ الْمُنْتَقِمُ تَصْدَعُ بِالْحَقّ، وَتَنْفِي مَنْ ظَلِمْ
وَهَذَانِ البيتان فى أرجوزة له.
[صلاة الرسول وأصحابه فى الشعاب]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إذَا صَلّوْا، ذَهَبُوا فِي الشّعَابِ، فَاسْتَخْفَوْا بِصَلَاتِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَبَيْنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِﷺ- فِي شِعْبٍ مِنْ شِعَابِ مَكّةَ، إذْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ نَفَرٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ- وَهُمْ يُصَلّونَ- فَنَاكَرُوهُمْ، وَعَابُوا عَلَيْهِمْ مَا يَصْنَعُونَ حَتّى قَاتَلُوهُمْ، فَضَرَبَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ يَوْمَئِذٍ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِلَحْيِ بَعِيرٍ، فَشَجّهُ، فَكَانَ أَوّلَ دَمٍ هريق فى الإسلام.
[عداوة الشرك للرسول ومساومته لعمه]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا بَادَى رَسُولُ اللهِ ﵌ قَوْمَهُ بِالْإِسْلَامِ وَصَدَعَ بَهْ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، لَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ قَوْمُهُ، وَلَمْ يَرُدّوا عَلَيْهِ- فِيمَا بَلَغَنِي-
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٤٣ ]
حَتّى ذَكَرَ آلِهَتَهُمْ وَعَابَهَا، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِك أَعْظَمُوهُ وَنَاكَرُوهُ، وَأَجْمَعُوا خِلَافَهُ وَعَدَاوَتَهُ، إلّا مَنْ عَصَمَ الله تَعَالَى مِنْهُمْ بِالْإِسْلَامِ، وَهُمْ قَلِيلٌ مُسْتَخْفُونَ، وَحَدِبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَمّهُ أَبُو طَالِبٍ، وَمَنَعَهُ وَقَامَ دُونَهُ، وَمَضَى رَسُولُ اللهﷺ- عَلَى أَمْرِ اللهِ، مُظْهِرًا لِأَمْرِهِ، لَا يَرُدّهُ عَنْهُ شَيْءٌ. فَلَمّا رَأَتْ قُرَيْشٌ، أَنّ رسول الله ﷺ لا يَعْتِبُهُمْ مِنْ شَيْءٍ، أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ، مِنْ فِرَاقِهِمْ وَعَيْبِ آلِهَتِهِمْ، وَرَأَوْا أَنّ عَمّهُ أَبَا طَالِبٍ قَدْ حَدِبَ عَلَيْهِ، وَقَامَ دُونَهُ، فَلَمْ يُسْلِمْهُ لَهُمْ، مَشَى رِجَالٌ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ إلَى أَبِي طَالِبٍ، عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيّ بن كلاب بن مرّة ابن كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ. وَأَبُو سُفْيَانَ بن حرب بن أمية بن عبد شمس ابن عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بْنِ فِهْرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ أَبِي سُفْيَانَ: صَخْرٌ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ، واسمه: العاص بن هشام بن الحارث ابن أسد ابن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو الْبَخْتَرِيّ: الْعَاصِ بْنُ هَاشِمٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْأَسْوَدُ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بن قصىّ ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي. وَأَبُو جَهْلٍ- وَاسْمُهُ عَمْرٌو، وَكَانَ يُكَنّى أَبَا الحكم- ابن هشام بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بن مخزوم بن يقظة بن مرة ابن كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ. وَالْوَلِيدُ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بن مخزوم بن يقظة
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٤٤ ]
ابن مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ. وَنَبِيهٌ وَمُنَبّهٌ ابْنَا الْحَجّاجِ بْنِ عَامِرِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هصيص بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ. وَالْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ.
قال ابن هشام: الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ سُعَيْد بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بن حصيص بن كعب بن لؤىّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَوْ مَنْ مَشَى مِنْهُمْ. فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ، إنّ ابْنَ أَخِيك قَدْ سَبّ آلِهَتَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَسَفّهُ أَحْلَامَنَا، وَضَلّلَ آبَاءَنَا، فَإِمّا أَنْ تَكُفّهُ عَنّا، وَإِمّا أَنّ تُخِلّي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَإِنّك عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ، فَنَكْفِيكَهُ فَقَالَ لَهُمْ أَبُو طَالِبٍ قَوْلًا رَفِيقًا، وَرَدّهُمْ رَدّا جميلا، فانصرفوا عنه.
ومضى رسول الله ﷺ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، يُظْهِرُ دِينَ اللهِ، وَيَدْعُو إلَيْهِ، ثُمّ شَرَى الْأَمْرُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَهُمْ حَتّى تَبَاعَدَ الرّجَالُ، وَتَضَاغَنُوا، وَأَكْثَرَتْ قُرَيْشٌ ذَكَرَ رَسُولُ اللهِﷺ- بينها، فَتَذَامَرُوا فِيهِ، وَحَضّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَيْهِ، ثُمّ إنّهُمْ مَشَوْا إلَى أَبِي طَالِبٍ مَرّةً أُخْرَى، فَقَالُوا لَهُ:
يَا أَبَا طَالِبٍ، إنّ لَك سِنّا وَشَرَفًا وَمَنْزِلَةً فِينَا، وَإِنّا قَدْ اسْتَنْهَيْنَاكَ مِنْ ابْنِ أَخِيك فَلَمْ تَنْهَهُ عَنّا، وَإِنّا وَاَللهِ لَا نَصْبِرُ عَلَى هَذَا مِنْ شَتْمِ آبَائِنَا، وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِنَا، وَعَيْبِ آلِهَتِنَا، حَتّى تَكُفّهُ عَنّا، أَوْ نُنَازِلَهُ وَإِيّاكَ فِي ذَلِكَ، حَتّى يهلك أحد الفريقين، أو كما قَالُوا لَهُ. ثُمّ انْصَرَفُوا عَنْهُ، فَعَظُمَ عَلَى أَبِي طَالِبٍ فِرَاقُ قَوْمِهِ وَعَدَاوَتُهُمْ، وَلَمْ يَطِبْ نَفْسًا بِإِسْلَامِ رَسُول اللهﷺ- لهم ولا خذ لانه.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٤٥ ]
[مناصرة أبى طالب للرسول ﷺ]
قال ابن إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ أَنّهُ حُدّثَ: أَنّ قُرَيْشًا حِينَ قَالُوا لِأَبِي طَالِبٍ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، بَعَثَ إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- فقال له: يابن أخى، إنّ قومك قد جاؤنى، فَقَالُوا لِي كَذَا وَكَذَا، لِلّذِي كَانُوا قَالُوا لَهُ، فَأَبْقِ عَلَيّ، وَعَلَى نَفْسِك، وَلَا تُحَمّلْنِي من الأمر ما لا أطيق: فَظَنّ رَسُولُ اللهِﷺ- أنه قد بدا لعمه فيه أَنّهُ خَاذِلُهُ وَمُسْلِمُهُ، وَأَنّهُ قَدْ ضَعُفَ عَنْ نصرته والقيام معه. قَالَ: رَسُولُ اللهِﷺ: يَا عَمّ، وَاَللهِ لَوْ وَضَعُوا الشّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتّى يُظْهِرَهُ اللهُ، أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ، مَا تَرَكْتُهُ.
قَالَ: ثُمّ اسْتَعْبَرَ رَسُولُ اللهﷺ- فبكى ثم قَامَ، فَلَمّا وَلّى نَادَاهُ أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: أقبل يا بن أَخِي، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهﷺ- فقال: اذهب يا بن أخى، فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشىء أبدا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ قُرَيْشًا حَيْن عَرَفُوا أَنّ أَبَا طَالِبٍ قَدْ أَبَى خِذْلَانَ رَسُولِ اللهﷺ- وَإِسْلَامَهُ وَإِجْمَاعَهُ لِفِرَاقِهِمْ فِي ذَلِكَ وَعَدَاوَتِهِمْ، مَشَوْا إلَيْهِ بِعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالُوا لَهُ- فِيمَا بَلَغَنِي-: يَا أَبَا طَالِبٍ، هَذَا عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ، أَنْهَدُ فَتًى فى قُرَيْشٍ وَأَجْمَلُهُ، فَخُذْهُ فَلَك عَقْلُهُ وَنَصْرُهُ، وَاِتّخِذْهُ وَلَدًا فَهُوَ لَك، وَأَسْلِمْ إلَيْنَا ابْنَ أَخِيك هَذَا، الّذِي قَدْ خَالَفَ دِينَك وَدِينَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٤٦ ]
آبَائِك، وَفَرّقَ جَمَاعَةَ قَوْمِك، وَسَفّهُ أَحْلَامَهُمْ، فَنَقْتُلَهُ فَإِنّمَا هُوَ رَجُلٌ بِرَجُلِ، فَقَالَ: وَاَللهِ لَبِئْسَ مَا تَسُومُونَنِي! أَتُعْطُونَنِي ابْنَكُمْ أَغْذُوهُ لَكُمْ، وَأُعْطِيكُمْ ابْنِي تَقْتُلُونَهُ! هَذَا وَاَللهِ مَا لَا يَكُونُ أَبَدًا. قَالَ: فَقَالَ الْمُطْعِمُ بْنِ عَدِيّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ بْنِ قُصَيّ: وَاَللهِ يَا أَبَا طَالِبٍ لَقَدْ أَنْصَفَك قَوْمُك، وَجَهَدُوا عَلَى التّخَلّصِ مِمّا تَكْرَهُهُ، فَمَا أَرَاك تُرِيدُ أَنْ تَقْبَلَ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِلْمُطْعِمِ: وَاَللهِ مَا أَنْصَفُونِي، وَلَكِنّك قَدْ أَجْمَعْتَ خِذْلَانِي وَمُظَاهَرَةَ الْقَوْمِ عَلَيّ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لك، أو كما قال. قَالَ: فَحَقَبَ الْأَمْرُ، وَحَمِيَتْ الْحَرْبُ، وَتَنَابَذَ الْقَوْمُ، وبادى بعضهم بعضا.
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ عِنْدَ ذَلِكَ- يُعَرّضُ بِالْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيّ- وَيَعُمّ مَنْ خَذَلَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَمَنْ عَادَاهُ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ، وَيَذْكُرُ مَا سَأَلُوهُ، وَمَا تَبَاعَدَ مِنْ أَمْرِهِمْ:
ألا قل لِعَمْرٍو وَالْوَلِيدِ وَمُطْعِمٍ أَلَا لَيْتَ حَظّي مِنْ حِيَاطَتِكُمْ بَكْرُ
مِنْ الْخُورِ حَبْحَابٌ كَثِيرٌ رُغَاؤُهُ يَرُشّ عَلَى السّاقَيْنِ مِنْ بَوْلِهِ قَطْرُ
تَخَلّفَ خلف الورد ليس بلا حق إذَا مَا عَلَا الْفَيْفَاءَ قِيلَ لَهُ: وَبْرُ
أَرَى أَخَوَيْنَا مِنْ أَبِينَا وَأُمّنَا إذَا سُئِلَا قَالَا: إلَى غَيْرِنَا الْأَمْرُ
بَلَى لَهُمَا أَمْرٌ، وَلَكِنْ تَجَرْجَمَا كَمَا جَرْجَمَتْ مِنْ رَأْسِ ذِي عَلَقَ صَخْرُ
أَخُصّ خُصُوصًا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا هُمَا نَبَذَانَا مِثْلَ مَا يُنْبَذُ الْجَمْرُ
هُمَا أَغْمَزَا لِلْقَوْمِ فِي أَخَوَيْهِمَا فَقَدْ أَصْبَحَا مِنْهُمْ أَكُفّهُمَا صِفْرُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٤٧ ]
هُمَا أَشْرَكَا فِي الْمَجْدِ مَنْ لَا أَبَا لَهُ مِنْ النّاسِ إلّا أَنْ يُرَسّ لَهُ ذِكْرُ
وَتَيْمٌ وَمَخْزُومٌ وَزُهْرَةُ مِنْهُمْ وَكَانُوا لَنَا مولى إذا بغى النّصر
فو الله لَا تَنْفَكّ مِنّا عَدَاوَةٌ وَلَا مِنْهُمْ مَا كان من نسلنا شفر
فقد سنهت أَحْلَامُهُمْ وَعُقُولُهُمْ وكانوا كَجَفْر بئس ما صنعت جَفْر
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْنَا مِنْهَا بَيْتَيْنِ أقذع فيهما.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ قُرَيْشًا تَذَامَرُوا بَيْنَهُمْ عَلَى مَنْ فِي الْقَبَائِلِ مِنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِﷺ- الّذِينَ أَسْلَمُوا مَعَهُ، فَوَثَبَتْ كُلّ قَبِيلَةٍ عَلَى مَنْ فِيهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُعَذّبُونَهُمْ، وَيَفْتِنُونَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَمَنَعَ اللهُ رَسُولَهُﷺ- مِنْهُمْ بِعَمّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ قَامَ أَبُو طَالِبٍ، حِينَ رَأَى قُرَيْشًا يَصْنَعُونَ مَا يَصْنَعُونَ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِيّ الْمُطّلِبِ، فَدَعَاهُمْ إلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، مِنْ مَنْعِ رَسُولِ اللهِﷺ- وَالْقِيَامِ دُونَهُ، فَاجْتَمَعُوا إلَيْهِ، وَقَامُوا مَعَهُ، وَأَجَابُوهُ إلَى مَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ، إلّا مَا كَانَ مِنْ أَبِي لهب، عدوّ الله الملعون.
فَلَمّا رَأَى أَبُو طَالِبٍ مِنْ قَوْمِهِ مَا سَرّهُ فِي جَهْدِهِمْ مَعَهُ، وَحَدَبِهِمْ عَلَيْهِ، جَعَلَ يَمْدَحُهُمْ وَيَذْكُرُ قَدِيمَهُمْ، وَيَذْكُرُ فَضْلَ رَسُولُ اللهِﷺ- فِيهَا وَمَكَانَهُ مِنْهُمْ، لِيَشُدّ لَهُمْ رَأْيَهُمْ، وَلِيَحْدَبُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرِهِ، فَقَالَ:
إذَا اجْتَمَعَتْ يَوْمًا قُرَيْشٌ لِمَفْخَرِ فَعَبْدُ مَنَافٍ سرّها وصميمها
فإن حَصَلَتْ أَشْرَافُ عَبْدِ مَنَافِهَا فَفِي هَاشِمٍ أَشْرَافُهَا وقديمها
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٤٨ ]
وَإِنْ فَخَرَتْ يَوْمًا، فَإِنّ مُحَمّدًا هُوَ الْمُصْطَفَى مَنْ سِرّهَا وَكَرِيمُهَا
تَدَاعَتْ قُرَيْشٌ غَثّهَا وَسَمِينُهَا عَلَيْنَا فَلَمْ تَظْفَرْ وَطَاشَتْ حُلُومُهَا
وَكُنّا قَدِيمًا لَا نُقِرّ ظُلَامَةً إذَا مَا ثَنَوْا صُعْرَ الْخُدُودِ نُقِيمُهَا
وَنَحْمِي حِمَاهَا كُلّ يَوْمٍ كَرِيهَةً وَنَضْرِبُ عَنْ أَجْحَارِهَا مَنْ يَرُومُهَا
بِنَا انْتَعَشَ الْعُودُ الذّوَاءُ، وَإِنّمَا بِأَكْنَافِنَا تَنْدَى وَتَنْمَى أُرُومُهَا
ــ
مُبَادَأَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَوْمَهُ أَصْلُ الصّلَاةِ لُغَةً:
ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ: أَنّ أَبَا طَالِبٍ حَدِبَ عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- وَقَامَ دُونَهُ: أَصْلُ الْحَدَبِ: انْحِنَاءٌ فِي الظّهْرِ، ثُمّ اُسْتُعِيرَ فِيمَنْ عَطَفَ عَلَى غَيْرِهِ، وَرَقّ لَهُ كَمَا قَالَ النّابِغَةُ:
حَدِبَتْ عَلَيّ بُطُونُ ضَبّةَ كُلّهَا إنْ ظَالِمًا فِيهِمْ، وَإِنْ مَظْلُومَا
وَمِثْلُ ذَلِكَ الصّلَاةُ، أَصْلُهَا: انْحِنَاءٌ وَانْعِطَافٌ مِنْ الصّلَوَيْنِ وَهُمَا: عِرْقَانِ فِي الظّهْرِ إلَى الْفَخِذَيْنِ، ثُمّ قَالُوا: صَلّى عَلَيْهِ، أَيْ: انْحَنَى عَلَيْهِ، ثُمّ سَمّوْا الرّحْمَةَ حُنُوّا وَصَلَاةً، إذَا أَرَادُوا الْمُبَالَغَةَ فِيهَا، فَقَوْلُك: صَلّى اللهُ عَلَى مُحَمّدٍ، هُوَ أَرَقّ وَأَبْلَغُ مِنْ قَوْلِك: رَحِمَ اللهُ مُحَمّدًا فِي الْحُنُوّ والعطف «١» . والصلاة أصلها
_________________
(١) ذكر القاموس للصلا هذه التعريفات: وسط الظهر منا، ومن كل ذى أربع، أو ما انحدر من الوركين، أو الفرجة بين الجاعرة «الدبر» والذنب، أو ما عن يمين الذنب وشماله، وهما صلوان. ويقول المبرد: أصل الصلاة: الرحمة. والمشهور عند كثير من المتأخرين أن صلاة الله على الرسول وعلينا هى رحمته، وهو رأى ضعيف، لأن الله يقول عن عباده الصابرين: (أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) البقرة: ١٥٧ فعطف الرحمة على الصلوات يقتضى المغايرة بينهما. كما أن صلاة الله سبحانه خاصة-
[ ٣ / ٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي الْمَحْسُوسَاتِ عُبّرَ بِهَا عَنْ هَذَا الْمَعْنَى مُبَالَغَةً وَتَأْكِيدًا كَمَا قَالَ الشّاعِرُ:
فَمَا زِلْت فِي لِينِي [لَهُ] وَتَعَطّفِي عَلَيْهِ، كَمَا تَحْنُو عَلَى الْوَلَدِ الْأُمّ
وَمِنْهُ قِيلَ: صَلّيْت عَلَى الْمَيّتِ أَيْ: دَعَوْت لَهُ دُعَاءَ مَنْ يَحْنُو عَلَيْهِ وَيَتَعَطّفُ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ لَا تَكُونُ الصّلَاةُ بِمَعْنَى الدّعَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ: لَا تَقُولُ: صَلّيْت عَلَى الْعَدُوّ، أَيْ: دَعَوْت عَلَيْهِ. إنّمَا يُقَالُ: صَلّيْت عَلَيْهِ فِي مَعْنَى الْحُنُوّ وَالرّحْمَةِ وَالْعَطْفِ؛ لِأَنّهَا فِي الْأَصْلِ انْعِطَافٌ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ عُدّيَتْ فِي اللّفْظِ بِعَلَى، فَتَقُولُ: صَلّيْت عَلَيْهِ، أَيْ: حَنَوْت عَلَيْهِ، وَلَا تَقُولُ فِي الدّعَاءِ إلّا: دَعَوْت لَهُ، فَتُعَدّي الْفِعْلَ بِاللّامِ، إلّا أَنْ تُرِيدَ الشّرّ وَالدّعَاءَ عَلَى الْعَدُوّ، فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الصّلَاةِ وَالدّعَاءِ، وَأَهْلُ اللّغَةِ لَمْ يُفَرّقُوا، وَلَكِنْ قَالُوا: الصّلَاةُ بِمَعْنَى الدّعَاءِ إطْلَاقًا، وَلَمْ يُفَرّقُوا بَيْنَ حَالٍ وَحَالٍ، وَلَا ذكروا التعدى باللام، ولا بعلى، ولابد مِنْ تَقْيِيدِ الْعِبَارَةِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَدْ يَكُونُ الْحَدَبُ أَيْضًا مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَى الْمُخَالَفَةِ إذَا قرن بالقعس كقول الشاعر:
_________________
(١) - بالأنبياء والرسل والمؤمنين، أما رحمته فقد وسعت كل شى. ولو أننا تتبعنا آيات القرآن لوجدنا أن المواضع التى تذكر فيها الرحمة لا يحسن فيها وضع الصلاة مكانها، ولهذا يقول ابن القيم عن معنى صلاتنا نحن على الرسول «ص» إنها «الطلب من الله ما أخبر به عن صلاته. وصلاة ملائكته. وهى ثناء عليه وإظهار لفضله وشرفه وإرادة تكريمه وتقريبه فهى تتضمن الخبر والطلب. وإرادة من الله أن يعلى ذكره ويزيده تعظيما وتشريفا» ص ٩٩ جلاء الأفهام، وقد ذكر البخارى فى صحيحه أن صلاة الله على نبيه هى ثناؤه عليه عند الملائكة
[ ٣ / ٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَإِنْ حَدِبُوا، فَاقْعَسْ، وَإِنْ هُمْ تَقَاعَسُوا لِيَنْتَزِعُوا مَا خَلْفَ ظَهْرِك فَاحْدَبْ «١»
وَكَقَوْلِ الْآخَرِ:
وَلَنْ يهنه «٢» قَوْمًا أَنْتَ خَائِفُهُمْ كَمِثْلِ وَقْمِك جُهّالًا بِجُهّالِ
فَاقْعَسْ إذَا حَدِبُوا، وَاحْدَبْ إذَا قَعِسُوا وَوَازِنِ الشّرّ مِثْقَالًا بِمِثْقَالِ
أَنْشَدَهُ الْجَاحِظُ فِي كِتَابِ الْحَيَوَانِ لَهُ.
أَبُو الْبَخْتَرِيّ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ مَجِيءَ النّفَرِ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى أَبِي طَالِبٍ فِي أَمْرِ النّبِيّ ﷺ، وَذَكَرَ أَنْسَابَهُمْ، وَذَكَرَ فِيهِمْ أَبَا الْبَخْتَرِيّ بْنَ هِشَامٍ، قَالَ: وَاسْمُهُ:
الْعَاصِي بْنُ هِشَامٍ، وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ الْعَاصِي بْنُ هَاشِمٍ، وَاَلّذِي قَالَهُ ابْنُ إسْحَاقَ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْكَلْبِيّ، وَاَلّذِي قَالَهُ ابْنُ هِشَامٍ هُوَ قَوْل الزّبَيْرِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَقَوْلُ مُصْعَبٍ «٣» وَهَكَذَا وَجَدْت فِي حاشية كتاب الشيخ أبى بحر: سفيان ابن العاصى.
_________________
(١) القعس بفتح القاف والعين، ضد الحدب: دخول الظهر وخروج الصدر، والماضى: قعس كفرح- والبيت من قصيدة منسوبة إلى أبى الأسود الدؤلى، وهو فى الحيوان هكذا: فإن حدبوا فاقعس.. ليستمسكوا مما وراءك فاحدب ص ١٧٤ ج ٥ الحيوان للجاحظ ط ساسى
(٢) نهنه فلانا عن الشىء: زجره وكفه عنه، ووقم الرجل يقمه وقما، أكرهه وأذله وقهره وقسره، ووقمه عنه: رده أقبح الرد.
(٣) هو كما قال فى كتاب المصعب نسب قريش ص ٢٠٩ وكذلك فى جمهرة ابن حزم ص ١٠٨
[ ٣ / ٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَوْ وَضَعُوا الشّمْسَ فِي يَمِينِي:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّﷺ- وَاَللهِ لَوْ وَضَعُوا الشّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالْقَمَرَ فِي شِمَالِي عَلَى أَنْ أَدَعَ هَذَا الّذِي جِئْت بِهِ مَا تَرَكْته، أَوْ كَمَا قَالَ «١» . خَصّ الشّمْسَ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنّهَا الْآيَةُ الْمُبْصِرَةُ، وَخَصّ الْقَمَرَ بِالشّمَالِ لِأَنّهَا الْآيَةُ الْمَمْحُوّةُ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ﵀- لِرَجُلِ، قَالَ لَهُ: إنّي رَأَيْت فِي الْمَنَامِ كَأَنّ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ يَقْتَتِلَانِ، وَمَعَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نُجُومٌ، فَقَالَ عُمَرُ: مَعَ أَيّهِمَا كُنْت؟ فَقَالَ: مَعَ الْقَمَرِ، قَالَ: كُنْت مَعَ الْآيَةِ الْمَمْحُوّةِ، اذْهَبْ، فَلَا تَعْمَلْ لِي عَمَلًا، وَكَانَ عَامِلًا لَهُ، فَعَزَلَهُ، فَقُتِلَ الرّجُلُ فِي صِفّينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، وَاسْمُهُ:
حَابِسُ بْنُ سَعْدٍ، وَخَصّ رَسُولُ اللهِﷺ- النّيّرَيْنِ حِينَ ضَرَبَ الْمَثَلَ بِهِمَا؛ لِأَنّ نُورَهُمَا مَحْسُوسٌ، وَالنّورُ الّذِي جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ- وَهُوَ الّذِي أَرَادُوهُ عَلَى تَرْكِهِ- هُوَ لَا مَحَالَةَ أَشْرَفُ مِنْ النّورِ الْمَخْلُوقِ، قال الله سبحانه: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ التّوْبَةِ: ٣٣. فَاقْتَضَتْ بَلَاغَةُ النّبُوّةِ- لِمَا أَرَادُوهُ عَلَى تَرْكِ النّورِ الْأَعْلَى- أَنْ يُقَابِلَهُ بِالنّورِ الْأَدْنَى، وَأَنْ يَخُصّ أَعْلَى النّيّرَيْنِ، وَهِيَ الْآيَةُ الْمُبْصِرَةُ بِأَشْرَفِ الْيَدَيْنِ، وَهِيَ الْيُمْنَى بَلَاغَةٌ لَا مِثْلُهَا، وَحِكْمَةٌ لَا يَجْهَلُ اللّبِيبُ فَضْلَهَا.
الْبَدَاءُ:
وَقَوْلُ ابْنِ إسْحَاقَ: ظَنّ رَسُولُ اللهِﷺ- أَنْ قَدْ بَدَا لِعَمّهِ بَدَاءٌ، أَيْ: ظَهَرَ لَهُ رَأْيٌ، فَسَمّى الرّأْيَ بَدَاءً، لِأَنّهُ شَيْءٌ يَبْدُو بَعْدَ مَا خفى، والمصدر
_________________
(١) لم يروه أحد من أصحاب الصحاح.
[ ٣ / ٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْبَدْءُ «١» وَالْبَدْوُ، وَالِاسْمُ: الْبَدَاءُ، وَلَا يُقَالُ فِي الْمَصْدَرِ: بَدَا لَهُ بُدُوّ، كَمَا لَا يُقَالُ:
ظَهَرَ لَهُ ظُهُورٌ بِالرّفْعِ؛ لِأَنّ الّذِي يَظْهَرُ، وَيَبْدُو هَاهُنَا هُوَ الِاسْمُ: نَحْوَ الْبَدَاءِ وَأَنْشَدَ أَبُو عَلِيّ:
لَعَلّك وَالْمَوْعُودُ حَق وَفَاؤُهُ بَدَا لَك فِي تِلْكَ الْقُلُوصِ بَدَاءُ «٢»
وَمِنْ أَجْلِ أَنّ الْبُدُوّ هُوَ الظّهُورُ، كَانَ الْبَدَاءُ «٣» فِي وَصْفِ الْبَارِي- سُبْحَانَهُ- مُحَالًا؛ لِأَنّهُ لَا يَبْدُو لَهُ شَيْءٌ كَانَ غَائِبًا عَنْهُ، وَالنّسْخُ لِلْحُكْمِ لَيْسَ بِبَدَاءِ كَمَا تَوَهّمَتْ الْجَهَلَةُ مِنْ الرّافِضَةِ وَالْيَهُودِ، إنّمَا هُوَ تَبْدِيلُ حُكْمٍ بِحُكْمِ بِقَدَرِ قَدّرَهُ، وَعِلْمٍ عَلِمَهُ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: بَدَا لَهُ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ:
أَرَادَ. وَهَذَا مِنْ الْمَجَازِ الّذِي لَا سَبِيلَ إلَى إطْلَاقِهِ إلّا بِإِذْنِ مِنْ صَاحِبِ الشّرْعِ، وَقَدْ صَحّ فِي ذَلِكَ مَا خَرّجَهُ الْبُخَارِيّ فى حديث الثلاثة: الأعمى والأقرع
_________________
(١) ليس لما قيل من قبل عن وضع الشمس والقمر سند صحيح، فكيف يقيم عليه كل هذا؟!
(٢) القلوص من الإبل: الشابة، والبيت من أبيات ذكرها أبو على القالى فى أماليه ص ٧١ ج ٢ ط ٢ غير منسوبة إلى أحد، وهى قول رجل وعد رجلا قلوصا فأخلفه. ونقل البكرى فى السمط ص ٧٠٥ عن أبى عمرو الشيبانى أنها لرجل من مزينة، وذكر الأستاذ الميمنى فى تحقيقه للسمط أنها لمحمد بن بشير الخارجى كما ورد فى الأغانى
(٣) الشيعة هم القائلون بالبداء، وله معان- كما يقول الشهرستانى- (البداء فى العلم، وهو أن يظهر له صواب على خلاف ما أراد وحكم، والبداء فى الأمر وهو أن يأمر بشىء ثم يأمر بعده بخلاف ذلك) وهذا محال على الله سبحانه أن يرى شيئا، ثم يظهر له أن الأمر بخلاف ما رأى، فالله بكل شىء عليم.
[ ٣ / ٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْأَبْرَصِ، وَأَنّهُ ﵇ قَالَ: بَدَا لِلّهِ أن يبتليهم، فَبَدَا هُنَا بِمَعْنَى: أَرَادَ، وَذَكَرْنَا الرّافِضَةَ، لِأَنّ ابْنَ أَعْيَنَ، وَمَنْ اتّبَعَهُ مِنْهُمْ، يُجِيزُونَ الْبَدَاءَ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَيَجْعَلُونَهُ وَالنّسْخَ شَيْئًا وَاحِدًا، وَالْيَهُودُ لَا تُجِيزُ النّسْخَ يَحْسَبُونَهُ بَدَاءً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ الْبَدَاءَ كَالرّافِضَةِ، وَيُرْوَى أَنّ عَلِيّا﵀- صَلّى يَوْمًا، ثُمّ ضَحِكَ فَسُئِلَ عَنْ ضَحِكِهِ فَقَالَ: تَذَكّرْت أَبَا طَالِبٍ حِينَ فُرِضَتْ الصّلَاةُ، وَرَآنِي أُصَلّي مَعَ رَسُولِ اللهِﷺ بِنَخْلَةَ»
فَقَالَ: مَا هَذَا الْفِعْلُ الّذِي أَرَى، فَلَمّا أَخْبَرْنَاهُ، قَالَ: هذا حَسَنٌ، وَلَكِنْ لَا أَفْعَلُهُ أَبَدًا، لَا أُحِبّ أَنْ تَعْلُوَنِي اسْتِي فَتَذَكّرْت الْآنَ قَوْلَهُ، فَضَحِكْت.
عرصه قُرَيْشٍ عَلَى أَبِي طَالِبٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ الْمَلَأِ مِنْ قُرَيْشٍ لِأَبِي طَالِبٍ: هَذَا عُمَارَةُ بن الوليد أنهدفتى فِي قُرَيْشٍ، وَأَجْمَلُهُ، فَخُذْهُ مَكَانَ ابْنِ أَخِيك. أَنْهَدُ. أَيْ: أَقْوَى وَأَجْلَدُ، وَيُقَالُ: فَرَسٌ نَهْدٌ لِلّذِي يَتَقَدّمُ الْخَيْلَ، وَأَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ: التّقَدّمُ، وَمِنْهُ يُقَالُ: نَهَدَ ثَدْيُ الْجَارِيَةِ، أَيْ: بَرَزَ قُدُمًا. وَعُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ هَذَا الْمَذْكُورُ هُوَ:
الّذِي أَرْسَلَتْهُ قُرَيْشٌ مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَسُحِرَ هُنَاكَ، وَجُنّ، وَسَنَزِيدُ فِي خَبَرِهِ شَيْئًا بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ الله.
_________________
(١) نخلة: أما كن متعددة منها: نخلة محمود، وهو موضع بالحجاز قريب من مكه فيه نخيل وكروم، ونخلة الشامية، وهى ذات عرق وأعلى نخلة ذات عرق، وهى لبنى سعد الذين أرضعوا النبى ﷺ، ونخلة اليمانية واد يصب فيه يدعان به مسجد النبى.
[ ٣ / ٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرُوا أَنّ أَبَا طَالِبٍ قَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ أَنْ يَأْخُذَ عُمَارَةَ بَدَلًا مِنْ مُحَمّدٍ ﷺ: أَرَأَيْتُمْ نَاقَةً تَحِنّ إلَى غَيْرِ فَصِيلِهَا وَتَرْأَمُهُ «١» لَا أُعْطِيكُمْ ابْنِي تقتلونه أبدا، وآحذ ابْنَكُمْ أَكْفُلُهُ، وَأَغْذُوهُ، وَهُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ فَحَقِبَ الْأَمْرُ عِنْدَ ذَلِكَ، يُرِيدُ: اشْتَدّ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِك:
حَقِبَ الْبَعِيرُ إذَا رَاغَ عَنْهُ الْحَقَبُ مِنْ شِدّةِ الْجَهْدِ وَالنّصَبِ، وَإِذَا عَسُرَ عَلَيْهِ الْبَوْلُ أَيْضًا لِشَدّ الْحَقَبِ «٢» عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَيُقَالُ مِنْهُ: حَقِبَ الْبَعِيرُ، ثُمّ يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَمْرِ إذَا عَسُرَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَشَرِيَ الْأَمْرُ عِنْدَ ذَلِكَ، أَيْ: انْتَشَرَ الشّرّ، وَمِنْهُ الشّرَى، وَهِيَ قُرُوحٌ تَنْتَشِرُ عَلَى «٣» الْبَدَنِ، يُقَالُ مِنْهُ: شَرِيَ جلد الرجل، يشرى شرى.
_________________
(١) رتم الجرح بكسر الهمزة انضم والتأم، رتمت الأنثى ولدها رأما ورأمانا ورئمانا أحبته وعطفت عليه. وينسب إلى أبى طالب أنه قال للنبى هذا الشعر: والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد فى التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وابشر بذاك وقر منه عيونا ودعوتنى وزعمت أنك ناصحى ولقد صدقت، وكنت ثم أمينا وعرضت دينا لا محالة أنه من خير أديان البرية دينا لولا الملامة، أو حذار مسبة لوجدتنى سمحا بذاك مبينا انظر المواهب ص ٢٤٨.
(٢) الحزام يلى حقو البعير، أو حبل يشد به الرحل فى بطنه
(٣) عرفها القاموس بقوله: بثور صغار حمر حكاكة مكربة تحدث دفعة غالبا. وتشتد ليلا،
[ ٣ / ٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شِعْرُ أَبِي طَالِبٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ شِعْرَ أَبِي طَالِبٍ:
أَلَا قُلْ لِعَمْرِو وَالْوَلِيدِ. إلَى آخِرِ الشّعْرِ
وَفِيهِ:
أَلَا لَيْتَ حَظّي مِنْ حِيَاطَتِكُمْ «١» بَكْرُ
أَيْ: إنّ بَكْرًا مِنْ الْإِبِلِ أَنْفَعُ لِي مِنْكُمْ، فَلَيْتَهُ لِي بَدَلًا مِنْ حِيَاطَتِكُمْ كَمَا قَالَ طَرَفَةُ فِي عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ:
فَلَيْتَ لَنَا مَكَانَ الْمَلْكِ عَمْرٍو رَغُوثًا «٢» حَوْلَ قُبّتِنَا تَخُورُ
وَقَوْلُهُ: مِنْ الْخُورِ حَبْحَابٌ. الْخُورُ «٣» الضّعَافُ، وَالْحَبْحَابُ بِالْحَاءِ:
الصّغِيرُ. وَفِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الشّيْخِ أَبِي بَحْرٍ: جِبْجَابٌ «٤» بِالْجِيمِ، وَفَسّرَهُ فَقَالَ: هُوَ الْكَثِيرُ الْهَدْرِ، وَفِي الشّعْرِ:
إذَا مَا عَلَا الْفَيْفَاءَ قِيلَ لَهُ: وَبْرُ
أَيْ يُشَبّهُ بِالْوَبْرِ لِصِغَرِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ: يَصْغُرُ فِي الْعَيْنِ لِعُلُوّ الْمَكَانِ وَبُعْدِهِ، وَالْفَيْفَاءُ فَعْلَاءُ، وَلَوْلَا قَوْلُهُمْ: الْفَيْفُ، لَكَانَ حَمْلُهُ عَلَى بَابِ.
_________________
(١) فى رواية «حفاظتكم، والحفاظ الغضب ص ٨٢ الخشنى
(٢) الرغوث هى كل مرضعة وفى الأصل: ليت
(٣) جمع أخور
(٤) وتروى بالخاء. الضعيف
[ ٣ / ٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القضقاص وَالْجَرْجَارِ أَوْلَى «١»، وَلَكِنْ سُمِعَ الْفَيْفُ، فَعُلِمَ أَنّ الْأَلِفَيْنِ زَائِدَتَانِ «٢»، وَأَنّهُ مِنْ بَابِ قَلِقَ وَسَلِسَ الّذِي ضُوعِفَتْ فِيهِ فَاءُ الْفِعْلِ دُونَ عَيْنِهِ، وَهِيَ أَلْفَاظٌ يَسِيرَةٌ نَحْوَ قَلِقَ وَسَلِسَ وَثُلُثٌ وَسُدُسٌ «٣»، وَقَدْ اعْتَنَيْنَا بِجَمْعِهَا مِنْ الْكَلَامِ، وَلَعَلّ لَهَا مَوْضِعًا تُذْكَرُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَلَا تَكُونُ أَلِفُ فَيْفَاءَ لِلْإِلْحَاقِ فَيُصْرَفُ؛ لِأَنّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ: فَعْلَالٌ، فَإِنْ قِيلَ: يَكُونُ مُلْحَقًا بِقَضْقَاضٍ وَبَابِهِ، قُلْنَا: قَضْقَاضٌ ثُنَائِيّ مُضَاعَفٌ، فَلَا يُلْحَقُ بِهِ الثّلَاثِيّ، كَمَا لَا يُلْحَقُ الرّبَاعِيّ بِالثّلَاثِيّ، وَلَا الأكثر بالأقل «٤»، وقد حكى
_________________
(١) القضقاص: أشنان الشام، أو شجر من الحمض، والأسد، ويضمّ وليس فعلال- يضم الفاء- سواه، والجرجار كالقرقار: نبت، ومن الإبل: الكثير الصوت.
(٢) فى اللسان «بالفيف استدل سيبويه على أن ألف فيفاة زائدة» وفيه عن المبرد: «ألف فيفاة زائدة لأنهم يقولون: فيف» وفى شرح الشافية للرضى «والألف فى الفيفاة زائدة لقولهم: فيف بمعناه وكذلك الزبزاء والصيصاء إذ ليس فى الكلام فعلال «بكسر الفاء وسكون العين إلا مصدرا كزلزال» ص ٣٧٢ ج ٢ مطبعة حجازى والزبزاء بالفتح والكسر ما غلظ من الأرض، والصيصاء: الحشف من التمر، أو حب الحنظل ليس فى جوفه لب.
(٣) إذا ضبط ثلث وسدس على أنها فعلان كانا بفتح الفاء والعين، ومن الأسماء مما هو كذلك: دعد وتوت وطوط «الحبة وغير ذلك»
(٤) معنى الإلحاق فى الاسم والفعل أن تزيد حرفا أو حرفين على تركيب زيادة غير مطردة فى إفادة معنى: ليصير ذلك التركيب بتلك الزيادة مثل كلمة أخرى فى عدد الحروف وحركاتها المعينة والسكنات، كل واحد فى مثل مكانه فى الملحق بها، وفى تصاريفها: من الماضى والمضارع والأمر والمصدر واسم الفاعل واسم المفعول إن كان الملحقة به فعلا رباعيا، ومن التصغير والتكسير إن كان-
[ ٣ / ٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَيْفَاةٌ بِالْقَصْرِ وَلَيْسَتْ أَلِفُهَا لِلتّأْنِيثِ، إذْ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ عَلَامَتَيْ تَأْنِيثٍ، فَهِيَ إذًا مِنْ بَابِ أَرْطَاةَ وَنَحْوِهَا «١»، كَأَنّهَا مُلْحَقَةٌ بِسَلْهَبَةَ «٢» . وَفِي الشّعْرِ:
كَمَا جَرْجَمَتْ مِنْ رَأْسِ ذِي عَلَقَ صَخْرُ. وَتُرِكَ صَرْفُ عَلَقَ، إمّا لِأَنّهُ جَعَلَهُ اسْمَ بُقْعَةٍ، وَإِمّا لِأَنّهُ اسْمُ عَلَمٍ، وَتَرْكُ صَرْفِ الِاسْمِ الْعَلَمِ سَائِغٌ فِي الشّعْرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُؤَنّثًا وَلَا عَجَمِيّا نَحْوَ قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ:
وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ
وَنَحْوَ قَوْلِ الْآخَرِ:
يَا مَنْ جَفَانِي وَمَلّا نَسِيت أَهْلًا وسهلا
ومات مرحب لما رأيت مالى قلّا
_________________
(١) - الملحق به اسما رباعيا لا خماسيا، وفائدة الإلحاق أنه ربما يحتاج فى تلك الكلمة إلى مثل ذلك التركيب فى شعر أو سجع ص ٥٢ ج ١ شرح شافية ابن الحاجب لرضى الدين الاستراباذى. م حجازى، وانظر ص ١٣ المنصف شرح ابن جنى لكتاب التصريف لأبى عثمان المازنى.
(٢) شجرة ثمرها مر تأكلها الإبل، وألفها للالحاق، فتنون نكرة لا معرفة أو ألفها أصلية، فتنون دائما، أو ووزنها أفعل وموضعها المعتل «القاموس» وفى اللسان مادة رطا: «الأرطى شجر من شجر الرمل، وهو أفعل من وجه، وفعلى من وجه، لأنهم يقولون: أديم مأروط إذا دبغ بورقه، ويقولون: أديم مرطى، والواحدة: أرطاة، ولحوق تاء التأنيث فيه يدل على أن الألف فيه ليست للتأنيث، وإنما هى للالحاق، أو بنى الاسم عليها
(٣) السلهبة: الجسمية من النساء
[ ٣ / ٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَلَمْ يَصْرِفْ مَرْحَبَا، وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ عَلَى هَذَا، وَنَشْرَحُ الْعِلّةَ فِيهِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى «١»، وَلَوْ رُوِيَ: مِنْ رأس ذى علق الصخر
_________________
(١) يقول ابن مالك فى الألفية: ولاضطرار أو تناسب صرف ذو المنع والمصروف قد لا ينصرف ويقول الأشمونى فى شرحه لها إن الكوفيين أجازوا منع المصروف من الصرف للضرورة، وأباه سائر البصريين، والصحيح: الجواز، واختاره الناظم- يعنى ابن مالك لثبوت سماعه، وقد فصل بعض المتأخرين بين ما فيه علية، فأجاز منعه لوجود إحدى العلتين، وبين ما ليس كذلك، فصرفه ويؤيده أن ذلك لم يسمع إلا فى العلم، وأجاز قوم منهم: ثعلب، وأحمد بن يحيى منع صرف المنصرف اختيارا ص ٢٢٤ ج ٣ ط الأزهرية. وقد ذكر ابن هشام أن من البصريين من أجاز ذلك، وهما الأخفش والفارسى وأن من الكوفيين من منع ذلك وهو أبو موسى الحامض من شيوخ الكوفيين وقد حكى الفخر الرازى عن أكثر الكوفيين والأخفش أن السبب الواحد يمنع من الصرف، ولم يفرق بين العلمية وغيرها انظر ص ٢٢٨ ج ٢ من كتاب شرح التصريح على التوضيح ط التجارية، وقد رد الدنوشرى المذهب الذى حكاه الفخر؛ لأن الأصل فى الأسماء أن تكون منصرفة. المصدر السابق الحاشية بهامشه للعليمى الحمصى. ومن الأبيات التى ورد فيها منع المصروف: طلب الأزارق بالكتائب إذ هوت بشبيب غائلة النفوس غدور فمنع صرف شبيب وهو علم مصروف وهو شبيب بن يزيد رأس الخوارج الأزارقة، وفاعل طلب ضمير يعود على سفيان نائب الحجاج ومثله: وقائله ما بال دوسر بعدنا صحا قلبه عن آل ليلى وعن هند من معانى قصيدة أبى طالب. حبحاب: من معانيها: قصير، أو الجمل الضئيل. وتروى بالخاء أيضا: الضعيف. هما أغمزا للقوم: أى سبيلهم الطعن فيهم تجرجم: سقط وانحدر. ذو علق: جبل فى ديار بنى أسد. والصفر: الخالى من الانية وغيره. إلا أن يرس له ذكر: أن يذكر ذكرا خفيا. من نسلنا-
[ ٣ / ٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِحَذْفِ التّنْوِينِ لِالْتِقَاءِ السّاكِنِينَ، لَكَانَ حَسَنًا، كَمَا قرىء: قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصّمَدُ» بِحَذْفِ التنوين من أحد، وهى رواية عن أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، وَقَالَ الشّاعِرُ:
حُمَيْدُ الّذِي أَمُجّ دَارَهُ
وَقَالَ آخَرُ:
وَلَا ذَاكِرُ اللهِ إلّا قَلِيلَا
وَأَنْشَدَ قَوْلَ أَبِي طَالِبٍ:
إذَا اجْتَمَعَتْ يَوْمًا قُرَيْشٌ لِمَفْخَرِ فَعَبْدُ مَنَافٍ سِرّهَا وَصَمِيمُهَا
قَوْلُهُ: سِرّهَا أَيْ: وَسَطُهَا، وَسِرّ الْوَادِي وَسَرَارَتُهُ: وَسَطُهُ، وَقَدْ تَقَدّمَ مَتَى يَكُونُ الْوَسَطُ مَدْحًا، وَأَنّ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ: فِي وَصْفِ الشّهُودِ، وَفِي النّسَبِ، وَبَيّنّا السّرّ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ فِي الْقَصِيدَةِ: وَنَضْرِبُ عَنْ أَحْجَارِهَا مَنْ يَرُومُهَا. أَيْ نَدْفَعُ عَنْ حُصُونِهَا وَمَعَاقِلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ الرّوَايَةُ: أَجْحَارُهَا بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ، فَهُوَ جَمْعُ جُحْرٍ وَالْجُحْرُ هُنَا مُسْتَعَارٌ، وَإِنّمَا يُرِيدُ عن بيوتها ومساكنها «١» .
_________________
(١) - شفر: أى: أحد، يقال: ما بالدار أحد، وما بها شفر، وما بها كتيع، وما بها عريب، وما بها ذبيح؛ وما بها نافخ صرمه كلها بمعنى واحد. أى ما بها أحد.
(٢) من معانى القصيدة غث: يعنى ليس له نسبة هنالك. وأصل الغث: اللحم الضعيف. طاشت حلومها: ذهبت عقولها. انتعش العود الذواء: حي وظهرت فيه الخضرة، وأصل نعش: رفع. والعود الذواء الذى جفت رطوبته. الأكناف: النواحى. وأرومها: جمع أرومه: الأصل. انظر ص ٨٣، وما بعدها لأبى ذر الخشنى فى شرح السيرة
[ ٣ / ٦٠ ]
[موقف الوليد بن المغيرة من القرآن]
ثم إن الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ اجْتَمَعَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ قريش- وكان ذا سنّ فيهم، وَقَدْ حَضَرَ الْمَوْسِمَ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّهُ قَدْ حَضَرَ هَذَا الْمَوْسِمُ، وَإِنّ وُفُودَ الْعَرَبِ سَتَقْدَمُ عَلَيْكُمْ فِيهِ، وَقَدْ سَمِعُوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحد، وَلَا تَخْتَلِفُوا، فَيُكَذّبَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَيَرُدّ قَوْلُكُمْ بَعْضُهُ بَعْضًا، قَالُوا: فَأَنْتَ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ، فَقُلْ، وَأَقِمْ لَنَا رَأْيًا نَقُولُ بِهِ، قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ، فَقُولُوا أَسْمَعْ، قَالُوا: نَقُولُ: كَاهِنٌ، قَالَ: لَا وَاَللهِ مَا هُوَ بِكَاهِنِ، لقد رأينا الكهّان، فما هو مزمزمة الْكَاهِنِ وَلَا سَجْعِهِ، قَالُوا: فَنَقُولُ:
مَجْنُونٌ، قَالَ: مَا هُوَ بِمَجْنُونِ، لَقَدْ رَأَيْنَا الْجُنُونَ وَعَرَفْنَاهُ، فَمَا هُوَ بِخَنْقِهِ، وَلَا تَخَالُجِهِ، وَلَا وَسْوَسَتِهِ، قَالُوا: فَنَقُولُ: شَاعِرٌ، قَالَ: مَا هُوَ بِشَاعِرِ، لَقَدْ عَرَفْنَا الشّعْرَ كُلّهُ: رَجَزَهُ وَهَزَجَهُ، وَقَرِيضَهُ وَمَقْبُوضَهُ وَمَبْسُوطَهُ، فَمَا هُوَ بِالشّعْرِ، قَالُوا: فَنَقُولُ: سَاحِرٌ، قَالَ: مَا هُوَ بِسَاحِرِ، لَقَدْ رَأَيْنَا السّحّارَ وَسِحْرَهُمْ، فَمَا هُوَ بِنَفْثِهِمْ وَلَا عَقْدِهِمْ، قَالُوا: فَمَا نَقُولُ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ؟ قَالَ: وَاَللهِ إنّ لِقَوْلِهِ لَحَلَاوَةً، وَإِنّ أَصْلَهُ لَعَذِقٌ، وَإِنّ فَرْعَهُ لَجُنَاةٌ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَال: لَغَدِقٌ- وَمَا أَنْتُمْ بِقَائِلِينَ مِنْ هَذَا شَيْئًا إلّا عُرِفَ أَنّهُ بَاطِلٌ، وَإِنّ أَقْرَبَ الْقَوْلِ فِيهِ لَأَنْ تَقُولُوا: سَاحِرٌ، جَاءَ بِقَوْلٍ هُوَ سِحْرٌ يُفَرّقُ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَأَبِيهِ، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وَعَشِيرَتِهِ. فَتُفَرّقُوا عَنْهُ بِذَلِكَ، فَجَعَلُوا يَجْلِسُونَ بِسُبُلِ النّاس حين قدموا المؤسم، لَا يَمُرّ بِهِمْ أَحَدٌ إلّا حَذّرُوهُ إيّاهُ، وذكروا لهم أمره.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٦١ ]
[ما نزل فى حق الوليد من القرآن:]
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا» المدثر: ١١- ١٦ أى خصيما.
قال ابن هشام: عنيدا: مُعَانِدٌ مُخَالِفٌ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجّاجِ:
وَنَحْنُ ضَرّابُونَ رَأْسَ الْعُنّدِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ:
«سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ.
ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ» المدثر: ١٧: ٢٢ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَسَرَ: كَرّهَ وَجْهَهُ. قَالَ العجّاج:
مضبّر الّلحيين بسرا منها
يَصِفُ كَرَاهِيَةَ وَجْهِهِ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ:
«ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقالَ: إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ» . المدثر: ٢٣- ٢٥.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: فِي رسولهﷺ- وَفِيمَا جَاءَ بِهِ من الله تعالى، وفى النفر الذين كانوا معه يصنّفون القول فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَفِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ اللهِ تَعَالَى: «كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ.
[ ٣ / ٦٢ ]
الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ. فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ» الحجر: ٩٠- ٩٣
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاحِدَةُ الْعِضِينَ: عِضَةٌ، يَقُولُ: عَضّوْهُ: فَرّقُوهُ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجّاجِ:
وَلَيْسَ دِينُ اللهِ بِالْمُعَضّى
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ له.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَجَعَلَ أُولَئِكَ النّفَرُ يَقُولُونَ ذَلِكَ فِي رَسُولِ اللهِﷺ- لِمَنْ لَقُوا مِنْ النّاسِ، وَصَدَرَتْ الْعَرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْسِمِ بِأَمْرِ رَسُولِ اللهِﷺ- فَانْتَشَرَ ذِكْرُهُ فِي بِلَادِ العرب كلّها.
[أبو طالب يفخر بنسبه وابن أخيه]
فَلَمّا خَشِيَ أَبُو طَالِبٍ دَهْمَاءَ الْعَرَبِ أَنْ يَرْكَبُوهُ مَعَ قَوْمِهِ، قَالَ قَصِيدَتَهُ الّتِي تَعَوّذَ فِيهَا بِحَرَمِ مَكّةَ وَبِمَكَانِهِ مِنْهَا، وَتَوَدّدَ فِيهَا أَشْرَافُ قَوْمِهِ، وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ يُخْبِرُهُمْ وَغَيْرَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ شِعْرِهِ أَنّهُ غَيْرُ مُسْلِمٍ رَسُولِ اللهِﷺ- وَلَا تَارِكُهُ لِشَيْءِ أَبَدًا حَتّى يَهْلِكَ دُونَهُ، فَقَالَ:
وَلَمّا رَأَيْتُ الْقَوْمَ لَا وُدّ فِيهِمْ وَقَدْ قَطَعُوا كُلّ الْعُرَى وَالْوَسَائِلِ
وَقَدْ صَارَحُونَا بِالْعَدَاوَةِ وَالْأَذَى وَقَدْ طَاوَعُوا أَمْرَ الْعَدُوّ الْمُزَايِلِ
وَقَدْ حَالَفُوا قَوْمًا عَلَيْنَا أَظِنّةً يَعَضّونَ غَيْظًا خَلْفَنَا بالأنامل
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٦٣ ]
صَبَرْتُ لَهُمْ نَفْسِي بِسَمْرَاءَ سَمْحَةٍ وَأَبْيَضَ عَضْبٍ مِنْ تُرَاثِ الْمَقَاوِلِ
وَأَحْضَرْتُ عِنْدَ الْبَيْتِ رَهْطِي وَإِخْوَتِي وَأَمْسَكْت مِنْ أَثْوَابهِ بِالْوَصَائِلِ
قِيَامًا مَعًا مُسْتَقْبِلِينَ رِتَاجَهُ لُدًى حَيْثُ يَقْضِي حَلْفَهُ كُلّ نَافِلِ
وَحَيْثُ يُنِيخُ الْأَشْعَرُونَ رِكَابَهُمْ بِمُفْضَى السّيُولِ مِنْ إسَافٍ وَنَائِلِ
مُوَسّمَةُ الْأَعْضَادِ، أَوْ قَصَرَاتُهَا مُخَيّسَةٌ بَيْنَ السّدِيسِ وَبَازِلِ
تَرَى الْوَدْعَ فِيهَا، والرّخام وزبنة بِأَعْنَاقِهَا مَعْقُودَةٌ كَالْعَثَاكِلِ
أَعُوذُ بِرَبّ النّاسِ مِنْ كلّ طاعن علينا يسوء، أَوْ مُلِحّ بِبَاطِلِ
وَمِنْ كَاشِحٍ يَسْعَى لَنَا بِمَعِيبَةٍ وَمِنْ مُلْحِقٍ فِي الدّينِ مَا لَمْ نُحَاوِلْ
وَثَوْرٍ، وَمَنْ أَرْسَى ثَبِيرًا مَكَانَهُ وَرَاقٍ لِيَرْقَى فِي حِرَاءٍ وَنَازِلِ
وَبِالْبَيْتِ، حَقّ الْبَيْتِ، مِنْ بَطْنِ مَكّةَ وَبِاَللهِ إنّ اللهَ لَيْسَ بِغَافِلِ
وَبِالْحَجَرِ الْمُسْوَدّ إذْ يَمْسَحُونَهُ إذَا اكْتَنَفُوهُ بالضّحى والأصائل
وموطىء إبْرَاهِيمَ فِي الصّخْرِ رَطْبَةٌ عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِيًا غير فاعل
وَأَشْوَاطٍ بَيْنَ الْمَرْوَتَيْنِ إلَى الصّفَا وَمَا فِيهِمَا مِنْ صُورَةٍ وَتَمَاثُلِ
وَمَنْ حَجّ بَيْتَ اللهِ مِنْ كُلّ رَاكِبٍ وَمِنْ كُلّ ذِي نَذْرٍ وَمِنْ كُلّ رَاجِلِ
وَبِالْمَشْعَرِ الْأَقْصَى إذَا عَمَدُوا لَهُ إلَالٌ إلَى مُفْضَى الشّرَاجِ الْقَوَابِلِ
وَتَوْقَافِهِمْ فَوْقَ الْجِبَالِ عَشِيّةً يُقِيمُونَ بِالْأَيْدِي صُدُورَ الرّوَاحِلِ
وليلة جمع والمنازل من معنى وَهَلْ فَوْقَهَا مِنْ حُرْمَةٍ وَمَنَازِلِ
وَجَمْعٍ إذَا ما المقربات أجزئه سِرَاعًا كَمَا يَخْرُجْنَ مِنْ وَقْعِ وَابِلِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٦٤ ]
وَبِالْجَمْرَةِ الْكُبْرَى إذَا صَمَدُوا لَهَا يَؤُمّونَ قَذْفًا رأسها بالجنادل
وكندة إذ هُمْ بِالْحِصَابِ عَشِيّةً تُجِيزُ بِهِمْ حُجّاجُ بَكْرِ بن وائل
حليفان شدّا عقد ما اختلفا لَهُ وَرَدّا عَلَيْهِ عَاطِفَاتِ الْوَسَائِلِ
وَحَطْمِهِمْ سُمْرَ الرّماح وسرحه وشبرقه وخد النّعام الحوامل
فَهَلْ بَعْدَ هَذَا مِنْ مُعَاذٍ لِعَائِذٍ وَهَلْ مِنْ مُعِيذٍ يَتّقِي اللهَ عَاذِلِ
يُطَاعُ بِنَا أمر العدا ودّ انّنَا تُسَدّ بِنّا أَبْوَابُ تُرْكٍ وَكَابُلِ
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللهِ نَتْرُكُ مَكّةَ وَنَظْعَنُ إلّا أَمْرُكُمْ فِي بَلَابِلِ
كَذَبْتُمْ- وَبَيْتِ اللهِ- نُبْزَى مُحَمّدًا ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حَوْلَهُ وَنَذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِلِ
وَيَنْهَضُ قَوْمٌ فِي الْحَدِيدِ إلِيْكُمُ نُهُوضَ الرّوَايَا تَحْتَ ذَاتِ الصّلَاصِلِ
وَحَتّى تَرَى ذَا الضّغْنِ يَرْكَبُ رَدْعَهُ مِنْ الطّعْنِ فِعْلَ الْأَنْكَبِ الْمُتَحَامِلِ
وَإِنّا- لَعَمْرُ اللهِ- إنْ جَدّ مَا أَرَى لَتَلْتَبِسَنّ أَسْيَافُنَا بِالْأَمَاثِلِ
بِكَفّيْ فَتًى مِثْلَ الشّهَابِ سَمَيْدَعِ أَخِي ثِقَةٍ حَامِي الْحَقِيقَةِ بَاسِلِ
شُهُورًا وَأَيّامًا وَحَوْلًا مُجَرّمًا عَلَيْنَا وَتَأْتِي حَجّةٌ بَعْدَ قَابِلِ
وَمَا تَرْكُ قَوْمٍ- لَا أَبَا لَك- سَيّدًا يَحُوطُ الذّمَارَ غَيْرَ ذَرْبٍ مُوَاكِلِ
وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ
يَلُوذُ بِهِ الهلّاك مِنْ آلِ هَاشِمٍ فَهُمْ عِنْدَهُ فِي رَحْمَةٍ وفواضل
لَعَمْرِي لَقَدْ أَجْرَى أُسَيْدٌ وَبِكْرُهُ إلَى بُغْضِنَا وجزّآنا لاكل
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٦٥ ]
وَعُثْمَانُ لَمْ يَرْبَعْ عَلَيْنَا وَقُنْفُذٌ وَلَكِنْ أَطَاعَا أَمْرَ تِلْكَ الْقَبَائِلِ
أَطَاعَا أُبَيّا، وَابْنَ عَبْدِ يغوثهم ولم يرقبا فينا مقالة قائل
كَمَا قَدْ لَقِينَا مِنْ سُبَيْعٍ وَنَوْفَلٍ وَكُلّ تولى معرضا لم يجامل
فإن يلفيا، أَوْ يُمْكِنْ اللهُ مِنْهُمَا نَكِلْ لَهُمَا صَاعًا بِصَاعِ الْمُكَايِلِ
وَذَاكَ أَبُو عَمْرٍو أَبَى غَيْرَ بُغْضِنَا لِيَظْعَنَنَا فِي أَهْلِ شَاءٍ وَجَامِلِ
يُنَاجِي بِنَا فِي كُلّ مُمْسًى وَمُصْبَحٍ فَنَاجِ أَبَا عمر بِنَا ثُمّ خَاتِلِ
وَيُؤْلَى لَنَا بِاَللهِ مَا إن يغشّنا بلى قد تراه جَهْرَةً غَيْرَ حَائِلِ
أَضَاقَ عَلَيْهِ بُغْضُنَا كُلّ تَلْعَةٍ مِنْ الْأَرْضِ بَيْنَ أَخْشُبٍ فَمُجَادِلِ
وَسَائِلْ أَبَا الْوَلِيدِ مَاذَا حَبَوْتَنَا بِسَعْيِكَ فِينَا مُعْرِضًا كَالْمُخَاتِلِ
وَكُنْتَ امْرَأً مِمّنْ يُعَاشُ بِرَأْيِهِ وَرَحْمَتُهُ فِينَا وَلَسْتَ بِجَاهِلِ
فَعُتْبَةُ لَا تَسْمَعْ بِنَا قَوْلَ كَاشِحٍ حَسُودٍ كَذُوبٍ مُبْغِضٍ ذِي دَغَاوِلِ
وَمَرّ أَبُو سُفْيَانَ عَنّي مُعْرِضًا كَمَا مَرّ قَيْلٌ مِنْ عِظَامِ الْمَقَاوِلِ
يَفِرّ إلَى نَجْدٍ وبرد مياهه ويزعم أفى لَسْتُ عَنْكُمْ بِغَافِلِ
وَيُخْبِرُنَا فِعْلَ الْمُنَاصِحِ أَنّهُ شَفِيقٌ، وَيُخْفِي عَارِمَاتِ الدّوَاخِلِ
أَمُطْعِمُ لَمْ أَخْذُلْك فِي يَوْمٍ نَجْدَةٍ وَلَا مُعْظِمٍ عِنْدَ الْأُمُورِ الجلائل
ولا يوم خصم إذ أَتَوْك أَلِدّةً أُولِي جَدَلٍ مِنْ الْخُصُومِ الْمَسَاجِلِ
أَمُطْعِمُ إنّ الْقَوْمَ سَامُوك خُطّةً وَإِنّي مَتَى أو كل فَلَسْتُ بِوَائِلِ
جَزَى اللهُ عَنّا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا عُقُوبَةَ شَرّ عَاجِلًا غَيْرَ آجِلِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٦٦ ]
بِمِيزَانِ قِسْطٍ لَا يُخِسّ شَعِيرَةً لَهُ شَاهِدٌ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرَ عَائِلٍ
لَقَدْ سَفُهَتْ أَحْلَامُ قَوْمٍ تَبَدّلُوا بَنِي خَلَفٍ قيضا بنا والغياطل
وَنَحْنُ الصّمِيمُ مِنْ ذُؤَابَةِ هَاشِمٍ وَآلِ قُصَيّ فِي الْخُطُوبِ الْأَوَائِلِ
وَسَهْمٌ وَمَخْزُومٌ تَمَالَوْا وَأَلّبُوا عَلَيْنَا الْعِدَا مِنْ كُلّ طِمْلٍ وَخَامِلٍ
فَعَبْدُ مَنَافٍ أَنْتُمْ خَيْرُ قَوْمِكُمْ فَلَا تُشْرِكُوا فِي أَمْرِكُمْ كُلّ وَاغِلِ
لَعَمْرِي لَقَدْ وَهَنْتُمْ وَعَجَزْتُمْ وجئتم بأمر مخطىء لِلْمَفَاصِلِ
وَكُنْتُمْ حَدِيثًا حَطْبَ قِدْرٍ وَأَنْتُمْ الْآنَ حطاب أقدر ومراجل
ليهنىء بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ عُقُوقُنَا وَخِذْلَانُنَا، وَتَرْكُنَا فِي الْمَعَاقِلِ
فَإِنْ نَكُ قَوْمًا نَتّئِرْ مَا صَنَعْتُمْ وَتَحْتَلِبُوهَا لِقْحَةً غَيْرَ بَاهِلِ
وَسَائِطُ كَانَتْ فِي لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ نَفَاهُمْ إلَيْنَا كُلّ صَقْرٍ حلاحل
ورهط نفيل شرّ من وطىء الْحَصَى وَأَلْأَمُ حَافٍ مِنْ مَعَدّ وَنَاعِلِ
فَأَبْلِغْ قُصَيّا أَنْ سَيُنْشَرُ أَمْرُنَا وَبَشّرْ قُصَيّا بَعْدَنَا بِالتّخَاذُلِ
وَلَوْ طَرَقَتْ لَيْلًا قُصَيّا عَظِيمَةٌ إذًا مَا لَجَأْنَا دُونَهُمْ فِي الْمَدَاخِلِ
وَلَوْ صَدَقُوا ضَرْبًا خِلَالَ بُيُوتِهِمْ لَكُنّا أُسًى عِنْدَ النّسَاءِ الْمَطَافِلِ
فَكُلّ صَدِيقٍ وَابْنِ أُخْتٍ نَعُدّهُ لَعَمْرِي- وجدنا غبّه غير طائل
سِوَى أَنّ رَهْطًا مِنْ كِلَابِ بْنِ مُرّةٍ بَرَاءٌ إلَيْنَا مِنْ مَعَقّةِ خَاذِلِ
وَهَنّا لَهُمْ حَتّى تَبَدّدَ جَمْعُهُمْ وَيَحْسُرَ عَنّا كُلّ بَاغٍ وَجَاهِلِ
وَكَانَ لَنَا حَوْضُ السّقَايَةِ فِيهِمْ وَنَحْنُ الْكُدَى مِنْ غَالِبٍ وَالْكَوَاهِلِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٦٧ ]
شَبَابٌ مِنْ الْمُطَيّبِينَ وَهَاشِمٍ كَبِيضِ السّيُوفِ بَيْنَ أَيْدِي الصّيَاقِلِ
فَمَا أَدْرَكُوا ذَحْلًا وَلَا سَفَكُوا دَمًا وَلَا حَالَفُوا إلّا شِرَارَ الْقَبَائِلِ
بِضَرْبٍ تَرَى الْفِتْيَانَ فِيهِ، كَأَنّهُمْ ضَوَارِي أُسُودٍ فَوْقَ لَحْمٍ خَرَادِلِ
بَنِي أَمَةٍ مَحْبُوبَةٍ هِنْدِكِيّةٍ بَنِي جُمَحٍ عُبَيْدِ قَيْسِ بْنِ عَاقِلِ
وَلَكِنّنَا نَسْلٌ كِرَامٌ لِسَادَةٍ بِهِمْ نُعِيَ الْأَقْوَامُ عِنْدَ الْبَوَاطِلِ
وَنِعْمَ ابْنِ أُخْتِ الْقَوْمِ غَيْرَ مُكَذّبٍ زُهَيْرٌ حُسَامًا مُفْرَدًا مِنْ حَمَائِلِ
أَشَمّ مِنْ الشّمّ الْبَهَالِيلِ يَنْتَمِي إلَى حَسَبٍ فِي حَوْمَةِ الْمَجْدِ فَاضِلِ
لَعَمْرِي لَقَدْ كُلّفْتُ وَجْدًا بِأَحْمَدَ وَإِخْوَتِهِ دَأْبَ الْمُحِبّ الْمُوَاصِلِ
فَلَا زَالَ فِي الدّنْيَا جَمَالًا لِأَهْلِهَا وَزِيَنًا لِمَنْ وَالَاهُ رَبّ الْمَشَاكِلِ
فَمَنْ مِثْلُهُ فِي النّاس أَيّ مُؤَمّلٍ إذَا قَاسَهُ الْحُكّامُ عِنْدَ التّفَاضُلِ
حَلِيمٌ رَشِيدٌ عَادِلٌ غير طائش يوالى إلها ليس عنه بغافل
فو الله لولا أن أجىء بسبّة تَجُرّ عَلَى أَشْيَاخِنَا فِي الْمَحَافِلِ
لَكِنّا اتّبَعْنَاهُ عَلَى كُلّ حَالَةٍ مِنْ الدّهْرِ جِدّا غَيْرَ قَوْلِ التّهَازُلِ
لَقَدْ عَلِمُوا أَنّ ابْنَنَا لَا مُكَذّبٌ لَدَيْنَا، وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ
فَأَصْبَحَ فِينَا أَحَمْدٌ فِي أَرُومَةٍ تُقَصّرُ عَنْهُ سَوْرَةُ الْمُتَطَاوِلِ
حَدِبْتُ بِنَفْسِي دُونَهُ وَحَمَيْتُهُ وَدَافَعْتُ عَنْهُ بِالذّرَا وَالْكَلَاكِلِ
فَأَيّدَهُ رَبّ الْعِبَادِ بِنَصْرِهِ وَأَظْهَرَ دِينًا حَقّهُ غَيْرُ بَاطِلِ
رِجَالٌ كِرَامٌ غَيْرُ مِيلٍ نَمَاهُمْ إلَى الْخَيْرِ آبَاءٌ كِرَامُ الْمَحَاصِلِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٦٨ ]
فإن تك كعب من لؤىّ صقيبة فلابدّ يَوْمًا مَرّةً مِنْ تَزَايُلِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا مَا صَحّ لِي مِنْ هَذِهِ الْقَصِيدَة، وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ، قال: أَقْحَطَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهﷺ- فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَيْهِ، فَصَعِدَ رَسُولُ الله ﷺ الْمِنْبَرَ فَاسْتَسْقَى، فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ مِنْ الْمَطَرِ مَا أَتَاهُ أَهْلُ الضّوَاحِي يَشْكُونَ مِنْهُ الْغَرَقَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهُمّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، فَانْجَابَ السّحَابُ عَنْ الْمَدِينَةِ، فَصَارَ حَوَالَيْهَا كَالْإِكْلِيلِ؛ فَقَالَ رَسُولُ الله ﵌: لَوْ أَدْرَكَ أَبُو طَالِبٍ هَذَا الْيَوْمَ لَسَرّهُ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: كَأَنّك يَا رَسُولَ اللهِ أَرَدْت قَوْلَهُ:
وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ
قَالَ: أَجَلْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَوْلُهُ «وَشَبْرِقَهٌ» عَنْ غَيْرِ ابن إسحاق.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْغَيَاطِلِ: مِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنُ هُصَيْصٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيّةَ. وَمُطْعِمُ بْنِ عَدِيّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.
وَزُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَأُمّهُ: عاتكة بنت عبد المطلب. قال ابن إسحاق: وَأَسِيدٌ، وَبِكْرُهُ: عَتّابُ بْنُ أَسِيدِ بْنِ أَبِي
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٦٩ ]
العيص بن أمية بن عبد شمس بن عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيّ. وَعُثْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ:
أَخُو طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ التّيْمِيّ. وقنفذ بن عمير بْنِ جُدْعَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرّةَ. وَأَبُو الْوَلِيدِ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ. وَأُبَيّ:
الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ الثّقَفِيّ، حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِنّمَا سُمّيَ الْأَخْنَسُ؛ لِأَنّهُ خَنَسَ بِالْقَوْمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَإِنّمَا اسْمُهُ: أُبَيّ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عِلَاجٍ، وَهُوَ عِلَاجُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُقْبَةَ.
وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بن زهرة بن كلاب. وسبيع ابن خَالِدٍ، أَخُو بَلْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ. وَنَوْفَلُ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى ابن قُصَيّ، وَهُوَ ابْنُ الْعَدَوِيّةِ. وَكَانَ مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ الّذِي قَرَنَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ ﵄ فِي حَبْلٍ حِينَ أَسْلَمَا، فَبِذَلِكَ كَانَا يُسَمّيَانِ: الْقَرِينَيْنِ، قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَأَبُو عَمْرٍو: قَرَظَةُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. «وَقَوْمٌ عَلَيْنَا أَظِنّةٌ»:
بَنُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، فَهَؤُلَاءِ الّذِينَ عَدّدَ أَبُو طَالِبٍ فى شعره من العرب.
[ذكر الرسول «ص» ينتشر]
فَلَمّا انْتَشَرَ أَمْرُ رَسُولِ اللهﷺ- فِي الْعَرَبِ، وَبَلَغَ الْبُلْدَانَ، ذُكِرَ بِالْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَكُنْ حَيّ مِنْ الْعَرَبِ أَعْلَمَ بأمر رسول اللهﷺ- حِينَ ذُكِرَ، وَقَبْلَ أَنْ يُذْكَرَ مِنْ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٧٠ ]
وَذَلِك لِمَا كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، وكانوا لهم خلفاء، وَمَعَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ. فَلَمّا وَقَعَ ذِكْرُهُ بِالْمَدِينَةِ، وَتَحَدّثُوا بِمَا بَيْنَ قُرَيْشٍ فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ.
قَالَ أَبُو قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ. أَخُو بَنِي واقف.
[أبو قيس بن الأسلت ونسبه وشعره فى الرسول «ص»]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: نَسَبُ ابْنِ إسْحَاقَ أَبَا قَيْسٍ هَذَا هَاهُنَا إلَى بَنِي وَاقِفٍ، وَنَسَبُهُ فى حديث الفيل إلى خَطْمَةَ؛ لِأَنّ الْعَرَب قَدْ تَنْسِبُ الرّجُلَ إلَى أَخِي جَدّهِ الّذِي هُوَ أَشْهَرُ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ أَنّ الْحَكَمَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيّ مِنْ وَلَدِ نُعَيْلَةَ أَخِي غِفَارٍ، وَهُوَ غِفَارُ بْنُ مُلَيْلٍ، وَنُعَيْلَةُ بْنُ مليل بن ضمرة بن بكر ابن عَبْدِ مَنَاةَ، وَقَدْ قَالُوا: عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ السّلمىّ، وهو من ولد مازن ابن منصور وسليم: ابن مَنْصُورٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَأَبُو قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ: مِنْ بَنِي وَائِلٍ، وَوَائِلٌ، وَوَاقِفٌ وَخَطْمَةُ إخوة من الأوس.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ أَبُو قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ- وَكَانَ يُحِبّ قُرَيْشًا، وَكَانَ لَهُمْ صِهْرًا، كَانَتْ عِنْدَهُ أَرْنَبُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ، وَكَانَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٧١ ]
يُقِيمُ عِنْدَهُمْ السّنِينَ بِامْرَأَتِهِ- قَصِيدَةً يُعَظّمُ فِيهَا الْحُرْمَةَ، وَيَنْهَى قُرَيْشًا فِيهَا عَنْ الْحَرْبِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْكَفّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَيَذْكُرُ فَضْلَهُمْ وَأَحْلَامَهُمْ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْكَفّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيُذَكّرُهُمْ بَلَاءَ اللهِ عِنْدَهُمْ، وَدَفْعَهُ عنهم الفيل وكيده عنهم، فقال:
يَا رَاكِبًا إمّا عَرَضَتْ فَبَلّغْنَ مُغَلْغِلَةً عَنّي لؤىّ بن غالب
رسول امرىء قَدْ رَاعَهُ ذَاتُ بَيْنِكُمْ عَلَى النّأْيِ مَحْزُونٍ بِذَلِكَ نَاصِبِ
وَقَدْ كَانَ عِنْدِي لِلْهُمُومِ مَعَرّسٌ فَلَمْ أَقْضِ مِنْهَا حَاجَتِي وَمَآرِبِي
نُبَيّتُكُمْ شَرْجَيْنِ كُلّ قَبِيلَةٍ لَهَا أَزْمَلٌ مِنْ بَيْنِ مُذْكٍ وَحَاطِبِ
أُعِيذُكُمْ بِاَللهِ مِنْ شَرّ صُنْعِكُمْ وَشَرّ تَبَاغِيكُمْ وَدَسّ الْعَقَارِبِ
وَإِظْهَارِ أَخْلَاقٍ، وَنَجْوَى سَقِيمَةٍ كَوَخْزِ الْأَشَافِي وَقْعُهَا حَقّ صَائِبِ
فَذَكّرْهُمْ بِاَللهِ أَوّلَ وَهْلَةٍ وَإِحْلَالِ أَحْرَامِ الظّبَاءِ الشّوَازِبِ
وَقُلْ لَهُمْ وَاَللهُ يَحْكُمُ حُكْمَهُ ذَرُوا الْحَرْبَ تَذْهَبُ عَنْكُمْ فِي الْمَرَاحِبِ
مَتَى تَبْعَثُوهَا، تَبْعَثُوهَا ذَمِيمَةً هِيَ الْغُولُ لِلْأَقْصَيْنَ أَوْ لِلْأَقَارِبِ
تُقَطّعُ أَرْحَامًا، وَتُهْلِكُ أُمّةً وَتَبْرِي السّدِيفَ مِنْ سَنَامٍ وَغَارِبِ
وَتَسْتَبْدِلُوا بِالْأَتْحَمِيّةِ بَعْدَهَا شَلِيلًا وَأَصْدَاءً ثِيَابَ الْمُحَارِبِ
وَبِالْمِسْكِ وَالْكَافُورِ غُبْرًا سَوَابِغًا كَأَنّ قَتِيرَيْهَا عُيُونُ الْجَنَادِبِ
فَإِيّاكُمْ وَالْحَرْبَ لَا تَعْلَقَنّكُمْ وَحَوْضًا وَخِيمَ الْمَاءِ مُرّ الْمَشَارِبِ
تَزَيّنُ لِلْأَقْوَامِ، ثُمّ يَرَوْنَهَا بِعَاقِبَةٍ إذْ بَيّنَتْ، أُمّ صَاحِبِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٧٢ ]
تُحَرّقُ، لَا تُشْوِي ضَعِيفًا، وَتَنْتَحِي ذَوِي الْعِزّ مِنْكُمْ بِالْحُتُوفِ الصّوَائِبِ
أَلَمْ تَعْلَمُوا مَا كَانَ فِي حَرْبِ دَاحِسٍ فَتَعْتَبِرُوا أَوْ كَانَ فِي حَرْبِ حَاطِبِ
وَكَمْ قَدْ أَصَابَتْ مِنْ شَرِيفٍ مسوّد طويل العماد، ضيفه غير خائب
عَظِيمِ رَمَادِ النّارِ يُحْمَدُ أَمْرُهُ وَذِي شِيمَةٍ مَحْضٍ كَرِيمٍ الْمَضَارِبِ
وَمَاءِ هُرِيقَ فِي الضّلَالِ كَأَنّمَا أَذَاعَتْ بِهِ رِيحُ الصّبَا وَالْجَنَائِبِ
يُخَبّرُكُمْ عَنْهَا امْرُؤٌ حَقّ عَالِمٌ بِأَيّامِهَا وَالْعِلْمُ عِلْمُ التّجَارِبِ
فَبِيعُوا الْحِرَابَ مِلْمُحَارِبِ، وَاذْكُرُوا حِسَابَكُمْ، وَاَللهُ خير محاسب
ولىّ امرىء، فَاخْتَارَ دِينًا، فَلَا يَكُنْ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا غَيْرَ رَبّ الثّوَاقِبِ
أَقِيمُوا لَنَا دِينًا حَنِيفًا، فَأَنْتُمْ لَنَا غَايَةٌ قَدْ يُهْتَدَى بِالذّوَائِبِ
وَأَنْتُمْ لِهَذَا النّاسِ نُورٌ وَعِصْمَةٌ تُؤَمّونَ، وَالْأَحْلَامُ غَيْرُ عَوَازِبِ
وَأَنْتُمْ- إذَا مَا حُصّلَ النّاسُ- جَوْهَرٌ لَكُمْ سُرّةُ الْبَطْحَاءِ شُمّ الْأَرَانِبِ
تَصُونُونَ أَجْسَادًا كِرَامًا عتيقة مهذّبة الأنساب غير أشائب
يرى طَالِبَ الْحَاجَاتِ نَحْوَ بُيُوتِكُمْ عَصَائِبَ هَلْكَى تَهْتَدِي بِعَصَائِبِ
لَقَدْ عَلِمَ الْأَقْوَامُ أَنّ سَرَاتَكُمْ عَلَى كُلّ حَالٍ خَيْرُ أَهْلِ الْجَبَاجِبِ
وَأَفْضَلُهُ رَأْيًا، وَأَعْلَاهُ سُنّةً وَأَقْوَلُهُ لِلْحَقّ وَسْطَ الْمَوَاكِبِ
فَقُومُوا، فَصَلّوا رَبّكُمْ، وَتَمَسّحُوا بِأَرْكَانِ هَذَا الْبَيْتِ بَيْنَ الأخاشب
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٧٣ ]
فعندكم منه يلاء وَمَصْدَقٌ غَدَاةَ أَبِي يَكْسُومَ هَادِي الْكَتَائِبِ
كَتِيبَتُهُ بالسّهل تمسى، ورجله على القاذفات فى رؤس الْمَنَاقِبِ
فَلَمّا أَتَاكُمْ نَصْرُ ذِي الْعَرْشِ، رَدّهُمْ جُنُودُ الْمَلِيكِ بَيْنَ سَافٍ وَحَاصِبِ
فَوَلّوْا سِرَاعًا هاربين، ولم يؤب إلى أهله م الحبش غَيْرُ عَصَائِبِ
فَإِنْ تَهْلِكُوا، نَهْلِكْ وَتَهْلِكْ مَوَاسِمٌ يعاش بها، قول امرىء غَيْرِ كَاذِبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَيْتَهُ: «وَمَاءٌ هُرِيقَ»، وَبَيْتَهُ: «فَبِيعُوا الْحِرَابَ»، وَقَوْلَهُ: «وَلِيّ امرىء فاختار»، وقوله:
على القاذفات فى رؤس الْمَنَاقِبِ
أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ وَغَيْرُهُ.
حَرْبٌ دَاحِسً:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَمّا قَوْلُهُ:
أَلَمْ تَعْلَمُوا مَا كَانَ فِي حَرْبِ دَاحِسٍ
فَحَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ النّحَوِيّ: أَنّ دَاحِسًا فَرَسٌ كَانَ لِقَيْسِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ جَذِيمَةَ بْنِ رَوَاحَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَازِنِ بْنِ قُطَيْعَةَ بْنِ عَبْسِ بْنِ بغيض بن ريث ابن غَطَفَانَ، أَجْرَاهُ مَعَ فَرَسٍ لِحُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ جُؤَيّةَ بْنِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٧٤ ]
لَوْذَانِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَدِيّ بْنِ فَزَارَةَ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ بَغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ، يُقَال لَهَا: الْغَبْرَاءُ. فَدَسّ حُذَيْفَةُ قَوْمًا وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَضْرِبُوا وَجْهَ دَاحِسٍ، إنْ رَأَوْهُ قَدْ جَاءَ سَابِقًا، فَجَاءَ دَاحِسٌ سَابِقًا، فَضَرَبُوا وَجْهَهُ، وَجَاءَتْ الْغَبْرَاءُ. فَلَمّا جَاءَ فَارِسُ دَاحِسٍ أَخْبَرَ قَيْسًا الْخَبَرَ، فَوَثَبَ أَخُوهُ مَالِكُ بْنُ زُهَيْرٍ، فَلَطَمَ وَجْهَ الْغَبْرَاءِ، فَقَامَ حَمَلُ بْنُ بَدْرٍ، فَلَطَمَ مَالِكًا. ثُمّ إنّ أَبَا الْجُنَيْدِبِ الْعَبْسِيّ لَقِيَ عَوْفَ بْنَ حُذَيْفَةَ فَقَتَلَهُ، ثُمّ لَقِيَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ مَالِكًا فَقَتَلَهُ فَقَالَ حَمَلُ بْنُ بَدْرٍ أَخُو حُذَيْفَةَ بْنِ بدر:
قَتَلْنَا بِعَوْفٍ مَالِكًا وَهُوَ ثَأْرُنَا فَإِنْ تَطْلُبُوا مِنّا سِوَى الْحَقّ تَنْدَمُوا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَقَالَ الرّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ الْعَبْسِيّ:
أَفَبَعْدَ مَقْتَلِ مَالِكِ بْنِ زُهَيْرٍ تَرْجُو النّسَاءُ عَوَاقِبَ الْأَطْهَارِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
فَوَقَعَتْ الْحَرْبُ بَيْنَ عَبْسٍ وَفَزَارَةَ، فَقُتِلَ حُذَيْفَةُ بن بدر وأخوه حمل ابن بَدْرٍ، فَقَالَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ جَذِيمَةَ يَرْثِي حُذَيْفَةَ، وَجَزِعَ عَلَيْهِ:
كَمْ فَارِسٍ يُدْعَى وَلَيْسَ بِفَارِسٍ وَعَلَى الْهَبَاءَةِ فَارِسٌ ذُو مَصْدَقِ
فَابْكُوا حُذَيْفَةَ لَنْ تُرَثّوا مِثْلَهُ حَتّى تَبِيدَ قَبَائِلٌ لَمْ تُخْلَقْ
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَقَالَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ:
عَلَى أَنّ الفتى حمل بن بدر بنى، وَالظّلْمُ مَرْتَعُهُ وَخِيمُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٧٥ ]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ: وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ زُهَيْرٍ أَخُو قَيْسِ بْنِ زُهَيْرٍ:
تَرَكْتُ عَلَى الْهَبَاءَةِ غَيْرَ فَخْرٍ حُذَيْفَةُ عِنْدَهُ قَصْدُ الْعَوَالِي
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: أَرْسَلَ قَيْسٌ دَاحِسًا وَالْغَبْرَاءَ، وَأَرْسَلَ حُذَيْفَةُ الْخَطّارَ وَالْحَنْفَاءَ، وَالْأَوّلُ أَصَحّ الْحَدِيثَيْنِ. وَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ مَنَعَنِي مِنْ اسْتِقْصَائِهِ قَطْعُهُ حديث سِيرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
[حرب حاطب]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَمّا قَوْلُهُ: «حرب حاطب» . فيعنى حاطب بن الحارث ابن قَيْسِ بْنِ هَيْشَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، كَانَ قَتَلَ يَهُودِيّا جَارًا لِلْخَزْرَجِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَحْمَر بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ- وَهُوَ الّذِي يُقَال لَهُ: ابْنُ فُسْحُمٍ، وَفُسْحُمٌ: أُمّهُ، وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنْ الْقَيْنِ بْنِ جَسْرٍ- لَيْلًا فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ فَقَتَلُوهُ، فَوَقَعَتْ الْحَرْبُ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَكَانَ الظّفَرُ لِلْخَزْرَجِ عَلَى الْأَوْسِ، وَقُتِلَ يَوْمئِذٍ سُوَيْدُ بْنُ صَامِتِ بْنِ خالد بن عطيّة ابن حَوْطِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، قَتَلَهُ الْمُجَذّرُ بْنُ ذِيَادٍ الْبَلَوِيّ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللهِ، حَلِيفُ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ. فَلَمّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٧٦ ]
خَرَجَ الْمُجَذّرُ بْنُ ذِيَادٍ مَعَ رَسُولِ اللهِﷺ- وَخَرَجَ مَعَهُ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ صَامِتٍ، فَوَجَدَ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْدٍ غِرّةً مِنْ الْمُجَذّرِ فَقَتَلَهُ بِأَبِيهِ.
وَسَأَذْكُرُ حَدِيثَهُ فِي مَوْضِعِهِ- إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى- ثُمّ كَانَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ مَنَعَنِي مِنْ ذِكْرِهَا وَاسْتِقْصَاءِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا ذَكَرْت فِي حَدِيثِ حرب داحس.
[حكيم بن أمية ينهى قومه عن عداوة الرسول]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَكِيمُ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْأَوْقَصِ السّلَمِيّ، حَلِيفُ بَنِي أُمَيّةَ وَقَدْ أَسْلَمَ، يُوَرّعُ قَوْمَهُ عَمّا أَجَمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ عَدَاوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وكان فيهم شريفا مطاعا:
هل قائل قولا من الْحَقّ قَاعِدٌ عَلَيْهِ، وَهَلْ غَضْبَانُ لِلرّشْدِ سَامِعُ
وَهَلْ سَيّدٌ تَرْجُو الْعَشِيرَةُ نَفْعَهُ لِأَقْصَى الْمَوَالِي وَالْأَقَارِبِ جَامِعُ
تَبَرّأْتُ إلّا وَجْهَ مَنْ يَمْلِكُ الصّبا وأهجركم مادام مُدْلٍ وَنَازِعُ
وَأُسْلِمُ وَجْهِي لِلْإِلَهِ وَمَنْطِقِي وَلَوْ راعنى من الصّديق روائع
_________________
(١) مَوْقِفُ الْوَلِيدِ مِنْ الْقُرْآنِ: وَذَكَرَ خَبَرَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَقَوْلَهُ: فِيمَا جَاءَ بِهِ النّبِيّﷺ مِنْ الْوَحْيِ وَالْقُرْآنِ: قَدْ سَمِعْنَا الشّعْرَ فَمَا هُوَ بِهَزَجِهِ، وَلَا رَجَزِهِ. وَالْهَزَجُ مِنْ أَعَارِيضِ الشّعْرِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَرُوضِيّينَ، وَلَا أَعْرِفُ لَهُ اشْتِقَاقًا
[ ٣ / ٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلّا أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي وَصْفِ الذّبَابِ: هَزِجٌ، أَيْ: مُتَرَنّمٌ «١»، وَأَمّا الرّجَزُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ رَجَزْت الْحَمْلَ إذَا عَدَلْته بِالرّجَازَةِ، وَهُوَ شَيْءٌ يُعْدَلُ بِهِ الْحَمْلُ، وَكَذَلِكَ الرّجَزُ فِي الشّعْرِ أَشْطَارٌ مُعَدّلَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ رَجَزَتْ النّاقَةُ إذَا أَصَابَتْهَا رِعْدَةٌ عِنْدَ قِيَامِهَا، كَمَا قَالَ الشّاعِرُ: حَتّى تَقُومَ تَكَلّفَ الرّجْزَاءِ «٢» فَالْمُرْتَجِزُ كَأَنّهُ مُرْتَعِدٌ عِنْدَ إنْشَادِهِ لقصر الأبيات «٣» .
_________________
(١) فى المعجم الوسيط: هزج بفتح فكسر هزجا بفتح أوله وثانيه: تغنى والهزج كل صوت فيه ترنم خفيف مطرب وصوت فيه بحح، وصوت الرعد وصوت الذباب، ونوع من بحور الشعر العربى والفارسى، سمى بذلك لتقارب أجزائه، وهى: مفاعيلن ست مرات، ومجزوء وجوبا، أى بأربع تفعيلات، كل اثنتين فى شطرة
(٢) الشطرة فى اللسان وفيه «الرجزاء» وفى الروض كانت الرجزاء بلا همزة. وفى أمالى القالى ج ٢ ص ٢٨٠ والرجز أن يرعد عجز البعير إذا أراد النهوض، وأنشد: تجد القيام كأنما هو نجدة حتى تقوم تكلف الرجزاء وفى سمط اللالى شرح أمالى القالى للبكرى: وهو لأبى النجم ارتجله عند عبد الملك حين قال له: إنك لا تحسن القصيد، فقال: إنى لأحسنه، فعال: فقل فى هذه الجارية، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: شعثاء، وكانت أدماء، فقال: علق الهوى بجبائل الشعثاء والموت بعض حبائل الأهواء والنجدة الشجاعة والشدة ص ٩٢٤.
(٣) الرجز: بحر من بحور الشعر، وقد قال الحربى: لم يبلغنى أنه جرى على-
[ ٣ / ٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: قَدْ سَمِعْنَا الْكُهّانَ، فَمَا هُوَ بِزَمْزَمَةِ الْكَاهِنِ وَلَا سَجْعِهِ: الزّمْزَمَةُ صَوْتٌ ضَعِيفٌ كَنَحْوِ مَا كَانَتْ الْفُرْسُ تَفْعَلُهُ عِنْدَ شُرْبِهَا الْمَاءَ، وَيُقَالُ أَيْضًا:
زَمْزَمَ الرّعْدُ، وَهُوَ صَوْتٌ لَهُ قَبْلَ الْهَدْرِ، وَكَذَلِكَ الْكُهّانُ، كَانَتْ لَهُمْ زَمْزَمَةٌ اللهُ أَعْلَمُ بِكَيْفِيّتِهَا، وَأَمّا زَمْزَمَةُ الْفُرْسِ، فَكَانَتْ مِنْ أُنُوفِهِمْ.
وَقَوْلُ الْوَلِيدِ: إنّ أَصْلَهُ لَعَذْقٌ، وَإِنّ فَرْعَهُ لَجَنَاةٌ. اسْتِعَارَةٌ مِنْ النّخْلَةِ الّتِي ثبت أصلها، وقوى وطلب فَرْعُهَا إذَا جَنَى «١»، وَالنّخْلَةُ هِيَ: الْعَذْقُ بِفَتْحِ
_________________
(١) - لسان النبى ﷺ من ضروب الرجز إلا ضربان: المنهوك والمشطور ولم يعدهما الخليل شعرا، فالمنهوك كقوله: «فى حديث رواه البخارى وأحمد ومسلم والنسائى»: أَنَا النّبِيّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ المطلب والمشطور كقوله، فى رواية جندب «هو فى البخارى» . هَلْ أَنْتَ إلّا إصْبَعٌ دَمِيَتْ وَفِي سَبِيلِ الله ما لقيت وقوله: أنا ابن عبد المطلب ليس افتخارا، فقد كان يكره الانتساب إلى الاباه الكفار. ولكنه أشار إلى رؤيا رآها عبد المطلب كانت مشهوره عندهم، رأى تصديقها، فذكرهم إياها بهذا القول «انظر النهاية لابن الأثير» والرجز مركب من «مستفعلن» ست مرات. والمشطور منه ما كان على ثلاث تفعيلات، ويعتبر البيت فى الوقت. نفسه شطرة فلا يجزأ بعد ذلك مثل: رب أخ لى لم تلده أمى والمنهوك ما بقى على تفعيلتين مثل: إلهنا ما أعد لك ولم تكن العرب تعرف لهذه البحور هذه الأسماء.
(٢) كل ما يجنى فهو جنى وجناة، وفى حواشى أبى ذر: أى: فيه تمريجنى، وفى-
[ ٣ / ٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْعَيْنِ، وَرِوَايَةُ ابْنِ إسْحَاقَ أَفْصَحُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ؛ لِأَنّهَا اسْتِعَارَةٌ تَامّةٌ يُشْبِهُ آخِرُ الْكَلَامِ أَوّلَهُ، وَرِوَايَةُ ابْنِ هِشَامٍ: إنّ أَصْلَهُ لَغَدْقٌ، وَهُوَ الْمَاءُ الْكَثِيرُ، وَمِنْهُ يُقَالُ: غَيْدَقَ الرّجُلُ إذَا كَثُرَ بُصَاقُهُ، وَأَحَدُ أَعْمَامِ النّبِيّﷺ- كَانَ يُسَمّى: الْغَيْدَاقُ لِكَثْرَةِ عَطَائِهِ، وَالْغَيْدَقُ أَيْضًا وَلَدُ الضّبّ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ الْحِسْلِ قَالَهُ قُطْرُبٌ فِي كِتَابِ الْأَفْعَالِ وَالْأَسْمَاءِ لَهُ «١» .
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا» الْآيَاتِ الّتِي نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ، وَفِيهَا لَهُ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ شَدِيدٌ، لِأَنّ مَعْنَى: «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ» أَيْ دَعْنِي وَإِيّاهُ، فَسَتَرَى مَا أَصْنَعُ بِهِ، كَمَا قَالَ: «فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ» القلم: ٤٤ وهى كلمة بقولها الْمُغْتَاظُ إذَا اشْتَدّ غَيْظُهُ وَغَضَبُهُ، وَكَرِهَ أَنْ يَشْفَعَ لِمَنْ اغْتَاظَ عَلَيْهِ، فَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَيْ: لَا شَفَاعَةَ تَنْفَعُ لِهَذَا الْكَافِرِ، وَلَا اسْتِغْفَارَ يَا مُحَمّدٌ مِنْك، وَلَا مِنْ غَيْرِك وَقَوْلُهُ: «وبنين شهودا» أَيْ: مُقِيمِينَ مَعَهُ غَيْرَ مُحْتَاجِينَ إلَى الْأَسْفَارِ والغيبة عنه، لأن ماله كان ممدودا وَالْمَالُ الْمَمْدُودُ عِنْدَهُمْ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، فصاعدا «ومهّدت له تمهيدا»
_________________
(١) - رواية البيهقى: «وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو، وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته» وفى رواية الحاكم: «إنه لمنير أعلاه مشرق أسفله» وقد أخرج الحديث الحاكم وصححه عن ابن عباس، وقريب منه ما رواه ابن جرير وابن أبى حاتم من طرق أخرى.
(٢) انظر ص ٩٢ نوادر أبى زيد.
[ ٣ / ٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَيْ: هَيّأْت لَهُ، وَقَدّمْت لَهُ مُقَدّمَاتٍ اسْتِدْرَاجًا له، وقوله تعالى: «سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا» هِيَ عَقَبَةٌ فِي جَهَنّمَ، يُقَالُ لَهَا: الصّعُودُ مسيرها سبعين سَنَةً، يُكَلّفُ الْكَافِرُ أَنْ يَصْعَدَهَا، فَإِذَا صَعِدَهَا بَعْدَ عَذَابٍ طَوِيلٍ صُبّ مِنْ أَعْلَاهَا، وَلَا يَتَنَفّسُ، ثُمّ لَا يَزَالُ كَذَلِكَ أَبَدًا، كَذَلِكَ جَاءَ فِي التّفْسِيرِ «١» .
وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: «فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ» أَيْ: لُعِنَ كَيْفَمَا كَانَ تَقْدِيرُهُ فَكَيْفَ هَاهُنَا مِنْ حُرُوفِ الشّرْطِ، وَقِيلَ مَعْنَى قُتِلَ: أَيْ هُوَ: أَهْلٌ أَنْ يُدْعَى عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ، وَقَدْ فَسّرَ ابْنُ هِشَامٍ: بَسَرَ وَالْبَسْرُ أَيْضًا: الْقَهْرُ، وَالْبَسْرُ حَمْلُ الْفَحْلِ عَلَى النّاقَةِ قَبْلَ وَقْتِ الضّرَابِ. وَفَسّرَ عِضِينَ، وَجَعَلَهُ مِنْ عَضّيْت أَيْ فَرّقْت، وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا تَعْضِيَةَ فِي مِيرَاثٍ إلّا مَا احْتَمَلَهُ الْقَسْمُ» وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَأْيِهِ فِي كُلّ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إذَا قُسِمَ «٢» أَوْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الشّرِيكَيْنِ أَلّا يُقْسَمَ، وَهُوَ خِلَافُ رَأْيِ مَالِكٍ، وَحُجّةُ مَالِكٍ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: «مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا» النّسَاءِ: ٧.
وَقَدْ قِيلَ فِي عِضِينَ إنه جمع عضة، وهى السّحر وأنشدوا:
_________________
(١) رواه أحمد والترمذى ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة عن دراج، وابن لهيعة ضعيف، وأحسن ما قيل: هو تفسير مجاهد، فقد قال فى تفسير: سأرهقه صعودا: أى: مشقة من العذاب، وقال قتادة: عذاب لا راحة فيه واختاره ابن جرير. أو قربناه من العذاب الشاق لبعده عن الإيمان.
(٢) مثل لهذا الذى يضار به الورثة: قسم الجوهرة أو الطيلسان وما أشبه. ولهذا يباع ويقسم ثمنه بين الورثة، لأن التقسيم فيه ضرر كبير على كل الورثة.
[ ٣ / ٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أعوذ بربى من النافثا ت فى عقد الْعَاضِهِ الْمُعْضِهِ
وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ:
يَا لِلْعَضِيهَةِ «١» وَيَا لِلْأَفِيكَةِ [وَيَا لِلْبَهِيتَةِ]
شَرْحُ لَامِيّةِ أَبِي طَالِبٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَصِيدَةَ أَبِي طَالِبٍ إلَى آخِرِهَا، وَفِيهَا: وَأَبْيَضَ عَضْبٍ مِنْ تُرَاثِ الْمَقَاوِلِ. قَدْ شَرَحْنَا الْأَقْيَالَ وَالْمَقَاوِلَ، فِيمَا تَقَدّمَ، وَتُرَاثٌ أَصْلُهُ:
وُرَاثٌ مِنْ وَرِثْت، وَلَكِنْ لَا تُبْدَلُ هَذِهِ الْوَاوُ تَاءً إلّا فِي مَوَاضِعَ مَحْفُوظَةٍ، وَعِلّتُهَا كَثْرَةُ وُجُودِ التّاءِ فِي تَصَارِيفِ الْكَلِمَةِ، فَالتّرَاثُ مَالٌ قَدْ تُوُورِثَ، وَتَوَارَثَهُ قَوْمٌ عَنْ قَوْمٍ، فَالتّاءُ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي التّوْرِيثِ وَالتّوَارُثِ، وَكَذَلِكَ تُجَاهُ الْبَيْتِ، التّاءُ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي التّوَجّهِ وَالتّوْجِيهِ وَنَحْوِهِ، فَلَمّا أَلْفَوْهَا فِي تَصَارِيفِ الْكَلِمَةِ لَمْ يُنْكِرُوا قَلْبَ الْوَاوِ إلَيْهَا، كَمَا فَعَلُوا فِي رَيْحَانٍ وهو من الرّوح لكثرة الياء
_________________
(١) كسرت اللام فى ثلاث الكلمات على معنى: اعجبو لهذا العضيهة الخ، فإذا فتحت فمعناه الاستغاثة، ويقال ذلك عند التعجب من الإفك العظيم والزيادة من اللسان. وعضه بفتح الضاد وكسرها، وأعضه جاء بالعضيهة، وعضهه يعضهه بفتح الضاد. قال فيه ما لم يكن وفى البخارى عن ابن عباس فى هذه الاية أنه قال: هم أهل الكتاب جزأوه أجزاء، فامنوا ببعض، وكفروا ببعض ونسب إلى ابن عباس أيضا فى غير البخارى أنه قال عن عضين: السحر. قال عكرمة: العضه: السحر بلسان قريش. ورأى ابن عباس الذى ذكره البخارى هو الأوفق
[ ٣ / ٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي تَصَارِيفِ الْكَلِمَةِ، كَمَا قَدّمْنَا قَبْلُ، وَهِيَ فِي تُرَاثٍ وَبَابِهِ أَبْعَدُ؛ لِأَنّ الْيَاءَ الْمَأْلُوفَةَ فِي مَادّةِ الْكَلِمَةِ زَائِدَةٌ، وَيَاءُ رَيْحَانٍ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ التّكَأَةُ مِنْ تَوَكّأْت وَتَتْرَى مِنْ التّوَاتُرِ، وَالتّوَلّجُ مِنْ التّوَلّجِ وَالْمُتّلِجِ، لِأَنّهُمْ يَقُولُونَ: اتّلَجَ بِالتّشْدِيدِ، فَتَصِيرُ الْوَاوُ تَاءً لِلْإِدْغَامِ، حَتّى يقولوا: متّلج فيجعلونها تاء دون الإدغام، وهذا أَشْبَهُ بِقِيَاسِ رَيْحَانٍ وَبَابِهِ؛ فَإِنّ التّاءَ الْأُولَى مِنْ مُتّلِجٍ أَصْلِيّةٌ وَهِيَ فِي مُتّلِجٍ إذَا ضُعّفَتْ أَصْلِيّةٌ أَيْضًا، فَهِيَ هِيَ، فَقِفْ عَلَى هذا الأصل؛ فإنه سز الباب «١» . وأراد بالمقاول: آباءه، شبههم بالملوك، ولم يَكُونُوا مُلُوكًا، وَلَا كَانَ فِيهِمْ مِنْ مَلِكٍ بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ حِينَ قَالَ لَهُ هِرَقْلُ:
هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ فَقَالَ: لَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا السّيْفُ الّذِي ذَكَرَ أَبُو طَالِبٍ مِنْ هِبَاتِ الْمُلُوكِ لِأَبِيهِ، فَقَدْ وَهَبَ ابْنُ ذِي يَزَنَ لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ هِبَاتٍ جَزْلَةً حِينَ وَفَدَ عَلَيْهِ مَعَ قُرَيْشٍ، يُهَنّئُونَهُ بِظَفْرِهِ بِالْحَبَشَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْلِدِ رَسُولِ اللهِﷺ- بِعَامَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: مُوَسّمَةُ الْأَعْضَادِ أَوْ قَصِرَاتُهَا: يَعْنِي [مُعَلّمَةٌ] بسمة فى أعضادها «٢»،
_________________
(١) جاء فى شرح الشافية للرضى: «اعلم أن التاء قريبة من الواو فى المخرج لكون التاء من أصول الثنايا، والواو من الشفتين، ويجمعهما الهمس، فتقع التاء بدلا منها كثيرا، لكنه مع ذلك غير مطرد إلا فى باب افتعل نحو تراث وتولج وتترى من المواترة والتلج بضم التاء وفتح اللام «فزخ العقاب» والتكأة وتقوى. وتوراة عند البصريين فوعلة من ورى الزند كتولج، فإن كتاب الله نور، وعند الكوفيين هما تفعله وتفعل، والأول أولى لكون فوعل أكثر من تفعل» ص ٨٠ ح ٣ ومنه تجاه، وتكلان وتلاد، وتيقور، وتهمة وتوأم، وتخمة وتلاد فأصلها: وجه، ووكل وولاد، ووقر ووهم ووأم ووخم وولاد وأصل توراة: ووراة.
(٢) موسمة الأعضاد: معلمة، والسمة العلامة، القصرات: أصول الأعناق وزيادة معلمة التى وضعتها بين قوسين يقتضيها السياق.
[ ٣ / ٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَيُقَالُ لِذَلِكَ الْوَسْمِ السّطَاعُ وَالْخِبَاطُ فِي الْفَخِذِ وَالرّقْمَةُ أَيْضًا فِي الْعَضُدِ، وَيُقَالُ لِلْوَسْمِ فِي الْكَشْحِ: الْكِشَاحُ وَلِمَا فِي قَصَرَةِ الْعُنُقِ: الْعِلَاطُ، وَالْعَلْطَتَانِ وَالشّعْبُ أَيْضًا فِي الْعُنُقِ، وَهُوَ كَالْمِحْجَنِ، وَفِي الْعُنُقِ وَسْمٌ آخَرُ أَيْضًا يُقَالُ لَهُ: قَيْدُ الْفَرَسِ. قَالَ الرّاجِزُ: كُومٌ عَلَى أَعْنَاقِهَا قَيْدُ الْفَرَسْ تَنْجُو إذَا اللّيْلُ تَدَانَى، وَالْتَبَسْ وَلِوُسُومِ الْإِبِلِ أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ وَبَابٌ طَوِيلٌ، ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ أَكْثَرَهُ فِي كِتَابِ الْإِبِلِ، فَمِنْهَا الْمُشَيْطَنَةُ وَالْمُفَعّاةُ وَالْقُرْمَةُ وَهِيَ فِي الْأَنْفِ، وَكَذَلِكَ الْجُرْفُ وَالْخُطّافُ وَهِيَ فِي الْعُنُقِ، وَالدّلْوُ وَالْمُشْطُ وَالْفِرْتَاجُ وَالثّؤْثُورُ وَالدّمَاعُ فِي مَوْضِعِ الدّمْعِ، وَالصّدَاغُ فِي مَوْضِعِ الصّدْغِ وَاللّجَامُ مِنْ الْخَدّ إلَى الْعَيْنِ، يُقَالُ مِنْهُ: بَعِيرٌ مَلْجُومٌ، وَالْهِلَالُ وَالْخِرَاشُ وَهُوَ مِنْ الصّدْغِ إلَى الذّقَنِ. وَقَوْلُهُ: أَوْ قَصَرَاتُهَا جَمْعُ قَصَرَةٍ، وَهِيَ أَصْلُ الْعُنُقِ، وَخَفْضُهَا بِالْعَطْفِ عَلَى الْأَعْضَادِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ كَمَا تَقُولُ: هُوَ ضَارِبُ الرّجُلِ وَزَيْدًا فِي بَابِ اسْمِ الْفَاعِلِ؛ لِأَنّ قَوْلَهُ: مُوَسّمَةُ الْأَعْضَادِ مِنْ بَابِ الصّفَةِ الْمُشَبّهَةِ، وَهِيَ لَا تَعْمَلُ إلّا مُضْمَرَةً، وَاسْمُ الْفَاعِلِ يُضْمَرُ إذَا عُطِفَ عَلَى الْمَخْفُوضِ، وَذَلِكَ أَنّ الصّفَةَ لَا تَعْمَلُ بِالْمَعْنَى، وَإِنّمَا تَعْمَلُ بِشَبَهِ لَفْظِيّ بَيْنَهَا، وَبَيْنَ اسْمِ الْفَاعِلِ، فَإِذَا زَالَ اللّفْظُ، وَرَجَعَ إلَى الْإِضْمَارِ لَمْ تَعْمَلْ، وَتُخَالِفُ اسْمَ الْفَاعِلِ أَيْضًا؛ لِأَنّ مَعْمُولَهَا لَا يَتَقَدّمُ عَلَيْهَا، كَمَا يَتَقَدّمُ الْمَفْعُولُ عَلَى اسْمِ الْفَاعِلِ، وَذَلِكَ أَنّ مَنْصُوبَهَا فَاعِلٌ فِي الْمَعْنَى، وَالْفَاعِلُ لَا يَتَقَدّمُ، وَالصّفَةُ
[ ٣ / ٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَا يُفْصَلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَنْصُوبِهَا بِالظّرْفِ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ، وَالصّفَةُ لَا تَعْمَلُ إلّا بِمَعْنَى الْحَالِ، وَاسْمُ الْفَاعِلِ يَعْمَلُ بِمَعْنَى الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ، نَعَمْ وَيَعْمَلُ بِمَعْنَى الْمَاضِي إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْأَلِفُ وَاللّامُ، وَلَوْ رُوِيَ: مُوَسّمَةُ الْأَعْضَادَ بِنَصْبِ الدّالِ عَلَى مَعْنَى: مُوَسّمَةٌ الْأَعْضَادَ بِالتّنْوِينِ، وَحَذْفُهُ لِالْتِقَاءِ السّاكِنَيْنِ، لَجَازَ كَمَا رُوِيَ فى شعر حندج «١»:
كبكر مقاناة البياض
_________________
(١) فى الأصل: جتدح، ومقنأة التى ستأتى فى الشطرة، وهما خطأ، والصواب ما أثبته، وجاء صواب مقنأة فى موضع آخر من الروض. وحندج هو امرؤ القيس الشاعر الجاهلى، والشعر من معلقته المشهورة، والرواية فى المعلقة، وفى اللسان هكذا. كبكر المقاناة الْبَيَاضُ بِصُفْرَةِ غَذَاهَا نَمِيرُ الْمَاءِ غَيْرَ مُحَلّلِ اليكر من كل صنف ما لم يسبقه مثله. والمقاناة: الخلط، والمقاناة- كما يقول الزوزنى- مصوغة للمفعول دون المصدر، وفى اللسان: فى شرح كبكر ألخ.. أى: كالبيضة التى هى أول بيضة باضتها النعامة التى قونى بياضها بصفرة، أى: خلط بياضها بصفرة.. فترك الألف واللام من البكر، وأضاف البكر إلى نعتها» وفى اللسان له معنى آخر: «أراد: كبكر الصدفة المقاناة البياض بصفرة؛ لأن فى الصدفة لونين من بياض وصفرة أضاف الدرة إليها» وبكر الصدفه درتها التى لم ير مثلها. شبهها فى صفاء اللون ونقائه بدرة فريدة تضمنتها صدفة بيضاء شابت بياضها صفرة، ويقول الزوزونى: يروى البيت بنصب البياض وخفضه، وهما جيدان بمنزلة قولهم زيد الحسن الوجه، والحسن الوجه الخفض على الإضافة والنصب على التشبيه كقولهم: زيد الضارب الرجل» ص ١٥ وما بعدها لأبى عبد الله الحسين بن أحمد بن الحسين الزوزنى ط ١٢٨٨ واللسان مادة قنا. هذا ورواية مقاناة مقترنة بالألف واللام لا تأتى بالتنوين. وقد جاء تصويب مقنأة فى مكان آخر بمقاناة.
[ ٣ / ٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالنصب وبالرفع أيضا، أى: البياض منها عَلَى نِيّةِ التّنْوِينِ فِي مُقَانَاةٍ، وَحَذْفه لِالْتِقَاءِ السّاكِنَيْنِ، وَأَمّا الْخَفْضُ فَلَا خَفَاءَ بِهِ، وَإِذَا كَانَتْ الْقَصَرَاتُ مَخْفُوضَةً بِالْعَطْفِ عَلَى الْأَعْضَادِ، فَفِيهِ شَاهِدٌ لِمَنْ قَالَ: هُوَ حَسَنٌ وَجْهِهِ كَمَا رَوَى سِيبَوَيْهِ حِينَ أَنْشَدَ:
كُمَيْتَا الْأَعَالِي جَوْنَتَا مصطلاهما «١»
_________________
(١) أنشده سيبويه فى الكتاب ص ١٠٢ ح ١ ط ١٣١٦ فى بيتين للشماخ ابن ضرار من قصيدة تبلغ أكثر من عشرين بيتا، والبيتان اللذان أنشدهما سيبويه أمن دمثين عرس الركب فيهما بحقل الرخامى قد عفا طللاهما أقامت على ربعيهما جارتا صفا كميتا الأعالى جونتا مصطلاهما وتروى الشطرة الثانية من البيت الأول: «قد أنى لبلاهما» وفى الشعر شاهد على أن الصفة المشبهة قد تضاف إلى ظاهر مضاف إلى ضمير صاحبها. والدمنة: الموضع الذى أثر الناس فيه بنزولهم وإقامتهم، وعرس: نزل آخر الليل قليلا للاستراحة، والركب: جمع راكب والطلل: ما بقى من آثار الدار، والرخامى: شجر مثل الضال، وهو السدر البرى. والبلى: الفناء، وأنى: حان. والربع: الدار والمنزل، والضمير فى ربعيهما للدمنتين خلافا للمرتضى الذى يزعم فى أماليه أنه لامرأتين سيأتى ذكرهما، ولم يتقدم. والصفا: الجبل. وجارتاه: أثفيتان- أى حجران للقدر- مقطوعتان من الجبل، وتقربان منه، فيكون هو ثالثة الأثافى. وكميتا الأعالى: صفة جارتا صفا، وكميتا مثنى: كميت بالتصغير من الكمتة، وهى الحمرة الشديدة المائلة إلى السواد، الأعالى: أعالى الجارتين شبه أعلاهما بلون الكميت؛ لأن النار لم تصل إليه فتسوده، وجونتا مصطلاهما-
[ ٣ / ٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفِي حَدِيثِ أُمّ زَرْعٍ: صُفْرُ رِدَائِهَا، وَمِلْءُ كسائها «١» مثل حسنة وجهها،
_________________
(١) - صفة أخرى لجارتا صفا، والجونة: السوداء، وهو صفة مشبهة، والمصطلى اسم مكان الصلاء، أى: الاحتراق بالنار، فيكون المصطلى موضع إحراق النار. يريد إن أسافل الأثافى «الأثافى هى أرجل القدر الذى يطبخ عليه» قد اسودت من إيقاد النار بينها كل هذا فى وصف القدر الذى كان للأحبة بجواز الجبل يوقدون فيه النار. ومحل الشاهد فى قوله: جونتا مصطلاهما. فإنه أضاف جونتا إلى مصطلاهما، فجونتا بمنزلة: حسنتا، ومصطلاهما بمنزلة. وجههما، والضمير الذى فى مصطلاهما يعود على قوله: جارتا صفا، وفى خزانة الأدب للبغدادى تفصيل لما دار حول هذا البيت الذى استشهد به سيبويه «أقامت على ربعيهما» الخ فى قرابة عشر صفحات من ٢١٩ إلى ٢٢٨ ح ٤ ط السلفية، وانظر كتاب سيبويه ص ١٠٢ ح ١، والأمالى للمرتضى ح ٣ ص ١١٨ والأشمونى مع حاشية الصبان ح ٣ ص ١٠ ط ١٣٠٥.
(٢) حديث أم زرع أخرجه البخارى ومسلم والترمذى فى الشمائل والطبرانى وأبو يعلى وغيرهم، وفيه تتحدث عائشةرضي الله عنها- عن إحدى عشرة امرأة من أهل اليمن تعاهدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا، ثم مضت تقص عائشة ما قالته كل زوجة حتى الحادية عشرة التى قالت: زوجى أبو زرع، وما أبو زرع؟ .. ثم مضت هذه فى ثنائها العظيم على زوجها وأهله حتى بلغت ذكر ابنة أبى زرع، فقالت عنها: «طوع أبيها، وطوع أمها، وزين أهلها ونسائها، وملء كسائها، وصفر ردائها، وغيظ جارتها» ثم تختم عائشة ﵂ قصة أم زرع بأن زوجها طلقها، فنكحت بعده رجلا سريا تقول عنه أم زرع: «لو جمعت كل شىء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبى زرع» قالت عائشة: فقال لى رسول الله «ص» كنت لك كأبى زرع لأم زرع إلا أنه طلقها، وإنى لا أطلقك، فقالت عائشة: «بأبى أنت وأمى، لأنت خير لى من أبى زرع لأم زرع والمقصود من صفر ردائها أنها ضامرة البطن، فكان رداؤها صفرا أى خاليا لشدة ضمور بطنها، والرداء ينتهى إلى البطن، فيقع عليه.
[ ٣ / ٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفِي الْأَمَالِي مِنْ صِفَةِ النّبِيّ ﷺ: شئن الْكَفّيْنِ «١» طَوِيلُ أَصَابِعِهِ، أَعْنِي: مِثْلَ صِفْرِ رِدَائِهَا.
وقوله: ترى الودع فيه. الودع فيه. وَالْوَدْعُ بِالسّكُونِ وَالْفَتْحِ: خَرَزَاتٌ تُنْظَمُ، وَيَتَحَلّى بِهَا النّسَاءُ وَالصّبْيَانُ كَمَا قَالَ:
[السّنّ مِنْ جَلْنَزِيزٍ عَوْزَمٍ خَلَقٍ] وَالْحِلْمُ حِلْمُ صَبِيّ يَمْرُسُ «٢» الْوَدَعَهْ
وَقَالَ الشّاعِرُ:
إنّ الرّوَاةَ بِلَا فَهْمٍ لِمَا حَفِظُوا مِثْلَ الْجِمَالِ عَلَيْهَا يُحْمَلُ الْوَدَعُ
لَا الْوَدْعُ يَنْفَعُهُ حَمْلُ الْجِمَالِ لَهُ وَلَا الْجِمَالُ بِحَمْلِ الْوَدْعِ تَنْتَفِعُ
وَيُقَالُ: إنّ هَذِهِ الْخَرَزَاتِ يَقْذِفُهَا الْبَحْرُ، وَأَنّهَا حَيَوَانٌ فِي جَوْفِ الْبَحْرِ، فَإِذَا قَذَفَهَا مَاتَتْ، وَلَهَا بَرِيقٌ وَلَوْنٌ حَسَنٌ، وَتَصَلّبُ صَلَابَةَ الْحَجَرِ، فَتُثْقَبُ، وَيُتّخَذُ مِنْهَا الْقَلَائِدُ، وَاسْمُهَا مُشْتَقّ مِنْ وَدَعْته أَيْ: تَرَكْته، لِأَنّ البحر ينصب
_________________
(١) ورد أنه شئن الكفين والقدمين فى أحاديث بعضها رواه البخارى والترمذى، والمعنى أن كفيه وقدميه يميلان إلى الغلظ والقصر، وقيل: هو الذى فى أنامله غلظ بلا قصر ويحمد؟؟؟ هذا فى الرجل لأنه أشد لقبضته، ويذم فى النساء وفى حديث المغيرة «؟؟؟ الكف. أى غليظته»
(٢) يلوكه ويمصه والبيت فى الأصمعيات لرجل من تميم
[ ٣ / ٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَنْهَا وَيَدَعُهَا، فَهِيَ وَدَعٌ مِثْلَ قَبَضٍ وَنَفَضٍ «١»، وَإِذَا قُلْت الْوَدْعَ بِالسّكُونِ فَهِيَ مِنْ بَابِ مَا سُمّيَ بِالْمَصْدَرِ.
وَقَوْلُهُ: وَالرّخَامَ أَيْ: مَا قُطِعَ مِنْ الرّخَامِ، فَنُظِمَ وَهُوَ حَجَرٌ أَبْيَضُ نَاصِعٌ: وَالْعَثَاكِلُ: أَرَادَ الْعَثَاكِيلَ «٢»، فَحَذَفَ الْيَاءَ ضَرُورَةً كَمَا قَالَ ابْنُ مُضَاضٍ: وَفِيهَا الْعَصَافِرُ، أَرَادَ: الْعَصَافِيرَ، وَفِي أَوّلِ الْقَصِيدَةِ: وَقَدْ حَالَفُوا قَوْمًا عَلَيْنَا أَظِنّةً [جَمْعُ ظَنِينٍ «٣»] أَيْ مُتّهَمٌ، وَلَوْ كَانَ بِالضّادِ مَعَ قَوْلِهِ: عَلَيْنَا، لَعَادَ مَعْنَاهُ مَدْحًا لَهُمْ، كَأَنّهُ قَالَ: أَشِحّةً عَلَيْنَا، كَمَا أَنْشَدَ عَمْرُو بْنُ بَحْرٍ [الْجَاحِظُ]:
لَوْ كُنْت فِي قَوْمٍ عَلَيْك أَشِحّةً عَلَيْك أَلَا إنّ مَنْ طَاحَ طَائِحُ
يَوَدّونَ لَوْ خَاطُوا عَلَيْك جلودهم وهل يدفع الموت النفوس الشحائح «٤»
_________________
(١) القبض بمعنى: مقبوض. النفض بفتح وسكون: مصدر نفضت الثوب والشجرة وبالتحريك ما تساقط من الورق والثمر والنفض بفاء ساكنة مع كسر النون: خرء النحل فى العسالة أو ما مات منه فيها. أو هو بالقاف وبالتحريك: ما سقط من الورق والثمر وحب العنب حين يوجد بعضه فى بعض.
(٢) العثاكل: جمع عثكال، وعثكول: الأغصان التى ينبت عليها الثمر «الخشنى»
(٣) زيادة ليست فى الأصل والسياق يقتضيها.
(٤) البيتان فى البيان والتبيين لأبى عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ص ٥٠ ح ١. ط ١٩٤٨ والبيت الأول يروى هكذا.. لقد كنت فى قوم عليك أشحة بنفسك لولا أن من طاح طائح وهما للأغر، والأغر لقب لشاعرين من بنى يشكر بن وائل.
[ ٣ / ٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفِيهَا:
وَثَوْرٍ وَمَنْ أَرْسَى ثَبِيرًا مَكَانَهُ وَرَاقٍ لِيَرْقَى فِي حِرَاءَ وَنَازِلِ
ثَوْرٌ: جَبَلٌ بِمَكّةَ، وَثَبِيرٌ: جَبَلٌ مِنْ جِبَالِهَا ذَكَرُوا أَنّ ثَبِيرًا كَانَ رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْجَبَلِ، فَعُرِفَ الْجَبَلُ بِهِ، كَمَا عُرِفَ أَبُو قبيس يقبيس بْنِ شَالَحٍ رَجُلٍ مِنْ جُرْهُمٍ، كَانَ قَدْ وَشَى بَيْنَ عَمْرِو بْنِ مُضَاضٍ، وَبَيْنَ ابْنَةِ عَمّهِ مَيّةَ، فَنَذَرَتْ أَلّا تُكَلّمَهُ، وَكَانَ شَدِيدَ الْكَلَفِ بِهَا، فَحَلَفَ لَيَقْتُلَن قُبَيْسًا، فَهَرَبَ مِنْهُ فِي الْجَبَلِ الْمَعْرُوفِ بِهِ، وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ فَإِمّا مَاتَ، وَإِمّا تَرَدّى مِنْهُ، فَسُمّيَ الْجَبَلُ: أَبَا قُبَيْسٍ «١» وَهُوَ خَبَرٌ طَوِيلٌ ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ.
وَقَوْلُهُ: وَرَاقٍ لِيَرْقَى قَدْ تَقَدّمَ الْقَوْلُ فِيهِ، وَأَصَحّ الرّوَايَتَيْنِ فِيهِ: وراق لبرّ فى حِرَاءَ وَنَازِلِ «٢» . قَالَ الْبَرْقِيّ: هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ إسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الصّوَابُ. قَالَ الْمُؤَلّفُ: فَالْوَهْمُ فِيهِ إذًا مِنْ ابْنِ هِشَامٍ، أَوْ مِنْ الْبَكّائِيّ.
وَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: وَبِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، فِيهِ زحاف «٣» يسمى: الكفّ، وهو حذف
_________________
(١) فى القاموس: سمى برجل من مذحج حداد لأنه أول من بنى فيه.
(٢) وفى رواية: وعير وراق فى حراء ونازل.. وعير: اسم جبل.
(٣) فى السيرة: المسود. فلا يكون زحاف الكف
[ ٣ / ٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النّونِ مِنْ مَفَاعِيلُنْ «١» وَهُوَ بَعْدَ الْوَاوِ مِنْ الْأَسْوَدِ وَنَحْوِهِ قَوْلُ حُنْدُجٍ:
أَلَا رُبّ يَوْمٍ لَك مِنْهُنّ صَالِحُ «٢»
وَمَوْضِعُ الزّحَافِ بَعْدَ اللّامِ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: إذَا اكْتَنَفُوهُ بِالضّحَى وَالْأَصَائِلِ. الْأَصَائِلُ: جَمْعُ أَصِيلَةٍ، وَالْأُصُلُ جَمْعُ أَصِيلٍ، وَذَلِكَ أَنّ فَعَائِلَ جَمْعُ فَعِيلَةٍ، وَالْأَصِيلَةُ: لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي الْأَصِيلِ، وَظَنّ بَعْضُهُمْ أَنّ أَصَائِلَ: جَمْعُ آصَالٍ عَلَى وَزْنِ أَفْعَالٍ، وَآصَالٌ: جَمْعُ أَصْلٍ نَحْوَ أَطْنَابٍ وَطُنُبٍ، وَأُصُلٌ: جَمْعُ أَصِيلٍ مِثْلَ رُغُفٍ: جَمْعُ رَغِيفٍ، فَأَصَائِلُ عَلَى قَوْلِهِمْ: جَمْعُ جَمْعِ الْجَمْعِ، وَهَذَا خَطَأٌ بَيّنٌ مِنْ وُجُوهٍ، مِنْهَا: أَنّ جَمْعَ جَمْعِ الْجَمْعِ لَمْ يُوجَدْ قَطّ فِي الْكَلَامِ، فَيَكُونُ هَذَا نَظِيرَهُ، وَعَنْ جهة القياس إذا كَانُوا لَا يَجْمَعُونَ الْجَمْعَ الّذِي لَيْسَ لِأَدْنَى الْعَدَدِ، فَأَحْرَى أَلّا يَجْمَعُوا جَمْعَ الْجَمْعِ، وَأَبْيَنُ خَطَأٍ فِي هَذَا الْقَوْلِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ الْهَمْزَةِ الّتِي هِيَ فَاءُ الْفِعْلِ الّتِي فِي أَصِيلٍ وَأُصُلٍ، وَكَذَلِكَ. هِيَ فَاءُ الْفِعْلِ فِي أَصَائِلَ، لِأَنّهَا فَعَائِلُ، وَتَوَهّمُوهَا زَائِدَةً كَاَلّتِي فِي أَقَاوِيلَ، وَلَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ كَانَتْ الصّادُ فَاءَ الْفِعْلِ، وَإِنّمَا هِيَ عَيْنُهُ، كَمَا هِيَ فِي أَصِيلٍ وَأُصُلٍ، فَلَوْ كَانَتْ أَصَائِلُ جَمْعَ آصَالٍ، مِثْلَ أقوال
_________________
(١) من تفعيلات البحر الطويل وهى: فعولن مفاعيلن. أربع مرات البيت الواحد.
(٢) هو من معلقته، وشطرته الأخرى: ولا سيما يوم بدارة جلجل. والشطرة الأولى رواية لم بدخلها زحاف الكف، وهى: ألا رب يوم كان منهن صالح. ودارة جلجل: غدير بعينه.
[ ٣ / ٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَقَاوِيلَ لَاجْتَمَعَتْ هَمْزَةُ الْجَمْعِ مَعَ هَمْزَةِ الْأَصْلِ وَلَقَالُوا فِيهِ: أَوَاصِيلُ بِتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ الثّانِيَةِ، وَوَجْهٌ آخَرُ مِنْ الْخَطَأِ بَيّنٌ أَيْضًا، وَهُوَ أَنّ أَفَاعِيلَ جَمْعُ أَفْعَالٍ، لَا بُدّ مِنْ يَاءٍ قَبْلَ آخِرِهِ، كَمَا قَالُوا فِي أَقَاوِيلَ، فَكَانَ يَكُونُ أَوَاصِيلَ، وَلَيْسَ فِي أَصَائِلَ حَرْفُ مَدّ وَلِينٍ قَبْلَ آخِرِهِ إنّمَا هِيَ هَمْزَةُ فَعَائِلَ، وَمِنْ الْخَطَأِ فِي قَوْلِهِمْ أَيْضًا: أَنْ جَعَلُوا أُصُلًا جَمْعًا كَثِيرًا مِثْلَ رُغُفٍ، ثُمّ زَعَمُوا أَنّ آصَالًا جَمْعٌ لَهُ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ فِي رُغُفٍ جَمْعُ أَرْغَافٍ، فَإِنْ قِيلَ: فَجَمْعُ أَيّ شَيْءٍ هِيَ آصَالٌ؟ قُلْنَا: جَمْعَ أُصُلٍ الّذِي هُوَ اسْمٌ مُفْرَدٌ فِي مَعْنَى الْأَصَائِلِ لَا جَمْعَ أُصُلٍ الّذِي هُوَ جَمْعٌ، فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يُقَالُ أُصُلٌ وَاحِدٌ، كَمَا يُقَالُ أَصِيلٌ وَاحِدٌ؟
قُلْنَا: قَدْ قَالَ بَعْضُ أَرْبَابِ اللّغَةِ ذَلِكَ، وَاسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِ الْأَعْشَى:
يَوْمًا بِأَطْيَبَ مِنْهَا نَشْرَ رَائِحَةٍ وَلَا بِأَحْسَنَ مِنْهَا إذْ دَنَا الْأُصُلُ «١»
أَيْ: دَنَا الْأَصِيلُ، فَإِنْ صَحّ أَنّ الْأُصُلَ بِمَعْنَى الْأَصِيلِ، وَإِلّا فَآصَالُ جَمْعُ أَصِيلٍ عَلَى حَذْفِ الْيَاءِ الزّائِدَةِ مِثْلَ طَوِيّ «٢» وَأَطْوَاءٍ، وَلَا أَعْرِفُ أَحَدًا قَالَ هَذَا الْقَوْلَ، أَعْنِي: جَمْعَ جَمْعِ الْجَمْعِ غَيْرِ الزّجّاجِيّ وابن عزيز.
_________________
(١) قصيدة أولها: «ودع هريرة إن الركب مرتحل» ومنها قبل هذا البيت ما روضة من رياض الحزية معشبة خضراء جاد عليها مسبل هطل يضاحك الشمس منها كوكب شرق مؤزر بعميم النبت مكتهل يَوْمًا بِأَطْيَبَ مِنْهَا نَشْرَ رَائِحَةٍ وَلَا بِأَحْسَنَ منها إذ دنا الأصل
(٢) الطوى كغنى: البئر.
[ ٣ / ٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: وَمَوْطِئِ إبْرَاهِيمَ فِي الصّخْرِ رَطْبَةً. يَعْنِي مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ حِينَ غُسِلَتْ كَنّتْهُ «١» رَأْسَهُ، وَهُوَ رَاكِبٌ، فَاعْتَمَدَ بِقَدَمِهِ عَلَى الصّخْرَةِ حِينَ أَمَالَ رَأْسَهُ لِيَغْسِلَ، وَكَانَتْ سَارّةُ قَدْ أَخَذَتْ عَلَيْهِ عَهْدًا حِينَ اسْتَأْذَنَهَا فِي أَنْ يُطَالِعَ تَرِكَتَهُ «٢» بِمَكّةَ، فَحَلَفَ لَهَا أَنّهُ لَا يَنْزِلُ عَنْ دَابّتِهِ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى السّلَامِ، وَاسْتِطْلَاعُ الْحَالِ غَيْرَةٌ مِنْ سَارّةَ عَلَيْهِ مِنْ هَاجَرَ، فَحِينَ اعْتَمَدَ عَلَى الصّخْرَةِ أَبْقَى اللهُ فِيهَا أَثَرَ قَدَمِهِ آيَةً. قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ آلِ عِمْرَانَ: ٩٧ أَيْ: مِنْهَا مَقَامُ إبْرَاهِيمَ، وَمَنْ جَعَلَ مَقَامًا بَدَلًا مِنْ آيَاتٍ، قَالَ: الْمَقَامُ جَمْعُ مَقَامَةٍ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ أَثَرُ قَدَمِهِ حِينَ رَفَعَ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِ «٣» .
وَقَوْلُهُ: بَيْنَ الْمَرْوَتَيْنِ: هُوَ كَنَحْوِ مَا تَقَدّمَ فِي بَطْنِ الْمَكّتَيْنِ والحمّتين
_________________
(١) الكنيت بفتح فكسر: سقاء مسيك- بكسر فسين مشددة مكسورة- كثير الأخذ للماء والكنة: امرأة الابن يعنى امرأة إسماعيل
(٢) بسكون الراء وفتح التاء بيض النعام يريد به ولده إسماعيل وأمه هاجر ولو روى بكسر الراء لكان من التركة، وهى الشىء المتروك.
(٣) روى عن ابن عباس أن المقام هو الحرم كله، أو الحج كله، وعن سعيد بن جبير: الحجر مقام إبراهيم، فكان يقوم عليه، ويناوله إسماعيل الحجارة، ولو غسل رأسه كما يقولون لاختلت رجلاه، واختار ابن كثير أنه الحجر الذى كان إبراهيم ﵇ يقوم عليه لبناء الكعبة لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل ﵇ به ليقوم فوقه، ويناوله الحجارة، فيضعها بيده لرفع الجدار. وكلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التى تليها، وكان هذا المقام ملصقا بجدار الكعبة قديما، ومكانه اليوم معروف.
[ ٣ / ٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَعُنَيْزَتَيْنِ، مِمّا وَرَدَ مُثَنّى مِنْ أَسْمَاءِ الْمَوَاضِعِ، وَهُوَ وَاحِدٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَذَكَرْنَا الْعِلّةَ فِي مَجِيئِهِ مُثَنّى وَمَجْمُوعًا فِي الشّعْرِ. وَفِيهَا قَوْلُهُ:
وَبِالْمَشْعَرِ الْأَقْصَى إذَا قَصَدُوا لَهُ أَلَالًا
الْبَيْتَ. فَالْمَشْعَرُ الْأَقْصَى: عَرَفَةُ، وَأَلَالًا: جَبَلُ عَرَفَةَ. قال النابغة:
يزرن أَلَالًا سَيْرُهُنّ التّدَافُعُ «١»
وَسُمّيَ: أَلَالًا لِأَنّ الْحَجِيجَ إذا رأوه ألّوافى السّيْرِ أَيْ: اجْتَهَدُوا فِيهِ؛ لِيُدْرِكُوا الْمَوْقِفَ قَالَ الرّاجِزُ:
مُهْرَ أَبِي الْحَبْحَابِ لَا تَشَلّي بَارّك فِيك اللهُ مِنْ ذِي أَلّ «٢»
وَالشّرَاجُ: جَمْعُ شَرْجٍ، وَهُوَ مَسِيلُ الْمَاءِ، وَالْقَوَابِلُ: الْمُتَقَابِلَةُ. وَفِيهَا قَوْلُهُ: وَحَطْمُهُمْ سُمْرَ الصّفَاحِ: جَمْعُ صَفْحٍ، وَهُوَ سَطْحُ الْجَبَلِ، وَالسّمْرُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ السّمُرَ، يُقَالُ فِيهِ: سَمُرَ وَسَمْرَ بِسُكُونِ الْمِيمِ، وَيَجُوزُ نَقْلُ ضَمّةِ الْمِيمِ إلَى مَا قَبْلَهَا إلَى السّينِ، كَمَا قَالُوا فِي حَسُنَ: حُسْنَ، وَكَذَا وَقَعَ فِي الْأَصْلِ بِضَمّ السّينِ، غَيْرَ أَنّ هَذَا النّقْلَ إنّمَا يَقَعُ غَالِبًا فيما يراد به المدح أو الذم
_________________
(١) شطرة البيت الأولى: «بمصطحبات من لصاف وثبرة» وفى المراصد: إلال: جبل بعرفات. قيل جبل رمل بعرفات عليه يقوم الإمام، وقيل عن يمين الإمام، وقيل: هو جبل عرفة نفسه. وفى البكرى قريب مما ذكر المراصد. وقد يقال عنه الإل، والإل كسحاب أو كبلال.
(٢) البيت لأبى الخضر اليربوعى يمدح عبد الملك بن مروان، وكان أجرى مهرا، فسبق. وانظر ص ٢٣ إصلاح المنطق لابن السكيت.
[ ٣ / ٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَحْوَ حَسُنَ وَقَبُحَ، كَمَا قَالَ: وَحُسْنَ ذَا أَدَبًا. أَيْ حَسُنَ ذَا أَدَبًا «١»، وَجَائِزٌ أَنْ يُرَادَ بِالسّمْرِ هَهُنَا جَمْعُ: أَسْمَرَ وَسَمْرَاءَ وَيَكُونُ وَصْفًا لِلنّبَاتِ، وَالشّجَرِ كَمَا يُوصَفُ بِالدّهْمَةِ إذَا كَانَ مُخَضّرًا، وَفِي التّنْزِيلِ: مُدْهامَّتانِ الرّحْمَنِ: ٦٤ أَيْ: خَضْرَاوَانِ إلَى السّوَادِ.
وَقَوْلُهُ: وَشِبْرِقَهُ. وَهُوَ نَبَاتٌ يقال ليابسه: الحلّى، والرطبة: الشّبرق.
_________________
(١) يقول الجوهرى: تقول: قد حسن الشىء، وإن شئت خففت الضمة، فقلت حسن الشىء بسكون السين، ولا يجوز أن تنقل الضمة إلى الحاء، لأنه خبر. وإنما يجوز النقل إذا كان بمعنى المدح والذم لأنه يشبه فى جواز النقل بنعم وبئس، وذلك أن الأصل فيها: نعم وبئس قال سهم بن حنظلة الغنوى: لم يمنع الناس منى ما أردت، وما أُعْطِيهِمْ مَا أَرَادُوا حُسْنَ ذَا أَدَبَا أَيْ حسن هذا أدبا، فخفف، ونقله «اللسان» فى مادة حسن وقال ابن السكيت فى إصلاح المنطق ص ٤١ «يقال: عظم بضم- الظاء- البطن بطنك- وعظم بسكون الظاء- البطن بطنك بتخفيف الضمة، ويقال عظم- بضم العين وسكون الظاء- البطن بطنك، يخففون ضمة الظاء، وينقلونها إلى العين، وإنما يكون النقل فيما يكون مدحا أو ذما، فإذا لم يكن مدحا ولا ذما، كان الضم والتخفيف، ولم يكن النقل، تقول: حسن الوجه- بضم السين- وجهك، وحسن بفتح الحاء سكون السين الوجه وجهك: وحسن بضم الحاء وسكون السين الوجه وجهك وقد حسن بسكون السين وجهك وفتح الحاء، وحسن بضم السين وجهك قال: حسن على أن يكون على مذهب نعم وبئس، نقل وسطه إلى أوله، وما لم يحسن لم ينقل، وقد حسن وجهك لا تنقل ضمة السين إلى الحاء وقد فصل هذا أيضا التبريرى فى تهذيب إصلاح المنطق ص ٥٤ ط أولى، ثم قال-
[ ٣ / ٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله: نبذى مُحَمّدًا «١» أَيْ نُسْلَبُهُ وَنُغْلَبُ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: نُهُوضَ الرّوَايَا. هِيَ الْإِبِلُ تَحْمِلُ الْمَاءَ وَاحِدَتُهَا: رَاوِيَةٌ، وَالْأَسْقِيَةُ أَيْضًا يُقَالُ لَهَا: رَوَايَا، وَأَصْلُ هَذَا الْجَمْعِ: رَوَاوِيّ ثُمّ يَصِيرُ فِي الْقِيَاسِ:
رِوَائِيّ مِثْلَ حَوَائِلَ جَمْعُ: حَوْلٍ، وَلَكِنّهُمْ قَلَبُوا الْكَسْرَةَ فتحة بعد ما قَدّمُوا الْيَاءَ قَبْلَهَا، وَصَارَ وَزْنُهُ: فَوَالِعَ، وَإِنّمَا قَلَبُوهُ كَرَاهِيَةَ اجْتِمَاعِ وَاوَيْنِ، وَاوُ فَوَاعِلَ، الْوَاوُ الّتِي هِيَ عَيْنُ الْفِعْلِ، وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنّ الْوَاوَ الثّانِيَةَ قِيَاسُهَا أَنْ تَنْقَلِبَ هَمْزَةً فِي الْجَمْعِ لِوُقُوعِ الْأَلِفِ بَيْنَ وَاوَيْنِ، فَلَمّا انْقَلَبَتْ هَمْزَةً قَلَبُوهَا يَاءً، كَمَا فَعَلُوا فِي خَطَايَا وَبَابِهِ، مِمّا الْهَمْزَةُ فِيهِ مُعْتَرِضَةٌ فِي الْجَمْعِ، وَالصّلَاصِلُ. الْمَزَادَاتُ لَهَا صَلْصَلَةٌ بِالْمَاءِ «٢»،
وَفِيهَا قَوْلُهُ: غَيْرَ ذَرْبٍ مُوَاكِلِ. وَهُوَ مُخَفّفٌ مِنْ ذَرِبَ وَالذّرِبُ: اللّسَانُ الْفَاحِشُ الْمَنْطِقُ، وَالْمُوَاكِلُ الّذِي لاجد عنده فهو يكل أموره إلى غيره.
_________________
(١) - فى شرح هذا البيت: «يريد أنه يقهر الناس، فيمنعهم ما يريدون منه، ولا يمنعونه ما يريد منهم لعزه، وجعله أدبا حسنا، وقال أبو العلاء فى معنى هذا البيت: كان ينكر على نفسه أن يعطيه الناس، ولا يعطيهم، وهو صواب، وذا فاعل حسن، وأدبا منصوب على التمييز، وأراد حسن، فخفف، ونقل، لأن هذا مذهب التعجب
(٢) فى السيرة والروض يبذى بالذال وهو خطأ والصواب نبزى أى نسلب ونغلب عليه- كما شرح الخشنى وصاحب الروض- وقد رواه اللسان فى مادة: يبزى على البناء للمفعول ورفع محمد. ونقل عن شمر أن معناه: يقهر ويستذل، وأنه من باب ضررته وأضررت به.. وأراد: لا يبزى، فحذف لا من جواب القسم، وهى مرادة، أى لا يقهر، ولم نقاتل عنه وندافع.
(٣) فى شرح السيرة للخشنى: الصلاصل: جمع صلصلة. وهى بقية الماء.
[ ٣ / ٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفِيهَا قَوْلُهُ: ثِمَالَ الْيَتَامَى، أَيْ: يَثْمُلُهُمْ، وَيَقُومُ بِهِمْ، يُقَالُ: هُوَ ثِمَالُ مَالٍ أَيْ يَقُومُ بِهِ.
وَفِيهَا: قَوْلُهُ لِيُظْعِنَنَا فِي أَهْلِ شَاءٍ وَجَامِلِ. الشّاءُ وَالشّوِيّ: اسْمٌ لِلْجَمْعِ مِثْلُ الْبَاقِرِ وَالْبَقِيرِ، وَلَا وَاحِدَ لِشَاءِ، وَالشّوِيّ مِنْ لَفْظِهِ، وَإِذَا قَالُوا فِي الْوَاحِدِ:
شَاةٌ، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا؛ لِأَنّ لَامَ الْفِعْلِ فِي شَاةٍ هَاءٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ فِي التّصْغِيرِ:
شُوَيْهَةٌ، وَفِي الْجَمْعِ شِيَاهٌ، وَالْجَامِلُ «١» اسْمُ جَمْعٍ بِمَنْزِلَةِ الْبَاقِرِ.
وَقَوْلُهُ: وَكُنْتُمْ زَمَانًا «٢» حَطْبَ قِدْرٍ: حَطْبٌ اسْمٌ لِلْجَمْعِ مِثْلُ رَكْبٍ، وَلَيْسَ بِجَمْعِ، لِأَنّك تَقُولُ فِي تَصْغِيرِهِ: حُطَيْبٌ وَرُكَيْبٌ.
وَقَوْلُهُ: حِطَابُ أَقْدُرٍ: هُوَ جَمْعُ حَاطِبٍ فَلَا يُصَغّرُ، إلّا أَنْ تَرُدّهُ إلَى الْوَاحِدِ، فَتَقُولُ: حُوَيْطِبُونَ، وَمَعْنَى الْبَيْتِ: أَيْ: كُنْتُمْ مُتّفِقِينَ لَا تَحْطِبُونَ إلّا لِقِدْرِ وَاحِدَةٍ، فَأَنْتُمْ الْآنَ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
وَفِيهَا قَوْلُهُ: مِنْ الْأَرْضِ بَيْنَ أَخْشُبٍ، فَمَجَادِل. أَرَادَ الْأَخَاشِبَ، وَهِيَ جِبَالُ مَكّةَ «٣»، وَجَاءَ بِهِ عَلَى أَخْشُبٍ، لِأَنّهُ فى معنى أجبل، مع أن الاسم
_________________
(١) فى القاموس أن جامل جمع جمل.
(٢) فى السيرة: وكنتم حديثا
(٣) هى أربعة أخاشب، فأخشبا مكة: جبلاها، وأخشبا المدينة: حرتاها المكتنفتان لها، وهما لابتاها، وأخاشب الصمان فى محلة بنى تميم، ويروى: أخشب على أنها مفرد
[ ٣ / ٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَدْ يُجْمَعُ عَلَى حَذْفِ الزّوَائِدِ كَمَا يُصَغّرُونَهُ كَذَلِكَ، وَالْمَجَادِلُ: جَمْعُ مِجْدَلٍ وَهُوَ: الْقَصْرُ، كَأَنّهُ يُرِيدُ مَا بَيْنَ جِبَالِ مَكّةَ، فَقُصُورُ الشّامِ أَوْ الْعِرَاقِ، وَالْفَاءُ مِنْ قَوْلِهِ: فَمَجَادِلِ تُعْطِي الِاتّصَالَ بِخِلَافِ الْوَاوِ، كَقَوْلِهِ بَيْنَ الدّخُولِ فَحَوْمَلِ، وَتَقُولُ: مُطِرْنَا بَيْنَ مَكّةَ فَالْمَدِينَةِ إذَا اتّصَلَ الْمَطَرُ مِنْ هَذَا إلَى هَذِهِ، وَلَوْ كَانَتْ الْوَاوُ لَمْ تُعْطِ هَذَا الْمَعْنَى.
وَقَوْلُهُ: أُولِي جَدَلٍ مِنْ الْخُصُومِ الْمَسَاجِلِ يُرْوَى بِالْجِيمِ وَبِالْحَاءِ فَمَنْ رَوَاهُ بِالْجِيمِ فَهُوَ مِنْ الْمُسَاجَلَةِ فِي الْقَوْلِ، وَأَصْلُهُ فِي اسْتِقَاءِ الْمَاءِ بِالسّجِلّ، وَصَبّهِ فَكَأَنّهُ جَمْعُ مَسَاجِلَ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْأَلِفِ الزّائِدَةِ مِنْ مَفَاعِلَ، أَوْ جَمْعُ مِسْجَلٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَهُوَ مِنْ نَعْتِ الْخُصُومِ، وَمَنْ رَوَاهُ الْمَسَاحِلَ بِالْحَاءِ، فَهُوَ جَمْعُ مِسْحَلٍ وَهُوَ اللّسَانُ، وَلَيْسَ بِصِفَةِ لِلْخُصُومِ، إنّمَا هُوَ مَخْفُوضٌ بِالْإِضَافَةِ، أَيْ: خُصَمَاءُ الْأَلْسِنَةِ، وَقَالَ ابْنُ أَحْمَرَ:
مَنْ خَطِيبٌ إذَا مَا انْحَلّ مِسْحَلُهُ «١»
أَيْ: لِسَانُهُ وَهُوَ أَيْضًا مِنْ السّحْلِ وَهُوَ الصّبّ، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَيّوبَ حِينَ فُرّجَ عَنْهُ، فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَسَحَلَتْ فِي بَيْدَرِهِ ذَهَبًا، وَجَاءَتْ أُخْرَى فَسَحَلَتْ فى البيدر الاخر فضة «٢» .
_________________
(١) روايته فى اللسان: ومن خطيب إذا ما انساح مسحله مفرج القول ميسورا ومعسورا ومن معانى مسحل أيضا: الخطيب الماضى وغير هذا.
(٢) البيدر: الجرن أو القمح ونحوه بعد دياسه. ويقول الحافظ فى الفتح-
[ ٣ / ٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وفيها:
لقد سفهت أحلام قوم تبالوا بَنِي خَلَفٍ قَيْضًا بِنَا وَالْغَيَاطِلِ
قَيْضًا أَيْ: مُعَاوَضَةً، وَمِنْهُ قَوْلُ النّبِيّ ﵇ لِذِي الْجَوْشَنِ «١»:
إنْ شِئْت قَايَضْتُك بِهِ الْمُخْتَارَ مِنْ دروع بدر، فقال: ما كنت لأقيضه
_________________
(١) - لم يثبت عند البخارى فى قصة أيوب شىء سوى: «بينا أيوب يغتسل عريانا خر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل يحثى فى ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى لى عن بركتك،. ومسألة السحابة عند ابن أبى حاتم وابن جريج وابن حبان والحاكم، ولكنها لا تخلو من غرابة ونكارة» أقول: ويجب أن نقف عند الذى ذكره القرآن، وما صح صحة قوية عن رسول الله «ص» حتى لا نرجم بالغيب فى قصص النبيين التى وصلت زياداتها إلينا عن طريق أسفار اليهود، وألسنة اليهود التى نافقت بكلمة التوحيد، وخدع بها الكثير من ذوى القلوب الصافية.
(٢) أصل الجوشن: الصدر والدرع، قال أبو السعادات ابن الأثير: يقال إنه لقب ذا الجوشن، لأنه دخل على كسرى، فأعطاه جوشنا، فلبسه فكان أول عربى لبسه، وقال غيره: لأن صدره كان ناتئا، وفى القاموس مثله، واختلف فى اسمه فقيل اسمه: أوس بن الأعور، وقيل: شرحبيل- وهو الأشهر- بن الأعور بن عمرو ابن معاوية، وينتهى إلى عامر بن صعصعة. وقيل: عثمان بن نوفل. وفى القاموس: شرحبيل بن قرط الأعور. ويقول ابن حجر فى الإصابة له حديث عند أبى داود من طريق أبى إسحاق عنه، ويقال: إنه لم يسمع منه، وإنما سمعه من ولده شمر. وفى ذخائر المواريث أن حديثه هذا هو الذى ذكره السهيلى: «أتيت النبى «ص» بعد أن فرغ من أهل بدر بابن فرس لى يقال لها الترحاء» وذكر أن أبا داود رواه فى الجهاد عن مسدد.
[ ٣ / ٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْيَوْمَ بِشَيْءِ يَعْنِي: فَرَسًا لَهُ، يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْقَرْحَاءِ. وَقَالَ أَبُو الشّيصِ «١»:
لَا تُنْكِرِي صَدّي وَلَا إعْرَاضِي لَيْسَ الْمُقِلّ عَنْ الزّمَانِ بِرَاضِ
بُدّلَتْ مِنْ بُرْدِ الشّبَابِ مُلَاءَةً خَلَقًا، وَبِئْسَ مَثُوبَةُ الْمُقْتَاضِ
وَالْغَيَاطِلُ: بَنُو سَهْمٍ، لِأَنّ أُمّهُمْ الْغَيْطَلَةُ، وَقَدْ تَقَدّمَ نَسَبُهَا، وَقِيلَ:
إنّ بَنِي سَهْمٍ سُمّوا بِالْغَيَاطِلِ، لِأَنّ رَجُلًا مِنْهُمْ قَتَلَ جَانّا طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، ثُمّ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَقَتَلَهُ، فَأَظْلَمَتْ مَكّةُ، حَتّى فَزِعُوا مِنْ شِدّةِ الظّلْمَةِ الّتِي أَصَابَتْهُمْ «٢»، وَالْغَيْطَلَةُ: الظّلْمَةُ الشّدِيدَةُ، وَالْغَيْطَلَةُ أَيْضًا: الشّجَرُ الْمُلْتَفّ، وَالْغَيْطَلَةُ: اخْتِلَاطُ الْأَصْوَاتِ، وَالْغَيْطَلَةُ: الْبَقَرَةُ الْوَحْشِيّةُ، وَالْغَيْطَلَةُ: غَلَبَةُ النّعَاسِ، وَقَوْلُهُ: يُخِسّ شَعِيرَةً، أَيْ: يُنْقِصُ، وَالْخَسِيسُ: النّاقِصُ مِنْ كُلّ شَيْءٍ، وَيُرْوَى فِي غَيْرِ السّيرَةِ: يَحُصّ بِالصّادِ وَالْحَاءِ مُهْمَلَةً مِنْ حَصّ الشّعْرَ:
_________________
(١) هو محمد بن رزين، أو ابن عبد الله بن رزين، وأبو الشيص: لقب غلب عليه، والشيص: ردىء التمر، وكان من شعراء الرشيد، فأخمل أبو نواس ومسلم ابن الوليد ذكره، ومن قصيدته هذه: ولقد أقول لشيبة أبصرتها فى مفرقى، فمنحتها إعراضى عنى إليك، فلست منتهيا، ولو عممت منك مفارقى ببياض هل لى سوى عشرين عاما قد مضت مع ستة فى إثرهن مواضى ولقلما أرتاع منك. وإننى فيما هويت وإن وزعت لماض فعليك ما اسطعت الظهور بلمتى وعلى أن ألقاك بالمقراض انظر ص ٣٣٧ سمط اللالى، ونكت الهميان: «كان أبو الشيص أعمى» وص ١٢٣ ح ٣ البيان للجاحظ بتحقيق الأستاذ عبد السلام هارون
(٢) أسطورة
[ ٣ / ١٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذَا أَذْهَبَهُ «١» . وَقَوْلُهُ: مِنْ كُلّ طِمْلٍ وَخَامِلِ: الطّمْلُ: اللّصّ، كَذَا وَجَدْته فِي كِتَابِ أَبِي بَحْرٍ، وَفِي الْعَيْنِ: الطّمْلُ الرّجُلُ الْفَاحِشُ، وَالطّمْلُ وَالطّمْلَالُ:
الْفَقِيرُ، وَالطّمْلُ: الذّئْبُ «٢» . وَقَوْلُهُ: لِقْحَةٌ غَيْرَ بَاهِلِ: الْبَاهِلُ: النّاقَةُ الّتِي لَا صِرَارَ عَلَى أَخْلَافِهَا، فَهِيَ مُبَاحَةُ الْحَلْبِ يُقَالُ: نَاقَةٌ مَصْرُورَةٌ، إذَا كَانَ عَلَى خَلْفِهَا صِرَارٌ يَمْنَعُ الْفَصِيلَ مِنْ أَنْ يَرْضَعَ، وَلَيْسَتْ الْمُصَرّاةُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، إنّمَا هِيَ الّتِي جُمِعَ لَبَنُهَا فِي ضَرْعِهَا، فَهُوَ مِنْ الْمَاءِ الصّرَى «٣»، وَقَدْ غَلِطَ أَبُو عَلِيّ فِي الْبَارِعِ، فَجَعَلَ الْمُصَرّاةَ بِمَعْنَى المصرورة، وله وجه بعيد، وذلك أن يحتجّ لَهُ بِقَلْبِ إحْدَى الرّاءَيْنِ يَاءً مِثْلَ: قَصَيْتُ أَظْفَارِي، غَيْرَ أَنّهُ بَعِيدٌ فِي الْمَعْنَى، وَقَالَتْ امْرَأَةُ الْمُغِيرَةِ تُعَاتِبُ زَوْجَهَا، وَتَذْكُرُ أَنّهَا جَاءَتْهُ كَالنّاقَةِ الْبَاهِلَةِ الّتِي لَا صِرَارَ عَلَى أَخْلَافِهَا: أَطْعَمْتُك مَأْدُومِي وَأَبْثَثْتُكَ مَكْتُومِي، وَجِئْتُك بَاهِلًا غَيْرَ ذَاتِ صِرَارٍ، وَفِي الْحَدِيثِ: لَا تُورَدُ الْإِبِلُ بُهْلًا [أَوْ بُهّلًا]، فَإِنّ الشّيَاطِينَ تَرْضَعُهَا، أَيْ: لَا أَصِرّةَ عَلَيْهَا.
وَفِيهَا قَوْلُهُ: بِرَاءٍ إلَيْنَا مِنْ مَعْقَةِ خَاذِلِ. يُقَالُ قَوْمٌ بُرَاءٌ [بِالضّمّ] «٤»
_________________
(١) ويروى: لا يخيس: من قولهم: خاس بالعهد: إذا نقضه وأفسده. والعائل هنا: الحائر «الخشنى ص ٩١» .
(٢) وكذلك الطمل «بكسر الطاء والميم وتشديد اللام» والطملال بكسر الطاء أما الفقير: فالطمل «والطملال والطمليل بكسر الطاء فى الجميع، والطملول بضمها «اللسان» .
(٣) الذى طال مكثه.
(٤) الزيادة يقتضيها السياق وزيادة بهل من اللسان
[ ٣ / ١٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَبَرَاءٌ بِالْفَتْحِ، وَبِرَاءٌ بِالْكَسْرِ، فَأَمّا بِرَاءٌ بِالْكَسْرِ، فَجَمْعُ بَرِيءٍ، مِثْلَ كَرِيمٍ وَكِرَامٍ، وَأَمّا بَرَاءٌ فَمَصْدَرٌ، مِثْلَ سَلَامٍ وَالْهَمْزَةُ فِيهِ، وَفِي الّذِي قَبْلَهُ لَامُ الْفِعْلِ، وَيُقَالُ: رَجُلٌ بَرَاءٌ وَرَجُلَانِ بَرَاءٌ، وَإِذَا كَسَرْتهَا أَوْ ضَمَمْتهَا لَمْ يَجُزْ إلّا فِي الْجَمْعِ، وَأَمّا بُرَاءٌ بِضَمّ الْبَاءِ، فَالْأَصْلُ فِيهِ بُرَآءُ مِثْلَ كُرَمَاءُ فَاسْتَثْقَلُوا اجْتِمَاعَ الْهَمْزَتَيْنِ، فَحَذَفُوا الْأُولَى، وَكَانَ وَزْنُهُ فُعَلَاءَ، فَلَمّا حَذَفُوا الّتِي هِيَ لَامُ الْفِعْلِ صَارَ وَزْنُهُ فُعَاءَ، وَانْصَرَفَ لِأَنّهُ أَشْبَهَ فُعَالًا، وَالنّسَبُ «١» إلَيْهِ إذَا سَمّيْت بِهِ: بُرَاوِيّ، وَالنّسَبُ إلَى الْآخَرَيْنِ بَرَائِيّ وَبِرَائِيّ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنّ بُرَاءَ بِضَمّ أَوّلِهِ مِنْ الْجَمْعِ الّذِي جَاءَ عَلَى فُعَالٍ، وَهِيَ ثَمَانِيَةُ أَلْفَاظٍ: فَرِيرٌ وَفُرَارٌ وَعَرْنُ وَعُرّانُ «٢»، وَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، وَقَالَ النّحّاسُ: بُرَاءُ بضم الباء.
_________________
(١) حكى الفراء فى براء أنه غير مصروف على حذف إحدى الهمزتين. ونص ابن جنى على أن لبرىء أربعة جموع: براء مثل ظريف وظراف، وبرآء مثل: شريف وشرفاء، وأبرياء مثل أصدقاء، وبراء مثل تؤام ورباء بضم الأول فيهما جمع توأم، وربى.
(٢) فى أدب الكاتب ص ٥٥٨ لابن قتيبة: «قال الفراء: الفرار بضم الفاء ولد البقرة الوحشية قال: ويقال: فرير وفرار مثل طويل وطوال وكان غيره يزعم أن فرارا: جمع فرير»، وفى القاموس: فرير بفتح الفاء وفرار بضم الفاء وفرور بفتح الفاء الخ ولد النعجة والماعز والبقرة الوحشية، أو هى الخرفان والحملان، وجمعها فرار نادر. وقال أبو عبيدة، لم يأت شىء من الجمع على فعال إلا أحرف: هذا أحدها. وأما عرق فالعظم أكل ما عليه من اللحم، ومثله عراق بضم العين، ويقول القالى فى أماليه: لم يأت من فعال بضم الفاء جمعا إلا أحرف قليلة جدا مثل رباب جمع ربى بضم الراء وتشديد الباء مع فتح وهى الحديثة النتاج ونعم جفال: الكثيرة الشعر، ونعم كباب كثيرة، وفرار جمع فرير وهو ولد البقرة، وبراء: جمع برىء. وعند ابن السكيت والسيرا فى أنها تؤام جمع-
[ ٣ / ١٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الِاسْتِسْقَاءُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ اسْتِسْقَاءِ رَسُولِ اللهِﷺ- بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَرْوِيّ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، وَبِأَلْفَاظِ مُخْتَلِفَةٍ.
وَقَوْلُهُ: حَتّى أَتَاهُ أَهْلُ الضّوَاحِي يَشْكُونَ الْغَرَقَ. الضّوَاحِي: جَمْعُ ضَاحِيَةٍ، وَهِيَ الْأَرْضُ الْبَرَازُ الّتِي لَيْسَ فِيهَا مَا يُكِنّ مِنْ الْمَطَرِ، وَلَا مَنْجَاةٌ مِنْ السّيُولِ، وَقِيلَ: ضَاحِيَةُ كُلّ بَلَدٍ: خَارِجُهُ. وَقَوْلُهُ ﵇: اللهُمّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا، كَقَوْلِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: اللهُمّ مَنَابِتَ الشّجَرِ، وَبُطُونَ الْأَوْدِيَةِ، وَظُهُورَ الْآكَامِ، فَلَمْ يَقُلْ: اللهُمّ ارْفَعْهُ عَنّا- هُوَ مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ فِي الدّعَاءِ؛ لِأَنّهَا رَحْمَةُ اللهِ، وَنِعْمَتُهُ الْمَطْلُوبَةُ مِنْهُ، فَكَيْفَ يُطْلَبُ مِنْهُ رَفْعُ نِعْمَتِهِ، وَكَشْفُ رَحْمَتِهِ، وإنما يسئل سُبْحَانَهُ كَشْفَ الْبَلَاءِ، وَالْمَزِيدَ مِنْ النّعْمَاءِ، فَفِيهِ تَعْلِيمُ كَيْفِيّةِ الِاسْتِسْقَاءِ. وَقَالَ: اللهُمّ مَنَابِتَ الشّجَرِ، وَلَمْ يَقُلْ: اصْرِفْهَا إلَى مَنَابِتِ الشّجَرِ؛ لِأَنّ الرّبّ تَعَالَى أَعْلَمُ بِوَجْهِ اللّطْفِ، وَطَرِيقُ الْمَصْلَحَةِ كان ذلك بمطر
_________________
(١) - توأم، وشاة ربى وغنم رباب، وظئر وظؤار وعرق بفتح العين وعراق ورخل بكسر الراء ورخال وفرير وفرار «كل الجمع بضم الأول» . وقال الزجاجى مثل قول السيرافى. وقال ابن خالويه فى كتاب ليس: عرق وعراق، ورخل من أولاد الضأن ورخال وشاة ربى ورباب، وتوأم وتوأم، وفرير وفرار ولد الظبية ونذل ونذال ورذل ورذال وثنى وثناء، وهو الولد الذى بعد البكر، وناقة بسط أو بسط بضم الباء أو كسرها إذا كانت غزيرة والجمع: بساط، فتكون ثلاث عشرة كلمة. وزاد الزمخشرى: عرام بمعنى عراق. ونظمها فى أبيات وزاد السيوطى عنه: نذال «ص ٧٢، المزهر للسيوطى ج ٢
[ ٣ / ١٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَوْ بِنَدَى أَوْ طَلّ، أَوْ كَيْفَ شَاءَ، وَكَذَلِكَ بُطُونُ الْأَوْدِيَةِ، وَالْقَدْرُ الّذِي يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مَائِهَا.
فَصْلٌ: فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ أَبُو طَالِبٍ:
وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ
وَلَمْ يره قط استسقى، وإنما كانت استسقاآته ﵇ بِالْمَدِينَةِ فِي سَفَرٍ وَحَضَرٍ، وَفِيهَا شُوهِدَ مَا كَانَ مِنْ سُرْعَةِ إجَابَةِ اللهِ لَهُ.
فَالْجَوَابُ: أَنّ أَبَا طَالِبٍ قَدْ شَاهَدَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا فِي حَيَاةِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ مَا دَلّهُ عَلَى مَا قَالَ، رَوَى أَبُو سَلْمَانَ حَمَدُ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ [بْنِ الْخَطّابِ الْخَطّابِيّ] الْبُسْتِيّ النّيْسَابُورِيّ «١»، أَنّ رَقِيقَةَ «٢» بِنْتَ أَبِي صَيْفِيّ بْنِ هَاشِمٍ قَالَتْ:
تَتَابَعَتْ عَلَى قُرَيْشٍ سُنُو جَدْبٍ قَدْ أَقْحَلَتْ الظّلْفَ، وَأَرّقَتْ الْعَظْمَ، فَبَيْنَا أَنَا رَاقِدَةٌ اللهُمّ، أَوْ مُهَدّمَةٌ، وَمَعِي صِنْوَى إذْ أَنَا بِهَاتِفِ صَيّتٍ يَصْرُخُ بِصَوْتِ صَحِلٍ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنّ هذا النبىّ المبعوث منكم، هذا إبّان
_________________
(١) هو صاحب معالم السنن توفى بست سنة ٣٨٨ هـ كما فى معجم الأدباء، وفى وفيات الأعيان. وفى اللباب لابن الأثير أنه توفى سنة ٣٥٤. وبست مدينة من بلاد كابل بين هراة وغزنة وقد سمع فى اسمه: أحمد، والأصح حمد كما ذكر والزيادة الموضوعة بين قوسين من اللباب لابن الأثير.
(٢) اسمها فى نسب قريش: رقية، ونص قوله عن أبى صيفى «انقرض. إلا من بنته رقية» ص ١٦ ولكنها رقيقة فى كثير من الكتب. وفى الاشتقاق أن. أبا صيفى أحد من حضر من بنى هاشم حلف عبد المطلب وخزاعة ص ٦٩.
[ ٣ / ١٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نُجُومِهِ، فَحَيّ هَلًا بِالْحَيَا وَالْخِصْبِ، أَلَا فَانْظُرُوا مِنْكُمْ رَجُلًا طُوّالًا عُظّامًا أَبْيَضَ فَظّا، أَشَمّ الْعِرْنِينَ، لَهُ فَخْرٌ يَكْظِمُ «١» عَلَيْهِ. أَلَا فَلْيَخْلُصْ هُوَ وَوَلَدُهُ، وَلْيَدْلِفْ إلَيْهِ مِنْ كُلّ بَطْنٍ رَجُلٌ، أَلَا فَلْيَشُنّوا مِنْ الْمَاءِ، وَلِيَمَسّوا مِنْ الطّيبِ، وَلْيَطُوفُوا بِالْبَيْتِ سَبْعًا، أَلَا وَفِيهِمْ الطّيبُ الطّاهِرُ لِذَاتِهِ، أَلَا فَلْيَدْعُ الرّجُلُ، وَلْيُؤَمّنْ الْقَوْمُ، أَلَا فَغِثْتُمْ أَبَدًا مَا عِشْتُمْ. قَالَتْ: فَأَصْبَحْت مَذْعُورَةً قَدْ قَفّ جِلْدِي، وَوَلِهَ عَقْلِي، فَاقْتَصَصْت رؤياى، فو الحرمة وَالْحَرَمِ إنْ بَقِيَ أَبْطَحِيّ «٢» إلّا قَالَ: هَذَا شَيْبَةُ الْحَمْدِ، وَتَتَامّتْ عِنْدَهُ قُرَيْشٌ، وَانْفَضّ إلَيْهِ النّاسُ مِنْ كُلّ بَطْنٍ رَجُلٌ، فَشَنّوا وَمَسّوا وَاسْتَلَمُوا وَاطّوَفّوا، ثُمّ ارْتَقَوْا أَبَا قُبَيْسٍ، وَطَفِقَ الْقَوْمُ يَدِفّونَ حَوْلَهُ، مَا إنْ يُدْرِكْ سَعْيَهُمْ مُهَلّةً، حَتّى قَرّوا بِذَرْوَةِ الْجَبَلِ، وَاسْتَكَفّوْا جَنَابَيْهِ، فَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ، فَاعْتَضَدَ ابْنَ ابْنِهِ مُحَمّدًاﷺ- فَرَفَعَهُ عَلَى عَاتِقِهِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ قَدْ أَيْفَعَ، أَوْ قَدْ كَرَبَ، ثُمّ قَالَ: اللهُمّ سَادّ الْخَلّةِ، وَكَاشِفَ الْكُرْبَةِ أَنْتَ عَالِمٌ غَيْرُ مُعَلّمٍ، وَمَسْئُولٌ غَيْرُ مبخّل، وهذه عبدّاؤك، وإملوك بِعَذِرَاتِ حَرَمِك يَشْكُونَ إلَيْك سَنَتَهُمْ، فَاسْمَعْنَ اللهُمّ، وَأَمْطِرْنَ عَلَيْنَا غَيْثًا مَرِيعًا مُغْدِقًا، فَمَا رَامُوا وَالْبَيْتِ، حَتّى انْفَجَرَتْ السّمَاءُ بِمَائِهَا، وَكَظّ الْوَادِي بِثَجِيجِهِ. رَوَاهُ أَبُو سُلَيْمَانَ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيّ. قَالَ: حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ عَلِيّ بْنِ الْبَخْتَرِيّ، نا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بن عوف،
_________________
(١) لا يبد به ولا يظهره.
(٢) فى رواية «فقمت فى شعاب مكة فما بقى بها أبطحى الخ»
[ ٣ / ١٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ ابْنِ حُوَيّصَةَ، قَالَ يُحَدّثُ مَخْرَمَةُ بْنُ نُفَيْلٍ عَنْ أُمّهِ رَقِيقَةَ بِنْتِ أَبِي صَيْفِيّ.
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ بِإِسْنَادِ آخَرَ إلَى رَقِيقَةَ، وَفِيهِ: أَلَا فَانْظُرُوا مِنْكُمْ رَجُلًا وَسِيطًا عُظَامًا جُسَامًا أَوْطَفُ الْأَهْدَابِ، وَأَنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ قَامَ وَمَعَهُ رَسُولُ اللهِﷺ- قَدْ أَيْفَعَ أو كرب، وذكر القصة «١» .
_________________
(١) دلت الأحاديث الصحيحة على مشروعية صلاة الاستسقاء، وبذلك قال جمهور العلماء من السلف والخلف، ولم يخالف فى ذلك إلا أبو حنيفة مستدلا بأحاديث الاستسقاء التى ليس فيها صلاة، وقد وقع الإجماع من المثبتين للصلاة على أنها ركعتان، ووقع الاتفاق على أنها سنة غير واجبة. وفى كيفيتها خلاف فارجع إليها فى كتب السنة والفقه. أقول: إذا كان المعتمد هنا هو الحديث، فلم لا نقول إنها تجوز بصلاة فيها دعاء، وتجوز بالدعاء من غير صلاة؟! هذا وليس فى البخارى ما رواه ابن هشام إنما فيه ما رواه بسنده عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ دينار عن أبيه قال: سمعت ابن عمر بتمثل بشعر أبى طالب «وأبيض الخ» وروى أيضا من حديث سالم عن أبيه: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبى يستسقى. فما ينزل حتى يحيش كل ميزاب: «وأبيض الخ» أما القول المنسوب إلى الرسول «ص» فى السيرة: لو كان أبو طالب الخ فلم يروه أحد من أصحاب الصحيح كالحديث الذى ذكر فى الروض. وأحب أن أذكر هنا بما رواه الخمسة عن أنس ﵁ قال: جاء رجل إلى النبى ﷺ، وهو يخطب يوم الجمعة، فقال. يا رسول الله هلكت المواشى، وانقطعت السبل، فادع الله، فدعا رسول الله ﷺ، وفى رواية: رفع يديه- ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا؟؟؟؟؟؟؟؟
[ ٣ / ١٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابْنُ الْأَسْلَتِ وَقَصِيدَتُهُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ «١» كُلّ مَنْ سَمّاهُ أَبُو طَالِبٍ فِي قَصِيدَتِهِ،
_________________
(١) - إلى جمعة، فجاء رجل، فقال: يا رسول الله تهدمت البيوت، وتقطعت السبل، وهلكت المواشى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهم على رؤس الجبال والاكام وبطون الأودية ومنابت الشجر، وفى رواية: اللهم حوالينا، ولا علينا، فانجابت عن المدينه انجياب الثوب، فجعلت تمطر حولها، لا تمطر بها قطرة، فنظرت إلى المدينة وإنها لفى مثل الإكليل رواه الخمسة إلا الترمذى. وفى الحديث المتفق عليه أنه «ص» خرج بالناس إلى المصلى يستسقى، فصلى بهم ركعتين جهر فيهما بالقراءة، واستقبل القبلة يدعو، ورفع يديه، فما حول رداءه حين استقبل القبلة، وكان إذا رأى المطر يقول: اللهم صيبا نافعا، وروى عنه أنه كان يخرج متبذلا متواضعا متخشعا متضرعا «الترمذى والنسائى وأبو داود وابن ماجة» . ومن الأحاديث الصحيحة، نؤمن أن الاستسقاء النبوى إنما هو إلى الله ضراعة وابتهال فى صلاة أو فى غير صلاة، وأن التوسل بذات فلان أو وجهه أو جاهه ليس من هدى الرسول «ص» ولا سنته، فلنحذر نزغة الشرك، ولم يخرج قصة عبد المطلب أحد من أصحاب الصحيح، وإنما هى عند ابن عساكر وابن أبى الدنيا وابن سعد والبيهقى والطبرانى. ورواية الحديث بهذه الصورة لا توحى بالاقتداء فإنه عمل عبد المطلب، وهى لا تثبت جواز الاستسقاء بالوجوه أو بالذوات، فالرواية تسند إلى عبد المطلب أنه دعا الله، ولم يدعه بوجه أحد أو ذات أحد. ولم تسند إليه الرواية أنه حمل محمدا معه ليستسقى بوجهه أو بذاته. وحمل عبد المطلب ابن ابنه فى مثل هذا أمر تفرضه عاطفة رجل شيخ، فقد ابنه، فهو يحبه مرتين فى هذا الحفيد العظيم.
(٢) ذكر ابن هشام حديث الأخنس، وهو صحابى من مسلمة الفتح شهد حنينا ومات أول خلافة عمر
[ ٣ / ١٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ، وَعَرّفَ بِهِمْ تَعْرِيفًا مُسْتَغْنِيًا عن المزيد. وَذَكَرَ قَصِيدَةَ أَبِي قَيْسٍ صَيْفِيّ بْنِ الْأَسْلَتِ، وَاسْمُ الْأَسْلَتِ: عَامِرٌ، وَالْأَسْلَتُ: هُوَ الشّدِيدُ الْفَطَسُ يُقَالُ: سَلَتَ اللهُ أَنْفَهُ، وَمِنْ السّلْتِ حَدِيثُ بِشْرِ بْنِ عَاصِمٍ حِينَ أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ، فَلَمّا كَتَبَ لَهُ عَهْدَهُ أَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ، وَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِهِ. إنّي سَمِعْت رَسُولَ اللهِﷺ- يَقُولُ: إنّ الْوُلَاةَ يُجَاءُ بِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقِفُونَ عَلَى جِسْرِ جَهَنّمَ، فَمَنْ كَانَ مُطَاوِعًا لِلّهِ تَنَاوَلَهُ بِيَمِينِهِ حَتّى يُنْجِيَهُ، وَمَنْ كَانَ عَاصِيًا لِلّهِ انْخَرَقَ بِهِ الْجِسْرُ إلَى وَادٍ مِنْ نَارٍ تَلْتَهِبُ الْتِهَابًا، قَالَ: فَأَرْسَلَ عُمَرُ إلَى أَبِي ذَرّ، وَإِلَى سَلْمَانَ، فَقَالَ لِأَبِي ذَرّ: أَنْتَ سَمِعْت هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِﷺ- قَالَ: نَعَمْ وَاَللهِ، وَبَعْدَ الْوَادِي وَادٍ آخَرُ مِنْ نَارٍ.
قَالَ: وَسَأَلَ سَلْمَانَ، فَكَرِهَ أَنْ يُخْبِرَهُ بِشَيْءِ، فَقَالَ عُمَرُ: مَنْ يَأْخُذُهَا بِمَا فِيهَا «١»؟ فَقَالَ أَبُو ذَرّ. مَنْ سَلَتَ اللهُ أَنْفَهُ وَعَيْنَيْهِ، وَأَضْرَعَ خَدّهُ إلَى الْأَرْضِ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.
وَأَوّلُ الْقَصِيدَةِ: يَا رَاكِبًا إمّا عَرَضْت فَبَلّغَنْ. الْبَيْتَ. الْمُغَلْغَلَةُ:
الدّاخِلَةُ إلَى أَقْصَى مَا يُرَادُ بُلُوغُهُ مِنْهَا «٢»، وَمِنْهُ تَغَلْغَلَ فِي الْبِلَادِ: إذَا بَالَغَ فِي الدّخُولِ فِيهَا، وَأَصْلُهُ: تَغَلّلَ وَمُغَلّلَةٌ، وَلَكِنْ قَلَبُوا إحْدَى اللّامَيْنِ غَيْنًا، كَمَا فَعَلُوا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُضَاعَفِ، وَأَصْلُهُ مِنْ الْغَلَلِ وَالْغِلَالَةِ، فَأَمّا الْغَلَلُ فَمَاءٌ يَسْتُرُهُ النّبَاتُ وَالشّجَرُ، وَأَمّا الْغِلَالَةُ فَسَاتِرَةٌ لِمَا تَحْتَهَا
وَفِيهَا. نُبَيّتُكُمْ شَرْجَيْنِ. أَيْ: فَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَنُبّئْتُكُمْ لَفْظٌ مُشْكِلٌ
_________________
(١) يعنى الخلافة.
(٢) المغلغلة: الرسالة.
[ ٣ / ١٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ: نُبَيّتُكُمْ شَرْجَيْنِ «١»، وَهُوَ بَيّنٌ فِي الْمَعْنَى، وَفِيهِ زِحَافُ خَرْمٍ، وَلَكِنْ لَا يُعَابُ الْمَعْنَى بِذَلِكَ، وَأَمّا لَفْظُ التّبَيّتِ فِي هَذَا الْبَيْتِ، فَبَعِيدٌ مِنْ مَعْنَاهُ، وَالْأَزْمَلُ: الصّوْتُ، وَالْمُذَكّي: الّذِي يُوقِدُ النّارَ، وَالْحَاطِبُ:
الّذِي يَحْطِبُ لَهَا، ضُرِبَ هَذَا مَثَلًا لِنَارِ الْحَرْبِ، كَمَا قال الاخر:
أزى خَلَلَ الرّمَادِ وَمِيضَ جَمْرٍ وَيُوشِكُ أَنْ يَكُونَ لَهَا ضِرَامُ
فَإِنّ النّارَ بِالْعُودَيْنِ تُذْكَى وَإِنّ الحرب أولها الكلام «٢»
وقوله: هى الْغُولُ لِلْأَدْنَى «٣»، أَيْ: هِيَ الْهَلَاكُ، يُقَالُ: الْغَضَبُ: غُولُ الْحِلْمِ، أَيْ يُهْلِكُهُ، وَالْغَوْلُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ: وَجَعُ الْبَطْنِ، قَالَهُ الْبُخَارِيّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: لا فِيها غَوْلٌ. وقوله: وإحلال إجرام الظّبَاءِ الشّوَازِبِ «٤» .
أَيْ: إنّ بَلَدَكُمْ بَلَدٌ حَرَامٌ تَأْمَنُ فِيهِ الظّبَاءُ الشّوَازِبُ الّتِي تَأْتِيهِ مِنْ بعد، لتأمن
_________________
(١) والذى فى السيرة: نبيتكم.
(٢) من أبيات ضمنها نصر بن سيار والى خراسان فى آخر أيام بنى أمية- كتابه إلى مروان بن محمد حينما وجد أمر أبى مسلم الخراسانى يشتد فى الدعوة إلى آل العباس. ومنها: أقول من التعجب: ليت شعرى أأيقاظ أمية أم نيام فإن يك قومنا أضحوا نياما فقل: قوموا، فقد حان القيام فقرى عن رحالك، ثم قولى على الإسلام والعرب السلام ص ٢٥٦ ح ٣ مروح الذهب.
(٣) فى السيرة: للأفصين.
(٤) التى يحرم صيدها فى الحرم «الخشنى»
[ ٣ / ١٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيه، فهى شازبة أَيْ: ضَامِرَةٌ مِنْ بُعْدِ الْمَسَافَةِ، وَإِذَا لَمْ تَحِلّوا بِالظّبَاءِ فِيهِ، فَأَحْرَى أَلَا تَحِلّوا بِدِمَائِكُمْ، وَإِحْرَامُ الظّبَاءِ: كَوْنُهَا فِي الْحَرَمِ، يُقَالُ لِمَنْ دَخَلَ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ، أَوْ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ: مُحْرِمٌ. وَالْأَتْحَمِيّةُ: ثِيَابٌ رِقَاقٌ تُصْنَعُ بِالْيَمَنِ، وَالشّلِيلُ: دِرْعٌ قَصِيرَةٌ «١»، وَالْأَصْدَاءُ: جَمْعُ صَدَأِ الْحَدِيدِ، وَالْقَتِيرُ: حَلَقُ الدّرْعِ «٢» شَبّهَهَا بِعُيُونِ الْجَرَادِ، وَأَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى التّنّوخِيّ.
فَقَالَ:
كَأَثْوَابِ الْأَرَاقِمِ مَزّقَتْهَا فَخَاطَتْهَا بِأَعْيُنِهَا الْجَرَادُ
وَقَوْلُهُ فِي وَصْفِ الْحَرْبِ:
تَزَيّنُ لِلْأَقْوَامِ، ثُمّ يَرَوْنَهَا بِعَاقِبَةِ إذْ بَيّتَتْ أُمّ صَاحِبِ
هُوَ كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
الْحَرْبُ أَوّلُ مَا تَكُونُ فَتِيّةٌ تَسْعَى بِبَزّتِهَا لِكُلّ جَهُولِ
حَتّى إذَا اشْتَعَلَتْ وَشَبّ ضِرَامُهَا وَلّتْ عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ خَلِيلِ
شَمْطَاءَ جزّت رأسها، فتنكرت مكروهة للشّمّ والتّقبيل
_________________
(١) أو هى ثياب تلبس تحت الدروع.
(٢) فى اللسان: الصدأ مهموز مقصور: الطبع والدنس يركب الحديد، وصدأ الحديد: وسخه. وفى شرح الخشنى: أصداء: يعنى دروعا متغيرة بالصدأ. وفى الخشنى أيضا: أن القتير: مسامير حلق الدروع
[ ٣ / ١١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَقَوْلُهُ: أُمّ صَاحِبِ، أَيْ: عَجُوزًا كَأُمّ صَاحِبٍ لَك، إذْ لَا يَصْحَبُ الرّجُلَ إلّا رَجُلٌ فِي سِنّهِ، وَفِي جَامِعِ الْبُخَارِيّ: كَانُوا إذَا وَقَعَتْ الْحَرْبُ يَأْمُرُونَ بِحِفْظِ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ، يَعْنِي: أَبْيَاتِ عَمْرٍو الْمُتَقَدّمَةَ. وَقَوْلُهُ: أَلَمْ تَعْلَمُوا مَا كَانَ فِي حَرْبِ دَاحِسٍ. يُذْكَرُ مَعْنَى دَاحِسٍ إذَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ بَعْدَ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ فِيهَا: وَلِيّ امرىء فاختار دينا فإنما «١» . أى: هو ولى امرىء اخْتَارَ دِينًا، وَالْفَاءُ زَائِدَةٌ عَلَى أَصْلِ أَبِي الْحَسَنِ، قَالَ فِي قَوْلِهِمْ: زَيْدًا فَاضْرِبْ:
الْفَاءُ مُعَلّقَةٌ أَيْ: زَائِدَةٌ، وَمَنْ لَا يَقُولُ بِهَذَا الْقَوْلِ يَجْعَلُ الْفَاءَ عَاطِفَةً عَلَى فِعْلٍ مُضْمَرٍ، كأنه قال: ولى امرىء تَدِينُ، فَاخْتَارَ دِينًا، أَوْ نَحْوَ هَذَا، وَقَدْ تَقَدّمَ شَرْحُ بَاقِي الْقَصِيدَةِ فِي آخِرِ قِصّةِ الْحَبَشَةِ.
وَقَالَ فِيهَا: كَرِيمِ الْمَضَارِبِ، وَفِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الشّيْخِ: لَعَلّهُ الضّرَائِبِ، يُرِيدُ: جَمْعَ ضَرِيبَةٍ، وَلَا يَبْعُدُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ قَالَ: الْمَضَارِبِ. يُرِيدُ أَنّ مَضَارِبَ سُيُوفِهِ غَيْرُ مَذْمُومَةٍ، وَلَا رَاجِعَةٍ عَلَيْهِ إلّا بِالثّنَاءِ وَالْحَمْدِ وَالْوَصْفِ بِالْمَكَارِمِ.
وَفِيهَا قَوْلُهُ: وَمَاءٍ هُرِيقَ فِي الضّلَالِ. وَيُرْوَى: فِي الصّلَالِ جَمْعُ صِلَةٍ، وَهِيَ الْأَرْضُ الّتِي لَا تُمْسِكُ الْمَاءَ. أَيْ رُبّ مَاءٍ هُرِيقَ فِي الضّلَالِ مِنْ أَجْلِ السّرَابِ، لِأَنّهُ لَا يُهْرِيقُ مَاءً مِنْ أَجْلِ السّرَابِ إلّا ضَالّ غير مميز بمواضع
_________________
(١) فى السيرة: فلا يكن بدلا من «فإنما»
[ ٣ / ١١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمَاءِ، وَأَذَاعَتْ بِهِ، أَيْ: بَدّدَتْهُ، فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ، وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ لِلنّظَرِ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ، وَيُرْوَى: وَمَا أُهْرِيقَ فِي أَمْرٍ، وَمَعْنَاهُ: وَاَلّذِي أُهْرِيقَ فِي أَمْرِ الضّلَالِ، فَوَصَلَ أَلِفَ الْقَطْعِ ضَرُورَةً، وَيُقَالُ: أُرِيقَ الْمَاءُ، وَأُهْرِيقَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ، وَهِيَ أَقَلّهَا، وَلِتَعْلِيلِهَا مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا.
وَقَوْلُهُ فِيهَا: بَيْنَ سَافٍ وَحَاصِبِ: السّافِي: الّذِي يَرْمِي بِالتّرَابِ، وَالْحَاصِبُ الّذِي يَقْذِفُ بِالْحَصْبَاءِ.
وَفِيهَا ذِكْرُ الْجَبَاجِبِ، وَهِيَ مَنَازِلُ مِنًى. كَذَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ، وَقَالَ الْبَرْقِيّ: هِيَ حُفَرٌ بِمِنَى، يُجْمَعُ فِيهَا دَمُ الْبُدْنِ، وَالْهَدَايَا، وَالْعَرَبُ تُعَظّمُهَا وَتَفْخَرُ بِهَا، وَقِيلَ: الْجَبَاجِبُ: الْكُرُوشُ. يُقَالُ لِلْكَرِشِ: جَبْجَبَةٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَاَلّذِي تَقَدّمَ وَاحِدُهُ: جُبْجُبَةٌ بِالضّمّ «١» .
حَرْبُ دَاحِسٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ حَرْبِ دَاحِسٍ مُخْتَصَرًا، وَدَاحِسٌ: اسْمُ فَرَسٍ كَانَ لِقَيْسِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ، وَمَعْنَى دَاحِسٍ: مَدْحُوسٌ كَمَا قِيلَ: مَاءٌ دَافِقٌ، أَيْ:
مَدْفُوقٌ، وَالدّحْسُ: إدْخَالُ الْيَدِ بِقُوّةِ فِي ضَيّقٍ، كَمَا رُوِيَ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- مَرّ بِغُلَامِ يَسْلُخُ شَاةً، فَأَمَرَهُ أَنْ يتنحى ليريه، ثم دحس «٢»
_________________
(١) المراصد: الجبجبة بالضم: ماء معروف بنواحى اليمامة. والجباجب والأخاشب: جبال مكة.
(٢) أدخلها بين جلدها ولحمها ليسلخها، وفى الأصل عن الإبط التى ستأتى: الأربط: والتصويب من اللسان والنهاية لابن الأثير
[ ٣ / ١١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﵇ بِيَدِهِ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللّحْمِ، حَتّى بَلَغَ الْإِبِطَ ثُمّ صَلّى، وَلَمْ يَتَوَضّأْ.
فَدَاحِسٌ سُمّيَ بِهَذَا الِاسْمِ؛ لِأَنّ أُمّهُ كَانَتْ لِرَجُلِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ اسْمُهُ: قِرْوَاشُ بْنُ عَوْفٍ، وَكَانَ اسْمُ الْفَرَسِ: جَلْوَى، وَكَانَ ذُو الْعُقّالِ فَرَسًا عَتِيقًا لِحَوْطِ بْنِ جَابِرٍ، فَخَرَجَتْ بِهِ فَتَاتَانِ لَهُ، لِتَسْقِيَاهُ، فَبَصُرَ بِجَلْوَى، فَأَدْلَى حِينَ «١» رَآهَا، فَضَحِكَ غِلْمَةٌ كَانُوا هُنَالِكَ، فَاسْتَحْيَتْ الْفَتَاتَانِ، وَنَكّسَتَا رَأْسَيْهِمَا، فَأَفْلَتَ ذُو الْعُقّالِ حَتّى نَزَا عَلَى جَلْوَى، وَقِيلَ ذَلِكَ لِحَوْطِ فَأَقْبَلَ مُغْضَبًا، وَهُوَ يَسْعَى حَتّى ضَرَبَ بِيَدِهِ فِي التّرَابِ، ثُمّ دَحَسَهَا فِي رَحِمِ الْفَرَسِ، فَسَطَا عَلَيْهَا، فَأَخْرَجَ مَاءَ الْفَحْلِ منها، وَاشْتَمَلَتْ الرّحِمُ عَلَى بَقِيّةِ الْمَاءِ، وَحَمَلَتْ بِمُهْرِ فَسَمّوْهُ: دَاحِسًا، وَأَظْهَرُ مَا فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ: لَابِنٍ وَتَامِرٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ فَاعِلًا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، فَهُوَ دَاحِسُ بْنُ ذِي الْعُقّالِ بْنِ أَعْوَجَ الّذِي تُنْسَبُ إلَيْهِ الْخَيْلُ الْأَعْوَجِيّةُ «٢» فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقَدْ تَقَدّمَ غَيْرُ هَذَا الْقَوْلِ- ابْنُ سَبَلٍ «٣»، وَكَانَ لِغَنِيّ بْنِ يَعْصُرَ، وفيه يقال:
_________________
(١) أدلى الفرس وغيره أخرج جردانه ليبول، أو يضرب.
(٢) أعوج: فرس لبنى هلال تنسب إليه الأعوجيات كان لكندة، فأخذته سليم، ثم صار إلى بنى هلال، أو صار إليهم من بنى آكل المرار، وفرس لغنى ابن أعصر أو يعصر كما فى الروض
(٣) فى اللسان عن الأصمعى أن سبل هى أم أعوج وكانت لغنى، وأعوج لبنى آكل المرار، ثم صار لبنى هلال بن عامر
[ ٣ / ١١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إنّ الْجَوَادَ بْنَ الْجَوَادِ بْنِ سَبَلٍ إنْ ديّموا جَادَ، وَإِنْ جَادَ وَبَلْ «١»
وَفِي ذِي الْعُقّالِ يَقُولُ جَرِيرٌ:
تُمْسِي جِيَادُ الْخَيْلِ حَوْلَ بُيُوتِنَا مِنْ آلِ أَعْوَجَ، أَوْ لِذِي الْعُقّالِ «٢»
وَأَنْشَدَ:
أَفَبَعْدَ مَقْتَلِ مَالِكِ بْنِ زُهَيْرٍ تَرْجُو النّسَاءُ عَوَاقِبَ الْأَطْهَارِ «٣»
وَفِيهِ إقْوَاءٌ، وَهُوَ حَذْفُ نِصْفِ سَبَبٍ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوّلِ، وَقَدْ تَكَلّمْنَا عَلَى مَعْنَى الْإِقْوَاءِ قَبْلُ، وَأَمّا اخْتِلَافُ الْقَوَافِي فَيُسَمّى: اكْتِفَاءً، وَإِقْوَاءً أَيْضًا لِأَنّهُ مِنْ الْكُفْءِ، فَكَأَنّهُ جَعَلَ الرّفْعَ كُفْئًا لِلْخَفْضِ، فَسَوّى بَيْنَهُمَا، وَفِيهَا قوله:
_________________
(١) قال ابن برى: الشعر لجهم بن شبل، وقال أبو زياد الكلابى: وهو من بنى كعب بن بكر.. قال وقد أدركته يرعد رأسه، وهو يقول: أنا الجواد بن الجواد بن سبل إن ديمو اجاد، وإن جادوا وبل قال ابن برى: فثبت بهذا أن سبل اسم رجل وليس باسم فرس. هذا ما ذكره اللسان فى مادة سبل، وفى مادة: دوم رواه: «هو الجواد الخ» .
(٢) وفى النقائض «إن الجياد ببتن حول قبابنا
(٣) القصيدة للربيع بن زياد بن عبد الله بن سفيان بن قارب العبسى، وقد ذكر ابن هشام نسبه مختصرا وأول قصيدته: نام؟؟؟، وما أغمض حار من سيىء النبأ الجليل السارى ص ٨١؟؟؟ بعدها ح ١ النقائض بين جرير والفرزدق لأبى عبيدة معمر ن المثنى ط ١٣٥٣ هـ وص ١٥١ ح ١ أمالى المرتضى
[ ٣ / ١١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَرْجُو النّسَاءُ عَوَاقِبَ الْأَطْهَارِ. كَقَوْلِ الْأَخْطَلِ:
قَوْمٌ إذَا حَارَبُوا شَدّوا مَآزِرَهُمْ دُونَ النّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ
فَيُقَالُ: إنّ حَرْبَ دَاحِسٍ دَامَتْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، لَمْ تَحْمِلْ فِيهَا أُنْثَى، لِأَنّهُمْ كَانُوا لَا يَقْرَبُونَ النّسَاءَ مَا دَامُوا مُحَارِبِينَ، وَذَكَرَ الْأَصْبَهَانِيّ أَنّ حَرْبَ دَاحِسٍ كَانَتْ بَعْدَ يَوْمِ جَبَلَةَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقَدْ تَقَدّمَ يَوْمُ جَبَلَةَ، وَأَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وُلِدَ فِي تِلْكَ الْأَيّامِ، وَقَالَ لَبِيدٌ:
وَغَنِيت حَرَسًا قَبْلَ مَجْرَى دَاحِسٍ لَوْ كَانَ لِلنّفْسِ اللّجُوجِ خُلُودُ
وَكَانَ لَبِيدٌ فِي حَرْبِ جَبَلَةَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ، وَقَوْلُهُ: حَرَسًا أَيْ: وَقْتًا مِنْ الدّهْرِ، وَيُرْوَى سَبْتًا «١» وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَكَانَ إجْرَاءُ دَاحِسٍ وَالْغَبْرَاءِ عَلَى ذَاتِ الْإِصَادِ «٢» مَوْضِعٍ فِي بِلَادِ فَزَارَةَ، وَكَانَ آخِرُ أَيّامِ حَرْبِ دَاحِسٍ بِقَلَهَى مِنْ أَرْضِ قَيْسٍ، وَهُنَاكَ اصْطَلَحَتْ عَبْسٌ وَمَنُولَةُ: وَهِيَ أُمّ بَنِي فَزَارَةَ: شَمْخٍ وَعَدِيّ وَمَازِنٍ، فَيُقَالُ لِهَذَا الْمَوْضِعِ: قَلَهَى، وَأَمّا قَلَهّي فَمَوْضِعٌ بِالْحِجَازِ، وَفِيهِ اعْتَزَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ حِينَ قُتِلَ عُثْمَانُ، وَأَمَرَ ألّا يحدّث بشىء من أخبار
_________________
(١) فى اللسان فى مادة سبت وجرى رواه: وغنيت سبتا قبل مجرى داحس. وفى الأصل: مجراء
(٢) فى المراصد: الإصاد: اسم الماء الذى لطم عليه داحس، وكانت الحرب المشهورة بسببها، وذات الإصاد. ردهة فى ديار بنى عبس وسط هضب القليب
[ ٣ / ١١٥ ]
[ذكرى ما لقيه رسول الله ﷺ من قومه]
[مفتريات قريش وإيذاؤهم للرسول (ص):]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ قُرَيْشًا اشْتَدّ أَمْرُهُمْ لِلشّقَاءِ الّذِي أَصَابَهُمْ فِي عَدَاوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَمِنْ أَسْلَمَ مَعَهُ مِنْهُمْ، فَأَغْرَوْا بِرَسُولِ الله ﷺ: سُفَهَاءَهُمْ، فَكَذّبُوهُ، وَآذَوْهُ، وَرَمَوْهُ بِالشّعْرِ وَالسّحْرِ وَالْكِهَانَةِ وَالْجُنُونِ، وَرَسُولُ الله ﷺ مُظْهِرٌ لِأَمْرِ اللهِ لَا يَسْتَخْفِي بِهِ، مُبَادٍ لَهُمْ بِمَا يَكْرَهُونَ مِنْ عَيْبِ دِينِهِمْ، وَاعْتِزَالِ أَوْثَانِهِمْ، وَفِرَاقِهِ إيّاهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ.
ــ
النّاسِ، وَأَلّا يَسْمَعَ مِنْهَا شَيْئًا، حَتّى يَصْطَلِحُوا، وَيُقَالُ: إنّ الْحَنْفَاءَ كَانَتْ فَرَسَ حُذَيْفَةَ «١»، وَأَنّهَا أُجْرِيَتْ مَعَ الْغَبْرَاءِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، قَالَ الشّاعِرُ:
إذَا كَانَ غَيْرُ اللهِ لِلْمَرْءِ عُدّةً أَتَتْهُ الرّزَايَا مِنْ وُجُوهِ الْفَوَائِدِ
فَقَدْ جَرَتْ الْحَنْفَاءُ حَتْفَ حُذَيْفَةَ وَكَانَ يَرَاهَا عُدّةً لِلشّدَائِدِ «٢»
وَأَمّا حَرْبُ حَاطِبٍ الّذِي ذَكَرَهَا، فَهِيَ حَرْبٌ كَانَتْ عَلَى يَدِ حَاطِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ هَيْشَةَ بْنِ الْأَوْسِ، فَنُسِبَتْ إلَيْهِ، وَكَانَتْ بين الأوس والخزرج.
_________________
(١) فى اللسان أن الحنفاء أخت داحس لأبيه من ولد العقال، والغبراء: خالة داحس، وأخته لأبيه!! والحنفاء: فرس حجر بن معاوية.
(٢) فصل القول فى حرب داحس كتاب النقائض بين جرير والفرزدق لأبى عبيدة ص ٧٦ ح ١
[ ٣ / ١١٦ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بن الزبير، عن أبيه عروة ابن الزّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قُلْت لَهُ: مَا أَكْثَرَ مَا رَأَيْتَ قُرَيْشًا أَصَابُوا مِنْ رَسُولِ اللهِﷺ- فِيمَا كَانُوا يُظْهِرُونَ مِنْ عَدَاوَتِهِ؟ قَالَ: حَضَرْتُهُمْ، وَقَدْ اجْتَمَعَ أَشْرَافُهُمْ يَوْمًا فِي الْحِجْرِ، فَذَكَرُوا رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَبَرْنَا عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ هَذَا الرّجُلِ قَطّ: سَفّهَ أَحْلَامَنَا، وَشَتَمَ آبَاءَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَفَرّقَ جَمَاعَتَنَا، وَسَبّ آلِهَتَنَا، لَقَدْ صَبَرْنَا مِنْهُ عَلَى أمر عظيم، أو كما قالوا: فبيناهم فِي ذَلِكَ إذْ طَلَعَ رَسُولُ اللهِﷺ- فَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتّى اسْتَلَمَ الرّكْنَ، ثُمّ مَرّ بِهِمْ طَائِفًا بِالْبَيْتِ، فَلَمّا مرّ بهم غمزوه، ببعض القول، قَالَ: فَعَرَفْت ذَلِكَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ: ثُمّ مَضَى، فَلَمّا مَرّ بِهِمْ الثّانِيَةَ غَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِﷺ- ثُمّ مَرّ بِهِمْ الثّالِثَةَ فَغَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَوَقَفَ، ثُمّ قَالَ: أَتَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ؟! أَمَا وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذّبْحِ. قَالَ: فَأَخَذَتْ الْقَوْمَ كَلِمَتُهُ حَتّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إلّا كَأَنّمَا عَلَى رَأْسِهِ طَائِرٌ وَاقِعٌ، حَتّى إنّ أَشَدّهُمْ فِيهِ وَصَاةً قَبْلَ ذَلِكَ لَيَرْفَؤُهُ بِأَحْسَنِ مَا يَجِدُ مِنْ الْقَوْلِ، حَتّى إنّهُ لِيَقُولَ: انْصَرِفْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فو الله مَا كُنْتَ جَهُولًا. قَالَ فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حتى إذا كان الْغَدُ اجْتَمَعُوا فِي الْحِجْرِ وَأَنَا مَعَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: ذَكَرْتُمْ مَا بَلَغَ مِنْكُمْ، وَمَا بَلَغَكُمْ عَنْهُ، حَتّى إذَا بَادَاكُمْ بِمَا تَكْرَهُونَ تركتموه.
فبينماهم فِي ذَلِكَ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِﷺ- فَوَثَبُوا إلَيْهِ وَثْبَةَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١١٧ ]
رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَأَحَاطُوا بِهِ، يَقُولُونَ: أَنْت الّذِي تَقُولُ كَذَا وَكَذَا، لِمَا كَانَ يَقُولُ مِنْ عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وَدِينِهِمْ؟! فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
نَعَمْ أَنَا الّذِي أَقُولُ ذَلِكَ، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْت رَجُلًا مِنْهُمْ أَخَذَ بِمِجْمَعِ رِدَائِهِ. قَالَ:
فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ دُونَهُ، وَهُوَ يَبْكِي وَيَقُولُ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبّي اللهُ؟! ثُمّ انْصَرَفُوا عَنْهُ، فَإِنّ ذَلِكَ لَأَشَدّ مَا رَأَيْت قُرَيْشًا نالوا منه قطّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ آلِ أُمّ كلثوم ابنة أبى بكر، أنها قالت:
رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ وَقَدْ صَدَعُوا فَرْقَ رَأْسِهِ، مِمّا جَبَذُوهُ بِلِحْيَتِهِ، وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ الشعر.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنّ أَشَدّ مَا لَقِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ قُرَيْشٍ أَنّهُ خَرَجَ يَوْمًا فَلَمْ يَلْقَهُ أَحَدٌ مِنْ النّاس إلّا كذّبه وآذاه، لا جرّ وَلَا عَبْدٌ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى مَنْزِلِهِ، فَتَدَثّرَ مِنْ شِدّةِ مَا أَصَابَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: «يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ» المدثر: ١، ٢
[إسلام حمزة ﵁]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ، كَانَ وَاعِيَةً: أَنّ أَبَا جَهْلٍ مَرّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَ الصّفَا فَآذَاهُ وَشَتَمَهُ، وَنَالَ مِنْهُ بَعْضَ مَا يَكْرَهُ مِنْ الْعَيْبِ لِدِينِهِ، وَالتّضْعِيفِ لِأَمْرِهِ، فَلَمْ يُكَلّمْهُ رَسُولُ اللهِ- صَلّى اللهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١١٨ ]
عَلَيْهِ وَسَلّمَ، وَمَوْلَاةٌ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تيم ابن مرّة فى مسكن لها تسمع ذلك، ثم انصرف عنه، فَعَمَدَ إلَى نَادٍ مِنْ قُرَيْشٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ، فَلَمْ يَلْبَثْ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ﵁ أَنْ أَقْبَلَ مُتَوَشّحًا قَوْسَهُ، رَاجِعًا مِنْ قَنْصٍ لَهُ، وَكَانَ صَاحِبَ قَنْصٍ يَرْمِيهِ، وَيَخْرُجُ لَهُ، وَكَانَ إذَا رَجَعَ مِنْ قَنْصِهِ لَمْ يَصِلْ إلَى أَهْلِهِ، حَتّى يَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ، وَكَانَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَمُرّ عَلَى نَادٍ مِنْ قُرَيْشٍ إلّا وَقَفَ، وَسَلّمَ، وَتَحَدّثَ مَعَهُمْ، وَكَانَ أَعَزّ فَتًى فِي قُرَيْشٍ، وَأَشَدّ شَكِيمَةً، فَلَمّا مَرّ بِالْمَوْلَاةِ، وَقَدْ رجع رسول الله ﷺ إلَى بَيْتِهِ قَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، لَوْ رَأَيْتَ مَا لَقِيَ ابْنُ أَخِيك مُحَمّدٌ آنِفًا مِنْ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ: وَجَدَهُ هَاهُنَا جَالِسًا، فَآذَاهُ وَسَبّهُ وَبَلَغَ مِنْهُ مَا يَكْرَهُ، ثُمّ انْصَرَفَ عَنْهُ، وَلَمْ يُكَلّمْهُ مُحَمّدٌ ﷺ.
فَاحْتَمَلَ حَمْزَةَ الْغَضَبُ لَمّا أَرَادَ اللهُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ، فَخَرَجَ يَسْعَى، وَلَمْ يَقِفْ عَلَى أَحَدٍ، مُعِدّا لِأَبِي جَهْلٍ إذَا لَقِيَهُ أَنْ يُوقِعَ بِهِ، فَلَمّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ نَظَرَ إلَيْهِ جَالِسًا فِي الْقَوْمِ فَأَقْبَلَ نَحْوَهُ، حَتّى إذَا قَامَ عَلَى رَأْسِهِ، رَفَعَ الْقَوْسَ، فَضَرَبَهُ بِهَا، فشجه شجّة منكرة، ثم قال: أتشتمه، فأنا على دينه أفول مَا يَقُولُ؟! فَرُدّ ذَلِكَ عَلَيّ إنْ اسْتَطَعْت. فَقَامَتْ رِجَالٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ إلَى حَمْزَةَ، لِيَنْصُرُوا أَبَا جَهْلٍ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: دَعُوا أَبَا عُمَارَةَ، فَإِنّي وَاَللهِ قَدْ سَبَبْتُ ابْنَ أَخِيهِ سَبّا قَبِيحًا، وَتَمّ حَمْزَةُ ﵁ عَلَى إسْلَامِهِ، وَعَلَى مَا تَابَعَ عَلَيْهِ رسول الله ﷺ من قومه. فَلَمّا أَسْلَمَ حَمْزَةُ عَرَفَتْ قُرَيْشٌ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١١٩ ]
أن رسول الله ﷺ قَدْ عَزّ وَامْتَنَعَ، وَأَنّ حَمْزَةَ سَيَمْنَعُهُ، فَكَفّوا عن بعض ما كانوا ينالون منه.
[عتبة بن ربيعة يذهب إلى الرسول (ص)]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ، قَالَ:
حُدّثْت أَنّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ- وَكَانَ سَيّدًا- قَالَ يَوْمًا وَهُوَ جَالِسٌ فِي نَادِي قُرَيْشٍ ورسول اللهﷺ- جالس فِي الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَلَا أَقُومُ إلَى مُحَمّدٍ فَأُكَلّمَهُ، وَأَعْرِضَ عَلَيْهِ أُمُورًا لَعَلّهُ يَقْبَلُ بَعْضَهَا، فَنُعْطِيهِ أَيّهَا شَاءَ، وَيَكُفّ عَنّا؟ وَذَلِكَ حِينَ أَسْلَمَ حَمْزَةُ، وَرَأَوْا أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِﷺ- يَزِيدُونَ وَيَكْثُرُونَ؛ فَقَالُوا: بَلَى يَا أَبَا الْوَلِيدِ، قُمْ إلَيْهِ، فَكَلّمْهُ، فَقَامَ إلَيْهِ عُتْبَةُ حَتّى جَلَسَ إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- فقال: يابن أَخِي، إنّك مِنّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ مِنْ السّطَةِ فِي الْعَشِيرَةِ، وَالْمَكَانِ فِي النّسَبِ، وَإِنّك قد أنيت قَوْمَك بِأَمْرِ عَظِيمٍ، فَرّقْت بِهِ جَمَاعَتَهُمْ، وَسَفّهْت بِهِ أَحْلَامَهُمْ، وَعِبْت بِهِ آلِهَتَهُمْ وَدِينَهُمْ، وَكَفّرْت بِهِ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ، فَاسْمَعْ مِنّي أَعْرِضْ عَلَيْك أُمُورًا تَنْظُرُ فِيهَا لَعَلّك تَقْبَلُ مِنْهَا بَعْضَهَا. قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِﷺ: قُلْ يَا أَبَا الوليد، أسمع، قال: يابن أَخِي إنْ كُنْت إنّمَا تُرِيدُ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَالًا، جَمَعْنَا لَك مِنْ أَمْوَالِنَا، حَتّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالًا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ شَرَفًا سَوّدْنَاك عَلَيْنَا، حَتّى لَا نَقْطَعَ أَمْرًا دُونَك، وَإِنْ كُنْت تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلّكْنَاك عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٢٠ ]
هَذَا الّذِي يَأْتِيك رِئْيًا تَرَاهُ لَا تَسْتَطِيعُ رَدّهُ عَنْ نَفْسِك، طَلَبْنَا لَك الطّبّ، وَبَذَلْنَا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غَلَبَ التّابِعُ عَلَى الرّجُلِ حَتّى يُدَاوَى مِنْهُ، أَوْ كَمَا قَالَ لَهُ، حَتّى إذَا فَرَغَ عُتْبَةُ، وَرَسُولُ اللهﷺ- يَسْتَمِعُ مِنْهُ، قَالَ: أَقَدْ فَرَغْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاسْمَعْ مِنّي، قَالَ: أَفْعَلُ، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ، فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ، وَقالُوا: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ. فصلت: ١- ٥. ثم مضى رَسُولُ اللهِﷺ- فِيهَا يَقْرَؤُهَا عَلَيْهِ، فَلَمّا سَمِعَهَا مِنْهُ عُتْبَةُ أَنْصَتَ لَهَا، وَأَلْقَى يَدَيْهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا، يَسْمَعُ مِنْهُ، ثُمّ انْتَهَى رَسُولُ اللهﷺ- إلَى السّجْدَةِ مِنْهَا، فَسَجَدَ ثُمّ قَالَ: قَدْ سَمِعْتَ يَا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك.
فَقَامَ عُتْبَةُ إلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: نَحْلِفُ بِاَللهِ: لَقَدْ جَاءَكُمْ أَبُو الْوَلِيدِ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الّذِي ذَهَبَ بِهِ. فَلَمّا جَلَسَ إلَيْهِمْ قَالُوا: مَا وَرَاءَك يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ قَالَ: وَرَائِي أَنّي قَدْ سَمِعْتُ قَوْلًا وَاَللهِ مَا سَمِعْت مِثْلَهُ قَطّ، وَاَللهِ مَا هُوَ بِالشّعْرِ، ولا بالسّخر، وَلَا بِالْكِهَانَةِ. يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! أَطِيعُونِي وَاجْعَلُوهَا بِي، وَخَلّوا بَيْنَ هَذَا الرّجُلِ، وَبَيْنَ مَا هو فيه، فاعتزلوه، فو الله لَيَكُونَنّ لِقَوْلِهِ الّذِي سَمِعْتُ مِنْهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ، فَإِنْ تُصِبْهُ الْعَرَبُ فَقَدْ كُفِيتُمُوهُ بِغَيْرِكُمْ، وَإِنْ يَظْهَرْ عَلَى الْعَرَبِ، فَمُلْكُهُ مُلْكُكُمْ، وَعِزّهُ عِزّكُمْ، وَكُنْتُمْ أَسْعَدَ النّاسِ بِهِ، قَالُوا:
سَحَرَك وَاَللهِ يَا أَبَا الْوَلِيدِ بِلِسَانِهِ، قَالَ: هَذَا رَأْيِي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٢١ ]
[بين النبى (ص) وبين قريش]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ الْإِسْلَامَ جَعَلَ يَفْشُو بِمَكّةَ فِي قَبَائِل قُرَيْشٍ فِي الرّجَالِ وَالنّسَاءِ، وَقُرَيْشٌ تَحْبِسُ مَنْ قَدَرَتْ عَلَى حَبْسِهِ، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين، ثم إن أشراف قُرَيْشٍ مِنْ كُلّ قَبِيلَةٍ- كَمَا حَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بن عباس ﵄ قال:
اجْتَمَعَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وأبو سفيان بن حرب، والنّضر بن الحارث، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدّارِ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ بْنُ هِشَامٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَأَبُو جَهْلِ بن هشام- لعنه الله- وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ، وَالْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ، وَنَبِيهٌ وَمُنَبّهٌ ابْنَا الْحَجّاجِ السّهْمِيّانِ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، أَوْ مَنْ اجْتَمَعَ مِنْهُمْ. قَالَ:
اجْتَمِعُوا بَعْدَ غُرُوبِ الشّمْسِ عِنْدَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، ثُمّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ:
ابْعَثُوا إلَى مُحَمّدٍ فَكَلّمُوهُ وَخَاصِمُوهُ حَتّى تُعْذِرُوا فِيهِ، فَبَعَثُوا إلَيْهِ: إنّ أَشْرَافَ قَوْمِك قَدْ اجْتَمَعُوا لَك لِيُكَلّمُوك، فَأْتِهِمْ، فَجَاءَهُمْ رَسُولُ اللهِﷺ- سَرِيعًا، وَهُوَ يَظُنّ أَنْ قَدْ بَدَا لَهُمْ فِيمَا كَلّمَهُمْ فِيهِ بَدَاءٌ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ حريصا يحب رشدهم، ويعزّ عليه عنهم، حَتّى جَلَسَ إلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ يَا مُحَمّدُ، إنّا قَدْ بَعَثْنَا إلَيْك؛ لِنُكَلّمَك، وَإِنّا وَاَللهِ مَا نَعْلَمُ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ أَدْخَلَ عَلَى قَوْمِهِ مِثْلَ مَا أَدْخَلْتَ عَلَى قَوْمِك، لَقَدْ شَتَمْتَ الْآبَاءَ، وَعِبْتَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٢٢ ]
الدّينَ، وَشَتَمْت الْآلِهَةَ، وَسَفّهْت الْأَحْلَامَ، وَفَرّقْت الْجَمَاعَةَ، فَمَا بَقِيَ أَمْرٌ قَبِيحٌ إلّا قَدْ جِئْتَهُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَك- أَوْ كَمَا قَالُوا لَهُ- فَإِنْ كُنْتَ إنّمَا جِئْتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ تَطْلُبُ بِهِ مَالًا جَمَعْنَا لَك مِنْ أَمْوَالِنَا حَتّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالًا، وَإِنْ كُنْتَ إنّمَا تَطْلُبُ بِهِ الشّرَفَ فِينَا، فَنَحْنُ نُسَوّدُك عَلَيْنَا، وَإِنْ كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كَانَ هَذَا الّذِي يَأْتِيك رِئْيًا تَرَاهُ قَدْ غَلَبَ عَلَيْك- وَكَانُوا يُسَمّونَ التّابِعَ مِنْ الْجِنّ رِئْيًا- فَرُبّمَا كَانَ ذَلِكَ، بَذَلْنَا لَك أَمْوَالَنَا فِي طَلَبِ الطّبّ لَك حَتّى نُبْرِئَك مِنْهُ، أَوْ نُعْذِرَ فِيك، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِﷺ: مَا بِي مَا تَقُولُونَ، مَا جِئْتُ بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ أَطْلُبُ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا الشّرَفَ فِيكُمْ، وَلَا الْمُلْكَ عَلَيْكُمْ. وَلَكِنّ اللهَ بَعَثَنِي إلَيْكُمْ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيّ كِتَابًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَكُونَ لَكُمْ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَبَلّغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبّي، وَنَصَحْتُ لَكُمْ، فَإِنْ تَقْبَلُوا مِنّي مَا جِئْتُكُمْ بِهِ، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عَلَيّ أَصْبِرْ لِأَمْرِ اللهِ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، أَوْ كَمَا قَالَﷺ- قَالُوا: يَا مُحَمّدُ، فَإِنْ كُنْت غَيْرَ قَابِلٍ مِنّا شَيْئًا مِمّا عَرَضْنَاهُ عَلَيْك، فَإِنّك قَدْ عَلِمْتَ أَنّهُ لَيْسَ مِنْ النّاسِ أَحَدٌ أَضْيَقَ بَلَدًا، وَلَا أَقَلّ مَاءً، وَلَا أَشَدّ عَيْشًا مِنّا، فَسَلْ لَنَا رَبّك الّذِي بَعَثَك بِمَا بَعَثَك بِهِ، فَلْيُسَيّرْ عَنّا هَذِهِ الْجِبَالَ الّتِي قَدْ ضَيّقَتْ عَلَيْنَا، وَلْيَبْسُطْ لَنَا بِلَادَنَا، وَلْيُفَجّرْ لَنَا فِيهَا أَنَهَارًا كَأَنْهَارِ الشّامِ وَالْعِرَاقِ، وَلْيَبْعَثْ لَنَا مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِنَا، وَلْيَكُنْ فِيمَنْ يُبْعَثُ لَنَا مِنْهُمْ: قُصَيّ بْنُ كِلَابٍ، فَإِنّهُ كَانَ شَيْخَ صِدْقٍ، فَنَسْأَلَهُمْ عَمّا تَقُولُ: أَحَقّ هُوَ أَمْ بَاطِلٌ، فَإِنْ صَدّقُوك، وَصَنَعْتَ مَا سَأَلْنَاك، صَدّقْنَاك، وَعَرَفْنَا بِهِ مَنْزِلَتَك
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٢٣ ]
مِنْ اللهِ، وَأَنّهُ بَعَثَك رَسُولًا- كَمَا تَقُول- فَقَالَ لَهُمْ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ:
مَا بِهَذَا بُعِثْتُ إلَيْكُمْ، إنّمَا جِئْتُكُمْ مِنْ اللهِ بِمَا بَعَثَنِي بِهِ، وَقَدْ بَلّغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْت بِهِ إلَيْكُمْ، فَإِنْ تَقْبَلُوهُ، فَهُوَ حَظّكُمْ فِي الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر اللهِ تَعَالَى، حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، قالوا: فإذا لم تفعل هذا لنا، فخذ لنفسك، سل رَبّك أَنْ يَبْعَثَ مَعَك مَلَكًا يُصَدّقُك بِمَا تَقُولُ، وَيُرَاجِعُنَا عَنْك وَسَلْهُ، فَلْيَجْعَلْ لَك جَنَانًا وَقُصُورًا وَكُنُوزًا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضّةٍ يُغْنِيك بِهَا عَمّا نَرَاك تَبْتَغِي، فَإِنّك تَقُومُ بِالْأَسْوَاقِ كَمَا نَقُومُ، وَتَلْتَمِسُ الْمَعَاشَ كَمَا نَلْتَمِسُهُ، حَتّى نَعْرِفَ فَضْلَك وَمَنْزِلَتَك مِنْ رَبّك إنْ كُنْت رَسُولًا كَمَا تَزْعُمُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا أَنَا بِفَاعِلِ، وَمَا أَنَا بِاَلّذِي يَسْأَلُ رَبّهُ هَذَا، وَمَا بُعِثْت إلَيْكُمْ بِهَذَا، وَلَكِنّ اللهَ بَعَثَنِي بَشِيرًا وَنَذِيرًا- أَوْ كَمَا قَالَ- فَإِنْ تَقْبَلُوا مَا جِئْتُكُمْ به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تَرُدّوهُ عَلَيّ أَصْبِرْ لِأَمْرِ اللهِ، حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، قَالُوا:
فَأَسْقِطْ السّمَاءَ عَلَيْنَا كسفا كما زعمت أن ربّك لو شَاءَ فَعَلَ، فَإِنّا لَا نُؤْمِنُ لَك إلّا أَنْ تَفْعَلَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ: ذَلِكَ إلَى اللهِ، إنْ شَاءَ أَنْ يَفْعَلَهُ بِكُمْ فَعَلَ، قَالُوا: يَا مُحَمّدُ، أَفَمَا عَلِمَ رَبّك أَنّا سَنَجْلِسُ مَعَك، وَنَسْأَلُك عَمّا سَأَلْنَاك عَنْهُ، وَنَطْلُبُ مِنْك مَا نَطْلُبُ، فَيَتَقَدّمَ إلَيْك فَيُعَلّمَك مَا تُرَاجِعُنَا بِهِ، وَيُخْبِرُك مَا هُوَ صَانِعٌ فِي ذَلِكَ بِنَا، إذا لَمْ نَقْبَلْ مِنْك مَا جِئْتنَا بِهِ! إنّهُ قَدْ بَلَغْنَا أَنّك إنّمَا يُعَلّمُك هَذَا رَجُلٌ بِالْيَمَامَةِ يُقَال لَهُ: الرّحْمَنُ، وَإِنّا وَاَللهِ لَا نُؤْمِنُ بِالرّحْمَنِ أَبَدًا، فَقَدْ أَعْذَرْنَا إلَيْك يَا مُحَمّدُ، وَإِنّا وَاَللهِ لَا نَتْرُكُك
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٢٤ ]
وَمَا بَلَغْتَ مِنّا حَتّى نُهْلِكَك، أَوْ تُهْلِكَنَا. وَقَالَ قَائِلُهُمْ: نَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ وَهِيَ بَنَاتُ اللهِ. وَقَالَ: قَائِلُهُمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَك حَتّى تأتينا بالله والملائكة قبيلا.
فَلَمّا قَالُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِﷺ-، قَامَ عَنْهُمْ، وَقَامَ مَعَهُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ- وَهُوَ ابْنُ عَمّتِهِ فَهُوَ لِعَاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ- فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمّدُ، عَرَضَ عَلَيْك قَوْمُك مَا عَرَضُوا فَلَمْ تَقْبَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمّ سَأَلُوك لِأَنْفُسِهِمْ أُمُورًا، لِيَعْرِفُوا بِهَا مَنْزِلَتَك مِنْ اللهِ كَمَا تَقُول، وَيُصَدّقُوك وَيَتّبِعُوك فَلَمْ تَفْعَلْ، ثُمّ سَأَلُوك أَنْ تَأْخُذَ لِنَفْسِك مَا يَعْرِفُونَ بِهِ فَضْلَك عَلَيْهِمْ، وَمَنْزِلَتَك مِنْ اللهِ، فَلَمْ تَفْعَلْ، ثُمّ سَأَلُوك أَنْ تُعَجّلَ لَهُمْ بَعْضَ مَا تُخَوّفُهُمْ بِهِ مِنْ الْعَذَابِ، فَلَمْ تَفْعَلْ- أَوْ كما قال له- فو الله لَا أُومِنُ بِك أَبَدًا حَتّى تَتّخِذَ إلَى السّمَاءِ سُلّمًا، ثُمّ تَرْقَى فِيهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إلَيْكَ حَتّى تَأْتِيَهَا، ثُمّ تَأْتِي مَعَك أَرْبَعَةٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَك أَنّك كَمَا تَقُول.
وايم الله أن لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ مَا ظَنَنْتُ أَنّي أُصَدّقُك، ثُمّ انْصَرَفَ عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ- وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِﷺ- إلى أهله جزينا آسِفًا لِمَا فَاتَهُ مِمّا كَانَ يَطْمَعُ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ حِينَ دَعَوْهُ، وَلِمَا رَأَى مِنْ مباعدتهم إياه.
فَلَمّا قَامَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللهِﷺ- قَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّ مُحَمّدًا قَدْ أَبَى إلّا مَا تَرَوْنَ مِنْ عَيْبِ دِينِنَا، وَشَتْمِ آبَائِنَا، وَتَسْفِيهِ أحلامنا، وشتم آلهتنا، وَإِنّي أُعَاهِدُ اللهَ لَأَجْلِسَنّ لَهُ غَدًا بِحَجَرٍ مَا أُطِيقُ حَمْلَهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٢٥ ]
- أَوْ كَمَا قَالَ- فَإِذَا سَجَدَ فِي صَلَاتِهِ، فَضَخْتُ بِهِ رَأْسَهُ، فَأَسْلِمُونِي عِنْدَ ذَلِكَ، أَوْ امْنَعُونِي، فَلْيَصْنَعْ بَعْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ مَا بَدَا لَهُمْ، قَالُوا: وَاَللهِ لَا نُسْلِمُك لشىء أبدا، فامض لما تريد.
فَلَمّا أَصْبَحَ أَبُو جَهْلٍ، أَخَذَ حَجَرًا كَمَا وَصَفَ، ثُمّ جَلَسَ لِرَسُولِ اللهِﷺ- يَنْتَظِرُهُ، وَغَدَا رَسُولُ اللهِﷺ- كَمَا كَانَ يَغْدُو، وَكَانَ رسول اللهﷺ- بمكة وَقِبْلَتُهُ إلَى الشّامِ، فَكَانَ إذَا صَلّى صَلّى بين الرّكْنِ الْيَمَانِيّ وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَجَعَلَ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشّامِ.
فَقَامَ رَسُولُ اللهِﷺ- يُصَلّي وَقَدْ غَدَتْ قُرَيْشٌ، فَجَلَسُوا فِي أَنْدِيَتِهِمْ يَنْتَظِرُونَ مَا أَبُو جَهْلٍ فَاعِلٌ. فَلَمّا سَجَدَ رَسُولُ اللهِﷺ- احْتَمَلَ أَبُو جَهْلٍ الْحَجَرَ، ثُمّ أَقْبَلَ نَحْوَهُ، حَتّى إذَا دَنَا مِنْهُ رَجَعَ مُنْهَزِمًا. مُنْتَقِعًا لَوْنُهُ مَرْعُوبًا. قَدْ يَبِسَتْ يَدَاهُ عَلَى حَجَرِهِ. حَتّى قَذَفَ الْحَجَرَ مِنْ يَدِهِ. وَقَامَتْ إليه رجال قريش. فقالوا له: مالك يَا أَبَا الْحَكَمِ؟ قَالَ: قُمْتُ إلَيْهِ لِأَفْعَلَ بِهِ مَا قُلْتُ لَكُمْ الْبَارِحَةَ، فَلَمّا دَنَوْتُ مِنْهُ عَرَضَ لِي دُونَهُ فَحْلٌ مِنْ الْإِبِلِ، لَا وَاَللهِ مَا رَأَيْت مِثْلَ هَامَتهِ، وَلَا مِثْلَ قَصَرَتِهِ، وَلَا أَنْيَابِهِ لِفَحْلٍ قَطّ. فَهَمّ بى أن يأكلنى.
قال بن إسْحَاقَ: فَذُكِرَ لِي أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قَالَ:
ذَلِكَ جِبْرِيلُ ﵇: لو دنا لأخذه.
فَلَمّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ أَبُو جَهْلٍ. قَامَ النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة ابن عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٢٦ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْش. إنّهُ وَاَللهِ قَدْ نَزَلَ بِكُمْ أَمْرٌ مَا أَتَيْتُمْ لَهُ بِحِيلَةِ بَعْدُ، قَدْ كَانَ مُحَمّدٌ فِيكُمْ غُلَامًا حَدَثًا، أَرْضَاكُمْ فِيكُمْ. وَأَصْدَقَكُمْ حَدِيثًا. وَأَعْظَمَكُمْ أَمَانَةً. حَتّى إذَا رَأَيْتُمْ فِي صُدْغَيْهِ الشّيب، وجاءكم بما جاءكم به. قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر. لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم: كاهن. لا والله ما هو بكاهن؛ قد رأينا الكهنة، وتخالجهم وسمعنا سجعهم، وقلتم: شاعر، لا والله ما هو بشاعر؛ قد رأينا الشعر، وسمعنا أصنافه كلّها: هزجه ورجزه، وقلتم: مجنون، لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون، فما هو بخنقه، ولا وَسْوَسَتِهِ، وَلَا تَخْلِيطِهِ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، فَانْظُرُوا فِي شَأْنِكُمْ، فَإِنّهُ وَاَللهِ لَقَدْ نَزَلَ بِكُمْ أمر عظيم.
وَكَانَ النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ، وَمِمّنْ كَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللهِﷺ- وَيَنْصِبُ لَهُ الْعَدَاوَةَ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ الْحِيرَةَ، وَتَعَلّمَ بِهَا أَحَادِيثَ مُلُوكِ الْفُرْسِ، وَأَحَادِيثَ رُسْتُمَ واسبنديار، فَكَانَ إذَا جَلَسَ رَسُولُ اللهﷺ- مَجْلِسًا فَذَكّرَ فِيهِ بِاَللهِ، وَحَذّرَ قَوْمَهُ مَا أَصَابَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ الْأُمَمِ مِنْ نِقْمَةِ اللهِ، خَلَفَهُ فِي مَجْلِسِهِ إذَا قَامَ، ثُمّ قَالَ: أَنَا وَاَللهِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَحْسَنُ حَدِيثًا مِنْهُ، فَهَلُمّ إلَيّ، فَأَنَا أُحَدّثُكُمْ أَحْسَنَ مِنْ حَدِيثِهِ، ثُمّ يُحَدّثُهُمْ عَنْ مُلُوكِ فَارِسَ وَرُسْتُمَ واسبنديار. ثُمّ يَقُولُ: بِمَاذَا مُحَمّدٌ أَحْسَنُ حَدِيثًا مِنّي؟
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٢٧ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهُوَ الّذِي قَالَ فِيمَا بَلَغَنِي: سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ ابْنُ عَبّاسٍ ﵄ يَقُولُ- فِيمَا بَلَغَنِي: نَزَلَ فِيهِ ثَمَانِ آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ: قَوْلُ الله ﷿: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ. القلم: ١٥ وَكُلّ مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ الْأَسَاطِيرِ مِنْ القرآن.
فَلَمّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بَعَثُوهُ، وَبَعَثُوا مَعَهُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ إلَى أَحْبَارِ يَهُودَ بِالْمَدِينَةِ، وَقَالُوا لَهُمَا: سَلَاهُمْ عَنْ مُحَمّدٍ، وَصِفَا لَهُمْ صِفَتَهُ، وَأَخْبِرَاهُمْ بِقَوْلِهِ، فَإِنّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الْأُوَلِ، وَعِنْدَهُمْ عِلْمٌ لَيْسَ عندنا من علم الْأَنْبِيَاءِ، فَخَرَجَا حَتّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ، فَسَأَلَا أَحْبَارَ يَهُودَ عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ- وَوَصَفَا لَهُمْ أَمْرَهُ. وَأَخْبَرَاهُمْ بِبَعْضِ قَوْلِهِ. وَقَالَا لَهُمْ: إنّكُمْ أَهْلُ التّوْرَاةِ. وَقَدْ جِئْنَاكُمْ لِتُخْبِرُونَا عَنْ صَاحِبِنَا هَذَا. فَقَالَتْ لَهُمَا أَحْبَارُ يَهُودَ: سَلُوهُ عَنْ ثَلَاثٍ نَأْمُرُكُمْ بِهِنّ. فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهِنّ، فَهُوَ نَبِيّ مُرْسَلٌ. وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالرّجُلُ مُتَقَوّلٌ. فَرَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ. سَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدّهْرِ الْأَوّلِ مَا كَانَ أَمْرُهُمْ، فَإِنّهُ قَدْ كَانَ لَهُمْ حَدِيثٌ عَجَبٌ، وَسَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ طَوّافٍ قَدْ بَلَغَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا مَا كَانَ نَبَؤُهُ، وَسَلُوهُ عن الرّوّح ما هى؟ فإن أَخْبَرَكُمْ بِذَلِك فَاتّبِعُوهُ، فَإِنّهُ نَبِيّ. وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَهُوَ رَجُلٌ مُتَقَوّلٌ. فَاصْنَعُوا فِي أَمْرِهِ مَا بَدَا لَكُمْ. فَأَقْبَلَ النّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيّ حَتّى قَدِمَا مَكّةَ عَلَى قُرَيْشٍ. فَقَالَا: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، قَدْ جِئْنَاكُمْ بِفَصْلِ مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مُحَمّدٍ. قَدْ أَخْبَرَنَا أحبار يهود أن
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٢٨ ]
تسأله عَنْ أَشْيَاءَ أَمَرُونَا بِهَا، فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ عَنْهَا فَهُوَ نَبِيّ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالرّجُلُ مُتَقَوّلٌ. فروا فيه رأيكم.
فجاؤا رَسُولِ اللهِﷺ- فَقَالُوا: يَا مُحَمّدُ، أَخْبِرْنَا عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدّهْرِ الْأَوّلِ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ قِصّةٌ عَجَبٌ، وَعَنْ رَجُلٍ كَانَ طَوّافًا قَدْ بَلَغَ مَشَارِقَ الأرض ومغاربها. وأخبرنا عن الرّوح ماهى؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِﷺ- أُخْبِرُكُمْ بِمَا سَأَلْتُمْ عَنْهُ غَدًا، وَلَمْ يَسْتَثْنِ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، فَمَكَثَ رَسُولُ اللهِﷺ- فِيمَا يَذْكُرُونَ- خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُحْدِثُ اللهُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَحْيًا، وَلَا يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ، حَتّى أَرْجَفَ أَهْلُ مَكّةَ وَقَالُوا: وَعَدَنَا مُحَمّدٌ غَدًا، وَالْيَوْمَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً. قَدْ أَصْبَحْنَا مِنْهَا لَا يُخْبِرُنَا بِشَيْءِ مِمّا سَأَلْنَاهُ عَنْهُ، وَحَتّى أَحْزَنَ رَسُولَ اللهِﷺ- مُكْثُ الوحى عنه، وَشَقّ عَلَيْهِ مَا يَتَكَلّمُ بِهِ أَهْلُ مَكّةَ، ثُمّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ مِنْ اللهِ ﷿ بِسُورَةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، فِيهَا مُعَاتَبَتُهُ إيّاهُ عَلَى حُزْنِهِ عَلَيْهِمْ، وَخَبَرُ مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ أمر الفتية، والرجل الطّوّاف، والروح.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذُكِرَ لِي أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قَالَ لِجِبْرِيلَ حِين جَاءَهُ: لَقَدْ احْتَبَسْتَ عَنّي يَا جِبْرِيلُ حَتّى سُؤْتُ ظَنّا، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ:
«وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ، لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا، وَما بَيْنَ ذلِكَ، وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا مريم: ٦٤ فَافْتَتَحَ السّورَةَ﵎- بِحَمْدِهِ وَذِكْرِ نُبُوّةِ رَسُولِهِ، لِمَا أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ الكهف: ١: ٢٦ يَعْنِي: مُحَمّدًا ﷺ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٢٩ ]
إنّك رَسُولٌ مِنّي: أَيْ تَحْقِيقٌ لِمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ نُبُوّتِك. وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا: أَيْ: مُعْتَدِلًا، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ. لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ: أَيْ عَاجِلَ عُقُوبَتِهِ فى الدنيا، وعذابا أليما فى الاخرة من عند ربك الذى بعثك رَسُولًا. وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا، ماكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا: أَيْ دَارُ الْخُلْدِ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا الّذِينَ صَدّقُوك بِمَا جِئْت بِهِ مِمّا كَذّبَك بِهِ غَيْرُهُمْ، وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرْتهمْ بِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ. وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا يَعْنِي: قُرَيْشًا فِي قَوْلِهِمْ:
إنّا نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ، وَهِيَ بَنَاتُ اللهِ. مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ الّذِينَ أَعْظَمُوا فِرَاقَهُمْ وَعَيْبَ دِينِهِمْ. كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ أَيْ: لِقَوْلِهِمْ: إنّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللهِ. إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا، فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ يَا مُحَمّدُ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا أَيْ: لِحُزْنِهِ عَلَيْهِمْ حِين فَاتَهُ مَا كَانَ يَرْجُو مِنْهُمْ، أَيْ: لَا تَفْعَلْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَاخِعٌ نَفْسَك، أَيْ: مُهْلِكٌ نَفْسَك، فِيمَا حَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ ذُو الرّمّةِ:
أَلَا أَيّهَذَا الْبَاخِعُ الْوَجْدُ نَفْسَهُ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ الْمَقَادِرُ
وَجَمْعُهُ: بَاخِعُونَ وَبَخَعَةٌ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قصيدة له. وتقول العرب:
قد بخعت له نُصْحِي وَنَفْسِي، أَيْ جَهَدْت لَهُ. إِنَّا جَعَلْنا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٣٠ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَيْ: أَيّهُمْ أَتْبَعُ لِأَمْرِي، وأعمل بطاعتى. إِنَّا لَجاعِلُونَ مَا عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا: أَيْ: الْأَرْضِ، وَإِنّ مَا عَلَيْهَا لَفَانٍ وَزَائِلٌ، وَإِنّ الْمَرْجِعَ إلَيّ، فَأَجْزِي كُلّا بِعَمَلِهِ، فَلَا تَأْسَ، وَلَا يَحْزُنْك مَا تَسْمَع وَتَرَى فِيهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الصّعِيدُ: الْأَرْضُ، وَجَمْعُهُ: صُعُدٌ. قَالَ ذُو الرّمّةِ يَصِفُ ظَبْيًا صَغِيرًا:
كَأَنّهُ بِالضّحَى تَرْمِي الصّعِيدَ بِهِ دَبّابَةٌ فِي عِظَامِ الرّأْسِ خُرْطُومُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالصّعِيدُ أَيْضًا: الطّرِيقُ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ:
«إيّاكُمْ وَالْقُعُودَ عَلَى الصّعَدَاتِ» يُرِيدُ الطّرُقَ. وَالْجُرُزُ: الْأَرْضُ الّتِي لَا تُنْبِتُ شَيْئًا، وَجَمْعُهَا: أَجْرَازٌ. وَيُقَالُ: سَنَةٌ جُرُزٌ، وَسُنُونَ أَجْرَازٌ، وَهِيَ الّتِي لَا يَكُون فِيهَا مَطَرٌ، وَتَكُونُ فِيهَا جُدُوبَةٌ وَيُبْسٌ وَشِدّةٌ. قال ذو الرّمّة يضف إبلا:
طوى النّحز وَالْأَجْرَازُ مَا فِي بُطُونِهَا فَمَا بَقِيَتْ إلّا الضّلُوعُ الْجَرَاشِعُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ:
[حول سورة الكهف]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ اسْتَقْبَلَ قِصّةَ الْخَبَرِ فِيمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ شَأْنِ الْفِتْيَةِ، فَقَالَ: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٣١ ]
أَيْ: قَدْ كَانَ مِنْ آيَاتِي فِيمَا وَضَعْت عَلَى الْعِبَادِ مِنْ حُجَجِي مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالرّقِيمُ: الْكِتَابُ الّذِي رُقِمَ فِيهِ بِخَبَرِهِمْ، وَجَمْعُهُ: رُقُمٌ.
قَالَ العجّاج:
ومستقرّ المصحف المرقّم
وهذا البيت فى أرجوة لَهُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ قَالَ تَعَالَى: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا:
رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا، فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا. ثُمَّ بَعَثْناهُمْ: لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا. ثُمّ قَالَ تَعَالَى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ: أَيْ: بِصِدْقِ الْخَبَر عَنْهُمْ: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ، وَزِدْناهُمْ هُدىً، وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا، فَقالُوا: رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا، لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا: أَيْ لَمْ يُشْرِكُوا بِي كَمَا أَشْرَكْتُمْ بِي مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالشّطَطُ: الْغُلُوّ وَمُجَاوَزَةُ الْحَقّ. قَالَ أَعْشَى بنى قيس ابن ثَعْلَبَةَ:
لَا يَنْتَهُونَ، وَلَا يَنْهَى ذَوِي شَطَطٍ كَالطّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزّيْتُ وَالْفَتْلُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٣٢ ]
هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَيْ بِحُجّةٍ بَالِغَةٍ.
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا. وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ، وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ، فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ، يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا. وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ، وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ، وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ» .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَزَاوَرُ: تَمِيلُ، وَهُوَ مِنْ الزّورِ: وقال امرؤ القيس بن حجر:
وَإِنّي زَعِيمٌ إنْ رَجَعْتُ مُمَلّكًا بِسَيْرٍ تَرَى مِنْهُ الْفُرَانِقَ أَزْوَرَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ له. وقال أبو الزّحف الكليبى يَصِفُ بَلَدًا:
جَأْبُ الْمُنَدّى عَنْ هَوَانَا أَزْوَرُ يُنْضِي الْمَطَايَا خِمْسُهُ الْعَشَنْزَرُ
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. و«تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ»:
تُجَاوِزُهُمْ وَتَتْرُكُهُمْ عَنْ شِمَالِهَا. قَالَ ذُو الرّمّةِ:
إلَى ظُعْنٍ يَقْرِضْنَ أَقْوَازَ مُشْرِفٍ شِمَالًا وَعَنْ أَيْمَانِهِنّ الْفَوَارِسُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالْفَجْوَةُ: السّعَةُ، وَجَمْعُهَا: الْفِجَاءُ قَالَ الشّاعِرُ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٣٣ ]
أَلْبَسْتَ قَوْمَك مَخْزَاةً وَمَنْقَصَةً حَتّى أُبِيحُوا، وَخَلّوْا فَجْوَةَ الدّارِ
«ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ» أَيْ فِي الْحُجّةِ عَلَى مَنْ عَرَفَ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، مِمّنْ أَمَرَ هَؤُلَاءِ بِمَسْأَلَتِك عَنْهُمْ فِي صِدْقِ نُبُوّتِك بِتَحْقِيقِ الْخَبَرِ عنهم. مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا. وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ، وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ، وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ» .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْوَصِيدُ: الْبَابُ. قَالَ الْعَبْسِيّ، وَاسْمُهُ: عُبَيْدُ بْنُ وَهْبٍ:
بِأَرْضٍ فَلَاةٍ لَا يُسَدّ وَصِيدُهَا عَلَيّ، وَمَعْرُوفِي بِهَا غَيْرُ مُنْكَرِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَالْوَصِيدُ أَيْضًا: الْفِنَاءُ، وجمعه: وصائد، ووصد، ووصدان، وأصد، وأصدان.
لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا، وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا إلَى قَوْلِهِ: قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ أَهْلُ السّلْطَانِ وَالْمُلْكِ مِنْهُمْ: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا سَيَقُولُونَ يَعْنِي: أَحْبَارَ يَهُودَ الّذِينَ أَمَرُوهُمْ بِالْمَسْأَلَةِ عَنْهُمْ: ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ أَيْ: لَا عِلْمَ لَهُمْ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ، فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِرًا:
أَيْ: لَا تُكَابِرْهُمْ. وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا فإبهم لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِم.
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ: إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ، وَاذْكُرْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٣٤ ]
رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ، وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا:
أَيْ: وَلَا تَقُولَنّ لِشَيْءِ سَأَلُوك عَنْهُ كَمَا قُلْت فِي هذا: إنى مخبركم غدا. واستثن مشيئة الله، واذكر ربك إذا نسيت، وقل: عسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبّي لِخَيْرٍ مِمّا سَأَلْتُمُونِي عَنْهُ رَشَدًا، فَإِنّك لَا تَدْرِي مَا أَنَا صَانِعٌ فِي ذَلِكَ. وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا: أَيْ: سَيَقُولُونَ ذَلِكَ.
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا، لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ، وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا أَيْ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا سألوك عنه.
وَقَالَ فِيمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الرّجُلِ الطواف: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ: سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا. إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا الكهف: ٨٣ حَتّى انْتَهَى إلَى آخِرِ قِصّةِ خَبَرِهِ.
وَكَانَ مِنْ خَبَرِ ذِي الْقَرْنَيْنِ أَنّهُ أُوتِيَ مَا لَمْ يُؤْتَ أَحَدٌ غَيْرُهُ فَمُدّتْ لَهُ الْأَسْبَابُ، حَتّى انْتَهَى مِنْ الْبِلَادِ إلَى مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، لَا يَطَأُ أَرْضًا إلّا سُلّطَ عَلَى أَهْلِهَا، حَتّى انْتَهَى مِنْ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إلَى مَا لَيْسَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ مِنْ الْخَلْقِ.
قَالَ ابن إسحاق: حدثنى مِنْ يَسُوقُ الْأَحَادِيثَ عَنْ الْأَعَاجِمِ، فِيمَا تَوَارَثُوا مِنْ عِلْمِهِ: أَنّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، اسْمُهُ: مَرْزُبَانُ بْنُ مَرْذُبَةَ الْيُونَانِيّ، مِنْ وَلَدِ يُونَانِ بْنِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٣٥ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُهُ: الْإِسْكَنْدَرُ، وَهُوَ الّذِي بَنَى الإسكندرية، فَنُسِبَتْ إلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ الْكُلَاعِيّ وَكَانَ رَجُلًا قَدْ أَدْرَكَ أن رسول اللهﷺ- سُئِلَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، فَقَالَ: مَلِكٌ مَسَحَ الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهَا بِالْأَسْبَابِ.
وَقَالَ خَالِدٌ: سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ رَجُلًا يَقُولُ: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ، فَقَالَ عُمَرُ: اللهُمّ غَفْرًا، أَمَا رَضِيتُمْ أَنْ تَسَمّوْا بِالْأَنْبِيَاءِ حَتّى تسمّيتم بالملائكة؟! قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ، أَقَالَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِﷺ، أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ قَالَهُ، فالحق ما قال.
أسباب نزول بعض الايات وعن الرّوحِ:
وَقَالَ تَعَالَى فِيمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ أمر الروح: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ، قُلِ: الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا الإسراء: ٨٥.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدّثْت عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، أَنّهُ قَالَ: لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِﷺ- الْمَدِينَةَ، قَالَتْ أَحْبَارُ يَهُودَ: يَا مُحَمّدُ، أَرَأَيْتَ قَوْلَك:
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا إيّانَا تُرِيدُ، أَمْ قَوْمَك؟ قَالَ: كُلّا، قَالُوا:
فَإِنّك تَتْلُو فِيمَا جَاءَك: أَنّا قَدْ أُوتِينَا التّوْرَاةَ فِيهَا بَيَانُ كُلّ شَيْءٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ: إنّهَا فِي عِلْمِ اللهِ قَلِيلٌ، وَعِنْدَكُمْ فى ذلك ما يكفيكم
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٣٦ ]
لو أقمتوه. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِيمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ، وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لقمان: ٢٧: أَيْ: أَنّ التّوْرَاةَ فِي هَذَا مِنْ عِلْمِ الله قليل.
عن تسيير الجبال وبعث الموتى:
قَالَ: وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِيمَا سَأَلَهُ قومه لأنفسهم من تسيير الجبال، وتقطيع الأرض، وبعث من مضى من آبائهم من الموتى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ، أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى، بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَيْ: لَا أَصْنَعُ من ذلك إلا ما شئت.
وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ: خُذْ لِنَفْسِك، مَا سَأَلُوهُ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ، أَنْ يَجْعَلَ لَهُ جَنَانًا وَقُصُورًا وَكُنُوزًا، وَيَبْعَثَ مَعَهُ مَلَكًا يُصَدّقُهُ بِمَا يَقُول، وَيَرُدّ عَنْهُ:
وَقالُوا: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ، وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ؟ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا، أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ، أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها، وَقالَ الظَّالِمُونَ: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا انْظُرْ: كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ، فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا، تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ: أَيْ مِنْ أَنْ تَمْشِيَ فِي الْأَسْوَاقِ وَتَلْتَمِسَ الْمَعَاشَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا الفرقان ٧: ١٠.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٣٧ ]
وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ، وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ، وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً، أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا الفرقان: ٢٠ أَيْ جَعَلْت بَعْضَكُمْ لِبَعْضِ بَلَاءً، لِتَصْبِرُوا، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَجْعَلَ الدّنْيَا مَعَ رُسُلِي فَلَا يخالفوا لفعلت.
وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ فِيمَا قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا: أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا. أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا، أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ، وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ. حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ.
قُلْ: سُبْحانَ رَبِّي. هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا. الإسراء: ٩٠- ٩٥.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْيَنْبُوعُ: مَا نَبَعَ مِنْ الماء من الأرض وغيرها. وجمعه ينابيع. قال ابن هرمة. واسمه: إبراهيم بن عبد الله الْفِهْرِيّ.
وَإِذَا هَرَقْتَ بِكُلّ دَارٍ عَبْرَةً نُزِفَ الشّئُونُ. وَدَمْعُك الْيَنْبُوعُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالْكِسَفُ الْقِطَعُ مِنْ الْعَذَابِ. وَوَاحِدَتُهُ:
كِسْفَةٌ. مِثْلُ سِدْرَةٍ وَسِدَرٍ. وَهِيَ أَيْضًا: وَاحِدَةُ الْكِسْفِ. وَالْقَبِيلُ: يَكُونُ مُقَابَلَةً وَمُعَايَنَةً. وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا: أَيْ:
عِيَانًا. وَأَنْشَدَنِي أبو عبيدة لأعشى بنى قيس بنى ثعلبة:
أصالحكم، حتى تبوؤا بِمِثْلِهَا كَصَرْخَةِ حُبْلَى يَسّرَتْهَا قَبِيلُهَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٣٨ ]
يَعْنِي: الْقَابِلَةُ؛ لِأَنّهَا تُقَابِلُهَا، وَتَقْبُلُ وَلَدَهَا. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَيُقَالُ الْقَبِيلُ: جَمْعُهُ قُبُلٌ، وَهِيَ الْجَمَاعَاتُ، وَفِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى: وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا. الأنعام: ١١١ فَقُبُلٌ: جَمْعُ قَبِيلٍ، مِثْلُ سُبُلٍ: جَمْعُ سَبِيلٍ وَسُرُرٍ: جَمْعُ سَرِيرٍ، وَقُمُصٍ: جَمْعُ قَمِيصٍ. وَالْقَبِيلُ أَيْضًا: فِي مَثَلٍ مِنْ الْأَمْثَالِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: مَا يَعْرِفُ قَبِيلًا مِنْ دَبِيرٍ: أَيْ: لَا يَعْرِفُ مَا أَقْبَلَ مِمّا أَدْبَرَ، قَالَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ:
تَفَرّقَتْ الْأُمُورُ بِوَجْهَتَيْهِمْ فَمَا عَرَفُوا الدّبِيرَ مِنْ الْقَبِيلِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ له، ويقال: إنما أريد بهذا: الْفَتْلُ، فَمَا فُتِلَ إلَى الذّرَاعِ فَهُوَ الْقَبِيلُ، وَمَا فُتِلَ إلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ فَهُوَ الدّبِيرُ، وَهُوَ مِنْ الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ الّذِي ذَكَرْتُ. وَيُقَالُ: فتل المغزل. فإذا فتل إلى الركبة فهو القبيل، وإذا فتل إلى الورك فهو الدّبير. والقبيل أيضا: قوم الرجل. والزخرف:
الذهب. والمزخرف: المزين بالذهب. قَالَ الْعَجّاجُ:
مِنْ طَلَلٍ أَمْسَى تَخَالُ الْمُصْحَفَا رُسُومَهُ وَالْمُذْهَبَ الْمُزَخْرَفَا
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي أُرْجُوزَةٍ له، ويقال أيضا لكلّ مزيّن: مزخرف.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ: إنّا قَدْ بَلَغَنَا أَنّك إنّمَا يُعَلّمُك رَجُلٌ بِالْيَمَامَةِ. يُقَالُ لَهُ: الرّحْمَنُ. وَلَنْ نُؤْمِنَ بِهِ أَبَدًا: كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ. وَهُمْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٣٩ ]
يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ. قُلْ: هُوَ رَبِّي. لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ. الرعد: ٣٠.
وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِيمَا قَالَ أَبُو جَهْلِ بْنِ هشام- لعنه الله- وَمَا هَمّ بِهِ: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إِذا صَلَّى، أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى، أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى، أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى، كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ، فَلْيَدْعُ نادِيَهُ، سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ، كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ
سورة العلق.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: لَنَسْفَعًا: لَنَجْذِبَنْ، وَلَنَأْخُذَنْ. قَالَ الشّاعِرُ:
قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصّرَاخَ رَأَيْتَهُمْ مِنْ بَيْنِ مُلْجِمِ مُهْرِهِ أَوْ سَافِعِ
وَالنّادِي: الْمَجْلِسُ الذى يجتمع فيه القوم، ويقصّون فيه أمورهم، وفى كتاب الله تعالى: وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ العنكبوت: ٢٩ وَهُوَ النّدِيّ. قَالَ عَبِيدُ بْنُ الْأَبْرَصِ:
اذْهَبْ إلَيْك فَإِنّي مِنْ بَنِي أَسَدٍ أَهْلُ النّدِيّ، وأهل الجرد وَالنّادِي
وَفِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى: وَأَحْسَنُ نَدِيًّا مريم. ٧٣. وجمعه: أندية. يقول:
فليدع أهل ناديه. كما قال تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ يوسف: ٨٢ يُرِيدُ أَهْلَ الْقَرْيَةِ. قَالَ سَلَامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ، أَحَدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تميم:
يومان: يوم مقامات، وأندبة وَيَوْمُ سَيْرٍ إلَى الْأَعْدَاءِ تَأْوِيبِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٤٠ ]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ الْكُمَيْتُ بن زيد:
لا مهاذير فى النّدىّ مكائير وَلَا مُصْمِتِينَ بِالْإِفْحَامِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَيُقَالُ: النّادِي: الْجُلَسَاءُ. وَالزّبَانِيَةُ: الْغِلَاظُ الشّدَادُ، وَهُمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: خَزَنَةُ النّارِ. وَالزّبَانِيَةُ أَيْضًا فِي الدّنْيَا: أَعْوَانُ الرّجُلِ الّذِينَ يَخْدُمُونَهُ وَيُعِينُونَهُ، وَالْوَاحِدُ: زِبْنِيَةٌ. قَالَ ابْنُ الزّبَعْرَى فِي ذَلِكَ:
مَطَاعِيمُ فِي الْمَقْرَى، مَطَاعِينُ فِي الْوَغَى زَبَانِيَةٌ غُلْبٌ، عِظَامٌ حُلُومُهَا
يَقُول: شَدّادٌ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَقَالَ صَخْرُ بْنُ عبد الله الهذلىّ، وهو صخر الغىّ:
ومن كبير نفر زبانيه
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِيمَا عَرَضُوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ:
قُلْ: مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. وسبأ: ٤٧.
فَلَمّا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللهِﷺ- بِمَا عَرَفُوا مِنْ الْحَقّ، وَعَرَفُوا صِدْقَهُ فِيمَا حَدّثَ، وَمَوْقِعَ نُبُوّتِهِ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمِ الْغُيُوبِ حِين سَأَلُوهُ عَمّا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٤١ ]
سَأَلُوا عَنْهُ، حَالَ الْحَسَدُ مِنْهُمْ لَهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اتّبَاعِهِ وَتَصْدِيقِهِ فَعَتَوْا عَلَى اللهِ وَتَرَكُوا أَمْرَهُ عِيَانًا، وَلَجّوا فِيمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ، فَقَالَ قَائِلُهُمْ: لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلّكُمْ تَغْلِبُونَ، أَيْ: اجْعَلُوهُ لَغْوًا وَبَاطِلًا، وَاِتّخِذُوهُ هُزُوًا لَعَلّكُمْ تَغْلِبُونَهُ بِذَلِكَ، فَإِنّكُمْ إن ناظرتموه أو خاصمتموه يوما غلبكم.
فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ يَوْمًا- وَهُوَ يَهْزَأُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْحَقّ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، يَزْعُمُ محمد أنّ جُنُودُ اللهِ الّذِينَ يُعَذّبُونَكُمْ فِي النّارِ، وَيَحْبِسُونَكُمْ فِيهَا تِسْعَةَ عَشَرَ، وَأَنْتُمْ أَكْثَرُ النّاسِ عَدَدًا، وكثرة، أفيعجز كلّ مائة رَجُلٍ مِنْكُمْ عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْله: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً، وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا. المدثر: ٣١ إلَى آخِرِ الْقِصّةِ، فَلَمّا قَالَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ، جَعَلُوا إذَا جَهَرَ رَسُولُ اللهﷺ- بِالْقُرْآنِ وَهُوَ يُصَلّي، يَتَفَرّقُونَ عَنْهُ، وَيَأْبَوْنَ أَنْ يَسْتَمِعُوا لَهُ، فَكَانَ الرّجُلُ مِنْهُمْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْضَ مَا يَتْلُو مِنْ الْقُرْآنِ، وَهُوَ يُصَلّي، اسْتَرَقَ السّمْعَ دونهم فرقا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع منه ذَهَبَ خَشْيَةَ أَذَاهُمْ، فَلَمْ يَسْتَمِعْ، وَإِنْ خَفَضَ رسول الله- صلّى الله عليه عَلَيْهِ وَسَلّمَ- صَوْتَهُ، فَظَنّ الّذِي يَسْتَمِعُ أَنّهُمْ لَا يَسْتَمِعُونَ شَيْئًا مِنْ قِرَاءَتِهِ، وَسَمِعَ هُوَ شيئا دونهم أصاخ له يستمع منه.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ، مَوْلَى عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، أَنّ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبّاسٍ حَدّثَهُمْ أَنّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبّاسٍ ﵄ حَدّثَهُمْ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٤٢ ]
إنّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا الإسراء: ١١٠. مِنْ أَجْلِ أُولَئِكَ النّفَرِ. يَقُولُ: لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِك فَيَتَفَرّقُوا عَنْك، وَلَا تُخَافِتْ بِهَا، فَلَا يَسْمَعْهَا مَنْ يُحِبّ أَنْ يَسْمَعَهَا مِمّنْ يَسْتَرِقُ ذَلِكَ دُونَهُمْ، لَعَلّهُ يَرْعَوِي إلَى بَعْضِ مَا يسمع، فينتفع به.
[أول صحابى جهر بِالْقُرْآنِ:]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
كَانَ أَوّلُ مَنْ جَهَرَ بِالْقُرْآنِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِﷺ- بِمَكّةَ عَبْدُ اللهِ ابن مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: اجْتَمَعَ يَوْمًا أصحاب رسول اللهﷺ- فَقَالُوا: وَاَللهِ مَا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ هَذَا الْقُرْآنَ يُجْهَرُ لَهَا بِهِ قَطّ، فَمَنْ رَجُلٌ يُسْمِعُهُمُوهُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: أَنَا، قَالُوا: إنّا نَخْشَاهُمْ عَلَيْك، إنّمَا نُرِيدُ رَجُلًا لَهُ عَشِيرَةٌ يَمْنَعُونَهُ مِنْ الْقَوْمِ إنْ أَرَادُوهُ، قَالَ: دَعُونِي فَإِنّ اللهَ سَيَمْنَعُنِي. قَالَ: فَغَدَا ابْنُ مَسْعُودٍ حَتّى أَتَى الْمَقَامَ فِي الضّحَى، وَقُرَيْشٌ فِي أَنْدِيَتِهَا حَتّى قَامَ عِنْدَ الْمَقَامِ ثُمّ قَرَأَ: بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ رَافِعًا بِهَا صَوْتَهُ الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ قَالَ: ثُمّ اسْتَقْبَلَهَا يَقْرَؤُهَا. قَالَ: فَتَأَمّلُوهُ فَجَعَلُوا يَقُولُونَ.
مَاذَا قَالَ ابن أمّ عبد؟ قال: ثم قالوا: لَيَتْلُو بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمّدٌ، فَقَامُوا إلَيْهِ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ فِي وَجْهِهِ، وَجَعَلَ يَقْرَأُ حَتّى بَلَغَ مِنْهَا مَا شَاءَ اللهُ أَنّ يَبْلُغَ. ثُمّ انْصَرَفَ إلَى أَصْحَابِهِ، وَقَدْ أَثّرُوا فِي وَجْهِهِ، فَقَالُوا لَهُ: هَذَا الّذِي خَشِينَا عَلَيْك فَقَالَ: مَا كَانَ أَعْدَاءُ اللهِ أَهْوَنَ عَلَيّ مِنْهُمْ الْآنَ، وَلَئِنْ شِئْتُمْ لَأُغَادِيَنّهُمْ بِمِثْلِهَا غَدًا، قَالُوا: لَا، حَسْبُك، قَدْ أَسْمَعْتَهُمْ مَا يكرهون.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما لقى رسول الله (ص) مِنْ قَوْمِهِ:
فَصْلٌ: فِيمَا لَقِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ قَوْمِهِ، ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ وَالْوَاقِدِيّ وَالتّيْمِيّ، وَابْنُ عُقْبَةَ وَغَيْرُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ أُمُورًا كَثِيرَةً تَتَقَارَبُ أَلْفَاظُهَا وَمَعَانِيهَا، وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى بَعْضٍ، فَمِنْهَا حَثْوُ سُفَهَائِهِمْ التّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ، وَمِنْهَا أَنّهُمْ كَانُوا يَنْضِدُونَ «١» الْفَرْثَ وَالْأَفْحَاثَ وَالدّمَاءَ عَلَى بَابِهِ، وَيَطْرَحُونَ رَحِمَ الشّاةِ فِي بُرْمَتِهِ، وَمِنْهَا: بَصْقُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ فِي وَجْهِهِ، وَمِنْهَا:
وَطْءُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ «٢» عَلَى رَقَبَتِهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ عِنْدَ الْكَعْبَةِ حَتّى كَادَتْ عَيْنَاهُ تَبْرُزَانِ، وَمِنْهَا أَخْذُهُمْ بِمُخَثّقِهِ حِينَ اجْتَمَعُوا لَهُ عِنْدَ الْحِجْرِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ، وَزَادَ غَيْرُهُ الْخَبَرَ أَنّهُمْ خَنَقُوهُ خَنْقًا شَدِيدًا وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ دونه فجبذوا
_________________
(١) ينضدون: يضعون بعضه فوق بعض، والأفحاث جمع الفحث- بسكون الحاء وكسرها- شىء متصل بالكرش ذو أطباق وأجواف، والفرث ما فى داخل الكرش
(٢) قتل بعد بدر، وقيل: قتل صبرا مع النصر فى بدر وقد روى البخارى فى كتاب خلق أفعال العباد. وأبو يعلى وابن حبان عن عمرو بن العاصى: «ما رأيت قريشا أرادوا قتل النبىﷺ- إلا يوم أغروا به وهم فى ظل الكعبة جلوس، وهو يصلى عند المقام، فقام إليه عقبة، فجعل رداءه فى عنقه، ثم جذبه، حتى وجب لركبتيه، وتصايح الناس، وأقبل أبو بكر يشتد حتى أخذ بضبع رسول اللهﷺ- من ورائه، وهو يقول: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ: رَبّي اللهُ، ثُمّ انصرفوا عنه، فلما قضى صلاته، مربهم، فقال: والذى نفسى بيده ما أرسلت إليكم إلا [بالذبح، فقال له أبو جهل: يا محمد ما كنت جهولا، فقال: أنت منهم»
[ ٣ / ١٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ حَتّى سَقَطَ أَكْثَرُ شَعْرِهِ، وَأَمّا السّبّ وَالْهَجْوُ وَالتّلْقِيبُ وَتَعْذِيبُ أَصْحَابِهِ وَأَحِبّائِهِ، وَهُوَ يَنْظُرُ، فَقَدْ ذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ ابْنُ إسْحَاقَ مَا فِي الْكِتَابِ، وَقَدْ قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِسُمَيّةَ أُمّ عَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ: مَا آمَنْت بِمُحَمّدِ إلّا لِأَنّك عَشِقْته لِجَمَالِهِ، ثُمّ طَعَنَهَا بِالْحَرْبَةِ فِي قُبُلِهَا حَتّى قَتَلَهَا، وَالْأَخْبَارُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ.
السّبَبُ فِي تَلْقِيبِهِ بِالْمُدّثّرِ وَالنّذِيرِ الْعُرْيَانِ:
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ قَوْلَ رَسُولِ اللهِﷺ: «دَثّرُونِي دَثّرُونِي» فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ «١» قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: فِي تَسْمِيَتِهِ إيّاهُ
_________________
(١) ذكر فى أسباب نزول هذه الايات- روايتان. أما الأولى: فعن يحيى قال: سألت أبا سلمة ﵁: أى القرآن أنزل أول؟ فقال: يا أيها المدثر. قلت: أنبئت: أنه اقرأ باسم ربك، فقال: لا أخبرك إلا بما قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. قال: جاورت فى حراء، فلما قضيت جوارى هبطت، فاستبطنت الوادى، فنوديت، فنظرت أمامى وخلفى وعن يمينى، وعن شمالى فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض، فأتيت خديجة، فقلت: دثرونى، وصبوا على ماء باردا، ففعلوا، وأنزل على: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ» رواه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى. أما الرواية الأخرى فعن الزهرى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عَنْ جابر ابن عبد الله ﵄ قال: سمعت النبىﷺ- وهو يحدث عن فترة الوحى، فقال فى حديثه: «فبينا أنا أمشى إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسى، فإذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض، فجثثت منه رعبا، فرجعت، فقلت: زملونى، فدثرونى، فأنزل الله تعالى: يا أيها المدثر- إلى- والرجز فاهجر قبل أن تفرض الصلاة. البخارى ومسلم والإمام أحمد. والروايتان عن جابر بن عبد الله. وذكر الطبرانى رواية ثالثة يسند ضعيف عن ابن عباس قال: إن الوليد ابن المغيرة صنع لقريش طعاما، فلما أكلوا منه قال: ما تقولون فى هذا الرجل؟ -
[ ٣ / ١٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِالْمُدّثّرِ فِي هَذَا الْمَقَامِ مُلَاطَفَةٌ وَتَأْنِيسٌ، وَمِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ إذَا قَصَدَتْ الْمُلَاطَفَةَ أَنْ تُسَمّيَ الْمُخَاطَبَ بِاسْمِ مُشْتَقّ مِنْ الْحَالَةِ الّتِي هُوَ فِيهَا، كَقَوْلِهِ ﵇ لِحُذَيْفَةَ: قُمْ يَا نَوْمَانُ، وَقَوْلِهِ لِعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- وَقَدْ تَرِبَ جَنْبُهُ: قُمْ أَبَا تُرَابٍ «١» فَلَوْ نَادَاهُ سُبْحَانَهُ، وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالِ مِنْ الْكَرْبِ بِاسْمِهِ، أَوْ بِالْأَمْرِ الْمُجَرّدِ مِنْ هَذِهِ الْمُلَاطَفَةِ لهاله ذلك، ولكن لما بدىء، بيا أَيّهَا الْمُدّثّرُ أَنِسَ، وَعَلِمَ أَنّ رَبّهُ رَاضٍ عنه، ألا تراه كيف قال عند ما لقى من أهل الطائف من شدة البلاه وَالْكَرْبِ مَا لَقِيَ: رَبّ إنْ لَمْ يَكُنْ بِك غَضَبٌ عَلَيّ فَلَا أُبَالِي «٢» إلَى آخِرِ الدّعَاءِ، فَكَانَ مَطْلُوبُهُ رِضَا رَبّهِ، وَبِهِ كَانَتْ تَهُونُ عَلَيْهِ الشّدَائِدُ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَنْتَظِمُ يَا أَيّهَا الْمُدّثّرُ مَعَ قَوْلِهِ: قُمْ فَأَنْذِرْ، وَمَا الرّابِطُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ، حَتّى يَلْتَئِمَا فِي قانون البلاغة، ويتشا كلا فِي حُكْمِ الْفَصَاحَةِ؟ قُلْنَا: مِنْ صِفَتِهِ ﵇ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ حِينَ قَالَ: أَنَا النّذِيرُ الْعُرْيَانُ، وَهُوَ مَثَلٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ العرب، يقال لمن أنذر بقرب
_________________
(١) - فقال بعضهم: ساحر. وقال بعضهم: ليس بساحر، وقال بعضهم: كاهن، وقال بعضهم: ليس بكاهن، وقال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم: ليس بشاعر، وقال بعضهم: بل سحر يؤثر، فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر، فَبَلَغَ ذَلِكَ النّبِيّﷺ- فحزن، وقنع رأسه، وتدثر، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ، وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) وأخرجه البزار بنحوه عن جابر.
(٢) كان على ﵁ قد غاضب فاطمة، فلما جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ منزل فاطمة، وعلم بهذا، أرسل من يبحث عنه، فجاء، فأخبره أنه فى المسجد، فجاءه رسول الله «ص» وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه وأصابه تراب. فجعل رسول الله «ص» يمسحه عنه، ويقول: قم أبا التراب، قم أبا التراب.. مختصر من حديث رواه الشيخان.
(٣) من حديث رواه الطبرانى فى الكبير عن عبد الله بن جعفر.
[ ٣ / ١٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْعَدُوّ، وَبَالَغَ فِي الْإِنْذَارِ، وَهُوَ النّذِيرُ الْعُرْيَانُ «١»، وَذَلِكَ أَنّ النّذِيرَ الْجَادّ يُجَرّدُ ثَوْبَهُ، وَيُشِيرُ بِهِ إذَا خَافَ أَنْ يَسْبِقَ الْعَدُوّ صَوْتَهُ، وَقَدْ قِيلَ: إنّ أَصْلَ الْمَثَلِ لِرَجُلِ مِنْ خَثْعَمَ سَلَبَهُ الْعَدُوّ ثَوْبَهُ، وَقَطَعُوا يَدَهُ، فَانْطَلَقَ إلَى قَوْمِهِ نَذِيرًا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَقَوْلُهُ ﵇: أَنَا النّذِيرُ الْعُرْيَان أَيْ: مَثَلِي مِثْلُ ذَلِكَ، وَالتّدَثّرُ بِالثّيَابِ مُضَادّ لِلتّعَرّي، فَكَانَ فى قوله: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) مَعَ قَوْلِهِ:
(قُمْ فَأَنْذِرْ) وَالنّذِيرُ الْجَادّ يُسَمّى: الْعُرْيَانُ: تَشَاكُلٌ بَيّنٌ، وَالْتِئَامٌ بَدِيعٌ وَسَمَاقَةٌ فِي الْمَعْنَى، وَجَزَالَةٌ فِي اللّفْظِ.
تَقْدِيمُ الْمَفْعُولِ عَلَى الْفِعْلِ:
وَقَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا: (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) أَيْ: رَبّك كَبّرْ، لَا غَيْرَهُ لَا يَكْبُرُ عَلَيْك شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الْخَلْقِ، وَفِي تَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ عَلَى فِعْلِ الْأَمْرِ إخْلَاصٌ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: إيّاك نعبد [وإياك نستعين] أَيْ: لَا نَعْبُدُ غَيْرَك [وَلَا نَسْتَعِينُ إلّا بِك] «٢»، وَلَمْ يَقُلْ: نَعْبُدُك وَنَسْتَعِينُك، وَفِي الْحَدِيثِ: إذَا قَالَ الْعَبْدُ: إِيّاكَ نَعْبُدُ، وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَخْلَصَ لِي عَبْدِي الْعِبَادَةَ، واستعاننى عليها، فهذه بينى وبين عبدى «٣» .
_________________
(١) روى الصحيحان قول النبى «ص»: «إنما مثلى، ومثل ما بعثنى الله كمثل رجل أتى قومه، فقال: يا قوم: إنى رأيت الجيش بعينى، وإنى أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعته طائفة من قومه، فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم، فنجوا، وكذبته طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش، فأهلكهم، واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعنى، واتبع ما جئت به، ومثل من عصانى، وكذب ما جئت به من الحق» وانظر مجمع الأمثال
(٢) الزيادة يقتضيها سياق الكلام.
(٣) فى رواية مسلم: «وإذا قال: إياك نعبد، وإياك نستعين، قال: هذا بينى وبين عبدى، ولعبدى ما سأل»
[ ٣ / ١٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالرّئِيّ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ عُتْبَةَ: إنْ كان هذا رئيا تَرَاهُ. وَلُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ: رِئِيّ بِكَسْرِ الرّاءِ، وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فى كل فعيل عين الفعل منه هَمْزَةٌ، أَوْ غَيْرُهَا مِنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ، يَكْسِرُونَ أَوّلَهُ، مِثْلَ: رَحِيمٍ وَشَهِيدٍ وَالرّئِيّ: فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ «١»، وَلَا يَكُونُ إلّا مِنْ الْجِنّ، وَلَا يَكُونُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ فِي غَيْرِ الْجِنّ. إلّا أَنْ يُؤَثّرَ فِيهِ الْفِعْلُ نَحْوَ: جَرِيحٍ وَقَتِيلٍ وَذَبِيحٍ وَطَحِينٍ، وَلَا يُقَالُ مِنْ الشّكْرِ: شَكِيرٌ، وَلَا ذَكَرْته فَهُوَ ذَكِيرٌ، وَلَا فِيمَنْ لَطَمَ: لَطِيمٌ إلّا أَنْ تُغَيّرَ مِنْهُ اللّطْمَةُ، كَمَا قَالُوا: لَطِيمُ الشّيْطَانِ. قَالَ ابْنُ الزّبَيْرِ حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق [ابن الْعَاصِ] «٢»: أَلَا إنّ أَبَا ذِبّانَ قَتَلَ لَطِيمَ الشيطان «٣»: كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ الْأَنْعَامِ: ٢٩. وَقَالُوا مِنْ الْحَمْدِ: حَمِيدٌ، ذَهَبُوا بِهِ مَذْهَبٌ كَرِيمٌ، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي الْجِنّ: رَئِيّ، وَإِنْ كَانَتْ الرّؤْيَا لَا تُؤَثّرُ فِي الْمَرْئِيّ؛ لأنهم ذهبوا به مذهب قرين ونجىّ.
_________________
(١) وعن اللحيانى: رئى بكسر الراء- إذا كان يحبه ويؤالفه، وفى اللسان كذلك: هو فعيل أو فعول سمى به لأنه يتراءى لمتبوعه، أو هو من الرأى من قولهم: فلان رئى قومه بفتح الراى وكسر الهمزة وتضعيف الياء، إذا كان صاحب رأيهم. وحروف الحلق هى حروف الهجاء التى تخرج من الحلق عند النطق، وهى الهمزة والحاء والخاء والعين والغين والهاء.
(٢) الذى قتله عبد الملك بن مروان، وكان الأشدق يلقب بلطيم الشيطان فلما بلغ ابن الزبير مقتله، وهو بمكة صعد المنير، وقال ما ذكر «السهيلى، وأبو ذبان بكسر الذال وتشديد الباء مع فتح كنية لعبد الملك بن مروان، وقد كنى بها لشدة يخره، وموت الذبان إذا دنت من فيه (ص ٧٩ الاشتقاق لابن دريد وتعليقاته للأستاذ عبد السلام هارون»
(٣) عن قصة عتبة روى عبد ابن حميد فى مسنده عن ابن أبى شيبة بسنده عن
[ ٣ / ١٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
_________________
(١) جابر وأبو يعلى أيضا بسنده عن جابر: (اجتمعت قريش يوما، فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذى قد فرق جماعتنا، وشئت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه ولننظر ماذا يرد عليه، فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعه، فقالوا: أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبة، فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله «ص» فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله «ص» فقال: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك، فقد عبدوا الالهة التب عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم، فتكلم حتى نسمع قولك، وإنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك، فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا فى العرب حتى لقد طار فيهم أن فى قريش ساحرا وأن فى قريش كاهنا، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى. أيها الرجل، إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا، وأخذا، وإن كان إنما بك من الباءة، فاختر أى نساء قريش شئت، فلنزوجك عشرا، فقال رسول الله «ص» فرغت؟ قال: نعم، فقرأ رسول الله «ص» من أول سورة فصلت إلى قوله سبحانه: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ: أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ) فقال عتبة: حسبك حسبك ما عندك غير هذا؟ فقال رسول الله «ص» لا. فرجع إلى قريش، قالوا: ما وراءك. قال: ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمون به إلا كلمته قالوا: فهل أجابك؟ قال: نعم والذى نصبها بنية ما فهمت شيئا مما قاله، غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قالوا: ويلك يكلمك الرجل بالعريبة لا تدرى ما قال؟! قال: لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة» وقد ساقه البغوى بسنده عن محمد بن فضيل عن الأجلح وهو ابن عبد الله الكندى الكوفى، وقد ضعف بعض الشىء عن الزبال بن حرملة عن جابر، فذكر الحديث إلى قوله «فإن أعرضوا» فأمسك عتبة على فيه، وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش، واحتبس عنهم، فقال أبو جهل: يا معشر قريش والله ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد، وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة-
[ ٣ / ١٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إسْلَامُ حَمْزَةَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ إسْلَامَ حَمْزَةَ «١»، وَأُمّهُ: هَالَةُ بِنْتُ أُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وَأُهَيْبُ: عَمّ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ تَزَوّجَهَا عَبْدُ الْمُطّلِبِ، وَتَزَوّجَ ابْنُهُ عَبْدِ اللهِ آمِنَةَ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَوَلَدَتْ هَالَةُ لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ حَمْزَةَ. وَوَلَدَتْ آمِنَةُ لِعَبْدِ اللهِ رَسُولَ اللهِﷺ- ثُمّ أَرْضَعَتْهُمَا ثُوَيْبَةُ «٢» كما تقدم، وزاد غير
_________________
(١) - أصابته، فانطلقوا بنا إليه، فانطلقوا إليه، فقال أبو جهل: يا عتبة ما حسبك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد، وأعجبك طعامه، فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب عتبة، وأقسم ألا يكلم محمدا أبدا. وقال: والله لقد علمتم أنى من أكثر قريش مالا، ولكنى أتيته، وقصصت عليه القصة، فأجابنى بشىء والله ما هو بشعر، ولا كهانة، ولا سحر. وقرأ السورة إلى قوله تعالى: (فإن أعرضوا..) فأمسكت بفيه، وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخشيت أن ينزل بكم العذاب» وسياق ابن إسحاق أشبه.
(٢) حمزة هو أخو النبى «ص» من الرضاعة أرضعتهما- كما سيذكر السهيلى- ثويبة مولاة أبى لهب، وقد ثبت هذا فى الصحيحين. وقد أسلم حمزة فى الثانية أو الثالثة- كما فى الإصابة والاستيعاب- أو فى السادسة كما ذكر ابن الجوزى.
(٣) فى الإصابة أنه ولد قبل النبى بأربع، ولا يشكل هذا مع حديث الأخوة من الرضاعة إذ يمكن القول بأنها أرضعتهما فى زمنين مختلفين. وكنيته: أبو عمارة بابن له من امرأة من بنى النجار، وقيل: هى بنت له، وقيل: كنيته أبو يعلى الذى قيل إنه لم يعش له ولد سواه. وفى ابن هشام أن التى كلمته هى مولاة عبد الله بن جدعان. وعند غيره أن صفية أخته هى التى كلمته. ولا منافاة فعند ابن أبى حاتم: أخبرته امرأتان.
[ ٣ / ١٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابْنِ إسْحَاقَ فِي إسْلَامِ حَمْزَةَ أَنّهُ قَالَ: لَمّا احْتَمَلَنِي الْغَضَبُ، وَقُلْت: أَنَا عَلَى قَوْلِهِ، أَدْرَكَنِي النّدَمُ عَلَى فِرَاقِ دِينِ آبَائِي وَقَوْمِي، وَبِتّ مِنْ الشّكّ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ لَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمِ، ثُمّ أَتَيْت الْكَعْبَةَ، وَتَضَرّعْت إلَى اللهِ سُبْحَانَهُ أَنْ يَشْرَحَ صَدْرِي لِلْحَقّ، وَيُذْهِبَ عَنّي الرّيْبَ «١» فَمَا اسْتَتْمَمْتُ دُعَائِي حَتّى زَاحَ عَنّي الْبَاطِلُ، وَامْتَلَأَ قَلْبِي يَقِينًا- أَوْ كَمَا قَالَ- فَغَدَوْت إلَى رَسُولِ اللهِﷺ فَأَخْبَرْته بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِي، فَدَعَا لِي بِأَنْ يُثَبّتَنِي اللهُ، وَقَالَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ حِينَ أَسْلَمَ:
حَمِدْت اللهَ حِينَ هَدَى فُؤَادِي إلَى الْإِسْلَامِ وَالدّينِ الْحَنِيفِ
الدّينُ جَاءَ مِنْ رَبّ عَزِيزٍ خَبِيرٍ بِالْعِبَادِ بِهِمْ لَطِيفِ
إذَا تُلِيَتْ رَسَائِلُهُ عَلَيْنَا تَحَدّرَ دَمْعُ ذِي اللّبّ الْحَصِيفِ
رَسَائِلُ جَاءَ أَحْمَدُ مِنْ هُدَاهَا بِآيَاتِ مُبَيّنَةِ الْحُرُوفِ
وَأَحْمَدُ مُصْطَفًى فِينَا «٢» مُطَاعٌ فَلَا تَغْشَوْهُ بِالْقَوْلِ الْعَنِيفِ
فَلَا وَاَللهِ نُسْلِمُهُ لِقَوْمِ وَلَمّا نَقْضِ فِيهِمْ بِالسّيُوفِ
وَنَتْرُكْ مِنْهُمْ قَتْلَى بِقَاعٍ عَلَيْهَا الطّيْرُ كَالْوِرْدِ العكوف
_________________
(١) وعند يونس بن بكير عن ابن إسحاق أنه قال لنفسه بعد رجوعه من شج أبى جهل: أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابىء، وتركت دين آبائك. للموت خير لك مما صنعت. ثم قال: اللهم إن كان هذا رشدا، فاجعل تصديقه فى قلبى، وإلا فاجعل لى مما وقعت فيه مخرجا. ثم غدا إلى رسول الله يطلب نصيحته، فوعظه حتى ثبت إيمانه.
(٢) فى الأصل: فينا مصطفى وهو خطأ بكسر البيت.
[ ٣ / ١٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَقَدْ خُبّرْت مَا صَنَعَتْ ثَقِيفٌ بِهِ، فَجَزَى الْقَبَائِلَ مِنْ ثَقِيفِ إلَهُ النّاسِ شَرّ جَزَاءِ قَوْمٍ وَلَا أَسْقَاهُمْ صَوْبَ الْخَرِيفِ طَلَبُ الْآيَاتِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ مَا سَأَلَهُ قَوْمُهُ مِنْ الْآيَاتِ وَإِزَالَةِ الْجِبَالِ عَنْهُمْ، وَإِنْزَالِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، جَهْلًا مِنْهُمْ بِحِكْمَةِ اللهِ تَعَالَى فِي امْتِحَانِهِ الْخَلْقَ، وَتَعَبّدِهِمْ بِتَصْدِيقِ الرّسُلِ، وَأَنْ يَكُونَ إيمَانُهُمْ عَنْ نَظَرٍ وَفِكْرٍ فِي الْأَدِلّةِ، فَيَقَعُ الثّوَابُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ، وَلَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ، وَحَصَلَ لَهُمْ الْعِلْمُ الضّرُورِيّ، بَطَلَتْ الْحِكْمَةُ الّتِي مِنْ أَجْلِهَا يَكُونُ الثّوَابُ وَالْعِقَابُ، إذْ لَا يُؤْجَرُ الْإِنْسَانُ عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ كَسْبِهِ، كَمَا لَا يُؤْجَرُ عَلَى مَا خُلِقَ فِيهِ مِنْ لَوْنٍ وَشَعْرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنّمَا أَعْطَاهُمْ مِنْ الدّلِيلِ مَا يَقْتَضِي النّظَرُ فِيهِ الْعِلْمَ الْكَسْبِيّ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلّا بِفِعْلِ مِنْ أَفْعَالِ الْقَلْبِ، وَهُوَ النّظَرُ فِي الدّلِيلِ، وَفِي وَجْهِ دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى صِدْقِ الرّسُولِ، وَإِلّا فَقَدْ كَانَ قَادِرًا سُبْحَانَهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِكَلَامِ يَسْمَعُونَهُ، وَيُغْنِيَهُمْ عَنْ إرْسَالِ الرّسُلِ إلَيْهِمْ، وَلَكِنّهُ سُبْحَانَهُ قَسّمَ الْأَمْرَ بَيْنَ الدّارَيْنِ، فَجَعَلَ الْأَمْرَ يَعْلَمُ فِي الدّنْيَا بِنَظَرِ وَاسْتِدْلَالٍ وَتَفَكّرٍ وَاعْتِبَارٍ؛ لِأَنّهَا دَارُ تَعَبّدٍ وَاخْتِبَارٍ، وَجَعَلَ الْأَمْرَ يُعْلَمُ فِي الْآخِرَةِ بِمُعَايَنَةِ وَاضْطِرَارٍ، لَا يُسْتَحَقّ بِهِ ثَوَابٌ وَلَا جَزَاءٌ، وَإِنّمَا يَكُونُ الْجَزَاءُ فِيهَا عَلَى مَا سَبَقَ فِي الدّارِ الْأُولَى، حِكْمَةً دَبّرَهَا، وَقَضِيّةً أَحْكَمَهَا، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ الْإِسْرَاءِ: ٥٩. يُرِيدُ- فِيمَا قَالَ أَهْلُ التّأْوِيلِ- إنّ التّكْذِيبَ بِالْآيَاتِ نَحْوَ مَا سَأَلُوهُ مِنْ إزَالَةِ الْجِبَالِ عَنْهُمْ وَإِنْزَالِ الْمَلَائِكَةِ يُوجِبُ فِي حُكْمِ
[ ٣ / ١٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللهِ، أَلّا يُلَبّثَ الْكَافِرِينَ بِهَا، وَأَنْ يُعَاجِلَهُمْ بِالنّقْمَةِ، كَمَا فَعَلَ بِقَوْمِ صَالِحٍ وَبِآلِ فِرْعَوْنَ، فَلَوْ أُعْطِيَتْ قُرَيْشٌ مَا سَأَلُوهُ مِنْ الْآيَاتِ، وَجَاءَهُمْ بِمَا اقْتَرَحُوا ثُمّ كَذّبُوا لَمْ يَلْبَثُوا، وَلَكِنّ اللهَ أَكْرَمَ مُحَمّدًا فِي الْأُمّةِ الّتِي أَرْسَلَهُ إلَيْهِمْ؛ إذْ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنْ يُكَذّبَ بِهِ مَنْ يُكَذّبُ، وَيُصَدّقَ بِهِ مَنْ يُصَدّقُ، وَابْتَعَثَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ بَرّ «١» وَفَاجِرٍ، أَمّا الْبَرّ فَرَحْمَتُهُ إيّاهُمْ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَمّا الْفَاجِرُ، فَإِنّهُمْ أَمِنُوا مِنْ الْخَسْفِ وَالْغَرَقِ وَإِرْسَالِ حَاصِبٍ عَلَيْهِمْ مِنْ السّمَاءِ.
كَذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التّفْسِيرِ فِي قَوْلِهِ: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ الْأَنْبِيَاءِ: ١٠٧ مَعَ أَنّهُمْ لَمْ يسئلوا مَا سَأَلُوا مِنْ الْآيَاتِ إلّا تَعَنّتًا وَاسْتِهْزَاءً، لَا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِرْشَادِ، وَدَفْعِ الشّكّ، فَقَدْ كَانُوا رَأَوْا مِنْ دَلَائِلِ النّبُوّةِ مَا فِيهِ شِفَاءٌ لِمَنْ أَنْصَفَ، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ الْعَنْكَبُوتِ ٥١ الْآيَةَ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى قِيلَ:
لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيّنَةٌ كَانَتْ بَدَاهَتُهُ تُنْبِيكَ بِالْخَبَرِ
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرّوَايَةِ أَنّهُمْ سَأَلُوا أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ الصّفَا
_________________
(١) يقول ابن كثير عن مجلس المشركين وسؤالهم ما سألوا: «وهذا المجلس الذى اجتمع هؤلاء له، لو علم الله منهم أنهم إنما يسألون ذلك استرشادا لأجيبوا إليه، ولكن علم أنهم إنما يطلبون ذلك كفرا وعنادا فقيل لرسول الله «ص»: إن شئت أعطيناهم ما سألوا، فإن كفروا عذبتهم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة. فقال: بل تفتح عليهم باب التوبة والرحمة» وختام كلام ابن كثير ورد فى حديث رواه أحمد عن ابن عباس.
[ ٣ / ١٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذَهَبًا، فَهَمّ رَسُولُ اللهِﷺ- أَنْ يَدْعُوَ اللهَ لَهُمْ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا شِئْتُمْ إنْ شِئْتُمْ فَعَلْت مَا سَأَلْتُمْ، ثُمّ لَا نُلْبِثُكُمْ إنْ كَذّبْتُمْ بَعْدَ مُعَايَنَةِ الْآيَةِ، فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا بِهَا «١» .
عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَيّةَ لَهُ، وَاسْمُ أَبِي أُمَيّةَ: حُذَيْفَةُ: وَاَللهِ لَا أُومِنُ بِك حَتّى تَتّخِذَ سُلّمًا «٢» إلَى آخِرِ الْكَلَامِ، وَقَدْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ قَبْلَ فَتْحِ مَكّةَ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ إسْلَامِهِ.
هَمّ أَبِي جَهْلٍ بِإِلْقَاءِ الْحَجَرِ:
وَذَكَرَ خَبَرَ أَبِي جَهْلٍ، وَمَا هَمّ بِهِ مِنْ إلْقَاءِ الْحَجَرِ عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- وَهُوَ سَاجِدٌ، وَقَدْ رَوَاهُ النّسَوِيّ بِإِسْنَادِ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى قَوْلِهِ: فَنَكَصَ أَبُو جَهْلٍ عَلَى عَقِبَيْهِ، فَقَالُوا:
مَا لَك؟ فَقَالَ: إنّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ، وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ- لودنا لا ختطفته الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا، وَخَرّجَهُ أَيْضًا مُسْلِمٌ «٣» وَذَكَرَ النّسَوِيّ أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ إلَى ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ أبا جهل قال له:
_________________
(١) روى أحمد قريبا منه
(٢) فى ابن كثير بعد حديثه فى السيرة: حتى تأتيها: «وتأتى معك بصحيفة منشورة، ومعك أربعة: الخ»
(٣) وابن حنبل والنسائى وابن جرير وابن أبى حاتم، وسيأتى نص الأحاديث التى ذكرت حول هذا فى الصفحة الاتية.
[ ٣ / ١٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ألم أنهك؟ فو الله مَا بِمَكّةَ نَادٍ أَعَزّ مِنْ نَادِيّ، فَأَنْزَلَ الله تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إلَى قَوْلِهِ: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ، سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ «١» الْعَلَقِ.
_________________
(١) روى البخارى عن ابن عباس قال: «قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلى عند الكعبة لأطأن على عنقه، فَبَلَغَ ذَلِكَ النّبِيّ ﷺ- فقال: لئن فعل، لأخذته الملائكة» وكذا رواه الترمذى والنسائى فى تفسيرهما، وهكذا رواه ابن جرير. وروى أحمد والترمذى والنسائى وابن جرير- وهذا لفظه من طريق داود ابن أبى هند- عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يصلى عند المقام، فمر به أبو جهل بن هشام، فقال: يا محمد! ألم أنهك عن هذا؟ وتوعده، فأغلظ له رسول الله- صلّى عليه وسلم، وانتهره، فقال: يا محمد بأى شىء تهددنى؟! أما والله إنى لأكثر هذا الوادى ناديا فأنزل الله: (فليدع ناديه، سندع الزبانية) وقال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته، وقال الترمذى: حسن صحيح. وعن أبى هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم، قال: فقال: واللات والعزى لئن رأيته يصلى كذلك لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه فى التراب، فأتى رسول الله ﷺ- وهو يصلى ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقى بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال إن بينى وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة. قال: فقال رسول الله ﷺ: لو دنا منى لاختطفته الملائكة عضوا عضوا، قال: وأنزل الله لا أدرى فى حديث أبى هريرة أم لا: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) إلى آخر السورة، رواه مسلم وابن حنبل والنسائى وابن جرير وابن أبى حاتم، وهكذا تؤكد هذه الأحاديث فرضية الصلاة قبل الإسراء.
[ ٣ / ١٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تَفْسِيرُ أَرَأَيْت: قَالَ مُحَمّدُ بْنُ يَزِيدَ: فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: أَرَأَيْتَ الّذِي يَنْهَى عَبْدًا إذا صلّى، أمصيب هو أو مخطىء؟ وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى الْعَلَقِ كَأَنّهُ قَالَ: أَلَيْسَ مَنْ يَنْهَاهُ بضال؟ وقوله لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ الْعَلَقِ أَيْ لَنَأْخُذَنّ بِهَا إلَى النّارِ، وَقِيلَ مَعْنَى السّفْعِ هَهُنَا: إذْلَالُهُ وَقَهْرُهُ، وَالنّادِي وَالنّدِيّ وَالْمُنْتَدَى بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَهُوَ: مَجْلِسُ الْقَوْمِ الّذِينَ يَتَنَادَوْنَ إلَيْهِ، وَقَالَ أَهْلُ التّفْسِيرِ فِيهِ أَقْوَالًا مُتَقَارِبَةً، قَالَ بَعْضُهُمْ: فَلْيَدْعُ حَيّهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَشِيرَتَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَجْلِسَهُ، وَفِي أَرَأَيْت مَعْنَى: أَخْبِرْنِي، وَلِذَلِكَ قَالَ سِيبَوَيْهِ: لَمْ يَجُزْ إلْغَاؤُهَا، كَمَا تُلْغَى: عَلِمْت إذَا قُلْت: عَلِمْت أَزَيْدٌ عِنْدَك أَمْ عَمْرٌو، وَلَا يَجُوزُ هَذَا فِي: أَرَأَيْت، وَلَا بُدّ مِنْ النّصْبِ إذَا قُلْت: أَرَأَيْت زَيْدًا، أَبُو مَنْ هُوَ؟ قَالَ سِيبَوَيْهِ: لِأَنّ دُخُولَ مَعْنَى أَخْبِرْنِي فِيهَا لَا يَجْعَلُهَا بِمَنْزِلَةِ: أَخْبِرْنِي فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهَا، قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَقْضِي بِخِلَافِ مَا قَالَ سِيبَوَيْهِ إلّا بَعْدَ الْبَيَانِ، وَذَلِكَ أَنّهَا فِي الْقُرْآنِ مُلْغَاةٌ؛ لِأَنّ الِاسْتِفْهَامَ هُوَ مَطْلُوبُهَا، وَعَلَيْهِ وَقَعَتْ فِي قَوْلِهِ: أَرَأَيْتَ، إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى، أَلَمْ يَعْلَمْ الْعَلَقِ: فَقَوْلُهُ: ألم يعلم: استفهام، وعليه وقعت: أرأيت، وكذلك: أرأيتم، وأ رأيتكم فِي الْأَنْعَامِ، فَإِنّ الِاسْتِفْهَامَ وَاقِعٌ بَعْدَهَا نَحْوَ: هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ الْأَنْعَامِ: ٤٧. وَهَذَا هُوَ الّذِي مَنَعَ سِيبَوَيْهِ فِي: أَرَأَيْت وَأَرَأَيْتُكَ أَبُو مَنْ أَنْتَ؟ وَأَمّا الْبَيَانُ فَاَلّذِي قَالَهُ سِيبَوَيْهِ صَحِيحٌ، وَلَكِنْ إذَا وَلّى الِاسْتِفْهَامَ: أَرَأَيْت، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مَفْعُولٌ سِوَى الْجُمْلَةِ، وَأَمّا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الّتِي فِي التّنْزِيلِ، فَلَيْسَتْ الْجُمْلَةُ الْمُسْتَفْهَمُ عَنْهَا هِيَ مَفْعُولُ: أَرَأَيْت، إنّمَا مَفْعُولُهَا مَحْذُوفٌ يَدُلّ عَلَيْهِ
[ ٣ / ١٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشّرْطُ، وَلَا بُدّ مِنْ الشّرْطِ بَعْدَهَا فِي هَذِهِ الصّوَرِ؛ لِأَنّ الْمَعْنَى: أَرَأَيْتُمْ صَنِيعَكُمْ إنْ كَانَ كَذَا، وَكَذَا، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: أَرَأَيْت إنْ لَقِيت الْعَدُوّ أَتُقَاتِلُهُ أَمْ لَا؟
تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: أَرَأَيْت رَأْيَك أَوْ صَنِيعَك إنْ لَقِيت الْعَدُوّ فَحَرْفُ الشّرْطِ، وَهُوَ: إنْ دَالّ عَلَى ذَلِكَ الْمَحْذُوفِ، وَمُرْتَبِطٌ بِهِ، وَالْجُمْلَةُ الْمُسْتَفْهَمُ عَنْهَا كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُنْقَطِعٌ، إلّا أَنّ فِيهِ زِيَادَةَ بَيَانٍ لِمَا يُسْتَفْهَمُ عَنْهُ، وَلَوْ زَالَ الشّرْطُ، وَوَلِيَهَا الِاسْتِفْهَامُ لَقَبُحَ كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهِ، وَيَحْسُنُ فِي: عَلِمْت، وَهَلْ عَلِمْت وَهَلْ رَأَيْت، وَإِنّمَا قُبْحُهُ مَعَ أَرَأَيْت خَاصّةً، وَهِيَ الّتِي دَخَلَهَا مَعْنَى: أَخْبِرْنِي فَتَدَبّرْهُ.
الْأَسَاطِيرُ وَشَيْءٌ عَنْ الْفُرْسِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ النّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ، وَمَا نَزَلَ فِيهِ مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى:
قالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ وَاحِدُ الْأَسَاطِيرِ: أُسْطُورَةٌ كَأُحْدُوثَةِ وَأَحَادِيثَ، وَهُوَ مَا سَطّرَهُ الْأَوّلُونَ، وَقِيلَ: أَسَاطِيرُ: جَمْعُ أَسْطَارٍ، وَأَسْطَارُ جَمْعٍ: سَطَرٍ بِفَتْحِ الطّاءِ، وَأَمّا سَطْرٌ بِسُكُونِ الطّاءِ، فَجَمْعُهُ: أَسْطُرٌ، وَجَمْعُ الْجَمْعِ: أَسَاطِرُ بِغَيْرِ يَاءٍ، وَذَكَرَ أَنّ النّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ كَانَ يحدّث قريشا بأحاديث رستم وأسقندياذ، وَمَا تَعَلّمَ فِي بِلَادِ الْفُرْسِ مِنْ أَخْبَارِهِمْ، وَذَكَرَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قوله، وقد قيل فيه نزلت: وَمَنْ قالَ: سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ الْأَنْعَامِ:
٩٣. وَأَمّا أَحَادِيثُ رُسْتُمَ، فَفِي تَارِيخِ الطّبَرِيّ أَنّ رُسْتُمَ بْنَ رِيسَانِ «١» كَانَ يُحَارِبُ كَيْ يستاسب بْنِ كى لهراسب، بعد ما قَتَلَ أَبَاهُ لطراسب ابْنِ كَيْ أَجَوّ. وَكَيْ
_________________
(١) فى الطبرى ص ٥٠٤ ج ١ «رستم الشديد بن دستان بن بريمان»
[ ٣ / ١٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي أَوَائِلِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ الْبَهَاءِ، وَيُقَالُ: عِبَارَةٌ عَنْ إدْرَاكِ الثّأْرِ، وَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ الْمُلُوكِ: الْكِينِيّةُ مِنْ أَجْلِ هَذَا، وَكَانَ رُسْتُمُ الّذِي يُقَالُ لَهُ: رُسْتُمُ سَيّدُ بَنِي رِيسَانِ مِنْ مُلُوكِ التّرْكِ، وَكَانَ كَيْ يستاسب قَدْ غَضِبَ عَلَى ابْنِهِ، فَسَجَنَهُ حَسَدًا لَهُ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ وَقَائِعِهِ فِي التّرْكِ، حَتّى صَارَ الذّكْرُ لَهُ، فَعِنْدَهَا ظَهَرَتْ التّرْكُ عَلَى بِلَادِ فَارِسَ، وَسَبَوْا بِنْتَيْنِ: ليستاسب، اسْمُ إحْدَاهُمَا: خَمّانَة، أَوْ نَحْوَ هَذَا، فَلَمّا رَأَى يستاسب أَلّا يَدِينَ لَهُ بِقِتَالِهِمْ أَطْلَقَ ابْنَهُ مِنْ السّجْنِ، وَهُوَ إسفندياذ، وَرَضِيَ عَنْهُ وَوَلّاهُ أَمْرَ الْجُيُوشِ، فَنَهَدَ إلَى رُسْتُمَ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا مَلَاحِمُ يَطُولُ ذِكْرُهَا، لَكِنّهُ قَتَلَ رُسْتُمَ، وَاسْتَبَاحَ عَسَاكِرَهُ، وَدَوّخَ فِي بِلَادِ التّرْكِ، وَاسْتَخْرَجَ أُخْتَيْهِ مِنْ أَيْدِيهِمْ، ثُمّ مَاتَ إسفندياذ قَبْلَ أَبِيهِ، وَكَانَ مُلْكُ أَبِيهِ نَحْوًا مِنْ مِائَةِ عَامٍ، ثُمّ عَهِدَ إلَى بهمن بْنِ إسفندياذ، فَوَلّاهُ الْأَمْرَ بَعْدَ مَوْتِهِ وبهمن بِلُغَتِهِمْ: الْحَسَنُ النّيّةُ، وَدَامَ مُلْكُهُ نَيّفًا عَلَى مِائَةِ عَامٍ، وَكَانَ لَهُ ابْنَانِ:
سَاسَانِ وَدَارَا، وَقَدْ أَمْلَيْنَا فِي أَوّلِ الْكِتَابِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ سَاسَانِ وَبَنِيهِ، وَهُمْ السّاسَانِيّةُ الّذِينَ قَامَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامُ، وَرُسْتُمُ آخِرُ مَذْكُورٍ أَيْضًا قَبْلَ هَذَا فِي أَحَادِيثِ كَيْ قباذ، وَكَانَ قَبْلَ عَهْدِ سُلَيْمَانَ، ثُمّ كَانَ رُسْتُمُ وَزِيرًا بَعْدَ كَيْ قباذ لِابْنِهِ كَيْ قاووس، وَكَانَتْ الْجِنّ قَدْ سُخّرَتْ لَهُ. يُقَالُ إنّ سُلَيْمَانَ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ، فَبَلَغَ مُلْكُهُ مِنْ الْعَجَائِبِ مَا لَا يَكَادُ أَنْ يُصَدّقَهُ ذَوُو الْعُقُولِ لِخُرُوجِهَا عَنْ الْمُعْتَادِ لَكِنّ مُحَمّدَ بْنَ جرير الطبرى ذكر منها أخبارا عجيبة «١» .
_________________
(١) إنما سخر الجن بأمر الله لسليمان، لا بأمر سليمان. وانظر ما قصه السهيلى فى الطبرى ج ١ من ص ٥٠٤ ط المعارف، وفيه: سياوخش بدلا من شاوخش، وفيه بعض ما يخالف ما هنا، ففى ص ٥٦٤ ج ١ يذكر الطبرى أن-
[ ٣ / ١٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ أَنّهُ هَمّ بِمَا هَمّ بِهِ نمروذ مِنْ الصّعُودِ إلَى السّمَاءِ، فَطَرَحَتْهُ الرّيحُ، وَضَعْضَعَتْ أَرْكَانَهُ، وَهَدَمَتْ بُنْيَانَهُ «١»، ثُمّ ثَابَ إلَيْهِ بَعْضُ جُنُودِهِ، فَصَارَ كَسَائِرِ الْمُلُوكِ يَغْلِبُ تَارَةً، وَيُغْلَبُ بِخِلَافِ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَسَارَ بِجُنُودِهِ إلَى الْيَمَنِ فَنَهَدَ إلَيْهِ عَمْرُو ذُو الْأَذْعَارِ، فَهَزَمَهُ عَمْرٌو، وَأَخَذَهُ أَسِيرًا، وَحَبَسَهُ فِي مَحْبِسٍ حَتّى جَاءَ رُسْتُمُ، وَكَانَ صَاحِبَ أَمْرِهِ، فَاسْتَنْقَذَهُ مِنْ عَمْرٍو، إمّا بِطَوْعِ، وَإِمّا بِإِكْرَاهِ، وَرَدّهُ إلَى بِلَادِ فَارِسَ. وَلِابْنِهِ شاوخش مَعَ قراسيات مَلِكِ التّرْكِ خَبَرٌ عَجِيبٌ، وَكَانَ رُسْتُمُ هُوَ الْقَيّمُ عَلَى شاوخش وَالْكَافِلُ لَهُ فِي صِغَرِهِ، وَكَانَ آخِرُ أَمْرِ شاوخش بَعْدُ عَجَائِبَ أَنْ قَتَلَهُ قراسيات، وَقَامَ ابْنُهُ كَيْ خُسْرُو يَطْلُبُ بِثَأْرِهِ، فَدَارَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التّرْكِ وَقَائِعُ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا، وَكَانَ الظّفَرُ لَهُ، فَلَمّا ظَفِرُوا رَأَى أَمَلَهُ فِي أَعْدَائِهِ مَا مَلَأَ عَيْنَهُ قُرّةً، وَقَلْبَهُ سُرُورًا زَهِدَ فِي الدّنْيَا، وَأَرَادَ السّيَاحَةَ فِي الْأَرْضِ، فَتَعَاتّ بِهِ أَبْنَاءُ فَارِسَ، وَحَذّرَتْهُ مِنْ شَتَاتِ الشّمْلِ بَعْدَهُ، وَشَمَاتَةِ الْعَدُوّ، فَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ: كَيْ لهراسب، بْنِ كَيْ اجو، بْنِ كَيْ كِينَةَ، بْنِ كَيْ قاووس الْمُتَقَدّمُ ذِكْرُهُ «٢»، وَلَا أَدْرِي: هَلْ رُسْتُمُ الّذِي قَتَلَهُ أسفندياذ هو رستم
_________________
(١) - مقتل اسفنديار كان على يد رستم، وأما الذى قتل رستم وأباه دستان فهو أزدشير بهمن ابن بشتاسب ص ٥٦٨.
(٢) فى الطبرى ص ٥٠٧ ج ١ ويذكر الطبرى عن كى قاوسى: «أن الله أعطاه قوة ارتفع بها، ومن معه فى الهواء، حتى انتهو إلى السحاب، ثم إن الله سلبهم تلك، القوة، فسقطوا، فهلكوا، وأفلت كى قاوس بنفسه» أكانت لديهم معرفة بغزو الفضاء؟ وقد ظهر الترك على بلاد فارس فى عهد ملك الترك خزاسف. واسم ابنة ليستنسب الأخرى: باذفراه
(٣) نسبه فى الطبرى هكذا: كيلهراسب بن كيوجى بن كيمنوش بن كيفارشين ابن كيبيه بن كيقباذ الأكبر ص ٥١٥، وتستطيع فصل كى عن كل اسم مما سبق،
[ ٣ / ١٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صَاحِبُ كَيْ قاووس، أَمْ غَيْرُهُ، وَالظّاهِرُ أَنّهُ لَيْسَ بِهِ، لِأَنّ مُدّةَ مَا بَيْنَ كَيْ قاووس وَكَيْ يستاسب بَعِيدَةٌ جِدّا، وَأَحْسَبُهُ كَمَا قَدّمْنَا أَنّهُ كَانَ مِنْ التّرْكِ، وَهَذَا كُلّهُ كَانَ فِي مُدّةِ الْكِينِيّةِ، وَعِنْدَ اشْتِغَالِهِمْ بِقِتَالِ الترك استعملوا بخت نصّر الْبَابِلِيّ عَلَى الْعِرَاقِ، فَكَانَ مِنْ أُمُورِهِ مَعَ بَنِي إسْرَائِيلَ وَإِثْخَانِهِ فِيهِمْ، وَهَدْمِهِ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِحْرَاقِهِ لِلتّوْرَاةِ وَقَتْلِهِ لِأَوْلَادِ الْأَنْبِيَاءِ، وَاسْتِرْقَاقِهِ لِنِسَاءِ مُلُوكِهِمْ وَلِذَرَارِيّهِمْ مَعَ عَيْشِهِ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ حِينَ جَاسَ خِلَالَ دِيَارِهِمْ، مَا هُوَ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ التّفَاسِيرِ، وَمَعْلُومٌ عِنْدَ أَصْحَابِ التّوَارِيخِ «١» .
فَهَذِهِ جُمْلَةُ مُخْتَصَرَةٍ تَشْرَحُ لَك مَا وَقَعَ فِي كِتَابِ ابْنِ إسْحَاقَ مِنْ ذِكْرِ رُسْتُمَ واسفندياذ، وكانت الكينية قبل مدة عيسى بن مَرْيَمَ، أَوّلُهُمْ فِي عَهْدِ أفريدون قَبْلَ مُوسَى ﵇ بمثين من السنين، وآخرهم فى مدة الاسكندر
_________________
(١) أخبار بختنصر فى الجزء الأول من تاريخ الطبرى ص ٥٣٨، وكان فى ايام لهراسب أحد ملوك الفرس، ويذكر الطبرى أن بختنصر وجد فى سجن بنى إسرائيل إرميا النبى، فسأله: ما خطبك: فأخبره أن الله بعثه إلى قومه- بنى إسرائيل؛ ليحذرهم الذى حل بهم- يعنى: من بختنصر- فكذبوه، وحبسوه؛ فقال بختنصر: يئس القوم قوم عصوا رسول ربهم. ثم أطلق سراحه، وأحسن إليه ص ٥٣٨ ج ١ وفى سفر أرميا إصحاح ٢٦ أن بنى إسرائيل هموا بقتل آرميا لأنه قال لهم: «ارجعوا كل واحد عن طريقه الردىء وعن شر أعمالكم.. ولا تسلكوا وراء آلهة أخرى لتعبدوها وتسجدوا لها» إصحاح ٢٥، وفيه أيضا أنه حذرهم من «نبوخذ راصر» أي: بختنصر فإن الله سيسلطه عليهم إن لم يرجعوا. ويقع سفر أرميا هذا فى أكثر من ستين صفحة، وكله حول هذا. وبعده سفر آخر اسمه: مراثى أرميا، وهى منسوبة إليه فى رثاء أورشليم بعد تخريب بختنصر لها.
[ ٣ / ١٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن قَلِيسٍ «١» وَالْإِسْكَنْدَرُ هُوَ الّذِي سَلَبَ مُلْكَهُمْ، وَقَتَلَ دَارَا بْنَ دَارَا، وَهُوَ آخِرُهُمْ، ثُمّ كَانَتْ الْأَشْغَانِيّةُ مَعَ مُلُوكِ الطّوَائِفِ أَرْبَعَمِائَةٍ وَثَمَانِينَ عَامًا، وَقِيلَ:
أَقَلّ مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِ الطّبَرِيّ، وَقَوْلُ الْمَسْعُودِيّ: خَمْسِمِائَةٍ وَعَشْرِ سِنِينَ فِي خِلَالِ أمرهم بعث عيسى بن مَرْيَمَ، ثُمّ كَانَتْ السّاسَانِيّةُ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ مُلْكًا حَتّى قَامَ الْإِسْلَامُ، فَفَضّ خِدْمَتَهُمْ. وَخَضّدَ شَوْكَتَهُمْ، وَهَدَمَ هَيَاكِلَهُمْ، وَأَطْفَأَ نِيرَانَهُمْ الّتِي كَانُوا يعبدون، وذلك كله فى خلافة عمر.
عَنْ سُورَتَيْ الْكَهْفِ وَالْفُرْقَانِ- سَبَبُ نُزُولِ الْكَهْفِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ إرْسَالَ قُرَيْشٍ النّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ إلَى يَهُودَ، وَمَا رَجَعَا بِهِ مِنْ عِنْدِهِمْ مِنْ الْفَصْلِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النّبِيّ ﷺ، فَسَأَلُوهُ عَنْ الْأُمُورِ الثّلَاثَةِ الّتِي قَالَتْ الْيَهُودُ: إنْ أَخْبَرَكُمْ بِهَا فَهُوَ نَبِيّ وَإِلّا فَهُوَ مُتَقَوّلٌ، فَقَالَ لَهُمْ: سَأُخْبِرُكُمْ غَدًا، وَلَمْ يَقُلْ: إنْ شَاءَ اللهُ، فَأَبْطَأَ عَنْهُ الْوَحْيُ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا «٢»، وفى سير التّيمى وموسى بن عقبة
_________________
(١) يعنى اسكندر المقدونى بن فليبس.
(٢) جاء فى حديث روى بعضه فى كتب الصحاح ما يخالف ما ذهب إليه ابن إسحاق فى شأن إرسال النضر وعقبة، وإليك ما روى فى هذا الشأن. روى البخارى ومسلم وأحمد والترمذى وقال: إنه صحيح- عن ابن مسعود؛ «كنت أمشى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فى حرث المدينة، وهو متوكىء على عسيب، فمر بقوم من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه، قال: فسألوه عن الروح، فقالوا: يا محمد: ما الروح؟ فما زال متوكئا على العسيب، قال: فظننت أنه-
[ ٣ / ١٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَنّ الْوَحْيَ إنّمَا أَبْطَأَ عَنْهُ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ، ثُمّ جَاءَ جِبْرِيلُ بِسُورَةِ الْكَهْفِ
لِمَ قَدّمَ الْحَمْدَ عَلَى الْكِتَابِ؟! وَذَكَرَ افْتِتَاحَ الرّبّ سُبْحَانَهُ بِحَمْدِ نَفْسِهِ، وَذَكَرَ نُبُوّةَ نَبِيّهِ حَمْدُهُ لِنَفْسِهِ تَعَالَى خَبَرٌ بَاطِنُهُ الْأَمْرُ وَالتّعْلِيمُ لِعَبْدِهِ كَيْفَ يَحْمَدُهُ، إذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَاقْتَضَتْ الْحَالُ الْوُقُوفَ عَنْ تَسْمِيَتِهِ، وَالْعِبَارَاتُ عَنْ جَلَالِهِ، لِقُصُورِ كُلّ عبارة عما هنا لك مِنْ الْجَلَالِ، وَأَوْصَافِ الْكَمَالِ، وَلَمَا كَانَ الْحَمْدُ وَاجِبًا عَلَى الْعَبْدِ قُدّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِيَقْتَرِنَ فِي اللّفْظِ بِالْحَمْدِ الّذِي هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَلِيَسْتَشْعِرَ الْعَبْدُ وُجُوبَ الْحَمْدِ عَلَيْهِ، وَفِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ قَالَ: «تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ» وَبَدَأَ بِذِكْرِ الْفُرْقَانِ الّذِي هُوَ الْكِتَابُ الْمُبَارَكُ. قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ «١»
_________________
(١) - يوحى إليه، فقال: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ، قُلِ: الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) قَالَ: فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم: لا تسألوه» وفى رواية البخارى: «فلم يرد عليهم شيئا، فعلت أنه يوحى إليه، فقمت مقامى فلما نزل الوحى، قال: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ: الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) والمشكل هنا أن سورة الإسراء: مكية وظاهر القصة يوحى بان الاية مدنية. ولو كان الأمر قاصرا على الرواية الأولى: «فظننت أنه يوحى إليه» لقلنا إن الرسول انما سكت ليتذكر الاية التى يرد بها عليهم، فظن ابن مسعود أنه يوحى إليه، إما ابن كثير فيقول: «وقد يجاب عن هذا بأنه قد تكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية، كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك، أو أنه نزل عليه الوحى بأنه يجيبهم عما سألوه بالاية المتقدم إنزالها عليه. والذى يدل على نزول هذه الاية بمكة ما رواه أحمد أن قريشا قالت ليهود: أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل. فقالوا: سلوه عن الروح، فنزلت الاية» وإجابة ابن كثير غير مقنعة والعسيب: عصن من جريد النخلة.
(٢) هذا جزء من آية رقم ٩٢ و١٥٥ من سورة الأنعام. والذى ذكره-
[ ٣ / ١٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُبارَكٌ فلما افتتح السورة بتبارك الّذِي، بَدَأَ بِذِكْرِ الْفُرْقَانِ، وَهُوَ الْكِتَابُ الْمُبَارَكُ، ثُمّ قَالَ: عَلَى عَبْدِهِ، فَانْظُرْ إلَى تَقْدِيمِ ذِكْرِ عَبْدِهِ عَلَى الْكِتَابِ، وَتَقْدِيمِ ذِكْرِ الْكِتَابِ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ، وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَشَاكُلِ اللّفْظِ وَالْتِئَامِ الْكَلَامِ نَرَى الْإِعْجَازَ ظَاهِرًا، وَالْحِكْمَةَ بَاهِرَةً، وَالْبُرْهَانَ وَاضِحًا:
وَأَنْشَدَ لِذِي الرّمّةِ.
شَرْحُ شَوَاهِدَ شِعْرِيّةٍ:
كَأَنّهُ بِالضّحَى تَرْمِي الصّعِيدَ بِهِ دَبّابَةٌ فِي عِظَامِ الرّأْسِ خُرْطُومُ
يَصِفُ وَلَدَ الظّبْيَةِ: وَالْخُرْطُومُ: مِنْ أَسْمَاءِ الْخَمْرِ، أَيْ: كَأَنّهُ مِنْ نَشَاطِهِ دَبّتْ الْخَمْرُ فِي رَأْسِهِ. وَأَنْشَدَ لَهُ أَيْضًا:
طَوَى النّحْزُ وَالْأَجْرَازُ. الْبَيْتَ. وَالنّحْزُ: النّخْسُ، وَالنّحَازُ: دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ وَالنّحِيزَةُ: الْغَرِيزَةُ، وَالنّحِيزَةُ «١»: نَسِيجَةٌ كَالْحِزَامِ: وَالضّلُوعُ الْجَرَاشِعُ. هُوَ جَمْعُ جُرْشُعٍ. قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ. الْجُرْشُعُ: الْعَظِيمُ الصّدْرُ، فَمَعْنَاهُ إذًا فِي الْبَيْتِ عَلَى هَذَا: الضّلُوعُ مِنْ الْهُزَالِ قَدْ نَتَأَتْ، وَبَرَزَتْ كالصدر البارز.
_________________
(١) - ابن إسحاق فى أسباب نزول «وما نتنزل إلا بأمر ربك» روى فيه الإمام أحمد بسنده عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ «ص» لجبرائيل: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟! قال: فنزلت هذه الاية، انفرد بإخراجه البخارى فرواه عند تفسير هذه الاية عن أبى نعيم عن عمر بن ذربة
(٢) فى اللسان أيضا: النحز: الضرب والدفع والسعال عامة، والنحاز: داء يأخذ الإبل والدواب، والنحيزة: الطريق بعينه. وشىء ينسج أعرض من الحزام يخاط على طرف شقة البيت، وفى القاموس: تكون على الفساطيط والبيوت، والأجراز: جميع جرز: السنة أو الأرض المجدبة.
[ ٣ / ١٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرّقِيمُ وَأَهْلُ الْكَهْفِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ الرّقِيمَ وَفِيهِ سِوَى مَا قَالَهُ أَقْوَالٌ. رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنّهُ قَالَ: الرّقِيمُ:
الْكَلْبُ، وَعَنْ كَعْبٍ أَنّهُ قَالَ: هُوَ اسْمُ الْقَرْيَةِ الّتِي خَرَجُوا مِنْهَا، وَقِيلَ: هُوَ اسْمُ الْوَادِي وَقِيلَ: هُوَ صَخْرَةٌ، وَيُقَالُ: لَوْحٌ كُتِبَ فِيهِ أَسْمَاؤُهُمْ وَدِينُهُمْ وَقِصّتُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلّ الْقُرْآنِ أَعْلَمُ إلّا الرّقِيمَ وَالْغِسْلِينَ وَحَنَانًا وَالْأَوّاهَ «١»، وَقَدْ ذُكِرَتْ أَسْمَاؤُهُمْ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهَا وَهِيَ: مَلِيخًا، كسليما، مرطوش ابن أَنَسٍ، أريطانس، أَيُونُسُ، شاطيطوش «٢» . وَقِيلَ فِي اسْمِ مَدِينَتِهِمْ:
أفوس، وَاخْتُلِفَ فِي بَقَائِهِمْ إلَى الْآنِ، فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْهُمْ، بَلْ صَارُوا تُرَابًا قَبْلَ مَبْعَثِ النّبِيّ ﷺ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْأَخْبَارِ غَيْرَ هَذَا، وَأَنّ الْأَرْضَ لَمْ تَأْكُلْهُمْ، وَلَمْ تُغَيّرْهُمْ، وَأَنّهُمْ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْ القسطنطينية، فَاَللهُ أَعْلَمُ. رُوِيَ أَنّهُمْ سيحجون البيت إذا نزل عيسى بن مَرْيَمَ. أَلْفَيْت هَذَا الْخَبَرَ فِي كِتَابِ الْبَدْءِ لِابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ «٣» .
إعْرَابُ أَحْصَى:
وَذَكَرَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا الْكَهْفِ: ١٢ قَدْ أَمْلَيْنَا فِي إعْرَابِ هَذِهِ الْآيَةِ نَحْوًا مِنْ كُرّاسَةٍ، وَذَكَرْنَا مَا وَهَمَ فِيهِ الزّجّاجُ مِنْ إعْرَابِهَا؛ حَيْثُ جَعَلَ أَحْصَى اسْمًا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ،، وَأَمَدًا: تَمْيِيزٌ وَهَذَا لَا يَصِحّ؛ لِأَنّ التّمْيِيزَ هُوَ الْفَاعِلُ فِي الْمَعْنَى، فَإِذَا قُلْت: أَيّهُمْ أَعْلَمُ أَبًا، فَالْأَبُ هُوَ الْعَالِمُ، وَكَذَلِكَ إذَا قُلْت أَيّهُمْ أَفْرَهُ عَبْدًا، فَالْعَبْدُ هُوَ الفاره،
_________________
(١) لا شك فى أنه نقل غير صحيح عن ابن عباس يراد به غرض خبيث.
(٢) رجم بالغيب فالسند فى معرفتها ضعيف جدا
(٣) الحق فيما نقل عن ابن عباس، وما قيل بعده فأساطير.
[ ٣ / ١٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ إذًا أَنْ يَكُونَ الْأَمَدُ فَاعِلًا بِالْإِحْصَاءِ، وَهَذَا مُحَالٌ، بَلْ هُوَ مَفْعُولٌ، وَأَحْصَى: فِعْلٌ مَاضٍ، وَهُوَ النّاصِبُ لَهُ، وَذَكَرْنَا فِي ذَلِكَ الْإِمْلَاءِ أَنّ أَيّهمْ، قَدْ يَجُوزُ فِيهِ النّصْبُ بِمَا قَبْلَهُ إذَا جَعَلْته خَبَرًا، وَذَلِكَ عَلَى شُرُوطٍ بَيّنّاهَا هُنَالِكَ لِمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى حَقِيقَتِهَا، أَيْ: وَمَوَاضِعَهَا، وَكَشَفْنَا أَسْرَارَهَا. عَنْ الضّرْبِ وَتَزَاوُرِ الشّمْسِ وَفَائِدَةِ الْقِصّةِ: وَقَوْلِهِ سبحانه: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ أَيْ: أَنِمْنَاهُمْ، وَإِنّمَا قِيلَ فِي النّائِمِ: ضُرِبَ عَلَى أُذُنِهِ؛ لِأَنّ النّائِمَ يَنْتَبِهُ مِنْ جِهَةِ السّمْعِ، وَالضّرْبُ هُنَا مُسْتَعَارٌ مِنْ ضَرَبْت الْقُفْلَ على الباب، وذكر قوله تعالى: تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ الْآيَةَ. وَقِيلَ فِي تَقْرِضُهُمْ: تُحَاذِيهِمْ، وَقِيلَ: تَتَجَاوَزُهُمْ شيئا شيئا مِنْ الْقَرْضِ، وَهُوَ الْقَطْعُ، أَيْ: تَقْطَعُ مَا هُنَالِكَ مِنْ الْأَرْضِ، وَهَذَا كُلّهُ شَرْحُ اللّفْظِ، وَأَمّا فَائِدَةُ الْمَعْنَى، فَإِنّهُ بَيّنٌ أَنّهُمْ فِي مَقْنُوَةٍ مِنْ الْأَرْضِ، لَا تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ الشّمْسُ، فَتُحْرِقُهُمْ، وَتُبْلِي ثِيَابَهُمْ، وَيُقَلّبُونَ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشّمَالِ. لِئَلّا تَأْكُلَهُمْ الْأَرْضُ، وَالْفَائِدَةُ الْعُظْمَى فِي هَذِهِ الصّفَةِ بَيَانُ كَيْفِيّةِ حَالِهِمْ فِي الْكَهْفِ، وَحَالِ كَلْبِهِمْ، وَأَيْنَ هُوَ مِنْ الْكَهْفِ، وَأَنّهُ بِالْوَصِيدِ مِنْهُ، وَأَنّ بَابَ الْكَهْفِ إلَى جِهَةِ الشّمَالِ لِلْحِكْمَةِ الّتِي تَقَدّمَتْ، وَأَنّ هَذَا الْبَيَانَ لَا يَكَادُ يَعْرِفُهُ مَنْ رَآهُمْ، فَإِنّ الْمُطَلّعَ عَلَيْهِمْ يُمْلَأُ مِنْهُمْ رُعْبًا، فَلَا يُمْكِنُهُ تَأَمّلُ هَذِهِ الدّقَائِقِ مِنْ أَحْوَالِهِمْ، وَالنّبِيّ ﵇ لَمْ يَرَهُمْ قَطّ، وَلَا سَمِعَ بِهِمْ، وَلَا قَرَأَ كِتَابًا فِيهِ صِفَتُهُمْ؛ لِأَنّهُ أُمّيّ فِي أُمّةٍ أُمَيّةٍ، وَقَدْ جَاءَكُمْ بِبَيَانِ لَا يَأْتِي بِهِ مَنْ وَصَلَ إلَيْهِمْ حَتّى إنّ كَلْبَهُمْ قَدْ ذُكِرَ، وَذُكِرَ مَوْضِعُهُ وَبَسْطُهُ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ، وهم فى
[ ٣ / ١٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْفَجْوَةِ، وَفِي هَذَا كُلّهِ بُرْهَانٌ عَظِيمٌ عَلَى نُبُوّتِهِ، وَدَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى صِدْقِهِ، وَأَنّهُ غَيْرُ مُتَقَوّلٍ، كَمَا زَعَمُوا، فَقِفْ بِقَلْبِك عَلَى مَضْمُونِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ، وَالْمُرَادُ بِهَا تُعْصَمْ إنْ شَاءَ اللهُ مِمّا وَقَعَتْ فِيهِ الْمُلْحِدَةُ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ كِتَابِ اللهِ، وَقَوْلِهِمْ: أَيّ فَائِدَةٍ فِي أَنْ تَكُونَ الشّمْسُ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ، وَهَكَذَا هُوَ كُلّ بَيْتٍ يَكُونُ فِي مَقْنُوَةٍ، أَيْ: بَابُهُ لِجِهَةِ الشّمَالِ، فَنَبّهَ أَهْلُ الْمَعَانِي عَلَى الْفَائِدَةِ الْأُولَى الْمُنْبِئَةِ عَنْ لُطْفِ اللهِ بِهِمْ، حَيْثُ جَعَلَهُمْ فِي مَقْنُوَةٍ تَزَاوَرُ عنهم الشمس فلا تؤذيهم، فيقال: لِمَنْ اقْتَصَرَ مِنْ أَهْلِ التّأْوِيلِ عَلَى هَذَا: فَمَا فِي ذِكْرِ الْكَلْبِ وَبَسْطِ ذِرَاعَيْهِ مِنْ الْفَائِدَةِ، وَمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى اللّطْفِ بِهِمْ؟ فَالْجَوَابُ: مَا قَدّمْنَاهُ مِنْ أَنّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَتْرُكْ مِنْ بَيَانِ حَالِهِمْ شَيْئًا، حَتّى ذَكَرَ حَالَ كَلْبِهِمْ مَعَ أَنّ تَأَمّلَهُمْ مُتَعَذّرٌ عَلَى مَنْ اطّلَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ الرّعْبِ، فَكَيْفَ مَنْ لَمْ يَرَهُمْ، وَلَا سَمِعَ بِهِمْ، لَوْلَا الْوَحْيُ الّذِي جَاءَهُ مِنْ اللهِ سُبْحَانَهُ بِالْبَيَانِ الْوَاضِحِ الشّافِي، وَالْبُرْهَانِ الْكَافِي، وَالرّعْبِ الّذِي كَانَ يَلْحَقُ الْمُطَلّعَ عَلَيْهِمْ، قِيلَ: كَانَ مِمّا طَالَتْ شُعُورُهُمْ وَأَظْفَارُهُمْ. وَمِنْ الْآيَاتِ فِي هَذِهِ القصة قوله سبحانه: فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ أَيْ: فِي فَضَاءٍ، وَمَعَ أَنّهُمْ فِي فَضَاءٍ مِنْهُ، فَلَا تُصِيبُهُمْ الشّمْسُ. قَالَ ابْنُ سَلّامٍ:
فهذه آية. قال: وكانوا يقلّبون فى السنة مَرّتَيْنِ «١»، وَمِنْ فَوَائِدِ الْآيَةِ: أَنّهُ أَخْرَجَ الْكَلْبَ عَنْ التّقْلِيبِ، فَقَالَ: بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ، وَمَعَ أَنّهُ كَانَ لَا يُقَلّبُ لَمْ تَأْكُلْهُ الْأَرْضُ؛ لِأَنّ التّقْلِيبَ كَانَ مِنْ فِعْلِ الْمَلَائِكَةِ بِهِمْ، وَالْمَلَائِكَةُ أَوْلِيَاءُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، وَالْكَلْبُ خَارِجٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ. أَلَا تَرَاهُ
_________________
(١) قوله: مرتين رجم بالغيب أيضا، واللفظ يفيد أكثر من مرتين.
[ ٣ / ١٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَيْفَ قَالَ: بِالْوَصِيدِ، أَيْ: بِفَنَاءِ الْغَارِ لَا دَاخِلًا مَعَهُمْ؛ لِأَنّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ «١» فَهَذِهِ فَوَائِدُ جُمّةٌ قَدْ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا هَذَا الْكَلَامُ. قَالَ ابْنُ سَلّامٍ:
وَإِنّمَا كَانُوا يُقَلّبُونَ فِي الرّقْدَةِ الْأُولَى قَبْلَ أَنْ يُبْعَثُوا.
الْمُتَنَازِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ اللهِ سُبْحَانَهُ: (قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) الْكَهْفِ: ٢١ وَقَالَ: يَعْنِي أَصْحَابَ السّلْطَانِ، فَاسْتَدَلّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: لَنَتّخِذَنّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا «٢» . وَذَكَرَ الطبرى أن أهل
_________________
(١) البخارى ومسلم والترمذى وأحمد والنسائى وابن ماجة. ولكن الله لم يذكر كلب أهل الكهف بما يفيد لعنه، وقد أباح الله فى القرآن لنا تربية الجوارح، وأكل ما صادته، يقول ابن كثير فى تفسير قوله تعالى: (وما علمتم من الجوارح): «وأحل لكم ما صدتموه بالجوارح وهى من الكلاب والفهود والصقور وأشباهها، كما هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة. وقد ثبت فى الصحيحين عن عدى بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله إنى أرسل الكلاب المعلمة، وأذكر اسم الله، فقال: إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك قلت: وإن قتلن؟ قال: وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس منها، فإنك إنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره فأصيب. قلت له: فإنى أرمى بالمعراض الصيد، فقال: إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصابه بعرض، فإنه وقيذ، فلا تأكله، خزق السهم وخسق: إذا أصاب الرمية ونفذ فيها. والمعراض بالكسر: سهم بلا ريش ولا نصل، وإنما يصيب بعرضه دون حده، وشاة وقيذ: قتلت بالخشب. فلعل المراد: كلب الزبنة لا كلب الصيد والحرث.
(٢) ذكرت مرارا أن دين رسل الله جميعا من لدن نوح إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم- هو دين الإسلام. ويقال عن أتباعهم إنهم مسلمون، والذين-
[ ٣ / ١٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تِلْكَ الْمَدِينَةِ تَنَازَعُوا قَبْلَ مَبْعَثِهِمْ فِي الْأَجْسَادِ وَالْأَرْوَاحِ: كَيْفَ تَكُونُ إعَادَتُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: تُعَادُ الْأَجْسَادُ كَمَا كَانَتْ بِأَرْوَاحِهَا، كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ، وَقَالُوا: تُبْعَثُ الْأَرْوَاحُ دُونَ الْأَجْسَادِ، كَمَا يَقُولُهُ النّصَارَى، وَشَرِيَ بَيْنَهُمْ الشّرّ، وَاشْتَدّ الْخِلَافُ، وَاشْتَدّ عَلَى مَلِكِهِمْ مَا نَزَلَ بِقَوْمِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَلَبِسَ الْمُسُوحَ، وَافْتَرَشَ الرّمَادَ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْبُكَاءِ وَالتّضَرّعِ إلَى اللهِ أَنْ يُرِيَهُ الْفَصْلَ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَأَحْيَا اللهُ أَصْحَابَ الْكَهْفِ عِنْدَ ذَلِكَ، فَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِمْ مَا عُرِفَ وَشُهِرَ، فَقَالَ الْمَلِكُ لِقَوْمِهِ: هَذِهِ آيَةٌ أَظْهَرَهَا اللهُ لَكُمْ لِتَتّفِقُوا، وَتَعْلَمُوا أَنّ اللهَ ﷿ كَمَا أَحْيَا هَؤُلَاءِ، وَأَعَادَ أَرْوَاحَهُمْ إلَى أَجْسَادِهِمْ، فَكَذَلِكَ يُعِيدُ الْخَلْقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا بَدَأَهُمْ، فَرَجَعَ الْكُلّ إلَى مَا قَالَهُ الْمَلِكُ، وَعَلِمُوا أَنّهُ الْحَقّ.
_________________
(١) - تنازعوا فى أمر الفتية طائفتان. إحداهما: قالت ما يقوله المسلم الذى يكل الأمر إلى الله، ولا يعدو على الغيب. إذ قالت: «ابنوا عليهم بنيانا» وعللت الأمر بكلمة مؤمنة، لا تصدر إلا عن مؤمن، وهى قولهم: «ربهم أعلم بهم» وفى كل لفظة هنا إشراقة من نور الإيمان القوى بالله. أما الاخرون، فقد وصفوا بغير ما يوصف به المؤمن التقى الخاشع، إذ وصفوا بأنهم: «غلبوا على أمرهم» فهم إذا أخذوا الأمر بالقهر والغلبة دون ترو أو نزوع إلى معرفة أمر الله، أو انعطاف إلى خشوع. ثم اقترحوا مصممين على ما اقترحوا: «لنتخذن عليهم مسجدا» هكذا بالتوكيد والقهر المستعلى. ووازن بين اقتراح الأولين وهو بناء بنيان عليهم، أى: سد باب الكهف تجده عملا إسلاميا، وبين اقتراح الاخرين، وهو اتخاذ مسجد، واتخاذ المساجد على القبور أمر لعنه الله ورسوله، وهو أشمل من إقامة مسجد
[ ٣ / ١٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَنْ وَاوِ الثّمَانِيَةِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ اللهِ سبحانه وَيَقُولُونَ: سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قَدْ أَفْرَدْنَا لِلْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْوَاوِ الّتِي يسميها بعض الناس: واو الثمانية «١» بابا
_________________
(١) أى الواو التى تأتى بعد استيفاء سبعة أشياء، ثم تذكر قبل الثامن، وقد استشهد أصحابها بقوله سبحانه: «التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ» التوبة: ١١٢ فقالوا: إن الواو جاءت بعد استيفاء الأوصاف السبعة. واستدلوا أيضا بقوله سبحانه: (عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ، عابِداتٍ، سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا) التحريم: ٥ فجاءت بعد استيفاء الأوصاف السبعة. واستشهدوا بالاية التى سيتكلم عنها السهيلى: «سبعة وثامنهم» . واستشهدوا أيضا بقوله سبحانه: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا، حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها» الزمر: ٣- ٧. فأتى بالواو لما كانت أبواب الجنة ثمانية. وقال فى النار: «حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها» لما كانت سبعة. وقد رد الإمام اين القيم على هذا ردا طيبا. فقال عن آية التوبة باختصار: إن كل صفة لم تعطف على ما قبلها فيها كان فيه تنبيه على أنهما فى اجتماعهما كالوصف الواحد لموصوف واحد، فلم يحتج إلى عطف. فلما ذكر الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهما متلازمان مستمدان من مادة واحدة، حسن العطف ليتبين أن كل وصف منهما قائم على حدته. مطلوب تعيينه، لا يكتفى فيه حصول الوصف الاخر، بل لابد أن يظهر أمره بالمعروف بصريحه، ونهيه عن المنكر بصريحه، وأيضا فحسن العطف ههنا ما تقدم من التضاد، فلما كان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ضدين أحدهما: طلب الإيجاد، والاخر: طلب الإعدام، كانا كالنوعين المتغايرين المتضادين. وقال: عن آية التحريم: إن دخول الواو قبل أبكار متعين؛ لأن الأوصاف التى قبلها المراد اجتماعها فى النساء. وأما وصفا البكارة والثيوبة، فلا يمكن اجتماعهما، فتعين العطف؛ لأن المقصود أنه يزوجه بالنوعين: الثيبات والأبكار، وسيأتى الكلام عن آية الكهف. أما آية الزمر عن الجنة والنار، فقال: لا دلالة فى اللفظ على الثمانية حتى تدخل الواو لأجلها، بل هذا من باب حذف-
[ ٣ / ١٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
طَوِيلًا، وَاَلّذِي يَلِيقُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ تَعْلَمَ: أن هذا الْوَاوَ تَدُلّ عَلَى تَصْدِيقِ الْقَائِلِينَ لِأَنّهَا عَاطِفَةٌ عَلَى كَلَامٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: نَعَمْ، وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ، وَذَلِكَ أَنّ قَائِلًا لَوْ قَالَ: إنّ زَيْدًا شَاعِرٌ، فَقُلْت لَهُ: وَفَقِيهٌ، كُنْت قَدْ صَدّقْته، كَأَنّك قُلْت: نَعَمْ هُوَ كَذَلِكَ، وَفَقِيهٌ أَيْضًا، وَفِي الْحَدِيثِ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
أيتوضأ بما أفضلت الخمر، فَقَالَ: وَبِمَا أَفْضَلَتْ السّبَاعُ. يُرِيدُ: نَعَمْ، وَبِمَا أَفْضَلَتْ السّبَاعُ. خَرّجَهُ الدّارَقُطْنِيّ. وَفِي التّنْزِيلِ: (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، قالَ: وَمَنْ كَفَرَ) الْبَقَرَةِ: ١٢٦ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
فَكَذَلِكَ مَا أَخْبَرَهُ عَنْهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَيَقُولُونَ: سَبْعَةٌ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: «وَثَامِنُهُمْ كلبهم» وَلَيْسَ كَذَلِكَ: سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ، وَرَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ؛ لِأَنّهُ فى موضع النعت لما
_________________
(١) - الجواب لنكتة بديعة، وهى أن تفتيح أبواب النار كان حال موافاة أهلها، ففتحت فى وجوههم؛ لأنه أبلغ فى مفاجأة المكروه، وأما الجنة فلما كانت ذات الكرامة، وهى مائدة الله، وكان الكريم إذا دعا أضيافه إلى داره، شرع لهم أبوابها، ثم استدعاهم إليها مفتحة الأبواب، أتى بالواو العاطفة هكذا، الد الة على أنهم جاؤها بعد ما فتحت أبوابها، وحذف الجواب تفخيما لشأنه، وتعظيما لقدره كعادتهم فى حذف الأجوبة» ويقول عن دعوى واو الثمانية فى مسألة أبواب الجنة فى مكان آخر: «إن هذا لو صح، فإنما يكون إذا كانت الثمانية منسوقة فى اللفظ واحدا بعد واحد، فينتهون إلى السبعة، ثم يستأنفون العدد من الثمانية بالواو، وهنا لا ذكر للفظ الثمانية فى الاية ولا عدها» انظر ص ٥٢ وما بعدها ج ٣ بدائع الفرائد وص ١٧٤ ج ٢ من نفس الكتاب وفيه قال: «على أن فى كون الواو تجىء للثمانية كلاما آخر قد ذكرناه فى الفتح المكى، وبينا المواضع التى ادعى فيها أن الواو للثمانية، وأين يمكن دعوى ذلك، وأين يستحيل» .
[ ٣ / ١٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَبْلَهُ، فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: (رَجْمًا بِالْغَيْبِ) وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْقِصّةِ «١» .
آيَةُ الِاسْتِثْنَاءِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ) وَفَسّرَهُ، فَقَالَ: أَيْ اسْتَثْنِ شِيئَةَ اللهِ. الشّيئَةُ: مَصْدَرُ شَاءَ يَشَاءُ، كَمَا أَنّ الْخِيفَةَ مَصْدَرُ خَافَ يَخَافُ، وَلَكِنّ هَذَا التّفْسِيرَ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحَ الْمَعْنَى، فَلَفْظُ الْآيَةِ مشكل جدّا؛ لأن قوله: (لا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا) الْكَهْفِ: ٢٣ نَهَى عَنْ أَنْ يَقُولَ هَذَا الْكَلَامَ، وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْ أَنْ يَصِلَهُ بِإِلّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ، فَيَكُونُ الْعَبْدُ الْمَنْهِيّ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ مَنْهِيّا أَيْضًا عَنْ أَنْ يَصِلَهُ بِقَوْلِهِ إِلّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ. هَذَا مُحَالٌ: فَقَوْلُهُ إذًا:
إِلّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ اللهِ، رَاجِعٌ إلَى أَوّلِ الْكَلَامِ، وَهَذَا أَيْضًا إذَا تَأَمّلْته نَقْضٌ لِعَزِيمَةِ النّهْيِ، وَإِبْطَالٌ لِحُكْمِهِ، فَإِنّ السّيّدَ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: لَا تَقُمْ إلّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ أَنْ تَقُومَ، فَقَدْ حَلّ عُقْدَةَ النّهْيِ؛ لِأَنّ مَشِيئَةَ اللهِ لِلْفِعْلِ لَا تُعْلَمُ إلّا بِالْفِعْلِ، فَلِلْعَبْدِ إذًا أَنْ يَقُومَ، وَيَقُولَ: قَدْ شَاءَ اللهُ أَنْ نَقُومَ، فَلَا يَكُونُ لِلنّهْيِ مَعْنًى عَلَى هَذَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ رَدّ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى النّهْيِ، وَلَا هو من
_________________
(١) يقول الإمام ابن القيم عن كلام السهيلى هذا «واستنباطه حسن، غير أنه إنما يفيد «يعنى أن الواو تقتضى تقرير الجملة الأولى» اذا كان المعطوف بالواو ليس داخلا فى جملة قولهم: بل يكون قد حكى سبحانه أنهم قالوا: سبعة، ثم أخبر تعالى أن ثامنهم الكلب، فحينئذ يكون ذلك تقريرا لما قالوه، وإخبارا بكون الكلب ثامنا، وأما إذا كان الإخبار عن الكلب من جملة قولهم، وأنهم قالوا هذا، وهذا، لم يظهر ما قاله، ولا تقتضى الواو فى ذلك تقريرا ولا تصديقا فتأمله «ص ١٧٦ ج ٢ بدائع الفوائد وانظر أيضا ج ٣ ص ٥٤.
[ ٣ / ١٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْكَلَامِ الّذِي نَهَى الْعَبْدَ عَنْهُ، فَقَدْ تَبَيّنَ إشْكَالُهُ، وَالْجَوَابُ: أَنّ فِي الْكَلَامِ حَذْفًا وَإِضْمَارًا تَقْدِيرُهُ: وَلَا تَقُولَن: إنّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلّا ذَاكِرًا إلّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ، أَوْ نَاطِقًا بِأَنْ يَشَاءَ اللهُ، وَمَعْنَاهُ: إلّا ذَاكِرًا شِيئَةَ اللهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ؛ لِأَنّ الشّيئَةَ مَصْدَرٌ، وَأَنْ مَعَ الْفِعْلِ، فِي تَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ، وَإِعْرَابُ ذَلِكَ الْمَصْدَرِ مَفْعُولٌ بِالْقَوْلِ الْمُضْمَرِ، وَالْعَرَبُ تَحْذِفُ الْقَوْلَ، وَتَكْتَفِي بِالْمَقُولِ فَفِي التّنْزِيلِ: (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ) آلِ عِمْرَانَ: ١٠٦ أَيْ:
يُقَالُ لَهُمْ: أَكَفَرْتُمْ، فَحُذِفَ الْقَوْلُ، وَبَقِيَ الْكَلَامُ الْمَقُولُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ الرّعْدِ: ٢٤ أَيْ يَقُولُونَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، وَهُوَ كَثِيرٌ، وَكَذَلِكَ إذًا قَوْلُهُ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هِيَ مِنْ كَلَامِ النّاهِي لَهُ سُبْحَانَهُ، ثُمّ أَضْمَرَ الْقَوْلَ، وَهُوَ الذّكْرُ الّذِي قَدّمْنَاهُ، وَبَقِيَ الْمَقُولُ، وَهُوَ:
أَنْ يَشَاءَ اللهُ، وَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِي فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْآيَةِ مِنْ الْبَسْطِ وَالتّفْتِيشِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا.
ولبثوا فى كهفهم:
فصل: وقد فسر قوله تعالى: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ فَقَالَ: مَعْنَاهُ أَيْ:
سَيَقُولُونَ ذَلِكَ، وَهُوَ أَحَدُ التّأْوِيلَاتِ فِيهَا. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَرَأَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ:
وَقَالُوا: لَبِثُوا، بِزِيَادَةِ قَالُوا. ثُمّ قَالَ ابن إسحق: قُلْ: رَبّي أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ الْمُؤَلّفِ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنّمَا التّلَاوَةُ: قُلِ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا «١»
_________________
(١) فى النسخة التى معى: هى كما فى المصحف. وتأويل ابن هشام قوله تعالى: «وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ» تأويل رائع، إذ يجعل هذا القول من قول أهل الكتاب، وبهذا يستقيم ضمنا للاية. ويتفق هذا مع ما بعده، وهو قوله سبحانه: (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا) -
[ ٣ / ١٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَدْ قِيلَ: إنّهُ إخْبَارٌ مِنْ اللهِ تَعَالَى عَنْ مِقْدَارِ لُبْثِهِمْ، وَلَكِنْ لَمّا عَلِمَ اسْتِبْعَادَ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْكُفّارِ لِهَذَا الْمِقْدَارِ، وَعَلِمَ أَنّ فِيهِ تَنَازُعًا بَيْنَ النّاسِ، فَمِنْ ثَمّ قَالَ: قُلِ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا وَقَوْلِهِ: ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ، وَازْدَادُوا تِسْعًا أَيْ: إنّهَا ثَلَاثُمِائَةٍ بِحِسَابِ الْعَجَمِ، وَإِنْ حُسِبَتْ الْأَهِلّةُ، فَقَدْ زَادَ الْعَدَدُ تِسْعًا، لِأَنّ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ بِحِسَابِ الشّمْسِ تَزِيدُ تِسْعَ سِنِينَ بِحِسَابِ الْقَمَرِ «١» فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قَالَ ثَلَاثِمِائَةٍ سِنِينَ، وَلَمْ يَقُلْ: سَنَةً، وَهُوَ قِيَاسُ الْعَدَدِ فِي الْعَرَبِيّةِ «٢»، لِأَنّ الْمِائَةَ تُضَافُ إلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ، فَالْجَوَابُ أَنّ سِنِينَ فِي الْآيَةِ بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ، لَيْسَ عَلَى حَدّ الْإِضَافَةِ وَلَا التّمْيِيزِ، وَلِحِكْمَةِ عَظِيمَةٍ عُدِلَ بِاللّفْظِ عَنْ الْإِضَافَةِ إلَى الْبَدَلِ، وَذَلِكَ أَنّهُ لَوْ قَالَ: ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ، لَكَانَ الْكَلَامُ كَأَنّهُ جَوَابٌ لِطَائِفَةِ وَاحِدَةٍ مِنْ النّاسِ، وَالنّاسُ فِيهِمْ طَائِفَتَانِ: طَائِفَةٌ عَرَفُوا طُولَ لُبْثِهِمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا كَمّيّةَ السّنِينَ، فَعَرّفَهُمْ أَنّهَا ثَلَاثُمِائَةٍ، وَطَائِفَةٌ لَمْ يَعْرِفُوا طُولَ لُبْثِهِمْ، وَلَا شَيْئًا مِنْ خَبَرِهِمْ، فَلَمّا قَالَ: ثَلَاثَمِائَةِ مُعَرّفًا لِلْأَوّلِينَ بِالْكَمّيّةِ الّتِي شَكّوا فِيهَا، مُبَيّنًا لِلْآخَرِينَ أَنّ هَذِهِ الثّلَاثَمِائَةِ سُنُونَ، وَلَيْسَتْ أَيّامًا وَلَا شهورا، فانتظم البيان للطائفتين
_________________
(١) - اذ لو كان: «ولبثوا» من كلام الله نفسه ما كان لقوله: قل الله أعلم معنى. وقراءة ابن مسعود قراءة شاذة ورواية قتادة لها منقطعة.
(٢) بل تزيد عن هذا. وهذا تأويل لا يليق بكتاب الله، ولا بكلام الله إنما يضطرون إليه، لأنهم يرون أن قوله تعالى: «وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ» هو من قول الله نفسه، وليس قولا يقصه الله عن غيره، وليس فى الاية ما يشير مطلقا إلى هذا التأويل،
(٣) وقد أعرب سنين بدلا؛ لأن تمييز العدد مائة وما بعدها يكون مفردا مجرورا بالإضافة كقوله تعالى. فأماته الله مائة عام ثم بعثه، وكقوله: «كألف سنه مما تعدون» .
[ ٣ / ١٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مِنْ ذِكْرِ الْعَدَدِ، وَجَمْعِ الْمَعْدُودِ، وَتَبَيّنَ أَنّهُ بَدَلٌ؛ إذْ الْبَدَلُ يُرَادُ بِهِ: تَبْيِينُ مَا قَبْلَهُ؛ أَلَا تَرَى أَنّ الْيَهُودَ قَدْ كَانُوا عَرَفُوا أَنّ لِأَصْحَابِ الْكَهْفِ نَبَأً عَجِيبًا، وَلَمْ يَكُنْ الْعَجَبُ إلّا مِنْ طُولِ لُبْثِهِمْ غَيْرَ أَنّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنّهَا ثَلَاثُمِائَةٍ أَوْ أَقَلّ، فَأَخْبَرَ أَنّ تِلْكَ السّنِينَ ثَلَاثُمِائَةٍ، ثُمّ لَوْ وَقَفَ الْكَلَامُ هَهُنَا لَقَالَتْ الْعَرَبُ، وَمَنْ لَمْ يَسْمَعْ بِخَبَرِهِمْ: مَا هَذِهِ الثّلَاثُمِائَةِ؟ فَقَالَ كَالْمُبَيّنِ لَهُمْ: سِنِينَ، وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَى هَذَا التّفْسِيرِ عَنْ الضّحّاكِ، ذَكَرَهُ النّحّاسُ. السّنَةُ وَالْعَامُ: فَصْلٌ: وَقَالَ: سِنِينَ، وَلَمْ يَقُلْ أَعْوَامًا، وَالسّنَةُ وَالْعَامُ، وَإِنْ اتّسَعَتْ الْعَرَبُ فِيهِمَا، وَاسْتَعْمَلَتْ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَكَانَ الْآخَرِ اتّسَاعًا، وَلَكِنْ بَيْنَهُمَا فِي حُكْمِ الْبَلَاغَةِ وَالْعِلْمِ بِتَنْزِيلِ الْكَلَامِ فَرْقًا، فَخُذْهُ أَوّلًا مِنْ الِاشْتِقَاقِ، فَإِنّ السّنَةَ مِنْ سَنَا يَسْنُو إذَا دَارَ حَوْلَ الْبِئْرِ، وَالدّابّةُ: هِيَ السّانِيَةُ، فَكَذَلِكَ السّنَةُ دَوْرَةٌ من دورات الشمس، وقد تُسَمّى السّنَةُ: دَارًا، فَفِي الْخَبَرِ: إنّ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ أَلْفَ دَارٍ، أَيْ: أَلْفَ سَنَةٍ، هَذَا أَصْلُ الِاسْمِ، وَمِنْ ثَمّ قَالُوا: أَكَلَتْهُمْ السّنَةُ، فَسَمّوْا شِدّةَ الْقَحْطِ سَنَةً، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ الْأَعْرَافِ: ١٣ وَمِنْ ثَمّ قِيلَ: أَسْنَتَ الْقَوْمُ إذَا أَقْحَطُوا، وَكَأَنّ وَزْنَهُ أَفْعَتُوا، لَا أَفْعَلُوا، كَذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ، وَجَعَلَ سِيبَوَيْهِ التّاءَ بَدَلًا مِنْ الْوَاوِ، فَهِيَ عِنْدَهُ: أَفْعَلُوا، لِأَنّ الْجُدُوبَةَ وَالْخِصْبَ مُعْتَبَرٌ بِالشّتَاءِ وَالصّيْفِ، وَحِسَابُ الْعَجَمِ إنّمَا هُوَ بِالسّنِينَ الشّمْسِيّةِ بِهَا يُؤَرّخُونَ، وَأَصْحَابُ الْكَهْفِ مِنْ أُمّةٍ عَجَمِيّةٍ، وَالنّصَارَى يَعْرِفُونَ حَدِيثَهُمْ، وَيُؤَرّخُونَ بِهِ، فَجَاءَ اللّفْظُ فِي الْقُرْآنِ بِذِكْرِ السّنِينَ الْمُوَافِقَةِ لِحِسَابِهِمْ، وَتَمّمَ الْفَائِدَةَ بِقَوْلِهِ: وَازْدَادُوا تِسْعًا لِيُوَافِقَ حِسَابَ العرب، فإن
[ ٣ / ١٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حِسَابَهُمْ بِالشّهُورِ الْقَمَرِيّةِ كَالْمُحَرّمِ وَصَفَرٍ وَنَحْوِهِمَا «١» وَانْظُرْ بَعْدَ هَذَا إلَى قَوْلِهِ:
تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا يُوسُفَ: ٤٧ الْآيَةِ، وَلَمْ يَقُلْ أَعْوَامًا، نَفْيُهُ شَاهِدٌ لِمَا تَقَدّمَ، غَيْرَ أَنّهُ قَالَ: (ثُمّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ)، وَلَمْ يَقُلْ: سَنَةٌ عُدُولًا عَنْ اللّفْظِ الْمُشْتَرَكِ، فَإِنّ السّنَةَ قَدْ يُعَبّرُ بِهَا عَنْ الشّدّةِ وَالْأَزْمَةِ «٢» كَمَا تَقَدّمَ، فَلَوْ قَالَ: سَنَةً لَذَهَبَ الْوَهْمُ إلَيْهَا؛ لِأَنّ الْعَامَ أَقَلّ أَيّامًا مِنْ السّنَةِ، وَإِنّمَا دَلّتْ الرّؤْيَا عَلَى سَبْعِ سِنِينَ شِدَادٍ، وَإِذَا انْقَضَى الْعَدَدُ، فَلَيْسَ بَعْدَ الشّدّةِ إلّا رَخَاءٌ، وَلَيْسَ فِي الرّؤْيَا مَا يَدُلّ عَلَى مُدّةِ ذَلِكَ الرّخَاءِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَقَلّ مِنْ عَامٍ، وَالزّيَادَةُ عَلَى الْعَامِ مَشْكُوكٌ فِيهَا، لَا تَقْتَضِيهَا الرّؤْيَا، فَحَكَمَ بِالْأَقَلّ، وَتَرَكَ مَا يَقَعُ فِيهِ الشّكّ مِنْ الزّيَادَةِ عَلَى الْعَامِ، فَهَاتَانِ فَائِدَتَانِ فِي اللّفْظِ بِالْعَامِ فِي هَذَا الموطن، وأما قوله:
(وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) فَإِنّمَا ذَكَرَ السّنِينَ، وَهِيَ أَطْوَلُ مِنْ الْأَعْوَامِ، لِأَنّهُ مُخْبِرٌ عَنْ اكْتِهَالِ الْإِنْسَانِ، وَتَمَامِ قُوّتِهِ وَاسْتِوَائِهِ، فَلَفْظُ السّنِينَ أَوْلَى بِهَذَا الْمَوْطِنِ؛ لِأَنّهَا أَكْمَلُ مِنْ الْأَعْوَامِ، وَفَائِدَةٌ أُخْرَى: أَنّهُ خَبَرٌ عَنْ السّنّ، وَالسّنّ مُعْتَبَرٌ بِالسّنِينَ، لِأَنّ أَصْلَ السّنّ فِي الْحَيَوَانِ لَا يُعْتَبَرُ إلّا بِالسّنَةِ الشّمْسِيّةِ، لِأَنّ النّتَاجَ، وَالْحَمْلَ يَكُونُ بِالرّبِيعِ وَالصّيْفِ، حَتّى قِيلَ رِبْعِيّ لِلْبَكِيرِ وَصَيْفِيّ «٣» لِلْمُؤَخّرِ، قَالَ الراجز:
_________________
(١) رأى يحتاج إلى دليل أقوى مما ذكر.
(٢) فى الراغب: أكثر ما تستعمل السنة فى الحول الذى فيه الحرب.
(٣) فى القاموس: «وجمع الربيع: ربع بضمتين، وكصرد: الفصيل ينتج فى الربيع، وهو أول النتاج.. فإذا نتج فى آخر النتاج فهبع، وهى هبعة»
[ ٣ / ١٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إنّ بَنِيّ صِبْيَةٌ صَيْفِيّونْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ لَهُ رِبْعِيّونْ «١»
فَاسْتَعْمَلَهُ فِي الْآدَمِيّينَ، فَلَمّا قِيلَ فِي الْفَصِيلِ وَنَحْوِهِ: ابْنُ سَنَةٍ وَابْنُ سَنَتَيْنِ، قِيلَ ذَلِكَ فِي الْآدَمِيّينَ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ فى الماشية لما قدمنا، وأما قوله: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ فلأنه قال سبحانه: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، قُلْ: هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ الْبَقَرَةِ: ١٨٩ فَالرّضَاعُ مِنْ الْأَحْكَامِ الشّرْعِيّةِ، وَقَدْ قَصَرْنَا فِيهَا عَلَى الْحِسَابِ بِالْأَهِلّةِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا وَلَمْ يَقُلْ:
سَنَةً؛ لِأَنّهُ يَعْنِي شَهْرَ الْمُحَرّمِ وَرَبِيعَ إلَى آخِرِ الْعَامِ، وَلَمْ يَكُونُوا يَحْسِبُونَ بِأَيْلُول وَلَا بِتِشْرِين وَلَا بينير «٢»، وَهِيَ الشّهُورُ الشّمْسِيّةُ وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ إخْبَارٌ مِنْهُ لِمُحَمّدِﷺ- وَأُمّتِهِ وَحِسَابُهُمْ بِالْأَعْوَامِ وَالْأَهِلّةِ كَمَا وَقّتَ لَهُمْ سُبْحَانَهُ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ فِي قِصّةِ نُوحٍ: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا الْعَنْكَبُوتِ: ١٤٠ قِيلَ: إنّمَا ذَكَرَ أَوّلًا السّنِينَ؛ لِأَنّهُ كَانَ فى شدائد
_________________
(١) البيت لسعد بن مالك بن ضبيعة، وقيل: هى لأكثم بن صيفى «اللسان مادة ربع، وصيف» ونسبه أبو زيد الأنصارى فى نوادره إلى أكثم بن صيفى. وقال: «يقال: أصاف الرجل فهو مصيف إذا ترك النساء شابا لم يتزوج، ثم تزوج بعد ما أسن، ويقال لولده: صيفيون» ثم استشهد بهذا البيت ثم قال: «الربعيون الذين ولدوا وآباؤهم شباب فهم رجال» ص ٨٧ طبع لبنان. وفى إصلاح المنطق ص ٤٧٠: «يقال للرجل إذا ولد له فى فتاء السن: قد أربع، وهو مربع وولده: ربعيون، وإذا تأخر ولده إلى آخر عمره قيل: أصاف فلان، وهو مصيف، وولده: صيفيون»
(٢) ثم استشهد بهذا البيت «٢» يعنى يناير.
[ ٣ / ١٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مُدّتِهِ كُلّهَا إلّا خَمْسِينَ عَامًا مُنْذُ جَاءَهُ الْفَرَجُ، وَأَتَاهُ الْغَوْثُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللهُ- سُبْحَانَهُ- عَلِمَ أَنّ عُمْرَهُ كَانَ أَلْفًا، إلّا أَنّ الْخَمْسِينَ مِنْهَا، كَانَتْ أَعْوَامًا، فَيَكُونُ عُمُرُهُ أَلْفَ سَنَةٍ، تَنْقُصُ مِنْهَا مَا بَيْنَ السّنِينَ الشّمْسِيّةِ وَالْقَمَرِيّةِ فِي الْخَمْسِينَ خَاصّةً؛ لِأَنّ خَمْسِينَ عاما بحساب الأهلة أفل مِنْ خَمْسِينَ سَنَةٍ شَمْسِيّةٍ بِنَحْوِ عَامٍ وَنِصْفٍ، فَإِنْ كَانَ اللهُ سُبْحَانَهُ قَدْ عَلِمَ هَذَا مِنْ عُمُرِهِ، فَاللّفْظُ مُوَافِقٌ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَإِلّا فَفِي الْقَوْلِ الْأَوّلِ مَقْنَعٌ، وَاَللهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ، فَتَأَمّلْ هَذَا، فَإِنّ الْعِلْمَ بِتَنْزِيلِ الْكَلَامِ، وَوَضْعَ الْأَلْفَاظِ فِي مَوَاضِعِهَا اللّائِقَةِ بِهَا يَفْتَحُ لَك بَابًا مِنْ الْعِلْمِ بِإِعْجَازِ الْقُرْآنِ، وَابْنِ هَذَا الْأَصْلَ تَعْرِفُ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ الْمَعَارِجِ: ٤. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: [وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ] كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ الْحِجْرِ: ٤٧ وَأَنّهُ كَلَامٌ وَرَدَ فِي مَعْرِضِ التّكْثِيرِ وَالتّفْخِيمِ، لَطُولُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَالسّنَةِ أَطْوَلُ مِنْ الْعَامِ، كَمَا تَقَدّمَ، فَلَفْظُهَا أَلْيَقُ بِهَذَا الْمَقَامِ. ذِكْرُ قِصّةِ الرّجُلِ الطّوّافِ ذِي الْقَرْنَيْنِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ قِصّةَ الرّجُلِ الطّوّافِ، وَالْحَدِيثَ الّذِي جَاءَ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ- أَنّهُ كَانَ مَلِكًا مَسَحَ الْأَرْضَ بِالْأَسْبَابِ، وَلَمْ يَشْرَحْ مَعْنَى الْأَسْبَابِ. وَلِأَهْلِ التّفْسِيرِ فِيهِ أَقْوَالٌ مُتَقَارِبَةٌ، قَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا الْكَهْفِ: ٨٤: أَيْ: عِلْمًا يَتْبَعُهُ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَتْبَعَ سَبَبًا الْكَهْفِ: ٨٥ أَيْ: طَرِيقًا مُوَصّلَةً، وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ السّبَبُ: حَبْلٌ مِنْ نُورٍ، كَانَ مَلَكٌ يَمْشِي بِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَتْبَعُهُ، وَقَدْ قِيلَ فِي اسْمِ ذَلِكَ الْمَلِكِ: زياقيل، وَهَذَا يَقْرُبُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: سَبَبًا أَيْ: طَرِيقًا، وَيَقْرُبُ
[ ٣ / ١٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن يكون تفسيرا لقول النبى ﷺ: مَسَحَ الْأَرْضَ بِالْأَسْبَابِ «١»، وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهِ بِذِي الْقَرْنَيْنِ، كَمَا اُخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ، وَاسْمِ أَبِيهِ، فَأَصَحّ مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الطّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ قَالَ: سَأَلَ ابْنُ الْكَوّاءِ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: أَرَأَيْت ذَا الْقَرْنَيْنِ، أَنَبِيّا كَانَ أَمْ ملكا؟ فقال: لَا نَبِيّا كَانَ، وَلَا مَلِكًا، وَلَكِنْ كَانَ عَبْدًا صَالِحًا دَعَا قَوْمَهُ إلَى عِبَادَةِ اللهِ، فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنَيْ رَأْسِهِ ضَرْبَتَيْنِ، وَفِيكُمْ مِثْلُهُ. يَعْنِي: نَفْسَهُ، وَقِيلَ: كَانَتْ لَهُ ضَفِيرَتَانِ مِنْ شَعَرٍ، وَالْعَرَبُ تُسَمّي الْخُصْلَةَ مِنْ الشّعَرِ: قَرْنًا، وَقِيلَ: إنّهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ رُؤْيَا طَوِيلَةً أَنّهُ أَخَذَ بِقَرْنَيْ الشّمْسِ، فَكَانَ التّأْوِيلُ أَنّهُ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ، وَذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ عَلِيّ بْنُ أبى طالب لقيروانى الْعَابِدُ فِي كِتَابِ الْبُسْتَانِ لَهُ، قَالَ:
وَبِهَذَا سُمّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ، وَأَمّا اسْمُهُ، فَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي هَذَا الْكِتَابِ: اسْمُهُ مَرْزَبَى «٢» بْنُ مَرْذَبَةَ بِذَالٍ مَفْتُوحَةٍ فِي اسْمِ أَبِيهِ، وَزَايٍ فى اسمه، وقيل فيه:
_________________
(١) قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدى وقنادة والضحاك وغيرهم عن السبب: العلم. وقال قتادة أيضا: منازل الأرض وأعلامها. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: تعليم الألسنة. أما كعب الأحبار، فيروى عنه ابن لهيعة أنه قال: كان يربط خيله بالثريا. وقد أنكر معاوية على كعب قوله هذا وكان يقول عن كعب: وإن كنا لتبلو عليه الكذب. وما أحسن ما يقول ابن كثير: «قال الله فى حق بلقيس «وأوتيت من كل شىء» أى: مما يؤتى مثلها من الملوك، وهكذا ذو القرنين يسر الله له الأسباب، أى: الطرق والوسائل إلى فتح الأقاليم والرساتيق والبلاد والأراضى وكسر الأعداء، وكبت ملوك الأرض. وإذلال أهل الشرك قد أوتى من كل شىء مما يحتاج اليه مثله سببا، والله أعلم. خلاصة هذا أن الله من عليه. فعلمه أسباب ما سخره له، ومسألة الملاك يهودية صارخة.
(٢) فى السيرة: مرزبان.
[ ٣ / ١٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هَرْمَسَ «١»، وَقِيلَ: هرديس. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ «٢» اسْمُهُ الصّعْبُ بْنُ ذِي مَرَاثِدَ، وَهُوَ أَوّلُ التّبَابِعَةِ، وَهُوَ الّذِي حَكَمَ لِإِبْرَاهِيمَ ﵇ فِي بِئْرِ السّبْعِ حِينَ حَاكَمَ إلَيْهِ فِيهَا، وَقِيلَ: إنّهُ أفريدون بْنُ أَثَفَيَانِ الّذِي قَتَلَ الضّحّاكَ «٣»، وَيُرْوَى فِي خُطْبَةِ قَيْسِ بْنِ سَاعِدَةَ الّتِي خَطَبَهَا بِسُوقِ عُكَاظٍ، أنه قال فيها: يا معشر إياد! أَيْنَ الصّعْبُ ذُو الْقَرْنَيْنِ، مَلِكُ الْخَافِقَيْنِ، وَأَذَلّ الثّقَلَيْنِ، وَعَمّرَ أَلْفَيْنِ، ثُمّ كَانَ ذَلِكَ كَلَحْظَةِ عَيْنٍ، وَأَنْشَدَ ابْنُ هِشَامٍ لِلْأَعْشَى:
وَالصّعْبُ ذُو الْقَرْنَيْنِ أَصْبَحَ ثَاوِيًا بِالْحِنْوِ فِي جَدَثٍ أُمَيْمٍ مقيم «٤»
_________________
(١) هو رأى ابن ماكولا والدارقطنى.
(٢) ذكره فى كتاب «التيجان» فى ملوك حمير وروايته عن وهب بن منبه
(٣) تقرأ أخبار الضحاك وأفريدون فى الطبرى ص ١٩٤ ح ١ المعارف
(٤) هو فى اللسان والمحبر: للبيد. ورواه ابن كثير فى البداية نقلا عن السهيلى فى الروض الأنف «أشم مقيما» بدلا من «أميم مقيم» كما فى نسخة الروض التى بين أيدينا انظر ص ١٠٥ ج ٢ البداية. وفى فتح البارى: والذى يقوى أن ذا القرنين من العرب أنهم ذكروه كثيرا فى أشعارهم. قال أعشى بن ثعلبة. والصعب ذو القرنين أمسى ثاويا بالحنوفى جدث هناك مقيم والحنو بكسر المهملة وسكون النون فى ناحية المشرق، وقال الربيع بن ضبيع: والصعب ذو القرنين عمر ملكه ألفين أمسى بعد ذاك رميما وقال قيس بن ساعدة. والصعب ذو القرنين أصبح ثاويا باللحد بين ملاعب الأرياح وقال النعمان بن بشير الأنصارى الصحابى ابن الصحابى: ومن ذا يعادينا من الناس معشر كرام، وذو القرنين منا وحاتم ووقع ذكر ذى القرنين فى شعر امرىء القيس وأوس بن حجر وطرفة وغيرهم ص ٢٦١ ج ٦ فتح البارى للحافظ بن حجر ط ١٣٣٨
[ ٣ / ١٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ بِالْحِنْوِ يُرِيدُ: حِنْوَ قَرَاقِرَ الّذِي مَاتَ فِيهِ ذُو الْقَرْنَيْنِ بِالْعِرَاقِ، وَقَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ فى السيرة: إنه من أهل مصر، وإنه الْإِسْكَنْدَرُ الّذِي بَنَى الإسكندرية، فَعُرِفَتْ بِهِ: قَوْلٌ بَعِيدٌ مِمّا تَقَدّمَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْإِسْكَنْدَرُ سُمّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ أَيْضًا تَشْبِيهًا لَهُ بِالْأَوّلِ، لِأَنّهُ مَلَكَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فِيمَا ذكروا أيضا، وأذلّ ملوك فارس، وقتل دار ابن دَارَا، وَأَذَلّ مُلُوكَ الرّومِ وَغَيْرَهُمْ، وَقَالَ الطّبَرِيّ فِي الْإِسْكَنْدَرِ: وَهُوَ اسكندروس بْنُ قليقوس، وَيُقَالُ فِيهِ: ابْنُ قَلِيسٍ، وَكَانَتْ أُمّهُ زِنْجِيّةً، وَكَانَتْ أهديت لدارا الأكبر أَوْ سَبَاهَا، فَوَجَدَ مِنْهَا نَكْهَةً اسْتَثْقَلَهَا، فَعُولِجَتْ بِبَقْلَةِ، يُقَالُ لَهَا: أندروس، فَحَمَلَتْ مِنْهُ بِدَارَا الْأَصْغَرِ، فَلَمّا وَضَعَتْهُ رَدّهَا، فَتَزَوّجَهَا وَالِدُ الْإِسْكَنْدَرِ، فَحَمَلَتْ مِنْهُ بالإسكندروس، فَاسْمُهُ عِنْدَهُمْ مُشْتَقّ مِنْ تِلْكَ الْبَقْلَةِ الّتِي طَهُرَتْ أُمّهُ بِهَا فِيمَا ذَكَرُوا، وَذَكَرَ عَنْ الزّبَيْرِ:
أَنّهُ قَالَ: ذُو الْقَرْنَيْنِ هُوَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ الضّحّاكِ بْنِ مَعَدّ [وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي] الْمُحَبّرِ فِي ذِكْرِ مُلُوكِ الْحِيرَةِ، قَالَ: الصّعْبُ بْنُ قَرِينِ [بْنِ الْهُمّالِ] «٢»: هُوَ ذُو الْقَرْنَيْنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا مُلُوكًا فِي أَوْقَاتٍ شَتّى، يُسَمّى كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: ذَا الْقَرْنَيْنِ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَالْأَوّلُ كَانَ عَلَى عَهْدِ إبْرَاهِيمَ ﵇، وَهُوَ صَاحِبُ الْخَضِرِ حِينَ طَلَبَ عَيْنَ الْحَيَاةِ فَوَجَدَهَا الْخَضِرُ، وَلَمْ يَجِدْهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ، حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا الظّلُمَاتُ الّتِي وَقَعَ فِيهَا هُوَ وَأَجْنَادُهُ فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ مَذْكُورٍ فِي بَعْضِ التّفَاسِيرِ مشهور عند الأخباريين «١» .
_________________
(١) وهى أخبار ترضى عشاق الأساطير. وأسارى العبودية الوثنية للمجهول، وقد اخترع المفترون عين الحياة؛ لكى بنسبوا إلى الخضر الخلود والبقاء حتى الان. وهى فرية لا يصدقها مسلم؛ لأنها أسطورة.
(٢) الزيادة من المحبر.
[ ٣ / ١٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حُكْمُ التّسَمّي بِأَسْمَاءِ النّبِيّينَ وَأَمّا قَوْلُ عُمَرَ لِرَجُلِ سَمِعَهُ يَقُولُ: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ: لَمْ يَكْفِكُمْ أَنْ تَتَسَمّوْا بِالْأَنْبِيَاءِ حَتّى تَسَمّيْتُمْ بِالْمَلَائِكَةِ، إنْ كَانَ عُمَرُ قَالَهُ بِتَوْقِيفِ مِنْ الرّسُولِ ﵇، فَهُوَ مَلَكٌ، لَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِﷺ- إلّا الْحَقّ، وَإِنْ كَانَ قَالَهُ بِتَأْوِيلِ تَأَوّلَهُ [فَقَدْ] خَالَفَهُ عَلِيّ فِي الْخَبَرِ الْمُتَقَدّمِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ الْخَبَرَيْنِ أَصَحّ نَقْلًا، غَيْرَ أَنّ الرّوَايَةَ الْمُتَقَدّمَةَ عَنْ عَلِيّ يُقَوّيهَا مَا نَقَلَهُ أَهْلُ الْأَخْبَارِ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ «١» . وَكَانَ مِنْ مَذْهَبِ عُمَرَ ﵀ كَرَاهِيَةُ التّسَمّي بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، فَقَدْ أَنْكَرَ عَلَى الْمُغِيرَةِ تَكْنِيَتُهُ بِأَبِي عِيسَى، وَأَنْكَرَ عَلَى صُهَيْبٍ تَكْنِيَتَهُ بِأَبِي يَحْيَى، فَأَخْبَرَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- كَنّاهُ بِذَلِكَ، فَسَكَتَ، وَكَانَ عُمَرُ إنّمَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ الْإِكْثَارَ، وَأَنْ يَظُنّ أَنّ لِلْمُسْلِمِينَ شَرَفًا فِي الِاسْمِ إذَا سُمّيَ بِاسْمِ نَبِيّ، أَوْ أَنّهُ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، فَكَأَنّهُ اسْتَشْعَرَ مِنْ رَعِيّتِهِ هَذَا الْغَرَضَ أَوْ نَحْوَهُ، هُوَ أَعْلَمُ بِمَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ «٢» . وَإِلّا فَقَدْ سَمّى بِمُحَمّدِ طَائِفَةٌ مِنْ الصّحَابَةِ مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيّ وطلحة وأبو حذيفة وأبو جهم ابن حُذَيْفَةَ، وَخَاطِبٌ وَخَطّابٌ ابْنَا الْحَارِثِ، كُلّ هَؤُلَاءِ الْمُحَمّدِينَ كَانُوا يُكَنّونَ بِأَبِي الْقَاسِمِ إلّا مُحَمّدَ بْنَ خَطّابٍ، وَسَمّى أَبُو مُوسَى ابْنًا لَهُ بِمُوسَى، فَكَانَ يُكَنّى بِهِ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ سَمّى ابْنَهُ بِيَحْيَى، وَعَلِمَ بِهِ النّبِيّ ﵇ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، وَكَانَ لِطَلْحَةِ عَشَرَةٌ مِنْ الْوَلَدِ، كُلّهُمْ يُسَمّى بِاسْمِ نَبِيّ، مِنْهُمْ:
مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ عِيسَى، وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ وَإِبْرَاهِيمُ، ومحمد، وكان للزبير
_________________
(١) نستطيع الجزم بأن الخبر المنسوب إلى عمر خبر غير صحيح، لأنه يخالف هدى القرآن، ويخالف المعروف من سيرة عمر وعلمه وفقهه.
(٢) هذا تعليل طيب من السهيلى.
[ ٣ / ١٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عشرة، كُلّهُمْ يُسَمّى بِاسْمِ شَهِيدٍ، فَقَالَ لَهُ طَلْحَةُ: أَنَا أُسَمّيهِمْ بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنْتَ تُسَمّيهِمْ بِأَسْمَاءِ الشّهَدَاءِ، فَقَالَ لَهُ الزّبَيْرُ: فَإِنّي أَطْمَعُ أَنْ يَكُونَ بَنِيّ شُهَدَاءَ، وَلَا تَطْمَعْ أَنْتَ أَنْ يكون بنوك أنبياء، ذكره بن أَبِي خَيْثَمَةَ، وَسَمّى رَسُولُ اللهِﷺ- ابْنَهُ إبْرَاهِيمَ، وَالْآثَارُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، وَفِي السّنَنِ لِأَبِي دَاوُدَ أَنّ رسول اللهﷺ- قال: سَمّوا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ، لَا عَلَى الْوُجُوبِ، وَأَمّا التّسَمّي بِمُحَمّدِ، فَفِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ- قال: من كَانَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ، وَلَمْ يُسَمّ أَحَدَهُمْ بِمُحَمّدِ، فَقَدْ جَهِلَ، وَفِي الْمُعَيْطِيّ عَنْ مَالِك أَنّهُ سُئِلَ عَمّنْ اسْمُهُ مُحَمّدٌ، وَيُكَنّى أَبَا الْقَاسِمِ، فَلَمْ يربه بَأْسًا، فَقِيلَ لَهُ: أَكَنّيْت ابْنَك أَبَا الْقَاسِمِ، وَاسْمُهُ مُحَمّدٌ؟ فَقَالَ: مَا كَنّيْته بِهَا وَلَكِنّ أَهْلَهُ يُكَنّونَهُ بِهَا، وَلَمْ أَسْمَعْ فِي ذَلِكَ نَهْيًا، وَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّ مَالِكًا لَمْ يَبْلُغْهُ، أَوْ لَمْ يَصِحّ عِنْدَهُ حَدِيثُ النّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ رواه أهل الصحيح «١»
_________________
(١) عن جابر «﵁» قال: ولد لرجل منا غلام فسماه القاسم، فقالوا لا نكنيه حتى نسأل النبىﷺ- فقال: سموا باسمى، ولا تكنوا يكنيتى» رواه الأربعة، ولعل المقصود- والله أعلم- العمل بمقتضاه طول مدة حياتهﷺ- فقط. وسيأتى رأى ابن سيرين. وعن الأسماء ورد حديث رواه ابن عمر ﵂: «إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن» مسلم وأبو داود والترمذى. وعن أبى هريرة عن النبى «ص»: «أخنع الأسماء يوم القيامة عند الله رجل تسمى ملك الأملاك» رواه الأربعة «وزاد مسلم «لا مالك إلا الله تعالى» وعن ابن عمر قال: «إن ابنة لعمر كانت تسمى عاصية، فسماها رسول الله «ص» جميلة» مسلم وأبو داود والترمذى ونستطيع بتدبر هذه الأحاديث تبين الهدى فى الأسماء. وأخنع- أوضع
[ ٣ / ١٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَاَللهُ أَعْلَمُ- وَلَعَلّهُ بَلَغَهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ أَنّهُ ﵇- قَالَ: مَا الّذِي أَحَلّ اسْمِي وَحَرّمَ كُنْيَتِي، وَهَذَا هُوَ النّاسِخُ لِحَدِيثِ النّهْيِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ لِكُلّ أَحَدٍ أَنْ يَتَكَنّى بِأَبِي الْقَاسِمِ، كَانَ اسْمُهُ مُحَمّدًا، أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَطَائِفَةٌ إنّمَا يَكْرَهُونَهُ لِمَنْ اسْمُهُ مُحَمّدٌ، وَفِي الْمُعَيْطِيّ أَيْضًا أَنّهُ سُئِلَ عَنْ التّسْمِيَةِ بِمَهْدِيّ فَكَرِهَهُ، وَقَالَ: وَمَا عِلْمُهُ بِأَنّهُ مَهْدِيّ، وَأَبَاحَ التّسْمِيَةَ بِالْهَادِي، وَقَالَ: لِأَنّ الْهَادِيَ هُوَ الّذِي يَهْدِي إلَى الطّرِيقِ، وقد قدمنا كراهية مالك للتسمّى بِجِبْرِيلَ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ كَرَاهِيَةَ عُمَرَ لِلتّسَمّي بِأَسْمَاءِ الْمَلَائِكَةِ، وَكَرِهَ مَالِكٌ التّسَمّيَ بِيَاسِينَ «١» .
الرّوحُ وَالنّفْسُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ سُؤَالَهُمْ عَنْ الرّوحِ، وَمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ «٢» الْآيَةَ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْبَكّائِيّ أَنّهُ قَالَ فِي هَذَا الْخَبَرِ: فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللهِﷺ:
هُوَ جِبْرِيلُ، وَهَذِهِ الرّوَايَةُ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ تَدُلّ عَلَى خِلَافِ مَا رَوَى غَيْرُهُ أَنّ يهود قالت لقريش: اسئلوه عَنْ الرّوحِ، فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهِ فَلَيْسَ بِنَبِيّ، وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْكُمْ فَهُوَ نَبِيّ، وَقَالَ ابْنُ إسحاق فيما تقدم من الحديث: اسئلوه عن الرجل
_________________
(١) ليس ياسين اسما للرسول «ص» كما يظن بعض المفسرين، إنما هى مثل: حم، وطس وطه ونون فهى مركبة من حرفين: الياء والسين.
(٢) سبق ذكر الأحاديث حول هذا
[ ٣ / ١٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الطّوّافِ، وَعَنْ الْفِتْيَةِ، وَعَنْ الرّوحِ، فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ وَإِلّا فَالرّجُلُ مُتَقَوّلٌ فَسَوّى فِي الْخَبَرِ بَيْنَ الرّوحِ وَغَيْرِهِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التّأْوِيلِ فِي الرّوحِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ جِبْرِيلُ؛ لِأَنّهُ الرّوحُ الْأَمِينُ، وَرُوحُ الْقُدُسِ، وَعَلَى هَذَا رِوَايَةُ ابن إسحاق أن رسول اللهﷺ- قَالَ لِقُرَيْشِ حِينَ سَأَلُوهُ: هُوَ جِبْرِيلُ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الرّوحُ خَلْقٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ عَلَى صُوَرِ بَنِي آدَمَ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الرّوحُ خَلْقٌ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ، وَلَا تَرَاهُمْ، فَهُمْ لِلْمَلَائِكَةِ كَالْمَلَائِكَةِ لِبَنِي آدَمَ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ أَنّهُ قَالَ: الرّوحُ مَلَكٌ لَهُ مِائَةُ أَلْفِ رَأْسٍ، لِكُلّ رَأْسٍ مِائَةُ أَلْفِ وَجْهٍ، فِي كُلّ وَجْهٍ مِائَةُ أَلْفِ فَمٍ، فِي كُلّ فَمٍ مِائَةُ أَلْفِ لِسَانٍ، يُسَبّحُ اللهَ بِلُغَاتِ مُخْتَلِفَةٍ «١»، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الرّوحُ الّذِي سَأَلَتْ عَنْهُ يَهُودُ هُوَ: رُوحُ الْإِنْسَانِ، ثُمّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَمْ يُجِبْهُمْ رَسُولُ اللهِﷺ- عَنْ سُؤَالِهِمْ، لِأَنّهُمْ سَأَلُوهُ تَعَنّتًا وَاسْتِهْزَاءً، فَقَالَ اللهُ لَهُ: قُلْ: الرّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي، وَلَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يُبَيّنَهُ لَهُمْ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ قَدْ أَخْبَرَهُمْ اللهُ بِهِ، وَأَجَابَهُمْ عَمّا سَأَلُوا؛ لِأَنّهُ قَالَ لِنَبِيّهِ: قُلْ الرّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي، وَأَمْرُ الرّبّ هُوَ الشّرْعُ، وَالْكِتَابُ الّذِي جَاءَ بِهِ، فَمَنْ دَخَلَ فِي الشّرْعِ وَتَفَقّهَ فِي الْكِتَابِ وَالسّنّةِ عَرَفَ الرّوحَ، فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ: ادخلوا فى الدين تعرفوا ما سألتم عنه، فَإِنّهُ مِنْ أَمْرِ رَبّي، أَيْ: مِنْ الْأَمْرِ الّذِي جِئْت بِهِ مُبَلّغًا عَنْ رَبّي، وَذَلِكَ أَنّ الرّوحَ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ جِهَةِ الطّبِيعَةِ، وَلَا مِنْ جِهَةِ الْفَلْسَفَةِ، وَلَا من جهة الرأى
_________________
(١) إنما هى مفتريات على منها برىء.
[ ٣ / ١٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْقِيَاسِ، وَإِنّمَا يُعْرَفُ مِنْ جِهَةِ الشّرْعِ، فَإِذَا نَظَرْت إلَى مَا فِي الْكِتَابِ وَالسّنّةِ مِنْ ذِكْرِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ السّجْدَةِ: ٩ أَيْ مِنْ رُوحِ الْحَيَاةِ، وَالْحَيَاةُ مِنْ صِفَاتِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَالنّفْخُ فِي الْحَقِيقَةِ مُضَافٌ إلَى مَلَكٍ يَنْفُخُ فِيهِ بِأَمْرِ رَبّهِ، وَتَنْظُرُ إلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ الرّسُولُ ﵇ أَنّ الْأَرْوَاحَ جُنُودٌ مُجَنّدَةٌ، وَأَنّهَا تَتَعَارَفُ «١» وَتَتَشَامّ فِي الْهَوَاءِ، وَأَنّهَا تُقْبَضُ من الأجساد بعد الموت، وأنها تسئل فِي الْقَبْرِ، فَتَفْهَمُ السّؤَالَ وَتَسْمَعُ وَتَرَى، وَتُنَعّمُ وَتُعَذّبُ وَتَلْتَذّ وَتَأْلَمُ، وَهَذِهِ كُلّهَا مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ، فَتَعْرِفُ أَنّهَا أَجْسَامٌ بِهَذِهِ الدّلَائِلِ، لَكِنّهَا لَيْسَتْ كَالْأَجْسَادِ فِي كَثَافَتِهَا وَثِقَلِهَا وَإِظْلَامِهَا، إذْ الْأَجْسَادُ خُلِقَتْ مِنْ مَاءٍ وَطِينٍ وَحَمَإِ مَسْنُونٍ، فَهُوَ أَصْلُهَا، وَالْأَرْوَاحُ خُلِقَتْ مِمّا قَالَ اللهُ تَعَالَى، وَهُوَ النّفْخُ الْمُتَقَدّمُ الْمُضَافُ إلَى الْمَلَكِ.
وَالْمَلَائِكَةُ خُلِقَتْ مِنْ نُورٍ كَمَا جَاءَ فِي الصّحِيحِ «٢»، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَضَافَ النّفْخَ إلَى نَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ أَضَافَ قَبْضَ الْأَرْوَاحِ إلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها الزّمَرِ: ٤٢ وَأَضَافَ ذَلِكَ إلَى الْمَلَكِ أَيْضًا فَقَالَ: قُلْ:
يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ السّجْدَةِ: ١١ وَالْفِعْلُ مُضَافٌ إلَى الْمَلَكِ مَجَازًا، وَإِلَى الرّبّ حَقِيقَةً، فَهُوَ أَيْضًا جِسْمٌ، وَلَكِنّهُ مِنْ جِنْسِ الرّيحِ، وَلِذَلِكَ سُمّيَ رُوحًا مِنْ لَفْظِ الرّيحِ، وَنَفْخُ الْمَلَكِ فِي مَعْنَى الرّيحِ غَيْرَ أَنّهُ ضُمّ أَوّلُهُ؛ لِأَنّهُ نورانى،
_________________
(١) «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها اختلف. وما تناكر منها اختلف» مسلم والبخارى فى الأدب وغيرهما.
(٢) فى مسلم عن عائشة: «خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم»
[ ٣ / ١٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالرّيحُ هَوَاءٌ مُتَحَرّكٌ، وَإِذَا كَانَ الشّرْعُ قَدْ عَرَفْنَا مِنْ مَعَانِي الرّوحِ وَصِفَاتِهِ بِهَذَا الْقَدْرِ، فَقَدْ عَرَفَ مِنْ جِهَةِ أَمْرِهِ كَمَا قَالَ سبحانه: قُلِ: الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَقَوْلُهُ: مِنْ أَمْرِ رَبّي أَيْضًا، وَلَمْ يَقُلْ مِنْ أَمْرِ اللهِ، وَلَا مِنْ أَمْرِ رَبّكُمْ يَدُلّ عَلَى خُصُوصٍ، وَعَلَى مَا قَدّمْنَاهُ مِنْ أَنّهُ لَا يَعْلَمُهُ إلّا مَنْ أَخَذَ مَعْنَاهُ مِنْ قَوْلِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَقَوْلِ رَسُولِهِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاَللهِ وَرَسُولِهِ وَالْيَقِينِ الصّادِقِ وَالْفِقْهِ فِي الدّينِ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يُخْبِرْ الْيَهُودَ حِينَ سَأَلُوهُ عَنْهُ، فَقَدْ أَحَالَهُمْ عَلَى مَوْضِعِ الْعِلْمِ بِهِ «١» .
الْفَرْقُ بَيْنَ الرّوحِ وَالنّفْسِ:
فَصْلٌ: وَمِمّا يَتّصِلُ بِمَعْنَى الرّوحِ وَحَقِيقَتِهِ أَنْ تَعْرِفَ: هَلْ هِيَ النّفْسُ أَوْ غَيْرُهَا، وَقَدْ كَثُرَتْ فِي ذلك الأقوال، واضطربت المذاهب، فتعلق قوم
_________________
(١) وأحسن ما قيل: إن المقصود بالروح هو القرآن نفسه، وقد كان الكلام قبل هذا فى شأنه، وقد وصف كلام الله بأنه روح فى القرآن: (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) النحل: ٢ (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) غافر: ١٥ (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا) الشورى: ٥٢ وهذا الرأى قريب مما ذكره السهيلى حول أمر الله. وليت السهيلى سكت عند الصحيح المنقول!! فقد بلغت الأقوال فى حقيقة النفس والروح بلغت المائة أو الألف كما نقل الزرقانى فى شرح المواهب عن ابن جماعة: ويقول ابن بطال شارح البخارى ومن شيوخ ابن عبد البر عن الروح الإنسانى: «معرفة حقيقتها مما استأثر الله بعلمه» وقال القرطبى عن الحكمة فى إبهام حقيقة الروح: «إظهار عجز المرء لأنه إذا لم يعلم حقيقة نفسه مع القطع بوجوده كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق «أى الله» من باب أولى»
[ ٣ / ١٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِظَوَاهِرَ مِنْ الْأَحَادِيثِ لَا تُوجِبُ الْقَطْعَ، لِأَنّهَا نَقْلُ آحَادٍ «١»، وَأَيْضًا فَإِنّ أَلْفَاظَهَا مُحْتَمِلَةٌ لِلتّأْوِيلِ، وَمَجَازَاتُ الْعُرْفِ وَاتّسَاعَاتُهَا فِي الْكَلَامِ كَثِيرَةٌ، فَمِمّا تَعَلّقُوا بِهِ فِي أَنّ الرّوحَ هِيَ النّفْسُ قول بلال: «أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك» «٢» مَعَ قَوْلِ النّبِيّ ﵇: إنّ اللهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا، وَقَوْلِهِ﷿- اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ وَالْمَقْبُوضَةُ هِيَ الْأَرْوَاحُ، وَلَمْ يُفَرّقُوا بَيْنَ الْقَبْضِ وَالتّوَفّي، وَلَا بَيْنَ الْأَخْذِ فِي قَوْلِ بِلَالٍ: «أَخَذَ بِنَفْسِي الّذِي أَخَذَ بِنَفْسِك» وَبَيْنَ قَوْلِ النّبِيّ ﵇: «قَبَضَ أَرْوَاحَنَا»، وَتَنْقِيحُ الْأَقْوَالِ وَتَرْجِيحُهَا يَطُولُ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو عُمَرَ فِي التّمْهِيدِ حَدِيثًا يَدُلّ عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِهِ فِي أَنّ النّفْسَ هِيَ الرّوحُ، لَكِنْ عَلّلَهُ فِيهِ أَنّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ، وَجَعَلَ فِيهِ نَفْسًا وَرُوحًا، فَمِنْ الرّوحِ: عَفَافُهُ، وَفَهْمُهُ وَحِلْمُهُ وَسَخَاؤُهُ، وَوَفَاؤُهُ، وَمِنْ النّفْسِ: شَهْوَتُهُ وَطَيْشُهُ وَسَفَهُهُ وَغَضَبُهُ، وَنَحْوُ هَذَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ إذَا تُؤُمّلَ صَحّ نَقْلُهُ أَوْ لَمْ يَصِحّ، وَسَبِيلُك أَنْ تَنْظُرَ فِي كِتَابِ اللهِ أَوّلًا، لَا إلَى الْأَحَادِيثِ الّتِي تُنْقَلُ مَرّةً عَلَى اللّفْظِ، وَمَرّةً عَلَى الْمَعْنَى، وَتَخْتَلِفُ فِيهَا أَلْفَاظُ الْمُحَدّثِينَ «٣»، فَنَقُولُ قَالَ اللهُ تَعَالَى: فَإِذا سَوَّيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي «٤» وَلَمْ يَقُلْ: مِنْ نَفْسِي وَكَذَلِكَ قَالَ: ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ السّجْدَةِ: ٩ وَلَمْ يقل من
_________________
(١) لماذا إذا يأخذ بأضعف الأحاديث؟
(٢) من حديث فى البخارى ومسلم وغيرهما
(٣) هذا مبدأ عظيم، غير أن السهيلى لم يأخذ به فى كثير من الأحيان، فاعتمد على أضعف الأحاديث.
(٤) ذكرت مرة فى سورة الحجر رقم ٢٩ وفى ص رقم ٧٢.
[ ٣ / ١٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَفْسِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ هَذَا، وَلَا خَفَاءَ فِيمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ فِي الْكَلَامِ، وَذَلِكَ يَدُلّ عَلَى أَنّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا فِي الْمَعْنَى، وَبِعَكْسِ هَذَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ وَلَمْ يَقُلْ: تَعْلَمُ مَا فِي رُوحِي، وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي رُوحِك، وَلَا يَحْسُنُ هَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا أَنْ يَقُولَهُ غَيْرُ عِيسَى «١»، وَلَوْ كَانَتْ النّفْسُ وَالرّوحُ اسْمَيْنِ لِمَعْنَى وَاحِدٍ، كَاللّيْثِ وَالْأَسَدِ لَصَحّ وُقُوعُ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَكَانَ صاحبه، وكذلك قوله تعالى: يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَلَا يَحْسُنُ فِي الْكَلَامِ: يَقُولُونَ فِي أَرْوَاحِهِمْ، وقال تعالى: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ وَلَمْ يَقُلْ:
أَنْ تَقُولَ رُوحٌ، وَلَا يَقُولُهُ أَعْرَابِيّ، فَأَيْنَ إذًا كَوْنُ النّفْسِ وَالرّوحِ بِمَعْنَى وَاحِدٍ لَوْلَا الْغَفْلَةُ عَنْ تَدَبّرِ كَلَامِ اللهِ تعالى؟! ولكن بقيت دقيقة يعرف منها السّرّ وَالْحَقِيقَةُ، وَلَا يَكُونُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ اخْتِلَافٌ مُتَبَايِنٌ إنْ شَاءَ اللهُ، فَنَقُولُ وَبِاَللهِ التّوْفِيقُ: الرّوحُ مُشْتَقّ مِنْ الرّيحِ، وَهُوَ جِسْمٌ هَوَائِيّ لَطِيفٌ، بِهِ تَكُونُ حَيَاةُ الْجَسَدِ عَادَةً، أَجْرَاهَا اللهُ تَعَالَى؛ لِأَنّ الْعَقْلَ يُوجِبُ أَلّا يَكُونَ لِلْجِسْمِ حَيَاةٌ، حَتّى يُنْفَخَ فِيهِ ذَلِكَ الرّوحُ الّذِي هُوَ فِي تَجَاوِيفِ الْجَسَدِ، كَمَا قَالَ ابْنُ فُورَكٍ وَأَبُو الْمَعَالِي وَأَبُو بَكْرٍ الْمُرَادِيّ، وَسَبَقَهُمْ إلَى نَحْوٍ مِنْهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيّ، وَمَعْنَى كَلَامِهِمْ وَاحِدٌ أَوْ مُتَقَارِبٌ.
الرّوحُ سَبَبُ الْحَيَاةِ:
فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنّ الرّوحَ سَبَبُ الحياة عادة، أجراها الله تعالى، فهو
_________________
(١) قول النبوة أزكى الأقوال وأهداها. فلم لا يقولها غير عيسى؟!
[ ٣ / ١٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَالْمَاءِ الْجَارِي فِي عُرُوقِ الشّجَرَةِ صُعُدًا، حَتّى تَحْيَا بِهِ عَادَةً، فَنُسَمّيهِ مَاءً بِاعْتِبَارِ أَوّلِيّتِهِ، وَنُسَمّي أَيْضًا هَذَا رُوحًا بِاعْتِبَارِ أَوّلِيّتِهِ، وَاعْتِبَارِ النّفْخَةِ الّتِي هِيَ رِيحٌ، فَمَا دَامَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِ أُمّهِ حَيّا، فَهُوَ ذُو رُوحٍ، فإذا نشأوا كتب ذلك الروح أخلافا وَأَوْصَافًا لَمْ تَكُنْ فِيهِ، وَأَقْبَلَ عَلَى مَصَالِحِ الْجِسْمِ كَلَفًا بِهِ، وَعَشِقَ مَصَالِحَ الْجَسَدِ وَلَذّاتِهِ، وَدَفَعَ الْمَضَارّ عَنْهُ سُمّيَ: نَفْسًا، كَمَا يَكْتَسِبُ الْمَاءُ الصّاعِدُ فِي الشّجَرَةِ مِنْ الشّجَرَةِ أَوْصَافًا لَمْ تَكُنْ فِيهِ، فَالْمَاءُ فِي الْعِنَبَةِ مَثَلًا هُوَ: مَاءٌ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ وَالْبَدْأَةِ، فَفِيهِ مِنْ الْمَاءِ الْمُيُوعَةُ وَالرّطُوبَةُ، وَفِيهِ مِنْ الْعِنَبَةِ الْحَلَاوَةُ، وَأَوْصَافٌ أُخَرَ، فَتُسَمّيهِ مِصْطَارًا «١» إنْ شِئْت، أَوْ خَمْرًا إنْ شِئْت، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا أَوْجَبَهُ الِاكْتِسَابُ لِهَذِهِ الْأَوْصَافِ، فَمَنْ قَالَ: إنّ النّفْسَ هِيَ الرّوحُ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ، فَلَمْ يُحْسِنْ الْعِبَارَةَ، وَإِنّمَا فِيهَا مِنْ الرّوحِ الْأَوْصَافُ الّتِي تَقْتَضِيهَا نَفْخَةُ الْمَلَكِ، وَالْمَلَكُ مَوْصُوفٌ بِكُلّ خُلُقٍ كَرِيمٍ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَمِنْ الرّوحِ عَفَافُهُ وَحِلْمُهُ وَوَفَاؤُهُ وَفَهْمُهُ، وَمِنْ النّفْسِ شَهْوَتُهُ وَغَضَبُهُ وَطَيْشُهُ، وَذَلِكَ أَنّ الرّوحَ كَمَا قَدّمْنَا مَازِجُ الْجَسَدِ الّذِي فِيهِ الدّمُ، وَيُسَمّى الدّمُ:
نَفْسًا، وَهُوَ مَجْرَى الشّيْطَانِ، وَقَدْ حَكَمَتْ الشّرِيعَةُ بِنَجَاسَةِ الدّمِ لِسِرّ لَعَلّهُ أَنْ يُفْهَمَ مِمّا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ، فَمَنْ يَعْرِفُ جَوْهَرَ الْكَلَامِ، وَيُنْزِلُ الْأَلْفَاظَ مَنَازِلَهَا، لَا يُسَمّي رُوحًا إلّا مَا وَقَعَ بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْجَمَادِ وَالْحَيّ، وَاَلّذِي كَانَ سَبَبًا لِلْحَيَاةِ، كَمَا فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ عِنْدَ ذِكْرِ إحْيَاءِ النّطْفَةِ، وَنَفْخِ الرّوحِ فِيهَا، وَلَا يُقَالُ:
نَفْخُ النّفْسِ فِيهَا إلّا عِنْدَ الِاتّسَاعِ فِي الْكَلَامِ، وَتَسْمِيَةُ الشىء بما يؤول إليه،
_________________
(١) مصطار بضم الميم: الخمر، ومسطار بكسر الميم وبالسين: الخمرة الصارعة لشاربها أو الحامضة أو الحديثة.
[ ٣ / ١٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمِنْ هَهُنَا سُمّيَ جِبْرِيلُ ﵇: رُوحًا، وَالْوَحْيُ: رُوحًا، لِأَنّ بِهِ تَكُونُ حَيَاةُ الْقُلُوبِ، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا [فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها] الْأَنْعَامِ: ١٢٢ وَقَالَ فِي الْكُفّارِ: أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ النّحْلِ: ٢١ وَقَالَ فِي النّفْسِ مَا تَقَدّمَ، وَقَالَ: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ يُوسُفَ: ٥٣ وَلَمْ يَقُلْ إنّ الرّوحَ لَأَمّارَةٌ؛ لِأَنّ الرّوحَ الّذِي هُوَ سَبَبُ الْحَيَاةِ لَا يَأْمُرُ بِسُوءِ، وَلَا يُسَمّى أَيْضًا نَفْسًا، كَمَا قَدّمْنَا حَتّى يَكْتَسِبَ مِنْ الْجَسَدِ الْأَوْصَافَ الْمَذْكُورَةَ، وَمَا كَانَ نَحْوَهَا، وَالْمَاءُ النّازِلُ مِنْ السّمَاءِ جِنْس وَاحِدٌ، فَإِذَا مَازَجَ أَجْسَادَ الشّجَرِ كَالتّفّاحِ وَالْفِرْسِكِ «١» وَالْحَنْظَلِ وَالْعُشُرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهُ، كَذَلِكَ الرّوحُ الْبَاطِنَةُ الّتِي هِيَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، هِيَ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَقَدْ أَضَافَهَا إلَى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهَا حِينَ قال: ونفخ فيه من روحه، ثُمّ يُخَالِطُ الْأَجْسَادَ الّتِي خُلِقَتْ مِنْ طِينٍ، وَقَدْ كَانَ فِي ذَلِكَ الطّينِ طَيّبٌ وَخَبِيثٌ، فَيَنْزِعُ كُلّ فَرْعٍ إلَى أَصْلِهِ، وَيَنْزِعُ ذَلِكَ الْأَصْلُ إلَى مَا سَبَقَ فِي أُمّ الْكِتَابِ، وَإِلَى مَا دَبّرَهُ وَأَحْكَمَهُ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَتَنَافَرُ النّفُوسُ، أَوْ تَتَقَارَبُ، وَتَتَحَابّ أَوْ تَتَبَاغَضُ عَلَى حَسَبِ التّشَاكُلِ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَهِيَ مَعْنَى قَوْلِ النّبِيّﷺ: فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ. وَقَدْ كَتَبَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ إلَى صَدِيقٍ لَهُ: «إنّ نَفْسِي غَيْرُ مَشْكُورَةٍ عَلَى الِانْقِيَادِ إلَيْك بِغَيْرِ زِمَامٍ؛ فَإِنّهَا صَادَفَتْ عِنْدَك بعض جواهرها، والشىء يتبع بعضه بعضا» .
_________________
(١) الفرسك، الخوخ أو ضرب منه أجرد أحمر، أو ما يتفلق عن نواه والعشر شجر يخرج من زهره وشعبه سكر.
[ ٣ / ١٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الْإِنْسَانُ رُوحٌ وَجَسَدٌ: فَصْلٌ: وَقَدْ يُعَبّرُ بِالنّفْسِ عَنْ جُمْلَةِ الْإِنْسَانِ رُوحُهُ وَجَسَدُهُ، فَتَقُولُ: عِنْدِي ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ، وَلَا تَقُولُ: عِنْدِي ثَلَاثَةُ أَرْوَاحٍ، لَا يُعَبّرُ بِالرّوحِ إلّا عَنْ الْمَعْنَى الْمُتَقَدّمِ ذِكْرُهُ، وَإِنّمَا اتّسَعَ فِي النّفْسِ، وَعَبّرَ بِهَا عَنْ الْجُمْلَةِ لِغَلَبَةِ أَوْصَافِ الْجَسَدِ عَلَى الرّوحِ، حَتّى صَارَ يُسَمّى نَفْسًا، وَطَرَأَ هَذَا الِاسْمُ بِسَبَبِ الْجَسَدِ، كَمَا يَطْرَأُ عَلَى الْمَاءِ فِي الشّجَرِ أَسْمَاءٌ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الشّجَرِ مِنْ حُلْوٍ وَحَامِضٍ وَمُرّ وَحِرّيفٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ فَتَحَصّلَ مِنْ مَضْمُونِ مَا ذَكَرْنَا أَلّا يُقَالَ فِي النّفْسِ: هِيَ الرّوحُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، حَتّى تُقَيّدَ بِمَا تَقَدّمَ، وَلَا يُقَالُ فِي الرّوحِ: هُوَ النّفْسُ إلّا كَمَا يُقَالُ فِي الْمَنِيّ هُوَ الْإِنْسَانُ، أَوْ كَمَا يُقَالُ لِلْمَاءِ الْمُغَذّي لِلْكَرْمَةِ هُوَ: الْخَمْرُ، أَوْ الْخَلّ، عَلَى مَعْنَى أَنّهُ سَتَنْضَافُ إلَيْهِ أَوْصَافٌ يُسَمّى بِهَا خَمْرًا أَوْ خَلّا، فَتَقْيِيدُ الْأَلْفَاظِ هُوَ: مَعْنَى الْكَلَامِ، وَتَنْزِيلُ كُلّ لَفْظٍ فِي مَوْضِعِهِ، هُوَ مَعْنَى الْبَلَاغَةِ فَافْهَمْهُ. النّفْسُ فَصْلٌ: وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَمْ يَبْقَ إلّا قَوْلُ بِلَالٍ: أَخَذَ بِنَفْسِي الّذِي أَخَذَ بِنَفْسِك، فَذَكَرَ النّفْسَ؛ لِأَنّهُ مُعْتَذِرٌ مِنْ تَرْكِ عَمَلٍ أُمِرَ بِهِ، وَالْأَعْمَالُ مُضَافَةٌ إلَى النّفْسِ: لِأَنّ الْأَعْمَالَ جَسَدَانِيّةٌ، وَقَوْلُ النّبِيّﷺ: إنّ اللهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا، فَذَكَرَ الرّوحَ الّذِي هُوَ الْأَصْلُ، لِأَنّهُ أَنِسَهُمْ مِنْ فَزَعِهِمْ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنّ خَالِقَ الْأَرْوَاحِ يَقْبِضُهَا إذَا شَاءَ، فَلَا تَنْبَسِطُ انْبِسَاطَهَا فِي الْيَقَظَةِ وَرُوحُ النّائِمِ وَإِنْ وُصِفَ بِالْقَبْضِ، فَلَا يَدُلّ لَفْظُ الْقَبْضِ عَلَى انْتِزَاعِهِ بِالْكُلّيّةِ
[ ٣ / ١٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَمَا لَا يَدُلّ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ فِي الظّلّ: ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا الْفُرْقَانِ:
٤٦. عَلَى إعْدَامِ الظّلّ بِالْكُلّيّةِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ فَلَمْ يَقُلْ: الْأَرْوَاحَ، لِأَنّهُ وَعَظَ الْعِبَادَ الْغَافِلِينَ عَنْهُ، فَأَخْبَرَ أَنّهُ يَتَوَفّى أَنْفُسَهُمْ، ثُمّ يُعِيدُهَا حَتّى يَتَوَفّاهَا، فَلَا يُعِيدُهَا إلَى الْحَشْرِ لِتَزْدَجِرَ النّفُوسُ بِهَذِهِ الْعِظَةِ عَنْ سُوءِ أَعْمَالِهَا؛ إذْ الْآيَةُ مَكّيّةٌ، وَالْخِطَابُ لِلْكُفّارِ، وَقَدْ تَنَزّلَتْ الْأَلْفَاظُ مَنَازِلَهَا فِي الْحَدِيثِ وَالْقُرْآنِ، وَذَلِكَ مَعْنَى الْفَصَاحَةِ وَسِرّ الْبَلَاغَةِ.
ابْنُ هَرْمَةَ:
فَصْلٌ: وَاسْتَشْهَدَ ابْنُ هِشَامٍ بِقَوْلِ ابْنِ هَرْمَةَ وَنَسَبُهُ فَقَالَ: فِهْرِيّ، وإنما هو خلجىّ، والخلج «١» اسمه: قيس ابن الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ، وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَةِ بَنِي
_________________
(١) فى الاشتقاق: والخلج بطن يزعمون أنهم من قريش منهم ابن هرمة الشاعر، وفيه أيضا: الخلج يفتح فكسر الشاعر، واسمه: عبد الله، وسمى الخلج لقوله: كأن تخالج الأشطان فيها شابيب تجود من الغوادى وفى حاشية الاشتقاق للأستاذ عبد السلام هارون: وأما خلج بكسر الخاء وتخفيف اللام وسكونها فهو عبد الله بن الحارث بن عمرو بن وهب ابن الحارث، بن سعد الجعفى، وقيل: الخلج بفتح الخاء وكسر اللام. وفى الطبقات لابن قتيبة عنه: «هو من الخلج من قيس عيلان، ويقال: إنهم من قريش» وفى الأغانى أن نسبه ينتهى إلى قيس بن الحارث، وقيس: هم الخلج.. فلما تولى عثمان أثبتهم فى بنى الحارث بن فهر، وجعل لهم ديوانا، فسموا الخلج، لأنهم اختلجوا عما كانوا عليه من عدوان، وورد عن ابن هرمة فى سمط اللالى للبكرى ما نصه: «إبراهيم بن على بن سلمة من هرمة من خلج
[ ٣ / ١٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ الْخُلْجِ، فَقِيلَ: لِأَنّهُمْ اخْتَلَجُوا مِنْ قُرَيْشٍ وَسُكّانِ مَكّةَ، وَقِيلَ: لِأَنّهُمْ نَزَلُوا بِمَوْضِعِ فِيهِ خُلْجٌ مِنْ مَاءٍ، وَنَسَبُوا إلَيْهِ، وَابْنُ هَرْمَةَ وَاسْمُهُ:
إبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيّ بْنِ هَرْمَةَ، وَهُوَ شَاعِرٌ مِنْ شُعَرَاءِ الدّوْلَةِ الْعَبّاسِيّةِ، وَبَيْتُهُ:
وَإِذَا هَرَقْت بِكُلّ دَارٍ عِبْرَةً نَزَفَ الشّئُونُ ودمعك الينبوع
والشئون: مَجَارِي الدّمْعِ، وَهِيَ أَطْبَاقُ الرّأْسِ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ لِلرّجُلِ، وَثَلَاثَةٌ لِلْمَرْأَةِ، كَذَلِكَ ذَكَرُوا عَنْ أَهْلِ التّشْرِيحِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الدّلَائِلِ، فَاَللهُ أَعْلَمُ.
مِنْ شَرْحِ الْآيَاتِ:
وَكُلّ مَا شَرَحَ ابْنُ هِشَامٍ مِنْ الْآيَاتِ الّتِي تَلَاهَا ابْنُ إسْحَاقَ، فَقَدْ تَقَدّمَ مَا يَحْتَاجُ بَيَانُهُ مِنْهُ، وَفِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ الْبَيْتَ يُرَادُ بِهِ: الْقَصْرُ وَالْمَنْزِلُ، وَإِنْ كَانَ عَظِيمًا، فَإِنّهُ يُسَمّى بَيْتًا كَمَا قَدّمْنَا فِي شَرْحِ بَيْتِ الْقَصَبِ فِي حديث خديجة.
_________________
(١) - قريش- بزيادة: ابن سلمة قبل ابن هرمة- والخلج هو: قيس بن الحارث بن فهر، سموا بذلك لأنهم كانوا فى عدوان، ثم فى هوازن، فلما استخلف عمر أتوه ليفرض لهم، فأنكر نسبهم، فلما استخلف عثمان أتوه، فأثبتهم فى بنى الحارث ابن فهر، فسموا بذلك: الخلج، لأنهم اختلجوا ممن كانوا معه» ثم ذكر أن الموضع الذى نزلوا فيه كان على خلج بالمدينة. وأن ابن هرمة من متقدمى الشعراء وممن أدرك الدولتين الأموية والهاشمية يكنى أبا إسحاق.. وفى السيرة: إبراهيم بن عبد الله، وعند مصعب الزبيرى عن الكلبى ورد نسبه: سلمة بن عامر بن هرمة بن الهذيل بن ربيع بن عامر بن صبيح بن كنانة بن عدى بن قيس بن الحارث بن فهر انظر ٢٩٨ سمط اللالى، والذهبى يضبط الخلج بضم فسكون
[ ٣ / ١٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حزنة جهنم وأبو الأشد بن:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ قَوْلَ أَبِي جَهْلٍ مُسْتَهْزِئًا: يَزْعُمُ مُحَمّدٌ أَنّ جُنُودَ رَبّهِ الّتِي يُخَوّفُكُمْ بِهَا تِسْعَةَ عَشَرَ، وَأَنْتُمْ النّاسُ، إلَى آخِرِ الْقِصّةِ. وَأَهْلُ التّفْسِيرِ يَعْزُونَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ إلى أبى الأشدّ بن الْجُمَحِيّ «١»، وَاسْمُهُ: كَلَدَةُ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ خَلَفٍ، وَأَبُو دَهْبَلٍ الشّاعِرُ هُوَ ابْنُ أَخِيهِ، وَاسْمُهُ: وَهْبُ بْنُ زَمَعَةَ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ خَلَفِ ابن وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِي دَهْبَلٍ التّوْأَمَةُ الّتِي يَعْرِفُ بِهَا صَالِحٌ مَوْلَى التّوْأَمَةِ، وَهِيَ أُخْتُ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ، وَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرّحْمَنِ قُتِلَ يَوْمَ الْجَمَلِ، وَأَنّهُ قَالَ: اكْفُونِي مِنْهُمْ اثْنَيْنِ، وَأَنَا أَكْفِيكُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ إعْجَابًا مِنْهُ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ بَلَغَ مِنْ شِدّتِهِ- فِيمَا زَعَمُوا- أنه كان يقف على
_________________
(١) وقيل كما ذكر ابن أبى حاتم: إن رهطا من اليهود سألوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِﷺ- عن خزنة جهنم، فقال: الله ورسوله أعلم، فجاء رجل، فأخبر النبىﷺ، فأنزل الله تعالى عليه ساعتئذ: (عليها تسعة عشر) الخ. وهناك رواية أخرى للترمذى وأحمد والبزار أن رجلا جاء إلى النّبِيّﷺ- فَقَالَ لَهُ: غلب أصحابك اليوم، فقال: بأى شىء، قال: سألتهم يهود: هل أعلمكم نبيكم عدة خزنة أهل النار-؟ قالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا﵌، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، أفغلب قوم يسئلون عما لا يعلمون، فقالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا ﷺ- على بأعداء الله، لكنهم قد سألوا نبيهم أن يريهم الله جهرة، فأرسل إليهم محمد فدعاهم، قالوا: يا أبا القاسم: كم عدة خزنة أهل النار: قال: هكذا، وطبق كفين ثم طبق كفيه مرتين، وعقد واحدة الخ.
[ ٣ / ١٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) جِلْدِ الْبَقَرَةِ، وَيُجَاذِبُهُ عَشْرَةٌ، لِيَنْتَزِعُوهُ مِنْ تَحْتِ قَدَمِهِ، فَيَتَمَزّقُ الْجِلْدُ، وَلَا يَتَزَحْزَحُ عَنْهُ، وَقَدْ دَعَا النّبِيّﷺ- إلَى الْمُصَارَعَةِ، وَقَالَ: إنْ صَرَعْتنِي آمَنْت بِك، فَصَرَعَهُ رَسُولُ اللهِﷺ مِرَارًا، فلم يُؤْمِنْ، وَقَدْ نَسَبَ ابْنُ إسْحَاقَ خَبَرَ الْمُصَارَعَةِ إلَى رُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ ابن الْمُطّلِبِ، وَسَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَأَمّا مَا قَالَ أَهْلُ التّأْوِيلِ فِي خَزَنَةِ جَهَنّمَ التّسْعَةَ عَشَرَ، فَرُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أَنّهُ قَالَ: بِيَدِ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَمُودٌ لَهُ شُعْبَتَانِ، وَإِنّهُ لَيَدْفَعُ بِالشّعْبَةِ تِسْعِينَ أَلْفًا إلَى النّارِ، وَقَدْ أَمْلَيْنَا فِي مَعْنَى أَبْوَابِ الْجَنّةِ وَأَبْوَابِ النّارِ فَائِدَةَ عَدَدِهَا وَتَسْمِيَتِهَا، وَذَكَرَ الزّبَانِيَةَ، وَالْحِكْمَةَ فى كونهم عددا قليلا مسئلة فِي قَرِيبٍ مِنْ جُزْءٍ، فَلْتُنْظَرْ هُنَاكَ. بَهْتُ الرسول «ص» بأن بَشَرًا يُعَلّمُهُ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ قُرَيْشٍ: إنّمَا يُعَلّمُهُ رَجُلٌ بِالْيَمَامَةِ يُقَالُ لَهُ: الرّحْمَنُ، وَإِنّا لَا نُؤْمِنُ بِالرّحْمَنِ، فَأَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ: هُوَ رَبِّي كَانَ مُسَيْلِمَةُ بْنُ حَبِيبٍ الْحَنَفِيّ، ثُمّ أَحَدُ بنى الدّول قد تسمى: بالرحمن فِي الْجَاهِلِيّةِ، وَكَانَ مِنْ الْمُعَمّرِينَ، ذَكَرَ وَثِيمَةُ بْنُ مُوسَى أَنّ مُسَيْلِمَةَ تَسَمّى بِالرّحْمَنِ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ عَبْدُ اللهِ أَوْ رَسُولُ اللهِﷺ. كَبِيرٌ: وَأَنْشَدَ فِي تفسير الزّبانية:
[ ٣ / ١٩٥ ]
[الذين استمعوا إلى قراءة النبى (ص)]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ أَنّهُ حُدّثَ: أَنّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَأَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَالْأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثّقَفِيّ حَلِيفَ بَنِي زُهْرَةَ، خَرَجُوا لَيْلَةً؛ لِيَسْتَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وهو يصلى من الليل مِنْ اللّيْلِ فِي بَيْتِهِ، فَأَخَذَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسًا يَسْتَمِعُ فِيهِ، وَكُلّ لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِ صَاحِبِهِ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرّقُوا.
فَجَمَعَهُمْ الطّرِيقُ، فَتَلَاوَمُوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: لَا تَعُودُوا، فَلَوْ رَآكُمْ بَعْضُ سُفَهَائِكُمْ لَأَوْقَعْتُمْ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا، ثُمّ انْصَرَفُوا، حَتّى إذَا كَانَتْ اللّيْلَةُ الثّانِيَةُ، عَادَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إلَى مَجْلِسِهِ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرّقُوا، فَجَمَعَهُمْ الطّرِيقُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ مِثْلَ مَا قَالُوا أَوّلَ مرّة، ثم انصرفوا. حتى
ــ
وَمِنْ كَبِيرٍ نَفَرٌ زَبَانِيَهْ «١» وَجَدْت فِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الشّيْخِ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ: كَبِيرٌ: حَيّ مِنْ هُذَيْلٍ قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَفِي أَسَدٍ أَيْضًا: كَبِيرُ بْنُ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدٍ، وَمِنْ ذُرّيّتِهِ:
بَنُو جَحْشِ بْنُ رَيّانَ بْنِ يَعْمُرَ بْنِ صَبْوَةَ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَبِيرٍ «٢» وَلَعَلّ الرّاجِزَ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ هَؤُلَاءِ، فَإِنّهُمْ أَشْهَرُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَبَنُو كَبِيرٍ أَيْضًا: بَطْنٌ مِنْ بَنِي غَامِدٍ، وَهُمْ مِنْ الْأَزْدِ، وَاَلّذِي تَقَدّمَ ذِكْرُهُ مِنْ هُذَيْلٍ هُوَ: كَبِيرُ بْنُ طابخة بن لحيان ابن سعد بن هذيل.
_________________
(١) سبق ذكر الأحاديث التى وردت فى هذا الشان، والذى نقله السهيلى عن كعب الأحبار فى أمر خزنة جهنم لا سند له
(٢) من شعراء هذيل من كنيته أبو كبير، وفى اللسان: كبير بن هند: حى من هذيل.
[ ٣ / ١٩٦ ]
إذَا كَانَتْ اللّيْلَةُ الثّالِثَةُ أَخَذَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسَهُ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرّقُوا، فَجَمَعَهُمْ الطّرِيقُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: لَا نَبْرَحُ حَتّى نَتَعَاهَدَ أَلَا نَعُودَ، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرّقوا.
فَلَمّا أَصْبَحَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ أَخَذَ عَصَاهُ، ثُمّ خَرَجَ حَتّى أَتَى أَبَا سُفْيَانَ فِي بَيْتِهِ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي يَا أَبَا حَنْظَلَةَ عَنْ رَأْيِك فِيمَا سَمِعْت مِنْ مُحَمّدٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ وَاَللهِ لَقَدْ سَمِعْت أَشْيَاءَ أَعْرِفُهَا، وَأَعْرِفُ مَا يُرَادُ بِهَا، وَسَمِعْتُ أَشْيَاءَ مَا عرفت معناها ولا ما يراد بها، قال الأخنس: وأنا والذى حلفت به.
قَالَ: ثُمّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ حَتّى أَتَى أَبَا جَهْلٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ:
يَا أَبَا الْحَكَمِ، مَا رَأْيُك فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمّدٍ؟ فَقَالَ: مَاذَا سَمِعْتُ، تَنَازَعْنَا نَحْنُ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ الشّرَفَ، أَطْعَمُوا فَأَطْعَمْنَا، وَحَمَلُوا فَحَمَلْنَا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا عَلَى الرّكْبِ، وَكُنّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ، قَالُوا: مِنّا نَبِيّ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنْ السّمَاءِ، فَمَتَى نُدْرِكُ مِثْلَ هَذِهِ، وَاَللهِ لَا نُؤْمِنُ بِهِ أَبَدًا، وَلَا نُصَدّقُهُ.
قَالَ: فَقَامَ عَنْهُ الْأَخْنَسُ وَتَرَكَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- إذَا تَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ، ودعاهم إلى الله، قالوا يهزؤن بِهِ: (قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ) لَا نَفْقَهُ مَا تَقُولُ: (وَفِي آذانِنا وَقْرٌ) لَا نَسْمَعُ مَا تَقُولُ: (وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ) قَدْ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَك (فَاعْمَلْ) بِمَا أَنْت عَلَيْهِ (إِنَّنا عامِلُونَ) بِمَا نَحْنُ عَلَيْهِ، إنّا لَا نَفْقَهُ عَنْك شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَإِذا قَرَأْتَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٩٧ ]
الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا إلَى قَوْلِهِ: وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا الإسراء: ٤٥، ٤٦ أَيْ: كَيْفَ فَهِمُوا تَوْحِيدَك رَبّك إنْ كُنْتُ جَعَلْتُ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنّةً، وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا، وَبَيْنَك وَبَيْنَهُمْ حِجَابًا بِزَعْمِهِمْ؛ أَيْ:
إنّي لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ. نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ، إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ:
وَإِذْ هُمْ نَجْوى، إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا الإسراء: ٤٧ أَيْ: ذَلِكَ مَا تَوَاصَوْا بِهِ مِنْ تَرْكِ مَا بَعَثْتُك بِهِ إلَيْهِمْ. انْظُرْ:
كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا الإسراء: ٤٨ أى: أخطئوا المثل الذى ضربوا لك، فلا يصيبون به هدى، ولا يعتدل لهم فيه قول وَقالُوا: أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا أَيْ: قَدْ جِئْت تُخْبِرُنَا: أَنّا سَنُبْعَثُ بَعْدَ مَوْتِنَا إذَا كُنّا عِظَامًا وَرُفَاتًا، وَذَلِك مَا لَا يَكُونُ. قُلْ: كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا، أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ، فَسَيَقُولُونَ: مَنْ يُعِيدُنا، قُلِ: الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ الإسراء: ٤٩- ٥١: أَيْ: الّذِي خَلَقَكُمْ مِمّا تَعْرِفُونَ، فَلَيْسَ خَلْقُكُمْ مِنْ تُرَابٍ بِأَعَزّ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄، قَالَ: سَأَلْته عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ مَا الّذِي أَرَادَ اللهُ بِهِ؟ فَقَالَ: الْمَوْت.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٩٨ ]
[ذِكْرُ عُدْوَانِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْتَضْعَفِينَ مِمّنْ أَسْلَمَ بالأذى والفتنة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّهُمْ عَدَوْا عَلَى مَنْ أَسْلَمَ، وَاتّبَعَ رَسُولَ اللهِﷺ- مِنْ أَصْحَابِهِ، فَوَثَبَتْ كُلّ قَبِيلَةٍ عَلَى مَنْ فِيهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَجَعَلُوا يَحْبِسُونَهُمْ وَيُعَذّبُونَهُمْ بِالضّرْبِ وَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ، وَبِرَمْضَاءِ مَكّةَ إذَا اشْتَدّ الْحَرّ، مَنْ اُسْتُضْعِفُوا مِنْهُمْ، يَفْتِنُونَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُفْتَنُ مِنْ شِدّةِ الْبَلَاءِ الّذِي يُصِيبُهُ، وَمِنْهُمْ مِنْ يَصْلُبُ لَهُمْ، وَيَعْصِمُهُ الله منهم.
[تعذيب بلال وعتقه]
وَكَانَ بَلَالٌ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ﵄، لِبَعْضِ بَنِي جُمَحٍ، مُوَلّدًا مِنْ مُوَلّدِيهِمْ، وَهُوَ بَلَالُ بْنُ رَبَاحٍ، وَكَانَ اسْمُ أُمّهِ: حَمَامَةَ، وَكَانَ صَادِقَ الْإِسْلَامِ طَاهِرَ الْقَلْبِ، وَكَانَ أمية بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جمح يخرجه إذا حميت الظّهيرة، فيطرحه على ظهره فى بطحاء مَكّةَ، ثُمّ يَأْمُرُ بِالصّخْرَةِ الْعَظِيمَةِ فَتُوضَعَ عَلَى صدره، ثم يقول له: لَا تَزَالُ هَكَذَا حَتّى تَمُوتَ، أَوْ تَكْفُرَ بِمُحَمّدِ وَتَعْبُدَ اللّاتَ وَالْعُزّى؛ فَيَقُول وَهُوَ فِي ذَلِكَ الْبَلَاءِ: أَحَدٌ أَحَدٌ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ يَمُرّ بِهِ وَهُوَ يُعَذّبُ بِذَلِكَ، وَهُوَ يَقُول: أَحَدٌ أَحَدٌ، فَيَقُولُ: أَحَدٌ، أَحَدٌ وَاَللهِ يَا بِلَالُ، ثُمّ يُقْبِلُ عَلَى أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَمَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِهِ مِنْ بَنِي جُمَحٍ، فَيَقُولُ: أَحْلِفُ بِاَللهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ عَلَى هَذَا لَأَتّخِذَنّهُ حَنَانًا، حَتّى مرّ به أبو بكر
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ١٩٩ ]
الصدّيق بن أبى تحافة﵁- يَوْمًا، وَهُمْ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ بِهِ، وَكَانَتْ دَارُ أَبِي بَكْرٍ فِي بَنِي جُمَحٍ، فَقَالَ لِأُمَيّةِ بْنِ خَلَفٍ: أَلَا تَتّقِي اللهَ فِي هَذَا الْمِسْكِينِ؟! حَتّى مَتَى؟ قَالَ: أَنْت الّذِي أَفْسَدْته، فَأَنْقِذْهُ مِمّا تَرَى، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَفْعَلُ عِنْدِي غُلَامٌ أَسْوَدُ أَجْلَدُ مِنْهُ وَأَقْوَى، عَلَى دِينِك، أُعْطِيكَهُ بِهِ، قَالَ: قَدْ قَبِلْتُ فَقَالَ: هُوَ لَك. فَأَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ ﵁ غُلَامَهُ ذَلِكَ وأخذه فأعتقه.
[من عتقاء أبى بكر]
ثم أعنق مَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ إلَى الْمَدِينَةِ سِتّ رِقَابٍ، بِلَالٌ سَابِعُهُمْ: عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا، وَقُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ معونة شهيدا، وأمّ شميس وَزِنّيرَةُ، وَأُصِيبَ بَصَرُهَا حِينَ أَعْتَقَهَا، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: مَا أَذْهَبَ بَصَرَهَا إلّا اللّاتُ وَالْعُزّى؛ فَقَالَتْ: كَذَبُوا- وَبَيْتِ اللهِ- مَا تَضُرّ اللّاتُ وَالْعُزّى، وَمَا تَنْفَعَانِ، فَرَدّ اللهُ بَصَرَهَا.
وَأَعْتَقَ النّهْدِيّةَ وَبِنْتَهَا، وَكَانَتَا لِامْرَأَةِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها، وهى تقول: والله لا أعتقكما أَبَدًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: حلّا يَا أُمّ فُلَانٍ، فَقَالَتْ: حِلّ، أَنْت أَفْسَدْتَهُمَا فَأَعْتِقْهُمَا؛ قَالَ: فَبِكَمْ هُمَا؟ قَالَتْ: بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُمَا وَهُمَا حُرّتَانِ، أَرْجِعَا إلَيْهَا طحينها، قالتا: أو نفرغ مِنْهُ يَا أَبَا بَكْرٍ، ثُمّ نَرُدّهُ إلَيْهَا؟! قَالَ: وَذَلِكَ إنْ شِئْتُمَا.
وَمَرّ بِجَارِيَةِ بَنِي مُؤَمّلٍ، حَيّ مِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ، وكانت مسلمة،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٠٠ ]
وَعُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ يُعَذّبُهَا لِتَتْرُكَ الْإِسْلَامَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ وَهُوَ يَضْرِبُهَا، حَتّى إذَا مَلّ قال: إنى أعتذر إليك، إنى لم أتركك إلّا مَلَالَةً، فَتَقُولُ:
كَذَلِكَ فَعَلَ اللهُ بِك، فابتاعها أبو بكر، فأعتقها.
[بين أبى بكر وأبيه]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ الله بن أبى عتيق، عن عامر ابن عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، قَالَ:
قَالَ أَبُو قُحَافَةَ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا بُنَيّ، إنّي أَرَاك تُعْتِقُ رِقَابًا ضِعَافًا، فَلَوْ أَنّك إذْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ أَعْتَقْتَ رِجَالًا جُلْدًا يَمْنَعُونَك، وَيَقُومُونَ دُونَك؟ قَالَ:
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: يَا أَبَتْ، إنّي إنّمَا أُرِيدُ مَا أُرِيدُ، لِلّهِ ﷿، قَالَ:
فَيُتَحَدّثُ أَنّهُ مَا نَزَلَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ إلّا فِيهِ، وَفِيمَا قَالَ لَهُ أَبُوهُ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى، وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى الليل: ٥، ٦ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وَلَسَوْفَ يَرْضى الليل ١٩، ٢١
[تعذيب عمار بن ياسر]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ بَنُو مَخْزُومٍ يَخْرُجُونَ بعمّار بن ياسر، وبأبيه- وأمه- وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ إسْلَامٍ- إذَا حَمِيَتْ الظّهِيرَةُ، يُعَذّبُونَهُمْ بِرَمْضَاءِ مَكّةَ، فَيَمُرّ بِهِمْ رَسُولُ اللهِﷺ- فَيَقُول، فِيمَا بَلَغَنِي: صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، مَوْعِدُكُمْ الْجَنّة. فَأَمّا أُمّهُ فقتلوها، وهى تأبى إلا الإسلام.
وَكَانَ أَبُو جَهْلٍ الْفَاسِقُ الّذِي يُغْرِي بِهِمْ فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ، إذَا سَمِعَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٠١ ]
بِالرّجُلِ قَدْ أَسْلَمَ، لَهُ شَرَفٌ وَمَنَعَةٌ أَنّبَهُ وَأَخْزَاهُ وَقَالَ: تَرَكْتَ دِينَ أَبِيك وَهُوَ خَيْرٌ مِنْك: لَنُسَفّهَنّ حِلْمَك وَلَنُفَيّلَنّ رَأْيَك، وَلَنَضَعَنّ شَرَفَك، وَإِنْ كَانَ تَاجِرًا، قَالَ: وَاَللهِ لَنُكَسّدَنّ تِجَارَتَكَ، وَلَنُهْلِكَنّ مَالَك، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا ضَرَبَهُ وَأَغْرَى به.
[فتنة المعذبين]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي حَكِيمُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ:
قُلْت لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ: أَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَبْلُغُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْعَذَابِ مَا يُعْذَرُونَ بِهِ فِي تَرْكِ دِينِهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَاَللهِ، إنْ كَانُوا لَيَضْرِبُونَ أَحَدَهُمْ، وَيُجِيعُونَهُ، وَيُعَطّشُونَهُ حَتّى مَا يَقْدِرُ أَنْ يَسْتَوِيَ جَالِسًا مِنْ شِدّةِ الضّرّ الّذِي نَزَلَ بِهِ، حَتّى يُعْطِيَهُمْ مَا سَأَلُوهُ مِنْ الْفِتْنَةِ، حَتّى يَقُولُوا لَهُ، آللّاتُ وَالْعُزّى إلَهُك مِنْ دُونِ اللهِ؟ فَيَقُول: نَعَمْ، حَتّى إنّ الْجُعَلَ لَيَمُرّ بِهِمْ، فَيَقُولُونَ لَهُ: أَهَذَا الْجُعَلُ إلَهُك مِنْ دُونِ اللهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، افْتِدَاءً مِنْهُمْ ممّا يبلغون من جهده.
[رفض تسليم الوليد لتقتله قريش]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي الزّبَيْرُ بْنُ عُكَاشَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَحْمَدَ أَنّهُ حُدّثَ أَنّ رِجَالًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ مَشَوْا إلَى هِشَامِ بْنِ الْوَلِيدِ، حِينَ أَسْلَمَ أَخُوهُ الوليد بن الوليد، وَكَانُوا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا فِتْيَةً مِنْهُمْ كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا، مِنْهُمْ: سَلَمَةُ بْنُ هِشَامٍ، وَعَيّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ. قَالَ: فَقَالُوا لَهُ- وَخَشُوا شَرّهُمْ: إنّا قَدْ أَرَدْنَا أَنْ نعاقب هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةِ عَلَى هَذَا الدّينِ الّذِي أَحْدَثُوا، فَإِنّا نَأْمَنُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِهِمْ. قَالَ: هَذَا، فَعَلَيْكُمْ بِهِ. فَعَاتِبُوهُ وَإِيّاكُمْ وَنَفْسَهُ. وَأَنْشَأَ يَقُول:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٠٢ ]
ألا لا يقتلنّ أخى عييش فَيَبْقَى بَيْنَنَا أَبَدًا تَلَاحِي
احْذَرُوا عَلَى نَفْسِهِ، فأقسم بالله لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ، لَأَقْتُلَنّ أَشْرَفَكُمْ رَجُلًا. قَالَ:
فَقَالُوا: اللهمّ العنه. من يغرّر بهذا الخبيث، فو الله لَوْ أُصِيبَ فِي أَيْدِينَا لَقُتِلَ أَشْرَفُنَا رَجُلًا. قَالَ: فَتَرَكُوهُ وَنَزَعُوا عَنْهُ. قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ مِمّا دَفَعَ اللهُ بِهِ عَنْهُمْ.
[ذِكْرُ الْهِجْرَةِ الأولى إلى أرض الحبشة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا رَأَى رَسُولُ اللهِﷺ- مَا يُصِيبُ أَصْحَابَهُ مِنْ الْبَلَاءِ. وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْعَافِيَةِ. بِمَكَانِهِ مِنْ اللهِ، وَمِنْ عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَنّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِمّا هُمْ فِيهِ مِنْ الْبَلَاءِ. قَالَ لَهُمْ: لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَإِنّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ. وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ، حتى يجعل الله لكم فرجا ممّا أنتم فيه، فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِﷺ- إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ، وَفِرَارًا إلَى اللهِ بِدِينِهِمْ. فكانت أوّل هجرة كانت فى الإسلام.
[أصحاب الهجرة الأولى إلى الحبشه]
وَكَانَ أَوّلَ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ عبد شمس ابن عبد مناف ابن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤىّ بن غالب ابن فِهْرٍ: عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْن أُمَيّةَ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ: رُقَيّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهﷺ- ومن بني عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: أَبُو حُذَيْفَةَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٠٣ ]
ابن عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ: سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنُ عَمْرٍو، أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ، وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مُحَمّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ. وَمِنْ بَنِي أسد ابن عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ: الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ. وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ. وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بن عبد بن الحارث ابن زهرة. ومن بنى مخزوم ابن يَقَظَةَ بْنِ مُرّةَ: أَبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمّ سَلَمَةَ بنت أبى أميّة ابن الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ. وَمِنْ بَنِي جُمَحِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هصيص بن كعب: عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بن حذامة بْنِ جُمَحٍ. وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ: عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، حَلِيفُ آلِ الْخَطّابِ، مِنْ عَنْزِ بْنِ وَائِلٍ مَعَهُ امْرَأَتُهُ: لَيْلَى بِنْتُ أبى حثمة بن حذيفة بْنِ غَانِمِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ. وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لؤىّ أبو سبرة ابن أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ نصر بن مالك ابن حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ، وَيُقَال: بَلْ أَبُو حَاطِبِ بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ ابن نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ.
وَيُقَال: هُوَ أَوّلُ مَنْ قَدِمَهَا. وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ: سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ، وَهُوَ: سهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبّةَ بْنِ الْحَارِثِ.
فَكَانَ هَؤُلَاءِ الْعَشْرَةِ أَوّلَ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فِيمَا بَلَغَنِي.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٠٤ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ خَرَجَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَتَتَابَعَ الْمُسْلِمُونَ، حَتّى اجْتَمَعُوا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَكَانُوا بِهَا، مِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ بِأَهْلِهِ مَعَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ بنفسه لا أهل له معه.
[المهاجرون من بنى هاشم وبنى أمية]
ومن بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيّ بن كلاب بن مرّة بن كعب ابن لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ: جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ: أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسِ بْنِ النّعْمَانِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ قُحَافَةَ بْنِ خَثْعَمٍ، وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ عَبْدَ اللهِ بن جعفر، رجل.
وَمِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ بْنِ أَبِي العاص ابن أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ: رُقَيّةُ ابنة رسول الله ﷺ، وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ، معه امرأته: فاطمة بنت صفوان ابن أمية ابن محرّث بن حمل بْنِ شِقّ بْنِ رَقَبَةَ بْنِ مُخْدِجٍ الْكِنَانِيّ، وَأَخُوهُ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْن أُمَيّة، مَعَهُ امْرَأَتُهُ: أَمِينَةُ بِنْتُ خَلَفِ بْنِ أسعد ابن عامر بن بياضة بن سبيع بن جعثمة بْنِ سَعْدِ بْنِ مُلَيْحِ بْنِ عَمْرٍو، مِنْ خُزَاعَةَ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: هُمَيْنَةُ بِنْتُ خَلَفٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ سَعِيدَ بْنَ خَالِدٍ، وَأَمَةَ بِنْتَ خَالِدٍ، فَتَزَوّجَ أَمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَمْرُو بْنُ الزّبَيْرِ، وَخَالِدُ بْنُ الزبير.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٠٥ ]
[المهاجرون من بنى أسد وبنى عبد شمس]
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ، مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابِ بْنِ يعمر بن صبرة بن مرة بن كَبِيرُ بْنُ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدٍ؛ وأخوه عُبَيْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ: أُمّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيّةَ، وَقَيْسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ بَرَكَةُ بنت يسار، مولاة أبي سفيان بن حرب بْنِ أُمَيّةَ، وَمُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ، وَهَؤُلَاءِ آلُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، سَبْعَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابن هشام: معيقيب من دوس.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بن عبد مناف، أبو حذيفة ابن عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَأَبُو موسى الأشعرىّ، واسمه: عبد الله ابن قَيْسٍ حَلِيفُ آلِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، رَجُلَانِ.
[المهاجرون من بنى نوفل وبنى أسد]
وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُتْبَةُ بن غزوان بن جابر بن وهب ابن نُسَيْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَازِنِ بن منصور بن عكرمة بن خصفة ابن قيس بن عيلان، حليف لَهُمْ، رَجُلٌ.
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ: الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ بْنِ خويلد ابن أَسَدٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أسد، ويزيد بن زمعة بن الأسود ابن الْمُطّلِبِ بْنِ أَسَدٍ. وَعَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ بْنِ الحارث بن أسد، أربعة نفر.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٠٦ ]
[المهاجرون من بنى عبد وعبد الدار ولدى قصى]
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ قُصَيّ: طُلَيْبُ بن عمير بن وهب بن أبى كثير بن عبد [ابن قصى] رجل.
ومن بني عبد الدار بن قصي: مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار، وسويط بْنُ سَعْدِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عميلة بن السّبّاق ابن عَبْدِ الدّارِ، وَجَهْمُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف ابن عَبْدِ الدّارِ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمّ حَرْمَلَةَ بِنْتُ عَبْدِ الْأَسْوَدِ بْنِ جُذَيْمَةَ بْنِ أُقَيْشِ بْنِ عامر ابن بياضة بن سبيع بن جعثمة بن سعد بْنِ مُلَيْحِ بْنِ عَمْرٍو، مِنْ خُزَاعَةَ، وَابْنَاهُ:
عَمْرُو بْنُ جَهْمٍ وَخُزَيْمَةُ بْنُ جَهْمٍ، وَأَبُو الرّومِ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مناف ابن عَبْدِ الدّارِ، وَفِرَاسُ بْنُ النّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ ابن عبد الدار، خمسة نفر.
[المهاجرون من بنى زهرة وبنى هذيل وبهراء]
وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بن عبد ابن الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ، وَعَامِرُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ، وأبو وقاص: مالك بن أهيب ابن عبد مناف ابن زُهْرَةَ، وَالْمُطّلِبُ بْنُ أَزْهَرَ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ ابن زُهْرَةَ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ: رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي عَوْفِ بن ضبيرة بن سعيد بن سعد ابن سَهْمٍ، وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ عَبْدَ اللهِ بن المطّلب.
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ مِنْ هُذَيْلٍ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مسعود بن الحارث بن شمخ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٠٧ ]
ابن مَخْزُومِ بْنِ صَاهِلَةَ بْنِ كَاهِلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلٍ، وَأَخُوهُ:
عتبة بن مسعود.
وَمِنْ بَهْرَاءَ: الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بن مالك بن ربيعة بن ثمامة ابن مَطْرُودِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الشّرّيد ابن أَبِي أَهْوَزَ بْنِ أَبِي فَائِشِ بْنِ دُرَيْمِ بْنِ الْقَيْنِ بْنِ أَهْوَدَ بْنِ بَهْرَاءَ بْنِ عمرو ابن الحاف بن قضاعة.
قال ابن هشام: ويقال هَزْلُ بْنُ فَاسِ بْنِ ذَرّ، وَدُهَيْرُ بْنُ ثَوْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ يُقَال لَهُ: المقداد بن الأسود بن عبد يغوث ابن وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وَذَلِك أَنّهُ تَبَنّاهُ فِي الْجَاهِلِيّةِ، وَحَالَفَهُ، سِتّةُ نَفَرٍ.
[المهاجرون من بنى تميم وبنى مخزوم]
وَمِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرّةَ: الْحَارِثُ بْنُ خَالِدِ بْنِ صَخْرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو ابن كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ رَيْطَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ عَامِرِ ابن كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مُوسَى بْنَ الْحَارِثِ، وَعَائِشَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَزَيْنَبَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَفَاطِمَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وعمرو ابن عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بن تيم، رَجُلَانِ.
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرّةَ: أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هلال ابن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ: أُمّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ المغيرة
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٠٨ ]
ابن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، وَاسْمُ أَبِي سَلَمَةَ: عَبْدُ اللهِ، وَاسْمُ أُمّ سَلَمَةَ: هِنْدٌ. وَشَمّاسُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الشّرّيدِ ابن سُوَيْدِ بْنِ هَرْمِيّ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَخْزُومٍ.
[من سيرة الشماس]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ شَمّاسٍ: عُثْمَانُ، وَإِنّمَا سُمّيَ شَمّاسًا؛ لِأَنّ شَمّاسًا مِنْ الشّمَامِسَةِ، قَدِمَ مَكّةَ فِي الْجَاهِلِيّةِ، وَكَانَ جَمِيلًا فَعَجِبَ النّاسُ مِنْ جَمَالِهِ، فَقَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ- وَكَانَ خَالَ شَمّاسٍ: أَنَا آتِيكُمْ بِشَمّاسِ أَحْسَنَ مِنْهُ، فَجَاءَ بِابْنِ أُخْتِهِ عُثْمَانَ بْنِ عُثْمَانَ، فَسُمّيَ: شَمّاسًا. فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَهَبّارُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ابن عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سفيان، وهشام بن أبى حذيفة ابن الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مخزوم، وسلمة بن هشام بن المغيرة ابن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَعَيّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الله ابن عمر بن مخزوم.
[المهاجرون من حلفاء بنى مخزوم ومن بنى جمح]
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ: مُعَتّبُ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَامِرِ بن الفضل بن عفيف بن كليب ابن حُبْشِيّةَ بْنِ سَلُولَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو، مِنْ خُزَاعَةَ، وَهُوَ الّذِي يُقَالُ لَهُ:
عَيْهَامَةُ، ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: حَبَشِيّةُ بْنُ سَلُولَ، وَهُوَ الّذِي يُقَال لَهُ مُعَتّبُ ابن حمراء.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٠٩ ]
ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب: عثمان بن مظعون ابن حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، وَابْنُهُ: السّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَخَوَاهُ:
قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَعَبْدُ الله بْنُ مَظْعُونٍ، وَحَاطِبُ بْنُ الحارث بن معمر ابن حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، معه امرأته: فاطمة بنت المجلّل ابن عبد الله بن أبى قيس بن عبدودّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ، وَابْنَاهُ: مُحَمّدُ بْنُ حَاطِبٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ حاطب، وهما لبنت المجلّل، وأخوه: حطّاب ابن الْحَارِثِ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ فُكَيْهَةُ بِنْتُ يَسَارٍ، وَسُفْيَانُ بن معمر بن حبيب ابن وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ، مَعَهُ ابْنَاهُ جَابِرُ بْنُ سُفْيَانَ، وَجُنَادَةُ بْنُ سُفْيَانَ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ حَسَنَةُ، وَهِيَ أُمّهُمَا، وَأَخُوهُمَا مِنْ أُمّهِمَا: شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، أَحَدُ الْغَوْثِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: شُرَحْبِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَحَدُ الْغَوْثِ بن مرّ، أخى تميم ابن مرّ.
[المهاجرون من بنى سهم وبنى عدى وبنى عامر]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُثْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ أهبان بن وهب بن حذافة بن جمح، أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا.
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ: خُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قيس بن عدىّ ابن سَعْدِ بْنِ سَهْلٍ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢١٠ ]
قال ابن هشام: العاص بن وائل بن هَاشِمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ.
وَأَبُو قَيْسِ بن الحارث بن قيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم، والحارث ابن الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، وَمَعْمَرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، وَبِشْرُ بن الحارث بن قيس بن عدىّ ابن سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، وَأَخٌ لَهُ مِنْ أُمّهِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، يُقَالُ لَهُ: سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو، وَسَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، وَالسّائِبُ بْنُ الحارث ابن قيس بن عدي بن سعد بن سهم، وعمير بن رئاب بن حذيفة بن مهشم بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، وَمَحْمِيّةُ بْنُ الْجَزَاءِ، حَلِيفٌ لَهُمْ، مِنْ بَنِي زُبَيْدٍ، أَرْبَعَةَ عَشَرَ رجلا.
وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ: مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نَضْلَةُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ حُرْثَانَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيّ، وَعُرْوَةُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ حُرْثَانَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيّ، وعدىّ بن نضلة بن عبد العزّى ابن حرثان بن عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيّ، وَابْنُهُ النّعْمَانُ بْنُ عَدِيّ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، حَلِيفٌ لِآلِ الْخَطّابِ، مِنْ عَنْزِ بْنِ وَائِلٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ:
لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حثمة بن غانم. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ: أبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزّى بن أبى قيس بن عبدودّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢١١ ]
أُمّ كُلْثُومٍ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عبد شمس بن عبدودّ بن نصر بن مالك ابن حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْن مَخْرَمَةَ بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبدود بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو ابن عبد شمس بن عبدودّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ، وَسُلَيْطُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بن عبدود بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ، وَأَخُوهُ:
السّكْرَانُ بْنُ عَمْرٍو، مَعَهُ امْرَأَتُهُ: سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس ابن عبدودّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عامر، ومالك بن زمعة بن قيس ابن عبد شمس بن عبدود بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ:
عَمْرَةُ بِنْتُ السّعْدِيّ بْنِ وقدان بن عبد شمس بن عبدودّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ، وَحَاطِبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بن عبدودّ بن نصر بن مالك ابن حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ، وَسَعْدُ بْنُ خَوْلَةُ، حَلِيفٌ لَهُمْ. ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَعْدُ بن خولة من اليمن.
[المهاجرون مِنْ بَنِي الْحَارِثِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرّاحِ، وَهُوَ: عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث ابن فهر، وَسُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ، وَهُوَ: سُهَيْلُ بْنُ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبّةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَلَكُنّ أُمّهُ غَلَبَتْ عَلَى نَسَبِهِ، فَهُوَ يُنْسَبُ إلَيْهَا، وَهِيَ: دَعْدُ بِنْتُ جَحْدَمِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ ظَرِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ، وَكَانَتْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢١٢ ]
تُدْعَى: بَيْضَاءَ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي سَرْحِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبّةَ ابن الْحَارِثِ، وَعِيَاضُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدّادِ بْنِ رَبِيعَةَ بن هلال بن أهيب ابن ضَبّةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَيُقَال: بَلْ رَبِيعَةُ بْنُ هلال بن مالك بن ضبّة ابن الحارث، وعمرو بن الحارث بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدّادِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ مالك ابن ضَبّةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ غَنْمِ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدّادِ بْنِ رَبِيعَةَ ابن هِلَالِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ضَبّةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَسَعْدُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ عامر ابن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر، والحارث بن عبد قيس بن لقيط ابن عامر بن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر. ثمانية نفر.
[عدد الذين هاجروا إلَى الْحَبَشَةِ]
فَكَانَ جَمِيعُ مَنْ لَحِقَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَهَاجَرَ إلَيْهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، سِوَى أَبْنَائِهِمْ الذين خرجوا مَعَهُمْ صِغَارًا وَوُلِدُوا بِهَا، ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، إنْ كَانَ عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ فِيهِمْ، وَهُوَ يشك فيه.
[من شعر الهجرة الحبشية]
وَكَانَ مِمّا قِيلَ مِنْ الشّعْرِ فِي الْحَبَشَةِ، أَنّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ ابن عَدِيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، حِين أَمِنُوا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَحَمِدُوا جِوَارَ النّجَاشِيّ، وَعَبَدُوا اللهَ، لَا يَخَافُونَ عَلَى ذَلِكَ أَحَدًا، وَقَدْ أَحْسَنَ النجاشى جوارهم حين نزلوا به، قال:
يَا رَاكِبًا بَلّغَنْ عَنّى مُغَلْغِلَةً مَنْ كَانَ يَرْجُو بَلَاغَ اللهِ وَالدّينِ
كُلّ امْرِئِ مِنْ عِبَادِ اللهِ مُضْطَهَد بِبَطْنِ مَكّةَ مَقْهُورٍ وَمَفْتُونِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢١٣ ]
أَنّا وَجَدْنَا بِلَادَ اللهِ وَاسِعَةً تُنْجِي مِنْ الذّلّ وَالْمَخْزَاةِ وَالْهُونِ
فَلَا تُقِيمُوا عَلَى ذُلّ الْحَيَاةِ، وَخِزْ يٍ فِي الْمَمَاتِ، وَعَيْبٍ غَيْرِ مَأْمُونِ
إنّا تَبِعْنَا رَسُولَ اللهِ، وَاطّرَحُوا قَوْلَ النّبِيّ، وَعَالُوا فِي الْمَوَازِينِ
فَاجْعَلْ عَذَابَكَ بِالْقَوْمِ الّذِينَ بَغَوْا وَعَائِذًا بِك أَنْ يَعْلُوَا فَيُطْغُونِي
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ أَيْضًا، يَذْكُرُ نَفْيَ قُرَيْشٍ إيّاهُمْ مِنْ بِلَادِهِمْ، وَيُعَاتِبُ بَعْضَ قَوْمِهِ فِي ذَلِكَ:
أَبَتْ كَبِدِي لَا أَكْذِبَنْك قِتَالَهُمْ عَلَيّ، وَتَأْبَاهُ عَلَيّ أَنَامِلِي
وَكَيْفَ قِتَالِي مَعْشَرًا أَدّبُوكُمْ عَلَى الْحَقّ أَنْ لَا تَأْشِبُوهُ بِبَاطِلِ
نَفَتْهُمْ عِبَادُ الْجِنّ مِنْ حُرّ أَرْضِهِمْ فَأَضْحَوْا عَلَى أَمْرٍ شَدِيدِ الْبَلَابِلِ
فَإِنْ تَكُ كَانَتْ فِي عَدِيّ أَمَانَةٌ عَدِيّ بْنِ سَعْدٍ عَنْ تُقًى، أَوْ تَوَاصُلِ
فَقَدْ كُنْتُ أَرْجُو أَنّ ذَلِكَ فِيكُمْ بِحَمْدِ الّذِي لَا يُطّبَى بِالْجَعَائِلِ
وَبُدّلْت شِبْلًا شِبْلَ كُلّ خَبِيثَةٍ بِذِي فَجْرٍ مَأْوَى الضّعَافِ الْأَرَامِلِ
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ أَيْضًا:
وَتِلْكَ قُرَيْشٌ تَجْحَدُ اللهَ حَقّهُ كَمَا جَحَدَتْ عَادٌ وَمَدْيَنُ وَالْحِجْرُ
فَإِنْ أَنَا لَمْ أُبْرِقْ فَلَا يَسَعَنّنِي مِنْ الْأَرْضِ بَرّ ذُو فَضَاءٍ وَلَا بَحْرُ
بِأَرْضٍ بِهَا عَبَدَ الْإِلَهَ مُحَمّدٌ أُبَيّنُ مَا فِي النّفْسِ إذ بلغ النّقر
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢١٤ ]
فَسُمّيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ- يَرْحَمُهُ اللهُ- لبيته الذى قال: المبرق.
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ يُعَاتِبُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جمح، وَهُوَ ابْنُ عَمّهِ، وَكَانَ يُؤْذِيهِ فِي إسْلَامِهِ، وَكَانَ أُمَيّةُ شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ فِي زَمَانِهِ ذَلِكَ:
أَتَيْمَ بْنَ عَمْرٍو لِلّذِي جَاءَ بِغْضَةً وَمِنْ دُونِهِ الشّرْمَانُ وَالْبَرْكُ أَكْتَعُ
أَأَخْرَجْتَنِي مِنْ بَطْنِ مَكّةَ آمِنًا وَأَسْكَنْتنِي فِي صَرْحِ بَيْضَاءَ تقذع
قريش نِبَالًا لَا يُوَاتِيكَ رِيشُهَا وَتُبْرَى نِبَالًا رِيشُهَا لَكَ أَجْمَعُ
وَحَارَبْتَ أَقْوَامًا كِرَامًا أَعِزّةً وَأَهْلَكْتَ أَقْوَامًا بِهِمْ كُنْتَ تَفْزَعُ
سَتَعْلَمُ إنْ نَابَتْك يَوْمًا مُلِمّةٌ وَأَسْلَمَك الْأَوْبَاشُ مَا كُنْتَ تَصْنَعُ
وَتَيْمُ بْنُ عَمْرٍو، الّذِي يَدْعُو عُثْمَانَ، جُمَحُ، كان اسمه: تيما.
ــ
حَوْلَ آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ اسْتِمَاعَ أَبِي جَهْلٍ وَأَبِي سُفْيَانَ وَالْأَخْنَسِ إلَى قَوْلِ أَبِي جَهْلٍ:
فَلَمّا تَجَاذَيْنَا عَلَى الرّكَبِ. وَقَعَ فِي الْجَمْهَرَةِ: الْجَاذِي: الْمُقْعِي عَلَى قَدَمَيْهِ «١» قَالَ: وربما جعلوا الجاذى والجاثى سواء.
_________________
(١) فى القاموس: جذا جذوا وجذوا كسمو ثبت قائما، كأجذى، أو جثا، أو قام على أطراف أصابعه: وتجاذى: نسل، وهى فى النسخة التى معى لابن هشام: تحاذينا
[ ٣ / ٢١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ قَوْلَ اللهِ سُبْحَانَهُ خَبَرًا عَنْهُمْ: جَعَلْنا بَيْنَكَ، وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا الْإِسْرَاءِ: ٤٥ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَسْتُورٌ بِمَعْنَى: سَاتِرٌ كما قال: «وكان وعده مأتيّا» أَيْ: آتِيًا، وَالصّحِيحُ أَنّ مَسْتُورًا هُنَا عَلَى بَابِهِ؛ لِأَنّهُ حِجَابٌ عَلَى الْقَلْبِ، فَهُوَ لَا يُرَى.
وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ حِينَ سُئِلَ عن قوله: أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ
_________________
(١) - هذا وقد ذكر ابن هشام سبب نزول قوله سبحانه: «وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها» وإليك هنا ما ورد عن هذا فى الصحيحين وأحمد عن ابن عباس قال: نزلت هذه الاية ورسول اللهﷺ- متوار بمكة: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ، وَلا تُخافِتْ بِها) قال: كان إذا صلّى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن، وسبوا من أنزله، ومن جاء به، قال: فقال الله لنبيهﷺ- (ولا تجهر بصلاتك) أى بقراءتك، فيسمع المشركون، فيسبون القرآن، ولا تخافت بها عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك: (وابتغ بين ذلك سبيلا) ولكن قصر الاية على هذا السبب يجعلها معطلة الان، إذ ما ثم بيننا مثل هؤلاء المشركين الذين نخشاهم. ومن زعم أنها للدعاء فقد أخطأ، فالدعاء يقول الله فيه: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) وقد روى عن ابن عباس: «لا تصل مراآة الناس، ولا تدعها مخافة الناس»، وعن الحسن البصرى: لا تحسن علانيتها، وتسىء سريرتها. وقد روى ابن جرير عن ابن سير بن قوله: نبئت أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ خفض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته، فقيل لأبى بكر: لم تصنع هذا؟ قال: أناجى ربى ﷿- وقد علم حاجتى، فقيل: أحسنت، وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان، قيل: أحسنت، فلما نزلت: (ولا تجهر بصلاتك، ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا) قيل لأبى بكر: ارفع شيئا، وقيل لعمر: اخفض شيئا. هذا هدى القرآن فى القراءة فى الصلاة
[ ٣ / ٢١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي صُدُورِكُمْ فَقَالَ: الْمَوْتَ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ يَحْتَاجُ إلَى تَفْسِيرٍ، وَرَأَيْت لِبَعْضِ الْمُتَأَخّرِينَ فِيهِ، قَالَ: أَرَادَ ابْنُ عَبّاسٍ أَنّ الْمَوْتَ سَيَفْنَى كَمَا يَفْنَى كُلّ شَيْءٍ، كَمَا جَاءَ أَنّهُ يُذْبَحُ عَلَى الصّرَاطِ، فَكَانَ الْمَعْنَى أَنْ لَوْ كُنْتُمْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا لَأَدْرَكَكُمْ الْفَنَاءُ وَالْمَوْتُ، وَلَوْ كُنْتُمْ الْمَوْتَ الّذِي هُوَ كَبِيرٌ فِي صُدُورِكُمْ، فَلَا بُدّ لَكُمْ مِنْ الْفَنَاءِ- وَاَللهُ أَعْلَمُ- بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ، وَقَدْ بَقِيَ فِي نَفْسِي مِنْ تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ شَيْءٌ «١»، حَتّى يُكْمِلَ اللهُ نِعْمَتَهُ بِفَهْمِهَا إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى- وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ:
وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: نُفُورًا: جَمْعُ نَافِرٍ، فَيَكُونُ نَصْبًا عَلَى الْحَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مصدرا مؤكدا لولوا. وَمِمّا أَنْزَلَ اللهُ فِي اسْتِمَاعِهِمْ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ، أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ يُونُسَ: ٤٢ أَلَا تَرَى كَيْفَ جَمَعَ يَسْتَمِعُونَ، وَالْحَمْلُ عَلَى اللّفْظِ إذَا قُرّبَ مِنْهُ أَحْسَنُ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ فَأُفْرِدَ، حَمْلًا عَلَى لَفْظِ مَنْ، وَقَالَ فِي آخِرِ الْآيَةِ: وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، فَجُمِعَ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى، لِمَا بَعُدَ عَنْ اللّفْظِ، وَهَكَذَا كَانَ الْقِيَاسُ فِي قَوْلِهِ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ، وَلَكِنْ لَمّا كَانُوا جَمَاعَةً، وَنَزَلَتْ الْآيَةُ فِيهِمْ بِأَعْيَانِهِمْ، صَارَ الْمَعْنَى: وَمِنْهُمْ نَفَرٌ يَسْتَمِعُونَ، يَعْنِي أُولَئِكَ النّفَرَ، وَهُمْ أَبُو جَهْلٍ وَأَبُو سُفْيَانَ وَالْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، أَلَا تَرَى كَيْفَ قَالَ بعد: وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ فَأُفْرِدَ حَمْلًا عَلَى اللّفْظِ لِارْتِفَاعِ السّبَبِ الْمُتَقَدّمِ، والله أعلم.
_________________
(١) الاية واضحة يعنى: أى خلق يكبر فى صدور هؤلاء ومن هم على شاكلتهم، ولهذا قال مجاهد: السماء والأرض والجبال، وفى رواية: ما شئتم فكونوا فسيعيدكم الله بعد موتكم.
[ ٣ / ٢١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمُكْرَهُ عَلَى الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ تَعْذِيبَ مَنْ أَسْلَمَ وَطَرْحَهُمْ فِي الرّمْضَاءِ، وَكَانُوا يُلْبِسُونَهُمْ أَدْرَاعَ الْحَدِيدِ، حَتّى أَعْطَوْهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا سَأَلُوا مِنْ كَلِمَةِ الْكُفْرِ إلّا بِلَالًا﵀- وَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَنَزَلَ فِي عَمّارٍ وَأَبِيهِ: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً «١» وَلَمّا كَانَ الْإِيمَانُ أَصْلُهُ فِي الْقَلْبِ، رَخّصَ لِلْمُؤْمِنِ فِي حَالِ الْإِكْرَاهِ أَنْ يَقُولَ بِلِسَانِهِ إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ حَتّى يَأْمَنَ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا مِنْ كَلِمَةٍ تَدْفَعُ عَنّي سَوْطَيْنِ إلّا قُلْتهَا هَذَا فِي الْقَوْلِ، فَأَمّا الْفِعْلُ، فَتَنْقَسِمُ فِيهِ الْحَالُ: فَمِنْهُ مَا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ، إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْقَتْلَ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ إلّا مَا دُونَ الْقَتْلِ، فَالصّبْرُ لَهُ أَفْضَلُ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ فِي ذَلِكَ إلّا كَسَجْنِ يَوْمٍ، أَوْ طَرَفٍ مِنْ الْهَوَانِ خَفِيفٍ، فَلَا تَحِلّ لَهُ الْمَعْصِيَةُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَأَمّا الْإِكْرَاهُ عَلَى الْقَتْلِ، فَلَا خِلَافَ فِي حَظْرِهِ؛ لِأَنّهُ إنّمَا رَخّصَ لَهُ فِيمَا دُونَ الْقَتْلِ، لِيَدْفَعَ بذلك قتل نفس مؤمنة،
_________________
(١) روى العوفى عن ابن عباس أن الاية: «إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ» نزلت فى حق عمار ابن ياسر، وهكذا قال الشعبى وقتادة وأبو مالك وابن جرير، ورواه البيهقى، وفيه أنه سب النبى «ص» وذكر آلهتهم بخير، فشكا ذلك إلى النبى، فقال: يا رسول الله ما تركت حتى سببتك، وذكرت آلهتهم بخير، قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنا بالإيمان، فقال: إن عادوا فعد. أما الأخرى فلم يذكر لها سبب. وروى قصة تعذيب بلال أحمد فى مسنده، وروى ابن أبى شيبة أن أبا بكر اشتراه بخمس أواق وهو مدفون، كما روى الطبرانى أن عامر بن فهيرة كان ممن يعذب فى الله، فاشتراه أبو بكر وأعتقه.
[ ٣ / ٢١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَهِيَ نَفْسُهُ، فَأَمّا إذَا دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِنَفْسِ أُخْرَى، فَلَا رُخْصَةَ، وَاخْتُلِفَ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الزّنَى، فَذُكِرَ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنّهُ قَالَ: لَا رُخْصَةَ فِيهِ؛ لِأَنّهُ لَا يَنْتَشِرُ لَهُ إلّا عَنْ إرَادَةٍ فِي الْقَلْبِ أَوْ شَهْوَةٍ، وَأَفْعَالُ الْقَلْبِ لَا تُبَاحُ مَعَ الْإِكْرَاهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ يُرَخّصُ فِي ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ الْقَتْلَ، لِأَنّ انْبِعَاثَ الشّهْوَةِ عِنْدَ الْمُمَاسّةِ بِمَنْزِلَةِ انْبِعَاثِ اللّعَابِ عِنْدَ مَضْغِ الطّعَامِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَكْلُ الْحَرَامِ إذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ. فَصْلٌ: واختلف الأصوليون فى مسئلة مِنْ الْإِكْرَاهِ، وَهِيَ: هَلْ الْمُكْرَهُ عَلَى الْفِعْلِ مُخَاطَبٌ بِالْفِعْلِ، أَمْ لَا؟ فَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: لَا يَصِحّ الْأَمْرُ بِالْفِعْلِ مَعَ الْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ الْأَشْعَرِيّةُ: ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنّ الْعَزْمَ إنّمَا هُوَ فِعْلُ الْقَلْبِ، وَقَدْ يُتَصَوّرُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْحِينِ الْعَزْمُ وَالنّيّةُ، وَهِيَ الْقَصْدُ إلَى امْتِثَالِ أَمْرِ اللهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ أَنّهُ يَفْعَلُهُ خَوْفًا مِنْ النّاسِ، وَذَلِكَ إذَا أُكْرِهَ عَلَى فَرْضٍ كَالصّلَاةِ مَثَلًا، إذَا قِيلَ: صَلّ وَإِلّا قُتِلْت، وَأَمّا إذَا قِيلَ لَهُ: إنْ صَلّيْت قُتِلْت، فَظَنّ الْقَاضِي أَنّ الْخِلَافَ بَيْنَنَا، وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي ذَلِكَ، وَغَلّطَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، وقالوا: لا خلاف فى هذه المسئلة أَنّهُ مُخَاطَبٌ بِالصّلَاةِ مَأْمُورٌ بِهَا، وَإِنْ رُخّصَ لَهُ فِي تَرْكِهَا، فَلَيْسَ التّرْخِيصُ مِمّا يُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِ الْخِطَابِ، وَإِنّمَا يَرْفَعُ عَنْهُ الْإِكْرَاهُ الْمَأْثَمَ، وَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُخَاطَبًا بِهَا، وَهَذَا الْغَلَطُ الْمَنْسُوبُ إلَى الْقَاضِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَيْسَ بِقَوْلِ لَهُ، وَإِنّمَا حَكَاهُ فِي كِتَابِ التّقْرِيبِ وَالْإِرْشَادِ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ. قَالُوا: لَا يُتَصَوّرُ الْقَصْدُ وَالْإِرَادَةُ لِلْفِعْلِ مَعَ الْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ. قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنّهُ يُتَصَوّرُ انْكِفَافُهُ عَنْهُ مَعَ الْإِكْرَاهِ، فَكَذَلِكَ يُتَصَوّرُ مِنْهُ الْقَصْدُ إلَى الِامْتِثَالِ لَهُ، وَبِهِ يَتَعَلّقُ التّكْلِيفُ، فَإِنّمَا غَلِطَ مَنْ نَسَبَ إلَيْهِ من الأصوليين
[ ٣ / ٢١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هَذَا الْقَوْلَ الّذِي أَبْطَلَهُ، وَبَيّنَ بُطْلَانَهُ، وَإِنّمَا ذَكَرْت مَا قَالُوهُ قَبْلَ أَنْ أَرَى كَلَامَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَأَقِفَ عَلَى حَقِيقَةِ مَذْهَبِهِ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْغَلَطِ فِيهَا.
آلُ يَاسِرٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ فِيمَنْ عُذّبَ فِي اللهِ: سُمَيّةُ أُمّ عَمّارٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَتْلَ أَبِي جَهْلٍ لَهَا، وَهِيَ أَوّلُ شَهِيدٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَرُوِيَ أَنّ عَمّارًا قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: لَقَدْ بَلَغَ مِنّا الْعَذَابُ كُلّ مَبْلَغٍ، فَقَالَ لَهُ النّبِيّﷺ-: صَبْرًا أَبَا الْيَقْظَانِ «١»، ثُمّ قَالَ: اللهُمّ لَا تُعَذّبْ أَحَدًا مِنْ آلِ عَمّارٍ بِالنّار، وَسُمَيّةُ أُمّهُ، وَهِيَ بِنْتُ خَيّاطٍ «٢»، كَانَتْ مَوْلَاةً لِأَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَاسْمُهُ مُهَشّمٌ، وَهُوَ عَمّ أَبِي جَهْلٍ، وَغَلِطَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِيهَا، فَزَعَمَ أَنّ الْأَزْرَقَ مَوْلَى الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ خَلَفَ عَلَيْهَا بَعْدَ يَاسِرٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ سَلَمَةَ بْنَ الْأَزْرَقِ، وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالنّسَاءِ: إنّمَا سُمَيّةُ أُمّ سَلَمَةَ بْنِ الْأَزْرَقِ سُمَيّةُ أُخْرَى، وَهِيَ أم زياد ابن أَبِي سُفْيَانَ، لَا أُمّ عَمّارٍ، وَعَمّارٌ وَالْحُوَيْرِثُ وَعَبّودُ بَنُو يَاسِرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَالِكِ ابن كِنَانَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ الْحُصَيْنِ بْنِ لَوْذَيْنِ، ويقال الوذبم بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَامِرِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ زيام بْنِ عَنْسِ «٣» بْنِ مَالِكِ بن أدد بن زيد العنسىّ المذحجىّ
_________________
(١) ذكره ابن عبد البر.
(٢) وقيل خباط بضم الحاء وتشديد الباء، وعند الفاكهى: خبط بفتح الخاء وسكون الباء وعند ابن سعد أنها بنت سليم
(٣) فى الاشتقاق: عمار والحريث وعبد الله بنو ياسر. وفيه الوذيم. ويام بدلا من زيام وهذه أيضا فى الإصابة. وقد روى أحمد فى مسنده أن الرسول «ص» مر على عمار وأبيه وأمه، وهم يعذبون، فقال أبو عمار: يا رسول الله الدهر هكذا؟ فقال له: -
[ ٣ / ٢٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَلِيفٌ لِبَنِي مَخْزُومٍ، وَمِنْ وَلَدِ عَمّارٍ: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عُثْمَانَ ابن الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَهُوَ الْمَقْتُولُ بِالْأَنْدَلُسِ، قَتَلَهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ.
زِنّيرَةُ وَغَيْرُهَا:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ زِنّيرَةَ «١» الّتِي أَعْتَقَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَوّلُ اسمهما: زَايٌ مَكْسُورَةٌ بَعْدَهَا نُونٌ مَكْسُورَةٌ مُشَدّدَةٌ عَلَى وَزْنِ فِعّيلَةٍ، هكذا صَحّتْ الرّوَايَةُ فِي الْكِتَابِ، وَالزّنّيرَةُ: وَاحِدَةُ الزّنَانِيرِ، وَهِيَ الْحَصَا الصّغَارُ «٢»، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهَا: زَنْبَرَةٌ بِفَتْحِ الزّايِ وَسُكُونِ النّونِ وَبَاءٍ بَعْدَهَا، وَلَا تُعْرَفُ زَنْبَرَةٌ فِي النّسَاءِ، وَأَمّا فِي الرّجَالِ فَزَنْبَرَةُ بْنُ زُبَيْرِ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ صَاهِلَةَ بْنِ كَاهِلِ بْنِ الحارث ابن تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلٍ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَابْنُهُ: خَالِدُ بْنُ زنبرة، وهو الغرق قاله الدار قطنى.
أُمّ عُمَيْسٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ أُمّ عُمَيْسٍ «٣»، وَكَانَتْ لِبَنِي تَيْمِ بْنِ مُرّةَ أَعْتَقَهَا أَبُو بَكْرٍ،
_________________
(١) - النبى «ص» اصبر ثم قال: اللهم غفرا لال ياسر، وقد فعلت. وعند الطبرانى فى الأوسط: اصبروا آل ياسر موعدكم الجنة. أو أبشروا آل ياسر موعدكم الجنة
(٢) كان أبو جهل يتهكم بها وبمن آمن، فيقول: «ألا تعجبون إلى هؤلاء وأتباعهم. لو كان ما أتى محمد خيرا وحقا ما سبقونا إليه، أفتسبقنا زنيرة إلى رشد» ص ٢٦٩ ح ٦ شرح المواهب.
(٣) وذباب صغار أيضا.
(٤) أو عنيس، أو عبيس بالتصغير.
[ ٣ / ٢٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ هَؤُلَاءِ الّذِينَ عُذّبُوا فِي اللهِ لِمَا أَعْطَوْا بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا سُئِلُوا مِنْ الْكُفْرِ، جَاءَتْ قَبِيلَةُ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِأَنْطَاعِ الْأُدُمِ فِيهَا الْمَاءُ، فَوَضَعُوهُمْ فِيهَا، وَأَخَذُوهُمْ بِأَطْرَافِ الْأَنْطَاعِ، وَاحْتَمَلُوهُمْ إلّا بِلَالًا.
عَنْ بِلَالٍ:
وَقَوْلُ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ: لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ يَعْنِي: بِلَالًا، وَهُوَ عَلَى هَذَا الْحَالِ لَأَتّخِذَنهُ حَنَانًا «١» . أَيْ: لَأَتّخِذَن قَبْرَهُ مَنْسَكًا وَمُسْتَرْحَمًا. وَالْحَنَانُ:
الرّحْمَةُ، وَكَانَ بِلَالٌ ﵀ يُكَنّى: أَبَا عَبْدِ الْكَرِيمِ، وَقِيلَ: أَبَا عَبْدِ اللهِ، وَأُخْتُهُ غُفْرَةُ، وَقَدْ تَقَدّمَ فِي أَوّلِ الْكِتَابِ ذِكْرُ عُمَرَ مَوْلَى غُفْرَةَ، وَهِيَ هَذِهِ.
وَالْغُفْرَةُ: الْأُنْثَى مِنْ أَوْلَادِ الْأَرَاوِيّ «٢»، وَالذّكَرُ: غُفْرٌ.
بَابُ الْهِجْرَةِ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا نَسَبَ الْحَبَشَةِ فِي أَوّلِ الْكِتَابِ، وَأَمّا النّجَاشِيّ فَاسْمٌ لِكُلّ مَلِكٍ يَلِي الْحَبَشَةَ، كَمَا أَنّ كِسْرَى اسْمٌ لِمَنْ مَلَكَ الْفُرْسَ، وَخَاقَانَ اسْمٌ لِمَلِكِ التّرْكِ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَبَطْلَيْمُوسَ: اسْمٌ لِمَنْ مَلَكَ يُونَانَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْمَعْنَى قَبْلُ، وَاسْمُ هَذَا النّجَاشِيّ: أَصْحَمَةُ «٣» بْنُ أَبْجَرَ، وَتَفْسِيرُهُ: عَطِيّةُ. وَذَكَرَ
_________________
(١) هو عند الزبير بن بكار وأبى الفتح اليعمرى.
(٢) أر اوى بفتح أوله وثانيه وكسر الواو وتضعيف الياء: جمع قلة لأروية بضم أو كسر فسكون فكسر ففتح مع تشديد: أنثى الوعول، أو أنثى التيس الجبلى، وكذلك غفرة وجمع الكثرة: أروى على وزن أفعل، على غير قياس. وفى اللسان عن أبى العباس: «والصحيح عندى أن أراوى تكسير أروية. كأرجوحة وأراجيح، والأروى: اسم للجمع، وأروى تنون ولا تنون «انظر اللسان مادة روى»
(٣) كذلك ورد اسمه فى البخارى»، وفى مصنف ابن أبى شيبة بحذف الهمزة وحكى-
[ ٣ / ٢٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي أَوّلِ مَنْ خَرَجَ إلَى الْحَبَشَةِ: عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ وَزَوْجَهُ رُقَيّةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِﷺ- وَكَانَ حِينَ تَزَوّجَهَا يُغَنّيهَا النّسَاءُ:
أَحْسَنُ شَخْصَيْنِ رَأَى إنْسَانٌ رُقَيّةُ وَبَعْلُهَا عُثْمَانُ
وَلَدَتْ رُقَيّةُ لِعُثْمَانِ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ، وَبِهِ كَانَ يُكَنّى، وَمَاتَ عَبْدُ اللهِ وَهُوَ ابْنُ سِتّ سِنِينَ، وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنّ دِيكًا نَقَرَهُ فِي عَيْنِهِ، فَتَوَرّمَ وَجْهُهُ فَمَرِضَ، فَمَاتَ. وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ، ثُمّ كُنّيَ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَا عَمْرٍو، وَهَذَا هُوَ عَبْدُ اللهِ الْأَصْغَرُ. وَعَبْدُ اللهِ الْأَكْبَرُ هُوَ ابْنُهُ مِنْ فَاخِتَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ، وَأَكْبَرُ بَنِيهِ بَعْدَ هَذَيْنِ: عَمْرٌو، وَمِنْ بَنِيهِ عُمَرُ وَخَالِدٌ وَسَعِيدٌ وَالْوَلِيدُ وَالْمُغِيرَةُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ «١» وَأَبَانُ، وَفِي السّيرَةِ مِنْ غَيْرِ هذه الرواية أن رقية كانت
_________________
(١) - الإسماعيلى: أصخمة وقيل: أصحبة وقيل: صحبة، وقيل: مصحمة، وقيل اسمه: مكحول وقال مغلطاى: ملك الترك خاقان، والروم: قيصر واليمن: تبع، واليونان: بطليموس، واليهود: القيطون فيما قيل، والمعروف: مالح، وملك الصابئة: النمروذ ودهمز، وملك الهند: يعفور، والزنج: زغانة، ومصر والشام: فرعون، فإن أضيف إليهما الإسكندرية سمى: العزيز، ويقال المقوقس. ولملك العجم: كسرى، ولملك فرغانة: الإخشيد، والعرب من قبل العجم: النعمان، وملك البربر: جالوت. وجمع الحبش: أحبوش بضم أوله، وأما قولهم: الحبش فعلى غير قياس، وقالوا: حبشان وقالوا: أحبش وأصل التحبيش: التجميع. وكان النجاشى قديما لقبا لملوك الحبشة، ثم غير إلى الحطى. والنجاشى إما بفتح النون وإسكان الياء أو تشديدها أو بكسر النون مع مد الشين.
(٢) فى نسب قريش: عمرو وعمرو وخالد وأبان وحريم وأمهم: أم عمرو بنت جندب بن عمر بن حممة من الأزد من دوس. ومنهم الوليد وسعيد وأم عثمان-
[ ٣ / ٢٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْ أَحْسَنِ الْبَشَرِ، وَأَنّ رِجَالًا مِنْ الْحَبَشَةِ رَأَوْهَا بِأَرْضِهِمْ، فَكَانُوا يُدَرْكِلُونَ «١» إذَا رَأَوْهَا إعْجَابًا مِنْهُمْ بِحُسْنِهَا، فَكَانَتْ تَتَأَذّى بِذَلِكَ، وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ لِغُرْبَتِهِمْ أَنْ يَقُولُوا لَهُمْ شَيْئًا، حَتّى خَرَجَ أُولَئِكَ النّفَرُ مَعَ النّجَاشِيّ إلَى عَدُوّهِ الّذِي كَانَ ثَارَ عَلَيْهِ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا، فَاسْتَرَاحَتْ مِنْهُمْ، وَظَهَرَ النّجَاشِيّ عَلَى عَدُوّهِ، وَرَوَى الزّبَيْرُ فِي حَدِيثٍ أَسْنَدَهُ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- بَعَثَ رَجُلًا بِلُطُفٍ إلَى عُثْمَانَ وَرُقَيّةَ، فَاحْتُبِسَ عَلَيْهِ الرّسُولُ، فَقَالَ لَهُ ﵇: إنْ شِئْت أَخْبَرْتُك مَا حَبَسَك، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَقَفْت تَنْظُرُ إلَى عُثْمَانَ وَرُقَيّةَ تَعْجَبُ مِنْ حُسْنِهِمَا.
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ تَسْمِيَةَ الْمُهَاجِرِينَ «٢» إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَقَدْ تَقَدّمَ التّعْرِيفُ بِبَعْضِهِمْ، وَذَكَرْنَا سَبَبَ إسْلَامِ عَمْرِو بْنِ سعيد بن العاصى، وأنه
_________________
(١) - أمهم: فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ. ومنهم عبد الملك لا بقية له، وتوفى رجلا، أمه: أم البنين بنت عيينة بن حصين ابن حذيفة بن بدر. ومنهم: عائشة، وأم أبان، وأم عمرو. وأمهم: رملة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس ص ١٠٤
(٢) الدركلة كشر ذمة وسبحلة أى بكسر ففتح فسكون ففتح: لعبة للعجم أو ضرب من الرقص أو هى حبشية
(٣) فى فتح البارى: «أن الهجرة وقعت مرتين، وذكر أهل السير أن الأولى كانت فى شهر رجب من سنة خمس من المبعث، وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلا وأربع نسوة، وقيل: وامرأتان، وقيل: كانوا اثنى عشر رجلا، وقيل: كانوا عشرة، وأنهم خرجوا. حتى وصلوا إلى شعيبة مكان على ساحل البحر الأحمر، فاستأجروا سفينة- فى غير الفتح: سفينتين- بنصف دينار
[ ٣ / ٢٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَأَى نُورًا خَرَجَ مِنْ زَمْزَمَ أَضَاءَتْ لَهُ مِنْهُ نَخْلُ الْمَدِينَةِ، حَتّى رَأَوْا الْبُسْرَ فِيهَا، فَقَصّ رُؤْيَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: هَذِهِ بِئْرُ بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَهَذَا النّورُ فِيهِمْ يَكُونُ، فَكَانَ سَبَبًا لِبِدَارِهِ لِلْإِسْلَامِ.
رُؤْيَا سَعْدٍ وَخَالِدٍ وَلَدَيْ الْعَاصِ:
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدّمَ أَنّ هَذِهِ الرّؤْيَا إنّمَا كَانَتْ لِأَخِيهِ، وَأَنّ عَمْرًا هُوَ الّذِي عَبّرَهَا لَهُ، وَهَذَا هُوَ الصّحِيحُ فِيهَا، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَأَمّا أَخُوهُ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، فَكَانَ يَرَى- قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ- نَفْسَهُ قَدْ أشفى على نار تأجّح، وكان رسول اللهﷺ- قَدْ أَخَذَ بِحُجْزَتِهِ «١»، يَصْرِفُهُ عَنْهَا، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ عَلِمَ أَنّ نَجَاتَهُ مِنْ النّارِ عَلَى يَدَيْ رَسُولِ اللهِﷺ- فلما أَظْهَرَ إيمَانَهُ ضَرَبَهُ أَبُوهُ بِمَقْرَعَةِ، حَتّى كَسَرَهَا عَلَى رَأْسِهِ، وَحَلَفَ أَلّا يُنْفِقَ عَلَيْهِ، وَأَغْرَى بِهِ إخْوَتَهُ، فَطَرَدُوهُ وَآذَوْهُ، فَانْقَطَعَ إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- حَتّى هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ- كَمَا ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ- وأبوه سعيد بن العاصى أَبُو أُحَيْحَةَ الّذِي يَقُولُ فِيهِ الْقَائِلُ:
أَبُو أُحَيْحَةَ:
أَبُو أُحَيْحَةَ مَنْ يَعْتَمّ عِمّتَهُ يُضْرَبُ وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَذَا عَدَدِ
وَكَانَ إذَا اعْتَمّ لَمْ يَعْتَمّ قُرَشِيّ إعْظَامًا لَهُ «٢»، وَقَدْ قِيلَ فِي عِمّتِهِ أَيْضًا مَا أَنْشَدَهُ عَمْرُو بْنُ بَحْرٍ الْجَاحِظُ:
وَكَانَ أَبُو أُحَيْحَةَ قَدْ عَلِمْتُمْ بِمَكّةَ غَيْرَ مُهْتَضِمٍ ذَمِيمِ
إذَا شَدّ الْعِصَابَةَ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَامَ إلَى الْمَجَالِسِ والخصوم
_________________
(١) الحجزة: معقد الإزار
(٢) انظر أيضا ص ٧٨ الاشتقاق، وفيه يقول فوق ما ذكره السهيلى: أحيحة: تصغير: أحة، وهو ما يجده الإنسان فى قلبه من حرارة غيظ وحزن.
[ ٣ / ٢٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَقَدْ حَرُمَتْ عَلَى مَنْ كَانَ يَمْشِي بِمَكّةَ غَيْرَ مُحْتَقِرٍ لَئِيمِ «١»
مَاتَ أُحَيْحَةُ الّذِي كَانَ يُكْنَى بِهِ فِي حَرْبِ الْفِجَارِ، وَأَسْلَمَ مِنْ بَنِيهِ أَرْبَعَةٌ أَبَانٌ وَخَالِدٌ وَعَمْرٌو وَالْحَكَمُ الّذِي سَمّاهُ رَسُولُ اللهِﷺ- عبد الله، ومات أحيحة بن سعيد، والعاصى بْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ بَنِيهِ عَلَى الْكُفْرِ، قتل العاصى مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا.
أَمَةُ بِنْتُ خَالِدٍ وَأَبُوهَا:
وَذَكَرَ أَمَةَ بِنْتَ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ الّتِي وُلِدَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، قَالَ: وَتَزَوّجَهَا الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ، وَهِيَ الّتِي كَسَاهَا رَسُولُ اللهِﷺ- وَهِيَ
_________________
(١) الأبيات لأبى قيس بن الأسلت، وهى فى البيان والتبيين للجاحظ ص ٩٧ ح ٢ ط لجنة التأليف والترجمة والنشر. والشطرة الثانية من البيت الثالث هكذا «بمكة غير مدخل سقيم» وبعدها. وكان البخترى غداة جمع يدافعهم بلقمان الحكيم بأزهر من سراة بنى لؤى كبدر الليل راق على النجوم هو البيت الذى بنيت عليه قريش السر فى الزمن القديم وسطت ذوائب الفرعين منهم فأنت لباب سرهم الصميم وفى الروض: «إذا ما شد العصابة» وهو خطأ. ملحوظة: مازدته فى الأنساب هو من نسب قريش، كما حدث فى نسب عبد الرحمن بن عوف. فقد زدت بين عبد الحارث كلمة ابن من صفحة ٢٦٥ ومن الإصابة وتمت خلافات يسيرة عما هنا. ويقول ابن سعد إن الخطاب كان قد تبنى عامر بن ربيعة، فكان يقال: عامر بن الخطاب حتى نزلت: ادعوهم لابائهم.
[ ٣ / ٢٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صَغِيرَةٌ، وَجَعَلَ يَقُولُ: سَنّاهْ، سَنّاهْ يَا أُمّ خَالِدٍ!! أَيْ: حَسَنٌ حَسَنٌ «١» بِلُغَةِ الْحَبَشَةِ، وَكَانَتْ قَدْ تَعَلّمَتْ لِسَانَ الْحَبَشَةِ؛ لِأَنّهَا وُلِدَتْ بِأَرْضِهِمْ، وَوَلَدَتْ لِلزّبَيْرِ عَمْرًا وَخَالِدًا، يُقَالُ: إنّ أَبَاهَا خَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ أَوّلُ مَنْ كَتَبَ: بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ، مَاتَ بِأَجْنَادِينَ «٢» شَهِيدًا، وَكَانَ رسول اللهﷺ- قد اسْتَعْمَلَهُ عَلَى صَنْعَاءَ وَالْيَمَنِ، فَلَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِﷺ- أَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ، فَقَالَ: لَا أَعْمَلُ لِأَحَدِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِﷺ- أبدا، ويروى أن أباه سعيد بن العاصى مَرِضَ، فَقَالَ: إنْ رَفَعَنِي اللهُ مِنْ مَرَضِي لَا يُعْبَدُ إلَهُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ «٣» بِمَكّةَ أَبَدًا، فَقَالَ ابْنُهُ خَالِدٌ: اللهُمّ لَا تَرْفَعْهُ فهلك مكانه، فهؤلاء بنو سعيد بن العاصى بْنِ أُمَيّةَ:
عبد شمس:
وَعُثْمَانُ: هُوَ ابْنُ عَفّانَ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ، وَلَا يُخْتَلَفُ فِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنّهُ بِالدّالِ، وَأَمّا عَبْ شَمْسِ بْنِ سَعِيدِ بن زيد مناة بن تميم،
_________________
(١) حديثها فى البخارى، وأن النبى كساها خميصة لها أعلام، فجعل رسول الله «ص» يمسح الأعلام بيده، ويقول: سناه سناه. قال الحميدى: يعنى: حسن حسن ويقال سنا بالتشديد والتخفيف أو سنه
(٢) إذا نطقت بفتح الدال كسرت النون كالمثنى، وإذا قرئت بكسر الدال فتحت النون كالجمع
(٣) أبو كبشة هو: وجز بن غالب الذى كانت قريش تنسب رَسُولُ اللهِﷺ- إلَيْهِ؛ لأنهﷺ- خالف دين قريش، فقالت قريش: «نزعه أبو كبشة» لأن أبا كبشة خالف الناس فى عبادة الشعرى، والعرب تزعم أن أحدا لا يعمل شيئا إلا بعرق ينزعه شبهه. وكان أبو كبشة سيدا فى خزاعة. لم يعيروا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِهِ من تقصير كان فيه، ولكنهم أرادوا أن يشبهوه بخلاف أبى كبشة، فيقولون: خالف كما خالف أبو كبشة. ص ٢٦٢ نسب قريش.
[ ٣ / ٢٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَقَالَ فِيهِ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْقُتَبِيّ: عَبْدُ شَمْسٍ كَمَا فِي الْأَوّلِ. وَقَالَ أَكْثَرُ النّاسِ فِيهِ:
عَبْ شَمْسٍ «١»، ثُمّ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ، فَقِيلَ، مَعْنَاهُ: عَبْدُ شَمْسٍ، لَكِنْ أُدْغِمَتْ الدّالُ، وَقِيلَ: بَلْ [عَبْ شَمْسٍ و] عَبْ الشّمْسِ هُوَ ضوؤها أَوْ صَفَاؤُهَا، وَقِيلَ فِي الْمَثَلِ: هُوَ أَبْرَدُ مِنْ عَبْقُرّ أَيْ: الْبَرْدِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: وَهُوَ المبرد: من عب قرأى: بَيَاضُ قُرّ، وَمِنْ حَبْ قُرّ أَيْضًا «٢» . وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: أَعْنِي: عَبْ شَمْسٍ.
وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَقَالَ مَعْنَاهُ: عَبْءُ شَمْسٍ بِالْهَمْزِ. ثُمّ حُذِفَتْ الْهَمْزَةُ تَسْهِيلًا. وَعَبْءُ الشّمْسِ. وَعَبْوُهَا مِثْلُهُ «٣» .
عَمّارٌ لَمْ يُهَاجِرْ إلَى الْحَبَشَةِ:
وَشَكّ ابْنُ إسْحَاقَ فِي عَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ: هَلْ هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، أَمْ لَا. وَالْأَصَحّ عِنْدَ أَهْلِ السّيَرِ كَالْوَاقِدِيّ وَابْنِ عُقْبَةَ. وغيرهما أنه لم يكن فيهم.
_________________
(١) يكتب: عبشمس، ولقبه: مقروع ويقال بتضعيف الباء مع الإضافة
(٢) فى القاموس. حبقر «بفتح فسكون فضم فراء مشددة، كفعلل ذكروه فى الأبنية، ولم يفسروه، ومعناه: البرد حب الغمام، يقال: أبرد من حبقر، ويقال: عبقر، وأصله: حب قر «بفتح حاء حب وتشديد الباء مع إضافتها إلى قر» والقر- بضم القاف- البرد، والدليل على ما ذكرته: أن أبا عمر ابن العلاء يرويه: أبرد من عب قر، والعب- بفتح فتضعيف: اسم للبرد. انتهى» . وعب الشمس الذى هو ضوؤها بفتح العين وتشديد الباء أو تخفيفها.
(٣) ضوؤها ويقول محمد بن حبيب فى كتابه متشابه القبائل: كل شىء فى العرب عبد شمس غير عبشمس بن سعد فى تميم، وعبشمس بن آخر فى طيىء. هكذا قال بسكون الباء فيهما، وذكر غيره أن الذى فى تميم: عبشمس- بفتح الياء- والذى فى طىء: عبشمس «بكسر الباء» انظر ص ٤٥٠ ح ٢ المزهر
[ ٣ / ٢٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَوْلَ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ:
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ مَنْ هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِمْ تَمِيمَ بْنَ الْحَارِثِ. وَذَكَرَهُ الْوَاقِدِيّ وَغَيْرُهُ. وَالْحَارِثُ ابن قيس كان أبوه «١» من الْمُسْتَهْزِئِينَ الّذِينَ أَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الْحِجْرِ: ٩٥.
حَوْلَ بَنِي زُهْرَةَ وَطَلِيبِ بْنِ عَبْدٍ:
وَذَكَرَ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ مَنْ هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَهُمْ سِتّةُ نَفَرٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ السّابِعَ، وَهُوَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ شِهَابٍ «٢» جَدّ مُحَمّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، وَكَانَ اسْمُهُ: عَبْدَ الْجَانّ، فَسَمّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
عَبْدَ اللهِ «٣» مَاتَ بِمَكّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ «٤» وَأَخُوهُ: عَبْدُ اللهِ الْأَصْغَرُ شَهِدَ أُحُدًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، ثم أسلم.
_________________
(١) الحارث بن قيس بن عدى السهمى إليه فى الجاهلية كانت الحكومة والأموال. ذكر ابن عبد البر أنه أسلم، وهاجر إلى الحبشة مع بنيه الحارث وبشر ومعمر، وتعقبه ابن الأثير بأن الزبير بن بكار وابن الكلبى ذكرا أنه كان من المستهزئين، وزاد الذهبى فى التجريد: لم يذكر أحد أنه أسلم إلا أبا عمر، ورده فى الإصابة بأنه ذكره فى الصحابة أيضا: أبو عبيد ومصعب والطبر وغيرهم، ولا مانع من أن يكون قد تاب وصحب وهاجر، والاية ليست صريحة فى عدم توبة بعضهم.
(٢) هو عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن زهرة بن كلاب الزهرى. ذكره الزهرى والزبير وغيرهما فيمن هاجر إلى الحبشة، ومات بمكة قبل هجرة المدينة وكذا قال الطبرى
(٣) عن ابن سعد والزبير وزاد ابن سعد: ليس له حديث
(٤) رد الحافظ فى الإصابة قوله هذا؛ لأنه مأخوذ عن رواية الوقاصى
[ ٣ / ٢٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ الْمُطّلِبَ بْنَ عَبْدِ عَوْفٍ وَلَمْ يَذْكُرْ أَخَاهُ طَلِيبًا، وَكِلَاهُمَا هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، ومات بها، وَهُمَا أَخَوَا أَزْهَرِ بْنِ عَبْدِ عَوْفٍ.
مِنْ شِعْرِ الْهِجْرَةِ الْحَبَشِيّةِ وَمَسَائِلُهُ النّحْوِيّةُ:
فَصْلٌ: وَأَنْشَدَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ مَا قَالَهُ فِي أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَفِيهِ قَوْلُهُ:
أَلْحِقْ «١» عَذَابَك بِالْقَوْمِ الّذِينَ طَغَوْا وَعَائِذًا بِك أَنْ يَعْلُو فَيُطْغُونِي
أَنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ فِيمَا يَنْتَصِبُ عَلَى الْفِعْلِ الْمَتْرُوكِ إظْهَارُهُ، وَذَلِكَ لِحِكْمَةِ، وَهِيَ أَنّ الْفِعْلَ لَوْ ظَهَرَ لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ مَاضِيًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا، فَالْمَاضِي يُوهِمُ الِانْقِطَاعَ، وَالْمُتَكَلّمُ إنّمَا يُرِيدُ أَنّهُ فِي مَقَامِ الْعَائِذِ، وَفِي حَالِ عَوْذٍ، وَالْفِعْلُ الْمُسْتَقْبَلُ أَيْضًا يُؤْذِنُ بِالِانْتِظَارِ، وَفِعْلُ الْحَالِ مُشْتَرَكٌ مَعَ الْمُسْتَقْبَلِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ يُوهِمُ أَنّهُ غَيْرُ عَائِذٍ، فَكَانَ مَجِيئُهُ بِلَفْظِ الِاسْمِ الْمَنْصُوبِ عَلَى الْحَالِ أَدَلّ عَلَى مَا يُرِيدُ، فَإِنّ عَائِذًا كَقَائِمِ وَقَاعِدٍ، وَهُوَ الّذِي يُسَمّى عِنْدَ الْكُوفِيّينَ: الدّائِمُ، فَالْقَائِلُ: عَائِذًا بِك يَا رَبّ، إنّمَا يُرِيدُ: أَنَا فِي حَالِ عِيَاذٍ بِك، وَالْعَامِلُ فِي هَذِهِ الْحَالِ: تَكَلّمُهُ وَنِدَاؤُهُ، أَيْ: أَقُولُ قَوْلِي هَذَا عَائِذًا، وَلَيْسَ تَقْدِيرُهُ: عُذْت وَلَا أَعُوذُ، إنّمَا يُرِيدُ أَنْ يَسْمَعَهُ رَبّهُ، أَوْ يَرَاهُ عَائِذًا بِهِ.
وَقَوْلُهُ: أَنْ يَعْلُو يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَنْ مَعَ ما بعدها فى موضع نصب،
_________________
(١) - عن الزهرى، وهى تقول أنه قدم مع جعفر فى السفينة. لكن الوقاصى ضعيف. وذكر البخارى فى تاريخه عن عبد الله أنه أقام بالحبشة.
(٢) فى السيرة: فاجعل عذابك. وانظر ص ١٧ ج ١ من كتاب سيبوية
[ ٣ / ٢٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَفِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عِنْدَ النّحْوِيّينَ، أَمّا النّصْبُ فَعَلَى إضْمَارِ الْفِعْلِ، لِأَنّهُ قَالَ: عَائِذًا، فَأَعْلَمَ أَنّهُ خَائِفٌ، فَكَأَنّهُ قَالَ: أَخَافُ أَنْ يَعْلُو فَيُطْغُونِي، وَأَمّا الْخَفْضُ فَعَلَى إضْمَارِ حَرْفِ الْجَرّ، فَكَأَنّهُ قَالَ: مِنْ أَنْ يَعْلُو، وَهُوَ مَذْهَبُ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ فِي أَنْ الْمُخَفّفَةِ وَأَنْ الْمُشَدّدَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً الْأَنْبِيَاءِ: ٩٢ تَقْدِيرُهُ: لِأَنّ هَذِهِ، وَجَازَ إضْمَارُ حَرْفِ الْجَرّ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ حُرُوفُ الْجَرّ لَا تُضْمَرُ، لِأَنّهُمَا مَوْصُولَتَانِ بِمَا بَعْدَهُمَا، فَطَالَ الِاسْمُ بِالصّلَةِ، فَجَازَ حَذْفُ الْجَرّ تَخْفِيفًا. وَلِقَائِلِ أَنْ يَقُولَ: هَذِهِ دَعْوَى ادّعَيْتُمْ أَنّ أَنْ وَمَا بَعْدَهَا اسْمٌ مَخْفُوضٌ، وَهُوَ لَا يَظْهَرُ فِيهِ الْخَفْضُ، ثُمّ بَنَيْتُمْ التّعْلِيلَ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ؛ لِأَنّ الْخَفْضَ لَمْ يَثْبُتْ بَعْدُ، فَنَقُولُ: إنّمَا عَلِمْنَا أَنّهُ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ لِوُقُوعِهِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَقَعُ فِيهِ إلّا الْمَخْفُوضُ بِحَرْفِ الْجَرّ نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ التّوْبَةِ: ٩٧ وَنَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ التّوْبَةُ: ١٠٨ وَنَحْوُ قَوْلِهِ: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما الْبَقَرَةُ: ٢٨. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: أَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا، مَعْنَاهُ: بِأَنْ لَا يَعْلَمُوا، فَلَوْ كَانَ قَبْلَ أَنْ فَعَلَ لَقُلْنَا: حُذِفَ حَرْفُ الْجَرّ، فَتَعَدّى الْفِعْلُ، فَنَصَبَ، وَلَكِنْ أَجَدْرُ وَأَحَقّ اسْمَانِ لَا يَعْمَلَانِ، فمن هاهنا عرف النحويون أنه فى موضع خلض؛ إذْ لَا نَاصِبَ لَهُ، وَأَمّا مَا اعْتَلّوا بَهْ مِنْ طُولِ الِاسْمِ بِالصّلَةِ، وَأَنّ ذَلِكَ هُوَ الّذِي سَوّغَ لَهُمْ إضْمَارَ حَرْفِ الْجَرّ، فَتَعْلِيلٌ مَدْخُولٌ، يُنْتَقَضُ عَلَيْهِمْ بِالْأَسْمَاءِ الْمَوْصُولَةِ كَاَلّذِي وَمَنْ وَمَا، فَإِنّهَا قَدْ طَالَتْ بِالصّلَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إضْمَارُ حَرْفِ الْجَرّ فِيهَا، لَا تَقُولُ: خَرَجْت مَا عِنْدَك، وَلَا هَرَبْت الذى عندك
[ ٣ / ٢٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أَيْ: مَنْ الّذِي عِنْدَك، وَتَقُولُ: خَرَجْت أَنْ يَرَانِي زَيْدٌ، وَفَرَرْت أَنْ يَرَانِي عَمْرٌو، أَيْ: مِنْ أَنْ يَرَانِي، وَلِأَنْ يَرَانِي بَدَلٌ، عَلَى أَنّ الْعِلّةَ غَيْرُ مَا قَالُوا، وَهِيَ أَنّ أَنْ مَعَ الْفِعْلِ لَيْسَ بِاسْمِ مَحْضٍ، وَإِنّمَا هُوَ فِي تَأْوِيلِ اسْمٍ، وَالِاسْمُ الْمَحْضُ مَا دَلّ عَلَيْهِ حَرْفُ الْجَرّ، فَلَا بُدّ إذًا مِنْ إظْهَارِ حَرْفِ الْجَرّ إذَا جِئْت بِهِ؛ لِأَنّهُ اسْمٌ قَابِلٌ لِدُخُولِ الْخَوَافِضِ عَلَيْهِ، وَأَمّا أَنّ فَحَرْفٌ مَحْضٌ لَا يَصِحّ دُخُولُ حَرْفِ جَرّ عَلَيْهِ، وَلَا عَلَى الْفِعْلِ الْمُتّصِلِ بِهِ فَلَا تَقُولُ: هُوَ اسْمٌ مَخْفُوضٌ، إنّمَا هُوَ فى تأويل اسم مخفوض، فمن هاهنا فَرّقَتْ الْعَرَبُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَسْمَاءِ، فَإِذَا أَدْخَلْت عَلَيْهِ حَرْفَ الْجَرّ مُظْهَرًا جَازَ، لِأَنّهُ فِي تَأْوِيلِ اسْمٍ، وَإِذَا أَضْمَرْت حَرْفَ الْجَرّ جَازَ أَيْضًا الْتِفَاتًا إلَى أَنّ الْحَرْفَ الجار لَا يَدْخُلُ عَلَى الْحَرْفِ، وَلَا عَلَى الْفِعْلِ فحسن إسقاطه مراعاة للفظ أن، وللفظ الْفِعْل، وَقُلْنَا: هُوَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلَى معنى أن الكلام يئول إلَى الِاسْمِ الْمَخْفُوضِ، لَا أَنّهُ يَظْهَرُ فِيهِ خَفْضٌ، أَوْ يُقَدّرُ تَقْدِيرَ الْمَبْنِيّ الّذِي مَنَعَهُ الْبِنَاءُ مِنْ ظُهُورِ الْخَفْضِ فِيهِ، حَتّى يُشْبِهَ أَنْ فَنَقُولُ: هُوَ اسْمٌ مَبْنِيّ عَلَى السّكُونِ، لَا بَلْ نَقُولُ: هِيَ حَرْفٌ، وَالْحَرْفُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ حَرْفُ الْجَرّ، لَا مُضْمَرًا وَلَا مُظْهَرًا، وَإِنّمَا هُوَ تَقْدِيرٌ فِي الْمَعْنَى، لَا فِي اللّفْظِ، فَافْهَمْهُ. لَا يُضَافُ اسْمٌ إلَى أَنّ الْمَصْدَرِيّةِ: فَصْلٌ: وَاعْلَمْ أَنّ [أَنْ] الّتِي فِي تَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ لَا يُضَافُ إلَيْهَا اسْمٌ. تَقُولُ: هَذَا مَوْضِعُ أَنْ تَقْعُدَ وَيَوْمُ خُرُوجِك، وَلَا تَقُولُ: يَوْمُ أَنْ تَخْرُجَ؛ لِأَنّهَا لَيْسَتْ بِاسْمِ كَمَا قَدّمْنَا، وَإِنّمَا تُضَافُ إلَى الْأَسْمَاءِ الْمَحْضَةِ، لَا إلَى التّأْوِيلِ، وَلَا يُضَافُ إلَيْهَا أيضا
[ ٣ / ٢٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) اسْمُ الْفَاعِلِ، لَا بِمَعْنَى الْمُضِيّ، وَلَا بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ، وَلَا الْمَصْدَرِ إلّا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ نَحْوُ: مَخَافَةَ أَنْ تَقُومَ، وَذَلِك إذَا أَرَدْت مَعْنَى الْمَفْعُولِ بِأَنّ وَمَا بَعْدَهَا، وَأَمّا عَلَى نَحْوِ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى الْفَاعِلِ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِك. وَإِنّمَا تَكُونُ فَاعِلَةً مَعَ الْفِعْلِ إذَا ذَكَرْته قَبْلَهَا نَحْوُ: يَسُرّنِي أَنْ تَقُومَ، وَأَمّا مَعَ الْمَصْدَرِ مُضَافًا إلَيْهَا فَلَا، وَتَكُونُ مَفْعُولَةً مَعَ الْمَصْدَرِ وَمَعَ الْفِعْلِ مَعًا، وَكُلّ هَذَا الْأَسْرَارُ بَدِيعَةٌ مَوْضِعُهَا غَيْرُ هَذَا، لَكِنّي أَقُولُ هَهُنَا قَوْلًا لَائِقًا بِهَذَا الْمَوْضِعِ، فَإِنّي لَمْ أَذْكُرْ الْخَفْضَ بِإِضْمَارِ حَرْفِ الْجَرّ، فِي أَنّ وَإِنّ إلّا مُسَاعَدَةً لِمَنْ تَقَدّمَ، فَعَلَيْهِ بَنَيْت التّعْلِيلَ وَالتّأْصِيلَ، وَإِذَا أَبَيْت مِنْ التّقْلِيدِ فَلَا إضْمَارَ لِحُرُوفِ الْجَرّ فِيهَا، إنّمَا هُوَ النّصَبُ بِفِعْلِ مُضْمَرٍ أَوْ مُظْهَرٍ، أَمّا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فَإِنّمَا لَمّا قَالَ أَحَقّ عُلِمَ أَنّهُ يُوجِبُ عليه أن يقوم فيه، وكذلك أجذر أَلّا يَعْلَمُوا، وَمَعْنَى أَجْدَرَ: أَخْلَقُ وَأَقْرَبُ، وَلَمَا ثَبَتَتْ لَهُمْ هَذِهِ الصّفّةُ اقْتَضَى ذَلِكَ أَلّا يَعْلَمُوا؛ فَصَارَ مَنْصُوبًا فِي الْمَعْنَى، وَلَوْ جِئْت بِالْمَصْدَرِ الّذِي هُوَ اسْمٌ مَحْضٌ نَحْوُ: الْقِيَامُ وَالْعِلْمُ لَمْ يَصِحّ إضْمَارُ هَذَا الْفِعْلِ؛ لِأَنّ أَجْدَرَ وَأَحَقّ وَنَحْوَهُمَا اسْمَانِ يُضَافَانِ إلَى مَا بَعْدَهُمَا، فَلَوْ جِئْت بِالْقِيَامِ بَعْدَ قَوْلِك أَحَقّ، فقلت: أحق قيامك، لا نقلب المعنى. ولو نصبته بإضمار الّذِي أَضْمَرْت مَعَ أَنّ لَمْ يَكُنْ دَلِيلٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنّ الِاسْمَ يَطْلُبُ الْإِضَافَةَ، فَيُمْنَعُ مِنْ الْإِضْمَارِ وَالنّصَبِ، وَإِذَا وَقَعَتْ بَعْدَهُ لَمْ يَطْلُبْ الْإِضَافَةَ؛ لِمَا قَدّمْنَاهُ مِنْ امْتِنَاعِ إضَافَةِ الْأَسْمَاءِ إلَيْهَا، وَإِنّمَا اخْتَرْنَا هَذَا الْمَذْهَب، وَآثَرْنَاهُ عَلَى مَا تَقَدّمَ مِنْ إضْمَارِ الْخَافِضِ؛ لِأَنَا قَدْ نَجِدُهَا فِي مَوَاضِعَ مَجْرُورَةٍ،
[ ٣ / ٢٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَلَا يَجُوزُ إضْمَارُ حَرْفِ الْجَرّ، كَقَوْلِك: سِرْ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشّمْسُ، وَلَا يَجُوزُ إضْمَارٌ إلَى هَهُنَا، وَكَذَلِكَ تَقُولُ: هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا، وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا إضْمَارُ مِنْ، وَلَوْ كَانَ حَرْفُ الْجَرّ مَعَهَا لِلْعِلّتَيْنِ المتقدمتين لا طرّد جَوَازُ ذَلِكَ فِيهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنّمَا هِيَ أَبَدًا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا حَرْفُ الْجَرّ ظَاهِرًا مَفْعُولَةً بِفِعْلِ مُضْمَرٍ، وَقَدْ تَكُونُ فَاعِلَةً، وَلَكِنْ بِفِعْلِ ظَاهِرٍ نَحْوُ: يُعْجِبنِي أَنْ تَقُومَ، وَأَمّا خَرَجْت أَنْ أَرَى زَيْدًا فَعَلَى إضْمَارِ الْإِرَادَةِ وَالْقَصْدِ، كَأَنّك أَرَدْت: أَنْ أَرَاهُ، أَوْ أَنْ لَا أَرَاهُ؛ لِأَنّ كُلّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا، فَقَدْ أَرَادَ بِهِ أَمْرًا مَا، لَكِنّك إنْ جَعَلْت مَكَانَهَا الْمَصْدَرَ لَمْ يَجُزْ الْإِضْمَارُ أَوْ قُبّحَ؛ لِأَنّ الْمَصْدَرَ تَعْمَلُ فِيهِ الْأَفْعَالُ الظّاهِرَةُ إذَا كَانَتْ مُتَعَدّيَةً، وَتَصِلُ إلَيْهِ بِحَرْفِ جَرّ إذَا لَمْ تَكُنْ مُتَعَدّيَةً، وَأَنّ مَعَ الْفِعْلِ لَا تَعْمَلُ فِيهَا الْحَوَاسّ وَلَا أَفْعَالُ الْجَوَارِحِ الظّاهِرَةِ، تَقُولُ: رَأَيْت قِيَامَ زَيْدٍ، وَلَا تَقُولُ: أَنْ يَقُومَ، وَسَمِعْت كَلَامَك، وَلَا تَقُولُ: سَمِعْت أَنْ تَتَكَلّمَ، وَإِنّمَا يَتَعَلّقُ بِهَا، وَتَعْمَلُ فِيهَا الْأَفْعَالُ الْبَاطِنَةُ نَحْوُ: خِفْت وَاشْتَهَيْت وَكَرِهْت، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَى هَذَا أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، فَإِذَا سَمِعَ الْمُخَاطَبُ أَنّ مَعَ الْفِعْلِ لَمْ يَذْهَبْ وَهْمُهُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ إلّا إلَى هَذِهِ الْمَعَانِي، فَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً فَذَاكَ، وَإِلّا اعْتَقَدْنَا أَنّهَا مُضْمَرَةً، وَأَنّ الْفِعْلَ الظّاهِرَ دَالّ عَلَيْهَا، وَغَيْرُهَا مِنْ الْأَسْمَاءِ لَيْسَ كَذَلِكَ، إذَا وَقَعَ قَبْلَهَا فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ الظّاهِرَةِ، وَقَعَ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مُتَعَدّيًا أَوْ وُصِلَ بِحَرْفِ، إنْ كَانَ غَيْرَ مُتَعَدّ، وَمُنِعَ مِنْ الْإِضْمَارِ أَنّهُ لَفْظِيّ، وَالْإِضْمَارُ مَعْنَوِيّ إلّا فِي بَابِ الْمَفْعُولِ مِنْ أَجْلِهِ، وَقَدْ قَدّمْنَا فِيهِ سِرّا بَدِيعًا فِيمَا سَبَقَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ.
[ ٣ / ٢٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَصْلٌ: وَأَنْشَدَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ شِعْرًا فِيهِ:
كَمَا جَحَدَتْ عَادٌ وَمَدْيَنُ وَالْحِجْرُ
أَمّا عَادٌ فَقَدْ تَقَدّمَ نَسَبُهَا، وَأَمّا الْحِجْرُ فَلَيْسَتْ بِأُمّةِ، وَلَكِنّهَا دِيَارُ ثَمُودَ.
أَرَادَ: أَهْلَ الْحِجْرِ، وَأَمّا مَدْيَنُ فَأُمّةُ شُعَيْبٍ، وَهُمْ بَنُو مَدَيَانِ بْنِ إبْرَاهِيمَ ﵇، وَأُمّهُمْ: قُطُورًا بِنْتُ يَقِطَانِ الْكَنْعَانِيّةُ، وَلَدَتْ لَهُ ثَمَانِيّةً مِنْ الْوَلَدِ تَنَاسَلَتْ مِنْهُمْ أُمَمٌ، وَقَدْ سَمّيْنَاهُمْ فِي كِتَابِ التّعْرِيفِ وَالْإِعْلَامِ، وَفِي أَوّلِ هَذَا الْكِتَابِ.
وَفِيهِ أَيْضًا قَوْلُهُ: فَإِنْ أَنَا لَمْ أَبْرِقْ فَلَا يَسَعَنّنِي. الْبَيْتَ، قَالَ: وَبِهِ سُمّيَ الْمُبْرِقَ، قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَفِي هَذَا حُجّةٌ عَلَى الْأَصْمَعِيّ حِينَ مَنَعَ أَنْ يُقَالَ: أُرْعِد وَأُبْرِق، وَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ الْكُمَيْتِ:
أُرْعِدُ وَأُبْرِقُ يَا يَزِيدُ «١»
فَلَمْ يره حجة، [وقال: الكميت جر مقانىّ مِنْ أَهْلِ الْمُوصِلِ] لَيْسَ بِحُجّةِ، وَأَلْحَقَهُ بِالْمُحَدّثِينَ لِتَأَخّرِ زَمَانِهِ، كَمَا فَعَلَ بِذِي الرّمّةِ حِينَ احتج عليه بقوله:
_________________
(١) فى إصلاح المنظق لابن السكيت: وقد برق فى الوعيد ورعد يبرق ويرعد. - وزن نصر قال الأصمعى: ولا يقال أرعد وأبرق، وحكى اللغتين أبو عبيدة وأبو عمرو، فاحتج على الأصمعى ببيت الكميت. أرعد وأبرق يايز يد فما وعيدك لى بضائر فقال: ليس قول الكميت بحجة، هو مولد، واحتج ببيت المتلمس: فإذا حللت ودون بيتى غاوة فابرق بأرضك ما بدا لك وارعد ص ٢١٦ ط د. المعارف. مصر، وانظر ص ٩٧ ج ١ أمالى والسمط ص ٣٠٠
[ ٣ / ٢٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذُو زَوْجَةٍ بِالْمِصْرِ أَمْ ذُو خُصُومَةٍ
فَأَبَى أن يقول: زوجة بهاء التأنيت، وَقَالَ: طَالَمَا أَكَلَ ذُو الرّمّةِ الزّيْتَ فِي حَوَانِيتِ الْبَقّالِينَ «١»، وَبَيْتُ الْمُبْرِقِ فِي هَذَا حُجّةٌ بِلَا خِلَافٍ، وَقَدْ وُجِدَ أُرْعِدُ وَأُبْرِقُ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَيْتِ، مِمّا تَقُومُ بِهِ الْحُجّةُ أَيْضًا، وَبَيْتُ الْمُبْرِقِ هَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَبْرَقَ فِي الْأَرْضِ إذَا ذَهَبَ بِهَا لَا مِنْ أَرْعَدَ وَأَبْرَقَ، وَكَذَلِكَ وَجَدْته فِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الشّيْخِ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ مَنْسُوبًا لِلْمَصْعَبِ، قَالَ: الْإِبْرَاقُ: الذّهَابُ «٢»، وَفِي الْعَيْنِ: أَبَرَقَتْ النّاقَةُ بِذَنَبِهَا إذَا ضَرَبَتْ بِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَهُوَ فِي مَعْنَى الذّهَابِ فِي الْأَرْضِ، لِأَنّهُ جَوَلَانٌ فِيهَا، وَهِيَ الْبُرُوقُ، قَالَ نَهْشَلُ بْنُ دَارِمٍ لِأَخِيهِ سَلِيطٍ- وَقَدْ لَامَهُ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ: لا أحسن تاثامك، وَلَا تَكْذَابَكَ، تَشُولُ بِلِسَانِك شَوَلَانَ الْبُرُوقِ. وَذَكَرَ فِي الشّعْرِ:
يَلِينَ مَا فِي النّفْسِ إذْ بَلَغَ النّقْرُ «٣»
وَيُرْوَى: يَلِينَ مَا فِي الصّدْرِ. وَالنّقْرُ: الْبَحْثُ عَنْ الشّيْءِ، وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ فِيهِ:
التّنْقِيرُ، وَاسْتَشْهَدَ عَبْدُ اللهِ الْمُبْرِقُ فِي غَزْوَةِ الطّائِفِ، وَكَانَ أَبُوهُ الْحَارِثَ مِنْ الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَكَانَ جَدّهُ قَيْسٌ أَعَزّ قُرَيْشٍ فِي زَمَانِهِ، يروى أن عبد المطلب كان
_________________
(١) يقال: أبرق طعامه بزيت أو سمن: جعل منه فيه قليلا
(٢) فسرها المصعب بما قال السهيلى فى ص ٤٠١ من كتابه نسب قريش.
(٣) فى السيرة: أبين ما فى النفس، وفى نسب قريش ص ٤٠١ يبين ما فى الصدر.
[ ٣ / ٢٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُنَفّزُ «١» ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ، وَالِدَ رَسُولِ اللهِﷺ- وَهُوَ طِفْلٌ، فَيَقُولُ:
كأنه فى العزقيس بْنُ عَدِيّ فِي دَارِ قَيْسٍ النّدِيّ يَنْتَدِي «٢»
قَالَهُ الزّبِيرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ:
حَوْلَ لَامِ التّعَجّبِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ شِعْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ:
أَتَيْمَ بْن عَمْرٍو لِلّذِي جَاءَ بِغْضَةً
أَرَاهُ: عَجَبًا لِلّذِي جَاءَ، وَالْعَرَبُ تَكْتَفِي بِهَذِهِ اللّامِ فِي التّعَجّبِ، كَقَوْلِهِ ﵇: لِهَذَا الْعَبْدِ الْحَبَشِيّ جَاءَ مِنْ أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ إلَى الْأَرْضِ الّتِي خُلِقَ مِنْهَا، قَالَهُ فِي عَبْدٍ حَبَشِيّ دُفِنَ بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ فِي جِنَازَةِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى قَبْرِهِ، وَتَقَهْقَرَ ثُمّ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ لِهَذَا الْعَبْدِ الصّالِحِ ضُمّ عَلَيْهِ الْقَبْرُ ثُمّ فُرِجَ عَنْهُ، وَقِيلَ فِي قوله سبحانه: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ أَقْوَالٌ مِنْهَا: أَنّهَا مُتَعَلّقَةٌ بِمَعْنَى التّعَجّبِ، كَأَنّهُ قَالَ: اعْجَبُوا لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ، وَبِغْضَةً نُصِبَ على التمييز
_________________
(١) فى الأصل ينقر، وهو خطأ كان أيضا فى نسب قريش، وأصلحه محققه، ففى القاموس: نفزه تنفيزا: رقصه، وكذلك فى اللسان.
(٢) فى الاشتقاق ص ١٢٠: «وكان عبد المطلب يرقص ابنه الحارث أو الزبير فيقول: يا بأبى يا بأبى يا بأبى كأنه فى العزقيس بن عدى والشطرة الثانية روايتها هكذا «فى دار قيس ينتدى أهل الندى» ص ٤٠٠ نسب قريش.
[ ٣ / ٢٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَأَنّهُ قَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ بِغْضَةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ، وَرَوَى الزّبَيْرُ هَذَا الْبَيْتَ:
أَتَيْمَ بْنَ عمر للذى فارضغنه
مِنْ مَعَانِي شِعْرِ ابْنِ مَظْعُونٍ وَكَذَلِكَ رُوِيَ فِي هَذَا الشّعْرِ: فِي صَرْحِ بَيْطَاءَ تُقْدَعُ بِالطّاءِ وَفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا، وَقَالَ بِيَطَاءَ: اسْمُ سَفِينَةٍ، وَتُقْدَعُ بِالدّالِ، أَيْ: تُدْفَعُ، وَزَعَمَ أَنّ تَيْمَ بْنَ عَمْرٍو وَهُوَ جُمَحٌ سُمّيَ جُمَحًا؛ لِأَنّ أَخَاهُ سَهْمَ بْنَ عَمْرٍو- وَكَانَ اسْمُهُ زَيْدًا- سَابَقَهُ إلَى غَايَةٍ، فَجَمَحَ عَنْهَا تَيْمٌ، فَسُمّيَ جُمَحًا، وَوَقَفَ عَلَيْهَا زَيْدٌ، فَقِيلَ: قَدْ سَهَمَ «١» زَيْدٌ فَسُمّيَ: سَهْمًا.
وَقَوْلُهُ: وَمِنْ دُونِنَا الشّرْمَان. الشّرْمُ: الْبَحْرُ «٢» وَقَالَ الشّرْمَان بِالتّثْنِيَةِ؛ لِأَنّهُ أَرَادَ الْبَحْرَ الْمِلْحَ، وَالْبَحْرَ الْعَذْبَ، وَفِي التّنْزِيلِ: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ وَالشّرْمُ مِنْ: شَرَمْت الشّيْءَ إذَا خَرَقْته، وَكَذَلِكَ الْبَحْرُ مِنْ بَحَرْت الْأَرْضَ إذَا خَرَقْتهَا، وَمِنْهُ سُمّيَتْ الْبَحِيرَةُ لِخَرْقِ أُذُنِهَا وَالْبَرْكُ: مَا اطْمَأَنّ مِنْ الْأَرْضِ وَاتّسَعَ، وَلَمْ يَكُنْ مُنْتَصِبًا كَالْجِبَالِ.
وَقَوْلُهُ: فِي صَرْحِ بَيْضَاءَ. يُرِيدُ: مَدِينَةَ الْحَبَشَةِ، وَأَصْلُ الصّرْحِ: الْقَصْرُ، يُرِيدُ:
أَنّهُ سَاكِنٌ عِنْدَ صرح النّجاشىّ.
_________________
(١) يقال: ساهم القوم، فسهمهم: غلبهم.
(٢) فى القاموس: لجة البحر، أو الخليج منه، وفى شرح السيرة للخشنى أيضا الشرمان بضم النون: مرضع. ويقول عن «البرك أكتع» هذه رواية غريبة لأنه أكد بأكتع دون أن يتقدمه: أجمع.
[ ٣ / ٢٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله: تقذع أى: تكره، كأنه من أفذعت الشّيْءَ، إذَا صَادَفَتْهُ قَذِعًا وَيُقَالُ أَيْضًا: قَذَعْت الرّجُلَ إذَا رَمَيْته بِالْفُحْشِ، يُرِيدُ أَنّ أَرْضَ الْحَبَشَةِ مَقْذُوعَةٌ، وَأَحْسِبُ هَذِهِ الرّوَايَةَ تَصْحِيفًا، وَالصّحِيحُ: مَا قَدّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِ الزّبَيْرِ وَرِوَايَتِهِ، وَأَنّهُ بِيَطَاءَ بِالطّاءِ، وَتُقْدَعُ بِالدّالِ.
وَقَوْلُهُ: وَأَسْلَمَك الْأَوْبَاشُ يريد أخلاطا من الناس «١»، يقال: أو شاب وَأَوْبَاشٌ، وَالْأَوْبَاشُ أَيْضًا شَجَرٌ مُتَفَرّقٌ، وَالْوَبْشُ بَيَاضٌ فِي أَظْفَارِ الْأَحْدَاثِ.
أَنْسَابٌ:
وَذَكَرَ فِيمَنْ هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي عَدِيّ: مَعْمَرُ بن عبد الله ابن نَضْلَةَ، وَقَالَ فِيهِ عَلِيّ بْنُ الْمَدِينِيّ: إنّمَا هُوَ: مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نَافِعِ ابن نَضْلَةَ.
وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: نَضْلَةُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ حُرْثَانَ بْنِ عَوْفِ بْن عُبَيْدٍ وَفِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الشّيْخِ قَالَ: إنّمَا هُوَ نَضْلَةُ بْنُ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجٍ، وَذَكَرَ أَنّهُ قَوْلُ مُصْعَبٍ فِي كِتَابِ النّسَبُ «٢» . وَذَكَرَ فِي بَنِي عَدِيّ: عُرْوَةَ بْنَ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ حُرْثَانَ، كَذَا فِي كِتَابِ الْمُصْعَبِ إلّا أَنّهُ قَالَ: عَمْرُو بْنُ أَبِي أُثَاثَةَ أَوْ عُرْوَةُ بْنُ أَبِي أُثَاثَةَ عَلَى الشّكّ وَذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ فِي كِتَابِ الِاسْتِيعَابِ فَقَالَ فِيهِ: عُرْوَةُ بْنُ أَبِي أُثَاثَةَ وَيُقَالُ ابْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ حُرْثَانَ، قَالَ: وأمه، أم عمرو بن العاصى، فهو
_________________
(١) عند الخشنى: الضعفاء الداخلون فى القوم، وهو منهم. والبطارقة الوزراء.
(٢) هو كما ذكر فى جمهرة ابن حزم ص ١٤٧ وما بعدها، وفى نسب قريش لمصعب الزبيرى ص ٣٨٢، ص ٣٨٦ وزاد بعد عويج: ابن عدى بن كعب.
[ ٣ / ٢٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَخُوهُ لِأُمّ «١» .
قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَأُمّهُمَا اسْمُهَا: لَيْلَى، وَتَلَقّبَ بِالنّابِغَةِ، وَهِيَ مِنْ بَنِي رَبِيعَةَ ثُمّ مِنْ بَنِي جَلّانَ «٢» قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَيُقَالُ فِيهِ: ابْنُ أَبِي أُثَاثَةَ، قَالَ الْمُؤَلّفُ:
وَقَدْ قَدّمْنَا أَنّ الْمُصْعَبَ الزّبَيْرِيّ شَكّ فِيهِ، فَقَالَ: عروة، أبو عَمْرٌو، وَأَمّا الزّبَيْرُ: فَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَبِي أُثَاثَةَ، وَلَمْ يَشُكّ، ثُمّ قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَمْ يَذْكُرُهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِيمَنْ هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَذَكَرَهُ الْوَاقِدِيّ، وَأَبُو مَعْشَرٍ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَهَذَا وَهْمٌ مِنْ أَبِي عُمَرَ﵀- فَإِنّ ابْنَ إسْحَاقَ ذَكَرَهُ فِيهِمْ، غَيْرَ أَنّهُ نَسَبَهُ إلَى جَدّهِ عَبْدِ الْعُزّى، وَأَسْقَطَ اسْمَ أَبِيهِ أَبِي أُثَاثَةَ، وَقَالَ حِينَ ذَكَرَ مَنْ هَاجَرَ مِنْ بَنِي عدى بعد ما عدهم خمسة، قال:
_________________
(١) فى نسب قريش «ولد أبو أثاثة بن عبد العزى، عمرو بن أبى أثاثة، وعروة بن أبى أثاثة، وهو من مهاجرة الحبشة، وأمه: النابغة بنت حرملة أخواه لأمه؛ عمرو بن العاصى وأرنب بنت عفيف بن أبى العاصى بن أمية ابن عبد شمس» ص ٣٨١. وانظر ٤٠٩ من نفس الكتاب، فليس فيه شك، وإنما هما ولدان. أحدهما: عمرو، والاخر عروة. وتوجد لهما ترجمتان فى الإصابة، إلا أنه قال عن عروة- ولعله تصحيف- بن أبانة، ثم قال: ويقال ابن أبى أبانة ابن عبد العزى، بن حرامن بن عوف بن عبيد بن عويج الخ وفى جمهرة ابن حزم «وعمرو بن أبى أثاثة بْنُ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ حُرْثَانَ بْنِ عَوْفِ بن عويج بن عدى ابن كعب من مهاجرة الحبشة وهو أخو عمرو بن العاص لأمه وأخوه عروة ابن أبن أثاثة من مهاجرة الحبشة ص ١٤٨ وفى ص ١٥٤ منه «وأخواه لأمه- يعنى عمرو وعروة أبنا أبى أثاثة الحبشة» .
(٢) فى نسب قريش أن أمه: سبية من بنى عنزة ص ٤٠٩ وفى الإصابة: أمة من بنى عنزة. وفى جمهرة ابن حزم كما فى نسب قريش واسمها: النابغة ص ١٥٤.
[ ٣ / ٢٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَرْبَعَةُ نَفَرٍ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَذَكَرَ فِيهِمْ مَعَ الْخَمْسَةِ: لَيْلَى بِنْتَ أَبِي حَثْمَةَ امْرَأَةَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، فَهُمْ عَلَى هذا ستة، غير أنه يحتمل أن يُرِيدُ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ دُونَ حَلِيفِهِمْ عَامِرٍ، وَمَا أَظُنّهُ قَصَدَ هَذَا؛ لِأَنّ مِنْ عَادَتِهِ أَنّ يَعُدّ الْحُلَفَاءَ مَعَ الصّمِيمِ؛ لِأَنّ الدّعْوَةَ تَجْمَعُهُمْ.
أُمّ سَلَمَةَ:
وَذَكَرَ أُمّ سَلَمَةَ وَبَعْلَهَا أَبَا سَلَمَةَ، تُوُفّيَ عَنْهَا بِالْمَدِينَةِ، وَخَلّفَ عَلَيْهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ- وَذَكَرَ اسْمَهَا هَذَا، وَقِيلَ فِي اسْمِهَا: رَمَلَةُ «١»، وَأَبُوهَا أَبُو أُمَيّةَ اسْمُهُ: حُذَيْفَةُ يُعْرَفُ بِزَادِ الرّاكِبِ «٢» .
وَذَكَرَ أَنّهَا وَلَدَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سلمة، وكان اسم زينب
_________________
(١) فى الإصابة اسمها: هند. وقال عن القول بأن اسمها رملة: ليس بشىء.
(٢) وقيل أيضا: سهيل ولقب بهذا؛ لأنه كان إذا سافر لم توقد معه نار إلى أن يرجع. ورثاه أبو طالب: ألا إن خير الناس غير مدافع بسرو سحيم غيبته المقابر ومنها: وكان إذا يأتى من الشام قافلا تقدمه- تسعى إلينا- البشائر وهناك غيره من قريش أزاود الركب: أبو أمية بن المغيرة، مسافر ابن أبى عمرو بن أمية، زمعة بن الأسود، لأنهم- كما فى اللسان- كانوا إذا سافروا، فخرج معهم الناس لم يتخذوا زادا معهم، ولم يوقدوا، يكفونهم ويغنونهم يقول: المصعب الزبيرى: رثاه أبو طالب: وقد أيقن الركب الذى أنت فيهم إذا رحلوا يوما بأنك عاقر فسمى زاد الركب، واسمه: حذيفة، وكانت عنده عاتكة بنت عبد المطلب. انظر الاشتقاق ص ١٥٠، ٩٤ واللسان مادة: زود والإصابة ترجمة أم سلمة، ونسب قريش ص ٣٠٠.
[ ٣ / ٢٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
برة، فسماها رَسُولُ اللهِﷺ- زَيْنَبَ، كَانَتْ زَيْنَبُ هَذِهِ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ، وَكَانَتْ قَدْ دَخَلَتْ عَلَى رسول اللهﷺ- وهو يَغْتَسِلُ، وَهِيَ إذْ ذَاكَ طِفْلَةٌ، فَنَضَحَ فِي وَجْهِهَا مِنْ الْمَاءِ، فَلَمْ يَزَلْ مَاءُ الشّبَابِ فِي وَجْهِهَا «١»، حَتّى عَجَزَتْ وَقَارَبَتْ الْمِائَةَ، وَكَانَتْ مِنْ أَفْقَهِ أَهْلِ زَمَانِهَا، وَأَدْرَكَتْ وَقْعَةَ الْحَرّةِ بِالْمَدِينَةِ «٢»، وَقُتِلَ لَهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَدَانِ، اسم أحدهما:
كبير، والاخر: يزيد من عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ، فَكَانَتْ تَبْكِي عَلَى أَحَدِهِمَا:
وَلَا تَبْكِي عَلَى الْآخَرِ، فَسُئِلَتْ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: أَبْكِيهِ لِأَنّهُ جَرّدَ سَيْفَهُ وَقَاتَلَ، وَالْآخَرُ لَا أَبْكِيهِ لِأَنّهُ لَزِمَ بَيْتَهُ، وَكَفّ يده حتى قتل، رُوِيَ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- حِينَ ابْتَنَى بِأُمّ سَلَمَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا بيتها فى ظلمة، فوطىء على زينب، فبكت، فلما كَانَ مِنْ اللّيْلَةِ الْأُخْرَى دَخَلَ فِي ظُلْمَةٍ أَيْضًا، فَقَالَ:
اُنْظُرُوا زُنَابَكُمْ أَنْ لَا أَطَأَ عَلَيْهَا «٣»، أَوْ قَالَ: أَخّرُوا ذَكَرَهُ الزّبَيْرُ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَوْهِينٌ لِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنّهُ كان يرى بالليل، كما يرى بالنهار.
_________________
(١) حديث تغيير الاسم أسنده ابن خيثمة من طريق محمد بن عمرو بن عطاء عنها، وذكر مثله فى زينب بنت جحش، وأصله فى مسلم فى حق زينب هذه وفى حق جوبرية بنت الحارث، ومسألة نضح الماء ذكرها ابن حجر فى الإصابة. وروى أنها كانت أفقه امرأة بالمدينة، وأما نداؤها بزناب بضم الزاى، فقد ورد فى حديث رواه النسائى «فتزوجها- أى أم سلمة- فجعل يأتيها، فيقول: أين زناب»
(٢) وقعت سنة ٦٣ هـ
(٣) سبق الحديث عن هذا
[ ٣ / ٢٤٢ ]
[إرْسَالُ قُرَيْشٍ إلَى الْحَبَشَةِ فِي طَلَبِ الْمُهَاجِرِينَ إليها]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنّ أصحاب رسول اللهﷺ- قَدْ أَمِنُوا، وَاطْمَأَنّوا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَأَنّهُمْ قَدْ أَصَابُوا بِهَا دَارًا وَقَرَارًا، ائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ أَنّ يَبْعَثُوا فِيهِمْ مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ جَلْدَيْنِ إلَى النّجَاشِيّ، فَيَرُدّهُمْ عَلَيْهِمْ؛ لِيَفْتِنُوهُمْ فِي دِينِهِمْ، وَيُخْرِجُوهُمْ مِنْ دَارِهِمْ، الّتِي اطْمَأَنّوا بِهَا وَأَمِنُوا فِيهَا، فَبَعَثُوا عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَجَمَعُوا لَهُمَا هَدَايَا لِلنّجَاشِيّ وَلِبَطَارِقَتِهِ، ثُمّ بَعَثُوهُمَا إلَيْهِ فِيهِمْ.
ــ
النّورُ الّذِي كَانَ عَلَى قَبْرِ النّجَاشِيّ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ: كُنّا نَتَحَدّثُ أَنّهُ لَا يَزَالُ يَرَى عَلَى قَبْرِ النّجَاشِيّ نُورٌ، وَقَدْ خَرّجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ الْفَضْلِ، وَعَنْ ابْنِ إسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَوْرَدَهُ فِي بَابِ: النّورُ يُرَى عِنْدَ الشّهِيدِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا غَيْرِهِ مَا يَدُلّ عَلَى أَنّ النّجَاشِيّ مَاتَ شَهِيدًا، وَأَحْسَبُهُ أَرَادَ: أَنْ يَشْهَدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَا وَقَعَ فِي كُتُبِ التّارِيخِ مِنْ أن عبد الرحمن ابن رَبِيعَةَ أَخَا سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ الّذِي يُقَالُ لَهُ: ذُو النّورِ، وَكَانَ عَلَى بَابِ الْأَبْوَابِ فَقَتَلَهُ التّرْكُ زَمَانَ عُمَرَ، فَهُوَ لَا يَزَالُ يُرَى عَلَى قَبْرِهِ نُورٌ، وَبِعَضُدِ هَذَا حَدِيثُ النّجَاشِيّ، يَقُولُ: فَإِذَا كَانَ النّجَاشِيّ- وَلَيْسَ بِشَهِيدِ- يُرَى عِنْدَهُ نُورٌ، فَالشّهِيدُ أَحْرَى بِذَلِكَ لِقَوْلِ اللهِ سُبْحَانَهُ: وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ، لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ «١» الحديد: ١٩.
_________________
(١) الواضح أن هذا فى الاخرة، ولا أدرى لماذا خالف مبدأه، فاعتمد على أحاديث واهية، وفى سلمة بن الفضل تشيع وسيأتى حديث النور فى ص ٢٥١.
[ ٣ / ٢٤٣ ]
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ- حِينَ رَأَى ذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِمْ وَمَا بَعَثُوهُمَا فِيهِ- أَبْيَاتًا لِلنّجَاشِيّ يَحُضّهُ على حسن جوارهم، والدّفع عنهم:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ فِي النّأْيِ جَعْفَرٌ وَعَمْرٌو وَأَعْدَاءُ الْعَدُوّ الْأَقَارِبُ
وَهَلْ نَالَتْ أَفْعَالُ النّجَاشِيّ جَعْفَرًا وَأَصْحَابَهُ أَوْ عَاقَ ذَلِكَ شَاغِبُ
تَعَلّمْ- أَبَيْتَ اللّعْنَ- أَنّك مَاجِدٌ كَرِيمٌ فَلَا يَشْقَى لَدَيْك الْمُجَانِبُ
تَعَلّمْ بِأَنّ اللهَ زَادَك بَسْطَةً وَأَسْبَابَ خَيْرٍ كُلّهَا بِك لَازِبُ
وَأَنّك فَيْضٌ ذُو سِجَالٍ غَزِيرَةٍ يَنَالُ الْأَعَادِي نَفْعَهَا والأقارب
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم الزّهْرِيّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ ابن الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيّ، عَنْ أُمّ سَلَمَةَ بِنْتِ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ زَوْجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَتْ: لَمّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ، جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ: النّجَاشِيّ، أَمِنّا عَلَى دِينِنَا، وَعَبَدْنَا اللهَ تَعَالَى، لَا نُؤْذَى، وَلَا نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ، فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا، ائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ أَنْ يَبْعَثُوا إلَى النّجَاشِيّ فِينَا رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ جَلْدَيْنِ، وَأَنْ يُهْدُوا لِلنّجَاشِيّ هَدَايَا مِمّا يُسْتَطْرَفُ مِنْ مَتَاعِ مَكّةَ، وَكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يَأْتِيهِ مِنْهَا الْأُدْمُ، فَجَمَعُوا لَهُ أُدْمًا كَثِيرًا، وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقًا إلّا أَهْدَوْا لَهُ هَدِيّةً، ثُمّ بَعَثُوا بِذَلِكَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَأَمَرُوهُمَا بِأَمْرِهِمْ، وَقَالُوا لَهُمَا: ادْفَعَا إلَى كُلّ بِطْرِيقٍ هَدِيّتَهُ قَبْلَ أَنْ تُكَلّمَا النّجَاشِيّ فِيهِمْ، ثُمّ قَدّمَا إلَى النّجَاشِيّ هَدَايَاهُ، ثُمّ سَلَاهُ أَنْ يُسَلّمَهُمْ إلَيْكُمَا قَبْل أَنْ يُكَلّمَهُمْ. قَالَتْ: فَخَرَجَا حَتّى قَدِمَا على النجاشى،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٤٤ ]
وَنَحْنُ عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ عِنْدَ خَيْرِ جَارٍ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ بِطَارِقَتِهِ بِطْرِيقٌ إلّا دَفَعَا إلَيْهِ هَدِيّتَهُ قَبْل أَنْ يُكَلّمَا النّجَاشِيّ، وَقَالَا لِكُلّ بِطْرِيقٍ مِنْهُمْ: إنّهُ قَدْ ضَوَى إلَى بلد الملك مِنّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ، فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ، وَلَمْ يدخلوا فى دينكم، وجاؤا بِدِينِ مُبْتَدَعٍ، لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتُمْ، وَقَدْ بَعَثَنَا إلَى الْمَلِكِ فِيهِمْ أَشْرَافَ قَوْمِهِمْ، لِيَرُدّهُمْ إلَيْهِمْ، فَإِذَا كَلّمْنَا الْمَلِكَ فِيهِمْ، فَأَشِيرُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يُسَلّمَهُمْ إلَيْنَا، وَلَا يُكَلّمَهُمْ، فَإِنّ قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُمَا:
نَعَمْ. ثُمّ إنّهُمَا قَدّمَا هَدَايَاهُمَا إلَى النّجَاشِيّ فَقَبِلَهَا مِنْهُمَا، ثُمّ كَلّمَاهُ، فَقَالَا لَهُ: أَيّهَا الْمَلِكُ، إنّهُ قَدْ ضَوَى إلَى بَلَدِك مِنّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ، فَارَقُوا دِينَ قومهم، ولم يدخلوا فى دينك، وجاؤا بِدِينٍ ابْتَدَعُوهُ، لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ، وَلَا أَنْت، وَقَدْ بَعَثَنَا إلَيْك فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَعْمَامِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ: لِتَرُدّهُمْ إلَيْهِمْ، فَهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ، وَعَاتَبُوهُمْ فِيهِ. قَالَتْ: وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إلَى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن الْعَاصِ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَهُمْ النّجَاشِيّ.
قَالَتْ: فَقَالَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ: صَدَقَا أَيّهَا الْمَلِكُ، قَوْمُهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ، فَأَسْلِمْهُمْ إلَيْهِمَا، فَلْيَرُدّاهُمْ إلَى بِلَادِهِمْ وَقَوْمِهِمْ. قَالَتْ: فَغَضِبَ النّجَاشِيّ، ثُمّ قَالَ: لَاهَا اللهِ، إذَنْ لَا أُسْلِمُهُمْ إلَيْهِمَا، وَلَا يَكَادُ قَوْمٌ جَاوَرُونِي، وَنَزَلُوا بِلَادِي، وَاخْتَارُونِي عَلَى مَنْ سِوَايَ، حَتّى أَدْعُوَهُمْ، فَأَسْأَلَهُمْ عَمّا يَقُولُ هَذَانِ فِي أَمْرِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا كَمَا يَقُولَانِ، أَسْلَمْتهمْ إلَيْهِمَا، وَرَدَدْتُهُمْ إلَى قَوْمِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاورونى.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٤٥ ]
[حوار بين النجاشى وبين المهاجرين]
قَالَتْ: ثُمّ أَرْسَلَ إلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِﷺ- فَدَعَاهُمْ، فَلَمّا جَاءَهُمْ رَسُولُهُ اجْتَمَعُوا، ثُمّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: مَا تَقُولُونَ لِلرّجُلِ إذَا جِئْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَقُول: وَاَللهِ مَا عَلِمْنَا، وَمَا أَمَرَنَا بِهِ نَبِيّنَا ﷺ كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هو كائن، فلما جاؤا، وَقَدْ دَعَا النّجَاشِيّ أَسَاقِفَتَهُ، فَنَشَرُوا مَصَاحِفَهُمْ حَوْلَهُ سَأَلَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا هَذَا الدّينُ الّذِي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا فى دِينِي، وَلَا فِي دِينِ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْمِلَلِ! قَالَتْ: فَكَانَ الّذِي كَلّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أبى طالب، فَقَالَ لَهُ: أَيّهَا الْمَلِكُ، كُنّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ وَيَأْكُلُ الْقَوِيّ مِنّا الضّعِيفَ، فَكُنّا عَلَى ذَلِكَ، حَتّى بَعَثَ اللهُ إلَيْنَا رَسُولًا مِنّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إلَى اللهِ؛ لِنُوَحّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ- لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا- وأمرنا بالصّلاة والزكاة والصيام، قالت: فعدذ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ- فَصَدّقْنَاهُ وَآمَنّا بِهِ، وَاتّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ اللهِ، فَعَبَدْنَا اللهَ وَحْدَهُ، فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَحَرّمْنَا مَا حَرّمَ عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلّ لَنَا، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا، فَعَذّبُونَا، وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا، ليردونا إلى عبادة الأوثان عن عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنْ نَسْتَحِلّ مَا كُنّا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٤٦ ]
نَسْتَحِلّ مِنْ الْخَبَائِثِ، فَلَمّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَضَيّقُوا عَلَيْنَا، وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا، خَرَجْنَا إلَى بِلَادِك وَاخْتَرْنَاك عَلَى مَنْ سِوَاك، وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِك، وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَك أَيّهَا الْمَلِكُ. قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ النّجَاشِيّ: هَلْ مَعَك مِمّا جَاءَ بِهِ عَنْ اللهِ مِنْ شَيْءٍ؟ قالت: فقال له جعفر: نعم، فقال النّجَاشِيّ:
فَاقْرَأْهُ عَلَيّ، قَالَتْ: فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ: كهيعص. قَالَتْ: فَبَكَى وَاَللهِ النّجَاشِيّ، حَتّى اخْضَلّتْ لِحْيَتُهُ، وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ، حَتّى أَخْضَلّوا مَصَاحِفَهُمْ، حِين سَمِعُوا مَا تَلَا عَلَيْهِمْ، ثُمّ قَالَ النّجَاشِيّ: إنّ هَذَا وَاَلّذِي جَاءَ بِهِ عِيسَى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون.
قَالَتْ: فَلَمّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: وَاَللهِ لَآتِيَنّهُ غَدًا عَنْهُمْ بِمَا أَسْتَأْصِلُ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ. قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ- وَكَانَ أَتْقَى الرّجُلَيْنِ فِينَا: لَا نَفْعَلُ؛ فَإِنّ لَهُمْ أَرْحَامًا، وَإِنْ كَانُوا قَدْ خَالَفُونَا. قَالَ:
وَاَللهِ لَأُخْبِرَنّهُ أَنّهُمْ يزعمون أن عيسى بن مَرْيَمَ عَبْدٌ، قَالَتْ: ثُمّ غَدًا عَلَيْهِ مِنْ الْغَدِ، فَقَالَ لَهُ: أَيّهَا الْمَلِكُ، إنّهُمْ يَقُولُونَ فى عيسى بن مَرْيَمَ قَوْلًا عَظِيمًا، فَأَرْسِلْ إلَيْهِمْ فَسَلْهُمْ عَمّا يَقُولُونَ فِيهِ. قَالَتْ: فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ، لِيَسْأَلَهُمْ عَنْهُ.
قَالَتْ: وَلَمْ يَنْزِلْ بِنَا مِثْلُهَا قَطّ. فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ، ثُمّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: مَاذَا تَقُولُونَ فى عيسى بن مَرْيَمَ إذَا سَأَلَكُمْ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَقُولُ- وَاَللهِ-[فيه] مَا قَالَ اللهُ، وَمَا جَاءَنَا بِهِ نَبِيّنَا، كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ. قَالَتْ: فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ، قَالَ لَهُمْ: مَاذَا تَقُولُونَ فى عيسى ابن مريم؟ قالت: فقال [له] جعفر ابن أَبِي طَالِبٍ: نَقُولُ فِيهِ الّذِي جَاءَنَا بِهِ نبيّنا ﷺ: هُوَ عَبْدُ اللهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٤٧ ]
وَرَسُولُهُ، وَرُوحُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ. قَالَتْ: فَضَرَبَ النّجَاشِيّ بِيَدِهِ إلَى الْأَرْضِ، فَأَخَذَ مِنْهَا عُودًا، ثُمّ قَالَ: وَاَللهِ مَا عَدَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا الْعُودَ، قَالَتْ: فَتَنَاخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ حِينَ قَالَ مَا قَالَ، فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ وَاَللهِ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ شُيُومٌ بِأَرْضِي- وَالشّيُومُ:
الْآمِنُونَ- مَنْ سَبّكُمْ غرم، ثم قال: مَنْ سَبّكُمْ غَرِمَ، ثُمّ قَالَ: مَنْ سَبّكُمْ غَرِمَ مَا أُحِبّ أَنّ لِي دَبَرًا مِنْ ذَهَبٍ، وَأَنّي آذَيْت رَجُلًا مِنْكُمْ- قَالَ ابْنُ هشام:
ويقال: دبرى مِنْ ذَهَبٍ. وَيُقَالُ فَأَنْتُمْ سُيُومٌ، وَالدّبَرُ- بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ:
الْجَبْلُ- رُدّوا عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا، فَلَا حَاجَةَ لى بها، فو الله مَا أَخَذَ اللهُ مِنّي الرّشْوَةَ حِينَ رَدّ عَلَيّ مُلْكِي، فَآخُذَ الرّشْوَةَ فِيهِ، وَمَا أَطَاعَ النّاسَ فِيّ فَأُطِيعَهُمْ فِيهِ.
قَالَتْ: فَخَرَجَا مِنْ عنده مقبوحين، مردودا عليهما ما جاآ بِهِ، وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ، مَعَ خَيْرِ جار.
[المهاجرون وانتصار النجاشى]
قالت: فو الله إنّا لِعَلَى ذَلِكَ، إذْ نَزَلَ بِهِ رَجُلٌ من الحبشة ينازعه فى ملكه. قالت: فو الله مَا عَلِمْتُنَا حَزِنّا حُزْنًا قَطّ كَانَ أَشَدّ عَلَيْنَا مِنْ حُزْنٍ حَزِنّاهُ عِنْدَ ذَلِكَ، تَخَوّفًا أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ الرّجُلُ عَلَى النّجَاشِيّ، فَيَأْتِي رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ مِنْ حَقّنَا مَا كَانَ النّجَاشِيّ يَعْرِفُ مِنْهُ، قَالَتْ: وَسَارَ إلَيْهِ النّجَاشِيّ، وَبَيْنَهُمَا عَرْضُ النّيلِ، قَالَتْ: فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِﷺ:
مَنْ رَجُلٌ يَخْرَجُ حَتّى يَحْضُرَ وَقِيعَةَ الْقَوْمِ، ثُمّ يَأْتِينَا بالخبر؟ قالت: فقال الزبير ابن الْعَوّامِ: أَنَا، قَالُوا: فَأَنْتَ- وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِ الْقَوْمِ سِنّا- قَالَتْ: فَنَفَخُوا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٤٨ ]
لَهُ قِرْبَةً، فَجَعَلَهَا فِي صَدْرِهِ، ثُمّ سَبَحَ عَلَيْهَا حَتّى خَرَجَ إلَى نَاحِيَةِ النّيلِ الّتِي بِهَا مُلْتَقَى الْقَوْمِ، ثُمّ انْطَلَقَ حَتّى حَضَرَهُمْ، قَالَتْ: فَدَعَوْنَا اللهَ تَعَالَى لِلنّجَاشِيّ بِالظّهُورِ عَلَى عدوّه، والتّمكين له فى بلاده، قالت: فو الله إنّا لَعَلَى ذَلِكَ مُتَوَقّعُونَ لِمَا هُوَ كَائِنٌ، إذْ طَلَعَ الزّبَيْرُ وَهُوَ يَسْعَى، فَلَمَعَ بِثَوْبِهِ وَهُوَ يَقُولُ: أَلَا أَبْشِرُوا، فَقَدْ ظَفِرَ النّجَاشِيّ، وَأَهْلَكَ اللهُ عَدُوّهُ، وَمَكّنّ لَهُ فِي بِلَادِهِ. قالت: فو الله مَا عَلِمْتنَا فَرِحْنَا فَرْحَةً قَطّ مِثْلَهَا. قَالَتْ: وَرَجَعَ النّجَاشِيّ، وَقَدْ أَهْلَكَ اللهُ عَدُوّهُ، وَمَكّنَ له فى بلاده، واستوثق عَلَيْهِ أَمْرُ الْحَبَشَةِ، فَكُنّا عِنْدَهُ فِي خَيْرِ مَنْزِلٍ، حَتّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وهو بمكة.
[قصة تملك النجاشى على الحبشة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ الزّهْرِيّ: فَحَدّثْت عُرْوَةَ بن الزبير حديث أبى بكر ابن عَبْدِ الرّحْمَنِ، عَنْ أُمّ سَلَمَةَ زَوْجِ النّبِيّ ﷺ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا قَوْلُهُ: مَا أَخَذَ اللهُ مِنّي الرّشْوَةَ حِينَ رَدّ عَلَيّ مُلْكِي، فَآخُذَ الرّشْوَةَ فِيهِ، وما أطاع النّاس فىّ، فأطبع النّاسَ فِيهِ؟ قَالَ: قُلْت: لَا، قَالَ: فَإِنّ عَائِشَةَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ حَدّثَتْنِي أَنّ أَبَاهُ كَانَ مَلِكَ قَوْمِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ إلّا النّجَاشِيّ، وَكَانَ لِلنّجَاشِيّ عَمّ، لَهُ مِنْ صُلْبِهِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ مَمْلَكَةِ الحبشة، فقالت الحبشة بَيْنَهَا: لَوْ أَنّا قَتَلْنَا أَبَا النّجَاشِيّ، وَمَلّكْنَا أَخَاهُ فَإِنّهُ لَا وَلَدَ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْغُلَامِ، وَإِنّ لِأَخِيهِ مِنْ صُلْبِهِ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَتَوَارَثُوا مُلْكَهُ مِنْ بَعْدِهِ، بَقِيَتْ الْحَبَشَةُ بَعْدَهُ دَهْرًا، فَغَدَوْا عَلَى أَبِي النّجَاشِيّ فَقَتَلُوهُ:
وملّكوا أخاه، فمكثوا على ذلك حينا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٤٩ ]
وَنَشَأَ النّجَاشِيّ، مَعَ عَمّهِ- وَكَانَ لَبِيبًا حَازِمًا مِنْ الرّجَالِ- فَغَلَبَ عَلَى أَمْرِ عَمّهِ، وَنَزَلَ مِنْهُ بِكُلّ مَنْزِلَةٍ، فَلَمّا رَأَتْ الْحَبَشَةُ مَكَانَهُ مِنْهُ، قَالَتْ بَيْنَهَا: وَاَللهِ لَقَدْ غَلَبَ هَذَا التى عَلَى أَمْرِ عَمّهِ، وَإِنّا لَنَتَخَوّفُ أَنْ يُمَلّكَهُ عَلَيْنَا، وَإِنْ مَلّكَهُ عَلَيْنَا لَيَقْتُلنَا أَجْمَعِينَ، لَقَدْ عَرَفَ أَنّا نَحْنُ قَتَلْنَا أَبَاهُ. فَمَشَوْا إلَى عَمّهِ، فَقَالُوا:
إمّا أَنْ تَقْتُلَ هَذَا الْفَتَى، وَإِمّا أَنْ تُخْرِجَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَإِنّا قَدْ خِفْنَاهُ عَلَى أَنْفُسِنَا، قَالَ: وَيْلَكُمْ! قَتَلْتُ أَبَاهُ بِالْأَمْسِ، وَأَقْتُلهُ الْيَوْمَ! بَلْ أُخْرِجُهُ مِنْ بِلَادِكُمْ. قَالَتْ: فَخَرَجُوا بِهِ إلَى السّوقِ، فَبَاعُوهُ من رجل من التجّار بستمائة ذرهم، فَقَذَفَهُ فِي سَفِينَةٍ فَانْطَلَقَ بِهِ، حَتّى إذَا كَانَ الْعَشِيّ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، هَاجَتْ سَحَابَةٌ مِنْ سَحَائِبِ الْخَرِيفِ، فَخَرَجَ عَمّهُ يَسْتَمْطِرُ تَحْتَهَا، فَأَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ، فَقَتَلَتْهُ. قَالَتْ: فَفَزِعَتْ الْحَبَشَةُ إلَى ولده، فإذا هو محمق، ليس فى ولده خير، فمرج على الحبشة أمرهم.
فَلَمّا ضَاقَ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: تَعْلَمُوا وَاَللهِ أَنّ مَلِكَكُمْ الّذِي لَا يُقِيمُ أَمْرَكُمْ غَيْرُهُ لَلّذِي بِعْتُمْ غَدْوَةً، فَإِنْ كَانَ لَكُمْ بِأَمْرِ الْحَبَشَةِ حَاجَةٌ، فَأَدْرِكُوهُ الْآنَ. قَالَتْ: فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ، وَطَلَبِ الرّجُلِ الّذِي بَاعُوهُ مِنْهُ حَتّى أَدْرَكُوهُ، فأخذوه منه، ثم جاؤا بِهِ، فَعَقَدُوا عَلَيْهِ التّاجَ، وَأَقْعَدُوهُ عَلَى سَرِيرِ الملك، فملّكوه.
فَجَاءَهُمْ التّاجِرُ الّذِي كَانُوا بَاعُوهُ مِنْهُ، فَقَالَ: إمّا أَنْ تُعْطُونِي مَالِي، وَإِمّا أَنْ أُكَلّمَهُ فِي ذَلِكَ؟ قَالُوا: لَا نُعْطِيك شَيْئًا، قَالَ: إذَنْ وَاَللهِ أُكَلّمُهُ، قَالُوا:
فَدُونَك وَإِيّاهُ. قَالَتْ: فَجَاءَهُ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أَيّهَا الْمَلِكُ، ابتعت
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٥٠ ]
غلاما من قوم بالسوق بستمائة دِرْهَمٍ، فَأَسْلَمُوا إلَيّ غُلَامِي، وَأَخَذُوا دَرَاهِمِي، حَتّى إذَا سِرْت بِغُلَامِي، أَدْرَكُونِي، فَأَخَذُوا غُلَامِي، وَمَنَعُونِي دَرَاهِمِي.
قَالَتْ: فَقَالَ لَهُمْ النّجَاشِيّ: لَتُعْطُنّهُ دَرَاهِمَهُ، أَوْ لَيَضَعَنّ غُلَامُهُ يَدَهُ فِي يَدِهِ، فَلَيَذْهَبَنّ بِهِ حَيْثُ شَاءَ، قَالُوا: بَلْ نُعْطِيهِ دَرَاهِمُهُ. قَالَتْ: فَلِذَلِكَ يَقُولُ:
مَا أَخَذَ اللهُ مِنّي رِشْوَةً حِينَ رَدّ عَلَيّ مُلْكِي، فَآخُذَ الرّشْوَةَ فِيهِ، وَمَا أَطَاعَ النّاسَ فِيّ، فَأُطِيعَ النّاسَ فِيهِ. قَالَتْ: وَكَانَ ذَلِكَ أَوّلَ مَا خُبِرَ من صلابته فى دينه، وعدله فِي حُكْمِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمّا مَاتَ النّجَاشِيّ، كَانَ يُتَحَدّثُ أَنّهُ لَا يَزَالُ يُرَى عَلَى قَبْرِهِ نُورٌ.
[إسلام النجاشى والصلاة عليه]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمّدٍ، عن أبيه، قال: اجتمعت الحبشة، فَقَالُوا لِلنّجَاشِيّ: إنّك قَدْ فَارَقْتَ دِينَنَا، وَخَرَجُوا عليه قال: فَأَرْسَلَ إلَى جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ، فَهَيّأَ لَهُمْ سُفُنًا، وَقَالَ: ارْكَبُوا فِيهَا، وَكُونُوا كَمَا أَنْتُمْ، فَإِنْ هُزِمْتُ فَامْضُوا حَتّى تَلْحَقُوا بِحَيْثُ شِئْتُمْ، وَإِنْ ظَفِرْتُ فَاثْبُتُوا. ثُمّ عَمَدَ إلَى كِتَابٍ فَكَتَبَ فِيهِ: هُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَه إلّا اللهُ، وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيَشْهَدُ أَنّ عيسى بن مَرْيَمَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَرُوحُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ، ثُمّ جَعَلَهُ فِي قُبَائِهِ عِنْدَ الْمَنْكِبِ الْأَيْمَنِ، وَخَرَجَ إلَى الْحَبَشَةِ، وَصُفّوا لَهُ، فَقَالَ:
يَا مَعْشَرَ الْحَبَشَةِ، أَلَسْتُ أَحَقّ النّاسِ بِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَكَيْفَ رَأَيْتُمْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٥١ ]
سِيرَتِي فِيكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرَ سِيرَةٍ، قَالَ: فَمَا لكم؟ قَالُوا: فَارَقْت دِينَنَا، وَزَعَمْت أَنّ عِيسَى عَبْدٌ، قَالَ: فَمَا تَقُولُونَ أَنْتُمْ فِي عِيسَى؟ قَالُوا: نَقُول: هُوَ ابْنُ اللهِ، فَقَالَ النّجَاشِيّ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ عَلَى قُبَائِهِ: هُوَ يَشْهَدُ أَنّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا شَيْئًا، وَإِنّمَا يَعْنِي مَا كَتَبَ، فَرُضّوا وانصرفوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النّبِيّ ﷺ، فَلَمّا مَاتَ النّجَاشِيّ صَلّى عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ.
ــ
إرْسَالُ قُرَيْشٍ إلَى النّجَاشِيّ فِي أَمْرِ أَصْحَابِ النّبِيّ ﷺ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ أَنّهُمْ أَرْسَلُوا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَعَبْدَ اللهِ بْنُ أَبِي ربيعة ابن الْمُغِيرَةِ، وَأَهْدَوْا مَعَهُمَا هَدَايَا إلَى النّجَاشِيّ. وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ هَذَا كَانَ اسْمُهُ بَحِيرًا «١»، فَسَمّاهُ رَسُولُ اللهِﷺ- حِينَ أَسْلَمَ:
عَبْدَ اللهِ، وَأَبُوهُ: أَبُو رَبِيعَةَ ذُو الرّمْحَيْنِ، وَفِيهِ يَقُولُ ابْنُ الزّبَعْرَى.
بحير ابن ذِي الرّمْحَيْنِ قَرّبَ مَجْلِسِي وَرَاحَ عَلَيْنَا فَضْلُهُ وهو عاتم «٢»
_________________
(١) بحير بفتح وكسر أو ضم الباء وسكون الياء، هذا وذكر الذهبى فى أعلام النبلاء ج ١ ص ١٥١ أن الذين هاجروا كانوا ثمانين. ويؤيده ما روى أحمد بإسناد حسن عن ابن مسعود قال: بعثنا النبى «ص» إلى النجاشى، ونحن نحو من ثمانين رجلا ص ١٤٨ ح ٧ فتح الباى، وذكر ابن جرير أنهم ٨٢ وشك فى عمار هل كان فيهم أولا، وقيل: إن عدة كل نسائهم كانت ثمانى عشرة امرأة.
(٢) فى نسب قريش: يروح علينا فضله غير عاتم، وفى الإصابة أيضا: غير عاتم، وهو الصواب فعاتم: بطىء، فقوله: كما فى السهيلى: وهو عاتم لا بستقيم مع غرض الشاعر.
[ ٣ / ٢٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَاسْمُ أَبِي رَبِيعَةَ: عَمْرٌو، وَقِيلَ: حُذَيْفَةُ، وَأُمّ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ:
أَسَمَاءُ بِنْتُ مُحَرّبَةَ التّمِيمِيّةُ «١»، وَهِيَ أُمّ أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رببعة هَذَا هُوَ وَالِدُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الشّاعِرُ، وَوَالِدُ الْحَارِثِ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ الْمَعْرُوفُ بِالْقُبَاعِ، وَكَانَ فِي أَيّامِ عُمَرَ وَالِيًا عَلَى الْجُنْدِ، وَفِي أَيّامِ عُثْمَانَ، فَلَمّا سَمِعَ بِحَصْرِ عُثْمَانَ، جَاءَ لِيَنْصُرَهُ، فَسَقَطَ عَنْ دَابّتِهِ فَمَاتَ.
عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ:
فَصْلٌ: وَكَانَ مَعَهُمَا فِي ذَلِكَ السّفَرِ عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الّذِي تَقَدّمَ ذِكْرُهُ حِينَ قَالَتْ قُرَيْشٌ لِأَبِي طَالِبٍ: خُذْ عُمَارَةَ بَدَلًا مِنْ مُحَمّدٍ، وَادْفَعْ إلَيْنَا مُحَمّدًا نَقْتُلْهُ، وَكَانَ عُمَارَةُ مِنْ أَجْمَلِ النّاسِ، فَذَكَرَ أَصْحَابُ الْأَخْبَارِ أَنّهُمْ أَرْسَلُوهُ مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي إلَى النّجَاشِيّ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ، وَذَكَرَ حَدِيثَهُ مَعَ عَمْرٍو فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، وَلَكِنْ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْقِصّةِ الْمَذْكُورَةِ هَاهُنَا، وَلَعَلّ إرْسَالَهُمْ إيّاهُ مَعَ عَمْرٍو، كَانَ فِي الْمَرّةِ الْأُخْرَى الّتِي سَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِي السّيرَةِ عِنْدَ حَدِيثِ إسْلَامِ عَمْرٍو، وَمِمّنْ ذَكَرَ قِصّةَ عُمَارَةَ بِطُولِهَا أَبُو الْفَرَجِ الْأَصْبَهَانِيّ، وَذَكَرَ أَنّ عَمْرًا سَافَرَ بِامْرَأَتِهِ، فَلَمّا رَكِبُوا الْبَحْرَ، وَكَانَ عُمَارَةُ قَدْ هَوِيَ امْرَأَةَ عَمْرٍو وَهَوِيته، فَعَزَمَا عَلَى دَفْعِ عَمْرٍو، أَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عُمَارَةَ عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ فَدَفَعَ عَمْرًا، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ، فَسَبّحَ عَمْرٌو، ونادى أصحاب السفينة
_________________
(١) فى نسب قريش ص ٣١٨ أسماء بنت مخربة بن جندل بن أبير بن نهشل ابن دارم، وفى الإصابة: بنت مخرمة، وفى القاموس: أسماء بنت مخرّبة واسم ذى الرعين فى نسب قريش: عمرو، أما حذيفة فأخوه زاد الركب.
[ ٣ / ٢٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَأَخَذُوهُ، وَرَفَعُوهُ إلَى السّفِينَةِ، فَأَضْمَرَهَا عَمْرٌو فِي نَفْسِهِ، وَلَمْ يُبْدِهَا لِعُمَارَةَ، بَلْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ- فِيمَا ذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ- قَبّلِي ابْنَ عَمّك عُمَارَةَ لِتَطِيبَ بِذَلِكَ نَفْسُهُ، فَلَمّا أَتَيَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ مَكَرَ بِهِ عَمْرٌو، وَقَالَ: إنّي قَدْ كتبت إلى بنى سهم ليبرؤا مِنْ دَمِي لَك، فَاكْتُبْ أَنْتَ لِبَنِي مَخْزُومٍ ليبرؤا مِنْ دَمِك لِي، حَتّى تَعْلَمَ قُرَيْشٌ أَنّا قَدْ تَصَافَيْنَا، فَلَمّا كَتَبَ عُمَارَةُ، إلَى بَنِي مخزوم، وتبرؤا مِنْ دَمِهِ لِبَنِي سَهْمٍ، قَالَ شَيْخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: قُتِلَ عُمَارَةُ- وَاَللهِ- وَعَلِمَ أَنّهُ مَكْرٌ مِنْ عَمْرٍو، ثُمّ أَخَذَ عَمْرٌو يُحَرّضُ عُمَارَةَ عَلَى التّعَرّضِ لِامْرَأَةِ النّجَاشِيّ، وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ امرؤ جَمِيلٌ، وَهُنّ النّسَاءُ يُحْبِبْنَ الْجَمَالَ مِنْ الرّجَالِ، فَلَعَلّهَا أَنْ تَشْفَعَ لَنَا عِنْدَ الْمَلِكِ فِي قَضَاءِ حَاجَتِنَا، فَفَعَلَ عُمَارَةُ فَلَمّا رَأَى عَمْرٌو ذَلِكَ، وَتَكَرّرَ عُمَارَةُ عَلَى امْرَأَةِ الْمَلِكِ، وَرَأَى إنَابَتَهَا إلَيْهِ، أَتَى الْمَلِكَ مُنْتَصِحًا، وَجَاءَهُ بِأَمَارَةِ عَرَفَهَا الْمَلِكُ، قَدْ كَانَ عُمَارَةُ أَطْلَعَ عَمْرًا عَلَيْهَا، فَأَدْرَكَتْهُ غَيْرَةُ الْمَلِكِ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنّهُ جَارِي لَقَتَلْته، وَلَكِنْ سَأَفْعَلُ بِهِ مَا هُوَ شَرّ مِنْ الْقَتْلِ، فَدَعَا بِالسّوَاحِرِ، فَأَمَرَهُنّ أَنْ يَسْحَرْنَهُ، فَنَفَخْنَ فِي إحْلِيلِهِ «١» نَفْخَةً، طَارَ مِنْهَا هَائِمًا عَلَى وَجْهِهِ، حَتّى لَحِقَ بِالْوُحُوشِ فِي الْجِبَالِ، وَكَانَ يَرَى آدَمِيّا فَيَفِرّ مِنْهُ، وَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ إلَى زَمَنِ عُمَرَ ابن الْخَطّابِ، فَجَاءَ ابْنُ عَمّهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ إلَى عُمَرَ، وَاسْتَأْذَنَهُ، فِي الْمَسِيرِ إلَيْهِ لَعَلّهُ يَجِدُهُ، فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ فَسَارَ عَبْدُ اللهِ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَأَكْثَرَ النّشْدَةَ عَنْهُ، وَالْفَحْصَ عَنْ أَمْرِهِ، حَتّى أُخْبِرَ أَنّهُ- بِحَيْلِ «٢» يَرِدُ مَعَ الْوُحُوشِ، إذَا وَرَدَتْ، وَيَصْدُرُ مَعَهَا إذَا صَدَرَتْ، فَسَارَ إلَيْهِ حَتّى كَمَنَ له فى الطريق إلى
_________________
(١) الإحليل: مخرج البول من ذكر الإنسان واللين من الثدى والضرع.
(٢) الحيل: الماء المستنقع فى بطن واد:
[ ٣ / ٢٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمَاءِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ غَطّاهُ شَعَرُهُ، وَطَالَتْ أَظْفَارُهُ، وَتَمَزّقَتْ عَلَيْهِ ثِيَابُهُ، حَتّى كَأَنّهُ شَيْطَانٌ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ، وَجَعَلَ يُذَكّرُهُ بِالرّحِمِ وَيَسْتَعْطِفُهُ، وَهُوَ يَنْتَفِضُ مِنْهُ، وَيَقُولُ: أَرْسِلْنِي يَا بَحِيرُ، أَرْسِلْنِي يَا بَحِيرُ، وَأَبَى عَبْدُ اللهِ أَنْ يُرْسِلَهُ، حَتّى مَاتَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ خَبَرٌ مَشْهُورٌ اخْتَصَرَهُ بَعْضُ مَنْ أَلَفّ فِي السّيَرِ، وَطَوّلَهُ أَبُو الْفَرَجِ، وَأَوْرَدْته عَلَى مَعْنَى كَلَامِهِ، مُتَحَرّيًا لِبَعْضِ أَلْفَاظِهِ «١» .
عَنْ حَدِيثِ أَصْحَابِ الْهِجْرَةِ مَعَ النّجَاشِيّ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ أَصْحَابِ الهجرة مع النجاشى، وما قال لَهُ جَعْفَرٌ إلَى آخِرِ الْقِصّةِ «٢»، وَلَيْسَ فِيهَا إشْكَالٌ، وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ: الْخُرُوجُ عَنْ الْوَطَنِ، وَإِنْ كَانَ الْوَطَنُ مَكّةَ عَلَى فَضْلِهَا، إذَا كَانَ الْخُرُوج فِرَارًا بِالدّينِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَى إسْلَامٍ، فَإِنّ الْحَبَشَةَ كَانُوا نَصَارَى يَعْبُدُونَ الْمَسِيحَ، وَلَا يَقُولُونَ: هُوَ عَبْدُ اللهِ، وَقَدْ تَبَيّنَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَسُمّوا بِهَذِهِ مُهَاجِرِينَ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْهِجْرَتَيْنِ الّذِينَ أَثْنَى اللهُ عليهم بالسبق، فقال: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ وجاء
_________________
(١) فى نسب قريش: فلما يئس عمرو- يعنى من استجابة النجاشى له فى أمر المهاجرين محل بعمارة- أى كادله- عند النجاشى فنفخ النجاشى فى إحليله سحرا، فذهب مع الوحش فيما تقول قريش. فلم يزل مستوحشا يرد الماء فى جزيرة بأرض الحبشة، وفيه أنه قال لأخيه عبد الله: يا بحير أرسلنى، فإنى أموت إن أمسكتنى، فأمسكه، فمات فى يده ص ٣٢٢. والقصة خرافة، ومصعب دقيق فى تعبيره إذ يقول: «فيما تقول قريش» فهى إذا أقاويل!.
(٢) يقول ابن تيمية عن قصة المهاجرين فى حديث أم سلمة. «وقد ذكر قصتهم جماعة من العلماء والحافظ كأحمد بن حنبل فى المسند، وابن سعد فى الطبقات وأبى نعيم فى الحلية وغيرهم وذكرها أهل التفسير والحديث والفقه وهى متواترة عند العلماء» ص ٨١ ح ١ الجواب الصحيح، طبع المدنى.
[ ٣ / ٢٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي التّفْسِيرِ: أَنّهُمْ الّذِينَ صَلّوْا الْقِبْلَتَيْنِ، وَهَاجَرُوا الْهِجْرَتَيْنِ، وَقَدْ قِيلَ أَيْضًا: هُمْ الّذِينَ شَهِدُوا بَيْعَةَ الرّضْوَانِ، فَانْظُرْ كَيْفَ أَثْنَى اللهُ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْهِجْرَةِ، وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ إلَى دَارِ كُفْرٍ، لَمّا كَانَ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ احْتِيَاطًا عَلَى دِينِهِمْ، وَرَجَاءَ أَنْ يُخَلّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عِبَادَةِ رَبّهِمْ، يَذْكُرُونَهُ آمِنِينَ مُطْمَئِنّينَ، وَهَذَا حُكْمٌ مُسْتَمِرّ مَتَى غَلَبَ الْمُنْكَرُ فِي بَلَدٍ، وَأُوذِيَ عَلَى الْحَقّ مُؤْمِنٌ، وَرَأَى الباطل قاهرا لِلْحَقّ، وَرَجَا أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ آخَرَ- أَيّ بَلَدٍ كَانَ- يُخَلّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ دِينِهِ، وَيُظْهِرُ فِيهِ عِبَادَةَ رَبّهِ، فَإِنّ الْخُرُوجَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَتْمٌ عَلَى الْمُؤْمِنِ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ الّتِي لَا تَنْقَطِعُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ الْبَقَرَةُ: ١١٥.
فَصْلٌ: وَلَيْسَ فِي بَاقِي حَدِيثِهِمْ شَيْءٌ يُشْرَحُ، قَدْ شَرَحَ ابْنُ هِشَامٍ الشّيُومَ، وَهُمْ الْآمِنُونَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لَفْظَةً حَبَشِيّةً غَيْرَ مُشْتَقّةٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَصْلٌ فِي الْعَرَبِيّةِ، وَأَنْ تَكُونَ مِنْ شِمْت السّيْفَ إذَا أَغْمَدْته، لِأَنّ الْآمِنَ مُغْمَدٌ عَنْهُ السّيْفُ، أَوْ لِأَنّهُ مَصُونٌ فِي صِوَانٍ»
وَحِرْزٍ كَالسّيْفِ فِي غِمْدِهِ.
وَقَوْلُهُ: ضَوَى إلَيْك فِتْيَةٌ «٢» أَيْ: أَوَوْا إليك، ولا ذوابك، وَأَمّا ضَوِيَ بِكَسْرِ الْوَاوِ، فَهُوَ مِنْ الضّوَى مقصور، وهو الهزال، وقال الشاعر:
_________________
(١) فى الأصل: صور بالحبشية وسيوم: آمن أو جمع سائم بالعربية
(٢) فى السيرة: غلمان
[ ٣ / ٢٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَتًى لَمْ تَلِدْهُ بِنْتُ عَمّ قَرِيبَةٌ فَيَضْوَى، وَقَدْ يَضْوَى رَدِيدُ الْغَرَائِبِ «١»
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: اغْتَرَبُوا لَا تَضْوُوا، يَقُولُ: إنّ تَزْوِيجَ الْقَرَائِبِ يُورِثُ الضّوَى فِي الْوَلَدِ «٢»، وَالضّعْفَ فِي الْقَلْبِ، قَالَ الرّاجِزُ:
إنّ بِلَالًا لَمْ تَشِنْهُ أُمّهُ لَمْ يَتَنَاسَبْ خَالُهُ وَعَمّهُ
إضَافَةُ الْعَيْنِ إلَى اللهِ:
وَفِيهِ: قَوْمُهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا، أَيْ: أَبْصَرُ بِهِمْ، أَيْ: عَيْنُهُمْ وَإِبْصَارُهُمْ فَوْقَ عَيْنِ غَيْرِهِمْ فِي أَمْرِهِمْ، فَالْعَيْنُ هَاهُنَا بِمَعْنَى الرّؤْيَةِ وَالْإِبْصَارِ، لَا بِمَعْنَى الْعَيْنِ الّتِي هِيَ الْجَارِحَةُ، وَمَا سُمّيَتْ الْجَارِحَةُ عَيْنًا إلّا مَجَازًا؛ لِأَنّهَا مَوْضِعُ الْعِيَانِ، وَقَدْ قَالُوا: عَانَهُ يُعِينُهُ عَيْنًا إذَا رَآهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَشْهُرُ فِي هَذَا أَنْ يُقَالَ: عَايَنَهُ مُعَايَنَةً، وَالْأَشْهَرُ فِي عَنِتَ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ، وَإِنّمَا أَوْرَدْنَا هَذَا الْكَلَامَ، لِتَعْلَمَ أَنّ الْعَيْنَ فِي أَصْلِ وَضْعِ اللّغَةِ صِفّةٌ لَا جَارِحَةٌ، وَأَنّهَا إذَا أُضِيفَتْ إلَى الْبَارِي سُبْحَانَهُ، فَإِنّهَا حَقِيقَةٌ نَحْوَ قَوْلِ أُمّ سَلَمَةَ لَعَائِشَةَ: بِعَيْنِ اللهِ مَهْوَاك، وَعَلَى رَسُولِ اللهِ تَرُدّينَ؟ وَفِي التّنْزِيلِ: وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي وقد أملينا فى المسائل
_________________
(١) فى اللسان: القرائب بالقاف.
(٢) تدبر قول الله سبحانه: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ، وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَبَناتِ عَمِّكَ، وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ، وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ، وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ» الأحزاب: ٥٠، وقوله تعالى: «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ» «وَأَنْكِحُوا-
[ ٣ / ٢٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المفردات: مسئله فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَفِيهَا الرّدّ عَلَى مَنْ أَجَازَ التّثْنِيَةَ فِي الْعَيْنِ مَعَ إضَافَتِهَا إلَى اللهِ تَعَالَى «١»، وَقَاسَهَا عَلَى الْيَدَيْنِ، وَفِيهَا الرّدّ عَلَى مَنْ احْتَجّ بِقَوْلِ النّبِيّ ﵇: إنّ رَبّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ «٢»، وَأَوْرَدْنَا فِي ذَلِكَ مَا فِيهِ شِفَاءٌ، وَأَتْبَعْنَاهُ بِمَعَانٍ بَدِيعَةٍ فِي مَعْنَى عَوَرِ الدّجّالُ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ.
مَعْنَى أَنّ عِيسَى كَلِمَةُ اللهِ وَرُوحُهُ:
وَقَوْلُ جَعْفَرٍ فِي عِيسَى: هُوَ رُوحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ، وَمَعْنَى: كَلِمَتِهِ أَيْ: قَالَ لَهُ، كَمَا قَالَ لِآدَمَ حِينَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ، ثُمّ قَالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ، وَلَمْ يَقُلْ:
فَكَانَ، لِئَلّا يُتَوَهّمَ وُقُوعُ الْفِعْلِ بَعْدَ الْقَوْلِ بِيَسِيرِ، وَإِنّمَا هُوَ وَاقِعٌ للحال، فقوله:
_________________
(١) - الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ» النور: ٣٢ بتدبر هذه البينات يتجلى لك أنها هى الهدى.
(٢) الدين الحق فى هذا- وهو دين السلف الصالح لا الخلف الطالح- أن نصف الله سبحانه، ونسميه بكل ما وصف وسمى به نفسه، وننسب إليه كل ما نسبه جل شأنه إلى نفسه، وننفى عنه كل ما نفاه عن نفسه، فلله سبحانه عين حقا، ولكنها ليست كعين البشر؛ لأن الله ليس كمثله شىء. ولا يصح تأويل العين تأويلا هو تحريف للكلم عن مواضعه، فنضع لها معنى مبتدعا ليس لها فى لغة القرآن.
(٣) فى حديث رواه البخارى ومسلم «إن الله لا يخفى عليكم، إن الله تعالى ليس بأعور، وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى- أى الجهة اليمنى- كأن عينه عنبة طافية، هذا عن ابن عمر، وورد فى حديث رواه البخارى ومسلم أيضا عن أنس: «إن ربكم ليس بأعور» واقرأ ما كتب الإمام ابن القيم فى الصواعق المرسلة عن العين، وما شابه هذا مما نسب الله إلى نفسه، لتؤمن بتدبر القرآن أن الله لا ينسب إلى نفسه إلا حقا.
[ ٣ / ٢٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَيَكُونُ مُشْعِرٌ بِوُقُوعِ الْفِعْلِ فِي حَالِ الْقَوْلِ، وَتَوَجّهَ الْفِعْلُ بِيَسِيرِ عَلَى الْقَوْلِ، لَا يُمْكِنُ مُسْتَقْدِمٌ وَلَا مُسْتَأْخِرٌ، فَهَذَا مَعْنَى الْكَلِمَةِ، وَأَمّا رُوحُ اللهِ؛ فَلِأَنّهُ نَفْخَةُ رُوحِ الْقُدُسِ فِي جَيْبِ الطّاهِرَةِ الْمُقَدّسَةِ، وَالْقُدُسُ: الطّهَارَةُ مِنْ كُلّ مَا يَشِينُ، أَوْ يَعِيبُ، أَوْ تُقَذّرُهُ نَفْسٌ، أَوْ يَكْرَهُهُ شَرْعٌ، وَجِبْرِيلُ: رُوحُ الْقُدُسِ، لِأَنّهُ رُوحٌ لَمْ يُخْلَقْ مِنْ مِنّي، وَلَا صَدَرَ عَنْ شَهْوَةٍ، فَهُوَ مُضَافٌ إلَى اللهِ سُبْحَانَهُ إضَافَةَ تَشْرِيفٍ وَتَكْرِيمٍ؛ لِأَنّهُ صَادِرٌ عَنْ الْحَضْرَةِ الْمُقَدّسَةِ «١»، وَعِيسَى ﵇ صَادِرٌ عَنْهُ، فَهُوَ: رُوحُ اللهِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى؛ إذْ النّفْخُ قَدْ يُسَمّى: رُوحًا أَيْضًا، كَمَا قَالَ غَيْلَانُ [بْنُ عُقْبَةَ ذُو الرّمّةِ] يَصِفُ النّارَ:
فَقُلْت لَهُ: ارْفَعْهَا إلَيْك، وَأَحْيِهَا بِرُوحِك، وَاقْدُرْهَا لَهَا قِيتَةً بَدَرَا «٢»
وَأَضِفْ هَذَا الْكَلَامَ فِي رُوحِ القدس، وفى تسمية النفخ روحا إلى
_________________
(١) كلمة الحضرة لا يجوز نسبتها إلى الله، إنما هو تعبير مبتدع لهذه النسبة. هذا ويقول ابن تيمية عن رواية ابن إسحاق بسنده عن أم سلمة فى شأن النجاشى: «وقد روى جمل هذه القصة أبو داود فى سننه من حديث أبى موسى» ص ٨٧ ح ١ الجواب الصحيح، وفى رواية أن جعفر قرأ على النجاشى أربعين آية من أولها إلى قوله سبحانه: «إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ» وفى رواية: «بلوها بدموعهم» بدلا من: «أخضلوا مصاحفهم» وهى بمعناها. وفى رواية أن النجاشى قال: إن هذا والذى جاء به موسى ليخرج من مشكاة» وأظنها أدق- هذا وقد راجعت الحديث على رواية ابن تيمية له
(٢) البيت فى اللسان، وروايته: فقلت له: خذها إليك وأحيها بروحك واقتته لها قيتة قدرا واقتت لنارك قيتة، أى: أطعمها، يأمره بالرفق والنفخ القليل
[ ٣ / ٢٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ فِي حَقِيقَةِ الرّوحِ، وَشَرْحِ مَعْنَاهُ فَإِنّهُ تَكْمِلَةٌ لَهُ. النّجَاشِيّ أَصْحَمَةُ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ عَنْ النّجَاشِيّ حِينَ رَدّ اللهُ عَلَيْهِ مُلْكَهُ، وَأَنّ قَوْمَهُ كَانُوا بَاعُوهُ، فَلَمّا مَرِجَ أَمْرُ الْحَبَشَةِ، أَخَذُوهُ مِنْ سَيّدِهِ وَاسْتَرَدّوهُ.. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلّ عَلَى أَنّهُمْ أَخَذُوهُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ بِلَادَهُ لِقَوْلِهِ: خَرَجُوا فِي طَلَبِهِ، فَأَدْرَكُوهُ، وَقَدْ بُيّنَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنّ سَيّدَهُ كَانَ مِنْ الْعَرَبِ وَأَنّهُ اسْتَعْبَدَهُ طَوِيلًا، وَهُوَ الّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: فَلَمّا مَرِجَ عَلَى الْحَبَشَةِ أَمْرُهُمْ، وَضَاقَ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى طُولِ الْمُدّةِ فِي مَغِيبِهِ عَنْهُمْ، وَقَدْ رُوِيَ أَنّ وَقْعَةَ بَدْرٍ حِينَ انْتَهَى خَبَرُهَا إلَى النّجَاشِيّ عَلِمَ بِهَا قَبْلَ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ إذَا هُوَ قَدْ لَبِسَ مَسْحًا، وَقَعَدَ عَلَى التّرَابِ وَالرّمَادِ، فَقَالُوا لَهُ: مَا هَذَا أَيّهَا الْمَلِكُ؟! فَقَالَ: إنّا نَجِدُ فِي الْإِنْجِيلِ أَنّ اللهَ سُبْحَانَهُ إذَا أَحْدَثَ بِعَبْدِهِ، وَجَبَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُحْدِثَ لِلّهِ تَوَاضُعًا، وَإِنّ اللهَ قَدْ أَحْدَثَ إلَيْنَا وَإِلَيْكُمْ نِعْمَةً عَظِيمَةً، وَهِيَ أَنّ النّبِيّ مُحَمّدًاﷺ- بَلَغَنِي أَنّهُ الْتَقَى هُوَ وَأَعْدَاؤُهُ بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ: بَدْرٌ كَثِيرُ الْأَرَاكِ، كُنْت أَرْعَى فِيهِ الْغَنَمَ عَلَى سَيّدِي، وَهُوَ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ، وَأَنّ اللهَ قَدْ هَزَمَ أَعْدَاءَهُ فِيهِ، وَنَصَرَ دِينَهُ، فَدَلّ هَذَا الْخَبَرُ عَلَى طُولِ مُكْثِهِ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ، فَمِنْ هُنَا- وَاَللهُ أَعْلَمُ- تَعْلَمُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ مَا فَهِمَ بِهِ سُورَةَ مَرْيَمَ حِينَ تُلِيَتْ عَلَيْهِ، حَتّى بَكَى، وَأَخْضَلَ لِحْيَتَهُ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ: إنّا نَجِدُ فِي الْإِنْجِيلِ أَنّ اللّعْنَةَ تَقَعُ فِي الْأَرْضِ إذَا كَانَتْ إمَارَةُ الصّبْيَانِ.
[ ٣ / ٢٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَنْ فَقِهَ حَدِيثَ الْهِجْرَةِ إلَى الْحَبَشَةِ:
فَصْلٌ: وَمِمّا فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ الْفِقْهِ أَنّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لِرَسُولِ اللهِﷺ كَيْفَ نُصَلّي فِي السّفِينَةِ إذَا رَكِبْنَا فِي الْبَحْرِ؟
فَقَالَ ﷺ: صَلّ قَائِمًا إلّا أَنْ تَخَافَ الْغَرَقَ. خَرّجَهُ الدّارَقُطْنِيّ، وَلَكِنْ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَفِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: وَصَلّى أَنَسٍ فِي السّفِينَةِ جَالِسًا. وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ عَنْ الْحَسَنِ: يُصَلّي قَائِمًا إلّا أَنْ يَضُرّ بِأَهْلِهَا.
حَوْلَ كِتَابِ النّجَاشِيّ وَالصّلَاةِ عَلَيْهِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ الْكِتَابُ الّذِي كَتَبَهُ النّجَاشِيّ، وَجَعَلَهُ بَيْنَ صَدْرِهِ وَقَبَائِهِ، وَقَالَ لِلْقَوْمِ: أَشْهَدُ أَنّ عِيسَى لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَنّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُكَذّبَ كَذِبًا صُرَاحًا، وَلَا أَنْ يُعْطِيَ بِلِسَانِهِ الْكُفْرَ، وَإِنْ أُكْرِهَ مَا أَمْكَنَهُ الْحِيلَةُ، وَفِي الْمَعَارِيضِ مَنْدُوحَةٌ عَنْ الْكَذِبِ «١»، وَكَذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي قَوْلِ النّبِيّ ﵇: لَيْسَ بِالْكَاذِبِ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَقَالَ خَيْرًا. رَوَتْهُ أُمّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ. قَالُوا: مَعْنَاهُ أَنْ يُعَرّضَ، وَلَا يُفْصِحُ بِالْكَذِبِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: سَمِعْته يَسْتَغْفِرُ لَك، وَيَدْعُو لَك، وَهُوَ يَعْنِي أَنّهُ سَمِعَهُ يَسْتَغْفِرُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَدْعُو لَهُمْ؛ لِأَنّ الْآخَرَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَحْتَالُ فِي التّعْرِيضِ
_________________
(١) إن فى المعاريض لمندوحة عن الكذب، أخرجه- كما يقول ابن الأثير- أبو عبيد وغيره، وهو حديث مرفوع. والمعاريض: جمع معراض من التعريض، وهو خلاف التصريح من القول، يقال: عرفت ذلك فى معراض كلامه ومعرض كلامه. ومندوحة: فسحة وسعة.
[ ٣ / ٢٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَا اسْتَطَاعَ، وَلَا يَخْتَلِقُ الْكَذِبَ اخْتِلَاقًا، وَكَذَلِكَ فِي خُدْعَةِ الْحَرْبِ يُوَرّي، وَيَكُنّي، وَلَا يَخْتَلِقُ الْكَذِبَ يَسْتَحِلّهُ بِمَا جَاءَ مِنْ إبَاحَةِ الْكَذِبِ فِي خُدَعِ الْحَرْبِ، هَذَا كُلّهُ مَا وَجَدَ إلَى الْكِنَايَةِ سَبِيلًا.
وَذَكَرَ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ: صَلّى عَلَى النّجَاشِيّ، وَاسْتَغْفَرَ «١» لَهُ، وَكَانَ مَوْتُ النّجَاشِيّ فِي رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ، وَنَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى النّاسِ فِي الْيَوْمِ الّذِي مَاتَ فِيهِ، وَصَلّى عَلَيْهِ بِالْبَقِيعِ، رُفِعَ طليه سَرِيرُهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ حَتّى رَآهُ، وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ فَصَلّى عَلَيْهِ، وَتَكَلّمَ الْمُنَافِقُونَ، فَقَالُوا: أَيُصَلّي عَلَى هَذَا الْعِلْجِ؟! فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى «٢»:
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ آلُ عِمْرَانَ: ١٩٩ وَمِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّ أَبَا نيزر
_________________
(١) روى صلاة الرسول «ص» على النجاشى: البخارى ومسلم وأحمد والنسائى والترمذى والطبرانى. والرواية المتفق عليها: «توفى اليوم رجل صالح من الحبش فهلموا، فصلوا عليه، فصففنا خلفه، فصلى رسول الله عليه، ونحن صفوف» وعن جابر أن النبى صلّى على أصحمة النجاشى. فكبر أربعا
(٢) ليست هذه الرواية فى الصحيح، وإنما هى عند ابن أبى حاتم وابن مردويه وعبد بن حميد. وروى الحاكم أن الاية فى حق النجاشى، وحديث النور على قبره رواه أبو داود بسنده عن محمد بن إسحاق. ولو كان هذا حقا لتواتر خبره. وأحب أن أعرج على مسألة شرعية هى صلاة الجنازة على الغائب وحكمها. وإليك خلاصة القول: ذهب الشافعى وأحمد وجمهور السلف إلى مشروعية الصلاة على الغائب عن البلد، وذهب الحنفية والمالكية إلى أن صلاة الغائب غير مشروعة مطلقا. واعتذروا عن القصة بأن النجاشى كان بأرض ليس فيها من-
[ ٣ / ٢٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَوْلَى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، كَانَ ابْنًا لِلنّجَاشِيّ نَفْسِهِ «١»، وَأَنّ عِلّيّا وَجَدَهُ عِنْدَ تَاجِرٍ بِمَكّةَ، فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ، وَأَعْتَقَهُ مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ أَبُوهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ.
وَذَكَرَ أَنّ الْحَبَشَةَ مَرِجَ عَلَيْهَا أَمْرُهَا بَعْدَ النّجَاشِيّ، وَأَنّهُمْ أَرْسَلُوا وَفْدًا مِنْهُمْ إلَى أَبِي نيزر، وَهُوَ مَعَ عَلِيّ لِيُمَلّكُوهُ وَيُتَوّجُوهُ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فَأَبَى وَقَالَ: مَا كُنْت لِأَطْلُبَ الْمُلْكَ بَعْدَ أَنْ مَنّ اللهُ عَلَيّ بِالْإِسْلَامِ، قَالَ: وَكَانَ أَبُو نيزر مِنْ أَطْوَلِ النّاسِ قَامَةً، وَأَحْسَنِهِمْ وَجْهًا، قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ لَوْنُهُ كَأَلْوَانِ الْحَبَشَةِ، وَلَكِنْ إذَا رأيته قلت: هذا رجل من العرب.
_________________
(١) - يصلى عليه، ولهذا قال الخطابى: لا يصلى على الغائب إلا إذا وقع موته بأرض ليس فيها من يصلى عليه، وترجم بهذا أبو داود. وقد اختار ابن تيمية هذا مستدلا بما أخرجه الطيالسى وأحمد وابن ماجة وابن قانع والطبرانى والضياء المقدسى، وعن أبى الطفيل عن حذيفة بن أسيد أن النبى «ص» قال: «إن أخاكم مات بغير أرضكم، فقوموا فصلوا عليه» . واستدلوا أيضا بأن صلاة الرسول على النجاشى كانت خاصة لأنه لم يثبت أنه صلى على ميت غائبا غيره، وردوا على من جاء بأحاديث تثبت غير هذا بأن أسانيد هذه الأحاديث ليست بالقوية. وقال الذهبى عن معاوية بن معاوية الذى زعموا أن النبى صلّى عليه أنه لا يعلم فى الصحابة من اسمه معاوية بن معاوية، وكذلك تكلم فيه البخارى. وقال ابن القيم لا يصح حديث صلاته على معاوية بن معاوية، لأن فى إسناده العلاء بن يزيد، وقد قال عنه ابن المدينى أنه كان يضع الحديث، أقول: وهذا هو الصوب، ولكن إذا كان هذا هو الحكم فإن الإسلام يدعونا إلى أن ندعو لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان بالمغفرة.
(٢) له ترجمة فى الإصابه. ذكره الذهبى مستدركا، وقال: يقال إنه ولد النجاشى جاء وأسلم، وكان مع النبى «ص» فى مؤنته. وقال الحافظ: إنه قرأ قصته فى كتاب الكامل المبرد، وأنه كان من أبناء ملوك الأعاجم، وأنه أسلم صغيرا على يد النبى ﷺ وأن أمره انتهى إلى أن كان مع فاطمة ثم مع ولدها.
[ ٣ / ٢٦٣ ]
[ذكر إسْلَامُ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ ﵁]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا قَدِمَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ عَلَى قُرَيْشٍ، وَلَمْ يُدْرِكُوا مَا طَلَبُوا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِﷺ- وَرَدّهُمَا النجاشىّ بما يكرهونه، وَأَسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ- وَكَانَ رَجُلًا ذَا شَكِيمَةٍ لَا يُرَامُ مَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ- امْتَنَعَ بِهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَبِحَمْزَةِ حَتّى عَازُوا قُرَيْشًا، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَا كُنّا نَقْدِرُ عَلَى أَنْ نُصَلّيَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، حَتّى أَسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، فَلَمّا أَسْلَمَ قَاتَلَ قُرَيْشًا، حَتّى صَلّى عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَصَلّيْنَا مَعَهُ، وَكَانَ إسْلَامُ عُمَرَ بَعْدَ خُرُوجِ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى الْحَبَشَةِ.
قَالَ الْبُكَائِيّ: قَالَ: حَدّثَنِي مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ، قَالَ:
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إنّ إسْلَامَ عُمَرَ كَانَ فَتْحًا، وَإِنّ هِجْرَتَهُ كَانَتْ نَصْرًا، وَإِنّ إمَارَتَهُ كَانَتْ رَحْمَةً، وَلَقَدْ كُنّا مَا نُصَلّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ حَتّى أَسْلَمَ عُمَرُ، فَلَمّا أَسْلَمَ، قَاتَلَ قُرَيْشًا حَتّى صَلّى عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وصلّينا معه.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَيّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أُمّهِ أُمّ عَبْدِ اللهِ بِنْتِ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَتْ:
وَاَللهِ إنّا لَنَتَرَحّلُ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَقَدْ ذهب عامر فى بعض حاجاتنا،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٦٤ ]
إذ أَقْبَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، حَتّى وَقَفَ عَلَيّ، وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ- قَالَتْ: وَكُنّا نَلْقَى مِنْهُ الْبَلَاءَ أَذًى لَنَا، وَشِدّةً عَلَيْنَا- قَالَتْ: فَقَالَ: إنّهُ لَلِانْطِلَاقُ يَا أُمّ عَبْدِ اللهِ. قَالَتْ: فَقُلْت: نَعَمْ وَاَللهِ، لَنَخْرُجَنّ فِي أَرْضِ اللهِ، آذَيْتُمُونَا وَقَهَرْتُمُونَا، حَتّى يَجْعَلَ اللهُ مَخْرَجًا. قَالَتْ: فَقَالَ: صَحِبَكُمْ اللهُ، وَرَأَيْت لَهُ رِقّةً، لَمْ أَكُنْ أَرَاهَا، ثُمّ انْصَرَفَ وَقَدْ أَحْزَنَهُ- فِيمَا أَرَى- خُرُوجُنَا.
قَالَتْ: فَجَاءَ عَامِرٌ بِحَاجَتِهِ تِلْكَ، فقالت لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، لَوْ رَأَيْتَ عُمَرَ آنِفًا وَرِقّتَهُ وَحُزْنَهُ عَلَيْنَا! قَالَ: أَطَمِعْتِ فِي إسْلَامِهِ؟ قَالَتْ: قُلْت: نَعَمْ، قَالَ:
فَلَا يُسْلِمُ الّذِي رَأَيْتِ، حَتّى يُسْلِمَ حِمَارُ الْخَطّابِ؛ قَالَتْ: يَأْسًا مِنْهُ، لِمَا كَانَ يَرَى مِنْ غلظته وقسوته عن الإسلام.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ إسْلَامُ عُمَرَ فِيمَا بَلَغَنِي أَنّ أُخْتَه فَاطِمَةَ بِنْتَ الْخَطّابِ، وَكَانَتْ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَكَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ وَأَسْلَمَ بَعْلُهَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَهُمَا مُسْتَخْفِيَانِ بِإِسْلَامِهِمَا مِنْ عُمَرَ، وكان نعيم بن عبد الله النحّام من مكة، رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، مِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ قَدْ أَسْلَمَ، وَكَانَ أَيْضًا يَسْتَخْفِي بِإِسْلَامِهِ فَرَقًا مِنْ قَوْمِهِ، وَكَانَ خَبّابُ بْنُ الْأَرَتّ يَخْتَلِفُ إلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ الْخَطّابِ يُقْرِئُهَا الْقُرْآنَ، فَخَرَجَ عُمَرُ يَوْمًا مُتَوَشّحًا سَيْفَهُ يُرِيدُ رَسُولَ اللهِﷺ- وَرَهْطًا مِنْ أَصْحَابِهِ، قَدْ ذُكِرُوا لَهُ أَنّهُمْ قَدْ اجْتَمَعُوا فِي بَيْتٍ عِنْدَ الصّفَا، وَهُمْ قَرِيبٌ مِنْ أَرْبَعِينَ مَا بَيْنَ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، وَمَعَ رَسُولِ اللهﷺ- عمّه حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ الصّدّيقُ، وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فِي رِجَالٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ﵃، ممن كان
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٦٥ ]
أَقَامَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَكّةَ، وَلَمْ يَخْرَجْ فِيمَنْ خَرَجَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَلَقِيَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: أريد محمدا هذا الصابىء، الّذِي فَرّقَ أَمْرَ قُرَيْشٍ، وَسَفّهُ أَحْلَامَهَا، وَعَابَ دِينَهَا، وَسَبّ آلِهَتَهَا، فَأَقْتُلَهُ، فَقَالَ لَهُ نُعَيْمٌ: وَاَللهِ لَقَدْ غَرّتْك نَفْسُك مِنْ نَفْسِك يَا عُمَرُ، أَتَرَى بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ تَارِكِيك تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَقَدْ قَتَلْت مُحَمّدًا! أَفَلَا تَرْجِعُ إلَى أَهْلِ بَيْتِك فَتُقِيمَ أَمْرَهُمْ؟ قَالَ: وَأَيّ أَهْلِ بَيْتِي؟ قَالَ: خَتَنُك وَابْنُ عَمّك سَعِيدُ ابن زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو، وَأُخْتُك: فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطّابِ، فَقَدْ وَاَللهِ أَسْلَمَا، وَتَابَعَا مُحَمّدًا عَلَى دِينِهِ، فَعَلَيْك بِهِمَا، قَالَ: فَرَجَعَ عُمَرُ عَامِدًا إلَى أُخْتِهِ وَخَتَنِهِ، وَعِنْدَهُمَا خَبّابُ بْنُ الْأَرَتّ مَعَهُ صَحِيفَةٌ، فِيهَا: «طَه» يُقْرِئُهُمَا إيّاهَا، فَلَمّا سَمِعُوا حِسّ عُمَرَ تَغَيّبْ خَبّابٌ فِي مِخْدَعٍ لَهُمْ- أَوْ فِي بَعْضِ الْبَيْتِ- وَأَخَذَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطّابِ الصّحِيفَةَ، فَجَعَلَتْهَا تَحْتَ فَخِذِهَا، وَقْدَ سَمِعَ عُمَرُ حِينَ دَنَا إلَى الْبَيْتِ قِرَاءَةَ خَبّابٍ عَلَيْهِمَا، فَلَمّا دَخَلَ قَالَ: مَا هَذِهِ الْهَيْنَمَةُ الّتِي سَمِعْتُ؟ قَالَا لَهُ: مَا سَمِعْتَ شَيْئًا، قَالَ: بَلَى وَاَللهِ لَقَدْ أُخْبِرْت أَنّكُمَا تَابَعْتُمَا مُحَمّدًا عَلَى دِينِهِ، وَبَطَشَ بِخَتَنِهِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَامَتْ إلَيْهِ أُخْتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطّابِ لَتَكُفّهُ عَنْ زَوْجِهَا، فَضَرَبَهَا فَشَجّهَا، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ قَالَتْ لَهُ أُخْتُهُ وَخَتَنُهُ: نَعَمْ قَدْ أَسْلَمْنَا، وَآمَنّا بِاَللهِ وَرَسُولِهِ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَك: فَلَمّا رَأَى عُمَرُ مَا بِأُخْتِهِ مِنْ الدّمِ نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ، فَاِرْعَوى، وَقَالَ لأخته: أعطينى هذه الصحيفة التى سمعتكم تقرؤن آنِفًا أَنْظُرْ مَا هَذَا الّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمّدٌ، وَكَانَ عُمَرُ كَاتِبًا، فَلَمّا قَالَ ذَلِكَ، قَالَتْ لَهُ أُخْتُهُ:
إنّا نَخْشَاك عَلَيْهَا، قَالَ: لَا تَخَافِي، وَحَلَفَ لَهَا بِآلِهَتِهِ لَيَرُدّنّهَا إذَا قَرَأَهَا إلَيْهَا، فَلَمّا قَالَ ذَلِكَ، طَمِعَتْ فِي إسْلَامِهِ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَخِي، إنّكَ نَجِسٌ، على
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٦٦ ]
شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر، فقام عمر، فاغتسل، فأعطته الصحيفة، وفيها: «طَه» فَقَرَأَهَا، فَلَمّا قَرَأَ مِنْهَا صَدْرًا، قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَكْرَمَهُ! فَلَمّا سَمِعَ ذلك خبّاب خرج طليه، فَقَالَ لَهُ: يَا عُمَرُ، وَاَللهِ إنّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللهُ قَدْ خَصّك بِدَعْوَةِ نَبِيّهُ، فَإِنّي سَمِعْته أَمْسِ، وَهُوَ يَقُولُ: اللهُمّ أَيّدْ الْإِسْلَامَ بِأَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ، أَوْ بِعُمَرِ بْنِ الْخَطّابِ، فَاَللهَ اللهَ يَا عُمَرُ: فَقَالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ عُمَرُ: فَدُلّنِي يَا خَبّابُ عَلَى مُحَمّدٍ حَتّى آتِيَهُ، فَأُسْلِمَ، فَقَالَ لَهُ خَبّابٌ:
هُوَ فِي بَيْتٍ عِنْدَ الصّفَا، مَعَهُ فِيهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَخَذَ عُمَرُ سَيْفَهُ فَتَوَشّحَهُ، ثُمّ عَمَدَ إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- وَأَصْحَابِهِ، فَضَرَبَ عَلَيْهِمْ الْبَابَ، فلما سمعوا صوته، قام رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِﷺ- فَنَظَرَ مِنْ خَلَلِ الْبَابِ، فَرَآهُ مُتَوَشّحًا السّيْفَ، فَرَجَعَ إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- وَهُوَ فَزِعٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ مُتَوَشّحًا السّيْفَ، فَقَالَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ: فَأْذَنْ لَهُ، فَإِنْ كَانَ جَاءَ يُرِيدُ خَيْرًا بَذَلْنَاهُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ جَاءَ يُرِيدُ شَرّا قَتَلْنَاهُ بِسَيْفِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ: ائْذَنْ لَهُ، فَأَذِنَ لَهُ الرّجُلُ، وَنَهَضَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِﷺ- حَتّى لَقِيَهُ فِي الْحُجْرَةِ، فَأَخَذَ حُجْزَتَهُ، أَوْ بِمِجْمَعِ رِدَائِهِ، ثُمّ جَبَذَهُ بِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، وقال: ما جاء بك يابن الخطّاب؟ فو الله مَا أَرَى أَنْ تَنْتَهِيَ حَتّى يُنْزِلَ اللهُ بِك قَارِعَةً، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُك لِأُومِنَ بِاَللهِ وَبِرَسُولِهِ، وَبِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، قَالَ: فَكَبّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَكْبِيرَةً عَرَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنّ عُمَرَ قَدْ أَسْلَمَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٦٧ ]
فَتَفَرّقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِﷺ- مِنْ مَكَانِهِمْ، وَقَدْ عَزّوا فِي أَنْفُسِهِمْ حِينَ أَسْلَمَ عُمَرُ مَعَ إسْلَامِ حَمْزَةَ، وَعَرَفُوا أَنّهُمَا سَيَمْنَعَانِ رَسُولَ اللهِﷺ- وَيَنْتَصِفُونَ بِهِمَا مِنْ عَدُوّهِمْ. فَهَذَا حَدِيثُ الرّوَاةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ إسْلَامِ عُمَرَ بن الخطّاب حين أسلم.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أَبِي نَجِيحٍ الْمَكّيّ، عَنْ أَصْحَابِهِ:
عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، أَوْ عَمّنْ رَوَى ذَلِكَ: أَنّ إسْلَامَ عُمَرَ فِيمَا تَحَدّثُوا بِهِ عَنْهُ، أَنّهُ كَانَ يَقُولُ: كُنْت لِلْإِسْلَامِ مُبَاعِدًا، وَكُنْت صَاحِبَ خَمْرٍ فِي الْجَاهِلِيّةِ، أُحِبّهَا وَأُسِرّ بِهَا، وَكَانَ لَنَا مَجْلِسٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ بِالْحَزْوَرَةِ، عِنْدَ دور آلِ عُمَر بْنِ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ الْمَخْزُومِيّ، قَالَ: فَخَرَجْت لَيْلَةً أُرِيدُ جُلَسَائِي أُولَئِكَ فِي مَجْلِسِهِمْ ذَلِكَ، قَالَ: فَجِئْتهمْ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ مِنْهُمْ أَحَدًا. قَالَ: فَقُلْت: لَوْ أَنّي جِئْتُ فُلَانًا الْخَمّارَ، وَكَانَ بِمَكّةَ يَبِيعُ الْخَمْرَ، لَعَلّي أَجِدُ عِنْدَهُ خَمْرًا فَأَشْرَبَ مِنْهَا.
قَالَ: فَخَرَجْتُ فَجِئْته فَلَمْ أَجِدْهُ. قَالَ: فَقُلْت: فَلَوْ أَنّي جِئْتُ الْكَعْبَةَ، فَطُفْت بِهَا سَبْعًا أَوْ سَبْعِينَ. قَالَ: فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ أُرِيدُ أَنْ أَطُوّفَ بِالْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِﷺ- قَائِمٌ يُصَلّي، وَكَانَ إذَا صَلّى اسْتَقْبَلَ الشّامَ، وَجَعَلَ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشّامِ، وَكَانَ مُصَلّاهُ بَيْنَ الرّكْنَيْنِ: الرّكْنِ الْأَسْوَدِ، وَالرّكْنِ الْيَمَانِيّ. قَالَ: فَقُلْت حِينَ رَأَيْتُهُ: وَاَللهِ لَوْ أَنّي اسْتَمَعْت لِمُحَمّدٍ اللّيْلَةَ حَتّى أَسْمَعَ مَا يَقُولُ! قَالَ: فَقُلْت: لَئِنْ دَنَوْتُ مِنْهُ أَسْتَمِعُ مِنْهُ لَأُرَوّعَنّهُ، فَجِئْت مِنْ قِبَلِ الْحِجْرِ، فَدَخَلْت تَحْتَ ثِيَابِهَا، فَجَعَلْتُ أَمْشِي رُوَيْدًا، وَرَسُولُ اللهِﷺ قَائِمٌ يُصَلّي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، حَتّى قُمْت فِي قِبْلَتِهِ مُسْتَقْبِلَهُ، مَا بَيْنِي
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٦٨ ]
وَبَيْنَهُ إلّا ثِيَابُ الْكَعْبَةِ. قَالَ: فَلَمّا سَمِعْتُ الْقُرْآنَ رَقّ لَهُ قَلْبِي، فَبَكَيْتُ وَدَخَلَنِي الْإِسْلَامُ، فَلَمْ أَزَلْ قَائِمًا فِي مَكَانِي ذَلِكَ، حَتّى قَضَى رَسُولُ اللهِﷺ- صَلَاتَهُ، ثُمّ انْصَرَفَ، وَكَانَ إذَا انْصَرَفَ خَرَجَ عَلَى دَارِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، وَكَانَتْ طَرِيقَهُ، حَتّى يَجْزَعَ الْمَسْعَى، ثُمّ يَسْلُكُ بَيْنَ دَارِ عبّاس ابن الْمُطّلِبِ، وَبَيْنَ دَارِ ابْنِ أَزْهَرَ بْنِ عَبْدِ عوف الزّهرى، ثم على دار الأخنس ابن شَرِيقٍ، حَتّى يَدْخُلَ بَيْتَهُ، وَكَانَ مَسْكَنُهُﷺ- فِي الدّارِ الرّقْطَاءِ، الّتِي كَانَتْ بِيَدَيْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ. قَالَ عُمَرُ ﵁:
فَتَبِعْتُهُ حَتّى إذَا دخل بين دار عبّاس، ودار ابن أَزْهَرَ، أَدْرَكْتُهُ، فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللهِﷺ- حسّى عرفنى، فَظَنّ رَسُولُ اللهِﷺ- أَنّي إنّمَا تَبِعْته لِأُوذِيَهُ، فَنَهَمَنِي، ثُمّ قَالَ: ما جاء بك يابن الْخَطّابِ هَذِهِ السّاعَةَ؟ قَالَ: قُلْت: جِئْت لِأُومِنَ بِاَللهِ وَبِرَسُولِهِ، وَبِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، قَالَ: فَحَمِدَ اللهِ رَسُولَ اللهِﷺ- ثُمّ قَالَ: قَدْ هَدَاك اللهُ يَا عُمَرُ، ثُمّ مَسَحَ صَدْرِي، وَدَعَا لِي بِالثّبَاتِ، ثُمّ انْصَرَفْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْتَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: والله أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمّا أَسْلَمَ أَبِي عُمَرُ، قَالَ: أَيّ قُرَيْشٍ أَنْقَلُ لِلْحَدِيثِ؟ فَقِيلَ له: جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ الْجُمَحِيّ. قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهِ، قال عبد الله بن عمر: فعدوت أَتْبَعُ أَثَرَهُ، وَأَنْظُرُ مَا يَفْعَلُ، وَأَنَا غُلَامٌ أَعْقِلُ كُلّ مَا رَأَيْتُ، حَتّى جَاءَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَعَلِمْتَ يَا جَمِيلُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٦٩ ]
أَنّي قَدْ أَسْلَمْت: وَدَخَلْت فِي دِينِ مُحَمّدٍ؟ قال: فو الله مَا رَاجَعَهُ حَتّى قَامَ يَجُرّ رِدَاءَهُ وَاتّبَعَهُ عُمَرُ، وَاتّبَعْت أَبِي، حَتّى إذَا قَامَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ:
يَا مَعْشَرَ قريش، وهم فى أنديتهم حول باب الْكَعْبَةِ، أَلَا إنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ قَدْ صبأ، قال: يَقُولُ عُمَرُ مِنْ خَلْفِهِ: كَذَبَ، وَلَكِنّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَشَهِدْتُ أَنْ لَا إلَه إلّا اللهُ، وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. وَثَارُوا إلَيْهِ، فَمَا بَرِحَ يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ حَتّى قَامَتْ الشّمْسُ عَلَى رؤسهم. قال: وطلح، فتعد وَقَامُوا عَلَى رَأْسِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: افْعَلُوا مَا بَدَا لَكُمْ، فَأَحْلِفُ بِاَللهِ أَنْ لَوْ قَدْ كنّا ثلثمائة رجل لتركناها لكم، أو لتركتموها لَنَا، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ، إذْ أَقْبَلَ شَيْخٌ مِنْ قُرَيْشٍ، عَلَيْهِ حُلّةٌ حِبْرَةٌ، وَقَمِيصٌ مُوَشّى، حَتّى وَقَفَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟
قَالُوا: صَبَا عُمَرُ، فَقَالَ: فَمَهْ، رَجُلٌ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ أَمْرًا، فَمَاذَا تُرِيدُونَ؟ أَتَرَوْنَ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ يُسْلِمُونَ لَكُمْ صَاحِبَهُمْ هَكَذَا؟! خلّوا عن الرجل. قال: فو الله لَكَأَنّمَا كَانُوا ثَوْبًا كُشِطَ عَنْهُ. قَالَ: فَقُلْت لِأَبِي بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ:
يَا أَبَتْ، مَنْ الرّجُلُ الّذِي زَجَرَ الْقَوْمَ عَنْك بمكة يوم أسلمت، وهم يقاتلونك؟
فقال: ذلك، أَيْ بُنَيّ، الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ السّهْمِيّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنّهُ قَالَ: يَا أَبَتْ، مَنْ الرّجُلُ الّذِي زَجَرَ القوم عنك يَوْمَ أَسْلَمْتَ، وَهُمْ يُقَاتِلُونَك، جَزَاهُ اللهُ خَيْرًا؟ قَالَ:
يَا بُنَيّ ذَاكَ الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ، لَا جَزَاهُ اللهُ خَيْرًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بَعْضِ آلِ عُمَرَ، أَوْ بَعْضِ أَهْلِهِ، قَالَ. قَالَ عُمَرُ: لَمّا أَسْلَمْتُ تِلْكَ اللّيْلَةَ، تَذَكّرْت أَيّ أهل مكّة
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٧٠ ]
أَشَدّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَدَاوَةً حَتّى آتِيَهُ، فَأُخْبِرَهُ أَنّي قَدْ أَسْلَمْتُ، قال: قلت: أبو جهل- وكان عمر لختمة بِنْتِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ- قَالَ: فَأَقْبَلْت حِينَ أَصْبَحْتُ، حَتّى ضَرَبْتُ عَلَيْهِ بَابَهُ. قَالَ: فَخَرَجَ إلَيّ أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ:
مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِابْنِ أُخْتِي، مَا جَاءَ بِك؟ قَالَ: جِئْتُ لِأُخْبِرَك أَنّي قَدْ آمَنْت بِاَللهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمّدٍ، وَصَدّقْت بِمَا جَاءَ بِهِ، قَالَ: فَضَرَبَ الْبَابَ فِي وَجْهِي، وَقَالَ:
قَبّحَك اللهُ، وَقَبّحَ مَا جِئْت به.
ــ
إسْلَامُ عُمَرَ وَحَدِيثُ خَبّابٍ:
فَصْلٌ: فِي حَدِيثِ إسْلَامِ عُمَرَ. ذَكَرَهُ إلَى آخِرِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ إشْكَالٌ، وَكَانَ إسْلَامُ عُمَرَ وَالْمُسْلِمُونَ إذْ ذَاكَ بضعة وأربعون رجلا، وإحدى عشرة «١» امرأة.
_________________
(١) فى رواية ابن أبى خيثمة عن عمر نفسه: «لقد رأيتنى، وما أسلم مع رسول الله إلا تسعة وثلاثون رجلا، فكملتهم أربعين، فأظهر الله دينه، وأعز الإسلام. وروى البزار نحوا من حديث ابن عباس، ولقد قيل: إنه أسلم فى ذى الحجة سنة ست من المبعث، وحكى ابن الجوزى فى بعض كتبه الاتفاق عليه، ولكنه فى التلقيح قال: سنة ست أو خمس، وروى أبو نعيم فى الدلائل أن إسلامه كان بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام، وحديث ابن مسعود عن أثر إسلامه فى البخارى: فقد روى بسنده إلى عبد الله بن مسعود أنه قال: «مازلنا أعزة منذ أسلم عمر»، والحديث الاخر من رواية البكائى عن ابن مسعود رواه ابن أبى شيبة، والطبرانى من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود، وفيه: «والله ما استطعنا أن نصلى حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر» وروى ابن سعد من حديث صهيب، قال: لما أسلم عمر قال المشركون: انصف القوم منا. وروى البزار-
[ ٣ / ٢٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفِيهِ: أَنّ خَبّابًا وَهُوَ ابْنُ الْأَرَتّ كَانَ يُقْرِئُ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْخَطّابِ الْقُرْآنَ، وَخَبّابٌ تَمِيمِيّ بِالنّسَبِ، وَهُوَ خُزَاعِي بِالْوَلَاءِ لِأُمّ أَنْمَارٍ بِنْتِ سِبَاعٍ الْخُزَاعِيّ، وَكَانَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْهِ سِبَاءٌ، فاشترته وأعتقته، فولاؤه لها، وكان أبوها؟؟؟ ح
_________________
(١) - والطبرانى من حديث ابن عباس نحوه، وفى حديث إسلام عمر أن أخته هى فاطمة، وهذا على الأكثر، وقيل- كما حكى الدارقطنى- اسمها: أميمة، وقال الحافظ فى الإصابة كان اسمها: فاطمة ولقبها: أميمة، وكنيتها: أم جميل، وفى نسب قريش لا توجد أخت لعمر اسمها فاطمة، وإنما صفية وأميمة فقط ص ٣٤٧. وفى بعض روايات حديث إسلامه أن عمر قال بعد أن أخبر بإسلام أخته «وقد كانﷺ يجمع الرجل والرجلين إذا أسلما عند الرجل به قوة، فيكونان معه ويصيبان من طعامه وقد ضم إلى زوج أختى رجلين» . وحديث: اللهم أيد الإسلام بأبى الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب، روايته عند الترمذى: «اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين، بأبى جهل أو يعمر، فكان أحبهما إليه عمر» . قال الترمذى: حسن صحيح، وصححه ابن حبان، وفى إسناده خارجة بن عبد الله صدوق فيه مقال، ولكن له شاهد من حديث ابن عباس أخرجه الترمذى أيضا، ومن حديث أنس، وروى أحمد نحوه، ورواه الحاكم بلفظ: أيد، بدل: أعز. وأخرجه الحاكم، وصححه عن نافع عن ابن عمر عن ابن عباس رفعه: اللهم أيد الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة، وأخرجه ابن ماجة وابن حبان، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبى من حديث عائشة. والرواية الجارية على الألسنة، بأحب العمرين: لا أصل لها فى شىء من طرق الحديث وهناك رواية طيبة المعنى عن عائشة: قالت: إنما قال ﷺ: اللهم أعز بالإسلام، لأن الاسلام يعز ولا يعز» وقد قال أبو بكر التاريخى أن عمر سئل عن قوله اللهم أيد الإسلام، فقال: معاذ الله. هذا وقد ولد عمر بعد الفجار بثلاث عشرة سنة.
[ ٣ / ٢٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِعَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ «١»، فَهُوَ زُهْرِيّ بِالْحِلْفِ، وَهُوَ ابْنُ الْأَرَتّ بْنُ جَنْدَلَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، كَانَ قَيْنًا يَعْمَلُ السّيُوفَ فِي الْجَاهِلِيّةِ، وَقَدْ قِيلَ: إنّ أُمّهُ كَانَتْ أُمّ سِبَاعٍ الْخُزَاعِيّة، وَلَمْ يَلْحَقْهُ سِبَاءٌ، وَلَكِنّهُ انْتَمَى إلَى حُلَفَاءِ أُمّهِ بَنِي زُهْرَةَ، يُكَنّى: أَبَا عَبْدِ اللهِ، وَقِيلَ: أَبَا يَحْيَى، وَقِيلَ أَبَا مُحَمّدٍ مَاتَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ بعد ما شَهِدَ مَعَ عَلِيّ صِفّينَ وَالنّهْرَوَان، وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ. ذَكَرَ أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ سَأَلَهُ عَمّا لَقِيَ فِي ذَاتِ اللهِ، فَكَشَفَ ظَهْرَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَقَدْ أُوقِدَتْ لِي نَارٌ، فَمَا أَطَفْأَهَا إلّا شَحْمِي.
تَطْهِيرُ عُمَرَ لِيَمَسّ الْقُرْآنَ:
فَصْلٌ: وَفِيهِ ذَكَرَ تَطْهِيرَ عُمَرَ لِيَمَسّ الْقُرْآنَ، وَقَوْلُ أُخْتِهِ: لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ وَالْمُطَهّرُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُمْ الْمَلَائِكَةُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطّأِ، وَاحْتَجّ بِالْآيَةِ الْأُخْرَى الّتِي فِي سُورَةِ عَبَسَ، وَلَكِنّهُمْ وَإِنْ كَانُوا الْمَلَائِكَةَ، فَفِي وَصْفِهِمْ بِالطّهَارَةِ مَقْرُونًا بِذِكْرِ الْمَسّ مَا يَقْتَضِي أَلّا يَمَسّهُ إلّا طَاهِرٌ اقْتِدَاءً بِالْمَلَائِكَةِ الْمُطَهّرِينَ، فَقَدْ تَعَلّقَ الْحُكْمُ بِصِفّةِ التّطْهِيرِ، وَلَكِنّهُ حُكْمٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَلَيْسَ مَحْمُولًا عَلَى الفرض، وكذلك ما كتب به رسول
_________________
(١) النسب هكذا فى كتاب نسب قريش ص ٢٦٥ أما فى جمهرة ابن حزم ص ١٢١ وما بعدها: فعوف بن عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ، وفى الإصابة كما فى نسب قريش، لكن سقطت كلمة ابن بين عبد وبين الحارث.
[ ٣ / ٢٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللهِﷺ- لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ «١»: «وَأَلّا يَمَسّ الْقُرْآنَ إلّا طَاهِرٌ» لَيْسَ عَلَى الْفَرْضِ، وَإِنْ كَانَ الْفَرْضُ فِيهِ أَبْيَنَ مِنْهُ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنّهُ جَاءَ بِلَفْظِ النّهْيِ عَنْ مَسّهِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، وَلَكِنْ فِي كتابه إلى هرقل بهذه الاية:
يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ آل عِمْرَانَ: ٦٤ دَلِيلٌ عَلَى مَا قُلْنَاهُ، وَقَدْ ذَهَبَ دَاوُدَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَطَائِفَةٌ مِمّنْ سَلَفَ، مِنْهُمْ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَحَمّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ إلَى إبَاحَةِ مَسّ الْمُصْحَفِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، وَاحْتَجّوا بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ كِتَابِهِ إلَى هِرَقْلَ، وَقَالُوا: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ مُرْسَلٌ، فَلَمْ يروه حجة، والدار قطنى قد أسنده من طرق حسان، أقواها: رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ الطّيَالِسِيّ عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ، وَمِمّا يُقَوّي أَنّ الْمُطَهّرِينَ فِي الْآيَةِ هُمْ الْمَلَائِكَةُ، أَنّهُ لَمْ يَقُلْ: الْمُتَطَهّرُونَ، وَإِنّمَا قَالَ الْمُطَهّرُونَ، وَفَرْقٌ مَا بَيْنَ الْمُتَطَهّرِ وَالْمُطَهّرِ: أَنّ الْمُتَطَهّرَ مِنْ فِعْلِ الطّهُورِ «٢»، وَأَدْخَلَ نَفْسَهُ فِيهِ كَالْمُتَفَقّهِ مَنْ يُدْخِلُ نَفْسَهُ فِي الْفِقْهِ، وَكَذَلِكَ الْمُتَفَعّلُ فِي أكثر الكلام، وأنشد سيبويه:
_________________
(١) هو فى الموطأ، وعند أبى داود فى المراسيل من حديث الزهرى، قال: قرأت فى صحيفة عند أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حزم أن رسول الله ﷺ، قال: «ولا يمس القرآن إلا طاهر» ويعلق ابن كثير على هذا بقوله: ومثل هذا لا ينبغى الأخذ به. وقال عن سندى الدارقطنى للحديث: وفى إسناد كل منهما نظر. أقول: والضمير فى الاية يرجع الى الكتاب المكنون لا إلى القرآن
(٢) الطهور- بضم الطاء- التطهر، وبفتحها الماء، وإن كان سيبويه يرى أن الطهور- بفتح الطاء يقع على الماء والمصدر معا.
[ ٣ / ٢٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَيْسُ عَيْلَانَ وَمَنْ تَقَيّسَا «١»
فَالْآدَمِيّونَ مُتَطَهّرُونَ إذَا تَطَهّرُوا، وَالْمَلَائِكَةُ مُطَهّرُونَ خِلْقَةً، وَالْآدَمِيّاتُ إذَا تَطَهّرْنَ: مُتَطَهّرَاتٌ، وَفِي التّنْزِيلِ: فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ الْبَقَرَةُ: ٢٢٢ وَالْحُورُ الْعِينِ مُطَهّرَاتٌ، وَفِي التّنْزِيلِ: لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ النّسَاءُ: ٥٧ وَهَذَا فَرْقٌ بَيّنٌ وَقُوّةٌ لِتَأْوِيلِ مَالِكٍ ﵀، والقول عندى
_________________
(١) فى خزانة الأدب للبغدادى: وقيس عيلان تركيب إضافى، لأن عيلان اسم فرس قيس لا أبيه كما ظنه بعض الناس- كذا فى القاموس وغيره- وليس عيلان فى لغة العرب غيره. وما عداه غيلان. وفى شرح أدب الكاتب للجواليقى: قيس عيلان بن مضر، ويقال: قيس بن عيلان، وكان الناس متلافا، وكان إذا نفد ماله أتى أخاه الياس، فيناصفه ماله أحيانا، ويواسيه أحيانا، فلما طال ذلك عليه وأتاه قال له الياس: غلبت عليك العيلة، فأنت عيلان، فسمى لذلك عيلان، ومن قال قيس بن عيلان، فإن عيلان: كان عبد المضر حضن ابنه الناس، فغلب على نسبه ومثله فى الأنساب للكلبى. قال: كان عيلان عبد المضر، فحضن ابنه الناس ص ٩٦ ج- ١ خزانة الأدب للبغدادى ط دار العصور، وانظر ص ٤٥٧ أدب الكاتب لابن قتيبة، وص ٢٢٢ شرح أدب الكاتب للجواليقى، وفى اللسان فى مادة قيس: أبو قبيلة من مضر وهو قيس عيلان، واسمه: الناس بن مضر بن نزار، وقيس لقبه، يقال: تقيّس فلان إذا تشبه بهم، أو تمسك منهم بسبب إما بحلف أو جوار أو ولاء. وقد نسب سيبويه البيت إلى رؤبة مع رفع السين من قيس. ولكن ابن برى يقول: الرجز للعجاج وليس لرؤبة، وصواب إنشاده: وقيس بنصب السين لأن قبله: وإن دعوت من تميم أرؤسا وجواب إن فى البيت الثالث: تقاعس العزّ بنا فاقعنسسا
[ ٣ / ٢٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي الرّسُولِ ﵇ أَنّهُ مُتَطَهّرٌ وَمُطَهّرٌ، أَمّا مُتَطَهّرٌ؛ فَلِأَنّهُ بَشَرٌ آدَمِي يَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ، وَيَتَوَضّأُ مِنْ الْحَدَثِ، وَأَمّا مُطَهّرٌ؛ فَلِأَنّهُ قَدْ غَسَلَ بَاطِنَهُ، وَشُقّ عَنْ قَلْبِهِ، وَمُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَهُوَ مُطَهّرٌ وَمُتَطَهّرٌ، وَاضْمُمْ هَذَا الْفَصْلَ إلَى مَا تَقَدّمَ فِي ذِكْرِ مَوْلِدِهِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، فَإِنّهُ تَكْمِلَةٌ وَالْحَمْدُ لِلّهِ.
وَفِي تَطَهّرِ عُمَرَ قَبْلَ أَنْ يُظْهِرَ الْإِسْلَامَ قُوّةٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنّ الْكَافِرَ إذَا تَطَهّرَ قَبْلَ أَنْ يُظْهِرَ إسْلَامَهُ، وَيَشْهَدَ الشّهَادَتَيْنِ أنه مجزىء لَهُ، وَقَدْ عَابَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَكَذَلِكَ فِي خَبَرِ إسْلَامِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ عَلَى يَدَيْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَقَدْ سَأَلَهُ: كَيْفَ يَصْنَعُ مَنْ يُرِيدُ الدّخُولَ فِي هَذَا الدّينِ، فَقَالَ: يَتَطَهّرُ، ثُمّ يَشْهَدُ بِشَهَادَةِ الْحَقّ، فَفَعَلَ ذَلِكَ هُوَ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ «١»، وَحَدِيثُ إسْلَامِ عُمَرَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَحَادِيثِ السّيَرِ، فَقَدْ خَرّجَهُ الدّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ، غَيْرَ أَنّهُ خَرّجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ أَنّ أُخْتَ عُمَرَ قَالَتْ لَهُ: إنّك رِجْسٌ، وَلَا يَمَسّهُ إلّا الْمُطَهّرُونَ، فَقُمْ فَاغْتَسِلْ أَوْ تَوَضّأْ، فَقَامَ فَتَوَضّأَ، ثُمّ أَخَذَ الصّحِيفَةَ وَفِيهَا سُورَةُ طَه، فَفِي هَذِهِ الرّوَايَةِ أَنّهُ كان وضوآ، وَلَمْ يَكُنْ اغْتِسَالًا، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ: أَنّ عُمَرَ حِين قَرَأَ فِي الصّحِيفَةِ سُورَةَ طَه انتهى منها إلى قوله:
_________________
(١) فى الأصل: حصين وهو خطأ صوابه ما أثبته. وفى القاموس عن أسيد: «وكأمير سبعة صحابيون، وخمسة تابعيون، وكزبير: ابن حضير وابن ثعلبة وابن يربوع وابن ساعدة وابن ظهير وابن أبى الجدعاء وابن أخى رافع بن خديج وابن سعية، أو هو كأمير صحابيون» أما ابن حبيب فى كتابه متشابه القبائل، فيقول: «كل شىء فى العرب أسيد- كأمير- فهو على فعيل سوى أسيد بن عمرو فى بنى تميم فإنه على مثال التصغير» انظر القاموس وص ٤٥١ المزهر ج ٢
[ ٣ / ٢٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى: ١٥ فَقَالَ: مَا أَطْيَبَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَحْسَنَهُ، وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ أَنّ الصّحِيفَةَ كَانَ فيها مع سورة طه: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَأَنّ عُمَرَ انْتَهَى فِي قِرَاءَتِهَا إلَى قَوْلِهِ: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ.
زِيَادَةٌ فِي إسْلَامِ عُمَرَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ سُنْجُر زِيَادَةً فِي إسْلَامِ عُمَرَ، قَالَ: حَدّثْنَا أبو المغيرة قال: نا صفوان ابن عَمْرٍو، قَالَ: حَدّثَنِي شُرَيْح بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ: خَرَجْت أُتَعَرّضُ رَسُولَ اللهِﷺ- قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ، فَوَجَدْته قَدْ سَبَقَنِي إلَى الْمَسْجِدِ، فَقُمْت خَلْفَهُ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْحَاقّةِ، فَجَعَلْت أَتَعَجّبُ مِنْ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ قَالَ: قُلْت: هَذَا وَاَللهِ شَاعِرٌ، كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ، فَقَرَأَ: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ، قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ قَالَ: قُلْت: كَاهِنٌ عَلِمَ مَا فِي نَفْسِي، فَقَالَ: وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ إلَى آخِرِ السّورَةِ «١» قَالَ: فَوَقَعَ الْإِسْلَامُ فِي قَلْبِي كُلّ مَوْقِعٍ، وَقَالَ عُمَرُ حِينَ أَسْلَمَ:
الْحَمْدُ لِلّهِ ذِي الْمَنّ الّذِي وَجَبَتْ لَهُ علينا أياد مالها غِيَرُ
وَقَدْ بَدَأْنَا فَكَذّبْنَا، فَقَالَ لَنَا صَدَقَ الحديث نبىّ عند الْخَبَرُ
وَقَدْ ظَلَمْت ابْنَةَ الْخَطّابِ ثُمّ هَدَى رَبّي عَشِيّةً قَالُوا: قَدْ صَبَا عُمَرُ
وَقَدْ نَدِمْت عَلَى مَا كَانَ مِنْ زَلَلٍ بِظُلْمِهَا حين تتلى عندها السّور
_________________
(١) رواه أحمد، ولعل الرواية التى ذكر فيها أنه سمع القرآن والرسول يصلى جوار الكعبة هى أقرب الروايات اتساقا مع حال عمر.
[ ٣ / ٢٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَمّا دَعَتْ رَبّهَا ذَا الْعَرْشِ جَاهِدَةً وَالدّمْعُ مِنْ عَيْنِهَا عَجْلَانُ يَبْتَدِرُ
أَيْقَنْت أَنّ الّذِي تَدْعُوهُ خَالِقُهَا فَكَادَ تَسْبِقُنِي مِنْ عِبْرَةٍ دِرَرُ
فَقُلْت: أَشْهَدُ أَنّ اللهَ خَالِقُنَا وَأَنّ أَحْمَدَ فِينَا الْيَوْمَ مُشْتَهِرُ
نَبِيّ صدق أتى بالحق مِنْ ثِقَةٍ وَافَى الْأَمَانَةَ مَا فِي عُودِهِ خَوَرُ
رَوَاهُ يُونُسُ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ. وَذَكَرَ الْبَزّارُ فِي إسْلَامِ عُمَرَ أَنّهُ قَالَ:
فَلَمّا أَخَذْت الصّحِيفَةَ، فَإِذَا فِيهَا: بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ، فَجَعَلْت أُفَكّرُ: مِنْ أَيّ شَيْءٍ اُشْتُقّ «١»، ثُمّ قَرَأْت فِيهَا: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ] أَوّلُ الْحَدِيدِ. وَجَعَلْت أَقْرَأُ وَأُفَكّرُ حَتّى بَلَغْت:
آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ «٢» الْحَدِيدُ: ٧. فَقُلْت: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَه إلّا اللهُ، وَأَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ.
مِنْ تَفْسِيرِ حَدِيثِ إسْلَامِ عُمَرَ:
فَصْلٌ: وَفِي حَدِيثِ إسْلَامِ عُمَرَ: قَالَ: مَا هَذِهِ الْهَيْنَمَةُ، وَالْهَيْنَمَةُ: كَلَامٌ لا يفهم، واسم الفاعل منه مهينم، كأنه تصغير، وَلَيْسَ بِتَصْغِيرِ، وَمِثْلُهُ الْمُبَيْطِرُ، وَالْمُهَيْمِنُ، وَالْمُبَيْقِرُ بِالْقَافِ، وَهُوَ الْمُهَاجِرُ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ، وَالْمُسَيْطِرُ، وَلَوْ صَغّرْت وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ لَحَذَفْت الْيَاءَ الزّائِدَةَ، كَمَا تَحْذِفُ الْأَلِفَ مِنْ مُفَاعِل، وَتُلْحِقُ يَاءَ التّصْغِيرِ فِي مَوْضِعِهَا، فَيَعُودُ اللّفْظُ إلَى مَا كَانَ، فَيُقَالُ فِي تَصْغِيرِ مُهَيْنِمٍ وَمُبَيْطِرٍ: مُهَيْنِمٌ وَمُبَيْطِرٌ، فَإِنْ قِيلَ: فَهَلّا قُلْتُمْ: إنه لا يصغّر؛ إذ لا يعقل
_________________
(١) فى الأصل: فى أى شىء. والتصويب من شرح المواهب ص ٢٧٤ ج ١
(٢) ولكن سورة الحديد مدنية. وقصة عمر مكية.
[ ٣ / ٢٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَصْغِيرٌ عَلَى لَفْظِ التّكْبِيرِ، وَإِلّا فَمَا الْفَرْقُ؟ فَالْجَوَابُ أَنّهُ قَدْ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي مَوَاضِعَ، مِنْهَا: الْجَمْعُ، فَإِنّك تَجْمَعُ مُبَيْطِرًا: مُبَاطِر بِحَذْفِ الْيَاءِ، وَإِذَا كَانَ مُصَغّرًا لَا يُجْمَعُ إلّا بِالْوَاوِ وَالنّونِ، فَتَقُولُ: مُبَيْطِرُونَ، وَذَلِك أَنّ التّصْغِيرَ لَا يُكْسَرُ؛ لِأَنّ تَكْسِيرَهُ يُؤَدّي إلَى حَذْفِ الْيَاءِ فِي الْخُمَاسِيّ؛ لِأَنّهَا زَائِدَةٌ كَالْأَلِفِ، فَيَذْهَبُ مَعْنَى التّصْغِيرِ «١»، وَأَمّا الثّلَاثِيّ الْمُصَغّرُ فَيُؤَدّي تَكْسِيرَهُ إلَى تَحْرِيكِ يَاءِ التّصْغِيرِ أَوْ هَمْزِهَا، وَذَلِك أَنْ يُقَالَ فِي فُلَيْسٍ فَلَائِسُ، فَيَذْهَبُ أَيْضًا مَعْنَى التّصْغِيرِ لِتَصْغِيرِ لَفْظِ الْيَاءِ الّتِي هِيَ دَالّةٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ بَنَيْت اسْمَ فَاعِلٍ مِنْ: بِيَأْسِ لَقُلْت فِيهِ مُبَيْئِسٌ، وَلَوْ سُهّلَتْ الْهَمْزَةُ حَرّكْت الْيَاءَ فَقُلْت فِيهِ: مُبَيّيسٌ، وَتَقُولُ فِي تَصْغِيرِهِ إذَا صَغّرْته: مُبَيّسٌ بِالْإِدْغَامِ، كَمَا تَقُولُ [فِي] أَبَوْس: أَبِيس، وَلَا تُنْقَلُ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ إلَى الْيَاءِ إذَا سُهّلَتْ، كَمَا تَنْقُلُهَا فِي اسْمِ الْفَاعِلِ مِنْ بِيَأْسِ وَنَحْوِهِ، إذَا سهلت الهمزة، وهذه مسئلة مِنْ التّصْغِيرِ بَدِيعَةٌ يَقُومُ عَلَى تَصْحِيحِهَا الْبُرْهَانُ.
حَوْلَ النّهِيمِ وَهَكَذَا:
فَصْلٌ: وَفِي حَدِيثِ إسْلَامِ عُمَرَ: فَنَهَمَهُ رَسُولُ اللهِﷺ-
_________________
(١) نقل الصبان فى حاشيته على شرح الأشمونى هذه الفقرة عن السهيلى هكذا: «لو كسر حذفت ياؤه؛ لأنه خماسى ثالثه زائد فيزول علم التصغير، هذا وقد أنكر الأشمونى تصغير هذه الأسماء التى ذكرها السهيلى وفى شرح الشافية للرضى «جرت عادتهم ألا يجمعوا المصغر إلا جمع السلامة إما بالواو والنون أو بالألف والتاء، قيل: وذلك لمضارعة التصغير للجمع الأقصى بزيادة حرف لين ثالثة، ولا يجمع الجمع الأقصى إلا جمع السلامة كالصرادين والصواجبات» ص ٢٨١ ثم يقول: «وإذا صغرت مبيطرا ومسيطرا كان التصغير بلفظ المكبر، لأنك تحذف الياء كما تحذف النون فى منطلق، وتجىء بياء التصغير، فى مكانه، ولو صغرتهما تصغير الترخيم لقلت: بطير، وسطير» ص ٢٨٣ ج ١
[ ٣ / ٢٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَيْ: زَجَرَهُ، وَالنّهِيمُ: زَجْرُ الْأَسَدِ، وَالنّهَامِيّ: الْحَدّادُ وَالنّهَامُ: طَائِرٌ «١»، وَفِيهِ قَوْلُ الْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ قَالَ: هَكَذَا [خَلّوا] عَنْ الرّجُلِ «٢» وَهِيَ كَلِمَةٌ مَعْنَاهَا: الْأَمْرُ بِالتّنَحّي، فَلَيْسَ يَعْمَلُ فِيهَا مَا قَبْلَهَا، كَمَا يَعْمَلُ إذَا قُلْت: اجْلِسْ هَكَذَا، أَيْ: عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، وَإِنْ كَانَ لَا بُدّ مِنْ عَامِلٍ فِيهَا إذَا جَعَلْتهَا لِلْأَمْرِ، لِأَنّهَا كَافُ التّشْبِيهِ دَخَلَتْ عَلَى ذَا، وَهَا: تَنْبِيهٌ، فَيُقَدّرُ الْعَامِلُ إذًا مُضْمَرًا، كَأَنّك قُلْت: ارْجِعُوا هَكَذَا، وَتَأَخّرُوا هَكَذَا، وَاسْتُغْنِيَ بِقَوْلِك: هَكَذَا عَنْ الْفِعْلِ، كَمَا اُسْتُغْنِيَ بِرُوَيْدًا عَنْ اُرْفُقْ.
جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ عُمَرَ لِجَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ الْجُمَحِيّ: إنّي قَدْ أَسْلَمْت، وَبَايَعْت مُحَمّدًا، فَصَرَخَ جَمِيلٌ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَلَا إنّ عُمَرَ قَدْ صَبَأَ. جَمِيلٌ هَذَا هُوَ الّذِي كَانَ يُقَالُ لَهُ: ذُو الْقَلْبَيْنِ «٣»، وَفِيهِ نَزَلَتْ فِي أَحَدِ الْأَقْوَالِ: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ الْأَحْزَابُ. ٤٠، وَفِيهِ قيل.
_________________
(١) نهامى: بضم النون أو كسرها وكسر الميم وتشديد الياء: صاحب الدير والطريق السهل، وبفتح النون وكسرها حداد ونجار، وبفتحها وكسرها من غير ياء فى الاخر: حداد ونجار، ونهام بضم النون: طائر، بوم، راهب فى دير، نهام بفتح النون وتشديد الهاء: أسد.
(٢) فى السيرة: هكذا خلوا عن الرجل وقد أضفتها عنها إلى الروض. ويجوز أن نجعل هكذا مع ما قبلها، فيكون الكلام: «يسلمون لكم صاحبكم هكذا» ثم يبدأ الكلام الاخر: خلوا عن الرجل.
(٣) فى الاشتقاق لابن دريد أنه وهب بن عمير وكان من أحفظ الناس، وكانوا
[ ٣ / ٢٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكيف ثوائى بالمدينة بعد ما قَضَى وَطَرًا مِنْهَا جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ
وَهُوَ الْبَيْتُ الّذِي تَغَنّى بِهِ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي مَنْزِلِهِ، وَاسْتَأْذَنَ عُمَرَ فَسَمِعَهُ، وَهُوَ يَتَغَنّى، وَيُنْشِدُ بالركبانية، وَهُوَ غِنَاءٌ يُحْدَى بِهِ الرّكّابُ، فَلَمّا دَخَلَ عُمَرُ قَالَ لَهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ: إنّا إذَا خَلَوْنَا، قُلْنَا مَا يَقُولُ النّاسُ فِي بُيُوتِهِمْ، وَقَلَبَ الْمُبَرّدُ هَذَا الْحَدِيثَ، وَجَعَلَ الْمُنْشِدُ عُمَرَ، وَالْمُسْتَأْذَنَ عَبْدَ الرّحْمَنِ، وَرَوَاهُ الزّبَيْرُ «١» كَمَا تَقَدّمَ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهَذَا الشّأْنِ.
_________________
(١) - يقولون له قلبان من حفظه، فأنزل الله ﷿: (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جوفه) . أما جميل فقال عنه فى الاشتقاق: كان من أنم قريش لا يكتم شيئا، ص ١٣٠، وفى نسب قريش ورد كما قال السهيلى، وأنه قيل له ذو القلبين لعقله، وأنه شهد مع النبى حنينا، فقتل زهير بن الأغر الهذلى ص ٣٩٥، ولا نسب بينه وبين جميل صاحب بثينة. وفى ابن كثير أنها نزلت فى رجل من قريش، يقال له: ذو القلبين، وأنه كان يزعم أن له قلبين كل منهما بعقل وافر. فأنزل الله هذه الاية ردا عليه. هكذا روى العوفى عن ابن عباس، وقاله مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة واختاره ابن جرير، بينما يروى أحمد فى مسنده بسنده، عن ابن أبى ظبيان أن أباه حدثه قال: قلت لابن عباس: أرأيت قول الله تعالى: (ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) ما عنى بذلك؟ قال: قام رسول الله ﷺ يوما يصلى فخطر خطرة، فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون له قلبين. قلبا معكم، وقلبا معهم، فأنزلها الله، وهكذا رواه الترمذى، ثم قال: وهذا حديث حسن، وكذا رواه ابن جرير وابن أبى حاتم. وروى عبد الرازق بسنده عن الزهرى أنه بلغه أن ذلك كان فى زيد بن حارثة ضرب له مثل. يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك، وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد أقول. وهذا أليق وأنسب، فسياق الكلام فى التبنى وزيد بن حارثة.
(٢) الذى فى نسب قريش لمصعب الزبيرى أن عمر مر بابن عوف ورباح بن عمرو يغنيهم غناء الركبان: فقال عمر: ما هذا؟ فقال عبد الرحمن: لا بأس نلهو ونقصر السفر عنا، فقال لهم عمر ﵁: فعليكم إذا بشعر ضرار بن الخطاب ابن مرداس ص ٤٤٨
[ ٣ / ٢٨١ ]
[خبر الصحيفة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَدْ نَزَلُوا بَلَدًا أَصَابُوا بِهِ أَمْنًا وَقَرَارًا، وَأَنّ النّجَاشِيّ قَدْ مَنَعَ مَنْ لَجَأَ إلَيْهِ مِنْهُمْ، وَأَنّ عُمَرَ قَدْ أَسْلَمَ، فَكَانَ هُوَ وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ مَعَ رَسُولِ اللهِﷺ- وأصحابه، وَجَعَلَ الْإِسْلَامُ يَفْشُو فِي الْقَبَائِلِ، اجْتَمَعُوا وَائْتَمَرُوا أَنْ يَكْتُبُوا كِتَابًا يَتَعَاقَدُونَ فِيهِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِيّ الْمُطّلِبِ، عَلَى أَنْ لَا يُنْكِحُوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا بيعوهم شَيْئًا، وَلَا يَبْتَاعُوا مِنْهُمْ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا لِذَلِكَ كَتَبُوهُ فِي صَحِيفَةٍ، ثُمّ تَعَاهَدُوا وَتَوَاثَقُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمّ عَلّقُوا الصّحِيفَةَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ تَوْكِيدًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَكَانَ كَاتِبُ الصّحِيفَةِ مَنْصُورَ بن عكرمة بْنُ عَامِرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ- فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فشلّ بعض أصابعه.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا فَعَلَتْ ذَلِكَ قُرَيْشٌ انْحَازَتْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطّلِبِ إلَى أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، فَدَخَلُوا مَعَهُ فِي شِعْبِهِ وَاجْتَمَعُوا إلَيْهِ، وَخَرَجَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ: أَبُو لَهَبٍ عَبْدُ الْعُزّى بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، إلى قريش، فظاهرهم.
[موقف أبى لهب مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنّ أَبَا لَهَبٍ لَقِيَ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، حِين فَارَقَ قَوْمَهُ، وَظَاهَرَ عَلَيْهِمْ قُرَيْشًا، فَقَالَ: يَا بِنْتَ عُتْبَةَ؛
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٨٢ ]
هَلْ نَصَرْتِ اللّاتَ وَالْعُزّى، وَفَارَقْتِ مَنْ فَارَقَهُمَا وَظَاهَرَ عَلَيْهِمَا؟ قَالَتْ:
نَعَمْ، فَجَزَاك اللهُ خَيْرًا يَا أَبَا عُتْبَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدّثْت أَنّهُ كَانَ يَقُولُ فِي بَعْضِ مَا يَقُولُ: يَعِدُنِي مُحَمّدٌ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا، يَزْعُمُ أَنّهَا كَائِنَةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَمَاذَا وَضَعَ فِي يَدَيّ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمّ يَنْفُخُ فِي يَدَيْهِ وَيَقُولُ: تبّالكما، مَا أَرَى فِيكُمَا شَيْئًا مِمّا يَقُولُ مُحَمّدٌ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ.
قال ابْنُ هِشَامٍ: تَبّتْ: خَسِرَتْ. وَالتّبَابُ: الْخُسْرَانُ. قَالَ حَبِيبُ بْنُ خُدْرَةَ الْخَارِجِيّ: أَحَدُ بَنِي هِلَالِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ:
يَا طَيّبُ إنّا فِي مَعْشَرٍ ذَهَبَتْ مَسْعَاتُهُمْ فِي التّبَارِ وَالتّبَبِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
[شِعْرُ أَبِي طالب]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا اجْتَمَعَتْ عَلَى ذَلِكَ قُرَيْشٌ، وَصَنَعُوا فِيهِ الّذِي صَنَعُوا، قَالَ أَبُو طَالِب:
أَلَا أَبْلِغَا عَنّي عَلَى ذَاتِ بَيْنِنَا لُؤَيّا وَخُصّا مِنْ لُؤَيّ بَنِي كَعْبِ
أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنّا وَجَدْنَا مُحَمّدًا نَبِيّا كَمُوسَى خُطّ فِي أَوّلِ الْكُتُبِ
وَأَنّ عَلَيْهِ فِي الْعِبَادِ مَحَبّةً وَلَا خَيْرَ مِمّنْ خَصّهُ اللهُ بِالْحُبّ
وَأَنّ الّذِي أَلْصَقْتُمْ مِنْ كِتَابكُمْ لَكُمْ كَائِنٌ نَحْسًا كَرَاغِيَةِ السّقْبِ
أَفِيقُوا أَفِيقُوا، قَبْلَ أَنْ يُحْفَرَ الثّرَى وَيُصْبِحَ مَنْ لَمْ يَجْنِ ذَنْبًا كَذِي الذنب
ولا تتبعوا أمر الوشاة، وتقطعوا أو اصرنا بَعْدَ الْمَوَدّةِ وَالْقُرْبِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٨٣ ]
وَتَسْتَجْلِبُوا حَرْبًا عَوَانًا، وَرُبّمَا أَمُرّ عَلَى مَنْ ذَاقَهُ جَلَبُ الْحَرْبِ
فَلَسْنَا- وَرَبّ الْبَيْتِ- نُسْلِمُ أَحْمَدًا لِعَزّاءِ مَنْ عَضّ الزّمَانُ وَلَا كَرْبِ
وَلَمّا تَبِنْ مِنّا، وَمِنْكُمْ سَوَالِفُ وَأَيْدٍ أُتِرّتْ بِالْقَسَاسِيّةِ الشّهْبِ
بِمُعْتَرَكٍ ضَيْقٍ تَرَى كَسْرَ الْقَنَا بِهِ وَالنّسُورَ الطّخْمَ، يَعْكُفْنَ كَالشّرْبِ
كَأَنّ مُجَالَ الْخَيْلِ فِي حَجَرَاتِهِ وَمَعْمَعَةَ الْأَبْطَالِ مَعْرَكَةُ الْحَرْبِ
أَلَيْسَ أَبُونَا هَاشِمٌ شَدّ أَزْرَهُ وَأَوْصَى بَنِيهِ بِالطّعَانِ وَبِالضّرْبِ
وَلَسْنَا نَمَلّ الْحَرْبَ، حَتّى تَمَلّنَا وَلَا نَشْتَكِي مَا قَدْ يَنُوبُ مِنْ النّكْبِ
وَلَكِنّنَا أَهْلُ الْحَفَائِظِ وَالنّهَى إذَا طَارَ أَرْوَاحُ الْكُمَاةِ مِنْ الرّعْبِ
فَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، حَتّى جَهَدُوا لَا يَصِلُ إلَيْهِمْ شَيْءٌ، إلّا سِرّا مُسْتَخْفِيًا بِهِ مَنْ أَرَادَ صلتهم من قريش.
[من جهالة أبى جهل]
وقد مكان أبو جهل بن هشام- فيما يذكرون- لقى حَكِيمِ بْنِ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ، مَعَهُ غُلَامٌ يَحْمِلُ قَمْحًا يُرِيدُ بِهِ عَمّتَهُ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ، وَهِيَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِﷺ- وَمَعَهُ فِي الشّعْبِ، فَتَعَلّقَ بِهِ، وَقَالَ:
أَتَذْهَبُ بِالطّعَامِ إلَى بَنِي هَاشِمٍ!؟ وَاَللهِ لَا تَبْرَحُ أَنْت وَطَعَامُك، حَتّى أفضحك بمكة. فجاءه أَبُو الْبَخْتَرِيّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أسد [بن عبد العزى]، فقال: مالك وَلَهُ؟ فَقَالَ: يَحْمِلُ الطّعَامَ إلَى بَنِي هَاشِمٍ، فقال أَبُو الْبَخْتَرِيّ: طَعَامٌ كَانَ لِعَمّتِهِ عِنْدَهُ بَعَثَتْ إلَيْهِ [فِيهِ]، أَفَتَمْنَعُهُ أَنْ يَأْتِيَهَا بِطَعَامِهَا؟! خَلّ سَبِيلَ الرّجُلِ، فَأَبَى أَبُو جَهْلٍ، حَتّى نَالَ أحدهما من صاحبه، فأخذ أَبُو الْبَخْتَرِيّ لَحْيَ بَعِيرٍ، فَضَرَبَهُ بِهِ فَشَجّهُ، ووطئه وطأ شَدِيدًا، وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ قَرِيبٌ يَرَى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٨٤ ]
ذَلِكَ، وَهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِﷺ- وَأَصْحَابَهُ، فَيَشْمَتُوا بِهِمْ، وَرَسُولُ اللهِﷺ- عَلَى ذَلِكَ يَدْعُو قَوْمَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَسِرّا وجهارا، مناديا بِأَمْرِ اللهِ لَا يَتّقِي فِيهِ أَحَدًا مِنْ النّاس.
[مَا لَقِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ من قومه]
فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ حِينَ مَنَعَهُ اللهُ مِنْهَا، وَقَامَ عَمّهُ وَقَوْمُهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِيّ الْمُطّلِبِ دُونَهُ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ مَا أَرَادُوا مِنْ الْبَطْشِ بِهِ، يَهْمِزُونَهُ، وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، وَيُخَاصِمُونَهُ، وَجَعَلَ القرآن ينزل فى قريش بأحدائهم، وَفِيمَنْ نُصِبَ لِعَدَاوَتِهِ مِنْهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ سُمّيَ لنا.
[أبو لهب وامرأته]
وَمِنْهُمْ مَنْ نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ فِي عَامّةِ مَنْ ذُكِرَ اللهُ مِنْ الْكُفّارِ، فَكَانَ مِمّنْ سُمّيَ لَنَا مِنْ قُرَيْشٍ مِمّنْ نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ: عَمّهُ أَبُو لَهَبِ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وامرأته أُمّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيّةَ، حَمّالَةَ الْحَطَبِ، وَإِنّمَا سَمّاهَا اللهُ تَعَالَى حَمّالَةَ الْحَطَبِ؛ لِأَنّهَا كَانَتْ- فِيمَا بَلَغَنِي- تَحْمِلُ الشّوْكَ، فَتَطْرَحَهُ عَلَى طَرِيقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ- حَيْثُ يَمُرّ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمَا: «تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ، سَيَصْلى نَارًا ذاتَ لَهَبٍ، وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ» .
قال ابن هشام: الجيد: العتق. قَالَ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٨٥ ]
يَوْمَ تُبْدِي لَنَا قُتَيْلَة عَنْ جِيدِ أَسِيلٍ تُزَيّنُهُ الْأَطْوَاقُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَجَمْعُهُ: أَجْيَادٌ. وَالْمَسَدّ: شَجَرٌ يُدَقّ كَمَا يُدَقّ الْكَتّانُ، فَتُفْتَلُ مِنْهُ حِبَالٌ. قَالَ النّابِغَةُ الذّبْيَانِيّ- واسمه: زياد بن عمرو ابن مُعَاوِيَةَ:
مَقْذُوفَةٍ بِدَخِيسِ النّحْضِ بَازِلُهَا لَهُ صَرِيفٌ صَرِيفَ الْقَعْوِ بِالْمَسَدِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ له، وواحدته: مسدة.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذُكِرَ لِي: أَنّ أُمّ جميل: حمّالة الحطب، حين سمعت ما نَزَلَ فِيهَا، وَفِي زَوْجِهَا مِنْ الْقُرْآنِ، أَتَتْ رسول الله ﷺ، وهو جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ، وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ مِنْ حِجَارَةٍ، فَلَمّا وَقَفَتْ عَلَيْهِمَا أَخَذَ اللهُ بِبَصَرِهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَا تَرَى إلّا أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَيْنَ صَاحِبُك، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنّهُ يَهْجُونِي؟ وَاَللهِ لَوْ وَجَدْته لَضَرَبْتُ بِهَذَا الْفِهْرِ فَاهُ، أَمَا وَاَللهِ إنّي لَشَاعِرَةٌ، ثُمّ قَالَتْ:
مُذَمّمًا عَصَيْنَا وَأَمْرَهُ أَبَيْنَا
وَدِينَهُ قَلَيْنَا
ثُمّ انْصَرَفَتْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ أَمَا تَرَاهَا رَأَتْك؟ فَقَالَ:
مَا رَأَتْنِي، لَقَدْ أَخَذَ اللهُ بِبَصَرِهَا عَنّي.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهَا: «ودينه قلينا» عن غهر ابن إسحاق.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٨٦ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ إنّمَا تُسَمّي رَسُولَ اللهِﷺ- مُذَمّمًا، ثُمّ يَسُبّونَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُول:
أَلَا تَعْجَبُونَ لِمَا يَصْرِفُ اللهُ عَنّي مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ، يَسُبّونَ وَيَهْجُونَ مذمّما، وأنا محمد!
[إيذاء أمية بن خلف للرسول ﷺ]
وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفِ بن وهب بن جذافة بْنِ جُمَحٍ، كَانَ إذَا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ هَمَزَهُ وَلَمَزَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ: «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ، الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ، يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ، كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ. وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ، نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ» .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْهُمَزَةُ: الّذِي يَشْتُمُ الرّجُلَ عَلَانِيَةً، وَيَكْسِرُ عَيْنَيْهِ عَلَيْهِ، وَيَغْمِزُ بِهِ، قال حسّان بن ثابت:
هَمَزْتُكَ فَاخْتَضَعْتُ لِذُلّ نَفْسٍ بِقَافِيَةٍ تَأَجّجُ كَالشّوَاظِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَجَمْعُهُ: هَمَزَاتٌ. وَاللّمَزَةُ: الّذِي يَعِيبُ النّاسَ سِرّا وَيُؤْذِيهِمْ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجّاجِ:
فِي ظِلّ عَصْرِي بَاطِلِي وَلَمْزِي
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ، وَجَمْعُهُ: لمزات.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٨٧ ]
[إيذاء العاص للرسول ﷺ]
قال ابن إسْحَاقَ: وَالْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ السّهْمِيّ، كَانَ خَبّابُ بْنُ الْأَرَتّ، صَاحِبُ رَسُولِ اللهِﷺ- قَيْنًا بِمَكّةَ يَعْمَلُ السّيُوفَ، وَكَانَ قَدْ بَاعَ مِنْ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ سُيُوفًا عَمِلَهَا لَهُ، حَتّى كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مَالٌ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا خَبّابُ أَلَيْسَ يَزْعُمُ مُحَمّدٌ صَاحِبُكُمْ هَذَا الّذِي أَنْت عَلَى دِينِهِ أَنّ فِي الْجَنّةِ مَا ابْتَغَى أَهْلُهَا مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ فِضّةٍ، أَوْ ثِيَابٍ، أَوْ خَدَمٍ؟! قَالَ خَبّابٌ: بَلَى. قَالَ:
فَأَنْظِرْنِي إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَا خَبّابُ، حَتّى أَرْجِعَ إلَى تلك الدار، فأقضيك هنالك حقّك، فو الله لَا تَكُونُ أَنْت وَصَاحِبُك يَا خَبّابُ آثَرَ عِنْدَ اللهِ مِنّي، وَلَا أَعْظَمَ حَظّا فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا، أَطَّلَعَ الْغَيْبَ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْدًا «هى وما قبلها من سورة مريم ٧٧- ٨٠» .
[إيذاء أبى جهل لرسول الله ﷺ]
وَلَقِيَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- فَقَالَ لَهُ: وَاَللهِ يَا مُحَمّدُ، لَتَتْرُكَنّ سَبّ آلِهَتِنَا، أَوْ لَنَسُبّنّ إلَهَك الّذِي تَعْبُدُ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ الأنعام: ١٠٨، فذكر لي أن رسول الله ﷺ كَفّ عَنْ سَبّ آلِهَتِهِمْ، وَجَعَلَ يدعوهم إلى الله.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٨٨ ]
[إيذاء النضر لرسول الله ﷺ]
وَالنّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ، كَانَ إذَا جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَجْلِسًا، فَدَعَا فِيهِ إلَى الله تعالى، وتلا فيه القرآن، وحذّر قُرَيْشًا مَا أَصَابَ الْأُمَمَ الْخَالِيَةَ، خَلَفَهُ فِي مجلسه إذا قام، فحدثهم عن رستم الشديد، وَعَنْ أسفنديار، وَمُلُوكِ فَارِسَ، ثُمّ يَقُولُ:
وَاَللهِ مَا مُحَمّدٌ بِأَحْسَنَ حَدِيثًا مِنّي، وَمَا حَدِيثُهُ إلّا أَسَاطِيرُ الْأَوّلِينَ، اكْتَتَبَهَا كَمَا اكْتَتَبْتهَا. فَأَنْزَلَ الله فِيهِ: وَقالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، قُلْ: أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا الفرقان: ٥، ٦. وَنَزَلَ فِيهِ: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ. ونزل فيه: يْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا
كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا، فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ الجاثية: ٧، ٨.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأَفّاكُ: الْكَذّابُ. وَفِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى: «أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ: وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ الصافات: ١٥١، ١٥٢.
وقال رؤبة:
لامرىء أَفّكَ قَوْلًا إفْكًا وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا- فِيمَا بَلَغَنِي-
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٨٩ ]
مَعَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَاءَ النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، حَتّى جَلَسَ مَعَهُمْ فِي المجلس، وفى المجلس غير واحد من قُرَيْشٍ، فَتَكَلّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَعَرَضَ لَهُ النّضْر بْنُ الْحَارِثِ، فَكَلّمَهُ رسول اللهﷺ- حتى أفحمه، ثم تَلَا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ، لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوها، وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ، وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ الأنبياء ٩٨- ١٠٠.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَصَبُ جَهَنّمَ: كُلّ مَا أُوقِدَتْ بِهِ. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيّ وَاسْمُهُ: خُوَيْلِدِ بْنُ خَالِدٍ.
فَأَطْفِئْ، وَلَا تُوقِدْ، وَلَا تك مخصبا لنار العداة أن تطير شكانها
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَيُرْوَى: «وَلَا تَكُ مِحْضَأً» . قَالَ الشّاعِرُ:
حَضَأْتُ لَهُ نَارِي فَأَبْصَرَ ضَوْءَهَا وَمَا كَانَ لَوْلَا حَضْأَةِ النّارِ يهتدى
[ابن الزبعرى والأخنس وما قيل فيهما]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ قَامَ رَسُولُ اللهِﷺ- وَأَقْبَلَ عَبْدُ اللهِ ابن الزّبَعْرَى السّهْمِيّ حَتّى جَلَسَ، فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَعْرَى:
وَاَللهِ مَا قَامَ النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ لَابْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ آنِفًا وَمَا قَعَدَ، وَقَدْ زَعَمَ مُحَمّدٌ أَنّا وَمَا نَعْبُدُ مِنْ آلِهَتِنَا هَذِهِ حَصَبُ جَهَنّمَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزّبَعْرَى. أَمَا وَاَللهِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٩٠ ]
لَوْ وَجَدْته لَخَصَمْته، فَسَلُوا مُحَمّدًا: أَكُلّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ فِي جَهَنّمَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ؟ فَنَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ، وَالْيَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا وَالنّصَارَى تَعْبُدُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵉، فَعَجِبَ الْوَلِيدُ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَجْلِسِ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَعْرَى، وَرَأَوْا أَنّهُ قَدْ احْتَجّ وَخَاصَمَ. فَذُكِرَ ذَلِكَ لرسول الله صلى عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الزّبَعْرَى فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
كُلّ مَنْ أَحَبّ أَنْ يُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللهِ فَهُوَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ، إنّهُمْ إنّمَا يَعْبُدُونَ الشّيَاطِينَ، وَمَنْ أَمَرَتْهُمْ بِعِبَادَتِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عليه فى ذلك:
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ، لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها، وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ الأنبياء: ١٠١، ١٠٢: أى عيسى بن مَرْيَمَ، وَعُزَيْرًا، وَمَنْ عُبِدُوا مِنْ الْأَحْبَارِ وَالرّهْبَانِ الّذِينَ مَضَوْا عَلَى طَاعَةِ اللهِ، فَاِتّخَذَهُمْ مَنْ يَعْبُدُهُمْ مِنْ أَهْلِ الضّلَالَةِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ.
وَنَزَلَ فِيمَا يَذْكُرُونَ، أَنّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ، وَأَنّهَا بَنَاتُ اللهِ: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ، بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ. لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ، وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ الأنبياء: ٢٦: ٢٧.. إلَى قَوْلِهِ: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ، فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ، كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ الأنبياء: ٢٩.
ونزّل فيما ذكر من أمر عيسى بن مَرْيَمَ أَنّهُ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، وَعَجَبِ الْوَلِيدِ، وَمَنْ حَضَرَهُ مِنْ حُجّتِهِ وَخُصُومَتِهِ: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ الزخرف: ٥٧. أَيْ: يَصُدّونَ عَنْ أَمْرِك بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٩١ ]
ثم ذكر عيسى بن مَرْيَمَ فَقَالَ: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ، وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ، وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ، وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ الأنبياء: ٥٩: ٦١ أَيْ: مَا وَضَعْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ الْآيَاتِ مِنْ إحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَإِبْرَاءِ الْأَسْقَامِ، فَكَفَى بِهِ دَلِيلًا عَلَى عِلْمِ السّاعَةِ، يَقُولُ:
فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ، هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ.
والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثّقَفِيّ، حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ الْقَوْمِ، وَمِمّنْ يُسْتَمَعُ مِنْهُ، فَكَانَ يُصِيبُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيَرُدّ عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ: «وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ، هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ القلم: ١٠، ١١ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: زَنِيمٍ، وَلَمْ يَقُلْ: زَنِيمٍ لِعَيْبِ فِي نَسَبِهِ؛ لِأَنّ اللهَ لَا يَعِيبُ أحدا بنسب، ولكنه حقّق بذلك نعته ليعرف. والزنيم: العديد للقوم، وقد قال الخطيم التّمِيمِيّ فِي الْجَاهِلِيّةِ:
زَنِيمٌ تَدَاعَاهُ الرّجَالُ زِيَادَةً كما زيد فى عرض الأديم الأكارع
[ما قيل فى الوليد بن المغيرة وأبى بن خلف وعقبة بن أبى معيط]
وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: أَيُنَزّلُ عَلَى مُحَمّدٍ، وَأُتْرَكُ وَأَنَا كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيّدُهَا، وَيُتْرَكُ أَبُو مَسْعُودٍ عَمْرُو بْنُ عُمَيْرٍ الثّقَفِيّ سَيّدُ ثَقِيفٍ، وَنَحْنُ عَظِيمَا الْقَرْيَتَيْنِ؟! فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ، فِيمَا بَلَغَنِي: وَقالُوا: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ الزخرف: ٣٠ إلى قوله تعالى:
مِمَّا يَجْمَعُونَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٩٢ ]
وَأُبَيّ بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَكَانَا مُتَصَافِيَيْنِ، حَسّنَا مَا بَيْنَهُمَا. فَكَانَ عُقْبَةُ قَدْ جلس إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- وَسَمِعَ مِنْهُ، فَبَلَغَ ذَلِك أُبَيّا، فَأَتَى عقبة، فقال: أَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنّك جَالَسْت مُحَمّدًا، وَسَمِعْتَ مِنْهُ! ثم قال: وَجْهِي مِنْ وَجْهِك حَرَامٌ أَنْ أُكَلّمَك- وَاسْتَغْلَظَ مِنْ الْيَمِينِ- إنْ أَنْتَ جَلَسْتَ إلَيْهِ، أَوْ سَمِعْتَ مِنْهُ، أَوْ لَمْ تَأْتِهِ، فَتَتْفُلَ فِي وجهه. ففعل من ذَلِكَ عَدُوّ اللهِ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ لَعَنَهُ اللهُ.
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمَا: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ: يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: لِلْإِنْسانِ خَذُولًا الفرقان: ٢٧- ٢٩.
وَمَشَى أُبَيّ بْنُ خَلَفٍ إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- بِعَظْمٍ بَالٍ قَدْ ارْفَتّ، فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، أَنْتَ تَزْعُمُ أَنّ يَبْعَثُ هَذَا بَعْدَ مَا أَرَمّ، ثُمّ فَتّهُ بيده، ثُمّ نَفَخَهُ فِي الرّيحِ نَحْوَ رَسُولِ اللهِﷺ- فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ: نَعَمْ، أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ، يَبْعَثُهُ اللهُ وَإِيّاكَ بَعْدَ مَا تَكُونَانِ هَكَذَا، ثُمّ يُدْخِلُك اللهُ النّارَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ، وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا، فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ يس ٧٩، ٨٠
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٩٣ ]
ما قيل فى حق الذين اعترضوا الرسول فى الطواف وَاعْتَرَضَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ- فِيمَا بَلَغَنِي- الْأَسْوَدُ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ السّهْمِيّ، وَكَانُوا ذَوِي أَسْنَانٍ فِي قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: يَا مُحَمّدُ، هَلُمّ فَلْنَعْبُدْ مَا تَعْبُدُ، وَتَعْبُدُ مَا نَعْبُدُ، فَنَشْتَرِكُ نَحْنُ وَأَنْتَ فِي الْأَمْرِ، فَإِنْ كَانَ الّذِي تَعْبُدُ خَيْرًا مِمّا نعبد، كنّا قد أخذنا بحظّا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مَا نَعْبُدُ خَيْرًا مِمّا تَعْبُدُ، كُنْت قَدْ أَخَذْت بِحَظّك مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: قُلْ: يَا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ الكافرون. أَيْ: إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْبُدُونَ إلّا اللهَ، إلّا أَنْ أَعْبُدَ مَا تَعْبُدُونَ، فَلَا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ مِنْكُمْ، لَكُمْ دِينُكُمْ جَمِيعًا، وَلِي دينى.
[ما قيل فى حق أبى جهل]
وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ- لَمّا ذَكَرَ اللهُ ﷿ شَجَرَةَ الزّقّومِ تَخْوِيفًا بِهَا لَهُمْ، قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، هَلْ تَدْرُونَ مَا شَجَرَةُ الزّقّومِ الّتِي يُخَوّفُكُمْ بِهَا مُحَمّدٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: عَجْوَةُ يَثْرِبَ بِالزّبْدِ، وَاَللهِ لَئِنْ استمكنّا منها لننزقمّها تَزَقّمًا. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ، طَعامُ الْأَثِيمِ، كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ الجاثية: ٤٤- ٤٦. أى: ليس كما يقول.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٩٤ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمُهْلُ: كُلّ شَيْءٍ أَذَبْته، مِنْ نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذلك فيما أخبرنى أبو عبيدة.
وبلغنا عن الحسن بن أبى الحسن أَنّهُ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَالِيًا لِعُمَرِ بْنِ الْخَطّابِ عَلَى بَيْتِ مَالِ الْكُوفَةِ، وَأَنّهُ أَمَرَ يَوْمًا بِفِضّةٍ، فَأُذِيبَتْ، فَجُعِلَتْ تُلَوّنُ أَلْوَانًا، فَقَالَ: هَلْ بِالْبَابِ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَأَدْخِلُوهُمْ، فَأُدْخِلُوا فَقَالَ: إنّ أدنى ما أنتم راؤن شَبَهًا بِالْمُهْلِ لَهَذَا، وَقَالَ الشّاعِرُ:
يَسْقِيهِ رَبّي حَمِيمَ الْمُهْلِ يَجْرَعُهُ يَشْوِي الْوُجُوهَ فَهُوَ فِي بطنه صهر
وقال عبد الله بن الزبير الأسدى:
فمن عاش منهم عاش عبدا وإن يمت ففى النار يسقى مهلها وصديدها
وهذا البيت فى قصيدة له.
ويقال: إن المهل: صديد الجسد.
بَلَغَنَا أَنّ أَبَا بَكْرٍ الصّدّيقَ﵁- لَمّا حُضِرَ، أَمَرَ بِثَوْبَيْنِ لَبِيسَيْنِ يُغْسَلَانِ، فَيُكَفّنُ فِيهِمَا، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: قَدْ أَغْنَاك اللهُ يَا أَبَتِ عَنْهُمَا، فَاشْتَرِ كَفَنًا، فَقَالَ: إنّمَا هِيَ سَاعَةٌ حَتّى يَصِيرَ إلَى الْمُهْلِ. قَالَ الشّاعِرُ:
شَابَ بِالْمَاءِ مِنْهُ مُهْلًا كَرِيهًا ثم علّ المنون بَعْدَ النّهَالِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ، وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيانًا كَبِيرًا الإسراء: ٦٠
[قصة ابن أم مكتوم]
وَوَقَفَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُكَلّمُهُ، وَقَدْ طَمِعَ فِي إسْلَامِهِ، فَبَيْنَا هُوَ فِي ذَلِكَ، إذْ مَرّ به
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٢٩٥ ]
ابْنُ أُمّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، فَكَلّمَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَجَعَلَ يَسْتَقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، فَشَقّ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- حَتّى أَضْجَرَهُ، وَذَلِكَ أَنّهُ شَغَلَهُ عَمّا كَانَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ الْوَلِيدِ، وَمَا طَمِعَ فِيهِ مِنْ إسْلَامِهِ، فَلَمّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ انْصَرَفَ عَنْهُ عَابِسًا، وَتَرَكَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ أَيْ: إنّمَا بَعَثْتُك بَشِيرًا وَنَذِيرًا، لَمْ أَخُصّ بِك أَحَدًا دُونَ أَحَدٍ، فَلَا تَمْنَعُهُ مِمّنْ ابْتَغَاهُ، وَلَا تَتَصَدّيَنّ بِهِ لِمَنْ لَا يُرِيدُهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ابْنُ أُمّ مَكْتُومٍ، أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ، وَاسْمُهُ: عَبْدُ الله، ويقال: عمرو.
_________________
(١) حَدِيثُ الصّحِيفَةِ الّتِي كَتَبَتْهَا قُرَيْشٌ ذَكَرَ فِيهِ قول أبى لهب ليديه: تبّالكما، لَا أَرَى فِيكُمَا شَيْئًا مِمّا يَقُولُ مُحَمّدٌ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، هَذَا الّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِذِكْرِ اللهِ سُبْحَانَهُ يَدَيْهِ، حَيْثُ يَقُولُ: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَأَمّا قوله: وتبّ، فتفسيره مَا جَاءَ فِي الصّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ وسعيد ابن جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: لَمّا أَنَزَلَ اللهُ تَعَالَى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ الشّعَرَاءُ: ٢١٤ خَرَجَ رَسُولُ اللهِﷺ- حتى أَتَى الصّفَا، فَصَعِدَ
[ ٣ / ٢٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَيْهِ، فَهَتَفَ: يَا صُبَاحَاه، فَلَمّا اجْتَمَعُوا إلَيْهِ، قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنّ خَيْلًا تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ، أَكُنْتُمْ مُصَدّقِيّ؟ قَالُوا: ما جرّ بنا عَلَيْك كَذِبًا قَالَ: فَإِنّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٌ شَدِيدٌ. فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبّا لَك أَلِهَذَا جَمَعْتنَا؟! فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ «١»، وقد تبّ. هَكَذَا قَرَأَ مُجَاهِدٌ وَالْأَعْمَشُ، وَهِيَ- وَاَللهُ أَعْلَمُ- قِرَاءَةٌ مَأْخُوذَةٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، لِأَنّ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَلْفَاظًا كَثِيرَةً تُعِينُ عَلَى التفسير «٢» قال مجاهد: لو كنت
_________________
(١) رواه الشيخان والترمذى.
(٢) يجب أن نؤمن بأن هذا المصحف الذى نحن معه نتدبره، فيه كل كلام الله الذى نزله على محمد ﷺ دون نقص أو زيادة. وما يروى من مثل هذا. فإما أن تكون رواية ساقطة، وإما أن يكون من كلام ابن مسعود تعليقا منه على بعض آيات الكتاب المبين. كيف نحكم أن مثل «وقد تب» كانت فى المصحف ثم رفعت منه؟ أو كيف نحكم أن آية كذا كانت فيه، ثم حذفت؟. وأين نحن بهذا من قول الله: (إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون) الحجر: ٩ كيف نضرب المتواتر المحفوظ بحفظ الله بروايات ساقطة واهية مهما كان شأن رواتها، وشأن الكتب التى وردت فيها؟ وما الفرق بيننا وبين من يزعمون أن مصحفنا هذا ناقص مبتور حذف منه أبو بكر وعمر ما حذفا؟! اقذفوا بكل قول يزعم هذا فى جحيم. بعض ما قيل عن الصحيفة: قيل: إنها كانت فى هلال المحرم سنة سبع من النبوة، ورد هذا فى ابن سعد وابن عبد البر: وجزم به الحافظ فى الفتح، وقيل: سنة ثمان وكان اجتماعهم بخيف بنى كنانة وهو المحصب واختلف فى اسم كاتب الصحيفة. وفى رواية أنهم تواثقوا على هذا حتى يسلموا رسول الله «ص» للنقل، وكانت مدة الشعب سنتين كما ذكر ابن سعد أو ثلاثا كما ذكر موسى بن عقبة وفى نسب قريش ص ٢٥٤ أن الذى كتب الصحيفة عامر الشاعر لا منصور ابنه.
[ ٣ / ٢٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قرأت قراءة ابن مسعود قبل أن أسئل ابن عباس، ما احتجت أن أسئله عَنْ كَثِيرٍ مِمّا سَأَلْته، وَكَذَلِكَ زِيَادَةٌ قَدْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فُسّرَتْ أَنّهُ خَبَرٌ مِنْ اللهِ تَعَالَى، وَأَنّ الْكَلَامَ لَيْسَ عَلَى جِهَةِ الدّعَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ التّوْبَةُ: ٣٠، أَيْ: إنّهُمْ أَهْلٌ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ هَذَا، فَتَبّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ، لَيْسَ مِنْ بَابِ: قَاتَلَهُمْ اللهُ، وَلَكِنّهُ خَبَرٌ مَحْضٌ بِأَنّ قَدْ خَسِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَالْيَدَانِ: آلَةُ الْكَسْبِ، وَأَهْلُهُ وَمَالُهُ مِمّا كَسَبَ فَقَوْلُهُ: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ، تَفْسِيرُهُ: قَوْلُهُ: مَا أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ وَوَلَدُ الرّجُلِ مِنْ كَسْبِهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، أَيْ: خَسِرَتْ يَدَاهُ هَذَا الّذِي كَسَبْت، وَقَوْلُهُ: وَتَبّ، تَفْسِيرُهُ.
سَيَصْلى نَارًا ذاتَ لَهَبٍ أَيْ: قَدْ خَسِرَ نَفْسَهُ بِدُخُولِهِ النّارَ، وَقَوْلُ أَبِي لَهَبٍ: تَبّا لَكُمَا، مَا أَرَى فِيكُمَا شَيْئًا، يَعْنِي: يَدَيْهِ: سَبَبُ لِنُزُولِ تَبّتْ يَدَا كَمَا تَقَدّمَ.
وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: تَبّا لَك يَا مُحَمّدُ، سَبَبٌ لِنُزُولِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ:
وَتَبَّ «١» فَالْكَلِمَتَانِ فِي التّنْزِيلِ مَبْنِيّتَانِ عَلَى السّبَبَيْنِ، والايتان بعدهما تفسير للتببين. تَبَابِ يَدَيْهِ، وَتَبَابُهُ هُوَ فِي نَفْسِهِ، وَالتّبَبُ على وزن التّلف
_________________
(١) وحدث عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه قال. أخبر رجل يقال له: ربيعة بن عباد من بنى الديل، وكان جاهليا، فأسلم، قَالَ: رَأَيْت النّبِيّ ﷺ- فى الجاهلية فى سوق ذى المجاز، وهو يَقُولُ: (يَا أَيّهَا النّاسُ قُولُوا: لَا إلَهَ إلا الله تفلحوا) والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضئ الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه. فقالوا: هذا عمه أبو لهب. تفرد به أحمد.
[ ٣ / ٢٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِأَنّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَالتّبَابُ كَالْهَلَاكِ وَالْخَسَارِ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَلِذَلِكَ قِيلَ فِيهِ:
تَبَبٌ وَتَبَابٌ.
مِنْ تَفْسِيرِ شِعْرِ أَبِي طَالِبٍ:
فَصْلٌ: ذِكْرُ شِعْرِ أَبِي طَالِب:
أَلَا أَبْلِغَا عَنّي عَلَى ذَاتِ بَيْنِنَا
قَالَ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ: ذَاتِ بَيْنَنَا، وَذَاتِ يَدِهِ، وَمَا كَانَ نَحْوُهُ: صِفَةٌ لِمَحْذُوفِ مُؤَنّثٌ، كَأَنّهُ يُرِيدُ الْحَالَ الّتِي هِيَ ذَاتُ بَيْنِهِمْ كَمَا قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ:
وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ الْأَنْفَالُ: ١ فَكَذَلِكَ إذَا قُلْت: ذَاتِ يَدِهِ.
يُرِيدُ أَمْوَالَهُ، أَوْ مُكْتَسَبَاتِهِ، كَمَا قَالَ ﵇: «أَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ «١»»، وَكَذَلِكَ إذَا قُلْت: لَقِيته ذَاتَ يَوْمٍ، أَيْ: لقاءة أو مرّة ذات يوم، فلما حُذِفَ الْمَوْصُوفُ، وَبَقِيَتْ الصّفّةُ صَارَتْ كَالْحَالِ لَا تَتَمَكّنُ، وَلَا تُرْفَعُ فِي بَابِ مَا لَمْ يُسَمّ فَاعِلُهُ، كَمَا تُرْفَعُ الظّرُوفُ الْمُتَمَكّنَةُ، وَإِنّمَا هُوَ كَقَوْلِك: سَيْرٌ عَلَيْهِ شَدِيدًا وَطَوِيلًا، وَقَوْلُ الْخَثْعَمِيّ- وَاسْمُهُ: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ [مَدَرك]: عَزَمْت عَلَى إقَامَةِ ذَاتَ صَبَاحٍ، لَيْسَ هُوَ عِنْدِي. مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَإِنْ كَانَ سِيبَوَيْهِ قَدْ جَعَلَهَا لُغَةً لِخَثْعَمٍ، وَلَكِنّهُ عَلَى مَعْنَى إقَامَةِ يَوْمٍ، وَكُلّ يَوْمٍ هُوَ ذُو صَبَاحٍ، كَمَا تَقُولُ: مَا كَلّمَنِي ذُو شَفَةٍ، أَيْ: مُتَكَلّمٌ، وَمَا مَرَرْت بِذِي نَفْسٍ، فَلَا يَكُونُ مِنْ
_________________
(١) هو جزء من حديث رواه الشيخان: «خير نساء ركبن الإبل صالحو نساء قريش أحناه على ولد فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يده» .
[ ٣ / ٢٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بَابِ: ذَاتِ مَرّةً الّذِي لَا يَتَمَكّنُ فِي الْكَلَامِ، وَقَدْ وَجَدْت فِي حَدِيثِ قَيْلَةَ بِنْتِ محرمة، وَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ وَقَعَ فِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: أَنّ أُخْتَهَا قَالَتْ لِبَعْلِهَا: إنّ أُخْتِي تُرِيدُ الْمَسِيرَ مَعَ زَوْجِهَا حُرَيْثِ بْنِ حَسّانَ ذَا صَبَاحٍ بَيْنَ سَمْعِ الْأَرْضِ وَبَصَرِهَا، فَهَذَا يَكُونُ مِنْ بَابِ: ذَاتِ مَرّةٍ، وَذَاتِ يَوْمٍ، غَيْرَ أَنّهُ وَرَدَ مُذَكّرًا؛ لِأَنّهُ تَشْتَغِلُ تَاءُ التّأْنِيثِ مَعَ الصّادِ، وَتَوَالِي الْحَرَكَاتِ، فَحَذَفُوهَا، فَقَالُوا: لَقِيته ذَا صَبَاحٍ، وَهَذَا لَا يَتَمَكّنُ كَمَا لَا يَتَمَكّنُ: ذَاتُ يَوْمٍ وَذَاتُ حِينٍ، وَلَا يُضَافُ إلَيْهِ مَصْدَرٌ، وَلَا غَيْرُهُ. وَقَوْلُ الْخَثْعَمِيّ: عَزَمْت عَلَى إقَامَةِ ذِي صَبَاحٍ قَدْ أَضَافَ إلَيْهِ، فَكَيْفَ يُضِيفُ إلَيْهِ، ثُمّ يَنْصِبُهُ، أَوْ كَيْفَ يُضَارِعُ الْحَالَ مَعَ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَيْهِ؟ فَكَذَلِكَ خَفْضُهُ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ نَظَائِرِهِ، إلّا أَنْ يَكُونَ سِيبَوَيْهِ سَمِعَ خَثْعَمَ يَقُولُونَ: سِرْت فِي ذَاتِ يَوْمٍ، أَوْ سِيَر عَلَيْهِ ذَاتُ يَوْمٍ بِرَفْعِ التّاءِ، فَحِينَئِذٍ يَسُوغُ لَهُ أَنْ يَقُولَ: لُغَةُ خَثْعَمَ، وَأَمّا الْبَيْتُ الّذِي تَقَدّمَ فَالشّاهِدُ لَهُ فِيهِ، وَمَا أَظُنّ خَثْعَمَ، وَلَا أَحَدًا مِنْ الْعَرَبِ يُجِيزُ التّمَكّنَ فِي نَحْوِ هَذَا، وَإِخْرَاجِهِ عَنْ النّصْبِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. لَا الّتِي لِلتّبْرِئَةِ: فَصْلٌ: وَفِيهِ: وَلَا خَيْرَ مِمّنْ خَصّهُ اللهُ بِالْحُبّ. وَهُوَ مُشْكِلٌ جِدّا لِأَنّ لَا فِي بَابِ التّبْرِئَةِ لَا تَنْصِبُ مِثْلَ هَذَا إلّا مُنَوّنًا تَقُولُ: لَا خَيْرًا مِنْ زَيْدٍ فِي الدّارِ، وَلَا شَرّا مِنْ فُلَانٍ، وَإِنّمَا تَنْصِبُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ إذَا كَانَ الِاسْمُ غَيْرَ مَوْصُولٍ بِمَا بَعْدَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يُوسُفُ: ٩٢. لِأَنّ عَلَيْكُمْ لَيْسَ من صلة.
[ ٣ / ٣٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التّثْرِيبِ، لِأَنّهُ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، وَأَشْبَهَ مَا يُقَالُ فِي بَيْتِ أَبِي طَالِبٍ أَنّ خَيْرًا مُخَفّفٌ، مِنْ خَيْرِ كَهَيْنِ وَمَيْت [مِنْ هَيّنٍ وَمَيّتٍ] وَفِي التّنْزِيلِ: خَيْراتٌ حِسانٌ الرّحْمَنُ: ٧٠ هُوَ مخفف من خيّرات.
عود إلى سرح شِعْرِ أَبِي طَالِبٍ:
وَقَوْلُهُ: مِمّنْ. مَنْ، مُتَعَلّقَةٌ بِمَحْذُوفِ، كَأَنّهُ قَالَ: لَا خَيْرَ أَخْيَرُ مِمّنْ خَصّهُ اللهُ، وَخَيْرٌ وَأَخْيَرُ: لَفْظَانِ مِنْ جَنْسٍ وَاحِدٍ، فَحَسُنَ الْحَذْفُ اسْتِثْقَالًا لِتَكْرَارِ اللّفْظِ، كَمَا حَسُنَ: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ البقرة: ١٧٧. والْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ الْبَقَرَةُ: ١٩٧ لِمَا فِي تَكْرَارِ الْكَلِمَةِ مَرّتَيْنِ مِنْ الثّقَلِ عَلَى اللّسَانِ، وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ يُونُسُ: ١١ أَيْ: لَوْ عَجّلَهُ لَهُمْ إذَا اسْتَعْجَلُوا بِهِ اسْتِعْجَالًا مِثْلَ اسْتِعْجَالِهِمْ بِالْخَيْرِ، فَحَسُنَ هَذَا الْكَلَامُ لِمَا فِي الْكَلَامِ مِنْ ثِقَلِ التّكْرَارِ، وَإِذَا حَذَفُوا حَرْفًا واحدا لهذه العلة كقولهم: بلّحرث «١» بنو فُلَانٍ، وَظَلِلْت وَأُحِشّتْ فَأَحْرَى أَنْ يَحْذِفُوا كَلِمَةَ مِنْ حُرُوفٍ، فَهَذَا أَصْلٌ مُطّرِدٌ، وَيَجُوزُ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَذْفُ التّنْوِينِ مُرَاعَاةً لِأَصْلِ الْكَلِمَةِ؛ لِأَنّ خَيْرًا مِنْ زَيْدٍ إنّمَا مَعْنَاهُ:
أَخْيَرُ مِنْ زَيْدٍ، وَكَذَلِكَ: شَرّ مِنْ فُلَانٍ، إنّمَا أَصْلُهُ: أَشَرّ عَلَى وَزْنِ أفعل،
_________________
(١) فى الأصل بياض بعد كلمة بلحرث، ولكن فى اللسان: «وقولهم: بلحرث لبنى الحرث بن كعب من شواذ الإدغام، لأن النون واللام قريبا المخرج، فلما لم يمكنهم الإدغام بسكون اللام حذفوا النون. كما قالوا: مست، وظلت «بفتح الميم والظاء وسكون السين واللام» كذلك يفعلون بكل قبيلة تظهر فيها لام المعرفة، مثل بلعنبر، وبلهجيم، فأما إذا لم تظهر اللام، فلا يكون ذلك» حادة حرث.
[ ٣ / ٣٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَحُذِفَتْ الْهَمْزَةُ تَخْفِيفًا، وَأَفْعَلُ لَا يَنْصَرِفُ، فَإِذَا انْحَذَفَتْ الْهَمْزَةُ انْصَرَفَ وَنُوّنَ، فَإِذَا تَوَهّمْتهَا غَيْرَ سَاقِطَةٍ الْتِفَاتًا إلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ، لَمْ يَبْعُدْ حَذْفُ التّنْوِينِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَعَ مَا يُقَوّيهِ مِنْ ضَرُورَةِ الشّعْرِ.
وَقَوْلُهُ: بِالّقُسَاسِيّةِ الشّهُبِ، يَعْنِي: السّيُوفَ، نَسَبَهَا إلَى قُسَاس، وَهُوَ مَعْدِنٌ حَدِيدٌ لِبَنِي أَسَدٍ، وَقِيلَ اسْمٌ لِلْجَبَلِ الّذِي فِيهِ الْمَعْدِنُ: قَالَ الرّاجِزُ يَصِفُ فَأْسًا:
أَحْضِرْ مِنْ مَعْدِنِ ذِي قُسَاس كَأَنّهُ فِي الْحَيْدِ ذِي الْأَضْرَاسِ
يُرْمَى بِهِ فِي الْبَلَدِ الدّهَاسِ»
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْقُسَاسِيّة: لَا أَدْرِي إلَى أَيّ شَيْءٍ نُسِبَ، وَاَلّذِي ذَكَرْنَاهُ قَالَهُ الْمُبَرّدُ، وَقَوْلُهُ: ذِي قُسَاس كَمَا حَكَى، ذُو زَيْدٍ، أَيْ: صَاحِبُ هَذَا الِاسْمِ، وَفِي أَقْيَالِ حِمْيَرَ: ذُو كَلَاعٍ، وَذُو عَمْرٍو، أُضِيفَ الْمُسَمّى إلَى اسْمِهِ، كَمَا قَالُوا: زَيْدُ بَطّةَ، أَضَافُوهُ إلى لقبه «٢»
_________________
(١) فى معجم ابن فارس «قساس» بلد تنسب إليه السيوف القساسية» وفى المراصد: جبل لبنى نمير، وقيل لبنى أسد، وبالصاد جبل لهم أيضا فيه معدن حديد تنسب السيوف القساسية إليه، ويقال: إن قساس معدن الحديد بأرمينية» والدّهاس: المكان السهل.
(٢) الأسماء المفردة تضاف إلى ألقابها، وحينئذ تكون الألقاب معارف، وتنعرف بها الأسماء، كما قيل: قيس قفة. وزيد بطة وسعيد كرز ويجوز بفتح تاء قفة وبطة وزاى كرز «مادة قطن فى اللسان، وانظر أيضا مادة بطط وكرز» وذو الكلاع الأكبر: يزيد بن النعمان. والأصغر: سميفع بن ناكور من نسل الأكبر.
[ ٣ / ٣٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذُكِرَ فِيهِ النّسُورِ الطّخْمَة، قِيلَ: هِيَ السّودُ الرؤس، قَالَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ، وَقَالَ أَيْضًا: الطّخْمَة سَوَادٌ فِي مُقَدّمِ الْأَنْفِ.
وَقَوْلُهُ: كَرَاغِيَةِ السّقْبِ يُرِيدُ وَلَد النّاقَةِ الّتِي عُقْرُهَا قُدَار «١»، فَرَغَا وَلَدُهَا، فَصَاحَ بِرُغَائِهِ كُلّ شَيْءٍ لَهُ صَوْتٌ، فَهَلَكَتْ ثَمُودُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَضَرَبَتْ الْعَرَبُ ذَلِكَ مَثَلًا فِي كُلّ هَلَكَةٍ. كَمَا قَالَ عَلْقَمَةُ [بْنُ عَبْدَةَ]:
رَغَا فَوْقَهُمْ سَقْبُ السّمَاءِ فَدَاحِصٌ بِشِكّتِهِ لم يستلب وسليب
وقال آخر:
_________________
(١) اسمه فى القاموس: قدار بن سالف، ويقال هو الذى عقر ناقة صالح، وهو أحيمر ثمود. وروى أحمد بسنده فى مسنده عن عبد الله بن زمعة قال: خَطَبَ رَسُولِ اللهِﷺ- فَذَكَرَ الناقة، وذكر الذى عقرها، فقال: إذ انبعث أشقاها» انبعث لها رجل عارم عزيز منيع فى رهطه مثل أبى زمعة» ورواه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن جرير. وبشؤم قدار ضرب المثل يقول الشاعر: وكان أضر فيهم من سهيل إذا وافى وأشأم من قدار ويقال: قدار بن قديرة باسم أمه، انظر الأمثال للميدانى، مثل رقم ٢٠٢١- وسمط اللالى ص ٨٤٥، وفى معلقة زهير عن الحرب: فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم كأحمر عاد، ثم ترضع فتفطم وأحمر عاد هو قدار. والسقب: ولد الناقة عامة، أو ساعة يولد، أو خاص بالذكر، وفى ابن هشام ورد نسب أبى البخترى: «ابن هشام بن الحارث بن أسد» فصوبته من نسب قريش «ابن هاشم بن الحارث بن أسد بن عبد العزى»
[ ٣ / ٣٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَعَمْرِي لَقَدْ لَاقَتْ سُلَيْمٌ وَعَامِرٌ عَلَى جَانِبِ الثّرْثَارِ رَاغِيَةَ الْبِكْرِ «١»
ذِكْرُ أُمّ جَمِيلٍ وَالْمَسَدِ وَعَذَابِهَا:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ أُمّ جَمِيلٍ بِنْتَ حَرْبٍ عَمّةَ مُعَاوِيَةَ، وَذَكَرَ أَنّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ الشّوْكَ، وَتَطْرَحُهُ فِي طَرِيقِ رَسُولِ اللهِﷺ- فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهَا:
وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ قَالَ الْمُؤَلّفُ: فَلَمّا كَنّى عَنْ ذَلِكَ الشّوْكِ بِالْحَطَبِ، وَالْحَطَبُ لَا يَكُونُ إلّا فِي حَبْلٍ، مِنْ ثُمّ جَعَلَ الْحَبْلَ فِي عُنُقِهَا، لِيُقَابِلَ الْجَزَاءُ الْفِعْلَ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ مَسَدٍ، هُوَ مِنْ مَسَدْت الْحَبْلَ إذَا أَحَكَمْت فَتْلَهُ، إلّا أَنّهُ قَالَ:
مِنْ مَسَدٍ، وَلَمْ يَقُلْ: حَبْلُ مَسَدٍ وَلَا مَمْسُودٍ لِمَعْنَى لَطِيفٍ، ذَكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ التّفْسِيرِ، قَالَ: الْمَسَدُ يُعَبّر بِهِ فِي الْعُرْفِ عَنْ حَبْلِ الدّلْوِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنّهُ يُصْنَعُ بِهَا فِي النّارِ مَا يُصْنَعُ بِالدّلْوِ، تُرْفَعُ بِالْمَسَدِ فِي عُنُقِهَا إلَى شَفِيرِ جَهَنّمَ، ثُمّ يُرْمَى بِهَا إلَى قَعْرِهَا هَكَذَا أَبَدًا، وَقَوْلُهُمْ: أَنّ الْمَسَدَ هُوَ حَبْلُ الدّلْوِ فِي الْعُرْفِ صَحِيحٌ فَإِنّا لَمْ نَجِدْهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إلّا كَذَلِكَ، كَقَوْلِ [النّابِغَةِ] الذّبْيَانِي.
لَهُ صَرِيفٌ صريف القعو بالمسد «٢»
_________________
(١) الثرثار: هو فى برية نجد، واد عظيم بالجزيرة.
(٢) البيت من شواهد سيبويه فى الكتاب. والشاهد فيه نصب «صريف» الأخرى على المصدر المشبه به، والعامل فيه فعل مضمر دل عليه قوله: «له صريف»، فكأنه قال: بازلها يصرف صريفا مثل صريف القعو، ورفعه على البدل جائز. يوصف الناقة بالقوة والنشاط، فيقول: كأنما قذفت باللحم قذفا لتراكمه عليها. -
[ ٣ / ٣٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَالَ الْآخَرُ وَهُوَ يَسْتَقِي عَلَى إبِلِهِ:
يَا مَسَدَ الْخُوصِ تَعَوّذْ مِنّي إنْ تَكُ لَدْنًا لَيّنًا فَإِنّي
مَا شِئْت مِنْ أَشْمَطَ مَقْسَئِنّ «١»
_________________
(١) - والنحض: اللحم، ودخيسه: ما تداخل منه وتراكب، والبازل: سن تخرج عند بزولها، وذلك العام التاسع من سنها، وعند ذلك تكمل قوتها. ويقال لها: بازل: والصريف: صوت أنيابها إذا حكت بعضها ببعض نشاطا أو إعباء، والقعو: ما تدور فيه البكرة إذا كان من خشب، وجمعها قعى، فإذا كان من حديد، فهو خطاف ص ١٧٨ ح ١ الكتاب لسيبويه وبيت علقمة ص ١٧٢ أمالى.
(٢) أنشده اللسان فى مادتى مسد، وقسن. وفى الأصل الحوض، مكسين والتصويب من اللسان، ومعجم ابن فارس الذى أنشد الأخيرتين فى مادة قسن والمقسئن الصلب من الرجال. ويكون كبير السن، والأشمط من خالط سواد شعره بياض. وبعد هذه: تقمص كفاه بحبل الشن مثل قماص الأحرد المستن يقول: تعوذ منى، فإنى أستقى بك كثيرا، فتنقطع إن تك لدنا، أى: ناعما متثنيا، فإنى مقسئن وهو الكهل الشديد الذى لم تنقص السنون منه شيئا. ويروى: إن تك شبا، أى: شابا. وتقمص: ترتفع كفاه بالحبل إذا جذبه، والأحرد: البعير الذى يرفع يديه فى سيره، ثم يخبط بهما الأرض، والمستن الذى يمشى على وجهه، وأراد بالشن: الدلو ص ٨٩ تهذيب إصلاح المنطق لأبى زكريا يحى بن على بن الخطاب التبريزى المتوفى سنة ٥٦٢ هـ ط أولى وفى اللسان أيضا: المقسين: الشيخ القديم وكذلك البعير، فإذا اشتقوا منها فعلا على مثل افعال بتشديد اللام همزوا فقالوا: اقسأن. وقيل المقسئن الذى قد انتهى فى سنه، فليس به ضعف كبر. ولا قوة شباب وقيل: هو الذى فى آخر شبابه وأول كبره، واقسأن الشىء اشتد
[ ٣ / ٣٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَالَ آخَرُ:
يَا رَبّ عَبْسٍ لَا تُبَارِكْ فِي أَحَدْ فِي قَائِمٍ مِنْهُمْ، وَلَا فِيمَنْ قَعَدْ
غَيْرَ الْأُولَى شِدّوا بِأَطْرَافِ الْمَسَدْ
أَيْ: اسْتَقَوْا، وَقَالَ آخَرُ، وَهُوَ يَسْتَقِي:
وَمَسَدٍ أُمِرّ مِنْ أَيَانِقِ لَيْسَ بِأَنْيَابِ وَلَا حَقَائِقِ «١»
يُرِيدُ: جَمْعَ أَيْنُقٍ، وَأَيْنُقٌ: جَمْعُ نَاقَةٍ مَقْلُوبٌ، وَأَصْلُهُ: أَنْوُقٌ، فَقُلِبَ، وَأُبْدِلَتْ الْوَاوُ يَاءً؛ لِأَنّهَا قَدْ أُبْدِلَتْ يَاءً لِلْكِسْرَةِ، إذَا قَالُوا: نِيَاقٌ، وَقَلَبُوهُ فِرَارًا مِنْ اجْتِمَاعِ هَمْزَتَيْنِ لَوْ قَالُوا: أَنْوُقٌ عَلَى الْأَصْلِ، يُرِيدُ أَنّ الْمَسَدَ مِنْ جُلُودِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قَالَ فِي الْمَدِينَةِ: قَدْ حَرّمْتهَا إلّا لِعُصْفُورِ قَتَبٍ «٢»، أَوْ مَسَدٍ مَحَالَةُ، وَالْمَحَالَةُ: البكرة. وفى حديث آخر:
_________________
(١) قبلهما. إن سرك الإرواء غير سابق فاعمل بغرب مثل غرب طارق أو «فاعجل» ويروى: غير سائق. وأمر: فتل. والرجز لعمارة ابن طارق- أو عمار، أو لعقبة الهجيمى، والأنياب: جمع ناب، وهى الناقة الهرمة، والحقائق جمع: حقة وهى التى دخلت فى السنة الرابعة، يريد: هو جلد ثنية أو رباعية، أو سديس أو بازل.
(٢) القتب: جميع أداة السانية أو الساقية «القتب: بفتح القاف والتاء أو بكسر القاف وسكون التاء» والعصفور: الخشب الذى يشد به رؤس الأقتاب.
[ ٣ / ٣٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَنّهُ حَرّمَهَا بَرِيدًا فِي بَرِيدٍ إلّا الْمِنْجَدَةَ أَوْ مَسَدَ، وَالْمِنْجَدَةُ: عَصَا الرّاعِي.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي النّبَاتِ: كُلّ مَسَدٍ رِشَاءٌ، وَأَنْشَدَ:
وَبَكْرَةً وَمِحْوَرًا صَرّارَا وَمَسَدًا مِنْ أَبَقٍ مُغَارَا
وَالْأَبَقُ: الْقِنّبُ، وَالزّبْرُ: الْكَتّانُ، وَأَنْشَدَ أَيْضًا:
أَنَزَعُهَا تَمَطّيًا وَمَثّا بِالْمَسَدِ الْمَثْلُوثِ أَوْ يَرْمِثَا
فَقَدْ بَانَ لَك بِهَذَا أَنّ الْمَسَدَ حَبْلُ الْبِئْرِ، وَقَدْ جَاءَ فِي صِفَةِ جَهَنّمَ- أَعَاذَنَا اللهُ مِنْهَا- أَنّهَا كَطَيّ الْبِئْرِ لَهَا قَرْنَانِ، وَالْقَرْنَانِ مِنْ الْبِئْرِ: كَالدّعَامَتَيْنِ لِلْبَكَرَةِ، فَقَدْ بَانَ لَك بِهَذَا كُلّهِ، مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ التّفْسِيرِ مِنْ صِفَةِ عَذَابِهَا أَعَاذَنَا اللهُ مِنْ عَذَابِهِ وَأَلِيمِ عِقَابِهِ، وَبِهَذَا تُنَاسِبُ الْكَلَامَ، وَكَثُرَتْ مَعَانِيهِ، وَتَنَزّهَ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَشْوٌ أَوْ لَغْوٌ- تَعَالَى اللهُ مَنْزِلُهُ؛ فَإِنّهُ كِتَابٌ عَزِيزٌ.
وَقَوْلُ مُجَاهِدٍ: إنّهَا السّلْسِلَةُ الّتِي ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا لَا يَنْفِي مَا تَقَدّمَ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يَرْبِقَ «١» فِي تِلْكَ السّلْسِلَةِ أُمّ جَمِيلٍ وَغَيْرَهَا، فَقَدْ قَالَ أَبُو الدّرْدَاءِ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُمّ الدّرْدَاءِ إنّ لِلّهِ سِلْسِلَةٌ تَغْلِي بِهَا مَرَاجِلُ جَهَنّمَ مُنْذُ خَلَقَ اللهُ النّارَ إلَى يَوْمِ القيامة، وقد نجاك الله مِنْ نِصْفِهَا بِالْإِيمَانِ بِاَللهِ، فَاجْتَهِدِي فِي النّجَاةِ من النصف الاخر بالحض على طعام المساكين، وكذلك قول مجاهد: إنها
_________________
(١) يربقه: يجعل رأسه فى الربقة، وهى العروة فى حبل يشد به اليهم، وفى الأصل: يربق ولم أهتد إلى ضبط البيت السابق
[ ٣ / ٣٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كانت تمشى بالنمائم لا ينفى حملها للشوك «١»، وَهُوَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ سَائِغٌ أَيْضًا، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْأَسْلَتِ لقريش حين اختلفوا:
وَنُبّئْتُكُمْ شَرْجَيْنِ «٢» كُلّ قَبِيلَةٍ لَهَا زُمّلٌ مِنْ بَيْنِ مذك وحاطب
فالمذكى الذى يذكى؟؟؟ العداوة، والحاطب الذى ينم ويغرى كالمحتطب للنار، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَكَأَنّهُ مُنْتَزَعٌ مِنْهُ قَوْلُ النّبِيّﷺ:
«لَا يَدْخُلُ الْجَنّةَ قَتّاتٌ «٣»» وَالْقَتّاتُ هُوَ الّذِي يَجْمَعُ الْقَتّ، وَهُوَ مَا يُوقَدُ بِهِ النّارُ مِنْ حَشِيشٍ وَحَطَبٍ صِغَارٍ.
عَنْ الْجِيدِ وَالْعُنُقِ:
وَقَوْلُهُ: فِي جِيدِهَا، وَلَمْ يَقُلْ: فِي عُنُقِهَا، وَالْمَعْرُوفُ أَنْ يُذْكَرَ الْعُنُقَ إذَا ذُكِرَ الْغُلّ، أَوْ الصّفْعُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا يس: ٨ وَيُذْكَرُ الْجِيدُ إذَا ذُكِرَ الْحُلِيّ أَوْ الْحُسْنُ، فَإِنّمَا حَسُنَ هَهُنَا ذِكْرُ الْجِيدِ فِي حُكْمِ الْبَلَاغَةِ؛ لِأَنّهَا امْرَأَةٌ، وَالنّسَاءُ تُحَلّي أَجِيَادَهُنّ، وَأُمّ جَمِيلٍ لَا حُلِيّ لَهَا فِي الْآخِرَةِ إلّا الْحَبْلُ الْمَجْعُولُ فِي عُنُقِهَا، فَلَمّا أفيم لَهَا ذَلِكَ مَقَامَ الْحُلِيّ ذُكِرَ الْجِيدَ مَعَهُ، فَتَأَمّلْهُ؛ فَإِنّهُ مَعْنًى لَطِيفٌ، أَلَا تَرَى إلَى قول الأعشى:
يوم تبدي لنا قتيلة عن جيد
_________________
(١) فى الأصل: الشرك
(٢) الشرج: الضرب، يقال: هما شرج واحد أى: ضرب واحد
(٣) رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى، والقتات هو النمام، وقيل هو الذى يتسمع على القوم، وهم لا يعلمون، ثم ينم.
[ ٣ / ٣٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَلَمْ يَقُلْ: عَنْ عُنُقٍ، وقول الآخر: وَأَحْسَنُ مِنْ عُقَدِ الْمَلِيحَةِ جِيدُهَا وَلَمْ يقل: عنقها، ولو قاله لَكَانَ غَثّا مِنْ الْكَلَامِ، فَإِنّمَا يَحْسُنُ ذِكْرُ الْجِيدِ حَيْثُ قُلْنَا، وَيَنْظُرُ إلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ آلُ عِمْرَانَ: ٢١ أَيْ لَا بُشْرَى لَهُمْ إلّا ذَلِكَ، وَقَوْلُ الشّاعِرِ [عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ]: [وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْت لَهَا بِخَيْلِ] تَحِيّةُ بَيْنِهِمْ رب؟؟؟ وجيع أي: لَا تَحِيّةَ لَهُمْ. كَذَلِكَ قَوْلُهُ: فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ، أَيْ: لَيْسَ ثُمّ جِيدٌ يُحَلّى، إنّمَا هُوَ حَبْلُ الْمَسَدِ، وَانْظُرْ كَيْفَ قَالَ: وَامْرَأَتُهُ، وَلَمْ يَقُلْ: وَزَوْجُهُ؛ لِأَنّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجِ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَلِأَنّ التّزْوِيجَ حِلْيَةٌ شَرْعِيّةٌ، وَهُوَ مِنْ أَمْرِ الدّينِ يجردها من هذه الصفة، كما جرد مسها امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ، فَلَمْ يَقُلْ: زَوْجَ نُوحٍ، وَقَدْ قَالَ لِآدَمَ: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْبَقَرَةُ: ٣٥ وَقَالَ لِنَبِيّهِ ﵇: (قُلْ لِأَزْوَاجِكَ)، وَقَالَ: (وَأَزْوَاجُهُ أُمّهَاتُهُمْ)، إلّا أَنْ يَكُونَ مُسَاقَ الْكَلَامِ فِي ذِكْرِ الْوِلَادَةِ وَالْحَمْلِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ لَفْظُ الْمَرْأَةِ لَائِقًا بِذَلِكَ الْمَوْطِنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا مَرْيَمُ: ٥، ٨ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ الذّارِيَاتُ: ٢٩ لِأَنّ الصّفَةَ الّتِي هِيَ الْأُنُوثَةُ هِيَ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْحَمْلِ وَالْوَضْعِ لَا من حيث كانت زَوْجًا. غُلُوّ فِي الْوَصْفِ بِالْحُسْنِ فَصْلٌ: وَأَنْشَدَ شَاهِدًا عَلَى الْجِيدِ قَوْلَ الْأَعْشَى: يَوْمَ تُبْدِي لَنَا قُتَيْلَة عَنْ جِيدِ أَسِيلٍ تَزْيِنُهُ الْأَطْوَاقُ وَقَوْلُهُ: تَزْيِنُهُ أَيْ: تَزِيدُهُ حَسَنًا، وَهَذَا مِنْ الْقَصْدِ فِي الْكَلَامِ، وَقَدْ أَبَى
[ ٣ / ٣٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمُوَلّدُونَ إلّا الْغُلُوّ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَأَنْ يَغْلِبُوهُ فَقَالَ فِي الْحَمَاسَةِ حُسَيْنُ بْنُ مُطَيْرٍ [الْأَسَدِيّ]:
مُبَلّلَةُ الْأَطْرَافِ زَانَتْ عُقُودُهَا بِأَحْسَنَ مِمّا زِينَتُهَا عُقُودُهَا
وَقَالَ خَالِدٌ الْقَسْرِيّ لِعُمَرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَنْ تَكُنْ الْخِلَافَةُ زِينَتُهُ، فَأَنْتَ زِينَتُهَا، وَمَنْ تَكُنْ شَرّفْته، فَأَنْتَ شَرّفْتهَا، وَأَنْتَ كَمَا قَالَ [مَالِكُ ابْنُ أَسَمَاءَ]:
وَتَزِيدِينَ أَطْيَبَ الطّيبِ طِيبًا إنّ تَمَسّيهِ، أَيْنَ مِثْلُك أَيْنَا
وإذا الدّرّزان حُسْنَ وُجُوهٍ كَانَ لِلدّرّ حَسَنُ وَجْهِك زَيْنَا!
فَقَالَ عُمَرُ: إنّ صَاحِبَكُمْ أَعْطَى مَقُولًا، وَلَمْ يُعْطِ مَعْقُولًا، قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَإِنّمَا لَمْ يَحْسُنْ هَذَا مِنْ خَالِدٍ لَمّا قَصَدَ بِهِ التّمَلّقَ، وَإِلّا فَقَدْ صَدَرَ مِثْلُ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ الصّدّيقِ، فَحَسُنَ لِمَا عَضّدَهُ مِنْ التّحْقِيقِ وَالتّحَرّي لِلْحَقّ، وَالْبَعْدِ عَنْ الْمَلَقِ وَالْخِلَابَةِ، وَذَلِكَ حِينَ عَهِدَ إلَى عُمَرَ بِالْخِلَافَةِ، وَدَفَعَ إلَيْهِ عَهْدَهُ مَخْتُومًا، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَا فِيهِ، فَلَمّا عَرَفَ مَا فِيهِ رَجَعَ إلَيْهِ حَزِينًا كَهَيْئَةِ الثّكلى: يقول: حملتى عِبْئًا أَلّا أَضْطَلِعُ بِهِ، وَأَوْرَدْتنِي مَوْرِدًا لَا أَدْرِي: كَيْفَ الصّدْرُ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ الصّدّيقُ: مَا آثَرْتُك بِهَا، وَلَكِنّي آثَرْتهَا بِك، وَمَا قَصَدْت مُسَاءَتَك، وَلَكِنْ رَجَوْت إدْخَالَ السّرُورِ عَلَى المؤمنين بك، ومن ههنا أَخَذَ الْحُطَيْئَة قَوْلُهُ:
مَا آثَرُوك بِهَا إذْ قَدّمُوك لَهَا لَكِنْ لِأَنْفُسِهِمْ كَانَتْ بِهَا الْإِثْرُ «١»
_________________
(١) أنشده اللسان وقال: وكأن الإثر: جمع الإثرة، وهى الأثرة. وفى الأغانى فى أخبار الحطيئة: أن الحطيئة أنشد هذه القصيدة التى منها هذا البيت حين شفع فيه عمرو بن العاص، فأخرجه عمر من محبسه ومنها: ماذا تقول لأفراخ بذى مرخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
[ ٣ / ٣١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَدْ سَبَكَ هَذَا الْمَعْنَى فِي النّسِيبِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ الرّومِيّ، فَقَالَ:
وَأَحْسَنُ مِنْ عقد المليحة جيدها وأحسن من سر بالها الْمُتَجَرّدُ
وَمِمّا هُوَ دُونَ الْغُلُوّ، وَفَوْقَ التّقْصِيرِ قَوْلُ الرّضِيّ:
حَلْيُهُ جِيدُهُ، لَا مَا يُقَلّدُهُ وَكُحْلُهُ مَا بِعَيْنَيْهِ مِنْ الْكُحْلِ
وَنَحْوٌ مِنْهُ مَا أَنْشَدَهُ الثّعَالِبِيّ:
وَمَا الْحَلْيُ إلّا حِيلَةٌ مِنْ نَقِيصَةٍ يُتَمّمُ مِنْ حُسْنٍ إذَا الْحُسْنُ قَصّرَا
فَأَمّا إذَا كَانَ الْجَمَالُ مُوَفّرًا فَحَسْبُك لَمْ يَحْتَجْ إلَى أَنْ يُزَوّرَا
وَسَمِعْت الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ مُحَمّدَ بْنَ الْعَرَبِيّ يَقُولُ: حَجّ أبو الفضل الجوهرى الزاهد ذت مَرّةٍ، فَلَمّا أَشْرَفَ عَلَى الْكَعْبَةِ، وَرَأَى مَا عَلَيْهَا مِنْ الدّيبَاجِ تَمَثّلَ، وَقَالَ:
مَا عَلّقَ الْحُلِيّ عَلَى صَدْرِهَا إلّا لِمَا يُخْشَى مِنْ الْعَيْنِ
تَقُولُ وَالدّرّ عَلَى نَحْرِهَا مَنْ عَلّقَ الشّيْن عَلَى الزّيْنِ
وَبَيْتُ الْأَعْشَى الْمُتَقَدّمُ بَعْدَهُ:
_________________
(١) - وقبل البيت الذى رواه السهيلى: أنت الإمام الذى من بعد صاحبه ألقى إليك مقاليد النهى البقر؟؟؟ وروايته فى الأغانى: «كانت بك الإثر؟؟؟» وهى أشق؟؟؟. وللبيت رواية أخرى مَا آثَرُوك بِهَا إذْ قَدّمُوك لَهَا لَكِنْ بها استاثروا إذ كانت الإبر
[ ٣ / ٣١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَشَتِيتٍ كَالْأُقْحُوَانِ جَلّاهُ الطّلّ فِيهِ عُذُوبَةٌ وَاتّسَاقُ
وَأَثِيثٍ جَثْلِ النّبَاتِ تَرْوِي هـ لَعُوبٌ غَرِيرَةٌ مفتاق
حرّة طفلة الأنامل كالدّم ية لَا عَانِسٌ وَلَا مِهْزَاقُ
الْفِهْرُ:
وَذَكَرَ قَوْلَ أُمّ جَمِيلٍ لِأَبِي بَكْرٍ: لَوْ وَجَدْت صَاحِبَك لَشَدَخْت رَأْسَهُ بِهَذَا الْفِهْرِ. الْمَعْرُوفُ فِي الْفِهْرِ: التأنيث، وتصغيره فهيرة، ووقع ههنا مذكرا «١» .
_________________
(١) فى المعجم الوسيط أنه يذكر ويؤنث، وهو- كما فى القاموس- الحجر قدر ما يدق به الجوز، أو ما يملأ الكف، ويرى الخشنى فى شرح السيرة أنه يذكر ويؤنث، واسم امرأة أبى لهب: أروى. ويقول المصعب فى نسب قريش أن أبا لهب كان يكنى بأسماء بنيه كلهم وهم عتبة ومعتب وعتيبة، وكنى بأبى لهب لإشراق وجهه، وكل أولاده من أم جميل التى يقول فيها الأحوص الشاعر الأنصارى: كل الحبال حبال الناس من شعر وحبلها وسط أهل النار من مسد وقال ابن كثير: «وكانت عونا لزوجها على كفره وجحوده وعناده: فلهذا تكون يوم القيامة عونا عليه فى عذابه فى نار جهنم» . وعن مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والثورى والسدى- واختاره ابن جرير- أنها كانت تمشى بالتميمة، وقال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة فاخرة. فقالت: لأنفقتها فى عداوة محمد- يعنى، فأعقبها الله منها حبلا فى جيدها من مسد النار، وقيل: إنها كانت عوراء وقد روى حديث مجيئها إلى رسول الله وأبى بكر وعدم رؤيتها للنبى «ص» البزار بسنده عن ابن عباس، وروى قريبا منه ابن أبى حاتم بسنده عن أسماء. وقد تحقق ما أخبر به الله. فلم يؤمن أبو لهب وامرأته. وأبيات شعرها: «مذمما الخ» مروة فى كتب أخرى مختلفة الترتيب عما هنا وأخرج ابن أبى حاتم عن عثمان وابن عمر قالا: ما زلنا نسمع أن ويل لكل همزة نزلت فى أبى بن خلف، وأخرج عن السدى أنها نزلت فى الأخنس بن شريق، وأخرج ابن جرير عن-
[ ٣ / ٣١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَوْلَ قَوْلِهِمْ: مُذَمّمٌ وَحَدِيثُ خَبّابٍ:
وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ ﷺ: «أَلَا تَرَوْنَ إلَى مَا يَدْفَعُ اللهُ عَنّي مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ، يَشْتُمُونَ وَيَهْجُونَ مُذَمّمًا وَأَنَا مُحَمّدٌ؟!، وَأَدْخَلَ النّسَوِيّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ الطّلَاقِ فِي بَابِ: «مَنْ طَلّقَ بِكَلَامِ لَا يُشْبِهُ الطّلَاقَ، فَإِنّهُ غَيْرُ لَازِمٍ» وَهُوَ فِقْهٌ حَسَنٌ لِقَوْلِ النّبِيّﷺ: أَلَا تَرَوْنَ إلَى مَا يَدْفَعُ اللهُ عَنّي، فَجَعَلَ أَذَاهُمْ مَصْرُوفًا عَنْهُ، لِمَا سَبّوا مُذَمّمًا، وَمُذَمّمًا لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ اسْمًا لَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لَهَا: كُلِي وَاشْرَبِي، وَأَرَادَ بِهِ الطّلَاقَ لَمْ يَلْزَمْهُ. وَكَانَ مَصْرُوفًا عَنْهُ؛ لِأَنّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عَبّارَةً عَنْ الطّلَاقِ.
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ خَبّابٍ «١» مَعَ العاصى بْنِ وَائِلٍ، وَمَا أَنَزَلَ اللهُ فِيهِ مِنْ قوله: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقَدْ تَقَدّمَ الْكَلَامُ عَلَى: أَرَأَيْت، وَأَنّهُ لَا يجوز أن يليها الاستفهام، كما بلى: علمت ونحوها، وهى ههنا: عَامِلَةٌ فِي الّذِي كَفَرَ، وَقَدْ قَدّمْنَا مِنْ القول فيها ما يغنى عن إعادته ههنا، فَلْيُنْظَرْ فِي سُورَةِ: اقْرَأْ، وَحَدِيثِ نُزُولِهَا
سَدّ الذّرَائِعِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ أَبِي جَهْلٍ لَتَكُفّنّ عَنْ سَبّ آلِهَتِنَا أَوْ لَنَسُبّنّ إلَهَك، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى «٢» وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ
_________________
(١) - رجل من أهل الرقة أنها نزلت فى جميل بن عامر الجمحى، وقد روى ابن المنذر عن ابن إسحاق أنها فى حق أمية كما فى السيرة.
(٢) حديث خباب أخرجه الشيخان والترمذى وأحمد.
(٣) نسب إلى على بن أبى طالب أنه روى عن ابن عباس أن الذى اقترف-
[ ٣ / ٣١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ «الْأَنْعَامُ: ١٠٨» الْآيَةَ. وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيّة فِي إثْبَاتِ الذّرَائِعِ وَمُرَاعَاتِهَا فِي الْبُيُوعِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَذَلِكَ أَنّ سَبّ آلِهَتِهِمْ كَانَ مِنْ الدّينِ، فَلَمّا كَانَ سَبَبًا إلَى سَبّهِمْ الْبَارِيَ- سُبْحَانَهُ- نَهَى عَنْ سَبّ آلِهَتِهِمْ، فَكَذَلِكَ مَا يَخَافُ مِنْهُ الذّرِيعَةَ إلَى الرّبَا، يَنْبَغِي الزّجْرُ عَنْهُ، وَمِنْ الذّرَائِعِ مَا يَقْرُبُ مِنْ الْحَرَامِ، وَمِنْهَا مَا يَبْعُدُ فَتَقَعُ الرّخْصَةُ وَالتّشْدِيدُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجْعَلْ الشّافِعِيّ الذّرِيعَةَ إلَى الْحَرَامِ أَصْلًا، وَلَا كَرِهَ شَيْئًا مِنْ الْبُيُوعِ الّتِي تُتّقَى فِيهَا الذّرِيعَةُ إلَى الرّبَا، وَقَالَ: تُهْمَةُ الْمُسْلِمِ وَسُوءُ الظّنّ بِهِ حَرَامٌ، وَمِنْ حُجّتِهِمْ: قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ: إنّمَا الرّبَا عَلَى مَنْ قَصَدَ الرّبَا، وَقَوْلُ النّبِيّ ﵇: «إنّمَا الْأَعْمَالُ بِالنّيّاتِ، وَإِنّمَا لِكُلّ امْرِئِ مَا نَوَى «١»» فِيهِ أَيْضًا مُتَعَلّقٌ لَهُمْ، وَقَالُوا: وَنَهْيُهُ تَعَالَى عَنْ سَبّ آلِهَتِهِمْ، لِئَلّا يُسَبّ اللهُ تَعَالَى لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهِ لِمُؤْمِنِ وَلَا تَضْيِيقَ عَلَيْهِ، وَكَمَا تُتّقَى الذّرِيعَةُ
_________________
(١) - هذا إنما هم جماعة من المشركين لا أبو جهل وحده. وذكر عبد الرازق أن المسلمين هم الذين كانوا يسبون أصنام الكفار. فيسب الكفار الله عدوا. والاية تفيد ذلك
(٢) زعم البعض أن هذا الحديث متواتر. وهذا خطأ إذ لم يروه عن النبى «ص» إلا عمر. ولم يروه عن عمر إلا علقمة، ولم يروه عن علقمة إلا محمد ابن إبراهيم ولم يروه عنه الا يحيى بن سعيد الأنصارى، وعنه انتشر. فقيل رواه عنه أكثر من مائتى راو. وقيل: سبعمائة. من أعيانهم: مالك والثورى والأوزاعى والليث بن سعد وغيرهم. وقد روى هذا الحديث البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة وأحمد والدار قطنى وابن حبان والبيهقى، ولم يخرجه مالك فى الموطأ. ولكن ابن منده يزعم أن أكثر من صحابى رواه غير أنه اتفق على أنه لا يصح مسندا إلا من رواية عمر.
[ ٣ / ٣١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلَى تَحْلِيلِ مَا حَرّمَ اللهُ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُتّقَى تَحْرِيمُ مَا أَحَلّ اللهُ، فَكِلَا الطّرَفَيْنِ ذَمِيمٌ، وَأَحَلّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرّمَ الرّبَا، وَالرّبَا مَعْلُومٌ، فَمَا لَيْسَ مِنْ الرّبَا فَهُوَ مِنْ الْبَيْعِ، وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلطّائِفَتَيْنِ، وَالِاحْتِجَاجُ لِلْفَرِيقَيْنِ يَتّسِعُ مِجَالُهُ وَيَصُدّنَا عَنْ مَقْصُودِنَا من الكتاب «١» .
_________________
(١) فصل الإمام ابن تيمية القول تفصيلا فى هذه المسألة فى كتابه القيم «إقامة الدليل على إبطال التحليل» المطبوع مع مجموعة فتاويه فقال: «إن الله سبحانه ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها، ونهى عنها. والذريعة: ما كان وسيلة وطريقا إلى الشىء، لكن صارت فى عرف الفقهاء عبارة عما أفضت إلى فعل محرم، ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن فيها مفسدة؛ ولهذا قيل: الذريعة: الفعل الذى ظاهره أنه مباح، وهو وسيلة إلى فعل المحرم، أما إذا أفضت إلى فساد ليس هو فعلا كإفضاء شرب الخمر إلى السكر، وإفضاء الزنا إلى اختلاط المياه. أو كان الشىء نفسه فسادا كالقتل والظلم فهذا ليس من هذا الباب، فإنا نعلم أنما حرمت الأشياء لكونها فى نفسها فسادا بحيث تكون ضررا لا منفعة فيه، أو لكونها مفضية إلى فساد بحيث تكون هى فى نفسها فيها منفعة، وهى مفضية إلى ضرر أكثر منه، فتحرم فان كان ذلك الفساد فعل محظور سميت: ذريعة، وإلا سميت سببا ومقتضيا، ونحو ذلك من الأسماء المشهورة. ثم هذه الذرائع إذا كانت تقضى إلى المحرم غالبا، فإنه يحرمها مطلقا، وكذلك إن كانت قد تفضى، وقد لا تفضى، لكن الطبع متقاض لإفضائها، وأما إن كانت إنما تفضى أحيانا، فان لم يكن فيها مصلحة راجحة على هذا الإفضاء القليل، وإلا حرمها أيضا، ثم هذه الذرائع منها ما يفضى إلى المكروه بدون قصد فاعلها، ومنها ما تكون إباحتها مغضبة للتوسل بها الى المحارم، فهذا القسم الثانى يجامع الحيل بحيث قد يقترن به الاحتيال تارة، وقد لا يقترن، كما أن-
[ ٣ / ٣١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَنْ النّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ وَرُسْتُم:
فَصْلٌ: حَدِيثُ النّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ، وَقَالَ فِي نَسَبَهُ: كَلَدَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ النّسّابِ يَقُولُ: عَلْقَمَةُ بْنُ كَلَدَةَ «١»، وَكَذَلِكَ أَلْفَيْته فِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الشيخ
_________________
(١) - الحيل قد تكون بالذرائع، وقد تكون بأسباب مباحة فى الأصل ليست ذرائع، فصارت الأقسام ثلاثة: الأول: ما هو ذريعة وهو مما يحتال به كالجمع بين البيع والسلف، وكاشتراء البائع السلعة من مشتريها بأقل من الثمن تارة، وبأكثر أخرى. الثانى: ما هو ذريعة لا يحتال بها كسب الأوثان. فانه ذريعة إلى سب الله تعالى، وكذلك سب الرجل والد غيره فإنه ذريعة إلى أن يسب والده، وإن كان هذان لا يقصدهما مؤمن. الثالث: ما يحال به من المباحات فى الأصل كبيع النصاب فى أثناء الحول فرارا من الزكاة، وكإغلاء الثمن لإسقاط الشفعة. والغرض هنا أن الذرائع حرمها الشارع، وإن لم يقصد بها المحرم خشية إفضائها إلى المحرم، فاذا قصد بالشىء نفس المحرم كان أولى بالتحريم من الذرائع. وللشريعة أسرار فى سد الفساد، وجسم مادة الشر لعلم الشارع بما جبلت عليه النفوس، وبما يخفى على الناس من خفى هداها الذى لا يزال يسرى فيها حتى يقودها إلى الهلكة. فمن تحذلق على الشارع، واعتقد فى بعض المحرمات أنه إنما حرم لعلة كذا، وتلك العلة مقصودة. فاستباحه بهذا التأويل. فهو ظلوم لنفسه، جهول بأمر ربه، وهو إن نجا من الكفر، لم ينج غالبا من بدعة أو فسق أو قلة فقيه فى الدين، وعدم بصيرة أما شواهد هذه القاعدة فأكثر من أن تحصر، فنذكر منها ما حضر» ثم أتى الإمام بثلاثين شاهدا أو دليلا على هذا استغرقت ست صفحات. فانظرها فى كتابه ص ٢٥٦ وما بعدها. ح ٣ الفتاوى الكبرى لأبى العباس تقى الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرانى نشر دار الكتب الحديثة.
(٢) ورد نسبه هكذا فى نسب قريش فى ص ٢٥٥.
[ ٣ / ٣١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَبِي بَحْرٍ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، وَحَدِيثُ النّضْرِ: أنه تعلم أخبار رستم واسبندياذ، وَكَانَ يَقُولُ: اكْتَتَبْتهَا كَمَا اكْتَتَبَهَا مُحَمّدٌ، وَوَقَعَ فِي الْأَصْلِ: اكْتَتَبَهَا كَمَا اكْتَتَبَهَا مُحَمّدٌ، وَفِي الرواية الأخرى عن أبى الوليد: اكتتبها «١» كَمَا اكْتَتَبَهَا، وَرُسْتُم الشّيْد «٢» بِالْفَارِسِيّةِ مَعْنَاهُ: ذُو الضّيَاءِ، وَالْيَاءُ فِي الشّيْد وَالْأَلِفُ سَوَاءٌ، وَمِنْهُ «أرفخشاذ» وَقَدْ تَقَدّمَ شَرْحُهُ، وَمِنْهُ «جَمّ شَاذّ»، وَهُوَ مِنْ أَوّلِ مُلُوكِ «الْأَرْضِ، وَهُوَ الّذِي قَتَلَهُ الضّحّاكُ «بيوراسب»، ثُمّ عَاشَ إلَى مُدّةِ «أفريذون وَأَبِيهِ جَمّ»، وَبَيْنَ «أفريذون» وَبَيْنَ «جَمّ» تِسْعَة آبَاءٍ، وَقَالَ لَهُ حِينَ قَتَلَهُ: مَا قَتَلْتُك بِجَمّ، وَمَا أَنْتَ لَهُ بِكُفْءِ، وَلَكِنْ قَتَلْتُك بِثَوْرِ كَانَ فِي دَارِهِ، وَقَدْ تَقَدّمَ طرف من أخبار رستم واسبندياذ فِي الْجُزْءِ قَبْلَ هَذَا.
حَدِيثُ ابْنِ الزّبَعْرَى وعزيز:
وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ الزّبَعْرَى، وَقَوْلُهُ: إنّا نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ، وَأَنّ النّصَارَى تَعْبُدُ الْمَسِيحَ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ، وَمَا أَنَزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى الْآيَةَ قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَلَوْ تَأَمّلَ ابْنُ الزّبَعْرَى وَغَيْرُهُ مِنْ كُفّارِ قُرَيْشٍ الْآيَةَ لَرَأَى اعْتِرَاضَهُ غير لازم من وجهين:
_________________
(١) فى السيرة التى معى: رواية أبى الوليد.
(٢) فى السيرة: الشديد. هذا ويذكر ابن جرير أن النبى «ص» قتل عقبة بن أبى معيط، وطعمة بن عدى والنضر بن الحارث يوم بدر صبرا، وأن المقداد هو الذى أسر النضر، فلما أمر الرسول بقتله، قال المقداد: يا رسول الله أسيرى، فقال رسول الله «ص» إنه كان يقول فى كتاب الله ما يقول. هذا والمحضا: ما تحرك به النار، واحتضأ النار: ألهبها وسعرها.
[ ٣ / ٣١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَحَدُهُمَا: أَنّهُ خِطَابٌ مُتَوَجّهٌ عَلَى الْخُصُوصِ لِقُرَيْشِ وَعَبَدَةِ الْأَصْنَامِ، وَقَوْلُهُ إنّا نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ حَيْدَةً، وَإِنّمَا وَقَعَ الْكَلَامُ والمحاجة في اللات وَالْعُزّى وَهُبَلَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَامِهِمْ.
وَالثّانِي: أَنّ لفظ التلاوة: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ وَلَمْ يَقُلْ: وَمَنْ تَعْبُدُونَ، فَكَيْفَ يَلْزَمُ اعْتِرَاضُهُ بِالْمَسِيحِ وَعُزَيْرٍ وَالْمَلَائِكَةِ وَهُمْ يَعْقِلُونَ، وَالْأَصْنَامُ لَا تَعْقِلُ، وَمِنْ ثُمّ جَاءَتْ الْآيَةُ بِلَفْظِ: مَا الْوَاقِعَةِ عَلَى مَا لَا يَعْقِلُ، وَإِنّمَا تَقَعُ مَا عَلَى مَا يَعْقِلُ، وَتُعْلَمُ بِقَرِينَةِ مِنْ التّعْظِيمِ وَالْإِبْهَامِ، وَلَعَلّنَا نَشْرَحُهَا وَنُبَيّنُهَا فِيمَا بَعْدُ إنّ قُدّرَ لَنَا ذَلِكَ، وَسَبَبُ عِبَادَةِ النّصَارَى للمسيح معروف، وأما عبادة اليهود عزيزا، وَقَوْلُهُمْ فِيهِ: إنّهُ ابْنُ اللهِ ﷾ عَنْ قَوْلِهِمْ، وَسَبَبُهُ فِيمَا ذَكَرَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ الْكَشّيّ، أَنّ التّوْرَاةَ لَمّا احْتَرَقَتْ أَيّامَ بُخْتَ نَصّرَ «١»، وَذَهَبَ بِذَهَابِهَا دِينُ الْيَهُودِ، فَلَمّا ثَابَ إلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ وَجُدُوا لِفَقْدِهَا أَعْظَمَ الْكَرْبِ، فبينما عزيز يَبْكِي لِفَقْدِ التّوْرَاةِ، إذْ مَرّ بِامْرَأَةِ جَاثِمَةٍ عَلَى قَبْرٍ قَدْ نَشَرَتْ شَعْرَهَا، فَقَالَ لَهَا عُزَيْرٌ: مَنْ أَنْتِ؟ قَالَتْ: أَنَا إيلْيَا أُمّ الْقُرَى أَبْكِي عَلَى وَلَدِي، وَأَنْتَ تَبْكِي عَلَى كِتَابِك، وَقَالَتْ لَهُ: إذَا كَانَ غَدًا، فَأْتِ هَذَا الْمَكَانَ، فَلَمّا أَنْ جَاءَ مِنْ الْغَدِ لِلسّاعَةِ الّتِي وَعَدَتْهُ، إذَا هُوَ بِإِنْسَانِ خَارِجٍ من الأرض فى يده كهيئة
_________________
(١) ضبط كتاب أدب الكاتب لابن قتيبة بخت نصر فتح الباء وضم التاء. والمعروف المشهور ما ضبطه به، يقول شهاب الدين أحمد الخفاجى فى شفاء الغليل عن بختنصر إنه بضم الباء، واسمه معرب مركب كحضر موت أو بعليك نص عليه سيبويه. وهو عند ابن السيد معرب بوخت بمعنى: ابن، ونصر: اسم صنم وجد عنده، وسمى به إذ لم يعرف له أب.
[ ٣ / ٣١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْقَارُورَةِ، فِيهَا نُورٌ، فَقَالَ لَهُ: افْتَحْ فَاك، فَأَلْقَاهَا فِي جَوْفِهِ، فَكَتَبَ عُزَيْرٌ التّوْرَاةَ- كَمَا أنزلها الله، ثم قدر على التوراة بعد ما كَانَتْ دُفِنَتْ أَنْ ظَهَرَتْ، فَعُرِضَتْ التّوْرَاةُ، وَمَا كَانَ عُزَيْرٌ كَتَبَ، فَوَجَدُوهُ سَوَاءَ، فَمِنْهَا قَالُوا: إنّهُ وَلَدُ اللهِ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ «١» .
حَصَبُ جَهَنّمَ:
وَقَوْلُهُ حَصَبُ جَهَنّمَ، هُوَ مِنْ بَابِ الْقَبْضِ وَالنّفْضِ «٢» وَالْحَصْبُ بِسُكُونِ الصّادِ كَالْقَبْضِ وَالنّفْضِ، وَمِنْهُ الْحَاصِبُ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا وَيُرْوَى: حَضَبُ جَهَنّمَ بِضَادِ مُعْجَمَةٍ فِي شَوَاذّ القراآت، وَهُوَ مِنْ حَضَبَتْ النّارُ «٣» بِمَنْزِلَةِ حَضَأْتهَا، يُقَالُ: أرّثتها وأثقبتها وحششتها وأذكيتها وفسر ابن إسحق قَوْلَهُ: يَصُدّونِ، وَمَنْ قَرَأَ: يَصِدّونَ فَمَعْنَاهُ: يَعْجَبُونَ «٤» .
_________________
(١) لا شك فى أنها فرية يهودية. فعزرا الكاهن اليهودى الأكبر هو الذى عبث بالتوراة أيام الأسر، ودس فيها ما دس بعد أن أحرقت، وراح هو يمليها من حفظه وهواه. وذلك بشهادة كبار مؤرخى الغرب مثل «ول. ديورانت»
(٢) يعنى أنه فعل «بفتح الفاء والعين» بمعنى مفعول، فالنفض بمعنى منفوض وحصب وقبض كذلك. يقول الأزهرى: «الحصب: الحطب الذى يلقى فى تنور أو فى وقرد. أما ما دام غير مستعمل للسجور، فلا يسمى حصبا»
(٣) فى اللسان: الحضب: الحطب فى لغة اليمن، وقيل: هو كل ما ألقى فى النار من حطب وغيره، يهيجها به، وحضب النار يحضبها: رفعها. وقال الكسائى حضبت النار إذا خبت، فألقيت عليها الحطب، لتقد، والمحضب: المسعر، وهو عود تحرك به النار.
(٤) قراءة المصحف بكسر الصاد أى يصيحون فرحا. وقرأ نافع وابن عامر والكسائى بضم الصاد وهو من الصدود أى عن الحق، وقيل: هما لغتان مثل يعكف ويعكف بكسر عين الفعل وضمها، وقد أخرج حديث ابن الزبعرى-
[ ٣ / ٣١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَا نَزَلَ فِي الْأَخْنَسِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ مَا أَنَزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ- وَاسْمُهُ: أُبَيّ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ وَقَدْ قِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَقَدْ قِيلَ: فِي الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ الزّهْرِيّ، وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ لَهُ زَنَمَتَانِ كَزَنَمَتَيْ الشّاةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ «١» . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنّهُ قال: الزنيم الذى زنمتان من الشر يُعْرَفُ بِهَا، كَمَا تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِهَا، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَيْضًا مِثْلُ مَا قَالَ ابن إسحق أَنّ الزّنِيمَ الْمُلْصَقُ بِالْقَوْمِ، وَلَيْسَ مِنْهُمْ، قَالَ ذلك بن الأزرق الحرورى «٢»، وقال: أما سمعت قول
_________________
(١) - ابن مردويه. وعند ابن أبى حاتم أنها نزلت لما قال المشركون: فالملائكة وعزيز وعيسى يعبدون، وروى الإمام أحمد بسنده عن ابن عباس فى سبب نزول: «ولما ضرب ابن مريم مثلا» أنه قال أن رسول الله ﷺ: يا معشر قريش إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير. وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى بن مريم: عليهما الصلاة والسلام. وما تقول فى محمدﷺ- فَقَالُوا: يَا مُحَمّدُ. ألست تزعم أن عيسى ﵊ كان نبيا وعبدا من عباد الله صالحا، فان كنت صادقا كان آلهتهم كما يقولون قال: فأنزل الله ﷿: «ولما ضرب ابن مريم مثلا»، الاية. ورواه ابن أبى حاتم مع اختلاف يسير.
(٢) رواه البخارى فى باب التفسير: «له زنمة مثل الشاة» وأخرجه الحاكم بطريق أخرى نحوه
(٣) نسبة إلى حروراء موضع على ميلين من الكوفة. وكان أول اجتماع الخوارج به، فنسبوا إليه، منهم: عمران بن حطان وخلق كثير. وهذا النسب شاذ فان الاسم الذى آخره همزة بعد ألف للتأنيث، تقلب الهمزة فيه واوا، وشذ عن القاعدة عدة أسماء منها: صنعانى وبهرانى وروحانى، وجلولى وحرورى نسبة إلى صنعاء، وبهراء قبيلة من قضاعة، وروحاء موضع قرب المدينة وجلولاء وحروراء وهما موضعان بالعراق، وسيأتى
[ ٣ / ٣٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَسّانَ: زَنِيمٌ تَدَاعَاهُ الرّجَالُ «١» الْبَيْتَ، وَقَدْ أَنْشَدَ ابْنُ هِشَامٍ هَذَا الْبَيْتَ مُسْتَشْهِدًا بِهِ وَنَسَبَهُ لِلْخَطِيمِ التّمِيمِيّ، وَالْأَعْرَف أَنّهُ لِحَسّانَ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ «٢»، وَأَمّا الْعُتُلّ فَهُوَ الْغَلِيظُ الْجَافِي مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ [إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ] الدّخَانُ: ٤٧. وَقَالَ ﵇: «أَنَا أُنَبّئُكُمْ بِأَهْلِ النّارِ:
كُلّ عُتُلّ جَوّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ جَمّاعٍ منّاع» «٣» .
_________________
(١) قال أبو عبيدة: الزنيم المعلق فى القوم ليس منهم، قال الشاعر: زنيم ليس يعرف من أبوه. وقال حسان: وأنت زنيم ليط فى آل هاشم. قال: ويقال للتيس: زنيم له زنمتان ص ٥٣٨ ح ٨ فتح البارى. ومعنى حديث البخارى أن الرجل كان مشهورا بالسوء كشهرة الشاة ذات الزنمة من بين أخواتها. وبقية بيت حسان: «كما نيط خلف الراكب القدح الفرد» وبقية بيت: «زنيم ليس يعرف» يغى الأم ذو حسب لئيم.
(٢) روى ابن أبى حاتم بسنده عن ابن عباس فى قوله زنيم: قال: الدعى الفاحش اللئيم، ثم قال ابن عباس: «زنيم تداعاه الرجال» البيت. ويقول ابن كثير قولا جامعا، «والأقوال فى هذا- أى فى معنى زنيم- كثيرة وترجع إلى ما قلناه، وهو أن الزنيم هو المشهور بالشر الذى يعرف به من بين الناس، وغالبا يكون دعيا ولد زنا، فإنه فى الغالب يتسلط الشيطان عليه، ما لا يتسلط على غيره» والزنمة: شىء يكون للمعز فى آذانها كالقرط، وهى أيضا شىء يقطع من أذن العير ويترك معلقا.
(٣) فى رواية أحمد عن وكيع: «ألا أنبئكم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر» وقال وكيع: «كل جواظ جعظرى مستكبر» أخرجاه فى الصحيحين وبقية الجماعة إلا أبا داود من حديث سفيان الثورى وشعبة، كلاهما عن سعيد ابن خالد به، ورواه أحمد بسند تفرد به عن عمرو بن العاص أن النبى «ص» قال عند ذكر أهل النار: «كل جعظرى جواظ مستكبر جماع مناع» ورواه بسند
[ ٣ / ٣٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُلْ يَا أَيّهَا الْكَافِرُونَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَهُمْ الّذِي أَنَزَلَ اللهُ فِيهِ: قُلْ: يَا أَيُّهَا الْكافِرُونَ إلَى آخِرِهَا فَقَالَ: لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ أَيْ: فِي الْحَالِ: وَلا أَنا عابِدٌ مَا عَبَدْتُّمْ أَيْ: فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَكَذَلِكَ: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَقُولُ لَهُمْ: وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَهُمْ قَدْ قَالُوا: هَلُمّ فَلْنَعْبُدْ رَبّك، وَتَعْبُدُ رَبّنَا، كَيْفَ نَفَى عَنْهُمْ مَا أَرَادُوا وَعَزَمُوا عَلَيْهِ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
_________________
(١) آخر عن عبد الرحمن بن غنم: أن الرسول «ص» قال عن العتل الزنيم: «الشديد الخلق المصحح الأكول الشروب الواجد للطعام والشراب، الظلوم للناس رحيب الجوف» . الجعظرى بفتح الجيم وسكون العين وفتح الظاء وكسر الراء وتشديد الياء: الفظ الغليظ والجواظ بفتح الجيم وتشديد الواو: الضخم المختال والكثير الكلام والجلبة فى الشر. ويقول ابن كثير عما ذكر من سبب نزول: «ويوم بعض الظالم على يديه»: «وسواء أكان سبب نزولها فى عقبة أو غيره فإنها عامة فى كل ظالم، فكل ظالم يندم يوم القيامة غاية الندم، ويعض على يديه» وهو قول جميل، وقيل: إن العظيمين فيما جاء فى السيرة من سبب نزول: «لَوْلَا نُزّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ القريتين عظيم» إنهما الوليد بن المغيرة وكنانة بن عبد عمرو بن عمير الثقفى. وعن ابن عباس أنهم يعنون جبارا من جبابرة قريش. والقريتان هما: مكة والطائف. وجميل قول ابن كثير: «والظاهر أن مرادهم رجل كبير من أى البلدتين كان» وجميل منه أيضا أن يقول عن سبب نزول: «وضرب لنا مثلا ونسى خلقه» «هى عامة فى كل من أنكر البعث واللام والألف فى الإنسان للجنس يعم كل منكر للبعث» فقد اختلف فى شأن سبب نزولها فابن أبى حاتم ينسب القصة إلى العاصى بن وائل، وذكر ابن جرير من بين ما ذكر أنه عبد الله ابن أبى، غير أن هذا منكر؛ لأن ابن أبى مدنى والاية مكية
[ ٣ / ٣٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَحَدُهُمَا: أَنّهُ عَلِمَ أَنّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ، فَأَخْبَرَ بِمَا عَلِمَ. الثّانِي: أَنّهُمْ لَوْ عَبَدُوهُ عَلَى الْوَجْهِ الّذِي قَالُوهُ مَا كَانَتْ عِبَادَةً، وَلَا يُسَمّى عَابِدًا لِلّهِ مَنْ عَبَدَهُ سَنَةً، وَعَبَدَ غَيْرَهُ أُخْرَى، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ وَلَمْ يَقُلْ: مَنْ أَعْبُدُ، وَقَدْ قَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيّةِ: إنّ مَا تَقَعُ عَلَى مَا لَا يَعْقِلُ، فَكَيْفَ عَبّرَ بِهَا عَنْ الْبَارِي تَعَالَى؟
فَالْجَوَابُ: أَنّا قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا قَبْلُ أَنّ مَا قَدْ تَقَعُ عَلَى مَنْ يَعْقِلُ بِقَرِينَةِ، فَهَذَا أَوَانُ ذِكْرِهَا، وَتِلْكَ الْقَرِينَةُ: الْإِبْهَامُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي التّعْظِيمِ وَالتّفْخِيمِ، وَهِيَ فِي مَعْنَى الْإِبْهَامِ «١» لِأَنّ مَنْ جَلّتْ عَظَمَتُهُ، حَتّى خَرَجَتْ عَنْ الْحَصْرِ، وَعَجَزَتْ الْأَفْهَامُ عَنْ كُنْهُ ذَاتِهِ، وَجَبَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ: هُوَ مَا هُوَ كَقَوْلِ الْعَرَبِ: سُبْحَانَ مَا سَبّحَ الرّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَمِنْهُ قوله: وَالسَّماءِ وَما بَناها «٢» فَلَيْسَ كَوْنُهُ عَالِمًا مِمّا يُوجِبُ لَهُ مِنْ التّعْظِيمِ مَا يُوجِبُ لَهُ أَنّهُ بَنَى السّمَوَاتِ، ودحا الأرض، فكان المعنى: إنه
_________________
(١) ما: اسم مبهم غاية الإبهام حتى إنها تقع على كل شىء، وتقع على ما ليس بشىء. فيجوز أن تقول: إن الله يعلم ما كان، وما لم يكن
(٢) ويقول ابن القيم عن هذا: «لأن القسم تعظيم للمقسم به، واستحقاقه للتعظيم من حيث ما أظهر هذا الخلق العظيم الذى هو السماء. ومن حيث سواها وزينها بحكمته فاستحق التعظيم. وثبت قدرته، فلو قال: ومن بناها لم يكن فى اللفظ دليل على استحقاقه القسم من حيث اقتدر على بنائها، ولكان المعنى مقصورا على ذاته ونفسه، دون الإيماء إلى أفعاله الدالة على عظمته المبئة عن حكمته، المفصحة باستحقاقه للتعظيم من خليقته، وكذلك قولهم: سبحان ما يسبح الرعد بحمده، لأن الرعد صوت عظيم من جرم عظيم، والمسبح به لا محالة أعظم، فاستحقاقه للتسبيح من حيث يستحقه العظيمات من خلقه، لا من حيث كان يعلم، ولا تقل يعقل فى هذا الموضع» .
[ ٣ / ٣٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شَيْئًا بَنَاهَا لَعَظِيمٌ، أَوْ مَا أَعْظَمَهُ مِنْ شَيْءٍ! فَلَفْظُ مَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يُؤْذِنُ بِالتّعَجّبِ مِنْ عَظَمَتِهِ كَائِنًا مَا كَانَ هَذَا الْفَاعِلُ لِهَذَا، فَمَا أَعْظَمَهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي قِصّةِ آدَم: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ «١» وَلَمْ يَقُلْ: لِمَنْ خَلَقْت، وَهُوَ يَعْقِلُ، لِأَنّ السّجُودَ لَمْ يَجِبْ لَهُ مِنْ حَيْثُ كَانَ يَعْقِلُ، وَلَا مِنْ حَيْثُ كَانَ لَا يَعْقِلُ، وَلَكِنْ مِنْ حَيْثُ أُمِرُوا بِالسّجُودِ لَهُ، فَكَائِنًا مَا كَانَ ذَلِكَ الْمَخْلُوقُ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ مَا أُمِرُوا بِهِ، فَمِنْ هَاهُنَا حَسُنَتْ مَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لَا مِنْ جِهَةِ التّعْظِيمِ لَهُ، وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ مَا يَقْتَضِيهِ الْأَمْرُ مِنْ السّجُودِ لَهُ، فَكَائِنًا مَنْ كَانَ، وَأَمّا قوله تعالى: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ فَوَاقِعَةٌ عَلَى مَا لَا يَعْقِلُ؛ لِأَنّهُمْ كَانُوا
_________________
(١) ويقول ابن القيم عن استعمال ما فى الاية: «هذا كلام؟؟؟ فى معرض التوبيخ والتبكيت للعين على امتناعه عن السجود، ولم يستحق هذا التبكيت والتوبيخ حيث كان السجود لمن يعقل، ولكن للمعصية والتكبر على ما لم يخلقه؛ إذ لا ينبغى التكبر لمخلوق على مثله، إنما التكبر للخالق وحده، فكأنه يقول سبحانه: لم عصيتنى وتكبرت على ما لم تخلقه، وخلقته أنا. وشرفته، وأمرتك بالسجود له؟ فهذا موضع ما؛ لأن معناها أبلغ ولفظها أعم، وهو فى الحجة أوقع، وللعذر والشبهة أقطع، فلو قال: ما منعك أن تسجد لمن خلقت، لكان استفهاما مجردا من توبيخ وتبكيت، ولتوهم أنه وجب السجود لله من حيث كان يعقل ولعلة موجودة فى ذاته وعينه، وليس المراد كذلك، وإنما المراد توبيخه وتبكيته على ترك سجوده لما خلق الله وأمره بالسجود له؛ ولهذا عدل عن اسم آدم العلم مع كونه أخص، وأتى بالاسم الموصول الدال على جهة التشريف المقتضية لإسجاده له وهو كونه خلقه بيديه، وأنت لو وضعت مكان ما لفظة من لما رأيت هذا المعنى المذكور فى الصلة، وأن ما جىء بها وصلة إلى ذكر الصلة، فلا معنى إذن للتعيين بالذكر؛ إذ لو أريد التعيين لكان بالاسم العلم أولى وأخرى.
[ ٣ / ٣٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، وَقَوْلُهُ: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ اقْتَضَاهَا الْإِبْهَامُ، وَتَعْظِيمُ الْمَعْبُودِ مَعَ أَنّ الْحِسّ مِنْهُمْ مَانِعٌ لَهُمْ أَنْ يَعْبُدُوا مَعْبُودَهُ كَائِنًا مَا كَانَ، فَحَسُنَتْ مَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِهَذِهِ الْوُجُوهِ، فَبِهَذِهِ الْقَرَائِنِ يَحْسُنُ وُقُوعُ مَا عَلَى أُولِي الْعِلْمِ «١» وَبَقِيَتْ نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ يَتَعَيّنُ التّنْبِيهُ عَلَيْهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ بِلَفْظِ الْمَاضِي، ثُمّ قَالَ: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ فِي الْآيَتَيْنِ جَمِيعًا، إذَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ: مَا أَعْبُدُ، وَلَمْ يَقُلْ: مَا عَبَدْت، وَالنّكْتَةُ فِي ذَلِكَ أَنّ مَا لِمَا فِيهَا مِنْ الْإِبْهَامِ- وَإِنْ كَانَتْ خَبَرِيّةً- تعطى معنى الشرط، فكأنه
_________________
(١) يعبر ابن القيم عن «ما» فى قوله: «لا أعبد ما تعبدون، ما على بابها، لأنها رافعة على معبوده «ص» على الإطلاق؛ لأن امتناعهم من عبادة الله ليس لذاته، بل كانوا يظنون أنهم يعبدون الله، ولكنهم كانوا جاهلين به، فقوله: «ولا أنتم عابدون ما أعبد» أى: لا أنتم تعبدون معبودى، ومعبوده هو «ص» كان عارفا به دونهم، وهم جاهلون به وقال بعضهم: إن ما هنا مصدرية لا موصولة. أى: لا تعبدون عبادتى، ويلزم من تنزيههم «لعلها تبرئته بدليل ما سيأتى» عن عبادته. تنزيههم «لعلها كالسابقة» عن المعبود، لأن العبادة متعلقة به، وليس هذا بشىء؛ إذ المقصود براءته من معبوديهم وإعلامه أنهم بريئون من معبوده تعالى، فالمقصود: المعبود لا العبادة، ثم قال «وعندى وجه: وهو أن المقصود هنا ذكر المعبود الموصوف بكونه أهلا للعبادة مستحقا لها، فأتى بما الدالة على هذا المعنى، كأنه قيل: ولا أنتم عابدون معبودى الموصوف بأنه المعبود الحق، ولو أتى بلفظة من لكانت إنما تدل على الذات فقط، ويكون ذكر الصلة تعريفا، لا أنه هو جهة العبادة، ففرق بين أن يكون كونه تعالى أهلا لأن يعبد تعريف محض، أو وصف مقتض لعبادته.. وهذا معنى قول محققى النحاة أن ما تأتى لصفات من يعلم ص ١٣٣ ح ١ بدائع الفوائد لابن القيم وما بعدها. وقد ذكر وجوها أخرى عظيمة أيضا
[ ٣ / ٣٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قَالَ: مَهْمَا عَبَدْتُمْ شَيْئًا، فَإِنّي لَا أَعْبُدُهُ، وَالشّرْطُ يُحَوّلُ الْمُسْتَقْبِلَ إلَى لَفْظِ الْمَاضِي، تَقُولُ: إذَا قَامَ زَيْدٌ غَدًا فَعَلْت كَذَا، وَإِنْ خَرَجَ زَيْدٌ غَدًا خَرَجْت، فَمَا: فِيهَا رَائِحَةُ الشّرْطِ مِنْ أَجْلِ إبْهَامِهَا؛ فَلِذَلِكَ جَاءَ الْفِعْلُ بَعْدَهَا بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَلَا يَدْخُلُ الشّرْطُ عَلَى فِعْلِ الْحَالِ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي أَوّلِ السّورَةِ: مَا تَعْبُدُونَ؛ لِأَنّهُ حَالٌ لِأَنّ رَائِحَةَ الشّرْطِ مَعْدُومَةٌ فِيهَا مَعَ الْحَالِ، وَكَذَلِكَ رَائِحَةُ الشّرْطِ مَعْدُومَةٌ فِي قَوْلِهِ: عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ؛ لِأَنّهُ﵇- يَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَحَوّلَ عَنْ عِبَادَةِ رَبّهِ؛ لِأَنّهُ مَعْصُومٌ، فَلَمْ يَسْتَقِمْ تَقْدِيرُهُ بِمَهْمَا، كَمَا اسْتَقَامَ ذَلِكَ فِي حَقّهِمْ؛ لِأَنّهُمْ فِي قَبْضَةِ الشّيْطَانِ يَقُودُهُمْ بِأَهْوَائِهِمْ؛ فَجَائِزٌ أَنْ يَعْبُدُوا الْيَوْمَ شَيْئًا، وَيَعْبُدُوا غَدًا غَيْرَهُ، وَلَكِنْ مَهْمَا عَبَدُوا شَيْئًا، فَالرّسُولُ ﵇ لَا يَعْبُدُهُ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ: وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ فِي الْحَالِ وَفِي الْمَآلِ، لِمَا عَلِمَ مِنْ عِصْمَةِ اللهِ لَهُ، وَلِمَا عَلِمَ اللهُ مِنْ ثَبَاتِهِ عَلَى تَوْحِيدِهِ، فَلَا مَدْخَلَ لِمَعْنَى الشّرْطِ فِي حَقّهِ ﵇، وَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ الشّرْطُ فِي الْكَلَامِ بَقِيَ الْفِعْلُ الْمُسْتَقْبَلُ عَلَى لَفْظِهِ، كَمَا تَرَاهُ، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا اضْطَرَبُوا فِي إعْرَابِهَا وَتَقْدِيرُهَا لَمّا كَانَتْ مَنْ بِمَعْنَى الّذِي، وَجَاءَ بَكَانِ عَلَى لَفْظِ الْمَاضِي، وَفَهِمَهَا الزّجّاجُ، فَأَشَارَ إلَى أَنّ مَنْ فِيهَا طَرَفٌ مِنْ مَعْنَى الشّرْطِ؛ وَلِذَلِكَ جَاءَتْ كَانَ بلفظ المعنى بَعْدَهُ، فَصَارَ مَعْنَى الْكَلَامِ: مَنْ يَكُنْ صَبِيّا، فَكَيْفَ يُكَلّمُ؟! لَمّا أَشَارَتْ إلَى الصّبِيّ: أَنْ كَلّمُوهُ، وَلَوْ قَالُوا: كَيْفَ نُكَلّمُ مَنْ هُوَ فِي الْمَهْدِ الْآنَ لَكَانَ الْإِنْكَارُ وَالتّعَجّبُ مَخْصُوصًا بِهِ، فَلَمّا قَالُوا: كَيْفَ نُكَلّمُ مَنْ كَانَ، صَارَ الْكَلَامُ أَبْلَغَ فِي الِاحْتِجَاجِ لِلْعُمُومِ الدّاخِلِ فِيهِ. إلَى هَذَا الْغَرَضِ أَشَارَ أَبُو إسْحَاقَ، وَهُوَ الّذِي أَرَادَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا لَفْظَهُ، فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ الْعِبَارَاتِ،
[ ٣ / ٣٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَإِنّمَا الْمَقْصُودُ تَصْحِيحُ الْمَعَانِي الْمُتَلَقّاةِ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْإِشَارَاتِ «١» .
الزّقّومُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي جَهْلٍ حِينَ ذَكَرَ شَجَرَةَ الزّقّومِ «٢» يُقَالُ: إنّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ لَمْ تَكُنْ مِنْ لُغَةِ قُرَيْشٍ، وَأَنّ رَجُلًا أَخْبَرَهُ أَنّ أَهْلَ يَثْرِبَ: يَقُولُونَ تَزَقّمْتُ: إذَا أَكَلْت التّمْرَ بِالزّبْدِ، فَجَعَلَ بِجَهْلِهِ اسْمَ الزقوم من ذلك استهزاء، وقيل: إن لهذا الِاسْمَ أَصْلًا فِي لُغَةِ الْيَمَنِ، وَأَنّ الزّقّومَ عِنْدَهُمْ كُلّ مَا يُتَقَيّأُ مِنْهُ.
وَذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي النّبَاتِ: أَنّ شَجَرَةً بِالْيَمَنِ يُقَالُ لَهَا: الزّقّومُ، لَا وَرَقَ لَهَا وَفُرُوعُهَا أَشْبَهُ شىء برؤس الْحَيّاتِ، فَهِيَ كَرِيهَةُ الْمَنْظَرِ، وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ سلام
_________________
(١) أخذ ابن القيم ما قاله السهيلى وفصله بأسلوب أوضح فى بدائع الفوائد. ثم قال: «ان قيل: وكيف يكون فيها الشرط، وقد عمل فيها الفعل، ولا جواب لها، وهى موصولة، فما أبعد الشرط منها، قلنا: لم نقل: إنها شرط نفسها، ولكن فيها رائحة منه، وطرف من معناه لوقوعها على غير معين. وإبهامها فى المعبودات وعمومها، وأنت إذا ذقت معنى هذا الكلام وجدت معنى الشرط باديا على صفحاته، فإذا قلت لرجل ما تخالفه فى كل ما يفعل: أنا لا أفعل ما تفعل. ألست ترى معنى الشرط قائما فى كلامك وقصدك، وأن روح هذا الكلام: مهما فعلت من شىء فإنى لا أفعله» . ثم قال: «فإذا ثبت هذا فقد صحت الحكمة التى من أجلها جاء الفعل بلفظ الماضى من قوله: ولا أنا عابد ما عبدتم، بخلاف قوله: (ولا أنتم عابدون ما أعبد) لبعد ما فيها عن معنى الشرط تنبيها من الله على عصمة نبيه أن يكون له معبود سواء. وأ ينتقل فى المعبودات تنقل الكافرين» ص ١٣٦ ج ١ بدائع الفوائد. وقد استوفى القول فى بدائع السورة العظيمة بأسلوب بديع ﵀
(٢) يقول ابن كثير «لا شك فى دخوله- أى دخول أبى جهل- فى هذه الاية، ولكن ليست خاصة به»
[ ٣ / ٣٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْمَاوَرْدِيّ أَنّ شَجَرَةَ الزّقّومِ فِي الْبَابِ السّادِسِ مِنْ جَهَنّمَ أَعَاذَنَا اللهُ مِنْهَا، وَأَنّ أَهْلَ النّارِ يَنْحَدِرُونَ إلَيْهَا. قَالَ ابْنُ سَلّامٍ: وَهِيَ تَحْيَا بِاللهَبِ كَمَا تَحْيَا شَجَرَةُ الدّنْيَا بِالْمَطَرِ.
وقوله: الملعونة فى القرآن، أَيْ: الْمَلْعُونُ آكُلّهَا «١»، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ وَصْفٌ لَهَا كَمَا يُقَالُ: يَوْمٌ مَلْعُونٌ أَيْ مَشْئُومٌ.
حَدِيثُ ابْنِ أُمّ مَكْتُومٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ أُمّ مَكْتُومٍ، وَذَكَرَ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ، وَأُمّ مَكْتُومٍ: اسْمُهَا:
عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَنْكَثَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَخْزُومٍ «٢» .
وَذَكَرَ الرّجُلَ الّذِي كَانَ شَغَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وأنه الوليد ابن الْمُغِيرَةِ، وَقَدْ قِيلَ: كَانَ أُمَيّةَ بْنَ خَلَفٍ، وفى حديث الموطأ: عظيم من
_________________
(١) ذكر البخارى وأحمد أنها شجرة الزقوم، وقد زعم أعداء بنى أمية أن المقصود بالشجرة هم بنو أمية، وأتوا بحديث قال عنه ابن كثير: وهو غريب ضعيف. وقد ذكر عنها فى القرآن ما هو قرين اللعنة: «إنها شجرة تخرج فى أصل الجحيم. طلعها كأنه رموس الشياطين» الصافات ٦٤، ٦٥ (إِنّ شَجَرَةَ الزّقّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فى البطون كغلى الحميم) الدخان: ٤٣- ٤٦. حسبنا أنها وصفت بأنها ملعونة لنؤمن بأنها ملعونة، هى ومن ستكون هى طعامه.
(٢) فى نسب قريش عن أم مكتوم «تزوجها قيس بن زائدة بن الأصم ابن هدم بْنِ رَوَاحَةَ بْنِ حَجَرِ بْنِ عَبْدِ بْنِ مَعِيصِ بْنِ عَامِرٍ بن لؤى فولدت له عمرا، وهو الأعمى الذى ذكر الله ﵎، فقال: «عبس وتولى أن جاءه الأعمى» . وفى الإصابة وجهرة ابن حزم أنه كان ابن خال خديجة. انظر ص ٣٤٣ نسب قريش. وفى الجمهرة فى نسب أمه: عنكثه بن عائذ بن مخزوم وفى النسب: «عنكثة بن عامر» انظر ص ١٦٢ جمهرة ابن حزم
[ ٣ / ٣٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ «١»، وَلَمْ يُسَمّهِ، وَفِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى مِنْ الْفِقْهِ أَنْ لَا غِيبَةَ فِي ذِكْرِ الْإِنْسَانِ بِمَا ظَهَرَ فِي خِلْقَتِهِ مِنْ عَمًى أَوْ عَرَجٍ، إلّا أَنْ يَقْصِدَ بِهِ الِازْدِرَاءَ، فَيَلْحَقُ الْمَأْثَمُ بِهِ؛ لِأَنّهُ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِينَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ الْبَقَرَةُ: ٦٧. وَفِي ذِكْرِهِ إيّاهُ بِالْعَمَى مِنْ الْحِكْمَةِ وَالْإِشَارَةِ اللّطِيفَةِ التّنْبِيهُ عَلَى مَوْضِعِ الْعَتَبِ؛ لِأَنّهُ قَالَ:
أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى فَذَكَرَ الْمَجِيءَ مَعَ الْعَمَى، وَذَلِكَ ينبىء عَنْ تَجَشّمِ كُلْفَةٍ وَمَنْ تَجَشّمَ الْقَصْدَ إلَيْك عَلَى ضَعْفِهِ، فَحَقّك الْإِقْبَالُ عَلَيْهِ، لَا الْإِعْرَاضُ عَنْهُ، فَإِذَا كَانَ النّبِيّﷺ- مَعْتُوبًا عَلَى تَوَلّيهِ عَنْ الْأَعْمَى، فَغَيْرُهُ أَحَقّ بِالْعَتَبِ، مَعَ أَنّهُ لَمْ يَكُنْ آمَنَ بَعْدُ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى الْآيَةَ وَلَوْ كَانَ قَدْ صَحّ إيمَانُهُ، وَعُلِمَ ذَلِكَ مِنْهُ لَمْ يَعْرِضْ عَنْهُ رَسُولُ اللهِﷺ- وَلَوْ أَعَرَضَ لَكَانَ الْعَتَبُ أَشَدّ، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْبِرَ عَنْهُ، وَيُسَمّيهِ بِالِاسْمِ الْمُشْتَقّ مِنْ الْعَمَى، دُونَ الِاسْمِ الْمُشْتَقّ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، لَوْ كَانَ دَخَلَ فِي الْإِيمَانِ قَبْلَ ذَلِكَ وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَإِنّمَا دَخَلَ فِيهِ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ، وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ لِلنّبِيّﷺ: اسْتَدِنّنِي يَا مُحَمّدُ وَلَمْ يَقُلْ: اسْتَدِنّنِي «٢» يَا رَسُولَ اللهِ، مَعَ أَنّ ظَاهِرَ الْكَلَامِ يَدُلّ عَلَى أَنّ الْهَاءَ فِي لَعَلّهُ يَزّكّى عَائِدَةٌ عَلَى الْأَعْمَى، لَا عَلَى الْكَافِرِ؛ لِأَنّهُ لَمْ يَتَقَدّمْ لَهُ ذَكَرَ بَعْدُ، وَلَعَلّ
_________________
(١) وعند أبى يعلى أن الرجل هو أبى بن خلف، وعنده فى رواية أخرى هو وابن جرير: رجل من عظماء المشركين، وكذا رواه الترمذى ومالك، وذكر ابن جرير وابن أبى حاتم أنهم: عتبة بن ربيعة وأبو جهل والعباس بن عبد المطلب
(٢) فى ابن جرير والترمذى ومالك: أرشدنى كما ذكر ابن كثير، ولم يذكر
[ ٣ / ٣٢٩ ]
[العائدون من أرض الحبشة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَلَغَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، الّذِينَ خَرَجُوا إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، إسْلَامُ أَهْلِ مَكّةَ، فَأَقْبَلُوا لِمَا بَلَغَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، حَتّى إذَا دَنَوْا مِنْ مَكّةَ، بَلَغَهُمْ أَنّ مَا كَانُوا تَحَدّثُوا بِهِ مِنْ إسْلَامِ أَهْلِ مَكّةَ كَانَ بَاطِلًا، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلّا بِجِوَارٍ أَوْ مستخفيا
فَكَانَ مِمّنْ قَدِمَ عَلَيْهِ مَكّةَ مِنْهُمْ، فَأَقَامَ بِهَا حَتّى هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ، فَشَهِدَ مَعَهُ بدرا، وَمَنْ حُبِسَ عَنْهُ، حَتّى فَاتَهُ بَدْرٌ وَغَيْرُهُ، وَمَنْ مَاتَ بِمَكّةَ. مِنْهُمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيّ: عُثْمَانُ بن عَفّانَ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عبد شمس، مَعَهُ امْرَأَتُهُ: رُقَيّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِﷺ.
وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بن ربيعة بن عبد شمس، امرأته سهلة بنت سهيل.
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ: عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رئاب.
وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُتْبَةُ بن غزوان، حليف لهم، من قيس عيلان.
ــ
تُعْطِي التّرَجّي وَالِانْتِظَارَ، وَلَوْ كَانَ إيمَانُهُ قَدْ تقدم قبل هذا لخرج عن حد الترحى والانتظار للتّزكّى، والله أعلم.
_________________
(١) - بعدها شيئا. وفى رواية لابن جرير وابن أبى حاتم، أن عبد الله جاء يستقرىء الرسول «ص» آية من القرآن، ويقول: رسول الله علمنى مما علمك الله. وقول السهيلى: أظهر، فالقرآن يفيد أنه جاء فى خشية يريد أن يزكى
[ ٣ / ٣٣٠ ]
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قصىّ: الزّبير بن العوّام بن خويلد ابن أَسَدٍ.
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ: مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف وسويبط بن سعد بن حرملة.
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ قُصَيّ: طُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ أَبِي كَبِيرِ بْنِ عَبْدٍ.
وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بن عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو، حَلِيفٌ لَهُمْ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، حليف لهم.
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ: أَبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ الله ابن عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ: أُمّ سَلَمَةَ بنت أبى أميّة بن المغيرة، وشمّاس ابن عثمان بن الشريد بن سويد بن هرمي بن عامر بن مخزوم. وسلمة ابن هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، حَبَسَهُ عَمّهُ بِمَكّةَ، فَلَمْ يَقْدَمْ إلّا بَعْدَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ، وَعَيّاشُ، ابن أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ هَاجَرَ مَعَهُ إلَى الْمَدِينَةِ، وَلَحِقَ بَهْ أَخَوَاهُ لِأُمّهِ: أَبُو جَهْلِ ابن هِشَامٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، فَرَجَعَا بِهِ إلَى مَكّةَ، فَحَبَسَاهُ بِهَا حَتّى مَضَى بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالْخَنْدَقُ.
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ: عُمّارُ بْنُ يَاسِرٍ، يُشَكّ فِيهِ، أَكَانَ خَرَجَ إلَى الْحَبَشَةِ أَمْ لَا؟ وَمُعَتّبُ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَامِرٍ مِنْ خُزَاعَةَ.
ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب: عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بن حذافة بن جمح، وابنه: السّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ، وَقُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَعَبْدُ الله بن مظعون.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٣١ ]
ومن بني سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ: خُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، حُبِسَ بِمَكّةَ بَعْدَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ- إلَى الْمَدِينَةِ، حَتّى قَدِمَ بعد بدر وأحد والخندق.
وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ: عَامِرُ بْنُ ربيعة، حليف لهم، مَعَهُ امْرَأَتُهُ: لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ بْنِ حذافة بْنِ غَانِمٍ.
وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ: عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى بْنِ أَبِي قَيْسٍ:
وَعَبْدُ اللهِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ حُبِسَ عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ حِينَ هَاجَرَ إلَى المدينة، حتى كان يوم بدر، فَانْحَازَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَشَهِدَ مَعَهُ بَدْرًا، وَأَبُو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى، معه امرأته: أم كلثوم بنت سهيل بن عَمْرٍو، وَالسّكْرَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، معه امرأته: سودة بنت زمعة بن قيس، مَاتَ بِمَكّةَ قَبْلَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللهِﷺ- إلى الْمَدِينَةِ، فَخَلَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى امْرَأَتِهِ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ:
وَمِنْ حلفائهم سعد بن خولة.
وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرّاحِ، وَهُوَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ابن الْجَرّاحِ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدّادٍ، وَسُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ؛ وَهُوَ سُهَيْلُ بْنُ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالٍ، وَعَمْرُو بن أبى سرح بن ربيعة ابن هلال «كنيته: أبو سعد كما فى الإصابة» .
فَجَمِيعُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ مَكّةَ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٣٢ ]
رَجُلًا، فَكَانَ مَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ بِجِوَارٍ، فِيمَنْ سُمّيَ لَنَا: عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبٍ الْجُمَحِيّ، دَخَلَ بِجِوَارِ مِنْ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وأبو سلمة بن عبد الأسد ابن هلال بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُومٍ، دَخَلَ بِجِوَارٍ مِنْ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَكَانَ خَالَهُ. وَأُمّ أَبِي سَلَمَةَ: برة بنت عبد المطّلب.
[قصة ابن مظعون مع الوليد]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَمّا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَإِنّ صَالِحَ بْنَ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرحمن ابن عَوْفٍ حَدّثَنِي عَمّنْ حَدّثَهُ عَنْ عُثْمَانَ، قَالَ: لَمّا رَأَى عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ مَا فِيهِ أصحاب رسول اللهﷺ- مِنْ الْبَلَاءِ، وَهُوَ يَغْدُو وَيَرُوحُ فِي أَمَانٍ مِنْ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: وَاَللهِ إنّ غُدُوّي وَرَوَاحِي آمِنًا بِجِوَارِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشّرْكِ- وَأَصْحَابِي، وَأَهْلُ دِينِي يَلْقَوْنَ مِنْ الْبَلَاءِ والأذى فى الله ما لا يصيا بنى- لَنَقْصٌ كَبِيرٌ فِي نَفْسِي، فَمَشَى إلَى الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ لَهُ:
يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ، وَفّتْ ذِمّتُك، قَدْ رَدَدْتُ إلَيْك جِوَارَك، فقال له: لم يا بن أَخِي؟ لَعَلّهُ آذَاكَ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِي، قَالَ: لَا، وَلَكِنّي أَرْضَى بِجِوَارِ اللهِ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أَسْتَجِيرَ بِغَيْرِهِ؟ قَالَ: فَانْطَلِقْ إلَى الْمَسْجِدِ، فَارْدُدْ عَلَيّ جِوَارِي عَلَانِيَةً، كَمَا أَجَرْتُك عَلَانِيَةً. قَالَ: فَانْطَلَقَا فَخَرَجَا حَتّى أَتَيَا الْمَسْجِدَ، فَقَالَ الْوَلِيدُ:
هَذَا عُثْمَانُ قَدْ جَاءَ يَرُدّ عَلَيّ جِوَارِي، قَالَ: صَدَقَ، قَدْ وَجَدْته وَفِيّا كَرِيمَ الْجِوَار، وَلَكِنّي قَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَسْتَجِيرَ بِغَيْرِ اللهِ، فَقَدْ رَدَدْت عَلَيْهِ جِوَارَهُ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٣٣ ]
ثُمّ انْصَرَفَ عُثْمَانُ، وَلَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ فِي مَجْلِسٍ من قريش يشدهم، فَجَلَسَ مَعَهُمْ عُثْمَانُ، فَقَالَ لَبِيدٍ:
أَلَا كُلّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ باطل
قال عثمان: صدقت، قال:
وكلّ نعيم لا محالة زائل
قَالَ عُثْمَانُ: كَذَبْت، نَعِيمُ الْجَنّةِ لَا يَزُولُ. قَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَاَللهِ مَا كَانَ يُؤْذَى جَلِيسُكُمْ، فَمَتَى حَدَثَ هَذَا فِيكُمْ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: إنّ هَذَا سَفِيهٌ فِي سُفَهَاءَ مَعَهُ، قَدْ فَارَقُوا دِينَنَا، فَلَا تَجِدَنّ فِي نَفْسِك مِنْ قَوْلِهِ، فَرَدّ عَلَيْهِ عُثْمَانُ حَتّى شَرِيَ أَمْرُهُمَا، فَقَامَ إليه ذلك الرجل، فلطم عينه، فخضّرها، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَرِيبٌ يَرَى مَا بَلَغَ من عثمان، فقال:
أما والله يا بن أخى إن كانت عينك عما أصامها لَغَنِيّةٌ، لَقَدْ كُنْتَ فِي ذِمّةٍ مَنِيعَةٍ.
قَالَ: يَقُولُ عُثْمَانُ: بَلْ وَاَللهِ إنّ عَيْنِي الصّحِيحَةَ لَفَقِيرَةٌ إلَى مِثْلِ مَا أَصَابَ أُخْتَهَا فِي اللهِ، وَإِنّي لَفِي جِوَارِ مَنْ هُوَ أَعَزّ مِنْك وَأَقْدَرُ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ، فَقَالَ له الوليد: هلمّ يا بن أَخِي، إنْ شِئْت فَعُدْ إلَى جِوَارِك، فَقَالَ: لا.
[أبو سلمة فى جوار أبى طالب]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمّا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عبد الأسد، فحدثنى أبى إسحاق ابن يسارع سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنّهُ حَدّثَهُ: أَنّ أَبَا سَلَمَةَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٣٤ ]
لَمّا اسْتَجَارَ بِأَبِي طَالِبٍ، مَشَى إلَيْهِ رِجَالٌ من بنى مخزوم، فقالوا: يَا أَبَا طَالِبٍ، لَقَدْ مَنَعْت مِنّا ابْنَ أَخِيك مُحَمّدًا، فَمَا لَكَ وَلِصَاحِبِنَا تَمْنَعُهُ مِنّا؟ قَالَ: إنّهُ اسْتَجَارَ بِي، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِي، وَإِنْ أَنَا لَمْ أَمْنَعْ ابْنَ أُخْتِي لَمْ أَمْنَعْ ابْنَ أَخِي، فَقَامَ أَبُو لَهَبٍ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَاَللهِ لَقَدْ أَكْثَرْتُمْ عَلَى هذا الشيخ، ما تزالون تتوائبون عَلَيْهِ فِي جِوَارِهِ مِنْ بَيْنِ قَوْمِهِ، وَاَللهِ لَتَنْتَهُنّ عَنْهُ، أَوْ لَنَقُومَنّ مَعَهُ فِي كُلّ مَا قَامَ فِيهِ، حَتّى يَبْلُغَ مَا أَرَادَ. قَالَ: فَقَالُوا: بَلْ نَنْصَرِفُ عَمّا تَكْرَهُ يَا أَبَا عُتْبَةَ، وَكَانَ لَهُمْ وَلِيّا وَنَاصِرًا عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- فَأَبْقَوْا عَلَى ذَلِكَ، فَطَمِعَ فِيهِ أَبُو طَالِبٍ حَيْنَ سَمِعَهُ يَقُولُ مَا يَقُولُ، وَرَجَا أَنْ يَقُومَ مَعَهُ فِي شَأْنِ رَسُولِ اللهِﷺ- فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ يُحَرّضُ أَبَا لَهَبٍ عَلَى نُصْرَتِهِ وَنُصْرَةِ رَسُولَ اللهِ ﷺ:
وَأَنّ امْرَأً أَبُو عُتَيْبَةَ عَمّهُ لَفِي رَوْضَةٍ مَا إنْ يُسَامُ الْمَظَالِمَا
أَقُولُ لَهُ- وَأَيْنَ منه نصيحتى أبا معتب تبّت سوادك قائما
فلا تقبلنّ الدهر ما عشت خطة تُسَبّ بِهَا، إمّا هَبَطْت الْمَوَاسِمَا
وَوَلّ سَبِيلَ الْعَجْزِ غَيْرَك مِنْهُمْ فَإِنّك لَمْ تُخْلَقْ عَلَى العجز لازما
وحارب، فإن الحرب نصف وما تَرَى أَخَا الْحَرْبِ يُعْطَى الْخَسْفَ حَتّى يُسَالَمَا
وَكَيْفَ وَلَمْ يَجْنُوا عَلَيْك عَظِيمَةً وَلَمْ يَخْذُلُوك غَانِمًا، أَوْ مُغَارِمَا
جَزَى اللهُ عَنّا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا وَتَيْمًا وَمَخْزُومًا عُقُوقًا وَمَأْثَمَا
بِتَفْرِيقِهِمْ من بعدود وَأُلْفَةٍ جَمَاعَتَنَا، كَيْمَا يَنَالُوا الْمَحَارِمَا
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللهِ نُبْزَى مُحَمّدًا وَلَمّا تَرَوْا يَوْمًا لَدَى الشّعب قائما
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٣٥ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: نُبْزَى: نُسْلَبُ. قَالَ ابْنُ هشام؛ وبقى منها بيت تركناه.
[أبو بكر يرد جوار ابن الدغنة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ﵁- كَمَا حَدّثَنِي:
مُحَمّدُ بن مسلم الزّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵄، حِينَ ضَاقَتْ عَلَيْهِ مَكّةُ، وَأَصَابَهُ فِيهَا الْأَذَى، وَرَأَى مِنْ تَظَاهُرِ قُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- وَأَصْحَابِهِ مَا رَأَى، اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِﷺ- فى الهجرة، فأذن له، فحرج أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا، حَتّى إذَا سَارَ مِنْ مَكّةَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، لَقِيَهُ ابْنُ الدّغُنّةِ، أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كنانة، وهو يومئذ سيد الْأَحَابِيشُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْأَحَابِيشُ: بَنُو الْحَارِثِ بن عبد مناة بن كنانة، والهون ابن خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ، وَبَنُو الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَحَالَفُوا جَمِيعًا، فَسُمّوا الْأَحَابِيشَ لِلْحِلْفِ.
وَيُقَالُ: ابْنُ الدّغَيْنَةِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حدثنى الزهرى، عن عروة، عن عائشة قَالَتْ: فَقَالَ ابْنُ الدّغُنّةِ: أَيْنَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي وَآذَوْنِي، وَضَيّقُوا عَلَيّ، قال: ولم؟ فو الله إنّك لَتَزِينُ الْعَشِيرَةَ، وَتُعِينُ عَلَى النّوَائِبِ، وَتَفْعَلُ المعروف وتكسب المعدوم، ارجع، وأنت فِي جِوَارِي، فَرَجَعَ مَعَهُ، حَتّى إذَا دَخَلَ مَكّةَ، قَامَ ابْنُ الدّغُنّةِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّي قَدْ أَجَرْت ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٣٦ ]
فَلَا يَعْرِضَنّ لَهُ أَحَدٌ إلّا بِخَيْرِ. قَالَتْ: فكفوا عنه.
قَالَتْ: وَكَانَ لِأَبِي بَكْرٍ مَسْجِدٌ عِنْدَ بَابِ دَارِهِ فِي بَنِي جُمَحٍ، فَكَانَ يُصَلّي فِيهِ، وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا، إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ اسْتَبْكَى. قَالَتْ: فَيَقِفُ عَلَيْهِ الصّبْيَانُ وَالْعَبِيدُ وَالنّسَاءُ، يَعْجَبُونَ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ هَيْئَتِهِ. قَالَتْ: فَمَشَى رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى ابْنِ الدّغُنّةِ، فَقَالُوا لَهُ: يا بن الدّغُنّةِ، إنّك لَمْ تُجِرْ هَذَا الرّجُلَ، لِيُؤْذِيَنَا! إنّهُ رَجُلٌ إذَا صَلّى، وَقَرَأَ مَا جَاءَ بَهْ مُحَمّدٌ يَرِقّ وَيَبْكِي، وَكَانَتْ لَهُ هَيْئَةٌ وَنَحْوٌ، فَنَحْنُ نَتَخَوّفُ عَلَى صِبْيَانِنَا وَنِسَائِنَا وَضَعَفَتِنَا أَنْ يَفْتِنَهُمْ، فَأْتِهِ فَمُرْهُ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ، فَلْيَصْنَعْ فِيهِ مَا شَاءَ: قَالَتْ: فَمَشَى ابْنُ الدّغُنّةِ إلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا بَكْر، إنى لم أجرك لتؤذى قومك، إنهم قد كرهوا مَكَانَك الّذِي أَنْتَ فِيهِ، وَتَأَذّوْا بِذَلِكَ مِنْك، فَادْخُلْ بَيْتَك، فَاصْنَعْ فِيهِ مَا أَحْبَبْتَ، قَالَ: أو أردّ عَلَيْك جِوَارَك وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللهِ؟ قَالَ: فَارْدُدْ عَلَيّ جِوَارِي، قَالَ: قَدْ رَدَدْتُهُ عَلَيْك. قَالَتْ فَقَامَ ابْنُ الدّغُنّةِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ قَدْ رَدّ عَلَيّ جِوَارِي، فَشَأْنُكُمْ بِصَاحِبِكُمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ الْقَاسِمِ ابن مُحَمّدٍ قَالَ: لَقِيَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ عَامِدٌ إلَى الْكَعْبَةِ، فَحَثَا عَلَى رَأْسِهِ ترابا. قال: فمرّ بأبى بكر الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، أَوْ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ. قال:
فقال أبو بكر: أَلَا تَرَى إلَى مَا يَصْنَعُ هَذَا السّفِيهُ؟ قَالَ: أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ بِنَفْسِك. قَالَ: وَهُوَ يَقُولُ: أَيْ رَبّ، مَا أَحْلَمَك! أَيْ رَبّ، مَا أَحْلَمَك! أَيْ رَبّ، مَا أَحْلَمَك!
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٣٧ ]
[حديث نقض الصحيفة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطّلِبِ فِي مَنْزِلِهِمْ الّذِي تَعَاقَدَتْ فِيهِ قُرَيْشٌ عَلَيْهِمْ فِي الصّحِيفَةِ الّتِي كَتَبُوهَا، ثُمّ إنّهُ قَامَ فِي نَقْضِ تِلْكَ الصّحِيفَةِ الّتِي تَكَاتَبَتْ فِيهَا قُرَيْشٌ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِيّ الْمُطّلِبِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَلَمْ يُبْلَ فِيهَا أَحَدٌ أَحْسَنَ مِنْ بَلَاءِ هِشَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عامر بْنِ لُؤَيّ، وَذَلِكَ أَنّهُ كَانَ ابْنَ أَخِي نضلة ابن هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ لِأُمّهِ، فَكَانَ هِشَامٌ لِبَنِي هَاشِمٍ وَاصَلًا، وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِي قومه فَكَانَ- فِيمَا بَلَغَنِي- يَأْتِي بِالْبَعِيرِ، وَبَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطّلِبِ فِي الشّعْبِ لَيْلًا، قَدْ أَوْقَرَهُ طَعَامًا، حَتّى إذَا أَقْبَلَ بِهِ فَمَ الشّعْبِ، خَلَعَ خِطَامَهُ مِنْ رَأْسِهِ، ثُمّ ضَرَبَ عَلَى جَنْبِهِ، فَيَدْخُلُ الشّعْبَ عَلَيْهِمْ، ثُمّ يَأْتِي بِهِ قَدْ أَوْقَرَهُ بَزّا، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّهُ مَشَى إلَى زُهَيْرِ بْنِ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ- وَكَانَتْ أُمّهُ: عَاتِكَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ- فَقَالَ:
يَا زُهَيْرُ، أَقَدْ رَضِيتَ أَنْ تَأْكُلَ الطّعَامَ، وَتَلْبَسَ الثّيَابَ، وَتَنْكِحَ النّسَاءَ، وَأَخْوَالُك حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ، لَا يُبَاعُونَ، وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ، وَلَا يَنْكِحُونَ، وَلَا يُنْكَحُ إلَيْهِمْ؟ أَمَا إنّي أَحْلِفُ بِاَللهِ أَنْ لَوْ كَانُوا أَخْوَالَ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هشام، ثم دعوته إلى مَا دَعَاك إلَيْهِ مِنْهُمْ، مَا أَجَابَك إلَيْهِ أَبَدًا، قَالَ: وَيْحَك يَا هِشَامُ! فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ إنّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَاَللهِ لَوْ كَانَ مَعِي رَجُلٌ آخَرُ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٣٨ ]
لَقُمْت فِي نَقْضِهَا حَتّى أَنْقُضَهَا، قَالَ: قَدْ وَجَدْت رَجُلًا قَالَ: فَمَنْ هُوَ؟ قَالَ:
أَنَا، قال له زهير: أبغنا رجلا ثالثا.
فذهب إلى المطعم بن عدىّ، فَقَالَ لَهُ: يَا مُطْعِمُ أَقَدْ رَضِيتَ أَنْ يَهْلِكَ بَطْنَانِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَأَنْتَ شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ، مُوَافِقٌ لِقُرَيْشِ فِيهِ! أَمَا وَاَللهِ لَئِنْ أَمْكَنْتُمُوهُمْ مِنْ هَذِهِ لَتَجِدُنّهُمْ إلَيْهَا مِنْكُمْ سِرَاعًا، قَالَ: وَيْحَك! فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ إنّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، قَالَ: قَدْ وَجَدْت ثَانِيًا، قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ:
أَنَا، قَالَ: أَبْغِنَا ثَالِثًا، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ، قَالَ: أَبْغِنَا رابعا.
فذهب إلى أبى البخترىّ بن هشام، فقال له نحوا ممّا قال لمطعم بن عدىّ، فَقَالَ: وَهَلْ مِنْ أَحَدٍ يُعِينُ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: زُهَيْرُ ابن أَبِي أُمَيّةَ، وَالْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيّ، وَأَنَا مَعَك، قال: أبغنا خامسا.
فَذَهَبَ إلَى زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطّلِبِ بن أسد، فكلّمه، وذكر لَهُ قَرَابَتَهُمْ وَحَقّهُمْ، فَقَالَ لَهُ: وَهَلْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الّذِي تَدْعُونِي إلَيْهِ مِنْ أَحَدٍ؟
قال: نعم، ثم سمى له القوم.
فاتّعدوا خطم الججون لَيْلًا بِأَعْلَى مَكّةَ، فَاجْتَمَعُوا هُنَالِكَ، فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَتَعَاقَدُوا عَلَى الْقِيَامِ فِي الصّحِيفَةِ، حَتّى يَنْقُضُوهَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ: أَنَا أَبْدَؤُكُمْ فَأَكُونُ أَوّلَ مَنْ يَتَكَلّمُ. فَلَمّا أَصْبَحُوا غَدَوْا إلَى أَنْدِيَتِهِمْ، وَغَدَا زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ عَلَيْهِ حُلّةٌ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى النّاسِ، فَقَالَ: يا أهل
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٣٩ ]
مَكّةَ، أَنَأْكُلُ الطّعَامَ، وَنَلْبَسُ الثّيَابَ، وَبَنُو هَاشِمٍ هَلْكَى لَا يُبَاعُ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ، وَاَللهِ لَا أَقْعُدُ حَتّى تُشَقّ هَذِهِ الصّحِيفَةُ الْقَاطِعَةُ الظّالِمَةُ.
قَالَ أَبُو جَهْلٍ- وَكَانَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ: كَذَبْتَ وَاَللهِ لَا تُشَقّ، قَالَ زَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ: أَنْتَ وَاَللهِ أَكْذَبُ، مَا رَضِينَا كِتَابَهَا حَيْثُ كُتِبَتْ، قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيّ: صَدَقَ زَمْعَةُ، لَا نَرْضَى مَا كُتِبَ فِيهَا، وَلَا نقرّبه، قَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيّ: صَدَقْتُمَا، وَكَذَبَ مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ، نَبْرَأُ إلَى اللهِ مِنْهَا، وَمِمّا كُتِبَ فِيهَا، قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا أَمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلِ، تُشُووِرَ فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا المكان، وَأَبُو طَالِبٍ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَامَ الْمُطْعِمُ إلَى الصّحِيفَةِ لِيَشُقّهَا، فَوَجَدَ الْأَرَضَةَ قَدْ أكلتها، إلّا:
«باسمك الّلهمّ» .
وَكَانَ كَاتِبَ الصّحِيفَةِ مَنْصُورُ بْنُ عِكْرِمَةَ. فَشُلّتْ يده فيما يزعمون.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قَالَ لِأَبِي طَالِبٍ: يَا عَمّ، إنّ رَبّي اللهَ قَدْ سَلّطَ الْأَرَضَةَ عَلَى صَحِيفَةِ قُرَيْشٍ، فَلَمْ تَدَعْ فِيهَا اسْمًا هُوَ لِلّهِ إلّا أَثْبَتَتْهُ فِيهَا، وَنَفَتْ مِنْهُ الظّلْمَ وَالْقَطِيعَةَ وَالْبُهْتَانَ فَقَالَ:
أَرَبّك أَخْبَرَك بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فو الله مَا يَدْخُلُ عَلَيْك أَحَدٌ، ثُمّ خَرَجَ إلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّ ابْنَ أَخِي أَخْبَرَنِي بِكَذَا وَكَذَا، فَهَلُمّ صَحِيفَتُكُمْ، فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ ابْنُ أَخِي، فَانْتَهُوا عَنْ قَطِيعَتِنَا، وَانْزِلُوا عَمّا فِيهَا، وَإِنْ يَكُنْ كَاذِبًا دَفَعْت إلَيْكُمْ ابْنَ أَخِي، فَقَالَ الْقَوْمُ: رَضِينَا، فَتَعَاقَدُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمّ نَظَرُوا، فَإِذَا هِيَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فزادهم
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٤٠ ]
ذَلِكَ شَرّا. فَعِنْدَ ذَلِك صَنَعَ الرّهْطُ مِنْ قريش فى نقض الصحيفة ما صنعوا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا مُزّقَتْ الصّحِيفَةُ وَبَطَلَ مَا فِيهَا. قَالَ أَبُو طَالِبٍ، فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ أُولَئِكَ النّفَرِ الّذِينَ قَامُوا فِي نقضها يمدحهم:
ألا هل أتى بحريّنا صنع ربّنا عَلَى نَأْيِهِمْ وَاَللهُ بِالنّاسِ أَرْوَدُ
فَيُخْبِرَهُمْ أَنّ الصّحِيفَةَ مُزّقَتْ وَأَنْ كُلّ مَا لَمْ يَرْضَهُ اللهُ مُفْسَدُ
تُرَاوِحُهَا إفْكٌ، وَسِحْرٌ مُجَمّعٌ وَلَمْ يُلْفَ سِحْرٌ آخِرَ الدّهْرِ يَصْعَدُ
تَدَاعَى لَهَا مَنْ لَيْسَ فِيهَا بِقَرْقَرٍ فَطَائِرُهَا فِي رَأْسِهَا يَتَرَدّدُ
وَكَانَتْ كِفَاءً رَقْعَةٌ بِأَثِيمَةٍ لِيُقْطَعَ مِنْهَا ساعد ومقلّد
ويظعن أهل المكّتين، فهربوا فَرَائِصُهُمْ مِنْ خَشْيَةِ الشّرّ تُرْعَدُ
وَيُتْرَكُ حَرّاثٌ يُقَلّبُ أَمْرَهُ أَيُتْهِمُ فِيهِمْ عِنْدَ ذَاكَ وَيُنْجِدُ
وَتَصْعَدُ بَيْنَ الْأَخْشَبَيْنِ كَتِيبَةٌ لَهَا حُدُجٌ سَهْمٌ وَقَوْسٌ وَمِرْهَدُ
فَمَنْ يَنْشَ مِنْ حُضّارِ مَكّةَ عِزّهُ فَعِزّتُنَا فِي بَطْنِ مَكّةَ أَتْلَدُ
نَشَأْنَا بِهَا، وَالنّاسُ فِيهَا قَلَائِلُ فَلَمْ نَنْفَكِكْ نَزْدَادُ خَيْرًا وَنَحْمَدُ
وَنُطْعِمُ حَتّى يَتْرُكَ النّاسُ فَضْلَهُمْ إذَا جُعِلَتْ أَيْدِي الْمُفِيضِينَ تُرْعَدُ
جَزَى اللهُ رَهْطًا بِالْحَجُونِ تَبَايَعُوا عَلَى مَلَأٍ يُهْدِي لِحَزْمٍ وَيُرْشِدُ
قُعُودًا لَدَى خَطْمِ الْحَجُونِ كَأَنّهُمْ مَقَاوِلَةٌ، بَلْ هُمْ أَعَزّ وَأَمْجَدُ
أَعَانَ عَلَيْهَا كُلّ صَقْرٍ كَأَنّهُ إذَا مَا مَشَى فِي رَفْرَفِ الدّرْعِ أَحْرَدُ
جَرِيّ عَلَى جُلّى الْخُطُوبِ، كَأَنّهُ شِهَابٌ بِكَفّيْ قَابِسٍ يَتَوَقّدُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٤١ ]
مِنْ الْأَكْرَمِينَ مِنْ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ إذَا سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ يَتَرَبّدُ
طَوِيلُ النّجَادِ خَارِجٌ نِصْفُ سَاقِهِ عَلَى وَجْهِهِ يُسْقَى الْغَمَامُ وَيُسْعِدُ
عَظِيمُ الرّمَادِ، سَيّدٌ وَابْنُ سَيّدٍ يَحُضّ عَلَى مقرى الضيوف، ويحشد
ويا بنى لِأَبْنَاءِ الْعَشِيرَةِ صَالِحًا إذَا نَحْنُ طُفْنَا فِي البلاد، ويمهد
ألطّ بِهَذَا الصّلْحِ كُلّ مُبَرّأٍ عَظِيمِ اللّوَاءِ أَمْرُهُ ثَمّ يُحْمَدُ
قَضَوْا مَا قَضَوْا فِي لَيْلِهِمْ، ثُمّ أَصْبَحُوا عَلَى مَهَلٍ، وَسَائِرُ النّاسِ رُقّدُ
هُمٌ رَجَعُوا سَهْلَ بْنَ بَيْضَاءَ رَاضِيًا وَسُرّ أَبُو بَكْرٍ بِهَا وَمُحَمّدُ
مَتَى شُرّكَ الْأَقْوَامُ فِي جُلّ أَمْرِنَا وَكُنّا قَدِيمًا قَبْلَهَا نُتَوَدّدُ
وَكُنّا قَدِيمًا لَا نُقِرّ ظُلَامَةً وَنُدْرِكُ مَا شئنا، ولا نتشدّد
فيا لقصىّ هَلْ لَكُمْ فِي نُفُوسِكُمْ وَهَلْ لَكُمْ فِيمَا يَجِيءُ بَهْ غَدُ
فَإِنّي وَإِيّاكُمْ كَمَا قَالَ قَائِلٌ لَدَيْك الْبَيَانُ لَوْ تَكَلّمَتْ أسود
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْكِي الْمُطْعِمَ بْنَ عَدِيّ حِينَ مَاتَ، وَيَذْكُرُ قِيَامَهُ فِي نَقْضِ الصّحِيفَةِ:
أَيَا عَيْنُ فَابْكِي سَيّدَ الْقَوْمِ وَاسْفَحِي بِدَمْعٍ، وَإِنْ أَنْزَفْتِهِ فَاسْكُبِي الدّمَا
وَبَكّي عَظِيمَ الْمَشْعَرَيْنِ كِلَيْهِمَا عَلَى النّاسِ مَعْرُوفًا لَهُ مَا تَكَلّمَا
فَلَوْ كَانَ مَجْدٌ يُخْلِدُ الدّهْرَ وَاحِدًا مِنْ النّاسِ أَبْقَى مَجْدُهُ الْيَوْمَ مُطْعِمَا
أَجَرْتَ رَسُولَ اللهِ مِنْهُمْ، فَأَصْبَحُوا عَبِيدَك، مَا لَبّى مُهِلّ وَأَحْرَمَا
فَلَوْ سُئِلَتْ عَنْهُ مَعَدّ بِأَسْرِهَا وَقَحْطَانُ، أَوْ بَاقِي بَقِيّةِ جُرْهُمَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٤٢ ]
لَقَالُوا: هُوَ الْمُوفِي بِخُفْرَةِ جَارِهِ وَذِمّتِهِ يَوْمًا إذَا مَا تَذَمّمَا
فَمَا تَطْلُعُ الشّمْسُ الْمُنِيرَةُ فَوْقَهُمْ عَلَى مِثْلِهِ فِيهِمْ أَعَزّ وَأَعْظَمَا
وَآبَى إذَا يَأْبَى وَأَلْيَنَ شِيمَةً وَأَنْوَمَ عَنْ جَارٍ إذا اللّيل أظلما
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ «كِلَيْهِمَا» عَنْ غَيْرِ ابن إسحاق.
قال ابن هشام: وأما قوله: «جرت رَسُولَ اللهِ مِنْهُمْ»، فَإِنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ- لَمّا انْصَرَفَ عَنْ أَهْلِ الطّائِفِ، وَلَمْ يُجِيبُوهُ إلَى مَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ، مِنْ تَصْدِيقِهِ وَنُصْرَتِهِ، صَارَ إلَى حِرَاءٍ، ثُمّ بَعَثَ إلَى الْأَخْنَسِ بْن شَرِيقٍ، لِيُجِيرَهُ، فَقَالَ: أَنَا حَلِيفٌ، وَالْحَلِيفُ لَا يُجِيرُ، فَبَعَثَ إلَى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، فَقَالَ: إنّ بَنِي عَامِر لَا تُجِيرُ عَلَى بَنِي كَعْبٍ. فَبَعَثَ إلَى الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيّ، فَأَجَابَهُ إلَى ذَلِكَ، ثُمّ تَسَلّحَ الْمُطْعِمُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَخَرَجُوا حَتّى أَتَوْا الْمَسْجِدَ، ثُمّ بَعَثَ إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- أَنْ اُدْخُلْ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِﷺ- فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَصَلّى عِنْدَهُ، ثُمّ انْصَرَفَ إلَى مَنْزِلِهِ، فَذَلِكَ الذى يعنى حسان ابن ثابت.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا: يَمْدَحُ هِشَامَ بْنَ عَمْرٍو لِقِيَامِهِ فِي الصحيفة:
هَلْ يُوَفّيَنّ بَنُو أُمَيّةَ ذِمّةً عَقْدًا كَمَا أَوْفَى جِوَارُ هِشَامِ
مِنْ مَعْشَرٍ لَا يَغْدِرُونَ بِجَارِهِمْ لِلْحَارِثِ بْنِ حُبَيّبِ بْنِ سُخَامِ
وَإِذَا بنو حسل أجاروا ذمّة أو فوا وأدّوا جارهم بسلام
وكان هشام أخا سخام: قال ابن هشام: ويقال: شحام.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قِصّةُ الْغَرَانِيقِ وَإِسْلَامُ مَكّةَ:
وَذَكَرَ مَا بَلَغَ أَهْلَ الْحَبَشَةِ مِنْ إسْلَامِ أَهْلِ مَكّةَ، وَكَانَ بَاطِلًا، وَسَبَبُهُ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قَرَأَ سُورَةَ النّجْمِ، فَأَلْقَى الشّيْطَانُ فِي أَمْنِيّتَهُ، أَيْ: فِي تِلَاوَتِهِ عند ذكر اللّات والعزى، وإنّهم لهم لغرانقة الْعُلَى، وَإِنّ شَفَاعَتَهُمْ لَتُرْتَجَى، فَطَارَ ذَلِكَ بِمَكّةَ، فَسُرّ الْمُشْرِكُونَ، وَقَالُوا: قَدْ ذَكَرَ آلِهَتَنَا بِخَيْرِ فَسَجَدَ رَسُولُ اللهِﷺ- فِي آخِرِهَا، وَسَجَدَ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُسْلِمُونَ، ثُمّ أَنَزَلَ اللهُ تَعَالَى: فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ الاية، فمن ها هنا اتّصَلَ بِهِمْ فِي أَرْضِ الْحَبَشَةِ أَنّ قُرَيْشًا قَدْ أَسْلَمُوا، ذَكَرَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ إسْحَاقَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ، وَأَهْلُ الْأُصُولِ يَدْفَعُونَ هَذَا الْحَدِيثَ بِالْحُجّةِ، وَمَنْ صَحّحَهُ قَالَ فِيهِ أَقْوَالًا، مِنْهَا: أَنّ الشّيْطَانَ قَالَ ذَلِكَ وَأَشَاعَهُ. وَالرّسُولُ﵇- لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، وَهَذَا جَيّدٌ لَوْلَا أَنّ فِي حَدِيثِهِمْ أَنّ جِبْرِيل قَالَ لِمُحَمّدِ:
مَا أَتَيْتُك بِهَذَا، وَمِنْهَا: أَنّ النّبِيّﷺ- قَالَهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وَعَنَى بِهَا الْمَلَائِكَةَ: إنّ شَفَاعَتَهُمْ لَتُرْتَجَى «١» . وَمِنْهَا: أَنّ النّبِيّ﵇- قَالَهُ حَاكِيًا عَنْ الْكَفَرَةِ، وَأَنّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ، فقالها متعجبا من كفرهم،
_________________
(١) وهى أيضا كلمة لا يقولها خاتم النبيين وأعظم المؤمنين، فإن الشفاعة لا ترتجى إلا من الله سبحانه، فهو الذى له وحده الشفاعة: (قل: لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والأرض) الزمر: ٤٤ (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن) طه: ١٠٩. والسهيلى على إطالته وإطنابه فى مواضع تستحق الإيجاز لا أدرى كيف خطف القول هنا، وترك الفرية تحاول مخادعة القلوب فكأن المؤلف الكبير لم يرد لها أن تموت
[ ٣ / ٣٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْحَدِيثُ عَلَى مَا خَيّلْت غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِصِحّتِهِ، والله أعلم «١» .
_________________
(١) روى الطبرى وابن أبى حاتم وابن المنذر والبزار وابن مردويه وغيرهم هذه الفرية التى نفثتها أحقاد الزنادقة فى صورة حديث منسوب إلى ابن عباس وسعيد ابن جبير، يقول إن رسول اللهﷺ- قرأ بمكة: والنجم، فلما بلغ: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا، فنزلت الاية. وذكر القاضى عياض ما يلى: ويروى: ترتضى، وفى رواية: إن شفاعتها لترتجى، وإنها لمع الغرانيق العلى. وفى أخرى: والغرانقة العلى تلك الشفاعة ترتجى، ووقع فى بعض الروايات أن الشيطان ألقاها على لسانه، وأن النبى «ص» كان تمنى أن لو نزل عليه شىء يقارب بينه وبين قومه، وفى رواية أخرى: ألا ينزل عليه شىء ينفرهم عنه، وذكر هذه القصة. وأن جبريل﵇- جاءه، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين قال له: ما جئتك بهاتين. فحزن لذلك النبى «ص»، فأنزل الله تعالى تسلية له: «وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى» . الاية. وقوله: (وإن كادوا ليفتنونك) وباطل القصة المفتراة أسود قاتم. ولكنى عنيت بنقل الرد عليها؛ لأن هذه الأسماء الاتية ذكرت مع هذه القصة، ولا شك فى أن كثيرا منهم لا يمكن أن نصدق أنه يرويها، أو يصدق بها مثل ابن عباس ﵁، وتدبر هذه الأسماء التى جعلتنى أعنى بدحض هذه الفرية الملعونة: «سعيد بن جبير، شعبة، أمية بن خالد الذى يقال عنه: إنه ثقة مشهور، وأبو بشر، ومحمد بن كعب القرظى ومحمد بن قيس وابن شهاب الزهرى، والسدى، وموسى ابن عقبة، وابن إسحاق وعكرمة وسليمان التميمى، والعوفى والبزار» من هؤلاء من له ذكر بايمان عظيم ومن له ذكر بما ينال شيئا من صدق إيمانه، وعفا الله عمن رواها دون تعقيب يهدمها من هؤلاء الذين نسبت إليهم رواية ما لهذه الأكذوبة، وإليك ما رد به القاضى عياض فى الشفاء على تلك الفرية النجسة: «هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند متصل سليم، وإنما أولع به وبمثله
[ ٣ / ٣٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَسَمّى الّذِينَ قَدِمُوا مِنْهُمْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الخبر، وذكر فيهم طليبا، وقال
_________________
(١) - المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم، وصدق القاضى بكر بن العلاء المالكى حيث قال: لقد بلى الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقلته واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده واختلاف كلماته، فقائل يقول: إنه فى الصلاة وآخر يقول: قالها فى نادى قومه حين نزلت عليه السورة، وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه، وأن النبى «ص» لما عرضها على جبريل، قال: ما هكذا أقرأتك وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبي- ص- قرأها، فلما بلغ النبى- ص- ذلك قال: والله ما هكذا نزلت- إلى غير ذلك من اختلاف الرواة، ومن حكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين والتابعين، لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية والمرفوع فيها حديث شعبة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: فيما أحسب أن النبى «ص» كان بمكة وذكر القصة. قال أبو بكر البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبى- ص- بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير، وإنما يعرف عن الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس، فقد بين لك أبو بكر﵀- أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبه عليه مع وقوع الشك فيه- كما ذكرنا- الذى لا يوثق به ولا حقيقة معه، وأما حديث الكلبى فمما لا يجوز الرواية عنه، ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه، كما أشار إليه البزار، والذى منه فى الصحيح أن النبى «ص» قرأ: والنجم وهو بمكة، فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس» أقول: قوله الذى فى الصحيح يعنى ما روى فى البخارى ومسلم عن ابن مسعود، وليس فيه حديث الغرانيق، بل روى هذا الحديث من طرق كثيرة، وليس فيها حديث الغرانيق، وبعد أن فرغ القاضى عياض من،
[ ٣ / ٣٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي نَسَبِهِ: ابْنُ أَبِي كَبِيرِ بْنِ عَبْدِ بْنِ قُصَيّ، وَزِيَادَةُ أَبِي كَبِيرٍ فِي هَذَا الموضع لا يوافق عليه
_________________
(١) - توهين الفرية من طريق النقل، مضى يكر عليها بالحجة العقلية الدامغة، فيقول: «أجمعت الأمة على عصمته- ص- ونزاهته عن مثل هذه النقيصة إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله، وهو كفر، أو أن يتسور عليه الشيطان، ويشبه عليه القرآن، حتى يجعل فيه ما ليس منه، ويعتقد النبى- ص- أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل﵇- وذلك كله ممتنع فى حقهﷺ- أو يقول ذلك النبى- ص- من قبل نفسه عمدا، وذلك كفر، أو سهوا، وهو معصوم من هذا كله، وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته- ص- من جريان الكفر على قلبه أو لسانه لا عمدا ولا سهوا، أو أن يشبه عليه ما يلقيه الملك مما يلقى الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على الله لا عمدا، ولا سهوا ما لم ينزل عليه، وقد قال تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ) الحاقة: ٤٤- ٤٧ وقال تعالى: (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ، ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا) الإسراء: ٧٥. ووجه ثان وهو استحالة هذه القصة نظرا وعرفا، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روى لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم. متخاذل التأليف والنظم. ولما كان النبى «ص» ولا من بحضرته من المسلمين. وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك. وهذا لا يخفى على أدنى متأمل. فكيف ممن رجح حلمه. واتسع فى باب التبيان. ومعرفة فصيح الكلام علمه» ثم أكد أن القصة لو حدثت لوجدت بها قريش على المسلمين الصولة. ولأقامت اليهود بها عليهم الحجة. لأنهم كانوا يتربصون بالنبى وبالمسلمين لأفل فتنة، ولكنا نجد هذه القصة مروية عن طريق ضعيفة. وأنه لم يرو عن معاند فيها كلمة، ولا عن مسلم بسببها بنت شفة، ولا شك فى إدخال بعض شياطين الجن والإنس هذا الحديث على بعض مغفلى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ــ المحدثين. ليلبس به على ضعفاء المسلمين ص ١١٦ وما بعدها ح ٢ الشفاء طبعة سنة ١٢٩٠ هـ مطبعة خليل أفندى وتدبر مع هذا قول الله سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) الحجر: ٩ وقوله: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) المائدة: ٦٧ فإن زاد أو نقص فما بلغ رسالته. إنما بلغ حقا ممتزجا بباطل. وتدبر قوله العظيم: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) النجم: ٣: ٤ وقوله سبحانه: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى) الأعلى والفخر الرازى- على ما فيه- يقول: هذه القصة باطلة وموضوعة ولا يجوز القول بها. وقال البيهقى: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل. والمراد بالغرانيق: الأصنام. وهى فى الأصل: الذكور من طير الماء. وقيل: الطويل العنق الأبيض، وقيل: هو الكركى واحدها: غرنوق بضم النون والغين، وبكسر الغين وإسكان الراء وفتح النون. وبضم الغين وفتح النون. وغرنيق بكسر الغين والنون، وغرناق بفتح الغين والراء والنون، وغرناق بكسر الغين وإسكان الراء. وغرانق: الشاب الأبيض الجميل، وجمعها: الغرانق والغرانيق. وقد شبهوا أصنامهم بالغرانيق وهى الطيور التى تعلو فى السماء وترتفع.. والعجب أن الحافظ بن حجر يحاول فى الفتح الدفاع عن قواعد المحدثين، ويغفل عن الطعنة الغادرة التى اقترفت ضد الرسالة والرسول. فيقول عن النقد العظيم الذى وجهه القاضى عياض لطرق الحديث «وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد. فان الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلا. وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح. وهى مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمراسيل، وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض، وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر» ص ٣٥٥ ج ٨ لست أدرى أيمكن أن نجعل لقواعد بشرية متهافتة مكانة فوق الحق المبين من هدى الله؟ إننا هنا يجب أن نعتصم بقواعد الحق المبين، لا بقواعد المحدثين التى يؤدى الدفاع عنها هنا إلى النيل من قداسة القرآن وعصمة الرسول ﷺ، ولا سيما إذا وجدنا أن التأويلات التافهة التى سنساند بها هذه
[ ٣ / ٣٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَذَلِكَ وَجَدْت فِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الشّيْخِ التّنْبِيهِ عَلَى هَذَا «١» وَذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ وَنَسَبَهُ كَمَا نسبه ابن إسحق بِزِيَادَةِ: أَبِي كَبِيرٍ، وَكَانَ بَدْرِيّا فِي إحْدَى الروايتين عن ابن إسحق، وَكَذَلِكَ قَالَ الْوَاقِدِيّ وَابْنُ عُقْبَةَ، وَمَاتَ بِأَجْنَادَيْنِ شَهِيدًا لَا عَقِبَ لَهُ.
تَأْوِيلُ: كُلّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ لبيد:
_________________
(١) - القواعد تأويلات لا يشهد لها نقل، ولا يحترمها عقل، القضية المعروضة: أيسجد محمد لصنم، ويثنى على صنم، ويفترى على الله الكذب؟ أيخفى على محمد- وقد هداه القرآن- حقيقة الكفر وألفاظ الكفر ويعبث الشيطان به؟ كل مسلم يلعن من ينسب إلى الرسول هذا الفرية الخبيثة الجاحدة. وأقول هنا تعليقا على قوله سبحانه: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) إنها وردت فى سورة الحج عقب التذكير بالقوم الذين كذبوا رسلهم، وببعض مواقف المشركين منه ﷺ، وإملاء الله للقرى وهى ظالمة، وكذلك التذكير بمصير الصالحين والمعاندين. إن ورودها كذلك يؤكد أن التمنى المقصود هو تمنيه ﷺ إسلام قومه كما تمنى الرسل والنبيون قبله. وأن إلقاء الشيطان فى أمنية الرسول (ص) هو وسوسته التى يبثها فى نفوس أوليائه؛ ليحملهم على البقاء على الكفر، فلا تتحقق أمنية الرسول (ص)، وأما نسخ الله لما يلقى الشيطان، فهو نصره لرسوله وتأييده له حتى يؤمن الكثير من قومه، كما فعل بيونس وغيره. والله أعلم.
(٢) ورد نسبه فى نسب قريش دون ذكر أبى كبير ص ٢٥٦ أما أبو كبير فهو منهب بن عبد بن قصى فى نسب قريش. شهد بدرا مع النبى «ص» وقتل يوم اليرموك شهيدا. ص ٢٥٧.
[ ٣ / ٣٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَلَا كُلّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ
وَقِصّةُ ابْنِ مَظْعُونٍ إلَى آخِرِهَا، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَشْكُلُ غَيْرَ سُؤَالٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ قَوْلُ رسول اللهﷺ: أصدق كَلِمَةٍ قَالَهَا الشّاعِرُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
أَلَا كُلّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ «١»
فَصَدّقَهُ فِي هَذَا الْقَوْلِ وَهُوَ﵇- يَقُولُ فِي مُنَاجَاتِهِ: «أَنْتَ الْحَقّ، وَقَوْلُك الْحَقّ، وَوَعْدُك الْحَقّ، وَالْجَنّةُ حَقّ، وَالنّارُ حَقّ، وَلِقَاؤُك حَقّ» «٢»، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ:
أَلَا كُلّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ
فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: مَا خَلَا اللهَ: مَا عَدَاهُ، وَعَدَا رَحْمَتِهِ الّتِي وَعَدَ بِهَا مَنْ رَحِمَهُ، وَالنّارُ وَمَا تَوَعّدَ بِهِ مَنْ عِقَابِهِ، وَمَا سِوَى هَذَا فَبَاطِلٌ أَيْ: مُضْمَحِلّ وَالْجَوَابُ الثّانِي: أَنّ الْجَنّةَ وَالنّارَ وَإِنْ كَانَتَا حَقّا، فَإِنّ الزّوَالَ عَلَيْهِمَا جَائِزٌ لِذَاتِهِمَا، وَإِنّمَا يَبْقَيَانِ بِإِبْقَاءِ اللهِ لَهُمَا، وَأَنّهُ يَخْلُقُ الدّوَامَ لأهلهما على
_________________
(١) رواه الشيخان عن أبى هريرة. وفى رواية لمسلم: أصدق بيت. وفى رواية لأحمد والترمذى عن أبى هريرة: أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد، وهذه الرواية ترفع إشكال السهيلى، وقد عد البخارى وابن أبى خيثمة وغيرهما لبيدا، فى الصحابة. وقيل: عاش قرنا ونصفا أو أكثر، ومات فى خلافة عثمان. وهو القائل. ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس: كيف لبيد
(٢) رواه البخارى
[ ٣ / ٣٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الدّوَامَ وَالْبَقَاءَ مَعْنًى زَائِدًا عَلَى الذّاتِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيّ، وَإِنّمَا الْحَقّ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الزّوَالُ، وَهُوَ الْقَدِيمُ «١» الّذِي انْعِدَامُهُ مُحَالٌ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ ﵇: أَنْتَ الْحَقّ بِالْأَلِفِ وَاللّامّ، أَيْ الْمُسْتَحِقّ لِهَذَا الِاسْمِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَقَوْلُك الْحَقّ؛ لِأَنّ قَوْلَهُ قَدِيمٌ، وَلَيْسَ بِمَخْلُوقِ فَيَبِيدُ، وَوَعْدُك الْحَقّ، كَذَلِكَ، لِأَنّ وَعْدَهُ كَلَامُهُ، هَذَا مُقْتَضَى الْأَلِفِ وَاللّامّ، ثُمّ قَالَ: وَالْجَنّةُ حَقّ، وَالنّارُ حَقّ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ، وَلِقَاؤُك حَقّ كَذَلِكَ؛ لِأَنّ هَذِهِ أُمُورٌ مُحْدَثَاتٌ وَالْمُحْدَثُ لَا يَجِبُ لَهُ الْبَقَاءُ مِنْ جِهَةِ ذَاتِهِ، وَإِنّمَا عَلِمْنَا بَقَاءَهَا مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ الصّادِقِ الّذِي لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخُلْفُ، لَا مِنْ جِهَةِ اسْتِحَالَةِ الْبَقَاءِ عَلَيْهَا، كَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَى الْقَدِيمِ- سُبْحَانَهُ- الّذِي هُوَ الْحَقّ، وَمَا خَلَاه بَاطِلٌ، فَإِمّا جَوْهَرٌ وَإِمّا عَرَضٌ، وَلَيْسَ فِي الْأَعْرَاضِ إلّا ما يجب له الفناء، ولا فى الجواهر إلّا مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْفَنَاءُ وَالْبُطُولُ، وَإِنْ بَقِيَ وَلَمْ يَبْطُلْ فَجَائِزٌ أَنْ يَبْطُلَ. وَأَمّا الحق- سبحانه-
_________________
(١) لم يرد فى قرآن ولا سنة وصف الله بالقدم، وإنما ورد فى القرآن وصفه بأنه الأول. أما القدم فكانت صفة للضلال: (قالُوا: تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ) يوسف: ٩٥ وللعرجون: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) يس: ٣٩ والإفك: (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ، فَسَيَقُولُونَ: هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ) الأحقاف: ١١ والاباء الضالين السابقين: (قالَ: أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ) الشعراء: ٧٦ ولا يجوز وصف الله بصفة هذا استعمالها وهذه مواردها فى القرآن الكريم، كما لا يجوز أن يسمى الله أو يوصف إلا بما سمى ووصف به نفسه، ولو وضعت صفة أنه «الأول» بدلا من قديم لاستراح الفكر البشرى من هذا الجدل المحموم الذى استمر حتى الان حول صفة القدم ومدلولها ونسبتها إلى الله والعالم. فلا ينكر حتى زنادقة الفلسفة وملحدو الإشراقية أنه سبحانه هو: الأول.
[ ٣ / ٣٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَلَيْسَ مِنْ الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ، فَاسْتَحَالَ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ لَهُمَا، أَوْ يَجُوزُ عَلَيْهِمَا.
ذَكَرَ حَدِيثَ أبى بكر مع ابن الرغنة:
وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي بَكْرٍ حِينَ لَقِيَ ابْنَ الدّغُنّةِ، وَاسْمُهُ: مَالِكٌ، وَهُوَ سَيّدُ الْأَحَابِيشِ، وَقَدْ سَمّاهُمْ ابْنُ إسْحَاقَ، وَهُمْ: بَنُو الْحَارِثِ وَبَنُو الْهُونِ مِنْ كِنَانَةَ، وَبَنُو الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ تَحَبّشُوا، أَيْ: تَجَمّوْا، فَسُمّوا الْأَحَابِيشَ. قِيلَ:
إنّهُمْ تَحَالَفُوا عِنْدَ جُبَيْلٍ، يُقَالُ لَهُ حُبْشِيّ «١»، فَاشْتُقّ لَهُمْ مِنْهُ هَذَا الِاسْمُ.
وَقَوْلُهُ لِأَبِي بَكْرٍ: إنّك لِتَكْسِبَ الْمَعْدُومَ «٢»، يُقَالُ: كَسَبْتِ الرّجُلَ مَالًا،
_________________
(١) قال عنه ابن دريد فى الاشتقاق: جبل يقال له حبشى. ص ١٩٣.
(٢) فى رواية للبخارى أنه قال له: «إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم وتحمل الكل، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق» ونحن نلحظ أنه عين ما قالته أم المؤمنين خديجة ﵂ للنبى ﷺ حين عاد إلى البيت ليلة الوحى والحديث فى البخارى بسنده عن عروة بن الزبير عن عائشة، وفيه أن أبا بكر خرج مهاجر إلى أرض الحبشة حتى بلغ برك- الكسر أشهر- الغماد، والدغنة بفتح الدال وكسر الغين وتخفيف النون، أو فتحها وفتح النون مع تشديدها، أو بضم الدال والغين وتشديد النون، وسمى بهذا لاسترخاء فى لسانه. أو لأن الدغنة أمه، أو أم أبيه، وقيل: دابته. وفى رواية البخارى: «وارتحل معه ابن الدغنة فطاف ابن الدغنة عشية فى أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج» وفيه أيضا: «فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه فى داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ فى غير داره، ثم بدا لأبى بكر، فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلى فيه، ويقرأ القرآن، فيتقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم» . رواه البخارى فى باب الهجرة إلى المدينة مطولا. وفى مواضع أخرى مختصرا.
[ ٣ / ٣٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَتَعُدّيهِ إلَى مَفْعُولَيْنِ، هَذَا قَوْلُ الْأَصْمَعِيّ، وَحَكَى غَيْرُهُ: أَكَسَبْته مَالًا، فَمَعْنَى تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، أَيْ: تكسب غَيْرَك مَا هُوَ مَعْدُومٌ عِنْدَهُ، وَالدّغُنّةُ: اسْمُ امْرَأَةٍ عُرِفَ بِهَا الرّجُلُ، وَالدّغْنُ: الْغَيْمُ يَبْقَى بَعْدَ الْمَطَرِ.
عَنْ الشّعْبِ وَنَقْضِ الصّحِيفَةِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ نَقْضَ الصّحِيفَةِ، وَقِيَامَ هِشَامٍ فِيهَا وَنَسَبَهُ، فقال: هشام ابن الْحَارِثِ، بْنُ حَبِيبٍ، وَفِي الْحَاشِيَةِ عَنْ أَبِي الوليد: إنما هو هشام بن عمرو ابن رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ «١»، وَهَكَذَا وَقَعَ نَسَبُهُ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَكَانَ أَبُوهُ عَمْرٌو أَخَا نَضْلَةَ بْنِ هَاشِمٍ لِأُمّهِ.
وَذَكَرَ أَنّهُ كَانَ يَأْتِي بِالْبَعِيرِ قَدْ أَوْقَرَهُ بَزّا بِالزّايِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِي غَيْرِ نُسْخَةِ الشّيْخِ أَبِي بحر: برّا، وفى رواية يونس: بزّا أَوْ بُرّا عَلَى الشّكّ مِنْ الرّاوِي.
وَذَكَرَ أَنّ مَنْصُورَ بْنَ عِكْرِمَةَ كَانَ كَاتِبَ الصّحِيفَةِ، فشلّت يده، وللنّسّاب
_________________
(١) لعل المؤلف كانت بيده نسخة من السيرة غير التى معنا، فالتى معنا فيها: هاشم بن عمرو بن ربيعة، ونسبه مختلف عما فى كتاب نسب قريش، فهو فيه هكذا: «هِشَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بن حبيب بن جذيمة بن مالك اين حسل بن عامر بن لؤى، فهو فى النسب كما ترى من نسل جذيمة بن مالك، أما فى السيرة فهو من نسل نصر بن مالك شقيق جذيمة، وقد قال مصعب عن هاشم هذا: «وهو الذى قَامَ فِي نَقْضِ الصّحِيفَةِ الّتِي كَتَبَتْ قُرَيْشٌ على بنى هاشم فى نفر قاموا معه، منهم: مطعم بن عدى بن نوفل وزمعة بن الأسود بن المطلب، وأبو البخترى بن هشام بن الحارث فى رجال من قريش» ص ٤٣١، وانظر أيضا ص ٤١٢ عن سلالة عامر بن لؤى
[ ٣ / ٣٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْ قُرَيْشٍ فِي كَاتِبِ الصّحِيفَةِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: أن كاتب الصحيفة هو: بغيض ابن عَامِرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عبد الدار، والقول الثانى: أنه منصور ابن عبد شرحبيل بن هاشم من بنى عبدا الدّارِ أَيْضًا، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الزّبَيْرُ فِي كَاتِبِ الصّحِيفَةِ غَيْرَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، وَالزّبَيْرِيّون أَعْلَمُ بِأَنْسَابِ قَوْمِهِمْ «١» .
وَذَكَرَ مَا أَصَابَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ رَسُولِ اللهِﷺ- فِي الشّعْبِ مِنْ ضِيقِ الْحِصَارِ لَا يُبَايَعُونَ وَلَا يُنَاكَحُونَ، وَفِي الصّحِيحِ: أَنّهُمْ جَهِدُوا حَتّى كَانُوا يَأْكُلُونَ الْخَبَطَ وَوَرَقَ السّمَرِ، حَتّى إنّ أَحَدَهُمْ لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشّاةُ «٢»، وَكَانَ فِيهِمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ. رُوِيَ أَنّهُ قَالَ: لَقَدْ جُعْت، حَتّى إنّي وَطِئْت ذَاتَ لَيْلَةٍ عَلَى شَيْءٍ رَطْبٍ، فَوَضَعْته فِي فَمِي وَبَلَعْته، وَمَا أَدْرِي مَا هُوَ إلَى الْآنَ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ: أَنّ سَعْدًا قَالَ: خَرَجْت ذَاتَ لَيْلَةٍ لِأَبُولَ، فَسَمِعْت قَعْقَعَةً تَحْتَ الْبَوْلِ، فَإِذَا قِطْعَةٌ مِنْ جِلْدِ بَعِيرٍ يَابِسَةٍ، فَأَخَذْتهَا وَغَسَلْتهَا، ثُمّ أَحْرَقْتهَا ثُمّ رَضَضْتهَا، وَسَفِفْتهَا بِالْمَاءِ، فَقَوِيت بِهَا ثَلَاثًا، وَكَانُوا إذَا قَدِمَتْ الْعِيرُ مَكّةَ يَأْتِي أَحَدُهُمْ السّوقَ لِيَشْتَرِيَ شَيْئًا مِنْ الطّعَامِ لِعِيَالِهِ، فَيَقُومُ أَبُو لَهَبٍ عدوّ الله، فيقول:
_________________
(١) ذكر هما المصعب الزبيرى ص ٢٣٢ نسب قريش، وذكر أن كنية منصور هى: أبو الروم
(٢) فى اللسان: «وأما الذى فى حديث سعد: إن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة. أراد: ان نجوهم- النجو: ما يخرج من البطن من غائط- كان يخرج بعرا ليبسه من أكلهم ورق السمر، وعدم الغذاء المألوف» مادة وضع.
[ ٣ / ٣٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَا مَعْشَرَ التّجّارِ: غَالُوا عَلَى أَصْحَابِ مُحَمّدٍ، حَتّى لَا يُدْرِكُوا مَعَكُمْ شَيْئًا، فَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا لِي وَوَفَاءُ ذِمّتِي، فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لَا خَسَارَ عَلَيْكُمْ، فَيَزِيدُونَ عَلَيْهِمْ فِي السّلْعَةِ، قِيمَتُهَا أَضْعَافًا حَتّى يَرْجِعَ إلَى أَطْفَالِهِ، وَهُمْ يَتَضَاغَوْنَ مِنْ الْجَوْعِ، وَلَيْسَ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ يُطْعِمُهُمْ بِهِ، وَيَغْدُو التّجّارُ عَلَى أَبِي لَهَبٍ، فَيُرْبِحُهُمْ فِيمَا اشْتَرَوْا مِنْ الطّعَامِ وَاللّبَاسِ، حَتّى جَهِدَ الْمُؤْمِنُونَ، وَمَنْ مَعَهُمْ جَوْعًا وَعُرْيًا، وَهَذِهِ إحْدَى الشّدَائِدِ الثّلَاثِ الّتِي دَلّ عَلَيْهَا تَأْوِيلُ الْغَطّات الثّلَاثِ الّتِي غَطّهُ جِبْرِيلُ حِينَ قَالَ لَهُ: اقْرَأْ، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَانَ فِي الْيَقَظَةِ، وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ لَهُ فِي مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ تَأْوِيلٌ وَإِيمَاءٌ، وَقَدْ تَقَدّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى هَذَا قَبْلُ، وَإِلَى آخِرِ حَدِيثِ الصّحِيفَةِ لَيْسَ فِيهَا مَا يَشْكُلُ «١»
_________________
(١) كان ابتداء حصرهم فى المحرم سنة سبع من المبعث، فأقاموا سنتين أو ثلاثا كما روى ابن إسحاق، وجزم موسى بن عقبة بأنها كانت ثلاث سنين. وذكر الواقدى أن خروجهم من الشعب كان فى سنة عشر من المبعث، ومات أبو طالب بعد أن خرجوا بقليل. ويقول الحافظ فى فتح البارى: «ولما لم يثبت عند البخارى شىء من هذه القصة اكنفى بإيراد حديث أبى هريرة: نصه: «قال: قال رسول الله (ص) حين أراد حنينا: منزلنا غدا إن شاء الله بخيف بنى كنانة، حيث تقاسموا على الكفر» لأن فيه دلالة على أصل القصة، لأن الذى أورده أهل المغازى من ذلك كالشرح لقوله فى الحديث: على الكفر» ص ١٥٢ وما بعدها ج ٧ فتح البارى. ويقول الحافظ فى نفس المكان أيضا عما أكلته الأرضة من الصحيفة: «أما ابن إسحاق وموسى بن عقبة وعروة فذكروا عكس ذلك أن الأرضة لم تدع اسما لله إلا أكلته، وبقى ما فيها من الظلم والقطيعة» قال البرهان ما حاصله: وهذا أثبت من الأول ص ٢٩٠ ج ١ شرح المواهب اللدنية.
[ ٣ / ٣٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شرح والية أَبِي طَالِبٍ:
وَقَوْلُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا «١» قَدْ أَتَى بَحْرِيّنَا، يَعْنِي الّذِينَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، نَسَبَهُمْ إلَى الْبَحْرِ لِرُكُوبِهِمْ إيّاهُ، وَهَكَذَا وَجْهُ النّسَبِ إلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ ﵇:
إذَا نَشَأَتْ بَحْرِيّةٌ، وَزَعَمَ ابْنُ سِيدَهْ فِي كِتَابِ الْمُحْكَمِ لَهُ أَنّ الْعَرَبَ تَنْسِبُ إلَى الْبَحْرِ: بَحْرَانِيّ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَأَنّهُ مِنْ شَوَاذّ النّسَبِ، وَنُسِبَ هَذَا الْقَوْلُ إلَى سِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيلِ، وَلَمْ يَقُلْهُ سِيبَوَيْهِ قَطّ، وَإِنّمَا قَالَ فِي شَوَاذّ النّسَب: تَقُولُ فِي بَهْرَاءَ: بَهْرَانِيّ، وَفِي صَنْعَاءَ: صَنْعَانِيّ، كَمَا تَقُولُ: بَحْرَانِيّ فِي النّسَبِ إلَى الْبَحْرَيْنِ الّتِي هِيَ مَدِينَةٌ، وَعَلَى هَذَا تَلَقّاهُ جَمِيعُ النّحَاةِ، وَتَأَوّلُوهُ مِنْ كَلَامِ سِيبَوَيْهِ، وَإِنّمَا شُبّهَ عَلَى ابْنِ سِيدَهْ لِقَوْلِ الْخَلِيلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، أَعْنِي مَسْأَلَةَ النّسَبِ إلَى الْبَحْرَيْنِ، كَأَنّهُمْ بَنَوْا الْبَحْرَ عَلَى بَحْرَانِ، وَإِنّمَا أَرَادَ لفظ البحرين «٢» ألا تراه يقول
_________________
(١) فى السيرة: ألا هل.
(٢) قياسها: بحرينى. ولكنهم قالوا: بحرانى، فقياس المثنى المجعول نونه معتقب الإعراب أن يكون فى الأحوال بالألف، فإلزام البحرين الياء شاذ إذن وإذا جعل نون المثنى معتقب الإعراب لم يحذف فى النسب لا هو ولا الألف فقيل: بحرانى على أنه منسوب إلى البحران المجعول نونه معتقب الإعراب ص ٨٢ ح ٢ شرح الشافية، وللتوضيح أقول: من العلماء من يلزم المثنى إذا سمى به الألف والنون ويعربه إعراب ما لا ينصرف، ومنهم من يلزمه الألف والنون ويصرفه فتظهر علامات الإعراب على النون رفعا وجرا ونصبا، ولا تكون الألف علامة إعراب، ولهذا ينسب إلى المثنى حينئذ دون حذف شىء منه مثل بحرانى. وقياس صنعاء وبهراء فى النسب: بهراوى وصنعاوى مثل حمراوى، ولكنهم أبدلوا النون من الواو شذوذا للمناسبة التى بينهما. وقيل فى النون التى فى صنعانى إنها بدل من الهمزة فى صنعاء، أو بدل من الواو فى نسبها القياسى، وهو صنعاوى كأنهم قالوا: صنعاوى كصحراوى، ثم أبدلوا من الواو نونا، وهو المختار عند
[ ٣ / ٣٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي كِتَابِ الْعَيْنِ: تَقُولُ بَحْرَانِيّ فِي النّسَبِ إلَى الْبَحْرَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْ النّسَبَ إلَى الْبَحْرِ أَصْلًا لِلْعِلْمِ بِهِ، وَأَنّهُ عَلَى الْقِيَاسِ جَارٍ، وَفِي الْغَرِيبِ الْمُصَنّفِ عَنْ الْيَزِيدِيّ أَنّهُ قَالَ: إنّمَا «١» قَالُوا: بَحْرَانِيّ فِي النّسَبِ إلَى الْبَحْرَيْنِ، وَلَمْ يَقُولُوا: بَحْرِيّ لِيُفَرّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النّسَبِ إلى البحر، وما زال ابن سيدة بعثر فِي هَذَا الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ [عَثَرَاتٌ] يَدْمِي مِنْهَا الْأَظَلّ، وَيَدْحَضُ دَحَضَاتٍ تُخْرِجُهُ إلَى سَبِيلِ مَنْ ضَلّ «٢» أَلَا تَرَاهُ قَالَ فِي هَذَا الْبَابِ: وَذَكَرَ بُحَيْرَةَ طَبَرِيّةَ، فَقَالَ: هِيَ مِنْ أَعْلَامِ خُرُوجِ الدّجّالِ، وَأَنّ مَاءَهَا يَيْبَسُ عِنْدَ خُرُوجِهِ، والحديث: إنما جاء فى «٣» عين زُغَرٍ، وَإِنّمَا ذَكَرْت بُحَيْرَةَ طَبَرِيّةَ فِي حَدِيثِ يأجوج ومأجوج،
_________________
(١) - الزمخشرى، لأن النون من الفم، والهمزة من أقصى الحلق، فلا مناسبة بينهما، أما النون فتقارب الواو. وقد سبق ذكر شىء من هذا. هذا وقد ورد فى اللسان منسوبا إلى ابن سيدة: «والنسب إلى البحر: بحرانى على غير قياس. قال سيبويه قال الخليل: كأنهم بنوا الاسم على فعلان» ثم نقل ابن منظور بعد هذا عين ما ذكره السهيلى ردا على ابن سيدة، وقد نسبه إلى السهيلى. وفيه: «اشبته على ابن سيدة» بدلا من شبه. والزيدى بدلا من اليزيدى.
(٢) فى الأصل: إذا، والتصويب من اللسان ص ٢٣٣ الذى وردت فيه نفس هذه الفقرة.
(٣) الأظل باطن الإصبع، ودحض كقطع: زلقت رجله.
(٤) فى اللسان: غور. وفى معجم البكرى: عين زغر اختلف فيها، فقيل هى بالشام. قال الكلبى: زغر: امرأة نسبت إليها هذه العين. وفى حديث على أن عين زغر بالبصرة. وعين زغر هى التى سأل عنها الدجال فى حديث تميم الدارى. وقال ابن سهل الأحول: سميت بزغر بنت لوط. وفى المراصد: قرية بمشارف الشام فى طرف البحيرة المنتنة، وتسمى البحيرة بها، وهى قرب الكرك.
[ ٣ / ٣٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَنّهُمْ يَشْرَبُونَ مَاءَهَا، وَقَالَ فِي الْجِمَارِ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ: [إنّمَا] هِيَ الّتِي تُرْمَى بِعَرَفَةَ، وَهَذِهِ هَفْوَةٌ لَا تُقَالُ، وَعَثْرَةُ [لَا] لعالها «١» وَكَمْ لَهُ مِنْ هَذَا إذَا تَكَلّمَ فِي النّسَبِ وَغَيْرِهِ «٢»، وَمِنْ النّسَبِ إلَى الْبَحْرِ قَوْلُهُ ﵇ لِأَسْمَاءِ بِنْتِ عُمَيْسٍ حِينَ قَدِمَتْ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ: الْبَحْرِيّةُ الْحَبَشِيّةُ، فَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا هَلْ أَتَى بَحْرِيّنَا.
وَقَوْلُهُ: وَاَللهُ بِالنّاسِ أَرْوَدُ: أَيْ: أَرْفَقُ، وَمِنْهُ: رُوَيْدك، أَيْ: رِفْقًا جَاءَ بِلَفْظِ التّصْغِيرِ؛ لِأَنّهُمْ يُرِيدُونَ بِهِ تَقْلِيلًا أَيْ: اُرْفُقْ قَلِيلًا، وَلَيْسَ لَهُ مُكَبّرٌ مِنْ لَفْظِهِ؛ لِأَنّ الْمَصْدَرَ: إرْوَادًا، إلّا أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ تَصْغِيرِ التّرْخِيمِ، وَهُوَ أَنْ تُصَغّرَ الِاسْمُ الّذِي فِيهِ الزّوَائِدُ، فَتَحْذِفُهَا فِي التّصْغِيرِ، فَتَقُولُ فِي أَسْوَدَ: سُوَيْد، وَفِي مِثْلِ إرْوَادٍ: رُوَيْدٌ «٣» .
وَقَوْلُهُ: مَنْ لَيْسَ فِيهَا بِقَرْقَرِ: أَيْ: لَيْسَ بِذَلِيلِ، لِأَنّ الْقَرْقَرَ: الأرض
_________________
(١) لعا: صوت معناه: الدعاء للعاثر بأن يرتفع من عثرته. يقال: لعا لفلان وفى الدعاء عليه بالتعس: يقولون: لا لعاله. والسياق يقتضى وجود كلمة: لا. وقد وضعتها لهذا، ومع ذلك فهى فى اللسان الذى نقل هذا النص كله عن السهيلى.
(٢) إلى هنا انتهى ما نقله اللسان عن الروض، وقد نقل من أول: زعم ابن سيدة فى كتاب المحكم.
(٣) تصغير الترخيم شاذ قليل، ويرى الفراء أن العلم وحده هو الذى يصغر تصغير الترخيم، لأن ما يبقى منه بعد الترخيم دليل على ما حذف لشهرة العلم، وأجازه البصريون فى غير العلم واستشهدوا بالمثل: عرف حميق جمله فصغر أحمق تصغير ترخيم.
[ ٣ / ٣٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمَوْطُوءَةُ الّتِي لَا تَمْنَعُ سَالِكَهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدُ بِهِ: لَيْسَ بِذِي هَزْلٍ، لِأَنّ الْقَرْقَرَةَ: الضّحِكُ.
وَقَوْلُهُ: وَطَائِرُهَا فِي رَأْسِهَا يَتَرَدّدُ. أَيْ: حَظّهَا مِنْ الشّؤْمِ وَالشّرّ، وَفِي التّنْزِيلِ: أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ الْإِسْرَاءُ: ١٣، وَقَوْلُهُ: لَهَا حُدُجٌ سَهْمٌ وَقَوْسٌ وَمِرْهَدُ، وَجَدْت فِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الشّيْخِ مِمّا كَتَبَهُ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الْكِنَانِيّ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ: لَعَلّهُ حُدُجٌ بِضَمّ الْحَاءِ وَالدّالِ جَمْعُ حِدْجٍ عَلَى مَا حَكَى الْفَارِسِيّ، وَأَنْشَدَ شَاهِدًا عَلَيْهِ عَنْ ثَعْلَبٍ:
قُمْنَا فَآنَسْنَا الْحُمُولَ وَالْحُدُجْ
وَنَظِيرُهُ: سِتْرُ وَسُتُرٌ، ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ سِيدَهْ فِي مُحْكَمِهِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى:
إنّ الّذِي يَقُومُ لَهَا مَقَامَ الْحُدُجِ سَهْمٌ وَقَوْسٌ وَمِرْهَدُ. إلَى هُنَا انْتَهَى مَا فِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الشّيْخِ. قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَفِي الْعَيْنِ: الْحَدَجُ: حَسَكُ الْقُطْبِ [مَا دَامَ رَطْبًا] فَيَكُونُ «١» الْحَدَجُ فِي الْبَيْتِ مُسْتَعَارًا مِنْ هَذَا، أَيْ: لَهَا حَسَكٌ، ثُمّ فَسّرَهُ فَقَالَ: سَهْمٌ وَقَوْسٌ وَمِرْهَدُ «٢»، هَكَذَا فِي الْأَصْلِ بِالرّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ
_________________
(١) القطب: ضرب من النبات يذهب حبالا على الأرض طولا، وله زهرة صغراء، وشوكه إذا حصد ويبس يشق على الناس أن يطئوه، وفى الأصل: الحدج حسك العبط. والعبط: القطن، وهذا لا يتفق مع ما قبله من قوله: «الحدج حسك» وما أثبته من اللسان، وما بين القوسين زيادة من اللسان، وقول الفارسى عن ثعلب موجود فى اللسان؛ وقد فسرها أبو ذر الخشنى بما يأتى: «حدج كثرة، وأصل الحدج: صغار الحنظل والخشخاش، فشبه كثرتهم به.
(٢) عند الخشنى: مرهد بفتح الميم: رمح لين، ومن رواه فرهد، فمعناه
[ ٣ / ٣٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَقْلُوبًا مِنْ مَرْهَدٍ: مَفْعَل مِنْ رَهَدَ الثّوْبَ إذَا مَزّقَهُ، وَيَعْنِي بِهِ رُمْحًا أَوْ سَيْفًا، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقْلُوبٍ، وَيَكُونُ مِنْ الرّهِيدِ، وَهُوَ النّاعِمُ أَيْ: يُنَعّمُ صَاحِبُهُ بِالظّفَرِ، أَوْ يُنَعّمُ هُوَ بِالرّيّ مِنْ الدّمِ، وَفِي بَعْضِ النّسَخِ:
مَزَهد بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالزّاي، فَإِنْ صَحّتْ الرّوَايَةُ بِهِ، فَمَعْنَاهُ: مَزَهد فِي الْحَيَاةِ، وَحِرْصٌ عَلَى الْمَمَاتِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ فِيهَا: إذَا جُعِلَتْ أَيْدِي الْمُفِيضِينَ تَرْعَدُ.
يَعْنِي: أَيْدِي الْمُفِيضِينَ بِالْقِدَاحِ فِي الْمَيْسَرِ، وَكَانَ لَا يُفِيضُ مَعَهُمْ فِي الْمَيْسَرِ إلّا سَخِيّ، وَيُسَمّونَ مَنْ لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ: الْبَرَمُ. وَقَالَتْ امْرَأَةٌ لِبَعْلِهَا- وَكَانَ بَرَمًا بَخِيلًا، وَرَأَتْهُ يُقْرِنُ بَضْعَتَيْنِ فِي الْأَكْلِ: أَبَرَمًا قُرُونًا «١» وَيُسَمّونَهُ أَيْضًا: الْحَصُورَ:
يُرِيدُ أَبُو طَالِبٍ: إنّهُمْ يُطْعِمُونَ إذَا بَخِلَ النّاسُ. وَالْمَيْسَرُ: هِيَ الْجَزُورُ الّتِي تُقْسَمُ، يُقَالُ: يَسَرْت إذَا قَسَمْت، هَكَذَا فَسّرَهُ الْقُتَبِيّ وَأَنْشَدَ:
أَقُولُ لَهُمْ بِالشّعْبِ إذْ يَيْسِرُونَنِي أَلَمْ يَيْأَسُوا أَنّي ابْنُ فَارِسِ زَهْدَمِ «٢»
قَالَ: يَيْسِرُونَنِي أَيْ: يَقْتَسِمُونَ مَالِي، وَيُرْوَى: يأسروننى من الأسر
_________________
(١) - الرمح الذى إذا طعن به، وسع الخرق، ومن رواه مزهد، فهو ضعيف لا معنى له إلا أن يراد به الشدة على معنى الاشتقاق.
(٢) فى اللسان: وفى المثل: أبر ما قرونا. أى: هو برم ويأكل مع ذلك تمرتين تمرتين
(٣) البيت فى اللسان، وقد نسبه فى مادة يسر إلى سحيم بن وثيل اليربوعى. وفيه: ألم تعلموا بدلا من: ألم ييأسوا. كان وقع عليه سباء فضرب عليه بالسهام. وفى مادة زهدم يقول: قال ابن برى: زهدم: اسم لفرس لسحيم بن وثيل، وفيه يقول ابن جابر: أقول لهم بالشعب الخ. والزهدم: الصقر، وزهدم: اسم فرس، وفارس يقال له: فارس زهدم.
[ ٣ / ٣٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: رَفْرَفُ الدّرْعُ أَحْرَدُ. رَفْرَفُ الدّرْعِ: فُضُولُهَا، وَقِيلَ فِي مَعْنَى:
رَفْرَفٍ خُضْرٍ: فُضُولُ الْفُرُشِ وَالْبُسُطِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وَعَنْ عَلِيّ أَنّهَا:
الْمَرَافِقُ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: الرّفَارِفُ: رِيَاضُ الْجَنّةِ، وَالْأَحْرَدُ الّذِي فِي مَشْيِهِ تَثَاقُلٌ، وَهُوَ مِنْ الْحَرَدِ، وَهُوَ: عَيْبٌ فِي الرّجُلِ. وفيه: هم رجعوا سهل بن بَيْضَاءَ رَاضِيًا. سَهْلٌ هَذَا هُوَ: ابْنُ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ ضَبّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ، يُعْرَفُ: بِابْنِ الْبَيْضَاءِ «١»، وَهِيَ أُمّهُ، وَاسْمُهَا: دَعْدُ بِنْتُ جَحْدَمِ بْنِ أُمَيّةَ ابن ضَرِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ إخْوَةٍ: سَهْلٌ وَسُهَيْلٌ وَصَفْوَانُ بَنُو الْبَيْضَاءِ. وَقَوْله:
وَإِنّي وَإِيّاهُمْ كَمَا قَالَ قَائِلٌ لَدَيْك الْبَيَانُ لَوْ تَكَلّمَتْ أَسْوَدُ «٢»
أَسْوَدُ: اسْمُ جَبَلٍ كَانَ قَدْ قُتِلَ فِيهِ قَتِيلٌ، فَلَمْ يُعْرَفْ قَاتِلُهُ، فنال أولياء المقتول هذه المقالة، فذهبت مثلا.
_________________
(١) ورد نسب وهب فى نسب قريش هكذا: «وهب، بن ربيعة بن هلال ابن مالك بن ضبة بن الحارث» ص ٤٤٦ ولم يذكر غير سهيل وصفوان ابن وهب بن ربيعة بن هلال، لكن فى جمهرة ابن حزم: «سهل بن وهب بن ربيعة بن عامر بن مالك بْنِ ضَبّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ «ص ١٦٧ جمهرة ابن حزم، ولم يذكر سهيلا. والأم فى النسب هى: دعد بنت جحدم بن عمرو بن عائش، وفى جمهرة ابن حزم جاء بعد عائش: ابن المطرف بن حارث بن فهر.
(٢) فى النسخة التى معنا: «فإنى وإياكم» وفى القاموس: أسود العين، وأسود النساء، وأسود العشاريات، وأسود الدم، وأسود الحمى: جبال، وفى الخشن أسود: اسم رجل، وأراد: يا أسود، وهو مثل يضرب للقادر على الشىء ولا يفعله ص ١٠٩.
[ ٣ / ٣٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُ حَسّانَ فِي مُطْعِمٍ وَهِشَامِ بْنِ عَمْرٍو:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ حَسّانَ فِي مُطْعِمِ بْنِ عَدِيّ، وَيَذْكُرُ جِوَارَهُ لِلنّبِيّ﵇- وَذَلِكَ حِينَ رَجَعَ مِنْ الطّائِفِ، وَقِيَامُهُ فِي أَمْرِ الصّحِيفَةِ:
فَلَوْ كَانَ مَجْدٌ يُخْلِدُ الدّهْرَ وَاحِدًا مِنْ النّاسِ أَبْقَى مَجْدُهُ الْيَوْمَ مُطْعِمًا «١»
وَهَذَا عِنْدَ النّحْوِيّينَ مِنْ أَقْبَحِ الضّرُورَةِ، لِأَنّهُ قَدّمَ الْفَاعِلَ، وَهُوَ مُضَافٌ إلَى ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ، فَصَارَ فِي الضّرُورَةِ؛ مِثْلَ قَوْلِهِ:
جَزَى رَبّهُ عَنّي عدىّ بن حاتم «٢»
_________________
(١) استشهد به ابن عقيل فى شرح الألفية، وهو يشرح قول ابن مالك. وشاع نحو خاف ربه عمر وشذ نحو زان نوره الشجر أى: شاع تقديم المفعول المشتمل على ضمير يرجع إلى الفاعل المتأخر، وشذ عود الضمير من الفاعل المتقدم على المفعول المتأخر، وإنما شذ ذلك لأن فيه عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة؛ لأن الشجر مفعول به، وهو متأخر لفظا، والأصل فيه أن ينفصل عن الفعل، فهو متأخر رتبة. وقد أجاز هذا الأخفش وابن جنى وأبو عبد الله الطوال وابن مالك فى التسهيل، ونصر الجرجانى مذهب الأخفش، وفى بيتنا هذا أخر المفعول وهو مطعم عن الفاعل، وهو مجده مع أن الفاعل مضاف إلى ضمير يعود على المفعول. فيقتضى رجوع الضمير إلى متأخر لفظا ورتبة. والبيت فى الاشتقاق: «فلو أن مجدا خلد الخ ص ٨٨.
(٢) البيت لأبى الأسود الدؤلى يهجو عدى بن حاتم الطائى، وبقيته: «جزاء الكلاب العاويات وقد فعل» . وقد نسبه ابن جنى إلى النابغة الذبيانى. والشاهد فيه تأخير المفعول وهو عدى، وقدم الفاعل وهو ربه مع اتصال الفاعل بضمير يعود على المفعول. انظر خزانة الأدب للبغدادى ح ١ ص ١٩٠ وما بعدها وشرح ابن عقيل للألفية ح ١ ص ٤٢٠ بتحقيق الشيخ محيى الدين عبد الحميد.
[ ٣ / ٣٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) غَيْرَ أَنّهُ فِي هَذَا الْبَيْتِ أَشْبَهُ قَلِيلًا لِتَقَدّمِ ذِكْرِ مُطْعِمٍ، فَكَأَنّهُ قَالَ: أَبَقِيَ مَجْدُ هَذَا الْمَذْكُورِ الْمُتَقَدّمِ ذِكْرُهُ مُطْعِمًا. وَوَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ، كَمَا لَوْ قُلْت: إنّ زَيْدًا ضَرَبْت جَارِيَتَهُ زَيْدًا، أَيْ: ضَرَبْت جَارِيَتَهُ إيّاهُ، وَلَا بَأْسَ بِمِثْلِ هَذَا، وَلَا سِيّمَا إذَا قَصَدْت قَصْدَ التّعْظِيمِ وَتَفْخِيمَ ذِكْرِ الْمَمْدُوحِ، كَمَا قال الشاعر: ومالى أَنْ أَكُونَ أَعِيبُ يَحْيَى وَيَحْيَى طَاهِرُ الْأَثْوَابِ بَرّ وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عِنْدِي عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ: وَبَكّي عَظِيمَ الْمَشْعَرَيْنِ، وَيَكُونُ الْمَفْعُولُ مِنْ قَوْلِهِ: أَبْقَى مَجْدُهُ مَحْذُوفًا، فَكَأَنّهُ قَالَ: أَبْقَاهُ مَجْدُهُ أَبَدًا، وَالْمَفْعُولُ لَا قُبْحَ فِي حَذْفِهِ، إذَا دَلّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ كَمَا فِي هَذَا الْبَيْتِ. وَذَكَرَ قَوْلَ حَسّانَ فِي هِشَامِ بْنِ عمرو، وقال فيه: للحارث بن حبيّب ابن سُخَامٍ، وَقَدْ تَقَدّمَ نَسَبُهُ، وَهُوَ حُبَيْبٌ بِالتّخْفِيفِ تَصْغِيرُ حِبّ، وَجَعَلَهُ حَسّانُ تَصْغِيرَ حَبِيبٍ، فَشَدّدَهُ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الضّرُورَةِ؛ إذْ لَا يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ فِي فُلَيْسٍ: فُلَيّسٍ، وَلَا فِي كُلَيْبٍ: كُلَيّبٍ فِي شِعْرٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَلَكِنْ لَمّا كَانَ الْحِبّ وَالْحَبِيبُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ جَعَلَ أَحَدُهُمَا مَكَانَ الْآخَرِ، وَهُوَ حَسَنٌ فِي الشّعْرِ، وَسَائِغٌ فِي الْكَلَامِ، وَهِشَامُ بْنُ عَمْرٍو هَذَا أَسْلَمُ، وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي الْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَكَانُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا فِيمَا ذَكَرُوا. وَقَوْلُهُ: ابْنُ سُخَامٍ، هُوَ: اسْمُ أُمّه، وَأَكْثَرُ أَهْلِ النّسَبِ يَقُولُونَ فِيهِ: شُحَام بِشِينِ مُعْجَمَةٍ، وَأَلْفَيْت فِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الشّيْخِ أَنّ أَبَا عُبَيْدَةَ النّسّابَة وَعَوَانَةَ يَقُولُونَ فِيهِ: سُحَامٌ بِسِينِ وَحَاءٍ مُهْمَلَتَيْنِ، وَاَلّذِي فِي الْأَصْلِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ هِشَامٍ:
[ ٣ / ٣٦٣ ]
[إسلام الطفيل بن عمرو الدوسى]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- عَلَى مَا يَرَى مِنْ قَوْمِهِ، يَبْذُلُ لَهُمْ النّصِيحَةَ، وَيَدْعُوهُمْ إلَى النّجَاةِ مِمّا هُمْ فِيهِ. وَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ، حِينَ مَنَعَهُ اللهُ مِنْهُمْ، يُحَذّرُونَهُ النّاسَ، وَمَنْ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعَرَبِ.
وَكَانَ الطّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدّوْسِيّ يُحَدّثُ: أَنّهُ قَدِمَ مَكّةَ- وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بِهَا- فَمَشَى إلَيْهِ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ- وَكَانَ الطّفَيْلُ رَجُلًا شَرِيفًا شَاعِرًا لَبِيبًا- فَقَالُوا لَهُ: يَا طُفَيْلُ، إنّك قَدِمْتَ بِلَادَنَا، وَهَذَا الرّجُلُ الّذِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَدْ أَعْضَلَ بِنَا، وَقَدْ فَرّقَ جَمَاعَتَنَا، وَشَتّتْ أَمْرَنَا، وَإِنّمَا قَوْلُهُ كَالسّحْرِ يُفَرّقُ بَيْنَ الرّجُلِ وَبَيْنَ أَبِيهِ، وَبَيْنَ الرّجُلِ وَبَيْنَ أَخِيهِ، وَبَيْنَ الرّجُلِ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ، وَإِنّا نَخْشَى عَلَيْك وَعَلَى قَوْمِك مَا قَدْ دَخَلَ عَلَيْنَا، فَلَا تُكَلّمَنّهُ وَلَا تسمعنّ منه شيئا.
ــ
سُخَامٌ بِسِينِ مُهْمَلَةٍ، وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ «١» وَلَفْظُ شخام مِنْ شَخِمَ الطّعَامُ، وَخَشَمَ إذَا تَغَيّرَتْ رَائِحَتُهُ، قاله أبو حنيفة.
_________________
(١) فى نسب قريش ص ٤٣٢ أن شحاما بالشين والحاء هو: جذيمة بن مالك ابن حسل، وأنه جد هِشَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بن حبيب بضم الحاء- ابن جذيمة ابن مالك بن حسل. وفيه أيضا أن حبيبا بن جذيمة يقال له: شحام، وأن أمه هى مارية بنت عبد معيص. وفى النسب بيت آخر غير ثلاثة الأبيات التى فى السيرة: أخفى بنو خلف وأخنى قنفذ وأبو الربيع، وطار ثوب هشام ونسب هشام فى الجمهرة كما هو فى النسب ص ١٦٠، وفى الإصابة: حنيف بدلا من حبيب. وأن هشاما أعطاه النبى (ص) دون المائة من غنائم حنين.
[ ٣ / ٣٦٤ ]
قال: فو الله مَا زَالُوا بِي حَتّى أَجْمَعْتُ أَنْ لَا أَسْمَعَ مِنْهُ شَيْئًا، وَلَا أُكَلّمَهُ، حَتّى حَشَوْتُ فِي أُذُنَيّ حِينَ غَدَوْتُ إلَى الْمَسْجِدِ كُرْسُفًا فَرَقًا مِنْ أَنْ يَبْلُغَنِي شَيْءٌ مِنْ قَوْلِهِ، وَأَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَهُ. قَالَ: فَغَدَوْت إلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِﷺ- قَائِمٌ يُصَلّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ. قَالَ: فَقُمْت مِنْهُ قَرِيبًا، فَأَبَى اللهُ إلّا أَنْ يُسْمِعَنِي بَعْضَ قَوْلِهِ. قَالَ: فَسَمِعْتُ كَلَامًا حَسَنًا. قال: فقلت فى نفسى: واثكل أُمّي!! وَاَللهِ إنّي لَرَجُلٌ لَبِيبٌ شَاعِرٌ مَا يَخْفَى عَلَيّ الْحَسَنُ مِنْ الْقَبِيحِ، فَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَسْمَعَ مِنْ هَذَا الرّجُلِ مَا يَقُولُ! فَإِنْ كَانَ الّذِي يَأْتِي بَهْ حَسَنًا قَبِلْتُهُ، وإن كان قبيحا تركته.
قَالَ: فَمَكَثْت حَتّى انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِﷺ- إلَى بَيْتِهِ فَاتّبَعْتُهُ، حَتّى إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ دَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْت: يَا محمد، إنّ قومك قالوا لى كذا وكذا- للذى قالوا- فو الله مَا بَرِحُوا يُخَوّفُونَنِي أَمْرَك حَتّى سَدَدْت أُذُنَيّ بِكُرْسُفٍ لِئَلّا أَسْمَعَ قَوْلَك، ثُمّ أَبَى اللهُ إلّا أَنْ يُسْمِعَنِي قَوْلَك، فَسَمِعْتُهُ قَوْلًا حَسَنًا، فاعرض على مرك. قَالَ: فَعَرَضَ عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيّ الْقُرْآنَ، فَلَا وَاَللهِ مَا سَمِعْتُ قَوْلًا قَطّ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَلَا أَمْرًا أَعْدَلَ مِنْهُ، قَالَ: فَأَسْلَمْت، وَشَهِدْت شَهَادَةَ الْحَقّ، وَقُلْت:
يَا نَبِيّ اللهِ إنّي امْرُؤٌ مُطَاعٌ فِي قَوْمِي، وَأَنَا رَاجِعٌ إلَيْهِمْ، وَدَاعِيهمْ إلَى الْإِسْلَامِ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ لِي آيَةً تَكُونُ لِي عَوْنًا عَلَيْهِمْ فِيمَا أَدْعُوهُمْ إلَيْهِ فَقَالَ: اللهُمّ اجْعَلْ لَهُ آيَةً.
قَالَ: فَخَرَجْت إلَى قَوْمِي، حَتّى إذَا كُنْت بِثَنِيّةٍ تُطْلِعُنِي عَلَى الْحَاضِرِ وَقَعَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٦٥ ]
نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيّ مِثْلُ الْمِصْبَاحِ، فَقُلْت: اللهُمّ فِي غَيْرِ وَجْهِي، إنّي أَخْشَى، أَنْ يَظُنّوا أنها مثلة وقعت فى وجهى لفراق دِينَهُمْ. قَالَ: فَتَحَوّلَ فَوَقَعَ فِي رَأْسِ سَوْطِي. قال: فجعل الحاضر يتراؤن ذَلِكَ النّورَ فِي سَوْطِي كَالْقِنْدِيلِ الْمُعَلّقِ، وَأَنَا أَهْبِطُ إلَيْهِمْ مِنْ الثّنِيّةِ، قَالَ: حَتّى جِئْتُهُمْ فأصبحت فيهم.
[إسلام والد الطفيل وزوجته]
قَالَ: فَلَمّا نَزَلْت أَتَانِي أَبِي، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، قَالَ: فَقُلْت: إلَيْك عَنّي يَا أَبَتِ، فَلَسْتُ مِنْك، وَلَسْتَ مِنّي، قَالَ: وَلِمَ يَا بُنَيّ؟ قَالَ: قُلْت: أَسْلَمْتُ، وَتَابَعْت دِينَ مُحَمّدٍﷺ- قَالَ: أَيْ بُنَيّ، فدينى دينك، قال:
فقلت: فاذهب، فاغتسل، وطهّر ثيابك، ثم تعال حتى أعلمك ما علّمت.
قَالَ: فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ، وَطَهّرَ ثِيَابَهُ. قَالَ: ثُمّ جَاءَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمَ.
قَالَ: ثُمّ أَتَتْنِي صَاحِبَتِي، فَقُلْت: إلَيْك عَنّي، فَلَسْتُ مِنْك وَلَسْت مِنّي، قَالَتْ: لِمَ؟ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي، قَالَ: قُلْت: قَدْ فَرّقَ بَيْنِي وَبَيْنَك الْإِسْلَامُ، وتابعت دين محمدﷺ- قَالَتْ: فَدِينِي دِينُك، قَالَ: قُلْت:
فَاذْهَبِي إلَى حِنَا ذِي الشّرَى- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: حمى ذى الشّرى- فتطهّرى منه.
ذُو الشّرَى صَنَمًا لِدَوْسٍ، وَكَانَ الْحِمَى حِمَى حموه له، بِهِ وَشَلٌ مِنْ مَاءٍ يَهْبِطُ مِنْ جَبَلٍ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٦٦ ]
قال: قالت: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي، أَتَخْشَى عَلَى الصّبِيّةِ مِنْ ذِي الشّرَى شَيْئًا، قَالَ: قُلْت: لَا، أَنَا ضَامِنٌ لِذَلِكَ، فَذَهَبَتْ فَاغْتَسَلَتْ، ثُمّ جَاءَتْ فَعَرَضْت عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمَتْ.
ثُمّ دَعَوْت دَوْسًا إلَى الْإِسْلَامِ، فَأَبْطَئُوا عَلَيّ، ثُمّ جِئْتُ رَسُولِ اللهِﷺ- بِمَكّةَ، فَقُلْت لَهُ: يَا نَبِيّ اللهِ، إنّهُ قَدْ غَلَبَنِي عَلَى دوس الزّنا، فَادْعُ اللهَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: اللهُمّ اهْدِ دَوْسًا، ارْجِعْ إلَى قَوْمِك فَادْعُهُمْ وَارْفُقْ بِهِمْ، قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ بِأَرْضِ دَوْسٍ أَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، حَتّى هَاجَرَ رَسُولُ اللهِﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، وَمَضَى بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالْخَنْدَقُ، ثم قدمت عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- بِمَنْ أَسْلَمَ مَعِي مِنْ قَوْمِي، وَرَسُولُ اللهِﷺ- بِخَيْبَرِ، حَتّى نَزَلْتُ الْمَدِينَةَ بِسَبْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ بَيْتًا مِنْ دَوْسٍ، ثُمّ لَحِقْنَا بِرَسُولِ اللهِﷺ- بِخَيْبَرِ، فَأَسْهَمَ لَنَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ.
ثُمّ لَمْ أَزَلْ مَعَ رَسُولِ اللهِﷺ- حَتّى إذَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ مَكّةَ، قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْعَثْنِي إلَى ذِي الْكَفّيْنِ، صَنَمِ عَمْرِو بْنِ حُمَمَةَ حَتّى أُحْرِقَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَ إلَيْهِ، فَجَعَلَ طُفَيْلٌ يُوقِدُ عَلَيْهِ النّارَ، وَيَقُول:
يا ذا الكفين لست من عبّادكا مِيلَادُنَا أَقْدَمُ مِنْ مِيلَادِكَا
إنّي حَشَوْتُ النّارَ فى فؤادكا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٦٧ ]
قَالَ: ثُمّ رَجَعَ إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- فكان، معه بالمدينة، حَتّى قَبَضَ اللهُ رَسُولَهُﷺ- فَلَمّا ارْتَدّتْ الْعَرَبُ، خَرَجَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَسَارَ مَعَهُمْ، حَتّى فَرَغُوا مِنْ طُلَيْحَةَ، وَمِنْ أَرْضِ نَجْدٍ كُلّهَا. ثُمّ سَارَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْيَمَامَةِ- وَمَعَهُ ابْنُهُ عَمْرُو بْنُ الطّفَيْلِ- فَرَأَى رُؤْيَا وَهُوَ مُتَوَجّهٌ إلَى الْيَمَامَةِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إنّي قَدْ رَأَيْت رُؤْيَا، فَاعْبُرُوهَا لِي، رَأَيْتُ أَنّ رَأْسِي حُلِقَ، وَأَنّهُ خَرَجَ مِنْ فَمِي طَائِرٌ، وَأَنّهُ لَقِيَتْنِي امْرَأَةٌ، فَأَدْخَلَتْنِي فِي فرجها، وأرى ابنى يطلبنى طلبا حَثِيثًا، ثُمّ رَأَيْتُهُ حُبِسَ عَنّي، قَالُوا:
خَيْرًا. قَالَ: أَمّا أَنَا وَاَللهِ، فَقَدْ أَوّلْتُهَا، قَالُوا: مَاذَا؟ قَالَ: أَمّا حَلْقُ رَأْسِي فَوَضْعُهُ، وَأَمّا الطّائِرُ الّذِي خَرَجَ مِنْ فَمِي فَرُوحِي، وَأَمّا الْمَرْأَةُ الّتِي أَدَخَلَتْنِي فَرْجَهَا، فَالْأَرْضُ تُحْفَرُ لِي، فأغيّب فيها، أما طَلَبُ ابْنِي إيّايَ ثُمّ حَبْسُهُ عَنّي، فَإِنّي أُرَاهُ سَيَجْهَدُ أَنْ يُصِيبَهُ مَا أَصَابَنِي، فَقُتِلَ ﵀ شَهِيدًا بِالْيَمَامَةِ، وَجُرِحَ ابْنُهُ جِرَاحَةً شَدِيدَةً، ثُمّ اسْتَبَلّ مِنْهَا، ثُمّ قُتِلَ عَامَ الْيَرْمُوكِ فِي زَمَنِ عُمَرَ ﵁ شهيدا.
[من قصة أعشى بن قيس بن ثعلبة]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي خَلّادُ بْنُ قُرّةَ بْنِ خَالِدِ السّدُوسِيّ وَغَيْرُهُ مِنْ مَشَايِخِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنّ أَعْشَى بنى قيس بن ثعلبة بن عكابة ابْنُ صَعْبِ بْنِ عَلِيّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وائل، [بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى ابن جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارِ] خَرَجَ إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- يُرِيدُ الْإِسْلَامَ فَقَالَ يَمْدَحُ رَسُولَ اللهِ ﷺ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٦٨ ]
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا وبتّ كمابات السّلِيمُ مُسَهّدَا
وَمَا ذَاكَ مِنْ عِشْقِ النّسَاءِ، وإنما تناسيت قبل اليوم خلّة مَهْدَدَا
وَلَكِنْ أَرَى الدّهْرَ الّذِي هُوَ خَائِنٌ إذَا أَصْلَحَتْ كَفّايَ عَادَ، فَأَفْسَدَا
كُهُولًا وَشُبّانًا فَقَدْتُ وَثَرْوَةً فَلِلّهِ هَذَا الدّهْرُ كَيْفَ تَرَدّدَا!!
وَمَا زِلْتُ أَبْغِي الْمَالَ مُذْ أَنَا يَافِعٌ وَلِيدًا وَكَهْلًا حِينَ شِبْت وَأَمْرَدَا
وَأَبْتَذِلُ الْعِيسَ المراقيل تعتلى مَسَافَةَ مَا بَيْنَ النّجَيْرِ فَصَرْخَدَا
أَلَا أَيّهَذَا السّائِلِي أَيْنَ يَمّمَتْ فَإِنّ لَهَا فِي أَهْلِ يَثْرِبَ مَوْعِدَا
فَإِنْ تَسْأَلِي عَنّي، فَيَا رُبّ سَائِلٍ حَفِيّ عَنْ الْأَعْشَى بِهِ حَيْثُ أَصْعَدَا
أَجَدّتْ بِرِجْلَيْهَا النّجَاءَ، وَرَاجَعَتْ يَدَاهَا خِنَافًا لَيّنًا غير أحردا
وفيها- إذا ما هجّرت- عجر فيّة إذَا خِلْت حِرْبَاءَ الظّهِيرَةِ أَصْيَدَا
وَآلَيْت لَا آوِي لَهَا مِنْ كَلَالَةٍ وَلَا مِنْ حَفًى حَتّى تُلَاقِي مُحَمّدَا
مَتَى مَا تُنَاخِي عِنْدَ بَابِ ابْنِ هَاشِمٍ تُرَاحِي، وَتَلْقَيْ مِنْ فَوَاضِلِهِ نَدَى
نَبِيّا يَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَذِكْرُهُ أَغَارَ لَعَمْرِي فِي الْبِلَادِ وَأَنْجَدَا
لَهُ صَدَقَاتٌ مَا تُغِبّ وَنَائِلٌ وَلَيْسَ عَطَاءُ الْيَوْمِ مَانِعَهُ غَدَا
أَجِدّكَ لَمْ تَسْمَعْ وَصَاةَ مُحَمّدٍ نَبِيّ الْإِلَهِ حَيْثُ أَوْصَى، وَأَشْهَدَا
إذَا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادِ مَنْ الْتَقَى وَلَاقَيْتَ بَعْدَ الْمَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوّدَا
نَدِمْتَ عَلَى أَنْ لَا تَكُونَ كَمِثْلِهِ فَتُرْصِدَ لِلْأَمْرِ الّذِي كَانَ أَرْصَدَا
فَإِيّاكَ وَالْمَيْتَاتِ لَا تَقْرَبَنّهَا وَلَا تَأْخُذَنْ سَهْمًا حَدِيدًا، لِتُفْصِدَا
وَذَا النّصَبَ الْمَنْصُوبَ لَا تَنْسُكَنّهُ وَلَا تَعْبُدْ الْأَوْثَانَ، وَاَللهَ فَاعْبُدَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٦٩ ]
وَلَا تَقْرَبَنّ حُرّةً كَانَ سِرّهَا عَلَيْكَ حَرَامًا فَانْكِحَنْ أَوْ تَأَبّدَا
وَذَا الرّحِمِ الْقُرْبَى فَلَا تَقْطَعَنّهُ لِعَاقِبَةِ وَلَا الْأَسِيرَ الْمُقَيّدَا
وَسَبّحْ عَلَى حِينِ الْعَشِيّاتِ وَالضّحَى وَلَا تَحْمَدْ الشّيْطَانَ وَاَللهَ فَاحْمَدَا
وَلَا تَسْخَرًا مِنْ بَائِسٍ ذِي ضَرَارَةٍ ولا تحسبنّ المال للمرء مخلدا
[مصير الأعشى]
فَلَمّا كَانَ بِمَكّةَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، اعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَمْرِهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنّهُ جَاءَ يُرِيدُ رَسُولَ اللهِﷺ؛ لِيُسْلِمَ، فَقَالَ لَهُ:
يَا أَبَا بَصِيرٍ، إنّهُ يُحَرّمُ الزّنَا، فَقَالَ الْأَعْشَى: والله إن ذلك لأمر مالى فِيهِ مِنْ أَرَبٍ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا بَصِيرٍ، فَإِنّهُ يُحَرّمُ الْخَمْرَ، فَقَالَ الْأَعْشَى: أَمّا هذه فو الله إنّ فِي النّفْسِ مِنْهَا لَعُلَالَاتٍ، وَلَكِنّي مُنْصَرِفٌ فَأَتَرَوّى مِنْهَا عَامِي هَذَا، ثُمّ آتِيهِ فَأُسْلِمُ. فَانْصَرَفَ فَمَاتَ فِي عَامِهِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَعُدْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
[ذلة أبى جهل]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ عَدُوّ اللهِ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ مَعَ عَدَاوَتِهِ لِرَسُولِ اللهِﷺ- وَبُغْضِهِ إيّاهُ، وَشِدّتِهِ عَلَيْهِ، يُذِلّهُ اللهُ لَهُ إذَا رَآهُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٧٠ ]
[أبو جهل والإراشى]
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الملك بن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الثّقَفِيّ، وَكَانَ وَاعِيَةً، قَالَ: قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ إرَاشٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: إرَاشَةَ- بِإِبِلِ لَهُ مَكّةَ، فابتاعها منه أبو جهل، فَمَطَلَهُ بِأَثْمَانِهَا. فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيّ حَتّى وَقَفَ عَلَى نَادٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَرَسُولُ اللهِﷺ- فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ جَالِسٌ، فَقَالَ: يا معشر قريش، من رجل يؤدّ بنى عَلَى أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ، فَإِنّي رَجُلٌ غَرِيبٌ، ابْنُ سَبِيلٍ، وَقَدْ غَلَبَنِي عَلَى حَقّي؟: فَقَالَ لَهُ أَهْلُ ذَلِك الْمَجْلِسِ: أَتَرَى ذَلِك الرّجُلَ الْجَالِسَ- لِرَسُولِ اللهِﷺ- وهم يهزؤن بِهِ؛ لِمَا يَعْلَمُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي جَهْلٍ مِنْ الْعَدَاوَةِ- اذْهَبْ إلَيْهِ، فَإِنّهُ يُؤَدّيك عَلَيْهِ.
فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيّ حَتّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- فَقَالَ:
يَا عَبْدَ اللهِ إنّ أَبَا الْحَكَمِ بْنَ هِشَامٍ قَدْ غلبنى على حقّ لى قبله، وأنا غَرِيبٌ ابْنُ سَبِيلٍ، وَقَدْ سَأَلْت هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ عَنْ رَجُلٍ يُؤَدّينِي عَلَيْهِ، يَأْخُذُ لِي حَقّي مِنْهُ، فَأَشَارُوا لِي إلَيْك، فَخُذْ لِي حَقّي مِنْهُ، يَرْحَمُك اللهُ، قَالَ: انْطَلِقْ إلَيْهِ، وَقَامَ مَعَهُ رَسُولُ اللهِﷺ- فَلَمّا رَأَوْهُ قَامَ مَعَهُ، قَالُوا لِرَجُلِ مِمّنْ مَعَهُمْ: اتْبَعْهُ، فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُ.
قَالَ: وَخَرَجَ رسول اللهﷺ- حتى جَاءَهُ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: مُحَمّدٌ، فَاخْرُجْ إلَيّ، فَخَرَجَ إلَيْهِ، وَمَا فِي وَجْهِهِ مِنْ رَائِحَةٍ، قَدْ اُنْتُقِعَ لَوْنُهُ، فَقَالَ: أَعْطِ هَذَا الرّجُلَ حَقّهُ، قَالَ: نَعَمْ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٧١ ]
لَا تَبْرَحْ حَتّى أُعْطِيَهُ الّذِي لَهُ، قَالَ: فَدَخَلَ، فَخَرَجَ إلَيْهِ بِحَقّهِ، فَدَفَعَهُ إلَيْهِ. قَالَ: ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِﷺ- وَقَالَ لِلْإِرَاشِيّ:
الْحَقْ بِشَأْنِك، فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيّ حَتّى وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، فَقَالَ: جَزَاهُ اللهُ خَيْرًا، فَقَدْ وَاَللهِ أَخَذَ لِي حَقّي.
قَالَ: وَجَاءَ الرّجُلُ الّذِي بَعَثُوا مَعَهُ، فَقَالُوا: وَيْحَك! مَاذَا رَأَيْت؟ قَالَ:
عَجَبًا مِنْ الْعَجَبِ، وَاَللهِ مَا هُوَ إلّا أَنْ ضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ، فَخَرَجَ إلَيْهِ وَمَا مَعَهُ رُوحُهُ، فَقَالَ لَهُ: أَعْطِ هَذَا حَقّهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، لَا تَبْرَحْ حَتّى أُخْرِجَ إلَيْهِ حَقّهُ فَدَخَلَ فَخَرَجَ إلَيْهِ بِحَقّهِ، فَأَعْطَاهُ إيّاهُ. قَالَ: ثُمّ لَمْ يَلْبَثْ أَبُو جَهْلٍ أَنْ جَاءَ، فَقَالُوا لَهُ: وَيْلَك! مَا لَك؟ وَاَللهِ مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَنَعْت قَطّ! قَالَ: وَيْحَكُمْ، وَاَللهِ مَا هُوَ إلّا أَنْ ضَرَبَ عَلَيّ بَابِي، وَسَمِعْت صَوْتَهُ، فَمُلِئَتْ رُعْبًا، ثُمّ خَرَجْتُ إلَيْهِ، وَإِنّ فَوْقَ رَأْسِهِ لَفَحْلًا مِنْ الْإِبِلِ، مَا رَأَيْت مِثْلَ هَامَتِهِ، وَلَا قَصَرَتِهِ، وَلَا أَنْيَابِهِ لِفَحْلٍ قط، والله لو أبيت لأكلنى.
[ركانة ومصارعته]
قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يسار، قال: كان ركانة ابْنُ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بن عبد مناف أشدّ قريش، فحلا يَوْمًا بِرَسُولِ اللهِﷺ- فِي بَعْضِ شِعَابِ مَكّةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا رُكَانَةُ، أَلَا تَتّقِي اللهَ، وَتَقْبَلُ مَا أَدْعُوك إلَيْهِ؟ قَالَ:
إنّي لَوْ أَعْلَمُ أَنّ الّذِي تَقُولُ حقّ لا تبعتك، فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٧٢ ]
أَفَرَأَيْت إنْ صَرَعْتُك، أَتَعْلَمُ أَنّ مَا أَقُولُ حَقّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَقُمْ حَتْي أُصَارِعَك. قَالَ: فَقَامَ إلَيْهِ رُكَانَةُ يُصَارِعُهُ، فَلَمّا بَطَشَ به رسول اللهﷺ- أَضْجَعَهُ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا، ثُمّ قَالَ: عُدْ يَا مُحَمّدُ، فَعَادَ فَصَرَعَهُ، فَقَالَ يَا مُحَمّدُ: وَاَللهِ إنّ هَذَا لَلْعَجْبُ، أَتَصْرَعُنِي! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ إنْ شِئْت أَنْ أُرِيَكَهُ، إنْ اتّقَيْتَ اللهَ وَاتّبَعْت أَمْرِي، قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: أَدْعُو لَك هَذِهِ الشّجَرَةَ الّتِي تَرَى فَتَأْتِينِي، قَالَ: اُدْعُهَا، فَدَعَاهَا، فَأَقْبَلَتْ حَتّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِﷺ- قَالَ: فَقَالَ لَهَا: ارْجِعِي إلَى مَكَانِك. قَالَ: فَرَجَعَتْ إلَى مَكَانِهَا! قَالَ: فَذَهَبَ رُكَانَةُ إلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا بَنِي عبد مناف، ساحروا بصاحبكم أهل الأرض، فو الله مَا رَأَيْت أَسْحَرَ مِنْهُ قَطّ، ثُمّ أَخْبَرَهُمْ بالذى رأى، والذى صنع.
[قدوم وفد النصارى من الحبشة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- وَهُوَ بِمَكّةَ- عِشْرُونَ رَجُلًا، أَوْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ النّصَارَى، حِينَ بَلَغَهُمْ خَبَرُهُ مِنْ الْحَبَشَةِ، فَوَجَدُوهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَلَسُوا إلَيْهِ وَكَلّمُوهُ وَسَأَلُوهُ، وَرِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي أَنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَلَمّا فَرَغُوا مِنْ مَسْأَلَةِ رَسُولِ اللهِﷺ- عَمّا أَرَادُوا، دَعَاهُمْ رَسُولُ اللهِﷺ- إلَى اللهِ﷿- وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٧٣ ]
لله، وآمنوا به وصدّقوه، وعرفوا منه ما كَانَ يُوصَفُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِمْ مِنْ أَمْرِهِ. فَلَمّا قَامُوا عَنْهُ اعْتَرَضَهُمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا لَهُمْ: خَيّبَكُمْ اللهُ مِنْ رَكْبٍ! بَعَثَكُمْ مَنْ وَرَاءَكُمْ مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ تَرْتَادُونَ لَهُمْ؛ لِتَأْتُوهُمْ بِخَبَرِ الرّجُلِ، فَلَمْ تَطْمَئِنّ مَجَالِسُكُمْ عِنْدَهُ، حَتّى فَارَقْتُمْ دينكم، وصدّقتموه بمال، مَا نَعْلَمُ رَكْبًا أَحْمَقَ مِنْكُمْ، أَوْ كَمَا قَالُوا، فَقَالُوا لَهُمْ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، لَا نُجَاهِلُكُمْ، لَنَا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، وَلَكُمْ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، لَمْ نَأْلُ أَنْفُسَنَا خَيْرًا.
وَيُقَالُ: إنّ النّفر من النّصارى من أهل بحران، فَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ.
فَيُقَالُ- وَاَللهُ أَعْلَمُ- فِيهِمْ نَزَلَتْ هَؤُلَاءِ، الْآيَاتُ: «الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنّا بِهِ، إِنّهُ الْحَقّ مِنْ رَبّنَا، إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ» إلَى قَوْلِهِ: «لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ، سَلَامٌ عليكم لا نبتغى الجاهلين» القصص:
٥٢، ٥٣، ٥٥.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ سَأَلْت ابْنَ شِهَابٍ الزّهْرِيّ عَنْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِيمَنْ أُنْزِلْنَ، فَقَالَ لى: ما سمع مِنْ عُلَمَائِنَا أَنّهُنّ أُنْزِلْنَ فِي النّجَاشِيّ وَأَصْحَابِهِ، وَالْآيَةُ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ مِنْ قَوْلِهِ: «ذَلِكَ بِأَنّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبَانًا، وَأَنّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ» إلى قوله: «فاكتبنا مع الشّاهدين» المائدة:
٨٢، ٨٣.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَكَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- إذَا جَلَسَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٧٤ ]
فِي الْمَسْجِدِ، فَجَلَسَ إلَيْهِ الْمُسْتَضْعَفُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ: خَبّابٌ، وَعَمّارٌ، وَأَبُو فَكِيهَةَ يَسَارٌ مَوْلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ مُحَرّثٍ، وَصُهَيْبٌ، وَأَشْبَاهُهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، هَزِئَتْ بِهِمْ قُرَيْشٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: هَؤُلَاءِ أَصْحَابُهُ كَمَا تَرَوْنَ، أَهَؤُلَاءِ مَنّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا بِالْهُدَى وَالْحَقّ! لَوْ كَانَ مَا جَاءَ بَهْ مُحَمّدٌ خَيْرًا مَا سَبَقَنَا هؤلاء إليه، وما خَصّهُمْ اللهُ بِهِ دُونَنَا. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: «وَلَا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ، وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا: أَهَؤُلَاءِ مَنّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا، أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ. وَإِذَا جَاءَكَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا، فَقُلْ:
سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرّحْمَةَ أَنّهُ مَنْ عمل منكم سوآ بِجَهَالَةٍ، ثُمّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنّهُ غفور رحيم» الأنعام: ٥٢- ٥٤ وكان رسول الله ﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- كَثِيرًا مَا يَجْلِسُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ إلَى مَبْيَعَةِ غُلَامٍ نَصْرَانِيّ، يُقَالُ لَهُ: جَبْرٌ، عبد لبنى الحضرمىّ، فكانوا يقون: وَاَللهِ مَا يُعَلّمُ مُحَمّدًا كَثِيرًا مِمّا يَأْتِي بَهْ إلّا جَبْرٌ النّصْرَانِيّ، غُلَامُ بَنِي الْحَضْرَمِيّ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: «وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ» النحل: ١٠٣.
قال ابن هشام: يلحدون إليه: يميلون، وَالْإِلْحَادُ: الْمَيْلُ عَنْ الْحَقّ قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ العجّاج:
إذا تبع الضّحّاك كلّ ملحد [ونحن ضرّابون هام العنّد]
ابْنُ هِشَامٍ: يَعْنِي الضّحّاكَ الْخَارِجِيّ، وَهَذَا الْبَيْتُ فى أرجوزة له
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حول حديث طفيل الروسي وَذِي الْكَفّيْنِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ طُفَيْلِ بْنِ عمرو الدّوسىّ، وهو طفيل بن عمرو ابن طَرِيفِ بْنِ الْعَاصِي بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ جَهْمِ بْنِ دَوْسٍ إلَى آخِرِهِ «١» وَلَيْسَ فِيهِ إشْكَالٌ إلّا قَوْلُهُ: حِنَا ذِي الشّرَى، وَقَدْ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ حُمّى، وَهُوَ مَوْضِعُ حَمْوِهِ لِصَنَمِهِمْ ذِي الشّرَى، فَإِنْ صَحّتْ رِوَايَةُ ابْنِ إسْحَاقَ، فَالنّونُ قَدْ تُبَدّلُ مِنْ الْمِيمِ، كَمَا قَالُوا: حُلّانُ وَحُلّامُ لِلْجَدْيِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَنَوْت الْعُودَ، وَمِنْ مَحْنِيّةِ الْوَادِي، وَهُوَ مَا انْحَنَى مِنْهُ.
وَقَوْله: يَا ذَا الْكَفَيْنِ «٢» لَسْت مِنْ عُبّادِكَا. أَرَادَ: الْكَفّيْنِ بِالتّشْدِيدِ، فَخَفّفَ لِلضّرُورَةِ، غَيْرَ أَنّ فِي نُسْخَةِ الشّيْخِ أَنّ الصّنَمَ كَانَ يُسَمّى: ذَا الْكَفَيْنِ، وخفف
_________________
(١) فى الإصابة: ابن فهم بدلا من: جهم. وله فيها نسب آخر هو: ابن عبد عمرو بن عبد الله بن مالك، بن عمرو بن فهم، لقبه: ذو النور، وحكى المرزبانى فى معجمه أنه الطفيل بن عمرو بن حممة ويقول ابن حجر فى الإصابة عن قصة الطفيل فى السيرة: «ذكرها ابن إسحاق فى سائر النسخ بلا إسناد، وأخرجه ابن سعد أيضا من وجه آخر وكذلك الأموى عن ابن الكلبى بإسناد آخر. هذا وقد ذكر ابن حبان أنه مات باليرموك، وقيل: بأجنادين كما ذكر موسى بن عقبة وأبو الأسود عن عروة.
(٢) فى الأصنام لابن الكلبى ص ٢٧ ط ١: «وكان لدوس ثم لبنى منهب ابن دوس صنم يقال له: ذو الكفين، فلما أسلموا بعث النبى «ص» الطفيل ابن عمر الدوسى فحرقه. وروى الرجز، وفى جمهرة ابن حزم: «كان لخزاعة ودوس، كره عمرو بن حممة الدوسى» ص ٤٦٠، وفى المراصد: أن فاءه تخفف وتضعف. وقد ذكره القاموس فى مادة كف.
[ ٣ / ٣٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْفَاءَ بِخَطّهِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُشَدّدَةً، فَدَلّ أَنّهُ عِنْدَهُ مُخَفّفٌ فِي غَيْرِ الشّعْرِ، فَإِنْ صَحّ هَذَا فَهُوَ مَحْذُوفُ اللّامِ، كَأَنّهُ تَثْنِيَةُ كفء، من كفأت الإناء، أو إذا كفء بِمَعْنَى كَفْءٍ؟! ثُمّ سُهّلَتْ الْهَمْزَةُ، وَأُلْقِيَتْ حَرَكَتُهَا عَلَى الْفَاءِ، كَمَا يُقَالُ: الْخَبْءُ وَالْخَبُ «١»، وَفِي الْحَدِيثِ: أَنّ أَهْلَ الْحَاضِرِ مِنْ دَوْسٍ كَانُوا يتراؤنه فِي الثّنِيّةِ، وَفِي سَوْطِهِ كَالْقِنْدِيلِ الْمُعَلّقِ «٢»، وَذَكَرَهُ الْمُبَرّدُ فَقَالَ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ: جَعَلُوا يَنْظُرُونَ إلَى الْجَبَلِ، وَهُوَ يَهْتِفُ مِنْ شِدّةِ الضّيَاءِ وَالنّورِ، وَرَوَى، أَبُو الزّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمّا قَالَ طُفَيْلٌ لِلنّبِيّﷺ- إن
_________________
(١) يقول ابن الحاجب فى باب تخفيف الهمزة المتحركة الساكن ما قبلها: «والمتحركة إن كان قبلها ساكن، وهو واو أو ياء زائدتان لغير الإلحاق قلبت إليها، وأدغمت فيها كخطية، ومقروة، وأفيس وإن كان حرفا صحيحا أو معتلا غير ذلك نقلت حركتها إليه، وحذفت نحو: مسلة وخب وشى وسو» ص ٣٢ ح ٣ شرح الشافية، ويقول الرضى: اعلم أنه إذا وقف على المتحركة المتطرفة، فإما أن يوقف على مذهب أهل التحقيق، أو على مذهب أهل التخفيف، فالأول مضى حكمه مستوفى فى باب الوقف، وأما على مذهب أهل التخفيف فإنه تخفف الهمزة أولا؛ لأن حالة الوصل متقدمة على حالة الوقف، ونقل الهمزة حاصل حالة الوصل، فتخفف على ما هو حق التخفيف من النقل والحذف فى نحو الخبء والقلب والإدغام فى نحو: برئ ومقروء، فيبقى الخب بتحريك الباء كالدم، ثم يوقف عليه بالسكون المحض، والروم أو الإشمام أو التضعيف» ص ٤٣ ح ٣ شرح الشافية.
(٢) هذا كلام رواه الطبرى وأبو الفرج الأصبهانى عن طريق ابن الكلبى، فتأمل الطريق. وحادث مثل هذا كان يدعو إلى أن تتواتر عن الناس أخباره، لا أن يروى هكذا كوسوسة الشيطان تحصره الملائكة.
[ ٣ / ٣٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دَوْسًا غَلَبَ عَلَيْهَا الزّنَى وَالرّبَا، فَادْعُ اللهَ عَلَيْهِمْ، قُلْنَا: هَلَكَتْ دَوْسٌ، حَتّى قَالَ رَسُولُ اللهِﷺ- اللهُمّ اهد دوسا «١» .
الأعشى وواليته وَحَمْزَةُ وَالشّرَفُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ حَدِيثَ الْأَعْشَى «٢» وَقَصِيدَتَهُ إلَى آخِرِهَا، فَلَمّا كَانَ قَرِيبًا مِنْ مَكّةَ لَقِيَهُ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: إلَى أَيْنَ يَا أَبَا بِصَيْرِ؟ الْحَدِيثَ، وَذَكَرَ تَحْرِيمَهُ الْخَمْرَ، وَتَحْرِيمَهُ الزّنَى، وَقَوْلُ الْأَعْشَى: أَمّا الْخَمْر فَفِي النّاسِ مِنْهَا عُلَالَاتٌ وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ هِشَامٍ: كَانَ الْقَائِلُ لِلْأَعْشَى هَذِهِ الْمَقَالَةُ أَبُو جهل. قالها فى دار عتبة ابن رَبِيعَةَ، وَكَانَ نَازِلًا عِنْدَهُ، قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَهَذِهِ غَفْلَةٌ مِنْ ابْنِ هِشَامٍ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ، فَإِنّ النّاسَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنّ الْخَمْرَ لَمْ يَنْزِلْ تَحْرِيمُهَا إلّا بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ أَنْ مَضَتْ بَدْرٌ وَأُحُدٌ «٣»، وَحُرّمَتْ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَهِيَ من آخر ما نزل، وفى
_________________
(١) رواه الشيخان
(٢) كان أبوه قيس يدعى: قتيل الجوع؛ لأنه دخل غارا، فوقعت صخرة، فسدت الغار، فمات جوعا ص ٨٣ سمط اللالى، وفى طبقات الشعراء لابن قتيبة أن رحلته كانت فى صلح الحديبية، وهذا يوافق ما ذهب إليه السهيلى، وما ذكر عن تحريم الخمر، وما ورد فى القصيدة ونسبه فى الأغانى: مَيْمُونُ بْنُ قَيْسِ بْنِ جَنْدَلِ بْنِ شَرَاحيل بن عوف، ابن سَعْدِ بْنِ ضُبَيْعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الحصن الخ وما بين قوسين فى السيرة زدته عن الأغانى. كان الأعشى يلقب بصناجة العرب، لأنه- كما يقول صاحب الأغانى- كان يغنى فى شعره.
(٣) تظاهرت عدة أحاديث تؤيد هذا الرأى، وفى البخارى بسنده عن جابر قال: «صبح أناس غداة أحد الخمر، فقتلوا من يومهم شهداء، وذلك قبل تحريمها»
[ ٣ / ٣٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصّحِيحَيْنِ مِنْ ذَلِكَ قِصّةُ حَمْزَةَ حِينَ شَرِبَهَا، وَغَنّتْهُ الْقَيْنَتَانِ: أَلَا يَا حَمْزَ، لِلشّرُفِ «١» النّوَاءِ، فبقر خواصر الشارفين، واجتبّ أسنمتهما.
_________________
(١) الحديث كما قال. وخلاصته أن رسول اللهﷺ- كان قد أعطى عليا شارفا- والشارف من الإبل الناقة التى قد أسنت- من غنائم بدر غير شارف آخر كان لعلى نصيبا من غنائم بدر، وذهب على لبعض شأنه، والشارفان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، فلما عاد على وجدهما، وقد قطعت أسنمتهما، وبقرت خواصرهما، وأخذ من أكبادهما، فبكى على، وعرف أن فاعل ذلك هو عمه حمزة الذى كان مع جماعة من الأنصار يشربون الخمر، فسكر، وغنته جاريتان شعرا- سيأتى بعد- فقام وفعل بالشارفين ما تقدم ذكره، فذهب على يشكو النبى «ص» فذهب النبى «ص» إلى البيت الذى فيه حمزة، وطفق يلومه، فراح يصعد النظر فى رسول الله «ص» عدة مرات، ثم قال حمزة: هل أنتم إلا عبيد لأبى، فعرف الرسول «ص» أنه قد ثمل- أى غشاه السكر- فنكص على عقبيه القهقرى، وقد غنت الجاريتان حمزة بما يأتى: ألا يا حمز الشرف النواء وهن معقلات بالفناء ضع السكين فى اللبات منها وضر جهن حمزة بالدماء وعجل من أطايبها لشرب قديدا من طبيخ أو شواء وقد أراد الذى أمر القينتين أن تغنيا هذا بعث همة حمزة- لما عرف من كرمه- لنحر الناقتين. والنواء بكسر النون جمع ناوية، وهى الناقة السمينة. والشرب بكسر الشين وسكون الراء جمع شارب، والفناء بكسر الفاء: جانب الدار التى كانوا فيها، وضرج: لطخ، القديد: الاحم المطبوخ. وفى معجم الشعراء للمرزبانى أن هذا الشعر لعبد الله بن السائب بن أبى السائب المخزومى، ولكنه غير أنصارى. والقهقرى: المشى إلى خلف، وهذه حكمة عظيمة من الرسول «ص»، إذ خشى ازدياد عبث حمزة فى حال سكره، فينتقل من القول إلى الفعل. وعند ابن أبى شيبة أن الرسول «ص» أغرم حمزة ثمن الناقتين. وقد روى البخارى الحديث فى باب الخمس، وغنائم بدر
[ ٣ / ٣٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ لِلنّبِيّ ﵇: هَلْ أَنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِآبَائِي، وَهُوَ ثَمِلٌ. الْحَدِيثُ بِطُولِهِ. فَإِنْ صَحّ خَبَرُ الْأَعْشَى، وَمَا ذُكِرَ لَهُ فِي الْخَمْرِ، فَلَمْ يَكُنْ هَذَا بِمَكّةَ، وَإِنّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَيَكُونُ الْقَائِلُ لَهُ: أَمَا عَلِمْت أَنّهُ يُحَرّمُ الْخَمْرَ، مِنْ الْمُنَافِقِينَ، أَوْ مِنْ الْيَهُودِ، فَاَللهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْقَصِيدَةِ مَا يَدُلّ عَلَى هَذَا قَوْلِهِ: فَإِنّ لَهَا فِي أَهْلِ يَثْرِبَ موعدا، وقد ألفيت القالى رِوَايَةً عَنْ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قال: لقى الأغشى عَامِرَ بْنَ الطّفَيْلِ فِي بِلَادِ قَيْسٍ، وَهُوَ مُقْبِلٌ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ- فَذَكَرَ لَهُ أَنّهُ يُحَرّمُ الْخَمْرَ، فَرَجَعَ، فَهَذَا أَوْلَى بِالصّوَابِ، وَقَوْلُ الْأَعْشَى: أَتَرَوّى مِنْهَا هَذَا الْعَامَ، ثُمّ أَعُودُ فَأَسْلَمَ لَا يُخْرِجُهُ عن الكفر بإجماع، قال الإسفراينى فِي عَقِيدَتِهِ: إذَا قَالَ الْمُؤْمِنُ سَأُكَفّرُ: غَدًا أَوْ بَعْدَ غَد، فَهُوَ كَافِرٌ لِحِينِهِ بِإِجْمَاعِ، وإذا قال الكافر: سأو من غَدًا، أَوْ بَعْدُ فَهُوَ عَلَى كُفْرِهِ، لَا يُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِ الْكُفْرِ إلّا إيمَانَهُ إذَا آمَنَ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا وَاَللهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَقَوْلُهُ: أَلَمْ تَغْتَمِضْ عَيْنَاك لَيْلَةَ أَرْمَدَا، لَمْ يَنْصِبْ لَيْلَةً عَلَى الظّرْفِ؛ لِأَنّ ذَلِكَ يُفْسِدُ مَعْنَى الْبَيْتِ، وَلَكِنْ أَرَادَ الْمَصْدَرَ فَحَذَفَهُ، وَالْمَعْنَى: اغتماض ليلة أرمد، فحذف المضاف إليه اللّيْلَةِ، وَأَقَامَهَا مَقَامَهُ، فَصَارَ إعْرَابُهَا كَإِعْرَابِهِ «١»، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْبَيْتُ: لَيْلُك بِالْكَافِ، وَمَعْنَاهُ: غَمْضُ أرمد، وقيل: بل أرمد على هذه
_________________
(١) قال الفارسى: أراد: اغتماض ليلة أرمد، وليس بظرف، ونسب الاغتماض إلى الليل، كما قال ﷿: «بل مكر الليل والنهار» ص ٥٤٠ سمط اللالى للبكرى
[ ٣ / ٣٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرّوَايَةِ مِنْ صِفّةِ اللّيْلِ، أَيْ حَالٌ مِنْهُ عَلَى الْمَجَازِ، كَمَا تَقُولُ: لَيْلُك سَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ: تناسيت قبل اليوم خلة مهددا. مهدد: فعلل مِنْ الْمَهْدِ، وَلَوْلَا قِيَامُ الدّلِيلِ عَلَى أَنّ الْمِيمَ أَصْلِيّةٌ لَحَكَمْنَا بِأَنّهُ مُفْعِلٍ؛ لِأَنّ الْكَلِمَةَ الرّبَاعِيّةَ إذَا كَانَ أَوّلُهَا مِيمًا أَوْ هَمْزَةً، فَحَمَلَهَا عَلَى الزّيَادَةِ، إلّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى أَنّهَا أَصْلِيّةٌ، وَالدّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ ظُهُورُ التّضْعِيفِ فِي الدّالِ؛ إذْ لَوْ كَانَتْ الْمِيمُ زَائِدَةً لَمَا ظَهَرَ التّضْعِيفُ، وَلَقُلْت فِيهِ: مَهَدّ كَمَا تَقُولُ: مَرَدّ وَمَكَرّ وَمَفَرّ فِي كُلّ مَا وَزْنُهُ مَفْعَل مِنْ الْمُضَاعَفِ، وَإِنّمَا الدّالُ فِي مُهَدّدٌ ضُوعِفَتْ لِيَلْحَقَ بِبِنَاءِ جَعْفَرٍ «١»
_________________
(١) يقول أبو عثمان المازنى فى التصريف فى باب الإلحاق المطرد فى الأسماء والأفعال: «أما المطرد الذى لا ينكسر، فأن يكون موضع اللام من الثلاثة مكررا للالحاق مثل مهدد وقردد وعندد» ص ٤٧ ويقول ابن جنى فى المنصف شرح التصريف: «اعلم أنك إذا استوفيت ثلاثة أحرف من الأصول ثم تكررت اللام قضيت بزيادتها، وذلك نحو قردد وجلبب فالدال والباء الأخيرتان زائدتان؛ لأنهما قد تكررتا، ولو كان موضع الدال الأخيرة حرف غير الدال لكانت الكلمة رباعية» ص ٤٧ وفى ض ١٤١ يقول أبو عثمان المازنى: «ومهدد الميم فيه أصل؛ لأنها لو كانت زائدة لكانت مهدا: «بفتح الميم والهاء وتضعيف الدال» لأن مفعلا: «بفتح الميم وسكون الفاء وفتح العين» من المضاعف يحئ مدغما نحو مرد ومسد» . ويشرح ابن جنى هذا بقوله: «فظهور الدالين يدل على أنه فعلل بمنزلة قردد فإن قال قائل فقد قالوا: محبب فبينوا وهو مفعل- فما تنكر أن يكون مهدد أيضا مفعلا من الهد؟ قيل محبب شاذ لا يقاس عليه، وقياسه محب كمرد ومسد ثم بين أن محبب علم، والأعلام تغير كثيرا عما عليه أكثر الأسماء، ولهذا جاز فى محبب إظهار التضعيف» ثم قال: فإن قال قائل فإن مهدد اسم علم، وهو اسم امرأة، لما تنكر أن يكون مهدد مثل محبب، إذ هو علم مثله؟ ثم أجاب هو عن-
[ ٣ / ٣٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: إذَا خِلْت حِرْبَاءُ الظّهِيرَةِ أَصْيَدَا. وَالْأَصْيَدُ: الْمَائِلُ الْعُنُقِ.
وَلَمّا كَانَتْ الْحِرْبَاءُ تَدُورُ بِوَجْهِهَا مَعَ الشّمْسِ كَيْفَمَا دَارَتْ، كَانَتْ فِي وَسَطِ السّمَاءِ فِي أَوّلِ الزّوَالِ، كَالْأَصِيدِ، وَذَلِكَ أَحَرّ مَا تَكُونُ الرّمْضَاءُ. يَصِفُ نَاقَتَهُ بِالنّشَاطِ، وَقُوّةِ المشى فى ذلك الوقت.
وقوله: خنافا إلينا. فِي الْعَيْن: خَنِفَتْ النّاقَةُ تَخْنِفُ بِيَدَيْهَا فِي السّيْرِ، إذَا مَالَتْ بِهِمَا نَشَاطًا، وَنَاقَةٌ خَنُوفٌ قَالَ الرّاجِزُ.
إنّ الشّوَاءَ وَالنّسِيلَ وَالرّغُفْ وَالْقَيْنَةَ الْحَسْنَاءَ، وَالْكَأْسَ الْأُنُفْ
لِلظّاعِنِينَ الخيل، والخيل خنف «١»
_________________
(١) - هذا بقوله: إن محبب مفعل من الحب، أما مهدد فليس فيها دليل يدل على أنها من الهد، دون المهد، فيقضى بأنه مفعل، انظر ص ٤١، ٤٧، ١٤١ من كتاب المنصف لابن جنى بشرحه التصريف للمازنى، انظر أيضا ص ٥٨ ح ٢ الخصائص وص ١٤، ٥٧، ٦٣، ٦٤ من شرح شافية ابن الحاجب ج ١
(٢) الرجز للقيط بن زرارة، وفى اللسان: النشيل، وقطف بدلا من النسيل وخنف، وللضاربين الهام بدلا من: الظاعنين الخيل. والشواء: لحم مشوى. والنشيل على رواية اللسان: ما طبخ من اللحم بغير توابل يخرج من المرق، وينشل. ويقال أيضا، نشل اللحم: أخذ بيده عضوا، فتناول ما عليه من اللحم بفية وهو النشيل، واللحم الذى يؤخذ قبل النضج، والقينة: الجارية المغنية، الكأس الأنف: هى التى لم يشرب بها قبل، والقطف: جمع قطوف، وهى التى تسئ السير
[ ٣ / ٣٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْله: لَيّنًا غَيْرَ أَحْرَدَا «١» أَيْ: تَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ حَرَدٍ فِي يَدَيْهَا، أَيْ اعْوِجَاجٌ، وَالنّجَيْرُ وَصَرْخَدُ بَلَدَانِ، وَأَهْلُ النّجَيْرِ أَوّلُ مَنْ ارْتَدّ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ أَهْلِ دَبّا «٢» وَكَانَ أَهْل دُبّا قَدْ حَاصَرَهُمْ حُذَيْفَةُ بْنُ أُسَيْدٍ، وَحَاصَرَ أَهْلَ النّجَيْرِ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ بِأَمْرِ أَبِي بَكْرٍ، حَتّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ. وَأَمّا صَرْخَدُ فَبَلَدٌ طَيّبُ الْأَعْنَابِ، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ الْخَمْرُ الصّرْخَدِيّةُ. وَفِي الْأَمَالِي:
وَلَذّ كَطَعْمِ الصّرخدى تركته
«٣»
_________________
(١) البيت فى اللسان فى مادة: خنف.
(٢) بفتح الدال على وزن فعل مع القصر: سوق من أسواق العرب بعمان، ومدينة عظيمة مشهورة بعمان كانت قصبتها، وبضم مع تشديد الباء من نواحى البصرة فيها أنهار وقرى، والدبا بالتعريف: موضع بظهر الحيرة معروف، وفى هامش نسخة من معجم ما استعجم: «دبا: إحدى فرضتى العرب يجتمع فيها تجار أهل الهند والسند. والصين وأهل المشرق والمغرب»
(٣) تمام البيت: «بأرض العدا من خشية الحدثان» وبعده: ومبدلى الشحناء بينى وبينه دعوت وقد طال السرى، فدعانى لذ: يعنى النوم، والصرخدى: العسل كذا قال أبو المياس، والعدا: الأعداء، الحدثان: ما يحدث من الأمور. وقال أبو بكر: اللذ: اللذيذ يعنى النوم والصرخدى: الخمر، وقوله: ومبدلى الشحناء، يعنى: كلبا وذلك أن الرجل إذا تحير فى الليل، فلم يدر أين البيوت نبح، فتسمعه الكلاب، فتنبح، فيقصد أصواتها. ص ٢١٠ ج ١ أمالى القالى ط ٢ ولم ينسبهما إلى أحد. وهما فى حيوان الجاحظ ص ١٢١ ح ١. تحت عنوان: وقال آخر يصف كلبا، والبيت الأول فى اللسان رواه فى مادة: لذ، وصرخد، وقال. قال ابن برى: البيت الراعى، وعجزه: دفعته. عشية خمس القوم والعين عاشقة، أراد أنه لما دخل ديار أعدائه لم ينم حذارا لهم. وبهذه الرواية الأخيرة رواه اللسان فى مادة صرخد
[ ٣ / ٣٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: وَآلَيْت لَا آوِي لَهَا مِنْ كَلَالَةٍ، وَلَا مِنْ وَجَى «١»، أَيْ: لَا أَرْقِ لَهَا، يُقَالُ: آوَيْت لِلضّعِيفِ إيّة وَمَأْوِيَة «٢» إذَا رَقّتْ لَهُ كَبِدُك.
وَقَوْلُهُ: أَغَارَ لَعَمْرِي فِي الْبِلَادِ وَأَنْجَدَا، الْمَعْرُوفُ فِي اللّغَةِ: غَارَ وَأَنْجَدَ، وَقَدْ أَنْشَدُوا هَذَا الْبَيْتَ: لَعَمْرِي غَارَ فِي الْبِلَادِ وَأَنْجَدَا. وَالْغَوْرُ: مَا انْخَفَضَ مِنْ الْأَرْضِ، وَالنّجْدُ: مَا ارْتَفَعَ مِنْهَا، وَإِنّمَا تَرَكُوا الْقِيَاسَ فِي الْغَوْرِ، وَلَمْ يَأْتِ عَلَى أَفْعَلَ إلّا قَلِيلًا، وَكَانَ قِيَاسُهُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ أَنْجَدَ، وَأَتْهَمَ؛ لِأَنّهُ مِنْ أُمّ الْغَوْرِ، فَقَدْ هَبَطَ وَنَزَلَ، فَصَارَ مِنْ بَابِ غَارَ الْمَاءُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنْ أَرَدْت: أَشْرَفَ عَلَى الْغَوْرِ، قُلْت: أَغَارَ، ولا يكون خارجا عن القياس «٣»
_________________
(١) وقال: صرحد: موضع نسب إليه الشراب فى قول الراعى، ثم روى البيت بالرواية الأخيرة. ولذ كطعم الصرخدى طرحته عشية خمس القوم والقوم عاشقة وفى المراصد: صرخد: قلعة ملاصقة لبلد حوران حصينة وولاية واسعة حسنة، وينسب إلى صرخد الخمر الجيد. وقد وصفها أبو الفداء فى التقويم وصفا دقيقا، ومن قاله أن من شرقيها يسلك الإنسان طريقا إلى العراق يتطلب من السائر عشرة أيام ليصل إلى بغداد.
(٢) فى الأغانى: فاليت لا ارثى» والأغانى حفى كما فى السيرة، وفى تجريد الأغانى: وجى كما فى الروض. وهناك فى الأغانى مغايرة أخرى هينة لما هنا.
(٣) فى القاموس: أوى له كروى أوية، وإية ومأوية، ومأواة: رق.
(٤) وفى الأغانى عن مصيره: «فبلغ خبره قريشا، فرصداه على طريقه، وقالوا: هذا صناجة العرب ما مدح أحدا قط إلا رفع من قدره، فلما ورد عليهم، قالوا له: أين أردت يا أبا بصير قال: أردت صاحبكم هذا لأسلم، قالوا: إنه ينهاك عن خلال ويحرمها عليك وكلها بك رافق ولك موافق، قال: وما هن؟
[ ٣ / ٣٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: وَلَيْسَ عَطَاءُ الْيَوْمِ مَانِعَهُ غَدًا. مَعْنَاهُ عَلَى رَفْعِ الْعَطَاءِ وَنَصْبِ مَانِعٍ، أَيْ: لَيْسَ العطاء الذى يعطيه اليوم ما نعاله غَدًا مِنْ أَنْ يُعْطِيَهُ، فَالْهَاءُ عَائِدَةٌ عَلَى الْمَمْدُوحِ، فَلَوْ كَانَتْ عَائِدَةً عَلَى الْعَطَاءِ لَقَالَ: وَلَيْسَ عَطَاءُ الْيَوْمِ مَانِعَهُ هُوَ، بِإِبْرَازِ الضّمِيرِ الْفَاعِلِ، لِأَنّ الصّفَةَ إذَا جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ بَرَزَ الضّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ بِخِلَافِ الْفِعْلِ، وَذَلِكَ لِسِرّ بَيّنّاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ لَمْ يَذْكُرْهُ النّاسُ، وَلَوْ نُصِبَ الْعَطَاءُ لَجَازَ عَلَى إضْمَارِ الْفِعْلِ الْمَتْرُوكِ إظْهَارُهُ، لِأَنّهُ مِنْ بَابِ اشْتِغَالِ الْفِعْلِ عَنْ الْمَفْعُولِ بِضَمِيرِهِ، وَيَكُونُ اسْمُ لَيْسَ عَلَى هَذَا مُضْمَرًا فِيهَا عَائِدًا عَلَى النّبِيّ ﷺ.
_________________
(١) - فقال أبو سفيان بن حرب: الزنا، قال: لقد تركنى الزنا، وما تركته، ثم ماذا؟ قال: القمار، قال: لعلى إن لقيته أن أصيب منه عوضا عن القمار، ثم ماذا؟ قالوا: الربا. قال: ما دنت ولا أدنت، ثم ماذا؟ قالوا: الخمر، قال: أوه، أرجع إلى صبابة قد بقيت لى فى المهراس، فأشربها فقال له أبو سفيان: هل لك فى خير مما هممت به؟ قال: وما هو؟ قال: نحن، وهو الان فى هدنة، فتأخذ مائة من الإبل، وترجع إلى بلدك سنتك هذه، وننظر ما يصير إليه أمرنا، فإن ظهرنا عليه كنت قد أخذت خلفا، وإن ظهر علينا أتيته» ورجع بعد أن أخذ مائة بعير. ورواية الأغانى تتفق وما قيل عن تحريم الخمر، وما روى فى بعض الأحاديث عن زمن تحريمها. وعن مصير الأعشى يقول الأغانى: فلما كان بقاع منفوخة رمى به بعيره فقتله» ورواية الأغانى قريبة جدا من رواية ابن قتيبة فى طبقات الشعراء غور كل شىء: قعره وعمقه وبعده، وقال الفراء: أغار بمعنى: غار. ويقول ابن منظور. وقد روى بيت أعشى مخروم النصف: غار لعمرى فى البلاد وأنجدا. وقال الجوهرى: غار يغور غورا، أى: أتى الغور، ولا يقال: أغار. وقال الأصمعى عن معنى أغار فى بيت الأعشى: أسرع، وأنجد: أى ارتفع، ولم يرد فى البيت: أتى الغور، ولا نجدا، قال: وليس عند الأصمعى فى إتيان الغور إلا غار. وانظر مادة غور، ففيها تفصيل أكثر.
[ ٣ / ٣٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْله: فَانْكَحَنْ أَوْ تَأَبّدَا. يُرِيدُ: أَوْ تَرَهّبَ؛ لِأَنّ الرّاهِبَ أَبَدًا عَزَبٌ فَقِيلَ لَهُ: مُتَأَبّدًا اُشْتُقّ مِنْ لَفْظِ الْأَبَدِ.
وَقَوْلُهُ: فَاَللهَ فَاعْبُدَا، وَقَفَ عَلَى النّونِ الْخَفِيفَةِ بِالْأَلِفِ، وَكَذَلِكَ فَانْكَحَنْ أَوْ تَأَبّدَا، وَلِذَلِكَ كَتَبْت فِي الْخَطّ بِأَلْفِ، لِأَنّ الْوُقْفَ عَلَيْهَا بِالْأَلِفِ، وَقَدْ قِيلَ فِي مِثْلِ هَذَا: إنّهُ لَمْ يَرُدّ النّونَ الْخَفِيفَةَ، ونما خَاطَبَ الْوَاحِد بِخِطَابِ الِاثْنَيْنِ، وَزَعَمُوا أَنّهُ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ:
فَإِنْ تَزْجُرَانِي يَا ابْنَ عَفّانَ أَزْدَجِرُ وَإِنْ تَدَعَانِي أَحْمِ عِرْضًا مُمَنّعًا «١»
وَأَنْشَدُوا أَيْضًا فِي هَذَا الْمَعْنَى:
وَقُلْت لِصَاحِبِي: لَا تَحْبِسَانَا بِنَزْعِ أُصُولِهَا واجتثّ شيحا «٢»
_________________
(١) البيت لسويد بن كراع العكلى، وكان سويد قد هجا به عبد الله ابن دارم، فاستعدوا عليه سعيد بن عثمان، فأراد ضربه، فقال سويد قصيدة أولها: تقول ابنة العوفى ليلى ألا ترى إلى ابن كراع لا يزال مفزعا مخافة هذين الأميرين سهدت رقادى وغشتنى بياضا مفزعا وهذا يدل على أنه خاطب اثنين لا واحدا. بدليل قوله أيضا. فإن أنتما أحكمتمانى فازجرا أراهط تؤذينى من الناس رضعا
(٢) فى رواية: واجدز أى: اجتز، والبيت من أبيات المضرس بن ربعى الفقعسى الأسدى، وهى: وضيف جاءنا والليل داج وريح القر تحفز منه روحا ونسبه الجوهرى ليزيد بن الطثرية نقلا عن الكسائى، ولكن ابن بروى فى أمالية على الصحاح يؤكد أنه لمضرس، وفى رواية: فقلت لصاحبى لا تحبسنى
[ ٣ / ٣٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَلَا يُمْكِنُ إرَادَةُ النّونِ الْخَفِيفَةِ فِي هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ، لِأَنّهَا لَا تَكُونُ أَلِفًا.
إلّا فِي الْوَقْفِ، وَهَذَا الْفِعْلُ قَدْ اتّصَلَ بِهِ الضّمِيرُ، فَلَا يَصِحّ اعْتِقَادُ الْوُقْفِ عَلَيْهِ دُونَ الضّمِيرِ، وَحُكِيَ أَنّ الْحَجّاجِ قَالَ: يَا حَرَسِي اضْرِبَا عُنُقَهُ، وَقَدْ يُمْكِنُ فِيهِ حَمْلُ الْوَصْلِ عَلَى الْوَقْفِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدُ: اضْرِبْ أَنْتَ وَصَاحِبُك:
وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ إنّ الْخِطَابَ لِمَالِكِ وَحْدَهُ حَمْلًا عَلَى هَذَا الْبَابِ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ تعالى: (سائِقٌ وَشَهِيدٌ) وَفِي الْقَصِيدَةِ زِيَادَةٌ لَمْ تَقَعْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ وَهِيَ قَوْلُهُ فِي وَصْفِ النّاقَةِ:
فَأَمّا إذَا مَا أَدْلَجَتْ، فَتَرَى لَهَا رَقِيبَيْنِ نَجْمًا لَا يَغِيبُ وَفَرْقَدَا
وَقَعَ هَذَا الْبَيْتُ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَيّنًا غَيْرَ أَحْرَدَا
وَقَوْلُهُ فِي صِفّةِ النّبِيّ ﷺ: أَغَارَ لَعَمْرِي فِي الْبِلَادِ وَأَنْجَدَا. وَبَعْدَهُ:
بِهِ أَنْقَذَ اللهُ الْأَنَامَ مِنْ الْعَمَى وَمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَرِيعُ إلَى هُدَى
حَدِيثُ الْإِرَاشِيّ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ الْإِرَاشِيّ الّذِي قَدِمَ مَكّةَ، وَاسْتَعْدَى عَلَى أَبِي جَهْلٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: هُوَ مِنْ إرَاشَ، وَهُوَ ابْنُ الْغَوْثِ أَوْ ابْنُ عمرو «١»، ابن الْغَوْثِ بْنِ نَبْت بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ، وَهُوَ وَالِدُ أَنْمَارٍ الّذِي وَلَدَ بَحِيلَةَ وَخَثْعَمَ. وَإِرَاشَةَ الّذِي ذَكَرَ ابن هشام: بطن من خثعم، وإراشة
_________________
(١) فى جمهرة ابن حزم: إراش بن عمرو بن الغوث الخ
[ ٣ / ٣٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَذْكُورَةٌ فِي الْعَمَالِيقِ فِي نَسَبِ فِرْعَوْنَ صَاحِبِ مِصْرَ، وَفِي بَلِيّ أَيْضًا بَنُو إرَاشَةَ «١»، وَقَوْلُهُ: مِنْ [رَجُلٍ] يُؤَدّينِي عَلَى أَبِي الْحَكَمِ أَيْ: يعيننى على أخذ حقى منه، وَهُوَ مِنْ الْأَدَاةِ الّتِي تُوَصّلُ الْإِنْسَانَ إلَى مَا يُرِيدُ، كَأَدَاةِ الْحَرْبِ، وَأَدَاةِ الصّانِعِ، فَالْحَاكِمُ يُؤَدّي الْخَصْمَ، أَيْ يُوَصّلُهُ إلَى مَطْلَبِهِ، وَقَدْ قِيلَ: إنّ الْهَمْزَةَ بَدَلٌ مِنْ عَيْنٍ، وَيُؤَدّي وَبَعْدِي بِمَعْنَى وَاحِدٍ، أَيْ: يُزِيلُ الْعُدْوَانَ، وَالْعَدَاءَ وَهُوَ: الظّلْمُ، كَمَا تَقُولُ: هُوَ يُشْكِيك أَيْ: يُزِيلُ شَكْوَاك، وَفِي حَدِيثِ خَبّابٍ: شَكَوْنَا إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- حَرّ الرّمْضَاءِ، فَلَمْ يُشْكِنَا مَعْنَاهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: لَمْ يَرْفَعْ شَكَوَانَا وَلَمْ يُزِلْهَا.
وَقَوْلُهُ: فَخَرَجَ إلَيْهِ، وَمَا فِي وَجْهِهِ رَائِحَةٌ، أَيْ: بَقِيّةُ رُوحٍ، فَكَانَ مَعْنَاهُ: رُوحٌ بَاقِيَةٌ، فَلِذَلِكَ جَاءَ بِهِ عَلَى وَزْنِ فَاعِلِهِ، وَالدّلِيلُ عَلَى أَنّهُ أَرَادَ مَعْنَى الرّوحِ وَإِنْ جَاءَ بِهِ عَلَى بِنَاءِ فَاعِلَة قَوْلُ الْإِرَاشِيّ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: خَرَجَ إلَيّ، وَمَا عِنْدَهُ رُوحُهُ.
مُصَارَعَةُ رُكَانَةَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ رُكَانَةَ وَمُصَارَعَتَهُ لِلنّبِيّﷺ- «٢»
_________________
(١) وفى الاشتقاق: ومن بنى عنز إراشة.
(٢) قصة المصارعة مشهورة لركانة لكن جاء من وجه آخر أنه يزيد ابن ركانة. وفى حديث المصارعة اضطراب. ولقد قال الترمذى عن حديث المصارعة الذى أخرجه هو وأبو داود من رواية أبى الحسن العسقلانى عن أبى جعفر بن محمد بن ركانة عن أبيه: غريب، وليس إسناده بقائم. وحديث الشجرة التى طلب الرسول «ص» مشهيا لا يسانده هدى القرآن.
[ ٣ / ٣٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَدْ تَقَدّمَ مِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي الْأَشَدّيْنِ الْجُمَحِيّ، وَلَعَلّهُمَا أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا صَارَعَا رسول اللهﷺ- وقد تَقَدّمَ التّعْرِيفُ بِأَبِي الْأَشَدّيْنِ، وَبِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ؛ وَرُكَانَةُ هَذَا هُوَ: ابْنُ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ، وَتُوُفّيَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ الّذِي طَلّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتّةَ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللهِﷺ- عَنْ نِيّتِهِ، فَقَالَ: إنّمَا أَرَدْت وَاحِدَةً، فَرَدّهَا عَلَيْهِ «١»، وَمِنْ حَدِيثِهِ عَنْ النّبِيّ ﷺ: أَنّهُ قَالَ: إنّ لِكُلّ
_________________
(١) روى أبو داود فى سننه عن نافع بن عجير بن عبد يزيد بن ركانة أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة ألبتة، فأخبر النبى «ص» بذلك، وقال: والله ما أردت إلا واحدة، فقال النبى «ص» والله ما أردت إلا واحدة؟ فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة، فردها إليه رسول الله «ص» فطلقها الثانية فى زمن عمر، والثالثة فى زمن عثمان» وفى جامع الترمذى عن عبد الله ابن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده أنه طلق امرأته ألبتة، فأتى رسول الله «ص» فقال له: ما أردت؟ قال واحدة، قال: آلله، قال: آلله. قال: هو على ما أردت، قال الترمذى: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسألت محمدا- يعنى البخارى- عن هذا الحديث؟ فقال: فيه اضطراب. فتارة يقول: طلقها ثلاثا وتارة يقول: واحدة، وتارة يقول: ألبتة، وقال أحمد: وطرقه كلها ضعيفة. أقول: إن القرآن يفرض أن يكون الطلاق بشروطه المذكورة فى الكتاب، مرة بعد مرة حتى يبلغ ثلاثا، وبعدها لا تحل حتى تنكح زوجا آخر. ولا يصح إبقاع الطلاق مطلقا إلا بعد القيام بما فرض الله من وعظ وهجر فى المضاجع وضرب يقصد به التأديب، ثم تحكيم مؤمنين خبيرين بالحكومه، فإن لم يصل معها إلى غاية تقيم البيت على مودة ورحمة، وتمكنهما من إقامة حدود الله، تربص بها حتى تطهر مما يأتيها كل شهر، ثم بعد هذا يوقع الطلاق مرة واحدة قبل أن يمسها وكذلك فى المرة الثانية-
[ ٣ / ٣٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ هَذَا الدّينِ الْحِيَاءُ «١»، وَلِابْنِهِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ صُحْبَةٌ أَيْضًا، وَيُرْوَى عَنْ يزيد بْنِ رُكَانَةَ ابْنِهِ عَلِيّ، وَكَانَ عَلِيّ قَدْ أَعْطَى مِنْ الْأَيْدِ وَالْقُوّةِ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ، نَزَعَ فِي ذَلِكَ إلَى جَدّ رُكَانَةَ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ أَخْبَارٌ ذَكَرَهَا الْفَاكِهِيّ، مِنْهَا: خَبَرُهُ مَعَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ مِنْ أَشَدّ الْعَرَبِ، فَصَارَعَهُ يَوْمًا، فَصَرَعَهُ عَلِيّ صَرْعَةً لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا، ثُمّ حَمَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى فَرَسٍ جَمُوحٍ لَا يَطْلِقُ، فَعَلِمَ عَلِيّ مَا يُرَادُ بِهِ، فَلَمّا جَمَحَ بِهِ الْفَرَسُ ضَمّ عَلَيْهِ فَخِذَيْهِ ضَمّةً نَفَقَ مِنْهَا الْفَرَسُ، وَذُكِرَ عَنْهُ أَيْضًا أَنّهُ تَأَبّطَ رِجْلَيْنِ أَيّدَيْنِ، ثُمّ جَرَى بِهِمَا، وَهُمَا تَحْتَ إبْطَيْهِ حَتّى صَاحَا: الْمَوْتَ الْمَوْتَ، فَأَطْلَقَهُمَا.
وَفْدُ نَصَارَى الْحَبَشَةِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قُدُومَ وَفْدِ النّصَارَى مِنْ الْحَبَشَةِ وَإِيمَانَهُمْ، وَمَا أَنَزَلَ اللهُ فِيهِمْ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى وَلَمْ يَقُلْ: مِنْ النّصَارَى، وَلَا سَمّاهُمْ هُوَ سُبْحَانَهُ بِهَذَا الِاسْمِ، وَإِنّمَا حَكَى قَوْلَهُمْ الّذِي قَالُوهُ حِينَ عَرَفُوا بِأَنْفُسِهِمْ، ثُمّ شَهِدَ لَهُمْ بِالْإِيمَانِ، وَذَكَرَ أَنّهُ أَثَابَهُمْ الْجَنّةَ، وَإِذَا كَانُوا هكذا
_________________
(١) - ثم الأخيرة أمام عدلين فى كل مرة. ولنتدبر سورة الطلاق، وآيات الطلاق فى سورة البقرة نجد القرآن يهدينا إلى أن الله لم يشرع إيقاع الثلاث جملة واحدة ألبتة. وحسبنا قوله سبحانه: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ) فإن العرب فى لغتها لا تعقل وقوع المرتين إلا متعاقبتين، وثمت أدلة أخرى، وحسبنا ما ذكرناه.
(٢) رواه ابن ماجة عن أنس وابن عباس كما ذكر السيوطى فى الجامع الصغير وقال عنه: ضعيف.
[ ٣ / ٣٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَلَيْسُوا بِنَصَارَى، هُمْ مِنْ أُمّةِ مُحَمّدٍ﵇- وَإِنّمَا عُرِفَ النّصَارَى بِهَذَا الِاسْمِ، لِأَنّ مَبْدَأَ دِينِهِمْ كَانَ مِنْ نَاصِرَةَ قَرْيَةٍ بِالشّامِ، فَاشْتُقّ اسْمُهُمْ مِنْهُمْ، كَمَا اُشْتُقّ اسْمُ الْيَهُودِ مِنْ يَهُودَ بْنِ يَعْقُوبَ، ثُمّ لَا يُقَالُ لِمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ: يَهُودِيّ اسْمُ الْإِسْلَامِ أَوْلَى بِهِمْ جَمِيعًا مِنْ. ذَلِكَ النّسَبِ «١» .
عَنْ غُلَامِ الْمَبِيعَةِ وَصُهَيْبٍ وَأَبِي فُكَيْهَةَ:
فَصْلٌ: ذَكَرَ أَنّ رسول اللهﷺ- كان يجلس إلى مبيعة
_________________
(١) هدى القرآن يؤكد أن كل رسول دعا إلى الإسلام، لأنه هو دين الله الذى به أرسلوا جميعا، ويقول الدكتور بوست فى قاموسه عن يهود: «أطلقت هذه الكلمة أولا على بنى يهوذا تمييزا لهم عن الأسباط العشرة الذين سموا: إسرائيل إلى أن تشتت الأسباط أولا، وأسر يهوذا ثانيا، فمن ثم دعى جميع نسل يعقوب يهودا، وفى أيام المسيح والرسل انقسم كل العالم إلى يهود وأمم» وقد روى البيهقى حديث هؤلاء فى دلائل النبوة وأعلام الرسالة. هذا وقد ذكر النسائى أن آيات سورة المائدة (ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ) قد نزلت فى حق النجاشى، بينما يروى الطبرانى أنها فى حق كرابين أى: فلاحين، جاؤا مع جعفر بن أبى طالب ص ٨٦ ج ٢ تفسير ابن كثير. وهذا الاختلاف يحتم علينا ألا نعتمد كثيرا على ما روى من أسباب النزول. وذكر الإمام أحمد وابن جرير، وابن أبى حاتم فيما نزل فى حق المستضعفين أن الذى مر على الرسول. «ص» هو الأقرع ابن حابس التميمى وعيينة بن حصن، فطلبوا منه أن يبعد المستضعفين عنه، وأن يقعد معهم متى شاء حين يفرغون منه، فأجابهم إلى طلبهم، ولكن قال ابن كثير عنه: إنه حديث غريب، لأن الاية مكية. والأقرع وعيينة، أنما أسلما بعد الهجرة يزمن طويل، وروى الحاكم غير هذا.
[ ٣ / ٣٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غُلَامِ «١» . الْمَبِيعَةِ: مَفْعَلَة مِثْلَ الْمَعِيشَةِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُلَة بِضَمّ الْعَيْنِ- وَهُوَ قَوْلُ الْأَخْفَشِ، وَأَمّا قَوْلُهُمْ: سِلْعَةٌ مَبِيعَةٌ فَمَفْعُولَةٌ، حُذِفَتْ الْوَاوُ مِنْهَا فِي قَوْلِ سِيبَوَيْهِ حِينَ سَكّنُوا الْيَاءَ اسْتِثْقَالًا لِلضّمّةِ، وَفِي قَوْلِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَخْفَشِ إنّ الْيَاءَ بَدَلٌ مِنْ الْوَاوِ الزّائِدَةِ فى مبيوعة، ووزنها عنده: مفولة بِحَذْفِ الْعَيْنِ، وَلِلْكَلَامِ عَلَى هَذَيْنِ الْمَذْهَبَيْنِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا.
وَذَكَرَ صُهَيْبًا وَأَبَا فُكَيْهَةَ، وَسَنَذْكُرُ اسْمَ أَبِي فُكَيْهَةَ، وَالتّعْرِيفُ بِهِ فِيمَا بَعْدُ لِأَنّهُ بَدْرِيّ، وَكَذَلِكَ صُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ، وَنَقْتَصِرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى ذِكْرِ اسْمِهِ وَهُوَ: يسار مولى عبد الدار «٢» .
_________________
(١) هناك خلاف حول اسم هذا الغلام وحول الذين افتروا قالة السوء، فعن قتادة، أن اسمه يعيش، وعن ابن عباس أن اسمه بلعام، وكان المشركون يرون رسول الله حين يدخل عليه، ويخرج من عنده، فقالوا هذه الفرية، وقال الضحاك: هو سلمان الفارسى ولكن الاية مكية، وسلمان إنما أسلم بالمدينة، وروى عن عبد الله بن مسلم أنه كان له غلامان روميان بقرآن كتابا لهما بلسانهما، فكان النبى (ص) يمر بهما، فيسمع منهما، فقال المشركون ما قالوا. وروى الزهرى عن ابن المسيب أن الذى بهت الرسول «ص» بهذه القالة الكاذبة رجل كان يكتب الوحى للرسول «ص» ثم ارتد بعد ذلك. وهى أقوال يضرب بعضها بعضا. ولقد رد الله على الفربة ردا هو الحق الذى يزهق الباطل، فلنتدبره.
(٢) قيل إنه: مولى صفوان بن أمية. ويقال إن أصله من الأزد، وقيل إن اسمه أفلح بن يسار، وإن كان ينسب إلى الأشعريين.
[ ٣ / ٣٩٢ ]
[سبب نُزُولُ سُورَةِ الْكَوْثَر]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ السّهْمِيّ- فِيمَا بَلَغَنِي- إذَا ذَكَرَ رَسُولُ اللهِﷺ- قَالَ: دَعُوهُ، فَإِنّمَا هُوَ رَجُلٌ أَبْتَرُ، لَا عقب له، لو مات لا نقطع ذِكْرُهُ، وَاسْتَرَحْتُمْ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ:
(إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ مَا هُوَ خَيْرٌ لَك من الدنيا وما فيها. والكوثر:
العظيم.
[الكوثر فى الشعر]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ الْكِلَابِيّ:
وَصَاحِبُ مَلْحُوبٍ فُجِعْنَا بِيَوْمِهِ وَعِنْدَ الرّدَاعِ بَيْتُ آخِرَ كَوْثَرِ
يَقُولُ: عَظِيمٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَصَاحِبُ ملحوب: عوف ابن الْأَحْوَصِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، مَاتَ بِمَلْحُوبِ. وقوله: عند الرّدَاعِ بَيْتُ آخِرَ كَوْثَرِ: يَعْنِي شُرَيْحَ بْنَ الْأَحْوَصِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، مَاتَ بِالرّدَاعِ.
وَكَوْثَرٌ: أَرَادَ الْكَثِيرَ، وَلَفْظُهُ مُشْتَقّ مِنْ لَفْظِ الْكَثِيرِ. قَالَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ يَمْدَحُ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ:
وَأَنْتَ كَثِيرٌ يَا بْنَ مَرْوَانَ طَيّبٌ وَكَانَ أَبُوك ابْنُ العقائل كوثر
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ أُمَيّةُ بْنُ أَبِي عَائِذٍ الْهُذَلِيّ يَصِفُ حِمَارَ وَحْشٍ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٩٣ ]
يُحَامِي الْحَقِيقَ إذَا مَا احْتَدَمْنَ وحَمْحَمْنَ فِي كَوْثَرٍ كَالْجِلَالْ
يَعْنِي بِالْكَوْثَرِ: الْغُبَارَ الْكَثِيرَ، شَبّهَهُ لِكَثْرَتِهِ عَلَيْهِ بِالْجِلَالِ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ له.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرٍو- قال ابن هشام: هو جعفر ابن عمرو بن أميّة الضّمْرِيّ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ أَخِي محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْكَوْثَرُ الّذِي أَعْطَاك اللهُ؟ قَالَ: نَهْرٌ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ إلَى أَيْلَةَ، آنِيَتُهُ كَعَدَدِ نُجُومِ السّمَاءِ، تَرِدُهُ طُيُورٌ لَهَا كَأَعْنَاقِ الْإِبِلِ. قَالَ: يَقُولُ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ: إنها يا رسول الله لنا عمة، قَالَ: آكِلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ سَمِعْت فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَوْ غَيْرِهِ أَنّهُ قَالَﷺ: «مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَا يَظْمَأُ أَبَدًا» .
[نُزُولُ: (وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ)]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَدَعَا رَسُولِ اللهِﷺ- قَوْمَهُ إلَى الْإِسْلَامِ، وَكَلّمَهُمْ، فَأَبْلَغَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُ زَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَالنّضْرُ بن الحارث، وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وَأُبَيّ بْنُ خَلَفٍ، وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ: لَوْ جُعِلَ مَعَك يَا مُحَمّدُ مَلَكٌ يُحَدّثُ عَنْك النّاسَ وَيُرَى مَعَك! فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: (وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ، وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ، وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا، وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) الأنعام: ٨، ٩.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٩٤ ]
[نزول: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ)]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَرّ رَسُولُ اللهِ ﷺ- فيما بلغنى- بالوليد بن الْمُغِيرَةِ، وَأُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَبِأَبِي جَهْلِ بْنِ هشام، فغمزوه وهمزوه، واستهزؤا بِهِ، فَغَاظَهُ ذَلِكَ: فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ:
(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ، فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) الأنبياء: ٤١.
[ذكر الإسراء والمعراج]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنَا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بْنِ إسْحَاقَ الْمُطّلِبِيّ قَالَ: ثُمّ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِﷺ- مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ مِنْ إيلِيَاء، وَقَدْ فَشَا الْإِسْلَامُ بِمَكّةَ فِي قُرَيْشٍ، وَفِي الْقَبَائِلِ كُلّهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: كَانَ مِنْ الْحَدِيثِ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ مَسْرَاهُﷺ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، وَعَائِشَةَ زَوْجِ النّبِيّ ﷺ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَالْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ، وَابْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأُمّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، مَا اجْتَمَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، كُلّ يُحَدّثُ عَنْهُ بَعْضَ مَا ذُكِرَ مِنْ أَمْرِهِ حِينَ أُسْرِيَ بِهِﷺ، وَكَانَ فِي مَسْرَاهُ، وَمَا ذُكِرَ عَنْهُ بَلَاءٌ وَتَمْحِيصٌ، وَأَمْرٌ من أمر الله فِي قُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، فِيهِ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٩٥ ]
وَهُدًى وَرَحْمَةٌ وَثَبَاتٌ لِمَنْ آمَنَ وَصَدّقَ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ اللهِ ﷾ عَلَى يَقِينٍ، فأسرى به كَيْفَ شَاءَ، لِيُرِيَهُ مِنْ آيَاتِهِ مَا أَرَادَ، حَتّى عَايَنَ مَا عَايَنَ مِنْ أَمْرِهِ وَسُلْطَانِهِ الْعَظِيمِ، وَقُدْرَتِهِ الّتِي يَصْنَعُ بِهَا مَا يُرِيدُ.
[راوية ابن مسعود]
فَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ- فِيمَا بَلَغَنِي- عَنْهُ- يَقُولُ:
أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْبُرَاقِ- وَهِيَ الدّابّةُ الّتِي كَانَتْ تُحْمَلُ عَلَيْهَا الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ، تَضَعُ حَافِرَهَا فِي مُنْتَهَى طَرْفِهَا- فَحُمِلَ عَلَيْهَا، ثُمّ خَرَجَ بِهِ صَاحِبُهُ، يَرَى الْآيَاتِ فِيمَا بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ، حَتّى انْتَهَى إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَوَجَدَ فِيهِ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ وَمُوسَى وَعِيسَى فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَدْ جُمِعُوا لَهُ، فَصَلّى بِهِمْ. ثُمّ أُتِيَ بِثَلَاثَةِ آنِيَةٍ، إنَاءٌ فِيهِ لَبَنٌ، وَإِنَاءٌ فِيهِ خَمْرٌ، وَإِنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ قَالَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ حِينَ عُرِضَتْ عَلَيّ: إنْ أَخَذَ الْمَاءَ، غَرِقَ وَغَرِقَتْ أُمّتُهُ، وَإِنْ أَخَذَ الْخَمْرَ غَوَى، وَغَوَتْ أُمّتُهُ، وَإِنْ أَخَذَ اللّبَنَ هُدِيَ، وَهُدِيَتْ أُمّتُهُ. قَالَ: فَأَخَذْت إنَاءَ اللّبَنِ، فَشَرِبْت مِنْهُ، فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ ﵇: هُدِيت وهديت أمتك يا محمد.
[حديث الحسن]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدّثْت عَنْ الْحَسَنِ أَنّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ، إذْ جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَهَمَزَنِي بِقَدَمِهِ، فَجَلَسْت فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَعُدْت إلَى مَضْجَعِي، فَجَاءَنِي الثّانِيَةَ فَهَمَزَنِي بقدمه،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٩٦ ]
فجلست فلم أر شيئا، فعدت إلى مضجعي، فَجَاءَنِي الثّالِثَةَ فَهَمَزَنِي بِقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ، فَأَخَذَ بِعَضُدِي، فقمت معه فخرج إلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَإِذَا دَابّةٌ أَبْيَضُ، بَيْنَ الْبَغْلِ- وَالْحِمَارِ- فِي فَخِذَيْهِ جَنَاحَانِ يَحْفِزُ بِهِمَا رِجْلَيْهِ، يَضَعُ يَدَهُ فِي مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فَحَمَلَنِي عليه، ثم خرج معى لا يفوتى ولا أفوته.
[حديث قتادة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ، وَحُدّثْت عَنْ قَتَادَةَ أَنّهُ قَالَ: حُدّثْت أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَمّا دَنَوْتُ مِنْهُ؛ لِأَرْكَبَهُ شَمَسَ، فَوَضَعَ جِبْرِيلُ يَدَهُ عَلَى مَعْرَفَتِهِ، ثُمّ قَالَ: أَلَا تَسْتَحِي يَا بُرَاقُ مِمّا تَصْنَعُ، فو الله مَا رَكِبَك عَبْدٌ لِلّهِ قَبْلَ مُحَمّدٍ أَكْرَمُ على الله مِنْهُ. قَالَ: فَاسْتَحْيَا حَتّى ارْفَضّ عَرَقًا، ثُمّ قرّ حتى ركبته.
[من حديث الحسن]
قَالَ الْحَسَنُ فِي حَدِيثِهِ: فَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَمَضَى جِبْرِيلُ ﵇ مَعَهُ، حَتّى انْتَهَى بِهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَوَجَدَ فِيهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَأَمّهُمْ رَسُولُ اللهِﷺ- فَصَلّى بِهِمْ، ثُمّ أُتِيَ بِإِنَاءَيْنِ، فِي أَحَدِهِمَا: خَمْرٌ، وَفِي الْآخَرِ: لَبَنٌ. قَالَ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إنَاءَ اللّبَنِ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَتَرَكَ إنَاءَ الْخَمْرِ.
قَالَ: فَقَالَ: لَهُ جِبْرِيلُ: هُدِيت لِلْفِطْرَةِ، وَهُدِيَتْ أُمّتُك يَا مُحَمّدُ، وَحُرّمَتْ عَلَيْكُمْ الْخَمْرُ، ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِﷺ- إلَى مَكّةَ، فَلَمّا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٩٧ ]
أَصْبَحَ غَدَا عَلَى قُرَيْشٍ، فَأَخْبَرَهُمْ الْخَبَرَ. فَقَالَ أَكْثَرُ النّاسِ: هَذَا وَاَللهِ الْإِمْرُ الْبَيّنُ، وَاَللهِ إنّ الْعِيرَ لَتُطْرَدُ شَهْرًا مِنْ مَكّةَ إلَى الشّامِ مُدْبِرَةً، وَشَهْرًا مُقْبِلَةً، أَفَيَذْهَبُ ذَلِكَ مُحَمّدٌ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَرْجِعُ إلَى مَكّةَ! قَالَ: فَارْتَدّ كَثِيرٌ مِمّنْ كَانَ أَسْلَمَ، وَذَهَبَ النّاسُ إلى أبى بكر، فَقَالُوا لَهُ: هَلْ لَك يَا أَبَا بَكْرٍ فِي صَاحِبِك، يَزْعُمُ أَنّهُ قَدْ جَاءَ هَذِهِ اللّيْلَةَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَصَلّى فِيهِ، وَرَجَعَ إلَى مَكّةَ. قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ: إنّكُمْ تَكْذِبُونَ عَلَيْهِ، فَقَالُوا: بَلَى، هَا هُوَ ذَاكَ فِي الْمَسْجِدِ يُحَدّثُ بِهِ النّاسَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاَللهِ لَئِنْ كَانَ قَالَهُ لَقَدْ صَدَقَ، فما يعجبكم من ذلك؟! فو الله إنه ليخبرنى أنّ الخبر ليأتيه مِنْ السّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَأُصَدّقُهُ، فَهَذَا أَبْعَدُ مِمّا تَعْجَبُونَ مِنْهُ، ثُمّ أَقْبَلَ حَتّى انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- فقال: يَا نَبِيّ اللهِ. أَحَدّثْتَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ أَنّك أتيت الْمَقْدِسِ هَذِهِ اللّيْلَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: يَا نَبِيّ اللهِ، فَصِفْهُ لِي، فَإِنّي قَدْ جِئْته- قَالَ الْحَسَنُ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
فَرُفِعَ لِي حَتّى نَظَرْتُ إلَيْهِ- فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِﷺ- يَصِفُهُ لِأَبِي بَكْرٍ: وَيَقُول أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ، أَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللهِ، كَلَمّا وَصَفَ لَهُ مِنْهُ شَيْئًا، قَالَ: صَدَقْتَ، أَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ الله، حتى انْتَهَى، قَالَ رَسُولُ اللهِﷺ- لِأَبِي بَكْرٍ: وَأَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ الصّدّيقُ، فَيَوْمَئِذٍ سَمّاهُ الصّدّيقَ.
قَالَ الْحَسَنُ: وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيمَنْ ارْتَدّ عَنْ إسْلَامِهِ لِذَلِكَ: (وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ، وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ، وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيانًا كَبِيرًا» الإسراء: ٦٠.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٩٨ ]
فَهَذَا حَدِيثُ الْحَسَنِ عَنْ مَسْرَى رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَمَا دَخَلَ فِيهِ من حديث قتادة.
[الإسراء رؤيا]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ آلِ أَبِي بَكْرٍ: أَنّ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبِيّ ﷺ كَانَتْ تَقُولُ: مَا فُقِدَ جَسَدُ رَسُولُ اللهِﷺ- وَلَكِنْ الله أسرى بروحه.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ: أَنّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، كَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ مَسْرَى رسول اللهﷺ- قال: كانت رؤيا من الله تعالى صادقة.
فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا، لِقَوْلِ الْحَسَنِ: إنّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ، قَوْلُ اللهِ ﵎: (وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) الإسراء:
٦٠. وَلِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى فِي الْخَبَرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ ﵇ إذْ قَالَ لِابْنِهِ: (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) الصافات: ١٠٢. ثُمّ مَضَى عَلَى ذَلِكَ.
فَعَرَفْتُ أَنّ الْوَحْيَ مِنْ اللهِ يَأْتِي الْأَنْبِيَاءَ أَيْقَاظًا وَنِيَامًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- يَقُولُ: تَنَامُ عَيْنَايَ، وَقَلْبِي يَقْظَانُ. وَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ قَدْ جَاءَهُ، وَعَايَنَ فِيهِ مَا عَايَنَ، مِنْ أَمْرِ اللهِ، عَلَى أَيّ حَالَيْهِ كَانَ: نَائِمًا، أو يقظان، كلّ ذلك حقّ وصدق.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٣٩٩ ]
[الصفات التى وصف بها النبى بعض الرسل]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمَ الزّهْرِيّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- وَصَفَ لِأَصْحَابِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى حِينَ رَآهُمْ فِي تِلْكَ اللّيْلَةِ، فَقَالَ: أَمّا إبراهيم، فلم أَرَ رَجُلًا أَشَبَهَ بِصَاحِبِكُمْ، وَلَا صَاحِبُكُمْ أَشَبَهَ بِهِ مِنْهُ، وَأَمّا مُوسَى فَرَجُلٌ آدَمُ طَوِيلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ أَقْنَى كَأَنّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَأَمّا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، فَرَجُلٌ أَحْمَرُ، بَيْنَ الْقَصِيرِ وَالطّوِيلِ، سَبْطُ الشّعَرِ، كَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنّهُ خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ، تَخَالُ رَأْسَهُ يَقْطُرُ مَاءً، وَلَيْسَ بِهِ مَاءٌ، أَشْبَهُ رِجَالِكُمْ بِهِ عروة بن مسعود الثقفى
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَكَانَتْ صِفَةُ رَسُولِ اللهِﷺ- فِيمَا- ذَكَرَ عُمَرُ مَوْلَى غُفْرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: كَانَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇، إذَا نَعَتَ رسول اللهﷺ قال-:
لَمْ يَكُنْ بِالطّوِيلِ الْمُمّغِطِ، وَلَا الْقَصِيرِ الْمُتَرَدّدِ. وَكَانَ رَبْعَةً مِنْ الْقَوْمِ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلَا السّبِطِ، كَانَ جَعْدًا رَجِلًا، وَلَمْ يَكُنْ بِالْمُطَهّمِ وَلَا الْمُكَلْثَمِ وَكَانَ أَبْيَضَ مُشْرَبًا، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المشاش الكتد، دقيق المسربة أجرد، شئن الكفّين والقدمين، إذا مثى تَقَلّعَ، كَأَنّمَا يَمْشِي فِي صَبَبٍ، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ مَعًا، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النّبُوّةِ، وَهُوَ صلى الله وَسَلّمَ خَاتَمُ النّبِيّينَ، أَجْوَدُ النّاسِ كَفّا، وَأَجْرَأُ النّاسِ صَدْرًا، وَأَصْدَقُ النّاسِ لَهْجَةً، وَأَوْفَى النّاسِ ذِمّةً، وَأَلْيَنُهُمْ عَرِيكَةً، وَأَكْرَمُهُمْ عِشْرَةً،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٤٠٠ ]
مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ أَحَبّهُ، يَقُولُ نَاعِتُهُ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مثله، ﷺ
[حديث أم هانئ عن الإسراء]
قَالَ مُحَمّدُ بْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ- فِيمَا بَلَغَنِي- عَنْ أُمّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ﵂- وَاسْمُهَا: هِنْدٌ- فِي مَسْرَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَنّهَا كَانَتْ تَقُولُ: مَا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِﷺ- إلا وهو فى بيتى، نائم عِنْدِي تِلْكَ اللّيْلَةَ فِي بَيْتِي، فَصَلّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، ثُمّ نَامَ وَنِمْنَا، فَلَمّا كَانَ قُبَيْلَ الْفَجْرِ أَهَبّنَا رَسُولُ اللهِﷺ- فَلَمّا صَلّى الصّبْحَ، وَصَلّيْنَا مَعَهُ، قَالَ: يَا أُمّ هَانِئٍ، لَقَدْ صَلّيْتُ مَعَكُمْ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ كَمَا رَأَيْتِ بِهَذَا الْوَادِي، ثُمّ جِئْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَصَلّيْت فِيهِ، ثُمّ قَدْ صَلّيْت صَلَاةَ الْغَدَاةِ مَعَكُمْ الْآنَ كَمَا تَرَيْنَ، ثُمّ قال لِيَخْرُجَ، فَأَخَذْتُ بِطَرَفِ رِدَائِهِ، فَتَكَشّفَ عَنْ بَطْنِهِ كَأَنّهُ قُبْطِيّةٌ مَطْوِيّةٌ، فَقُلْت لَهُ: يَا نَبِيّ اللهِ، لَا تُحَدّثْ بِهَذَا النّاسَ، فَيُكَذّبُوك وَيُؤْذُوك، قَالَ: وَاَللهِ لأحدثنهموه. قَالَتْ: فَقُلْت لِجَارِيَةِ لِي حَبَشِيّةٍ: وَيْحَك اتْبَعِي رَسُولَ اللهِﷺ- حَتّى تَسْمَعِي مَا يَقُولُ لِلنّاسِ، وَمَا يَقُولُونَ لَهُ.
فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِﷺ- إلَى النّاسِ أَخْبَرَهُمْ، فَعَجِبُوا وَقَالُوا:
مَا آيَةُ ذَلِكَ يَا مُحَمّدُ؟ فَإِنّا لَمْ نَسْمَعْ بِمِثْلِ هَذَا قَطّ، قَالَ: آيَةُ ذَلِكَ أَنّي مَرَرْت بِعِيرِ بَنِي فُلَانٍ بِوَادِي كَذَا وَكَذَا، فَأَنْفَرَهُمْ حِسّ الدّابّةِ، فَنَدّ لَهُمْ بَعِيرٌ، فَدَلَلْتُهُمْ عَلَيْهِ، وَأَنَا مُوَجّهٌ إلَى الشّامِ. ثُمّ أَقْبَلْتُ حَتّى إذَا كُنْتُ بِضَجَنَانَ مَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلَانٍ، فَوَجَدْتُ الْقَوْمَ نِيَامًا، وَلَهُمْ إنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ قَدْ غَطّوْا عَلَيْهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٤٠١ ]
بشىء فكشفت غطاءه وشربت ما فيه، ثم غطيت عليه كما كان، وآية ذلك أن عيرهم الان تصوب مِنْ الْبَيْضَاءِ، ثَنِيّةِ التّنْعِيمِ يَقْدُمُهَا جَمَلٌ أَوْرَقُ، عَلَيْهِ غِرَارَتَانِ، إحْدَاهُمَا سَوْدَاءُ، وَالْأُخْرَى بَرْقَاءُ. قَالَتْ: فَابْتَدَرَ الْقَوْمُ الثّنِيّةَ، فَلَمْ يَلْقَهُمْ أَوّلُ مِنْ الْجَمَلِ كَمَا وَصَفَ لَهُمْ، وَسَأَلُوهُمْ عَنْ الْإِنَاءِ، فأخبروهم أنهم وضعوه مملوآ مَاءً ثُمّ غَطّوْهُ، وَأَنّهُمْ هَبّوا فَوَجَدُوهُ مُغَطّى كَمَا غَطّوْهُ، وَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ مَاءً. وَسَأَلُوا الْآخَرِينَ وَهُمْ بِمَكّةَ، فَقَالُوا: صَدَقَ وَاَللهِ، لَقَدْ أنفرنا فى الوادى الذى ذكره، وندّلنا بَعِيرٌ، فَسَمِعْنَا صَوْتَ رَجُلٍ يَدْعُونَا إلَيْهِ، حَتّى أخذناه.
ــ
الأبتر والكوثر:
فصل: وذكر قول العاصى بْنِ وَائِلٍ: إنّ مُحَمّدًا أَبْتَرُ إذَا مَاتَ انْقَطَعَ ذِكْرُهُ، وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ قَوْلَهُ مِنْ سُورَةِ الْكَوْثَرِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسّرِينَ. وَقِيلَ: إنّ أَبَا جَهْلٍ هُوَ الذى قال ذلك. وقد قيل: كعب ابن الْأَشْرَفِ، وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْأَخِيرِ أَنْ تَكُونَ سُورَةُ الْكَوْثَرِ مَدَنِيّةً، وَقَدْ رَوَى يُونُسُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْجُعْفِيّ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيّ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ عَلِيّ، قَالَ: كَانَ الْقَاسِمُ ابْنُ رَسُولِ اللهِﷺ- قَدْ بَلَغَ أَنْ يَرْكَبَ الدّابّةَ، وَيَسِيرَ عَلَى النّجِيبَةِ، فَلَمّا قَبَضَهُ اللهُ، قَالَ الْعَاصِي: أَصْبَحَ مُحَمّدٌ أَبْتَرُ مِنْ ابْنِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى نَبِيّهِ ﷺ: «إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ» عوضا يَا مُحَمّدُ مِنْ مُصِيبَتِك بِالْقَاسِمِ: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» وَلَمْ يَقُلْ: إنّ شَانِئَك أَبْتَرُ «١» يَتَضَمّنُ اخْتِصَاصَهُ بِهَذَا الْوَصْفِ، لِأَنّ هُوَ فِي مِثْلِ هَذَا
_________________
(١) فى الكلام نقص لعله: «فقوله: هو الأبتر» .
[ ٣ / ٤٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمَوْضِعِ تُعْطِي الِاخْتِصَاصَ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: إنّ زَيْدًا فَاسِقٌ، فَلَا يَكُونُ مَخْصُوصًا بِهَذَا الْوَصْفِ دُونَ غَيْرِهِ، فَإِذَا قُلْت: إنّ زَيْدًا هُوَ الْفَاسِقُ، فَمَعْنَاهُ:
هُوَ الْفَاسِقُ الّذِي زَعَمَتْ «١»، فَدَلّ عَلَى أَنّ بِالْحَضْرَةِ مَنْ يَزْعُمُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهَكَذَا قَالَ الْجُرْجَانِيّ وَغَيْرُهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنّ هُوَ تُعْطِي الِاخْتِصَاصَ، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: (وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى) لَمّا كَانَ الْعِبَادُ «٢» يُتَوَهّمُونَ أَنّ غَيْرَ اللهِ قَدْ يُغْنِي، قَالَ: هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى، أَيْ: لَا غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا» إذْ كَانُوا قَدْ يَتَوَهّمُونَ فِي الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ ما توهمه النّمْرُودُ حِينَ قَالَ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، أَيْ: أَنَا أَقْتُلُ مَنْ شِئْت، وَأَسْتَحْيِي مَنْ شِئْت، فَقَالَ ﷿: وَأَنّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا أَيْ: لَا غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى) «٣» أَيْ: هُوَ الرّبّ لَا غَيْرُهُ، إذْ كَانُوا قَدْ اتّخَذُوا أَرْبَابًا مِنْ دُونِهِ، مِنْهَا: الشّعْرَى، فَلَمّا قَالَ: وَإِنّهُ خَلَقَ الزّوْجَيْنِ، وَأَنّهُ أَهْلَكَ عَادًا اسْتَغْنَى الْكَلَامُ عَنْ هُوَ الّتِي تُعْطِي معنى الاختصاص، لأنه فصل لَمْ يَدَعْهُ أَحَدٌ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ أَيْ: لَا أَنْتَ. وَالْأَبْتَرُ: الّذِي لَا عَقِبَ لَهُ يَتْبَعُهُ، فعدمه كالبتر الذى هو عدم
_________________
(١) فى الأصل: التى.
(٢) التعبير الدقيق: بعض العبيد.
(٣) هذه الايات من سورة النجم وترتيبها: (وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا. وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى، وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى. وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى، وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى) النجم ٤٤- ٤٩. وأقنى: أعطى المال المتخذ قنية. والشعرى: كوكب خلف الجوزاء أشد ضياء من الغميصا وفى القاموس: الشعرى: العبور، والشعرى: الغميصاء أختا سهيل.
[ ٣ / ٤٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الذّنْبِ، فَإِذَا مَا قُلْت هَذَا، وَنَظَرْت إلَى الْعَاصِي، وَكَانَ ذَا وَلَدٍ وَعَقِبٍ، وَوَلَدُهُ عَمْرٌو وَهِشَامٌ ابْنَا الْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ، فَكَيْفَ يَثْبُتُ لَهُ الْبَتْرُ، وَانْقِطَاعُ الْوَلَدِ، وَهُوَ ذُو وَلَدٍ وَنَسْلٍ، وَنَفْيُهُ عَنْ نَبِيّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ» الْأَحْزَابُ الْآيَة: ٤٠. فَالْجَوَابُ: أَنّ الْعَاصِيَ- وَإِنْ كَانَ ذَا وَلَدٍ- فَقَدْ انْقَطَعَتْ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، فَلَيْسُوا بِأَتْبَاعِ لَهُ، لِأَنّ الْإِسْلَامَ قَدْ حَجَزَهُمْ عَنْهُ، فَلَا يَرِثُهُمْ وَلَا يَرِثُونَهُ، وَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِ مُحَمّدٍ ﵇، وَأَزْوَاجُهُ أُمّهَاتُهُمْ، وَهُوَ أَبٌ لهم. كما قرأ: أبىّ ابن كَعْبٍ: «وَأَزْوَاجُهُ أُمّهَاتُهُمْ، وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ «١»، وَالنّبِيّ أَوْلَى بِهِمْ» كَمَا قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ، فَهُمْ وَجَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ أَتْبَاعُ النّبِيّ فِي الدّنْيَا، وَأَتْبَاعُهُ فِي الْآخِرَةِ إلَى حَوْضِهِ، وَهَذَا مَعْنَى الْكَوْثَرِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الدّنْيَا لِكَثْرَةِ أَتْبَاعِهِ فِيهَا، ليغذى
_________________
(١) لا يتصور مسلم أن قوله: «وهو أب لهم» آية من القرآن، لأنها ليست فى المصحف. وما ليس فى المصحف فلا يعده مسلم قرآنا أبا كان راويه. والحديث الذى رواه البخارى حول الاية: ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به فى الدنيا والاخرة. اقرؤا إن شئتم: (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) فأبما مؤمن ترك ما لا فليرثه عصبته من كانوا، وإن ترك دينا أو ضياعا فليأتنى، فأنا مولاه، ولم ترد تلك القراءة عن طريق صحيح، والعجيب أن تسند هذه القراءة إلى أبى بن كعب وابن عباس، وأنها تروى عن معاوية ومجاهد وعكرمة والحسن!! تدبر هذه الأسماء المحشودة وراء «وهو أب لهم» والله يَقُولُ: (مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ) ففى القراءة مخالفة صريحة للاية المحكمة، ثم هى توحى كغيرها من القراآت المفتراة بأن المصحف الذى بأيدينا ينقص بعض آيات أنزلها الله على محمد ﷺ. ومحاولة التأويل، أو الدفاع عن هذه القراآت محاولة يكيد بها الشيطان، ويمكر ضد القرآن، ومساندة لرواة مجهولين دسوا، وكتب يحاول بعض الناس أن يرفعوها فوق القرآن.
[ ٣ / ٤٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَرْوَاحَهُمْ بِمَا فِيهِ حَيَاتُهُمْ مِنْ الْعِلْمِ، وَكَثْرَةِ أَتْبَاعِهِ فِي الْآخِرَةِ لِيَسْقِيَهُمْ مِنْ حَوْضِهِ مَا فِيهِ الْحَيَاةُ الْبَاقِيَةُ، وَعَدُوّ اللهِ الْعَاصِي عَلَى هَذَا هُوَ الْأَبْتَرُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، إذْ قَدْ انْقَطَعَ ذَنَبُهُ وَأَتْبَاعُهُ، وَصَارُوا تَبَعًا لِمُحَمّدِﷺ- وَلِذَلِكَ قُوبِلَ تَعْيِيرُهُ لِلنّبِيّﷺ- بِالْبَتْرِ بِمَا هُوَ ضِدّهُ مِنْ الْكَوْثَرِ؛ فَإِنّ الْكَثْرَةَ تُضَادّ مَعْنَى الْقِلّةِ، وَلَوْ قَالَ فِي جَوَابِ اللّعِينِ: إنّا أَعْطَيْنَاك الْحَوْضَ الّذِي مِنْ صِفَتِهِ كَذَا وَكَذَا لَمْ يَكُنْ رَدّا عَلَيْهِ، وَلَا مُشَاكِلًا لِجَوَابِهِ، وَلَكِنْ جَاءَ بِاسْمِ يَتَضَمّنُ الْخَيْرَ الْكَثِيرَ؛ وَالْعَدَدَ الْجَمّ الْغَفِيرَ الْمُضَادّ لِمَعْنَى الْبَتْرِ، وَأَنّ ذَلِكَ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِسَبَبِ الْحَوْضِ الْمَوْرُودِ الّذِي أَعْطَاهُ، فَلَا يَخْتَصّ لَفْظُ الْكَوْثَرِ بِالْحَوْضِ، بَلْ يَجْمَعُ هَذَا الْمَعْنَى كُلّهُ، وَيَشْتَمِلُ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ آنِيَتُهُ كَعَدَدِ النّجُومِ «١»، وَيُقَال: هَذِهِ الصّفَةُ فِي الدّنْيَا: عُلَمَاءُ الْأُمّةِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَمِنْ بَعْدِهِمْ، فَقَدْ قَالَ: أَصْحَابِي كَالنّجُومِ «٢»، وَهُمْ يَرْوُونَ العلم عنه، ويؤدونه
_________________
(١) فى حديث متفق عليه: «حوضى مسيرة شهر، وزواياه سواء، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء من يشرب منها فلا يظمأ أبدا» . كما وردت مسألة الكيزان هذه فى روايتين عند مسلم، إحداهما عن أبى هريرة، والأخرى عن أنس. ولكن لنذكر مع هذا حديثا آخر: «قال رسول الله «ص»: «إنى فرطكم على الحوض، من مر على شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، ليردن على أقوام أعرفهم، ويعرفوننى، ثم يحال بينى وبينهم، فأقول إنهم منى، فيقال: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن غير بعدى» متفق عليه.
(٢) فى حديث رواه رزين: «أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» وقد قال عنه المحدث الفاضل الشيخ محمد ناصر الألبانى: «حديث باطل، وإسناده واه جدا» . ص ٢١٩ ج ٣ مشكاة المصابيح.
[ ٣ / ٤٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلى من بعدهم، كما تروى الْآنِيّةُ فِي الْحَوْضِ، وَتَسْقِي الْوَارِدَةُ عَلَيْهِ: تَقُولُ:
رَوَيْت الْمَاءَ، أَيْ: اسْتَقَيْته كَمَا تَقُولُ: رَوَيْت الْعِلْمَ، وَكِلَاهُمَا فِيهِ حَيَاةٌ، وَمِنْهُ قِيلَ لِمَنْ رَوَى عِلْمًا أَوْ شِعْرًا: رَاوِيَةً تَشْبِيهًا بِالْمَزَادَةِ أَوْ الدّابّةِ الّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا الْمَاءُ وَلَيْسَ مِنْ بَابِ عَلّامَةٍ وَنَسّابَةٍ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ فِي صِفَةِ الْحَوْضِ أَنّهَا تَنْزُو فِي أَكُفّ الْمُؤْمِنِينَ، يَعْنِي الْآنِيّةَ، وَحَصْبَاءُ الْحَوْضِ: اللّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتِ «١»، وَيُقَابِلُهُمَا فِي الدّنْيَا الْحِكَمُ الْمَأْثُورَةُ عَنْهُ، أَلّا تَرَى أَنّ اللّؤْلُؤَ فِي عِلْمِ التّعْبِيرِ حِكَمٌ وَفَوَائِدُ عِلْمٍ، وَفِي صِفَةِ الْحَوْضِ لَهُ الْمِسْكُ، أَيْ: حَمْأَتُهُ «٢» وَيُقَابِلُهُ فِي الدّنْيَا: طِيبُ الثّنَاءِ عَلَى الْعُلَمَاءِ، وَأَتْبَاعِ النّبِيّ الْأَتْقِيَاءِ، كَمَا أَنّ الْمِسْكَ، فِي: عِلْمِ التّعْبِيرِ ثَنَاءٌ حَسَنٌ، وَعِلْمٌ التّعْبِيرِ مِنْ عِلْمِ النّبُوءَةِ مُقْتَبَسٌ. وَذَكَرَ فِي صِفَةِ الْحَوْضِ الطّيْرَ الّتِي تَرُدّهُ كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ «٣»، وَيُقَابِلُهُ مِنْ صِفَةِ الْعِلْمِ فِي الدّنْيَا وُرُودُ الطّالِبِينَ مِنْ كُلّ صُقْعٍ «٤» وَقُطْرٍ عَلَى حَضْرَةِ الْعِلْمِ وَانْتِيَابِهِمْ إيّاهَا فِي زَمَنِ النّبِيّﷺ- وَبَعْدَهُ، فَتَأَمّلْ صِفَةَ الْكَوْثَرِ مَعْقُولَةٌ فِي الدّنْيَا، مَحْسُوسَةٌ فِي الْآخِرَةِ مدركة
_________________
(١) فى حديث رواه النسائى: حصباؤه اللؤلؤ والياقوت
(٢) كذا بالأصل، والحمأة: الطين الأسود، وفى حديث رواه البخارى عن الكوثر: «فإذا طينه مسك أذفر» . وفى حديث رواه أحمد: «فضربت بيدى فى ترابه، فإذا مسك أذفر»، وفى حديث آخر: «وضرب بيده إلى أرضه، فأخرج من طينه المسك» .
(٣) البخت: نوع من الإبل طويلة الأعناق، وقد ذكرت فى حديث رواه الترمذى، وصححه الحاكم، وفيه: أو أعناق الجزر، جمع جزور: البعير.
(٤) ناحية.
[ ٣ / ٤٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِالْعِيَانِ- هُنَالِكَ يُبَيّنُ لَك إعْجَازَ التّنْزِيلِ وَمُطَابَقَةَ السّورَةِ- لِسَبَبِ- نُزُولِهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ فُضَيْل: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) أَيْ: تَوَاضَعْ لِمَنْ أَعْطَاك الْكَوْثَرَ بِالصّلَاةِ لَهُ، فَإِنّ الْكَثْرَةَ فِي الدّنْيَا تَقْتَضِي فِي أَكْثَرِ الْخَلْقِ الْكِبْرَ: وَتَحْدُو إلَى الْفَخْرِ والمحيرية، فَلِذَلِكَ كَانَ ﵇ طَأْطَأَ رَأْسَهُ عَام الْفَتْحِ حِينَ رَأَى كَثْرَةَ أَتْبَاعِهِ، وَهُوَ عَلَى الرّاحِلَةِ حَتّى أَلْصَقَ عُثْنُونَهُ «١» بِالرّحْلِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ رَبّهِ، وَكَذَلِكَ أَمَرَهُ بِالنّحْرِ شُكْرًا لَهُ، وَرَفَعَ الْيَدَيْنِ إلَى النّحْرِ «٢» فِي الصّلَاةِ عِنْدَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ الّتِي عِنْدَهَا يَنْحَرُ، وَإِلَيْهَا يَهْدِي مَعْنَاهُ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ. النّحْرُ الْمَأْمُورُ بِهِ يَوْمَ الْأَضْحَى، وَالْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي الصّلَاةِ بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ إلَى النّحْرِ، كَمَا أَنّ الْقِبْلَةَ مَحْجُوجَةٌ مُصَلّى إلَيْهَا، فَكَذَلِكَ يَنْحَرُ عِنْدَهَا، وَيُشَارُ إلَى النّحْرِ عِنْدَ اسْتِقْبَالِهَا، وَإِلَى هَذَا الْتَفَتَ ﵇ حِينَ قَالَ: مَنْ صَلّى صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَهُوَ مُسْلِمٌ، وَقَدْ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: «قُلْ: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ] الْأَنْعَامُ ١٦٢، ١٦٣ فَقَرَنَ بَيْنَ الصّلَاةِ إلَى الْكَعْبَةِ، وَالنّسُكِ إلَيْهَا، كَمَا قَرَنَ بَيْنَهُمَا حِينَ قَالَ: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ» وَذَكَرَ فِي صِفَةِ الْحَوْضِ: كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَأَيْلَةَ «٣» وَقَدْ جَاءَ فِيهِ أَيْضًا فِي الصّحِيحِ «كما بين جرباء وأذرح «٤»» وبينهما
_________________
(١) العثنون: ما نبت على الذق وتحته سفلا.
(٢) النحر: أعلى المصدر.
(٣) من حديث رواه الطبرانى وابن حبان. وأيلة: مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلى الشام. وأيلة: موضع برضوى.
(٤) جرباء- وفى الأصل: حرباء موضع من أعمال عمان بالبلقاء من أرض الشام. وهما واردتان فى حديث متفق عليه. وجرباء تقصر وتمد، والقصر أولى.
[ ٣ / ٤٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَسَافَةٌ بَعِيدَةٌ، وَفِي الصّحِيحِ أَيْضًا فِي صِفَتِهِ: كَمَا بَيْنَ عَدَنِ أَبْيَنَ إلَى عَمّانَ، وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُ أَبْيَنَ، وَأَنّهُ ابْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَيْمَنَ بْنِ حِمْيَرَ، وَأَنّ عَدَنَ سُمّيَتْ بِرَجُلِ مِنْ حَمِيرَ عَدَنَ بِهَا، أَيْ: أَقَامَ، وَتَقَدّمَ أَيْضًا مَا قَالَهُ الطّبَرِيّ أَنّ عَدَنَ وَأَبْيَنَ هُمَا ابْنَا عَدْنَانَ أَخَوَا مَعَدّ، وَأَمّا عَمّانَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ، فَهِيَ بِالشّامِ قُرْبُ دِمَشْقَ، سُمّيَتْ بِعَمّانَ بْنِ لُوطِ بْنِ هَارَانَ، كَانَ سَكَنَهَا- فِيمَا ذَكَرُوا- وَأَمّا عُمَانُ بِضَمّ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، فَهُوَ بِالْيَمَنِ سُمّيَتْ بِعُمَانَ بْنِ سِنَانٍ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ إبْرَاهِيمَ- فِيمَا ذَكَرُوا- وَفِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ لَا يُعْرَفُ فِي وَلَدِ إبْرَاهِيمَ لِصُلْبِهِ مِنْ اسْمِهِ سِنَانٍ. وَفِي صِفَةِ الْحَوْضِ أَيْضًا كَمَا بَيْنَ الْكُوفَةِ وَمَكّةَ، وَكَمَا بَيْنَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْكَعْبَةِ، وَهَذِهِ كُلّهَا رِوَايَاتٌ مُتَقَارِبَةُ الْمَعَانِي، وَإِنْ كَانَتْ الْمَسَافَاتُ بَعْضُهَا أَبْعَدُ مِنْ بَعْضٍ، فَكَذَلِكَ الْحَوْضُ أَيْضًا لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ وَزَوَايَا وَأَرْكَانٌ، فَيَكُونُ اخْتِلَافُ هَذِهِ الْمَسَافَاتِ الّتِي فِي الْحَدِيث عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ جَعَلَنَا اللهُ مِنْ الْوَارِدِينَ عَلَيْهِ، وَلَا أَظْمَأَ أَكْبَادَنَا فِي الْآخِرَةِ إلَيْهِ. وَمِمّا جَاءَ فِي مَعْنَى الْكَوْثَرِ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ- قَالَتْ: الْكَوْثَرُ نَهْرٌ فِي الْجَنّةِ، لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ إلّا سَمِعَ خَرِيرَ ذَلِكَ النّهَرِ، وَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ فى السيرة من رواية يونس، وراوه الدّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ الشّعْبِيّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رسول اللهﷺ: «إن اللهَ أَعْطَانِي نَهَرًا يُقَالُ لَهُ الْكَوْثَرُ لَا يَشَاءُ أَحَدٌ مِنْ أُمّتِي أَنْ يَسْمَعَ خَرِيرَ ذَلِكَ الْكَوْثَرِ إلّا سَمِعَهُ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَدْخِلِي أُصْبُعَيْك فِي أُذُنَيْك وَشِدّي، فَاَلّذِي تَسْمَعِينَ فِيهِمَا مِنْ خَرِيرِ الكوثر «١»» وروى
_________________
(١) حديث ابن أبى نجيح منقطع، وحديث الدار قطنى مرفوع.
[ ٣ / ٤٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قَالَ لِعَلِيّ: «وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنّك لَذَائِدٌ عَنْ حَوْضِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَذُودُ عَنْهُ كُفّارَ الْأُمَمِ، كَمَا تُذَادُ الْإِبِلُ الضّالّةُ عَنْ الْمَاءِ بعصامن عَوْسَجٍ «١»» إلّا أَنّ هَذَا الْحَدِيثَ يَرْوِيهِ حَرَامُ بْن عُثْمَانَ عَنْ ابْنَيْ جَابِرٍ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْهُ، فَقَالَ:
لَيْسَ بِثِقَةِ، وَأَغْلَظَ فِيهِ الشّافِعِيّ الْقَوْلَ، وَأَمّا قَوْلُهُ﵇: وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي، فَقَدْ قِيلَ فِي مَعْنَاهُ أَقْوَالٌ، وَيُفَسّرُهُ عِنْدِي الْحَدِيثُ الْآخَرُ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «إنّي لَأَنْظُرُ إلَى حَوْضِي الْآنَ «٢» مِنْ مَقَامِي هَذَا» فَتَأَمّلْهُ.
اسْتِشْهَادُ ابْنِ هِشَامٍ عَلَى مَعْنَى الْكَوْثَرِ:
وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ فِي الِاسْتِشْهَادِ عَلَى مَعْنَى الْكَوْثَرِ قَوْلَ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ:
وَصَاحِبُ مَلْحُوبٍ فُجِعْنَا بِيَوْمِهِ وَعِنْدَ الرّدَاعِ بَيْتُ آخِرِ كَوْثَرِ
وَبِالْفَوْرَةِ الْحَرّابِ ذُو الْفَضْلِ عَامِرٌ فَنِعْمَ ضِيَاءُ الطّارِقِ الْمُتَنَوّر «٣»
يَعْنِي عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ مُلَاعِبَ الْأَسِنَةِ، وَهُوَ عَمّ لَبِيدٍ، وَسَنَذْكُرُ: لِمَ سُمّيَ مُلَاعِبَ الْأَسِنَةِ إذَا جَاءَ ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وصاحب ملحوب: عوف
_________________
(١) شجر من شجر الشوك له ثمر مدور، كأنه خرز العقيق «المعجم الوسيط»
(٢) عجيب من السهيلى أن يعتد بمثل هذه الداهيات التى أنف أصحاب الصحيح من ذكرها!!
(٣) بيت الكميت الذى فى السيرة فى الاشتقاق واللسان، وفيه: الخلائف مكان: العقائل.
[ ٣ / ٤٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ابن الْأَحْوَصِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ. وَاَلّذِي عِنْدَ الرّدَاعِ: شُرَيْح بْنُ الْأَحْوَصِ فِي قَوْله، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ حِبّانُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَالِكِ بن جعفر بن كلاب. والرّادع: مِنْ أَرْضِ الْيَمَامَةِ. وَمَلْحُوبٌ: مَفْعُولٌ مِنْ لَحَبْت الْعُودَ، إذَا قَشّرْته، فَكَأَنّ هَذَا الْمَوْضِعَ سُمّيَ مَلْحُوبًا، لِأَنّهُ لَا أَكَمٌ فِيهِ وَلَا شَجَرٌ. ذَكَرَ حَدِيثَ الْمُسْتَهْزِئِينَ: وَذَكَرَ حَدِيثَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِرَسُولِ اللهِﷺ- وَمَا أَنَزَلَ اللهُ فِيهِمْ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ» الاية الأنبياء: ٤١. فقال فيها: استهزىء بِرُسُلِ ثُمّ قَالَ: فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ، ولم يقل: استهزؤا، ثُمّ قَالَ: مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ وَلَمْ يقل: يسخرون. ولابدّ فِي حِكْمَةٍ فِي هَذَا مِنْ جِهَةِ الْبَلَاغَة وتنزيل الكلام منازله، فقوله: استهزىء بِرُسُلِ، أَيْ: أُسْمِعُوا مِنْ الْكَلَامِ الّذِي يُسَمّى اسْتِهْزَاءً مَا سَاءَهُمْ تَأْنِيسًا لَهُ، لِيَتَأَسّى بِمَنْ قَبْلَهُ مِنْ الرّسُلِ، وَإِنّمَا سُمّيَ اسْتِهْزَاءً إذَا كَانَ مَسْمُوعًا، وَهُوَ مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِينَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: «أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ» الْبَقَرَةُ: ٦٧. وَأَمّا السّخْرُ وَالسّخْرَى، فَقَدْ يَكُونُ فِي النّفْسِ غَيْرُ مَسْمُوعٍ، وَلِذَلِكَ تَقُولُ: سَخِرْت مِنْهُ، كَمَا تَقُولُ: عَجِبْت مِنْهُ إلّا أَنّ الْعُجْبَ لَا يَخْتَصّ بِالْمَعْنَى الْمَذْمُومِ، كَمَا يَخْتَصّ السّخْرُ، وَفِي التّنْزِيلِ خَبَرًا عَنْ نُوحٍ: «إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا، فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ، كَما تَسْخَرُونَ» هود: ٢٨ ولم يقل: نستهزىء بِكَمْ كَمَا تَسْتَهْزِئُونَ؛ لِأَنّ الِاسْتِهْزَاءَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْأَنْبِيَاءِ، إنّمَا هُوَ مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِينَ كَمَا قَدّمْنَا مِنْ قَوْلِ مُوسَى ﵇، فَالنّبِيّ يَسْخَرُ: أَيْ، يَعْجَبُ مِنْ كُفْرِ مَنْ
[ ٣ / ٤١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَسْخَرُ بِهِ، وَمَنْ سُخْرِ عُقُولِهِمْ. فَإِنْ قُلْت: فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ»، قُلْنَا: الْعَرَبُ تُسَمّي الْجَزَاءَ عَلَى الْفِعْلِ بِاسْمِ الفعل كما قال تعالى: (نسوا الله فنسنيهم) وَهُوَ مَجَازٌ حَسَنٌ «١» وَأَمّا الِاسْتِهْزَاءُ الّذِي كُنّا بِصَدَدِهِ، فَهُوَ الْمُسَمّى اسْتِهْزَاءُ حَقِيقَةٍ، وَلَا يَرْضَى بِهِ إلّا جَهُولٌ. ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ: (فَحَاقَ بِالّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) أَيْ حَاقَ بِهِمْ مِنْ الْوَعِيدِ الْمُبَلّغِ لَهُمْ على ألسنة لرسل ما كانوا يستهزؤن بِهِ بِأَلْسِنَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ كُلّ كَلِمَةٍ مَنْزِلَهَا، وَلَمْ يَحْسُنْ فِي حُكْمِ الْبَلَاغَةِ وَضْعُ وَاحِدَةٍ مَكَانَ الْأُخْرَى. وَذَكَرَ أَيْضًا قَوْله سُبْحَانَهُ: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ ملكا لجعلناه رجلا) أَيْ: لَوْ جَعَلْنَا الرّسُولَ إلَيْهِمْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ لَمْ يَكُنْ إلّا عَلَى صُورَةِ رَجُلٍ، وَلَدَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ اللّبْسِ فِيهِ مَا دَخَلَ فِي أَمْرِ مُحَمّدٍ وَقَوْلُهُ: لَبِسْنَا يَدُلّ عَلَى أَنّ الْأَمْرَ كُلّهُ مِنْهُ سُبْحَانَهُ، فَهُوَ يُعْمِي مَنْ شَاءَ عَنْ الْحَقّ، وَيَفْتَحُ بَصِيرَةَ مَنْ شَاءَ، وَقَوْلُهُ: مَا يَلْبَسُونَ، مَعْنَاهُ: يَلْبَسُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ، لِأَنّ أَكْثَرَهُمْ قَدْ عَرَفُوا أَنّهُ الْحَقّ، وَلَكِنْ جَحَدُوا بِهَا، وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ، فَجَعَلُوا، يَلْبَسُونَ أَيْ يَلْبَسُ، بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَيَلْبَسُونَ عَلَى أَهْلِيهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ، أَيْ: يَخْلِطُونَ عَلَيْهِمْ بِالْبَاطِلِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: لبست عليهم
_________________
(١) سبق التعليق على مثل هذا. والنسيان هنا حقيقة لا مجاز، لأن أصل النسيان- كما يقول ابن الأثير: الترك. ويقول ابن فارس فى معجمه عن أصل المادة إنها أصلان: أحدهما يدل على إغفال الشىء، والثانى: على ترك الشىء، فيكون المعنى: تركوا الله فتركهم، هذا لأن دعوى المجاز فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته وأفعاله دعوى تجمع بين الحماقة والجرأة والقول على الله بغير علم. ولا سيما وأنه لم يرد عن خاتم النبيين محمد ﷺ شىء من هذا.
[ ٣ / ٤١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْأَمْرَ أَلْبِسُهُ، أَيْ: سَتَرْته وَخَلَطْته، وَمِنْ لُبْسِ الثّيَابِ: لَبِسْت أَلْبَسُ، لِأَنّهُ فِي مَعْنَى كَسِيت، وفى مقابلة عربت، فَجَاءَ عَلَى وَزْنِهِ، وَالْآخَرُ فِي مَعْنَى: خَلَطْت أَوْ سَتَرْت، فَجَاءَ عَلَى وَزْنِهِ.
شَرْحُ مَا فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ الْمُشْكِلِ اتّفَقَتْ الرّوَاةُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ إسْرَاءً، وَلَمْ يُسَمّهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ: سُرًى، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ اللّغَةِ قَدْ قَالُوا: سَرَى وَأَسْرَى بِمَعْنَى وَاحِدٍ، فَدَلّ عَلَى أَنّ أَهْلَ اللّغَةِ لَمْ يُحَقّقُوا الْعَبّارَةَ، وَذَلِكَ أَنّ القرّاء لم يختلفوا فى العلاوة من قوله: (سبحان الذى أسرى بعبده) وَلَمْ يَقُلْ: سَرَى، وَقَالَ: وَاللّيْلِ إِذَا يَسْرِ، وَلَمْ يَقُلْ:
يَسْرِي، فَدَلّ عَلَى أَنّ السّرَى مِنْ سَرَيْت إذَا سِرْت لَيْلًا، وَهِيَ مُؤَنّثَةٌ «١» تَقُولُ: طَالَتْ سُرَاك اللّيْلَةَ، وَالْإِسْرَاءُ مُتَعَدّ فِي الْمَعْنَى، وَلَكِنْ حُذِفَ مَفْعُولُهُ كَثِيرًا حَتّى ظَنّ أَهْلُ اللّغَةِ أَنّهُمَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ، لَمّا رَأَوْهُمَا غَيْرَ مُتَعَدّيَيْنِ إلَى مَفْعُولٍ فِي اللّفْظِ، وَإِنّمَا أَسْرَى بِعَبْدِهِ، أَيْ: جَعَلَ الْبُرَاق يَسْرِي، كَمَا تَقُولُ: أَمَضَيْته، أَيْ: جَعَلْته يَمْضِي، لَكِنْ كَثُرَ حَذْفُ الْمَفْعُولِ لَقُوّةِ الدّلَالَةِ عَلَيْهِ، أَوْ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْ ذِكْرِهِ، إذْ الْمَقْصُودُ بِالْخَبَرِ ذِكْرُ مُحَمّدٍ، لَا ذِكْرُ الدّابّةِ الّتِي سَارَتْ بِهِ، وَجَازَ فِي قِصّةِ لُوطٍ ﵇. أَنْ يُقَالَ له: فأسر بأهلك: أَيْ فَاسْرِ بِهِمْ، وَأَنْ يَقْرَأَ فَأَسْرِ بِأَهْلِك بِالْقِطْعِ، أَيْ: فَأَسْرِ بِهِمْ مَا يَتَحَمّلُونَ عَلَيْهِ مِنْ دَابّةٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَلَمْ يُتَصَوّرْ ذَلِكَ فِي السّرَى بِالنّبِيّ ﷺ، إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ سَرَى بِعَبْدِهِ بوجه
_________________
(١) فى اللسان أنها تذكر وتؤنث.
[ ٣ / ٤١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مِنْ الْوُجُوهِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ تَأْتِ التّلَاوَةُ إلّا بِوَجْهِ وَاحِدٍ فِي هَذِهِ الْقِصّةِ فَتَدَبّرْهُ. وَكَذَلِكَ تَسَامَحَ النّحْوِيّونَ أَيْضًا فِي الْبَاءِ وَالْهَمْزَةِ، وَجَعَلُوهُمَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ فِي حُكْمِ التّعْدِيَةِ، وَلَوْ كَانَ مَا قَالُوهُ أَصْلًا لَجَازَ فِي: أَمْرَضْته أَنْ تَقُولَ: مَرِضْت بِهِ، وَفِي أَسْقَمْته: أَنْ تَقُولَ: سَقِمْت بِهِ، وَفِي أَعْمَيْته أَنْ تَقُولَ: عَمِيت بِهِ قِيَاسًا عَلَيّ: أَذْهَبْته وَأَذْهَبْت بِهِ، وَيَأْبَى اللهُ ذَلِكَ وَالْعَالِمُونَ؛ فَإِنّمَا الْبَاءُ تُعْطِي مَعَ التّعْدِيَةِ طَرَفًا مِنْ الْمُشَارَكَةِ فِي الْفِعْلِ، وَلَا تُعْطِيهِ الْهَمْزَةَ، فَإِذَا قُلْت: أَقْعَدْته، فَمَعْنَاهُ: جَعَلْته يَقْعُدُ، وَلَكِنّك شَارَكْته فِي الْقُعُودِ، فَجَذَبْته بِيَدِك إلَى الْأَرْضِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَلَا بُدّ مِنْ طَرَفٍ مِنْ الْمُشَارَكَةِ إذَا قَعَدْت بِهِ، وَدَخَلْت بِهِ، وَذَهَبْت بِهِ بِخِلَافِ أَدْخَلْته وَأَذْهَبْته. فَإِنْ قُلْت: فَقَدْ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ ذَهَبَ الله بنورهم، وذهب بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ» وَيَتَعَالَى- سُبْحَانَهُ- عَنْ أَنْ يوصف بالذهاب، ويضاف إلَيْهِ طَرَفٌ مِنْهُ، وَإِنّمَا مَعْنَاهُ: أَذَهَبَ نُورَهُمْ وَسَمْعَهُمْ. قُلْنَا: فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا: أَنّ النّورَ وَالسّمْعَ وَالْبَصَرَ كَانَ بِيَدِهِ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ قَالَ: بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهَذَا: مِنْ الْخَيْرِ الّذِي بِيَدِهِ، وَإِذَا كَانَ بِيَدِهِ، فَجَائِزٌ أَنْ يُقَالَ ذَهَبَ بِهِ عَلَى الْمَعْنَى الّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ كَائِنًا مَا كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى، فَعَلَيْهِ يَنْبَنِي ذَلِكَ الْمَعْنَى الْآخَرُ الّذِي فِي قَوْلِهِ: ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ مَجَازًا كَانَ أَوْ حَقِيقَةً، أَلَا تَرَى أَنّهُ لَمّا ذَكَرَ الرّجْسَ كَيْفَ قَالَ: «لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ» الْأَحْزَابُ: ٣٣. وَلَمْ يَقُلْ يُذْهِبُ بِهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ: «وَيُذْهِبَ عنكم رجز الشّيطان» الأنفال: ١١ تعليما لِعِبَادِهِ حُسْنَ الْأَدَبِ مَعَهُ، حَتّى لَا يُضَافُ إلَى الْقُدّوسِ سُبْحَانَهُ- لَفْظًا وَمَعْنًى شَيْءٌ مِنْ الْأَرْجَاسِ، وَإِنْ كَانَتْ خَلْقًا لَهُ وَمِلْكًا
[ ٣ / ٤١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَلَا يُقَالُ: هِيَ بِيَدِهِ عَلَى الْخُصُوصِ، تَحْسِينًا لِلْعِبَارَةِ وَتَنْزِيهًا لَهُ، وَفِي مِثْلِ النّورِ وَالسّمْعِ وَالْبَصَرِ يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: هِيَ بِيَدِهِ، فَحَسُنَ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَال: ذَهَبَ بِهِ، وَأَمّا أَسْرَى بِعَبْدِهِ، فَإِنّ دُخُولَ الْبَاءِ فِيهِ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، فَإِنّهُ فِعْلٌ يَتَعَدّى إلَى مَفْعُولٍ، وَذَلِكَ الْمَفْعُولُ الْمُسَرّى هُوَ الّذِي سَرَى بالعبد فشاد كه بِالسّرَى، كَمَا قَدّمْنَا فِي قَعَدْت بِهِ أَنّهُ يُعْطَى الْمُشَارَكَةُ فِي الْفِعْلِ، أَوْ فِي طَرَفٍ منه، فتأمله «١» .
_________________
(١) علق ابن القيم على قوله سبحانه: «أسرى بعبده» فقال: «فى قوله تعالى: (أسرى بعبده) دون بعث بعبده، وأرسل به ما يفيد مصاحبته له فى مسراه فإن الباء هنا للمصاحبة كهى فى قوله: هاجر بأهله، وسافر بغلامه، وليست للتعدية فإن أسرى بتعدى بنفسه، يقال: سرى به، وأسراه، وهذا لأن ذلك السرى كان أعظم أسفارهﷺ- والسفر يعتمد الصاحب، ولهذا كانﷺ- إذا سافر يقول: اهم؟؟؟ أنت الصاحب فى السفر. فإن قيل: فهذا المعنى يفهم من الفعل الثلاثى لو قيل: سرى بعبده، فما فائدة الجمع بين الهمزة والباء، ففيه أجوبة» ثم رفض ما أجاب به غيره ثم قال: «والجواب الصحيح أن الثلاثى المتعدى بالباء يفهم منه شيئان أحدهما: صدور الفعل من فاعله: الثانى: مصاحبته لما دخلت عليه الباء. فإذا قلت: سريت بزيد، وسافرت به كنت قد وجد منك السرى والسفر مصاحبا لزيد فيه. وأما المتعدى بالهمزة، فيقتضى إيقاع الفعل بالمفعول فقط، كقوله تعالى: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم» . ونظائره فإذا قرن هذا المتعدى بالهمزة بالباء أفاد إيقاع الفعل على المفعول مع المصاحبة المفهومة من الباء، ولو أتى فيه بالثلاثى فهم منه معنى المشاركة فى مصدره، وهو ممتنع فتأمله» ص ٢٠٣ ح ٣ بدائع الفوائد.
[ ٣ / ٤١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أكان الإسراء يقظة أم مناما: فصل: ونقدم بَيْنَ يَدَيْ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْبَابِ: هَلْ كَانَ الْإِسْرَاءُ فِي يَقَظَةٍ بِجَسَدِهِ، أَوْ كَانَ فِي نُوُمِهِ بِرُوحِهِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها» الزّمَرُ: ٤٣ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ عَنْ عَائِشَةَ وَمُعَاوِيَةَ أَنّهَا كَانَتْ رُؤْيَا حَقّ، وَأَنّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمْ تَفْقِدْ بَدَنَهُ، وَإِنّمَا عُرِجَ بِرُوحِهِ تِلْكَ اللّيْلَةَ، وَيَحْتَجّ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: «وَمَا جَعَلْنَا الرّؤْيَا الّتِي أربناك إِلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ» الْإِسْرَاءُ ٦٠. وَلَمْ يَقُلْ: الرّؤْيَةَ، وَإِنّمَا يُسَمّى رُؤْيَا مَا كَانَ فِي النّوُمِ فِي عُرْفِ اللّغَةِ، وَيَحْتَجّونَ أَيْضًا بِحَدِيثِ الْبُخَارِيّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِﷺ- مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ أَنّهُ جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أن يوحى إليه، وهو قائم فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ أَوّلُهُمْ: أَيّهُمْ هُوَ؟ فَقَالَ أَوْسَطُهُمْ: هُوَ هَذَا، وَهُوَ خَيْرُهُمْ، فَقَالَ آخِرُهُمْ: خُذُوا خَيْرَهُمْ فَكَانَ تِلْكَ اللّيْلَةَ، فَلَمْ يَرَهُمْ حَتّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى، فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ وَتَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ ﵈ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ، وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ، فَلَمْ يُكَلّمُوهُ، حَتّى احْتَمَلُوهُ فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ، فَتَوَلّاهُ مِنْهُمْ جِبْرِيلُ. الْحَدِيثُ بِطُولِهِ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَاسْتَيْقَظَ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهَذَا نَصّ لَا إشْكَالَ فِيهِ أَنّهَا كَانَتْ رُؤْيَا صَادِقَةً، وَقَالَ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الثّانِي: قَدْ تَكُونُ الرّؤْيَا بِمَعْنَى الرّؤْيَةِ فِي الْيَقَظَةِ، وَأَنْشَدُوا لِلرّاعِي يَصِفُ صَائِدًا:
[ ٣ / ٤١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَبّرَ لِلرّؤْيَا، وَهَشّ فُؤَادُهُ وَبَشّرَ قَلْبًا كَانَ جَمّا بَلَابِلُهُ «١»
قَالُوا: وَفِي الْآيَةِ بَيَانُ أَنّهَا كَانَتْ فِي الْيَقَظَةِ، لِأَنّهُ قَالَ: «وَمَا جَعَلْنَا الرّؤْيَا الّتِي أَرَيْنَاكَ إِلّا فِتْنَةً للناس» وَلَوْ كَانَتْ رُؤْيَا نَوْمٍ مَا افْتَتَنَ بِهَا النّاسُ حَتّى ارْتَدّ كَثِيرٌ مِمّنْ أَسْلَمَ، وَقَالَ الْكُفّار: يَزْعُمُ مُحَمّدٌ أَنّهُ أَتَى بَيْت الْمَقْدِسِ، وَرَجَعَ إلَى مَكّةَ لَيْلَتَهُ، وَالْعِيرُ تَطْرُدُ إلَيْهَا شَهْرًا مُقْبِلَةً وَشَهْرًا مُدْبِرَةً، وَلَوْ كَانَتْ رُؤْيَا نَوْمٍ، لَمْ يَسْتَبْعِدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ هَذَا، فَمَعْلُومٌ أَنّ النّائِمَ قَدْ يَرَى نَفْسَهُ فِي السّمَاءِ، وَفِي الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، فَلَا يُسْتَبْعَدُ مِنْهُ ذَلِكَ واحتج هؤلاء أيضا بشر به الْمَاءَ مِنْ الْإِنَاءِ الّذِي كَانَ مُغَطّى عِنْدَ الْقَوْمِ، وَوَجَدُوهُ حِينَ أَصْبَحَ لَا مَاء فِيهِ، وَبِإِرْشَادِهِ لِلّذِينَ نَدّ بَعِيرُهُمْ حِين أَنْفَرَهُمْ حِسّ الدّابّةِ، وَهُوَ الْبُرَاقُ حَتّى دَلّهُمْ عَلَيْهِ، فَأَخْبَرَ أهل مكة بأمارة ذلك، حتى ذكر الْغِرَارَتَيْنِ السّوْدَاء وَالْبَرْقَاءِ «٢» كَمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ: أَنّهُ وَعَدَ قُرَيْشًا بِقُدُومِ الْعِيرِ الّتِي أَرْشَدَهُمْ إلَى الْبَعِيرِ، وَشَرِبَ إنَاءَهُمْ، وأنهم سيقدمون ويخبرون بذلك،
_________________
(١) البلابل: شدة الهم والوسواس فى الصدر. والراعى هو: عبيد بن حصين ابن معاوية من بنى نمير، يكنى أبا جندل أو أبا نوح شاعر إسلامى، وهم أهل بيت وسؤدد. وسمى الراعى لقوله: ضعيف العصا بادى العروق تخاله عليها إذا ما أمحل الناس إصبعا حذا إبل إن تتبع الريح مرة يدعها ويخف الصوت حتى تربعا لها أمرها حتى إذا ما تبوأت لأخفاقها مرعى تبوأ مضجعا
(٢) اجتمع فيها سواد وبياض. وفى الرواية أنها بيضاء
[ ٣ / ٤١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَقَالُوا: يَا مُحَمّدُ مَتَى يَقْدُمُونَ؟ فَقَالَ: يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، فَلَمّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ، وَلَمْ يَقْدُمُوا، حَتّى كَرَبَتْ الشّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ، فَدَعَا اللهَ فَحَبَسَ الشّمْسَ حَتّى قَدِمُوا كَمَا وَصَفَ، قَالَ: وَلَمْ يَحْبِسْ الشّمْسَ إلّا لَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَلِيُوشَعَ بْنِ نُونٍ «١» وَهَذَا كُلّهُ لَا يَكُونُ إلّا يَقَظَةً، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ، مِنْهُمْ: شَيْخُنَا القاضى أبو بكر [ابن الْعَرَبِيّ] ﵀ إلَى تَصْدِيقِ الْمَقَالَتَيْنِ، وَتَصْحِيحِ الْحَدِيثَيْنِ، وَأَنّ الْإِسْرَاءَ كَانَ مَرّتَيْنِ، إحْدَاهُمَا: كَانَ فِي نُوُمِهِ وَتَوْطِئَةً لَهُ وَتَيْسِيرًا عَلَيْهِ، كَمَا كَانَ بَدْءُ نُبُوّتِهِ الرّؤْيَا الصّادِقَةُ، لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ أَمْرُ النّبُوّةِ فَإِنّهُ عَظِيمٌ تَضْعُفُ عَنْهُ الْقُوَى الْبَشَرِيّةُ، وَكَذَلِكَ الْإِسْرَاءُ سَهّلَهُ عَلِيّه بِالرّؤْيَا؛ لِأَنّ هو له عَظِيمٌ، فَجَاءَهُ فِي الْيَقَظَةِ عَلَى تَوْطِئَةٍ وَتَقْدِمَةٍ، رِفْقًا مِنْ اللهِ بِعَبْدِهِ وَتَسْهِيلًا عَلَيْهِ، وَرَأَيْت الْمُهَلّبَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيّ قَدْ حَكَى هَذَا الْقَوْلَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَأَنّهُمْ قَالُوا:
كَانَ الْإِسْرَاءُ مَرّتَيْنِ: مَرّةً فِي نُوُمِهِ، وَمَرّةً فِي يَقَظَتِهِ بِبَدَنِهِﷺ.
_________________
(١) هو فتى موسى- كما يقال- ونبى بنى إسرائيل بعده، واسمه عند النكتابيين: يشوع، وسفره يقع بعد سفر التثنية من العهد القديم، وهم يروون أن يوشع حاصر أريحا، فلما غربت الشمس، أو كادت تغرب، ويدخل عليهم السبت الذى جعل عليهم، وشرع لهم قال لها: إنك مأمورة، وأنا مأمور اللهم احبسها على: فحبسها الله حتى تمكن من فتح البلد، وزادوا فقالوا: وأمر القمر، فوقف عن الطلوع. ثم يروى ابن كثير حديثا عن الإمام أحمد: «إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع ليالى سار إلى بيت المقدس» فكيف إذن حبست للنبى ﷺ؟ وفى مسلم حديث يفيد أن الله حبس الشمس لنبى غزا. لكنه لم يصرح فيه باسم يوشع انظر ص ٣٢٣ ج ١ البداية والنهاية لابن كثير ج ١ ص ١٣٤٨.
[ ٣ / ٤١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الّذِي يَصِحّ، وبه تتفق معانى الأخيار، أَلَا تَرَى أَنّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الّذِي قَدّمْنَا ذِكْرَهُ: أَتَاهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إلَيْهِ، وَمَعْلُومٌ أَنّ الْإِسْرَاءَ كَانَ بَعْدَ النّبُوّةِ، وَحَيْنَ فُرِضَتْ الصّلَاةُ «١» كَمَا قَدّمْنَا فِي الْجُزْءِ قَبْلَ هَذَا، وَقِيلَ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِعَامِ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَارْتَدّ كَثِيرٌ مِمّنْ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ، وَرُوَاةُ الْحَدِيثَيْنِ حُفّاظٌ، فَلَا يَسْتَقِيمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرّوَايَتَيْنِ إلّا أَنْ يَكُونَ الْإِسْرَاءُ مَرّتَيْنِ، وَكَذَلِكَ ذُكِرَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: أَنّهُ لَقِيَ إبْرَاهِيمَ فِي السّمَاءِ السادسة وموسى فى السابغة، وَفِي أَكْثَرِ الرّوَايَاتِ الصّحِيحَةِ أَنّهُ رَأَى إبْرَاهِيمَ عند البيت المعمور فى السماء السابغة، وَلَقِيَ مُوسَى فِي السّادِسَةِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ أُتِيَ بِثَلَاثَةِ آنِيّةٍ، أَحَدُهَا مَاءٌ فَقَالَ قَائِلٌ: إنْ أَخَذَ الْمَاءَ غَرِقَ، وَغَرِقَتْ أُمّتُهُ، وَفِي إحْدَى رِوَايَاتِ الْبُخَارِيّ فِي الْجَامِعِ الصّحِيحِ: أَنّهُ أُتِيَ بِإِنَاءِ فِيهِ عَسَلٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَاءَ وَالرّوَاةُ أَثَبَاتٌ، وَلَا سَبِيلَ إلَى تَكْذِيبِ بَعْضِهِمْ وَلَا تَوْهِينِهِمْ، فَدَلّ عَلَى صِحّةِ الْقَوْلِ بِأَنّهُ كَانَ مَرّتَيْنِ، وَعَادَ الِاخْتِلَافُ إلَى أَنّهُ كَانَ كُلّهُ حَقّا، وَلَكِنْ فِي حَالَتَيْنِ وَوَقْتَيْنِ مَعَ مَا يَشْهَدُ لَهُ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ، فَإِنّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: «ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى) ثُمّ قَالَ: (مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى) النّجْمُ: ٨، ١١ فَهَذَا نَحْوُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مِنْ قَوْلِهِ:
فِيمَا يَرَاهُ قَلْبُهُ، وَعَيْنُهُ نَائِمَةٌ «٢» وَالْفُؤَادُ: هُوَ الْقَلْبُ، ثم قال: «أَفَتُمارُونَهُ عَلى
_________________
(١) بل الثابت من آيات القرآن أن الصلاة كانت مفروضة قبل الإسراء.
(٢) فى البخارى: باب: كان النبى «ص» تنام عينه، ولا ينام قلبه، رواه سعيد بن ميناه عن جابر عن النبى «ص» .
[ ٣ / ٤١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما يَرى) وَلَمْ يَقُلْ: مَا قَدْ رَأَى، فَدَلّ عَلَى أَنّ ثَمّ رُؤْيَةٌ أُخْرَى بَعْدَ هَذِهِ، ثُمّ قال:
(ولقد رآه نزلة أخرى) أَيْ: فِي نَزْلَةٍ نَزَلَهَا جِبْرِيلُ إلَيْهِ مَرّةً، فَرَآهُ فِي صُورَتِهِ الّتِي هُوَ عَلَيْهَا (عِنْدَ سدرة المنتهى، إذ يغشى السّدرة ما يغشى) قَالَ: يَغْشَاهَا فِرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: يَنْتَثِرُ مِنْهَا الْيَاقُوتُ، وَثَمَرُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ «١» ثم قال: (ما زاغَ الْبَصَرُ) وَلَمْ يَقُلْ: الْفُؤَادُ، كَمَا قَالَ فِي الّتِي قَبْلَ هَذِهِ، فَدَلّ عَلَى أَنّهَا رُؤْيَةُ عَيْنٍ وَبَصَرٍ فِي النّزْلَةِ الْأُخْرَى، ثُمّ قَالَ:
(لَقَدْ رأى من آيات ربّه الكبرى) «٢»، وَإِذَا كَانَتْ رُؤْيَةَ عَيْنٍ؛ فَهِيَ مِنْ الْآيَاتِ الْكُبْرَى، وَمِنْ أَعْظَمِ الْبَرَاهِينِ وَالْعِبَرِ، وَصَارَتْ الرّؤْيَا الْأُولَى بِالْإِضَافَةِ إلَى الْأُخْرَى لَيْسَتْ مِنْ الْكِبْرِ؛ لِأَنّ مَا يَرَاهُ الْعَبْدُ فِي مَنَامِهِ دُونَ مَا يَرَاهُ فِي يَقَظَتِهِ لَا مَحَالَةَ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ إنّهُ رَأَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى نَهَرَيْنِ ظَاهِرَيْنِ، وَنَهَرَيْنِ بَاطِنِينَ، وَأَخْبَرَهُ جِبْرِيل أَنّ الظّاهِرَيْنِ: النّيلُ وَالْفُرَاتُ، وَذَكَرَ فِي حَدِيثِ أَنَس أَنّهُ رَأَى هَذَيْنِ النّهَرَيْنِ فِي السّمَاءِ الدّنْيَا، وَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: هُمَا النّيلُ وَالْفُرَاتُ، أَصُلْهُمَا وَعُنْصُرُهُمَا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَأَى فِي حَالِ الْيَقَظَةِ مَنْبَعَهُمَا، وَرَأَى فِي الْمَرّةِ الْأُولَى النّهَرَيْنِ دُونَ أَنْ يَرَى أَصْلَهُمَا وَاَللهُ أَعْلَمُ. فَقَدْ جَاءَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ) الْمُؤْمِنُونَ: ١٨ أَنّهُمَا النّيلُ وَالْفُرَاتُ أُنْزِلَا مِنْ الجنة
_________________
(١) قرية كانت من قرى المدينة، وليست هجر البحرين، وكانت تعمل بها القلال تأخذ الواحدة منها مزادة من الماء، سمّيت قلة لأنها ترفع وتحمل.
(٢) الايات السابقة كلها من سورة النجم.
[ ٣ / ٤١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْ أَسْفَلِ دَرَجَةٍ مِنْهَا عَلَى جُنَاح جِبْرِيل، فأودعهما بطون الجبال «١» ثم إن
_________________
(١) مما أومن به أنه من الخير تخطئة حديث يرويه راو يخالف المحكم الصريح من كتاب الله، والواقع المحس بكل نوع من الإحساس، فهذا أفضل من أن نحتفى بشأن حديث ينتج عنه تكذيب القرآن، وتكذيب الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ورمى الإسلام بأنه عفن وخرافة، والإسلام هو الحق والنور والحياة، وأرجو أن يكون قولى واضحا: «الحديث الذى يخالف المحكم الصريح من القرآن، والواقع المشهود الملموس المحس» وقد أكد القرآن الإسراء، وآياته المحكمة تقطع به وحددت مكان الإسراء، ومن لمس جانب هذا الحق بأثارة من شك، فقد أثم إثما عظيما وباء بخسران مبين، وقارىء القرآن عن الإسراء لا يرتاب فى شىء، فإن هو عرج على بعض الأحاديث، وبعضها مخالف لبعض ربما أثارته نزعة من ريبة، لهذا يجب علينا أن نستمع إلى ما يصادق القرآن منها، ونضرب صفحا عن الأخرى، تدبر أمر النيل والفرات، وأين هما، ثم اقرأ ما ورد فى بعض الأحاديث عنهما نجد شيئا لا يمكن تصديقه إلا بضروب بعيدة من خرف التأويل، ألا يكفى أن نتدير قوله تعالى: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ، لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) كلام يملأ القلب والعقل والشعور نورا وهداية وبصرا وإيمانا وتسبيحا لله الذى فعل بعبده ذلك. هذا وقد عرض السهيلى أمورا منها: رأى القائلين بأن الإسراء كان مرتين مرة فى نومه، ومرة فى يقظته. وإليك عرض الإمام ابن القيم لهذا: «قال موسى ابن عقبة عن الزهرى: عرج بروح رسول اللهﷺ- إلى بيت المقدس، وإلى السماء قبل خروجه إلى المدينة بسنة وكان الإسراء مرة واحدة، وقيل: مرتين، مرة يقظة، ومرة مناما، وأرباب هذا القول كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك، وقوله: ثم استيقظت، وبين سائر الروايات، ومنهم من قال: بل كان هذا مرتين، مرة قبل الوحى لقوله فى حديث شريك: وذلك قبل أن يوحى إليه، ومرة بعد-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ــ - الوحى كما دلت عليه سائر الأحاديث. ومنهم من قال: بل ثلاث مرات، مرة قبل الوحى، ومرتين بعده، وكل هذا خبط، وهذه طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النقل الذين إذا رأوا فى القصة لفظة تخالف سياق بعض الروايات جعلوها مرة أخرى، فكلما اختلفت عليهم الروايات عددوا الوقائع. والصواب الذى عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة. ويا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه مرارا كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه فى كل مرة تفرض عليه الصلاة خمسين، ثم يتردد بين ربه وبين موسى، حتى تصير خمسا، ثم يقول: أمضيت فريضتى، وخففت عن عبادى، ثم يعيدها فى المرة الثانية إلى خمسين، ثم يحطها عشرا عشرا؟! وقد غلط الحفاظ شريكا فى ألفاظ من حديث الإسراء، ومسلم أورد المسند منه، ثم قال: فقدم وأخر، وزاد ونقص، ولم يسرد الحديث، وأجاد ﵀» ص ١٣٠ ح ٢ زاد المعاد ط السنة المحمدية. وعن المعراج يقظة أو مناما يقول الإمام الجليل أيضا: «وقد نقل عن ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية أنهما قالا: إنما كان الإسراء بروحه، ولم يفقد جسده. ونقل عن الحسن البصرى نحو ذلك، ولكن ينبغى أن يعلم الفرق بين أن يقال: كان الإسراء مناما، وبين أن يقال: كان بروحه دون جسده، وبينهما فرق عظيم، وعائشة ومعاوية لم يقولا: كان مناما، وإنما قالا: أسرى بروحه، ولم يفقد جسده. وفرق بين الأمرين، فإن ما يراه النائم قد يكون أمثالا مضروبة للمعلوم فى الصور المحسوسة، فيرى كأنه قد عرج به إلى السماء، أو ذهب به إلى مكة وأقطار الأرض، وروحه لم تصعد، ولم تذهب، وإنما ملك الرؤيا ضرب له المثال. والذين قالوا: عرج برسول اللهﷺ- طائفتان، طائفة قالت: عرج بروحه وبدنه، وطائفة قالت: عرج بروحه، ولم يفقد بدنه، وهؤلاء لم يريدوا أن المعراج كان مناما، وإنما أرادوا أن الروح ذاتها أسرى بها، وعرج بها حقيقة، وباشرت من جنس ما تباشر بعد المفارقة، وكان حالها فى ذلك كحالها بعد المفارقة فى صعودها إلى السماوات سماء سماء، حتى ينتهى بها-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ــ - إلى السماء السابغة، فتقف بين يدى الله ﷿، فيأمر فيها بما يشاء، ثم تنزل إلى الأرض. والذى كان لرسول اللهﷺ- ليلة الإسراء أكمل مما يحصل للروح عند المفارقة، ومعلوم أن هذا أمر فوق ما يراه النائم، لكن لما كان رسول اللهﷺ فى مقام خرق العوائد.. عرج بذات روحه المقدسة حقيقة من غير إماتة، ومن سواه لا ينال بذات روحه الصعود إلى السماء إلا بعد الموت والمفارقة» ص ١٢٨ المصدر السابق، وهو تأويل جيد للامام الجليل. ويقول الإمام الشوكانى: «وقد اختلف أهل العلم: هل كان الإسراء بجسده مع روحه، أو بروحه فقط؟ فذهب معظم السلف والخلف إلى الأول، وذهب إلى الثانى طائفة من أهل العلم، منهم: عائشة ومعاوية والحسن وابن إسحاق، وحكاه ابن جرير عن حذيفة بن اليمان، وذهبت طائفة إلى التفصيل، فقالوا: كان الإسراء بجسده يقظة إلى بيت المقدس» وإلى السماء بالروح، واستدلوا على هذا التفصيل بقوله: إلى المسجد الأقصى، فجعله غاية للاسراء بذاته، فلو كان الإسراء من بيت المقدس إلى السماء وقع بذاته لذكره، والذى دلت عليه الأحاديث الصحيحة الكثيرة هو ما ذهب إليه معظم السلف والخلف من أن الإسراء بجسده وروحه يقظة إلى بيت المقدس، ثم إلى السماوات، ولا حاجة إلى التأويل، ص ١٩٩ ح ٢ فتح القدير ط مصطفى البابى الحلبى. ولو أن الشوكانى قال: بعض الأحاديث الصحيحة، لكان أوفق لأن بعض الأحاديث الصحيحة أيضا تدل على أنه كان بروحه. تاريخ الإسراء: كما يتحدث الإمام الشوكانى عن تاريخ الإسراء بقوله: «وقد اختلف أيضا فى تاريخ الإسراء، فروى أن ذلك كان قبل الهجرة إلى المدينة بسنة، وروى أن الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام، ووجه ذلك أن خديجة صلت مع النبى ﷺ، وقد ماتت قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل بثلاث، وقيل بأربع، ولم تفرض الصلاة إلا ليلة الإسراء، وقد استدل بهذا ابن عبد البر على ذلك، وقد اختلفت الرواية عن الزهرى. وممن قال: بأن-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ــ - الإسراء كان قبل الهجرة بسنة الزهرى فى رواية عنه، وكذلك الحربى، فإنه قال: أسرى بالنبى ﷺ ليلة سبع وعشرين من ربيع الأول قبل الهجرة بسنة. وقال ابن القاسم فى تاريخه: كان الإسراء بعد مبعثه بثمانية عشر شهرا قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا من أهل السير قال يمثل هذا. وروى عن الزهرى أنه أسرى به قبل مبعثه بسبعة أعوام، وروى عنه أنه قال: كان قبل مبعثه بخمس سنين، وروى يونس عن عروة عن عائشة أنها قالت: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة» ص ٢٠٠ المصدر السابق. وأقول: سبق أن بينت أن القرآن يؤكد أن الصلاة فرضت فى بداية مبعثه ﷺ. وقد تحدث السهيلى عن قوله سبحانه (ثم دنا فتدلى) الخ وإليك رأى السلف فى هذا ينقله الإمام ابن القيم أيضا، وأنا أنقله عنه من المصدر السابق: «وأما قوله تعالى فى سورة النجم (ثم دنا فتدلى) فهو غير الدنو والتدلى فى قصة الإسراء، فإن الذى فى سورة النجم هو: دنو جبريل وتدليه، كما قالت عائشة وابن مسعود، والسياق يدل عليه، فإنه قال: (علمه شديد القوى) وهو جبريل: (ذو مرة فاستوى، وهو بالأفق الأعلى، ثم دنا فتدلى) فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوى، وهو ذو المرة- أى القوة- وهو الذى استوى بالأفق الأعلى، وهو الذى دنا فتدلى، فكان محمدﷺ- قدر قاب قوسين أو أدنى، فأما الدنو والتدلى الذى فى حديث الإسراء، فذلك صريح فى أنه دنو الرب ﵎ وتدليه، ولا تعرض فى سورة النجم لذلك، بل فيها أنه رآه نزلة آخرى عند سدرة المنتهى. وهذا هو جبريل رآه محمدﷺ- على صورته مرتين مرة فى الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى» ص ١٢٧ المصدر السابق. وبهذا يسقط استدلال السهيلى بأن الإسراء كان مرتين. وعن مسألة رؤية النبى ﷺ ربه ليلة الإسراء والمعراج يقول الإمام ابن القيم أيضا: «واختلف الصحابة: هل رأى ربه تلك اليلة أم لا؟ فصح-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ــ - عن ابن عباس أنه رأى ربه، وصح عنه أنه قال: رآه بفؤاده، وصح عن عائشة وابن مسعود إنكار ذلك، وقالا: إن قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى) إنما هو جبريل، وصح عن أبى ذر أنه سأله: هل رأيت ربك، فقال: نور أنى أراه أى حال بينى وبين رؤيته النور، كما قال فى لفظ آخر: رأيت نورا، وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمى اتفاق الصحابة على أنه لم يره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: وليس قول ابن عباس إنه رآه مناقضا لهذا، ولا قوله: رآه بفؤاده، وقد صح عنه أنه قال: رأيت ربى ﵎، ولكن لم يكن هذا فى الإسراء، ولكن كان فى المدينة لما احتبس فى صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربه ﵎ تلك الليلة فى منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد، وقال: نعم رآه حقا، فإن رؤيا الأنبياء حق، ولا بد. ولكن لم يقل أحمد: إنه رآه بعينى رأسه يقظة، ومن حكى عنه ذلك، فقد وهم عليه، ولكن قال مرة: رآه، ومرة قال: رآه بفؤاده، فحكيت عنه روايتان؛ وحكيت عنه الثالثة من تصرف بعض أصحابه أنه رآه بعينى رأسه؟ وهذه نصوص أحمد موجودة ليس فيها ذلك، وأما قول ابن عباس إنه رآه بفؤاده مرتين، فإن كان استناده إلى قوله تعالى: (ما كذب الفؤاد ما رأى) ثم قال: (ولقد رآه نزلة أخرى) - والظاهر أنه مستنده- فقد صح عنهﷺ- أن هذا المرئى جبريل، رآه مرتين فى صورته التى خلق عليها، وقول ابن عباس هذا هو مستند الإمام أحمد فى قوله: رآه بفؤاده، والله أعلم» ص ٢٧ المصدر السابق. وقد يقال: رأى آخر هو أن الإسراء به ﷺ كان بجسده وروحه، أما المعراج فكان بروحه كما شرح الإمام ابن القيم، بدليل ما ورد فى بعض الروايات. فرواية شريك لا يذكر فيها الإسراء مطلقا. وفى رواية عن أنس أيضا: «بينا أنا نائم إذ جاء جبريل ﵇، فوكز بين كتفى، فقمت إلى شجرة فيها كوكرى الطير، فقعد فى أحدهما، وقعدت فى الاخر، فسمت وارتفعت حتى سدت الخافقين، وأنا أقلب طرفى، ولو شئت أن أمس السماء لمست، هذه أيضا لم يأت فيها ذكر للإسراء إلى المسجد الأقصى، ولا للبراق. وفى رواية-
[ ٣ / ٤٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
_________________
(١) - أنس عن مالك بن صعصعة يقول: «بينما أنا فى الحطيم- وربما قال قتادة فى الحجر مضطجعا- إذ أتانى آت، فجعل يقول لصاحبه: الأوسط بين الثلاثة، قال: فأتانى، فقد ما بين هذه إلى هذه أى من ثغرة نحره إلى مشعرته. أو من قصته إلى مشعرته، ولم يأت كذلك ذكر الإسراء، وفى رواية أخرى: فرج سقف بينى، وأنا بمكة، فنزل جبريل، ففرج صدرى، ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمة وإيمانا، فأفرغها فى صدرى ثم أطبقه، ثم أخذ بيدى فعرج بى إلى السماء لعل هذه الروايات تعين على إثبات هذا الرأى الأخير، وهو أن المعراج شىء، والإسراء شىء آخر، وأن أن المعراج كان بالروح، وهذه هى الرؤيا التى أراه الله، أما الإسراء، فكان بجسده وروحه. هذا وقد أجريت بعض مقارنات بين الروايات المختلفة عن بعض الأمور التى وردت فى قصة، وإليك بعضها: المكان الذى كان منه الإسراء: سنغفل التعبير بما يأتى: «ورد فى رواية»، وورد فى رواية أخرى للاختصار، وإليك ما ورد عن مكان الإسراء: المسجد الحرام، فرج عن سقف بيته، وهو فى مكة. بيت أم هانىء. وقد جاءت هذه الرواية بصورة توكيد، وذلك إذ تقول أم هانىء «ما أسرى برسول الله «ص» إلا وهو فى بيتى نائم عندى» . وبعض الروايات أغفلت ذكر المكان. البراق أو ما حمل عليه: بعض الروايات أغفلت ذكره. دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل- أتى به مسرجا ملجما، فاستصعب، قهره جبريل، فارفض عرقه. حمل على البراق، فأوثق الدابة، أو قال: الفرس. شجرة فيها كوكرى الطير، فقعد فى أحدهما، وقعد جبريل فى الاخر، فسمت وارتفعت حتى سادت الخافقين. ينفى حذيفة بن اليمان أنه ربطه، وإنما سخره له الله. سمى فرسا، وراح يصفها النبى لأبى بكر، لأن أبا بكر كان قد رآها من قبل،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ــ - شق الصدر: كان قبل الوحى، وقد جاءه ثلاثة نفر، وهو نائم فى المسجد الحرام، فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه، ولا ينام قلبه، فلم يكلموه، حتى احتملوه، فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشق ما بين نحره إلى لبته الخ. أتاه ثلاثة، فشق أحدهم من ثغرة نحره إلى مشعرته، أو من قصته إلى شعرته.. جاء جبريل ومكيال، فشق بطنه. فرج سقف بيته، وهو بمكة فنزل جبريل، ففرج صدره، ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمة وإيمانا، فأفرغها فى صدره «ص» ثم أطبقه صلاته ليلة الإسراء: صلى ركعتين فى بيت المقدس. صلى بطيبة وبطور سيناء وبيت لحم، حيث ولد عيسى وصلى فى بيت المقدس، حيث جمع له الأنبياء ﵈، فقدمه جبريل، حتى أمهم، يقسم حذيفة بن اليمان أنه ما صلى فى المسجد الأقصى، ولا دخله هو وجبريل، وأنهما ما زايلا البراق حتى فتحت لهما أبواب السماء، صلى فى بيت المقدس حيث اجتمع ناس كثيرون، ثم أذن مؤذن، فأقيمت الصلاة، ويروى الحديث أن النبى «ص» قال: فقمنا صفوفا ننتظر من يؤمنا، فأخذ بيدى جبريل ﵇، فقدمنى فصليت بهم، فلما انصرفت، قال جبريل: يا محمد أتدرى من صلى خلفك؟ قال: قلت: لا، قال: صلى خلفك كل نبى، بعثه الله ﷿. بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء، فأمهم تلك الليلة. صلى فى بيت المقدس، وصلى النبيون أجمعون معه. صلى فى بيت المقدس، كما صلى فى البيت المعمور. هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء، فصلى بهم. كانت صلاته بالأنبياء فى السماء، وكانت صلاته أول دخوله إلى بيت المقدس. الانية التى شرب منها: أتى بها بعد صلاته ركعتين فى بيت المقدس قبل العروج. وهما: خمر ولبن، وأسند إلى الرسول «ص» اختيار اللبن. عرض عليه خمر وماء ولبن عند بيت المقدس. عرضت عليه الانية فى السماء بعد أن رفع إلى البيت المعمور. وكانت آنيته آنية خمر ولبن وعسل. إناء من لبن وإناء عسل بين يدى-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ــ - شيخ متكىء، وهو الذى قال لجبريل: اختار صاحبك الفطرة. بعد انصرافه من بيت المقدس أتى له بقدحين من لبن وعسل. جىء له بكأس من عسل ولبن، وهو فى المسجد. بعد خروجه من بيت المقدس جىء له بإناء فيه ماء، فشرب يسيرا، وبإناء فيه لبن فشرب حتى روى، وبإناء فيه خمر فلم يشرب. الأنبياء الذين لقيهم فى السموات: سأذكر ما ورد فى عدة روايات فى الرواية الأولى: فى السماء الأولى آدم وعنصرا النيل والفرات والكوثر، وفى الثانية إدريس ولم يذكر من فى الثالثة، وفى الرابعة: هارون، ومن فى الخامسة لم يحفظ الراوى اسمه، وفى السادسة: إبراهيم، وفى السابعة موسى. فى الرواية الثانية آدم فى السماء الأولى، وفى الثانية: يحيى وعيسى. وفى الثالثة: يوسف، وفى الرابعة إدريس، وفى الخامسة: هارون، وفى السادسة: موسى، وفى السابعة: إبراهيم وهو مستند إلى البيت المعمور. وفى الرواية الثالثة: فتح له باب من أبواب السماء، فرأى النور الأعظم، وإذا دون الحجاب: رفرف الدر والياقوت، وأوحى إلى الرسول «ص» ما شاء الله أن يوحى. ولم يذكر شيئا عن النبيين. وفى الرواية الرابعة: فى السماء الأولى: آدم فى الأولى، وفى الثانية: عيسى ويحيى وفى الثالثة يوسف، وفى الرابعة: هارون، وفى الخامسة إدريس، وفى السادسة: موسى، وفى السابعة إبراهيم. وفى الرواية الخامسة: آدم فى الأولى، فى الثانية عيسى وابن خالته يحيى، فى الثالثة: يوسف. فى السماء الرابعة: إدريس، فى الخامسة: هارون، فى السادسة: موسى، فى السابعة: إبراهيم. والكوثر فوق السابعة: وفى الرواية السادسة: فى الأولى: آدم، فى الثانية: عيسى ويحيى، فى الثالثة: يوسف. فى الرابعة: إدريس، فى الخامسة: هارون. فى السادسة: موسى، فى السابعة: إبراهيم. وعند سدرة المنتهى فوق ذلك وجد أربعة الأنهار منها: النيل والفرات، ثم رفع إلى البيت المعمور. -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ــ - وفى الرواية السابعة: فى الأولى: آدم، ثم عرج إلى السماء الثانية، وذكر أنه وجد فى السماوات إدريس وموسى وعيسى، ولكن لم يثبت منازلهم، وذكر أنه وجد إبراهيم فى السادسة وفى الرواية الثامنة: كالرواية السابقة. وفى الرواية التاسعة: وجد ملكا يقال له: إسماعيل، وهو صاحب السماء الدنيا، ووجد فى السماء الأولى آدم وفى الثانية: يوسف، وفى الثالثة: يحيى وعيسى، وفى الرابعة: إدريس، وفى الخامسة: هارون، وفى السادسة: موسى، وفى السابعة: إبراهيم. وفى الرواية العاشرة: فى الأولى: آدم، وفى الثانية: عيسى ويحيى. فى الثالثة: يوسف، فى الرابعة: إدريس: فى الخامسة: هارون. فى السادسة: موسى يبكى. فى السابعة: إبراهيم. الأنهار: فى السماء الدنيا نهران، هما: عنصرا النيل والفرات، كما وجد الكوثر: فوق ظهر السماء السابعة عند سدرة المنتهى: أربعة أنهار، اثنان باطنان والاخران: النيل والفرات. الكوثر: ينشق من عين تخرج من سدرة المنتهى التى فوق السماء السابعة، وهناك أيضا نهر يسمى الرحمة اغتسل فيه النبى «ص» فغفر له كل ذنب، أنهار أولها: رحمة الله، والثانى: نعمة الله، والثالث: سقاهم ربهم شرابا طهورا. بهذا العرض يتجلى لنا وجود ما لا يمكن أن يوصف إلا بالتضاد أو التناقض، ولا يمكن أن يتصور مسلم أن رسول اللهﷺ- يأتى بمثل هذا التناقض، أو يحكم على الشىء بالنفى، وبالإثبات فى آن واحد. الإسراء حق، لأنه من إخبار القرآن، فلنحرص على عدم التوسع فى ذكر الروايات التى يناقض بعضها بعضا، أو يحكم عليه الواقع المشهود المحسوس بأنه وضع خيال. وليحذر المتهوكون الظن بأننا نضرب صفحا عن أحاديث الرسول ﷺ، إنما نضرب صفحا عن أحاديث الرواة الذين يخطئون ساهين، أو يتعمدون الخطأ ماكرين. ألا ترون إلى المفسر السلفى الجليل الإمام ابن كثير كيف يقول عن شريك بن عبد الله بن أبى نمر الذى أخرج له البخارى حديث-
[ ٣ / ٤٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- اللهَ سُبْحَانَهُ سَيَرْفَعُهُمَا، وَيَذْهَبُ بِهِمَا عِنْدَ رَفْعِ الْقُرْآنِ وَذَهَابِ الْإِيمَانِ، فَلَا يَبْقَى عَلَى الْأَرْض خَيْر، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: (وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ) وَفِي حَدِيثٍ مُسْنَدٍ ذَكَرَهُ النّحَاسُ فِي الْمَعَانِي بأتم من هذا فاختصرته، وَوَقَعَ فِي كِتَابِ الْمُعَلّمِ لِلْمَازَرِيّ قَوْلٌ رَابِعٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَقْوَالِ قَالَ: كَانَ الْإِسْرَاءُ بِجَسَدِهِ فِي الْيَقَظَةِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَكَانَتْ رُؤْيَا عَيْنٍ، ثُمّ أُسْرِيَ بِرُوحِهِ إلَى فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ، وَلِذَلِكَ شَنّعَ الْكُفّارُ قَوْلَهُ: وَأَتَيْت بَيْتَ الْمَقْدِسِ فِي لَيْلَتِي هَذِهِ، وَلَمْ يُشَنّعُوا قوله فيما سوى ذلك «١» .
_________________
(١) - الإسراء فى كتاب التوحيد: «إن شريك. اضطرب فى هذا الحديث، وساء حفظه، ولم يضبطه» ويقول عن روايات حديث الإسراء: «وإن اختلفت عبارات الرواة فى أدائه، أو زاد بعضهم فيه، أو نقص منه، فإن الخطأ جائز على من عدا الأنبياء ﵈، ومن جعل من الناس كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة، فأثبت إسراآت متعددة، فقد أبعد، وأغرب، وهرب إلى غير مهرب، ولم يتحصل على مطلب، وقد صرح بعضهم من المتأخرين بأنه ﵇ أسرى به مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط، ومرة من مكة إلى السماء فقط، ومرة إلى بيت المقدس، ومنه إلى السماء، وفرح بهذا المسلك، وأنه قد ظفر بشىء يخلص به من الإشكالات، وهذا بعيد جدا، انظر تفسير سورة الإسراء من تفسير ابن كثير، ولعلنا ندرك أنه ما دفع هؤلاء إلى هذا إلا التناقض البادى بين روايات حديث الإسراء، وإلا إيمانهم بأن كل هذه المتناقضات تنتسب حقا إلى رسول الله ﷺ، أما أنا فأومن أن الرسول لا يقول إلا حقا وصدقا، ولا يمكن أن يصيبه النسيان الماكر، وهو يقص علينا آية من آيات ربه الكبرى. وما عرضت نفسى لغضب الناس إلا اتقاء لغضب الله، فإن يك هذا الظن منى صوابا فمن الله، وإلا فمنى، والله الهادى إلى ما يحبه ويرضاه.
(٢) هذا رأى سديد، وهو بعض ما ذهب إليه الإمام ابن القيم.
[ ٣ / ٤٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شِمَاسُ الْبُرَاقِ:
فَصْلٌ: وَمِمّا يُسْأَلُ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ شِمَاسُ الْبُرَاقِ حِينَ رَكِبَهُ النّبِيّﷺ- فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَمَا تَسْتَحْيِي يَا بُرَاقُ، فَمَا رَكِبَك عَبْدٌ الله قَبْلَ مُحَمّدٍ هُوَ أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ، فَقَدْ قِيلَ: فِي نُفْرَتِهِ مَا قَالَهُ ابْنُ بَطّالٍ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصّحِيحِ، قَالَ: كَانَ ذَلِكَ لِبُعْدِ عَهْدِ الْبُرَاقِ بِالْأَنْبِيَاءِ، وَطُولِ الْفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمّدٍ ﵉، وَرَوَى غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَبَبًا آخَرَ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ: قَالَ جِبْرِيلُ لِمُحَمّدِ ﵇ حِينَ شَمَسَ بِهِ الْبُرَاقُ: لَعَلّك يَا مُحَمّدُ مَسِسْت الصّفْرَاءَ الْيَوْمَ، فَأَخْبَرَهُ النّبِيّﷺ- أَنّهُ مَا مَسّهَا إلّا أَنّهُ مَرّ بِهَا، فَقَالَ: تَبّا لِمَنْ يَعْبُدَك مِنْ دُونِ اللهِ، وَمَا مَسّهَا إلّا لِذَلِكَ، وَذَكَرَ هَذِهِ الرّوَايَةَ أَبُو سَعِيدٍ النّيْسَابُورِيّ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى، فَاَللهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ الصّفْرَاءِ فِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ، وَأَنّهَا كَانَتْ صَنَمًا بَعْضُهُ مِنْ ذَهَبٍ فَكَسُرّهَا رَسُولُ اللهِﷺ- يَوْمَ الْفَتْحِ، وَفِي الْحَدِيثِ الّذِي خَرّجَهُ التّرْمِذِيّ «١» مِنْ طَرِيقِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيّ «٢» أَنّهُ﵇- حين انتهى
_________________
(١) يقول ابن الأثير فى اللباب إنها نسبة إلى مدينة قديمة على طرف نهر بلخ الذى يقال له جيحون، والناس مختلفون فى كيفية هذه النسبة، بعضهم يقول بفتح التاء وبعضهم بضمها، وبعضهم بكسرها. والمتداول على لسان أهل تلك المدينة: بفتح التاء وكسر الميم، والذى كنا نعرفه فيه قديما كسر التاء والميم جميعا، والذى يقوله المنفوقون، وأهل المعرفة بضم التاء والميم، وبعض هذا فى المراصد.
(٢) قيل اسمه عامر: وبريدة لقب، وفى الصحيحين أنه غزا مع النبى «ص» ست عشرة غزوة
[ ٣ / ٤٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ جِبْرِيلُ: بِإِصْبَعِهِ إلَى الصخرة، فحرقها فَشَدّ بِهَا الْبُرَاقَ «١»، وَصَلّى، وَأَنّ حُذَيْفَةَ أَنْكَرَ هَذِهِ الرّوَايَةَ، وَقَالَ: لَمْ يَفِرّ مِنْهُ وَقَدْ سَخّرَهُ لَهُ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ «٢»، وَفِي هَذَا مِنْ الْفِقْهِ عَلَى رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ: التّنْبِيه عَلَى الْأَخْذِ بِالْحَزْمِ مَعَ صِحّة التّوَكّل، وَأَنّ الْإِيمَانَ بِالْقَدَرِ كَمَا- رُوِيَ عَنْ وَهْب بْن مُنَبّهٍ- لَا يَمْنَعُ الْحَازِمُ مِنْ تُوقِي الْمَهَالِك. قَالَ وَهْب: وَجَدَتْهُ فِي سَبْعِينَ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ
_________________
(١) رواه أبو بكر البزار، وقال: لا نعلم رواه عن الزبير بن جنادة إلا أبو نميلة، ولا نعلم هذا الحديث إلا عن بريدة. وقد رواه الترمذى فى التفسير من جامعه عن يعقوب بن إبراهيم. وقال: غريب.
(٢) فى الأصل: لم أيفر منه. وفى حديث حذيفة هذا تعبير محكم المعنى، فقد سمع زر بن حبيش- بحدث عن ليلة الإسراء، فقال له: ما اسمك يا أصلع؟! فأنا أعرف وجهك، ولا أدرى ما اسمك؟ قال زر: أنا زر ابن حبيش، فقال له حذيفة: فما علمك بِأَنّ رَسُولَ اللهِﷺ صَلّى فيه ليلتئذ، أى: فى بيت المقدس؟ فقال زر: القرآن يخبرنى بذلك، فقال حذيفة كلمته الرائعة التى تشع بنور الحق العظيم: من تكلم بالقرآن أفلح، ثم طلب من زر أن يقرأ، فقرأ: سبحان الذى أسرى، فقال حذيفة: يا أصلع!! هل تجد صلى فيه؟ فقال زر: لا: فقال حذيفة: والله ما صلى فيه رسول الله «ص» ليلتئذ، ولو صلى فيه لكتبت عليكم صلاة فيه، كما كتب عليكم صلاة فى البيت العتيق. والله ما زايلا البراق حتى فتحت لهما أبواب السماء، فرأيا الجنة والنار، ووعد الاخرة أجمع، ثم عادا عودهما على بدئهما، قال زر: ثم ضحك حتى رأيت نواجذه قال حذيفة: ويحدثون أنه ربطه لا يفر منه، وإنما سخره له عالم الغيب والشهادة. وقد روى حديث حذيفة هذا الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسى، والترمذى والنسائى، وقال الترمذى: حسن
[ ٣ / ٤٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللهِ الْقَدِيمَةِ «١»، وَهَذَا نَحْوٌ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: «قَيّدْهَا وَتَوَكّلْ» «٢» فَإِيمَانُهُ ﷺ بِأَنّهُ قَدْ سُخّرَ لَهُ كَإِيمَانِهِ بِقَدَرِ اللهِ وَعِلْمِهِ بِأَنّهُ سَبَقَ فِي عِلْمِ الْكِتَابِ مَا سَبَقَ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ يَتَزَوّدُ فِي أَسْفَارِهِ وَيَعُدّ السّلَاحَ فِي حُرُوبِهِ، حَتّى لَقَدْ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ. وَرَبْطُهُ لِلْبُرَاقِ فِي حَلْقَةِ الْبَابِ مِنْ هَذَا الْفَنّ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ بُرَيْدَةَ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ، وَغَيْرِهِمَا أَعْنِي رَبْطَهُ لِلْبُرَاقِ فِي الْحَلْقَةِ الّتِي كَانَتْ تَرْبُطُهُ فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ، غَيْرَ أَنّ الْحَدِيثَ يَرْوِيهِ دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبّرِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
مَعْنَى قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ: مَنْ مَعَك مَعْنَى قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ: مَنْ مَعَك وَمِمّا يُسْأَلُ عَنْهُ قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ فِي كُلّ سَمَاءٍ لِجِبْرِيلَ: مَنْ مَعَك، فَيَقُولُ: مُحَمّدٌ، فَيَقُولُونَ: أَوَقَدْ بُعِثَ إلَيْهِ فَيَقُولُ: نَعَمْ هَكَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ فِي الصّحَاحِ، وَمَعْنَى سُؤَالِهِمْ عَنْ الْبَعْثِ إلَيْهِ فِيمَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَيْ: قَدْ بُعِثَ إلَيْهِ إلَى السّمَاءِ، كَمَا قَدْ وَجَدُوا فِي الْعِلْمِ أَنّهُ سَيُعْرَجُ بِهِ، وَلَوْ أَرَادُوا بَعْثَهُ إلَى الْخَلْقِ، لَقَالُوا: أَوَقَدْ بُعِثَ، وَلَمْ يَقُولُوا إلَيْهِ، مَعَ أَنّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَخْفَى عَنْ الْمَلَائِكَةِ بَعْثُهُ إلَى الْخَلْقِ، فَلَا يَعْلَمُونَ بِهِ إلَى لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، وَفِي الْحَدِيثِ الّذِي تَقَدّمَ فِي هَذَا الْكِتَابِ بَيَانٌ أَيْضًا حِينَ ذَكَرَ تَسْبِيحَ مَلَائِكَةِ السّمَاءِ السّابِعَةِ، ثُمّ تَسْبِيحُ مَلَائِكَةِ كُلّ سَمَاءٍ، ثُمّ يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا: مِمّ سَبّحْتُمْ حَتّى يَنْتَهِي السّؤَالُ إلَى مَلَائِكَةِ السّمَاءِ السّابِعَةِ، فيقولون: قضى ربّنا فى خلفه
_________________
(١) ياويل التفسير من مخترعات وهب
(٢) فى الجامع الصغير للسيوطى: «اعقلها وتوكل» وراه الترمذى عن أنس وهو ضعيف
[ ٣ / ٤٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَذَا، ثُمّ يَنْتَهِي الْخَبَرُ إلَى سَمَاءِ الدّنْيَا- الْحَدِيثُ بِطُولِهِ، وَفِي هَذَا مَا يَدُلّ عَلَى أَنّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ عَلِمَتْ بِنُبُوّةِ مُحَمّدٍﷺ- حين نبّىء، وَإِنّمَا قَالَتْ:
أَوَقَدْ بُعِثَ إلَيْهِ، أَيْ قَدْ بُعِثَ إلَيْهِ بِالْبُرَاقِ كَمَا تَقَدّمَ عَلَى أَنّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنّ مَلَائِكَةَ سَمَاءِ الدّنْيَا قَالَتْ لِجِبْرِيلَ: أَوَقَدْ بُعِثَ، كَمَا وَقَعَ فِي السّيرَةِ وَلَيْسَ فِي أَوّلِ الْحَدِيثِ: إلَيْهِ، هَذَا إنّمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الرّؤْيَا الّتِي رَآهَا بِقَلْبِهِ، كَمَا قَدّمْنَا، وَأَنّ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إلَيْهِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ، وَفِي هَذَا قُوّةٌ لِمَا تَقَدّمَ مِنْ أَنّ الْإِسْرَاءَ كَانَ رُؤْيَا، ثُمّ كَانَ رُؤْيَةً؛ وَلِذَلِكَ لَمْ نَجِدْ فِي رِوَايَةٍ مِنْ الرّوَايَاتِ أَنّ الْمَلَائِكَةَ قَالُوا: أَوَقَدْ بُعِثَ إلَيْهِ إلّا فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ، فَاَللهُ أَعْلَمُ.
بَابُ الْحَفَظَةِ:
وَذَكَرَ بَابَ الْحَفَظَةِ، وَأَنّ عَلَيْهِ مَلَكًا يُقَالُ لَهُ: إسْمَاعِيلُ، وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُهُ فِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ، وَفِيهِ أَنّ تَحْتَ يَدِهِ سَبْعُونَ أَلْفِ مَلَكٍ تَحْتَ يَدِ كُلّ مَلَكٍ سَبْعُونَ أَلْفِ «١» مَلَكٍ، هَكَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةِ الْحَارِثِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفِ مَلَكٍ هَكَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ، وَفِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ أَيْضًا.
_________________
(١) أخرجه البيهقى فى كتاب دلائل النبوة وأوله يخالف الروايات الأخرى «فبينما أنا نائم عشاء فى المسجد الحرام، إذ أتانى آت، فأيقظنى، فاستيقظت، فلم أر شيئا، فإذا أنا بكهيئة خيال، فأتبعته بصرى؛ حتى خرجت من المسجد الحرام الخ.
[ ٣ / ٤٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، فَقَالَ: لَوْ غُطّيَتْ بِوَرَقَةِ مِنْ وَرَقِهَا هَذِهِ الْأُمّةُ لَغَطّتْهُمْ، وَفِي صِفَتِهَا مِنْ رِوَايَةِ الْجَمِيعِ: فَإِذَا ثَمَرُهَا كَقِلَالِ هَجَرَ، وَفِي حَدِيثِ الْقِلّتَيْنِ مِنْ كِتَابِ الطّهَارَةِ، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْج «١»: إذَا كَانَ الْمَاءُ قِلّتَيْنِ مِنْ قِلَالِ هَجَرَ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ «٢» قَالُوا: وَالْقِلّتَانِ مِنْهَا تِسْعَانِ خَمْسمِائَةِ رِطْلٍ، قَالَ التّرْمِذِيّ: وَذَلِكَ نَحْوٌ مِنْ خَمْسِ قِرَبٍ، وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ سَلّامٍ قَالَ عَنْ بَعْضِ السّلَفِ: إنّهَا سُمّيَتْ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، لِأَنّ رُوحَ الْمُؤْمِنِ يَنْتَهِي بِهِ إلَيْهَا، فَتُصَلّي عَلَيْهِ هُنَالِكَ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرّبُونَ. قَالَ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ عِلّيّينَ.
آدَم فِي سَمَاءِ الدّنْيَا وَالْأَسْوِدَةُ الّتِي رَآهَا:
فَصْلٌ: وَفِيهِ أَنّهُ رَأَى آدَم فِي سَمَاءِ الدّنْيَا، وَعَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ، وَعَنْ شِمَالِهِ أَسْوِدَةٌ، وَأَنّ جِبْرِيلَ أَعْلَمَهُ أَنّ الْأَسْوِدَةَ الّتِي عَنْ يَمِينِهِ هُمْ: أَصْحَابُ الْيَمِينِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ: تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ ذُرّيّتِهِ، فَإِذَا نَظَرَ إلَى الّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ هَذَا، فَقِيلَ: كَيْفَ رَأَى عَنْ يَمِينِهِ أَرْوَاحَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَلَمْ يَكُنْ إذْ ذَاكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ إلّا نَفَرٌ قَلِيلٌ، وَلَعَلّهُ لَمْ يَكُنْ مات
_________________
(١) هو عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ القرشى الأموى مولاهم المكى أبو الوليد، ويقال: أبو خالد، وهو من تابعى التابعين توفى سنة ١٥٠ وقيل غير ذلك.
(٢) تكلمنا عنه من قبل، وأقول: ورد فى نيل الأوطار للامام الشوكانى: «وأما التقييد بقلال هجر، فلم يثبت مرفوعا إلا من رواية المغيرة بن صقلاب عند ابن عدى، وهو منكر الحديث. قال النفيل: لم يكن مؤتمنا على الحديث، وقال ابن عدى: لا يتابع على عامة حديثه» ص ٣١ ح ١ ط عثمان خليفة.
[ ٣ / ٤٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تِلْكَ اللّيْلَةَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْضِي أَنّهُمْ كَانُوا جَمَاعَةً. فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ الْإِسْرَاءُ رُؤْيَا بِقَلْبِهِ، فَتَأْوِيلُهَا أَنّ ذَلِكَ سَيَكُونُ، وَإِنْ كَانَتْ رُؤْيَا عَيْنٍ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ وَغَيْرُهُ بِمَعْنَاهُ: أَنّ ذَلِكَ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ رَآهَا هُنَالِكَ، لِأَنّ اللهَ تَعَالَى يَتَوَفّى الْخَلْقَ فِي مَنَامِهِمْ، كَمَا قَالَ فِي التّنْزِيلِ: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها الزّمَرُ ٤٣ فَصَعِدَ بِالْأَرْوَاحِ إلَى هُنَالِكَ، فَرَآهَا ثُمّ أُعِيدَتْ إلَى أَجْسَادِهَا. وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ الّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمُدّثّرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ. فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ٣٩: ٤٠. قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمْ الْأَطْفَالُ الّذِينَ مَاتُوا صِغَارًا، وَلِذَلِكَ سَأَلُوا المجرمين: (ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) لِأَنّهُمْ مَاتُوا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِكُفْرِ الْكَافِرِينَ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصّحِيحِ أَنّ أَطْفَالَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي كِفَالَةِ إبْرَاهِيمَ ﵇، وَأَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قال لِجِبْرِيلَ حِينَ رَآهُمْ فِي الرّوْضَةِ مَعَ إبْرَاهِيمَ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ فَقَالَ: أَوْلَادُ الْمُؤْمِنِينَ الّذِينَ يَمُوتُونَ صِغَارًا، فَقَالَ لَهُ: وَأَوْلَادُ الْكَافِرِينَ، قَالَ: وَأَوْلَادُ الْكَافِرِين. خَرّجَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْحَدِيثِ الطّوِيلِ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَخَرّجَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَقَالَ فِيهِ: أَوْلَادُ النّاسِ، فَهُوَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوّلِ نَصّ، وَفِي الثّانِي عُمُومٌ، وَقَدْ رُوِيَ فِي أَطْفَالِ الْكَافِرِينَ أَنّهُمْ خَدَمٌ لِأَهْلِ الْجَنّةِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الّذِي رَآهُ عَنْ يَمِينِ آدَم مِنْ نَسَمِ ذُرّيّتِهِ أَرْوَاحُ هَؤُلَاءِ، وَفِي هَذَا مَا يَدْفَعُ تَشْعِيبَ هَذَا السّؤَالِ وَالِاعْتِرَاضِ مِنْهُ.
[ ٣ / ٤٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مِنْ حُكْمِ الْمَاءِ: فَصْلٌ: وَفِيهِ شُرْبُهُ مِنْ إنَاءِ الْقَوْمِ، وَهُوَ مُغَطّى، وَالْمَاءُ وَإِنْ كَانَ لَا يُمْلَكُ وَالنّاسُ شُرَكَاءُ فِيهِ، وَفِي النّارِ وَالْكَلَأِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، لَكِنْ الْمُسْتَقَى إذَا أَحْرَزَهُ فِي وِعَائِهِ، فَقَدْ مَلَكَهُ، فَكَيْفَ اسْتَبَاحَ النّبِيّ ﷺ شُرْبَهُ وَهُوَ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ، وَأَمْلَاكُ الْكُفّارِ لَمْ تَكُنْ أُبِيحَتْ يَوْمئِذٍ، وَلَا دِمَاؤُهُمْ. فَالْجَوَابُ أَنّ الْعَرَبَ فِي الْجَاهِلِيّةِ كَانَ فِي عُرْفِ الْعَادَةِ عِنْدَهُمْ إبَاحَةُ الرّسُلِ لَابْنِ السّبِيلِ فَضْلًا عَنْ الْمَاءِ، وَكَانُوا يَعْهَدُونَ بِذَلِكَ إلَى رِعَائِهِمْ، وَيَشْتَرِطُونَهُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ عَقْدِ إجَارَتِهِمْ: أَلّا يَمْنَعُوا الرّسُلَ، وَهُوَ اللّبَنُ مِنْ أَحَدٍ مَرّ بِهِمْ، وَلِلْحُكْمِ فِي الْعُرْفِ فِي الشّرِيعَةِ أُصُولٌ تَشْهَدُ لَهُ، وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَخَرّجَ حَدِيثَ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ، وَفِيهِ: خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوف. عَنْ دُخُولِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَصِفَةُ الْأَنْبِيَاءِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ فِيهِ أَنّهُ دَخَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَوَجَدَ فِيهِ نَفَرًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، فَصَلّى بِهِمْ، وَفِي حَدِيثِ التّرْمِذِيّ الّذِي قَدّمْنَاهُ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ صَلّى بِهِمْ، وَقَالَ: مَا زَالَ مِنْ ظَهْرِ الْبُرَاقِ، حَتّى رَأَى الْجَنّةَ وَالنّارَ، وَمَا وَعَدَهُ اللهُ تَعَالَى، ثُمّ عَادَ إلَى الْأَرْضِ، وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ مَقْبُولَةٌ، وَرِوَايَةُ مَنْ أَثْبَتَ مُقَدّمَةٌ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ نَفَى، وَذَكَرَ فِيهِ صِفَةَ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَالَ فِي عِيسَى: كَأَنّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ مَاءً وَلَيْسَ بِهِ مَاءٌ، وَكَأَنّهُ خَرَجَ مِنْ دِيمَاس وَالدّيمَاسُ: الحمّام،
[ ٣ / ٤٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَصْلُهُ: دِمَاسٌ وَيُجْمَعُ عَلَى دَمَامِيسَ، وَقَدْ قِيلَ فِي جَمْعِهِ: دَيَامِيسُ «١»، وَمِثْلُهُ:
قِيرَاطٌ وَدِينَارٌ وَدِيبَاجٌ، الْأَصْلُ فِيهَا كُلّهَا: التّضْعِيفُ، ثُمّ قُلِبَ الْحَرْفُ الْمُدْغَمُ يَاءً، فَلَمّا جَمَعُوا وَصَغّرُوا، رَدّوهُ إلَى أَصْلِهِ، فَقَالُوا: قَرَارِيطُ وَدَنَانِيرُ: [وَقُرَيْرِيطٌ وَدُنَيْنِيرٌ] «٢»، غَيْرَ أَنّهُمْ لَمْ يَقُولُوا: دَنَانِيرُ وَلَا قَيَارِيط، كَمَا قالوا: دياميس، وقالوا: دبابيج وديابيج «٣»، وَأَصْلُ الدّمْسِ: التّغْطِيَةُ وَمِنْهُ لَيْلٌ دَامِسٌ، وَفِي هَذِهِ الصّفّةِ مِنْ صِفَاتِ عِيسَى ﵇ إشَارَةٌ إلَى الرّيّ وَالْخِصْبِ الّذِي يَكُونُ فِي أَيّامِهِ إذْ أُهْبِطَ إلَى الْأَرْضِ وَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ فِي صِفَةِ مُوسَى أَنّهُ آدَم طُوَالٌ، وَلِوَصْفِهِ إيّاهُ بِالْأَدْمَةِ أَصْلٌ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، قَالَهُ الطّبَرِيّ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ قَالَ:
فِي خُرُوجِ يَدِهِ بَيْضَاءَ آيَةٌ فِي أَنْ خَرَجَتْ بَيْضَاءَ مُخَالِفًا لَوْنُهَا لِسَائِرِ لَوْنِ جَسَدِهِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ بَيْنَ عَلَى الْأَدْمَةِ الّتِي هِيَ خِلَافُ الْبَيَاضِ «٤» .
وَذَكَرَ إبْرَاهِيمَ فَقَالَ: لَمْ أَرَ رَجُلًا أَشَبَهَ بِصَاحِبِكُمْ وَلَا صَاحِبُكُمْ أَشَبَهَ به منه،
_________________
(١) فى اللسان «إن فتحت الدال جمع على دياميس مثل شيطان وشياطين، وإن كسرتها جمعت على دماميس»
(٢) زيادة يقتضيها السباق.
(٣) فى اللسان مادة دنر: «قال أبو منصور: دينار وقيراط وديباج أصلها أعجمية، غير أن العرب تكلمت بها قديما، فصارت عربية» .
(٤) الذى فى الطبرى فى تفسير الاية: «ذكر أن موسى ﵇ كان رجلا آدم، فأدخل يده فى جيبه، ثم أخرجها بيضاء من غير سوء من غير برص مثل الثلج، ثم ردها، فخرجت كما كانت على لونه» .
[ ٣ / ٤٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَعْنِي: نَفْسَهُ، وَفِي آخِرِ هَذَا الْكَلَامِ إشْكَالٌ مِنْ أَجْلِ أَنْ أَشَبَهَ مَنْصُوبٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَلَكِنْ إذَا فَهِمْت مَعْنَاهُ، عَرَفْت إعْرَابَهُ، وَمَعْنَاهُ: لَمْ أَرَ رَجُلًا أَشَبَهَ بِصَاحِبِكُمْ وَلَا صَاحِبُكُمْ بِهِ مِنْهُ «١»، ثُمّ كَرّرَ أَشَبَهَ تَوْكِيدًا فَصَارَتْ لَغْوًا كَالْمُقْحَمِ وَصَاحِبُكُمْ مَعْطُوفٌ عَلَى الضّمِيرِ الّذِي فِي أَشَبَهَ الْأَوّلِ الّذِي هُوَ نَعْتٌ لِرَجُلِ، وَحَسُنَ الْعَطْفُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَكّدْ بِهُوَ، كَمَا حَسُنَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا مِنْ أَجْلِ الْفَصْلِ بِلَا النّافِيَةِ، وَلَوْ أُسْقِطَ مِنْ الْكَلَامِ أَشَبَهَ الثّانِي، لَكَانَ حَسَنًا جِدّا، وَلَوْ أَخّرَ صَاحِبُكُمْ فَقَالَ: وَلَا أَشَبَهَ بِهِ صَاحِبُكُمْ مِنْهُ لَجَازَ، وَيَكُونُ فَاعِلًا بِأَشْبَهَ الثّانِيَةِ، وَيَكُونُ مِنْ بَابِ قَوْلِهِمْ: مَا رَأَيْت رَجُلًا أَحْسَنَ فِي عَيْنِهِ الْكُحْلُ مِنْ زَيْدٍ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ عَذْرَاءُ لَمْ تَفْتَرِعْهَا أَيْدِي النّحَاةِ «٢»، بَعْدُ وَلَمْ يَشْفِ مِنْهَا مُتَقَدّمٌ مِنْهُمْ، وَلَا مُتَأَخّرٌ ممّن رأينا كلامه فيها وقد أملينا هى غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ فِيهَا تَحْقِيقًا شَافِيًا.
صِفَةُ النّبِيّ ﷺ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ في صفة- النبيﷺ- مِمّا نَعَتَهُ بِهِ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ﵁- فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ بالطويل الممغط بالغين المعجمة،
_________________
(١) رواية مسلم «أشبه الناس به صاحبكم- يعنى نفسه» .
(٢) هى مسألة مفصلة فى كتب النحو عن عمل أفعل التفضيل ورفعه للاسم الظاهر، فانظر لها مثلا ص ١٠٦ ح ٢ من شرح التصريح على التوضيح، ص ٤٦ ح ٣ من حاشية الصبان على شرح الأشمونى ط ١٣٠٥ هـ ص ٢٥٢ ح ٣ النحو الوافى للأستاذ عباس حسن.
[ ٣ / ٤٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرّوَايَةِ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَذَكَرَ الْأَوْصَافَ إلَى آخِرِهَا وَقَدْ شَرَحَهَا أَبُو عُبَيْدٍ، فَقَالَ عَنْ الْأَصْمَعِيّ، وَالْكِسَائِيّ وَأَبِي عَمْرٍو وَغَيْرِ وَاحِدٍ: قَوْلُهُ: لَيْسَ بِالطّوِيلِ الْمُمّعِطِ أَيْ: لَيْسَ بِالْبَائِنِ الطّوِيلِ، وَلَا الْقَصِيرِ الْمُتَرَدّدِ «١» يَعْنِي: الّذِي تَرَدّدَ خَلْقُهُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَهُوَ مُجْتَمَعٌ لَيْسَ بِسَبْطِ الْخَلْقِ يَقُولُ: فَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ رَبْعَةٌ بَيْنَ الرّجُلَيْنِ، وَهَكَذَا صِفَتُهُﷺ- وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: ضَرَبَ اللّحْمُ بَيْنَ الرّجُلَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: لَيْسَ بِالْمُطَهّمِ، قَالَ الْأَصْمَعِيّ: هُوَ التّامّ كُلّ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى حِدَتِهِ، فَهُوَ بَارِعُ الْجَمَالِ، وَقَالَ غَيْرُ الْأَصْمَعِيّ الْمُكَلْثَمُ الْمُدَوّرُ الْوَجْهُ، يَقُولُ: لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنّهُ مَسْنُونٌ، وَقَوْله: مُشْرَبٌ يَعْنِي الّذِي أُشْرِبَ حُمْرَةً، وَالْأَدْعَجُ الْعَيْنُ: الشّدِيدُ سَوَادِ الْعَيْنِ قَالَ الْأَصْمَعِيّ: الدّعْجَةُ: هِيَ السّوَادُ، وَالْجَلِيلُ الْمُشَاشُ: الْعَظِيمُ الْعِظَامِ مِثْلَ الرّكْبَتَيْنِ وَالْمِرْفَقَيْنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ، وَقَوْلُهُ: الْكَتَدُ هُوَ: الْكَاهِلُ، وَمَا يَلِيهِ مِنْ جَسَدِهِ، وَقَوْلُهُ شَثْنُ الْكَفّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ يَعْنِي: أَنّهُمَا إلَى الْغِلَظِ. وَقَوْلُهُ: لَيْسَ بِالسّبْطِ وَلَا الْجَعْدِ الْقَطَطِ، فَالْقَطَطُ: الشّدِيدُ الْجُعُودَةُ مِثْلُ شُعُورِ الْحَبَشَةِ، وَوَقَعَ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِأَبِي عُبَيْدٍ التّامّ كُلّ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى حِدَتِهِ. يَقُول: لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنّهُ بَارِعُ الْجَمَالِ، فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ، أَعْنِي: لَيْسَ كَذَلِكَ مُخِلّةً بِالشّرْحِ، وَقَدْ وَجَدْته فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ بِإِسْقَاطِ: يَقُولُ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ عَلَى نص ذكرناه آنفا
_________________
(١) وردت هذه الأوصاف فى حديث رواه الترمذى وإسناده ضعيف.
[ ٣ / ٤٣٩ ]
[قِصّةُ الْمِعْرَاجِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ﵁- أَنّهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِﷺ- يَقُولُ: لَمّا فَرَغْتُ مِمّا كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أُتِيَ بِالْمِعْرَاجِ- وَلَمْ أَرَ شَيْئًا قَطّ أَحْسَنَ مِنْهُ- وَهُوَ
ــ
عنه عن الأصمعي، والذي في غريب الحديث من تلك الزيادة وهم وقع في الكتاب، والله أعلم.
وأما ما رواه الترمذي عن الأصمعى فى شرح المطهم قال: هو البادن: الكثير اللحم، ذكره عن أبى جعفر، عن الأصمعى، وذكر عنه في الممغط نحو ما قدمناه، قال: وسمعت أعرابيا يقول تمغط في نشابة أي: مدها، وفي كتاب العين: مغطت الشيء إذا مددته، وقال فى باب العين المهملة معطت «١» الشيء إذا مددته، كما قال في العين المعجمة، فعلى هذا يقال فيه ممغط وممغط، ووزنه منفعل، واندغمت النون في الميم، كما اندغمت في محوته فامحى لما أمن التباسه بالمضاعف، ولم يدغموا النون في الميم في شاه زنماء، ولا في غنم لئلا يلتبس بالمضاعف، لو قالوا: أزماء وغما، وقد ذكرنا قبل ما وهم فيه الترمذي من تفسير زر الحجلة حيث قال: يقال إنه بيض له، حيث تكلمنا على خاتم النبوة وصفته، واختلاف الرواية فيه والحمد لله.
_________________
(١) كذلك يقول اللسان.
[ ٣ / ٤٤٠ ]
الّذِي يَمُدّ إلَيْهِ مَيّتُكُمْ عَيْنَيْهِ إذَا حُضِرَ، فَأَصْعَدَنِي صَاحِبِي فِيهِ، حَتّى انْتَهَى بِي إلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ السّمَاءِ، يُقَالُ لَهُ: بَابُ الْحَفَظَةِ، عَلَيْهِ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، يُقَالُ لَهُ: إسْمَاعِيلُ، تَحْتَ يَدَيْهِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَلَكٍ، تَحْتَ يَدَيْ كُلّ مَلَكٍ مِنْهُمْ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَلَكٍ- قَالَ: يَقُولُ رَسُولُ اللهِﷺ- حِينَ حَدّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّك إلّا هُوَ- فَلَمّا دُخِلَ بِي، قَالَ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قال: هذا محمد. قال: أو قد بُعِثَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ:
فَدَعَا لِي بِخَيْرِ: وقاله.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَمّنْ حَدّثَهُ عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ- أَنّهُ قَالَ: تَلَقّتْنِي الْمَلَائِكَةُ حِينَ دَخَلْت السّمَاءَ الدّنْيَا، فَلَمْ يَلْقَنِي مَلَكٌ إلّا ضَاحِكًا مُسْتَبْشِرًا، يَقُولُ خَيْرًا وَيَدْعُو بِهِ، حَتّى لَقِيَنِي مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالُوا، وَدَعَا بِمِثْلِ مَا دَعَوْا بِهِ، إلّا أَنّهُ لَمْ يَضْحَكْ، وَلَمْ أَرَ مِنْهُ مِنْ الْبِشْرِ مِثْلَ مَا رَأَيْت مِنْ غَيْرِهِ، فَقُلْت لِجِبْرِيلَ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا الْمَلَكُ الّذِي قَالَ لِي كَمَا قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ وَلَمْ يَضْحَكْ إلَيّ، وَلَمْ أَرَ مِنْهُ مِنْ الْبِشْرِ مِثْلَ الّذِي رَأَيْتُ مِنْهُمْ؟ قَالَ: فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ: أَمَا إنّهُ لَوْ ضَحِكَ إلَى أَحَدٍ كَانَ قَبْلَك، أَوْ كَانَ ضَاحِكًا إلَى أَحَدٍ بَعْدَك، لَضَحِكَ إلَيْك، وَلَكِنّهُ لَا يَضْحَكُ، هَذَا مَالِكٌ خَازِنُ النّارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ- فَقُلْت لِجِبْرِيلَ، وَهُوَ مِنْ اللهِ تَعَالَى بِالْمَكَانِ الّذِي وُصِفَ لَكُمْ (مُطَاعٍ ثَمّ أَمِينٍ):
أَلَا تَأْمُرُهُ أَنْ يُرِيَنِي النّارَ؟ فَقَالَ: بَلَى، يَا مَالِكُ، أَرِ مُحَمّدًا النّارَ. قَالَ: فَكَشَفَ عَنْهَا غِطَاءَهَا، فَفَارَتْ، وَارْتَفَعَتْ، حَتّى ظَنَنْت: لَتَأْخُذَنّ مَا أَرَى. قَالَ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٤٤١ ]
فَقُلْت لِجِبْرِيلَ: يَا جِبْرِيلُ، مُرْهُ، فَلْيَرُدّهَا إلَى مكانها. قال: فأمره، فقال لها:
اخسبى، فَرَجَعَتْ إلَى مَكَانِهَا الّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ. فَمَا شَبّهْتُ رُجُوعَهَا إلّا وُقُوعَ الظّلّ. حَتّى إذَا دَخَلَتْ مِنْ حَيْثُ خَرَجَتْ رَدّ عَلَيْهَا غِطَاءَهَا.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ فِي حَدِيثِهِ: أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قال: لَمّا دَخَلْتُ السّمَاءَ الدّنْيَا، رَأَيْت بِهَا رَجُلًا جَالِسًا تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ، فَيَقُولُ لِبَعْضِهَا، إذَا عُرِضَتْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَيُسَرّ بِهِ، وَيَقُولُ: رُوحٌ طَيّبَةٌ خَرَجَتْ مِنْ جَسَدٍ طَيّبٍ، وَيَقُولُ لِبَعْضِهَا إذَا عُرِضَتْ عَلَيْهِ: أُفّ، وَيَعْبِسُ بِوَجْهِهِ وَيَقُولُ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ خَرَجَتْ مِنْ جَسَدٍ خَبِيثٍ. قَالَ: قُلْت:
مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَبُوك آدَمُ، تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ ذُرّيّتِهِ، فَإِذَا مَرّتْ بِهِ رُوحُ الْمُؤْمِنِ مِنْهُمْ سُرّ بِهَا: وَقَالَ رُوحٌ طَيّبَةٌ خَرَجَتْ مِنْ جَسَدٍ طَيّبٍ.
وَإِذَا مَرّتْ بَهْ رُوحُ الْكَافِرِ مِنْهُمْ أَفّفَ مِنْهَا، وَكَرِهَهَا، وَسَاءَ ذَلِكَ، وَقَالَ:
رُوحٌ خَبِيثَةٌ خَرَجَتْ مِنْ جَسَدٍ خَبِيثٍ.
قَالَ ثُمّ رَأَيْت رِجَالًا لَهُمْ مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الْإِبِلِ، فِي أَيْدِيهمْ قِطَعٌ مِنْ نَارٍ كَالْأَفْهَارِ، يَقْذِفُونَهَا فِي أَفْوَاهِهِمْ، فَتَخْرُجُ مِنْ أَدْبَارِهِمْ. فَقُلْت: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ أَكَلَةُ أَمْوَالِ اليتامى ظلما.
قَالَ: ثُمّ رَأَيْت رِجَالًا لَهُمْ بُطُونٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهَا قَطّ بِسَبِيلِ آلِ فِرْعَوْنَ، يَمُرّونَ عَلَيْهِمْ كَالْإِبِلِ الْمَهْيُومَةِ حِينَ يُعْرَضُونَ عَلَى النّارِ، يَطَئُونَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَتَحَوّلُوا مِنْ مَكَانِهِمْ ذَلِكَ قَالَ قُلْت: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جبريل؟ قال هؤلاء أكلة الربا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٤٤٢ ]
قَالَ: ثُمّ رَأَيْت رِجَالًا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لَحْمٌ ثَمِينٌ طَيّبٌ، إلَى جَنْبِهِ لَحْمٌ غَثّ مُنْتِنٌ، يَأْكُلُونَ مِنْ الْغَثّ الْمُنْتِنِ، وَيَتْرُكُونَ السّمِينَ الطّيّبَ. قَالَ: قُلْت: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الّذِينَ يَتْرُكُونَ مَا أَحَلّ اللهُ لَهُمْ مِنْ النّسَاءِ، وَيَذْهَبُونَ إلَى مَا حَرّمَ اللهُ عليهم منهنّ.
قَالَ: ثُمّ رَأَيْت نِسَاءً مُعَلّقَاتٍ بِثُدِيّهِنّ، فَقُلْت: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ:
هَؤُلَاءِ اللّاتِي أَدْخَلْنَ عَلَى الرّجَالِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمّدٍ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قَالَ: اشْتَدّ غَضَبُ اللهِ عَلَى امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَأَكَلَ حَرَائِبَهُمْ، وَاطّلَعَ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ.
عود إلى حديث الخدرى: ثُمّ رَجَعَ إلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، قَالَ:
ثُمّ أَصْعَدَنِي إلَى السّمَاءِ الثّانِيَةِ، فَإِذَا فِيهَا ابْنَا الْخَالَةِ: عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، وَيَحْيَى، بْنُ زَكَرِيّا، قَالَ: ثُمّ أَصْعَدَنِي إلَى السّمَاءِ الثّالِثَةِ، فَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ صُورَتُهُ كَصُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، قَالَ: قُلْت: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَخُوك يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ. قَالَ: ثُمّ أَصْعَدَنِي إلَى السّمَاءِ الرّابِعَةِ، فَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ فَسَأَلْته: مَنْ هُوَ؟
قَالَ: هَذَا إدْرِيسُ- قَالَ: يَقُولُ رَسُولُ اللهِﷺ: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيّا- قَالَ: ثُمّ أصعدنى إلى السماء الخامسة فإذا فيها كهل أبيض الرأس واللّحية، عظيم العثلون، لم أر كهلا أَجْمَلَ مِنْهُ، قَالَ قُلْت: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟
قَالَ: هَذَا الْمُحَبّبُ فِي قَوْمِهِ هَارُونُ بْنُ عِمْرَانَ، قَالَ: ثُمّ أَصْعَدَنِي إلَى السّمَاءِ السّادِسَةِ، فَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ آدَمُ طَوِيلٌ أَقْنَى كَأَنّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ؛ فَقُلْت لَهُ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٤٤٣ ]
مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَخُوك مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ. ثُمّ أَصْعَدَنِي إلَى السّمَاءِ السّابِعَةِ، فَإِذَا فِيهَا كَهْلٌ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيّ إلَى بَابِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، يَدْخُلُهُ كُلّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَا يَرْجِعُونَ فِيهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. لَمْ أَرَ رَجُلًا أَشَبَهَ بِصَاحِبِكُمْ، وَلَا صَاحِبُكُمْ أَشْبَهُ بِهِ مِنْهُ، قَالَ: قُلْت: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ:
هَذَا أَبُوك إبْرَاهِيمُ. قَالَ: ثُمّ دَخَلَ بِي الْجَنّةَ، فَرَأَيْتُ فِيهَا جَارِيَةً لَعْسَاءَ، فَسَأَلْتهَا: لِمَنْ أَنْتِ؟ وَقَدْ أَعْجَبَتْنِي حِينَ رَأَيْتُهَا، فَقَالَتْ: لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، فَبَشّرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ﵁- عَنْ النّبِيّﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي: أَنّ جِبْرِيلَ لَمْ يَصْعَدْ بِهِ إلَى سَمَاءٍ مِنْ السّمَوَاتِ إلّا قَالُوا لَهُ حِينَ يَسْتَأْذِنُ فِي دُخُولِهَا: مَنْ هَذَا يا جبريل؟ فيقول:
محمد، فيقولون: أو قد بُعِثَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُونَ: حَيّاهُ اللهُ مِنْ أَخ وَصَاحِبٍ، حَتّى انْتَهَى بِهِ إلَى السّمَاءِ السّابِعَةِ، ثُمّ انْتَهَى بِهِ إلَى رَبّهِ، فَفَرَضَ عليه خمسين صلاة فى كلّ يوم.
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَأَقْبَلْت رَاجِعًا، فَلَمّا مَرَرْت بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ وَنِعْمَ الصّاحِبُ كَانَ لَكُمْ، سَأَلَنِي كَمْ فُرِضَ عَلَيْك مِنْ الصّلَاةِ؟ فَقُلْت خَمْسِينَ صَلَاةً كُلّ يَوْمٍ؛ فَقَالَ: إنّ الصّلَاةَ ثَقِيلَةٌ، وَإِنّ أُمّتَك ضَعِيفَةٌ، فَارْجِعْ إلَى رَبّك، فَاسْأَلْهُ أَنْ يخفّف عنك وعن أمتك. فرجعت فسألت رَبّي أَنْ يُخَفّفَ عَنّي، وَعَنْ أُمّتِي، فَوَضَعَ عَنّي عَشْرًا. ثُمّ انْصَرَفْت فَمَرَرْت عَلَى مُوسَى فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، فَرَجَعْت فَسَأَلْت رَبّي، فَوَضَعَ عَنّي عَشْرًا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٤٤٤ ]
ثُمّ انْصَرَفْت، فَمَرَرْت عَلَى مُوسَى، فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، فَرَجَعْت فَسَأَلْته فَوَضَعَ عَنّي عَشْرًا، ثُمّ لَمْ يَزَلْ يَقُولُ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، كُلّمَا رَجَعْت إلَيْهِ، قَالَ: فَارْجِعْ فَاسْأَلْ، حَتّى انْتَهَيْتُ إلَى أَنْ وَضَعَ ذَلِكَ عَنّي، إلّا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. ثُمّ رَجَعْت إلَى مُوسَى، فَقَالَ لِي مِثْلَ، ذَلِكَ، فَقُلْت: قَدْ رَاجَعْتُ رَبّي وَسَأَلْته، حَتّى اسْتَحْيَيْتُ منه، فما أنا بفاعل رواه البيهقى فى كتاب دلائل النبوة وابن جرير وابن أبى حاتم.
فَمَنْ أَدّاهُنّ مِنْكُمْ إيمَانًا بِهِنّ، وَاحْتِسَابًا لَهُنّ، كان له أجر خمسين صلاة مكتوبة. رواه وفى الحديث غرابة ونكارة.
_________________
(١) رؤية النبي ربه: فَصْلٌ: وَقَدْ تَكَلّمَ الْعُلَمَاءُ فِي رُؤْيَةِ النّبِيّ ﷺ لِرَبّهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، فَرَوَى مَسْرُوقٌ عَنْ عَائِشَةَ أَنّهَا أَنْكَرَتْ أَنْ يَكُونَ رَآهُ، وَقَالَتْ مَنْ زَعَمَ أَنّ مُحَمّدًا رَأَى رَبّهُ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ، وَاحْتَجّتْ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ الْأَنْعَامَ: ١٠٣ وَفِي مُصَنّفِ التّرْمِذِي عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنّهُ رَآهُ، قَالَ كَعْبٌ: إنّ اللهَ قَسّمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ بَيْنَ مُوسَى وَمُحَمّدٍ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرّ قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ رَأَيْت رَبّك؟ قَالَ: رَأَيْت نُورًا، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِ مُسْلِمٍ أَنّهُ قَالَ: نُورًا أَنّى أَرَاهُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانٌ شَافٍ أَنّهُ رَآهُ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيّ أَنّهُ قَالَ: رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ، وَفِي تَفْسِيرِ النّقّاشِ عَنْ ابْنِ حَنْبَلٍ أَنّهُ سُئِلَ: هَلْ رَأَى مُحَمّدٌ رَبّهُ، فَقَالَ: رَآهُ رَآهُ رَآهُ حَتّى انْقَطَعَ صَوْتُهُ، وَفِي تَفْسِيرِ
[ ٣ / ٤٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) عَبْدِ الرّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزّهْرِيّ وَذَكَرَ إنكار عائشة أنه رآه، فقال لزهرى: لَيْسَتْ عَائِشَةُ أَعْلَمَ عِنْدَنَا مِنْ ابْنِ عَبّاسٍ، وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ سَلَامٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنّهُ كَانَ إذْ ذُكِرَ إنْكَارُ عَائِشَةَ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِﷺ- رَأَى رَبّهُ يَشْتَدّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ رَآهُ؟ رَوَى يُونُسُ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: سَأَلَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ: هَلْ رَأَى مُحَمّدٌ رَبّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ أَنّ ابْنَ عُمَرَ أَرْسَلَ إلَى ابْنِ عَبّاسٍ يَسْأَلُهُ: هَلْ رَأَى مُحَمّدٌ رَبّهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ رَآهُ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَكَيْفَ رَآهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ كَلَامًا كَرِهْت أَنْ أُورِدَهُ بِلَفْظِهِ لِمَا يُوهِمُ مِنْ التّشْبِيهِ، وَلَوْ صَحّ لَكَانَ لَهُ تَأْوِيلٌ وَاَللهُ أَعْلَمُ، والمتحصل مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ- وَاَللهُ أَعْلَمُ- أَنّهُ رَآهُ لَا عَلَى أَكْمَلِ مَا تَكُونُ الرّؤْيَةُ عَلَى نَحْوِ مَا يَرَاهُ فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ عِنْدَ الْكَرَامَةِ الْعُظْمَى وَالنّعِيمِ الْأَكْبَرِ، وَلَكِنْ دُونَ ذَلِكَ، وإلى هذا يومى قوله: رأيت نورا ونورا أَنّى أَرَاهُ فِي الرّؤْيَةِ الْأُخْرَى وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَأَمّا الدّنُوّ وَالتّدَلّي فَهُمَا خَبَرٌ عَنْ النّبِيّﷺ- عَنْ بَعْضِ الْمُفَسّرِينَ، وَقِيلَ إنّ الّذِي تَدَلّى هُوَ جِبْرِيلُ ﵇ تَدَلّى إلَى مُحَمّدٍ حَتّى دَنَا مِنْهُ وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ أَيْضًا، وَفِي الْجَامِعِ الصّحِيحِ فِي إحْدَى الرّوَايَاتِ مِنْهُ: فَتَدَلّى الْجَبّارُ، وَهَذَا مَعَ صِحّةِ نَقْلِهِ لَا يَكَادُ أَحَدٌ مِنْ المفسرين يذكره لا ستحالة ظَاهِرِهِ، أَوْ لِلْغَفْلَةِ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَلَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ؛ لِأَنّ حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ إنْ كَانَ رُؤْيَا رَآهَا بِقَلْبِهِ وَعَيْنُهُ نَائِمَةٌ- كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فَلَا إشْكَالَ فِيمَا يَرَاهُ فِي نَوْمِهِ ﵇ فَقَدْ رَآهُ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ وَوَضَعَ كَفّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، حَتّى وَجَدَ بَرْدَهَا بين ثدييه
[ ٣ / ٤٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَوَاهُ التّرْمِذِيّ «١» مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ فِي حَدِيثٍ طويل، ولما كانت هذه رؤيا
_________________
(١) الحديث كما رواه أحمد بسنده عن ابن عباس أن رسول الله «ص» قال: أتانى ربى الليلة فى أحسن صورة- أحسبه يعنى فى النوم- فقال: يا محمد أتدرى فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت لا، فوضع يده بين كتفى حتى وجدت بردها بين ثديى- أو قال نحرى فعلمت- فى السموات والأرض، ثم قال: يا محمد هل تدرى فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: نعم يختصمون فى الكفارات والدرجات. قال: وما الكفارات؟ قال: قلت المكث فى المساجد بعد الصلوات، والمشى على الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء فى المكاره، من فعل ذلك عاش بخير. ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه. وقال: قل يا محمد إذا صليت. اللهم إنى أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة أن تقبضنى إليك غير مفتون. قال: والدرجات: بذل الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام، ورواه أحمد أيضا بسنده عن معاذ قال: احتبس علينا رسول الله ﷺ ذات غداة من صلاة الصبح، حتى كدنا نتراءى قرن الشمس، فخرجﷺ- سريعا فثوب بالصلاة، فصلى، وتجوز فى صلاته، فلما سلم، قالﷺ- كما أنتم، ثم أقبل إلينا فقال: إنى قمت من الليل، فصليت ما قدر لى، فنعست فى صلاتى حتى استيقظت، فإذا أنا بربى ﷿ فى أحسن صورة» الخ ولكنه قال فى هذه الرواية: فتجلى لى كل شىء وعرفت، بدلا من: فعلمت ما فى السموات الأرض. وشتان ما هما فى الدلالة. وعن الدرجات قال فيها: لين الكلام بدلا من إفشاء السلام. أما الدعاء ففى رواية معاذ أن الله قال له: سل، قلت: اللهم إنى أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين وأن تغفر لى، وترحمنى، وإذا أردت فتنة بقوم فتوفنى غير مفتون، وأسألك حبك، وحب من يحبك وحب عمل يقربنى إلى حبك، أما فى رواية ابن عباس، فقد ورد أن الله هو الذى طلب منه أن يقول هذا، وعلمه إياه. هذا والحديث رواه الترمذى من حديث جهضم بن عبد الله . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اليمامى، وقال: حسن صحيح، وهو فى السنن من طرق. ويقول ابن كثير: وهو حديث المنام المشهور، ومن جعله يقظة، فقد غلط. وما أعظم فقه أم المؤمنين عائشة ﵂ فيما رواه أحمد بسنده عن عامر، قال: أتى مسروق عائشة، فقال: يا أم المؤمنين: هل رأى محمد ﷺ- ربه ﷿؟ قالت سبحان الله لقد قف شعرى لما قلت. أين أنت من ثلاث من حدثكهن، فقد كذب. من حدثك أن محمدا رأى ربه، فقد كذب، ثم قرأت: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ) (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ) ومن أخبرك أنه يعلم ما فى غد، فقد كذب. ثم قرأت: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ) الاية. ومن أخبرك أن محمدا قد كتم، فقد كذب، ثم قرأت: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) ولكنه رأى جبريل فى صورته مرتين» وتدبر ما رواه أحمد بسنده عن مسروق قال: «كنت عند عائشة، فقالت: أليس الله يقول: (وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ- وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى) فقالت: أنا أول هذه الأمة، سألت رسول اللهﷺ- عنها، فقال: إنما ذاك جبريل. لم يره فى صورته التى خلق عليها إلا مرتين، رآه منهبطا من السماء إلى الأرض سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض» وأخرجاه فى الصحيحين من حديث الشعبى به. ولمسلم فى الرؤية طريقان بلفظين عن أبى ذر قال: سألت رسول الله ﷺ: هل رأيت ربك؟ فقال: نورانى أراه. والأخر: رأيت نورا. وقد حكى الخلال فى علله أن الإمام أحمد سئل عن هذا الحديث، فقال: ما زلت منكرا له، وما أدرى ما وجهه.. ويقول الأئمة: إن عائشة سألت عن الرؤية بعد الإسراء، ولم يثبت لها النبى الرؤية، ومن قال: إنه خاطبها على قدر عقلها، أو حاول تخطئتها فيما ذهبت إليه كابن خزيمة فى كتاب التوحيد، فإنه هو المخطىء. وقد ثبت فى صحيح مسلم عن أبى هريرة أنه قال فى قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى) قال: رأى جبريل ﵇. وحسبنا هذا.
[ ٣ / ٤٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَمْ يُنْكِرْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَا اسْتَبْشَعَهَا، وَقَدْ بَيّنّا آنِفًا أَنّ حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ كَانَ رُؤْيَا ثُمّ كَانَ يَقَظَةً فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ فَتَدَلّى الْجَبّارُ فِي الْمَرّةِ الّتِي كَانَ فِيهَا غَيْرَ نَائِمٍ، وَكَانَ الْإِسْرَاءُ بِجَسَدِهِ، فَيُقَالُ فِيهِ مِنْ التّأْوِيلِ مَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ: يَنْزِلُ رَبّنَا كُلّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدّنْيَا، فَلَيْسَ بِأَبْعَدَ مِنْهُ فِي بَابِ التّأْوِيلِ، فَلَا نَكَارَةَ فِيهِ كَانَ فِي نَوْمٍ أَوْ يَقَظَةٍ، وَقَدْ أَشَرْنَا إلَى تَمَامِ هَذَا الْمَعْنَى فِي شَرْحِ مَا تَضَمّنَهُ لَفْظُ الْقَوْسَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ: قَابَ قَوْسَيْنِ فِي جُزْءٍ أَمْلَيْنَاهُ فِي شَرْحِ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، تَضَمّنَ لَطَائِفَ مِنْ مَعْنَى التّقْدِيسِ وَالتّسْبِيحِ، فَلْيُنْظَرْ هُنَاكَ وَأَمْلَيْنَا أَيْضًا فِي مَعْنَى رُؤْيَةِ الرّبّ سُبْحَانَهُ فِي الْمَنَامِ، وَفِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ مَسْأَلَةً لِقِنَاعِ الْحَقِيقَةِ فِي ذَلِكَ كَاشِفَةً فَمَنْ أَرَادَ فَهْمَ الرّؤْيَةِ وَالرّؤْيَا فَلْيَنْظُرْهَا هُنَالِكَ، وَيُقَوّي مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَعْنَى إضَافَةِ التّدَلّي إلَى الرّبّ سُبْحَانَهُ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيّ مَا رَوَاهُ ابْنُ سُنْجُرَ مُسْنَدًا إلَى شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: لَمّا صَعِدَ النّبِيّﷺ- إلَى السّمَاءِ، فَأَوْحَى إلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، فَلَمّا أَحَسّ جِبْرِيلُ بدنوّ الرّبّ خرّ ساجد، فَلَمْ يَزَلْ يُسَبّحُ سُبْحَانَ رَبّ الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ حَتّى قَضَى اللهُ إلَى عَبْدِهِ مَا قَضَى، قَالَ: ثُمّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَرَأَيْته فِي خَلْقِهِ الّذِي خُلِقَ عَلَيْهِ مَنْظُومًا أَجْنِحَتُهُ بِالزّبَرْجَدِ وَاللّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ، فَخُيّلَ إلَيّ أَنّ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ قَدْ سَدّ الْأُفُقَيْنِ، وَكُنْت لَا أَرَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ إلّا عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَكُنْت أَكْثَرَ مَا أَرَاهُ عَلَى صُورَةِ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيّ، وَكَانَ أَحْيَانًا لَا يَرَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ إلّا كَمَا يَرَى الرّجُلُ صَاحِبَهُ من وراء الغربال «١» .
_________________
(١) حديث متهافت. أما رؤيته ﷺ لجبريل على صورة دحية، فقد ورد فى روايات صحيحة.
[ ٣ / ٤٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لِقَاؤُهُ لِلنّبِيّينَ: فَصْلٌ: وَمِمّا سُئِلَ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ، وَتَكَلّمَ فِيهِ لِقَاؤُهُ لِآدَمَ فِي السّمَاءِ الدّنْيَا، وَلِإِبْرَاهِيمَ فِي السّمَاءِ السّابِعَةِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ الّذِينَ لَقِيَهُمْ فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ السّمَاءَيْنِ، وَالْحِكْمَةُ فِي اخْتِصَاصِ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالسّمَاءِ الّتِي رَآهُ فِيهَا: وَسُؤَالٌ آخَرُ فِي اخْتِصَاصِ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ بِاللّقَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ رَأَى الْأَنْبِيَاءَ كُلّهُمْ، فَمَا الْحِكْمَةُ فِي اخْتِصَاصِ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ بِالذّكْرِ؟ وَقَدْ تَكَلّمَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بَطّالٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيّ عَلَى هَذَا السّؤَالِ، فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، وَمَغْزَى كَلَامِهِ الّذِي أَشَارَ إلَيْهِ أَنّ الْأَنْبِيَاءَ لَمّا عَلِمُوا بِقُدُومِهِ عَلَيْهِمْ ابْتَدَرُوا إلَى لِقَائِهِ ابْتِدَارَ أَهْلِ الْغَائِبِ لِلْغَائِبِ الْقَادِمِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَسْرَعَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْطَأَ. إلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، وَاَلّذِي أَقُولُ فِي هَذَا: إنّ مَأْخَذَ فَهْمِهِ مِنْ عِلْمِ التّعْبِيرِ، فَإِنّهُ مِنْ عِلْمِ النّبُوءَةِ، وَأَهْلُ التّعْبِيرِ يَقُولُونَ: مَنْ رَأَى نَبِيّا بِعَيْنِهِ فِي الْمَنَامِ، فَإِنّ رُؤْيَاهُ تُؤْذِنُ بِمَا يُشْبِهُ حَالَ ذَلِكَ النّبِيّ مِنْ شِدّةٍ أَوْ رَخَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الّتِي أُخْبِرَ بِهَا عَنْ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْقُرْآنِ، وَالْحَدِيثِ، وَحَدِيثُ الْإِسْرَاءِ كَانَ بِمَكّةَ وَهِيَ حَرَمُ اللهِ وَأَمْنُهُ وَقُطّانُهَا جِيرَانُ اللهِ، لِأَنّ فِيهَا بَيْتَهُ، فَأَوّلُ مَا رَأَى عَلَيْهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ آدَمُ الّذِي كَانَ فِي أَمْنِ اللهِ وَجِوَارِهِ، فَأَخْرَجَهُ عَدُوّهُ إبْلِيسُ مِنْهَا، وَهَذِهِ الْقِصّةُ تُشْبِهُهَا الْحَالَةُ الْأُولَى مِنْ أَحْوَالِ النّبِيّﷺ حِينَ أَخْرَجَهُ أَعْدَاؤُهُ مِنْ حَرَمِ اللهِ وَجِوَارِ بَيْتِهِ، فَكَرَبَهُ ذَلِكَ وَغَمّهُ. وَأَشْبَهَتْ قِصّتُهُ فِي هَذَا قِصّةَ آدَمَ، مَعَ أَنّ آدَمَ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ ذُرّيّتِهِ الْبَرّ وَالْفَاجِرِ مِنْهُمْ، فَكَانَ فِي السّمَاءِ الدّنْيَا بِحَيْثُ يَرَى الْفَرِيقَيْنِ، لِأَنّ أَرْوَاحَ أَهْلِ الشّقَاءِ لَا تَلِجُ فِي السّمَاءِ، وَلَا تُفَتّحُ لَهُمْ أَبْوَابُهَا كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى، ثُمّ رَأَى
[ ٣ / ٤٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي الثّانِيَةِ عِيسَى وَيَحْيَى وَهُمَا الْمُمْتَحَنَانِ بِالْيَهُودِ، أَمَا عِيسَى فَكَذّبَتْهُ الْيَهُودُ وَآذَتْهُ، وَهَمّوا بِقَتْلِهِ فَرَفَعَهُ اللهُ، وَأَمّا يَحْيَى فَقَتَلُوهُ، وَرَسُولُ اللهِﷺ- بَعْدَ انْتِقَالِهِ إلَى الْمَدِينَةِ صَارَ إلَى حَالَةٍ ثَانِيَةٍ مِنْ الِامْتِحَانِ، وَكَانَتْ مِحْنَتُهُ فِيهَا بِالْيَهُودِ، آذَوْهُ وَظَاهَرُوا عَلَيْهِ وَهَمّوا بِإِلْقَاءِ الصّخْرَةِ عَلَيْهِ، لِيَقْتُلُوهُ فَنَجّاهُ اللهُ تَعَالَى كَمَا نَجّى عِيسَى مِنْهُمْ، ثُمّ سَمّوهُ فِي الشّاةِ، فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ الْأَكْلَةُ تُعَاوِدُهُ، حَتّى قَطَعَتْ أَبْهَرَهُ «١» كَمَا قَالَ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَهَكَذَا فَعَلُوا بِابْنَيْ الْخَالَةِ:
عِيسَى وَيَحْيَى، لِأَنّ أُمّ يَحْيَى أَشْيَاعُ بِنْتُ عِمْرَانَ أُخْتُ مَرْيَمَ، أُمّهُمَا: حَنّةُ.
وَأَمّا لِقَاؤُهُ لِيُوسُفَ فِي السّمَاءِ الثّالِثَةِ، فَإِنّهُ يُؤْذِنُ بِحَالَةِ ثَالِثَةٍ تُشْبِهُ حَالَ يوسف، وذلك بأن يوسف ظفر بإخوته بعد ما أَخْرَجُوهُ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانَيْهِمْ فَصَفَحَ عَنْهُمْ، وَقَالَ لا تثريب عليكم الْآيَةَ، وَكَذَلِك نَبِيّنَا﵇ أَسَرَ يَوْمَ بَدْرٍ جُمْلَةً مِنْ أَقَارِبِهِ الّذِينَ أَخْرَجُوهُ فِيهِمْ عَمّهُ الْعَبّاسُ، وَابْنُ عَمّهِ عَقِيلٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَ فِدَاءَهُ، ثُمّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَامَ الْفَتْحِ فَجَمَعَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ:
أَقُولُ مَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، ثُمّ لِقَاؤُهُ لِإِدْرِيسَ فِي السّمَاءِ الرّابِعَةِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الّذِي سَمّاهُ اللهُ مَكَانًا عَلِيّا، وَإِدْرِيسُ أَوّلُ مَنْ آتَاهُ اللهُ الْخَطّ بِالْقَلَمِ، فَكَانَ ذَلِكَ مُؤْذِنًا بِحَالَةِ رَابِعَةٍ، وَهِيَ عُلُوّ شَأْنِهِ﵇- حَتّى أَخَافَ الْمُلُوكَ وَكَتَبَ إلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إلَى طَاعَتِهِ، حَتّى قَالَ أَبُو سُفْيَانَ، وَهُوَ عِنْدَ مَلِكِ الرّومِ، حِين جَاءَهُ كِتَابٌ لِلنّبِيّ ﵇، وَرَأَى ما رأى من خوف هرقل:
_________________
(١) الأبهر: الظهر وعرق فيه، ووريد العنق والأكحل. وقد ذكر قصة الشاة المسمومة البخارى وغيره.
[ ٣ / ٤٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ «١»، حَتّى أَصْبَحَ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ، وَكُتِبَ عَنْهُ بِالْقَلَمِ إلَى جَمِيعِ مُلُوكِ الْأَرْضِ، فَمِنْهُمْ مَنْ اتّبَعَهُ عَلَى دِينِهِ كَالنّجَاشِيّ، وَمَلِكِ عُمَانَ، وَمِنْهُمْ مَنْ هَادَنَهُ، وَأَهْدَى إلَيْهِ وَأَتْحَفَهُ كَهِرَقْلَ وَالْمُقَوْقَسِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَعَصّى عَلَيْهِ، فَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، فَهَذَا مَقَامٌ عَلِيّ، وَخَطّ بِالْقَلَمِ كَنَحْوِ مَا أُوتِيَ إدْرِيسُ﵇- وَلِقَاؤُهُ فِي السّمَاءِ الْخَامِسَةِ لِهَارُونَ الْمُحَبّبِ فِي قَوْمِهِ يُؤْذِنُ بِحُبّ قُرَيْشٍ، وَجَمِيعِ الْعَرَبِ لَهُ بَعْدَ بُغْضِهِمْ فِيهِ، وَلِقَاؤُهُ فِي السّمَاءِ السّادِسَةِ لِمُوسَى يُؤْذِنُ بِحَالَةِ تُشْبِهُ حَالَةَ مُوسَى حِينَ أَمَرَ بِغَزْوِ الشّامِ فَظَهَرَ عَلَى الْجَبَابِرَةِ الّذِينَ كَانُوا فِيهَا، وَأَدْخَلَ بَنِي إسْرَائِيلَ الْبَلَدَ الّذِي خَرَجُوا مِنْهُ بَعْدَ إهْلَاكِ عَدُوّهِمْ، وَكَذَلِك غَزَا رَسُولُ اللهِﷺ- تَبُوكَ مِنْ أَرْضِ الشّامِ، وَظَهَرَ عَلَى صَاحِبِ دَوْمَةَ حَتّى صَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ بَعْد أَنْ أُتِيَ بِهِ أَسِيرًا، وَافْتَتَحَ مَكّةَ، وَدَخَلَ أَصْحَابُهُ الْبَلَدَ الّذِي خَرَجُوا مِنْهُ، ثُمّ لِقَاؤُهُ فِي السّمَاءِ السّابِعَةِ لِإِبْرَاهِيمَ﵇- لِحِكْمَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: أَنّهُ رَآهُ عِنْدَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلَيْهِ وَالْبَيْتُ الْمَعْمُورُ حِيَالَ مَكّةَ، وَإِلَيْهِ تَحُجّ الْمَلَائِكَةُ، كَمَا أَنّ إبْرَاهِيمَ هُوَ الّذِي بَنَى الْكَعْبَةَ، وَأَذّنَ فِي النّاسِ بِالْحَجّ إلَيْهَا وَالْحِكْمَةُ الثّانِيَةُ أَنّ آخِرَ أَحْوَالِ النّبِيّﷺ حَجّهُ إلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَحَجّ مَعَهُ نَحْوٌ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَرُؤْيَةُ إبْرَاهِيمَ عِنْدَ أَهْلِ التّأْوِيلِ تُؤْذِنُ بِالْحَجّ، لِأَنّهُ الدّاعِي إلَيْهِ وَالرّافِعُ لِقَوَاعِدِ الْكَعْبَةِ الْمَحْجُوبَةِ، فَقَدْ انْتَظَمَ فِي هَذَا الكلام الجواب عن
_________________
(١) أى كثر وارتفع شأنه يعنى النبى ﷺ، وقد تقدم ذكر أبى كبشة
[ ٣ / ٤٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السّؤَالَيْنِ الْمُتَقَدّمَيْنِ، أَحَدُهُمَا: السّؤَالُ عَنْ تَخْصِيصِ هَؤُلَاءِ بِالذّكْرِ، وَالْآخَرُ:
السّؤَالُ عَنْ تَخْصِيصِهِمْ بِهَذِهِ الْأَمَاكِنِ مِنْ السّمَاءِ الدّنْيَا إلَى السّابِعَةِ، وَكَانَ الْحَزْمُ تَرْكَ التّكَلّفِ لِتَأْوِيلِ مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصّ عَنْ السّلَفِ، وَلَكِنْ عَارَضَ هَذَا الْغَرَضُ مَا يَجِبُ مِنْ التّفْكِيرِ فِي حِكْمَةِ اللهِ، وَالتّدَبّرِ لِآيَاتِ اللهِ، وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَقَدْ رُوِيَ أَنّ تَفَكّرَ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَة «١» مَا لَمْ يَكُنْ النّظَرُ وَالتّفْكِيرُ مُجَرّدًا مِنْ مُلَاحَظَةِ الْكِتَابِ وَالسّنّةِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْعَرَبِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ الْقَوْلُ فِي الْكِتَابِ وَالسّنّةِ بِغَيْرِ عِلْمٍ عَصَمَنَا اللهُ- تَعَالَى- مِنْ ذَلِكَ «٢»، وَجَعَلَنَا مِنْ الْمُمْتَثِلِينَ لِأَمْرِهِ حَيْثُ يَقُولُ: فاعتبروا يا أولى الأبصار وليدّبروا آياته، وليتذكّر أولو الألباب، وَلَوْلَا إسْرَاعُ النّاسِ إلَى إنْكَارِ مَا جَهِلُوهُ، وَغِلَظُ الطّبَاعِ عَنْ فَهْمِ كَثِيرٍ مِنْ الْحِكْمَةِ لَأَبْدَيْنَا مِنْ سِرّ هَذَا السّؤَالِ، وَكَشَفْنَا عَنْ الْحِكْمَةِ فِي هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْمَرَاتِبِ أَكْثَرَ مِمّا كَشَفْنَا «٣» .
الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ، وَأَنّهُ يَدْخُلُهُ كُلّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ رَوَى ابْنُ سُنْجُرَ عَنْ عَلِيّ﵀- قَالَ: الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ بَيْتٌ فى السماء السابعة
_________________
(١) التفكير نفسه فى خلق السموات والأرض وغيرهما من أجل أنواع العبادة، فكيف نجعل التفكير شيئا والعبادة شيئا آخر؟ وهذا يدل على ضعف الحديث.
(٢) هذه رائعة من السهيلى، فلنتدبرها باحتفال تستحقه
(٣) والحق أنه لم يكشف، وإنما اعتسف.
[ ٣ / ٤٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يقال له: الضّراح، واسم السماء السابعة: عربيا «١»، رَوَى أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ إلَى وَهْبِ بْنِ مُنَبّهٍ قَالَ: مَنْ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَانَ لَهُ نُورٌ يملأ ما بين عربياء وَجَرِيبَاءَ وَجَرِيبَا، وَهِيَ الْأَرْضُ السّابِعَةُ»
، وَذَكَرَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ قَالَ: الْبَيْتُ الْمَعْمُورِ يَدْخُلُهُ كُلّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ دحية عِنْدَ كُلّ دِحْيَةٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو التّيّاحِ [يَزِيدُ الضّبَعِيّ] قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قُلْت مَا الدّحْيَةُ؟ قَالَ: الرّئِيسُ. وَرَوَى ابْنُ سُنْجُرَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ قَالَ: فِي السّمَاءِ السّابِعَةِ بَيْتٌ يُقَالُ لَهُ: الْمَعْمُورُ بِحِيَالِ مَكّةَ، وَفِي السّمَاءِ السّابِعَةِ نَهَرٌ يُقَالُ لَهُ الْحَيَوَانُ «٣» يَدْخُلُهُ جِبْرِيلُ كُلّ يَوْمٍ فَيَنْغَمِسُ فِيهِ انْغِمَاسَةً، ثُمّ يَخْرُجُ فَيَنْتَفِضُ انْتِفَاضَةً، يَخِرّ عَنْهُ سَبْعُونَ أَلْفَ قَطْرَةٍ، يَخْلُقُ اللهُ مِنْ كُلّ قَطْرَةٍ مَلَكًا وَيُؤْمَرُونَ أَنْ يَأْتُوا الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ وَيُصَلّوا فِيهِ فَيَفْعَلُونَ ثُمّ يَخْرُجُونَ فَلَا يَعُودُونَ إلَيْهِ أَبَدًا، [وَ] يُوَلّى عَلَيْهِمْ أَحَدُهُمْ يُؤْمَرُ أَنْ يَقِفَ بِهِمْ مِنْ السّمَاءِ موقفا يسبّحون الله [فيه]
_________________
(١) فى القاموس واللسان والنهاية لابن الأثير أن اسم السماء السابعة: عروباء
(٢) فى اللسان: الجرباء: السماء سميت بذلك لما فيها من الكواكب، وقيل: سميت بذلك لموضع المجرة كأنها جربت بالنجوم. وقيل: الجرباء من السماء: الناحية التى لا يدور فيها فلك الشمس والقمر.. والجرباء والملساء: السماء الدنيا.. وأرض جرباء ممحلة وقحوطة لا شىء فيها، وفى القاموس عن الجرباء أنها قرية بجنب أذرح، ثم قال: وغلط من قال: بينهما ثلاثة أيام، وإنما الوهم من رواة الحديث من إسقاط زيادة ذكرها الدار قطنى، وهى: ما بين ناحيتى حوض كما بين المدينة وجرباء وأذرح.
(٣) فى ابن أبى حاتم: «وفى السماء الرابعة نهر يقال له الحيوان.
[ ٣ / ٤٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلَى أَنْ تَقُومَ السّاعَةُ» «١»
فَرْضُ الصّلَاةِ:
فَصْلٌ: وَأَمّا فَرْضُ الصّلَاةِ عَلَيْهِ هُنَالِكَ، فَفِيهِ التّنْبِيهُ عَلَى فَضْلِهَا، حَيْثُ لَمْ تُفْرَضْ إلّا فِي الْحَضْرَةِ «٢» الْمُقَدّسَةِ؛ وَلِذَلِكَ كَانَتْ الطّهَارَةُ مِنْ شَأْنِهَا، وَمِنْ شَرَائِطِ أَدَائِهَا، وَالتّنْبِيهِ عَلَى أَنّهَا مُنَاجَاةُ الرّبّ، وَأَنّ الرّبّ تَعَالَى مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى الْمُصَلّي يُنَاجِيهِ يَقُولُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، أَثْنَى عَلَيّ عبدى «٣» إلى آخر
_________________
(١) الحديث أخرجه ابن أبى حاتم، وقد تكلم عنه ابن كثير، فقال: «هذا حديث غريب جدا تفرد به روح بن جناح، هذا وهو القرشى الأموى مولاهم أبو سعيد الدمشقى، وقد أنكر عليه هذا الحديث جماعة من الحفاظ، منهم: الجوزجانى والعقبلى والحاكم أبو عبد الله النيسابورى وغيرهم، وقال الحاكم: لا أصل له من حديث أبى هريرة، ولا سعيد، ولا الزهرى» تفسير سورة الطور.
(٢) سبق بيان أن آيات القرآن تؤكد أن الصلاة كانت مفروضة قبل هذا، وإلا وجب القول بأن الإسراء كان فى عقب المبعث مباشرة. هذا، ولا يجوز أن نقول «الحضرة المقدسة» فإنه لا يعد تعبيرا إسلاميا، ولكنه تعبير صوفى قديم ولم يرد فى قرآن أو حديث، ولم يجر على لسان صحابى أو تابعى، ولا يجوز أن تنسب إلى الله سبحانه إلا ما نسب هو- جل شأنه- إلى نفسه.
(٣) من حديث رواه مسلم والنسائى أن النبى ﷺ قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهى خداج- ثلاثا- غير تمام فقيل لأبى هريرة: إنا نكون خلف الإمام، فقال اقرأ بها فى نفسك، فإنى سمعت رسول اللهﷺ- يقول: قال الله﷿- قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين. ولعبدى ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدنى عبدى، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله أثنى على عبدى، -
[ ٣ / ٤٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السّورَةِ، وَهَذَا مُشَاكِلٌ لِفَرْضِهَا عَلَيْهِ فِي السّمَاءِ السّابِعَةِ حَيْثُ سَمِعَ كَلَامَ الرّبّ، وَنَاجَاهُ، وَلَمْ يُعْرَجْ بِهِ حَتّى طُهّرَ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ كَمَا يَتَطَهّرُ الْمُصَلّي لِلصّلَاةِ، وَأُخْرِجَ عَنْ الدّنْيَا بِجِسْمِهِ، كَمَا يَخْرُجُ الْمُصَلّي عَنْ الدّنْيَا بِقَلْبِهِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ كُلّ شَيْءٍ إلّا مُنَاجَاةُ رَبّهِ وَتَوَجّهُهُ إلَى قِبْلَتِهِ فِي ذَلِكَ الْحِينِ، وَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَرُفِعَ إلَى السّمَاءِ كَمَا يَرْفَعُ الْمُصَلّي يَدَيْهِ إلَى جِهَةِ السّمَاءِ إشَارَةً إلَى الْقِبْلَةِ الْعُلْيَا فَهِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، وَإِلَى جِهَةِ عَرْشِ مَنْ يُنَاجِيهِ وَيُصَلّي لَهُ سُبْحَانَهُ.
فَرْضُ الصّلَوَاتِ خَمْسِينَ فَصْلٌ وَأَمّا فَرْضُ الصّلَوَاتِ خَمْسِينَ ثُمّ حَطّ مِنْهَا عَشْرًا بَعْدَ عَشْرٍ إلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ. وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا أَنّهَا حُطّتْ خَمْسًا بَعْدَ خَمْسٍ، وَقَدْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرّوَايَتَيْنِ لِدُخُولِ الْخَمْسِ فِي الْعَشْرِ، فَقَدْ تكلم فى هذا النقص من الفريضة:
_________________
(١) - فإذا قال: مالك يوم الدين، قال الله: مجدنى عبدى، وقال مرة: فوض إلى عبدى فإذا قال: إياك نعبد، وإياك نستعين قال: هذا بينى وبين عبدى، ولعبدى ما سأل، فإذا قال: اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غير المغضوب عليهم، ولا الضالين، قال الله: هذا لعبدى، ولعبدى ما سأل، وقال الترمذى: هذا حديث حسن. أقول: إن القرآن يفرض على كل مسلم إذا قرئ القرآن أن يستمع وينصت، وعلى هذا يجب على المأموم- خلافا لما فى الحديث- ألا يقرأ بالفاتحة فى نفسه، وهو يسمع القرآن من الإمام، لأن الله يقول: (وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ، وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) الأعراف: ٢٠٤. والقول بأن الأمر موجه إلى من يكونون فى غير الصلاة قول على الله بغير علم.
[ ٣ / ٤٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَهُوَ نَسْخٌ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مِنْ بَابِ نَسْخِ الْعِبَادَةِ قَبْلَ الْعَمَلِ بِهَا، وَأَنْكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ النّحّاسُ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا الْبِنَاءُ عَلَى أَصْلِهِ وَمَذْهَبِهِ فِي أَنّ الْعِبَادَةَ لَا يَجُوزُ نَسْخُهَا قَبْلَ الْعَمَلِ بِهَا، لِأَنّ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِنْ الْبَدَاءِ، وَالْبَدَاءُ مُحَالٌ عَلَى اللهِ سُبْحَانَهُ. الثّانِي: أَنّ الْعِبَادَةَ إنْ جَازَ نَسْخُهَا قَبْلَ الْعَمَلِ بِهَا عِنْدَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ، فَلَيْسَ يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ نَسْخُهَا قَبْلَ هُبُوطِهَا إلَى الْأَرْضِ وَوُصُولِهَا إلَى الْمُخَاطَبِينَ: قَالَ: وَإِنّمَا ادّعَى النّسْخَ فِي هَذِهِ الصّلَوَاتِ الْمَوْضُوعَةِ عَنْ مُحَمّدٍ وَأُمّتِهِ الْقَاشَانِيّ، لِيُصَحّحَ بِذَلِكَ مَذْهَبَهُ فِي أَنّ الْبَيَانَ لَا يَتَأَخّرُ، ثُمّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: إنّمَا هِيَ شَفَاعَةٌ شَفَعَهَا رَسُولُ اللهِﷺ- لِأُمّتِهِ وَمُرَاجَعَةٌ رَاجَعَهَا رَبّهُ، لِيُخَفّفَ عَنْ أُمّتِهِ، وَلَا يُسَمّى مِثْلُ هَذَا نَسْخًا.
قَالَ الْمُؤَلّفُ: أَمّا مَذْهَبُهُ فِي أَنّ الْعِبَادَةَ لَا تُنْسَخُ قَبْلَ الْعَمَلِ بِهَا، وَأَنّ ذَلِكَ بَدَاءٌ فَلَيْسَ بِصَحِيحِ، لِأَنّ حَقِيقَةَ الْبَدَاءِ أَنْ يَبْدُوَ لِلْآمِرِ رَأْيٌ يَتَبَيّنُ لَهُ الصّوَابُ فِيهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ تَبَيّنَهُ، وَهَذَا مُحَالٌ فِي حَقّ مَنْ يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ بِعِلْمِ قَدِيمٍ «١»، وَلَيْسَ النّسْخُ مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ إنّمَا النسخ تبديل حكم بحكم، والكلّ
_________________
(١) فى اللسان: «البداء: استصواب شىء علم بعد أن لم يعلم، وذلك على الله غير جائز» ويقول الشهرستانى فى الملل والنحل: «والبداء له معان: البداء فى العلم، وهو أن يظهر لة صواب على خلاف ما أراد وحكم، والبداء فى الأمر، وهو أن يأمر بشىء، ثم يأمر بعده بخلاف ذلك» قال هذا وهو يتحدث عن المختار بن عبيد الثقفى أحد زعماء فرق الشيعة الأوائل، ثم قال: «وإنما صار المختار إلى اختيار القول بالبداء، لأنه كان يدعى علم ما يحدث من الأحوال إما بوحى يوحى إليه، وإما برسالة من قبل الإمام، فكان إذا وجد أصحابه بكون شىء، وحدوث حادثة، فإن وافق كونه قوله جعله دليلا-
[ ٣ / ٤٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي سَابِقِ عِلْمِهِ وَمُقْتَضَى حِكْمَتِهِ، كَنَسْخِهِ الْمَرَضَ بِالصّحّةِ، وَالصّحّةِ بِالْمَرَضِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَيْضًا بِأَنّ الْعَبْدَ الْمَأْمُورَ يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ تَوَجّهِ الْأَمْرِ إلَيْهِ ثَلَاثُ عِبَادَاتٍ:
الْفِعْلُ الّذِي أُمِرَ بِهِ، وَالْعَزْمُ عَلَى الِامْتِثَالِ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَمْرِ، وَاعْتِقَادُ الْوُجُوبِ إنْ كَانَ وَاجِبًا فَإِنْ نُسِخَ الْحُكْمُ قَبْلَ الْفِعْلِ، فَقَدْ حَصَلَتْ فَائِدَتَانِ: الْعَزْمُ وَاعْتِقَادُ الْوُجُوبِ. وَعَلِمَ اللهُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَصَحّ امْتِحَانُهُ له واختياره إيّاهُ، وَأَوْقَعَ الْجَزَاءَ عَلَى حَسَبِ مَا عَلِمَ مِنْ نِيّتِهِ، وَإِنّمَا الّذِي لَا يَجُوزُ نَسْخُ الْأَمْرِ قَبْلَ نُزُولِهِ، وَقَبْلَ عِلْمِ الْمُخَاطَبِ بِهِ، وَاَلّذِي ذَكَرَ النّحّاسُ مِنْ نَسْخِ الْعِبَادَةِ بَعْدَ الْعَمَلِ بِهَا، فَلَيْسَ هُوَ حَقِيقَةَ النّسْخِ، لِأَنّ الْعِبَادَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا قَدْ مَضَتْ، وَإِنّمَا جَاءَ الخطاب بالنهى عن مثلها لَا عَنْهَا، وَقَوْلُنَا فِي الْخَمْسِ وَالْأَرْبَعِينَ صَلَاةً الْمَوْضُوعَةِ عَنْ مُحَمّدٍ وَأُمّتِهِ أَحَدُ وَجْهَيْنِ، إمّا أَنْ يَكُونَ نُسِخَ مَا وَجَبَ عَلَى النّبِيّ ﷺ مِنْ أَدَائِهَا وَرُفِعَ عَنْهُ اسْتِمْرَارُ الْعَزْمِ وَاعْتِقَادُ الْوُجُوبِ، وَهَذَا قَدْ قَدّمْنَا أَنّهُ نَسْخٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَنُسِخَ عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ التّبْلِيغِ، فَقَدْ كَانَ فِي كُلّ مَرّةٍ عَازِمًا عَلَى تَبْلِيغِ مَا أُمِرَ بِهِ، وَقَوْلُ أَبِي جَعْفَرٍ: إنّمَا كَانَ شَافِعًا وَمُرَاجِعًا يَنْفِي النّسْخَ فَإِنّ النّسْخَ قَدْ يَكُونُ عَنْ سَبَبٍ مَعْلُومٍ، فَشَفَاعَتُهُ ﵇ لِأُمّتِهِ كَانَتْ سَبَبًا لِلنّسْخِ لَا مُبْطِلَةً لِحَقِيقَتِهِ،
_________________
(١) - على صدق دعواه، وإن لم يوافق قال: قد بدا لربكم، وكان لا يفرق بين النسخ والبداء» ص ٢٣٧ ح ١ الملل والنحل للشهرستانى ط مكتبة الحسين التجارية فالبداء إذن أسطورة ملعونة، ومحال نسبتها إلى الله سبحانه ولا يجوز وصف علم الله بأنه قديم، كما لا يجوز وصف الله بهذه الصفة كما سبق بيانه. كما أنه لا يجوز أن يقال عن آية فى القرآن إنها منسوخة، فكل آية فى القرآن هى حق لا ريب فيه، وكل آية فيه يجب أن نؤمن بأنها غير منسوخة.
[ ٣ / ٤٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَلَكِنّ الْمَنْسُوخَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حُكْمِ التّبْلِيغِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ قَبْلَ النّسْخِ وَحُكْمِ الصّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي خَاصّتِهِ، وَأَمّا أُمّتُهُ فَلَمْ يُنْسَخْ عَنْهُمْ حُكْمٌ إذْ لَا يُتَصَوّرُ نَسْخُ الْحُكْمِ قَبْلَ بُلُوغِهِ إلَى الْمَأْمُورِ، كَمَا قَدّمْنَا، وَهَذَا كُلّهُ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْحَدِيثِ. وَالْوَجْهُ الثّانِي أَنْ يَكُونَ هَذَا خَبَرًا لَا تَعَبّدًا، وَإِذَا كَانَ خَبَرًا لَمْ يَدْخُلْهُ النّسْخُ، وَمَعْنَى الْخَبَرِ أَنّهُ ﵇ أَخْبَرَهُ رَبّهُ أَنّ عَلَى أُمّتِهِ خَمْسِينَ صَلَاةً، وَمَعْنَاهُ: أَنّهَا خَمْسُونَ فِي اللّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَكَذَلِك قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فَتَأَوّلَهُ رسول اللهﷺ- على أَنّهَا خَمْسُونَ بِالْفِعْلِ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُ رَبّهُ حَتّى بَيّنَ لَهُ أَنّهَا خَمْسُونَ فِي الثّوَابِ لا بالعمل. فإن قيل: فما معنى نقصها عَشْرًا بَعْدَ عَشْرٍ؟ قُلْنَا: لَيْسَ كُلّ الْخَلْقِ يَحْضُرُ قَلْبُهُ فِي الصّلَاةِ مِنْ أَوّلِهَا إلَى آخِرِهَا، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنّهُ يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا مَا حَضَرَ قَلْبُهُ فِيهَا، وَأَنّ الْعَبْدَ يُصَلّي الصّلَاةَ، فَيُكْتَبُ لَهُ نِصْفُهَا رُبُعُهَا حَتّى انْتَهَى إلَى عُشْرِهَا، وَوَقَفَ، فَهِيَ خَمْسٌ فِي حَقّ مَنْ كُتِبَ لَهُ عُشْرُهَا، وَعَشْرٌ فِي حَقّ مَنْ كُتِبَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَخَمْسُونَ فِي حَقّ مَنْ كَمُلَتْ صَلَاتُهُ وَأَدّاهَا بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ تَمَامِ خُشُوعِهَا وَكَمَالِ سُجُودِهَا وَرُكُوعِهَا. أَوْصَافٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ أَنّهُ ﵇ لَمْ يَلْقَهُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إلّا ضَاحِكًا مُسْتَبْشِرًا إلّا مَالِكًا خَازِنَ جَهَنّمَ، وَذَلِكَ أَنّهُ لَمْ يَضْحَكْ لِأَحَدِ قَبْلَهُ، وَلَا هُوَ ضَاحِكٌ لِأَحَدِ، وَمِصْدَاقُ هَذَا فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ التّحْرِيمَ: ٦ وَهُمْ مُوكَلُونَ بِغَضَبِ اللهِ تَعَالَى، فَالْغَضَبُ لَا يُزَايِلُهُمْ
[ ٣ / ٤٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أَبَدًا، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُعَارَضَةٌ لِلْحَدِيثِ الّذِي فِي صِفَةِ مِيكَائِيلَ أَنّهُ مَا ضَحِكَ مُنْذُ خَلَقَ اللهُ جَهَنّمَ، وَكَذَلِكَ يُعَارِضُهُ مَا خَرّجَ الدّار قطنىّ أن رسول اللهﷺ- تَبَسّمَ فِي الصّلَاةِ، فَلَمّا انْصَرَفَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: رَأَيْت مِيكَائِيلَ رَاجِعًا مِنْ طَلَبِ الْقَوْمِ، عَلَى جَنَاحَيْهِ الْغُبَارُ فَضَحِكَ إلَيّ، فَتَبَسّمْت إلَيْه، وَإِذَا صَحّ الْحَدِيثَانِ، فَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا: أَنْ يَكُونَ لَمْ يَضْحَكْ مُنْذُ خَلَقَ اللهُ النّارَ إلَى هَذِهِ الْمُدّةِ الّتِي ضَحِكَ فِيهَا لِرَسُولِ اللهِﷺ- فَيَكُونُ الْحَدِيثُ عَامّا يُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ، أَوْ يَكُونُ الْحَدِيثُ الْأَوّلُ حَدّثَ بِهِ رَسُولُ اللهِﷺ- قَبْلَ هَذَا الْحَدِيثِ الْأَخِيرِ ثُمّ حَدّثَ بَعْدُ بِمَا حَدّثَ بِهِ مِنْ ضَحِكِهِ إلَيْهِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ وَلَمْ يَرَ مَالِكًا عَلَى الصّورَةِ الّتِي يَرَاهُ عَلَيْهَا الْمُعَذّبُونَ فِي الْآخِرَةِ، وَلَوْ رَآهُ عَلَى تِلْكَ الصّورَةِ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ. أَكَلَةُ الرّبَا فِي رُؤْيَا الْمِعْرَاجِ: وَذَكَرَ أَكَلَةَ الرّبَا وَأَنّهُمْ بِسَبِيلِ آلِ فِرْعَوْنَ يَمُرّونَ عَلَيْهِمْ كَالْإِبِلِ الْمَهْيُومَةِ، وَهِيَ الْعِطَاشُ، وَالْهُيَامُ: شِدّةُ الْعَطَشِ، وَكَانَ قِيَاسُ هَذَا الْوَصْفِ أَلّا يُقَالَ فِيهِ مَهْيُومَةٌ، كَمَا لَا يُقَالُ مَعْطُوشَةٌ، إنّمَا يُقَالُ هَائِمٌ وَهَيْمَانُ، وَقَدْ يُقَالُ: هَيُومٌ وَيُجْمَعُ عَلَى هِيمٍ، وَوَزْنُهُ فُعْلٌ بِالضّمّ لَكِنْ كُسِرَ مِنْ أَجْلِ الْيَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ الْوَاقِعَةَ: ٥٥ وَلَكِنْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مَهْيُومَةٌ، كَأَنّهُ شَيْءٌ فُعِلَ بِهَا كَالْمَحْمُومَةِ وَالْمَجْنُونَةِ وَكَالْمَنْهُومِ، وَهُوَ الّذِي لَا يَشْبَعُ وَكَانَ قِيَاسُ الْيَاءِ أَنْ تَعْتَلّ، فَيُقَالَ: مَهِيمَةٌ، كَمَا يُقَالُ: مَبِيعَةٌ فِي مَعْنَى مَبْيُوعَةٍ،
[ ٣ / ٤٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَلَكِنْ صَحّتْ الْيَاءُ، لِأَنّهَا فِي مَعْنَى الْهَيُومَةِ كَمَا صَحّتْ الْوَاوُ فِي عُورٍ لِأَنّهُ فِي مَعْنَى أَعْوَرَ، كَمَا صَحّتْ فِي اجْتَوَرُوا لِأَنّهُ فِي مَعْنَى: تَجَاوَرُوا، وَإِنّمَا رَآهُمْ مُنْتَفِخَةً بُطُونُهُمْ؛ لِأَنّ الْعُقُوبَةَ مُشَاكِلَةٌ لِلذّنْبِ، فَآكِلُ الرّبَا يَرْبُو بَطْنُهُ، كَمَا أَرَادَ أَنْ يَرْبُوَ مَالُهُ بِأَكْلِ مَا حُرّمَ عَلَيْهِ، فَمُحِقَتْ الْبَرَكَةُ مِنْ مَالِهِ، وَجُعِلَتْ نَفْخًا فِي بَطْنِهِ، حَتّى يَقُومَ كَمَا يَقُومُ الّذِي يَتَخَبّطُهُ الشّيْطَانُ مِنْ الْمَسّ، وَإِنّمَا جُعِلُوا بِطَرِيقِ آلِ فِرْعَوْنَ يَمُرّونَ عَلَيْهِمْ غُدُوّا وَعَشِيّا لِأَنّ آلَ فِرْعَوْنَ هُمْ أَشَدّ النّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ غَافِرَ: ٤٦. فَخُصّوا بِسَبِيلِهِمْ، لِيُعْلَمَ أَنّ الّذِينَ هُمْ أَشَدّ النّاسِ عَذَابًا يَطَئُونَهُمْ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْكُفّارِ، وَهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْقِيَامَ، وَمَعْنَى كَوْنِهِمْ فِي طَرِيقِ جَهَنّمَ بِحَيْثُ يَمُرّ بِالْكُفّارِ عَلَيْهِمْ، أَنّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَدْ أَوْقَفَ أَمْرَهُمْ بَيْنَ أَنْ يَنْتَهُوا، فَيَكُونَ خَيْرًا لَهُمْ، وَبَيْنَ أَنْ يَعُودُوا وَيُصِرّوا، فَيُدْخِلَهُمْ النّارَ، وَهَذِهِ صِفَةُ مَنْ هُوَ فِي طَرِيقِ النّارِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ الْبَقَرَةَ: ٢٧٥. إلَى آخِرِ الْآيَةِ وَفِي بَعْضِ الْمُسْنَدَاتِ أَنّهُ رَأَى بُطُونَهُمْ كَالْبُيُوتِ، يَعْنِي: أَكَلَةَ الرّبَا، وَفِيهَا حَيّاتٌ تُرَى خَارِجَ الْبُطُونِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ الْأَحْوَالُ الّتِي وَصَفَهَا عَنْ أَكَلَةِ الرّبَا إنْ كَانَتْ عِبَارَةً عَنْ حالهم فى الاخرة، فال فِرْعَوْنُ فِي الْآخِرَةِ قَدْ أُدْخِلُوا أَشَدّ الْعَذَابِ، وَإِنّمَا يُعْرَضُونَ عَلَى النّارِ غُدُوّا وَعَشِيّا فِي الْبَرْزَخِ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْحَالُ الّتِي رَآهُمْ عَلَيْهَا فِي الْبَرْزَخِ، فَأَيّ بُطُونٍ لَهُمْ، وَقَدْ صَارُوا عِظَامًا وَرُفَاتًا، وَمُزّقُوا كُلّ مُمَزّقٍ فَالْجَوَابُ أَنّهُ إنّمَا رَآهُمْ فِي الْبَرْزَخِ، لِأَنّهُ حَدِيثٌ عَمّا رَأَى، وَهَذِهِ الْحَالُ هِيَ حَالُ
[ ٣ / ٤٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَرْوَاحِهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَفِيهَا تَصْحِيحٌ لِمَنْ قَالَ: الْأَرْوَاحُ أَجْسَادٌ لَطِيفَةٌ قَابِلَةٌ لِلنّعِيمِ وَالْعَذَابِ، فَيَخْلُقُ اللهُ فِي تِلْكَ الْأَرْوَاحِ مِنْ الْآلَامِ مَا يجده من انتفخ بطنه حتى وطىء بِالْأَقْدَامِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ مِنْ قِيَامٍ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّهُمْ أَشَدّ عَذَابًا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَلَكِنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّهُمْ يَطَؤُهُمْ آلُ فِرْعَوْنَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْكُفّارِ الّذِينَ لَمْ يَأْكُلُوا الرّبَا مَا دَامُوا فِي الْبَرْزَخِ إلَى أَنْ يَقُومُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا يَقُومُ الّذِي يَتَخَبّطُهُ الشّيْطَانُ مِنْ الْمَسّ، ثُمّ يُنَادِي مُنَادِي اللهِ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ غَافِرَ: ٤٦ وَكَذَلِكَ مَا رَأَى مِنْ النّسَاءِ الْمُعَلّقَاتِ بِثُدِيّهِنّ «١» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأَى أَرْوَاحَهُنّ، وَقَدْ خُلِقَ فِيهَا مِنْ الْآلَامِ مَا يَجِدُهُ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ، وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مُثّلَتْ لَهُ حَالُهُنّ فِي الْآخِرَةِ، وَذَكَرَ الّذِينَ يَدْعُونَ مَا أَحَلّ اللهُ مِنْ نِسَائِهِمْ، وَيَأْتُونَ مَا حُرّمَ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا نَصّ عَلَى تَحْرِيمِ إتْيَانِ النّسَاءِ فِي أَعْجَازِهِنّ، وَقَدْ قَامَ الدّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسّنّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَوَاضِعَ الّتِي يَقُومُ مِنْهَا التّحْرِيمُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ كِتَابِ اللهِ، وَمِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِﷺ- وَذَكَرْنَا مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ: هُوَ الْكُفْرُ، وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: هى الّلوطيّة الصغرى، وأما الْإِجْمَاعُ، فَإِنّ الْمَرْأَةَ تُرَدّ بِدَاءِ الْفَرْجِ، وَلَوْ جَازَ وَطْؤُهَا فِي الْمَسْلَكِ الْآخَرِ مَا أَجْمَعُوا عَلَى رَدّهَا بِدَاءِ الْفَرْجِ، وَقَدْ مَهّدْنَا الْأَدِلّةَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُفْرَدَةً فِي غَيْرِ هَذَا الإملاء بما فيه شفاء والحمد لله
_________________
(١) لم يخرجه أحد من أصحاب الصحيح، وفى بعض رواياته غرابة ونكارة.
[ ٣ / ٤٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الْوَلَدُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ: وَقَوْلُهُ: فَأَكَلَ حَرَائِبَهُمْ: الْحَرِيبَةُ: الْمَالُ، وَهُوَ مِنْ الْحَرْبِ، وَهُوَ السّلَبُ، يُرِيدُ أَنّ الْوَلَدَ إذَا كَانَ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ نُسِبَ إلَى الّذِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَيَأْكُلُ مِنْ مَالِهِ صَغِيرًا، وَيَنْظُرُ إلَى بَنَاتِهِ مِنْ غَيْرِ أُمّهِ وَإِلَى أَخَوَاتِهِ، وَلَسْنَ بِعَمّاتِ لَهُ، وَإِلَى أُمّهِ وَلَيْسَتْ بِجَدّةِ لَهُ، وَهَذَا فَسَادٌ كَبِيرٌ، وَإِنّمَا قُدّمَ ذِكْرُ الْأَكْلِ مِنْ حَرِيبَتِهِ وَمَالِهِ قَبْلَ الِاطّلَاعِ عَلَى عَوْرَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ الِاطّلَاعُ عَلَى الْعَوْرَاتِ أَشْنَعَ، لِأَنّ نَفَقَتَهُ عَلَيْهِ أَوّلُ مِنْ حَالِ صِغَرِهِ، ثُمّ قَدْ يَبْلُغُ حَدّ الاطلاع على عوراته، أولا يَبْلُغُ، وَأَيْضًا فَإِنّ الْأُمّ أَرْضَعَتْهُ بِلِبَانِهَا، وَلَمْ تَدْفَعْهُ إلَى مُرْضِعَةٍ كَانَ الزّوْجُ أَبًا لَهُ مِنْ الرّضَاعَةِ، وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الِابْنِ مِنْ الرّضَاعَةِ، وَفِي ذَلِكَ نُقْصَانٌ مِنْ الشّنَاعَةِ، فَإِنْ بَلَغَ الصّبِيّ، وَتَابَتْ الْأُمّ، وَأَعْلَمَتْهُ أَنّهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ لِيَسْتَعِفّ عَنْ مِيرَاثِهِمْ، وَيَكُفّ عَنْ الِاطّلَاعِ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ، أَوْ عَلِمَ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ حَالٍ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ شَرّ الثّلَاثَةِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ فِي ابْنِ الزّنَا، وَقَدْ تُؤُوّلَ حَدِيثُ شَرّ الثّلَاثَةِ عَلَى وُجُوهٍ، هَذَا أَقْرَبُهَا إلَى الصّوَابِ، لِقَوْلِهِ ﵇: أَكَلَ حَرَائِبَهُمْ، وَاطّلَعَ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ، وَمَنْ فَعَلَ هَذَا عَنْ عَمْدٍ وَقَصْدٍ فَهُوَ شَرّ النّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَأَكْلُهُ وَاطّلَاعُهُ شَرّ عَمَلٍ، وَأَبَوَاهُ حِينَ زَنَيَا فَارَقَا ذَلِكَ الْعَمَلَ الْخَبِيثَ لِحِينِهِمَا وَالِابْنُ فِي عَمَلٍ خَبِيثٍ مِنْ مَنْشَئِهِ إلَى وَفَاتِهِ،، فَعَمَلُهُ شَرّ عَمَلٍ. حُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُحِلّ الْحَرَامَ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفِقْهِ أَيْضًا أَنّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُحِلّ حَرَامًا، وَذَلِكَ أَنّ الْوَلَدَ فِي حُكْمِ الشّرِيعَةِ لِلْفِرَاشِ إلّا أَنْ يُنْفَى بِاللّعَانِ، فَإِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِهَذَا، وَعَلِمَ
[ ٣ / ٤٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْوَلَدُ عِنْدَ بُلُوغِهِ خِلَافَ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ لَمْ يَحِلّ لَهُ بِهَذَا الْحُكْمِ مَا حَرّمَ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ أَكْلِ الْحَرَائِبِ وَالِاطّلَاعِ عَلَى الْعَوْرَاتِ، وَفِي هَذَا رَدّ لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ قَوْلِهِ: إنّ حُكْمَ الْحَاكِمِ قَدْ يُحِلّ مَا يَعْلَمُ أَنّهُ حَرَامٌ مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنّهُ طَلّقَ، وَهُمَا يَعْلَمَانِ أَنّهُ لَمْ يُطَلّقْ فَيَقْبَلَ الْقَاضِي شَهَادَتَهُمَا فَيُطَلّقَ الْمَرْأَةَ عَلَى الرّجُلِ، فَإِذَا بَانَتْ مِنْهُ كَانَ لِأَحَدِ الشّاهِدَيْنِ أَنْ يَنْكِحَهَا مَعَ عِلْمِهِ بِأَنّهُ قَدْ شَهِدَ زُورًا، لَمْ يَقُلْ أَبُو حَنِيفَةَ بِهَذَا الْقَوْلِ فِي الْأَمْوَالِ لِقَوْلِ النّبِيّ ﵇ «إنّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيّ، وَلَعَلّ أَحَدَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجّتِهِ مِنْ صَاحِبِهِ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءِ مِنْ حَقّ أَخِيهِ، فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النّارِ «١»» فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ الّذِي تَقَدّمَ رَدّ لِمَذْهَبِهِ، وَلَا حُجّةَ لَهُ فِي أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالْأَمْوَالِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أحدهما: أن أَنّ الْقِيَاسَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِهِ، وَقِيَاسُ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِدٌ، الثّانِي: أَنّهُ قَالَ مِنْ حَقّ أَخِيهِ، وَلَمْ يَقُلْ مِنْ مَالِ أَخِيهِ، وَهَذَا لَفْظٌ يَعُمّ الْحُقُوقَ كُلّهَا قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَعِنْدِي أَنّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀: إنّمَا بَنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَصْلِهِ فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ، فَإِنّهُ
_________________
(١) رواه الجماعة. ومعنى ألحن: أبلغ كما وقع فى الصحيحين أى: أحسن إيرادا للكلام، ولابد من تقدير محذوف لتصحيح معناه. وهو أى وهو كاذب، ويسمى هذا عند علماء الأصول: دلالة اقتضاء، لأن اللفظ الظاهر المذكور يقتضى هذا المحذوف، وقد يكون معناه: أعرف بالحجة، وأقطن لها من غيره ويقال: لحنت لفلان إذا قلت له قولا يفهمه، ويخفى على غيره لأنك تميله بالتورية عن الواضح المفهوم، فاللحن: الميل عن جهة الاستقامة، يقال: لحن فلان فى كلامه: إذا مال عن صحيح المنطق. وفى رواية «ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضى بنحو مما أسمع»
[ ٣ / ٤٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عِنْدَهُ لَازِمٌ فَإِذَا أُكْرِهَ الرّجُلُ عَلَى الطّلَاقِ، وَقُلْنَا يَلْزَمُ الطّلَاقُ لَهُ، فَقَدْ حُرّمَتْ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِ، وَإِذَا حُرّمَتْ عَلَيْهِ جَازَ أَنْ يَنْكِحَهَا مَنْ شَاءَ فَالْإِثْمُ إنّمَا تَعَلّقَ فِي هَذَا الْمَذْهَبِ بِالشّهَادَةِ دُونَ النّكَاحِ، وَقَدْ خَالَفَهُ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ، وَقَوْلُهُمْ يُعَضّدُهُ الْأَثَرُ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ يُعَضّدُهُ النّظَرُ، وَالْخَوْضُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَصُدّنَا عَمّا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ.
مَكَانُ إدْرِيسَ فَصْلٌ: وَذِكْرُهُ لِإِدْرِيسَ فِي السّمَاءِ الرّابِعَةِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا) مَرْيَمَ، مَعَ أَنّهُ قَدْ رَأَى مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ فِي مَكَانٍ أَعْلَى مِنْ مَكَانِ إدْرِيسَ فَذَلِكَ وَاَللهُ أَعْلَمُ لِمَا ذُكِرَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنّ إدْرِيسَ خُصّ مِنْ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ رُفِعَ قَبْلَ وَفَاتِهِ إلَى السّمَاءِ الرّابِعَةِ، وَرَفَعَهُ مَلَكٌ كَانَ صَدِيقًا لَهُ، وَهُوَ الْمَلَكُ الْمُوَكّلُ بِالشّمْسِ فِيمَا ذُكِرَ، وَكَانَ إدْرِيسُ سَأَلَهُ أَنْ يُرِيَهُ الْجَنّةَ، فَأَذِنَ لَهُ اللهُ فِي ذَلِكَ، فَلَمّا كَانَ فِي السّمَاءِ الرّابِعَةِ رَآهُ هُنَالِكَ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَعَجِبَ، وَقَالَ أُمِرْت أَنْ أَقْبِضَ رُوحَ أَدَرِيسَ السّاعَةَ فِي السّمَاءِ الرّابِعَةِ، فَقَبَضَهُ هُنَالِكَ، فَرَفْعُهُ حَيّا إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ الْعَلِيّ خَاصّ له دون الأنبياء «١» .
_________________
(١) يقول ابن كثير عن هذا: «وقد روى ابن جرير ههنا أثرا غريبا عجيبا» ثم ذكر الأثر بطوله، بخرقه المشئوم، وكذبه الملعون، ثم قال بعده: «هذا من أخبار كعب الأحبار الإسرائيليات، وفى بعضه نكارة والله أعلم» تفسير الاية من سورة مريم. أما المكان العلى فقد ذكر الحسن وغيره أنه الجنة. ولنحذر من موبقات كعب
[ ٣ / ٤٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُ الْأَنْبِيَاءِ فِي كُلّ سَمَاءٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ مِنْ قَوْلِ الْأَنْبِيَاءِ لَهُ فِي كُلّ سَمَاءٍ: مرحبا بالأخ الصالح، وقول آدم وابراهيم: بِالِابْنِ الصّالِحِ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوّلِ هَذَا الْكِتَابِ حُجّةً لِمَنْ قَالَ: إنّ إدْرِيسَ لَيْسَ بِجَدّ لِنُوحِ، وَلَا هُوَ مِنْ آبَاءِ رَسُولِ اللهِﷺ- لِأَنّهُ قَالَ مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصّالِحِ، وَلَمْ يَقُلْ: بِالِابْنِ الصّالِحِ
خَرَافَةُ طَلَبِ مُوسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ أُمّةِ أَحْمَدَ:
وَأَمّا اعْتِنَاءُ مُوسَى﵇- بِهَذِهِ الْأُمّةِ وَإِلْحَاحُهُ عَلَى نَبِيّهَا أَنْ يَشْفَعَ لَهَا، وَيَسْأَلَ التّخْفِيفَ عَنْهَا، فَلِقَوْلِهِ- وَاَللهُ أَعْلَمُ- حِينَ قُضِيَ إلَيْهِ الْأَمْرُ بِجَانِبِ الْغَرْبِيّ، وَرَأَى صِفَاتِ أُمّةِ مُحَمّدٍ ﵇ فِي الْأَلْوَاحِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: إنّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمّةً صِفَتُهُمْ كَذَا، اللهُمّ اجْعَلْهُمْ أُمّتِي، فَيُقَالُ لَهُ: تِلْكَ أُمّةُ أَحْمَدَ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ «١»، فَكَانَ إشْفَاقُهُ عَلَيْهِمْ وَاعْتِنَاؤُهُ بِأَمْرِهِمْ كَمَا يُعْتِنِي بِالْقَوْمِ مَنْ هو منهم، لقوله: اللهم اجعلنى منهم، والله أعلم.
_________________
(١) هو مشهور، ولكن شهرة الباطل الماكر، والضلالة اللئيمة، وقد أخرجه أبو نعيم فى الدلائل، ولم يخرجه أحد من أصحاب الصحيح. وكيف يطلب موسى من الله أن تكون هذه الأمة التى ستأتى بعده بقرون أمة له؟ وكيف نصدق أو كيف يستقيم القول بأنه أعطى خصلتى الرسالة والتكليم بعد هذه المناقشة، على حين كان هو رسولا مكلما قبل أن تنزل الألواح عليه. فقد ورد فى ختام الحديث. أن موسى قال: «يا رب فاجعلنى من أمة أحمد، فأعطى عند ذلك خصلتين، فقال: (يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي، فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) إنها خرافة ظاهرها ينزع إلى تمجيد النبي «ص» وباطنها- بهته بالكذب والخرف الأحمق»
[ ٣ / ٤٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَعْضُ مَا رَأَى:
وَمِمّا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي مسند الحارث ابن أَبِي أُسَامَةَ أَنّهُ﵇- نَادَاهُ مُنَادٍ، وَهُوَ عَلَى ظَهْرِ الْبُرَاقِ: يَا مُحَمّدُ، فَلَمْ يَعْرُجْ عَلَيْهِ، ثُمّ نَادَاهُ آخَرُ: يَا مُحَمّدُ يَا مُحَمّدُ ثَلَاثًا، فَلَمْ يَعْرُجْ عَلَيْهِ، ثُمّ لقيته لمرأة عَلَيْهَا مِنْ كُلّ زِينَةٍ نَاشِرَةٌ يَدَيْهَا، تَقُولُ: يَا مُحَمّدُ يَا مُحَمّدُ، حَتّى تَغَشّتْهُ، فَلَمْ يَعْرُجْ عَلَيْهَا، ثُمّ سَأَلَ جِبْرِيلَ عَمّا رَأَى، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: أَمَا الْمُنَادِي الْأَوّلُ، فَدَاعِي الْيَهُودِ لَوْ أَجَبْته لَتَهَوّدَتْ أُمّتُك، وَأَمّا الْآخَرُ فَدَاعِي النّصَارَى، وَلَوْ أَجَبْته لَتَنَصّرَتْ أُمّتُك، وَأَمّا الْمَرْأَةُ الّتِي كَانَ عَلَيْهَا مِنْ كُلّ زِينَةٍ، فَإِنّهَا الدّنْيَا لَوْ أَجَبْتهَا لَآثَرْت الدّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ «١» .
_________________
(١) وردت فى حديث رواه البيهقى فى الدلائل بسنده إلى أبى سعيد الخدرى وابن جرير. ورواه ابن أبى حاتم بسياق طويل كما يقول ابن كثير- حسن أنيق أجود مما ساقه غيره على غرابته وما فيه من النكارة.
[ ٣ / ٤٦٧ ]
تم بحمد الله الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع ان شاء الله وأوله: كفاية الله أمر المستهزئين
[ ٣ / ٤٦٩ ]
فهرس الجزء الثالث من الروض الأنف
الرقم الموضوع
٦ ابتداء فرض الصلاة «س»
٧ أول من أسلم «س»
٩ إسلام زيد بن حارثة «س»
١٠ إسلام أبى بكر
١١ فرض الصلاة
١٢ لا نسخ فى القرآن «س»
١٣ الوضوء
١٤ جبريل يؤم الرسول «س»
١٥ أول من آمن
١٦ إسلام زيد
١٩ إسلام أبى بكر
٢٢ من أسلموا على يد أبى بكر «س»
٢٧ إسلام أبى عبيدة وسعيد بن زيد
٢٩ إسلام سعد. وابن عوف
والنحام
٣١ ابن مسعود ومسعود القارى
٣٣ تصحيح نسب أبى حذيفة
٣٤ عميس
٣٥ تصحيح فى نسب بنى عدى
٣٧ إسلام عامر بن فهيرة
٣٨ عامر بن الطفيل «ش»
الرقم الموضوع
٣٩ تفسير ونحو: اصدع بما
تؤمر «ن، ل»
٣٩ حول ما المصدرية والذى
ن، ل»
٤٢ مبادأة رسول الله «ص» «س» ٤٣ صلاة الرسول وصحبه فى
الشعاب «س»
٤٣ عداوة الشرك للرسول «ص»
٤٦ مناصرة أبى طالب للرسول «ص»
٤٩ مباداة رسول الله
٥٠ أبو البخترى
٥٢ لو وضعوا الشمس فى يمينى
٥٤ عرض قريش على أبى طالب
٥٦ شرح شعر لأبى طالب
٦١ موقف الوليد بن المغيرة من
القرآن «س»
٦٣ أبو طالب يفخر بأبن أخيه «س»
٦٣ لامية أبى طالب «س»
٦٩ شرح ابن هشام لبعض القصيدة «س»
٧٠ ذكره ﷺ بنتشر «س»
س- سيرة. ش- شرح. وما ليس أمامه شىء أو أمامه راء فهو من الروض و«ن ل» مسائل نحوية ولغة
[ ٣ / ٤٧١ ]
الرقم الموضوع
٧١ أبو قيس بن الأسلت ونسبه «س»
٧٢ قصيدة ابن الأسلت «س»
٧٤ داحس والغبراء «س»
٧٦ حرب حاطب «س»
٧٧ حكيم بن أمية ينهى عن عداوة الرسول «س»
٧٧ موقف الوليد من القرآن «س»
٨٠ ذرنى ومن خلقت وحيدا
٨٢ شرح لامية أبى طالب
٨٢ قلب الواو تاء «ن. ل»
٨٤ وسوم الإبل
٨٤ حول الصفة المشبهة «ن. ل»
٨٧ حديث أم زرع «ش»
٨٨ الودع والودع.
٨٩ من شرح لامية أبى طالب
٩٤ حسن ذا أدبا «ن. ل»
٩٥ عود إلى شرح اللامية «ن. ل»
١٠٢ برىء وبراء وما يشبههما
١٠٣ الاستسقاء
١٠٧ ابن الأسلت وقصيدته
١١٢ حرب داحس
١١٦ حرب حاطب
١١٦ مالقيه الرسول «س»
١١٨ إسلام حمزة «س»
١٢٠ الرسول «ص» وعتبة «س»
١٢٢ بين النبى «ص» وبين قريش «س»
الرقم الموضوع
١٣١ حول سورة الكهف «س»
١٤٣ أول من جهر بالقرآن «س»
١٤٤ ما لقى رسول الله «ص» «س»
١٤٥ المدثر والنذير والعريان
١٤٧ تقديم المفعول على الفعل
١٤٨ الرئى وعتبة بن ربيعة
١٥٠ إسلام حمزة
١٥٢ طلبهم الايات
١٥٤ عبد الله بن أبى أمية
١٥٤ هم أبى جهل بالقاء الحجر
١٥٦ أرأيت «ن. ل»
١٥٧ الأساطير وشىء عن الفرس
١٦١ عن الكهف والفرقان
١٦٢ لم قدم الحمد على الكتاب؟
١٦٣ شرح شواهد شعرية
١٦٤ الرقيم وأهل الكهف
١٦٤ إعراب أحصى «ن. ل»
١٦٥ عن الكهف مرة أخرى
١٦٩ واو الثمانية «ن. ل»
١٧١ آية الاستشقاء
١٧٢ ولبثوا فى كهفهم
١٧٤ السنة والعام «ن. ل»
١٧٧ ذو القرنين
١٨١ حكم التسمى بأسماء النبيين
١٨٣ الروح والنفس
١٨٨ الروح سبب الحياة
[ ٣ / ٤٧٢ ]
١٩١ الإنسان روح وجسد
١٩١ النفس
١٩٢ ابن هرمة
١٩٤ خزنة جهنم
١٩٥ بهته «ص» بأن بشرا يعلمه
١٩٦ المستمعون لتلاوة النبى «س»
١٩٩ العدوان على المستضعفين «س»
١٩٩ تعذيب بلال وعتقه «س»
٢٠٠ من عتقاء أبى بكر «س»
٢٠١ بين أبى بكر وأبيه «س»
٢٠١ تعذيب عمار «س»
٢٠٢ فتنة المعذبين «س»
٢٠٢ رفض تسليم الوليد بن الوليد «س»
٢٠٣ الهجرة الأولى إلى الحبشة «س»
٢٠٥ المهاجرون إلى الحبشة «س»
٢١٣ من شعر الهجرة الحبشية «س»
٢١٥ حول آيات من القرآن «س»
٢١٨ حكم المكره على الكفر والمعصية
٢٢٠ آل ياسر
٢٢١ زنيرة وغيرها
٢٢١ أم عميس
٢٢٢ عن بلال
٢٢٢ عن الهجرة إلى الحبشة
٢٢٢ النجاشى وعثمان ورقية
٢٢٥ رؤيا ورقية ولدى العاص
٢٢٦ أمة بنت خالد وأبوها
الرقم الموضوع
٢٢٧ عبد شمس
٢٢٨ عمار لم يهاجر إلى الحبشة
٢٢٩ حول بنى الحارث بن قيس
٢٢٩ حول بنى زهرة وطليب بن عبيد
٢٣٠ عن شعر الهجرة الحبشية ونحوياته
«ن. ل»
٢٣٢ حول أن المصدرية «ن. ل»
٢٣٧ حول لام التعجب
٢٣٨ من معانى شعر ابن مظعون
٢٣٩ أنساب
٢٤١ أم سلمة
٢٤٣ قريش تطلب المهاجرين «س»
٢٤٣ النور الذى كان على قبر النجاشى
«س»
٢٤٦ حوار بين النجاشى وبين المهاجرين
«س»
٢٤٨ المهاجرون وانتصار النجاشى «س»
٢٤٩ تملك النجاشى على الحبشة «س»
٢٥٢ قريش تطلب المهاجرين
٢٥٣ عمارة بن الوليد بن المغيرة
٢٥٥ حول حديث المهاجرين مع
النجاشى
٢٥٧ إضافة العين إلى الله
٢٥٨ معنى ان عيسى كلمة الله وروحه
٢٥٨ من هدى السلف فى الصفات «ش»
٢٥٩ كلمة «حضرة» ونسبتها إلى الله «ش»
[ ٣ / ٤٧٣ ]
الرقم الموضوع
٢٦٠ أصحمة النجاشى
٢٦١ من فقه حديث الهجرة الحبشية
٢٦١ الصلاة على النجاشى
٢٦٢ حكم الصلاة على الغائب
٢٦٤ إسلام عمر «س»
٢٧١ عن إسلام عمر وحديث خباب
«س»
٢٨٢ خبر الصحيفة القرشية «س»
٢٨٢ موقف أبى لهب «س»
٢٨٣ بائية أبى طالب «س»
٢٨٤ من جهالة أبى جهل «س»
٢٨٥ مالقى رسول الله من قومه «س»
٢٨٥ أبو لهب وامرأته «س»
٢٨٧ أمية بن خلف «س»
٢٨٨ العاص بن وائل «س»
٢٨٨ أبو جهل «س»
٢٨٩ النضر بن الحارث «س»
٢٩٠ ابن الزهرى والأخنس «س»
٢٩٢ ما نزل فى حق الوليد بن المغيرة
وأبى بن خلف وعقبة بن أبى
معيط «س»
٢٩٤ ما نزل فى حق من اعترضوا
طواف الرسول «س»
٢٩٤ ما قيل فى حق أبى جهل «س»
٢٩٥ قصة ابن أم مكتوم «س»
٢٩٦ حديث صحيفة قريش «س»
الرقم الموضوع
٢٩٧ كمال المصحف وتمامه «ش»
٢٩٨ بعض ما قيل عن الصحيفة «ش»
٢٩٩ تفسير بائية أبى طالب
٣٠٠ لا التى للنبرئة «ن. ل»
٣٠١ عود إلى شرح البائية
٣٠٤ مسد أم جميل
٣٠٨ عن الجيد والعنق «ن. ل»
٣٠٩ غلو فى الوصف بالحسن
٣١٢ الفهر
٣١٣ حول خباب وقولهم مذمم
٣١٣ سد الذرائع
٣١٤ إنما الأعمال بالنيات «ش»
٣١٥ شرح ابن تيمية لسد
الذرائع «ش»
٣١٦ عن النضر ورستم
٣١٧ ابن الزبعرى وعزير «١»
٣١٩ حصب جهنم
٣٢٠ عما نزل فى حق الأخنس
٣٢٠ عن النسب على غير قياس «ش»
٣٢١ الزنيم «ر، ش»
٣٢٢ تفسير سورة «الكافرون»
٣٢٤ عن كلمة «ما» «ن. ل»
٣٢٧ الزقوم
٣٢٨ حديث ابن أم مكتوم
٣٣٠ العائدون من الحبشة «س»
٣٣٣ قصة ابن مظعون مع الوليد «س»
_________________
(١) ذكرت خطأ فى العنوان (عزيز)
[ ٣ / ٤٧٤ ]
الرقم الموضوع
٣٣٤ أبو سلمة فى جوار أبى طالب «س»
٣٣٦ أبو بكر يرد جوار ابن الدغنة «س»
٣٣٨ نقض الصحيفة «س»
٣٤٤ قصة الغرانيق «ش ر»
٣٤٩ كل شىء ما خلا الله باطل
٣٥٢ أبو بكر وابن الدغنة
٣٥٣ عن الشعب ونقض الصحيفة
٣٥٦ شرح دالية أبى طالب
٣٥٦ النسب على غير قياس «ش»
٣٥٧ عود إلى الدالية «ر»
٣٦٢ شعر حسان فى مطعم وهشام
٣٦٤ إسلام الطفيل «س»
٣٦٨ قصة الأعشى
٣٧٠ ذلة أبى جهل والإراشى «س»
٣٧٢ ركانة ومصارعته «س»
٣٧٣ قدوم وفد النصارى من الحبشة «س»
٣٧٦ حول حديث الطفيل الدوسى «ر»
٣٧٧ خبء وخب «ش»
٣٧٨ دالية الأعشى وحمزة والشرف «ر»
٣٨٠ عود إلى دالية الأعشى
٣٨٤ أغار وأنجد «ن. ل»
٣٨٦ حول الوقف على النون الخفيفة
«ن. ل»
٣٨٨ مصارعة ركانة
٣٩٠ وفد نصارى الحبشة
الرقم الموضوع
٣٩١ عن غلام المبيعة وصهيب وأبى فكيهة
٣٩٣ سبب نزول الكوثر «س»
٣٩٣ الكوثر فى الشعر «س»
٣٩٤ وقالوا لولا نزل عليه ملك «س»
٣٩٥ ولقد استهزىء برسل من قبلك «س»
٣٩٥ الإسراء والمعراج «س»
٤٠١ حديث أم هانئ عن الإسراء «س»
٤٠٢ الأبتر والكوثر «ر»
٤٠٩ استشهاد ابن هشام على معنى
الكوثر «ر»
٤١٠ ذكر حديث المستهزئين «ر»
٤١٢ شَرْحُ مَا فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ
الْمُشْكِلِ «ر»
٤١٥ أكان الإسراء يقظة أم مناما «ر»
٤١٧ أكان الإسراء مرتين «ر»
٤٢٠ حول الإسراء والمعراج «ش»
٤٢٢ رأى الشوكانى «ش»
٤٢٣ رأى ابن القيم «ش»
٤٢٥ موازنات بين الروايات «ش»
٤٣٠ شماس البراق «ر»
٤٢٢ قول الملائكة: من معك؟
٤٣٣ باب الحفظة «ر»
٤٣٤ آدَم فِي سَمَاءِ الدّنْيَا وَالْأَسْوِدَةُ
الّتِي رَآهَا «ر»
٤٣٦ من حكم الماء (ر)
[ ٣ / ٤٧٥ ]
الرقم الموضوع
٤٣٦ عن دخول بيت المقدس وصفة
الأنبياء «ر»
٤٣٨ صفة النبى ﷺ
٤٤٠ قصة المعراج «س»
٤٤٥ رؤية النبى ربه «ر»
٤٥٠ لقاؤه للنبيين «ر»
٤٥٣ البيت المعمور «ر»
٤٥٤ فرض الصلاة «ر»
٤٥٦ فرض الصلوات الخمس «ر»
الرقم الموضوع
٤٥٩ أوصاف من الملائكة «ر»
٤٦٠ أكلة الربا فى رؤيا المعراج «ر»
٤٦٣ الولد لغير رشدة «ر»
٤٦٣ حكم الحاكم لا يحل الحرام «ر»
٤٦٥ مكان إدريس «ر»
٤٦٦ قول الأنبياء فى كل سماء «ر»
٤٦٦ خَرَافَةُ طَلَبِ مُوسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ
أُمّةِ أحمد «ر»
٤٦٧ بعض ما رأى
[ ٣ / ٤٧٦ ]
بعون الله وجميل توفيقه قد تم طبع الجزء الثالث من
كتاب الروض الأنف
[ ٣ / ٤٧٧ ]