[مقدمة المحقق]
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وسيد ولد آدم أجمعين، محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الذين اهتدوا بهديه إلى يوم الدين.
«أما بعد» فباسم الله نقدم الجزء الثانى من «الروض الأنف» للسهيلى والسيرة النبوية لابن هشام، سائلين الله أن يعين على التمام، وأن يجعل عملنا هذا صالحة عنده. إنه سميع مجيب.
القاهرة- حلوان- مدينة الزهراء
١٩ من رمضان سنة ١٣٨٧
٢٠ من ديسمبر سنة ١٩٦٧
عبد الرحمن الوكيل
[ ٢ / ٥ ]
[«أمهات رسول الله ﷺ»:]
قال ابْنُ هِشَامٍ: فَوَلَدَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ رَسُولَ اللهِﷺ- سَيّدَ وَلَدِ آدَمَ، مُحَمّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ وَرَحْمَتُهُ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ. وَأُمّهِ: آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّضر.
وَأُمّهَا: بَرّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ بْنِ كِلَابِ ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّضْرِ.
وَأُمّ بَرّةَ: أُمّ حَبِيبٍ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّضْرِ.
وَأُمّ أُمّ حَبِيبٍ: بَرّةَ بِنْتَ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بن عدىّ بن كعب ابن لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّضْرِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَرَسُولُ اللهِﷺ- أَشْرَفُ وَلَدِ آدَمَ حَسَبًا، وَأَفْضَلُهُمْ نَسَبًا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ، وَأُمّهِ ﷺ.
[«حديث مولد رسول الله ﷺ» .]
إشَارَةٌ إلَى ذِكْرِ احتفار زمزم:
قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، قال:
وكان من حديث رسول اللهﷺ- مَا حَدّثَنَا بِهِ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ البكّائى، عن مُحَمّدُ بْنُ إسْحَاقَ الْمُطّلِبِيّ: بَيْنَمَا عَبْدُ الْمُطَلّبِ بن هشام نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ، إذْ أُتِيَ، فَأُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ، وَهِيَ دَفْنٌ بَيْنَ صَنَمَيْ قُرَيْشٍ: إسَافٍ ونائلة، عند
[ ٢ / ٦ ]
مَنْحَرِ قُرَيْشٍ. وَكَانَتْ جُرْهُمُ دَفَنَتْهَا حِينَ ظَعَنُوا من مكة، وهى: بئر إسماعيل ابن إبْرَاهِيمَ﵉- الّتِي سَقَاهُ اللهُ حِينَ ظَمِئَ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَالْتَمَسَتْ لَهُ أُمّهُ مَاءً فَلَمْ تَجِدْهُ، فَقَامَتْ إلَى الصّفَا تَدْعُو اللهَ، وَتَسْتَغِيثُهُ لِإِسْمَاعِيلَ، ثُمّ أَتَتْ الْمَرْوَةَ فَفَعَلَتْ مِثْلَ ذَلِكَ. وَبَعَثَ اللهُ تَعَالَى جِبْرِيلَ ﵇، فَهَمَزَ لَهُ بِعَقِبِهِ فِي الْأَرْضِ، فَظَهَرَ الْمَاءُ، وَسَمِعَتْ أُمّهُ أَصْوَاتَ السّبَاعِ فَخَافَتْهَا عَلَيْهِ، فَجَاءَتْ تَشْتَدّ نَحْوَهُ، فَوَجَدَتْهُ يَفْحَصُ بِيَدِهِ عَنْ الْمَاءِ من تحت خدّه ويشرب، فجعلته حسيّا [الحسى: الحفيرة الصغيرة] .
[أمر جرهم، ودفن زمزم]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ جُرْهُمٍ، وَدَفْنُهَا زَمْزَمَ، وَخُرُوجُهَا مِنْ مَكّةَ، وَمَنْ وَلِيَ أَمْرَ مَكّةَ بَعْدَهَا إلَى أَنْ حَفَرَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ زَمْزَمَ، مَا حَدّثَنَا بِهِ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَكّائِيّ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطّلِبِيّ، قَالَ: لَمّا توفى إسماعيل ابن إبْرَاهِيمَ وَلِيَ الْبَيْتَ بَعْدَهُ ابْنُهُ نَابِتُ بْنُ إسْمَاعِيلَ- مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَلِيَهُ- ثُمّ وَلِيَ الْبَيْتَ بَعْدَهُ: مُضَاضُ بْنُ عَمْرٍو الْجُرْهُمِيّ:
_________________
(١) (بَابُ مَوْلِدِ النّبِيّ ﷺ) ذَكَرَ نَسَبَ أُمّهِ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وَأَنّ زُهْرَةَ هُوَ: ابْنُ كِلَابٍ، وَفِي الْمَعَارِفِ لِابْنِ قُتَيْبَةَ: أَنّ زُهْرَةَ اسْمُ امْرَأَةٍ عُرِفَ بِهَا بَنُو زُهْرَةَ، وَهَذَا مُنْكَرٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وَإِنّمَا هُوَ اسْمُ جَدّهِمْ- كَمَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَالزّهْرَةُ فِي اللّغَةِ: إشْرَاقٌ فِي اللّوْنِ، أَيّ لَوْنٍ كَانَ مِنْ بَيَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنّ الْأَزْهَرَ هُوَ الْأَبْيَضُ خَاصّةً، وَأَنّ الزّهْرَ اسْمٌ للأبيض من النّوّار،
[ ٢ / ٧ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: مُضَاضُ بْنُ عَمْرٍو الْجُرْهُمِيّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَنُو إسْمَاعِيلَ، وَبَنُو نابت مع جدّهم: مضاض بن عمرو وأخوالهم من جُرْهُمٍ، وَجُرْهُمٌ وَقَطُورَاءُ يَوْمَئِذٍ أَهْلُ مَكّةَ، وَهُمَا ابْنَا عَمّ، وَكَانَا ظَعَنَا مِنْ الْيَمَنِ، فَأَقْبَلَا سَيّارَةً، وَعَلَى جُرْهُمٍ: مُضَاضُ بْنُ عَمْرِو، وَعَلَى قَطُورَاءَ:
السّمَيْدَعُ رَجُلٌ مِنْهُمْ. وَكَانُوا إذَا خَرَجُوا مِنْ الْيَمَنِ لَمْ يَخْرُجُوا إلّا وَلَهُمْ مَلِكٌ يُقِيمُ أَمْرَهُمْ. فَلَمّا نَزَلَا مَكّةَ رَأَيَا بَلَدًا ذَا مَاءٍ وَشَجَرٍ، فَأَعْجَبَهُمَا فَنَزَلَا بِهِ. فَنَزَلَ مُضَاضُ بْنُ عَمْرٍو بِمَنْ مَعَهُ مِنْ جُرْهُمٍ بِأَعْلَى مَكّةَ بِقُعَيْقِعَانَ، فَمَا حَازَ. وَنَزَلَ السّمَيْدَعُ بِقَطُورَاءَ، أَسْفَلَ مَكّةَ بِأَجْيَادِ، فَمَا حَازَ. فَكَانَ مُضَاضٌ يَعْشُرُ مَنْ دَخَلَ مَكّةَ مِنْ أَعْلَاهَا، وَكَانَ السّمَيْدَعُ يَعْشُرُ مَنْ دَخَلَ مَكّةَ مِنْ أَسْفَلِهَا، وَكُلّ فِي قَوْمِهِ لَا يَدْخُلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. ثُمّ إنّ جُرْهُمَ وَقَطُورَاءَ بغى بعضهم
ــ
وَخَطّأَ أَبُو حَنِيفَةَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَقَالَ: إنّمَا الزّهْرَةُ إشْرَاقٌ فِي الْأَلْوَانِ كُلّهَا، وَأَنْشَدَ فِي نُورِ الْحَوْذَانِ، وَهُوَ أَصْفَرُ:
تَرَى زَهْرَ الْحَوْذَانِ حَوْلَ رِيَاضِهِ يُضِيءُ كَلَوْنِ الْأَتْحَمِيّ الْمُوَرّسِ «١»
وَفِي حَدِيثِ يَوْمِ أُحُدٍ: نَظَرْت إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- وَعَيْنَاهُ تزهران تحت المغفر.
_________________
(١) الحوذان: نبات عشبى من ذوات الفلقتين. منه أنواع زرع لزهرها، وأخرى تنبت برية، ويقال: تحم الثوب: وشاه، والأتحمى والأتحمية، والمتحمة- بضم الميم وسكون التاء وفتح الحاء، أو بفتح التاء وتضعيف الحاء مع فتح- برد. وورّس الثوب: صبغه بالورس، وهو نبت من الفصيلة البقلية، وهى شجرة ثمرتها قرن مغطى عند نضجه بغدد حمراء، كما يوجد عليه زغب قليل يستعمل لتلوين الملابس الحريرية لاحتوائه على مادة حمراء.
[ ٢ / ٨ ]
عَلَى بَعْضٍ، وَتَنَافَسُوا الْمُلْكَ بِهَا، وَمَعَ مُضَاضٍ يَوْمَئِذٍ: بَنُو إسْمَاعِيلَ وَبَنُو نَابِتٍ، وَإِلَيْهِ وِلَايَةُ الْبَيْتِ دُونَ السّمَيْدَعِ. فَسَارَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ، فخرج مضاض ابن عَمْرٍو مِنْ قُعَيْقِعَانَ فِي كَتِيبَتِهِ سَائِرًا إلَى السّمَيْدَعِ، وَمَعَ كَتِيبَتِهِ عُدّتُهَا مِنْ الرّمَاحِ وَالدّرَقِ وَالسّيُوفِ وَالْجِعَابِ، يُقَعْقِعُ بِذَلِك مَعَهُ، فَيُقَالُ: مَا سُمّيَ قُعَيْقِعَانُ بِقُعَيْقِعَانَ إلّا لِذَلِك. وَخَرَجَ السّمَيْدَعُ مِنْ أَجْيَادٍ، وَمَعَهُ الْخَيْلُ وَالرّجَالُ، فَيُقَال:
مَا سُمّيَ أَجْيَادٌ: أَجِيَادًا إلّا لِخُرُوجِ الْجِيَادِ مِنْ الْخَيْلِ مَعَ السّمَيْدَعِ مِنْهُ. فَالْتَقَوْا بِفَاضِحٍ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ السّمَيْدَعُ، وَفُضِحَتْ قَطُورَاءُ. فَيُقَالُ:
ما سمّى فاضح فاضحا إلا لذاك. ثم إن القوم تداعوا إلى الصلح، فَسَارُوا حَتّى نَزَلُوا الْمَطَابِخَ: شِعْبًا بِأَعْلَى مَكّةَ، وَاصْطَلَحُوا بِهِ، وَأَسْلَمُوا الْأَمْرَ إلَى مُضَاضٍ.
فَلَمّا جمع إليه أمر مَكّةَ، فَصَارَ مُلْكُهَا لَهُ نَحَرَ لِلنّاسِ فَأَطْعَمَهُمْ، فَاطّبَخَ النّاسُ وَأَكَلُوا، فَيُقَالُ: مَا سُمّيَتْ الْمَطَابِخُ: الْمَطَابِخَ إلّا لِذَلِك. وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَزْعُمُ أَنّهَا إنّمَا سُمّيَتْ الْمَطَابِخَ، لَمّا كَانَ تُبّعٌ نَحَرَ بِهَا، وَأَطْعَمَ، وَكَانَتْ مَنْزِلَهُ، فَكَانَ الّذِي كَانَ بَيْنَ مُضَاضٍ وَالسّمَيْدَعِ أَوّلَ بَغْيٍ كَانَ بمكة فيما يزعمون.
ثُمّ نَشَرَ اللهُ وَلَدَ إسْمَاعِيلَ بِمَكّةَ، وَأَخْوَالُهُمْ من جُرْهُمٍ وُلَاةُ الْبَيْتِ وَالْحُكّامُ بِمَكّةَ، لَا يُنَازِعُهُمْ وَلَدُ إسْمَاعِيلَ فِي ذَلِكَ لِخُئُولَتِهِمْ وَقَرَابَتِهِمْ، وَإِعْظَامًا لِلْحُرْمَةِ أَنْ يَكُونَ بِهَا بَغْيٌ أَوْ قِتَالٌ. فَلَمّا ضَاقَتْ مَكّةُ عَلَى وَلَدِ إسْمَاعِيلَ انْتَشَرُوا فِي الْبِلَادِ، فَلَا يُنَاوِئُونَ قَوْمًا إلّا أَظْهَرَهُمْ الله عليهم بدينهم فوطئوهم.
_________________
(١) زَمْزَمُ: وَذَكَرَ فِيهِ خَبَرَ إسْمَاعِيلَ، وَأُمّهِ، وَقَدْ تَقَدّمَ طَرَفٌ مِنْهُ. وَذَكَرَ أَنّ جِبْرِيلَ﵇- هَمَزَ بِعَقِبِهِ فِي مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَنَبَعَ الماء، وكذلك زمزم
[ ٢ / ٩ ]
[استيلاء كنانة وخزاعة على البيت ونفى جرهم]
[«بنو بكر يطردون جرهما»]
ثُمّ إنّ جُرْهُمًا بَغَوْا بِمَكّةَ، وَاسْتَحَلّوا خِلَالًا مِنْ الْحُرْمَةِ، فَظَلَمُوا مَنْ دَخَلَهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَأَكَلُوا مَالَ الْكَعْبَةِ الّذِي يُهْدَى لَهَا، فَرَقّ أَمْرَهُمْ. فَلَمّا رَأَتْ بَنُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَغُبْشَانُ مِنْ خُزَاعَةَ ذلك، أجمعوا لحربهم وإخراجهم من مَكّةَ. فَآذَنُوهُمْ بِالْحَرْبِ فَاقْتَتَلُوا، فَغَلَبَتْهُمْ بَنُو بَكْرٍ وَغُبْشَانُ، فَنَفَوْهُمْ مِنْ مَكّةَ. وَكَانَتْ مَكّةُ فِي الْجَاهِلِيّةِ لَا تُقِرّ فِيهَا ظُلْمًا وَلَا بَغْيًا، وَلَا يَبْغِي فِيهَا أَحَدٌ إلّا أَخَرَجَتْهُ، فَكَانَتْ تُسَمّى: النّاسّةَ، وَلَا يُرِيدُهَا مَلِكٌ يَسْتَحِلّ حُرْمَتَهَا إلّا هَلَكَ مَكَانَهُ، فَيُقَالُ: إنّهَا مَا سُمّيَتْ بِبَكّةِ إلّا أَنّهَا كَانَتْ تَبُكّ أَعْنَاقَ الْجَبَابِرَةِ إذا أحدثوا فيها شيئا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنّ بَكّةَ اسْمٌ لِبَطْنِ مَكّةَ؛ لِأَنّهُمْ يَتَبَاكَوْنَ فِيهَا، أَيْ: يَزْدَحِمُونَ، وَأَنْشَدَنِي:
إذَا الشّرِيبُ أَخَذَتْهُ أَكّهْ فَخَلّهِ حَتّى يَبُكّ بَكّهُ
أَيْ: فَدَعْهُ حَتّى يَبُكّ إبِلَهُ، أَيْ يُخَلّيهَا إلَى الْمَاءِ، فَتَزْدَحِمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ. وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ لِعَامَانَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ.
ــ
تَسَمّى: هَمْزَةَ جِبْرِيلَ بِتَقْدِيمِ الْمِيمِ عَلَى الزّايِ، وَيُقَالُ فِيهَا أَيْضًا: هَزْمَةُ جِبْرِيلَ، لِأَنّهَا هَزْمَةٌ «١» فِي الْأَرْضِ، وَحُكِيَ فِي اسْمِهَا: زُمَازِمُ وَزَمْزَمُ. حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْمُطْرِزِ، وَتُسَمّى أَيْضًا: طَعَامُ طعم، وشفاء سقم. وقال الجربىّ: سميت:
_________________
(١) فى النهاية لابن الأثير: الهزمة: النقرة فى الصدر، وفى التفاحة إذا غمزتها بيدك: وهزمت البئر إذا حفرتها.
[ ٢ / ١٠ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضٍ الْجُرْهُمِيّ بِغَزَالِيّ الْكَعْبَةِ وَبِحَجَرِ الرّكْنِ، فدفنهما فِي زَمْزَمَ، وَانْطَلَقَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ جُرْهُمٍ إلَى الْيَمَنِ، فَحَزِنُوا عَلَى مَا فَارَقُوا مِنْ أَمْرِ مَكّةَ وَمُلْكِهَا حُزْنًا شَدِيدًا، فَقَالَ عمرو ابن الحارث بْنِ مُضَاضٍ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ بِمُضَاضٍ الْأَكْبَرِ:
وَقَائِلَةٍ وَالدّمْعُ سَكْبٌ مُبَادِرُ وَقَدْ شَرِقَتْ بِالدّمْعِ مِنْهَا الْمَحَاجِرُ
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إلَى الصّفَا أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكّةَ سَامِرُ
فَقُلْتُ لَهَا وَالْقَلْبُ مِنّي كَأَنّمَا يُلَجْلِجُهُ بَيْنَ الْجَنَاحَيْنِ طَائِرُ
بَلَى نَحْنُ كُنّا أَهْلَهَا، فَأَزَالَنَا صُرُوفُ اللّيَالِي، وَالْجُدُودِ الْعَوَاثِرِ
وَكُنّا وُلَاةَ الْبَيْتِ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ نَطُوفُ بِذَاكَ الْبَيْتِ، وَالْخَيْرُ ظَاهِرُ
وَنَحْنُ وَلِينَا الْبَيْتَ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ بِعَزّ، فَمَا يَحْظَى لَدَيْنَا الْمُكَاثِرُ
مَلَكْنَا فَعَزّزْنَا فَأَعْظِمْ بِمُلْكِنَا فَلَيْسَ لِحَيّ غَيْرِنَا ثَمّ فَاخِرُ
أَلَمْ تُنْكِحُوا مِنْ خَيْرِ شَخْصٍ عَلِمْته فَأَبْنَاؤُهُ مِنّا، وَنَحْنُ الْأَصَاهِرُ
فَإِنْ تَنْثَنِ الدّنْيَا عَلَيْنَا بِحَالِهَا فَإِنّ لَهَا حَالًا، وَفِيهَا التّشَاجُرُ
فَأَخْرَجَنَا مِنْهَا الْمَلِيكُ بِقُدْرَةٍ كَذَلِكَ- يَا لِلنّاسِ- تَجْرِي الْمَقَادِرُ
أَقُولُ إذَا نَامَ الْخَلِيّ، وَلَمْ أَنَمْ : أَذَا الْعَرْشِ: لَا يَبْعُدُ سُهَيْلٌ وَعَامِرٌ
وَبُدّلْت مِنْهَا أَوْجُهًا لَا أُحِبّهَا قَبَائِلُ مِنْهَا حِمْيَرُ ويحابر
_________________
(١) زَمْزَمَ، بِزَمْزَمَةِ الْمَاءِ، وَهِيَ صَوْتُهُ، وَقَالَ الْمَسْعُودِيّ: سُمّيَتْ زَمْزَمَ؛ لِأَنّ الْفَرَسَ كَانَتْ تَحُجّ إلَيْهَا فِي الزّمَنِ الْأَوّلِ، فَزَمْزَمَتْ عَلَيْهَا. وَالزّمْزَمَةُ: صَوْتٌ يُخْرِجُهُ الْفَرَسُ مِنْ خَيَاشِيمِهَا عِنْدَ شُرْبِ الْمَاءِ. وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ﵁- إلَى عماله: أن انهو الفرس عن الزّمزمة، وأنشد المسعودى:
[ ٢ / ١١ ]
وَصِرْنَا أَحَادِيثَا وَكُنّا بِغِبْطَةٍ بِذَلِكَ عَضّتْنَا السّنُونَ الْغَوَابِرُ
فَسَحّتَ دُمُوعُ الْعَيْنِ تَبْكِي لِبَلْدَةٍ بِهَا حَرَمٌ أَمْنٌ، وَفِيهَا الْمَشَاعِرُ
وَتَبْكِي لِبَيْتٍ لَيْسَ يؤذى حَمَامُهُ يَظَلّ بِهِ أَمْنًا، وَفِيهِ الْعَصَافِرُ
وَفِيهِ وُحُوشٌ- لَا تُرَامُ- أَنِيسَةٌ إذَا خَرَجَتْ مِنْهُ، فليست تغادر
قال ابن هشام: «فَأَبْنَاؤُهُ منا»، عن غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَيْضًا يَذْكُرُ بَكْرًا وَغُبْشَانُ، وَسَاكِنِي مَكّةَ الّذِينَ خَلَفُوا فِيهَا بَعْدَهُمْ:
يَا أَيّهَا النّاسُ سِيرُوا إنّ قَصْرَكُمْ أَنْ تُصْبِحُوا ذَاتَ يَوْمٍ لَا تَسِيرُونَا
حُثّوا الْمَطِيّ، وَأَرْخُوا مِنْ أَزِمّتِهَا قَبْلَ الْمَمَاتِ، وَقَضّوا مَا تُقَضّونَا
كُنّا أُنَاسًا كَمَا كُنْتُمْ، فَغَيّرَنَا دَهْرٌ، فَأَنْتُمْ كَمَا كُنّا تَكُونُونَا
قَالَ ابن هشام: هذا ما صح له منها. وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْم بِالشّعْرِ:
أَنّ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ أَوّلُ شِعْرٍ قِيلَ فِي الْعَرَبِ، وَأَنّهَا وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً فِي حَجَرٍ بِالْيَمَنِ، وَلَمْ يُسَمّ لى قائلها.
ــ
زَمْزَمَتْ الْفَرَسُ عَلَى زَمْزَمَ وَذَاكَ فِي سَالِفِهَا الأقدم «١»
_________________
(١) الزمزمة أيضا: تراطن الفرس على أكلهم، وهم صموت لا يستعملون اللسان ولا الشفة، لكنه صوت تديره فى خياشيمهم وحلوقهم، فيفهم بعضهم عن بعض. والبيت فى ص ٢٤٢ ج ١ المسعودى. ونص قول المسعودى: «كانت أسلاف الفرس تقصد البيت الحرام، وتطوف به تعظيما له، ولجدها إبراهيم ﵇ وتمسكا بهديه، وحفظا لأنسابها، وكان آخر من حج منهم: ساسان بن بابك.
[ ٢ / ١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ الْبَرْقِيّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ﵁- أَنّهَا سُمّيَتْ: زَمْزَمَ لِأَنّهَا زُمّتْ بِالتّرَابِ؛ لِئَلّا يَأْخُذَ الْمَاءُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَوْ تُرِكَتْ لَسَاحَتْ عَلَى الْأَرْضِ حَتّى تَمْلَأَ كُلّ شَيْءٍ. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالزّمْزَمَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ: الْكَثْرَةُ وَالِاجْتِمَاعُ قَالَ الشّاعِرُ:
وَبَاشَرَتْ مَعْطَنَهَا الْمُدَهْثَمَا وَيَمّمَتْ زُمْزُومَهَا الْمُزَمْزِمَا «١»
سَبَبُ نُزُولِ هَاجَرَ وَإِسْمَاعِيلَ مَكّةَ: الْمُدَهْثَمُ: اللّيّنُ، وَكَانَ سَبَبُ إنْزَالِ هَاجَرَ وَابْنِهَا إسْمَاعِيلَ بِمَكّةَ وَنَقْلِهَا إلَيْهَا مِنْ الشّامِ أَنّ سَارّةَ بِنْتَ عَمّ إبْرَاهِيمَ﵇- شَجَرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ هَاجَرَ أَمْرٌ، وَسَاءَ مَا بَيْنَهُمَا، فَأُمِرَ إبْرَاهِيمُ أَنْ يَسِيرَ بِهَا إلَى مَكّةَ، فَاحْتَمَلَهَا عَلَى الْبُرَاقِ «٢» وَاحْتَمَلَ مَعَهُ قِرْبَةً بِمَاءِ ومزود تمر، وسار بها
_________________
(١) فى الأصل: المدهشم، وهو خطأ. والمعطن هو للابل كالوطن للناس ولكنه غلب على مبركها. والزمزوم: الجماعة من الإبل عددها مائة. وقد ذكر اللسان عن ابن برى أن زمزم لها اثنا عشر اسما: زمزم، مكتومة، مضنونة، شباعة «بضم الشين وفتح الباء» سقيا «بضم السين وسكون القاف» الرّواء: «بفتح الراء والواو» ركضة جبريل، هزمة جبريل، شفاء سقم، طعام طعام، حفيرة عبد المطلب. أقول: وذكر لها اسم آخر هو برّة. وفى اللسان أيضا: الزمزمة بكسر الزاى: الجماعة من الناس، وفرس يزمزم فى صوته إذا كان يطرب.
(٢) لم يرد له ذكر فى المرويات الصحيحة، ولم يرد فى حديث يعتد به أن إبراهيم حمل هاجر إلى هنالك ليرضى سارة، بل الذى ورد أنه حملها بأمر الله ليقضى الله أمره سبحانه. وليس إبراهيم بالرجل الذى يضع أمر امرأته فوق أمر ربه، أو يرتكب مثل هذا ترضية لامرأته.
[ ٢ / ١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَتّى أَنْزَلَهَا بِمَكّةَ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ «١»، ثُمّ وَلّى رَاجِعًا عَوْدَهُ عَلَى بَدْئِهِ «٢»، وَتَبِعَتْهُ هَاجَرُ «٣» وَهِيَ تَقُولُ: آللهُ أَمَرَك أَنْ تَدَعَنِي، وَهَذَا الصّبِيّ فِي هَذَا الْبَلَدِ الْمُوحِشِ، وَلَيْسَ مَعَنَا أَنِيسٌ؟! فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَتْ: إذًا لَا يُضَيّعُنَا «٤»، فجعلعت تَأْكُلُ مِنْ التّمْرِ، وَتَشْرَبُ مِنْ مَاءِ الْقِرْبَةِ، حَتّى نَفِدَ الْمَاءُ، وَعَطِشَ الصّبِيّ، وَجَعَلَ يَنْشَغُ لِلْمَوْتِ «٥»، وَجَعَلَتْ هِيَ تَسْعَى مِنْ الصّفَا إلَى الْمَرْوَةِ، وَمِنْ الْمَرْوَةِ إلَى الصّفَا؛ لِتَرَى أَحَدًا، حَتّى سَمِعَتْ صَوْتًا عِنْدَ الصّبِيّ، فَقَالَتْ: قَدْ أسمعت، إنْ كَانَ عِنْدَك غَوْثٌ، ثُمّ جَاءَتْ الصّبِيّ، فَإِذَا الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ خَدّهِ، فَجَعَلَتْ تَغْرِفُ بِيَدَيْهَا، وَتَجْعَلُ فِي الْقِرْبَةِ. قَالَ النّبِيّﷺ-: لَوْ تَرَكَتْهُ لَكَانَتْ عَيْنًا، أَوْ قَالَ:
نَهَرًا مَعِينًا، وَكَلّمَهَا الْمَلَكُ، وَهُوَ جِبْرِيلُ﵇- وَأَخْبَرَهَا أَنّهَا مَقَرّ ابْنِهَا وَوَلَدِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ «٦»، وَأَنّهَا مَوْضِعُ بيت الله الحرام، ثم ماتت.
_________________
(١) فى رواية للبخارى: «وضعها عند البيت عند دوحة فوق الزمزم فى أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء» .
(٢) كان راجعا إلى الشام.
(٣) فى رواية ابن جريج: «فأدركته بكداء بفتح الكاف، أوكدى بضم الكاف والقصر.
(٤) فى رواية: أنها نادته ثلاثا، وأنه أجابها فى الثالثة، وأنها قالت له: حسبى، أو: رضيت بالله،
(٥) يشهق ويعلو صوته وينخفض كالذى ينازع. وفى روايات: وجعلت تنظر إليه يتلوى. أو يتلبّط، أو يتلبّظ.
(٦) فى رواية للبخارى: «فقال لها الملك: لا تخافوا الضّيعة، فإن هذا بيت الله يا بنى هذا الغلام، وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله» .
[ ٢ / ١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هَاجَرُ، وَإِسْمَاعِيلُ﵇- ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، وقبرها فى الحجر، وثمّ قبر إسماعيل﵇- وَكَانَ الْحِجْرُ قَبْلَ بِنَاءِ الْبَيْتِ زَرْبًا لِغَنَمِ إسْمَاعِيلَ ﷺ «١» وَيُقَالُ: إنّ أَوّلَ بَلَدٍ مِيرَتْ مِنْهُ أُمّ إسْمَاعِيلَ ﵇، وَابْنُهَا التّمْرَ: الْقَرْيَةُ الّتِي كَانَتْ تُعْرَفُ بِالْفُرْعِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ
قَطُورَا وَجُرْهُمٌ وَالسّمَيْدَعُ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ نُزُولَ جُرْهُمً، وَقَطُورَا عَلَى أُمّ إسْمَاعِيلَ هَاجَرَ، وَجُرْهُمٌ: هُوَ قَحْطَانُ بْنُ عَامِرِ بْنِ شَالِخَ بْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامَ بْنِ نُوحٍ، وَيُقَالُ: جُرْهُمُ بْنُ عَابِرٍ، وَقَدْ قِيلَ: إنّهُ كَانَ مَعَ نُوحٍ ﵇ فِي السّفِينَةِ، وَذَلِكَ أَنّهُ مِنْ وَلَدِ وَلَدِهِ، وَهُمْ مِنْ الْعَرَبِ الْعَارِبَةِ، وَمِنْهُمْ تَعَلّمَ إسْمَاعِيلُ الْعَرَبِيّةَ.
وَقِيلَ: إنّ اللهَ تَعَالَى أَنْطَقَهُ بِهَا إنْطَاقًا، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً «٢» .
_________________
(١) من زيادة أبى جهم.
(٢) لقحطان ولد اسمه: جرهم. أما جدهم الأكبر، أو الأولى، فمن العرب البائدة. ولما ملك يعرب اليمن ولى أخاه جرهم بن قحطان الحجاز، وتداول ملكه بنوه بعده إلى أن أنزل إبراهيم ﵇ ابنه إسماعيل. ويقول ابن قنيبة فى المعارف ص ١٠: ومن ولد أرفخشد: يقطن، وهو أبو جرهم بن يقطن، وجرهم هو ابن عم يعرب، وكانت جرهم ممن سكن اليمن وتكلم بالعربية، ثم نزلوا مكة. فكانوا بها، وقطورا: بنو عم لهم، ويقول ابن عبد البر: «وسار جرهم بن قحطان بولده، فنزلوا مكة، فهؤلاء ونسلهم يدعون العرب العاربة، وبنو إسماعيل يسمون العرب المستعربة لأنهم تعلموا منهم وتكلموا بلغتهم» ص ١٤ القصد والأمم. وفى نهاية الأرب عن بنى قحطان: «الذى عليه جمهور النسب أنهم بنو قحطان بن عامر بن شالخ»، وذكر عن عامر أنه أصل عرب اليمن، وإليه تنسب القحطانية، ثم يقول: قال فى العبر: «واسمه فى التوراة: يقطن، فعرب بقحطان. وشذ بعضهم، فقال: إنه ابن قحطان بن الهميسع بن أبين بن قيدار بن نبت بن إسماعيل بن إبراهيم عليه
[ ٢ / ١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَمّا قَطُورَا، فَهُوَ قَطُورَا بْنُ كَرْكَرَ.
وَأَمّا السّمَيْدَعُ الّذِي ذَكَرَهُ، فَهُوَ السّمَيْدَعُ بْنُ هَوْثَرَ- بِثَاءِ مُثَلّثَةٍ- قَيّدَهَا الْبَكْرِيّ- بْنُ لَاي بْنِ قَطُورَا بْنِ كَرْكَرَ بْنِ عِمْلَاقٍ، وَيُقَالُ: إنّ الزّبّاءَ الْمَلِكَةَ كَانَتْ مِنْ ذُرّيّتِهِ، وَهِيَ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ أُذَيْنَةَ بْنِ ظَرِبِ بْنِ حَسّانَ، وَبَيْنَ حَسّانَ، وَبَيْنَ السّمَيْدَعِ آبَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَلَا يَصِحّ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنّ حَسّانَ ابْنُهُ لِصُلْبِهِ، لِبُعْدِ زَمَنِ الزّبّاءِ مِنْ السّمَيْدَعِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِي اسْمِهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَذَكَرَ الْحَارِثُ بْنُ مُضَاضٍ الْأَكْبَرِ بْنِ عمرو بن سعد بن الرقيب بن هي بن بنت «١» جرهم.
جياد وقعيقعار: فَصْلٌ: وَذَكَرَ وِلَايَةَ جُرْهُمٍ الْبَيْتَ الْحَرَامَ دُونَ بَنِي إسْمَاعِيلَ إلَى أَنْ بَغَوْا فِي الْحَرَمِ، وَكَانَ أَوّلَ بَغْيٍ فِي الْحَرَمِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ حَرْبِ جُرْهُمٍ لِقَطُورَا.
وَأَمّا أَجْيَادٌ فَلَمْ يُسَمّ بِأَجْيَادِ مِنْ أَجْلِ جِيَادِ الْخَيْلِ، كَمَا ذَكَرَ لِأَنّ جِيَادَ الْخَيْلِ لَا يُقَالُ فِيهَا: أجياد، وإنما أجياد: جمع جيد «٢» .
_________________
(١) - السلام. قال أبو عبيد: وليس كذلك. قال فى العبر: وعلى هذا يكون جميع العرب من ولد إسماعيل ﵇، لأن عدنان وقحطان يستدعيان بطون العرب القحطانية والعدنانية» ص ٣٩٦ ط ١٩٥٩.
(٢) هكذا فى الأصل. وفى اللسان عن ابن برى: «ويقال فى النسب: عمرو ابن الحارث بن مضاص بن هىّ بن بىّ «بفتح الهاء والباء وتضعيف الياء فى الكلمتين ابن جرهم» . وهى بن بى: كناية عمن لا يعرف، ولا يعرف أبوه، وقيل: كان من ولد آدم، ثم انقرض نسله.
(٣) العنق، وجمعه أيضا: جيود. وفى اللسان: أجياد: أرض بمكة، وجبل-
[ ٢ / ١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ أَصْحَابُ الْأَخْبَارِ أَنّ مُضَاضًا ضَرَبَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَجْيَادَ مِائَةِ رَجُلٍ مِنْ الْعَمَالِقَةِ، فَسُمّيَ الْمَوْضِعُ: بِأَجْيَادِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَمِنْ شِعْبِ أَجْيَادٍ تَخْرُجُ دَابّةُ الْأَرْضِ الّتِي تُكَلّمُ النّاسَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التّوْأَمَةِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «١»، وَذَكَرَ غَيْرُهُ فِي أَخْبَارِ مَكّةَ أَنّ قُعَيْقِعَانَ سُمّيَ بِهَذَا الِاسْمِ حِينَ نَزَلَ تُبّعٌ مَكّةَ، وَنَحَرَ عِنْدَهَا وَأَطْعَمَ، وَوَضَعَ سِلَاحَهُ وَأَسْلِحَةَ جُنْدِهِ بِهَذَا الْمَكَانِ، فَسُمّيَ: قُعَيْقِعَانَ بِقَعْقَعَةِ السّلَاحِ فِيهِ- وَاَللهُ أَعْلَمُ.
جُرْهُمٌ تَسْرِقُ مَالَ الْكَعْبَةِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ اسْتِحْلَالَ جُرْهُمٍ لِحُرْمَةِ الْكَعْبَةِ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنّ إبْرَاهِيمَ ﵇، كَانَ احْتَفَرَ بِئْرًا قَرِيبَةَ الْقَعْرِ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ، كَانَ يُلْقَى فِيهَا مَا يُهْدَى إلَيْهَا، فَلَمّا فَسَدَ أَمْرُ جُرْهُمٍ سَرَقُوا مَالَ الْكَعْبَةِ مَرّةً بَعْدَ مَرّةً، فَيَذْكُرُ أَنّ رَجُلًا مِنْهُمْ دَخَلَ الْبِئْرَ لِيَسْرِقَ مَالَ الْكَعْبَةِ، فَسَقَطَ عَلَيْهِ حَجَرٌ مِنْ شَفِيرِ الْبِئْرِ فَحَبَسَهُ فِيهَا، ثُمّ أُرْسِلَتْ عَلَى الْبِئْرِ حَيّةٌ لَهَا رَأْسٌ كَرَأْسِ الْجَدْيِ، سَوْدَاءُ الْمَتْنِ، بَيْضَاءُ الْبَطْنِ، فَكَانَتْ تُهَيّبُ مَنْ دَنَا مِنْ بِئْرِ الْكَعْبَةِ، وَقَامَتْ فِي الْبِئْرِ- فِيمَا ذَكَرُوا- نَحْوًا مِنْ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَسَنَذْكُرُ قِصّةَ رَفْعِهَا عِنْدَ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ إنْ شَاءَ اللهُ.
_________________
(١) قال ابن الأثير: وأكثر الناس يقولونه: جياد بكسر الجيم، وحذف الهمزة. قال: جياد- بكسر الجيم- موضع بأسفل مكة معروف من شعابها. وبهذا يصح قول ابن هشام، أما فرس جواد، فجمعه جياد.
(٢) لم يرد هذا فى حديث صحيح. والحديث الذى فى مسلم لا يشير إلى مكان خروج هذه الدابة، ولا يذكر عنها سوى أنها دابة. والإنسان: دابة. أما ما ورد عنها من صفات أخرى، فأكثره إسرائيليات رددها وهب بن منبه. (م ٢- الروض الأنف ج ٢)
[ ٢ / ١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَيْنَ جُرْهُمٍ وَخُزَاعَةَ: فَصْلٌ: فَلَمّا كَانَ مِنْ بَغْيِ جُرْهُمٍ مَا كَانَ، وَافَقَ تَفَرّقَ سَبَأٍ مِنْ أَجْلِ سَيْلِ الْعَرِمِ، وَنُزُولَ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ أَرْضَ مَكّةَ، وَذَلِكَ بِأَمْرِ طَرِيفَةَ الْكَاهِنَةِ، وَهِيَ امْرَأَةُ عَمْرِو بْنِ مُزَيْقِيَاءَ «١» وَهِيَ مِنْ حِمْيَرَ، وَبِأَمْرِ عِمْرَانَ ابن عَامِرٍ أَخِي عَمْرٍو، وَكَانَ كَاهِنًا أَيْضًا، فَنَزَلَهَا هُوَ وَقَوْمُهُ، فَاسْتَأْذَنُوا جُرْهُمًا أَنْ يُقِيمُوا بِهَا أَيّامًا، حَتّى يُرْسِلُوا الرّوّادَ، وَيَرْتَادُوا مَنْزِلًا حَيْثُ رَأَوْا مِنْ الْبِلَادِ، فَأَبَتْ عَلَيْهِمْ جُرْهُمٌ، وَأَغْضَبُوهُمْ، حَتّى أَقْسَمَ حَارِثَةُ أَلّا يَبْرَحَ مَكّةَ إلّا عَنْ قِتَالٍ وَغَلَبَةٍ، فَحَارَبَتْهُمْ جُرْهُمٌ، فَكَانَتْ الدّوْلَةُ لِبَنِي حَارِثَةَ عَلَيْهِمْ، وَاعْتَزَلَتْ بَنُو إسْمَاعِيلَ، فَلَمْ تَكُنْ مَعَ أَحَدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ مَلَكَتْ خُزَاعَةُ- وَهُمْ بَنُو حَارِثَةَ- مَكّةَ، وَصَارَتْ وِلَايَةُ الْبَيْتِ لَهُمْ، وَكَانَ رَئِيسُهُمْ عَمْرَو بْنَ لُحَيّ الّذِي تَقَدّمَ ذِكْرُهُ قَبْلُ، فَشَرّدَ بَقِيّةَ جُرْهُمٍ، فَسَارَ فَلّهُمْ فِي الْبِلَادِ، وَسُلّطَ عَلَيْهِمْ الذّرّ وَالرّعَافُ «٢»، وَأَهْلَكَ بَقِيّتَهُمْ السّيْلُ بِإِضَمَ، حَتّى كَانَ آخِرَهُمْ مَوْتًا امْرَأَةٌ رِيئَتْ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْهَا بِزَمَانِ، فَعَجِبُوا مِنْ طُولِهَا وَعِظَمِ خِلْقَتِهَا، حَتّى قَالَ لَهَا قَائِلٌ: أَجِنّيّةٌ أَنْتِ أَمْ إنْسِيّةٌ؟!، فَقَالَتْ: بَلْ إنْسِيّةٌ مِنْ جُرْهُمٍ، وَأَنْشَدَتْ رَجَزًا فِي مَعْنَى حَدِيثِهِمْ، وَاسْتَكْرَتْ بَعِيرًا مِنْ رَجُلَيْنِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَاحْتَمَلَاهَا عَلَى
_________________
(١) فى جمهرة «ابن حزم»: عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء ص ٤٥٣. وفى الاشتقاق «لابن دريد»: ولد حارثة عامرا وهو ماء السماء، وولد عامر عمشرا «بفتح العين وسكون الميم» وهو مزيقياء» فعمرو- إذن- هو مزيقياء لا ابن مزيقياء ٤٣٥.
(٢) الذر: صغار النمل، والرعاف: الدم.
[ ٢ / ١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْبَعِيرِ إلَى أَرْضِ خَيْبَر، فَلَمّا أَنْزَلَاهَا بِالْمَنْزِلِ الّذِي رَسَمَتْ لَهُمَا، سَأَلَاهَا عَنْ الْمَاءِ، فَأَشَارَتْ لَهُمَا إلَى مَوْضِعِ الْمَاءِ، فَوَلّيَا عَنْهَا، وَإِذَا الذّرّ قَدْ تَعَلّقَ بِهَا، حَتّى بَلَغَ خَيَاشِيمَهَا وَعَيْنَيْهَا، وَهِيَ تُنَادِي بِالْوَيْلِ وَالثّبُورِ حَتّى دَخَلَ حَلْقَهَا، وَسَقَطَتْ لِوَجْهِهَا، وَذَهَبَ الْجُهَنِيّانِ إلَى الْمَاءِ، فَاسْتَوْطَنَاهُ، فَمِنْ هُنَالِكَ صَارَ مَوْضِعَ جُهَيْنَةَ بِالْحِجَازِ وَقُرْبَ الْمَدِينَةِ، وَإِنّمَا هُمْ مِنْ قُضَاعَةَ، وَقُضَاعَةُ: من ريف العراق.
غربة الحارث بن مضاصه: فَصْلٌ: رَجْعُ الْحَدِيثِ. وَكَانَ الْحَارِثُ بْنُ مُضَاضِ ابن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هي بْنِ نَبْتِ بْنِ جُرْهُمٍ الْجُرْهُمِيّ قَدْ نَزَلَ بِقَنَوْنَا «١» مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، فَضَلّتْ لَهُ إبِلٌ، فَبَغَاهَا حَتّى أَتَى الْحَرَمَ، فَأَرَادَ دُخُولَهُ، لِيَأْخُذَ إبِلَهُ، فَنَادَى عَمْرُو بْنُ لُحَيّ: مَنْ وَجَدَ جُرْهُمِيّا، فَلَمْ يَقْتُلْهُ، قُطِعَتْ يَدُهُ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ الْحَارِثُ، وَأَشْرَفَ عَلَى جَبَلٍ مِنْ جِبَالِ مَكّةَ، فَرَأَى إبِلَهُ تُنْحَرُ، وَيُتَوَزّعُ لَحْمُهَا، فَانْصَرَفَ بَائِسًا خَائِفًا ذَلِيلًا، وَأَبْعَدَ فِي الْأَرْضِ، وَهِيَ غُرْبَةُ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضٍ الّتِي تُضْرَبُ بِهَا الْمَثَلُ، حَتّى قَالَ الطّائِيّ:
غُرْبَةٌ «٢» تَقْتَدِي بِغُرْبَةِ قَيْسِ بْ نِ زُهَيْرٍ وَالْحَارِثِ بْنِ مُضَاضِ
وَحِينَئِذٍ قال الحارث الشعر الذى رسمه ابن إسحق وهو قوله:
_________________
(١) سبق هذا، وبيان الصواب فيه عن هى فى ص ١٥ من هذا الجزء. وقنونى «بوزن فعسو عل، بفتح القاف والنون وسكون الواو» من أودية السّراة، تصب إلى البحر فى أوائل أرض اليمن، من جهة مكة قرب حلشى «بفتح فسكون» وتكتب بالياء حسب القاعدة، ولكن تركتها كما هى.
(٢) غربة بفتح الغين: النوى والبعد، وبضمها: النزوح عن الوطن.
[ ٢ / ١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إلَى الصّفَا. الشّعْرَ، وَفِيهِ:
وَنَبْكِي لِبَيْتِ لَيْسَ يُؤْذَى حِمَامُهُ تَظَلّ بِهِ أَمْنًا، وَفِيهِ الْعَصَافِرُ «١»
أَرَادَ: الْعَصَافِيرُ، وَحَذَفَ الْيَاءَ ضَرُورَةً، وَرَفَعَ الْعَصَافِيرَ عَلَى الْمَعْنَى، أَيْ:
وَتَأْمَنُ فِيهِ الْعَصَافِيرُ، وَتَظَلّ بِهِ أَمْنًا، أَيْ: ذَاتَ أَمْنٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُون أَمْنًا جَمْعَ آمِنٍ مِثْلُ: رَكْبٍ جَمْعُ: رَاكِبٍ، وَفِيهِ: وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكّةَ سَامِرُ: السّامِرُ: اسْمُ الْجَمَاعَةِ يَتَحَدّثُونَ بِاللّيْلِ، وَفِي التّنْزِيلِ: (سَامِرًا تَهْجُرُونَ) الْمُؤْمِنُونَ: ٦٧ وَالْحَجُونُ «٢» بِفَتْحِ الْحَاءِ عَلَى فَرْسَخٍ وَثُلُثٍ مِنْ مَكّةَ، قَالَ الْحُمَيْدِيّ: كَانَ سُفْيَانُ رُبّمَا أَنْشَدَ هَذَا الشّعْرَ، فَزَادَ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَلَيْسَتْ تُغَادِرُ:
وَلَمْ يَتَرَبّعْ وَاسِطًا وَجُنُوبَهُ إلَى السّرّ مِنْ وَادِي الْأَرَاكَةِ حَاضِرُ
وَأَبْدَلَنِي رَبّي بِهَا دَارَ غُرْبَةٍ بِهَا الْجُوعُ بَادٍ، وَالْعَدُوّ الْمُحَاصِرُ «٣»
_________________
(١) فى السيرة: يظل بدلا من: تظل.
(٢) والحجون كما فى المراصد: بأعلى مكة عند مقبرة أهلها، وفى ياقوت عن الأصمعى: أنه الجبل المشرف الذى بحذاء مسجد البيعة على شعب الجزارين.
(٣) أماواسط: فقيل: إن للعرب سبعة مواضع، يقال لكل منها: واسط، منها: واسط نجد فى شعر خداش بن زهير، وواسط الحجاز فى شعر كثير، وواسط الجزيرة فى شعر الأخطل. وواسط اليمامة فى شعر الأعشى، وواسط العراق: وهناك غير ذلك. وواسط أيضا بمكة. قيل: قرن كان أسفل من جمرة العقبة بين المأزمين. فضرب حتى ذهب، وقيل: تلك الناحية بركة السرى إلى العقبة، وتسمى: واسط المقيم. وقيل إنه الْجَبَلُ الّذِي يَجْلِسُ عِنْدَهُ الْمَسَاكِينُ إذَا ذَهَبَتْ إلى منى. والسر: بطن الوادى. وواذى الأراك: قرب مكة. وفى معجم البلدان ونهاية الأرب ج ١٦ ص ٣٤ وضع هذا بعد البيت: وصرنا أحاديثا، وروايته هكذا: -
[ ٢ / ٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَاسِطٌ وَعَامِرٌ وَجُرْهُمٌ: قَالَ الْحُمَيْدِيّ: وَاسِطٌ: الْجَبَلُ الّذِي يَجْلِسُ عِنْدَهُ الْمَسَاكِينُ، إذَا ذَهَبَتْ إلَى مِنَى. وَقَوْلُهُ فِيهِ:
لَا يَبْعَدْ سُهَيْلٌ وَعَامِرُ
عَامِرٌ: جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ مَكّةَ، يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ بِلَالٍ ﵁: وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي عَامِرٌ وَطَفِيلُ «١» . عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَاهُ هَكَذَا، وَجُرْهُمٌ هَذَا هُوَ الّذِي تَتَحَدّثُ بِهَا الْعَرَبُ فِي أَكَاذِيبِهَا، وَكَانَ مِنْ خُرَافَاتِهَا فِي الْجَاهِلِيّةِ أَنّ جُرْهُمًا ابْنٌ لِمَلَكِ أُهْبِطَ مِنْ السّمَاءِ لِذَنْبِ أَصَابَهُ، فَغُضِبَ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ، كَمَا أُهْبِطَ هَارُوتُ وَمَارُوتُ، ثُمّ أُلْقِيَتْ فِيهِ الشّهْوَةُ، فَتَزَوّجَ امْرَأَةً، فَوَلَدَتْ لَهُ جُرْهُمًا، قال قائلهم:
لاهمّ إنّ جُرْهُمًا عِبَادُكَا النّاسُ طُرْفٌ، وَهُمْ تِلَادُكَا
[بِهِمْ قَدِيمًا عَمِرَتْ بِلَادُكَا] «٢»
مِنْ كِتَابِ الْأَمْثَالِ للأصبهانى:
_________________
(١) - وبدلنا كعب بها دار غربة بها الذئب يعوى، والعدو المكاشر وفى مروج الذهب ج ٢ ص ٥٠: «المحاصر» . وفيه بعد: «وكنا ولاة البيت» هذا البيت: وكنا لإسماعيل صهرا ووصلة ولما تدر فيها علينا الدوائر
(٢) طفيل: جبل بمكة.
(٣) ما بين قوسين عن الطبرى ص ٢٨٥ ج ٢ وهذا الرجز ينسب إلى عامر ابن الحارث، والقصيدة منسوبة فى الطبرى لعامر بن الحارث بن مضاض يقول الطبرى: إن الله بعث على جرهم الرعاف والنمل، فأفناهم، فاجتمعت خزاعة-
[ ٢ / ٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَكّةُ وَأَسْمَاؤُهَا: فَصْلٌ: وَذَكَرَ مَكّةَ وَبَكّةَ، وَقَدْ قِيلَ فِي بَكّةَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنّهَا تَبُكّ الْجَبَابِرَةَ، أَيْ تَكْسِرُهُمْ وَتَقْدَعُهُمْ، وَقِيلَ: مِنْ التّبَاكّ، وَهُوَ:
الِازْدِحَامُ، وَمَكّةُ مَنْ تَمَكّكْت الْعَظْمَ، إذَا اجْتَذَبْت مَا فِيهِ مِنْ الْمُخّ، وَتَمَكّكَ الْفَصِيلُ مَا فِي ضَرْعِ النّاقَةِ، فَكَأَنّهَا تَجْتَذِبُ إلَى نَفْسِهَا مَا فِي الْبِلَادِ مِنْ النّاسِ وَالْأَقْوَاتِ الّتِي تَأْتِيهَا فِي الْمَوَاسِمِ، وَقِيلَ: لَمّا كَانَتْ فِي بَطْنِ وَادٍ، فَهِيَ تُمَكّكُ الْمَاءَ مِنْ جِبَالِهَا وَأَخَاشِبِهَا عِنْدَ نُزُولِ الْمَطَرِ، وَتَنْجَذِبُ إلَيْهَا السّيُولُ، وَأَمّا قَوْلُ الرّاجِزِ الّذِي أَنْشَدَهُ ابْنُ هِشَامٍ:
إذَا الشّرِيبُ أَخَذَتْهُ أَكّهْ فَخَلّهِ حَتّى يَبُكّ بَكّهْ «١»
فَالْأَكّةُ: الشّدّةُ، وَإِكَاكُ الدّهْرِ: شدائده.
_________________
(١) - ليجلوا من بقى، فاقتتلوا، فلما أحس عامر بن الحارث بالهزيمة، خرج بغزالتى الكعبة وحجر الركن يلتمس التوبة، وهو يقول: «لاهم إن جرهما» الخ. فلم تقبل- كما فى الطبرى- توبته، فألقى غزالى الكعبة، وحجر الركن فى زمزم، كما جاء فى السيرة، ثم دفنها، وخرج من بقى من جرهم إلى أرض من أرض جهينة، فجاءهم سيل أتىّ، فذهب بهم.
(٢) فى اللسان: مكّ- وزن رد- الفصيل ما فى ضرع أمه يمكّه- وزن يرد- مكّا وامتك- بفتح التاء وتضعيف الكاف- وتمككه، ومكمكه: امتص جميع ما فيه. وشربه كله.. ومك العظم وامتكه وتمككه، وتمكمكه امتص ما فيه من المخ. والرجز المذكور لعامان بن كعب التميمى- كما ذكر ابن هشام، وفى الروض: الشريت بدلا من الشريب، وهو خطأ، وفيه يبك بدلا من تبك. ومعنى الشريب- كما فى اللسان- الذى يسقى إبله مع إبلك. يقول: فخله يورد إبله الحوض. فتباك عليه أى: تزدحم، فيسقى إبله سقية. وللأكة معان أخر. منها: سكون الريح وضيق الحلق وفورة شديدة فى القيظ. انظر اللسان. وتعليق الأستاذ هارون على المادة فى معجم ابن فارس.
[ ٢ / ٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ أَنّهُ كَانَ يُقَالُ لَهَا: النّاسّةُ، وَهُوَ مِنْ نُسْت «١» الشّيْءَ إذَا أَذَهَبْته، وَالرّوَايَةُ فِي الْكِتَابِ بِالنّونِ، وَذَكَرَ الْخَطّابِيّ [فِي غَرِيبِهِ] أَنّهُ يُقَالُ لَهَا: الْبَاسّةُ أَيْضًا بِالْبَاءِ، وَهُوَ مِنْ بسّت الجبال بسّا، أَيْ: فُتّتْ وَثُرّيَتْ، كَمَا يُثَرّى السّوِيقُ، قَالَ الراجز:
لا تخبزا خبزا وبسّابسّا «٢»
يَقُولُ: لَا تَشْتَغِلَا بِالْخَبْزِ، وَثَرّيَا الدّقِيقَ وَالْتَقِمَاهُ «٣» . يُقَالُ: إنّ هَذَا الْبَيْتَ لِلِصّ أَعْجَلَهُ الْهَرَبُ.
وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنّ الْخَبْزَ: شِدّةُ السّوْقِ، والبسّ: ألين منه، وبعده:
_________________
(١) النسّسّ- بفتح النون- المضاء فى كل شىء، وخص بعضهم به السرعة فى الورد، وهو السوق والزجر الشديد. وفى اللسان: وأنسست الدابة: أعطشتها والناسّة من أسماء مكة لقلة مائها، وكأنها تسوق وتدفع من يبغى بها.
(٢) وبعده فى اللسان: «ولا تطيلا بمناخ حبسا» . والبس: اتخاذ البسيسة وهو أن يلت السويق أو الدقيق أو الأقط المطحون بالسمن أو بالزيت، ثم يؤكل ولا يطبخ. وقال يعقوب: هو أشد من اللت بللا. وذكر أبو عبيدة أن لصا من غطفان، أراد أن يخبز فخاف أن يعجل عن ذلك، فأكله عجينا، ولم يجعل أبو عبيدة البس من السوق اللين. وفى تعليق للأستاذ هرون على معجم ابن فارس ذكر أن الرجز للهفوان العقيلى أحد لصوص العرب. وقد فسر السهيلى البيت بما فسره به ابن فارس.
(٣) ثرى الدقيق- بفتح الثاء وتضعيف الراء- صب عليه الماء. هذا وقد قيل عن بكة إنها اسم للبقعة التى فيها الكعبة، وذهب إليه مالك وابن عباس. وقيل اسم لها ولما حول البيت، ومكة: اسم لما وراء ذلك، وقيل: إنها المسجد والبيت ومكة اسم للحرم كله ص ٦٠١ القرى للمحب الطبرى.
[ ٢ / ٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَا تَرَكَ السّيْرُ لَهُنّ نَسّا
وَمِنْ أَسْمَاءِ مَكّةَ أَيْضًا: الرّأْسُ، وَصَلَاحُ، وَأُمّ رُحْمٍ، وَكُوثَى، وَأَمّا الّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا الدّجّالُ، فَهِيَ: كُوثَى رَبّا «١» وَمِنْهَا كَانَتْ أُمّ إبْرَاهِيمَ ﵇، وَقَدْ تَقَدّمَ اسْمُهَا، وَأَبُوهَا هُوَ الّذِي احْتَفَرَ نَهْرَ كُوثَى، قَالَهُ الطّبَرِيّ.
أسطورة: فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضٍ:
يَا أَيّهَا النّاسُ سِيرُوا إنّ قَصْرَكُمْ أَنْ تُصْبِحُوا ذَاتَ يَوْمٍ لَا تَسِيرُونَا «٢»
وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ أَنّهَا وُجِدَتْ بِحَجَرِ بِالْيَمَنِ، وَلَا يُعْرَفُ قَائِلُهَا، وَأَلْفَيْت فِي كِتَابِ أَبِي بَحْرٍ سُفْيَانَ بْنِ الْعَاصِي خَبَرًا لهذه الأبيات، وأسنده أبو الحرث مُحَمّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْجُعْفِيّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ السّلَامِ الْبَصْرِيّ، قَالَ: حَدّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سُلَيْمَانَ التّمّارُ، قَالَ أَخْبَرَنِي ثِقَةٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، قَالَ:
وُجِدَ فِي بِئْرٍ بِالْيَمَامَةِ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ، وَهِيَ بئر طسم وجد يس فِي قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا:
مُعْنِقُ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحِجْرِ مِيلٌ، وَهُمْ مِنْ بَقَايَا عَادٍ، غَزَاهُمْ تُبّعٌ، فَقَتَلَهُمْ، فَوَجَدُوا فِي حَجَرٍ مِنْ الثّلَاثَةِ الأحجار مكتوبا:
_________________
(١) صلاح: كقطام وقد تصرف. وكوثى تكتب بالياء لا بالألف كما كان فى الروض، وفى المراصد عن كوثى: أنها ثلاثة مواضع بسواد العراق بأرض بابل وبمكة منزل بنى عبد الدار خاصة، وكوثى بالعراق فى موضعين: كوثى الطريق، وكوثى ربّا وبها مشهد إبراهيم الخليل ﵇، وهما قريتان، وبينهما تلول من رماد، يقال: إنها رماد النار التى أو قدها نمروذ لإحراقه.
(٢) هى فى الطبرى ح ٨ ص ٢٨٥ مع تقديم وتأخير.
[ ٢ / ٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يَا أَيّهَا الْمَلِكُ الّذِي بِالْمُلْكِ سَاعَدَهُ زَمَانُهْ مَا أَنْتَ أَوّلَ مَنْ عَلَا وَعَلَا شئون النّاسِ شَانُهْ أَقْصِرْ عَلَيْك مُرَاقِبًا فَالدّهْرُ مَخْذُولٌ أَمَانُهْ كَمْ مِنْ أَشَمّ مُعَصّبٍ بِالتّاجِ مَرْهُوبٍ مَكَانُهْ قَدْ كَانَ سَاعَدَهُ الزّمَا نُ، وَكَانَ ذَا خَفْضٍ جَنَانُهْ تَجْرِي الْجَدَاوِلُ حَوْلَهُ لِلْجُنْدِ مُتْرَعَةً جِفَانُهْ قَدْ فَاجَأَتْهُ مَنِيّةٌ لَمْ يُنْجِهِ مِنْهَا اكْتِنَانُهْ وَتَفَرّقَتْ أَجْنَادُهُ عَنْهُ، وَنَاحَ بِهِ قِيَانُهْ وَالدّهْرُ مَنْ يَعْلِقْ بِهِ يَطْحَنْهُ، مُفْتَرِشًا جِرَانُهْ وَالنّاسُ شَتّى فِي الْهَوَى كَالْمَرْءِ مُخْتَلِفٌ بَنَانُهْ وَالصّدْقُ أَفْضَلُ شِيمَةٍ وَالْمَرْءُ يَقْتُلُهُ لِسَانُهْ وَالصّمْتُ أَسْعَدُ لِلْفَتَى وَلَقَدْ يُشَرّفُهُ بَيَانُهْ وَوُجِدَ فِي الْحَجَرِ الثّانِي مَكْتُوبًا أَبْيَاتٌ: كُلّ عَيْشٍ تَعِلّهْ لَيْسَ لِلدّهْرِ خَلّهْ يَوْمُ بُؤْسَى وَنُعْمَى وَاجْتِمَاعٍ وَقِلّهْ حُبّنَا الْعَيْشَ وَالتّكَا ثُرَ جَهْلٌ وَضِلّهْ بَيْنَمَا الْمَرْءُ نَاعِمٌ فِي قُصُورٍ مُظِلّهْ فِي ظِلَالٍ وَنِعْمَةٍ سَاحِبًا ذَيْلَ حُلّهْ لَا يَرَى الشّمْسَ مِلْغَضَا رَةِ إذْ زَلّ زَلّهْ
[ ٢ / ٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لَمْ يُقَلْهَا، وَبَدّلَتْ عِزّةَ الْمَرْءِ ذِلّهْ آفَةُ الْعَيْشِ وَالنّعِ يمِ كُرُورُ الْأَهِلّهْ وَصْلُ يَوْمٍ بِلَيْلَةِ وَاعْتِرَاضٌ بِعِلّهْ وَالْمَنَايَا جَوَاثِمُ كَالصّقُورِ الْمُدِلّهْ بِاَلّذِي تَكْرَهُ النّفُ وسُ عَلَيْهَا مُطِلّهْ وَفِي الْحَجَرِ الثّالِثِ مَكْتُوبًا: يَا أَيّهَا النّاسُ سِيرُوا إنّ قَصْرَكُمْ أَنْ تُصْبِحُوا ذَاتَ يَوْمٍ لَا تَسِيرُونَا حُثّوا الْمَطِيّ، وَأَرْخُوا مِنْ أَزِمّتِهَا قَبْلَ الْمَمَاتِ وَقَضّوا مَا تُقَضّونَا كُنّا أُنَاسًا كَمَا كُنْتُمْ فَغَيّرَنَا دَهْرٌ فَأَنْتُمْ كَمَا كُنّا تَكُونُونَا وَذَكَرَ أَبُو الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيّ فِي كِتَابِهِ فِي فَضَائِلِ مَكّةَ زِيَادَةً فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَهِيَ: قَدْ مَالَ دَهْرٌ عَلَيْنَا ثُمّ أَهْلَكَنَا بِالْبَغْيِ فِينَا وَبَزّ النّاسِ نَاسُونَا إنّ التّفَكّرَ لَا يُجْدِي بِصَاحِبِهِ عِنْدَ الْبَدِيهَةِ فِي عِلْمٍ لَهُ دُوّنَا قَضّوا أُمُورَكُمْ بِالْحَزْمِ إنّ لَهَا أُمُورَ رُشْدٍ رَشَدْتُمْ ثَمّ مَسْنُونَا وَاسْتَخْبِرُوا فِي صَنِيعِ النّاسِ قَبْلَكُمْ كَمَا اسْتَبَانَ طَرِيقٌ عِنْدَهُ اُلْهُونَا كُنّا زَمَانًا مُلُوكَ النّاسِ قَبْلَكُمْ بِمَسْكَنِ فِي حَرَامِ اللهِ مَسْكُونَا وَوُجِدَ عَلَى حَائِطٍ قَصِيرٍ بِدِمَشْقَ لِبَنِي أُمَيّةَ مَكْتُوبًا: يَا أَيّهَا الْقَصْرُ الذى كانت تحفّ به المواكب
[ ٢ / ٢٦ ]
[اسْتِبْدَادُ قَوْمٍ مِنْ خُزَاعَةَ بِوِلَايَةِ الْبَيْتِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ غُبْشَانَ مِنْ خُزَاعَةَ وَلِيَتْ الْبَيْتَ دُونَ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ، وَكَانَ الّذِي يَلِيهِ مِنْهُمْ: عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ الْغُبْشَانِيّ، وَقُرَيْشٌ إذْ ذَاكَ حُلُولٌ وَصِرَمٌ، وَبُيُوتَاتٌ مُتَفَرّقُونَ فِي قَوْمِهِمْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، فَوَلِيَتْ خُزَاعَةُ الْبَيْتَ يَتَوَارَثُونَ ذَلِكَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، حَتّى كَانَ آخِرُهُمْ حُلَيْلُ بْنِ حُبْشِيّةَ بْنِ سَلُولَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عمرو الخزاعي.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُقَالُ حُبْشِيّةُ بْنُ سَلُولَ.
_________________
(١) أَيْنَ الْمَوَاكِبُ وَالْمَضَ ارِبُ وَالنّجَائِبُ وَالْجَنَائِبْ أَيْنَ العساكر والدّس اكر والمقانب والكتائب ما با لهم لَمْ يَدْفَعُوا لَمّا أَتَتْ عَنْك النّوَائِبْ مَا بَالُ قَصْرِك وَاهِيًا قَدْ عَادَ مُنْهَدّ الْجَوَانِبْ وَوُجِدَ فِي الْحَائِطِ الْآخَرِ مِنْ حِيطَانِهَا جَوَابُهَا: يَا سَائِلِي عَمّا مَضَى مِنْ دَهْرِنَا وَمِنْ الْعَجَائِبْ وَالْقَصْرِ إذْ أَوْدَى، فَأَضْحَى بَعْدُ مُنْهَدّ الْجَوَانِبْ وَعَنْ الْجُنُودِ أُولِي الْعُقُو دِ، وَمَنْ بِهِمْ كُنّا نُحَارِبْ وَبِهِمْ قَهَرْنَا عَنْوَةً مَنْ بِالْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبْ وَتَقُولُ: لِمْ لَمْ يَدْفَعُوا لَمّا أَتَتْ عَنْك النّوَائِبْ هَيْهَاتَ لَا يُنْجِي مِنْ المو ت الكتائب والمقانب
[ ٢ / ٢٧ ]
[تَزَوّجُ قُصَيّ بْنِ كِلَابٍ حُبّى بِنْتَ حُلَيْلٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ قُصَيّ بْنَ كلاب خطب إلى حليل بن حبشية بنته حُبّى، فَرَغِبَ فِيهِ حُلَيْلٌ فَزَوّجَهُ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الدّارِ. وَعَبْدَ مَنَافٍ، وَعَبْدَ الْعُزّى، وَعَبْدًا. فَلَمّا انْتَشَرَ وَلَدُ قُصَيّ، وَكَثُرَ مَالُهُ، وَعَظُمَ شرفه، هلك حليل.
[«قصى يتولى أمر البيت»:]
فَرَأَى قُصَيّ أَنّهُ أَوْلَى بِالْكَعْبَةِ، وَبِأَمْرِ مَكّةَ مِنْ خُزَاعَةَ وَبَنِيّ بَكْرٍ، وَأَنّ قُرَيْشًا قُرْعَةُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَصَرِيحُ وَلَدِهِ. فَكَلّمَ رِجَالًا من قريش، وبنى كنانة، وَدَعَاهُمْ إلَى إخْرَاجِ خُزَاعَةَ وَبَنِيّ بَكْرٍ مِنْ مكة، فأجابوه. وكان ربيعة ابن حَرَامٍ مِنْ عُذْرَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ قد قدم مكة بعد ما هُلْكِ كِلَابٍ، فَتَزَوّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ سَعْدِ بْنِ سيل، وزهرة يومئذ رجل، وقصىّ فطيم، فاحتملهما إلى بلاده، فحملت قضيّا مَعَهَا، وَأَقَامَ زُهْرَةَ، فَوَلَدَتْ لِرَبِيعَةَ رِزَاحًا. فَلَمّا بَلَغَ قُصَيّ، وَصَارَ رَجُلًا أَتَى مَكّةَ، فَأَقَامَ بِهَا، فَلَمّا أَجَابَهُ قَوْمُهُ إلَى مَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ، كَتَبَ إلَى أَخِيهِ مِنْ أُمّهِ، رِزَاحِ بْنِ رَبِيعَةَ، يَدْعُوهُ إلَى نُصْرَتِهِ، وَالْقِيَامِ مَعَهُ، فَخَرَجَ رِزَاحُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَمَعَهُ إخْوَتُهُ: حُنّ بْنُ رَبِيعَةَ، وَمَحْمُودُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَجُلْهُمَةُ بْنُ ربيعه، وهم لغير أمه فَاطِمَةَ، فِيمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ قُضَاعَةَ فِي حَاجّ الْعَرَبِ، وَهُمْ مُجْمِعُونَ لِنُصْرَةِ قُصَيّ. وَخُزَاعَةُ تَزْعُمُ أَنّ حُلَيْلَ بْنَ حُبْشِيّةَ أَوْصَى بِذَلِكَ قُصَيّا وَأَمَرَهُ بِهِ حِينَ انْتَشَرَ لَهُ مِنْ ابْنَتِهِ مِنْ الْوَلَدِ مَا انْتَشَرَ. وَقَالَ: أَنْتِ أَوْلَى
[ ٢ / ٢٨ ]
بِالْكَعْبَةِ، وَبِالْقِيَامِ عَلَيْهَا، وَبِأَمْرِ مَكّةَ مِنْ خُزَاعَةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ طَلَبَ قُصَيّ مَا طَلَبَ، وَلَمْ نَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذلك كان.
[مَا كَانَ يَلِيهِ الْغَوْثُ بْنُ مُرّ مِنْ الْإِجَازَةِ لِلنّاسِ بِالْحَجّ]
وَكَانَ الْغَوْثُ بْنُ مُرّ بن أد بن طابخة بن إلياس بن مُضَرَ يَلِي الْإِجَازَةَ لِلنّاسِ بِالْحَجّ مِنْ عَرَفَةَ، وولده من بعده، وكان يقال له ولولده: صُوفَةُ.
وَإِنّمَا وَلِيَ ذَلِكَ الْغَوْثُ بْنُ مُرّ، لِأَنّ أُمّهُ كَانَتْ امْرَأَةً مِنْ جُرْهُمٍ، وَكَانَتْ لَا تَلِدُ، فَنَذَرَتْ لِلّهِ إنْ هِيَ وَلَدَتْ رَجُلًا: أَنْ تَصّدّقَ بِهِ عَلَى الْكَعْبَةِ عَبْدًا لَهَا يَخْدُمُهَا، وَيَقُومُ عَلَيْهَا، فَوَلَدَتْ الْغَوْثَ، فَكَانَ يَقُومُ عَلَى الْكَعْبَةِ فِي الدّهْرِ الْأَوّلِ مَعَ أَخْوَالِهِ مِنْ جُرْهُمٍ، فَوَلِيَ الْإِجَازَةَ بِالنّاسِ مِنْ عَرَفَةَ، لِمَكَانِهِ الّذِي كَانَ بِهِ مِنْ الْكَعْبَةِ، وَوَلَدُهُ مِنْ بَعْدِهِ حَتّى انْقَرَضُوا. فَقَالَ مُرّ بْنُ أَدّ لِوَفَاءِ نَذْرِ أُمّهِ:
إنّي جَعَلْتُ ربّ من بنيّه رَبِيطَةً بِمَكّةَ الْعَلِيّه
فَبَارِكْنَ لِي بِهَا أليّهْ وَاجْعَلْهُ لِي مِنْ صَالِحِ الْبَرِيّه
وَكَانَ الْغَوْثُ بْنُ مُرّ- فِيمَا زَعَمُوا- إذَا دَفَعَ بِالنّاسِ قَالَ:
لاهُمّ إنّي تَابِعٌ تَبَاعَهُ إنْ كَانَ إثم فعلى قضاعه
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
كَانَتْ صُوفَةُ تَدْفَعُ بِالنّاسِ مِنْ عَرَفَةَ، وَتُجِيزُ بِهِمْ إذَا نَفَرُوا مِنْ مِنًى، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ النّفْرِ أَتَوْا لِرَمْيِ الْجِمَارِ، وَرَجُلٌ مِنْ صُوفَةَ يَرْمِي لِلنّاسِ، لَا يَرْمُونَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢٩ ]
حَتّى يَرْمِي. فَكَانَ ذَوُو الْحَاجَاتِ الْمُتَعَجّلُونَ يَأْتُونَهُ، فَيَقُولُونَ لَهُ: قُمْ فَارْمِ حَتّى نَرْمِيَ مَعَك، فَيَقُولُ: لَا وَاَللهِ، حَتّى تَمِيلَ الشّمْسُ، فَيَظَلّ ذَوُو الْحَاجَاتِ الّذِينَ يُحِبّونَ التّعَجّلَ يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ، ويستعجلونه بِذَلِكَ، وَيَقُولُونَ لَهُ:
وَيْلَكَ! قُمْ فَارْمِ، فَيَأْبَى عَلَيْهِمْ، حَتّى إذَا مَالَتْ الشّمْسُ، قَامَ فرمى، ورمى الناس معه.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ رَمْيِ الْجِمَارِ، وَأَرَادُوا النّفْرَ مِنْ مِنًى، أَخَذَتْ صُوفَةُ بِجَانِبَيْ الْعَقَبَةِ، فَحَبَسُوا النّاسَ وَقَالُوا: أَجِيزِى صُوفَةَ، فَلَمْ يَجُزْ أَحَدٌ مِنْ النّاسِ حَتّى يَمُرّوا، فَإِذَا نَفَرَتْ صُوفَةُ وَمَضَتْ، خُلّيَ سَبِيلُ النّاسِ، فَانْطَلَقُوا بَعْدَهُمْ، فَكَانُوا كَذَلِكَ، حَتّى انْقَرَضُوا، فَوَرِثَهُمْ ذَلِكَ مِنْ بَعْدِهِمْ بِالْقُعْدُدِ بَنُو سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَكَانَتْ مِنْ بَنِي سَعْدٍ فِي آلِ صَفْوَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ شجنة.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: صَفْوَانُ بْنُ جُنَابِ بْنِ شجنة عُطَارِدَ بْنِ عَوْفِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ صَفْوَانُ هُوَ الّذِي يُجِيزُ لِلنّاسِ بِالْحَجّ مِنْ عَرَفَةَ، ثُمّ بَنَوْهُ مِنْ بَعْدِهِ، حَتّى كَانَ آخِرَهُمْ الّذِي قَامَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، كَرِبُ بْنُ صَفْوَانَ، وَقَالَ أَوْسُ بْنُ تَمِيمِ بْنِ مَغْرَاءَ السّعْدِيّ:
لَا يَبْرَحُ النّاسُ مَا حَجّوا مُعَرّفَهُمْ حَتّى يُقَالَ: أَجِيزُوا آلَ صَفْوَانَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لِأَوْسِ بْنِ مَغْرَاءَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٠ ]
[مَا كَانَتْ عَلَيْهِ عَدْوَانُ مِنْ إفَاضَةِ الْمُزْدَلِفَةِ]
وَأَمّا قَوْلُ ذِي الْإِصْبَعِ الْعَدْوَانِيّ، وَاسْمُهُ: حُرْثَانُ بْنِ عَمْرٍو، وَإِنّمَا سُمّيَ ذَا الْإِصْبَعِ؛ لِأَنّهُ كَانَ لَهُ إصْبَعٌ فَقَطَعَهَا.
عَذِيرَ الْحَيّ مِنْ عدوا ن كَانُوا حَيّةَ الْأَرْضِ
بَغَى بَعْضُهُمْ ظُلْمًا فَلَمْ يُرْعِ عَلَى بَعْضِ
وَمِنْهُمْ كَانَتْ السّادَا تُ وَالْمُوفُونَ بِالْقَرْضِ
وَمِنْهُمْ مَنْ يُجِيزُ النّا سَ بِالسّنّةِ وَالْفَرْضِ
وَمِنْهُمْ حَكَمٌ يَقْضِي فَلَا يُنْقَضُ ما يقضى
وهذه الأبيات فى قصيدة له- فلأن الإضافة مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ كَانَتْ فِي عَدْوَانَ- فِيمَا حَدّثَنِي زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بْنِ إسْحَاقَ- يَتَوَارَثُونَ ذَلِكَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ. حَتّى كَانَ آخِرَهُمْ الّذِي قَامَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ أَبُو سَيّارَةَ، عُمَيْلَةُ بْنُ الْأَعْزَلِ، فَفِيهِ يَقُولُ شَاعِرٌ مِنْ الْعَرَبِ:
نَحْنُ دَفَعْنَا عَنْ أَبِي سَيّارَهْ وَعَنْ مَوَالِيهِ بَنِي فَزَارَهْ
حَتّى أَجَازَ سَالِمًا حِمَارَهْ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَدْعُو جَارَهُ
قَالَ: وَكَانَ أَبُو سَيّارَةَ يَدْفَعُ بِالنّاسِ عَلَى أَتَانٍ له؛ فلذلك يقول:
سالما حماره.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُصَيّ وَخُزَاعَةُ وَوِلَايَةُ الْبَيْتِ:
فَصْلٌ: فِي حَدِيثِ قُصَيّ ذَكَرَ فِيهِ أَنّ قُرَيْشًا قُرْعَةُ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ، هَكَذَا بِالْقَافِ، وَهِيَ الرّوَايَةُ الصّحِيحَةُ، وَفِي بَعْضِ النّسَخِ: فَرْعَةُ بِالْفَاءِ، وَالْقُرْعَةُ بِالْقَافِ هِيَ: نخبة الشى، وَخِيَارُهُ، وَقَرِيعُ الْإِبِلِ: فَحْلُهَا، وَقَرِيعُ الْقَبِيلَةِ: سَيّدُهَا، وَمِنْهُ اُشْتُقّ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَغَيْرُهُ مِمّنْ سُمّيَ مِنْ الْعَرَبِ بِالْأَقْرَعِ.
وَذَكَرَ انْتِقَالَ وِلَايَةِ الْبَيْتِ مِنْ خُزَاعَةَ إلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ سَبَبِ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ أَنّ قُصَيّا رَأَى نَفْسَهُ أَحَقّ بِالْأَمْرِ مِنْهُمْ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنّ حُلَيْلًا كَانَ يُعْطِي مَفَاتِيحَ الْبَيْتِ ابْنَتَهُ حُبّى، حِينَ كَبِرَ وَضَعُفَ، فَكَانَتْ بِيَدِهَا، وَكَانَ قُصَيّ رُبّمَا أَخَذَهَا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، فَفَتَحَ الْبَيْتَ لِلنّاسِ وَأَغْلَقَهُ، وَلَمّا هَلَكَ حُلَيْلٌ أَوْصَى بِوِلَايَةِ الْبَيْتِ إلَى قُصَيّ، فَأَبَتْ خُزَاعَةُ أَنْ تُمْضِيَ ذَلِكَ لِقُصَيّ، فَعِنْدَ ذَلِكَ هَاجَتْ الْحَرْبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خُزَاعَةَ، وَأَرْسَلَ إلَى رِزَاحٍ أَخِيهِ يَسْتَنْجِدُهُ عَلَيْهِمْ.
وَيُذْكَرُ أَيْضًا أَنّ أَبَا غُبْشَانَ مِنْ خُزَاعَةَ، وَاسْمُهُ: سُلَيْمٌ- وَكَانَتْ لَهُ وِلَايَةُ الْكَعْبَةِ- بَاعَ مَفَاتِيحَ الْكَعْبَةِ مِنْ قُصَيّ بِزِقّ خَمْرٍ، فَقِيلَ: أَخْسَرُ مِنْ صَفْقَةِ أَبِي غُبْشَانَ «١» ذَكَرَهُ الْمَسْعُودِيّ وَالْأَصْبَهَانِيّ فِي الْأَمْثَالِ.
وَكَانَ الْأَصْلُ فِي انْتِقَالِ وِلَايَةِ الْبَيْتِ مِنْ وَلَدِ مُضَرَ إلَى خُزَاعَةَ أَنّ الْحَرَمَ حِينَ ضَاقَ عَنْ وَلَدِ نِزَارٍ، وَبَغَتْ فِيهِ إيَادٌ أَخْرَجَتْهُمْ بَنُو مُضَرَ بن نزار، وأجلوهم
_________________
(١) بضم الغين أو فتحها. وفى القاموس أيضا قصة أبى غبشان، وفيه يقول: «ضربت به الأمثال فى الحمق والندم وخسارة الصفقة» .
[ ٢ / ٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَنْ مَكّةَ، فَعَمَدُوا فِي اللّيْلِ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، فَاقْتَلَعُوهُ، وَاحْتَمَلُوهُ عَلَى بَعِيرٍ فَرَزَحَ الْبَعِيرُ بِهِ، وَسَقَطَ إلَى الْأَرْضِ، وَجَعَلُوهُ عَلَى آخَرَ، فَرَزَحَ أَيْضًا، وَعَلَى الثّالِثِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمّا رَأَوْا ذَلِكَ دَفَنُوهُ وَذَهَبُوا، فَلَمّا أَصْبَحَ أَهْلُ مَكّةَ، وَلَمْ يَرَوْهُ، وَقَعُوا فِي كَرْبٍ عَظِيمٍ، وَكَانَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خُزَاعَةَ قَدْ بَصُرَتْ بِهِ حِينَ دُفِنَ، فَأَعْلَمَتْ قَوْمَهَا بِذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ أَخَذَتْ خُزَاعَةُ عَلَى وُلَاةِ الْبَيْتِ أَنْ يَتَخَلّوْا لَهُمْ عَنْ وِلَايَةِ الْبَيْتِ، وَيَدُلّوهُمْ عَلَى الْحَجَرِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَمِنْ هُنَالِكَ صَارَتْ وِلَايَةُ الْبَيْتِ لِخُزَاعَةَ إلَى أَنْ صَيّرَهَا أَبُو غُبْشَانَ إلَى عَبْدِ مَنَافٍ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِ الزّبَيْرِ.
نَشْأَةُ قُصَيّ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ أَنّ قُصَيّا نَشَأَ فِي حَجْرِ رَبِيعَةَ بْنِ حَرَامٍ، ثُمّ ذَكَرَ رُجُوعَهُ إلَى مَكّةَ، وَزَادَ غَيْرُهُ فِي شَرْحِ الْخَبَرِ، فَقَالَ: وَكَانَ قُصَيّ رَضِيعًا حِين احْتَمَلَتْهُ أُمّهُ مَعَ بَعْلِهَا رَبِيعَةَ، فَنَشَأَ وَلَا يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ أَبًا إلّا رَبِيعَةَ، وَلَا يُدْعَى إلّا لَهُ، فَلَمّا كَانَ غُلَامًا يَفَعَةً أَوْ حَزَوّرًا «١» سَابّهُ رَجُلٌ مِنْ قُضَاعَةَ، فَعَيّرَهُ بِالدّعْوَةِ، وَقَالَ:
لَسْت مِنّا، وَإِنّمَا أَنْتَ فِينَا مُلْصَقٌ، فَدَخَلَ عَلَى أُمّهِ، وَقَدْ وَجَمَ لِذَلِكَ، فَقَالَتْ لَهُ:
يَا بُنَيّ صَدَقَ، إنّك لَسْت مِنْهُمْ، وَلَكِنّ رَهْطَك خَيْرٌ مِنْ رَهْطِهِ، وَآبَاؤُك أَشْرَفُ مِنْ آبَائِهِ، وَإِنّمَا أَنْتَ قُرَشِيّ، وَأَخُوك وَبَنُو عَمّك بِمَكّةَ، وَهُمْ جِيرَانُ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ، فَدَخَلَ فِي سَيّارَةٍ حَتّى أَتَى مَكّةَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنّ اسمه: زيد، وإنما
_________________
(١) الغلام القوى.
[ ٢ / ٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَانَ قُصَيّا أَيْ بَعِيدًا عَنْ بَلَدِهِ فَسُمّيَ: قُصَيّا «١» .
الْغَوْثُ بْنُ مُرّ وَصُوفَةُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قِصّةَ الْغَوْثِ بْنِ مُرّ، وَدَفْعِهِ بِالنّاسِ مِنْ عَرَفَةَ «٢»، وَقَالَ بَعْضُ نَقَلَةِ الْأَخْبَارِ إنّ وِلَايَةَ الْغَوْثِ بْنِ مُرّ كَانَتْ مِنْ قِبَلِ مُلُوكِ كِنْدَةَ «٣» .
وَقَوْلُهُ: إنْ كَانَ إثْمًا فَعَلَى قُضَاعَةَ. إنّمَا خَصّ قُضَاعَةَ بِهَذَا؛ لِأَنّ مِنْهُمْ مُحِلّينَ يستحلّون الأشهر الحرم، كما كانت خثعم وطىّء تَفْعَلُ، وَكَذَلِكَ كَانَتْ النّسَأَةُ تَقُولُ إذَا حَرّمَتْ صَفَرًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْأَشْهُرِ بَدَلًا مِنْ الشّهْرِ الْحَرَامِ- يَقُولُ قَائِلُهُمْ: قَدْ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ الدماء إلا دماء المحلّين.
_________________
(١) قال الخطابى: «سمى قصيا لأنه قصىّ قومه. أى: تقصاهم بالشام، فنقلهم إلى مكة» . وقال الرّشاطى: «ثم إن زيدا وقع بينه وبين ربيعة شر، فقيل له: ألا تلحق بقومك، وعيّر بالغربة، وكان لا يعرف لنفسه أبا غير ربيعة، فرجع قصى إلى أمه، وشكالها ما قيل له، فقالت له: يا بنى أنت أكرم منه نفسا وأبا، أنت ابن كلاب بن مرة، وقومك بمكة عند البيت الحرام، فأجمع قصى على الخروج، فقالت له أمه: أقم حتى يدخل الشهر الحرام، فتخرج فى حاج العرب، فلما دخل الشهر الحرام خرج مع حاج قضاعة حتى قدم مكة، فحج وأقام بمكة» ص ٢٠ وما بعدها ج ١٦ نهاية الأرب.
(٢) فى السيرة: «من بعد عرفة» وفى نسخ أخرى: «من عرفة» .
(٣) فى القاموس: وكندة- بالكسر- ويقال: كندىّ: لقب ثور بن عفير أبو حى من اليمن، لأنه كند أباه النعمة، ولحق بأخواله، والكند: القطع.
[ ٢ / ٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَصْلٌ: وَأَمّا تَسْمِيَةُ الْغَوْثِ وَوَلَدِهِ صُوفَةَ، فَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ ذَلِكَ.
فَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدِ اللهِ الزّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْقَاضِي فِي أَنْسَابِ قُرَيْشٍ لَهُ عِنْدَ ذِكْرِ صُوفَةَ: الْبَيْتَ الْوَاقِعَ فِي السّيرَةِ لِأَوْسِ بْنِ مَغْرَاءَ السّعْدِيّ، وَهُوَ:
لَا يَبْرَحُ النّاسُ مَا حَجّوا مُعَرّفَهُمْ الْبَيْتَ. وَبَعْدَهُ:
مَجْدٌ بَنَاهُ لَنَا قِدْمًا أَوَائِلُنَا وَأَوْرَثُوهُ طِوَالَ الدّهْرِ أَحْزَانَا «١»
وَمَغْرَاءُ: تَأْنِيثُ أَمْغَرَ، وَهُوَ الْأَحْمَرُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْرَابِيّ لِلنّبِيّﷺ: أَهُوَ هَذَا الرّجُلُ الْأَمْغَرُ؟ ثُمّ قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَصُوفَةُ وَصُوفَانُ يُقَالُ لِكُلّ مَنْ وَلِيَ مِنْ الْبَيْتِ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، أَوْ قَامَ بِشَيْءِ مِنْ خِدْمَةِ الْبَيْتِ، أَوْ بِشَيْءِ مِنْ أَمْرِ الْمَنَاسِكِ يُقَالُ لهم: صوفة وصوفان. قال أبو عبيدة:
_________________
(١) أوس بن مغراء أحد بنى جعفر بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد ابن زيد مناة بن تميم. وقيل: أوس بن تميم بن مغراء، وله ترجمة فى الإصابة قال: ويكنى أبا المغراء، وبقى إلى أيام معاوية، وله شعر فى مدح النبى «ص» وبعد البيت الذى فى السيرة: ترى ثنانا إذا ما جاء بدأهم وبدؤهم إن أتانا كان ثنيانا والثّنى والثّنيان، وكهدى وإلى: دون السيد ص ١٧٦ الأمالى ج ٢ ط ٢ وفى السمط عن أوس ص ٧٩٥ للبكرى: «وهو القائل فى بنى صفوان بْنِ شِجْنَةَ بْنِ عُطَارِدَ بْنِ عَوْفِ بْنِ كعب الذين كان فيهم الإفاضة من عرفة، فلم يذكر الحارث كما روى ابن إسحاق، ولا جناب كما روى ابن هشام، ثم روى البيت كما فى السيرة، وفى المزهر ص ٤٨٧ ج ٢ أن أوسا هذا غلب على نابغة بنى جعدة.
[ ٢ / ٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِأَنّهُ بِمَنْزِلَةِ الصّوفِ، فِيهِمْ الْقَصِيرُ وَالطّوِيلُ وَالْأَسْوَدُ وَالْأَحْمَرُ، لَيْسُوا مِنْ قَبِيلَةٍ وَاحِدَةٍ. وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللهِ أَنّهُ حَدّثَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَثْرَمِ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ السّائِبِ الْكَلْبِيّ قَالَ: إنّمَا سُمّيَ الْغَوْثُ بْنُ مُرّ: صُوفَةَ، لِأَنّهُ كَانَ لَا يَعِيشُ لِأُمّهِ وَلَدٌ، فَنَذَرَتْ: لَئِنْ عَاشَ لَتُعَلّقَنّ بِرَأْسِهِ صُوفَةَ، وَلَتَجْعَلَنّهُ رَبِيطًا لِلْكَعْبَةِ، فَفَعَلَتْ، فَقِيلَ لَهُ: صُوفَةُ، وَلِوَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ: الرّبِيطُ وَحَدّثَ إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِمْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عِقَالُ بْنُ شَبّةَ قَالَ: قَالَتْ أُمّ تَمِيمِ بْنِ مُرّ- وَوَلَدَتْ نِسْوَةً- فَقَالَتْ: لِلّهِ عَلَيّ.
لَئِنْ وَلَدْت غُلَامًا لَأُعَبّدَنّهُ لِلْبَيْتِ، فَوَلَدَتْ الْغَوْثَ، وَهُوَ أَكْبَرُ وَلَدِ مُرّ، فَلَمّا رَبَطَتْهُ عِنْدَ الْبَيْتِ أَصَابَهُ الْحَرّ، فَمَرّتْ بِهِ- وَقَدْ سَقَطَ وَذَوَى وَاسْتَرْخَى فَقَالَتْ: مَا صَارَ ابنى إلا صوفة، فسمّى صوفة «١» .
_________________
(١) فى القاموس عن صوفة أيضا: أو هم قوم من أفناء القبائل تجمعوا، فتشبكوا كتشبّك الصوفة. هذا وقد رواه الجوهرى: آل صوفانا. ويقول القاموس: والصواب. آل صفوانا، وهم قوم من بنى سعد بن زيد مناة. قال أبو عبيدة: حتى يجوز القائم بذلك من آل صفوان. وفيه أيضا وردت الشطرة الأولى: ولا يريمون فى التعريف موقفهم. وما ذكره السهيلى عن سبب تسمية الغوث-- نقلا عن الكلبى- يوجد فى القاموس الذى ذكر للربيط عدة معان، ثم قال: لقب الغوث ابن مر بن طابخة. ويذكر أن الولد عاش، فجعلته أمه خادما للبيت الحرام حتى بلغ، فنزعته، فلقب: الربيط. وقد سقط من هذه المادة فى القاموس كلمة «أد» من نسب الغوث على حين ذكرها فى مادة صوف. وفى القاموس أيضا: «وكان أحدهم يقوم فيقول: أجيزى صوفة، فإذا أجازت قال: أجيزى خندف. فإذا أجازت أذن للناس كلهم فى الإجازة» وعرّف القوم: وقفوا بعرفة: والبيت الأول فى السيرة موجود أيضا فى اللسان بنفس رواية القاموس «ولا يريمون إلخ» وقول أبى عبيدة عن صوفة موجود فى اللسان، وانظر ص ١٨٣ من المحبر.
[ ٢ / ٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَنُو سَعْدٍ وَزَيْدِ مَنَاةَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ وِرَاثَةَ بَنِي سَعْدٍ إجَازَةَ الْحَاجّ بِالْقُعْدُدِ مِنْ بَنِي الغوث ابن مُرّ، وَذَلِكَ أَنّ سَعْدًا هُوَ: ابْنُ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمِ بْنِ مُرّ، وَكَانَ سَعْدٌ أَقْعَدَ بِالْغَوْثِ بْنِ مُرّ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْعَرَبِ «١»، وَزَيْدُ مَنَاةَ بْنُ تَمِيمٍ يُقَالُ فِيهِ:
مَنَاةُ وَمَنَاءَةُ بِالْهَمْزِ «٢»، وَتَرْكِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ- إذَا هُمِزَ- مَفْعَلَةً مِنْ نَاءَ يَنُوءُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: فَعَالَةً مِنْ الْمَنِيئَةِ، وَهِيَ: الْمَدْبَغَةُ، كَمَا قَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ لِأُخْرَى: [تَقُولُ لَك أُمّي]: أَعْطِينِي نَفْسًا أَوْ نَفْسَيْنِ أَمْعَسُ بِهِ مَنِيئَتِي، فَإِنّي أَفِدَةٌ.
النّفْسُ: قِطْعَةٌ مِنْ الدّبَاغِ، وَالْمَنِيئَةُ: الْجِلْدُ فِي الدّبَاغِ، وَأَفِدَةٌ: مُقَارِبَةٌ لِاسْتِتْمَامِ مَا تُرِيدُ صَلَاحَهُ وَتَمَامَهُ مِنْ ذَلِكَ الدباغ «٣» وأنشد أبو حنيفة:
_________________
(١) القعدد بضم القاف وسكون العين وضم الدال أو فتحها: القريب من الجد الأكبر، أو أملك القرابة فى النسب، والقربى. وأقعدهم: أقربهم إلى جده الأكبر. وانظر ص ٢٥٧ من المحبر لابن حبيب، ص ٤٠ من شرح الخشى.
(٢) وفى اللسان عن مناة: ومناة: صخرة، وفى الصحاح: صنم كان لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة يعبدونها من دون الله من قولك: منوت الشىء- أى: اختبرته وعبد مناة بن أد بن طابخة. وزيد مناة بن تميم بن مر يمد ويقصر. قال هو بر الحارثى ألا هل أتى التّيم بن عبد مناءة على الشّنء فيما بيننا ابن تميم وفيه تخطئة من قال: مناة بالهاء، وغلطوا الطائى فى قوله: إحدى بنى بكر ابن عبد مناه.
(٣) فى إصلاح المنطق أن الذى قص هذا هو الأصمعى، وفيه، وفى اللسان: أمعس به، بدلا من: أمعس بها، كما فى الروض. وفسر نفسا أو نفسين بقوله:
[ ٢ / ٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذَا أَنْتَ بَاكَرْت الْمَنِيئَةَ بَاكَرَتْ قَضِيبَ أَرَاكٍ بَاتَ فِي الْمِسْكِ مُنْقَعًا
وَأَنْشَدَ يَعْقُوبُ:
إذَا أَنْتَ بَاكَرْت الْمَنِيئَةَ بَاكَرَتْ مَدَاكًا لَهَا مِنْ زَعْفَرَانٍ وَإِثْمِدَا «١»
اشْتِقَاقُ الْمُزْدَلِفَةِ:
فَصْلٌ: وَأَمّا قَوْلُهُ: فَلِأَنّ الْإِفَاضَةَ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ كَانَتْ فِي عَدْوَانَ فَالْمُزْدَلِفَةُ: مُفْتَعِلَةٌ مِنْ الِازْدِلَافِ، وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ. وَفِي التنزيل: (وَأَزْلَفْنا ثَمَ
_________________
(١) - قدر دبغة أو دبغتين، وفى اللسان: أفد الشىء يأفد أفدا فهو أفد: دنا وحضر وأسرع، والأفد: المستعجل؛ والمنيئة عند الفارسى: مفعلة بكسر العين من اللحم النيىء، ومنأ تأبى ذلك، وهى عند غيره كما ذكر السهيلى. والمنيئة: الجلد أول ما يدبغ، ثم هو: أفيق، ثم: أديم. وأمعس: أدلك وأحرك، وفى اللسان: منأ الجلد يمنؤه منأ: إذا أنقعه فى الدباغ، وهى فى اللسان فعيلة، وفى تهذيب إصلاح المنطق للتبريزى: «وآفدة أى: سريعة. يقع فى بعض النسخ: الافدة: التى تشتكى فؤادها، وقيل: السريعة، وقيل. المعيبة. قال أبو العلاء: ينبغى أن يقال: فائدة للتى تشتكى فؤادها، والصواب أن يفسر: آفدة بالسريعة» انظر اللسان ومعجم ابن فارس وإصلاح المنطق لابن السكيت، ص ٩٤ وتهذيبه للتبريزى ص ١٤٥.
(٢) الشعر لحميد بن ثور وقبله: فأقسم لولا أن حدبا تتابعت علىّ، ولم أبرح بدين مطردا لزاحمت مكسالا كأن ثيابها تجن غزالا بالخميلة أغيدا يخاطب زوجته فيقسم: لولا أن حدبا، وهى السنون المجدبة- واحدتها: حدباء- تتابعت عليه، واستدان وطالبه الغرماء، وطردوه لزاحمت مكسالا، وهى المرأة الثقيلة الأرداف، الناعمة الجسم، أى: تزوجت امرأة أحسن منك، كأن ثيابها تستر-
[ ٢ / ٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْآخَرِينَ) وَقِيلَ: بَلْ الِازْدِلَافُ: هُوَ الِاقْتِرَابُ، وَالزّلْفَةُ: الْقُرْبَةُ، فَسُمّيَتْ مُزْدَلِفَةَ؛ لِأَنّ النّاسَ يَزْدَلِفُونَ فِيهَا إلَى الْحَرَمِ، وَفِي الْخَبَرِ: أَنّ آدَمَ ﵇ لَمّا هَبَطَ إلَى الْأَرْضِ «١» لَمْ يَزَلْ يَزْدَلِفُ إلَى حَوّاءَ، وَتَزْدَلِفُ إلَيْهِ، حَتّى تَعَارَفَا بِعَرَفَةَ، وَاجْتَمَعَا بِالْمُزْدَلِفَةِ فَسُمّيَتْ: جُمَعًا، وَسُمّيَتْ: الْمُزْدَلِفَةَ «٢» .
ذُو الْإِصْبَعِ وَآلُ ظَرِبٍ:
وَأَمّا ذُو الْإِصْبَعِ «٣» الّذِي ذَكَرَهُ فَهُوَ: حُرْثَانُ بْنُ عَمْرٍو، وَيُقَالُ فِيهِ: حرثان ابن الْحَارِثِ بْنِ مُحَرّثِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ بن ثعلبة بن ظرب، وظرب هو:
والدعامر بْنِ الظّرِبِ الّذِي كَانَ حَكَمَ الْعَرَبَ، وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ قِصّتَهُ فِي الْخُنْثَى، وَفِيهِ يَقُولُ الشاعر [المتلمّس]:
_________________
(١) غزالا. والأغيد: المنثنى. ثم قال: إذا أنت باكرت دباغ الجلود باكرت هى الطيب والمداك، وهو الحجر الذى يسحق عليه الطيب. والأثمد: الكحل. أى باكرت هى الطيب والاكتحال. انظر ص ١٤٥ تهذيب إصلاح المنطق.
(٢) الرأى الراجح أن جنة آدم كانت فى الأرض.
(٣) لم يرد هذا فى حديث صحيح.
(٤) سبب تسميته فى الاشتقاق ص ٢٦٨ واسمه: حرثان، ونسبه فى الأغانى: حرثان بن الحارث بن محرث بن ثعلبة بن سيار بن ربيعة بن هيرة بن ثعلبة بن ظرب بن عمرو بن عباد بن يشكر بن عدوان بن عمرو بن سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ ابن نزار، وفى الجمهرة لابن حزم هو: حرثان بن محرث، ونسبه فى أمالى المرتضى مختلف أيضا فهو: حرثان بن محرث بن الحارث بن ربيعة بن وهب بن ثعلبة وقيل: محرث بن حرثان. وقيل: حرثان بن حويرث، وقيل: حرثان بن حارثة ابن ظرب إلخ.
[ ٢ / ٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِذِي الْحِلْمِ قَبْلَ الْيَوْمِ مَا تُقْرَعُ الْعَصَا وَمَا عُلّمَ الْإِنْسَانُ إلّا لِيَعْلَمَا «١»
وَكَانَ قَدْ خَرِفَ، حَتّى تَفَلّتَ ذِهْنُهُ، فَكَانَتْ الْعَصَا تُقْرَعُ لَهُ إذَا تَكَلّمَ فِي نَادِي قَوْمِهِ تَنْبِيهًا لَهُ؛ لِئَلّا تَكُونَ لَهُ السّقْطَةُ فِي قَوْلٍ أَوْ حُكْمٍ. وَكَذَلِكَ كَانَ ذُو الْإِصْبَعِ، كَانَ حَكَمًا فِي زَمَانِهِ، وَعَمّرَ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ، وَسُمّيَ ذَا الْإِصْبَعِ؛ لِأَنّ حَيّةً نَهَشَتْهُ فِي أُصْبُعِهِ.
وَجَدّهُمْ ظَرِبٌ: هُوَ عَمْرُو بْنُ عِيَاذِ بْنِ يَشْكُرَ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَدْوَانَ، وَاسْمُ عَدْوَانَ: تَيْمٌ، وَأُمّهُ: جَدِيلَةُ بِنْتُ أُدّ بْنِ طَابِخَةَ، وَكَانُوا أَهْلَ الطّائِفِ، وَكَثُرَ عَدَدُهُمْ فِيهَا حَتّى بلغوازهاء سَبْعِينَ أَلْفًا، ثُمّ هَلَكُوا بِبَغْيِ بَعْضِهِمْ عَلَى بعض، وكان ثقيف
_________________
(١) بيت الشعر «لذى الحلم الخ» هو للمتلمس، وكان ابن الظرب قد كبر، فقال له ابنه الثانى: إنك ربما أخطات فى الحكم، فيحمل عنك، قال: فاجعلوا لى أمارة أعرفها، فإذا زغت، فسمعتها رجعت إلى الحكم والصواب، فكان يجلس قدام بيته، ويقعد ابنه فى البيت ومعه العصا، فإذا زاغ، أو هفا قرع له الجفنة، فرجع إلى الصواب. هذا وربيعة تدعيه لعبد الله بن عمرو بن الحارث بن همام، واليمن تدعيه لربيعة بن مخاشن، وهو ذو الأعواد، وفى اللسان: أن هذا الحكم هو عمرو بن حممة الدوسى الذى قضى بين العرب ثلثمائة سنة، والأصبغ: مثلثة الهمزة، ومع كل حركة تثلث الياء، ففيه تسع لغات، والعاشر: أصبوع، وحكام العرب فى الجاهلية هم: أكثم بن صيفى، وحاجب بن زرارة، والأقرع بن حابس، وربيعة بن مخاشن وضمرة بن أبى ضمرة لتميم، وعامر بن الظرب، وغيلان بن سلمة لقيس، وعبد المطلب وأبو طالب والعاصى بن وائل والعلاء بن حارثة لقريش. وربيعة ابن حذار لأسد، ويعمر بن الشدّاخ وصفوان بن أمية، وسلمى بن نوفل لكنانة وحكيمات العرب: صحر بنت لقمان وهند بنت الحسن، وجمعة بنت حابس وابنة عامر بن الظرب، وانظر ص ١٨١ من المحبر.
[ ٢ / ٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَهُوَ قَسِيّ بْنُ مُنَبّهٍ صِهْرًا لِعَامِرِ بْنِ الظّرِبِ، كَانَتْ تَحْتَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ عَامِرٍ، وَهِيَ أُمّ أَكْثَرِ ثَقِيفٍ، وَقِيلَ: هِيَ أُخْتُ عَامِرٍ، وَأُخْتُهَا لَيْلَى بِنْتُ الظّرِبِ هِيَ:
أُمّ دَوْسِ بْنِ عَدْنَانَ، وَسَيَأْتِي طَرَفٌ مِنْ خَبَرِهِ فِيمَا بَعْدُ- إنْ شَاءَ اللهُ- فَلَمّا هَلَكَتْ عَدْوَانُ، وَأَخْرَجَتْ بَقِيّتَهُمْ ثَقِيفٌ مِنْ الطّائِفِ، صَارَتْ الطّائِفُ بِأَسْرِهَا لِثَقِيفِ إلَى الْيَوْمِ.
وَقَوْلُهُ: حَيّةَ الْأَرْضِ: يُقَالُ فُلَانٌ حَيّةُ الْأَرْضِ، وَحَيّةُ الْوَادِي إذَا كَانَ مَهِيبًا يُذْعَرُ مِنْهُ، كَمَا قَالَ حَسّانُ:
يا محكم بن طفيل قد أتيح لكم لِلّهِ دُرّ أَبِيكُمْ حَيّةِ الْوَادِي
يَعْنِي بِحَيّةِ الْوَادِي: خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ﵁.
فَصْلٌ: وَقَوْلُهُ: عَذِيرَ الْحَيّ مِنْ عَدْوَانَ «١» . نَصَبَ عَذِيرًا عَلَى الْفِعْلِ الْمَتْرُوكِ إظْهَارُهُ، كَأَنّهُ يَقُولُ: هَاتُوا عَذِيرَهُ، أَيْ: مَنْ يَعْذِرُهُ، فَيَكُونُ الْعَذِيرُ بِمَعْنَى:
الْعَاذِرِ، وَيَكُونُ أَيْضًا بِمَعْنَى: الْعُذْرِ مَصْدَرًا كَالْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ.
أَبُو سَيّارَةَ:
وَذَكَرَ أَبَا سَيّارَةَ، وَهُوَ عُمَيْلَةُ بْنُ الْأَعْزَلِ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ، وَقَالَ غَيْرُهُ:
اسْمُهُ: الْعَاصِي. قَالَهُ الْخَطّابِيّ. واسم الأعزل: خالد، ذكره الأصبهانى، وكانت
_________________
(١) عدة القصيدة التى فى السيرة هى فى الأغانى: اثنا عشر بيتا فى ترجمة ذى الإصبع، والقصيدة عن تفرق عدوان وتشتتهم فى البلاد مع كثرتهم. وفى اللسان عن حية الوادى: إذا كان شديد الشكيمة حاميا لحوزته، وقال عن بيت ذى الإصبع الأول: «أراد أنهم كانوا ذوى إرب وشدة لا يضيعون ثأرا» .
[ ٢ / ٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَهُ أَتَانٌ عَوْرَاءُ، خِطَامُهَا لِيفٌ، يُقَالُ: إنّهُ دَفَعَ عَلَيْهَا فِي الْمَوْقِفِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَإِيّاهَا يَعْنِي الرّاجِزُ فِي قَوْلِهِ: حَتّى يُجِيزَ سَالِمًا حِمَارَهْ.
وَكَانَتْ تِلْكَ الْأَتَانُ سَوْدَاءَ؛ وَلِذَلِكَ يَقُولُ:
لاهمّ مالى فِي الْحِمَارِ الْأَسْوَدِ أَصْبَحْت بَيْنَ الْعَالَمِينَ أُحْسَدُ
فَقِ أَبَا سَيّارَةَ الْمُحَسّدَ مِنْ شَرّ كُلّ حَاسِدٍ إذْ يَحْسُدُ
وَأَبُو سَيّارَةَ هَذَا هُوَ الّذِي يَقُولُ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْمَا نُغِيرَ، وَهُوَ الّذِي يَقُولُ:
لَا هُمّ إنّي تَابِعٌ تَبَاعَهْ «١»
_________________
(١) إن العرب لما سمعوا اللهم جرت فى كلام الخلق توهموا أنه إذا ألغيت الألف واللام من الله كان الباقى: لاه، فقالوا: لاهم، ويقولون: لاه أبوك. يريدون: لله أبوك. وقالوا: لهنك أصلها: لله إنك، فحذف الألف واللام، فقال: لاه إنك، تم ترك همزة إنك، فقال: لهنك، وقالوا: لهنا. أصلها: لاه إنا فحذف مدة لاه، وترك همزة نا. ويرى الفراء أن لهنك أصلها: لأنك، فأبدل الهمزة هاء مثل: هراق الماء، وأراق، وأدخل اللام فى إن لليمين. ويقول ابن جنى فى الخصائص عن اللام فى قولهم: إن زيدا لقائم: إن موضعها أول الجملة وصدرها، لا آخرها وعجزها: ثم قال: ويدل على أن موضع اللام فى خبر إن أول الجملة قبل إن: أن العرب لما جفا عليها اجتماع هذين الحرفين قلبوا الهمزة هاء ليزول لفظ إن، فيزول أيضا ما كان مستكرها من ذلك فقالوا: لهنّك قائم بفتح فكسر فتضعيف، أى: لئنك قائم. ثم استشهد ببعض أبيات على هذا.. ورأيه فى هذا رأى سيبويه فى الكتاب، وضعف رأى من قالوا: إن أصلها: لله إنك الخصائص. ص ٣١٤ ج ١ ط ١٩٥٢ وقد تقدم فى الجزء الأول ذكر هذا. وثبير: جبال بظاهر مكة، والأثبرة أربعة: ثبير عينى، وثبير الأعرج، وهما: حراء وثبير. ثبير الأثبرة، وثبير منى: وماء بديار مزينة. ومعنى المثل:
[ ٢ / ٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللهُمّ بَغّضْ بَيْنَ رِعَائِنَا، وَحَبّبْ بَيْنَ نِسَائِنَا، وَاجْعَلْ الْمَالَ فِي سَمْحَائِنَا: وَهُوَ أَوّلُ مَنْ جَعَلَ الدّيَةَ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، فِيمَا ذَكَرَ أَبُو الْيَقْظَانِ، حَكَاهُ عَنْهُ حَمْزَةُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَصْبَهَانِيّ.
وَقَوْلُهُ: وَعَنْ مَوَالِيهِ بَنِي فَزَارَهْ. يَعْنِي بِمَوَالِيهِ: بَنِي عَمّهِ، لِأَنّهُ مِنْ عَدْوَانَ وَعَدْوَانُ وَفَزَارَةُ: مِنْ قَيْسِ عَيْلَانَ، وَقَوْلُهُ: مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَدْعُو جَارَهْ. أَيْ:
يَدْعُو اللهَ ﷿، يَقُولُ: اللهُمّ كُنْ لنا جارا مما نخافه، أى: مجيرا.
_________________
(١) ادخل يا ثبير فى الشروق، كى نسرع إلى النّحر. قال عمر: إن المشركين كانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير، وكانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس «الإفاضة هنا من المزدلفة إلى منى» والمثل يضرب فى الإسراع والعجلة، وفى شرح الكافية ج ٢ ص ٣٣٢ «واعلم أن من العرب من يقول: لهنّك «بفتح اللام وكسر الهاء وتضعيف النون مع فتح» لرجل صدق. قال: لهنّا لمقضىّ علينا التهاجر. وقال: لهنى لأشقى الناس إن كنت غارما. وقد يحذف اللام، وهو قليل، قال: ألا يا سنا برق على قلل الحمى لهنك من برق علىّ كريم وفيه ثلاثة مذاهب. أحدها لسيبويه: وهو أن الهاء بدل من همزة إن كإياك وهياك، فلما غيرت صورة إن بقلب همزتها هاء، جاز مجامعة اللام إياها بعد الامتناع، والثانى: قول الفراء، وهو أن أصله: والله إنك، كما روى عن أبى أدهم الكلابى: «له ربى لا أقول ذلك» بقصر اللام، ثم حذف حرف الجر، كما يقال: الله لأفعلن، وحذفت لام التعريف أيضا، كما يقال: لاه أبوك. أى: لله أبوك، ثم حذفت ألف فعال، كما يحذف من الممدود إذا قصر. كما يقال: الحصاد والحصد قال: ألا لا بارك الله فى سهيل إذ ما الله بارك فى الرجال «وحذف مد لام الله. ووقف عليها بالسكون وحذف ألف إذا» ثم حذفت همزة إنك
[ ٢ / ٤٣ ]
[أَمْرُ عَامِرِ بْنِ ظَرِبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِيَاذِ بْنِ يَشْكُرَ بْنِ عَدْوَانَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَوْلُهُ: حَكَمٌ يَقْضِي يَعْنِي: عَامِرَ بْنَ ظَرِبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِيَاذِ بْنِ يَشْكُرَ بْنِ عَدْوَانَ الْعَدْوَانِيّ. وَكَانَتْ الْعَرَبُ لَا يَكُونُ بَيْنَهَا نَائِرَةٌ، وَلَا عُضْلَةٌ فِي قَضَاءٍ إلّا أَسْنَدُوا ذَلِكَ إلَيْهِ، ثُمّ رَضُوا بِمَا قَضَى فيه، فاختصم إليه فى بعض ما كانو يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فِي رَجُلٍ خُنْثَى، لَهُ مَا للرجل، وله ما للمرأة، فقالوا: أنجعله رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً؟ وَلَمْ يَأْتُوهُ بِأَمْرِ كَانَ أَعْضَلَ مِنْهُ.
فَقَالَ: حَتّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِكُمْ، فو الله مَا نَزَلَ بِي مِثْلُ هَذِهِ مِنْكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ! فَاسْتَأْخَرُوا عَنْهُ. فَبَاتَ لَيْلَتَهُ سَاهِرًا يُقَلّبُ أَمْرَهُ، وَيَنْظُرُ فِي شَأْنِهِ، لَا يَتَوَجّهُ لَهُ مِنْهُ وَجْهٌ، وَكَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا: سُخَيْلَةُ تَرْعَى عَلَيْهِ غَنَمَهُ، وَكَانَ يُعَاتِبُهَا إذا سرحت فيقول: صَبّحْتِ وَاَللهِ يَا سُخَيْلُ! وَإِذَا أَرَاحَتْ عَلَيْهِ، قَالَ: مَسّيْتِ وَاَللهِ يَا سُخَيْلُ! وَذَلِك أَنّهَا كَانَتْ تُؤَخّرُ السّرْحَ حَتّى يَسْبِقَهَا بَعْضُ النّاسِ، وتؤخّر الإراحة حتى يسبقها بعض الناس. فلما رأت سهره وقلقه، وقلّه قراره على فراشه قالت:
مالك لا أبالك! مَا عَرَاك فِي لَيْلَتِك هَذِهِ؟ قَالَ: وَيْلَك! دَعِينِي، أَمْرٌ لَيْسَ مِنْ شَأْنِك، ثُمّ عَادَتْ لَهُ بِمِثْلِ قَوْلِهَا، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: عَسَى أَنْ تَأْتِيَ مِمّا أَنَا فِيهِ بِفَرَجٍ، فَقَالَ: وَيْحَك! اُخْتُصِمَ إلَيّ فِي مِيرَاثِ خُنْثَى، أَأَجْعَلُهُ رجلا أو امرأة؟
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وفيما قال تكلفات كثيرة. والثالث: ما حكى المفضل بن سلمة عن بعضهم أن أصله: لله إنك. واللام للقسم، فعمل به ما عمل فى مذهب الفراء، وقول الفراء أقرب من هذا، لأنه يقال: لهنك لقائم بلا تعجب» .
[ ٢ / ٤٤ ]
فو الله مَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ، وَمَا يَتَوَجّهُ لِي فِيهِ وَجْهٌ؟: قَالَ: فَقَالَتْ سُبْحَانَ اللهِ! لَا أبالك! أَتْبِعْ الْقَضَاءَ الْمَبَالَ، أَقْعِدْهُ، فَإِنْ بَالَ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ الرّجُلُ فَهُوَ رَجُلٌ، وَإِنْ بَالَ مِنْ حَيْثُ تَبُولُ الْمَرْأَةُ، فَهِيَ امْرَأَةٌ. قَالَ: مَسّي سُخَيْلُ بَعْدَهَا، أَوْ صَبّحِي، فَرّجْتِهَا وَاَللهِ!. ثُمّ خَرَجَ عَلَى النّاسِ حِينَ أَصْبَحَ، فَقَضَى بِاَلّذِي أَشَارَتْ عَلَيْهِ بِهِ.
[غَلَبُ قُصَيّ بْنِ كِلَابٍ عَلَى أَمْرِ مَكّةَ وَجَمْعُهُ أَمْرَ قُرَيْشٍ ومعونة قضاعة له]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ، فَعَلَتْ صُوفَةُ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ، وَقَدْ عَرَفَتْ ذَلِكَ لَهَا الْعَرَبُ، وَهُوَ دِينٌ فِي أَنْفُسِهِمْ فِي عَهْدِ جُرْهُمٍ وَخُزَاعَةَ وَوِلَايَتِهِمْ. فَأَتَاهُمْ قُصَيّ بْنُ كِلَابٍ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ وَقُضَاعَةَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ، فَقَالَ: لَنَحْنُ أَوْلَى بِهَذَا مِنْكُمْ، فَقَاتِلُوهُ، فَاقْتَتَلَ النّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمّ انْهَزَمَتْ صُوفَةُ، وَغَلَبَهُمْ قُصَيّ عَلَى ما كان بأيديهم من ذلك.
وَانْحَازَتْ عِنْدَ ذَلِكَ خُزَاعَةُ وَبَنُو بَكْرٍ عَنْ قُصَيّ، وَعَرَفُوا أَنّهُ سَيَمْنَعُهُمْ كَمَا مَنَعَ صُوفَةَ، وأنه سيحول بيهم وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَمْرِ مَكّةَ. فَلَمّا انْحَازُوا عَنْهُ بادأهم، وأجمع لحربهم، وَخَرَجَتْ لَهُ خُزَاعَةُ وَبَنُو بَكْرٍ فَالْتَقَوْا، فَاقْتَتَلُوا قتالا شديدا، حَتّى كَثُرَتْ الْقَتْلَى فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، ثُمّ إنّهُمْ تَدَاعَوْا إلَى الصّلْحِ، وَإِلَى أَنْ يُحَكّمُوا بَيْنَهُمْ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ، فَحَكّمُوا يَعْمُرَ بْنَ عوف بن كعب بن عامر بن
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٤٥ ]
لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، فَقَضَى بَيْنَهُمْ بِأَنّ قُصَيّا أَوْلَى بِالْكَعْبَةِ، وَأَمْرِ مَكّةَ مِنْ خُزَاعَةَ، وَأَنّ كُلّ دَمٍ أَصَابَهُ قُصَيّ مِنْ خُزَاعَةَ وَبَنِيّ بَكْرٍ: مَوْضُوعٌ يَشْدَخُهُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَأَنّ مَا أَصَابَتْ خُزَاعَةُ وَبَنُو بَكْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ وَقُضَاعَةَ، فَفِيهِ الدّيَةُ مُؤَدّاةٌ، وَأَنْ يُخَلّى بَيْنَ قُصَيّ وَبَيْنَ الكعبة ومكة.
فَسُمّيَ يَعْمُرُ بْنُ عَوْفٍ يَوْمَئِذٍ: الشّدّاخَ، لِمَا شدخ من الدماه وَوَضَعَ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَال: الشّدَاخُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلِيَ قُصَيّ الْبَيْتَ وَأَمْرَ مَكّةَ، وَجَمَعَ قَوْمَهُ مِنْ مَنَازِلِهِمْ إلَى مَكّةَ، وَتَمَلّكَ عَلَى قَوْمِهِ وَأَهْلِ مَكّةَ فَمَلّكُوهُ، إلّا أَنّهُ قَدْ أَقَرّ لِلْعَرَبِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَذَلِك أَنّهُ كَانَ يَرَاهُ دِينًا فِي نَفْسِهِ لَا يَنْبَغِي تَغْيِيرُهُ، فَأَقَرّ آلَ صَفْوَانَ وَعَدْوَانَ وَالنّسْأَةَ وَمُرّةَ بْنَ عَوْفٍ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، حَتّى جَاءَ الْإِسْلَامُ، فَهَدَمَ اللهُ بِهِ ذَلِكَ كُلّهُ. فَكَانَ قُصَيّ أَوّلَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ أَصَابَ مُلْكًا أَطَاعَ لَهُ بِهِ قومه، فكانت إليه الحجابة، والسّقاية، وَالرّفَادَةُ، وَالنّدْوَةُ، وَاللّوَاءُ، فَحَازَ شَرَفَ مَكّةَ كُلّهُ. وَقَطَعَ مَكّةَ رِبَاعًا بَيْنَ قَوْمِهِ، فَأَنْزَلَ كُلّ قَوْمٍ مِنْ قُرَيْشٍ مَنَازِلَهُمْ مِنْ مَكّةَ الّتِي أَصْبَحُوا عَلَيْهَا، وَيَزْعُمُ النّاسُ أَنّ قُرَيْشًا هَابُوا قَطْعَ شَجَرِ الْحَرَمِ فِي مَنَازِلِهِمْ، فَقَطَعَهَا قُصَيّ بِيَدِهِ وَأَعْوَانِهِ، فَسَمّتْهُ قُرَيْشٌ: مُجَمّعًا لِمَا جَمَعَ مِنْ أَمْرِهَا، وَتَيَمّنَتْ بِأَمْرِهِ، فَمَا تُنْكَحُ امْرَأَةٌ، وَلَا يَتَزَوّجُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَمَا يَتَشَاوَرُونَ فِي أَمْرٍ نَزَلَ بِهِمْ، وَلَا يَعْقِدُونَ لِوَاءً لِحَرْبِ قَوْمٍ مِنْ غَيْرِهِمْ إلّا فِي دَارِهِ، يَعْقِدُهُ لَهُمْ بَعْضُ وَلَدِهِ، وَمَا تَدّرِعُ جَارِيَةٌ
[ ٢ / ٤٦ ]
إذَا بَلَغَتْ أَنْ تَدّرِعَ مِنْ قُرَيْشٍ إلّا فِي دَارِهِ، يَشُقّ عَلَيْهَا فِيهَا دِرْعَهَا ثُمّ تَدّرِعُهُ، ثُمّ يَنْطَلِق بِهَا إلَى أَهْلِهَا. فَكَانَ أَمْرُهُ فِي قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ فِي حَيَاتِهِ، وَمِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ، كَالدّينِ الْمُتّبِعِ لَا يُعْمَلُ بِغَيْرِهِ. وَاِتّخَذَ لِنَفْسِهِ دَارَ النّدْوَةِ، وَجَعَلَ بَابَهَا إلَى مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، فَفِيهَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَقْضِي أمورها: قال ابن هشام:
وقال الشاعر:
قُصَيّ لَعَمْرِي كَانَ يُدَعّى مُجَمّعًا بِهِ جَمَعَ اللهُ الْقَبَائِلَ مِنْ فِهْرِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ أَبِيهِ، قال: سمعت السائب ابن خَبّابٍ صَاحِبَ الْمَقْصُورَةِ يُحَدّثُ، أَنّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُحَدّثُ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ، وَهُوَ خَلِيفَةٌ، حَدِيثَ قُصَيّ بْنِ كِلَابٍ، وَمَا جَمَعَ مِنْ أَمْرِ قَوْمِهِ، وَإِخْرَاجِهِ خُزَاعَةَ وَبَنِيّ بَكْرٍ مِنْ مَكّةَ، وَوِلَايَتِهِ الْبَيْتَ وَأَمْرَ مَكّةَ، فَلَمْ يَرُدّ ذَلِكَ عليه ولم ينكره.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا فَرَغَ قُصَيّ مِنْ حَرْبِهِ، انْصَرَفَ أَخُوهُ رِزَاحُ بْنُ رَبِيعَةَ إلَى بِلَادِهِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ، وَقَالَ رِزَاحٌ فى إجابته قصيّا:
لمّا أتى من قصىّ رسول فَقَالَ الرّسُولُ: أَجِيبُوا الْخَلِيلَا
نَهَضْنَا إلَيْهِ نَقُودُ الْجِيَادَ وَنَطْرَحُ عَنّا الْمَلُولَ الثّقِيلَا
نَسِيرُ بِهَا اللّيْلَ حَتّى الصّبَاحِ وَنَكْمِي النّهَارَ؛ لِئَلّا نَزُولَا
فَهُنّ سِرَاعٌ كَوِرْدِ الْقَطَا يُجِبْنَ بِنَا مِنْ قُصَيّ رَسُولَا
جَمَعْنَا مِنْ السّرّ مِنْ أَشْمَذَيْنِ ومن كلّ حىّ جمعنا قبيلا
فيالك حُلْبَةَ مَا لَيْلَة تَزِيدُ عَلَى الْأَلْفِ سَيْبًا رسيلا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٤٧ ]
فلمّا مررن على عسجر وأسهلن من مستتاخ سَبِيلَا
وَجَاوَزْنَ بِالرّكْنِ مِنْ وَرِقَانٍ وَجَاوَزْنَ بِالْعَرْجِ حيا حلولا
مررن على الحيل مَا ذُقْنَهُ وَعَالَجْنَ مِنْ مَرّ لَيْلًا طَوِيلَا
نُدْنِي مِنْ الْعُوذِ أَفْلَاءَهَا إرَادَةَ أَنْ يَسْتَرِقْنَ الصّهِيلَا
فَلَمّا انْتَهَيْنَا إلَى مَكّةَ أَبَحْنَا الرّجَالَ قَبِيلًا قَبِيلًا
نُعَاوِرُهُمْ ثُمّ حَدّ السّيُوفِ وَفِي كُلّ أَوْبٍ خَلَسْنَا الْعَقُولَا
نُخَبّزُهُمْ بِصَلَابِ النّسُو رِ خَبْزَ الْقَوِيّ الْعَزِيزَ الذّلِيلَا
قَتَلْنَا خُزَاعَةَ فِي دَارِهَا وَبَكْرًا قَتَلْنَا وَجِيلًا فَجِيلَا
نَفَيْنَاهُمْ مِنْ بِلَادِ الْمَلِيكِ كَمَا لَا يَحِلّونَ أَرْضًا سُهُولَا
فَأَصْبَحَ سَبْيُهُمْ فِي الْحَدِيدِ وَمِنْ كُلّ حىّ شفينا الغليلا
وَقَالَ ثَعْلَبَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ذُبْيَانَ بن الجارث بن سعد بن هُذَيْمٍ الْقُضَاعِيّ فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ قُصَيّ حِينَ دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ:
جَلَبْنَا الْخَيْلَ مُضْمَرَةً تَغَالِي مِنْ الْأَعْرَافِ أَعْرَافَ الْجِنَابِ
إلَى غَوْرَى تِهَامَةَ، فَالْتَقَيْنَا مِنْ الْفَيْفَاءِ فِي قَاعٍ يَبَابِ
فَأَمّا صُوفَةُ الْخُنْثَى، فَخَلّوْا مَنَازِلَهُمْ مُحَاذَرَةَ الضّرَابِ
وَقَامَ بنر عَلِيّ إذْ رَأَوْنَا إلَى الْأَسْيَافِ كَالْإِبِلِ الطّرَابِ
وَقَالَ قُصَيّ بْنُ كِلَابٍ:
أَنَا ابْنُ الْعَاصِمِينَ بَنِي لُؤَيّ بِمَكّةَ مَنْزِلِي، وَبِهَا رَبِيتُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٤٨ ]
إلَى الْبَطْحَاءِ قَدْ عَلِمَتْ مَعَدّ وَمَرْوَتُهَا رَضِيت بِهَا رَضِيت
فَلَسْت لِغَالِبِ إنْ لَمْ تَأَثّلْ بها أولاد قيذر، والنّبيت
رزاح ناصرى، وَبِهِ أُسَامِي فَلَسْتُ أَخَافُ ضَيْمًا مَا حَيِيتُ
فَلَمّا اسْتَقَرّ رِزَاحُ بْنُ رَبِيعَةَ فِي بِلَادِهِ، نَشَرَهُ اللهُ وَنَشَرَ حُنّا، فَهُمَا قَبِيلَا عُذْرَةَ الْيَوْمِ. وَقَدْ كَانَ بَيْنَ رِزَاحِ بْنِ رَبِيعَةَ، حِينَ قَدِمَ بِلَادَهُ، وَبَيْنَ نَهْدِ بْنِ زَيْدِ وَحَوْتَكَةَ بْنِ أَسْلُمَ، وَهُمَا بَطْنَانِ مِنْ قُضَاعَةَ شَيْءٌ، فَأَخَافَهُمْ حَتّى لَحِقُوا بِالْيَمَنِ، وَأَجْلَوْا مِنْ بِلَادِ قُضَاعَةَ، فَهُمْ الْيَوْمَ بِالْيَمَنِ، فَقَالَ قُصَيّ بْنُ كِلَابٍ، وَكَانَ يُحِبّ قُضَاعَةَ وَنَمَاءَهَا وَاجْتِمَاعَهَا بِبِلَادِهَا، لِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِزَاحٍ مِنْ الرّحِمِ، ولبلائهم عنده إذا أَجَابُوهُ إذْ دَعَاهُمْ إلَى نُصْرَتِهِ، وَكَرِهَ مَا صَنَعَ بِهِمْ رِزَاحٌ:
أَلَا مِنْ مُبْلِغٍ عَنّي رِزَاحَا فَإِنّي قَدْ لَحَيْتُك فِي اثْنَتَيْنِ
لَحَيْتُك فِي بَنِي نَهْدِ بْنِ زَيْدِ كَمَا فَرّقْتَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنِي
وَحَوْتَكَةُ بْنُ أَسْلُمَ إنّ قَوْمًا عَنَوْهُمْ بِالْمَسَاءَةِ قَدْ عَنَوْنِي
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَتُرْوَى هَذِهِ الْأَبْيَاتُ لِزُهَيْرِ بْنِ جَنَابٍ الْكَلْبِيّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا كَبِرَ قُصَيّ وَرَقّ عَظْمُهُ، وَكَانَ عَبْدُ الدّارِ بِكْرَهُ، وَكَانَ عَبْدُ مَنَافٍ قَدْ شَرُفَ فِي زَمَانِ أَبِيهِ، وَذَهَبَ كُلّ مَذْهَبٍ، وَعَبْدُ الْعُزّى وَعَبْدٌ. قَالَ قُصَيّ لِعَبْدِ الدّارِ: أَمَا وَاَللهِ يَا بُنَيّ لِأُلْحِقَنّك بِالْقَوْمِ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ شَرُفُوا عَلَيْك: لَا يَدْخُلُ رَجُلٌ مِنْهُمْ الْكَعْبَةَ، حَتّى تَكُونَ أَنْت تَفْتَحُهَا لَهُ، وَلَا يَعْقِدُ لِقُرَيْشٍ لِوَاءً لِحَرْبِهَا إلّا أَنْت بِيَدِك، وَلَا يَشْرَبُ أَحَدٌ بِمَكّةَ إلّا مِنْ سِقَايَتِك، وَلَا يَأْكُلُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَوْسِمِ طَعَامًا إلّا مِنْ طَعَامِك، وَلَا تقطع قريش
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٤٩ ]
أمرا من أمورها إلا فى دَارِك، فَأَعْطَاهُ دَارَهُ دَارَ النّدْوَةِ، الّتِي لَا تَقْضِي قُرَيْشٌ أَمْرًا مِنْ أُمُورِهَا إلّا فِيهَا، وأعطاه الحجابة واللواء والسّقاية والرّفادة.
[من فرض الرفادة:]
وَكَانَتْ الرّفَادَةُ خَرْجًا تُخْرِجُهُ قُرَيْشٌ فِي كلّ موسم من أموالها إلى قصىّ ابن كِلَابٍ، فَيَصْنَعُ بِهِ طَعَامًا لِلْحَاجّ، فَيَأْكُلُهُ مَنْ لم يكن له سعة ولازاد، وَذَلِك أَنّ قُصَيّا فَرَضَهُ عَلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ أَمَرَهُمْ بِهِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّكُمْ جِيرَانُ اللهِ، وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَأَهْلُ الْحَرَمِ، وَإِنّ الْحَاجّ ضَيْفُ اللهِ وَزُوّارُ بَيْتِهِ، وَهُمْ أَحَقّ الضّيْفِ بِالْكَرَامَةِ، فَاجْعَلُوا لَهُمْ طَعَامًا وَشَرَابًا أَيّامَ الْحَجّ، حَتّى يَصْدُرُوا عَنْكُمْ، فَفَعَلُوا، فَكَانُوا يُخْرِجُونَ لِذَلِك كُلّ عَامٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ خَرْجًا، فَيَدْفَعُونَهُ إلَيْهِ، فَيَصْنَعُهُ طَعَامًا لِلنّاسِ أَيّامَ مِنًى، فَجَرَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ فِي الْجَاهِلِيّةِ عَلَى قَوْمِهِ حَتّى قَامَ الْإِسْلَامُ، ثُمّ جَرَى فِي الْإِسْلَامِ إلَى يَوْمِك هَذَا، فَهُوَ الطّعَامُ الّذِي يَصْنَعُهُ السّلْطَانُ كُلّ عَامٍ بِمَنَى لِلنّاسِ حَتّى يَنْقَضِيَ الْحَجّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي بِهَذَا مِنْ أَمْرِ قُصَيّ بْنِ كِلَابٍ، وَمَا قَالَ لِعَبْدِ الدّارِ فِيمَا دُفِعَ إلَيْهِ مِمّا كَانَ بِيَدِهِ: أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ الْحَسَنِ بن محمد ابن عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃، قَالَ:
سَمِعْته يَقُولُ ذَلِكَ لِرَجُلِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ، يُقَالُ لَهُ: نُبَيْهُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنُ عَامِرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ.
قَالَ الْحَسَنُ: فَجَعَلَ إلَيْهِ قُصَيّ كُلّ مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنْ أَمْرِ قَوْمِهِ، وَكَانَ قُصَيّ لَا يُخَالَفُ، وَلَا يُرَدّ عَلَيْهِ شىء صنعه.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْحُكْمُ بِالْأَمَارَاتِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ عَامِرُ بْنُ الظّرِبِ وَحُكْمُهُ فِي الْخُنْثَى، وَمَا أَفْتَتْهُ بِهِ جَارِيَتُهُ سُخَيْلَةُ، وَهُوَ حُكْمٌ مَعْمُولٌ بِهِ فِي الشّرْعِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ، وَلَهُ أصل فى الشريعة، قال الله سبحانه: (وجاؤا على قميصه بدم كذب) وَجْهُ الدّلَالَةِ عَلَى الْكَذِبِ فِي الدّمِ أَنّ الْقَمِيصَ الْمُدْمَى لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَرْقٌ وَلَا أَثَرٌ لِأَنْيَابِ الذّئْبِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدّ مِنْ قُبُلٍ [فَصَدَقَتْ، وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ] . يُوسُفَ: ٢٦) الْآيَةَ. وَقَوْلُ النّبِيّ ﷺ فِي الْمَوْلُودِ: «إنْ جَاءَتْ بِهِ أَوْرَقَ جَعْدًا جُمَالِيّا فَهُوَ لِلّذِي رُمِيَتْ بِهِ «١»» فَالِاسْتِدْلَالُ بِالْأَمَارَاتِ أَصْلٌ يَنْبَنِي عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَحْكَامِ فِي الْحُدُودِ وَالْمِيرَاثِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَالْحُكْمُ فِي الْخُنْثَى أَنْ يُعْتَبَرَ الْمَبَالُ، وَيُعْتَبَرَ بِالْحَيْضِ، فَإِنْ أَشْكَلَ مِنْ كُلّ وَجْهٍ، حُكِمَ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الْمِيرَاثِ سَهْمُ امْرَأَةٍ وَنِصْفٌ، وَفِي الدّيَةِ كَذَلِكَ، وَأَكْثَرُ أَحْكَامِهِ مَبْنِيّةٌ عَلَى الاجتهاد.
_________________
(١) هذا جزء من حديث- رواه أبو داود مطولا، وفى إسناده عباد بن منصور، وقد تكلم فيه غير واحد، وهو فى قذف هلال بن أمية أحد الثلاثة الذين خلفوا امرأته بشريك بن سحماء، فشكا ذلك إلى النبى ﷺ فطلب منه الرسول «ص» البينة، وإلا أقام عليه الحد، فنزلت آيات اللعان من سورة النور، وقد روى قصة هلال: الجماعة وأحمد، والجعد: القصير الشعر، والأورق: الأسمر مع بياض. والجمالى: العظيم الخلق كأنه الجمل، وقد طلب النبى ﷺ أن تترك المرأة حتى تلد، فجاءت بالولد فى صفات الرجل الذى رميت به، فقال ﷺ: «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لى ولها شأن» .
[ ٢ / ٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشّدّاخُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ يَعْمَرَ الشّدّاخَ بْنَ عَوْفٍ حِينَ حَكّمُوهُ، وَأَنّهُ سُمّيَ بِالشّدّاخِ لَمّا شَدَخَ مِنْ دِمَاءِ خُزَاعَةَ «١» وَيَعْمَرُ الشّدّاخُ هُوَ جَدّ بَنِي دَأْبٍ الّذِينَ أُخِذَ عَنْهُمْ كَثِيرٌ مِنْ عِلْمِ الْأَخْبَارِ وَالْأَنْسَابِ وَهُمْ: عِيسَى بْنُ يَزِيدَ بن [بكر] ابن دَأْبٍ، وَأَبُوهُ: يَزِيدُ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ دَأْبٍ، وَدَأْبٌ هُوَ: ابْنُ كُرْزِ بْنِ أَحْمَرَ مِنْ بَنِي يَعْمَرَ بْنِ عَوْفٍ الّذِي شَدَخَ دِمَاءَ خُزَاعَةَ، أَيْ: أَبْطَلَهَا، وَأَصْلُ الشّدْخِ:
الْكَسْرُ وَالْفَضْخُ، وَمِنْهُ الْغُرّةُ الشّادِخَةُ، شُبّهَتْ بِالضّرْبَةِ الْوَاسِعَةِ. وَالشّدّاخُ بِفَتْحِ الشّينِ كَمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، وَالشّدّاخُ بِضَمّهَا إنّمَا هُوَ جَمْعٌ، وَجَائِزٌ أَنْ يُسَمّى هُوَ وَبَنُوهُ: الشّدّاخَ، كَمَا يُقَالُ: الْمَنَاذِرَةُ فِي الْمُنْذِرِ وَبَنِيهِ، وَالْأَشْعَرُونَ فِي بَنِي الْأَشْعَرِ مِنْ سَبَأٍ «٢» وَهُوَ بَابٌ يَكْثُرُ وَيَطُولُ. وَأُمّ يَعْمَرَ الشّدّاخِ اسْمُهَا: السّؤْمُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ جُرّةَ بِضَمّ الْجِيمِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ جِرّةَ بِالْكَسْرِ «٣» ذَكَرَهُ ابْنُ ما كولا. وَمِنْ بَنِي الشّدّاخِ: بَلْعَاءُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عبد الله بن يعمر
_________________
(١) فى الاشتقاق: «إنما سمى الشداخ لأنه أصلح بين قريش وخزاعة فى الحرب التى كانت بينهم، فقال: شدخت الدماء تحت قدمىّ، والشّدخ: وطؤك الشىء حتى تفضخه، والفرس الشادخ: الذى انتشرت غرته فى وجهه، ولم تبلغ العينين، والجمع: شوادخ، والفضخ: الكسر، ويذكر السهيلى عيسى بن يزيد بن دأب، وهو فى الاشتقاق: عِيسَى بْنُ يَزِيدَ بْنِ بَكْرِ بْنِ دَأْبٍ.
(٢) الأشعر هو: نبت بن زيد بن كهلان بن سبأ.
(٣) فى القاموس: السوم بفتح السين وواو ساكنة بنت جرة بكسر الجيم: أعرابية، وفيه: يزيد بن الأخنس بن جرة بضم الجيم: صحابى.
[ ٢ / ٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشّدّاخُ الشّاعِرُ الْمَذْكُورُ فِي شِعْرِ الْحَمَاسَةِ، اسْمُهُ: حُمَيْضَةُ، وَلُقّبَ:
بَلْعَاءَ «١» لِقَوْلِهِ:
أَنَا ابْنُ قَيْسٍ سَبُعًا وَابْنَ سَبُعْ أَبَارَ مِنْ قَيْسٍ قَبِيلًا فَالْتَمَعْ
كَأَنّمَا كَانُوا طَعَامًا فَابْتُلِعْ
(وِلَايَةُ قُصَيّ الْبَيْتَ) ذَكَرَ فِيهِ أَمْرَ قُصَيّ وَمَا جَمَعَ مِنْ أَهْلِ مَكّةَ، وَأَنْشَدَ:
قُصَيّ لَعَمْرِي كَانَ يُدْعَى مُجَمّعًا
«٢» . الْبَيْتَ وَبَعْدَهُ:
هُمُوا مَلَئُوا الْبَطْحَاءَ مَجْدًا وَسُوْدُدًا وَهُمْ طَرَدُوا عَنّا غُوَاةَ بَنِي بَكْرِ
وَيَذْكُرُ أَنّ هَذَا الشّعْرَ لِحُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ.
وَذَكَرَ أَنّ قُصَيّا قَطّعَ مَكّةَ رِبَاعًا «٣»، وَأَنّ أَهْلَهَا هَابُوا قَطْعَ شَجَرِ الْحَرَمِ للبنيان. وقال الْوَاقِدِيّ: الْأَصَحّ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنّ قُرَيْشًا حِينَ أَرَادُوا الْبُنْيَانَ قَالُوا لِقُصَيّ: كَيْفَ نَصْنَعُ فى شجر الحرم، فحذّرهم قطعها وخوّفهم
_________________
(١) فى الاشتقاق: بلعاء من قولهم: بئر بلعاء: واسعة، ورجل بلع إذا كان نهما، وقد أخرج له أبو تمام فى ديوان الحماسة ثلاثة أبيات، أولها: وفارس فى غمار الموت منغمس إذا تألىّ على مكروهة صدقا غمار الموت: شدائده، تألى: حلف، وفى اللسان: حمضة اسم حى بلعاء وقد كان بلعاء رئيسا فى الجاهلية، وشهد حرب الفجار الثانى، ومات فى تلك الأيام
(٢) فى الطبرى ٢٥٦ ج ٢، أبوكم قصى كان يدعى مجمعا.
(٣) دورا.
[ ٢ / ٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْعُقُوبَةَ فِي ذَلِكَ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَحُوفُ بِالْبُنْيَانِ حَوْلَ الشّجَرَةِ، حَتّى تَكُونَ فِي مَنْزِلِهِ. قَالَ: فَأَوّلُ مَنْ تَرَخّصَ فِي قَطْعِ شَجَرِ الْحَرَمِ للبنيان عبد الله ابن الزّبَيْرِ حِينَ ابْتَنَى دُورًا بِقُعَيْقِعَانَ، لَكِنّهُ جَعَلَ دِيَةَ كُلّ شَجَرَةٍ: بَقَرَةً، وَكَذَلِكَ يُرْوَى عَنْ عمر- رضى الله- أَنّهُ قَطَعَ دَوْحَةً كَانَتْ فِي دَارِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى، كَانَتْ تَنَالُ أَطْرَافُهَا ثِيَابَ الطّائِفِينَ بِالْكَعْبَةِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوَسّعَ الْمَسْجِدُ، فَقَطَعَهَا عُمَرُ﵁- وَوَدَاهَا بَقَرَةً، ومذهب مالك﵀- فى ذلك: ألّادية فِي شَجَرِ الْحَرَمِ. قَالَ: وَلَمْ يَبْلُغْنِي فِي ذَلِكَ شَيْءٌ.
وَقَدْ أَسَاءَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَأَمّا الشّافِعِيّ﵀- فَجَعَلَ فِي الدّوْحَةِ بَقَرَةً، وَفِيمَا دُونَهَا شَاةً. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ﵀- إنْ كَانَتْ الشّجَرَةُ الّتِي فِي الْحَرَمِ مِمّا يَغْرِسُهَا النّاسُ، ويَسْتَنْبِتُونها، فَلَا فِدْيَةَ عَلَى مَنْ قَطَعَ شَيْئًا مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهَا، فَفِيهِ الْقِيمَةُ بَالِغًا مَا بَلَغَتْ.
وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَنّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ﵄- أَفْتَى فِيهَا بِعِتْقِ «١» رقبة.
_________________
(١) وفى الثقرى للمحب الطبرى: «عن عطاء أنه كان يقول فى المحرم: إذا قطع شجرة عظيمة من شجر الحرم فعليه بدنة، وفى الدوحة: بقرة. وعنه أنه سئل عمن قطع من شجر الحرم، فقال: يستغفر الله ﷿ ولا يعود، وعنه أنه كان يرخص فى القصب والشوك. والسّنى: نوع من النبات. وعنه لا بأس أن يجنى الكمأة من الحرم ولا بأس بالسعشرق (نبات يتفرش على وجه الأرض عريض الورق وليس له شوك) والكمأة جمع مفرده: كمء، والكمء: نبات ينفض الأرض، فيخرج كما يخرج الفطر، يأكله الناس والحيوان، على أنه ورد فى حديث أخرجه البخارى ومسلم أن الحرم لا يعضد شوكه، أى: لا يقطع.
[ ٢ / ٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دَارُ النّدْوَةِ:
وَذَكَرَ أَنّ قُصَيّا اتّخَذَ دَارَ النّدْوَةِ، وَهِيَ الدّارُ الّتِي كَانُوا يَجْتَمِعُونَ فِيهَا لِلتّشَاوُرِ، وَلَفْظُهَا مَأْخُوذٌ مِنْ لَفْظِ النّدِيّ وَالنّادِي وَالْمُنْتَدَى، وَهُوَ مَجْلِسُ الْقَوْمِ الّذِي يَنْدُونَ حَوْلَهُ، أَيْ: يَذْهَبُونَ قَرِيبًا مِنْهُ، ثُمّ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ، وَالتّنْدِيَةُ فِي الْخَيْلِ. أَنْ تُصْرَفَ عَنْ الْوِرْدِ إلَى الْمَرْعَى قَرِيبًا، ثُمّ تُعَادُ إلَى الشّرْبِ، وَهُوَ الْمُنَدّى «١»، وَهَذِهِ الدّارُ تَصَيّرَتْ بَعْدَ بَنِي عبد الدار إلى حكيم بن حزام ابن خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ، فَبَاعَهَا فِي الْإِسْلَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ، فَلَامَهُ مُعَاوِيَةُ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ: أَبِعْت مَكْرُمَةَ آبَائِك وَشَرَفِهِمْ، فَقَالَ حَكِيمٌ: ذَهَبَتْ الْمَكَارِمُ إلّا التّقْوَى. وَاَللهِ: لَقَدْ اشْتَرَيْتهَا فِي الْجَاهِلِيّةِ بِزِقّ خَمْرٍ، وَقَدْ بِعْتهَا بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأُشْهِدُكُمْ أَنّ ثَمَنَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَيّنَا الْمَغْبُونُ؟! ذَكَرَ خَبَرَ حَكِيمٍ هذا الدار قطنى فِي أَسْمَاءِ رِجَالِ الْمُوَطّأِ لَهُ.
مِنْ تَفْسِيرِ شِعْرِ رِزَاحٍ.
فَصْلٌ: وَذَكَرَ شِعْرَ رِزَاحٍ، وَفِيهِ: وَنَكْمِي النّهَارَ أَيْ: نَكْمُنُ وَنَسْتَتِرُ، وَالْكَمِيّ مِنْ الْفُرْسَانِ، الّذِي تَكَمّى بِالْحَدِيدِ. وَقِيلَ: الّذِي يَكْمِي شَجَاعَتَهُ، أَيْ: يَسْتُرُهَا، حَتّى يُظْهِرَهَا عِنْدَ الْوَغَى. وَفِيهِ: مَرَرْنَا بِعَسْجَرَ، وَهُوَ: اسْمُ مَوْضِعٍ، وَكَذَلِكَ: وَرِقَانُ اسْمُ جَبَلٍ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ سُفْيَانَ: وَرَقَانُ بِفَتْحِ الرّاءِ، وَقَيّدَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيّ: ورقان بكسر الراء، وأنشد للأحوص:
_________________
(١) والمنتدى أيضا من أسماء النادى الذى هو مجتمع مجلس القوم ومتحدثهم والمندى: مكان ورد الإبل.
[ ٢ / ٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَيْفَ نُرَجّي الْوَصْلَ مِنْهَا وَأَصْبَحَتْ ذُرَى وَرِقَانٍ «١» دُونَهَا وَحَفِيرُ
وَيُخَفّفُ، فَيُقَالُ: وَرْقَانُ. قَالَ جَمِيلٌ:
يَا خَلِيلَيّ إنّ بَثْنَةَ بَانَتْ يَوْمَ وَرْقَانَ بِالْفُؤَادِ سَبِيّا
وَذَكَرَ أَنّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْجِبَالِ، وذكر أن فيه أو شالا «٢» وَعُيُونًا عِذَابًا، وَسَكّانُهُ: بَنُو أَوْسِ بْنِ مُزَيْنَةَ.
وَذَكَرَ أَيْضًا الْحَدِيثَ، وَهُوَ قَوْلُ النّبِيّﷺ-: «ضِرْسُ الْكَافِرِ فِي النّارِ مِثْلُ أُحُدٍ، وَفَخِذُهُ مِثْلُ وَرِقَانٍ» «٣» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنّهُ ﵇ ذَكَرَ آخِرَ مَنْ يَمُوتُ مِنْ هَذِهِ الْأُمّةِ، فَقَالَ: رَجُلَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يَنْزِلَانِ جَبَلًا مِنْ جِبَالِ الْعَرَبِ، يُقَالُ لَهُ: وَرِقَانُ «٤» كُلّ هَذَا مِنْ قَوْلِ الْبَكْرِيّ فِي كِتَابِ مُعْجَمِ مَا اُسْتُعْجِمَ.
فَصْلٌ: وَذَكَرَ أَشْمَذِينَ بِكَسْرِ الذّالِ، وَفِي حَاشِيَةِ كِتَابِ سُفْيَانَ بْنِ الْعَاصِ:
الْأَشْمَذَانِ: جَبَلَانِ [بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَخَيْبَرَ]، ويقال: اسم قبيلتين، ثم قال فى
_________________
(١) ورقان- بالفتح ثم الكسر- ويروى بسكون الراء: جبل أسود بين العرج والرويثة على يمين المصعد من المدينة إلى مكة، وهو من جبال تهامة.
(٢) مياه تسيل من أعراض الجبال، فتجتمع ثم تساق إلى المزارع.
(٣) رواه أحمد فى مسنده والحاكم فى مستدركه عن أبى هريرة.
(٤) الذى فى الحاكم: «آخر من حشر: راعيان من مزينة يريدان المدينة ينعقان بضمهما فيجدانها وحوشا، حتى إذا بلغا ثنيّة الوداع خرا على وجوههما» ومثل هذه الأحاديث لا يعتد بها.
[ ٢ / ٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْحَاشِيَةِ: فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الرّوَايَةُ بِفَتْحِ الذّالِ وَكَسْرِ النّونِ مِنْ أَشْمَذَيْنِ- قَالَ الْمُؤَلّفُ ﵀- فَإِنْ صَحّ أَنّهُمَا اسْمُ قَبِيلَتَيْنِ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ الرّوَايَةُ كَمَا فِي الْأَصْلِ: أَشْمَذِينَ «١» بِكَسْرِ الذّالِ، لِأَنّهُ جَمْعٌ فِي الْمَعْنَى. واشتقاق الأشمذ من شمذت النّاقَةِ بِذَنَبِهَا أَيْ: رَفَعَتْهُ، وَيُقَالُ لِلنّحْلِ: شُمّذٌ، لِأَنّهَا تَرْفَعُ أَعْجَازَهَا.
وَفِيهِ: مَرَرْنَ عَلَى الْحَيْلِ «٢» وَفَسّرَهُ الشّيْخُ فِي حَاشِيَةِ الْكِتَابِ، فَقَالَ:
هُوَ الْمَاءُ الْمُسْتَنْقَعُ فِي بَطْنِ وَادٍ، وَوَجَدْت فِي غَيْرِ أَصْلِ الشّيْخِ رِوَايَتَيْنِ، إحْدَاهُمَا:
مَرَرْنَ عَلَى الْحِلّ وَالْأُخْرَى: مَرَرْنَ عَلَى الْحِلْيِ، فَأَمّا الْحِلّ: فَجَمْعُ حِلّةٍ، وَهِيَ بَقْلَةٌ شَاكّةٌ «٣» . ذَكَرَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ فِي الْجَمْهَرَةِ. وَأَمّا الْحِلْيُ، فَيُقَالُ: إنّهُ ثمر القلقلان «٤» وهو نبت.
_________________
(١) فى المراصد: أشمذين- بفتح أوله والميم والذال مفتوحتان، والياء ساكنة والنون مكسورة بلفظ التثنية: جبلان بين المدينة وخيبر تنزلهما جهينة وأشجع.
(٢) الحيل فى اللسان كما ذكر الشيخ، وأيضا: القطيع من الغنم، وحجارة تحدر من جوانب الجبل إلى أسفله وفى الأصل «الجبل» وهو خطأ.
(٣) وفى اللسان والقاموس: شجرة شاكّة.
(٤) عرق هذا الشجر المغاث، وقد خطأ أبوذر فى شرحه للسيرة هذا الرأى لأن اسم النبات: الحلى بتشديد الياء وكسر اللام. وذكر أنه اسم موضع. ورزاح بن ربيعة بكسر الراء، وغيره بالكسر وبالفتح. ومن معانى مفردات قصيدة رزاح: الورد: الواردة. الحلبة: جماعة الخيل. السيب: المشى السريع فى رفق كانسياب الحية. الرسيل: المشى الذى فيه تمهل. وعسجر: موضع قرب مكة. أسهل: حل الموضع السهل، العرج: واد من نواحى الطائف. العوذ: جمع عائذ: الناقة أو الفرس التى لها أولاد. والأفلاء: جمع فلو، المهر العظيم. نعاور:
[ ٢ / ٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ فِيهَا: نُخَبّزُهُمْ. أَيْ: نَسُوقُهُمْ سَوْقًا شَدِيدًا، وَقَدْ تَقَدّمَ قَوْلُ الرّاجِزِ. لَا تَخْبِزَا خَبْزًا وَبُسّا بَسّا.
وَذَكَرَ شِعْرَ رِزَاحٍ الْآخَرَ، وَفِيهِ: مِنْ الْأَعْرَافِ أَعْرَافِ الْجِنَابِ. بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مِنْ بِلَادِ قُضَاعَةَ.
وَفِيهِ: وَقَامَ بَنُو عَلِيّ، وَهُمْ بَنُو كِنَانَةَ، وَإِنّمَا سُمّوا بِبَنِي على؛ لأنّ عبد مناة ابن كِنَانَةَ كَانَ رَبِيبًا لِعَلِيّ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مازن من الأزدجدّ سَطِيحٍ الْكَاهِنِ، فَقِيلَ لِبَنِي كِنَانَةَ: بَنُو عَلِيّ، وَأَحْسَبُهُ أَرَادَ فِي هَذَا الْبَيْتِ بَنِي بَكْرِ ابن عَبْدِ مَنَاةَ؛ لِأَنّهُمْ قَامُوا مَعَ خُزَاعَةَ.
شِعْرُ قُصَيّ والعذرتان:
وَذَكَرَ شِعْرَ قُصَيّ: أَنَا ابْنُ الْعَاصِمِينَ بَنِي لُؤَيّ. الْأَبْيَاتَ. وَلَيْسَ فِيهَا مَا يشكل.
_________________
(١) نداول مرة بعد أخرى. الأوب: الرجوع. وصلاب النسور: النسور: جمع نسر، وهو اللحم اليابس الذى فى باطن الحافر. وصلاب النسور كناية عن الخيل القوية، ومن مفردات قصيدة ثعلبة: التغالى من المغالاة، وهى ارتفاع الدابة فى سيرها ومجاوزتها حسن السير. والغور: أصله ما تدخل من الأرض، وانهبط، ومنه: غور تهامة، وكل ما وصف به تهامة، فهو من صفة الغور؛ لأنهما اسمان لمسمى واحد. والفيفاء: الصحراء. القاع: أرض مستوية مطمئنة عما يحيط بها من الجبال والاكام، تنصب إليها الأمطار، فتمسكها، ثم تنبت العشب، الضراب: يقال: ضرب الفحل ضرابا: أتى الناقة. والطراب: الإبل التى اشتاقت إلى موطنها.
[ ٢ / ٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ أَنّ رِزَاحًا حِينَ اسْتَقَرّ فِي بِلَادِهِ نشر الله ولده وولد حنّ، ابن رَبِيعَةَ، فَهُمَا حَيّا عُذْرَةَ.
قَالَ الْمُؤَلّفُ: فِي قُضَاعَةَ: عُذْرَتَانِ: عُذْرَةُ بْنُ رُفَيْدَةَ، وَهُمْ مِنْ بنى كلب ابن وَبْرَةَ. وَعُذْرَةُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سُودِ بْنِ أَسْلُمِ بْنِ الْحَافّ بْنِ قُضَاعَةَ، وَأَسْلُمُ هَذَا هُوَ بِضَمّ اللّامِ مِنْ وَلَدِ حُنّ بْنِ رَبِيعَةَ أَخِي رِزَاحِ بْنِ رَبِيعَةَ جَدّ جَمِيلِ بن عبد الله ابن مَعْمَرٍ صَاحِبِ بُثَيْنَةَ، وَمَعْمَرٌ هُوَ ابْنُ وَلَدِ الحارث بن خبير بْنِ ظَبْيَانَ، وَهُوَ الضّبِيسُ بْنُ حُنّ. وَبُثَيْنَةُ أَيْضًا مِنْ وَلَدِ حُنّ، وَهِيَ بِنْتُ حِبّانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْهَوْذِيّ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحَبّ بْنِ حُنّ [وَفِي قُضَاعَةَ أَيْضًا عُذْرَةُ بْنُ عَدِيّ، وَفِي الْأَزْدِ: عُذْرَةُ بْنُ عَدّاد] .
حَوْتَكَةُ وَأَسْلُمٌ:
وَذَكَرَ حَوْتَكَةَ بْنَ أَسْلُمٍ وَبَنِيّ نهد بن زيد وإجلاء رزاح لهم «١»
_________________
(١) نسب جميل فى جمهرة أنساب العرب: جميل بن عبد الله بن معمر ابن الحارث بن الخبير [فى الروض ابن خيبر فى] ابن طبيان، وهو خبيس بن جر بن ربيعة، ويتفق الأغانى مع الجمهزة حتى الحارث، وبعدها يقول الأغانى «ابن ظبيان بن قيس بن جزء بن ربيعة بن حرام بن ضنة بن عبد بن كثير، بن عذرة بن سعد- وهو هذيم، سمى بذلك إضافة لاسمه إلى عبد لأبيه، يقال له: هذيم، وكان يحضنه، فغلب عليه، وفى الاشتقاق كذلك عن سعد وهذيم- بن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. ونسب بثينة فى الجمهرة: بثينة بنت حبّا ابن ثعلبة بن الهوذ بن عمرو بن الأحبّ بن جرير بن ربيعة. لأبيها صحبة ص ٤٢٠ جمهرة. وفى الأغانى: بنت حبأ بن ثعلبة بن الهوذ بن عمرو بن
[ ٢ / ٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَحَوْتَكَةُ هُوَ: عَمّ نَهْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلُمٍ، وَلَيْسَ فِي الْعَرَبِ أَسْلُمٌ بِضَمّ اللّامِ إلّا ثَلَاثَةٌ. اثْنَانِ مِنْهَا فِي قُضَاعَةَ، وَهُمَا: أَسْلُمُ بْنُ الْحَافّ هَذَا، وَأَسْلُمُ بْنُ تَدُولَ ابن تيم الّلات «١» بن رفيدة بن ثورين كَلْبِ، وَالثّالِثُ فِي عَكّ أَسْلُمُ بْنُ الْقَيَاتَةِ بْنِ غَابِنِ «٢» بْنِ الشّاهِدِ بْنِ عَكّ، وَمَا عَدَا هَؤُلَاءِ فَأَسْلَمُ بِفَتْحِ اللّامِ.
ذَكَرَهُ ابْنُ حبيب فى المؤتلف والمختلف.
_________________
(١) الأحب بن حن بن ربيعة. وفى الاشتقاق عن عذرة بن رفيدة، وكذلك فى جمهرة ابن حزم: أنه عذرة بْنِ زَيْدِ اللّاتِ بْنِ رُفَيْدَةَ بْنِ ثَوْرِ بْنِ كَلْبِ بْنِ وبرة. وفى كتاب متفق القبائل لابن حبيب، وفى قضاعة: عذرة بن سعد، وفى كلب: عذرة ابن زيد اللات، وعذرة بْنُ عَدِيّ، وَفِي الْأَزْدِ: عُذْرَةُ بْنُ عَدّاد، وفى الجمهرة لابن حزم ضبط أسلم بفتح اللام مرة، وبضمها فى مكان آخر، وفيها ما يأتى: ولد أسلم بن الحافى: سود بن أسلم. فولد سود بن أسلم ليث وحوتكة «بفتح الحاء وإسكان الواو» بطن بمصر مع بنى خميس بن جهينة، وإياس بن سود، وهم فى بنى لؤى بن عذرة. وفى أمالى ابن الشجرى عن الحاف أنه مما حذفت العرب ياءه اجتزاء بالكسر مثل: العاص فى اسم العاص بن أمية، والعاص بن وائل السهمى، ومثل اليمان فى أبى حذيقة اليمان، ومثل الداع فى قوله سبحانه: «أجيب دعوة الداع إذا دعان» انظر الاشتقاق فى قبائل قضاعة، وص ٤١٥ جمهرة. ونقلت ما ذكرت عن ابن الشجرى من تعليق للأستاذ هرون فى الاشتقاق. وفى الاشتقاق عن هوذى أنه هوذة.
(٢) فى الجمهرة والاشتقاق وغيرهما: زيد اللات. ولكن ورد فى الجمهرة ص ٤٢٩ وهو يتحدث عن بنى كلب بن وبرة: «وبنو أسلم بضم اللام بن تدول بن تيم اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة» .
(٣) فى الجمهرة: أسلم بن القيانة بن غافق، ومنهم كان أمير الأندلس. وفى اللسان عن أسلم بضم اللام نقل عن كراع أنه جمع: سلم، وذكر أنه لم يفسر أى: سلم- بفتح فسكون- يعنى، ثم نقل أنه قد يكون جمع سلم- بفتح فسكون- وهى الدلو العظيمة.
[ ٢ / ٦٠ ]
[ذكر ماجرى مِنْ اخْتِلَافِ قُرَيْشٍ بَعْدَ قُصَيّ وَحِلْفِ الْمُطَيّبِينَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ قُصَيّ بْنَ كِلَابٍ هَلَكَ، فَأَقَامَ أَمْرَهُ فِي قَوْمِهِ، وَفِي غَيْرِهِمْ بَنُوهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَاخْتَطّوا مَكّةَ رِبَاعًا- بعد الذى كان قطع لقومه بها- فَكَانُوا يَقْطَعُونَهَا فِي قَوْمِهِمْ، وَفِي غَيْرِهِمْ مِنْ حُلَفَائِهِمْ وَيَبِيعُونَهَا فَأَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ قُرَيْشٌ مَعَهُمْ لَيْسَ بَيْنَهُمْ اخْتِلَافٌ وَلَا تَنَازُعٌ، ثُمّ إنّ بَنِي عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيّ عَبْدَ شَمْسٍ وَهَاشِمًا وَالْمُطّلِبَ وَنَوْفَلًا أَجَمَعُوا عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا مَا بِأَيْدِي بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ مِمّا كَانَ قُصَيّ جَعَلَ إلَى عَبْدِ الدّارِ، مِنْ الْحِجَابَةِ وَاللّوَاءِ وَالسّقَايَةِ وَالرّفَادَةِ، وَرَأَوْا أَنّهُمْ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُمْ لِشَرَفِهِمْ عَلَيْهِمْ وَفَضْلِهِمْ فِي قَوْمِهِمْ، فَتَفَرّقَتْ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْشٌ، فَكَانَتْ طَائِفَةٌ مَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى رَأْيِهِمْ يَرَوْنَ أَنّهُمْ أَحَقّ بِهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ لِمَكَانِهِمْ فِي قَوْمِهِمْ وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مَعَ بَنِي عَبْدِ الدّارِ. يَرَوْنَ أَنْ لَا يُنْزَعَ مِنْهُمْ ما كان قصىّ جعل إليهم.
فَكَانَ صَاحِبَ أَمْرِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ: عَبْدُ شَمْسِ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَذَلِك أَنّهُ كَانَ أَسَنّ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ صَاحِبَ أَمْرِ بَنِي عَبْدِ الدّارِ: عَامِرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ. فَكَانَ بَنُو أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ، وَبَنُو زهرة ابن كِلَابٍ، وَبَنُو تَيْمِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَبَنُو الْحَارِثِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّضْرِ، مَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٦١ ]
وَكَانَ بَنُو مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرّةَ، وَبَنُو سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ، وَبَنُو جُمَحَ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ، وَبَنُو عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ مَعَ بَنِي عَبْدِ الدّارِ، وَخَرَجَتْ عَامِرُ بْنُ لُؤَيّ وَمُحَارِبُ بْنُ فِهْرٍ، فَلَمْ يَكُونُوا مَعَ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ.
فَعَقَدَ كُلّ قَوْمٍ عَلَى أَمْرِهِمْ حِلْفًا مُؤَكّدًا عَلَى أَنْ لَا يَتَخَاذَلُوا، وَلَا يُسَلّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مَا بَلّ بَحْرَ صُوفَةَ.
فَأَخْرَجَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً طِيبًا، فَيَزْعُمُونَ أَنّ بَعْضَ نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَخْرَجَتْهَا لَهُمْ، فَوَضَعُوهَا لِأَحْلَافِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، ثُمّ غَمَسَ الْقَوْمُ أَيْدِيَهُمْ فِيهَا، فَتَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا هُمْ وَحَلْفَاؤُهُمْ، ثُمّ مَسَحُوا الْكَعْبَةَ بِأَيْدِيهِمْ توكيدا على أنفسهم، فسمّوا المطيّبين.
وَتَعَاقَدَ بَنُو عَبْدِ الدّارِ، وَتَعَاهَدُوا هُمْ وَحُلَفَاؤُهُمْ عِنْدَ الْكَعْبَةِ حِلْفًا مُؤَكّدًا، عَلَى أَنْ لَا يَتَخَاذَلُوا، وَلَا يُسَلّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَسُمّوا الْأَحْلَافَ.
ثُمّ سُونِدَ بَيْنَ الْقَبَائِلِ، وَلُزّ بَعْضُهَا بِبَعْضِ، فَعُبّيَتْ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ لِبَنِي سَهْمٍ، وَعُبّيَتْ بنو أسد لِبَنِي عَبْدِ الدّارِ وَعُبّيَتْ زُهْرَةُ لِبَنِي جُمَحَ، وَعُبّيَتْ بَنُو تَيْمٍ لِبَنِي مَخْزُومٍ، وَعُبّيَتْ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ فِهْرِ لِبَنِي عَدّي بْنِ كَعْبٍ.
ثُمّ قَالُوا: لِتُفْنَ كُلّ قَبِيلَةٍ مَنْ أُسْنِدَ إليها.
فَبَيْنَا النّاسُ عَلَى ذَلِكَ قَدْ أَجَمَعُوا لِلْحَرْبِ إذْ تَدَاعَوْا إلَى الصّلْحِ، عَلَى أَنْ يُعْطُوا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ السّقَايَةَ وَالرّفَادَةَ، وَأَنْ تَكُونَ الْحِجَابَةُ وَاللّوَاءُ وَالنّدْوَةُ لِبَنِي
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٦٢ ]
عَبْدِ الدّارِ كَمَا كَانَتْ، فَفَعَلُوا وَرَضِيَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ بِذَلِكَ، وَتَحَاجَزَ النّاسُ عَنْ الْحَرْبِ، وَثَبَتَ كُلّ قَوْمٍ مَعَ مَنْ حَالَفُوا، فَلَمْ يَزَالُوا عَلَى ذَلِكَ، حَتّى جَاءَ اللهُ تَعَالَى بِالْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ-: «مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيّةِ، فَإِنّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَزِدْهُ إلّا شِدّةً» .
[حلف الفضول]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَمّا حِلْفُ الْفُضُولِ فَحَدّثَنِي زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَكّائِيّ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ قَالَ: تَدَاعَتْ قَبَائِلُ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى حِلْفٍ، فَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي دَارِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ، لِشَرَفِهِ وَسِنّهِ، فَكَانَ حِلْفُهُمْ عِنْدَهُ: بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطّلِبِ، وَأَسَدُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى، وَزُهْرَةُ بْنُ كِلَابٍ، وَتَيْمُ بْنُ مُرّةَ، فَتَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا عَلَى أَنْ لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دَخَلَهَا مِنْ سَائِرِ النّاسِ إلّا قَامُوا مَعَهُ، وَكَانُوا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ حَتّى تُرَدّ عَلَيْهِ مَظْلِمَتُهُ، فَسَمّتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ الْحِلْفَ: حِلْفَ الْفُضُولِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ التّيْمِيّ أَنّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَوْفِ الزّهْرِيّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَقَدْ شَهِدْت فِي دَارِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا، مَا أُحِبّ أَنّ لِي بِهِ حُمْرَ النّعَمِ، وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الإسلام لأجبت» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِي اللّيْثِيّ أَنّ مُحَمّدَ بْنَ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التّيْمِيّ حَدّثَهُ: أَنّهُ كَانَ بَيْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيّ بْنِ أبى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٦٣ ]
طَالِبٍ ﵄، وَبَيْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ. وَالْوَلِيدُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ، أَمّرَهُ عَلَيْهَا عَمّهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أبى سفيان- مُنَازَعَةً فِي مَالٍ كَانَ بَيْنَهُمَا بِذِي الْمَرْوَةِ، فكان الوليد تحامل على الحسين- فِي حَقّهِ لِسُلْطَانِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: أَحْلِفُ بِاَللهِ لَتُنْصِفَنّي مِنْ حَقّي، أَوْ لَآخُذَن سَيْفِي، ثُمّ لَأَقُومَن فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِﷺ- ثُمّ لَأَدْعُوَن بِحِلْفِ الْفُضُولِ قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزّبَيْرِ، وَهُوَ عِنْدَ الْوَلِيدِ حِينَ قَالَ الْحُسَيْنُ﵁- مَا قَالَ: وَأَنَا أَحْلِفُ بِاَللهِ لَئِنْ دَعَا بِهِ لَآخُذَن سَيْفِي، ثُمّ لَأَقُومَن مَعَهُ، حَتّى يُنْصَفَ مِنْ حَقّهِ أَوْ نَمُوتَ جَمِيعًا. قَالَ: فَبَلّغْت الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ الزّهْرِيّ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَبَلّغْت عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ التّيْمِيّ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ أَنْصَفَ الْحُسَيْنَ مِنْ حَقّهِ حَتّى رَضِيَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِي اللّيْثِيّ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التّيْمِيّ قَالَ: قَدِمَ مُحَمّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ- وَكَانَ محمد ابن جبير أعلم قريش- فدخل عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ حِينَ قَتَلَ ابْنَ الزّبَيْرِ، وَاجْتَمَعَ النّاسُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، أَلَمْ نَكُنْ نَحْنُ وَأَنْتُمْ، يَعْنِي بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَبَنِيّ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فِي حِلْفِ الْفُضُولِ؟ قَالَ:
أَنْتَ أَعْلَمُ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لِتُخْبِرَنّي يَا أَبَا سَعِيدٍ بِالْحَقّ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ:
لَا وَاَللهِ، لَقَدْ خَرَجْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ منه، قال: صدقت.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلِيَ الرّفَادَةَ وَالسّقَايَةَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَذَلِك أَنّ عَبْدَ شَمْسٍ كَانَ رَجُلًا سِفَارًا قَلّمَا يُقِيمُ بِمَكّةَ، وَكَانَ مُقِلّا ذَا وَلَدٍ، وَكَانَ هَاشِمٌ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٦٤ ]
موسرا فكان- فيما يزعمون- إذا حضر الحجّ، قام فى قريش فقال: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّكُمْ جِيرَانُ اللهِ، وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَإِنّهُ يَأْتِيكُمْ فِي هَذَا الْمَوْسِمِ زُوّارُ اللهِ وَحُجّاجُ بَيْتِهِ، وَهُمْ ضَيْفُ اللهِ، وَأَحَقّ الضّيْفِ بِالْكَرَامَةِ: ضَيْفُهُ، فَاجْمَعُوا لَهُمْ مَا تَصْنَعُونَ لهم به طعاما أيامهم هذه التى لابدّ لَهُمْ مِنْ الْإِقَامَةِ بِهَا؛ فَإِنّهُ- وَاَللهِ- لَوْ كَانَ مَالِي يَسَعُ لِذَلِك مَا كَلّفْتُكُمُوهُ» . فَيُخْرِجُونَ لذلك خرجا من أموالهم، كلّ امرىء بقدر ما عنده، فيصنع به للحجّاج طعام، حتى يصدروا منها.
وَكَانَ هَاشِمٌ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- أَوّلَ مَنْ سَنّ الرّحْلَتَيْنِ لِقُرَيْشِ: رِحْلَتَيْ الشّتَاءِ وَالصّيْفِ، وَأَوّلَ مَنْ أطعم الثريد للحجاج بِمَكّةَ، وَإِنّمَا كَانَ اسْمُهُ: عَمْرًا، فَمَا سُمّيَ هَاشِمًا إلّا بِهَشْمِهِ الْخُبْزَ بِمَكّةَ لِقَوْمِهِ، فَقَالَ شَاعِرٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ مِنْ بَعْضِ الْعَرَبِ:
عَمْرُو الّذِي هَشَمَ الثّرِيدَ لِقَوْمِهِ قَوْمٍ بِمَكّةَ مُسْنِتِينَ عِجَافِ
سُنّتْ إلَيْهِ الرّحْلَتَانِ كِلَاهُمَا سَفَرُ الشتاء، ورحلة الإيلاف
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ
قَوْمٌ بِمَكّةَ مُسْنِتِينَ عجاف
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ هَلَكَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ بِغَزّةَ مِنْ أَرْضِ الشّامِ تَاجِرًا، فَوَلِيَ السّقَايَةَ وَالرّفَادَةَ مِنْ بَعْدِهِ الْمُطّلِبُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ أَصْغَرَ مِنْ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمٍ، وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِي قَوْمِهِ وَفَضْلٍ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ إنّمَا تُسَمّيهِ: الْفَيْضَ لِسَمَاحَتِهِ وَفَضْلِهِ.
وَكَانَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَتَزَوّجَ سَلْمَى بِنْتَ عَمْرٍو أَحَدِ بَنِي عَدِيّ بْنِ النّجّارِ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ بْنِ الْحَرِيشِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الحريش بن جحجبي بن كلفة بن عوف بن عمرو
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٦٥ ]
ابن عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، فَوَلَدَتْ لَهُ عمرو بن أحيحة، وكانت لاتنكح الرّجَالَ لِشَرَفِهَا فِي قَوْمِهَا حَتّى يَشْتَرِطُوا لَهَا أَنّ أَمْرَهَا بِيَدِهَا، إذَا كَرِهَتْ رَجُلًا فَارَقَتْهُ.
فَوَلَدَتْ لِهَاشِمِ عَبْدَ الْمُطّلِبِ، فَسَمّتْهُ: شَيْبَةَ، فَتَرَكَهُ هَاشِمٌ عِنْدَهَا حَتّى كَانَ وَصِيفًا، أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ، ثُمّ خَرَجَ إلَيْهِ عَمّهُ الْمُطّلِبُ؛ لِيَقْبِضَهُ، فَيُلْحِقَهُ بِبَلَدِهِ وَقَوْمِهِ فَقَالَتْ لَهُ سَلْمَى: لَسْتُ بِمُرْسَلَتِهِ مَعَك، فَقَالَ لَهَا الْمُطّلِبُ: إنّي غَيْرُ منصرف حتى أخرج به معى، إنّ ابن أَخِي قَدْ بَلَغَ، وَهُوَ غَرِيبٌ فِي غَيْرِ قَوْمِهِ، وَنَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ شَرَفٍ فِي قَوْمِنَا، نلى كثيرا من أمرهم، وَقَوْمُهُ وَبَلَدُهُ وَعَشِيرَتُهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ الْإِقَامَةِ فِي غَيْرِهِمْ، أَوْ كَمَا قَالَ. وَقَالَ شَيْبَةُ لِعَمّهِ الْمُطّلِبِ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- لَسْتُ بِمُفَارِقِهَا إلّا أَنْ تَأْذَنَ لِي، فَأَذِنَتْ لَهُ، وَدَفَعَتْهُ إلَيْهِ، فَاحْتَمَلَهُ، فَدَخَلَ بِهِ مَكّةَ مُرْدِفَهُ مَعَهُ عَلَى بَعِيرِهِ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: عَبْدُ الْمُطّلِبِ ابْتَاعَهُ، فَبِهَا سُمّيَ: شَيْبَةُ عَبْدَ الْمُطّلِبِ. فَقَالَ الْمُطّلِبُ: وَيْحَكُمْ! إنّمَا هُوَ ابْنُ أَخِي هَاشِمٍ، قَدِمْتُ بِهِ من المدينة.
ثُمّ هَلَكَ الْمُطّلِبُ بِرَدْمَانَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ، فقال رجل من العرب يبكيه:
قد ظمىء الْحَجِيجُ بَعْدَ الْمُطّلِبِ بَعْدَ الْجِفَانِ وَالشّرَابِ المُنْثَعِبْ
لَيْتَ قُرَيْشًا بَعْدَهُ عَلَى نَصَبْ
وَقَالَ مَطْرُودُ بْنُ كَعْبٍ الْخُزَاعِيّ، يَبْكِي الْمُطّلِبَ وَبَنِيّ عَبْدِ مَنَافٍ جَمِيعًا حِينَ أَتَاهُ نَعْيُ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ نَوْفَلٌ آخِرَهُمْ هُلْكًا:
يَا لَيْلَةً هَيّجْت لَيْلَاتِي إحْدَى لَيَالِيّ الْقَسِيّاتِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٦٦ ]
وَمَا أُقَاسِي مِنْ هُمُومٍ، وَمَا عَالَجْتُ مِنْ رُزْءِ الْمَنِيّاتِ
إذَا تَذَكّرْتُ أَخِي نَوْفَلًا ذَكّرَنِي بِالْأَوّلِيّاتِ
ذَكّرَنِي بِالْأُزُرِ الْحُمْرِ وَالْأَرْدِيَةِ الصّفْرِ الْقَشِيبَاتِ
أَرْبَعَةٌ كُلّهُمْ سَيّدُ أَبْنَاءِ سَادَاتٍ لِسَادَاتِ
مَيْتٌ بردمان وميت بسلمان وميت بين غَزّاتِ
وَمَيّتٌ أُسْكِنَ لَحْدًا لَدَى الْمَحْجُوبِ شَرْقِيّ الْبُنَيّاتِ
أَخْلَصُهُمْ: عَبْدُ مَنَافٍ فَهُمْ مِنْ لَوْمِ مَنْ لَامَ بِمَنْجَاةِ
إنّ الْمُغِيرَاتِ وَأَبْنَاءَهَا مِنْ خَيْرِ أَحْيَاءٍ وَأَمْوَاتِ
ــ
عَنْ حِلْفِ الْمُطَيّبِينَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ تَنَازُعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَبَنِيّ عَبْدِ الدّارِ فِيمَا كَانَ قُصَيّ جَعَلَ إلَيْهِمْ، وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ حِلْفَ الْمُطَيّبِينَ، وَسَمّاهُمْ، وَذَكَرَ أَنّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ عَبْدِ مَنَافٍ هِيَ الّتِي أَخْرَجَتْ لَهُمْ جَفْنَةً مِنْ طِيبٍ، فَغَمَسُوا أَيْدِيَهُمْ فِيهَا، وَلَمْ يُسَمّ الْمَرْأَةَ، وَقَدْ سَمّاهَا الزّبَيْرُ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ، فَقَالَ: هِيَ أُمّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ عَمّةُ رَسُولِ اللهِﷺ- وَتَوْأَمَةُ أَبِيهِ.
قَالَ: وَكَانَ الْمُطَيّبُونَ يُسَمّوْنَ: الدّافَةَ جَمْعَ دَائِفٍ بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ، لِأَنّهُمْ دافو الطّيب «١» .
_________________
(١) ذكر اسم أم حكيم أيضا أبو عبد الله المصعب بن عبد الله بن المصعب الزبيرى فى كتابه نسب قريش ص ٣٨٣، وذكر أنها قالت بعد وضعها الجنة فى الحجر: «من كان منا فليدخل يده فى هذا الطيب» ويذكر أن بنى سهم بن عمرو نحرت جزورا، وقالوا: «من كان منا فليدخل يده فى هذه الجزور» فأدخل من أدخل فسميت
[ ٢ / ٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السّنَادُ وَالْإِقْوَاءُ:
وَذَكَرَ أَنّ الْقَبَائِلَ سُونِدَ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، لِتَكْفِيَ كُلّ قَبِيلَةٍ مَا سُونِدَ إلَيْهَا، فَسُونِدَ: مِنْ السّنَادِ، وَهِيَ مُقَابَلَةٌ فِي الْحَرْبِ بَيْنَ كُلّ فَرِيقٍ، وَمَا يَلِيهِ مِنْ عَدُوّهِ، وَمِنْهُ أُخِذَ سِنَادُ الشّعْرِ، وَهُوَ أَنْ يَتَقَابَلَ الْمِصْرَاعَانِ مِنْ الْبَيْتِ، فَيَكُونُ قَبْلَ حَرْفِ الرّوىّ حرف مدّولين، وَيَكُونُ فِي آخِرِ الْبَيْتِ الثّانِي قَبْلَ حَرْفِ الرّوِيّ حَرْفُ لِينٍ، وَهِيَ يَاءٌ أَوْ وَاوٌ مَفْتُوحٌ مَا قَبْلَهَا كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ.
أَلَا هُبّي بِصَحْنِك فَاصْبِحِينَا
ثُمّ قَابَلَهُ فِي بَيْتٍ آخَرَ بِقَوْلِهِ: - تُصَفّقُهَا الرّيَاحُ إذَا جَرَيْنَا «١» - فَكَأَنّ الْيَاءَ الْمَفْتُوحَ مَا قَبْلَهَا قَدْ سُونِدَتْ بِهَا إلَى الْيَاءِ الْمَكْسُورِ مَا قَبْلَهَا، فَتَقَابَلَتَا، وَهُمَا غَيْرُ مُتّفِقَتَيْنِ فِي الْمَدّ، كَمَا يَتَقَابَلُ القبيلتان، وهما مختلفتان متعاديتان، وأما الإقواء
_________________
(١) - الأحلاف، وذكر أن الأسود بن حارثة أدخل يده فى الدم، ثم لعقها، فلعقت بنو عدى كلها بأيديها، فسموا: لعقة الدم، وانظر أيضا ص ١٦٦ المحبر لابن حبيب. وص ٤٥ شرح السيرة للخشنى. وداف الشىء دوفا، وأدافه: خلطه وأكثر ذلك فى الدواء والطيب. وداف يديف: لغة فيه. ومجيئه بالواو أكثر، ومسك مدوف ومدووف، وداف الطيب وغيره فى الماء يدوفه فهو دائف.
(٢) أول البيت: «كأن غضونهن متون غدر» وفى رواية: متونهن بدلا من غضون، ويروى: إذا عرينا بدلا من جرينا، والغدر: جمع غدير. تصفقها الرياح: تضربها. يشبه غضون الدرع بمتون الغدران إذا ضربتها الرياح فى جريها، والطرائق التى ترى فى الدروع بالتى تراها فى الماء إذا ضربته الريح «عن الزوزنى» فى شرح المعلقات.
[ ٢ / ٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَهُوَ أَنْ يَنْقُصَ قُوّةٌ مِنْ الْمِصْرَاعِ الْأَوّلِ، كَمَا تَنْقُصُ قُوّةٌ مِنْ قُوَى الْحَبْلِ «١»، وَذَلِكَ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ آخِرِ الْمِصْرَاعِ الْأَوّلِ حَرْفٌ مِنْ الْوَتَدِ كَقَوْلِهِ:
أَفَبَعْدَ مَقْتَلِ مَالِكِ بْنِ زُهَيْرٍ تَرْجُو النّسَاءَ عَوَاقِبَ الْأَطْهَارِ
وَكَقَوْلِ الْآخَرِ:
لَمّا رَأَتْ مَاءَ السّلَى مَشْرُوبًا وَالْفَرْثُ يُعْصَرُ فى الإناء أرنّت «٢»
_________________
(١) فى الأصل: الجبل، والتصويب من اللسان. والقوة: الخصلة الواحدة من قوى الحبل. وحبل مقوى: هو أن ترخى قوة، وتغير قوة، فلا يلبث الحبل أن ينقطع. وقد عرف أبو عمر بن العلاء الإقواء بأنه اختلاف حركات الروى، فبعضه مرفوع، وبعضه منصوب أو مجرور. أما ما قاله السهيلى، فهو قول أبى عبيدة. واستشهد بقول الربيع بن زياد: «أفبعد مقتل مالك الخ» . وعرفه أبو عمرو الشيبانى بأنه اختلاف إعراب القوافى، وابن سيدة: المخالفة بين القوافى. والأخفش: رفع بيت وجر آخر. قال: وقد سمعت هذا من العرب كثيرا، لا أحصى، وقلّت قصيدة ينشدونها إلا وفيها إقواء، ثم لا يستنكرونه، لأنه لا يكسر الشعر. وفى اللسان أمثلة كثيرة فى مادة قوا، ثم ذكر ابن جنى أن الإقواء وإن كان عيبا لاختلاف الصوت به فإنه قد كثر.
(٢) البيت لحجل بن نضلة. وهو فى اللسان. ولما رأت ماء السّلى مشروبها والسلى: الجلد الرقيق الذى يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفا فيه، وقيل: هو فى الماشية: السلى، وفى الناس: المشيمة. وفى المثل: وقع القوم فى سلى جمل. أى فى أمر لا مخرج منه؛ لأن الجمل لاسلى له. وإنما يكون للناقة.
[ ٢ / ٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَانَ الْأَصْمَعِيّ يُسَمّي هَذَا الْإِقْوَاءَ: الْمُقْعَدَ، ذَكَرَهُ عَنْهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَقَالَ عَدِيّ بْنُ الرّقَاعِ [الْعَامِلِيّ] فِي السّنَادِ:
وَقَصِيدَةٍ قَدْ بِتّ أَجْمَعُ بَيْتَهَا حَتّى أُثَقّفَ مَيْلَهَا وَسِنَادَهَا «١»
حِلْفُ الْفُضُولِ وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ الْحِلْفَ الّذِي عَقَدَتْهُ قُرَيْشٌ بَيْنَهَا عَلَى نُصْرَةِ كُلّ مَظْلُومٍ بِمَكّةَ قَالَ: وَيُسَمّى حِلْفَ الْفُضُولِ، وَلَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ هَذِهِ التّسْمِيَةِ، وَذَكَرَهَا ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقَالَ: كَانَ قَدْ سَبَقَ قُرَيْشًا إلَى مِثْلِ هَذَا الْحِلْفِ جُرْهُمٌ فِي الزّمَنِ الْأَوّلِ، فَتَحَالَفَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ هُمْ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ، أَحَدُهُمْ: الْفَضْلُ بْنُ فَضَالَةَ، وَالثّانِي:
الفضل بن وداعة، والثالث: فضيل بن الحرث. هَذَا قَوْلُ الْقُتَبِيّ. وَقَالَ الزّبَيْرُ:
الْفُضَيْلُ بْنُ شُرَاعَةَ، وَالْفَضْلُ بْنُ وَدَاعَةَ، وَالْفَضْلُ بْنُ قُضَاعَةَ، فلما أشبه حلف
_________________
(١) وكذلك سماه الخليل. ونقل عنه أيضا: إذا كان بيت من الشعر فيه زحاف قيل له: مقعد «بضم الميم وسكون القاف وفتح العين» . روى ابن جنى فى الخصائص تحت باب: «هل يجوز لنا فى الشعر من الضرورة ما جاز للعرب أولا؟، وأنه سأل أبا على عن هذا، فقال: كما جازلنا أن نقيس منثورنا على منثورهم، فكذلك يجوز لنا أن نقيس شعرنا على شعرهم، ثم ذكر أن جميع الشعر القديم لم يكن مرتجلا، بل قد كان يعرض لهم فيه من الصبر عليه والملاطفة فيه والتلوم على رياضته، وإحكام صنعه نحو مما يعرض لكثير من المولدين.. ثم روى شواهد له على هذا، وفيها هذا البيت. وفى الخصائص: أقوم بدلا من أثقف، وبعده: نظر المثقف فى كعوب قناته حتى يقيم ثقافه منادها انظر ص ٣٢٣ وما بعدها ح ١ الخصائص ط، ٢ زدت العاملى من الخصائص.
[ ٢ / ٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُرَيْشٍ الْآخَرُ فِعْلَ هَؤُلَاءِ الْجُرْهُمِيّينَ سُمّيَ: حِلْفَ الْفُضُولِ، وَالْفُضُولُ:
جَمْعُ فَضْلٍ، وَهِيَ أَسْمَاءُ أُولَئِكَ الّذِينَ تَقَدّمَ ذِكْرُهُمْ. وَهَذَا الّذِي قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ حَسَنٌ «١»، وَلَكِنْ فِي الْحَدِيثِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَأَوْلَى. رَوَى الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ اللهِ عَنْ مُحَمّدٍ وَعَبْدِ الرّحْمَنِ ابْنَيْ أَبِي بَكْرٍ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِﷺ-: لَقَدْ شَهِدْت فِي دَارِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا لَوْ دُعِيت بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْت. تَحَالَفُوا أَنْ تُرَدّ الْفُضُولُ «٢» عَلَى أَهْلِهَا، وَأَلّا يَعُزّ ظَالِمٌ مظلوما. ورواه فى مسند الحرث بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ التّمِيمِيّ، فَقَدْ بَيّنَ هَذَا الْحَدِيثَ: لِمَ سُمّيَ حِلْفَ الْفُضُولِ، وَكَانَ حِلْفُ الْفُضُولِ بَعْدَ الْفُجّارِ، وَذَلِكَ أَنّ حَرْبَ الْفُجّارِ «٣» كَانَتْ فِي شَعْبَانَ، وَكَانَ حلف الفضول
_________________
(١) أخذ بهذا الرأى ابن الأثير فى النهاية، لكنه ذكر هو وابن كثير فى البداية: الفضل بن الحارث لا فضيل، والفضل بن شراعة لا فضيل.
(٢) أى تحالفوا ألا يتركوا عند أحد فضلا يظلمه أحدا إلا أخذوه له منه. وفى حديث رواه مسلم وأحمد: «لا حلف فى الإسلام وأيما حلف كان فى الجاهلية، فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة» والمعنى- كما قال ابن كثير- أن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف الذى كان أهل الجاهلية يفعلونه، فإن فى التمسك بالإسلام كفاية عما كانوا فيه» .
(٣) أيام الفجار كانت بين قيس وقريش وقيل: أيام الفجار: أيام وقائع كانت بين العرب تفاجروا فيها بعكاظ، فاستحلوا الحرمات. وقيل: الفجار يوم من أيام العرب، وهى أربعة أفجرة كانت بين قريش، ومن معها من كنانة، وبين قيس عيلان فى الجاهلية، وكانت الدّبرة على قيس، وإنما سمت قريش هذه الحرب فجارا؛ لأنها كانت فى الأشهر الحرم، فلما قاتلوا فيها قالوا: قد فجرنا، فسميت فجارا.
[ ٢ / ٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ الْمَبْعَثِ بِعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ حِلْفُ الْفُضُولِ أَكْرَمَ حِلْفٍ سُمِعَ بِهِ، وَأَشْرَفَهُ فِي الْعَرَبِ، وَكَانَ أَوّلَ مَنْ تَكَلّمَ بِهِ وَدَعَا إلَيْهِ: الزّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَكَانَ سَبَبُهُ أَنّ رَجُلًا مِنْ زُبَيْدٍ قَدِمَ مَكّةَ بِبِضَاعَةِ، فَاشْتَرَاهَا مِنْهُ الْعَاصِي بْنُ وَائِلٍ، وَكَانَ ذَا قَدْرٍ بِمَكّةَ وَشَرَفٍ، فَحَبَسَ عَنْهُ حَقّهُ، فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ الزّبَيْدِيّ الْأَحْلَافَ: عَبْدَ الدّارِ وَمَخْزُومًا وَجُمَحَ وَسَهْمًا وَعَدِيّ بْنَ كَعْبٍ، فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُوهُ عَلَى الْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ، وَزَبَرُوهُ، أَيْ: انْتَهَرُوهُ، فَلَمّا رَأَى الزّبَيْدِيّ الشّرّ، أَوْفَى عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ «١» عِنْدَ طُلُوعِ الشّمْسِ، وَقُرَيْشٌ فِي أَنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ:
يَا آلَ فِهْرٍ لِمَظْلُومِ بِضَاعَتُهُ بِبَطْنِ مَكّةَ نَائِي الدّارِ وَالنّفَرِ
وَمُحْرِمٍ أَشْعَثٍ لَمْ يَقْضِ عُمْرَتَهُ «٢» يَا لَلرّجَالِ وَبَيْنَ الْحِجْرِ وَالْحَجَرِ «٣»
إنّ الْحَرَامَ لِمَنْ تَمّتْ كَرَامَتُهُ وَلَا حَرَامَ لِثَوْبِ الْفَاجِرِ الْغُدَرِ «٤»
فَقَامَ فِي ذَلِكَ الزّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَقَالَ: مَا لِهَذَا مُتَرّكٌ، فَاجْتَمَعَتْ هَاشِمٌ وَزُهْرَةُ وَتَيْمُ بْنُ مُرّةَ فِي دَارِ ابْنِ جُدْعَانَ، فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، وَتَحَالَفُوا فِي ذِي الْقَعْدَةِ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ قِيَامًا، فَتَعَاقَدُوا، وتعاهدوا بالله: ليكوننّ يدا واحدة
_________________
(١) جبل بمكة سمى برجل من مذحج.
(٢) فى تجريد الأغانى: «حرمته» .
(٣) فى التجريد: «بين الركن والحجر» .
(٤) فى التجريد بعد البيت السابق ورد هذا البيت: أقائم من بني سهم بذمتهم أم ذاهب فى ضلال مال معتمر
[ ٢ / ٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَعَ الْمَظْلُومِ عَلَى الظّالِمِ، حَتّى يُؤَدّى إلَيْهِ حقّه ما بلّ بحر صوفة، ومارسا حِرَاءٌ وَثَبِيرٌ مَكَانَهُمَا، وَعَلَى التّأَسّي فِي الْمَعَاشِ، فَسَمّتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ الْحِلْفَ: حِلْفَ الْفُضُولِ، وَقَالُوا: لَقَدْ دَخَلَ هَؤُلَاءِ فِي فَضْلٍ مِنْ الْأَمْرِ، ثم مشوا إلى العاصى ابن وَائِلٍ، فَانْتَزَعُوا مِنْهُ سِلْعَةَ الزّبَيْدِيّ، فَدَفَعُوهَا إلَيْهِ، وقال الزبير ﵁:
حلفت لنعقدن حِلْفًا عَلَيْهِمْ وَإِنْ كُنّا جَمِيعًا أَهْلَ دَارِ
نسمّيه: الفضول إذا عقدنا يعزّبه الْغَرِيبُ لَدَى الْجِوَارِ
وَيَعْلَمُ مَنْ حَوَالِي الْبَيْتِ أَنّا أُبَاةُ الضّيْمِ نَمْنَعُ كُلّ عَارِ
وَقَالَ الزّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ:
إنّ الْفُضُولَ تَحَالَفُوا، وَتَعَاقَدُوا أَلّا يُقِيمَ بِبَطْنِ مَكّةَ ظَالِمُ
أَمْرٌ عَلَيْهِ تَعَاهَدُوا، وَتَوَاثَقُوا فَالْجَارُ وَالْمُعَتّرُ فِيهِمْ سَالِمُ
وَذَكَرَ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ أَنّ رَجُلًا مِنْ خَثْعَمَ قَدِمَ مَكّةَ مُعْتَمِرًا، أَوْ حَاجّا، وَمَعَهُ بِنْتٌ لَهُ يُقَالُ لَهَا: الْقَتُولُ مِنْ أَوْضَأِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، فَاغْتَصَبَهَا مِنْهُ نُبَيْهُ بْنُ الْحَجّاجِ «١» وَغَيّبَهَا عَنْهُ، فَقَالَ الْخَثْعَمِيّ: من يعدينى على
_________________
(١) هو نبيه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم بن عمرو ابن هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ. كان هو وأخوه منبه من وجوه قريش وذوى النباهة فيهم، وكانا ممن نصب لرسول الله «ص» العداوة، وقتلا معا يوم بدر مشركين «انظر التجريد ص ١٨١٠ ونسب قريش ص ٤٠٤. وقصته مع القتول فى الأغانى.
[ ٢ / ٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هَذَا الرّجُلِ، فَقِيلَ لَهُ: عَلَيْك بِحِلْفِ الْفُضُولِ، فَوَقَفَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَنَادَى:
يَا لَحِلْفِ الْفُضُولِ، فإذاهم يُعْنِقُونَ إلَيْهِ مِنْ كُلّ جَانِبٍ، وَقَدْ انْتَضَوْا أسيافهم يقولون: جاءك الغوث، فمالك؟ فَقَالَ: إنّ نُبَيْهًا ظَلَمَنِي فِي ابْنَتِي، وَانْتَزَعَهَا مِنّي قَسْرًا، فَسَارُوا مَعَهُ، حَتّى وَقَفُوا عَلَى بَابِ الدّارِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ:
أَخْرِجْ الْجَارِيَةَ وَيْحَك، فَقَدْ عَلِمْت مَنْ نَحْنُ، وَمَا تَعَاقَدْنَا عَلَيْهِ!! فَقَالَ: أَفْعَلُ، وَلَكِنْ مَتّعُونِي بِهَا اللّيْلَةَ، فَقَالُوا لَهُ: لَا: وَاَللهِ، وَلَا شَخْبَ لِقْحَةٍ «١»، فَأَخْرَجَهَا إلَيْهِمْ، وَهُوَ يَقُولُ:
رَاحَ صَحْبِي وَلَمْ أُحَيّ الْقَتُولَا لَمْ أُوَدّعْهُمْ وَدَاعًا جَمِيلَا
إذْ أَجَدّ الْفُضُولُ أَنْ يَمْنَعُوهَا قَدْ أَرَانِي، وَلَا أَخَافُ الْفُضُولَا
لَا تَخَالِي أَنّي عَشِيّةَ راح الرّكب هُنْتُمْ عَلَيّ أَلّا أَقُوّلَا
فِي أَبْيَاتٍ غَيْرِ هَذِهِ ذَكَرَهَا الزّبَيْرُ، وَذَكَرَ مِنْ قَوْلِهِ فِيهَا أَيْضًا:
حَلّتْ تِهَامَةُ حِلّةً مِنْ بَيْتِهَا وَوِطَائِهَا
وَلَهَا بِمَكّةَ مَنْزِلٌ مِنْ سَهْلِهَا وَحِرَائِهَا
أَخَذَتْ بشاشة قلبه ونأت فكيف بنأيها»
_________________
(١) فى الأصل: ولا شجت. وهو خطأ، وأصل الشخب: ما خرج من الضرع من اللبن ويضم وبالفتح: الدم. واللقحة بكسر اللام وفتحها: الناقة القريبة العهد بالنتاج، أو الغزيرة اللبن.
(٢) من القصيدة فى التجريد ص ١٨١٠. حى الدويرة إذ نأت منا على عدوانها
[ ٢ / ٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْحِلْفُ وَابْنُ جُدْعَانَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «لَقَدْ شَهِدْت فِي دَارِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبّ أَنّ لِي بِهِ حُمْرَ النّعَمِ، وَلَوْ دُعِيت إلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْت «١»» وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جُدْعَانَ هَذَا تَيْمِيّ هُوَ: ابْنُ جدعان ابن عُمَرَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، يُكَنّى: أَبَا زُهَيْرِ ابْنَ عَمّ عَائِشَةَ﵂- وَلِذَلِكَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِﷺ-: إنّ ابْنَ جُدْعَانَ كَانَ يُطْعِمُ الطّعَامَ، وَيَقْرِي الضّيْفَ، فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: «لَا إنّهُ لَمْ يَقُلْ
_________________
(١) - لا بالفراق تنيلنا شيئا ولا بلقائها ومنها: أخذت حشاشة قلبه ونأت فكيف بنائها لولا الفضول وأنه لا أمن من عدوائها لدنوت من أبياتها ولطفت حول خبائها ولجئتها أمشى بلا هاد إلى ظلمائها فشربت فضلة ريقها وليت فى أحشائها وفى نسب قريش: روعائها بدلا من: عدوائها، ولبثت فى البيت الأخير بدلا من: بت، وفى الروض: بشاشة، وهنا حشاشة. وفيه: «ونأت وكيف بنأيها» وهنا: فكيف بنائها. وقد تكرر فى الروض جذعان بالذال بدلا من الدال. ونسبه كما فى كتاب نسب قريش. وتيم هو ابن مرة «انظر نسب قريش ص ٢٩١»
(٢) حديث حضور النبى مع عمومته حرب الفجار، وأنه رمى فيه حديث يروى فى كتب السير والطبقات، كطبقات ابن سعد وهو فيها فى ج ١ ص ١٢٨، وشهوده حلف الفضول أيضا من هذا النوع، وقد ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية ج ٢ ص ٣٩٣، ولا يعتد بمثل هذه الروايات التى ليست من الصحيح، لإقامة حكم دينى عليها.
[ ٢ / ٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يوما: ربّ اغفرلى خَطِيئَتِي يَوْمَ الدّينِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَمِنْ غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِابْنِ قُتَيْبَةَ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قَالَ: كُنْت أَسَتَظِلّ بِظِلّ جَفْنَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ صَكّةَ عُمَيّ، يَعْنِي: فِي الْهَاجِرَةِ، وَسُمّيَتْ الْهَاجِرَةُ: صَكّةَ عُمَيّ لِخَبَرِ ذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْأَنْوَاءِ: أَنّ عُمَيّا رَجُلٌ مِن عَدْوَانَ، وَقِيلَ:
مِنْ إيَادٍ، وَكَانَ فَقِيهَ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيّةِ، فَقَدِمَ فِي قَوْمٍ مُعْتَمِرًا أَوْ حَاجّا: فَلَمّا كَانَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكّةَ قَالَ لِقَوْمِهِ، وَهُمْ فِي نَحْرِ الظّهِيرَةِ: مَنْ أَتَى مَكّةَ غَدًا فِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ، كَانَ لَهُ أَجْرُ عُمْرَتَيْنِ، فَصَكّوا الْإِبِلَ صَكّةً شَدِيدَةً حَتّى أَتَوْا مَكّةَ مِنْ الْغَدِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَأَنْشَدَ:
وَصَكّ بِهَا نَحْرَ الظّهِيرَةِ صَكّةَ عُمَيّ وَمَا يَبْغِينَ إلّا ظِلَالَهَا «١»
فِي أَبْيَاتٍ، وَعُمَيّ: تَصْغِيرُ أَعْمَى عَلَى التّرْخِيمِ، فَسُمّيَتْ الظّهِيرَةُ صَكّةَ عُمَيّ بِهِ. وَقَالَ الْبَكْرِيّ فِي شَرْحِ الْأَمْثَالِ: عُمَيّ: رَجُلٌ مِنْ الْعَمَالِيقِ أَوْقَعَ بِالْعَدُوّ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَسُمّيَ ذَلِكَ الْوَقْتُ: صَكّةَ عُمَيّ، والذى قاله أبو حنيفة
_________________
(١) كل ما ذكره السهيلى هو فى اللسان: والبيت فيه هكذا. وصك بها عين الظهيرة غائرا عمىّ ولم ينعلن إلا ظلالها وقد ضبطت ياء ينعلن بالفتح فى مادة صك، وبالضم فى مادة عمى، وعمى تقال بضم العين وإسكان الميم وتخفيف الياء فى الشعر، والجفنة: القصعة، فى اللسان أن الظبى إذا اشتد عليه الحر طلب الكناس، وقد برقت عينه من بياض الشمس ولمعانها، فيسدر بصره، حتى يصك بنفسه الكناس لا يبصره، ويقال: صكة أعمى أيضا. ولقيته صكة عمى، أو أعمى، أى فى أشد الهاجرة حرا. وابن منظور ينقل عن السهيلى كثيرا فى اللسان.
[ ٢ / ٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَوْلَى، وَقَائِلُهُ أَعْلَى. وَقَالَ يَعْقُوبُ: عَمِيَ الظّبْيُ: يَتَحَيّرُ بَصَرُهُ فِي الظّهِيرَةِ مِنْ شِدّةِ الْحَرّ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَكَانَتْ جَفْنَتُهُ يَأْكُلُ مِنْهَا الرّاكِبُ عَلَى الْبَعِيرِ، وَسَقَطَ فِيهَا صَبِيّ، فَغَرِقَ أَيْ: مَاتَ. وَكَانَ أُمَيّةُ بْنُ أَبِي الصّلْتِ قَبْلَ أَنْ يَمْدَحَهُ قَدْ أَتَى بَنِي الدّيّانِ من بنى الحرث بْنِ كَعْبٍ، فَرَأَى طَعَامَ بَنِي عَبْدِ الْمَدَانِ مِنْهُمْ لُبَابُ الْبُرّ وَالشّهْدُ وَالسّمْنُ، وَكَانَ ابْنُ جُدْعَانَ يُطْعِمُ التّمْرَ وَالسّوِيقَ وَيَسْقِي اللّبَنَ، فَقَالَ أُمَيّةُ:
وَلَقَدْ رَأَيْت الْفَاعِلِينَ وَفِعْلَهُمْ فَرَأَيْت أَكْرَمَهُمْ بَنِي الدّيّانِ
الْبُرّ يُلْبَكُ بِالشّهَادِ طَعَامُهُمْ لَا ما يعلّلنا بنو جدعان «١»
_________________
(١) السويق: طعام يتخذ من مدقوق البر والشعير سمى بهذا لانسياقه فى الحلق ولباب البر: الخالص من الدقيق، ومعنى يلبك: يخلط، والشهاد جمع شهد، وهو العسل، وطعام الفرس هو: الفالوذج. وهو كما عرف فى اللسان: لباب القمح بلعاب النحل. يعنى: أنه مصنوع من الدقيق الخالص وعسل النحل، وفى ذيل الأمالى للقالى، ورد بعد البيت الأول قوله: ورأيت من عبد المدان خلائقا فضل الأنام بهن عبد مدان وكذلك فى سمط اللالى للبكرى، وشطرة البيت الأول فى ذيل الأمالى: «ولقد رأيت القائلين وفعلهم» وفى السمط: «الباذلين» . ويقص أمية أنه دخل على عبد المدان بن الديان فى نجران فأتى بالفالوذج، ثم يقول: فأكلت طعاما عجيبا، ثم انصرفت، وأنا أقول، وذكر الأبيات «انظر ص ٣٦٢ سمط اللالى للبكرى وص ٣٨ من الأمالى والنوادر لأبى على القالى. وأمية ابن أبى الصلت اسمه: عبد الله بن أبى ربيعة، ويكنى: أبا عثمان، وهو شاعر جاهلى أدرك الإسلام ومات كافرا. هذا ويذكر أبو الفرج فى مثير الغرام، أن ابن جدعان وفد على كسرى، فأكل عنده الفالوذج، فسأل عنه، فقالوا: لباب البر مع العسل، فقال:
[ ٢ / ٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَبَلَغَ شِعْرُهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ جُدْعَانَ، فَأَرْسَلَ أَلْفَيْ بَعِيرٍ إلَى الشّامِ، تَحْمِلُ إلَيْهِ الْبُرّ وَالشّهْدَ وَالسّمْنَ، وَجَعَلَ مُنَادِيًا يُنَادِي عَلَى الْكَعْبَةِ: أَلَا هَلُمّوا إلَى جَفْنَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ، فَقَالَ أُمَيّةُ عِنْدَ ذَلِكَ:
لَهُ دَاعٍ بِمَكّةَ مُشْمِعَلّ وَآخَرُ فَوْقَ كَعْبَتِهَا يُنَادِي
إلَى رُدُحٍ مِنْ الشّيزَى عَلَيْهَا لُبَابُ الْبُرّ يُلْبَكُ بِالشّهَادِ «١»
وَكَانَ ابْنُ جُدْعَانَ فِي بَدْءِ أَمْرِهِ صُعْلُوكًا تَرِبَ الْيَدَيْنِ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ شِرّيرًا فاتكا، لا يَزَالُ يَجْنِي الْجِنَايَاتِ، فَيَعْقِلُ عَنْهُ أَبُوهُ وَقَوْمُهُ، حَتّى أَبْغَضَتْهُ عَشِيرَتُهُ، وَنَفَاهُ أَبُوهُ وَحَلَفَ: أَلّا يُؤْوِيَهُ أَبَدًا لِمَا أَثْقَلَهُ بِهِ مِنْ الْغُرْمِ، وحمله من
_________________
(١) - ابغونى غلاما يصنعه، فأتوه بغلام فابتاعه، فقدم به مكة، وأمره فصنعه للحجاج ووضع الموائد من الأبطح إلى المسجد ص ٤٥٠ القرى للمحب الطبرى. وفى ذيل الأمالى للقالى أنه أرسل إلى اليمن من جاءه بمن يعمل الفالوذج ص ٣٨.
(٢) اشمعل القوم فى الطلب: بادروا فيه، وتفراقوا، والمشمعل: الناقة النشيطة، والرجل الخفيف الظريف، أو الطويل. والبيتان من قصيدة طويلة فى ديوانه ص ١٩ وقبله: وأبيض من بنى تيم بن كعب وهم كالمشرفيات الفراد ومنها جزء فى نسب قريش ص ٢٩٢، وفى ص ١٤٢ من الاشتقاق لابن دريد: وكان ابن جدعان يشرب الخمر ويقول: شربت الخمر حتى قال قومى ألست عن السقاة بمستفيق وحتى ما أوسد فى مبيت أبيت به سوى الترب السحيق ثم حرمها على نفسه. والردح: جمع رداح بفتح: الجفنة العظيمة: والشيزى أو الشيز: خشب أسود تصنع منه الجفان، أو هو الأبنوس، أو خشب الجوز.
[ ٢ / ٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الدّيَاتِ، فَخَرَجَ فِي شِعَابِ مَكّةَ حَائِرًا بَائِرًا، يَتَمَنّى الْمَوْتَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ، فَرَأَى شَقّا فِي جَبَلٍ، فَظَنّ فِيهِ حَيّةً، فَتَعَرّضَ لِلشّقّ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا يَقْتُلُهُ فَيَسْتَرِيحَ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَدَخَلَ فِيهِ، فَإِذَا فِيهِ ثُعْبَانٌ عَظِيمٌ لَهُ عَيْنَانِ تَقِدَانِ كَالسّرَاجِينِ. فَحَمَلَ عَلَيْهِ الثّعْبَانُ، فَأَفْرَجَ لَهُ، فَانْسَابَ عَنْهُ مُسْتَدِيرًا بِدَارَةِ عِنْدَهَا بَيْتٌ، فَخَطَا خُطْوَةٌ أُخْرَى، فَصَفَرَ بِهِ الثّعْبَانُ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ كَالسّهْمِ، فَأَفْرَجَ عَنْهُ، فَانْسَابَ عَنْهُ قُدُمًا لَا يَنْظُرُ إلَيْهِ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنّهُ مَصْنُوعٌ، فَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ، فَإِذَا هو مصنوع من ذهب، وعيناه يا قوتتان، فَكَسَرَهُ، وَأَخَذَ عَيْنَيْهِ، وَدَخَلَ الْبَيْتَ، فَإِذَا جُثَثٌ عَلَى سُرُرٍ طِوَالٍ لَمْ يُرَ مِثْلُهُمْ طُولًا وعظما، وعند رؤسهم لوح من فضّة فيه تاريخهم، وإذا هُمْ رِجَالٌ مِنْ مُلُوكِ جُرْهُمٍ، وَآخِرُهُمْ مَوْتًا: الحرث بْنُ مُضَاضٍ صَاحِبُ الْغُرْبَةِ الطّوِيلَةِ، وَإِذَا عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ لَا يُمَسّ مِنْهَا شَيْءٌ إلّا انْتَثَرَ كَالْهَبَاءِ مِنْ طُولِ الزّمَنِ، وَشِعْرٌ مَكْتُوبٌ فِي اللّوْحِ فِيهِ عِظَاتٌ، آخِرُ بَيْتٍ مِنْهُ: صَاحِ هَلْ رَيْتَ أَوْ سَمِعْت بِرَاعٍ رَدّ فِي الضّرْعِ مَا قَرَى فِي الْحِلَابِ وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: كَانَ اللّوْحُ مِنْ رُخَامٍ، وَكَانَ فِيهِ: أنا نفيلة بن عبد المدان ابن خَشْرَمِ بْنِ عَبْدِ يَالَيْل بْنِ جُرْهُمِ بْنِ قَحْطَانَ بْنِ هُودٍ نَبِيّ اللهِ، عِشْت خَمْسَمِائَةِ عَامٍ، وَقَطَعْت غَوْرَ الْأَرْضِ بَاطِنَهَا وَظَاهِرَهَا فِي طَلَبِ الثّرْوَةِ وَالْمَجْدِ وَالْمُلْكِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ يُنْجِينِي مِنْ الْمَوْتِ، وَتَحْتَهُ مَكْتُوب: قَدْ قَطَعْت الْبِلَادَ فِي طَلَبِ الثّرْ وَةِ وَالْمَجْدُ قَالِصُ الْأَثْوَابِ وَسَرَيْت الْبِلَادَ قَفْرًا لِقَفْرِ بِقَنَاتِي وَقُوّتِي واكتسابى
[ ٢ / ٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَأَصَابَ الرّدَى بَنَاتِ فُؤَادِي بِسِهَامِ مِنْ الْمَنَايَا صِيَابِ
فَانْقَضَتْ شِرّتِي، وَأَقْصَرَ جَهْلِي وَاسْتَرَاحَتْ عَوَاذِلِي مِنْ عِتَابِي
وَدَفَعْت السّفَاهَ بِالْحِلْمِ لَمّا نَزَلَ الشّيْبُ فِي مَحَلّ الشّبَابِ
صَاحِ هَلْ رَيْتَ أَوْ سَمِعْت بِرَاعٍ رَدّ فِي الضّرْعِ مَا قَرَى فِي الْحِلَابِ «١»
وَإِذَا فِي وَسَطِ الْبَيْتِ كَوْمٌ عَظِيمٌ مِنْ الْيَاقُوتِ وَاللّؤْلُؤِ وَالذّهَبِ وَالْفِضّةِ وَالزّبَرْجَدِ، فَأَخَذَ مِنْهُ مَا أَخَذَ، ثُمّ عَلّمَ عَلَى الشّقّ بِعَلَامَةِ، وَأَغْلَقَ بَابَهُ بِالْحِجَارَةِ وَأَرْسَلَ إلَى أَبِيهِ بِالْمَالِ الّذِي خَرَجَ بِهِ يَسْتَرْضِيهِ وَيَسْتَعْطِفُهُ، وَوَصَلَ عَشِيرَتَهُ كُلّهُمْ، فَسَادَهُمْ وَجَعَلَ يُنْفِقُ مِنْ ذَلِكَ الْكَنْزِ وَيُطْعِمُ النّاسَ، وَيَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ.
ذَكَرَ حَدِيثَ كَنْزِ ابْنِ جُدْعَانَ مَوْصُولًا بِحَدِيثِ الحرث بْنِ مُضَاضٍ: ابْنُ هِشَامٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَوَقَعَ أَيْضًا فِي كِتَابِ رِيّ الْعَاطِشِ، وَأُنْسِ الْوَاحِشِ لِأَحْمَدَ بْنِ عَمّارٍ «٢» .
وَابْنُ جُدْعَانَ مِمّنْ حَرّمَ الْخَمْرَ فِي الْجَاهِلِيّةِ. بَعْدَ أَنْ كان مغرى بها، وذلك
_________________
(١) القالص من الثياب: المشمّر القصير. وبنات الفؤاد: طوائفه، وهى فى الأصل: نبات، والمنايا: جمع منية: الموت. وصياب: جمع صائب، كصاحب وصحاب. شرّة الشباب: حرصه ونشاطه. والسفاه بفتح السين: خفة الحلم ونقيضه، أو الجهل، وبكسر السين: جمع سفيه، والحلاب: الإناء يحلب فيه. وقرا: جمع، وفى اللسان: ويروى العلاب مكان الحلاب. وريت: يعنى: رأيت، وهى فى الروض: رأيت، والتصويب من اللسان، ثم إنها تخل بنظام الوزن.
(٢) لا ريب فى أنها أسطورة لا يحنو عليها قلب ولا عقل. يجوز أن يقال إنه عثر على كنز دفين. ولكن فى غير ما صورت الأسطورة.
[ ٢ / ٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَنّهُ سَكِرَ، فَتَنَاوَلَ الْقَمَرَ لِيَأْخُذَهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ حِينَ صَحَا، فَحَلَفَ: لَا يَشْرَبُهَا أَبَدًا، وَلَمّا كَبِرَ وَهَرِمَ أَرَادَ بَنُو تَمِيمٍ أَنْ يَمْنَعُوهُ من تبديد ماله، ولا موه فِي الْعَطَاءِ، فَكَانَ يَدْعُو الرّجُلَ، فَإِذَا دَنَا مِنْهُ، لَطَمَهُ لَطْمَةً خَفِيفَةً، ثُمّ يَقُولُ لَهُ:
قُمْ فَانْشُدْ لَطْمَتَك، وَاطْلُبْ دِيَتَهَا، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ أَعْطَتْهُ بَنُو تَمِيمٍ مِنْ مَالِ ابْنِ جُدْعَانَ حَتّى يَرْضَى، وَهُوَ جَدّ عُبَيْدِ اللهِ بْن أَبِي مُلَيْكَةَ الْفَقِيهِ. وَاَلّذِي وَقَعَ فِي هذا الحديث من ذكر نقيلة، أَحْسَبُهُ: نُفَيْلَةَ بِالنّونِ وَالْفَاءِ، لِأَنّ بَنِي نُفَيْلَةَ كَانُوا مُلُوكَ الْحِيرَةِ، وَهُمْ مِنْ غَسّانَ، لَا مِنْ جُرْهُمٍ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
مَوْقِفُ الْإِسْلَامِ مِنْ الْحِلْفِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ خَبَرَ الْحُسَيْنِ مَعَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَقَوْلَهُ: لَآخُذَنّ سَيْفِي، ثُمّ لَأَدْعُوَنّ بِحِلْفِ الْفُضُولِ إلَى آخِرِ الْقِصّةِ، وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ: تَخْصِيصُ أَهْلِ هَذَا الْحِلْفِ بِالدّعْوَةِ وَإِظْهَارِ التّعَصّبِ، إذَا خَافُوا ضَيْمًا، وَإِنْ كَانَ الْإِسْلَامُ قَدْ رَفَعَ مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيّةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: يَا لَفُلَانٍ عِنْدَ التّحَزّبِ وَالتّعَصّبِ، وَقَدْ سَمِعَ رَسُولُ اللهِﷺ- يَوْمَ الْمُرَيْسِيعِ «١» رَجُلًا يَقُولُ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! وَقَالَ آخَرُ: يَا لَلْأَنْصَارِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ: دَعُوهَا فَإِنّهَا مُنْتِنَةٌ وَقَالَﷺ- مَنْ ادّعَى بِدَعْوَى الْجَاهِلِيّةِ، فَأَعْضُوهُ بِهَنِ أَبِيهِ وَلَا تُكَنّوا «٢»، وَنَادَى رجل بالبصرة: يا لعامر! فجاءه النابغة الجعدىّ بعصبة له،
_________________
(١) مصغر مرسوع: بئر وماء لخزاعة من ناحية قديد إلى الساحل، وإليه تضاف غزوة بنى المصطلق، وتروى بالغين، وقد وقعت سنة ست من الهجرة.
(٢) أى قولوا له: اعضض أبيك، ولا تكنوا عنه بالهن، وقد وضعت نقطا بعدا عضض، وسيلمح القارىء الاسم المقصود. والحديث: رواه أحمد والنسائى
[ ٢ / ٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَضَرَبَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ﵁- خَمْسِينَ جَلْدَةً، وَذَلِكَ أَنّ اللهَ ﷿ جَعَلَ الْمُؤْمِنِينَ إخْوَةً، وَلَا يُقَالُ إلّا كَمَا قَالَ عُمَرُ ﵁: يَا لَلّهِ وَيَا لَلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنّهُمْ كُلّهُمْ حِزْبٌ وَاحِدٌ، وَإِخْوَةٌ فِي الدّينِ إلّا مَا خَصّ الشّرْعُ بِهِ أَهْلَ حِلْفِ الْفُضُولِ، وَالْأَصْلُ فِي تَخْصِيصِهِ قَوْلُهُﷺ- وَلَوْ دُعِيت بِهِ الْيَوْمَ لَأَجَبْت «١» يُرِيدُ: لَوْ قَالَ قَائِلٌ مِنْ الْمَظْلُومِينَ: يَا لَحِلْفِ الْفُضُولِ لَأَجَبْت، وَذَلِكَ أَنّ الْإِسْلَامَ إنّمَا جَاءَ بِإِقَامَةِ الْحَقّ وَنُصْرَةِ الْمَظْلُومِينَ، فَلَمْ يَزْدَدْ بِهِ هَذَا الْحِلْفُ إلّا قُوّةً، وَقَوْلُهُ ﵇: «وَمَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيّةِ، فَلَنْ يَزِيدَهُ الْإِسْلَامُ إلّا شِدّةً» لَيْسَ مَعْنَاهُ: أَنْ يَقُولَ الْحَلِيفُ: يَا لَفُلَانٍ لِحُلَفَائِهِ، فَيُجِيبُوهُ، بَلْ الشّدّةُ الّتِي عَنَى رَسُولُ اللهِﷺ- إنّمَا هِيَ رَاجِعَةٌ إلَى مَعْنَى التّوَاصُلِ وَالتّعَاطُفِ وَالتّآلُفِ، وَأَمّا دَعْوَى الْجَاهِلِيّةِ، فَقَدْ رَفَعَهَا الْإِسْلَامُ إلّا مَا كَانَ مِنْ حِلْفِ الْفُضُولِ كَمَا قَدّمْنَا، فَحُكْمُهُ بَاقٍ، وَالدّعْوَةُ بِهِ جَائِزَةٌ، وَقَدْ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنّ الْحَلِيفَ يَعْقِلُ مَعَ العاقلة إذا وجبت
_________________
(١) - وابن حبان عن أبى بن كعب. ورغم هذا أوقن أنه لا يجوز أن ينسب إلى أدب الرسول ذى الخلق العظيم مثل هذا الكلام الذى فيه نتن الأوشاب.
(٢) سبق الرأى فى هذا الحديث، وهو أوهن من بيت العنكبوت، فكيف يقيم السهيلى على مثله حكما دينيا يستهدف تقويم استغاثة شركية، وحمية جاهلية؟ وإن افترضنا أنه حديث صحيح، فإننا نستطيع أن نفهم فيه معنى آخر يستقيم وهدى القرآن، وهو أنه، لو دعى إلى تنفيذ ما دعا إليه من نصرة المظلوم لأجاب، ولكن لا باسم حلف، وإنما باسم الله، لأن هذا من دينه، والمسلمون أمة واحدة، وحزب واحد هو: حزب الله المفلح الغالب.
[ ٢ / ٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدّيَةُ لِقَوْلِهِﷺ- وَمَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيّةِ، فَلَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إلّا شِدّةً، وَلِقَوْلِهِ أَيْضًا لِلّذِي حَبَسَهُ فِي الْمَسْجِدِ: إنّمَا حَبَسْتُك بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِك.
عَنْ أَوْلَادِ عَبْدِ مَنَافٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ الْأَرْبَعَةَ، وَقَدْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ خَامِسٌ، وَهُوَ أَبُو عَمْرٍو، وَاسْمُهُ: عُبَيْدٌ، دَرَجَ «١»، وَلَا عَقِبَ لَهُ، ذَكَرَهُ الْبَرْقِيّ وَالزّبَيْرُ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْبَرْقِيّ أَنّ قُصَيّا كَانَ سَمّى ابْنَهُ عَبْدَ قُصَيّ، وَقَالَ: سَمّيْته بِنَفْسِي وَسَمّيْت الْآخَرَ بِدَارِ الْكَعْبَةِ، يَعْنِي: عَبْدَ الدّارِ، ثُمّ إنّ النّاسَ حَوّلُوا اسْمَ عَبْدِ قُصَيّ، فَقَالُوا: عَبْدَ بْنَ قُصَيّ، وَقَالَ الزّبَيْرُ أَيْضًا: كَانَ اسْمُ عَبْدِ الدار عبد الرحمن «٢» .
_________________
(١) مضى ولم يخلف نسلا. وفى طبقات ابن سعد: أن أولاد عبد مناف كانوا ستة نفر وست نسوة. وفى نسب قريش ص ١٥. يقول عن أبى عمرو إنه انقرض إلا من بنت يقال لهما: تماضر، ولدت لأبى همهمة بن عبد العزى.
(٢) فى القرآن الكريم قوله سبحانه: «وإذا قيل لهم: اسجدوا للرحمن. قالوا: وما الرحمن؟! أنسجد لما تأمرنا، وزادهم نفورا» الفرقان: ٦٠، وفى كتاب الصلح فى غزوة الحديبية دعاﷺ- بالكاتب، فقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل بن عمرو: وما الرحمن، فو الله ما أدرى ما هى؟ ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب، وهذا جزء من حديث رواه البخارى وأبو داود عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مخرمة ومروان، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه، وهذا كله يوحى بأن اسم الرحمن كان غير معروف عندهم.
[ ٢ / ٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ هَاشِمًا وَمَا صَنَعَ فِي أَمْرِ الرّفَادَةِ «١» وَإِطْعَامِ الْحَجِيجِ، وَأَنّهُ سُمّيَ هَاشِمًا لِهَشْمِهِ الثّرِيدَ لِقَوْمِهِ، وَالْمَعْرُوفُ فِي اللّغَةِ أَنْ يُقَالَ: ثَرَدْت الْخُبْزَ، فَهُوَ ثَرِيدٌ وَمَثْرُودٌ، فَلَمْ يُسَمّ: ثَارِدًا، وَسُمّيَ هَاشِمًا، وَكَانَ الْقِيَاسُ- كَمَا لَا يُسَمّى الثّرِيدُ هَشِيمًا، بَلْ يُقَالُ فِيهِ: - ثَرِيدٌ وَمَثْرُودٌ- أَنْ يُقَالَ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَلَكِنْ سَبَبُ هَذِهِ التّسْمِيَةِ يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ بَيَانٍ. ذَكَرَ أَصْحَابَ الْأَخْبَارِ أَنّ هَاشِمًا كَانَ يستعين على إطعام الحاجّ بقريش، فيردفدونه بِأَمْوَالِهِمْ، وَيُعِينُونَهُ، ثُمّ جَاءَتْ أَزْمَةٌ شَدِيدَةٌ فَكَرِهَ أَنْ يُكَلّفَ قُرَيْشًا أَمْرَ الرّفَادَةِ، فَاحْتَمَلَ إلَى الشّامِ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَاشْتَرَى بِهِ أَجْمَعَ كَعْكًا وَدَقِيقًا، ثُمّ أَتَى الْمَوْسِمَ فَهَشّمَ ذَلِكَ الْكَعْكَ كُلّهُ هَشْمًا، وَدَقّهُ دَقّا، ثُمّ صَنَعَ لِلْحُجّاجِ طَعَامًا شِبْهَ الثّرِيدِ، فَبِذَلِكَ سُمّيَ هَاشِمًا، لِأَنّ الْكَعْكَ الْيَابِسَ لَا يُثْرَدُ، وَإِنّمَا يُهْشَمُ هَشْمًا، فَبِذَلِكَ مُدِحَ، حَتّى قَالَ شَاعِرُهُمْ فِيهِ، وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزّبَعْرَى:
كَانَتْ قُرَيْشٌ بَيْضَةً فَتَفَقّأَتْ فَالْمُحّ خَالِصُهُ لِعَبْدِ مَنَافِ
الْخَالِطِينَ فَقِيرَهُمْ بغنيّهم والظاعنين لِرِحْلَةِ الْأَضْيَافِ
وَالرّائِشِينَ وَلَيْسَ يُوجَدُ رَائِشٌ وَالْقَائِلِينَ: هَلُمّ لِلْأَضْيَافِ
عَمْرُو الْعُلَا هَشَمَ الثّرِيدَ لِقَوْمِهِ قَوْمٌ بِمَكّةَ مُسْنِتِينَ عِجَافِ «٢»
_________________
(١) الرفادة: شىء كانت تترافد به قريش فى الجاهلية، تخرج فيما بينها مالا تشترى به للحجاج طعاما وزبيبا.
(٢) نسبها اللسان والمرتضى فى أماليه ٤/ ١٧٨ لمطرود بن كعب الخزاعى فى رثاء عبد المطلب، ونسبها العينى ٤/ ١٤٠، وابن أبى الحديد ٣/ ٤٥٣ كما نسبها السهيلى إلى عبد الله بن الزبعرى، ولها فى أمالى القالى قصة تزعم أن رسول الله هو- . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . - وأبابكر كانا عند بنى شيبة، فمر بهما رجل، وهو يقول: يا أيها الرجل المحول رحله ألا نزلت بال عبد الدار هبلتك أمك لو نزلت برحلهم منعوك من عدم ومن إقتار وتزعم القصة أن الرسول «ص» نظر إلى أبى بكر، ثم قال: أهكذا قال الشاعر: قال: لا والذى بعثك بالحق، لكنه قال: يا أيها الرجل المحول رحله ألّا نزلت بال عبد مناف وهى قصة مصنوعة. والأبيات التى وردت فى أمالى المرتضى بعد البيت السابق: هبلتك أمّك لو نزلت عليهم ضمنوك من جوع ومن إقراف الاخذون العهد من آفاقها والراحلون لرحلة الإيلاف والمطعمون إذا الرياح تناوحت ورجال مكة مسنتون عجاف وفى هذا البيت إقواء، لأن القافية مكسورة، ولكنها فيه مرفوعة. وقد وردت له رواية أخرى كما فى الروض، وبعد هذا فى أمالى المرتضى: والمفضلون إذا المحول ترادفت والقائلون: هلمّ للأضياف والخالطون غنيهم بفقيرهم حتى يكون فقيرهم كالكافى وفى أمالى القالى: «منعوك من عدم ومن إقراف، وهو فى اللسان كما فى أمالى المرتضى. وفى اللسان أيضا: والمنعمين إذا النجوم تغيّرت والظاعنين لرحلة الإيلاف والمطعمون إذَا الرّيَاحُ تَنَاوَحَتْ حَتّى تَغِيبَ الشّمْسُ فِي الرّجاف وفى الصحاح رويت الشطرة الأولى من هذا البيت: «المطعمون اللحم كل عشية» وفى غيره: «ويكللون جفانهم بسديفهم» . ثم نسب المرتضى إلى ابن الزبعرى: عمرو العلا هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف وهو الذى سن الرحيل لقومه رحل الشتاء ورحلة الأصياف وفى الروض: «فالمخ خالصه» بالخاء، والرواية الصحيحة «فالمح» بالحاء أما-
[ ٢ / ٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَانَ سَبَبَ مَدْحِ ابْنِ الزّبَعْرَى بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ، وَهُوَ سَهْمِيّ «١» لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ- فِيمَا ذَكَرَهُ ابن إسحق فِي رِوَايَةِ يُونُسَ- أَنّهُ كَانَ قَدْ هَجَا قُصَيّا بِشِعْرِ كَتَبَهُ فِي أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، أَوّلُهُ:
_________________
(١) - خالصة فرويت: خالصها، وخالصة بالتاء. والمح أو المحة: صفرة البيض. وقال ابن سيدة: إنما يريدون فص البيضة. وقال ابن برى: من قال: خالصة بالتاء، فهو فى الأصل مصدر كالعافية. ومسنتون: أصابتهم سنة مجدبة. وفى سمط اللالى للبكرى: «والعرب تقول هو بيضة البلد» يمدحونه بذلك، وتقول للاخر: هو بيضة البلد يذمونه به، فالممدوح يراد به: البيضة التى يحتضنها الظليم، «ذكر النعام» ويصونها ويوقيها؛ لأن فيها فرخه. والمذموم يراد به البيضة المنبوذة بالعراء، المذرة التى لا حائط لها، ولا يدرى لها أب، وهى تريكة الظليم. قال الرمانى: إذا كانت النسبة إلى مثل المدينة والبصرة، فبيضة البلد مدح، وإن نسبت إلى البلاد التى أهلها أهل ضعة فبيضة البلد ذم» ص ٥٤٩، والرجاف: البحر، أو يوم القيامة، وفى أمالى القالى زيادة: منهم على والنبى محمد القائلان: هلم للأضياف وأعتقد أنها زيادة شيعية. وقد قال البكرى: «وهذا بيت محدث ذكر أبو نصر أن جده صالحا أبا غالب ألحقه به» وأبو نصر هو: هارون بن موسى بن صالح تلميذ القالى، وأحد الذين استملوا النوادر عليه، وستأتى القصيدة فى السيرة. انظر مادة رجف فى اللسان، وص ٥٤١ ج ١ وما بعدها سمط اللالى للبكرى، بتعليق المحقق الميمنى، وص ٢٤١ ح ١ الأمالى للقالى، والتنبيه للبكرى، ص ١٧٨ ج ٤ أمالى المرتضى. وفى الروض: لرحلة الأضياف، ولعلها الأصياف. وفيه أيضا: عمرو الغلا» بالغين، وهو خطأ صوابه: العلا ص ٧٥، وهناك رواية: «عمرو الذى» كما فى الطبرى.
(٢) لأنه ابن الزبعرى بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم.
[ ٢ / ٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ألهى قصيّا عن المحد الْأَسَاطِيرُ وَمِشْيَةٌ مِثْلُ مَا تَمْشِي الشّقَارِيرُ «١»
فَاسْتَعْدَوْا عَلَيْهِ بَنِي سَهْمٍ، فَأَسْلَمُوهُ إلَيْهِمْ، فَضَرَبُوهُ وَحَلَقُوا شَعْرَهُ، وَرَبَطُوهُ إلَى صَخْرَةٍ بِالْحَجُونِ «٢»، فَاسْتَغَاثَ قَوْمَهُ فَلَمْ يُغِيثُوهُ، فَجَعَلَ يَمْدَحُ قُصَيّا وَيَسْتَرْضِيهِمْ، فَأَطْلَقَهُ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ مِنْهُمْ، وَأَكْرَمُوهُ فَمَدَحَهُمْ بِهَذَا الشعر، وبأشعار كثيرة، ذكرها ابن إسحق فِي رِوَايَةِ يُونُسَ.
عَبْدُ الْمُطّلِبِ وَابْنُ ذِي يَزَنَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ نِكَاحَ هَاشِمٍ سَلْمَى بِنْتَ عَمْرٍو النّجّارِيّةَ وَوِلَادَتَهَا لَهُ عَبْدَ الْمُطّلِبِ بْنَ هَاشِمٍ، وَمِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْوِلَادَةِ قَالَ سَيْفُ بن ذى يزن
_________________
(١) وجدت فى اللسان: «شقر بضم الشىء وفتحها، مع فتح القاف: الديك ويقال: إن الناس أصبحوا يوما بمكة، وعلى باب الندوة مكتوب: ألهى قصيا عن المجد الأساطير ورشوة مثل ما ترشى السفاسير وأكلها اللحم بحتا لا خليط له وقولها: رحلت عير، أتت عير فأنكر الناس ذلك. وقالوا: ما قالها إلا ابن الزبعرى، وأجمع على ذلك رأيهم، فمشوا إلى بنى سهم- وكان مما تنكر قريش وتعاتب عليه أن يهجو بعضها بعضا- فقالوا لبنى سهم.. ثم تمضى القصة كما رواها السهيلى، إلى قوله: فربطوه إلى صخرة بالحجون. انظر ص ١٧٩ وما بعدها ج ٤ أمالى المرتضى تعليق الشنقيطى ط ١٣٢٥ هـ. وللسفافير معان عدة فهى: جمع سفسير بكسر السين الأولى والاخرة وسكون الفاء. وهو التابع أو الذى يقوم على الناقة، أو الإبل ليصلح من شأنها، والعبقرى والحاذق بصناعته والقهرمان، والسمسار، وهذه هى المقصودة هنا.
(٢) فى الأصل: الحجول وهو خطأ.
[ ٢ / ٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَوْ ابْنُهُ مَعْدِي كَرِبَ بْنُ سَيْفٍ مَلِكُ الْيَمَنِ «١» لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ حِينَ وَفَدَ عَلَيْهِ رَكْبٌ مِنْ قُرَيْشٍ: مَرْحَبًا بِابْنِ أُخْتِنَا، لِأَنّ سَلْمَى مِنْ الْخَزْرَجِ، وَهُمْ مِنْ الْيَمَنِ مِنْ سَبَأٍ، وَسَيْفٌ مِنْ حِمْيَرَ بْنِ سَبَأٍ، ثُمّ قَالَ لَهُ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، وَنَاقَةً وَرَحْلًا، وَمُلْكًا سِبَحْلًا، يُعْطِي عَطَاءً جَزْلًا «٢» . ثُمّ بَشّرَهُ بِالنّبِيّﷺ- وَأَنّهُ مِنْ وَلَدِهِ «٣»، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ: مِثْلُك أَيّهَا الْمَلِكُ سِرّ وَبِرّ، ثُمّ أَجْزَلَ الْمَلِكُ حِبَاءَهُ، وَفَضّلَهُ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَانْصَرَفَ مَغْبُوطًا عَلَى مَا أَعْطَاهُ الْمَلِكُ، فَقَالَ: وَاَللهِ لَمَا بَشّرَنِي بِهِ أَحَبّ إلَيّ مِنْ كُلّ مَا أَعْطَانِي. فِي خَبَرٍ فِيهِ طُولٌ.
نَسَبُ أُحَيْحَةَ:
وَذَكَرَ نَسَبَ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجِلَاحِ بْنِ الْحَرِيشِ بْنِ جَحْجَبِيّ «٤»،
_________________
(١) فى الطبرى عن سيفان بن معد يكرب: من الناس من يقول: إنه سيف بن ذى يزن. ص ١٥٣ ج ٢.
(٢) نسب القالى فى أماليه هذا إلى عبد المطلب، وهو خطأ صوبه البكرى فى التنبيه ص ١١٤. فهو- كما ذكر السهيلى- قول سيف لعبد المطلب وسبحل: بكسر ففتح فسكون، أو سبحلل مثل: سفرجل، وسحبل بفتح السين وإسكان الحاء المتقدمة على الباء: الضخم. وروى ملكا ربحلاء بكسر الراء وفتح الباء وسكون الحاء، وهى مثل: سبحل فى المعنى. والربحلة: العظيمة الجيدة الخلق- بفتح الخاء- فى طول. ويريد هنا: ملكا عظيما. وبعد «جزلا» قول سيف: «قد سمعنا مقالتكم، وعرفنا قرابتكم، فلكم الكرامة ما أقمتم، والحباء إذا رجعتم» انظر ج ٢ ص ٢١٨ الأمالى ط ٢ والتنبيه للبكرى ص ١١٤.
(٣) هذا من الغلو الذى لا يحتاج إليه مقام النبى «ص» الذى لم يكن يعرف هو «ص» ولا أحد من أهله أنه هو النبى المبشر به فى كتب أهل الكتاب.
(٤) فى الروض: جمحي، والتصويب من كتب النسب.
[ ٢ / ٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ الْحَرِيسُ يَعْنِي. بِالسّينِ المهملة- وقال الدّار قطنى عَنْ الزّبَيْرِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ: إنّ كُلّ مَا فِي الْأَنْصَارِ فَهُوَ: حَرِيسٌ بِالسّينِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ إلّا هَذَا، وَوَجَدْت فِي حَاشِيَةِ كِتَابِ أَبِي بَحْرٍ﵀- صَوَابَ هَذَا الِاسْمِ يَعْنِي فِي نَسَبِ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ بْنِ الحريش بالشين المعجمة على لفظ الحريش ابن كَعْبٍ الْبَطْنِ الّذِي فِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ «١»
فَصْلٌ: وَأَنْشَدَ لِمَطْرُودِ بْنِ كَعْبٍ:
يَا لَيْلَةً هَيّجْت لَيْلَاتِي إحْدَى لَيَالِيّ الْقَسِيّاتِ
أَيْ: أَنْتِ إحْدَى لَيَالِيّ الْقَسِيّاتِ. فَعِيلَاتٌ مِنْ الْقَسْوَةِ، أَيْ: لالين عِنْدَهُنّ، وَلَا رَأْفَةَ فِيهِنّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ مِنْ الدّرْهَمِ الْقَسِيّ، وَهُوَ الزّائِفُ، وَقَدْ قِيلَ فِي الدّرْهَمِ الْقَسِيّ: إنّهُ أَعْجَمِيّ مُعَرّبٌ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ الْقَسَاوَةِ لِأَنّ الدّرْهَمَ الطّيّبَ أَلْيَنُ مِنْ الزّائِفِ «٢»، وَالزّائِفُ أَصْلَبُ مِنْهُ. وَنَصَبَ لَيْلَةً عَلَى التّمْيِيزِ كَذَلِكَ، قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي قول الصّلتان «٣» العبدىّ.
_________________
(١) فى الاشتقاق: الحريش بالشين بْنِ كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صعصعة.
(٢) فى اللسان: عام قسى- بفتح فكسر مع تضعيف الياء- شديد ذو قحط لا مطر فيه، وعشية قسية: باردة. والقسية: الشديدة، ويوم قسىّ مثال شقى: شديد من حرب أو شر. ودرهم قسىّ: جمع قسيان مثل صبى: وقيل درهم قسى: ضرب من الزيف، أى فضة صلبة رديئة ليست بلينة، وكل هذا يؤكد أنه استعمال عربى.
(٣) الصلتان: لقب، وأصل الصلتان: النشيط الحديد الفؤاد من الخيل، أو المضاء فى الأمور، وهو: قثم بن خبيئة- كما نقل ابن قتيبة- أو خبية، وقال الامدى عن أبى-
[ ٢ / ٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أيا شاعرا لا شاعر اليوم مثله
_________________
(١) - عبيدة: قثم بن خثيم، وهو أحد بنى محارب بن عمرو بن وديعة بن لكيز ابن أفصى بن عبد القيس. والبيت من قصيدة أوردها المبرد فى كتابه الاعتنان، والقالى فى أماليه، وابن قتيبة فى كتاب الشعراء، وتتمة البيت: جرير، ولكن فى كليب تواضع وقد نظم الصلتان هذه القصيدة- وعدتها ثلاثة وعشرون- حينما جعلوا إليه الحكم بين الفرزدق وجرير، أيهما أشعر، وأولها: أنا الصّلتانىّ الذى قد علمتم متى ما يحكم فهو بالحق صادع وفى الأمالى: «فيا شاعرا لا شاعر اليوم مثله» ص ١٤٢ ج ٢ الأمالى ومن القصيدة: أرى الخطفى بذ الفرزدق شعره ولكن خيرا من كليب مجاشع فيا شاعرا لا شاعر اليوم مثله جرير، ولكن فى كليب تواضع فرضى الفرزدق حين شرفه عليه، وقومه على قومه، وقال: إنما الشعر مروءة، من لا مروءة له، وهو أخس حظ الشريف، وأما جرير، فغضب من المنزلة التى أنزله إياها فهجاه. والبيت المذكور فى اللسان ص ٢٠٨ ج ٢، وانظر ص ٢٩ ج ٢ خزانة الأدب ط دار العصور، وإليك بعض ما قيل فيه: قال الأعلم الشاهد فيه على مذهب الخليل وسيبويه: نصب شاعرا بإضمار فعل على معنى الاختصاص والتعجب، والمنادى محذوف، والمعنى: يا هؤلاء أو يا قوم، عليكم شاعرا، أو حسبكم به شاعرا، وقال النحاس: كأنه قال: يا قائل الشعر عليك شاعرا، وإنما امتنع عنده أن يكون منادى، لأنه نكرة يدخل فيه كل شاعر بالحضرة، وهو إنما قصد شاعرا بعينه، وهو جرير، وكان ينبغى أن يبنيه على الضم على ما يجرى عليه المخصوص بالنداء. أما أحمد بن يحيى، فذكر أن شاعرا منصوب بالنداء وفيه معنى التعجب، وقال: إن العرب تنادى بالمدح والذم، وتنصب بالنداء، فيقولون: يا رجلا لم أر مثله، وكذا يا طيبتك من ليلة، وكذا شاعرا، وفى-
[ ٢ / ٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَلِكَ أَنّ فِي الْكَلَامِ مَعْنَى التّعَجّبِ.
وَقَوْلُهُ: وَمَيْتٌ بِغَزّاتِ. هِيَ: غَزّةُ، وَلَكِنّهُمْ يَجْعَلُونَ لِكُلّ نَاحِيَةٍ أَوْ لِكُلّ رَبَضٍ «١» مِنْ الْبَلْدَةِ اسْمَ الْبَلْدَةِ، فَيَقُولُونَ: غَزّاتٍ فِي غَزّةَ، وَيَقُولُونَ فِي بَغْدَانَ: بَغَادِينَ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَدّثِينَ:
شَرِبْنَا فِي بَغَادِينَ عَلَى تِلْكَ الْمَيَادِينِ
وَلِهَذَا نَظَائِرُ سَتَمُرّ فِي الْكِتَابِ- إنْ شَاءَ اللهُ- وَمِنْ هَذَا الْبَابِ:
حُكْمُهُمْ لِلْبَعْضِ بِحُكْمِ الْكُلّ، كَمَا سمّوه باسمه، نحو قولهم: شرقت صدر
_________________
(١) - الخزانة أيضا: أن المنادى محذوف، وأن شاعرا ليس بمنادى، لأنه مقصود إلى واحد بعينه، والمحذوف يجوز أن يكون هو الشاعر، ويجوز أن يكون غيره، فكأنه قال لمن بحضرته: يا هذا حسبك به شاعرا على المدح والتعجب منه، ثم بين أنه جرير، ويشبه هذا الإضمار بقولهم: نعم رجلا زيد، ويجوز أن يكون حسبك به على شريطة التفسير، وبه فى موضع اسم مرفوع لابد منه، ويجوز أن يكون الهاء للشاعر الذى جرى ذكره، ثم وكده بقوله: جرير، أى: هو جرير. وتقدير الخليل ويونس: يا قائل الشعر، على أن قائل الشعر غير الشاعر المذكور، كأنه قال: يا شعراء عليكم شاعرا لا شاعر اليوم مثله، أى حسبكم به شاعرا، فهذا ظاهر كلام سيبويه. ويجوز أن يكون يا قائل الشعر المحذوف هو الشاعر المذكور، وينتصب شاعرا على الحال، ولا شاعر اليوم فى موضع النعت، واحتاج إلى إضمار قائل الشعر ونحوه، حتى يكون المنادى معرفة، كأنه قال: يا قائل الشعر فى حال ما هو شاعر لا شاعر مثله.
(٢) ربض المدينة: ما حولها. وفى الروض «ميت بغزات» ولكن فى السيرة «ميت بين غزات» .
[ ٢ / ٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْقَنَاةِ مِنْ الدّمِ، وَذَهَبَتْ بَعْضُ أَصَابِعِهِ «١»، وَتَوَاضَعَتْ سُوَرُ الْمَدِينَةِ. وَقَدْ تَرَكّبَتْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مسئلة مِنْ الْفِقْهِ: قَالَ الْفُقَهَاءُ، أَوْ أَكْثَرُهُمْ: مَنْ حَلَفَ أَلّا يَأْكُلَ هَذَا الرّغِيفَ، فَأَكَلَ بَعْضَهُ، فَقَدْ حَنِثَ، فَحَكَمُوا لِلْبَعْضِ بِحُكْمِ الْكُلّ، وَأَطْلَقُوا عَلَيْهِ اسْمَهُ. وَفِيهِ:
إنّ الْمُغِيرَاتِ وَأَبْنَاءَهَا مِنْ خَيْرِ أَحْيَاءٍ وَأَمْوَاتِ «٢»
فَالْمُغِيرَاتُ: بَنُو الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ عَبْدُ مَنَافٍ، كَمَا قَالُوا: الْمَنَاذِرَةُ فِي بَنِي الْمُنْذِرِ، وَالْأَشْعَرُونَ فِي بَنِي أَشْعَرَ بْنِ أُدَدَ، كَمَا قَالَ عَلِيّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ فِي ابْنِ الزّبَيْرِ:
آثَرَ عَلَيّ الْحُمَيْدَاتِ وَالتّوَيْتَاتِ وَالْأُسَامَاتِ، يَعْنِي: بَنِي حُمَيْدٍ، وَبَنِيّ تُوَيْتٍ، وَبَنِيّ أُسَامَةَ، وَهُمْ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عبد العزّى «٣» .
_________________
(١) يقول الأعشى: ونشرق بالقول الذى قد أذعته كما شرقت صدر القناة من الدم وأصل الصدر مذكر، وأنث هنا، إما لأنه أراد القناة، أو لأن صدر القناة قناة، أو لأن صدر القناة منها كقولهم: ذهبت بعض أصابعه، لأنهم يونئون الاسم المضاف إلى المؤنث «اللسان» ونص تعبير سيبويه فى الكتاب: «وربما قالوا فى بعض الكلام: «ذهبت بعض أصابعه، وإنما أنث البعض، لأنه أضافه إلى مؤنث هو منه، ولو لم يكن منه لم يؤنثه: لأنه لو قال: ذهبت عبد أمك لم يحسن» ثم استشهد ببيت الأعشى، ثم قال: «لأن صدر القناة من مؤنث، ومثله قول جرير «فى ص ٢٥ ج ١ من كتاب سيبويه» إذا بعض السنين تعرقتنا كفى الأيتام فقد أبى اليتيم
(٢) فى الروض: «وأبناؤها» والصواب ما أثبته من السيرة.
(٣) هم حميد بن أسامة بن زهير بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بن قصى وتويت بن حبيب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وأسامة بن زهير بن الحارث-
[ ٢ / ٩٢ ]
وَكَانَ اسْمُ عَبْدِ مَنَافٍ: الْمُغِيرَةَ، وَكَانَ أَوّلَ بنى عبد مناف هلكا:
هاشم، بغزّة مِنْ أَرْضِ الشّامِ، ثُمّ عَبْدَ شَمْسٍ بِمَكّةَ، ثُمّ الْمُطّلِبَ بِرَدْمَانَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ، ثُمّ نَوْفَلًا بِسَلْمَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِرَاقِ.
فَقِيلَ لِمَطْرُودِ- فِيمَا يَزْعُمُونَ-: لَقَدْ قُلْتَ فَأَحْسَنْت، وَلَوْ كَانَ أَفْحَلَ مِمّا قُلْتَ كَانَ أَحْسَنَ، فَقَالَ: أَنْظِرْنِي ليالى: فمكث أياما، ثم قال:
يا عين جودى، وَأَذْرِي الدّمْعَ وَانْهَمِرِي وَابْكِي عَلَى السّرّ مِنْ كَعْبِ الْمُغِيرَاتِ
يَا عَيْنُ، وَاسْحَنْفِرِي بِالدّمْعِ وَاحْتَفِلِي وَابْكِي خَبِيئَةَ نَفْسِي فِي الْمُلِمّاتِ
وَابْكِي عَلَى كلّ فيّاض أخى ثقة ضخم الدّسية وَهّابِ الْجَزِيلَاتِ
مَحْضِ الضّرِيبَةِ، عَالِي الْهَمّ، مُخْتَلِقٌ جَلْدِ النّحِيزَةِ، نَاءٍ بِالْعَظِيمَاتِ
صَعْبِ الْبَدِيهَةِ لَا نِكْسٍ وَلَا وَكِلٍ مَاضِي الْعَزِيمَةِ، مِتْلَافِ الْكَرِيمَاتِ
صَقْرٍ تَوَسّطَ مِنْ كَعْبٍ إذَا نُسِبُوا بُحْبُوحَةَ الْمَجْدِ وَالشّمّ الرّفِيعَاتِ
ثُمّ اُنْدُبِي الْفَيْضَ وَالْفَيّاضَ مطّلبا واستخرطى بعد فيضات بجمّات
ــ
وَفِيهِ «شَرْقِيّ الْبَنِيّاتِ» يَعْنِي: الْبَنِيّةَ، وَهِيَ: الْكَعْبَةُ، وهو نحو مما تقدم فى غزّات.
_________________
(١) - بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ. والأشعرون فى اللسان: نسبة إلى أشعر بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وتقول العرب: جاء بك الأشعرون بحذف ياء النسب.
[ ٢ / ٩٣ ]
أَمْسَى بِرَدْمَانَ عَنّا الْيَوْمَ مُغْتَرِبًا يَا لَهْفَ نَفْسِي عَلَيْهِ بَيْنَ أَمْوَاتِ
وَابْكِي- لَك الْوَيْلُ- إمّا كُنْت بَاكِيَةً لِعَبْدِ شَمْسٍ بِشَرْقِيّ الْبُنَيّاتِ
وَهَاشِمٍ فِي ضَرِيحٍ وَسْطَ بَلْقَعَةٍ تَسْفَى الرّيَاحُ عَلَيْهِ بَيْنَ غَزّاتِ
وَنَوْفَلٌ كَانَ دُونَ الْقَوْمِ خَالِصَتِي أَمْسَى بِسَلْمَانَ فِي رَمْسٍ بِمَوْمَاةِ
لَمْ أَلْقَ مِثْلَهُمْ عُجْمًا وَلَا عَرَبًا إذَا اسْتَقَلّتْ بِهِمْ أُدْمُ الْمَطِيّاتِ
أَمْسَتْ دِيَارُهُمْ مِنْهُمْ مُعَطّلَةً وَقَدْ يَكُونُونَ زَيْنًا فِي السّرِيّاتِ
أَفْنَاهُمْ الدّهْرُ، أَمْ كَلّتْ سُيُوفُهُمْ أَمْ كُلّ مَنْ عَاشٍ أَزْوَادُ الْمَنِيّاتِ
أَصْبَحْتُ أَرْضَى مِنْ الْأَقْوَامِ بَعْدَهُمْ بَسْطَ الْوُجُوهِ وَإِلْقَاءَ التّحِيّاتِ
يَا عَيْنُ فَابْكِي أَبَا الشّعْثِ الشّجِيّاتِ يَبْكِينَهُ حُسّرًا مِثْلَ الْبَلِيّاتِ
يَبْكِينَ أَكْرَمَ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمٍ يُعْوِلْنَهُ بِدُمُوعٍ بَعْدَ عَبَرَاتِ
يَبْكِينَ شَخْصًا طَوِيلَ الْبَاعِ ذَا فَجَرٍ آبِي الْهَضِيمَةِ، فَرّاجِ الْجَلِيلَاتِ
يَبْكِينَ عَمْرَو الْعُلَا إذْ حَانَ مَصْرَعُهُ سَمْحَ السّجِيّةِ، بَسّامَ الْعَشِيّاتِ
يَبْكِينَهُ مُسْتَكِينَاتٍ عَلَى حَزَنٍ يَا طُولَ ذَلِكَ مِنْ حُزْنٍ وَعَوْلَاتٍ
يَبْكِينَ لَمّا جَلّاهُنّ الزّمَانُ لَهُ خُضْرُ الْخُدُودِ كَأَمْثَالِ الْحَمِيّاتِ
مُحْتَزِمَاتٍ عَلَى أَوْسَاطِهِنّ لِمَا جَرّ الزّمَانُ مِنْ أَحْدَاثِ الْمُصِيبَاتِ
أَبِيتُ لَيْلِي أُرَاعِي النّجْمَ مِنْ أَلَمٍ أَبْكِي، وَتَبْكِي مَعِي شَجْوِي بُنَيّاتِي
مَا فِي الْقُرُومِ لَهُمْ عِدْلٌ وَلَا خَطَرٌ وَلَا لِمَنْ تَرَكُوا شَرْوَى بَقِيّاتِ
أَبْنَاؤُهُمْ خَيْرُ أَبْنَاءٍ، وَأَنْفُسُهُمْ خَيْرُ النّفُوسِ لَدَى جَهْدِ الْأَلِيّاتِ
كَمْ وَهَبُوا مِنْ طِمِرّ سَابِحٍ أَرِنٍ وَمِنْ طِمِرّةٍ نَهْبٍ فِي طِمِرّاتِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٩٤ ]
وَمِنْ سُيُوفٍ مِنْ الْهِنْدِيّ مُخْلَصَةٍ وَمِنْ رِمَاحٍ كَأَشْطَانِ الرّكِيّاتِ
وَمِنْ تَوَابِعِ مِمّا يُفْضِلُونَ بِهَا عِنْدَ الْمَسَائِلِ مِنْ بَذْلِ الْعَطِيّاتِ
فَلَوْ حَسَبْت وَأَحْصَى الْحَاسِبُونَ مَعِي لَمْ أَقْضِ أَفَعَالَهُمْ تَلِك الْهَنِيّاتِ
هُمْ الْمُدِلّونَ إمّا مَعْشَرٌ فَخَرّوا عِنْدَ الْفَخّارِ بِأَنْسَابٍ نَقِيّاتٍ
زَيْنُ الْبُيُوتِ الّتِي خَلّوْا مَسَاكِنَهَا فَأَصْبَحَتْ مِنْهُمْ وَحْشًا خَلِيّاتٍ
أَقُولُ وَالْعَيْنُ لَا تَرْقَا مَدَامِعُهَا : لَا يُبْعِدُ اللهُ أَصْحَابَ الرّزِيّاتِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْفَجْرُ: الْعَطَاءُ. قَالَ أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيّ:
عَجّفَ أَضْيَافِي جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ بِذِي فَجَرٍ تَأْوِي إلَيْهِ الْأَرَامِلُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَبُو الشّعْثِ الشّجِيّاتِ: هَاشِمُ بْنُ عبد مناف.
قَالَ: ثُمّ وَلِيَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ بْنُ هَاشِمِ السّقَايَةَ وَالرّفَادَةَ بَعْدَ عَمّهِ الْمُطّلِبِ، فَأَقَامَهَا لِلنّاسِ، وَأَقَامَ لِقَوْمِهِ مَا كَانَ آبَاؤُهُ يُقِيمُونَ قَبْلَهُ لِقَوْمِهِمْ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَشَرُفَ فِي قَوْمِهِ شَرَفًا لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ مِنْ آبَائِهِ، وَأَحَبّهُ قَوْمُهُ وَعَظُمَ خَطَرُهُ فِيهِمْ.
[ذِكْرُ حَفْرِ زَمْزَمَ وَمَا جرى من الخلف فيها]
ثُمّ إنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ بَيْنَمَا هُوَ نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ إذْ أُتِيَ، فَأُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ.
قال ابن إسحاق: وكان أوّل ما ابتدىء بِهِ عَبْدُ الْمُطّلِبِ مِنْ حَفْرِهَا، كَمَا حَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ الْمِصْرِيّ عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْيَزَنِيّ عَنْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٩٥ ]
عبد الله بن زرير الْغَافِقِيّ: أَنّهُ سَمِعَ عَلَيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يُحَدّثُ حَدِيثَ زَمْزَمَ حِينَ أُمِرَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ بِحَفْرِهَا، قَالَ:
قَالَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ: إنّي لَنَائِمٌ فِي الْحِجْرِ إذْ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ: احْفِرْ طَيْبَةَ.
قَالَ: قُلْت: وَمَا طَيْبَةُ؟ قَالَ: ثُمّ ذَهَبَ عَنّي. فَلَمّا كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءنى فقال: احفر برّة. قال: فقلت: وَمَا بَرّةُ؟ قَالَ:
ثُمّ ذَهَبَ عَنّي، فَلَمّا كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاءنى فقال:
احفر المضنونة قال: ققلت: وَمَا الْمَضْنُونَةُ؟ قَالَ: ثُمّ ذَهَبَ عَنّي. فَلَمّا كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ زَمْزَمَ. قَالَ:
قُلْت: وَمَا زَمْزَمُ؟ قَالَ لَا تَنْزِفُ أَبَدًا وَلَا تُذَمّ، تَسْقِي الْحَجِيجَ الْأَعْظَمَ، وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدّمِ، عِنْدَ نُقْرَةِ الْغُرَابِ الْأَعْصَمِ، عِنْدَ قَرْيَةِ النّمْلِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا بُيّنَ لَهُ شَأْنُهَا، ودلّ على موضعها، وعرف أنه قد صُدّقَ، غَدَا بِمِعْوَلِهِ وَمَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ بْنُ عبد المطلب، ليس له يومئذ ولد غيره فحفر فيها. فلما بَدَا لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ الطّيّ، كَبّرَ، فَعَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنّهُ قَدْ أَدْرَكَ حَاجَتَهُ، فَقَامُوا إلَيْهِ، فَقَالُوا: يَا عَبْدَ الْمُطّلِبِ، إنّهَا بِئْرُ أَبِينَا إسْمَاعِيلَ، وَإِنّ لَنَا فِيهَا حَقّا فَأَشْرِكْنَا مَعَك فِيهَا. قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلِ، إنّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ خُصِصْتُ بِهِ دُونَكُمْ، وَأُعْطِيته مِنْ بَيْنِكُمْ، فَقَالُوا لَهُ: فَأَنْصِفْنَا، فَإِنّا غَيْرُ تَارِكِيك حَتّى نُخَاصِمَك فِيهَا، قَالَ: فَاجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مَنْ شِئْتُمْ أُحَاكِمُكُمْ إلَيْهِ، قَالُوا:
كَاهِنَةُ بَنِي سَعْدٍ هُذَيْمٌ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَكَانَتْ بِأَشْرَافِ الشّامِ، فَرَكِبَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ بَنِي أَبِيهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَرَكِبَ مِنْ كُلّ قَبِيلَةٍ مِنْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٩٦ ]
قُرَيْشٍ نَفَرٌ. قَالَ: وَالْأَرْضُ إذْ ذَاكَ مَفَاوِزُ. قال: فحرجوا حَتّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ تِلْكَ الْمَفَاوِزِ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشّامِ، فَنِيَ مَاءُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَأَصْحَابِهِ، فَظَمِئُوا حَتّى أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ، فَاسْتَسْقَوْا مَنْ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ، فَأَبَوْا عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: إنّا بِمَفَازَةٍ، وَنَحْنُ نَخْشَى عَلَى أَنْفُسِنَا مِثْلَ مَا أَصَابَكُمْ، فَلَمّا رَأَى عَبْدُ الْمُطّلِبِ مَا صَنَعَ الْقَوْمُ، وَمَا يَتَخَوّفُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ: مَاذَا تَرَوْنَ؟ قَالُوا: مَا رَأْيُنَا إلّا تَبَعٌ لِرَأْيِك، فَمُرْنَا بِمَا شِئْت، قَالَ: فَإِنّي أَرَى أَنْ يَحْفِرَ كُلّ رَجُلٍ مِنْكُمْ حُفْرَتَهُ لِنَفْسِهِ بِمَا بِكُمْ الْآنَ مِنْ الْقُوّةِ- فَكُلّمَا مَاتَ رَجُلٌ دَفَعَهُ أَصْحَابُهُ فِي حُفْرَتِهِ ثُمّ وَارَوْهُ- حَتّى يَكُونَ آخِرُكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا، فَضَيْعَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَيْسَرُ مِنْ ضَيْعَةِ رَكْبٍ جَمِيعًا، قَالُوا: نِعْمَ مَا أَمَرْتَ بِهِ. فَقَامَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَحَفَرَ حُفْرَتَهُ، ثُمّ قَعَدُوا يَنْتَظِرُونَ الْمَوْتَ عَطَشًا، ثُمّ إنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: وَاَللهِ إنّ إلْقَاءَنَا بِأَيْدِينَا هَكَذَا لِلْمَوْتِ، لَا نَضْرِبُ فِي الْأَرْضِ، وَلَا نَبْتَغِي لِأَنْفُسِنَا، لَعَجْزٌ، فَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَنَا مَاءً بِبَعْضِ الْبِلَادِ، ارْتَحِلُوا، فَارْتَحَلُوا حَتّى إذَا فَرَغُوا، وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ مَا هُمْ اعلون، تَقَدّمَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ إلَى رَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا. فَلَمّا انْبَعَثَتْ بِهِ، انْفَجَرَتْ مِنْ تَحْتِ خُفّهَا عَيْنُ ماء عذب، فكبر عَبْدُ الْمُطّلِبِ، وَكَبّرَ أَصْحَابُهُ، ثُمّ نَزَلَ فَشَرِبَ، وَشَرِبَ أَصْحَابُهُ، وَاسْتَقَوْا حَتّى مَلِئُوا أَسْقِيَتَهُمْ، ثُمّ دَعَا الْقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: هَلُمّ إلَى الماء، فقد سقانا الله، فاشربوا استقوا، فجاؤا، فَشَرِبُوا وَاسْتَقَوْا. ثُمّ قَالُوا: قَدْ- وَاَللهِ- قُضِيَ لَك عَلَيْنَا يَا عَبْدَ الْمُطّلِبِ، وَاَللهِ لَا نُخَاصِمُك فِي زَمْزَمَ أَبَدًا، إنّ الّذِي سَقَاك هَذَا الْمَاءَ بِهَذِهِ الْفَلَاةِ لَهُوَ الّذِي سَقَاك زَمْزَمَ، فَارْجِعْ إلَى سِقَايَتِك رَاشِدًا. فَرَجَعَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٩٧ ]
وَرَجَعُوا مَعَهُ، وَلَمْ يَصِلُوا إلَى الْكَاهِنَةِ وَخَلّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَهَذَا الّذِي بَلَغَنِي مِنْ حَدِيثِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فِي زَمْزَمَ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَنْ يُحَدّثُ عَنْ عَبْدِ الْمُطّلِبِ أَنّهُ قِيلَ لَهُ حِينَ أُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ:
ثُمّ اُدْعُ بِالْمَاءِ الرّوَى غَيْرِ الْكَدِرْ يَسْقِي حَجِيجَ اللهِ فِي كُلّ مَبَرّ
لَيْسَ يُخَافُ مِنْهُ شَيْءٌ مَا عَمَرْ
فَخَرَجَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ حِينَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ إلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: تَعَلّمُوا أَنّي قَدْ أُمِرْت أَنْ أَحْفِرَ لَكُمْ زَمْزَمَ، فَقَالُوا: فَهَلْ بُيّنَ لَك أَيْنَ هِيَ؟ قَالَ: لَا. قَالُوا فَارْجِعْ إلَى مَضْجَعِك الّذِي رَأَيْتَ فِيهِ مَا رَأَيْتَ، فَإِنْ يَكُ حَقّا مِنْ اللهِ يُبَيّنُ لَك، وَإِنْ يَكُ مِنْ الشّيْطَانِ فَلَنْ يَعُودَ إلَيْك. فَرَجَعَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ إلَى مَضْجَعِهِ، فَنَامَ فِيهِ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: احْفِرْ زَمْزَمَ، إنّك إنْ حَفَرْتهَا لَمْ تَنْدَمْ، وَهِيَ تُرَاثٌ مِنْ أَبِيك الْأَعْظَمِ، لَا تَنْزِفُ أَبَدًا وَلَا تذمّ، تسقى الحجيج الأعظم، مثل نعام جافل لَمْ يُقْسَمْ، يَنْذِرُ فِيهَا نَاذِرٌ لِمُنْعِمٍ، تَكُونُ مِيرَاثًا وَعَقْدًا مُحْكَمٍ، لَيْسَتْ كَبَعْضِ مَا قَدْ تَعْلَمُ، وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدّمِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا الْكَلَامُ، وَالْكَلَامُ الّذِي قَبْلَهُ، مِنْ حديث علىّ فى حفر زَمْزَمَ مِنْ قَوْلِهِ: «لَا تَنْزِفُ أَبَدًا وَلَا تُذَمّ» إلَى قَوْلِهِ: «عِنْدَ قَرْيَةِ النّمْلِ» عِنْدَنَا سَجْعٌ وَلَيْسَ شِعْرًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمُوا أَنّهُ حِينَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: وَأَيْنَ هِيَ؟ قِيلَ لَهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٩٨ ]
عِنْدَ قَرْيَةِ النّمْلِ، حَيْثُ يُنْقَرُ الْغُرَابُ غَدًا. والله أعلم أىّ ذلك كان.
فغدا عَبْدُ الْمُطّلِبِ وَمَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ، وَلَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ وَلَدٌ غَيْرَهُ، فَوَجَدَ قَرْيَةَ النّمْلِ، وَوَجَدَ الْغُرَابَ يَنْقُرُ عِنْدَهَا بَيْنَ الْوَثَنَيْنِ: إسَافٍ وَنَائِلَةٍ، اللّذَيْنِ كَانَتْ قُرَيْشٌ تَنْحَرُ عِنْدَهُمَا ذَبَائِحَهَا. فَجَاءَ بِالْمِعْوَلِ وَقَامَ لِيَحْفِرَ حَيْثُ أُمِرَ، فَقَامَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ حِينَ رَأَوْا جِدّهُ، فَقَالُوا: وَاَللهِ لَا نَتْرُكُك تَحْفِرُ بَيْنَ وَثَنَيْنَا هَذَيْنِ اللّذَيْنِ نَنْحَرُ عِنْدَهُمَا، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ لِابْنِهِ الْحَارِثِ: ذُدْ عنى حتى أحفر، فو الله لَأَمْضِيَن لِمَا أُمِرْت بِهِ. فَلَمّا عَرَفُوا أَنّهُ غَيْرُ نَازِعٍ خَلّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَفْرِ، وَكَفّوا عَنْهُ، فَلَمْ يَحْفِرْ إلّا يَسِيرًا، حَتّى بَدَا له الطّىّ، فكبّر وعرف أَنّهُ قَدْ صُدِقَ فَلَمّا تَمَادَى بِهِ الْحَفْرُ وَجَدَ فِيهَا غَزَالَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، وَهُمَا الْغَزَالَانِ اللّذَانِ دَفَنَتْ جُرْهُمٌ فِيهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ مَكّةَ، وَوَجَدَ فِيهَا أَسْيَافًا قَلْعِيّةً وَأَدْرَاعًا فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ يَا عَبْدَ الْمُطّلِبِ، لَنَا مَعَك فِي هَذَا شِرْكٌ وَحَقّ، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ هلمّ إلى أمر نصف ببنى وَبَيْنَكُمْ، نَضْرِبُ عَلَيْهَا بِالْقِدَاحِ، قَالُوا: وَكَيْفَ تَصْنَعُ؟ قال:
أجعل للكعبة قدحين، ولى قدحين، ولكم قدحين، فمن خَرَجَ لَهُ قِدْحَاهُ عَلَى شَيْءٍ كَانَ لَهُ، وَمَنْ تَخَلّفَ قِدْحَاهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ قَالُوا: أنصفت، فجعل قدحين أصفرين للكعبة، وقد حين أَسْوَدَيْنِ لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَقِدْحَيْنِ أَبْيَضَيْنِ لِقُرَيْشِ، ثُمّ أعطوا صَاحِبَ الْقِدَاحِ الّذِي يَضْرِبُ بِهَا عِنْدَ هُبَلَ- وَهُبَلُ: صَنَمٌ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ أَعْظَمُ أَصْنَامِهِمْ، وَهُوَ الّذِي يَعْنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ قَالَ: أُعْلِ هُبَلُ أَيْ: أَظْهِرْ دِينَك- وَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللهَ ﷿، فَضَرَبَ صَاحِبُ الْقِدَاحِ، فَخَرَجَ الْأَصْفَرَانِ عَلَى الْغَزَالَيْنِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٩٩ ]
لِلْكَعْبَةِ، وَخَرَجَ الْأَسْوَدَانِ عَلَى الْأَسْيَافِ، وَالْأَدْرَاعُ لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَتَخَلّفَ قِدْحَا قُرَيْشٍ. فَضَرَبَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ الْأَسْيَافَ بَابًا لِلْكَعْبَةِ، وَضَرَبَ فِي الْبَابِ الْغَزَالَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَانَ أَوّلَ ذَهَبٍ حَلِيَتْهُ الْكَعْبَةُ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- ثُمّ إنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ أَقَامَ سِقَايَةَ زَمْزَمَ لِلْحُجّاجِ.
[ذِكْرُ بِئَارِ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ بمكة]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَبْلَ حَفْرِ زَمْزَمَ قَدْ احْتَفَرَتْ بِئَارًا بِمَكّةَ، فِيمَا حَدّثَنَا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق، قال:
حفر عَبْدُ شَمْسِ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ الطّوِيّ، وهي الْبِئْرُ الّتِي بِأَعْلَى مَكّةَ عِنْدَ الْبَيْضَاءِ، دَارُ محمّد بن يوسف.
وَحَفَرَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ بَذّرَ، وَهِيَ الْبِئْرُ الّتِي عِنْدَ الْمُسْتَنْذَرِ، خَطْمُ الْخَنْدَمَةِ عَلَى فَمِ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ، وَزَعَمُوا أَنّهُ قَالَ حِينَ حَفَرَهَا: لَأَجْعَلَنّهَا بَلَاغًا لِلنّاسِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ الشّاعِرُ.
سَقَى اللهُ أَمْوَاهًا عَرَفْتُ مكانها جرابا وملكوما وبذّر والغمرا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَفَرَ سَجْلَةَ، وَهِيَ بِئْرُ المطعم بْنِ عَدِيّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الّتِي يَسْقُونَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ. وَيَزْعُمُ بَنُو نَوْفَلٍ أَنّ الْمُطْعِمَ ابْتَاعَهَا مِنْ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ، وَيَزْعُمُ بَنُو هَاشِمٍ أَنّهُ وَهَبَهَا لَهُ حِينَ ظَهَرَتْ زَمْزَمُ، فَاسْتَغْنَوْا بِهَا عَنْ تِلْكَ الابار.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٠٠ ]
وَحَفَرَ أُمَيّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ الْحَفْرَ لِنَفْسِهِ، وَحَفَرَتْ بَنُو أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى:
سُقَيّةَ، وهى بئر بنى أسد. وحفرت بنو عبد الدار: أمّ أحراد. وَحَفَرَتْ بَنُو جُمَحَ: السّنْبُلَةَ، وَهِيَ بِئْرُ خَلَفِ بن وهب. وَحَفَرَتْ بَنُو سَهْمٍ: الْغِمْرَ، وَهِيَ بِئْرُ بَنِي سهم، وَكَانَتْ آبَارُ حَفَائِرَ خَارِجًا مِنْ مَكّةَ قَدِيمَةً مِنْ عَهْدِ مُرّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَكِلَابِ بْنِ مرّة، وكبراء قُرَيْشٍ الْأَوَائِلِ مِنْهَا يَشْرَبُونَ، وَهِيَ رُمّ، وَرُمّ:
بِئْرُ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ. وَخُمّ، وَخُمّ. بِئْرُ بَنِي كِلَابِ بْنِ مُرّةَ، وَالْحَفْرُ.
قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ غَانِمٍ أَخُو بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهُوَ أَبُو أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ:
وَقِدْمَا غنينا قبل ذلك حقبة ولا نستقي إلا بِخُمّ أَوْ الْحَفْرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ الله فى موضعها.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَعَفّتْ زَمْزَمُ عَلَى الْبِئَارِ الّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا يَسْقِي عَلَيْهَا الْحَاجّ وَانْصَرَفَ النّاسُ إلَيْهَا لِمَكَانِهَا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ وَلِفَضْلِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا مِنْ الْمِيَاهِ؛ وَلِأَنّهَا بِئْرُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ ﵉، وَافْتَخَرَتْ بِهَا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى قُرَيْشٍ كُلّهَا، وَعَلَى سَائِرِ الْعَرَبِ، فَقَالَ مُسَافِرُ بْنُ أَبِي عَمْرِو ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وَهُوَ يَفْخَرُ عَلَى قُرَيْشٍ بِمَا وُلّوا عَلَيْهِمْ من السّقاية والرّفادة، وما أقاموا لِلنّاسِ مِنْ ذَلِكَ، وَبِزَمْزَمَ حِينَ ظَهَرَتْ لَهُمْ، وَإِنّمَا كَانَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ أَهْلَ بَيْتٍ وَاحِدٍ، شَرَفُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِ شَرَفٌ، وَفَضْلُ بَعْضِهِمْ لبعض فضل.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٠١ ]
وَرِثْنَا الْمَجْدَ مِنْ آبَا ئِنَا فَنَمَى بِنَا صُعُدَا
أَلَمْ نَسْقِ الْحَجِيجَ وَنَنْحَرُ الدّلّافَةَ الرّفُدَا
ونلغى عِنْدَ تَصْرِيفِ الْمَنَايَا شُدّدًا رُفُدَا
فَإِنْ نَهْلِكْ، فَلَمْ نُمْلَكْ وَمَنْ ذَا خَالِدٌ أَبَدَا
وَزَمْزَمُ فى أرومتنا ونفقأ عين من جسد
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ غانم أخو بنى عدىّ بن كعب ابن لؤىّ.
وساقى الحجيج، ثم للخبز هاشم وعبد مناف ذلك السيد الفهري
طوى زَمزَما عِنْدَ الْمَقَامِ، فَأَصْبَحَتْ سِقَايَتُهُ فَخْرًا عَلَى كُلّ ذِي فَخْرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَعْنِي عَبْدَ الْمُطّلِبِ بْنَ هَاشِمٍ. وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لِحُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إن شاء الله تعالى.
ــ
وَأَنْشَدَ لَهُ فِي الْقَصِيدَةِ التّاوِيّةِ: مَحْضِ الضّرِيبَةِ، عَالِي الْهَمّ مُخْتَلَقٍ: أَيْ عَظِيمِ الْخَلْقِ: جَلْدِ النّحِيزَةِ نَاءٍ بِالْعَظِيمَاتِ. لَيْسَ قَوْلُهُ: نَاءٍ مِنْ النّأْيِ، فَتَكُونَ الْهَمْزَةُ فِيهِ عَيْنَ الْفِعْلِ، وَإِنّمَا هُوَ مِنْ نَاءَ يَنُوءُ إذَا نَهَضَ «١» فَالْهَمْزَةُ فِيهِ لَامُ الْفِعْلِ، كَمَا هُوَ فِي جَاءَ عِنْدَ الْخَلِيلِ، فَإِنّهُ عِنْدَهُ مَقْلُوبٌ، وَوَزْنُهُ: فَالِعٌ، وَالْيَاءُ الّتِي بَعْدَ الْهَمْزَةِ هِيَ: عَيْنُ الْفِعْلِ فى جاء يجىء.
_________________
(١) ناء بالحمل نهض به مثقلا، وناء به الحمل إذا أثقله.
[ ٢ / ١٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفِيهِ الشّعْثُ الشّجِيّاتُ. فَشَدّدَ يَاءَ الشّجِيّ، وَإِنْ كَانَ أَهْلَ اللّغَةِ قَدْ قَالُوا:
يَاءُ الشّجِي مُخَفّفَةٌ، وَيَاءُ الْخَلِيّ مُشَدّدَةٌ، وَقَدْ اعْتَرَضَ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَلَى أَبِي تَمّامٍ الطّائِيّ فِي قَوْلِهِ:
أياويح الشّجِيّ مِنْ الْخَلِيّ وَوَيْحَ الدّمْعِ مِنْ إحْدَى بَلِيّ
وَاحْتَجّ بِقَوْلِ يَعْقُوبَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ له الطائى: ومن أفصح عندك:
ابن الجر مقانيّة يَعْقُوبُ، أَمْ أَبُو الْأَسْوَدِ الدّؤَلِيّ حَيْثُ يَقُولُ؟!:
وَيْلُ الشّجِيّ مِنْ الْخَلِيّ فَإِنّهُ وَصِبُ الْفُؤَادِ بِشَجْوِهِ مَغْمُومُ
قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَبَيْتُ مَطْرُودٍ أَقْوَى فِي الْحُجّةِ مِنْ بَيْتِ أَبِي الْأَسْوَدِ الدّؤَلِيّ، لِأَنّهُ جَاهِلِيّ مُحَكّكٌ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ: أَوّلُ مَنْ صَنَعَ النّحْوَ، فَشِعْرُهُ قَرِيبٌ مِنْ التّوْلِيدِ، وَلَا يَمْتَنِعُ فِي الْقِيَاسِ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ: شَجِيّ وَشَجٍ، لِأَنّهُ فِي مَعْنَى: حَزِنٌ وَحَزِينٌ، وَقَدْ قِيلَ: مَنْ شَدّدَ الْيَاءَ، فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مفعول «١» .
_________________
(١) رجل شج أى: حزين وامرأة شجية- بكسر الجيم وفتح الياء من دون تضعيف- وفى مثل للعرب: ويل للشجى من الخلى، دون تشديد ياء إحداهما، وقد تشدد ياء الشجىّ، والأول أعرف. وحكى الجوهرى عن المبرد أنه شدد ياء الخلى وخفف ياء الشجى. قال: وقد شدد فى الشعر: نام الخليّون عن ليل الشجيينا فإن جعلنا الشجىّ فعيلا من شجاه الحزن، فهو: مشجوّ وشجىّ بالتشديد لا غير، وحكى ابن برى أن الصواب هو التشديد فى ياء الشجى، وأما الشجى بالتخفيف فهو الذى أصابه الشجى، وهو الغصص، وأما الحزين فهو الشجىّ-
[ ٢ / ١٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفِيهِ بُعْدٌ قَوْلُهُ: أَبَا الشّعْثِ الشّجِيّاتِ. يَبْكِينَهُ حُسّرًا مِثْلَ الْبَلِيّاتِ.
الْبَلِيّةُ: النّاقَةُ الّتِي كَانَتْ تُعْقَلُ عِنْدَ قَبْرِ صَاحِبِهَا إذَا مَاتَ، حَتّى تموت
_________________
(١) - بتشديد الياء. قال: ولو كان المثل: ويل الشجى بتخفيف الياء، لكان ينبغى أن يقال: ويل الشجى من المسيغ؛ لأن الإساغة ضد الشجا، كما أن الفرح ضد الحزن ثم قال ابن برى: فلهذا ننظر إلى توجيهه من ناحية القياس- وقد ثبت من جهة السماع تشديد الياء- ثم قال: ووجهه أن يكون الشجى من شجوته أشجوه، فهو: مشجو وشجىّ، مثل: مجروح وجريح. وأما شج بالتخفيف فهو اسم الفاعل من شجى يشجى- بكسر الجيم فى الماضى وفتحها فى المضارع- فهو شج. وقال أبو زيد: الشجى: المشغول، والخلى: الفارغ، وقال ابن السكيت: الشجى مقصور والخلى ممدود، وفى الهذيب عن الشجى: أنه الذى شجى بعظم غصّ به حلقه، يقال: شجى يشجى شجى، فهو شج، وكذلك الذى شجى بالهم فلم يجد مخرجا منه.. قال الأزهرى: وهذا هو الكلام الفصيح.. ثم قال: فإن تجامل إنسان، ومد الشجى فله مخارج من جهة العربية تسوغ له مذهبه، وهو أن تجعل الشجى بمعنى المشجوّ. فعيلا من شجاه يشجوه، والوجه الثانى: أن العرب تمد فعلا بياء. فتقول: فلان قمن لكذا وقمين، وسمج وسميج، وفلان كر للنائم وكرى. وقيل: إن مذهب العرب توازن اللفظ كما وازنت الغدايا بالعشايا. وجمع الغداة غدوات. ومثل ما ساءه وناءه، والأصل أناء. وكذلك وازنوا: الشجى بتشديد الياء بالخلى. ومعناه: ويل للمهموم من الفارغ، وعن ثعلب فى الفصيح: ويل للشجى من الخلىّ بتشديد الياءين. وأنشد البيت الذى فى الروض. والشطرة الثانية من البيت «ويل الشجى» وردت مرة فى اللسان: «نصب الفؤاد لشجوه مغموم»، وأخرى: «بحزنه مغموم» وانظر ص ٣٧٣ أدب الكاتب وقول السهيلى: «وبيت مطرود أقوى» يعنى البيت الذى يشرحه: «يا عين فابكى أبا الشعث الشجيات» والجرمقانى- بضم الجيم وسكون الراء وضم الميم وفتح القاف وتضعيف الياء- واحد الجرامقة، وهم أنباط الشام، أو هم قوم بالموصل أصلهم من العجم «عن اللسان» .
[ ٢ / ١٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جَوْعًا وَعَطَشًا، وَيَقُولُونَ: إنّهُ يُحْشَرُ رَاكِبًا عَلَيْهَا، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ مَعَهُ هَذَا حُشِرَ رَاجِلًا، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَقُولُ بِالْبَعْثِ، وَهُمْ الْأَقَلّ، وَمِنْهُمْ زُهَيْرٌ، فَإِنّهُ قَالَ:
يُؤَخّرْ فَيُوضَعْ فِي كِتَابٍ فَيُدّخَرْ لِيَوْمِ الْحِسَابِ، أَوْ يُعَجّلْ فَيُنْقَمْ
وَقَالَ الشّاعِرُ فِي الْبَلِيّةِ:
والبلايا رؤسها فى الولايا ما نحات السّمُومِ حُرّ الْخُدُودِ «١»
وَالْوَلَايَا: هِيَ الْبَرَاذِعُ، وَكَانُوا يَثْقُبُونَ الْبَرْذَعَةَ، فَيَجْعَلُونَهَا فِي عُنُقِ الْبَلِيّةِ، وَهِيَ مَعْقُولَةٌ، حَتّى تَمُوتَ، وَأَوْصَى رَجُلٌ ابْنَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ بِهَذَا:
لَا تَتْرُكَنّ أَبَاك يُحْشَرُ مُرّةً عَدْوًا يَخِرّ عَلَى الْيَدَيْنِ، وَيَنْكُبُ
فِي أَبْيَاتٍ ذكرها الخطابى.
وقوله: قياما كالحميّات. أى: محترقات الْأَكْبَادِ كَالْبَقَرِ أَوْ الظّبَاءِ الّتِي حَمِيَتْ الْمَاءَ وَهِيَ عَاطِشَةٌ، فَحَمِيّةٌ بِمَعْنَى: مَحْمِيّةٍ، لَكِنّهَا جَاءَتْ بالتاء، لأنها أجريت
_________________
(١) البيت فى اللسان وأوله: «كالبلايا» وقد نسبه اللسان إلى أبى زبيد، وهو حرملة بن المنذر بن معد يكرب الطائى شاعر جاهلى إسلامى، وكان نصرانيا وزعم الطبرى أنه مات مسلما، وفى اسمه خلاف، ومن قوله: علّل المرء بالرجاء ويضحى غرضا للمنون نصب العود وكانت العرب تنصب عودا تجعله غرضا، فيصيبه بعض السهام، أو يقع قريبا منه، أو تشعب منه شيئا. فضرب ذلك مثلا.
[ ٢ / ١٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَجْرَى الْأَسْمَاءِ كَالرّمِيّةِ وَالضّحِيّةِ وَالطّرِيدَةِ «١» وَفِي مَعْنَى الْحَمِيّ قَوْلُ رُؤْبَةَ:
قَوَاطِنُ مَكّةَ مِنْ وُرْقِ الْحَمِيّ «٢» يُرِيدُ الْحَمَامَ الْمَحْمِيّ، أَيْ: الْمَمْنُوعَ.
وَقَوْلُهُ: فِي رَمْسٍ بِمَوْمَاةِ: الْأَظْهَرُ فِيهِ أَنْ تَكُونَ الْمِيمُ أَصْلِيّةً، وَيَكُونُ مِمّا ضُوعِفَتْ فَاؤُهُ وَعَيْنُهُ، وَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَوْلَى لِكَثْرَتِهِ فِي الْكَلَامِ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْمِيمِ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً، إذَا كَانَتْ أَوّلَ الْكَلِمَةِ الرّبَاعِيّةِ أَوْ الْخُمَاسِيّةِ، إلّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ اشْتِقَاقٌ، وَلَا اشْتِقَاقَ هَهُنَا، أَوْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ دُخُولُهُ فِيمَا قَلّ مِنْ الْكَلَامِ نَحْوُ: قَلِقَ وَسَلِسَ. قَالَ أَبُو عَلِيّ فِي الْمَرْمَرِ: حَمْلُهُ عَلَى بَابِ: قَرْقَرَ وَبَرْبَرَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى بَابِ: قَلِقَ وَسَلِسَ، يُرِيدُ: إنّك إنْ جَعَلْت الْمِيمَ زَائِدَةً كَانَتْ فَاءَ الْفِعْلِ- وَهِيَ الراء- مضاعفة دون عين الفعل، وهى
_________________
(١) قال سيبويه: لا يجىء هذا الضرب على مفعل- بفتح الميم وكسر العين- إلا وفيه الهاء، لأنه إن جاء على مفعل بغيرها اعتل، فعدلوا إلى الأخف.
(٢) ومنه قبله: ورب هذا البلد المحرم والقاطنات البيت غير الريم قواطنا مكة من ورق الحمى «اللسان مادة قطن» وقد استشهد به سيبويه فى كتابه فى باب: «اعلم أنه يجوز فى الشعر ما لا يجوز فى الكلام من صرف مالا ينصرف، يشبهونه بما ينصرف من الأسماء لأنها أسماء؛ كما أنها أسماء، وحذف مالا يحذف، يشبهونه بما قد حذف، أو استعمل محذوفا، كما قال العجاج. أقول: وقواطن منونة منصوبة فى كتاب سيبويه، وفى اللسان. وروى سيبويه هذه الشطرة مرة أخرى هكذا «أو الفا مكة من ورق الحمى» انظر ص ٨، ٥٦ من كتاب سيبويه ط بولاق.
[ ٢ / ١٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمِيمُ، وَإِذَا جَعَلْت الْمِيمَ الْأُولَى فِي مَرْمَرَ أصلية، كان «١» من باب ماضوعفت فِيهِ الْفَاءُ وَالْعَيْنُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ فِي الْمَرْمَرِ: مَرّ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الْمُسْتَتِبّ، وَالطّرِيقُ الْمَهِيعُ دُونَ مَا ضُوعِفَتْ فِيهِ الْفَاءُ وَحْدَهَا، فتأمله «٢» .
_________________
(١) فى الأصل وكان.
(٢) يقول المازنى فى كتابه التصريف: «وأما الميم إذا كانت أولا فهى زائدة بمنزلة الهمزة والياء؛ لأن الميم أولا نظيرة الهمزة» وشرحه ابن جنى بقوله: «لا فصل بين الميم والهمزة إذا وقعتا أولا، فمتى وجب فى الهمزة أن تكون زائدة ووقعت الميم موقعها، فاقض بزيادتها» ص ١٢٩ المنصف لابن جنى. والموماة بفتح وسكون: المفازة الواسعة الملساء، وهى جماع أسماء الفلوات. وقال المبرد: يقال لها: البوباة أيضا، وليس للكلمة اشتقاق. ويقول ابن جنى فى الخصائص: «اعلم أنه متى اجتمع معك فى الأسماء والأفعال حرف أصل، ومعه حرفان مثلان لا غير، فهما أصلان، متصلين كانا أو منفصلين. فالمتصلان نحو: الحفف والصدد. وقلق وسلس، وكذلك إن كان هناك زائد، فالحال واحدة نحو حمام وسالس. وكذلك كوكب ودودح» ثم يقول: «فأما إذا كان معك أصلان ومعهما حرفان مثلان، فعلى أضرب منها: أن يكون هناك تكرير على تساوى حال الحرفين، فإذا كانا كذلك كانت الكلمة كلها أصولا نحو: قلقل وقرقر. فالكلمة إذا لذلك رباعية. وكذلك إن اتفق الأول والثالث، واختلف الثانى والرابع، فالمثلان أيضا. أصلان، وذلك نحو. فرفج وقرقل «نبات الرجلة، وقميص للنساء» وكذلك إن اتفق الثانى والرابع، واختلف الأول والثالث نحو: قسطاس وشعلع «الطويل» فالمثلان أيضا أصلان. وكل ذلك أصل رباعى، وكذلك إن اتفق الأول والرابع واختلف الثانى والثالث، فالمثلان أصلان، والكلمة أيضا من بنات الأربعة مثل: قريق «دكان البقال، وبلد وراء طرسوس» وكذلك إن اتفق الأول والثانى، واختلف الثالث والرابع، فالمثلان أصلان، والكلمة رباعية نحو: زيزفون. ومثاله، فيعلول. وكذلك أيضا إن حصل معك ثلاثة أحرف أصول، ومعها-
[ ٢ / ١٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: طَوِيلَ الْبَاعِ ذَا فَجَرٍ. الْفَجَرُ: الْجُودُ، شُبّهَ بِانْفِجَارِ الْمَاءِ. وَيُرْوَى ذَا فَنَعٍ، وَالْفَنَعُ: كَثْرَةُ الْمَالِ، وَقَدْ قَالَ أَبُو مِحْجَنٍ الثّقَفِيّ:
وَقَدْ أَجُودُ وَمَا مَالِي بِذِي فَنَعٍ وَأَكْتُمُ السّرّ فِيهِ ضَرْبَةُ الْعُنُقِ «١»
وَقَوْلُهُ: بَسّامَ الْعَشِيّاتِ: يَعْنِي: أَنّهُ يَضْحَكُ لِلْأَضْيَافِ، وَيَبْسِمُ عِنْدَ لِقَائِهِمْ كما قال الاخر، وهو حاتم الطائى:
_________________
(١) - مثلان غير ملتقيين، فهما أيضا أصلان. نحو: شفشليق «العجوز المسترخية» ص ٥٦ وما بعدها، الخصائص ط ٢ ج ٢، وانظر شرح الشافية ج ١ ص ٥٩، وما بعدها ويقول ابن جنى فى الخصائص أيضا وهو يتكلم عن الأصلين الثلاثى والرباعى المتداخلين، كقولهم سلس وسلسل، وقلق وقلقل: «وذهب أبو إسحاق فى نحو قلقل وصلصل وجرجر وقرقر إلى أنه فعل، وأن الكلمة لذلك ثلاثية، حتى كأن أبا إسحاق لم يسمع فى هذه اللغة الفاشية المنتشرة: بزغد وزغدب وسبط وسبطر» ثم يقول: «إن تكرير الفاء لم يأت به ثبت إلا فى مرمريس. وحكى غير صاحب الكتاب: مرمريت، وليس بالبعيد أن تكون التاء بدلا من السين، كما أبدلت منها فى ست» ص ٥٢، ٥٣ ج ٢، الخصائص ويقول فى ص ١٢ من المنصف أيضا: «الفاء لم تكرر فى كلام العرب إلا فى حرف واحد، وهو: مرمريس، وهى الداهية والشدة، فتكررت الفاء والعين، ولا نظير لهذه الكلمة» .
(٢) والفنع أيضا: الكرم والجود والفضل الكثير، ونشر الثناء الحسن ونفحة المسك.. وقد روى أن معاويةرضي الله عنه- قال لابن أبى محجن الثقفى: أبوك الذى يقول: إذا مت فادفنى إلى جنب كرمة تروى عظامى بعد موتى عروقها ولا تدفننى فى الفلاة، فإننى أخاف إذا مامت ألا أذوقها فقال ابن أبى محجن: أبى الذى يقول: وذكر البيت. وقد روى عجزه هكذا: وقد أكر وراء المجحر الفرق.
[ ٢ / ١٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أُضَاحِكُ ضَيْفِي قَبْلَ إنْزَالِ رَحْلِهِ وَيَخْصِبُ «١» عِنْدِي، وَالْمَحَلّ جَدِيبُ
وَمَا الْخِصْبُ لِلْأَضْيَافِ أَنْ يَكْثُرَ الْقِرَى وَلَكِنّمَا وَجْهُ الْكَرِيمِ خَصِيبُ
حَدِيثُ زَمْزَمَ وَكَانَتْ زَمْزَمُ- كَمَا تَقَدّمَ- سُقْيَا إسْمَاعِيلَ، ﵇، فَجّرَهَا لَهُ رُوحُ الْقُدُسِ بِعَقِبِهِ، وَفِي تَفْجِيرِهِ إيّاهَا بِالْعَقِبِ دُونَ أَنْ يُفَجّرَهَا بِالْيَدِ أَوْ غَيْرِهِ: إشَارَةٌ إلَى أَنّهَا لِعَقِبِهِ وِرَاثَةً، وَهُوَ مُحَمّدٌﷺ- وَأُمّتُهُ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ) الزّخْرُفَ: ٤٣. أَيْ: فِي أُمّةِ مُحَمّدٍ﵇ «٢» - ثُمّ إنّ زَمْزَمَ لَمّا أَحْدَثَتْ جُرْهُمٌ فِي الْحَرَمِ، وَاسْتَخَفّوا بِالْمَنَاسِكِ وَالْحُرَمِ، وَبَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَاجْتَرَمَ، تَغَوّرَ مَاءُ زَمْزَمَ وَاكْتُتِمَ، فلما أخرج الله جرهم مِنْ مَكّةَ بِالْأَسْبَابِ الّتِي تَقَدّمَ ذِكْرُهَا عَمَدَ الحرث بْنُ مُضَاضٍ الْأَصْغَرُ إلَى مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ مَالِ الْكَعْبَةِ، وَفِيهِ غَزَالَانِ مِنْ ذَهَبٍ وَأَسْيَافٌ قَلْعِيّةٌ «٣» كَانَ سَاسَانُ مَلِكُ الْفُرْسِ قَدْ أَهْدَاهَا إلَى الْكَعْبَةِ، وَقِيلَ: سَابُورُ، وَقَدْ قَدّمْنَا أن الأوائل من ملوك
_________________
(١) من باب علم وضرب.
(٢) قال ابن كثير فى تفسيرها: «هذه الكلمة- وهى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهى: لا إله إلا الله، أى جعلها دائمة فى ذريته، يقتدى به فيها من هداه الله تعالى من ذرية إبراهيم﵊- وقال عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة والسدى وغيرهم: يعنى: لا إله إلا الله لا يزال فى ذريته من يقولها، وروى نحوه عن ابن عباس» على أن هناك رواية: أو قال بجناحه.
(٣) نسبة إلى قلعة بفتح فسكون بلد بالهند.
[ ٢ / ١٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْفُرْسِ كَانَتْ تَحُجّهَا إلَى عَهْدِ سَاسَانَ، أَوْ سَابُورَ، فَلَمّا عَلِمَ ابْنُ مُضَاضٍ أَنّهُ مُخْرَجٌ مِنْهَا، جَاءَ تَحْتَ جُنْحِ اللّيْلِ حَتّى دَفَنَ ذَلِكَ فِي زَمْزَمَ، وَعَفّى عَلَيْهَا، وَلَمْ تَزَلْ دَارِسَةً عَافِيًا أَثَرُهَا، حَتّى آنَ مَوْلِدُ الْمُبَارَكِ الّذِي كَانَ يُسْتَسْقَى بِوَجْهِهِ غَيْثُ السّمَاءِ وَتَتَفَجّرُ مِنْ بَنَانِهِ يَنَابِيعُ الْمَاءِ، صَاحِبُ الْكَوْثَرِ وَالْحَوْضِ الرّواء، فلما آن ظهوره أذن لله تَعَالَى لِسُقْيَا «١» أَبِيهِ أَنْ تَظْهَرَ، وَلِمَا انْدَفَنَ مِنْ مَائِهَا أَنْ تَجْتَهِرَ «٢»، فَكَانَﷺ- قَدْ سَقَتْ النّاسَ بَرَكَتُهُ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ وَسُقُوا بِدَعْوَتِهِ، وَهُوَ طِفْلٌ حِينَ أَجْدَبَتْ الْبَلَدُ، وَذَلِكَ حِينَ خَرَجَ بِهِ جَدّهُ مُسْتَسْقِيًا لِقُرَيْشِ «٣»، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ- فِيمَا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللهُ- وَسُقِيَتْ الْخَلِيقَةُ كُلّهَا غُيُوثَ السّمَاءِ فِي حَيَاتِهِ الْفَيْنَةَ بَعْدَ الْفَيْنَةِ، وَالْمَرّةَ بَعْدَ الْمَرّةِ، وَتَارَةً بِدُعَائِهِ، وَتَارَةً مِنْ بَنَانِهِ، وَتَارَةً بِإِلْقَاءِ سَهْمِهِ، ثُمّ بَعْدَ مَوْتِهِ﵇- اسْتَشْفَعَ عُمَرُ بِعَمّهِ﵄- عام الرّمادة «٤»،
_________________
(١) ولكن هذا الاستقساء ليس من هدى الإسلام.
(٢) اجتهر البئر: نقاها، أو نزحها أو بلغ الماء.
(٣) قصة موضوعة وليس الاستسقاء الدينى الحق من هذا الزعم.
(٤) ليس من حب الرسولﷺ- أن نكذب له، أو نكذب عليه، وعظمة الرسول العظيم ليست فى حاجة إلى كذب يساندها، لأنها قامت على الصدق الجليل الجميل. وصورة الاستسقاء النبوى نهتدى إليها من هذا الحديث: «جاء أعرابى يوم الجمعة. فقال: يا رسول الله، هلكت الماشية، وهلكت العيال، وهلك الناس، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِﷺ- يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون، قال: فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا «مختصر من البخارى» وحديث استقساء عمر بالعباس: «عن أنسرضي الله عنه- أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل-
[ ٢ / ١١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَقْسَمَ عَلَيْهِ بِهِ وَبِنَبِيّهِ «١»، فَلَمْ يَبْرَحْ، حَتّى قلصوا المازر، واعتلقوا الحذاء،
_________________
(١) - إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك. فاسقنا، فيسقون) البخارى ويقال: إنه كان فى عام الرمادة العام الثامن عشر، ويقول العلامة السلفى السهسوانى الهندى تعليقا على هذا فى كتابه: صيانة الإنسان عن وسوسة ابن دحلان: «المراد بالاستسقاء بالعباس والتوسل به الوارد فى حديث أنس ﵁: هو الاستسقاء بدعاء العباس على طريقة معهودة فى الشرع، وهى أن يخرج من يستسقى به إلى المصلى، فيستسقى، ويستقبل القبلة داعيا، ويحول رداءه، ويصلى ركعتين، أو نحوه من هيئات الاستقساء التى وردت فى الصحاح، والدليل عليه قول عمر ﵁ اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، فاسقنا، ففى هذا القول دلالة واضحة على أن التوسل بالعباس كان مثل توسلهم بالنبى ﷺ، والتوسل بالنبى لم يكن إلا بأن يخرج ﷺ، ويستقبل القبلة ويحول رداءه، ويصلّى ركعتين أو نحوه من الهيئات الثابتة للاستسقاء، ولم يرد فى حديث ضعيف فضلا عن الحسن والصحيح أن الناس طلبوا السقيا من الله فى حياته متوسلين به ﷺ من غير أن يفعل ما يفعل فى الاستسقاء المشروع من طلب السقيا، والدعاء والصلاة وغيرهما مما ثبت بالأحاديث الصحيحة» وأقول: لو كان التوسل بذات الحى أو الميت جائزا- لا بدعائه- لتوسل عمر بذات محمد- وهو ميت- بدلا من توسله بالعباس. ولم يرد فى حديث ما أن أحدا توسل بذات محمد فى استسقاء أو غيره، لأن ذات محمد «ص» ليست من كسب أحد.
(٢) لم يرد شىء مما قال فى حديث صحيح. وقد وردت أحاديث الاستسقاء فى البخارى ومسلم وأبى داود والترمذى والنسائى وابن ماجة وأحمد وغيرها، وكلها تجمع على أنه كانﷺ- يدعو، وليس فى شىء منها ما ذكره السهيلى، وقد وردت صيغة الدعاء فى حديث رواه أبو داود وأبو عوانة وابن حبان والحاكم وصححه ابن السكن، وقال أبو داود: هذا حديث غريب إسناده جيد وهذه هى: (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل-
[ ٢ / ١١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَخَاضُوا الْغُدْرَانَ، وَسَمِعَتْ الرّفَاقُ الْمُقْبِلَةُ إلَى الْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ صَائِحًا يَصِيحُ فِي السّحَابِ: أَتَاك الْغَوْثُ أَبَا حَفْصٍ، أَتَاك الْغَوْثُ أَبَا حَفْصٍ «١»، كُلّ هَذَا بِبَرَكَةِ الْمُبْتَعَثِ بِالرّحْمَتَيْنِ، وَالدّاعِي إلَى الْحَيَاتَيْنِ الْمَوْعُودِ بِهِمَا عَلَى يَدَيْهِ فِي الدّارَيْنِﷺ- صَلَاةً تَصْعَدُ وَلَا تَنْفَدُ، وَتَتّصِلُ وَلَا تَنْفَصِلُ، وَتُقِيمُ، وَلَا تَرِيمُ، إنّهُ مُنْعِمٌ كَرِيمٌ.
أَسْمَاءُ زَمْزَمَ:
فَصْلٌ: فَأُرِيَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ فِي مَنَامِهِ: أَنْ احْفِرْ طِيبَةَ، فَسُمّيَتْ طِيبَةَ، لِأَنّهَا لِلطّيّبِينَ وَالطّيّبَاتِ مِنْ وَلَدِ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﵉- وَقِيلَ لَهُ:
احْتَفِرْ بَرّةَ، وَهُوَ اسْمٌ صَادِقٌ عَلَيْهَا أَيْضًا، لِأَنّهَا فَاضَتْ لِلْأَبْرَارِ، وَغَاضَتْ عَنْ الْفُجّارِ، وَقِيلَ لَهُ: احْفِرْ الْمَضْنُونَةَ. قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبّهٍ: سُمّيَتْ زَمْزَمُ: الْمَضْنُونَةَ لِأَنّهَا ضُنّ بِهَا عَلَى غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يَتَضَلّعُ مِنْهَا مُنَافِقٌ، وَرَوَى الدّارَقُطْنِيّ مَا يُقَوّي ذَلِكَ مُسْنَدًا عَنْ النّبِيّﷺ: مَنْ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ فَلْيَتَضَلّعْ، فَإِنّهُ فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ المنافقين، لا يستطيعون أن يتضلّعو «٢» منها،
_________________
(١) - الله ما يريد، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت، أنت الغنى ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين»
(٢) أساطير مرددة لا تعرفها السيرة العطرة للنبى ﷺ وصاحبه عمر ﵁.
(٣) تضلّع: امتلأ شبعا وريا، والتضلع أيضا: الامتلاء حتى تمتد أضلاعه على أن مثل هذه الأحاديث لم يروها أصحاب الصحيح. وقد روى هذا الحديث: الدارقطنى وابن ماجة.
[ ٢ / ١١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَوْ كَمَا قَالَ. وَفِي تَسْمِيَتِهَا بِالْمَضْنُونَةِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، رَوَاهَا الزّبَيْرُ: أَنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ قِيلَ لَهُ: احْفِرْ الْمَضْنُونَةَ ضَنِنْت بِهَا عَلَى النّاسِ إلّا عَلَيْك، أَوْ كَمَا قَالَ.
الْعَلَامَاتُ الّتِي رَآهَا عَبْدُ الْمُطّلِبِ وَتَأْوِيلُهَا:
وَدُلّ عَلَيْهَا بِعَلَامَاتِ ثَلَاثٍ: بِنُقْرَةِ الْغُرَابِ الْأَعْصَمِ، وَأَنّهَا بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدّمِ، وَعِنْدَ قَرْيَةِ النّمْلِ، وَيُرْوَى أَنّهُ لَمّا قَامَ لِيَحْفِرَهَا رَأَى مَا رُسِمَ مِنْ قَرْيَةِ النّمْلِ وَنُقْرَةِ الْغُرَابِ، وَلَمْ يَرَ الْفَرْثَ وَالدّمَ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ نَدّتْ بَقَرَةٌ بِجَازِرِهَا، فَلَمْ يُدْرِكْهَا، حَتّى دَخَلَتْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَنَحَرَهَا فِي الْمَوْضِعِ الّذِي رُسِمَ لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ، فَسَالَ هُنَاكَ الْفَرْثُ وَالدّمُ، فَحَفَرَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ حَيْثُ رُسِمَ لَهُ.
وَلَمْ تُخَصّ هَذِهِ الْعَلَامَاتُ الثّلَاثُ «١» بِأَنْ تَكُونَ دَلِيلًا عَلَيْهَا إلّا لِحِكْمَةِ إلَهِيّةٍ، وَفَائِدَةٍ مُشَاكِلَةٍ فِي عِلْمِ التّعْبِيرِ، وَالتّوَسّمُ الصّادِقُ لِمَعْنَى زَمْزَمَ وَمَائِهَا. أَمَا الْفَرْثُ وَالدّمُ، فَإِنّ مَاءَهَا طَعَامُ طُعْمٍ، وَشِفَاءُ سُقْمٍ «٢»، وَهِيَ لِمَا شُرِبَتْ له «٣»، وقد تقوّت «٤»
_________________
(١) كل هذا من رواية محمد بن إسحاق فحسب.
(٢) يقول ابن الأثير فى النهاية: «أى يشبع الإنسان إذا شرب ماءها، كما يشبع من الطعام، وقد ورد فى صحيح مسلم فى حديث إسلام أبى ذر أن رسول الله قال فى زمزم: «إنها لطعام طعم وشفاء سقم» ونسب هذا فى بعض الأحاديث إلى وهب بن منبه وكعب الأحبار.
(٣) روى الإمام احمد: «ماء زمزم لما شرب منه» ورواه ابن ماجة من حديث عبد الله بن المؤمل، وقد تكلموا فيه. ولفظه: «ماء زمزم لما شرب له» ورواه سويد بن سعيد ولكن سويدا ضعيف. ورواه الحاكم مرفوعا عن ابن عباس، وفيه نظر. هذا وقد وردت تسمية زمزم ببرة، والمضنونة فى حديث عن كعب الأحبار، وحسبك به!!
(٤) حديث تقوّت أبى ذر بماء زمزم فى البخارى ومسلم.
[ ٢ / ١١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من مائها أبوذر﵁- ثَلَاثِينَ بَيْنَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَسَمِنَ حَتّى تَكَسّرَتْ عُكَنُهُ، [وَمَا وُجِدَ عَلَى كَبِدِهِ سَخْفَةُ «١» جُوعٍ] فَهِيَ إذًا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِﷺ- في اللّبَنِ: إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ اللّبَنَ، فَلْيَقُلْ: اللهُمّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ، فَإِنّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يَسُدّ مَسَدّ الطّعَامِ وَالشّرَابِ إلّا اللّبَنُ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي اللّبَنِ: (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشّارِبِينَ) النّحْلَ: ٦٦. فَظَهَرَتْ هَذِهِ السّقْيَا الْمُبَارَكَةُ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدّمِ، وَكَانَتْ تِلْكَ مِنْ دَلَائِلِهَا الْمُشَاكِلَةِ لِمَعْنَاهَا.
وَأَمّا قَوْلُهُ: الْغُرَابِ الْأَعْصَمِ، قَالَ الْقُتَبِيّ: الْأَعْصَمُ مِنْ الْغِرْبَانِ الّذِي فِي جَنَاحَيْهِ بَيَاضٌ، وَحَمَلَ عَلَى أَبِي عُبَيْدٍ لِقَوْلِهِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ: الْأَعْصَمُ الّذِي فِي يَدَيْهِ بَيَاضٌ، وَقَالَ: كَيْفَ يَكُونُ لِلْغُرَابِ يَدَانِ؟. وَإِنّمَا أَرَادَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنّ هَذَا الْوَصْفَ لِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ: إنّ هَذَا الْوَصْفَ فِي الْغِرْبَانِ عَزِيزٌ، وَكَأَنّهُ ذَهَبَ إلَى الّذِي أَرَادَ ابْنُ قُتَيْبَةَ مِنْ بَيَاضِ الْجَنَاحَيْنِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقَالَ:
إنّهُ فِي الْغِرْبَانِ مُحَالٌ لَا يُتَصَوّرُ. وَفِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النّبِيّﷺ- مَا يُغْنِي عَنْ قَوْلَيْهِمَا، وَفِيهِ الشّفَاءُ: أَنّهُ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِﷺ: الْمَرْأَةُ الصّالِحَةُ فِي النّسَاءِ كَالْغُرَابِ الْأَعْصَمِ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْغُرَابُ الْأَعْصَمُ؟ قَالَ: الّذِي إحدى رجليه بيضاء «٢» .
_________________
(١) جمع عكنة: الطى الذى فى البطن من السمن، ويجمع على أعكان أيضا والسخفة: الهزال.
(٢) وعن الأزهرى فى اللسان: أنه الأحمر الرجلين لقلته فى الغربان، لأن أكثر الغربان: السود البقع. هذا والعرب تجعل البياض حمرة، فيقال للمرأة البيضاء: الحمراء
[ ٢ / ١١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَالْغُرَابُ فِي التّأْوِيلِ: فَاسِقٌ، وَهُوَ أَسْوَدُ، فَدَلّتْ نُقْرَتُهُ عِنْدَ الْكَعْبَةِ عَلَى نُقْرَةِ الْأَسْوَدِ الْحَبَشِيّ بِمِعْوَلِهِ فِي أَسَاسِ الْكَعْبَةِ يَهْدِمُهَا فِي آخِرِ الزّمَانِ، فَكَانَ نَقْرُ الْغُرَابِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ يُؤْذِنُ بِمَا يَفْعَلُهُ الْفَاسِقُ الْأَسْوَدُ فِي آخِرِ الزّمَانِ بِقِبْلَةِ الرّحْمَنِ، وَسُقْيَا أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا يُرْفَعُ الْقُرْآنُ، وَتُحْيَا عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ، وَفِي الصحيح عن رسولﷺ-: «لَيُخَرّبَنّ الْكَعْبَةَ ذُو السّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ «١»» وَفِي الصّحِيحِ أَيْضًا مِنْ صِفَتِهِ: أَنّهُ [أَسْوَدُ] أَفْحَجُ، [يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا] وَهَذَا أَيْضًا يَنْظُرُ إلَى كَوْنِ الْغُرَابِ أَعْصَمَ؛ إذْ الْفَحَجُ: تَبَاعُدٌ فِي الرّجْلَيْنِ، كَمَا أَنّ الْعَصَمَ اخْتِلَافٌ فِيهِمَا، وَالِاخْتِلَافُ: تَبَاعُدٌ وَقَدْ عُرِفَ بِذِي السّوَيْقَتَيْنِ، كَمَا نُعِتَ الْغُرَابُ بِصِفَةِ فِي سَاقَيْهِ، فَتَأَمّلْهُ، وَهَذَا مِنْ خَفِيّ عِلْمِ التّأْوِيلِ، لِأَنّهَا كَانَتْ رُؤْيَا، وَإِنْ شِئْت: كَانَ مِنْ بَابِ الزّجْرِ وَالتّوَسّمِ الصّادِقِ «٢» وَالِاعْتِبَارِ وَالتّفْكِيرِ فِي مَعَالِمِ حِكْمَةِ- اللهِ تَعَالَى- فَهَذَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ، وَهُوَ مَنْ هُوَ عِلْمًا وَوَرَعًا حِينَ حُدّثَ بِحَدِيثِ الْبِئْرِ فِي الْبُسْتَانِ، وَأَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ- قَعَدَ عَلَى قفّها «٣»، ودلىّ رجليه فيها، ثم جاء أبوبكر ﵁- ففعل مثل ذلك، ثم جَاءَ عُمَرُ﵁- فَفَعَلَ مِثْلَ
_________________
(١) الحديث متفق عليه، وفى أبى داود بسند ضعيف: «اتركوا الحبشة ما تركوكم، فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة»، والسويقتان مثنى سويقة: تصغير لساق، وهى مؤنثة. وقد صغر الساق، لأن الغالب على سوق الحبشة الدقة والحموشة، وقد أبعد السهيلى وأغرب فى تأويلاته.
(٢) الزجر: أصله هو التيمن والتشؤم بالطير، والتفؤل بطيرانها كالسانح والبارح، وهو نوع من الكهانة والعيافة. والتوسّم، أو الفطنة، أو الزكانة: الاعتبار
(٣) قف البئر: هو الدكة التى تجعل حولها.
[ ٢ / ١١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذَلِكَ، ثُمّ جَاءَ عُثْمَانُ، فَانْتَبَذَ مِنْهُمْ نَاحِيَةً؛ وَقَعَدَ حَجْرَةً «١» . قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ: فَأَوّلْت ذَلِكَ قُبُورَهُمْ، اجْتَمَعَتْ قُبُورُ الثّلَاثَةِ، وَانْفَرَدَ قَبْرُ عُثْمَانَ﵁- وَاَللهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) الْحِجْرَ: ٧٥. فَهَذَا مِنْ التّوَسّمِ وَالْفِرَاسَةِ الصّادِقَةِ، وَإِعْمَالِ الْفِكْرِ فِي دَلَائِلِ الْحِكْمَةِ، وَاسْتِنْبَاطِ الْفَوَائِدِ اللّطِيفَةِ مِنْ إشَارَاتِ الشّرِيعَةِ. وَأَمّا قَرْيَةُ النّمْلِ، فَفِيهَا مِنْ الْمُشَاكَلَةِ أَيْضًا، وَالْمُنَاسَبَةِ: أَنّ زَمْزَمَ هِيَ عَيْنُ مَكّةَ الّتِي يَرِدُهَا الْحَجِيجُ وَالْعُمّارُ مِنْ كُلّ جَانِبٍ، فَيَحْمِلُونَ إلَيْهَا الْبُرّ وَالشّعِيرَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ وَهِيَ لَا تَحْرُثُ وَلَا تَزْرَعُ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ خَبَرًا عَنْ إبْرَاهِيمَ ﵇: (رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) . إلَى قَوْلِهِ: (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ [لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ] إبْرَاهِيمَ: ٣٧) وَقَرْيَةُ النّمْلِ لَا تَحْرُثُ وَلَا تَبْذُرُ، وَتَجْلِبُ الْحُبُوبَ إلَى قَرْيَتِهَا مِنْ كُلّ جَانِبٍ، وَفِي مَكّةَ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ) النّحْلَ: ١١٢. مَعَ أَنّ لَفْظَ قَرْيَةِ النّمْلِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَرَيْت الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ: إذَا جَمَعْته، وَالرّؤْيَا تُعَبّرُ عَلَى اللّفْظِ تَارَةً، وَعَلَى الْمَعْنَى أُخْرَى، فَقَدْ اجْتَمَعَ اللّفْظُ وَالْمَعْنَى فِي هَذَا التّأْوِيلِ- وَاَللهُ أَعْلَمُ.
مِنْ صِفَاتِ زَمْزَمَ:
وَقَدْ قِيلَ لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ فِي صِفَةِ زَمْزَمَ: لَا تَنْزِفُ أَبَدًا، وَلَا تذمّ «٢»،
_________________
(١) قعد حجرة: أى ناحية.
(٢) نزفت- بفتح النون والزاى- ماء البئر نزفا: إذا نزحته كله، ونزفت هى-
[ ٢ / ١١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَهَذَا بُرْهَانٌ عَظِيمٌ، لِأَنّهَا لَمْ تَنْزِفْ مِنْ ذَلِكَ الْحِينِ إلَى الْيَوْمِ قَطّ، وَقَدْ وَقَعَ فِيهَا حَبَشِيّ فَنُزِحَتْ مِنْ أَجْلِهِ، فَوَجَدُوا مَاءَهَا يَثُورُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَعْيُنٍ، أَقْوَاهَا وَأَكْثَرُهَا مَاءً: مِنْ نَاحِيَةِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ الدّارَقُطْنِيّ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا تُذَمّ، فِيهِ نَظَرٌ، وَلَيْسَ هُوَ عَلَى مَا يَبْدُو مِنْ ظَاهِرِ اللّفْظِ مِنْ أَنّهَا لَا يَذُمّهَا أَحَدٌ، وَلَوْ كَانَ مِنْ الذّمّ لَكَانَ مَاؤُهَا أَعْذَبَ الْمِيَاهِ، وَلَتَضَلّعَ مِنْهُ كُلّ مَنْ يَشْرَبُهُ، وَقَدْ تَقَدّمَ فِي الْحَدِيثِ أَنّهُ لَا يَتَضَلّعُ مِنْهَا مُنَافِقٌ، فَمَاؤُهَا إذًا مَذْمُومٌ عِنْدَهُمْ، وَقَدْ كَانَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْقَسْرِيّ أَمِيرَ الْعِرَاقِ يَذُمّهَا، وَيُسَمّيهَا: أُمّ جِعْلَانَ «١»، وَاحْتَفَرَ بِئْرًا خَارِجَ مَكّةَ بِاسْمِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَجَعَلَ يُفَضّلُهَا عَلَى زَمْزَمَ، وَيَحْمِلُ النّاسَ عَلَى التّبَرّكِ بِهَا دُونَ زَمْزَمَ جُرْأَةً مِنْهُ عَلَى اللهِ﷿- وَقِلّةَ حِيَاءٍ مِنْهُ، وَهُوَ الّذِي يُعْلِنُ وَيُفْصِحُ بِلَعْنِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ- عَلَى الْمِنْبَرِ، وَإِنّمَا ذَكَرْنَا هَذَا، أَنّهَا قَدْ ذُمّتْ، فَقَوْلُهُ إذًا: لَا تُذَمّ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: بِئْرٌ ذَمّةٌ أَيْ: قَلِيلَةُ الْمَاءِ، فَهُوَ مِنْ أَذْمَمْتَ الْبِئْرَ إذَا وَجَدْتهَا ذَمّةً: كَمَا تَقُولُ: أَجْبَنْت الرّجُلَ: إذَا وَجَدْته جَبَانًا، وأكذبته إذا
_________________
(١) - يتعدى ولا يتعدى، ونزفت على ما لم يسم فاعله، وعن ابن سيدة: نزف البئر ينزفها وأنزفها بمعنى واحد، كلاهما نزحها: وأنزفت هى نزحت، وذهب ماؤها.
(٢) جعل الماء بفتح فكسر جعلا، أى: كثر فيه الجعلان: جمع جعل وهو دابة سوداء من دواب الأرض قيل: هو أبو جعران. ولعلها فرية، فما كان المسلمون فى مثل هذا الهوان، الذى يرغمهم على الرضا بهذا الذى نسب إلى خالد.
[ ٢ / ١١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَجَدْته كَاذِبًا «١»، وَفِي التّنْزِيلِ: «فَإِنّهُمْ لَا يُكَذّبُونَكَ» «٢» [وَلَكِنّ الظّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ] الْأَنْعَامَ. ٣٣ وَقَدْ فَسّرَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ قَوْلَهُ حَتّى مَرَرْنَا بِبِئْرِ ذَمّةٍ: وَأَنْشَدَ.
مُخَيّسَةً خُزْرًا كَأَنّ عُيُونَهَا ذِمَامُ الرّكَايَا أَنْكَزَتْهَا الْمَوَاتِحُ «٣»
فَهَذَا أَوْلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ مَعْنَى قَوْلِهِ. وَلَا تذمّ؛ لأنه نفى مطلق، وخبر صادق
_________________
(١) يقول ابن جرير الطبرى: «أكذبت الرجل إذا أخبرت أنه جاء بالكذب وكذبته- بتضعيف الذال- إذا أخبرت أنه كاذب» .
(٢) الذى فى المصحف هو ما أثبتناه، ولكن السهيلى يعنى القراءة الثانية، وهى مشهورة أيضا، وهى: «لا يكذبونك» بضم الياء وسكون الكاف وتخفيف الذال، وهى قراءة نافع والكسائى من: أكذب، أما قراءة المصحف: فمن كذبه بتضعيف الذال.
(٣) البيت لذى الرّمّة- بضم الراء أو كسرها وتشديد الميم المفتوحه- يصف إبلا غارت عيونها من الكلال. وروايته فى اللسان: «على حميريات» بدلا من «مخيّسة خزرا» والإبل المخيسة هى التى لم تسرح، ولكنها حبست للنحر أو القسم، والخزر: هو كسر العين بصرها خلقة أو ضيقها وصغرها، أو النظر كأنه فى أحد الشقين، أو أن يفتح عينيه ويغمضهما، وحول فى إحدى العينين. وركايا جمع ركية- بفتح الراء وكسر الكاف، وتضعيف الياء المفتوحة- البئر- كما فى القاموس، ومواتح: المتح- بفتح الميم وسكون التاء- جذبك رشاء «حبل» الدلو تمد بيد، وتأخذ بيد على رأس البئر. ومواتح: جمع ماتح وهو المستقى. والمائح الذى يملأ الدلو من أسفل البئر. أنكزتها: أقلت ماءها، والذمة: البئر القليلة الماء. يقول عن الإبل. إن أعينها غارت من التعب، فكأنها آبار قليلة الماء. وفى الروض: أنكرتها، ورواها اللسان فى مادة ذمم «أنكزتها» وفسرها بما نقلته عنه، ولكنه فى مادة فتح ذكرها: أنكرتها.
[ ٢ / ١١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَاَللهُ أَعْلَمُ- وَحَدِيثُ الْبِئْرِ الذّمّةِ الّتِي ذَكَرَهَا أبو عبيد، حدثنا به أبوبكر بْنُ الْعَرَبِيّ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْمُطَهّرِ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي الرّجَاءِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خلّاد قال: حدثنا الحرث بْنُ أَبِي أُسَامَةَ. قَالَ: حَدّثَنَا أَبُو النّضْرِ، قَالَ: حَدّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: كُنّا مَعَ رَسُولِ اللهِﷺ- فِي مَسِيرٍ فَأَتَيْنَا عَلَى رَكِيّ ذَمّةٍ «١» يَعْنِي: قَلِيلَةَ الْمَاءِ قَالَ: فَنَزَلَ فِيهَا سِتّةٌ- أَنَا سَادِسُهُمْ- مَاحَةٌ «٢»، فَأُدْلِيَتْ إلَيْنَا دَلْوٌ، قَالَ: وَرَسُولُ اللهِﷺ عَلَى الرّكِيّ، فَجَعَلْنَا فِيهَا نِصْفَهَا، أَوْ قَرِيبَ ثُلُثَيْهَا، فَرُفِعَتْ إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- قَالَ: فَجِئْت بِإِنَائِي. هَلْ أَجِدُ شَيْئًا أَجْعَلُهُ فِي حَلْقِي، فَمَا وَجَدْت، فَرُفِعَتْ الدّلْوُ إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- فَغَمَسَ يَدَهُ فِيهَا، فَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ- قَالَ: فَأُعِيدَتْ إلَيْنَا الدّلْوُ بِمَا فِيهَا، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْت أَحَدَنَا أُخْرِجَ بِثَوْبِ خَشْيَةَ الْغَرَقِ. قَالَ: ثُمّ ساحت، يعنى: جرت نهرا «٣» .
_________________
(١) ركىّ- بفتح الراء وكسر الكاف، وتضعيف الياء- جنس للركية وهى البئر.
(٢) الميح- بفتح الميم وسكون الياء- أن تدخل البئر فتملأ الدلو، وذلك إذا قل ماؤها، ورجل مائح، وقوم ماحة بفتح الحاء.
(٣) أصل الحديث فى الصحيح باختصار كثير فى إحدى الغزوات. وهذا الذى فى الروض رواه أحمد والطبرانى. ويقول الحافظ فى الفتح: قال القرطبى: قصة نبع الماء من بين أصابعه «ص» أثر عنه فى عدة مواطن فى مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة يفيد مجموعها العلم القطعى المستفاد من التواتر المعنوى. قلت: أخذ كلام عياض أو تصرف فيه. قال: ولم يسمع بمثل هذه المعجزة عن غير نبينا، وحديث نبع الماء جاء من رواية أنس عند الشيخين-
[ ٢ / ١١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اشتقاق مغازة:
وَذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ فِي مَسِيرِهِ مَعَ قُرَيْشٍ إلَى الْكَاهِنَةِ، وَذَكَرَ الْمَفَاوِزَ الّتِي عَطِشُوا فِيهَا. الْمَفَاوِزُ: جَمْعُ مَفَازَةٍ، وَفِي اشْتِقَاقِ اسْمِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. رُوِيَ عَنْ الْأَصْمَعِيّ أَنّهَا سُمّيَتْ مَفَازَةً عَلَى جِهَةِ التّفَاؤُلِ لِرَاكِبِهَا بِالْفَوْزِ وَالنّجَاةِ، وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيّ أَنّهُ قَالَ: سَأَلْت أَبَا الْمَكَارِمِ: لِمَ سُمّيَتْ الْفَلَاةُ مَفَازَةً؟
فَقَالَ: لِأَنّ رَاكِبَهَا إذَا قَطَعَهَا وَجَاوَزَهَا فَازَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهَا: مَهْلَكَةٌ لِأَنّهُ يُقَالُ: فَازَ الرّجُلُ، وَفَوّزَ وَفَادَ وَفَطَسَ: إذَا هَلَكَ. وَذُكِرَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ- ثُمّ اُدْعُ بِالْمَاءِ الرّوِيّ غَيْرِ الْكَدَرِ يُقَالُ: مَاءٌ رِوَى بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ، وَرَوَاءٌ بالفتح والمد «١» وفيه:
_________________
(١) - وأحمد وغيرهم من خمسة طرق، وعن جابر بن عبد الله من أربعة طرق، وعن ابن مسعود عند البخارى والترمذى، وعن ابن عباس عند أحمد والطبرانى من طريقين وأما تكثير الماء بأن يلمه بيده، أو يتفل فيه، أو يأمر بوضع شىء فيه كسهم من كنانته. فجاء فى حديث عمران بن حصين فى الصحيحين، وعن البراء بن عازب عند البخارى وأحمد من طريقين، وعن أبى قتادة عند مسلم، وعن أنس عند البيهقى فى الدلائل.. وأما من رواها من أهل القرن الثانى فهم أكثر عددا، وإن كان شطر طرقه إفرادا» انتهى ما فى الفتح ص ٤٥٦ ج ٦ وانظر مجمع الزوائد للهيتمى. وأقول: كل ما يحدث هو بأمر الله سبحانه، ولا يستطيع مسلم أن ينكر أن الله سبحانه فجر الماء لموسى من الحجر، وقال لعيسى عن المائدة: «إنى منزلها عليكم» والله الذى من بذلك قادر على أن يمن بهذا. وموقفنا الإذعان، والإيمان بأنه من قدرة الله وإذنه، لا من قدرة نبى أو ولى، ولا بإذنه ولا بأمره.
(٢) روى كغنى، وروى مثل: إلى، ورواء مثل سماء: كثير مرو.
[ ٢ / ١٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْجَمْعُ وَاسْمُ الْجَمْعِ:
يُسْقَى حَجِيجُ اللهِ فِي كُلّ مَبَرْ. الْحَجِيجُ: جَمْعُ حَاجّ. وَفِي الْجُمُوعِ عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ كَثِيرٌ كَالْعَبِيدِ وَالْبَقِيرِ وَالْمَعِيزِ وَالْأَبِيلِ!! وَأَحْسَبُهُ اسْمًا لِلْجَمْعِ؛ لِأَنّهُ لَوْ كَانَ جمعاله وَاحِدٌ مِنْ لَفْظِهِ، لَجَرَى عَلَى قِيَاسٍ وَاحِدٍ كَسَائِرِ الْجُمُوعِ، وَهَذَا يَخْتَلِفُ وَاحِدُهُ فَحَجِيجٌ وَاحِدُهُ: حَاجّ، وَعَبِيدٌ وَاحِدُهُ: عَبْدٌ، وَبَقِيرٌ «١» وَاحِدُهُ: بَقَرَةٌ [وَمَعِيزٌ: وَاحِدُهُ: مَاعِزٌ] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَجَائِزٌ أَنْ يُقَالَ: إنّهُ اسْمٌ لِلْجَمْعِ غَيْرَ أَنّهُ مَوْضُوعٌ لِلْكَثْرَةِ؛ وَلِذَلِكَ لَا يُصَغّرُ عَلَى لَفْظِهِ، كَمَا تُصَغّرُ أَسْمَاءُ الْجُمُوعِ، فَلَا يُقَالُ فِي العبيد: عبيّد، ولا فى النخيل:
_________________
(١) فى اللسان: البقير اسم للجمع، أما الأبيل بفتح الهمزة وكسر الباء- فالحزمة من الحشيش والحطب، والإبيل بكسر الهمزة وتضعيف الباء مع كسرها: القطعة من الطير والخيل. وقيل هى مفرد أبابيل، وربما كانت إبلا، وهى تقع على الجمع، وليست بجمع والاسم جمع «قاموس» ويقول الجوهرى إن أسماء الجموع التى لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الادميين، فالتأنيث لازم لها، فإذا صغرتها دخلتها التاء، فقلت عن إبل: أبيلة، وعن غنم: غنيمة، وقد فرق شارح الكافية لابن الحاجب بين الجمع واسم الجمع بفروق تتلخص فى ثلاثة أوجه، الأول: أن الجمع على صيغة خاصة من صيغ معدودة معروفة، وهذه الصيغة تغاير صيغة المفرد، إما ظاهرا، وإما تقديرا. فالمغايرة الظاهرة إما بالحركات كأسد، وأسد ونمر ونمر، وإما بالحروف كرجال: جمع رجل وكتب جمع كتاب، والمغايرة المقدرة كهجان وفلك، ومن المغايرة الظاهرة: الجمع السالم مذكرا أو مؤنثا. والثانى: أن للجمع واحدا من لفظه، وليس لاسم الجمع واحد من لفظه، بل له واحد من معناه، فواحد الإبل: بعير أو ناقة، وواحد الغنم: شاة. والثالث: أن الجمع يرد إلى واحده فى النسب مطلقا، وفى التصغير إن كان جمع كثرة. وأما اسم الجمع، فلا يرد، لأنه إما ألا يكون له واحد حتى يرد إليه، وإما أن يكون له واحد، لكن لا يصح الرد إليه لأن اسم الجمع لم يكن على صيغة من صيغ الجمع فهو كالمفرد فى اللفظ. انظر ص ١٩٣ ج ٢ شرح الشافية للرضى والتلخيص المذكور للأساتذة المحققين للشافية.
[ ٢ / ١٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نُخَيّلٌ، بَلْ يُرَدّ إلَى وَاحِدِهِ، كَمَا تُرَدّ الْجُمُوعُ فِي التّصْغِيرِ، فَيُقَالُ: نُخَيْلَاتٌ وَعُبَيْدُونَ، وَإِذَا قُلْت: نَخِيلٌ أَوْ عَبِيدٌ، فَهُوَ اسْمٌ يَتَنَاوَلُ الصّغِيرَ وَالْكَبِيرَ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ، قَالَ اللهُ سبحانه: (وزرع ونخيل) وَقَالَ: (وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) فُصّلَتْ: ٤٦ وَحِينَ ذَكَرَ الْمُخَاطَبِينَ مِنْهُمْ قَالَ: الْعِبَادُ، وَكَذَلِكَ قَالَ حِينَ ذَكَرَ الثّمَرَ مِنْ النّخِيلِ:
(وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ) ق: ١٠ وَقَالَ: (أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) الْقَمَرَ: ٢٠ فَتَأَمّلْ الْفَرْقَ بَيْنَ الْجَمْعَيْنِ فِي حُكْمِ الْبَلَاغَةِ وَاخْتِيَارِ الْكَلَامِ، وَأَمّا فِي مَذْهَبِ أَهْلِ اللّغَةِ، فَلَمْ يُفَرّقُوا هَذَا التّفْرِيقَ، وَلَا نَبّهُوا عَلَى هَذَا الْغَرَضِ الدّقِيقِ.
شُرُوحٌ:
وَقَوْلُهُ: فِي كُلّ مَبَرّ: هُوَ مَفْعَلٌ مِنْ الْبِرّ، يُرِيدُ: فِي مَنَاسِكِ الْحَجّ وَمَوَاضِعِ الطّاعَةِ وَقَوْلُهُ: مِثْلُ نَعَامٍ جَافِلٍ لَمْ يُقْسَمْ. الْجَافِلُ: مِنْ جَفَلَتْ الْغَنَمُ: إذَا انْقَلَعَتْ بِجُمْلَتِهَا، وَلَمْ يُقْسَمْ أَيْ: لَمْ يَتَوَزّعْ، وَلَمْ يَتَفَرّقْ.
وَقَوْلُهُ: لَيْسَ يُخَافُ مِنْهُ شَيْءٌ مَا عَمَرْ. أَيْ: مَا عَمَرَ هَذَا الْمَاءُ، فَإِنّهُ لَا يُؤْذِي، وَلَا يُخَافُ مِنْهُ مَا يخاف من المياء إذَا أُفْرِطَ فِي شُرْبِهَا، بَلْ هُوَ بَرَكَةٌ عَلَى كُلّ حَالٍ، وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: لَا تَنْزِفُ، وَلَا تُذَمّ عَاقِبَةُ شربها، وهذا تأويل سائغ أيضا إلى مَا قَدّمْنَاهُ مِنْ التّأْوِيلِ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ فِي صِفَتِهَا.
وَقَوْلُهُ: وَضَرَبَ [فِي الْبَابِ] الْغَزَالَيْنِ «١» حِلْيَةَ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ أَوّلُ ذَهَبٍ حُلّيَتْ بِهِ الْكَعْبَةُ، وَقَدْ قَدّمْنَا ذِكْرَ الْغَزَالَيْنِ، وَمَنْ أَهْدَاهُمَا إلَى الْكَعْبَةِ، وَمَنْ دَفَنَهُمَا مِنْ جُرْهُمٍ، وَتَقَدّمَ أَنّ أَوّلَ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ: تُبّعٌ، وَأَنّهُ أَوّلُ من اتخذلها غلقا إلى أن
_________________
(١) ما بين قوسين زيادة من السيرة
[ ٢ / ١٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ضَرَبَ لَهَا عَبْدُ الْمُطّلِبِ بَابَ حَدِيدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَسْيَافِ، وَاِتّخَذَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ حَوْضًا لِزَمْزَمَ يُسْقَى مِنْهُ، فَكَانَ يُخَرّبُ لَهُ بِاللّيْلِ حَسَدًا لَهُ، فَلَمّا غَمّهُ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ فِي النّوْمِ: قُلْ: لَا أُحِلّهَا لِمُغْتَسِلِ، وَهِيَ لِشَارِبِ حلّ وبلّ «١» وقد كفيتهم، فَلَمّا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ، فَكَانَ بَعْدُ مَنْ أَرَادَهَا بِمَكْرُوهِ رُمِيَ بِدَاءِ فِي جَسَدِهِ، حَتّى انْتَهَوْا عَنْهُ. ذَكَرَهُ الزّهْرِيّ فِي سِيَرِهِ.
بِئَارُ قُرَيْشٍ بِمَكّةَ:
وَقَوْلُهُ: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَبْلَ حَفْرِ زَمْزَمَ قَدْ اتّخَذَتْ بِئَارًا بِمَكّةَ. ذَكَرُوا أَنّ قُصَيّا كَانَ يَسْقِي الْحَجِيجَ فِي حِيَاضٍ مِنْ أَدَمٍ، وَكَانَ يَنْقُلُ الْمَاءَ إلَيْهَا مِنْ آبَارٍ خَارِجَةٍ مِنْ مَكّةَ مِنْهَا: بِئْرُ مَيْمُونَ الْحَضْرَمِيّ، وَكَانَ يَنْبِذُ لَهُمْ الزّبِيبَ، ثُمّ احْتَفَرَ قُصَيّ العجول فى دار أمّ هانىء بنت أبى طالب، وهى أول سقاية
_________________
(١) بل: شفاء، وقيل: بل: مباح بلغة حمير، وقد روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق شعرا قاله عبد المطلب حينئذ وهو: اللهم أنت الملك المحمود ربى أنت المبدى المعيد وممسك الراسية الجلمود من عندك الطارف والتليد إن شئت ألهمت كما تريد لموضع الحلية والحديد فبين اليوم لما تريد إنى نذرت العاهد المعهود اجعله رب لى فلا أعود انظر ص ٢٤٦ ج ٢ البداية. هذا وفى السيرة عند قوله: «ثم أعطوا صاحب القداح» زدت كلمة «القداح» بعد جملة «أعطوا» من البداية ص ٢٤٦ ج ٢، وقد جعل عبد المطلب لزمزم حوضين. أحدهما: للشرب، والاخر: للوضوء، وقال: لا أحلها لمغتسل؛ لينزه المسجد عن أن يغتسل فيه ج ٢ ص ٢٤٧ بداية.
[ ٢ / ١٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اُحْتُفِرَتْ «١» بِمَكّةَ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ إذَا اسْتَقَوْا مِنْهَا ارْتَجَزُوا، فَقَالُوا:
نُرْوَى عَلَى الْعَجُولِ، ثُمّ نَنْطَلِقْ إنّ قُصَيّا قَدْ وَفّى وَقَدْ صَدَقْ
[بِشِبَعِ الْحَجّ وَرِيّ مُغْتَبِقْ] «٢»
فَلَمْ تَزَلْ الْعَجُولُ قَائِمَةً حَيَاةَ قُصَيّ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ، حَتّى كَبِرَ عَبْدُ مناف ابن قُصَيّ، فَسَقَطَ فِيهَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُعَيْلٍ، فَعَطّلُوا الْعَجُولَ، وَانْدَفَنَتْ، وَاحْتَفَرَتْ كُلّ قَبِيلَةٍ بِئْرًا، وَاحْتَفَرَ قُصَيّ سَجْلَةَ، وَقَالَ حِينَ حَفَرَهَا:
أَنَا قُصَيّ، وَحَفَرْت سَجْلَهْ تُرْوِي الْحَجِيجَ زُغْلَةً فَزُغْلَهْ «٣»
وَقِيلَ: بَلْ حَفَرَهَا هَاشِمٌ، وَوَهَبَهَا أَسَدُ بْنُ هَاشِمٍ لِعَدِيّ بْنِ نَوْفَلٍ، وَفِي ذَلِكَ تَقُولُ خَالِدَةُ بِنْتُ هَاشِمٍ:
نَحْنُ وَهَبْنَا لِعَدِيّ سَجْلَهْ تُرْوِي الْحَجِيجَ زُغْلَةً فَزُغْلَهْ
وَأَمّا أُمّ أَحْرَادٍ الّتِي ذَكَرَهَا، فَأَحْرَادٌ: جَمْعُ: حِرْدٍ، وَهِيَ قِطْعَةٌ مِنْ السّنَامِ، فَكَأَنّهَا سُمّيَتْ بِهَذَا، لِأَنّهَا تُنْبِتُ الشّحْمَ، أَوْ تُسَمّنُ الْإِبِلَ، أَوْ نَحْوَ هَذَا وَالْحِرْدُ: الْقَطَا «٤» الْوَارِدَةُ لِلْمَاءِ، فَكَأَنّهَا تَرِدُهَا الْقَطَا والطير، فيكون
_________________
(١) وفى المراصد: أن العجول أول بئر حفرت بمكة، وقيل: حفرها عبد شمس قبل خم، وقيل إن أصلها كانت ركية فى دار أم هانىء، ثم وسعها قصى، أو سماها كذلك
(٢) الزيادة من معجم البكرى. ومغتبق: أصل الغبوق- كصبور- ما يشرب بالعشى. وغبقه: سقاه ذلك، فاغتبق هو، والمغتبق- بضم الميم وكسر الباء- من يفعل ذلك
(٣) الزغلة: الجرعة.
(٤) قطا حرد: سراع. وقال الأزهرى عن هذا: إنه خطأ. وذكر أن القطا-
[ ٢ / ١٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَحْرَادٌ جَمْعَ: حُرْدٍ بِالضّمّ عَلَى هَذَا. وَقَالَتْ أُمَيّةُ بِنْتُ عُمَيْلَةَ بْنِ السّبّاقِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ امْرَأَةُ الْعَوّامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ حِينَ حَفَرَتْ بَنُو عَبْدِ الدّارِ أُمّ أَحْرَادٍ:
نَحْنُ حَفَرْنَا الْبَحْرَ أُمّ أَحْرَادِ لَيْسَتْ كَبَذّرَ الْبُرُورِ «١» الْجَمَادِ
فَأَجَابَتْهَا ضَرّتُهَا: صَفِيّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ أُمّ الزّبَيْرِ بْنِ الْعَوّامِ ﵁:
نَحْنُ حَفَرْنَا بَذّرْ «٢» نَسْقِي الْحَجِيجَ الْأَكْبَرْ
مِنْ مُقْبِلٍ وَمُدْبِرْ وَأُمّ أَحْرَادَ شَرْ «٣»
وَأَمّا جُرَابٌ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى: جَرِيبٍ «٤» نَحْوُ: كُبَارٍ وَكَبِيرٍ،
_________________
(١) - الحرد هى القصار الأرجل، وهى موصوفة بذلك. وفى المراصد عن أم أحراد أنها جمع حريد، وهو المنفرد عن محلة القوم.
(٢) هكذا، وهى غير مناسبة للمعنى، فلعلها: البثور بضم الباء والثاء: جمع بثر بفتح الباء وسكون الثاء، وفى اللسان: أنها الكرار- بكسر الكاف- جمع كر المواضع الذى يجمع فيه الماء الاجن، ليصفو، ويقال للبخيل: جماد كقطام ذماله.
(٣) فى غير الروض: بثر بفتح فسكون، والبثر أرض حجارتها كحجارة الحرة إلا أنها بيض، والماء البثر فى الغدير إذا ذهب، وبقى على وجه الأرض منه شىء قليل
(٤) البيت: «سقى الله أمواها» لكثير عزة كما فى اللسان، وكلها آبار بمكة، وقال ابن برى: هذه كلها أسماء مياه؛ بدليل إبدالها من قوله أمواها، ودعا بالسقيا للأمواه، وهو يريد أهلها النازلين بها.
(٥) الجريب من الطعام والأرض: مقدار معلوم، والجريب: مكيال قدر أربعة أقفزة، والجريب: قدر ما يزرع فيه من الأرض، قال ابن دريد: لا أحسبه عربيا، والجمع: أجربة وجربان. وقيل: الجريب المزرعة، والجريبة: الوادى وجمعه أجربة. ولم أجد فى اللسان جرابا لجريب. ولا فى القاموس.
[ ٢ / ١٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْجَرِيبُ: الْوَادِي، وَالْجَرِيبُ أَيْضًا: مِكْيَالٌ كَبِيرٌ، وَالْجَرِيبُ أَيْضًا: الْمَزْرَعَةُ.
وَأَمّا مَلْكُومٌ فَهُوَ عِنْدِي مَقْلُوبٌ، وَالْأَصْلُ: مَمْكُولٌ مِنْ: مَكَلْت الْبِئْرَ: إذَا اسْتَخْرَجْت مَاءَهَا، وَالْمَكْلَةُ: مَاءُ «١» الرّكِيّةِ، وَقَدْ قَالُوا: بِئْرٌ عَمِيقَةٌ، وَمَعِيقَةٌ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ هَذَا اللّفْظُ كَذَلِكَ يُقَالُ فِيهِ:
مَمْكُولٌ وَمَلْكُومٌ، وَالْمَلْكُومُ فِي اللّغَةِ: الْمَظْلُومُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَقْلُوبًا «٢» .
وَأَمّا بَذّرُ فَمِنْ التّبْذِيرِ، وَهُوَ التّفْرِيقُ، وَلَعَلّ مَاءَهَا كَانَ يَخْرُجُ مُتَفَرّقًا مِنْ غَيْرِ مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا الْبِنَاءُ فِي الْأَسْمَاءِ قَلِيلٌ، نَحْو: شَلّمَ وَخَضّمَ وَبَذّرَ، وَهِيَ أَسْمَاءُ أَعْلَامٍ، وَشَلّمُ: اسْمُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَمّا فِي غَيْرِ الْأَعْلَامِ، فَلَا يُعْرَفُ إلّا الْبَقّمُ، وَلَعَلّ «٣» أَصْلَهُ أَنْ يكون أعجميا، فعرب.
_________________
(١) وضع اللسان ملكوم فى مادة لكم، وفى المراصد: أنها اسم المفعول من لكمه، وفيه أن المكلة بضم الميم وفتحها وسكون الكاف: جمة البئر. الجمة المكان الذى يجتمع فيه ماء البئر. أو أول ما يستقى منها، وفى اللسان: المكلة بضم الميم الشىء القليل من الماء يبقى فى البئر أو الإناء، فهو من الأضداد وبئر ممكولة: نزح ماؤها.
(٢) لم أجد لملكوم هذا المعنى لا فى القاموس، ولا فى اللسان، ولها معنى الدفع والضرب باليد مجموعة.
(٣) خضم: اسم عنبر بن تميم، وقال اللسان عن شلم: إنها عبرانية، وزاد من الأعلام: عثر بفتح العين، وتضعيف الثاء مع فتح- اسم باليمن، أو واد من أودية العقيق، أو مأسدة. وفى المراصد أن أهل اليمن ينطقون عثر بتخفيف الثاء «بإسكانها» انظر المراصد، ومعجم ما استعجم وياقوت. وفى اللسان أيضا؛ كثم بوزن عثر: اسم موضع. أما بقم فاسم شجر عظام أو خشبة. وبضم الميم مثل-
[ ٢ / ١٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَمّا خُمّ وَهِيَ بِئْرُ مُرّةَ، فَهِيَ مِنْ خَمَمْت الْبَيْتَ إذَا كَنَسْته، وَيُقَالُ:
فُلَانٌ مَخْمُومُ الْقَلْبِ أَيْ: نَقِيّهُ، فَكَأَنّهَا سُمّيَتْ بِذَلِكَ لِنِقَائِهَا.
وأما غدير خمّ الّذِي عِنْدَ الْجُحْفَةِ، فَسُمّيَتْ بِغَيْضَةِ «١» عِنْدَهُ، يُقَالُ لَهَا: خُمّ فِيمَا ذَكَرُوا. وَأَمّا رُمّ بِئْرُ بَنِي كِلَابِ بْنِ مُرّةَ، فَمِنْ رَمَمْت الشّيْءَ إذَا جَمَعْته وَأَصْلَحْته، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: كُنّا أَهْلَ ثُمّةٍ وَرُمّةٍ «٢»، وَمِنْهُ: الرّمّانُ فِي قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، لِأَنّهُ عِنْدَهُ فُعْلَانُ، وَأَمّا الْأَخْفَشُ فَيَقُولُ فِيهِ: فُعّالٌ، فَيَجْعَلُ فِيهِ النّونَ أَصْلِيّةً، وَيَقُولُ: إنْ سَمّيْت بِهِ رَجُلًا صَرَفْته. وَمِنْ قَوْلِ عَبْدِ شمس بن قصىّ:
_________________
(١) - سكر شجر جوز، وزاد ابن مالك، شمر، اسم فرس، فصارت ستة أسماء، وقد نظم ابن مالك أكثرها فيما يأتى: وبذر وبقم وشمر وخضم وعثر لفعل ص ٦٣ ج ٢ المزهر للسيوطى.
(٢) الأجمة، وهى مغيض ماء يجتمع، فينبت فيه الشجر.
(٣) هو فى حديث أم عبد المطلب حين أخذه عمه منها: كنا ذوى ثمة ورمة. يقال، ما له ثم ولا رم، فالثم: قماش البيت: والرم: مرمة البيت أى: متاعه كأنها أرادت: كنا القائمين بأمره منذ ولد إلى أن شب وقوى. وقيل: هو من قول أخوال أحيحة بن الجلاح. قال أبو عبيد: المحدثون يروونه بالضم، والوجه عندى الفتح، وهو إصلاح الشىء وإحكامه، وهو- أى الثم والرم- بمعنى الإصلاح. وقيل: هما بالضم مصدران. والمعنى على قول أبى عبيدة: كنا أهل تربيته والمتولين لإصلاح شأنه، وقد رواه الهروى فى حرف الراء من قول أم عبد المطلب، ورواه فى حرف التاء من قول أخوال أحيحة، ورواه مالك فى الموطأ عن أحيحة.
[ ٢ / ١٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَفَرْت رُمّا، وَحَفَرْت خُمّا حَتّى تَرَى الْمَجْدَ بِهَا قَدْ تَمّا
وَأَمّا شُفَيّةُ بِئْرُ بَنِي أَسَدٍ، فَقَالَ فِيهَا الْحُوَيْرِثُ بْنُ أَسَدٍ:
مَاءُ شُفَيّةَ «١» كَمَاءِ الْمُزْنِ وَلَيْسَ مَاؤُهَا بِطَرْقِ أَجْنِ «٢»
وأما سنبلة: بئر بنى جمج، وَهِيَ بِئْرُ بَنِي خَلَفِ بْنِ وَهْبٍ- فَقَالَ فِيهَا شَاعِرُهُمْ:
نَحْنُ حَفَرْنَا لِلْحَجِيجِ سُنْبُلَهْ صَوْبَ سَحَابٍ ذُو الْجَلَالِ أَنْزَلَهْ
ثُمّ تَرَكْنَاهَا بِرَأْسِ الْقُنْبُلَهْ تَصُبّ مَاءً مِثْلَ مَاءِ الْمَعْبَلَهْ
نَحْنُ سقينا الناس قبل المسئله
مِنْ شَرْحِ شِعْرِ مُسَافِرٍ وَأَمّا الْغَمْرُ: بِئْرُ بَنِي سَهْمٍ، فَقَالَ فِيهَا بَعْضُهُمْ:
نَحْنُ حَفَرْنَا الْغَمْرَ لِلْحَجِيجِ تَثُجّ مَاءً أَيّمَا ثَجِيجِ
ذَكَرَ أَكْثَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيّ، وَبَعْضُ هَذِهِ الْأَرْجَازِ أَوْ أَكْثَرُهُ فِي كِتَابِ الزّبَيْرِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ: وَذَكَرَ شِعْرَ مُسَافِرِ بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ. وَاسْمُ أَبِي عَمْرٍو:
ذَكْوَانُ، وَهُوَ الّذِي يَقُولُ فِيهِ أبو سفيان:
_________________
(١) هى سقية أو شفية، وفى النسخة المطبوعة سنة ١٣٣٢ على هامش الروض: سقية.
(٢) الطرق: الماء الذى خوضته الإبل، وبولت فيه، والأجن: الماء المتغير الطعم واللون.
[ ٢ / ١٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَيْتَ شِعْرِي مُسَافِرَ بْنَ أَبِي عَمْ رٍو، وَلَيْتٌ يَقُولُهَا الْمَحْزُونُ
بُورِكَ الْمَيّتُ الْغَرِيبُ كَمَا بُو رِكَ نَضْحُ الرّمّانِ وَالزّيْتُونُ «١»
فِي شِعْرٍ يَرْثِيهِ بِهِ، وَكَانَ مَاتَ مِنْ حُبّ صَعْبَةَ بِنْتِ الْحَضْرَمِيّ.
وَفِي الشّعْرِ: وَنَنْحَرُ الدّلّافَةَ الرّفُدَا «٢»
الرّفُدُ: جَمْعُ رَفُودٍ مِنْ الرّفْدِ، وَهِيَ الّتِي تَمْلَأُ إنَاءَيْنِ عِنْدَ الْحَلْبِ.
وَقَوْلُهُ:
وَنُلْفَى عِنْدَ تَصْرِيفِ الْمَنَايَا شُدّدًا رُفُدَا
هُوَ جَمْعُ رَفُودٍ أَيْضًا مِنْ الرّفْدِ وَهُوَ: الْعَوْنُ؛ وَالْأَوّلُ مِنْ الرّفْدِ بِفَتْحِ الرّاءِ [وَبِكَسْرِهَا] وَهُوَ إنَاءٌ كَبِيرٌ قَالَ الشّاعِرُ:
رُبّ رَفْدٍ هَرَقْته ذَلِكَ الْيَوْ م وأسرى من معشر أقتال «٣»
_________________
(١) ينسب هذا فى اللسان إلى أبى طالب بن عبد المطلب فى مادة نضح. والنضح تفطر الشجر بالورق.
(٢) فسر الخشنى فى شرحه للسيرة الدلافة بقوله: بالإبل التى تمشى متمهلة لكثرة سمنها. وفى اللسان، المذلاقة بدلا من: الدلافة. وفسر المذلاقة بأنها الناقة السريعة. أما الدلاقة ففى اللسان، الدلوق والدلقاء: التى تنكسر أسنانها من الكبر فتمج الماء والرفود من الإبل التى تملأ الرفد- بكسر الراء وفتحها- القدح الضخم فى حلبة واحدة، أو هى الدائمة على محلبها، أو التى تتابع الحلب.
(٣) جمع قتل بكسر القاف، وهو العدو أو الصديق والنظير وابن العم والشجاع والقرن. والرفد بفتح الراء وكسرها والمرفد- بكسر الميم وفتح-
[ ٢ / ١٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ أُمّ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وهى: فاطمة بنت عمرو بن عائذ ابن عِمْرَانَ «١» هَكَذَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ. وَقَالَ ابْنُ إسحاق: عائذ بن عبد بن عمران ابن مَخْزُومٍ، وَالصّحِيحُ مَا قَالَهُ ابْنُ هِشَامٍ؛ لِأَنّ الزّبَيْرِيّينَ ذَكَرُوا أَنّ عَبْدًا هُوَ أَخُو عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ، وَأَنّ بِنْتَ عَبْدٍ هِيَ: صَخْرَةُ امْرَأَةُ عَمْرِو بْنِ عَائِذٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ؛ لِأَنّهَا كَانَتْ لَهُ عَمّةً، لَا بِنْتَ عَمّ، فَتَأَمّلْهُ، فَقَدْ تَكَرّرَ هَذَا النّسَبُ فِي السّيرَةِ مِرَارًا، وَفِي كُلّ ذَلِكَ يَقُولُ ابْنُ إسحاق: عائذ بن عبد ابن عِمْرَانَ، وَيُخَالِفُهُ ابْنُ هِشَامٍ. وَصَخْرَةُ بِنْتُ عَبْدٍ أُمّ فَاطِمَةَ، أُمّهَا:
تَخْمُرُ بِنْتُ عَبْدِ بْنِ قُصَيّ، وَأُمّ تَخْمُرَ: سُلْمَى بِنْتُ عُمَيْرَةَ «٢» بْنِ وديعة ابن الحارث بن فهر. قاله الزّبير:
_________________
(١) - الفاء، أو بفتح الميم وكسر الفاء- القدح العظيم، وفى اللسان: هراقت السماء ماءها تهريق، والماء مهراق. الهاء فى ذلك كله متحركة، لأنها ليست أصلية، إنما هى بدل من همزة: أراق، وهرقت مثل أرقت. وقد نسبه إلى الأزهرى، ونسب إليه أيضا أنه قال: ومن قال: أهرقت فهو خطأ فى القياس. ومثل هرقت- والأصل أرقت قولهم هرحت الدابة وأرحتها، وهنرت النار وأنرتها. وقال أبو زيد: الهاء منها زائدة، كما قالوا: أنهأت اللحم والأصل أنأته. وقال بعض النحويين إنما هو هراق يهريق؛ لأن الأصل من أراق يريق يؤريق لأن أفعل يفعل كان فى الأصل يؤفعل. والجوهرى يقول: هراق الماء يهر يقه بفتح الهاء هراقة- بكسر الهاء- صبه
(٢) هى كذلك فى جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص ١٣ ونسب قريش ص ١٧ وفى حذف نسب قريش للسدوسى ص ٥.
(٣) فى نسب قريش: سلمى بنت عامرة بن عميرة الخ ص ١٧.
[ ٢ / ١٣٠ ]
[ذِكْرُ نَذْرِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ذَبْحَ وَلَدِهِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ- فِيمَا يَزْعُمُونَ وَاَللهُ أَعْلَمُ- قَدْ نَذَرَ حِينَ لَقِيَ مِنْ قُرَيْشٍ مَا لَقِيَ عِنْدَ حَفْرِ زَمْزَمَ: لَئِنْ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةُ نَفَرٍ، ثُمّ بَلَغُوا مَعَهُ حَتّى يَمْنَعُوهُ، لَيَنْحَرَن أَحَدَهُمْ لِلّهِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ. فَلَمّا تَوَافَى بَنُوهُ عَشَرَةً، وَعَرَفَ أَنّهُمْ سَيَمْنَعُونَهُ، جَمَعَهُمْ، ثُمّ أَخْبَرَهُمْ بِنَذْرِهِ، وَدَعَاهُمْ إلَى الْوَفَاء لِلّهِ بِذَلِكَ، فَأَطَاعُوهُ وَقَالُوا: كَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ: لِيَأْخُذْ كُلّ رَجُلٍ مِنْكُمْ قِدْحًا ثم يكتب فيه اسمه، ثم ائتونى، ففعلوا، ثم أَتَوْهُ، فَدَخَلَ بِهِمْ عَلَى هُبَلَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ هُبَلُ عَلَى بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْبِئْرُ هِيَ الّتِي يُجْمَعُ فيها ما يهدى للكعبة.
وكان عند هبل قداح سبعة، كل قدخ مِنْهَا فِيهِ كِتَابٌ. قِدْحٌ فِيهِ الْعَقْلُ، إذَا اخْتَلَفُوا فِي الْعَقْلِ مَنْ يَحْمِلُهُ مِنْهُمْ، ضَرَبُوا بِالْقِدَاحِ السّبْعَةِ، فَإِنْ خَرَجَ الْعَقْلُ فَعَلَى مَنْ خَرَجَ حَمْلُهُ. وَقِدْحٌ فِيهِ: نَعَمْ. لِلْأَمْرِ إذَا أَرَادُوهُ يُضْرَبُ، بِهِ فِي الْقِدَاحِ، فَإِنْ خَرَجَ قِدْحُ نَعَمْ، عَمِلُوا بِهِ. وَقِدْحٌ فِيهِ: لَا، إذَا أَرَادُوا أَمْرًا ضَرَبُوا بِهِ فِي الْقِدَاحِ، فإن خرج ذلك القداح لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ الْأَمْرَ، وَقِدْحٌ فِيهِ:
مِنْكُمْ، وَقِدْحٌ فِيهِ مُلْصَقٌ: وَقِدْحٌ فِيهِ: مِنْ غَيْرِكُمْ: وَقِدْحٌ فِيهِ:
الْمِيَاهُ، إذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْفِرُوا لِلْمَاءِ ضَرَبُوا بِالْقِدَاحِ، وَفِيهَا ذَلِكَ الْقِدْحُ، فَحَيْثُمَا خَرَجَ عَمِلُوا بِهِ.
وَكَانُوا إذَا أَرَادُوا أَنْ يَخْتِنُوا غُلَامًا، أَوْ يُنْكِحُوا مُنْكَحًا، أَوْ يَدْفِنُوا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٣١ ]
ميتا، أو شكوا فِي نَسَبِ أَحَدِهِمْ، ذَهَبُوا بِهِ إلَى هُبَلَ وَبِمِئَةِ دِرْهَمٍ وَجَزُورٍ، فَأَعْطَوْهَا صَاحِبَ الْقِدَاحِ الّذِي يَضْرِبُ بِهَا، ثُمّ قَرّبُوا صَاحِبَهُمْ الّذِي يُرِيدُونَ بِهِ مَا يُرِيدُونَ، ثُمّ قَالُوا: يَا إلَهَنَا هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ قَدْ أَرَدْنَا بِهِ كَذَا وَكَذَا، فَأَخْرِجْ الْحَقّ فِيهِ. ثُمّ يَقُولُونَ لِصَاحِبِ الْقِدَاحِ: اضْرِبْ: فَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ:
مِنْكُمْ، كَانَ مِنْهُمْ وَسِيطًا، وَإِنْ خَرَج عَلَيْهِ: مِنْ غَيْرِكُمْ، كَانَ حَلِيفًا، وَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ: مُلْصَقٌ، كَانَ عَلَى مَنْزِلَتِهِ فِيهِمْ، لَا نَسَبَ لَهُ، وَلَا حِلْفَ، وَإِنْ خَرَجَ فِيهِ شَيْءٌ، مِمّا سِوَى هَذَا مِمّا يَعْمَلُونَ بِهِ: نَعَمْ عَمِلُوا به، وإن خرج: لا، أخّروه عامه ذلك، ختى يَأْتُوهُ بِهِ مَرّةً أُخْرَى، يَنْتَهُونَ فِي أُمُورِهِمْ إلى ذلك مما خرجت به الْقِدَاحِ.
فَقَالَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ لِصَاحِبِ الْقِدَاحِ: اضْرِبْ عَلَى بَنِيّ هَؤُلَاءِ بِقِدَاحِهِمْ هَذِهِ، وَأَخْبَرَهُ بِنَذْرِهِ الّذِي نَذَرَ، فَأَعْطَاهُ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ قِدْحَهُ الّذِي فِيهِ اسْمُهُ، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ أَصْغَرَ بَنِي أَبِيهِ، كَانَ هُوَ وَالزّبَيْرُ وَأَبُو طَالِبٍ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ عَمْرِو بْنِ عَائِذُ بْنُ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ.
قَالَ ابْنُ هشام: عائذ بن عمران بن مخزوم.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- أَحَبّ وَلَدِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ إلَيْهِ، فَكَانَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَرَى أَنّ السّهْمَ إذَا أَخَطَأَهُ فَقَدْ أَشْوَى. وَهُوَ أَبُو رَسُولِ اللهِﷺ- فَلَمّا أَخَذَ صَاحِبُ الْقِدَاحِ الْقِدَاحَ لِيَضْرِبَ بِهَا، قَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ عِنْدَ هُبَلَ يَدْعُو اللهَ، ثُمّ ضَرَبَ صَاحِبُ الْقِدَاحِ، فخرج القدح
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٣٢ ]
عَلَى عَبْدِ اللهِ، فَأَخَذَهُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ بِيَدِهِ وَأَخَذَ الشّفْرَةَ، ثُمّ أَقْبَلَ بِهِ إلَى إسَافٍ وَنَائِلَةٍ لِيَذْبَحَهُ، فَقَامَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ مِنْ أَنْدِيَتِهَا، فَقَالُوا: مَاذَا تُرِيدُ يَا عَبْدَ الْمُطّلِبِ؟
قَالَ: أَذْبَحُهُ، فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ وَبَنُوهُ: وَاَللهِ لَا تَذْبَحُهُ أَبَدًا، حَتّى تُعْذِرَ فِيهِ. لَئِنْ فَعَلْتَ هَذَا لَا يَزَالُ الرّجُلُ يَأْتِي بِابْنِهِ حَتّى يَذْبَحَهُ، فَمَا بَقَاءُ النّاسِ عَلَى هَذَا؟! وَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ بن يقظة- وكان عبد الله ابن أخت القوم: وَاَللهِ لَا تَذْبَحُهُ أَبَدًا، حَتّى تُعْذِرَ فِيهِ، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه. وقالت له قُرَيْشٌ وَبَنُوهُ. لَا تَفْعَلْ، وَانْطَلِقْ بِهِ إلَى الْحِجَازِ، فَإِنّ بِهِ عَرّافَةً لَهَا تَابِعٌ، فَسَلْهَا، ثُمّ أَنْتَ عَلَى رَأْسِ أَمْرِك، إنْ أَمَرَتْكَ بذبحه ذبحته، وإن أَمَرَتْك بِأَمْرٍ لَك وَلَهُ فِيهِ فَرَجٌ قَبِلْته.
فَانْطَلَقُوا حَتّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، فَوَجَدُوهَا- فِيمَا يَزْعُمُونَ- بخيبر. فركبوا حتى جاؤها، فَسَأَلُوهَا، وَقَصّ عَلَيْهَا عَبْدُ الْمُطّلِبِ خَبَرَهُ وَخَبَرَ ابْنِهِ، وَمَا أَرَادَ بِهِ وَنَذْرَهُ فِيهِ، فَقَالَتْ لَهُمْ: ارْجِعُوا عَنّي الْيَوْمَ حَتّى يَأْتِيَنِي تَابِعِي فَأَسْأَلُهُ. فَرَجَعُوا مِنْ عِنْدِهَا، فَلَمّا خَرَجُوا عَنْهَا قَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللهَ، ثُمّ غَدَوْا عَلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ: قَدْ جَاءَنِي الْخَبَرُ، كَمْ الدّيَةُ فِيكُمْ؟ قَالُوا: عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَكَانَتْ كذلك. قالت: فارجعو إلَى بِلَادِكُمْ، ثُمّ قَرّبُوا صَاحِبَكُمْ، وَقَرّبُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، ثُمّ اضْرِبُوا عَلَيْهَا، وَعَلَيْهِ بِالْقِدَاحِ، فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَزِيدُوا مِنْ الْإِبِلِ حَتّى يَرْضَى رَبّكُمْ، وَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى الْإِبِلِ فَانْحَرُوهَا عَنْهُ، فَقَدْ رَضِيَ رَبّكُمْ، وَنَجَا صَاحِبُكُمْ.
فخرجوا حتى قدموا مكة، فلما أجمعو عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْأَمْرِ، قَامَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٣٣ ]
عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللهَ، ثُمّ قَرّبُوا عَبْدَ اللهِ وَعَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، وَعَبْدُ الْمُطّلِبِ قَائِمٌ عِنْدَ هُبَلَ يَدْعُو اللهَ ﷿!! ثُمّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ عِشْرِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللهَ ﷿، ثُمّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ ثَلَاثِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللهَ، ثُمّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ أَرْبَعِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللهَ، ثُمّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ خَمْسِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللهَ، ثُمّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ سِتّينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللهَ، ثُمّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ سَبْعِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللهَ، ثُمّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ ثَمَانِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللهَ، ثُمّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ تِسْعِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللهَ، ثُمّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ مِئَةً، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللهَ، ثُمّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى الْإِبِلِ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ حَضَرَ: قَدْ انْتَهَى رِضَا رَبّك يَا عَبْدَ الْمُطّلِبِ، فَزَعَمُوا أَنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ قَالَ: لَا وَاَللهِ حَتّى أَضْرِبَ عَلَيْهَا ثَلَاثَ مَرّاتٍ، فَضَرَبُوا عَلَى عَبْدِ اللهِ، وَعَلَى الْإِبِلِ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يدعو الله، فخرج القدج عَلَى الْإِبِلِ، ثُمّ عَادُوا الثّانِيَةَ، وَعَبْدُ الْمُطّلِبِ قَائِمٌ يَدْعُو اللهَ، فَضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٣٤ ]
الْإِبِلِ، ثُمّ عَادُوا الثّالِثَةَ، وَعَبْدُ الْمُطّلِبِ قَائِمٌ يَدْعُو اللهَ، فَضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى الْإِبِلِ: فَنُحِرَتْ: ثُمّ تُرِكَتْ لَا يُصَدّ عَنْهَا إنْسَانٌ وَلَا يُمْنَعُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: إنْسَانٌ وَلَا سَبُعٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَيْنَ أَضْعَافِ هَذَا الْحَدِيثِ رَجَزٌ لَمْ يَصِحّ عِنْدَنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ.
[ذِكْرُ الْمَرْأَةِ الْمُتَعَرّضَةِ لِنِكَاحِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ انْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ آخِذًا بِيَدِ عَبْدِ اللهِ، فَمَرّ بِهِ- فِيمَا يزعمون- على امرأة مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قصىّ بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بْنِ فِهْرِ: وَهِيَ أُخْتُ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ ابن أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى: وَهِيَ عِنْدَ الْكَعْبَة: فَقَالَتْ لَهُ حِينَ نَظَرَتْ إلَى وَجْهِهِ:
أَيْنَ تَذْهَبُ يَا عَبْدَ اللهِ؟ قَالَ: مَعَ أَبِي. قَالَتْ: لَك مِثْلُ الْإِبِلِ الّتِي نُحِرَتْ عَنْك: وَقَعْ عَلَيّ الْآنَ. قَالَ: أَنَا مَعَ أَبِي، ولا أستطيع خلافه. ولا فراقه.
فَخَرَجَ بِهِ عَبْدُ الْمُطّلِبِ حَتّى أَتَى بِهِ وهب بن عبد مناف بن زهرة ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ- وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيّدُ بَنِي زُهْرَةَ نَسَبًا وَشَرَفًا- فَزَوّجَهُ ابْنَتَهُ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ أَفَضْلُ امْرَأَةٍ فِي قريش نسبا وموضعا.
وَهِيَ لِبَرّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ بْنِ كِلَابِ ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بْنِ فِهْرٍ. وَبَرّةَ: لِأُمّ حَبِيبِ بِنْتِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٣٥ ]
أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ بْنِ كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ. وَأُمّ حَبِيبٍ: لِبَرّةَ بِنْتَ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عدىّ ابن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر.
فَزَعَمُوا أَنّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا حِينَ أُمْلِكَهَا مَكَانَهُ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَحَمَلَتْ بِرَسُولِ اللهِﷺ- ثُمّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا، فَأَتَى المرأة التى عرضت عليه ما عرضت، فقال لها: مالك لَا تَعْرِضِينَ عَلَيّ الْيَوْمَ مَا كُنْتِ عَرَضْتِ عَلَيّ بِالْأَمْسِ؟ قَالَتْ لَهُ: فَارَقَك النّورُ الّذِي كَانَ مَعَك بِالْأَمْسِ، فَلَيْسَ [لِي] بِك الْيَوْمَ حَاجَةٌ. وَقَدْ كَانَتْ تَسْمَعُ مِنْ أَخِيهَا وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ- وَكَانَ قَدْ تَنَصّرَ وَاتّبَعَ الْكُتُبَ: أنه كائن فِي هَذِهِ الْأُمّةِ نَبِيّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ: أَنّهُ حُدّثَ، أَنّ عَبْدَ اللهِ إنّمَا دَخَلَ عَلَى امْرَأَةٍ كَانَتْ لَهُ مَعَ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ، وَقَدْ عَمِلَ فِي طِينٍ لَهُ، وَبَهْ آثَارٌ مِنْ الطّينِ، فَدَعَاهَا إلَى نَفْسِهِ، فَأَبْطَأَتْ عَلَيْهِ لِمَا رَأَتْ بِهِ مِنْ أَثَرِ الطّينِ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا فَتَوَضّأَ وَغَسَلَ مَا كَانَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ الطّينِ، ثُمّ خَرَجَ عَامِدًا إلَى آمِنَةَ، فَمَرّ بِهَا، فَدَعَتْهُ إلَى نَفْسِهَا، فَأَبَى عَلَيْهَا، وَعَمَدَ إلَى آمِنَةَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَأَصَابَهَا، فَحَمَلَتْ بِمُحَمّدِﷺ- ثُمّ مَرّ بِامْرَأَتِهِ تِلْكَ:
فَقَالَ لَهَا: هَلْ لَك؟ قَالَتْ: لَا، مَرَرْتَ بِي وَبَيْنَ عَيْنَيْك غُرّةٌ بَيْضَاءُ، فَدَعَوْتُك فَأَبَيْتَ عَلَيّ، وَدَخَلْتَ عَلَى آمِنَةَ فَذَهَبَتْ بِهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمُوا أَنّ امْرَأَتَهُ تِلْكَ كَانَتْ تُحَدّثُ: أَنّهُ مَرّ بِهَا وَبَيْنَ عَيْنَيْهِ غُرّةٌ مِثْلُ غُرّةِ الْفَرَسِ، قَالَتْ: فَدَعَوْتُهُ رَجَاءَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٣٦ ]
بِي، فَأَبَى عَلَيّ، وَدَخَلَ عَلَى آمِنَةَ، فَأَصَابَهَا، فَحَمَلَتْ بِرَسُولِ اللهِﷺ- فَكَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- أَوْسَطَ قَوْمِهِ نَسَبًا، وَأَعْظَمَهُمْ شَرَفًا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمّهِﷺ.
[ذِكْرُ مَا قِيلَ لِآمِنَةَ عِنْدَ حَمْلِهَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ]
وَيَزْعُمُونَ- فِيمَا يَتَحَدّثُ النّاسُ وَاَللهُ أعلم- أنّ آمنة ابنة وَهْبٍ أُمّ رَسُولِ اللهِﷺ- كانت تحدّث:
أنها أُتِيَتْ، حِينَ حَمَلَتْ بِرَسُولِ اللهِﷺ- فَقِيلَ لَهَا: إنّك قَدْ حَمَلْتِ بِسَيّدِ هَذِهِ الْأُمّةِ، فَإِذَا وَقَعَ إلَى الْأَرْضِ، فَقُولِي: أُعِيذُهُ بِالْوَاحِدِ، مِنْ شَرّ كُلّ حَاسِدٍ، ثُمّ سَمّيهِ: مُحَمّدًا. وَرَأَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ أَنّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ رَأَتْ بِهِ قُصُورَ بصرى، من أرض الشام.
ثُمّ لَمْ يَلْبَثْ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، أَبُو رَسُولِ اللهِﷺ- أَنْ هَلَكَ، وَأُمّ رَسُولِ اللهِﷺ حامل به.
_________________
(١) نَذْرُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ نَذْرَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ أَنْ يَنْحَرَ ابْنَهُ إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. وَفِيهِ أَنّ عَبْدَ اللهِ، يَعْنِي: وَالِدَ رَسُولِ اللهِﷺ- كَانَ أَصْغَرَ بَنِي أَبِيهِ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وَلَعَلّ الرّوَايَةَ: أَصْغَرَ بَنِي أُمّهِ، وَإِلّا فَحَمْزَةُ كَانَ أَصْغَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ، وَالْعَبّاسُ: أَصْغَرُ مِنْ حَمْزَةَ، وَرُوِيَ عَنْ الْعَبّاسِ﵁- أَنّهُ قَالَ: أَذْكُرُ مَوْلِدَ رَسُولِ اللهِﷺ- وَأَنَا
[ ٢ / ١٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابْنُ ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ أَوْ نَحْوِهَا، فَجِيءَ بِي حَتّى نَظَرْت إلَيْهِ، وَجَعَلَ النّسْوَةُ يَقُلْنَ لِي: قَبّلْ أَخَاك، قَبّلْ أَخَاك، فَقَبّلْته، فَكَيْفَ يَصِحّ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللهِ هُوَ الْأَصْغَرَ مَعَ هَذَا؟! وَلَكِنْ رَوَاهُ الْبَكّائِيّ كَمَا تَقَدّمَ، وَلِرِوَايَتِهِ وَجْهٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَصْغَرَ وَلَدِ أَبِيهِ «١» حِينَ أَرَادَ نَحْرَهُ، ثُمّ وُلِدَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَمْزَةُ وَالْعَبّاسُ.
وَسَائِرُ حَدِيثِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ لَيْسَ فِيهِ مَا يُشْكِلُ. وَفِيهِ أَنّ الدّيَةَ كانت
_________________
(١) أولاد عبد المطلب هم- كما فى نسب قريش: عبد الله، وأبو طالب- واسمه: عبد مناف- والزبير، وأم حكيم البيضاء الملقبة بالحصان- بفتح الحاء- توأمة عبد الله والد الرسولﷺ- وعاتكة، ومرة، وأميمة، وأروى أمهم: فاطمة بنت عمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم، وحمزة، والمقوم، وحجل أو حجل- واسمه: المغيرة- وصفية وأمهم: هَالَةُ بِنْتُ أُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زهرة، والعباس وضرار، وأمهما نتيلة بنت جناب ابن كليب، والحارث وهو أكبر ولده، وبه كان يكنى- وقثم هلك صغيرا وأمهما: صفية بنت جندب بن حجير بن رئاب، وأبو لهب- واسمه عبد العزى- وأمه: لبنى بنت هاجر بن عبد مناف. والغيداق- واسمه: مصعب، وأمه خزاعية وفى جمهرة أنساب العرب: عبد الله، وأبو طالب، وأبو لهب، ويكنى أبا عتبة والزبير والمقوم والحارث وحمزة والعباس، وأربع بنات. فعبد الله، وأبو طالب والزبير وأم حكيم، وعاتكة، ومرة، وأميمة، وأروى. أشقاء من أم واحدة. وحمزة والمقوم وحجل وصفية أشقاء من أم واحدة. والعباس وضرار شقيقان، والحارث، وقثم شقيقان، وأبو لهب من أم، والغيداق من أم.
[ ٢ / ١٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِعَشْرِ مِنْ الْإِبِلِ قَبْلَ هَذِهِ الْقِصّةِ: وَأَوّلُ مَنْ وُدِيَ بِالْمِائَةِ إذًا: عَبْدُ اللهِ. وَقَدْ قَدّمْنَا مَا ذَكَرَهُ الْأَصْبَهَانِيّ عَنْ أَبِي الْيَقْظَانِ أَنّ أَبَا سَيّارَةَ هُوَ أَوّلُ مَنْ جَعَلَ الدّيَةَ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَأَمّا أَوّلُ مَنْ ودى بالإبل من العرب: فزيد ابن بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ قَتَلَهُ أَخُوهُ مُعَاوِيَةُ جَدّ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ «١» .
وَأَمّا الْكَاهِنَةُ الّتِي تَحَاكَمُوا إلَيْهَا بِالْمَدِينَةِ فَاسْمُهَا: قُطْبَةُ. ذَكَرَهَا عَبْدُ الْغَنِيّ فِي كِتَابِ الْغَوَامِضِ وَالْمُبْهَمَاتِ، وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ أَنّ اسْمَهَا: سَجَاحُ.
تَزْوِيجُ عَبْدِ اللهِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ تَزْوِيجَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ، وَذَكَرَ الْبَرْقِيّ فِي سَبَبِ تَزْوِيجِ عَبْدِ اللهِ آمِنَةَ: أَنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ كَانَ يَأْتِي الْيَمَنَ، وَكَانَ يَنْزِلُ فِيهَا عَلَى عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَائِهِمْ، فَنَزَلَ عِنْدَهُ مَرّةً، فَإِذَا عِنْدَهُ رَجُلٌ مِمّنْ قَرَأَ الْكُتُبَ، فَقَالَ لَهُ: ائْذَنْ لِي أَقِسْ مَنْخِرَك «٢»، فَقَالَ: دُونَك فَانْظُرْ، فَقَالَ: أَرَى نُبُوّةً وَمُلْكًا، وَأَرَاهُمَا فِي الْمَنَافَيْنِ: عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيّ، وَعَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، فَلَمّا انْصَرَفَ عبد المطلب انطلق بابنه عبد الله،
_________________
(١) اسم زيد فى جمهرة أنساب العرب: يزيد. وفيه أيضا أن يزيد هو الذى قتل معاوية، فجعل فيه عامر بن الظرب العد وانى مائة من الإبل، وهى أول دية قضى فيها بذلك، وتقول العرب إن لقمان كان جعلها قبل ذلك مائة جدى. ص ٢٥٢ جمهرة ابن حزم.
(٢) فى القاموس- بفتح الميم والخاء وبكسرهما وضمهما، وكمجلس وملمول «بضم الميمين»: الأنف.
[ ٢ / ١٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَتَزَوّجَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ هَالَةَ بِنْتَ وُهَيْبٍ «١»، وَهِيَ أُمّ حَمْزَةَ- رَضِيَ اللهُ- عَنْهُ، وَزَوّجَ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ رَسُولَ اللهِﷺ.
حَوْلَ أُمّهَاتِ النّبِيّ ﷺ:
وَذَكَرَ أُمّهَا وَأُمّ أُمّهَا، وَالثّالِثَةَ وَهِيَ: بَرّةُ بِنْتُ عَوْفٍ «٢»، وَقَدْ قَدّمْنَا فِي أَوّلِ الْمَوْلِدِ ذِكْرَ أُمّ الثّالِثَةِ وَالرّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ «٣» وَنَسَبَهُنّ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ.
وَأَمّا أُمّ هَالَةَ فَهِيَ: الْعَبْلَةُ بِنْتُ الْمُطّلِبِ، وَأُمّهَا: خَدِيجَةُ بِنْتُ سَعِيدِ بْنِ سَهْمٍ «٤»، وَقَدْ أَشْكَلَ عَلَى بَعْضِ النّاسِ فِي هَذَا الْخَبَرِ أن عبد المطلب نذر
_________________
(١) فى نسب قريش: أهيب ص ١٧، وفى جمهرة ابن حزم ص ١٣: وهيب.
(٢) فى السيرة: بَرّةَ بِنْتَ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ. وفى كتاب حذف نسب قريش للسدوسى ص ٦: ضبطت عويج بفتح العين. وكسر الواو. وأكثر المراجع ذكرته بضم العين وفتح الواو.
(٣) فى نسب قريش عن أم برة: «وأمها أميمة بنت مالك بن غنم بن حنش ابن عادية بْنِ كَعْبِ بْنِ طَابِخَةَ بْنِ لِحْيَانَ بْنِ هذيل، وأمها: قلابة بنت الحارث- وهو أبو قلابة الشاعر، وهو أقدم من قال الشعر فى هذيل. واسم أبى قلابة: الحارث بن صعصعة بْنِ كَعْبِ بْنِ طَابِخَةَ بْنِ لِحْيَانَ بْنِ هذيل. وأمها: دبّة بنت الحارث بن تميم وأمها: لبنى بنت الحارث بن النّمر بن جرءة بن أسيّد بن عمرو بْنِ تَمِيمِ بْنِ مُرّ بْنِ أُدّ بْنِ طابخة بن الياس ص ٢١ وأم حبيب بنت أسد المذكورة فى السيرة سماها السدوسى: حبيبة ص ٦.
(٤) فى نسب قريش ص ٩٢ ذكر أن أمها هى خديجة بنت سعيد بن بحر بن سهم بن عمرو بن هصيص ولكنه ذكر فى ص ١٧ أن أمها هى خديجة بنت سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص: وليس لسهم بن عمرو ولد اسمه-
[ ٢ / ١٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَحْرَ أَحَدِ بَنِيهِ إذَا بَلَغُوا عَشَرَةً، ثُمّ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ أَنّ تَزْوِيجَهُ هَالَةَ أُمّ ابْنَه حَمْزَةَ كَانَ بَعْدَ وَفَائِهِ بِنَذْرِهِ، فَحَمْزَةُ وَالْعَبّاسُ﵄- إنّمَا وُلِدَا بَعْدَ الْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ، وَإِنّمَا كَانَ جَمِيعُ أَوْلَادِهِ عَشَرَةً. وَلَا إشْكَالَ فِي هَذَا، فَإِنّ جَمَاعَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ قَالُوا: كَانَ أَعْمَامُهُ﵇- اثْنَيْ عَشَرَ، وَقَالَهُ أَبُو عُمَرَ، فَإِنْ صَحّ هَذَا فَلَا إشْكَالَ فِي الْخَبَرِ، وَإِنْ صَحّ قَوْلُ مَنْ قَالَ: كَانُوا عَشَرَةً بِلَا مَزِيدٍ، فَالْوَلَدُ يَقَعُ عَلَى الْبَنِينَ وَبَنِيهِمْ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، فَكَانَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ قَدْ اجْتَمَعَ لَهُ مِنْ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ عَشَرَةُ رِجَالٍ حِينَ وَفّى بِنَذْرِهِ.
الْمَرْأَةُ الّتِي دَعَتْ عَبْدَ اللهِ:
وَيُرْوَى أَنّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ حِينَ دَعَتْهُ الْمَرْأَةُ الْأَسَدِيّةُ إلَى نَفْسِهَا لِمَا رَأَتْ فِي وَجْهِهِ مِنْ نُورِ النّبُوّةِ، وَرَجَتْ أَنْ تَحْمِلَ بِهَذَا النّبِيّ، فَتَكُونَ أُمّهُ دُونَ غَيْرِهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ حِينَئِذٍ فِيمَا ذَكَرُوا:
أَمّا الْحَرَامُ فَالْحِمَامُ دُونَهْ وَالْحِلّ لَا حِلّ فَأَسْتَبِينَهْ
فَكَيْفَ بِالْأَمْرِ الّذِي تَبْغِينَهْ يَحْمِي الْكَرِيمُ عِرْضَهُ وَدِينَهْ؟!
وَاسْمُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ: رُقَيّةُ «١» بِنْتُ نَوْفَلِ أخت ورقة بن نوفل؛ تكنّى: أمّ
_________________
(١) - بحر. وإنما كل ولده سعد وسعيد ورئاب. ومن ولد سعد: سعيد الذى أعقب أولادا منهم: خديجة هذه التى يذكر أنها أم عبلة. انظر ص ٤٠٠، ٤٠٦ نسب قريش، ولم يذكر من أولاد سعيد بن سهم من اسمها خديجة، وإنما قال: إن أمها بنت سعيد بن سهم ص ٤٠٨ وانظر ص ١٥٤ وما بعدها جمهرة النسب.
(٢) فى البداية ج ٢ ص ٢٦٢ أن اسمها رقيقة. وقد روى ذلك البيهقى من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق وانظر ص ٥٣ من شرح السيرة للخشنى.
[ ٢ / ١٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَتّالٍ، وَبِهَذِهِ الْكُنْيَةِ وَقَعَ ذِكْرُهَا فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَذَكَرَ الْبَرْقِيّ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْكَلْبِيّ، قَالَ: إنّمَا مَرّ عَلَى امْرَأَةٍ اسْمُهَا: فَاطِمَةُ «١» بِنْتُ مُرّ، كَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النّسَاءِ وَأَعَفّهِنّ «٢»، وَكَانَتْ قَرَأَتْ الْكُتُبَ، فَرَأَتْ نُورَ النّبُوّةِ فِي وَجْهِهِ، فَدَعَتْهُ إلَى نِكَاحِهَا، فَأَبَى، فَلَمّا أَبَى قَالَتْ:
إنّي رَأَيْت مُخِيلَةً نَشَأَتْ فَتَلَأْلَأَتْ بِحَنَاتِمِ الْقَطْرِ «٣»
فَلَمَأْتهَا نُورًا يُضِيءُ بِهِ مَا حَوْلَهُ كَإِضَاءَةِ الْفَجْرِ «٤»
وَرَأَيْت سُقْيَاهَا حيا بلد وقعت به وعمارة القفر «٥»
_________________
(١) كانت- كما روى الخرائطى- كاهنة من أهل تبالة متهودة خثعمية، وأنها عرضت عليه مائة من الإبل ليقع عليها فى لحظتها، فأبى. وأقول: لم ترد مسألة النور هذه فى صحاح الأحاديث، ولا يرفع من قيمة النبىﷺ- أن نردد هذا. وقرابة بنى زهرة بن كلاب من رسول الله «ص» من وجهين. أحدهما: أنهم أقارب أمه، والثانى: إخوة قصى بن كلاب بن مرة، وهو جد والد جد النبى. والمشهور أن زهرة اسم الرجل- وهو المغيرة- أما ابن قتيبة، فيقول: إنه اسم امرأته ص ٤١٧ ج ١١ فتح البارى.
(٢) فى الأصل وأعفه.
(٣) الشعر ينسب أيضا إلى الخثعمية الكاهنة التى عرضت نفسها على عبد الله والمخيلة: السحابة التى تخالها ماطرة وهى بضم الميم وفتحها. وحناتم: جمع حنتمة: السحابة السوداء لامتلائها من الماء، وفى الطبرى: لمعت بدلا من: نشأت.
(٤) لمأتها: أبصرتها. وفى الطبرى: له، والبدر بدلا من به، والفجر، والبيت فى اللسان.
(٥) لا يوجد هذا البيت فى الطبرى.
[ ٢ / ١٤٢ ]
[وِلَادَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ]
قال حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هِشَامٍ قَالَ: حَدّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ البكائى عن محمد ابن إسحاق قال: وُلِدَ رَسُولُ اللهِﷺ- يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شهر ربيع الأوّل، عام الفيل.
قال ابن إسحاق: وحدثنى الْمُطّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ. قَالَ:
وَلَدْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِﷺ- عَامَ الْفِيلِ: فنحن لدتان.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي صَالِحُ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ يَحْيَى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيّ. قَالَ:
حَدّثَنِي مَنْ شِئْت مِنْ رِجَالِ قَوْمِي عَنْ حَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: وَاَللهِ إنّي لَغُلَامٌ يَفَعَةٌ، ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانٍ، أَعْقِلُ كُلّ مَا سَمِعْت، إذْ سَمِعْتُ يَهُودِيّا يَصْرُخُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ عَلَى أَطَمَةٍ بِيَثْرِبَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودِ! حَتّى إذَا اجْتَمَعُوا إلَيْهِ، قَالُوا لَهُ: وَيْلَكَ مَا لَك؟! قَالَ: طَلَعَ اللّيْلَةَ نَجْمُ أَحْمَدِ الّذِي ولد به.
ــ
وَرَأَيْته شَرَفًا أَبُوءُ بِهِ «١» مَا كُلّ قَادِحِ زَنْدِهِ يُورِي
لِلّهِ مَا زُهْرِيّةٌ سَلَبَتْ مِنْك الّذِي اسْتَلَبَتْ وَمَا تَدْرِي «٢»
وَفِي غَرِيبِ ابْنِ قُتَيْبَةَ: أَنّ الّتِي عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ هِيَ: ليلى العدويّة.
_________________
(١) فى الطبرى: فرجوتها فخرا أبوء به.
(٢) فى الطبرى: ثوبيك ما استلبت وما تدرى. هذا وقد ذكر الطبرى لها قصيدة أخرى عدتهاست أبيات وجاء فى آخرها. ولما حوت منه أمينة ما حوت حوت منه فخرا ما لذلك ثان
[ ٢ / ١٤٣ ]
قَالَ مُحَمّدُ بْنُ إسْحَاقَ: فَسَأَلْت سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ حَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ، فَقُلْت. ابْنُ كَمْ كَانَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ مَقْدَمَ رسول اللهﷺ- المدينة؟ فقال: ابن ستّين، وَقَدِمَهَا رَسُولُ اللهِﷺ- وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، فَسَمِعَ حَسّانُ ما سمع، وهو ابن سبع سنين.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا وَضَعَتْهُ أُمّهُﷺ- أرسلت إلى جدّه عَبْدِ الْمُطّلِبِ: أَنّهُ قَدْ وُلِدَ لَك غُلَامٌ، فَأْتِهِ فَانْظُرْ إلَيْهِ، فَأَتَاهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ، وَحَدّثَتْهُ بِمَا رَأَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ، وَمَا قِيلَ لَهَا فِيهِ، وَمَا أُمِرَتْ بِهِ أَنْ تُسَمّيَهُ.
فَيَزْعُمُونَ أَنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ أَخَذَهُ، فَدَخَلَ بِهِ الْكَعْبَةَ، فَقَامَ يَدْعُو اللهَ، وَيَشْكُرُ لَهُ مَا أَعْطَاهُ، ثُمّ خَرَجَ بِهِ إلَى أُمّهِ فَدَفَعَهُ إلَيْهَا، وَالْتَمَسَ لِرَسُولِ اللهِﷺ- الرّضَعَاءَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمَرَاضِعُ. وَفَى كِتَابِ اللهِ ﵎ فِي قِصّةِ مُوسَى ﵇: «وحرّمنا عليه المراضع» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَاسْتَرْضَعَ لَهُ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، يُقَالُ لَهَا:
حَلِيمَةُ ابْنَةُ أَبِي ذُؤَيْبٍ.
وَأَبُو ذُؤَيْبٍ: عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنُ شِجْنَةَ بْنِ جَابِرِ بْنِ رِزَامِ بْنِ نَاصِرَةَ بْنِ فُصَيّةَ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ منصور بن عكرمة ابن خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ [بْنِ مُضَرَ] .
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٤٤ ]
وَاسْمُ أَبِيهِ الّذِي أَرْضَعَهُﷺ- الحارث بن عبد العزّى ابن رفاعة ابن مَلّانَ بْنِ نَاصِرَةَ بْن فُصَيّةَ بْنِ نَصْرِ بن سعد بن بكر ابن هَوَازِنَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَال: هِلَالُ بْنُ ناصرة.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَإِخْوَتُهُ مِنْ الرّضَاعَةِ: عَبْدُ الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وخدامة بِنْتُ الْحَارِثِ، وَهِيَ الشّيْمَاءُ، غَلَبَ ذَلِكَ عَلَى اسْمِهَا فَلَا تُعْرَفُ فِي قَوْمِهَا إلّا بِهِ. وَهُمْ لِحَلِيمَةِ بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ، عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، أُمّ رَسُولِ اللهِﷺ.
وَيَذْكُرُونَ أَنّ الشّيْمَاءَ كَانَتْ تَحْضُنُهُ مع أمها إذا كان عندهم.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي جَهْمُ بْنُ أَبِي جَهْمٍ مَوْلَى الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبِ الْجُمَحِيّ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَوْ عَمّنْ حَدّثَهُ عَنْهُ قَالَ:
كَانَتْ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ السّعْدِيّةُ، أُمّ رَسُولِ اللهِﷺ- الّتِي أَرْضَعَتْهُ، تُحَدّثُ: أَنّهَا خَرَجَتْ مِنْ بَلَدِهَا مَعَ زَوْجِهَا، وَابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ تُرْضِعُهُ فِي نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، تَلْتَمِسُ الرّضَعَاءَ، قَالَتْ: وَذَلِك فِي سَنَةٍ شَهْبَاءَ، لَمْ تُبْقِ لَنَا شَيْئًا. قَالَتْ: فَخَرَجَتْ عَلَى أَتَانٍ لِي قَمْرَاءَ، مَعَنَا شَارِفٌ لَنَا، وَاَللهِ مَا تَبِضّ بِقَطْرَةٍ، وَمَا نَنَامُ لَيْلَنَا أَجْمَعَ مِنْ صَبِيّنَا الّذِي مَعَنَا، مِنْ بُكَائِهِ مِنْ الْجَوْعِ، مَا فِي ثَدْيَيّ مَا يُغْنِيهِ، وَمَا فِي شَارِفِنَا مَا يُغَدّيهِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: يُغَذّيهِ- وَلَكِنّا كُنّا نَرْجُو الْغَيْثَ وَالْفَرَجَ، فَخَرَجْت عَلَى أَتَانِي
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٤٥ ]
تِلْكَ، فَلَقَدْ أَدَمْتُ بِالرّكْبِ، حَتّى شَقّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ضَعْفًا وَعَجَفًا، حَتّى قَدِمْنَا مَكّةَ نَلْتَمِسُ الرّضَعَاءَ، فَمَا مِنّا امْرَأَةٌ إلّا وَقَدْ عُرِضَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِﷺ- فتأباه، إذا قِيلَ لَهَا إنّهُ يَتِيمٌ، وَذَلِك: أَنّا إنّمَا كُنّا نَرْجُو الْمَعْرُوفَ مِنْ أَبِي الصّبِيّ، فَكُنّا نَقُولُ: يَتِيمٌ! وَمَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ أُمّهُ وَجَدّهُ! فَكُنّا نَكْرَهُهُ لِذَلِك، فَمَا بَقِيَتْ امْرَأَةٌ قَدِمَتْ مَعِي إلّا أَخَذَتْ رَضِيعًا غَيْرِي، فَلَمّا أَجْمَعْنَا الِانْطِلَاقَ قُلْت لِصَاحِبِي: وَاَللهِ إنّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرْجِعَ مِنْ بَيْنِ صَوَاحِبِي وَلَمْ آخُذْ رَضِيعًا، وَاَللهِ لَأَذْهَبَن إلَى ذَلِكَ الْيَتِيمِ، فَلَآخُذَنّهُ، قَالَ: لَا عَلَيْكِ أَنْ تَفْعَلِي، عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا فِيهِ بَرَكَةً. قَالَتْ: فَذَهَبْتُ إلَيْهِ فَأَخَذْته، وَمَا حَمَلَنِي عَلَى أَخْذِهِ إلّا أَنّي لَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ. قَالَتْ: فَلَمّا أَخَذْتُهُ، رَجَعْت بِهِ إلَى رَحْلِي فَلَمّا وَضَعْته فِي حِجْرِي أَقْبَلَ عَلَيْهِ ثَدْيَايَ بِمَا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبَ حَتّى رَوِيَ، وَشَرِبَ مَعَهُ أَخُوهُ حَتّى رَوِيَ، ثُمّ نَامَا، وَمَا كُنّا نَنَامُ مَعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَقَامَ زَوْجِي إلَى شَارِفِنَا تِلْكَ، فَإِذَا إنّهَا لَحَافِلٌ، فَحَلَبَ مِنْهَا مَا شَرِبَ، وَشَرِبْتُ مَعَهُ حَتّى انْتَهَيْنَا رِيّا وَشِبَعًا، فَبِتْنَا بِخَيْرِ لَيْلَةٍ. قَالَتْ: يَقُولُ صَاحِبِي حِينَ أَصْبَحْنَا.
تَعَلّمِي وَاَللهِ يَا حَلِيمَةُ، لَقَدْ أَخَذْت نَسَمَةً مُبَارَكَةً، قَالَتْ: فَقُلْت: وَاَللهِ إنّي لَأَرْجُو ذلك. قالت: ثم خرجنا وركبت أتانى، وحملته عليها معى، فو الله لقطعت بالرّكب ما يقدر عليها شىء من حمرهم، حتى إنّ صواحبى ليقلن لى:
يا بنة أَبِي ذُؤَيْبٍ، وَيْحَك! ارْبَعِي عَلَيْنَا، أَلَيْسَتْ هَذِهِ أَتَانَك الّتِي كُنْت خَرَجْت عَلَيْهَا؟ فَأَقُولُ لَهُنّ: بَلَى وَاَللهِ، إنّهَا لَهِيَ هِيَ، فَيَقُلْنَ: وَاَللهِ إنّ لَهَا لَشَأْنًا. قَالَتْ:
ثُمّ قَدِمْنَا مَنَازِلَنَا مِنْ بِلَادِ بَنِي سَعْدٍ. وَمَا أَعْلَمُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ اللهِ أَجْدَبَ مِنْهَا.
فَكَانَتْ غَنَمِي تَرُوحُ عَلَيّ حِينَ قَدِمْنَا بِهِ مَعَنَا شِبَاعًا لُبّنًا. فَنَحْلُبُ وَنَشْرَبُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٤٦ ]
وَمَا يَحْلُبُ إنْسَانٌ قَطْرَةَ لَبَنٍ، وَلَا يَجِدُهَا فِي ضَرْعٍ. حَتّى كَانَ الْحَاضِرُونَ مِنْ قَوْمِنَا يَقُولُونَ لِرُعْيَانِهِمْ: وَيْلَكُمْ اسْرَحُوا حَيْثُ يَسْرَحُ رَاعِي بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ فَتَرُوحُ أَغْنَامُهُمْ جِيَاعًا مَا تَبِضّ بِقَطْرَةِ لَبَنٍ، وَتَرُوحُ غَنَمِي شِبَاعًا لُبّنًا، فَلَمْ نَزَلْ نَتَعَرّفُ مِنْ اللهِ الزّيَادَةَ وَالْخَيْرَ حَتّى مَضَتْ سَنَتَاهُ وَفَصَلْتُهُ؛ وَكَانَ يَشِبّ شَبَابًا لَا يَشِبّهُ الْغِلْمَانُ، فَلَمْ يَبْلُغْ سَنَتَيْهِ حَتّى كَانَ غُلَامًا جَفْرًا. قَالَتْ: فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمّهِ وَنَحْنُ أَحْرَصُ شَيْءٍ عَلَى مُكْثِهِ فِينَا؛ لِمَا كُنّا نَرَى مِنْ بَرَكَتِهِ. فَكَلّمْنَا أُمّهُ، وَقُلْت لَهَا: لَوْ تَرَكْت بُنَيّ عِنْدِي حَتّى يغلظ، فإنى أخشى عليه وبأمكة، قَالَتْ: فَلَمْ نَزَلْ بِهَا حَتّى رَدّتْهُ مَعَنَا
قالت: فرجعنا به، فو الله إنه يعد مقدمنا بِأَشْهُرِ مَعَ أَخِيهِ لَفِي بَهْمٍ لَنَا خَلْفَ بُيُوتِنَا، إذْ أَتَانَا أَخُوهُ يَشْتَدّ، فَقَالَ لِي وَلِأَبِيهِ: ذَاكَ أَخِي الْقُرَشِيّ قَدْ أَخَذَهُ رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، فَأَضْجَعَاهُ، فَشَقّا بَطْنَهُ، فَهُمَا يسوطانه قَالَتْ: فَخَرَجْت أَنَا وَأَبُوهُ نَحْوَهُ، فَوَجَدْنَاهُ قَائِمًا مُنْتَقَعَا وَجْهُهُ. قَالَتْ: فَالْتَزَمْته وَالْتَزَمَهُ أَبُوهُ، فَقُلْنَا له: مالك يَا بُنَيّ، قَالَ: جَاءَنِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بيض، فأضجعانى وشقّا بطنى، قالتمسا شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ. قَالَتْ: فَرَجَعْنَا إلى خبائنا.
قَالَتْ: وَقَالَ لِي أَبُوهُ: يَا حَلِيمَةُ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغُلَامُ قَدْ أُصِيبَ، فَأَلْحِقِيهِ بِأَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ بِهِ، قالت: فاحتملناه، فقدمنا به على أمّه، فقالت: مَا أَقْدَمَك بِهِ يَا ظِئْرُ، وَقَدْ كُنْتِ حَرِيصَةً عَلَيْهِ، وَعَلَى مُكْثِهِ عِنْدَك؟ قَالَتْ: فَقُلْت: قَدْ بَلَغَ اللهُ بِابْنِي وَقَضَيْتُ الّذِي عَلَيّ، وتخوّفت
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٤٧ ]
الْأَحْدَاثَ عَلَيْهِ، فَأَدّيْته إلَيْك كَمَا تُحِبّينَ. قَالَتْ: مَا هَذَا شَأْنُك، فَاصْدُقِينِي خَبَرَك. قَالَتْ: فَلَمْ تَدَعْنِي حَتّى أَخْبَرْتُهَا. قَالَتْ: أَفَتَخَوّفَتْ عَلَيْهِ الشّيْطَانَ؟
قَالَتْ: قُلْت: نَعَمْ، قَالَتْ: كَلّا. وَاَللهِ مَا لِلشّيْطَانِ عَلَيْهِ مِنْ سَبِيلٍ، وَإِنّ لِبُنَيّ لَشَأْنًا، أفلا أخبرك خبره. قالت: بلى. قالت: رأيت حين حملت به، فو الله مَا رَأَيْت مِنْ حَمْلٍ قَطّ كَانَ أَخَفّ وَلَا أَيْسَرَ مِنْهُ، وَوَقَعَ حِينَ وَلَدْته، وَإِنّهُ لَوَاضِعٌ يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ، رَافِعٌ رَأَسَهُ إلَى السّمَاءِ. دعيه عنك، وانطلقى راشدة.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَا أَحْسَبُهُ إلّا عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ الْكُلَاعِيّ: أَنّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِﷺ- قَالُوا لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ. أَخْبِرْنَا عَنْ نَفْسِك؟ قَالَ: نَعَمْ، أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى أَخِي عِيسَى، وَرَأَتْ أُمّي حِين حَمَلَتْ بِي أَنّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهَا قُصُورَ الشّامِ، وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. فَبَيْنَا أَنَا مَعَ أَخٍ لِي خَلْفَ بُيُوتِنَا نَرْعَى بَهْمًا لَنَا. إذْ أَتَانِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ ثَلْجًا. ثُمّ أَخَذَانِي فَشَقّا بَطْنِي، وَاسْتَخْرَجَا قَلْبِي، فَشَقّاهُ فَاسْتَخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَةً سَوْدَاءَ فَطَرَحَاهَا. ثُمّ غَسَلَا قَلْبِي وَبَطْنِي بِذَلِكَ الثّلْجِ حَتّى أَنْقَيَاهُ، ثُمّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: زِنْهُ بِعَشَرَةِ مِنْ أُمّتِهِ، فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتهمْ، ثُمّ قَالَ: زِنْهُ بِمِئَةِ مِنْ أُمّتِهِ. فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتهمْ، ثُمّ قَالَ: زَنّهِ بِأَلْفِ مِنْ أُمّتِهِ، فَوَزَنَنِي بهم فوزنتهم. فقال: دعه عنك، فو الله لو وزنته بأمته لوزنها.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَصْلٌ فِي الْمَوْلِدِ فِي تَفْسِيرِ بَقِيّ بْنِ مَخْلَدٍ أَنّ إبْلِيسَ- لَعَنَهُ اللهُ- رَنّ أَرْبَعَ رَنّاتٍ: رَنّةً حِينَ لُعِنَ، وَرَنّةً حِينَ أُهْبِطَ، وَرَنّةً حِينَ وُلِدَ رَسُولُ اللهِﷺ- وَرَنّةً حِينَ أُنْزِلَتْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ. قَالَ: وَالرّنِينُ وَالنّخَارُ «١» مِنْ عَمَلِ الشّيْطَانِ. قَالَ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: أُمّ الْكِتَابِ، وَلَكِنْ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ. وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ عَنْ أُمّهِ أُمّ عُثْمَانَ «٢» الثّقَفِيّةِ، وَاسْمُهَا: فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللهِ، قَالَتْ: «حَضَرْت وِلَادَةَ رَسُولِ اللهِﷺ- فَرَأَيْت الْبَيْتَ حِينَ وُضِعَ قَدْ امْتَلَأَ نُورًا، وَرَأَيْت النّجُومَ تَدْنُو حَتّى ظَنَنْت أَنّهَا سَتَقَعُ عَلَيّ» . ذَكَرَهُ أبو عمر فى كتاب النساء. وذكره
_________________
(١) الرنة: الصيحة الشديدة. والصوت الحزين عند الغناء أو البكاء. والنخار صوت يخرج من الخياشيم.
(٢) فى الأصل: «أبى العاص أمه عن أم عثمان» والتصويب من كتب السنة وقد أسلم عثمان هذا فى وفد ثقيف، واستعمله النبى على الطائف. وأقره أبوبكر، ثم عمر. وهو الذى منع ثقيفا عن الردة إذ خطبهم، فقال: كنتم آخر الناس إسلاما، فلا تكونوا أولهم ارتدادا، وجاء عنه أنه شهد آمنه لما ولدت النبى ﷺ؛ وهى قصة أخرجها البيهقى فى الدلائل والطبرانى من طريق محمد بن أبى سويد الثقفى عنه، قال: حدثتنى أمى: فعلى هذا يكون عاش نحوا من ١٢٠ سنة «الإصابه رقم ٥٤٣٣» وحديثها لم يروه سوى البيهقى والطبرى وابن عبد البر. ويقول الزركشى: إن ولادة النبى «ص» كانت نهارا. ونقل تضعيف ابن دحية لرواية تدلى النجوم ليلة مولده.
[ ٢ / ١٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الطّبَرِيّ أَيْضًا فِي التّارِيخِ «١» . وَوُلِدَ رَسُولُ اللهِﷺ- مَعْذُورًا مَسْرُورًا، أَيْ: مَخْتُونًا مَقْطُوعَ السّرّةِ «٢» يُقَالُ: عُذِرَ الصّبِيّ وَأُعْذِرَ. إذَا خُتِنَ، وَكَانَتْ أُمّهُ تُحَدّثُ أَنّهَا لَمْ تَجِدْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ مَا تَجِدُهُ الْحَوَامِلُ مِنْ ثِقَلٍ وَلَا وَحَمٍ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمّا وَضَعَتْهُﷺ- وَقَعَ إلَى الْأَرْضِ مَقْبُوضَةً أَصَابِعُ يَدَيْهِ، مُشِيرًا بِالسّبّابَةِ كَالْمُسَبّحِ بِهَا، وَذَكَرَ ابْنُ دُرَيْدٍ أَنّهُ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ جَفْنَةٌ لِئَلّا يَرَاهُ أَحَدٌ قَبْلَ جَدّهِ، فَجَاءَ جَدّهُ، وَالْجَفْنَةُ قَدْ انْفَلَقَتْ عَنْهُ «٣»، وَلَمّا قِيلَ لَهُ: مَا سَمّيْت ابْنَك؟ فَقَالَ: مُحَمّدًا، فقيل له:
_________________
(١) ص ١٥٦ ج ٢ الطبرى.
(٢) ضعف ابن كثير كل الأحاديث التى رويت عن هذا ثم قال: «وقد ادعى بعضهم صحته لما ورد له من الطرق، حتى زعم بعضهم أنه متواتر، وفى هذا كله نظر» وقال عن الحديث الذى زعم فيه الراوى أن جبريل ختن النبى: «وهذا غريب جدا» . ثم قال: «وقد روى أن جده عبد المطلب ختنه، وعمل له دعوة جمع قريشا عليها» ص ٢٦٥ ج ٢ البداية. وقال ابن القيم فى زاد المعاد: «إنه روى فى كونه ولد مختونا مسرورا حديث لا يصح، ذكره ابن الجوزى فى الموضوعات» ثم قال: وليس فيه حديث ثابت، وليس هذا من خواصه، فإن كثيرا من الناس يولد مختونا، ويقول ابن العديم: إنه ﷺ ختن على عادة العرب.
(٣) الذى ذكره ابن دريد: «وكانت سنتهم فى المولود إذا ولد فى استقبال الليل كفسئوا؟؟؟ عليه قدرا حتى يصبح، ففعلوا ذلك بالنبىﷺ- فأصبحوا، وقد انشقت عنه القدر» ص ٨ الاشتقاق ط ١ السنة المحمدية، ولم يسندها إلى أحد. وأقول: كل ما سبق ذكره لم يرد فى حديث يعتد به. وليس الرسول ﵊ فى حاجة إلى أن نكذب له، وليس من الصلاة عليه أن نكذب عليه!!
[ ٢ / ١٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَيْفَ سَمّيْت بِاسْمِ لَيْسَ لِأَحَدِ مِنْ آبَائِك وَقَوْمِك؟! فَقَالَ: إنّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْمَدَهُ أَهْلُ الْأَرْضِ كُلّهُمْ «١»، وَذَلِكَ لِرُؤْيَا كَانَ رَآهَا عَبْدُ المطلب، وقد ذكر حديثها علىّ القيروانىّ العابر فِي كِتَابِ الْبُسْتَانِ. قَالَ: كَانَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ قَدْ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنّ سِلْسِلَةً مِنْ فِضّةٍ خَرَجَتْ مِنْ ظَهْرِهِ لَهَا طَرَفٌ فِي السّمَاءِ وَطَرَفٌ فِي الْأَرْضِ، وَطَرَفٌ فِي الْمَشْرِقِ، وَطَرَفٌ فِي الْمَغْرِبِ، ثُمّ عَادَتْ كَأَنّهَا شَجَرَةٌ، عَلَى كُلّ وَرَقَةٍ مِنْهَا نُورٌ، وَإِذَا أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ كَأَنّهُمْ يَتَعَلّقُونَ بِهَا، فَقَصّهَا، فَعُبّرَتْ لَهُ بِمَوْلُودِ يَكُونُ مِنْ صُلْبِهِ يَتْبَعُهُ أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَيَحْمَدُهُ أَهْلُ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ «٢»، فَلِذَلِكَ سَمّاهُ: مُحَمّدًا مَعَ مَا حَدّثَتْهُ بِهِ أُمّهُ حِينَ قِيلَ لَهَا: إنّك حَمَلْت بِسَيّدِ هَذِهِ الْأُمّةِ، فَإِذَا وَضَعْته فَسَمّيهِ مُحَمّدًا. الْحَدِيثَ.
اسْمُ مُحَمّدٍ وَأَحْمَدَ:
قَالَ الْمُؤَلّفُ: لَا يُعْرَفُ فِي الْعَرَبِ مَنْ تَسَمّى بِهَذَا الِاسْمِ قَبْلَهُﷺ- إلّا ثَلَاثَةٌ طَمِعَ آبَاؤُهُمْ- حِينَ سَمِعُوا بِذِكْرِ مُحَمّدٍﷺ- وَبِقُرْبِ زَمَانِهِ، وَأَنّهُ يُبْعَثُ فِي الْحِجَازِ- أَنْ يَكُونَ وَلَدًا لَهُمْ. ذَكَرَهُمْ ابْنُ فَوْرَكٍ فِي كِتَابِ الْفُصُولِ، وَهُمْ: مُحَمّدُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ مُجَاشِعٍ، جَدّ جَدّ الْفَرَزْدَقِ الشّاعِرِ، وَالْآخَرُ: مُحَمّدُ بْنُ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ بْنِ الْحَرِيشِ بْنِ جمحى «٣» بن كلفة
_________________
(١) فى الاشتقاق: أردت أن يحمد فى السموات والأرض.
(٢) سيأتى الكلام عن هذا كله والروايات واهية.
(٣) هو جحجبى- بفتح الجيم الأولى والأخرى. وبسكون الحاء وفتح الباء. فقد ورد هكذا فى نسب قريش، وفى اللسان، وفى الاشتقاق لابن دريد-
[ ٢ / ١٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، وَالْآخَرُ: مُحَمّدُ بْنُ حُمْرَانَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَ آبَاءُ هَؤُلَاءِ الثّلَاثَةِ قَدْ وَفَدُوا عَلَى بَعْضِ الْمُلُوكِ، وَكَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ الْأَوّلِ، فَأَخْبَرَهُمْ بِمَبْعَثِ النّبِيّﷺ- وَبِاسْمِهِ، وَكَانَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ خَلّفَ امْرَأَتَهُ حَامِلًا، فَنَذَرَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ:
إنْ وُلِدَ لَهُ ذَكَرٌ أَنْ يُسَمّيَهُ مُحَمّدًا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ.
قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَهَذَا الِاسْمُ مَنْقُولٌ مِنْ الصّفَةِ، فَالْمُحَمّدُ فِي اللّغَةِ هُوَ الّذِي يُحْمَدُ حَمْدًا بَعْدَ حَمْدٍ، وَلَا يَكُونُ مُفَعّلٌ مِثْلُ: مُضَرّبٍ وَمُمَدّحٍ إلّا لِمَنْ تَكَرّرَ فِيهِ الْفِعْلُ مَرّةً بَعْدَ مَرّةً.
وَأَمّا أَحْمَدُ فَهُوَ اسْمُهُﷺ- الّذِي سمّى به على لسان عيسى وموسى﵍-، فَإِنّهُ مَنْقُولٌ أَيْضًا مِنْ الصّفَةِ الّتِي معناها
_________________
(١) - وفى القاموس، وفى جمهرة أنساب العرب. وفى الاشتقاق لابن دريد عن محمد بن أحيحة أنه محمد بن بلال بن أحيحة، وفى جمهرة أنساب العرب: محمد بن عقبة بن أحيحة. وفى اللسان عن ابن برى أن من سمى فى الجاهلية بمحمد هم سبعة، وقد عدهم وذكر منهم الثلاثة الذين ذكرهم السهيلى. وانظر ص ١٦ نسب قريش، ص ٩ الاشتقاق، ص ٣١٥ جمهرة ابن حزم، ومادة حمد فى اللسان ومادة جحب فى القاموس. وفى الخزانة للبغدادى ورد أن الذين سموا باسم محمد فى الجاهلية يبلغون عشرين أو خمسة عشر، وذكر مغلطاى أن عددهم خمسة عشر رجلا. انظر ص ٨، ٩ الاشتقاق بتعليقات الأستاذ عبد السلام هارون، هذا ويذكر ابن دريد أن العرب سمت فى الجاهلية: أحمد، وذكر منهم أربعة ص ٩ وما بعدها.
[ ٢ / ١٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التّفْضِيلُ، فَمَعْنَى أَحْمَدَ: أَيْ أَحْمَدُ الْحَامِدِينَ لِرَبّهِ، وَكَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنَى؛ لِأَنّهُ تُفْتَحُ عَلَيْهِ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ مَحَامِدُ لَمْ تُفْتَحْ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَهُ، فَيَحْمَدُ رَبّهُ بِهَا؛ وَلِذَلِكَ يُعْقَدُ لَهُ لِوَاءُ الْحَمْدِ.
وَأَمّا مُحَمّدٌ فَمَنْقُولٌ مِنْ صِفَةٍ أَيْضًا، وَهُوَ فِي مَعْنَى: مَحْمُودٍ. وَلَكِنْ فِيهِ مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ وَالتّكْرَارِ، فَالْمُحَمّدُ هُوَ الّذِي حُمِدَ مَرّةً بَعْدَ مَرّةً، كَمَا أَنّ الْمُكَرّمَ مَنْ أُكْرِمَ مَرّةً بَعْدَ مَرّةً، وَكَذَلِكَ: الْمُمَدّحُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَاسْمُ مُحَمّدٍ مُطَابِقٌ لِمَعْنَاهُ، وَاَللهُ- سُبْحَانَهُ- وَتَعَالَى سَمّاهُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَمّيَ بِهِ نَفْسَهُ، فَهَذَا عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوّتِهِ؛ إذْ كَانَ اسْمُهُ صَادِقًا عَلَيْهِ، فَهُوَ مَحْمُودٌ﵇- فِي الدّنْيَا بِمَا هَدَى إلَيْهِ، وَنَفَعَ بِهِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ، وَهُوَ مَحْمُودٌ فِي الْآخِرَةِ بِالشّفَاعَةِ، فَقَدْ تَكَرّرَ مَعْنَى الْحَمْدِ كَمَا يَقْتَضِي اللّفْظُ، ثُمّ إنّهُ لَمْ يَكُنْ مُحَمّدًا، حَتّى كَانَ أَحْمَدُ حَمِدَ رَبّهُ فَنَبّأَهُ وَشَرّفَهُ؛ فَلِذَلِكَ تَقَدّمَ اسْمُ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْمِ الّذِي هُوَ مُحَمّدٌ، فَذَكَرَهُ عِيسَىﷺ- فَقَالَ: اسْمُهُ أَحْمَدُ، وَذَكَرَهُ مُوسَىﷺ- حِينَ قَالَ «١» لَهُ رَبّهُ: تِلْكَ أُمّةُ أَحْمَدَ، فَقَالَ: اللهُمّ اجْعَلْنِي مِنْ أُمّةِ أَحْمَدَ، فَبِأَحْمَدَ ذُكِرَ قَبْلَ أَنْ يُذْكَرَ بِمُحَمّدِ؛ لِأَنّ حَمْدَهُ لِرَبّهِ كَانَ قَبْلَ حَمْدِ النّاسِ لَهُ، فَلَمّا وُجِدَ وَبُعِثَ، كَانَ مُحَمّدًا بِالْفِعْلِ.
وَكَذَلِكَ فِي الشّفَاعَةِ يَحْمَدُ رَبّهُ بِالْمَحَامِدِ الّتِي يَفْتَحُهَا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ أَحْمَدَ الْحَامِدِينَ لِرَبّهِ، ثُمّ يَشْفَعُ فَيُحْمَدُ عَلَى شَفَاعَتِهِ. فَانْظُرْ: كَيْفَ ترتب هذا
_________________
(١) قبل هذا ورد كما ذكر ابن القيم: «موسى قال لربه: «يا رب إنى أجد أمة من شأنها كذا وكذا، فاجعلهم أمتى؟» ص ١٢٦ جلاء الأفهام وهو حديث ساقط
[ ٢ / ١٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الِاسْمُ قَبْلَ الِاسْمِ الْآخَرِ «١» فِي الذّكْرِ وَالْوُجُودِ، وفى الدنيا والاخرة تلح
_________________
(١) أطال ابن القيم فى إبداع فى شرح أسماء النبى ﷺ، وفرّق بين محمد وأحمد من وجهين، فقال: «أحدهما محمد إن: هو المحمود حمدا بعد حمد، فهو دال على كثرة حمد الحامدين له، وذلك يستلزم كثرة موجبات الحمد فيه، وأحمد: أفعل تفضيل من الحمد يدل على أن الحمد الذى يستحقه أفضل مما يستحقه غيره، فمحمد: زيادة حمد فى الكمية، وأحمد: زيادة فى الكيفية. فيحمد أكثر حمد، وأفضل حمد حمده البشر. والوجه الثانى: أن محمدا هو المحمود حمدا متكررا كما تقدم، وأحمد هو الذى حمده لربه أفضل من حمد الحامدين غيره، فدل أحد الاسمين وهو: محمد على كونه محمودا، ودل الاسم الثانى، وهو أحمد على كونه أحمد الحامدين لربه» ثم رد ابن القيم على السهيلى فقال: «وقد ظن طائفة منهم: أبو القاسم السهيلى وغيره أن تسميتهﷺ- بأحمد كانت قبل تسميته بمحمد» ثم ذكر ابن القيم ما استدل به السهيلى، ثم قال: «وبنوا على ذلك أن اسم أحمد تفضيل من فعل الفاعل، أى: أحمد الحامدين لربه، ومحمد هو المحمود الذى تحمده الخلائق، وإنما يترتب هذا الاسم بعد وجوده وظهوره، فإنه حينئذ حمده أهل السماء والأرض، ويوم القيامة يحمده أهل الموقف، فلما ظهر إلى الوجود وترتب على ظهوره من الخيرات ما ترتب، فحمده حينئذ الخلائق حمدا مكررا، فتأخرت تسميته بمحمد، وهذا يقربه كل عالم من مؤمنى أهل الكتاب» ومضى ابن القيم يناقش رأى السهيلى هذا، فقال ردا عليه: إن محمداﷺ- سمى باسم محمد فى التوراة، وهى قبل الإنجيل، ثم استشهد ابن القيم على رأيه هذا بايات ذكر أنها من التوراة، ومضى يثبت بتفسيرها أنها تؤيد ما ذهب إليه، وقد أطال فى هذا، ثم قال: «والمقصود أن اسم النبى فى التوراة محمد «ص»، كما هو فى القرآن محمد، وأما المسيح، فإنما سماه: أحمد فإذن تسميته بأحمد وقعت متأخرة عن تسميته محمدا فى التوراة. ومتقدمة على تسميته محمدا فى القرآن، فوقعت بين التسميتين محفوفة بهما وقد تقدم أن هذين الاسمين صفتان فى الحقيقة. والوصفية فيها لا تنافى العلميّة، وأن معناهما مقصود، فعرف عند كل أمة بأعرف الوصفين عندها، فمحمد-
[ ٢ / ١٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَك الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيّةُ فِي تَخْصِيصِهِ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ، وانظر: كيف أنزلت عليه
_________________
(١) - مفعّل من الحمد، وهو الكثير الخصال التى يحمد عليها حمدا متكررا حمدا بعد حمد. وهذا إنما يعرف بعد العلم بخصال الخير، وأنواع العلوم والمعارف والأخلاق والأوصاف والأفعال التى يستحق تكرار الحمد عليها، ولا ريب أن بنى إسرائيل هم أولو العلم الأول فعرف النبى (ص) عند هذه الأمة باسم محمد الذى قد جمع خصال الخير التى يستحق أن يحمد عليها حمدا بعد حمد، وعرف عند أمة المسيح بأحمد الذى يستحق أن يحمد أفضل مما يحمد غيره، والذى حمده أفضل من حمد غيره، فإن أمة المسيح أمة لهم من الرياضات والأخلاق والعبادات ما ليس لأمة موسى، ولهذا كان غالب كتابهم مواعظ وأخلاقا وحضا على الإحسان فجاء اسمه عند هذه الأمة بأفعل التفضيل الدال على الفضل والكمال، كما جاءت شريعتهم بالفضل المكمل لشريعة التوراة، وجاء فى الكتاب الجامع لمحاسن الكتب قبله- يعنى القرآن- بالاسمين معا، فتدبر هذا الفصل وقال: إن الشرائع ثلاثة: شريعة عدل، وهى: شريعة التوراة فيها الحكم والقصاص، وشريعة فضل وهى: شريعة الإنجيل مشتملة على العفو ومكارم الأخلاق والصفح والإحسان، وشريعة جمعت هذا وهذا، وهى: شريعة القرآن، فإنه يذكر العدل ويوجبه، والفضل ويندب إليه وقول أبى القاسم- يعنى السهيلى- إن اسم محمدﷺ- إنما ترتب بعد ظهوره فى الوجود؛ لأنه حينئذ حمد حمدا مكررا، فكذلك يقال فى اسمه أحمد أيضا. سواء. وقوله فى اسمه أحمد: إنه تقدم لكونه أحمد الحامدين لربه، وهذا يقدم على حمد الخلائق له فبناء منه على أنه- أى: أحمد- تفضيل من فعل الفاعل، وأمّا على القول الاخر الصحيح- يعنى التفضيل من فعل المفعول- فلا يجىء هذا» وقد ذهب ابن القيم إلى أن الاسمين محمدا وأحمد إنما يقعان على المفعول، لأنه يحمد أكثر مما يحمد غيره وذلك أبلغ فى مدحه وأتم معنى، لأنه لو أريد به معنى الفاعل لسمى الحماد، وهو كثير الحمد، كما سمى: محمدا، وهو المحمود كثيرا؛ فإنه كان أكثر الخلق حمدا لربه، فلو كان اسمه باعتبار الفاعل- يعنى أنه فاعل الحمد- لكان الأولى أن يسمى-
[ ٢ / ١٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سُورَةُ الْحَمْدِ وَخُصّ بِهَا دُونَ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَخُصّ بِلِوَاءِ الْحَمْدِ، وَخُصّ بِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، وَانْظُرْ: كَيْفَ شَرّعَ لَنَا سُنّةً وَقُرْآنًا أَنْ نَقُولَ عِنْدَ اخْتِتَامِ الْأَفْعَالِ، وَانْقِضَاءِ الْأُمُورِ: الْحَمْدُ لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ. قَالَ اللهُ ﷾: «وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقّ وَقِيلَ: الْحَمْدُ لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ» الزّمَرَ: ٧٥. وَقَالَ أَيْضًا:
«وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ: أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ» يُونُسَ ١٠. تَنْبِيهًا لَنَا عَلَى أَنّ الْحَمْدَ مَشْرُوعٌ لَنَا عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأُمُورِ. وَسَنّﷺ- الْحَمْدَ بَعْدَ الْأَكْلِ وَالشّرْبِ، وَقَالَ عِنْدَ انْقِضَاءِ السّفَرِ: آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبّنَا حَامِدُونَ «١» .
ثُمّ اُنْظُرْ لِكَوْنِهِ﵇- خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ، وَمُؤْذِنًا بِانْقِضَاءِ الرّسَالَةِ، وَارْتِفَاعِ الْوَحْيِ، وَنَذِيرًا بِقُرْبِ السّاعَةِ وَتَمَامِ الدّنْيَا مَعَ أَنّ الْحَمْدَ كَمَا قَدّمْنَا مَقْرُونٌ بِانْقِضَاءِ الْأُمُورِ، مَشْرُوعٌ عِنْدَهُ- تَجِدُ مَعَانِيَ اسْمَيْهِ جَمِيعًا، وَمَا خُصّ بِهِ مِنْ الْحَمْدِ وَالْمَحَامِدِ مُشَاكِلًا لِمَعْنَاهُ، مُطَابِقًا لِصِفَتِهِ، وَفِي ذَلِكَ بُرْهَانٌ عَظِيمٌ، وَعِلْمٌ وَاضِحٌ عَلَى نُبُوّتِهِ، وَتَخْصِيصِ اللهِ لَهُ بكرامته، وأنه
_________________
(١) - حمادا، كما أن اسم أمته: الحمادون. وأيضا فإن الاسمين إنما اشتقا من أخلاقه وخصائله المحمودة التى لأجلها استحق أن يسمى: محمدا، وأحمد، فهو الذى يحمده أهل الدنيا وأهل الاخرة، ويحمده أهل السماء والأرض، فلكثرة خصائله المحمودة التى تفوت عد العادين سمى باسمين من أسماء الحمد يقتضيان التفضيل والزيادة فى القدر والصفة. ص ١٢٥ جلاء الأفهام للامام ابن القيم.
(٢) رواه مسلم.
[ ٢ / ١٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَدّمَ لَهُ هَذِهِ الْمُقَدّمَاتِ قَبْلَ وُجُودِهِ تَكْرِمَةً لَهُ، وَتَصْدِيقًا لِأَمْرِهِﷺ- وَشَرَفٌ وَكَرَمٌ.
تَعْوِيذُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ:
وَذُكِرَ أَنّ عَبْدَ الْمُطّلِب دَخَلَ بِهِ الْكَعْبَةَ وَعَوّذَهُ، وَدَعَا لَهُ. وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ أَنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ قَالَ وَهُوَ يُعَوّذُهُ:
الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَعْطَانِي هَذَا الْغُلَامَ الطّيّبَ الْأَرْدَانِ
قَدْ سَادَ فِي الْمَهْدِ عَلَى الْغِلْمَانِ أُعِيذُهُ بِالْبَيْتِ ذِي الْأَرْكَانِ
حَتّى يَكُونَ بُلْغَةَ الْفِتْيَانِ حَتّى أَرَاهُ بَالِغَ الْبُنْيَانِ
أُعِيذُهُ مِنْ كُلّ ذِي شَنَآنِ مِنْ حَاسِدٍ مُضْطَرِبِ الْعِنَانِ
ذِي هِمّةٍ لَيْسَ لَهُ عَيْنَانِ حَتّى أَرَاهُ رَافِعَ السّانِ «١»
أَنْتَ الّذِي سُمّيت فِي الْقُرْآنِ فِي كُتُبٍ ثابتة المثانى
أحمد مكتوب على البيان «٢»
_________________
(١) كذا!! ولعلها الشاق وفى رواية: اللسان.
(٢) فى البداية: اللسان، وليس لهذا سند صحيح. وفى كلماته دليل أنه كذب مفترى. وكذلك ما روى ابن هشام من قول عبد المطلب. «أعيذه بالواحد من شر كل حاسد» فقد قال العراقى: لا أصل لها. وقد رواه أبو نعيم فى الدلائل، وقال عنه الشامى: وسنده واه حدا.
[ ٢ / ١٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَارِيخُ مَوْلِدِهِ:
فَصْلٌ: وَذُكِرَ أَنّ مَوْلِدَهُ ﵇ كَانَ فِي رَبِيعٍ الْأَوّلِ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ «١»
_________________
(١) روى مسلم فى صحيحه أن أعرابيا سَأَلَ رَسُولَ اللهِﷺ- عن صيام يوم الاثنين فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، وأنزل على فيه» انفرد بإخراجه مسلم، وروى أحمد فى حديث تفرد به أنه ولد يوم الاثنين واستنبىء يوم الاثنين. ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين. والجمهور على أنه كان فى ربيع الأول، لكن متى؟ ذكر ابن عبد البر فى الاستيعاب والواقدى أنه كان لليلتين خلتا منه. وممن قالوا بأنه كان لثمان خلون منه: ابن حزم، وقد روى هذا مالك وعقيل ويونس بن يزيد وغيرهم عن الزهرى عن محمد بن جبير بن مطعم، وذكر ابن عبد البر أن أصحاب التواريخ صححوا هذا. وقطع به محمد بن موسى الخوارزمى الحافظ الكبير، ورجحه أبو الخطاب بن دحية، وقيل: كان لعشر خلون منه. وقيل لثنتى عشرة خلت منه، وقيل: لسبعة عشر، وقيل: لثمان بقين منه. وقيل: إنه ولد فى رمضان نقله ابن عبد البر عن الزبير بن بكار مستندا إلى أنهﷺ- أوحى إليه فى رمضان على رأس أربعين سنة من عمره، فيكون مولده فى رمضان، وكان مولده لثنتى عشرة ليلة خلت منه، وكان مولده عام الفيل على قول الجمهور قيل: كان بعده بشهر، أو بأربعين يوما. أو بخمسين وقيل: إن عام الفيل كان قبله بعشر سنين. وقيل: بل بثلاث وعشرين سنين. وقيل: بل بثلاثين، وقيل: بل بأربعين وقال ابن خياط: المجمع عليه أنه ولد عام الفيل. ويقول النووى: ونقل إبراهيم بن المنذر الخزاعى شيخ البخارى وخليفة ابن خياط وآخرون الإجماع عليه- أى: على أنه ولد عام الفيل- واتفقوا على أنه ولد يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، واختلفوا هل هو فى اليوم الثانى أم الثامن أم العاشر أم الثانى عشر.
[ ٢ / ١٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَالَ الزّبَيْرُ: كَانَ مَوْلِدُهُ فِي رَمَضَانَ، وَهَذَا الْقَوْلُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنّ أُمّهُ حَمَلَتْ بِهِ فِي أَيّامِ التّشْرِيقِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرُوا أَنّ الْفِيلَ جَاءَ مَكّةَ فِي الْمُحَرّمِ، وَأَنّهُﷺ- وُلِدَ بَعْدَ مَجِيءِ الْفِيلِ بِخَمْسِينَ يَوْمًا، وَهُوَ الْأَكْثَرُ وَالْأَشْهَرُ؛ وَأَهْلُ الْحِسَابِ يَقُولُونَ: وَافَقَ مَوْلِدُهُ مِنْ الشّهُورِ الشّمْسِيّةِ نَيْسَانَ، فَكَانَتْ لِعِشْرِينَ مَضَتْ مِنْهُ، وَوُلِدَ بِالْغَفْرِ مِنْ الْمَنَازِلِ، وَهُوَ مَوْلِدُ النّبِيّينَ، وَلِذَلِكَ قيل: خير منزلتين فى الأبديين الزّنَابَا وَالْأَسَدِ، لِأَنّ الْغَفْرَ يَلِيهِ مِنْ الْعَقْرَبِ زُنَابَاهَا، وَلَا ضَرَرَ فِي الزّنَابَا إنّمَا تَضُرّ الْعَقْرَبُ بِذَنَبِهَا، وَيَلِيهِ مِنْ الْأَسَدِ أَلْيَتُهُ، وَهُوَ السّمَاكُ، وَالْأَسَدُ لَا يَضُرّ بِأَلْيَتِهِ إنّمَا يَضُرّ بِمِخْلَبِهِ «١» وَنَابِهِ.
وَوُلِدَ بِالشّعْبِ، وَقِيلَ بِالدّارِ الّتِي عِنْدَ الصّفَا، وَكَانَتْ بَعْدُ لِمُحَمّدِ بْنِ يُوسُفَ أَخِي الْحَجّاجِ، ثُمّ بَنَتْهَا زُبَيْدَةُ مَسْجِدًا حِينَ حجّت «٢» .
_________________
(١) خرافة ربط مولد الإنسان وحظوظ عيشه، وأقدار حياته بالنجوم ومنازلها سخف عقلى، وعوار فى الدين. ولا أدرى كيف يردد السهيلى مثل هذا الخرف. وغيره يزعم أن مولده «ص» كان والطالع لعشرين درجة من الجدى، وكان المشترى وزحل فى ثلاث درج من العقرب، وهى درجة وسط السماء وكان موافقا من البروج الحمل عند طلوع القمر أول الليل ص ٢٦١ ج ٢ البداية والعقرب: برج فى السماء ويؤنث، وزنا بالعقرب أو زبانياها: قرناها. وكوكبان نيران فى قرنى العقرب. والسماك الأعزل والرامح نجمان نيران، أو هما رجلا الأسد، والغفر: منزلة للقمر: ثلاثة أنجم صغار وهى من الميزان.
(٢) كانت بزقاق المدكك. وكانت من قبل بيد عقيل بن أبى طالب. ويقول ابن الأثير: إن المصطفى وهبها له، فلما توفى باعها ولده، وهذا الزقاق كان فى شعب-
[ ٢ / ١٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَحْقِيقُ وَفَاةِ أَبِيهِ:
وَذَكَرَ أَنّهُ مَاتَ أَبُوهُ، وَهُوَ حَمْلٌ «١»، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنّهُ كَانَ فِي الْمَهْدِ. ذَكَرَهُ الدّوْلَابِيّ وَغَيْرُهُ، قِيلَ: ابْنُ شَهْرَيْنِ، ذَكَرَهُ [أَحْمَدُ] ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، [زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ] وَقِيلَ: أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَمَاتَ أَبُوهُ عِنْدَ أَخْوَالِهِ بَنِي النّجّارِ، ذَهَبَ لِيَمْتَارَ لِأَهْلِهِ تَمْرًا، وَقَدْ قِيلَ: مَاتَ أَبُوهُ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا، وَأَنْشَدُوا رَجَزًا لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ يَقُولُهُ لِابْنِهِ أَبِي طَالِبٍ:
أُوصِيك يَا عَبْدَ مَنَافٍ بَعْدِي بِمُوتَمِ بَعْدَ أَبِيهِ فَرْدِ
فَارَقَهُ وَهُوَ ضَجِيعُ الْمَهْدِ
وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ﵇- فِي السّنّ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا.
أَبُوهُ مِنْ الرّضَاعَة:
وَذَكَرَ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ الْعُزّى أَبَا رَسُولِ اللهِﷺ- مِنْ الرّضَاعَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ إسْلَامًا، وَلَا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِمّنْ أَلّفَ فِي الصحابة،
_________________
(١) - مشهور بشعب بنى هاشم من الطرف الشرقى لمكة. ويقال بالردم أو بعسفان، ولما بيع الموضع لمحمد بن يوسف أدخله فى داره التى يقال لها: البيضاء، ولم يزل ذلك البيت كذلك حتى حجت الخيزران جارية المهدى فجعلته مسجدا يصلى فيه وأخرجته من الدار إلى الزقاق الذى يقال له: زقاق المولد: ص ٦١٤ القرى للمحب الطبرى
(٢) توفى عن خمس وعشرين، قال الواقدى: وهو الأثبت أو عن ثلاثين، قاله الحاكم أو عن ثمان وعشرين، أو عن ثمانى عشرة سنة، وصححه الحافظ العلائى وابن حجر واختاره السيوطى.
[ ٢ / ١٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَدْ ذَكَرَهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ، فَقَالَ: حَدّثَنَا ابْنُ إسْحَاقَ قَالَ: حَدّثَنِي وَالِدِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي سعد بن بكر، قال: قدم الحارث ابن عَبْدِ الْعُزّى، أَبُو رَسُولِ اللهِﷺ- مِنْ الرّضَاعَةِ عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- بِمَكّةَ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ:
أَلَا تَسْمَعُ يَا حَارِ «١» مَا يَقُولُ ابْنُك هَذَا؟ فَقَالَ: وَمَا يَقُولُ؟ قَالُوا: يَزْعُمُ أَنّ اللهَ يَبْعَثُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَنّ لِلّهِ دَارَيْنِ يُعَذّبُ فِيهِمَا مَنْ عَصَاهُ، وَيُكْرِمُ فِيهِمَا مَنْ أَطَاعَهُ، فَقَدْ شَتّتْ أَمْرَنَا، وَفَرّقَ جَمَاعَتَنَا. فَأَتَاهُ، فَقَالَ: أَيْ بنىّ مالك وَلِقَوْمِك يَشْكُونَك، وَيَزْعُمُونَ أَنّك تَقُولُ: إنّ النّاسَ يُبْعَثُونَ بَعْدَ الْمَوْتِ، ثُمّ يَصِيرُونَ إلَى جَنّةٍ وَنَارٍ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ: نَعَمْ أَنَا أَزْعُمُ ذَلِكَ، وَلَوْ قَدْ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَا أَبَتْ، لَقَدْ أَخَذْت بِيَدِك، حَتّى أُعَرّفَك حَدِيثَك الْيَوْمَ، فَأَسْلَمَ الْحَارِثُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَحَسُنَ إسْلَامُهُ، وَكَانَ يَقُولُ حِينَ أَسْلَمَ: لَوْ قَدْ أَخَذَ ابْنِي بِيَدِي، فَعَرّفَنِي ما قال، لم يُرْسِلُنِي إنْ شَاءَ اللهُ حَتّى يُدْخِلَنِي الْجَنّةَ «٢» .
_________________
(١) ترخيم لحارث
(٢) لم يروه أحد غيره. وخاتمته مجرد تمن فقط، وإلا فالرسول ﷺ قال لأعز أهله: العباس وصفية وفاطمة أن يعملوا، لأنه لا يغنى عنهم من الله شيئا. هذا، وفى أخذ عبد المطلب للرسول «ص» وهو طفل، ودخوله الكعبة: قد ورد فى أصل الرواية عن ابن إسحاق أنه أدخله على هبل فى جوف الكعبة. ملحوظة: حديث ابن مخرمة أنه هو ورسول الله لدان. رواه البيهقى وأحمد-
[ ٢ / ١٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تحقيق اسم ناصرة بن قصية:
وذكرنا صرة بْنَ قُصَيّةَ فِي نَسَبِ حَلِيمَةَ. وَهُوَ عِنْدَهُمْ: فُصَيّةُ بِالْفَاءِ تَصْغِيرُ:
فَصَاةٍ، وَهِيَ النّوَاةُ. وَوَقَعَ فِي الْأَصْلِ فِي جَمِيعِ النّسَخِ: قُصَيّةُ بِالْقَافِ «١» . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَيْضًا: الْفَصَا: حَبّ الزّبِيبِ، وَهُوَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى.
الشّيْمَاءُ:
وَذَكَرَ الشّيْمَاءَ أُخْتَ رَسُولِ اللهِﷺ- من الرضاعة، وقال
_________________
(١) - وروى قباث بن أشيم أنه حين ولد رسول الله رأى- أى قباث- خزق الفيل أخضر محيلا. وقد ورد هذا فى حديث رواه الترمذى والحاكم عن ابن إسحاق. وحديث اليهودى الذى صرخ. رواه البيهقى وأبو نعيم. ونعرج على رأى سلفى جليل فنجده يقول: «لا خلاف أنه ولدﷺ- بجوف مكة، وأن مولده كان عام الفيل، وكان أمر الفيل: تقدمة قدمها الله لنبيه وبيته، وإلا فأصحاب الفيل كانوا نصارى أهل كتاب، وكان دينهم خيرا من دين أهل مكة إذ ذاك؛ لأنهم كانوا عباد أوثان، فنصرهم الله على أهل الكتاب نصرا لا صنع للبشر فيه إرهاصا وتقدمة للنبيﷺ- الذى خرج من مكة وتعظيما للبيت الحرام» ص ٣٢ ح ١ زاد المعاد لابن القيم. وذكر رأيين فى وفاة أبيه أصحهما: أنه مات وهو حمل، والاخر: أنه توفى بعد ولادته بسبعة أشهر. هذا: ونيسان هو الشهر السابع من شهور السنة السريانية والعبرية، ويقابل إبريل. وفى حديث حسان بن ثابت: سعد بن زرارة. صوابه: أسعد. ويفعة: قوى قد طال قده، مأخوذ من اليفاع، وهو العالى من الأرض «ص ٥٤ الخشنى»
(٢) فى النسخة المطبوعة على هامش الروض: فصيبة بالفاء، ويقول الخشنى ص ٥٤ أنه هو الصواب.
[ ٢ / ١٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي اسْمِهَا: خِذَامَةُ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمَنْقُوطَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: حُذَافَةُ بِالْحَاءِ الْمَضْمُومَةِ وَبِالْفَاءِ مَكَانَ الْمِيمِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ فِي كِتَابِ النّسَاءِ «١» .
(شَرْحُ مَا فِي حَدِيثِ الرّضَاعِ) الرّضَعَاءُ وَالْمَرَاضِعُ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَالْتَمَسَ لِرَسُولِ اللهِﷺ- الرّضَعَاءَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: إنّمَا هُوَ الْمَرَاضِعُ. قَالَ: وَفِي كِتَابِ اللهِ سُبْحَانَهُ: (وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ [مِنْ قَبْلُ]) الْقَصَصَ: ١٢ وَاَلّذِي قَالَهُ ابْنُ هِشَامٍ ظَاهِرٌ؛ لِأَنّ الْمَرَاضِعَ جَمْعُ: مُرْضِعٍ، وَالرّضَعَاءُ: جَمْعُ رَضِيعٍ، وَلَكِنْ لِرِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ مَخْرَجٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: حَذْفُ الْمُضَافِ كَأَنّهُ قَالَ: ذَوَاتَ الرّضَعَاءِ، وَالثّانِي: أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالرّضَعَاءِ: الْأَطْفَالَ عَلَى حَقِيقَةِ اللّفْظِ؛ لِأَنّهُمْ إذَا وَجَدُوا لَهُ مُرْضِعَةً تُرْضِعُهُ، فَقَدْ وَجَدُوا لَهُ رَضِيعًا، يَرْضَعُ مَعَهُ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: الْتَمَسُوا لَهُ رَضِيعًا، عِلْمًا بِأَنّ الرّضِيعَ لَا بُدّ لَهُ مِنْ مُرْضِعٍ.
مُرْضِعَاتُهُ ﵇:
وَأَرْضَعَتْهُ﵇- ثُوَيْبَةُ «٢» قبل حليمة. أرضعته
_________________
(١) فى رواية: جدامة بضم الجيم أو خدامة أو جذامة وانظر ص ٥٤. الخشنى.
(٢) توفيت سنة سبع. قال ابن منده: اختلف فى إسلامها، وقال أبو نعيم: لا أعلم أحدا ذكره، ص ١٣٧ ج ١ المواهب، وحديث حليمة بهذا السند رواه الحاكم وابن حبان وابن راهويه وأبو ليلى والطبرانى والبيهقى وأبو نعيم. وفى شرح-
[ ٢ / ١٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَعَمّهُ حَمْزَةَ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ جَحْشٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- يَعْرِفُ ذَلِكَ لِثُوَيْبَةَ، وَيَصِلُهَا مِنْ الْمَدِينَةِ، فَلَمّا افْتَتَحَ مَكّةَ سَأَلَ عَنْهَا وَعَنْ ابْنِهَا مَسْرُوحٍ، فَأُخْبِرَ أَنّهُمَا مَاتَا، وَسَأَلَ عَنْ قَرَابَتِهَا، فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَيّا. وَثُوَيْبَةُ كَانَتْ جَارِيَةً لِأَبِي لَهَبٍ، وَسَنَذْكُرُ بَقِيّةَ حَدِيثِهَا- إنْ شَاءَ اللهُ- عِنْدَ وَفَاةِ أَبِي لَهَبٍ.
يُغَذّيهِ أَوْ يُغَدّيهِ:
وَذَكَرَ قَوْلَ حَلِيمَةَ: وَلَيْسَ فِي شَارِفِنَا مَا يغدّيه. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
مَا يُغَذّيهِ بِالذّالِ الْمَنْقُوطَةِ، وَهُوَ أَتَمّ فِي الْمَعْنَى مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى ذِكْرِ الْغَدَاءِ دُونَ الْعَشَاءِ «١»، وَلَيْسَ فِي أَصْلِ الشّيْخِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، وَعِنْدَ بَعْضِ النّاسِ رِوَايَةٌ
_________________
(١) - المواهب أن النسوة اللاتى خرجت معهن حليمة كن عشرا. والسنة الشهباء: ذات القحط والجدب، والأرض الشهباء: البيضاء التى لا خضرة فيها لقلة المطر. والأتان: الأنثى من الحمير، ولا يقال أتانة، والقمراء: التى فى لونها بياض، والصبى الذى كان مع حليمة هو: عبد الله بن الحارث. والشارف: الناقة المسنة، ويقال للذكر والأنثى. وما تبض بقطرة معناها: لا ترشح ولا تسيل، ومن رواها بالصاد فمعناها: ما يبرق عليها أثر لبن، من البصيص، وهو البريق واللمعان. ص ٥٥ الخشنى
(٢) يقول أبو ذر الخشنى: «ومن رواه ما يغذيه فمعناه: ما يقنعه ولا يمنعه من البكاء. يقال: أغذيت الرجل عن الشىء: إذا منعته منه. وقال ابن هشام: يغذيه. هذا من لفظ الغذاء، ومن رواه: يعذيه بالعين المهملة فمعناه: ما يشبعه بعض الشبع مأخوذ من النبات العذى، وهو الذى يشرب فى الصيف والشتاء بغرفة من الأرض دون أن يسقى» أو الذى لا يسقيه إلا المطر. وتكون هذه هى الرواية الرابعة للكلمة
[ ٢ / ١٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غَيْرُ هَاتَيْنِ وَهِيَ يُعْذِبُهُ بِعَيْنِ مُهْمَلَةٍ وَذَالٍ مَنْقُوطَةٍ وَبَاءٍ مُعْجَمَةٍ بِوَاحِدَةِ، وَمَعْنَاهَا عِنْدَهُمْ: مَا يُقْنِعُهُ حَتّى يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَيَنْقَطِعَ عَنْ الرّضَاعِ، يُقَالُ مِنْهُ: عَذَبْته وَأَعْذَبْته: إذَا قَطَعْته عَنْ الشّرْبِ وَنَحْوِهِ، وَالْعَذُوبُ: الرّافِعُ رَأْسَهُ عَنْ الْمَاءِ، وَجَمْعُهُ: عُذُوبٌ بِالضّمّ، وَلَا يُعْرَفُ فَعُولٌ جُمِعَ عَلَى فُعُولٍ غَيْرُهُ: قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ «١» وَاَلّذِي فِي الْأَصْلِ أَصَحّ فِي الْمَعْنَى وَالنّقْلِ.
مِنْ شرح حديث الرضاعة:
وذكر قولها: حتى أذ ممت بِالرّكْبِ. تُرِيدُ: أَنّهَا حَبَسَتْهُمْ، وَكَأَنّهُ مِنْ الْمَاءِ الدّائِمِ، وَهُوَ الْوَاقِفُ، وَيُرْوَى: حَتّى أَذَمّتْ. أَيْ: أَذَمّتْ الْأَتَانُ، أَيْ: جَاءَتْ بِمَا تُذَمّ عَلَيْهِ، أَوْ يَكُونُ مِنْ قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ ذَمّةٌ، أَيْ: قَلِيلَةُ الْمَاءِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ عِنْدَ أَبِي الْوَلِيدِ، وَلَا فِي أَصْلِ الشّيْخِ أَبِي بَحْرٍ، وَقَدْ ذَكَرَهَا قَاسِمٌ فِي الدّلَائِلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ رِوَايَةً أُخْرَى، وَذَكَرَ تَفْسِيرَهَا عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ: أَذَمّ بِالرّكْبِ: إذَا أَبْطَأَ، حَتّى حَبَسَتْهُمْ: مِنْ الْبِئْرِ الذّمّة، وهى القليلة الماء «٢» .
_________________
(١) فى اللسان جمعه: عذب بضم العين والذال، وقد خطأ الأزهرى أبا عبيدة لأن فعولا- بفتح الفاء وضم العين- لا يكسر على فعول بضم الفاء
(٢) عند أبى ذر الخشنى: أذمت: تأخرت بالركب، أى تأخر الركب بسببها والضمير الذى فى أذمت يرجع إلى الأتان، وفى رواية: أدمت بالركب أى: أطلت عليهم المسافة لتمهلهم عليها، مأخوذ من الشىء الدائم ص ٥٥. وصاحب حليمة المذكور فى القصة هو زوجها: الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدى، وكنيته أبو ذؤيب، وفى رواية أخرى لحديث الرضاع جاء بعد قول حليمة: فذهبت إليه ما يلى: «فإذا به مدرج فى ثوب صوف أبيض من اللبن يفوح منه المسك، وتحته
[ ٢ / ١٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ قَوْلَ حَلِيمَةَ: فَلَمّا وَضَعْته فِي حِجْرِي أَقْبَلَ عَلَيْهِ ثَدْيَايَ بِمَا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبَ حَتّى رَوِيَ، وَشَرِبَ مَعَهُ أَخُوهُ حَتّى رَوِيَ.
وَذَكَرَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- كَانَ لَا يُقْبِلُ إلّا عَلَى ثَدْيِهَا الْوَاحِدِ، وَكَانَتْ تَعْرِضُ عَلَيْهِ الثّدْيَ الْآخَرَ، فَيَأْبَاهُ كَأَنّهُ قَدْ أُشْعِرَ﵇- أَنّ مَعَهُ شَرِيكًا فِي لِبَانِهَا، وَكَانَ مَفْطُورًا عَلَى الْعَدْلِ، مَجْبُولًا عَلَى الْمُشَارَكَةِ وَالْفَضْلِﷺ.
الْتِمَاسُ الْأَجْرِ عَلَى الرّضَاعِ:
قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَالْتِمَاسُ الْأَجْرِ عَلَى الرّضَاعِ لَمْ يَكُنْ مَحْمُودًا عِنْدَ أَكْثَرِ نِسَاءِ الْعَرَبِ، حَتّى جَرَى الْمَثَلُ: تَجُوعُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَأْكُلُ بِثَدْيَيْهَا «١»، وَكَانَ عِنْدَ بَعْضِهِنّ لَا بَأْسَ بِهِ، فَقَدْ كَانَتْ حَلِيمَةُ وَسِيطَةً فِي بَنِي سَعْدٍ، كَرِيمَةً مِنْ كَرَائِمِ قَوْمِهَا، بِدَلِيلِ اخْتِيَارِ اللهِ- تَعَالَى- إيّاهَا لِرَضَاعِ نَبِيّهِﷺ- كَمَا اخْتَارَ لَهُ أَشْرَفَ الْبُطُونِ والأصلاب. والرّضاع كالنسب؛ لأنه يغيّر
_________________
(١) - حرير أخضر راقد على قفاه يغط، فأشفقت أن أوقظه من نومه لحسنه وجماله» المواهب اللدنية في باب رضاعه ص ١٤٣ ج ١، هذا ورضاعه من ثويبة قد ورد فى سياق حديث عن أم سلمة، وقد رواه أحمد والبخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة والبيهقى «منتخب السنة» ص ٦٠ ح ١
(٢) روايته: تجوع الحرة، ولا تأكل بثدييها، أى: لا تكون ظئرا، وإن آذاها الجوع. ويروى: ولا تأكل ثدييها. وأول من قال ذلك: الحارث بن سليل الأسدى. فى قصة طويلة روتها كتب الأمثال، يضرب فى صيانة الرجل نفسه عن خسيس مكاسب الأموال «مجمع الأمثال للميدانى»
[ ٢ / ١٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الطّبَاعَ. فِي الْمُسْنَدِ عَنْ عَائِشَةَ﵂- تَرْفَعُهُ: «لَا تَسْتَرْضِعُوا الْحَمْقَى؛ فَإِنّ اللّبَنَ يُورِثُ» وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ حَلِيمَةُ وَنِسَاءُ قَوْمِهَا طَلَبْنَ الرّضَعَاءَ اضْطِرَارًا لِلْأَزْمَةِ الّتِي أَصَابَتْهُمْ، وَالسّنَةِ الشّهْبَاءِ الّتِي اقْتَحَمَتْهُمْ.
لِمَ كَانَتْ قُرَيْشٌ تَدْفَعُ أَوْلَادَهَا إلَى الْمَرَاضِعِ؟
وَأَمّا دَفْعُ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ أَوْلَادَهُمْ إلَى الْمَرَاضِعِ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِوُجُوهِ. أَحَدُهَا: تَفْرِيغُ النّسَاءِ إلَى الْأَزْوَاجِ، كَمَا قَالَ عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِأُمّ سَلَمَةَ﵂- وَكَانَ أَخَاهَا مِنْ الرّضَاعَةِ، حِينَ انْتَزَعَ مِنْ حِجْرِهَا زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ: «دَعِي هَذِهِ الْمَقْبُوحَةَ الْمَشْقُوحَةَ «١» الّتِي آذَيْت بِهَا رَسُولَ اللهِﷺ» وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَيْضًا لِيَنْشَأَ الطّفْلُ فِي الْأَعْرَابِ، فَيَكُونَ أَفْصَحَ لِلِسَانِهِ، وَأَجْلَدَ لِجِسْمِهِ، وَأَجْدَرَ أَنْ لَا يُفَارِقَ الْهَيْئَةَ الْمَعَدّيّةَ «٢» كَمَا قَالَ عُمَرُ ﵁: تَمَعْدَدُوا وَتَمَعْزَزُوا «٣» وَاخْشَوْشِنُوا [رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ] . وَقَدْ قَالَ﵇- لِأَبِي بَكْرٍ﵁- حِينَ قَالَ لَهُ: مَا رَأَيْت أَفْصَحَ مِنْك يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي، وَأَنَا مِنْ قُرَيْشٍ، وَأُرْضِعْت فِي بَنِي سَعْدٍ؟! فَهَذَا وَنَحْوُهُ كَانَ يَحْمِلُهُمْ عَلَى دَفْعِ
_________________
(١) المشقوحة: المكسورة أو المبعدة، من الشقح، وهو الكسر أو البعد ومشقوحة اتباع لمقبوحة.
(٢) نسبة إلى قوم معد، وكانوا أهل غلظ وقشف. أى: تصلبوا، وتشبهوا بمعد.
(٣) وتمعززوا: تعزز لحمه: اشتد وصلب، وتمعز البعير: اشتد عدوه.
[ ٢ / ١٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرّضَعَاءِ إلَى الْمَرَاضِعِ الْأَعْرَابِيّاتِ. وَقَدْ ذُكِرَ أَنّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَانَ يَقُولُ: أَضَرّ بِنَا حُبّ الْوَلِيدِ؛ لِأَنّ الْوَلِيدَ كَانَ لَحّانًا، وَكَانَ سُلَيْمَانُ فَصِيحًا؛ لِأَنّ الْوَلِيدَ أَقَامَ مَعَ أُمّهِ، وَسُلَيْمَانُ وَغَيْرُهُ مِنْ إخْوَتِهِ سَكَنُوا الْبَادِيَةَ، فَتَعَرّبُوا، ثُمّ أُدّبُوا فَتَأَدّبُوا، وَكَانَ مِنْ قُرَيْشٍ أَعْرَابٌ، وَمِنْهُمْ حَضَرٌ، فَالْأَعْرَابُ مِنْهُمْ: بَنُو الْأَدْرَمِ وبنو محارب، وأحسب بنى عامر ابن لُؤَيّ كَذَلِكَ؛ لِأَنّهُمْ مِنْ أَهْلِ الظّوَاهِرِ، وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْبِطَاحِ «١» .
شَقّ الصّدْرِ:
وَذَكَرَ قَوْلَ أَخِيهِ مِنْ الرّضَاعَةِ: نَزَلَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ أَبْيَضَانِ، فَشَقّا عَنْ بَطْنِهِ، وَهُمَا يَسُوطَانِهِ، يُقَالُ: سُطْت اللّبَنَ أَوْ الدّمَ، أَوْ غَيْرَهُمَا، أَسُوطُهُ:
إذَا ضَرَبْت بَعْضَهُ بِبَعْضِ. وَالْمِسْوَطُ: عُودٌ يُضْرَبُ بِهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ كُرْكِيّانِ «٢»، فَشَقّ أَحَدُهُمَا بِمِنْقَارِهِ جَوْفَهُ، وَمَجّ الْآخَرُ بِمِنْقَارِهِ فِيهِ ثَلْجًا، أَوْ بَرَدًا، أَوْ نَحْوَ هَذَا، وَهِيَ رِوَايَةٌ غَرِيبَةٌ ذَكَرَهَا يُونُسُ عَنْهُ، وَاخْتَصَرَ ابْنُ إسْحَاقَ حَدِيثَ نُزُولِ الْمَلَكَيْنِ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَطْوَلُ مِنْ هَذَا.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدّنْيَا وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادِ يَرْفَعُهُ إلَى أبى ذرّ- رضى الله
_________________
(١) سبق الحديث عن قريش البطاح وقريش الظواهر.
(٢) الكركى: طائر كبير أغبر اللون طويل العنق والرجلين أبتر الذنب. ومج الماء: لفظه.
[ ٢ / ١٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَنْهُ- قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ عَلِمْت أَنّك نَبِيّ، وَبِمَ عَلِمْت حَتّى اسْتَيْقَنْت؟ قَالَ: يَا أَبَا ذَرّ أَتَانِي مَلَكَانِ، وَأَنَا بِبَطْحَاءِ مَكّةَ، فَوَقَعَ أَحَدُهُمَا بِالْأَرْضِ، وَكَانَ الْآخَرُ بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَهُوَ هُوَ؟ قَالَ: هُوَ هُوَ: قَالَ: فَزِنْهُ بِرَجُلِ، فَوَزَنَنِي بِرَجُلِ، فَرَجَحْته، ثُمّ قَالَ: زِنْهُ بِعَشَرَةِ، فَوَزَنَنِي فَرَجَحْتهمْ، ثُمّ قَالَ:
زِنْهُ بِمِائَةِ، فَوَزَنَنِي، فَرَجَحْتهمْ، ثُمّ قَالَ: زِنْهُ بِأَلْفِ، فَوَزَنَنِي فَرَجَحْتهمْ، حَتّى جَعَلُوا يَتَثَاقَلُونَ عَلَيّ مِنْ كِفّةِ الْمِيزَانِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: شُقّ بَطْنَهُ، فَشَقّ بَطْنِي، فأخرج قلبى، فأخرج منه مَغْمَزَ الشّيْطَانِ وَعَلَقَ الدّمِ، فَطَرَحَهُمَا، فَقَالَ: أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اغْسِلْ بَطْنَهُ غَسْلَ الْإِنَاءِ، وَاغْسِلْ قَلْبَهُ غَسْلَ الْمُلَاءِ، ثُمّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: خُطّ بطنه، فحاط بَطْنِي، وَجَعَلَ الْخَاتَمَ بَيْنَ كَتِفَيّ كَمَا هُوَ الْآنَ، وَوَلّيَا عَنّي، فَكَأَنّي أُعَايِنُ الْأَمْرَ مُعَايَنَةً» فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانٌ لِمَا أُبْهِمَ فِي الْأَوّلِ، لِأَنّهُ قَالَ: فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَغْمَزَ الشّيْطَانِ، وَعَلَقَ الدّمِ، فَبَيّنَ أَنّ الّذِي اُلْتُمِسَ فِيهِ هُوَ الّذِي يَغْمِزُهُ الشّيْطَانُ مِنْ كُلّ مَوْلُودٍ إلا عيسى بن مَرْيَمَ وَأُمّهُ «١» - ﵉- لِقَوْلِ أُمّهَا حُنّةَ: «وَأَنِّي
_________________
(١) يشير إلى ما رواه البخارى ومسلم والترمذى: «مامن مولود يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهل صارخا من نخسة الشيطان إلا ابن مريم وأمه، قال أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم: (وَإِنّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيّتَهَا مِنَ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ)، قال عياض: يريد أن الله قبل دعاءها مع أن الأنبياء معصومون، وقال النووى: أشار عياض إلى أن جميع الأنبياء يشاركون عيسى فى هذه الخصوصية. وسيأتى أن صدره شق أيضا ليلة الإسراء فى حديث من طريق شريك فى الصحيحين، ودعوى أنه لا منافاة، لاحتمال وقوع ذلك مرتين دعوى بلا بينة، وفى أحاديث خاتم النبوة
[ ٢ / ١٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ» آلَ عِمْرَانَ: ٣٦. فَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِ لِذَلِكَ، وَلِأَنّهُ لَمْ يُخْلَقْ مِنْ مَنِيّ الرّجَالِ فَأُعِيذُهُ مِنْ مَغْمَزٍ، وَإِنّمَا خُلِقَ مِنْ نَفْخَةِ رُوحِ الْقُدُسِ، وَلَا يَدُلّ هَذَا عَلَى فَضْلِ عِيسَى ﵇ عَلَى مُحَمّدٍﷺ- لِأَنّ مُحَمّدًاﷺ- قَدْ نُزِعَ مِنْهُ ذَلِكَ الْمَغْمَزُ، وَمُلِئَ قَلْبُهُ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، بَعْدَ أَنْ غَسَلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ بِالثّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَإِنّمَا كَانَ ذَلِكَ الْمَغْمَزُ فِيهِ لِمَوْضِعِ الشّهْوَةِ الْمُحَرّكَةِ لِلْمَنِيّ، وَالشّهَوَاتُ يَحْضُرُهَا الشّيَاطِينُ، لَا سِيمَا شَهْوَةُ مَنْ لَيْسَ بِمُؤْمِنِ، فَكَانَ ذَلِكَ الْمَغْمَزُ رَاجِعًا إلَى الْأَبِ، لَا إلَى الِابْنِ الْمُطَهّرِ- صلى الله وسلم عليه.
وَفِي الْحَدِيثِ فَائِدَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ مِنْ نَفِيسِ الْعِلْمِ، وَذَلِكَ أَنّ خَاتَمَ النّبُوّةِ لَمْ يُدْرَ هل خلق به، أم وضع فيه بعد ما وُلِدَ، أَوْ حِينَ نُبّئَ، فَبَيّنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَتَى وُضِعَ، وَكَيْفَ وُضِعَ، وَمَنْ وَضَعَهُ، زَادَنَا اللهُ عِلْمًا، وَأَوْزَعَنَا شُكْرَ مَا عَلّمَ، وَفِيهِ الْبَيَانُ لِمَا سَأَلَ عَنْهُ أَبُو ذَرّ﵁- حِينَ قَالَ: كَيْفَ عَلِمْت أنك «١»
_________________
(١) - مغايرة لما ورد من وصف الخاتم هنا، كما أن فى ألفاظ بعض أحاديث الشق ما يوحى بأنه أحداث منام، لا أحداث واقع، أما الإسراء فيقظة بنص القرآن وسيأتى
(٢) كل حديث يزعم فيه أن الرسولﷺ- كان يعرف أنه نبى هو حديث كذب، لا يعتد به، لأنهﷺ- لم يكن يعرف حتى ليلة الوحى أنه نبى. هذا وعن خاتم النبوة ورد فى حديث- رواه الشيخان والترمذى عن السائب بن يزيد: «فنظرت إلى خاتم بين كتفيه مثل زر الحجلة» الزر: البيضة وعن جابر فى مسلم: «رأيت خاتما فى ظهر رسول اللهﷺ- كأنه بيضة حمام» وفى مسلم والترمذى: «كان خاتم رسول الله «ص» الذى بين كتفيه غدة حمراء مثل بيضة الحمامة» وعن عبد الله بن سرجس: «نظرت إلى خاتم النبوة بين-
[ ٢ / ١٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَبِيّ، فَأَعْلَمَهُ بِكَيْفِيّةِ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَهْمًا مِنْ بَعْضِ النّقَلَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: بَيْنَمَا أَنَا بِبَطْحَاءِ مَكّةَ، وَهَذِهِ الْقِصّةُ لَمْ تَعْرِضْ لَهُ إلّا وَهُوَ فِي بَنِي سَعْدٍ مَعَ حَلِيمَةَ، كَمَا ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزّارُ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِي ذَرّ﵁- فَلَمْ يذكر فيه بطحاء مكة.
_________________
(١) - كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى جمعا عليه خيلان، كأمثال الثاليل» مسلم وأحمد. والناغض: أعلى الكتف، أو ما يظهر من عظمه عند التحرك. جمعا: أى كصورة الكف بعد جمع الأصابع وضمها. الخيلان: جمع خال وهى الغدة الصغيرة. الثاليل: جمع: ثؤلول حبيبات تعلو الجسد، وفى مسلم أيضا عن جابر بن سمرة أنه كبيضة الحمامة. وعند الحاكم والترمذى وأبى يعلى والطبرانى من حديث عمرو بن أحطب أن الخاتم شعر مجتمع عند كتفه، وعند البخارى فى تاريخه والبيهقى أنه: لحمة ناتئة، وفى جامع الترمذى ودلائل البيهقى: كالتفاحة، وعند ابن حبان. وفى تاريخ ابن عساكر والحاكم: كالبندقة. وعند الترمذى: كبضعة ناشزة من اللحم. وعند الطبرانى: كان كأنه ركبة عنز على طرف كتفه الأيسر، وعند ابن حبان: كان مثل البندقة من اللحم.. والحجلة تنطق بفتح الحاء والجيم، وضم الحاء أو كسرها وإسكان الجيم، وضم الحاء وفتح الجيم. وجزم الترمذى بأن المراد بالحجلة: الطير المعروف، وهو فى حجم الحمام، أحمر المنقار والرجلين طيب اللحم، وفسره النووى بأنها واحدة الحجال. وهى بيت كالقبة. لها أزرار كبار وعرا، أو كما فسره الأزهرى فى التهذيب: بيت كالقبة يستر بالثياب، ويجعل له باب من جنسه، فيه زر وعروة تشد إذا علقت وقال القرطبى: اتفقت الأحاديث الثابتة على أن خاتم النبوة كان شيئا بارزا أحمر عند كتفيه الأيسر، قدره إذا قلل قدر بيضة الحمامة، وإذا كبر جمع اليد. وفى الفتح: باب خاتم النبوة: أى صفته، وهو الذى كان بين كتفى النبى، وكان من علاماته التى كان أهل الكتاب يعرفونه بها، وسيأتى عنه بيان آخر
[ ٢ / ١٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَدِيثُ السّكِينَةِ:
وَذُكِرَ فِيهِ أَنّهُ قَالَ: وَأُوتِيت بِالسّكِينَةِ كَأَنّهَا رَهْرَهَةٌ، فَوُضِعَتْ فِي صَدْرِي. قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ لِعُرْوَةِ سَمَاعًا مِنْ أَبِي ذَرّ. وَذَكَرَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي ذَرّ، أن رسول اللهﷺ- قَالَ لَهُ: «يَا أَبَا ذَرّ، وُزِنْت بِأَرْبَعِينَ، أَنْتَ فِيهِمْ فَرَجَحْتهمْ» وَالرّهْرَهَةُ: بَصِيصُ الْبَشَرَةِ، فَهَذَا بَيَانُ وَضْعِ الْخَاتَمِ مَتَى وُضِعَ.
مَسْأَلَةُ شَقّ الصّدْرِ مَرّةً أُخْرَى:
وَأَمّا مَتَى وَجَبَتْ لَهُ النّبُوّةُ، فَرُوِيَ عَنْ مَيْسَرَةَ أَنّهُ قَالَ لَهُ: مَتَى وَجَبَتْ لَك النّبُوّةُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: وَآدَمُ بَيْنَ الرّوحِ وَالْجَسَدِ، وَيُرْوَى: وَآدَمُ مجندل فى طينته «١» .
_________________
(١) وهكذا كل إنسان فى قدر؛ فإن الله كتب عنده مقادير الكائنات جميعها، وإلا فالنبىﷺ- لم يكن يعرف حتى ليلة الوحى الأولى أنه نبى أو أن النبوة ستأتيه. وإلا ما رجع فى ارتجافه الشديد إلى خديجة ﵂ يحدثها أنه خائف على نفسه. وفى رواية للحديث: وإنى لمكتوب عند الله من النبيين. وحديث العرباض بن سارية قال: سَمِعْت رَسُولَ اللهِﷺ- يقول: إنى عبد الله، وخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل فى طينته، وسأخبركم عن ذلك: إنى دعوة أبى إبراهيم وبشارة عيسى، ورؤيا أمى التى رأت، وكذلك أمهات النبيين، وإن أُمّ رَسُولِ اللهِﷺ- رأت حين وضعته نورا أضاءت له قصور الشام» أحمد وابن حبان والحاكم. وفى حديث أبى أمامة عند أحمد نحوه، ونصه عن لقمة بن عامر سمعت أبا أمامة قال: قلت يا نبى الله-
[ ٢ / ١٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَهَذَا الْخَبَرُ يُرْوَى عَنْهُ﵇- عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنّهُ شُقّ عَنْ قَلْبِهِ، وَهُوَ مَعَ رَابّتِهِ وَمُرْضِعَتِهِ فِي بَنِي سَعْدٍ، وَأَنّهُ جِيءَ بِطَسْتِ مِنْ ذَهَبٍ، فِيهِ ثَلْجٌ فَغُسِلَ بِهِ قَلْبُهُ، وَالثّانِي فِيهِ: أَنّهُ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، وَأَنّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ حِينَ عرج به إلى السماء بعد ما بُعِثَ بِأَعْوَامِ، وَفِيهِ أَنّهُ أُتِيَ بِطَسْتِ مِنْ ذهب ممتلىء حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأُفْرِغَ فِي قَلْبِهِ. وَذَكَرَ بَعْضُ مَنْ أَلّفَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ أَنّهُ تَعَارَضَ فِي الرّوَايَتَيْنِ، وَجَعَلَ يَأْخُذُ فِي تَرْجِيحِ الرّوَاةِ وَتَغْلِيطِ بَعْضِهِمْ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ كَانَ هَذَا التّقْدِيسُ وَهَذَا التّطْهِيرُ مَرّتَيْنِ.
الْأُولَى: فِي حَالِ الطّفُولِيّةِ لِيُنَقّى قَلْبُهُ مِنْ مَغْمَزِ الشّيْطَانِ، وَلِيُطَهّرَ وَيُقَدّسَ مِنْ كُلّ خُلُقٍ ذَمِيمٍ، حَتّى لَا يَتَلَبّسَ بِشَيْءِ مِمّا يُعَابُ عَلَى الرّجَالِ، وَحَتّى لَا يَكُونَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ إلّا التّوْحِيدُ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ: فَوَلّيَا عَنّي، يَعْنِي: الْمَلَكَيْنِ، وَكَأَنّي أُعَايِنُ الْأَمْرَ مُعَايَنَةً.
وَالثّانِيَةُ: فِي حَالِ الاكتهال، وبعد ما نبّىء، وعند ما أَرَادَ اللهُ أَنْ يَرْفَعَهُ إلَى الْحَضْرَةِ الْمُقَدّسَةِ الّتِي لَا يَصْعَدُ إلَيْهَا إلّا مُقَدّسٌ، وَعُرِجَ به هنالك
_________________
(١) ما كان بدء أمرك؟ قال: دعوة أبى إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمى أنه خرج منها نور أضاء منه قصور الشام» تفرد به أحمد، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة. وقد روى قصة شق الصدر فى الطفولة أبو نعيم فى الدلائل عن طريق عمر ابن صبح مطولة جدا، وعمر متروك كذاب متهم بالوضع.
[ ٢ / ١٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِتُفْرَضَ عَلَيْهِ الصّلَاةُ، وَلِيُصَلّيَ بِمَلَائِكَةِ السّمَوَاتِ، وَمِنْ شَأْنِ الصّلَاةِ: الطّهُورُ، فَقُدّسَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ.
وَفِي الْمَرّةِ الْأُولَى بِالثّلْجِ لِمَا يُشْعِرُ الثّلْجُ مِنْ ثَلْجِ الْيَقِينِ وَبَرْدِهِ عَلَى الْفُؤَادِ، وَكَذَلِكَ هُنَاكَ حَصَلَ لَهُ الْيَقِينُ بِالْأَمْرِ الّذِي يُرَادُ بِهِ وَبِوَحْدَانِيّةِ رَبّهِ.
وَأَمّا فِي الثانية، فقد كان موقنا منبّأ، فَإِنّمَا طُهّرَ لِمَعْنَى آخَرَ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ دُخُولِ حَضْرَةِ الْقُدُسِ وَالصّلَاةِ فِيهَا، وَلِقَاءِ الْمَلِكِ الْقُدّوسِ، فَغَسَلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ بِمَاءِ زَمْزَمَ الّتِي هِيَ هَزْمَةُ رُوحِ الْقُدُسِ، وَهَمْزَةُ عَقِبِهِ «١» لأبيه إسماعيل ﵇- وجئ بِطَسْتِ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأُفْرِغَ فِي قَلْبِهِ، وَقَدْ كَانَ مُؤْمِنًا، وَلَكِنّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ الْفَتْحَ: ٤ وَقَالَ: وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا الْمُدّثّرَ: ٣١. فَإِنْ قِيلَ: وَكَيْفَ يَكُونُ الْإِيمَانُ وَالْحِكْمَةُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَالْإِيمَانُ عَرَضٌ، وَالْأَعْرَاضُ لَا يُوصَفُ بِهَا إلّا مَحَلّهَا الّذِي تَقُومُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ الِانْتِقَالُ، لِأَنّ الِانْتِقَالَ مِنْ صِفَةِ الْأَجْسَامِ، لَا مِنْ صِفَةِ الْأَعْرَاضِ؟ قُلْنَا:
إنّمَا عَبّرَ عَمّا كَانَ فِي الطّسْتِ بِالْحِكْمَةِ وَالْإِيمَانِ، كَمَا عَبّرَ عَنْ اللّبَنِ الّذِي شَرِبَهُ، وَأَعْطَى فَضْلَهُ عُمَرَ﵁- بِالْعِلْمِ، فَكَانَ تَأْوِيلُ مَا أُفْرِغَ فِي قَلْبِهِ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، وَلَعَلّ الّذِي كَانَ فِي الطّسْتِ كَانَ ثَلْجًا وَبَرَدًا- كَمَا ذكر فى
_________________
(١) هزم البئر: حفرها، والهمزة: النقرة، هذا وسيأتى بيان أن الصلاة كانت مفروضة قبل الإسراء بنص القرآن والأحاديث الصحيحة. هذا وقوله: كأنى أعاين الأمر معاينة يؤكد أنه رؤيا منامية.
[ ٢ / ١٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الْحَدِيثِ الْأَوّلِ- فَعَبّرَ عَنْهُ فِي الْمَرّةِ الثّانِيَةِ بما يؤول إلَيْهِ، وَعَبّرَ عَنْهُ فِي الْمَرّةِ الْأُولَى بِصُورَتِهِ الّتِي رَآهَا، لِأَنّهُ فِي الْمَرّةِ الْأُولَى كَانَ طِفْلًا، فَلَمّا رَأَى الثّلْجَ فِي طَسْتِ الذّهَبِ اعْتَقَدَهُ ثَلْجًا، حَتّى عَرَفَ تَأْوِيلَهُ بَعْدُ. وَفِي المرة الثانية كان نبيئا، فلما رأى طست الذهب مملوآ ثَلْجًا عَلِمَ التّأْوِيلَ لِحِينِهِ وَاعْتَقَدَهُ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَكَانَ لَفْظُهُ فِي الْحَدِيثَيْنِ عَلَى حَسَبِ اعْتِقَادِهِ فِي الْمَقَامَيْنِ. مُنَاسَبَةُ الذّهَبِ لِلْمَعْنَى الْمَقْصُودِ: وَكَانَ الذّهَبُ فِي الْحَالَتَيْنِ جَمِيعًا مُنَاسِبًا لِلْمَعْنَى الّذِي قُصِدَ بِهِ. فَإِنْ نَظَرْت إلَى لَفْظِ الذّهَبِ، فَمُطَابِقٌ لِلْإِذْهَابِ، فَإِنّ اللهَ﷿- أَرَادَ أَنْ يُذْهِبَ عَنْهُ الرّجْسَ، وَيُطَهّرَهُ تَطْهِيرًا، وَإِنْ نَظَرْت إلَى مَعْنَى الذّهَبِ وَأَوْصَافِهِ وَجَدْته أَنْقَى شَيْءٍ وَأَصْفَاهُ، يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: أَنْقَى مِنْ الذّهَبِ. وَقَالَتْ بَرِيرَةُ فِي عَائِشَةَ﵂- مَا أَعْلَمُ عَلَيْهَا إلّا مَا يَعْلَمُ الصّائِغُ عَلَى الذّهَبِ الْأَحْمَرِ. وَقَالَ حُذَيْفَةُ فِي صِلَةِ بْنِ أَشْيَمَ ﵄: إنّمَا قَلْبُهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَقَالَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ فِي الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ: إنّهُ لَرَجُلٌ مِنْ ذَهَبٍ، يُرِيدُونَ: النّقَاءَ مِنْ الْعُيُوبِ، فَقَدْ طَابَقَ طَسْتَ الذّهَبِ مَا أُرِيدَ بِالنّبِيّﷺ- مِنْ نَقَاءِ قَلْبِهِ. وَمِنْ أَوْصَافِ الذّهَبِ أَيْضًا الْمُطَابِقَةِ لِهَذَا الْمَقَامِ ثِقَلُهُ وَرُسُوبُهُ، فَإِنّهُ يُجْعَلُ فِي الزّيبَقِ الّذِي هُوَ أَثْقَلُ الْأَشْيَاءِ، فَيَرْسُبُ، وَاَللهُ تَعَالَى يَقُولُ: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) الْمُزّمّلَ: ٥. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ﵁: إنّمَا ثَقُلَتْ مَوَازِينُ الْمُحِقّينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِاتّبَاعِهِمْ الْحَقّ، وَحُقّ لِمِيزَانِ لَا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الحقّ
[ ٢ / ١٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَنْ يَكُون ثَقِيلًا، وَقَالَ فِي أَهْلِ الْبَاطِلِ بِعَكْسِ هَذَا. وَقَدْ رُوِيَ: أَنّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ، فَثَقُلَ عَلَيْهَا حَتّى سَاخَتْ قَوَائِمُهَا فِي الْأَرْضِ، فَقَدْ تَطَابَقَتْ الصّفَةُ الْمَعْقُولَةُ وَالصّفَة الْمَحْسُوسَةُ. وَمِنْ أَوْصَافِ الذّهَبِ أَيْضًا أَنّهُ لَا تَأْكُلُهُ النّارُ، وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ: لَا تَأْكُلُ النّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَلْبًا وَعَاهُ، وَلَا بَدَنًا عَمِلَ بِهِ، قَالَ النّبِيّﷺ: «لَوْ كَانَ الْقُرْآنُ فِي إهَابٍ، ثم رح فِي النّارِ مَا احْتَرَقَ «١»» وَمِنْ أَوْصَافِ الذّهَبِ الْمُنَاسِبَةِ لِأَوْصَافِ الْقُرْآنِ وَالْوَحْيِ: أَنّ الْأَرْضَ لَا تُبْلِيهِ، وَأَنّ الثّرَى لَا يَذْرِيهِ، وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ لَا يَخْلُقُ عَلَى كَثْرَةِ الرّدّ، وَلَا يُسْتَطَاعُ تَغْيِيرُهُ وَلَا تَبْدِيلُهُ، وَمِنْ أَوْصَافِهِ أَيْضًا: نَفَاسَتُهُ وَعِزّتُهُ عِنْدَ النّاسِ، وَكَذَلِكَ الْحَقّ وَالْقُرْآنُ عَزِيزٌ، قَالَ سُبْحَانَهُ: (وَإِنّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ) فُصّلَتْ: ٤١. فَهَذَا إذَا نَظَرْت إلَى أَوْصَافِهِ وَلَفْظِهِ، وَإِذَا نَظَرْت إلَى ذَاتِهِ وَظَاهِرِهِ، فَإِنّهُ زُخْرُفُ الدّنْيَا وَزِينَتُهَا، وَقَدْ فُتِحَ بِالْقُرْآنِ وَالْوَحْيِ عَلَى مُحَمّدٍﷺ- وَأُمّتِهِ خَزَائِنُ الْمُلُوكِ، وَتَصِيرُ إلى أيديهم ذهبها وفضنها، وَجَمِيعُ زُخْرُفِهَا وَزِينَتِهَا، ثُمّ وُعِدُوا بِاتّبَاعِ الْقُرْآنِ وَالْوَحْيِ قُصُورَ الذّهَبِ وَالْفِضّةِ فِي الْجَنّةِ. قَالَﷺ: «جَنّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا مِنْ ذَهَبٍ «٢»» وَفِي التّنْزِيلِ: (يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ) الزّخْرُفَ: ٧١ (يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ) الحج: ٢٣ وفاطر: ٣٣
_________________
(١) رواه الطبرانى. وفى الجامع للسيوطى أنه ضعيف.
(٢) من حديث رواه الجماعة إلا أبا داود: «جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم ﷿ إلا رداء الكبرياء على وجهه فى جنة عدن» .
[ ٢ / ١٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَكَانَ ذَلِكَ الذّهَبُ يُشْعِرُ بِالذّهَبِ الّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ مَنْ اتّبَعَ الْحَقّ، وَالْقُرْآنَ وَأَوْصَافُهُ تُشْعِرُ بِأَوْصَافِ الْحَقّ، وَالْقُرْآنُ وَلَفْظُهُ يُشْعِرُ بِإِذْهَابِ الرّجْسِ، كَمَا تَقَدّمَ، فَهَذِهِ حِكَمٌ بَالِغَةٌ «١» لِمَنْ تَأَمّلَ، وَاعْتِبَارٌ صَحِيحٌ لِمَنْ تَدَبّرَ، وَالْحَمْدُ لِلّهِ.
وَفِي ذِكْرِ الطّسْتِ وَحُرُوفِ اسْمِهِ حِكْمَةٌ تَنْظُرُ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى:
(طس. تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ «٢») النّمل: ١ ومما يسئل عَنْهُ: هَلْ خُصّ هُوَﷺ- بِغَسْلِ قَلْبِهِ فِي الطّسْتِ، أَمْ فُعِلَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، فَفِي خَبَرِ التّابُوتِ وَالسّكِينَةِ، أَنّهُ كَانَ فِيهِ الطّسْتُ الّتِي غُسِلَتْ فِيهَا قُلُوبُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈. ذَكَرَهُ الطّبَرِيّ «٣»، وَقَدْ انْتَزَعَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ حَدِيثِ الطّسْتِ حَيْثُ جُعِلَ مَحَلّا لِلْإِيمَانِ وَالْحِكْمَةِ جَوَازَ تَحْلِيَةِ الْمُصْحَفِ بِالذّهَبِ، وَهُوَ فِقْهٌ حَسَنٌ «٤»، فَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرّ﵁- هَذَا الذى قدمناه، متى علم أنه نبىّ.
_________________
(١) تأويلات مغربة، وإن كانت تشهد بذكاء، لكنها لا ترف بسكينة على القلب، وشأن القرآن أعظم.
(٢) وهذا أغرب، وأشد بعدا، وتقرأ طس هكذا: «طاسين» .
(٣) يشير إلى قوله تعالى: «وقال لهم نبيهم: إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم، وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة) البقرة: ٢٤٨. وقد روى العوفى عن ابن عباس أن السكينة هى الرحمة. كما فسرها عطاء تفسيرا طيبا، إذ قال لابن جريج لما سأله عنها: أما تعرفون من آيات الله فتسكنون إليه. وروى ابن كثير ما ذكره السهيلى بصيغة تفيد تضعيفه إذ جاء قبله بكلمة: وقيل. وخب فيها وهب بن منبه ووضع، فأتى بالعجب العجاب من الأساطير. فقال: السكينة: رأس هرة ميتة
(٤) رد ابن القيم هذا الرأى.
[ ٢ / ١٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْحِكْمَةُ فِي خَتْمِ النّبُوّةِ:
وَالْحِكْمَةُ فِي خَاتَمِ النبوة على جهة الاعتبار أنه لمّا ملىء قَلْبُهُ حِكْمَةً وَيَقِينًا، خُتِمَ عَلَيْهِ كَمَا يُخْتَمُ عَلَى الْوِعَاءِ الْمَمْلُوءِ مِسْكًا أَوْ دُرّا، وَأَمّا وَضْعُهُ عِنْدَ نُغْضِ «١» كَتِفِهِ، فَلِأَنّهُ مَعْصُومٌ مِنْ وَسْوَسَةِ الشّيْطَانِ، وَذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِنْهُ يُوَسْوِسُ الشّيْطَانُ لِابْنِ آدَمَ. رَوَى مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنّ رَجُلًا سَأَلَ رَبّهُ أَنْ يُرِيَهُ مَوْضِعَ الشّيْطَانِ مِنْهُ «٢»، فَأُرِيَ جَسَدًا مُمَهّى «٣» يُرَى دَاخِلُهُ مِنْ خَارِجِهِ، وَالشّيْطَانُ فِي صُورَةِ ضِفْدَعٍ عِنْدَ نُغْضِ كَتِفِهِ «٤» حِذَاءَ قَلْبِهِ، لَهُ خُرْطُومٌ، كَخُرْطُومِ الْبَعُوضَةِ، وَقَدْ أَدْخَلَهُ إلَى قَلْبِهِ يُوَسْوِسُ، فَإِذَا ذَكَرَ اللهَ تَعَالَى العبد خنس «٥» .
_________________
(١) هو أعلى منقطع غضروف الكتف.
(٢) فى شرح المواهب: «موضع الشيطان من ابن آدم» . وفى النهاية: موقع
(٣) ضبطها فى اللسان وفى معجم ابن فارس وفى النهاية هكذا، وضبطها الزرقانى بضم الميم الأولى وسكون الثانية، وتخفيف الهاء اسم مفعول من: أمهاه، أى مصفّى، وفى النهاية: أنه وأى ذلك مناما، قال: والمها: البلور، وكل شىء صفىّ، فهو ممهى تشبيها به. زاد فى الفائق: ومقلوب من مموه، وهو مفعّل من أصل الماء. أى مجعول ماء ص ١٥٤ ج ١.
(٤) فى شرح المواهب: «وأرى الشيطان فى صورة ضفدع عند كتفه» .
(٥) فى شرح المواهب: «وقد أدخله فى منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس إليه» والحديث مقطوع. ص ١٥٤ ج ١ شرح المواهب. وفى اللسان نقلا عن النهاية لابن الأثير: «فرأى فيما يرى النائم جسد رجل ممهّى» . وحذاء: مقابل. وخنس: تأخر وغاب. وانظر ص ٤٣٩ وما بعدها فتح البارى ج ٦.
[ ٢ / ١٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رد حليمة للنبى «ص»:
فَصْلٌ: وَكَانَ رَدّ حَلِيمَةَ إيّاهُ إلَى أُمّهِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ وَشَهْرٍ، فِيمَا ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ «١»، ثُمّ لَمْ تَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا مَرّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا بَعْدَ تَزْوِيجِهِ خَدِيجَةَ﵂- جَاءَتْهُ تَشْكُو إلَيْهِ السّنَةَ، وَأَنّ قَوْمَهَا قَدْ أَسْنَتُوا «٢» فَكَلّمَ لَهَا خَدِيجَةَ، فَأَعْطَتْهَا عِشْرِينَ رَأْسًا مِنْ غَنَمِ وَبَكَرَاتٍ، وَالْمَرّةَ الثّانِيَةَ: يَوْمُ حُنَيْنٍ «٣» وَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا إنْ شَاءَ اللهُ.
تَأْوِيلُ النّورِ الّذِي رَأَتْهُ آمِنَةُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ النّورَ الّذِي رَأَتْهُ آمِنَةُ، حِينَ وَلَدَتْهُ ﵇، فَأَضَاءَتْ لَهَا قُصُورَ الشّامِ، وَذَلِكَ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ، حَتّى كَانَتْ الْخِلَافَةُ فِيهَا مُدّةَ بَنِي أُمَيّةَ، وَاسْتَضَاءَتْ تِلْكَ الْبِلَادُ وَغَيْرُهَا بِنُورِهِﷺ- وَكَذَلِكَ رَأَى خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي قَبْلَ الْمَبْعَثِ بِيَسِيرِ نُورًا يَخْرُجُ مِنْ زَمْزَمَ، حَتّى ظَهَرَتْ لَهُ الْبُسْرُ «٤» فِي نَخِيلِ يثرب، فقصّها على أخيه عمرو،
_________________
(١) يعنى ابن عبد البر. وفى الأصل: عمرو وهو خطأ. وفى المواهب نقلا عن ابن عبد البر أنها ردته بعد خمس ويومين، وتفيد بعض الروايات أنها ردته فى السنة الثالثة، أو الرابعة، أو السادسة، وجزم الحافظ العراقى وابن حجر أنها ردته فى الرابعة ص ١٥٠ ج ١ المواهب.
(٢) أسنتوا: أجدبوا.
(٣) ذكره الأموى.
(٤) البسر أوله: طلع ثم: خلال بالفتح، ثم بلح بفتحتين، ثم بسر، ثم: رطب ثم: تمر.
[ ٢ / ١٧٩ ]
عود إلى حديث ابن إسحاق:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- يَقُولُ: «مَا مِنْ نَبِيّ إلّا وَقَدْ رَعَى الْغَنَمَ، قِيلَ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: وَأَنَا» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ:
«أَنَا أَعْرَبُكُمْ، أَنَا قُرَشِيّ، وَاسْتُرْضِعْت فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بكر» . [حديث ضعيف] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمَ النّاسُ فِيمَا يَتَحَدّثُونَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ: أَنّ أُمّهُ السّعْدِيّةَ لَمّا قَدِمَتْ بِهِ مَكّةَ أَضَلّهَا فِي النّاسِ، وَهِيَ مُقْبِلَةٌ بِهِ نَحْوَ أَهْلِهِ، فَالْتَمَسَتْهُ فَلَمْ تَجِدْهُ، فَأَتَتْ عَبْدَ الْمُطّلِبِ، فَقَالَتْ لَهُ: إنّي قَدْ قَدِمْت بِمُحَمّدٍ هَذِهِ اللّيْلَةَ، فَلَمّا كُنْتُ بِأَعْلَى مَكّةَ أضلّنى، فو الله مَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ، فَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ يَدْعُو اللهَ أَنْ يَرُدّهُ، فَيَزْعُمُونَ أَنّهُ وَجَدَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ، وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَتَيَا بِهِ عَبْدَ الْمُطّلِبِ، فَقَالَا لَهُ: هَذَا ابْنُك وَجَدْنَاهُ بِأَعْلَى مَكّةَ، فَأَخَذَهُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ، فَجَعَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ، وهو يطوف بالكعبة يعوّذه ويدعوله، ثُمّ أَرْسَلَ بِهِ إلَى أُمّهِ آمِنَةَ.
قَالَ ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم، أن مِمّا هَاجَ أُمّهُ السّعْدِيّةَ عَلَى رَدّهِ إلَى أُمّهِ، مَعَ مَا ذَكَرَتْ لِأُمّهِ مِمّا أَخْبَرَتْهَا عَنْهُ، أَنّ نَفَرًا مِنْ الْحَبَشَةِ نَصَارَى رَأَوْهُ مَعَهَا حِينَ رَجَعَتْ بِهِ بَعْدَ فِطَامِهِ، فَنَظَرُوا إلَيْهِ، وَسَأَلُوهَا عَنْهُ وَقَلّبُوهُ، ثُمّ قَالُوا لَهَا: لَنَأْخُذَنّ هَذَا الْغُلَامَ، فَلَنَذْهَبَنّ بِهِ إلَى مَلِكِنَا وَبَلَدِنَا؛ فَإِنّ هَذَا غُلَامٌ كَائِنٌ لَهُ شَأْنٌ نَحْنُ نَعْرِفُ أَمْرَهُ، فَزَعَمَ الّذِي حَدّثَنِي أَنّهَا لم تكد تنفلت به منهم
_________________
(١) فَقَالَ لَهُ: إنّهَا حَفِيرَةُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَإِنّ هَذَا النّورَ مِنْهُمْ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ مُبَادَرَتِهِ إلى الإسلام.
[ ٢ / ١٨٠ ]
[وَفَاةُ آمِنَةَ وَحَالُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ جَدّهِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بَعْدَهَا]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- مَعَ أُمّهِ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ، وَجَدّهِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ فِي كَلَاءَةِ اللهِ وَحِفْظِهِ، يُنْبِتُهُ اللهُ نَبَاتًا حَسَنًا، لِمَا يُرِيدُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ، فَلَمّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِﷺ- سِتّ سِنِينَ، تُوُفّيَتْ أُمّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ:
أَنّ أُمّ رَسُولِ اللهِﷺ- آمِنَةُ تُوُفّيَتْ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ- ابْنُ سِتّ سِنِينَ بِالْأَبْوَاءِ، بَيْنَ مَكّةَ وَالْمَدِينَةِ، كَانَتْ قَدْ قَدِمَتْ بِهِ عَلَى أخواله من بنى عدىّ بن النّجّار، تُزِيرُهُ إيّاهُمْ، فَمَاتَتْ، وَهِيَ رَاجِعَةٌ بِهِ إلَى مكّة.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أُمّ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هاشم: سلمى بنت عمرو النجّارية فهذه الخئولة الّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ إسْحَاقَ لِرَسُولِ اللهِﷺ- فيهم.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- مَعَ جَدّهِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَكَانَ يُوضَعُ لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ فِرَاشٌ فى ظلّ الكعبة، فكان بنوه يجلسون جول فِرَاشِهِ ذَلِكَ، حَتّى يَخْرَجَ إلَيْهِ، لَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ بَنِيهِ إجْلَالًا لَهُ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- يَأْتِي، وَهُوَ غُلَامٌ جَفْرٌ، حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْهِ، فَيَأْخُذَهُ أَعْمَامُهُ، لِيُؤَخّرُوهُ عَنْهُ، فَيَقُولُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٨١ ]
إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابنى، فو الله إنّ لَهُ لَشَأْنًا، ثُمّ يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلَى الْفِرَاشِ وَيَمْسَحُ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ، وَيَسُرّهُ مَا يَرَاهُ يصنع.
ــ
رَعْيُهُ الْغَنَمَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّﷺ: «مَا مِنْ نَبِيّ إلّا وَقَدْ رَعَى الْغَنَمَ.. قِيلَ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: وَأَنَا» وَإِنّمَا أَرَادَ ابْنُ إسْحَاقَ بِهَذَا الْحَدِيثِ رِعَايَتَهُ الْغَنَمَ فِي بَنِي سَعْدٍ مَعَ أَخِيهِ مِنْ الرّضَاعَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصّحِيحِ أَنّهُ رَعَاهَا بِمَكّةَ أَيْضًا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكّةَ. ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ عَنْهُ أَيْضًا أَنّهُ قَالَ: مَا هَمَمْت بِشَيْءِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيّةِ إلّا مَرّتَيْنِ، وَرَوَى أَنّ إحْدَى الْمَرّتَيْنِ كَانَ فِي غَنَمٍ يَرْعَاهَا هُوَ وَغُلَامٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لِصَاحِبِهِ: اكْفِنِي أَمْرَ الْغَنَمِ حَتّى آتِيَ مَكّةَ، وَكَانَ بِهَا عُرْسٌ فِيهَا لَهْوٌ وَزَمْرٌ، فَلَمّا دَنَا مِنْ الدّارِ لِيَحْضُرَ ذَلِكَ، أُلْقِيَ عَلَيْهِ النّوْمُ، فَنَامَ حَتّى ضَرَبَتْهُ الشّمْسُ عِصْمَةً مِنْ اللهِ لَهُ. وَفِي الْمَرّةِ الْآخِرَةِ قَالَ لِصَاحِبِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأُلْقِيَ عَلَيْهِ النّوْمُ فِيهَا، كَمَا أُلْقِيَ فِي الْمَرّةِ الْأُولَى. ذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَيْرِ رواية البكّائىّ. وفى غريب الحديث للقتبنىّ: «بُعِثَ مُوسَىﷺ- وَهُوَ رَاعِي غَنَمٍ، وَبُعِثَ دَاوُدُﷺ- وَهُوَ رَاعِي غَنَمٍ، وَبُعِثْت، وَأَنَا رَاعِي غَنَمِ أَهْلِي بِأَجْيَادِ»
» وَإِنّمَا جَعَلَ اللهُ هَذَا فى الأنبياء
_________________
(١) جبل بمكة، وهما أجيادان كبير وصغير، وهما محلتان بمكة. وقيل فيه: جياد بغير ألف وقد سبق.
[ ٢ / ١٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَقْدِمَةً لَهُمْ، لِيَكُونُوا رُعَاةَ الْخَلْقِ، وَلِتَكُونَ أُمَمُهُمْ رعايالهم، وَقَدْ رَأَى رَسُولُ اللهِﷺ- أَنّهُ يَنْزِعُ عَلَى قَلِيبٍ «١» وَحَوْلَهَا غَنَمٌ سود، وغنم عفر «٢» . قال: ثم جاء أبوبكر﵁- فَنَزَعَ نَزْعًا ضَعِيفًا، وَاَللهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمّ جَاءَ عُمَرُ فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا «٣» يَعْنِي: الدّلْوَ، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيّا يَفْرِي فَرِيّهُ «٤» فَأَوّلَهَا النّاسُ فِي الْخِلَافَةِ لِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَر ﵄، وَلَوْلَا ذِكْرُ الْغَنَمِ السّودِ وَالْعُفْرِ لَبَعُدَتْ الرّؤْيَا عَنْ مَعْنَى الْخِلَافَةِ وَالرّعَايَةِ؛ إذْ الْغَنَمُ السّودُ وَالْعُفْرُ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَأَكْثَرُ الْمُحَدّثِينَ لَمْ يَذْكُرُوا الْغَنَمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. ذَكَرَهُ الْبَزّارُ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَيْضًا، وَبِهِ يَصِحّ الْمَعْنَى، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
فِي كَفَالَةِ الْعَمّ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ كَوْنَ النّبِيّﷺ فِي كَفَالَةِ عمه يكلؤه
_________________
(١) القليب: البئر قبل أن تبنى بالحجارة ونحوها يذكر ويؤنث. وقال أبو عبيدة: هى البئر العادية القديمة. ونزع الدلو: استقى بها.
(٢) العفر: جمع عفراء: ما يعلو بياضها حمرة، أو البيضاء ليست بالشديدة البياض، أو التى فى سراتها حمرة، وخاصرتها بيضاء. والسّراة: أعلى الظهر والوسط
(٣) الدّلو العظيمة.
(٤) يعمل عمله العظيم، ويقطع قطعه. وفريه تقال: بفتح الفاء وسكون الراء وفتح الياء أيضا، والحديث متفق عليه بدون ذكر الغنم. وحديث: أنا أعربكم رواه ابن سعد والطبرانى، وفى رواته مبشر بن عبيد، وهو متروك، وقال السيوطى: ضعيف.
[ ٢ / ١٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَيَحْفَظُهُ. فَمِنْ حِفْظِ اللهُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَنّهُ كَانَ يَتِيمًا لَيْسَ لَهُ أَبٌ يَرْحَمُهُ، وَلَا أُمّ تَرْأَمُهُ «١» لِأَنّهَا مَاتَتْ، وَهُوَ صَغِيرٌ، وَكَانَ عِيَالُ أَبِي طَالِبٍ ضَفَفًا، وَعَيْشُهُمْ شَظَفًا «٢»، فَكَانَ يُوضَعُ الطّعَامُ لَهُ وَلِلصّبْيَةِ مِنْ أَوْلَادِ أَبِي طَالِبٍ، فَيَتَطَاوَلُونَ إلَيْهِ، وَيَتَقَاصَرُ هُوَ، وَتَمْتَدّ أَيْدِيهِمْ، وَتَنْقَبِضُ يَدُهُ تَكَرّمًا مِنْهُ وَاسْتِحْيَاءً وَنَزَاهَةَ نَفْسٍ وَقَنَاعَةَ قَلْبٍ، فَيُصْبِحُونَ غُمْصًا رُمْصًا، مُصْفَرّةً أَلْوَانُهُمْ «٣» وَيُصْبِحُ هُوَ﵇- صَقِيلًا دَهِينًا «٤» كَأَنّهُ فِي أَنْعَمِ عَيْشٍ، وَأَعَزّ كِفَايَةٍ، لُطْفًا مِنْ اللهِ﷿- بِهِ. كَذَلِكَ ذَكَرَهُ القتبىّ.
فى غريب الحديث.
صوت آمِنَةَ وَزِيَارَتُهُ لَهَا:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ مَوْتَ أُمّهِ آمِنَةَ بِالْأَبْوَاءِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ مَكّةَ
_________________
(١) تحبه وتحنو عليه وتعطف. والمذكور فى السيرة مع الحفظ والكلاءة. هو: عبد المطلب، لا أبو طالب كما فى الروض.
(٢) الضفف: كثرة العيال. والشظف والشظاف: الضيق والشدة، ويبس العيش وشدته.
(٣) الرمص- كما فى الصحاح- وسخ يجتمع فى الموق، فإن سال فهو غمص، وإن جمد فهو رمص، يقال: عين رمصاء، وهو أرمص. وهو أغمص، وهى غمصاء.
(٤) صقيل: مجلو. ودهين: مدهون بالدهن كناية عن حسنه ونضارته. وفى حديث الرضاع كلمات نفسرها هنا: ظئر: أصلها الناقة التى تعطف على ولد غيرها، فتدر عليه، فسميت المرأة التى ترضع ولد غيرها ظئرا. والجفر: الغليظ الشديد. منتقع: متغير. الحافل: الممتلئة الضرع. اربعى علينا: أقيمى وانظرى. والعجف: الهزال «عن الخشنى ص ٥٦»
[ ٢ / ١٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْمَدِينَةِ، وَهُوَ إلَى الْمَدِينَةِ أَقْرَبُ كَأَنّهُ سُمّيَ بِجَمْعِ بَوّ، وَهُوَ جِلْدُ الْحُوَارِ «١» الْمَحْشُوّ بِالتّبْنِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: سُمّيَ بِالْأَبْوَاءِ لِتَبَوّءِ السّيُولِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ ذُكِرَ عَنْ كَثِيرٍ. ذَكَرَهُ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- زَارَ قَبْرَ أُمّهِ بِالْأَبْوَاءِ فِي أَلْفِ مُقَنّعٍ، فَبَكَى وَأَبْكَى، وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ «٢»، وَفِي الصّحِيحِ أَيْضًا أَنّهُ قَالَ: اسْتَأْذَنْت رَبّي فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمّي، فَأَذِنَ لِي، وَاسْتَأْذَنْته أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي «٣» . وَفِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنّهُﷺ- حِينَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِأُمّهِ، ضَرَبَ جِبْرِيلُ ﵇ فِي صَدْرِهِ، وَقَالَ لَهُ: لَا تَسْتَغْفِرْ لِمَنْ كَانَ مُشْرِكًا، فَرَجَعَ وَهُوَ حَزِينٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ فِي غَيْر الصّحِيحِ أَنّهُ سُئِلَ عَنْ بُكَائِهِ، فَقَالَ: ذَكَرْت ضَعْفَهَا وَشِدّةَ عَذَابِ اللهِ، إنْ كان صحّ هذا.
_________________
(١) ولد الناقة حتى يفصل. وذكر صاحب المراصد: أن الأبواء قرية من أعمال الفرع «والفرع: قرية من نواحى الربذة عن يسار السقيا، بينها وبين المدينة ثمانية برد» من المدينة بينها وبين الجحفة مما يلى المدينة ثلاثة وعشرون ميلا. وقيل: جبل عن يمين آره ويمين المصعد إلى مكة من المدينة.
(٢) رواه أحمد وفيه: «ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان، فقام إليه عمر ابن الخطاب، وفداه بالأب والأم، وقال: رسول الله، مالك؟ قال: إنى سألت ربى ﷿ فى الاستغفار لأمى، فلم يأذن لى، فدمعت عيناى رحمة لها من النار» .
(٣) مسلم وابن ماجة.
[ ٢ / ١٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ مَا يُصَحّحُهُ، وَهُوَ أَنّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ: أَيْنَ أَبِي؟ فَقَالَ: فِي النّارِ، فَلَمّا وَلّى الرّجُلُ، قَالَ ﵇: إنّ أَبِي وَأَبَاك فِي النّارِ «١»، وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَقُولَ نَحْنُ هَذَا «٢» فِي أَبَوَيْهِﷺ لِقَوْلِهِ ﵇: لَا تُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ بِسَبّ الْأَمْوَاتِ، وَاَللهُ ﷿ يَقُولُ: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ]
_________________
(١) فى رواية مسلم: فلما قفا: دعاه، فقال: إن أبى وأباك فى النار. والحديث رواه أبو داود أيضا. وقيل عن الرجل الذى سأل: أنه أبو رزين العقيلى أو حصين بن عبيد والد عمران. وفى مسند أحمد أن أبا رزين سأل عن أمه: أين هى، فقال: كذلك. هذا، وقد ذكر البيهقى عدة أحاديث فى هذا، ثم قال بعد روايته لها فى دلائل النبوة: «وكيف لا يكون أبواه وجده﵊- بهذه الصفة فى الاخرة، وقد كانوا يعبدون الوثن، حتى ماتوا، ولم يدينوا دين عيسى بن مريم ﵇، وكفرهم لا يقدح فى نسبه﵊- لأن أنكحة الكفار صجيحة. ألا تراهم يسلون مع زوجاتهم، فلا يلزمهم تجديد العقد، ولا مفارقتهن إذا كان مثله يجوز فى الإسلام» ويقول ابن كثير: «وإخباره عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار لا ينافى الحديث الوارد عنه من طرق متعددة أن أهل الفترة والأطفال والمجانين والصم يمتحنون فى العرصات يوم القيامة كما بسطناه سندا ومتنا- فى تفسيرنا- عند تفسير قوله تعالى: (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الإسراء: ١٥. فيكون منهم من يجيب، ومنهم من لا يجيب. فيكون هؤلاء من جملة من لا يجيب، فلا منافاة ولله الحمد والمنة» ص ٢٨١ ج ٢ البداية، ورغم هذا فإنى أذكر بقول الله: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت، ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون) البقرة: ١٤١.
(٢) إذا سئلنا صدعنا بالحق.
[ ٢ / ١٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْأَحْزَابَ: ٧٥. وَإِنّمَا قَالَ النّبِيّﷺ- لِذَلِكَ الرّجُلِ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، لِأَنّهُ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ، وَقَدْ قِيلَ: إنّهُ قَالَ: أَيْنَ أَبُوك أَنْتَ؟ فَحِينَئِذٍ قَالَ ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ بِغَيْرِ هَذَا اللّفْظِ، فَلَمْ يَذْكُرْ أَنّهُ قَالَ لَهُ: إنّ أَبِي وَأَبَاك فِي النّارِ، وَلَكِنْ ذَكَرَ أَنّهُ قَالَ لَهُ: إذَا مَرَرْت بِقَبْرِ كَافِرٍ، فَبَشّرْهُ بِالنّارِ «١»، وَرُوِيَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَعَلّهُ أَنْ يَصِحّ. وَجَدْته بِخَطّ جَدّي أَبِي عِمْرَانَ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْقَاضِي﵀- بِسَنَدِ فِيهِ مَجْهُولُونَ، ذَكَرَ أَنّهُ نَقَلَهُ مِنْ كِتَابٍ، اُنْتُسِخَ مِنْ كِتَابِ مُعَوّذِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ مُعَوّذِ الزّاهِدِ يَرْفَعُهُ إلى [عبد الرحمن ابْنُ] أَبِي الزّنَادِ عَنْ [هِشَامِ بْنِ] عُرْوَةَ، عَنْ [أَبِيهِ عَنْ] عَائِشَةَ﵂- أَخْبَرَتْ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- سَأَلَ رَبّهُ أَنْ يُحْيِيَ أَبَوَيْهِ، فَأَحْيَاهُمَا لَهُ، وَآمَنَا بِهِ، ثُمّ أَمَاتَهُمَا، وَاَللهُ قَادِرٌ عَلَى كُلّ شَيْءٍ، وَلَيْسَ تَعْجَزُ رَحْمَتُهُ وَقُدْرَتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَنَبِيّهُ ﵇ أَهْلٌ أَنْ يَخُصّهُ بِمَا شَاءَ مِنْ فَضْلِهِ، وَيُنْعِمَ عَلَيْهِ بِمَا شَاءَ مِنْ كَرَامَتِهِ- صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ- قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي تَذْكِرَتِهِ: جَزَمَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ فِي كِتَابِ: السّابِقِ وَاللّاحِقِ، وَأَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ شَاهِينَ فِي كِتَابِ النّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ لَهُ فِي الْحَدِيثِ بِإِسْنَادَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ﵂- قَالَتْ: حَجّ بِنَا رَسُولُ اللهِﷺ- حجة الوداع، فمز عَلَى قَبْرِ أُمّهِ، وَهُوَ بَاكٍ حَزِينٌ مُغْتَمّ، فَبَكَيْت لِبُكَائِهِﷺ- ثُمّ إنّهُ نَزَلَ فَقَالَ: يَا حُمَيْرَاءُ اسْتَمْسِكِي، فَاسْتَنَدْت إلَى جَنْبِ الْبَعِيرِ، فَمَكَثَ عَنّي طَوِيلًا مَلِيّا، ثُمّ إنّهُ عَادَ إلَيّ، وَهُوَ فَرِحٌ مُتَبَسّمٌ، فقلت له: بأبى أنت وأمى
_________________
(١) ورواه البيهقى والبزار والطبرانى فى الكبير وفيه عن الأب: إنه فى النار وقال عنه ابن كثير: غريب ولم يخرجوه من هذا الوجه.
[ ٢ / ١٨٧ ]
[وفاة عبد المطلب: ومارثى به من الشعر]
فلما بلغ رسول اللهﷺ- ثَمَانِي سِنِينَ هَلَكَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْفِيلِ بِثَمَانِي سِنِينَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبّاسٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ: أَنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ تُوُفّيَ وَرَسُولُ اللهِﷺ- ابن ثمانى سنين
ــ
يَا رَسُولَ اللهِ نَزَلْت مِنْ عِنْدِي، وَأَنْتَ بَاكٍ حَزِينٌ مُغْتَمّ. فَبَكَيْت لِبُكَائِك.
ثُمّ عُدْت إلَيّ، وَأَنْتَ فَرِحٌ مُبْتَسِمٌ، فَمِمّ ذَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: ذَهَبْت لِقَبْرِ آمِنَةَ أُمّي، فَسَأَلْت أَنْ يُحْيِيَهَا، فَأَحْيَاهَا فَآمَنَتْ بِي «١»؛ أَوْ قال: فامنت.
وردها الله ﷿.
_________________
(١) قال ابن كثير فى البداية عن حديث ابن أبى الزناد: منكر جدا. وقال فى التفسير عن أحد الأحاديث: وأغرب منه وأشد نكارة مارواه الخطيب البغدادى فى كتاب السابق واللاحق بسند مجهول عن عائشة فى حديث فيه قصة أن الله أحيا أمه الخ وقال الدارقطنى: باطل، وكذا مارواه السهيلى فى الروض بسند فيه جماعة مجهولون أن الله أحيا له أباه وأمه» وقال ابن دحية عن حديث إحياء الأم: «هذا الحديث موضوع يرده القرآن والإجماع. قال تعالى: «ولا الذين يموتون، وهم كفار» وقال: «فيمت وهو كافر» فمن مات كافرا لم ينفعه الإيمان بعد الرجعة، بل لو آمن عند المعاينة لم ينفعه، وكيف بعد الإعادة» ص ١٦٨ ح ١ المواهب. وقيل إن أمه ماتت وسنه أربع كما حكى العراقى ومغلطاى، وقيل: ست وبه قطع ابن إسحاق، وقيل: سبع كما حكاه ابن عبد البر، وقيل: تسع، وينسب إلى حكاية مغلطاى أيضا، وقيل: اثنتا عشرة سنة وشهر وعشرة أيام، وينسب إلى حكاية مغلطاى. وقيل: ثمان، وهو قول ابن حبيب.
[ ٢ / ١٨٨ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ: أَنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ لَمّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، وَعَرَفَ أَنّهُ مَيّتٌ جَمَعَ بَنَاتِهِ، وَكُنّ سِتّ نِسْوَةٍ: صَفِيّةَ، وَبَرّةَ، وَعَاتِكَةَ، وَأُمّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءَ، وَأُمَيْمَةَ، وَأَرْوَى، فَقَالَ لَهُنّ: ابْكِينَ عَلَيّ حَتّى أَسْمَعَ مَا تَقُلْنَ قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يَعْرِفُ هَذَا الشّعْرَ، إلّا أَنّهُ لَمّا رَوَاهُ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ سَعِيدِ بن المسيب، كتبناه:
فقالت صفيّة بنة عبد المطّلب تبكى أباها:
أَرِقْتُ لِصَوْتِ نَائِحَةٍ بِلَيْلٍ عَلَى رَجُلٍ بِقَارِعَةِ الصّعِيدِ
فَفَاضَتْ عِنْدَ ذَلِكُمْ دُمُوعِي عَلَى خَدّي كَمُنْحَدِرِ الْفَرِيدِ
عَلَى رَجُلٍ كَرِيمٍ غَيْرِ وَغْلٍ لَهُ الْفَضْلُ الْمُبِينُ عَلَى الْعَبِيدِ
عَلَى الْفَيّاضِ شَيْبَةَ ذِي الْمَعَالِي أَبِيكِ الْخَيْرِ وَارِثِ كُلّ جُودِ
صَدُوقٍ فِي الْمَوَاطِنِ غَيْرِ نِكْسٍ وَلَا شَخْتِ الْمَقَامِ وَلَا سَنِيدٍ
طَوِيلِ الْبَاعِ، أَرْوَعَ شَيْظَمِيّ مُطَاعٍ فِي عَشِيرَتِهِ حَمِيدٍ
رَفِيعِ الْبَيْتِ أَبْلَجَ ذِي فُضُولٍ وَغَيْثِ النّاسِ فِي الزّمَنِ الْحَرُودِ
كَرِيمِ الْجَدّ لَيْسَ بِذِي وُصُومِ يَرُوقُ عَلَى الْمُسَوّدِ وَالْمَسُودِ
عَظِيمِ الْحِلْمِ مِنْ نَفَرٍ كِرَامٍ خَضَارِمَةٍ مَلَاوِثَة أُسُودٍ
فَلَوْ خَلَدَ امْرُؤٌ لِقَدِيمِ مَجْدٍ وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ إلَى الْخُلُودِ
لَكَانَ مُخَلّدًا أُخْرَى اللّيَالِي لِفَضْلِ الْمَجْدِ وَالْحَسَبِ التّليد
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٨٩ ]
وَقَالَتْ بَرّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا:
أَعَيْنَيّ جُودَا بِدَمْعٍ دِرَرْ عَلَى طَيّبِ الْخِيمِ وَالْمُعْتَصَر
عَلَى مَاجِدِ الْجِدّ وَارَى الزّنَادَ جَمِيلِ الْمُحَيّا عَظِيمِ الخَطَر
عَلَى شَيْبَةِ الْحَمْدِ ذِي الْمَكْرُمَات وَذِي الْمَجْدِ وَالْعِزّ والمُفْتَخَر
وَذِي الْحِلْمِ وَالْفَصْلِ فِي النّائِبَاتِ كَثِيرِ الْمَكَارِمِ، جَمّ الْفَجَر
لَهُ فَضْلُ مَجْدٍ عَلَى قَوْمِهِ مُنِيرٍ، يَلُوحُ كَضَوْءِ القَمَر
أَتَتْهُ الْمَنَايَا، فَلَمْ تُشْوِهِ بِصَرْفِ اللّيالى، وريب القدر
وَقَالَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا:
أَعَيْنِيّ جُودَا، وَلَا تَبْخَلَا بِدَمْعِكُمَا بَعْدَ نَوْمِ النيام
أعينىّ واسحنفرا واسكبا وشوبا بكاء كما بِالْتِدَامِ
أَعَيْنِيّ، وَاسْتَخْرِطَا وَاسْجُمَا عَلَى رَجُلٍ غَيْرِ نِكْسٍ كَهام
عَلَى الْجَحْفَلِ الْغَمْرِ فِي النّائِبَاتِ كَرِيمِ الْمَسَاعِي، وَفِيّ الذّمَام
عَلَى شَيْبَةِ الْحَمْدِ، وَارَى الزّنَاد وَذِي مَصْدَق بَعْدُ ثَبْتِ الْمَقَامِ
وَسَيْفٍ لَدَى الْحَرْبِ صَمْصَامَةٍ وَمُرْدَى الْمُخَاصِمِ عِنْدَ الخصام
وسهل الخليقة طلق اليدين وف عدملي صَمِيمٍ لُهام
تَبَنّكَ فِي بَاذِخٍ بَيْتُهُ رفيع الذّؤابة صعب المرام
وَقَالَتْ أُمّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءِ بنتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تبكى أباها:
أَلَا يَا عَيْنُ جُودِي وَاسْتَهِلّي وَبَكّي ذَا النّدى والمكرمات
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٩٠ ]
أَلَا يَا عَيْنُ وَيْحَك أَسْعِفِينِي بِدَمْعٍ مِنْ دُمُوعٍ هَاطِلَاتٍ
وَبَكّي خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا أَبَاكِ الْخَيْر تَيّارَ الْفُرَاتِ
طَوِيلَ الْبَاعِ شَيْبَةَ ذَا الْمَعَالِي كَرِيمَ الْخِيمِ مَحْمُودَ الْهِبَاتِ
وَصُولًا لِلْقَرَابَةِ هِبْرَزِيّا وَغَيْثًا فِي السّنِينَ الْمُمْحِلَاتِ
وَلَيْثًا حَيْنَ تَشْتَجِرُ الْعَوَالِي تَرُوقُ لَهُ عُيُونُ النّاظِرَاتِ
عَقِيلَ بَنِي كِنَانَةَ وَالْمُرَجّى إذَا مَا الدّهْرُ أَقْبَلَ بِالْهَنَاتِ
وَمَفْزَعَهَا إذَا مَا هَاجَ هَيْجٌ بِدَاهِيَةٍ، وَخَصْمَ الْمُعْضِلَات
فَبَكّيهِ، وَلَا تسمي بِحُزْنٍ وبكّى، ما بقيت، الباكيات
وَقَالَتْ أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا:
أَلَا هَلَك الرّاعِي الْعَشِيرَةَ ذُو الْفَقْدِ وَسَاقِي الْحَجِيجِ، وَالْمُحَامِي عَنْ الْمَجْدِ
وَمَنْ يُؤْلَفُ الضّيْفَ الْغَرِيبَ بُيُوتَهُ إذَا مَا سَمَاءُ النّاس تَبْخَلُ بِالرّعْدِ
كَسَبْتَ وَلَيَدًا خَيْرَ مَا يَكْسِبُ الْفَتَى فَلَمْ تَنْفَكِكْ تَزْدَادُ يَا شَيْبَةَ الْحَمْدِ
أَبُو الْحَارِثِ الْفَيّاضُ، خَلّى مَكَانَهُ فَلَا تُبْعِدَنْ، فَكُلّ حَيّ إلَى بُعْدٍ
فَإِنّي لَبَاكٍ- مَا بَقِيتُ- وَمُوجَعٌ وَكَانَ لَهُ أَهْلًا لِمَا كَانَ مِنْ وَجْدِي
سَقَاكَ وَلِيّ النّاسِ فِي القَبرُ مُمْطِرًا فَسَوْفَ أُبَكّيهِ، وَإِنْ كَانَ فِي اللّحْدِ
فَقَدْ كَانَ زَيْنًا لِلْعَشِيرَةِ كُلّهَا وَكَانَ حَمِيدًا حَيْثُ ما كان من حمد
وَقَالَتْ أَرْوَى بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا:
بَكَتْ عَيْنَيّ، وَحُقّ لَهَا الْبُكَاءُ عَلَى سَمْحٍ، سجيّته الحياء
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٩١ ]
عَلَى سَهْلِ الْخَلِيقَةِ أبْطَحيّ كَرِيمِ الْخِيمِ، نِيّتُهُ الْعَلَاءُ
عَلَى الْفَيّاضِ شَيْبَةَ ذِي الْمَعَالِي أَبِيكِ الْخَيْرِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ
طَوِيلِ الْبَاعِ أَمْلَسَ، شَيْظميّ أَغَرّ كَأَنّ غُرّتَهُ ضِيَاءُ
أَقَبّ الْكَشْحِ، أَرُوعَ ذِي فُضُولٍ لَهُ الْمَجْدُ الْمُقَدّمُ وَالسّنَاءُ
أَبِيّ الضّيْمِ، أَبْلَجَ هِبْرَزِيّ قَدِيمِ الْمَجْدِ لَيْسَ له خفاء
وَمَعْقِلِ مَالِكٍ، وَرَبِيعِ فِهْرٍ وَفَاصِلِهَا إذَا اُلْتُمِسَ الْقَضَاءُ
وَكَانَ هُوَ الْفَتَى كَرَمًا وَجُودًا وَبَأْسًا حَيْنَ تَنْسَكِبُ الدّمَاءُ
إذَا هَابَ الْكُمَاةُ الْمَوْتَ حَتّى كَأَنّ قُلُوبَ أَكْثَرِهِمْ هَوَاءُ
مَضَى قُدُمًا بِذِي رُبَدٍ خَشِيبٍ عَلَيْهِ حَيْنَ تُبْصِرهُ الْبَهَاءُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمَ لِي مُحَمّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ أَنّهُ أَشَارَ بِرَأْسِهِ، وَقَدْ أصمت: أن هكذا فابكيننى.
قال ابن هشام: الْمُسَيّبُ بْنُ حَزْنِ بْنِ أَبِي وَهْبِ بْنِ عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزوم.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ غَانِمٍ أَخُو بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ يَبْكِي عَبْدَ الْمُطّلِبِ بْنَ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَاف، وَيَذْكُرُ فَضْلَهُ، وَفَضْلَ قُصَيّ عَلَى قُرَيْشٍ، وَفَضْلَ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ أَنّهُ أُخِذَ بِغُرْمِ أَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ بِمَكّةَ، فَوَقَفَ بِهَا فَمَرّ بِهِ أَبُو لَهَبٍ عَبْدُ الْعُزّى بن عبد المطّلب، فافتكّه:
أَعَيْنِيّ جُودَا بِالدّمُوعِ عَلَى الصّدْرِ وَلَا تَسْأَمَا، أُسْقِيتُمَا سَبَلَ الْقَطْرِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٩٢ ]
وَجُودَا بِدَمْعٍ، وَاسْفَحَا كُلّ شَارِقٍ بُكَاءَ امْرِئٍ لَمْ يُشْوِهِ نَائِبُ الدّهْرِ
وَسُحّا، وَجُمّا، وَاسْجُمَا مَا بَقِيتُمَا عَلَى ذِي حَيَاءٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَذِي سِتْرِ
عَلَى رَجُلٍ جَلْدِ الْقُوَى، ذِي حَفِيظَةٍ جَمِيلِ الْمُحَيّا غَيْرِ نِكْسٍ وَلَا هَذْرِ
على الماجد البهلول ذى الباع والّلهى رَبِيعِ لُؤَى فِي الْقُحُوط وَفِي الْعُسْرِ
عَلَى خير حَافٍ مِنْ مُعَدّ وَنَاعِلٍ كَرِيمَ الْمَسَاعِي، طَيّبَ الْخِيمِ وَالنّجْرِ
وَخَيْرُهُمْ أَصْلًا وَفَرْعًا وَمَعْدِنًا وَأَحْظَاهُمْ بِالْمُكْرَمَاتِ وَبِالذّكْرِ
وَأَوْلَاهُمْ بِالْمَجْدِ وَالْحِلْمِ وَالنّهَى وَبِالْفَضْلِ عِنْدَ الْمُجْحِفَاتِ مِنْ الْغُبْرِ
عَلَى شَيْبَةِ الْحَمْدِ الّذِي كَانَ وَجْهُهُ يُضِيءُ سَوَادَ اللّيْلِ كَالْقَمَرِ البدر
وساقى الحجيج ثم للخبز هاشم وعبد مناف، ذلك السيد الفهري
طوى زَمزَما عِنْدَ الْمَقَامِ، فَأَصْبَحَتْ سِقَايَتُهُ فَخْرًا عَلَى كُلّ ذِي فَخْرٍ
لِيَبْكِ عَلَيْهِ كُلّ عَانٍ بِكُرْبَةٍ وَآلُ قُصَيّ مِنْ مُقِلّ وَذِي وَفْرٍ
بَنُوهُ سَرَاةَ، كَهْلُهُمْ وَشَبَابُهُمْ تَفَلّقَ عَنْهُمْ بَيْضَةُ الطّائِرِ الصّقْرِ
قُصَيّ الّذِي عَادَى كِنَانَةَ كُلّهَا وَرَابَطَ بَيْتَ اللهِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ
فَإِنْ تَكُ غَالَتْهُ الْمَنَايَا وَصَرْفُهَا فَقَدْ عَاشَ مَيْمُونَ النّقِيبَةِ وَالْأَمْرِ
وَأَبْقَى رِجَالًا سَادَةً غَيْرَ عُزّلٍ مصاليت، أَمْثَالَ الرّدَيْنِيّةِ السّمْرِ
أَبُو عُتْبَةَ الْمُلْقَى إلىّ حباءه أغرّ، هجان اللّون من نفرغرّ
وَحَمْزَةُ مِثْلُ الْبَدْرِ، يَهْتَزّ لِلنّدَى نَقِيّ الثّيَابِ وَالذّمَامِ مِنْ الْغَدْرِ
وَعَبْدُ مَنَاف مَاجِدٌ ذُو حَفِيظَةٍ وَصُولٌ لِذِي الْقُرْبَى رَحِيمٌ بِذِي الصّهْرِ
كُهُولُهُمْ خَيْرُ الْكُهُولِ، وَنَسْلُهُمْ كَنَسْلِ الْمُلُوكِ، لَا تَبُورُ وَلَا تَحَرّى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٩٣ ]
مَتَى مَا تُلَاقِي مِنْهُمْ الدّهْرَ نَاشِئًا تَجِدْهُ بإجريّا أوائله يجرى
هُمْ مَلَئُوا الْبَطْحَاءَ مَجْدًا وَعِزّةً إذَا اُسْتُبِقَ الْخَيْرَاتُ فِي سَالِفِ الْعَصْرِ
وَفِيهِمْ بُنَاةٌ لِلْعُلَا، وَعِمَارَةٌ وَعَبْدُ مَنَاف جَدّهُمْ، جَابِرُ الْكَسْرِ
بِإِنْكَاحِ عَوْفٍ بِنْتَه، لِيُجِيرَنَا مِنْ أَعْدَائِنَا إذْ أَسْلَمَتْنَا بَنُو فِهْرِ
فَسِرْنَا تهامي الْبِلَادِ وَنَجْدَهَا بِأَمْنِهِ حَتّى خَاضَتْ الْعِيرُ فِي الْبَحْرِ
وَهُمْ حَضَرُوا وَالنّاسُ بَادٍ فَرِيقُهُمْ وَلَيْسَ بِهَا إلّا شُيُوخُ بَنِي عَمْرِو
بَنَوْهَا دِيَارًا جَمّةً، وَطَوَوْا بِهَا بئارا تسحّ الماء من ثبج البحر
لَكَيْ يَشْرَبَ الْحُجّاجُ مِنْهَا، وَغَيْرُهُمْ إذَا ابْتَدَرُوهَا صُبْحَ تَابِعَةِ النّحْرِ
ثَلَاثَةُ أَيّامٍ تَظَلّ رِكَابُهُمْ مُخَيّسَةً بَيْنَ الْأَخَاشِب وَالْحِجْرِ
وَقِدْمًا غَنِيّنَا قَبْلَ ذَلِكَ حِقْبَةً وَلَا نَسْتَقِي إلّا بِخُمّ أَوْ الْحَفْرِ
وَهُمْ يَغْفِرُونَ الذّنْبَ يُنْقَمُ دُونَهُ وَيَعْفُونَ عَنْ قَوْلِ السّفَاهَةِ وَالْهُجْرِ
وَهُمْ جَمَعُوا حِلْفَ الْأَحَابِيشِ كلّها وَهُمْ نَكّلُوا عَنّا غُوَاةَ بَنِي بَكْرِ
فَخَارِجَ، إمّا أَهْلكُنّ، فَلَا تَزَلْ لَهُمْ شَاكِرًا حَتّى تُغَيّبَ فِي الْقَبْرِ
وَلَا تَنْسَ مَا أَسُدَى ابْنُ لُبْنَى؛ فَإِنّهُ قَدْ أَسْدَى يَدًا مَحْقُوقَةً مِنْك بِالشّكْرِ
وَأَنْتَ ابْنُ لُبْنَى مِنْ قُصَيّ إذَا انْتَمَوْا بِحَيْثُ انْتَهَى قَصْدُ الْفُؤَادِ مِنْ الصّدْرِ
وَأَنْتَ تَنَاوَلْتَ الْعُلَا، فَجَمَعْتَهَا إلَى مَحْتِدٍ لِلْمَجْدِ ذِي ثَبَجِ جَسْرِ
سَبَقْتَ، وَفُتّ الْقَوْمَ بَذْلًا وَنَائِلًا وَسُدْت وَلَيَدًا كُلّ ذى سؤدد غَمْرِ
وَأُمّك سِرّ مِنْ خُزَاعَةَ جَوْهَر إذَا حَصّلَ الْأَنْسَابَ يَوْمًا ذَوُو الْخُبْرِ
إلَى سَبَأِ الْأَبْطَالِ تُنَمّى، وَتَنْتَمِي فَأَكْرِمْ بِهَا مَنْسُوبَةً فِي ذرا الزّهر
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٩٤ ]
أَبُو شمر مِنْهُمْ، وَعَمْرُو بْنُ مَالِكٍ وَذُو جَدَن مِنْ قَوْمِهَا وَأَبُو الْجَبْرِ
وَأَسْعَدُ قَادَ النّاسَ عِشْرِينَ حِجّةً يُؤَيّدُ فِي تِلْكَ الْمَوَاطِنِ بالنّصر
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: «أُمّك سِرّ مِنْ خُزَاعَةَ»، يَعْنِي: أَبَا لَهَبٍ، أُمّهُ: لُبْنَى بِنْتُ هَاجِرٍ الْخُزاَعِيّ. وَقَوْلُهُ: «بِإِجْرِيّا أَوَائِلُهُ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسحاق.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ مَطْرُودُ بْنُ كَعْبٍ الْخُزاَعِيّ يَبْكِي عَبْدَ الْمُطّلِبِ وبَني عَبْدِ مَنَافٍ:
يَا أَيّهَا الرّجُلُ الْمُحَوّلُ رَحْلَهُ هَلّا سَأَلْتَ عَنْ آلِ عَبْدِ مَنَافِ
هَبَلَتْكَ أُمّك، لَوْ حَلَلْتَ بِدَارِهِمْ ضَمِنُوك مِنْ جُرْمٍ وَمِنْ إقْرَافِ
الْخَالِطِينَ غَنِيّهُمْ بِفَقِيرِهِمْ حَتّى يَعُودَ فَقِيرُهُمْ كَالْكَافِي
الْمُنْعِمِينَ إذَا النّجُومُ تَغَيّرَتْ وَالظّاعِنِينَ لِرِحْلَةِ الْإِيلَافِ
والمنعمين إذَا الرّيَاحُ تَنَاوَحَتْ حَتّى تَغِيبَ الشّمْسُ فِي الرّجّافِ
إمّا هَلَكْتَ أَبَا الْفِعَالِ فَمَا جَرَى مِنْ فَوْقِ مِثْلِك عَقْدُ ذَاتِ نِطَافِ
إلّا أَبِيكَ أَخِي الْمَكَارِمِ وَحْدَهُ وَالْفَيْضِ مُطّلِبٍ أَبِي الأضياف
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا هَلَكَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ بن هاشم ولى زمزم والسّقاية عليهما بَعْدَهُ الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَهُوَ يَوْمئِذٍ من أحدث إخوته سنّا، فلم تزل إليه، حتى قام الإسلام وهى بيده. فَأَقَرّهَا رَسُولُ اللهِﷺ- لَهُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ وِلَايَتِهِ، فَهِيَ إلَى آلِ الْعَبّاسِ، بِوِلَايَةِ الْعَبّاسِ إيّاهَا، إلَى اليوم.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٩٥ ]
[كِفَالَةُ أَبِي طَالِبٍ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ]
وكان رسول اللهﷺ- بَعْدَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ مَعَ عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- يُوصِي بِهِ عمّه أبا طالب، وَذَلِكَ لِأَنّ عَبْدَ اللهِ أَبَا رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَبَا طَالِبٍ أَخَوَانِ لِأَبٍ وَأُمّ أُمّهُمَا: فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَائِذُ بْنُ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ [بن يقظة بن مرّة] .
قال ابن هاشم: عائذ بن عمران بن مخزوم.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ هُوَ الّذِي يَلِي أَمْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ جَدّهِ، فَكَانَ إلَيْهِ وَمَعَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، أَنّ أَبَاهُ حَدّثَهُ:
أَنّ رَجُلًا مِنْ لَهَبٍ- قَالَ ابْنُ هشام: ولهب: من أزدشنوءة- كان عَائِفًا، فَكَانَ إذَا قَدِمَ مَكّةَ أَتَاهُ رِجَالُ قُرَيْشٍ بِغِلْمَانِهِمْ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَيَعْتَافُ لَهُمْ فِيهِمْ. قَالَ: فَأَتَى بِهِ أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ غُلَامٌ مَعَ مَنْ يَأْتِيهِ، فَنَظَرَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمّ شَغَلَهُ عَنْهُ شَيْءٌ، فَلَمّا فَرَغَ قَالَ: الْغُلَامُ. عَلَيّ بِهِ، فَلَمّا رَأَى أَبُو طَالِبٍ حِرْصَهُ عَلَيْهِ غَيّبَهُ عَنْهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: وَيْلَكُمْ! رُدّوا عَلَيّ الْغُلَامَ الذى رأيت آنفا، فو الله لَيَكُونَنّ لَهُ شَأْنٌ. قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو طَالِبٍ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ١٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفَاةُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ قَوْلُ صَفِيّةَ:
فَفَاضَتْ عِنْدَ ذَلِكُمْ دُمُوعِي عَلَى خَدّي كَمُنْحَدِرِ الْفَرِيدِ
يُرْوَى: كَمُنْحَدِرِ بِكَسْرِ الدّالِ أَيْ: كَالدّرّ الْمُنْحَدِرِ، وَمُنْحَدَرٌ بِفَتْحِ الدّالِ فَيَكُونُ التّشْبِيهُ رَاجِعًا لِلْفَيْضِ، فَعَلَى رِوَايَةِ الْكَسْرِ: شَبّهَتْ الدّمْعَ بِالدّرّ الْفَرِيدِ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْفَتْحِ شَبّهَتْ الْفَيْضَ بِالِانْحِدَارِ.
وَقَوْلُهَا: أَبِيك الْخَيْرِ. أَرَادَتْ: الْخَيّرَ فَخَفّفَتْ، كَمَا يُقَالُ: هَيْنٌ وهيّن، وفى التنزيل: (خَيْرَاتٌ حِسَانٌ) الرّحْمَنُ: ٧٠. وَكَانَ اسْمُ أُمّ الدّرْدَاءِ: خَيْرَةُ بِنْتُ أَبِي حَدْرَدٍ «١» وَكَذَلِكَ أُمّ الْحَسَنِ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ، اسْمُهَا: خَيْرَةُ، فَهَذَا مِنْ الْمُخَفّفِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَيْرُ هَهُنَا هُوَ ضِدّ الشّرّ، جَعَلَتْهُ كُلّهُ خَيْرًا عَلَى الْمُبَالَغَةِ كَمَا تَقُولُ: مَا زَيْدٌ إلّا عِلْمٌ أَوْ حُسْنٌ، وَمَا أَنْتَ إلّا سَيْرٌ، وَهُوَ مَجَازٌ حَسَنٌ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يُثَنّى ولا يجمع ولا يؤنّث، فيقال: خيرة.
_________________
(١) هى صحابية، وكانت زوجا لأبى الدرداء. وكانت له زوجتان كل واحدة منهما كنيتها: أم الدرداء، وهما كبرى وصغرى. والكبرى: هى الصحابية، والصغرى: تابعية، وهى التى روت فى الصحيح. أما الكبرى فليس لها فى الصحيحين حديث، وهى خيرة بنت أبى حدرد، واسمه: سلامة بن عمير، وهى أسلمية وفى القاموس: أبو الحدرد الأسلمى: صحابى، ولم يجىء فعلع بتكرير العين غيره. والحدرد: القصير.
[ ٢ / ١٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهَا: وَلَا شَخْتِ الْمَقَامِ وَلَا سَنِيدِ: الشّخْتُ: [الدّقِيقُ الضّامِرُ لَا هُزَالًا] ضِدّ الضّخْمِ، تَقُولُ: لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنّهُ ضَخْمُ الْمَقَامِ ظَاهِرُهُ. وَالسّنِيدُ:
الضّعِيفُ الّذِي لَا يَسْتَقِلّ بِنَفْسِهِ، حَتّى يُسْنَدُ رَأْيُهُ إلَى غَيْرِهِ.
وَقَوْلُهَا: خَضَارِمَةٍ مَلَاوِثَةٍ. مَلَاوِثَةٌ: جَمْعُ مِلْوَاثٍ «١» مِنْ اللّوْثَةِ، وَهِيَ الْقُوّةُ، كَمَا قَالَ الْمُكَعْبَرُ:
عِنْدَ الْحَفِيظَةِ إنْ ذُو لَوْثَةٍ لَاثَا
وَقَدْ قِيلَ: إنّ اسْمَ اللّيْثِ مِنْهُ أُخِذَ، إلّا أَنّ وَاوَه انْقَلَبَتْ يَاءً؛ لِأَنّهُ فَيْعَلٌ، فَخُفّفَ كَمَا تَقَدّمَ: فِي هَيْنٍ وَهَيّنٍ، وَلَيْنٍ وَلَيّنٍ.
وَقَوْلُ بَرّةَ:
أَتَتْهُ الْمَنَايَا فَلَمْ تُشْوِهِ
أَيْ: لَمْ تُصِبْ الشّوَى «٢»، بَلْ أَصَابَتْ الْمَقْتَلَ، وَقَدْ تَقَدّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَضَرْبِهِ بِالْقِدَاحِ عَلَى عَبْدِ اللهِ، وَكَانَ يَرَى أَنّ السّهْمَ إذَا خَرَجَ عَلَى غَيْرِهِ أَنّهُ قَدْ أُشْوِيَ، أَيْ: قَدْ أَخْطَأَ مَقْتَلَهُ، أَيْ: مقتل عبد المطلب وابنه،
_________________
(١) فى اللسان: الملاث بفتح الميم والملوث: السيد الشريف والشيظمى: الفتى الجسم. والخضارمة: جمع خضرم بكسر الخاء والراء: الكثير العطاء. النكس: الضعيف الذى لا خير فيه. الحرود: الناقة القليلة الدر.
(٢) الشواة: جلدة الرأس، والشوى: اليدان والرجلان والأطراف، وما كان غير مقتل.
[ ٢ / ١٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمَنْ رَوَاهُ: أَشْوَى بِفَتْحِ الْوَاوِ فَالسّهْمُ هُوَ الّذِي أَشْوَى وَأَخْطَأَ، وَبِكِلَا الضّبْطَيْنِ وَجَدْته، وَيُقَالُ أَيْضًا: أَشْوَى الزّرْعُ: إذَا أَفْرَكَ «١» فَالْأَوّلُ مِنْ الشّوَى، وَهَذَا مِنْ الشّيّ بِالنّارِ، قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَوْلُ عَاتِكَةَ: وَمِرْدَى الْمُخَاصِمِ «٢»، الْمِرْدَى: مِفْعَلٌ مِنْ الرّدَى، وَهُوَ الْحَجَرُ الّذِي يَقْتُلُ مَنْ أُصِيبَ بِهِ، وَفِي الْمَثَلِ: كُلّ ضَبّ عِنْدَهُ مِرْدَاتُهُ «٣» [أَيْ:
يَقْرُبُ مِنْهُ حَتْفُهُ، لِأَنّهُ يُرْمَى بَهْ فَيُقْتَلُ]
وَقَوْلُهَا: وَفٍ. أَيْ: وَفِيّ، وَخُفّفَ للضرورة، وقولها: عُدْمِلِيّ. الْعُدْمِلِيّ:
[وَالْعُدَامِلُ وَالْعُدَامِلِيّ] الشّدِيدُ. وَاللهَام: فَعَالٍ مِنْ لَهِمْت الشّيْءَ أَلْهَمُهُ: إذَا، ابْتَلَعْته، قَالَ الرّاجِزُ: [رُؤْبَةُ بْن الْعَجّاجِ] .
كَالْحُوتِ لَا يَرْوِيهِ شَيْءٌ يَلْهَمُهْ يُصْبِحُ عَطْشَانًا «٤» وَفِي الْبَحْرِ فَمُهْ
ومنه سمى الجيش: لهاما
_________________
(١) أفرك: حان له أن يفرك. وفى اللسان: أشوى القمح: أفرك، وصلح أن يشوى.
(٢) هذا والخيم فى قصيدة برة: السجية والطبيعة. وطيب المعتصر: جواد حين يسأل.
(٣) فى الأصل: عند. وفى مجمع الأمثال وسمط اللالىء: «عنده» . والمرداة: الحجر الذى يرمى به، والضب قليل الهداية. فلا يتخذ جحره إلا عند حجر يكون علامة له. فمن قصده. فالحجر الذى يرمى الضب به يكون بالقرب منه. فمعنى المثل: لا تأمن الحدثان والغير. فإن الافات معدّة مع كل أحد: يصرب لمن بتعرض للهلكسة.
(٤) فى ديوان رؤبة: ظمان. وانظر ص ٣٤٣ ح ٤ خزانة البغدادى.
[ ٢ / ١٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهَا: عَلَى الْجَحْفَلِ. جَعَلَتْهُ كَالْجَحْفَلِ، أَيْ: يَقُومُ وَحْدَهُ مَقَامَهُ، وَالْجَحْفَلُ: لَفْظٌ مَنْحُوتٌ مِنْ أَصْلِينَ، مِنْ: جَحَفَ وَجَفَلَ، وَذَلِك أَنّهُ يُجْحِفُ مَا يَمُرّ عَلَيْهِ أَيْ: يُقَشّرُهُ وَيَجْفِلُ: أَيْ يَقْلَعُ «١» وَنَظِيرُهُ نَهْشَلُ: الذّئْبُ، هُوَ عِنْدَهُمْ مَنْحُوتٌ مِنْ أَصْلَيْنِ أَيْضًا، مِنْ: نَهَشْت اللّحْمَ وَنَشَلْته «٢» وَعَاتِكَةُ: اسْمٌ مَنْقُولٌ مِنْ الصّفَاتِ، يُقَالُ: امْرَأَةٌ عَاتِكَةٌ، وَهِيَ الْمُصَفّرَةُ لِبَدَنِهَا بِالزّعْفَرَانِ وَالطّيبِ. وَقَالَ الْقُتَبِيّ: عَتَكَتْ الْقَوْسُ: إذَا قَدُمَتْ «٣» وَبِهِ سُمّيَتْ الْمَرْأَةُ.
وَالْقَوْلُ الْأَوّلُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَوْلُ أَرْوَى: وَمَعْقِلُ مَالِكٍ وَرَبِيعُ فِهْرٍ. تُرِيدُ: بَنِي مَالِكِ بن النضر ابن كِنَانَةَ. وَقَوْلُهَا: بِذِي رُبَدٍ. تُرِيدُ: سَيْفًا ذَا طَرَائِقَ. وَالرّبَدُ: الطّرَائِقُ.
وَقَالَ صَخْرٌ الْغَيّ [الْهُذَلِيّ]:
وَصَارِمٌ أُخْلِصَتْ خَشِيبَتُهُ أَبْيَضُ مَهْوٌ فِي مَتْنِهِ ربد «٤»
_________________
(١) يجفل فى اللسان ويجحف: يقشر: وفى الأصل: حجف بدلا من جحف، وهذه أثبتها لخطأ الأولى.
(٢) نهشه: كمنعه، نهسه. والنهس: أخذ اللحم بمقدم الأسنان ونتفه. ونشل اللحم: أخرجه من القدر بيده بلا مغرفة، أو أخذ بيده عضوا، فتناول ما عليه من اللحم بفيه.
(٣) فى القاموس: عتك القوس عتكا. وعتوكا، فهى عاتك: احمرت قدما، وكذلك فى اللسان.
(٤) خشيبة فى الأصل: خشيشة، وهو خطأ صوبته من اللسان. والخشيبة: الطبيعة أخلصتها المداوس والصقل، يقال: خشب السيف: طبعه أو صقله. المهو: السيف الرقيق الشفرتين، وهى على وزن فلع، لأنها مقلوبة من موه، لأنها من الماء الذى لامه
[ ٢ / ٢٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُ عَاتِكَةَ: تَبَنّكَ فِي بَاذِخٍ بَيْتُهُ. أَيْ: تَبَنّكَ بَيْتُهُ فِي بَاذِخٍ مِنْ الشّرَفِ، وَمَعْنَى تَبَنّكَ: تَأَصّلَ مِنْ الْبُنْكِ وَهُوَ: الْأَصْلُ. وَالْبُنْكُ أَيْضًا:
ضَرْبٌ مِنْ الطّيبِ، وَهُوَ أَيْضًا عُودُ السوس «١» [شجر يغمى به البيوت،
_________________
(١) هاء، بدليل قولهم فى جمعه: أمواه. والربد: شبه غبار أو مدب نمل فى جوهره وقيل: الخشب الذى فى السيف هو أن يضع عليه سنانا عريضا أملس، فيدلكه به. والمعنى: أن هذا السيف أرق حتى صار كالماء فى رقته. والبيت فى اللسان فى مادة خشب: ومرهف- برفعها ورفع أبيض- ومهو. وفى مادة: مها «وصارم» كما فى الروض، وقد ورد البيت فى معجم ابن فارس فى مادة ربد كما فى الروض وقال عن الربد: «فأما ربد السيف فهو فرند ديباجته، وهى هذلية» . وقال فى مهو: «وسيف مهو: رقيق الحد كأنه يمر فى الضريبة مر الماء» واللسان يرويه فى مادتى ربد ومهو كما ذكر الأستاذ عبد السلام هارون فى تعليقه على معجم ابن فارس. ويوجد البيت فى ديوان الهذليين وشرح السكرى للهذليين.. ومن معانى قصيدة عاتكة: اسحنفرا: صبا الدموع بكثرة. الالتدام: ضرب النساء وجوههن فى النياحة. استخرط الرجل فى البكاء: لج فيه. الكهام: الرجل الكليل السن. ومن معانى قصيدة أم حكيم: استهلى، أظهرى البكاء. التيار: معظم الماء. والفرات: الماء العذب. الهبرزىّ: الحاذق فى أموره. تشتجر العوالى: تختلط الرماح فى الحرب. الهنات: جمع هنة، وهى كناية عن القبيح. ولا تسمى، أرادت: ولا تسأمى. ومن غريب شعر أميمة: ذو الفقد: الفياض الكثير العطاء، فإنى لباك: أخبرت عن نفسها إخبار المذكر على معنى الشخص. ومن غريب شعر أروى، السجية: الطبيعة، أبطحى: نسبة إلى بطحاء مكة، وهو الموضع السهل منها. الأقب: الضامر. الكشح: الخصر.
(٢) فى اللسان وفى القاموس ما وضعته بين قوسين عن عود السوس، ويقول الأزهرى عن البنك: إنها فارسية ومعناها: الأصل. ولهذا يقول ابن فارس فى مادة بنك: كلمة واحدة وهو قولهم: تبنك بالمكان، أقام به.
[ ٢ / ٢٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَيَدْخُلُ عَصِيرُهُ فِي الْأَدْوِيَةِ، وَفِي عُرُوقِهِ حَلَاوَةٌ شَدِيدَةٌ، وَفِي فُرُوعِهِ مَرَارَةٌ] .
وَقَوْلُهُ: فَأَشَارَ إلَيْهِنّ بِرَأْسِهِ، وَقَدْ أَصْمَتَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ، هَكَذَا قَيّدَهُ الشّيْخُ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، وَيُقَالُ: صَمَتَ وَأَصْمَتَ، وَسَكَتَ وَأَسْكَتَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، [وَسَمَحَ وَأَسْمَحَ، وَعَصَفَتْ الرّيحُ وَأَعْصَفَتْ، وَطَلَعْت عَلَى الْقَوْمِ وَأَطْلَعْت. ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي أَدَبِ الْكَاتِبِ] .
أَبُو جَهْمٍ:
وَذَكَرَ شِعْرَ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ الْعَدَوِيّ، وَهُوَ وَالِدُ أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ «١»، وَاسْمُ أَبِي جهم: عبيد، وهو الذى أهدى الخميصة «٢»
_________________
(١) قال البخارى وجماعة: اسمه عامر، وكنيته فى الإصابة: أبو الجهم. وأبو جهم من المعمرين، وفى نسب قريش: أبو جهم بن حذيفة بن غانم، بن عامر، ابن عبد الله بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ، بْنِ عَدِيّ بْنِ كعب القرشى العدوى. وقد ضبط النووى عبيد بفتح العين، وضبطت فى النسب بضمها. انظر ص ٣٦٩ نسب قريش، وترجمة أبى جهم فى التهذيب للنووى.
(٢) الخميصة، ثوب حر، أو صوف معلم، وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلة، وكانت من لباس الناس قديما. وهو يشير إلى ما روى فى الصحيحين من طريق عروة عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: صلى النبى﵌- فى خميصة لها أعلام، فقال: اذهبوا بخميصتى هذه إلى أبى جهم، وائتونى بأنبجانية أبى جهم، فإنها ألهتنى آنفا عن صلاتى. والأنبجانية- بفتح الباء وكسرها وفتح الهمزة- نسبة إلى منبج أو أنبجان، وهو كساء يتخذ من الصوف، وله خمل [القطيفة أو أهدابها]، ولا علم له، وهى من أدون الثياب الغليظة. وإنما طلب الرسول ﷺ هذه الأنبجانية لئلا يؤثر رد الهدية- وهى الخميصة- فى قلبه.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِرَسُولِ اللهِﷺ- فَنَظَرَ إلَى عَلَمِهَا. الْحَدِيثُ. وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- أُتِيَ بِخَمِيصَتَيْنِ، فَأَعْطَى إحْدَاهُمَا أَبَا جَهْمٍ، وَأَمْسَكَ الْأُخْرَى، وَفِيهَا عَلَمٌ، فَلَمّا نَظَرَ إلَى عَلَمِهَا فِي الصّلَاةِ أَرْسَلَهَا إلَى أَبِي جَهْمٍ، وَأَخَذَ الْأُخْرَى بَدَلًا مِنْهَا، هَكَذَا رَوَاهُ الزّبَيْرُ «١» . وَأُمّ أَبِي جَهْمٍ: يسيرة بنت عبد الله بن أذاة ابن رِيَاحٍ، وَابْنُ أَذَاةَ: هُوَ خَالُ أَبِي قُحَافَةَ، وَسَيَأْتِي نَسَبُ أُمّهِ، وَقَدْ قِيلَ:
إنّ الشّعْرَ لَحُذَافَةَ بْنِ غَانِمٍ، وَهُوَ أَخُو حُذَيْفَةَ وَالِدُ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ، وَلَهُ يَقُولُ فِيهِ: أَخَارِجُ إنْ أَهْلِكْ. وَفِي الشّعْرِ: غَيْرُ نِكْسٍ وَلَا هَذْرٍ. النّكْسُ مِنْ السّهَامِ: الّذِي نُكّسَ فِي الْكِنَانَةِ لِيُمَيّزَهُ الرّامِي، فَلَا يَأْخُذُهُ لِرَدَاءَتِهِ. وَقِيلَ:
الّذِي انْكَسَرَ أَعْلَاهُ، فَنُكّسَ وَرُدّ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ، وهو غير جيد للرمى.
وقوله: لاتبور ولاتحرى. أَيْ: لَا تَهْلِكُ وَلَا تُنْقَصُ، وَيُقَالُ لِلْأَفْعَى: حَارِيَةٌ لِرِقّتِهَا «٢» وَفِي الْحَدِيثِ: مَا زَالَ جِسْمُ أَبِي بَكْرٍ يَحْرِي حُزْنًا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَيْ: يَنْقُصُ لَحْمُهُ، حَتّى مَاتَ، وَالْإِجْرِيّاءُ: السّيرَةُ وَهِيَ إفْعِيلَاءُ مِنْ الْجَرْيِ «٣»، وَلَيْسَ لَهَا نَظِيرٌ فِي الْأَبْنِيَةِ إلّا الإهجيرا فى معنى
_________________
(١) رواه مرسلا.
(٢) هى التى كبرت، ونقص جسمها، ولم يبق إلا رأسها ونفسها وسمها.
(٣) فى الأصل: إحرياء والحرى بالحاءه وهو خطأ صوابه ما أثبته. والإجرياء فى اللسان: الوجه الذى تأخذ فيه، وتجرى عليه. وتقصر وتمد.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْهِجّيرَى «١»
وَفِيهَا قَوْلُهُ: وَلَيْسَ بِهَا إلّا شُيُوخُ بَنِي عَمْرِو. يُرِيدُ: بَنِي هَاشِمٍ؛ لِأَنّ اسْمَهُ عَمْرٌو.
وَفِيهَا: غَيْرُ عُزّلٍ، وَهُوَ: جَمْعُ أَعْزَلَ، وَلَا يُجْمَعُ أَفْعَلُ عَلَى فُعّلٍ، وَلَكِنْ جَاءَ هَكَذَا؛ لِأَنّ الْأَعْزَلَ فِي مُقَابَلَةِ الرّامِحِ «٢» وَقَدْ يَحْمِلُونَ الصّفَةَ عَلَى ضِدّهَا، كَمَا قَالُوا: عَدُوّةُ- بِتَاءِ التّأْنِيثِ- حَمْلًا عَلَى صَدِيقَةٍ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَجْرَاهُ مَجْرَى: حُسّرٍ جَمْعُ: حَاسِرٍ؛ لِأَنّهُ قَرِيبٌ مِنْهُ فِي الْمَعْنَى «٣»
تَهَامٌ وَشَآمٌ:
وَقَوْلُهُ: فَسِرْنَا تِهَامِيّ الْبِلَادِ مُخَفّفًا مِثْلَ يَمَانِيَا، وَالْأَصْلُ فِي يَمَانٍ: يَمَنِيّ، فَخَفّفُوا الْيَاءَ، وَعَوّضُوا مِنْهَا أَلِفًا، وَالْأَصْلُ فِي تَهَامِ: تِهَامِيّ بِكَسْرِ التّاءِ مِنْ تَهَامِيّ لِأَنّهُ مَنْسُوبٌ إلَى تِهَامَةَ «٤» وَلَكِنّهُمْ حَذَفُوا إحْدَى الْيَاءَيْنِ، كَمَا فَعَلُوا فِي يمان
_________________
(١) الدأب والعادة والقول السىء وكثرة الكلام. ولا تكاد تستعمل إلا فى العادة الذميمة.
(٢) فى اللسان: العزل «بضم العين والزاى» والأعزل الذى لا سلاح معه، فهو يعتزل الحرب. أو الذى لارمح معه. وجمعهما أعزال وعزل وعزلان، وعزّل. والأعزل والرامح: نجمان نيران. قال الأزهرى: وفى نجوم السماء سما كان، أحدهما: السماك الأعزل، والاخر: السماك الرامح. وفى شرح الشافية للرضى. «المطرد فى تكسير أفعل: فعلاء. وفى مؤنثه: فعل، ولا يضم عينه إلا لضرورة الشعر، ويجىء فعلان أيضا كثيرا. كسودان وبيضان» .
(٣) الحاسر: من لا مغفر له ولا درع، أولا جنة له.
(٤) تهامة: تساير البحر. منها: مكة. وقيل: طرف تهامة من قبل الحجاز:
[ ٢ / ٢٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفَتَحُوا التّاءَ مِنْ تَهَامٍ لَمّا حَذَفُوا الْيَاءَ مِنْ آخِرِهِ، لِتَكُونَ الْفَتْحَةُ فِيهِ كَالْعِوَضِ مِنْ الْيَاءِ، كَمَا كَانَتْ الْأَلِفُ فِي يَمَانٍ، وَكَذَلِكَ الْأَلِفُ فِي شَآمٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَأَلِفٍ بَعْدَهَا عِوَضًا مِنْ الْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ، فَإِنْ شَدّدْت الْيَاءَ مِنْ شَآمٍ قُلْت: شَأْمِيّ بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ، وَتَذْهَبُ الألف التى كانت عوضا من الياء لِرُجُوعِ الْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ، وَلَا تَقُولُ فِي غَيْرِ النّسَبِ: شَآمٌ بِالْفَتْحِ وَالْهَمْزِ، وَلَا فِي النّسَبِ إذا شددت «١»
_________________
(١) مدارج العرج، وأول تهامة قبل نجد: ذات عرق، وقيل: يخرج من مكة، فلا يزال فى تهامة حتى يبلغ عسفان.
(٢) هذا من النسب المسموع، ويتميز هذا النوع بتخفيف ياء النسب المشددة، والإتيان بألف للتعويض عنها قبل لام الكلمة. فيقال فى يمنىّ: يمانى وفى شامىّ: شامى بياء واحدة ساكنة فيها. وبهذا يصير الاسم منقوصا، فتقول: قام اليمانى، ورأيت اليمانى، ومررت باليمانى. ولا تجتمع ألف التعويض مع الياء إلا شذوذا فى ضرورة الشعر. ويستحسن الاقتصار على المسموع. ولم يرد غير يمان وشام وتهام وزاد الجوهرى فى الصحاح: نباطى ونباط، وفى اللسان: ورجل شام وتهام إذا نسبت إلى تهامة والشأم، وكذلك: رجل يمان، زادوا ألفا فخففوا ياء النسبة. وفيه أيضا عن تهامة: والنسبة إليه تهامىّ بكسر التاء وتشديد الياء، وتهام بفتح التاء على غير قياس، كأنهم بنوا الاسم على تهمىّ أو تهمىّ، ثم عوضوا الألف قبل الطرف من إحدى الياءين اللاحقتين بعدها. ويقول الجوهرى: إذا فتحت التاء فى تهام لم تشدد، كما قالوا: يمان وشام إلا أن الألف فى تهام من لفظها والألف فى يمان وشام عوض من ياءى النسبة. وفى شرح الشافية ص ٨٣ ح ٢: «وقالوا: يمان وشام وتهام. ولا رابع لها. والأصل: يمنى وشأمى وتهمى فحذف فى الثلاثة إحدى ياءى النسبة، وأبدل منها الألف، وجاء: يمنى وشأمى على الأصل، وجاء تهامى بكسر التاء وتشديد الياء منسوبا إلى تهامة، وجاء يمانى وشأمى
[ ٢ / ٢٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْيَاءَ شَأْمِيّ. وَسَأَلْت الْأُسْتَاذَ أَبَا الْقَاسِمِ بْنِ الرّمّاكِ- وَكَانَ إمَامًا فِي صَنْعَةِ الْعَرَبِيّةِ عَنْ الْبَيْتِ الّذِي أَمْلَاهُ أَبُو عَلِيّ فِي النّوَادِرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ:
[أَتَظْعَنُ عَنْ حَبِيبِك ثُمّ تَبْكِي عَلَيْهِ، فَمَنْ دَعَاك إلَى الْفِرَاقِ]
[كَأَنّك لَمْ تَذُقْ لِلْبَيْنِ طَعْمًا فَتَعْلَمَ أَنّهُ مُرّ الْمَذَاقِ]
[أَقِمْ وَانْعَمْ بِطُولِ الْقُرْبِ مِنْهُ وَلَا تُظْعِنْ فَتُكْبَتَ بِاشْتِيَاقِ]
فَمَا اعْتَاضَ الْمُفَارِقُ مِنْ حَبِيبٍ وَلَوْ يُعْطَى الشّآمَ مَعَ الْعِرَاقِ
فَقَالَ: مُحَدّثٌ، وَلَمْ يَرَهُ حُجّةً. وَكَذَلِكَ وَجَدْت فِي شِعْرِ حَبِيبٍ: الشّآمُ بِالْفَتْحِ كَمَا فِي هَذَا الْبَيْتِ. وَلَيْسَ بِحُجّةِ أَيْضًا.
[فِي اللّسَانِ: «وَقَدْ جَاءَ الشّآمُ لُغَةٌ فِي الشّأْمِ قَالَ الْمَجْنُونُ:
وَخُبّرْت لَيْلَى بِالشّآمِ مَرِيضَةً فَأَقْبَلْت مِنْ مِصْرَ إلَيْهَا أَعُودُهَا
وَقَالَ آخَرُ:
أَتَتْنَا قُرَيْشٌ قَضّهَا بِقَضِيضِهَا وَأَهْلُ الْحِجَازِ وَالشّآمِ تَقَصّفُ «١»
] وَقَوْلُهُ:
حَذْفُ الْيَاءِ مِنْ هَاءِ الْكِنَايَةِ:
حَذْفُ الْيَاءِ مِنْ هَاءِ الْكِنَايَةِ بِأَمِنِهِ حَتّى خَاضَتْ الْعِيرُ فِي الْبَحْرِ*
_________________
(١) وكأنهما منسوبان إلى يمان وشام المنسوبين بحذف ياء النسبة دون ألفها. إذ لا استثقال فيه كما استثقل النسبة إلى ذى الياء المشددة لو لم تحذف. والمراد بيمان وشام فى هذا موضع منسوب إلى الشأم واليمن، فينسب الشىء إلى هذا المكان المنسوب. ويجوز أن يكون يمانى وشامى جمعا بين العوض والمعوض عنه وأن يكون الألف فى يمانى للاشباع» وانظر المزهر للسيوطى ص ١٠١ ح ٢
(٢) عن اللسان والأمالى
[ ٢ / ٢٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ضَرُورَةٌ، كَمَا أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: سَأَجْعَلُ عَيْنَيْهِ لِنَفْسِهِ مَقْنَعَا «١» * فِي أَبْيَاتٍ كَثِيرَةٍ أَنْشَدَهَا سِيبَوَيْهِ، وَهَذَا مَعَ حَذْفِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ، وَبَقَاءِ حَرَكَةِ الْهَاءِ، فَإِنْ سُكّنَتْ الْهَاءُ بَعْدَ الْحَذْفِ، فَهُوَ أَقَلّ فِي الِاسْتِعْمَالِ مِنْ نَحْوِ هَذَا، وَأَنْشَدُوا:
وَنِضْوَايَ مُشْتَاقَانِ لَهُ أَرِقَانِ «٢»
وَهَذَا الّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ فِي الْقِيَاسِ أَقْوَى؛ لِأَنّهُ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْوَصْلِ عَلَى الْوَقْفِ نَحْوَ قَوْلِ الرّاجِزِ:
لَمّا رَأَى أَنْ لَا دَعَةَ وَلَا شِبَعْ
وَمِنْهُ فِي التّنْزِيلِ كَثِيرٌ نَحْوَ إثْبَاتِ هَاءِ السّكْتِ فِي الْوَصْلِ، وَإِثْبَاتِ الْأَلِفِ مِنْ أَنَا، وَإِثْبَاتِ أَلِفِ الْفَوَاصِلِ نَحْوَ: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا الْأَحْزَابُ: ١٠٠ وَهَذَا الّذِي ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ مِنْ الضّرُورَةِ فِي هَاءِ الْإِضْمَارِ إنّمَا هُوَ إذَا تَحَرّكَ مَا قَبْلَهَا نَحْوَ: بِهِ وَلَهُ، وَلَا يَكُونُ فِي هَاءِ الْمُؤَنّثِ الْبَتّةَ لِخَفّةِ الْأَلِفِ، فَإِنْ سَكَنَ مَا قَبْلَ الْهَاءِ نَحْوَ: فِيهِ وَبَنِيهِ كَانَ الحذف أحسن من الإثبات؛ فإن قلت
_________________
(١) الشعر لمالك بن خريم الهمدانى وهو: فإن يك غثا أو سمينا فإننى سأجعل عينيه لنفسه مقنعا أراد لنفسهى، فحذف الياء ضرورة فى الوصل تشبيها بها فى الوقف إذ قال: لنفسه. يصف ضيفا فيقول: إنه يقدم إليه ما عنده من القرى ويحكمه فيه، ليختار منه أفضل ما تقع عليه عيناه، فيقنع بذلك انظر ص ١٠ ح ١ الكتاب لسيبويه ط ١.
(٢) النضو: البعير المهزول والناقة.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَقَدْ قَرَأَ عِيسَى بْنُ مِينَا: نُصْلِهِ وَيُؤَدّهِ وأرجه «١» ونحو ذلك فى اثنى عشر
_________________
(١) يعنى الايات القرآنية: (وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى، وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى، وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ، وَساءَتْ مَصِيرًا) النساء: ١١٥ و: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا) آل عمران: ٧٥ و: (قالُوا: أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ) الأعراف: ١١١. وفى «يؤده ونصله» خمس قراآت. إحداها: بكسر الهاء، وصلتها بياء فى اللفظ، والثانية: بكسر الهاء من غير ياء. اكتفى بالكسرة عن الياء لدلالتها عليها، ولأن الأصل ألا يزاد على الهاء شىء كبقية الضمائر، والثالثة: إسكان الهاء، وذلك أنه أجرى الوصل مجرى الوقف، وهو ضعيف، وحق هاء الضمير الحركة، وإنما تسكن هاء السكت، والرابعة: ضم الهاء وصلتها بواو فى اللفظ على تبيين الهاء المضمومة بالواو، لأنها من جنس الضمة كما بينت المكسورة بالياء. والخامسة: ضم الهاء من غير واو لدلالة الضمة عليها، ولأنه الأصل، ويجوز تحقيق الهمزة وإبدالها واوا للضمة قبلها. وأرجه يقرأ بالهمزة وضم الهاء من غير إشباع «أرجئه» وهو الجيد، وبالإشباع وهو ضعيف، ويقرأ بكسر الهاء مع الهمزة وهو ضعيف، ويقرأ من غير همزة من أرجيت بالياء، ثم منهم من يكسر الهاء ويشبعها ومن لا يشبعها. ومنهم من يسكنها. هذا، ومن معانى مفردات قصيدة حذيفة- كما ذكر الخشنى: السبل: المطر: كل شارق: عند طلوع الشمس. سحّا: صبا. جمّا: أجمعا وأكثرا. واسجما: أسبلا. والحفيظة: الغضب مع عزة. والهذر: الكثير الكلام فى غير فائدة. البهلول: السيد. واللهى: العطايا. وفى رواية: الندى، وأخرى: النهى. والنجر: الأصل. والمجحفات: التى نذهب بالأموال. والغبر: السنين المقحطات. وسراة: خيار. غالته: ذهبت به. النقيبة: النفس وميمون النقيبة: يسعد فيما يتوجه له. مصاليت: شجعان. ردينية: رماح. حباء: عطاء. هجان اللون: بيض. والإجريا: ما يجرى عليه من أبغال آبائه ويتعوده. وفى القاموس: الوجه الذى تأخذ فيه وتجرى عليه. وهى بالمد
[ ٢ / ٢٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
موضعا بحذف الياء، وقبل الْهَاءُ مُتَحَرّكٌ، فَكَيْفَ حَسُنَ هَذَا؟ قُلْنَا: إنّ مَا قَبْلَ الْهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ سَاكِنٌ، وَهُوَ الْيَاءُ مِنْ نُصْلِيه وَيُؤَدّيه وَيُؤْتِيه، وَلَكِنّهُ حُذِفَ لِلْجَازِمِ، فَمَنْ نَظَرَ إلَى اللّفْظِ، وَأَنّ مَا قَبْلَ الْهَاءِ مُتَحَرّكٌ أَثْبَتَ الْيَاءَ كَمَا أَثْبَتَهَا فِي:
بِهِ وَلَهُ، وَمَنْ نَظَرَ إلَى الْكَلِمَةِ قَبْلَ دُخُولِ الْجَازِمِ، رَأَى مَا قَبْلَ الْهَاءِ سَاكِنًا، فَحَذَفَ الْيَاءَ، فَهُمَا وَجْهَانِ حَسَنَانِ بِخِلَافِ مَا تَقَدّمَ
مِنْ شَرْحِ قَصِيدَةِ حُذَيْفَةَ:
وَذُكِرَ فِي هَذَا الشّعْرِ: وَأَسْعَدُ قَادَ النّاسَ. وَهُوَ أَسْعَدُ أَبُو حَسّانَ بْنِ أَسْعَدَ، وَقَدْ تَقَدّمَ فِي التّبَابِعَةِ، وَكَذَلِكَ أَبُو شِمْرٍ، وَهُوَ شِمْرٌ الّذِي بَنَى سَمَرْقَنْدَ «١»، وَأَبُوهُ: مَالِكٌ، يُقَالُ لَهُ: الْأُمْلُوكُ «٢»، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَبَا شمر الغسّانىّ والد الحرث بْنِ أَبِي شِمْرٍ.
وَعَمْرُو بْنُ مَالِكٍ الّذِي ذُكِرَ أَحْسَبُهُ عَمْرًا ذَا الْأَذْعَارِ، وَقَدْ تَقَدّمَ فى التبابعة،
_________________
(١) القصر. تهامى البلاد ونجدها: ما انخفض منها وما علا. ثبج الشىء: أعلاه ومعظمه. مخيسة: مذللة. الأخاشب: جبال بمكة وهما جبلان، فجمعهما مع ما عليهما، وخم: اسم بئر. والجفر: اسم بئر. والهجر: القبيح من الكلام الفاحش. والأحابيش: من حالف قريشا من القبائل ودخل فى عقدها وذمتها. وتكلوا: صرفوا. فخارج: أراد: يا خارجة فحذف حرف النداء، ورخم. وأسدى: أعطى، والمحتد: الأصل. جسر: ماض فى أموره قوى عليها. غمر: كثير العطاء. أمك سرّ: خالصة النسب.
(٢) فى القاموس: شمر بن أفريقش غزا مدينة السغد، فقلعها، فقيل: شمركند، أو بناها، فقيل: شمر كنت، وهى بالتركية: القرية فعربت: سمرقند.
(٣) الأملوك: اسم جمع لملك، وقوم من العرب، أو هم مقاول حمير.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَهُوَ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ، وَإِنّمَا جَعَلَهُمْ مَفْخَرًا لِأَبِي لَهَبٍ؛ لِأَنّ أُمّهُ خُزَاعِيّةٌ مِنْ سَبَأٍ، وَالتّبَابِعَةُ كُلّهُمْ مِنْ حِمْيَرَ بْنِ سَبَإِ، وَقَدْ تَقَدّمَ الْخِلَافُ فِي خُزَاعَةَ.
وَأَبُو جَبْرٍ الّذِي ذَكَرَهُ فِي هَذَا الشّعْرِ: مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ ذَكَرَ الْقُتَبِيّ أَنّ سُمَيّةَ أُمّ زِيَادٍ، كَانَتْ لِأَبِي جَبْرٍ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ، دفعها إلى الحرث بْنِ كَلَدَةَ الْمُتَطَبّبُ فِي طِبّ طَبّهُ.
زَيْدٌ أَفْضَلُ إخْوَتِهِ:
وَذَكَرَ وِلَايَةَ الْعَبّاسِ﵁- السّقَايَةَ، وَقَالَ: كَانَ مِنْ أَحْدَثِ إخْوَتِهِ سِنّا، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي صِفَةِ النّبِيّﷺ: كَانَ مِنْ أَفْضَلِ قَوْمِهِ مُرُوءَةً، وَهَذَا مِمّا مَنَعَهُ النّحْوِيّونَ أَنْ يُقَالَ: زَيْدٌ أَفْضَلُ إخْوَتِهِ، وَلَيْسَ بِمُمْتَنِعِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَغَيْرِهِ، وَحَسَنٌ لِأَنّ الْمَعْنَى: زَيْدٌ يَفْضُلُ إخْوَتَهُ، أَوْ يَفْضُلُ قَوْمَهُ؛ وَلِذَلِكَ سَاغَ فِيهِ التّنْكِيرُ، وَإِنّمَا الّذِي يَمْتَنِعُ بِإِجْمَاعِ: إضَافَةُ أَفْعَلَ إلَى التّثْنِيَةِ مِثْلُ أَنْ تَقُولَ: هُوَ أَكْرَمُ أَخَوَيْهِ، إلّا أن تقول: الأخوين، بغير إضافة «١» .
_________________
(١) مما اشترط النحاة فى أفعل التفضيل المضاف أن يكون المضاف بعضا من المضاف إليه بشرط إرادة التفضيل، وبقاء معناه ووجوده. ويقول الأشمونى فى شرح الألفية: «وإن لم تنو بأفعل معنى: من، بأن لم تنوبه المفاضلة أصلا، أو تنويها، لاعلى المضاف إليه وحده، بل عليه وعلى كل ما سواه كقولهم: الناقص والأشج (يعنى يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان لنقصه أرزاق الجند، وعمر بن عبد العزيز لشجة أصابته بضرب الدابة» أعدلا بنى مروان. أى: عادلاهم، فكان أفعل بمعنى فاعل، وليس فى هذا تفضيل» ونحو: محمدﷺ- أفضل قريش، أى: أفضل الناس من بين قريش. وإضافة هذين النوعين لمجرد
[ ٢ / ٢١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْ شَرْحِ شِعْرٍ مَطْرُودٍ:
فَصْلٌ: وَذُكِرَ فِي شِعْرٍ مَطْرُودٍ: مَنَعُوك مِنْ جَوْرٍ وَمِنْ إقْرَافِ «١»،
_________________
(١) التخصيص؛ ولذلك جازت إضافة أفعل فيهما إلى ما ليس هو بعضه بخلاف المنوى فيه معنى من «أى: إرادة التفضيل» فإنه لا يكون إلا بعض ما أضيف إليه، فلذلك يجوز: يوسف أحسن إخوته، إن قصد: الأحسن من بينهم، أو قصد: حسنهم- رأى جعله صفة مشبهة- ويمتنع إن قصد أحسن منهم» ص ٤١ ج ٣ ط ١٣٠٥ هـ ويقول ابن يعيش فى شرح المفصل: «قد علم أن أفعل إنما يضاف إلى ما هو بعضه. فليعلم أنه لا يجوز أن تقول: يوسف أحسن إخوته، وذلك أنك إذا أضفت الإخوة إلى ضميره خرج من جملتهم، وإذا كان خارجا منهم، صار غيرهم وإذا صار غيرهم لم يجز أن نقول: يوسف أحسن إخوته، كما لا يجوز أن تقول: الياقوت أفضل الزجاج؛ لأنه ليس من الزجاج، فحينئذ يلزم من المسألة أحد أمرين، كل واحد منهما ممتنع. أحدهما: ما ذكرناه من إضافة أفعل إلى غيره، إذ إخوة زيد غير زيد. والثانى: إضافة الشىء إلى نفسه، وذلك أنا إذا قلنا: إن زيدا من جملة الإخوة- نظرا إلى مقتضى إضافة أفعل، ثم أضفت الإخوة إلى ضمير زيد، وهو من جملتهم- كنت قد أضفته إلى نفسه، بإضافتك إياه إلى ضميره وذلك فاسد. فأما النوع الثانى- يعنى ابن يعيش: أفعل بمعنى فاعل؛ وهو غير دال على معنى التفضيل- وهو أن يكون أفعل فيه للذات بمعنى فاعل، فإنه يجوز أن تقول: يوسف أحسن إخوته، ولا يمتنع فيه كامتناعه من القسم الأول إذ المراد أنه فاضل فيهم، لأنه لا يلزم فى هذا النوع أن يكون أفعل بعض ما أضيف إليه، وعليه جاء قولهم لنصيب الشاعر: أنت أشعر أهل جلدتك، لأن أهل جلدته غيره. وإذا كانوا غيره لم تسغ إضافة أفعل إذا كان هو إياه إليهم؛ لما ذكرته ويجوز على الوجه الثانى لأنه بمعنى: الشاعر فيهم، أو شاعرهم» ص ٨ ج ٣ شرح المفصل لابن يعيش. وبهذا يتبين أن النحويين لم يمنعوا هذا منعا مطلقا، بل أجازوا نفس ما ذكره السهيلى.
(٢) الذى فى السيرة، ضمنوك. والمقرف الذى دانى الهجنة من الفرس وغيره
[ ٢ / ٢١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَيْ: مَنَعُوك مِنْ أَنْ تَنْكِحَ بَنَاتَك أَوْ أَخَوَاتِك مِنْ لَئِيمٍ، فَيَكُونُ الِابْنُ مُقْرِفًا لِلُؤْمِ أَبِيهِ، وَكَرَمِ أُمّهِ، فَيَلْحَقَك وَصْمٌ مِنْ ذَلِك، وَنَحْوٌ مِنْهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ «١»:
أَنْكَحَهَا فَقْدُهَا الْأَرَاقِمَ فى جنب، وكان الحباء من أدم «٢»
_________________
(١) وهو الذى أمه عربية، وأبوه ليس بعربى، فالإقراف من قبل الأب، والهجنة من قبل الأم.
(٢) المهلهل: قال الامدى: اسمه: امرؤ القيس بن ربيعة بن الحارث بن زهير ابن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غانم بن تغلب، وهو الشاعر المشهور، ويقال اسمه: عدى، وقال ابن قتيبة: مهلهل بن ربيعة، هو: عدى بن ربيعة، وسمى مهلهلا؛ لأنه هلهل الشعر، أى: أرقّه، ويقال: إنه أول من قصد القصيد، وهو خال امرىء القيس صاحب المعلقة. وهو أخو كليب الذى هاج بمقتله حرب البسوس. وقيل: إنه مات أسيرا، وذلك أنه لما نزل اليمن نزل فى بنى جنب، وجنب من مذحج، فخطبوا إليه ابنته. فقال لهم: إنى طريد بينكم، فمتى أنكحتكم!؟ قالوا: فأجبروه على تزويجها، وساقوا إليه فى صداقها أدما، فقال: أنكحها فقدها الأراقم فى جنب وكان الحباء من أدم ثم انحدر، فلقيه عوف بن مالك أبو أسماء صاحبة المرقش الأكبر، فأسره، فمات فى أسره. وقيل فى وفاته غير ذلك ص ٢٣ وما بعدها ج ٢ خزانه الأدب للبغدادى ط دار العصور.
(٣) قيل عن جنب إنه لقب لا اسم أب. وفى نهاية الأرب ج ٣ ص ٦٧ جاء هذان البيتان: أعزز على تتغلب بما لقيت أخت بنى الأكرمين من جشم ليسوا بأكفائنا الكرام، ولا يغنون من ذلة ولا عدم
[ ٢ / ٢١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَيْ: أُنْكِحَتْ لِغُرْبَتِهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ. قَالَ مبرمان «١»: أنشدنا أبوبكر ابن دُرَيْدٍ: وَكَانَ الْخِبَاءُ مِنْ أَدَمِ، بِخَاءِ مُعْجَمَةِ الْأَعْلَى، وَهُوَ خَطَأٌ وَتَصْحِيفٌ، وَإِنّمَا هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي تَصْحِيفَاتِ ابْنِ دُرَيْدٍ، وفيه يقول الْمُفْجِعِ [الْبَصْرِيّ] رَدّا عَلَى ابْنِ دُرَيْدٍ:
أَلَسْت قدما جعلت تعترق م الطّرْفَ بِجَهْلِ مَكَانٍ تَغْتَرِقُ «٢»
وَقُلْت: كَانَ الْخِبَاءُ مِنْ أَدَمٍ وَهُوَ حِبَاءٌ يُهْدَى، وَيُصْطَدَقُ
وَذَلِك أَنّ مُهَلْهِلًا نَزَلَ فِي جَنْبٍ، وَهُوَ حَيّ وَضِيعٌ مِنْ مَذْحِجَ.
فَخُطِبَتْ ابْنَتُهُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ مَنْعَهَا، فَزَوّجَهَا، وَكَانَ نَقْدُهَا مِنْ أَدَمٍ، فَأَنْشَدَ:
أَنْكَحَهَا فَقْدُهَا الْأَرَاقِمَ فِي جَنْبٍ، وَكَانَ الْحِبَاءُ مِنْ أَدَمِ
لَوْ بِأَبَانِينَ جَاءَ خَاطِبُهَا ضُرّجَ ما أنف خاطب بدم «٣»
_________________
(١) والأول منهما قبل: «أنكحها فقدها الخ» والاخر بعد قوله: «لو بأبانين» الذى سيأتى. والأراقم: حى من تغلب قوم المهلهل. وقد تقدم من قبل الحديث عن جنب.
(٢) لقب لأبى بكر الأزمى.
(٣) تغترق الطرف: تشغلهم بالنظر إليها عن النظر إلى غيرها لحسنها، وانظر المزهر ص ٣٦٦ ج ٢ للسيوطى ففيه قول المفجع. وقد رمى بدر الدين الزركشى ابن دريد بهذا التصحيف كما ذكر السهيلى، وأورده التيجانى فى تحفة العروس وروى الشطرة الأولى هكذا: «ألم تصحف، فقلت تعترق الخ» وروى أيضا فى غيره: «ألست مما صحفت تغترق.
(٤) الأبانان: جبلان بالبادية اسم أحدهما: أبان، والاخر: متالع، أحدهما:
[ ٢ / ٢١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: حَتّى تَغِيبَ الشّمْسُ بِالرّجّافِ «١» يَعْنِي: الْبَحْرَ. لِأَنّهُ يَرْجُفُ.
وَمِنْ أَسْمَائِهِ أَيْضًا: خُضَارَةُ، [سُمّيَ بِذَلِك لِخُضْرَةِ مَائِهِ] . وَالدّأْمَاءُ [سُمّيَ بِذَلِكَ لِتَدَاؤُمِ أَمْوَاجِهِ أَيْ: تَرَاكُمِهَا، وَتَكَسّرِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ] وَأَبُو خَالِدٍ.
وَقَوْلُهُ: عِقْدُ ذَاتِ نِطَافِ. النّطَفُ «٢»: اللّؤْلُؤُ الصّافِي. وَوَصِيفَةٌ مُنَطّفَةٌ [وَمُتَنَطّفَةٌ] أَيْ: مُقَرّطَةٌ بِتُومَتَيْنِ [وَالتّومَةُ: اللّؤْلُؤَةُ، أَوْ حَبّةٌ تُعْمَلُ مِنْ الْفِضّةِ كَالدّرّةِ] وَالنّطَفُ فِي غَيْرِ هَذَا: التّلَطّخُ بِالْعَيْبِ، وَكِلَاهُمَا مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَا فِي الظّاهِرِ مُتَضَادّيْنِ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنّ النّطْفَةَ هِيَ الْمَاءُ الْقَلِيلُ، وَقَدْ يَكُونُ الْكَثِيرَ، وَكَأَنّ اللّؤْلُؤَ الصّافِيَ أُخِذَ مِنْ صَفَاءِ النّطْفَةِ.
وَالنّطَفُ الّذِي هُوَ الْعَيْبُ: أُخِذَ مِنْ نُطْفَةٍ الْإِنْسَانِ، وَهِيَ مَاؤُهُ، أَيْ:
كَأَنّهُ لُطّخَ بِهَا.
وَقَوْلُهُ: وَالْفَيْضِ مُطّلِبٍ أَبِي الْأَضْيَافِ. يُرِيدُ: أَنّهُ كَانَ لأضيافه
_________________
(١) أبيض، وهو لبنى أسد، والاخر: أسود، وهو لبنى فزارة، هذا، وقد روى اللسان البيتين. وفيهما: «الخباء، ورمّل» بدلا من «الحباء، وضرج» .
(٢) فى السيرة: فى الرجاف.
(٣) مفردها. نطفة كهمزة «بضم النون وفتح الطاء» . ملحوظة: فى السيرة أن فاطمة بنت عمرو بن عائذ هى أم عبد الله وأبى طالب. فى نسب قريش وعند السدوسى هى: أمهما أيضا، وكذلك فى جمهرة ابن حزم. وفى السيرة فى نسب فاطمة هذه قال ابن إسحاق: «ابن عائذ بن عبد بن عمران» وفى نسب قريش لا توجد عبد بين عائذ وعمران، وكذلك فى جمهرة ابن حزم، وعند السدوسى، وإلى هذا ذهب ابن هشام، وما بين قوسين فى نسب ردته فاطمة من كتب النسب.
[ ٢ / ٢١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَالْأَبِ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلّ جَوَادٍ: أَبُو الْأَضْيَافِ. كَمَا قَالَ مُرّةُ بْنُ مَحْكَانَ [السّعْدِيّ التّمِيمِيّ سَيّدُ بَنِي رَبِيعٍ]:
أُدْعَى أَبَاهُمْ، وَلَمْ أَقْرِفْ بِأُمّهِمْ وَقَدْ عَمِرْت. وَلَمْ أَعْرِفْ لَهُمْ نَسَبًا
اللهَبِيّ الْعَائِفُ:
فَصْلٌ: وَذُكِرَ خَبَرُ اللهَبِيّ الْعَائِفِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَهَبُ: حَيّ مِنْ الْأَزْدِ: وَقَالَ غَيْرُهُ: وَهُوَ لَهَبُ بْنُ أَحْجَن بْنِ كعب بن الحارث بن كعب ابن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَصْرِ بْنِ الْأَزْدِ. وَهِيَ الْقَبِيلَةُ الّتِي تُعْرَفُ بِالْعِيَافَةِ وَالزّجْرِ «١» . وَمِنْهُمْ اللهَبِيّ الّذِي زَجَرَ حِينَ وَقَعَتْ الْحَصَاةُ بصلعة عمر
_________________
(١) العيافة: تتبع آثار الأقدام والأخفاف والحوافر فى المقابلة للأثر، وهى التى تكون فى تربة حرة تشكل بشكل القدم. وقد اشتهر بها قديما بنو مدلج قبيلة من كنانة وبنو لهب «بلوغ الأرب للألوسى، وانظر ص ٤٩١ الاشتقاق، واللسان فى مادة لهب» والزجر: الاستدلال بأصوات الحيوانات وحركاتها وسائر أحوالها واستعلام ما غاب عنهم. ويقول ابن خلدون عنه: هو ما يحدث من بعض الناس من التكلم بالغيب عند سنوح طائر أو حيوان. ويقول ابن القيم فى مفتاح دار السعادة عنه: «وأصل هذا أن العرب كانوا يزجرون الطير، والوحش ويثيرونها، فما تيا من منها وأخذ ذات اليمين سموه سانحا، وما تياسر منها سموه: بارحا، وما استقبلهم منها فهو: الناطح، وما جاءهم من خلفهم فهو القعيد.. ومن العرب من يتيمن بالسانح ويتشاءم بالبارح ومنهم غير ذلك. وقيل عن السالح والبارح غير هذا. ويقول الأزهرى: العيافة: زجر الطير، وهو أن يرى طائرا، أو غرابا، فيتطير، وإن لم ير شيئا، فقال بالحدس كان: عيافة أيضا، وفى القاموس: العائف: المتكهن بالطير، وكل هذا حرمه الإسلام، وقيل فى تعريفهما غير ذلك.
[ ٢ / ٢١٥ ]
[قصة بحيرى]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ أَبَا طَالِبٍ خَرَجَ فِي رَكْبٍ تَاجِرًا إلَى الشّامِ، فَلَمّا تَهَيّأَ لِلرّحِيلِ، وَأَجْمَعَ الْمَسِيرَ صَبّ به رسول الله ﷺ- فيما يزعمون- فرقّ له، وَقَالَ: وَاَللهِ لَأَخْرُجَنّ بِهِ مَعِي، وَلَا يُفَارِقُنِي، وَلَا أُفَارِقُهُ أَبَدًا، أَوْ كَمَا قَالَ. فَخَرَجَ بِهِ مَعَهُ، فَلَمّا نَزَلَ الرّكْبُ بُصْرَى مِنْ أرض الشام، وبها راهب يُقَالُ لَهُ: بَحِيرَى فِي صَوْمَعَةٍ لَهُ، وَكَانَ إلَيْهِ عِلْمُ أَهْلِ النّصْرَانِيّةِ، وَلَمْ يَزَلْ فِي تِلْكَ الصّوْمَعَةِ مُنْذُ قَطّ رَاهِبٌ، إلَيْهِ يَصِيرُ علمهم عن كتاب فيها- فيما يزعمون
ــ
﵁- فَأَدْمَتْهُ، وَذَلِك فِي الْحَجّ، فَقَالَ: أُشْعِرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ.
وَاَللهِ لَا يَحُجّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ، فَكَانَ كَذَلِكَ «١» وَاللهَبُ: شَقّ فِي الْجَبَلِ «٢» [وَالْجَمْعُ: أَلْهَابٌ وَلُهُوبٌ] . وَبَنُو ثُمَالَةَ رَهْطُ الْمُبَرّدِ الثّمَالِيّ: هُمْ بَنُو أَسْلَمَ بْنِ أحجن ابن كَعْب. وَثُمَالَةُ: أُمّهُمْ. وَكَانَتْ الْعِيَافَةُ وَالزّجْرُ فِي لَهَبٍ قَالَ الشّاعِرُ «٣»:
سَأَلْت أَخَا لَهَبٍ لِيَزْجُرَ زَجْرَةً وَقَدْ رُدّ زَجْرُ الْعَالَمِينَ إلَى لَهَبٍ
وَقَوْلُهُ: لِيَعْتَافَ لَهُمْ: وَهُوَ يَفْتَعِلُ مِنْ الْعَيْفِ. يُقَالُ: عِفْت الطّيْرَ.
وَاعْتَفْتُهَا عِيَافَةً وَاعْتِيَافًا: وَعِفْت الطّعَامَ أَعَافُهُ عَيْفًا. وَعَافَتْ الطّيْرُ الْمَاءَ عِيَافًا.
_________________
(١) هذا خرف أسطورى. فالله وحده هو عالم الغيب.
(٢) عند ابن دريد فى الاشتقاق، واللهب: الشعب الضيق فى أعلى الجبل والجمع ألهاب ولهوب.
(٣) هو كثير عزة، والبيت فى نهاية الأرب هكذا: تيممت لهبا أبتغى العلم عندها وقد رد علم الطائفين إلى لهب
[ ٢ / ٢١٦ ]
يَتَوَارَثُونَهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ. فَلَمّا نَزَلُوا ذَلِكَ الْعَامَ بِبَحِيرَى، وَكَانُوا كَثِيرًا مَا يَمُرّونَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَا يُكَلّمُهُمْ، وَلَا يَعْرِضُ لَهُمْ، حَتّى كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ. فَلَمّا نَزَلُوا بِهِ قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَتِهِ صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا كَثِيرًا، وَذَلِكَ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- عَنْ شَيْءٍ رَآهُ وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ، يَزْعُمُونَ أَنّهُ رَأَى رَسُولُ اللهِﷺ- وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ، يَزْعُمُونَ أَنّهُ رَأَى رَسُولُ اللهِﷺ- وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ فِي الرّكْبِ حَيْن أَقْبَلُوا، وَغَمَامَةٌ تُظِلّهُ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ. قَالَ: ثُمّ أَقْبَلُوا فَنَزَلُوا فِي ظِلّ شَجَرَةٍ قَرِيبًا مِنْهُ، فَنَظَرَ إلَى الْغَمَامَةِ حَيْنَ أَظَلّتْ الشّجَرَةُ، وَتَهَصّرَتْ أَغْصَانُ الشّجَرَةِ عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- حَتّى اسْتَظَلّ تَحْتَهَا، فَلَمّا رَأَى ذَلِكَ بَحِيرَى نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ وقد أمر بذلك الطعام فصنع، ثُمّ أَرْسَلَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ:
إنّي قَدْ صَنَعْتُ لَكُمْ طَعَامًا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، فَأَنَا أُحِبّ أن تحضروا كلّكم، وصغيركم وَكَبِيرُكُمْ، وَعَبْدُكُمْ وَحُرّكُمْ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ: وَاَللهِ يَا بَحِيرَى إنّ لَك لَشَأْنًا الْيَوْمَ! ما كنت تصنع هذا بنا، وقد كنّا نمرّبك كَثِيرًا، فَمَا شَأْنُك الْيَوْمَ؟! قَالَ لَهُ بَحِيرَى: صَدَقْتَ، قَدْ كَانَ مَا تَقُولُ، وَلَكِنّكُمْ ضَيْفٌ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أُكْرِمَكُمْ، وَأَصْنَعَ لَكُمْ طَعَامًا، فَتَأْكُلُوا مِنْهُ كُلّكُمْ. فَاجْتَمِعُوا إلَيْهِ، وَتَخَلّفَ رَسُولُ اللهِﷺ- مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ، لِحَدَاثَةِ سِنّهِ، فِي رِحَالِ الْقَوْمِ تَحْتَ الشّجَرَةِ، فَلَمّا نَظَرَ بَحِيرَى فِي الْقَوْمِ لَمْ يَرَ الصّفَةَ الّتِي يَعْرِفُ وَيَجِدُ عِنْدَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: لَا يَتَخَلّفَنّ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ طَعَامِي، قَالُوا لَهُ:
يَا بَحِيرَى، مَا تَخَلّفَ عَنْك أَحَدٌ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْتِيَكَ إلّا غُلَامٌ، وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ سِنّا، فَتَخَلّفَ فِي رِحَالِهِمْ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا، اُدْعُوهُ، فَلِيَحْضُرْ هَذَا الطّعَامَ مَعَكُمْ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قريش مع القوم: واللّات وَالْعُزّى، إنْ كَانَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢١٧ ]
لَلُؤْمٌ بِنَا أَنْ يَتَخَلّفَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بن عبد المطّلب عن طعام من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه، وأجلسه مع القوم. فلما رَآهُ بَحِيرَى، جَعَلَ يَلْحَظُهُ لَحْظًا شَدِيدًا، وَيَنْظُرُ إلى أشياء من جسده، وقد كَانَ يَجِدُهَا عِنْدَهُ مِنْ صِفَتِهِ، حَتّى إذَا فَرَغَ الْقَوْمُ مِنْ طَعَامِهِمْ وَتَفَرّقُوا، قَامَ إلَيْهِ بحيرى، فقال: يا غلام، أسألك بحقّ اللّات وَالْعُزّى إلّا مَا أَخْبَرْتَنِي عَمّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ، وَإِنّمَا قَالَ لَهُ بَحِيرَى ذَلِكَ؛ لِأَنّهُ سَمِعَ قَوْمَهُ يَحْلِفُونَ بِهِمَا، فَزَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: لا تسألنى باللات والعزّى شيئا، فو الله مَا أَبْغَضْتُ شَيْئًا قَطّ بُغْضَهُمَا، فَقَالَ لَهُ بَحِيرَى: فَبِاَللهِ إلّا مَا أَخْبَرْتَنِي عَمّا أَسْأَلُك عنه، فقال له:
سلنى عمّا بد الك. فجعل يسأله عن أشياء من حاله من نَوْمِهِ وَهَيْئَتِهِ وَأُمُورِهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخْبِرُهُ، فَيُوَافِقُ ذَلِكَ مَا عِنْدَ بَحِيرَى مِنْ صِفَتِهِ، ثُمّ نَظَرَ إلَى ظَهْرِهِ، فَرَأَى خَاتَمَ النّبُوّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَلَى مَوْضِعِهِ مِنْ صِفَتِهِ الّتِي عِنْدَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ مِثْلَ أَثَرِ الْمِحْجَمِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا فَرَغَ، أَقْبَلَ عَلَى عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا الْغُلَامُ مِنْك؟ قَالَ: ابْنِي. قَالَ لَهُ بَحِيرَى: مَا هُوَ بِابْنِك، وَمَا يَنْبَغِي لِهَذَا الْغُلَامِ أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ حَيّا، قَالَ: فَإِنّهُ ابْنُ أَخِي، قَالَ: فَمَا فَعَلَ أَبُوهُ؟ قَالَ: مَاتَ وَأُمّهُ حُبْلَى بِهِ، قَالَ: صَدَقْت، فَارْجِعْ بِابْنِ أَخِيك إلَى بلده، واحذر عليه يهود، فو الله لَئِنْ رَأَوْهُ، وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا عَرَفْتُ لَيَبْغُنّهُ شَرّا، فَإِنّهُ كَائِنٌ لَابْنِ أَخِيك هَذَا شَأْنٌ عظيم، فأسرع به إلى بلاده.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢١٨ ]
فخرج به عمّه أبو طالب سَرِيعًا، حَتّى أَقْدَمَهُ مَكّةَ حَيْنَ فَرَغَ مِنْ تِجَارَتِهِ بِالشّامِ فَزَعَمُوا فِيمَا رَوَى النّاسُ: أَنّ زُرَيْرًا وَتَمّامًا وَدَرِيسًا- وَهُمْ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الكتاب- قد كانوا رأوا مِنْ رَسُولِ اللهِﷺ- مِثْلَ مَا رَآهُ بَحِيرَى فِي ذَلِكَ السّفَرِ الّذِي كَانَ فِيهِ مَعَ عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَرَادُوهُ، فَرَدّهُمْ عَنْهُ بَحِيرَى، وَذَكّرَهُمْ اللهَ وَمَا يَجِدُونَ فِي الْكِتَابِ مِنْ ذِكْرِهِ وَصِفَتِهِ، وَأَنّهُمْ إنْ أَجْمَعُوا لِمَا أَرَادُوا بِهِ لَمْ يَخْلُصُوا إلَيْهِ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ، حَتّى عَرَفُوا مَا قَالَ لَهُمْ، وَصَدّقُوهُ بِمَا قَالَ، فَتَرَكُوهُ وَانْصَرَفُوا عَنْهُ. فَشَبّ رَسُولُ اللهِﷺ- وَاَللهِ تَعَالَى يَكْلَؤُهُ، وَيَحْفَظُهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ أَقْذَارِ الْجَاهِلِيّةِ، لِمَا يُرِيدُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ ورسالته، حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قَوْمِهِ مُرُوءَةً، وَأَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، وَأَكْرَمَهُمْ حَسَبًا، وَأَحْسَنَهُمْ جِوَارًا، وَأَعْظَمَهُمْ حِلْمًا، وَأَصْدَقَهُمْ حَدِيثًا، وَأَعْظَمَهُمْ أَمَانَةً، وَأَبْعَدَهُمْ مِنْ الْفُحْشِ وَالْأَخْلَاقِ الّتِي تُدَنّسُ الرّجَالَ، تَنَزّهًا وَتَكَرّمًا، حَتّى مَا اسْمُهُ فِي قَوْمِهِ إلّا الْأَمِينُ، لِمَا جَمَعَ اللهُ فِيهِ مِنْ الأمور الصالحة.
وكان رسول الله ﷺ- فِيمَا ذُكِرَ لِي- يُحَدّثُ عَمّا كَانَ اللهُ يَحْفَظُهُ بِهِ فِي صِغَرِهِ وَأَمْرِ جَاهِلِيّتِهِ، أَنّهُ قَالَ:
لَقَدْ رَأَيْتنِي فِي غِلْمَانِ قُرَيْشٍ نَنْقُلُ حِجَارَةً لِبَعْضِ مَا يَلْعَبُ بِهِ الْغِلْمَانُ، كُلّنَا قَدْ تَعَرّى، وَأَخَذَ إزَارَهُ، فَجَعَلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، يَحْمِلُ عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ، فَإِنّي لَأُقْبِلُ مَعَهُمْ كَذَلِكَ وأدبر، إذ لكمنى لا كم مَا أَرَاهُ، لَكْمَةً وَجِيعَةً، ثُمّ قَالَ:
شُدّ عَلَيْك إزَارَك. قَالَ: فَأَخَذْتُهُ وَشَدَدْتُهُ عَلَيّ، ثُمّ جَعَلْت أَحْمِلُ الْحِجَارَةَ عَلَى رَقَبَتِي وَإِزَارِي عَلَيّ من بين أصحابى.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قِصّةُ بَحِيرَى:
فَصْلٌ: فِي قِصّةِ بَحِيرَى وَسَفَرِ أَبِي طَالِبٍ بِالنّبِيّﷺ- وَقَعَ فِي سِيَرِ الزّهْرِيّ أَنّ بَحِيرَى كَانَ حبرا من يهود تيسماء «١»، وَفِي الْمَسْعُودِيّ: أَنّهُ كَانَ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَاسْمُهُ: سَرْجِسُ، وَفِي الْمَعَارِفِ لَابْنِ قُتَيْبَةَ، قَالَ: سُمِعَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِقَلِيلِ هَاتِفٌ يَهْتِفُ: أَلَا إنّ خَيْرَ أَهْلِ الْأَرْضِ ثَلَاثَةٌ: بَحِيرَى، وَرِبَابُ بْنُ الْبَرَاءِ الشّنّيّ «٢» وَالثّالِثُ: الْمُنْتَظَرُ، فَكَانَ الثّالِثُ رسول اللهﷺ- قال الْقُتَبِيّ: وَكَانَ قَبْرُ رِبَابٍ الشّنّيّ، وَقَبْرُ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ، لَا يَزَالُ يُرَى عَلَيْهَا طَشّ، وَالطّشّ: الْمَطَرُ الضّعِيفُ «٣» .
وَقَالَ فِيهِ: فَصَبّ «٤» رَسُولُ اللهِﷺ- بِعَمّهِ. الصّبَابَةُ:
رقّة الشوق، يقال: صببت- بكسر الماء- أَصَبّ، وَيُذْكَرُ عَنْ بَعْضِ السّلَفِ أَنّهُ قَرَأَ: أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ يوسف: ٣٣
_________________
(١) بليد فى أطراف الشام، بينها وبين وادى القرى على طريق حاج دمشق.
(٢) هو فى المعارف: أرباب بن رئاب من عبد القيس.
(٣) نص قول ابن قتيبة فى المعارف: «كان لا يموت أحد من ولد أرباب فيدفن إلا رأوا طشا على قبره» ونص كلامه عن الرسول- كما زعمواﷺ- «وآخر لم يأت بعد. النبى (ص)» ص ٣٠ تحت باب: من كان على دين قبل مبعث النبى «ص» وهو خبر مصنوع ولا شك
(٤) وفى رواية- كما جاء فى الطبرى وشرح الخشنى- ضبّ، وفسرها الأخير بقوله: تعلق به وامتسك.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي بَحْرٍ: ضَبَثَ بِهِ رسول اللهﷺ- أي:
لَزِمَهُ قَالَ الشّاعِرُ:
كَأَنّ فُؤَادِي فِي يَدٍ ضَبَثَتْ بِهِ مُحَاذِرَةً أَنْ يَقْضِبَ الْحَبْلَ قَاضِبُهُ
فَكَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- إذْ ذَاكَ ابْنَ تِسْعِ سِنِينَ فِيمَا ذَكَرَ بَعْضُ مَنْ أَلّفَ فِي السّيَرِ، وَقَالَ الطّبَرِيّ: ابْنَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً «١» .
مِنْ صِفَاتِ خَتْمِ النّبُوّةِ:
وَذُكِرَ فِيهِ خَاتَمُ النّبُوّةِ وَقَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ: كَانَ كَأَثَرِ الْمِحْجَمِ يَعْنِي: أَثَرَ الْمِحْجَمَةِ الْقَابِضَةِ عَلَى اللّحْمِ، حَتّى يَكُونَ نَاتِئًا. وَفِي الْخَبَرِ أَنّهُ كَانَ حَوْلَهُ حِيلَانٌ فِيهَا شَعَرَاتٌ سُودٌ. وَفِي صِفَتِهِ أَيْضًا أَنّهُ كَانَ كَالتّفّاحَةِ، وَكَزِرّ الْحَجَلَةِ وَفَسّرَهُ التّرْمِذِيّ تَفْسِيرًا وَهِمَ فِيهِ فَقَالَ: زِرّ الْحَجَلَةِ يُقَالُ: إنّهُ بُيّضَ لَهُ فَتَوَهّمَ الْحَجَلَةَ مِنْ الْقَبَجِ»
وَإِنّمَا هِيَ حَجَلَةُ السّرِيرِ، وَاحِدَةُ: الْحِجَالِ، وَزِرّهَا الّذِي يَدْخُلُ فِي عُرْوَتِهَا- قَالَ عَلِيّ- رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ- لِأَهْلِ العراق: يا أشباه الرجال:
_________________
(١) فى الطبرى: وهو ابن تسع سنين، وقيل، ثلاث عشرة. حكاه أبو عمر وقال ابن الجوزى، اثنتا عشرة سنة وشهران وعشرة أيام. وفى سيرة مغلطاى: وشهر
(٢) هو الحجل، وفى اللسان أنه الكروان، وأنه معرب، وهو بالفارسية. كبج معرب؛ لأن القاف والجيم لا يجتمعان فى كلمة واحدة من كلام العرب، وقد ضبط البخارى الحجل بضم الحاء، وقال: إنه من حجل الفرس «بضم الحاء وسكون الجيم» الذى بين عينيه، وهو بعيد لأن الذى بين العينين اسمه الغرة لا الحجل، والتحجيل فى القوائم.
[ ٢ / ٢٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَلَا رِجَالُ، وَيَا طَغَامَ الْأَحْلَامِ. وَيَا عُقُولَ رَبّاتِ الْحِجَالِ «١» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: كَانَ كَبَيْضَةِ الْحَمَامَةِ، وَفِي حَدِيثِ عَيّاذِ «٢» بْنِ عَبْدِ عَمْرٍو، قَالَ: رَأَيْت خَاتَمَ النّبُوّةِ، وَكَانَ كَرُكْبَةِ الْعَنْزِ. ذَكَرَهُ النّمِرِيّ مُسْنَدًا فِي كِتَابِ الِاسْتِيعَابِ، فَهَذِهِ خمس
_________________
(١) من خطبة منسوبة إلى على بن أبى طالب، وقد رواها المبرد فى أول الكامل وهى فى كتاب نهج البلاغة الذى جمع فيه الشريف الرضى خطبا رائعة، ونسبها إلى على. وفى رأى كثير أنها للشريف نفسه، وفى المبرد كما هنا. ومعنى طغام: من لا معرفة عنده- كما ذكر المبرد- أو أوغاد الناس. ورذال الطير، مفردها: طغامة وفى نهج البلاغة «وحلوم الأطفال وعقول ربات الحجال» برفع حلوم وعقول. وربات الحجال: النساء. وبداية الخطبة كما فى النهج: «أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة الخ» انظر ص ٧٤ وما بعدها نهج البلاغة ط الرحمانية، وص ١٦٤ ج ١ شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد ط ٣ دار الفكر لبنان.
(٢) أما عياذ فترجمته فى الإصابة عياذ بن عمرو، أو ابن عبد عمرو الأزدى أو السلمى أو عباد بدلا من عياذ، وكان- كما جاء فى بعض الروايات- يخدم النبى «ص» فخاطبه يهودى، فسقط رداؤه عن منكبيه- وكان النبى ﷺ- يكره أن يرى الخاتم. يقول عياد. فسويته عليه، فقال: من فعل هذا؟ فقلت، أنا. قال: تحول إلى، فجلست بين يديه، فوضع يده على رأسى، فأمرها على وجهى وصدرى، وكان الخاتم على طرف كتفه الأيسر، كأنه رقبة عنز وهذه رواية ابن منده والطبرانى، ومن تبعهما وسنده ضعيف، وللخطيب من هذا الوجه، وفيه أن الخاتم مثل ركبة الغنز، وفى سنده من لا يعرف «الإصابة باختصار» هذا وقد سبق الحديث عن الخاتم. ويقول ابن حجر فى الفتح ما ورد من أن الخاتم كان كأثر المحجم، أو الشامة السوداء، أو الخضراء- كما فى تاريخ ابن أبى خيثمة- المكتوب عليها: محمد رسول الله- كما فى تاريخ الحاكم وغيره، أو سر فإنك المنصور، لم يثبت منها شىء، ولا يغتر بشىء مما وقع فى صحيح ابن حبان، فإنه غفل حيث صحح ذلك.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رِوَايَاتٍ فِي صِفَةِ الْخَاتَمِ: كَالتّفّاحَةِ وَكَبَيْضَةِ الْحَمَامَةِ، وَكَزِرّ الْحَجَلَةِ، وَكَأَثَرِ الْمِحْجَمِ وَكَرُكْبَةِ الْعَنْزِ وَرِوَايَةٌ سَادِسَةٌ: وَهِيَ رِوَايَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ: قَالَ: رَأَيْت خَاتَمَ النّبُوّةِ كَالْجُمْعِ يَعْنِي: كَالْمِحْجَمَةِ، [وهى الْآلَةِ الّتِي يَجْتَمِعُ بِهَا دَمُ الْحِجَامَةِ عِنْدَ الْمَصّ] لَا كَجُمْعِ الْكَفّ، وَمَعْنَاهُ كَمَعْنَى الْأَوّلِ أَيْ كَأَثَرِ الْجُمْعِ. وَقَدْ قِيلَ فِي الْجُمْعِ: إنّهُ جُمْعُ الْكَفّ: قَالَهُ الْقُتَبِيّ «١»: وَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَرِوَايَةٌ سَابِعَةٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ﵁- وَقَدْ سُئِلَ عَنْ خَاتَمِ النّبُوّةِ: فَقَالَ: بِضْعَةٌ نَاشِزَةٌ «٢» هَكَذَا: وَوَضَعَ طَرَفَ السّبّابَةِ فِي مِفْصَلِ الْإِبْهَامِ، أَوْ دُونَ الْمِفْصَلِ، ذَكَرَهَا يُونُسُ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَفِي صِفَتِهِ أَيْضًا رِوَايَةٌ ثَامِنَةٌ، وَهِيَ رِوَايَةُ مَنْ شَبّهَهُ بِالسّلْعَةِ «٣»، وَذَلِكَ لِنُتُوّهِ، وَقَدْ تَقَدّمَ حَدِيثٌ، فِيهِ عَنْ أَبِي ذَرّ﵁- مَرْفُوعًا بَيَانُ وضع الخاتم بين كتفيه
_________________
(١) يقول الزرقانى فى شرح المواهب عن تفسير السهيلى. «وهو تكلف والمتبادر فى تفسير ابن قتيبة، وقد تبعه عليه عياض، والنووى والمصنف وغيرهم» ص ١٥٧ ج ١ وجمع بضم الجيم. وحكى ابن الجوزى وابن دحية كسرها، وجزم به فى المفهم. والجمع صورة الكف بعد أن تجمع الأصابع وتضمها وحديث ابن سرجس فى مسلم ومسند أحمد.
(٢) حديث الخدرى رواه الترمذى فى الشمائل.
(٣) حديث السلعة رواه البيهقى، وبضعة ناشزة: قطعة لحم مرتفعة، وتروى بضعة بفتح الباء، وضمها وكسرها «انظر المواهب ص ١٥٥ ج ١» ولأحمد عن الخدرى: لحم ناشز بين كتفيه، وللبيهقى، والبخارى فى التاريخ عنه: لحمة ناتئة وأحمد وابن سعد من طرق عن أبى رمثة، والسلعة: زيادة تحدث فى البدن كالغدة تتحرك إذا حركت، وقد تكون من حمصة إلى بطيخة.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَتَى كَانَ، وَرَوَى التّرْمِذِيّ «١» فِي مُصَنّفِهِ، قَالَ: حَدّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ أَبُو الْعَبّاسِ الْأَعْرَجُ الْبَغْدَادِيّ، حَدّثَنَا عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ غَزْوَانَ أَبُو نُوحٍ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ أَبِي إسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إلَى الشّامِ، وَخَرَجَ مَعَهُ النّبِيّﷺ- فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمّا أَشْرَفُوا عَلَى الرّاهِبِ هَبَطُوا، فَحَلّوا رِحَالَهُمْ: فَخَرَجَ إلَيْهِمْ الرّاهِبُ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرّونَ بِهِ، فَلَا يَخْرُجُ إلَيْهِمْ، وَلَا يَلْتَفِتُ: فَجَعَلَ يَتَخَلّلُهُمْ الرّاهِبُ:
وَهُمْ يَحِلّونَ رِحَالَهُمْ: حَتّى جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللهِﷺ- وَقَالَ: هَذَا سَيّدُ الْعَالَمِينَ، هَذَا رَسُولُ رَبّ الْعَالَمِينَ، يَبْعَثُهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُك؟. فَقَالَ: إنّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنْ الْعَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ حَجَرٌ، وَلَا شَجَرٌ إلّا خَرّ سَاجِدًا: وَلَا يَسْجُدَانِ إلّا لِنَبِيّ، وَإِنّي أَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النّبُوّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ. وَيُقَالُ: غُرْضُوفٌ مِثْلُ التّفّاحَةِ. ثُمّ رَجَعَ:
فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَلَمّا أَتَاهُمْ بِهِ- وَكَانَ هُوَ فِي رَعِيّةِ الْإِبِلِ- قَالَ: أَرْسِلُوا إلَيْهِ.
فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلّهُ، فَلَمّا دَنَا مِنْ الْقَوْمِ وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوهُ إلَى فَيْءِ الشّجَرَةِ، فَلَمّا جَلَسَ مَالَ فَيْءُ الشّجَرَةِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اُنْظُرُوا إلَى فَيْءِ الشّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ يُنَاشِدُهُمْ أَلّا يَذْهَبُوا بِهِ إلَى الرّومِ، فَإِنّ الرّومَ إنْ رَأَوْهُ عَرَفُوهُ بِالصّفَةِ، فَيَقْتُلُونَهُ، فَالْتَفَتَ فَإِذَا سَبْعَةٌ قَدْ أَقْبَلُوا مِنْ الرّومِ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ فَقَالُوا: جِئْنَا أَنّ هَذَا النّبِيّ خَارِجٌ فى هذا الشهر،
_________________
(١) ورواه أيضا الحاكم وصححه والبيهقى فى الدلائل وأبو نعيم والخرائطى وابن أبى عساكر، وابن أبى شيبة.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إلّا بُعِثَ إلَيْهِ بِأُنَاسِ، وَإِنّا قَدْ اخْتَرْنَا خِيرَةَ بَعْثِنَا إلَى طَرِيقِك هَذَا، فَقَالَ: هَلْ خَلْفَكُمْ أَحَدٌ هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ، فَقَالُوا: إنّمَا اخْتَرْنَا خِيرَةً لِطَرِيقِك «١» هَذَا، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَقْضِيَهُ: هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْ النّاسِ رَدّهُ؟
قَالُوا: لَا، قَالَ: فَبَايَعُوهُ «٢» وَأَقَامُوا مَعَهُ. قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاَللهِ أَيّكُمْ وَلِيّهُ؟
قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ حَتّى رَدّهُ أَبُو طَالِبٍ، وَبَعَثَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ بَلَالًا﵄- وزوّده الراهب من الكعك والزيت «٣»، قال
_________________
(١) فى لفظ الحديث اضطراب وخطأ، وفى المواهب وشرحها ما يأتى: ج ١ ص ١٩٥: «فلم يبق طريق إلا بعث إليها بأناس، وأنا مذ أخبرنا خبره بَعْثِنَا إلَى طَرِيقِك هَذَا، فَقَالَ: هَلْ خَلْفَكُمْ أحد هو خير منكم؟ قالوا: إنما أخبرنا خبره بطريقك هذا، وانظر الخصائص للسيوطى ح ١ ص ٢٠٨ و١٤٢ ح ١ السيرة الحلبية.
(٢) معناه: بايعوا بحيرا على ألا يأخذوا النبى «ص» ولا يؤذوه على حسب ما أرسلوا فيه، وأقاموا مع بحيرا خوفا على أنفسهم إذا رجعوا بدونه، انظر ص ٢٨٥ ح ٢ البداية والمواهب، ومن أسماء بحيرا: جرجس وجرجيس. وأكرر مرة أخرى بحجة من القرآن أن رسول الله «ص» لم يكن هو نفسه يعرف عن أمر نبوته شيئا قبل أن ينزل عليه الوحى، والايات التى جعلت آيات له- كما ورد فى القرآن والإنجيل والتوراة- لا تتعلق بصفات جسمية، وإنما بالحقائق النورانية من دعوته ﷺ، فهو نبى أمى اسمه: أحمد يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويحل الطيبات، ويحرم الخبائث، ويضع الأغلال والإصر عن البشر.
(٣) يقول القسطلانى والزرقانى فى المواهب وشرحه: «وضعف الذهبى الحديث- حديث بحيرى- لقوله فى آخره: وبعث معه أبوبكر بلالا، فإن أبا بكر إذ ذاك لم يكن متأهلا. قال ابن سيد الناس: لأنه حينئذ لم يبلغ عشر سنين، فإن المصطفى أزيد منه بعامين، وكان له يومئذ تسعة أعوام على ما قاله الطبرى وغيره، أو اثنا عشر عاما على ما قاله آخرون، ولا اشترى
[ ٢ / ٢٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إلّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَمِمّا قَالَهُ أبو طالب فى هذه القصة:
_________________
(١) بلالا. قال اليعمرى: لأنه لم ينتقل لأبى بكر إلا بعد ذلك بأزيد من ثلاثين عاما، فإنه كان لبنى خلف الجمحيين. وعندما عذب فى الله اشتراه أبوبكر رحمة له، واستنقاذا له من أيديهم. ولفظ الذهبى فى الميزان فى ترجمة عبد الرحمن ابن غزوان: كان يحفظ وله مناكير، وأنكر ماله: حديث عن يونس بن أبى إسحاق عن أبى بكر بن أبى موسى عن أبى موسى فى سفر النبى «ص» وهو مراهق مع أبى طالب إلى الشام. ومما يدل على أنه باطل قوله: وبعث معه أبوبكر بلالا، وبلال لم يكن خلق، وأبوبكر كان صبيا، وقال فى تلخيص المستدرك بعد ما ذكر تصحيح الحاكم للحديث: قلت: أظنه موضوعا؛ فبعضه باطل» ويقول عنه عباس الدورى: ليس فى الدنيا أحد يحدث به- أى بهذا الحديث- غير قراد أبى نوح- أى عبد الرحمن بن غزوان- وقد سمعه منه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين لغرابته وانفراده. وفى رواية الترمذى لم يذكر اسم الراهب، وهو تارة يهودى، وتارة نصرانى، وتارة بحيرى، وأخرى سرجس وغيره!! هذا وبصرى التى فى القصة بلد بالشام، وهى قصبة كورة حوران. ولا ريب فى أن قصة بحيرى مخترعة وإفك صراح، وقد استغلها عدو الإسلام، فزعموا أنهﷺ- اقتبس دينه مما تعلمه من رهبان النصارى وأحبار اليهود، وقد تردى فى هذه المهلكة مؤرخ ينتسب إلى الإسلام، فزعم أن رحلتى الرسول إلى الشام كان لهما أثر هما فيما صدر عنه من تشريع. وأقول: لو أنها حدثت لتواتر خبرها، ولأجّ فى مكة وما حولها من القرى، ولبدا من رسول الله العلم بما جاءه ليلة الوحى الأولى، وكيف، وهو كما أكد القرآن- لم يكن يعرف حتى الإيمان قبل الوحى!!. هذا وفى رواياته متناقضات، فبحيرى من يهود تيماء، كما جاء فى بعض السنن للزهرى، وفى مروج الذهب وغيره أنه كان نصرانيا من عبد القيس. والرحلة كانت مع أبى طالب، والرحلة مع أبى بكر، والرحلة وهو فى سن التاسعة
[ ٢ / ٢٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَلَمْ تَرَنِي مِنْ بَعْدِ هَمّ هَمَمْته بِفُرْقَةِ حُرّ الْوَالِدَيْنِ كِرَامِ
بِأَحْمَدَ لَمّا أَنْ شَدَدْت مَطِيّتِي لِتَرْحَلَ إذْ وَدّعْته بِسَلَامِ
بَكَى حُزْنًا وَالْعِيسُ قَدْ فَصَلَتْ بِنَا وَأَمْسَكْت بِالْكَفّيْنِ فَضْلَ زِمَامِ
ذَكَرْت أَبَاهُ، ثُمّ رَقْرَقَتْ عَبْرَةٌ تَجُودُ مِنْ الْعَيْنَيْنِ ذَاتُ سِجَامِ
فَقُلْت: تَرُوحُ رَاشِدًا فِي عُمُومَةٍ مُوَاسِينَ فِي الْبَأْسَاءِ غَيْرِ لِئَامِ
فَرُحْنَا مَعَ الْعِيرِ الّتِي رَاحَ أَهْلُهَا شَآمِيّ الهوى، والأصل غير شامى
_________________
(١) أو الثانية عشرة أو الثامنة عشرة. وأبوبكر هو الذى يتوجه إلى الراهب فى رواية، وبحيرا هو الذى ينزل فى رواية، والراهب مجهول الاسم فى رواية، والراهب سرجس، أو جرجس، أو جرجيس فى رواية!! والراهب يحذر أبا طالب من الروم، والراهب يحذر أبا طالب من اليهود فى رواية، وعدد الروم سبعة، وعددهم تسعة فى رواية. هذا والكاتب الهندى خدا بخش- على ما فى قوله من اتهام لابن عباس بأنه واضع الحديث، وابن عباس برىء من إفكه- يحكم بزيف هذه القصة فيقول: «ولكن القصة بأكملها ليست حقيقية، بل موضوعة، وهى من صنع خيال ابن عباس!! وربما تكون قد دونت حوالى سنة ١٠٠ هـ» ثم يستعرض موقف الصليبية من قصة هذا الراهب، فيذكر أمورا مذهلة ترينا إلى أى حد استغل أعداء الدين هذه القصة المفتراة، فانظر كتابه (الحضارة الإسلامية ترجمة الدكتور الخربوطلى) من ص ٤٠. ويقول المؤرخ سيديو- رغم اعتد اله: «وكان أول سفره إلى الشام مع عمه أبى طالب فى سنة ٥٨٣ م فبلغ بصرى، فاجتمع فيها ببحيرى الذى كان اسمه لدى النصارى جرجيس أو سرجيس، فنال حظوة عنده» ص ٦٦ تاريخ العرب العام، ويقول غستاف لوبون عن قصة بحيرى: (وتقول القصة: إن محمدا سافر مرة مع عمه إلى سورية، فتعرف فى بصرى براهب نسطورى فى دير نصرانى، فتلقى منه علم التوراة) ص ١٣٠ حضارة العرب. وذكر هذا فى مثل هذا الأسلوب الهادىء الذى يختال بأنه سكينة من اليقين يفتح قلب من لا يعى لهذا الباطل الصريح!!
[ ٢ / ٢٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَلَمّا هَبَطْنَا أَرْضَ بُصْرَى تَشَرّفُوا لَنَا فَوْقَ دُورٍ يَنْظُرُونَ جِسَامِ
فَجَاءَ بَحِيرَى عِنْدَ ذَلِكَ حاشدا لنا بشراب طيّب وطعام
قال: اجْمَعُوا أَصْحَابَكُمْ لِطَعَامِنَا فَقُلْنَا: جَمَعْنَا الْقَوْمَ غَيْرَ غلام «١»
ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْهُ، وَذَكَرَ بَاقِيَ الشّعْرِ.
حَفِظَهُ فِي الصّغَرِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ مَا كَانَ اللهُ ﷾ يَحْفَظُهُ بِهِ: أَنّهُ كَانَ صَغِيرًا يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فتعرّى فلكمه لا كم. الْحَدِيثُ. وَهَذِهِ الْقِصّةُ إنّمَا وَرَدَتْ فِي الْحَدِيثِ الصّحِيحِ فِي حِينِ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- يَنْقُلُ الْحِجَارَةَ مَعَ قَوْمِهِ إلَيْهَا، وَكَانُوا يَجْعَلُونَ أُزُرَهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ لِتَقِيهِمْ الْحِجَارَةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- يَحْمِلُهَا عَلَى عَاتِقِهِ، وَإِزَارُهُ مشدود عليه، فَفَعَلَ فَسَقَطَ مَغْشِيّا عَلَيْهِ، ثُمّ قَالَ: إزَارِي إزَارِي! فَشُدّ عَلَيْهِ إزَارُهُ، وَقَامَ يَحْمِلُ الْحِجَارَةَ «٢»، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: أَنّهُ لَمّا سَقَطَ، ضَمّهُ الْعَبّاسُ إلَى نَفْسِهِ، وَسَأَلَهُ عَنْ شَأْنِهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنّهُ نُودِيَ مِنْ السّمَاءِ: أَنْ اُشْدُدْ عَلَيْك إزَارَك يَا مُحَمّدُ، قَالَ: وَإِنّهُ لَأَوّلُ مَا نُودِيَ. وَحَدِيثُ ابْنِ إسْحَاقَ، إنْ صَحّ أَنّهُ كَانَ ذَلِكَ فِي صِغَرِهِ، إذْ كَانَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ: فَمَحْمَلُهُ عَلَى أَنّ هَذَا الْأَمْرَ كَانَ مَرّتَيْنِ: مَرّةً فِي حَالِ صِغَرِهِ، وَمَرّةً فى أول اكتهاله عند بنيان الكعبة.
_________________
(١) تبدو فى الشعر رائحة الوضع، فما عليه من العصر الذى قيل فيه سمة، ولهذا لم يروه ابن هشام.
(٢) الحديث فى البخارى ومسلم.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
[حرب الفجار]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَلَمّا بَلَغَ رسول اللهﷺ- أربع عَشْرَةَ سَنَةً، أَوْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً- فِيمَا حَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ النّحْوِيّ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ- هَاجَتْ حَرْبُ الْفُجّارِ بَيْنَ قُرَيْشٍ، ومن معها مِنْ كِنَانَةَ، وَبَيْنَ قَيْسِ عَيْلَانَ.
وَكَانَ الّذِي هَاجَهَا أَنّ عُرْوَةَ الرّحّالَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ جعفر بن كلاب بن ربيعة ابن عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بن هوازن، أجار لطيمة للنعمان ابن الْمُنْذَرِ، فَقَالَ لَهُ الْبَرّاضُ بْنُ قَيْسٍ، أَحَدُ بَنِي ضَمْرَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ ابن كِنَانَةَ: أَتُجِيرُهَا عَلَى كِنَانَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَعَلَى الخلق، فَخَرَجَ فِيهَا عُرْوَةُ الرّحّالُ، وَخَرَجَ الْبَرّاضُ يَطْلُبُ غفلته، حتى إذا كان بتيمن ذى طلّال بِالْعَالِيَةِ، غَفَلَ عُرْوَةُ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ الْبَرّاضُ، فَقَتَلَهُ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ، فَلِذَلِكَ سُمّيَ: الْفُجّارَ. وَقَالَ الْبَرّاضُ فِي ذَلِكَ:
وَدَاهِيَةٍ تُهِمّ النّاسَ قَبْلِي شَدَدْتُ لَهَا- بَنِي بَكْرٍ- ضُلُوعِي
هَدَمْت بِهَا بُيُوتَ بَنِي كِلَابٍ وَأَرْضَعْتُ الْمَوَالِيَ بِالضّرُوعِ
رَفَعْتُ له بذى طلّال كفّى فخرّ يميد كالجذع الصّريع
وقال لبيد بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ:
أَبْلِغْ- إنْ عَرَضْت- بَنِي كِلَابٍ وَعَامِرَ وَالْخُطُوبُ لَهَا مَوَالِي
وَبَلّغْ إنْ عَرَضْت بَنِي نُمَيْرٍ وَأَخْوَالَ الْقَتِيلِ بَنِي هِلَالِ
بِأَنّ الْوَافِدَ الرّحّالَ أَمْسَى مقيما عند تيمن ذى طلال
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢٢٩ ]
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ فِيمَا ذَكَرَ ابن هشام.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَأَتَى آتٍ قُرَيْشًا، فَقَالَ: إنّ الْبَرّاضَ قَدْ قَتَلَ عُرْوَةَ، وَهُمْ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ بِعُكَاظَ، فَارْتَحَلُوا، وَهَوَازِنُ لَا تَشْعُرُ، ثُمّ بَلَغَهُمْ الْخَبَرُ فَأَتْبَعُوهُمْ، فَأَدْرَكُوهُمْ قَبْل أَنْ يَدْخُلُوا الْحَرَمَ، فَاقْتَتَلُوا حَتّى جَاءَ اللّيْلُ، وَدَخَلُوا الْحَرَمَ، فَأَمْسَكَتْ عَنْهُمْ هَوَازِنُ، ثُمّ الْتَقَوْا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ أَيّامًا، وَالْقَوْمُ مُتَسَانَدُونَ، عَلَى كُلّ قَبِيلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ رَئِيسٌ مِنْهُمْ، وَعَلَى كُلّ قَبِيلٍ مِنْ قَيْسٍ رَئِيسٌ مِنْهُمْ.
وَشَهِدَ رسول اللهﷺ- بعض أَيّامِهِمْ، أَخْرَجَهُ أَعْمَامُهُ مَعَهُمْ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ: كُنْت أَنْبُلُ عَلَى أعمامى، أى: أردّ عنهم، نَبْلَ عَدُوّهِمْ، إذَا رَمَوْهُمْ بِهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: هَاجَتْ حَرْبُ الْفُجّارِ، وَرَسُولُ اللهِﷺ- ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَإِنّمَا سُمّيَ يَوْمَ الْفُجّارِ، بِمَا اسْتَحَلّ هَذَانِ الْحَيّانِ: كنانة وقيس عيلان فيه المحارم بينهم.
وَكَانَ قَائِدُ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ حَرْبُ بْنُ أُمّيّةَ بن عبد شمس، وكان الظّفر فى أوّل النهار لقيس على كنانة، حتى إذا كَانَ فِي وَسَطِ النّهَارِ كَانَ الظّفَرُ لِكِنَانَةِ عَلَى قِيسٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدِيثُ الْفُجّارِ أطول مما ذكرت، وإنما منعني من استقصائه قَطْعُهُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢٣٠ ]
[حَدِيثُ تَزْوِيجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَدِيجَةُ ﵂]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَلَمّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِﷺ- خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، تَزَوّجَ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، فِيمَا حَدّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عن أبى عمرو المدنى.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ امرأة تاجرة، ذات شرف ومال، تستأجر الرجال فى مَالِهَا، وَتُضَارِبُهُمْ إيّاهُ، بِشَيْءٍ تَجْعَلُهُ لَهُمْ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَوْمًا تُجّارًا، فَلَمّا بَلَغَهَا عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ- مَا بَلَغَهَا، مِنْ صَدْقِ حَدِيثِهِ، وَعِظَمِ أَمَانَتِهِ، وَكَرَمِ أَخْلَاقِهِ، بَعَثَتْ إلَيْهِ، فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ فِي مَالٍ لَهَا إلَى الشّامِ تَاجِرًا، وَتُعْطِيهِ أَفَضْلَ مَا كَانَتْ تُعْطِي غَيْرَهُ مِنْ التّجّارِ، مَعَ غُلَامٍ لَهَا يُقَالُ لَهُ: مَيْسَرَةَ، فَقَبِلَهُ رَسُولُ اللهِﷺ- مِنْهَا، وَخَرَجَ فِي مَالِهَا ذَلِكَ، وَخَرَجَ مَعَهُ غُلَامُهَا مَيْسَرَةُ، حَتّى قَدِمَ الشّامَ.
فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِﷺ- فِي ظِلّ شَجَرَةٍ قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ مِنْ الرّهْبَانِ، فَاطّلَعَ الرّاهِبُ إلَى مَيْسَرَةَ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ هَذَا الرّجُلُ الّذِي نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشّجَرَةِ؟ قَالَ لَهُ مَيْسَرَةُ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ، فَقَالَ لَهُ الرّاهِبُ: مَا نَزَلَ تَحْتَ هذه الشجرة قطّ إلّا نبىّ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢٣١ ]
ثُمّ بَاعَ رَسُولُ اللهِﷺ- سِلْعَتَهُ الّتِي خَرَجَ بِهَا، وَاشْتَرَى مَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ، ثُمّ أَقْبَلَ قَافِلًا إلَى مَكّةَ، وَمَعَهُ مَيْسَرَةُ، فَكَانَ مَيْسَرَةُ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- إذَا كَانَتْ الْهَاجِرَةُ، وَاشْتَدّ الْحُرّ، يَرَى مَلَكَيْنِ يُظِلّانِهِ مِنْ الشّمْسِ- وَهُوَ يَسِيرُ عَلَى بَعِيرِهِ، فَلَمّا قَدِمَ مَكّةَ عَلَى خَدِيجَةَ بِمَالِهَا، بَاعَتْ ما جاء به، فأضعف أو قريبا.
وحدّثها ميسرة عن قول الراهب، وَعَمّا كَانَ يَرَى مِنْ إظْلَالِ الْمَلَكَيْنِ إيّاهُ، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ امْرَأَةً حَازِمَةً شَرِيفَةً لَبِيبَةً، مَعَ مَا أَرَادَ اللهُ بِهَا مِنْ كَرَامَتِهِ، فَلَمّا أَخْبَرَهَا مَيْسَرَةُ بِمَا أَخْبَرَهَا بِهِ، بَعَثَتْ إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- فقالت له- فيما يزعمون: يا بن عَمّ، إنّي قَدْ رَغِبْتُ فِيك لِقَرَابَتِك، وَسِطَتِكَ فِي قَوْمِك وَأَمَانَتِك، وَحُسْنِ خُلُقِك، وَصِدْقِ حَدِيثِك، ثُمّ عَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ يَوْمئِذٍ أَوْسَطَ نِسَاءِ قُرَيْشٍ نَسَبًا، وَأَعْظَمَهُنّ شَرَفًا، وَأَكْثَرَهُنّ مَالًا، كُلّ قَوْمِهَا كَانَ حَرِيصًا عَلَى ذَلِكَ منها لو يقدر عليه.
وَهِيَ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بْنِ فِهْرٍ. وَأُمّهَا: فَاطِمَةُ بِنْتُ زَائِدَةَ بْنِ الْأَصَمّ بْنِ رَوَاحَةَ بْنِ حَجَرِ بْنِ عَبْدِ بْنِ مَعِيصِ بْنِ عَامِرٍ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فَهِرّ. وَأُمّ فَاطِمَةَ: هَالَةُ بِنْتُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ منقذ بن عمرو ابن مَعِيصِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ. وَأُمّ هَالَةَ: قِلَابَةُ بِنْتُ سَعِيدِ ابن سَعْدِ بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فهر.
فَلَمّا قَالَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِﷺ- ذَكَرَ ذَلِكَ لِأَعْمَامِهِ، فَخَرَجَ مَعَهُ عمّه حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ﵀- حَتّى دَخَلَ عَلَى خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ فَخَطَبَهَا إلَيْهِ، فتزوجها.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢٣٢ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَصْدَقَهَا رَسُولُ اللهِﷺ- عِشْرِينَ بَكْرَةً، وَكَانَتْ أَوّلَ امْرَأَةٍ تَزَوّجَهَا رَسُولِ اللهِﷺ- وَلَمْ يَتَزَوّجْ عَلَيْهَا غَيْرَهَا حَتّى مَاتَتْ، ﵂.
ــ
قِصّةُ الْفِجَارِ وَالْفِجَارُ بِكَسْرِ الْفَاءِ بِمَعْنَى: الْمُفَاجَرَةِ كَالْقِتَالِ وَالْمُقَاتَلَةِ، وَذَلِكَ أَنّهُ كَانَ قِتَالًا فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ، فَفَجَرُوا فِيهِ جَمِيعًا، فَسُمّيَ: الْفِجَارَ، وَكَانَتْ لِلْعَرَبِ فِجَارَاتٌ أَرْبَعٌ، ذَكَرَهَا الْمَسْعُودِيّ، آخِرُهَا: فِجَارُ الْبِرَاضِ «١» الْمَذْكُورُ فِي السّيرَةِ، وَكَانَ لَكِنَانَةَ وَلِقَيْسِ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَيّامٍ مَذْكُورَةٌ: يَوْمُ شَمْطَةَ، وَيَوْمُ الشّرْبِ، وَهُوَ أَعْظَمُهَا يَوْمًا، وَفِيهِ قَيّدَ حَرْبُ بْنُ أُمَيّةَ وَسُفْيَانُ وَأَبُو سُفْيَانَ أَبْنَاءُ أُمَيّةَ أَنْفُسَهُمْ كَيْ لَا يَفِرّوا، فَسُمّوا: الْعَنَابِسَ «٢»، وَيَوْمُ الْحُرَيْرَةِ عِنْدَ نَخْلَةَ، وَيَوْمُ الشّرِبِ انْهَزَمَتْ قَيْسٌ إلّا بَنِي نَضْرٍ مِنْهُمْ، فَإِنّهُمْ ثَبَتُوا، وَإِنّمَا لَمْ يُقَاتِلْ رَسُولُ اللهِﷺ- مَعَ أَعْمَامِهِ، وَكَانَ يَنْبُلُ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ كَانَ بَلَغَ سِنّ الْقِتَالِ؛ لِأَنّهَا كَانَتْ حَرْبَ فِجَارٍ، وَكَانُوا أَيْضًا كُلّهُمْ كُفّارًا، وَلَمْ يَأْذَنْ اللهُ تَعَالَى لِمُؤْمِنِ أَنْ يُقَاتِلَ إلّا لتكون كلمة الله هى العليا.
_________________
(١) هى: فجار الرجل، أو فجار بدر بن معشر، وفجار القرد، وفجار المرأة، والأولى بين كنانة وهوازن، والثانية أيضا: بينهما، والثالثة: بين قريش وهوازن، وكانت البراض بين قريش وكنانة كلها وبين هوازن، وتسمى: ثلاثة الفجارات الأول: أيام الفجار الأول. أما البراض فالفجار الاخر.
(٢) العنبس من أسماء الأسد، والعنابس من قريش أولاد أمية بن عبد شمس الأكبر، وهم ستة، منهم الذين ذكرهم السهيلى والاخرون هم: أبو حرب وعمرو وأبو عمرو، وسموا بالأسد، والباقون يقال لهم: الأعياص
[ ٢ / ٢٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَاللّطِيمَةُ: عِيرٌ تَحْمِلُ الْبَزّ وَالْعِطْرَ.
وَقَوْلُهُ: بِذِي طَلّالٍ «١» بِتَشْدِيدِ اللّامِ، وَإِنّمَا خَفّفَهُ لَبِيدٌ فِي الشعر الذى ذكره ابن إسحاق ههنا لِلضّرُورَةِ.
مَنْعُ تَنْوِينِ الْعَلَمِ:
وَقَوْلُ الْبَرّاضِ: رَفَعْت لَهُ بِذِي طَلّالَ كَفّي. فَلَمْ يَصْرِفْهُ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَهُ اسْمَ بُقْعَةٍ، فَتَرَكَ إجْرَاءَ الِاسْمِ لِلتّأْنِيثِ وَالتّعْرِيفِ، فَإِنْ قُلْت: كَانَ يَجِبُ أَنْ يَقُولَ: بِذَاتِ طَلّالَ، أَيْ: ذَاتِ هَذَا الِاسْمِ لِلْمُؤَنّثِ، كَمَا قَالُوا: ذُو عَمْرٍو أَيْ: صَاحِبُ هَذَا الِاسْمِ، وَلَوْ كَانَتْ أُنْثَى، لَقَالُوا: ذَاتُ هَذَا، فَالْجَوَابُ: أَنّ قَوْلَهُ: بِذِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لِطَرِيقِ، أَوْ جَانِبٍ مُضَافٍ إلَى طَلّالَ اسْمِ الْبُقْعَةِ. وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلّهِ أَنْ يَكُونَ طَلّالُ اسْمًا مُذّكّرًا عَلَمًا، وَالِاسْمُ الْعَلَمُ يَجُوزُ تَرْكُ صَرْفِهِ فِي الشّعْرِ كَثِيرًا، وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَابُ مِنْ الشّوَاهِدِ عَلَيْهِ مَا يَدُلّك عَلَى كَثْرَتِهِ فِي الْكَلَامِ، ونؤخر القول فى كشف هذه المسئلة وَإِيضَاحِهَا إلَى أَنْ تَأْتِيَ تِلْكَ الشّوَاهِدُ- إنْ شَاءَ اللهُ- وَوَقَعَ فِي شِعْرِ الْبَرّاضِ مُشَدّدًا، وَفِي شِعْرِ لَبِيَدٍ الّذِي بَعْدَ هَذَا مُخَفّفًا، وَقُلْنَا: إنّ لَبِيدًا خَفّفَهُ لِلضّرُورَةِ، وَلَمْ يَقُلْ: إنّهُ شُدّدَ لِلضّرُورَةِ، وَإِنّ الْأَصْلَ فِيهِ التّخْفِيفُ، لِأَنّهُ فَعّالٌ مِنْ الطّلّ، كَأَنّهُ مَوْضِعٌ يَكْثُرُ فِيهِ الطّلّ، فَطَلَالُ بِالتّخْفِيفِ لَا مَعْنَى لَهُ، وَأَيْضًا؛ فَإِنّا وَجَدْنَاهُ فِي الْكَلَامِ الْمَنْثُورِ مُشَدّدًا، وكذلك تقيد فى كلام ابن
_________________
(١) تنطق بالظاء أيضا، وتيمن ذى طلال، قيل: إنه واد إلى جنب فدك، والصحيح: أنه بعالية نجد، كما ذكر ابن هشام. والعالية: كل ما كان من جهة نجد من المدينة من قراها وعمائرها إلى تهامة. وما كان دون ذلك: فالسافلة
[ ٢ / ٢٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إسْحَاقَ هَذَا فِي أَصْلِ الشّيْخِ أَبِي بَحْرٍ «١» .
مِنْ تَفْسِيرِ شِعْرِ الْبَرّاضِ:
وَقَوْلُهُ فِي الْبَيْتِ الثّانِي: وَأَلْحَقْت الْمَوَالِيَ بِالضّرُوعِ «٢» . جَمْعُ: ضَرْعٍ، هُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِمْ: لَئِيمٌ رَاضِعٌ، أَيْ: أَلْحَقَتْ الْمَوَالِيَ بِمَنْزِلَتِهِمْ مِنْ اللّؤْمِ وَرَضَاعِ الضّرُوعِ، وَأَظْهَرْت فَسَالَتَهُمْ «٣» وَهَتَكْت بُيُوتَ أَشْرَافِ بَنِي كِلَابٍ وَصُرَحَائِهِمْ.
وَقَوْلُ لَبِيَدٍ: بَيْنَ تَيْمِنَ ذِي طَلَالٍ. بِكَسْرِ الْمِيمِ وَبِفَتْحِهَا، وَلَمْ يَصْرِفْهُ لِوَزْنِ الْفِعْلِ، وَالتّعْرِيفِ؛ لِأَنّهُ تَفْعِلُ، أَوْ تَفْعَلُ مِنْ الْيُمْنِ أَوْ الْيَمِينِ.
آخِرُ أَمْرِ الْفِجَارِ:
وَكَانَ آخِرُ أَمْرِ الْفِجَارِ أَنّ هَوَازِنَ وَكِنَانَةَ تَوَاعَدُوا لِلْعَامِ الْقَابِلِ بعكاظ فجاؤا لِلْوَعْدِ، وَكَانَ حَرْبُ بْنُ أُمَيّةَ رَئِيسَ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ، وَكَانَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ يَتِيمًا فِي حِجْرِهِ، فَضَنّ بِهِ حَرْبٌ، وَأَشْفَقَ مِنْ خُرُوجِهِ مَعَهُ، فَخَرَجَ عُتْبَةُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَمْ يَشْعُرُوا إلّا وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ بَيْنَ الصّفّيْنِ يُنَادِي: يَا مَعْشَرَ مُضَرَ، عَلَامَ تُقَاتِلُونَ؟ فَقَالَتْ لَهُ هَوَازِنُ: مَا تَدْعُو إلَيْهِ؟ فَقَالَ: الصّلْحُ، عَلَى أَنْ نَدْفَعَ إلَيْكُمْ دِيَةَ قَتْلَاكُمْ، وَنَعْفُوَ عَنْ دِمَائِنَا، قَالُوا: وَكَيْفَ؟ قَالَ: نَدْفَعُ إلَيْكُمْ رَهْنًا مِنّا، قَالُوا: وَمَنْ لَنَا بِهَذَا؟ قَالَ: أَنَا. قَالُوا: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَرَضُوا وَرَضِيَتْ كِنَانَةُ، وَدَفَعُوا إلَى هَوَازِنَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا: فِيهِمْ: حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ [بْنِ خُوَيْلِدٍ]، فَلَمّا رَأَتْ بَنُو عَامِرِ بن صعصعة الرّهن
_________________
(١) انظر عن هذا ص ٦١ شرح السيرة للخشنى.
(٢) فى السيرة: وأرضعت.
(٣) الفسل من الرجال: الرذل.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي أَيْدِيهمْ، عَفَوْا عَنْ الدّمَاءِ، وَأَطْلَقُوهُمْ وَانْقَضَتْ حَرْبُ الْفِجَارِ «١»، وَكَانَ يُقَالُ: لَمْ يَسُدْ مِنْ قُرَيْشٍ مُمْلِقٌ إلّا عُتْبَةُ وَأَبُو طَالِبٍ، فَإِنّهُمَا سَادَا بِغَيْرِ مَالٍ.
فَصْلٌ فِي تَزْوِيجِهِ ﵇ خَدِيجَةَ ﵂ شَرْحُ قَوْلِ الرّاهِبِ:
ذُكِرَ فِيهِ قَوْلُ الرّاهِبِ: مَا نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشّجَرَةِ إلّا نَبِيّ. يُرِيدُ:
مَا نَزَلَ تَحْتَهَا هَذِهِ السّاعَةَ إلّا نَبِيّ، وَلَمْ يُرِدْ: مَا نَزَلَ تَحْتَهَا قَطّ إلّا نَبِيّ؛ لِبُعْدِ الْعَهْدِ بِالْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي لَفْظِ الْخَبَرِ: قَطّ، فَقَدْ تَكَلّمَ بِهَا عَلَى جِهَةِ التّوْكِيدِ لِلنّفْيِ، وَالشّجَرَةُ لَا تُعَمّرُ فِي الْعَادَةِ هَذَا الْعُمْرَ الطّوِيلَ حَتّى يَدْرِيَ أَنّهُ لَمْ يَنْزِلْ تَحْتَهَا إلّا عِيسَى، أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ﵈- وَيَبْعُدُ فِي الْعَادَةِ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ شَجَرَةٌ تَخْلُو مِنْ أَنْ يَنْزِلَ تَحْتَهَا أَحَدٌ، حَتّى يَجِيءَ نَبِيّ إلّا أَنْ تَصِحّ رِوَايَةُ مَنْ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: لَمْ يَنْزِلْ تَحْتَهَا أَحَدٌ بَعْدَ عيسى بن مَرْيَمَ﵇- وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ، فَالشّجَرَةُ عَلَى هَذَا مَخْصُوصَةٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا الرّاهِبُ ذَكَرُوا أَنّ اسمه نسطورا «٢» وليس هو بحيرا المتقدم ذكره.
_________________
(١) ومن حديث حرب الفجار نفسر ما يأتى: اللطيمة: الإبل تحمل التجارة والطيب والبز وأشباههما. القوم متساندون: ليس لهم أمير واحد يجمعهم. ولم يرد فى حضور النبى «ص» حرب الفجار حديث يعتد به.
(٢) قلت: إن الصليبية استغلت هذه الأكذوبة، فادعى أحدهم وهو
[ ٢ / ٢٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَحْقِيقُ مَعْنَى الْوَسَطِ:
وَقَوْلُ خَدِيجَةَ﵂: لِسِطَتِك فِي عَشِيرَتِك، وَقَوْلُهُ فِي وَصْفِهَا:
هِيَ أَوْسَطُ قُرَيْشٍ نَسَبًا. فَالسّطَةُ: مِنْ الْوَسَطِ، مَصْدَرٌ كَالْعِدَةِ وَالزّنَةِ، وَالْوَسَطُ مِنْ أَوْصَافِ الْمَدْحِ وَالتّفْضِيلِ، وَلَكِنْ فِي مَقَامَيْنِ: فِي ذِكْرِ النّسَبِ، وَفِي ذِكْرِ الشّهَادَةِ. أَمّا النّسَبُ؛ فَلِأَنّ أَوْسَطَ القبيلة أعرفها، وأولادها بِالصّمِيمِ وَأَبْعَدُهَا عَنْ الْأَطْرَافِ وَالْوَسِيطِ، وَأَجْدَرُ أَنْ لَا تُضَافَ إلَيْهِ الدّعْوَةُ؛ لِأَنّ الْآبَاءَ وَالْأُمّهَاتِ قَدْ أَحَاطُوا بِهِ مِنْ كُلّ جَانِبٍ، فَكَانَ الْوَسَطُ مِنْ أَجَلّ هَذَا مَدْحًا فِي النّسَبِ بِهَذَا السّبَبِ، وَأَمّا الشّهَادَةُ فَنَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: (قَالَ أَوْسَطُهُمْ) وَقَوْلِهِ:
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ الْبَقَرَةُ: ١٤٣ فَكَانَ هَذَا مدحا فى الشهادة؛ لأنها غاية العد الة فِي الشّاهِدِ أَنْ يَكُونَ وَسَطًا كَالْمِيزَانِ، لَا يَمِيلُ مَعَ أَحَدٍ، بَلْ يُصَمّمُ عَلَى الْحَقّ تَصْمِيمًا، لَا يَجْذِبُهُ هَوًى، وَلَا يَمِيلُ بِهِ رغبة، ولا رهبة من ههنا، ولا من ههنا، فَكَانَ وَصْفُهُ بِالْوَسَطِ غَايَةً فِي التّزْكِيَةِ وَالتّعْدِيلِ، وَظَنّ كَثِيرٌ مِنْ النّاسِ أَنّ مَعْنَى الْأَوْسَطِ: الْأَفْضَلُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَقَالُوا: مَعْنَى الصّلَاةِ الْوُسْطَى: الْفُضْلَى، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ فِي جَمِيعِ الأوصاف لامدح ولاذمّ، كَمَا يَقْتَضِي لَفْظُ التّوَسّطِ، فَإِذَا كَانَ وَسَطًا فِي السّمَنِ، فَهِيَ بَيْنَ الْمُمِخّةِ «١» وَالْعَجْفَاءِ. وَالْوَسَطُ فى الجمال بين الحسناء
_________________
(١) «نيكولدس» أن اثنين من اليهود، ومسيحيا يعقوبيا يدعى: بحيرى أمدا محمدا بكثير من المعلومات التى استفاد منها فى دينه ص ٦٢ الحضارة الإسلامية، ويزعم «أندريا داندولو» أن هذا الراهب النسطورى «نسبته إلى فرقة مسيحية» أراد محاربة الكنيسة، فاستغل محمدا فى هذا. وكلها مفتريات من نتن فرية خبيثة انظر خدابخش الحضارة الاسلامية.
(٢) فى اللسان: الممخة بضم فكسر فخاء مشددة مفتوحة: السمينة وفى المثل: بين الممخة والعجفاء.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالشّوْهَاءِ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ، لَا يُعْطِي مَدْحًا، وَلَا ذَمّا، غَيْرَ أَنّهُمْ قَدْ قَالُوا فِي الْمَثَلِ: أَثْقَلُ مِنْ مُغِنّ وَسَطٍ عَلَى الذّمّ؛ لِأَنّ الْمُغْنِي إنْ كَانَ مَجِيدًا جِدّا أَمْتَعَ وَأَطْرَبَ، وَإِنْ كَانَ بَارِدًا جِدّا أَضْحَكَ وَأَلْهَى، وَذَلِكَ أَيْضًا مِمّا يُمَتّعُ. قَالَ الْجَاحِظُ: وَإِنّمَا الْكَرْبُ الّذِي يَجْثُمُ عَلَى الْقُلُوبِ، وَيَأْخُذُ بِالْأَنْفَاسِ الْغِنَاءُ الْفَاتِرُ الْوَسَطُ الّذِي لَا يُمَتّعُ بِحُسْنِ، وَلَا يُضْحِكُ بِلَهْوِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي رَسُولِ اللهِﷺ- هُوَ: أَوْسَطُ النّاسِ. أَيْ:
أَفْضَلُهُمْ، وَلَا يُوصَفُ بِأَنّهُ وَسَطٌ فِي الْعِلْمِ، وَلَا فِي الْجُودِ، وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ إلّا فِي النّسَبِ وَالشّهَادَةِ، كَمَا تَقَدّمَ، وَالْحَمْدُ لِلّهِ، وَاَللهُ الْمَحْمُودُ.
مَنْ الّذِي زَوّجَ خَدِيجَةَ؟
فَصْلٌ: وَذَكَرَ مَشْيَ رَسُولِ اللهِﷺ- إلَى خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ مَعَ عَمّهِ حَمْزَةَ﵁- وَذَكَرَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّ خُوَيْلِدًا كَانَ إذ ذاك قد هلك، وَأَنّ الّذِي أَنْكَحَ خَدِيجَةَ﵂- هُوَ عَمّهَا عَمْرُو بْنُ أَسَدٍ، قَالَهُ الْمُبَرّدُ وَطَائِفَةٌ مَعَهُ، وَقَالَ أَيْضًا: إنّ أَبَا طَالِبٍ هُوَ الّذِي نَهَضَ مَعَ رَسُولِ اللهِﷺ- وَهُوَ الّذِي خَطَبَ خُطْبَةَ النّكَاحِ «١»، وَكَانَ مِمّا قَالَهُ فِي تِلْكَ الْخُطْبَةِ: «أَمّا بَعْدُ: فَإِنّ مُحَمّدًا مِمّنْ لَا يُوَازَنُ بِهِ فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ إلّا رَجَحَ بِهِ شرفا ونبلا وفضلا وعقلا، وإن كان فى المال قلّ، فإنما المال ظِلّ زَائِلٌ، وَعَارِيَةٌ مُسْتَرْجَعَةٌ، وَلَهُ فِي خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَغْبَةٌ، وَلَهَا فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ» فَقَالَ عَمْرٌو: هُوَ الْفَحْلُ الّذِي لَا يُقْدَعُ أَنْفُهُ، فَأَنْكَحَهَا مِنْهُ، وَيُقَالُ: قَالَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَاَلّذِي قَالَهُ الْمُبَرّدُ هُوَ الصّحِيحُ؛ لِمَا رواه
_________________
(١) ونص الخطبة فى نهاية الأرب: «الحمد لله الذى جعلنا من ذرية إبراهيم
[ ٢ / ٢٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الطّبَرِيّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، وَعَنْ عَائِشَةَ﵃ كُلّهِمْ- قَالَ: إنّ عَمْرَو بْنَ أَسَدٍ هُوَ الّذِي أَنْكَحَ خَدِيجَةَ رَسُولَ اللهِﷺ- وَأَنّ خُوَيْلِدًا كَانَ قَدْ هَلَكَ قَبْلَ الفجار، وخويلد ابن أَسَدٍ هُوَ الّذِي نَازَعَ تُبّعًا الْآخَرَ حِينَ حَجّ، وَأَرَادَ أَنْ يَحْتَمِلَ الرّكْنَ الْأَسْوَدَ مَعَهُ إلَى الْيَمَنِ، فَقَامَ فِي ذَلِكَ خُوَيْلِدٌ، وَقَامَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ، ثُمّ إنّ تُبّعًا رُوّعَ فِي مَنَامِهِ تَرْوِيعًا شَدِيدًا حَتّى تَرَكَ ذَلِكَ، وَانْصَرَفَ عَنْهُ وَاَللهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ: وَذَكَرَ الزّهْرِيّ فِي سيره، وهى أول سيرة ألّفت فى
_________________
(١) وزرع إسماعيل، وضئضىء معد «أى معدنه وأصله» وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسوّاس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا، وحرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخى هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل إلا رجح به، فإن كان فى المال قلّ، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، ومحمد من قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد، وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالى كذا. وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطب جليل» ص ٩٨ ح ١٦ نهاية الأرب. وفى رواية أن صداقها كان اثنتى عشرة أوقية ذهبا ونشّا، وقال المحب الطبرى فى السمط الثمين: إنه كان عشرين بكرة وفى المنتقى: أربعمائة دينار. وفيه أيضا أن ورقة بن نوفل خطب بعد أبى طالب فقال: «الحمد لله الذى جعلنا كما ذكرت، وفضلنا على ما عددت، فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك كله، لا تنكر العشيرة فضلكم، ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم، وقد رغبنا فى الاتصال بحبلكم وشرفكم، فاشهدوا علىّ يا معاشر قريش بأنى قد زوجت خديجة بنت خويلد، من محمد بن عبد الله على أربعمائة دينار ثم سكت، فقال أبو طالب، قد أحببت. أن يشركك عمها، فتلا عمها: اشهدوا على يا معاشر قريش أنى قد أنكحت محمد بن عبد الله خديجة بنت خويلد، وشهد على ذلك صناديد قريش.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْإِسْلَامِ، كَذَا رُوِيَ عَنْ [عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عُبَيْدٍ] الدّرَاوَرْدِيّ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قَالَ لِشَرِيكِهِ الّذِي كَانَ يَتّجِرُ مَعَهُ فِي مَالِ خَدِيجَةَ: هَلُمّ فَلْنَتَحَدّثْ عِنْدَ خَدِيجَةَ، وَكَانَتْ تُكْرِمُهُمَا وَتُتْحِفُهُمَا «١»، فَلَمّا قَامَا مِنْ عِنْدِهَا جَاءَتْ امْرَأَةٌ مُسْتَنْشِئَةٌ «٢» - وَهِيَ الْكَاهِنَةُ- كَذَا قَالَ الْخَطّابِيّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَتْ لَهُ: جِئْت خَاطِبًا يَا مُحَمّدُ، فقال: كلا، فقالت:
ولم؟! فو الله مَا فِي قُرَيْشٍ امْرَأَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ خَدِيجَةَ إلّا تَرَاك كُفْئًا لَهَا، فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِﷺ- خَاطِبًا لِخَدِيجَةَ مُسْتَحْيِيًا مِنْهَا، وَكَانَ خُوَيْلِدٌ أَبُوهَا سَكْرَانَ مِنْ الْخَمْرِ، فَلَمّا كُلّمَ فِي ذَلِكَ أَنْكَحَهَا، فَأَلْقَتْ عَلَيْهِ خَدِيجَةُ حُلّةً وَضَمّخَتْهُ بِخَلُوقِ «٣» فَلَمّا صَحَا مِنْ سُكْرِهِ قَالَ: مَا هَذِهِ الْحُلّةُ وَالطّيبُ؟ فَقِيلَ:
إنّك أَنْكَحْت مُحَمّدًا خَدِيجَةَ، وَقَدْ ابْتَنَى بِهَا، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، ثُمّ رَضِيَهُ وَأَمْضَاهُ، فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنّ أَبَاهَا كَانَ حَيّا، وَأَنّهُ الّذِي أَنْكَحَهَا. كَمَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَقَالَ رَاجِزٌ مِنْ أَهْلِ مَكّةَ فِي ذَلِكَ:
لَا تَزْهَدِي خَدِيجَ فِي مُحَمّدِ نَجْمٌ يُضِيءُ كَإِضَاءِ الْفَرْقَدِ «٤»
_________________
(١) التحفة بالضم وكهمزة: البر واللطف والطرفة.
(٢) كانت من مولدات قريش، يقال: يستنشى الأخبار، أى: يبحث عنها. وقال الأزهرى: إن مستنشئة علم لتلك الكاهنة.
(٣) الخلوق: ضرب من الطيب. والضمخ: لطخ الجسد بالطيب.
(٤) الفرقد: النجم الذى يهتدى به، وفى شرح المواهب: «كما ضياء الفرقد» بدلا من «كإضاء الفرقد» .
[ ٢ / ٢٤٠ ]
[أولاده ﷺ منها]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَدَهُ كُلّهُمْ إلّا إبْرَاهِيمَ: الْقَاسِمَ، وَبَهْ كَانَ يُكَنّى ﷺ، وَالطّاهِرَ، وَالطّيّبَ، وَزَيْنَبَ، وَرُقَيّةَ، وَأُمّ كُلْثُومٍ، وَفَاطِمَةَ، ﵈.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَكْبَرُ بَنِيهِ: الْقَاسِمُ، ثُمّ الطّيّبُ، ثُمّ الطّاهِرُ، وَأَكْبَرُ بَنَاتِهِ: رُقَيّةُ، ثُمّ زَيْنَبُ، ثُمّ أُمّ كُلْثُومٍ، ثُمّ فَاطِمَةُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَمّا الْقَاسِمُ، والطّيّب، والطاهر فهلكوا فى الجاهلية وأما بناته فكلّهن أدركن الإسلام، فأسلمن وهاجرن معه ﷺ.
قال ابن هشام: وَأَمّا إبْرَاهِيمُ فَأُمّهُ: مَارِيَةُ الْقِبْطِيّةُ. حَدّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ، قَالَ: أُمّ إبْرَاهِيمَ: مَارِيَةَ سُرّيّةُ النّبِيّ ﷺ الّتِي أَهْدَاهَا إلَيْهِ الْمُقَوْقِسُ مِنْ حَفْنٍ مِنْ كُورَةِ أنْصِنا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ قَدْ ذَكَرَتْ لِوَرَقَةَ بن نوفل ابن أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى- وَكَانَ ابْنَ عَمّهَا، وَكَانَ نَصْرَانِيّا قَدْ تَتَبّعَ الْكُتُبَ، وَعَلِمَ مِنْ عِلْمِ النّاسِ- مَا ذَكَرَ لَهَا غُلَامُهَا مَيْسَرَةُ مِنْ قَوْلِ الرّاهِبِ، وَمَا كَانَ يَرَى مِنْهُ إذْ كَانَ الْمَلَكَانِ يُظِلّانِهِ، فَقَالَ وَرَقَةُ: لَئِنْ كَانَ هَذَا حَقّا يَا خَدِيجَةُ، إنّ مُحَمّدًا لَنَبِيّ هَذِهِ الْأُمّةِ، وَقَدْ عَرَفْتُ أَنّهُ كَائِنٌ لِهَذِهِ الْأُمّةِ نَبِيّ يُنْتَظَرُ، هَذَا زَمَانُهُ، أَوْ كما قال:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢٤١ ]
فَجَعَلَ وَرَقَةُ يَسْتَبْطِئُ الْأَمْرَ وَيَقُولُ: حَتّى مَتَى؟ فقال ورقة فى ذلك:
لَجِجْتُ وَكُنْتُ فِي الذّكْرَى لَجُوجًا لِهَمّ طَالَمَا بَعَثَ النّشِيجَا
وَوَصْفٍ مِنْ خَدِيجَةَ بَعْدَ وَصْفٍ فقد طال انتظارى يا خديحا
بِبَطْنِ الْمَكّتَيْنِ عَلَى رَجَائِي حَدِيثُك أَنْ أَرَى مِنْهُ خُرُوجًا
بِمَا خَبّرْتِنَا مِنْ قَوْلِ قَسّ مِنْ الرّهْبَانِ أَكْرَهُ أَنْ يَعُوجَا
بِأَنّ مُحَمّدًا سَيَسُودُ فِينَا وَيَخْصِمُ مَنْ يَكُونُ لَهُ حَجِيجًا
وَيَظْهَرُ فِي الْبِلَادِ ضِيَاءُ نُورٍ يُقِيمُ بِهِ الْبَرّيّةَ أَنْ تَمُوجَا
فَيَلْقَى مَنْ يُحَارِبُهُ خَسَارًا وَيَلْقَى مَنْ يُسَالِمُهُ فَلُوجَا
فَيَا لَيْتِي إذَا مَا كَانَ ذَاكُمْ شَهِدْت فَكُنْتُ أَوّلَهُمْ وُلُوجًا
وُلُوجًا فِي الّذِي كَرِهَتْ قُرَيْشٌ وَلَوْ عَجّتْ بِمَكّتِهَا عَجِيجًا
أُرَجّي بِاَلّذِي كَرِهُوا جَمِيعًا إلَى ذِي الْعَرْشِ إنْ سَفَلُوا عُرُوجًا
وَهَلْ أَمْرُ السّفَالَةِ غَيْرُ كُفْرٍ بِمَنْ يَخْتَارُ مَنْ سَمَكَ الْبُرُوجَا
فَإِنْ يَبْقَوْا وَأَبْقَ تَكُنْ أُمُورٌ يَضِجّ الْكَافِرُونَ لَهَا ضَجِيجًا
وَإِنْ أَهْلِكْ فَكُلّ فَتًى سيلقى من الأقدار متلفة حروجا
_________________
(١) وَقِيلَ: إنّ عَمْرَو بْنَ خُوَيْلِدٍ أَخَاهَا هُوَ الّذِي أَنْكَحَهَا مِنْهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي آخِرِ الْكِتَابِ. أَوْلَادُهُ مِنْ خَدِيجَةَ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ ولده مهاﷺ- فَذَكَرَ الْبَنَاتِ، وَذَكَرَ الْقَاسِمَ وَالطّاهِرَ وَالطّيّبَ، وَذَكَرَ أَنّ الْبَنِينَ هَلَكُوا فِي الْجَاهِلِيّةِ، وَقَالَ
[ ٢ / ٢٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الزّبَيْرُ- وَهُوَ أَعْلَمُ بِهَذَا الشّأْنِ- وَلَدَتْ لَهُ الْقَاسِمَ وَعَبْدَ اللهِ، وَهُوَ الطّاهِرُ، وَهُوَ الطّيّبُ سُمّيَ بِالطّاهِرِ، وَالطّيّبِ لِأَنّهُ وُلِدَ بَعْدَ النّبُوّةِ، وَاسْمُهُ الّذِي سُمّيَ بِهِ أَوّلَ هُوَ: عَبْدُ اللهِ، وَبَلَغَ الْقَاسِمُ الْمَشْيَ، غَيْرَ أَنّ رَضَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ كَمُلَتْ، وَقَعَ فِي مُسْنَدِ الْفِرْيَابِيّ أَنّ خَدِيجَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِﷺ- بَعْدَ مَوْتِ الْقَاسِمِ، وَهِيَ تَبْكِي: فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ دَرّتْ لُبَيْنَةُ الْقَاسِمِ فَلَوْ كَانَ عَاشَ حَتّى يَسْتَكْمِلَ رَضَاعَهُ لَهَوّنَ عَلَيّ، فَقَالَ: إنّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنّةِ تَسْتَكْمِلُ رَضَاعَتَهُ، فَقَالَتْ: لَوْ أَعْلَمُ ذَلِكَ لَهَوّنَ عَلَيّ، فَقَالَ: إنْ شِئْت أَسَمِعْتُك صَوْتَهُ فِي الْجَنّةِ، فَقَالَتْ: بَلْ أُصَدّقُ اللهَ وَرَسُولَهُ. قَوْلُهَا، لُبَيْنَةُ هِيَ تَصْغِيرٌ لَبَنَةٍ، وَهِيَ قِطْعَةٌ مِنْ اللّبَنِ، كَالْعُسَيْلَةِ، تَصْغِيرُ عَسَلَةٍ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ اللّبَنَةَ وَالْعَسَلَةَ وَالشّهْدَةَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى. قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَهَذَا مِنْ فِقْهِهَا﵂- كَرِهَتْ أَنْ تُؤْمِنَ بِهَذَا الْأَمْرِ مُعَايَنَةً، فَلَا يَكُونُ لَهَا أَجْرُ التّصْدِيقِ وَالْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ، وَإِنّمَا أَثْنَى اللهُ تَعَالَى عَلَى الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلّ أَيْضًا عَلَى أَنّ الْقَاسِمَ لَمْ يَهْلِكْ فِي الْجَاهِلِيّةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الصّغْرَى وَالْكُبْرَى مِنْ الْبَنَاتِ، غَيْرَ أَنّ أُمّ كُلْثُومٍ لَمْ تَكُنْ الْكُبْرَى مِنْ الْبَنَاتِ، وَلَا فَاطِمَةَ، وَالْأَصَحّ فِي فَاطِمَةَ أَنّهَا أَصْغَرُ مِنْ أُمّ كلثوم «١»
_________________
(١) فى نسب قريش ص ٢١: «فولد رسول اللهﷺ- القاسم، وهو أكبر ولده، ثم زينب، ثم عبد الله، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية هم هكذا الأول فالأول، ثم مات عبد الله، ثم ولدت له مارية بنت شمعون ابنه إبراهيم» وفى زاد المعاد. وقد قيل فى كل واحدة منهن إنها أسن من اختيها، وقد ذكر عن ابن عباس: رقية أسن الثلاث، وأم كلثوم أصغرهن
[ ٢ / ٢٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خَدِيجَةُ وَبَحِيرَى وَنَسَبُهَا:
وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ تُسَمّى: الطّاهِرَةَ فِي الْجَاهِلِيّةِ وَالْإِسْلَامِ، وَفِي سِيَرِ التّيْمِيّ. أَنّهَا كَانَتْ تُسَمّى: سَيّدَةَ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، وَأَنّ النّبِيّﷺ- حِينَ أَخْبَرَهَا عَنْ جِبْرِيلَ، وَلَمْ تَكُنْ سَمِعَتْ بِاسْمِهِ قَطّ، رَكِبَتْ إلَى بَحِيرَى الرّاهِبِ، وَاسْمُهُ سَرْجِسُ «١» فِيمَا ذَكَرَ الْمَسْعُودِيّ، فَسَأَلَتْهُ عَنْ جِبْرِيلَ، فَقَالَ: قُدّوسٌ قُدّوسٌ يَا سَيّدَةَ نِسَاءِ قُرَيْشٍ أَنّى لَك بِهَذَا الِاسْمِ؟! فَقَالَتْ: بَعْلِي وَابْنُ عَمّي مُحَمّدٌ أَخْبَرَنِي أَنّهُ يَأْتِيه، فَقَالَ: قُدّوسٌ قُدّوسٌ مَا عَلِمَ بِهِ إلّا نَبِيّ مُقَرّبٌ، فَإِنّهُ السّفِيرُ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ أَنْبِيَائِهِ، وَإِنّ الشّيْطَانَ لَا يجترىء أَنْ يَتَمَثّلَ بِهِ، وَلَا أَنْ يَتَسَمّى بِاسْمِهِ، وَكَانَ بِمَكّةَ غُلَامٌ لِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَة سَيَأْتِي ذِكْرُهُ، اسْمُهُ: عَدّاسٌ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ، فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ تَسْأَلُهُ عَنْ جِبْرِيلَ، فَقَالَ: قُدّوسٌ قُدّوسٌ!! أَنّى لِهَذِهِ الْبِلَادِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا جِبْرِيلُ يَا سَيّدَةَ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، فَأَخْبَرَتْهُ بِمَا يَقُولُ النّبِيّﷺ- فَقَالَ عَدّاسٌ مِثْلَ مَقَالَةِ الرّاهِبِ، فَكَانَ مِمّا زَادَهَا اللهُ تَعَالَى بِهِ إيمَانًا وَيَقِينًا.
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ نَسَبَ أُمّهَا فَاطِمَةَ بِنْتِ زَائِدَةَ بْنِ الْأَصَمّ، وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَ الْأَصَمّ، وَذَكَرَهُ الزّبَيْرُ وَغَيْرُهُ، فَقَالَ: جُنْدُبُ بْنُ هِدْمِ بْنِ حَجَرٍ، بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْجِيمِ مِنْ حَجَرٍ، كَذَا قَيّدَهُ الدارقطنىّ «٢»، وأخوه: حجير بن عبد معيص بن عامر،
_________________
(١) استغلت الصليبية هذا الإفك المفترى، فبهتت القديسة العظيمة خديجة بأنها كانت على صلة بهذا الراهب المزعوم.
(٢) صوب الخشنى أيضا فى ضبط حجر رواية الدارقطنى ص ٦٢ وفى نسب ص ٢١، ٢٣٠ قريش عن أم خديجة: «وأمها: فاطمة بنت زائدة بن جندب، وهو الأصم بن هدم بن رواحة بن حجير بن عبد بن معيص، وضبط حجر بضم الحاء» .
[ ٢ / ٢٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَمّا حَجْرٌ بِسُكُونِ الْجِيمِ فَفِي حَيّ ذِي رُعَيْنٍ وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ الْحَجْرِيّونَ، وَأَمّا حِجْرُ بِكَسْرِ الْحَاءِ، فَفِي بَنِي الدّيّانِ: عَبْدُ الْحِجْرِ بْنُ عبد المدان، وهم من بنى الحارث ابن كَعْبِ بْنِ مَذْحِجَ، وَذَكَرَ يُونُسُ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ نَسَبَ أُمّ خَدِيجَةَ، كَمَا ذَكَرَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ، وَزَادَ فَقَالَ: كَانَتْ أُمّ فَاطِمَةَ بِنْتُ زَائِدَةَ: هَالَةُ بِنْتُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ بْنِ مُنْقِذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَعِيصِ بْنِ عَامِرِ بن لؤي، وَأُمّهَا قِلَابَةُ، وَهِيَ الْعَرْقَةُ بِنْتُ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ «١» بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ وَأُمّهَا: أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ «٢» .
مَنْ تَزَوّجَتْ خديجة قبل الرسول؟
وَكَانَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ رَسُولِ اللهِﷺ- عِنْدَ أَبِي هَالَةَ، وَهُوَ هِنْدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَقَدْ قِيلَ فِي اسْمِهِ: زُرَارَةُ، وهند: ابنه، ابن النّبّاش من بنى عدىّ ابن جروة بن أسيّد»
ابن عمرو ابن تَمِيمٍ، فَهُوَ أُسَيْدِيّ بِالتّخْفِيفِ، مَنْسُوب إلَى أُسَيّدٍ بِالتّشْدِيدِ، كَذَا قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي النّسَبِ إلَى أسيّد. وعدى بن جروة، يقال
_________________
(١) فى نسب قريش: «قلابة، وهى العرقة بنت سعيد بن سهم بن عمرو الخ» وأما قِلَابَةُ بِنْتُ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمِ فلا تلقب بالعرقة انظر ص ٢٢، ٤٠٦، ٤٠٨، ٤٣٨ نسب قريش. وفى نسب هالة جدة خديجة المذكور فى ابن هشام مخالفة لما فى نسب قريش، فهو فى هذا كما يأتى «هَالَةُ بِنْتُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ منقذ بن عمرو بن معيص» ص ٢٢ وص ٤٣٨
(٢) فى نسب قريش: «أميمة بنت عائش بن ظرب بن الحارث بن فهر» .
(٣) فى متشابه القبائل لابن حبيب: «أن كل شىء فى العرب أسيد- بفتح الهمزة وكسر السين سوى أسيد بن عمرو فى بنى تميم فإنه على مثال التصغير» ص ٤٥١ ج ٢ المزهر.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إن الزّبير صحّفه، وإنما هوى عِذْيُ بْنُ جَرْوَةَ، وَكَانَتْ قَبْلَ أَبِي هَالَةَ عِنْدَ عَتِيقِ «١» بْنِ عَائِذِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ، وَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ مَنَافِ بْنِ عَتِيقٍ، كَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، وَقَالَ الزّبَيْرُ: وَلَدَتْ لِعَتِيقِ جَارِيَةً اسْمُهَا: هِنْدٌ «٢» وَوَلَدَتْ لِهِنْدِ أَبِي هَالَةَ ابْنًا اسْمُهُ: هِنْدٌ «٣» أَيْضًا، مَاتَ بِالطّاعُونِ طَاعُونِ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ قَدْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ نَحْوٌ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا، فَشُغِلَ النّاسُ بِجَنَائِزِهِمْ عَنْ جِنَازَتِهِ، فَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَحْمِلُهَا، فَصَاحَتْ نَادِبَتُهُ: وَاهِنْدُ بْنَ هِنْدَاهُ!! وَارَبِيبَ رَسُولِ اللهِﷺ- فَلَمْ تَبْقَ جِنَازَةٌ إلّا تُرِكَتْ، وَاحْتُمِلَتْ جِنَازَتُهُ عَلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إعْظَامًا لِرَبِيبِ رَسُولِ اللهِﷺ- ذَكَرَهُ الدّولَابِيّ، وَلِخَدِيجَةَ مِنْ أَبِي هَالَةَ ابْنَانِ غَيْرَ هَذَا، اسْمُ أَحَدِهِمَا: الطّاهِرُ، وَاسْمُ الْآخَرِ: هَالَةُ. وَاخْتُلِفَ فِي سِنّهِﷺ- حِينَ تَزَوّجَ خَدِيجَةَ فَقِيلَ مَا قَالَهُ ابْنُ إسْحَاقَ، وَقِيلَ: كَانَ ابْنَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقِيلَ ابْنَ إحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً «٤» .
مَارِيَةُ وَإِبْرَاهِيمُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ أَنّ خَدِيجَةَ﵂- وَلَدَتْ لِلنّبِيّ ﷺ وَلَدَهُ كُلّهُمْ إلّا إبْرَاهِيمَ، فَإِنّهُ مِنْ مَارِيَةَ الّتِي أَهْدَاهَا إليه المقوقس،
_________________
(١) وقيل: إن عتيق تزوجها بعد أبى هالة والقولان فى الإصابة.
(٢) قبل: إنها أسلمت ولها صحبة.
(٣) صحابى روى حديث صفة النبى شهد بدرا، وقيل: أحدا. وذكر الدارقطنى وابن بكار أنه قتل مع على يوم الجمل.
(٤) فى البيهقى والحاكم أن عمره كان خمسا وعشرين، وعمرها خمسا وثلاثين.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَدْ تَقَدّمَ اسْمُ الْمُقَوْقِسِ، وَأَنّهُ جُرَيْجُ بْنُ مِينَا، وَذَكَرْنَا مَعْنَى الْمُقَوْقِسِ فِي أَوّلِ الْكِتَابِ، وَذَكَرْنَا أَنّهُ أَهْدَى مَارِيَةَ مَعَ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بُلْتُعَةَ، وَمَعَ جَبْرٍ مَوْلَى أَبِي رُهْمٍ الْغِفَارِيّ، وَاسْمُ أَبِي رُهْمٍ: كُلْثُومُ بْن الْحُصَيْنِ. وَذَلِكَ حِينَ أَرْسَلَهَا إلَيْهِ رَسُولُ اللهِﷺ- يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ، وَأَهْدَى مَعَهَا أُخْتَهَا سِيرِينَ، وَهِيَ الّتِي وَهَبَهَا رَسُولُ اللهِﷺ- لِحَسّانَ ابن ثَابِتٍ﵁- فَأَوْلَدَهَا عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ حَسّانَ، وَأَهْدَى مَعَهَا الْمُقَوْقِسُ أَيْضًا غُلَامًا خَصِيّا اسْمُهُ: مَأْبُورٌ، وَبَغْلَةٌ تُسَمّى: دُلْدُلَ، وَقَدَحًا مِنْ قَوَارِيرَ كَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- يَشْرَبُ فِيهِ، وَتُوُفّيَتْ مَارِيَةُ﵂- سَنَةَ سِتّ عَشْرَةَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ﵁- وَكَانَ عُمَرُ هُوَ الّذِي يَحْشُرُ النّاسَ إلَى جِنَازَتِهَا بِنَفْسِهِ، وَهِيَ مَارِيَةُ بِنْتُ شَمْعُونَ «١» الْقِبْطِيّةُ مِنْ كُورَةِ حَفْنٍ. وَأَمّا إبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللهِﷺ فَمَاتَ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا فِي سَنَةِ عَشْرٍ مِنْ الْهِجْرَةِ فِي الْيَوْمِ الّذِي كَسَفَتْ فِيهِ الشّمْسُ، وَكَانَتْ قَابِلَتُهُ، سَلْمَى امْرَأَةَ أَبِي رَافِعٍ، وَأَرْضَعَتْهُ أُمّ بُرْدَةَ بِنْتُ الْمُنْذِرِ النّجّارِيّةُ امْرَأَةُ الْبَرَءِ بْنِ أَوْسٍ، وَسَلْمَى: هِيَ مَوْلَاةُ رَسُولِ اللهِﷺ- وَقَابِلَةُ بَنِي فَاطِمَةَ كُلّهِمْ، وَهِيَ غَسّلَتْهَا مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيّةِ، وَغَسّلَهَا مَعَهُمَا عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- كَرّمَ اللهُ وَجْهَهُ-- وَفِي الْمُسْنَدِ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ أَنّ رسول اللهﷺ- حين
_________________
(١) زاد فى نسب قريش بعد شمعون: ابن إبراهيم
[ ٢ / ٢٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَلَدَتْ لَهُ مَارِيَةُ ابْنَهُ إبْرَاهِيمَ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ لَهُ: السّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَا إبْرَاهِيمَ «١» .
تَرْجَمَةُ وَرَقَةَ:
وَذَكَرَ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى، وَأُمّ وَرَقَةَ: هِنْدُ بِنْتُ أَبِي كَبِيرِ بْنِ عَبْدِ بْنِ قُصَيّ، وَلَا عَقِبَ لَهُ «٢»، وَهُوَ أَحَدُ مَنْ آمن بالنبى-
_________________
(١) فى زاد المعاد: أن الطيب والطاهر لقبان لولده المسمى: عبد الله الذى ولد بعد النبوة. وأما إبراهيم فذكر ابن القيم أنه ولد فى العام الثامن من الهجرة وأن الذى بشره به هو أبو رافع مولاه، فوهب له عبدا، أما الحديث المروى عن طريق أنس، ففيه ابن لهيعة، ولا يعتد بحديث يروى عن طريقه، وفى روايات الحديث أن مأبورا هذا كان يدخل كثيرا على مارية، فهل يصدق مسلم أن رسول الله ﷺ يأذن لمثل هذا أن يغشى بيته هكذا؟! وقد اختلف فى مابور، فقيل إنه أخوها، وقيل أيضا: إنه ابن عمها، وهو خصى، ويقول ابن أبى الحديد- على تشيعه- فى شرحه لنهج البلاغة وهو يتحدث عما بهتت به عائشة، وعن براءتها فى سورة النور «وقوم من الشيعة زعموا أن الايات التى فى سورة النور لم تنزل فيها، وإنما أنزلت فى مارية القبطية، وما قدفت به مع الأسود القبطى. وجحدهم لإنزال ذلك فى عائشة جحد لما يعلم ضرورة من الأخبار المتواترة ص ٤٤٢ ح ٣ طبع لبنان، وأما المرتضى صاحب كتاب الأمالى المعروف باسمه، فافترض صحة الحديث، وراح يؤول ألفاظه انظر ص ٥٤ ج ١ أمالى المرتضى ط ١.
(٢) اسم أبى كبير: منهب بضم الميم وسكون النون وكسر الهاء انظر ص ٢٠٧ نسب قريش، ٢٥٦ وما بعدها.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ﷺ- قَبْلَ الْبَعْثِ «١»، وَرَوَى التّرْمِذِيّ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قَالَ: رَأَيْته فِي الْمَنَامِ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النّارِ، لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ، وَهُوَ حَدِيثٌ فِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ. لِأَنّهُ يَدُورُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ، وَلَكِنْ يُقَوّيهِ مَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ ﵇: رَأَيْت الْقَسّ يَعْنِي، وَرَقَةَ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ حَرِيرٌ، لِأَنّهُ أَوّلُ مَنْ آمَنَ بِي، وَصَدّقَنِي، وَسَيَأْتِي بَقِيّةٌ مِنْ خَبَرِهِ «٢» فِيمَا بَعْدُ- إنْ شَاءَ اللهُ- وَقَدْ أَلْفَيْت لِلْحَدِيثِ الّذِي خَرّجَهُ التّرْمِذِيّ فِي وَرَقَةَ إسْنَادًا جَيّدًا غَيْرَ الّذِي ذَكَرَهُ التّرْمِذِيّ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الزّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُعَاذٍ الصّنْعَانِيّ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ﵁- قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِﷺ- عَنْ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، كَمَا بَلَغَنَا فَقَالَ: رَأَيْته فِي الْمَنَامِ، عَلَيْهِ ثِيَابٌ «٣» بِيضٌ، فَقَدْ أَظُنّ أَنْ لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النّارِ لَمْ أَرَ عَلَيْهِ الْبَيَاضَ، وَكَانَ يَذْكُرُ اللهَ فِي سَفَرِهِ فِي الْجَاهِلِيّةِ، ويسبّحه، وهو الذى يقول:
_________________
(١) يقول ابن عساكر: «لا أعرف أحدا قال إنه- أى ورقة- أسلم.
(٢) رواه البيهقى فى الدلائل وقال: إنه منقطع.
(٣) أخرجه أحمد عن طريق ابن لهيعة، ولا يعتد بحديث يروى عن طريقه. وهكذا كل حديث يتحدث عن إسلام ورقة أو آخرته، فهو ضعيف وحسبنا ما ورد عنه فى الصحيحين.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَقَدْ نَصَحْت لِأَقْوَامِ، وَقُلْت لَهُمْ: أَنَا النّذِيرُ، فَلَا يَغْرُرْكُمْ أَحَدٌ
لَا تَعْبُدُنّ «١» إلَهًا غَيْرَ خَالِقِكُمْ فَإِنْ دَعَوْكُمْ «٢» فَقُولُوا: بَيْنَنَا جَدَدُ «٣»
سُبْحَانَ ذِي الْعَرْشِ سُبْحَانًا يَدُومُ لَهُ وَقَبْلَنَا «٤» سَبّحَ الْجُودِيّ وَالْجَمَدُ
مُسَخّرٌ كُلّ مَا تَحْتَ السّمَاءِ لَهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنَاوِي «٥» مُلْكَهُ أَحَدُ
لَا شَيْءَ مِمّا تَرَى تَبْقَى بَشَاشَتُهُ يَبْقَى الْإِلَهُ وَيُودِي الْمَالُ وَالْوَلَدُ
لَمْ تُغْنِ عَنْ هُرْمُزٍ يَوْمًا خَزَائِنُهُ وَالْخُلْدُ قَدْ حَاوَلَتْ عَادٌ فَمَا خَلَدُوا
وَلَا سُلَيْمَانُ إذْ تَجْرِي الرّيَاحُ بِهِ وَالْإِنْسُ وَالْجِنّ فِيمَا بَيْنَهَا مَرَدُ «٦»
أَيْنَ الْمُلُوكُ الّتِي كَانَتْ لِعِزّتِهَا مِنْ كُلّ أَوْبٍ إلَيْهَا وَافِدٌ يَفِدُ
حَوْضٌ هُنَالِكَ مَوْرُودٌ بِلَا كَذِبٍ لَا بُدّ مِنْ وِرْدِهِ يَوْمًا كَمَا وردوا «٧»
_________________
(١) فى نسب قريش جعل لا نافية فأثبت الواو وهو خطأ- كما أعتقد- من محقق الكتاب.
(٢) فى النسب «فإن أبيتم» .
(٣) فى الأغانى وفى النسب «حدد» بالحاء لا بالجيم.
(٤) «فى الأغانى «نعوذ به، وقبل قد» .
(٥) فى النسب: يساوى، وفى الأغانى كما هنا.
(٦) فى الأغانى: «والجن والإنس تجرى بينها البرد» وكذلك فى نسب قريش دون الواو قبل «الجن» .
(٧) هذا البيت غير موجود فى الأغانى ص ١١٥ مجلد ٣ والقصيدة فى نسب قريش، وبينها وبين ما هنا اختلافات وزيادات مثل: سبحان ذى العرش الخ فقد ورد هكذا فى نسب قريش سبحان ذى العرش لا شىء يعادله رب البرية فرد واحد صمد وورد بعده فى نسب قريش:
[ ٢ / ٢٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَسَبَهُ أَبُو الْفَرَجِ «١» إلَى وَرَقَةَ، وَفِيهِ أَبْيَاتٌ تُنْسَبُ إلَى أُمَيّةَ بْنِ أَبِي الصّلْتِ، وَمِنْ قَوْلِهِ فِيمَا خَبّرَتْهُ بِهِ خَدِيجَةُ﵂- عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ:
يَا لِلرّجَالِ لِصَرْفِ الدّهْرِ وَالْقَدَرِ «٢» وَمَا لِشَيْءِ قَضَاهُ اللهُ مِنْ غِيَرِ
حَتّى خَدِيجَةُ تَدْعُونِي لِأُخْبِرَهَا أَمْرًا أَرَاهُ سَيَأْتِي النّاسَ مِنْ أُخُرِ «٣»
فَخَبّرَتْنِي بِأَمْرِ قَدْ سَمِعْت بِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ قَدِيمِ الدّهْرِ وَالْعُصُرِ
بِأَنّ أَحْمَدَ يَأْتِيهِ فَيُخْبِرُهُ جِبْرِيلُ: إنّك مَبْعُوثٌ إلَى الْبَشَرِ
فَقُلْت: عَلّ الّذِي تَرْجِينَ يُنْجِزُهُ لَك الْإِلَهُ فَرَجّي الْخَيْرَ وَانْتَظِرِي
وَأَرْسَلَتْهُ إلَيْنَا كَيْ نُسَائِلَهُ عَنْ أَمْرِهِ مَا يَرَى فِي النّوْمِ وَالسّهَرِ
فَقَالَ حِينَ أَتَانَا مَنْطِقًا عَجَبًا يَقِفّ مِنْهُ أَعَالِي الْجِلْدِ وَالشّعَرِ
إنّي رَأَيْت أَمِينَ اللهِ وَاجَهَنِي فِي صُورَةٍ أُكْمِلَتْ فِي أَهْيَبِ الصّوَرِ
ثُمّ اسْتَمَرّ فَكَانَ الْخَوْفُ يَذْعَرُنِي مِمّا يُسَلّمُ من حولى من الشّجر
_________________
(١) سبحانه ثم سبحانا يعود له وقبل سبحه الجودى والجمد والبيتان الأخيران فى الروض غير مذكورين فى النسب انظر نسب قريش ص ٢٠٨.
(٢) يعنى صاحب كتاب الأغانى.
(٣) فى الإصابة «وصرف الدهر» .
(٤) فى الإصابة هذى خديجة تأتينى لأخبرها ومالنا بخفى الغيب من خبر
[ ٢ / ٢٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَقُلْت: ظَنّي وَمَا أَدْرِي أَيَصْدُقُنِي أن سَوْفَ تبعث تتلو منرل السّوَرِ
وَسَوْفَ أُبْلِيكَ إنْ أَعْلَنْت دَعْوَتَهُمْ مِنْ الْجِهَادِ بِلَا مَنّ وَلَا كَدَرِ
مُثَنّى يُقْصَدُ بِهِ الْمُفْرَدُ:
فَصْلٌ: وَفِي شِعْرِ وَرَقَةَ:
بِبَطْنِ الْمَكّتَيْنِ عَلَى رَجَائِي حَدِيثُك أَنْ أَرَى مِنْهُ خُرُوجَا
ثَنّى مَكّةَ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنّ لَهَا بِطَاحًا وَظَوَاهِرَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ أَهْلِ الْبِطَاحِ، وَمِنْ أَهْلِ الظّوَاهِرِ فِيمَا قَبْلُ، عَلَى أَنّ لِلْعَرَبِ مَذْهَبًا فِي أَشْعَارِهَا فِي تَثْنِيَةِ الْبُقْعَةِ الْوَاحِدَةِ، وَجَمْعِهَا نَحْوَ قَوْلِهِ: وَمَيّتٌ بِغَزّاتِ. يُرِيدُ: بِغَزّةَ وَبِغَادَيْنِ فِي بَغْدَادَ، وَأَمّا التّثْنِيَةُ فَكَثِيرٌ نَحْوَ قَوْلِهِ:
بِالرّقْمَتَيْنِ لَهُ أَجْرٍ وَأَعْرَاسُ وَالْحَمّتَيْنِ سَقَاك اللهُ مِنْ دَارِ «١»
وَقَوْلُ زُهَيْرٍ: وَدَارٌ لَهَا بِالرّقْمَتَيْنِ «٢» . وَقَوْلُ وَرَقَةَ مِنْ هَذَا: بِبَطْنِ
_________________
(١) فى اللسان: الرقمة: الروضة، ورقمة الوادى حيث يجتمع الماء، وأجر: جمع جرو، وجمع العرس وهى امرأة الرجل ورجلها، ولبؤة الأسد: أعراس وقد استعاره الهذلى للأسد فقال: ليت هزبر مدلّ حول غابته بالرقمتين له أجر وأعراس قال ابن يرى: البيت لمالك بن خويلد الخناعى وقبله. يامى لا يعجز الأيام مجترىء فى حومة الموت رزّام وفرّاس الرزام الذى له زئبر، والفراس الذى يدق عنق فريسته
(٢) الرقمتان- كما فى اللسان- روضتان بناحية الصّمّان، وإياهما أراد زهير. ودار لها بالرقمتين كأنها مراجيع وشم فى نواشر معصم
[ ٢ / ٢٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمَكّتَيْنِ. لَا مَعْنَى لِإِدْخَالِ الظّوَاهِرِ تَحْتَ هَذَا اللّفْظِ، وَقَدْ أَضَافَ إلَيْهَا الْبَطْنَ، كَمَا أَضَافَهُ الْمُبْرِقُ حِينَ قَالَ:
بِبَطْنِ مَكّةَ مَقْهُورٌ وَمَفْتُونٌ.
وَإِنّمَا يَقْصِدُ الْعَرَبُ فِي هَذَا الْإِشَارَةَ إلَى جَانِبَيْ كُلّ بَلْدَةٍ، أَوْ الْإِشَارَةَ إلَى أَعْلَى الْبَلْدَةِ وَأَسْفَلِهَا، فَيَجْعَلُونَهَا اثْنَيْنِ عَلَى هَذَا الْمَغْزَى، وَقَدْ قَالُوا: صِدْنَا بِقَنَوَيْنِ «١» وَهُوَ قَنَا اسْمُ جبل، وقال عنترة.
شربت بماء الدّ خرضين «٢» .
وَهُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ، قال عنترة أيضا،
بعنيزتين وأهلنا بالعيلم «٣»
_________________
(١) فى القاموس: القنوان. جبلان
(٢) الدّحرضان: موضعان أحدهما: دحرض، والاخر: وسميع وقال الجوهرى: الدّحرضان: اسم موضع. وقال: وسيع ودحرض ماآن ثناهما بلفظ الواحد، وبيت عنترة: شربت بماء الدّحرضين، فأصبحت زوراء تنفر عن حياض الدّيلم
(٣) فى المراصد: عنيزة. موضع بين البصرة ومكة، وأيضا: بئر على ميلين من القريتين ببطن الرمة، وعنيزة من أودية اليمامة قرب سواح، وقرى عنيزة بالبحرين وعنيزتن تثنية الذى قبله. قيل: هو موضع آخر، وقيل: هو الذى قبله، ثنى كما قالوا فى عماية: عمايتان، وفى رامة: رامتان وأمثاله كثير. والغيلم بالغين لا بالعين. ففى المراصد. واللسان: الغيلم: موضع فى شعر عنترة. كيف المزار وقد تربع أهلها بعنيزتين وأهلنا بالغيلم
[ ٢ / ٢٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَعُنَيْزَةُ اسْمُ مَوْضِعٍ، وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ:
عَشِيّةَ سَالَ الْمِرْبَدَانِ كِلَاهُمَا «١»
وَإِنّمَا هُوَ مِرْبَدُ الْبَصْرَةِ. وَقَوْلُهُمْ:
تسألنى برامتين سلجما «٢»
_________________
(١) الشعر للفرزدق: عشيّة سال المربدان كلاهما عجاجة موت بالسيوف الصوارم والمربد: المكان الذى يحبسون فيه الإبل وبه سمى مربد البصرة وبه كانت مفاخرات الشعراء، ومجالس الخطباء. وقال الجوهرىّ فى بيت الفرزدق إنه عنى به سكة المربد بالبصرة، والسكة التى تليها من ناحية بنى تميم جعلهما المربدين كما يقال الأحوصان وهما: الأحوص وعوف بن الأحوص «اللسان المراصد، ياقوت»
(٢) رامة: منزل فى طريق البصرة إلى مكة وبعده بمرحلة أخرى ديار بنى تميم، وقيل: جبل لبنى دارم، ورامة أيضا من قرى بيت المقدس، وللسلجم عدة معان منها أنه نبت، وقيل: هو ضرب من البقول. قال أبو حنيفة السلجم: معرب وأصله بالشين والعرب لا تتكلم به إلا بالسين، وكذا ذكره سيبويه بالسين فى باب علل ما يجعله زائدا فقال: وتجعل السين زائدة إذا كانت فى مثل سلجم. وقيل لرامى. لم زرعتم السلجم، فقال معاندة لقوله: تسألنى برامتين سلجما باقى لو سألت شتأ أمما جاء به الكسرىّ أو تجشما لو أنها تطلب شيئا أمما وفى اللسان «فاما إكثارهم من تثنية راصة فى الشعر فعلى قولهم للبعير. ذوعثانين كأنه قسمها جزأين. ويقول ابن سيدة إنها سميت رامتين للضرورة لأنهما لو كانتا أرضين لقيل: الرامتين» .
[ ٢ / ٢٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَإِنّمَا هُوَ رَامَةٌ وَهَذَا كَثِيرٌ. وَأَحْسَنُ مَا تَكُونُ هَذِهِ التّثْنِيَةُ إذَا كَانَتْ فِي ذِكْرِ جَنّةٍ وَبُسْتَانٍ، فَتُسَمّيهَا جَنّتَيْنِ فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ، إشْعَارًا بِأَنّ لَهَا وَجْهَيْنِ، وَأَنّك إذَا دَخَلْتهَا، وَنَظَرْت إلَيْهَا يَمِينًا وَشِمَالًا رَأَيْت مِنْ كِلْتَا النّاحِيَتَيْنِ مَا يَمْلَأُ عَيْنَيْك قُرّةً، وَصَدْرَك مَسَرّةً، وَفِي التّنْزِيلِ: ([لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ. جَنّتَانِ] عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ) إلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ سَبَأٌ: ١٥. وَفِيهِ: جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ الاية. الكهف: ٣٢، وفى آخرها:
(ودخل جنّته) فأفرد بعد ماثنى، وَهِيَ «١» هِيَ، وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ الرّحْمَنُ: ٤٦، وَالْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَتّسِعُ، وَاَللهُ الْمُسْتَعَانُ.
النّورُ وَالضّيَاءُ:
فَصْلٌ: وَقَالَ فِي هَذَا الشّعْرِ: وَيَظْهَرُ فِي الْبِلَادِ ضِيَاءُ نُورٍ. هَذَا الْبَيْتُ يُوَضّحُ لَك مَعْنَى النّورِ وَمَعْنَى الضّيَاءِ، وَأَنّ الضّيَاءَ هُوَ الْمُنْتَشِرُ عَنْ النّورِ، وَأَنّ النّورَ هُوَ الْأَصْلُ لِلضّوْءِ، وَمِنْهُ مَبْدَؤُهُ، وَعَنْهُ يَصْدُرُ، وَفِي التّنْزِيلِ: فَلَمَّا أَضاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ الْبَقَرَةُ: ١٧. وَفِيهِ: جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً، وَالْقَمَرَ نُورًا يُونُسُ: ٥ لِأَنّ نُورَ الْقَمَرِ، لَا يَنْتَشِرُ عَنْهُ مِنْ الضّيَاءِ مَا يَنْتَشِرُ مِنْ الشّمْسِ، [و] لَا سِيّمَا فِي طَرَفَيْ الشّهْرِ، وَفِي الصّحِيحِ: الصّلَاةُ نُورٌ، والصبر ضياء، وذلك أن الصلاة هى
_________________
(١) فى البيضاوى: «إفراد الجنة، لأن المراد. ما هو جنته، وهى ما متع به فى الدنيا تنبيها على أنه لا جنة له غيرها، ولا حظ له فى الجنة التى وعد المتقون، أولا تصال كل واحد من جنتيه بالأخرى، أو لأن الدخول يكون فى واحدة» وهو أجود.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ، وَهِيَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، فَالصّبْرُ عَنْ الْمُنْكَرَاتِ، وَالصّبْرُ عَلَى الطّاعَاتِ هُوَ: الضّيَاءُ الصّادِرُ عَنْ هَذَا النّورِ الّذِي هُوَ الْقُرْآنُ، وَالذّكْرُ، وَفِي أَسْمَاءِ الْبَارِي سُبْحَانَهُ اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ النّورُ: ٣٥ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضّيَاءُ مِنْ أَسْمَائِهِ- سُبْحَانَهُ- وَقَدْ أَمْلَيْت فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ مِنْ مَعْنَى نُورِ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَا فِيهِ شفاء، والحمد لله. نور الوقاية فى إن وأخوانها: فصل: وفى شعر ورقة: فياليتى إذَا مَا كَانَ ذَاكُمْ. بِحَذْفِ نُونِ الْوِقَايَةِ، وَحَذْفُهَا مَعَ لَيْتَ رَدِيءٌ، وَهُوَ فِي لَعَلّ أَحْسَنُ مِنْهُ، لِقُرْبِ مَخْرَجِ اللّامِ مِنْ النّونِ، حتى لقد قالوا: لعلّ وَلِأَنّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَلَا سِيّمَا وَقَدْ حَكَى يَعْقُوبُ أَنّ مِنْ الْعَرَبِ مَنْ يَخْفِضُ بِلَعَلّ، وَهَذَا يُؤَكّدُ حَذْفَ النّونِ مِنْ لَعَلّنِي، وَأَحْسَنُ مَا يَكُونُ حَذْفُ هَذِهِ النّونِ فِي إنّ وَأَنّ وَلَكِنّ وَكَأَنّ لِاجْتِمَاعِ النّونَاتِ، وَحَسّنَهُ فِي لَعَلّ أَيْضًا كَثْرَةُ حُرُوفِ الْكَلِمَةِ، وَفِي التّنْزِيلِ: لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ يُوسُفُ: ٤٦. بِغَيْرِ نُونٍ، وَمَجِيءُ هَذِهِ الْيَاءِ فِي لَيْتِي بِغَيْرِ نُونٍ مَعَ أَنّ لَيْتَ نَاصِبَةٌ، يَدُلّك عَلَى أَنّ الِاسْمَ الْمُضْمَرَ فِي ضَرَبَنِي هُوَ الْيَاءُ، دُونَ النّونِ كَمَا هُوَ فِي: ضَرَبَك، وَضَرَبَهُ حَرْفٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْكَافُ، وَلَوْ كَانَ الِاسْمُ هُوَ النّونَ مَعَ الْيَاءِ- كَمَا قَالُوا فِي الْمَخْفُوضِ: مِنّي وَعَنّي بِنُونَيْنِ نُونِ: مِنْ، وَنُونٍ أُخْرَى مَعَ الْيَاءِ، فَإِذًا الْيَاءُ وَحْدَهَا هِيَ الِاسْمُ فِي حَالِ الْخَفْضِ، وَفِي حَالِ النّصْبِ. حَوْلَ تَقَدّمِ صِلَةِ الْمَصْدَرِ عَلَيْهِ: فَصْلٌ: وَفِيهِ: حَدِيثُك أَنْ أَرَى مِنْهُ خُرُوجَا. قَوْلُهُ مِنْهُ الْهَاءُ رَاجِعَةٌ عَلَى الْحَدِيثِ،
[ ٢ / ٢٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَحَرْفُ الْجَرّ مُتَعَلّقٌ بِالْخُرُوجِ، وَإِنْ كَرِهَ النّحْوِيّونَ ذَلِكَ؛ لِأَنّ مَا كَانَ مِنْ صِلَةِ الْمَصْدَرِ عِنْدَهُمْ، فَلَا يَتَقَدّمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنّ الْمَصْدَرَ مُقَدّرٌ بِأَنْ وَالْفِعْلِ، فَمَا يَعْمَلُ فِيهِ هُوَ مِنْ صِلَةِ أَنْ، فَلَا يَتَقَدّمُ، فَمَنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ فِي هَذَا الْأَصْلِ، وَلَمْ يُخَصّصْ مَصْدَرًا مِنْ مَصْدَرٍ، فَقَدْ أَخْطَأَ الْمُفَصّلَ، وَتَاهَ فِي تُضُلّلٍ؛ فَفِي التّنْزِيلِ: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا [إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ] يُونُسُ: ٢. وَمَعْنَاهُ: أَكَانَ عَجَبًا لِلنّاسِ أَنْ أَوْحَيْنَا، وَلَا بُدّ لِلّامِ هَاهُنَا أَنْ تَتَعَلّقَ بِعَجَبِ؛ لِأَنّهَا لَيْسَتْ فِي مَوْضِعِ صِفَةٍ، وَلَا مَوْضِعِ حَالٍ لِعَدِمِ الْعَامِلِ فِيهَا، وَفِيهِ أَيْضًا: لَا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا الْكَهْفُ: ١٠٨: وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا الْكَهْفُ: ٥٣. وَفِيهِ أَيْضًا: لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا الْكَهْفُ: ١٨. وَتَقُولُ: لِي فِيك رغبة، ومالى عَنْك مُعَوّلٌ، فَيَحْسُنُ كُلّ هَذَا بِلَا خِلَافٍ، وقد أجاز ابن السراج أبوبكر، و[مُحَمّدُ بْنُ يَزِيدَ] الْمُبَرّدُ أَيْضًا فِي ضَرْبًا زَيْدًا، إذَا أَرَدْت الْأَمْرَ: أَنْ تُقَدّمَ الْمَفْعُولَ الْمَنْصُوبَ بِالْمَصْدَرِ، وَقَالَ: لِأَنّ ضَرْبًا هَاهُنَا فِي مَعْنَى: اضْرِبْ، فَقَدْ خُصّصَ لَك ضَرْبًا مِنْ الْمَصَادِرِ بِجَوَازِ تَقْدِيمِ مَعْمُولِهَا عَلَيْهَا فَإِنْ كَانَ الْمَصْدَرُ غَيْرَ أَمْرٍ، وَكَانَ نَكِرَةً لَمْ يَتَقَدّمْ الْمَفْعُولُ خَاصّةً عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمَجْرُورِ وَالظّرْفِ، فَالْوَاجِبُ إذًا رَبْطُ هَذَا الْبَابِ وَتَفْصِيلُهُ. مَتَى يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ الْمَصْدَرِ؟ فَنَقُولُ: كُلّ مَصْدَرٍ نَكِرَةٌ غَيْرِ مُضَافٍ إلَى مَا بَعْدَهُ يَجُوزُ تقديم معمولاه عَلَيْهِ إلّا الْمَفْعُولَ لِأَنّ الْمَصْدَرَ النّكِرَةَ لَا يَتَقَدّرُ بِأَنْ وَالْفِعْلِ؛ لِأَنّك إنْ قَدّرْته بِأَنْ وَالْفِعْلِ بَقِيَ الْفِعْلُ بِلَا فَاعِلٍ، وَمَا كَانَ مُضَافًا إلَى مَا بَعْدَهُ، فَالْمُضَافُ إلَيْهِ فَاعِلٌ فِي الْمَعْنَى أَوْ مَفْعُولٌ؛ فَلِذَلِكَ يَصِيرُ الْمَصْدَرُ مُقَدّرًا بِأَنْ وَالْفِعْلِ، فَقِفْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، فمنه
[ ٢ / ٢٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حُسْنُ قَوْلٍ وَرِقّةٌ: أَنْ أَرَى مِنْهُ خُرُوجًا، أَيْ: أَرَى خُرُوجًا مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ ذَكَرَ الدّخُولَ، فَقَالَ: أَرَى فِيهِ دُخُولًا، يُرِيدُ: دُخُولًا فِيهِ، لَكَانَ حَسَنًا، وَتَقُولُ:
اللهُمّ اجْعَلْ مِنْ أَمْرِنَا فَرَجَا وَمَخْرَجًا، فَمِنْ أَمْرِنَا: مُتَعَلّقٌ بِمَا بَعْدَهُ، وَهُوَ مَصْدَرٌ، وَلَا خَفَاءَ فِي حُسْنِ هَذَا التّقْدِيمِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَمِنْ قَوْلِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ فِي مَعْنَى مَا تَقَدّمَ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ:
أَتُبْكِرُ أَمْ أَنْتَ الْعَشِيّةَ رَائِحُ وَفِي الصّدْرِ مِنْ إضْمَارِك الْحُزْنَ قَادِحُ «١»
لِفُرْقَةِ قَوْمٍ لَا أُحِبّ فِرَاقَهُمْ كَأَنّك عَنْهُمْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ نَازِحُ
وَأَخْبَارِ صِدْقٍ خَبّرَتْ عَنْ مُحَمّدٍ يُخَبّرُهَا عَنْهُ إذَا غَابَ نَاصِحُ
فَتَاك الّذِي وَجّهْت يَا خَيْرَ حُرّةٍ بغور وبالنّجدين حَيْثُ الصّحَاصِحُ «٢»
إلَى سُوقِ بُصْرَى فِي الرّكَابِ الّتِي غَدَتْ وَهُنّ مِنْ الْأَحْمَالِ قُعْصٌ دَوَالِحُ «٣»
فَخَبّرْنَا عَنْ كُلّ خَيْرٍ بِعِلْمِهِ وَلِلْحَقّ أَبْوَابٌ لهنّ مفاتح
_________________
(١) إما أن تكون اسم فاعل من قدح الزند، أو هى أكال يقع فى الشجر والأسنان، وهى الصدع فى العود.
(٢) الغور: ما بين ذات عرق إلى البحر، وكل ما انحدر مغربا عن تهامة، وموضع بديار بنى سليم. والنجد: ما خالف الغور أى تهامة: أعلاه: تهامة واليمن، وأسفله: العراق والشام، وأوله من جهة الحجاز. ذات عرق، والصحاصح: جمع صحصح الأرض الجرداء المستوية.
(٣) دلح كمنع مشى بحمله منقبض الخطو لثقله، والقعص: الموت السريع والقعاص: داء فى الصدر كأنه يكسر العنق، وشاة قعوص: تضرب حاليها وتمنع الدرة.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
[حديث بنيان الكعبة وحكم رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ قريش فى وضع الحجر]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فلما بلغ رسول اللهﷺ- خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ لِبُنْيَانِ الْكَعْبَةِ، وَكَانُوا يُهِمّونَ بِذَلِكَ، لِيُسَقّفُوهَا وَيَهَابُونَ هَدْمَهَا، وإنما كانت رسما فَوْقَ الْقَامَةِ، فَأَرَادُوا رَفْعَهَا وَتَسْقِيفَهَا، وَذَلِكَ أَنّ نَفَرًا سَرَقُوا كَنْزًا لِلْكَعْبَةِ، وَإِنّمَا كَانَ يَكُونُ فِي بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ الّذِي وُجِدَ عِنْدَهُ الْكَنْزُ دُوَيْكًا مَوْلًى لِبَنِي مُلَيْحِ بن عمرو من خزاعة. قال ابن هشام: فَقَطَعَتْ قُرَيْشٌ يَدَهُ. وَتُزْعِمُ قُرَيْشٌ أَنّ الّذِينَ سَرَقُوهُ وَضَعُوهُ عِنْدَ دُوَيْكٍ وَكَانَ الْبَحْرُ قَدْ رَمَى بِسَفِينَةٍ إلَى جُدّةَ لِرَجُلٍ مِنْ تُجّارِ الرّومِ، فَتَحَطّمَتْ، فَأَخَذُوا خَشَبَهَا فَأَعَدّوهُ لِتَسْقِيفِهَا، وَكَانَ بِمَكّةَ رَجُلٌ قِبْطِيّ نَجّارٌ، فَتَهَيّأَ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ بَعْضُ مَا يُصْلِحُهَا وَكَانَتْ حَيّةً تَخْرَجُ مِنْ بِئْرِ الْكَعْبَةِ الّتِي كَانَ يُطْرَحُ فِيهَا مَا يُهْدَى لَهَا كُلّ يَوْمٍ، فَتَتَشَرّقُ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَتْ مِمّا يَهَابُونَ، وَذَلِكَ أَنّهُ كَانَ لَا يَدْنُو مِنْهَا أَحَدٌ إلّا احْزَأَلّتْ وَكَشّتْ، وَفَتَحَتْ فَاهَا، وَكَانُوا يَهَابُونَهَا. فَبَيْنَا هِيَ ذَاتُ يَوْمٍ تَتَشَرّقُ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ، كَمَا كانت تصنع
ــ
بِأَنّ ابْنَ عَبْدِ اللهِ أَحْمَدَ مُرْسَلٌ إلَى كُلّ مَنْ ضَمّتْ عَلَيْهِ الْأَبَاطِحُ
وَظَنّي بِهِ أَنْ سَوْفَ يُبْعَثُ صَادِقًا كَمَا أُرْسِلَ الْعَبْدَانِ هُودٌ وَصَالِحُ
وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمُ حَتّى يُرَى لَهُ بهاء ومنشور مِنْ الذّكْرِ وَاضِحُ
وَيَتْبَعُهُ حَيّا لُؤَيّ جَمَاعَةً شيابهم والأشيبون الجحاجح «١»
_________________
(١) جمع جحجح وجحجاح: السيد.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
بَعَثَ اللهُ إلَيْهَا طَائِرًا فَاخْتَطَفَهَا، فَذَهَبَ بِهَا، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: إنّا لَنَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللهُ قَدْ رَضِيَ مَا أَرَدْنَا، عِنْدَنَا عَامِلٌ رَفِيقٌ، وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحيّة.
فَلَمّا أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ فِي هَدْمِهَا وَبِنَائِهَا، قَامَ أبو وهب بن عمرو بن عائذ ابن عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ. قَالَ ابْنُ هشام: عائذ: ابن عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ. فَتَنَاوَلَ مِنْ الْكَعْبَةَ حَجَرًا، فَوَثَبَ مِنْ يَدِهِ، حَتّى رَجَعَ إلَى مَوْضِعِهِ. ققال: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَا تُدْخِلُوا فِي بِنَائِهَا مِنْ كَسْبِكُمْ إلّا طَيّبًا، لَا يَدْخُلُ فِيهَا مهر بغي ولا بيع ربا، ولا مظلمة أَحَدٍ مِنْ النّاسِ، وَالنّاسُ يَنْحُلُونَ هَذَا الْكَلَامَ الوليد بن المغيرة عبد الله بن عمر بن مخزوم.
قال ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ الْمَكّيّ أَنّهُ حُدّثَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ أُمّيّةَ بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جمح بن عمرو ابن هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ. أَنّهُ رَأَى ابْنًا لِجَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَمْرِو يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقِيلَ: هَذَا ابْنٌ لِجَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ صَفْوَانَ عِنْدَ ذَلِكَ: جَدّ هَذَا، يَعْنِي: أَبَا وَهْبٍ الّذِي أَخَذَ حَجَرًا مِنْ الْكَعْبَةِ حَيْنَ أَجْمَعَتْ قُرَيْشٌ لِهَدْمِهَا، فَوَثَبَ مِنْ يَدِهِ، حَتّى رَجَعَ إلَى مَوْضِعِهِ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: لَا تُدْخِلُوا فِي بِنَائِهَا مِنْ كَسْبِكُمْ إلّا طَيّبًا. لَا تُدْخِلُوا فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس.
_________________
(١) فَإِنْ أَبْقَ حَتّى يُدْرِكَ النّاسُ دَهْرَهُ فَإِنّي بِهِ مُسْتَبْشِرُ الْوُدّ فَارِحُ وَإِلّا فَإِنّي يَا خَدِيجَةُ- فَاعْلَمِي عَنْ أرضك فِي الْأَرْضِ الْعَرِيضَةِ سائح
[ ٢ / ٢٦٠ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو وَهْبٍ: خَالُ أَبِي رسول الله ﷺ- وكان شَرِيفًا، وَلَهُ يَقُولُ شَاعِرٌ مِنْ الْعَرَبِ:
وَلَوْ بِأَبِي وَهْبٍ أَنَخْتُ مَطِيّتِي غَدَتْ مِنْ نَدَاهُ رَحْلُهَا غَيْرَ خَائِبٍ
بِأَبْيَضَ مِنْ فَرْعَيْ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ إذَا حُصّلَتْ أَنْسَابُهَا فِي الذّوَائِبِ
أَبِيّ لِأَخْذِ الضّيْمِ يَرْتَاحُ لِلنّدَى تَوَسّطَ جَدّاهُ فُرُوعَ الْأَطَايِبِ
عَظِيمِ رَمَادِ الْقِدْرِ يَمَلّا جِفَانَهُ من الخبز يعلوهنّ مثل السّبائب
ثم إن قريشا تجزّأت الْكَعْبَةَ، فَكَانَ شِقّ الْبَابِ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَزُهْرَةَ وَكَانَ مَا بَيْنَ الرّكْنِ الْأَسْوَدِ وَالرّكْنِ الْيَمَانِي لِبَنِي مَخْزُومٍ، وَقَبَائِلُ مِنْ قُرَيْشٍ انْضَمّوا إلَيْهِمْ، وَكَانَ ظَهْرُ الْكَعْبَةِ لِبَنِي جُمَحٍ وَسَهْمٍ، ابْنَيْ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ. وَكَانَ شِقّ الْحَجَرِ لِبَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ، وَلِبَنِي أَسَدِ بْنِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ، وَلِبَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ وهو الحطيم
ثُمّ إنّ النّاسَ هَابُوا هَدْمَهَا وَفَرِقُوا مِنْهُ. فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ: أَنَا أَبْدَؤُكُمْ فِي هَدْمِهَا، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ، ثُمّ قَامَ عَلَيْهَا، وَهُوَ يَقُولُ: اللهُمّ لَمْ تُرَعْ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: لَمْ نَزِغْ- اللهُمّ إنّا لَا نُرِيدُ إلّا الْخَيْرَ، ثُمّ هَدَمَ مِنْ نَاحِيَةِ الرّكْنَيْنِ، فتربّص الناس تلك اللّيلة، وقالوا: ننطر، فَإِنْ أُصِيبَ لَمْ نَهْدِمْ مِنْهَا شَيْئًا وَرَدَدْنَاهَا كَمَا كَانَتْ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ، فَقَدْ رَضِيَ اللهُ صُنْعَنَا، فَهَدَمْنَا. فَأَصْبَحَ الْوَلِيدُ مِنْ لَيْلَتِهِ غَادِيًا عَلَى عَمَلِهِ، فَهَدَمَ وَهَدَمَ النّاسُ مَعَهُ، حَتّى إذَا انْتَهَى الْهَدْمُ بِهِمْ إلَى الْأَسَاسِ أَسَاسِ إبْرَاهِيمَ ﵇ أَفْضَوْا إلَى حِجَارَةٍ خُضْرٍ كَالْأَسْنِمَةِ آخِذٌ بَعْضُهَا بَعْضًا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢٦١ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي بَعْضُ مَنْ يَرْوِي الحديث: أنّ رجلا من قريش، ممن كَانَ يَهْدِمُهَا، أَدْخَلَ عَتَلَةً بَيْنَ حَجَرَيْنِ مِنْهَا لِيُقْلِعَ بِهَا أَحَدَهُمَا، فَلَمّا تَحَرّكَ الْحَجَرُ تَنَقّضَتْ مَكّةُ بِأَسْرِهَا، فَانْتَهَوْا عَنْ ذَلِكَ الْأَسَاسِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدّثْت أَنّ قُرَيْشًا وَجَدُوا فِي الرّكْنِ كِتَابًا بِالسّرْيَانِيّةِ، فَلَمْ يَدْرُوا مَا هُوَ، حَتّى قَرَأَهُ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ، فَإِذَا هُوَ: «أَنَا اللهُ ذُو بَكّةَ، خَلَقْتهَا يَوْمَ خَلَقْتُ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَصَوّرْتُ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَحَفَفْتهَا بِسَبْعَةِ أَمْلَاكٍ حُنَفَاءَ، لَا تَزُولُ حَتّى يَزُولَ أَخْشَبَاهَا، مُبَارَكٌ لِأَهْلِهَا فِي الْمَاءِ وَاللّبَنِ» .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَخْشَبَاهَا: جَبَلَاهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدّثْت أَنّهُمْ وَجَدُوا فِي الْمَقَامِ كِتَابًا فِيهِ: «مَكّةُ بَيْتُ اللهِ الْحَرَامِ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا مِنْ ثَلَاثَةِ سُبُلٍ، لَا يُحِلّهَا أَوّلُ مِنْ أَهْلِهَا» .
قال ابن إسحاق: وزعم ليث بن زعم لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ أَنّهُمْ وَجَدُوا حَجَرًا فِي الْكَعْبَةِ قَبْلَ مَبْعَثِ النّبِيّ ﷺ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً- إنْ كَانَ مَا ذَكَرَ حَقّا- مَكْتُوبًا فِيهِ: «مَنْ يَزْرَعْ خَيْرًا، يَحْصُدْ غِبْطَةً، وَمَنْ يَزْرَعْ شَرّا، يَحْصُدْ نَدَامَةً. تَعْمَلُونَ السّيّئَاتِ، وَتُجْزَوْنَ الْحَسَنَاتِ! أَجَلْ، كَمَا لَا يجتنى من الشّوك العنب» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ الْقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ جَمَعَتْ الْحِجَارَةَ لِبِنَائِهَا، كُلّ قَبِيلَةٍ تَجْمَعُ عَلَى حِدَةٍ، ثُمّ بَنَوْهَا، حَتّى بَلَغَ الْبُنْيَانِ مَوْضِعَ الرّكْنِ، فَاخْتَصَمُوا فِيهِ، كُلّ قَبِيلَةٍ تُرِيدُ أَنْ تَرْفَعَهُ إلَى مَوْضِعِهِ دُونَ الْأُخْرَى، حَتّى تحاوروا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢٦٢ ]
وَتَحَالَفُوا؛ وَأَعَدّوا لِلْقِتَالِ، فَقَرّبَتْ بَنُو عَبْدِ الدّارِ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً دَمًا، ثُمّ تَعَاقَدُوا هُمْ وَبَنُو عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ عَلَى الْمَوْتِ، وأدخلوا أيديهم فى ذلك الدم فى تلك الجفنة، فَسُمّوا: لَعَقّةَ الدّمِ، فَمَكَثَتْ قُرَيْشٌ عَلَى ذَلِكَ أَرْبَعَ لَيَالٍ أَوْ خَمْسًا، ثُمّ إنّهُمْ اجْتَمَعُوا فى المسجد، وتشاوروا وتناصفوا.
فزعم بعض أهل الرواية: أن أَبَا أُمّيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بن مخزوم، وكان عامئذ أَسَنّ قُرَيْشٍ كُلّهَا، قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ- فِيمَا تَخْتَلِفُونَ فِيهِ- أَوّلَ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ هَذَا الْمَسْجِدِ يَقْضِي بَيْنَكُمْ فِيهِ، فَفَعَلُوا: فَكَانَ أَوّلَ دَاخِلٍ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِﷺ، فَلَمّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَذَا الْأَمِينُ، رَضِينَا، هَذَا مُحَمّدٌ، فَلَمّا انْتَهَى إلَيْهِمْ وَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، قَالَ ﷺ: هَلُمّ إلَيّ ثَوْبًا، فَأُتِيَ بِهِ، فَأَخَذَ الرّكْنَ فَوَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ، ثُمّ قَالَ: لِتَأْخُذَ كُلّ قَبِيلَةٍ بِنَاحِيَةٍ مِنْ الثّوْبِ، ثُمّ ارْفَعُوهُ جَمِيعًا، فَفَعَلُوا: حَتّى إذَا بَلَغُوا بِهِ مَوْضِعَهُ، وَضَعَهُ هُوَ بِيَدِهِ، ثُمّ بَنَى عَلَيْهِ.
وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمّي رَسُولَ اللهِﷺ- قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ: الْأَمِينَ. فَلَمّا فَرَغُوا مِنْ الْبُنْيَانِ، وَبَنَوْهَا عَلَى مَا أَرَادُوا، قَالَ الزّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَيّةِ الّتِي كَانَتْ قُرَيْشٌ تَهَابُ بُنْيَانَ الْكَعْبَةِ لَهَا.
عَجِبْتُ لِمَا تَصَوّبَتْ الْعُقَابُ إلَى الثّعْبَانِ وَهِيَ لَهَا اضْطِرَابُ
وَقَدْ كَانَتْ يَكُونُ لَهَا كَشِيشٌ وَأَحْيَانًا يَكُونُ لَهَا وِثَابُ
إذَا قُمْنَا إلَى التّأْسِيسِ. شَدّتْ تُهَيّبُنَا الْبِنَاءَ. وَقَدْ تُهَابُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢٦٣ ]
فَلَمّا أَنّ خَشِينَا الرّجْزَ. جَاءَتْ عُقَابٌ تَتْلَئِبّ لَهَا انْصِبَابُ
فَضَمّتْهَا إلَيْهَا، ثُمّ خَلّتْ لَنَا الْبُنْيَانَ، لَيْسَ لَهُ حِجَابُ
فَقُمْنَا حَاشِدِينَ إلَى بِنَاءٍ لَنَا مِنْهُ الْقَوَاعِدُ وَالتّرَابُ
غَدَاةَ نَرْفَعُ التّأْسِيسَ مِنْهُ وَلَيْسَ عَلَى مُسَوّينَا ثِيَابُ
أَعَزّ بِهِ الْمَلِيكُ بَنِي لُؤَيّ فَلَيْسَ لِأَصْلِهِ مِنْهُمْ ذَهَابُ
وَقَدْ حَشَدَتْ هُنَاكَ بَنُو عَدِيّ وَمُرّةُ قَدْ تَقَدّمَهَا كِلَابُ
فَبَوّأَنَا الْمَلِيكُ بِذَاكَ عِزّا وَعِنْدَ اللهِ يُلْتَمَسُ الثّوَابُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ويروى:
وليس على مساوينا ثياب
وَكَانَتْ الْكَعْبَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِﷺ- ثمانى عشرة ذراعا، وَكَانَتْ تُكْسَى الْقَبَاطِيّ، ثُمّ كُسِيت الْبُرُودَ. وَأَوّلُ من كساها الديباج: الحجّاج بن يوسف.
ــ
بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ فَفِي خَبَرِهَا أَنّهَا كَانَتْ رَضْمًا فَوْقَ الْقَامَةِ. الرّضْمُ: أَنْ تُنَضّدَ الْحِجَارَةُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ مِنْ غَيْرِ مِلَاطٍ «١» كَمَا قَالَ:
رزئتهم فى ساعة جرّعتهم كئوس الْمَنَايَا تَحْتَ صَخْرٍ مُرَضّمِ
وَقَوْلُهُ: فَوْقَ الْقَامَةِ، كَلَامٌ غَيْرُ مُبَيّنٍ لِمِقْدَارِ ارْتِفَاعِهَا إذْ ذَاكَ، وذكر
_________________
(١) الطير يجعل بين ساقى البناء، ويملط به الحائط.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غَيْرُهُ أَنّهَا كَانَتْ تِسْعَ أَذْرُعٍ مِنْ عَهْدِ إسْمَاعِيلَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا سَقْفٌ، فَلَمّا بَنَتْهَا قُرَيْشٌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ زَادُوا فِيهَا تِسْعَ أَذْرُعٍ، فكانت ثمان عَشْرَةَ ذِرَاعًا، وَرَفَعُوا بَابَهَا عَنْ الْأَرْضِ، فَكَانَ لَا يُصْعَدُ إلَيْهَا إلّا فِي دَرَجٍ أَوْ سُلّمٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَوّلَ مَنْ عَمِلَ لَهَا غَلَقًا، وَهُوَ تَبَعٌ. ثُمّ لَمّا بَنَاهَا ابْنُ الزّبَيْرِ زَادَ فِيهَا تِسْعَ أَذْرُعٍ، فَكَانَتْ سَبْعًا وَعِشْرِينَ ذِرَاعًا، وَعَلَى ذَلِكَ هِيَ الْآنَ، وَكَانَ بِنَاؤُهَا فِي الدّهْرِ خَمْسَ مَرّاتٍ. الْأُولَى: حِينَ بَنَاهَا شِيثُ بْنُ آدَمَ «١»، وَالثّانِيَةُ: حِينَ بَنَاهَا إبْرَاهِيمُ عَلَى الْقَوَاعِدِ الْأُولَى، وَالثّالِثَةُ: حِينَ بَنَتْهَا قُرَيْشٌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِخَمْسَةِ أَعْوَامٍ، وَالرّابِعَةُ: حِينَ احْتَرَقَتْ فِي عَهْدِ ابْنِ الزّبَيْرِ بِشَرَارَةِ طَارَتْ مِنْ أَبِي قُبَيْسٍ، فَوَقَعَتْ فِي أَسْتَارِهَا، فَاحْتَرَقَتْ، وَقِيلَ إنّ امْرَأَةً أَرَادَتْ أَنْ تُجَمّرَهَا، فَطَارَتْ شَرَارَةٌ مِنْ الْمِجْمَرِ «٢» فِي أَسْتَارِهَا، فَاحْتَرَقَتْ، فَشَاوَرَ ابْنُ الزّبَيْرِ فِي هَدْمِهَا مَنْ حَضَرَهُ، فَهَابُوا هَدْمَهَا، وَقَالُوا: نَرَى أَنْ تُصْلَحَ مَا وَهَى، وَلَا تُهْدَمَ. فَقَالَ:
لَوْ أَنّ بَيْتَ أَحَدِكُمْ احْتَرَقَ لَمْ يَرْضَ لَهُ إلّا بِأَكْمَلِ صَلَاحٍ. وَلَا يَكْمُلُ إصْلَاحُهَا إلّا بِهَدْمِهَا. فَهَدَمَهَا حَتّى أَفْضَى إلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَزِيدُوا فِي الْحَفْرِ. فَحَرّكُوا حَجَرًا فَرَأَوْا تَحْتَهُ نَارًا وهولا «٣» . أفزعهم فأمرهم أن يقرّوا
_________________
(١) أول من بناها إبراهيم.
(٢) ما يوضع فيه الجمر بالدخنة، والعود نفسه. ويقال أيضا بضم الميم الأولى وفتح الثانية.
(٣) لم يرد فى الحديث الذى أخرجه مسلم ذكر لهذه النار بل ورد: «فنقضوه أى بناء الكعبة- حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدة يستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه» . وفيه أنه زاد فيه خمسة أذرع، وأن طول الكعبة كان ثمانية عشر ذراعا، فلما زاد فيه استقصره، فزاد فى طوله عشرة أذرع وجعل له بابين أحدهما: يدخل منه، والاخر يخرج منه.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْقَوَاعِدَ، وَأَنْ يَبْنُوا مِنْ حَيْثُ انْتَهَى الْحَفْرُ. وَفِي الْخَبَرِ أَنّهُ سَتَرَهَا حِينَ وَصَلَ إلَى الْقَوَاعِدِ، فَطَافَ النّاسُ بِتِلْكَ الْأَسْتَارِ، فَلَمْ تَخْلُ قَطّ مِنْ طَائِفٍ حَتّى لَقَدْ ذُكِرَ أَنّ يَوْمَ قَتْلِ ابْنِ الزّبَيْرِ اشْتَدّتْ الْحَرْبُ، وَاشْتَغَلَ النّاسُ فَلَمْ يُرَ طَائِفٌ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ إلّا جَمَلٌ يَطُوفُ بِهَا، فَلَمّا اسْتَتَمّ بُنْيَانُهَا، أُلْصِقَ بَابُهَا بِالْأَرْضِ، وَعَمِلَ لَهَا خَلْفًا أَيْ: بَابًا آخَرَ مِنْ وَرَائِهَا، وَأَدْخَلَ الْحِجْرَ فِيهَا، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ حَدّثَتْهُ بِهِ خَالَتُهُ عَائِشَةُ، عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ- أَنّهُ قَالَ: أَلَمْ تَرَيْ قَوْمَك حِينَ بَنَوْا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ حِين عَجَزَتْ بِهِمْ النّفَقَةُ، ثُمّ قَالَ ﵇: لَوْلَا حِدْثَانُ عَهْدِ قَوْمِك بِالْجَاهِلِيّةِ لَهَدَمْتهَا، وَجَعَلْت لَهَا خَلْفًا «١» وَأَلْصَقْت بابها بالأرض، وَأَدْخَلْت فِيهَا الْحِجْرَ أَوْ كَمَا قَالَ﵇- قَالَ ابْنُ الزّبَيْرِ: فَلَيْسَ بِنَا الْيَوْمَ عَجْزٌ عَنْ النّفَقَةِ، فَبَنَاهَا عَلَى مُقْتَضَى حَدِيثِ عَائِشَةَ، فَلَمّا قَامَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، قَالَ. لَسْنَا مِنْ تَخْلِيطِ أَبِي خُبَيْبٍ «٢» بِشَيْءِ، فَهَدَمَهَا وَبَنَاهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِﷺ- فَلَمّا فَرَغَ مِنْ بُنْيَانِهَا جَاءَهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَعْرُوفُ بِالْقُبَاعِ «٣»، وَهُوَ أَخُو عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الشّاعِرِ، وَمَعَهُ رَجُلٌ آخَرُ،
_________________
(١) وردت فى معناه أحاديث رواها البخارى ومسلم وأحمد وأبو داود والنسائى والترمذى.
(٢) هو عبد الله بن الزبير، ويقال عنه وعن ابنه أو أخيه مصعب: الخبيبان
(٣) القباع بضم القاف وفتح الباء: مكيال ضخم، ولقد لقب الحارث بهذا لأنه اتخذه، أو لأنه قال لأهل البصرة حين ولى عليهم وأتوه بمكيال: إن مكيالكم هذا لقباع، وهو: الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة. وقد سقط من الروض «ابن عبد الله» وأمه: بنت أبرهة. ويقال إنه وجد الصليب فى
[ ٢ / ٢٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَحَدّثَاهُ عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ- بالحديث المتقدم،
_________________
(١) عنقها حين ماتت، فخرج إلى الناس، فقال: انصرفوا رحمكم الله، فإن لها أهل دين هم أولى بها منا ومنكم، فاستحسن ذلك منه. يقول عنه ابن سبة: «كان الحارث ابن عبد الله شريفا كريما دينا وسيدا من سادات قريش» وله قصص طريفة مع أخيه الشاعر عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة. انظر ص ٣١٨ نسب قريش ط ١ وص ١١٤ المجلد الأول من الأغانى طبع لبنان. وفى حديث مسلم عما ذكره الروض عن هذا أن الحجاج لما قتل ابن الزبير كتب إلى عبد الملك يخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير فى شىء، أما ما زاده فى طوله فأقره، وأما ما زاد فيه من الحجر، فرده إلى بنائه، وسد الباب الذى فتحه، فنقضه وأعاده إلى بنائه. وفى برواية أخرى أن الحارث بن عبد الله وفد على عبد الملك بن مروان فى خلافته، فقال عبد الملك: ما أظن أبا خبيب سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها، فقال الحارث: «بلى أنا سمعته منها. قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت: قال رسول اللهﷺ- إن قومك استقصروا من بنيان البيت ولولا حداثه عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا، فإن بدا لقومك من بعدى أن يبنوه فهلمى لأريك ما تركوا منه، وأراها قريبا من سبعة أذرع. هذا حديث عبد الله بن عبيد بن عمير فى مسلم، وزاد عليه الوليد بن عطاء: قال النبى ﷺ: ولجعلنت لها بابين موضوعين فى الأرض، شرقيا وغربيا، وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ قالت: قلت: لا. قال: تعززا ألا يدخلها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يدعونه حتى يرتقى، حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط» . وفى رواية: أن عبد الملك قال: قاتل الله ابن الزبير حيت يكذب على أم المؤمنين- ثم ذكر حديث عائشة- فقال الحارث لا تقل هذا يا أمير المؤمنين؛ فإنى سمعت أم المؤمنين تحدث هذا. قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بنى ابن الزبير. ويقول ابن كثير: فهذا الحديث
[ ٢ / ٢٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَنَدِمَ، وَجَعَلَ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ بِمِخْصَرَةِ فِي يَدِهِ، وَيَقُولُ: وَدِدْت أَنّي تَرَكْت أَبَا خُبَيْبٍ، وَمَا تَحَمّلَ مِنْ ذَلِكَ، فَهَذِهِ الْمَرّةُ الْخَامِسَةُ، فَلَمّا قَامَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ، وَأَرَادَ أَنْ يَبْنِيَهَا عَلَى مَا بَنَاهَا ابْنُ الزّبَيْرِ، وَشَاوَرَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ:
أَنْشُدُك اللهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنْ تَجْعَلَ هَذَا الْبَيْتَ مَلْعَبَةً لِلْمُلُوكِ بَعْدَك، لَا يَشَاءُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يُغَيّرَهُ إلّا غَيّرَهُ «١» فَتَذْهَبُ هَيْبَتُهُ مِنْ قُلُوبِ النّاسِ، فَصَرَفَهُ عَنْ رَأْيِهِ فِيهِ، وَقَدْ قِيلَ: إنّهُ بُنِيَ فِي أَيّامِ جُرْهُمَ مَرّةً أَوْ مَرّتَيْنِ؛ لِأَنّ السّيْلَ كَانَ قَدْ صَدّعَ حَائِطَهُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بُنْيَانًا عَلَى نَحْوِ مَا قَدّمْنَا، إنّمَا كَانَ إصْلَاحًا لِمَا وَهَى مِنْهُ، وَجِدَارًا بُنِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السّيْلِ، بَنَاهُ عَامِرٌ الْجَارُودُ «٢»، وَقَدْ تَقَدّمَ هَذَا الْخَبَرُ، وَكَانَتْ الْكَعْبَةُ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَهَا شِيثُ ﵇ خيمة من يا قوتة حَمْرَاءَ يَطُوفُ بِهَا آدَمُ، وَيَأْنَسُ إلَيْهَا؛ لِأَنّهَا أُنْزِلَتْ إلَيْهِ مِنْ الْجَنّةِ، وَكَانَ قَدْ حَجّ إلَى مَوْضِعِهَا مِنْ الْهِنْدِ، وَقَدْ قِيلَ: إنّ آدَمَ هُوَ أَوّلُ مَنْ بَنَاهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ. وَفِي الْخَبَرِ أَنّ مَوْضِعَهَا كَانَ غُثَاءَةً عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللهُ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَلَمّا بَدَأَ اللهُ بِخَلْقِ الْأَشْيَاءِ خَلَقَ التّرْبَةَ قَبْلَ السّمَاءِ، فلما
_________________
(١) كالمقطوع به إلى عائشة؛ لأنه قد روى عنها من طرق صحيحة متعددة، فدل هذا على صواب ما فعله ابن الزبير، فلو ترك لكان جيدا. ولكن بعد ما رجع الأمر إلى هذا الحال، فقد كره بعض العلماء أن يغير عن حاله.
(٢) نقل النووى وعياض أن هذا حدث من الرشيد أو أبيه المهدى، وأن مالكا قال: مالك يا أمير المؤمنين. لا تجعل كعبة الله ملعبة للملوك لا يشاء أحد أن يهدمها إلا هدمها.
(٣) انظر ص ١٤ من نسب قريش»
[ ٢ / ٢٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خَلَقَ السّمَاءَ، وَقَضَاهُنّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ دَحَا الْأَرْضَ، أَيْ: بَسَطَهَا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها النّازِعَاتُ: ٣. وَإِنّمَا دَحَاهَا مِنْ تَحْتِ مَكّةَ؛ وَلِذَلِكَ سُمّيَتْ أُمّ الْقُرَى، وَفِي التّفْسِيرِ أَنّ اللهَ سُبْحَانَهُ حِينَ قَالَ لِلسّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فُصّلَتْ: ١١ لَمْ تُجِبْهُ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ مِنْ الْأَرْضِ إلّا أَرْضُ الْحَرَمِ «١»، فَلِذَلِكَ حَرّمَهَا. وَفِي الْحَدِيثِ: أَنّ اللهَ حَرّمَ مَكّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَصَارَتْ حُرْمَتُهَا كَحُرْمَةِ الْمُؤْمِنِ، لِأَنّ الْمُؤْمِنَ إنّمَا حُرّمَ دَمُهُ وَعِرْضُهُ وَمَالُهُ بِطَاعَتِهِ لِرَبّهِ، وَأَرْضُ الْحَرَمِ لَمّا قَالَتْ: أَتَيْنَا طَائِعِينَ، حُرّمَ صَيْدُهَا وَشَجَرُهَا وَخَلَاهَا إلّا الْإِذْخِرَ «٢»، فَلَا حُرْمَةَ إلّا لَذِي طَاعَةٍ، جَعَلَنَا اللهُ مِمّنْ أطاعه.
_________________
(١) هذا من كلام كعب الأحبار وهو معروف بإسرائيلياته. وكل ما قيل عن حج آدم، وعن أصل الكعبة وعن موضعها قبل إبراهيم وعن إجابة أرض الحرم. كل هذا أكاذيب مفتراة. ومن عيوب السهيلى أنه يأتى أحيانا بأسطورة ثم يقيم عليها بناء يتوهمه ثابتا، فليست أرض الحرم وحدها هى التى أطاعت الله، بل الأرض كلها، كما بين القرآن فما بالها لم تحرم؟!
(٢) فى حديث أخرجه البخارى ومسلم. «إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض، فهى حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة» ومعناه: أن الله قضى هذا كما قضى كل أمر له. هذا وفى حديث رواه مسلم: «إن إبراهيم حرم مكة، وإنى أحرم ما بين لابتيها» وَفِي الصّحِيحَيْنِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال عن المدينة. «اللهم إنى أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم إبراهيم مكة» وفى حديث رواه البخارى: «إن إبراهيم حرم مكة، ودعا لها، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة» وهذه الأحاديث تؤكد أن إبراهيم هو الذى حرم مكة، وأن النبى ﷺ حرم المدينة كما حرم إبراهيم مكة..
[ ٢ / ٢٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَبَبٌ آخَرُ لِبُنْيَانِ الْبَيْتِ:
وَرُوِيَ فِي سَبَبِ بُنْيَانِ الْبَيْتِ خَبَرٌ آخَرُ، وَلَيْسَ بِمُعَارِضِ لِمَا تَقَدّمَ، وَذَلِكَ أَنّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمّا قَالَ لِمَلَائِكَتِهِ: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قالُوا:
أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها الْبَقَرَةُ: ٢٩.
خَافُوا أَنْ يَكُونَ اللهُ عَاتِبًا عَلَيْهِمْ لِاعْتِرَاضِهِمْ فِي عِلْمِهِ، فَطَافُوا بِالْعَرْشِ سَبْعًا، يَسْتَرْضُونَ رَبّهُمْ، وَيَتَضَرّعُونَ إلَيْهِ، فَأَمَرَهُمْ سُبْحَانَهُ أَنْ يَبْنُوا الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ فِي السّمَاءِ السّابِعَةِ، وَأَنْ يَجْعَلُوا طَوَافَهُمْ بِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ أَهْوَنَ عَلَيْهِمْ مِنْ الطّوَافِ بِالْعَرْشِ، ثُمّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَبْنُوا فِي كُلّ سَمَاءٍ بَيْتًا، وَفِي كُلّ أَرْضٍ بَيْتًا، قَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ بَيْتًا، كُلّ بَيْتٍ مِنْهَا مَنَا صَاحِبَهُ، أَيْ:
فِي مُقَابَلَتِهِ، لَوْ سَقَطَتْ لَسَقَطَتْ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ.
حَوْلَ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ مَرّةً أُخْرَى:
رُوِيَ أَيْضًا أَنّ الْمَلَائِكَةَ حِينَ أَسّسَتْ الْكَعْبَةَ انْشَقّتْ الْأَرْضُ إلَى مُنْتَهَاهَا، وَقُذِفَتْ فِيهَا حِجَارَةٌ أَمْثَالَ الْإِبِلِ، فَتِلْكَ الْقَوَاعِدُ مِنْ البيت التى رفع إبراهيم وإسمعيل، فَلَمّا جَاءَ الطّوفَانُ رُفِعَتْ، وَأُودِعَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ أبا قبيس «١» .
_________________
(١) وفى هذا نظر، فالله جل شأنه هو الذى يحل ويحرم لا النبيون، ولم يذكر تحريم المدينة فى القرآن كما ذكر تحريم مكة، «والإذخر: الحشيش الطيب الرائحة.
(٢) ليس لكل ما قاله عن الملائكة هنا سند صحيح، ولم يرد حديث طواف الملائكة المذكور هنا سوى: «أبو الفرج» فى كتابه «مثير الغرام»، وليس من البر فى الدين أن تفترى الأكاذيب لتعظيم أمر، شأنه بالصدق فى النفوس أعظم، والحق لا يحميه لباطل، والجمال يشينه الكذب
[ ٢ / ٢٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ أَنّ الْمَاءَ لَمْ يَعْلُهَا حِينَ الطّوفَانِ، وَلَكِنّهُ قَامَ حَوْلَهَا، وَبَقِيَتْ فِي هَوَاءٍ إلَى السّمَاءِ «١»، وَأَنّ نُوحًا قَالَ لِأَهْلِ السّفِينَةِ، وَهِيَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ:
إنّكُمْ فِي حَرَمِ اللهِ، وَحَوْلَ بَيْتِهِ، فَأَحْرَمُوا لِلّهِ، وَلَا يَمَسّ أَحَدٌ امْرَأَةً، وَجَعَلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السّمَاءِ حَاجِزًا، فَتَعَدّى حَامٌ، فَدَعَا عَلَيْهِ نُوحٌ أَنْ يَسْوَدّ لَوْنُ بَنِيهِ، فَاسْوَدّ كُوشُ بْنُ حَامٍ وَنَسْلُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ قِيلَ فِي سَبَبِ دَعْوَةِ نُوحٍ عَلَى حَامٍ غَيْرُ هَذَا «٢»، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَذُكِرَ فِي الْخَبَرِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: أَوّلُ مَنْ عَاذَ بِالْكَعْبَةِ حُوتٌ صَغِيرٌ، خَافَ مِنْ حُوتٍ كَبِيرٍ، فَعَاذَ مِنْهُ بِالْبَيْتِ، وَذَلِكَ أَيّامَ الطّوفَانِ. ذَكَرَهُ يَحْيَى بْنُ سَلَامٍ، فَلَمّا نَضَبَ مَاءُ الطّوفَانِ، كَانَ مَكَانَ الْبَيْتِ رَبْوَةٌ مِنْ مَدَرَةٍ «٣» وَحَجّ إلَيْهِ هُودٌ وَصَالِحٌ، ومن آمن معهما، وهو كذلك «٤» .
_________________
(١) كلام لا سند له، وقد روى أن من أسباب بنائها احتراقها أو تصدعها من السيل، فكيف لم ترتفع إلى الهواء. هذا وفى السيرة عن السفينة أنها كانت لرجل من تجار الروم، ولكن ورد عن الأموى أنها كانت لقيصر ملك الروم تحمل آلات البناء من الرخام والخشب والحديد سرحها قيصر مع باقوم الرومى إلى الكنبسة التى أحرقها الفرس للحبشة وقيل عن باقوم القبطى إنه كان مولى سعيد بن العاصى بن أمية وفى الإصابة أن اسم الرجل الذى بنى الكعبة لقريش باقوم وكان روميا، وكان فى سفينة حبستها الريح، فخرجت إليها قريش، وأخذوا خشبها، وقالوا له: ابنها على بناء الكنائس.
(٢) لأنه رأى عورة أبيه إصحاح ٩ سفر التكوين.
(٣) المدر- محركة- قطع الطين اليابس، أو لعلك الذى لا رمل فيه واحدة مدرة.
(٤) لم يرد هذا فى نقل صحيح.
[ ٢ / ٢٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَيُذْكَرُ أَنّ يَعْرُبَ قَالَ لِهُودِ ﵇: أَلَا نَبْنِيهِ؟ قَالَ: إنّمَا يَبْنِيهِ نَبِيّ كَرِيمٌ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي يَتّخِذُهُ الرّحْمَنُ خَلِيلًا، فَلَمّا بعث الله إبراهيم وشبّ إسمعيل بِمَكّةَ أَمَرَ إبْرَاهِيمَ بِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ، فَدَلّتْهُ عَلَيْهِ السّكِينَةُ «١»، وَظَلّلَتْ لَهُ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ، فَكَانَتْ عَلَيْهِ كَالْجُحْفَةِ «٢»، وَذَلِكَ أَنّ السّكِينَةَ مِنْ شَأْنِ الصّلَاةِ، فَجُعِلَتْ عَلَمًا عَلَى قِبْلَتِهَا حِكْمَةً مِنْ اللهِ سُبْحَانَهُ «٣»، وَبَنَاهُ ﵇ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ، كَانَتْ الْمَلَائِكَةُ تَأْتِيهِ بِالْحِجَارَةِ مِنْهَا، وَهِيَ:
طورتينا، وَطَوْرُ زَيْتَا «٤» اللّذَيْنِ بِالشّامِ، وَالْجُودِيّ وَهُوَ بِالْجَزِيرَةِ «٥»، وَلُبْنَانُ «٦» وَحِرَاءُ وَهُمَا بِالْحَرَمِ، كُلّ هَذَا جَمَعْنَاهُ مِنْ آثَارٍ مَرْوِيّةٍ. وَانْتَبِهْ لِحِكْمَةِ اللهِ كَيْفَ جَعَلَ بِنَاءَهَا مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ، فَشَاكَلَ ذَلِكَ مَعْنَاهَا؛ إذْ هِيَ قِبْلَةٌ لِلصّلَاةِ الْخَمْسِ وَعَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ، وَكَيْفَ دَلّتْ عَلَيْهِ السّكِينَةُ؛ إذْ هُوَ قِبْلَةٌ لِلصّلَاةِ، وَالسّكِينَةُ مِنْ شَأْنِ الصّلَاةِ. قَالَ ﵇: «وَأْتُوهَا
_________________
(١) وهى عند رواة هذا: ريح خجوج، ولها رأسان، فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت إلى مكة، فتطوت على موضع البيت كطى الجحفة. والخجوح: الريح الشديدة المرّ، أو الملتوية فى هبوبها.
(٢) بقية الماء فى جوانب الحوض.
(٣) مرة أخرى يا بنى على أسطورة رأيا وحديث السكينة ليس له سند صحيح
(٤) تينا تقال بالكسر وبالفتح ويقول القاموس وتينا هى بمعنى سيناء
(٥) يعنى جزيرة ابن عمر فى شرقى دجلة من أعمال الموصل
(٦) فى المراصد، لبنان جبلان قرب مكة يقال لهما، لبن الأسفل ولبن الأعلى وفوق ذاك جبل يقال له: المبرك برك الفيل به
[ ٢ / ٢٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَعَلَيْكُمْ السّكِينَةُ «١»» فَلَمّا بَلَغَ إبْرَاهِيمُ الرّكْنَ جَاءَهُ جِبْرِيلُ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مِنْ جَوْفِ أَبِي قُبَيْسٍ، وَرَوَى التّرْمِذِيّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ- قَالَ: «أُنْزِلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنْ الْجَنّةِ أَشَدّ بَيَاضًا مِنْ اللّبَنِ، فَسَوّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ «٢»»، وَرَوَى التّرْمِذِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا أَنّ الرّكْنَ الْأَسْوَدَ وَالرّكْنَ الْيَمَانِيّ يَاقُوتُتَانِ مِنْ الْجَنّةِ، وَلَوْلَا مَا طُمِسَ مِنْ نُورِهِمَا لَأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: لَأَبْرَآ مَنْ اسْتَلَمَهُمَا مِنْ الْخَرَسِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ «٣»، وَرَوَى غَيْرُ التّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيّ ﵀ أَنّ الْعَهْدَ الّذِي أَخَذَهُ اللهُ عَلَى ذُرّيّةِ آدَمَ حِينَ مَسَحَ ظَهْرَهُ أَلّا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا كَتَبَهُ فِي صَكّ، وَأَلْقَمَهُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ؛ وَلِذَلِكَ يَقُولُ الْمُسْتَلِمُ لَهُ: إيمَانًا بِك، وَوَفَاءً بِعَهْدِك «٤»، وَذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ الزّبَيْرُ، وَزَادَ عَلَيْهِ أَنّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَجْرَى نَهْرًا أطيب
_________________
(١) فى حديث رواه الجماعة إلا الترمذى: «إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم، فصلوا، وما فاتكم فأتموا»
(٢) لا يعتد بمثل هذا. وفى البخارى: «فجعل إسماعيل يأتى بالحجارة، وهما- أى إبراهيم وإسماعيل- يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم» وهو عند ابن أبى حاتم من كلام السدى، ولم يرو البخارى ولا مسلم شيئا من هذا.
(٣) الأحاديث الصحيحة تخالف ما رواه الترمذى، وتخالف مارواه بعده، والقرآن يؤكد أن الله هو الذى بيده الشفاء لا الركن اليمانى. إنما هو مكر الأساطير بدين الله الحق!!
(٤) لا يشهد لما قاله حديث صحيح، ولا آية من كتاب الله، وإليك التفسير الصحيح لاية أخذ العهد عن الحسن البصرى، كما رواه عنه جماعة من السلف والخلف-
[ ٢ / ٢٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْ اللّبَنِ، وَأَلْيَنَ مِنْ الزّبَدِ، فَاسْتَمَدّ مِنْهُ الْقَلَمَ الّذِي كَتَبَ الْعَهْدَ، قَالَ: وَكَانَ أَبُو قُبَيْسٍ يُسَمّى: الْأَمِينَ؛ لِأَنّ الرّكْنَ كَانَ مُودَعًا فيه، وأنه نادى إبراهيم حين
_________________
(١) - (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ) ولم يقل من آدم (من ظهورهم) ولم يقل من ظهره (ذرياتهم) أى جعل نسلهم جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن، كقوله تعالى (وهو الذى جعلكم خلائف الأرض) وقال: (ويجعلكم خلفاء الأرض) وقال: (كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين) ثم قال: (وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم، قالوا: بلى) أى: أوجدهم شاهدين بذلك، قائلين له حالا. وقال- أى الحسن البصرى- والشهادة تكون تارة بالقول، وتارة تكون حالا.. كما أن السؤال تارة يكون بالمقال، وتارة يكون بالحال. قالوا- يعنى جماعة من السلف والخلف- ومما يدل على أن المراد بهذا هذا أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم فى الإشراك، فلو كان قد وقع هذا- يعنى استخراج الذرية من ظهر آدم واستنطاق الله لها- كما قال من قال لكان كل أحد يذكره ليكون حجة له) ثم فسروا هذا الإشهاد بأنه الفطرة التى فطر الله الناس عليها من الإقرار بالتوحيد. انظر ابن كثير فى تفسير الاية. هذا وقد حكم الطبرى بعدم صحة نسبة ماروى من أحاديث فى هذا إلى رسول الله ﷺ، فالحديث موقوف على ابن عمر. ولهذا قال: الظاهر يدل على أنه خبر من الله عن قيل بنى آدم بعضهم لبعض، لأنه جل ثناؤه قال: «وأشهدهم على أنفسهم. ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا» فكأنه قيل: فقال الذين شهدوا على المقرين حين أقروا. فقالوا: بلى شهدنا عليكم بما أقررتم به على أنفسكم. وفى مكان آخر: «وأشهدهم على أنفسهم» أى: أشهد بعضهم على بعض بإقرارهم بذلك. ويقول المرتضى فى أماليه. «وقد ظن بعض من لا بصيرة له، ولا فطنة عنده أن تأويل هذه الاية أن الله استخرج من ظهر آدم جميع ذريته، وهم فى خلق الذر، فقررهم بمعرفته، وأشهدهم على أنفسهم وهذا التأويل مع أن العقل يبطله ويحيله مما يشهد ظاهر القرآن بخلافه، لأن الله تعالى قال: وإذ أخذ ربك من بنى آدم، ولم يقل. من آدم، وقال: من ظهورهم، ولم يقل: من ظهره، وقال: ذرياتهم، ولم يقل. ذريته، ثم أخبر تعالى بأنه-
[ ٢ / ٢٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَلَغَ بِالْبُنْيَانِ إلَى مَوْضِعِ الرّكْنِ، فَأَخْبَرَهُ عَنْ الرّكْنِ فِيهِ، وَدَلّهُ عَلَى مَوْضِعِهِ «١» مِنْهُ، وَانْتَبَهَ من ههنا إلَى الْحِكْمَةِ فِي أَنْ سَوّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ حِجَارَةِ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا، وَذَلِكَ أَنّ الْعَهْدَ الّذِي فِيهِ هِيَ الْفِطْرَةُ الّتِي فُطِرَ النّاسُ عَلَيْهَا مِنْ تَوْحِيدِ اللهِ، فَكُلّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى تِلْكَ الْفِطْرَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ الْمِيثَاقِ، فَلَوْلَا أَنّ أَبَوَيْهِ يُهَوّدَانِهِ وَيُنَصّرَانِهِ وَيُمَجّسَانِهِ، حَتّى يَسْوَدّ قَلْبُهُ بِالشّرْكِ، لَمَا حَالَ عَنْ الْعَهْدِ، فَقَدْ صَارَ قَلْبُ ابْنِ آدَمَ مَحِلّا لِذَلِكَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، وَصَارَ الْحَجَرُ مَحِلّا لِمَا كُتِبَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، فَتَنَاسَبَا، فَاسْوَدّ مِنْ الْخَطَايَا قَلْبُ ابْنِ آدَمَ بَعْدَمَا كَانَ وُلِدَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْعَهْدِ، وَاسْوَدّ الْحَجَرُ بَعْدَ ابْيِضَاضِهِ، وَكَانَتْ الْخَطَايَا سَبَبًا فِي ذَلِكَ حِكْمَةً مِنْ اللهِ سُبْحَانَهُ، فَهَذَا مَا ذُكِرَ فِي بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ مُلَخّصًا، مِنْهُ مَا ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيّ، وَمِنْهُ مَا ذَكَرَهُ الطّبَرِيّ، وَمِنْهُ مَا وَقَعَ فِي كِتَابِ التّمْهِيدِ لِأَبِي عُمَرَ، وَنُبَذٌ أَخَذْتهَا مِنْ كِتَابِ فَضَائِلِ مَكّةَ لِرَزِينِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَمِنْ كِتَابِ أَبِي الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيّ فِي أَخْبَارِ مَكّةَ، وَمِنْ أَحَادِيثَ فِي الْمُسْنَدَاتِ الْمَرْوِيّةِ، وَسَنُورِدُ فِي بَاقِي الْحَدِيثِ بَعْضَ مَا بَلَغَنَا فِي ذَلِكَ مُسْتَعِينِينَ بِاَللهِ. وَأَمّا الركن
_________________
(١) - فعل ذلك، لئلا يقولوا: إنهم كانوا عن هذا غافلين، أو يعتذروا بشرك آبائهم، وأنهم نشئوا على دينهم وسنتهم، وهذا يقتضى أن الاية لم تتناول ولد آدم لصلبه، وأنها تناولت من كان له آباء مشركون، وهذا يدل على اختصاصها ببعض ولد آدم، فهذه شهادة الظاهر ببطلان تأويله» ثم استشهد بدليل عقلى على بطلانه أيضا. واستدل ببعض النقول الصحيحة، انظر ص ٢٠ وما بعدها ح ١ ط ١
(٢) لست أدرى- والسهيلى رجل كبير العقل- كيف يردد هذه الأساطير الصغيرة؟!.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الْيَمَانِيّ فَسُمّيَ بِالْيَمَانِيّ- فِيمَا ذَكَرَ الْقُتَبِيّ- لِأَنّ رَجُلًا مِنْ الْيَمَنِ بَنَاهُ اسْمُهُ: أُبَيّ بْنُ سَالِمٍ وَأَنْشَدَ: لَنَا الرّكْنُ مِنْ بَيْتِ الْحَرَامِ وِرَاثَةً بَقِيّةَ مَا أَبْقَى أُبَيّ بْنُ سَالِمِ حَوْلَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: وَأَمّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ فَأَوّلُ مَنْ بَنَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، وَذَلِكَ أَنّ النّاسَ ضَيّقُوا عَلَى الْكَعْبَةِ، وَأَلْصَقُوا دُورَهُمْ بِهَا، فَقَالَ عُمَرُ: إنّ الْكَعْبَةَ بَيْتُ اللهِ، ولابد لِلْبَيْتِ مِنْ فِنَاءٍ، وَإِنّكُمْ دَخَلْتُمْ عَلَيْهَا، وَلَمْ تَدْخُلْ عَلَيْكُمْ، فَاشْتَرَى تِلْكَ الدّورَ مِنْ أَهْلِهَا وَهَدَمَهَا، وَبَنَى الْمَسْجِدَ الْمُحِيطَ بِهَا، ثُمّ كَانَ عُثْمَانُ، فَاشْتَرَى دُورًا أُخْرَى، وَأَغْلَى فِي ثَمَنِهَا، وَزَادَ فِي سَعَةِ الْمَسْجِدِ فَلَمّا كَانَ ابْنُ الزّبَيْرِ زَادَ فِي إتْقَانِهِ، لَا فِي سَعَتِهِ، وَجَعَلَ فِيهِ عُمُدًا مِنْ الرّخَامِ، وَزَادَ فِي أَبْوَابِهِ، وَحَسّنَهَا، فَلَمّا كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ زَادَ فِي ارْتِفَاعِ حَائِطِ الْمَسْجِدِ، وَحَمَلَ إلَيْهِ السّوَارِيَ فِي الْبَحْرِ إلَى جَدّةَ، وَاحْتُمِلَتْ مِنْ جَدّةَ عَلَى الْعَجَلِ إلَى مَكّةَ، وَأَمَرَ الْحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ فَكَسَاهَا الدّيبَاجَ، وَقَدْ كُنّا قَدّمْنَا أَنّ ابْنَ الزّبَيْرِ كَسَاهَا الدّيبَاجَ قَبْلَ الْحَجّاجِ، ذَكَرَهُ الزّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ، وَذَكَرْنَا أَيْضًا أَنّ خَالِدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ مِمّنْ كَسَاهَا الدّيبَاجَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، ثُمّ كَانَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَزَادَ فِي حُلِيّهَا، وَصَرَفَ فِي مِيزَابِهَا وَسَقْفِهَا مَا كَانَ فِي مَائِدَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵉ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضّةٍ، وَكَانَتْ قَدْ اُحْتُمِلَتْ إلَيْهِ مِنْ طُلَيْطُلَةَ مِنْ جَزِيرَةِ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَتْ لَهَا أَطْوَاقٌ مِنْ يَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ، وَكَانَتْ قَدْ اُحْتُمِلَتْ عَلَى بَغْلٍ قَوِيّ فَتَفَسّخَ تَحْتَهَا، فَضَرَبَ مِنْهَا الْوَلِيدُ حِلْيَةً
[ ٢ / ٢٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِلْكَعْبَةِ، فَلَمّا كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ وَابْنُهُ مُحَمّدٌ الْمَهْدِيّ زَادَ أَيْضًا فِي إتْقَانِ الْمَسْجِدِ، وَتَحْسِينِ هَيْئَتِهِ، وَلَمْ يُحْدَثْ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ عَمَلٌ إلَى الْآنَ. وَفِي اشْتِرَاءِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ الدّورَ الّتِي زَادَا فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنّ رِبَاعَ أَهْلِ مَكّةَ مِلْكٌ لِأَهْلِهَا، يَتَصَرّفُونَ فِيهَا بالبيع والشراء إذا شاؤا، وَفِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ.
كَنْزِ الْكَعْبَةِ وَالنّجّارِ الْقِبْطِيّ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ دُوَيْكًا الّذِي سَرَقَ كَنْزَ الْكَعْبَةِ، وَتَقَدّمَ أَنّ سَارِقًا سَرَقَ مِنْ مَالِهَا فِي زَمَنِ جُرْهُمَ، وَأَنّهُ دَخَلَ الْبِئْرَ الّتِي فِيهَا كَنْزُهَا فَسَقَطَ عَلَيْهِ حَجَرٌ فَحَبَسَهُ فِيهَا، حَتّى أُخْرِجَ مِنْهَا، وَانْتُزِعَ الْمَالُ مِنْهُ، ثُمّ بَعَثَ اللهُ حَيّةً لَهَا رَأْسٌ كَرَأْسِ الْجَدْيِ، بَيْضَاءُ الْبَطْنِ سَوْدَاءُ الْمَتْنِ، فَكَانَتْ فِي بِئْرِ الْكَعْبَةِ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ فِيمَا ذَكَرَ رَزِينٌ، وَهِيَ الّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ إسْحَاقَ، وَكَانَ لَا يَدْنُو أَحَدٌ مِنْ بِئْرِ الْكَعْبَةِ إلّا احْزَأَلّتْ «١» أَيْ: رَفَعَتْ ذَنَبَهَا، وَكَشّتْ أَيْ: صَوّتَتْ «٢» . وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ أَنّ سَفِينَةً رَمَاهَا الْبَحْرُ إلَى جَدّةَ، فَتَحَطّمَتْ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ عَنْ ابْنِ مُنَبّهٍ أَنّ سَفِينَةً خَجّتْهَا الرّيحُ إلَى الشّعَيْبَةِ، وَهُوَ مَرْفَأُ السّفُنِ مِنْ سَاحِلِ بَحْرِ الْحِجَازِ، وَهُوَ كَانَ مَرْفَأَ مَكّةَ وَمَرْسَى سُفُنِهَا قَبْلَ جَدّةَ.
وَالشّعَيْبَةُ بِضَمّ الشّينِ ذَكَرَهُ الْبَكْرِيّ، وَفَسّرَ الْخَطّابِيّ خَجّتْهَا: أَيْ دَفَعَتْهَا بِقُوّةِ، مِنْ الرّيحِ الْخَجُوجِ أى: الدّفوع.
_________________
(١) فى الأصل، وفى شرح السيرة للخشنى: اخزألت بالخاء، وهو خطأ صوبته من نسخ أخرى للسيرة ومن اللسان والقاموس.
(٢) وللخشنى: الكشيش صوت جلدها إذا تقبض بعضه فى بعض. وفى السيرة. تتشرق: أى تبرز للشمس.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ بِمَكّةَ نَجّارٌ قِبْطِيّ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنّهُ كَانَ عِلْجًا «١» فِي السّفِينَةِ الّتِي خَجّتْهَا الرّيحُ إلَى الشّعَيْبَةِ، وَأَنّ اسْمَ ذلك النجار: يا قوم «٢» وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَيْضًا فِي اسْمِ النّجّارِ الّذِي عَمِلَ مِنْبَرَ رَسُولِ اللهِﷺ- مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ، وَلَعَلّهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا، فَاَللهُ أَعْلَمُ.
الْحَيّةُ وَالدّابّةُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ خَبَرَ الْعُقَابِ، أَوْ الطّائِرِ الّذِي اخْتَطَفَ الْحَيّةَ مِنْ بِئْرِ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: طَرَحَهَا الطّائِرُ بِالْحَجُونِ، فَالْتَقَمَتْهَا الْأَرْضُ. وَقَالَ مُحَمّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُقْرِي هَذَا الْقَوْلَ، ثُمّ قَالَ: وَهِيَ الدّابّةُ التى تكلم الناس قبل يوم القيامة، واسهما: أَقْصَى فِيمَا ذُكِرَ، وَمُحَمّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُقْرِي هُوَ النّقّاشُ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ- وَاَللهُ أَعْلَمُ بِصِحّةِ مَا قَالَ، غَيْرَ أَنّهُ قَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنّ مُوسَى ﵇ سَأَلَ رَبّهُ أَنْ يُرِيَهُ الدّابّةَ الّتِي تُكَلّمُ النّاسَ، فَأَخْرَجَهَا لَهُ مِنْ الْأَرْضِ، فَرَأَى مَنْظَرًا هَالَهُ وَأَفْزَعَهُ، فَقَالَ: أَيْ رَبّ: رُدّهَا، فَرَدّهَا «٣» .
لَمْ تُرَعْ:
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ حَدِيثَ الْحَجَرِ الّذِي أُخِذَ مِنْ الْكَعْبَةِ، فَوَثَبَ مِنْ يَدِ آخِذِهِ، حَتّى عَادَ إلَى مَوْضِعِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: ضَرَبُوا بِالْمِعْوَلِ فِي حَجَرٍ مِنْ أَحْجَارِهَا،
_________________
(١) الرجل من كفار العجم.
(٢) وقيل. يا قوم أوبا قول. وقد سبق وانظر ص ٦٣ شرح السيرة للخشنى.
(٣) لا يروى فى حقيقة صفات الدابة حديث يعتد به. والدابة تطلق على الإنسان. فلنقف عند القرآن والنقاش يكذب ويروى المناكير وليس فى تفسيره حديث صحيح.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَلَمَعَتْ بَرْقَةٌ كَادَتْ تَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ، وَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَجَرًا، فَطَارَ مِنْ يَدِهِ، وَعَادَ إلَى مَوْضِعِهِ. وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ قَوْلَهُمْ: اللهُمّ لَمْ تُرَعْ، وَهِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ تَسْكِينِ الرّوْعِ، وَالتّأْنِيسِ، وَإِظْهَارِ اللّينِ وَالْبِرّ فِي الْقَوْلِ، وَلَا رَوْعَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ فَيُنْفَى، وَلَكِنّ الْكَلِمَةَ تَقْتَضِي إظْهَارَ قَصْدِ الْبِرّ؛ فَلِذَلِكَ تَكَلّمُوا بِهَا، وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ التّكَلّمُ بِهَا فِي الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا ذِكْرُ الرّوْعِ الّذِي هُوَ مُحَالٌ فِي حَقّ الْبَارِي تَعَالَى، وَلَكِنْ لَمّا كَانَ الْمَقْصُودُ مَا ذَكَرْنَا، جَازَ النّطْقُ بِهَا «١»، وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ إنْ شَاءَ اللهُ زِيَادَةُ بَيَانٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: فَاغْفِرْ فِدَاءً لَك مَا اقْتَفَيْنَا.
وَيُرْوَى أَيْضًا: اللهُمّ لَمْ نَزِغْ، وَهُوَ جَلِيّ لَا يُشْكِلُ.
مِنْ تَفْسِيرِ حَدِيثِ أَبِي لَهَبٍ: وَذَكَرَ قَوْلَهُمْ: لَا تُدْخِلُوا فِي هَذَا الْبَيْتِ مَهْرُ بَغِيّ وَهِيَ الزّانِيَةُ، وَهِيَ فَعُولٌ مِنْ الْبِغَاءِ، فَانْدَغَمَتْ الْوَاوُ فِي الْيَاءِ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ، لِأَنّ فَعِيلًا بِمَعْنَى: فَاعِلٍ يَكُونُ بِالْهَاءِ فِي الْمُؤَنّثِ كَرَحِيمَةِ وَكَرِيمَةٍ، وَإِنّمَا يَكُونُ بِغَيْرِ هَاءٍ إذَا كَانَ فِي مَعْنَى: مَفْعُولٍ نَحْوَ:
امْرَأَةٌ جَرِيحٌ وَقَتِيلٌ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا بَيْعَ رِبًا يَدُلّ عَلَى أَنّ الرّبَا كَانَ مُحَرّمًا عَلَيْهِمْ فِي الْجَاهِلِيّةِ، كَمَا كَانَ الظّلْمُ وَالْبِغَاءُ، وَهُوَ الزّنَا مُحَرّمًا عَلَيْهِمْ، يَعْلَمُونَ ذَلِكَ بِبَقِيّةِ مِنْ بقايا شرع
_________________
(١) الروع: الفزع، ولا يجوز مطلقا نسبته إلى الله، ثم إنه لم يرد قول صحيح عَنْ النّبِيّ ﷺ فِي هذا. وفى شرح الزرقانى على المواهب: «اللهم لم ترع. أى: لم تفزع الكعبة، فأضمرها لتقدم ذكرها، وهذا أولى من إعادة السهيلى الضمير لله» وهو نقد حق، وهو رأى الخشنى فى شرحه للسيرة. هذا إن كان للحديث سند صحيح.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إبْرَاهِيمَ ﵇، كَمَا كَانَ بَقِيَ فِيهِمْ الْحَجّ وَالْعُمْرَةُ وَشَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الطّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَفِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا البقرة: ٢٧٥ دليل على تقدم التّحْرِيمِ.
الْحَجَرُ الّذِي كَانَ مَكْتُوبًا:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ الْحَجَرَ الّذِي وُجِدَ مَكْتُوبًا فِي الْكَعْبَةِ، وَفِيهِ: أنا الله ذوبكّة لِحَدِيثِ. رَوَى مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ فِي الْجَامِعِ عَنْ الزّهْرِيّ أَنّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنّ قُرَيْشًا حِينَ بَنَوْا الْكَعْبَةَ، وَجَدُوا فِيهَا حَجَرًا، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ صُفُوحٍ «١» فِي الصّفْحِ الْأَوّلِ: أَنَا اللهُ ذُو بَكّةَ صُغْتهَا يَوْمَ صُغْت «٢» الشّمْسَ وَالْقَمَرَ إلى آخر كلام بن إسحق، وَفِي الصّفْحِ الثّانِي: أَنَا اللهُ ذُو بَكّةَ، خلقت الرّحم، واشتت لَهَا اسْمًا مِنْ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْته، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتّهُ، وَفِي الصّفْحِ الثّالِثِ: أَنَا الله ذوبكّة «٣»، خَلَقْت الْخَيْرَ وَالشّرّ، فَطُوبَى لِمَنْ كَانَ الْخَيْرُ عَلَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ كَانَ الشّرّ عَلَى يديه، وفى حديث ابن إسحق:
لَا يَحِلّهَا أَوّلُ مِنْ أَهْلِهَا، يُرِيدُ- وَاَللهُ أَعْلَمُ- مَا كَانَ مِنْ اسْتِحْلَالِ قُرَيْشٍ الْقِتَالَ
_________________
(١) فى البداية «أصفح» وهو أنسب وصفحة الشىء: جانبه
(٢) . فى البداية: صنعتها وهو يناسب رواية: خلقتها التى فى السيرة
(٣) فى البداية: «إنى أنا الله» فى جميع المواضع. والقصة ولا شك مصنوعة، ووزاء بعضها رجل من أهل الكتاب، ففيما ذكر السهيلى وابن هشام ما يدل على هذه النسبة. وإن كانت كلمات حق. ففى الإصحاح الخامس والسادس والسابع من إنجيل متى بعض كلماته. أما قوله: «خلقت الرحم- إلى تبته» فحديث رواه أبو داود والترمذى «أنا الله وأنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها مِنْ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْته وَمَنْ قَطَعَهَا بتته»
[ ٢ / ٢٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فِيهَا أَيّامَ ابْنِ الزّبَيْرِ، وَحُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ ثُمّ الْحَجّاجُ بَعْدَهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ أَبِي رَبِيعَةَ: أَلَا مَنْ لِقَلْبِ مُعَنّى غَزِلْ بِحُبّ الْمُحِلّةِ أُخْتُ الْمُحِلّ يَعْنِي بِالْمُحَلّ: عَبْدَ اللهِ بْنَ الزّبَيْرِ لِقِتَالِهِ فِي الْحَرَمِ. حَوْلَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَقَوَاعِدِ الْبَيْتِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ اخْتِلَافَهُمْ فِي وَضْعِ الرّكْنِ، وَأَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- هُوَ الّذِي وَضَعَهُ بِيَدِهِ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنّ إبْلِيسَ كَانَ مَعَهُمْ فِي صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيّ، وَأَنّهُ صَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: أَرَضِيتُمْ أَنْ يَضَعَ هَذَا الرّكْنَ، وَهُوَ شَرَفُكُمْ غُلَامٌ يَتِيمٌ دُونَ ذَوِي أَسْنَانِكُمْ، فكاد يُثِيرُ شَرّا فِيمَا بَيْنَهُمْ، ثُمّ سَكَنُوا ذَلِكَ. وَأَمّا وَضْعُ الرّكْنِ حِينَ بُنِيَتْ الْكَعْبَةُ فِي أَيّامِ ابْنِ الزّبَيْرِ، فَوَضَعَهُ فِي الْمَوْضِعِ الّذِي هُوَ فِيهِ الْآنَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، وَأَبُوهُ يُصَلّي بِالنّاسِ فِي الْمَسْجِدِ اغْتَنَمَ شُغْلَ النّاسِ عَنْهُ بِالصّلَاةِ لَمّا أَحَسّ مِنْهُمْ التّنَافُسَ فِي ذَلِكَ، وَخَافَ الْخِلَافَ، فَأَقَرّهُ أَبُوهُ. ذَكَرَ ذَلِكَ الزّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ. وذكر ابن إسحق أَيْضًا أَنّهُمْ أَفْضَوْا إلَى قَوَاعِدِ الْبَيْتِ، وَإِذَا هِيَ خُضْرٌ كَالْأَسْنِمَةِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ رِوَايَةَ السّيرَةِ، إنّمَا الصّحِيحُ فِي الْكِتَابِ: كَالْأَسِنّةِ، وَهُوَ وَهْمٌ من بعض النّقلة عن ابن إسحق وَاَللهُ أَعْلَمُ؛ فَإِنّهُ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ بِهَذَا اللّفْظِ لَا عِنْدَ الْوَاقِدِيّ وَلَا غَيْرِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيّ فِي بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ. هَذَا الْخَبَرَ، فَقَالَ فِيهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ: فَنَظَرْت إلَيْهَا، فَإِذَا هِيَ كَأَسْنِمَةِ الْإِبِلِ، وَتَشْبِيهُهَا بِالْأَسِنّةِ لَا يُشَبّهُ إلّا فِي الزّرْقَةِ، وَتَشْبِيهُهَا بِأَسْنِمَةِ
[ ٢ / ٢٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْإِبِلِ أَوْلَى، لِعِظَمِهَا، وَلِمَا تَقَدّمَ فِي حَدِيثِ بُنْيَانِ الْمَلَائِكَةِ لَهَا قَبْلَ هَذَا «١» .
شِعْرُ الزّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ شِعْرَ الزّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ: عَجِبْت لِمَا تَصَوّبَتْ الْعُقَابُ. إلَى قَوْلِهِ: تَتْلَئِبّ لَهَا انْصِبَابُ. قَوْلُهُ: تَتْلَئِبّ، يُقَالُ: اتْلَأَبّ عَلَى طَرِيقِهِ إذَا لَمْ يُعَرّجْ يَمْنَةً «٢» وَلَا يَسْرَةً، وَكَأَنّهُ مَنْحُوتٌ مِنْ أَصْلَيْنِ كَمَا تَقَدّمَ فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ تَلَا: إذَا تَبِعَ، وَأَلَبَ: إذَا أَقَامَ، وَأَبّ أَيْضًا قَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى. يُقَالُ: أَبّ إبَابَةً- مِنْ كِتَابِ الْعَيْنِ- إذَا اسْتَقَامَ وَتَهَيّأَ، فَكَأَنّهُ مُقِيمٌ مُسْتَمِرّ عَلَى مَا يَتْلُوهُ وَيَتْبَعُهُ مِمّا هُوَ بِسَبِيلِهِ، وَالِاسْمُ مِنْ اتْلَأَبّ: التّلَأْبِيبَةُ عَلَى عَلَى وَزْنِ الطّمَأْنِينَةِ وَالْقُشَعْرِيرَةِ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ.
وَقَوْلُهُ: وَلَيْسَ عَلَى مُسَوّينَا ثِيَابُ. أَيْ: مُسَوّي البنيان. وهو فى
_________________
(١) عند أبى ذر الخشنى فى تفسير تشبيهها بالأسنمة. «أراد أن الحجارة دخل بعضها فى بعض كما تدخل عظام السنام بعضها فى بعض، ومن رواه كالأسنة فهو جمع سنان الرمح شبهها بالأسنة فى الخضرة» وفى القصيدة البائية فى السيرة. الذوائب: يريد الأنساب الكريمة. والسبائب: جمع سبيبة وهى ثياب رقاق بيض فشبه الشحم الذى يعلو الجفان بها «عن الخشنى» والحطيم: سمى حطيما؛ لأن الناس يزدحمون فيه، حتى يحطم بعضهم بعضا، وقيل: لأن الثياب كانت تجرد فيه عند الطواف. وذومكة: اسم المسجد، ومكة: اسم البلدة. تحاوزوا: انحازت كل قبيلة إلى جهة. هلم إلى ثوبا: هى كلمة سمى بها الفعل. ومعناه: أقبلوا إلينا تتلئب: تتابع فى انقضاضها
(٢) وفى القاموس: استقام وانتصب
[ ٢ / ٢٨٢ ]
[حديث الحمس]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ- لَا أَدْرِي أَقَبْلَ الْفِيلِ أَمْ بَعْدَهُ- ابْتَدَعَتْ رَأْيَ الْحُمْسِ رَأْيًا رَأَوْهُ وَأَدَارُوهُ، فَقَالُوا: نَحْنُ بَنُو إبْرَاهِيمَ، وَأَهْلُ الْحُرْمَةِ، وَوُلَاةُ الْبَيْتِ، وَقُطّانُ مَكّةَ وَسَاكِنُهَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْعَرَبِ مِثْلُ حَقّنَا، وَلَا مِثْلُ مَنْزِلَتِنَا، وَلَا تَعْرِفُ لَهُ الْعَرَبُ مِثْلَ مَا تَعْرِفُ لَنَا، فَلَا تُعَظّمُوا شَيْئًا مِنْ الْحِلّ كَمَا تُعَظّمُونَ الْحَرَمَ، فَإِنّكُمْ إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ اسْتَخَفّتْ الْعَرَبُ بِحُرْمَتِكُمْ، وَقَالُوا: قَدْ عَظّمُوا مِنْ الْحِلّ مِثْلَ مَا عَظّمُوا مِنْ الْحَرَمِ. فَتَرَكُوا الْوُقُوفَ عَلَى عَرَفَةَ، وَالْإِفَاضَةَ مِنْهَا، وَهُمْ يَعْرِفُونَ وَيُقِرّونَ أَنّهَا مِنْ الْمَشَاعِرِ وَالْحَجّ وَدِينِ إبْرَاهِيمَﷺ- وَيَرَوْنَ لسائر العرب أن يُفِيضُوا مِنْهَا، إلّا أَنّهُمْ قَالُوا: نَحْنُ أَهْلُ الْحَرَمِ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَخْرُجَ مِنْ الْحُرْمَةِ، وَلَا نُعَظّمُ غَيْرَهَا، كَمَا نُعَظّمُهَا نَحْنُ الْحُمْسُ، وَالْحُمْسُ: أَهْلُ الْحَرَمِ، ثُمّ جَعَلُوا لِمِنْ وُلِدُوا مِنْ الْعَرَبِ مِنْ سَاكِنِ الْحِلّ وَالْحَرَمِ مِثْلَ الّذِي لَهُمْ، بِوِلَادَتِهِمْ إيّاهُمْ، يَحِلّ لَهُمْ مَا يَحِلّ لَهُمْ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا يَحْرُمُ عليهم. وكانت كنانة وَخُزَاعَةُ قَدْ دَخَلُوا مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ النّحْوِيّ: أَنّ بنى عامر بن صعصعة معاوية بن بكر بن هوازن دَخَلُوا مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَأَنْشَدَنِي لِعَمْرِو بْنِ معد يكرب:
_________________
(١) مَعْنَى الْحَدِيثِ الصّحِيحِ فِي نُقْلَانِهِمْ الْحِجَارَةَ إلَى الْكَعْبَةِ أَنّهُمْ كَانُوا يَنْقُلُونَهَا عُرَاةً، وَيَرَوْنَ ذَلِكَ دِينًا، وَأَنّهُ مِنْ بَابِ التّشْمِيرِ وَالْجِدّ فِي الطّاعَةِ. وَقَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: مُسَاوِينَا، يُرِيدُ: السّوءآت، فَهُوَ جَمْعُ مَسَاءَةٍ، مَفْعَلَةٌ مِنْ السّوْءَةِ وَالْأَصْلُ مساوىء، فسهلت الهمزة.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
أَعَبّاسُ لَوْ كَانَتْ شِيَارًا جِيَادُنَا بِتَثْلِيثَ مَا ناصبت بَعْدِي الْأَحَامِسَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَثْلِيثُ: مَوْضِع من بلادهم. والشّيار: الْحِسَانُ. يَعْنِي بِالْأَحَامِسِ:
بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ. وَبِعَبّاسٍ: عَبّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ السّلَمِيّ، وَكَانَ أَغَارَ على بنى زبيد بتثليث. وهذا البيت فى قَصِيدَةٍ لِعَمْرٍو.
وَأَنْشَدَنِي لِلَقِيطِ بْنِ زُرَارَةَ الدّارِمِيّ فِي يَوْمِ جَبَلَةَ:
أَجْذِمْ إلَيْك إنّهَا بَنُو عَبْسٍ الْمَعْشَرُ الْجِلّةُ فِي الْقَوْمِ الْحُمْسُ
لِأَنّ بَنِي عَبْسٍ كَانُوا يَوْمَ جَبَلَةَ حُلَفَاءَ فِي بنى عامر بن صعصعة.
وَيَوْمُ جَبَلَةَ: يَوْمٌ كَانَ بَيْنَ بَنِي حَنْظَلَةَ بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وَبَيْنَ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَكَانَ الظّفَرُ فِيهِ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَلَى بَنِي حَنْظَلَةَ، وَقُتِلَ يَوْمئِذٍ لَقِيطُ بْنُ زُرَارَةَ بْنُ عُدَسَ، وَأُسِرَ حَاجِبُ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ، وانهزم عمرو بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دَارِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ. فَفِيهِ يَقُولُ جَرِيرٌ لِلْفَرَزْدَقِ:
كَأَنّكَ لَمْ تَشْهَدْ لَقِيطًا وَحَاجِبًا وعمر بن عمرو إذ دعوا: يالدارم
وهذا البيت فى قصيدة له:
ثُمّ الْتَقَوْا يَوْمَ ذِي نَجَبٍ فَكَانَ الظّفَرُ لِحَنْظَلَةَ عَلَى بَنِي عَامِرٍ، وَقُتِلَ يَوْمئِذٍ حَسّانُ بن معاوية الكندىّ، وهو أبو كَبْشَةَ. وَأُسِرَ يَزِيدُ بْنُ الصّعَقِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢٨٤ ]
الْكِلَابِيّ، وَانْهَزَمَ الطّفَيْلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، أَبُو عَامِرِ بْنِ الطّفَيْلِ.
فَفِيهِ يَقُولُ الْفَرَزْدَقُ:
وَمِنْهُنّ إذْ نَجّى طُفَيْلُ بْنُ مَالِكٍ عَلَى قُرْزَلٍ رَجْلًا رَكُوضَ الْهَزَائِمِ
وَنَحْنُ ضربنا هامة ابن خويلد يزيد عَلَى أُمّ الْفِرَاخِ الْجَوَاثِمَ
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ:
فَقَالَ جَرِيرٌ:
وَنَحْنُ خَضَبْنَا لِابْنِ كبشة ناجه وَلَاقَى امْرَأً فِي ضَمّةِ الْخَيْلِ مِصْقَعًا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَحَدِيثُ يَوْمِ جَبَلَةَ، وَيَوْمِ ذِي نَجَبٍ أَطْوَلُ مِمّا ذَكَرْنَا. وَإِنّمَا مَنَعَنِي مِنْ اسْتِقْصَائِهِ مَا ذَكَرْتُ فِي حَدِيثِ يوم الفجار.
قال ابن إسحاق: ثم ابتدعوا فى ذلك أمورا لم تكن لهم، حتى قَالُوا:
لَا يَنْبَغِي لِلْحُمْسِ أَنْ يَأْتَقِطُوا الْأَقِطَ، وَلَا يَسْلَئُوا السّمْنَ وَهُمْ حُرُمٌ، وَلَا يَدْخُلُوا بَيْتًا مِنْ شَعَرٍ، وَلَا يَسْتَظِلّوا- إنْ اسْتَظَلّوا- إلّا فِي بُيُوتِ الْأَدَمِ مَا كَانُوا حُرُمًا، ثُمّ رَفَعُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالُوا: لَا يَنْبَغِي لأهل الحلّ أن يأكلوا من طعام جاؤا بِهِ مَعَهُمْ مِنْ الْحِلّ إلَى الْحَرَمِ إذَا جاؤا حُجّاجًا أَوْ عُمّارًا، وَلَا يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ إذَا قَدِمُوا أَوّلَ طَوَافِهِمْ إلّا فِي ثِيَابِ الْحُمْسِ. فَإِنّ لَمْ يَجِدُوا مِنْهَا شَيْئًا طَافُوا بِالْبَيْتِ عُرَاةً، فَإِنْ تَكَرّمَ مِنْهُمْ مُتَكَرّمٌ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ، وَلَمْ يَجِدْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢٨٥ ]
ثِيَابَ الْحُمْسِ. فَطَافَ فِي ثِيَابِهِ الّتِي جَاءَ بِهَا مِنْ الْحِلّ، أَلْقَاهَا إذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ، ثُمّ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا، وَلَمْ يَمَسّهَا هو، ولا أحد غيره أبدا.
وكانت الْعَرَبُ تُسَمّي تِلْكَ الثّيَابَ: اللّقَى، فَحَمَلُوا عَلَى ذَلِكَ الْعَرَبَ.
فَدَانَتْ بِهِ، وَوَقَفُوا عَلَى عرفَاتٍ، وَأَفَاضُوا مِنْهَا، وَطَافُوا بِالْبَيْتِ عُرَاةً، أَمّا الرّجَالُ فَيَطُوفُونَ عُرَاةً. وَأَمّا النّسَاءُ فَتَضَعُ إحْدَاهُنّ ثِيَابَهَا كُلّهَا إلّا دِرْعًا مُفَرّجًا عَلَيْهَا، ثُمّ تَطُوفُ فِيهِ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ، وَهِيَ كَذَلِكَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ:
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ، أَوْ كُلّهُ وما بدا منه فلا أحلّه
ومن طَافَ مِنْهُمْ فِي ثِيَابِهِ الّتِي جَاءَ فِيهَا مِنْ الْحِلّ أَلْقَاهَا، فَلَمْ يَنْتَفِعُ بِهَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْ الْعَرَبِ يَذْكُرُ شَيْئًا تَرَكَهُ مِنْ ثِيَابِهِ، فَلَا يَقْرَبُهُ- وَهُوَ يُحِبّهُ-:
كَفَى حَزَنًا كَرّى عَلَيْهَا كَأَنّهَا لَقًى بَيْنَ أَيْدِي الطّائِفِينَ حَرِيمُ
يَقُول: لَا تُمَسّ.
فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتّى بَعَثَ اللهُ تَعَالَى مُحَمّدًاﷺ- فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ حَيْنَ أَحْكَمَ لَهُ دِينَهُ. وَشَرَعَ لَهُ سُنَنَ حَجّهِ: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ البقرة: ١٩٩. يَعْنِي قُرَيْشًا، وَالنّاسُ: الْعَرَبُ، فَرَفَعَهُمْ فِي سُنّةِ الْحَجّ إلَى عَرَفَاتٍ، وَالْوُقُوفِ عَلَيْهَا وَالْإِفَاضَةِ مِنْهَا،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ فِيمَا كَانُوا حَرّمُوا عَلَى النّاسِ مِنْ طَعَامِهِمْ وَلَبُوسِهِمْ عِنْدَ الْبَيْتِ. حَيْنَ طافوا عراة، وحرّموا ما جاؤا بِهِ مِنْ الْحِلّ مِنْ الطّعَامِ: «يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا.
إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ. قُلْ: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ. قُلْ: هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ.
كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» الأعراف: ٣١: ٣٣. فَوَضَعَ اللهُ تَعَالَى أَمْرَ الْحُمْسِ، وَمَا كَانَتْ قريش ابتدعت منه، عن النّاسِ بِالْإِسْلَامِ، حَيْنَ بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ.
قال ابن إسحاق: حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حزم، عن عثمان بن أَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ عَمّهِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ. قَالَ: لَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللهِﷺ- قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، وَإِنّهُ لَوَاقِفٌ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ بِعَرَفَاتٍ مَعَ النّاسِ مِنْ بَيْنَ قَوْمِهِ حَتّى يَدْفَعُ مَعَهُمْ مِنْهَا تَوْفِيقًا مِنْ اللهِ لَهُ، ﷺ تسليما كثيرا.
ــ
الْحُمْسُ فَصْلٌ: وَذَكَرَ الْحُمْسَ، وَمَا ابْتَدَعَتْهُ قُرَيْشٌ فِي ذَلِكَ، وَالتّحَمّسُ:
التّشَدّدُ، وَكَانُوا قَدْ ذَهَبُوا فِي ذَلِكَ مَذْهَبَ التّزَهّدِ وَالتّأَلّهِ «١»، فَكَانَتْ نِسَاؤُهُمْ
_________________
(١) فى البداية أنهم لقبوا بهذا من الشدة فى الدين والصلابة، لأنهم عظموا الحرم تعظيما زائدا بحيث التزموا بسببه ألا يخرجوا من ليلة عرفة.. فكانوا لا يقفون بعرفات مع علمهم أنها من مشاعر إبراهيم ﵇، حتى لا يخرجوا عن نظام ما كانوا قرروه من البدعة الفاسدة
[ ٢ / ٢٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَا يَنْسِجْنَ الشّعْرَ وَلَا الْوَبَرَ، وَكَانُوا لَا يسلئوون السّمْنَ، وَسَلَأَ السّمْنَ أَنْ يُطْبَخَ الزّبْدُ، حَتّى يَصِيرَ سَمْنًا، قَالَ أَبْرَهَةُ:
إنّ لَنَا صِرْمَةً مَخِيسَة نَشْرَبُ أَلْبَانَهَا وَنَسْلَؤُهَا «١»
ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ معد يكرب: أَعَبّاسُ لَوْ كَانَتْ شِيَارًا جِيَادُنَا. الْبَيْتُ:
شِيَارًا مِنْ الشّارَةِ الْحَسَنَةِ يَعْنِي: سِمَانًا حِسَانًا وَبَعْدَ الْبَيْتِ:
وَلَكِنّهَا قِيدَتْ بِصَعْدَةِ مَرّةً فَأَصْبَحْنَ مَا يَمْشِينَ إلّا تَكَارُسَا «٢»
وَأَنْشَدَ أَيْضًا: أَجْذِمْ إلَيْك إنّهَا بَنُو عَبَسْ «٣» . أَجْذِمْ: زَجْرٌ مَعْرُوفٌ لِلْخَيْلِ وكذلك: أرحب، وهب وهقط وهقط وهقب «٤» .
_________________
(١) صرمة بكسر الصاد: الإبل. مخيسة: لم تسرح، وإنما حبست للنحر أو القسم
(٢) تكارس الشىء: تراكم وتلازب، وناصيت فى البيت الذى قبله فى السيرة بالياء والباء معا- كما يقول الخشنى- معناها وهى بالياء: عارضت، وأردت المساواة فى المنزلة، وقد يكون ناصبت: بمعنى إظهار العداوة، وتثليث موضع بالحجاز قرب مكة
(٣) فى السيرة: «المعشر الجلة» الجلة: العظماء، ومن رواه الحلة، فمعناه الذين يسكنون الحل، وفى رواية أبى ذر المعشم- وزن مقعد- بدلا من معشر
(٤) هقط: تكرار من الطبع، وفى اللسان: أرحبى أيضا، ولم أجد فى مادة هب إلا «هبهب إذا زجر» وفى مادة رحب روى بيت الكميت بن معروف نعلمها هبى وهلا وأرحب وفى أبياتنا ولنا افتلينا
[ ٢ / ٢٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَوْمُ جَبَلَةَ:
وَذَكَرَ يَوْمَ جَبَلَةَ. وَجَبَلَةُ «١» هَضْبَةٌ عَالِيَةٌ، كَانُوا قَدْ أَحْرَزُوا فِيهَا عِيَالَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَكَانَ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ رَئِيسُ نَجْرَانَ، وَهُوَ ابْنُ الْجَوْنِ الْكِنْدِيّ وَأَخٌ لِلنّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، أَحْسَبُ اسْمُهُ: حَسّانُ بْنُ وَبَرَةَ، وَهُوَ أَخُو النّعْمَانِ لِأُمّهِ، وَفِي أَيّامِ جَبَلَةَ كَانَ مولد رسول اللهﷺ- وَلِثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِ أَنُوشِرْوَانَ بْنِ قُبَاذٍ، وَكَانَ مَوْلِدُ أَبِيهِ عَبْدِ اللهِ لِأَرْبَعِ وَعِشْرِينَ مَضَتْ مِنْ مُلْكِ أَنُوشِرْوَانَ الْمَذْكُورِ، فَبَيْنَهُ﵇- وَبَيْنَ أَبِيهِ عَبْدِ اللهِ نَحْوٌ مِنْ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً.
عُدُسٌ وَالْحِلّةُ وَالطّلْسُ:
وَذَكَرَ زُرَارَةُ بْنُ عُدُسِ بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ: عُدُسٌ بِضَمّ الدّالِ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ إلّا أَبَا عُبَيْدَةَ، فَإِنّهُ كَانَ يَفْتَحُ الدّالَ مِنْهُ، وَكُلّ عُدُسٍ فِي الْعَرَبِ سِوَاهُ فَإِنّهُ مَفْتُوحُ الدّالِ. وَذَكَرَ الْحِلّةَ وَهُمْ مَا عَدَا الْحُمْسَ، وَأَنّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ عُرَاةً إنْ لَمْ يَجِدُوا ثِيَابَ أَحْمَسَ، وَكَانُوا يَقْصِدُونَ فِي ذَلِكَ طَرْحَ الثّيَابِ الّتِي اقْتَرَفُوا فِيهَا الذّنُوبَ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ الطّلْسَ مِنْ الْعَرَبِ، وَهُمْ صِنْفٌ ثَالِثٌ غَيْرَ الْحِلّةِ، وَالْحُمْسُ كَانُوا يَأْتُونَ مِنْ أَقْصَى الْيَمَنِ طُلْسًا مِنْ الْغُبَارِ، فَيَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ فِي تِلْكَ الثّيَابِ الطّلْسِ، فَسُمّوا بِذَلِكَ. ذَكَرَهُ مُحَمّدُ بْنُ حبيب.
_________________
(١) فى ح ٢٥ من نهاية الأرب كلام طويل عن أيام العرب. وفيه عن يوم جبلة أنه كان قبل الإسلام بأربعين سنة، وفى الأغانى بتسع وخمسين سنة، وفى النقائض بسبع وخمسين. وأم الفراخ: الرماح. الجواثم: الساكنة اللاطئة مع الأرض، وسيأتى تفسير السهيلى لهما، وهو مخالف للخشنى
[ ٢ / ٢٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللّقَى:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ اللّقَى وَهُوَ الثّوْبُ الّذِي كَانَ يُطْرَحُ بَعْدَ الطّوَافِ فَلَا يَأْخُذُهُ أَحَدٌ، وَأَنْشَدَ:
كَفَى حَزَنًا كَرّي عَلَيْهِ كَأَنّهُ لَقًى بَيْنَ أَيْدِي الطّائِفِينَ حَرِيمُ
حَرِيمٌ: أَيْ مُحْرِمٌ، لَا يُؤْخَذُ، وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَكُلّ شَيْءٍ مُطّرَحٌ، فَهُوَ لَقًى قَالَ الشّاعِرُ يَصِفُ فَرْخَ قَطًا:
تَرْوِي لَقًى أُلْقِيَ فِي صَفْصَفٍ «١» تَصْهَرُهُ الشّمْسُ، فَمَا يَنْصَهِرْ
تُرْوَى بِفَتْحِ التّاءِ أَيْ: تَسْتَقِي لَهُ، وَمِنْ اللّقَى: حَدِيثُ فَاخِتَةَ أُمّ حكيم ابن حِزَامٍ، وَكَانَتْ دَخَلَتْ الْكَعْبَةَ وَهِيَ حَامِلٌ مُتِمّ بِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ، فَلَمْ تَسْتَطِعْ الْخُرُوجَ مِنْ الْكَعْبَةِ، فَوَضَعَتْهُ فِيهَا، فَلُفّتْ فِي الْأَنْطَاعِ هِيَ وَجَنِينُهَا، وَطُرِحَ مَثْبِرُهَا «٢» وَثِيَابُهَا الّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا، فَجُعِلْت لَقًى لَا تُقْرَبُ.
رِجْزُ الْمَرْأَةِ الطّائِفَةِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ الْمَرْأَةِ: الْيَوْمَ يبدو بعضه، أو كله «٣» البيتين ويذكر
_________________
(١) البيت لابن أحمر، والصفصف: المستوى من الأرض
(٢) الموضع تلد فيه المرأة
(٣) فى مسلم والنسائى وابن جرير عن ابن عباس قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء. الرجال بالنهار والنساء بالليل، وكانت المرأة تقول، ثم ذكر البيت: اليوم يبدو بعضه الخ
[ ٢ / ٢٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَنّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ، هِيَ ضُبَاعَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، ثُمّ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ بْنِ قُشَيْرٍ، وَذَكَرَ مُحَمّدُ بْنُ حَبِيبٍ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ خَطَبَهَا، فَذُكِرَتْ لَهُ عَنْهَا كِبْرَةٌ، فَتَرَكَهَا، فَقِيلَ: إنّهَا مَاتَتْ كَمَدًا وَحُزْنًا عَلَى ذَلِكَ قَالَ الْمُؤَلّفُ:
إنْ كَانَ صَحّ هَذَا، فَمَا أَخّرَهَا عَنْ أَنْ تَكُونَ أُمّا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَزَوْجًا لِرَسُولِ رَبّ الْعَالَمِينَ إلّا قَوْلُهَا: الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلّهُ. تَكْرِمَةً مِنْ اللهِ لِنَبِيّهِ وَعِلْمًا مِنْهُ بِغَيْرَتِهِ، وَاَللهُ أَغْيَرُ مِنْهُ.
أُسْطُورَةٌ:
وَمِمّا ذُكِرَ مِنْ تَعَرّيهمْ فِي الطّوَافِ أَنّ رَجُلًا وَامْرَأَةً طَافَا كَذَلِكَ، فَانْضَمّ الرّجُلُ إلَى الْمَرْأَةِ تَلَذّذًا وَاسْتِمْتَاعًا، فَلَصَقَ عَضُدَهُ بِعَضُدِهَا، فَفَزِعَا عِنْدَ ذَلِكَ، وَخَرَجَا مِنْ الْمَسْجِدِ، وَهُمَا مُلْتَصِقَانِ، وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ عَلَى فَكّ عَضُدِهِ مِنْ عَضُدِهَا، حَتّى قَالَ لهما قائل: توبا مما كان فى ضمير كما، وَأَخْلِصَا لِلّهِ التّوْبَةَ، فَفَعَلَا، فَانْحَلّ أَحَدُهُمَا مِنْ الاخر «١»
قرزل وطفيل:
وأنشد للفرزدق:
ومنهن إذنجى طُفَيْلُ بْنُ مَالِكٍ عَلَى قُرْزُلٍ رَجُلًا رَكُوضَ الْهَزَائِمِ «٢»
قُرْزُلٌ: اسْمُ فَرَسِهِ، وَكَانَ طُفَيْلٌ يُسَمّى: فَارِسَ قُرْزُلٍ، وَقُرْزُلٌ: الْقَيْدُ سَمّى الْفَرَسَ بِهِ، كَأَنّهُ يُقَيّدُ مَا يُسَابِقُهُ «٣»، كَمَا قَالَ امْرُؤُ القيس:
_________________
(١) هى أسطورة تروى.
(٢) فى التقائض: أرخى: ورجلى.
(٣) وله عدة معان أخر.
[ ٢ / ٢٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِمُنْجَرِدِ قَيْدِ الْأَوَابِدِ هَيْكَلِ
وَطُفَيْلٌ هَذَا هُوَ: وَالِدُ عَامِرِ بْنِ الطّفَيْلِ، عَدُوّ اللهِ وَعَدُوّ رَسُولِهِ، وَأَخُو طُفَيْلٍ هَذَا: عَامِرٌ مُلَاعِبُ الْأَسِنّةِ، وسنذكر لم سمّى ملاعب، وَنَذْكُرُ إخْوَتَهُ وَأَلْقَابَهُمْ فِي الْكِتَابِ إنْ شَاءَ اللهُ.
الْهَامَةُ:
وَقَوْلُهُ: عَلَى أُمّ الْفِرَاخِ الْجَوَاثِمِ. يَعْنِي: الْهَامَةَ، وَهِيَ الْبُومُ، وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنّ الرّجُلَ إذَا قُتِلَ خَرَجَتْ مِنْ رَأْسِهِ هَامَةٌ تَصِيحُ: اسْقُونِي اسْقُونِي، حَتّى يُؤْخَذَ بِثَأْرِهِ. قَالَ ذُو الْإِصْبَعِ الْعَدْوَانِيّ:
أَضْرِبْك حَتّى تَقُولَ الْهَامَةُ اسقونى «١»
شرح بيت جرير:
فصل: وأنشد لجرير:
وَنَحْنُ خَضَبْنَا لِابْنِ كَبْشَةَ تَاجَهُ وَلَاقَى امْرَأً فِي ضَمّةِ الْخَيْلِ مِصْقَعَا
وَجَدْت فِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ أَبِي بَحْرٍ هَذَا الْبَيْتَ. الْمَعْرُوفَ فِي اللّغَةِ أَنّ- الْمِصْقَعَ:
الْخَطِيبُ الْبَلِيغُ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ، لَكِنْ يُقَالُ فِي اللّغَةِ: صَقَعَهُ: إذَا ضَرَبَهُ عَلَى شَيْءٍ مُصْمِتٍ يَابِسٍ، قَالَهُ الْأَصْمَعِيّ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِصْقَعٌ فِي هَذَا الْبَيْتِ من
_________________
(١) البيت من عيون قصائده، والشطرة الأولى منه: يا عمرو إلا تدع شتمى ومنقصتى
[ ٢ / ٢٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هَذَا الْمَعْنَى، فَيُقَالُ مِنْهُ: رَجُلٌ مِصْقَعٌ كَمَا يُقَالُ: مِحْرَبٌ وَفِي الْحَدِيثِ: إنّ سَعْدًا لَمِحْرَبٌ «١»، يَعْنِي [ابْنَ] أَبِي وَقّاصٍ.
مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي أَمْرِ الْحُمْسِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ مَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي أَمْرِ الْحُمْسِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا الْآيَةُ. «الْأَعْرَافُ: ٣٠» فَقَوْلُهُ: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا إشَارَةٌ إلَى مَا كَانَتْ الْحُمْسُ حَرّمَتْهُ مِنْ طَعَامِ الْحَجّ إلّا طَعَامَ أَحْمَسَ، وَخُذُوا زِينَتَكُمْ: يَعْنِي اللّبَاسَ، وَلَا تَتَعَرّوْا، وَلَذَلِكَ افْتَتَحَ بِقَوْلِهِ:
يَا بَنِي آدَمَ، بَعْدَ أَنْ قَصّ خَبَرَ آدَمَ وَزَوْجَهُ، إذْ يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنّةِ، أَيْ: إنْ كُنْتُمْ تَحْتَجّونَ بِأَنّهُ دِينُ آبَائِكُمْ، فَآدَمُ أَبُوكُمْ، وَدِينُهُ: سِتْرٌ الْعَوْرَةُ، كَمَا قَالَ: مِلّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ، أَيْ: إنْ كَانَتْ عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ دِينَ آبَائِكُمْ، فَإِبْرَاهِيمُ أَبُوكُمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَمِمّا نَزَلَ فِي ذَلِكَ: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً الْأَنْفَالُ: ٣٥. فَفِي التّفْسِيرِ أَنّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ عُرَاةً، وَيُصَفّقُونَ بِأَيْدِيهِمْ وَيُصَفّرُونَ، فَالْمُكَاءُ: الصّفِيرُ، وَالتّصْدِيَةُ التّصْفِيقُ «٢» قَالَ الرّاجِزُ: وَأَنَا مِنْ غَرْوِ الْهَوَى أُصَدّي. وَمِمّا نَزَلَ مِنْ أَمْرِ الْحُمْسِ: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها البقرة: ١٨٩.
_________________
(١) تتشابه ألفاظه هنا بالخشنى فى شرح السيرة. يقال: رجل حرب بفتح فسكون، ومحرب- بوزن منبر- ومحراب: شديد الحرب شجاع
(٢) رواه ابن أبى حاتم، وقال مجاهد: وإنما كانوا يصنعون ذلك، ليخلطوا بذلك على النبى «ص» صلاته. وقال الزهرى: يستهزئون بالمؤمنين
[ ٢ / ٢٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِأَنّ الْحُمْسَ لَا يَدْخُلُونَ تَحْتَ سَقْفٍ، وَلَا يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السّمَاءِ عَتَبَةُ بَابٍ وَلَا غَيْرُهَا، فَإِنْ احْتَاجَ أَحَدُهُمْ إلَى حَاجَةٍ فِي دَارِهِ تَسَنّمَ الْبَيْتَ مِنْ ظَهْرِهِ، وَلَمْ يَدْخُلْ مِنْ الْبَابِ، فَقَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها، وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ الْبَقَرَةُ: ١٨٩ «١» .
وُقُوفُ النّبِيّ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَالنّبُوّةِ:
وَذَكَرَ وُقُوفَ النّبِيّ ﷺ بِعَرَفَةَ مَعَ النّاسِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَقَبْلَ النّبُوّةِ تَوْفِيقًا مِنْ اللهِ، حَتّى لَا يَفُوتَهُ ثَوَابُ الْحَجّ، وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ قَالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ حِينَ رَآهُ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ مَعَ النّاسِ: هَذَا رَجُلٌ أَحْمَسُ، فَمَا بَالُهُ لَا يَقِفُ مَعَ الْحُمْسِ حيث يقفون «٢»؟!
_________________
(١) فى هذا ورد عن البراء فى البخارى: «كانوا إذا أحرموا فى الجاهلية أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله: «وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا» وقال الحسن البصرى: كان أقوام من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرا، وخرج من بيته يريد سفره الذى خرج له، ثم بدا له بعد خروجه أن يقيم، ويدع سفره لم يدخل البيت من بابه، ولكن يتسوره من قبل ظهره، فقال الله تعالى: وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا. الاية. أقول: وهذا أقرب إلى مفهوم الاية وكذلك ما ذكر عن عطاء بن أبى رباح: كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم دخلوا منازلهم من ظهورها. ويرون أن ذلك أدنى إلى البر. وسورة البقرة مدنية.
(٢) أخرج البخارى عن عائشة. قالت. كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون: الحمس، وسائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر اللهُ نَبِيّهُﷺ- أَنّ يأتى عرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله: «من حيث أفاض الناس» وكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والسدى وغيرهم، واختاره ابن جرير، وحكى عليه الإجماع-
[ ٢ / ٢٩٤ ]
[إخْبَارُ الْكُهّانِ مِنْ الْعَرَبِ، وَالْأَحْبَارِ مِنْ يَهُودَ والرهبان من النصارى]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ الْأَحْبَارُ مِنْ يَهُودَ، وَالرّهْبَانُ مِنْ النّصَارَى، وَالْكُهّانُ مِنْ الْعَرَبِ، قَدْ تَحَدّثُوا بِأَمْرِ رَسُولِ اللهِﷺ- قَبْلَ مَبْعَثِهِ، لَمّا تَقَارَبَ مِنْ زَمَانِهِ. أَمّا الْأَحْبَارُ مِنْ يَهُودَ، وَالرّهْبَانُ مِنْ النّصَارَى، فَعَمّا وَجَدُوا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ صِفَتِهِ وَصِفَةِ زَمَانِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ عَهْدِ أَنْبِيَائِهِمْ إلَيْهِمْ فِيهِ، وَأَمّا الْكُهّانُ مِنْ الْعَرَبِ: فَأَتَتْهُمْ بِهِ الشّيَاطِينُ مِنْ الْجِنّ فِيمَا تَسْتَرِقُ مِنْ السّمْعِ إذْ كَانَتْ وَهِيَ لَا تُحْجَبُ عَنْ ذَلِكَ بِالْقَذْفِ بِالنّجُومِ، وَكَانَ الْكَاهِنُ وَالْكَاهِنَةُ لَا يَزَالُ يَقَعُ مِنْهُمَا ذِكْرُ بَعْضِ أُمُورِهِ، لَا تُلْقِي الْعَرَبُ لِذَلِكَ فِيهِ بَالًا، حَتّى بَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى، وَوَقَعَتْ تِلْكَ الْأُمُورُ الّتِي كَانُوا يَذْكُرُونَ.
فعرفوها.
فَلَمّا تَقَارَبَ أَمْرُ رَسُولِ اللهِﷺ- وَحَضَرَ مَبْعَثُهُ.
حُجِبَتْ الشّيَاطِينُ عَنْ السّمْعِ، وَحِيلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَقَاعِدِ الّتِي كَانَتْ تَقْعُدُ لِاسْتِرَاقِ السّمْعِ فِيهَا، فَرُمُوا بِالنّجُومِ، فَعَرَفَتْ الجنّ أن ذلك لأمر حدث من
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) - وأخرج الإمام أحمد عن جبير بن مطعم قال: أضللت بعيرا لى بعرفة، فذهبت أطلبه فإذا النبىﷺ- واقف، قلت: إن هذا من الحمس ما شأنه ههنا، وأخرجه البخارى ومسلم، ثم رواه البخارى من حديث موسى ابن شعبة عن كريب عن ابن عباس بما يفيد أن المراد من الإفاضة هى الإفاضة من المزدلفة لرمى الجمار.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
أمر الله فى العباد، يقول الله ﵎ لِنَبِيّهِ مُحَمّدٍ ﷺ حَيْنَ بَعَثَهُ، وَهُوَ يَقُصّ عَلَيْهِ خَبَرَ الْجِنّ إذْ حُجِبُوا عَنْ السّمْعِ، فَعَرَفُوا مَا عَرَفُوا، وَمَا أَنْكَرُوا مِنْ ذَلِكَ حَيْنَ رَأَوْا مَا رَأَوْا: قُلْ: أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ. فَقالُوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ، فَآمَنَّا بِهِ، وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا. وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا؛ مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَدًا.
وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا، وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا. وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ، فَزادُوهُمْ رَهَقًا» .. إلَى قَوْلِهِ: «وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا. وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ، أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا الجنّ: ١- ٦ ثم ٩، ١٠
فَلَمّا سَمِعَتْ الْجِنّ الْقُرْآنَ عَرَفَتْ أَنّهَا إنّمَا مُنِعَتْ مِنْ السّمْعِ قَبْلَ ذَلِكَ، لِئَلّا يُشْكِلَ الوحى بشىء خَبَرِ السّمَاءِ، فَيَلْتَبِسُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مَا جَاءَهُمْ مِنْ اللهِ فِيهِ، لِوُقُوعِ الْحُجّةِ، وَقَطْعِ الشّبْهَةِ. فَآمَنُوا وَصَدّقُوا، ثُمّ: وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. قالُوا: يَا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ، وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ الاية. الأحقاف: ٣٠
وَكَانَ قَوْلُ الْجِنّ: «وَأَنّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإتس يعوذون برجال من الجنّ، فردوهم رَهَقًا» . أَنّهُ كَانَ الرّجُلُ مِنْ الْعَرَبِ مِنْ قريش وغيرهم
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢٩٦ ]
إذا سافر فَنَزَلَ بَطْنَ وَادٍ مِنْ الْأَرْضِ لِيَبِيتَ فِيهِ، قَالَ: إنّي أَعُوذُ بِعَزِيزِ هَذَا الْوَادِي مِنْ الْجِنّ اللّيْلَةَ مِنْ شَرّ مَا فِيهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الرّهَقُ: الطّغْيَانُ وَالسّفَهُ. قَالَ رُؤْبَةُ بن العجّاج.
إذ تستبى الهيّامة المرهّقا [بمقلتى ريم وحيد أرسقا]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. وَالرّهَقُ أَيْضًا: طَلَبُك الشّيْءِ حَتّى تَدْنُوَ مِنْهُ، فَتَأْخُذُهُ، أَوْ لَا تَأْخُذُهُ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجّاجِ يَصِفُ حَمِيرِ وَحْشٍ:
بَصْبَصْنَ وَاقْشَعْرَرْنَ مِنْ خَوْفِ الرّهَقِ [يمصعن بالأذناب من لوح وبق]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. وَالرّهَقُ أَيْضًا: مصدر لقول الرجل: رَهِقْتُ الْإِثْمَ أَوْ الْعُسْرَ، الّذِي أَرْهَقَتْنِي رَهَقًا شَدِيدًا، أَيْ: حَمَلْتُ الْإِثْمَ أَوْ الْعُسْرَ الّذِي حَمَلَتْنِي حَمْلًا شَدِيدًا، وَفِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى: فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا الكهف: ٨٠» وقوله: وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا الكهف: ٧٣»
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ أنه حدث أن أَوّلَ الْعَرَبِ فَزِعَ لِلرّمْيِ بِالنّجُومِ- حَيْنَ رُمِيَ بها- هذا الحىّ من ثقيف، وأنهم جاؤا إلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: عَمْرُو بْنُ أُمّيّةَ أَحَدُ بَنِي عِلَاجٍ- قَالَ: وَكَانَ أَدْهَى الْعَرَبِ وَأَنْكَرَهَا رَأْيًا- فَقَالُوا لَهُ: يَا عَمْرُو: أَلَمْ تَرَ مَا حَدَثَ فِي السّمَاءِ مِنْ الْقَذْفِ بِهَذِهِ النّجُومِ؟ قَالَ: بَلَى فَانْظُرُوا، فَإِنْ كَانَتْ مَعَالِمَ النّجُومِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢٩٧ ]
الّتِي يُهْتَدَى بِهَا فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ، وَتُعْرَفُ بِهَا الْأَنْوَاءُ مِنْ الصّيْفِ وَالشّتَاءِ، لِمَا يُصْلِحُ النّاس فى معايشهم، هى التى يرمى بها، فهو والله طىّ الدنيا، وهلاك هذا الخلق الذى فيها، وإن كَانَتْ نُجُومًا غَيْرَهَا، وَهِيَ ثَابِتَةٌ عَلَى حَالِهَا، فَهَذَا لِأَمْرٍ أَرَادَ اللهُ بِهِ هَذَا الْخَلْقَ، فما هو؟
وقال ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَكَرَ مُحَمّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شهاب الزهرىّ، عن علىّ ابن الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْعَبّاسِ، عَنْ نَفَرٍ مِنْ الْأَنْصَارِ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ لَهُمْ: «مَاذَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي هَذَا النّجْمِ الّذِي يُرْمَى بِهِ؟ قَالُوا: يَا نَبِيّ اللهِ كُنّا نَقُولُ حَيْنَ رَأَيْنَاهَا يُرْمَى بِهَا: مَاتَ مَلِكٌ، مُلّكَ مُلْكٌ، وُلِدَ مَوْلُودٌ، مَاتَ مَوْلُودٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ وَسَلّمَ: لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَلَكُنّ اللهَ ﵎ كَانَ إذَا قَضَى فِي خَلْقِهِ أَمْرًا سَمِعَهُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، فَسَبّحُوا، فَسَبّحَ مَنْ تَحْتَهُمْ، فَسَبّحَ لِتَسْبِيحِهِمْ مَنْ تَحْتَ ذَلِكَ، فَلَا يَزَالُ التّسْبِيحُ يَهْبِطُ حَتّى يَنْتَهِيَ إلَى السّمَاءِ الدّنْيَا، فَيُسَبّحُوا ثُمّ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مِمّ سَبّحْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: سَبّحَ مَنْ فَوْقَنَا فَسَبّحْنَا لِتَسْبِيحِهِمْ، فَيَقُولُونَ: أَلَا تَسْأَلُونَ مَنْ فَوْقَكُمْ: مِمّ سَبّحُوا؟ فَيَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتّى يَنْتَهُوا إلَى حَمَلَةِ الْعَرْشِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مِمّ سَبّحْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ:
قَضَى اللهُ فِي خَلْقِهِ كَذَا وَكَذَا، لِلْأَمْرِ الّذِي كَانَ، فَيَهْبِطُ بِهِ الْخَبَرُ مِنْ سَمَاءٍ إلَى سَمَاءٍ حَتّى يَنْتَهِي إلَى السّمَاءِ الدّنْيَا، فَيَتَحَدّثُوا بِهِ، فَتَسْتَرِقُهُ الشّيَاطِينُ بِالسّمْعِ، عَلَى تَوَهّمٍ وَاخْتِلَافٍ، ثُمّ يَأْتُوا بِهِ الْكُهّانَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَيُحَدّثُوهُمْ بِهِ، فَيُخْطِئُونَ وَيُصِيبُونَ، فَيَتَحَدّثُ بِهِ الْكُهّانُ، فَيُصِيبُونَ بَعْضًا وَيُخْطِئُونَ بَعْضًا. ثُمّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢٩٨ ]
إنّ اللهَ ﷿ حَجَبَ الشّيَاطِينَ بِهَذِهِ النّجُومِ الّتِي يُقْذَفُونَ بِهَا، فَانْقَطَعَتْ الْكَهَانَةُ الْيَوْمَ، فلا كهانة» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي جعفر، عن محمد بن عبد الرحمن ابن أَبِي لَبِيبَةَ، عَنْ عَلِيّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيّ ﵁ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ شهاب عنه.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَهْمٍ يُقَالُ لَهَا الغيطلة، كانت كاهنة فى الجاهلية، فلما جاءها صاحها فى لَيْلَةً مِنْ اللّيَالِي، فَانْقَضّ تَحْتَهَا، ثُمّ قَالَ: أَدْرِ مَا أَدْرِ، يَوْمَ عَقْرٍ وَنَحْرٍ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ حَيْنَ بَلَغَهَا ذَلِكَ: مَا يُرِيدُ؟ ثُمّ جَاءَهَا لَيْلَةً أُخْرَى، فَانْقَضّ تَحْتَهَا، ثُمّ قَالَ:
شعوب، ما شعوب، تصرع فيه كعب لجنوب: فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا، قَالُوا: مَاذَا يُرِيدُ؟ إنّ هَذَا لِأَمْرٍ هُوَ كَائِنٌ، فَانْظُرُوا مَا هُوَ؟ فَمَا عَرَفُوهُ حَتّى كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ وَأُحُدٍ بِالشّعْبِ، فَعَرَفُوا أَنّهُ الّذِي كَانَ جَاءَ به إلى صاحبته.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْغَيْطَلَةُ: مِنْ بَنِي مُرّةَ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، إخْوَةِ مُدْلِجِ بْنِ مُرّةَ، وَهِيَ أُمّ الْغَيَاطِلِ الّذِينَ ذَكَرَ أبو طالب فى قوله:
لَقَدْ سَفُهَتْ أَحْلَامُ قَوْمٍ تَبَدّلُوا بَنِي خَلَفٍ قَيْضًا بِنَا وَالْغَيَاطِل
فَقِيلَ لِوَلَدِهَا: الْغَيَاطِل، وَهُمْ من بني سهم بن عمرو بن هصيص. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، سَأَذْكُرُهَا فِي موضعها إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَلِيّ بْنُ نَافِعٍ الْجُرَشِيّ: أَنّ جَنْبًا بطنا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢٩٩ ]
مِنْ الْيَمَنِ، كَانَ لَهُمْ كَاهِنٌ فِي الْجَاهِلِيّةِ، فَلَمّا ذُكِرَ أَمْرُ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ وَسَلّمَ، وَانْتَشَرَ فِي الْعَرَبِ، قَالَتْ لَهُ جَنْبٌ: اُنْظُرْ لَنَا فِي أَمْرِ هَذَا الرّجُلِ، وَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي أَسْفَلِ جَبَلِهِ، فَنَزَلَ عَلَيْهِمْ حِينَ طَلَعَتْ الشّمْسُ، فَوَقَفَ لَهُمْ قَائِمًا مُتّكِئًا عَلَى قَوْسٍ لَهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السّمَاءِ طَوِيلًا، ثُمّ جَعَلَ يَنْزُو، ثُمّ قَالَ: أَيّهَا النّاسُ، إنّ اللهَ أَكْرَمَ مُحَمّدًا وَاصْطَفَاهُ، وَطَهّرَ قَلْبَهُ وَحَشَاهُ، وَمُكْثُهُ فِيكُمْ أَيّهَا النّاسُ قَلِيلٌ، ثُمّ اشتدّ فى جبله راجعا من حيث جاء.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ، مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ، أَنّهُ حَدّثَ: أَنّ عُمَرَ بْنَ الخطاب، بينا هو جالس فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، يُرِيدُ عُمْرَ بْنَ الْخَطّابِ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِ عُمَرُ ﵁، قَالَ:
إنّ هَذَا الرّجُلُ لَعَلَى شِرْكِهِ مَا فَارَقَهُ بَعْدُ، أَوْ لَقَدْ كَانَ كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيّةِ.
فَسَلّمَ عَلَيْهِ الرّجُلُ، ثُمّ جَلَسَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ﵁: هَلْ أَسْلَمْتَ؟
قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ لَهُ: فَهَلْ كُنْت كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيّةِ؟ فَقَالَ الرّجُلُ:
سُبْحَانَ اللهِ يا أمير المؤنين! لَقَدْ خِلْت فِيّ، وَاسْتَقْبَلْتنِي بِأَمْرِ مَا أَرَاك قُلْته لِأَحَدٍ مِنْ رَعِيّتِك مُنْذُ وُلّيتَ مَا وُلّيتَ، فَقَالَ عُمَرُ: اللهُمّ غُفْرًا، قَدْ كُنّا فِي الْجَاهِلِيّةِ عَلَى شَرّ مِنْ هَذَا، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَعْتَنِقُ الْأَوْثَانَ، حَتّى أَكْرَمْنَا اللهُ بِرَسُولِهِ وَبِالْإِسْلَامِ، قَالَ: نَعَمْ، وَاَللهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَقَدْ كُنْتُ كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيّةِ، قَالَ: فَأَخْبرنِي مَا جَاءَك بِهِ صَاحِبُك، قَالَ: جَاءَنِي قَبْلَ الإسلام بشهرأ وشيعه، فَقَالَ: أَلَمْ تَرَ إلَى الْجِنّ وَإِبْلَاسِهَا، وَإِيَاسِهَا من دينها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٠٠ ]
قال ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا الْكَلَامُ سَجْعٌ، وَلَيْسَ بِشِعْرٍ.
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ عِنْدَ ذَلِكَ يُحَدّثُ النّاسَ: وَاَللهِ إنّي لَعِنْدَ وَثَنٍ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيّةِ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، قَدْ ذَبَحَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ عِجْلًا، فَنَحْنُ نَنْتَظِرُ قَسْمَهُ لِيَقْسِمَ لَنَا مِنْهُ، إذْ سَمِعْت مِنْ جَوْفِ الْعِجْلِ صوتا ما سمعت صوتا قَطّ أَنْفَذَ مِنْهُ، وَذَلِكَ قُبَيْلَ الْإِسْلَامِ بِشَهْرٍ أَوْ شَيْعِهِ، يَقُولُ: يَا ذَرِيحُ، أَمْرٌ نَجِيحٌ، رَجُلٌ يَصِيحُ، يَقُول: لَا إلَهَ إلّا اللهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: رَجُلٌ يَصِيحُ، بِلِسَانٍ فَصِيحٍ، يَقُولُ: لَا إلَهَ إلّا اللهُ. وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ.
عَجِبْت لِلْجِنّ وَإِبْلَاسِهَا وَشَدّهَا الْعِيسَ بِأَحْلَاسِهَا
تَهْوِي إلَى مَكّةَ تَبْغِي الْهُدَى مَا مُؤْمِنُو الْجِنّ كَأَنْجَاسِهَا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَهَذَا مَا بَلَغَنَا مِنْ الْكُهّانِ مِنْ العرب.
ــ
فَصْلٌ فِي الْكِهَانَةِ رُوِيَ فِي مَأْثُورِ الْأَخْبَارِ أن إبليس كان يخترق السّماوات قَبْلَ عِيسَى، فَلَمّا بُعِثَ عِيسَى، أَوْ وُلِدَ حجب عن ثلاث سماوات، فَلَمّا وُلِدَ مُحَمّدٌ حُجِبَ عَنْهَا كُلّهَا، وَقُذِفَتْ الشّيَاطِينُ بِالنّجُومِ وَقَالَتْ قُرَيْشٌ حِينَ كَثُرَ الْقَذْفُ بِالنّجُومِ:
قَامَتْ السّاعَةُ، فَقَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: اُنْظُرُوا إلَى الْعَيّوقِ «١» فَإِنْ كَانَ رُمِيَ بِهِ، فقد آن قيام الساعة، إلّا فَلَا. وَمِمّنْ ذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ الزّبَيْرُ بْنُ أبى بكر.
_________________
(١) نجم أحمر مصىء فى طرف المجرة الأيمن يتلو الثريا لا يتقدمها.
[ ٢ / ٣٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَمْيُ الشّيَاطِينِ:
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي هَذَا الْبَابِ مَا رُمِيَتْ بِهِ الشّيَاطِينُ، حِينَ ظَهَرَ الْقَذْفُ بِالنّجُومِ، لِئَلّا يَلْتَبِسَ بِالْوَحْيِ، وَلِيَكُونَ ذَلِكَ أَظْهَرَ لِلْحُجّةِ، وَأَقْطَعَ لِلشّبْهَةِ، وَالَذَى قَالَهُ صَحِيحٌ: وَلَكِنّ الْقَذْفَ بِالنّجُومِ قَدْ كَانَ قَدِيمًا، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي أَشْعَارِ الْقُدَمَاءِ مِنْ الْجَاهِلِيّةِ. مِنْهُمْ: عوف بن الجرع، وأوس بن حجر، وبشر بن أبى خازم، وَكُلّهُمْ جَاهِلِيّ، وَقَدْ وَصَفُوا الرّمْيَ بِالنّجُومِ، وَأَبْيَاتُهُمْ فِي ذَلِكَ مَذْكُورَةٌ فِي مُشْكِلِ ابْنِ قُتَيْبَةَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْجِنّ «١»، وَذَكَرَ عَبْدُ الرّزّاقِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنّهُ سُئِلَ عَنْ هَذَا الرّمْيِ بِالنّجُومِ:
أَكَانَ فِي الْجَاهِلِيّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنّهُ إذْ جَاءَ الْإِسْلَامُ غَلّظَ وَشَدّدَ، وَفِي قَوْلِ اللهِ سُبْحَانَهُ: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا الْجِنّ: ٨ الْآيَةُ وَلَمْ يَقُلْ: حُرِسَتْ دَلِيلٌ عَلَى أَنّهُ قَدْ كَانَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَلَمّا بُعِثَ النّبِيّﷺ- مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا، وَذَلِكَ لِيَنْحَسِمَ أَمْرُ الشّيَاطِينِ، وَتَخْلِيطِهِمْ، وَلِتَكُونَ الْآيَةُ أَبْيَنَ، وَالْحُجّةُ أَقْطَعَ، وَإِنْ وُجِدَ الْيَوْمَ كَاهِنٌ، فَلَا يَدْفَعُ ذَلِكَ بِمَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ مِنْ طَرْدِ الشّيَاطِينِ عَنْ اسْتِرَاقِ السّمْعِ، فَإِنّ ذَلِكَ التّغْلِيظَ وَالتّشْدِيدَ كَانَ زَمَنَ النّبُوّةِ، ثُمّ بَقِيَتْ مِنْهُ، أَعْنِي مِنْ استراق السمع بقايا يسيرة
_________________
(١) انظر ص ١٨٤ ح ٢ ط ١ كتاب القرطين الذى هذب فيه ابن مطرف الكنانى كتابى مشكل القرآن أو غريبه لابن قتيبة، وفى هذا يقول ابن قتيبة «وفى أيدى الناس كتب الأعاجم» وسيرهم تنبىء عن انقضاض النجوم فى كل عصر، وكل زمان» وفيه بشر بن خارم وهو خطأ صوابه ما أثبته «انظر ترجمة ابن أبى خازم فى الشعر والشعراء لابن قتيبة»
[ ٢ / ٣٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِدَلِيلِ وُجُودِهِمْ عَلَى النّدُورِ فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ، وَفِي بَعْضِ الْبِلَادِ. وَقَدْ سُئِلَ رَسُولُ اللهِﷺ- عَنْ الْكُهّانِ فَقَالَ: لَيْسُوا بِشَيْءِ، فَقِيلَ: إنّهُمْ يَتَكَلّمُونَ بِالْكَلِمَةِ، فَتَكُونُ كَمَا قَالُوا، فَقَالَ: تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنْ الْجِنّ يَحْفَظُهَا الْجِنّيّ، فَيُقِرّهَا فِي أُذُنِ وَلِيّهِ قَرّ الزّجَاجَةِ «١»، فَيَخْلِطُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كِذْبَةٍ، وَيُرْوَى: قَرّ الدّجَاجَةِ بِالدّالِ، وَعَلَى هَذِهِ الرّوَايَةِ تَكَلّمَ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الدّلَائِلِ.
وَالزّجَاجَةُ بِالزّايِ أَوْلَى؛ لِمَا ثَبَتَ فِي الصّحِيحِ، فَيُقِرّهَا فِي أُذُنِ وَلِيّهِ، كَمَا تُقَرّ الْقَارُورَةُ، وَمَعْنَى يُقِرّهَا: يَصُبّهَا وَيُفْرِغُهَا، قَالَ الرّاجِزُ:
لَا تُفْرِغَنْ فِي أُذُنِي قَرّهَا مَا يَسْتَفِزّ فَأُرِيك فَقْرَهَا
وفى تفسير ابن سلام عن بن عَبّاسٍ، قَالَ: إذَا رَمَى الشّهَابُ الْجِنّيّ لَمْ يُخْطِئْهُ، وَيُحَرّقُ مَا أَصَابَ وَلَا يَقْتُلُهُ، وَعَنْ الْحَسَنِ قَالَ: فِي أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ الْعَيْنِ، وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ سَلَامٍ أَيْضًا عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنّهُ كَانَ مَعَ قَوْمٍ، فَرُمِيَ بِنَجْمِ، فَقَالَ:
لَا تُتْبِعُوهُ أَبْصَارَكُمْ، وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ حَفْصٍ أَنّهُ سَأَلَ الْحَسَنَ: أَيُتْبِعُ بَصَرَهُ الْكَوْكَبَ. فَقَالَ: قَالَ سُبْحَانَهُ: وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ الْمُلْكُ: ٥.
وَقَالَ: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْأَعْرَافُ: ١٨٥.
قَالَ: كَيْفَ نَعْلَمُ إذَا لَمْ نَنْظُرْ إلَيْهِ، لَأُتْبِعَنّهُ بَصَرِي.
الْجِنّ الّذِينَ ذَكَرَهُمْ الْقُرْآنُ:
وَذَكَرَ النّفَرَ مِنْ الْجِنّ الّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ القرآن والذين: وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ
_________________
(١) وفى روآية: قز الزجاجة بالزاى، أى: بصوتها إذا صب فيها الماء
[ ٢ / ٣٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُنْذِرِينَ، قالُوا: يَا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى الْأَحْقَافُ: ٣٠. وَفِي الْحَدِيثِ أَنّهُمْ كَانُوا مِنْ جِنّ نَصِيبِينَ «١» . وَفِي التّفْسِيرِ أَنّهُمْ كَانُوا يَهُودًا؛ وَلِذَلِكَ قَالُوا: مِنْ بَعْدِ مُوسَى، وَلَمْ يَقُولُوا مِنْ بَعْدِ عِيسَى ذَكَرَهُ ابْنُ سَلَامٍ»
. وَكَانُوا سَبْعَةً، قَدْ ذُكِرُوا بِأَسْمَائِهِمْ فِي التّفَاسِيرِ وَالْمُسْنَدَاتِ، وَهُمْ: شَاصِرٌ، وَمَاصِرٌ، وَمُنْشَى، ولا شى، وَالْأَحْقَابُ، وَهَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ ذَكَرَهُمْ ابْنُ دُرَيْدٍ، وَوَجَدْت فِي خَبَرٍ حَدّثَنِي بِهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ طَاهِرٍ الْإِشْبِيلِيّ الْقَيْسِيّ عَنْ أَبِي عَلِيّ الْغَسّانِيّ فِي فَضْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَمْشِي فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ فَإِذَا حَيّةٌ مَيّتَةٌ فَكَفّنَهَا بِفَضْلَةِ مِنْ رِدَائِهِ، وَدَفَنَهَا فَإِذَا قَائِلٌ يَقُولُ: يَا سُرّقُ اشْهَدْ، لَسَمِعْت رَسُولَ اللهِﷺ- يَقُولُ لَك: سَتَمُوتُ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَيُكَفّنُك وَيَدْفِنُك رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ- يَرْحَمُك اللهُ- فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ الْجِنّ الّذِينَ تَسَمّعُوا الْقُرْآنَ مِنْ رَسُولِ اللهِﷺ- لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إلّا أَنَا وَسُرّقٌ، وَهَذَا سُرّقٌ قَدْ مَاتَ. وَذَكَرَ ابْنُ سَلَامٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إسْحَاقَ [عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيّ] السّبِيعِيّ عَنْ أَشْيَاخِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنّهُ كَانَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِﷺ-
_________________
(١) ذكر أن من العرب من يعربها كجمع المذكر السالم، فيقول: هذه نصيبون وهى مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادة القوافل من موصل إلى الشام ونصيبين أيضا من قرى حلب، ونصيبين كذلك: مدينة على شاطىء الفرات كبيرة تعرف بنصيبين الروم.
(٢) ما هذا الذى ينقله عن ابن سلام؟ إنه تهويمة خيال. ولعلهم قالوا: من بعد موسى، لأنه لم ينزل بعد التوراة كتاب تشريع ينسخ الشرائع قبله سوى القرآن، أما الإنجيل فيذكر بما فى التوراة
[ ٢ / ٣٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَمْشُونَ فَرُفِعَ لَهُمْ إعْصَارٌ، ثُمّ جَاءَ إعْصَارٌ أَعْظَمُ مِنْهُ، ثُمّ انْقَشَعَ، فَإِذَا حَيّةٌ قَتِيلٌ، فَعَمَدَ رَجُلٌ مِنّا إلَى رِدَائِهِ فَشَقّهُ، وَكَفّنَ الْحَيّةَ بِبَعْضِهِ وَدَفَنَهَا، فَلَمّا جَنّ اللّيْلُ إذَا امْرَأَتَانِ تُتَسَاءَلَانِ: أَيّكُمْ دَفَنَ عَمْرَو بْنَ جَابِرٍ؟ فَقُلْنَا: مَا نَدْرِي مَنْ عَمْرُو بْنُ جَابِرٍ؟ فقالنا: إنْ كُنْتُمْ ابْتَغَيْتُمْ الْأَجْرَ فَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ. إنّ فَسَقَةَ الْجِنّ اقْتَتَلُوا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ، فَقُتِلَ عَمْرٌو، وَهُوَ الْحَيّةُ الّتِي رَأَيْتُمْ، وَهُوَ مِنْ النّفَرِ الّذِينَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ مِنْ مُحَمّدٍﷺ- ثُمّ وَلّوْا إلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ!! ابْنُ عِلَاطٍ وَالْجِنّ:
فَصْلٌ: وَأَمّا مَا ذَكَرَهُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ الْآيَةُ؛ الْجِنّ: ٦. فَقَدْ رُوِيَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ عن حجاج ابن عِلَاطٍ السّلَمِيّ، وَهُوَ وَالِدُ نَصْرِ بْنِ حَجّاجٍ الّذِي قِيلَ فِيهِ:
أَمْ لَا سَبِيلَ إلَى نصر ابن حجّاج «١»
_________________
(١) يقول البغدادى فى الخزانة «وحكى السهيلى فى الروض الأنف هذه الحكاية على خلاف ما تقدم. قال: الحجاج بن علاط: وهو والد نصر الذى حلق عمر رأسه، فنفاه من المدينة، فَأَتَى الشّامَ، فَنَزَلَ عَلَى أَبِي الْأَعْوَرِ السّلَمِيّ فهويته امرأته، وهويها، وَفَطِنَ أَبُو الْأَعْوَرِ لِذَلِكَ، بِسَبَبِ يَطُولُ ذِكْرُهُ، فَابْتَنَى لَهُ قُبّةً فِي أَقْصَى الْحَيّ، فَكَانَ بِهَا، فَاشْتَدّ ضَنَاهُ بِالْمَرْأَةِ حَتّى مَاتَ كَلَفًا بِهَا، وَسُمّيَ الْمُضْنَى، وَضُرِبَتْ بِهِ الْأَمْثَالُ، وَذَكَرَ الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابِ الْأَمْثَالِ لَهُ خَبَرَهُ بِطُولِهِ» انتهى. أقول: والقصة مشهورة فى كتب الأدب والأمثال. قالوا: أول من عسّ بالليل فى الإسلام: عمر بن الخطابرضي الله عنه- فبينا يعس ليلة سمع امرأة تقول:
[ ٢ / ٣٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . - يا ليت شعرى عن نفسى أزاهقة منى، ولم أقض ما فيها من الحاج أَلَا سَبِيلَ إلَى خَمْرٍ فَأَشْرَبَهَا أَمْ لَا سبيل إلى نصر بن حجاج إلى فتى ماجد الأخلاق ذى كرم سهل المحيا كريم غير فجفاج تنميه أعراق صدق حين تنسبه ذى نجدات عن المكروب فراج سامى النواظر من بهزله كرم تضىء سنته فى الحالك الداجى نعم الفتى فى سواد الليل نصرته ليائس أو لملهوف ومحتاج يا منية لم أرب فيها بضائرة والناس من صادق فيها ومن داجى قالوا: فدعا عمر بالمرأة- وهى الذلفا. لقب فريعة بنت همام أم الحجاج- وضربها: بالدرة ضربات، ثم سأل عنها، فلم يخبر عنها إلا بخير، وأتى بنصر، وأمر بشعره فحلق ثم أرسل به إلى البصرة إلى مجاشع بن مسعود السلمى، فكان ما كان منه مما ذكره السهيلى مختصرا- كما جاء فى خزانة البغدادى: وقيل إن المرأة أرسلت إلى عمر بهذه الأبيات: قل للامام الذى تخشى بوادره مالى وللخمر أو نصر بن حجاج إنى فتنت أبا حفص بغيرهما شرب الحليب وطرف فاتر ساجى الخ قالوا: فبكا عمر، وقال: الحمد لله الذى حبس الهوى التقوى. وبعث عمر إلى المرأة: لم يبلغنا عنك إلا خير، وقد ضرب المثل بالمرأة هذه، فقالوا: «أصب من المتمنية» وبنصر، فقالوا: «أدنف من المتمنى» وقالوا: إن هذه المتمنية هى الفريعة بنت همام أم الحجاج بن يوسف الثقفى. والبيت الأول يروى: «ألا سبيل إلى خمر فأشربها» وهى- كما يقص البغدادى- رواية الجاحظ وحمزة الأصبهانى والسهيلى لكنك ترى الرواية فى الروض «أم لا سبيل الخ» وروى المدائنى وغيره: هل من سبيل، ويروى الزجاج المصراع المذكور فى الروض: أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج ورواه أبو على الفارسى فى إيضاح الشعر عن أبى عبيدة: أو لَا سَبِيلَ إلَى نَصْرِ بْنِ حَجّاجِ
[ ٢ / ٣٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَنّهُ قَدِمَ مَكّةَ فِي رَكْبٍ، فَأَجَنّهُمْ اللّيْلُ بِوَادٍ مَخُوفٍ مُوحِشٍ، فَقَالَ لَهُ الرّكْبُ: قُمْ خُذْ لِنَفْسِك أَمَانًا، وَلِأَصْحَابِك، فَجَعَلَ يَطُوفُ بِالرّكْبِ وَيَقُولُ:
أُعِيذُ نَفْسِي وَأُعِيذُ صَحْبِي مِنْ كُلّ جنّىّ بهذا النّقب
حتى أؤب سَالِمًا وَرَكْبِي
فَسَمِعَ قَارِئًا: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [فَانْفُذُوا، لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ] الْآيَةُ.
الرّحْمَنُ: ٣٣. فَلَمّا قَدِمَ مَكّةَ خَبّرَ كُفّارَ قُرَيْشٍ بِمَا سَمِعَ، فَقَالُوا: أَصَبْت «١» يَا أَبَا كِلَابٍ. إنّ هَذَا يَزْعُمُ مُحَمّدٌ أَنّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَاَللهِ لَقَدْ سَمِعْته وَسَمِعَهُ هَؤُلَاءِ مَعِي، ثُمّ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ، وَهَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَابْتَنَى بِهَا مَسْجِدًا فَهُوَ يُعْرَفُ بِهِ «٢» .
_________________
(١) - على أن أو بمعنى: الواو. وروايته «ألا» يستشهد بها النحويون على أن «ألا» تستعمل للتمنى. ويقول البغدادى: وقال قوم: هذا الشعر مصنوع إلا البيت الأول «ألا سبيل الخ» وقد جمع البغدادى كل أطراف القصة، وقال عن الشعر: «ولا يخفى ما فيه من الاختلاف من جميع الجهات حتى فى البيت الشاهد» انظر ص ٥٩ وما بعدها ح ٤ ط السلفية خزانة الأدب للبغدادى والأمثال للميدانى فى حرف الصاد مما جاء منه على وزن أفعل، وص ٥١٣ ح ٢ ألف باء ليوسف بن محمد البلوى.
(٢) روى البلوى نفس القصة، وفيها «صبأت» بدلا من أصبت وهو الأليق
(٣) ما ذكره هنا لا سند له، وسنذكر ما ورد من أحاديث حول استماع الجن. روى البيهقى فى الدلائل عن ابن عباس: ما قرأ رسول اللهﷺ- على-
[ ٢ / ٣٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . - الجن ولا رآهم. انطلق رسول اللهﷺ- في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شىء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، وانظروا ما هذا الذى حال بينكم وبين خبر السماء، فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون ما هذا الذى حال بينهم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- وهو بنخلة عامدا إلى سوق عكاظ، وهو يصلى بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذى حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم: «قالوا: يا قومنا إِنّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرّشْدِ، فامنا به، ولن نشرك بربنا أحدا» وأنزل اللهُ عَلَى نَبِيّهِﷺ: (قُلْ: أُوحِيَ إِلَيّ أَنّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجن) وإنما أوحى إليه قول الجن» ورواه البخارى عن مسدد بنحوه، وأخرجه مسلم عن شيبان بن فروخ عن أبى عوانة به، ورواه الترمذى والنسائى فى التفسير من حديث أبى عوانة، وروى أحمد عن ابن عباس أنه قال: كان الجن يستمعون الوحى، فيسمعون الكلمة، فيزيدون فيها عشرا، فيكون ما سمعوا حقا، وما زادوا باطلا، وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللهِﷺ- كان أحدهم لا يأتى بمقعده إلا رمى بشهاب يحرق ما أصابت فشكوا ذلك إلى إبليس فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث، فبث جنوده فإذا بالنبىﷺ- يصلى بين جبلى نخلة فأتوه، فأخبروه، فقال: هذا الحدث الذى حدث فى الأرض. ورواه الترمذى والنسائى فى كتابى التفسير وقال الترمذى: حسن صحيح. وروى البخارى، قال: حدثنا الحميدى حدثنا سفيان حدثنا عمرو قال: سمعت عكرمة، يقول: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: إن نبى اللهِ- صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلّمَ- قال: إذا قضى الله تعالى الأمر فى السماء-
[ ٢ / ٣٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . - ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذى قال: الحق، وهو العلى الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترقو السمع هكذا بعضه فوق بعض- وصفه سفيان بكفه فحرفها، وبدد بين أصابعه- فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الاخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها. وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا، وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التى سمعت من السماء» انفرد بإخراجه البخارى دون مسلم من هذا الوجه، وقد رواه أبو داود والترمذى وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة والله أعلم. وروى أحمد عن ابن عباس قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- جالسا فى نفر من أصحابه، فرمى بنجم، فاستنار، فقالﷺ: ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا فى الجاهلية؟ قالوا: كنا نقول: يولد عظيم، أو يموت عظيم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ- فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ إذا قضى أمرا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح السماء الدنيا، ثم يستخبر أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح السماء الدنيا، ثم يستخبر أهل السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ويخبر أهل كل سماء سماء حتى ينتهى الخبر إلى هذه السماء، وتخطف الجن السمع، فيرمون، فما جاؤا به على وجهه، فهو حق، ولكنهم يفرقون فيه ويزيدون» وقد أخرجه مسلم فى صحيخه من حديث صالح بن كيسان والأوزاعى ويونس ومعقل بن عبيد الله، أربعتهم، عن الزهرى عن على بن الحسين عن ابن عباس ﵄، عن رجل من الأنصار به. وكذا رواه النسائى فى التفسير- من حديث الزبيدى عن الزهرى به، ورواه الترمذى فيه عن الحسين بن حريت عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعى. عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله، عن ابن عباس ﵄، عن رجل من الأنصاررضي الله عنه، وحسب المؤمن فى مثل هذا وغيره أن يتدبر القرآن أولا، ثم الصحيح المشهود له بالصحة القوية من الحديث-
[ ٢ / ٣٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَوْلَ انْقِطَاعِ الْكِهَانَةِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ وَفِيهِ: كُنّا نَقُولُ إذَا رَأَيْنَاهُ: يَمُوتُ عَظِيمٌ أَوْ يُولَدُ «١» عَظِيمٌ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَا قَدّمْنَاهُ مِنْ أَنّ الْقَذْفَ بِالنّجُومِ كَانَ قَدِيمًا، وَلَكِنّهُ إذْ بُعِثَ الرسول ﵇، غلّظ وَشَدّدَ- كَمَا قَالَ الزّهْرِيّ- وَمُلِئَتْ السّمَاءُ حَرَسًا. وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: وَقَدْ انْقَطَعَتْ الْكِهَانَةُ الْيَوْمَ، فَلَا كِهَانَةَ. يَدُلّ قَوْلُهُ: الْيَوْمَ عَلَى تَخْصِيصِ ذَلِكَ الزّمَانِ كَمَا قَدّمْنَاهُ، وَاَلّذِي انْقَطَعَ الْيَوْمَ، وَإِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَنْ تُدْرِكَ الشّيَاطِينُ مَا كَانَتْ تُدْرِكُهُ فِي الْجَاهِلِيّةِ الْجَهْلَاءِ، وَعِنْدَ تَمَكّنِهَا مِنْ سَمَاعِ أَخْبَارِ السّمَاءِ، وَمَا يُوجَدُ الْيَوْمَ مِنْ كَلَامِ الْجِنّ عَلَى أَلْسِنَةِ الْمَجَانِينِ إنّمَا هُوَ خَبَرٌ مِنْهُمْ عَمّا يَرَوْنَهُ فِي الْأَرْضِ، مِمّا لَا نَرَاهُ نَحْنُ كَسَرِقَةِ سَارِقٍ، أَوْ خَبِيئَتِهِ فِي مَكَانٍ خَفِيّ «٢»، أَوْ نَحْوِ ذلك، وإن أخبروا مما سَيَكُونُ كَانَ تَخَرّصًا وَتَظَنّيًا، فَيُصِيبُونَ قَلِيلًا، وَيُخْطِئُونَ كَثِيرًا.
وَذَلِكَ الْقَلِيلُ الّذِي يُصِيبُونَ هُوَ مِمّا يتكلم به الملائكة فى العنان، كما
_________________
(١) - لأن موضوع الجن من الغيب الذى لا يعلمه إلا الله، ولا يعرف إلا عن الوحى. وقول الله تعالى فى سورة الأحقاف وسورة الجن يؤكد أنه ﷺ لم ير الجن الذين استمعوا له.
(٢) ذكرته من قبل
(٣) هذا إفك يفتريه الدجاجلة. وأحب أن أذكر بقصة الجن الذين مات سليمان أمام أعينهم دون أن يعلموا (فلما خر تبيّنت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا فى العذاب المهين) فلنتدبر هذه الاية المحكمة نؤمن بأن الجن لا يعرفون غيبا كما بين الله. بل إنهم لم يعرفوا حتى ما وقع تحت عيونهم!!
[ ٢ / ٣١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيّ، فَيُطْرَدُونَ بِالنّجُومِ، فَيُضِيفُونَ إلَى الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كِذْبَةٍ- كَمَا قَالَ ﵇- فِي الْحَدِيثِ الّذِي قَدّمْنَاهُ، فَإِنْ قُلْت: فَقَدْ كَانَ صَافُ بْنُ صَيّادٍ، وَكَانَ يَتَكَهّنُ، وَيَدّعِي النّبُوّةَ، وَخَبّأَ لَهُ النّبِيّﷺ- خَبِيئًا، فَعَلِمَهُ، وَهُوَ الدّخّ «١» فَأَيْنَ انْقِطَاعُ الْكِهَانَةِ فِي ذَلِكَ الزّمَانِ؟ قُلْنَا: عَنْ هَذَا جَوَابَانِ، أَحَدُهُمَا ذَكَرَهُ الْخَطّابِيّ فِي أَعْلَامِ الْحَدِيثِ قَالَ: الدّخّ نَبَاتٌ يَكُونُ مِنْ النّخِيلِ، وَخَبّأَ لَهُ ﵇: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ الدّخّانُ: ١٠، فَعَلَى هَذَا لَمْ يُصِبْ ابْنُ صَيّادٍ مَا خَبّأَ له النبىﷺ.
_________________
(١) بضم الدال وفتحها: الدخان، ويقول ابن الأثير فى النهاية: وفسر فى الحديث أنه أراد بذلك: (يوم تأتى السماء بدخان مبين) وقيل إن الدجال يقتله عيسى ﵇ بجبل الدخان. انتهى فيحتمل أن يكون أراده تعريضا بقتله، لأن ابن صياد كان يظن أنه الدجال، وحديث ابن صياد متفق عليه، وَفِيهِ أَنّ رَسُولُ اللهِﷺ- قال لابن صياد: ماذا ترى؟ قال ابن صياد: يأتينى صادق وكاذب، قَالَ رَسُولُ اللهِﷺ- خلط عليك الأمر، قَالَ رَسُولُ اللهِﷺ- إنى خبأت لك خبيئا وخبأ له. (يوم تأتى السماء بدخان مبين) فقال: هو الدّخ، فقال: اخسأ: فلن تعدو قدرك الحديث. وإذا كان الله سبحانه قد نفى علم الغيب عن الجن وعن الملائكة وعن الرسل، فكيف يجوز لنا أن ننسب إلى دجال كابن صياد أنه كان يعرف الغيب؟ ولا أظن أن رسول الله «ص» - على فرض الصحة- قصد من الاختبار هل يعرف ابن صياد الغيب أو لا؛ لأنه ﷺ يؤمن قبل هذا بأن الله وحده هو عالم الغيب، وأنه لا ابن صياد، ولا غيره يعلمون من الغيب شيئا. إنما قصد الرسول بالاختيار أن يظهر أمام الحضور وأن يوضح حقيقة ابن صياد. وهى أنه مفتر كذاب، وأن علم الغيب إنما هو لله وحده.
[ ٢ / ٣١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثّانِي: أَنّ شَيْطَانَهُ كَانَ يَأْتِيهِ بِمَا خَفِيَ مِنْ أَخْبَارِ الْأَرْضِ، وَلَا يَأْتِيهِ بِخَبَرِ السّمَاءِ لِمَكَانِ الْقَذْفِ وَالرّجْمِ، فَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِالدّخّ الدّخَانَ بِقُوّةِ جُعِلَتْ لَهُمْ فِي أَسْمَاعِهِمْ لَيْسَتْ لَنَا، فَأَلْقَى الْكَلِمَةَ عَنْ لِسَانِ صِافٍ وَحْدَهَا، إذْ لَمْ يُمْكِنْ سَمَاعُ سَائِرِ الْآيَةِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ النّبِيّ﵇: اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدَرَ اللهِ فِيك أَيْ: فَلَنْ تَعْدُوَ مَنْزِلَتَك مِنْ الْعَجْزِ عَنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَإِنّمَا الّذِي يُمْكِنُ فِي حَقّهِ هَذَا الْقَدَرُ دُونَ مَزِيدٍ عَلَيْهِ، عَلَى هَذَا النّحْوِ فَسّرَهُ الْخَطّابِيّ.
الْغَيْطَلَةُ الْكَاهِنَةُ وَكِهَانَتُهَا:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ الْغَيْطَلَةِ الْكَاهِنَةِ، قَالَ: وَهِيَ مِنْ بَنِي مُرّةَ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ أَخِي مُدْلِجٍ، وَهِيَ: أُمّ الْغَيَاطِلِ الّذِي ذَكَرَ أَبُو طَالِبٍ، وَسَنَذْكُرُ مَعْنَى الْغَيْطَلَةِ عِنْدَ شِعْرِ أَبِي طَالِبٍ إنْ شاء الله. ونذكرها ههنا مَا أَلْفِيّتِهِ فِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الشّيْخِ أَبِي بَحْرٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. قَالَ: الْغَيْطَلَةُ بِنْتُ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الصّعِقِ ابن شَنُوقِ بْنِ مُرّةَ، وَشَنُوقٌ أَخُو مُدْلِجٍ، وَهَكَذَا ذَكَرَ نَسَبَهَا الزّبَيْرُ.
وَذَكَرَ قَوْلَهَا: شُعُوبُ وَمَا شعوب، تصرع فيها كعب لجنوب.
كعب ههنا هُوَ: كَعْبُ بْنُ لُؤَيّ، وَاَلّذِينَ صُرِعُوا لِجُنُوبِهِمْ بِبَدْرِ وَأُحُدٍ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، مُعْظَمُهُمْ مِنْ كعب بن لؤىّ، وشعوب ههنا أَحْسَبُهُ بِضَمّ الشّينِ، وَلَمْ أَجِدْهُ مُقَيّدًا، وَكَأَنّهُ جَمْعُ شَعْبٍ، وَقَوْلُ ابْنِ إسْحَاقَ يَدُلّ عَلَى هَذَا حِينَ قَالَ:
فَلَمْ يَدْرِ مَا قَالَتْ، حَتّى قُتِلَ مَنْ قُتِلَ بِبَدْرِ وَأُحُدٍ بِالشّعْبِ «١» .
_________________
(١) ومن رواه بفتح الشين فهو اسم للمنية لا يصرف ص ٦٨ الخشنى
[ ٢ / ٣١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ قَوْلَ التّابِعِ: أَدْرِ مَا أَدْرِ، وَقَيّدَ عَنْ أَبِي عَلِيّ فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى:
وَمَا بَدْرٌ؟ وَهِيَ أَبْيَنُ مِنْ هَذِهِ، وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ النّعْمَانِ النّجّارِيّةَ كَانَ لَهَا تَابِعٌ مِنْ الْجِنّ، وَكَانَ إذَا جَاءَهَا اقْتَحَمَ عَلَيْهَا فِي بَيْتِهَا، فَلَمّا كَانَ فِي أَوّلِ الْبَعْثِ أَتَاهَا، فَقَعَدَ عَلَى حَائِطِ الدّارِ، وَلَمْ يَدْخُلْ فَقَالَتْ لَهُ: لِمَ لَا تَدْخُلُ؟ فَقَالَ: قَدْ بُعِثَ نَبِيّ بِتَحْرِيمِ الزّنَا، فَذَلِكَ أَوّلُ مَا ذُكِرَ النّبِيّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ «١» .
ثَقِيفٌ وَلَهَبٌ وَالرّمْيُ بِالنّجُومِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ إنْكَارَ ثَقِيفٍ لِلرّمْيِ بِالنّجُومِ، وَمَا قَالَهُ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ أَحَدُ بَنِي عِلَاجٍ إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ كَلَامٌ صَحِيحُ الْمَعْنَى، لَكِنّ فِيهِ إبْهَامًا لِقَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ هَذِهِ النّجُومُ فَهُوَ لِأَمْرِ حَدَثَ، فَمَا هُوَ وَقَدْ فَعَلَ مَا فَعَلَتْ ثَقِيفٌ بَنُو لِهْبٍ عِنْدَ فَزَعِهِمْ لِلرّمْيِ بِالنّجُومِ، فَاجْتَمَعُوا إلَى كَاهِنٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ:
خَطَرُ، فَبَيّنَ لَهُمْ الْخَبَرَ، وَمَا حَدَثَ مِنْ أَمْرِ النّبُوّةِ. رَوَى أَبُو جَعْفَرٍ الْعَقِيلِيّ فِي كِتَابِ الصّحَابَةِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي لِهْبٍ يُقَالُ لَهُ: لِهْبٌ أَوْ لُهَيْبٌ «٢» . وَقَدْ تَكَلّمْنَا عَلَى نَسَبِ لِهْبٍ فِي هَذَا الْكِتَابِ. قَالَ لُهَيْبٌ: حضرت مع رسول
_________________
(١) لا أدرى كيف يلقى السهيلى وأمثاله آذانهم إلى مثل هذا الخرف، وإلى الباطل الذى يؤكد القرآن أنه باطل. ولنتدبر عشرات الايات فى القرآن التى تنفى علم الغيب عن غير الله. وتابعها: شيطان إنسى بدليل الزنا!!
(٢) فى الأصل «لهيب أو لهيب» وهو خطأ صوبته من الإصابة، فابن منده يقول: «لهيب بالتصغير بن مالك اللهبى، وأبو عمر يقول: لهب مكبرا وبه جزم الرشاطى» .
[ ٢ / ٣١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) اللهِ ﷺ، فَذَكَرْت عِنْدَهُ الْكِهَانَةَ، فَقُلْت: بِأَبِي وَأُمّي: نَحْنُ أَوّلُ مَنْ عَرَفَ حِرَاسَةَ السّمَاءِ، وَزَجْرَ الشّيَاطِينِ، وَمَنْعَهُمْ مِنْ اسْتِرَاقِ السّمْعِ عِنْدَ قَذْفِ النّجُومِ، وَذَلِكَ أَنّا اجْتَمَعْنَا إلَى كَاهِنٍ لَنَا يُقَالُ لَهُ: خَطَرُ بْنُ مَالِكٍ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، قَدْ أَتَتْ عَلَيْهِ مِائَتَا سَنَةٍ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ كُهّانِنَا، فَقُلْنَا: يَا خَطَرُ هَلْ عِنْدَك عِلْمٌ مِنْ هَذِهِ النّجُومِ الّتِي يُرْمَى بِهَا، فَإِنّا قَدْ فَزِعْنَا لَهَا، وَخَشِينَا سُوءَ عَاقِبَتِهَا؟ فَقَالَ: ائْتُونِي بِسَحَرْ أُخْبِرُكُمْ الْخَبَرْ أَبِخَيْرِ أَمْ ضَرَرْ أَوْ لِأَمْنِ أَوْ حَذَرْ قَالَ: فَانْصَرَفْنَا عَنْهُ يَوْمَنَا، فَلَمّا كَانَ مِنْ غَد فِي وَجْهِ السّحَرِ أَتَيْنَاهُ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ عَلَى قَدَمَيْهِ، شَاخِصٌ فِي السّمَاءِ بِعَيْنَيْهِ، فَنَادَيْنَاهُ: أَخَطَرٌ يَا خَطَرُ؟ فَأَوْمَأَ إلَيْنَا: أَنْ أَمْسِكُوا، فَانْقَضّ نَجْمٌ عَظِيمٌ مِنْ السّمَاءِ، وَصَرَخَ الْكَاهِنُ رَافِعًا صَوْتَهُ: أَصَابَهُ إصَابَة خَامَرَهُ عِقَابُهْ عَاجَلَهُ عَذَابُهْ أَحْرَقَهُ شِهَابُهْ زَايَلَهُ جَوَابُهْ يَا وَيْلَهُ مَا حَالُهْ بَلْبَلَهُ بَلْبَالُهْ عَاوَدَهُ خَبَالُهْ تَقَطّعَتْ حِبَالُهْ وغيّرت أحواله
[ ٢ / ٣١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثُمّ أَمْسَكَ طَوِيلًا وَهُوَ يَقُولُ:
يَا مَعْشَرَ بَنِي قَحْطَانِ أُخْبِرُكُمْ بِالْحَقّ وَالْبَيَانِ
أَقْسَمْت بِالْكَعْبَةِ وَالْأَرْكَانِ وَالْبَلَدِ الْمُؤْتَمَنِ السّدّانِ
لَقَدْ مُنِعَ السّمْعَ عُتَاةُ الْجَانّ بِثَاقِبِ بِكَفّ ذِي سُلْطَانِ
مِنْ أَجْلِ مَبْعُوثٍ عَظِيمِ الشّانِ يُبْعَثُ بِالتّنْزِيلِ وَالْقُرْآنِ
وَبِالْهُدَى وَفَاصِلِ الْقُرْآنِ تَبْطُلُ بِهِ عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ
قَالَ: فَقُلْنَا: وَيْحَك يَا خَطَرُ إنّك لَتَذْكُرُ أَمْرًا عَظِيمًا، فَمَاذَا تَرَى لِقَوْمِك؟ فَقَالَ:
أَرَى لِقَوْمِي مَا أَرَى لِنَفْسِي أَنْ يَتّبِعُوا خَيْرَ نَبِيّ الْإِنْسِ
بُرْهَانُهُ مِثْلُ شُعَاعِ الشّمْسِ يُبْعَثُ فِي مَكّةَ دَارِ الْحُمْسِ
بِمُحْكَمِ التّنْزِيلِ غَيْرِ اللّبْسِ
فَقُلْنَا لَهُ: يَا خَطَرُ، وَمِمّنْ هُوَ؟ فَقَالَ: وَالْحَيَاةِ وَالْعَيْشِ. إنّهُ لَمِنْ قُرَيْشٍ، مَا فِي حِلْمِهِ طَيْشٌ، وَلَا فِي خُلُقِهِ هَيْشٌ «١» يَكُونُ فِي جَيْشٍ، وَأَيّ جَيْشٍ، مِنْ آلِ قَحْطَانَ وَآلِ أَيْشٍ، فَقُلْت لَهُ: بَيّنِ لَنَا: مِنْ أَيّ قُرَيْشٍ هُوَ؟
فَقَالَ: وَالْبَيْتِ ذِي الدّعَائِمِ، وَالرّكْنِ وَالْأَحَائِمِ، إنّهُ لَمِنْ نَجْلِ هَاشِمٍ، مِنْ مَعْشَرٍ كَرَائِمٍ، يُبْعَثُ بِالْمَلَاحِمِ، وَقَتْلِ كُلّ ظَالِمٍ، ثُمّ قَالَ: هَذَا هُوَ الْبَيَانُ، أَخْبَرَنِي بِهِ رَئِيسُ الْجَانّ، ثُمّ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، جَاءَ الْحَقّ وَظَهَرَ، وَانْقَطَعَ عَنْ الْجِنّ الْخَبَرُ- ثُمّ سَكَتَ وَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَمَا أَفَاقَ إلّا بعد ثلاثة، فقال: لا إله إلا
_________________
(١) ليس فى طبيعته وسجيته قول قبيح.
[ ٢ / ٣١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الله؛ فقال رسول اللهﷺ: لَقَدْ نَطَقَ عَنْ مِثْلِ نُبُوّةٍ، وَإِنّهُ لَيُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمّةً وَحْدَهُ «١» .
أَصْلُ أَلْفِ إصَابَةٍ:
قَالَ الْمُؤَلّفُ: فِي هَذَا الْخَبَرِ قَوْلُهُ: أَصَابَهُ إصَابَةً، هَكَذَا قَيّدْته بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مِنْ إصَابَةٍ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ طَاهِرٍ، وَأَخْبَرَنِي بِهِ عَنْ أَبِي عَلِيّ الْغَسّانِيّ، وَوَجْهُهُ أَنْ تَكُونَ. الْهَمْزَةُ بَدَلًا مِنْ وَاوٍ مَكْسُورَةٍ مِثْلُ وِشَاحٍ وَإِشَاحٍ [وَوِسَادَةٍ وَإِسَادَةٍ]، وَالْمَعْنَى: أَصَابَهُ وَصَابَهُ جَمْعُ: وَصَبٍ مِثْلُ: جَمَلٍ وَجِمَالَةٍ،
مَعْنَى كَلِمَةِ أَيْشٍ وَالْأَحَائِمِ:
وَقَوْلُهُ: مِنْ آلِ قَحْطَانَ وَآلِ أَيْشٍ، يَعْنِي بِآلِ قَحْطَانَ: الْأَنْصَارَ؛ لِأَنّهُمْ مِنْ قَحْطَانَ، وَأَمّا آلُ أَيْشٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ قَبِيلَةً مِنْ الْجِنّ الْمُؤْمِنِينَ، يُنْسَبُونَ إلَى أَيْشٍ، فَإِنْ يَكُنْ هَذَا، وَإِلّا فَلَهُ مَعْنًى فِي الْمَدْحِ غَرِيبٌ، تَقُولُ: فُلَانٌ أَيْشٌ هُوَ وَابْنُ أَيْشٍ، وَمَعْنَاهُ: أَيّ شَيْءٍ أَيْ شَيْءٌ عَظِيمٌ فَكَأَنّهُ أَرَادَ مِنْ آلِ قَحْطَانَ، وَمِنْ الْمُهَاجِرِينَ الّذِي يُقَالُ فِيهِمْ مِثْلُ هَذَا، كَمَا تَقُولُ: هم، وما هم؟ وزيد وما زَيْدٌ، وَأَيّ شَيْءٍ زَيْدٌ، وَأَيْشٌ فِي مَعْنَى: أَيّ شَيْءٍ، كَمَا يُقَالُ وَيْلُمّهِ فِي مَعْنَى: ويل أمه «٢» على الحذف
_________________
(١) هو فى الإصابة مع اختصار واختلاف يسير عما هنا. وعيب السهيلى أنه يصدق مثل هذا، ويعلق عليه كأنه صحيح. بينما يقول أبو عمر: إسناده ضعيف، ورواته مجهولون، وعمارة بن زيد راوى الحديث اتهموه بوضع الحديث
(٢) ويل أمه: أى هو داهية. ويقول ابن جنى «وأما وزن قوله: «ويلمه فإن حكيت أصله، فوزنه (فع ل عله) وإن وزنت على ما صار إليه بعد التركيب فمثالها (فيعلة) بسكون الياء وضم العين وتضعيف اللام مع فتح فإن قلت: فإن هذا مثال غير موجود، قيل: إنما ينكر هذا: لو كان المثال أصلا برأسه، فامأ وهو فرع أدى إليه التركيب شيئا بعد شىء، فلا ينكر ذلك ويجوز-
[ ٢ / ٣١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ: هُوَ فِي جَيْشٍ أَيّمَا جَيْشٍ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَأَحْسَبُهُ أَرَادَ بِآلِ أَيْشٍ: بَنِي أُقَيْشٍ، وَهُمْ حُلَفَاءُ الْأَنْصَارِ مِنْ الْجِنّ؛ فَحَذَفَ مِنْ الِاسْمِ حَرْفًا، وَقَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ مِثْلَ هَذَا، وَقَدْ وَقَعَ ذِكْرُ بَنِي أُقَيْشٍ فِي السّيرَةِ فِي حَدِيثِ الْبَيْعَةِ.
وَذِكْرُ الرّكْنِ وَالْأَحَائِمِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ: الْأَحَاوِمَ بِالْوَاوِ، فَهَمْزُ الْوَاوِ لِانْكِسَارِهَا، وَالْأَحَاوِمُ: جَمْعُ أحوام والأحوام جميع حَوْمٍ، وَهُوَ الْمَاءُ فِي الْبِئْرِ، فَكَأَنّهُ أَرَادَ: مَاءَ زَمْزَمَ، وَالْحَوْمُ أَيْضًا: إبِلٌ كَثِيرَةٌ تَرِدُ الْمَاءَ، فَعَبّرَ بِالْأَحَائِمِ عَنْ وِرَادِ زَمْزَمَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا الطّيْرَ وَحَمَامَ مَكّةَ الّتِي تَحُومُ عَلَى الْمَاءِ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى الْحَوَائِمِ، وَقُلِبَ اللّفْظُ، فَصَارَ بَعْدُ فَوَاعِلَ: أَفَاعِلَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
حَيّ جَنْبٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ أَنّ جَنْبًا وَهُمْ حَيّ مِنْ الْيَمَنِ اجْتَمَعُوا إلَى كَاهِنٍ لَهُمْ، فَسَأَلُوهُ عَنْ أَمْرِ النّبِيّﷺ- حِينَ رَمَى بِالنّجُومِ إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ:
جَنْبٌ هُمْ مِنْ مَذْحِجَ، وَهُمْ: عَيّذُ اللهِ، وَأَنَسُ اللهِ، وَزَيْدُ اللهِ، وَأَوْسُ اللهِ، وَجُعْفِيّ، وَالْحَكَمُ، وَجِرْوَةُ، بَنُو سَعْدِ الْعَشِيرَةِ «١» بْنِ مَذْحِجَ، وَمَذْحِجُ هُوَ: مَالِكُ بْنُ أُدَدٍ، وَسُمّوا: جَنْبًا لأنهم جانبوا بنى عمهم صداء
_________________
(١) - أن يكون قولهم: (ويلمه) أصله: ويل لأمه، ثم حذف حرف الجر والهمزة- التى هى فاء- والتنوين، أو لم ينون، لأنه نوى المعرفة كغاق، فبقى: ويلمه) ص ١٦ التمام فى تفسير أشعار هذيل ط بغداد. وقال ابن الشجرى، أنها تقال بضم اللام وكسرها، وانظر ص ٢٥١ ح ٣ خزانة البغدادى ط السلفية، فقد فصل القول فيها. وفيه أن معناها مدح خرج بلفظ الذم. وأنها تقال للمستجاد وللداهية.
(٢) فى جمهرة ابن حزم عن ولد سعد العشيرة أنهم: الحكم- وبه كان يكنى- والصعب ونمرة لأمهات شتى، وجعفى وعائذ الله، وأوهن الله، وزيد الله وأنس الله، والحر أمهم: أسماء بنت أبى بكر بن عبد مناة بن كنانة ص ٣٨٣
[ ٢ / ٣١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويزيدا بنى سَعْدِ الْعَشِيرَةِ بْنِ مَذْحِجَ «١» . قَالَهُ الدّارَقُطْنِيّ. وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ خِلَافًا فِي أَسْمَائِهِمْ، وَذَكَرَ فِيهِمْ بَنِي غَلِيّ بِالْغَيْنِ، وَلَيْسَ فِي الْعَرَبِ غَلِيّ غَيْرُهُ، قَالَ مُهَلْهِلٌ:
أَنْكَحَهَا فَقْدُهَا الْأَرَاقِمَ فِي جَنْبٍ، وَكَانَ الْحِبَاءُ مِنْ أَدَمْ
مَعْنَى خَلَتْ فِي وَشِيعَةٍ فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ عُمَرَ، وَقَوْلَهُ لِلرّجُلِ: أَكُنْت كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيّةِ؟
فَقَالَ الرّجُلُ: سُبْحَانَ اللهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ خِلْت «٢» فِيّ، وَاسْتَقْبَلْتنِي بِأَمْرِ مَا أَرَاك اسْتَقْبَلْت بِهِ أَحَدًا مُنْذُ وُلّيت! وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَوْلُهُ: خِلْت فِيّ هُوَ مِنْ بَابِ حَذْفِ الْجُمْلَةِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ خِلْت وَظَنَنْت، كَقَوْلِهِمْ فِي الْمَثَلِ: مَنْ يَسْمَعْ يَخَلْ، وَلَا يَجُوزُ حَذْفُ أَحَدِ الْمَفْعُولَيْنِ مَعَ بَقَاءِ الْآخَرِ، لِأَنّ حُكْمَهُمَا حُكْمُ الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ، فَإِذَا حُذِفَتْ الْجُمْلَةُ كُلّهَا جَازَ؛ لِأَنّ حُكْمَهُمَا حُكْمُ الْمَفْعُولِ، وَالْمَفْعُولُ قَدْ يَجُوزُ حذفه، ولكن لابد مِنْ قَرِينَةٍ تَدُلّ عَلَى الْمُرَادِ، فَفِي قَوْلِهِمْ: مَنْ يَسْمَعْ يَخَلْ دَلِيلٌ يَدُلّ عَلَى الْمَفْعُولِ، وَهُوَ يَسْمَعُ، وَفِي قَوْلِهِ، خِلْت فِيّ دَلِيلٌ أَيْضًا، وَهُوَ قَوْلُهُ: فِيّ، كَأَنّهُ قَالَ: خِلْت الشّرفىّ أَوْ نَحْوَ، هَذَا وَقَوْلُهُ: قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِشَهْرِ أَوْ شَيْعِهِ أَيْ: دُونَهُ بِقَلِيلِ، وَشَيْعُ كُلّ شَيْءٍ: مَا هُوَ تَبَعٌ لَهُ، وَهُوَ مِنْ
_________________
(١) فى الاشتقاق لابن دريد وهو يتكلم عن مذحج (ومن بطونهم بنو منبه ابن حرب بن يزيد والحارث والغلى وسيحان وشمران وهفّان يقال لهم جنب لأنهم جانبوا قومهم) ص ٤٠٥.
(٢) يقال: خلت بالكسر إخال وهو الأفصح، وبنو أسد يقولون: أخال بالفتح وهو القياس. المعنى: من يتسمع أخبار الناس ومعايبهم، يقع فى نفسه عليهم المكروه.
[ ٢ / ٣١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشّيَاعِ وَهِيَ: حَطَبٌ صِغَارٌ تُجْعَلُ مَعَ الْكِبَارِ تَبَعًا لَهَا، وَمِنْهُ: الْمُشَيّعَةُ، وَهِيَ:
الشّاةُ تَتْبَعُ الغنم، لأنها دونها فى الْقُوّةِ.
جُلَيْحٌ وَسَوَادُ بْنُ قَارِبٍ:
وَالصّوْتُ الّذِي سَمِعَهُ عُمَرُ مِنْ الْعِجْلِ يَا جُلَيْحٌ «١» سَمِعْت بَعْضَ أَشْيَاخِنَا يَقُولُ: هُوَ اسْمُ شَيْطَانٍ، وَالْجُلَيْحُ فى اللغة: ما تطاير من رؤس النّبَاتِ، وَخَفّ نَحْوَ الْقُطْنِ وَشِبْهِهِ، وَالْوَاحِدَةُ: جُلَيْحَةٌ، وَاَلّذِي وَقَعَ فِي السّيرَةِ: يَا ذَرِيحُ، وَكَأَنّهُ نِدَاءٌ لِلْعِجْلِ الْمَذْبُوحِ لِقَوْلِهِمْ: أَحْمَرُ ذَرِيحِيّ، أَيْ: شَدِيدُ الْحُمْرَةِ، فَصَارَ وَصْفًا لِلْعِجْلِ الذّبِيحِ مِنْ أَجْلِ الدّمِ: وَمَنْ رَوَاهُ: يَا جُلَيْحُ، فَمَآلُهُ إلَى هَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنّ الْعِجْلَ قَدْ جُلِحَ أَيْ: كُشِفَ عَنْهُ الْجِلْدُ، فَاَللهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا الرّجُلُ الّذِي كَانَ كَاهِنًا هُوَ سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ الدّوْسِيّ فِي قَوْلِ ابْنِ الْكَلْبِيّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ سَدُوسِيّ «٢» وَفِيهِ يَقُولُ الْقَائِلُ:
أَلَا لِلّهِ عِلْمٌ لَا يُجَارَى إلَى الْغَايَاتِ فِي جَنْبَيْ سَوَادِ
أَتَيْنَاهُ نُسَائِلُهُ امْتِحَانًا فَلَمْ يَبْعَلْ، وَأَخْبَرَ بِالسّدَادِ «٣»
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي شِعْرٍ وَخَبَرٍ ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيّ الْقَالِي فِي أَمَالِيهِ، وَرَوَى غير ابن إسحاق هذا الخير عَنْ عُمَرَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، وَأَنّ عمر مازحه، فقال: ما فعلت:
_________________
(١) هذه رواية البخارى.
(٢) قال ابن حبيب: كل سدوس فى العرب مفتوح إلا سدوس بن أجمع ابن أبى عبيد بن ربيعة بن نصر.
(٣) فى الأمالى (وتحسب أن سيعمد يالعناد) والخبر كما قال مطولا فى الأمالى ص ٢٨٩ ح ٢ ط ٢ والشعر منسوب إلى عارف الشاعر. وهو كلام فحسب كلام لا يحنو عليه عقل، ولا يصالحه دين
[ ٢ / ٣١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كِهَانَتُك يَا سَوَادُ؟! فَغَضِبَ، وَقَالَ: قَدْ كُنْت أَنَا وَأَنْت عَلَى شَرّ مِنْ هَذَا مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَأَكْلِ الْمَيْتَاتِ، أَفَتُعَيّرُنِي بِأَمْرِ تُبْت مِنْهُ؟! فَقَالَ عُمَرُ حِينَئِذٍ:
اللهُمّ غَفْرًا. وَذَكَرَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سِيَاقَةً حَسَنَةً وَزِيَادَةً مُفِيدَةً، وَذَكَرَ أَنّهُ حَدّثَ عُمَرَ أَنّ رِئْيَهُ جَاءَ ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَاتٍ، هُوَ فِيهَا كُلّهَا بَيْنَ النّائِمِ وَالْيَقْظَانِ، فَقَالَ: قُمْ يَا سَوَادُ، وَاسْمَعْ مَقَالَتِي، وَاعْقِلْ إنْ كُنْت تَعْقِلُ، قَدْ بُعِثَ رَسُولُ اللهِﷺ- مِنْ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ يَدْعُو إلَى اللهِ وَعِبَادَتِهِ، وَأَنْشَدَهُ فِي كُلّ لَيْلَةٍ مِنْ الثّلَاثِ اللّيَالِي ثَلَاثَةَ أَبْيَاتٍ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ وَقَافِيَتُهَا مُخْتَلِفَةٌ:
عَجِبْت لِلْجِنّ وَتَطْلَابِهَا وَشَدّهَا الْعِيسَ بِأَقْتَابِهَا
تَهْوِي إلَى مَكّةَ تَبْغِي الْهُدَى مَا صَادِقُ الْجِنّ كَكَذّابِهَا
فَارْحَلْ إلَى الصّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ لَيْسَ قُدَامَاهَا «١» كَأَذْنَابِهَا
وَقَالَ لَهُ فِي الثّانِيَةِ:
عَجِبْت لِلْجِنّ وَإِبْلَاسِهَا وَشَدّهَا الْعِيسَ بِأَحْلَاسِهَا
تَهْوِي إلَى مَكّةَ تَبْغِي الْهُدَى مَا طَاهِرُ الْجِنّ كَأَنْجَاسِهَا
فَارْحَلْ إلَى الصّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ ليس ذنابى الطير من رأسها «٢»
_________________
(١) فى الخصائص للسيوطى: قدام، وهو صحيح المعنى أيضا.
(٢) فى البداية لابن كثير، وفى الخصائص للسيوطى: ما مؤمنوها مثل أرجاسها- واسم بعينيك إلى رأسها. وفى السيرة الحلبية: ما خير الجن كأنجاسها، وارم بعينيك إلى رأسها، بدلا من: «ما طاهر الجن الخ وليس ذنابى الطير الخ» .
[ ٢ / ٣٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَالَ لَهُ فِي الثّالِثَةِ:
عَجِبْت لِلْجِنّ وَتَنْفَارِهَا «١» وَشَدّهَا الْعِيسَ بِأَكْوَارِهَا
تَهْوِي إلَى مَكّةَ تَبْغِي الْهُدَى مَا مُؤْمِنُ الْجِنّ كَكُفّارِهَا «٢»
فَارْحَلْ إلَى الْأَتْقَيْنِ مِنْ هَاشِمٍ لَيْسَ قُدَامَاهَا كَأَدْبَارِهَا «٣»
وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ، وَفِي آخِرِ شِعْرِ سَوَادٍ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- فَأَنْشَدَهُ مَا كَانَ مِنْ الْجِنّيّ رِئْيَةَ ثَلَاثِ لَيَالٍ مُتَوَالِيَاتٍ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ:
أَتَانِي نَجِيّي بَعْدَ هدء ورقدة «٤» ولم بك فِيمَا قَدْ بَلَوْت بِكَاذِبِ
ثَلَاثَ لَيَالٍ قَوْلُهُ كُلّ لَيْلَةٍ أَتَاك نَبِيّ «٥» مِنْ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ
فَرَفّعْت أَذْيَالَ الْإِزَارِ وَشَمّرَتْ بِي الْعِرْمِسُ الْوَجْنَا هُجُولُ السّبَاسِبِ «٦»
فَأَشْهَدُ أَنّ اللهَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ وَأَنّك مَأْمُونٌ عَلَى كُلّ غَائِبِ
_________________
(١) فى الخصائص: وتجسارها.
(٢) فى الخصائص: ليس ذو الشر كأخيارها.
(٣) فى الخصائص: ما مؤمنو الجن ككفارها.
(٤) فى الخصائص: «رئيى، وليل وهجعة» .
(٥) فى الخصائص: رسول.
(٦) فى الخصائص: فشمرت عن ساقى الإزار، ووسطت بى الذّعلب الوجناء عند السباسب والعرمس: الناقة الصلبة. والوجناء: العظيمة الوجنتين. والهجول: جمع هجل: المطمئن من الأرض. والسباسب: جمع. سبسب، وهى المفازة من الأرض، أو الأرض البعيدة المستوية. والذعلب بكسر الذال واللام أو الذعلبة: الناقة السريعة.
[ ٢ / ٣٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأنك أدنى المرسلين وسيلة «١» إلى الله يابن الْأَكْرَمِينَ الْأَطَايِبِ
فَمُرْنَا بِمَا يَأْتِيك مِنْ وَحْيِ رَبّنَا «٢» وَإِنْ كَانَ فِيمَا جِئْت شَيْبُ الذّوَائِبِ
وَكُنْ لِي شَفِيعًا يَوْمَ لَا ذُو شَفَاعَةٍ بمغن «٣» فتيلا عن سواد بن قارب
_________________
(١) فى الخصائص: شفاعة، ولا يجوز أن نفهم أنه وسيلة إلى الله إلا بالمعنى الشرعى المحكم الذى ينفى الشرك. ويثبت التوحيد، والوسيلة هنا: حبه وحب الله وطاعته وطاعة الله، أى: اتباع ما جاء به، والانتهاء عما نهى عنه. أما المعنى الشركى الذى ينفى الإيمان، فهو أن نتوسل بذاته أو قبره لا بطاعته وحبه.
(٢) فى الخصائص: يا خير من مشى، وفى رواية: يا خير مرسل.
(٣) فى الخصائص: سواك. وطلب الشفاعة من غير الله هو طلبها ممن لا يملكها، ولا ينبغى لمسلم أن يطلب من رسول الله الشفاعة؛ لأنه لا يملكها، وإنما له أن يطلبها من الله سبحانه. ولنتدبر معاقو له سبحانه: «من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه» وغيرها من الايات التى تقطع بأن أحدا لا يملك من أمر الشفاعة شيئا إلا الله سبحانه، وهذا البيت يؤكد أن القصة موضوعة، وأن القصيدة مصنوعة، فلم يكن من دين صحابى، بل لم يكن من دين مسلم أن يتوجه بطلب الشفاعة إلى رسول الله «ص» . والبيت من البيوت التى يستشهد بها النحويون. والشاهد فيه قوله: «بمغن» حيث أدخل الباء الزائدة فى خبر لا، كما تدخل فى الخبر المنفى بليس وما، وذاك قليل، وهذه الباء لتأكيد النفى عند الكوفيين، أما عند البصريين فهى لدفع توهم الإثبات. ورأى الكوفيين هو الصحيح. ولا نافية حجازية تعمل عمل ليس، ولهذا رفعت ذو. وقد روى البخارى قصة سواد بن قارب فى إسلام عمر عن يحيى بن سليمان الحوفى عن ابن وهب، عن عمرو- وهو محمد بن زيد- أن سالما حدثه عن عبد الله بن عمر- بنحو مما ذكره ابن هشام. وسواد بن قارب من أهل السراة- كما قيل- من جبال البلقاء له صحبة- كما يحكى- ووفادة. وقيل: كان من أشراف اليمن، وهناك فى بعض الطرق التى روى منها هذا الحديث ما يثير حوله الشك، بل فى ألفاظه نفسها. والقرآن لا يشهد له، وتدبر قول الله سبحانه: (إنه يراكم هو وقبيله من حيث-
[ ٢ / ٣٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سواد وروس عند وفاة الرسول «ص»:
وَلِسَوَادِ بْنِ قَارِبٍ هَذَا مَقَامٌ حَمِيدٌ فِي دَوْسٍ حِينَ بَلَغَهُمْ وَفَاةُ رَسُولِ اللهِﷺ- فَقَامَ حِينَئِذٍ سَوَادٌ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَزْدِ، إنّ مِنْ سَعَادَةِ الْقَوْمِ أَنْ يَتّعِظُوا بِغَيْرِهِمْ، وَمِنْ شَقَائِهِمْ أَلّا يَتّعِظُوا إلّا بِأَنْفُسِهِمْ، وَمَنْ لَمْ تَنْفَعْهُ التّجَارِبُ ضَرّتْهُ، وَمَنْ لَمْ يَسَعْهُ الْحَقّ لَمْ يَسَعْهُ الْبَاطِلُ، وَإِنّمَا تُسْلِمُونَ الْيَوْمَ بِمَا أَسْلَمْتُمْ بِهِ أَمْسِ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنّ النّبِيّﷺ- قَدْ تَنَاوَلَ قَوْمًا أَبْعَدَ مِنْكُمْ فَظَفِرَ بِهِمْ، وَأَوْعَدَ قَوْمًا أَكْثَرَ مِنْكُمْ فَأَخَافَهُمْ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْكُمْ عِدّةٌ وَلَا عَدَدٌ، وَكُلّ بَلَاءٍ مَنْسِيّ إلّا ما بَقِيَ أَثَرُهُ فِي النّاسِ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْبَلَاءِ إلّا أَنْ يَكُونُوا أَذْكَرَ مِنْ أَهْلِ الْعَافِيَةِ لِلْعَافِيَةِ، وَإِنّمَا كَفّ نَبِيّ اللهِ عَنْكُمْ مَا كَفّكُمْ عَنْهُ، فَلَمْ تَزَالُوا خَارِجِينَ مِمّا فِيهِ أَهْلُ الْبَلَاءِ، دَاخِلِينَ مِمّا فِيهِ أَهْلُ الْعَافِيَةِ، حَتّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- خَطِيبُكُمْ وَنَقِيبُكُمْ فَعَبّرَ الْخَطِيبُ عَنْ الشّاهِدِ، وَنَقّبَ النّقِيبُ عَنْ الْغَائِبِ، وَلَسْت أَدْرِي لَعَلّهُ تَكُونُ لِلنّاسِ جَوْلَةٌ فَإِنْ تَكُنْ، فَالسّلَامَةُ مِنْهَا: الْأَنَاةُ، وَاَللهُ يُحِبّهَا، فَأَحِبّوهَا. فَأَجَابَهُ الْقَوْمُ وَسَمِعُوا قَوْلَهُ، فَقَالَ فى ذلك سواد بن قارب:
_________________
(١) - لا ترونهم»، والجليح- كما فسر- هو الوقح المكافح بالعداوة، وفى رواية. يا آل ذريح، وهو بطن مشهور فى العرب، والقلاص: جمع قلص، وهذه جمع قلوص: الفتية من النياق، والأحلاس: جمع حلس ما يوضع على ظهر البعير ليقى الرجل من الدبر، وأبلس الرجل: سكت ذليلا أو مغلوبا، والعيس: الإبل الكرام. انظر ص ١٤٤ ح ٧ فتح البارى، وص ٢٥٢ ح ١ الخصائص للسيوطى ح ١ دار الكتب الحديثة، ص ٦٨ شرح السيرة للخشنى، وبلوغ الأرب ح ٣ ص. ٢٣، ٣٠٢، ومجمع الزوائد للهيثمى.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جَلّتْ مُصِيبَتُك الْغَدَاةَ سَوَادُ وَأَرَى الْمُصِيبَةَ بَعْدَهَا تَزْدَادُ
أَبْقَى لَنَا فَقْدُ النّبِيّ مُحَمّدٍ - صَلّى الْإِلَهُ عَلَيْهِ- مَا يُعْتَادُ
حُزْنًا لَعَمْرُك فِي الْفُؤَادِ مُخَامِرًا أَوْ هَلْ لِمَنْ فَقَدَ النّبِيّ فُؤَادُ؟
كُنّا نَحُلّ بِهِ جَنَابًا مُمْرِعًا جَفّ الْجَنَابُ، فَأَجْدَبَ الرّوّادُ
فَبَكَتْ عَلَيْهِ أَرْضُنَا وَسَمَاؤُنَا وَتَصَدّعَتْ وَجْدًا بِهِ الْأَكْبَادُ
قَلّ الْمَتَاعُ بِهِ، وَكَانَ عِيَانُهُ حُلْمًا تَضَمّنَ سَكَرَتَيْهِ رُقَادُ
كَانَ الْعِيَانُ هُوَ الطّرِيفَ وَحُزْنُهُ بَاقٍ لَعَمْرُك فِي النّفُوسِ تِلَادُ
إنّ النّبِيّ وَفَاتُهُ كَحَيَاتِهِ الْحَقّ حَقّ وَالْجِهَادُ جِهَادُ
لَوْ قِيلَ: تَفْدُونَ النّبِيّ مُحَمّدًا بُذِلَتْ لَهُ الْأَمْوَالُ وَالْأَوْلَادُ
وَتَسَارَعَتْ فِيهِ النّفُوسُ بِبَذْلِهَا هَذَا لَهُ الْأَغْيَابُ وَالْأَشْهَادُ
هَذَا، وَهَذَا لَا يَرُدّ نَبِيّنَا لَوْ كَانَ يَفْدِيهِ فَدَاهُ سَوَادُ
أَنّى أُحَاذِرُ وَالْحَوَادِثُ جَمّةٌ أَمْرًا لِعَاصِفِ رِيحِهِ إرْعَادُ
إنْ حَلّ مِنْهُ مَا يُخَافُ فَأَنْتُمْ لِلْأَرْضِ- إنْ رَجَفَتْ بِنَا- أَوْتَادُ
لَوْ زَادَ قَوْمٌ فَوْقَ مُنْيَةِ صَاحِبٍ زِدْتُمْ، وَلَيْسَ لِمُنْيَةِ مُزْدَادُ
كَاهِنَةُ قُرَيْشٍ فَأَعْجَبَ الْقَوْمَ شِعْرُهُ، وَقَوْلُهُ: فَأَجَابُوا إلَى مَا أَحَبّ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ خَبَرُ سَوْدَاءَ بِنْتِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ، وَذَلِكَ أَنّهَا حِينَ وُلِدَتْ وَرَآهَا أَبُوهَا زَرْقَاءَ شَيْمَاءَ «١» أَمَرَ بِوَأْدِهَا، وَكَانُوا يَئِدُونَ مِنْ الْبَنَاتِ مَا كَانَ عَلَى هَذِهِ الصّفَةِ فَأَرْسَلَهَا إلَى الْحَجُونِ لِتُدْفَنَ هُنَاكَ، فَلَمّا حَفَرَ لَهَا الحافر، وأراد دفنها سمع هاتفا يقول:
_________________
(١) صافية البياض فيها شامة، تعطيها جمالا.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَا تَئِدَنّ الصّبِيّة، وَخَلّهَا فِي الْبَرّيّة، فَالْتَفَتَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَعَادَ لِدَفْنِهَا، فَسَمِعَ الْهَاتِفَ يَهْتِفُ بِسَجْعِ آخَرَ فِي الْمَعْنَى، فَرَجَعَ إلَى أَبِيهَا، فَأَخْبَرَهُ بِمَا سَمِعَ، فَقَالَ:
إنّ لَهَا لَشَأْنًا، وَتَرَكَهَا، فَكَانَتْ كَاهِنَةَ قُرَيْشٍ، فَقَالَتْ يَوْمًا لِبَنِي زُهْرَةَ: إنّ فِيكُمْ نَذِيرَةً، أَوْ تَلِدُ نَذِيرًا، فَاعْرِضُوا عَلَيّ بَنَاتِكُمْ، فَعُرِضْنَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ فِي كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنّ قَوْلًا ظَهَرَ بَعْدَ حِينٍ، حَتّى عُرِضَتْ عَلَيْهَا آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ، فقالت: هذه النذيرة، أو تلدنذيرا، وَهُوَ خَبَرٌ طَوِيلٌ ذَكَرَ الزّبَيْرُ مِنْهُ يَسِيرًا، وَأَوْرَدَهُ بِطُولِهِ أَبُو بَكْرٍ النّقّاشُ، وَفِيهِ ذَكَرَ جَهَنّمَ- أَعَاذَنَا اللهُ مِنْهَا- وَلَمْ يَكُنْ اسْمُ جهنّم، مسوعا بِهِ عِنْدَهُمْ، فَقَالُوا لَهَا: وَمَا جَهَنّمُ، فَقَالَتْ: سيخبركم النذير عنها» .
_________________
(١) ليس صدق النبوة فى حاجة إلى أن نكذب له، وتصديق مثل هذه المفتريات تكذيب للقرآن الذى يؤكد أن علم الغيب إنما هو لله وحده. وإذا كان محمد «ص» نفسه لم يكن يعرف الإيمان قبل النبوة، ولم يكن يعرف بالتالى أنه نبى، فكيف ننسب هذا العلم إلى غيره من طواغيت الوثنية؟! هذا وبعض اللغويين يقول عن جهنم: إنها معربة، والأكثرون على أنها عربية أصيلة من جهنام مثلثة الجيم- يقال: ركية جهنام أو جهنم: بعيدة القعر وحديث عاصم بن عمر وهو فى البداية عاصم بن عمر بن قتادة الأنصارى، وفى تفسير ابن كثير: عاصم بن عمرو عن قتادة. ورواه ابن إسحاق أيضا عن محمد بن أبى محمد عن عكرمة، أو سعيد ابن جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ يَهُودَ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمّا بَعَثَهُ اللهُ مِنْ الْعَرَبِ كَفَرُوا بِهِ وَجَحَدُوا مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِيهِ، فَقَالَ لَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جبل وبشر بن البراء بن معرور وداود ابن سَلَمَةَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ اتّقُوا اللهَ وَأَسْلِمُوا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ، ونحن أهل شرك، وتخبروننا بأنه مبعوث، وتصفونه بصفته، -
[ ٢ / ٣٢٥ ]
[إنذار يهود بِرسول اللهِ ﷺ]
قَالَ ابن سحاق: وَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا: إنّ مِمّا دَعَانَا إلَى الْإِسْلَامِ، مَعَ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى وَهَدَاهُ، لما كنّا نسمع من رجال يهود، كُنّا أَهْلَ شِرْكٍ أَصْحَابَ أَوَثَانٍ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ، عِنْدَهُمْ عِلْمٌ لَيْسَ لَنَا، وَكَانَتْ لَا تَزَالُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ شُرُورٌ، فَإِذَا نِلْنَا مِنْهُمْ بعض ما يكرهون، قالوا لنا: إنه تَقَارَبَ زَمَانُ نَبِيّ يُبْعَثُ الْآنَ نَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمٍ، فَكُنّا كَثِيرًا مَا نَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَلَمّا بَعَثَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ أَجَبْنَاهُ حِينَ دَعَانَا إلَى اللهِ تَعَالَى، وَعَرَفْنَا مَا كَانُوا يَتَوَعّدُونَنَا بِهِ، فَبَادَرْنَاهُمْ إلَيْهِ، فَآمَنّا بِهِ، وَكَفَرُوا بِهِ، فَفِينَا وَفِيهِمْ نَزَلَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ مِنْ الْبَقَرَةِ: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ، وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ. البقرة: ٧٩
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَسْتَفْتِحُونَ: يَسْتَنْصِرُونَ، وَيَسْتَفْتِحُونَ أَيْضًا:
يَتَحَاكَمُونَ، وَفِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ،
ــ
_________________
(١) - فقال سلام بن مشكم أخو بَنِي النّضِيرِ: مَا جَاءَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وَمَا هو بالذى كنا نذكر لكم. وقال أبو العالية فى تفسير الاية: كانت اليهود تستنصر بمحمد ﷺ على مشركى العرب يقولون: اللهم ابعث هذا النبى الذى نجده مكتوبا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم، فلما بعث الله محمدا ﷺ، ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسدا للعرب، وهم يعلمون أَنّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وَرَوَى البيهقى: كانت اليهود تقول: اللهم ابعث لنا هذا النبى يحكم بيننا وبين الناس، يستفتحون به. أى: يستنصرون به.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ. الأعراف: ٨٩.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي صَالِحُ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَخِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ- وَكَانَ سَلَمَةُ مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ- قَالَ: كَانَ لَنَا جَارٌ مِنْ يَهُودَ فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، قَالَ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا يَوْمًا مِنْ بَيْتِهِ، حَتّى وَقَفَ على بنى عبد الأشهل- قال سلمة: وأنا يومئذ أَحْدَثِ مَنْ فِيهِ سِنّا، عَلَيّ بُرْدَةٌ لِي، مُضْطَجِعٌ فِيهَا بِفِنَاءِ أَهْلِي- فَذَكَرَ الْقِيَامَةَ وَالْبَعْثَ وَالْحِسَابَ وَالْمِيزَانَ وَالْجَنّةَ وَالنّارَ، قَالَ: فَقَالَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ أَهْلِ شِرْكٍ أَصْحَابِ أَوَثَانٍ، لَا يَرَوْنَ أَنّ بَعْثًا كَائِنٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَقَالُوا لَهُ: ويحك يا فلان!! أو ترى هَذَا كَائِنًا، أَنّ النّاسَ يُبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ إلَى دَارٍ فِيهَا جَنّةٌ وَنَارٌ، يُجْزَوْنَ فِيهَا بأعمالهم؟ قال: نعم، والذى يحلف به، ويودّ أَنّ لَهُ بِحَظّهِ مِنْ تِلْكَ النّارِ أَعْظَمَ تَنّورٍ فِي الدّارِ، يَحْمُونَهُ ثُمّ يُدْخِلُونَهُ إيّاهُ فَيُطَيّنُونَهُ عَلَيْهِ، بِأَنْ يَنْجُوَ مِنْ تِلْكَ النّارِ غَدًا، فَقَالُوا لَهُ: وَيْحَك يَا فُلَانُ! فَمَا آيَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَبِيّ مَبْعُوثٌ مِنْ نَحْوِ هَذِهِ الْبِلَادِ- وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى مَكّةَ وَالْيَمَنِ- فَقَالُوا: وَمَتَى تَرَاهُ؟
قَالَ: فَنَظَرَ إلَيّ، وَأَنَا مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنّا، فَقَالَ: إنْ يَسْتَنْفِدْ هَذَا الغلام عمره يدركه.
قال سلمة: فو الله مَا ذَهَبَ اللّيْلُ وَالنّهَارُ حَتّى بَعَثَ اللهُ مُحَمّدًا رَسُولَهُﷺ- وَهُوَ حَيّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَآمَنّا بِهِ، وَكَفَرَ بِهِ بَغْيًا وَحَسَدًا.
قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: وَيْحَك يَا فُلَانُ!! أَلَسْت الّذِي قُلْتَ لَنَا فِيهِ مَا قلت؟ قال:
بلى. ولكن ليس بِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي قريظة قال:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٢٧ ]
قَالَ لِي: هَلْ تَدْرِي عَمّ كَانَ إسْلَامِ ثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ وَأُسَيْدِ بْنِ سَعْيَةَ وأسد.
ابن عُبَيْدٍ نَفَرٍ مِنْ بَنِي هَدْلٍ، إخْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ، كَانُوا مَعَهُمْ فِي جَاهِلِيّتِهِمْ ثُمّ كَانُوا ساداتهم فى الإسلام. قال: قلت: لا، قَالَ: فَإِنّ رَجُلًا مِنْ يَهُودَ مِنْ أَهْلِ الشّامِ، يُقَال لَهُ: ابْنُ الْهَيْبَانِ، قَدِمَ عَلَيْنَا قُبَيْلَ الْإِسْلَامِ بِسِنِينَ، فَحَلّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، لَا وَاَللهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا قَطْ لَا يُصَلّي الْخَمْسَ أَفَضْلَ مِنْهُ، فَأَقَامَ عِنْدَنَا فَكُنّا إذَا قحط عنا المطر قلنا له: اخرج يابن الْهَيْبَانِ فَاسْتَسْقِ لَنَا، فَيَقُولُ:
لَا وَاَللهِ، حَتّى تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيْ مَخْرَجِكُمْ صَدَقَةً، فَنَقُولُ لَهُ: كَمْ؟ فَيَقُولُ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ: أَوْ مُدّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ. قَالَ: فَنُخْرِجُهَا، ثُمّ يَخْرُجُ بِنَا إلى ظاهر حرّتنا، فيستسقى الله لنا. فو الله ما يبرح مجلسه، حتى تمرّ السحابة وَنُسْقَى، قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرّةٍ وَلَا مَرّتَيْنِ وَلَا ثَلَاثٍ. قَالَ: ثُمّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ عِنْدَنَا.
فَلَمّا عَرَفَ أَنّهُ مَيّتٌ، قَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، مَا تَرَوْنَهُ أَخْرَجَنِي مِنْ أَرْضِ الْخَمْرِ وَالْخَمِيرِ إلَى أَرْضِ الْبُؤْسِ وَالْجُوعِ؟ قَالَ: قُلْنَا: إنّك أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنّي إنّمَا قَدِمْتُ هذه البلدة أتَوَكّفُ خُرُوجَ نَبِيّ قَدْ أَظَلّ زَمَانُهُ، وَهَذِهِ الْبَلْدَةُ مُهَاجَرُهُ، فَكُنْت أَرْجُو أَنْ يُبْعَثَ، فَأَتّبِعَهُ، وَقَدْ أَظَلّكُمْ زَمَانُهُ، فَلَا تُسْبَقُنّ إلَيْهِ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، فَإِنّهُ يُبْعَثُ بِسَفْكِ الدّمَاءِ، وَسَبْيِ الذّرَارِيّ وَالنّسَاءِ مِمّنْ خَالَفَهُ، فَلَا يَمْنَعْكُمْ ذَلِكَ مِنْهُ. فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللهِﷺ- وَحَاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ، قَالَ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةُ، وَكَانُوا شَبَابًا أَحْدَاثًا: يَا بَنِي قُرَيْظَةَ، وَاَللهِ إنّهُ لِلنّبِيّ الّذِي كَانَ عَهِدَ إلَيْكُمْ فِيهِ ابْنُ الْهَيْبَانِ، قَالُوا: لَيْسَ بِهِ، قَالُوا: بلى والله، إنه لهو صفته، فَنَزَلُوا وَأَسْلَمُوا، وَأَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَهَذَا مَا بَلَغَنَا عَنْ أَخْبَارِ يهود.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَدِيثُ سَلَمَةَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ حَدِيثَ سَلَمَةَ بْنِ سَلَامَةَ بْنِ وَقّشٍ، وَمَا سَمِعَ مِنْ الْيَهُودِيّ حِينَ ذَكَرَ الْجَنّةَ وَالنّارَ، وَقَالَ: آيَةُ ذَلِكَ نَبِيّ: مَبْعُوثٌ قَدْ أَظَلّ زَمَانُهُ إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ فِيهِ إشْكَالٌ، وَابْنُ وَقّشٍ يُقَالُ فِيهِ: وَقَشٌ بِتَحْرِيكِ الْقَافِ وَتَسْكِينِهَا، والوقش: الحركة «١» .
حديث ابن الهيبان وبنوا سعيد:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ الْهَيّبَانِ «٢»، وَمَا بَشّرَ بِهِ مِنْ أَمْرِ النّبِيّﷺ- وَأَنّ ذَلِكَ كَانَ سَبَبَ إسْلَامِ ثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ وَأُسَيْدِ بْنِ سَعْيَةَ وَأَسَدِ بْنِ سَعْيَةَ، وَهُمْ مِنْ بَنِي هَدَلْ، وَالْهَيْبَانُ مِنْ الْمُسَمّيْنَ بِالصّفَاتِ، يُقَالُ:
قُطْنٌ هَيّبَانُ أَيْ: مُنْتَفِشٌ، وأنشد أبو حنيفة:
_________________
(١) روى حديث ابن وقش أحمد، وصححه ابن حبان من طريقه، ورواه- البيهقى عن الحاكم بإسناده من طريق يونس بن بكير «ج ٦ ص ٤٥٤ فتح البارى» ص ٣٠٩ ج ٢ البداية. وقد ورد أن اسم الجار اليهودى هو: يوشع، وهناك بعض كلمات فى أحمد تخالف ما هنا. فقد ذكر فروة مكان بردة، ويطبقونه مكان يطينونه. ووضع كلمة نحو مكان: إلى فى قوله: إلى مكة. وذكر: ومتى نراه بدلا من: منى تراه؟
(٢) معناها: الكثير والجبان والتيس والخفيف والراعى والتراب وزبد أفواه الإبل، وقد يخفف، وقد يقال: هيفان. بتضعيف الياء مع فتحها- وقوله فى حديث ابن الهيبان: أتوكف خروج نبى: أنتظر وأستشعر. أطل زمانه: أشرف وقرب.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تُطِيرُ اللّغَامَ الْهَيّبَانَ، كَأَنّهُ جَنَى عُشَرٍ تَنْفِيهِ أَشْدَاقُهَا الْهُدْلِ «١»
وَالْهَيّبَانُ أَيْضًا: الْجَبَانُ، وَقَدْ قَدّمْنَا الاختلاف فى هدل، وأما أسيد ابن سَعْيَةَ، فَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الْمَدَنِيّ، عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَهُوَ أَحَدُ رُوَاةِ الْمَغَازِي عَنْهُ أُسَيْدُ بْنُ سَعْيَةَ بِضَمّ الْأَلِفِ، وَقَالَ يُونُسُ بْن بُكَيْرٍ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَهُوَ قَوْلُ الْوَاقِدِيّ وَغَيْرِهِ أَسِيدٌ بِفَتْحِهَا قَالَ:
الدّارَقُطْنِيّ: وَهَذَا هُوَ الصّوَابُ، وَلَا يَصِحّ مَا قَالَهُ إبْرَاهِيمُ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَبَنُو سَعْيَةَ هَؤُلَاءِ فِيهِمْ أَنْزَلَ اللهُ ﷿ «٢» مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ آلُ عِمْرَانَ: ١١٣ الْآيَةُ، وَسَعْيَةُ أَبُوهُمْ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْعَرِيضِ، وَهُوَ بِالسّينِ الْمُهْمَلَةِ، والياء المنقوطة باثنين.
_________________
(١) البيت لذى الرمة يصف إبلا وإزباد مشافرها، قال الأزهرى: وجى العشر: يخرج مثل رمانة صغيرة، فتنشق عن مثل القز، فشبه لغامها به وهو فى اللسان: تمج. واللغام: زبد أفواه الإبل. والعشر: نوع من الشجر، يحشى فى المخاد. والهدل: استرخاء المشفر الأسفل من الجمل، أو عظم الشفة واسترخاؤها. وهدل: جمع هدلاء. وفى الروض: خبى عشر تبقيه وهو خطأ.
(٢) فى ابن كثير نقلا عن ابن عباس أنها نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد، وثعلبة بن شعبة. وفى مسند أحمد عن ابن مسعود: أخر رسول الله ﷺ صلاة العشاء. ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم. فنزلت: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ- إلى قوله- وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سُعْنَةُ الْحَبْرِ وَإِسْلَامُهُ:
وَأَمّا سُعْنَةُ بِالنّونِ، فَزَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ، كَانَ قدداين النّبِيّﷺ- فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، فَقَالَ: أَلَا تَقْضِينِي يَا مُحَمّدُ، فَإِنّكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ مُطْلٌ، وَمَا أَرَدْت إلّا أَنْ أَعْلَمَ عِلْمَكُمْ، فَارْتَعَدَ عُمَرُ، وَدَارَ، كَأَنّهُ فِي فَلَكٍ، وَجَعَلَ يَلْحَظُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَقَالَ: تَقُولُ هَذَا لِرَسُولِ اللهِ يَا عَدُوّ اللهِ؟! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنّا إلَى غَيْرِ هَذَا مِنْك أَحْوَجُ يَا عُمَرُ: أَنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الْأَدَاءِ، وَتَأْمُرَهُ بِحُسْنِ التّبِعَةِ، قُمْ فَاقْضِهِ عَنّي، فو الله مَا حَلّ الْأَجَلُ، وَزِدْهُ عِشْرِينَ صَاعًا بِمَا رَوّعْته، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: أَنّهُ قَالَ: دَعْهُ؛ فَإِنّ لِصَاحِبِ الْحَقّ مَقَالًا، وَيُذْكَرُ أَنّهُ أَسْلَمَ «١» لَمّا رَأَى مِنْ مُوَافَقَةِ وَصْفِ النّبِيّ ﵇ لِمَا كَانَ عِنْدَهُ فِي التّوْرَاةِ، وَكَانَ يَجِدُهُ مَوْصُوفًا بِالْحِلْمِ، فَلَمّا رَأَى مِنْ حِلْمِهِ ما رأى أسلم، وتوفى غاز يا مَعَ رَسُولِ اللهِﷺ- فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَيُقَالُ فِي اسْمِهِ: سَعْيَةُ بِالْيَاءِ كَمَا فِي الْأَوّلِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الدّارَقُطْنِيّ إلا بالنون.
_________________
(١) روى قصة إسلامه الطبرانى وابن حبان والحاكم وأبو الشيخ فى كتاب أخلاق النبىﷺ- وغيرهم من طريق الوليد بن مسلم عن محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده عن عبد الله بن سلام، قال زيد بن سعنة: ما من علامات النبوة شىء إلا وقد عرفته فى وجه محمد حين نظرت إليه إلا خصلتين. لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شده الجهل عليه إلا حلما.. فذكر الحديث بطوله.. ومدار الحديث على محمد بن أبى السرى الراوى له عن الوليد، وثقه ابن معين، ولينه أبو حاتم، وقال ابن عدى: محمد كثير الغلط. وأخرجه أبو نعيم فى الدلائل.
[ ٢ / ٣٣١ ]
[حديث إسلام سلمان ﵁]
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: حَدّثَنِي سلمان الفارسى مِنْ فِيهِ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا فَارِسِيّا مِنْ أهل إصبهان من أهل قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: جَيّ، وَكَانَ أَبِي دِهْقَانَ قَرْيَتِهِ، وَكُنْتُ أَحَبّ خَلْقِ اللهِ إلَيْهِ، لَمْ يَزَلْ بِهِ حُبّهُ إيّايَ حَتّى حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ كَمَا تُحْبَسُ الْجَارِيَةُ، وَاجْتَهَدْت فِي الْمَجُوسِيّةِ حتى كنت قطن النار الذى يوقدها، لا يتركها تخبو ساعة. قال: وكانت لأبى ضيعة عظيمة، قال: فَشُغِلَ فِي بُنْيَانٍ لَهُ يَوْمًا، فَقَالَ لِي: يَا بُنَيّ، إنّي قَدْ شُغِلْت فِي بُنْيَانِي هَذَا الْيَوْمَ عَنْ ضَيْعَتِي، فَاذْهَبْ إلَيْهَا، فَاطّلَعَهَا- وَأَمَرَنِي فِيهَا بِبَعْضِ مَا يُرِيدُ- ثُمّ قَالَ لِي: وَلَا تَحْتَبِسُ عَنّي؛ فَإِنّك إنْ احْتَبَسْتَ عَنّي كُنْت أَهَمّ إلَيّ مِنْ ضَيْعَتِي، وَشَغَلَتْنِي عَنْ كُلّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِي. قَالَ:
فَخَرَجْت أُرِيدُ ضَيْعَتَهُ الّتِي بَعَثَنِي إلَيْهَا، فَمَرَرْتُ بِكَنِيسَةٍ مِنْ كَنَائِسِ النّصَارَى، فَسَمِعْت أَصْوَاتَهُمْ فِيهَا وَهُمْ يُصَلّونَ، وَكُنْت لَا أَدْرِي مَا أَمْرُ النّاسِ، لحبس أبى إيّاى فى بيته، فلما سمت أَصْوَاتَهُمْ دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ، أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُونَ، فَلَمّا رَأَيْتُهُمْ، أَعْجَبَتْنِي صَلَاتُهُمْ، وَرَغِبْت فِي أَمْرِهِمْ، وَقُلْت: هَذَا وَاَللهِ خَيْرٌ مِنْ الدّينِ الّذِي نَحْنُ عليه، فو الله مَا بَرِحْتُهُمْ حَتّى غَرَبَتْ الشّمْسُ، وَتَرَكْت ضَيْعَةَ أَبِي فَلَمْ آتِهَا، ثُمّ قُلْت لَهُمْ: أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدّينِ؟ قَالُوا: بِالشّامِ.
فَرَجَعْت إلَى أَبِي، وَقَدْ بَعَثَ فِي طَلَبِي، وَشَغَلْته عَنْ عَمَلِهِ كُلّهِ، فَلَمّا جِئْته قَالَ: أَيْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٣٢ ]
بنىّ أين كنت؟ أو لم أَكُنْ عَهِدْتُ إلَيْك مَا عَهِدْتُ؟ قَالَ: قُلْت لَهُ:
يَا أَبَتِ، مَرَرْتُ بِأُنَاسٍ يُصَلّونَ فِي كَنِيسَةٍ لَهُمْ، فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ دِينِهِمْ، فو الله مَا زِلْت عِنْدَهُمْ حَتّى غَرَبَتْ الشّمْسُ، قَالَ: أَيّ بُنَيّ، لَيْسَ فِي ذَلِكَ الدّينِ خَيْرٌ، دِينُك، وَدِينُ آبَائِك خَيْرٌ مِنْهُ، قَالَ: قُلْت لَهُ: كَلّا وَاَللهِ، إنّهُ لَخَيْرٌ مِنْ دِينِنَا. قَالَ: فَخَافَنِي، فَجَعَلَ فِي رِجْلِي قَيْدًا، ثُمّ حبسنى فى بيته.
قَالَ: وَبَعَثْت إلَى النّصَارَى فَقُلْت لَهُمْ: إذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ رَكْبٌ مِنْ الشّامِ فَأَخْبَرُونِي بِهِمْ. قَالَ: فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ رَكْبٌ مِنْ الشّامِ تُجّارٌ مِنْ النّصَارَى، فَأَخْبَرُونِي بِهِمْ، فَقُلْت لَهُمْ: إذَا قَضَوْا حَوَائِجَهُمْ، وَأَرَادُوا الرّجْعَةَ إلَى بِلَادِهِمْ، فَآذَنُونِي بِهِمْ: قَالَ: فَلَمّا أَرَادُوا الرّجْعَةَ إلَى بِلَادِهِمْ، أَخْبَرُونِي بِهِمْ، فَأَلْقَيْتُ الْحَدِيدَ مِنْ رِجْلَيّ، ثُمّ خَرَجْتُ مَعَهُمْ، حَتّى قَدِمْتُ الشّامَ فَلَمّا قَدِمْتُهَا قُلْتُ: مَنْ أَفَضْلُ أَهْلُ هَذَا الدّينِ عِلْمًا؟ قالوا: الأسقفّ فى الكنيسة.
قَالَ: فَجِئْته، فَقُلْت لَهُ: إنّي قَدْ رَغِبْتُ فِي هَذَا الدّينِ، فَأَحْبَبْتُ أَنّ أَكُونَ مَعَك، وَأَخْدُمُك فِي كَنِيسَتِك، فَأَتَعَلّمَ مِنْك، وَأُصَلّيَ مَعَك، قَالَ: اُدْخُلْ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ. قَالَ: وَكَانَ رَجُلُ سَوْءٍ، يَأْمُرُهُمْ بِالصّدَقَةِ، وَيُرَغّبُهُمْ فِيهَا، فَإِذَا جَمَعُوا إلَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا اكْتَنَزَهُ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُعْطِهِ الْمَسَاكِينَ، حَتّى جَمَعَ سَبْعَ قِلَالٍ مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ. قَالَ. فَأَبْغَضْتُهُ بُغْضًا شَدِيدًا، لِمَا رَأَيْته يَصْنَعُ، ثُمّ مَاتَ، فَاجْتَمَعَتْ إلَيْهِ النّصَارَى، لِيَدْفِنُوهُ، فَقُلْت لَهُمْ: إنّ هَذَا كَانَ رَجُلَ سَوْءٍ، يَأْمُركُمْ بِالصّدَقَةِ، وَيُرَغّبُكُمْ فِيهَا، فَإِذَا جِئْتُمُوهُ بِهَا، اكْتَنَزَهَا لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُعْطِ الْمَسَاكِينَ مِنْهَا شَيْئًا. قَالَ: فَقَالُوا لِي: وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٣٣ ]
قَالَ: قُلْت لَهُمْ: أَنَا أَدُلّكُمْ عَلَى كَنْزِهِ، قَالُوا: فَدُلّنَا عَلَيْهِ، قَالَ: فَأَرَيْتُهُمْ مَوْضِعَهُ، فَاسْتَخْرَجُوا سَبْعَ قِلَالٍ مَمْلُوءَةً ذَهَبًا وَوَرِقًا. قَالَ: فَلَمّا رَأَوْهَا قَالُوا:
وَاَللهِ لَا نَدْفِنُهُ أَبَدًا. قَالَ: فصلبوه، ورجموه بالحجارة، وجاؤا برجل آخر، فجعلوه مكانه.
قَالَ: يَقُولُ سَلْمَانُ: فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا لَا يُصَلّي الْخَمْسَ، أَرَى أَنّهُ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ، وأزهد فِي الدّنْيَا، وَلَا أَرْغَبَ فِي الْآخِرَةِ وَلَا أدأب ليلا ولانهارا منه. قال:
فأحببته جبّا لم أحبّه شيئا قبله مثله. قال: فأقمت معه زمانا، ثُمّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إنّي قَدْ كُنْت مَعَك، وَأَحْبَبْتُك حُبّا لَمْ أُحِبّهُ شَيْئًا قَبْلَك، وَقَدْ حَضَرَك مَا تَرَى مِنْ أَمْرِ اللهِ تَعَالَى، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَبِمَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ:
أَيْ بُنَيّ، وَاَللهِ مَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ أَحَدًا عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، فَقَدْ هَلَكَ النّاسُ، وَبَدّلُوا وَتَرَكُوا أَكْثَرَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، إلّا رَجُلًا بِالْمَوْصِلِ، وَهُوَ فُلَانٌ، وَهُوَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ فَالْحَقْ به.
فَلَمّا مَاتَ وَغُيّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فَقُلْت لَهُ: يَا فُلَانُ، إنّ فُلَانًا أَوْصَانِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ أَلْحَقَ بِك، وَأَخْبَرَنِي أَنّك عَلَى أمره، قال: فَقَالَ لِي:
أَقِمْ عِنْدِي، فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ، فَوَجَدْتُهُ خَيْرَ رَجُلٍ عَلَى أَمْرِ صَاحِبِهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ، فَلَمّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قُلْت لَهُ يَا فُلَانُ: إنّ فُلَانًا أَوْصَى بِي إلَيْك، وَأَمَرَنِي بِاللّحُوقِ بِك، وَقَدْ حَضَرَك مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا تَرَى، فَإِلَى مِنْ تُوصِي بِي؟ وَبِمَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: يَا بُنَيّ، وَاَللهِ مَا أَعْلَمُ رَجُلًا عَلَى مِثْلِ مَا كُنّا عَلَيْهِ، إلّا رَجُلًا بِنَصِيبِينَ، وَهُوَ فُلَانٌ، فَالْحَقْ بِهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٣٤ ]
فَلَمّا مَاتَ وَغُيّبَ لَحِقْت بِصَاحِبِ نَصِيبِينَ، فَأَخْبَرْته خبرى، وما أمرنى به صاحباى، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي، فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْته عَلَى أمر صاحبيه. فأقمت مع خير رجل، فو الله مَا لَبِثَ أَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ، فَلَمّا حُضِرَ، قُلْت لَهُ: يَا فُلَانُ، إنّ فُلَانًا كَانَ أَوْصَى بِي إلَى فُلَانٍ، ثُمّ أَوْصَى بى فلان إليك، فإلى من توصي بي؟ وبم تأمرني؟ قال: يَا بُنَيّ، وَاَللهِ مَا أَعْلَمُهُ بَقِيَ أَحَدٌ عَلَى أَمْرِنَا آمُرُك أَنْ تَأْتِيَهُ إلّا رَجُلًا بِعَمُورِيّةَ مِنْ أَرْضِ الرّومِ، فَإِنّهُ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ فَأْتِهِ، فَإِنّهُ على أمرنا.
فَلَمّا مَاتَ وَغُيّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ عَمُورِيّةَ، فَأَخْبَرْته خَبَرِي، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي، فَأَقَمْت عِنْدَ خَيْرِ رَجُلٍ، عَلَى هُدَى أَصْحَابِهِ وَأَمْرِهِمْ. قَالَ: وَاكْتَسَبْتُ حَتّى كَانَتْ لِي بَقَرَاتٌ وَغُنَيْمَةٌ. قَالَ: ثُمّ نزل به أمر الله، فَلَمّا حُضِرَ، قُلْت لَهُ: يَا فُلَانُ، إنّي كُنْتُ مَعَ فُلَانٍ، فَأَوْصَى بِي إلَى فُلَانٍ، ثم أوصى بى فلان إلَى فُلَانٍ، ثُمّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إلَيْك، فإلى من توصي بي؟ وبم تأمرني؟ قال: أَيْ بُنَيّ، وَاَللهِ مَا أَعْلَمُهُ أَصْبَحَ الْيَوْمَ أَحَدٌ عَلَى مِثْلِ مَا كُنّا عَلَيْهِ مِنْ النّاسِ آمُرُك بِهِ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَكِنّهُ قَدْ أَظَلّ زَمَانُ نَبِيّ، وَهُوَ مَبْعُوثٌ بِدِينِ إبْرَاهِيمَ ﵇، يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، مُهَاجَرُهُ إلَى أَرْضٍ بَيْنَ حَرّتَيْنِ، بَيْنَهُمَا نَخْلٌ، بِهِ عَلَامَاتٌ لَا تَخْفَى، يَأْكُلُ الْهَدِيّةَ، وَلَا يَأْكُلُ الصّدَقَةَ، وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النّبُوّةِ، فَإِنْ اسْتَطَعْت أَنْ تلحق بتلك البلاد فافعل.
قَالَ: ثُمّ مَاتَ وَغُيّبَ، وَمَكَثْت بِعَمُورِيّةَ مَا شاء الله أن أمكث، ثم مرّبى نَفَرٌ مِنْ كَلْبٍ تُجّارٌ، فَقُلْت لَهُمْ: احْمِلُونِي إلَى أَرْضِ الْعَرَبِ، وَأُعْطِيكُمْ بَقَرَاتِي
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٣٥ ]
هَذِهِ وَغُنَيْمَتِي هَذِهِ، قَالُوا: نَعَمْ فأعْطَيْتُهُمُوها، وَحَمَلُونِي مَعَهُمْ، حَتّى إذَا بَلَغُوا وَادِيَ الْقُرَى ظَلَمُونِي، فَبَاعُونِي مِنْ رَجُلٍ يَهُودِيّ عَبْدًا، فَكُنْت عِنْدَهُ، وَرَأَيْت النّخْلَ، فَرَجَوْت أَنْ يَكُونَ الْبَلَدَ الّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي، وَلَمْ يَحِق فِي نَفْسِي، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ، إذْ قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنُ عَمّ لَهُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنْ الْمَدِينَةِ، فابتاعنى منه، فاحتملنى إلى المدينة، فو الله مَا هُوَ إلّا أَنْ رَأَيْتُهَا، فَعَرَفْتهَا بِصِفَةِ صَاحِبِي، فَأَقَمْتُ بِهَا، وَبُعِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَقَامَ بِمَكّةَ مَا أَقَامَ، لَا أَسْمَعُ لَهُ بِذكَرٍ، مَعَ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ شُغْلِ الرّقّ، ثُمّ هَاجَرَ إلَى المدينة، فو الله إنّي لَفِي رَأْسِ عِذْقٍ لِسَيّدِي أَعْمَلُ لَهُ فِيهِ بَعْضَ الْعَمَلِ، وَسَيّدِي جَالِسٌ تَحْتِي، إذْ أَقْبَلَ ابْنُ عَمّ لَهُ، حَتّى وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ، قَاتَلَ اللهُ بَنِي قَيْلَةَ، وَاَللهِ إنّهُمْ الْآنَ لَمُجْتَمِعُونَ بِقُبَاءَ عَلَى رَجُلٍ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَكّةَ الْيَوْمَ، يَزْعُمُونَ أَنّهُ نبىّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَيْلَةُ: بِنْتُ كَاهِلِ بْنِ عُذْرَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَيْثِ ابن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، أم الأوس والخزرج.
قال النعمان بن بشير الأنصارى يمدح الأوس والخزرج:
بها ليل مِنْ أَوْلَادِ قَيْلَةَ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمْ خَلِيطٌ فِي مُخَالَطَةِ عَتْبَا
مَسَامِيحُ أَبْطَالٌ يَرَاحُونَ لِلنّدَى يَرَوْنَ عَلَيْهِمْ فِعْلَ آبَائِهِمْ نَحْبَا
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن محمود
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٣٦ ]
ابن لَبِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: قال سلمان: فلما سمعتها أخذتنى العرواء. قال ابن هشام: العرواء: الرّعْدَةُ مِنْ الْبَرْدِ وَالِانْتِفَاضُ، فَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ عَرَقٌ فَهِيَ الرّحَضَاءُ، وَكِلَاهُمَا مَمْدُودٌ- حَتّى ظَنَنْتُ أَنّي سَأَسْقُطُ عَلَى سَيّدِي، فَنَزَلْت عَنْ النّخْلَةِ، فَجَعَلْت أَقُولُ لِابْنِ عَمّهِ ذَلِكَ: مَاذَا تَقُولُ؟
مَاذَا تَقُولُ؟ فَغَضِبَ سَيّدِي، فَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً، ثُمّ قَالَ: مَا لَك وَلِهَذَا؟
أَقْبِلْ عَلَى عَمَلِك، قَالَ: قُلْت: لَا شَيْءَ، إنّمَا أردت أن أستثبته عما قال.
قَالَ: وَقَدْ كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ قَدْ جَمَعْته، فَلَمّا أَمْسَيْتُ أَخَذْتُهُ، ثُمّ ذَهَبْت بِهِ إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- وهو بِقُبَاءَ، فَدَخَلْت عَلَيْهِ، فَقُلْت لَهُ:
إنّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنّك رَجُلٌ صَالِحٌ، وَمَعَك أَصْحَابٌ لَك غُرَبَاءُ ذَوُو حَاجَةٍ، وَهَذَا شَيْءٌ قَدْ كَانَ عِنْدِي لِلصّدَقَةِ، فَرَأَيْتُكُمْ أَحَقّ بِهِ مِنْ غَيْرِكُمْ، قَالَ: فَقَرّبْته إلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ- لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا، وَأَمْسَكَ يَدَهُ، فَلَمْ يَأْكُلْ. قَالَ: فَقُلْت فِي نَفْسِي: هَذِهِ وَاحِدَةٌ. قَالَ ثُمّ انْصَرَفْتُ عَنْهُ، فَجَمَعْت شَيْئًا، وَتَحَوّلَ رَسُولُ اللهِﷺ- إلَى الْمَدِينَةِ، ثُمّ جِئْته بِهِ، فَقُلْت لَهُ:
إنى قد رأيتك لا تأكل الصدقة، فهذه هَدِيّةٌ أَكْرَمْتُكَ بِهَا. قَالَ: فَأَكَلَ رَسُولُ اللهِﷺ- مِنْهَا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ، فَأَكَلُوا مَعَهُ. قَالَ:
فَقُلْت فِي نَفْسِي: هَاتَانِ ثنتان، قال: ثم جئت رسول اللهﷺ- وَهُوَ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ، قَدْ تَبِعَ جِنَازَةَ رجل من أصحابه، عَلَيّ شَمْلَتَانِ لِي، وَهُوَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، فَسَلّمْت عَلَيْهِ ثُمّ اسْتَدَرْت أَنْظُرُ إلَى ظَهْرِهِ، هَلْ أَرَى الْخَاتَمَ الّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي، فَلَمّا رَآنِي رَسُولُ اللهِﷺ-
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٣٧ ]
اسْتَدْبَرْتُهُ، عَرَفَ أَنّي أَسْتَثْبِتُ فِي شَيْءٍ وُصِفَ لِي، فَأَلْقَى رِدَاءَهُ عَنْ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْت إلَى الْخَاتَمِ فَعَرَفْتُهُ، فَأَكْبَبْتُ عَلَيْهِ أُقَبّلُهُ، وَأَبْكِي. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ.
ﷺ: تَحَوّلْ، فَتَحَوّلْت فَجَلَسْت بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَصَصْت عَلَيْهِ حديثى، كما حدّثتك يا بن عَبّاسٍ، فَأَعْجَبَ رَسُولُ اللهِ- صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلّمَ- أَنْ يُسْمِعَ ذَلِكَ أَصْحَابَهُ. ثُمّ شَغَلَ سَلْمَانَ الرّقّ حَتّى فَاتَهُ مَعَ رَسُولِ اللهِﷺ- بدرو أحد.
قَالَ سَلْمَانُ: ثُمّ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ.
فكاتبت صاحبى على ثلثمائة نَخْلَةٍ أُحْيِيهَا لَهُ بِالْفَقِيرِ، وَأَرْبَعِينَ أُوقِيّةً. فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ- لأصحابه: أعينوا أخاكم، فأعاونى بِالنّخْلِ، الرّجُلُ بِثَلَاثِينَ وَدِيّةً، وَالرّجُلُ بِعِشْرِينَ وَدِيّةً، وَالرّجُلُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ وَدِيَةً، وَالرّجُلُ بِعَشْرٍ، يُعِينُ الرّجُلُ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ، حَتّى اجْتَمَعَتْ لِي ثلثمائة وَدِيّةٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِﷺ: اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ فَفَقّرْ لَهَا، فإذا فرغت فأتنى، أكن أنا أضعها بيدى. قَالَ: فَفَقّرْتُ، وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي، حَتّى إذَا فَرَغْتُ جِئْتُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِﷺ- مَعِي إلَيْهَا، فَجَعَلْنَا نُقَرّبُ إلَيْهِ الْوَدِيّ، وَيَضَعُهُ رَسُولُ اللهِﷺ- بِيَدِهِ، حتى فرغنا. فو الذى نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ، مَا مَاتَتْ مِنْهَا وَدِيّةٌ وَاحِدَةٌ. قَالَ:
فَأَدّيْتُ النّخْلَ، وَبَقِيَ عَلَيّ الْمَالُ. فأتي رسول اللهﷺ- بِمِثْلِ بَيْضَةِ الدّجَاجَةِ مِنْ ذَهَبٍ، مِنْ بَعْضِ الْمَعَادِنِ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ الْفَارِسِيّ الْمُكَاتَبُ؟ قَالَ: فَدُعِيت لَهُ، فَقَالَ: خُذْ هَذِهِ، فَأَدّهَا مِمّا عَلَيْك يَا سَلْمَانُ» .
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٣٨ ]
قَالَ: قُلْت: وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللهِ مِمّا عَلَيّ؟ فَقَالَ: خُذْهَا، فَإِنّ اللهَ سَيُؤَدّي بِهَا عَنْك. قَالَ: فَأَخَذْتهَا، فَوَزَنْت لَهُمْ مِنْهَا- وَاَلّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ- أَرْبَعِينَ أُوقِيّةً، فَأَوْفَيْتُهُمْ حَقّهُمْ مِنْهَا، وَعَتَقَ سَلْمَانُ. فَشَهِدْتُ مَعَ رسول الله﵌- الْخَنْدَقَ حُرّا، ثُمّ لَمْ يَفُتْنِي مَعَهُ مَشْهَدٌ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ عَنْ سَلْمَانَ: أَنّهُ قَالَ: لَمّا قُلْت: وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ مِنْ الّذِي عَلَيّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ أُخِذَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَلّبَهَا عَلَى لِسَانِهِ، ثُمّ قَالَ: خُذْهَا فَأَوْفِهِمْ مِنْهَا، فَأَخَذْتهَا، فَأَوْفَيْتهمْ مِنْهَا حَقّهُمْ كُلّهُ، أَرْبَعِينَ أُوقِيّةً.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ، قَالَ: حُدّثْت عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيّ:
أَنّهُ قَالَ: لِرَسُولِ اللهِﷺ- حِين أَخْبَرَهُ خَبَرَهُ: إنّ صَاحِبَ عَمُورِيّةَ قَالَ لَهُ: ائْتِ كَذَا وَكَذَا مِنْ أَرْضِ الشّامِ، فَإِنّ بِهَا رَجُلًا بَيْنَ غَيْضَتَيْنِ، يَخْرُجُ فِي كُلّ سَنَةٍ مِنْ هَذِهِ الْغَيْضَةِ إلَى هَذِهِ الْغَيْضَةِ مُسْتَجِيزًا، يَعْتَرِضُهُ ذَوُو الْأَسْقَامِ، فَلَا يَدْعُو لِأَحَدٍ مِنْهُمْ إلّا شُفِيَ، فَاسْأَلْهُ عَنْ هَذَا الدين الذى تَبْتَغِي، فَهُوَ يُخْبِرُك عَنْهُ، قَالَ سَلْمَانُ: فَخَرَجْتُ حَتّى أَتَيْت حَيْثُ وُصِفَ لِي، فَوَجَدْتُ النّاسَ قَدْ اجْتَمَعُوا بِمَرْضَاهُمْ هُنَالِكَ، حَتّى خَرَجَ لَهُمْ تِلْكَ اللّيْلَةَ، مُسْتَجِيزًا مِنْ إحْدَى الْغَيْضَتَيْنِ إلَى الأخرى، فَغَشِيَهُ النّاسُ بِمَرْضَاهُمْ، لَا يَدْعُو لِمَرِيضٍ إلّا شُفِيَ، وَغَلَبُونِي عَلَيْهِ، فَلَمْ أَخْلُصْ إلَيْهِ حَتّى دَخَلَ الْغَيْضَةَ الّتِي يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٣٩ ]
إلّا مَنْكِبِهِ. قَالَ: فَتَنَاوَلْته: فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ وَالْتَفَتَ إلَيّ، فَقُلْت: يَرْحَمُك اللهُ، أَخْبِرْنِي عَنْ الحنيفيّة دين إبراهيم. قال: إنك لتسألنى عَنْ شَيْءٍ مَا يَسْأَلُ عَنْهُ النّاسُ الْيَوْمَ، قَدْ أَظَلّك زَمَانُ نَبِيّ يُبْعَثُ بِهَذَا الدّينِ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ، فَأْتِهِ فَهُوَ يَحْمِلُك عَلَيْهِ. قَالَ: ثُمّ دَخَلَ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ- لِسَلْمَانَ: لَئِنْ كُنْتَ صدقتنى يا سلمان، لقد لقيت عيسى بن مريم على نبيّنا وعليه السلام.
ــ
حَدِيثُ سَلْمَانَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ سَلْمَانَ بِطُولِهِ، وَقَالَ: كُنْت مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ هَكَذَا قَيّدَهُ الْبَكْرِيّ فِي كِتَابِ الْمُعْجَمِ بِالْكَسْرِ فِي الْهَمْزَةِ «١»، وَإِصْبَهُ بِالْعَرَبِيّةِ:
فَرَسٌ، وَقِيلَ: هُوَ الْعَسْكَرُ، فَمَعْنَى الْكَلِمَةِ: مَوْضِعُ الْعَسْكَرِ أَوْ الْخَيْلِ «٢»، أَوْ نَحْوَ هَذَا. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ عَلَى طُولِهِ إشكال، ووقع فى الأصل
_________________
(١) فى المراصد: فتح الهمزة هو الأكثر والأشهر.
(٢) فى البكرى: إصبه بلسان الفرس: البلد، وهان: الفرس، فمعناه: بلد الفرسان، وقال: إن إصبه بالفارسية: العسكر، وإن هان معناه: ذاك، فمعنى الاسم: العسكر ذاك. وفى المراصد: إنها لفظ معرب من سباهان بمعنى: الجيش، فيكون معناه على حذف المضاف: مدينة الجيش. وإصبهان- كما فى المراصد- مدينة عظيمة، مشهورة من أعلام المدن وأعيانها. وأصبهان: اسم للاقليم بأسره، وكانت مدينتها أولا. جىّ، ثم صارت اليهودية، وهى من نواحى الجبل.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَلَمّا رَآنِي رَسُولُ اللهِﷺ- اسْتَدْبَرْته، وَرَأَيْت فِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ: أَسْتَدِيرُ بِهِ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِيهِ: أُحْيِيهَا لَهُ بِالْفَقِيرِ، وَفِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ: الْوَجْهُ التّفْقِيرُ.
أَسْمَاءُ النّخْلَةِ:
وَالْفَقِيرُ لِلنّخْلَةِ «١» . يُقَالُ لَهَا فِي الْكَرْمَةِ: حَيِيّةُ، وَجَمْعُهَا: حَيَايَا، وَهِيَ الْحَفِيرَةُ، وَإِذَا خَرَجَتْ النّخْلَةُ مِنْ النّوَاةِ فَهِيَ: عَرِيسَةٌ، ثُمّ يُقَالُ لَهَا: وَدِيّةٌ، ثُمّ فَسِيلَةٌ، ثُمّ أشاءة، فإذا فاتت اليدفهى: جَبّارَةٌ، وَهِيَ الْعَضِيدُ، وَالْكَتِيلَةُ، وَيُقَالُ لِلّتِي لَمْ تَخْرُجْ مِنْ النّوَاةِ، لَكِنّهَا اُجْتُثّتْ مِنْ جَنْبِ أُمّهَا: قَلْعَةٌ وَجَثِيثَةٌ، وَهِيَ الْجَثَائِثُ وَالْهِرَاءُ، وَيُقَالُ لِلنّخْلَةِ الطّوِيلَةِ: عَوَانَةٌ بِلُغَةِ عَمّان، وَعَيْدَانَةٌ بِلُغَةِ غَيْرِهِمْ، وَهِيَ فَيْعَالَةٌ مِنْ عَدَنَ «٢» بِالْمَكَانِ، وَاخْتَلَفَ فِيهَا قَوْلُ صَاحِبِ كِتَابِ الْعَيْنِ، فَجَعَلَهَا تَارَةً: فَيْعَالَةً مِنْ عَدَنَ، ثُمّ جَعَلَهَا فِي بَابِ الْمُعْتَلّ الْعَيْنِ فَعْلَانَةً.
وَمِنْ الْفَسِيلَةِ حَدِيثُ أَنَسٍ: أن رسول اللهﷺ-
_________________
(١) فى الخشنى «أحييها له بالفقير، أى: بالحفر وبالغرس، يقال؛ فقر الأرض: إذا حفرها، ومنه سميت البئر: فقيرا. وقال الوقشى: الصواب هنا: التفقير. وأراد الوقشى هنا: المصدر، وهو الأحسن. والفقير أيضا: البئر تغرس فيها النخلة الصغيرة، والمكان السهل يحفر فيه، ومخرج الماء من القناة
(٢) لزم المكان، فلم يبرحه.
[ ٢ / ٣٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَالَ: إنْ قَامَتْ السّاعَةُ، وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَاسْتَطَاعَ أَنْ يَغْرِسَهَا قَبْلَ أَنْ تَقُومَ السّاعَةُ، فَلْيَغْرِسْهَا «١» مِنْ مُصَنّفِ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ. وَاَلّذِينَ صَحِبُوا سَلْمَانَ مِنْ النّصَارَى كَانُوا عَلَى الْحَقّ على دين عيسى بن مَرْيَمَ، وَكَانُوا ثَلَاثِينَ يُدَاوِلُونَهُ سَيّدًا بَعْدَ سَيّدٍ «٢» .
مِنْ فِقْهِ حَدِيثِ سَلْمَانَ:
وَذَكَرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ أَنّهُ جَمَعَ شَيْئًا، فَجَاءَ بِهِ النّبِيّﷺ- لِيَخْتَبِرَهُ: أَيَأْكُلُ الصّدَقَةَ، أم لا، فلم يسئله رَسُولُ اللهِﷺ- أَحُرّ أَنْتَ أَمْ عَبْدٌ، وَلَا: مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا، فَفِي هَذَا مِنْ الْفِقْهِ:
قَبُولُ الْهَدِيّةِ وَتَرْكُ سُؤَالِ الْمُهْدِي، وَكَذَلِكَ الصّدَقَةُ.
حُكْمُ الصّدَقَةِ لِلنّبِيّ وَمَصْدَرُ مَالِ سَلْمَانَ:
وَفِي الْحَدِيثِ: مَنْ قدّم إليه طعام فليأكل ولا يسئل. وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ حَدِيثَ سَلْمَانَ حُجّةً عَلَى مَنْ قَالَ إنّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ، وَقَالَ: لَوْ كَانَ لَا يَمْلِكُ مَا قَبِلَ النّبِيّﷺ- صَدَقَتَهُ، وَلَا قَالَ لِأَصْحَابِهِ:
كُلُوا صَدَقَتَهُ. ذَكَرَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ الْوَجْهَ الّذِي جَمَعَ مِنْهُ سَلْمَانُ مَا أَهْدَى لِلنّبِيّﷺ- فَقَالَ: قَالَ سَلْمَانُ: كُنْت عَبْدًا لِامْرَأَةِ، فَسَأَلْت سَيّدَتِي أَنْ تَهَبَ لِي يَوْمًا، فَعَمِلْت فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى صاع أو
_________________
(١) أحمد فى مسنده، والبخارى فى الأدب المفرد، وقال السيوطى: ضعيف
(٢) فى البخارى: تداول سليمان بضعة عشر من رب إلى رب.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ، وَجِئْت بِهِ النّبِيّﷺ- فَلَمّا رَأَيْته لَا يَأْكُلُ الصّدَقَةَ، سَأَلْت سَيّدَتِي أَنْ تَهَبَ لِي يَوْمًا آخَرَ، فَعَمِلْت فِيهِ عَلَى ذَلِكَ، ثُمّ جِئْت بِهِ هَدِيّةً لِلنّبِيّﷺ- فقبله وأكل منه، فبيّن فى هذا الرّوَايَةِ الْوَجْهَ الّذِي جَمَعَ مِنْهُ سَلْمَانُ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ ابْنِ إسْحَاقَ، وَالصّدَقَةُ الّتِي قَالَ النّبِيّ ﵇: لَا تَحِلّ لِمُحَمّدِ، وَلَا لِآلِ مُحَمّدٍ هِيَ الْمَفْرُوضَةُ دُونَ التّطَوّعِ، قَالَهُ الشّافِعِيّ، غَيْرَ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- لَمْ يَكُنْ تَحِلّ لَهُ صَدَقَةُ الْفَرْضِ وَلَا التّطَوّعِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ.
وَقَالَ الثّوْرِيّ: لَا تَحِلّ الصّدَقَةُ لِآلِ مُحَمّدٍ فَرْضُهَا وَلَا نَفْلُهَا وَلَا لِمَوَالِيهِمْ، لِأَنّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، بِذَلِكَ جَاءَ الْحَدِيثُ. وَقَالَ مَالِكٌ: تَحِلّ لِمَوَالِيهِمْ، وَقَالَتْ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ: لَا تَحِلّ لِآلِ مُحَمّدٍ صَدَقَةُ غَيْرِهِمْ، وَتَحِلّ لَهُمْ صَدَقَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب «١» .
_________________
(١) فى حديث رواه مسلم: إنا لا نأكل الصدقة، وفى حديث رواه أحمد بإسناد قوى: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة. ويقول الفسطلانى: والحكمة فى ذلك صيانة منصبه الشريف عن أوساخ أموال الناس: ويقول الزرقانى عن الصدقة، ولأنها تنبىء عن ذل الاخذ وعز المأخوذ منه. ص ٢٢٠ وما بعدها ج ٥ المواهب اللدنية. أما الهدية فكان يقبلها، ففى البخارى أنه أهديت إليه ديباج مزررة بالذهب، فقسمها فى ناس من أصحابه، وعزل منها واحدا لمخرمة بن نوفل. وفيه أيضا أن ملك أيلة أهدى إليه بغلة بيضاء، فكساه رسول الله بردة وكان أصحابه يهدون إليه، فيكافئهم أضعافها. وفى حديث سلمان بضع كلمات إليك معناها. دهقان: شيخ القرية العارف بالفلاحة، وما يصلح الأرض. قطن النار-
[ ٢ / ٣٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَوّلُ مَنْ مَاتَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ:
وَقَوْلُ سَلْمَانَ: فَأَتَيْت رَسُولَ اللهِ وَهُوَ فِي جِنَازَةِ بَعْضِ أَصْحَابِهِ. صَاحِبُهُ الّذِي مَاتَ فِي تِلْكَ الْأَيّامِ: كُلْثُومُ بْنُ الْهِدْمِ الّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ النّبِيّﷺ. قَالَ الطّبَرِيّ: أَوّلُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَصْحَابِ النّبِيّﷺ بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ بِأَيّامِ قَلِيلَةٍ: كُلْثُومُ بْنُ الْهِدْمِ «١»، ثُمّ مَاتَ بَعْدَهُ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ.
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي مُكَاتَبَةِ سَلْمَانَ أَنّهُ فَقّرَ لِثَلَاثِمِائَةِ وَدِيّةٍ أَيْ: حَفَرَ، وَأَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- وَضَعَهَا كُلّهَا بِيَدِهِ، فَلَمْ تَمُتْ مِنْهَا وَدِيّةٌ وَاحِدَةٌ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ حَدِيثَ سَلْمَانَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ غَيْرَ أَنّهُ ذَكَرَ أَنّ سَلْمَانَ غَرَسَ بِيَدِهِ وَدِيّةً وَاحِدَةً، وَغَرَسَ رَسُولُ الله-
_________________
(١) - خادمها. الأسقف فى الكنيسة: هو عالم النصارى الذى يقيم لهم أمر دينهم، ويقال: أسقف بتخفيف الغاء أو تضعيفها مع ضم الهمزة وإسكان السين وضم القاف. العذق بفتح العين: النخلة. وبكسرها: الكباسة وهى عنقود النخلة وبها ليل: جمع بهلول، السيد. يراحون؛ يهتزون. النحب: النذر. العرواء: الرعدة. الشملة. الكساء الغليظ يلتحف به.
(٢) ابن امرىء القيس بن الحارث بْنِ زَيْدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ مالك بن الأوس الأنصارى الأوسى. ذكر ابن عقبة وغيره أن النبى «ص» نزل عليه بقباء أول ما قدم المدينة. وآخرون قالوا: إنه نزل على سعد بن خيثمه. قال الواقدى: كان نزوله على كلثوم، وكان يتحدث فى بيت سعد ابن خيثمة؛ لأن منزله كان منزل القرآن.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ﷺ- سَائِرَهَا، فَعَاشَتْ كُلّهَا إلّا الّتِي غَرَسَ سَلْمَانُ. هَذَا مَعْنَى حَدِيثِ الْبُخَارِيّ.
أُسْطُورَةُ نُزُولِ عِيسَى قَبْلَ بَعْثَةِ النّبِيّ:
فَصْلٌ: وَذُكِرَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: حَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ عُمَرَ ابن عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: قَالَ سَلْمَانُ لِلنّبِيّﷺ- وَذَكَرَ خَبَرَ الرّجُلِ الّذِي كَانَ يَخْرُجُ مُسْتَجِيزًا مِنْ غَيْضَةٍ إلَى غَيْضَةٍ، وَيَلْقَاهُ النّاسُ بِمَرْضَاهُمْ، فَلَا يَدْعُو لِمَرِيضِ إلّا شُفِيَ، وَأَنّ النّبِيّﷺ- قَالَ: إنْ كُنْت صَدَقْتنِي يَا سَلْمَانُ، فَقَدْ رأيت عيسى بن مَرْيَمَ. إسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ مَقْطُوعٌ، وَفِيهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، وَيُقَالُ: إنّ ذَلِكَ الرّجُلَ هُوَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ «١»، وَهُوَ ضَعِيفٌ بِإِجْمَاعِ مِنْهُمْ، فَإِنْ صَحّ الْحَدِيثُ، فَلَا نَكَارَةَ فِي مَتْنِهِ، فَقَدْ ذَكَرَ الطّبَرِيّ أَنّ الْمَسِيحَ ﵇ نَزَلَ بعد ما رُفِعَ، وَأُمّهُ وَامْرَأَةٌ أُخْرَى عِنْدَ الْجِذْعِ الّذِي فِيهِ الصّلِيبُ يَتّكِئَانِ «٢»، فَكَلّمَهُمَا، وَأَخْبَرَهُمَا أَنّهُ لَمْ يقتل، وأن الله رفعه
_________________
(١) وقيل عن الرجل المبهم إنه شيخ عاصم بن عمر بن قتادة. والحديث أيضا منقطع بل معضل بين عمر بن العزيز وسلمان ﵁. وقوله: لئن كنت صدقتنى الخ غريب جدا بل منكر- كما ذكر ابن الأثير فى البداية. ص ٣١٤ ح ٢.
(٢) إنها كذبة صليبة لا يجوز ترديدها. ولنتدبر أن الله سبحانه لم يذكر لعيسى ﵇ سوى ثلاثة أطوار ككل البشر: «والسلام علىّ يوم ولدت، ويوم أمسوت، ويوم أبعث حيا» كما قيلت تماما عن يحيى، والصليبيون يزعمون أنه سينرل، ويجعل العالم كله يكرز بالإنجيل، وآيات نزوله: عودة ملك سليمان إلى اليهود!! ومن-
[ ٢ / ٣٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَرْسَلَ إلَى الْحَوَارِيّينَ، وَوَجّهَهُمْ إلَى الْبِلَادِ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يَنْزِلَ مَرّةً جَازَ أَنْ يَنْزِلَ مِرَارًا، وَلَكِنْ لَا يُعْلَمُ أَنّهُ هُوَ حَتّى يَنْزِلَ النّزُولَ الظّاهِرَ فَيَكْسِرُ الصّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ كَمَا جَاءَ فِي الصّحِيحِ وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَيُرْوَى أَنّهُ إذَا نَزَلَ تَزَوّجَ امْرَأَةً مِنْ جُذَامٍ «١»، وَيُدْفَنُ إذَا مَاتَ فِي الرّوْضَةِ الّتِي فِيهَا النبى ﵇.
_________________
(١) - أين جاء الطبرى وغيره بما زعموه عن نزول عيسى؟ وقد يقال هنا- كما قالوا- لئن صح الخبر. فإنه يدل على أن عيسى قد هرب من الذى جاؤا يطلبونه ليصلبوه، وأن هؤلاء الطالبين أخذوا غيره، وأن الذين رأوا عيسى بعد هذا ظنوا أنه بعث بعد صلبه؛ إذ كانوا يظنون أنه قد أخذ، وصلب.
(٢) لا يستفيد من ترديد مثل هذا سوى الذين يحبون القضاء على الإسلام. وقد روى حديث نزول عيسى الشيخان والترمذى وأحمد، أما تزوجه فقد ذكره ابن الجوزى فى كتاب الوفا. وقد قيل: إن هذا الحديث معارض فى دلالته بما تدل عليه أحاديث أخرى، كالحديث الذى ورد فى الصحيحين دالا على أن الحبش سينقضون الكعبة، والحديث الذى ورد فى البخارى مؤكدا أنّ بين يدى الساعة أى: قرب مجيئها- أياما ينزل فيها الجهل، ويرفع العلم، ويكثر فيها الهرج- أى القتل- وكالحديث الذى شكافيه بعض الناس لأنس من ظلم الحجاج فقال لهم: اصبروا فإنه لا يأتى عليكم زمان إلا والذى بعده شرّ منه حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم. على حين يذكر فى حديث عيسى أنه سيكسر الصليب، وبقتل الخنزير، ويضع الجزية، وأن المال سيفيض حتى لا يقبله أحد، كما يؤكد زوال الشحناء والتباغض والتحاسد، فأين هذا من ذاك؟ وهل يعتبر هذا شرا من أيامنا هذه، كما يقول الحديث السابق؟ وقيل: إنه معارض أيضا بقوله سبحانه الذى يقص به قول عيسى يوم القيامة: «ما قلت لهم إلا ما أمرتنى به أن اعبدوا الله ربى وربكم، وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم، فلما توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شىء شهيد، فأين الحديث هنا عن كسر الصليب وقتل الخنزير؟ لماذا لم يقل: فلما أنزلتنى فعلت وفعلت، وعلمت أنهم غيروا؟!
[ ٢ / ٣٤٦ ]
[ذِكْرُ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ العزى وعبيد الله ابن جَحْشٍ وَعُثْمَانَ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ يَوْمًا فِي عِيدٍ لَهُمْ عِنْدَ صَنَمٍ مِنْ أَصْنَامِهِمْ، كَانُوا يُعَظّمُونَهُ وَيَنْحَرُونَ لَهُ، وَيَعْكُفُونَ عِنْدَهُ، وَيُدِيرُونَ بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ عِيدًا لَهُمْ، فِي كُلّ سَنَةٍ يَوْمًا، فَخَلَصَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ نَجِيّا، ثُمّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَصَادَقُوا، وَلْيَكْتُمْ بَعْضُكُمْ على بعض، قالوا: أجل، وهم: ورقة ابن نوفل بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى، وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ جَحْشِ بْنِ رِئَابِ بْنِ يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم ابن دُودَانَ بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَكَانَتْ أُمّهُ أميمة بنت عبد المطلب. وعثمان ابن الْحُوَيْرِثِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ، وزيد بن عمرو بن نفيل ابن عَبْدِ الْعُزّى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُرْطِ بن رياح بن رزاح بن عدي بن كعب ابن لُؤَيّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعَلّمُوا وَاَللهِ مَا قَوْمُكُمْ عَلَى شَيْءٍ! لَقَدْ أَخْطَئُوا دِينَ أَبِيهِمْ إبْرَاهِيمَ! مَا حَجَرٌ نُطِيفُ بِهِ، لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ، وَلَا يَضُرّ وَلَا يَنْفَعُ؟! يَا قوم التمسوا لأنفسكم، فَإِنّكُمْ وَاَللهِ مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ، فَتَفَرّقُوا فى البلدان يلتمسون الحنيفية، دين إبراهيم.
فَأَمّا وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ فَاسْتَحْكَمَ فِي النّصْرَانِيّةِ، وَاتّبَعَ الْكُتُبَ مِنْ أَهْلِهَا، حَتّى عَلِمَ عِلْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَأَمّا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ، فَأَقَامَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الِالْتِبَاسِ حَتّى أَسْلَمَ، ثُمّ هَاجَرَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْحَبَشَةِ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٤٧ ]
حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ مُسْلِمَةً، فَلَمّا قَدِمَهَا تَنَصّرَ، وَفَارَقَ الْإِسْلَامَ، حَتّى هَلَكَ هُنَالِكَ نَصْرَانِيّا.
قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر بن الزّبير؛ قال: كان عبيد الله ابن جَحْشٍ- حِين تَنَصّرَ- يَمُرّ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُمْ هُنَالِكَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَيَقُولُ: فَقّحْنَا وَصَأْصَأْتُمْ، أَيْ: أَبْصَرْنَا وَأَنْتُمْ تَلْتَمِسُونَ الْبَصَرَ، وَلَمْ تُبْصِرُوا بَعْدُ، وَذَلِكَ أَنّ وَلَدَ الْكَلْبِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ عَيْنَيْهِ لِيَنْظُرَ، صَأْصَأَ؛ لِيَنْظُرَ. وَقَوْلُهُ: فَقّحَ: فَتّحَ عينيه.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَلَفَ رَسُولُ اللهِ صَلّى عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعْدَهُ عَلَى امْرَأَتِهِ أُمّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَلِيّ بْنِ حُسَيْنٍ: أن رسول الله ﷺ بَعَثَ فِيهَا إلَى النّجَاشِيّ عَمْرَو بْنَ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ، فَخَطَبَهَا عَلَيْهِ النّجَاشِيّ؛ فَزَوّجَهُ إيّاهَا، وَأَصْدَقَهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أربعمائة دِينَارٍ. فَقَالَ مُحَمّدُ بْنُ عَلِيّ: مَا نَرَى عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ وَقَفَ صَدَاقَ النّسَاءِ على أربعمائة دِينَارٍ إلّا عَنْ ذَلِكَ. وَكَانَ الّذِي أَمْلَكَهَا للنّبىّ ﷺ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بن العاص:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمّا عُثْمَانُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ، فَقَدِمَ عَلَى قَيْصَرَ مَلِكِ الرّومِ فَتَنَصّرَ، وَحَسُنَتْ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَهُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلِعُثْمَانَ بْنِ الْحُوَيْرِثِ عِنْدَ قَيْصَرَ حَدِيثٌ، مَنَعَنِي مِنْ ذِكْرِهِ ما ذكرت فى حديث حرب الفجار.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٤٨ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمّا زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فَوَقَفَ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي يَهُودِيّةٍ وَلَا نَصْرَانِيّةٍ، وَفَارَقَ دِينَ قَوْمِهِ، فَاعْتَزَلَ الْأَوْثَانَ والميتة والدم والذبائح التى تذبح على الأوثان، ونهى عن قتل الموؤدة، وَقَالَ: أَعْبُدُ رَبّ إبْرَاهِيمَ، وَبَادَى قَوْمَهُ بِعَيْبِ مَا هُمْ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمّهِ أسماء بنت أبي بكر ﵄، قال: لَقَدْ رَأَيْت زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ شَيْخًا كَبِيرًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلَى الْكَعْبَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَاَلّذِي نَفْسُ زَيْدِ ابن عَمْرٍو بِيَدِهِ: مَا أَصْبَحَ مِنْكُمْ أَحَدٌ عَلَى دِينِ إبْرَاهِيمَ غَيْرِي، ثُمّ يَقُولُ: اللهُمّ لَوْ أَنّي أَعْلَمُ أَيّ الْوُجُوهِ أَحَبّ إلَيْك عَبَدَتْك بِهِ، وَلَكِنّي لَا أَعْلَمُهُ، ثُمّ يَسْجُدُ عَلَى راحته.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدّثْت أَنّ ابْنَهُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَعُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ، وَهُوَ ابْنُ عَمّهِ، قَالَا لرسول الله ﷺ:
أنستغفر لِزَيْدِ بْنِ عَمْرٍو؟ قَالَ: نَعَمْ، فَإِنّهُ يُبْعَث أمّة وحده.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فِي فِرَاقِ دِينِ قَوْمِهِ، وَمَا كَانَ لَقِيَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ:
أَرَبّا وَاحِدًا، أَمْ أَلْفَ رَبّ أَدِينُ إذَا تُقُسّمَتْ الْأُمُورُ
عَزَلْتُ اللّاتَ وَالْعُزّى جَمِيعًا كَذَلِكَ يَفْعَلُ الْجَلْدُ الصّبُورُ
فَلَا الْعُزّى، أَدِينُ وَلَا ابْنَتَيْهَا وَلَا صَنَمَيْ بَنِي عَمْرٍو أزور
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٤٩ ]
وَلَا هُبَلًا أَدِينُ، وَكَانَ رَبّا لَنَا فِي الدّهْرِ إذْ حِلْمِي يَسِيرُ
عَجِبْتُ. وَفِي اللّيَالِي مُعْجَبَاتٌ وَفِي الْأَيّامِ يَعْرِفُهَا الْبَصِيرُ
بِأَنّ اللهَ قَدْ أَفْنَى رِجَالًا كَثِيرًا كَانَ شَأْنَهُمْ الْفُجُورُ
وَأَبْقَى آخَرِينَ بِبِرّ قَوْمٍ فَيَرْبِلُ مِنْهُمْ الطّفْلُ الصّغير
وبينا المرء يعثر ثَابَ يَوْمًا كَمَا يُتَرَوّحُ الْغُصْنُ الْمَطِيرُ
وَلَكِنْ أَعْبُدُ الرّحْمَنَ رَبّي لِيَغْفِرَ ذَنْبِي الرّبّ الْغَفُورُ
فَتَقْوَى اللهِ رَبّكُمْ احْفَظُوهَا مَتَى مَا تَحْفَظُوهَا. لَا تَبُورُوا
تَرَى الْأَبْرَارَ. دَارُهُمْ جِنَانٌ وَلِلْكَفّارِ حَامِيَةً سَعِيرُ
وَخِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ وَإِنْ يَمُوتُوا يلاقوا ما تضيق به الصّدور
وقال زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنُ نُفَيْلٍ أَيْضًا- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هِيَ لِأُمَيّةَ بْنِ أَبِي الصّلْتِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. إلّا الْبَيْتَيْنِ الْأَوّلَيْنِ وَالْبَيْتَ الْخَامِسَ وَآخِرَهَا بَيْتًا. وَعَجُزُ الْبَيْتِ الْأَوّلِ عَنْ غير ابن إسحاق: -
إلَى اللهِ أُهْدِي مِدْحَتِي وَثَنَائِيَا وَقَوْلًا رَصِينًا لاينى الدّهْرَ بَاقِيَا
إلَى الْمَلِكِ الْأَعْلَى الّذِي لَيْسَ فوقه إله، وَلَا رَبّ يَكُونُ مُدَانِيَا
أَلَا أَيّهَا الْإِنْسَانُ إيّاكَ وَالرّدَى فَإِنّك لَا تُخْفِي مِنْ اللهِ خَافِيَا
وَإِيّاكَ لَا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ غَيْرَهُ فَإِنّ سَبِيلَ الرّشْدِ أَصْبَحَ بَادِيَا
حَنَانَيْكَ إنّ الجن كانت رجاءهم وأنت إلهى رَبّنَا وَرَجَائِيَا
رَضِيتُ بِكَ- اللهُمّ- رَبّا فَلَنْ أرى أدين إلها غيرك الله ثانيا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٥٠ ]
وَأَنْتَ الّذِي مِنْ فَضْلِ مَنّ وَرَحْمَةٍ بَعَثْتَ إلَى مُوسَى رَسُولًا مُنَادِيَا
فَقُلْت لَهُ: يَا اذْهَبْ وَهَارُونَ فَادْعُوَا إلَى اللهِ فِرْعَوْنَ الّذِي كَانَ طَاغِيَا
وَقُولَا لَهُ: أَأَنْتَ سَوّيْت هَذِهِ بِلَا وَتَدٍ، حَتّى اطْمَأَنّتْ كَمَا هِيَا
وَقُولَا لَهُ: أَأَنْتَ رَفّعْت هَذِهِ بِلَا عُمُدٍ، أَرْفِقْ- إذَا- بِك بَانِيَا
وَقُولَا لَهُ: أَأَنْتَ سَوّيْت وَسْطَهَا مُنِيرًا، إذَا مَا جَنّهُ اللّيْلُ هَادِيَا
وَقُولَا لَهُ: مَنْ يُرْسِلُ الشّمْسَ غُدْوَةً فَيُصْبِحُ مَا مَسّتْ مِنْ الْأَرْضِ ضَاحِيَا
وَقُولَا لَهُ: مَنْ يُنْبِتُ الْحَبّ فِي الثّرَى فَيُصْبِحُ مِنْهُ الْبَقْلُ يَهْتَزّ رَابِيَا
وَيُخْرِجُ مِنْهُ حَبّهُ فِي رؤسه وَفِي ذَاكَ آيَاتٌ لِمَنْ كَانَ وَاعِيَا
وَأَنْتَ بِفَضْلٍ مِنْك نَجّيْتَ يُونُسَا وَقَدْ بَاتَ فِي أضعاف حوت لياليا
وإنى لَوْ سَبّحْت بِاسْمِك رَبّنَا لَأُكْثِرُ- إلّا مَا غَفَرْت- خَطَائِيَا
فَرَبّ الْعِبَادِ أَلْقِ سَيْبًا وَرَحْمَةً علىّ، وبارك فى بنىّ وماليا
وقال زيد بن عمرو يعاتب امرأته صفية بنت الْحَضْرَمِيّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ الْحَضْرَمِيّ: عَبْدُ الله أَحَدُ الصّدِفِ، وَاسْمُ الصّدِفِ:
عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ أَحَدُ السّكُونِ بْنِ أَشْرَسَ بْنِ كِنْدَى، وَيُقَالُ: كِنْدَةُ بْنُ ثَوْرِ بْنِ مُرَتّعِ بْنِ عُفَيْر بْنِ عَدِيّ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُرّةَ بْنِ أدد ابن زيد بن مهسع ابن عمرو ابن عَرِيبِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كُهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ، وَيُقَالُ: مُرَتّعُ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سبأ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٥١ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو قَدْ أَجْمَعَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكّةَ، لِيَضْرِبَ فِي الْأَرْضِ يَطْلُبُ الْحَنِيفِيّةَ دِينَ إبْرَاهِيمَ ﷺ، فَكَانَتْ صَفِيّةُ بِنْتُ الْحَضْرَمِيّ كَلّمَا رَأَتْهُ قَدْ تَهَيّأَ لِلْخُرُوجِ، وَأَرَادَهُ، آذَنَتْ بِهِ الخطّاب بن نفيل، وكان الخطّاب ابن نُفَيْلٍ عَمّهُ وَأَخَاهُ لِأُمّهِ، وَكَانَ يُعَاتِبُهُ عَلَى فِرَاقِ دِينِ قَوْمِهِ، وَكَانَ الْخَطّابُ قَدْ وَكّلَ صفيّة به، وقال: إذا رأيتيه قدهمّ بِأَمْرٍ فَآذِنِينِي بِهِ- فَقَالَ زَيْدٌ:
لَا تَحْبِسِينِي فى الهوا ن صفىّ مادابى وَدَابُهُ
إنّي إذَا خِفْت الْهَوَا نَ، مُشَيّعٌ ذُلُلَ رِكَابِهِ
دُعْمُوصُ أَبْوَابَ الْمُلُو كِ وَجَائِبٌ للخرق نابه
قطّاع أسباب تذل بِغَيْرِ أَقْرَانٍ صِعَابه
وَإِنّمَا أَخَذَ الْهَوَا نُ الْعِيرَ إذْ يُوهَى إهَابُهُ
وَيَقُولُ: إنّي لَا أذلّ بِصَكّ جَنْبَيْهِ صِلَابه
وَأَخِي ابْنُ أُمّي، ثُمّ عمّى لا يواتينى خطابه
وإذا يعاتبنى بسو ء قُلْتُ: أَعْيَانِي جَوَابُهُ
وَلَوْ أَشَاءُ لَقُلْت: مَا عِنْدِي مَفَاتِحُهُ وَبَابُهْ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدّثَتْ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:
أَنّ زَيْدًا إذا كان اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ، قَالَ: لَبّيْكَ حَقّا حَقّا، تَعَبّدًا وَرِقّا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٥٢ ]
عذت بما عاذ به إبراهيم، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَهُوَ قَائِم إذْ قَالَ:
أَنْفِي لَك اللهُمّ عَانٍ رَاغِمْ مَهْمَا تُجَشّمُنِي فَإِنّي جَاشِم
الْبِرّ أَبْغِي لَا الْخَالَ، لَيْسَ مُهَجّر كمن فال.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْبِرّ أَبْقَى لَا الْخَال، لَيْسَ مُهَجّر كَمَنْ قَالَ: قَالَ وَقَوْلُهُ: «مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ» عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنُ نفيل:
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ لَهُ الْأَرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقَالًا
دَحَاهَا فَلَمّا رَآهَا اسْتَوَتْ عَلَى الْمَاءِ، أَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَا
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ لَهُ الْمُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلَالًا
إذَا هِيَ سِيقَتْ إلَى بَلْدَةٍ أَطَاعَتْ، فَصَبّتْ عَلَيْهَا سجالا
وَكَانَ الْخَطّابُ قَدْ آذَى زَيْدًا، حَتّى أَخْرَجَهُ إلَى أَعَلَى مَكّةَ، فَنَزَلَ حِرَاءَ مُقَابِلَ مَكّةَ، وَوَكّلَ بِهِ الْخَطّابُ شَبَابًا مِنْ شَبَابِ قُرَيْشٍ وسفهاء من سفائهم، فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَتْرُكُوهُ يَدْخُلُ مَكّةَ، فَكَانَ لَا يَدْخُلُهَا إلّا سِرّا مِنْهُمْ، فَإِذَا عَلِمُوا بِذَلِكَ، آذَنُوا بِهِ الْخَطّابَ، فَأَخْرَجُوهُ، وَآذَوْهُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ، وَأَنْ يُتَابِعَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى فِرَاقِهِ. فَقَالَ- وَهُوَ يُعَظّمُ حُرْمَتَهُ عَلَى مَنْ اسْتَحَلّ مِنْهُ مَا اسْتَحَلّ مِنْ قومه:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٥٣ ]
لا همّ إنّي مُحْرِمٌ لَا حِلّهْ وَإِنّ بَيْتِي أَوْسَطَ الْمَحِلّهْ
عِنْدَ الصّفَا لَيْسَ بِذِي مُضِلّهُ
ثُمّ خَرَجَ يَطْلُبُ دِينَ إبْرَاهِيمَ ﵇، وَيَسْأَلُ الرّهْبَانَ وَالْأَحْبَارَ، حَتّى.
بَلَغَ الْمَوْصِلَ وَالْجَزِيرَةَ كُلّهَا، ثُمّ أَقْبَلَ فَجَالَ الشّامَ كُلّهُ، حَتّى انْتَهَى إلَى رَاهِبٍ بِمَيْفَعَةٍ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ، كَانَ يَنْتَهِي إلَيْهِ عِلْمُ أَهْلِ النّصْرَانِيّةِ فِيمَا يَزْعُمُونَ، فَسَأَلَهُ عَنْ الْحَنِيفِيّةِ دِينِ إبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: إنّك لتطب دِينًا مَا أَنْتَ بِوَاجِدٍ مَنْ يَحْمِلُك عَلَيْهِ الْيَوْمَ، وَلَكِنْ قَدْ أَظَلّ زَمَانُ نَبِيّ يَخْرُجُ مِنْ بِلَادِك الّتِي خَرَجْت.
مِنْهَا، يُبْعَثُ بِدِينِ إبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِيّةِ، فَالْحَقّ بِهَا، فَإِنّهُ مَبْعُوثٌ الْآنَ، هذا زمانه، وقد كان شامّ اليهودية وَالنّصْرَانِيّةَ، فَلَمْ يَرْضَ شَيْئًا مِنْهُمَا، فَخَرَجَ سَرِيعًا، حِينَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ الرّاهِبُ مَا قَالَ، يُرِيدُ مَكّةَ، حَتّى إذَا تَوَسّطَ بِلَادَ لَخْمٍ، عدوا عليه فقتلوه- فَقَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ يَبْكِيهِ:
رَشَدْتَ، وَأَنْعَمْت ابْنَ عَمْرٍو، وَإِنّمَا تَجَنّبْتَ تَنّورًا مِنْ النّارِ حَامِيَا
بِدِينِكَ رَبّا لَيْسَ رَبّ كَمِثْلِهِ وَتَرْكُكَ أَوْثَانَ الطّوَاغِي كَمَا هِيَا
وَإِدْرَاكُك الدّينَ الّذِي قَدْ طَلَبْتَهُ وَلَمْ تَكُ عَنْ تَوْحِيدِ رَبّك سَاهِيَا
فَأَصْبَحْتَ فِي دَارٍ كَرِيمٍ مُقَامُهَا تُعَلّلُ فِيهَا بِالْكَرَامَةِ لَاهِيَا
تُلَاقِي خَلِيلَ اللهِ فِيهَا، وَلَمْ تَكُنْ مِنْ النّاسِ جَبّارًا إلَى النّار هَاوَيَا
وَقَدْ تُدْرِكُ الْإِنْسَانَ رَحْمَةُ رَبّهِ وَلَوْ كَانَ تَحْتَ الْأَرْضِ سَبْعِينَ وَادِيَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُرْوَى لِأُمَيّةَ بْنِ أَبِي الصّلْتِ الْبَيْتَانِ الْأَوّلَانِ مِنْهَا، وَآخِرُهَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٥٤ ]
بَيْتًا فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَوْلُهُ: «أَوْثَانِ الطّوَاغِي» عن غير ابن إسحاق.
ــ
ذِكْرُ حَدِيثِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ «١»، وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ جحش، وعثمان ابن الْحُوَيْرِثِ، وَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَمَا تناجوا به، وقال: زيد بن عمرو ابن نُفَيْلٍ إلَى آخِرِ النّسَبِ، وَالْمَعْرُوفُ فِي نَسَبِهِ وَنَسَبِ ابْنِ عَمّهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ:
نُفَيْلُ بْنُ رِيَاحِ «٢» بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُرْطِ بن رزاح «٣» بتقديم رياح على
_________________
(١) نسب ورقة، هو ابن نوفل بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ بن كلاب وقد تقدم الكلام عنه. وفى الصحيحين ما يدل على أنه لقى النبى، ولكنه مات قبل أن يدعو رسول الله إلى الإسلام. وحديث رؤية النبى لورقة فى الجنة حديث منقطع، وحديث أنه سأل رسول الله «ص» عن كيفية مجىء الوحى، وأنه قال: يأتينى من السماء وجناحاه لؤلؤ، وباطن قدميه أخضر. هذا مروى عن طريق روح بن مسافر، وهو أحد الضعفاء، والحديث فى روايته سماع ابن عباس من ورقة، وابن عساكر يقول: لم يسمع ابن عباس من ورقة، ولا أعرف أحدا قال: إنه أسلم.
(٢) فى الإصابة: نفيل بن عبد العزى بن رياح.
(٣) فى الإصابة بعده: ابن عدى بن كعب بن لؤى بن غالب. وإليك ما ذكر المصعب الزبيرى عن هذا النسب: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح ابن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدى بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر «٣٤٦ نسب قريش» ورزاح بكسر الراء وفتحها. والفتح عند الدارقطنى. وقد وردت عن زيد عدة أحاديث، منها مارواه البخارى، وفيه: «كان يحيى الموؤدة يقول للرجل، إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها أنا أكفيكها مؤنتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤنتها» . وحديث إسناد ظهره إلى الكعبة- وسيأتى فى الروض- أخرجه البخارى من-
[ ٢ / ٣٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَبْدِ اللهِ، وَرِزَاحٌ بِكَسْرِ الرّاءِ قَيّدَهُ الشّيْخُ أَبُو بَحْرٍ، وَزَعَمَ الدّارَقُطْنِيّ أَنّهُ رَزَاحٌ بِالْفَتْحِ، وَإِنّمَا رِزَاحٍ بِالْكَسْرِ: رِزَاحُ بْنُ رَبِيعَةَ أَخُو قُصَيّ لِأُمّهِ الّذِي تَقَدّمَ ذِكْرُهُ «١» .
الزّوَاجُ مِنْ امْرَأَةِ الْأَبِ فِي الْجَاهِلِيّةِ:
وَأُمّ زَيْدٍ هِيَ: الْحَيْدَاءُ بِنْتُ خَالِدٍ الْفَهْمِيّةُ، وَهِيَ امْرَأَةُ جَدّهِ نُفَيْلٍ وَلَدَتْ لَهُ الْخَطّابَ «٢» فَهُوَ أَخُو الْخَطّابِ لِأُمّهِ، وَابْنُ أَخِيهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا فِي الْجَاهِلِيّةِ بِشِرْعِ مُتَقَدّمٍ «٣»، وَلَمْ تَكُنْ مِنْ الْحُرُمَاتِ الّتِي انْتَهَكُوهَا، وَلَا مِنْ الْعَظَائِمِ الّتِي ابْتَدَعُوهَا، لِأَنّهُ أَمْرٌ كَانَ فِي عَمُودِ نَسَبِ رَسُولِ الله- صلى الله
_________________
(١) طريق هشام من طريق الليث تعليقا، والنسائى من طريق أبى أسامة. والبغوى من طريق على بن مسهر كلهم عن هشام، وزادوا فيه: «يحيى الموؤدة يقول للرجل إن أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، فأنا أكفيك مئونتها»، وورد فى رواية الطبرانى أنه كان يسجد للكعبة بدلا من راحته وقال عنه ابن دريد فى الجمهرة: رفض الأوثان فى الجاهلية، وامتنع من أكل ما ذبح لغير الله﷿- والتزم الحنيفية دين إبراهيم، إلى أن قتله أهل ميفعة، قرية من قرى البلقاء بقرب دمشق من. لخم أو جذام.
(٢) والحديث الذى ذكره ابن إسحاق، وفيه سؤال سعيد بن زيد وعمر، بن الخطاب لرسول ﷺ الاستغفار لزيد فى رواية أحمد والطبرانى والبزار أن سعيدا هو الذى سأل، وقال البيهقى عن الحديث: فيه المسعودى وقد اختلط، وبقية رجاله ثقات.
(٣) وكان عمرو بن نفيل قد خلف على امرأة أبيه بعد أبيه، وكان لها من نفيل أخوه الخطاب.
(٤) من أين له هذا؟
[ ٢ / ٣٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَكِنَانَةُ تَزَوّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ خُزَيْمَةَ، وَهِيَ بَرّةُ بِنْتُ مُرّ، فَوَلَدَتْ لَهُ النّضْرَ بْنَ كِنَانَةَ، وَهَاشِمٌ أَيْضًا قَدْ تَزَوّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ وَافِدَةً فَوَلَدَتْ لَهُ ضَعِيفَةَ «١»، وَلَكِنْ هُوَ خَارِجٌ عَنْ عَمُودِ نَسَبِ رَسُولِ اللهِﷺ- لأنها لم تلدجدّا لَهُ، أَعْنِي: وَاقِدَةَ، وَقَدْ قَالَ ﵇: أَنَا مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ «٢»، وَلِذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَهُ: (وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) النّسَاءُ: ٢٢. أَيْ: إلّا مَا سَلَفَ مِنْ تَحْلِيلِ ذَلِكَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ: وَفَائِدَةُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ أَلّا يُعَابَ نسب رسول الله ﷺ «٣» وَلِيُعْلَمَ أَنّهُ لَمْ يَكُنْ فِي أَجْدَادِهِ مَنْ كان لغيّة «٤» ولا من سفاح. ألا نرى أَنّهُ لَمْ يَقُلْ فِي شَيْءٍ نَهَى عَنْهُ فِي الْقُرْآنِ: إِلّا مَا قَدْ سَلَفَ، نَحْوَ قوله: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى) وَلَمْ يَقُلْ إلّا مَا قَدْ سَلَفَ: (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ) الْإِسْرَاءُ: ٣٠ وَلَمْ يَقُلْ إلّا مَا قَدْ سَلَفَ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَعَاصِي الّتِي نَهَى عَنْهَا إلّا فِي هَذِهِ، وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ؛ لِأَنّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ قَدْ كَانَ مُبَاحًا أَيْضًا فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا، وَقَدْ جَمَعَ يَعْقُوبُ بَيْنَ رَاحِيلَ وَأُخْتِهَا لِيَا «٥» فَقَوْلُهُ: إِلّا مَا قد سلف
_________________
(١) يقول المصعب الزبيرى فى نسب قريش ص ١٧: «وكانت ضعيفة بنت هاشم عند عبد مناف بن زهرة بن كلاب، فولدت له عبد يغوث، وعبيد يغوث»
(٢) لا ريب فى طهارة نسبه الشريف، ولا ريب فى أنه كان من نكاح صحيح بين عبد الله أبيه وآمنة أمه. لكن هذه الأحاديث التى ترفع هذه الكلية، حتى آدم أحاديث ضعيفة، ولهذا لم يخرجها أحد من أصحاب الكتب الستة، فلا تراها إلا عند ابن سعد وابن عساكر وابن أبى شيبة. وأحسن تعبير عن هذه الحقيقة جزء من حديث أخرجه أبو نعيم: «لم يلتق أبواى قط على سفاح» .
(٣) لا يجوز قصر الاية على ما ذكر وحده.
(٤) الزّنا، وتقال بكسر الغين وفتحها.
(٥) هما فى سفر التكوين: راحيل وليئة ابنتا لابان، وقصتهما مع يعقوب-
[ ٢ / ٣٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْتِفَاتَةٌ إلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَتَنْبِيهٌ عَلَى هَذَا الْمَغْزَى، وَهَذِهِ النّكْتَةُ لُقّنْتهَا مِنْ شَيْخِنَا الْإِمَامِ الْحَافِظِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمّدِ بْنِ الْعَرَبِيّ﵀- وزيد هذا هو: والد سعيد ابن زَيْدٍ أَحَدِ الْعَشْرَةِ الّذِينَ شُهِدَ لَهُمْ بِالْجَنّةِ، وأم سعيد: فاطمة بنت نعجة ابن خَلَفٍ الْخُزَاعِيّ [عِنْدَ الزّبَيْرِ: بَعْجَةُ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ اليمعر بْنِ خُزَاعَةَ] .
تَفْسِيرُ بَعْضِ قَوْلِ ابْنِ جَحْشٍ:
وَذَكَرَ قَوْلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ حِينَ تَنَصّرَ بالحبشة: فقّحنا وصأصأتم، وشرح فقّحنا لقوله: فَقّحَ الْجُرْوُ: إذَا فَتَحَ عَيْنَيْهِ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَزَادَ: جَصّصَ أَيْضًا، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ: بَصّصَ بِالْبَاءِ حَكَاهَا عَنْ أَبِي زَيْدٍ «١»، وَقَالَ الْقَالِيّ: إنّمَا رَوَاهُ الْبَصْرِيّونَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ بِيَاءِ مَنْقُوطَةٍ بِاثْنَتَيْنِ، لِأَنّ الْيَاءَ تُبْدَلُ مِنْ الْجِيمِ كَثِيرًا كَمَا تَقُولُ: أَيَلٌ وَأَجَلٌ، وَلِرِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدٍ وَجْهٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَصّصَ مِنْ الْبَصِيصِ، وَهُوَ الْبَرِيقُ.
بَعْضُ الّذِينَ تَنَصّرُوا:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ عُثْمَانُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ مَعَ زَيْدٍ، وَوَرَقَةَ وَعُبَيْدَ اللهِ بْنَ جَحْشٍ، ثُمّ قَالَ: وَأَمّا عُثْمَانُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فَإِنّهُ ذَهَبَ إلَى الشّامِ، وَلَهُ فِيهَا مَعَ قَيْصَرٍ خَبَرٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ الْخَبَرَ، وَذَكَرَ الْبَرْقِيّ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّ عُثْمَانَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ قَدِمَ عَلَى قَيْصَرٍ، فَقَالَ لَهُ: إنّي أَجْعَلُ لَك خرجا على قريش إن جاؤا
_________________
(١) - فى الإصحاح التاسع والعشرين من التكوين، وفيه أن لابان خدع يعقوب وزوجه غير التى كان يريدها أولا، لأنها الكبرى، ثم زوجه ليئة.
(٢) فى القاموس: يصص الجرو: جصص. وانظر ص ١٣٦ نوادر أبى زيد
[ ٢ / ٣٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشّامَ لِتِجَارَتِهِمْ، وَإِلّا مَنَعْتهمْ، فَأَرَادَ قَيْصَرٌ أَنْ يفعل فخرج سعيد بن العاصى ابن أُمَيّةَ وَأَبُو ذِئْبٍ، وَهُوَ: هِشَامُ بْنُ شُعْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عبدودّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ إلَى الشّامِ، فَأُخِذَا فَحُبِسَا، فَمَاتَ أَبُو ذِئْبٍ فِي الْحَبْسِ، وَأَمّا سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِي، فَإِنّهُ خَرَجَ الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَةَ، وَهُوَ أُمَيّةُ فَتَخَلّصُوهُ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ، رَوَاهُ ابْنُ إسْحَاقَ عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة ابن الْأَخْنَسِ. وَأَبُو ذِئْبٍ الّذِي ذُكِرَ هُوَ: جَدّ الفقيه محمد بن عبد الرحمن ابن الْمُغِيرَةِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ، يُكَنّى: أَبَا الْحَارِثِ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ، وَأُمّهُ بُرَيْهَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَأَمّا الزبير فذكر أن قيصر كَانَ قَدْ تَوّجَ عُثْمَانَ، وَوَلّاهُ أَمْرَ مَكّةَ، فَلَمّا جَاءَهُمْ بِذَلِكَ أَنِفُوا مِنْ أَنْ يَدِينُوا لِمَلِكِ، وَصَاحَ الْأَسْوَدُ بْنُ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى: أَلَا إنّ مَكّةَ حَيّ لَقَاحٌ لَا تَدِينُ لِمَلِكِ «١»، فَلَمْ يَتِمّ لَهُ مُرَادُهُ، قَالَ: وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الْبِطْرِيقُ «٢»، وَلَا عَقِبَ لَهُ، وَمَاتَ بِالشّامِ مَسْمُومًا، سَمّهُ عَمْرُو بْنُ جَفْنَةَ الغسنّانى الملك.
اعتزال زيد بن عمر بْنِ نُفَيْلٍ الْأَوْثَانَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ اعْتِزَالَ زَيْدٍ الْأَوْثَانَ وَتَرْكَهُ طَوَاغِيتَهُمْ، وَتَرْكَهُ أَكْلَ مَا نُحِرَ [عَلَى الْأَوْثَانِ] «٣» وَالنّصُبِ. رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ مُحَمّدِ بن أبى بكر،
_________________
(١) أى لا تخضع للملوك.
(٢) فى القاموس: البطريق: ككبريت، القائد من قواد الروم تحت يده عشرة آلاف رجل، ثم الطرخان على خمسة آلاف، ثم القوه مس على مائتين، والمختال.
(٣) ما بين القوسين زدته من السيرة.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَالَ: أَخْبَرَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا موسى، قال: حدثنى سالم ابن عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنّ النّبِيّﷺ- لَقِيَ زيد ابن عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلَ بَلْدَحَ «١» قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النّبِيّ﵇- الْوَحْيُ، فَقُدّمَتْ إلَى النّبِيّﷺ، سُفْرَةٌ أَوْ قَدّمَهَا إلَيْهِ النّبِيّ ﷺ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمّ قَالَ زَيْدٌ: إنّي لَسْت آكُلُ مَا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلَا آكُلُ إلّا مَا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، وَأَنّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ كَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَقُولُ: الشّاةُ خَلَقَهَا اللهُ، وَأَنْزَلَ لَهَا مِنْ السّمَاءِ الْمَاءَ، وَأَنْبَتَ لَهَا مِنْ الْأَرْضِ الْكَلَأَ، ثُمّ تَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللهِ؟! إنْكَارًا لِذَلِك، وَإِعْظَامًا لَهُ. قَالَ مُوسَى بْنُ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: وَلَا أَعْلَمُ إلّا مَا تَحَدّثَ بِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إلَى الشّامِ يَسْأَلُ عن الدين، وينّبعه، فَلَقِيَ عَالِمًا مِنْ الْيَهُودِ فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِمْ، وَقَالَ لَهُ إنّي لَعَلّي أَنْ أَدِينَ بِدِينِكُمْ، فَأَخْبِرُونِي، فَقَالَ: لَا تَكُونُ عَلَى دِينِنَا، حَتّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِك مِنْ غَضَبِ اللهِ، قَالَ زَيْدٌ: مَا أَفِرّ إلّا مِنْ غَضَبِ اللهِ، وَلَا أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنّى أَسْتَطِيعُهُ، فَهَلْ تَدُلّنِي عَلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إلّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا، قَالَ: وَمَا الْحَنِيفُ؟
قَالَ: دِينُ إبْرَاهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا، وَلَا يَعْبُدُ إلّا اللهَ، فَخَرَجَ زَيْدٌ فَلَقِيَ عَالِمًا مِنْ النّصَارَى، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَقَالَ لَنْ: تَكُونَ عَلَى دِينِنَا، حَتّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِك مِنْ لَعْنَةِ اللهِ، قَالَ: مَا أَفِرّ إلّا مِنْ لَعْنَةِ اللهِ، وَلَا أَحْمِلُ مِنْ لَعْنَةِ اللهِ، وَلَا مِنْ غَضَبِهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنّى أَسْتَطِيعُ، فَهَلْ تَدُلّنِي عَلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ: ما أعلمه إلا أن
_________________
(١) بلدح: واد قبل مكة من جهة المغرب، أو مكان فى طريق التنعيم.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَكُونَ حَنِيفًا، قَالَ: وَمَا الْحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا، وَلَا يَعْبُدُ إلّا اللهَ، فَلَمّا رَأَى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ فِي إبْرَاهِيمَ خَرَجَ، فَلَمّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ:
اللهُمّ إنّي أُشْهِدُك أَنّي عَلَى دِينِ إبْرَاهِيمَ. وَقَالَ اللّيْثُ: كَتَبَ إلَيّ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ﵁- قَالَتْ: رَأَيْت زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَائِمًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلَى الْكَعْبَةِ، يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَاَللهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إبْرَاهِيمَ غَيْرِي، وكان يحيى الموؤدة، يَقُولُ لِلرّجُلِ إذَا أَرَادَ أَنّ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ: لا تقتلها، أكفيك مئونتها، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ قَالَ لِأَبِيهَا: إنْ شِئْت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مئونتها. إلَى هَاهُنَا انْتَهَى حَدِيثُ الْبُخَارِيّ.
وَفِيهِ سُؤَالٌ يُقَالُ: كَيْفَ وَفّقَ اللهُ زَيْدًا إلَى تَرْكِ أَكْلِ مَا ذُبِحَ عَلَى النّصُبِ، وَمَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، وَرَسُولُ اللهِﷺ- كَانَ أَوْلَى بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ فى الجاهلية لما ثبت الله له؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ حِينَ لَقِيَهُ بِبَلْدَحَ، فَقُدّمَتْ إلَيْهِ السّفْرَةُ أن رسول اللهﷺ- أَكَلَ مِنْهَا، وَإِنّمَا فِي الْحَدِيثِ أَنّ زَيْدًا قَالَ حِينَ قُدّمَتْ السّفْرَةُ:
لَا آكُلُ مِمّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ: الْجَوَابُ الثّانِي «١»: أن زيدا إنما فعل ذلك برأى
_________________
(١) جوابه الثانى غير مقبول، وزعمه أن ما ذبح لغير الله لم يكن محرما فى دين إبراهيم قول بغير دليل. والأنصاب: أحجار كانت حول الكعبة يذبحون عليها للأصنام. وإليك بعض الأراء حول هذا الحديث. قال ابن بطال: كانت السفرة لقريش قدموها للنبى، فأبى أن يأكل منها، فقدمها النبى «ﷺ» لزيد بن عمرو، فأبى أن يأكل منها، وقال مخاطبا لقريش الذين قدموها أولا: إنا لانأكل ما ذبح على أنصابكم. وقال صاحب الفتح: وما قاله محتمل، لكن لا أدرى من أين له الجزم بتلك.
[ ٢ / ٣٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَآهُ، لَا بِشِرْعِ مُتَقَدّمٍ، وَإِنّمَا تَقَدّمَ شَرْعُ إبْرَاهِيمَ بِتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ، لَا بِتَحْرِيمِ مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللهِ، وَإِنّمَا نَزَلَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ، وَبَعْضُ الْأُصُولِيّينَ يَقُولُونَ: الْأَشْيَاءُ قَبْلَ وُرُودِ الشّرْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، فَإِنْ قُلْنَا بِهَذَا، وَقُلْنَا أن رسول اللهﷺ كَانَ يَأْكُلُ مِمّا ذُبِحَ عَلَى النّصُبِ، فَإِنّمَا فَعَلَ أَمْرًا مُبَاحًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَأْكُلُ مِنْهَا فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ قُلْنَا أَيْضًا: إنّهَا لَيْسَتْ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَلَا عَلَى التّحْرِيمِ، وَهُوَ الصّحِيحُ، فَالذّبَائِحُ خَاصّةٌ لَهَا أَصْلٌ فِي تَحْلِيلِ الشّرْعِ الْمُتَقَدّمِ كَالشّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِمّا أَحَلّهُ اللهُ تَعَالَى فِي دِينِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، وَلَمْ يَقْدَحْ فِي ذَلِكَ التّحْلِيلِ الْمُتَقَدّمِ مَا ابْتَدَعُوهُ، حَتّى جَاءَ الْإِسْلَامُ، وَأَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) الْأَنْعَامُ: ١٢١. أَلَا تَرَى كَيْفَ بَقِيَتْ ذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ عِنْدَنَا عَلَى أَصْلِ التّحْلِيلِ بِالشّرْعِ الْمُتَقَدّمِ، وَلَمْ يَقْدَحْ فِي التّحْلِيلِ مَا أحدثوه من
_________________
(١) - وقال الخطابى. كان النبى «ﷺ» لا يأكل مما يذبحون عليها للأصنام، ويأكل ما عدا ذلك، وإن كانوا لا يذكرون اسم الله عليه، لأن الشرع لم يكن نزل بعد، بل لم ينزل الشرع بمنع أكل ما لم يذكر اسم الله عليه إلا بعد المبعث بمدة طويلة. وقال صاحب الفتح: وهذا الجواب أولى مما ارتكبه ابن بطال، وعلى تقدير أن يكون زيد بن حارثه ذبح على الحجر المذكور، فإنما يحمل على أنه إنما ذبح عليه لغير الأصنام. وأما قوله تعالى: «وما ذبح على النصيب»، فالمراد به ما ذبح عليها للأصنام، وفى الفتح أيضا: أن الجواب على قوله: فذبحنا شاة على بعض الأنصاب يعنى: الحجارة التى ليست بأصنام، ولا معبودة وإنما هى من آلات الجزار التى يذبح عليها؛ لأن النصب فى الأصل حجر كبير، فمنها ما يكون عندهم من جملة الأصنام، فيذبحون له، وعلى اسمه، ومنها مالا يعبد، بل يكون عندهم من آلات الذبح، فيذبح الذابح عليه لا للصنم، وكان امتناع زيد منها حسما للمادة.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الْكُفْرِ، وَعِبَادَةِ الصّلْبَانِ، فَكَذَلِكَ كَانَ مَا ذَبَحَهُ أَهْلُ الْأَوْثَانِ مُحَلّا بِالشّرْعِ الْمُتَقَدّمِ، حَتّى خَصّهُ القرآن بالتحريم. زيد وصعصعة والموؤدة: فصل: وذكر خبر الموؤدة، وَمَا كَانَ زَيْدٌ يَفْعَلُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ صَعْصَعَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ جَدّ الْفَرَزْدَقِ ﵀ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَمّا أَسْلَمَ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ: هَلْ لِي فِي ذَلِكَ مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَالَ فِي أَصَحّ الرّوَايَتَيْنِ: لَك أَجْرُهُ إذَا مَنّ اللهُ عَلَيْك بِالْإِسْلَامِ، وَقَالَ الْمُبَرّدُ فِي الْكَامِلِ عَنْ النّبِيّﷺ- كَلَامًا لَمْ يَصِحّ لَفْظُهُ وَلَا مَعْنَاهُ، وَلَا يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ. وَالْأُصُولُ تَشْهَدُ لَهُ بِهَذِهِ الرّوَايَةِ الّتِي ذَكَرْنَاهَا؛ لِمَا ثَبَتَ أَنّ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ، وَحَسُنَ إسْلَامُهُ، كُتِبَ لَهُ كُلّ حَسَنَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: كُلّ حَسَنَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَذَكَرهَا الدّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ، ثُمّ يَكُونُ الْقِصَاصُ بَعْدَ ذَلِكَ: الْحَسَنَةُ بعشر أمثالها، والموؤدة مَفْعُولَةٌ مِنْ وَأَدَهُ إذَا أَثْقَلَهُ قَالَ الْفَرَزْدَقُ: وَمِنّا الّذِي مَنَعَ الْوَائِدَا تِ، وَأَحْيَا الْوَئِيدَ، فَلَمْ يُوأَدِ يَعْنِي: جَدّهُ صَعْصَعَةَ بْنَ مُعَاوِيَةَ بْنِ نَاجِيَةَ بْنِ عِقَالِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ مُجَاشِعٍ. وَقَدْ قِيلَ: كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ غَيْرَةً عَلَى الْبَنَاتِ، وَمَا قَالَهُ اللهُ فِي الْقُرْآنِ هُوَ الْحَقّ مِنْ قَوْلِهِ: (خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) وَذَكَرَ النّقّاشُ فِي التّفْسِيرِ: أَنّهُمْ كَانُوا يَئِدُونَ مِنْ الْبَنَاتِ، مَا كَانَ مِنْهُنّ زَرْقَاءَ أَوْ برشاء أو شيماء أو
[ ٢ / ٣٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَشْحَاءَ «١» تَشَاؤُمًا مِنْهُمْ بِهَذِهِ الصّفَاتِ قَالَ اللهُ تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ «٢» التّكْوِيرُ: ٨: ٩.
الْعُزّى:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ شِعْرَ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو وَفِيهِ: عَزَلْت اللّاتَ وَالْعُزّى جَمِيعًا. فَأَمّا اللّاتُ فَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُهَا، وَأَمّا الْعُزّى، فَكَانَتْ نَخَلَاتٍ مُجْتَمِعَةً، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ لُحَيّ قَدْ أَخْبَرَهُمْ- فِيمَا ذُكِرَ- أَنّ الرّبّ يُشْتِي بِالطّائِفِ عِنْدَ اللّاتِ، وَيُصَيّفُ بالعزّى، فغظموها وَبَنَوْا لَهَا بَيْتًا، وَكَانُوا يَهْدُونَ إلَيْهِ كَمَا يَهْدُونَ إلَى الْكَعْبَةِ، وَهِيَ الّتِي بَعَثَ رَسُولُ اللهِﷺ- خَالِدَ بْنَ الوليد ليكسرها، فقال له سادنها: يا خالد احذرها؛ فإنها تجدع
_________________
(١) الزرقاء: العمياء أو من بها ذلك. والبرشاء: من فى لونها نقط مختلفة حمراء، وأخرى سوداء أو غبراء. والشيماء: من كثرت فى بدنها الشامات، والشامة. علامة فى البدن، يخالف لونها لون سائره، والكشحاء: الموسومة بالنار فى كشحها بسبب داء فى كشحها، وربما كانت: الكسحاء.
(٢) ورد فى فتح البارى ص ١١٥ ج ٧: «كان أهل الجاهلية يدفنون البنات وهن بالحياة، ويقال: كان أصلها من الغيرة عليهن لما وقع لبعض العرب حيث سبى بنت آخر فاستفرشها، فأراد أبوها أن يفتديها منه، فخيرها، فاختارت الذى سباها، فحلف أبوها: ليقتلن كل بنت تولد له، فتبع على ذلك» غير أن القرآن ذكر أن وأدهن كان خشية الفقر، أو من الفقر. ولهذا قال سبحانه: «نحن نرزقهم وإياكم» لمن كانوا يئدون خشية الفقر، وقال لمن يئدون من الفقر: «نحن نرزقكم وإياهم» . عجل لهم البشارة برزق الوالدين، فهى فى هذا المقام أولى بالذكر.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَتُكَنّعُ، «١» فَهَدَمَهَا خَالِدُ وَتَرَكَ مِنْهَا جَذْمَهَا «٢» وَأَسَاسَهَا، فَقَالَ قَيّمُهَا:
وَاَللهِ لِتَعُودُنّ وَلَتَنْتَقِمُنّ مِمّنْ فَعَلَ بِهَا هَذَا، فَذَكَرَ- وَاَللهُ أَعْلَمُ- أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قَالَ لِخَالِدِ: هَلْ رَأَيْت فِيهَا شَيْئًا؟ فَقَالَ: لَا، فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَ، وَيَسْتَأْصِلَ بَقِيّتَهَا بِالْهَدْمِ، فَرَجَعَ خَالِدٌ، فَأَخْرَجَ أَسَاسَهَا، فَوَجَدَ فِيهَا امْرَأَةً سَوْدَاءَ مُنْتَفِشَةَ الشّعْرِ تَخْدِشُ وَجْهَهَا، «٣»، فَقَتَلَهَا وَهَرَبَ الْقَيّمُ، وَهُوَ يَقُولُ: لَا تُعْبَدُ الْعُزّى بَعْدُ الْيَوْمَ. هَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَ أَبُو سَعِيدٍ النّيْسَابُورِيّ فِي الْمَبْعَثِ. وَذَكَرَهُ الْأَزْرَقِيّ أَيْضًا وَرَزِينٌ.
مَعْنَى يَرْبُلُ:
وَقَوْلُهُ: فَيَرْبُلُ مِنْهُمْ الطّفْلُ الصّغِيرُ. أَلْفَيْت فِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ أَبِي بَحْرٍ رَبَلَ الطّفْلُ يَرْبُلُ إذَا شَبّ وَعَظُمَ. يَرْبَلُ بِفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ يَكْبَرُ وَيَنْبُتُ، وَمِنْهُ أُخِذَ تَرْبِيلُ الْأَرْضِ «٤» . وَقَوْلُهُ: كَمَا يَتَرَوّحُ الْغُصْنُ: أَيْ: يَنْبُتُ وَرَقُهُ بَعْدَ سقوطه «٥» .
_________________
(١) فى بعض الروايات ورد: أن ذلك كان حين أرسل خالد إلى ذى الخلصة ليهدمها، وفيها صنم يعبدونه، فقال له السادن: «لا تفعل، فإنها مكنعتك» بضم الميم وفتح الكاف وتضعيف النون مع كسرها أى مقبضة يديك، ومشلتهما.
(٢) الجذم بكسر الجيم وفتحها: الأصل
(٣) يجب أن نفهم أنها إن صح الحديث شيطانة من الإنس كانت تخدع الناس بحيلها، فيظنون أن للعزى حياة وقدرة أو جنيا يتلبس بها
(٤) فى القاموس: ربلوا يربلون! - بكسر الباء أو ضمها فى المضارع، كثروا أو كثرت أموالهم وأولادهم وفى الخشنى: ربل الطفل يربل بضم الباء فى المضارع: شب وعظم، والربل: ما اخضر من الشجر
(٥) عند الخشنى: يهتز ويخضر
[ ٢ / ٣٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إعْرَابُ نَعْتِ النّكِرَةِ الْمُتَقَدّمِ:
وَقَوْلُهُ: وَلِلْكُفّارِ حَامِيَةً سَعِيرُ. نَصَبَ حَامِيَةً عَلَى الْحَالِ مِنْ سَعِيرٍ؛ لِأَنّ نَعْتَ النّكِرَةِ إذَا تَقَدّمَ عَلَيْهَا نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ فِي مِثْلِهِ:
لِمَيّةَ مُوحِشًا طَلَلُ «١»
وَأَنْشَدَ أَيْضًا [لَذِي الرّمّةِ]:
وَتَحْتَ الْعَوَالِي وَالْقَنَا مُسْتَكِنّةٌ ظِبَاءٌ أَعَارَتْهَا الْعُيُونُ الْجَآذِرُ
_________________
(١) يرى ابن الحاجب فى أماليه على أبيات المفصّل أنه يجوز أن تكون كلمة موحشا حالا من الضمير فى «لمية» لأن جعل الحال من المعرفة أولى من جعلها من النكرة متقدمة عليها، لأن هذا هو الكثير الشائع، وذلك قليل، فكان أولى، ويذهب ابن جنى فى شرح الحماسة والزمخشرى فى تفسير: «وجعلنا فيها فجاجا سبلا» والخبيصى فى شرحه لكافية ابن الحاجب يذهبون إلى أن موحشا حال من طلل، لأنها وصف لنكرة، وتقدمت عليها، والكرمانى يرى أن موحشا لا يجوز أن تكون حالا من طلل؛ لأنها مبتدأ، والحال لا تكون إلا من الفاعل أو المفعول، والبيت هو: لمية موحشا طلل يلوح كأنه خلل والخلل- بكسر الخاء- جمع خلة وهى بطائن يغشى بها أجفان السيوف منقوشة بالذهب وغيره والبيت ينسب لكثير عزة كما فعل سيبويه ص ٢٧٦ ح ١ الكتاب، ومن يقول بهذا يرويه «لعزة موحشا، لأن عزة اسم محبوبة كثير، وقيل إن البيت لذى الرمة، ومن يقول بهذا يرويه: «لمية موحشا» لأن مية اسم محبوبة ذى الرمة انظر ص ٣٤٤ ج ٢، ص ١٨٩ ج ٣ خزانة الأدب للبغدادى طبع السلفية وهناك آخر: لمية موحشا طلل قديم عفاه كل أسحم مستديم
[ ٢ / ٣٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَالْعَامِلُ فِي هَذَا الْحَالِ: الِاسْتِقْرَارُ الّذِي يَعْمَلُ فِي الظّرْفِ، وَيَتَعَلّقُ بِهِ حَرْفُ الْجَرّ، وَهَذَا الْحَالُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَخْفَشِ لَا اعْتِرَاضَ فِيهَا؛ لِأَنّهُ يَجْعَلُ النّكِرَةَ الّتِي بَعْدَهَا مُرْتَفِعَةً بِالظّرْفِ ارْتِفَاعَ الْفَاعِلِ، وَأَمّا عَلَى مَذْهَبِ سيبويه، فالمسئلة عَسِيرَةٌ جِدّا؛ لِأَنّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْعَلَهَا حَالًا مِنْ الْمُضْمَرِ فِي الِاسْتِقْرَارِ؛ لِأَنّهُ مَعْرِفَةٌ، فَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ نَكِرَةٍ، فَإِنْ قُدّرَ الِاسْتِقْرَارُ آخِرَ الْكَلَامِ، وَبَعْدَ الْمَرْفُوعِ كَانَ ذَلِكَ فَاسِدًا؛ لِتَقَدّمِ الْحَالِ عَلَى الْعَامِلِ الْمَعْنَوِيّ وَلِلِاحْتِجَاجِ لَهُ وَعَلَيْهِ مَوْضِعٌ غَيْرَ هَذَا. مِنْ مَعَانِي شِعْرِ زَيْدٍ: فَصْلٌ: وَأَنْشَدَ أَيْضًا لِزَيْدِ: إلَى اللهِ أَهْدِي مِدْحَتِي وَثَنَائِيَا. وَفِيهِ: أَلَا أَيّهَا الْإِنْسَانُ إيّاكَ وَالرّدَى. تَحْذِيرٌ مِنْ الرّدَى، وَالرّدَى هُوَ الْمَوْتُ، فَظَاهِرُ اللّفْظِ مَتْرُوكٌ، وَإِنّمَا هُوَ تَحْذِيرٌ مِمّا يَأْتِي بِهِ الْمَوْتُ، وَيُبْدِيهِ وَيَكْشِفُهُ مِنْ جَزَاءِ الْأَعْمَالِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ: فَإِنّك لَا تُخْفِي مِنْ اللهِ خَافِيَا. وَفِيهِ: وَإِنّي وَإِنْ سَبّحْت بِاسْمِك رَبّنَا لَأُكْثِرُ إلّا مَا غَفَرْت خَطَائِيَا مَعْنَى الْبَيْتِ: إنّي لَأُكْثِرُ مِنْ هَذَا الدّعَاءِ الّذِي هُوَ بِاسْمِك رَبّنَا إلّا مَا غَفَرْت «وَمَا» بَعْدَ إلّا زَائِدَةٌ، وَإِنْ سَبّحْت: اعْتِرَاضٌ بَيْنَ اسْمِ إنّ وَخَبَرِهَا، كَمَا تَقُولُ: إنّي لَأُكْثِرُ مِنْ هَذَا الدّعَاءِ الّذِي هُوَ بِاسْمِك رَبّنَا إلّا وَاَللهِ يَغْفِرُ لِي لَأَفْعَلُ كَذَا، وَالتّسْبِيحُ هُنَا بِمَعْنَى الصّلَاةِ، أَيْ: لَا أَعْتَمِدُ وَإِنْ صَلّيْت إلّا عَلَى دُعَائِك وَاسْتِغْفَارِك مِنْ خَطَايَايَ.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تَفْسِيرُ حَنَانَيْكَ: وَقَوْلُهُ: حَنَانَيْكَ بِلَفْظِ التّثْنِيَةِ، قَالَ النّحْوِيّونَ: يُرِيدُ حَنَانًا بَعْدَ حَنَانٍ، كَأَنّهُمْ ذَهَبُوا إلَى التّضْعِيفِ وَالتّكْرَارِ، لَا إلَى الْقَصْرِ عَلَى اثْنَيْنِ خَاصّةً دُونَ مَزِيدٍ. قَالَ الْمُؤَلّفُ ﵀: وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ حَنَانًا فِي الدّنْيَا، وَحَنَانًا فِي الْآخِرَةِ، وَإِذَا قِيلَ هَذَا لِمَخْلُوقِ نَحْوَ قَوْلِ طَرَفَةَ: أَبَا مُنْذِرٍ أَفْنَيْت فَاسْتَبْقِ بَعْضَنَا حَنَانَيْكَ بَعْضُ الشّرّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضٍ فَإِنّمَا يُرِيدُ: حَنَانَ دَفْعٍ، وَحَنَانَ نَفْعٍ؛ لِأَنّ كُلّ مَنْ أَمّلَ مَلِكًا، فَإِنّمَا يُؤَمّلُهُ لِيَدْفَعَ عنه ضيرا، أو ليجلب إليه خيرا. تديعة أَدِينُ: وَقَوْلُهُ: فَلَنْ أَرَى أَدِينُ إلَهًا. أَيْ: أَدِينُ لِإِلَهِ، وَحَذَفَ اللّامَ وَعَدّى الْفِعْلَ؛ لِأَنّهُ فِي مَعْنَى: أَعْبُدُ إلَهًا. حَوْلَ اسْمِ اللهِ: وَقَوْلُهُ: غَيْرَك اللهُ بِرَفْعِ الْهَاءِ، أَرَادَ: يَا أَللهُ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ فِيمَا فِيهِ الْأَلِفُ وَاللّامُ، إلّا أَنّ حُكْمَ الْأَلِفِ وَاللّامِ فِي هَذَا اللّفْظِ الْمُعَظّمِ يُخَالِفُ حُكْمَهَا فِي سَائِرِ الْأَسْمَاءِ، أَلَا تَرَى أَنّك تَقُولُ: يَا أَيّهَا الرّجُلُ، وَلَا يُنَادَى اسْمُ اللهِ بِيَا أَيّهَا، وَتُقْطَعُ هَمْزَتُهُ فِي النّدَاءِ، فَتَقُولُ: يَا أَللهُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي اسْمِ غَيْرِهِ إلَى أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ يُخَالِفُ فِيهَا هَذَا الِاسْمُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُعَرّفَةِ، وَلَعَلّ بَعْضَ
[ ٢ / ٣٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذَلِكَ أَنْ يُذْكَرَ فِيمَا بَعْدُ- إنْ شَاءَ اللهُ- وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَفِيهِ بَيْتٌ حَسَنٌ لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إسْحَاقَ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ «١» فِي أَخْبَارِ زَيْدٍ وَهُوَ:
أَدِينُ إلَهًا يُسْتَجَارُ، وَلَا أَرَى أَدِينُ لِمَنْ لَمْ يَسْمَعْ الدّهْرَ دَاعِيَا
حَذَفَ الْمُنَادَى مَعَ بَقَاءِ الْيَاءِ:
وَفِيهِ: فَقُلْت: أَلَا يَا اذْهَبْ «٢» عَلَى حَذْفِ الْمُنَادَى، كَأَنّهُ قَالَ: أَلَا يَا هذا اذهب، كما قرىء: أَلَا يَا اُسْجُدُوا، يُرِيدُ: يَا قَوْمُ اُسْجُدُوا، وَكَمَا قَالَ غَيْلَانُ:
أَلَا يَا اسْلَمِي يَا دارمىّ على البلى «٣»
_________________
(١) فى كتابه الأغانى.
(٢) الذى فى السيرة: فقلت له: يا اذهب، وفى بعض نسخها: فقلت له: اذهب.
(٣) هو لذى الرمة، غيلان بن عقبة من بنى صعب بن مالك بن عبد مناة ويكنى أبا الحارث. انظر ص ٧٤ ج ١ خزانة الأدب، ففيها تفصيل الأسباب التى من أجلها لقب غيلان بذى الرمة، وفى الروض بعضها، وبيت الشعر كما قال، وبقيته: «ولا زال منهلا بجرعائك القطر» . ويرى الجوهرى فى الصحاح أن قوله سبحانه: «ألا يا اسجدوا» بالتخفيف معناه: يا هؤلاء اسجدوا، فخذف المنادى اكتفاء بحرف النداء. وقال غيره: إن يا فى هذا الموضع إنما هى للتنبيه، كأنه قال: ألا اسجدوا، فلما أدخلت عليه ياء التنبيه سقطت الألف التى فى اسجدوا، لأنها ألف وصل، وذهبت الألف التى فى «يا» لاجتماع الساكنين، لأنها والسين ساكنتان (م ٢٤- روض الأنف ج ٢)
[ ٢ / ٣٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفِيهِ: اذْهَبْ وَهَارُونَ، عَطْفًا عَلَى الضّمِيرِ فِي اذْهَبْ، وَهُوَ قَبِيحٌ إذَا لَمْ يُؤَكّدْ، وَلَوْ نَصَبَهُ عَلَى الْمَفْعُولِ مَعَهُ لَكَانَ جَيّدًا.
تَصْرِيفُ اطْمَأَنّتْ وَأَشْيَاءَ:
وَقَوْلُهُ: اطْمَأَنّتْ كَمَا هِيَا، وَزْنُهُ افْلَعَلّتْ، لِأَنّ الْمِيمَ أَصْلُهَا أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الْأَلِفِ، لِأَنّهُ مِنْ تَطَأْمَنَ أَيْ: تَطَأْطَأَ، وَإِنّمَا قَدّمُوهَا لِتَبَاعُدِ الْهَمْزَةِ الّتِي هِيَ عَيْنُ الْفِعْلِ مِنْ هَمْزَةِ الْوَصْلِ، فَتَكُونُ أَخَفّ عَلَيْهِمْ فِي اللّفْظِ كَمَا فَعَلُوا فِي أَشْيَاءَ حِينَ قَلَبُوهَا فِي قَوْلِ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ فِرَارًا مِنْ تَقَارُبِ الْهَمْزَتَيْنِ «١» . كَمَا هِيَا. مَا:
زَائِدَةٌ لِتَكُفّ الْكَافَ عَنْ الْعَمَلِ، وَتُهَيّئُهَا لِلدّخُولِ عَلَى الْجُمَلِ، وَهِيَ: اسْمٌ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، التّقْدِيرُ: كَمَا هِيَ عَلَيْهِ، وَالْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ الْمَصْدَرِ الّذِي دَلّ عَلَيْهِ، اطْمَأَنّ، كَمَا تَقُولُ: سِرْت مِثْلَ سَيْرِ زَيْدٍ؛ فَمِثْلُ حَالٌ مِنْ سَيْرِك الّذِي سِرْته، وَفِيهِ: أَرْفِقْ إذًا بِك بَانِيَا. أَرْفِقْ تَعَجّبٌ، وَبِك فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأَنّ الْمَعْنَى: رَفَقْت، وَبَانِيًا تَمْيِيزٌ، لِأَنّهُ يَصْلُحُ أَنْ يُجَرّ بِمِنْ، كَمَا تَقُولُ: أَحْسِنْ بِزَيْدِ مِنْ رَجُلٍ، وَحَرْفُ الْجَرّ مُتَعَلّقٌ بِمَعْنَى التعجب؛ إذ قد
_________________
(١) وزن أشياء عند الأخفش: أفعلاء. وعند غيره أفعال، وعند سيبويه والخليل، لفعاء، ويقول الخليل: أشياء اسم للجمع، كان أصله: فعلاء، شيئاء فاستثقلت الهمزتان، فقلبوا الهمزة الأولى إلى أول الكلمة، فجعلت لفعاء، كما قلبوا أنوقا، فقالوا: أينقا، وكما قلبوا، قووسا: قسيا. وقول الخليل هو مذهب سيبويه والمازنى، وجميع البصريين إلا الزيادى منهم. أما الأخفش، فيقول: أصل أشياء، أشيئاء على وزن أشيعاع، فاجتمعت همزتان بينهما ألف فحذفت الهمزة الأولى.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عُلِمَ أَنّك مُتَعَجّبٌ مِنْهُ، وَلِبَسْطِ هَذَا الْمَعْنَى وَكَشْفِهِ مَوْضِعٌ غَيْرَ هَذَا- إنْ شَاءَ اللهُ- وَبَعْدَ قَوْلِهِ:
وَقَدْ بَاتَ فِي أَضْعَافِ حُوتٍ لَيَالِيَا
بَيْتٌ لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إسْحَاقَ، وَوَقَعَ فِي جَامِعِ ابْنِ وَهْبٍ وَهُوَ:
وَأَنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةِ مِنْ اللهِ لَوْلَا ذَاكَ أَصْبَحَ ضَاحِيَا «١»
صَفِيّةُ بِنْتُ الْحَضْرَمِيّ:
وَذَكَرَ صَفِيّةَ بِنْتَ الْحَضْرَمِيّ، وَاسْمُ الْحَضْرَمِيّ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمّارٍ «٢»، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ نَسَبِهَا عِنْدَ ذِكْرِ أَخِيهَا بَعْدَ.
الدّعْمُوصِ وَالْخَرْمُ فِي الشّعْرِ:
وَقَوْلُهُ: دُعْمُوصُ أَبْوَابِ الْمُلُوكِ. يُرِيدُ: وَلّاجًا فِي أَبْوَابِ الْمُلُوكِ، وَأَصْلُ الدّعْمُوصِ: سَمَكَةٌ صَغِيرَةٌ كَحَيّةِ الْمَاءِ، فَاسْتَعَارَهُ هُنَا، وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ: صِغَارُكُمْ دَعَامِيصُ «٣» الْجَنّةِ، وَكَمَا اسْتَعَارَتْ عَائِشَةُ الْعُصْفُورَ
_________________
(١) اليقطين: كل شىء ذهب بسطا فى الأرض، ومنه: القرع والبطيخ وغيرهما. وضاحيا: عاريا بارزا للشمس.
(٢) فى السيرة ورد اسم الحضرمى: عبد الله بن عباد. ويقول الخشنى: والصواب: عماد لا عبّاد. قاله ابن الدباغ وابن أبى الخصال وغيرهما.
(٣) رواه أحمد ومسلم والبخارى فى الأدب. وقد فسر الخشنى الدعموص-
[ ٢ / ٣٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حِينَ نَظَرَتْ إلَى طِفْلٍ صَغِيرٍ قَدْ مَاتَ، فَقَالَتْ: طُوبَى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنّةِ، لم يعمل سوآ، فَقَالَ لَهَا النّبِيّ ﷺ: «وَمَا يُدْرِيك؟ إنّ اللهَ خَلَقَ الْجَنّةَ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا، وَخَلَقَ النّارَ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَفِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ خَرْمٌ فِي مَوْضِعَيْنِ، أَحَدُهُمَا قَوْله:
وَلَوْ أَشَاءُ لَقُلْت مَا عِنْدِي مَفَاتِحُهُ وَبَابُهْ
وَالْآخَرُ قَوْلُهُ:
وَإِنّمَا أَخَذَ الْهَوَانَ الْ عِيرُ إذْ يُوهَى إهَابُهْ
وَقَدْ تَقَدّمَ مِثْلُ هَذَا فِي شِعْرِ ابْنِ الزّبَعْرَى، وَتَكَلّمْنَا عَلَيْهِ هُنَالِكَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ. وَقَوْلُهُ: وَيَقُولُ. إنّي لَا أَذِلّ أَيْ: يَقُولُ الْعِيرُ ذَلِكَ بِصَكّ جَنْبَيْهِ صِلَابُهْ، أَيْ: صِلَابُ مَا يُوضَعُ عَلَيْهِ، وَأَضَافَهَا إلَى الْعِيرِ لِأَنّهَا عَبْؤُهُ وحمله.
لغويات ونحويات:
وذكر قوله: البرّأبغى لا الخال «١» قال ابن هشام: البرّأبغى: بِالنّصْبِ، وَالْخَالُ:
الْخُيَلَاءُ وَالْكِبْرُ: وَقَوْلُهُ: لَيْسَ مُهَجّرٌ كَمَنْ قَالَ، أَيْ: لَيْسَ مَنْ هَجَرَ وَتَكَيّسَ،
_________________
(١) - بقوله: «دويبة تغوص فى الماء مرة بعد مرة، يشبه بها الرجل الذى يكثر الدلوج فى الأشياء، فيعنى أنه يكثر الدخول على الملوك» .
(٢) هو فى الطبرانى والبزار مع اختلاف يسير، وفيه المسعودى، وقد اختلط
[ ٢ / ٣٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَمَنْ آثَرَ الْقَائِلَةَ وَالنّوْمَ «١»، فَهُوَ مِنْ: قَالَ يَقِيلُ؛ وَهُوَ ثُلَاثِيّ، وَلَكِنْ لَا يُتَعَجّبُ مِنْهُ. لَا يُقَالُ: مَا أَقْيَلَهُ!! قَالَ أَهْلُ النّحْوِ: اسْتَغْنَوْا عَنْهُ: بِمَا أَنْوَمَهُ، وَلِذِكْرِ السّرّ «٢» فِي امْتِنَاعِ التّعَجّبِ مِنْ هَذَا الْفِعْلِ مَوْضِعٌ غَيْرَ هَذَا. وَقَوْلُ زَيْدٍ:
إنّي مُحْرِمٌ لَا حِلّهْ. مُحْرِمٌ أَيْ: سَاكِنٌ بِالْحَرَمِ، وَالْحِلّةُ: أَهْلُ الْحِلّ. يُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمِيعِ: حِلّةٌ. ذَكَرَ لِقَاءَ زَيْدٍ الرّاهِبَ بِمَيْفَعَةَ هَكَذَا تَقَيّدَ فِي الْأَصْلِ بِكَسْرِ الْمِيمِ مِنْ مَيْفَعَةَ «٣»، وَالْقِيَاسُ فِيهَا: الْفَتْحُ؛ لِأَنّهُ اسم لموضع أخذ مِنْ الْيَفَاعُ، وَهُوَ الْمُرْتَفِعُ مِنْ الْأَرْضِ. وَقَوْلُهُ: شَامَ الْيَهُودِيّةَ والنصرانية، هُوَ فَاعِلٌ مِنْ الشّمّ كَمَا قَالَ يَزِيدُ بْنُ شَيْبَانَ حِينَ سَأَلَ النّسّابَةَ مَنْ قُضَاعَةُ، ثُمّ انْصَرَفَ، فَقَالَ لَهُ النّسّابَةُ: شَامَمْتَنَا مُشَامّةُ الذّئْبِ الْغَنَمَ «٤»، ثُمّ تَنْصَرِفُ. فى حديث ذكره أبو علىّ
_________________
(١) تعبير الخشنى فى تفسيرها أبسط، فقد قال: المهجر الذى يسير فى الهاجرة أى: القائلة وقوله: كمن قال: يريد كمن استراح فى القائلة، ولم يسر ص ٧٤.
(٢) فى المطبوعة: السير.
(٣) فى المراصد: بفتح الميم وبالفاء المفتوحة: قريبة من أرض البلقاء من الشام، وهى أيضا فى دار همدان باليمن.
(٤) الخبر فى الأمالى لأبى على القالى ص ٢٩٧ ح ٢ ط ٢. وفيه أن يزيد سأل الشيخ: من الرجل؟ ومن القوم؟ فأرمّ القوم ينظرون إلى الشيخ هيبة له، فقال الشيخ: رجل من مهرة- بفتح الميم وإسكان الهاء وفتح الراء- ابن حيدان- بفتح الحاء وسكون الياء- ابن عمرو بن الحاف بن قضاعة، فقلت- القائل يزيد- حياكم الله، وانصرفت فقال الشيخ: قف أيها الرجل، نسبتنا فانتسبنا لك، ثم انصرفت، ولم تكلمنا.. أو شاممتنا مشامة الذئب الغنم، ثم انصرفت» والخبر كله خبر أدبى لطيف.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي النّوَادِرِ، وَمَعْنَاهُ: اسْتَخْبَرَ، فَاسْتَعَارَهُ مِنْ الشّمّ، فَنَصَبَ الْيَهُودِيّةَ والنصرانية نَصْبَ الْمَفْعُولِ، وَمَنْ خَفَضَ جَعَلَ شَامّ اسْمَ فَاعِلٍ مِنْ شَمَمْت، وَالْفِعْلُ أَوْلَى بِهَذَا الْمَوْضِعِ، كَمَا تَقَدّمَ، وَقَوْلُ وَرَقَةَ: رَشَدْت وَأَنْعَمْت ابْنَ عَمْرٍو، أَيْ: رَشَدْت وَبَالَغْت فِي الرّشَدِ، كَمَا يُقَالُ: أَمْعَنْت النّظَرَ وَأَنْعَمْته، وَقَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ تَحْتَ الْأَرْضِ سَبْعِينَ وَادِيًا بِالنّصْبِ. نَصَبَ سَبْعِينَ عَلَى الْحَالِ، لِأَنّهُ قَدْ يَكُونُ صِفَةً لِلنّكِرَةِ، كَمَا قَالَ: فَلَوْ كُنْت فِي جُبّ ثَمَانِينَ قَامَةً «١» وَمَا [يَكُونُ] صِفَةً لِلنّكِرَةِ يَكُونُ حَالًا مِنْ الْمَعْرِفَةِ، وَهُوَ هُنَا حَالٌ مِنْ الْبُعْدِ، كَأَنّهُ قَالَ: وَلَوْ بَعُدَ تَحْتَ الْأَرْضِ سَبْعِينَ. كَمَا تَقُولُ: بَعُدَ طَوِيلًا، أَيْ: بُعْدًا طَوِيلًا، وَإِذَا حَذَفْت الْمَصْدَرَ، وَأَقَمْت الصّفَةَ مَقَامَهُ لَمْ تَكُنْ إلّا حَالًا، وَقَدْ تقدم قول سيبويه فى ذلك فى مسئلة: سَارُوا رُوَيْدًا، وَنَحْوِ هَذَا: دَارِي خَلْفَ دَارِك فَرْسَخًا، أَيْ: تَقْرُبُ مِنْهَا فَرْسَخًا إنْ أَرَدْت الْقُرْبَ، وَكَذَلِكَ إنْ أَرَدْت الْبُعْدَ، فَالْبُعْدُ وَالْقُرْبُ مُقَدّرَانِ بِالْفَرْسَخِ، فَلَوْ قُلْت: دَارِي تَقْرُبُ مِنْك قُرْبًا مُقَدّرًا بِفَرْسَخِ، لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقُولُ: قُرْبًا كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا، فَالْفَرْسَخُ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ كَثِيرٍ أَوْ قَلِيلٍ فَإِعْرَابُهُ كَإِعْرَابِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
لَا تَعْجَبُوا فَلَوْ انّ طُولَ قَنَاتِهِ ميل إذا نظم الفوارس ميلا
_________________
(١) الشعر للأعشى، وهو كما فى اللسان: لئن كنت فى جب ثمانين قامة ورقيت أسباب السماء بسلم وصف بالثمانين، وإن كان اسما لأنه فى معنى طويل. والبيت من شواهد سيبويه.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
[صفة رسول الله ﷺ مِنْ الْإِنْجِيلِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ- فيما بلغنى عما كان وضع عيسى بن مَرْيَمَ فِيمَا جَاءَهُ مِنْ اللهِ فِي الْإِنْجِيلِ لِأَهْلِ الْإِنْجِيلِ- مِنْ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، مِمّا أَثَبَتَ يُحَنّسُ الْحَوَارِيّ لَهُمْ، حِينَ نَسَخَ لَهُمْ الْإِنْجِيلَ عَنْ عَهْدِ عيسى بن مريم ﵇ فِي رَسُولِ اللهِﷺ إلَيْهِمْ أَنّهُ قَالَ: مَنْ أَبْغَضَنِي فَقَدْ أَبْغَضَ الرّبّ، وَلَوْلَا أَنّي صَنَعْت بِحَضْرَتِهِمْ صَنَائِعَ لَمْ يَصْنَعْهَا أَحَدٌ قَبْلِي، مَا كَانَتْ لَهُمْ خَطِيئَةٌ، وَلَكِنْ مِنْ الْآنَ بَطِرُوا وَظَنّوا أَنّهُمْ يَعِزّونَنِي، وَأَيْضًا لِلرّبّ، وَلَكِنْ لَا بُدّ مِنْ أَنْ تَتِمّ الْكَلِمَةُ الّتِي فِي النّامُوسِ: أَنّهُمْ أَبْغَضُونِي مجّانا، أى: باطلا. فلو قدجاء الْمُنْحَمَنّا هَذَا الّذِي يُرْسِلُهُ اللهُ إلَيْكُمْ مِنْ عند الربّ، وروح الْقُدُسِ هَذَا الّذِي مِنْ عِنْدَ الرّبّ خَرَجَ، فَهُوَ شَهِيدٌ عَلَيّ وَأَنْتُمْ أَيْضًا؛ لِأَنّكُمْ قَدِيمًا كُنْتُمْ مَعِي فِي هَذَا، قُلْتُ لَكُمْ:
لِكَيْمَا لَا تَشْكُوَا.
وَالْمُنْحَمَنّا بِالسّرْيَانِيّةِ: مُحَمّدٌ: وَهُوَ بِالرّومِيّةِ: البر قليطس، ﵌.
_________________
(١) أَيْ: نَظَمَهُمْ نَظْمًا مُسْتَطِيلًا، وَوَضَعَ مِيلًا مَوْضِعَ مُسْتَطِيلًا، فَإِعْرَابُهُ كَإِعْرَابِهِ، فَهُوَ وَصْفٌ لِلْمَصْدَرِ، وَإِذَا أُقِيمَ الْوَصْفُ مَقَامَ الْمَوْصُوفِ فِي هَذَا الْبَابِ لَمْ يَكُنْ حَالًا مِنْ الْفَاعِلِ، لَكِنْ مِنْ المصدر الذى بدل الْفِعْلُ عَلَيْهِ بِلَفْظِهِ نَحْوَ: سَارُوا طَوِيلًا، وَسَقَيْتهَا أَحْسَنَ مِنْ سَقْيِ إبِلِك، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُحَنّسُ الْحَوَارِيّ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ يُحَنّسَ الْحَوَارِيّ «١» وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْكِتَابِ ذِكْرُ الْحَوَارِيّينَ كُلّهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ. وَذَكَرَ قَوْلَهُ: أَبْغَضْتُمُونِي مَجّانًا، أَيْ: بَاطِلًا، وَكَذَلِكَ جاء فى الحكمة: يابن آدَمَ عَلّمْ مَجّانًا، كَمَا عُلّمْت مَجّانًا، أَيْ: بِلَا ثَمَنٍ، وَفِي وَصَايَا الْحُكَمَاءِ: شَاوِرْ ذَوِي الأسنان والعقول يعطوك من رأيهم مجّانا
_________________
(١) هو يوحنا صاحب الإنجيل الرابع فى العهد الجديد. هذا وقد ورد ما قاله ابن هشام فى الإصحاح الخامس عشر والسادس عشر من إنجيل يوحنا وأذكره هنا- كما هو اليوم فى هذا الإنجيل- لنوازن، ولنعرف تحريف الكلم عن مواضعه: «الذى يبغضنى يبغض أبى أيضا، لو لم أكن قد عملت بينهم أعمالا لم يعملها أحد غيرى لم تكن لهم خطية، وأما الان، فقد رأوا، وأبغضونى أنا وأبى، لكن لكى تتم الكلمة المكتوبة فى ناموسهم إنهم أبغضونى بلاسبب. ومتى جاء المعزى الذى سأرسله أنا إليكم من الاب روح الحق الذى من عند الاب ينبثق، فهو يشهد لى، وتشهدون أنتم أيضا، لأنكم معى من الابتداء. قد كلمتكم بهذا الكيلا تعثروا» وأنقل ما ورد بعد هذا من نفس الإنجيل، وفى نفس الغرض من الإصحاح رقم ١٦. «أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى «فى نسخة: الفارقليط» ولكن إن ذهبت أرسله إليكم، ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية، وعلى بر، وعلى دينونة.. إن لى أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحملوا الان، وأمامتى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع، يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية» وهذه البشارة تنطبق تماما على محمد ﷺ. وهنالك كثير من البشارات التى وردت فى العهد القديم والعهد الجديد. وقد حرف المغرضون ترجمة كلمة الفارقليط لكيلا تنطبق البشارات على سيدنا محمد ﷺ. وحسبنا هذا.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَا أَخَذُوهُ بِالثّمَنِ، أَيْ بِطُولِ التّجَارِبِ، وَمِنْ صِفَةِ النّبِيّﷺ- يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي «١» سَمّيْتُك الْمُتَوَكّلَ، لَيْسَ بِفَظّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخّابٍ «٢» فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ السّيّئَةَ بِالسّيّئَةِ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللهُ حَتّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلّةَ الْعَوْجَاءَ، فَيَفْتَحَ بِهِ عُيُونًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا؛ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلّا اللهُ.
مِنْ صِفَاتِ النّبِيّ عِنْدَ الْأَحْبَارِ وَمِمّا وُجِدَ مِنْ صِفَتِهِﷺ- عِنْدَ الْأَحْبَارِ مَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيّ مِنْ حَدِيثِ النّعْمَانِ التّيْمِيّ. قَالَ: وَكَانَ مِنْ أَحْبَارِ يهود باليمن، فلما سمع بذكر النّبِيّﷺ- قَدِمَ عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ، ثُمّ قَالَ:
إنّ أَبِي كَانَ يَخْتِمُ عَلَى سِفْرٍ، وَيَقُولُ: [لَا تَقْرَأْهُ] عَلَى يَهُودَ «٣» حَتّى تَسْمَعَ بِنَبِيّ قَدْ خَرَجَ بِيَثْرِبَ، فَإِذَا سَمِعْت بِهِ فَافْتَحْهُ. قَالَ نُعْمَانُ: فَلَمّا سَمِعْت بِك فَتَحْت السّفْرَ، فَإِذَا فِيهِ صِفَتُك كَمَا أَرَاك السّاعَةَ، وَإِذَا فِيهِ: مَا تُحِلّ وَمَا تُحَرّمُ، وَإِذَا فِيهِ: إنّك خَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمّتُك خَيْرُ الْأُمَمِ، وَاسْمُك: أَحْمَدُ، وَأُمّتُك الْحَامِدُونَ. قُرْبَانُهُمْ: دِمَاؤُهُمْ، وَأَنَاجِيلُهُمْ: صُدُورُهُمْ، وَهُمْ لَا يحضرون قتالا
_________________
(١) جاء قبله: «إنه لموصوف فى التوراة ببعض صفته فى القرآن. (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) وحرزا للأميين» .
(٢) فى رواية: صخاب أو صخوب.
(٣) أصل العبارة فى الروض: «على سفر يقول. على يهود» والتصويب من السيرة الحلبية ص ٢٥٠ ح ١.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
[صفة رسول الله ﷺ من الإنجيل]
مَبْعَثُ النّبِيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسلم تسليما قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هِشَامٍ، قَالَ: حَدّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَكّائِيّ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطّلِبِيّ قَالَ: فَلَمّا بَلَغَ مُحَمّدٌ رَسُولُ اللهِﷺ- أَرْبَعِينَ سَنَةً بَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَكَافّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا، وَكَانَ اللهُ ﵎ قَدْ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى كُلّ نَبِيّ بَعَثَهُ قَبْلَهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَالتّصْدِيقِ لَهُ، وَالنّصْر لَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدّوا ذَلِكَ إلَى كُلّ مَنْ آمَنْ بِهِمْ وَصَدّقَهُمْ، فَأَدّوْا مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْحَقّ فِيهِ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِمُحَمّدٍ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلّمَ:
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ، لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ، قالَ: أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي: أَيْ ثِقَلَ مَا حَمّلْتُكُمْ مِنْ عَهْدِي: قالُوا أَقْرَرْنا، قالَ: فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ آل عمران: ٨١، فأخذ
_________________
(١) إلّا وَجِبْرِيلُ مَعَهُمْ، يَتَحَنّنُ اللهَ عَلَيْهِمْ كَتَحَنّنِ النّسْرِ عَلَى فِرَاخِهِ، ثُمّ قَالَ لِي: إذَا سَمِعْت بِهِ فَاخْرُجْ إلَيْهِ، وَآمِنْ بِهِ، وَصَدّقْ بِهِ، فَكَانَ النّبِيّﷺ- يُحِبّ أَنْ يَسْمَعَ أَصْحَابُهُ حَدِيثَهُ، فَأَتَاهُ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ النّبِيّﷺ: يَا نُعْمَانُ حَدّثْنَا، فَابْتَدَأَ النّعْمَانُ الْحَدِيثَ مِنْ أوله، فرؤى رَسُولُ اللهِﷺ- يَوْمَئِذٍ يَتَبَسّمُ، ثُمّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنّي رَسُولُ اللهِ، وَهُوَ الّذِي قَتَلَهُ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيّ، وَقَطّعَهُ عُضْوًا عُضْوًا، وَهُوَ يَقُولُ: إنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِنّك كَذّابٌ مُفْتَرٍ عَلَى اللهِ، ثُمّ حَرّقَهُ بالنار.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
اللهُ مِيثَاقَ النّبِيّينَ جَمِيعًا بِالتّصْدِيقِ لَهُ، وَالنّصْرِ لَهُ مِمّنْ خَالَفَهُ، وَأَدّوْا ذَلِكَ إلَى مَنْ آمَنْ بِهِمْ، وَصَدّقَهُمْ مِنْ أَهْلِ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذَكَرَ الزّهْرِيّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنها حدّثته: أن أوّل ما بدىء به رسول الله ﷺ مِنْ النّبُوّةِ، حِين أَرَادَ اللهُ كَرَامَتَهُ وَرَحْمَةَ العبادبه: الرّؤْيَا الصّادِقَةُ، لَا يَرَى رَسُولِ اللهِﷺ- رُؤْيَا فِي نُوُمِهِ إلّا جَاءَتْ كَفَلَقِ الصّبْحِ. قَالَتْ: وَحَبّبَ اللهُ تَعَالَى إلَيْهِ الْخَلْوَةَ، فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبّ إلَيْهِ من أن يخلو وحده.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عبيد الله بن أبى سفيان ابن العلاء ابن جارية الثّقفىّ، وكان واعية، عن بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ:
أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- حِينَ أَرَادَهُ اللهُ بِكَرَامَتِهِ، وَابْتَدَأَهُ بِالنّبُوّةِ، كَانَ إذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَبْعَدَ حَتّى تَحَسّرَ عَنْهُ الْبُيُوتُ، وَيُفْضِي إلَى شِعَابِ مَكّةَ وَبُطُونِ أَوْدِيَتِهَا، فَلَا يَمُرّ رَسُولُ اللهِﷺ- بِحَجَرِ وَلَا شَجَرٍ، إلّا قَالَ: السّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَيَلْتَفِتُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حوله، وعن يمينه وشماله وخلفه، فلا يرى إلا الشجر والحجارة.
فَمَكَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَذَلِكَ يَرَى وَيَسْمَعُ، مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَمْكُثَ، ثُمّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِمَا جَاءَهُ مِنْ كَرَامَةِ اللهِ، وَهُوَ بِحِرَاءٍ فِي شهر رمضان.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ، مَوْلَى آلِ الزّبَيْرِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٧٩ ]
قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزّبَيْرِ وَهُوَ يَقُولُ لِعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ قَتَادَةَ اللّيْثَيّ:
حَدّثْنَا يَا عُبَيْدُ، كَيْفَ كَانَ بَدْءُ مَا ابتدىء به رسول الله ﷺ مِنْ النّبُوّةِ، حِين جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇؟ قَالَ: فَقَالَ عُبَيْدٌ- وَأَنَا حَاضِرٌ يُحَدّثُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزّبَيْرِ، وَمَنْ عِنْدَهُ مِنْ النّاسِ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُجَاوِرُ فِي حِرَاءٍ مِنْ كُلّ سَنَةٍ شَهْرًا، وَكَانَ ذَلِكَ مِمّا تَحَنّثَ بِهِ قُرَيْشٌ فِي الجاهلية. والتّحنّث: التّبرّرّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ:
وَثَوْرٍ وَمَنْ أَرْسَى ثَبِيرًا مَكَانَهُ وَرَاقٍ لِيَرْقَى فِي حراء ونازل
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَقُولُ الْعَرَبُ: التّحَنّثُ وَالتّحَنّفُ، يريدون الحنيفية فيبدلون الفاء من الثاء، كما قالوا: جدف وجدث، يريدون. القبر. قال رؤية ابن العجّاج:
لَوْ كَانَ أَحْجَارِي مَعَ الْأَجْدَافِ
يُرِيدُ: الْأَجْدَاثَ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. وَبَيْتُ أَبِي طَالِبٍ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللهُ فِي مَوْضِعِهَا:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ أَنّ الْعَرَبَ تَقُولُ: فَم، فِي مَوْضِعِ: ثُمّ، يُبْدِلُونَ الْفَاءَ مِنْ الثّاءِ.
قَالَ ابن إسحاق: حدثنى وهب بن كيسان قال: قال عبيد [بن عمير]:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٨٠ ]
فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُجَاوِرُ ذَلِكَ الشّهْرَ مِنْ كُلّ سَنَةٍ، يُطْعِمُ مَنْ جَاءَهُ مِنْ الْمَسَاكِينِ، فَإِذَا قَضَى رَسُولُ الله صلى عَلَيْهِ وَسَلّمَ جِوَارَهُ، مِنْ شَهْرِهِ ذَلِكَ، كَانَ أَوّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ- إذَا انْصَرَفَ مِنْ جِوَارِهِ- الْكَعْبَةَ، قَبْل أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ، فَيَطُوفُ بِهَا سَبْعًا، أَوْ مَا شَاءَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمّ يَرْجِعُ إلَى بَيْتِهِ، حَتّى إذَا كَانَ الشّهْرُ الّذِي أَرَادَ اللهُ تَعَالَى بِهِ فِيهِ مَا أَرَادَ مِنْ كَرَامَتِهِ، مِنْ السّنَةِ التى بعثه اللهُ تَعَالَى فِيهَا، وَذَلِكَ، الشّهْرُ: شَهْرُ رَمَضَانَ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى حِرَاءٍ، كَمَا كَانَ يَخْرُجُ لِجِوَارِهِ وَمَعَهُ أَهْلُهُ، حَتّى إذَا كَانَتْ اللّيْلَةُ الّتِي أَكْرَمَهُ اللهُ فِيهَا بِرِسَالَتِهِ وَرَحِمَ الْعِبَادَ بِهَا، جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ، وَأَنَا نَائِمٌ، بِنَمَطِ مِنْ دِيبَاجٍ فِيهِ كِتَابٌ، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: قُلْت: مَا أَقْرَأُ؟ قال فغتني به، حتى ظننت أنه الموت، ثُمّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: قُلْت: مَاذَا أقرأ؟ قال: فغتني به، حتى ظننت أنه الموت، ثم أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: فَقُلْت: مَاذَا أَقْرَأُ؟ مَا أَقُولُ ذَلِكَ إلّا افْتِدَاءً مِنْهُ أَنْ يَعُودَ لِي بِمِثْلِ مَا صَنَعَ بِي، فَقَالَ: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ.
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ»: قَالَ:
فَقَرَأْتهَا، ثُمّ انْتَهَى، فَانْصَرَفَ عَنّي، وَهَبَبْتُ مِنْ نَوْمِي، فَكَأَنّمَا كَتَبْت فِي قَلْبِي كِتَابًا. قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتّى إذَا كُنْتُ فِي وَسَطٍ مِنْ الْجَبَلِ سَمِعْت صَوْتًا مِنْ السّمَاءِ يَقُولُ يَا مُحَمّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ قَالَ: فَرَفَعْت رَأْسِي إلَى السّمَاءِ أَنْظُرُ، فَإِذَا جِبْرِيلُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ صَافّ قَدَمَيْهِ فِي أُفُقِ السماء يقول:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٨١ ]
يَا مُحَمّدُ، أَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَأَنَا جِبْرِيلُ. قَالَ: فَوَقَفْت أَنْظُرُ إلَيْهِ فَمَا أَتَقَدّمُ وَمَا أَتَأَخّرُ، وَجَعَلْت أَصْرِفُ وَجْهِي عَنْهُ فِي آفَاقِ السّمَاءِ، قَالَ: فَلَا أَنْظُرُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا إلا رأيته كذلك، فمازلت وَاقِفًا مَا أَتَقَدّمُ أَمَامِي، وَمَا أَرْجِعُ وَرَائِي، حَتّى بَعَثَتْ خَدِيجَةُ رُسُلَهَا فِي طَلَبِي، فَبَلَغُوا أَعْلَى مَكّةَ، وَرَجَعُوا إلَيْهَا، وَأَنَا وَاقِفٌ فِي مكانى ذلك، ثم انصرف عنى.
وَانْصَرَفْتُ رَاجِعًا إلَى أَهْلِي، حَتّى أَتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَجَلَسْت إلَى فَخِذِهَا مُضِيفًا إلَيْهَا، فَقَالَتْ: يَا أبا القاسم، أين كنت؟ فو الله لَقَدْ بَعَثَتْ رُسُلِي فِي طَلَبك، حَتّى بَلَغُوا مكة ورجعوا لى، ثم حدثتها بالذى رأيت، فقالت: أبشر يابن عمّ واثبت فو الذى نَفْسُ خَدِيجَةَ بِيَدِهِ إنّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ نبىّ هذه الأمّة.
ثُمّ قَامَتْ فَجَمَعْت عَلَيْهَا ثِيَابَهَا، ثُمّ انْطَلَقْت إلَى وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْن قُصَيّ، وَهُوَ ابْنُ عَمّهَا، وَكَانَ وَرَقَةُ قَدْ تَنَصّرَ، وَقَرَأَ الْكُتُبَ، وَسَمِعَ مِنْ أَهْلِ التّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَأَخْبَرْته بِمَا أَخْبَرَهَا به رسول الله ﷺ، أَنّهُ رَأَى وَسَمِعَ، فَقَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: قُدّوسٌ قُدّوسٌ، وَاَلّذِي نَفْسُ وَرَقَةَ بِيَدِهِ، لَئِنْ كُنْتِ صَدّقْتِينِي يَا خَدِيجَةُ لَقَدْ جَاءَهُ النّامُوسُ الْأَكْبَرُ الّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى، وَإِنّهُ لَنَبِيّ هَذِهِ الْأُمّةِ، فَقُولِي لَهُ: فَلْيَثْبُتْ. فَرَجَعَتْ خَدِيجَةُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخْبَرْته بِقَوْلِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَلَمّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ جِوَارَهُ وَانْصَرَفَ، صَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ بَدَأَ بِالْكَعْبَةِ، فَطَافَ بِهَا، فَلَقِيَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَهُوَ يطوف بالكعبة، فقال:
يابن أَخِي أَخْبِرْنِي بِمَا رَأَيْتَ وَسَمِعْتَ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ الله ﷺ، فقال له وَرَقَةُ: وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنّك لَنَبِيّ هَذِهِ الْأُمّةِ، وَلَقَدْ جَاءَك النّامُوسُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٨٢ ]
الْأَكْبَرُ الّذِي جَاءَ مُوسَى، وَلَتُكَذّبَنّهُ وَلَتُؤْذَيَنّهُ، وَلَتُخْرَجَنّهُ، ولتقاتله، وَلَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَأَنْصُرَنّ اللهَ نَصْرًا يَعْلَمُهُ، ثُمّ أَدْنَى رَأْسَهُ مِنْهُ، فَقَبّلَ يَافُوخَهُ، ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى منزله.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حكيم مولى آل الزبير: أنه حدّث عَنْ خَدِيجَةَ ﵂ أَنّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ:
أَيْ ابْنَ عَمّ، أَتَسْتَطِيعُ أَنّ تُخْبِرَنِي بِصَاحِبِك هَذَا الّذِي يَأْتِيك إذَا جَاءَك؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَتْ: فَإِذَا جَاءَك فَأَخْبِرْنِي بِهِ. فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِخَدِيجَةَ: يَا خَدِيجَةُ، هَذَا جِبْرِيلُ قَدْ جَاءَنِي، قَالَتْ:
قُمْ يَا بن عَمّ فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِي الْيُسْرَى، قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ- اللهِ ﷺ- فجلس عَلَيْهَا، قَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَتُحَوّلْ، فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِي الْيُمْنَى، قَالَتْ: فَتَحَوّلَ رسول الله ﷺ، فجلس عَلَى فَخِذِهَا الْيُمْنَى، فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَتَحَوّلْ فَاجْلِسْ فِي حِجْرِي، قَالَتْ: فَتَحَوّلَ رَسُولُ اللهِﷺ- فَجَلَسَ فِي حِجْرِهَا، قَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَتَحَسّرَتْ وَأَلْقَتْ خِمَارَهَا- وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ فِي حِجْرِهَا-، ثُمّ قَالَتْ لَهُ: هَلْ تَرَاهُ؟
قَالَ: لَا، قالت يابن عمّ، اثبت وأبشر، فو الله إنّهُ لَمَلَكٌ وَمَا هَذَا بِشَيْطَانٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدّثْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ حَسَنٍ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُ أُمّي فَاطِمَةَ بِنْتَ حُسَيْنٍ تُحَدّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ خَدِيجَةَ، إلّا أَنّي سَمِعْتُهَا تَقُولُ: أَدْخَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَيْنَهَا وَبَيْنَ دِرْعِهَا، فذهب عند
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣٨٣ ]
ذَلِكَ جِبْرِيلُ، فَقَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: إنّ هَذَا لَمَلَكٌ، وَمَا هُوَ بشيطان.
ــ
كِتَابُ الْمَبْعَثِ مَتَى بُعِثَ رَسُولُ اللهِ؟:
ذَكَرَ ابن إسحاق أن رسول اللهﷺ- بُعِثَ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ مِنْ مَوْلِدِهِ ﵇ «١»، وَهَذَا مَرْوِيّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَقَبَاثِ بْنِ أَشْيَمَ، وَعَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ صَحِيحٌ عِنْدَ أَهْلِ السّيَرِ وَالْعِلْمِ بِالْأَثَرِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنّهُ نُبّئَ لِأَرْبَعِينَ وَشَهْرَيْنِ مِنْ مَوْلِدِهِ، وَقِيلَ لِقَبَاثِ بْنِ أَشْيَمَ: مَنْ أَكْبَرُ، أَنْتَ أَمْ رَسُولُ اللهِﷺ؟ فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ أَكْبَرُ مِنّي، وَأَنَا أسنّ منه، وولد رسول
_________________
(١) اضطربت الأقوال حول سنه ﷺ حين بعث. فبعض يقول: إنه بعث بعد اثنتين وأربعين سنة، وهو مروى عن مكحول. وآخرون يقولون: وهو ابن ثلاث وأربعين، وهو رأى الواقدى وابن عاصم والدولابى. ومما ذكره ابن حجر فى الفتح: حديث ابن عباس: فمكث بمكة ثلاث عشرة أصح مما عند أحمد من وجه آخر عنه: أنزل عَلَى النّبِيّ ﷺ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وأربعين، فمكث بمكة عشرا، وأصح مما أخرجه مسلم من وجه آخر عنه: أقام بمكة خمس عشرة سنة. وبعثه فى رمضان هو المشهور عند الجمهور. وفى الفتح أيضا: فعلى الصحيح المشهور أن مولده فى ربيع الأول يكون حين أنزل عليه ابن أربعين سنة وستة أشهر، وفى حديث رواه الشيخان والترمذى أنه بعث لأربعين سنة، ومكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللهِﷺ- عَامَ الْفِيلِ، وَوَقَفَتْ بِي أُمّي عَلَى رَوْثِ الْفِيلِ وَيُرْوَى: خَزْقِ الطّيْرِ، فَرَأَيْته أَخْضَرَ مُحِيلًا، أَيْ: قَدْ أَتَى عَلَيْهِ حَوْلٌ، وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قَالَ لِبِلَالِ: لَا يَفُتْك صِيَامُ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ؛ فَإِنّي قَدْ وُلِدْت فِيهِ، وَبُعِثْت فِيهِ، وَأَمُوتُ فِيهِ «١» .
إعْرَابُ لَمَا آتَيْتُكُمْ:
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ قَوْلَ اللهِ سُبْحَانَهُ: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ» «٢» الْآيَةُ. وَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ: اسْمٌ مُبْتَدَأٌ «٣» بِمَعْنَى: الّذِي، وَالتّقْدِيرُ: لَلّذِي آتَيْنَاكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ، وَلَا يَصِحّ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى إضْمَارِ فِعْلٍ، كَمَا يَنْتَصِبُ مَا يشتغل عنه الفعل
_________________
(١) فى مسلم عن أبى قتادة أن النبى ﷺ، سئل عن صوم يوم الاثنين، فقال: «ذلك يوم ولدت فيه، وأنزل على فيه» أحمد ومسلم وأبو داود. وزيادة: «وأموت فيه» لا تتفق وهدى القرآن، فالبشر لا يعرفون: متى يموتون حتى النبيون.
(٢) يقول طاووس والحسن البصرى وقتادة فى تفسير الاية: «أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضا» وهذا التفسير حق. وتنكير كلمة رسول فى الاية يؤيده.
(٣) يقول العكبرى فى إعرابها: «فيها وجهان. أحدهما أن ما بمعنى الذى وموضعها رفع بالابتداء، واللام: لام الابتداء دخلت لتوكيد معنى القسم، وفى الخبر وجهان. أحدهما: من كتاب وحكمة. أى الذى أو تيتموه من الكتاب. والنكرة هنا كالمعرفة، والثانى: الخبر: لتؤمنن به والهاء عائدة على المبتدأ. واللام (م ٢٥- الروض الأنف ج ٢)
[ ٢ / ٣٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِضَمِيرِهِ، لِأَنّ مَا بَعْدَ اللّامِ الثّانِيَةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِيمَا قَبْلَهَا، وَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ مَا قَبْلَهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِمَا يَعْمَلُ فِيهِ، وَقَدْ قِيلَ: إنّ مَا هَذِهِ شَرْطٌ. وَالتّقْدِيرُ: لهما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ لَتُؤْمِنُنّ بِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، لِأَنّهُ جَعَلَهَا بِمَنْزِلَةِ: إنّ، وَقَوْلُ الْخَلِيلِ: إنّهَا بِمَنْزِلَةِ الّذِي، أَيْ:
إنّهَا اسْمٌ لَا حَرْفٌ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلَيْهِمَا عَلَى هَذَا، فَتَكُونُ اسْمًا، وَتَكُونُ شَرْطًا، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ عَلَى قَوْلِ الْخَلِيلِ: خَبَرِيّةً فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَيَكُونَ الْخَبَرُ: لَتُؤْمِنُنّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنّهُ، وَإِنْ كَانَ الضّمِيرَانِ عَائِدَيْنِ عَلَى الرّسُولِ، لَا عَلَى الّذِي، وَلَكِنْ لَمّا قَالَ: رسول مصدّق لما معكم، ارْتَبَطَ الْكَلَامُ بَعْضُهُ بِبَعْضِ، وَاسْتَغْنَى بِالضّمِيرِ الْعَائِدِ على الرسول عن ضمير يعود
_________________
(١) - جواب القسم، لأن أخذ الميثاق قسم فى المعنى، فأما قوله: ثم جاءكم»، فهو معطوف على: ما آتيتكم، والعائد على «ما» من هذا المعطوف فيه وجهان. أحدهما: تقديره: ثم جاءكم به، واستغنى عن إظهاره بقوله: به فيما بعد. والثانى: أن قوله: لما معكم فى موضع الضمير، تقديره: مصدق له؛ لأن الذى معهم هو الذى آتاهم ويجوز أن يكون العائد ضمير الاستقرار العامل فى مع، ويجوز أن تكون الهاء فى: به، تعود على الرسول، والعائد على المبتدأ: محذوف، وسوغ ذلك طول الكلام، وأن تصديق الرسول تصديق للذى أوتيه، والقول الثانى: أن ما: شرط واللام قبله، لتلقى القسم كالتى فى قوله: لتن لم ينته المنافقون، وليست لازمة بدليل قوله: وإن لم ينتهوا عما يقولون، فعلى هذا تكون «ما» فى موضع نصب باتيت والمفعول الثانى: ضمير المخاطب، و«من كتاب» مثل «من آية» فى قوله: ما ننسخ من آية، وباقى الكلام على هذا الوجه ظاهر» ثم ذكر وجه إعرابها إذا قرئت بفتح اللام وتشديد الميم، كما ذكر قبل وجه إعرابها إذا قرئت بكسر اللام وتخفيف الميم ص ٨٣ ج ١ إملاء ما من به الرحمن لأبى البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبرى
[ ٢ / ٣٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَى الْمُبْتَدَأِ، وَلَهُ نَظِيرٌ فِي التّنْزِيلِ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ) الْبَقَرَةُ: ٢٣٤ خَبَرُهُ: يتربّصن بأنفسهن، وَلَمْ يَعُدْ عَلَى الْمُبْتَدَإِ شَيْءٌ، لِتَشَبّثِ الْكَلَامِ بَعْضُهُ بِبَعْضِ، وَقَدْ لَاحَ لِي بَعْدَ نَظَرِي الْكِتَابَ أَنّ الّذِي قَالَهُ الْخَلِيلُ وَقَوْلَ سِيبَوَيْهِ قَوْلٌ وَاحِدٌ، غَيْرَ أَنّهُ قَالَ: وَدُخُولُ اللّامِ عَلَى مَا، كَدُخُولِهَا عَلَى إنّ، يَعْنِي: فِي الْجَزَاءِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يُعْمِلَ مَا جَزَاءً، وَإِنّمَا تَكَلّمَ عَلَى اللّامِ خَاصّةً وَاَللهُ أَعْلَمُ.
النبوءة وأولو العزم:
وذكر قول ابن إسحق: وَالنّبُوءَةُ أَثْقَالٌ وَمُؤْنَةٌ لَا يَحْمِلُهَا وَلَا يَسْتَطِيعُهَا إلّا أَهْلُ الْقُوّةِ وَالْعَزْمِ مِنْ الرّسُلِ، وَوَقَعَ فى رواية يونس عن ابن إسحق فى هذا الموضع عن ربيعة ابن أَبِي عَبْدِ الرّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْت وَهْبَ بْنَ مُنَبّهٍ وَهُوَ فِي مَسْجِدِ مِنًى- وَذَكَرَ لَهُ يُونُسَ النّبِيّﷺ- فَقَالَ: كَانَ عَبْدًا صَالِحًا، وَكَانَ فِي خُلُقِهِ ضِيقٌ، فَلَمّا حُمّلَتْ عَلَيْهِ أَثْقَالُ النّبُوءَةِ، وَلَهَا أَثْقَالٌ تَفَسّخَ تَحْتَهَا تَفَسّخَ الرّبُعِ تَحْتَ الْحِمْلِ الثّقِيلِ «١»، فَأَلْقَاهَا عَنْهُ وَخَرَجَ هَارِبًا، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ ابن إسحق: إنّ أُولِي الْعَزْمِ مِنْ الرّسُلِ مِنْهُمْ: نُوحٌ وَهُودٌ وَإِبْرَاهِيمُ أَمّا نُوحٌ فَلِقَوْلِهِ: (يَا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ) يُونُسُ: ٧١ وَأَمّا هُودٌ فَلِقَوْلِهِ: (إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) هُودٌ: ٥٤ وَأَمّا إبْرَاهِيمُ، فَلِقَوْلِهِ هُوَ وَاَلّذِينَ مَعَهُ: (إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ
_________________
(١) الرّبع بضم الراء وفتح الباء: الفصيل، ينتج فى الربيع، وهو أول النتاج والمقصود: ضعف وعجز.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللَّهِ) وَأَمَرَ اللهُ نَبِيّنَا أَنْ يَصْبِرَ كَمَا صَبَرَ هَؤُلَاءِ» .
أَوّلُ مَا بُدِئَ بِهِ النّبِيّ ﷺ مِنْ النّبُوءَةِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابن إسحق: ما بدىء بِهِ النّبِيّﷺ- مِنْ النّبُوءَةِ، إذْ كَانَ لَا يَمُرّ بِحَجَرِ، وَلَا شَجَرٍ إلّا قَالَ: السّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ الله «٢»، وَفِي مُصَنّفِ التّرْمِذِيّ وَمُسْلِمٍ أَيْضًا أَنّ رسول اللهﷺ- قال: إنّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكّةَ كَانَ يُسَلّمُ عَلَيّ قَبْلَ أَنْ يُنَزّلَ عَلَي، وَفِي بَعْضِ الْمُسْنَدَاتِ زِيَادَةُ أَنّ هَذَا الْحَجَرَ الّذِي كَانَ يُسَلّمُ عَلَيْهِ هُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، وَهَذَا التّسْلِيمُ: الْأَظْهَرُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً، وَأَنْ يَكُونَ اللهُ أَنْطَقَهُ إنْطَاقًا كَمَا خَلَقَ الْحَنِينَ فِي الْجِذْعِ «٣»، وَلَكِنْ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْكَلَامِ الّذِي هُوَ صَوْتٌ وَحَرْفٌ: الْحَيَاةُ وَالْعِلْمُ وَالْإِرَادَةُ، لِأَنّهُ صَوْتٌ كسائر الأصوات، والصوت: عرض فى قول
_________________
(١) من أشهر الأقوال عن أولى العزم أنهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ، ودليلهم أن الله نص على أسمائهم فى الأحزاب فقال: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ، وَمِنْكَ، وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا) الأحزاب: ٧ كما نص عليهم فى سورة الشورى: «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ» الشورى: ١٣. وقيل إنهم جميع الرسل، وتكون من لبيان الجنس.
(٢) فى الترمذى والدارمى «قال على: كنت مع النبى «ص» بمكة فخرجنا فى بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله، وروى مثله الطبرانى فى الأوسط، وفيه مجهول.
(٣) ورد حنين الجذع فى حديث رواه البخارى والنسائى والترمذى.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْأَكْثَرِينَ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إلّا النّظّامُ، فَإِنّهُ زعم أنه جسم، وجعله الأشعرىّ اصطكا كافى الْجَوَاهِرِ بَعْضُهَا لِبَعْضِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الطّيّبِ: لَيْسَ الصّوْتُ نَفْسَ الِاصْطِكَاكِ، وَلَكِنّهُ مَعْنًى زَائِدٌ عَلَيْهِ، وَلِلِاحْتِجَاجِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَلَهُمَا مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا، وَلَوْ قَدّرْت الْكَلَامَ صِفَةً قَائِمَةً بنفس الحجر والشّجر، والصوت عيارة عَنْهُ، لَمْ يَكُنْ بُدّ مِنْ اشْتِرَاطِ الْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ مَعَ الْكَلَامِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ: أَيّ ذَلِكَ كَانَ، أَكَانَ كَلَامًا مَقْرُونًا بِحَيَاةِ وَعِلْمٍ، فَيَكُونُ الْحَجَرُ بِهِ مُؤْمِنًا، أَوْ كَانَ صَوْتًا مُجَرّدًا غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِحَيَاةِ؟ وَفِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ هُوَ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النّبُوءَةِ «١»، وَأَمّا حَنِينُ الْجِذْعِ فَقَدْ سُمّيَ حَنِينًا، وَحَقِيقَةُ الْحَنِينِ يَقْتَضِي شَرْطَ الْحَيَاةِ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ تَسْلِيمَ الْحِجَارَةِ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا فِي الْحَقِيقَةِ إلَى مَلَائِكَةٍ يَسْكُنُونَ تِلْكَ الْأَمَاكِنَ، يُعَمّرُونَهَا، فَيَكُونُ مَجَازًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) «٢» وَالْأَوّلُ أَظْهَرُ، وَإِنْ كَانَتْ كُلّ صُورَةٍ مِنْ هَذِهِ الصّوَرِ الّتِي ذَكَرْنَاهَا فِيهَا عَلَمٌ عَلَى نُبُوّتِهِ﵇- غَيْرَ أَنّهُ لَا يُسَمّى مُعْجِزَةً «٣» فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلّمِينَ إلّا مَا تَحَدّى به الخلق، فعجزوا عن معارضته.
_________________
(١) ليس لأحد أن يتكلم عن حقيقة مثل هذا، فالله وحده هو أعلم بالحقيقة.
(٢) القرية- كما يقول الراغب فى مفرداته- اسم للموضع الذى يجتمع فيه الناس، وللناس جميعا. وبهذا لا يكون فى الاية مجاز كما هو المشهور.
(٣) يجب أن نسميها بما سمى الله، وهى: آية، وبهذا تتجاوب الكلمة مع سكينة القلب والفكر وتقديسهما، ونخلصها مما دار حول المعجزة من جدال، واضطرم من شحناء وموازنات بينها وبين السحر والكرامة. والله سبحانه يسمى ما أعطاه للرسل آيات، لا معجزات فلنقف عند هذا.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَدْلُولُ تَفَعّلَ:
وَذَكَرَ حَدِيثَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أن رسول اللهﷺ- كَانَ يُجَاوِرُ بِغَارِ حِرَاءٍ «١» وَيَتَحَنّثُ فِيهِ، قَالَ: والتّحنّث: التّبرّر. تَفَعّلٌ مِنْ الْبِرّ، وَتَفَعّلَ: يَقْتَضِي الدّخُولَ فِي الْفِعْلِ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ فِيهَا مِثْلُ: تَفَقّهَ وَتَعَبّدَ وَتَنَسّكَ وَقَدْ جَاءَتْ فِي أَلْفَاظٍ يَسِيرَةٍ تُعْطِي الْخُرُوجَ عَنْ الشّيْءِ وَاطّرَاحِهِ، كَالتّأَثّمِ وَالتّحَرّجِ.
وَالتّحَنّثُ بِالثّاءِ الْمُثَلّثَةِ «٢»، لِأَنّهُ مِنْ الْحِنْثِ، وَهُوَ الْحِمْلُ الثّقيل، وكذلك
_________________
(١) جبل بينه وبين مكة ثلاثة أميال على يسار الذاهب إلى منى، ويقصر ويمد
(٢) فى كتاب الأضداد للصغانى: تحنث إذا أتى الحنث، وإذا تجنبه، ومثله فى كتاب الأضداد لأبى بكر الأنبارى، وفيه: تحوب الرجل إذا تجنب الحوب، وهو الإثم العظيم، ولا يستعمل تحوب فى المعنى الاخر. وقال بعض أهل اللغة. تصدق الرجل إذا أعطى، وتصدق إذا سأل «ص ١٤٥، ١٥٤ الأضداد ط ١٣٢٥ هـ لمحمد ابن القاسم بن بشار الأنبارى أبى بكر. ويقول الخشنى عن رأى ابن هشام فى التحنث وأنه التحنف: «فالجيد فيه أن يكون فيه التحنث هو الخروج من الحنث أى: الإثم، كما يكون الإثم الخروج عن التأثم، لأن تفعّل قد تستعمل فى الخروج عن الشىء، وفى الانسلاخ عنه، ولا يحتاج فيه إلى الإبدال الذى ذكره ابن هشام» ص ٧٥: هذا ولصيغة تفعّل معان مذكورة فى مصادرها فانظرها مثل ج ١ ص ١٤٠ الشافية للرضى. وفى الصحيحين أنه جاور بحراء شهرا. وذكر ابن إسحاق أنه شهر رمضان. وليس هنالك نص صريح أو صحيح يبين لنا كيف كان يتحنث. وأذكر هنا بقول الله سبحانه عما كان عليه محمد قبل البعثة: «ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ» وقوله: «وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى» فهى إذا كانت عزلة عن مجتمع جاهلى عربدت فيه الخطيئة. والمفهوم من كلام ابن هشام أن هذا التحنث أمر كانت تأتيه قريش فى جاهليتها.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التّقَذّرُ، إنّمَا هُوَ تَبَاعُدٌ عَنْ الْقَذَرِ، وَأَمّا التّحَنّفُ بِالْفَاءِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ التّبَرّرِ؛ لِأَنّهُ مِنْ الْحَنِيفِيّةِ دِينِ إبْرَاهِيمَ، وَإِنْ كَانَ الْفَاءُ مُبْدَلَةً مِنْ الثّاءِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ التّقَذّرِ وَالتّأَثّمِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ، وَاحْتَجّ بِجَدَفٍ وَجَدَثٍ، وَأَنْشَدَ قَوْلَ رُؤْبَةَ: لَوْ كَانَ أَحْجَارِي مَعَ الْأَجْدَافِ، وَفِي بَيْتِ رُؤْبَةَ هَذَا شَاهِدٌ وَرَدّ عَلَى ابْنِ جِنّي حَيْثُ زَعَمَ فِي سِرّ الصّنَاعَةِ أَنّ جَدَفَ بِالْفَاءِ لَا يُجْمَعُ عَلَى أَجْدَافٍ، وَاحْتَجّ بِهَذَا لِمَذْهَبِهِ فِي أَنّ الثّاءَ هِيَ الْأَصْلُ، وَقَوْلُ رُؤْبَةَ «١» رَدّ عَلَيْهِ، وَاَلّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ أَنّ الْفَاءَ هِيَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْحَرْفِ، لِأَنّهُ مِنْ الْجَدْفِ وَهُوَ الْقَطْعُ، وَمِنْهُ مِجْدَافُ السّفِينَةِ، وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ فِي وَصْفِ الْجِنّ: شَرَابُهُمْ الْجَدَفُ وَهِيَ الرّغْوَةُ، لأنها تجدف من الْمَاءِ، وَقِيلَ: هِيَ نَبَاتٌ يُقْطَعُ وَيُؤْكَلُ.
وَقِيلَ: كُلّ إنَاءٍ كُشِفَ عَنْهُ غِطَاؤُهُ: جَدَفٌ، وَالْجَدَفُ: الْقَبْرُ مِنْ هَذَا، فَلَهُ مَادّةٌ وَأَصْلٌ فِي الِاشْتِقَاقِ، فَأَجْدَرُ بِأَنْ تَكُونَ الْفَاءُ هِيَ الْأَصْلَ وَالِثَاءُ دَاخِلَةً عَلَيْهَا. «٢»
حَوْلَ مُجَاوَرَتِهِ فِي حِرَاءٍ:
وَقَوْلُهُ: يُجَاوِرُ فِي حِرَاءٍ إلَى آخِرِ الْكَلَامِ. الجوار بالكسر فى معنى المجاورة
_________________
(١) هو جزء من بيت من أرجوزة يعاتب بها رؤبة أباه العجاج. وقبله. لا تعجلنّ الحتف ذا الإتلاف والدّهر إن الدهر ذو ازدلاف بالمرء ذو عصف وذو انصراف لو كان أحجارى مع الأجداف تعفو على جرثومة العوافى تضربها الأمطار والسوافى انظر ص ١٠٠ من ديوان رؤبة ط ليبسي؟؟؟ ببرلين
(٢) الجدف بالذال والدال: القبر، وكذلك الجدث. وفى القاموس عن الجدف أنه نبات باليمن يغنى آكله عن شرب الماء عليه، وهو أيضا ما رمى به التراب من زيد أوقذى. وكل ما هو بالدال من هذا يقال بالذال أيضا.
[ ٢ / ٣٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَهِيَ الِاعْتِكَافُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْجِوَارِ وَالِاعْتِكَافِ إلّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنّ الِاعْتِكَافَ لَا يَكُونُ إلّا دَاخِلَ الْمَسْجِدِ، وَالْجِوَارَ قَدْ يَكُونُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرّ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُسَمّ جِوَارُهُ بِحِرَاءِ اعْتِكَافًا، لِأَنّ حِرَاءَ لَيْسَ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَلَكِنّهُ مِنْ جِبَالِ الْحَرَمِ، وَهُوَ الْجَبَلُ الّذِي نَادَى رَسُولَ اللهِﷺ- حِينَ قَالَ لَهُ ثَبِيرٌ وَهُوَ عَلَى ظَهْرِهِ: اهْبِطْ عَنّي؛ فَإِنّي.
أَخَافُ أَنْ تُقْتَلَ عَلَى ظَهْرِي فَأُعَذّبُ، فَنَادَاهُ حِرَاءٌ: إلَيّ إلَيّ يَا رَسُولَ اللهِ «١» .
كَيْفِيّةُ الْوَحْيِ:
فَصْل: وَذَكَرَ نُزُولَ جِبْرِيلَ عَلَى رسول اللهﷺ- قال:
فِي الْحَدِيثِ: فَأَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَهَبَبْت مِنْ نَوْمِي، فَكَأَنّمَا كَتَبْت فِي قَلْبِي كِتَابًا، وَلَيْسَ ذِكْرُ النّوْمِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَلَا غَيْرِهَا، بَلْ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ.
عَنْ عَائِشَةَ مَا يَدُلّ ظَاهِرُهُ عَلَى أَنّ نُزُولَ جِبْرِيلَ حِينَ نَزَلَ بِسُورَةِ اقْرَأْ، كَانَ فِي الْيَقِظَةِ؛ لِأَنّهَا قَالَتْ فِي أَوّلِ الْحَدِيثِ: أول ما بدىء به رسول اللهﷺ: الرّؤْيَا الصّادِقَةُ، كَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إلّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصّبْحِ، ثُمّ حَبّبَ اللهُ إلَيْهِ الْخَلَاءَ- إلَى قَوْلِهَا- حَتّى جَاءَهُ الْحَقّ، وَهُوَ بِغَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ. فَذَكَرَتْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنّ الرّؤْيَا كَانَتْ قَبْلَ نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَى النّبِيّ﵇- بِالْقُرْآنِ، وَقَدْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنّ النّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ- عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَاءَهُ جِبْرِيلُ فِي الْمَنَامِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ فِي الْيَقِظَةِ تَوْطِئَةً وَتَيْسِيرًا عليه.
_________________
(١) حديث يروى فى السير، وذكره عياض فى الشفاء بلاسند فهى أسطورة.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَرِفْقًا بَهْ، لِأَنّ أَمْرَ النّبُوءَةِ عَظِيمٌ، وَعِبْؤُهَا ثَقِيلٌ، وَالْبَشَرُ ضَعِيفٌ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ مَقَالَةِ الْعُلَمَاءِ مَا يُؤَكّدُ هَذَا وَيُصَحّحُهُ، قد ثَبَتَ بِالطّرُقِ الصّحَاحِ عَنْ عَامِرٍ الشّعْبِيّ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- وُكّلَ بَهْ إسْرَافِيلُ، فَكَانَ يَتَرَاءَى لَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَيَأْتِيهِ بِالْكَلِمَةِ مِنْ الْوَحْيِ وَالشّيْءِ «١» ثُمّ وُكّلَ بَهْ جِبْرِيلُ فَجَاءَهُ بِالْقُرْآنِ وَالْوَحْيِ، فَعَلَى هَذَا كَانَ نُزُولُ الْوَحْيِ عَلَيْهِﷺ- فِي أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَمِنْهَا: النّوْمُ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ إسْحَاقَ، وَكَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ أيضا: أول ما بدىء به رسول اللهﷺ: الرّؤْيَا الصّادِقَةُ «٢» وَقَدْ قَالَ إبْرَاهِيمُ ﵇: إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ الصّافّاتُ: ١٠٢، فَدَلّ عَلَى أَنّ الْوَحْيَ كَانَ يَأْتِيهِمْ فِي الْمَنَامِ، كَمَا يَأْتِيهِمْ فِي الْيَقَظَةِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَنْفُثَ فِي رَوْعِهِ الْكَلَامَ نَفْثًا، كَمَا قَالَ ﵇: إنّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي أَنّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ، حَتّى تَسْتَكْمِلَ أجلها ورزقها،
_________________
(١) هذا مخالف لما ثبت فى الأحاديث الصحيحة.
(٢) ورد هذا فى حديث- رواه الشيخان والترمذى. وقد روى البخارى حديث الوحى فى كتاب التعبير من صحيحه وفى التفسير، وفى بده الوحى، واختار ما فى التعبير، لأن سياقه فيه أتم. وفى زاد المعاد أنه قيل: إن مدة الرؤية كانت ستة أشهر ويقول النووى عن حديث الرؤيا الذى روته عائشة: إنه من مراسيل الصحابة؛ لأن عائشة لم تدرك هذه القصة، فتكون سمعتها من النبى «ص» أو من صحابى، ص ٥٨١ ج ٨ فتح البارى.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَاتّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطّلَبِ «١» . وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسّرِينَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا الشّورَى: ٥١. قَالَ هُوَ أَنْ يَنْفُثَ فِي رَوْعِهِ بِالْوَحْيِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَأْتِيَهُ الْوَحْيُ فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ «٢»، وَهُوَ أَشَدّهُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إنّ ذَلِكَ لَيَسْتَجْمِعُ قَلْبُهُ عِنْدَ تِلْكَ الصّلْصَلَةَ، فَيَكُونُ أَوْعَى لِمَا يَسْمَعُ، وَأَلْقَنِ لِمَا يَلْقَى.
وَمِنْهَا: أَنْ يَتَمَثّلَ لَهُ الْمَلَكُ رَجُلًا، فَقَدْ كَانَ يَأْتِيهِ فى صورة دحية «٣» بن
_________________
(١) أبو نعيم فى الحلية عن أبى أمامة، وعلم عليه السيوطى بأنه ضعيف، ورواه بتمامه ابن أبى الدنيا فى كتاب القناعة والحاكم من حديث ابن مسعود، وابن ماجة عن جابر، والطبرانى من حديث أبى أمامة. والروع بضم الراء: النفس والقلب والذهن والعقل.
(٢) ورد هذا فى حديث متفق عليه.
(٣) دحية بكسر الدال وقد تفتح- بن خَلِيفَةَ بْنِ فَرْوَةَ بْنِ فَضَالَةَ بْنِ زَيْدِ ابن امرىء القيس بن الخزرج، أول مشاهده الخندق. نزل دمشق وسكن المزة، وعاش إلى خلافة معاوية. وذكر مقاتل أن التجارة التى سيأتى ذكرها كانت لدحية قبل إسلامه. وكان معها طبل، كما ورد فى كتاب المراسيل فى حديث رواه أبو داود. هذا وقد نزل جبريل على الرسول «ص» بصورة رجل غير دحية، كما جاء فى حديث أبى هريرة فى الصحيحين، وذلك حين جاءه جبريل يسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان. وفى آخر الحديث. هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم. وقد وصف جبريل فى صورته هذه- كما جاء فى مسلم- بأنه رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فلو أنه كان فى صورة دحية لعرفوه
[ ٢ / ٣٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خَلِيفَةَ، وَيُرْوَى أَنّ دِحْيَةَ إذَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ لَمْ تَبْقَ مُعْصِرٌ «١» إلّا خَرَجَتْ تَنْظُرُ إلَيْهِ لِفَرْطِ جَمَالِهِ. وَقَالَ ابْنُ سَلّامٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا الْجُمُعَةُ: ١١. قَالَ: كَانَ اللهْوُ نَظَرَهُمْ إلَى وَجْهِ دِحْيَةَ لِجَمَالِهِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَتَرَاءَى لَهُ جِبْرِيلُ فِي صُورَتِهِ الّتِي خَلَقَهُ اللهُ فِيهَا، لَهُ سِتّمِائَةِ جَنَاحٍ، يَنْتَشِرُ مِنْهَا اللّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ.
وَمِنْهَا: أَنْ يُكَلّمَهُ اللهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ: إمّا فِي الْيَقَظَةِ كَمَا كَلّمَهُ فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، وَإِمّا فِي النّوْمِ، كَمَا قَالَ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ الّذِي رَوَاهُ التّرْمِذِيّ، قَالَ:
أَتَانِي رَبّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى، فَقُلْت:
لَا أَدْرِي. فَوَضَعَ كَفّهُ بَيْنَ كَتِفَيْ، فَوَجَدَتْ بَرْدَهَا بَيْنَ ثُنْدُوَتَيّ «٢» وَتَجَلّى لِي عَلَمُ كُلّ شَيْءٍ، وَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى، فَقُلْت:
فِي الْكَفّارَاتِ، فَقَالَ: وَمَا هُنّ!؟ فَقُلْت: الْوُضُوءُ عِنْدَ الْكَرِيهَاتِ، وَنَقْلُ الْأَقْدَامِ إلَى الْحَسَنَاتِ، وَانْتِظَارُ الصّلَوَاتِ بَعْدَ الصّلَوَاتِ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ حَمِيدًا، وَمَاتَ حَمِيدًا، وَكَانَ مِنْ ذَنْبِهِ كَمَنْ وَلَدَتْهُ أُمّهُ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ «٣» . فَهَذِهِ سِتّةُ أَحْوَالٍ، وَحَالَةُ سَابِعَةٌ قَدْ قَدّمْنَا ذكرها، وهى
_________________
(١) المرأة بلغت شبابها وأدركت.
(٢) ثندوة بضم فسكون، فضم فواو مفتوحة فتاء، وقد تفتح الثاء: لحمة الثدى أو أصله.
(٣) أحمد وعبد الرازق والترمذى والطبرانى عن ابن عباس مرفوعا، وابن مردويه والطبرانى من حديث معاذ، وقال البيهقى فى الأسماء والصفات: «هذا حديث مختلف فى إسناده. ثم ذكر طرقه، وقال: وكلها ضعيف، وأحسن طريق فيه رواية جهضم بن عبد الله- وهى منقطعة- ثم رواية موسى بن خلف-
[ ٢ / ٣٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نزول إسرافيل عليه بكلمات من الوحى قبل جِبْرِيلُ «١» فَهَذِهِ سَبْعُ صُوَرٍ فِي كَيْفِيّةِ نُزُولِ الْوَحْيِ عَلَى مُحَمّدٍﷺ- لَمْ أَرَ أَحَدًا جَمَعَهَا كَهَذَا الْجَمْعِ، وَقَدْ اسْتَشْهَدْنَا عَلَى صِحّتهَا بِمَا فِيهِ غنية، وَقَدْ أَمْلَيْنَا أَيْضًا فِي حَقِيقَةِ رُؤْيَتِهِ ﵇ رَبّهُ فِي الْمَنَامِ عَلَى أَحْسَنِ صُورَةٍ، وَيُرْوَى: على صورة شاب مسئلة بَدِيعَةٌ كَاشِفَةٌ لِقِنَاعِ اللّبْسِ، فَلْتُنْظَرْ هُنَالِكَ.
مِنْ تَفْسِيرِ حَدِيثِ الْوَحْيِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ أَنّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ بِنَمَطِ «٢» مِنْ دِيبَاجٍ فِيهِ كِتَابٌ، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ بَعْضُ الْمُفَسّرِينَ فِي قوله: (الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ) إنّهَا إشَارَةٌ إلَى الْكِتَابِ الّذِي جَاءَهُ بِهِ جِبْرِيلُ حِينَ قَالَ: اقْرَأْ، وَفِي الْآيَةِ أَقْوَالٌ غَيْرُ هَذِهِ، مِنْهَا: أَنّهَا إشَارَةٌ إلَى مَا تَضَمّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: الم؛ لِأَنّ هَذِهِ الْحُرُوفُ.
الْمُقَطّعَةُ تَضَمّنَتْ مَعَانِيَ الْكِتَابِ كُلّهِ، فَهِيَ كَالتّرْجَمَةِ له.
_________________
(١) - وفيه ما يثبت أنه كان فى النوم، وذكر ابن الجوزى أن طرق هذا الحديث مضطربة.
(٢) ورد فى أثر عن الشعبى فى تاريخ الإمام أحمد ويعقوب بن سفيان وابن سعد والبيهقى. وهو مرسل أو معضل. وكلاهما من أقسام الضعيف، وقد أنكره الواقدى، وقال: لم يكن به من الملائكة إلا جبريل. قال الشامى: وهو المعتمد. وهو معارض للأحاديث الصحيحة.
(٣) وعاء كالسفط. وهذا من مرسلات عبيد بن عمير.
[ ٢ / ٣٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَعْنَى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ:
وَقَوْلِهِ: مَا أَنَا بقارىء، أَيْ: إنّي أُمّيّ، فَلَا أَقْرَأُ الْكُتُبَ، قَالَهَا «١» ثَلَاثًا فَقِيلَ لَهُ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ، أَيْ: إنّك لَا تَقْرَؤُهُ بِحَوْلِك، وَلَا بِصِفّةِ نَفْسِك، وَلَا بِمَعْرِفَتِك، وَلَكِنْ اقْرَأْ مُفْتَتِحًا بِاسْمِ «٢» رَبّك مُسْتَعِينًا بِهِ، فَهُوَ يُعَلّمُك كَمَا خَلَقَك وَكَمَا نزع عنك علق الدم، ومعمز الشيطان بعد ما خَلَقه فِيك، كَمَا خَلَقَهُ فِي كُلّ إنْسَانٍ. وَالْآيَتَانِ المتقدمتان لِمُحَمّدِ، وَالْآخِرَتَانِ: لِأُمّتِهِ، وَهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) لِأَنّهَا كَانَتْ أُمّةٌ أُمّيّةٌ لَا تَكْتُبُ، فَصَارُوا أَهْلَ كِتَابٍ، وَأَصْحَابَ قَلَمٍ، فَتَعَلّمُوا الْقُرْآنَ بِالْقَلَمِ، وَتَعَلّمَهُ نَبِيّهُمْ تَلْقِينًا مِنْ جِبْرِيلَ نَزّلَهُ عَلَى قَلْبِهِ بِإِذْنِ اللهِ، لِيَكُونَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ.
حَوْلَ بِسْمِ اللهِ:
فَصْلٌ: وَفِي قَوْلِهِ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ مِنْ الْفِقْهِ: وُجُوبُ اسْتِفْتَاحِ الْقِرَاءَةِ بِبَسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ «٣»، غَيْرَ أَنّهُ أَمْرٌ مُبْهَمٌ لَمْ يُبَيّنْ لَهُ بِأَيّ اسْمٍ مِنْ أَسَمَاء ربه يفتتح،
_________________
(١) قيل إن ما استفهامية، لما ورد فى رواية أبى الأسود عن عروة: كيف أقرأ؟ وابن إسحاق عن عبيد بن عمير، ماذا أقرأ؟ وقد جوز الأخفش دخول الباء على الخبر المثبت، وجزم به ابن مالك فى: بحسبك زيد، فجعل الخبر بحسبك وجعل الباء زائدة وسيأتى فى الشرح وفى الروض.
(٢) أى ناويا بقراءته وجه الله سبحانه، ويجب فى قراءة القرآن الاستفتاح أولا بالاستعاذة، فقد جاء الأمر بها صريحا فى القرآن.
(٣) يقول ابن كثير: افتتح بها الصحابة كتاب الله، واتفق العلماء على أنها بعض آية من سورة النمل. ثم اختلفوا: هل هى آية مستقله فى أول كل سورة،
[ ٢ / ٣٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَتّى جَاءَ الْبَيَانُ بَعْدُ فِي قَوْلِهِ: (بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها) هُود: ٤١ ثُمّ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) النّمْلُ: ٣٠. ثُمّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْزِلُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ بِبَسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مَعَ كُلّ سُورَةٍ، وَقَدْ ثَبَتَتْ فِي سَوَادِ الْمُصْحَفِ بِإِجْمَاعِ مِنْ الصّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ مُصْحَفِ الْحَسَنِ الْبَصَرِيّ، فَشُذُوذٌ، فَهِيَ عَلَى هَذَا مِنْ الْقُرْآنِ، إذْ لَا يُكْتَبُ فِي الْمُصْحَفِ مَا لَيْسَ بِقُرْآنِ، وَلَا يَلْتَزِمُ قَوْلُ الشّافِعِيّ أَنّهَا آيَةٌ مِنْ كُلّ سُورَةٍ، وَلَا أَنّهَا آيَةٌ مِنْ الْفَاتِحَةِ، بَلْ نَقُولُ: إنّهَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، مُقْتَرِنَةٌ مَعَ السّورَةِ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُد وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلٌ بَيْنَ الْقُوّةِ لِمَنْ أَنْصَفَ، وَحِينَ نَزَلَتْ بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ سَبّحَتْ الْجِبَالُ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: سَحَرَ مُحَمّدٌ الْجِبَالَ «١» ذَكَرَهُ النّقّاشُ، وَإِنْ صَحّ مَا ذَكَرَهُ، فَلِمَعْنَى مَا سَبّحَتْ عِنْدَ نُزُولِهَا خَاصّةً، وَذَلِكَ أَنّهَا آيَةٌ أُنْزِلَتْ عَلَى آلِ دَاوُد، وَقَدْ كَانَتْ الْجِبَالُ تُسَبّحُ مَعَ دَاوُد، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ) ص: ١٨ وَقَالَ: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ، وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) النّمْلُ: ٣٠.
وَفِي الْحَدِيثِ ذَكَرَ نَمَطَ الدّيبَاجِ مِنْ الْكِتَابِ، وَفِيهِ دليل وإشارة إلى
_________________
(١) - كتبت فى أولها، أو أنها بعض آية من كل سورة، أو أنها كذلك فى الفاتحة دون غيرها: أو أنها إنما كتبت للفصل بين السور لا أنها آية. على أقوال. العلماء سلفا وخلفا؟ هذا وفى صحيح البخارى عن أنس أنه سئل عن قراءة النبى ﷺ فقال: «كانت قراءته مدا مدا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم يمد باسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم» .
(٢) كيف عرفت قريش أنه تسبيح للجبال؟ والله يقول: «وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» فكيف يفقهه عتاة الشرك؟
[ ٢ / ٣٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَنّ هَذَا الْكِتَابَ يُفْتَحُ عَلَى أُمّتِهِ مُلْكَ الْأَعَاجِمِ، وَيَسْلُبُونَهُمْ الدّيبَاجَ وَالْحَرِيرَ الّذِي كَانَ زَيّهُمْ وَزِينَتَهُمْ، وَبَهْ أَيْضًا يُنَالُ مُلْكُ الْآخِرَةِ وَلِبَاسُ الْجَنّةِ وَهُوَ الْحَرِيرُ وَالدّيبَاجُ «١»، وَفِي سِيَرِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَسِيَرِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُعْتَمِرِ زِيَادَةٌ، وهو أن جبريل أتاه بدر نوك «٢» مِنْ دِيبَاجٍ مَنْسُوجٍ بِالدّرّ وَالْيَاقُوتِ، فَأَجْلَسَهُ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنّ مُوسَى بْنَ عُقْبَةَ قَالَ: بِبِسَاطِ، ولم يقل: درنوك، وقال فى سير ابْنُ الْمُعْتَمِرِ:
أَنّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَيْهِ: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) الْآيَاتِ، كَأَنّهُ يُشِيرُ بِهِ، فَمَسَحَ جِبْرِيلُ صَدْرَهُ، وَقَالَ: اللهُمّ اشْرَحْ صَدْرَهُ، وَارْفَعْ ذِكْرَهُ، وَضَعْ عنه وزره، ويصحح مارواه ابْنُ الْمُعْتَمِرِ أَنّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَيْهِ: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) الْآيَاتِ، كَأَنّهُ يُشِيرُ إلَى ذَلِكَ الدّعَاءِ الّذِي كَانَ مِنْ جِبْرِيلَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ «٣» .
الْغَطّ:
وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: فَغَطّنِي «٤»، وَيُرْوَى: فَسَأَبَنِي، وَيُرْوَى: سأتني، وَأَحْسَبُهُ أَيْضًا يُرْوَى: فَذَعَتَنِي «٥» وَكُلّهَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَهُوَ الْخَنْقُ وَالْغَمّ، وَمِنْ الذّعْتِ حَدِيثُهُ الْآخَرُ: أَنّ الشّيْطَانَ عَرَضَ لَهُ، وَهُوَ يُصَلّي قَالَ: فَذَعْتهُ، حَتّى وَجَدْت بَرْدَ لِسَانِهِ عَلَى يَدَيْ، ثُمّ ذَكَرْت قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانُ: (وَهَبْ لِي مُلْكًا)
_________________
(١) هكذا يا بنى على روايات واهية أمورا هى حقائق لا تبنى على مثل هذا الباطل.
(٢) فى النهاية لابن الأثير: ستر له خمل وجمعه: درانك، ويقال: درموك أيضا، وفى القاموس. ضرب من الثياب أو البسط كالدرنيك بكسر الدال والطنفسة كالدّرنك كزبرج.
(٣) رواية ضعيفة لا يعتد بها فلماذا يعتد بها السهيلى؟
(٤) غطنى: ضمنى وعصرنى، والغت: حبس النفس.
(٥) ذعته- أيضا-: ذأته ومعكه فى التراب، ودفعه دفعا عنيفا وتقال بالدال أيضا والسّاب: العصر فى الحلق، والسأت: الخنق.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) الْحَدِيثُ «١»، وَكَانَ فِي ذَلِكَ إظْهَارٌ لِلشّدّةِ وَالْجَدّ فِي الْأَمْرِ، وَأَنْ يَأْخُذَ الْكِتَابَ بِقُوّةِ؛ وَيَتْرُكُ الْأَنَاةَ فَإِنّهُ أَمْرٌ لَيْسَ بِالْهُوَيْنَى، وَقَدْ انْتَزَعَ بَعْضُ التّابِعِينَ وَهُوَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي مِنْ هَذَا: ألا يضرب الصبى على القرآن
_________________
(١) فى البخارى فى باب التفسير: «إن عفريتا من الجن تفلت على البارحة- أو كلمة نحوها- ليقطع على الصلاة، فأمكننى الله ﵎ منه، وأردت أن أربطه إلى سارية من سوارى المسجد، حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخى سليمان﵊: رب اغفر لى، وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدِ مِنْ بعدى، قال روح- يعنى ابن عبادة راوى الحديث: فرده خاسئا. وهكذا رواه مسلم والنسائى من حديث شعبة به، وروى مسلم فى صحيحه عن أبى الدرداء قال: قام رسول الله صلى عليه وسلم يصلى، فسمعناه يقول: أعوذ بالله منك، ثم قال ألعنك بلعنة الله ثلاثا- وبسط يده كأنه يتناول شيئا، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله سمعناك تقول فى الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك، قال ﷺ: إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله فى وجهى، فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يتأخر ثلاث مرات، ثم أردت أن آخذه. والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به صبيان أهل المدينة. وفى حديث أحمد عن أبى سعيد الخدرى أنه كان فى صلاة الصبح فالتبست عليه القراءة، وأنه قال بعد انتهاء الصلاة: (لو رأيتمونى وإبليس فأهويت بيدى، فمازلت أخنقه حتى وجدت يرد لعابه بين أصبعى هاتين- الإبهام والتى تليها- ولولا دعوة أخى سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سوارى المسجد يتلاعب به صبيان المدينة) ولقد قيل هنا: كيف يقال: إن الرسول ﷺ- ذكر دعوة سليمان، ولم يذكر إنتظار الله لإبليس حتى يوم الدين؟ وربنا أعلم بما كان.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلّا ثَلَاثًا كَمَا غَطّ جِبْرِيلُ ﵇ مُحَمّدًاﷺ- ثَلَاثًا، وَعَلَى رواية ابن إسحق أَنّ ذَلِكَ فِي نَوْمِهِ كَانَ «١»، يَكُونُ فِي تِلْكَ الْغَطّاتِ الثّلَاثِ مِنْ التّأْوِيلِ ثَلَاثُ شَدَائِدَ، يُبْتَلَى بِهَا أَوّلًا، ثُمّ يَأْتِي الْفَرَجُ وَالرّوحُ، وَكَذَلِك كَانَ لَقِيَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، شِدّةً مِنْ الْجُوعِ فِي شِعْبِ الْخَيْفِ، حِينَ تَعَاقَدَتْ قُرَيْشٌ ألّا يبيعوا منهم، ولا يتركوا مبرة تصل إليهم، وشدة أخرى من الخوف والإبعاد بِالْقَتْلِ، وَشِدّةٌ أُخْرَى مِنْ الْإِجْلَاءِ عَنْ أَحَبّ الْأَوْطَانِ إلَيْهِ، ثُمّ كَانَتْ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ، وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ.
مَا أَنَا بِقَارِئِ:
وَقَوْلُهُ فى حديث ابن إسحق: اقْرَأْ، قَالَ: مَا أَقْرَأُ، يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَا اسْتِفْهَامًا، يُرِيدُ: أَيّ شَيْءٍ أَقْرَأُ؟ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ نَفْيًا، وَرِوَايَةُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِمٍ تَدُلّ عَلَى أَنّهُ أَرَادَ النّفْيَ، أَيْ: مَا أُحْسِنُ أَنْ أَقْرَأَ، كَمَا تَقَدّمَ مِنْ قَوْلِهِ:
مَا أنا بقارىء «٢»
_________________
(١) رواية المنام من مراسيل عبيد بن عمير، وهى مخالفة لرواية الصحيحين المسندة المرفوعة، والجمع بين الروايتين بأن هذا كان مرتين: الأولى فى المنام والأخرى فى اليقظة تأويل فاسد، فلو أن هذا حدث، ما حدث له كل ذلك الذى أصابه من شدة الوحى فى المرة الأخرى.
(٢) فإن قيل: لم كرر ثلاثا؟ أجاب أبو شامة: بأن يحمل قوله أولا: ما أنا بقارىء على الامتناع، وثانيا: على الإخبار بالنفى المحض، وثالثا: على الاستفهام، ويؤيده أن فى رواية أبى الأسود فى مغازيه عن عروة أنه قال: كيف أقرأ؟ وفى رواية ابن عمير عن ابن إسحاق: ماذا أقرأ؟، وفى مرسل الزهرى فى دلائل البيهقى: كيف أقرأ. وكل ذلك يؤيد أنها استفهامية.
[ ٢ / ٤٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رُؤْيَةُ جِبْرِيلَ وَمَعْنَى اسْمِهِ:
وَذَكَرَ رُؤْيَتَهُ لِجِبْرِيلَ، وَهُوَ صَافّ قَدَمَيْهِ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنّهُ رَآهُ عَلَى رَفْرَفٍ «١» بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَيُرْوَى: عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَفِي حَدِيثِ الْبُخَارِيّ الّذِي ذَكَرَهُ فِي آخِرِ الْجَامِعِ أَنّهُ حين فترعنه الْوَحْيُ، كَانَ يَأْتِي شَوَاهِقَ الْجِبَالِ يُهِمّ بِأَنْ يُلْقِي نَفْسَهُ مِنْهَا، فَكَانَ جِبْرِيلُ يَتَرَاءَى لَهُ بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يَقُولُ لَهُ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ. وَاسْمُ جِبْرِيلَ سُرْيَانِيّ، وَمَعْنَاهُ: عَبْدُ الرّحْمَنِ، أَوْ عَبْدُ الْعَزِيزِ. هَكَذَا جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا أَيْضًا، وَالْوَقْفُ أَصْلُهُ. وَأَكْثَرُ النّاسِ عَلَى أَنّ آخِرَ الِاسْمِ مِنْهُ هُوَ اسْمُ اللهِ، وَهُوَ: إيّلُ، وَكَانَ شَيْخُنَا ﵀ يَذْهَبُ مَذْهَبِ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ إضَافَتُهَا مَقْلُوبَةٌ، وَكَذَلِكَ الْإِضَافَةُ فِي كَلَامِ الْعَجَمِ، يَقُولُونَ فِي غُلَامِ زَيْدٍ: زَيْدٌ غُلَامٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ إيل عَبّارَةً عَنْ الْعَبْدِ، وَيَكُونُ أَوّلَ الِاسْمِ عَبّارَةً عَنْ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، أَلَا تَرَى كَيْفَ قَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، كَمَا تَقُولُ: عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرّحْمَنِ، أَلَا تَرَى أَنّ لَفْظَ عَبْدٍ يَتَكَرّرُ بِلَفْظِ وَاحِدٍ، وَالْأَسْمَاءُ أَلْفَاظُهَا مُخْتَلِفَةٌ.
حَوْلَ مَعْنَى إلْ وَخَرَافَةُ الرّهْبَانِ:
وَأَمّا إلْ بِالتّشْدِيدِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِلّا وَلَا ذِمّةً) التوبة: ١٠ فحذار
_________________
(١) البساط أو الستر، وأصله ما كان من الديباج، وغيره رقيقا حسن الصنعة، ثم توسع فيه.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَذَارِ مِنْ أَنْ تَقُولَ فِيهِ: هُوَ اسْمُ «١» اللهِ، فَتُسَمّي اللهَ بِاسْمِ لَمْ يُسَمّ بِهِ نَفْسَهُ أَلَا تَرَى أَنّ جَمِيعَ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى مُعَرّفَةٌ، و«إلّ» نَكِرَةٌ، وَحَاشَا لِلّهِ أَنْ يَكُونَ اسْمُهُ نَكِرَةً، وَإِنّمَا الْأَلّ كُلّ ماله حُرْمَةٌ وَحَقّ، فَمِمّا لَهُ حَقّ وَيَجِبُ تَعْظِيمُهُ: الْقَرَابَةُ وَالرّحِمُ وَالْجِوَارُ وَالْعَهْدُ، وَهُوَ مِنْ أَلَلْت: إذَا اجْتَهَدْت فِي الشّيْءِ وَحَافَظْت عَلَيْهِ، وَلَمْ تُضَيّعْهُ، وَمِنْهُ: الْأَلّ فِي السّيْرِ وَهُوَ الْجَدّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْكُمَيْتِ [يَصِفُ رَجُلًا] .
وَأَنْتَ مَا أنت فى غبراء مجدبة إذادعت أَلَلَيْهَا الْكَاعِبُ الْفُضُلُ «٢»
يُرِيدُ: اجْتَهَدْت فِي الدّعَاءِ، وَإِذَا كَانَ الْأَلّ بِالْفَتْحِ الْمَصْدَرَ، فَالْإِلّ بِالْكَسْرِ: الاسم كالذّبح من الذّبْحِ، فَهُوَ إذًا الشّيْءُ الْمُحَافَظُ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ الصّدّيقِ:
[عَنْ كَلَامِ مُسَيْلِمَةَ]: هَذَا كَلَامٌ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ إلّ وَلَا بِرّ، أَيْ: لَمْ يَصْدُرْ عَنْ رُبُوبِيّةٍ، لِأَنّ الرّبُوبِيّةَ حَقّهَا وَاجِبٌ مُعَظّمٌ، وَكَذَلِكَ فَسّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَاتّفِقَ فِي اسْمِ جِبْرِيلَ ﵇ أَنّهُ مُوَافِقٌ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيّةِ لِمَعْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ أَعْجَمِيّا، فَإِنّ الْجَبْرَ هُوَ إصْلَاحُ مَا وَهَى، وَجِبْرِيلُ مُوَكّلٌ بِالْوَحْيِ، وَفِي الْوَحْيِ إصْلَاحُ مَا فَسَدَ، وَجَبْرُ مَا وَهَى مِنْ الدّينِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِمَكّةَ وَلَا بِأَرْضِ الْعَرَبِ فَلَمّا أَخْبَرَ النّبِيّ ﷺ خَدِيجَةَ بِهِ انْطَلَقَتْ تسئل مَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ كَعَدّاسِ وَنَسْطُور الرّاهِبِ «٣»، فَقَالَ لَهَا: قُدّوسٌ قُدّوسٌ! أَنّى لِهَذَا الاسم أن
_________________
(١) له الحق فى أن يحذر من هذا، فهو ليس من الأسماء الحسنى، وإن كان موجودا فى بعض معاجم اللغة.
(٢) فى الأصل: إليهما، والبيت فى اللسان هكذا: وأنت ما أنت فى غبراء مظلمة إذا دعت ألليها الكاعب الفضل
(٣) تكلمت عن هذا من قبل، وعداس- كما قيل- نصرانى من نينوى وانظر قصته فى السيرة الحلبية ص ٢٧٨ ج ١.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُذْكَرَ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ، وَقَدْ قَدّمْنَا هَذَا الْخَبَرَ عَنْهَا، وَهُوَ فِي سِيَرِ التيمي لَمّا ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ، وَفِي كِتَابِ الْمُعَيّطِي عَنْ أَشْهَبَ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ التّسَمّي بِجِبْرِيلَ أَوْ مَنْ يُسَمّي بِهِ وَلَدَهُ، فَكَرِهَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُعْجِبْهُ.
مَعْنَى النّامُوسِ:
وَقَوْلُ وَرَقَةَ: لَقَدْ جَاءَهُ النّامُوسُ الْأَكْبَرُ الّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى.
النّامُوسُ: صَاحِبُ سِرّ الْمَلَكِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَاحِبُ سِرّ الْخَيْرِ، وَالْجَاسُوسُ:
هُوَ صَاحِبُ سِرّ الشّرّ «١»، وَقَدْ فَسّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَنْشَدَ:
فَأَبْلِغْ يَزِيدَ إنْ عَرَضْت وَمُنْذِرًا عَمّهُمَا وَالْمُسْتَشِزّ الْمُنَامِسَا «٢»
لِمَ ذُكِرَ مُوسَى وَلَمْ يُذْكَرْ عِيسَى:
وَإِنّمَا ذَكَرَ وَرَقَةُ مُوسَى وَلَمْ يَذْكُرْ عِيسَى، وَهُوَ أَقْرَبُ، لِأَنّ وَرَقَةَ كَانَ قَدْ تَنَصّرَ، وَالنّصَارَى لَا يَقُولُونَ فِي عِيسَى: إنّهُ نَبِيّ يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ، إنّمَا يَقُولُونَ فِيهِ:
إنّ أُقْنُومًا «٣» مِنْ الْأَقَانِيمِ الثّلَاثَةِ اللّاهُوتِيّةِ حَلّ بِنَاسُوتِ الْمَسِيحِ، وَاتّحَدَ بِهِ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ الْحُلُولِ، وَهُوَ أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ، وَالْكَلِمَةُ عِنْدَهُمْ:
عِبَارَةٌ عَنْ الْعِلْمِ، فَلِذَلِكَ كَانَ الْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ، يَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَيُخْبِرُ بِمَا فِي غَدٍ، فَلَمّا كَانَ هَذَا مِنْ مَذْهَبِ النّصَارَى الْكَذَبَةِ عَلَى اللهِ، الْمُدّعِينَ الْمُحَالِ، عدل عن ذكر
_________________
(١) جزم البخارى فى أحاديث الأنبياء أنه صاحب السر، وقال ابن دريد: صاحب الوحى، وأهل الكتاب يسمون جبريل: الناموس الأكبر. والخشنى يقول: أصل الناموس هو: صاحب سر الرجل فى خيره وشره.
(٢) البيت للكميت كما ذكر اللسان وفيه: «وعميهما، والمستسر» بدلا من «عمهما والمستشز» ومعنى المنامس: الداخل فى الناموس.
(٣) الأفنوم: كلمة رومية معناها: الأصل.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عِيسَى إلَى ذِكْرِ مُوسَى لِعِلْمِهِ، أَوْ لِاعْتِقَادِهِ أَنّ جِبْرِيلَ كَانَ يَنْزِلُ عَلَى مُوسَى، لَكِنْ وَرَقَةُ قَدْ ثَبَتَ إيمَانُهُ بِمُحَمّدِ ﵇ «١» وَقَدْ قَدّمْنَا حَدِيثَ التّرْمِذِيّ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- رَآهُ فِي الْمَنَامِ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ.
حَوْلَ هَاءِ السّكْتِ وَالْفِعْلِ تُدْرِكُ:
وَقَوْلُ وَرَقَةَ: لَتُكَذّبَنّهْ، وَلَتُؤْذَيَنّهْ، وَلَا يُنْطَقُ بِهَذِهِ الْهَاءِ إلّا سَاكِنَةً لِأَنّهَا هَاءُ السّكْتِ، وَلَيْسَتْ بِهَاءِ إضْمَارٍ. وَقَوْلُهُ: إنْ أُدْرِكْ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَنْصُرْك نَصْرًا مُؤَزّرًا، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: إنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُك وَهُوَ الْقِيَاسُ، لِأَنّ وَرَقَةَ سَابِقٌ بِالْوُجُودِ، وَالسّابِقُ هُوَ الّذِي يُدْرِكُهُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: أَشْقَى النّاسِ مَنْ أَدْرَكَتْهُ السّاعَةُ وَهُوَ حَيّ، وَرِوَايَةُ ابْنِ إسْحَاقَ أَيْضًا لَهَا وجه، لأن المعنى: أنرى ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَسَمّى رُؤْيَتَهُ إدْرَاكًا، وَفِي التّنْزِيلِ:
_________________
(١) غير صواب قوله هذا، فإن الجن الذين سمعوا القرآن قالوا: (سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى)، وخير أن نقول: إنه قال ذلك- كما ذكر الشيخ رشيد رضا ﵀ فى الوحى المحمدى- لأن الشبه بين الوحى إلى موسى ومحمد ﵉ أتم؛ لأن كلامنهما أوتى شريعة تامة مستقلة فى عباداتها ومعاملاتها وسياستها وقوتها العسكرية، وعيسى ﵇ كان تابعا لشريعة التوراة، وناسخا لبعض الأحكام التى يقتضيها الإصلاح، ومبشرا بالنبى الذى يأتى بعده بالشرع الكامل العام الدائم. ولهذا يرد ابن حجر فى فتح البارى بقوله: «أما ما تمحل له السهيلى من أن ورقة كان على اعتقاد النصارى فى عدم نبوة عيسى ودعواهم أنه أحد الأقانيم، فهو محال لا يعرج عليه فى حق ورقة وأشباهه ممن لم يدخل فى التبديل ولم يأخذ عمن بدل» ص ٢٩ ج ١ ط الحلبى وص ٢١٤ ج ١ شرح المواهب.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ أَيْ: لَا تَرَاهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. وَقَوْلُهُ: مُؤَزّرًا مِنْ الْأَزْرِ وَهُوَ الْقُوّةُ وَالْعَوْنُ.
شَرْحُ: أو مخرجى؟:
فَصْلٌ: وَفِي حَدِيثِ الْبُخَارِيّ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قال لورقة: أو مخرجىّ هم. لابدّ مِنْ تَشْدِيدِ الْيَاءِ فِي مُخْرِجِيّ، لِأَنّهُ جَمْعٌ، وَالْأَصْلُ مُخْرِجُوِيَ فَأُدْغِمَتْ الْوَاوُ فِي الْيَاءِ «١» وَهُوَ خَبَرُ ابْتِدَاءٍ مُقَدّمٌ، وَلَوْ كَانَ الْمُبْتَدَأُ اسْمًا ظاهر الجاز تَخْفِيفُ الْيَاءِ، وَيَكُونُ الِاسْمُ الظّاهِرُ فَاعِلًا لَا مُبْتَدَأً، كَمَا تَقُولُ:
أَضَارِبٌ قَوْمُك، أَخَارِجٌ إخْوَتُك فَتَفَرّدَ، لِأَنّك رَفَعْت بِهِ فَاعِلًا، وَهُوَ حَسَنٌ فِي مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ وَالْأَخْفَشِ، وَلَوْلَا الِاسْتِفْهَامُ مَا جَازَ الْإِفْرَادُ إلّا عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ، فَإِنّهُ يَقُولُ: قَائِمٌ الزّيْدُون دُونَ اسْتِفْهَامٍ، فَإِنْ كَانَ الِاسْمُ الْمُبْتَدَأُ مِنْ الْمُضَمّرَاتِ نَحْوُ: أَخَارِجٌ أَنْتَ، وَأَقَائِمٌ هُوَ؟ لَمْ يَصِحّ فِيهِ إلّا الِابْتِدَاءُ، لِأَنّ الْفَاعِلَ إذَا كَانَ مُضْمَرًا لَمْ يَكُنْ مُنْفَصِلًا لَا تَقُولُ: قَامَ أَنَا، وَلَا ذَهَبَ أنت
_________________
(١) فى المواهب: وأصله مخرجون لى حذفت اللام تخفيفا ونون الجمع للاضافة إلى ياء المتكلم، فصار: أو مخرجوى اجتمعت الواو والياء وسبقت الواو- بالسكون، فقلبت ياء، ثم أدغمت فى ياء المتكلم، وقلبت الضمة: كسرة لمناسبة الياء، والهمزة للاستفام. ولم يقل: وأمخرجى مع أن الأصل أن يجاء بالهمزة بعد العاطف نحو: فأين تذهبون؛ لاختصاص الهمزة بتقديمها على العاطف تنبيها على أصالتها نحو: أولم يسيروا؟ هذا مذهب سيبويه والجمهور» والاستفهام: إنكارى؛ لأنه استبعد إخراجه من وطنه وهو حرم الله من دون سبب يقتضيه وكذلك ورد فى ص ٤٣ بدائع الفوائد ج ٣ للامام ابن القيم.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَذَلِكَ لَا تَقُولُ: أَذَاهِبٌ أَنْتَ عَلَى حَدّ الْفَاعِلِ وَلَكِنْ عَلَى الْمُبْتَدَإِ، وَإِذَا كَانَ عَلَى حد المبتدأ، فلابد مِنْ جَمْعِ الْخَبَرِ، فَعَلَى هَذَا تَقُولُ: أَمُخْرِجِيّ هم، تريد:
مخرجون، ثم أضفت إلَى الْيَاءِ، وَحُذِفَتْ النّونُ، وَأُدْغِمَتْ الْوَاوُ كَمَا يَقْتَضِي الْقِيَاسُ.
حَوْلَ الْيَافُوخِ وَالذّهَابِ إلَى وَرَقَةَ:
فَصْلٌ: وَذُكِرَ أَنّ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ لَقِيَ النّبِيّ ﵇، فَقَبّلَ يَافُوخَهُ قَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُ الْيَافُوخِ، وَأَنّهُ يَفْعُولُ مَهْمُوزٌ، وَأَنّهُ لَا يُقَالُ فِي رَأْسِ الطّفْلِ يَافُوخٌ حَتّى يَشْتَدّ وَإِنّمَا يُقَالُ لَهُ: الْغَاذِيَةُ، وَذَكَرْنَا قَوْلَ الْعَجّاجِ:
ضَرْبٌ إذَا أَصَابَ الْيَآفِيخَ حَفَرٌ. وَلَوْ كَانَ يَافُوخٌ فَاعُولًا، كَمَا ظَنّ بَعْضُهُمْ لَمْ يَجُزْ هَمْزُهُ فِي الْوَاحِدِ. وَلَا فِي الْجَمْعِ «١» وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ بِسَنَدِهِ إلَى أَبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ «٢» أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه
_________________
(١) هو فى اللسان فى مادة أفخ، وقال: هو حيث التقى عطم مقدم الرأس وعظم مؤخره، وهو الموضع الذى يتحرك من رأس الطفل. وفيه أيضا: قال الليث: من همز اليأفوخ؛ فهو على تقدير يفعول. ومن لم يهمز، فهو على تقدير فاعول من اليفخ، والهمز أصوب. وفى القاموس: أفخه: ضرب يافوخه والجمع: يوافيخ، وهذا يدل على أن أصله يفخ، ووهم الجوهرى فى ذكره هنا، وفى المعجم الوسيط جمعه: يوافيخ، ولكنه قال: اليافوخ: هو اليأفوخ وهو فجوة مغطاة بغشاء تكون عند تلاقى عظام الجمجمة، وهما يأفوخان، يأفوخ أمامى، ويأفوخ خلقى.
(٢) ذكره البخارى وغيره فى التابعين، ووثقه ابن معين وآخرون، وقد-
[ ٢ / ٤٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَسَلَّمَ. قَالَ لِخَدِيجَةَ: إنّي إذَا خَلَوْت وَحْدِي سَمِعْت نِدَاءً، وَقَدْ خَشِيت وَاَللهِ أَنْ يَكُونَ لِهَذَا أَمْرٌ. قَالَتْ: مَعَاذَ اللهِ مَا كَانَ الله ليفعل ذلك بك. فو الله إنّك لَتُؤَدّي الْأَمَانَةَ وَتَصِلُ الرّحِمَ. وَتُصَدّقُ الْحَدِيثَ، فلما دخل أبوبكر، وَلَيْسَ [عِنْدَهَا] رَسُولُ اللهِ ﷺ- ثُمّ ذَكَرَتْ خَدِيجَةُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَتْ:
يَا عَتِيقُ اذْهَبْ مَعَ مُحَمّدٍ إلَى وَرَقَةَ، فَلَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِﷺ- أخذ أبوبكر بِيَدِهِ. فَقَالَ: انْطَلِقْ بِنَا إلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ. فَقَالَ: وَمَنْ أَخْبَرَك؟
قَالَ: خَدِيجَةُ، فَانْطَلَقَا إلَيْهِ، فَقَصّا عَلَيْهِ، فَقَالَ: إنّي إذَا خَلَوْت وَحْدِي سَمِعْت نِدَاءً خَلْفِي: يَا مُحَمّدُ يَا مُحَمّدُ، فَأَنْطَلِقُ هَارِبًا فِي الْأَرْضِ. فَقَالَ لَهُ: لا تفعل، إذا أتاك فائبت، حَتّى تَسْمَعَ مَا يَقُولُ لَك. ثُمّ ائْتِنِي، فَأَخْبَرَنِي، فَلَمّا خَلَا نَادَاهُ: يَا مُحَمّدُ قُلْ: بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ. حَتّى بَلَغَ: وَلَا الضّالّينَ. قُلْ:
لَا إلَهَ إلّا اللهُ. فَأَتَى وَرَقَةَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ له، فقال له ورقة: أَبْشِرْ فَأَنَا أَشْهَدُ أَنّك الّذِي بَشّرَ بِهِ ابْنُ مَرْيَمَ، وَأَنّك عَلَى مِثْلِ نَامُوسِ مُوسَى، وَأَنّك نَبِيّ مُرْسَلٌ، وَأَنّك سَتُؤْمَرُ بِالْجِهَادِ بَعْدَ يَوْمِك هَذَا. وَلَئِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ لَأُجَاهِدَنّ مَعَك. فَلَمّا تُوُفّيَ وَرَقَةُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَقَدْ رَأَيْت الْقَسّ فِي الْجَنّةِ، وَعَلَيْهِ ثِيَابُ الْحَرِيرِ، لِأَنّهُ آمَنْ بِي وصدقنى، يعنى: ورقة، وفى رواية
_________________
(١) - أخرج هذا الحديث البيهقى، وذكر أنه منقطع، وغرضه من سياقه بيان له معارض بحديث الصحيح فى أن أول ما نزل: اقرأ. والعجيب أن يحاول العينى التوفيق بين هذه المتضادات بأن خديجة أرسلته مرة مع الصديق، وذهبت هى به أخرى وسألت عداسا بمكة، وسافرت إلى بحيرى- كما روى التيمى- وهو توفيق يعتد به.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُونُسُ أَيْضًا أَنّهُ ﵇ قَالَ لِرَجُلِ سَبّ وَرَقَةَ: أَمَا عَلِمَتْ أَنّي رَأَيْت لِوَرَقَةِ جنّة أو جنتين، وهذا الحديث الأخبر قد أسنده البزار «١» .
لقد خيشت عَلَى نَفْسِي:
فَصْلٌ: وَفِي الصّحِيحِ أَنّهُ قَالَ لِخَدِيجَةَ: لَقَدْ خَشِيت عَلَى نَفْسِي، وَتَكَلّمَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْخَشْيَةِ بِأَقْوَالِ كَثِيرَةٍ، فَذَهَبَ أبوبكر الْإِسْمَاعِيلِيّ «٢» إلَى أَنّ هَذِهِ الْخَشْيَةَ كَانَتْ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ الْعِلْمُ بِأَنّ الّذِي جَاءَهُ مَلَكٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَكَانَ أَشَقّ شَيْءٍ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ عَنْهُ: مَجْنُونٌ، وَلَمْ يَرَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنّ هَذَا مُحَالٌ فِي مَبْدَإِ الْأَمْرِ؛ لِأَنّ الْعِلْمَ الضّرُورِيّ قَدْ لَا يَحْصُلُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَضَرَبَ مَثَلًا بِالْبَيْتِ مِنْ الشّعْرِ تَسْمَعُ أَوّلَهُ، فَلَا تَدْرِي أَنَظْمٌ هُوَ أَمْ نَثْرٌ، فَإِذَا اسْتَمَرّ الْإِنْشَادُ، عَلِمْت قَطْعًا أَنّهُ قَصَدَ بِهِ قَصْدَ الشّعْرِ، كَذَلِكَ لَمّا اسْتَمَرّ الْوَحْيُ وَاقْتَرَنَتْ بِهِ الْقَرَائِنُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْعِلْمِ الْقَطْعِيّ، حَصَلَ الْعِلْمُ الْقَطْعِيّ، وَقَدْ أَثْنَى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِهَذَا الْعِلْمِ فَقَالَ: (آمَنَ الرّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ) إلَى قَوْلِهِ: (وملائكته وكتبه ورسله) فإبمانه بِاَللهِ وَبِمَلَائِكَتِهِ إيمَانٌ كَسْبِيّ مَوْعُودٌ عَلَيْهِ بِالثّوَابِ الْجَزِيلِ، كَمَا وَعَدَ عَلَى سَائِرِ أَفْعَالِهِ الْمُكْتَسِبَةِ كَانَتْ مِنْ أَفْعَالِ الْقَلْبِ أَوْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ: لَقَدْ خَشِيت عَلَى نَفْسِي، أَيْ: خَشِيت أَلّا أَنْهَضَ بِأَعْبَاءِ النّبُوّةِ، وَأَنْ أَضْعُفَ عَنْهَا، ثُمّ أَزَالَ اللهُ خَشْيَتَهُ، وَرَزَقَهُ الْأَيْدَ وَالْقُوّةَ وَالثّبَاتَ وَالْعِصْمَةَ، وَقَدْ قِيلَ:
إنّ خَشْيَتَهُ كَانَتْ مِنْ قَوْمِهِ أَنْ يَقْتُلُوهُ، وَلَا غَرْوَ، فَإِنّهُ بَشَرٌ يَخْشَى مِنْ الْقَتْلِ
_________________
(١) ورواه الحاكم فى مستدركه. وهذه رويات ساقطة لا يعتد بها.
(٢) أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الإسماعيلى الجرجانى، قال الحاكم: كان واحد عصره، وشيخ المحدثين والفقهاء مات ٣٧١.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْإِذَايَةِ الشّدِيدَةِ مَا يَخْشَاهُ الْبَشَرُ، ثُمّ يُهَوّنُ عَلَيْهِ الصّبْرُ فِي ذَاتِ اللهِ كُلّ خَشْيَةٍ، وَيَجْلِبُ إلَى قَلْبِهِ كُلّ شَجَاعَةٍ وَقُوّةٍ، وَقَدْ قِيلَ فِي مَعْنَى الْخَشْيَةِ أَقْوَالٌ غَيْرُ هَذِهِ رغبت عن التطويل بذكرها «١» .
_________________
(١) فى فتح البارى: «اختلف العلماء فى المراد بها على اثنى عشر قولا. أولها: الجنون، وأن يكون ما رآه من جنس الكهانة. جاء مصرحا به فى عدة طرق، وأبطله أبوبكر بن العربى، وحق له أن يبطل، لكن حمله الإسماعيلى على أن ذلك حصل له قبل حصول العلم الضرورى له: أن الذى جاءه ملك، وأنه من عند الله تعالى. ثانيها: الهاجس وهو باطل أيضا، لأنه لا يستقر، وهذا استقر، وحصلت بينهما المراجعة، ثالثها: الموت من شدة الرعب، رابعها: المرض، وقد جزم به ابن أبى جمرة. خامسها: دوام المرض، سادسها: العجز عن حمل أعباء النبوة، سابعها: العجز عن النظر إلى الملك من الرعب، ثامنها: عدم الصبر على أذى قومه، تاسعها: أن يقتلوه، عاشرها: مفارقة الوطن، حادى عشرها: تكذيبهم إياه، ثانى عشرها: تعييرهم إياه، وأولى هذه الأقوال بالصواب وأسلمها من الارتياب: الثالث واللذان بعده، وما عداها معترض والله الموفق» ص ٢٧ ج ١ ط الحلبى. هذا، ويحسن أن ننقل هنا بعض ما ورد فى الصحيحين حول هذا عن مشكاة المصابيح عن ابن عباس، قال: بعث رسول «ص» لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة، فهاجر عشر سنين، ومات، وهو ابن ثلاث وستين سنة. «متفق عليه» وعنه: قال: أقام رسول الله «ص» بمكة خمس عشرة سنة يسمع الصوت، ويرى الضوء سبع سنين، ولا يرى شيئا. وثمانى سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشرا، وتوفى وهو ابن خمس وستين «متفق عليه» والأولى أضبط. «بدء الوحى» وعن عائشة ﵂: قالت: أول ما بدى به رسول الله «ص» من
[ ٢ / ٤١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . - الوحى: الرؤيا الصادقة فى النوم، فكان لَا يَرَى رُؤْيَا إلّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه- وهو التعبد- الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاء الحق، وهو فى غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. فقال: ما أنا بقارىء. قال: فأخذنى فغطنى، حتى بلغ منى الجهد. ثم أرسلنى فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء، فأخذنى، فغطنى الثالثة حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فَقَالَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ الّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبّكَ الْأَكْرَمُ الّذِي عَلّمَ بِالْقَلَمِ، عَلّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) فرجع بها رسول الله- ص- يرجف فؤاده، فدخل على خديجة، فقال: زملونى زملونى، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة- وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسى، فقالت خديجة: كلا، والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل ابن عم خديجة، فقالت: يابن عم. اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا بن أخى ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله- ص- خبر مارأى فقال ورقة: هذا هو الناموس الذى أنزل الله على موسى. ياليتنى فيها جذعا. يا ليتنى أكون حيا، إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله «ص»: أو مخرجى هم؟ قال: نعم. لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودى، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزّرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفى، وفتر الوحى «متفق عليه» وزاد البخارى فى حديث منقطع: «حتى حزن النبى- فيما بلغنا- وهو الزهرى راوى الحديث السابق عن عائشة، وأما هذا فرواه بلاغا، فهو لهذا منقطع- حزنا غدا منه مرارا كى يتردى من رؤس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكى يلقى نفسه منه، تبدى له جبريل، فقال: يا محمد: إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه» البخارى. وعن جابر: أنه سمع رسول الله يحدث عن فترة الوحى قال: فبينا أنا أمشى-
[ ٢ / ٤١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصرى، فإذا الملك الذى جاءنى بحراء قاعد على كرسى بين السماء والأرض، فجئثت منه رعبا، حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلى، فقلت: زملونى زملونى، فزملونى فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: (يَا أَيّهَا الْمُدّثّرُ قُمْ فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجز فاهجر) ثم حمى الوحى وتتابع «متفق عليه» . كيفية الوحى: وعن عائشة أن الحارث بن هشام سأل رسول الله، فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحى؟ فقال رسول الله- ص- أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس- وهو أشده على- فيفصم عنى، وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا، فيكلمنى، فأعى ما يقول، قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصّد عرقا. مدة المجاورة: عن يحيى بن أبى كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن، قال: يا أيها المدثر، قلت: يقولون: اقرأ بسم ربك قال أبو سلمة: سألت جابرا عن ذلك، وقلت له مثل الذى قلت لى: فقال لى جابر: لا أحدثك إلا بما حدثنا به رسول الله- ص- قال: جاورت بحراء شهرا، فلما قضيت جوارى هبطت، فنوديت، فنظرت عن يمينى، فلم أر شيئا ونظرت عن شمالى فلم أر شيئا، ونظرت عن خلفى، فلم أر شيئا، فرفعت رأسى فرأيت شيئا، فأتيت خديجة، فقلت: دثرونى، قد ثرونى، وصبوا على ماء باردا. فنزلت: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) وذلك قبل أن تفرض الصلاة: «متفق عليه ورواه الترمذى والنسائى» ونلحظ أن رسول الله ﷺ لم يتحنث بعد البعثة فى غار ما، فهى إذا ليست سنة شرعية، كان يعتكف فى المسجد العشر الأواخر من رمضان فحسب، ولو كان يريد عبادة، لتعبد فى البيت الحرام. إنما أراد البعد عن المجتمع الابق الشريد. ولكنه فى النبوة عاش فى هذا المجتمع يدعوه إلى الحق-
[ ٢ / ٤١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويقاومه بالحق، لأن الفرار من المعركة إلى خلوة أو كهف ليس من شيمة الرسل ولا المسلمين. وإليك تفسير بعض ماورد فى الحديث: فلق الصبح: ضوءه وإنارته والصبح نفسه: شبه ما جاء فى اليقظة، ووجد فى الخارج مطابقا لما رآه فى النوم: بالصبح فى إنارته ووضوحه. «ما أنا بقارىء» ما: نافية، وقيل: إنها استفهامية، وضعف القاضى عياض هذا بدخول الباء فى خبرها، وهذه لا تدخل على ما الاستفهامية ولكن الأخفش يجوز دخول الباء على الخبر المثبت، وجزم به ابن مالك فى: بحسبك زيد، فجعل الخبر حسبك، والباء زائدة، وقد يقوى هذا ما ذكرته من قبل من روايات حول هذا. «غطنى» ثبت لفظ الغط ثلاثا. فى رواية البخارى للحديث فى يابى التعبير والتفسير، وسقطت الثانية فى بدء الوحى. «بلغ منى الجهد» تروى بفتح الجيم والنصب أى بلغ الغط منى غاية وسعى، وروى بضم الجيم والرفع، أى: بلغ منى الجهد مبلغه. «زملونى» غطونى بالثياب ولفونى بها «الروع» الفزع «كلا» نفى وإبعاد أى: لا تقل هذا ولا خوف عليك. «لا يخزيك» لا يهينك ولا يفضحك وللكشميهنى. يحزنك بالنون «تصل الرحم» تصل القرابة بإحسانك إليهم و«تحمل الكل»: أى تحمل الثقل من كل ما يتكلف، ويدخل فيه الإتفاق على الضعيف واليتيم والعيال وغير ذلك. «تكسب المعدوم» بفتح التاء، وروى بضمها أى: تعطى الناس ما لا يجدونه وتقرى الضيف: تهيء له طعامه وتنزله «وتعين على نوائب الحق» حوادث الحق، وهذه جامعة لكل ما سبق لغيره. وهى صفة جامعة لكل أعمال المروءة والبر والنجدة «ورقة ابن نوفل» وصفه الراوى فى رواية أخرى «وكان امرآ تنصر فى الجاهلية؛ وكان يكتب الكتاب العبرانى، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وفى رواية يونس ومعمر: ويكتب من الإنجيل بالعربية»
[ ٢ / ٤١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولمسلم: فكان يكتب الكتاب العربى، وجمع بين الروايات بانه كان يجيد الكتابة بتلك وبهذه. وإنما وصف بالكتابة- كما قيل- لأن حفظ التوراة والإنجيل لم يكن متيسرا. وقد وصف ورقة فى بعض الروايات: «وكان شيخا كبيرا قد عمى» . فقالت: «يابن عم» وقع فى مسلم: أى عم، وهو وهم، وقيل إنها قالت: ابن عم على حذف حرف النداء، فتصحفت بن بأى «من ابن أخيك» وقيل: قالت هذا، لأن عبد العزى الأب الثالث لورقة هو أخ لعبد مناف، وهو الأب الرابع للنبى فكأنها قالت: من ابن أخى جدك. وقيل: لأن والده عبد الله فى عدد النسب إلى قصى الذى يجتمعان فيه سواء، فكان من هذه الحيثية فى درجة إخوته، أو قالته على سبيل التوقير لسنه «جذعا» شابا، وأصل الجذع من أسنان الدواب وهو ما كان منها شابا فتيا «لم ينشب» لم يلبت. وهذا أصح مما روى من أن ورقة كان يمر على بلال وهو يعذب، وقد قيل: إن ورقة توفى فى السنة الثالثة من النبوة، وقيل: فى الرابعة، وزعم الواقدى أنه قتل ببلاد لخم وجذام، وقرر البلاذرى وغيره أنه دفن بمكة. «فتر الوحى» احتبس «يتردى» يسقط «شواهق الجبال» أى: طوالها، وهو العالى الممتنع «الرّجز» الأوثان. «صلصلة، صوت وأصلها وقوع الحديد بعضه على بعض، والصلصلة أشد من الصليل «يفصم عنى» ينفك وينجلى «يتفصد» يسيل تشبيها فى كثرته بالفصاد هذا وأول سورة نزلت: اقرأ، وقد ورد هذا عند الشيخين والترمذى والحاكم والبيهقى والطبرانى وسعيد بن منصور فى سننه. ولكن ورد فى الصحيحين أيضا فى حديث جابر أن يا أيها المدثر، هى أول ما نزل. قبل الفاتحة كما روى البيهقى، ويقول ابن حجر: الذى ذهب إليه أكثر الأئمة هو الأول.
[ ٢ / ٤١٤ ]
[ابتداء تنزيل القرآن]
قال ابن إسحاق: فابتدىء رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالتّنْزِيلِ.
فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، بِقَوْلِ اللهِ ﷿: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ، وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ البقرة: ١٨٥. وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَما أَدْراكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ. سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ القدر. وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ. فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ الدخان:
١- ٥. وَقَالَ تَعَالَى: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ الأنفال: ٤١. وَذَلِكَ مُلْتَقَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالْمُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمّدُ بْنُ عَلِيّ بْنِ حُسَيْنٍ: أنّ رسول ﷺ، التقى هو بو المشركون بِبَدْرٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. صَبِيحَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ تَتَامّ الْوَحْيُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِاَللهِ مُصّدّقٌ بِمَا جَاءَهُ مِنْهُ، قَدْ قَبِلَهُ بِقَبُولِهِ، وَتَحَمّلَ مِنْهُ مَا حَمَلَهُ عَلَى رِضَا الْعِبَادِ وَسَخَطِهِمْ، وَالنّبُوّةُ أَثْقَالٌ وَمُؤْنَةٌ، لَا يَحْمِلُهَا، وَلَا يَسْتَطِيعُ بِهَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٤١٥ ]
إلّا أَهْلُ الْقُوّةِ وَالْعَزْمِ مِنْ الرّسُلِ بِعَوْنِ اللهِ تَعَالَى وَتَوْفِيقِهِ، لَمَا يَلْقَوْنَ مِنْ النّاسِ، وما يردّ عليهم مما جاؤا بِهِ عَنْ اللهِ ﷾.
قَالَ: فَمَضَى رسول الله ﷺ على أَمْرِ اللهِ، عَلَى مَا يَلْقَى مِنْ قَوْمِهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالْأَذَى.
[إسْلَامُ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ]
وَآمَنَتْ بِهِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَصَدّقَتْ بِمَا جَاءَهُ مِنْ اللهِ، وَوَازَرَتْهُ عَلَى أَمْرِهِ، وَكَانَتْ أَوّلَ مَنْ آمَنْ بِاَللهِ وَبِرَسُولِهِ، وَصَدّقَ بِمَا جَاءَ مِنْهُ، فَخَفّفَ اللهُ بِذَلِكَ عَنْ نَبِيّهِ ﷺ، لَا يَسْمَعُ شَيْئًا مِمّا يَكْرَهُهُ مِنْ رَدّ عَلَيْهِ وَتَكْذِيبٍ لَهُ، فَيُحْزِنُهُ ذَلِكَ، إلّا فَرّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا إذَا رَجَعَ إلَيْهَا، تُثَبّتُهُ، وَتُخَفّفُ عَلَيْهِ، وَتُصَدّقُهُ وَتُهَوّنُ عَلَيْهِ أَمْرَ الناس، رحمها الله تعالى.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أُمِرْتُ أَنْ أُبَشّرَ خَدِيجَةَ بِبَيْتِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبٍ فِيهِ وَلَا نَصَبٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْقَصَبُ هَهُنَا: اللّؤْلُؤُ المجوّف.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ، أَنّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ؛ فقال: أقرىء خَدِيجَةَ السّلَامَ مِنْ رَبّهَا، فَقَالَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٤١٦ ]
رسول الله ﷺ: يا خَدِيجَةُ، هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُك السّلَامَ مِنْ رَبّك، فَقَالَتْ خَدِيجَةَ: اللهُ السّلَامُ، وَمِنْهُ السّلَامُ، وَعَلَى جِبْرِيلَ السلام.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ فَتَرَ الْوَحْيِ عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ- فَتْرَةً مِنْ ذَلِكَ، حَتّى شَقّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَأَحْزَنَهُ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ بِسُورَةِ الضّحَى، يُقْسِمُ لَهُ رَبّهُ، وَهُوَ الّذِي أَكْرَمَهُ بِمَا أَكْرَمَهُ بِهِ، مَا وَدّعَهُ وَمَا قَلَاهُ، فَقَالَ تَعَالَى: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى.
يَقُولُ: مَا صَرَمَكَ فَتَرَكَك، وَمَا أَبْغَضَكَ مُنْذُ أَحَبّكَ. وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى: أَيْ: لِمَا عِنْدِي مِنْ مَرْجِعِك إلَيّ، خَيْرٌ لَك مِمّا عَجّلْت لَك مِنْ الْكَرَامَةِ فِي الدّنْيَا. وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى مِنْ الْفُلْجِ فِي الدّنْيَا، وَالثّوَابِ فِي الْآخِرَةِ: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى. وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى. وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى يُعَرّفُهُ الله مَا ابْتَدَأَهُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ فِي عَاجِلِ أَمْرِهِ، وَمَنّهِ عَلَيْهِ فِي يُتْمِهِ وعيلته وضلالته، واستقاذه من ذلك كله برحمته.
قال ابن هشام: سجى: سكن. قَالَ أُمّيّةُ بْنُ أَبِي الصّلْتِ الثّقَفِيّ:
إذْ أنى مَوْهِنَا وَقَدْ نَامَ صَحْبِي وَسَجَا اللّيْلُ بِالظّلَامِ الْبَهِيمِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَيُقَالُ لِلْعَيْنِ إذَا سَكَنَ طَرَفُهَا: سَاجِيَةٌ، وَسَجَا طَرَفُهَا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٤١٧ ]
قَالَ جَرِيرُ بْنُ الْخَطَفَى:
وَلَقَدْ رَمَيْنَك- حِينَ رُحْن- بأعين يَقْتُلْنَ مِنْ خَلَلِ السّتُورِ سُوَاجِي
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالْعَائِلُ: الْفَقِيرُ: قَالَ أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيّ:
إلَى بَيْتِهِ يَأْوِي الضّرِيكُ إذَا شَتَا ومستنبح بالي الدريسين عائل
وَجَمْعُهُ: عَالَةٌ وَعَيْلٌ، وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ له، سأذكرها في موضعها- إن شاء الله، وَالْعَائِلُ أَيْضًا: الّذِي يَعُولُ الْعِيَالَ. وَالْعَائِلُ أَيْضًا: الْخَائِفُ.
وَفِي كِتَابِ الله تَعَالَى: ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا النساء: ٣. وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ:
بِمِيزَانِ قِسْطٍ لَا يُخِسّ شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، سَأَذْكُرُهَا- إنْ شَاءَ اللهُ- فِي مَوْضِعِهَا.
وَالْعَائِلُ أَيْضًا: الشّيْءُ المثقل المعيى. يَقُولُ الرّجُلُ: قَدْ عَالَنِي هَذَا الْأَمْرُ: أَيْ أثقلنى وأعيانى، قال الْفَرَزْدَقِ:
تَرَى الْغُرّ الْجَحَاجِحَ مِنْ قُرَيْشٍ إذَا مَا الْأَمْرُ فِي الْحَدَثَانِ عَالَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ. وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ: أَيْ لَا تَكُنْ جَبّارًا وَلَا مُتَكَبّرًا، وَلَا فَحّاشًا فَظّا عَلَى الضّعَفَاءِ مِنْ عِبَادِ اللهِ. وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ: أَيْ: بِمَا جَاءَك مِنْ اللهِ مِنْ نِعْمَتِهِ وَكَرَامَتِهِ مِنْ النّبُوّةِ فَحَدّثْ، أَيْ اُذْكُرْهَا، وَادْعُ إلَيْهَا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْعِبَادِ بِهِ مِنْ النّبُوّةِ سِرّا إلَى من يطمئنّ إليه من أهله.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٤١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَتَى نَزَلَ الْقُرْآنُ؟
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ الْبَقَرَةُ: ١٨٥. إلَى آخِرِ الْآيَةِ، مُسْتَشْهِدًا بِذَلِكَ عَلَى أَنّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَفِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَهَذَا يَحْمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بَدْءَ النّزُولِ وَأَوّلَهُ؛ لِأَنّ الْقُرْآنَ نَزَلَ فِي أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ، وَالثّانِي: مَا قَالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: أَنّهُ نَزَلَ جُمْلَةً وَاحِدَةً إلَى سَمَاءِ الدّنْيَا، فَجَعَلَ فِي بَيْتِ الْعِزّةِ مَكْنُونًا فِي الصّحُفِ الْمُكَرّمَةِ، الْمَرْفُوعَةِ الْمُطَهّرَةِ، ثُمّ نَزَلَتْ مِنْهُ الْآيَةُ بَعْدَ الْآيَةِ، وَالسّورَةُ بَعْدَ السّورَةِ فِي أَجْوِبَةِ السّائِلِينَ، وَالنّوَازِلِ الْحَادِثَةِ إلَى أَنْ تُوُفّيَﷺ- وَهَذَا التّأْوِيلُ أَشْبَهُ بِالظّاهِرِ، وَأَصَحّ فِي النّقْلِ وَاَللهُ أَعْلَمُ «١» .
_________________
(١) نزول القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة، أو إلى سماء الدنيا: كلام لا سند له. والصحيح وحده هنا هو ماورد فى القرآن: «شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ» . «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ»، «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ» وآيات القرآن فى وضوح جميل جليل يفقهها ذو الفطرة السليمة التى لم يفسدها جدل الكلام وسفسطته. وهى تؤكد أنه بدأ نزول القرآن فى رمضان فى ليلة القدر منه. وقوله تعالى: «وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ» يشير إلى أن تاريخ ليلة القدر هو تاريخ ليلة بدر. وبدر كما يقال كانت فى السابع عشر من رمضان. ولهذا يقال إن ابتداء نزول القرآن كان فى السابع عشر من رمضان. وإذا رجعنا إلى الأحاديث نستخبرها نبأ ليلة القدر التى فيها نزل القرآن، فإننا سنجد ما يأتى: قيل: وإنها فى الوتر من العشر الأواخر من رمضان «البخارى» فى السبع
[ ٢ / ٤١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَوْلُ إضَافَةِ شَهْرٍ إلَى رَمَضَانَ:
فَصْلٌ: وَفِي قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ فَذَكَرَ الشّهْرَ مُضَافًا إلَى رَمَضَانَ، وَاخْتَارَ الْكُتّابُ وَالْمُوَثّقُونَ النّطْقَ بِهِ بِهَذَا اللّفْظِ دُونَ أَنْ يَقُولُوا:
كُتِبَ فِي رَمَضَانَ، وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيّ وَالنّسَوِيّ «١» عَلَى جَوَازِ اللّفْظَيْنِ جَمِيعًا وَأَوْرَدَا حَدِيثَ رَسُولِ اللهِﷺ: مَنْ صَامَ رمضان، وإذا
_________________
(١) - الأواخر من رمضان «متفق عليه» فى تاسعة تبقى من العشر الأواخر أو فى سابعة، أو فى خامسة «البخارى» فى الليلة الحادية والعشرين من رمضان «البخارى» فى الليلة الثالثة والعشرين «مسلم» فى الليلة السابعة والعشرين «مسلم وأحمد وأبو داود والترمذى» فى التاسعة أو السابعة أو الخامسة «البخارى» بل ما من ليلة من ليالى رمضان سوى قلة قليلة إلا ورد فيها ما يفيد أنها ليلة القدر، ولهذا اختلف العلماء فى شأنها على أقوال كثيرة، ذكر منها فى فتح البارى ما لم يذكر غيره، وقد ذكرها الشوكانى باختصار فى نيل الأوطار، فكانت خمسة وأربعين قولا، منها: أنها رفعت وهو قول الشيعة والفاكهانى من الحنفية، ومنها: أنها خاصة بسنة واحدة، وقعت فى زمنه ﷺ، ومنها أنها خاصة بهذه الأمة، ومنها أنها ممكنة فى جميع السنة، وهو المشهور عن الحنفية وجماعة من السلف، ومنها أنها فى ليلة معينة مبهمة، ومنها: أنها أول ليلة من رمضان حكى عن أبى رزين، ومنها أنها ليلة النصف من شعبان، أو النصف من رمضان، أو ليلة سبع عشرة من رمضان الخ انظر ص ٢٧٢ ح ٤ نيل الأوطار ط عثمان خليفة. وحير ما يقول البغوى: «أبهم الله تعالى هذه الليلة على الأمة، ليجتهدوا فى العبادة ليالى شهر رمضان طمعا فى إدراكها كما أخفى ساعة الإجابة فى يوم الجمعة، وأخفى الصلاة الوسطى فى الصلوات الخمس» تفسير الخازن والبغوى لسورة القدر
(٢) هو أبو العباس الحسن بن سفيان النسوى، وله مسند مشهور.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) جَاءَ رَمَضَانُ، وَلَمْ يَقُلْ: شَهْرَ رَمَضَانَ، وَقَدْ بَيّنْت أَنّ لِكُلّ مَقَامٍ مَقَامُهُ، وَلَا بُدّ مِنْ ذِكْرِ شَهْرٍ فِي مَقَامٍ، وَمَنْ حَذَفَهُ فِي مَقَامٍ آخَرَ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِهِ إذَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ، وَالْحِكْمَةُ أَيْضًا فِي حَذْفِهِ إذَا حُذِفَ مِنْ اللّفْظِ، وَأَيْنَ يَصْلُحُ الْحَذْفُ، وَيَكُونُ أَبْلَغَ مِنْ الذّكْرِ، كُلّ هَذَا مُبَيّنٌ فِي كِتَابِ «نَتَائِجِ الْفِكْرِ»، فَهُنَاكَ أَوْرَدْنَا فِيهِ فَوَائِدَ تَعْجِزُ عَنْهَا هِمَمُ أَهْلِ هَذَا الْعَصْرِ. أَدْنَاهَا تُسَاوِي رِخْلَةً عِنْدَ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهَا، غَيْرَ أَنّا نُشِيرُ إلَى بَعْضِهَا، فَنَقُولُ: قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَمِمّا لَا يَكُونُ الْعَمَلُ إلّا فِيهِ كُلّهِ: الْمُحَرّمُ وَصَفَرٌ، يُرِيدُ أَنّ الِاسْمَ الْعَلَمَ يَتَنَاوَلُ اللّفْظَ كُلّهُ، وَذَلِكَ إذَا قُلْت: الْأَحَدُ أَوْ الِاثْنَيْنِ، فَإِنْ قُلْت يَوْمَ الْأَحَدِ أَوْ شَهْرُ الْمُحَرّمِ كَانَ ظَرْفًا، وَلَمْ يَجْرِ مَجْرَى الْمَفْعُولَاتِ، وَزَالَ الْعُمُومُ مِنْ اللّفْظِ، لِأَنّك تُرِيدُ: فِي الشّهْرِ وَفِي الْيَوْمِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ﵇: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَقُلْ شَهْرَ رَمَضَانَ؛ لِيَكُونَ الْعَمَلُ فِيهِ كُلّهِ، وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى بَعْضِ تِلْكَ الْفَوَائِدِ الّتِي أَحَكَمْنَاهَا فِي غير هذا الكتاب. حب الرسول «ص» وَطَنَهُ: بَقِيّةٌ مِنْ حَدِيثِ وَرَقَةَ، وَذَلِكَ أَنّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: لَتُكَذّبَنّهْ، فَلَمْ يَقُلْ لَهُ النّبِيّ ﷺ شَيْئًا، ثُمّ قَالَ: وَلَتُؤْذَيَنّهْ، فَلَمْ يَقُلْ لَهُ شَيْئًا، ثُمّ قَالَ: وَلَتُخْرَجَنّهْ، فَقَالَ: أو مخرحىّ هُمْ؟ فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى حُبّ الْوَطَنِ وَشِدّةِ مُفَارَقَتِهِ عَلَى النّفْسِ، وَأَيْضًا فَإِنّهُ حَرَمُ اللهِ وَجِوَارُ بَيْتِهِ، وَبَلْدَةُ أَبِيهِ إسْمَاعِيلَ، فَلِذَلِكَ تحركت نفسه عند ذكر لخروج منه مالم تتحرك قبل ذلك، فقال: أو مخرجىّ هُمْ؟ وَالْمَوْضِعُ الدّالّ عَلَى تَحَرّكِ النّفْسِ وَتَحَرّقِهَا إدْخَالُ الْوَاوِ بَعْدَ أَلِفِ الِاسْتِفْهَامِ مَعَ اخْتِصَاصِ الْإِخْرَاجِ بِالسّؤَالِ عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنّ الْوَاوَ
[ ٢ / ٤٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تُرَدّ إلَى الْكَلَامِ الْمُتَقَدّمِ، وَتُشْعِرُ الْمُخَاطَبَ بِأَنّ الِاسْتِفْهَامَ عَلَى جِهَةِ الْإِنْكَارِ، أَوْ التّفَجّعِ لِكَلَامِهِ أَوْ التّأَلّمِ مِنْهُ.
ذِكْرُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَسَنٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَوْلُهُ: حَدّثَتْنِي أُمّي فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ أَنّ خَدِيجَةَ أَدَخَلَتْهُ بَيْنَ ثَوْبِهَا.
الْحَدِيثَ «١» عَبْدُ اللهِ هَذَا هُوَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُمّهُ: فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ أُخْتُ سُكَيْنَةَ، وَاسْمُهَا: آمِنَةُ، وَسُكَيْنَةُ لَقَبٌ لَهَا الّتِي كَانَتْ ذَاتَ دُعَابَةٍ وَمَزْحٍ، وَفِي سُكَيْنَةَ وَأُمّهَا الرّبَابِ يَقُولُ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيّ- رَضِيَ اللهُ عَنْ جَمِيعِهِمْ:
كَأَنّ اللّيْلَ مَوْصُولٌ بِلَيْلِ إذَا زَارَتْ سُكَيْنَةُ وَالرّبَابُ «٢»
أى: زادت قَوْمُهَا، وَهُمْ: بَنُو عُلَيْمِ بْنِ جَنَابٍ مِنْ كلب، ثم من بنى
_________________
(١) رواه الطبرانى فى الأوسط.
(٢) من قصيدة تنسب إلى الحسين فى سكينة ابنته وأمها الرباب زوجته، منها: لعمرك إننى لأحب دارا تضيفها سكينة والرباب أحبهما وأبذل بعد مالى وليس للائمى فيها عتاب ولست لهم وإن عتبوا مطيعا حياتى، أو يغيا بنى التراب وهى فى الأغانى، ومقاتل الطالبيين، وفى نسب قريش «انظر ص ٥٩ نسب قريش ط ١»
[ ٢ / ٤٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَعْبِ بْنِ عُلَيْمٍ «١»، وَيُعْرَفُ بَنُو كَعْبِ بْنِ عُلَيْمٍ بِبَنِي زَيْدَ غَيْرُ مَصْرُوفٍ؛ لِأَنّهُ اسْمُ أُمّهِمْ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ حَسَنٍ هُوَ وَالِدُ الطّالِبِيّيْنِ الْقَائِمَيْنِ عَلَى بَنِي الْعَبّاسِ، وَهُمْ: مُحَمّدٌ وَيَحْيَى وَإِدْرِيسُ «٢» مَاتَ إدْرِيسُ بِإِفْرِيقِيّةَ فَارّا مِنْ الرّشِيدِ، وَمَاتَ مَسْمُومًا فِي دُلَاعَةٍ «٣» أَكَلَهَا، وَوَقَعَ فِي كِتَابِ الزّبَيْرِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: قَالَ آدَمُ ﵇: مِمّا فَضَلّ بِهِ عَلِيّ ابْنَيْ صَاحِبِ الْبَعِيرِ أَنّ زَوْجَهُ كَانَتْ عَوْنًا لَهُ عَلَى تَبْلِيغِ أَمْرِ اللهِ، وَأَنّ زَوْجِي كَانَتْ عَوْنًا لِي عَلَى الْمَعْصِيَةِ «٤» .
حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَغَيْرِهِ عَنْ خَدِيجَةَ:
فَصْلٌ: وَذِكْرُ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ- أَمَرَ أَنّ يُبَشّرُ خَدِيجَةَ بِبَيْتِ مِنْ قصب، لا صخب
_________________
(١) والرباب أم سكينة هى بنت امرىء القيس بن عدى بن أوس بن جابر ابن كعب بن عليم بن جناب.
(٢) خرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن على أبى جعفر المنصور بالمدينة، وخرج أخوه إبراهيم بالبصرة، فقتلهما عيسى بن موسى، أما أخوهما موسى، فاختفى بالبصرة، فعثر عليه، فعفا عنه المنصور، أما سليمان أخوهم فقتل بفخ فى خلافة موسى، أما أخوهم إدريس فقام بالمغرب، وبه مات، أما يحيى فقام بالديلم، ولكل منهم عقب سوى عيسى، ومن أولاد عبد الله بن حسن: فاطمة وزينب ورقية. انظر ص ٥٣ نسب قريش ط ١ وجمهرة ابن حزم ص ٣٩ ط ١.
(٣) ضرب من محار البحر.
(٤) من أين جاء بهذا؟.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِيهِ، وَلَا نَصَبٍ. هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ «١»، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُتّصِلًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا غِرْت عَلَى أَحَدٍ مَا غِرْت عَلَى خَدِيجَةَ، وَلَقَدْ هَلَكْت قَبْلَ أَنْ يَتَزَوّجَنِي رَسُولُ اللهِﷺ- بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَلَقَدْ أَمَرَ أَنْ يُبَشّرُهَا بِبَيْتِ مِنْ قَصَبٍ فِي الْجَنّةِ.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنّ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ حَمْرَاءَ الشّدْقَيْنِ هَلَكَتْ فِي الدّهْرِ، قَدْ أَبْدَلَك اللهُ خَيْرًا مِنْهَا، فَغَضِبَ، وَقَالَ: وَاَللهِ مَا أَبْدَلَنِي اللهُ خَيْرًا مِنْهَا؛ آمَنَتْ بِي حِينَ كَذّبَنِي النّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا حِينَ حَرَمَنِي النّاسُ، وَرُزِقْت الْوَلَدَ مِنْهَا، وَحُرِمْته مِنْ غَيْرِهَا، وَرَوَى يُونُسُ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ ابن أيمن المخزومى، قال: حدثنا أبو تجيح قَالَ: أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ جَزُورٌ أَوْ لَحْمٌ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِﷺ- عَظْمًا مِنْهَا، فَنَاوَلَهُ الرّسُولُ بِيَدِهِ؛ فَقَالَ: اذْهَبْ بِهَذَا إلَى فُلَانَةَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ غَمَرْت «٢» يَدَك؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ- مُغْضَبًا: إنّ خَدِيجَةَ أَوْصَتْنِي بِهَا، فَغَارَتْ عَائِشَةُ، وَقَالَتْ: لَكَأَنّهُ لَيْسَ فِي الْأَرْضِ امْرَأَةٌ إلّا خَدِيجَةَ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِﷺ- مُغْضَبًا، فَلَبِثَ مَا شَاءَ اللهُ ثُمّ رَجَعَ، فَإِذَا أُمّ رُومَانَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ: مَا لَك وَلِعَائِشَةَ؟! إنّهَا حَدَثَةٌ، وَإِنّك أَحَقّ مَنْ تَجَاوَزَ عَنْهَا، فَأَخَذَ بِشِدْقِ عَائِشَةَ، وَقَالَ: أَلَسْت الْقَائِلَةَ: كَأَنّمَا لَيْسَ عَلَى الْأَرْضِ امْرَأَةٌ إلّا
_________________
(١) رواه أحمد وأبو يعلى والطبرانى ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق، وقد وردت البشارة فى حديث رواه الشيخان والترمذى.. ويقول ابن الأثير: «لم يتقدمها رجل ولا امرأة بإجماع المسلمين» ص ٢٣٧ ح ١ مواهب.
(٢) الغمر بالتحريك: زنخ اللحم، وما يعلق باليد من دسمه.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خَدِيجَةُ، وَاَللهِ لَقَدْ آمَنَتْ بِي إذْ كَفَرَ قَوْمُك، وَرُزِقْت مِنّي الْوَلَدُ وَحُرِمْتُمُوهُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قَالَ: خَيْرُ نِسَائِهَا: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا: خَدِيجَةُ، وَالْهَاءُ فِي نِسَائِهَا حِينَ ذَكَرَ مَرْيَمَ عَائِدَةً عَلَى السّمَاءِ، وَالْهَاءُ فِي نِسَائِهَا حِينَ ذَكَرَ خَدِيجَةَ عَائِدَةٌ عَلَى الْأَرْضِ، وَذَلِكَ أَنّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ وَكِيعٌ وَأَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ فِي آخَرَيْنِ، وَأَشَارَ وَكِيعٌ مِنْ بَيْنَهُمْ حِينَ حَدّثَ بِالْحَدِيثِ بِإِصْبَعِهِ إلَى السّمَاءِ عِنْدَ ذِكْرِ مَرْيَمَ، وَإِلَى الْأَرْضِ عِنْدَ ذِكْرِ خَدِيجَةَ، وَهَذِهِ إشَارَةٌ لَيْسَتْ مِنْ رَأْيِهِ، وإنما هى زيادة فى حَدِيثِهِ عَنْ النّبِيّﷺ- وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ مَقْبُولَةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى إشَارَتِهِ إلَى السّمَاءِ وَالْأَرْضِ عِنْدَ ذِكْرِهِمَا، أَيْ: هُمَا خَيْرُ نِسَاءٍ بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهَذَا أَثْبَتُ عِنْدِي بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَلَعَلّنَا أَنْ نَذْكُرَ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي التّفْضِيلِ بَيْنَ مَرْيَمَ وَخَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ﵅- وَأَزْوَاجِ النّبِيّﷺ وَمَا نَزَعَ بِهِ كُلّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ.
حَوْلَ مَا بُشّرَتْ بِهِ خَدِيجَةُ:
وأما قوله: ببيت من قصب، فقدرواه الْخَطّابِيّ مُفَسّرًا، وَقَالَ فِيهِ:
قَالَتْ خَدِيجَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ فِي الْجَنّةِ قَصَبٌ؟ فَقَالَ: إنّهُ قَصَبٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ مُجَبّى. قَالَ الْخَطّابِيّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: مُجَوّبًا مِنْ قَوْلِك: جُبْت الثّوْبَ إذَا خَرَقْته، فَيَكُونُ مِنْ الْمَقْلُوبِ، ويجوز أن يكون الأصل محبّبا بِبَاءَيْنِ مِنْ الْجُبّ وَهُوَ الْقَطْعُ أَيْ: قُطِعَ دَاخِلُهُ «١»، وَقُلِبَتْ الْبَاءُ يَاءً، كَمَا قَالُوا: تَظَنّيْتُ من
_________________
(١) هو فى السيرة: مجوف. وفى النهاية لابن الأثير: وقيل: هو من الجوب وهو نقير يجمع فيه الماء.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الظّنّ، وَتَقَصّيْت أَظْفَارِي، وَتَكَلّمَ أَصْحَابُ الْمَعَانِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالُوا:
كَيْفَ لَمْ يُبَشّرْهَا إلّا بِبَيْتِ، وَأَدْنَى أَهْلِ الْجَنّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يُعْطَى مَسِيرَةَ أَلْفِ عَامٍ فِي الْجَنّةِ، كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، خَرّجَهُ التّرْمِذِيّ، وَكَيْفَ لَمْ يُنْعِتْ هَذَا الْبَيْتَ بِشَيْءِ مِنْ أَوْصَافِ النّعِيمِ وَالْبَهْجَةِ أَكْثَرَ مِنْ نَفْيِ الصّخَبِ وَهُوَ: رَفْعُ الصّوْتِ، فَأَمّا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ، فَقَالَ فِي كِتَابِ فَوَائِدِ الْأَخْبَارِ لَهُ: مَعْنَى الْحَدِيثِ:
أَنّهُ بُشّرَتْ بِبَيْتِ زَائِدٍ عَلَى مَا أَعَدّ اللهُ لَهَا مِمّا هُوَ ثَوَابٌ لِإِيمَانِهَا وَعَمَلِهَا؛ وَلِذَلِكَ قَالَ: لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ، أَيْ: لَمْ تَنْصِبْ فِيهِ، وَلَمْ تَصْخَبْ. أَيْ: إنّمَا أَعْطَيْته زِيَادَةً عَلَى جَمِيعِ الْعَمَلِ الّذِي نَصَبَتْ فِيهِ. قَالَ الْمُؤَلّفُ ﵀: لَا أَدْرِي مَا هَذَا التّأْوِيلُ، وَلَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، وَلَا يُوجَدُ شَاهِدٌ يُعَضّدُهُ، وَأَمّا الْخَطّابِيّ، فَقَالَ: الْبَيْتُ هَاهُنَا عِبَارَةٌ عَنْ قَصْرٍ، وَقَدْ يُقَالُ لِمَنْزِلِ الرّجُلِ: بَيْتُهُ، وَاَلّذِي قَالَهُ صَحِيحٌ، يُقَالُ فِي الْقَوْمِ: هُمْ أَهْلُ بَيْتِ شَرَفٍ وَبَيْتِ عِزّ، وَفِي التّنْزِيلِ: (غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ولكن لذكر البيت ههنا بِهَذَا اللّفْظِ وَلِقَوْلِهِ: بِبَيْتِ، وَلَمْ يَقُلْ: بِقِصَرِ مَعْنًى لَائِقٍ بِصُورَةِ الْحَالِ، وَذَلِكَ أَنّهَا كَانَتْ رَبّةَ بَيْتِ إسْلَامٍ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَرْضِ بَيْتُ إسْلَامٍ إلّا بَيْتَهَا حِينَ آمَنَتْ، وَأَيْضًا فَإِنّهَا أَوّلُ مَنْ بَنَى بَيْتًا فِي الْإِسْلَامِ بِتَزْوِيجِهَا رَسُولَ اللهِﷺ- وَرَغْبَتِهَا فِيهِ، وَجَزَاءُ الْفِعْلِ يُذْكَرُ بِلَفْظِ الْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ أَشْرَفَ مِنْهُ لِمَا جَاءَ:
«مَنْ كَسَا مُسْلِمًا عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ اللهُ مِنْ حُلَلِ الْجَنّةِ، وَمَنْ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَإِ سَقَاهُ اللهُ مِنْ الرّحِيق «١»، وَمِنْ هَذَا الْبَابُ قوله ﵇: من نبىّ لله
_________________
(١) روايته: أنما مسلم كسا مسلما ثوبا على عرى كساء الله تعالى من خضر-
[ ٢ / ٤٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَسْجِدًا بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنّةِ «١» لَمْ يَرِدْ مِثْلُهُ فِي كَوْنِهِ مَسْجِدًا، وَلَا فِي صِفّتِهِ وَلَكِنْ قَابِلٌ الْبُنْيَانِ بِالْبُنْيَانِ، أَيْ كما بنى يا بنى لَهُ، كَمَا قَابِلُ الْكِسْوَةِ بِالْكِسْوَةِ وَالسّقْيَا، بِالسّقْيَا، فَهَاهُنَا وَقَعَتْ الْمُمَاثَلَةُ، لَا فِي ذَاتِ الْمَبْنِيّ أو المكسوّ، وإذا ثبت هذا، فمن ههنا اقْتَضَتْ الْفَصَاحَةُ أَنْ يُعَبّرَ لَهَا عَمّا بُشّرَتْ بِهِ بِلَفْظِ الْبَيْتِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا لَا عَيْنَ رَأَتْهُ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْهُ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، وَمِنْ تَسْمِيَةِ الْجَزَاءِ عَلَى الْفِعْلِ بِالْفِعْلِ فِي عَكْسِ مَا ذَكَرْنَاهُ قوله تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ): (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ) «٢» .
_________________
(١) - الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلما على جوع أطعمه الله تعالى يوم القيامة من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلما على ظمأ سقاه الله تعالى يوم القيامة من الرحيق المختوم» ويقول المنذرى عنه: رواه أبو داود من رواية أبى خالد بن يزيد بن عبد الرحمن الدلانى، وحديثه حسن، والترمذى: بتقديم وتأخير، وقال: حديث غريب، وقد روى موقوفا على أبى سعيد، وهو أصح وأشبه، ورواه ابن أبى الدنيا فى كتاب اصطناع المعروف موقوفا على ابن مسعود.
(٢) البخارى ومسلم وأحمد والترمذى وابن ماجة عن عثمان، وفيه: «يبتغى به وجه الله» .
(٣) يقول الذين يؤولون الصفات التى ورد بها القرآن عن الايات التى جاء فيها نسبة الكيد والاستهزاء والنسيان إلى الله ما يأتى: «هذا كله إنما يحسن على وجه المقابلة، ويحسن أن يضاف إلى الله تعالى ابتداء، فيقال: إنه يمكر ويكيد ويخادع وينسى، ولو كان حقيقة لصلح إطلاقه مفردا عن مقابله كما يصح أن يقال: يسمع ويرى ويعلم ويقدر» ويزد ابن القيم ردا طيبا فى الصواعق المرسلة، فيقول: «الصواب أن معانيها- أى الكيد وخلافه- تنقسم إلى محمود ومذموم، فالمذموم منها يرجع إلى الظلم والكذب فما كان منها متضمنا للكذب والظلم، فهو
[ ٢ / ٤٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَمّا قَوْلُهُ: لَا صَخَبَ فِيهِ، وَلَا نَصَبَ، فَإِنّهُ أَيْضًا مِنْ بَابِ مَا كُنّا بِسَبِيلِهِ،
_________________
(١) مذموم، وما كان منها بحق وعدل ومجازاة على القبيح، فهو حسن محمود، فإن المخادع إذا خادع بباطل وظلم حسن من المجازى له أن يخدعه بحق وعدل، وكذلك إذا مكر واستهزأ ظالما متعديا، كان المكربه والاستهزاء عدلا حسنا، كما فعله الصحابة بكعب بن الأشرف، وابن أبى الحقيق، وأبى رافع وغيرهم ممن كان يعادى رسول الله «ص» فخادعوه حتى كفوا شره وأذاه بالقتل، وكان هذا الخداع والمكر نصرة لله ورسوله.. وجزاء المسىء بمثل إساءته جائز فى جميع الملل مستحسن فى جميع العقول؛ ولهذا كاد سبحانه ليوسف حين أظهر لإخواته ما أبطن خلافه جزاء لهم على كيدهم له مع أبيه، حيث أظهروا أمرا وأبطنوا خلافه، ثم قرر أن هذه الأفعال لا يجوز ذمها على الإطلاق، ولا مدحها على الإطلاق، كما لا يجوز أن يشتق منها أسماء وصفات لله سبحانه؛ لأن الله لا يوصف إلا بالأنواع المحمودة على الإطلاق، ولهذا لم يرد فى أسمائه الحسنى: المريد أو المتكلم أو الفاعل أو الصانع؛ لأن مسمياتها تنقسم إلى ممدوح ومذموم، فلا يجوز مطلقا اشتقاق الماكر والمخادع والمستهزىء مما ورد فى الايات، وتسمية الله بها، لأنه سبحانه لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق.. فلا يكون الاستهزاء والمكر والخداع منه قبيحا البتة، فلا يمتنع وصفه به ابتداء لا على سبيل المقابلة.. فإطلاق ذلك عليه سبحانه على حقيقته دون مجازاة؛ إذ الموجب للمجاز منتف» وأقول: كل مسلم يتدبر القرآن لا يشعر أبدا بمثل ما يفتريه المعطلة والجهمية ولا يخر على آياته أصم أعمى، ويغمر قلبه اليقين بأن الله الذى من علينا فعلمنا البيان يستحيل أن تحكم عليه بأنه أخطأ فى البيان عن صفاته وأسمائه وأفعاله، أو أراد أن يضللنا بألفاظ لا يراد بها معانيها التى لها فى لغة القرآن، فلنصف الله بما وصف به نفسه، ولنسمه بما سمى به نفسه، ولننسب إليه ما نسبه هو إلى نفسه ﷻ دون تأويل أو تحريف أو تمثيل أو تشبيه أو تعطيل لشىء من هذا كله فإننا نؤمن بأن قوله- سبحانه- هو الحق، وأنه ليس كمثله شىء.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِأَنّهُ﵇- دَعَاهَا إلَى الْإِيمَانِ، فَأَجَابَتْهُ عَفْوًا، لَمْ تُحْوِجْهُ إلَى أَنْ يَصْخَبَ كَمَا يَصْخَبُ الْبَعْلُ إذَا تَعَصّتْ عَلَيْهِ حَلِيلَتُهُ، وَلَا أَنْ يَنْصِبَ، بَلْ أَزَالَتْ عَنْهُ كُلّ نَصَبٍ، وَآنَسَتْهُ مِنْ كُلّ وَحْشَةٍ، وَهَوّنَتْ عَلَيْهِ كُلّ مَكْرُوهٍ، وَأَرَاحَتْهُ بِمَا لَهَا مِنْ كُلّ كَدّ وَنَصَبٍ، فَوَصَفَ مَنْزِلَهَا الّذِي بُشّرَتْ بِهِ بِالصّفّةِ الْمُقَابِلَةِ لِفَعَالِهَا وَصُورَتِهِ.
وَأَمّا قَوْلُهُ: مِنْ قَصَبٍ، وَلَمْ يَقُلْ: مِنْ لُؤْلُؤٍ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا، وَلَكِنْ فِي اخْتِصَاصِهِ هَذَا اللّفْظِ مِنْ الْمُشَاكَلَةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْمُقَابِلَةِ بِلَفْظِ الْجَزَاءِ لِلَفْظِ الْعَمَلِ أَنّهَا﵂- كَانَتْ قَدْ أَحْرَزَتْ قَصَبَ السّبْقِ إلَى الْإِيمَانِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الرّجَالِ وَالنّسْوَانِ. وَالْعَرَبُ تُسَمّي السّابِقَ مُحْرِزًا لِلْقَصْبِ.
قَالَ الشّاعِرُ:
مَشَى ابْنُ الزّبَيْرِ الْقَهْقَرَى، وَتَقَدّمَتْ أُمَيّةُ حَتّى أَحْرَزُوا الْقَصَبَاتِ
فَاقْتَضَتْ الْبَلَاغَةُ أَنْ يَعْبُرَ بِالْعِبَارَةِ الْمُشَاكِلَةِ لِعَمَلِهَا فِي جَمِيعِ أَلْفَاظِ الحديث فتأمله
الموازنة بين خديجة وعائشة:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِخَدِيجَةَ: هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُك السّلَامَ مِنْ رَبّك. الْحَدِيثُ «١» يُذْكَرُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بن داود أنه
_________________
(١) فى الحديث المتفق عليه عن أبى هريرة: «أتى جبريل النبى «ص» فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام وطعام، فإذا أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومنى، وبشرها ببيت فى الجنة مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبٍ فِيهِ وَلَا نَصَبٍ» .
[ ٢ / ٤٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سُئِلَ: أَعَائِشَةُ أَفَضْلُ، أَمْ خَدِيجَةَ؟ فَقَالَ: عَائِشَةُ أَقْرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ السّلَامَ مِنْ جِبْرِيلَ «١»، وَخَدِيجَةُ أَقْرَأَهَا جِبْرِيلُ السّلَامَ مِنْ رَبّهَا عَلَى لِسَانِ مُحَمّدٍﷺ- فَهِيَ أَفَضْلُ، قِيلَ لَهُ: فَمَنْ أَفْضَلُ، أَخَدِيجَةُ أَمْ فَاطِمَةُ؟ فَقَالَ: إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ- قال: إن فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنّي «٢» فَلَا أَعْدِلُ بِبَضْعَةِ مِنْ رَسُولِ اللهِ أَحَدًا، وَهَذَا اسْتِقْرَاءٌ حَسَنٌ، وَيَشْهَدُ لِصِحّةِ هَذَا الِاسْتِقْرَاءِ أَنّ أَبَا لُبَابَةَ حِينَ ارْتَبَطَ نَفْسُهُ، وَحَلَفَ أَلّا يَحِلّهُ إلّا رَسُولُ اللهِﷺ- فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ لِتَحِلّهُ، فَأَبَى مِنْ أَجْلِ قَسَمِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ: إنّمَا فَاطِمَةُ مُضْغَةٌ مِنّي، فَحَلّتْهُ وَسَنَذْكُرُ الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ فِي مَوْضِعِهِ، إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَيَدُلّ أَيْضًا عَلَى تَفْضِيلِ فَاطِمَةَ قَوْلُهُ﵇- لَهَا: أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنّةِ «٣» إلّا مَرْيَمَ؟ فَدَخَلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أُمّهَا وَأَخَوَاتُهَا، وَقَدْ تَكَلّمَ النّاسُ فِي الْمَعْنَى الّذِي سَادَتْ بِهِ فَاطِمَةُ غَيْرَهَا دُونَ أَخَوَاتِهَا، فَقِيلَ: إنّهَا وَلَدَتْ سَيّدَ هَذِهِ الْأُمّةِ، وَهُوَ الْحَسَنُ الّذِي يَقُولُ فِيهِ النّبِيّﷺ:
_________________
(١) عن أبى سلمة أن عَائِشَةَ قَالَتْ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يا عائش: هذا جبريل يقرئك السلام. قالت: وعليه السلام ورحمة الله. قالت: وهو يرى ما لا أرى» متفق عليه.
(٢) عن المسور بن مخرمة أن رسول الله «ص» قال: «فاطمة بضعة منى فمن أغضبها أغضبنى» وفى رواية: «يريا بنى ما أرابها، ويؤذينى ما آذها» متفق عليه.
(٣) فى حديث متفق عليه عن عائشة «ألا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنّةِ، أو نساء المؤمنين» ولم يأت لمريم فيه ذكر.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إنّ ابْنِي هَذَا سَيّدٌ «١»، وَهُوَ خَلِيفَةٌ، بَعْلُهَا خَلِيفَةٌ أَيْضًا، وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ: مَنْ قَالَ: سَادَتْ أَخَوَاتُهَا وَأُمّهَا، لِأَنّهُنّ مُتْنَ فِي حَيَاةِ النّبِيّﷺ- فَكُنّ فِي صَحِيفَتِهِ، وَمَاتَ أَبُوهَا وَهُوَ سَيّدُ الْعَالَمِينَ، فَكَانَ رُزْؤُهُ فِي صَحِيفَتِهَا وَمِيزَانِهَا، وَقَدْ رَوَى الْبَزّارُ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ أَنّهُﷺ- قَالَ لِفَاطِمَةَ: هِيَ خَيْرُ بَنَاتِي؛ إنّهَا أُصِيبَتْ بِي، فَحَقّ لِمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ أَنْ يَسُودَ نِسَاءُ أَهْلِ الْجَنّةِ، وَهَذَا حَسَنٌ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَمِنْ سُؤْدُدِهَا أَيْضًا أَنّ الْمَهْدِيّ الْمُبَشّرَ بِهِ آخِرَ الزّمَانِ مِنْ ذُرّيّتِهَا، فَهِيَ مَخْصُوصَةٌ بِهَذَا كُلّهِ وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي أَمْرِ الْمَهْدِيّ كَثِيرَةٌ «٢»، وَقَدْ جَمَعَهَا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ فَأَكْثَرَ، وَمِنْ أَغْرَبِهَا إسنادا ما ذكره أبوبكر الْإِسْكَافُ فِي فَوَائِدِ الْأَخْبَارِ مُسْنَدًا إلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ كَذّبَ بِالدّجّالِ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ كَذّبَ بِالْمَهْدِيّ فَقَدْ كَفَرَ «٣»، وَقَالَ: فِي طُلُوعِ الشّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا مِثْلَ ذَلِكَ فِيمَا أحسب «٤» .
_________________
(١) من حديث رواه البخارى عن أبى بكرة قال: رأيت رسول الله «ص» على المنبر والحسن بن على إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى، ويقول: «إن ابنى هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» ونحن المسلمين لا يصح الان أن نخوض فى مثل هذا، فقد أفضت كل واحدة منهن إلى الله سبحانه
(٢) استغل هذه الأسطورة أعداء الله، فظهر عشرات الدجاجلة يزعم كل منهم أنه هو المهدى، ولم يخرج البخارى ولا مسلم شيئا عن المهدى، وجميع الأحاديث الواردة فيه لا تخلو من نقد، واقرأ فى هذا مقدمة ابن خلدون تحت عنوان «فصل فى أمر الفاطمى»
(٣) لا يشهد لصحة هذا عقل ودلاد بن
(٤) نقل ابن خلدون عن السهيلى هذا فى مقدمته ص ٢٧٢ طبع عبد الرحمن محمد وقال: وحسبك هذا غلوا. على أن أبابكر الإسكاف عندهم متهم وضاع.
[ ٢ / ٤٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) اللهُ السّلَامُ: وَقَوْلُ خَدِيجَةَ: اللهُ السّلَامُ، وَمِنْهُ السّلَامُ، وَعَلَى جِبْرِيلَ السّلَامُ، عَلِمَتْ بِفِقْهِهَا أَنّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَا يَرِدُ ﵇، كَمَا يَرِدُ عَلَى الْمَخْلُوقِ؛ لِأَنّ السّلَامَ دُعَاءٌ بِالسّلَامَةِ فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهَا: اللهُ السّلَامُ، فَكَيْفَ أَقُولُ ﵇، والسلام منه يسئل، وَمِنْهُ يَأْتِي؟ وَلَكِنْ عَلَى جِبْرِيلَ السّلَامُ، فَاَلّذِي يَحْصُلُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ الْفِقْهِ أَنّهُ لا يليق بالله سبحانه إلا الثّناء نمليه، فَجَعَلَتْ مَكَانَ رَدّ التّحِيّةِ عَلَى اللهِ ثَنَاءً عَلَيْهِ، كَمَا عَمِلُوا فِي التّشَهّدِ حِينَ قَالُوا: السّلَامُ عَلَى اللهِ مِنْ عِبَادِهِ، السّلَامُ عَلَى فُلَانٍ، فَقِيلَ لَهُمْ: لَا تَقُولُوا هَذَا، وَلَكِنْ قُولُوا: التّحِيّاتُ لِلّهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ فَوَائِدَ جَمّةً فِي مَعْنَى التّحِيّاتِ إلَى آخِرِ التّشَهّدِ. وَقَوْلُهَا: وَمِنْهُ السّلَامُ، إنْ كانت أرادت السلام التحية، فهو خبر يرادبه التّشَكّرُ، كَمَا تَقُولُ: هَذِهِ النّعْمَةُ مِنْ اللهِ، وَإِنْ كَانَتْ أَرَادَتْ السّلَامَ بِالسّلَامَةِ مِنْ سُوءٍ، فهو حبر يراد به المسئلة، كما تقول: منه يسئل الْخَيْرُ. وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ اللّغَةِ إلَى أَنّ السّلَامَ وَالسّلَامَةَ بِمَعْنَى وَاحِدٍ كَالرّضَاعِ وَالرّضَاعَةِ، وَلَوْ تَأَمّلُوا كَلَامَ الْعَرَبِ وَمَا تُعْطِيهِ هَاءُ التّأْنِيثِ مِنْ التّحْدِيدِ لَرَأَوْا أَنّ بَيْنَهُمَا فُرْقَانًا عَظِيمًا، وَأَنّ الْجَلَالَ أَعَمّ مِنْ الْجَلَالَةِ بِكَثِيرِ، وَأَنّ اللّذَاذَ أَبْلَغُ مِنْ اللّذَاذَةِ، وَأَنّ الرّضَاعَةَ تَقَعُ عَلَى الرّضْعَةِ الْوَاحِدَةِ، وَالرّضَاعُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ السّلَامُ، وَالسّلَامَةُ، وَقِسْ عَلَى هَذَا: تَمْرَةً وَتَمْرًا، وَلَقَاةً وَلَقًى، وَضَرْبَةً وَضَرْبًا، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَتَسَمّى سُبْحَانَهُ بِالسّلَامِ لِمَا شَمِلَ جَمِيعَ الْخَلِيقَةِ، وَعَمّهُمْ مِنْ السّلَامَةِ مِنْ الِاخْتِلَالِ وَالتّفَاوُتِ إذْ الْكُلّ جَارٍ عَلَى نِظَامِ الْحِكْمَةِ، كَذَلِكَ سليم الثّقَلَانِ مِنْ جَوْرٍ وَظُلْمٍ أَنْ يَأْتِيَهُمْ مِنْ قِبَلِهِ سُبْحَانَهُ، فَإِنّمَا الْكُلّ مُدَبّرٌ بِفَضْلِ أَوْ عَدْلٍ، أَمّا الْكَافِرُ فَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ إلّا عَدْلُهُ، وَأَمّا الْمُؤْمِنُ
[ ٢ / ٤٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَيَغْمُرُهُ فَضْلُهُ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ سَلَامٌ، لَا حَيْفَ وَلَا ظُلْمَ، وَلَا تَفَاوُتَ وَلَا اخْتِلَالَ، وَمَنْ زَعَمَ مِنْ الْمُفَسّرِينَ لِهَذَا الِاسْمِ أَنّهُ تَسَمّى بِهِ لِسَلَامَتِهِ مِنْ الْآفَاتِ وَالْعُيُوبِ، فَقَدْ أَتَى بِشَنِيعِ مِنْ الْقَوْلِ، إنّمَا السّلَامُ مَنْ سُلِمَ مِنْهُ، وَالسّالِمُ مَنْ سَلِمَ مِنْ غَيْرِهِ، وَانْظُرْ إلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: (كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا) وإلى قوله: (سَلامٌ هِيَ) وَلَا يُقَالُ فِي الْحَائِطِ: سَالِمٌ مِنْ الْعَمَى، وَلَا فِي الْحَجَرِ أَنّهُ سَالِمٌ مِنْ الزّكَامِ، أَوْ مِنْ السّعَالِ إنّمَا يُقَالُ: سَالِمٌ فِيمَنْ تَجُوزُ عَلَيْهِ الْآفَةُ، وَيَتَوَقّعُهَا ثُمّ يَسْلَمُ مِنْهَا، وَالْقُدّوسُ سُبْحَانَهُ مُتَعَالٍ عَنْ تَوَقّعِ الْآفَاتِ مُتَنَزّهٍ عَنْ جَوَازِ النّقَائِصِ، وَمِنْ هَذِهِ صِفّتُهُ لَا يُقَالُ: سَلِمَ، وَلَا يَتَسَمّى بِسَالِمِ، وَهُمْ قَدْ جَعَلُوا سَلَامًا بِمَعْنَى سَالِمٍ، وَاَلّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوّلَ، هُوَ مَعْنَى قَوْلِ أَكْثَرِ السّلَفِ وَالسّلَامَةُ: خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ خِصَالِ السّلَامِ «١»:
فَتْرَةَ الْوَحْيِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ فَتْرَةَ الْوَحْيِ عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ- وَلَمْ يَذْكُرْ مِقْدَارَ مُدّةِ الْفَتْرَةِ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الْمُسْنَدَةِ أَنّهَا كَانَتْ سَنَتَيْنِ وَنِصْفِ سَنَةٍ، فَمِنْ هُنَا يَتّفِقُ مَا قَالَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنّ مُكْثَهُ بِمَكّةَ كَانَ عَشَرَ سِنِينَ، وَقَوْلُ ابْنِ عباس: ثلاث عشرة سنة، وكان قد ابتدىء بِالرّؤْيَا الصّادِقَةِ سِتّةَ أَشْهُرٍ، فَمَنْ عَدّ مُدّةَ الْفَتْرَةِ، وَأَضَافَ إلَيْهَا الْأَشْهُرَ السّتّةَ، كَانَتْ كَمَا قال
_________________
(١) فى النهاية لابن الأثير عن السلام: «سلامته مما يلحق الخلق من العيب والفناء والسلام فى الأصل: السلامة»: وعند الراغب فى مفرداته: «وصف بذلك من حيث لا يلحقه العيوب والافات التى تلحق الخلق» وانظر ص ١٣٥ ج ٢ بدائع الفوائد.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابْنُ عَبّاسٍ، وَمَنْ عَدّهَا مِنْ حِينِ حَمِيَ الْوَحْيِ وَتَتَابَعَ، كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ كَانَتْ عَشْرَ سِنِينَ. وَوَجْهٌ آخَرُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَيْضًا، وَهُوَ أَنّ الشّعْبِيّ قَالَ:
وَكّلَ إسْرَافِيلَ بِنُبُوّةِ مُحَمّدٍﷺ- ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمّ جَاءَهُ بِالْقُرْآنِ جِبْرِيلُ «١» وَقَدْ قَدّمْنَا هَذَا الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ أَبُو عُمَرَ فِي كِتَابِ الِاسْتِيعَابِ، وَإِذَا صَحّ فَهُوَ أَيْضًا وَجْهٌ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
شَرْحُ شِعْرِ الْهُذَلِيّ وَالْفَرَزْدَقِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ قَوْلَ أَبِي خِرَاشٍ خُوَيْلِدِ بْنِ مُرّةَ الْهُذَلِيّ
إلَى بَيْتِهِ يَأْوِي الضّرِيكُ إذَا شَتَا وَمُسْتَنْبَحٌ بَالِي الدّرِيسَيْنِ عَائِلُ
الضّرِيكُ: الضّعِيفُ الْمُضْطَرّ «٢» وَالْمُسْتَنْبَحُ الّذِي يَضِلّ عَنْ الطّرِيقِ فِي ظُلْمَةِ اللّيْلِ، فَيَنْبَحُ لِيَسْمَعَ نُبَاحَ كَلْبٍ «٣» وَالدّرِيسُ: الثّوْبُ الْخَلَقُ، وقول الفرزدق:
_________________
(١) فى فتح البارى: (هذا الذى اعتمده السهيلى من الاحتجاج بمرسل الشعبى لا يثبت، وقد عارضه ما جاء عن ابن عباس أن مدة الفترة المذكورة كانت أياما» ص ٣١ ج ١ الحلبى وقال مغلطاى: «يخدش فيه- أى فى كلام السهيلى- ما فى تفسير ابن عباس أنها كانت أربعين يوما، وفى تفسير ابن الجوزى ومعانى الزجاج: خمسة عشر، وفى تفسير مقاتل: ثلاثة أيام، ولعل هذا هو الأشبه بحاله عند ربه لا ما ذكره السهيلى، وجنح لصحته» ص ٢٣٦ شرح المواهب ح ١
(٢) الضريك أيضا: النسر الذكر والأحمق والزّمن- بكسر الميم- والضرير.
(٣) عبر عنها الخشنى بتعبير أوضح فقال: «المستنبح الذى يصل بالليل، فينبح نباح الكلاب، لتسمعه الكلاب فتجاوبه، فيعلم موضع البيوت، فيقصدها» . ويقول الخشنى عن تثنية الدريس: «وثناه لأنه أراد به الإزار، والرداء، وهو أقل ما يكون للرجال من اللباس» ص ٧٧.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَرَى الْغُرّ الْجَحَاجِحَ «١» مِنْ قُرَيْشٍ إذَا مَا الْأَمْرُ فِي الْحَدَثَانِ عَالَا
قِيَامًا يَنْظُرُونَ إلَى سَعِيدٍ كَأَنّهُمْ يَرَوْنَ بِهِ هِلَالًا
يَعْنِي: سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِي بْنِ أُمَيّةَ، وَيُقَال: إنّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ حِينَ سَمِعَ الْفَرَزْدَقَ يُنْشِدُ هَذَا الْبَيْتَ حَسَدَهُ، فَقَالَ لَهُ: قُلْ: قُعُودًا يَنْظُرُونَ إلَى سَعِيدٍ يَا أَبَا فِرَاسٍ. فَقَالَ لَهُ الْفَرَزْدَقُ: وَاَللهِ يَا أَبَا عَبْدِ الْمَلِكِ: إلّا قِيَامًا عَلَى الْأَقْدَامِ «٢» .
وَذَكَرَ سَبَبَ نُزُولِ سُورَةِ الضّحَى، وَأَنّ ذَلِكَ لِفَتْرَةِ الْوَحْيِ عَنْهُ، وَخَرّجَ الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيقِ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ «٣» أَنْ رَسُولَ اللهِ ﷺ اشْتَكَى، فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ: إنّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُك قَدْ تركك، فأنزل الله تعالى سورة الضحى «٤» .
_________________
(١) غر: ربها هكذا جمع أغر: المشهور، وأصله الأبيض. والجحاجح: جمع جحجح وجحجاح: السيد، وأيضا: الفسل من الرجال، ومن جمعه: جحاجيج، وجحاجحة.
(٢) مدح الفرزدق سعيدا بهذا، وكان حينئذ أمير المدينة من قبل معاوية ﵀، وكان يوليه معاوية سنة، ويولى مروان سنة أخرى، ويقال إن الفرزدق قال لمروان: لا أقول إلا قياما، وإنك يا أبا عبد الملك لصافن من بينهم، وصفن الرجل إذا رفع إحدى قدميه، ووقف على الأخرى «الخشنى ص ٧٨
(٣) سفيان: جده، وأبوه: عبد الله. وهو ينسب إلى أبيه وإلى جده.
(٤) وأخرجه مسلم ومالك وأحمد والترمذى والنسائى وابن أبى حاتم وابن جرير وقيل: إن هذه المرأة هى أم جميل امرأة أبى لهب.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
تمّ بحمد الله الجزء الثّانى ويليه الجزء الثّالث إن شاء الله وأوله: فرض الصّلاة
[ ٢ / ٤٣٧ ]
ملحوظات تكلم السهيلى عن بئار مكة فى ص ١٢٣- ح ٢ وما بعدها، وقد زاد البلاذرى فى كتابه فتوح البلدان عما ذكره السهيلى، ففيما يتعلق بالعجول زاد بعد الشطرة الأولى:
قبل صدور الحاج من كل أفق
وزاد فى سجلة بعد الشطرة الأولى:
فى تربة ذات غداة سهلة
وزاد فى شعر صفية المذكور فى ص ١٢٥
فيها الجراد والذر وقذر لا يذكر
وعن بذر ورد:
ليست كبذر النذور الجماد
وبهذا استقام المعنى فقد كانت البرور فى الروض.
ملحوظات عن الجزء الأول
فى ص ٣٣٦ ح ١ ورد فى السطر الحادى عشر نصف بيت من الشعر اهتديت إلى تمامه، فقد أنشده اللسان فى مادة أوب وهو:
رَبّاءُ شَمّاءُ لَا يَأْوِي لِقُلّتِهَا إلّا السّحَابُ وإلا الأوب السّبل
والأوب اسم جمع ومعناه: النحل، والسبل: المطر هذا وقد ندت عن العين بعض أخطاء يسيرة جدا نرجو أن نتداركها بعد إن شاء الله.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
محتويات الكتاب
رقم الموضوع
٦ أمهات الرسول «ص» «س «١»»
٧ أمر جرهم ودفن زمزم «س»
٧ مولد النبى «ص»
٩ زمزم
١٠ استيلاء كنانة وخزاعة على البيت
ونفى جرهم «س»
١١ شعر الحارث بن مضاض «س»
١٢ شعر عمرو بن الحارث «س»
١٣ حول زمزم
١٣ لم نزلت هاجر وإسماعيل مكة
١٥ قطورا وجرهم والسميدع
١٦ جياد وقعيقعان
١٧ جرهم تسرق مال الكعبة
١٨ بين جرهم وخزاعة
١٩ غربة الحارث بن مضاص
٢٠ من شرح شعر ابن مضاض
٢١ واسط وعامر وجرهم
٢٢ مكة وأسماؤها
٢٤ ما وجد مكتوبا فى الأحجار
٢٧ استبداد قوم من خزاعة بولاية
رقم الموضوع البيت «س»
٢٨ قصى وزواجه وتوليه أمر البيت «س»
٢٩ ولاية الغوث إجازة الحج «س»
٣١ عدوان والإفاضة «س»
٣٢ قصى وخزاعة وولاية البيت
٣٣ نشأة قصى
٣٤ الغوث بن مر وصوفة
٣٤ لم سمى قصى قصيا؟ «س»
٣٧ بنو سعد وزيد مناة
٣٨ اشتقاق المزدلفة
٣٩ ذو الإصبع وآل ظرب
٤١ أبو سيارة
٤٢ حول لاهمّ «ن. ل» «س»
٤٣ لهنّك «ش» «ن. ل»
٤٤ أمر عامر بن ظرب
٤٥ غلب قصى على أمر مكة
٥٠ الرفادة «س»
٥١ الحكم بالأمارات
٥٢ يعمر الشداخ
_________________
(١) «س» رمز عن السيرة، و«ن. ل» رمز عن النحو واللغة، و«ش» رمز عن الشرح، أما الروض فبدون رمز.
[ ٢ / ٤٤١ ]
رقم موضوع
٥٣ ولاية قصى البيت ««١»»
٥٣ رباع مكة
٥٥ دار الندوة
٥٥ من تفسير شعر رزاح
٥٨ شعر قصى والعذرتان
٥٩ حوتكة وأسلم
٦١ الاختلاف بعد قصى وحلف المطيبين «س»
٦٣ حلف الفضول «س»
٦٥ هاشم ونسله «س»
٦٦ شعر مطرود فى بكاء بنى عبد مناف «س»
٦٧ حلف المطيبين
٦٨ السناد والإقوء
٧٠ حلف الفضول
٧١ حرب الفجار
٧٣ القتول ونبيه بن الحجاج
٧٥ الحلف وابن جدعان
٧٥ هل حضر النبى حرب الفجار؟ «س»
٧٦ صكّه عمىّ «ن. ل» .
٧٧ طعام ابن جدعان «ش»
٧٨ ابن جدعان أسطورة
٨١ موقف الإسلام من الحلف
٨٣ عن أولاد عبد مناف
٨٤ طعام هاشم
٨٤ ابن الزبعرى يمدح بنى عبد مناف
٨٧ عبد المطلب وابن ذى يزن
٨٨ نسب أحيحة
٨٩ الليلة القسية والدرهم القسى «ن. ل»
٩٠ شعر الصلتان أيا شاعرا لا شاعر اليوم مثله
٩٠ «ن. ل»
٩١ جمع يراد به المفرد «ن. ل»
٩١ الحكم للبعض بحكم الكل «ن. ل»
٩٣ شعر مطرود من عبد المطلب «س»
٩٥ حفر زمزم «س»
١٠٠ بئار قريش «س»
١٠٣ ويل الشجى من فى الخلى «ن. ل»
١٠٤ شرح شعر مطرود
١٠٦ تصريف موماة ومرمر «ن. ل»
١٠٧ قلق وسلس «ن. ل»
١٠٩ حديث زمزم
١١٠ الاستسقاء س»
١١٢ أسماء زمزم تأويل العلامات التى رآها
١١٣ عبد المطلب
١١٦ من صفات زمزم
١١٩ نبع الماء من بين أصابعه «ص»
١٢٠ اشتقاق مفازة «ن. ل»
_________________
(١) الموضوع قد يذكر فى السيرة وفى الروض ولهذا يتكرر ذكره فى الفهرس.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
رقم الموضوع ١٢١ الجمع واسم الجمع (ن. ل)
١٢٣ بئار قريش بمكة
١٢٨ من شرح شعر مسافر «١»
١٣٠ هراق وأراق «س»
١٣١ نذر عبد المطلب ذبح ولده «س» المرأة التى تعرضت لنكاح
١٣٥ عبد الله «س»
١٣٧ ما قيل لامنة عند حملها «س»
١٣٧ نذر عبد المطلب
١٣٩ تزويج عبد الله
١٤٠ حول أمهاته ﷺ
١٤١ المرأة التى دعت عبد الله
١٤٣ ولادة الرسول ص «س»
١٤٤ رضاعته وحضانته (س)
١٤٥ قصة حليمة السعدية (س)
١٤٩ فصل فى المولد
١٥٠ لم يولد ﷺ مختونا
١٥١ تسميته (ص)
١٥٠ اسم محمد وأحمد
١٥٧ تعويذ عبد المطلب
١٥٨ متى ولد وأين ولد النبى «ص»
١٦٠ تحقيق وفاة أبيه «ص»
١٦٠ أبوه من الرضاعة
١٦٢ قصية أو فصية والثيماء
١٦٣ شرح حديث الرضاع
١٦٤ يغذيه أو يغديه
رقم الموضوع ١٦٦ التماس الأجر على الرضاع
١٦٧ لم كانت قريش تلتمس المراضع
١٦٨ شق الصدر
١٧٠ لم يكن النبى يعرف أنه نبى قبل البعثة «س»
١٧٠ تضارب ما قيل عن الخاتم النبوى
١٧٢ حديث السكينة
١٧٢ عن شق الصدر مرة أخرى
١٧٥ لم اختير طست من ذهب
١٧٨ الحكمة فى ختم النبوة
١٧٩ رد حليمة للنبى «ص»
١٧٩ تأويل النور الذى رأته- آمنة-
١٨٠ عود إلى حديث ابن إسحاق عن الرضاع «س»
١٨١ وفاة آمنة «س»
١٨٢ رعية الغنم
١٨٣ فى كفالة العم
١٨٤ حوت آمنة وزياته لها حول
١٨٥ أحاديث عن حكم أبويه
١٨٨ وفاة عبد المطلب ورشاؤه «س»
١٨٩ قصيدة صفية «س»
١٩٠ قصيدة برة وعاتكة وأم حكيم «س»
١٩١ قصيدة أميمة وأروى «س»
١٩٢ قصيدة حذيفة بن غانم «س»
١٩٥ قصيدة مطرود الخزاعى «س»
١٩٥ ولاية العباس السقاية «س»
_________________
(١) تقدم هذا العنوان قبل موضعه بأربعة أسطر.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
رقم الموضوع ١٩٦ الرسول «ص» فى كفالة أبى طالب «س»
١٩٧ شرح شعر رثاء عبد المطلب
٢٠٢ أبو جهم
٢٠٣ شرح شعر حذيفة بن غانم
٢٠٤ تهام وشام «ن. ل»
٢٠٦ حذف الياء من هاء الكتابة
٢٠٩ من شرح شعر حذيفة
٢١٠ رأى النحاة فى زيد أفضل إخوته
٢١١ من شرح شعر مطرود
٢١٢ من شعر مهلهل عن زواج ابنته
٢١٤ النطف
٢١٥ اللهبى العائف
٢١٦ قصة بحيرى «س»
٢٢٠ شرح قصة بحيرى فى الروض
٢٢١ من صفات خاتم النبوة
٢٢٤ رواية الترمذى عن رحلة الشام
٢٢٦ نقد رواية الترمذى
٢٢٨ حفظ النبى «ص» فى صغره
٢٢٩ حرب الفجار «س»
٢٣١ حديث تزوج خديجة «س»
١٣٣ قصة الفجار فى الروض
٢٣٤ منع تنوين العلم
٢٣٥ من تفسير شعر البراض
٢٣٥ آخر أمر الفجار
٢٣٦ شرح قول الراهب: ما نزل تحت
رقم الموضوع هذه الشجرة إلا نبى
٢٣٧ تحقيق معنى الوسط
٢٣٨ من الذى زوج خديجة؟
٢٤١ أولاده ص «س»
٢٤١ تنبؤ ورقة «س»
٢٤٢ أولاده من خديجة
٢٤٤ بين خديجة وبحيرى ونسبها
٢٤٥ من تزوجتهم خديجة قبل الرسول «ص»
٢٤٦ مارية وإبراهيم
٢٤٨ ترجمة ورقة
٢٥٢ مثنى يقصد به المفرد «ن. ل»
٢٥٥ النور والضيا. «ن. ل»
٢٥٦ نون الوقاية فى إن أخواتها (ن. ل)
٢٥٦ حول تقدم صلة المصدر عليه (ن. ل)
٢٥٧ متى يجوز تقديم معمول المصدر «ن. ل
٢٥٩ بنيان لكعبة فى السيرة
٢٦٤ بنيان الكعبة فى الروض
٢٦٦ تجديد ابن الزبير لبنائها
٢٦٨ أساطير حول بناء الكعبة
٢٧٣ العهد الذى أخذ على ذرية آدم «ش»
٢٧٦ حول بناء المسجد الحرام
٢٧٧ كنز الكعبة والنجار القبطى
٢٧٨ الحية والدابة
٢٧٨ تفسير: لم ترع
٢٧٩ حول حديث أبى لهب
٢٨٠ الحجر الذى كان متكوبا عليه
[ ٢ / ٤٤٤ ]
رقم الموضوع
٢٨١ الحجر الأسود وقواعد البيت
٢٨٢ شعر الزبير فى بناء الكعبة
٢٨٣ حديث الخمس فى السيرة
٢٨٧ حديث الخمس فى الروض
٢٨٩ يوم جبلة وعدس والحلة والطلس
٢٩٠ اللقى يروى
٢٩٠ رجز المرأة الطائفة
٢٩١ قرزل وطفيل
٢٩٢ الهامة. شعر لجرير
٢٩٣ ما نزل من القرآن فى شأن الحمس
٢٩٤ وقوف النبى بعرفة قبل النبوة
٢٩٤ موقف قريش فى الحج فى جاهليتها «س. ش»
٢٩٥ الإخبار بمبعث نبى «س»
٢٩٥ منع الجن من استراق السمع «ص»
٢٩٧ أول فزع للرمى بالنجوم «س»
٢٩٨ كيف يسترق الجن السمع «ص»
٢٩٩ حديث الغيطلة الكاهنة فى السيرة والروض
٢٩٩ حديث كاهن جنب «س»
٣٠١ فصل فى الكهانة
٣٠٢ رمى الشياطين
٢٠٣ الجن الذين ذكروا فى القرآن
٣٠٥ ابن علاط والجن
٣٠٥ قصة نصر بن حجاج «س»
٣٠٧ أحاديث حول استماع الجن «س»
رقم الموضوع
٣١٠ انقطاع الكهانة
٣١١ قصة صاف بن صياد
٣١٢ حديث الغيطلة الكاهنة وفى الروض
٣١٣ كاهن ثقيف ولهب
٣١٦ أيش والأحائم «ن. ل»
٣١٧ حى جنب
٣١٨ حول حديث عمر وسواد بْنِ قَارِبِ
٣٢٣ سَوَادٌ وَدَوْسٌ عِنْدَ وَفَاةِ الرّسُولِ «ص»
٣٢٤ كاهنة قريش
٣٢٦ إنذار يهود بالرسول ص «س»
٣٢٨ ابن الهيبان
٣٢٩ حديث سلمة وبنى سعيد
٣٣١ إسلام سعنة الحبر
٣٣٢ حديث إسلام سلمان «س»
٣٤٠ معنى إصبهان وشرح الروض لحديث سلمان
٣٤١ أسماء النخلة
٣٤٢ حكم الصدقة للنبى «ص» ومصدر مال سليمان
٣٤٤ أول من مات بعد الهجرة
٣٤٥ أسطورة نزول عيسى قبل البعثة
٣٤٨ ورقة وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ وَعُثْمَانَ بْنِ الْحُوَيْرِثِ «س»
٣٤٩ زيد بن عمرو بن نفيل
[ ٢ / ٤٤٥ ]
رقم الموضوع
٣٥٥ حديث ورقة فى الروض
٣٥٦ الزواج من امرأة الأب فى الجاهلية
٣٥٨ معنى: فقح الجرو
٣٥٨ من قصة ابن الحويرث
٣٥٩ اعْتِزَالُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ الْأَوْثَانَ وتركه أكل ما ذبح على النصب
٣٦٣ زيد وصعصعة والموؤدة
٣٦٤ شرح شعر زيد
٣٦٦ إعراب نعت النكرة المتقدم «نحو»
٣٦٧ من معانى شعر زيد
٣٦٨ تفسير حنانيك وحول اسم الله «ن. ل»
٣٦٩ حذف المنادى مع بقاء الياء «ن. ل»
٣٧٠ تصريف اطمأنت وأشياء «ن. ل»
٣٧١ الدعموص والخرم فى الشعر
٣٧٢ لغويات ونحويات
٣٧٥ صفة الرسول «ص» من الإنجيل «س»
٣٧٦ بشارة إنجيل يوحنا «س»
٣٧٧ من صفات النبى عند الأحبار «س»
٣٨٠ حديث الوحى «س»
٣٨٤ كتاب المبعث
٣٨٥ إعراب لما آتيتكم (ن. ل)
٣٧٨ النبوءة وأولو العزم
رقم الموضوع
٣٨٨ أول بدىء به من النبوة
٣٩٠ مدلول تفعل «ن. ل»
٣٩١ حول المجاورة فى حراء
٣٩٢ كيفية الوحى
٣٩٦ من تفسير حديث الوحى
٣٩٧ معنى اقرأ باسم ربك
٣٩٧ حول بسم الله
٣٩٩ الغط
٤٠٠ العفريت الذى تفلت فى الصلاة
٤٠١ ما أنا بقارىء
٤٠٢ رؤية جبريل ومعنى اسمه
٤٠٢ معنى إل وخرافة الرهبان
٤٠٤ معنى الناموس
٤٠٤ لم ذكر ورقة موسى ولم يذكر عيسى؟
٤٠٥ حول هاء السكت والفعل تدرك «ن. ل
٤٠٦ شرح أو مخرجى؟ «ن. ل»
٤٠٧ يافوخ «ن. ل»
٤٠٧ الذهاب إلى ورقة
٤٠٩ لقد خشيت على نفسى
٤١٠ المختار من أحاديث الوحى وشرحها «س»
٤١٢ كيفية الوحى «ش»
٤١٢ مدة المجاورة فى حراء «ش»
٤١٣ تفسير مفردات حديث الوحى «ش»
[ ٢ / ٤٤٦ ]
رقم الموضوع ٤١٥ ابتداء تنزيل: القرآن «س»
٤١٦ إسلام خديجة «س»
٤١٧ فترة الوحى «س»
٤١٧ من تفسير سورة والضحى «س»
٤١٩ متى نزل القرآن
٤١٩ دعوى نزول القرآن جملة واحدة «ش»
٤٢٩ إضافه الشهر إلى رمضان
٤٢١ حب الرسول «ص» وطنه
٤٢٢ ذكر عبد الله بن حسن
رقم الموضوع
٤٢٣ أحاديث عن فضل خديجة
٤٢٥ تفسير القصب
٤٢٦ حول جزاء خديجة
٤٢٧ حول المكر والنسيان «ش»
٤٢٩ الموازنة بين خديجة وعائشة
٤٣٠ فضل فاطمة
٤٣١ الله السلام
٤٣٢ فترة الوحى
٤٣٤ شرح شعر للهذلى والفرزدق ملحوظات
حمد وثناء أحمد الله أن أعان ومن بالقدرة على عمل أجهد اليد والفكر والسمع والبصر إجهادا لولا فضل الله ما تحملته. فالذى اتصلت أسبابه المتينة بكتاب الروض الأنف يعلم أى فضل عظيم من الله من علىّ به، ولا أزعم أنى أديت كل ما يجب، وإنما أزعم أنى حاولت بصدق. وأعلن هنا شكرى للأخ أحمد حمدى أحمد شعبان صاحب المطبعة، وإخوتى عمالها على أوفى جهد، وأكرم تجاوب نبيل؟
عبد الرحمن الوكيل
[ ٢ / ٤٤٧ ]