مقدّمة
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبّ العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الأئمة المهتدين.
«وبعد» فهذا هو الجزء الرابع من السيرة وشرحها «الروض الأنف» للامام السهيلى والله وحده أسأل أن يعين على تمامه.
عبد الرحمن الوكيل
[ ٤ / ٥ ]
[كِفَايَةُ اللهِ أَمْرَ الْمُسْتَهْزِئِينَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِﷺ- عَلَى أَمْرِ اللهِ تَعَالَى صَابِرًا مُحْتَسِبًا، مُؤَدّيًا إلَى قَوْمِهِ النّصِيحَةَ عَلَى مَا يَلْقَى مِنْهُمْ مِنْ التّكْذِيبِ وَالْأَذَى وَالِاسْتِهْزَاءِ. وَكَانَ عُظَمَاءُ الْمُسْتَهْزِئِينَ- كَمَا حَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ خَمْسَةَ نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَكَانُوا ذوى أسنان وشرف فى قومهم.
مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ بْنِ كِلَابٍ: الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطّلِبِ بْنِ أَسَدِ أَبُو زَمَعَةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- قَدْ دَعَا عَلَيْهِ لِمَا كَانَ يَبْلُغُهُ مِنْ أَذَاهُ وَاسْتِهْزَائِهِ بِهِ، فَقَالَ: اللهُمّ أَعْمِ بَصَرَهُ وَأَثْكِلْهُ وَلَدَهُ.
وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ ابن زُهْرَةَ.
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرّةَ: الْوَلِيدُ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ابن مخزوم.
ومن بني سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ: الْعَاصُ بْنُ وَائِلِ بْنِ هِشَامٍ.
قال ابن هشام: الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ سُعَيْد بن سهم.
وَمِنْ بَنِي خُزَاعَةَ: الْحَارِثُ بْنُ الطّلَاطِلَةِ بْنِ عمرو بن الحارث بن عبد عمرو ابن لُؤَيّ بْنِ مَلَكَانَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٧ ]
فَلَمّا تَمَادَوْا فِي الشّرّ، وَأَكْثَرُوا بِرَسُولِ اللهِﷺ- الِاسْتِهْزَاءَ، أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ.
إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ الحجر: ٩٣- ٩٥.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ فحدَّثنى يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنّ جِبْرِيلَ أَتَى رَسُولِ اللهِﷺ- وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، فَقَامَ، وَقَامَ رَسُولُ اللهِﷺ- إلَى جَنْبِهِ فَمَرّ بَهْ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطّلِبِ، فَرَمَى فِي وَجْهِهِ بِوَرَقَةِ خَضْرَاءَ، فَعَمِيَ، وَمَرّ بَهْ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، فَأَشَارَ إلَى بطنه، فاستسقى فَمَاتَ مِنْهُ حَبَنًا. وَمَرّ بِهِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ فَأَشَارَ إلَى أَثَرِ جُرْحٍ بِأَسْفَلِ كَعْبِ رِجْلِهِ، كَانَ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِك بِسِنِينَ، وَهُوَ يَجُرّ سَبَلَهُ، وَذَلِكَ أَنّهُ مَرّ بِرَجُلِ مِنْ خُزَاعَةَ وَهُوَ يَرِيشُ نَبْلًا لَهُ، فَتَعَلّقَ سَهْمٌ مِنْ نَبْلِهِ بِإِزَارِهِ، فَخَدَشَ فِي رِجْلِهِ ذَلِك الْخَدْشَ، وَلَيْسَ بِشَيْءِ، فَانْتَقَضَ بِهِ، فَقَتَلَهُ. وَمَرّ بَهْ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، فَأَشَارَ إلَى أَخْمَصِ رِجْلِهِ، وَخَرَجَ عَلَى حِمَارٍ لَهُ يُرِيدُ الطّائِفَ، فَرَبَضَ بِهِ عَلَى شُبَارِقَةٍ، فَدَخَلَتْ فِي أَخْمَصِ رجله شوكة، فقتلته ومرّ به الحارث ابن الطّلَاطِلَةِ، فَأَشَارَ إلَى رَأْسِهِ، فَامْتَخَضَ قَيْحًا فَقَتَلَهُ.
[الوليد وأبو أزيهر]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا حَضَرَتْ الْوَلِيدَ الْوَفَاةُ دَعَا بَنِيهِ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً:
هِشَامَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَالْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَيْ بَنِيّ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٨ ]
أُوصِيكُمْ بِثَلَاثِ، فَلَا تُضَيّعُوا فِيهِنّ: دَمِي فِي خُزَاعَةَ، فَلَا تَطُلّنّهُ، وَاَللهِ إنّي لَأَعْلَمُ أَنّهُمْ منه برآء، ولكنى أَخْشَى أَنْ تُسَبّوا بِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ، وَرِبَايَ فِي ثَقِيفٍ، فَلَا تَدَعُوهُ حَتّى تَأْخُذُوهُ، وَعُقْرِي عِنْدَ أَبِي أُزَيْهِرٍ، فَلَا يَفُوتَنّكُمْ بِهِ. وَكَانَ أَبُو أُزَيْهِرٍ قَدْ زَوّجَهُ بِنْتًا، ثُمّ أَمْسَكَهَا عنه فلم يدخلها عليه حتى مات.
فَلَمّا هَلَكَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَثَبَتْ بَنُو مَخْزُومٍ عَلَى خُزَاعَةَ يَطْلُبُونَ مِنْهُمْ عَقْلَ الْوَلِيدِ، وَقَالُوا: إنّمَا قَتَلَهُ سَهْمُ صَاحِبِكُمْ- وَكَانَ لِبَنِي كَعْبٍ حِلْفٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ- فَأَبَتْ عَلَيْهِمْ خُزَاعَةُ ذَلِكَ، حَتّى تَقَاوَلُوا أَشْعَارًا، وَغَلُظَ بَيْنَهُمْ الْأَمْرُ- وَكَانَ الّذِي أَصَابَ الْوَلِيدَ سَهْمُهُ رَجُلًا مِنْ بَنِي كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ خُزَاعَةَ- فَقَالَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بن عمر ابن مَخْزُومٍ:
إنّي زَعِيمٌ أَنْ تَسِيرُوا، فَتَهْرُبُوا وَأَنْ تَتْرُكُوا الظَّهران تَعْوِي ثَعَالِبُهُ
وَأَنْ تَتْرُكُوا مَاءً بِجِزْعَةِ أَطْرِقَا وَأَنْ تَسْأَلُوا: أَيّ الْأَرَاكِ أَطَايِبُهُ؟
فَإِنّا أَنَاسٌ لَا تُطَلّ دِمَاؤُنَا وَلَا يَتَعَالَى صَاعِدًا مَنْ نُحَارِبُهُ
وَكَانَتْ الظّهْرَانُ وَالْأَرَاكُ مَنَازِلَ بنى كعب، من خزاعة. فأجابه الجون ابن أَبِي الْجَوْنِ، أَخُو بَنِي كَعْبِ بْنِ عَمْرِو الخزاعىّ، فقال:
والله لا نؤتى الوليد ظلامة ولمّا قروا يَوْمًا تَزُولُ كَواكِبُهْ
وَيُصْرَعُ مِنْكُمْ مُسْمِنٌ بَعْدَ مُسْمِنٍ وَتُفْتَحُ بَعْدَ الْمَوْتِ قَسْرًا مَشَارِبُهْ
إذَا مَا أَكَلْتُمْ خُبْزَكُمْ وَخَزِيرَكُمْ فَكُلّكُمْ بَاكِي الْوَلِيدِ ونادبه
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٩ ]
ثُمّ إنّ النّاسَ تَرَادّوا وَعَرَفُوا أَنّمَا يَخْشَى الْقَوْمُ السّبّةَ، فَأَعْطَتْهُمْ خُزَاعَةُ بَعْضَ الْعَقْلِ، وَانْصَرَفُوا عَنْ بَعْضٍ. فَلَمّا اصْطَلَحَ الْقَوْمُ قَالَ الْجَوْنُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ:
وَقَائِلَةٍ لَمّا اصْطَلَحْنَا تَعَجّبًا لِمَا قَدْ حَمَلْنَا لِلْوَلِيدِ وَقَائِلِ
أَلَمْ تُقْسِمُوا تُؤْتُوا الْوَلِيدَ ظُلَامَةً وَلَمّا تَرَوْا يَوْمًا كَثِيرَ الْبَلَابِلِ
فَنَحْنُ خَلَطْنَا الْحَرْبَ بِالسّلْمِ فَاسْتَوَتْ فَأَمّ هَوَاهُ آمِنًا كُلّ رَاحِلِ
ثُمّ لَمْ يَنْتَهِ الْجَوْنُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ حَتّى افْتَخَرَ بِقَتْلِ الْوَلِيدِ، وَذَكَرَ أَنّهُمْ أَصَابُوهُ، وَكَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا. فلحق بالوليد وبولده وَقَوْمِهِ مِنْ ذَلِكَ مَا حَذّرَهُ، فَقَالَ الْجَوْنُ بن أبى الجون:
أَلَا زَعَمَ الْمُغِيرَةُ أَنّ كَعْبًا بِمَكّةَ مِنْهُمْ قَدْرٌ كَثِيرُ
فَلَا تَفْخَرْ مُغِيرَةُ أَنْ تَرَاهَا بِهَا يَمْشِي الْمُعَلْهَجُ وَالْمَهِيرُ
بِهَا آبَاؤُنَا، وَبِهَا وُلِدْنَا كَمَا أَرْسَى بِمَثْبَتِهِ ثَبِيرُ
وَمَا قَالَ المغيرة ذلك إلّا لِيَعْلَمَ شَأْنَنَا أَوْ يَسْتَثِيرُ
فَإِنّ دَمَ الْوَلِيدِ يُطَلّ إنّا نَطُلّ دِمَاءً أَنْتَ بِهَا خبير
كساه الفاتك المميمون سمهما زعافا وهو ممتلىء بَهِيرُ
فَخَرّ بِبَطْنِ مَكّةَ مُسْلَحِبّا كَأَنّهُ عِنْدَ وَجْبَتِهِ بَعِيرُ
سَيَكْفِينِي مِطَالَ أَبِي هِشَامٍ صِغَارٌ جَعْدَةُ الْأَوْبَارِ خُورُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْنَا منها بيتا واحدا أقذع فيه
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٠ ]
[ثورة لمقتل أبى أزيهر]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ عَدَا هِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى أَبِي أُزَيْهِرٍ، وَهُوَ بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ، وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ بنت أُزَيْهِرٍ، وَكَانَ أَبُو أُزَيْهِرٍ رَجُلًا شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ- فَقَتَلَهُ بِعُقْرِ الْوَلِيدِ الّذِي كَانَ عِنْدَهُ، لِوَصِيّةِ أَبِيهِ إيّاهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ رَسُولُ اللهِﷺ- إلى الْمَدِينَةِ وَمَضَى بَدْرٌ، وَأُصِيبَ بَهْ مَنْ أُصِيبَ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ؛ فَخَرَجَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَجَمَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وأبو سفيان بذى المجاز، فقال الناس:
أخفر أَبُو سُفْيَانَ فِي صِهْرِهِ، فَهُوَ ثَائِرٌ بِهِ، فَلَمّا سَمِعَ أَبُو سُفْيَانَ بِاَلّذِي صَنَعَ ابْنُهُ يَزِيدُ- وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ رَجُلًا حَلِيمًا مُنْكَرًا، يُحِبّ قَوْمَهُ حُبّا شَدِيدًا- انْحَطّ سَرِيعًا إلَى مَكّةَ، وَخَشِيَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ قُرَيْشٍ حَدَثٌ فِي أَبِي أُزَيْهِرٍ، فَأَتَى ابْنَهُ وَهُوَ فِي الْحَدِيدِ، فِي قَوْمِهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَالْمُطَيّبِينَ، فَأَخَذَ الرّمْحَ مِنْ يَدِهِ، ثُمّ ضَرَبَ بِهِ عَلَى رَأْسِهِ ضَرْبَةً هَدّهُ مِنْهَا، ثُمّ قَالَ لَهُ؛ قَبّحَك اللهُ! أَتُرِيدُ أَنْ تَضْرِبَ قُرَيْشًا بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ فِي رَجُلٍ مِنْ دَوْسٍ. سَنُؤْتِيهِمْ الْعَقْلَ إنْ قَبِلُوهُ، وَأَطْفَأَ ذَلِك الْأَمْرَ.
فَانْبَعَثَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُحَرّضُ فِي دَمِ أَبِي أُزَيْهِرٍ، وَيُعَيّرُ أَبَا سُفْيَانَ خُفْرَتَهُ وَيُجْبِنُهُ، فقال:
غَدَا أَهْلُ ضَوْجَيْ ذِي الْمَجَازِ كِلَيْهِمَا وَجَارَ ابن حرب بالغمّس مَا يَغْدُو
وَلَمْ يَمْنَعْ الْعَيْرُ الضّرُوطُ ذِمَارَهُ وَمَا مَنَعَتْ مَخْزَاةَ وَالِدِهَا هِنْدُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١١ ]
كَسَاكَ هِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ ثِيَابَهُ فَأَبْلِ وَأَخْلِفْ مِثْلَهَا جُدُدًا بَعْدُ
قَضَى وَطَرًا مِنْهُ فَأَصْبَحَ مَاجِدًا وَأَصْبَحْتَ رَخْوًا مَا تُخِبّ وَمَا تَعْدُو
فَلَوْ أَنّ أَشْيَاخًا بِبَدْرٍ تَشَاهَدُوا لَبَلّ نِعَالَ الْقَوْمِ مُعْتَبِطٌ وَرْدُ
فَلَمّا بَلَغَ أَبَا سُفْيَانَ قَوْلُ حَسّانَ قَالَ: يُرِيدُ حَسّانُ أَنْ يَضْرِبَ بَعْضَنَا بِبَعْضِ فِي رَجُلٍ مِنْ دَوْسٍ! بِئْسَ والله ما ظنّ!
[آية الربا من البقرة]
وَلَمّا أَسْلَمَ أَهْلُ الطّائِفِ كَلّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَالِدَ بن الوليد فِي رِبَا الْوَلِيدِ، الّذِي كَانَ فِي ثَقِيفٍ، لِمَا كَانَ أَبُوهُ أَوْصَاهُ بِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ مِنْ تَحْرِيمِ مَا بَقِيَ مِنْ الرّبَا بِأَيْدِي النّاسِ نَزَلْنَ فِي ذَلِكَ مِنْ طلب خالد الرّبا: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ، وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) البقرة: ٢٧٨ إلى آخر القصة فيها.
[الهمّ بأخذ ثأر أبى أزيهر]
وَلَمْ يَكُنْ فِي أَبِي أُزَيْهِرٍ ثَأْرٌ نَعْلَمُهُ، حَتّى حَجَزَ الْإِسْلَامُ بَيْنَ النّاسِ، إلّا أَنّ ضِرَارَ بْنَ الْخَطّابِ بْنِ مِرْدَاسٍ الْفِهْرِيّ خَرَجَ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى أَرْضِ دَوْسٍ، فَنَزَلُوا عَلَى امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا أُمّ غَيْلَانَ، مَوْلَاةٌ لِدَوْسٍ، وَكَانَتْ تَمْشُطُ النّسَاءَ، وَتُجَهّزُ الْعَرَائِسَ، فَأَرَادَتْ دَوْسٌ قَتْلَهُمْ بِأَبِي أُزَيْهِرٍ، فَقَامَتْ دُونَهُمْ أُمّ غَيْلَانَ وَنِسْوَةٌ مَعَهَا، حَتّى مَنَعَتْهُمْ، فَقَالَ ضرار بن الخطاب فى ذلك:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٢ ]
جَزَى اللهُ عَنّا أُمّ غَيْلَانَ صَالِحًا وَنِسْوَتَهَا إذْ هُنّ شُعْثٌ عَوَاطِلُ
فَهُنّ دَفَعْنَ الْمَوْتَ بَعْدَ اقْتِرَابِهِ وَقَدْ بَرَزَتْ لِلثّائِرِينَ الْمَقَاتِلُ
دَعَتْ دَعْوَةً دَوْسًا فَسَالَتْ شِعَابُهَا بعزّ وأدّتها الشّرَاج الْقَوَابِل
وَعَمْرًا جًزًاهُ اللهُ خَيْرًا فَمَا وَنَى وَمَا بَردَتْ مِنْهُ لَدَيّ الْمَفَاصِل
فَجَرّدْتُ سَيْفِي ثُمّ قُمْتُ بِنَصْلِهِ وَعَنْ أَيّ نَفْس بَعْدَ نفسى أقاتل
[عمل أم غيلان]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنّ الّتِي قَامَتْ دُونَ ضِرَارٍ أُمّ جَمِيلٍ، وَيُقَال: أُمّ غَيْلَانَ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أُمّ غيلان قامت مع أمّ حميل فيمن قام دونه.
فَلَمّا قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ أَتَتْهُ أُمّ جَمِيلٍ، وَهِيَ تُرَى أَنّهُ أَخُوهُ: فَلَمّا انْتَسَبَتْ لَهُ عَرَفَ الْقِصّةَ، فَقَالَ: إنّي لَسْتُ بِأَخِيهِ إلّا فِي الْإِسْلَامِ، وَهُوَ غَازٍ، وَقَدْ عَرَفْتُ مِنّتَك عَلَيْه، فَأَعْطَاهَا عَلَى أَنّهَا ابْنَةُ سَبِيلٍ.
قَالَ الرّاوِي: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ ضِرَارٌ لَحِقَ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَجَعَلَ يضر به بعرض الرمح، ويقول: انج يابن الْخَطّابِ لَا أَقْتُلُك، فَكَانَ عُمَرُ يَعْرِفُهَا لَهُ بعد إسلامه.
[من المؤذين لرسول الله]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ النّفَرُ الّذِينَ يُؤْذُونَ رسول الله ﷺ في بيته أَبَا لَهَبٍ، وَالْحَكَمَ بْنَ الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ، وعقبة بن أبى معيط، وعدىّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٣ ]
ابن حَمْرَاءَ الثّقَفِيّ، وَابْنَ الْأَصْدَاءِ الْهُذَلِيّ، وَكَانُوا جِيرَانَهُ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلّا الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ- فِيمَا ذُكِرَ لِي- يَطْرَحُ عَلَيْهِ ﷺ رَحِمَ الشّاةِ وَهُوَ يُصَلّي، وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَطْرَحُهَا فِي بُرْمَتِهِ إذَا نُصِبَتْ لَهُ. حَتّى اتّخَذَ رَسُولُ اللهِﷺ- حِجْرًا يَسْتَتِرُ بِهِ مِنْهُمْ إذَا صَلّى، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا طَرَحُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ الْأَذَى، كَمَا حَدّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الله بن عروة ابن الزّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، يَخْرُجُ بِهِ رسول الله ﷺ على الْعُودِ، فَيَقِفُ بِهِ عَلَى بَابِهِ، ثُمّ يَقُولُ: يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَيّ جِوَارٍ هَذَا! ثم يلقيه فى الطريق.
[ما عاناه الرسول ﷺ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ وَخَدِيجَةَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَأَبَا طَالِبٍ هَلَكَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، فَتَتَابَعَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَصَائِبُ بِهُلْكِ خَدِيجَةَ، وَكَانَتْ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ عَلَى الْإِسْلَامِ، يَشْكُو إلَيْهَا، وَبِهُلْكِ عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ لَهُ عَضُدًا وَحِرْزًا فِي أَمْرِهِ، وَمَنَعَةً وَنَاصِرًا عَلَى قَوْمِهِ، وَذَلِكَ قَبْلَ مُهَاجَرِهِ إلَى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ. فَلَمّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ، نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْأَذَى مَا لَمْ تَكُنْ تَطْمَعُ بِهِ فِي حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ، حَتّى اعْتَرَضَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ، فَنَثَرَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَ:
لَمّا نَثَرَ ذَلِك السّفِيهُ عَلَى رَأْسَ رَسُولِ اللهِﷺ- ذلك التراب
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٤ ]
دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْتَهُ وَالتّرَابُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَامَتْ إلَيْهِ إحْدَى بَنَاتِهِ، فَجَعَلَتْ تَغْسِلُ عَنْهُ التّرَابَ وَهِيَ تَبْكِي، ورسول الله صلى عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ لَهَا: لَا تَبْكِي يَا بُنَيّةِ، فَإِنّ اللهَ مَانِعٌ أَبَاك. قَالَ: وَيَقُولُ بَيْنَ ذَلِكَ:
مَا نَالَتْ مِنّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أكرهه، حتى مات أبو طالب.
[ما حدث بين النبى ﷺ وبين أبى طالب والمشركين]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا اشْتَكَى أَبُو طَالِبٍ، وَبَلَغَ قُرَيْشًا ثِقَلُهُ، قَالَتْ قُرَيْشٌ بَعْضُهَا لِبَعْضِ: إنّ حَمْزَةَ وَعُمَرَ، قَدْ أَسْلَمَا وَقَدْ فَشَا أَمْرُ مُحَمّدٍ فِي قَبَائِلِ قُرَيْشٍ كُلّهَا، فَانْطَلِقُوا بِنَا إلَى أَبِي طَالِبٍ، فَلْيَأْخُذْ لَنَا عَلَى ابْنِ أَخِيهِ، وَلْيُعْطِهِ مِنّا، وَاَللهِ مَا نَأْمَنُ أَنْ يَبْتَزّونَا أَمْرَنَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: مَشَوْا إلَى أَبِي طَالِبٍ فَكَلّمُوهُ، وَهُمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِ: عتبة ابن رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فِي رِجَالٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ، إنّك مِنّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ، وَقَدْ حَضَرَك مَا تَرَى، وَتَخَوّفْنَا عَلَيْك، وَقَدْ عَلِمْتَ الّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَ ابْنِ أَخِيك، فادعُه، فَخُذْ لَهُ مِنّا، وَخُذْ لَنَا مِنْهُ، لِيَكُفّ عَنّا، وَنَكُفّ عَنْهُ، وَلِيَدَعَنَا وَدِينَنَا، وَنَدَعَهُ وَدِينَهُ، فبعث إليه أبو طالب، فجاءه فقال: يابن أَخِي: هَؤُلَاءِ أَشْرَافُ قَوْمِك، قَدْ اجْتَمَعُوا لَك، ليعطوك،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٥ ]
وَلِيَأْخُذُوا مِنْك. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: نَعَمْ، كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تُعْطُونِيهَا تَمْلِكُونَ بِهَا الْعَرَبَ، وَتَدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: نَعَمْ وَأَبِيك، وَعَشْرَ كَلِمَاتٍ، قَالَ: تَقُولُونَ: لَا إلَهَ إلّا اللهُ، وَتَخْلَعُونَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ. قَالَ: فَصَفّقُوا بِأَيْدِيهِمْ، ثُمّ قَالُوا: أَتُرِيدُ يَا مُحَمّدُ أَنْ تَجْعَلَ الْآلِهَةَ إلَهًا وَاحِدًا، إنّ أَمْرَك لَعَجَبٌ: ثُمّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ:
إنّهُ وَاَللهِ مَا هَذَا الرّجُلُ بِمُعْطِيكُمْ شَيْئًا مِمّا تُرِيدُونَ فَانْطَلِقُوا، وَامْضُوا عَلَى دِينِ آبَائِكُمْ، حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بينكم وبينه. قال: ثم تفرّقوا.
[الرسول يرجو أن يسلم أبو طالب]
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: وَاَللهِ يَا ابْنَ أَخِي، مَا رأيتك سألتهم شططا؛ فَلَمّا قَالَهَا أَبُو طَالِبٍ طَمِعَ رَسُولُ اللهِﷺ- فِي إسْلَامِهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: أَيْ عَمّ، فَأَنْتَ فَقُلْهَا، أَسْتَحِلّ لَك بِهَا الشّفَاعَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ: فَلَمّا رَأَى حِرْصَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قال:
يابن أَخِي، وَاَللهِ لَوْلَا مَخَافَةُ السّبّةِ عَلَيْك، وَعَلَى بَنِي أَبِيك مِنْ بَعْدِي، وَأَنْ تَظُنّ قُرَيْشٌ إنى قلتها جزعا من الموت لقتلها، لَا أَقُولُهَا إلّا لِأَسُرّك بِهَا. قَالَ:
فَلَمّا تَقَارَبَ مِنْ أَبِي طَالِبٍ الْمَوْتُ، قَالَ: نَظَرَ الْعَبّاسُ إلَيْهِ يُحَرّكُ شَفَتَيْهِ، قَالَ:
فَأَصْغَى إلَيْهِ بأذنه، قال: فقال يابن أَخِي، وَاَللهِ لَقَدْ قَالَ أَخِي الْكَلِمَةَ الّتِي أَمَرْته أَنْ يَقُولَهَا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَمْ أَسْمَع.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٦ ]
[مَا نَزَلَ فِيمَنْ طَلَبُوا الْعَهْدَ عَلَى الرّسُولِ عند أبى طالب]
قَالَ: وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي الرّهْطِ الّذِينَ كَانُوا اجْتَمَعُوا إلَيْهِ، وَقَالَ لهم ما قال، وردّوا عليه ما وردّوا: «ص. وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ) إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجابٌ. وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ. إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرادُ. مَا سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ) يَعْنُونَ النّصَارَى، لِقَوْلِهِمْ: (إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ) - (إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ) ثُمّ هَلَكَ أَبُو طالب.
ــ
عَنْ الْمُسْتَهْزِئِينَ وَمِلْكَانَ فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الّذِينَ أَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الحجر: ٩٥ وذكر فيهم الحارث بن الطّلاطلة «١»، والطّلاطلة: أمّه، قاله أَبُو الْوَلِيدِ الْوَقَشِيّ، وَالطّلَاطِلَةُ فِي اللّغَةِ: الدّاهِيَةُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: كُلّ دَاءٍ عُضَالٍ فَهُوَ: طُلَاطِلَةٌ، وَذُكِرَ فِي نَسَبِهِ عَبْدُ عَمْرٍو بْنُ مِلْكَانَ بِالضّبْطَيْنِ جَمِيعًا، وَفِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الشّيْخِ الْحَافِظِ أَبِي بَحْرٍ، قَالَ: قَدْ تَقَدّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ النّحْوِيّ أَنّ النّاسَ لَيْسَ فيهم ملكان بفتح الميم واللام إلّا مَلَكَانُ بْنُ جَرْمِ بْنِ زَبّانَ بْنِ حُلْوَانِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافّ بْنِ قُضَاعَةَ، وَمَلَكَانُ بن عباد بن عياض ابن عُقْبَةَ بْنِ السّكُونِ بْنِ أَشْرَسَ، وَإِخْوَةُ عَدِيّ هم: تجيب عرفوا بأمهم
_________________
(١) هو فى تفسير ابن كثير: ابن غيطلة، وغيطلة أمه
[ ٤ / ١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تُجِيبَ بِنْتِ دُهْمِ بْنِ ثَوْبَانَ، وَهُمْ مِنْ كِنْدَةَ، وَكُلّ مَنْ فِي النّاسِ وَغَيْرِهِمَا مِلْكَانُ مَكْسُورُ الْمِيمِ سَاكِنُ اللّامِ، وَقَالَ مَشَايِخُ خُزَاعَةَ: فِي خُزَاعَةَ مَلَكَانُ «١» بِفَتْحِ الْمِيمِ، قَالَ الْقَاضِي: يَعْنِي ابْنَ حَبِيبٍ: مَلَكَانُ بْنُ أَفْصَى بْنِ حارثة بن ثعلبة ابن عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ حَبِيبٍ كَاَلّذِي يَخْرُجُ مِنْ عِبَارَتِهِ: أَنّ الّذِي فِي خُزَاعَةَ إنّمَا هُوَ مِلْكَانُ بْنُ أَفْصَى مِثْلُ مِلْكَانَ بْنِ عَدِيّ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ مِنْ الرّبَابِ الّذِينَ مِنْهُمْ ذُو الرّمّةِ الشّاعِرُ، وَمِثْلُ مِلْكَانَ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ مِنْ الرّبَابِ أَيْضًا رَهْطُ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّورى. وَذَكَرَ فِي الْمُسْتَهْزِئِينَ الْأَسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ الزّهْرِيّ رَوَى أَنّهُ لَمّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ نَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ فَحَنَا ظَهْرَ الْأَسْوَدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: خَالِي خَالِي «٢»، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: خَلّ عَنْك، ثم حناه حتى قتله، ذكره الدّارقطنى:
_________________
(١) ضبط أبو على القالى نقلا عن ابن الأنبارى ملكان بن حزم بن زبان بفتح الميم وسكون اللام فى ص ١٩٠ ح ٢ وفى ص ٢٠٩ ح ٣ قال: كل ما فى العرب: ملكان «بكسر الميم مع سكون اللام، إلا ملكان «بفتح الميم وسكون اللام» بن جرم بن ربان بالجيم والراء فى جرم وبالراء فى ربان. وقال البكرى فى التنبيه على أوهام القالى فى أماليه: «الذى فى جرم بن ربان هو: ملكان بفتح اللام والميم، وليس هو بإسكان اللام كما أورده، وكذلك ملكان بن عباد ابن عياض بن عقبة بن السكون، وهذا باب واسع، والذى ذكر منه أبو على برض «قليل» من عد، وغيض من فيض» ص ١١٦ التنبيه ط ٢
(٢) هو ابن خال النبى ﷺ لا خاله، وقد اضطربت الروايات فى مصيره، وحداهن ما ذكر ابن إسحاق فى السيرة، والثانية هذه التى نقلها السهيلى عن الدارقطنى، وهى عند ابن أبى حاتم والبلاذرى عن عكرمة، وأنه حنا ظهره حتى احقوقف صدره، أى انحنى، وأخرى أنه خرج من عند أهله حتى فأصابته-
[ ٤ / ١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَدِيثُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ وَفَاةَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَقَوْلَهُ لِبَنِيهِ: وَعُقْرِى عِنْدَ أَبِي أُزَيْهِرٍ الدّوْسِيّ لَا تَدَعُوهُ «١» الْعُقْرُ: دِيَةُ الْفَرْجِ الْمَغْصُوبِ، وَأَصْلُهُ فِي الْبِكْرِ مِنْ أَجْلِ التّدْمِيَةِ، وَمِنْهُ عَقَرَ السّرْجُ الْفَرَسَ: إذَا أَدْمَاهُ، وَبَيْضَةُ الْعُقْرِ مِنْهُ؛ لِأَنّهُمْ كَانُوا يَقِيسُونَ الْبِكْرَ بِالْبَيْضَةِ «٢»، لِيَعْرِفُوا بُكُورَتَهَا، وَقِيلَ:
عُقْرٌ بِضَمّ الْعَيْنِ، لِأَنّهُ بِمَعْنَى بُضْعٍ.
عَنْ مَقْتَلِ أَبِي أُزَيْهِرٍ وَمَوْقِفِ دَوْسٍ:
وَذَكَرَ قَتْلَ هِشَامِ بْنِ الْوَلِيدِ لِأَبِي أُزَيْهِرٍ وَخَبَرَ أُمّ غَيْلَانَ مَعَ ضِرَارٍ حِينَ أَجَارَتْهُ، وَمِنْ تَمَامِ الْخَبَرِ: أَنّ دَوْسًا لَمّا بَلَغَهَا مَقْتَلُ أَبِي أُزَيْهِرٍ الدّوْسِيّ، وَثَبَتْ عَلَى رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا عِنْدَهُمْ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ بُجَيْرَ بْنَ الْعَوّامِ أَخَا الزّبَيْرِ، وَأَرَادُوا قَتْلَ ضِرَارِ بْنِ الْخَطّابِ، فَأَجَارَتْهُ أُمّ غَيْلَانَ وَابْنُهَا عَوْفٌ، قَالَ ضِرَارٌ:
لَقَدْ أَدْخَلَتْنِي بَيْنَ دِرْعِهَا وَبَدَنِهَا، حَتّى إنّي لَأَجِدُ تَسْبِيدَ رُكَبِهَا، وَالتّسْبِيدُ:
مَوْضِعُ الحلْق مِنْ الشّعْرِ، وَكَانَ الّذِي قَتَلَ بُجَيْرًا صَبِيحُ بْنُ سَعْدٍ أَوْ مَلِيحُ ابن سَعْدٍ جَدّ أَبِي هُرَيْرَةَ لِأُمّهِ؛ لِأَنّ أُمّهُ أميمة بنت مليح أو صبيح.
_________________
(١) - السموم، حتى صار حبشيا، فلم يعرفه أهله، فصار يطوف بشعاب مكة، حتى مات عطشا، وأخرى أنه عطش، فشرب حتى انشق بطنه، وأخرى. وأخرى. فهل يسكن قلب إلى مثل هذه المضطربات؟
(٢) الذى فى السيرة: فلا يفوتنكم.
(٣) فى القاموس عن العقر أنه استبراء المرأة، لينظر أبكر هى أم غير بكر.
[ ٤ / ١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن أطرقا ومن أحكامه أن:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ شِعْرَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَفِيهِ:
وَأَنْ تَتْرُكُوا مَاءً بِجِزْعَةِ أَطْرِقَا
وَالْجِزْعَةُ وَالْجَزْعُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَهُوَ مُعْظَمُ الْوَادِي، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيّ:
هُوَ مَا انْثَنَى؟؟؟ مِنْهُ، وَأَطْرِقَا اسْمُ عَلَمٍ لِمَوْضِعِ سُمّيَ بِفِعْلِ الْأَمْرِ لِلِاثْنَيْنِ، فَهُوَ مَحْكِيّ لَا يُعْرَبُ، وَقِيلَ: إنّ أَصْلَ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ أَنّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مَرّوا بِهَا خَائِفِينَ، فَسَمِعَ أَحَدُهُمْ صَوْتًا، فَقَالَ لِصَاحِبَيْهِ: أَطْرِقَا، أَيْ: أَنْصِتَا، حَتّى نَرَى مَا هَذَا الصّوْتُ، فَسُمّيَ الْمَكَانُ بِأَطْرِقَا «١»، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ شِعْرَ الْجَوْنِ بْنِ أَبِي الْجَوْنِ، وَفِيهِ:
أَلَمْ تُقْسِمُوا تُؤْتُوا الْوَلِيدَ ظُلَامَةً
أَرَادَ: أن تؤتوا، ومعناه: أن لا توتوا كَمَا جَاءَ فِي التّنْزِيلِ: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) النّسَاءَ: ١٧٦ فِي قَوْلِ طَائِفَةٍ، وَمَعْنَاهُ عِنْدِي: كَرِهَ لَكُمْ أَنْ تَضِلّوا «٢»، وَقَدْ قَدّمْنَا فى الجزء قبل هذا كلام على أن، ومقتضاها وشيئا من
_________________
(١) هو كما ذكر فى مراصد الاطلاع، وفيه أن أطرقا موضع بنواحى مكة من منازل خزاعة وهذيل.
(٢) يقول البيضاوى فى تفسير الآية: «أى يبين الله لكم ضلالكم الذى من شأنكم إذا خليتم وطباعكم لتحترزوا عنه، وتتحروا خلافه، أو يبين لكم الحق والصواب كراهة أن تضلوا، وقيل: لئلا تضلوا، فحذف لا، وهو قول الكوفيين»
[ ٤ / ٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَسْرَارِهَا فِيهِ غُنْيَةٌ، وَإِذَا كَانَ الْكَلَامُ مَحْمُولًا على معناها فَالنّصْبُ جَائِزٌ، وَالرّفْعُ جَائِزٌ أَيْضًا، كَمَا أَنْشَدُوا:
أَلَا أَيّهَذَا الزّاجِرِي أَحْضُرَ الْوَغَى «١»
بِنَصْبِ: أحضُرَ وَرَفْعِهِ، وَأَنْشَدَ سِيبَوْيه:
وَنَهْنَهَتْ نَفْسِي بَعْدَمَا كِدْت أَفْعَلَهُ «٢»
يُرِيدُ: أَنْ أفعلَه، وَإِذَا رَفَعْت فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَمْ يُذْهِبْ الرّفْعُ مَعْنَى أَنْ فقد
_________________
(١) البيت من معلقة طرفة بن العبد البكرى، وبقيته: وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدى وبعده: فإن كنت لا تسطيع دفع منيتى فذرنى أبادرها بما ملكت يدى والبيت من شواهد سيبويه فى الكتاب ص ٤٥٢ ج ١، ويستدل به الكوفيون على أن أن الناصبة تعمل فى غير المواضع المعدودة، ودليلهم: أن الشاعر عطف عليه قوله: وأن أشهد. ومنع البصريون ذلك بأن عوامل الأفعال ضعيفة لا تعمل مع الحذف، وإذا حذفت ارتفع الفعل. وقالوا: إن رواية البيت عندهم إنما هى بالرفع. انظر ص ٨٣ ج ١ خزانة الأدب ص ٣٣٨ شرح شواهد ابن عقيل للشيخ عبد المنعم الجرجاوى ط ١٩١٤، ص ٤٥٢ ج ١ الكتاب لسيبويه
(٢) هو من شواهد سيبويه. وقد نسبه إلى عامر بن جوين الطائى، وأوله: فلم ار مثلها خباسة واحد وقد عقب عليه سيبويه بقوله: «حمله على أن؛ لأن الشعر قد يستعملون أن ههنا مضطرين كثيرا» ص ١٥٥ ج ١ الكتاب لسيبويه، وقال عنه اللسان: هو لعمرو بن جوين، أو امرىء القيس، وفيه: واجد بدلا من: واحد ونقل عن سيبويه ما قاله. والخباسة: المغنم.
[ ٤ / ٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَكَى سِيبَوَيْهِ: مُرْهُ يَحْفِرُهَا «١»، وَقَدّرَهُ تَقْدِيرَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ الْحَالَ أَيْ:
مُرْهُ حَافِرًا لَهَا، وَالثّانِي: أَنْ يُرِيدَ: مُرْهُ أَنْ يَحْفِرَهَا، وَارْتَفَعَ الْفِعْلُ لَمّا ذَهَبَتْ أَنْ مِنْ اللّفْظِ، وَبَيّنَ اين جِنّيّ الْفَرْقَ بَيْنَ التّقْدِيرَيْنِ، وَقَالَ: إذَا نَوَيْت أَنْ فَالْفِعْلُ مُسْتَقْبَلٌ، وَإِذَا لَمْ تَنْوِهَا فَالْفِعْلُ حاضر، وههنا مَسْأَلَةٌ مِنْ الْعَرَبِ ذَكَرَهَا الطّبَرِيّ، قَالَ: الْعَرَبُ تَقُولُ لِمَنْ تَوَجّهَ فِي أَمْرٍ: تَصْنَعُ مَاذَا وَتَفْعَلُ؟ مَاذَا عَلَى تَقْدِيرِ: تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ مَاذَا، فَإِذَا قَالُوا: تُرِيدُ مَاذَا لَمْ يَكُنْ إلّا رَفْعًا، لِأَنّ الْمَعْنَى الّذِي يَجْلِبُ مَعْنَى أَنْ النّاصِبَةِ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: تُرِيدُ؛ إذْ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ تَقُولَ: تُرِيدُ أَنْ تُرِيدَ مَاذَا، يَعْنِي: أَنّ الْإِرَادَةَ لَا تُرَادُ.
شِعْرُ الْجَوْنِ:
وَذَكَرَ شِعْرَ الْجَوْنِ أَيْضًا، وَفِيهِ:
بِهَا يمشى المعلهج والمهير
المهير: ابن للهورة الْحُرّةِ وَالْمُعَلْهَجُ: الْمُتَرَدّدُ فِي الْإِمَاءِ «٢» كَأَنّهُ مَنْحُوتٌ من
_________________
(١) ورد قوله هذا فى ص ٤٥١ وما بعدها ج ١ الكتاب لسيبويه، وهو من شواهده المذكورة تحت باب: «هذا باب من الجزاء ينجزم فيه الفعل إذا كان جوابا لأمر أو نهى أو استفهام أو تمن أو عرض»
(٢) فى شرح السيرة لأبى ذر الخشنى: «المهير: الصحيح النسب، يريد أن أمه حرة بمهر، والمعلهج: المطعون عليه فى فيه، وهو الأحمق أيضا، وفى اللسان: المعلهج أن يؤخذ الجلد فيقدم إلى النار حتى يلين، فيمضغ، ويبلع، وكان ذلك من مأكل القوم فى المجاعات.. والمعلهج: الذى ولدهن جنسين مختلفين، والذى ليس بخالص النسب.
[ ٤ / ٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَصْلَيْنِ: مِنْ الْعِلْجِ لِأَنّ الْأَمَةَ: عِلْجَةٌ، وَمِنْ اللهج «١»، كأن واطىء الْأَمَةِ قَدْ لَهِجَ بِهَا، فَنَحَتَ لَفْظَ الْمُعَلْهَجِ مِنْ هَذَيْنِ اللّفْظَيْنِ.
وَفِيهِ:
كَمَا أَرْسَى بِمَثْبَتِهِ ثَبِيرُ
كَذَا صَحّتْ الرّوَايَةُ فِي أَرْسَى بِالتّخْفِيفِ وَهُوَ زِحَافٌ دَاخِلٌ عَلَى زِحَافٍ؛ لِأَنّ تَسْكِينَ اللّامِ مِنْ مُفَاعَلَتَنْ فِي الْوَافِرِ زِحَافٌ، وَلَكِنّهُ حَسَنٌ كَثِيرٌ، فَلَمّا كَثُرَ شَبّهَهُ هَذَا الشّاعِرُ بِمَفَاعِيلَ؛ لِأَنّهُ عَلَى وَزْنِهِ، وَمَفَاعِيلُنْ يَحْسُنُ حَذْفُ الْيَاءِ مِنْهَا فِي الطّوِيلِ، فَيَصِيرُ فَعُولُنْ مَفَاعِلُنْ فَلِذَلِكَ أَدْخَلَ هَذَا الشّاعِرُ الزّحَافَ عَلَى مُفَاعَلْتُنْ لأنه بعد السكون فى وزن مفاعلين الّتِي تُحْذَفُ يَاؤُهَا حَذْفًا مُسْتَحْسَنًا، فَتَدَبّرْهُ، فَإِنّهُ مَلِيحٌ فِي عِلْمِ الْعَرُوضِ «٢» .
مِنْ أَسْوَاقِ الْعَرَبِ:
فصل: وأنشد لحسّان بن ثابت:
_________________
(١) من معانى العلج: الرجل من كفار العجم. واللهج: الولوع بالشىء. ولهج به إذا أغرى به، فثابر عليه، ومن معانى القصيدة كما ذكر الخشنى. أرسى: استقر وثبت، والزعاف: الذى فيه السم، والبهير من البهر وهو انقطاع النفس، والمسلحب: الممد؟؟؟ وبالهاء المهملة ذكره صاحب كتاب العين لا غير. وعند وجبه: أى سقطته والخور: العزيزات اللبن
(٢) سبق الكلام عن هذه المصطلحات.
[ ٤ / ٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غَدَا أَهْلُ ضَوْجَيْ ذِي الْمَجَازِ بِسُحْرَةِ «١»
ضَوْجُ الْوَادِي: جَانِبُهُ، وَذُو الْمَجَازِ: سُوقٌ عِنْدَ عَرَفَةَ كَانَتْ الْعَرَبُ إذَا حَجّتْ أَقَامَتْ بِسُوقِ عُكَاظٍ شَهْرَ شَوّالٍ، ثُمّ تَنْتَقِلُ إلَى سُوقِ مِجَنّةَ «٢» فَتُقِيمُ فِيهِ عِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، ثُمّ تَنْتَقِلُ إلَى سُوقِ ذِي الْمَجَازِ «٣» فَتُقِيمُ فِيهِ إلَى أَيّامِ الْحَجّ، وَكَانُوا يَتَفَاخَرُونَ فِي سُوقِ عُكَاظٍ شَهْرَ شَوّالٍ إذَا اجْتَمَعُوا، وَيُقَالُ: عَكَظَ الرّجُلُ صَاحِبَهُ إذَا فَاخَرَهُ وَغَلَبَهُ بِالْمُفَاخَرَةِ، فسميت عكاظ لذلك «٤» .
_________________
(١) السحرة: السحر الأعلى. والبيت فى النسخ التى بين يدى، وفى شرح السيرة للخشنى: غدا أهل ضوجى ذى المجاز كليهما.
(٢) فى المراصد عن مجنة: اسم سوق للعرب كانت فى الجاهلية، قيل: بمر الظهران. قرب جبل يقال له: الأصفر كانت به تقوم العشر الأواخر من ذى القعدة، وقبلها من أوله عكاظ، وقيل مجنة: بلد على أميال من مكة، وقيل: جبيل بجنب طفيل، وهو لبنى الديل. ويقول ياقوت فى معجمه: وإياه أراد بلال حين كان يتمثل: ألا ليت شعرى هل أبين ليلة بواد، وَحَوْلِي إذْخِرٌ وَجَلِيلُ وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مجنة وهل يبدون لى شامة وطفيل
(٣) ذو المجاز: موضع سوق بعرفه على ناحية كبكب عن يمين الإمام على فرسخ. كانت به تقوم فى الجاهلية ثمانية أيام، وقيل: هو ماء من أصل كبكب لهذيل خلف عرفة. وكبكب جبل خلف عرفات مشرف عليه، قيل هو الجبل الأحمر الذى يجعله الواقف بعرفة فى ظهره.
(٤) فى القاموس. عكظه يعكظه: حبسه وعركه، وتهره ورد عليه فخره، وكغراب: سوق بصحراء بين نخلة والطائف، كانت تقوم هلال ذى القعدة، وتستمر عشرين يوما. وتجتمع قبائل العرب، فيتعاكظون، أى يتفاخرون ويتناشدون.
[ ٤ / ٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ:
لَبَلّ نِعَالَ الْقَوْمِ مُعْتَبِطٌ وَرْدُ
يَعْنِي: الدّمَ الْعَبِيطَ «١» .
مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي الرّبَا فَصْلٌ: وَذَكَرَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي الرّبَا الْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَدْ قَدّمْنَا فِي حَدِيثِ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا تُنْفِقُوا فِيهَا رِبَا وَلَا مَهْرَ بَغِيّ، وَأَنّ فِي ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى قِدَمِ تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِمْ فِي شرع إبْرَاهِيمَ ﵇، أَوْ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ «٢» وَذَلِكَ أَنّهُ مِنْ أَقْبَحِ الْأَعْمَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ هَدْمِ جَانِبِ الْمُرُوءَةِ، وَإِيثَارِ الْحِرْصِ مَعَ بُعْدِ الْأَمَلِ، وَنِسْيَانِ بَغْتَةِ الْأَجَلِ، وَتَرْكِ التّوْسِعَةِ وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ، وَمَنْ تَأَمّلَ أَبْوَابَ الرّبَا لَاحَ لَهُ شَرّ التّحْرِيمِ مِنْ جِهَةِ الْجَشَعِ الْمَانِعِ مِنْ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَالذّرِيعَةِ إلَى تَرْكِ الْقَرْضِ، وَمَا فِيهِ، وَفِي التّوْسِعَةِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَلِذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَهُ: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ «٣» الْبَقَرَةَ: ٢٧٩. غَضَبًا مِنْهُ عَلَى أَهْلِهِ، ولهذه النّكتة
_________________
(١) الخالص الطرى.
(٢) ورد فى الإصحاح الثانى والعشرين من سفر الخروج أحد أسفار العهد القديم الذى بيد اليهود والمسيحيين: «إن أقرضت فضة لشعبى الفقير الذى عندك فلا تكون له كالمرابى لا تصنعوا عليه ربا» رقم ٢٦.
(٣) يقول الإمام ابن القيم حول هذه الآية: «لم يجىء هذا الوعيد فى كبيرة سوى الربا، وقطع الطريق، والسعى فى الأرض بالفساد، لأن كل واحد منهما مفسد فى الأرض، قاطع الطريق على الناس. هذا بقهره لهم؛ وتسلطه عليهم، -
[ ٤ / ٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَالَتْ عَائِشَةُ لِأَمّ مَحَبّةَ مَوْلَاةِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: أَبْلِغِي زَيْدًا تَعْنِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنْ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللهِﷺ- حِينَ ذَكَرَتْ لَهَا عَنْهُ مَسْأَلَةً مِنْ الْبُيُوعِ تُشْبِهُ الرّبَا، فَقَالَتْ: أَبْطَلَ جِهَادَهُ، وَلَمْ تَقُلْ صَلَاتَهُ وَلَا صِيَامَهُ، لِأَنّ السّيّئَاتِ لَا تُحْبِطُ الْحَسَنَاتِ، وَلَكِنْ خَصّتْ الْجِهَادَ بِالْإِبْطَالِ، لِأَنّهُ حَرْبٌ لِأَعْدَاءِ اللهِ، وَآكِلُ الرّبَا قَدْ أُذِنَ بِحَرْبِ مِنْ اللهِ، فَهُوَ ضِدّهُ، وَلَا يَجْتَمِعُ الضّدّانِ، وَهَذَا مَعْنَى ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بَطّالٍ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ، وَتِلْكَ الْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي الْمُدَوّنَةِ، لَكِنّ إسْنَادَهَا إلَى عَائِشَةَ ضَعِيفٌ.
وَفَاةُ أَبِي طَالِبٍ وَوَصِيّتُهُ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ وَفَاةَ أَبِي طَالِبٍ إلَى آخِرِ الْقِصّةِ، وَفِيهَا قَالَ الْعَبّاسُ:
وَاَللهِ لَقَدْ قَالَ أَخِي الْكَلِمَةَ الّتِي أَمَرْته بِهَا، فَقَالَ رسول اللهﷺ: لم أسمع.
_________________
(١) - وهذا بامتناعه من تفريج كرباتهم إلا بتحميلهم كربات أشد منها، فأخبر عن قطاع الطريق بأنهم يحاربون الله ورسوله، وآذن هؤلاء إن لم يتركوا الربا بحربه وحرب رسوله» التفسير القيم لا بن القيم ص ١٧٢ ط السنة المحمدية ١٣٦٨، ١٩٤٩. وقد ورد حديث «لعن رَسُولَ اللهِﷺ- أَكَلَ الربا، وموكله وشاهديه، وكاتبه الخ» وقد رواه أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجة. جنبنا الله لعنته. من معانى قصيدة ضرار بن الخطاب: الشعث: المتغيرات الشعور، العواطل: اللائى لا حلى لهن. الشعاب: جمع شعبة، وهو مسيل الماء فى الحرة، والقوابل: التى تقابل بعضها بعضا، الشراج: جمع شرج وهو مسيل الماء من الحرة إلى السهل. الونى: الضعف والفتور، ونصل السيف: حده. «عن شرح السيرة لأبى ذر والقاموس» .
[ ٤ / ٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَالَ الْمُؤَلّفُ: شَهَادَةُ الْعَبّاسِ لِأَبِي طَالِبٍ لَوْ أداها بعد ما أَسْلَمَ، لَكَانَتْ مَقْبُولَةً، وَلَمْ يُرَدّ بِقَوْلِهِ لَمْ أَسْمَعْ، لِأَنّ الشّاهِدَ الْعَدْلَ إذَا قَالَ: سَمِعْت، وَقَالَ مَنْ هُوَ أَعْدَلُ مِنْهُ: لَمْ أَسْمَعْ أُخِذَ بِقَوْلِ مَنْ أَثْبَتَ السّمَاعَ، لِأَنّ عَدَمَ السّمَاعِ يَحْتَمِلُ أَسْبَابًا مَنَعَتْ الشّاهِدَ مِنْ السّمْعِ، وَلَكِنّ الْعَبّاسَ شَهِدَ بِذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ مَعَ أَنّ الصّحِيحَ مِنْ الْأَثَرِ، قَدْ أَثْبَتَ لِأَبِي طَالِبٍ الْوَفَاةَ عَلَى الْكُفْرِ وَالشّرْكِ «١» وَأَثْبَتَ نُزُولَ هَذِهِ الْآيَةِ فِيهِ: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ التّوْبَةَ: ١١٣ وَثَبَتَ فِي الصّحِيحِ أَيْضًا أَنّ الْعَبّاسَ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: إنّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُك وَيَنْصُرُك، وَيَغْضَبُ لَك، فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ وَجَدْته فِي غَمَرَاتٍ مِنْ النّارِ، فَأَخْرَجْته إلَى ضَحْضَاحٍ» وَفِي الصّحِيحِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ، أَنّهُ﵇- قَالَ: لَعَلّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ النّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ» وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ بِالْقُمْقُمِ، وَهِيَ مُشْكِلَةٌ «٢»، وَقَالَ بَعْضُ أهل العلم:
_________________
(١) أخرج الإمام أحمد بسنده عن ابن المسيب عن أبيه قال: «لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبى- ص- وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أمية. فقال: أى عَمّ، قُلْ: لَا إلَهَ إلّا اللهُ كَلِمَةً أحاج لك بها عند الله ﷿. فقال أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ: يا أبا طالب أَتَرْغَبُ عَنْ مِلّةِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ؟ فَقَالَ: أَنَا على ملة عبد المطلب، فقال النبى- ص- لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فنزلت: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ، وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) قال: ونزلت فيه: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وقد أخرجه البخارى ومسلم.
(٢) لأن المرجل: قدر من نحاس، والقمقم أيضا: ما يسخن فيه الماء من تحاس وغيره. ويكون ضيق الرأس، ويقول ابن الأثير فى النهاية تعليقا على هذه-
[ ٤ / ٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْقُمْقُمُ: هُوَ الْبُسْرُ الْأَخْضَرُ يُطْبَخُ فِي الْمِرْجَلِ اسْتِعْجَالًا لِنُضْجِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ أَهْلُ الْحَاجَةِ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ زِيَادَةٌ، وَهِيَ أَنّهُ قَالَ: يَغْلِي مِنْهَا دِمَاغُهُ حَتّى يَسِيلَ عَلَى قَدَمَيْهِ، وَمِنْ بَابِ النّظَرِ فِي حِكْمَةِ اللهِ، وَمُشَاكَلَةِ الْجَزَاءِ لِلْعَمَلِ أَنّ أَبَا طَالِبٍ كان مع رسول الله بجملته متحزّبا لَهُ، إلّا أَنّهُ مُثَبّتٌ لِقَدَمَيْهِ عَلَى مِلّةِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، حَتّى قَالَ عِنْدَ الْمَوْتِ: أَنَا عَلَى مِلّةِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، فَسُلّطَ الْعَذَابُ عَلَى قدميه خاصّة لتثبيته إياها عَلَى مِلّةِ آبَائِهِ، ثَبّتَنَا اللهُ عَلَى الصّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
وَذَكَرَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ التّوْبَةَ: ١٣ وَقَدْ اسْتَغْفَرَ ﵇ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: اللهُمّ اغْفِرْ لِقَوْمِي، فَإِنّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَذَلِكَ حِينَ جَرَحَ الْمُشْرِكُونَ وَجْهَهُ وَقَتَلُوا عَمّهُ. وَكَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَا يَصِحّ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي عَمّهِ نَاسِخَةً لِاسْتِغْفَارِهِ يَوْمَ أُحُدٍ، لِأَنّ وَفَاةَ عَمّهِ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِمَكّةَ، وَلَا يَنْسَخُ الْمُتَقَدّمُ الْمُتَأَخّرَ، وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا السّؤَالِ بِأَجْوِبَةِ: أَنْ قِيلَ: اسْتِغْفَارُهُ لِقَوْمِهِ مَشْرُوطٌ بِتَوْبَتِهِمْ مِنْ الشّرْكِ، كَأَنّهُ أَرَادَ الدّعَاءَ لَهُمْ بِالتّوْبَةِ حَتّى يُغْفَرَ لَهُمْ وَيُقَوّي هَذَا الْقَوْلَ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى: اللهُمّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ إسْحَاقَ، رَوَاهَا عَنْهُ بَعْضُ رُوَاةِ الْكِتَابِ بِهَذَا اللّفْظِ، وقيل مغفرة تصرف عنهم عقوبة الدنيا من المسخ والخسف، ونحو ذلك، ووجه
_________________
(١) - الرواية: «هكذا روى، ورواه بعضهم: كما يغلى المرجل والقمقم وهو أبين إن ساعدته صحة الرواية» .
[ ٤ / ٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ تَأَخّرَ نُزُولُهَا، فَنَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ نَاسِخَةً لِلِاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ، فَيَكُونُ سَبَبُ نُزُولِهَا مُتَقَدّمًا، وَنُزُولُهَا مُتَأَخّرًا لَا سِيّمَا، وَهِيَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ وَبَرَاءَةُ، مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ، فَتَكُونُ عَلَى هَذَا نَاسِخَةً للاستغفارين جَمِيعًا، وَفِي الصّحِيحِ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- دَخَلَ عَلَى أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ، فَقَالَ: يَا عَمّ قُلْ: لَا إلَهَ إلّا اللهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَك بِهَا عِنْدَ اللهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ وَابْنُ أَبِي أُمَيّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلّةِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، فَقَالَ: أَنَا عَلَى مِلّةِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ مَاتَ عَلَى الشّرْكِ، وَوَجَدْت فِي بَعْضِ كُتُبِ الْمَسْعُودِيّ اخْتِلَافًا فِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَأَنّهُ قَدْ قَالَ فِيهِ: مَاتَ مُسْلِمًا لِمَا رَأَى مِنْ الدّلَائِلِ عَلَى نُبُوّةِ مُحَمّدٍﷺ- وَعَلِمَ أَنّهُ لَا يُبْعَثُ إلّا بِالتّوْحِيدِ «١»، فَاَللهُ أَعْلَمُ، غَيْرَ أَنّ فِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ، وَفِي كِتَابِ النّسَوِيّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قَالَ لِفَاطِمَةَ، وَقَدْ عَزّتْ قَوْمًا مِنْ الْأَنْصَارِ عَنْ مَيّتِهِمْ: لَعَلّك بَلَغْت مَعَهُمْ الْكُدَى، وَيُرْوَى الْكُرَى بِالرّاءِ، يَعْنِي:
الْقُبُورَ، فَقَالَتْ: لَا، فَقَالَ: لَوْ كُنْت مَعَهُمْ الْكُدَى «٢» أَوْ كَمَا قَالَ، ما رأيت
_________________
(١) النبىﷺ- نفسه لم يكن يعلم شيئا عن نبوته قبل المبعث ندبر قول ربنا سبحانه: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى) وقوله: (ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ) .
(٢) الرواية لو بلغت معهم الكدى، أو: لو بلغتها معهم. وقد ورد تفسير الكدى بالقبور عن ربيعة بن سيف من تابعى أهل مصر، وفيه مقال لا يقدح فى حسن الإسناد، وفى الرواية أن الرسول «ص» حين سأل فاطمة عن ذلك أنها قالت له: معاذ الله، وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر. رواه أبو داود والنسائى
[ ٤ / ٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْجَنّةَ، حَتّى يَرَاهَا جَدّ أَبِيك، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ حَتّى يَدْخُلَهَا جَدّ أَبِيك، وَكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: مَا دَخَلْت الْجَنّةَ، وَفِي قَوْلِهِ: جَدّ أَبِيك، وَلَمْ يَقُلْ: جَدّك يَعْنِي: أَبَاهُ تَوْطِئَةً لِلْحَدِيثِ الضّعِيفِ الّذِي قَدّمْنَا ذِكْرَهُ أَنّ اللهَ أَحْيَا أُمّهُ وَأَبَاهُ، وَآمَنَا بِهِ، فَاَللهُ أَعْلَمُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ تَخْوِيفَهَا بِقَوْلِهِ، حَتّى يَدْخُلَهَا جَدّ أَبِيك، فَتَتَوَهّمُ أَنّهُ الْجَدّ الْكَافِرُ، وَمِنْ جُدُودِهِ ﵇:
إسْمَاعِيلُ وَإِبْرَاهِيمُ، لِأَنّ قَوْلَهُ ﵇ حَقّ، وَبُلُوغُهَا مَعَهُمْ الْكُدَى لَا يُوجِبُ خُلُودًا فِي النّارِ، فَهَذَا مِنْ لَطِيفِ الْكِنَايَةِ فافهمه، وحكى عن هشام ابن السّائِبِ أَوْ ابْنِهِ أَنّهُ قَالَ: لَمّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَمَعَ إلَيْهِ وُجُوهَ قُرَيْشٍ، فَأَوْصَاهُمْ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَنْتُمْ صَفْوَةُ اللهِ مِنْ خَلْقِهِ، وَقَلْبُ الْعَرَبِ، فِيكُمْ السّيّدُ الْمُطَاعُ، وَفِيكُمْ الْمُقَدّمُ الشّجَاعُ، وَالْوَاسِعُ الْبَاعِ، وَاعْلَمُوا أَنّكُمْ لَمْ تَتْرُكُوا لِلْعَرَبِ فِي الْمَآثِرِ نَصِيبًا إلّا أَحْرَزْتُمُوهُ، وَلَا شَرَفًا إلّا أَدْرَكْتُمُوهُ، فَلَكُمْ بِذَلِكُمْ عَلَى النّاسِ الْفَضِيلَةُ وَلَهُمْ بِهِ إلَيْكُمْ الْوَسِيلَةُ، وَالنّاسُ لَكُمْ حِزْبٌ، وَعَلَى حَرْبِكُمْ أَلْبٌ، وَإِنّي أُوصِيكُمْ بِتَعْظِيمِ هَذِهِ الْبَنِيّةِ «١»، فَإِنّ فِيهَا مَرْضَاةً لِلرّبّ، وَقِوَامًا لِلْمَعَاشِ، وَثَبَاتًا لِلْوَطْأَةِ، صِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَلَا تَقْطَعُوهَا، فَإِنّ فِي صِلَةِ الرّحِمِ مَنْسَأَةً فِي الْأَجَلِ، وَسَعَةً فِي الْعَدَدِ، وَاتْرُكُوا الْبَغْيَ وَالْعُقُوقَ، فَفِيهِمَا هَلَكَةُ الْقُرُونِ قَبْلَكُمْ، أَجِيبُوا الدّاعِيَ، وَأَعْطُوا السّائِلَ، فَإِنّ فِيهِمَا شَرَفَ الْحَيَاةِ وللمات، عَلَيْكُمْ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، فَإِنّ فِيهِمَا مَحَبّةً فِي الْخَاصّ، وَمَكْرُمَةً فِي الْعَامّ، وَإِنّي أوصيكم بمحمد خيرا، فإنه الأمين
_________________
(١) البنية: الكعبة.
[ ٤ / ٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي قُرَيْشٍ، وَالصّدّيقُ فِي الْعَرَبِ، وَهُوَ الْجَامِعُ لِكُلّ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ، وَقَدْ جَاءَ بِأَمْرِ قَبِلَهُ الْجَنَانُ، وَأَنْكَرَهُ اللّسَانُ مَخَافَةَ الشّنَآنِ، وَأَيْمُ اللهِ كَأَنّي أَنْظُرُ إلَى صَعَالِيكِ «١» الْعَرَبِ، وَأَهْلِ الْبِرّ فِي الْأَطْرَافِ والمستضعفين مِنْ النّاسِ، قَدْ أَجَابُوا دَعْوَتَهُ، وَصَدّقُوا كَلِمَتَهُ وَعَظّمُوا أَمْرَهُ، فَخَاضَ بِهِمْ غَمَرَاتِ الْمَوْتِ، فَصَارَتْ رُؤَسَاءُ قُرَيْشٍ وَصَنَادِيدُهَا أَذْنَابًا وَدُورُهَا خَرَابًا، وَضُعَفَاؤُهَا أَرْبَابًا، وَإِذَا أَعْظَمُهُمْ عَلَيْهِ، أَحْوَجُهُمْ إلَيْهِ، وَأَبْعَدُهُمْ مِنْهُ، أَحْظَاهُمْ عِنْدَهُ، قَدْ مَحَضَتْهُ الْعَرَبُ وِدَادَهَا، وَأَصْفَتْ لَهُ فُؤَادَهَا، وَأَعْطَتْهُ قِيَادَهَا، دُونَكُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ابْنَ أَبِيكُمْ، كُونُوا لَهُ وُلَاةً وَلِحِزْبِهِ حُمَاةً، وَاَللهِ لَا يَسْلُكُ أَحَدٌ مِنْكُمْ سَبِيلَهُ إلّا رَشَدَ، وَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ بِهَدْيِهِ إلّا سَعِدَ، وَلَوْ كَانَ لِنَفْسِي مُدّةٌ، وَلِأَجَلِي تَأْخِيرٌ، لَكَفَفْت عَنْهُ الهزاهز «٢»، ولدافعت غنه الدّوَاهِيَ، ثُمّ هَلَكَ:
تَفْسِيرُ الْمَشْيِ فِي سُورَةِ ص:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ مَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِمْ: أَنِ امْشُوا، وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ التّفْسِيرِ أَنّ قَوْلَهُمْ: امْشُوا مِنْ الْمَشَاءِ، لَا مِنْ الْمَشْيِ وَالْمَشَاءُ: نَمَاءُ الْمَالِ وَزِيَادَتُهُ، يُقَالُ مَشَى الرّجُلُ، وَأَمْشَى: إذَا نَمَا مَالُهُ قَالَ الشّاعِرُ:
وَكُلّ فَتَى وَإِنْ أمشى وأثرى ستخلجه عن الدّنيا منون «٣»
_________________
(١) جمع: صعلوك: الفقير.
(٢) الهزاهز: الفتن يهتز فيها الناس. وفى الأصل: عند الهزاهز وهو خطأ
(٣) البيت للنابغة الذبيانى، وبعده: وكل فتى بما عملت يداه وما أجرت عوامله رهين
[ ٤ / ٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَالَ الرّاجِزُ:
وَالشّاةُ لَا تَمْشِي عَلَى الْهَمَلّعِ «١»
أَيْ: لَا تَكْثُرُ، وَالْهَمَلّعُ: الذّئْبُ، وَقَالَهُ الْخَطّابِيّ فِي مَعْنَى الْآيَةِ، كَأَنّهُمْ أَرَادُوا أَنّ الْمَشَاءَ وَالْبَرَكَةَ فِي صَبْرِهِمْ عَلَى آلِهَتِهِمْ، وَحَمْلِهَا عَلَى الْمَشْيِ أَظْهَرُ فِي اللّغَةِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
تَتَابُعُ المصائب بموت خديجة:
وَذَكَرَ تَتَابُعَ الْمَصَائِبِ عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- بِمَوْتِ خَدِيجَةَ ثُمّ بِمَوْتِ عَمّهِ، وَذَكَرَ الزّبَيْرُ فِي حَدِيثٍ أَسْنَدَهُ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ، وَهِيَ فِي الْمَوْتِ، فَقَالَ: تَكْرَهِينَ ما أرى منك يا خديجة،
_________________
(١) الرجز غير منسوب فى اللسان إلى أحد فى مادتى هملع، ومادة مشى، وهو فى هذه هكذا: مثلى لا تحسن قولا فعفعى العير لا يمشى مع الهملع لا تأمرينى ببنات أسفع يعنى الغنم، وأسفع: اسم كبش وفى مادة هملع: لا تأمرينى ببنات أسفع فالشاة لا تمشى مع الهملع والهملع والسملع: الذئب الخفيف، وقوله لا تمشى مع الهملع، أى: لا تكثر مع الذئب.
[ ٤ / ٣٢ ]
[الرسول يسعى إلى الطائف]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللهِﷺ مِنْ الْأَذَى مَا لَمْ تَكُنْ تَنَالُ مِنْهُ فِي حَيَاةِ عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الطّائِفِ، يَلْتَمِسُ النّصْرَةَ مِنْ ثَقِيفٍ، وَالْمَنَعَةَ بِهِمْ مِنْ قَوْمِهِ، وَرَجَاءَ أَنْ يَقْبَلُوا مِنْهُ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ اللهِ ﷿، فخرج إليهم وحده.
[موقف ثقيف من الرسول ﷺ]
قال ابن إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ، قَالَ:
لَمّا انْتَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الطّائِفِ، عَمَدَ إلَى نَفَرٍ مِنْ ثَقِيفٍ، هُمْ يَوْمَئِذٍ سَادَةُ ثَقِيفٍ وَأَشْرَافُهُمْ، وَهُمْ إخْوَةٌ ثَلَاثَةٌ: عَبْدُ يَالَيْل بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، وَمَسْعُودُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، وَحَبِيبُ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ
ــ
وقد يجعل الله فى الكره خيرا أشعرت أَنّ اللهَ قَدْ أَعْلَمَنِي أَنّهُ سَيُزَوّجُنِي مَعَك فِي الْجَنّةِ مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ، وَكُلْثُومَ أُخْتَ مُوسَى، وَآسِيَةَ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ، فَقَالَتْ. اللهُ أَعْلَمَك بِهَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَتْ: بِالرّفَاءِ وَالْبَنِينَ، وَذُكِرَ أَيْضًا فِي الْحَدِيثِ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- أَطْعَمَ خديجة من عنب الجنة «١»؟.
_________________
(١) ليس لهذا سند صحيح
[ ٤ / ٣٣ ]
عُقْدَةَ بْنِ غِيرَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفٍ، وَعِنْدَ أَحَدِهِمْ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي جُمَحٍ، فَجَلَسَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللهِ، وَكَلّمَهُمْ بِمَا جَاءَهُمْ لَهُ مِنْ نُصْرَتِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَالْقِيَامِ مَعَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ مِنْ قَوْمِهِ؛ فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمْ:
هُوَ يَمْرُطُ ثِيَابَ الْكَعْبَةِ إنْ كَانَ اللهُ أَرْسَلَك؛ وَقَالَ الْآخَرُ: أَمَا وَجَدَ اللهُ أَحَدًا يُرْسِلُهُ غَيْرَك! وَقَالَ الثّالِثُ: وَاَللهِ لَا أُكَلّمُك أَبَدًا. لَئِنْ كُنْتَ رَسُولًا مِنْ اللهِ كَمَا تَقُولُ، لَأَنْتَ أَعْظَمُ خَطَرًا مِنْ أَنْ أَرُدّ عَلَيْك الْكَلَامَ، وَلَئِنْ كُنْت تَكْذِبُ عَلَى اللهِ، مَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أُكَلّمَك. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِمْ وَقَدْ يَئِسَ مِنْ خَيْرِ ثَقِيفٍ، وَقَدْ قَالَ لَهُمْ- فِيمَا ذُكِرَ لِي-: إذَا فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ فَاكْتُمُوا عَنّي، وَكَرِهَ رَسُولُ الله ﷺ أن يبلغ قَوْمَهُ عَنْهُ، فَيُذْئِرَهُمْ ذَلِكَ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ هشام: قال عبيد بن الأبرص:
وَلَقَدْ أَتَانِي عَنْ تَمِيمٍ أَنّهُمْ ذَئِرُوا لِقَتْلَى عامر وتعصّبوا
فلم يفعلوا، وأغروا به سفاءهم وَعَبِيدَهُمْ، يَسُبّونَهُ وَيَصِيحُونَ بِهِ، حَتّى اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النّاسُ، وَأَلْجَئُوهُ إلَى حَائِطٍ لِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَهُمَا فِيهِ، وَرَجَعَ عَنْهُ مِنْ سُفَهَاءِ ثَقِيفٍ مَنْ كَانَ يَتْبَعُهُ، فَعَمَدَ إلَى ظِلّ حَبَلَةٍ مِنْ عِنَبٍ، فَجَلَسَ فِيهِ. وَابْنَا رَبِيعَةَ يَنْظُرَانِ إلَيْهِ، وَيَرَيَانِ مَا لَقِيَ مِنْ سُفَهَاءِ أَهْلِ الطّائِفِ، وَقَدْ لَقِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ- فيما ذكر لِي- الْمَرْأَةَ الّتِي مِنْ بَنِي جُمَحٍ، فَقَالَ لها: ماذا لقينا من أحمائك؟
فَلَمّا اطْمَأَنّ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: فِيمَا ذُكِرَ لِي: اللهُمّ إلَيْك أَشْكُو ضَعْفَ قُوّتِي، وَقِلّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٤ ]
أَنْتَ رَبّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبّي، إلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهّمُنِي؟
أَمْ إلَى عَدُوّ مَلّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِك عَلَيّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنّ عَافِيَتَك هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِك الّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَك، أَوْ يَحِلّ عَلَيّ سُخْطُكَ، لَك الْعُتْبَى حَتّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ ولا قوّة إلا بك.
قَالَ: فَلَمّا رَآهُ ابْنَا رَبِيعَةَ، عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ، وَمَا لَقِيَ، تَحَرّكَتْ لَهُ رَحِمُهُمَا فَدَعَوْا غُلَامًا لَهُمَا نَصْرَانِيّا، يُقَالُ لَهُ عَدّاسٌ فَقَالَا لَهُ: خذ قطفا من الْعِنَبِ، فَضَعْهُ فِي هَذَا الطّبَقِ، ثُمّ اذْهَبْ بِهِ إلَى ذَلِكَ الرّجُلِ، فَقُلْ لَهُ يَأْكُلُ مِنْهُ. فَفَعَلَ عَدّاسٌ، ثُمّ أَقْبَلَ بِهِ حَتّى وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِﷺ- ثُمّ قَالَ لَهُ: كُلْ، فَلَمّا وضع رسول الله ﷺ فِيهِ يَدَهُ، قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، ثُمّ أَكَلَ، فَنَظَرَ عَدّاسٌ فِي وَجْهِهِ، ثُمّ قَالَ: وَاَللهِ إنّ هَذَا الْكَلَامَ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ هَذِهِ الْبِلَادِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَمِنْ أَهْلِ أَيّ الْبِلَادِ أَنْتَ يَا عَدّاسُ، وَمَا دِينُك؟ قَالَ: نَصْرَانِيّ، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نِينَوَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مِنْ قَرْيَةِ الرّجُلِ الصّالِحِ يُونُسَ بْنِ مَتّى؟
فَقَالَ لَهُ عَدّاسٌ: وَمَا يُدْرِيك مَا يُونُسُ بْنُ مَتّى؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاكَ أَخِي، كَانَ نَبِيّا وَأَنَا نَبِيّ، فَأَكَبّ عَدّاسٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُقَبّلُ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ.
قَالَ: يَقُولُ ابْنَا رَبِيعَةَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَمّا غُلَامُك فَقَدْ أَفْسَدَهُ عَلَيْك.
فَلَمّا جَاءَهُمَا عَدّاسٌ، قَالَا لَهُ: وَيْلَك يا عدّاس! ما لك تُقَبّلُ رَأْسَ هَذَا الرّجُلِ وَيَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ؟ قَالَ: يَا سَيّدِي مَا فِي الْأَرْضِ شَيْءٌ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، لَقَدْ أَخْبَرَنِي
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٥ ]
بِأَمْرِ مَا يَعْلَمُهُ إلّا نَبِيّ، قَالَا لَهُ: وَيْحَك يَا عَدّاسُ، لَا يَصْرِفَنّك عَنْ دِينِك، فإنّ دينك خير من دينه.
[أمر جن نصيبين]
قَالَ: ثُمّ إنّ رَسُولَ اللهِﷺ- انْصَرَفَ مِنْ الطّائِفِ رَاجِعًا إلَى مكة، حين يَئِسَ مِنْ خَيْرِ ثَقِيفٍ، حَتّى إذَا كَانَ بِنَخْلَةَ قَامَ مِنْ جَوْفِ اللّيْلِ يُصَلّي، فَمَرّ بِهِ النّفَرُ مِنْ الْجِنّ الّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللهُ ﵎، وَهُمْ- فِيمَا ذُكِرَ لِي- سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنْ جِنّ أَهْلِ نَصِيبِينَ فَاسْتَمَعُوا لَهُ، فَلَمّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَلّوْا إلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَدْ آمَنُوا وَأَجَابُوا إلَى مَا سَمِعُوا. فَقَصّ اللهُ خَبَرَهُمْ عَلَيْهِ ﷺ، قَالَ اللهُ ﷿ وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ وَقَالَ ﵎: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ إلَى آخِرِ الْقِصّةِ مِنْ خَبَرِهِمْ فِي هَذِهِ السّورَةِ.
[عَرْضُ رَسُولِ اللهِ ﷺ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكّةَ، وَقَوْمُهُ أَشَدّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ وَفِرَاقِ دِينِهِ، إلا قليلا مستضعفين، ممن آمن به.
فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ فِي الْمَوَاسِمِ، إذَا كَانَتْ،
[ ٤ / ٣٦ ]
عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ يَدْعُوهُمْ إلَى اللهِ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنّهُ نَبِيّ مُرْسَلٌ، وَيَسْأَلُهُمْ أَنْ يُصَدّقُوهُ وَيَمْنَعُوهُ حتى يبين عن اللهُ مَا بَعَثَهُ بِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي مِنْ أَصْحَابِنَا، مَنْ لَا أَتّهِمُ، عَنْ زيد بن أسلم عن رَبِيعَةَ بْنِ عَبّادٍ الدّيلِيّ أَوْ مَنْ حَدّثَهُ أَبُو الزّنَادِ عَنْهُ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: رَبِيعَةُ ابن عَبّادٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: سَمِعْت رَبِيعَةَ بْنَ عَبّادٍ، يُحَدّثُهُ أَبِي، قَالَ: إنّي لَغُلَامٌ شَابّ مَعَ أَبِي بِمِنًى، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَقِفُ عَلَى مَنَازِلِ الْقَبَائِلِ مِنْ الْعَرَبِ، فَيَقُولُ:
يَا بَنِي فُلَانٍ، إنّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ، يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَخْلَعُوا مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَنْدَادِ، وَأَنْ تُؤْمِنُوا بِي، وَتُصَدّقُوا بِي، وَتَمْنَعُونِي، حَتّى أُبَيّنَ عَنْ اللهِ مَا بَعَثَنِي بِهِ. قَالَ: وَخَلْفَهُ رَجُلٌ أَحْوَلُ وَضِيءٌ، لَهُ غَدِيرَتَانِ عَلَيْهِ حُلّةٌ عَدَنِيّةٌ، فَإِذَا فَرَغَ رَسُولُ الله ﷺ من قوله، وَمَا دَعَا إلَيْهِ، قَالَ ذَلِكَ الرّجُلُ: يَا بَنِي فُلَانٍ، إنّ هَذَا إنّمَا يَدْعُوكُمْ أَنْ تَسْلُخُوا اللّاتَ وَالْعُزّى مِنْ أَعْنَاقِكُمْ، وَحَلْفَاءَكُمْ مِنْ الجنّ من بنى مالك ابن أُقَيْشٍ، إلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْبِدْعَةِ وَالضّلَالَةِ، فَلَا تُطِيعُوهُ، وَلَا تَسْمَعُوا مِنْهُ.
قَالَ: فَقُلْت لِأَبِي: يَا أَبَتِ، مَنْ هَذَا الّذِي يَتْبَعُهُ وَيَرُدّ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ؟ قَالَ:
هَذَا عَمّهُ عَبْدُ الْعُزّى بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، أَبُو لهب.
قال ابن هشام: قال النابغة:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٧ ]
كَأَنّك مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنّ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ: أَنّهُ أَتَى كِنْدَةَ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَفِيهِمْ سَيّدٌ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: مُلَيْحٌ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللهِ ﷿، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فأبوا عليه.
[العرض على بنى كلب]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُصَيْنٍ:
أَنّهُ أَتَى كَلْبًا فِي مَنَازِلِهِمْ، إلَى بَطْنٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَبْدِ اللهِ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، حَتّى إنّهُ لَيَقُولُ لَهُمْ: يَا بَنِي عَبْدِ اللهِ، إنّ اللهَ ﷿ قَدْ أَحْسَنَ اسْمَ أَبِيكُمْ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عليهم.
[العرض على بنى حنيفة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى بَنِي حَنِيفَةَ فِي مَنَازِلِهِمْ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الْعَرَبِ أَقْبَحَ عَلَيْهِ رَدّا منهم.
[العرض عَلَى بَنِي عَامِرٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي الزّهْرِيّ أَنّهُ أَتَى بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللهِ ﷿، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ- يُقَالُ لَهُ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٨ ]
بَيْحَرَةُ بْنُ فِرَاسٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فِرَاسُ بن عبد الله بن سلمة بن قشير ابن كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ: وَاَللهِ، لَوْ أَنّي أَخَذْت هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ، لَأَكَلْتُ بِهِ الْعَرَبَ، ثُمّ قَالَ: أَرَأَيْتَ إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أَظْهَرَك اللهُ عَلَى مَنْ خَالَفَك، أَيَكُونُ لَنَا الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِك؟ قَالَ: الْأَمْرُ إلَى اللهِ يضعه حيث يشاء، قال: فقال له: أفنهدف نَحُورُنَا لِلْعَرَبِ دُونَك، فَإِذَا أَظْهَرَك اللهُ كَانَ الْأَمْرُ لِغَيْرِنَا! لَا حَاجَةَ لَنَا بِأَمْرِك، فَأَبَوْا عَلَيْهِ.
فَلَمّا صَدَرَ النّاسُ رَجَعَتْ بَنُو عَامِرٍ إلَى شَيْخٍ لَهُمْ، قَدْ كَانَتْ أَدْرَكَتْهُ السّنّ، حَتّى لَا يَقْدِرَ أَنْ يُوَافِيَ مَعَهُمْ الْمَوَاسِمَ، فَكَانُوا إذَا رَجَعُوا إلَيْهِ حَدّثُوهُ بِمَا يَكُونُ فِي ذَلِك الْمَوْسِمِ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلَيْهِ ذَلِك الْعَامَ سَأَلَهُمْ عَمّا كَانَ فِي مَوْسِمِهِمْ، فَقَالُوا: جَاءَنَا فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمّ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ، يَزْعُمُ أَنّهُ نَبِيّ، يَدْعُونَا إلَى أَنْ نَمْنَعَهُ وَنَقُومَ مَعَهُ، وَنَخْرُجَ بِهِ إلَى بِلَادِنَا. قَالَ: فَوَضَعَ الشّيْخُ يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ ثُمّ قَالَ: يَا بَنِي عَامِرٍ، هَلْ لَهَا مِنْ تَلَافٍ، هَلْ لِذُنَابَاهَا مِنْ مَطْلَبٍ، وَاَلّذِي نَفْسُ فُلَانٍ بِيَدِهِ، مَا تَقَوّلَهَا إسْمَاعِيلِيّ قَطّ، وَإِنّهَا لَحَقّ، فَأَيْنَ رَأْيُكُمْ كَانَ عَنْكُمْ.
[عرض عَلَى الْعَرَبِ فِي الْمَوَاسِمِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ، كُلّمَا اجْتَمَعَ لَهُ النّاسُ بِالْمَوْسِمِ أَتَاهُمْ يَدْعُو الْقَبَائِلَ إلَى اللهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ اللهِ مِنْ الْهُدَى وَالرّحْمَةِ، وَهُوَ لا يسمع
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٩ ]
يقادم يَقْدَمُ مَكّةَ مِنْ الْعَرَبِ، لَهُ اسْمٌ وَشَرَفٌ، إلّا تَصَدّى لَهُ، فَدَعَاهُ إلَى اللهِ، وَعَرَضَ عليه ما عنده.
[حديث سويد بن صامت]
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيّ، ثُمّ الظّفَرِيّ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا:
قَدِمَ سُوَيْدُ بْنُ صَامِتٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، مَكّةَ حَاجّا أو معتمرا، وَكَانَ سُوَيْدُ إنّمَا يُسَمّيهِ قَوْمُهُ فِيهِمْ: الْكَامِلَ، لِجَلَدِهِ وَشِعْرِهِ وَشَرَفِهِ وَنَسَبِهِ، وَهُوَ الّذِي يَقُولُ:
أَلَا رُبّ مَنْ تَدْعُو صَدِيقًا وَلَوْ تَرَى مَقَالَتَهُ بِالْغَيْبِ سَاءَك مَا يَفْرِي
مَقَالَتُهُ كَالشّهْدِ مَا كَانَ شَاهِدًا وَبِالْغَيْبِ مَأْثُورٌ عَلَى ثُغْرَةِ النّحْر
يَسُرّك بَادِيهِ وَتَحْتَ أَدِيَمِهِ نَمِيمَةُ غِشّ تَبْتَرِي عَقَبَ الظّهْرِ
تُبِينُ لَك الْعَيْنَانِ مَا هُوَ كَاتِمٌ مِنْ الْغِلّ وَالْبَغْضَاءِ بِالنّظَرِ الشّزْرِ
فَرِشْنِي بخير طَالَمَا قَدْ بَرَيْتنِي وَخَيْرُ الْمَوَالِي مَنْ يَرِيشُ وَلَا يَبْرِي
وَهُوَ الّذِي يَقُولُ: وَنَافَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، ثُمّ أَحَدَ بَنِي زِعْبِ بْنِ مَالِكٍ مِئَةَ نَاقَةٍ، إلَى كَاهِنَةٍ مِنْ كُهّانِ الْعَرَبِ، فَقَضَتْ لَهُ. فانصرف عنها هو والسّلمىّ ليس معهما غيرهما، فَلَمّا فَرّقَتْ بَيْنَهُمَا الطّرِيقُ، قَالَ: مَالِي، يَا أَخَا بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ: أَبْعَثُ إلَيْك بِهِ؛ قَالَ: فَمَنْ لِي بِذَلِكَ إذَا فُتّنِي بِهِ؟ قال: أنا،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٤٠ ]
قَالَ: كَلّا، وَاَلّذِي نَفْسُ سُوَيْدٍ بِيَدِهِ، لَا تفارقنّى حتى أوتى بمال، فَاِتّخَذَا فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، ثُمّ أَوْثَقَهُ رِبَاطًا ثُمّ انْطَلَقَ بِهِ إلَى دَارِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتّى بَعَثَتْ إلَيْهِ سُلَيْمٌ بِاَلّذِي لَهُ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ:
لَا تَحْسَبَنّي يَا بْنَ زِعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَمَنْ كُنْتَ تُرْدِي بِالْغُيُوبِ وَتَخْتِلُ
تَحَوّلْت قِرْنًا إذْ صُرِعْتَ بِعِزّةٍ كَذَلِكَ إِنّ الْحَازِمَ الْمُتَحَوّلُ
ضَرَبْتُ بِهِ إِبْطَ الشّمَالِ فَلَمْ يَزَلْ عَلَى كُلّ حَال خَدّه هُوَ أَسْفَلُ
فِي أَشْعَارٍ كَثِيرَةٍ كَانَ يَقُولُهَا.
فَتَصَدّى لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ سَمِعَ بِهِ، فَدَعَاهُ إلَى اللهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ لَهُ سُوَيْدٌ: فَلَعَلّ الّذِي مَعَك مِثْلُ الّذِي مَعِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِﷺ: وَمَا الّذِي مَعَك؟ قَالَ مَجَلّةُ لُقْمَانَ- يَعْنِي حِكْمَةَ لُقْمَانَ.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اعْرِضْهَا عَلَيّ فَعَرَضَهَا عليه، فقال له:
إن هذا الكلام حَسَنٌ، وَاَلّذِي مَعِي أَفَضْلُ مِنْ هَذَا، قُرْآنٌ أَنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيّ، هُوَ هُدًى وَنُورٌ. فَتَلَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْقُرْآنَ، وَدَعَاهُ إلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ، وَقَالَ: إنّ هَذَا لَقَوْلٌ حَسَنٌ. ثُمّ انْصَرَفَ عَنْهُ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ عَلَى قَوْمِهِ، فَلَمْ يلبث أن قتلته الخزرج، فإن كَانَ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ لَيَقُولُونَ: إنّا لَنَرَاهُ قَدْ قُتِلَ وَهُوَ مُسْلِمٌ. وَكَانَ قَتْلُهُ قَبْلَ يوم بعاث.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٤١ ]
[إسْلَامُ إيَاسِ بْنِ مُعَاذٍ وَقِصّةُ أَبِي الْحَيْسَرِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي الْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرحمن بن عمرو بن سعد ابن مُعَاذٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قَالَ: لَمّا قَدِمَ أَبُو الْحَيْسَرِ، أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ، مَكّةَ وَمَعَهُ فِتْيَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فِيهِمْ إيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ، يَلْتَمِسُونَ الْحِلْفَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى قَوْمِهِمْ مِنْ الْخَزْرَجِ، سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللهِﷺ- فَأَتَاهُمْ فَجَلَسَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ فِي خَيْرٍ مِمّا جِئْتُمْ لَهُ؟ فَقَالُوا لَهُ: وَمَا ذَاكَ؟
قَالَ: أَنَا رَسُولُ اللهِ بَعَثَنِي إلَى الْعِبَادِ، أَدْعُوهُمْ إلَى أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْزَلَ عَلَيّ الْكِتَابَ. قَالَ: ثُمّ ذَكَرَ لَهُمْ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ. قَالَ: فقال إياس ابن مُعَاذٍ، وَكَانَ غُلَامًا حَدَثًا: أَيْ قَوْمِ، هَذَا وَاَللهِ خَيْرٌ مِمّا جِئْتُمْ لَهُ. قَالَ: فَيَأْخُذُ أَبُو الْحَيْسَرِ، أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ، حَفْنَةً مِنْ تُرَابِ الْبَطْحَاءِ، فَضَرَبَ بِهَا وَجْهَ إيَاسِ بْنِ مُعَاذٍ، وَقَالَ: دَعْنَا مِنْك، فَلَعَمْرِي لَقَدْ جِئْنَا لِغَيْرِ هَذَا. قَالَ: فَصَمَتَ إيَاسٌ، وَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْهُمْ، وَانْصَرَفُوا إلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ وَقْعَةُ بُعَاثٍ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ.
قَالَ: ثُمّ لَمْ يَلْبَثْ إيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ أَنْ هَلَكَ. قَالَ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ: أَنّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَهُ يُهَلّلُ اللهَ تَعَالَى وَيُكَبّرُهُ وَيَحْمَدُهُ وَيُسَبّحُهُ حَتّى مَاتَ، فَمَا كَانُوا يَشُكّونَ أَنْ قَدْ مَاتَ مُسْلِمًا، لَقَدْ كَانَ اشتشعر الْإِسْلَامَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، حِينَ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ما سمع.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٤٢ ]
[الرسول مع نفر مِنْ الْخَزْرَجِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا أَرَادَ اللهُ ﷿ إظْهَارَ دِينِهِ، وَإِعْزَازَ نَبِيّهِ ﷺ، وَإِنْجَازَ مَوْعِدِهِ لَهُ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فِي الْمَوْسِمِ الّذِي لَقِيَهُ فِيهِ النّفَرُ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي كُلّ مَوْسِمٍ. فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ لَقِيَ رَهْطًا مِنْ الْخَزْرَجِ أَرَادَ اللهُ بِهِمْ خَيْرًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا: لَمّا لَقِيَهُمْ رسول الله ﷺ، قال لَهُمْ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا:
نَفَرٌ مِنْ الْخَزْرَجِ، قَالَ: أَمِنْ مَوَالِي يَهُودَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: أَفَلَا تَجْلِسُونَ أُكَلّمُكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. فَجَلَسُوا مَعَهُ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللهِ ﷿، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ الإسلام، وتلا عليهم القرآن. وكان مما صنع الله لهم به فِي الْإِسْلَامِ، أَنّ يَهُودَ كَانُوا مَعَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَعِلْمٍ، وَكَانُوا هُمْ أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد عزّوهم بِبِلَادِهِمْ، فَكَانُوا إذَا كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ قَالُوا لهم:
إن نبيّا مبعوث الآن، قد أَظَلّ زَمَانُهُ، نَتّبِعُهُ فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ.
فَلَمّا كَلّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُولَئِكَ النّفَرَ، وَدَعَاهُمْ إلَى اللهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: يَا قَوْمِ، تَعْلَمُوا وَاَللهِ إنّهُ لَلنّبِيّ الّذِي تَوَعّدَكُمْ بِهِ يَهُودُ، فَلَا تَسْبِقُنّكُمْ إلَيْهِ. فَأَجَابُوهُ فِيمَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ، بِأَنْ صَدّقُوهُ وَقَبِلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْإِسْلَامِ، وَقَالُوا: إنّا قَدْ تَرَكْنَا قَوْمَنَا، وَلَا قَوْمَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْعَدَاوَةِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٤٣ ]
وَالشّرّ مَا بَيْنَهُمْ، فَعَسَى أَنْ يَجْمَعَهُمْ اللهُ بِك، فَسَنَقْدَمُ عَلَيْهِمْ، فَنَدْعُوهُمْ إلَى أَمْرِك، وَتَعْرِضُ عَلَيْهِمْ الّذِي أَجَبْنَاك إلَيْهِ مِنْ هَذَا الدّينِ، فَإِنْ يَجْمَعْهُمْ اللهُ عَلَيْهِ فَلَا رَجُلَ أَعَزّ مِنْك.
ثُمّ انْصَرَفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَاجِعِينَ إلَى بِلَادِهِمْ، وَقَدْ آمنوا وصدّقوا.
[أسماء الْخَزْرَجِيّينَ الّذِينَ الْتَقَوْا بِالرّسُولِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَهُمْ- فِيمَا ذُكِرَ لِي: سِتّةُ نَفَرٍ مِنْ الْخَزْرَجِ، مِنْهُمْ مِنْ بَنِي النّجّارِ- وَهُوَ تَيْمُ اللهِ- ثُمّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النّجّارِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ: أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد ابن ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّجّارِ، وهو أبو أمامة، وعوف بن الحارث ابن رِفَاعَةَ بْنِ سَوَادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّجّارِ، وَهُوَ ابْنُ عَفْرَاءَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَعَفْرَاءُ بِنْتُ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْد بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ ابن مَالِكِ بْنِ النّجّارِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي زُرَيْقِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَضْبِ بْنِ جشم بن الخزرج: رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ عَامِرُ بْنُ الْأَزْرَقِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٤٤ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي سَلِمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ ابن جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمّ مِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلِمَةَ: قطبة ابن عامر بن حديدة بن عمرو بن غنم بْنِ سَوَادِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمْرُو بْنُ سَوَادٍ، وَلَيْسَ لِسَوَادٍ ابْنٌ يُقَالُ لَهُ: غَنْمٌ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ كعب بن غنم بن كعب بن سلمة:
عُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِي بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ.
وَمِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ عَدِيّ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ: جَابِرُ بن عبد الله ابن رِئَابِ بْنِ النّعْمَانِ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ.
فَلَمّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ إلَى قَوْمِهِمْ ذَكَرُوا لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَدَعَوْهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ حَتّى فَشَا فِيهِمْ، فَلَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إلّا وَفِيهَا ذِكْرٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
_________________
(١) خروج النبي ﷺ إلى الطّائِفِ وَسَنَذْكُرُ السّبَبَ فِي تَسْمِيَتِهَا بِالطّائِفِ، وَأَنّ الدّمّونَ!! رَجُلٌ مِنْ الصّدِفِ مِنْ حَضْرَمَوْتَ نَزَلَهَا، فَقَالَ لِأَهْلِهَا. أَلَا أَبْنِي لَكُمْ حَائِطًا يُطِيفُ بِبَلْدَتِكُمْ فَبَنَاهُ، فَسُمّيَتْ: الطّائِفَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا سَنَذْكُرُهُ. وَقَوْلُهُ: فَيُذْئِرَهَا عَلَيْهِ، قَدْ فَسّرَهُ ابْنُ هِشَامٍ، وَأَنْشَدَ: ذَئِرُوا لِقَتْلَى عَامِرٍ وَتَعَصّبُوا
[ ٤ / ٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفِي الْحَدِيثِ لَمّا نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ ضَرْبِ النّسَاءِ قَالَ:
ذئير النّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنّ، وَفَسّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِالنّشُوزِ عَلَى الْأَزْوَاجِ، وَأَنْشَدَ الْبَيْتَ الّذِي أَنْشَدَهُ ابْنُ هِشَامٍ، وَمَعْنَى كَلَامِهِمَا وَاحِدٌ.
وَذَكَرَ مَا لَقِيَ مِنْ أَشْرَافِ ثَقِيفٍ، وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ زِيَادَةً فِي الْحَدِيثِ حِينَ أَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ، قَالَ: وَكَانَ يَمْشِي بَيْنَ سِمَاطَيْنِ مِنْهُمْ، فَكُلّمَا نَقَلُوا قَدَمًا، رَجَمُوا عَرَاقِيبَهُ بِالْحِجَارَةِ، حَتّى اخْتَضَبَ نَعْلَاهُ بِالدّمَاءِ، وَذَكَرَ التّيْمِيّ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عُقْبَةَ، وَزَادَ قَالَ: كَانَ إذَا أَذْلَقَتْهُ «١» الْحِجَارَةُ، قَعَدَ إلَى الْأَرْضِ، فَيَأْخُذُونَ بِعَضُدَيْهِ «٢»، فَيُقِيمُونَهُ فَإِذَا مَشَى رَجَمُوهُ، وَهُمْ يَضْحَكُونَ حَتّى انْتَهَى إلَى الْمَوْضِعِ الّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ مِنْ حَائِطِ عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَجَلَسَ إلَى ظِلّ حَبَلَةٍ، وَالْحَبَلَةُ الْكَرْمَةُ، اُشْتُقّ اسْمُهَا مِنْ الْحَبَلِ، لِأَنّهَا تَحْمِلُ بِالْعِنَبِ، وَلِذَلِكَ فُتِحَ حَمْلُ الشّجَرَةِ وَالنّخْلَةِ، فَقِيلَ:
حَمْلٌ بِفَتْحِ الْحَاءِ تَشْبِيهًا بِحَمْلِ الْمَرْأَةِ، وَقَدْ يُقَالُ فِيهِ: حَمْلٌ بِالْكَسْرِ تَشْبِيهًا بِالْحَمْلِ الّذِي عَلَى الظّهْرِ «٣»، وَمَنْ قَالَ فِي الْكَرْمَةِ حَبْلَةً بِسُكُونِ الْبَاءِ، فَلَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ،
_________________
(١) فى النهاية لابن الأثير: «فى حديث ما عز: فلما أذلقته الحجارة جمر وفر، أى بلغب منه منتهى الجهد حتى قلق» .
(٢) فيها أربع لغات: كسر الضاد وضمها وسكونها مع فتح العين، وبضم العين مع سكون الضاد
(٣) فى إصلاح المنطق لابن السكيت: الحمل- بفتح الحاء- ما كان فى بطن، أو على رأس شجرة، وجمعه أحمال، والحمل- بكسر الحاء- ما حمل على ظهر أو رأس
[ ٤ / ٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَدْ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ كَيْسَانَ فِي نهي النبي ﷺ عن بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ «١»، إنّهُ بَيْعُ الْعِنَبِ قَبْلَ أَنْ يَطِيبَ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ مِنْ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ التّمْرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَهُوَ قَوْلٌ غَرِيبٌ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أَحَدٌ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ فِي الْأَرَضِينَ الّتِي اُفْتُتِحَتْ فِي زَمَانِهِ- وَقَدْ قِيلَ لَهُ: قَسّمْهَا عَلَى الّذِينَ افْتَتَحُوهَا- فَقَالَ: وَاَللهِ لَأَدَعَنّهَا حَتّى يُجَاهِدَ بِهَا حَبَلُ الْحَبَلَةِ، يُرِيدُ: أَوْلَادَهَا فِي الْبُطُونِ. ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ، وَالْقَوْلُ الّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي حَبَلِ الْحَبَلَةِ وَقَعَ فِي كِتَابِ الْأَلْفَاظِ لِيَعْقُوبَ وَإِنّمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ دُخُولُ الْهَاءِ فِي الْحَبَلَةِ، حَتّى قَالُوا فِيهِ أَقْوَالًا كُلّهَا هَبَاءٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنّمَا قَالَ الْحَبَلَةَ لِأَنّهَا بَهِيمَةٌ أَوْ جَنِينَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ:
دَخَلَتْ لِلْجَمَاعَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لِلْمُبَالَغَةِ، وَهَذَا كُلّهُ يَنْعَكِسُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ:
حَبَلَ الْحَبَلَةِ، فَإِنّهُ لَمْ تَدْخُلْ التّاءُ إلّا فِي أَحَدِ اللّفْظَيْنِ دُونَ الثّانِي، وَتَبْطُلُ أَيْضًا عَلَى مَنْ قَالَ أَرَادَ: مَعْنَى الْبَهِيمَةِ بِحَدِيثِ عُمَرَ الْمُتَقَدّمِ، وَإِنّمَا النّكْتَةُ فِي ذلك أن الحبل مادام حَبَلًا لَا يُدْرَى: أَذَكَرٌ هُوَ أَمْ أُنْثَى، لَمْ يُسَمّ حَبَلًا، فَإِذَا كَانَتْ أُنْثَى، وَبَلَغَتْ حَدّ الْحَمْلِ، فَحَبَلَتْ فَذَاكَ الْحَبَلُ هُوَ الّذِي نَهَى عَنْ بَيْعِهِ، وَالْأَوّلُ قَدْ عُلِمَتْ أُنُوثَتُهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ، فَعَبّرَ عَنْهُ بِالْحَبَلَةِ، وَصَارَ مَعْنَى الْكَلَامِ أَنّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْجَنِينَةِ التى كانت حبلا لا يعرف ماهى، ثُمّ عُرِفَ بَعْدَ الْوَضْعِ، وَكَذَلِكَ فِي الْآدَمِيّينَ، فَإِذًا لَا يُقَالُ لَهَا: حَبَلَةٌ إلّا بَعْدَ المعرفة بأنها أنثى،
_________________
(١) فى القاموس: الحبلة- بضم الحاء- الكرم أو أصل من أصوله، والحبل محركة: شجر العنب، وربما سكن
[ ٤ / ٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَعِنْدَ ذِكْرِ الْحَبَلِ الثّانِي لِأَنّ هَذِهِ الْأُنْثَى قَبْلَ أَنْ تَحْبَلَ، وَهِيَ صَغِيرَةٌ: رِخْلَى، وَتُسَمّى أَيْضًا حَائِلًا وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ، وَقَدْ زَالَ عَنْهَا اسْمُ الْحَبَلِ فَإِذَا حَبَلَتْ، وَذَكّرَ حَبَلَهَا وَازْدَوَجَ ذَكّرَهُ مَعَ الْحَالَةِ الْأُولَى الّتِي كَانَتْ فِيهَا حَبَلًا فَرّقَ بَيْنَ اللّفْظَيْنِ بِتَاءِ التّأْنِيثِ، وَخُصّ اللّفْظُ الّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْأُنْثَى بِالتّاءِ دُونَ اللّفْظ الّذِي لَا يُدْرَى مَا هُوَ: أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى، وَقَدْ كَانَ الْمَعْنَى قَرِيبًا وَالْمَأْخَذُ سَهْلًا لَا يَحْتَاجُ إلَى هَذِهِ الْإِطَالَةِ لَوْلَا مَا قَدّمْنَاهُ مِنْ تَخْلِيطِهِمْ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْكَلَامِ الْفَصِيحِ الْبَلِيغِ الّذِي لَا يَقْدِرُ قَدْرَهُ فِي الْبَلَاغَةِ إلّا عَالِمٌ بِجَوْهَرِ الْكَلَامِ. نُورُ اللهِ وَوَجْهُهُ فَصْلٌ: وَذَكَرَ دُعَاءَهُ﵇- عِنْدَ الشّدّةِ، وَقَوْلُهُ: اللهُمّ إنّي أَشْكُو إلَيْك ضَعْفَ قُوّتِي وَقِلّةَ حِيلَتِي إلَى آخِرِ الدّعَاءِ، وَفِيهِ: أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِك الْكَرِيمِ الّذِي أَشْرَقَتْ بِهِ الظّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَيُسْأَلُ عَنْ النّورِ هُنَا، وَمَعْنَى الْوَجْهِ، وَإِشْرَاقِ الظّلُمَاتِ، أَمَا الْوَجْهُ إذَا جَاءَ ذِكْرُهُ فِي الْكِتَابِ وَالسّنّةِ، فَهُوَ يَنْقَسِمُ فِي الذّكْرِ إلَى مَوْطِنَيْنِ: مَوْطِنِ تَقَرّبٍ وَاسْتِرْضَاءٍ بِعَمَلِ، كَقَوْلِهِ تعالى: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وكقوله: إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى فَالْمَطْلُوبُ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ: رِضَاهُ وَقَبُولُهُ لِلْعَمَلِ، وَإِقْبَالُهُ عَلَى الْعَبْدِ الْعَامِلِ، وَأَصْلُهُ أَنّ مَنْ رَضِيَ عَنْك، أَقْبَلَ عَلَيْك، وَمَنْ غَضِبَ عَلَيْك أَعْرَضَ عَنْك، وَلَمْ يُرِك وَجْهَهُ، فَأَفَادَ قَوْلُهُ: بِوَجْهِك هَاهُنَا مَعْنَى الرّضَى وَالْقَبُولِ، وَالْإِقْبَالِ، وَلَيْسَ بِصِلَةِ فِي الْكَلَامِ كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ لِأَنّ قَوْلَهُ ذَلِكَ هُرَاءٌ مِنْ الْقَوْلِ، وَمَعْنَى الصّلَةِ عِنْدَهُ: أَنّهَا كَلِمَةٌ لَا تُفِيدُ إلّا تأكيدا للكلام،
[ ٤ / ٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَهَذَا قَوْلُ مَنْ غَلُظَ طَبْعُهُ وَبَعُدَ بِالْعُجْمَةِ عَنْ فَهْمِ الْبَلَاغَةِ قَلْبُهُ وَكَذَلِكَ قَالَ هُوَ وَمَنْ قَلّدَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ الرّحْمَنَ: ٢٧ أَيْ يَبْقَى رَبّك، وَكُلّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلّا وَجْهَهُ، أَيْ: إلّا إيّاهُ، فَعَلَى هَذَا قَدْ خَلَا ذِكْرُ، الْوَجْهِ مِنْ حِكْمَةٍ، وَكَيْفَ تَخْلُو كَلِمَةٌ مِنْهُ مِنْ الْحِكْمَةِ، وَهُوَ الكتاب الحكيم، ولكن هذا هو الموطن للثانى مِنْ مَوَاطِنِ ذِكْرِ الْوَجْهِ، وَالْمَعْنَى بِهِ مَا ظَهَرَ إلَى الْقُلُوبِ وَالْبَصَائِرِ مِنْ أَوْصَافِ جَلَالِهِ ومجده، والوجه لغة ما ظهر من الشىء مَعْقُولًا كَانَ أَوْ مَحْسُوسًا، تَقُولُ: هَذَا وَجْهُ الْمَسْأَلَةِ، وَوَجْهُ الْحَدِيثِ، أَيْ: الظّاهِرُ إلَى رَأْيِك مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الثّوْبُ مَا ظَهَرَ إلَى بَصَرِك مِنْهُ، وَالْبَصَائِرُ لَا تُحِيطُ بِأَوْصَافِ جَلَالِهِ، وَمَا يَظْهَرُ لَهَا مِنْ ذَلِكَ أَقَلّ مِمّا يَغِيبُ عَنْهَا، وَهُوَ الظّاهِرُ وَالْبَاطِنُ- تَعَالَى وَجَلّ- وَكَذَلِكَ فِي الْجَنّةِ نَظَرُ أَهْلِهَا إلَى وَجْهِهِ سُبْحَانَهُ إنّمَا هُوَ نَظَرٌ إلَى مَا يَرَوْنَ مِنْ ظَاهِرِ جَلَالِهِ إلَيْهِمْ عِنْدَ تَجَلّيهِ، وَرَفْعِ الْحِجَابِ دُونَهُمْ، وَمَا لَا يُدْرِكُونَ مِنْ ذَلِكَ الْجَلَالِ أَكْثَرُ مِمّا أَدْرَكُوا. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ الرّحْمَنَ: ٢٦، ٢٧ لَمّا كَانَتْ السّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، قَدْ أَظَهَرَتْ مِنْ قُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، مَا أَظَهَرَتْ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنّ فَنَاءَهَا لَا يُغَيّرُ مَا عُلِمَ مِنْ سُلْطَانِهِ وَظَهَرَ إلَى الْبَصَائِرِ مِنْ جَلَالِهِ، فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ الْجَلَالُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهَا، وَهُوَ بَاقٍ بَعْدَ فَنَائِهَا كَمَا كَانَ فِي الْقِدَمِ، فَهُوَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، قَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ: تَجَلّلَ بِالْبَهَاءِ وَأَكْرَمَ مَنْ شَاءَ بِالنّظَرِ إلَى وَجْهِهِ أَمّا الْأَشْعَرِيّ فَذَهَبَ فِي مَعْنَى الْوَجْهِ إلَى مَا ذَهَبَ فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْعَيْنِ وَالْيَدِ، وَأَنّهَا صِفَاتٌ لِلّهِ تَعَالَى لَمْ تُعْلَمْ مِنْ جِهَةِ
[ ٤ / ٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْعُقُولِ، وَلَا مِنْ جِهَةِ الشّرْعِ الْمَنْقُولِ، وَهَذِهِ عُجْمَةٌ أَيْضًا فَإِنّهُ نَزَلَ بِلِسَانِ عَرَبِيّ مُبِينٍ، فَقَدْ فَهِمَتْهُ الْعَرَبُ لَمّا نَزَلَ بِلِسَانِهَا، وَلَيْسَ فِي لُغَتِهَا أَنّ الْوَجْهَ صِفَةٌ وَلَا إشْكَالَ عَلَى الْمُؤْمِنِ مِنْهُمْ، وَلَا عَلَى الْكَافِرِ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيِ الّتِي، اُحْتِيجَ آخِرَ الزّمَانِ إلى الكلام فيها مَعَ الْعُجْمَانِ، لِأَنّ الْمُؤْمِنَ لَمْ يَخْشَ عَلَى عَقِيدَتِهِ شَكّا وَلَا تَشْبِيهًا، فَلَمْ يَسْتَفْسِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ رَسُولَ اللهِ ﵇، وَلَا سَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ الّتِي هِيَ الْيَوْمَ مُشْكِلَةٌ عِنْدَ عَوَامّ النّاسِ «١»، وَلَا الْكَافِرُ فِي ذَلِكَ
_________________
(١) كلامه هنا جيد، ولقد سأل الصحابة عن المحيض، والأنفال واليتامى، والقتال فى الشهر الحرام، وعن الخمر والميسر، وعما ينفقون، وعن غير ذلك كما بين كتاب الله، والمتدبر لما أثبته القرآن من أسئلتهم لا يجد من بينها سؤالا عن عين الله أو وجهه أو يديه مما يؤكد أنهم آمنوا بأن لله سبحانه كل هذا الذى ذكر فى القرآن، وأنهم آمنوا بأن ما يضاف إلى الخلاق لا يمكن أن يكون مشبها لما يضاف إلى المخلوق، لأن الله يقول (ليس كمثله شىء) ولأن العقل الصحيح يحيل ذلك أما الأشعرى فهو على بن إسماعيل بن إسحاق وكنيته أبو الحسن ولد بالبصرة سنة ٢٧٠ هـ. أو ٢٦٠ هـ. وقد أقام على دين المعتزلة قرابة أربعين عاما، ثم غاب عن الناس مدة خمسة عشر يوما، ثم خرج إلى المسجد الجامع بالبصرة، فصعد على منبره ونادى بصوت جهورى: أنا فلان بن فلان، اشهدوا على أنى كنت على غير دين الإسلام، وأنى قد أسلمت الساعة. وأنى تائب مما كنت أقول بالاعتزال، ثم نول، ومضى يؤلف الكتب ضد المعتزلة والرافضة والجهمية والخوارج، ولكن كان لا يزال يعانى مسا من الاعتزال بدا فى تأويله لبعض الصفات فكان مذهبه مزيجا من آراء المعتزلة وآراء المحدثين، ثم انتهى به الأمر إلى تأييد مذهب أهل السنة فى الصفات. وإليك ما انتهى إليه أمره فى أمر الصفات الإلهية: «إن كثيرا من الزائغين عن الحق من المعتزلة، وأهل القدر مالت بهم-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ــ - أهواؤهم إلى تقليد رؤسائهم، ومن مضى من أسلافهم، فتأولوا من القرآن على آرائهم تأويلا لم ينزل الله به سلطانا، ولا أوضح به برهانا، ولا نقلوه عن رسول رب العالمين، ولا عن السلف المتقدمين، فخالفوا روايات الصحابة ﵈ عن نبى الله صلوات الله عليه وسلامه فى رؤية الله ﷿ بالأبصار، ودفعوا أن يكون لله وجه مع قوله ﷿: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ وأنكروا أن يكون له يدان مع قوله: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ وأنكروا أن يكون له عين مع قوله تَجْرِي بِأَعْيُنِنا، وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي وبعد أن أصدر حكمه على مؤولة الصفات ومعطلتها بالزيغ قال: «فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة. فعرفرنا قولكم الذى به تقولون وديانتكم التى بها تدينون، قيل له، قولنا الذى نقوله به، وديانتنا التى ندين بها: التمسك بكتاب ربنا ﷿ وبسنة نبينا «ص»، وما روى عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، ثم فصل معتقده تفصيلا واضحا، ورد فى قوة على مؤولة الصفات، وإليك بعض ما قاله: «فمن سألنا، فقال: أتقولون: إن لله سبحانه وجها؟ قيل له نقول ذلك خلافا لما قاله المبتدعون. وقد دل على ذلك قول الله ﷿: (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) وإن سئلنا: أتقولون إن لله يدين؟ قيل نقول ذلك، وقد دل عليه قوله ﷿: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) وقال ﷿: (لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) وقال ﷿: (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) الخ. وقد ذكر كل هذا فى كتابه الإبانة تحت هذا العنوان «باب الكلام فى الوجه والعينين والبصر واليدين» كما فصل معتقده فى كتابه (مقالات الإسلاميين، وقد ورد معتقده فى كتاب الإبانة من ص ٧ إلى ص ٤١ وهو مطبوع سنة ١٣٤٨. أما فى مقالات الإسلاميين فقد ورد فى ص ٣٢٠ وما بعدها ح ١ من طبع النهضة. وانظر أيضا تبيين كذب المفترى فيما نسب إلى الإمام أبى الحسن الأشعرى للامام ابن عساكر فقد فصل ما ذكره الأشعرى فى الإبانة، وانظر كتابى «الصفات الإلهية» فقد استقصيت فيه القول عن الصفات عن-
[ ٤ / ٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الزّمَانِ لَمْ يَتَعَلّقْ بِهَا فِي مَعْرِضِ الْمُنَاقَضَةِ وَالْمُجَادَلَةِ، كَمَا فَعَلُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّكُمْ
_________________
(١) - أكثر أئمة الأشاعرة كالباقلانى والجوينى وابن فورك والرازى والغزالى. هذا وقد فصل الإمام الجليل ابن القيم آراء المؤولة والمعطلة فى الصفات كتابه الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ط السلفية سنة ١٣٤٨ وإليك بعض ما ذكره باختصار «وجه الرب ﷻ حيث ورد فى الكتاب والسنة، فليس بمجاز بل على حقيقته، واختلف المعطلون فى جهة التجوز فى هذا فقالت طائفة: لفظ الوجه زائد، والتقدير: ويبقى ربك وقالت فرقة أخرى منهم الوجه بمعنى الذات، وهذا قول أولئك وإن اختلفوا فى التعبير عنه، وقالت فرقة: ثوابه، وجزاؤه، فجعله هؤلاء مخلوقا منفصلا، قالوا: لأن المراد هو الثواب، وهذه أقوال نعوذ بوجه الله العظيم من أن يجعلنا من أهلها» ثم ذكر الإمام ابن القيم مارد به عثمان بن سعيد الدارمى على بشر المريسى فقال: «لما فرغ المريسى من إنكار اليدين ونفيهما عن الله أقبل قبل وجه الله ذى الجلال والإكرام، لينفيه عنه، كما نفى عنه اليدين، فلم يدع غاية فى إنكار وجه الله ذى الجلال والإكرام والجحود به حتى ادعى أن وجه الله الذى وصفه بأنه ذو الجلال والإكرام مخلوق، لأنه ادعى أنه أعمال مخلوقه يتوجه بها إليه، وثواب وإنعام مخلوق يثيب به العامل، وزعم أنه قبلة الله، وقبلة الله لا شك مخلوقة» ثم ذكر بالتفصيل مارد به الدارمى على المريسى لإثبات أن لله وجها حقيقة لا مجازا بستة وعشرين وجها منها: أن الصحابة ﵃ والتابعين وجميع أهل السنة والحديث والأئمة الأربعة وأهل الاستقامة من أتباعهم متفقون على أن المؤمنين يرون وجه ربهم فى الجنة، وهى الزيادة التى فسر بها النبى «ص» والصحابة: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ) فروى مسلم فى صحيحه بإسناده عن النبى «ص» فى قوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ) قال: النظر إلى وجه الله تعالى، فمن أنكر حقيقة الوجه، لم يكن للنظر عنده حقيقة ولا سيما إذا أنكر الوجه والعلو فيعود النظر عنده إلى خيال مجرد ص ١٧٤ وما بعدها ح ٢ الصواعق المرسلة.
[ ٤ / ٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ الْأَنْبِيَاءَ: ٩٨ وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْهُمْ:
يَزْعُمُ مُحَمّدٌ أَنّ اللهَ مَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ، ثُمّ يُثْبِتُ لَهُ وَجْهًا وَيَدَيْنِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَدَلّ عَلَى أَنّهُمْ لَمْ يَرَوْا فِي الْآيَةِ إشْكَالًا، وَتَلَقّوْا مَعَانِيَهَا عَلَى غَيْرِ التّشْبِيهِ، وَعَرَفُوا مِنْ سَمَانَةِ الْكَلَامِ، وَمَلَاحَةِ الِاسْتِعَارَةِ أَنّهُ مُعْجِزٌ، فَلَمْ يَتَعَاطَوْا لَهُ مُعَارَضَةً، وَلَا تَوَهّمُوا فِيهِ مُنَاقَضَةً، وَقَدْ أَمْلَيْنَا فِي مَعْنَى الْيَدَيْنِ وَالْعَيْنِ مَسْأَلَةً بَدِيعَةً جِدّا، فَلْتُنْظَرْ هُنَالِكَ.
وَأَمّا النّورُ فَعِبَارَةٌ عَنْ الظّهُورِ وَانْكِشَافِ الْحَقَائِقِ الْإِلَهِيّةِ، وَبِهِ أَشْرَقَتْ الظّلُمَاتُ، أَيْ أَشْرَقَتْ مَحَالّهَا وَهِيَ الْقُلُوبُ الّتِي كَانَتْ فِيهَا ظُلُمَاتُ الْجَهَالَةِ وَالشّكُوكِ، فَاسْتَنَارَتْ الْقُلُوبُ بِنُورِ اللهِ، وَقَدْ قَالَ الْمُفَسّرُونَ فى قوله تعالى:
مَثَلُ نُورِهِ أَيْ: مَثَلُ نُورِهِ فِي قَلْبٍ فِي الْمُؤْمِنِ كَمِشْكَاةِ، فَهُوَ إذًا نُورُ الْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ: الْمُجْلِي لِكُلّ ظُلْمَةٍ وَشَكّ، قَالَ كَعْبٌ: الْمِشْكَاةُ مَثَلٌ لِفَهْمِهِ، وَالْمِصْبَاحُ مَثَلٌ لِلِسَانِهِ، وَالزّجَاجَةُ: مَثَلٌ لِصَدْرِهِ، أَوْ لِقَلْبِهِ أَيْ:
قَلْبِ مُحَمّدٍ ﷺ، وَقَالَ أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِك، وَلَوْ قَالَ: بِنُورِك لَحَسُنَ، وَلَكِنْ تَوَسّلَ إلَيْهِ بِمَا أَوْدَعَ قَلْبَهُ مِنْ نُورِهِ، فَتَوَسّلَ إلَى نِعْمَتِهِ بِنِعْمَتِهِ وَإِلَى فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَقَدْ تَكُونُ الظّلُمَاتُ هَاهُنَا أَيْضًا الظّلُمَاتِ الْمَحْسُوسَةَ وَإِشْرَاقُهَا جَلَالَتُهَا عَلَى خَالِقِهَا، وَكَذَلِكَ الْأَنْوَارُ الْمَحْسُوسَةُ، الْكُلّ دَالّ عَلَيْهِ فَهُوَ نُورُ النّورِ، أَيْ: مَظْهَرُهُ مُنَوّرُ الظّلُمَاتِ، أَيْ جَاعِلُهَا نُورًا فِي حُكْمِ الدلالة عليه ﷾ «١» .
_________________
(١) الله نور: رد الإمام ابن القيم على من زعم أن هذا الاسم مجاز فى كتابه-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ــ - «الصواعق» ردا عظيما، وإليك بعض ما ذكره «إن النور جاء فى أسمائه تعالى، وهذا الاسم مما تلقته الأمة بالقبول، وأثبتوه فى أسمائه الحسنى ومحال أن يسمى نفسه نورا، وليس له نور ولا صفة النور ثابتة له، كما أن من المستحيل أن يكون عليما قديرا سميعا بصيرا، ولا علم له ولا قدرة بل صحة هذه الأسماء عليه مستلزمة لثبوت معانيها له، وانتفاء حقائقها عنه مستلزم لنفيها عنه، والثانى باطل قطعا فتعين الأول» ثم يقول: «إن النبى «ص» لما سأله أبو ذر هل رأيت ربك، قال: «نور أنى أراه» رواه مسلم فى صحيحه، وفى الحديث قولان: أحدهما: أن معناه: ثم نور، أى: فهناك نور منعنى رؤيته، ويدل على هذا المعنى شيئان أحدهما: قوله فى اللفظ الآخر فى الحديث. رأيت نورا، فهذا النور الذى رآه، هو الذى حال بينه وبين رؤية الذات. الثانى: قوله فى حديث أبى موسى: «إن الله لا ينام، ولا ينبغى له أن ينام، يخفض القسط، ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه، لأحزقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» رواه مسلم فى صحيحه.. المعنى الثانى فى الحديث أنه سبحانه نور، فلا يمكننى رؤيته، لأن نوره الذى لو كشف الحجاب عنه لاحترقت السموات والأرض وما بينهما مانع من رؤيته، فان كان المراد هو المعنى الثانى، فظاهر، وإن كان الأول فلا ريب أنه إذا كان نور الحجاب مانعا من ذاته، فنور ذاته سبحانه أعظم من نور الحجاب، بل الحجاب إنما استنار بنوره، فإن نور السموات إذا كان من نور وجهه- كما قال عبد الله بن مسعود- فنور الحجاب الذى فوق السموات أولى أن يكون من نوره، وهل يعقل أن يكون النور حجاب من ليس له نور؟! هذا أبين المحال، وعلى هذا، فلا تناقض بين قوله: «ص»: رأيت نورا، وبين قوله: «نور أنى أراه» فإن المنفى مكافحة الرؤية للذات المقدسة، والمثبت: رؤية ما ظهر من نور الذات» ثم يقول: «ما ثبت فى الصحيحين عن ابن عباس أن النبى «ص» كان يقول إذا قام من الليل: «اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض» الحديث وهو يقتضى أن كونه-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ــ - نور السموات والأرض مغاير لكونه رب السموات والأرض، ومعلوم أن إصلاحه السموات والأرض بالأنوار وهدايته لمن فيها هى ربوبيته، فدل على أن معنى كونه نور السموات والأرض أمر وراء ربوبيتهما» ثم ذكر ما نقله ابن فورك عن مذهب الأشعرى فى هذا، فقال: «إن المشهور من مذهبه- يعنى مذهب الأشعرى- بأن الله سبحانه نور لا كالأنوار حقيقة لا بمعنى أنه هاد، وعلى ذلك نص- أى الأشعرى- فى كتاب التوحيد فى باب مفرد لذلك تكلم فيه على المعتزلة، إذ تأولوا ذلك على معنى أنه هاد، فقال: إن سأل عن الله ﷿ أنور هو؟ قيل له: كلامك يحتمل وجهين إن كنت تريد أنه نور يتجزأ يجوز عليه الزيادة والنقصان، فلا وهذه صفة النور المخلوق، وإن كنت تريد معنى ما قاله الله سبحانه: (اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) فالله سبحانه نور السموات والأرض على ما قال، فإن قال: فما معنى قولك: نور؟ قيل له: قد أخبرناك ما معنى النور المخلوق، وما معنى النور الخالق، وهو سبحانه الذى ليس كمثله شىء، ومن تعدى أن يقول: الله نور، فقد تعدى إلى غير سبيل المؤمنين، لأن الله لم يكن يسمى نفسه لعباده بما ليس هو به، فإن قال لا أعرف النور إلا هذا النور المضىء المتجزىء، قيل له: فإن: كان لا يكون نور إلا كذلك، فكذلك لا يكون شيئا إلا وحكمه حكم ذلك الشىء، ثم قال ابن فورك: فإذا قال الله ﷿: إنى نور، قلت: أنا هو نور على ما قال ﷾، وقلت أنت ليس هو نورا، فمن المثبت له على الحقيقة: أنا أو أنت؟ وكيف يتبين الحق فيه إلا من جهة ما أخبر الله سبحانه، والدافع لما قال الله كافر بالله» ثم ذكر ابن القيم ما يأتى: «وقال أبو بكر بن العربى: قد اختلف الناس بعد معرفتهم بالنور على ستة أقوال، الأول: معناه: هاد، قاله ابن عباس، والثانى معناه: منور، قاله ابن مسعود.:. والثالث، مزين، وهو يرجع إلى معنى منور قاله أبى بن كعب، الرابع: أنه ظاهر، الخامس: ذو النور. السادس: أنه نور لا كالأنوار، قاله أبو الحسن الأشعرى قال: وقالت المعتزلة: لا يقال له نور إلا بإضافة، قال: الصحيح عندنا أنه نور، لا كالأنوار، لأنه حقيقة، -
[ ٤ / ٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خَبَرُ عَدّاسٍ فَصْلٌ: وَذَكَرَ خَبَرَ عَدّاسٍ غُلَامِ عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ حِينَ جَاءَ بِالْقِطْفِ مِنْ عِنْدِهِمَا إلَى آخِرِ الْقِصّةِ، وَفِيهِ قَبُولُ هَدِيّةِ الْمُشْرِكِ، وَأَنْ لَا يَتَوَرّعَ عَنْ طَعَامِهِ، وَسَيَأْتِي اسْتِقْصَاءُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَزَادَ التّيْمِيّ فِيهَا أَنّ عَدّاسًا حِينَ سَمِعَهُ يَذْكُرُ يُونُسَ بْنَ مَتّى قَالَ: وَاَللهِ لَقَدْ خَرَجْت مِنْهَا يَعْنِي: نِينَوَى «١»، وَمَا فِيهَا عَشَرَةٌ يَعْرِفُونَ: مَا مَتّى، فَمِنْ أَيْنَ عَرَفْت أَنْتَ مَتّى، وَأَنْتَ أُمّيّ، وَفِي أُمّةٍ أُمّيّةٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ-: هو أَخِي، كَانَ نَبِيّا، وَأَنَا نَبِيّ، وَذَكَرُوا أَيْضًا أَنّ عَدّاسًا لَمّا أَرَادَ سَيّدَاهُ الْخُرُوجَ إلَى بَدْرٍ أَمَرَاهُ بِالْخُرُوجِ مَعَهُمَا فَقَالَ لَهُمَا: أَقِتَالَ ذَلِكَ الرّجُلِ الّذِي رَأَيْته بِحَائِطِكُمَا تُرِيدَانِ، وَاَللهِ مَا تَقُومُ لَهُ الْجِبَالُ، فَقَالَا لَهُ: وَيْحَك يا عدّاس: قد سحرك بلسانه، وعند مَا لَقِيَ رَسُولُ اللهِﷺ- مِنْ أَهْلِ الطّائِفِ، مَا لَقِيَ، وَدَعَا بِالدّعَاءِ «٢» الْمُتَقَدّمِ، نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ وَمَعَهُ مَلَكُ الْجِبَالِ كَمَا رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدّثَنِي عُرْوَةُ أَنّ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبِيّﷺ- حَدّثَتْهُ أَنّهَا قَالَتْ لِلنّبِيّ ﵇: هَلْ أَتَى عَلَيْك يَوْمٌ كان أشدّ
_________________
(١) والعدول عن الحقيقة إلى أنه هاد ومنور، وما أشبه ذلك هو مجاز من غير دليل لا يصح» ثم ضعف ما نقل عن ابن عباس، لأنه منقطع- راجع الجزء الثانى من الصواعق المرسلة من ص ١٨٨ إلى ص ٢٠٥.
(٢) تروى بضم النون أيضا والفتح أشهر «الخشنى» .
(٣) لم يخرج حديث هذا الدعاء سوى الطبرانى عن عبد الله بن جعفر.
[ ٤ / ٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَيْك مِنْ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: لَقَدْ لَقِيت مِنْ قَوْمِك، وَكَانَ أَشَدّ مَا لَقِيت مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إذْ عَرَضْت نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إلَى مَا أَرَدْت، فَانْطَلَقْت عَلَى وَجْهِي، وَأَنَا مَهْمُومٌ، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إلّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثّعَالِبِ «١»، فَرَفَعْت رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةِ قَدْ أَظَلّتْنِي، فَنَظَرْت فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إنّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِك لَك، وَمَا رَدّوا عَلَيْك، وَقَدْ بَعَثَ إلَيْك مَلَكَ الْجِبَالِ، لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْت فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلّمَ عَلَيّ فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ ذَلِكَ لَك، إنْ شِئْت أَطْبَقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ، وَلَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا. هَكَذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ: ابْنُ عَبْدِ كُلَالٍ، وَهُوَ خِلَافُ مَا نَسَبَهُ ابْنُ إسْحَاقَ.
جِنّ نَصِيبِينَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ وَفْدِ جِنّ نَصِيبِينَ، وَمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ، وَقَدْ أَمْلَيْنَا أَوّلَ الْمَبْعَثَيْنِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ طَرَفًا مِنْ أَخْبَارِهِمْ وَبَيّنّا هُنَالِكَ أَسَمَاءَهُمْ، وَنَصِيبِينُ مَدِينَةٌ بِالشّامِ أَثْنَى عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ. رُوِيَ أَنّهُ قَالَ: رُفِعَتْ إلَيّ نَصِيبِينُ حَتّى رَأَيْتهَا فَدَعَوْت اللهَ أَنْ يَعْذُبَ نَهْرُهَا، وَيَنْضُرَ شَجَرُهَا، وَيَطِيبَ ثَمَرُهَا أَوْ قَالَ: وَيَكْثُرَ ثَمَرُهَا، وَتَقَدّمَ فِي أَسْمَائِهِمْ مَا ذَكَرَهُ، ابْنُ دُرَيْدٍ. قَالَ: هُمْ: مُنَشّي وَمَاشِي وَشَاصِر وَمَاصِر وَالْأَحْقَب، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى
_________________
(١) هى ميقات أهل نجد تلقاء مكة على يوم وليلة.
[ ٤ / ٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تَسْمِيَةِ هَؤُلَاءِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَمَامَ أَسْمَائِهِمْ فِيمَا تَقَدّمَ، وَفِي الصّحِيحِ أَنّ الّذِي أَذِنَ رَسُولَ اللهِﷺ- بِالْجِنّ لَيْلَةَ الْجِنّ شَجَرَةٌ، وَأَنّهُمْ سَأَلُوهُ الزّادَ، فَقَالَ: كُلّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي يَدِ أَحَدِهِمْ. أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُلّ بَعْرٍ عَلَفٌ لِدَوَابّهِمْ. زَادَ ابْنُ سَلَامٍ فِي تَفْسِيرِهِ أَنّ الْبَعْرَ يَعُودُ خَضِرًا لِدَوَابّهِمْ، ثُمّ نَهَى رَسُولُ اللهِﷺ- أَنْ يُسْتَنْجَى بِالْعَظْمِ وَالرّوْثِ، وَقَالَ: إنّهُ زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنّ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ كَمَا قَدّمْنَاهُ: «كُلّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ»، وَلَفْظُهُ فِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ: «كُلّ عَظْمٍ لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ»، وَأَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ تَدُلّ عَلَى مَعْنَى رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ فِي الْجِنّ الْمُؤْمِنِينَ، وَالرّوَايَةُ الْأُخْرَى فِي حَقّ الشّيَاطِينِ مِنْهُمْ، وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ تُعَضّدُهُ الْأَحَادِيثُ إلّا أَنّا نَكْرَهُ الْإِطَالَةَ، وَفِي هَذَا رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنّ الْجِنّ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ، وَتَأَوّلُوا قَوْلَهُ﵇ إنّ الشّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: صِنْفٌ عَلَى صُوَرِ الْحَيّاتِ، وَصِنْفٌ عَلَى صُوَرِ الْكِلَابِ سُودٌ وَصِنْفٌ رِيحٌ طَيّارَةٌ أَوْ قال: هفّافة ذووا أَجْنِحَةٍ، وَزَادَ بَعْضُ الرّوَاةِ فِي الْحَدِيثِ: وَصِنْفٌ يَخْلُونَ وَيَظْعَنُونَ، وَهُمْ السّعَالِي، وَلَعَلّ هَذَا الصّنْفَ الطّيّارَ هُوَ الّذِي لَا يَأْكُلُ، وَلَا يَشْرَبُ إنْ صَحّ الْقَوْلُ الْمُتَقَدّمُ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَرَوَيْنَا فِي حَدِيثٍ سَمِعْته يُقْرَأُ عَلَى الشّيْخِ الْحَافِظِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيّ بِسَنَدِهِ إلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَمْشِي إذْ جَاءَتْ حَيّةٌ، فَقَامَتْ إلَى جَنْبِهِ، وَأَدْنَتْ فَاهَا مِنْ أُذُنِهِ، وَكَانَتْ تُنَاجِيهِ، أَوْ نَحْوَ هَذَا، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: نَعَمْ فَانْصَرَفَتْ، قَالَ جَابِرٌ: فَسَأَلْته، فَأَخْبَرَنِي أَنّهُ
[ ٤ / ٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) رَجُلٌ مِنْ الْجِنّ، وَأَنّهُ قَالَ لَهُ: مُرْ أُمّتَك لَا يَسْتَنْجُوا بِالرّوْثِ، وَلَا بِالرّمّةِ، فَإِنّ اللهَ جَعَلَ لَنَا فِي ذَلِكَ رِزْقًا. ذِكْرُ عرضه نَفْسِهِ عَلَى الْقَبَائِلِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ عَرْضَهُ نَفْسَهُﷺ- عَلَى الْقَبَائِلِ، لِيُؤْمِنُوا بِهِ، وَلِيَنْصُرُوهُ قَبِيلَةً قَبِيلَةً، فَذَكَرَ بَنِي حَنِيفَةَ، وَاسْمُ حَنِيفَةَ: أُثَالُ بْنُ لُجَيْمٍ، وَلُجَيْمٌ: تَصْغِيرُ اللّجَمِ، وَهِيَ دُوَيْبّةٌ، قَالَ قُطْرُبٌ، وَأَنْشَدَ: لَهَا ذنب مثل ذيل العرو س إلى سبة مِثْلُ جُحْرِ اللّجَمْ ابْنُ صَعْبِ بْنِ عَلِيّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَسُمّيَ حَنِيفَةَ لِحَنَفِ كَانَ فِي رِجْلَيْهِ، وَقِيلَ: بَلْ حَنِيفَةُ أُمّهُمْ، وَهِيَ بِنْتُ كَاهِلِ بْنِ أَسَدٍ عُرِفُوا بِهَا، وَهُمْ أَهْلُ الْيَمَامَةِ، وَأَصْحَابُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذّابِ، وَقَدْ أَمْلَيْنَا فِي أَوّلِ الْكِتَابِ سَبَبَ نُزُولِهِمْ الْيَمَامَةَ وَأَوّلَ مَنْ نَزَلَهَا مِنْهُمْ. وَذَكَرَ بَيْحَرَةَ بْنَ فِرَاسٍ الْعَامِرِيّ، وَقَوْلَهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: أَفَنُهْدِفُ نُحُورَنَا، لِلْعَرَبِ دُونَك. نُهْدِفُ أَيْ: نَجْعَلُهَا هَدَفًا لِسِهَامِهِمْ، وَالْهَدَفُ: الْغَرَضُ. وَذَكَرَ قَوْلَ الشّيْخِ: هَلْ لَهَا مِنْ تَلَافٍ، أَيْ: تدارك، وهو تفاعل من مِنْ: تَلَافَيْتُهُمْ، وَهَلْ لِذُنَابَاهَا مِنْ مُطّلَبٍ: مَثَلٌ ضرب لمسافاته مِنْهَا، وَأَصْلُهُ: مِنْ ذُنَابَيْ الطّائِرِ: إذَا أَفْلَتَ مِنْ الْحِبَالَةِ، فَطَلَبْت الْأَخْذَ بِذُنَابَاهُ، وَقَالَ: مَا تَقَوّلَهَا إسْمَاعِيلِيّ قَطّ أَيْ: مَا ادّعَى النّبُوّةَ كاذبا أحد من بنى إسماعيل
[ ٤ / ٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عرضه نَفْسِهِ عَلَى كِنْدَةَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ عَرْضَهُ نَفْسَهُ على كندة، وهم بنور ثَوْرِ بْنِ مُرّةَ بْنِ أُدَدَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ميسع بْنِ عَمْرِو بْنِ عَرِيبِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كُهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ «١» عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ بَيْنَ النّسّابِينَ فِي كِنْدَةَ، وَسُمّيَ كِنْدَةَ لِأَنّهُ كَنَدَ أَبَاهُ، أَيْ عَقّهُ «٢»، وَسَمّى ابْنَهُ مُرْتِعًا لِأَنّهُ كَانَ يَجْعَلُ لِمَنْ أَتَاهُ مِنْ قومه مرتعا، فهم بنو مرتع ابن ثَوْرٍ، وَقَدْ قِيلَ إنّ ثَوْرًا هُوَ مُرْتِعٌ، وَكِنْدَةُ أَبُوهُ «٣» .
فِي هَذَا الْكِتَابِ تَتِمّةٌ لِفَائِدَتِهِ فَصْلٌ: وَذَكَرَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ مَا لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ إسْحَاقَ مِمّا رَأَيْت إمْلَاءَ بَعْضِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ تَتِمّةً لِفَائِدَتِهِ. ذَكَرَ قَاسِمُ بن ثابت والخطابى عرضه
_________________
(١) نسب ثور فى جمهرة ابن حزم هكذا: وهؤلاء بنو كندة، وهو ثور ابن عُفَيْر بْنِ عَدِيّ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُرّةَ بْنِ أُدَدَ بْنِ زَيْدِ بْنِ يشجب بن عريب ابن زيد بن كهلان بن سبأ ص ٣٩٤، ٣٩٩ وهو فى قلائد الجمان للقلقشندى أبى العباس أحمد بن على ص ٧١ كما فى الجمهرة.
(٢) فى الاشتقاق لابن دريد: ومن قبائل زيد بن كهلان: كندة، وهو كندى، واسمه: ثور وكندة من قولهم: كند نعمة الله ﷿، أى كفرها، ومن قول الله جل ثناؤه: إن الإنسان لربه لكنود ص ٣٦٢ وقال صاحب حماة، وسمى كندة لأنه كند أباه أى كفر نعمته ص ٧١ قلائد الجمان.
(٣) فى جمهرة ابن حزم «ولد كندة بن عفير: معاوية وأشرس» ثم يقول: من بطون كندة: معاوية ووهب وبدار والرائش بطون كبار، وهم بنو الحارث ابن معاوية بن ثور بن مرتع، وهو عمرو بن معاوية بن كندة» ص ٣٩٩ وعلى هذا يكون مرتع هو ابن ابن كندة.
[ ٤ / ٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَفْسَهُ عَلَى بَنِي ذُهْلِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، ثُمّ عَلَى بَنِي شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ، فَذَكَرَ الْخَطّابِيّ وَقَاسِمٌ «١» جَمِيعًا مَا كَانَ مِنْ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ مَعَ دَغْفَلِ بْنِ حَنْظَلَةَ الذّهْلِيّ زَادَ قَاسِمٌ تَكْمِلَةَ الْحَدِيثِ فَرَأَيْنَا أَنْ نَذْكُرَ زِيَادَةَ قَاسِمٍ، فَإِنّهَا مِمّا تَلِيقُ بِهَذَا الْكِتَابِ قَالَ: ثُمّ دَفَعْنَا إلَى مَجْلِسٍ آخَرَ عَلَيْهِمْ السّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، فَتَقَدّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَسَلّمَ قَالَ عَلِيّ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ مُقَدّمًا فِي كُلّ خَيْرٍ، فَقَالَ مِمّنْ الْقَوْمُ، فَقَالُوا: مِنْ شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ، فَالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- فَقَالَ:
بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي، هَؤُلَاءِ غُرَرٌ فِي قَوْمِهِمْ، وَفِيهِمْ مَفْرُوقُ بن عمرو وهانىء بْنُ قَبِيصَةَ، وَمُثَنّى بْنُ حَارِثَةَ، وَالنّعْمَانُ بْنُ شَرِيكٍ؛ وَكَانَ مَفْرُوقُ بْنُ عَمْرٍو قَدْ غَلَبَهُمْ جَمَالًا وَلِسَانًا «٢» وَكَانَتْ لَهُ غَدِيرَتَانِ تَسْقُطَانِ عَلَى تَرِيبَتَيْهِ «٣»، وَكَانَ أَدْنَى الْقَوْمِ مَجْلِسًا مِنْ أَبِي بكر، فقال له أَبُو بَكْرٍ: كَيْفَ الْعَدَدُ فِيكُمْ؟ قَالَ لَهُ مَفْرُوقٌ إنّا لَنَزِيدُ عَلَى الْأَلْفِ، وَلَنْ تُغْلَبَ أَلْفٌ مِنْ قِلّة فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَيْفَ المنعة
_________________
(١) ذكر الزرقانى فى شرحه على المواهب ص ٣٠٩ ج ١ شرح المواهب أن هذا الحديث أخرجه الحاكم وأبو نعيم والبيهقى بإسناد حسن عن ابن عباس. واقرأ فى الأمالى صفحتى ٢٨٤ ج ٢، ص ٢٥ ج ٣ الأمالى ج ٢ وفى حاشية الاشتقاق بقلم الأستاذ عبد السلام هارون: «بخط مغلطاى: دغفل هذا لقى النبى ﵇، وهو ابن ثلاث وستين سنة قاله البخارى. وقال: لا يعرف له إدراك النبى ﵇ وتابعه على القول جماعة منهم: ابن حبان والزهرى وابن سعد وابن أبى حاتم، والعسكرى» ص ٣٥١ الاشتقاق.
(٢) انظر الاشتقاق ص ٣٥٨، وفيه عن هانىء: وكان شرفيا عظيم القدر. وكان نصرانيا، وأدرك الإسلام فلم يسلم، ومات بالكوفة.
(٣) التريبة: واحدة الترائب، وهى عظام الصدر.
[ ٤ / ٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِيكُمْ؟ فَقَالَ مَفْرُوقٌ: عَلَيْنَا الْجَهْدُ، وَلِكُلّ قَوْمٍ جد، فقال أبو بكر: كيف الحزب بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عَدُوّكُمْ؟ فَقَالَ مَفْرُوقٌ: إنّا لَأَشَدّ مَا نَكُون غَضَبًا لَحِينَ نَلْقَى، وَإِنّا لَأَشَدّ مَا نَكُونُ لِقَاءً حِينَ نَغْضَبُ، وَإِنّا لَنُؤْثِرُ الْجِيَادَ عَلَى الْأَوْلَادِ، وَالسّلَاحَ عَلَى اللّقَاحِ «١»، وَالنّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، يُدِيلُنَا مَرّةً وَيُدِيلُ عَلَيْنَا، لعلك أخو قريش؟
فقال أبكر أو قد بَلَغَكُمْ أَنّهُ رَسُولُ اللهِ، فَهَا هُوَ ذَا، فَقَالَ مَفْرُوقٌ: قَدْ بَلَغَنَا أَنّهُ يَذْكُرُ ذَلِكَ، فَإِلَى مَ تَدْعُو إلَيْهِ يَا أَخَا قُرَيْشٍ؟ فَتَقَدّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: أَدْعُو إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنّي رَسُولُ اللهِ، وَإِلَى أَنْ تُؤْوُونِي، وَتَنْصُرُونِي، فَإِنّ قُرَيْشًا قَدْ ظَاهَرَتْ عَلَى أَمْرِ اللهِ، وَكَذّبَتْ رَسُولَهُ، وَاسْتَغْنَتْ بِالْبَاطِلِ عَنْ الْحَقّ وَاَللهُ هُوَ الْغَنِيّ الْحَمِيدُ، فَقَالَ مَفْرُوقٌ: وَإِلَى مَ تَدْعُو أَيْضًا يَا أَخَا قُرَيْشٍ؟ فَتَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ، نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ، وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ الْأَنْعَامَ: ١٥١ فَقَالَ مفروق: وإلى مم تَدْعُو أَيْضًا يَا أَخَا قُرَيْشٍ؟ فتلا رسول الله- صلى الله عليه سلم- (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ، وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى، وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) النّحْلَ: ٩٠ فَقَالَ مَفْرُوقٌ: دَعَوْت وَاَللهِ يَا أَخَا قُرَيْشٍ إلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ، وَاَللهِ لَقَدْ أَفِكَ قَوْمٌ كَذّبُوك، وَظَاهَرُوا عليك، وكأنه أراد أن يشركه
_________________
(١) اللقاح: الإبل.
[ ٤ / ٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فى الكلام هانىء بن قبيصة، فقال: وهذا هانىء بن قبيصة شيخنا، وصاحب ديننا، فقال هانىء: قَدْ سَمِعْت مَقَالَتَك يَا أَخَا قُرَيْشٍ، وَإِنّي أَرَى أَنّ تَرْكَنَا دِينَنَا وَاتّبَاعَنَا إيّاكَ عَلَى دِينِك لِمَجْلِسِ جَلَسْته إلَيْنَا لَيْسَ لَهُ أَوّلٌ وَلَا آخِرُ زَلّةٌ فِي الرّأْيِ، وَقِلّةُ نَظَرٍ فِي الْعَاقِبَةِ، وَإِنّمَا تَكُونُ الزّلّةُ مَعَ الْعَجَلَةِ، وَمِنْ وَرَائِنَا قَوْمٌ نَكْرَهُ أَنْ نَعْقِدَ عَلَيْهِمْ عَقْدًا، وَلَكِنْ تَرْجِعُ وَنَرْجِعُ وَتَنْظُرُ وَنَنْظُرُ، وَكَأَنّهُ أَحَبّ أَنْ يَشْرَكَهُ فِي الْكَلَامِ الْمُثَنّى، فَقَالَ: وَهَذَا الْمُثَنّى بْنُ حَارِثَةَ شَيْخُنَا وَصَاحِبُ حَرْبِنَا، فَقَالَ الْمُثَنّى: قَدْ سَمِعْت مَقَالَتَك يَا أَخَا قريش، والجواب:
هو جواب هانىء بْنِ قَبِيصَةَ فِي تَرْكِنَا دِينَنَا، وَاتّبَاعِنَا إيّاكَ لِمَجْلِسِ جَلَسْته إلَيْنَا لَيْسَ لَهُ أَوّلٌ وَلَا آخِرُ، وَإِنّا إنّمَا نَزَلْنَا بَيْنَ صَرَيَانِ الْيَمَامَةِ وَالسّمَاوَةِ «١»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ مَا هَذَانِ الصّرَيَانِ؟ فَقَالَ أَنْهَارُ كِسْرَى، وَمِيَاهُ الْعَرَبِ، فَأَمّا مَا كَانَ مِنْ أَنْهَارِ كِسْرَى، فَذَنْبُ صَاحِبَيْهِ غَيْرُ مَغْفُورٍ، وَعُذْرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَأَمّا مَا كَانَ مِنْ مِيَاهِ الْعَرَبِ، فَذَنْبُهُ مَغْفُورٌ وَعُذْرُهُ مَقْبُولٌ، وَإِنّمَا نَزَلْنَا عَلَى عَهْدٍ أَخَذَهُ عَلَيْنَا كِسْرَى أَنْ لَا نُحْدِثَ حَدَثًا وَلَا نُؤْوِيَ مُحْدِثًا، وَإِنّي أَرَى هَذَا
_________________
(١) فى النهاية لابن الأثير «وإنما نزلنا الصريين» وهو الصواب، ثم قال اليمامة والسمامة» وقال عن المصرى: وهو الماء المجتمع، وذكرها مرة أخرى فى مادة صير «وفى حديث عرضه على القبائل: قال له المثنى بن حارثة: إنا نزلنا بين صيرين: اليمامة والسمامة. فقال رسول الله ص»: وما هذان الصيران؟ فقال: مياء العرب، وأنهار كسرى. الصير: الماء الذى يحضره الناس، وقد صار القوم يصيرون إذا حضروا الماء. ويروى: بين صيرتين وهى فعلة منه، ويروى بين صريين تثنية صرىء وقد تقدم النهاية مادة صرى وصير لابن الأثير. والصواب: السمادة، وهى بادية بين الكوفة والسماء. أدماءة لكلب.
[ ٤ / ٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الْأَمْرَ الّذِي تَدْعُونَا إلَيْهِ هُوَ مِمّا تَكْرَهُهُ الْمُلُوكُ، فَإِنْ أَحْبَبْت أَنْ نُؤْوِيَك وَنَنْصُرَك مِمّا يَلِي مِيَاهَ الْعَرَبِ، فَعَلْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ- مَا أَسَأْتُمْ فِي الرّدّ، إذْ أَفْصَحْتُمْ بِالصّدْقِ، وَإِنّ دِينَ اللهِ لَنْ يَنْصُرَهُ إلّا مَنْ حَاطَهُ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ أَرَأَيْتُمْ إنْ لَمْ تَلْبَثُوا إلّا قَلِيلًا حَتّى يُورِثَكُمْ اللهُ أَرْضَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَيُفْرِشَكُمْ نِسَاءَهُمْ، أَتُسَبّحُونَ اللهَ وَتُقَدّسُونَهُ، فَقَالَ النّعْمَانُ بْنُ شَرِيكٍ: اللهُمّ لَك ذَا، فَتَلَا رسول اللهﷺ: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا ثُمّ نَهَضَ النّبِيّﷺ- فَأَخَذَ بِيَدَيّ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ يَا أَبَا حُسْنٍ أَيّةُ أَخْلَاقٍ فِي الْجَاهِلِيّةِ، مَا أَشْرَفَهَا بِهَا يَدْفَعُ اللهُ بَأْسَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، وَبِهَا يَتَحَاجَزُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ قَالَ: ثُمّ دَفَعْنَا إلَى مَجْلِسِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، فَمَا نَهَضْنَا حَتّى بَايَعُوا النّبِيّ ﷺ، وَكَانُوا صُدَقَاءَ صُبَرَاءَ، وَرَوَى فِي حَدِيثٍ مُسْنَدٍ إلَى طَارِقٍ، قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرّتَيْنِ: رَأَيْته بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ، يَقُولُ: يَا أَيّهَا النّاسُ قُولُوا: لَا إلَهَ إلّا اللهُ تُفْلِحُوا، وَخَلْفَهُ رَجُلٌ لَهُ غَدِيرَتَانِ يَرْجُمُهُ بِالْحِجَارَةِ، حَتّى أَدْمَى كَعْبَيْهِ، يَقُولُ: يَا أَيّهَا النّاسُ لَا تَسْمَعُوا مِنْهُ، فَإِنّهُ كَذّابٌ، فَسَأَلْت عَنْهُ، فَقِيلَ: هُوَ غُلَامُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، قُلْت وَمَنْ الرّجُلُ يَرْجُمُهُ؟ فَقِيلَ لِي: هُوَ عَمّهُ عَبْدُ الْعُزّى أَبُو لَهَبٍ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ. خَرّجَهُ الدّارَقُطْنِيّ، وَوَقَعَ أَيْضًا فِي السّيرَةِ مِنْ رِوَايَةِ يونس.
[ ٤ / ٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حديث سويد بن صامت:
فَصْلٌ: ذَكَرَ حَدِيثَ سُوَيْدِ بْنِ صَامِتٍ وَشِعْرَهُ، وَفِي الشّعْرِ:
وَبِالْغَيْبِ مَأْثُورٌ عَلَى ثُغْرَةِ النّحْر
يَعْنِي السّيْفَ، وَمَأْثُورٌ: مِنْ الْأَثْرِ وَهُوَ: فِرِنْدُ «١» السّيْفِ، وَيُقَالُ فِيهِ:
أَثر وإِثر. قَالَ الشّاعِرُ:
جَلَاهَا الصّيْعَلُونَ فَأَخْلَصُوهَا خِفَاقًا كُلّهَا يَتْقِي بِأَثْرِ «٢»
أَرَادَ: يَتّقِي، وَسُوَيْدٌ: هُوَ: الْكَامِلُ، وَهُوَ ابْنُ الصّلت بن حوط
_________________
(١) جوهر السيف ووشيه والسيف نفسه.
(٢) البيت أنشده عيسى بن عمر لخفاف بن ندبة. وقبل البيت: ولم أر قبلهم حيا لقاحا أقاموا بين قاصية وحجر رماح مثقف حملت نصالا يلحن كأنهن نجوم بدر انظر ص ١٢٥ ج ٢ الأمالى للقالى ط ٢، ص ٧٥٢ سمط اللآلى للقالى والمعنى: إذا نظر الناظر إليها اتصل شعاعها بعينه، فلم يتمكن من النظر إليها فذلك اتقاؤها بأثرها والأصمعى لا يعرف فى الأثر إلا الفتح يقال: سيف مأثور أى فى متنه أثر، وقيل هو الذى يقال إنه يعمله الجن، وليس من الأثر الذى هو الفرند. قال ابن سيدة: وعندى أن المأثور مفعول لا فعل له كما ذهب إليه أبو على فى المفئود الذى هو الجبان
[ ٤ / ٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن حَبِيبِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ «١» وَأُمّهُ لَيْلَى بِنْتُ عَمْرٍو النّجّارِيّةُ أُخْتُ سَلْمَى بِنْتِ عَمْرِو [بْنِ زَيْدِ بْنِ لَبِيَدِ بْنِ خِدَاشِ بْنِ عَامِرِ ابن غَنْمِ بْنِ عَدِيّ بْنِ النّجّارِ [تَيْمِ اللهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ] أُمّ عبد المطلب ابن هَاشِمٍ، فَسُوَيْدٌ هَذَا ابْنُ خَالَةِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَبِنْتُ سُوَيْدٍ هِيَ أُمّ عَاتِكَةَ أُخْتُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ امْرَأَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، فَهُوَ جَدّهَا لِأُمّهَا وَاسْمُ أُمّهَا: زَيْنَبُ، وَقِيلَ: جَلِيسَةُ بِنْتُ سُوَيْدٍ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الزّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ «٢» .
ذِكْرُ مَجَلّةِ لُقْمَانَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ مَجَلّةَ لُقْمَانَ، وَهِيَ الصّحِيفَةُ، وَكَأَنّهَا مَفْعَلَةٌ مِنْ الْجَلَالِ وَالْجَلَالَةِ، أَمّا الْجَلَالَةُ فَمِنْ صِفَةِ الْمَخْلُوقِ، وَالْجَلَالُ مِنْ صِفَةِ اللهِ تَعَالَى، وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُقَالَ فِي المخلوق جلال وجلالة وأنشد:
_________________
(١) نسبه فى جمهرة ابن حزم هكذا: «سويد بن الصامت بن خالد بن عطية ابن خوط بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الأوسى، وقد تقدم نسبه فى السيرة كما ذكر ابن حزم، ولكن فيها حوط بالحاء المهملة، وفى الإصابة: سويد بن الصامت بن خالد بن عقبة الأوسى ذكره ابن شاهين وقال: شك فى إسلامه، وقال أبو عمر: أنا أشك فيه كما شك غيرى.. ويعلق ابن حجر على ما روى ابن إسحاق بقوله: فإن صح ما قالوا لم يعد فى الصحابة لأنه لم يلق النبى «ص» مؤمنا.
(٢) يقول الخشنى فى شرح السيرة ص ١١٧ عن بنى زعب إنها بفتح الزاى وضمها وكسرها والعين المهملة. وزغب بالزاء المكسورة والغين المعجمة قيده الدارقطنى، وذكر أن الطبرى حكاه كذلك
[ ٤ / ٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلاذا جَلَالٍ هِبْنَهُ لِجَلَالَة وَلَا ذَا ضَيَاعٍ هُنّ يَتْرُكْنَ لِلْفَقْرِ «١»
وَلُقْمَانُ كَانَ نُوبِيّا مِنْ أَهْلِ أَيْلَةَ وَهُوَ لُقْمَانُ بْنُ عَنْقَاءَ بْنِ سُرُور «٢» فِيمَا ذَكَرُوا وَابْنُهُ الّذِي ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ هُوَ ثَأْرَانُ فِيمَا ذَكَرَ الزّجّاجُ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ قِيلَ فِي اسْمِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ بِلُقْمَانَ بْنِ عَادٍ الْحِمْيَرِيّ.
ذِكْرُ قُدُومِ أَبِي الْحَيْسَرِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قُدُومَ أَبِي الْحَيْسَرِ أَنَسِ بْنِ رافع بن يطلب الحلف، وذلك
_________________
(١) البيت لهدبة بن خشرم بن كرز: بن حجر بن أبى حية الكاهن صاحب العزى وسادنها أحد بنى سعد هذيم من قضاعة. وهدبة: شاعر إسلامى يكنى أيا عمير: وقبل البيت: رأيت أخا الدنيا، وإن كان خافضا أخاسفر يسرى به، وهو لا يدرى وللأرض كم من صالح قد تكمأت عليه فوارته بكماعة القفر ويروى البيت الأول هكذا: ألا يالقوم للنوائب والدهر وللحر يأتى حتفه وهو لا يدرى انظر ص ٢٤٦ ح ١ الأمالى للقالى ط ٢؛ ص ٥٥٦، ٦٣٩ سمط اللآلى للبكرى ومرجع السهيلى فى هذا هو الأمالى، ورأى الأصمعى أن الجلال لا يقال إلا فى الله ﷿، وقال أبو حاتم وقد يقال: ويعقب البكرى فى السمط على رأى القالى فى كلمة مجلة بفتح الجيم: إنما هو مجلة- بكسر الجيم. قال أبو عبيدة: كل كتاب عند العرب مجلة بكسر الجيم، وقد روى غيره فيه الفتح
(٢) فى تفسير ابن كثير: سدوس، وفيه يذكر أن الأكثرين من السلف على أن لقمان كان عبدا صالحا من غير نبوة. وفيه وفى غيره تفصيلات كثيرة عنه.
[ ٤ / ٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بسبب لحرب الّتِي كَانَتْ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَهِيَ حَرْبُ بُعَاثٍ الْمَذْكُورَةُ، وَلَهُمْ فِيهَا أَيّامٌ مَشْهُورَةٌ هَلَكَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ صَنَادِيدِهِمْ وَأَشْرَافِهِمْ، وَبُعَاثٌ اسْمُ أَرْضٍ بِهَا عُرِفَتْ «١» .
بَدْءُ إسْلَامِ الْأَنْصَارِ وَلَمْ يكن الأنصار اسما لهم فى الجاهلية، ختى سَمّاهُمْ اللهُ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُمْ:
بَنُو الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَالْخَزْرَجُ: الرّيحُ الْبَارِدَةُ «٢» وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَهِيَ الْجَنُوبُ خَاصّةً، وَدُخُولُ الْأَلِفِ وَاللّامِ فِي الْأَوْسِ عَلَى حَدّ دُخُولِهَا فِي التّيْمِ جَمْعُ: تَيْمِيّ وَهُوَ مِنْ بَابِ: رُومِيّ وَرُومٍ، لِأَنّ الْأَوْسَ هِيَ الْعَطِيّةُ أَوْ الْعِوَضُ، وَمِثْلُ هَذَا إذَا كَانَ عَلَمًا لَا يَدْخُلُهُ الْأَلِفُ وَاللّامُ، أَلَا تَرَى أَنّ كُلّ أَوْسٍ فِي الْعَرَبِ غَيْرُ هَذَا، فَإِنّهُ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ كَأَوْسِ بن حارثة الطّائىّ وغيره
_________________
(١) يقول الخشنى «ويروى هنا: بغاث بالغين المعجمة أيضا، ويصرف ولا يصرف، ويقول البكرى فى معجم ما استعجم «ذكر عن الخليل: بغاث ولم يسمع من غيره» هذا ويقال إن القبائل التى عرض نفسه عليها أيام المواسم هى بنو عامر وغسان وبنو فزارة، وبنو مرة وبنو حنيفة، وبنو سليم، وبنو عبس، وبنو نصر، وثعلبة بن عكابة، وكندة، وكلب، وبنو الحارث بن كعب، وبنو عذرة وقيس ابن الخطيم، وأبو الحيسر أنس بن أبى رافع «هكذا فى إمتاع الأسماع لتقى الدين أحمد بن على لمقريزى ح ١ ط ١٩٤١ ص ٣٠، وفيه أنه بدأ بكندة، ثم أتى كلبا ثم بنى حنيفة، ثم بنى عامر.
(٢) فى الاشتقاق لابن دريد: الخزرج: الريح العاصف ص ٤٣٧.
[ ٤ / ٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَذَلِكَ، أَوْسٌ «١» وَأُوَيْسٌ: الذّئْبُ قَالَ الرّاجِزُ:
يَا لَيْتَ شِعْرِي عَنْهُ وَالْأَمْرُ عَمَمْ مَا فَعَلَ الْيَوْمَ أَوَيْسٌ بِالْغَنَمْ «٢»
وَأَبُوهُمْ «٣» حَارِثَةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ [بْنِ عَمْرِو مُزَيْقِيَاءَ بْنِ عَامِرٍ مَاءِ السّمَاءِ بن حارثة الغطريف بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ الْأَزْدِيّ]، وَهُوَ أَيْضًا:
والدخزاعة عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَأُمّهُمْ «٤»: قَيْلَةُ بِنْتُ كَاهِلِ بْنِ عُذْرَةَ قُضَاعِيّةٌ وَيُقَالُ: هِيَ بِنْتُ جَفْنَةَ، واسمه غلبة؟؟؟ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، وَقِيلَ: بِنْتُ سَيْعِ «٥» ابن الْهَوْنِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ، قَالَهُ الزّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي كِتَابِ أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ.
وَالْأَنْصَارُ: جَمْعُ نَاصِرٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ فِي جمع فاعل «٦»، ولكن على
_________________
(١) أوس بن حارثة بن لأم رأس طيىء، عاش- كما قيل- مائتى سنة، وهناك أوس بن حجر الشاعر الجاهلى، وأوس بن حذيفة من فرسان ثقيف الذى أدرك الإسلام وروى عن النبى ﷺ، وأوس بن المعلى، وأوس مغراء وأوس مناة الحنيك من خثعم، ولكن هناك الأوس من صعب بن همان.
(٢) البيت للهذلى، وهو فى اللسان: يا ليت شعرى عنك، والأمر أمم ما فعل اليوم أويس فى الغنم
(٣) أى والد الأوس والخزرج.
(٤) أى أم الأوس والخزرج، ونسبها فى جمهرة ابن حزم هكذا. «قيلة بنت الأرمم بن عمرو بن جفنة بن عمرو مزيقياء» ص ٣١٢ ط ١ والزيادة التى زدتها من الجمهرة.
(٥) اسمه فى نسب قريش. ييثع.
(٦) إذا كان فاعل وصفا دالا على غريزة وسجية أو أمر فطرى فإنه يجمع
[ ٤ / ٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَقْدِيرِ حَذْفِ الْأَلِفِ مِنْ نَاصِرٍ، لِأَنّهَا زَائِدَةٌ، فَالِاسْمُ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِهَا: ثُلَاثِيّ وَالثّلَاثِيّ يُجْمَعُ عَلَى أَفْعَالٍ، وَقَدْ قَالُوا فِي نَحْوِهِ صَاحِبٌ وَأَصْحَابٌ وَشَاهِدٌ وَأَشْهَادٌ.
وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّﷺ- لِلنّفَرِ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَمِنْ مَوَالِي يَهُودَ أَنْتُمْ أَيْ مِنْ حُلَفَائِهِمْ، وَالْمَوْلَى يَجْمَعُ: الْحَلِيفَ وَابْنَ الْعَمّ وَالْمُعْتَقَ وَالْمُعْتِقَ لِأَنّهُ مَفْعَلٌ مِنْ الْوِلَايَةِ، وَجَاءَ عَلَى وَزْنِ مَفْعَلٍ، لِأَنّهُ مَفْزَعٌ وَمَلْجَأٌ لِوَلِيّهِ فَجَاءَ عَلَى وَزْنِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ.
وَذَكَرَ النّفَرَ الْقَادِمِينَ فِي الْعَامِ الثّانِي الّذِينَ بَايَعُوهُ بَيْعَةَ النّسَاءِ، وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى بَيْعَةَ النّسَاءِ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ: يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا الْمُمْتَحِنَةَ ٤٣١ الْآيَةَ، فَأَرَادَ بِبَيْعَةِ النّسَاءِ أَنّهُمْ لَمْ يُبَايِعُوهُ عَلَى الْقِتَالِ، وَكَانَتْ مُبَايَعَتُهُ لِلنّسَاءِ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِنّ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ، فَإِذَا أَقْرَرْنَ بِأَلْسِنَتِهِنّ قَالَ: قَدْ بَايَعْتُكُنّ، وَمَا مَسّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ فِي مُبَايَعَةٍ «١» كَذَلِكَ قَالَتْ
_________________
(١) على فعلاء مثل شاعر وشعراء، وعاقل وعقلاء، وكذلك إذا كان دالا على ما يشبه الغريزة والسجية فى طول بقائها مثل صالح وصلحاء، وإذا كان فاعل دالا على وصف يدل على آفة طارئة من ألم أو عيب، أو نقص، أو موت جمع على فعلى مثل هالك وهلكى.
(٢) فى حديث رواه البخارى عن عائشة أنها قالت: «ولا والله ما مست يده يد امرأة فى المبايعة قط، ما يبايعهن إلا بقوله: قد بايعتكن على ذلك» وفى حديث آخر رواه أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجة من حديث سفيان ابن عيينة، والنسائى أيضا من حديث الثورى ومالك بن أنس كلهم عن محمد
[ ٤ / ٧٠ ]
[بيعة العقبة الأولى]
حَتّى إذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ وَافَى الْمَوْسِمَ مِنْ الْأَنْصَارِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَلَقَوْهُ بِالْعَقَبَةِ؛ وَهِيَ الْعَقَبَةُ الْأُولَى، فَبَايَعُوا رَسُولَ اللهِﷺ- عَلَى بَيْعَةِ النّسَاءِ، وَذَلِكَ قبل أن تفترض عليهم الحرب.
منهم من بنى النجّار، ثم بَنِي مَالِكِ بْنِ النّجّارِ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ بن عدس ابن عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّجّارِ، وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ؛ وَعَوْفٌ، وَمُعَاذٌ، ابْنَا الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ سَوَادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّجّارِ، وهما ابنا عفراء.
ــ
عَائِشَةُ، وَقَدْ رُوِيَ أَنّهُنّ كُنّ يَأْخُذْنَ بِيَدِهِ فِي الْبَيْعَةِ مِنْ فَوْقِ ثَوْبٍ، وَهُوَ قَوْلُ عَامِرٍ الشّعْبِيّ، ذَكَرَهُ عَنْهُ ابْنُ سَلَامٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالْأَوّلُ أَصَحّ وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُقْرِي النّقّاشُ فِي صِفَةِ بَيْعَةِ النّسَاءِ وَجْهًا ثَالِثًا أَوْرَدَ فِيهِ آثَارًا، وَهُوَ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- كَانَ يَغْمِسُ يَدَهُ فِي إنَاءٍ وَتَغْمِسُ الْمَرْأَةُ يَدَهَا فِيهِ عِنْدَ الْمُبَايَعَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَقْدًا لِلْبَيْعَةِ، وَلَيْسَ هَذَا بِالْمَشْهُورِ، وَلَا هُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِالثّبْتِ، غَيْرَ أَنّ ابْنَ إسْحَاقَ أَيْضًا قَدْ ذَكَرَهُ فِي رِوَايَةٍ عَنْ يونس عن أبان ابن أَبِي صَالِحٍ، وَذَكَرَ أَنْسَابَ الّذِينَ بَايَعُوهُ، وَسَنُعِيدُهُ فِي بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ وَغَزَاةِ بَدْرٍ، وَهُنَاكَ يَقَعُ التّنْبِيهُ عَلَى مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ بِعَوْنِ اللهِ.
_________________
(١) ابن المنكدر، وقال الترمذى: حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث محمد ابن المنكدر. فى هذا الحديث ورد «قلنا يا رسول الله: ألا تصافحنا؟ قال إنى لا أصافح النساء، إنما قولى لامرأة واحدة قولى لمائة امرأة» .
[ ٤ / ٧١ ]
وَمِنْ بَنِي زُرَيْقِ بْنِ عَامِرٍ: رَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ ابن زُرَيْقٍ، وَذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ خَلَدَةَ بْنِ مَخْلَدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ.
قَالَ ابن هشام: ذكوان، مهاجرىّ أنصارىّ.
وَمِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمّ مِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَهُمْ الْقَوَاقِلُ: عُبَادَةُ بْنُ الصامت بن قيس بن أصرم ابن فِهْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمٍ؛ وَأَبُو عَبْدِ الرّحْمَنِ، وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَزْمَةَ ابن أَصْرَمَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَمّارَةَ، مِنْ بَنِي غصينة، من بلىّ، حليف لهم.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِنّمَا قِيلَ لَهُمْ: الْقَوَاقِلُ، لِأَنّهُمْ كَانُوا إذَا اسْتَجَارَ بِهِمْ الرّجُلُ دَفَعُوا لَهُ سَهْمًا، وَقَالُوا لَهُ: قَوْقِلْ بِهِ بِيَثْرِبَ حَيْثُ شِئْت.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْقَوْقَلَةُ: ضَرْبٌ من المشى.
وقال ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمّ مِنْ بَنِي العجلان بن زيد بن غنم بن سالم: الْعَبّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضَلَةَ بْنِ مَالِكِ ابن العجلان.
ومن بني سَلِمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جشم ابن الْخَزْرَجِ، ثُمّ مِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَلِمَةَ: عُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ ابن نَابِي بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ.
وَمِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلِمَةَ قُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ بْنِ عَمْرِو بن غنم بن سواد.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٧٢ ]
[رِجَالُ الْعَقَبَةِ مِنْ الْأَوْسِ]
وَشَهِدَهَا مِنْ الْأَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ ثُمّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عمرو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ:
أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التّيّهَانِ، وَاسْمُهُ مَالِكٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: التّيّهَانُ: يُخَفّفُ وَيُثَقّلُ، كَقَوْلِهِ مَيْتٌ وَمَيّتٌ.
[رِجَالُ الْعَقَبَةِ الْأُولَى مِنْ بَنِي عَمْرٍو]
وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ: عويم بن ساعدة.
[بيعة الْعَقَبَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أبى حبيب، عن (أبى) مرثد ابن عَبْدِ اللهِ الْيَزَنِيّ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عُسَيْلَةَ الصّنَابِحِيّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ، قَالَ: كُنْت فِيمَنْ حَضَرَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى، وَكُنّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَبَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى بَيْعَةِ النّسَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْتَرَضَ الْحَرْبُ، عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاَللهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانِ نَفْتَرِيهِ مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيَهُ فِي مَعْرُوفٍ. فإن وفيتم فلكم الجنة. وإن غشيتم من ذلك شيئا فأمر كم إلَى اللهِ ﷿ إنْ شَاءَ عَذّبَ وإن شاء غفر.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، عَنْ عَائِذِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٧٣ ]
الْخَوْلَانِيّ أَبِي إدْرِيسَ أَنّ عُبَادَةَ بْنَ الصّامِتِ حَدّثَهُ أَنّهُ قَالَ: بَايَعَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاَللهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانِ نَفْتَرِيهِ مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك فَأُخِذْتُمْ بِحَدّهِ فِي الدّنْيَا، فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ، وَإِنْ سُتِرْتُمْ عَلَيْهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَأَمْرُكُمْ إلَى اللهِ ﷿، إنْ شَاءَ عَذّبَ، وإن شاء غفر.
[مصعب بن عمير ووفد الْعَقَبَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا انْصَرَفَ عَنْهُ الْقَوْمُ، بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُمْ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقْرِئَهُمْ الْقُرْآنَ، وَيُعَلّمَهُمْ الْإِسْلَامَ، وَيُفَقّهَهُمْ فِي الدّينِ، فَكَانَ يُسَمّى الْمُقْرِئَ بِالْمَدِينَةِ: مُصْعَبٌ وَكَانَ مَنْزِلُهُ عَلَى أَسْعَدِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ، أَبِي أُمَامَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنّهُ كان يصلى بهم، وذلك أن الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ كَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَؤُمّهُ بَعْضٌ.
أَوّلُ جُمُعَةٍ أَقِيمَتْ بِالْمَدِينَةِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنْت قَائِدَ أَبِي،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٧٤ ]
كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، حِينَ ذَهَبَ بَصَرُهُ، فَكُنْتُ إذَا خَرَجْتُ بِهِ إلَى الْجُمُعَةِ، فَسَمِعَ الْأَذَانَ بِهَا صَلّى عَلَى أَبِي أُمَامَةَ، أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ. قَالَ: فَمَكَثَ حِينًا عَلَى ذَلِكَ: لَا يَسْمَعُ الْأَذَانَ لِلْجُمُعَةِ إلّا صَلّى عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ. قَالَ: فَقُلْت فِي نَفْسِي: وَاَللهِ إنّ هذا بى لعجز، ألا أسأله ماله إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ لِلْجُمُعَةِ صَلّى عَلَى أَبِي أُمَامَةَ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ؟ قَالَ: فَخَرَجْت بِهِ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ كَمَا كُنْت أَخْرُجُ، فَلَمّا سَمِعَ الْأَذَانَ لِلْجُمُعَةِ صَلّى عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ. قال: فقلت له: يا أبت، مالك إذَا سَمِعْتَ الْأَذَانَ لِلْجُمُعَةِ صَلّيْت عَلَى أَبِي أمامة؟ قال: أَيْ بُنَيّ، كَانَ أَوّلَ مَنْ جَمّعَ بِنَا بِالْمَدِينَةِ فِي هَزْمِ النّبِيتِ، مِنْ حَرّةِ بَنِي بَيَاضَةَ، يُقَالُ لَهُ: نَقِيعُ الْخَضَمَاتِ، قَالَ قُلْت: وكم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلا.
[إسْلَامُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ بن معيقب، وعبد الله ابن أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ خَرَجَ بِمُصْعَبِ ابن عُمَيْرٍ يُرِيدُ بِهِ دَارَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَدَارَ بَنِي ظَفَرٍ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذِ ابن النّعْمَانِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عبد الأشهل ابن خَالَةِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَدَخَلَ بِهِ حَائِطًا مِنْ حَوَائِطِ بَنِي ظَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ ظَفَرٍ: كَعْبُ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مالك ابن الْأَوْسِ- قَالَا: عَلَى بِئْرٍ يُقَالُ لَهَا: بِئْرُ مَرَقٍ، فَجَلَسَا فِي الْحَائِطِ، وَاجْتَمَعَ إلَيْهِمَا رِجَالٌ مِمّنْ أَسْلَمَ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ حضير، يَوْمَئِذٍ سَيّدَا قَوْمِهِمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَكِلَاهُمَا مُشْرِكٌ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، فَلَمّا سَمِعَا به
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٧٥ ]
قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ لِأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ: لا أبالك، انْطَلِقْ إلَى هَذَيْنِ الرّجُلَيْنِ اللّذَيْنِ قَدْ أَتَيَا دَارَيْنَا لِيُسَفّهَا ضُعَفَاءَنَا، فَازْجُرْهُمَا وَانْهَهُمَا عَنْ أَنْ يَأْتِيَا دَارَيْنَا، فَإِنّهُ لَوْلَا أَنّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ مِنّي حَيْثُ قَدْ عَلِمْت كَفَيْتُك ذَلِكَ، هُوَ ابْنُ خَالَتِي، وَلَا أَجِدُ عَلَيْهِ مُقَدّمًا، قَالَ: فَأَخَذَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ حَرْبَتَهُ ثُمّ أَقْبَلَ إلَيْهِمَا، فَلَمّا رَآهُ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ لِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ: هَذَا سَيّدُ قَوْمِهِ قَدْ جَاءَك، فَاصْدُقْ اللهَ فِيهِ، قَالَ مُصْعَبٌ: إنْ يَجْلِسْ أُكَلّمْهُ. قَالَ: فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا مُتَشَتّمًا، فَقَالَ:
مَا جَاءَ بِكُمَا إلَيْنَا تُسَفّهَانِ ضُعَفَاءَنَا؟ اعْتَزِلَانَا إنْ كَانَتْ لَكُمَا بِأَنْفُسِكُمَا حَاجَةٌ، فَقَالَ له مصعب: أو تجلس فَتَسْمَعَ، فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْته كُفّ عَنْك مَا تَكْرَهُ؟ قَالَ: أَنْصَفْتَ، ثُمّ رَكَزَ حَرْبَتَهُ وَجَلَسَ إلَيْهِمَا، فَكَلّمَهُ مُصْعَبٌ بِالْإِسْلَامِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ؛ فَقَالَا: فِيمَا يُذْكَرُ عَنْهُمَا: وَاَللهِ لَعَرَفْنَا فِي وَجْهِهِ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلّمَ فِي إشْرَاقِهِ وَتَسَهّلِهِ، ثُمّ قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَجْمَلَهُ! كَيْفَ تَصْنَعُونَ إذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا فِي هَذَا الدّينِ؟ قَالَا لَهُ: تَغْتَسِلُ فَتَطّهّرُ وَتُطَهّرُ ثَوْبَيْك، ثُمّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقّ، ثُمّ تُصَلّي. فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَطَهّرَ ثَوْبَيْهِ، وَتَشَهّدَ شَهَادَةَ الْحَقّ، ثُمّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ قَالَ لَهُمَا: إنّ وَرَائِي رَجُلًا إن انبعكما لَمْ يَتَخَلّفْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ؛ وَسَأُرْسِلُهُ إلَيْكُمَا الْآنَ، سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، ثُمّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ وَانْصَرَفَ إلَى سَعْدٍ وَقَوْمِهِ وَهُمْ جُلُوسٌ فِي نَادِيهِمْ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُقْبِلًا، قَالَ: أَحْلِفُ بِاَللهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ أُسَيْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمّا وَقَفَ عَلَى النّادِي قَالَ لَهُ سعد: ما فعلت؟ قال:
كلّمت الرجلين، فو الله مَا رَأَيْت بِهِمَا بَأْسًا، وَقَدْ نَهَيْتُهُمَا فَقَالَا: نَفْعَلُ مَا أَحْبَبْتَ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٧٦ ]
وَقَدْ حُدّثْت أَنّ بَنِي حَارِثَةَ قَدْ خَرَجُوا إلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ لِيَقْتُلُوهُ، وَذَلِكَ أَنّهُمْ قَدْ عَرَفُوا أَنّهُ ابْنُ خَالَتِك، لِيُخْفِرُوكَ قَالَ: فَقَامَ سَعْدٌ مُغْضَبًا مُبَادِرًا، تَخَوّفًا لِلّذِي ذُكِرَ له من بنى حارثة، فأخذ الحربة من يده، ثُمّ قَالَ: وَاَللهِ مَا أَرَاك أَغْنَيْت شَيْئًا، ثم خرج إليهما؛ فلما رآها سَعْدٌ مُطْمَئِنّيْنِ، عَرَفَ سَعْدٌ أَنّ أُسَيْدًا إنّمَا أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا، فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا مُتَشَتّمًا، ثُمّ قَالَ لِأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ: يَا أبا أمامة، لَوْلَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَك مِنْ الْقَرَابَةِ مَا رُمْت هَذَا مِنّي، أَتَغْشَانَا فِي دَارَيْنَا بِمَا نَكْرَهُ- وَقَدْ قَالَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ لِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ: أَيْ مُصْعَبُ، جَاءَك وَاَللهِ سَيّدُ مَنْ وَرَاءَهُ مِنْ قَوْمِهِ، إنْ يَتّبِعْك لَا يَتَخَلّفُ عَنْك مِنْهُمْ اثْنَانِ- قَالَ: فَقَالَ لَهُ مصعب: أو تقعد فَتَسْمَعَ، فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا وَرَغِبْت فِيهِ قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْته عَزَلْنَا عَنْك مَا تَكْرَهُ؟ قَالَ سَعْدٌ، أَنْصَفْت ثُمّ رَكَزَ الْحَرْبَةَ وَجَلَسَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، قَالَا: فَعَرَفْنَا وَاَللهِ فِي وَجْهِهِ الْإِسْلَامَ قَبْل أَنْ يَتَكَلّمَ، لِإِشْرَاقِهِ وَتَسَهّلِهِ؛ ثُمّ قَالَ لَهُمَا: كَيْفَ تَصْنَعُونَ إذَا أَنْتُمْ أَسْلَمْتُمْ وَدَخَلْتُمْ فِي هَذَا الدّينِ؟ قَالَا: تَغْتَسِلُ فَتَطّهّرُ وَتُطَهّرُ ثَوْبَيْك، ثُمّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقّ، ثُمّ تُصَلّي رَكْعَتَيْنِ، قَالَ. فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَطَهّرَ ثَوْبَيْهِ، وَتَشَهّدَ شَهَادَةَ الْحَقّ، ثُمّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ، فَأَقْبَلَ عَامِدًا إلَى نَادِي قَوْمِهِ وَمَعَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ.
قَالَ: فَلَمّا رَآهُ قَوْمُهُ مُقْبِلًا، قَالُوا: نَحْلِفُ بِاَللهِ لَقَدْ رَجَعَ إلَيْكُمْ سَعْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، كَيْفَ تعلمون أمرى فيكم؟ قالوا: سيدنا وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا، وَأَيْمَنُنَا نَقِيبَةً؛ قَالَ: فَإِنّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٧٧ ]
كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيّ حَرَامٌ حَتّى تُؤْمِنُوا بالله وبرسوله.
قالا: فو الله مَا أَمْسَى فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إلّا مُسْلِمًا وَمُسْلِمَةً، وَرَجَعَ أَسْعَدُ وَمُصْعَبٌ إلَى مَنْزِلِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ يَدْعُو النّاسَ إلَى الْإِسْلَامِ، حَتّى لَمْ تَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إلّا وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مُسْلِمُونَ، إلّا مَا كَانَ مِنْ دَارِ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَخَطْمَةَ وَوَائِلٍ وَوَاقِفٍ، وَتِلْكَ أَوْسُ اللهِ، وَهُمْ مِنْ الْأَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ؛ وَذَلِكَ أَنّهُ كَانَ فِيهِمْ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ، وَهُوَ صَيْفِيّ، وَكَانَ شاعرا لهم قائدا يستمعون منه ويطيعون، فوقف بهم عن الإسلام، فلم يزل على ذلك حَتّى هَاجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، وَمَضَى بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالْخَنْدَقُ، وَقَالَ فِيمَا رَأَى مِنْ الْإِسْلَامِ، وَمَا اخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ مِنْ أَمْرِهِ:
أَرَبّ النّاسِ أَشْيَاءُ أَلَمّتْ يُلَفّ الصّعْبُ مِنْهَا بِالذّلُولِ
أَرَبّ النّاسِ أَمّا إذْ ضَلِلْنَا فَيَسّرْنَا لِمَعْرُوفِ السّبِيلِ
فَلَوْلَا رَبّنَا كُنّا يَهُودًا وَمَا دِينُ الْيَهُودِ بِذِي شُكُولِ
وَلَوْلَا رَبّنَا كُنّا نَصَارَى مَعَ الرّهْبَانِ فِي جَبَلِ الْجَلِيلِ
وَلَكِنّا خُلِقْنَا إذْ خُلِقْنَا حَنِيفًا دِينُنَا عَنْ كُلّ جِيلِ
نَسُوقُ الْهَدْيَ تَرْسُفُ مُذْعِنَاتٍ مُكَشّفَةَ الْمَنَاكِبِ فِي الْجُلُولِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي قَوْلَهُ: فَلَوْلَا رَبّنَا، وَقَوْلَهُ: لَوْلَا رَبّنَا، وَقَوْلَهُ:
مُكَشّفَةَ الْمَنَاكِبِ فِي الْجُلُولِ، رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، أَوْ مِنْ خُزَاعَةَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٧٨ ]
[أَمْرُ الْعَقَبَةِ الثّانِيَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ رَجَعَ إلَى مَكّةَ، وخرج من خرج من الأنصار الْمُسْلِمِينَ إلَى الْمَوْسِمِ مَعَ حَجّاجِ قَوْمِهِمْ مِنْ أَهْلِ الشّرْكِ، حَتّى قَدِمُوا مَكّةَ، فَوَاعَدُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ الْعَقَبَةَ، مِنْ أَوْسَطِ أَيّامِ التّشْرِيقِ، حِينَ أَرَادَ اللهُ بِهِمْ مَا أَرَادَ مِنْ كَرَامَتِهِ، وَالنّصْرِ لِنَبِيّهِ، وَإِعْزَازِ الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله.
[البراء بن معرور وصلاة الْكَعْبَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ كعب بن مالك بن أبي كعب بن الْقَيْنِ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، أَنّ أَخَاهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ، وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ الْأَنْصَارِ، حَدّثَهُ أَنّ أَبَاهُ كَعْبًا حَدّثَهُ، وَكَانَ كَعْبٌ مِمّنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِهَا، قَالَ: خَرَجْنَا فِي حُجّاجِ قَوْمِنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ صَلّيْنَا وَفَقِهْنَا، وَمَعَنَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، سَيّدُنَا وَكَبِيرُنَا، فَلَمّا وَجّهْنَا لِسَفَرِنَا، وَخَرَجْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ، قَالَ الْبَرَاءُ لَنَا: يَا هَؤُلَاءِ، إنّي قَدْ رَأَيْت رَأْيًا، فو الله مَا أَدْرِي، أَتُوَافِقُونَنِي عَلَيْهِ، أَمْ لَا؟ قَالَ: قلنا: وما ذاك؟ قَدْ رَأَيْت أَنْ لَا أَدَعَ هَذِهِ الْبَنِيّةَ مِنّي بِظَهْرٍ، يَعْنِي: الْكَعْبَةَ، وَأَنْ أُصَلّيَ إلَيْهَا. قَالَ: فَقُلْنَا، وَاَللهِ مَا بَلَغَنَا أَنّ نَبِيّنَا ﷺ يُصَلّي إلّا إلَى الشّامِ، وَمَا نُرِيدُ أَنْ نُخَالِفَهُ.
قَالَ: فَقَالَ: إنّي لَمُصَلّ إلَيْهَا قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: لَكِنّا لَا نَفْعَلُ. قَالَ: فَكُنّا إذَا حَضَرَتْ الصّلَاةُ صَلّيْنَا إلَى الشّامِ، وَصَلّى إلَى الْكَعْبَةِ، حَتّى قَدِمْنَا مَكّةَ. قَالَ: وَقَدْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٧٩ ]
كُنّا عِبْنَا عَلَيْهِ مَا صَنَعَ، وَأَبَى إلّا الْإِقَامَةَ عَلَى ذَلِكَ. فَلَمّا قَدِمْنَا مَكّةَ قَالَ لِي:
يَا ابْنَ أَخِي، انْطَلِقْ بِنَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، حتى نَسْأَلَهُ عَمّا صَنَعْتُ فِي سَفَرِي هَذَا، فَإِنّهُ وَاَللهِ لَقَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ خِلَافِكُمْ إيّايَ فِيهِ. قَالَ: فَخَرَجْنَا نَسْأَلُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنّا لَا نَعْرِفُهُ، وَلَمْ نَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَقِينَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكّةَ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فقال: هل تعرفانه؟ فقلتا: لَا؛ قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفَانِ الْعَبّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ عَمّهُ؟ قَالَ: قُلْنَا: نَعَمْ- قَالَ: وَقَدْ كُنّا نَعْرِفُ الْعَبّاسَ، كَانَ لَا يَزَالُ يَقْدَمُ عَلَيْنَا تَاجِرًا- قَالَ: فَإِذَا دَخَلْتُمَا الْمَسْجِدَ فَهُوَ الرّجُلُ الْجَالِسُ مَعَ الْعَبّاسِ. قَالَ: فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ فَإِذَا الْعَبّاسُ جَالِسٌ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جالس معه، فسلّمنا ثم جلسنا إلَيْهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْعَبّاسِ: هَلْ تَعْرِفُ هَذَيْنِ الرّجُلَيْنِ يَا أَبَا الْفَضْلِ؟
قَالَ: نَعَمْ، هَذَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، سَيّدُ قَوْمِهِ، وَهَذَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ. قال:
فو الله مَا أَنْسَى قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ: الشاعر؟ قال: نعم. فقال الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ: يَا نَبِيّ اللهِ، إنّي خَرَجْتُ فِي سَفَرِي هَذَا، وَقَدْ هَدَانِي اللهُ لِلْإِسْلَامِ، فَرَأَيْت أَنْ لَا أَجْعَلَ هَذِهِ الْبَنِيّةَ مِنّي بِظَهْرٍ، فَصَلّيْت إلَيْهَا، وَقَدْ خَالَفَنِي أَصْحَابِي فِي ذَلِكَ، حَتّى وَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَمَاذَا تَرَى يَا رَسُولَ اللهِ؟
قَالَ: قَدْ كُنْت عَلَى قِبْلَةٍ لَوْ صَبَرْت عَلَيْهَا. قَالَ: فَرَجَعَ الْبَرَاءُ إلَى قِبْلَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَصَلّى مَعَنَا إلَى الشّامِ. قَالَ: وَأَهْلُهُ يَزْعُمُونَ أَنّهُ صَلّى إلَى الْكَعْبَةِ حَتّى مَاتَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَمَا قَالُوا، نَحْنُ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُمْ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٨٠ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ عَوْنُ بْنُ أَيّوبَ الْأَنْصَارِيّ:
وَمِنّا الْمُصَلّي أَوّلَ النّاسِ مُقْبِلًا عَلَى كَعْبَةِ الرّحْمَنِ بَيْنَ الْمَشَاعِرِ
يَعْنِي الْبَرَاءَ بْنَ مَعْرُورٍ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
[إسْلَامُ عبد الله بن عمرو بن حرام]
قال ابن إسحاق: حدثني معبد بن كعب، أَنّ أَخَاهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ حَدّثَهُ أن أباه كعب بن مالك حدثه، قَالَ كَعْبٌ: ثُمّ خَرَجْنَا إلَى الْحَجّ، وَوَاعَدْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالْعَقَبَةِ مِنْ أَوْسَطِ أَيّامِ التّشْرِيقِ. قَالَ فَلَمّا فَرَغْنَا مِنْ الْحَجّ، وَكَانَتْ اللّيْلَةُ الّتِي وَاعَدْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ لَهَا، وَمَعَنَا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جَابِرٌ، سَيّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا، وَشَرِيفٌ مِنْ أَشْرَافِنَا، أَخَذْنَاهُ مَعَنَا، وَكُنّا نَكْتُمُ مَنْ مَعَنَا مِنْ قَوْمِنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَمْرَنَا، فَكَلّمْنَاهُ وَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا جَابِرٍ، إنّك سَيّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا، وَشَرِيفٌ مِنْ أَشْرَافِنَا، وَإِنّا نَرْغَبُ بِك عَمّا أَنْتَ فِيهِ أَنْ تَكُونَ حَطَبًا لِلنّارِ غَدًا، ثُمّ دَعَوْنَاهُ إلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبَرْنَاهُ بِمِيعَادِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إيّانَا الْعَقَبَةَ. قَالَ: فَأَسْلَمَ وَشَهِدَ مَعَنَا الْعَقَبَةَ، وَكَانَ نَقِيبًا.
[أمرأتان فى البيعة]
قَالَ: فَنِمْنَا تَلِك اللّيْلَةَ مَعَ قَوْمِنَا فِي رِحَالِنَا، حَتّى إذَا مَضَى ثُلُثُ اللّيْلِ خَرَجْنَا مِنْ رِحَالِنَا لِمَعَادِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، نَتَسَلّلُ تَسَلّلَ الْقَطَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٨١ ]
مُسْتَخْفِينَ، حَتّى اجْتَمَعْنَا فِي الشّعْبِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ، وَنَحْنُ ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا وَمَعَنَا امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِنَا نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ، أُمّ عُمَارَةَ، إحْدَى نساء بنى مازن ابن النّجّارِ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَدِيّ بْنِ نَابِي، إحْدَى نِسَاءِ بَنِي سَلِمَةَ، وَهِيَ أُمّ منيع.
[العباس والأنصار]
قَالَ: فَاجْتَمَعْنَا فِي الشّعْبِ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، حَتّى جَاءَنَا وَمَعَهُ الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، إلّا أَنّهُ أَحَبّ أَنْ يَحْضُرَ أَمْرَ ابْنِ أَخِيهِ وَيَتَوَثّقَ لَهُ. فَلَمّا جَلَسَ كَانَ أَوّلَ مُتَكَلّمٍ الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ- قَالَ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ إنّمَا يُسَمّونَ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ، الْخَزْرَجَ، خَزْرَجَهَا وَأَوْسَهَا-: إنّ مُحَمّدًا مِنّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مِنْ قَوْمِنَا؛ مِمّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِنَا فِيهِ، فَهُوَ فِي عِزّ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنَعَةٍ فِي بَلَدِهِ، وَإِنّهُ قَدْ أبى إلا الابحياز إلَيْكُمْ، وَاللّحُوقَ بِكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إلَيْهِ، وَمَانِعُوهُ مِمّنْ خَالَفَهُ، فَأَنْتُمْ وَمَا تَحَمّلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه فى عزّ ومنعة من قومه وبلده. قَالَ، فَقُلْنَا لَهُ، قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْت، فَتَكَلّمْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَخُذْ لِنَفْسِك وَلِرَبّك مَا أَحْبَبْت.
[عَهْدُ الرّسُولِ ﵊ على الأنصار]
قَالَ، فَتَكَلّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَتَلَا الْقُرْآنَ، وَدَعَا إلَى اللهِ وَرَغّبَ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمّ قَال، أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٨٢ ]
قَالَ، فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ، ثُمّ قال، نعم، والذى بعثك بالحقّ، لَنَمْنَعَنّك مِمّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا فَبَايِعْنَا يَا رسول الله، فنحن والله أهل الْحُرُوبِ، وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ، وَرِثْنَاهَا كَابِرًا [عَنْ كَابِرٍ] . قَالَ، فَاعْتَرَضَ الْقَوْلَ، وَالْبَرَاءُ يُكَلّمُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التّيّهَانِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرّجَالِ حِبَالًا، وَإِنّا قَاطِعُوهَا- يَعْنِي الْيَهُودَ- فَهَلْ عَسَيْتَ إنْ نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ، ثُمّ أَظْهَرَك اللهُ أَنْ تَرْجِعَ إلَى قَوْمِك وَتَدَعَنَا؟ قَالَ: فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمّ قَالَ: بَلْ الدّمَ الدّمَ، وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ، أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنّي، أُحَارِبُ مَنْ حاربتم، وأسالم من سالمتم..
قال ابن هشام. ويقال: الهدم الهدم: أَيْ ذِمّتِي ذِمّتُكُمْ وَحُرْمَتِي حُرْمَتُكُمْ.
قَالَ كَعْبُ: وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَخْرِجُوا إلَيّ مِنْكُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، لِيَكُونُوا عَلَى قَوْمِهِمْ بِمَا فِيهِمْ. فَأَخْرَجُوا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، تِسْعَةً مِنْ الْخَزْرَجِ، وَثَلَاثَةً مِنْ الْأَوْسِ.
[أَسَمَاءُ النّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَتَمَامُ خبر العقبة]
[النقباء من الخزرج]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مِنْ الْخَزْرَجِ- فِيمَا حَدّثَنَا زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بْنِ إسْحَاقَ الْمُطّلِبِيّ-: أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّجّارِ، وَهُوَ: تيم الله بن ثعلبة عمرو بن الخزرج [بن حارثة]، وَسَعْدُ بْنُ الرّبِيعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَبِي زهير بن مالك بن
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٨٣ ]
أمرئ القيس بن مالك بْنِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الخزرج بن الحارث ابن الْخَزْرَجِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن مالك [الأغر] بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث ابن الْخَزْرَجِ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقِ بْنِ عَبْدِ حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج؛ وَالْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورِ بْنِ صَخْرِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيّ بْنِ غنم بن كعب بن سلمة ابن سَعْدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَعَبْدُ الله ابن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة ابن سَعْدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَعُبَادَةُ ابن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عوف ابن عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ غَنْمُ بْنُ عَوْفٍ، أَخُو سَالِمِ بن عوف بن عمرو بن عوف ابن الْخَزْرَجِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ دُلَيْمِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ أَبِي خُزَيْمَةَ ابن ثَعْلَبَةَ بْنِ طَرِيفِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ بن كعب بن الخزرج، والمنذر ابن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان بن عبدودّ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ- قَالَ ابْنُ هشام: ويقال: ابن خنيش.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٨٤ ]
[النقباء من الأوس]
وَمِنْ الْأَوْسِ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرِ بْنِ سِمَاكِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ رَافِعِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ [بْنَ جشم بن الحارث بن الخزرج ابن عمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة، وَسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بن كعب بن النحاط بن كعب بن حَارِثَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ السّلْمِ بْنِ امْرِئِ القيس [بن ثعلبة بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ] بْنِ مَالِكِ بْنِ الأوس [ابن حارثة] ورفاعة ابن عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زُبَيْرِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عمرو ابن عوف بن مالك بن الأوس.
[شعر كعب بن مالك عن النقباء]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَعُدّونَ فِيهِمْ أَبَا الْهَيْثَمِ بْنَ التّيّهَانِ، وَلَا يَعُدّونَ رِفَاعَةَ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَذْكُرُهُمْ، فِيمَا أَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ:
أَبْلِغْ أُبَيّا أَنّهُ قال رَأْيُهُ وَحَانَ غَدَاةَ الشّعْبِ وَالْحَيْنُ وَاقِعُ
أَبَى اللهُ مَا مَنّتْك نَفْسُك إنّهُ بِمِرْصَادِ أَمْرِ النّاسِ رَاءٍ وَسَامِعُ
وَأَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ أَنْ قَدْ بَدَا لَنَا بِأَحْمَدَ نُورٌ مِنْ هُدَى اللهِ سَاطِعُ
فَلَا تَرْغَبَنْ فِي حَشْدِ أَمْرٍ تُرِيدُهُ وَأَلّبْ وَجَمّعْ كُلّ مَا أَنْتَ جَامِعُ
وَدُونَك فَاعْلُمْ أَنّ نَقْضَ عُهُودِنَا أَبَاهُ عَلَيْك الرّهط حين تبايعوا
أَبَاهُ الْبَرَاءُ وَابْنُ عَمْرٍو كِلَاهُمَا وَأَسْعَدُ يَأْبَاهُ عليك ورافع
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٨٥ ]
وَسَعْدٌ أَبَاهُ السّاعِدِيّ وَمُنْذِرٌ لِأَنْفِك إنْ حَاوَلْت ذَلِكَ جَادِعُ
وَمَا ابْنُ رَبِيعٍ إنْ تَنَاوَلْت عَهْدَهُ بِمُسْلِمِهِ لَا يَطْمَعَنْ ثَمّ طَامِعُ
وَأَيْضًا فَلَا يُعْطِيكَهُ ابْنُ رَوَاحَةَ وَإِخْفَارُهُ مِنْ دُونِهِ السّمّ نَاقِعُ
وَفَاءً بِهِ وَالْقَوْقَلِيّ بْنُ صَامِتٍ بِمَنْدُوحَةِ عَمّا تُحَاوِلُ يَافِعُ
أَبُو هَيْثَمٍ أَيْضًا وَفِيّ بِمِثْلِهَا وَفَاءً بِمَا أَعْطَى مِنْ الْعَهْدِ خَانِعُ
وَمَا ابْنُ حُضَيْرٍ إنْ أَرَدْت بِمَطْمَعِ فَهَلْ أَنْتَ عَنْ أُحْمُوقَةِ الْغَيّ نَازِعُ؟
وَسَعْدٌ أَخُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَإِنّهُ ضَرُوحٌ لِمَا حاولت م الأمر مَانِعُ
أُولَاكَ نُجُومٌ لَا يُغِبّكَ مِنْهُمْ عَلَيْك بِنَحْسٍ فِي دُجَى اللّيْلِ طَالِعُ
فَذَكَرَ كَعْبٌ فيهم أبا الهيثم بن التّيهّان، ولم بذكر رفاعة.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِلنّقَبَاءِ: أَنْتُمْ عَلَى قَوْمِكُمْ بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريّين لعيسى بن مَرْيَمَ، وَأَنَا كَفِيلٌ عَلَى قَوْمِي- يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ- قالوا: نعم.
[ما قاله العباس بن عبادة للخزرج قَبْلَ الْمُبَايَعَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنّ الْقَوْمَ لَمّا اجْتَمَعُوا لِبَيْعَةِ رَسُولِ اللهِﷺ- قَالَ الْعَبّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ الْأَنْصَارِيّ، أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ، هَلْ تَدْرُونَ عَلَامَ تُبَايِعُونَ هَذَا الرّجُلَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: إنّكُمْ تُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ مِنْ النّاسِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنّكُمْ إذَا نُهِكَتْ أَمْوَالُكُمْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٨٦ ]
مُصِيبَةً، وَأَشْرَافُكُمْ قَتْلًا أَسْلَمْتُمُوهُ، فَمِنْ الْآنَ، فَهُوَ وَاَللهِ- إنْ فَعَلْتُمْ خِزْيُ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إلَيْهِ عَلَى نَهْكَةِ الْأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الْأَشْرَافِ، فَخُذُوهُ، فَهُوَ وَاَللهِ خَيْرُ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالُوا: فَإِنّا نَأْخُذُهُ عَلَى مُصِيبَةِ الْأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الْأَشْرَافِ، فَمَا لَنَا بِذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ إنْ نَحْنُ وفّينا؟ قَالَ: الْجَنّةُ. قَالُوا: اُبْسُطْ يَدَك، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعُوهُ.
وَأَمّا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ فَقَالَ: وَاَللهِ مَا قَالَ ذَلِك الْعَبّاسُ إلّا لِيَشُدّ الْعَقْدَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي أَعْنَاقِهِمْ.
وَأَمّا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: مَا قَالَ ذَلِكَ الْعَبّاسُ إلّا لِيُؤَخّرَ الْقَوْمَ تَلِك اللّيْلَةَ، رَجَاءَ أَنْ يحضرها عبد الله بن أبىّ بن سَلُولَ، فَيَكُونَ أَقْوَى لِأَمْرِ الْقَوْمِ. فَاَللهُ أَعْلَمُ أىّ ذلك كان.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَلُولُ: امْرَأَةٌ مِنْ خُزَاعَةَ، وَهِيَ أُمّ أُبَيّ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ.
[أول صحابى ضَرَبَ عَلَى يَدِ الرّسُولِ فِي بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ الثّانِيَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَبَنُو النّجّارِ يَزْعُمُونَ أَنّ أَبَا أُمَامَةَ، أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ، كَانَ أَوّلَ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِهِ، وَبَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَقُولُونَ: بَلْ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التّيّهَانِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٨٧ ]
قال ابن إسحاق: قال الزهرى: حدثنى مَعْبَدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، فَحَدّثَنِي فِي حَدِيثِهِ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ أَوّلَ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، ثم بايع بعد القوم.
[الشيطان وبيعة العقبة]
فَلَمّا بَايَعَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَرَخَ الشّيْطَانُ مِنْ رَأْسِ الْعَقَبَةِ بِأَنْفَذِ صَوْتٍ سَمِعْتُهُ قَطّ: يَا أَهْلَ الْجُبَاجِبِ- وَالْجُبَاجِبُ: الْمَنَازِلُ- هَلْ لَكُمْ فِي مُذَمّمٍ وَالصّبَاةُ مَعَهُ، قَدْ اجْتَمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَذَا أَزَبّ العقبة، هذا ابن أزبب- قال: ابن هشام:
ويقال ابن أزيب استمع أَيْ عَدُوّ اللهِ، أَمَا وَاَللهِ لَأَفْرُغَنّ لَك.
[الرسول لا يستجيب لطلب الحرب من الأنصار]
قَالَ: ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ارفضّوا إلى رحالكم. قال فَقَالَ لَهُ الْعَبّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ: وَاَللهِ الّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ: إنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنّ عَلَى أَهْلِ مِنًى غَدًا بِأَسْيَافِنَا؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لم نُؤْمَرْ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ ارْجِعُوا إلَى رِحَالِكُمْ. قَالَ: فَرَجَعْنَا إلَى مَضَاجِعِنَا، فَنِمْنَا عَلَيْهَا حَتّى أَصْبَحْنَا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٨٨ ]
[مجادلة جلة قريش للأنصار فى شأن البيعة]
فَلَمّا أَصْبَحْنَا غَدَتْ عَلَيْنَا جُلّةُ قُرَيْشٍ، حَتّى جاؤنا فِي مَنَازِلِنَا، فَقَالُوا:
يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ، إنّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ إلَى صَاحِبِنَا هَذَا تَسْتَخْرِجُونَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، وَتُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِنَا، وَإِنّهُ وَاَللهِ مَا مِنْ حَيّ مِنْ الْعَرَبِ أَبْغَضُ إلَيْنَا، أَنْ تَنْشَبَ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، مِنْكُمْ. قَالَ: فَانْبَعَثَ مَنْ هُنَاكَ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِنَا يَحْلِفُونَ بِاَللهِ مَا كَانَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، وَمَا عَلِمْنَاهُ. قَالَ:
وَقَدْ صَدَقُوا، لَمْ يَعْلَمُوهُ. قَالَ: وَبَعْضُنَا يَنْظُرُ إلَى بَعْضٍ. قَالَ: ثُمّ قَامَ الْقَوْمُ، وَفِيهِمْ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيّ، وَعَلَيْهِ نَعْلَانِ لَهُ جَدِيدَانِ.
قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ كَلِمَةً- كَأَنّي أُرِيدُ أَنْ أَشْرَكَ الْقَوْمَ بِهَا فِيمَا قَالُوا-: يَا أَبَا جَابِرٍ، أَمَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتّخِذَ، وَأَنْت سَيّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا، مِثْلَ نَعْلَيْ هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ؟ قَالَ: فَسَمِعَهَا الْحَارِثُ، فَخَلَعَهُمَا مِنْ رِجْلَيْهِ ثُمّ رَمَى بِهِمَا إلَيّ، وَقَالَ:
وَاَللهِ لِتَنْتَعِلَنّهُمَا. قَالَ: يَقُولُ: أَبُو جَابِرٍ: مَهْ، أَحْفَظْتَ وَاَللهِ الْفَتَى، فَارْدُدْ إلَيْهِ نَعْلَيْهِ. قَالَ: قُلْت لا: وَاَللهِ لَا أَرُدّهُمَا، فَأْلٌ وَاَللهِ صَالِحٌ، لَئِنْ صدق الفأل لأسلبنّه.
قال ابن إسحاق: وحدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنّهُمْ أَتَوْا عبد الله بن أبىّ بن سَلُولَ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ كَعْبٌ من القول، فقال لهم: إنّ هَذَا الْأَمْرَ جَسِيمٌ، مَا كَانَ قَوْمِي لِيَتَفَوّتُوا عَلَيّ بِمِثْلِ هَذَا، وَمَا عَلِمْته كَانَ. قال:
فانصرفوا عنه.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٨٩ ]
[قريش تطلب الأنصار وتأسر سعد بن عبادة]
قال: ونفر الناس من مِنًى، فَتَنَطّسَ الْقَوْمُ الْخَبَرَ، فَوَجَدُوهُ قَدْ كَانَ، وَخَرَجُوا فِي طَلَبِ الْقَوْمِ، فَأَدْرَكُوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بِأَذَاخِرَ، وَالْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو، أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَكِلَاهُمَا كَانَ نَقِيبًا. فَأَمّا الْمُنْذِرُ فَأَعْجَزَ الْقَوْمَ، وَأَمّا سَعْدٌ فَأَخَذُوهُ، فَرَبَطُوا يَدَيْهِ إلَى عُنُقِهِ بِنِسْعِ رَحْلِهِ، ثُمّ أَقْبَلُوا بِهِ حَتّى أَدْخَلُوهُ مَكّةَ يَضْرِبُونَهُ، وَيَجْذِبُونَهُ، بِجُمّتِهِ، وَكَانَ ذَا شَعَرٍ كَثِيرٍ.
[خَلَاصُ سعد بن عبادة]
قال سعد: فو الله إنّي لَفِي أَيْدِيهمْ إذْ طَلَعَ عَلَيّ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ رَجُلٌ وَضِيءٌ أَبْيَضُ، شَعْشَاعٌ، حلو من الرجال قال ابن هشام: الطويل الحسن قال رؤبة: يمطوه من شعشاع غير مودن. يعنى عنق البعير غير قصير يقول مودن اليد أى: ناقص اليد يمطوه من السير شعشاع: حلو من الرجال.
قال: قلت فِي نَفْسِي: إنْ يَكُ عِنْدَ أَحَد مِنْ الْقَوْمِ خَيْرٌ، فَعِنْدَ هَذَا، قَالَ فَلَمّا دَنَا مِنّي رَفَعَ يَدَهُ فَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً. قَالَ: قلت فى نفسى، لا والله ما عندهم بعد هذا من خير قال: فو الله إنّي لَفِي أَيْدِيهِمْ يَسْحَبُونَنِي إذْ أَوَى لِي رَجُلٌ مِمّنْ كَانَ مَعَهُمْ، فَقَالَ: وَيْحَك! أَمَا بَيْنَك وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ قُرَيْشٍ جِوَارٌ وَلَا عَهْدٌ؟ قَالَ: قُلْت: بَلَى، وَاَللهِ لَقَدْ كُنْت أجير لجبير بن مطعم ابن عَدِيّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ تِجَارَةً، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادى،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٩٠ ]
وللحارث ابن حرب بن أميّة بن عبد شمش بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، قَالَ: وَيْحَك! فَاهْتِفْ بِاسْمِ الرّجُلَيْنِ، وَاذْكُرْ مَا بَيْنَك وَبَيْنَهُمَا. قَالَ. فَفَعَلْت، وَخَرَجَ ذَلِك الرّجُلُ إلَيْهِمَا، فَوَجَدَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُمَا: إنّ رَجُلًا مِنْ الخزرج الآن يضرب بالأبطح ليهتف بِكُمَا، وَيَذْكُرُ أَنّ بَيْنَهُ وَبَيْنَكُمَا، جِوَارًا، قَالَا: من هُوَ؟ قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَا: صَدَقَ وَاَللهِ، إنْ كَانَ لَيُجِيرُ لَنَا تِجَارَنَا، وَيَمْنَعُهُمْ أن يظلموا ببلده: قال: فجاآ فَخَلّصَا سَعْدًا مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَانْطَلَقَ. وَكَانَ الّذِي لكم سعدا، سهيل بْنُ عَمْرٍو، أَخُو بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ الرّجُلُ الّذِي أَوَى إلَيْهِ، أَبَا الْبَخْتَرِيّ بْنَ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَوّلُ شِعْرٍ قِيلَ فِي الْهِجْرَةِ بيتين، قالهما ضرار ابن الْخَطّابِ بْنِ مِرْدَاسٍ، أَخُو بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فهر:
تَدَارَكْتَ سَعْدًا عَنْوَةً فَأَخَذْتَهُ وَكَانَ شِفَاءً لَوْ تَدَارَكْتَ مُنْذِرَا
وَلَوْ نِلْتُهُ طُلّتْ هُنَاكَ جِرَاحُهُ وَكَانَتْ حَرِيّا أَنْ يُهَانَ وَيُهْدَرَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى:
وَكَانَ حَقِيقًا أَنْ يُهَانَ وَيُهْدَرَا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَجَابَهُ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فيهما فقال،
لَسْتَ إلَى سَعْدٍ وَلَا الْمَرْءِ مُنْذِرٍ إذَا مَا مَطَايَا الْقَوْمِ أَصْبَحْنَ ضُمّرا
فَلَوْلَا أَبُو وَهْبٍ لَمَرّتْ قَصَائِدٌ عَلَى شَرَفِ الْبَرْقَاءِ يَهْوِينَ حسّرا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٩١ ]
أَتَفْخُرُ بِالْكَتّانِ لَمّا لَبِسْتَهُ وَقَدْ تَلْبَسُ الْأَنْبَاطُ رَيْطًا مُقَصّرَا
فَلَا تَكُ كَالْوَسْنَانِ يَحْلُمُ أَنّهُ بقرية كسرى أو بقرية قيصر
وَلَا تَكُ كَالثّكْلَى وَكَانَتْ بِمَعْزِلٍ عَنْ الثّكْلِ لَوْ كَانَ الْفُؤَادُ تَفَكّرَا
وَلَا تَكُ كَالشّاةِ الّتِي كَانَ حَتْفُهَا بِحَفْرِ ذِرَاعَيْهَا فَلَمْ تَرْضَ مَحْفَرَا
وَلَا تَكُ كَالْعَاوِي فأقبل نخره وَلَمْ يَخْشَهُ سَهْمًا مِنْ النّبْلِ مُضْمَرَا
فَإِنّا وَمَنْ يُهْدِي الْقَصَائِدَ نَحْوَنَا كَمُسْتَبْضِعٍ تَمْرًا إلَى أهل خيبرا
ــ
وَذَكَرَ فِي أَنْسَابِ الْمُبَايِعِينَ لَهُ فِي الْعَقَبَةِ الأولى فى بنى سلمة منهم: سادرة ابن تَزِيدَ بْنِ جُشَمَ، وَتَزِيدُ بِتَاءِ مَنْقُوطَةٍ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ فَوْقُ، وَلَا يُعْرَفُ فِي الْعَرَبِ تَزِيدُ إلّا هَذَا، وَتَزِيدُ بْنُ الْحَافّ بْنِ قُضَاعَةَ، وَهُمْ الّذِينَ تُنْسَبُ إلَيْهِمْ الثّيَابُ التّزِيدِيّةُ، وَأَمّا سَلِمَةُ بِكَسْرِ اللّامِ، فَهُمْ مِنْ الْأَنْصَارِ سُمّيَ بِالسّلِمَةِ وَاحِدَةِ السّلَامِ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ، قَالَ الشّاعِرُ:
ذَاكَ خَلِيلِي وَذُو يُعَاتِبُنِي يَرْمِي وَرَائِي بِالسّهْمِ وَالسّلِمَةِ «١»
وَفِي جُعْفِيّ: سَلِمَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ دُهْلِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ جُعْفِيّ وَفِي جُهَيْنَةَ سلمة
_________________
(١) فى اللسان: أنشد أبو عبيد فى السلمة: ذاك خليلى وزد يعاتبنى يرمى ورائى بامسهم وامسلمة وأراد: والسلمة، وهى من لغات حمير قال ابن برى هو: البجير بن عفة الطائى، قال: وصوابه: وإن مولاى ذد يعاتبنى لا احنة عنده، ولا جرمة ينصرنى منك غير معتذر يرمى ورائى بامسهم وامسلمه
[ ٤ / ٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن نَصْرِ بْنِ غَطَفَانَ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ النّسّابَةُ «١» وفى الصّحَابَةِ عَمْرُو بْنُ سَلِمَةَ أَبُو بُرَيْدَةَ الْجَرْمِيّ الّذِي أَمّ قَوْمَهُ، وَهُوَ ابْنُ سِتّ سِنِينَ أَوْ سَبْعٍ، وَفِي الرّوَاةِ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلِمَةَ وَيُنْسَبُ إلَى بَنِي سَلِمَةَ هَؤُلَاءِ سَلَمِيّ بِالْفَتْحِ، كَمَا يُنْسَبُ إلَى بَنِي سَلَمَةَ، وَهُمْ بَطْنَانِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ يُقَالُ لَهُمْ: السّلَمَاتُ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمْ سَلَمَةُ الْخَيْرِ، وَلِلْآخَرِ سَلَمَةُ الشّرّ ابْنَا قَصِيرِ بْنِ كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَأَمّا بَنُو سَلِيمَةَ بِيَاءِ فَفِي دَوْسٍ، وَهُمْ بَنُو سَلِيمَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ فَهْمِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دَوْسٍ، وَسَلِيمَةُ هَذَا هُوَ أَخُو جَذِيمَةَ الْأَبْرَشِ، وَهُوَ الّذِي قَتَلَ أَخَاهُ مَالِكًا بِسَهْمِ «٢» قَتْلَ خَطَأٍ، وَيُقَالُ فِي النّسَبِ إلَيْهِ: سَلَمِيّ أَيْضًا وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَقَدْ قِيلَ: سُلَيْمِيّ كَمَا قِيلَ فِي عُمَيْرَةَ عُمَيْرِيّ.
وَذَكَرَ بَنِي جِدَارَةَ مِنْ بَنِي النّجّارِ، وَجِدَارَةُ وَخُدَارَةُ: أخوان، وغيره
_________________
(١) فى القاموس: «وبنو سلمة بطن من الأنصار، وابن كهلاء فى بجيلة، وابن الحارث فى كندة، وابن عمرو بن ذهل وابن غطفان بن قيس، وعميرة بن خفاف بن سلمة، وعبد الله بن سلمة البدرى الأحدى، وعمرو بن سلمة الهمدانى، وعبد الله بن سلمة المرادى وأخطأ الجوهرى فى قوله: وليس سلمة فى العرب غير بطن الأنصار» وذكر أيضا فى الصحابة سلمة بن حنظلة السحيمى وابن قيس الجرمى.
(٢) فى الاشتقاق: وسليمة الذى رمى أباه بسهم، فقتله وله يقول مالك. أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رمانى ويروى: استد. وفى مادة سدد فى اللسان يذكر ابن برى أنه رآه فى شعر عقيل بن علفة يقول فى ابنه عملس حين رماه بسهم، ونسبه الجاحظ فى البيان والتبيين ص ٢٣١ ح ٣ إلى معد بن أوس انظر ص ٤٩٧، ٥٤٣ الاشتقاق لابن دريد «ط» السنة المحمدية ص ٢٦٨.
[ ٤ / ٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَقُولُ فِي جِدَارَةَ: خُدَارَةَ بِالْخَاءِ الْمَضْمُومَةِ، وَهَكَذَا قَيّدَهُ أَبُو عَمْرٍو، كَذَلِكَ ذَكَرَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ فِي الِاشْتِقَاقِ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالصّوَابِ لِأَنّهُ أَخُو خُدْرَةَ «١» وَكَثِيرًا مَا يَجْعَلُونَ أَسْمَاءَ الْإِخْوَةِ مُشْتَقّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ.
وَذَكَرَ الْقَوَاقِلَ وَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكٍ، وَذَكَرَ تَسْمِيَتَهُمْ الْقَوَاقِلَ، وَأَنّ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ إذَا أَجَارُوا أَحَدًا: قَوْقِلْ حَيْثُ شِئْت، وَفِي الْأَنْصَارِ:
الْقَوَاقِلُ وَالْجَعَادِرُ «٢» وَهُمَا بَطْنَانِ مِنْ الْأَوْسِ، وَسَبَبُ تَسْمِيَتِهِمَا: وَاحِدٌ فِي الْمَعْنَى، أَمّا الْجَعَادِرُ فَكَانُوا إذَا أَجَارُوا أحدا أعطوه سهما، وقالوا له: جعدربه حَيْثُ شِئْت، كَمَا كَانَتْ الْقَوَاقِلُ «٣» تَفْعَلُ، وَهُمْ بَنُو زَيْدِ، بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ ضُبَيْعَةَ [بْنِ زَيْدٍ] يُقَالُ لَهُمْ كَسْرُ الذّهَبِ، وَهُمَا جَمِيعًا مِنْ الْأَوْسِ.
قَالَ الشّاعِرُ:
فَإِنّ لَنَا بَيْن الْجَوَارِي وَلِيدَةً مُقَابَلَةً بَيْنَ الْجَعَادِرِ «٤» وَالْكَسْرِ
مَتَى تَدْعُ فِي الزّيْدَيْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكٍ وَزَيْدِ بْنِ عَمْرٍو تَأْتِهَا عِزّةُ الْخَفْرِ
وَذَكَرَ فِيهِمْ أَبَا الْهَيْثَمِ بْنَ التّيّهَانِ، وَلَمْ يَنْسُبْهُ، وَلَا نَسَبَهُ فِي أَهْلِ الْعَقَبَةِ الثّانِيَةِ، وَلَا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَهُوَ مَالِكُ بْنُ التّيهان، واسم التيهان أيضا مالك
_________________
(١) انظر ص ٤٥٥ الاشتقاق ط السنة المحمدية.
(٢) فى الاشتقاق: «ومرة، وهم الجعادرة» ص ٤٣٧ وقد جلعهم ابن دريد بطنا من الأوس وكذلك ابن حزم ص ٣٢٥ أما القواقل، فهم من الخزرج.
(٣) القوقلة عند ابن دريد: التغلغل فى الشىء والدخول فيه ص ٤٥٦.
(٤) الجعادرة هم بنو مرة بن مالك بن الأوس.
[ ٤ / ٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بْنُ عَتِيكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَمِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زَعْوَنِ «١»، بْنِ جُشَمَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ الْأَنْصَارِيّ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ كَانَ أَحَدَ النّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، ثُمّ شَهِدَ بَدْرًا، وَاخْتُلِفَ فِي وَقْتِ وَفَاتِهِ، فَأَصَحّ مَا قِيلَ فِيهِ إنّهُ شَهِدَ مَعَ عَلِيّ صِفّينَ «٢»، وَقُتِلَ فِيهَا ﵀، وَأَحْسَبُ ابْنَ إسْحَاقَ وَابْنَ هِشَامٍ تَرَكَا نَسَبَهُ عَلَى جَلَالَتِهِ فِي الْأَنْصَارِ وَشُهُودِهِ هَذِهِ الْمَشَاهِدَ كُلّهَا مَعَ رَسُولِ اللهِﷺ- لِاخْتِلَافِ فِيهِ، فَقَدْ وَجَدْت فِي شِعْرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ حِينَ أَضَافَ أَبُو الْهَيْثَمِ رَسُولَ اللهِﷺ- فِي مَنْزِلِهِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَذَبَحَ لَهُمْ عَنَاقًا «٣» وَأَتَاهُمْ بِقِنْوِ مِنْ رُطَبٍ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، فَقَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ فِي ذَلِكَ:
فَلَمْ أَرَ كَالْإِسْلَامِ عِزّا لأهله ولا مثل أضياف لأراشىّ معشرا
فجعله إرَشِيّا كَمَا تَرَى، وَالْإِرَاشِيّ مَنْسُوبٌ إلَى إرَاشَةَ فِي خُزَاعَةَ، أَوْ إلَى إرَاشِ بْنِ لِحْيَانَ بْنِ الْغَوْثِ فَاَللهُ أَعْلَمُ: أَهُوَ أَنْصَارِيّ بِالْحِلْفِ أَمْ بِالنّسَبِ الْمَذْكُورِ، قَبْلَ هَذَا، وَنَقَلْته مِنْ قَوْلِ أَبِي عُمَرَ فِي الِاسْتِيعَابِ، وَقَدْ قِيلَ: إنه
_________________
(١) فى الاصل: زعون والتصويب من الإصابة ونسبه فيها كما فى الروض وفى الإصابة: والروايات عن أبى الهيثم كلها فيها نظر، وليست تأتى من وجه يثبت.
(٢) وهذا ساقه أبو بشر الدولابى من طريق صالح بن الوجيه، وعبد الرحمن بن بديل وآخرون. وصفين أرض فوق بالس بمقدار نصف مرحلة، وهما غربى الفرات بها كانت الوقعة بين على ومعاوية ﵄، وبالس هى أول مدن الشام من العراق وهى فرضة الفرات لأهل الشام.
(٣) العناق: الأنثى من ولد المعز
[ ٤ / ٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بَلَوِيّ مِنْ بَنِي إرَاشَةَ بْنِ فَارَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ بَلِيّ، وَالْهَيْثَمُ فِي اللّغَةِ: فَرْخُ [النّسْرِ، أَوْ] الْعُقَابِ، وَالْهَيْثَمُ أَيْضًا ضَرْبٌ مِنْ الْعُشْبِ فِيمَا ذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَبِهِ سُمّيَ الرّجُلُ هَيْثَمًا أَوْ بِالْمَعْنَى الْأَوّلِ وَأَنْشَدَ: رَعَتْ بِقَرَانِ الْحَزْنِ رَوْضًا مُنَوّرًا عَمِيمًا مِنْ الظّلّاعِ وَالْهَيْثَمِ الْجَعْدِ ذَكَرَ بَيْعَتَهُمْ لِرَسُولِ اللهِﷺ- عَلَى بَيْعَةِ النّسَاءِ أَلّا يَسْرِقُوا، وَلَا يَزْنُوا إلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ ﷿ خَبَرًا عَنْ بَيْعَةِ النساء: وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ أَنّهُ الْوَلَدُ تَنْسُبُهُ إلَى بَعْلِهَا، وَلَيْسَ مِنْهُ، وَقِيلَ: هُوَ الِاسْتِمْتَاعُ بِالْمَرْأَةِ فِيمَا دُونَ الْوَطْءِ كَالْقُبْلَةِ وَالْجَسّةِ وَنَحْوِهَا، وَالْأَوّلُ يُشْبِهُ أَنْ يُبَايِعَ عَلَيْهِ الرّجَالُ، وَكَذَلِكَ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ أنه النّوح، وهذا أيضا ليس مِنْ شَأْنِ الرّجَالِ، فَدَلّ عَلَى ضَعْفِ قَوْلِ مَنْ خَصّهُ بِالنّوْحِ، وَخَصّ الْبُهْتَانَ بِإِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِالرّجُلِ، وَلَيْسَ مِنْهُ، وَقِيلَ: يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنّ يَعْنِي: الْكَذِبَ وَعَيْبَ النّاسِ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ، وَأَرْجُلِهِنّ يَعْنِي: الْمَشْيَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوفٍ، أَيْ: فِي خَيْرٍ تَأْمُرُهُنّ بِهِ، وَالْمَعْرُوفُ: اسْمٌ جَامِعٌ لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمَا عُرِفَ حُسْنُهُ وَلَمْ تُنْكِرْهُ الْقُلُوبُ، وَهَذَا مَعْنَى يَعُمّ الرّجَالَ وَالنّسَاءَ، وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ فِيمَا أَخَذَهُ ﵇ عَلَيْهِنّ: أَنْ قَالَ: وَلَا تَغْشُشْنَ أَزْوَاجَكُنّ، قَالَتْ: إحْدَاهُنّ وَمَا غِشّ أَزْوَاجِنَا فَقَالَ: أَنْ تَأْخُذِي مِنْ مَالِهِ
[ ٤ / ٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَتُحَابِي بِهِ غَيْرَهُ «١» .
هِجْرَةُ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ فَصْلٌ: وَذَكَرَ هِجْرَةَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وَهُوَ الْمُقْرِئُ، وَهُوَ أَوّلُ مَنْ سُمّيَ بِهَذَا، أَعْنِي الْمُقْرِئَ يُكَنّى أَبَا عَبْدِ اللهِ، كَانَ قَبْلَ إسْلَامِهِ مِنْ أَنْعَمِ قُرَيْشٍ عَيْشًا وَأَعْطَرِهِمْ، وَكَانَتْ أُمّهُ شَدِيدَةَ الْكَلَفِ بِهِ، وَكَانَ يَبِيتُ وَقَعْبُ الْحَيْسِ «٢» عِنْدَ رَأْسِهِ، يَسْتَيْقِظُ فَيَأْكُلُ، فَلَمّا أَسْلَمَ أَصَابَهُ مِنْ الشّدّةِ مَا غَيّرَ لَوْنَهُ وَأَذْهَبَ لَحْمَهُ، وَنَهَكَتْ جِسْمَهُ حَتّى كَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- يَنْظُرُ إلَيْهِ، وَعَلَيْهِ فَرْوَةٌ قَدْ رَفَعَهَا، فَيَبْكِي لِمَا كَانَ يَعْرِفُ مِنْ نِعْمَتِهِ، وَحَلَفَتْ أُمّهُ حِينَ أَسْلَمَ وَهَاجَرَ أَلّا تَأْكُلَ وَلَا تَشْرَبَ وَلَا تَسْتَظِلّ بِظِلّ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْهَا، فَكَانَتْ تَقِفُ لِلشّمْسِ حَتّى تَسْقُطَ مَغْشِيّا عَلَيْهَا، وَكَانَ بَنُوهَا يَحْشُونَ فَاهَا بِشِجَارِ «٣»، وَهُوَ عُودٌ فَيَصُبّونَ فِيهِ الْحَسَاءَ لِئَلّا تَمُوتَ، وَسَنَذْكُرُ اسْمَهَا وَنَسَبَهَا عِنْدَ ذِكْرِهِ فِي الْبَدْرِيّينَ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَكَانَ رَسُولُ اللهِﷺ يَذْكُرُهُ، فَيَقُولُ: مَا رَأَيْت بِمَكّةَ أَحْسَنَ لَمّةً، وَلَا أَرَقّ حُلّةً وَلَا أَنْعَمَ نِعْمَةً مِنْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيّ. وَذَكَرَ أَيْضًا بِإِسْنَادِ لَهُ، قال: كان
_________________
(١) فى حديث رواه أحمد بسنده عن سلمى بنت قيس إحدى خالات الرسول ﷺ.
(٢) القعب: القدح الضخم الجافى، والحيس: تمر يخلط بسمن وأقط فيعجن شديدا، ثم يندر منه نواه، وربما جعل فيه سويق.
(٣) أصله: عود يجعل فى فم الجدى لئلا يرضع. وحديث بكاء الرسول «ص» حين كان يرى مصعبا رواه الترمذى بسند فيه ضعف.
[ ٤ / ٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ فَتَى مَكّةَ شَبَابًا وَجَمَالًا وَسِنّا وَكَانَ أَبَوَاهُ يُحِبّانِهِ، وَكَانَتْ أُمّهُ تَكْسُوهُ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنْ الثّيَابِ، وَكَانَ أَعْطَرَ أَهْلِ مَكّةَ يَلْبَسُ الْحَضْرَمِيّ مِنْ النّعَالِ «١»
وَذَكَرَ أَنّ مَنْزَلَهُ كَانَ على أسعدين زُرَارَةَ، مَنْزَلٌ بِفَتْحِ الزّايِ، وَكَذَلِكَ كُلّ مَا وَقَعَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ مَنْزَلِ فُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ، فَهُوَ بِالْفَتْحِ، لِأَنّهُ أَرَادَ الْمَصْدَرَ، وَلَمْ يُرِدْ الْمَكَانَ، وَكَذَا قَيّدَهُ الشّيْخُ أَبُو بَحْرٍ بِفَتْحِ الزّايِ، وَأَمّا أُمّ قَيْسِ بِنْتُ مُحْصِنٍ الْمَذْكُورَةُ فِي هِجْرَةِ بَنِي أَسَدٍ، فَاسْمُهَا آمِنَةُ وَهِيَ أُخْتُ عُكّاشَةَ، وَهِيَ الّتِي ذُكِرَتْ فِي الْمُوَطّأِ وَأَنّهَا أَتَتْ بِابْنِ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلْ الطّعَامَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
أَوّلَ جُمُعَةٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ أَوّلَ مَنْ جَمّعَ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ، وذكر غيره أن أَنّ أَوّلَ مَنْ جَمّعَ بِهِمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، لِأَنّهُ أَوّلُ مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، ثُمّ قَدِمَ بَعْدَهُ ابْنُ أُمّ مَكْتُومٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوّلِ الْكِتَابِ مَنْ جَمّعَ فى الجاهلية بمكة فحطب وَذَكَرَ وَبَشّرَ بِمَبْعَثِ النّبِيّ ﷺ، وَحَضّ عَلَى اتّبَاعِهِ، وَهُوَ كَعْبُ بْنُ لُؤَيّ «٢» وَيُقَالُ: أَنّهُ أَوّلُ مَنْ سَمّى الْعَرُوبَةَ الْجُمُعَةَ، وَمَعْنَى الْعَرُوبَةِ الرّحْمَةُ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَجْتَمِعُ إلَيْهِ فيها فيما حكى الزبير ابن بَكّارٍ، فَيَخْطُبُهُمْ، فَيَقُولُ: أَمّا بَعْدُ فَاعْلَمُوا وَتَعَلّمُوا إنما الأرض لله مهاد،
_________________
(١) نسبة إلى حضرموت، وهى نعال ملسنة.
(٢) وسبق تعليقى على ذلك.
[ ٤ / ٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والجبال أوتاد، والسماء بناء، والنجوم سملا «١»، ثُمّ يَأْمُرُهُمْ بِصِلَةِ الرّحِمِ، وَيُبَشّرُهُمْ بِالنّبِيّ ﷺ «٢»، وَيَقُولُ: حَرَمُكُمْ يَا قَوْمُ عَظّمُوهُ، فَسَيَكُونُ لَهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ نَبِيّ كَرِيمٌ، ثُمّ يَقُولُ فِي شِعْرٍ ذَكَرَهُ:
عَلَى غَفْلَةٍ يَأْتِي النّبِيّ مُحَمّدٌ فَيُخْبِرُ أَخْبَارًا صَدُوقٌ خَبِيرُهَا
صُرُوفٌ رَأَيْنَاهَا تُقَلّبُ أَهْلَهَا لَهَا عَقْدٌ مَا يَسْتَحِيلُ مَرِيرُهَا
ثُمّ يَقُولُ:
يَا ليتني شاهد فحواء دعوته إذا قريش تبغي الحقّ خذلانا «٣»
وأما أَوّلُ مَنْ جَمّعَ فِي الْإِسْلَامِ فَهُوَ مَنْ ذَكَرْنَا.
نَقِيعُ الْخَضِمَاتِ:
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ أَنّهُ جَمّعَ بِهِمْ أَبُو أُمَامَةَ عِنْدَ هَزْمِ النّبِيتِ فِي بَقِيعٍ يُقَال لَهُ بَقِيعُ الْخَضِمَاتِ. بَقِيعٌ بِالْبَاءِ وَجَدْته فِي نُسْخَةِ الشّيْخِ أَبِي بَحْرٍ، وكذلك
_________________
(١) هكذا بالأصل، ولم أهتد إلى صوابها.
(٢) النبى نفسه لم يكن حتى ليلة المبعث يعرف شيئا عن نبوته. يجوز أن نفهم على فرض صحة النقل- أنه كان يبشرهم بمبعث نبى، ويقول عنه الجاحظ «ومن الخطباء القدماء: كعب بن لؤى، وكان يخطب على العرب عامة، ويحض كنانة على البر، فلما مات أكبروا موته، فلم تزل كنانة تؤرخ بموت كعب إلى عام الفيل» ص ٣٥ ج ١ البيان والتبيين بتحقيق عبد السلام هارون.
(٣) فى الأصل. فجواء، وهو خطأ. وللكلمة روايتان إحداهما: فحواء أى: معنى، ونجواه، والمد للضرورة وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف أى دعوته السر. وقد سبق التعليق على البيت فى الجزء الأول.
[ ٤ / ٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَجَدْته فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَذَكَرَهُ الْبَكْرِيّ فِي كِتَابِ مُعْجَمِ مَا اُسْتُعْجِمَ من أسماد الْبُقَعِ أَنّهُ نَقِيعٌ بِالنّونِ، ذَكَرَهُ فِي بَابِ النّونِ وَالْقَافِ «١»، وَقَالَ: هَزْمُ النّبِيتِ: جَبَلٌ عَلَى يريد مِنْ الْمَدِينَةِ، وَفِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ: أَنّهُ ﵇ حَمَى غَرَزَ النّقِيعِ قَالَ الْخَطّابِيّ: النّقِيعُ: الْقَاعُ، وَالْغَرَزُ شِبْهُ الثّمَامِ»
وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ فِيمَا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَمَعْنَى الْخَضِمَاتِ مِنْ الْخَضْمِ، وَهُوَ الْأَكْلُ بِالْفَمِ كُلّهِ، وَالْقَضْمُ بِأَطْرَافِ الْأَسْنَانِ، وَيُقَالُ: هُوَ أَكْلُ الْيَابِسِ، وَالْخَضْمُ:
أَكْلُ الرّطَبِ، فَكَأَنّهُ جَمْعُ خَضِمَةٍ، وَهِيَ الْمَاشِيَةُ الّتِي تَخْضَمُ، فَكَأَنّهُ سُمّيَ بِذَاكَ لِخَضْبِ كَانَ فِيهِ، وَأَمّا الْبَقِيعُ بِالْبَاءِ فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْهُ بِكَثِيرِ، وَأَمّا بَقِيعُ الْخَبْجَبَةِ بِخَاءِ وَجِيمٍ وَبَاءَيْنِ، فَجَاءَ ذِكْرُهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ «٣»: وَالْخَبْجَبَةُ:
شَجَرَةٌ عُرِفَ بِهَا.
الْجُمُعَةُ:
فَصْلٌ: وَتَجْمِيعُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِﷺ- الْجُمُعَةَ وَتَسْمِيَتُهُمْ إيّاهَا بِهَذَا الِاسْمِ وَكَانَتْ تُسَمّى الْعَرُوبَةَ- كَانَ عَنْ هِدَايَةٍ مِنْ اللهِ تعالى لهم
_________________
(١) يقول الخشنى فى شرح السيرة عن نقيع الخضمات: «وقع فى الرواية هنا بالباء والنون، والصواب بالنون، وهو موضع يستنقع فيه الماء، والنقيع: البئر» ص ١١٨. وهو فى معجم ياقوت: نقيع. وكذلك صاحب المراصد.
(٢) فى القاموس عن الغرز: ضرب من الثمام أو نباته كنبات الإذخر من شر المرعى.
(٣) رواه فى باب الركاز بسنده عن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وخلاصته أن المقداد وجد ببقيع الخبجبة حجرا وجد به عدة دنانير، وأن النبى دعا له بالبركة فيها بعد أن علم أنه لم يهو إلى الحجر بيديه.
[ ٤ / ١٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرُوا بِهَا، ثُمّ نَزَلَتْ سُورَةُ الْجُمُعَةِ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، فَاسْتَقَرّ فَرْضُهَا وَاسْتَمَرّ حُكْمُهَا، وَلِذَلِكَ قَالَﷺ- فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ: أَضَلّتْهُ الْيَهُودُ وَالنّصَارَى، وَهَدَاكُمْ اللهُ إلَيْهِ. ذَكَرَ الْكَشّيّ، وَهُوَ عَبْدُ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ: نا عَبْدُ الرّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: جَمّعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ النّبِيّﷺ- الْمَدِينَةَ، وَقَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْجُمُعَةُ، وَهُمْ الّذِينَ سَمّوْا الْجُمُعَةَ، قَالَ الْأَنْصَارُ: لِلْيَهُودِ يَوْمَ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ كُلّ سَبْعَةِ أَيّامٍ، وَلِلنّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ، فَهَلُمّ، فَلْنَجْعَلْ يَوْمًا نَجْتَمِعُ فِيهِ، وَنَذْكُرُ اللهَ، وَنُصَلّي وَنَشْكُرُ، أَوْ كَمَا قَالُوا، فَقَالُوا: يَوْمُ السّبْتِ لِلْيَهُودِ، وَيَوْمُ الْأَحَدِ لِلنّصَارَى، فَاجْعَلُوا يَوْمَ الْعَرُوبَةِ، كَانُوا يُسَمّونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَوْمَ الْعَرُوبَةِ، فَاجْتَمَعُوا إلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَصَلّى بِهِمْ يَوْمَئِذٍ رَكْعَتَيْنِ، فَذَكّرَهُمْ، فَسَمّوْا الْجُمُعَةَ حِينَ اجْتَمَعُوا إلَيْهِ، فَذَبَحَ لَهُمْ شَاةً فَتَغَدّوْا وَتَعَشّوْا مِنْ شَاةٍ، وَذَلِكَ لِقِلّتِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ﷿- فِي ذَلِكَ: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ الْجُمُعَةَ: ٩. قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَمَعَ تَوْفِيقِ اللهِ لَهُمْ إلَيْهِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ إذْنٍ مِنْ النّبِيّﷺ- لَهُمْ، فَقَدْ رَوَى الدّارَقُطْنِيّ عن عثمان ابن أَحْمَدَ بْنِ السّمّاكِ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ غَالِبِ الْبَاهِلِيّ، قَالَ: نا مُحَمّدُ ابن عَبْدِ اللهِ أَبُو زَيْدٍ الْمَدَنِيّ، قَالَ: نا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ، قَالَ: حَدّثَنِي مَالِكٌ عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: أَذِنَ النّبِيّ ﷺ بِالْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ: رَسُولُ- اللهِ صَلَّى اللَّهُ
[ ٤ / ١٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) عليه سلم- أَنْ يُجَمّعَ بِمَكّةَ، وَلَا يُبْدِيَ لَهُمْ، فَكَتَبَ إلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ: أَمّا بَعْدُ: فَانْظُرْ الْيَوْمَ الّذِي تَجْهَرُ فِيهِ الْيَهُودُ بِالزّبُورِ لِسَبْتِهِمْ، فَاجْمَعُوا نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ، فَإِذَا مَالَ النّهَارُ عَنْ شَطْرِهِ عِنْدَ الزّوَالِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَتَقَرّبُوا إلَى اللهِ بِرَكْعَتَيْنِ قَالَ: فَأَوّلُ مَنْ جَمّعَ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، حَتّى قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ- الْمَدِينَةَ، فَجَمّعَ عِنْدَ الزّوَالِ مِنْ الظّهْرِ، وَأَظْهَرَ ذَلِكَ، وَمَعْنَى قَوْلِ النّبِيّﷺ- أَضَلّتْهُ الْيَهُودُ وَالنّصَارَى، وَهَدَاكُمْ اللهُ إلَيْهِ فِيمَا ذَكَرَ أَهْلُ العلم أن اليهود أمروا ليوم مِنْ الْأُسْبُوعِ، يُعَظّمُونَ اللهَ فِيهِ، وَيَتَفَرّغُونَ لِعِبَادَتِهِ، فَاخْتَارُوا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ السّبْتَ فَأُلْزِمُوهُ فِي شَرْعِهِمْ، كَذَلِكَ النّصَارَى أُمِرُوا عَلَى لِسَانِ عِيسَى ليوم مِنْ الْأُسْبُوعِ، فَاخْتَارُوا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ الْأَحَدَ، فَأُلْزِمُوهُ شَرْعًا لَهُمْ. قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَكَانَ الْيَهُودُ إنّمَا اخْتَارُوا السّبْتَ، لِأَنّهُمْ اعْتَقَدُوهُ الْيَوْمَ السّابِعَ، ثم زادوا الكفرهم أَنّ اللهَ اسْتَرَاحَ فِيهِ، تَعَالَى اللهُ عَنْ قَوْلِهِمْ، لِأَنّ بَدْءَ الْخَلْقِ عِنْدَهُمْ الْأَحَدُ، وَآخِرَ الستة لأيام الّتِي خَلَقَ اللهُ فِيهَا الْخَلْقَ الْجُمُعَةُ، وَهُوَ أَيْضًا مَذْهَبُ النّصَارَى، فَاخْتَارُوا الْأَحَدَ، لِأَنّهُ أَوّلُ الْأَيّامِ فِي زَعْمِهِمْ، وَقَدْ شَهِدَ الرّسُولُﷺ- لِلْفَرِيقَيْنِ بِإِضْلَالِ الْيَوْمِ، وَقَالَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ إنّ اللهَ خَلَقَ التّرْبَةَ يَوْمَ السّبْتِ، فَبَيّنَ أَنّ أَوّلَ الْأَيّامِ الّتِي خَلَقَ اللهُ فِيهَا الْخَلْقَ السّبْتَ، وَآخِرَ الْأَيّامِ السّتّةِ إذًا الْخَمِيسُ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ فِيمَا ذَكَرَ عَنْهُ الطّبَرِيّ، وَفِي الْأَثَرِ أَنّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سُمّيَ الْجُمُعَةَ، لِأَنّهُ جَمَعَ فِيهِ خَلْقَ آدَمَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَلْمَانَ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ قَدّمْنَا فِي حَدِيثِ
[ ٤ / ١٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الْكَشّيّ أَنّ الْأَنْصَارَ سَمّوْهُ جُمُعَةً لِاجْتِمَاعِهِمْ فِيهِ، فَهَدَاهُمْ اللهُ إلَى التّسْمِيَةِ، وَهَدَاهُمْ إلَى اخْتِيَارِ الْيَوْمِ، وَمُوَافَقَةُ الْحِكْمَةِ أَنّ اللهَ تَعَالَى لَمّا بَدَأَ فِيهِ خَلْقَ أَبِينَا آدَمَ، وَجَعَلَ فِيهِ بَدْءَ هَذَا الْجِنْسِ، وَهُوَ الْبَشَرُ، وَجَعَلَ فِيهِ أَيْضًا فَنَاءَهُمْ وَانْقِضَاءَهُمْ إذْ فِيهِ تَقُومُ السّاعَةُ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ ذِكْرٍ وَعِبَادَةٍ، لِأَنّهُ تَذْكِرَةٌ بِالْمَبْدَأِ، وَتَذْكِرَةٌ بِالْمَعَادِ، وَانْظُرْ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ الْجُمُعَةَ: ٩ وَخَصّ الْبَيْعَ لِأَنّهُ يَوْمٌ يُذْكَرُ بِالْيَوْمِ الّذِي لَا بَيْعَ فِيهِ وَلَا خُلّةَ مَعَ أَنّهُ وِتْرٌ لِلْأَيّامِ الّتِي قَبْلَهُ فِي الْأَصَحّ مِنْ الْقَوْلِ، وَاَللهُ يُحِبّ الْوِتْرَ، لِأَنّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ فَكَانَ مِنْ هُدَى اللهِ لِهَذِهِ الْأُمّةِ أَنْ أُلْهِمُوا إلَيْهِ ثُمّ أُقِرّوا عَلَيْهِ لِمَا وَافَقُوا الْحِكْمَةَ فِيهِ، فَهُمْ الْآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ ﵇، كَمَا أَنّ الْيَوْمَ الّذِي اخْتَارُوهُ سَابِقٌ لِمَا اخْتَارَتْهُ الْيَهُودُ وَالنّصَارَى، وَمُتَقَدّمٌ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ كَانَ يَقْرَأُ رَسُولُ اللهِ ﷺ سُورَةَ السّجْدَةِ فِي صُبْحِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ الْبَطِينُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ كِلَاهُمَا عَنْ النّبِيّﷺ- وَرَوَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَيْضًا عُرْوَةُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ ذَكَرَهُ الْبَزّارُ، وَرَوَاهُ التّرْمِذِيّ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ لَهُ عَنْ الْأَحْوَصِ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، وَعَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ رسول الله ﷺ لما فيه من ذكر السنة الْأَيّامِ وَاتّبَاعِهَا بِذِكْرِ خَلْقِ آدَمَ مِنْ طِينٍ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ تَنْبِيهًا مِنْهُ ﵇ عَلَى الْحِكْمَةِ، وَتَذْكِرَةً لِلْقُلُوبِ
[ ٤ / ١٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بهذه الموعظة «١» .
_________________
(١) أخرج البخارى ومسلم من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام ابن منبه قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم إن هذا يومهم الذى فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع. اليهود غدا، والنصارى بعد غد» لفظ البخارى، وفى لفظ لمسلم: أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة. نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضى بينهم قبل الخلائق» والمسلم لا يطمئن قلبه فيما يتعلق بالعبادة إلا لما نقل نقلا صحيحا يغمر القلب بالسكينة: والروح بالولاء له، ولن تطمئن نفس مسلم إلى أن الجمعة كانت صلاة ابتدعها الأنصار من عندهم. والقارئ المتدبر لآية الجمعة فى سورة الجمعة يؤمن أن صلاة الجمعة مفروضة من عند الله، لا من عند الأنصار، ولا من عند النبى «ص» فالنبى لا يفرض أمرا، وإنما الذى يفرض هو ربنا ﷾. اما زعم اليهود عن السبت، فقد ورد عندهم فى سفر التكوين ما يأتى: «فأكملت السموات والأرض، وكل جندها، وفرغ الله فى اليوم السابع من عمله الذى عمل، فاستراح فى اليوم السابع من جميع عمله الذى عمل، وبارك الله اليوم السابع، وقدسه، لأنه فيه استراح من جميع عمله الذى عمل الله خالقا» الإصحاح الثانى الفقرات: ١، ٢، ٣، والقرآن الكريم يدفع زورهم هذا بأنه بهتان أثيم. وتدبر قول الله سبحانه (ولقد خلقنا السماوات والأرض، وما بينهما فى ستة أيام، وما مسنا من لغوب) ق: ٢٨ واللغوب: النعب والاعياء، هكذا اليهود لا يسكن حقدهم إلا أن يسبوا الله ﷻ. ثم تدبر عن أيام الخلق هذه الآية البينة: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، وَتَجْعَلُونَ
[ ٤ / ١٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَمّا قِرَاءَتُهُ: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ فِي الرّكْعَةِ الثّانِيَةِ، فَلِمَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ السّعْيِ وَشُكْرِ اللهِ لَهُمْ عَلَيْهِ يَقُولُ: وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا مَعَ مَا فِي أَوّلِهَا مِنْ ذِكْرِ بَدْءِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ، وَأَنّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ شَيْئًا مَذْكُورًا، وَقَدْ قَالَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ فَنَبّهَ بِقِرَاءَتِهِ إيّاهَا عَلَى التّأَهّبِ لِلسّعْيِ الْمَشْكُورِ عَلَيْهِ وَاَللهُ أَعْلَمُ، أَلَا تَرَى أَنّهُ كَانَ كَثِيرًا مَا يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الجمعة أيضا بهل أتاك حديث الغاشية، وذلك أن فيها: لِسَعْيِها راضِيَةٌ كَمَا فِي سُورَةِ الْجُمُعَةِ، فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ فَاسْتَحَبّ ﵇ أَنْ يَقْرَأَ فِي الثانية ما فيه
_________________
(١) لَهُ أَنْدادًا، ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ، وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها، وَبارَكَ فِيها، وَقَدَّرَ فِيها: أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، سَواءً لِلسَّائِلِينَ، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ، وَهِيَ دُخانٌ، فَقالَ لَها، وَلِلْأَرْضِ: ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ، فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ، وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها، وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ فصلت: ٩- ١٢ هذا هو الهدى الذى يتلألأ فيه الحق، يشرق منه نور الله. وأما حديث أبى هريرة «أخذ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بيدى، فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق فى آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة فيما بين العصر إلى الليل» أما هذا فقد رواه مسلم والنسائى فى كتابيهما من حديث ابن جريج، وهو- كما قيل- من غرائب الصحيح، وقد علله البخارى فى التاريخ، فقال رواه بعضهم عن أبى هريرة ﵁ عن كعب الأحبار!! وهنا تتجلى لنا حكمة الهداية الإلهية فى قوله سبحانه: ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ، وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا الكهف: ٥١ فلا يجوز لمسلم أن يقول عن خلق السموات والأرض شيئا غير ما قال الله سبحانه.
[ ٤ / ١٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رِضَاهُمْ بِسَعْيِهِمْ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي السّورَةِ الْأُولَى.
لَفْظُ الْجُمُعَةِ:
وَلَفْظُ الْجُمُعَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ الِاجْتِمَاعِ، كَمَا قَدّمْنَا وَكَانَ عَلَى وَزْنِ فُعْلَةٍ وَفُعُلَةٍ لِأَنّهُ فِي مَعْنَى قُرْبَةٍ، وَقُرُبَةٍ وَالْعَرَبُ تَأْتِي بِلَفْظِ الْكَلِمَةِ عَلَى وَزْنِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهَا، وَقَالُوا: عُمْرَةٌ، فَاشْتَقّوا اسْمَهَا مِنْ عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَبَنَوْهُ عَلَى فُعْلَةٍ لِأَنّهَا وُصْلَةٌ وَقُرْبَةٌ إلَى اللهِ، وَلِهَذَا الْأَصْلِ فُرُوعٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَنَظَائِرُ لِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ يُفِيتُنَا تَتَبّعُهُ عَمّا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ، وَفِيمَا قَدّمْنَاهُ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ لَمْحَةٍ دَالّةٍ، وَقَالُوا فِي الْجُمُعَةِ جَمّعَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ كَمَا قَالُوا عَيّدَ إذَا شَهِدَ الْعِيدَ، وَعَرّفَ إذَا شَهِدَ عَرَفَةَ، وَلَا يُقَالُ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ إلّا جَمَعَ بِالتّخْفِيفِ، وَفِي الْبُخَارِيّ: أَوّلُ مَنْ عَرّفَ بِالْبَصْرَةِ: ابْنُ عَبّاسٍ، وَالتّعْرِيفُ إنّمَا هُوَ بِعَرَفَاتِ، فَكَيْفَ بِالْبَصْرَةِ، وَلَكِنْ مَعْنَاهُ أَنّهُ ﵁ إذَا صَلّى الْعَصْرَ يَوْمَ عَرَفَةَ أَخَذَ فِي الدّعَاءِ وَالذّكْرِ وَالضّرَاعَةِ إلَى اللهِ تَعَالَى إلَى غُرُوبِ الشّمْسِ، كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ عَرَفَةَ «١» .
أَيّامَ الْأُسْبُوعِ:
وَلَيْسَ فِي تَسْمِيَتِهِ هَذِهِ الْأَيّامَ وَالِاثْنَيْنِ إلَى الْخَمِيسِ مَا يَشُدّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنّ أَوّلَ الْأُسْبُوعِ: الْأَحَدُ وَسَابِعَهَا السّبْتُ، كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ لِأَنّهَا تَسْمِيَةٌ طَارِئَةٌ، وَإِنّمَا كَانَتْ أَسَمَاؤُهَا فِي اللّغَةِ الْقَدِيمَةِ شِيَارَ وَأَوّلَ وَأَهْوَنَ وَجُبَارَ وَدُبَارَ وَمُؤْنِسَ وَالْعَرُوبَةَ «٢»، وَأَسْمَاؤُهَا بالسريانية قَبْلَ هذا
_________________
(١) وفيها أيضا جمعه إذ ذهبوا بها إلى صفة اليوم أنه يجمع الناس كما يقال رجل همزة لمزة ضحكة.
(٢) سبق الكلام عنها: وقد جمعها الشاعر فى قوله: أؤمل أن أعيش وأن يومى بأول، أو بأهون أو جبار أو التالى: دبار، فإن أفته فؤنس أو عروبة أو شيار
[ ٤ / ١٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَبُو جَادّ هَوّزَ حَطّي إلَى آخِرِهَا، وَلَوْ كَانَ اللهُ تَعَالَى ذَكَرَهَا فِي الْقُرْآنِ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقّةِ مِنْ الْعَدَدِ، لَقُلْنَا: هِيَ تَسْمِيَةٌ صَادِقَةٌ عَلَى الْمُسَمّى بِهَا، وَلَكِنّهُ لَمْ يُذْكَرْ مِنْهَا إلّا الْجُمُعَةُ وَالسّبْتُ «١»، وَلَيْسَا مِنْ الْمُشْتَقّةِ مِنْ الْعَدَدِ، وَلَمْ يُسَمّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ- بِالْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ إلَى سَائِرِهَا إلّا حَاكِيًا لِلُغَةِ قَوْمِهِ لَا مُبْتَدِئًا لِتَسْمِيَتِهَا، وَلَعَلّ قَوْمَهُ أَنْ يَكُونُوا أَخَذُوا مَعَانِيَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْمُجَاوِرِينَ لَهُمْ، فَأَلْقَوْا عَلَيْهَا هَذِهِ الْأَسْمَاءَ اتّبَاعًا لَهُمْ، وَإِلّا فَقَدْ قَدّمْنَا مَا وَرَدَ فِي الصّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: إنّ اللهَ خَلَقَ التّرْبَةَ يَوْمَ السّبْتِ وَالْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، الْحَدِيثَ، وَالْعَجَبُ مِنْ الطّبَرِيّ عَلَى تَبَحّرِهِ فِي الْعِلْمِ كَيْفَ خَالَفَ مقتضى
_________________
(١) أراد: فبمؤنس، وترك صرفه على اللغة القديمة، وإن شئت جعلته على لغة من رأى ترك صرف ما ينصرف قال أبو موسى الحامض: قلت لأبى العباس: هذا الشعر موضوع، قال: لم؟ قلت: لأن مؤنسا وجبارا ودبارا وشيارا تنصرف، وقد ترك صرفها، فقال: هذا جائز فى الكلام فكيف فى الشعر؟ .. وقال اللحانى: كان أبو زياد وأبو الجراح يقولان: مضت الجمعة بما فيها، فيوحدان ويؤنثان، وكانا يقولان: مضى السبت بما فيه فيوحدان ويذكران، وكذلك الأحد، ثم اختلفا فيما بعد، فكان أبو زياد يقول: مضى الاثنان بما فيه وكذلك يفعل فى الثلاثاء والأربعاء والخميس. أما أبو الجراح فكان يقول: مضى الاثنان بما فيهما، ومضى الثلاثاء بما فيهن، ومضى الأربعاء بما فيهن، ومضى الخميس بما فيهن، فيجمع ويؤنث يخرج ذلك مخرج العدد. اللسان مادة جمع وعرب.
(٢) ورد ذكر الجمعة مرة واحدة فى القرآن فى سورة الجمعة الآية رقم ٩، أما السبت فذكر ست مرات فى القرآن فى البقرة والنساء والأعراف والنحل، وجاء الفعل: يسبتون مرة واحدة فى الأعراف.
[ ٤ / ١٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذا الحديث، وأعنق فِي الرّدّ عَلَى ابْنِ إسْحَاقَ وَغَيْرِهِ، وَمَالَ إلَى قَوْلِ الْيَهُودِ فِي أَنّ الْأَحَدَ هُوَ الْأَوّلُ وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ سَادِسٌ لَا وِتْرٌ وَإِنّمَا الْوِتْرُ فِي قَوْلِهِمْ يَوْمُ السّبْتِ مَعَ مَا ثَبَتَ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: أَضَلّتْهُ الْيَهُودُ وَالنّصَارَى، وَهَدَاكُمْ اللهُ إلَيْهِ، وَمَا احْتَجّ بِهِ بالطبرى «١» مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ، فَلَيْسَ فِي الصّحّةِ كَاَلّذِي قَدّمْنَاهُ، وَقَدْ يُمْكِنُ فِيهِ التّأْوِيلُ أَيْضًا، فَقِفْ بِقَلْبِك عَلَى حِكْمَةِ اللهِ تَعَالَى فِي تَعَبّدِ الْخَلْقِ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التّذْكِرَةِ بِإِنْشَاءِ هَذَا الْجِنْسِ وَمَبْدَئِهِ، كَمَا قَدّمْنَا، وَلِمَا فِيهِ أيضا من النذكرة بِأَحَدِيّةِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَانْفِرَادِهِ قَبْلَ الْخَلْقِ بِنَفْسِهِ، فَإِنّك إذَا كُنْت فِي الْجُمُعَةِ، وَتَفَكّرْت فِي كل جمعة قبل حَتّى يَتَرَقّى وَهْمُك إلَى الْجُمُعَةِ الّتِي خُلِقَ فِيهَا أَبُوك آدَمُ ثُمّ فَكّرْت فِي الْأَيّامِ الستة التى قبل يوم الجمعة،
_________________
(١) اختلاف لا طائل تحته. ولنتدبر معا ما ذكرت به من قبل من قول الله سبحانه (ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ) هذا وقد ورد فى سفر التكوين أول أسفار التوراة كما يقول النصارى واليهود، أن الله خلق الليل والنهار فى اليوم الأول، وخلق السماء فى اليوم الثانى، وخلق الأرض بنباتها وشجرها فى اليوم الثالث، وخلق أنوار السماء ونجومها فى اليوم الرابع، وخلق ما فى البحر من زحافات، وما فى الأرض من طير، وكل ذوات الأنفس الحية- ما عدا الإنسان- فى اليوم الخامس، ثم عمل وحوش الأرض وبهائمها ودباباتها، ثم قال «نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلطون على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى البهائم، وعلى كل الأرض، وعلى جميع الدبابات التى تدب على الأرض، فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه ذكر وأنثى خلقهم، كل هذا فى اليوم السادس، ثم يقول السفر «وفرغ الله فى اليوم السابع من عمله الذى عمل» فلنتدبر ما يروى لنا من غير القرآن، فقد يكون من هذه الأسفار ونحن لا ندرى.
[ ٤ / ١٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَجَدْت فِي كُلّ يَوْمٍ مِنْهَا جِنْسًا مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ مَوْجُودًا إلَى السّبْتِ، ثُمّ انْقَطَعَ وَهْمُك فَلَمْ تَجِدْ فِي الْجُمُعَةِ الّتِي تَلِي ذَلِكَ السّبْتَ وُجُودًا إلّا لِلْوَاحِدِ الصّمَدِ الْوِتْرِ، فَقَدْ ذَكّرَتْ الْجُمُعَةُ مَنْ تَفَكّرَ بِوَحْدَانِيّةِ اللهِ وَأَوّلِيّتِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُؤَكّدَ فِي هَذَا الْيَوْمِ تَوْحِيدُ الْقَلْبِ لِلرّبّ بِالذّكْرِ لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ الجمعة. وَأَنْ يَتَأَكّدَ ذَلِكَ الذّكْرُ بِالْعَمَلِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مُشَاكِلًا لِمَعْنَى التّوْحِيدِ، فَيَكُونَ الِاجْتِمَاعُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ، وَإِلَى إمَامٍ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمّةِ، وَيَخْطُبُ ذَلِكَ الْإِمَامُ، فَيُذَكّرُ بِوَحْدَانِيّةِ اللهِ تَعَالَى وَبِلِقَائِهِ، فَيُشَاكِلُ الْفِعْلُ الْقَوْلَ، وَالْقَوْلُ الْمُعْتَقَدَ، فَتَأَمّلْ هَذِهِ الْأَغْرَاضَ بِقَلْبِك، فَإِنّهَا تَذْكِرَةٌ بِالْحَقّ، وَقَدْ زِدْنَا عَلَى مَا شَرَطْنَا فِي أَوّلِ الْكِتَابِ مَعَانِيَ لَمْ تَكُنْ هُنَالِكَ، وَعُدْنَا بِهَا، وَلَكِنّ الْكَلَامَ يَفْتَحُ بَعْضُهُ بَابَ بَعْضٍ، وَيَحْدُو الْمُتَكَلّمَ قَصْدَ الْبَيَانِ إلَى الْإِطَالَةِ، وَلَا بَأْسَ بِالزّيَادَةِ مِنْ الْخَيْرِ، وَاَللهُ الْمُسْتَعَانُ. إسْلَامُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ وَسَمِعَ أَهْلُ مَكّةَ هَاتِفًا يَهْتِفُ، وَيَقُولُ قَبْلَ إسْلَامِ سَعْدٍ: فَإِنْ يُسْلِمْ السّعْدَانِ يُصْبِحْ مُحَمّدٌ بِمَكّةَ لَا يَخْشَى خِلَافَ الْمُخَالِفِ فَحَسِبُوا أَنّهُ يُرِيدُ بِالسّعْدَيْنِ: الْقَبِيلَتَيْنِ سَعْدَ هُذَيْمٍ مِنْ قُضَاعَةَ، وَسَعْدَ بْنَ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، حَتّى سمعوه يقول:
[ ٤ / ١٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَيَا سَعْدَ سَعْدَ الْأَوْسِ كُنْ أَنْتَ نَاصِرًا وَيَا سَعْدَ سَعْدَ الْخَزْرَجِينَ الْغَطَارِفِ
أَجِيبَا إلَى دَاعِي الْهُدَى، وَتَمَنّيَا عَلَى اللهِ فِي الْفِرْدَوْسِ مُنْيَةَ عَارِفِ «١»
فَعَلِمُوا حِينَئِذٍ أَنّهُ يُرِيدُ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ.
هَلْ يَغْتَسِلُ الْكَافِرُ إذَا أَسْلَمَ؟
وَذَكَرَ فِيهِ اغْتِسَالَهُمَا حِينَ أَسْلَمَا بِأَمْرِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ لَهُمَا بِذَلِكَ، فَذَلِكَ السّنّةُ فِي كُلّ كَافِرٍ يُسْلِمُ، ثُمّ اُخْتُلِفَ فِي نِيّةِ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ بِاغْتِسَالِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَنْوِي بِهِ رَفْعَ الْجَنَابَةِ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْوِي التّعَبّدَ، وَلَا حُكْمَ لِلْجَنَابَةِ فِي حَقّهِ، لِأَنّ مَعْنَى الْأَمْرِ بِهِ اسْتِبَاحَةُ الصّلَاةِ، وَالْكَافِرُ لَا يُصَلّي، وَإِنْ كَانَ مُخَاطَبًا فِي أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ، وَلَكِنّهُ أَمْرٌ مَشْرُوطٌ بِالْإِيمَانِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْإِيمَانُ- وَهُوَ الشّرْطُ الْأَوّلُ- فَأَجْدِرْ بِأَنْ يَكُونَ- الشّرْطُ الثّانِي- وَهُوَ الْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ غَيْرَ مُقَيّدٍ بِشَيْءِ، فَإِذَا أَسْلَمَ هَدَمَ الْإِسْلَامُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَةُ صَلَاةٍ مَضَتْ، وَإِذَا سَقَطَتْ الصلوات سقطت عنه شُرُوطُهَا، وَاسْتَأْنَفَ الْأَحْكَامَ الشّرْعِيّةَ، فَتَجِبُ عَلَيْهِ الصّلَوَاتُ من حين يسلم بشروط
_________________
(١) هذا الصائح أو الهاتف هو أحد الشعراء، ولهذا يقول ابن حجر فى فتح البارى عن السعدين «وإياهما أراد الشاعر بقوله» ثم روى البيت: فإن يسلم ص ٩٧ فتح البارى ح ٧ وبعد البيت الأخير: فإن ثواب الله للطالب الهدى جنان من الفردوس ذات رفارف وقد رواه البخارى فى التاريخ الأوسط ولكن لم يخرجه فى الصحيح
[ ٤ / ١١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أَدَائِهَا مِنْ وُضُوءٍ وَغُسْلٍ مِنْ جَنَابَةٍ، إذَا أَجْنَبَ بَعْدَ إسْلَامِهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ صِحّةِ الصّلَاةِ، وَرَأَيْت لِبَعْضِ الْمُتَأَخّرِينَ أَنّ اغتساله سنّة لا فريضة وَلَيْسَ عِنْدِي بِالْبَيّنِ لِأَنّ اللهَ سبحانه يقول: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ التّوْبَةَ: ٢٨ وَحُكْمُ النّجَاسَةِ إنّمَا يُرْفَعُ بِالطّهَارَةِ وَلَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِمْ بِالتّنْجِيسِ لِمَوْضِعِ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنّهُ قَدْ عَلّقَ الْحُكْمَ بِصِفَةِ الشّرْكِ وَالْحُكْمُ الْمُعَلّلُ بِالصّفَةِ مُرْتَبِطٌ بِهَا فَإِذَا ارْتَفَعَ حُكْمُ الشّرْكِ بِالْإِيمَانِ لَمْ يَبْقَ لِلْجَنَابَةِ حُكْمٌ كَمَا إذَا كَانَ الْمُسْلِمُ جُنُبًا، ثُمّ بَالَ فَالطّهُورُ مِنْ الْجَنَابَةِ، يَرْفَعُ عَنْهُ حُكْمَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، وَهُوَ حَدَثُ الْوُضُوءِ، لِأَنّ الطّهَارَةَ الصّغْرَى دَاخِلَةٌ فِي الْكُبْرَى، وَتَطَهّرُهُ مِنْ تَنْجِيسِ الشّرْكِ بِإِيمَانِهِ هُوَ أَيْضًا بِالْإِضَافَةِ إلَى الطّهْرِ مِنْ الْجَنَابَةِ، الطّهَارَةُ الْكُبْرَى، فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مُغْنِيَةً عَنْهَا، كَمَا كَانَتْ الطّهَارَةُ مِنْ الْجَنَابَةِ مُغْنِيَةً عَنْ الطّهَارَةِ مِنْ الْحَدَثِ، إذ لَيْسَتْ وَاحِدَةً مِنْ هَذِهِ الطّهَارَاتِ مُزِيلَةً لِعَيْنِ نَجَاسَةٍ فِيهَا، فَيَنْبَغِي بَعْدَ هَذَا أَنّ أَمْرَهُ بِالِاغْتِسَالِ تَعَبّدٌ، وَالْحُكْمُ بِأَنّهُ غَيْرُ فَرْضٍ تَحَكّمٌ وَاَللهُ أَعْلَمُ، غَيْرَ أَنّ التّرْمِذِيّ خَرّجَ حَدِيثَ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ حِينَ أَسْلَمَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ. قَالَ التّرْمِذِيّ: وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَحِبّونَ لِلْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ، وَيَغْسِلَ ثِيَابَهُ، فَقَالَ: يَسْتَحِبّونَ، وَجَعَلَهَا مَسْأَلَةَ اسْتِحْبَابٍ. مِنْ شَرْحِ شِعْرِ ابْنِ الْأَسْلَتِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ شِعْرَ أَبِي قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ، وَفِيهِ قَوْلُهُ: وَلَوْلَا رَبّنَا كُنّا يَهُودًا وَمَا دِينُ الْيَهُودِ بِذِي شُكُول
[ ٤ / ١١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَرَادَ جَمْعَ: شَكْلٍ، وَشَكْلُ الشّيْءِ- بِالْفَتْحِ «١» - هُوَ مِثْلُهُ، وَالشّكْلُ بِالْكَسْرِ الدّلّ وَالْحُسْنُ، فَكَأَنّهُ أَرَادَ أَنّ دِينَ الْيَهُودِ بِدْعٌ، فَلَيْسَ لَهُ شُكُولُ أَيْ: لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْحَقَائِقِ، وَلَا مَثِيلَ يَعْضُدُهُ مِنْ الْأَمْرِ الْمَعْرُوفِ الْمَقْبُولِ، وَقَدْ قَالَ الطّائِيّ:
وَقُلْت: أَخِي، قَالُوا: أَخٌ مِنْ قَرَابَةٍ فَقُلْت لَهُمْ: إنّ الشّكُولَ أَقَارِبُ
قَرِيبِي فِي رَأْيِي وَدِينِي وَمَذْهَبِي وَإِنْ بَاعَدَتْنَا فِي الْخُطُوبِ الْمَنَاسِبُ
وَقَالَ فِيهِ: مَعَ الرّهْبَانِ فِي جَبَلِ الْجَلِيلِ. الْجَلِيلُ بِالْجِيمِ الثّمَامُ، وَهَذَا الْجَبَلُ مِنْ جِبَالِ الشّامِ مَعْرُوفٌ بِهَذَا الِاسْمِ «٢» .
ذِكْرُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وَصَلَاتِهِ إلَى الْقِبْلَةِ ذَكَرَ حَدِيثَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ حِينَ حَجّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مَعَ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، فَكَانُوا يُصَلّونَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ الْبَرَاءُ يصلى إلى الكعبة
_________________
(١) فى القاموس أنه يكسر أيضا.
(٢) فى المراصد: جبل الجليل: فى ساحل الشام ممتد إلى قرب مصر. قيل هو جبل يقبل من الحجاز، فما كان بفلسطين فهو جبل الحمل، وما كان بالأردن فهو جبل الجليل، وهو بدمشق: لبنان وبحمص: سنير. وفى قاموس الدكتور بوست: أن الجليل كانت القسم الشمالى لفلسطين، ويحدها من الشمال نهر القاسمية، ومن الشرق: الأردن وبحر الجليل، ومن الجنوب: السامرة، ومن الغرب فينيقية الممتدة من الكوامل إلى صور، وكانت الجليل قسمين العليا ويسكنها السوريون والفينيقيون، والعرب، والسفلى، فكانت بقرب بحر طبرية، وكان يسكنها أسباط بسا كروزبولون وغيرهم.
[ ٤ / ١١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْحَدِيثَ- إلَى قَوْلِ رَسُولِ اللهِﷺ-: قَدْ كُنْت عَلَى قِبْلَةٍ لَوْ صبرت لميها فِقْهُ قَوْلِهِ: لَوْ صَبَرْت عَلَيْهَا: أَنّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةِ مَا قَدْ صَلّى؛ لِأَنّهُ كَانَ مُتَأَوّلًا.
قِبْلَةُ الرّسُولِ ﷺ:
وَفِي الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ عَلَى أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، كَانَ يُصَلّي بِمَكّةَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَا صَلّى إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ إلّا مُذْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا أو ستة عشر شهرا «١»، فعلى هذا
_________________
(١) روى البخارى بسنده عن البراء ﵁ أن رسول اللهﷺ- صلى إلى بيت المقدس سنة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمر على أهل المسجد، وهم راكعون، قال: أشهد بالله: لقد صليت مع النبىﷺ- قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت، وكان الذى قد مات على القبلة، قبل أن تحول قبل البيت رجالا قتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ. أقول: لعل الراوى يريد أنه بهذا الجزء من الآية اطمأن كل امرئ مسلم إلى هذا المعنى، أو لعله أراد الآية كلها، إذ لا يعقل تأخر جزء من آية هذا شأنه وارتباطه الوثيق بما قبله عن جزئه الأول المتمم لمعناه!! وقد انفرد البخارى به من هذا الوجه، ورواه مسلم من وجه آخر وورد فى البخارى أيضا «بينا الناس يصلون الصبح فى مسجد قباء إذ جاء جاء فقال: أنزل الله على النبى قرآنا أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، فتوجهوا إلى الكعبة» وأخرجه مسلم أيضا. وإليك ما قاله ابن كثير فى تفسيره «وقد جاء فى هذا الباب أحاديث كثيرة، وحاصل الأمر أنه قد كان رسول الله- صلى الله
[ ٤ / ١١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَكُونُ فِي الْقِبْلَةِ نَسْخَانِ نَسْخُ سُنّةٍ بِسُنّةِ، وَنَسْخُ سُنّةٍ بِقُرْآنِ، وَقَدْ بَيّنَ حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ مَنْشَأَ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَرُوِيَ عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، كَانَ إذَا صَلّى بِمَكّةَ اسْتَقْبَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَجَعَلَ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَمّا كَانَ ﵇ يَتَحَرّى الْقِبْلَتَيْنِ جَمِيعًا لَمْ يَبِنْ تَوَجّهُهُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِلنّاسِ، حَتّى خَرَجَ مِنْ مَكّةَ وَاَللهُ أَعْلَمُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى لَهُ فِي الْآيَةِ النّاسِخَةِ: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ
_________________
(١) عليه وسلم- أمر باستقبال الصخرة من بيت المقدس، فكان يصلى بين الركنين، وهو مستقبل صخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة تعذر الجمع بينهما، فأمره الله بالتوجه إلى بيت المقدس؛ قاله ابن عباس والجمهور، ثم اختلف هؤلاء، هل كان الأمر به بالقرآن، أو بغيره؟ على قولين، وحكى القرطبى فى تفسيره.. أن التوجه إلى بيت المقدس كان باجتهاده ﵇، والمقصود أن التوجه إلى بيت المقدس بعد مقدمهﷺ- المدينة، واستمر الأمر على ذلك بضعة عشر شهرا، وكان يكثر الدعاء والابتهال أن يوجه إلى الكعبة التى هى قبلة إبراهيم ﵇، فأجيب إلى ذلك وأمر بالتوجه إلى البيت العتيق، فخطب رَسُولُ اللهِﷺ- النّاسَ، فأعلمهم بذلك، وكان أول صلاة صلاها إليها صلاة العصر، كما تقدم فى الصحيحين من رواية البراء، ووقع عند النسائى من رواية أبى سعيد بن المعلى أنها الظهر وذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم أن تحويل القبلة نزل على رسول الله، وقد صلى ركعتين من الظهر، وذلك فى مسجد بنى سلمة، فسمى مسجد القبلتين: وفى حديث نويلة بنت مسلم أنهم جاءهم الخبر بذلك، وهم فى صلاة الظهر، قال: فتحولت الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمرى، وأما أهل قباء، فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم الثانى كما جاء فى الصحيحين، وهى محاولة للجمع بين التى تروى أنها صلاة العصر، وبين التى تروى أنها صلاة الصبح..
[ ٤ / ١١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الْبَقَرَةَ: ١٥٠ أَيْ: مِنْ أَيّ جِهَةٍ جِئْت إلَى الصّلَاةِ، وَخَرَجْت إلَيْهَا فَاسْتَقْبِلْ الْكَعْبَةَ كُنْت مُسْتَدْبِرًا لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَوْ لَمْ تَكُنْ، لِأَنّهُ كَانَ بِمَكّةَ يَتَحَرّى فِي اسْتِقْبَالِهِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَنْ تَكُونَ الْكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَدَبّرْ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ وَقَالَ لِأُمّتِهِ:
وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَلَمْ يَقُلْ: حَيْثُمَا خَرَجْتُمْ، وَذَلِكَ أَنّهُ كَانَ ﵇ إمَامَ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ يَخْرُجُ إلَيْهِمْ إلَى كُلّ صَلَاةٍ لِيُصَلّيَ بِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ إذْ كَانَ الْإِمَامُ الْمُقْتَدَى بِهِ فَأَفَادَ ذِكْرُ الْخُرُوجِ فِي خَاصّتِهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَلَمْ يَكُنْ حُكْمُ غَيْرِهِ هَكَذَا، يَقْتَضِي الْخُرُوجَ، وَلَا سِيّمَا النّسَاءُ، وَمَنْ لَا جَمَاعَةَ عَلَيْهِ، وَكَرّرَ الْبَارِي تَعَالَى الْأَمْرَ بِالتّوَجّهِ إلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ فِي ثَلَاثِ آيَاتٍ، لِأَنّ الْمُنْكِرِينَ لِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ، كَانُوا ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ مِنْ النّاسِ الْيَهُودُ، لِأَنّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِالنّسْخِ فِي أَصْلِ مَذْهَبِهِمْ، وَأَهْلُ الرّيْبِ وَالنّفَاقِ اشْتَدّ إنْكَارُهُمْ لَهُ أَنّهُ كَانَ أَوّلَ نَسْخٍ نَزَلَ، وَكُفّارُ قُرَيْشٍ قَالُوا: نَدِمَ مُحَمّدٌ عَلَى فِرَاقِ دِينِنَا فَسَيَرْجِعُ إليه كما رجع إلى قِبْلَتَنَا، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَحْتَجّونَ عَلَيْهِ، فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ مُحَمّدٌ أَنّهُ يَدْعُونَا إلَى مِلّةِ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ، وَقَدْ فَارَقَ قِبْلَةَ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ، وَآثَرَ عَلَيْهَا قِبْلَةَ الْيَهُودِ، فَقَالَ اللهُ لَهُ حِينَ أَمَرَهُ بِالصّلَاةِ إلَى الْكَعْبَةِ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ الْبَقَرَةَ: ١٥٠ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، أَيْ: لَكِنْ الّذِينَ ظَلَمُوا منهم لا يرجعون ولا يهتدون «١»
_________________
(١) يرى بعض المفسرين أنه غير منقطع، لأن هذا لا يرد فى الكلام البليغ الفصيح. يقول البيضاوى عن الاستثناء هنا «إلا الذين ظلموا منهم استثناء من الناس، أى لئلا يكون لأحد من الناس حجة إلا للمعاندين منهم فإنهم يقولون
[ ٤ / ١١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ الْبَقَرَةَ: ١٤٧ أَيْ:
مِنْ الّذِينَ شَكّوا وَامْتَرَوْا، وَمَعْنَى: الْحَقّ مِنْ رَبّك أَيْ الّذِي أَمَرْتُك بِهِ مِنْ التّوَجّهِ إلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ، هُوَ الْحَقّ الّذِي كَانَ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَك فَلَا تَمْتَرِ فِي ذَلِكَ وَقَالَ: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ الْبَقَرَةَ: ١٤٤ وَقَالَ: وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْبَقَرَةَ: ١٤٦ أَيْ يَكْتُمُونَ مَا عَلِمُوا مِنْ أَنّ الْكَعْبَةَ هِيَ قِبْلَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ السّنْجَرِيّ فِي كِتَابِ النّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ لَهُ وَهُوَ فِي رِوَايَتِنَا عَنْهُ بِسَنَدِ رَفِيعٍ حَدّثَنَا الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيّ قَالَ: أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيّ بْنِ أَيّوبَ الْبَزّارُ، قَالَ: أَنَا أَبُو عَلِيّ بْنُ شَاذَانَ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ الْفَقِيهُ النجّار أحمد بن
_________________
(١) ما تحول إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه، وحبا لبلده، أو: بداله فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم، وسمى هذه حجة كقوله تعالى: حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ لأنهم يسوقون مساقها وقيل: الحجة بمعنى الاحتجاج، وقيل: الاستثناء للمبالغة فى نفى الحجة رأسا وقرئ (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) على أنه استئناف بحرف التنبيه»: وفى تفسير الجلالين: «إلا الذين ظلموا منهم بالعناد، فإنهم يقولون: ما تحول إليها إلا ميلا إلى دين آبائه، والاستثناء متصل، والمعنى: لا يكون لأحد عليكم كلام إلا كلام هؤلاء» ويقول ابن كثير «إلا الذين ظلموا منهم يعنى: مشركى قريش، ووجه بعضهم حجة الظلمة- وهى داحضة- أن قالوا: هذا الرجل يزعم أنه على دين إبراهيم، فإن كان توجهه إلى بيت المقدس على ملة إبراهيم، فلم رجع عنه؟ والجواب: أن الله تعالى اختار له التوجه إلى البيت المقدس أولا لما له تعالى فى ذلك من الحكمة، فأطاع ربه تعالى فى ذلك، ثم صرفه إلى قبلة إبراهيم، وهى الكعبة، فامتثل أمر الله فى ذلك أيضا»
[ ٤ / ١١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) سُلَيْمَانَ عَنْهُ، قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، قال: نا عنبسة عن يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لَا يُعَظّمُ إيلِيَاءَ كَمَا يُعَظّمُهَا أَهْلُ بَيْتِهِ، قَالَ: فَسِرْت مَعَهُ، وَهُوَ وَلِيّ عَهْدٍ، قَالَ: وَمَعَهُ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ سُلَيْمَانُ: وَهُوَ جَالِسٌ فِيهِ: وَاَللهِ إنّ فِي هَذِهِ الْقِبْلَةِ الّتِي صَلّى إلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ وَالنّصَارَى لَعَجَبًا، قَالَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ: أَمَا وَاَللهِ إنّي لَأَقْرَأُ الْكِتَابَ الّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى مُحَمّدٍﷺ- وَأَقْرَأُ التّوْرَاةَ، فَلَمْ يَجِدْهَا الْيَهُودُ فِي الْكِتَابِ الّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ تَابُوتُ السّكِينَةِ كَانَ عَلَى الصّخْرَةِ، فَلَمّا غَضِبَ اللهُ تَعَالَى عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ رَفَعَهُ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُمْ إلَى الصّخْرَةِ عَنْ مُشَاوَرَةٍ مِنْهُمْ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا أَنّ يَهُودِيّا خَاصَمَ أَبَا الْعَالِيَةِ فِي الْقِبْلَةِ، فَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: إنّ مُوسَى ﵇ كَانَ يُصَلّي عِنْدَ الصّخْرَةِ، وَيَسْتَقْبِلُ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، فَكَانَتْ الْكَعْبَةُ قِبْلَةً، وَكَانَتْ الصّخْرَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ الْيَهُودِيّ: بَيْنِي وَبَيْنَك مَسْجِدُ صَالِحٍ النّبِيّ ﷺ، فَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: فَإِنّي صَلّيْت فِي مَسْجِدِ صَالِحٍ وَقِبْلَتُهُ الْكَعْبَةُ، وَأَخْبَرَ أَبُو الْعَالِيَةِ أَنّهُ رَأَى مَسْجِدَ ذِي الْقَرْنَيْنِ وَقِبْلَتُهُ الْكَعْبَةُ، وَرُوِيَ أَيْضًا أن النبي ﷺ، كان يَقُولُ لِجِبْرِيلَ: وَدِدْت أَنّ اللهَ حَوّلَنِي عَنْ قِبْلَةِ الْيَهُودِ، فَيَقُولُ لَهُ جِبْرِيلُ: إنّمَا أَنَا عَبْدٌ مَأْمُورٌ، وَرَوَى غَيْرُهُ أَنّهُ كَانَ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ إذَا عَرَجَ إلَى السّمَاءِ حِرْصًا عَلَى أَنْ يَأْمُرَهُ بِالتّوَجّهِ إلَى الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ الآية: البقرة ١٤٤.
[ ٤ / ١١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أم عمارة وأم ضيع فِي بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ الْأُخْرَى:
وَذَكَرَ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ، وَذَكَرَ عِدّةَ أَصْحَابِ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ، وَأَنّهُمْ كَانُوا ثَلَاثَةً وَسَبْعِينَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ، وَهُمَا: أُمّ عُمَارَةَ وَهِيَ نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ امْرَأَةُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ شَهِدَتْ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ وَبَيْعَةَ الرّضْوَانِ، وَشَهِدَتْ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، وَبَاشَرَتْ الْقِتَالَ بِنَفْسِهَا، وَشَارَكَتْ ابْنَهَا عَبْدَ اللهِ فِي قَتْلِ مُسَيْلِمَةَ، فَقُطِعَتْ يَدُهَا، وجرحت اثنا عَشَرَ جُرْحًا، ثُمّ عَاشَتْ بَعْدَ ذَلِكَ دَهْرًا، وَكَانَ النّاسُ يَأْتُونَهَا بِمَرْضَاهُمْ، لِتَسْتَشْفِي لَهُمْ، فَتَمْسَحُ بِيَدِهَا الشّلّاءِ عَلَى الْعَلِيلِ، وَتَدْعُو لَهُ، فَقَلّ ما مسحت بيدها ذا عاهة إلّا برىء «١» .
وَالْأُخْرَى: أَسْمَاءُ بِنْتُ عَمْرٍو أُمّ مَنِيعٍ، وَقَدْ رَفَعَ فِي نَسَبِهَا وَنَسَبِ الْأُخْرَى ابْنُ إسْحَاقَ، وَيُرْوَى أَنّ أُمّ عُمَارَةَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِﷺ- مَا أَرَى كُلّ شَيْءٍ إلّا لِلرّجَالِ، وَمَا أَرَى لِلنّسَاءِ شَيْئًا، فأنزل الله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ «٢» الآية.
_________________
(١) المسلم يدين بأن الشفاء بيد الله وحده. ندبر ما قص الله عن إبراهيم من قوله: (وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) وليس من أسباب الشفاء أن تمسح امرأة بيدها جسم إنسان، ولكن من أسبابه الدعاء، وما أحل الله من دواء يصفه الطبيب.
(٢) المشهور- كما روى الإمام أحمد والنسائى وابن جرير- أن أم سلمة ﵂ هى التى قالت للنبى «ص»: ما لنا لا نذكر فى القرآن، كما يذكر الرجال؟ فنزلت الآية.
[ ٤ / ١١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ:
وَذَكَرَ قَوْلَ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وَهُوَ أَوّلُ مَنْ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى يَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، بِالْبَيْعَةِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ قَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ، فَقَالَ: نُبَايِعُك عَلَى أَنْ نَمْنَعَك مِمّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا، أَرَادَ: نِسَاءَنَا، وَالْعَرَبُ تُكَنّي عَنْ الْمَرْأَةِ بِالْإِزَارِ، وَتُكَنّي أَيْضًا بِالْإِزَارِ عَنْ النّفْسِ، وَتَجْعَلُ الثّوْبَ عِبَارَةً عَنْ لَابِسِهِ كَمَا قَالَ:
رَمَوْهَا بِأَثْوَابِ خِفَافٍ فَلَا تَرَى لَهَا شَبَهًا إلّا النّعَامَ الْمُنَفّرَا «١»
أَيْ: بِأَبْدَانِ خِفَافٍ، فَقَوْلُهُ مِمّا نَمْنَعُ أُزُرَنَا يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَقَدْ قَالَ الْفَارِسِيّ فِي قَوْلِ الرّجُلِ الّذِي كَتَبَ إلَى عُمَرَ مِنْ الْغَزْوِ يُذَكّرُهُ بِأَهْلِهِ:
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا حَفْصٍ رَسُولًا فِدَى لَك مِنْ أَخِي ثِقَةٍ إزَارِي
قَالَ: الْإِزَارُ: كِنَايَةٌ عَنْ الْأَهْلِ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالْإِغْرَاءِ أَيْ:
احْفَظْ إزَارِي، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْإِزَارُ فِي هَذَا الْبَيْتِ كِنَايَةٌ عَنْ نَفْسِهِ، وَمَعْنَاهُ فِدَا لَك نَفْسِي، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمَرْضِيّ فِي الْعَرَبِيّةِ، وَاَلّذِي قَالَهُ الْفَارِسِيّ بَعِيدٌ عَنْ الصّوَابِ، لِأَنّهُ أَضْمَرَ الْمُبْتَدَأَ، وَأَضْمَرَ الْفِعْلَ النّاصِبَ لِلْإِزَارِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ لِبُعْدِهِ، عَنْهُ، وَبُعْدُ الْبَيْتِ مَا يَدُلّ عَلَى صِحّةِ الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ وَهُوَ:
قَلَائِصَنَا هَدَاك اللهُ مَهْلًا شغلنا عنكم زمن الحصار «٢»
_________________
(١) البيت لليلى الأخيلية ص ٩٢٢ سمط اللآلى.
(٢) أصل القصة أن نفيلة الأكبر الأشجعى- وكنيته أبو المنهال- كتب إلى عمر أبياتا من الشعر يشير فيها إلى رجل كان واليا على مدينتهم يخرج الجوارى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ــ إلى سلع عند خروج أزواجهن إلى الغزو، فيعقلهن، ويقول: لا يمشى فى العقال إلا الحصان، فربما وقعت، فتكشفت، وكان اسم هذا الرجل جعدة بن عبد الله السلمى، فقال ما ذكر السهيلى وبعدهما: فما قلص وجدن معقلات قفا سلع بمختلف النجار قلائص من بنى كعب بن عمرو وأسلم أو جهينة أو غفار يعقلهن جعدة من سليم غوى يبتغى سقط العذارى يعقلهن أبيض شيظمى وبئس معقل الذود الخيار وفى وفاء الوفاء للسمهودى: «من بنى سعد بن بكر، أو أسلم» بدلا مما ذكر فى البيت الثالث: وكنى بالقلاص عن النساء، ونصبها على الإغراء، فلما وقف عمررضي الله عنه- على الأبيات عزله، وسأله عن ذلك الأمر، فاعترف، فجلده مائة معقولا، وأطرده إلى الشام، ثم سئل فيه، فأخرجه من الشام، ولم يأذن له فى دخول المدينة، ثم سئل فيه أن يدخل ليجمع، فكان إذا رآه عمر توعده، فقال: أكل الدهر جعدة مستحق أبا حفص لشتم أو وعيد فما أنا بالبرىء براه عذر ولا بالخالع الرسن الشرود وقول جعدة: فدا لك الخ: أى أهلى ونفسى. وقال الجرمى: يريد بالإزار ههنا: المرأة. والقصة مشهورة، وقد رويت لغيره، ورواها الآمدى فقال عن جعدة: كان غزلا صاحب نساء يحدثهن ويضحكهن، ويمازحهن، فكن يجتمعن عنده، فيأخذ المرأة فيعقلها، ثم يأمرها أن تمشى فتتعثر، فتقع، فتنكشف، فيتاضحكن من ذلك إلخ وقد ذكر ابن حجر ترجمته فى الإصابة فى القسم الثالث فيمن أدرك الجاهلية والإسلام، ولم يرد أنه رأى النبى ﵌. ونفيلة فى الإصابة: بقيلة الأكبر الأشجعى من بنى بكر ابن أشجع، وهو بقاف مصغر، ذكره الآمدى فى حرف الموحدة. وقال الزبير ابن بكار: سمت العتبى يصحفه، فيقول: نفيلة، وقد شهد نفيلة أو بقيلة القادسية مع عمر. أنظر اللسان مادة أزر، والإصابة ترجمة بقيلة، وجعدة ح ١
[ ٤ / ١١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَنَصَبَ قَلَائِصَنَا بِالْإِضْمَارِ الّذِي جَعَلَهُ الْفَارِسِيّ نَاصِبًا لِلْإِزَارِ.
تَرْجَمَةُ الْبَرَاءِ:
وَالْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ يُكَنّى أبا بشر يابنه بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ، وَهُوَ الّذِي أَكَلَ مَعَ رسول اللهﷺ- من الشّاةِ الْمَسْمُومَةِ «١»، فَمَاتَ وَمَعْرُورٌ اسْمُ أَبِيهِ، مَعْنَاهُ: مَقْصُودٌ يُقَالُ: عَرّهُ وَاعْتَرّهُ إذَا قَصَدَ «٢»، وَالْبَرَاءُ هَذَا مِمّنْ صَلّى رَسُولُ اللهِﷺ- عَلَى قَبْرِهِ «٣» بَعْدَ مَوْتِهِ وَكَبّرَ أَرْبَعًا، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الصّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ، وَقَدْ رُوِيَتْ مِنْ سِتّ طُرُقٍ عَنْ النّبِيّﷺ- قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَذَكَرَهَا كُلّهَا أَبُو عُمَرَ فِي التّمْهِيدِ، وَزَادَ ثَلَاثَ طُرُقٍ لَمْ يَذْكُرْهَا ابْنُ حَنْبَلٍ، فَهِيَ إذًا تُرْوَى مِنْ- تِسْعِ طُرُقٍ أَعْنِي أن- تسعة من الصحابة روؤا صَلَاتَهُ ﵇ عَلَى الْقَبْرِ، فَمِنْهُمْ ابْنُ عباس، وأنس ابن مَالِكٍ وَبُرَيْدَةُ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَأَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيّ، وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصّامِتِ، وَحَدِيثُهُ مُرْسَلٌ، وَأَصَحّهَا إسْنَادًا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّﷺ- لِلْمُبَايِعِينَ لَهُ: بَلْ الدّمَ الدّمَ وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ، وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْهَدَمَ بِفَتْحِ الدال. قال ابن قتيبة: كانت
_________________
(١) شهد بشر العقبة وبدرا وما بعدها، ومات بعد خيبر.
(٢) فى اللسان: عره يعره عرا واعتره، واعتر به: إذا أتاه، فطلب معروفه.
(٣) هذا لأنه مات- كما قيل- قبل قدوم النبى «ص» بشهر.
[ ٤ / ١٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْعَرَبُ تَقُولُ عِنْدَ عَقْدِ الْحِلْفِ وَالْجِوَارِ: دَمِي دَمُك وَهَدْمِي هَدْمُك، أَيْ:
مَا هَدَمْت مِنْ الدّمَاءِ، هَدَمْته أَنَا، وَيُقَالُ أَيْضًا: بَلْ اللّدَمَ اللّدَمَ وَالْهَدَمَ الْهَدَمَ، وَأَنْشَد:
ثُمّ الْحَقِي. بِهَدَمِي وَلَدَمِي
فَاللّدَمُ: جَمْعُ لَادِمٍ، وَهُمْ أَهْلُهُ الّذِينَ يَلْتَدِمُونَ عَلَيْهِ إذَا مَاتَ، وَهُوَ مِنْ لَدَمْت صَدْرَهُ: إذَا ضَرَبْته. وَالْهَدَمُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْحُرْمَةُ، وَإِنّمَا كَنّى عَنْ حُرْمَةِ الرّجُلِ وَأَهْلِهِ بِالْهَدَمِ، لِأَنّهُمْ كَانُوا أَهْلَ نُجْعَةٍ وَارْتِحَالٍ، وَلَهُمْ بُيُوتٌ يَسْتَخِفّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِهِمْ، فَكُلّمَا ظَعَنُوا هَدَمُوهَا، وَالْهَدَمُ بِمَعْنَى الْمَهْدُومِ كَالْقَبَضِ بِمَعْنَى الْمَقْبُوضِ، ثُمّ جَعَلُوا الْهَدَمَ وَهُوَ الْبَيْتُ الْمَهْدُومُ عِبَارَةً عَمّا حَوَى، ثُمّ قَالَ: هَدَمِي هَدَمُك أَيْ: رِحْلَتِي مَعَ رِحْلَتِك أَيْ لَا أَظْعَنُ وَأَدَعُك وَأَنْشَدَ يَعْقُوبُ:
تَمْضِي إذَا زُجِرَتْ عَنْ سَوْأَةٍ قُدُمًا كأنها هدم فى الجفر منقاض «١»
_________________
(١) إذا حركت دال الهدم، فهى القبر، فيكون المعنى: أقبر حيث تقبرون، وقيل: هو المنزل: أى منزلكم: منزلى، وبالفتح أيضا والسكون: إهدار دم القتيل، فيكون المعنى: إن طلب دمكم، فقد طلب دمى وإن أهدر دمكم، فقد أهدر دمى لاستحكام الألفة. وفسرها ابن الأعرابى عند التحريك بقوله: إن ظلمتم فقد ظلمت، فسر أبو عبيدة: اللدم اللدم والهدم الهدم بقوله: حرمتى مع حرمتكم، وبيتى مع بيتكم، وفسر الحقى بهدمى ولدمى بقوله: بأصلى وموضعى، وفسر أبو الهيثم: الدم الدم الخ بقوله إن قتلنى إنسان طلبت بدمى كما تطلب بدم وليك، ومن هدم لى عزا وشرفا فقد هدمه
[ ٤ / ١٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من ولى النقياء:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، وَشِعْرَ كَعْبٍ فِيهِمْ إلَى آخِرِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُشْكِلُ، وَإِنّمَا جَعَلَهُمْ ﵇ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا اقْتِدَاءً بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قَوْمِ مُوسَى وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَدْ سَمّيْنَا أُولَئِكَ النّقَبَاءَ بِأَسْمَائِهِمْ «١» فِي كِتَابِ التعريف والإعلام، فلينظر هنالك.
_________________
(١) منك، وكل من قتل ولي، فقد قتل وليك، ومن أراد هدمك، فقد قصدنى بذلك. وقال الأزهرى: ومن رواه الهدم الهدم والهذم بسكون الذال- فهو على قول الحليف: تطلب بدمى، وأنا أطلب بدمك، وما هدمت من الدماء هدمت أى: ما عفوت عنه، وأهدرته، فقد عفوت عنه، وتركته. وقال الفراء: عن دخول أل على الهدم والدم واللدم: «العرب تدخل الألف واللام اللتين للتعريف على الأسم، فتقومان مقام الإضافة كقول الله ﷿: (فَأَمَّا مَنْ طَغى، وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى) .. أى: الجحيم مأواه، أما الزجاج فقدرها بقوله فإن الجحيم هى المأوى له. وقال ابن الأثير فى رواية الدم الدم: هو أن يهدر دم القتيل المعنى: إن طلب دمكم، فقد طلب دمى. ويرى ابن الأعرابى فى اللدم أنها الحرم جمع لادم فالمعنى: حرمكم: حرمى. ويقول أبو عبيدة: اللدم: الحرم. جمع لادم سمى نساء الرجل وحرمه لدما لأنهن يلتدمن عليه إذا مات واللدم: ضرب المرأة صدرها وقيل: اللطم والضرب بشىء ثقيل انظر اللسان والنهاية لابن الأثير فى مادتى: لدم وهدم
(٢) فى نسب عبد الله بن رواحة، زدت ثعلبة، والأغر من الجمهرة لأبن حزم ص ٣٤٤ ط ١ ومن الإصابة: لقب امرؤ القيس بأنه الأغر وفى نسب سعد بن عبادة يقول الخشنى ص ١١٩ ابن حزيمة بدلا من خزيمة وقال: بالحاء المهمله المفتوحة والزاء المكسورة هو الصواب كذا قيده الدارقطنى. وورد كذلك فى ص ٢٦٩ من المجد لمحمد بن حبيب: وفى نسب رافع بن مالك
[ ٤ / ١٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَرُوِيَ عَنْ الزّهْرِيّ أَنّهُ قَالَ: قَالَ النّبِيّ ﵇ لِلْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ حِين قَدِمَ عَلَيْهِمْ النّقَبَاءُ: لَا يَغْضَبَنّ أَحَدُكُمْ فَإِنّي أَفْعَلُ مَا أُومَر، وَجِبْرِيلُ ﵇ إلَى جَنْبِهِ يُشِيرُ إلَيْهِمْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَرُوِيَ فِي الْمُعَيْطِيّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنّهُ رَوَى حَدِيثَ النّقَبَاءِ عَنْ شَيْخٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، قَالَ مَالِكٌ: وَكُنْت أَعْجَبُ كَيْفَ جَاءَ هَذَا رَجُلَانِ مِنْ قَبِيلَةٍ، وَرَجُلٌ مِنْ أُخْرَى حَتّى حُدّثْت بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَأَنّ جِبْرِيلَ هُوَ الّذِي وَلّاهُمْ، وَأَشَارَ على النبىﷺ- بهم.
_________________
(١) ابن العجلان زادت جمهرة ابن حزم بعد زريق: بن عامر بن زريق، وفى نسب رفاعة ابن زنير، وهى فى الإصابة والجمهرة: زر ص ٣١٤ وفى إمتاع الأسماع: زنبر وفى بعض نسخ السيرة: زبير، وقد اختلف فى اسمه فقيل، بشير وقيل مروان وقيل يشير، وكنيته: أبو لبابة وسقطت. مالك التى قبل: ابن الأوس من الإصابة، كما سقط من نسبه فى الجمهرة بن عمرو، عوف. ومازدته فى السيرة من الأنساب أخذته من كتاب المجد لابن حبيب ص ٢٦٨ وما بعدها. وإليك ما شرح به الخشنى بعض كلمات قصيدة كعب بن مالك: فال رأيه: بطل. فلا ترعين أى لاتبعين، ألب: جمع. جادع: قاطع، إخفاره: نقض عهده، نافع: ثابت، بمندوحة: بمتسع، يافع: موضع مرتفع، ومن رواه: باقع فمعناه: بعيد وهو مأخوذ من بقع الأرض، وخانع: مقر متذلل. ضروح: مانع ودافع عن نفسه من قولهم: ضرحت الدابة برجلها إذا ضربتها. وهنالك بين القصيدة فى ابن هشام وبينها فى المجد بعض اختلافات يسيرة. ففى البيت الثالث: أضالنا أى أضاء لنا بدلا من: بدالنا. ولا ترعين بدلا من: لا ترغبن. ولا تطمعنك المطامع بدلا من: لا يطمعن ثم طامع. ومن ألحيه خانع بدلا من: العهد خانع. وم الأمر صانع بدلا من م الأمر مانع. وإن يغبك بدلا من: لا يغبك.
[ ٤ / ١٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تفسير بعض ما وقع فى وَجَدْته وَذَكَرَ أَنّ الشّيْطَانَ صَرَخَ مِنْ رَأْسِ الْعَقَبَةِ بِأَنْفَذِ صَوْتٍ. قَالَ الشّيْخُ أَبُو بَحْرٍ: هَكَذَا وَقَعَ فِي الْأُمّهَاتِ، وَأَصْلَحْنَاهُ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الْوَلِيدِ: بِأَبْعَدِ، قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَلَا مَعْنَى لِهَذَا الْإِصْلَاحِ، لِأَنّ وَصْفَ الصّوْتِ بِالنّفَاذِ صَحِيحٌ هُوَ أَفْصَحُ مِنْ وَصْفِهِ بِالْبُعْدِ، وَقَدْ مَضَى فِي حَدِيثِ عُمَرَ مَعَ الْكَاهِنِ، قَالَ: لَقَدْ سَمِعْت مِنْ صَوْتِ الْعِجْلِ صَوْتًا مَا سَمِعْت أَنْفَذَ مِنْهُ، وَفِي الصّحِيحِ: أَنّ اللهَ تَعَالَى يَحْشُرُ الْخَلْقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صَرْدَحٍ «١» وَاحِدٍ، فَيَنْفُذُهُمْ الْبَصَرُ وَيُسْمِعُهُمْ الدّاعِي وَكَذَلِكَ وَجَدْته فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ: بِأَنْفَذِ صَوْتٍ كَمَا كَانَ فِي الْأَصْلِ.
وَقَوْلُهُ: يَا أَهْلَ الْجَبَاجِبِ، يَعْنِي: مَنَازِلَ مِنَى، وَأَصْلُهُ: أَنّ الْأَوْعِيَةَ مِنْ الْأَدَمِ كَالزّبِيلِ وَنَحْوِهِ يُسَمّى: جَبْجَبَةً، فَجُعِلَ الْخِيَامُ وَالْمَنَازِلُ لِأَهْلِهَا كَالْأَوْعِيَةِ، وَقَوْلُهُ ﵇ حِينَ صَرَخَ إبْلِيسُ: يَا أَهْلَ الْجَبَاجِبِ، هَذَا أَزَبّ الْعَقَبَةِ، هَذَا ابْنُ أَزْيَبَ. قَالَ ابن هشام: ويقال: ابن أزيب كَذَا تَقَيّدَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَزَبّ الْعَقَبَةِ وَقَالَ ابْنُ مَاكُولَا: أُمّ كُرْزِ بِنْتُ الْأَزَبّ بْنِ عَمْرِو بْنِ بَكِيلٍ مِنْ هَمْدَانَ جَدّةُ الْعَبّاسِ، أُمّ أُمّهِ: سِيلَة، وَقَالَ: لَا يُعْرَفُ الْأَزَبّ فِي الْأَسْمَاءِ إلّا هَذَا، وَأَزَبّ الْعَقَبَةِ، وَهُوَ اسْمُ شَيْطَانٍ، وَوَقَعَ فِي هَذِهِ النّسْخَةِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ إزْبُ الْعَقَبَةِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الزّايِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الزّبَيْرِ مَا يشهد له
_________________
(١) صردح وصرداح: المكان المستوى
[ ٤ / ١٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حِينَ رَأَى رَجُلًا طُولُهُ شِبْرَانِ عَلَى بَرْدَعَةِ رَحْلِهِ [فَأَخَذَ السّوْطَ فَأَتَاهُ]، فَقَالَ:
مَا أَنْتَ؟ فَقَالَ أَزَبّ، قَالَ: وَمَا أَزَبّ؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ الْجِنّ؛ فَضَرَبَهُ عَلَى رَأْسِهِ بِعُودِ السّوْطِ، حَتّى بَاصَ، أَيْ هَرَبَ، وَقَالَ يَعْقُوبُ فِي الْأَلْفَاظِ: الْأَزَبّ:
الْقَصِيرُ. وَحَدِيثُ ابْنِ الزّبَيْرِ ذَكَرَهُ الْعُتْبِيّ فِي الْغَرِيبِ، فَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ اللّفْظَيْنِ أَصَحّ؟ وَابْنُ أَزْيَبَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعْيَلًا مِنْ الْإِزْبِ «١» أَيْضًا، وَالْأَزْيَبُ: الْبَخِيلُ، وَأَزْيَبُ: اسْمُ رِيحٍ مِنْ الرّيَاحِ الْأَرْبَعِ «٢»، وَالْأَزْيَبُ الْفَزَعُ أَيْضًا «٣»، وَالْأَزْيَبُ: الرّجُلُ الْمُتَقَارِبُ الْمَشْيِ «٤»، وَهُوَ عَلَى وَزْنِ أَفْعَلَ، قَالَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ أَزْيَبَ مِنْ هَذَا أَيْضًا، وَأَمّا الْبَخِيلُ فَأَزْيَبُ عَلَى وَزْنِ فَعْيَلٍ لِأَنّ يَعْقُوبَ حَكَى فِي الْأَلْفَاظِ: امْرَأَةٌ أزيبة «٥»
_________________
(١) الإزب فى اللسان فى مادة أزب فتكون على وزن فعل: ومعناها اللئيم والدقيق المفاصل الضاوى يكون ضئيلا. والإزب من الرجال: القصير الغليظ والقصير الذميم؟؟؟. وقد جعل اللسان أزب فى ماده أزب، وقال عن الإزب فى الحديث: هو الشيطان اسمه؛ أزب العقبة، وهو الحية أما عن الأزب فى مادة زبب، فهو الكثير الشعر
(٢) جعلها القاموس واللسان وابن فارس فى معجمه فى مادة زيب فتكون على وزن أفعل، وقال عنها إنها الجنوب فى لغة هذيل: أو هى الريح النكباء التى تجرى بين الصبا والجنوب.
(٣) فى مادة زيب فى القاموس واللسان فوزنها: أفعل.
(٤) هى كالتى قبلها فى المادة والوزن.
(٥) جعلها اللسان فى مادة زيب وهى إزيبة فتكون: إفعلة بكسر الهمزة وسكون الفاء وفتح العين وتضعيف اللام مع فتح، وهكذا ضبطها اللسان والقاموس، وفى معجم مقاييس اللغة لابن فارس: «وقال الخليل: الإزب: الدقيق المفاصل، ويقال هو البخيل» .
[ ٤ / ١٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَلَوْ كَانَ عَنْ وَزْنِ أَفْعَلَ فِي الْمُذَكّرِ لَقِيلَ فِي الْمُؤَنّثِ زَيْبَا إلّا أَنّ فَعْيَلًا فِي أَبْنِيَةِ الْأَسْمَاءِ عَزِيزٌ، وَقَدْ قَالُوا فِي ضَهْيَاءَ، وَهِيَ الّتِي لَا تَحِيضُ مِنْ النّسَاءِ، فَعْلَى جَعَلُوا الْهَمْزَةَ زَائِدَةً وَهِيَ عِنْدِي فَعْيَلٌ لِأَنّ الْهَمْزَةَ فِي قِرَاءَةِ عَاصِمٍ لَامُ الْفِعْلِ فى قوله تعالى يُضاهِؤُنَ وَالضّهْيَأُ مِنْ هَذَا لِأَنّهَا تُضَاهِي الرّجُلَ أَيْ: تُشْبِهُهُ وَيُقَالُ فِيهِ: ضَهْيَاءُ «١» بِالْمَدّ، فَلَا إشْكَالَ فِيهَا أَنّهَا لِلتّأْنِيثِ عَلَى لُغَةِ مَنْ قَالَ ضاهيت بالياء، وقد يجوز
_________________
(١) فى اللسان «وضهيأ: فعلا الهمزة زائدة كما زيدت فى. شمأل، وغرقى البيض، قال: ولا تعلم الهمزة زيدت غير أول إلا فى هذه الأسماء، ويجوز أن تكون الضهيأ بوزن الضهيع. فعيلا، وإن كانت لا نظير لها فى الكلام، فقد قالوا: كنهيل- شجر عظام- ولا نظير له. قال ابن سيدة: الضهيا والضهياء على فعلاء وقال بعضهم الضهياء ممدود التى لا تحيض وهى حبلى. قال ابن جنى: امرأة ضهيأة وزنها: فعلأه لقولهم فى معناها: ضهياء.. وأجاز أبو إسحاق فى همزة: ضهيأة أن تكون أصلا، وتكون الياء هى الزائدة، فعلى هذا تكون الكلمة: فعيلة، وذهب فى ذلك مذهبا من الاشتقاق حسنا لولا شىء اعترضه، وذلك أنه قال: يقال: ضاهيت زيدا وضاهأت زيدا بالياء والهمزة، قال: والضهيأة هى التى لا تحيض، وقيل هى التى لا ثدى لها، قال فيكون ضهيأة: فعيلة من ضاهأت. وقال ابن جنى عن هذا إنه حسن إلا أنه ليس فى الكلام فعيل بفتح الفاء إنما فعيل بكسرها نحو حذيم، وطريم، وغرين «القاطع، والطريم العسل أو السحاب الكثيف، والغرين أو الغرين: الطين يحمله السيل، وغير ذلك، ولم يأت الفتح فى هذا الفن ثبتا، إنما حكاه قوم شاذا وحكى أبو عمرو: امرأة ضهيأة وضهيأه بالتاء والهاء التى لا تطمث وهذا يقتضى أن يكون الضهيا مقصورا. وقال غيره الظهواء من النساء التى لم تنهد.. والضهيا مقصور: الأرض التى لا تنبت «وحكى الجوهرى أن الضهياء ممدود شجر، واحدته: ضهيأه»
[ ٤ / ١٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَنْ يَكُونَ أَزْيَبَ وَأَزْيَبَةُ مِثْلَ أَرْمَلَ وَأَرْمَلَةَ فَلَا يَكُونَ فَعْيَلًا. وَرَوَى أَبُو الْأَشْهَبِ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ لَمّا بُويِعَ لِرَسُولِ اللهِﷺ- بِمِنَى صَرَخَ الشّيْطَانُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ- هَذَا أَبُو لُبَيْنَى «١» قَدْ أَنْذَرَ بِكُمْ، فَتَفَرّقُوا.
تَذْكِيرُ فَعِيلٍ وَتَأْنِيثُهَا:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ حِينَ رَمَى بِنَعْلَيْهِ إلَى جَابِرٍ: قَالَ: وَكَانَ عَلَيْهِ نَعْلَانِ جَدِيدَانِ، وَالنّعْلُ: مُؤَنّثَةٌ، وَلَكِنْ لَا يُقَالُ: جَدِيدَةٌ فِي الْفَصِيحِ مِنْ الْكَلَامِ، وَإِنّمَا يقال: ملحفة جديد لأنها فى معنى مجدودة أَيْ: مَقْطُوعَةٍ، فَهِيَ مِنْ بَابِ كَفّ خَضِيبٌ، وَامْرَأَةٌ قَتِيلٌ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَمَنْ قَالَ جَدِيدَةً، فَإِنّمَا أَرَادَ مَعْنَى حَدِيثَةٍ، أَرَادَ سِيبَوَيْهِ أَنّ حَدِيثَةً، بِمَعْنَى حَادِثَةٍ وَكُلّ فَعِيلٍ بِمَعْنَى فَاعِلٍ يدخله التاء فى المؤنث «٢»
_________________
(١) هى- كما فى القاموس اسم ابنة إبليس لعنه الله تعالى وأبو لبين: الذكر.
(٢) فى إصلاح المنطق لأبى يوسف يعقوب بن السكيت ما يأتى: «تقول: هذه ملحفة جديد، وهذه ملحفة خلق؛ ولا تقل: جديدة، ولا خلقة، وإنما قيل جديد بغير هاء؛ لأنها فى تأويل مجدودة أى: مقطوعة حين قطعها الحائك وإذا كان فعيل نعتا لمؤنث، وهو فى تأويل مفعول، كان بغير هاء نحو: لحية دهين، لأنها فى تأويل مدهونة، وكف خضيب، لأنها فى تأويل مخضوبة، وملحفة غسيل وامراة لديغ، ودابة كسير، وركية دفين إذا اندفن بعضها، وركايا دفن، وتقول: هذا فرس جواد بهم، وهذه فرس جواد بهم، وعين كحيل، وناقة بقير إذا شق بطنها عن ولدها، وامرأة لعين وجريح وقتيل، فإذا
[ ٤ / ١٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْ أَلْقَابِ الطّوِيلِ:
وَذَكَرَ قَوْلَ سَعْدٍ حِينَ أَسَرَتْهُ قُرَيْشٌ: فَأَتَانِي رَجُلٌ وَضِيءٌ شَعْشَاعٌ. وَالشّعْشَعُ وَالشّعْشَعَانِيّ وَالشّعْشَعَانُ»
: الطّوِيلُ مِنْ الرّجَالِ، وَكَذَلِكَ السّلْهَبُ والصّقعب
_________________
(١) لم تذكر المرأة قلت: هذه قتيلة بنى فلان، وكذلك: مررت بقتيلة، وقد تأتى فعيلة بالهاء، وهى فى تأويل مفعول بها تخرج مخرج الأسماء، ولا يذهب بها مذهب النعوت، نحو: النطحية والذبيحة والفريسة وأكيلة السبع والجنيبة والعليقة، وهما البعير يوجهه الرجل مع القوم يمتارون، فيعطيهم دراهم، ليمتازوا له معهم عليه والسريبة من الغنم، والعليقه: الداهية والفريقة التمر والحلبة جميعا تجعل للنفساء» وذكر ابن السكيت غيرها كالنقيعة والنخيسة والقطيبة والتريكة والنجيرة والبسيسة والرجيعة ص ٣٧٧ ط دار المعارف ١٩٤٩ م وفى أدب الكاتب لابن قتيبة «وما كان على فعيل نعنا للمؤنث، وهو فى تأويل مفعول كان بغير هاء نحو: كف خضيب وملحفة غسيل، وربما جاء بالهاء يذهب بها مذهب النعوت نحو النطيحة والذبيحة والفريسة، وأكيلة السبع وتقول: هذه ذبيحتك، وذلك أنك لم ترد أن تخبر أنها قد ذبحت ألا ترى أنك تقول: هذا وهى حية، وإنما هى بمنزلة: ضحية، وكذلك شاة رمى، وتقول بئس الرمية الأرنب، إنما يريد: بئس الشىء مما يرمى الأرنب، فهذا بمنزلة الذبيحة فاذا لم يجز فيه مفعول، فهو بالهاء نحو: مريضة وكبيرة وصغيرة وطريقة، وجاءت أشياء شاذة قالوا: ناقة سديس وريح خريق، وكتيبة حصيف، وإن كان فعيل فى تأويل فاعل كان مؤنثه بالهاء نحو رحيمة وعليمة وكريمة» ص ٢٨٩ ط أولى ١٣٥٥ هـ
(٢) الزيارة من القاموس. والرجز الذى وردت فيه كلمة «شعشاع» هو لرؤبة انظر ديوان رؤبة ص ١٦٢ طبع برلين، ص ١٢٠ شرح السيرة للخشنى. وقد شرحه بما يأتى: «يمطوه: يمده، يعنى: طول عنق البعير، وعير مودن أى قصير ويروى: غير وكذلك وقع فى رجز رؤبة، ووقع هنا بالعين مهملة» ص ١٢٠.
[ ٤ / ١٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالشّوْقَبُ وَ[الشّرْعَبُ] وَالشّرْجَبُ وَالْخِبَقّ وَالشّوْذَبُ الطّوِيلُ مَعَ رِقّةٍ فِي أَسْمَاءٍ كَثِيرَةٍ.
مَعَانِي الْكَلِمَاتِ:
وَقَوْلُهُ أَوَى إلَيْهِ رَجُلٌ أَيْ رَقّ لَهُ، يُقَالُ أَوَى إيّهْ [وَأَوْيَةً] مَأْوِيَةً.
وَقَوْلُهُ فَتَنَطّسَ الْقَوْمُ الْخَبَرَ أَيْ: أَكْثَرُوا الْبَحْثَ عَنْهُ، وَالتّنَطّسُ، تَدْقِيقُ النّظَرِ. قَالَ الرّاجِزُ: [رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجّاجِ]
وَقَدْ أَكُونُ عِنْدَهَا نِقْرِيسًا طِبّا بِأَدْوَاءِ النّسَا نِطّيسًا «١»
وَذَكَرَ قَوْلَ ضِرَارِ بْنِ الْخَطّابِ:
وَكَانَ شفاء وتداركت مُنْذِرًا
وَضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ: وَضِرَارٌ كَانَ شَاعِرَ قُرَيْشٍ وَفَارِسَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي قُرَيْشٍ أَشْعَرَ مِنْهُ، [عَبْدُ اللهِ] ثُمّ ابْنُ الزّبَعْرَى بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ، وَكَانَ جَدّهُ مِرْدَاسٌ رَئِيسَ بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ فِي الْجَاهِلِيّةِ يَسِيرُ فِيهِمْ بِالْمِرْبَاعِ، وَهُوَ رُبُعُ الْغَنِيمَةِ، وَكَانَ أَبُوهُ أَيّامَ الْفُجّارِ رَئِيسَ بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ أسلم ضرار عام الفتح.
_________________
(١) الرجز لرؤبة بن العجاج يمدح به أبان بن الوليد البجلى. ورواية الديوان هكذا: وقد أكون مرة نطيسا يخبء أدواء الصبا نقريسا ص ٧٠ الديوان طبع برلين. ورواه الخشنى فى شرح السيرة كما رواه السهيلى ولكنه ذكر الصبا بدلا من النسا
[ ٤ / ١٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَوْلَ قَصِيدَةِ حَسّانَ:
وَذَكَرَ قَوْلَ حَسّانَ يُجِيبُهُ:
لَسْت إلَى عَمْرٍو «١» وَلَا الْمَرْءِ مُنْذِرٍ إذَ مَا مَطَايَا الْقَوْمِ أَصْبَحْنَ ضُمّرَا
يَعْنِي بِعَمْرِو عَمْرَو بْنَ خُنَيْسٍ وَالِدَ الْمُنْذِرِ. يَقُولُ: لَسْت إلَيْهِ وَلَا إلَى ابْنِهِ الْمُنْذِرِ أَيْ: أَنْتَ أَقَلّ مِنْ ذَلِكَ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو هَذَا يُقَالُ لَهُ: أَعْنَقَ لِيَمُوتَ «٢»، هُوَ أَحَدُ النّقَبَاءِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ، وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فى المواخاة أن رسول اللهﷺ- آخَى بَيْنَهُ، وَبَيْنَ أَبِي ذَرّ الْغِفَارِيّ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْوَاقِدِيّ مُحَمّدُ بْنُ عُمَرَ، وَقَالَ: إنّمَا آخَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ طُلَيْبِ بْنِ عَمْرٍو «٣» .
قَالَ: وَكَيْفَ يُوَاخِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي ذَرّ، وَالْمُوَاخَاةُ كَانَتْ قَبْلَ بَدْرٍ، وَأَبُو ذَرّ كَانَ إذْ ذَاكَ غَائِبًا عَنْ الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَقْدَمْ إلّا بَعْدَ بَدْرٍ، وَقَدْ قَطَعَتْ بَدْرٌ الْمُوَاخَاةَ وَنَسَخَهَا قوله سبحانه: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [فِي كِتابِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] الْأَنْفَالَ: ٧٥ وَلِلْمُنْذِرِ بْنِ عَمْرٍو حَدِيثٌ وَاحِدٌ عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ- لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ، يَرْوِيهِ عَبْدُ الْمُهَيْمِنِ بْنُ عباس ابن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ عَنْ الْمُنْذِرِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَجَدَ عَنْ السّهْوِ قَبْلَ التّسْلِيمِ، وعبد المهيمن ضعيف. وقول حسان:
_________________
(١) الذى فى السيرة: لست إلى سعد.
(٢) فى الإصابة «وكان يلقب بالمعنق ليموت، وقال موسى بن عقبة فى مغازيه «وهو الذى يقال له أعنق ليموت» .
(٣) وقيل هو: ابن عمير، أمه: أروى بنت عبد المطلب.
[ ٤ / ١٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَلَا تَكُ كَالشّاةِ الّتِي كَانَ حَتْفُهَا بِحَفْرِ ذراعيها، فلم تَرْضَ مُحْفَرَا
تَقُولُهُ الْعَرَبُ فِي مَثَلٍ قَدِيمٍ فِيمَنْ أَثَارَ عَلَى نَفْسِهِ شَرّا كَالْبَاحِثِ عَنْ الْمُدْيَةِ «١» وَأَنْشَدَ أَبُو عُثْمَانَ [الْجَاحِظُ] عَمْرُو بْنُ بَحْرٍ؟؟؟. [لِلْفَرَزْدَقِ]:
وَكَانَ يُجِيرُ النّاسَ مِنْ سَيْفِ مَالِكٍ فَأَصْبَحَ يَبْغِي نَفْسَهُ مَنْ يُجِيرُهَا
وَكَانَ كَعَنْزِ السّوءِ قَامَتْ بِظِلْفِهَا إلَى مُدْيَةٍ تَحْتَ التراب تثيرها
_________________
(١) قال البحترى فى خماسته: «يروى عن بعض العرب أنه أصاب نعجة» . فأراد ذبحها، ولم يكن معه شىء يذبحها به، فبينا هو يفكر فى ذلك، وأى ذلك يصنع إذ حفرت النعجة بأظلافها الأرض، فأبرزت عن سكين كانت مندفنة فى التراب، فذبحها بها، وضرب العرب بها المثل والبيتان بعدهما: ستعلم عبد القيس إن زال ملكها على أى حال يستمر مريرها وهما فى البيان والتبيين ص ١٥٩ ج ٣ للجاحظ بتحقيق الأستاذ عبد السلام هارون، وأنشدهما أيضا فى كتابه الحيوان، وهما أيضا فى ديوان الفرزدق ص ٢٤٩. ومن معانى قصيدة حسان كما بين الخشنى: البرقاء: موضع. حسر: معيية. الربط: الملاحف البيض، واحدتها: ربطة. الأنباط: قوم من العجم. والوسنان النائم. كسرى: ملك الفرس، وقيصر: ملك الروم. الثكلى: المرأة الفاقدة؟؟؟ ولدها. والنحر: الصدر.
[ ٤ / ١٣٢ ]
[قصة صنم عمرو بن الجموح]
فَلَمّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ بِهَا، وَفِي قَوْمِهِمْ بَقَايَا مِنْ شُيُوخٍ لَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ مِنْ الشّرْكِ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنْمِ ابن كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ، وَكَانَ ابْنُهُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرٍو شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَبَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِهَا، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ سَيّدًا مِنْ سَادَاتِ بَنِي سَلَمَةَ، وَشَرِيفًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَكَانَ قَدْ اتّخَذَ فِي دَارِهِ صَنَمًا مِنْ خَشَبٍ، يُقَالُ لَهُ: مَنَاةُ، كَمَا كَانَتْ الْأَشْرَافُ يَصْنَعُونَ، تَتّخِذُهُ إلَهًا تُعَظّمُهُ وَتُطَهّرُهُ، فَلَمّا أَسْلَمَ فِتْيَانُ بَنِي سَلَمَةَ: مُعَاذُ بْنُ جبل، وابنه معاذ بن عمرو، فِي فِتْيَانٍ مِنْهُمْ مِمّنْ أَسْلَمَ وَشَهِدَ الْعَقَبَةَ، كَانُوا يُدْلِجُونَ بِاللّيْلِ عَلَى صَنَمِ عَمْرٍو ذَلِكَ، فَيَحْمِلُونَهُ فَيَطْرَحُونَهُ فِي بَعْضِ حُفَرِ بَنِي سَلَمَةَ، وَفِيهَا عِذَرُ النّاسِ، مُنَكّسًا عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا أَصْبَحَ عَمْرٌو، قَالَ: وَيْلَكُمْ! مَنْ عَدَا عَلَى آلِهَتِنَا هَذِهِ اللّيْلَةَ؟ قَالَ: ثُمّ يَغْدُو يَلْتَمِسُهُ، حَتّى إذَا وَجَدَهُ غَسَلَهُ وَطَهّرَهُ وَطَيّبَهُ، ثُمّ قَالَ: أَمَا وَاَللهِ لَوْ أَعْلَمُ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكَ لَأُخْزِيَنّهُ. فَإِذَا أَمْسَى وَنَامَ عَمْرٌو، عدووا عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَغْدُو فَيَجِدُهُ فِي مِثْلِ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْأَذَى، فيغسله ويطهّره ويطيّبه، ثم يغدون عَلَيْهِ إذَا أَمْسَى، فَيَفْعَلُونَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ. فلما أكثروا عليه، استخرجه من حيث ألقوه يوما، فغسله وطهّره وَطَيّبَهُ، ثُمّ جَاءَ بِسَيْفِهِ فَعَلّقَهُ عَلَيْهِ، ثُمّ قَالَ: إنّي وَاَللهِ مَا أَعْلَمُ مَنْ يَصْنَعُ بِك مَا تَرَى، فَإِنْ كَانَ فِيك خَيْرٌ فَامْتَنِعْ، فَهَذَا السّيْفُ مَعَك. فَلَمّا أَمْسَى وَنَامَ عمرو، غدوا عَلَيْهِ، فَأَخَذُوا السّيْفَ مِنْ عُنُقِهِ، ثُمّ أَخَذُوا كَلْبًا مَيّتًا فَقَرَنُوهُ بِهِ بِحَبْلِ، ثُمّ أَلْقَوْهُ فى بئر من آبار
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٣٣ ]
سَلَمَةَ، فِيهَا عِذَرٌ مِنْ عِذَرِ النّاسِ، ثُمّ غَدَا عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ فَلَمْ يَجِدْهُ فِي مكانه الذى كان به.
[إسلام عمرو بن الجموح]
فَخَرَجَ يَتْبَعُهُ حَتّى وَجَدَهُ فِي تِلْكَ الْبِئْرِ مُنَكّسًا مَقْرُونًا بِكَلْبِ مَيّتٍ، فَلَمّا رَآهُ وَأَبْصَرَ شأنه، وكلّمه من أسلم من قَوْمِهِ، فَأَسْلَمَ بِرَحْمَةِ اللهِ، وَحَسُنَ إسْلَامُهُ. فَقَالَ حِينَ أَسْلَمَ، وَعَرَفَ مِنْ اللهِ مَا عَرَفَ، وَهُوَ يَذْكُرُ صَنَمَهُ ذَلِكَ وَمَا أَبْصَرَ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَشْكُرُ اللهَ تَعَالَى الّذِي أَنْقَذَهُ مِمّا كَانَ فِيهِ مِنْ الْعَمَى وَالضّلَالَةِ:
وَاَللهِ لَوْ كُنْتَ إلَهًا لَمْ تَكُنْ أَنْتَ وَكَلْبٌ وَسْطَ بئر فى قرن
أفّ لماقاك إلَهًا مُسْتَدَنْ الْآنَ فَتّشْنَاك عَنْ سُوءِ الْغَبَنْ
الْحَمْدُ لِلّهِ الْعَلِيّ ذِي المِنَنْ الْوَاهِبِ الرّزّاقِ دَيّانِ الدّيَنْ
هُوَ الّذِي أَنْقَذَنِي مِنْ قَبْلِ أَنْ أَكُونَ فِي ظُلْمَةِ قَبْرٍ مُرْتَهَنْ
بِأَحْمَدَ المهدى النبىّ المرتهن
[شُرُوطُ الْبَيْعَةِ فِي الْعَقَبَةِ الْأَخِيرَةِ]
قَالَ ابْنُ إسحاق: وكان فى بيعة الحرب، حين أذن الله لرسوله فِي الْقِتَالِ شُرُوطًا سِوَى شَرْطِهِ عَلَيْهِمْ فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى، كَانَتْ الْأُولَى عَلَى بَيْعَةِ النّسَاءِ، وَذَلِك أَنّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ ﷺ فِي الْحَرْبِ، فَلَمّا أَذِنَ اللهُ لَهُ فِيهَا، وَبَايَعَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْعَقَبَةِ الأخيرة
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٣٤ ]
عَلَى حَرْبِ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، أَخَذَ لِنَفْسِهِ وَاشْتَرَطَ عَلَى الْقَوْمِ لِرَبّهِ، وَجَعَلَ لَهُمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِذَلِك الْجَنّةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عُبَادَةُ بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أَبِيهِ الْوَلِيدِ، عَنْ جَدّهِ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ، وَكَانَ أَحَدَ النّقَبَاءِ، قَالَ:
بَايَعَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْعَةَ الْحَرْبِ- وَكَانَ عُبَادَةُ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ الّذِينَ بَايَعُوهُ فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى عَلَى بَيْعَةِ النّسَاءِ- عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ، فِي عُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَمَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُولَ بِالْحَقّ أَيْنَمَا كُنّا، لَا نَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ.
[أَسَمَاءُ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وهذه تَسْمِيَةُ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَبَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِهَا مِنْ الْأَوْسِ والخزرج، وكانوا ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين.
شهدها من الأوس ابن حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ابْنِ جُشَمَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مالك بن الأوس أسيد ابن حُضَيْرِ بْنِ سِمَاكِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ رَافِعِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ، نَقِيبٌ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا. وَأَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التّيّهَانِ، وَاسْمُهُ مَالِكٌ، شَهِدَ بَدْرًا. وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشِ بْنِ زِغْبَةَ بْن زَعُورَاءَ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ، شَهِدَ بَدْرًا، ثَلَاثَةُ نَفَرٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ. وَيُقَالُ: ابْنُ زَعَوْرَاءَ بفتح العين.
قال ابن إسحاق: ومن بنى حارثة ابن الحارث بن الخزرج بن عمرو
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٣٥ ]
ابن مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ: ظُهَيْرُ بْنُ رَافِعِ بْنِ عَدِيّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُشَمَ بْنِ حَارِثَةَ.
وأبو بردة بن نيار، واسمه هانىء بن نيار بن عمرو بن عبيد بن كلاب بن دهمان ابن غَنَمِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ هُمَيْمِ بْنِ كَاهِلِ بن ذهل بن دهنى بن بلىّ بن عمرو بن الحاف ابن قضاعة، حليف لهم، شهد بدرا ونهير [أو بهير] بْنُ الْهَيْثَمِ، مِنْ بَنِي نَابِي بْنِ مَجْدَعَةَ بن حارثة ثلاثة نفر.
وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مَالِكِ بْنِ الأوس: سعد بن خيثمة بن الحارث ابن مالك بن كعب بن النحاط بن كعب بْنِ حَارِثَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ السّلْمِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا، فَقُتِلَ بِهِ مَعَ رَسُولِ اللهِﷺ- شَهِيدًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَنَسَبَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي بَنِي عَمْرِو بن عوف، وهو من بنى غنم ابن السّلْمِ، لِأَنّهُ رُبّمَا كَانَتْ دَعْوَةُ الرّجُلِ فِي الْقَوْمِ، وَيَكُونُ فِيهِمْ فَيُنْسَبُ إلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَرِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زَنْبَرَ بن زيد بن أميّة بن زيد ابن مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرٍو، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا. وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ النّعْمَانِ بن أمية بن البرك- واسم البرك: امرؤ القيس بن ثعلبة بن عمرو شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا أَمِيرًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى الرّمَاةِ؛ وَيُقَالُ: أُمَيّةُ بْنُ الْبَرْكِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَعْنُ بْنُ عَدِيّ بْنِ الْجَدّ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ [حَارِثَةَ]
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٣٦ ]
ابن ضبيعة [بن حرام] لَهُمْ مِنْ بَلِيّ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ، وَمَشَاهِدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كُلّهَا، قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا فِي خِلَافَةِ أبى بكر الصديق ﵁. وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، شَهِدَ بدرا وأحدا والخندق خمسة نفر.
فجيع من شهد العبقة من الأوس أحد عشر رجلا.
وَشَهِدَهَا مِنْ الْخَزْرَجِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي النّجّارِ، وَهُوَ تَيْمُ اللهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ: أَبُو أَيّوبَ، وَهُوَ خَالِدُ بن زيد بن كليب بن ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّجّارِ شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ، وَالْمَشَاهِدَ كُلّهَا، مَاتَ بِأَرْضِ الرّومِ غَازِيًا فى زمن معاوية ابن أَبِي سُفْيَانَ. وَمُعَاذُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ سَوَادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مالك ابن النّجّارِ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ، وَالْمَشَاهِدَ كُلّهَا، وَهُوَ ابْنُ عَفْرَاءَ، وَأَخُوهُ: عَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ، شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ بِهِ شَهِيدًا، وَهُوَ الّذِي قَتَلَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ لِعَفْرَاءَ- وَيُقَالُ: رِفَاعَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ سَوَادٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَعُمَارَةُ بْنُ حزم بن زيد بن لوذان بن عمرو ابن عَبْدِ عَوْفِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّجّارِ. شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ، وَالْمَشَاهِدَ كُلّهَا، قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا فِي خِلَافَةِ أَبِي بكر الصدّيق ﵁ وَأَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّجّارِ، نَقِيبٌ، مَاتَ قَبْلَ بَدْرٍ وَمَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يا بنى، وهو أبو أمامة. ستة نفر.
وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَبْذُولٍ- وَمَبْذُولٌ: عَامِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النّجّارِ: سَهْلُ بْنُ عَتِيكِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٣٧ ]
ابن نُعْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَتِيكِ بْنِ عَمْرٍو، شهد بدرا. رجل.
ومن بنى عمرو ابن مَالِكِ بْنِ النّجّارِ، وَهُمْ بَنُو حُدَيْلَةَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
حُدَيْلَةُ: بِنْتُ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مالك بن غضب ابن جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ- أَوْسُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ المنذر بن حرام بن عمرو ابن زَيْدِ مَنَاةِ بْنِ عَدِيّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مالك، شَهِدَ بَدْرًا. وَأَبُو طَلْحَةَ، وَهُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ حَرَامٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةِ بْنِ عَدِيّ بْنِ عَمْرِو ابن مالك، شهد بدرا. رجلان.
وَمِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النّجّارِ: قَيْسُ بْنُ أَبِي صَعْصَعَةَ، وَاسْمُ أَبِي صَعْصَعَةَ:
عَمْرُو بْنُ زَيْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ مَبْذُولِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ مَازِنٍ، شَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جَعَلَهُ على الساقة يومئذ. وعمرو بن غزيّة ابن عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ مَبْذُولِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ مَازِنٍ. رَجُلَانِ.
فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ مِنْ بَنِي النّجّارِ أحد عشر رجلا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمْرُو بْنُ غُزَيّةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَنْسَاءَ، هَذَا الّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ، إنّمَا هُوَ غُزَيّةُ بْنُ عَطِيّةَ بْنِ خَنْسَاءَ.
[مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَلْحارثِ بْنِ الْخَزْرَجِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَلْحارثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: سَعْدُ بن الربيع بن عمرو ابن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك [الأغر] بن ثعلبة بن كعب بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٣٨ ]
وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرِ بْنِ مالك بن امرئ القيس بن مالك [الأغر] ابن ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ، شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ [بْنِ ثَعْلَبَةَ] بْنِ امْرِئِ القيس بن عمرو بن امرئ القيس ابن مالك [الأغر] بن ثعلبة بن كعب بن الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَمَشَاهِدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كُلّهَا، إلّا الْفَتْحَ وَمَا بَعْدَهُ، وَقُتِلَ يَوْمَ مُؤْتَةَ شَهِيدًا أَمِيرًا لِرَسُولِ اللهِﷺ- وَبَشِيرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ثعلبة بن الجلاس بن زيد بن مالك [الأغر] بن ثعلبة ابن كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ، أَبُو النّعْمَانِ ابن بشير شهد بَدْرًا. وَعَبْدُ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ ربه بْنِ زَيْدِ [مَنَاةِ] بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ [بن حارثة] شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ الّذِي أُرِيَ النّدَاءَ لِلصّلَاةِ، فَجَاءَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللهِﷺ فَأَمَرَ بِهِ. وَخَلّادُ بْنُ سُوِيدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَارِثَةَ بْنِ امرئ القيس بن مالك [الأغر] بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث [ابن الْخَزْرَجِ] شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَقُتِلَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ شَهِيدًا، طُرِحَتْ عَلَيْهِ رَحَى مِنْ أُطُمٍ مِنْ أُطَامِهَا فَشَدَخَتْهُ شَدْخًا شَدِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ- فيما يَذْكُرُونَ- إنّ لَهُ لَأَجْرَ شَهِيدَيْنِ. وَعُقْبَةُ بْنُ عمرو ابن ثَعْلَبَةَ بْنِ أَسِيرَةَ بْنِ عُسَيْرة بْنِ جَدَارَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ [بْنِ الْخَزْرَجِ] وَهُوَ أَبُو مَسْعُودٍ وَكَانَ أَحْدَثَ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ سِنّا، مَاتَ فِي أَيّامِ مُعَاوِيَةَ، لَمْ يَشْهَدْ بدرا سبعة نَفَرٍ.
وَمِنْ بَنِي بَيَاضَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ غضب
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٣٩ ]
ابن جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ: زِيَادُ بْنُ لَبِيَدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَدِيّ ابن أُمَيّةَ بْنِ بَيَاضَةَ، شَهِدَ بَدْرًا. وَفَرْوَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ وَذْفَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ، شَهِدَ بَدْرًا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ويقال ودفة.
قال ابن إسحاق: وخالد بن قيس بن مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ، شهد بدرا. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
وَمِنْ بَنِي زُرَيْقِ بْنِ عَامِر بْنِ زُرَيْقِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ بن غضب ابن جشم بن الخزرج: رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق، نَقِيبٌ. وَذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قِيسِ بْنِ خَلَدَةَ بْنِ مَخْلَدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقِ [بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقِ بْنِ عَبْدِ حارثة]، وَكَانَ خَرَجَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ مَعَهُ بِمَكّةَ وَهَاجَرَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ من الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ: مُهَاجِرِيّ أَنْصَارِيّ؛ شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا. وَعَبّادُ بْنُ قيس ابن عَامِرِ بْنِ خَلَدَةَ بْنِ مَخْلَدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ، شَهِدَ بَدْرًا. وَالْحَارِثُ بْنُ قِيسِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُخَلّدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ، وَهُوَ أَبُو خَالِدٍ شَهِدَ بَدْرًا.
أَرْبَعَةُ نفر.
ومن بني سَلِمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ؛ ثُمّ مِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ عَدِيّ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ: الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورِ بْنِ صَخْرِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيّ بن غنم، نقيب، وهو الذى تزعم بَنُو سَلَمَةَ أَنّهُ كَانَ أَوّلَ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٤٠ ]
عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَشَرَطَ لَهُ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ، ثُمّ تُوُفّيَ قَبْلَ مَقْدِمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ. وَابْنُهُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَق، وَمَاتَ بِخَيْبَرٍ مِنْ أَكْلَةٍ أَكَلَهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، مِنْ الشّاةِ الّتِي سُمّ فِيهَا- وَهُوَ الّذِي قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حَيْنَ سَأَلَ بنى سلمة: مَنْ سَيّدُكُمْ يَا بَنِي سَلَمَةَ؟ فَقَالُوا: الْجَدّ بْنُ قَيْسٍ، عَلَى بُخْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَأَيّ دَاءٍ أَكْبَرُ مِنْ الْبُخْلِ! سَيّدُ بَنِي سَلَمَةَ الْأَبْيَضُ الْجَعْدُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ. وَسِنَانُ بْنُ صَيْفَى بْنِ صَخْرِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بن عبيد، شهد بدرا، والطّفيل بن النّعمان خنساء بن سنان ابن عُبَيْدٍ، شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ شَهِيدًا. ومعقل بن المنذر بن سرح ابن خُنَاسِ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ، شَهِدَ بَدْرًا. ويزيد بن المنذر بن سرح ابن خُنَاسِ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ شَهِدَ بَدْرًا. وَمَسْعُودُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سُبَيْع بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ. وَالضّحّاكُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، شَهِدَ بدرا، ويزيد بن خدام أو [بن حرام أو خدارة] بن سبيع بن خنساء ابن سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ. وَجُبَارُ بْنُ صَخْرِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانَ بْنِ عُبَيْدٍ [بْنِ عَدِيّ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سلمة]، شَهِدَ بَدْرًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: جَبّارُ بن صَخْرِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ خُنَاسٍ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالطّفَيْلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سنان بن عبيد [وهو ابن عم الطّفيل بن النعمان بن خنساء بن سنان]، شهد بدرا. أحد عشر رجلا.
وَمِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلِمَةَ، ثُمّ مِنْ بَنِي كَعْبِ بْنِ سواد:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٤١ ]
كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين بن كعب. رجل.
وَمِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ: سُلَيْمُ بْنُ عَمْرِو بن حديدة ابن عَمْرِو بْنِ غَنْمٍ، شَهِدَ بَدْرًا. وَقُطْبَةُ بْنُ عامر بن حديدة بن عمرو بن غنم، شهد بدرا. ويزيد بن عامر بن حديدة بن عمرو بن غَنْمٍ، وَهُوَ أَبُو الْمُنْذِرِ، شَهِدَ بَدْرًا. وَأَبُو الْيَسَرِ، وَاسْمُهُ: كَعْبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبّادِ بن عمرو بن غَنْمِ [بْنِ سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سلمة]، شَهِدَ بَدْرًا. وَصَيْفِيّ بْنُ سَوَادِ بْنِ عَبّادِ بن عمرو بن غنم. خمسة نفر.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: صَيْفِيّ بْنُ أَسْوَدَ بْنِ عَبّادِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ سَوَادٍ، وَلَيْسَ لِسَوَادٍ ابْنٌ يُقَالُ لَهُ: غَنْمٌ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي نَابِي بْنِ عَمْرِو بن سواد بن غنم بن كعب ابن سَلَمَةَ: ثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَة بْنِ عَدِيّ بْنِ نَابِي، شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ بِالْخَنْدَقِ شَهِيدًا. وَعَمْرُو بْنُ غَنَمَة بْنِ عَدِيّ بْنِ نَابِي، وَعَبْسُ بْنُ عَامِرِ بْنِ عَدِيّ بْنِ نَابِي، شَهِدَ بَدْرًا. وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ قُضَاعَةَ. وَخَالِدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَدِيّ بن نابى. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي حرام بن كعب بن غنم بن كعب بْنِ سَلَمَةَ:
عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَرَامٍ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، وَابْنُهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. وَمَعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الجموح بن زيد بْنِ حَرَامٍ، شَهِدَ بَدْرًا. وَثَابِتُ بْنُ الْجِذْعِ- والجذع: ثعلبة بن زيد بن الحارث
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٤٢ ]
ابن حَرَامٍ- شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ بِالطّائِفِ شَهِيدًا. وَعُمَيْرُ بن الحارث بن ثعلبة.
ابن زَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَرَامٍ، شَهِدَ بَدْرًا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عُمَيْرُ بْنُ الْحَارِثِ ابْنُ لَبْدَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَدِيجُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ أَوْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الفرافر [أو القراقر] حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَلِيّ وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلِ بن عمرو بن أوس بن عائذ ابن عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُدَيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ أَسَدٍ، وَيُقَالُ:
أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج، وكان فى بنى سلمة، شَهِدَ بَدْرًا، وَالْمَشَاهِدَ كُلّهَا وَمَاتَ بِعِمْوَاسَ، عَامَ الطّاعُونِ بِالشّامِ، فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ ﵁، وَإِنّمَا ادّعَتْهُ بَنُو سَلَمَةَ أَنّهُ كَانَ أَخَا سَهْلِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ الْجَدّ بْنِ قَيْسِ بْنِ صَخْرِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيّ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ لِأُمّهِ. سَبْعَةُ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَوْسٌ: ابْنُ عَبّادِ بْنِ عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أدىّ ابن سعد.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمّ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفِ ابن عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ: عُبَادَةُ بْنُ الصامت بن قيس بن أصرم ابن فِهْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلّهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ غَنْمُ بْنُ عَوْفٍ، أَخُو سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٤٣ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْعَبّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعِجْلَانِ بْنِ زَيْدِ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ مِمّنْ خَرَجَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِمَكّةَ فَأَقَامَ مَعَهُ بِهَا فَكَانَ يُقَال لَهُ: مُهَاجِرِيّ أَنْصَارِيّ وَقُتِلَ يَوْمَ أحد شهيدا. وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو ابن عَمّارَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي غُصَيْنَةَ مِنْ بلىّ. وعمرو بن الحارث بن لبدة ابن عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ: أَرْبَعَةُ نَفَرٍ، وَهُمْ الْقَوَاقِلُ.
وَمِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَوْفِ بن الخزرج، وهم بنو الحبلي- قال ابن هشام: الحبلي: سالم بن غنم بن عوف، وَإِنّمَا سُمّيَ: الْحُبُلِيّ- لِعِظَمِ بَطْنِهِ:
رِفَاعَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَالِمِ بْنِ غَنْمٍ، شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَبُو الْوَلِيدِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَال: رِفَاعَةُ: ابْنُ مَالِكٍ، وَمَالِكٌ: ابْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ جُشَمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَالِمٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُقْبَةُ بْنُ وَهْبِ بْنِ كِلْدَةَ بن الجعد بن هلال بن الحارث ابن عَمْرِو بْنِ عَدِيّ بْنِ جُشَمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ بُهْثَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ غَطَفان بن سعد ابن قِيسِ بْنِ عَيْلان، حَلِيفٌ لَهُمْ، شَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ مِمّنْ خَرَجَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مُهَاجِرًا مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكّةَ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ: مُهَاجِرِيّ أَنْصَارِيّ.
قَالَ ابن هشام: رجلان.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٤٤ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كعب بن الخزرج: سعد بن عبادة ابن دُلَيْمِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ أَبِي خُزَيْمَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ طَرِيفِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ، نَقِيبٌ؛ وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خُنَيْس بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ زيد ابن ثَعْلَبَةَ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا، وَقُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ أَمِيرًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ الّذِي كَانَ يُقَال لَهُ:
أَعْنَقَ ليموت. رجلان.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا وَامْرَأَتَانِ مِنْهُمْ، يُزْعِمُونَ أَنّهُمَا قَدْ بَايَعَتَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يُصَافِحُ النّسَاءَ، إنّمَا كَانَ يَأْخُذُ عَلَيْهِنّ، فَإِذَا أَقْرَرْنَ، قال: اذهبن فقد بايعتكن.
وَمِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النّجّارِ: نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَبْذُولِ بن عمرو بن غنم بن مازن [بن النّجّار]، وَهِيَ أُمّ عِمَارَةَ، كَانَتْ شَهِدَتْ الْحَرْبَ مَعَ رَسُولِ اللهِﷺ- وَشَهِدَتْ مَعَهَا أُخْتُهَا.
وَزَوْجُهَا زَيْدُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ كَعْبٍ. وَابْنَاهَا: حَبِيبُ بْنُ زَيْدِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ، وَابْنُهَا حَبِيبٌ الّذِي أَخَذَهُ مُسَيْلِمَةُ الْكَذّابُ الْحَنَفِيّ، صَاحِبُ الْيَمَامَةِ، فَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: أَتَشْهَدُ أَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: أَفَتَشْهَدُ أَنّي رَسُولُ اللهِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَسْمَعُ، فَجَعَلَ يُقَطّعُهُ عُضْوًا عُضْوًا حَتّى مَاتَ فِي يَدِهِ، لَا يَزِيدُهُ عَلَى ذَلِكَ، إذَا ذكر له رسول الله ﷺ آمَنَ بِهِ وَصَلّى عَلَيْهِ، وَإِذَا ذُكِرَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ قَالَ لَا أَسْمَعُ- فَخَرَجَتْ إلَى الْيَمَامَةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَبَاشَرَتْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٤٥ ]
الْحَرْبَ بِنَفْسِهَا. حَتّى قَتَلَ اللهُ مُسَيْلِمَةَ، وَرَجَعَتْ وَبِهَا اثْنَا عَشَرَ جُرْحًا، مِنْ بَيْنِ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ عَنْهَا مُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبّانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي صعصعة.
ومن بنى سلمة: أُمّ مَنِيعٍ؛ وَاسْمُهَا: أَسَمَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عدىّ بن نابى ابن عَمْرِو بْنِ سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ.
[نُزُولُ الْأَمْرِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْقِتَالِ]
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ. قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هِشَامٍ، قَالَ:
حَدّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ البكائي، عن محمد بن إسحاق المطلبي: وكان رسول الله ﷺ قبل بيعة العقبة لم يوذن لَهُ فِي الْحَرْبِ وَلَمْ تُحَلّلْ لَهُ الدّمَاءُ، إنّمَا يُؤْمَرُ بِالدّعَاءِ إلَى اللهِ وَالصّبْرِ عَلَى الْأَذَى، وَالصّفْحِ عَنْ الْجَاهِلِ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ اضْطَهَدَتْ مَنْ اتّبَعَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حَتّى فَتَنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَنَفَوْهُمْ مِنْ بِلَادِهِمْ، فَهُمْ مِنْ بَيْنِ مَفْتُونٍ فِي دِينِهِ، وَمِنْ بَيْنِ مُعَذّبٍ فِي أَيْدِيهِمْ، وَبَيْنِ هَارِبٍ فِي الْبِلَادِ فِرَارًا مِنْهُمْ، مِنْهُمْ مَنْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ بِالْمَدِينَةِ، وَفِي كُلّ وَجْهٌ؛ فَلَمّا عَتَتْ قُرَيْشٌ عَلَى اللهِ ﷿، وَرَدّوا عَلَيْهِ مَا أَرَادَهُمْ بِهِ مِنْ الْكَرَامَةِ، وَكَذّبُوا نَبِيّهُ ﷺ، وَعَذّبُوا وَنَفَوْا مَنْ عَبَدَهُ وَوَحّدَهُ وَصَدّقَ نَبِيّهُ، وَاعْتَصَمَ بِدِينِهِ، أَذِنَ اللهُ ﷿ لِرَسُولِهِ ﷺ فى القتال والانتصار ممن ظلمهم وبنى عَلَيْهِمْ، فَكَانَتْ أَوّلُ آيَةٍ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٤٦ ]
أُنْزِلَتْ فِي إذْنِهِ لَهُ فِي الْحَرْبِ، وَإِحْلَالِهِ لَهُ الدّمَاءَ وَالْقِتَالَ، لِمَنْ بَغَى عَلَيْهِمْ، فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ العلماء، قول الله ﵎ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ، وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ: أَيْ أتى إنّمَا أَحْلَلْت لَهُمْ الْقِتَالَ لِأَنّهُمْ ظُلِمُوا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَنْبٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النّاسِ، إلّا أَنّ يَعْبُدُوا اللهَ، وَأَنّهُمْ إذَا ظَهَرُوا وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن الْمُنْكَرِ، يَعْنِي النّبِيّﷺ وَأَصْحَابَهُ ﵃ أَجْمَعِينَ، ثُمّ أَنَزَلَ اللهُ ﵎ عَلَيْهِ: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ: أَيْ:
حَتّى لَا يُفْتَنَ مُؤْمِنٌ عَنْ دِينِهِ: وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ: أَيْ حَتّى يعبد الله، لا بعبد معه غيره.
[الإذن لِمُسْلِمِي مَكّةَ بِالْهِجْرَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا أَذِنَ اللهُ تَعَالَى لَهُ ﷺ فِي الْحَرْبِ، وَبَايَعَهُ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالنّصْرَةِ لَهُ وَلِمَنْ اتّبَعَهُ، وَأَوَى إلَيْهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصْحَابَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قَوْمِهِ، وَمَنْ مَعَهُ بِمَكّةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، بِالْخُرُوجِ إلَى الْمَدِينَةِ وَالْهِجْرَةِ إلَيْهَا، وَاللّحُوقِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٤٧ ]
بِإِخْوَانِهِمْ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَقَالَ: إنّ اللهَ ﷿ قَدْ جَعَلَ لَكُمْ إخْوَانًا وَدَارًا تَأْمَنُونَ بِهَا. فَخَرَجُوا أَرْسَالًا، وَأَقَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَكّةَ يَنْتَظِرُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رَبّهُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ مَكّةَ، وَالْهِجْرَةِ إلى المدينة.
[المهاجرون إلَى الْمَدِينَةِ]
[هِجْرَةُ أَبِي سَلَمَةَ وَزَوْجُهُ، وَحَدِيثُهَا عَمّا لَقِيَا]
فَكَانَ أَوّلُ مَنْ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: أَبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ الله بن عمر بن مخزوم، وَاسْمُهُ: عَبْدُ اللهِ، هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ بَيْعَةِ أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ بِسَنَةٍ، وَكَانَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مكة مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَلَمّا آذَتْهُ قُرَيْشٌ وَبَلَغَهُ إسْلَامُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْأَنْصَارِ، خَرَجَ إلَى الْمَدِينَةِ مُهَاجِرًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الله ابن عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَدّتِهِ أُمّ سلمة، زوج النبي ﷺ، قَالَتْ: لَمّا أَجْمَعَ أَبُو سَلَمَةَ الْخُرُوجَ إلَى الْمَدِينَةِ رَحَلَ لِي بَعِيرَهُ ثُمّ حَمَلَنِي عَلَيْهِ، وَحَمَلَ مَعِي ابْنِي سَلَمَةَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ فِي حِجْرِي، ثُمّ خَرَجَ بِي يَقُودُ بِي بَعِيرَهُ، فَلَمّا رَأَتْهُ رِجَالُ بَنِي الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ قَامُوا إلَيْهِ، فَقَالُوا هَذِهِ نَفْسُك غَلَبْتنَا عَلَيْهَا، أَرَأَيْت صَاحِبَتَك هَذِهِ؟ عَلَامَ نَتْرُكُك تَسِيرُ بِهَا فِي الْبِلَادِ؟ قَالَتْ: فَنَزَعُوا خِطَامَ الْبَعِيرِ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذُونِي مِنْهُ. قَالَتْ: وَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ، رَهْطُ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالُوا: لَا والله، لا نترك ابننا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٤٨ ]
عندها إذا نَزَعْتُمُوهَا مِنْ صَاحِبِنَا. قَالَتْ: فَتَجَاذَبُوا بَنِي سَلَمَةَ بَيْنَهُمْ حَتّى خَلَعُوا يَدَهُ، وَانْطَلَقَ بِهِ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ، وَحَبَسَنِي بَنُو الْمُغِيرَةِ عِنْدَهُمْ، وَانْطَلَقَ زَوْجِي أَبُو سَلَمَةَ إلَى الْمَدِينَةِ. قَالَتْ: فَفَرّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ زَوْجِي وَبَيْنَ ابْنِي. قَالَتْ:
فَكُنْت أَخْرُجُ كُلّ غَدَاةٍ فَأَجْلِسُ بِالْأَبْطُحِ، فَمَا أَزَالُ أَبْكِي، حَتّى أَمْسَى سَنَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا حَتّى مَرّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمّي، أَحَدُ بَنِي الْمُغِيرَةِ، فَرَأَى مَا بِي فَرَحِمَنِي فَقَالَ لِبَنِي الْمُغِيرَةِ: أَلَا تُخْرِجُونَ هَذِهِ الْمِسْكِينَةَ، فَرّقْتُمْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا! قَالَتْ: فَقَالُوا لِي: الْحَقِي بِزَوْجِك إنْ شِئْت. قَالَتْ: وَرَدّ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ إلَيّ عِنْدَ ذَلِكَ ابْنِي. قَالَتْ: فَارْتَحَلْت بَعِيرِي ثُمّ أَخَذْت ابْنِي فوضعته فى حجرى، ثم خرجت أريد زوحى بِالْمَدِينَةِ. قَالَتْ: وَمَا مَعِي أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ. قَالَتْ: فَقُلْت: أَتَبَلّغُ بِمَنْ لَقِيتُ حَتّى أَقْدَمَ عَلَيّ زَوْجِي، حَتّى إذَا كُنْت بِالتّنْعِيمِ لَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَخَا بَنِي عَبْدِ الدّارِ فَقَالَ لِي: إلَى أَيْنَ يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيّةَ؟ قَالَتْ: فَقُلْت: أريد زوجى بالمدينة. قال:
أو ما مَعَك أَحَدٌ؟ قَالَتْ: فَقُلْت: لَا وَاَللهِ، إلّا الله وبنىّ هذا. قال: والله مالك مِنْ مَتْرَكٍ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ الْبَعِيرِ، فَانْطَلَقَ مَعِي يهوى بى، فو الله مَا صَحِبْت رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ قَطّ، أَرَى أَنّهُ كَانَ أَكْرَمَ مِنْهُ، كَانَ إذَا بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَنَاخَ بِي، ثُمّ اسْتَأْخَرَ عَنّي، حَتّى إذَا نَزَلْت اسْتَأْخَرَ بِبَعِيرِي، فَحَطّ عَنْهُ، ثُمّ قيّده فى الشجرة، ثم تنحّى إلى شجرة، فاضطجع تحتها، فاذا دنا الرّواح، قام إلى بعيرى فقدّمه فرحله، ثم استأخر عنى، وَقَالَ: ارْكَبِي. فَإِذَا رَكِبْت وَاسْتَوَيْتُ عَلَى بَعِيرِي أَتَى فَأَخَذَ بِخِطَامِهِ، فَقَادَهُ، حَتّى يَنْزِلَ بِي. فَلَمْ يَزَلْ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِي حَتّى أَقْدَمَنِي الْمَدِينَةَ، فَلَمّا نَظَرَ إلَى قَرْيَةِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بقُباءٍ، قَالَ: زَوْجُك
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٤٩ ]
فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ- وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ بِهَا نَازِلًا- فَادْخُلِيهَا عَلَى بَرَكَةِ اللهِ، ثُمّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إلَى مَكّةَ.
قَالَ: فَكَانَتْ تَقُولُ وَاَللهِ مَا أَعْلَمُ أَهْلَ بَيْتٍ فِي الْإِسْلَامِ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَ آلَ أَبِي سَلَمَةَ، وَمَا رَأَيْت صَاحِبًا قَطّ كَانَ أَكْرَمَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَة.
[هِجْرَةُ عَامِرٍ وَزَوْجُهُ وَهِجْرَةُ بَنِي جَحْشٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ كَانَ أَوّلَ مَنْ قَدِمَهَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ بَعْدَ أَبِي سَلَمَةَ:
عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، حَلِيفُ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ، مَعَهُ امرأته ليلى بنت أبى حثمة ابن غَانِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ. ثُمّ عَبْدُ الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بْنِ صَبْرَةَ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدِ بْنِ خزيمة، حَلِيفُ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، احْتَمَلَ بأهله وبأخيه عبد ابن جَحْشٍ، وَهُوَ أَبُو أَحْمَدَ- وَكَانَ أَبُو أَحْمَدَ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ، وَكَانَ يَطُوفُ مَكّةَ، أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا، بِغَيْرِ قَائِدٍ، وَكَانَ شَاعِرًا، وَكَانَتْ عِنْدَهُ الفرعة بنت أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَكَانَتْ أُمّهُ أُمَيْمَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ- فَغُلّقَتْ دَارُ بَنِي جَحْشٍ هِجْرَةً، فَمَرّ بِهَا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ. وَالْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَأَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَهِيَ دَارُ أَبَانَ بن عثمان الْيَوْمَ الّتِي بِالرّدْمِ، وَهُمْ مُصْعِدُونَ إلَى أَعَلَى مَكّةَ، فَنَظَرَ إلَيْهَا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ تَخْفِقُ أَبْوَابُهَا يَبَابًا لَيْسَ فِيهَا سَاكِنٌ، فَلَمّا رَآهَا كَذَلِكَ تَنَفّسَ الصّعَدَاءَ، ثُمّ قَالَ:
وَكُلّ دَارٍ وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهَا يَوْمًا سَتُدْرِكُهَا النّكْبَاءُ وَالُحُوبُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٥٠ ]
قال ابن هشام: وهذا البيت لأبى دؤاد الإيادى فى قصيدة له. والحوب:
التوجع.
قال ابن إسحاق: ثم قال عتبة: أَصْبَحَتْ: دَارُ بَنِي جَحْشٍ خَلَاءً مِنْ أَهْلِهَا! فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَمَا تَبْكِي عَلَيْهِ مِنْ قُلّ بْنِ قُلّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ الْقُلّ: الْوَاحِدُ. قَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ:
كُلّ بَنِي حرة مصيرهم قل وإن أكثرت من العدد
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ قَالَ: هَذَا عَمَلُ ابْنِ أَخِي هَذَا، فَرّقَ جَمَاعَتَنَا، وَشَتّتْ أَمْرَنَا وَقَطَعَ بَيْنَنَا فَكَانَ مَنْزِلُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عبد الأسد، وعامر بن ربيعة، وعبد الله بن جحش، وَأَخِيهِ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ، عَلَى مُبْشَرِ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زُنْبُر بقُباءٍ، فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ثُمّ قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ أرسالا، وكان بنو غنم بن دُودَانَ أَهْلَ إسْلَامٍ، قَدْ أَوْعَبُوا إلَى الْمَدِينَةِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ هجرة رجالهم ونسلؤهم: عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ، وَأَخُوهُ أَبُو أَحْمَدَ ابن جَحْشٍ، وَعُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وَشُجَاعٌ، وَعُقْبَةٌ، ابْنَا وهب وأربد ابن جميرة.
قال ابن هشام: ويقال ابن حميرة.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمُنْقِذُ بْنُ نُبَاتَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ رُقَيْشٍ، وَمُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ رُقَيْشٍ، وَقَيْسُ بْنُ جَابِرٍ، وَعَمْرُو بْنُ مِحْصَنٍ، وَمَالِكُ بْنُ عَمْرٍو، وَصَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، وَثَقْفُ بْنُ عَمْرٍو، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَكْثَمَ، وَالزّبَيْرُ بْنُ عبيد،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٥١ ]
وَتَمّامُ بْنُ عُبَيْدَةَ، وَسَخْبَرَةُ بْنُ عُبَيْدَةَ، وَمُحَمّدُ بن عبد الله بن جحش.
وَمِنْ نِسَائِهِمْ: زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وَأُمّ حَبِيبٍ بِنْتُ جَحْشٍ، وَجُذَامَةُ بِنْتُ جَنْدَلٍ، وَأُمّ قَيْسٍ بِنْتُ مُحْصَنٍ، وَأُمّ حَبِيبٍ بِنْتُ ثُمَامَةَ، وَآمِنَةُ [أو أميمة] بِنْتُ رُقَيْشٍ، وَسَخْبَرَةُ بِنْتُ تَمِيمٍ، وحَمْنةُ بِنْتُ جحش.
وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ، وهو يذكر هجرة بنى أسد ابن خُزَيْمَة مِنْ قَوْمِهِ إلَى اللهِ تَعَالَى وَإِلَى رسول الله ﷺ، وَإِيعَابُهُمْ فِي ذَلِكَ حين دعوا إلى الهجرة:
وَلَوْ حَلَفَتْ بَيْنَ الصّفَا أُمّ أَحُمَد وَمَرْوَتِهَا بِاَللهِ بَرّتْ يَمِينُهَا
لَنَحْنُ الْأُلَى كُنّا بِهَا، ثُمّ لَمْ نَزَلْ بِمَكّةَ حَتّى عَادَ غَثّا سَمِينُهَا
بِهَا خَيّمَتْ غَنْمُ بْنُ دُودَانَ وَابْتَنَتْ وَمَا إنْ غَدَتْ غَنْمُ وَخَفّ قَطِينُهَا
إلَى اللهِ تَغْدُو بَيْنَ مَثْنَى وَوَاحِدٍ وَدِينُ رَسُولِ اللهِ بِالْحَقّ دِينُهَا
وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشٍ أَيْضًا:
لَمّا رَأَتْنِي أُمّ أَحْمَدَ غَادِيًا بِذِمّةِ مَنْ أَخْشَى بِغَيْبٍ وَأَرْهَبُ
تَقُولُ: فَإِمّا كُنْتَ لَا بُدّ فَاعِلًا فَيَمّمْ بِنَا الْبُلْدَانَ ولتَنْأَ يَثْرِبَ
فَقُلْت لَهَا: بَلْ يَثْرِبُ الْيَوْمَ وَجْهُنَا وَمَا يَشإِ الرّحْمَنُ فَالْعَبْدُ يَرْكَبُ
إلَى اللهِ وَجْهِي وَالرّسُولِ وَمَنْ يُقِمْ إلَى اللهِ يَوْمًا وَجْهَهُ لَا يُخَيّبُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٥٢ ]
فَكَمْ قَدْ تَرَكْنَا مِنْ حَمِيمٍ مُنَاصِحٍ وَنَاصِحَةٍ تَبْكِي بِدَمْعٍ وَتَنْدُبُ
تَرَى أَنّ وِتْرًا نَأْيُنَا عَنْ بِلَادِنَا وَنَحْنُ نَرَى أَنّ الرّغَائِبَ نَطْلُبُ
دَعَوْت بَنِي غَنْمٍ لِحَقْنِ دِمَائِهِمْ وَلِلْحَقّ لَمّا لَاحَ لِلنّاسِ مَلْحَبُ
أَجَابُوا بِحَمْدِ اللهِ لَمّا دَعَاهُمْ إلَى الْحَقّ دَاعٍ وَالنّجَاحُ فَأَوْعَبُوا
وَكُنّا وَأَصْحَابًا لَنَا فَارَقُوا الْهُدَى أَعَانُوا عَلَيْنَا بِالسّلَاحِ وأجْلَبوا
كَفَوْجَيْنِ: أَمّا مِنْهُمَا فَمُوَفّقٌ عَلَى الْحَقّ مَهْدِيّ، وَفَوْجٌ مُعَذّبُ
طَغَوْا وَتَمَنّوْا كِذْبَةً وَأَزَلّهُمْ عَنْ الْحَقّ إبْلِيسُ فَخَابُوا وَخُيّبُوا
وَرِعْنَا إلَى قَوْلِ النّبِيّ مُحَمّدٍ فَطَابَ وُلَاةُ الْحَقّ مِنّا وطُيّبوا
نَمُتّ بِأَرْحَامٍ إلَيْهِمْ قَرِيبَةٍ وَلَا قُرْبَ بِالْأَرْحَامِ إذْ لَا نُقَرّبُ
فَأَيّ ابْنِ أُخْتٍ بَعْدَنَا يَأْمَنَنّكُمْ وَأَيّةُ صِهْرٍ بَعْدَ صِهْرِي تُرْقَبُ
سَتَعْلَمُ يَوْمًا أَيّنَا إذْ تُزَايِلُوا وَزُيّلَ أَمْرُ النّاس للحقّ أصوب
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ «وَلْتَنْأَ يَثْرِبَ»، وَقَوْلُهُ «إذْ لَا نَقْرَبُ»، عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: «إذْ» إذَا، كَقَوْلِ اللهِ ﷿:
«إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ أَبُو النّجْمِ الْعِجْلِيّ:
ثُمّ جَزَاهُ اللهُ عَنّا إذْ جَزَى جَنّاتِ عَدْنٍ فى العلالىّ والعلا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إسْلَامُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَصَنَمُهُ:
فَصْلٌ فِي إسْلَامِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَذَكَرَ صَنَمَهُ الّذِي كَانَ يَعْبُدُهُ، وَاسْمُهُ مَنَاةُ، وَزْنُهُ فَعْلَةٌ مِنْ مَنَيْت الدّمَ وَغَيْرَهُ: إذَا صَبَبْته، لِأَنّ الدّمَاءَ كَانَتْ تُمْنَى عِنْدَهُ تَقَرّبًا إلَيْهِ، وَمِنْهُ سُمّيَتْ الْأَصْنَامُ الدّمَى، وَفِي الْحَدِيثِ: لَا وَالدّمَى لَا أَرَى بِمَا تَقُولُ بَأْسًا، وَكَذَلِكَ مَنَاةُ الطّاغِيَةُ الّتِي كَانُوا يُهِلّونَ إلَيْهَا بِقُدَيْدٍ وَالْحَظّ مِنْ مِنْ هَذَا الْمَطْلَعِ مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى النجم، مِنْ الْفَائِدَةِ جَعَلَهَا ثَالِثَةً لِلّاتِ وَالْعُزّى، وَأُخْرَى بِالْإِضَافَةِ إلَى مَنَاةَ الّتِي كَانَ يَعْبُدُهَا عَمْرُو ابن الْجَمُوحِ وَغَيْرُهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَهُمَا مَنَاتَانِ، وَإِحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى بِالْإِضَافَةِ إلَى صَاحِبَتِهَا.
وَقَوْلُهُ:
الْآنَ فَتّشْنَاك عَنْ سُوءِ الْغَبَنْ
الْغَبَنُ فِي الرّأْيِ يُقَالُ غَبِنَ رَأْيَهُ كَمَا يُقَالُ سَفِهَ نَفْسَهُ، فنصبوا، لأن المعنى:
خسر نفسه، وأو بقها وَأَفْسَدَ رَأْيَهُ وَنَحْوُ هَذَا.
وَقَوْلُهُ إلَهًا مُسْتَدَنْ «١» مِنْ السّدَانَةِ، وَهِيَ خِدْمَةُ الْبَيْتِ وَتَعْظِيمُهُ.
وَقَوْلُهُ دَيّانُ الدّيَنْ: الدّيَنُ جَمْعُ دِينَةٍ، وَهِيَ الْعَادَةُ، وَيُقَالُ لَهَا دِينٌ أَيْضًا، وَقَالَ ابْنُ الطّثَرِيّةِ، واسمه يزيد «٢»:
_________________
(١) ولهذا فسرها الخشنى بقوله: مستذل مستعبد.
(٢) اختلف فى نسبه، فهو عند أبى عمرو والشيبانى: أبو المكشوح يزيد
[ ٤ / ١٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَرَى سَبْعَةً يَسْعَوْنَ لِلْوَصْلِ كُلّهُمْ لَهُ عِنْدَ لَيْلَى دِينَةٌ يَسْتَدِينُهَا
فَأَلْقَيْت سَهْمِي بَيْنَهُمْ حِينَ أَوْخَشُوا فَمَا صَارَ لِي فِي الْقَسْمِ إلّا ثمينها «١»
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالدّينِ: الْأَدْيَانَ أَيْ هُوَ دَيّانُ أَهْلِ الْأَدْيَانِ، وَلَكِنْ جَمَعَهَا عَلَى الدّيَنِ، لِأَنّهَا مِلَلٌ وَنِحَلٌ، كَمَا قَالُوا فِي جَمْعِ: الْحُرّةِ: حَرَائِرَ، لِأَنّهُنّ فِي مَعْنَى الْكَرَائِمِ وَالْعَقَائِلِ، وَكَذَلِكَ مَرَائِرُ الشّجَرِ، وَإِنْ كَانَتْ الْوَاحِدَةُ مُرّةً، وَلَكِنّهَا فِي مَعْنَى فَعِيلَةٍ، لِأَنّهَا عَسِيرَةٌ فِي الذّوْقِ، وَشَدِيدَةٌ عَلَى الْأَكْلِ، وَكَرِيهَةٌ إلَيْهِ.
تَفْسِيرُ بَعْضِ الْأَنْسَابِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ تَسْمِيَةَ مَنْ حَضَرَ الْعَقَبَةَ، وَذَكَرَ أَنْسَابَهُمْ إلّا
_________________
(١) ابن سلمة بن سمرة بْنِ سَلَمَةَ الْخَيْرِ بْنِ قُشَيْرِ بْنِ كَعْبِ بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وقيل: إنه يزيد بن المنتشر بن سلمة، وذكر ابن الكلبى أنه يزيد بن الصمة أحد بنى سلمة الخير بن قشير، وذكر البصريون أنه من ولد الأعور بن قشير. يقول عنه أبو الحسن على بن عبد الله الطوسى: «كان ابن الطثرية شاعرا مطبوعا عاقلا فصيحا كامل الأدب وافر المروءة لا يعاب، ولا يطعن عليه» والطثرية أمه، وهى من بنى طثر بن عنز بن وائل. وقد ضبطها ابن خلكان بفتح الطاء وسكون الثاء، وضبط فى القاموس واللسان بفتح الثاء: وهو من شعراء الحماسة لأبى تمام والبيت الثانى فى اللسان فى مادة ثمن.
(٢) أوخش القوم: ردوا والسهام فى الربابة مرة أخرى، والثمين: جزء من الثمانية، وفى اللسان: وسطهم بدلا من: بينهم لأن فعله غالبا يجمع على فعل، مثل غرفة وغرف ومدية ومدى، وأما فعائل فمقيس فى كل رباعى- اسم أوصفة- مؤنث لفظيا أو معنويا ثالثة مده سواء أكانت ألفا أم ياء أم واوا.
[ ٤ / ١٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَبَا الْهَيْثَمِ بْنَ التّيّهَانِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ، وَمَا قِيلَ فِي نَسَبِهِ فِي ذِكْرِ الْعَقَبَةِ الْأُولَى «١» .
وَذَكَرَ قُطْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، وَالْقُطْبَةُ فِيمَا ذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ وَاحِدَةُ الْقُطَبِ، وَهِيَ شَوْكَةٌ «٢» . مُدَحْرَجَةٌ فِيهَا ثَلَاثُ شُوَيْكَاتٍ، وَهِيَ تُشْبِهُ حَسَكَ السّعْدَانِ، وَقَدْ بَانَ بِنَعْتِ أَبِي حَنِيفَةَ لَهُ أَنّهُ الّذِي نُسَمّيهِ بِبِلَادِنَا حِمّصَ الْأَمِيرِ. وَالْقُطْبَةُ:
طَرَفُ النّصْلِ.
وَذَكَرَ ذَكْوَانَ بْنَ عَبْدِ قَيْسٍ، وَنَسَبَهُ إلَى عَامِرِ بْنِ زُرَيْقِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقِ بْنِ رَوَاحَةَ بْنِ غَضْبِ بْنِ جُشَمَ، وَالْغَضْبُ فِي اللّغَةِ: الشّدِيدُ الْحُمْرَةِ «٣»، وَجُشَمُ مَعْدُولٌ عَنْ جَاشِمٍ، وَهُوَ مِنْ جَشِمْت الْأَمْرَ [تَكَلّفْته عَلَى مَشَقّةٍ] كَمَا عَدَلُوا عمر عن عامر «٤» وقد أملينا جزآ فِي أَسْرَارِ مَا يَنْصَرِفُ، وَمَا لَا يَنْصَرِفُ
_________________
(١) مازدته فى السيرة من نسب معن بن عدى وغيره من الإصابة.
(٢) القطبة ضرب من النبات يذهب حبالا على الأرض طولا، وله زهرة صفراء، وشوكته إذا أحصد ويبس يشق على الناس أن يطئوها، مدحرجة كأنها حصاة. والحسك: نبات له ثمرة خشنة تتعلق بأصواف الغنم وأوبار الإبل، ومنه حسك السعدان، والسعدان: نبت من أفضل مراعى الإبل، ومنه: مرعى، ولا كالسعدان، وله شوك تشبه به حلمة الثدى. وهذا المثل يضرب للشىء بفضل على أقرانه
(٣) فى الاشتقاق: الغضب: الأحمر الغليظ، والغضبة الصخرة الخشنة ص ٤٦١.
(٤) فى الاشتقاق: ومن قولهم: جشمت إليك هذا الأمر، أى: تحملت ثقلة، وجشم البعير: صدره وكلكه» ص ٢٥٢.
[ ٤ / ١٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شَرَحْنَا فِيهِ فَائِدَةَ الْعَدْلِ عَنْ فَاعِلٍ إلَى فُعَلَ، وَمَا حَقِيقَةُ الْعَدْلِ وَالْمَقْصُودُ بِهِ، وَلِمَ لَمْ يُعْدَلْ عَنْ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ، وَلِمَ لَمْ يَكُنْ إلّا فِي الصّفَاتِ وَلِمَ لَمْ يَكُنْ مِنْ الصّفَاتِ إلّا فِي مِثْلِ عَامِرٍ وَزَافِرٍ وَقَاثِمٍ «١»، وَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِكٍ وَصَالِحٍ وَسَالِمٍ، وَلِمَ خُصّ فُعَلُ هَذَا الْبِنَاءُ بِالْعَدْلِ إلَيْهِ، وَهَلْ عُدِلَ إلَى بِنَاءٍ غَيْرِهِ، أَمْ لَا وَلَمْ مُنِعَ الْخَفْضُ وَالتّنْوِينُ إذَا كَانَ مَعْدُولًا إلَى هَذَا الْبِنَاءِ، فَمَنْ اشْتَاقَ إلَى مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْأَسْرَارِ فَلْيَنْظُرْهَا هُنَالِكَ، فَإِنّ ابْنَ جِنّيّ قَدْ حَامَ فِي كِتَابِ الْخَصَائِصِ عَلَى بَعْضِهَا، فَمَا وَرَدَ، وَصَأْصَأَ فَمَا فَقّحَ «٢» .
وَذَكَرَ فِي بنى بياضة عمرو بن وذفة بذال معجمة، وقال ابن هشام:
ودفة بدال مهملة، وهو الأصح، والودفة: المرّوضة النّاعِمَةُ سُمّيَتْ بِذَلِكَ، لِأَنّهَا تَقْطُرُ مَاءً مِنْ نِعْمَتِهَا، وَالْأُدَافُ الذّكَرُ، وَأَصْلُهُ: وُدَافٌ، سُمّيَ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ قَطْرُ الْمَاءِ وَالْمَنِيّ مِنْهُ «٣»، وَيُقَالُ لِلرّوْضَةِ النّاعمة: الدّقرى، وعمرو بن
_________________
(١) قثم- فى القاموس- الكثير العطاء معدول عن قاثم، والجموع للخير والعيال، وزفر: الأسد والشجاع، والبحر والنهر الكثير الماء، الذى يحمل الأثقال، أى: القوى على حمل القرب، والجمل الضخم، والكتيبة إلخ.
(٢) فقح الجرو، فتح عينيه أول ما يفتح، وهو صغير، وصأصأ الجرو: حاول النظر ولما تنفتح عيناه، ويقال: فقحنا، وصأصأتم: أبصرنا الحق، ولم تبصروه.
(٣) العبارة مضطربة ولعلها: لقطر الماء الخ. وفى القاموس عن وداف: «وكغراب: الذكر لما يدف منه من المنى وغيره» وفى اللسان: «والأداف: الذكر القطراشه الهمزة فيه: بدل من الواو، وهو مما لزم فيه البدل، إذ لم تسمعهم قالوا: وداف. وفى الحديث: فى الأداف الدية يعنى الذكر، قال ابن الأثير:
[ ٤ / ١٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَدْفَةَ هَذَا هُوَ الْبَيَاضِيّ الّذِي رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ فِي كِتَابِ الصّلَاةِ، وَلَمْ يُسَمّهِ، وَفِي الْأَنْصَارِ [مِنْ قَبَائِلِ الْخَزْرَجِ] بَنُو النّجّارِ، وَهُمْ تَيْمُ اللهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ، سُمّيَ النّجّارَ فِيمَا ذَكَرُوا لِأَنّهُ نَجَرَ وَجْهَ رَجُلٍ بِقَدُومِ وَقِيلَ: كَانَ نَجّارًا، وَثَعْلَبَةُ فِي الْعَرَبِ كَثِيرٌ فِي الرّجَالِ، وَقَلّ مَا يُسَمّونَ بِثَعْلَبِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْقِيَاسَ كَمَا يُسَمّونَ بِنَمِرِ وَسَبُعٍ وَذِئْبٍ «١»، وَلَكِنْ الثّعْلَبُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ، إذْ يُقَالُ ثَعْلَبُ الرّمْحِ، وَثَعْلَبُ الْحَوْضِ «٢»، وَهُوَ مَخْرَجُ الْمَاءِ مِنْهُ، وَفِي الْحَدِيثِ حَتّى قَامَ أَبُو لُبَابَةَ يَسُدّ ثَعْلَبَ مِرْبَدِهِ بِرِدَائِهِ «٣»، فَكَأَنّهُمْ عَدَلُوا عَنْ النسمية
_________________
(١) سماه بما يقطر منيا مجازا» وفى اللسان عن الودفة: الودفة- بسكون الدال- الوديفة: الروضة الناضرة المتخيلة، وقال أبو حازم: الودفة بفتح الدال: الروضة الخضراء من نبت.
(٢) يقول ابن دريد عن مذاهب العرب فى التسمية: «ومنها أن الرجل كان يخرج من منزله وامرأته تمحض، فيسمى ابنه بأول ما يلقاه من ذلك، نحو: ثعلب وثعلبة، وضب وضبة، وخزر وضبيعة، وكلب وكليب، وحمار وقرد وخنزير وكذلك أيضا تسمى بأول ما يسنح أو يبرح لها من الطير نحو: غراب وصرد وما أشبه ذلك» ص ٦ الاشتقاق، ولم أجد فيه سوى بطن واحد من قبائل قضاعة سمى بثعلب بينما وجدت ثمانية عشر سموا بثعلبة وهناك اثنان وعشرون صحابيا كلهم تسمى باسم ثعلبة.
(٣) ثعلب الرمح: طرفه الداخل فى جبة السنان
(٤) فى النهاية لابن الأثير «فى حديث الاستسقاء: اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة يسد تعلب مريده بإزاره. المربد: موضع يجفف فيه التمر، وثعلبة ثقبه الذى يسيل منه ماء المطر» وفى مكان آخر يقول: يعنى موضع ثمره. أنظر مادتى ثعلب وربد فى النهاية. وفى الروض: يشد ثعلب وهو خطأ.
[ ٤ / ١٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِثَعْلَبِ لِهَذَا الِاشْتِرَاكِ، مَعَ أَنّ الثّعْلَبَةَ أَحْمَى لِأَدْرَاصِهَا «١» وَأَغْيَرُ عَلَى أَجْرَائِهَا مِنْ الثّعْلَبِ.
وَذَكَرَ قول رسول اللهﷺ- لِبَنِي سَلِمَةَ مَنْ سَيّدُكُمْ؟
فَقَالُوا جَدّ بْنُ قَيْسٍ عَلَى بُخْلٍ فِيهِ، فَقَالَ: وَأَيّ دَاءٍ أَكْبَرُ مِنْ الْبُخْلِ؟! بَلْ سَيّدُكُمْ الْأَبْيَضُ الْجَعْدُ: بِشْرُ بْنُ الْبَرَاء، وَرُوِيَ عَنْ الزّهْرِيّ وَعَامِرٍ الشّعْبِيّ أَنّهُمَا قَالَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ النّبِيّ ﵇: بَلْ سَيّدُكُمْ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوح، وَقَالَ شَاعِرُ الْأَنْصَارِ فِي ذَلِكَ:
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ، وَالْحَقّ قَوْلُهُ لِمَنْ قَالَ مِنّا مَنْ تَعُدّونَ سَيّدَا
فَقَالُوا لَهُ: جَدّ بْنُ قَيْسٍ عَلَى الّتِي نُبَخّلُهُ فِيهَا، وَمَا كَانَ أَسْوَدَا
فَسَوّدَ عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ لِجُودِهِ وَحُقّ لعمرو عندنا أَنْ يُسَوّدَا
ذَكَرَ خَدِيجَ بْنَ سَلَامَةَ الْبَلَوِيّ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ خَدِيجَ بْنَ سَلَامَةَ الْبَلَوِيّ، وَهُوَ: خَدِيجٌ بِخَاءِ مَنْقُوطَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَدَالٍ مَكْسُورَةٍ، كَذَا ذَكَرَهُ الدّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ، وَذَكَرَهُ الطّبَرِيّ، وَقَالَ: شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا، وَقَالَ: يُكَنّى أَبَا رَشِيدٍ:
وَذَكَرَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَنَسَبَهُ إلَى أُدَيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيّ أَخِي سَلِمَةَ، وقد
_________________
(١) أدراص جمع درص بفتح الدال وكسرها: ولد القنفذ والأرنب واليربوع والفأرة والهرة ونحوها، وبالكسر جنين الأتان. والجمع أيضا درصة ودرصان، ودروص وأدرص. والجرو مثلثة- أى بكسر الجيم وفتحها وضمها- صغير كل شىء حتى الحنظل والبطيخ ونحوه ج أجر وجراء وولد الكلب والأسد ج أجر وأجرية وأجراء وجراء.
[ ٤ / ١٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
انقرض عَقِبُ أُدَيّ، وَآخِرُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَقَدْ يُقَالُ فِي أُدَيّ أَيْضًا: أُذُنٌ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ وَابْنِ هِشَامٍ.
وَذَكَرَ أَنّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ مَاتَ فِي طَاعُونِ عَمْوَاسٍ، هَكَذَا تَقَيّدَ فِي النّسْخَةِ عَمْوَاسٌ بِسُكُونِ الْمِيمِ «١»، وَقَالَ فِيهِ الْبَكْرِيّ فِي كِتَابِ الْمُعْجَمِ مِنْ أَسْمَاءِ الْبُقَعِ:
عَمَوَاسٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ، وَهِيَ قَرْيَةٌ بِالشّامِ عُرِفَ الطّاعُونُ بِهَا لِأَنّهُ مِنْهَا بَدَأَ وَقِيلَ: إنّمَا سُمّيَ: طَاعُونَ عَمْوَاسٍ لِأَنّهُ عَمّ وَآسَى أَيْ جَعَلَ بَعْضَ النّاسِ أُسْوَةَ بَعْضٍ.
وَذَكَرَ يَزِيدَ بْنَ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَزْمَةَ بِسُكُونِ الزّايِ كَذَا قَالَ فِيهِ ابْنُ إسْحَاقَ وَابْنُ الْكَلْبِيّ، وَقَالَ الطّبَرِيّ فِيهِ خَزَمَةَ بِتَحْرِيكِ الزّايِ، وَهُوَ بَلَوِيّ مِنْ بَنِي عَمّارَةَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَلَا يُعْرَفُ عَمّارَةُ فِي الْعَرَبِ إلّا هَذَا، كَمَا لَا يُعْرَفُ عِمَارَةُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ إلّا أُبَيّ بْنُ عِمَارَةَ الّذِي يَرْوِي حَدِيثًا فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفّيْنِ، وَقَدْ قِيلَ فِيهِ عُمَارَةُ بِضَمّ الْعَيْنِ، وَأَمّا سِوَى هَذَيْنِ فَعُمَارَةُ بِالضّمّ، غَيْرَ أَنّ الدّارَقُطْنِيّ ذَكَرَ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْكَلْبِيّ فِي نَسَبِ قُضَاعَةَ:
قَالَ مُدْرِكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْقَمْقَامُ بْنِ عِمَارَةَ بْنِ ذُوَيْدِ بْنِ مَالِكٍ. وفى النساء عمارة
_________________
(١) فى المراصد: رواه الزمخشرى بكسر أوله وكسر ثانيه، وغيره بفتح أوله وثانيه: كورة من فلسطين قرب بيت المقدس وكانت عمواس قصبتها قديما، وهى ضيعة جليلة على ستة أميال من بيت المقدس، منها كان ابتداء الطاعون المنسوب إليها فى زمن عمر. قيل: مات فيه خمسة وعشرون ألفا» وفى ياقوت أن عمواس بكسر العين وسكون الميم.
[ ٤ / ١٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِنْتُ نَافِعٍ، وَهِيَ أُمّ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرّزّاقِ، وَفِي الْأَنْصَارِ خَزَمَةُ سِوَى هَذَا الْمَذْكُورِ بِفَتْحِ الزّايِ كَثِيرٌ.
وَذَكَرَ بَنِي الْحُبْلَى وَالنّسَبُ إلَيْهِ حُبُلِيّ بِضَمّ الْحَاءِ وَالْبَاءِ قَالَهُ سِيبَوَيْهِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسِ، النّسَبِ، وَتَوَهّمَ بَعْضُ مَنْ أَلّفَ فِي الْعَرَبِيّةِ أَنّ سِيبَوَيْهِ قَالَ فِيهِ: حُبَلِيّ بِفَتْحِ الْبَاءِ لِمَا ذَكَرَهُ مَعَ جُذَمِيّ فِي النّسَبِ إلَى جَذِيمَةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ سِيبَوَيْهِ مَعَهُ، لِأَنّهُ عَلَى وَزْنِهِ، وَلَكِنْ لِأَنّهُ شَاذّ مِثْلُهُ فِي الْقِيَاسِ الّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ سِيبَوَيْهِ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالضّمّ، ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيّ الْقَالِي فِي الْبَارِعِ، وَقَالَ هَكَذَا تَقَيّدَ فِي النّسَخِ الصّحِيحَةِ مِنْ سِيبَوَيْهِ، وَحَسْبُك مِنْ هَذَا أَنّ جَمِيعَ الْمُحَدّثِينَ يَقُولُونَ: أَبُو عَبْدِ الرّحْمَنِ الْحُبُلِيّ بِضَمّتَيْنِ، لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ، فَدَلّ هَذَا كُلّهُ عَلَى غَلَطِ مَنْ نَسَبَ إلَى سِيبَوَيْهِ أَنّهُ فَتَحَ الْبَاءَ «١» .
مَتَى أَسْلَمَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ هِجْرَةَ أُمّ سَلَمَةَ وَصُحْبَةَ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ لها، وهو يومئذ
_________________
(١) فى القاموس: «الحبلى» بضم الحاء وسكون الباء وفتح اللام، لقب سالم بن غنم بن عوف لعظم بطنه من ولده: بنو الحبلى بطن من الأنصار، وهو حبلى بضم الحاء وسكون الباء- وبضمتين، وكجهنى» وفى اللباب لابن الأثير الحبلى بضم الحاء والباء ونقل عن السمعانى، وذكر سيبويه النحوى: الحبلى بفتح الباء وقال: هو منسوب إلى بنى الحبلى. وقال: الحبلى بضم الحاء وسكون الباء وإمالة اللام لقب سالم بن غنم بن عوف ابن الخزرج بن حارثة قال ابن الكلبى: إنما سمى الحبلى لعظم بطنه. وانظر ص ٤٥٩ الاشتقاق.
[ ٤ / ١٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَى كُفْرِهِ، وَإِنّمَا أَسْلَمَ عُثْمَانُ فِي هُدْنَةِ الحديبية «١»، وهاجر قبل الفتح مع خالد ابن الْوَلِيدِ، وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ إخْوَتُهُ مُسَافِعٌ، وَكِلَابٌ وَالْحَارِثُ، وَأَبُوهُمْ وَعَمّهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ قُتِلَ أَيْضًا يَوْمَ أُحُدٍ كَافِرًا وَبِيَدِهِ كَانَتْ مَفَاتِيحُ الْكَعْبَةِ وَدَفَعَهَا رَسُولُ اللهِﷺ- عَامَ الْفَتْحِ إلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَإِلَى ابْنِ عَمّهِ شَيْبَةَ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَهُوَ جَدّ بَنِي شَيْبَةَ حَجَبَةِ الْكَعْبَةِ، وَاسْمُ أَبِي طَلْحَةَ جَدّهِمْ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى، وَقُتِلَ عُثْمَانُ ﵀ شَهِيدًا بِأَجْنَادِينَ فِي أَوّلِ خِلَافَةِ عُمَرَ.
هِجْرَةُ بَنِي جَحْشٍ:
وَذَكَرَ هِجْرَةَ بَنِي جَحْشٍ، وَهُمْ: عَبْدُ اللهِ وَأَبُو أَحْمَدَ وَاسْمُهُ: عَبْدٌ، وَقَدْ كَانَ أَخُوهُمْ عُبَيْدُ اللهِ أَسْلَمَ ثُمّ تَنَصّرَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ الّتِي كَانَتْ عِنْدَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَنَزَلَتْ فِيهَا فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها الْأَحْزَابَ وَأُمّ حَبِيبِ بِنْتُ جَحْشٍ الّتِي كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، وَكَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ الّتِي كَانَتْ تَحْتَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَكَانَتْ تُسْتَحَاضُ أَيْضًا، وَقَدْ رُوِيَ أَنّ زَيْنَبَ اُسْتُحِيضَتْ أَيْضًا، وَوَقَعَ فِي الْمُوَطّأِ أَنّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَتْ تُسْتَحَاضُ، وَلَمْ تَكُ قَطّ زَيْنَبُ عِنْدَ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ وَالْغَلَطُ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ بَشَرٌ، وَإِنّمَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرّحْمَنِ أُخْتُهَا أُمّ حبيب،
_________________
(١) بتخفيف الياء الثانية مع فتحها، وقيل: أهل المدينة يثقلونها، وأهل العراق يخففونها.
[ ٤ / ١٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَيُقَالُ فِيهَا أُمّ حَبِيبَةَ، غَيْرَ أَنّ شَيْخَنَا أَبَا عَبْدِ اللهِ مُحَمّدَ بْنَ نَجَاحٍ، أَخْبَرَنِي أَنّ أُمّ حَبِيبٍ كَانَ اسْمُهَا: زَيْنَبَ فَهُمَا زَيْنَبَانِ غَلَبَتْ عَلَى إحْدَاهُمَا الْكُنْيَةُ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ فِي حَدِيثِ الْمُوَطّأِ وَهْمٌ وَلَا غَلَطٌ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ اسْمُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ: بَرّةَ فَسَمّاهَا رَسُولُ اللهِﷺ- زَيْنَبَ، وَكَذَلِكَ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمّ سلمة ربيبته ﵇، كان اسمها برة، فَسَمّاهَا زَيْنَبَ كَأَنّهُ كَرِهَ أَنْ تُزَكّيَ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا بِهَذَا الِاسْمِ، وَكَانَ اسْمُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ: بُرّةَ بِضَمّ الْبَاءِ، فَقَالَتْ زَيْنَبُ لِرَسُولِ اللهِﷺ: يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ غَيّرْت اسْمَ أَبِي، فَإِنّ الْبُرّةَ صَغِيرَةٌ، فَقِيلَ: أن رَسُولَ اللهِﷺ- قَالَ لَهَا: لَوْ أَبُوك مُسْلِمًا لَسَمّيْته بِاسْمِ مِنْ أَسْمَائِنَا أَهْلِ الْبَيْتِ، وَلَكِنّي قَدْ سَمّيْته جَحْشًا وَالْجَحْشُ أَكْبَرُ مِنْ الْبُرّةِ. ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ مُسْنَدًا فِي كِتَابِ الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ أَبُو الْحَسَنِ الدّارَقُطْنِيّ. الشّعْرُ الّذِي تَمَثّلَ بِهِ أَبُو سُفْيَانَ: فَصْلٌ: ذَكَرَ الْبَيْتَ الّذِي تَمَثّلَ بِهِ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ مَرّ بِدَارِ بَنِي جَحْشٍ تَخْفِقُ أَبْوَابُهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَكُلّ بَيْتٍ وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهُ يَوْمًا سَتُدْرِكُهُ النّكْبَاءُ والحوب كل امرىء بِلِقَاءِ الْمَوْتِ مُرْتَهَنٌ كَأَنّهُ غَرَضٌ لِلْمَوْتِ مَنْصُوبُ وَالشّعْرُ لِأَبِي دُؤَادٍ الْإِيَادِيّ وَاسْمُهُ: حَنْظَلَةُ بْنُ شَرْقِيّ، وَقِيلَ جَارِيَةُ بْنُ الْحَجّاجِ ذَكَرَ دَارَ بنى جحش، وَأَنّهَا عِنْدَ دَارِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ بِالرّدْمِ، والرّدم
[ ٤ / ١٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حفر ردم بِالْقَتْلَى فِي الْجَاهِلِيّةِ، فَسُمّيَ: الرّدْمَ، وَذَلِكَ فِي حَرْبٍ كَانَتْ بَيْنَ بَنِي جُمَحَ، وَبَيْنَ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ، وَكَانَتْ الدّبَرَةُ فِيهَا عَلَى بنى الحارث، ولذلك قلّ عددهم، فهم أفل قُرَيْشٍ عَدَدًا.
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ شِعْرَ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جحش وفيه:
إلَى اللهِ وَجْهِي وَالرّسُولِ وَمَنْ يُقِمْ إلَى اللهِ يَوْمًا وَجْهَهُ لَا يُخَيّبْ
هَكَذَا يُرْوَى بِكَسْرِ الْبَاءِ عَلَى الإفواء، وَلَوْ رُوِيَ بِالرّفْعِ لَجَازَ عَلَى الضّرُورَةِ وَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: فَلَا يُخَيّبُ بِإِضْمَارِ الْفَاءِ فِي مَذْهَبِ أَبِي الْعَبّاسِ، وَفِي مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ: يَجُوزُ أَيْضًا لَا عَلَى إضْمَارِ الْفَاءِ، وَلَكِنْ عَلَى نِيّةِ التّقْدِيمِ لِلْفِعْلِ عَلَى الشّرْطِ كَمَا أَنْشَدُوا:
إنّك إنْ يُصْرَعْ أَخُوك تُصْرَعُ «١»
وَهُوَ مَعَ إنْ أَحْسَنُ، لِأَنّ التّقْدِيرَ إنّك تُصْرَعُ إنْ يُصْرَعْ أَخُوك، وَأَنْشَدُوا أَيْضًا:
مَنْ يَفْعَلْ الْحَسَنَاتِ اللهُ يشكره «٢»
_________________
(١) البيت لجرير بن عبد الله البجيلى، وقد سبق. وهو فى كتاب سيبويه ص ٤٣٦ ح ١ ط أولى والشاهد- فيه كما يقول السيرافى- على مذهب سيبويه: تقديم تصرع فى النية، وتضمنه الجواب فى المعنى. والتقدير: إنك تصرع إن يصرع أخوك، وهذا من ضرورة الشعرا لأن حرف الشرط قد جزم الأول، فحكم أن يجزم الآخر وهو عند المبرد على حذف الفاء. والأقرع من بنى تميم.
(٢) هو من شواهد سيبويه أيضا فى الكتاب ص ٤٣٥ ح ١ ط ١
[ ٤ / ١٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَى هَذَا التّقْدِيرِ، وَفِي الشّعْرِ أَيْضًا:
وَلَا قُرْبَ بِالْأَرْحَامِ إذْ لَا تُقَرّبُ
وَتَأَوّلَ ابْنُ هِشَامٍ إذْ هُنَا بِمَعْنَى: إذَا وَهُوَ خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنّ الْفِعْلَ الْمُضَارِعَ لَا يَحْسُنُ بَعْدَ إذَا مَعَ حَرْفِ النّفْيِ، وَإِنّمَا يَحْسُنُ بَعْدَ إذْ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَلَوْ قُلْت: سَآتِيك إذَا تَقُولُ كَذَا، كَانَ قَبِيحًا إذَا أَخّرْتهَا، أَوْ قَدّمْت الْفِعْلَ لِمَا فِي إذَا مِنْ مَعْنَى الشّرْطِ، وَإِنّمَا يَحْسُنُ هَذَا فِي حُرُوفِ الشّرْطِ مَعَ لَفْظِ الْمَاضِي، تَقُولُ: سَآتِيك إنْ قَامَ زَيْدٌ وَإِذَا قَامَ زَيْدٌ، وَيَقْبُحُ: سَآتِيك إنْ يَقُمْ زَيْدٌ لِأَنّ حَرْفَ الشّرْطِ إذَا أُخّرَ أُلْغِيَ، وَإِذَا أُلْغِيَ لَمْ يَقَعْ الْفِعْلُ الْمُعْرَبُ بَعْدَهُ، غَيْرَ أَنّهُ حَسُنَ فِي كَيْفَ نَحْوُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ، ويبسطه فى السماء كيف يشاء لِسِرّ بَدِيعٍ لَعَلّنَا نَذْكُرُهُ إنْ وَجَدْنَا لِشَفْرَتِنَا مَحَزّا، وَيَحْسُنُ الْفِعْلُ الْمُسْتَقْبَلُ مَعَ إذَا بَعْدَ القسم كقوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ لِانْعِدَامِ مَعْنَى الشّرْطِ فِيهِ، فَهَذَا وَجْهٌ، وَالْوَجْهُ الثّانِي: أَنّ إذْ بِمَعْنَى إذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي الْكَلَامِ، وَلَا حَكَاهُ ثَبْتٌ، وَمَا اسْتَشْهَدَ بِهِ مِنْ قَوْلِ رُؤْبَةَ لَيْسَ عَلَى مَا ظَنّ إنّمَا مَعْنَاهُ: ثُمّ جَزَاهُ اللهُ رَبّي إن جزى، أى من أجل أن نفسى وَجَزَى عَنّي، كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ففاعل جَزَى: مُضْمَرٌ عَائِدٌ عَلَى الرّجُلِ الْمَمْدُوحِ، وَإِذْ بِمَعْنَى أَنْ الْمَفْتُوحَةِ كَذَا قَالَ سِيبَوَيْهِ
_________________
(١) والشاهد فيه: حذف الفاء من الجواب ضرورة، والتقدير: فالله يشكره وفى الكتاب: يشكرها، وزعم الأصمعى أن النحويين غيروه، وأن الرواية: من يفعل الخير، فالرحمن يشكره.
[ ٤ / ١٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فِي سَوَادِ الْكِتَابِ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ وَغَفَلَ النّسَوِيّ عَمّا فِي الْكِتَابِ مِنْ هَذَا، وَجَعَلَ الْفِعْلَ الْمُسْتَقْبَلَ الّذِي بَعْدَ لَنْ عَامِلًا فِي الظّرْفِ الْمَاضِي، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقُولُ: سَآتِيك الْيَوْمَ أَمْسِ، وَهَذَا هُرَاءٌ مِنْ الْقَوْلِ، وَغَفْلَةٌ عَمّا فِي كِتَابِ سِيبَوَيْهِ، وَلَيْتَ شِعْرِي مَا يَقُولُ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ: هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ فَإِنْ جَوّزَ وُقُوعَ الْمُسْتَقْبَلِ فِي الظّرْفِ الْمَاضِي عَلَى أَصْلِهِ الْفَاسِدِ، فَكَيْفَ يَعْمَلُ مَا بَعْدَ الْفَاءِ فِيمَا قَبْلَهَا لَا سِيّمَا مَعَ السّينِ، وهو قبيح أن تقول: غدا سآتيك، فكيف إن قُلْت: غَدًا فَسَآتِيك، فَكَيْفَ إنْ زِدْت عَلَى هَذَا وَقُلْت: أَمْسِ فَسَآتِيك، وَإِذْ عَلَى أَصْلِهِ بِمَنْزِلَةِ أَمْسِ، فَهَذِهِ فَضَائِحُ لَا غِطَاءَ عَلَيْهَا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ الْوَجْهُ فِي قَوْلِهِ سبحانه وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا وكذلك: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ أَلَيْسَ هَذَا كَمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ بِمَعْنَى إذَا الّتِي تُعْطِي الِاسْتِقْبَالَ؟ قِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ تَكُونُ بِمَعْنَى إذَا، وَإِذَا لَا يَقَعُ بَعْدَهَا الابتداء والخبر، وقد قال سبحانه: إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ وإنما التقدير: ولو ترى فدمهم وَحُزْنَهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بَعْدَ وُقُوفِهِمْ عَلَى النّارِ، فَإِذْ ظَرْفٌ مَاضٍ عَلَى أَصْلِهِ، وَلَكِنْ بِالْإِضَافَةِ إلَى حُزْنِهِمْ وَنَدَامَتِهِمْ، فَالْحُزْنُ وَالنّدَامَةُ وَاقِعَانِ بعد المعاينة والتوقيف، فقد صار وقف التّوْقِيفِ مَاضِيًا بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا بَعْدَهُ، وَاَلّذِي بَعْدَهُ هُوَ مَفْعُولُ تَرَى، وَهَذَا نَحْوٌ مِمّا يُتَوَهّمُ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا
[ ٤ / ١٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها فَيُتَوَهّمُ أَنّ إذَا هَاهُنَا بِمَعْنَى إذْ، لِأَنّهُ حَدِيثٌ قَدْ مَضَى، وَلَيْسَ كَمَا يُتَوَهّمُ، بَلْ هِيَ عَلَى بَابِهَا، وَالْفِعْلُ بَعْدَهَا مُسْتَقْبَلٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى الِانْطِلَاقِ، لِأَنّهُ بَعْدَهُ، وَالِانْطِلَاقُ قَبْلَهُ، وَلَوْلَا حَتّى، مَا جَازَ أَنْ يُقَالَ إلّا انْطَلَقَا إذْ رَكِبَا، وَلَكِنّ مَعْنَى الْغَايَةِ فِي حَتّى دَلّ عَلَى أَنّ الرّكُوبَ كَانَ بَعْدَ الِانْطِلَاقِ وَإِذَا كَانَ بَعْدَهُ، فَهُوَ مُسْتَقْبَلٌ بِالْإِضَافَةِ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُنَا الْحُزْنُ، وَسُوءُ الْحَالِ الّذِي هُوَ مَفْعُولٌ لِتَرَى، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَذْكُورٍ فِي اللفظ، فهو بعد وقت الوقوف، فوقت الْوُقُوفُ مَاضٍ بِالْإِضَافَةِ إلَيْهِ، وَإِذْ لَمْ يَكُنْ بدمن حَذْفٍ، فَكَذَلِكَ نُقَدّرُ حَذْفًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ونحوه لأنها وإن كانت بمعنى أن، فلابد لَهَا مِنْ تَعَلّقٍ، كَأَنّهُ قَالَ: جُزِيتُمْ بِهَذَا مِنْ أَجْلِ أَنْ ظَلَمْتُمْ، أَوْ مِنْ أَجْلِ أَنْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ضَلّوا.
وَذَكَرَ فِي نِسَاءِ بَنِي جَحْشٍ: جُذَامَةَ بِنْتَ جَنْدَلٍ، وَأَحْسَبُهُ أَرَادَ جُذَامَةَ بِنْتَ وَهْبِ بْنِ مِحْصَنٍ، وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ الرّضَاعِ فِي الْمُوَطّأِ، وَقَالَ فِيهَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْبَزّارُ: جُذَامَةُ بِالذّالِ الْمَنْقُوطَةِ هَكَذَا ذَكَرَ عَنْهُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجّاجِ، وَالْمَعْرُوفُ: جُدَامَةُ بِالدّالِ «١»، وَقَدْ يُقَالُ فِيهَا جُدّامَةُ بالتشديد،
_________________
(١) فى القاموس: «وجدامة كثمامة بنت وهب، وبنت جندل، وبنت الحارث صحا بيات وهى ما يستخرج من السنبل بالخشب. وفى الإصابة عن جدامة بنت جندل بعد أن ذكر ما قاله ابن إسحاق عنها: وذكر الطبرى فى الذيل أنها هى بنت وهب وقال ابن سعد: كانت تحت أنيس بن قتادة الأنصارى. كما جاء فى الإصابة عن جدامة بنت وهب الأسدية: ويقال بالخاء المعجمة روت عن النبى «ص» فى رضاع الحامل، روت عنها أم المؤمنين عائشة، أخرج حديثها فى الموطأ،
[ ٤ / ١٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْجُدَامَةُ قَصَبُ الزّرْعِ، وَأَمْلَى عَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ، وَكَتَبْت عَنْهُ بِخَطّ يَدِي قَالَ الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبّارِ عَنْ أَبِي إسْحَاقَ الْبَرْمَكِيّ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ زَكَرِيّا بْنِ حِبَوَيْهِ عَنْ أَبِي عُمَرَ الزّاهِدِ الْمُطَرّزِ قَالَ: الْجُدّامَةُ: بِتَشْدِيدِ الدّالِ طَرَفُ السّعَفَةِ وَبِهِ سُمّيَتْ الْمَرْأَةُ، وَكَانَتْ جُدَامَةُ بِنْتُ وَهْبٍ تَحْتَ أُنَيْسِ بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيّ وَأَمّا جُدَامَةُ بِنْتُ جَنْدَلٍ، فَلَا تُعْرَفُ فِي آلِ جَحْشٍ الْأَسَدِيّينَ، وَلَا فِي غَيْرِهِمْ، وَلَعَلّهُ وَهْمٌ وَقَعَ فِي الْكِتَابِ، وَأَنّهَا بِنْتُ وهب بن محصن بنت أخى عكّاشة ابن مِحْصَنٍ، كَمَا قَدّمْنَا وَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ فِي بَنِي أَسَدٍ ثَقْفَ بْنَ عَمْرٍو، وَيُقَالُ فِيهِ: ثِقَافٌ شَهِدَ هُوَ وَأَخُوهُ مِدْلَاجٌ [أَوْ مُدْلِجٌ] بَدْرًا وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قُتِلَ يَوْمَ خَيْبَرَ قَتَلَهُ أُسَيْرُ [بْنُ رِزَامٍ] الْيَهُودِيّ «١» .
وَذَكَرَ فِيهِمْ أُمّ حَبِيبِ بِنْتَ ثُمَامَةَ، وَهِيَ مِمّا أَغْفَلَهُ أَبُو عُمَرَ فِي كِتَابِهِ، وَأَغْفَلَ أَيْضًا ذِكْرَ ثُمَامِ بْنِ عُبَيْدَةَ «٢»، وَهُوَ مِمّنْ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي هذه الجملة المذكورين من بنى أسد.
_________________
(١) ولفظه: عن جدامة الأسدية أنها سمعت النبى «ص» يقول: لقد هممت أن أنهى عن الغيلة.. الحديث، وفى بعض طرقه عند مسلم: عن جدامة بنت وهب أخت عكاشة بن وهب قالت: حضرت عند النبى «ص» فى أناس، وهو يقول: فذكر الحديث وأورده ابن مندة بلفظ الموطأ فى جدامة ابن جندل.
(٢) ويقول الواقدى عن مدلاج إنه شهد المشاهد كلها، ومات سنة خمسين، وتبعه ابن عبد البر فى ذلك «الإصابة» أما ثقف، فكما قال.
(٣) ترجم ابن حجر لأم حبيب فى سطرين فقط، ولم يترجم لثمام.
[ ٤ / ١٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَرْبَدَ بْنَ جُمَيْرَةَ الْأَسَدِيّ بِالْجِيمِ، وَقَالَهُ ابْنُ هِشَامٍ: حُمَيْرَةُ بِالْحَاءِ، وَرَوَاهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ الْبَكّائِيّ وَابْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ فِيهِ ابْنُ حُمَيّرٍ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، كَأَنّهُ تَصْغِيرُ حِمَارٍ.
وَذَكَرَ فِيهِمْ مُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ، وَلَمْ يَرْفَعْ نَسَبَهُ، وَهُوَ ابْنُ نَضْلَةَ بن عبد الله ابن مُرّةَ بْنِ غَنْمِ «١» بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدِ [بْنِ خُزَيْمَةَ] قُتِلَ فِي غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ شَهِيدًا «٢»، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ يُعْرَفُ بِالْأَخْرَمِ، وَيُلَقّبُ: فُهَيْرَةَ، وَقَالَ فِيهِ مُوسَى بْنُ عقبة مُحْرِزِ بْنِ وَهْبٍ، وَلَمْ يَقُلْ ابْنَ نَضْلَةَ.
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ أَيْضًا يَزِيدَ بْنَ رُقَيْشٍ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ: أَرْبَدُ وَلَا يَصِحّ، وَهُوَ ابْنُ رُقَيْشِ بْنِ رِئَابِ بْنِ يَعْمَرَ بْنِ كُبَيْرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ، وَذَكَرَ فِيهِمْ رَبِيعَةَ بْنَ أَكْثَمَ، وَلَمْ يَنْسُبْهُ وَهُوَ ابْنُ أكثم بن سخبرة بن عمرو ابن نُفَيْرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدٍ يُكَنّى: أَبَا يَزِيدَ، وَكَانَ قَصِيرًا دَحْدَحًا قُتِلَ يَوْمَ خَيْبَرَ بِالنّطَاةِ قَتَلَهُ الْحَارِثُ اليهودى «٣» .
_________________
(١) فى الإصابة بن مرة بن كثير بن غنم، وفى إمتاع الأسماع مرة بن كبير ابن غنم.
(٢) ماء على ليلتين من المدينة بينها وبين خيبر. خرج إليه النبى «ص» فى طلب عيينة بن حصن قال حسان: كَانُوا بِدَارٍ؟؟؟ نَاعِمِينَ فَبُدّلُوا أَيّامَ ذِي قَرَدٍ وجوه عباد
(٣) نطاة: اسم لأرض خيبر، وقيل حصن بخيبر أو عين بها يسقى بعض تخيل قراها، وهى وبئة، وفى القاموس تطلق أيضا على حمى خيبر. وبالألف واللام: الشمروخ.
[ ٤ / ١٦٩ ]
[هِجْرَةُ عُمَرَ وَقِصّةُ عَيّاشٍ مَعَهُ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، وَعَيّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيّ حَتّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ. فَحَدّثَنِي نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عن عبد الله ابن عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، قَالَ: اتّعَدْتُ، لَمّا أَرَدْنَا الْهِجْرَةَ إلَى الْمَدِينَةِ، أَنَا وعيّاش بن أبى ربيعة [واسمه: عمرو ويلقب ذا الرمحين]، وهشام ابن الْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ السّهْمِيّ التّناضِبَ مِنْ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ، فَوْقَ سَرِفٍ، وَقُلْنَا:
أَيّنَا لَمْ يُصْبِحْ عِنْدَهَا فَقَدْ حُبِسَ فَلْيَمْضِ صَاحِبَاهُ. قَالَ: فأصبحت أنا وعيّاش ابن أَبِي رَبِيعَةَ عِنْدَ التّنَاضُبِ، وَحُبِسَ عَنّا هِشَامٌ، وفتن فافتتن.
فَلَمّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ نَزَلْنَا فِي بَنِي عَمْرِو بن عوف بقباء، وخرج أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ إلَى عَيّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَكَانَ ابْنَ عَمّهِمَا وَأَخَاهُمَا لِأُمّهِمَا، حَتّى قَدِمَا عَلَيْنَا الْمَدِينَةَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكّةَ، فَكَلّمَاهُ وَقَالَا: إنّ أُمّك قَدْ نَذَرَتْ أَنْ لَا يَمَسّ رَأْسَهَا مُشْطٌ حَتّى تَرَاك، وَلَا تَسْتَظِلّ مِنْ شَمْسٍ حَتّى تَرَاك، فَرَقّ لَهَا، فَقُلْت لَهُ: يَا عَيّاشُ، إنّهُ وَاَللهِ إنْ يُرِيدَك الْقَوْمُ إلّا لِيَفْتِنُوك عَنْ دِينِك فَاحْذَرْهُمْ، فوالله لو قد آذى أمّك القمل لا متشطت، وَلَوْ قَدْ اشْتَدّ عَلَيْهَا حَرّ مَكّةَ لَاسْتَظَلّتْ. قَالَ: فَقَالَ: أَبَرّ قَسَمَ أُمّي، وَلِي هُنَالِكَ مَالٌ فَآخُذُهُ. قَالَ: فَقُلْت: وَاَللهِ إنّك لَتَعْلَمُ أَنّي لَمِنْ أَكْثَرِ قُرَيْشٍ مَالًا، فَلَك نِصْفُ مَالِي وَلَا تَذْهَبْ مَعَهُمَا. قَالَ: فَأَبَى عَلَيّ إلّا أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمَا؛ فَلَمّا أَبَى إلّا ذَلِكَ؛ قَالَ: قُلْت لَهُ: أَمّا إذْ قَدْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْت، فَخُذْ نَاقَتِي هَذِهِ، فَإِنّهَا نَاقَةٌ نَجِيبَةٌ ذَلُولٌ فَالْزَمْ ظَهْرَهَا، فَإِنْ رَابَك مِنْ الْقَوْمِ رَيْبٌ، فَانْجُ عَلَيْهَا:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٧٠ ]
فَخَرَجَ عَلَيْهَا مَعَهُمَا، حَتّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطّرِيقِ، قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَا ابْنَ أَخِي، وَاَللهِ لَقَدْ اسْتَغْلَظْتُ بَعِيرِي هَذَا، أَفَلَا تُعْقِبَنِي عَلَى نَاقَتِك هَذِهِ؟ قَالَ:
بَلَى. قَالَ: فَأَنَاخَ، وَأَنَاخَا لِيَتَحَوّلَ عَلَيْهَا، فَلَمّا اسْتَوَوْا بِالْأَرْضِ عَدَوْا عَلَيْهِ، فَأَوْثَقَاهُ وَرَبَطَاهُ، ثُمّ دَخَلَا بِهِ مَكّةَ، وَفَتَنَاهُ فَافْتُتِنَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي بِهِ بَعْضُ آلِ عَيّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: أَنّهُمَا حَيْنَ دَخَلَا بِهِ مَكّةَ دَخَلَا بِهِ نَهَارًا مُوثَقًا، ثُمّ قَالَا: يَا أَهْلَ مَكّةَ، هَكَذَا فَافْعَلُوا بِسُفَهَائِكُمْ، كَمَا فَعَلْنَا بِسَفِيهِنَا هَذَا.
[كِتَابُ عُمَرَ إلَى هِشَامِ بْنِ الْعَاصِي]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ، قَالَ: فَكُنّا نَقُولُ: مَا اللهُ بِقَابِلٍ مِمّنْ اُفْتُتِنَ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا وَلَا تَوْبَةً، قَوْمٌ عَرَفُوا اللهَ، ثُمّ رَجَعُوا إلَى الْكُفْرِ لِبَلَاءٍ أَصَابَهُمْ! قَالَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ. فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المدينة، أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ، وَفِي قَوْلِنَا وَقَوْلِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ: قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ. وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ الزمر: ٥٣.
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ: فَكَتَبْتهَا بِيَدِي فِي صحيفة، وبعثت بها إلى هشام ابن الْعَاصِي قَالَ: فَقَالَ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِي: فَلَمّا أتتنى جعلت أقرؤها بذى طوى،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٧١ ]
صعّد بِهَا فِيهِ وَأُصَوّبُ وَلَا أَفْهَمُهَا، حَتّى قُلْت اللهُمّ فَهّمْنِيهَا. قَالَ: فَأَلْقَى اللهُ تَعَالَى فِي قَلْبِي أَنّهَا إنّمَا أُنْزِلَتْ فِينَا، وَفِيمَا كُنّا نَقُولُ فِي أَنْفُسِنَا وَيُقَالُ فِينَا.
قَالَ: فَرَجَعْت إلَى بَعِيرِي، فَجَلَسْت عَلَيْهِ، فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللهِﷺ- وهو بالمدينة.
[الوليد بن الوليد وعياش وَهِشَامٍ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَحَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ، وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ: مَنْ لِي بِعَيّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَهِشَامِ بْنِ الْعَاصِي؟ فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: أَنَا لَك يَا رَسُولَ اللهِ بِهِمَا، فَخَرَجَ إلَى مَكّةَ، فَقَدِمَهَا مُسْتَخْفِيًا، فَلَقِيَ امْرَأَةً تَحْمِلُ طَعَامًا، فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ تُرِيدِينَ يَا أَمَةَ اللهِ؟ قَالَتْ:
أُرِيدُ هَذَيْنِ الْمَحْبُوسَيْنِ- تَعْنِيهِمَا- فَتَبِعَهَا حَتّى عَرَفَ مَوْضِعَهُمَا، وَكَانَا مَحْبُوسَيْنِ.
فِي بَيْتٍ لَا سَقْفَ لَهُ؛ فَلَمّا أَمْسَى تَسَوّرَ عَلَيْهِمَا، ثُمّ أَخَذَ مَرْوَةَ. فَوَضَعَهَا تَحْتَ قَيْدَيْهِمَا، ثُمّ ضَرَبَهُمَا بِسَيْفِهِ فَقَطَعَهُمَا فَكَانَ يُقَالُ لِسَيْفِهِ: «ذُو الْمَرْوَةِ» لِذَلِكَ، ثُمّ حَمَلَهُمَا عَلَى بَعِيرِهِ، وَسَاقَ بِهِمَا، فَعَثَرَ فَدَمِيَتْ أُصْبُعُهُ، فَقَالَ:
هَلْ أَنْتَ إلّا إصْبَعٌ دَمِيَتْ وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقَيْتِ
ثُمّ قَدِمَ بِهِمَا عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ المدينة.
[منازل المهاجرين بالمدينة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَنَزَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ حَيْنَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَمَنْ لَحِقَ بِهِ مِنْ أَهْلِهِ وَقَوْمِهِ، وَأَخُوهُ زَيْدُ بْنُ الْخَطّابِ، وَعَمْرٌو وعبد الله ابنا سراقة ابن المعتمر وخنيس بن حذافة السّهمىّ- وَكَانَ صِهْرَهُ عَلَى ابْنَتِهِ حَفْصَةَ بِنْتِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٧٢ ]
عُمَر، فَخَلَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَهُ- وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عمرو ابن نُفَيْلٍ، وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ التّمِيمِيّ، حَلِيفٌ لَهُمْ؛ وَخَوْلِيّ بْنُ أَبِي خَوْلِيّ، وَمَالِكُ بْنُ أَبِي خَوْلِيّ حَلِيفَانِ لَهُمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو خَوْلِيّ: مِنْ بَنِي عَجِلِ بْنِ لُجَيْمِ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيّ ابن بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَنُو البكير أربعتهم: إياس بن البكير، وعاقل ابن الْبُكَيْرِ، وَعَامِرُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وحلفاؤهم من بنى سعد ابن ليث، على رفاعة ابن عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زَنْبَرٍ، فِي بَنِي عَمْرِو بن عوف بقُباءٍ، وَقَدْ كَانَ مَنْزِلُ عَيّاشِ بْنِ أَبِي ربيعة معه عليه حين قدما المدينة.
ثُمّ تَتَابَعَ الْمُهَاجِرُونَ، فَنَزَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُثْمَانَ، وَصُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ عَلَى خُبَيْبِ بْنِ إِسَافٍ أَخِي بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بالسّنح. قال ابن هشام:
ويقال: يساف فيما أخبرنى عنه ابن إسحاق. وَيُقَالُ: بَلْ نَزَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ على أسعد بن زرارة، أخي بني النجار.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذُكِرَ لِي عَنْ أَبِي عثمان النّهدىّ، أنه قال: بلغنى أن أَنّ صُهَيْبًا حَيْنَ أَرَادَ الْهِجْرَةَ قَالَ لَهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ: أَتَيْتنَا صُعْلُوكًا حَقِيرًا، فَكَثُرَ مَالُك عِنْدَنَا، وَبَلَغْت الّذِي بَلَغْت، ثُمّ تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ بِمَالِك وَنَفْسِك، وَاَللهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ صُهَيْبٌ: أَرَأَيْتُمْ إنْ جَعَلْت لَكُمْ مَالِي أَتُخْلُونَ سَبِيلِي؟
قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنّي جَعَلْت لَكُمْ مَالِي. قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَبِحَ صهيب ربح صهيب.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٧٣ ]
[مَنْزِلُ حَمْزَةَ وَزَيْدٍ وَأَبِي مَرْثَدٍ وَابْنِهِ وَأَنَسَةَ وأبى كبشة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَنَزَلَ حَمْزَةُ بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة، وأبو مَرْثَدٍ كَنّازُ بْنُ حِصْنٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ، ابْنُ حُصَيْنٍ- وَابْنُهُ مَرْثَدٌ الْغَنَوِيّانِ، حَلِيفَا حمزة ابن عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَأَنَسَةُ، وَأَبُو كَبْشَةَ، مَوْلِيّا رَسُولِ اللهِ ﷺ، عَلَى كُلْثُومِ بْنِ هِدْمٍ، أَخِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بقُباءٍ: وَيُقَال: بَلْ نَزَلُوا عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثمةَ؛ وَيُقَالُ. بَلْ نَزَلَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ عَلَى أَسْعَدِ بْنِ زُرَارَةَ، أَخِي بَنِي النجّار. كلّ ذلك يقال:
وَنَزَلَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطّلِب، وَأَخُوهُ الطّفيل بن الحارث، والحصين ابن الْحَارِثِ؛ وَمِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبّادِ بْنِ الْمُطّلِبِ، وَسُوَيْبِطُ بْنُ سَعْدِ بْنِ حُرَيْمِلَةَ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدّارِ، وَطُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ بْنِ قُصَيّ، وَخَبّابٌ مَوْلَى عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ، عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَمَةَ، أخى بلعجلان بقباء وَنَزَلَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي رِجَالٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى سَعْدِ بْنِ الرّبِيعِ أَخِي بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فِي دَارِ بَلْحَارِثِ بْنِ الخزرج.
وَنَزَلَ الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ، وَأَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى، عَلَى مُنْذِرِ بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح بالعصبة، دار بنى جحجبى.
وَنَزَلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدّارِ عَلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذِ ابن النّعْمَانِ، أَخِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فِي دَارِ بنى عبد الأشهل
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٧٤ ]
وَنَزَلَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سالم مولى أبى حذيفة سائبة، لثبيتة [أو نبيتة] بنت يعار بن زيد بن عبيد بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، سيبته فَانْقَطَعَ إلَى أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَتَبَنّاهُ، فَقِيلَ:
سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَيُقَالُ: كَانَتْ ثُبَيْتَةُ بِنْتُ يَعَارَ تَحْتَ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ فَأَعْتَقَتْ سَالِمًا سَائِبَةً. فَقِيلَ: سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَنَزَلَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بْنِ جَابِرٍ عَلَى عبّاد بن بشرا بْنِ وَقْشٍ أَخِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فِي دار عبد الأشهل.
وَنَزَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ عَلَى أَوْسِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ، أَخِي حَسّانِ بْنِ ثَابِتٍ فِي دَارِ بَنِي النّجّارِ، فَلِذَلِكَ كَانَ حَسّانٌ يحبّ عثمان ويبكيه حين قتل.
وَكَانَ يُقَالُ: نَزَلَ الْأَعْزَابُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثمةَ، وَذَلِكَ أَنّهُ كَانَ عَزَبًا، فالله أعلم أىّ ذلك كان.
[خبر الندوة وهجرة الرسول ﷺ]
وَأَقَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَكّةَ بَعْدَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَتَخَلّفْ مَعَهُ بِمَكّةَ أَحَدٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ إلّا مَنْ حُبِسَ أَوْ فُتِنَ، إلّا عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ الصّدّيق ﵄، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ كَثِيرًا مَا يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ، فَيَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا تَعْجَلْ لَعَلّ اللهَ يَجْعَلُ لَك صَاحِبًا، فَيَطْمَعُ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يكونه.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٧٥ ]
[الملأ من قريش يتشاورن فِي أَمْرِ الرّسُولِ ﷺ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنّ رسول اللهﷺ- قد صَارَتْ لَهُ شِيعَةٌ وَأَصْحَابٌ مِنْ غَيْرِهِمْ بِغَيْرِ بَلَدِهِمْ، وَرَأَوْا خُرُوجَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ إلَيْهِمْ، عَرَفُوا أَنّهُمْ قَدْ نَزَلُوا دَارًا، وَأَصَابُوا مِنْهُمْ مَنَعَةً، فَحَذِرُوا خُرُوجَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَيْهِمْ، وَعَرَفُوا أَنّهُمْ قَدْ أَجَمَعَ لِحَرْبِهِمْ.
فَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي دَارِ النّدْوَةِ- وَهِيَ دَارُ قُصَيّ بْنِ كِلَابٍ الّتِي كَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تَقْضِي أَمْرًا إلّا فِيهَا- يَتَشَاوَرُونَ فِيهَا مَا يَصْنَعُونَ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حَيْنَ خَافُوهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مجاهد بن جبر أَبِي الْحَجّاجِ، وَغَيْرِهِ مِمّنْ لَا أَتّهِمُ، عَنْ عبد الله ابن عَبّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمّا أَجَمَعُوا لِذَلِكَ، وَاتّعَدُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِي دَارِ النّدْوَةِ لِيَتَشَاوَرُوا فِيهَا فِي أَمْرِ رَسُولِ اللهِﷺ- غَدَوْا فِي الْيَوْمِ الّذِي اتّعَدُوا لَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يُسَمّى يَوْمَ الرّحمة، فاعترضهم إبليس فى هيئة شيخ جليل، عليه بَتْلَةٌ، فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الدّارِ، فَلَمّا رَأَوْهُ وَاقِفًا عَلَى بَابِهَا، قَالُوا: مَنْ الشّيْخُ؟ قَالَ: شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ سَمِعَ بِاَلّذِي اتّعَدْتُمْ لَهُ، فَحَضَرَ مَعَكُمْ لِيَسْمَعَ مَا تَقُولُونَ، وَعَسَى أَنْ لَا يُعْدِمَكُمْ مِنْهُ رَأْيًا وَنُصْحًا، قَالُوا:
أَجَلْ، فَادْخُلْ، فَدَخَلَ مَعَهُمْ، وَقَدْ اجْتَمَعَ فِيهَا أَشْرَافُ قُرَيْشٍ، مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو سُفْيَانَ بن حرب. ومن
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٧٦ ]
بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَاف: طُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيّ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعَمٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ: وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ: النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كِلْدَةَ.
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى: أَبُو الْبَخْتَرِيّ بن هشام، وزمعة بن الأسود ابن الْمُطّلِبِ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ. وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَام. وَمِنْ بَنِي سَهْمٍ: نُبَيْهٌ وَمُنَبّهٌ ابْنَا الْحَجّاجِ، وَمِنْ بَنِي جُمَحٍ: أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ وَغَيْرُهُمْ مِمّنْ لَا يُعَدّ مِنْ قُرَيْشٍ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إنّ هَذَا الرّجُلَ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا قَدْ رَأَيْتُمْ، فَإِنّا وَاَللهِ مَا نَأْمَنُهُ عَلَى الْوُثُوبِ عَلَيْنَا فِيمَنْ قَدْ اتّبَعَهُ مِنْ غَيْرِنَا، فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا.
قَالَ: فَتَشَاوَرُوا ثُمّ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: احْبِسُوهُ فِي الْحَدِيدِ، وَأَغْلِقُوا عَلَيْهِ بَابًا، ثُمّ تَرَبّصُوا بِهِ مَا أَصَابَ أَشْبَاهَهُ مِنْ الشّعَرَاءِ الّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ، زُهَيْرًا وَالنّابِغَةَ، وَمَنْ مَضَى مِنْهُمْ، مِنْ هَذَا الْمَوْتِ، حَتّى يُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمْ، فَقَالَ الشّيْخُ النّجْدِيّ: لَا وَاَللهِ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ. وَاَللهِ لَئِنْ حَبَسْتُمُوهُ كَمَا تَقُولُونَ لَيَخْرُجَنّ أَمْرُهُ من وراء الباب الذى أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم، فينزعوه من أيديكم، ثم يُكَاثِرُوكُمْ بِهِ، حَتّى يَغْلِبُوكُمْ عَلَى أَمْرِكُمْ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، فَانْظُرُوا فِي غَيْرِهِ، فَتَشَاوَرُوا. ثُمّ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: نُخْرِجُهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَنَنْفِيهِ مِنْ بِلَادِنَا، فَإِذَا أُخْرِجَ عَنّا فو الله مَا نُبَالِي أَيْنَ ذَهَبَ، وَلَا حَيْثُ وَقَعَ، إذَا غَابَ عَنّا وَفَرَغْنَا مِنْهُ، فَأَصْلَحْنَا أَمْرَنَا وَأَلْفَتْنَا كَمَا كَانَتْ.
فَقَالَ الشّيْخُ النّجْدِيّ: لَا وَاَللهِ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، أَلَمْ تَرَوْا حُسْنَ حَدِيثِهِ، وَحَلَاوَةَ مَنْطِقِهِ، وَغَلَبَتِهِ عَلَى قُلُوبِ الرّجَالِ بِمَا يَأْتِي بِهِ، وَاَللهِ لَوْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مَا أَمِنْتُمْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٧٧ ]
أَنْ يَحِلّ عَلَى حَيّ مِنْ الْعَرَبِ، فَيَغْلِبَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ وَحَدِيثِهِ حَتّى يُتَابِعُوهُ عَلَيْهِ، ثُمّ يَسِيرُ بِهِمْ إلَيْكُمْ، حَتّى يَطَأَكُمْ بِهِمْ فِي بِلَادِكُمْ، فَيَأْخُذَ أَمْرَكُمْ مِنْ أَيْدِيكُمْ، ثُمّ يَفْعَلَ بِكَمْ مَا أَرَادَ، دَبّرُوا فِيهِ رَأْيًا غَيْرَ هَذَا. قَالَ: فَقَالَ أَبُو جَهْلِ ابن هِشَامٍ: وَاَللهِ إنّ لِي فِيهِ لَرَأْيًا مَا أَرَاكُمْ وَقَعْتُمْ عَلَيْهِ بَعْدُ، قَالُوا: وَمَا هُوَ يَا أَبَا الْحَكَمِ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ نَأْخُذَ مِنْ كُلّ قَبِيلَةٍ فَتًى شَابّا جَلِيدًا نَسِيبًا وَسِيطًا فِينَا، ثُمّ نُعْطِي كُلّ فَتًى مِنْهُمْ سَيْفًا صَارِمًا، ثُمّ يَعْمِدُوا إلَيْهِ، فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَيَقْتُلُوهُ، فَنَسْتَرِيحَ مِنْهُ. فَإِنّهُمْ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ تَفَرّقَ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ جَمِيعًا، فَلَمْ يَقْدِرْ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى حَرْبِ قَوْمِهِمْ جَمِيعًا، فَرَضُوا مِنّا بِالْعَقْلِ، فَعَقَلْنَاهُ لَهُمْ. قَالَ: فَقَالَ الشّيْخُ النّجْدِيّ: الْقَوْلُ مَا قَالَ الرّجُلُ، هَذَا الرّأْيُ الّذِي لَا رَأْيَ غَيْرُهُ، فَتَفَرّقَ الْقَوْمُ عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ مُجْمِعُونَ له.
[مما يقال عن ليلة الهجرة]
فَأَتَى جِبْرِيلُ ﵇ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: لَا تَبِتْ هَذِهِ اللّيْلَةَ عَلَى فِرَاشِك الّذِي كُنْت تَبِيتُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَلَمّا كَانَتْ عَتَمَةٌ مِنْ اللّيْلِ اجْتَمَعُوا عَلَى بَابِهِ يَرْصُدُونَهُ مَتَى يَنَامُ فَيَثِبُونَ عَلَيْهِ، فَلَمّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَانَهُمْ، قَالَ لِعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: نم على فراشى وتسجّ ببردى هذا الحضرمىّ الْأَخْضَرِ، فَنَمْ فِيهِ، فَإِنّهُ لَنْ يَخْلُصَ إلَيْك شَيْءٌ تَكْرَهُهُ مِنْهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنَامُ فِي بُرْدِهِ ذَلِكَ إذَا نَامَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٧٨ ]
قَالَ: لَمّا اجْتَمَعُوا لَهُ، وَفِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ وَهُمْ عَلَى بَابِهِ: إنّ مُحَمّدًا يَزْعُمُ أَنّكُمْ إنْ تَابَعْتُمُوهُ عَلَى أَمْرِهِ، كُنْتُمْ مُلُوكَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، ثُمّ بُعِثْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ، فَجُعِلَتْ لَكُمْ جِنَانٌ كَجِنَانِ الْأُرْدُنّ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ لَهُ فِيكُمْ ذَبْحٌ، ثُمّ بُعِثْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ، ثُمّ جُعِلَتْ لَكُمْ نَارٌ تُحْرَقُونَ فِيهَا.
قَالَ: وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ فِي يَدِهِ، ثُمّ قَالَ أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ، أَنْتَ أَحَدُهُمْ. وَأَخَذَ اللهُ تَعَالَى عَلَى أَبْصَارِهِمْ عَنْهُ فَلَا يَرَوْنَهُ، فَجَعَلَ ينثر ذلك التراب على رؤسهم، وهو يتلو هؤلاء لآيات مِنْ يس: يس* وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ* إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ* عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ.. إلَى قَوْلِهِ: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ حَتّى فَرَغَ رَسُولُ اللهِﷺ- مِنْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إلّا وَقَدْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا، ثُمّ انْصَرَفَ إلَى حَيْثُ أَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ، فَأَتَاهُمْ آتٍ مِمّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ، فَقَالَ: مَا تَنْتَظِرُونَ هَاهُنَا؟ قَالُوا:
مُحَمّدًا، قَالَ: خَيّبَكُمْ اللهُ! قَدْ وَاَللهِ خَرَجَ عَلَيْكُمْ مُحَمّدٌ، ثُمّ مَا تَرَكَ مِنْكُمْ رَجُلًا إلّا وَقَدْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا، وَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، أَفَمَا تَرَوْنَ مَا بِكُمْ؟ قَالَ: فَوَضَعَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا عَلَيْهِ تُرَابٌ، ثُمّ جَعَلُوا يَتَطَلّعُونَ، فَيَرَوْنَ عَلِيّا عَلَى الْفِرَاشِ مُتَسَجّيًا بِبُرْدِ رسول اللهﷺ، فيقولون:
وَاَللهِ إنّ هَذَا لَمُحَمّدٌ نَائِمًا، عَلَيْهِ بُرْدُهُ. فَلَمْ يَبْرَحُوا كَذَلِكَ حَتّى أَصْبَحُوا فَقَامَ عَلِيّ﵁- عَنْ الْفِرَاشِ فَقَالُوا: وَاَللهِ لقد كان صدقنا الذى حدثنا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٧٩ ]
[الآيات التى نزلت فى تربص المشركين بالنبى]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمّا أَنْزَلَ اللهُ ﷿ مِنْ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَمَا كَانُوا أَجْمَعُوا لَهُ: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ، وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ، وَقَوْلِ اللهِ ﷿: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ.
قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمَنُونُ: الْمَوْتُ. وَرَيْبُ الْمَنُونِ: مَا يريب ويعرض مِنْهَا.
قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الهُذَليّ:
أَمِنْ الْمَنُونِ وَرَيْبِهَا تَتَوَجّعُ وَالدّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَذِنَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيّهِ ﷺ عند ذلك فى الهجرة.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ رَجُلًا ذَا مَالٍ، فَكَانَ حَيْنَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا تَعْجَلْ، لَعَلّ اللهَ يَجِدُ لَك صَاحِبًا، قَدْ طَمِعَ بِأَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، إنما يَعْنِي نَفْسَهُ، حَيْنَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَابْتَاعَ رَاحِلَتَيْنِ، فَاحْتَبَسَهُمَا فِي دَارِهِ، يَعْلِفُهُمَا إعْدَادًا لِذَلِكَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٨٠ ]
[الهجرة إلَى الْمَدِينَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ أَنّهَا قَالَتْ: كَانَ لَا يخطىء رسول الله ﷺ إن يَأْتِيَ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيْ النّهَارِ، إمّا بُكْرَةً، وَإِمّا عَشِيّةً، حَتّى إذَا كَانَ الْيَوْمُ الّذِي أُذِنَ فِيهِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ، وَالْخُرُوجِ مِنْ مَكّةَ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَيْ قَوْمِهِ، أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ، فِي سَاعَةٍ كَانَ لَا يَأْتِي فِيهَا. قَالَتْ: فَلَمّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: مَا جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ السّاعَةَ إلّا لِأَمْرٍ حَدَثَ. قَالَتْ: فَلَمّا دَخَلَ، تَأَخّرَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ سَرِيرِهِ، فَجَلَسَ رَسُولُ الله ﷺ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ إلّا أَنَا وَأُخْتِي أَسَمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَخْرِجْ عَنّي مَنْ عِنْدَك: فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، إنّمَا هُمَا ابْنَتَايَ، وَمَا ذَاكَ؟ فِدَاك أَبِي وَأُمّي! فَقَالَ: إنّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ وَالْهِجْرَةِ. قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، الصّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللهِ؛ قَالَ:
الصحبة. قالت: فو الله مَا شَعُرْت قَطّ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنّ أَحَدًا يَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ، حَتّى رَأَيْت أَبَا بَكْرٍ يَبْكِي يَوْمئِذٍ، ثُمّ قَالَ: يَا نَبِيّ اللهِ، إنّ هَاتَيْنِ رَاحِلَتَانِ قَدْ كُنْت أَعْدَدْتهمَا لِهَذَا. فَاسْتَأْجَرَا عَبْدَ اللهِ بْنَ أَرْقَطِ- رَجُلًا من بنى الدّيل بن بكر [وهو من بنى عبد بن عدى- هاديا خرّيتا- والخريت: الماهر بالهداية قد غمس حلفا فى آل العاصى بن وائل السّهمى- عن البخارى]، وَكَانَتْ أُمّهُ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ مُشْرِكًا- يَدُلّهُمَا عَلَى الطّرِيقِ، فَدَفَعَا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٨١ ]
[الذين كانوا يعلمون بالهجرة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمْ يَعْلَمْ فِيمَا بَلَغَنِي، بِخُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَدُ، حَيْنَ خَرَجَ، إلّا عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ، وَآلُ أَبِي بَكْرٍ.
أَمَا عَلِيّ فَإِنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- أَخْبَرَهُ بِخُرُوجِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَخَلّفَ بَعْدَهُ بِمَكّةَ، حَتّى يُؤَدّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْوَدَائِعَ، الّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِلنّاسِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْسَ بِمَكّة أَحَدٌ عِنْدَهُ شَيْءٌ يُخْشَى عَلَيْهِ إلّا وَضَعَهُ عِنْدَهُ، لِمَا يُعْلَمُ مِنْ صِدْقِهِ وَأَمَانَتِهِ ﷺ.
[الرّسُولُ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ فِي الْغَارِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْخُرُوجَ، أَتَى أَبَا بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، فَخَرَجَا مِنْ خَوْخَةٍ لِأَبِي بَكْرٍ فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ، ثم عمدا إلَى غَارٍ بِثَوْرٍ- جَبَلٍ بِأَسْفَلِ مَكّةَ- فَدَخَلَاهُ، وَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَسَمّعَ لَهُمَا مَا يَقُولُ النّاسُ فِيهِمَا نَهَارَهُ، ثُمّ يَأْتِيهِمَا إذَا أَمْسَى بِمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْخَبَرِ، وَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ مَوْلَاهُ أَنْ يَرْعَى غَنَمَهُ نَهَارَهُ، ثُمّ يُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا، يَأْتِيهِمَا إذَا أَمْسَى فِي الْغَارِ. وَكَانَتْ أَسَمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ تَأْتِيهِمَا مِنْ الطّعَامِ إذَا أَمْسَتْ بِمَا يصلحهما.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنّ الْحَسَنَ بْنَ أَبِي الْحَسَنِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٨٢ ]
الْبَصْرِيّ قَالَ: انْتَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ إلَى الْغَارِ لَيْلًا، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ قَبْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فتلمس الْغَارَ، لِيَنْظُرَ أَفِيهِ سَبُعٌ أَوْ حَيّةٌ، يَقِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَفْسِهِ.
[الذين قاموا بشئون الرسول فى الغار]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْغَارِ ثَلَاثًا وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ فِيهِ حين فقدوه مائة نَاقَةٍ، لِمَنْ يَرُدّهُ عَلَيْهِمْ. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يَكُونُ فِي قُرَيْشٍ نَهَارَهُ مَعَهُمْ، يَسْمَعُ مَا يَأْتَمِرُونَ بِهِ، وَمَا يَقُولُونَ فِي شَأْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، ثُمّ يَأْتِيهِمَا إذَا أَمْسَى فيخبرهما الخير. وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، يرعى فى رعيان أَهْلِ مَكّةَ، فَإِذَا أَمْسَى أَرَاحَ عَلَيْهِمَا غَنَمَ أَبِي بَكْرٍ، فَاحْتَلَبَا وَذَبَحَا، فَإِذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ غَدَا مِنْ عِنْدِهِمَا إلَى مَكّةَ، اتّبَعَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ أَثَرَهُ بِالْغَنَمِ حَتّى يُعَفّي عَلَيْهِ، حَتّى إذَا مَضَتْ الثّلَاثُ، وَسَكَنَ عَنْهُمَا النّاسُ أَتَاهُمَا صَاحِبُهُمَا الّذِي اسْتَأْجَرَاهُ بِبَعِيرَيْهِمَا وَبَعِيرٍ لَهُ، وَأَتَتْهُمَا أَسَمَاءُ بِنْتُ أَبِي بكر ﵄ بِسُفْرَتِهِمَا، وَنَسِيَتْ أَنْ تَجْعَلَ لَهَا عِصَامًا فَلَمّا ارْتَحَلَا ذَهَبَتْ لِتُعَلّقَ السّفْرَةَ، فَإِذَا لَيْسَ لَهَا عِصَامٌ، فَتَحِلّ نِطَاقَهَا فَتَجْعَلُهُ عِصَامًا، ثُمّ عَلّقَتْهَا به.
[لم سميت أسماء بذات النطاقين]
فَكَانَ يُقَالُ لِأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: ذَاتُ النّطَاقِ، لِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَسَمِعْت غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: ذَاتُ النّطَاقَيْنِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٨٣ ]
وَتَفْسِيرُهُ: أَنّهَا لَمّا أَرَادَتْ أَنْ تُعَلّقَ السّفْرَةَ شقّت نطاقهما باثنين، فعلّقت السفرة بواحد، وانتطقت بالآخر.
[راحلة النبى ﷺ]
قال ابن إسْحَاقَ: فَلَمّا قَرّبَ أَبُو بَكْرٍ، ﵁، الرّاحِلَتَيْنِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَدّمَ لَهُ أَفَضْلَهُمَا، ثُمّ قَالَ: اركب، فداك أبى وأمى؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنّي لَا أَرْكَبُ بَعِيرًا لَيْسَ لِي، قَالَ:
فَهِيَ لَك يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ مَا الثّمَنُ الّذِي ابْتَعْتهَا بِهِ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: قَدْ أَخَذْتهَا بِهِ، قَالَ: هِيَ لَك يَا رَسُولَ اللهِ. فَرَكِبَا وَانْطَلَقَا. وَأَرْدَفَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ ﵁ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ مَوْلَاهُ خلفه، ليخدمهما فى الطريق.
[أبو جهل يضرب أسماء بنت أبى بكر]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحُدّثْت عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنّهَا قَالَتْ: لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁، أَتَانَا نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إلَيْهِمْ؛ فَقَالُوا:
أَيْنَ أَبُوك يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: قُلْت: لَا أَدْرِي وَاَللهِ أَيْنَ أَبِي. قَالَتْ:
فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يَدَهُ، وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا، فَلَطَمَ خدّى لطمة طرح منها قرطى.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٨٤ ]
[خبر الجنى الذى تغنى بمقدم الرسول ﷺ]
قَالَتْ: ثُمّ انْصَرَفُوا. فَمَكَثْنَا ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَمَا نَدْرِي أَيْنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حَتّى أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ الْجِنّ مِنْ أَسْفَلِ مَكّةَ، يَتَغَنّى بِأَبْيَاتٍ مِنْ شَعَرِ غِنَاءِ الْعَرَبِ، وَإِنّ النّاسَ لَيَتْبَعُونَهُ، يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ وَمَا يَرَوْنَهُ، حَتّى خَرَجَ مِنْ أَعَلَى مَكّةَ وَهُوَ يَقُولُ:
جَزَى اللهُ رَبّ النّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ رَفِيقَيْنِ حَلّا خَيْمَتَيْ أُمّ مَعْبَدِ
هُمَا نَزَلَا بِالْبِرّ ثُمّ تَرَوّحَا فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمّدِ
لِيَهْنِ بَنِي كَعْبٍ مَكَانُ فَتَاتِهِمْ ومقعدها للمؤمنين بمرصد
[نَسَبُ أُمّ مَعْبَدٍ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أُمّ مَعْبَدٍ بِنْتُ كَعْبٍ، امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي كَعْبٍ، من خزاعة.
وقوله «حَلّا خَيْمَتَيْ» و«هُمَا نَزَلَا بِالْبَرّ ثُمّ تَرَوّحَا» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ﵄: فَلَمّا سَمِعْنَا قَوْلَهُ عَرَفْنَا حَيْثُ وجه رسول الله ﷺ، وَأَنّ وَجْهَهُ إلَى الْمَدِينَةِ وَكَانُوا أَرْبَعَةً: رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ ﵁، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَرْقَطَ دليلهما.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٨٥ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ أريقط.
[آل أبى بكر بعد هجرته]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ أَنّ أَبَاهُ عَبّادًا حَدّثَهُ عَنْ جَدّتِهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مَعَهُ، احْتَمَلَ أَبُو بَكْرٍ مَالَهُ كُلّهُ، وَمَعَهُ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ سِتّةُ آلَافٍ، فَانْطَلَقَ بِهَا مَعَهُ. قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيْنَا جَدّي أَبُو قُحَافَةَ، وقد ذهب بصره، فقال: والله إنى لأراه قَدْ فَجَعَكُمْ بِمَالِهِ مَعَ نَفْسِهِ. قَالَتْ:
قُلْت: كَلّا يَا أَبَتِ! إنّهُ قَدْ تَرَكَ لَنَا خَيْرًا كَثِيرًا. قَالَتْ: فَأَخَذْت أَحْجَارًا فَوَضَعْتهَا فِي كُوّةٍ فِي الْبَيْتِ الّذِي كَانَ أَبِي يَضَعُ مَالَهُ فِيهَا، ثُمّ وَضَعْت عَلَيْهَا ثَوْبًا، ثُمّ أَخَذْت بِيَدِهِ، فَقُلْت: يَا أَبَتِ، ضَعْ يَدَك عَلَى هَذَا الْمَالِ. قَالَتْ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ. إذَا كَانَ تَرَكَ لَكُمْ هَذَا فَقَدْ أَحْسَنَ، وَفِي هَذَا بَلَاغٌ لَكُمْ. وَلَا وَاَللهِ مَا تَرَكَ لَنَا شَيْئًا وَلَكِنّي أردت أن أسكن الشيخ بذلك.
[خبر سراقة بن مالك]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَحَدّثَنِي الزّهْرِيّ أَنّ عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ حَدّثَهُ. عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمّهِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، قَالَ. لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ مَكّةَ مُهَاجِرًا إلَى المدينة، جعلت قريش فيه مائة نَاقَةٍ لِمَنْ رَدّهُ عَلَيْهِمْ. قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ فِي نَادِي قَوْمِي إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٨٦ ]
مِنّا، حَتّى وَقَفَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: وَاَللهِ لَقَدْ رَأَيْت رَكْبَهُ ثَلَاثَةً مَرّوا عَلَيّ آنِفًا، إنّي لَأَرَاهُمْ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ، قَالَ: فَأَوْمَأْت إلَيْهِ بِعَيْنِي: أن اسكت ثم قلت قليلا، إنّمَا هُمْ بَنُو فُلَانٍ، يَبْتَغُونَ ضَالّةً لَهُمْ، قَالَ: لَعَلّهُ: ثُمّ سَكَتَ. قَالَ ثُمّ مَكَثْت ثُمّ قُمْت فَدَخَلْت بَيْتِي، ثُمّ أَمَرْت بِفَرَسِي، فَقُيّدَ لِي إلَى بَطْنِ الْوَادِي، وَأَمَرْت بِسِلَاحِي، فَأُخْرِجَ لِي مِنْ دُبُرِ حُجْرَتِي، ثُمّ أَخَذْت قداحى التى أستقسم بها، ثم انقطلقت، فَلَبِسْت لَأْمَتِي ثُمّ أَخَرَجْت قِدَاحِي، فَاسْتَقْسَمْت بِهَا؛ فَخَرَجَ السّهْمُ الّذِي أَكْرَهُ «لَا يَضُرّهُ» قَالَ: وَكُنْت أَرْجُو أَنْ أَرُدّهُ عَلَى قُرَيْشٍ، فَآخُذَ المائة النّاقَةِ. قَالَ: فَرَكِبْت عَلَى أَثَرِهِ، فَبَيْنَمَا فَرَسِي يَشْتَدّ بِي عَثَرَ بِي، فَسَقَطْت عَنْهُ. قَالَ: فَقُلْت: مَا هَذَا؟ قَالَ ثُمّ أَخَرَجْت قِدَاحِي فَاسْتَقْسَمْت بِهَا فَخَرَجَ السّهْمُ الّذِي أَكْرَهُ «لَا يَضُرّهُ» . قَالَ: فَأَبَيْت إلّا أَنْ أَتّبِعَهُ. قَالَ: فَرَكِبْت فِي أَثَرِهِ، فَبَيْنَا فَرَسِي يَشْتَدّ بِي، عَثَرَ بِي، فَسَقَطْت عَنْهُ. قَالَ: فَقُلْت: مَا هَذَا؟، قَالَ: ثُمّ أَخَرَجْت قِدَاحِي فَاسْتَقْسَمْت بِهَا فَخَرَجَ السّهْمُ الّذِي أَكْرَهُ «لَا يَضُرّهُ» قَالَ: فَأَبَيْت إلّا أَنْ أَتّبِعَهُ، فَرَكِبْت فِي أَثَرِهِ.
فَلَمّا بَدَا لِي الْقَوْمُ وَرَأَيْتهمْ، عَثَرَ بِي فَرَسِي، فَذَهَبَتْ يَدَاهُ فِي الْأَرْضِ، وَسَقَطْت عَنْهُ، ثُمّ انْتَزَعَ يَدَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ، وَتَبِعَهُمَا دُخَانٌ كَالْإِعْصَارِ. قَالَ: فَعَرَفْت حَيْنَ رَأَيْت ذَلِكَ أَنّهُ قَدْ مُنِعَ مِنّي، وَأَنّهُ ظَاهِرٌ. قَالَ: فَنَادَيْت الْقَوْمَ: فَقُلْت: أَنَا سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ: اُنْظُرُونِي أكلمكم، فو الله لا أريبكم، ولا يأتيكم منى شىء تكرهونه. قال: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: قُلْ لَهُ:
وَمَا تَبْتَغِي مِنّا؟ قَالَ فَقَالَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: قُلْت: تَكْتُبُ لِي كِتَابًا يَكُونُ آيَةً بَيْنِي وَبَيْنَك. قَالَ: اُكْتُبْ لَهُ يَا أَبَا بَكْرٍ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٨٧ ]
فَكَتَبَ لِي كِتَابًا فِي عَظْمٍ، أَوْ فِي رُقْعَةٍ، أَوْ فِي خَزَفَةٍ، ثُمّ أَلْقَاهُ إلَيّ، فَأَخَذَتْهُ، فَجَعَلْته فِي كِنَانَتِي، ثُمّ رَجَعْت، فَسَكَتّ فَلَمْ أَذْكُرْ شَيْئًا مِمّا كَانَ حَتّى إذَا كَانَ فَتْحُ مَكّةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَفَرَغَ مِنْ حُنَيْنٍ وَالطّائِفِ، خَرَجْت وَمَعِي الْكِتَابَ لَأَلْقَاهُ، فَلَقِيته بِالْجِعْرَانَةِ. قَالَ: فدخلت فى كتيبة من مِنْ خَيْلِ الْأَنْصَارِ. قَالَ: فَجَعَلُوا يَقْرَعُونَنِي بِالرّمَاحِ وَيَقُولُونَ: إلَيْك إلَيْك، مَاذَا تُرِيدُ؟ قَالَ: فَدَنَوْت مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ وَاَللهِ لَكَأَنّي أَنْظُرُ إلَى سَاقِهِ فِي غَرْزِهِ كَأَنّهَا جُمّارَةٌ. قَالَ: فَرَفَعْت يَدِي بِالْكِتَابِ، ثُمّ قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا كِتَابُك لِي، أَنَا سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ؛ قال: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَوْمُ وَفَاءٍ وَبِرّ، ادْنُهْ. قَالَ:
فَدَنَوْت مِنْهُ، فَأَسْلَمْت. ثُمّ تَذَكّرْت شَيْئًا أَسْأَلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْهُ فَمَا أَذْكُرُهُ، إلّا أَنّي قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، الضّالّةُ مِنْ الْإِبِلِ تَغْشَى حِيَاضِي، وَقَدْ مَلَأْتهَا لِإِبِلِي، هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي أَنْ أَسْقِيَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فِي كُلّ ذَاتِ كَبِدٍ حَرّى أَجْرٌ. قَالَ: ثُمّ رَجَعْت إلَى قَوْمِي، فَسُقْتُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ صدقتى. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بن مالك بن جعشم.
_________________
(١) هِجْرَةُ عُمَرَ وَعَيّاشٍ ذَكَرَ فِيهَا تَوَاعُدَهُمْ التّنَاضِبَ بِكَسْرِ الضّادِ، كَأَنّهُ جَمْعُ تَنْضُبٍ [وَاحِدَتُهُ تَنْضُبَةٌ] وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ الشّجَرِ، تَأْلَفُهُ الْحِرْبَاءُ. قَالَ الشّاعِرُ: إنّي أُتِيحَ لَهُ حِرْبَاءُ تَنْضُبَةٍ لَا يُرْسِلُ السّاقَ إلّا مُمْسِكًا سَاقَا
[ ٤ / ١٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَيُقَالُ لِثَمَرِهِ الْمُمَتّعُ وَهُوَ فُنَعْلِلٌ أُدْغِمَتْ النّونُ فِي الْمِيمِ وَظَاهِرُ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ:
أَنّهُ فَعْلُلٌ وَأَنّهُ مِمّا لَحِقَتْهُ الزّيَادَةُ بِالتّضْعِيفِ، وَالْقَوْلُ الْأَوّلُ يُقَوّيهِ أَنّ مِثْلَهُ الْهُنْدَلِعُ»
، وَهُوَ نَبْتٌ وَتُتّخَذُ مِنْ هَذَا الشّجَرِ الْقِسِيّ كَمَا تُتّخَذُ مِنْ النّبْعِ وَالشّوْطِ وَالشّرْيَانِ وَالسّرَاءِ وَالْأَشْكَلِ، وَدُخَانِ التّنْضُبِ، ذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي النّبَاتِ.
وَقَالَ الْجَعْدِيّ:
كَأَنّ الْغُبَارَ الّذِي غَادَرَتْ ضُحَيّا دَوَاخِنُ مِنْ تَنْضُبِ
شَبّهَ الْغُبَارَ بِدُخَانِ التّنْضُبِ لِبَيَاضِهِ. وَقَالَ آخر [عقيل بن علقة المرّى]:
_________________
(١) اسم بقلة، ويقول ابن جنى فى المنصف إن الأسماء الخماسية تجىء على أربعة أمثلة وخامس لم يذكره سيبويه «فعلل وفعلل وفعللل وفعلل والخامس الذى لم يذكره سيبويه فعللل، وهو هندلع، وقالوا: هو اسم بقلة، ومن ادعى ذلك احتاج أن يدل على أن النون من الأصل» ص ٣٠ ح ١. وفى شرح الشافية عن أوزان الاسم الخماسى: «وزاد محمد بن السرى فى الخماسى خامسا، وهو الهندلع لبقلة، والحق: الحكم بزيادة النون لأنه إذا تردد الحرف بين الأصالة والزيادة والوزنان باعتبارهما نادران فالأولى: الحكم بالزيادة لكثرة ذى الزيادة كما يجىء، ولو جاز أن يكون هندلع فعلللا لجاز أن يكون كنهبل فعلا وذلك خرق لا يرقع فتكثر الأصول» ص ٤٩ ح ١.. والكنهبل بفتح الباء وضمها: شجر عظام وهو من العضاه ويقول سيبويه إن النون فيه زائدة لأنه ليس فى الكلام على مثال سفرجل بضم الجيم. ويقول الخشنى: «التناضب بضم الضاد. يقال: هو اسم موضع، ومن رواه بالكسر، فهو جمع تنضب، وهو شجر واحدته: تنضبة، وقيده الوقشى؛ التناضب بكسر الضاد» .
[ ٤ / ١٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَهَلْ أَشْهَدَنْ خَيْلًا كَأَنّ غُبَارَهَا بِأَسْفَلَ عَلْكَدّ دَوَاخِنُ تَنْضُبِ
وَأَضَاةُ بَنِي غِفَارٍ عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكّةَ، وَالْأَضَاةُ الْغَدِيرُ، كَأَنّهَا مَقْلُوبٌ مِنْ وَضْأَةٍ عَلَى وَزْنِ فَعْلَةٍ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الْوَضَاءَةِ بِالْمَدّ وَهِيَ النّظَافَةُ، لِأَنّ الْمَاءَ يُنَظّفُ، وَجَمْعُ الْأَضَاةِ إضَاءٌ وَقَالَ النّابِغَةُ [فِي صِفَةِ الدّرُوعِ]:
عُلِينَ بِكَدْيَوْنٍ وَأُبْطِنّ كُرّةً وَهُنّ إضَاءٌ صَافِيَاتُ الْغَلَائِلِ
[وَأَضَيَاتٌ، وَأَضَوَاتٌ وَأَضًا وَإِضُونَ] . وَهَذَا الْجَمْعُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقْلُوبٍ، فَتَكُونَ الْهَمْزَةُ بَدَلًا مِنْ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ فِي وِضَاءٍ، وَقِيَاسُ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ تَقْتَضِي الْهَمْزَ عَلَى أَصْلِ الِاشْتِقَاقِ، وَيَكُونُ الْوَاحِدُ مَقْلُوبًا لِأَنّ الْوَاوَ الْمَفْتُوحَةَ لَا تُهْمَزُ، مَعَ أَنّ لَامَ الْفِعْلِ غَيْرُ هَمْزَةٍ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ مَحْمُولًا عَلَى الْوَاحِدِ فَيَكُونَ مَقْلُوبًا مِثْلَهُ «١»، وَيُقَالُ أَضَاءَةٌ بِالْمَدّ، وَقَدْ يُجْمَعُ أَضَاةٌ عَلَى إضِينَ، قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَنْشَدَ:
مَحَافِرُ كَأَسْرِيَةِ الْإِضِينَا
الْأَسْرِيَةُ: جَمْعُ سَرِيّ، وَهُوَ الْجَدْوَلُ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: السّعيد.
_________________
(١) ومثلها: إساد فى: وساد وإشاح، فى وشاح. وإعاء فى وعاء. وفى اللسان: «قال أبو الحسن: هذا الذى حكيته من حمل أضاء على الواو بدليل: أضوات حكاية جميع أهل اللغة، وقد حمله سيبويه على الياء، قال: ولا وجه له عندى البتة لقولهم أضوات وعدم ما يستدل به على أنه من الياء. قال والذى أوجه كلامه عليه أن تكون أضاه قلعة من قولهم: آض يئيض على القلب، لأن بعض الغدير يرجع إلى بعض، ولا سيما إذا صفقته الريح.
[ ٤ / ١٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُ هِشَامِ بْنِ الْعَاصِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ نُزُولَ الْآيَةِ: قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ الزّمَرَ ٥٣ الآية فى المستضعفين بمكة، وقول هشام ابن الْعَاصِ: فَفَاجَأَتْنِي وَأَنَا بِذِي طُوَى. طُوَى «١»: مَقْصُورٌ مَوْضِعٌ بِأَسْفَلَ مَكّةَ، ذُكِرَ أَنّ آدَمَ لَمّا أُهْبِطَ إلَى الْهِنْدِ، وَمَشَى إلَى مَكّةَ، وَجَعَلَ الْمَلَائِكَةُ، تَنْتَظِرُهُ بِذِي طُوَى، وَأَنّهُمْ قَالُوا لَهُ: يا آدم مازلنا نَنْتَظِرُك هَاهُنَا مُنْذُ أَلْفَيْ سَنَةٍ «٢»، وَرُوِيَ أَنّ آدَمَ كَانَ إذَا أَتَى الْبَيْتَ خَلَعَ نَعْلَيْهِ بِذِي طُوَى، وَأَمّا ذُو طُوَاءٍ بِالْمَدّ، فَمَوْضِعٌ آخَرُ بَيْنَ مَكّةَ وَالطّائِفِ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَكْرِيّ، وَأَمّا طُوَى بِضَمّ الطّاءِ وَالْقَصْرِ الْمَذْكُورُ فِي التّنْزِيلِ، فَهُوَ بِالشّامِ اسْمٌ لِلْوَادِي الْمُقَدّسِ، وَقَدْ قِيلَ: لَيْسَ بِاسْمِ لَهُ، وَإِنّمَا هُوَ مِنْ صِفَةِ التّقْدِيسِ، أَيْ: الْمُقَدّسِ مَرّتَيْنِ.
نُزُولُ طَلْحَةَ وَصُهَيْبٍ عَلَى خُبَيْبِ بْنِ إسَافٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ نزول طلحة وصهيب على خبيب بن إساف وَيُقَالُ فِيهِ يَسَافٌ بِيَاءِ مَفْتُوحَةٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْكِتَابِ، وَهُوَ إسَافُ بْنُ عِنَبَةَ، وَلَمْ يكن
_________________
(١) مثلثلة الطاء وتنون ولا تنون. فمن نونه فهو اسم للوادى أو الجبل، وهو مذكر اسمى بمذكر على فعل كحطم وصرد ومن لم ينونه جعله معدولا عن طاو، أو باعتباره اسما للبقعة. وقرأ بن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب الحضرمى: طوى غير منون، وقرأها الكسائى وعاصم وحمزة وابن عامر: طوى منونا فى السورتين. ويقول ابن الأثير: وذو طوى: موضع عند باب مكة.
(٢) كلامه لا مسند له.
[ ٤ / ١٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حِينَ نُزُولِ الْمُهَاجِرِينَ عَلَيْهِ مُسْلِمًا فِي قَوْلُ الْوَاقِدِيّ بَلْ تَأَخّرَ إسْلَامُهُ، حَتّى خَرَجَ رَسُولُ اللهِﷺ- إلَى بَدْرٍ، قَالَ خُبَيْبٌ: فَخَرَجْت مَعَهُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِي، وَقُلْنَا لَهُ: نَكْرَهُ أَنْ يَشْهَدَ قَوْمُنَا مَشْهَدًا لَا نَشْهَدُهُ مَعَهُمْ، فَقَالَ:
أَسْلَمْتُمَا؟ فَقُلْنَا: لَا، فَقَالَ: ارْجِعَا، فَإِنّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكِ.
وَخُبَيْبٌ هُوَ الّذِي خُلّفَ عَلَى بِنْتِ خَارِجَةَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ، وَاسْمُهَا:
حَبِيبَةُ، وَهِيَ الّتِي يَقُولُ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ عِنْدَ وَفَاتِهِ: ذُو بَطْنٍ بِنْتُ خَارِجَةَ أَرَاهَا جَارِيَةً «١»، وَهِيَ: بِنْتُ خَارِجَةَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ «٢»، وَالْجَارِيَةُ: أُمّ كُلْثُومٍ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، مَاتَ خُبَيْبٌ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَهُوَ جَدّ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ، الّذِي يَرْوِي عَنْهُ مَالِكٌ فِي مُوَطّئِهِ.
أَبُو كَبْشَةَ وَذَكَرَ أَنَسَةَ وَأَبَا كَبْشَةَ فِي الّذِينَ نَزَلُوا عَلَى كُلْثُومِ بْنِ الْهِدْمِ، فَأَمّا أَنَسَةُ مَوْلَى رَسُولِ اللهِﷺ، فَهُوَ مِنْ مَوْلِدِي السّرَاةِ، وَيُكَنّى:
أَبَا مَسْرُوحٍ، وَقِيلَ: أَبَا مِشْرَحٍ شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كلّها مع رسول الله
_________________
(١) فى الإصابة: ما أظنها إلا أنثى. غير أن إيمان أبى بكر، وتدبره العظيم للقرآن يمنعان من أن نظن بأبى بكر مثل هذا فالقرآن يقول عن الله سبحانه فى أمور الغيب التى يعلمها: وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ.
(٢) فى الإصابة: بنت خارجة بن زيد أو بنت زيد بن خارجة. وفى ترجمته هو ذكر: زيد بن خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرِ بْنِ مالك بن امرىء القيس ابن ثعلبة بن كعب بن الخزرج.
[ ٤ / ١٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- ﷺ- وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبُو كَبْشَةَ اسْمُهُ: سُلَيْمٌ يُقَالُ إنّهُ مِنْ فَارِسَ، وَيُقَالُ: مِنْ مَوْلِدِي أَرْضِ دَوْسٍ، شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلّهَا مَعَ رَسُولِ اللهِﷺ- وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فِي الْيَوْمِ الّذِي وُلِدَ فِيهِ عُرْوَةُ بْنُ الزّبَيْرِ، وَأَمّا الّذِي كَانَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ تَذْكُرُهُ وَتَنْسُبُ النّبِيّ ﵇ إلَيْهِ، وَتَقُولُ: قَالَ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ وَفَعَلَ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ، فَقِيلَ فِيهِ أَقْوَالٌ: قِيلَ: إنّهَا كُنْيَةُ أَبِيهِ لِأُمّهِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وقيل: كنية أبيه من مِنْ الرّضَاعَةِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى، وَقِيلَ: إنّ سَلْمَى أُخْتَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ كَانَ يُكَنّى أَبُوهَا أَبَا كَبْشَةَ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ لَبِيَدٍ، وَأَشْهَرُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلّهَا عِنْدَ النّاسِ أَنّهُمْ شَبّهُوهُ بِرَجُلِ كَانَ يَعْبُدُ الشّعْرَى وَحْدَهُ دُونَ الْعَرَبِ، فَنَسَبُوهُ إلَيْهِ لِخُرُوجِهِ عَنْ دِينِ قَوْمِهِ «١» .
وَذَكَرَ الدّارَقُطْنِيّ اسْمَ أَبِي كَبْشَةَ هَذَا فى المؤتلف والمختلف، فقال: اسمه وجز ابن غَالِبٍ، وَهُوَ خُزَاعِيّ «٢»، وَهُوَ مِنْ بَنِي غُبْشَانَ «٣» .
_________________
(١) سبق هذا، وقد نقلته عن صاحب نسب قريش، وقد ذكر ابن حيب فى كتابه المحبر أن وهبا جد النبى «ص» لأمه كان يكنى أبا كبشة، وكذلك عمرو ابن زيد البخارى، وهو أبو سلمى أم عبد المطلب، وكذلك وجز بن غالب، وهو جد النبى «ص» من قبل أمه أم وهب بن عبد مناف، وكذلك غبشان بن عمرو ابن لؤى وهو الذى كان يعبد الشعرى، وكذلك حاضن الرسول «ص» الحارث ابن عبد العزى ص ١٢٩.
(٢) يقول ابن دريد، فى الاشتقاق وهو يتحدث عن خزاعة «ومنهم: أبو قيلة، وهو وجز بن غالب، وفد إلى النبى ﷺ» ص ٤٨٠.
(٣) فى الأصل: وغمشان، وهو خطأ. أبو غبشان: خزاعى كان يلى سدانة
[ ٤ / ١٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ نُزُولَهُمْ بِقُبَاءَ، وَهُوَ مَسْكَنُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَهُوَ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ يُمَدّ وَيُقْصَرُ وَيُؤَنّثُ وَيُذَكّرُ، وَيُصْرَفُ وَلَا يُصْرَفُ، وَأَنْشَدَ أَبُو حَاتِمٍ فِي صَرْفِهِ:
وَلَأَبْغِيَنّكُمْ قُبًا [وَ] عَوَارِضًا وَلَأُقْبِلَنّ الْخَيْلَ لَابَةَ ضَرْغَدِ «١»
وَكَذَلِكَ أَنْشَدَهُ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الدّلَائِلِ قُبًا بِضَمّ الْقَافِ و[فَتْحِ] الْبَاءِ وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيّةِ تَصْحِيفٌ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَإِنّمَا هُوَ كَمَا أَنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ: قُنًا وَعَوَارِضَا، لِأَنّ قُنًا جَبَلٌ عِنْدَ عَوَارِضَ يُقَالُ لَهُ، وَلِجَبَلِ آخر معه قنوان «٢»،
_________________
(١) الكعبة قبل قريش، فاجتمع مع قصى فى شرب بالطائف، فأسكره قصى ثم اشترى المفاتيح منه بزق خمر، وأشهد عليه، ودفعها لابنه عبد الدار وطير به إلى مكة، فأفاق أبو غبشان أندم من الكسعى، فضربت به الأمثال فى الحمق والندم، وخسارة الصفقة «القاموس» وقد سبق رأى ابن هشام فيه.
(٢) أنشده سيبويه مرتين فى صفحتى ٨٢، ١٠٩ من الجزء الأول من كتابه، ونسبه لعامر بن الطفيل ورواه مرة بالفاء ومرة بالواو فى لأبغينكم. وقد اشتشهد به على نصب قنا وعوارض مع إسقاط حرف الجر ضرورة لأنهما مكانان مختصان لا ينتصبان انتصاب الظرف، وهما بمنزلة ذهبت الشام فى الشذوذ والحذف. والشاعر يريد: بقنا وعوارض ولكنه شبهه بدخلت البيت، وقلب الظهر والبطن.
(٣) فى المراصد عن عوارض: جبل ببلاد طىء وقيل: هو لبنى أسد، وقيل: قنا وعوارض جبلان لبنى فزارة وقيل: جبل أسود فى أعلى دار طىء وناحية دار فزارة. وقيل عن قنوين إنهما جبلان تلقاء الحاجر لبنى مرة. وقيل وهما عوارض وقنا، سميا قنوين كعادتهم فى تثنية الشىء ومقارنه كالعمرين والقمرين.
[ ٤ / ١٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ قُبَاءَ مَسَافَاتٌ وَبِلَادٌ، فَلَا يَصِحّ أَنْ يُقْرَنَ قُبَاءٌ الّذِي عِنْدَ الْمَدِينَةِ مَعَ عَوَارِضَ وَقِنْوَيْنِ، وَكَذَا قَالَ الْبَكْرِيّ فِي مُعْجَمِ مَا اُسْتُعْجِمَ وَأَنْشَدَ:
[لِمَعْقِلِ بْنِ ضِرَارِ بْنِ سِنَانٍ الْمُلَقّبِ بِالشّمّاخِ] .
كَأَنّهَا لَمّا بَدَا عُوَارِضُ وَاللّيْلُ بَيْنَ قَنَوَيْنِ رَابِضُ «١»
وَقُبَاءُ: مَأْخُوذٌ مِنْ الْقَبْوِ، وَهُوَ الضّمّ وَالْجَمْعُ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ:
الْقَوَابِي: هُنّ اللّوَاتِي يَجْمَعْنَ الْعُصْفُرَ وَاحِدَتُهُنّ: قَابِيَةٌ. قَالَ: وَأَهْلُ الْعَرَبِيّةِ يُسَمّونَ الضّمّةَ مِنْ الْحَرَكَاتِ قَبْوًا «٢»، وَأَمّا قَوْلُهُمْ: لَا وَاَلّذِي أَخْرَجَ قوبا من مِنْ قَابِيَةٍ يَعْنُونَ: الْفَرْخَ مِنْ الْبَيْضَةِ «٣» فَمَنْ قال فيه: قابية بتقديم الباء، فهو
_________________
(١) ذكره اللسان فى مادة ربض، وفى مادة جله ونسبه فى هذه إلى الشماخ. ورواه فى جله هكذا: كأنها وقد بدا عوارض بجلة الوادى قطا نواهض ورواه فى ربض كما فى الروض وزاد ما وصفته بين قوسين والجلة: ما استقبلك من حروف الوادى.
(٢) فى اللسان: «أهل المدينة يقولون للضمة: قبوة والقبوة: الضم، قال الخليل: نبرة مقبوة أى: مضمومة» .
(٣) فى اللسان: «قاب الطائر بيضته، أى: فلقها، فانقابت البيضة وتقويت بمعنى، والقائبة والقابة: البيضة، والقوب بالضم الفرخ.. وسمى الفرخ: قوبا لانقياب البيضة عنه. ويقال قابة وقوب بمعنى: قائبة وقوب» قال: وفى حديث عمر: أنه نهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج، وقال: إنكم إن اعتمرتم فى أشهر الحج رأيتموها مجزئة من حجكم، ففرغ حجكم، وكانت قائبة من قوب. ضرب هذا مثلا لجلاء مكة من المعتمرين سائر السنة، والمعنى: أن الفرخ إذا فارق بيضته لم يعد إليها، وكذا إذا اعتمروا فى أشهر الحج لم يعودوا إلى مكة.
[ ٤ / ١٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْقَبْوُ الّذِي يُقَدّمُ، وَمَنْ قَالَ فِيهِ: قَابِيَةٌ، فَهُوَ مِنْ لَفْظِ الْقُوبِ لِأَنّهَا تَتَقَوّبُ عَنْهُ، أَيْ تَتَقَشّرُ قَالَ الْكُمَيْتُ يَصِفُ النّسَاءَ:
لَهُنّ وَلِلْمَشِيبِ وَمَنْ عَلَاهُ مِنْ الْأَمْثَالِ قَابِيَةٌ وُقُوبٌ «١»
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ: فَكَانَتْ قَابِيَةَ قُوبٍ «٢» عَامَهَا، يَعْنِي: الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجّ، وَقَدْ ذَكَرَ أَنّ قُبَاءَ اسْمُ بِئْرٍ عُرِفَتْ الْقَرْيَةُ بِهَا.
سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ فَصْلٌ: وَذَكَرَ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ الّذِي كَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ قَدْ تَبَنّاهُ كَمَا تَبَنّى رَسُولُ اللهِﷺ- زَيْدًا، وَكَانَ سَائِبَةً أَيْ: لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِأَحَدِ، وَذَكَرَ الْمَرْأَةَ الّتِي أَعْتَقَتْهُ سَائِبَةً، وَهِيَ ثُبَيْتَةُ بِنْتُ يَعَارٍ، وَقَدْ قِيلَ فِي اسْمِهَا بُثَيْنَةُ ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ، وَذَكَرَ عَنْ الزّهْرِيّ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ فِيهَا: بِنْتُ تَعَارٍ «٣»، وَقَالَ ابْنُ شَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ: اسْمُهَا سَلْمَى [وَقَالَ ابْنُ حِبّانَ: يُقَالُ لَهَا: لَيْلَمَةُ] وَيُقَالُ فِي اسْمِهَا أَيْضًا: عَمْرَةُ، وَقَدْ أبطل التّسييب فِي الْعِتْقِ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَجَعَلُوا الْوَلَاءَ لِكُلّ مَنْ أَعْتَقَ أَخْذًا بِحَدِيثِ النّبِيّ ﷺ فِي ذَلِكَ وَحَمْلًا لَهُ على العموم، ولما روى أيضا عن مَسْعُودٍ أَنّهُ قَالَ: لَا سَائِبَةَ فِي الْإِسْلَامِ،
_________________
(١) رواه اللسان فى مادة قوب ولم يروه فى قبو. وفيه: قائبة وقوب» . مثل هرب النساء من الشيوخ بهرب القوب- وهو الفرخ- من القائبة، وهى البيضة، فقال: لا ترجع الحسناء إلى الشيخ كما لا يرجع الفرخ إلى البيضة»
(٢) فى النهاية لابن الأثير: فكانت قائبة قوب عامها» ثم فسره بما نقله اللسان عنه.
(٣) وقيل: فاطمة بنت يعار، وفى اسم سالم خلاف.
[ ٤ / ١٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَرَأَى مَالِكٌ مِيرَاثَ السّائِبَةِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَرَ وَلَاءَهُ لِمَنْ سَيّبَهُ، فَكَانَ لِلتّسْيِيبِ وَالْعِتْقِ عِنْدَهُ حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَسَالِمٌ هَذَا هُوَ الّذِي أمر رسول الله ﷺ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ أَنْ تُرْضِعَهُ لِيَحْرُمَ عَلَيْهَا، فأرضعته وهود ذُو لِحْيَةٍ «١»:
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ جَازَ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى ثَدْيِهَا، فَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ أَنّهَا حَلَبَتْ لَهُ فِي مِسْعَطٍ «٢» وَشَرِبَ اللبن، ذكر ذلك محمد بن حبيب.
_________________
(١) عند مسلم من طريق القاسم عن عائشة أن سالما كان مع أبى حذيفة، فأتت سهلة بنت سهيل بن عمرو رسول اللهﷺ- فقالت: إن سالما بلغ ما يبلغ الرجال، وأنه يدخل على، وأظن فى نفس أبى حذيفة من ذلك شيئا، فقال: أرضعيه تحرمى عليه، ورواه مالك فى الموطأ عن الزهرى عن عروة: وأخرجه البخارى من طريق الليث عن الزهرى موصولا. لكن أيصدق حكم الرضاعة على من هو فى مثل سنه، والقرآن يقول: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ويخبر أن حمل الطفل وفصاله ثلاثون شهرا؟ فهل يمكن أن يسمى رضيعا رجل فى مثل من أبى حذيفة وله لحية؟ هذا وقد روى البخارى ومسلم والنسائى والترمذى من طريق مسروق عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رفعه خذوا القرآن من أربعة من ابن مسعود وسالم مولى أبى حذيفة، وأبى بن كعب، ومعاذ بن جبل. وكان أبو حذيفة يرى أنه ابنه، فأنكحه ابنة أخته فاطمة بنت الوليد بن عتبة. فلما أنزل الله: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ رد كل أحد تبنى ابنا من أولئك إلى أبيه ومن لم يعرف أبوه رد إلى مواليه. أخرجه مالك فى الموطأ عن الزهرى عن عروة بهذا، وفيه قصة إرضاعه.
(٢) ويحكى أيضا بضم الميم والعين وسكون السين وهو آنية السعوط تعليق على منازل المهاجرين: يقول الخشنى عن خباب مولى عتبة أى يروى
[ ٤ / ١٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اجْتِمَاعُ قُرَيْشٍ لِلتّشَاوُرِ فِي أَمْرِ النّبِيّ ﷺ ذَكَرَ فِيهِ تَمَثّلَ إبْلِيسَ- حِينَ أَتَاهُمْ- فِي صُورَةِ شَيْخٍ جَلِيلٍ وَانْتِسَابِهِ إلَى أَهْلِ نَجْدٍ.
قَوْلُهُ فِي صُورَةِ شَيْخٍ جَلِيلٍ يَقُولُ: جَلّ الرّجُلُ وَجَلّتْ الْمَرْأَةُ إذَا أَسَنّتْ، قَالَ الشّاعِرُ:
وَمَا حَظّهَا أَنْ قِيلَ عَزّتْ وَجَلّتْ
وَيُقَالُ مِنْهُ: جَلَلْت يَا رَجُلُ بِفَتْحِ اللّامِ، وَقِيَاسُهُ جَلَلْت لِأَنّ اسْمَ الْفَاعِلِ مِنْهُ:
جَلِيلٌ، وَلَكِنْ تَرَكُوا الضّمّ فِي الْمُضَاعَفِ كُلّهِ اسْتِثْقَالًا لَهُ مَعَ التّضْعِيفِ إلّا فِي لَبُبْت، فَأَنْت لَبِيبٌ، حَكَاهُ سِيبَوَيْهِ بِالضّمّ عَلَى الأصل «١» .
_________________
(١) أيضا بحاء مهملة مضمومة وباء مخففة وقول ابن هشام: ونزل الأعزاب. صوابه: كما قال الوقشى: الأعراب، ص ١٢٥ شرح السيرة لأبى ذر الخشنى ولعلها: الأعزاب، لأن جمع عزب أعزاب «القاموس» .
(٢) فى مسند قصة الهجرة ذكر مجاهد بن جبر فى خلاصة تذهيب الكمال للحافظ صفى الدين أحمد بن عبد الله الخزرجى الأنصارى ط أولى: مجاهد بن جبر بإسكان الموحدة. للخشنى وفى بعض نسخ السيرة: جبير، وخبير، ويقول الخشنى والصحيح: جبير ص ١٢٦. وفى اللسان عن لبب وقد لببت- بضم الباء الأولى- ألب- بفتح اللام- ولببت بكسر الباء الأولى تلب بفتح اللام. وفى التهذيب حكى: لببت بالضم، وهو نادر لا نظير له فى المضاعف الحديث أخرجه البخارى فى أبواب الاستسقاء. باب ما قيل فى الزلازل والآيات بسنده عن نافع عن ابن عمر قال: قال: اللهم بارك لنا فى شامنا وفى يمننا، قال: قالوا: وفى نجدنا، فقال: قال: اللهم بارك لنا فى شامنا وفى يمننا. قال: قالوا: وفى نجدنا. قال: قال: هنالك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان» . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال القابسى: سقط ذكر النبى «ص» من النسخ، ولا بد منه، لأن مثله لا يقال بالرأى: وأخرجه البخارى فى كتاب الفتن. وقد صرح فيه بذكر النبى «ص» وقوله: فأظنه قال فى الثالثة: هنالك الزلازل الخ وأخرجه الترمذى. وفى مجمع الزوائد. فقال رجل: وفى شرقنا يا رسول الله بدلا من: وفى نجدنا وأنه قال فى المرة الثانية: اللهم بارك لنا فى شامنا، وفى يمننا إن من هناك يطلع قرن الشيطان، وبه تسعة أعشار الكفر، وبه الداء العضال» رواه الطبرانى فى الأوسط واللفظ له: وأحمد ولفظه أن رسول الله «ص» قال اللهم بارك لنا فى شامنا ويمننا مرتين، فقال رجل وفى مشرقنا يا رسول الله، فقال رسول الله «ص» من هناك يطلع قرن الشيطان، وبه تسعة أعشار الشرك ويقول الخطابى فى بيان المراد من نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجد بادية العراق ونواحيها، وهى مشرق أهل المدينة، وأصل النجد: ما ارتفع من الأرض وهو خلاف الغور، فإنه ما انخفض منها وتهامة. كلها من الغور، ومكة من تهامة» أقول. ومثل هذه الأحاديث لا يجوز أخذها على إطلاقها بل لا يجوز مطلقا أن نستعملها استعمال أولئك الذين أوغروا فى الصدور الأحقاد، وأرثوا العصبية المقيتة الحمقاء بسببها. فسبوا كل نجد، وذموا كل عراقى. وما أجمل ما يقول العلامة الهندى الشيخ محمد بشير السهسوانى «ومن عاب الساكن بالسكنى والإقامة فى مثل تلك البلاد، فقد عاب جمهور الأمة وسبهم وآذاهم بغير ما اكتسبوا، وقد داول الله تعالى الأيام بين البقاع والبلاد كما داولها بين الناس والعباد.. قال تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وكم من بلد قد فتحت، وصارت من خير بلاد المسلمين بعد أن كانت فى أيدى الفراعنة والمشركين والفلاسفة والصابئين والكفرة من المجوس، وأهل الكتابين، بل الخربة التى كانت بها قبور المشركين صارت مسجدا هو أفضل مساجد المسلمين بعد المسجد الحرام ودفن بها أفضل المرسلين، وسادات المؤمنين» ص ٥٤٤ ط صيانة الإنسان. ولو حملنا ما روى على هوى الحاملين للأحقاد لقلنا عن المدينة بحماقة العصبية إنها دار فتنة فقد ورد فى حديث متفق عليه: أنه «ص» أشرف على
[ ٤ / ١٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَإِنّمَا قَالَ لَهُمْ: إنّي مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ فِيمَا ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ السّيرَةِ، لِأَنّهُمْ قَالُوا: لَا يَدْخُلَنّ مَعَكُمْ فِي الْمُشَاوَرَةِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ لِأَنّ هَوَاهُمْ مَعَ مُحَمّدٍ، فَلِذَلِكَ تَمَثّلَ لَهُمْ فِي صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي خَبَرِ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ أَنّهُ تَمَثّلَ فِي صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيّ أَيْضًا، حِينَ حَكّمُوا رَسُولَ اللهِﷺ- في أَمْرِ الرّكْنِ: مَنْ يَرْفَعُهُ، فَصَاحَ الشّيْخُ النّجْدِيّ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: أَقَدْ رَضِيتُمْ أَنْ يَلِيَهُ هَذَا الْغُلَامُ دُونَ أَشْرَافِكُمْ وَذَوِي أَسْنَانِكُمْ، فَإِنْ صَحّ هَذَا الْخَبَرُ فَلِمَعْنًى آخَرَ تَمَثّلَ نَجْدِيّا، وَذَلِكَ أَنّ نَجْدًا مِنْهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشّيْطَانِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِﷺ- حِينَ قِيلَ لَهُ: وَفِي نَجْدِنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: هُنَالِكَ الزّلَازِلُ وَالْفِتَنُ، وَمِنْهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشّيْطَان، فَلَمْ يُبَارِكْ عَلَيْهَا، كَمَا بَارَكَ عَلَى الْيَمَنِ وَالشّامِ وَغَيْرِهَا، وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ أَنّهُ نَظَرَ إلَى الْمَشْرِقِ، فَقَالَ: إنّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشّيْطَانِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، أَنّهُ حِينَ قَالَ هَذَا الْكَلَامَ، وَوَقَفَ عِنْدَ بَابِ عَائِشَةَ، وَنَظَرَ إلَى الْمَشْرِقِ فَقَالَهُ، وَفِي وُقُوفُهُ عِنْدَ بَابِ عَائِشَةَ نَاظِرًا إلَى الْمَشْرِقِ يُحَذّرُ مِنْ الْفِتَنِ، وَفَكّرَ فِي خُرُوجِهَا إلَى الْمَشْرِقِ عِنْدَ وُقُوعِ الْفِتْنَةِ تُفْهَمُ مِنْ الْإِشَارَةِ وَاضْمُمْ إلَى هَذَا قَوْلَهُ ﵇ حِينَ ذَكَرَ نُزُولَ الْفِتَنِ: أَيْقِظُوا صَوَاحِبَ الْحُجَرِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ تَشَاوُرَهُمْ فِي أَمْرِ النّبِيّ ﷺ، وَأَنّ بعضهم أشار بأن
_________________
(١) أطم «حصن عال أو بناء مرتفع» من آطام المدينة، فقال: هل ترون ما أرى؟ قالوا: لا. قال فإنى لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع المطر. فلنحذر هوى الشيطان، وفتنة العصبية!!.
[ ٤ / ٢٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُحْبَسَ فِي بَيْتٍ، وَبَعْضَهُمْ بِإِخْرَاجِهِ ﵇ من بين أظهرهم ونفيه، ولم يسمّ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ، وَقَالَ ابْنُ سَلَامٍ: الّذِي أشار بحبسه هو أبو البخترىّ ابن هِشَامٍ، وَاَلّذِي أَشَارَ بِإِخْرَاجِهِ وَنَفْيِهِ هُوَ أَبُو الْأَسْوَدِ رَبِيعَةُ بْنُ عَمْرٍو، أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ، وَقَوْلُ أَبِي جَهْلٍ: نَسِيبًا وَسِيطًا، هُوَ مِنْ السّطَةِ فِي الْعَشِيرَةِ، وَقَدْ تَقَدّمَ فِي بَابِ تَزْوِيجِهِ خَدِيجَةَ مَعْنَى الْوَسِيطِ، وَأَيْنَ يَكُونُ مَدْحًا.
وَأَمّا قَوْلُهُ عَلَى بَابِهِ يَتَطَلّعُونَ، فَيَرَوْنَ عَلِيّا وَعَلَيْهِ بُرْدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَظُنّونَهُ إيّاهُ، فَلَمْ يَزَالُوا قِيَامًا حَتّى أَصْبَحُوا، فَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ التّفْسِيرِ السّبَبَ الْمَانِعَ لَهُمْ مِنْ التّقَحّمِ عَلَيْهِ فِي الدار مع قصر الجدار، وأنهم إنما جاؤا لِقَتْلِهِ، فَذَكَرَ فِي الْخَبَرِ أَنّهُمْ هَمّوا بِالْوُلُوجِ عَلَيْهِ، فَصَاحَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الدّارِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: وَاَللهِ إنّهَا لَلسّبّةُ فِي الْعَرَبِ أَنْ يُتَحَدّثَ عَنّا أَنّا تَسَوّرْنَا الْحِيطَانَ عَلَى بَنَاتِ الْعَمّ، وَهَتَكْنَا سِتْرَ حُرْمَتِنَا، فَهَذَا هُوَ الّذِي أَقَامَهُمْ بِالْبَابِ حَتّى أَصْبَحُوا يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ، ثُمّ طُمِسَتْ أَبْصَارُهُمْ عَنْهُ حِينَ خَرَجَ، وَفِي قِرَاءَةِ الْآيَاتِ الْأُوَلِ مِنْ سُورَةِ: يس «١» مِنْ الْفِقْهِ التّذْكِرَةُ بِقِرَاءَةِ الْخَائِفِينَ لَهَا اقْتِدَاءً بِهِ ﵇، فَقَدْ رَوَى الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ النّبِيّ ﷺ فِي ذِكْرِ فَضْلِ يس أَنّهَا إنْ قَرَأَهَا خَائِفٌ أَمِنَ، أَوْ جَائِعٌ شَبِعَ أَوْ عَارٍ كُسِيَ، أَوْ عَاطِشٌ سُقِيَ حَتّى ذَكَرَ خلالا كثيرة «٢» .
_________________
(١) تقرأ هكذا: ياسين وهى مثل حم «حاميم» وطه «وطاها»، فهى ليست اسما للنبى «ص» وإنما هى مثل غيرها مما ذكرت من أوائل السور.
(٢) لم يرو هذا أحد من أصحاب الصحيح. ولو أن التلاوة لهذه السورة تعطى
[ ٤ / ٢٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ، وَشَرَحَ ابْنُ هِشَامٍ رَيْبَ الْمَنُونِ، وَأَنْشَدَ قَوْلَ أَبِي ذُؤَيْبٍ:
أَمِنْ الْمَنُونِ وَرَيْبِهِ تَتَفَجّعُ
وَالْمَنُونُ يُذَكّرُ وَيُؤَنّثُ، فَمَنْ جَعَلَهَا عِبَارَةً عَنْ الْمَنِيّةِ أَوْ حَوَادِثِ الدّهْرِ أَنّثَ، وَمَنْ جَعَلَهَا عِبَارَةً عَنْ الدّهْرِ ذَكّرَ، وَرَيْبُ الْمَنُونِ مَا يَرِيبُك مِنْ تَغَيّرِ الْأَحْوَالِ فِيهِ، سُمّيَتْ الْمَنُونَ لِنَزْعِهَا مِنَنَ الْأَشْيَاءِ أَيْ: قُوَاهَا، وَقِيلَ: بَلْ سُمّيَتْ مَنُونًا لِقَطْعِهَا دُونَ الْآمَالِ مِنْ قَوْلِهِمْ: حبل مُنَيْنٌ أَيْ: مَقْطُوعٌ، وَفِي التّنْزِيلِ قَوْلُهُ تَعَالَى فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أَيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ.
إذْنُ اللهِ سُبْحَانَهُ لِنَبِيّهِ بِالْهِجْرَةِ ذَكَرَ فِيهِ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ: أَتَى بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ فِي الظّهِيرَةِ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَفِي الْبَيْتِ أَنَا وَأُخْتِي أَسْمَاءُ فَقَالَ أَخْرِجْ مَنْ مَعَك، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إنّمَا هُمَا بِنْتَايَ يَا رَسُولَ اللهِ.
وَقَالَ فِي جَامِعِ الْبُخَارِيّ: إنّمَا هُمْ أَهْلُك يَا رَسُولَ اللهِ، وَذَلِكَ أَنّ عَائِشَةَ قد كان أبوها أنكحها منه قَبْلِ «١» ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ أُمّهَا أُمّ رومان
_________________
(١) كل هذا الذى ذكر لكان باعة القرآن على المقابر أولى الناس فى الدنيا والآخرة هناء ورخاء وعزة وكرامة. إن التلاوة بلا تدبر لا تغنى شيئا.
(٢) أخرج البخارى بسنده عن هشام عن أبيه قال: توفيت خديجة قبل مخرج النبى «ص» إلى المدينة بثلاث سنين فلبث سنتين، أو قريبا من ذلك،
[ ٤ / ٢٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِنْتِ عَامِرِ بْنِ عُوَيْمِرٍ، وَيُقَالُ فِي اسْمِ أَبِيهَا: رَوْمَانُ بِفَتْحِ الرّاءِ أَيْضًا، فَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ ثَابِتٍ اخْتَصَرْته: إنّ أَبَا بَكْرٍ حِينَ هَاجَرَ مَعَ رَسُولِ اللهِﷺ خَلّفَ بَنَاتِهِ بِمَكّةَ، فَلَمّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِﷺ- زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَأَبَا رَافِعٍ مَوْلَاهُ، وَأَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدَ الله بْنَ أُرَيْقِطٍ [الدّيلِيّ] «١»، وَأَرْسَلَ مَعَهُمْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَاشْتَرَوْا بِهَا ظَفَرًا بِقُدَيْدٍ، ثُمّ قَدِمُوا مَكّةَ فَخَرَجُوا بِسَوْدَةِ بِنْتِ زَمْعَةَ، وَبِفَاطِمَةَ وَبِأُمّ كُلْثُومٍ. قَالَتْ عَائِشَةُ: وخرجت أمى معهم ومع طلحة ابن عُبَيْدِ اللهِ مُصْطَحِبِينَ، فَلَمّا كُنّا بِقُدَيْدٍ نَفَرَ الْبَعِيرُ الّذِي كُنْت عَلَيْهِ أَنَا وَأُمّي:
أُمّ رُومَانَ فِي مِحَفّةٍ، فَجَعَلَتْ أُمّي تُنَادِي: وَابُنَيّتَاهُ واعروساه!! وفى رواية
_________________
(١) ونكح عائشة، وهى بنت ست سنين؛ ثم بنى بها وهى بنت تسع سنين» وفى الحديث إشكال. وقد ذكر الحافظ فى الفتح رفعا لهذا الإشكال إذ قال: إن مراده من قوله فى الحديث: فلبث سنتين أو قريبا من ذلك.. المراد أنه لم يدخل على أحد من النساء، ثم دخل على سودة قبل أن يهاجر، ثم بنى بعائشة بعد أن هاجر، فكأن ذكر سودة سقط على بعض رواته. ويقول الماوردى: الفقهاء يقولون: تزوج عائشة قبل سودة، والمحدثون يقولون: تزوج سودة قبل عائشة. وقد يجمع بينهما بأنه عقد على عائشة، ولم يدخل بها، ودخل بسودة ص ١٧٩ ح ٧ فتح البارى.
(٢) هكذا ضبطه الحافظ فى الفتح. وقال: وقيل بضم الدال وكسر ثانيه مهموز، وهو ابن الديل بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وقيل: من بنى عدى ابن عمرو بن خزاعة. وفى رواية الأموى عن ابن إسحاق: ابن أريقد، وعند موسى بن عقبة: أريقه لكن بالطاء وعند ابن سعد: أريقط وعن مالك اسمه: أرقيط. وفى شرح السيرة لأبى ذر أنه الليثى عبد الله بن أريقط
[ ٤ / ٢٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُونُسَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَفِيهِ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْت قَائِلًا يَقُولُ- وَلَا أَرَى أَحَدًا- أَلْقَى خِطَامَهُ، فَأَلْقَيْته مِنْ يَدِي، فَقَامَ الْبَعِيرُ يَسْتَدِيرُ بِهِ، كَأَنّ إنْسَانًا تَحْتَهُ يُمْسِكُهُ، حَتّى هَبَطَ الْبَعِيرُ مِنْ الثّنِيّةِ، فَسَلّمَ اللهُ، فَقَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- وهو يا بنى الْمَسْجِدَ وَأَبْيَاتًا لَهُ، فَنَزَلْت مَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَنَزَلَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ فِي بَيْتِهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَلَا تَبْنِي بِأَهْلِك يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: لَوْلَا الصّدَاقُ، قَالَتْ: فَدَفَعَ إلَيْهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيّةً، وَنَشّا، وَالنّشّ:
عُشْرُونَ دِرْهَمًا وَذَكَرْت الْحَدِيثَ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الزّنَادِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ.
لِمَ اشْتَرَيْت الرّاحِلَةَ:
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ إسْحَاقَ أن أبا بكر كان قَدْ أَعَدّ رَاحِلَتَيْنِ، فَقَدّمَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَاحِدَةً، وَهِيَ أَفَضْلُهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنّي لَا أَرْكَبُ بَعِيرًا لَيْسَ لِي فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ لَك يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِالثّمَنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:
بِالثّمَنِ يَا رَسُولَ اللهِ فَرَكِبَهَا، فَسُئِلَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ. لِمَ لَمْ يَقْبَلْهَا إلّا بِالثّمَنِ، وَقَدْ أَنْفَقَ أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا فَقَبِلَ، وَقَدْ قَالَ ﵇:
لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ أَمَنّ عَلَيّ فِي أَهْلٍ وَمَالٍ مِنْ أَبِي بَكْرٍ «١»، وَقَدْ دَفَعَ إلَيْهِ حِينَ بنى
_________________
(١) فى رواية للبخارى: إن من أمن الناس على فى صحبته وماله أبا بكر وفى رواية أخرى إن أمن الناس على فى صحبته وماله أبو بكر. وقد قيل: إن الرفع خطأ لأنه اسم إن. وقيل: إن وجه الرفع بتقدير ضمير الشأن أى أنه الجار والمجرور بعده خبر مقدم، وأبو بكر مبتدأ مؤخر، أو على أن مجموع الكنية
[ ٤ / ٢٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِعَائِشَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيّةً وَنَشّا، فَلَمْ يَأْبَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ الْمَسْئُولُ إنّمَا ذَلِكَ لِتَكُونَ هِجْرَتُهُ إلَى اللهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ رَغْبَةً مِنْهُ ﵇ فِي اسْتِكْمَالِ فَضْلِ الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ عَلَى أَتَمّ أَحْوَالِهِمَا، وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ حَدّثَنِي بِهَذَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ الْفَقِيهِ الزّاهِدِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ اللّوّانِ ﵀.
ذَكَرَ ابْنُ إسحاق في غير رواية ابن هشام وذكر ابن إسحاق في غير رواية ابن هشام: أَنّ النّاقَةَ الّتِي ابْتَاعَهَا رَسُولُ اللهِﷺ- مِنْ أَبِي بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ هِيَ: نَاقَتُهُ الّتِي تُسَمّى بِالْجَدْعَاءِ، وَهِيَ غَيْرُ الْعَضْبَاءِ الّتِي جَاءَ فِيهَا الْحَدِيثُ حِينَ ذَكَرَ رَسُولُ اللهِﷺ نَاقَةَ صَالِحٍ، وَأَنّهَا تُحْشَرُ مَعَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَأَنْتَ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْعَضْبَاءِ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: لَا. ابْنَتِي فَاطِمَةُ تُحْشَرُ عَلَى الْعَضْبَاءِ، وَأُحْشَرُ أَنَا عَلَى الْبُرَاقِ، وَيُحْشَرُ هذا على ناقة من نوق
_________________
(١) اسم فلا يعرب ما وقع فيها من الأداة أو إن بمعنى نعم، أو إن من زائدة على رأى الكسائى. وأمن أفعل تفضيل من المن بمعنى العطاء والبذل، بمعنى أن أبذل الناس لنفسه وماله. لا من المنة التى تفسد الصنيحة، ولكن يشرحه الداودى على أنه من المنة وتقديره لو كان يتجه لأحد الامتنان على نبى الله، لتوجه له. وفى رواية ابن عباس: ليس أحد من الناس آمن على فى نفسه وماله من أبى بكر. ووجود من باعتبارها غير زائده يفيد أن لغيره مشاركة ما فى الأفضلية، ولكنه المقدم. ويؤيد هذا ما وراه الترمذى: «ما لأحد عندنا يد إلا كافأناه عليها، ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يدا يكافئه الله بها يوم القيامة» وهذا يدل على ثبوت منة للغير، إلا أن لأبى بكر رجحانا.
[ ٤ / ٢٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْجَنّةِ وَأَشَارَ إلَى بِلَالٍ «١» .
وَذَكَرَ أَذَانَهُ فِي الْمَوْقِفِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ يَرْوِيهِ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ مَجْهُولٌ عِنْدَهُمْ.
وَفِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْعَضْبَاءِ، وَلَيْسَتْ بِالْجَدْعَاءِ، فَهَذَا مِنْ قَوْلِ أَنَسٍ: إنّهَا غَيْرُ الْجَدْعَاءِ، وَهُوَ الصّحِيحُ، لِأَنّهَا غُنِمَتْ، وَأُخِذَ صَاحِبُهَا الْعَقِيلِيّ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ: بِمَ أَخَذْتنِي يَا مُحَمّدُ، وَأَخَذْت سَابِقَةَ الْحَاجّ، يَعْنِي: الْعَضْبَاءَ، فَقَالَ: أَخَذْتُك بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِك.
بكاء الفرح مِنْ أَبِي بَكْرٍ:
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ﵂- مَا كُنْت أَرَى أَحَدًا يَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ حَتّى رَأَيْت أَبَا بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ يَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ. قَالَتْ ذَلِكَ لِصِغَرِ سِنّهَا، وَأَنّهَا لَمْ تَكُنْ عَلِمَتْ بِذَلِكَ قَبْلُ، وَقَدْ تَطَرّقَتْ الشّعَرَاءُ لِهَذَا الْمَعْنَى،
_________________
(١) الروايات الصحيحة فى كتب السنة المعتبرة تخالف ما ذكر هنا عن هذا النوع من الحشر. هذا وقد ذكر الواقدى أن الناقة التى أخذها رسول الله «ص» هى القصواء، وأنها كانت من نعم بنى قشير. ويذكر ابن إسحاق أنها الجدعاء، وأنها من إبل بنى الحريش وكذلك روى ابن حبان من طريق هشام عن أبيه. هذا وما رواه ابن إسحاق عن الهجرة عمن لا يتهم عن عروة قد ورد فى البخارى ما هو قريب منه. ولم يرد فى البخارى وغيره قصة الندوة. ولا رمى التراب فى الوجوه. ورواية البخارى هنا هى الرواية التى تسكن إليها النفس، ولا يتوجه بها سؤال لماذا لم يقتحم الراغبون فى قتله عليه الباب؟، وليس فيها خرافة تشكل الشيطان بصورة شيخ نجدى.
[ ٤ / ٢٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَأَخَذَتْهُ اسْتِحْسَانًا لَهُ، فَقَالَ الطّائِيّ يَصِفُ السّحَابَ:
دُهْمٌ إذَا وَكَفَتْ فِي رَوْضِهِ طَفِقَتْ عُيُونُ أَزْهَارِهَا تَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ
وَقَالَ أَبُو الطّيّبِ، وَزَادَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى:
فَلَا تُنْكِرْنَ لَهَا صَرْعَةً فَمِنْ فَرَحِ النّفْسِ مَا يَقْتُلُ
وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَدّثِينَ:
وَرَدَ الْكِتَابُ مِنْ الْحَبِيبِ بِأَنّهُ سَيَزُورُنِي فَاسْتَعْبَرَتْ أَجْفَانِي
غَلَبَ السّرُورُ عَلَيّ حَتّى إنّهُ مِنْ فَرْطِ مَا قَدْ سَرّنِي أَبْكَانِي
يَا عَيْنُ صَارَ الدّمْعُ عِنْدَك عَادَةً تَبْكِينَ فِي فَرَحٍ وَفِي أَحْزَانِ
مَكّةُ وَالْمَدِينَةُ:
فَصْلٌ: وَمِنْ قَوْلِهِ ﵇ حِينَ خَرَجَ مِنْ مَكّةَ، وَوَقَفَ عَلَى الْحَزْوَرَةِ «١»، وَنَظَرَ إلَى الْبَيْتِ، فَقَالَ: وَاَللهِ إنّك لَأَحَبّ أَرْضِ اللهِ إلَيّ، وَإِنّك لَأَحَبّ أَرْضِ اللهِ إلَى اللهِ، وَلَوْلَا أن أهلك أخرجونى منك ما خرجت «٢» برويه الزّهرىّ عن أبى سلمة
_________________
(١) الحزورة كانت سوق مكة، وأدخلت فى المسجد لما زيد، وباب الحزورة معروف من أبواب المسجد الحرام. وعن ابن الأثير فى النهاية أنها موضع بمكة عند باب الخياطين، وهو بوزن قسورة. وعن الشافى: الناس يشددون الحزورة، والحديبية، وهما مخففتان.
(٢) أخرجه أحمد والنسائى والترمذى، وقال: حديث حسن صحيح وأخرجه أبو حاتم بن حبان فى التقاسيم والأنواع، وسعيد بن منصور فى سننه وذكره رزين عن الموطأ، ولكنه ليس فى موطأ يحى بن يحيى، وأخرجه أحمد فى المسند
[ ٤ / ٢٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَدِيّ بْنِ الْحَمْرَاءِ يَرْفَعُهُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ: عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ مِنْ أَصَحّ مَا يُحْتَجّ بِهِ فِي تَفْضِيلِ مَكّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ مَرْفُوعًا: إنّ صَلَاةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ «١» فَإِذَا كَانَتْ الْأَعْمَالُ تَبَعًا لِلصّلَاةِ، فَكُلّ حَسَنَةٍ تعمل فى الحرام، فَهِيَ بِمِائَةِ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَقَدْ جَاءَ هَذَا مَنْصُوصًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ قال: من حَجّ مَاشِيًا كُتِبَ لَهُ بِكُلّ خُطْوَةٍ سَبْعُمِائَةِ حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ، قِيلَ: وَمَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ؟ قَالَ:
الْحَسَنَةُ فِيهِ بِمِائَةِ أَلْفِ حَسَنَةٍ [قَالَ عَطَاءٌ: وَلَا أَحْسَبُ السّيّئَةَ إلّا مِثْلَهَا] أَسْنَدَهُ الْبَزّارُ «٢» .
حَدِيثُ الْغَارِ وَهُوَ غَارٌ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ، وَهُوَ الْجَبَلُ الّذِي ذَكَرَهُ فِي تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ، وَأَنّهَا حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلَى ثَوْرٍ، وَهُوَ وَهْمٌ فِي الْحَدِيثِ، لِأَنّ ثَوْرًا مِنْ جِبَالِ مَكّةَ، وَإِنّمَا لَفْظُ الْحَدِيثِ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلَى كَذَا، كَانَ الْمُحَدّثُ قَدْ نَسِيَ اسْمَ الْمَكَانِ، فَكَنّى عنه بكذا «٣» .
_________________
(١) فى رواية لابن ماجة، والعدد مختلف فى روايات الحديث المختلفة.
(٢) لا يتعلق ثواب الحج بمشى أو ركوب وإنما يتعلق بما وقر فى القلب المؤمن. وهو يأتى بأركانه، فكم من رجل حج ماشيا، ولم ينل غير مشقة مشيه، وكم من رجل حج راكبا له بكل نامة حسنة وحسنات.
(٣) الحديث أخرجه الشيخان، وقد رواه مسلم بلفظ: المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، والبخارى بلفظ: المدينة حرم ما بين عاير إلى كذا. وأبو داود. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بلفظ: المدينة حرام ما بين عاير إلى ثور.. وعاير جبل كبير مشهور فى قبلة لمدينة بقرب ذى الحليفة ميقات المدينة وقيل غير ذلك. وأما ثور فليس المقصود به جبل ثور الذى هو من جبال مكة، وإنما هو جبل صغير خلف أحد وقد استشكل العلماء الحديث ظنا منهم أنه ليس بالمدينة ثور، ولهذا ذكر فى أكثر الروايات عند البخارى: من عاير إلى كذا، وفى بعضها: من عير إلى كذا، ولم يبين النهاية، فكأنه يرى أن ذكر ثور وهم، فأسقطه، وترك بعض الرواة موضع ثور بياضا، ليتبين الوهم، وضرب آخرون عليه، وقال المازرى نقل بعض أهل العلم: أن ذكر ثور هنا، وهم من الراوى، لأن ثورا بمكة، والصحيح: إلى أحد. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: إن الحديث أصله من عير إلى أحد. وقد روى الطبرانى الحديث: ما بين عير وأحد حرام حرمه رسول الله ﷺ وقال الحازمى: الرواية الصحيحة: ما بين عير إلى أحد. وقيل إلى ثور، وليس له معنى. وقال ابن قدامة: يحتمل أن المراد تحريم قدر ما بين ثور وعير اللذين بمكة.. وقد قال البيهقى: بلغنى عن أبى عبيد أنه قال فى كتاب الجبال: بلغنى أن بالمدينة جبلا يقال له: ثور. ونقل المجد فى ترجمة عير عن نصر أن ثورا جبل عند أحد. وقدرد الجمال المطرى فى تاريخه على من أنكر وجود ثور، وقال: إنه خلف أحد من شماليه صغير مدور. وقال الأقشهرى: وقد استقصينا من أهل المدينة خبر جبل يقال له: ثور عندهم. فوجدنا ذلك اسم جبل صغير خلف جبل أحد يعرفه القدماء دون المحدثين من أهل المدينة. وقال أبو العباس بن تيمية: ثور جبل فى ناحية أحد، وهو غير جبل ثور الذى بمكة. ويقول المحب الطبرى إن المحدث ابن مزروع البصرى أخبرء أن حذاء أحد عن يساره جبلا صغيرا يقال له ثور، وأخبر أنه تكرر سؤاله عنه، لطوائف من العرب العارفين تلك المواضع وتواردت أخبارهم على تصديق بعضهم بعضا. أنظر ص ٦٤ ح ١ وفاء الوفا للسمهودى ص ١٣٢٦ وص ٦٢٠ وما بعدها القرى للمحب الطبرى ص ١٩٤٨.
[ ٤ / ٢٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الدّلَائِلِ فِيمَا شَرَحَ مِنْ الْحَدِيثِ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- لَمّا دَخَلَهُ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ أَنْبَتَ اللهُ عَلَى بَابِهِ الرّاءَةَ: قَالَ قَاسِمٌ: وَهِيَ شَجَرَةٌ مَعْرُوفَةٌ، فَحَجَبَتْ عَنْ الْغَارِ أَعْيُنَ الْكُفّارِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الرّاءَةُ: مِنْ أَغْلَاثِ الشّجَرِ، وَتَكُونُ مِثْلَ قَامَةِ الْإِنْسَانِ، وَلَهَا خِيطَانٌ، وَزَهْرٌ أَبْيَضُ تُحْشَى بِهِ الْمَخَادّ، فَيَكُونُ كَالرّيشِ لِخِفّتِهِ وَلِينِهِ، لِأَنّهُ كَالْقُطْنِ أَنْشَدَ:
تَرَى وَدَكَ الشّرِيفِ عَلَى لِحَاهُمْ كَمِثْلِ الرّاءِ لَبّدَهُ الصّقِيعُ
وَفِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ: أَنّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ الْعَنْكَبُوتَ فَنَسَجَتْ عَلَى وَجْهِ الْغَارِ، وأرسل حمامتين وحشيتين، فَوَقَعَتَا عَلَى وَجْهِ الْغَارِ، وَأَنّ ذَلِكَ مِمّا صَدّ الْمُشْرِكِينَ عَنْهُ، وَأَنّ حَمَامَ الْحَرَمِ مِنْ نَسْلِ تَيْنِك الْحَمَامَتَيْنِ، وَرُوِيَ أَنّ أَبَا بَكْرٍ﵁ حِينَ دَخَلَهُ وَتَقَدّمَ إلَى دُخُولِهِ- قَبْلَ رَسُولِ اللهِﷺ- لِيَقِيَهُ بِنَفْسِهِ، رَأَى فِيهِ جُحْرًا فَأَلْقَمَهُ عَقِبَهُ، لِئَلّا يَخْرُجَ مِنْهُ مَا يُؤْذِي رَسُولَ اللهِﷺ، وَفِي الصّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ: قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ﵁- لِرَسُولِ اللهِ ﷺ- وَهُمَا فِي الْغَارِ: لَوْ أَنّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إلَى قَدَمِهِ لَرَآنَا، فَقَالَ له رسول الله ﷺ: مَا ظَنّك بِاثْنَيْنِ، اللهُ ثَالِثُهُما «١»، وَرُوِيَ أَيْضًا أنهم لما عمى عليهم الأثر جاؤا بالقافة، فجعلوا
_________________
(١) أخرجه البخارى فى صحيحه ومسلم والترمذى وأحمد. أورد هنا كلمة موجزة عن الهجرة: قال ﷺ: «رأيت فى المنام أنى أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلى إلى أنها اليمامة، أو. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . هجر، فإذا هى المدينة» رواه الشيخان ولكن ورد فى البيهقى أنها هجر أو يثرب، ولم يذكر اليمامة. كما أخرج الترمذى والحاكم أنه «ص» قال: إن الله أوحى إلى: أى هؤلاء الثلاثة نزلت هى دار هجرتك: المدينة. أو البحرين، أو قنسرين. وزاد الحاكم: فاختار المدينة. وصححه الحاكم، وأقره الذهبى فى التلخيص. أما فى الميزان، فورد أنه حديث منكر ما أقدم الترمذى على تحسينه، بل قال: غريب. متى خرج النبى من مكة: يحزم بعض الرواة ومنهم ابن إسحاق أنه خرج أول يوم من ربيع الأول وأنه قدم المدينة لاثنتى عشرة خلت من ربيع الأول. أى بعد بيعة العقبة بشهرين وبضعة عشر يوما، أما الحاكم فيذكر أن خروجه كان بعدها بثلاثة أشهر أو قريبا منها. كما يؤكد تواتر الأخبار أنه خرج يوم الإثنين وأن دخوله المدينة كان يوم الإثنين. وقيل إنه خرج فى صفر، وقدم المدينة فى ربيع. وقبل. كان خروجه من مكة يوم الخميس. وقول ابن إسحاق هو المشهور مدة مقامه بمكة: فى البخارى عن ابن عباس أنه مكث بها ثلاث عشرة سنة. وفى مسلم وعن ابن عباس أيضا خمس عشرة سنة، وابن حجر يصحح رواية البخارى. وعن عروة أنه مكث بمكة عشر سنين، ورواه أحمد عن ابن عباس والبخارى فى باب الوفاة عنه وعن عائشة أيضا. وقد ورد فى بعض نسخ مسلم بيت أبى قيس صرمة: ثَوَى فِي قُرَيْشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجّةً يُذَكّرُ لو يلقى صديقا مواتيا وهذا يخالف ذاك. العنكبوت والحمامتان والشجرة: لم يرد لها ذكر فيما روى من حديث صحيح ولهذا لم ترد فى واحد من الكتب الستة وتدبر هذه الآية الكريمة إِلَّا تَنْصُرُوهُ، فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ، إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ، وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى، وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أهنا حمامة أو عنكبوت، أو شجرة، أم هنا سكينة وجنود لم يروا؟ الآية الكبرى هنا هى أن الله صرف قلوبهم، وجعل على أبصارهم غشاوة، تدبرها جيدا
[ ٤ / ٢١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يققون الْأَثَرَ، حَتّى انْتَهَوْا إلَى بَابِ الْغَارِ، وَقَدْ أَنْبَتَ اللهُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْحَدِيثِ قبل هذا، فعند ما رَأَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ الْقَافَةَ اشتد حزنه
_________________
(١) القاصون الأثر أولو خبرة ودراية تامة بقص الأثر، ولقد أدت بهم الأدلة إلى المثول أمام باب الغار، ويشعر بهم النبى «ص» وأبو بكر. ويقول أبو بكر لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. وتدبر قوله تحت قدميه لنرى أنهم كانوا قيد خطوة أو نصفها من باب الغار.. ويقول الرسول «ص» مجيبا صاحبه مذكرا يحفظ الله سبحانه: ما ظنك يا أبا بكر باثنين، الله ثالثهما. كما روى البخارى- وتدبر مع الحديث قوله سبحانه: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ. هذا هو القهر الأعظم الذى لا يغلبه قهر آخر، ولا تقف أمام سلطانه الأعظم قوى ولا قدر فلماذا تصرف القلب عن تدبر جلال الآية الكبرى هنا من صرف الله عنه قلوبهم وأعينهم وأسماعهم وإحساساتهم، إلى رواية واهية تصور حمامة وعنكبوتا. سل نفسك.. كيف لم يبصروه والواقع المحسوس الملموس المشهود يؤكد أنه هنا؟ لم لم ينظر أحدهم تحت قدميه، وكل شىء يؤكد أن المنشود العظيم فى الغار؟ والرغبة الملحة فى النفس تدفع الى استنباء الرمل والحصى والصخر والجبل عن منشودهم. والرمل والحصى وكل شىء تحت العين وصوبها يملأ حتى عقل الغبى؟؟؟ بفهم هذه الدلالة البينة الواضحة المستمدة من أدلة لا يمكن أن يصرف الإنسان عنها نزعة من شك. الدلالة التى تشبه فى وضوحها وضوح أن الواحد نصف الإثنين كانت الدلالة، وكانت الأدلة حينئذ لا نحتمل سوى شىء واحد هو أن محمدا «ص» فى الغار. فلم لم ينظروا؟ ليست الحمامتان ولا العنكبوت إنما هو هذا السلطان الأعظم الذى يصرف القلوب، ويصرف الأبصار والأسماع عما تريد وتحب وإن كان منها قيد شعرة. إنما هو القهر الإلهى الأكبر والجبروت الأسمى الذى لا يدع لأحد قدرة تقف لحظة أمامه، وهو جل شأنه يريد ذلك. ولو أن نصا ثابتا تحدث عن الحمامتين والعنكبوت ما انصرف عنه الفكر ولا القلم، فالله قادر سبحانه على أعظم وأعظم.
[ ٤ / ٢١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- وَقَالَ: إنْ قُتِلْت فَإِنّمَا، أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ قُتِلْت أَنْت هَلَكَتْ الْأُمّةُ، فَعِنْدَهَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
لَا تَحْزَنْ إنّ اللهَ مَعَنَا، أَلَا تَرَى كَيْفَ قَالَ: لَا تَحْزَنْ، وَلَمْ يَقُلْ لَا تَخَفْ؟! لِأَنّ حُزْنَهُ عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ شَغَلَهُ عَنْ خَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلِأَنّهُ أَيْضًا رَأَى مَا نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ النّصَبِ، وَكَوْنَهُ فِي ضِيقَةِ الْغَارِ مَعَ فُرْقَةِ الْأَهْلِ، وَوَحْشَةِ الْغُرْبَةِ، وَكَانَ أَرَقّ النّاسِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَشْفَقَهُمْ عَلَيْهِ، فَحَزِنَ لِذَلِكَ، وَقَدْ رُوِيَ أَنّهُ قَالَ: نَظَرْت إلَى قَدَمَيْ رَسُولِ اللهِﷺ فِي الْغَارِ، وَقَدْ تَفَطّرَتَا دَمًا، فَاسْتَبْكَيْت، وَعَلِمْت أَنّهُ ﵇ لَمْ يَكُنْ تَعَوّدَ الْحِفَاءَ وَالْجَفْوَةَ «١»، وَأَمّا الْخَوْفُ فَقَدْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْيَقِينِ بِوَعْدِ اللهِ بِالنّصْرِ لِنَبِيّهِ. مَا يُسَكّنُ خَوْفَهُ، وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ التّفْسِيرِ: يُرِيدُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَأَمّا الرّسُولُ فَقَدْ كَانَتْ السّكِينَةُ عَلَيْهِ «٢»، وقوله: وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها الْهَاءُ فِي أَيّدَهُ رَاجِعَةٌ عَلَى النّبِيّ، وَالْجُنُودُ: الملائكة أنزلهم عَلَيْهِ فِي الْغَارِ، فَبَشّرُوهُ بِالنّصْرِ عَلَى أَعْدَائِهِ، فَأَيّدَهُ ذَلِكَ، وَقَوّاهُ عَلَى الصّبْرِ [و] قِيلَ أيده
_________________
(١) ليس لهذا من سند صحيح. وعند ابن حبان أنهما ركبا حتى أتيا الغار، فتواريا.
(٢) يقول ابن كثير فى تفسير الآية: «أى تأييده ونصره عليه. أى على الرسول «ص» فى أشهر القولين. وقيل على أبى بكر، وروى عن ابن عباس وغيره، قالوا: لأن الرسول «ص» لم تزل معه سكينة، وهذا لا ينافى تجدد سكينة خاصة بتلك الحال، ولهذا قال: وأيده بجنود لم تروها» يقصد ابن كثير أن عود الضمير فى قوله «أيده» يؤكد عود الضمير على النبى «ص» فى قوله «عليه»
[ ٤ / ٢١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِجُنُودِ لَمْ تَرَوْهَا، يَعْنِي: يَوْمَ بَدْرٍ وَحُنَيْنٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ مَشَاهِدِهِ، وَقَدْ قِيلَ:
الْهَاءُ رَاجِعَةٌ عَلَى النّبِيّ ﵇ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا وأبو بكر تبع له، فَدَخَلَ فِي حُكْمِ السّكِينَةِ بِالْمَعْنَى، وَكَانَ فِي مُصْحَفِ حَفْصَةَ «١»: فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِمَا، وَقِيلَ: إن حزن أبى بكر كان عند ما رأى بعض الكفار يبول عند الغار،
_________________
(١) لا يصح أبدا إطلاق مثل هذه التعبيرات، فالقرآن الذى نزله الله على محمد «ص» هو هو الذى نتلوه الآن فى المصحف، وكل حديث يوحى بأن المصحف فيه نقص يجب رفضه، واعتباره فرية لعينة. والذين يؤمنون بأن فى المصحف نقصا كبيرا هم الرافضة، وقد حاجنى أحد قضاة الشيعة فى قطر عربى، فبهت أهل السنة بأن كتبهم هى التى تروى أن فى القرآن نقصا، وذكرنى ببعض ما جاء فى بعض الأحاديث!! وأهل السنة بالمعنى الخاص الذين يؤكدون بسلوكهم ومعتقدهم أنهم أهل السنة لا يمكن أن ينسبوا إلى المصحف هذا الزور، ولا أن بصموه بهذا البهتان. أما الرافضة، فإليك ما رووه فى كتابهم الكافى للكلينى- وهو يعادل البخارى عند غيرهم «عن جابر- أى الجعفى- قال: سمعت أبا جعفر يقول: ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه- كما أنزله الله- إلا على بن أبى طالب، والأئمة من بعده، وعن أبى بصير قال: دخلت على أبى عبد الله إلى أن قال له أبو عبد الله: وإن عندنا لمصحف فاطمة ﵍.. قلت: وما مصحف فاطمة؟ قال مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات. والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد» ص ٥٤، ٥٧ من كتاب الكافى للكلينى ط ١٢٧٨. ولقد كان أحبار النصارى من الأسبانيين يحتجون على ابن حزم بدعوى الرافضة تحريف القرآن، فكان يقول: «إن الروافض ليسوا من المسلمين» ح ٢ ص ٧٨ الفصل «وانظر ص ٨ من مقدمة محب الدين الخطيب للمنتقى للذهبى وهو مختصر منهاج السنة النبوية للامام ابن تيمية.
[ ٤ / ٢١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَأَشْفَقَ أَنْ يَكُونُوا قَدْ رَأَوْهُمَا، فَقَالَ لَهُ النّبِيّ ﷺ: لَا تَحْزَنْ، فَإِنّهُمْ لَوْ رَأَوْنَا لَمْ يَسْتَقْبِلُونَا بِفُرُوجِهِمْ عِنْدَ الْبَوْلِ، وَلَا تَشَاغَلُوا بِشَيْءِ عَنْ أَخْذِنَا، وَاَللهُ أَعْلَمُ «١» .
الرّدّ عَلَى الرّافِضَةِ فِيمَا بَهَتُوا بِهِ أَبَا بَكْرٍ:
فَصْلٌ: وَزَعَمَتْ الرّافِضَةُ «٢» أَنّ فِي قَوْلِهِ ﵇ لِأَبِي بَكْرٍ لَا تَحْزَنْ غَضّا مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَذَمّا لَهُ؛ فَإِنّ حُزْنَهُ ذَلِكَ: إنْ كَانَ طَاعَةً فَالرّسُولُ ﵇ لَا يَنْهَى عَنْ الطّاعَةِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أَنّهُ مَعْصِيَةٌ، فَيُقَالُ لَهُمْ عَلَى جِهَةِ الْجَدَلِ:
قَدْ قَالَ اللهُ لِمُحَمّدِ ﵇: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ يس: ٧٦ وَقَالَ:
وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ آلُ عِمْرَانَ: ١٧٦ وَقَالَ لِمُوسَى:
خُذْها وَلا تَخَفْ طَه: ٢١ وَقَالَتْ الْمَلَائِكَةُ لِلُوطِ. لَا تَخَفْ، وَلَا تَحْزَنْ، فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنّ الْأَنْبِيَاءَ حِينَ قِيلَ لَهُمْ هَذَا كَانُوا فِي حَالِ مَعْصِيَةٍ، فَقَدْ كَفَرْتُمْ، وَنَقَضْتُمْ أَصْلَكُمْ فِي وُجُوبِ الْعِصْمَةِ لِلْإِمَامِ الْمَعْصُومِ فِي زَعْمِكُمْ، فَإِنّ الْأَنْبِيَاءَ هُمْ الْأَئِمّةُ الْمَعْصُومُونَ بِإِجْمَاعِ، وَإِنّمَا قَوْلُهُ: لَا تَحْزَنْ، وَقَوْلُ اللهِ لِمُحَمّدِ: لَا يحزنك،
_________________
(١) هذا بعض ما يقال، والله أعلم بحقيقته، والمفروض تدبر ما ذكر فى القرآن عن النبى «ص» وعن صاحبه، وهما فى الغار وكيف أن الكفر الغليظ الكنود، وتحت إمرته المال والسلاح والسلطة والقدرة لم تستطع الوصول الى من فى الغار وهى تعربد كالأبالسة على بابه؟!
(٢) هم الشيعة الدين رفضوا إمامة زيد بن يحيى.
[ ٤ / ٢١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ لِأَنْبِيَائِهِ مِثْلَ هَذَا تَسْكِينٌ لِجَأْشِهِمْ «١» وَتَبْشِيرٌ لَهُمْ وَتَأْنِيسٌ عَلَى جِهَةِ النّهْيِ الّذِي زَعَمُوا، ولكن كما قال سبحانه: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا «٢» فُصّلَتْ: ٣٠ وَهَذَا الْقَوْلُ إنّمَا يُقَالُ لَهُمْ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ، وَلَيْسَ إذْ ذَاكَ أَمْرٌ بِطَاعَةِ وَلَا نَهْيٌ عَنْ مَعْصِيَةٍ.
وَوَجْهٌ آخَرُ مِنْ التّحْقِيقِ، وهو أن النهى عن الفعل لا يقضى كَوْنَ الْمَنْهِيّ فِيهِ، فَقَدْ نَهَى اللهُ نَبِيّهُ عَنْ أَشْيَاءَ، وَنَهَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ أَنّهُمْ كَانُوا فَاعِلِينَ لِتِلْكَ الْأَشْيَاءِ فِي حَالِ النّهْيِ، لِأَنّ فِعْلَ النّهْيِ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: لِأَبِي بَكْرٍ: لَا تَحْزَنْ، لَوْ كَانَ الْحُزْنُ كَمَا زَعَمُوا لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ﵁- مَا ادّعَوْا مِنْ الْغَضّ، وَأَمّا مَا ذَكَرْنَاهُ نَحْنُ مِنْ حُزْنِهِ عَلَى النّبِيّ ﷺ، وَإِنْ كَانَ طَاعَةً، فَلَمْ يَنْهَهُ عَنْهُ الرّسُولُ ﵇ إلّا رِفْقًا بِهِ وَتَبْشِيرًا له لا كراهية لعمله، وَإِذَا نَظَرْت الْمَعَانِيَ بِعَيْنِ الْإِنْصَافِ لَا بِعَيْنِ الشّهْوَةِ وَالتّعَصّبِ لِلْمَذَاهِبِ لَاحَتْ الْحَقَائِقُ، وَاتّضَحَتْ الطّرَائِقُ وَاَللهُ الْمُوَفّقُ لِلصّوَابِ.
مَعِيّةُ اللهِ مَعَ رَسُولِهِ وَصَاحِبِهِ:
وَانْتَبِهْ أَيّهَا الْعَبْدُ الْمَأْمُورُ بِتَدَبّرِ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا التّوْبَةُ: ٤٠ كَيْفَ كَانَ معهما بالمعنى، وباللفظ، أما المعنى
_________________
(١) الجأش: رواع القلب اذا اضطرت عند الفزع، ونفس الإنسان جمعه، جشوش «القاموس» .
(٢) والآية فى حق الذين قالوا ربنا الله، ثم استقاموا. فهى فى حق خير فئة مؤمنة.
[ ٤ / ٢١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَكَانَ مَعَهُمَا بِالنّصْرِ وَالْإِرْفَادِ «١» وَالْهِدَايَةِ وَالْإِرْشَادِ، وَأَمّا اللّفْظُ فَإِنّ اسْمَ اللهِ تَعَالَى كَانَ يُذْكَرُ إذَا ذُكِرَ رَسُولُهُ، وَإِذَا دُعِيَ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْ فَعَلَ رَسُولُ اللهِ، ثُمّ كَانَ لِصَاحِبِهِ كَذَلِكَ يُقَالُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ، وَفَعَلَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ، فَكَانَ يَذْكُرُ مَعَهُمَا، بِالرّسَالَةِ وَبِالْخِلَافَةِ، ثُمّ ارْتَفَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدِ مِنْ الْخُلَفَاءِ وَلَا يَكُونُ.
حَدِيثُ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْكِنَانِي ثُمّ الْمُدْلِجِيّ أَحَدِ بَنِي مُدْلِجِ بْنِ مُرّةَ بْنِ نميم بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ حَدِيثَهُ حِينَ بَذَلَتْ قُرَيْشٌ مِائَةَ نَاقَةٍ لِمَنْ رَدّ عَلَيْهِمْ مُحَمّدًا ﵇، وأن سرافة اسْتَقْسَمَ بِالْأَزْلَامِ، فَخَرَجَ السّهْمُ الّذِي يَكْرَهُ، وَهُوَ الّذِي كَانَ فِيهِ مَكْتُوبًا لَا تَضُرّهُ إلَى آخِرِ الْقِصّةِ، وَأَنّ قَوَائِمَ فَرَسِهِ حِينَ قَرُبَ مِنْ رَسُولِ اللهِﷺ- سَاخَتْ فِي الْأَرْضِ، وَتَبِعَهَا عُثَانٌ، وَهُوَ: الدّخَانُ وَجَمْعُهُ: عَوَاثِنُ. وَذَكَرَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّ أَبَا جَهْلٍ لَامَهُ حِينَ رَجَعَ بِلَا شَيْءٍ، فَقَالَ وَكَانَ شَاعِرًا:
أَبَا حَكَمٍ وَاَللهِ لَوْ كُنْت شَاهِدًا لِأَمْرِ جَوَادِي إذْ تَسُوخُ قَوَائِمُهْ
عَلِمْت وَلَمْ تَشْكُكْ بِأَنّ مُحَمّدًا رَسُولٌ بِبُرْهَانِ فَمَنْ ذَا يُقَاوِمُهْ؟!
عَلَيْك بِكَفّ الْقَوْمِ عَنْهُ، فَإِنّنِي أَرَى أَمْرَهُ يَوْمًا سَتَبْدُو مَعَالِمُهْ
بِأَمْرِ يَوَدّ النّاسُ فِيهِ بِأَسْرِهِمْ بِأَنّ جَمِيعَ النّاسِ طرّا يسالمه
_________________
(١) الإعانة والإعطاء.
[ ٤ / ٢١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَدْ قَدّمْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ عِنْدَ ذِكْرِ كِسْرَى مَا فَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ حِينَ أُتِيَ بِتَاجِ كِسْرَى، وَسِوَارَيْهِ وَمِنْطَقَتِهِ، وَأَنّهُ دَعَا بِسُرَاقَةَ، وَكَانَ أَزَبّ الذّرَاعَيْنِ «١»، فَحَلّاهُ حِلْيَةَ كِسْرَى، وَقَالَ لَهُ: ارْفَعْ يَدَيْك، وَقُلْ: الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي سَلَبَ هَذَا كِسْرَى الْمَلِكَ الّذِي كَانَ يَزْعُمُ أَنّهُ رَبّ النّاسِ وَكَسَاهَا أَعْرَابِيّا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ «٢» . فَقَالَ ذَلِكَ سُرَاقَةُ، وَإِنّمَا فَعَلَهَا عُمَرُ لِأَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- كَانَ قَدْ بَشّرَ بِهَا سُرَاقَةَ حِينَ أَسْلَمَ، وَأَخْبَرَهُ أَنّ اللهَ سَيَفْتَحُ عَلَيْهِ بِلَادَ فَارِسٍ، وَيُغَنّمُهُ مُلْكَ كِسْرَى، فَاسْتَبْعَدَ ذَلِكَ سُرَاقَةُ فِي نَفْسِهِ، وَقَالَ:
أَكِسْرَى مَلِكُ الْمُلُوكِ؟! فَأَخْبَرَهُ النّبِيّﷺ- أَنّ حِلْيَتَهُ سَتُجْعَلُ عَلَيْهِ تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ، وَإِنْ كَانَ أَعْرَابِيّا بَوّالًا عَلَى عَقِبَيْهِ، وَلَكِنّ اللهَ يُعِزّ بِالْإِسْلَامِ أَهْلَهُ، وَيُسْبِغُ عَلَى مُحَمّدٍ وَأُمّتِهِ نِعْمَتَهُ وَفَضْلَهُ.
وَفِي السّيَرِ مِنْ رِوَايَةُ يُونُسَ شِعْرٌ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ فِي قِصّةِ الْغَارِ:
قَالَ النّبِيّ وَلَمْ يَزَلْ يُوَقّرُنِي وَنَحْنُ فِي سدف من ظلمة الغار «٣»
_________________
(١) التزبب فى الإنسان: كثرة الشعر وطوله.
(٢) فى رواية: كسرى بن هرمز. وقصة سراقة فى البخارى. ولكن ليس فى روايته مسألة السوارين، إنما فيها أنه قال بعد أن حدث لفرسه ما حدث والتقى برسول اللهِﷺ- «فَقُلْتُ لَهُ: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآنى، ولم يسألانى إلا أن قال: اخف عنا، فسألته أن يكتب لى كتاب أمن. فأمر عامر بن فهيرة، فكتب فى رقعة من أديم» .
(٣) سدف بفتح السين: الظلمة والليل وسواده، وبضمها: جمع سدفة: الظلمة والقطعة من الليل.
[ ٤ / ٢١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لَا تَخْشَ شَيْئًا؛ فَإِنّ اللهَ ثَالِثُنَا وَقَدْ تَوَكّلَ لِي مِنْهُ بِإِظْهَارِ وَإِنّمَا كَيْدُ مَنْ تَخْشَى بَوَادِرَهُ كَيْدُ الشّيَاطِينَ كَادَتْهُ لِكُفّارِ وَاَللهُ مُهْلِكُهُمْ طَرّا بِمَا كَسَبُوا وَجَاعِلُ الْمُنْتَهَى مِنْهُمْ إلَى النّارِ وَأَنْتَ مُرْتَحِلٌ عَنْهُمْ وَتَارِكُهُمْ إمّا غدوّا وَإِمّا مُدْلِجٌ سَارِي وَهَاجِرٌ أَرْضَهُمْ حَتّى يَكُونَ لَنَا قَوْمٌ عَلَيْهِمْ ذَوُو عِزّ وَأَنْصَارِ حَتّى إذَا اللّيْلُ وَارَتْنَا جَوَانِبُهُ وَسَدّ مِنْ دُونِ مَنْ تَخْشَى بِأَسْتَارِ سَارَ الْأُرَيْقِطُ يَهْدِينَا وَأَيْنُقُهُ يَنْعَبْنَ بِالْقَرْمِ نَعْبًا تَحْتَ أَكْوَارِ يَعْسِفْنَ عَرْضَ الثّنايا بعد أطولها وكلّ سهب رقاق التّراب مَوّارِ حَتّى إذَا قُلْت: قَدْ أَنْجَدْنَ عَارِضَهَا مِنْ مُدْلِجٍ فَارِسٍ فِي مَنْصِبٍ وَارِ يُرْدِي بِهِ مُشْرِفَ الْأَقْطَارِ مُعْتَزَمٌ كَالسّيدِ ذِي اللّبْدَةِ الْمُسْتَأْسِدِ الضّارِي فَقَالَ: كُرّوا فَقُلْت: إنّ كَرّتَنَا من دونهالك نَصْرُ الْخَالِقِ الْبَارِي أَنْ يَخْسِفَ الْأَرْضَ بِالْأَحْوَى وَفَارِسِهِ فَانْظُرْ إلَى أَرْبُعٍ فِي الْأَرْضِ غُوّارِ فَهِيلَ لَمّا رَأَى أَرْسَاغَ مَقْرَبِهِ قَدْ سُخْنَ فِي الْأَرْضِ لَمْ يَحْفِرْ بِمِحْفَارِ فَقَالَ: هَلْ لَكُمْ أَنْ تُطْلِقُوا فَرَسِي وَتَأْخُذُوا مَوْثِقِي فِي نُصْحِ أَسْرَارِ وَأَصْرِفُ الْحَيّ عَنْكُمْ إنْ لَقِيتُهُمْ وَأَنْ أُعَوّرَ مِنْهُمْ عَيْنَ عُوّارِ فَادْعُوَا الّذِي هُوَ عَنْكُمْ كَفّ عَوْرَتَنَا يُطْلِقْ جَوَادِي وَأَنْتُمْ خير أبرار
[ ٤ / ٢١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَقَالَ قَوْلًا رَسُولُ اللهِ مُبْتَهِلًا يَا رَبّ إنْ كَانَ مِنْهُ غَيْرُ إخْفَارِ
فَنَجّهِ سَالِمًا مِنْ شَرّ دَعْوَتِنَا وَمُهْرَهُ مُطْلَقًا مِنْ كَلْمِ آثَارِ
فَأَظْهَرَ اللهُ إذْ يَدْعُو حَوَافِرَهُ وَفَازَ فَارِسُهُ مِنْ هَوْلِ أَخْطَارِ «١»
حَدِيثُ أُمّ مَعْبَدٍ وَذَكَرَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ خَفِيَ عَلَيْهَا، وَعَلَى مَنْ مَعَهَا أَمْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَمْ يَدْرُوا أين توجه، حتى أنى رَجُلٌ مِنْ الْجِنّ يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ، وَلَا يَرَوْنَهُ، فَمَرّ عَلَى مَكّةَ وَالنّاسُ يَتّبِعُونَهُ وَهُوَ يُنْشِدُ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ:
جَزَى اللهُ رَبّ النّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ رَفِيقَيْنِ حَلّا خَيْمَتَيْ أُمّ مَعْبَدِ
هُمَا نَزَلَا بِالْبِرّ ثُمّ تَرَحّلَا «٢» فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمّدِ
لِيَهْنِ بَنِي كَعْبٍ مَقَامَ فَتَاتِهِمْ ومقعدها للمؤمنين بمرصد
فيالقصىّ مازوى اللهُ عَنْكُمْ بِهِ مِنْ فِعَالٍ لَا يُجَازِي وَسُوْدُدِ
سَلُوا أُخْتَكُمْ عَنْ شَاتِهَا وَإِنَائِهَا فَإِنّكُمْ إنْ تَسْأَلُوا الشّاةَ تَشْهَدْ
دَعَاهَا بِشَاةِ حَائِلٍ فَتَحَلّبَتْ لَهُ بِصَرِيحِ ضَرّةُ الشّاةِ مُزْبِدِ
فَغَادَرَهَا رَهْنًا لَدَيْهَا بِحَالِبِ يُرَدّدُهَا فِي مَصْدَرٍ ثُمّ مورد
_________________
(١) فى القصيدة صنعة لا تدل على العصر المنسوبة اليه. وليس فيها روح ايمان أبى بكر. ولهذا لم ترو فى كتب السنة المعتبرة.
(٢) فى السيرة: تروحا
[ ٤ / ٢٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَيُرْوَى أَنّ حَسّانَ بْنَ ثَابِتٍ لَمّا بَلَغَهُ شِعْرُ الْجِنّيّ، وَمَا هَتَفَ بِهِ فِي مَكّةَ قال يجيبه:
لقد خاب قوم غاب عَنّهُمْ نَبِيّهُمْ وَقَدْ سُرّ مَنْ يَسْرِي إلَيْهِمْ وَيَغْتَدِي
تَرَحّلَ عَنْ قَوْمٍ فَضَلّتْ عُقُولُهُمْ وَحَلّ عَلَى قَوْمٍ بِنُورِ مُجَدّدِ
هَدَاهُمْ بِهِ بَعْدَ الضّلَالَةِ رَبّهُمْ وَأَرْشَدَهُمْ مَنْ يَتْبَعُ الْحَقّ يَرْشُدْ
وهل يستوى ضلّال قوم تسفّهوا عما يتهم هاد بها كل مهتد «١»
_________________
(١) قصة أم معبد ضعيفة السند، وقد أخرجها البغوى وابن شاهين وابن السكن وابن مندة والطبرانى والحاكم والبيهقى وأبو نعيم من طريق حزام بن هشام ابن حبيش بن خالد عن أبيه عن جده، وبعضها فى تاريخ الطبرى «أنظر ص ٤٦٦ ح ١ الخصائص للسيوطى دار الكتب الحديثة وص ٣٨٠ ح ٢ الطبرى ط دار المعارف» . والقصيدة مروية بروايات مختلفة فمنها: جزى الله خيرا والجزاء بكفه رفيقين قالا خيمتى أم معبد هما رحلا بالحق وانتزلا به فقد فاز من أمسى رفيق محمد فما حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا أَبَرّ وَأَوْفَى ذمة من محمد وأكسى لبرد الحال قبل ابتذاله وأعطى لرأس السانح المتجدد ولم يصرح فى رواية البغوى ومن ذكرتهم بعده بذكر الجنى وإنما قيل فى روايتهم «فأصبح صوت بمكة عاليا يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه» ولكن غرام الرواة بالجن جعلهم يغرمون بذكرهم وراء كل شأن عجيب!! رواية البيت فى وفاء الوفا وفى الاكتفاء للكلاعى هكذا: وهل يستوى ضلال قوم تسكعوا عمى وهداة يهتدون يمهتد وفى شرح السيرة للخشنى: وهل يستوى ضلال قوم تشفهوا وهاد به نال الهدى كل مهتدى وفى المواهب: الشطرة الثانية هكذا: عمى وهداة يهتدون بمهتدى.
[ ٤ / ٢٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَقَدْ نَزَلَتْ مِنْهُ إلَى أَهْلِ يَثْرِبِ رِكَابُ هُدًى حَلّتْ عَلَيْهِمْ بِأَسْعَدِ
نَبِيّ يَرَى مَا لَا يَرَى النّاسُ حَوْلَهُ وَيَتْلُو كِتَابَ اللهِ فى كل مشهد «١»
_________________
(١) وفى رواية أخرى: مسجد. ولما فى حديث أم معبد من أسلوب أدبى ممتاز أحببت نقله وقد ذكر السهيلى باختصار «روى ابن حبيش بن خالد عن أبيه عن جده أن رسول الله «ص» حين خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة هو وأبو بكر ومولى أبى بكر: عامر ابن فهيرة، ودليلهما الليثى: عبد الله بن الأريقط مروا على خيمتى أم معبد الخزاعية، وكانت برزة جلدة تحتبى بفناء القبة، ثم تسقى، وتطعم، فسألوها لحما وتمرا، ليشتروه منها، فلم يصيبوا عندها شيئا وكان القوم مرملين مشتين- ويروى: مسنتين فنظر رسول اللهﷺ- إلى شاة فى كسر الخيمة، فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم. فقال: هل بها من لبن؟ قالت هى أجهد من ذلك. قال أتأذنين لى أن أحلبها، قالت: بأبى أنت وأمى إن رأيت بها فاحلبها، فدعا بها رسول الله- ص- فمسح بيده ضرعها، وسمى الله ودعالها فى شاتها، فتفاجت عليه، ودرت واجترت، ودعا بإناء يربض الرمط، فحلب فيه ثجا حتى علاه لبنها- وفى رواية: حتى علته الرغوة، أو حتى علاه البهاء- ثم سقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب آخرهمﷺ- ثم أراضوا، ثم حلب فيه ثانية بعد بدء حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها ثم بايعها- يعنى على الإسلام، ثم ارتحلوا عنها، فما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلى، لا نقى يهن، فلما رأى أبو معبد اللبن عجب، وقال: من أين لك هذا يا أم معبد، والشاة عازب حيال، ولا حلوب فى البيت؟، قالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا، وقال: صفيه لى يا أم معبد، قالت: رأيته رجلا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه حسن الخلق، لم تعبد ثجلة- أو نحلة- ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، فى عينيه دعج، وفى أشفاره عطف أو غطف- والشك من أبى محمد بن مسلم- ويروى: وطف، وفى صورته صحل، وفى عنقه
[ ٤ / ٢٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
_________________
(١) سطع، وفى لحيته كثاثة أحور أكحل أزج أقرن شديد سواد الشعر، إن صمت، فعليه الوقار، وإن تكلم سما، وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب، حلو المنطق، فصل لا نزر، ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظمن- أو، ربعة خرزات نظم تحدرن لا بائن من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصنا بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إن قال: أنصتوا له، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا معتد. قال أبو معبد: هذا والله صاحب قريش الذى ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة لقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا، نقلت الحديث من شرح السيرة لأبى ذر الخشنى ص ١٢٦ وما بعدها، مراجعا على ص ٤٦٦ ح ١ الخصائص للسيوطى ط دار الكتب الحديثة وص ١٣٩ ح ٢ زاد المعاد لأبن القيم إليك شرح أبى ذر لمفردات الحديث: برزة المرأة التى طعنت فى السن فهى تبرز للرجال، ولا تحتجب عنهم، جلدة: جزلة وصفها بالجزالة. مرملين: أرمل الرجل: إذا نفذ زاده فى سفر أو حضر. مشتين: أى داخلين فى زمن الشتاء، ومن رواه: مسنتين، فمعناه: دخلوا فى سنة الجدب والقحط. وكسر البيت جانبه، يقال بكسر الكاف وفتحها. والجهد: المشقة والضعف. تفاجت: أى فتحت رجليها للحلب. يربض الرهط: يبالغ فى ربهم ويثقلهم حتى يلصقهم بالأرض، يقال ربضت الدابة وغيرها، وأربضتها أى جعلنها تلصق بالأرض، والرهط: ما بين الثلاثة إلى العشرة. ثجا: أى سائلا، والماء الثجاج: السائل. علاه البهاء: بريق الرغوة ولمعانها أراضوا: كرروا الشرب حتى بالغوا فى الرى يقال: أراض الوادى: إذا كثر ماؤه، واستنقع. وكذلك الحوض، وفى بعض الروايات: ثم أراضوا عللا بعد نهل. ذكر ذلك ابن قتيبة، والنهل: الشرب الثانى. غادره: تركه، ومنه سمى الغدير، لأن السيل غادره، أى تركه. عجاف: ضعاف. تشاركن هزلا، أى تساوين فى الضعف و(يتساوكن هزلى): يتمايلن من شدة ضعفهن. غارب: بعيد المرعى. حيال: جمع حائل، وهى التى لم تحمل، ولا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حلوب: يعنى: شاة تحلب، وقد تكون الحلوب واحدا، وقد يكون جمعا. ظاهر الوضاءة: الوضاءة: حسن الوجه. ونظافته، ومنه اشتقاق الوضوء. أبلج للوجه: مشرق الوجه، يقال تبلج الصبح إذا أشرق وأنار. لم يعبه نحله: يعنى: ضعفه وصغره، وهو من الجسم الناحل، وهو القليل اللحم. ولم يزر: لم يقصر، والصقل والصقلة: جلدة الخاصرة، تريد: أنه ناعم الجسم، ضاهر الخاصرة، وهو من الأوصاف الحسنة. وفى بعض روايات هذا الحديث: لم تعبه ثجلة. ولم يزر به صعلة، فالثجلة: عظم البطن، يقال: بطن أثجل إذا كان عظيما، والصعلة صغر الرأس، ومنه يقال للنعام: صعل. وسيم «الحسن والوضاءة الثابتة. وقسيم: كأن كل عضو من وجهه أخذ قسمة من الجمال» . الدعج: شدة سواد العين. «الأشفار: أهداب العين» فى أشفاره عطف أو غطف، ويروى: وطف الوطف: طول شعر أشفار العين، وقال صاحب كتاب العين: الغطف بالغين المعجمة مثل الوطف، وأما العطف بالعين المهملة، فلا معنى له هنا، وقد فسره بعضهم، فقال: هو أن تطول أشفار العين حتى تنعطف. صحل: الصحل: البحح، يريد: أنه ليس بحاد الصوت. فى عنقه سطع: أى: إشراف وطول، يقال: عنق سطعاء إذا أشرفت وطالت، فى لحيته كثاثة: الكثاثة: دقة نبات شعر اللحية مع استدارة فيها. أزج أقرن: الزجج: دقة شعر الحاجبين مع طولها، والقرن: أن يتصل ما بينهما بالشعر علاه البهاء: البهاء هنا: حسن الظاهر. فصل لا نزر ولا هذر: الفصل: الكلام البين، والنزر: الكلام القليل، والهذر: الكلام الكثير. وأرادت أن كلامه ليس بقليل، فينسب إلى العى، ولا بكثير فينسب إلى التزيد. لا بائن من طول: طوله ليس بمفرط لا تقتحمه عين: أى: لا تحتقره، يقال رأيت فلانا فاقتحمته عينى، أى: احتقرته أنضر الثلاثة: أى: أنعم الثلاثة من النضرة، وهو النعيم. محفود: مخدوم، والحفدة: الخدمة، ويقال: حفدت الرجل: إذا خدمته، محشود: محفوف به. قال ابن طريف: يقال: حشدت الرجل إذا أطفت به، واستشهد بلفظة محشود من هذا الحديث، ولا معتد: أى غير ظالم «أحورا أكحل: الحور بياض العين الواضح، والكحل: سواد أشفار
[ ٤ / ٢٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَإِنْ قَالَ فِي يَوْمٍ مَقَالَةَ غَائِبٍ فَتَصْدِيقُهُ فِي الْيَوْمِ أَوْ فِي ضُحَى الْغَدِ
لِيَهْنِ أَبَا بَكْرٍ سَعَادَةَ جَدّهِ بِصُحْبَتِهِ مَنْ يُسْعِدُ اللهَ يَسْعَدْ
وَزَادَ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ أَنّ قُرَيْشًا لَمّا سَمِعَتْ الْهَاتِفَ مِنْ الْجِنّ أَرْسَلُوا إلَى أُمّ مَعْبَدٍ، وَهِيَ بِخَيْمَتِهَا، فَقَالُوا: هَلْ مَرّ بِك مُحَمّدٌ الّذِي مِنْ حِلْيَتِهِ كَذَا، فَقَالَتْ: لَا أَدْرِي مَا تَقُولُونَ، وَإِنّمَا ضَافَنِي حَالِبُ الشّاةِ الْحَائِلِ، وَكَانُوا أَرْبَعَةً رَسُولُ اللهِﷺ- وَأَبُو بَكْرٍ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ تَقَدّمَ التّعْرِيفُ بِهِ وَطَرَفٌ مِنْ ذِكْرِ فَضَائِلِهِ فِي هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ، وَالرّابِعُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ اللّيْثِيّ وَلَمْ يَكُنْ إذْ ذَاكَ مُسْلِمًا، وَلَا وَجَدْنَا مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ أَنّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ أَنّهُمْ اسْتَأْجَرُوهُ، وَكَانَ هَادِيًا خِرّيتًا، وَالْخِرّيتُ:
الْمَاهِرُ بِالطّرِيقِ الّذِي يَهْتَدِي بِمِثْلِ خَرْتِ الْإِبْرَةِ، وَيُقَالُ لَهُ: الْخَوْتَعُ أَيْضًا قَالَ الرّاجِزُ:
يَضِلّ فِيهَا الْخَوْتَعُ الْمُشَهّرُ
نَسَبُ أُمّ مَعْبَدٍ وَزَوْجِهَا:
وَأَمّا أُمّ مَعْبَدٍ الّتِي مَرّ بِخَيْمَتِهَا، فَاسْمُهَا: عَاتِكَةُ بِنْتُ خَالِدٍ إحْدَى بنى
_________________
(١) العين كأنها مكحلة. خرزات: حبات اللؤلؤ ونحوه. النظم: العقد المنظوم. يتحدرن: إذا انفرط العقد فى العنق، فأخذت الحبات تنزل واحدة بعد واحدة أربعة: وسط فى الطول. وقد وردت عدة أحاديث فى صفاته الجسمية متفق عليها بين البخارى ومسلم، فانظرها.
[ ٤ / ٢٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَعْبٍ مِنْ خُزَاعَةَ، وَهِيَ أُخْتُ حُبَيْشِ بْنِ خَالِدٍ، وَلَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ، وَيُقَالُ لَهُ الْأَشْعَرُ، وَأَخُوهَا: حُبَيْشُ بْنُ خَالِدٍ سَيَأْتِي ذِكْرُهُ وَالْخِلَافُ فِي اسْمِهِ وَخَالِدٌ الْأَشْعَرُ أَبُوهُمَا، هُوَ: ابْنُ خنيف بْنِ مُنْقِذِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَصْرَم بْنِ ضُبَيْسِ بْنِ حَرَامِ بْنِ حُبْشِيّةِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ أَبُو خُزَاعَةَ «١» .
وَزَوْجُهَا أَبُو مَعْبَدٍ يُقَالُ إنّ لَهُ رِوَايَةً أَيْضًا عَنْ رسول الله ﷺ- توفي فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ «٢»، وَلَا يُعْرَفُ اسْمُهُ، وَكَانَ مَنْزِلُ أُمّ مَعْبَدٍ بِقُدَيْدٍ، وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثُهَا بِأَلْفَاظِ مُخْتَلِفَةٍ مُتَقَارِبَةِ الْمَعَانِي، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ، وَتَقَصّى شَرْحَ أَلْفَاظِهِ، وَفِيهِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال لِأُمّ مَعْبَدٍ: وَكَانَ الْقَوْمُ مُرْمِلِينَ مُسْنِتِينَ، فَطَلَبُوا لَبَنًا أَوْ لَحْمًا يَشْتَرُونَهُ، فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَهَا شَيْئًا، فَنَظَرَ إلَى شَاةٍ فِي كِسْرِ الْخَيْمَةِ خَلّفَهَا الْجَهْدُ عَنْ الْغَنَمِ، فَسَأَلَهَا: هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ؟ فَقَالَتْ: هِيَ أَجْهَدُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ أَتَأْذَنِينَ لِي أَنْ أَحْلِبَهَا، فَقَالَتْ بِأَبِي أَنْت وَأُمّي، إنْ رَأَيْت بِهَا حَلْبًا فَاحْلِبْهَا، فَدَعَا بِالشّاةِ، فَاعْتَقَلَهَا، وَمَسَحَ ضَرْعَهَا، فَتَفَاجّتْ وَدَرّتْ وَاجْتَرّتْ، وَدَعَا بِإِنَاءِ يُرْبِضُ الرّهْطَ أَيْ: يُشْبِعُ الْجَمَاعَةَ حَتّى يُرْبَضُوا، فَحَلَبَ فِيهِ حَتّى مَلَأَهُ، وَسَقَى الْقَوْمَ حَتّى رُوُوا ثُمّ شَرِبَ آخِرُهُمْ، ثُمّ حَلَبَ فِيهِ مَرّةً أُخْرَى عَلَلًا بَعْدَ نَهْلٍ، ثُمّ غَادَرَهُ عِنْدَهَا، وَذَهَبُوا، فَجَاءَ أَبُو معبد، وكان غائبا
_________________
(١) نسب أبيهما فى الإصابة: خالد بن سعد بن منقذ بن ربيعة فانظرها بن أصرم بن خبيس بمعجمة ثم مثناة ثم موحدة ثم مهملة ابن حرام الخ.
(٢) أنظر الإصابة ترجمة رقم ١٠٥٠
[ ٤ / ٢٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَلَمّا رَأَى اللّبَنَ قَالَ: مَا هَذَا يَا أُمّ مَعْبَدٍ أَنّى لَك هَذَا وَالشّاءُ عَازِبٌ حِيَالٌ، وَلَا حَلُوبَةَ بِالْبَيْتِ، فَقَالَتْ: لَا وَاَللهِ، إلّا أَنّهُ مَرّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكٌ، فَقَالَ:
صِفِيهِ يَا أُمّ مَعْبَدٍ، فَوَصَفَتْهُ بِمَا ذَكَرَ الْقُتَبِيّ وَغَيْرُهُ فِي الْحَدِيثِ، وَمِمّا ذَكَرَهُ الْقُتَبِيّ:
فَشَرِبُوا حَتّى أَرَاضُوا جَعَلَهُ الْقُتَبِيّ مِنْ اسْتَرَاضَ الْوَادِي: إذَا اسْتَنْقَعَ وَمِنْ الرّوْضَةِ وَهِيَ بَقِيّةُ الماء فى الحوض وأنشد:
وروضة سقيت فيها نِضْوِي «١»
وَرَوَاهُ الْهَرَوِيّ حَتّى آرَضُوا عَلَى وَزْنِ آمَنُوا، أَيْ ضَرَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ إلَى الْأَرْضِ مِنْ الرّيّ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنّ آلَ أَبِي مَعْبَدٍ كَانُوا يُؤَرّخُونَ بِذَلِكَ، الْيَوْمَ، وَيُسَمّونَهُ: يَوْمَ الرّجُلِ الْمُبَارَكِ، يَقُولُونَ فَعَلْنَا كَيْتُ وَكَيْتُ قَبْلَ أن يأتينا الرجل المبارك، أو بعد ما جَاءَ الرّجُلُ الْمُبَارَكُ، ثُمّ إنّهَا أَتَتْ الْمَدِينَةَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا شَاءَ اللهُ، وَمَعَهَا ابْنٌ صَغِيرٌ قَدْ بَلَغَ السّعْيَ فَمَرّ بِالْمَدِينَةِ عَلَى مسجد رسول اللهﷺ- وَهُوَ يُكَلّمُ النّاسَ. عَلَى الْمِنْبَرِ فَانْطَلَقَ إلَى أُمّهِ يَشْتَدّ، فَقَالَ لَهَا يَا أُمّتَاهُ إنّي رَأَيْت الْيَوْمَ الرّجُلَ الْمُبَارَكَ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا بُنَيّ وَيْحَك هُوَ رَسُولُ اللهِﷺ.
_________________
(١) في اللسان: نضوتى وهى أنثى البعير المهزول. قال ابن برى: وأنشد أبو عمرو فى نوادره وذكر أنه لهمان السعدى: وروضة فى الحوض قد سقيتها نضوى وأرض قد أبت طويتها وأراض الحوض غطى أسفله الماء، استراض تبطح فيه الماء على وجهه، واستراض الوادى استنقع فيه الماء، قال: وكأن الروضة سميت روضة لاستراضة الماء فيها.
[ ٤ / ٢٢٧ ]
[طريق الهجرة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا خَرَجَ بِهِمَا دَلِيلُهُمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَرْقَطَ، سَلَكَ بِهِمَا أَسْفَلَ مَكّةَ، ثُمّ مَضَى بِهِمَا عَلَى السّاحِلِ، حَتّى عَارَضَ الطّرِيقَ أَسْفَلَ مِنْ عُسْفَانَ، ثُمّ سَلَكَ بِهِمَا عَلَى أَسْفَلِ أَمَجَ، ثُمّ اسْتَجَازَ بِهِمَا، حَتّى عَارَضَ بِهِمَا الطّرِيقَ، بَعْدَ أَنْ أَجَازَ قُدَيْدًا، ثُمّ أَجَازَ بِهِمَا مِنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ، فَسَلَكَ بِهِمَا الْخَرّارَ، ثُمّ سَلَكَ بِهِمَا ثَنِيّةَ الْمَرّةِ، ثُمّ سَلَكَ بِهِمَا لِقْفا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: لَفْتَا. قَالَ مَعْقِلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الهذلى:
نزيما محلبا من أهل لفت لخىّ بين أثلة والنّجام
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ. أَجَازَ بِهِمَا مَدْلَجَةَ لقف ثم استبطن بهما مدلجة مجاج- وَيُقَالُ: مِجَاجٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- ثُمّ سلك بهما مرجح مجاج،
_________________
(١) وَمِمّا يُسْأَلُ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يقال: هل استمرت تلك القبركة فِي شَاةِ أُمّ مَعْبَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، أَمْ عَادَتْ إلَى حَالِهَا؟ وَفِي الْخَبَرِ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُبَيْشٍ الْكَعْبِيّ، قَالَ: أَنَا رَأَيْت تِلْكَ الشّاةَ وَإِنّهَا لَتَأْدِمُ أُمّ مَعْبَدٍ وَجَمِيعَ صِرْمِهَا، أَيْ: أَهْلِ ذَلِكَ الْمَاءِ، وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مِنْ الْغَرِيبِ فِي وَصْفِ الشّاةِ: قَالَ مَا كَانَ فِيهَا بُصْرَةٌ وَهِيَ النّقَطُ مِنْ اللبن تبصر بالعين.
[ ٤ / ٢٢٨ ]
ثُمّ تَبَطّنَ بِهِمَا مَرْجِحَ مِنْ ذِي الْغَضْوَيْنِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْعُضْوَيْنِ- ثُمّ بَطْنَ ذِي كَشْرٍ، ثُمّ أَخَذَ بِهِمَا عَلَى الْجَدَاجِدِ، ثم على الأجرد، ثم سلك بهماذا سَلَمٍ، مِنْ بَطْنِ أَعْدَاءِ مَدْلِجَة تِعْهِنِ، ثُمّ عَلَى الْعَبَابِيدِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَيُقَالُ: الْعَبَابِيبُ، وَيُقَالُ: الْعِثْيَانَةَ. يُرِيدُ: الْعَبَابِيبَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ أَجَازَ بِهِمَا الْفَاجّةَ، وَيُقَالُ: الْقَاحّةُ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثُمّ هَبَطَ بِهِمَا الْعَرْجَ، وَقَدْ أَبْطَأَ عَلَيْهِمَا بَعْضُ ظَهْرِهِمْ، فَحَمَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ، يُقَالُ لَهُ: أَوْسُ بْنُ حُجْرٍ، عَلَى جَمَلٍ لَهُ- يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الرّدّاءِ- إلَى الْمَدِينَةِ، وَبَعَثَ مَعَهُ غُلَامًا له، يقال له: مسعود بن هنيدة، ثم خَرَجَ بِهِمَا دَلِيلُهُمَا مِنْ الْعَرَجِ، فَسَلَكَ بِهِمَا ثَنِيّةَ الْعَائِرِ، عَنْ يَمِينِ رَكُوبَةٍ- وَيُقَالُ: ثَنِيّةُ الْغَائِرِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- حَتّى هَبَطَ بِهِمَا بَطْنَ رِئْمٍ، ثُمّ قَدِمَ بِهِمَا قُبَاءٍ، عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ يَوْمَ الاثنين، حين اشتد الضحاء، وكادت الشمس تعتدل.
[النزول بقباء]
قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عُوَيْمِرِ بْنِ سَاعِدَةَ، قَالَ: حَدّثَنِي رِجَالٌ مِنْ قَوْمِي مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالُوا: لَمّا سَمِعْنَا بِمَخْرَجِ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٢٢٩ ]
وَسَلّمَ مِنْ مَكّةَ، وَتَوَكّفْنَا قُدُومَهُ، كُنّا نَخْرُجُ إذَا صَلّيْنَا الصّبْحَ، إلَى ظَاهِرِ حَرّتِنَا نَنْتَظِرُ رسول الله ﷺ، فو الله مَا نَبْرَحُ حَتّى تَغْلِبَنَا الشّمْسُ عَلَى الظّلَالِ فَإِذَا لَمْ نَجِدْ ظِلّا دَخَلْنَا، وَذَلِكَ فِي أَيّامٍ حَارّةٍ. حَتّى إذَا كَانَ الْيَوْمُ الّذِي قَدِمَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، جَلَسْنَا كَمَا كُنّا نَجْلِسُ، حَتّى إذَا لَمْ يَبْقَ ظِلّ دَخَلْنَا بُيُوتَنَا، وَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَيْنَ دَخَلْنَا الْبُيُوتَ، فَكَانَ أَوّلُ مَنْ رَآهُ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ، وَقَدْ رَأَى مَا كُنّا نَصْنَعُ، وَأَنّا نَنْتَظِرُ قُدُومَ رَسُولِ اللهِﷺ- عَلَيْنَا، فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا بَنِي قيبلة، هَذَا جَدّكُمْ قَدْ جَاءَ. قَالَ: فَخَرَجْنَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وهو فِي ظِلّ نَخْلَةٍ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فِي مِثْلِ سِنّهِ، وَأَكْثَرُنَا لَمْ يَكُنْ رَأَى رَسُولُ اللهِﷺ- قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَكِبَهُ النّاسُ وَمَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، حَتّى زَالَ الظّلّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فقام أَبُو بَكْرٍ فَأَظَلّهُ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفْنَاهُ عِنْدَ ذَلِكَ.
[المنازل التى نزلت بقباء]
قال ابْنُ إسْحَاقَ: فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ- فِيمَا يَذْكُرُونَ- عَلَى كُلْثُومِ بْنِ هِدْمٍ، أَخِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ثُمّ أَحَدِ بَنِي عُبَيْدٍ: وَيُقَالُ:
بَلْ نَزَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثمةَ. وَيَقُولُ مَنْ يَذْكُرُ أَنّهُ نَزَلَ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ هِدْمٍ:
إنّمَا كَانَ رَسُولُ اللهِﷺ إذا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِ كُلْثُومِ بْنِ هِدْمٍ جَلَسَ لِلنّاسِ فِي بَيْتِ سَعْدِ بْنِ خَيْثمةَ. وَذَلِكَ أَنّهُ كَانَ عَزَبًا لَا أَهْلَ لَهُ، وَكَانَ منزل العزّاب مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، فَمِنْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٢٣٠ ]
هُنَالِكَ يُقَالُ: نَزَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثمةَ، وَكَانَ يُقَالُ لِبَيْتِ سَعْدِ بْنِ خَيْثمةَ:
بَيْتُ العزّاب. فَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ، كُلّا قَدْ سمعنا.
وَنَزَلَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ ﵁ عَلَى خُبَيْبِ بْنِ إِسَافٍ، أَحَدِ بَنِي الْحَارِثِ بن الْخَزْرَجَ بِالسّنْحِ. وَيَقُولُ قَائِلٌ: كَانَ مَنْزِلُهُ عَلَى خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ، أَخِي بنى الحارث بن الخزرج.
وَأَقَامَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇ بِمَكّةَ ثَلَاثَ لَيَالٍ وَأَيّامِهَا، حَتّى أَدّى عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْوَدَائِعَ الّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِلنّاسِ، حَتّى إذَا فَرَغَ مِنْهَا لَحِقَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنَزَلَ مَعَهُ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ هِدْمٍ.
[سهيل بن حنيف وامرأة مسلمة]
فَكَانَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَإِنّمَا كَانَتْ إقَامَتُهُ بقُباءٍ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ يَقُولُ:
كَانَتْ بقُباءٍ امْرَأَةٌ لَا زَوْجَ لَهَا، مُسْلِمَةٌ. قَالَ: فَرَأَيْت إنْسَانًا يَأْتِيهَا مِنْ جَوْفِ اللّيْلِ، فَيَضْرِبُ عَلَيْهَا بَابَهَا، فَتَخْرَجُ إلَيْهِ فَيُعْطِيَهَا شَيْئًا مَعَهُ فتأخذه. قال:
فاستربت بشأنه، فقلت لها: يا أمة الله، من هذا الرجل الذى يضرب عليك بابك كلّ ليلة، فتخرجين إليه فيعطيك شيئا لا أَدْرِي مَا هُوَ، وَأَنْتِ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ لَا زَوْجَ لَك؟ قَالَتْ: هَذَا سَهْلُ بْنُ حُنَيْفِ بْنِ وَاهِبٍ، قد عَرَفَ أَنّي امْرَأَةٌ لَا أَحَدَ لِي، فَإِذَا أَمْسَى عَدَا عَلَى أَوْثَانِ قَوْمِهِ فَكَسّرَهَا، ثُمّ جَاءَنِي بِهَا، فَقَالَ: احْتَطِبِي بِهَذَا، فَكَانَ عَلِيّ ﵁ يَأْثُرُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، حَتّى هَلَكَ عِنْدَهُ بِالْعِرَاقِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٢٣١ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي هَذَا، مِنْ حَدِيثِ علىّ ﵁، هند ابن سَعْدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، ﵁.
[بِنَاءُ مَسْجِدِ قُبَاءٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بقُباءٍ، فى بنى عمرو ابن عوف، يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعام ويوم الخميس وأسّس مسجده.
ثُمّ أَخْرَجَهُ اللهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَبَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يُزْعِمُونَ أَنّهُ مَكَثَ فِيهِمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ. فَأَدْرَكَتْ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْجُمُعَةَ فِي بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، فَصَلّاهَا فِي الْمَسْجِدِ الّذِي فِي بَطْنِ الْوَادِي، وَادِي رَانُونَاءَ، فَكَانَتْ أَوّلَ جُمُعَةٍ صلاها بالمدينة.
[القبائل تعترضه لينزل عِنْدَهَا]
فَأَتَاهُ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي سالم ابن عَوْفٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ. أَقِمْ عِنْدَنَا فِي الْعَدَدِ وَالْعِدّةِ وَالْمَنَعَةِ؛ قَالَ:
خَلّوا سَبِيلَهَا، فَإِنّهَا مَأْمُورَةٌ، لِنَاقَتِهِ: فَخَلّوا سَبِيلهَا، فَانْطَلَقَتْ حَتّى إذَا وَازَنَتْ دَارَ بَنِي بَيّاضَةَ، تَلَقّاهُ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ، وَفَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو، فِي رِجَالٍ من بنى بياضة فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ: هَلُمّ إلَيْنَا، إلَى الْعَدَدِ وَالْعِدّةِ وَالْمَنَعَةِ؛ قَالَ: خَلّوا سَبِيلَهَا فَإِنّهَا مَأْمُورَةٌ، فَخَلّوْا سَبِيلَهَا. فَانْطَلَقَتْ، حَتّى إذَا مَرّتْ بِدَارِ بَنِي سَاعِدَةَ، اعْتَرَضَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي ساعدة، فقالوا:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٢٣٢ ]
يَا رَسُولَ اللهِ، هَلُمّ إلَيْنَا إلَى الْعَدَدِ وَالْعِدّةِ وَالْمَنَعَةِ؛ قَالَ: خَلّوا سَبِيلَهَا، فَإِنّهَا مَأْمُورَةٌ، فخلوا سبيلها، فانطلقت، حتى إذا وازنت دار بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، اعْتَرَضَهُ سَعْدُ بْنُ الرّبِيعِ، وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رواحة، فى رجال من بنى الحارث ابن الْخَزْرَجِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هَلُمّ إلَيْنَا إلَى الْعَدَدِ وَالْعِدّةِ وَالْمَنَعَةِ، قَالَ: خَلّوا سَبِيلَهَا، فَإِنّهَا مَأْمُورَةٌ، فَخَلّوْا سَبِيلَهَا. فَانْطَلَقَتْ، حَتّى إذَا مَرّتْ بِدَارِ بَنِي عَدِيّ بْنِ النّجّارِ، وَهُمْ أَخْوَالُهُ دِنْيَا- أُمّ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، سَلْمَى بِنْتُ عَمْرٍو، إحْدَى نِسَائِهِمْ- اعْتَرَضَهُ سَلِيطُ بْنُ قَيْسٍ، وأبو سليط أسيرة ابن أَبِي خَارِجَةَ، فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ النّجّارِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلُمّ إلَى أَخْوَالِك، إلَى الْعَدَدِ وَالْعِدّةِ وَالْمَنَعَةِ؛ قَالَ: خَلّوا سَبِيلَهَا فَإِنّهَا مَأْمُورَةٌ، فَخَلّوْا سَبِيلَهَا، فَانْطَلَقَتْ.
[مبرك الناقة بِدَارِ بَنِي مَالِكِ بْنِ النّجّارِ]
حَتّى إذَا أَتَتْ دَارَ بَنِي مَالِكِ بْنِ النّجّارِ، بَرَكَتْ عَلَى بَابِ مَسْجِدِهِ ﷺ، وَهُوَ يَوْمئِذٍ مِرْبَدٌ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ مِنْ بَنِي النّجّارِ، ثُمّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النّجّارِ، وَهُمَا فِي حِجْرِ مُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ، سَهْلٍ وَسُهَيْلٍ ابْنَيْ عَمْرٍو.
فَلَمّا بَرَكَتْ- وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهَا- لَمْ يَنْزِلْ، وَثَبَتَ فَسَارَتْ غَيْرَ بِعِيدٍ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاضِعٌ لَهَا زِمَامَهَا لَا يَثْنِيهَا بِهِ، ثُمّ الْتَفَتَتْ إلَى خَلْفِهَا فَرَجَعَتْ إلَى مَبْرَكِهَا أَوّلَ مَرّةٍ، فَبَرَكَتْ فِيهِ، ثُمّ تحلحلت ورزمت ووضعت جرانها، فَنَزَلَ عَنْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَاحْتَمَلَ أَبُو أَيّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ رَحْلَهُ، فَوَضَعَهُ فِي بَيْتِهِ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٢٣٣ ]
عَلَيْهِ وَسَلّمَ، وَسَأَلَ عَنْ الْمِرْبَدِ لِمَنْ هُوَ؟ فَقَالَ لَهُ مَعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ: هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ لِسَهْلٍ وَسُهَيْلٍ ابْنَيْ عَمْرٍو، وَهُمَا يتيمان لى، وسأرضيهما منه، فاتخذه مسجدا.
[المسجد والمسكن]
قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أن يا بنى مَسْجِدًا، وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَبِي أَيّوبَ حَتّى بَنَى مَسْجِدَهُ وَمَسَاكِنَهُ، فَعَمِلَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُرَغّبَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْعَمَلِ فِيهِ، فَعَمِلَ فِيهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، وَدَأَبُوا فِيهِ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ:
لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنّبِيّ يَعْمَلُ لَذَاكَ مِنّا الْعَمَلُ الْمُضَلّلُ
وَارْتَجَزَ الْمُسْلِمُونَ وَهُمْ يَبْنُونَهُ يَقُولُونَ:
لَا عَيْشَ إلّا عَيْشَ الْآخِرَهْ اللهُمّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا كَلَامٌ وَلَيْسَ بِرَجَزٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فيقول رسول الله ﷺ: لا عيش إلا عيش الآخره، اللهم ارحم المهاجرين والأنصار.
[عمار والفئة الباغية]
قَالَ: فَدَخَلَ عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَقَدْ أَثْقَلُوهُ باللّبن، فقال: يا رسول الله، قتلونى، يحملون علىّ ما لا يحملون. قَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ زَوْجُ النّبِيّ ﷺ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٢٣٤ ]
فَرَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ ينفض وفرته بيده، كان رَجُلًا جَعْدًا، وَهُوَ يَقُولُ: وَيْحَ ابْنَ سُمَيّةَ، لَيْسُوا بِاَلّذِينَ يَقْتُلُونَك، إنّمَا تَقْتُلُك الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ.
[ارتجاز على]
وَارْتَجَزَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَوْمئِذٍ:
لَا يَسْتَوِي مَنْ يَعْمُرُ الْمَسَاجِدَا يَدْأَبُ فِيهِ قَائِمًا وَقَاعِدًا
وَمَنْ يُرَى عَنْ الْغُبَارِ حَائِدًا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَأَلْت غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ، عَنْ هَذَا الرّجَزِ، فَقَالُوا: بَلَغَنَا أَنّ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ارْتَجَزَ بِهِ، فَلَا يُدْرَى: أَهُوَ قَائِلُهُ أم غيره.
[مشادة عمار]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَخَذَهَا عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَجَعَلَ يَرْتَجِزُ بِهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَلَمّا أَكْثَرَ، ظَنّ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنّهُ إنّمَا يُعَرّضُ بِهِ، فِيمَا حَدّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَكّائِي، عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَقَدْ سَمّى ابْنُ إسحاق الرجل.
[الرسول ﷺ يوصى بِعَمّارٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُ ما تقول منذ اليوم يابن سُمَيّةَ، وَاَللهِ إنّي لَأُرَانِي سَأَعْرِضُ هَذِهِ الْعَصَا لِأَنْفِك. قَالَ: وَفِي يَدِهِ عَصًا. قَالَ: فَغَضِبَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٢٣٥ ]
رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمّ قَالَ: مَا لَهُمْ وَلِعَمّارٍ، يَدْعُوهُمْ إلَى الْجَنّةِ، وَيَدْعُونَهُ إلَى النّارِ، إنّ عَمّارًا جِلْدَةٌ مَا بَيْنَ عَيْنِيّ وَأَنْفِي، فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ من الرجل فلم يستبق فاجتنبوه.
[إضافة بناء أول مسجد إلى عمار]
قال ابن هشام: وذكر سفيان بن عيينة عَنْ زَكَرِيّا، عَنْ الشّعْبِيّ، قَالَ:
إنّ أَوّلَ من بنى مسجدا عمّار بن ياسر.
[الرسول ﷺ فِي بَيْتِ أَبِي أيوب]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِ أَبِي أَيّوبَ، حَتّى بُنِيَ لَهُ مَسْجِدُهُ وَمَسَاكِنُهُ، ثُمّ انْتَقَلَ إلَى مَسَاكِنِهِ مِنْ بَيْتِ أَبِي أَيّوبَ، رَحْمَةُ اللهُ عَلَيْهِ وَرِضْوَانُهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ اليَزَنيّ، عَنْ أَبِي رُهْمٍ السّمَاعِيّ، قَالَ: حَدّثَنِي أَبُو أَيّوبَ، قَالَ: لَمّا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِي، نَزَلَ فِي السّفْلِ، وَأَنَا وَأُمّ أَيّوبَ فِي الْعُلْوِ، فَقُلْت لَهُ: يَا نَبِيّ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي، إنّي لَأَكْرَهُ وَأُعْظِمُ أَنْ أَكُونَ فَوْقَك، وَتَكُونَ تَحْتِي، فَاظْهَرْ أَنْتَ فَكُنْ فِي الْعُلْوِ، وَنَنْزِلَ نَحْنُ فَنَكُونَ فِي السّفْلِ، فَقَالَ: يَا أَبَا أَيّوبَ، إنّ أَرْفَقَ بِنَا وَبِمَنْ يَغْشَانَا، أَنْ نَكُونَ فِي سُفْلِ البيت.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٢٣٦ ]
قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سُفْلِهِ، وَكُنّا فَوْقَهُ فِي الْمَسْكَنِ، فلقد انكسر حبّ لنا فيه ماء فقمت أنا وأمّ أيوب بقطيفة لنا، مالنا لِحَافٌ غَيْرَهَا، نُنَشّفُ بِهَا الْمَاءَ، تَخَوّفًا أَنْ يَقْطُرَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ- مِنْهُ شَيْءٌ فَيُؤْذِيَهُ.
قَالَ: وَكُنّا نَصْنَعُ لَهُ الْعَشَاءَ، ثُمّ نَبْعَثُ بِهِ إلَيْهِ، فَإِذَا رَدّ عَلَيْنَا فَضْلَهُ تَيَمّمْت أَنَا وَأُمّ أَيّوبَ مَوْضِعَ يَدِهِ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نَبْتَغِي بِذَلِكَ الْبَرَكَةَ، حَتّى بَعَثْنَا إلَيْهِ لَيْلَةً بِعَشَائِهِ وَقَدْ جَعَلْنَا لَهُ بَصَلًا أَوْ ثُومًا، فَرَدّهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَمْ أرليده فِيهِ أَثَرًا قَالَ: فَجِئْتُهُ فَزِعًا، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي رَدَدْتَ عَشَاءَك، وَلَمْ أَرَ فِيهِ مَوْضِعَ يَدِك، وَكُنْتَ إذَا رَدَدْته عَلَيْنَا، تَيَمّمْت أَنَا وَأُمّ أَيّوبَ مَوْضِعَ يَدِك، نَبْتَغِي بِذَلِكَ الْبَرَكَةَ؛ قَالَ: إنّي وَجَدْت فِيهِ رِيحَ هَذِهِ الشّجَرَةِ، وَأَنَا رَجُلٌ أُنَاجِي، فَأَمّا أَنْتُمْ فَكُلُوهُ. قَالَ: فَأَكَلْنَاهُ، وَلَمْ نَصْنَعْ له تلك الشجرة بعد.
[تلاحق المهاجرين]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَتَلَاحَقَ الْمُهَاجِرُونَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمْ يَبْقَ بِمَكّةَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، إلّا مَفْتُونٌ أَوْ مَحْبُوسٌ، وَلَمْ يُوعَبْ أَهْلُ هِجْرَةٍ مِنْ مَكّةَ بِأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إلَى اللهِ ﵎ وَإِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ إلّا أَهْلُ دور مسمّون: بنو مظعون من جُمَحٍ؛ وَبَنُو جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ، حُلَفَاءُ بَنِي أُمَيّةَ؛ وَبَنُو الْبُكَيْرِ، مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ، حُلَفَاءُ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ، فَإِنّ دُورَهُمْ غُلّقَتْ بِمَكّةَ هِجْرَةً، لَيْسَ فِيهَا سَاكِنٌ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٢٣٧ ]
[قصة أبى سفيان مع بنى جحش]
وَلَمّا خَرَجَ بَنُو جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ مِنْ دَارِهِمْ، عَدَا عَلَيْهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَبَاعَهَا مِنْ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، أَخِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ؛ فَلَمّا بَلَغَ بَنِي جَحْشٍ.
مَا صَنَعَ أَبُو سُفْيَانَ بِدَارِهِمْ، ذَكَرَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَلَا تَرْضَى يَا عَبْدَ اللهِ أَنْ يُعْطِيَك اللهُ بِهَا دَارًا خَيْرًا مِنْهَا فِي الْجَنّةِ؟ قَالَ: بَلَى؛ قَالَ: فذلك لك. فَلَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكّةَ كَلّمَهُ أَبُو أَحْمَدَ فِي دَارِهِمْ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ فَقَالَ النّاسُ لِأَبِي أَحْمَدَ: يَا أَبَا أَحْمَدَ، إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَكْرَهُ أَنْ تَرْجِعُوا فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِكُمْ أُصِيبَ مِنْكُمْ فِي اللهِ ﷿، فَأَمْسَكَ عَنْ كَلَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ:
أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنْ أَمْرٍ عَوَاقِبُهُ نَدَامَهْ
دَارُ ابْنِ عَمّك بِعْتهَا تَقْضِي بِهَا عَنْك الْغَرَامَهْ
وَحَلِيفُكُمْ بِاَللهِ رَبّ النّاسِ مُجْتَهَدُ الْقَسَامَهْ
اذْهَبْ بِهَا، اذهب بها طوّفتها طَوْقَ الْحَمَامَهْ
[انْتِشَار الْإِسْلَامَ وَمَنْ بَقِيَ عَلَى شِرْكِهِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ إذْ قَدِمَهَا شَهْرَ رَبِيعٍ الْأَوّلِ، إلَى صَفَرٍ مِنْ السّنَةِ الدّاخِلَةِ، حَتّى بُنِيَ لَهُ فِيهَا مَسْجِدُهُ وَمَسَاكِنُهُ وَاسْتَجْمَعَ لَهُ إسْلَامُ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَلَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٢٣٨ ]
الْأَنْصَارِ إلّا أَسْلَمَ أَهْلُهَا، إلّا مَا كَانَ مِنْ خَطْمَةَ، وَوَاقِفٍ، وَوَائِلٍ، وَأُمَيّةَ، وَتِلْكَ أَوْسُ اللهِ، وَهُمْ حَيّ مِنْ الْأَوْسِ، فَإِنّهُمْ أَقَامُوا على شركهم.
[الخطبة الأولى]
وَكَانَتْ أَوّلُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ- نَعُوذُ بِاَللهِ أَنْ نَقُولَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ- أَنّهُ قَامَ فِيهِمْ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمّ قَالَ: أَمّا بَعْدُ، أَيّهَا النّاسُ، فَقَدّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ تَعَلّمُنّ وَاَللهِ لَيُصْعَقَنّ أَحَدُكُمْ، ثُمّ لَيَدَعَنّ غَنَمَهُ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ، ثُمّ لَيَقُولَنّ لَهُ رَبّهُ، وَلَيْسَ لَهُ تَرْجُمَانٌ وَلَا حَاجِبٌ يَحْجُبُهُ دُونَهُ: أَلَمْ يَأْتِك رَسُولِي فَبَلّغَك، وَآتَيْتُك مَالًا وأفضلت عليك؟ فما قدّمت لنفسك؟ فلينظرنّ يمينالا وشمالا فلا يرى شيئا، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم فمن استطاع أن يقى وجهه من النار ولو بشقّ من تمرة فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيّبَةٍ، فَإِنّ بها تجزى الحسنة عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[الخطبة الثانية]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النّاسَ مَرّةً أُخْرَى، فَقَالَ: إنّ الْحَمْدَ لِلّهِ، أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ، نَعُوذُ بِاَللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَسَيّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. إنّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ تَبَارَكَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٢٣٩ ]
وَتَعَالَى، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَيّنَهُ اللهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَدْخَلَهُ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْكُفْرِ، وَاخْتَارَهُ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْ أَحَادِيثِ النّاسِ، إنّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ وَأَبْلَغُهُ، أَحِبّوا، مَا أَحَبّ اللهُ، أَحِبّوا اللهَ مِنْ كُلّ قُلُوبِكُمْ، وَلَا تَمَلّوا كَلَامَ اللهِ وَذِكْرَهُ، وَلَا تَقْسُ عَنْهُ قُلُوبُكُمْ فَإِنّهُ مِنْ كُلّ مَا يَخْلُقُ اللهُ يَخْتَارُ وَيَصْطَفِي، قَدْ سَمّاهُ اللهُ خِيرَتَهُ مِنْ الْأَعْمَالِ، ومصطفاه من العباد، الصالح الحديث، ومن كلّ ما أوتى الناس من الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، فَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتّقُوهُ حَقّ تُقَاتِهِ، وَاصْدُقُوا اللهَ صَالِحَ مَا تَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ، وَتَحَابّوا بِرُوحِ اللهِ بَيْنَكُمْ، إنّ اللهَ يَغْضَبُ أَنْ يُنْكَثَ عَهْدُهُ، وَالسّلَامُ عليكم.
[كتاب الموادعة لليهود]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كِتَابًا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَادَعَ فِيهِ يَهُودَ وَعَاهَدَهُمْ، وَأَقَرّهُمْ عَلَى دِينِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَشَرَطَ لَهُمْ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ:
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمّدٍ النّبِيّ ﷺ، بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَثْرِبَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ، فَلَحِقَ بِهِمْ، وَجَاهَدَ مَعَهُمْ، إنّهُمْ أُمّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النّاسِ، الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ على ربعتهم يتعاقلون، بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين؛ وبنو عوف عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، كُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو سَاعِدَةَ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ المؤمنين،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٢٤٠ ]
وَبَنُو الْحَارِثِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو جُشَمٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلِهِمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو النّجّارِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو النّبِيتِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو الْأَوْسِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَتْرُكُونَ مُفْرَحًا بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي فِدَاءٍ أَوْ عَقْلٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمُفْرَحُ: الْمُثْقَلُ بِالدّيْنِ وَالْكَثِيرُ الْعِيَالِ. قَالَ الشّاعِرُ:
إذَا أَنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تُؤَدّي أَمَانَةً وَتَحْمِلُ أُخْرَى أَفْرَحَتْك الْوَدَائِعُ
وَأَنْ لَا يُحَالِفَ مُؤْمِنٌ مَوْلَى مُؤْمِنٍ دُونَهُ؛ وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتّقِينَ عَلَى مَنْ بَغَى مِنْهُمْ، أَوْ ابْتَغَى دَسِيعَةَ ظُلْمٍ، أَوْ إثْمٍ، أَوْ عُدْوَانٍ، أَوْ فَسَادٍ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ؛ وَإِنّ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَلَوْ كَانَ وَلَدَ أَحَدِهِمْ؛ وَلَا يَقْتُلُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنًا فِي كَافِرٍ، وَلَا يَنْصُرُ كَافِرًا عَلَى مُؤْمِنٍ، وَإِنّ ذِمّةَ اللهِ وَاحِدَةٌ، يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالى بعض دُونَ النّاسِ، وَإِنّهُ مَنْ تَبِعَنَا مِنْ يَهُودَ فَإِنّ لَهُ النّصْرَ وَالْأُسْوَةَ، غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلَا مُتَنَاصَرِينَ عَلَيْهِمْ؛ وَإِنّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٢٤١ ]
وَاحِدَةٌ، لَا يُسَالَمُ مُؤْمِنٌ دُونَ مُؤْمِنٍ فِي قِتَالٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، إلّا عَلَى سَوَاءٍ وَعَدْلٍ بَيْنَهُمْ، وَإِنّ كُلّ غَازِيَةٍ غَزَتْ مَعَنَا يعقب بعضها بعضا، وإن المؤمنين يبىء بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِمَا نَالَ دِمَاءَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتّقِينَ عَلَى أَحْسَنِ هدى وأقومه؛ وإنه لا يجير مشرك ما لا لقريش، ولا نفسا، وَلَا يَحُولُ دُونَهُ عَلَى مُؤْمِنٍ، وَإِنّهُ مَنْ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلًا عَنْ بَيّنَةٍ فَإِنّهُ قَوَدٌ بِهِ إلّا أَنْ يَرْضَى وَلِيّ الْمَقْتُولِ، وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ كَافّةٌ، وَلَا يَحِلّ لَهُمْ إلّا قِيَامٌ عَلَيْهِ، وَإِنّهُ لَا يَحِلّ لِمُؤْمِنٍ أَقَرّ بِمَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ، وَآمَنَ بِاَللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ يَنْصُرَ مُحْدِثًا، وَلَا يُؤْوِيهِ؛ وَأَنّهُ مَنْ نَصَرَهُ أَوْ آوَاهُ فَإِنّ عَلَيْهِ لَعْنَةَ اللهِ وَغَضَبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَإِنّكُمْ مَهْمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَإِنّ مَرَدّهُ إلَى اللهِ ﷿، وَإِلَى مُحَمّدٍ ﷺ، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا مُحَارَبِينَ، وَإِنّ يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ، وَلِلْمُسْلِمَيْنِ دِينُهُمْ، مَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسُهُمْ، إلّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ، فَإِنّهُ لَا يُوتِغُ إلّا نَفْسَهُ، وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي النّجّار مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي الْحَارِثِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وإن ليهود بنى ساعدة مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي جُشَمٍ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي الْأَوْسِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بنى عوف، وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي ثَعْلَبَةَ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، إلّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ، فَإِنّهُ لَا يُوتِغُ إلّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَإِنّ جَفْنَةَ بَطْنٌ مِنْ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ؛ وَإِنّ لِبَنِي الشّطِيبَةِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنّ البّرّدون الإثم، وإن موالى ثعلبة كأنفسهم؛ إن بِطَانَةَ يَهُودَ كَأَنْفُسِهِمْ؛ وَإِنّهُ لَا يَخْرَجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلّا بِإِذْنِ مُحَمّدٍ ﷺ، وَإِنّهُ لَا يُنْحَجَزُ عَلَى ثَأْرٍ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٢٤٢ ]
جُرْحٌ، وَإِنّهُ مَنْ فَتَكَ فَبِنَفْسِهِ فَتَكَ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ، إلّا مِنْ ظَلَمَ، وَإِنّ اللهَ عَلَى أبرّ هذا، وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة، والبرّدون الْإِثْمِ، وَإِنّهُ لَمْ يَأْثَمْ امْرُؤٌ بِحَلِيفِهِ، وَإِنّ النّصْرَ لِلْمَظْلُومِ، وَإِنّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ماداموا مُحَارَبِينَ، وَإِنّ يَثْرِبَ حَرَامٌ جَوْفُهَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ، وَإِنّ الْجَارَ كَالنّفْسِ غَيْرَ مُضَارّ وَلَا آثِمٌ، وَإِنّهُ لَا تُجَارُ حُرْمَةٌ إلّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا، وَإِنّهُ مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ مِنْ حَدَثٍ أَوْ اشْتِجَارٍ يُخَافُ فَسَادُهُ، فَإِنّ مَرَدّهُ إلَى اللهِ ﷿، وَإِلَى محمد رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَأَنّ اللهَ عَلَى أَتْقَى مَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَأَبَرّهِ، وَإِنّهُ لَا تُجَارُ قُرَيْشٌ وَلَا مَنْ نَصَرَهَا، وَإِنّ بَيْنَهُمْ النّصْرَ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ، وَإِذَا دُعُوا إلَى صُلْحٍ يُصَالِحُونَهُ ويلبسونه، فانهم يصلحونه وَيَلْبَسُونَهُ، وَإِنّهُمْ إذَا دُعُوا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنّهُ لَهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، إلّا مَنْ حَارَبَ فِي الدّينِ، عَلَى كُلّ أُنَاسٍ حِصّتُهُمْ مِنْ جَانِبِهِمْ الّذِي قِبَلَهُمْ، وَإِنّ يَهُودَ الْأَوْسِ، مَوَالِيَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ، عَلَى مِثْلِ مَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ، مَعَ الْبِرّ الْمَحْضِ، مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: مَعَ الْبِرّ الْمُحْسِنُ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَإِنّ الْبِرّ دُونَ الْإِثْمِ، لَا يَكْسِبُ كَاسِبٌ إلّا عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنّ اللهَ عَلَى أَصْدَقِ مَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَأَبَرّهِ، وَإِنّهُ لَا يَحُولُ هَذَا الْكِتَابُ دُونَ ظَالِمٍ وَآثِمٍ، وَإِنّهُ مَنْ خَرَجَ آمِنٌ، وَمَنْ قَعَدَ آمِنٌ بِالْمَدِينَةِ، إلّا مَنْ ظَلَمَ أَوْ أَثِمَ، وَإِنّ اللهَ جَارٌ لِمَنْ بَرّ وَاتّقَى، وَمُحَمّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٢٤٣ ]
[الْمُؤَاخَاةُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَآخَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أصحابه من المهاجرين وَالْأَنْصَارِ، فَقَالَ- فِيمَا بَلَغَنَا، وَنَعُوذُ بِاَللهِ أَنْ نَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُقَلْ:
تَآخَوْا فِي اللهِ أَخَوَيْنِ أَخَوَيْنِ، ثُمّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: هَذَا أَخِي فَكَانَ رَسُولُ اللهِﷺ سيد الْمُرْسَلِينَ، وَإِمَامَ الْمُتّقِينَ، وَرَسُولَ رَبّ الْعَالَمِينَ، الّذِي لَيْسَ لَهُ خَطِيرٌ وَلَا نَظِيرٌ مِنْ الْعِبَادِ، وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَخَوَيْنِ، وَكَانَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، أَسَدُ اللهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ ﷺ، وَعَمّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وزيد ابن حَارِثَةَ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَخَوَيْنِ، وَإِلَيْهِ أَوْصَى حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ حَيْنَ حَضَرَهُ الْقِتَالُ إنْ حَدَثَ بِهِ حَادِثُ الْمَوْتِ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ذُو الْجَنَاحَيْنِ، الطّيّارُ فِي الْجَنّةِ، وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، أَخُو بَنِي سَلَمَةَ، أَخَوَيْنِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَوْمئِذٍ غَائِبًا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ ﵁، ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَخَارِجَةُ بْنُ زُهَيْرٍ، أَخُو بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، أَخَوَيْنِ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁، وَعِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ أَخَوَيْنِ؛ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْجَرّاحِ، وَاسْمُهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ النّعْمَانِ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، أَخَوَيْنِ. وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَسَعْدُ بْنُ الرّبِيعِ، أَخُو بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، أَخَوَيْنِ. والزبير
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٢٤٤ ]
ابن الْعَوّامِ، وَسَلَامَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، أَخَوَيْنِ.
وَيُقَالُ: بَلْ الزّبَيْرُ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، حَلِيفُ، بَنِي زُهْرَةَ، أحوين، وعثمان ابن عَفّانَ، وَأَوْسُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ، أَخُو بَنِي النّجّارِ، أَخَوَيْنِ. وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، وكعب بن مالك، أخو بنى سلمة، أحوين. وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وأبىّ بن كعب، أَخُو بَنِي النّجّارِ: أَخَوَيْنِ؛ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمٍ، وَأَبُو أَيّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ، أَخُو بَنِي النّجّارِ: أَخَوَيْنِ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَعَبّادُ بْنُ بِشْرِ بْنِ وَقْشٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ:
أَخَوَيْنِ. وَعَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ، حَلِيفُ بَنِي مَخْزُومٍ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، أَخُو بَنِي عَبْدِ عَبْسٍ، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ: أَخَوَيْنِ وَيُقَالُ: ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشّمّاسِ، أَخُو بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، خَطِيبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَعَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ: أَخَوَيْنِ. وَأَبُو ذَرّ، وَهُوَ بُرَيْرُ بن جنادة الغفارىّ والمنذر ابن عَمْرٍو، الْمُعْنِقُ لِيَمُوتَ، أَخُو بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ: أَخَوَيْنِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَسَمِعْت غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: أَبُو ذرّ: جندب ابن جُنَادَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ، حَلِيفُ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، أَخَوَيْنِ، وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيّ، وَأَبُو الدّرْدَاءِ، عُوَيْمِرُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، أَخُو بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، أَخَوَيْنِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عُوَيْمِرُ بْنُ عَامِرٍ، وَيُقَالُ: عُوَيْمِرُ بْنُ زَيْدٍ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٢٤٥ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبِلَالٌ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ﵄، مُؤَذّنُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَبُو رُوَيْحَةَ، عَبْدُ اللهِ بن عبد الرحمن الخثعمى، ثم أحد الفزع، أخوين. فهؤلاء من سُمّيَ لَنَا، مِمّنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آخَى بَيْنَهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِ.
[بِلَالٌ يُوصِي بِدِيوَانِهِ لِأَبِي رُوَيْحَةَ]
فَلَمّا دَوّنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ الدّوَاوِينَ بِالشّامِ، وَكَانَ بِلَالٌ قَدْ خَرَجَ إلَى الشّامِ، فَأَقَامَ بِهَا مُجَاهِدًا، فَقَالَ عُمَرُ لِبِلَالٍ: إلَى مَنْ تَجْعَلُ دِيوَانَك يَا بِلَالُ؟
قَالَ: مَعَ أَبِي رُوَيْحَةَ، لَا أُفَارِقُهُ أَبَدًا، لِلْأُخُوّةِ الّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَقَدَ بَيْنَهُ وَبَيْنِي، فَضَمّ إلَيْهِ، وَضُمّ دِيوَانُ الْحَبَشَةِ إلَى خَثْعَمَ، لِمَكَانِ بِلَالٍ مِنْهُمْ، فَهُوَ فِي خَثْعَمَ إلَى هذا اليوم بالشام.
[أبو أمامة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَهَلَكَ فِي تِلْكَ الْأَشْهُرِ أبو أمامة، أسعد بن زرارة، والمسجد يا بنى، أخذته الذبحة أو الشهقة.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ: أَنّ رسول الله ﷺ، قال: بئس الميت أبو أمامة، ليهود ومنافقوا الْعَرَبِ يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ نَبِيّا لَمْ يَمُتْ صَاحِبُهُ، وَلَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي وَلَا لِصَاحِبِي مِنْ الله شيئا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٢٤٦ ]
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيّ: أَنّهُ لَمّا مَاتَ أَبُو أُمَامَةَ، أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، اجْتَمَعَتْ بَنُو النّجّارِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ أَبُو أُمَامَةَ نَقِيبَهُمْ، فَقَالُوا لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ هَذَا قَدْ كَانَ مِنّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ، فَاجْعَلْ مِنّا رَجُلًا مَكَانَهُ يُقِيمُ مِنْ أَمْرِنَا مَا كَانَ يُقِيمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لهم: أَنْتُمْ أَخْوَالِي، وَأَنَا بِمَا فِيكُمْ، وَأَنَا نَقِيبُكُمْ، وَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَخُصّ بِهَا بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ. فَكَانَ مِنْ فَضْلِ بَنِي النّجّارِ الّذِي يَعُدّونَ عَلَى قَوْمِهِمْ، أَنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نقيبهم.
ــ
بِلَادٌ فِي طَرِيقِ الْهِجْرَةِ:
وَذَكَرَ أَنّ دَلِيلَهُمَا سَلَكَ بِهِمَا عُسْفَانَ. قَالَ الْمُؤَلّفُ ﵁: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ أَنّهُ قَالَ: سُمّيَ عُسْفَانَ لِتَعَسّفِ السّيُولِ فِيهِ، وَسُئِلَ عَنْ الْأَبْوَاءِ «١» الّذِي فِيهِ قَبْرُ آمِنَةَ أُمّ النّبِيّ ﷺ: لِمَ سُمّيَ الْأَبْوَاءَ؟ فقال:
لأن السيول تتبوّءه أَيْ: تَحِلّ بِهِ، وَبِعُسْفَانَ فِيمَا رُوِيَ كَانَ مَسْكَنُ الْجُذَمَاءِ، وَرَأَيْت فِي بَعْضِ الْمُسْنَدَاتِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرّ بِعْسْفَانَ وَبِهِ الْجُذَمَاءُ فَأَسْرَعَ الْمَشْيَ وَلَمْ يَنْظُرْ الْيَهَم، وَقَالَ: إنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ الْعِلَلِ يعدى
_________________
(١) عسفان: قيل منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة، وقيل: عسفان بين المسجدين، وهى من مكة على مرحلتين، وقيل: هو قرية جامعة على ستة وثلاثين ميلا من مكة، وهى حد تهامة. والأبواء: قرية من أعمال الفرع من المدينة بينها وبين الجحفة مما يلى المدينة ثلاثة وعشرون ميلا، وقيل: جبل عن يمين آوه ويمين المصعد إلى مكة من المدينة «المراصد» .
[ ٤ / ٢٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَهُوَ هَذَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ مِنْ رِوَايَتِي، لِأَنّهُ فِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ بْن أَبِي أُسَامَةَ، وَقَدْ تَقَدّمَ اتّصَالُ سَنَدِي بِهِ، وَكُنْت رَأَيْته قَبْلُ فِي مُسْنَدِ وَكِيعِ بْنِ الْجَرّاحِ، وَلَيْسَ لى فِيهِ إسْنَادٌ.
فَصْلٌ: وَذَكَرَ أَنّ دَلِيلَهُمْ سَلَكَ بهم أمجا ثُمّ ثَنِيّةَ الْمُرّةِ، كَذَا وَجَدْته مُخَفّفَ الرّاءِ مُقَيّدًا، كَأَنّهُ مُسَهّلُ الْهَمْزَةِ مِنْ الْمَرْأَةِ.
وَذَكَرَ لَقْفًا بِفَتْحِ اللّامِ مُقَيّدًا فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ:
لَفْتًا، وَاسْتَشْهَدَ ابن هشام يقول مَعْقِلِ [بْنِ خُوَيْلِدٍ] الْهُذَلِيّ:
نَزِيعًا مُحْلَبًا مِنْ أهل لفت لحىّ بين أثلة فالنّجام «١»
وَأَلْفَيْت فِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ قَالَ: لِفْتٌ بِكَسْرِ اللّامِ أَلْفَيْته فِي شِعْرِ مَعْقِلٍ هَذَا فِي أَشْعَارِ هُذَيْلٍ فِي نُسْخَتِي، وَهِيَ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ جِدّا، وَكَذَلِكَ أَلْفَاهُ مَنْ وَثِقْته وَكَلّفْته أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ لِي فِي شعر معقل هذا فى أشعار
_________________
(١) النزيع: الغريب والبعيد أو من أمه سبية أو الشريف. والمحلب: المعين من غير قومك. وقد رواه اللسان فى مادة حلب: صريح محلب من أهل نجد إلخ. وفى المراصد عن لفت: قيده القاضى عياض على ثلاثة أوجه: بفتح اللام وسكون الفاء ولفت بالتحريك، وبكسر اللام وسكون الفاء وهى ثنية بين مكة والمدينة قيل: هى ثنية جبل قديد وستأتى والبيت والذى بعده فى معجم البكرى فى مادة لفت «صريخا محليا» وقد ضبطها بكسر اللام وفتحها فقط مع سكون الفاء.
[ ٤ / ٢٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هُذَيْلٍ مَكْسُورُ اللّامِ فِي نُسْخَةِ أَبِي عَلِيّ الْقَالِيّ الْمَقْرُوءَةِ عَلَى الزّيَادِيّ، ثُمّ عَلَى الْأَحْوَلِ، ثُمّ قَرَأْتهَا عَلَى ابْنِ دُرَيْدٍ ﵀، وَفِيهَا صَرِيحًا مُحْلِبًا، وَكَذَلِكَ كَانَ الضّبْطُ فِي هذا الكتاب قديما، حتى ضبطته بِالْفَتْحِ عَنْ الْقَاضِي، وَعَلَى مَا وَقَعَ فِي غَيْرِهَا. انْتَهَى كَلَامُ أَبِي بَحْرٍ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيّ: لَفْتًا، فَقَيّدَهُ بِكَسْرِ اللّامِ كما ذكر أبو بحر وأنشد قبله:
لغمرك مَا خَشِيت، وَقَدْ بَلَغْنَا جِبَالَ الْجَوْزِ مِنْ بَلَدٍ تَهَامِ
صَرِيحًا مُحْلِبًا الْبَيْتُ.
وَذَكَرَ الْمَوَاضِعَ التى سلك عليها، وذكر فيها مجاج بِكَسْرِ الْمِيمِ وَجِيمَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ فِيهَا: مَجَاجٌ بِالْفَتْحِ، وَقَدْ أَلْفَيْت شَاهِدًا لِرِوَايَةِ ابن إسحاق فى لقف، وفيه ذكر مجاح بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَ الْجِيمِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمّدِ ابن عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ:
لَعَنَ اللهُ بَطْنَ لقف مسيلا ومجاحا وَمَا أُحِبّ مَجَاحًا
لَقِيت نَاقَتِي بِهِ، وَبِلِقْفٍ بَلَدًا مُجْدِبًا وَأَرْضًا شَحَاحًا
هَكَذَا ذَكَرَهُ الزّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَلِقْفٌ آخَرُ غَيْرُ لَفْتٍ فِيمَا قَالَ الْبَكْرِيّ.
وَذَكَرَ مُرَجّحَ بتقديم الْجِيمِ عَلَى الْحَاءِ، وَذَكَرَ مُدْلِجَةَ تِعْهِنَ «١» بِكَسْرِ التاء
_________________
(١) فى النهاية لابن الأثير: قال أبو عبيد: إنما هو الجد وهو البئر الجيدة المواضع من الكلأ.
[ ٤ / ٢٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْهَاءِ، وَالتّاءُ فِيهِ أَصْلِيّةٌ عَلَى قِيَاسِ النّحْوِ فَوَزْنُهُ فِعْلِلٌ إلّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ مِنْ اشْتِقَاقٍ عَلَى زِيَادَةِ التّاءِ، أَوْ تَصِحّ رِوَايَةُ مَنْ رَوَاهُ تُعْهِنُ بِضَمّ التّاءِ، فَإِنْ صَحّتْ فَالتّاءُ زَائِدَةٌ، كُسِرَتْ أَوْ ضُمّتْ «١» وَبِتِعْهِنَ صَخْرَةٌ، يُقَالُ لَهَا: أُمّ عِقْيٍ عُرِفَتْ بِامْرَأَةِ كَانَتْ تَسْكُنُ هُنَاكَ، فَمَرّ بِهَا النّبِيّ ﷺ وَاسْتَسْقَاهَا فَلَمْ تَسْقِهِ، فَدَعَا عَلَيْهَا فَمُسِخَتْ صَخْرَةً، فَهِيَ تِلْكَ الصّخْرَةُ فِيمَا يَذْكُرُونَ.
وَذَكَرَ الْجَدَاجِدَ بِجِيمَيْنِ وَدَالَيْنِ كَأَنّهَا جَمْعُ جُدْجُدٍ، وَأَحْسَبُهَا آبَارًا فَفِي، الْحَدِيثِ: أَتَيْنَا عَلَى بِئْرِ جُدْجُدٍ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الصّوَابُ: بِئْرٌ جُدّ أَيْ قَدِيمَةٌ، وَقَالَ الْهَرَوِيّ عَنْ الْيَزِيدِيّ: وَقَدْ يُقَالُ: بِئْرٌ جُدْجُدٍ قَالَ: وَهُوَ كَمَا يُقَالُ فِي الْكُمّ كُمْكُمٌ وَفِي الرّفّ رَفْرَفٌ.
وَذَكَرَ الْعَبَابِيدَ كَأَنّهُ جَمْعُ عَبّادٍ، وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هِيَ الْعَبَابِيبُ، كَأَنّهَا جَمْعُ: عُبَابٍ مِنْ عَبَبْت الْمَاءَ عَبّا، فَكَأَنّهَا- وَاَللهُ أَعْلَمُ- مِيَاهٌ تُعَبّ عُبَابًا أَوْ تُعَبّ عَبّا.
وَذَكَرَ الْفَاجّةَ بِفَاءِ وَجِيمٍ، وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هِيَ: الْقَاحّةُ بِالْقَافِ والحاء «٢» .
_________________
(١) فى المراصد: ضبط تعهن: بكسر أوله وهائه وتسكين العين وآخره نون اسم عين ماء على ثلاثة أميال من السقيا بين مكة والمدينة. وفى معجم البلدان روى بفتح أوله كسر هائه وبضم أوله.
(٢) هى- كما قال ابن هشام- فى المراصد، وأنها على ثلاث مراحل من المدينة قبل السقيا، وقيل: موضع بين الجحفة وقديد.
[ ٤ / ٢٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قِصّةُ أَوْسِ بْنِ حَجَرٍ:
وَذَكَرَ قُدُومَهُمْ عَلَى أَوْسِ بْنِ حَجَرٍ، وَهُوَ أَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَجَرٍ الْأَسْلَمِيّ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ: ابْنُ حَجَرٍ، وَهُوَ قَوْلُ الدّارَقُطْنِيّ، وَالْمَعْرُوفُ، ابْنُ حُجْرٍ بِضَمّ الْحَاءِ، وَقَدْ تَقَدّمَ فِي الْمَبْعَثِ ذِكْرُ مَنْ اسْمُهُ حُجْرٌ «١» فِي أَنْسَابِ قُرَيْشٍ، وَمَنْ يُسَمّى: حُجْرًا مِنْ غَيْرِهِمْ بِسُكُونِ الْجِيمِ، وَمَنْ يُسَمّى الْحِجْرَ بِكَسْرِ الْحَاءِ، فَانْظُرْهُ هُنَالِكَ عِنْدَ ذِكْرِ خَدِيجَةَ وَأُمّهَا، وَلَا يُخْتَلَفُ فِي أوس بن ابن حُجْرٍ أَنّهُ بِفَتْحَتَيْنِ.
وَذَكَرَ أَنّ أَوْسًا حَمَلَ رسول اللهﷺ- على حمل لَهُ، يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الرّدّاءِ، وَفِي رِوَايَةِ يونس بن بكير عن ابن إسحق يُقَالُ لَهُ:
الرّدّاحُ، وَفِي الْخَطّابِيّ أَنّهُ قَالَ لِغُلَامِهِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ مَسْعُودُ بْنُ هُنَيْدَةَ: اُسْلُكْ بِهِمْ الْمَخَارِقَ بِالْقَافِ، قَالَ: وَالصّحِيحُ الْمَخَارِمَ، يَعْنِي: مَخَارِمَ الطّرِيقِ، وَفِي النّسَوِيّ أَنّ مَسْعُودًا هَذَا قَالَ: فَكُنْت آخُذُ بِهِمْ أَخْفَاءَ الطّرِيقِ. وَفِقْهُ هَذَا أَنّهُمْ كَانُوا خَائِفِينَ، فَلِذَلِكَ كَانَ يَأْخُذُ بهم إخفاء الطريق ومخارقه، وذكر
_________________
(١) فى الاشتقاق: أوس بن حجر بفتح الحاء والجيم، وفيه أيضا: «وقد سمت العرب حجرا وحجرا، وحجيرا» ص ٢٠٧. وفى القاموس: «حجر بالضم وبضمتين: والد امرىء القيس وجده الأعلى وابن ربيعة، وابن عدى وابن النعمان وابن يزيد صحابيون، وابن العنبس: تابعى وبالتحريك والد أوس الصحابى، ووالد الجاهل الشاعر، ووالد أنس المحدث، أوهما بالفتح.
[ ٤ / ٢٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النّسَوِيّ فِي حَدِيثِ مَسْعُودٍ هَذَا: أَنّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لَهُ: ائْتِ أَبَا تَمِيمٍ، فَقُلْ لَهُ:
يَحْمِلُنِي عَلَى بَعِيرٍ وَيَبْعَثُ إلَيْنَا بِزَادِ، وَدَلِيلٍ يَدُلّنَا، فَفِي هَذَا أَنّ أَوْسًا كَانَ يُكَنّى أَبَا تَمِيمٍ، وَأَنّ مَسْعُودًا هَذَا قَدْ رَوَى عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ- وَحَفِظَ عَنْهُ حَدِيثًا فِي الْخَمْسِ وَحَدِيثًا فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ بِالْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ ذَكَرَهُ النّسَوِيّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، غَيْرَ أَنّهُ قَالَ فِي مَسْعُودٍ هَذَا: غُلَامُ فَرْوَةَ الْأَسْلَمِيّ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: قَدْ قِيلَ فِي أَوْسٍ هَذَا إنّ اسْمَهُ تَمِيمٌ، وَيُكَنّى أَبَا أَوْسٍ فَاَللهُ أَعْلَمُ «١» .
وَرُوِيَ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قَالَ لِمَسْعُودِ حِينَ انْصَرَفَ إلَى سَيّدِهِ مرسيدك أَنْ يَسِمَ الْإِبِلَ فِي أَعْنَاقِهَا قَيْدَ الْفَرَسِ «٢»، فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ سِمَتُهُمْ فِي إبِلِهِمْ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي شَرْحِ قَصِيدَةِ أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: مُوَسّمَةُ الْأَعْضَادِ أَسْمَاءَ السّمَاتِ كَالْعِرَاضِ وَالْخِبَاطِ وَالْهِلَالِ، وَذَكَرْنَا قَيْدَ الْفَرَسِ، وَأَنّهُ سِمَةٌ فِي أعناقها، وقول الراجز:
_________________
(١) قصة أوس لم يروها أحد من أصحاب الكتب السنة، فالذين رووها هم البغوى وابن السكن وابن مندة أو الطبرانى. وقصة مسعود بن هنيدة عند الحاكم فى الأكليل. واسم أوس يتردد فى الإصابة تميم بن أوس بن حجر أنى أوس الأسلمى وبين أَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَجَرٍ الْأَسْلَمِيّ ويكنى: أبا تميم وربما ينسب إلى جده فقيل: أوس بن حجر وفيه عمن روى عنهم أنه لقى النبى ﷺ وأبا بكر وهما متوجهان إلى المدينة بقحد وات بين الجحفة وهرشى، وهما على جمل، فحملهما على فحل له من إبله. وأوس من أهل العرج. وقال ابن حبان والطبرانى: له صحبة، ولم يخرج حديثه.
(٢) صورة هذه السمة: حلقتان بينهما مدة «مفردات ابن الأثير واللسان» وذكر الجوهرى أنها سمة تكون فى عنق البعير على صورة القيد.
[ ٤ / ٢٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كُومٌ عَلَى أَعْنَاقِهَا قَيْدُ الْفَرَسْ تَنْجُو إذَا اللّيْلُ تَدَانَى وَالْتَبَسْ
مَتَى قَدِمَ الرّسُولُ ﷺ الْمَدِينَةَ؟
كَانَ قُدُومُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوّلِ، وَفِي شَهْرِ أَيْلُولَ مِنْ شُهُورِ الْعَجَمِ، وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ قَدِمَهَا لِثَمَانِ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوّلِ، وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيّ: خَرَجَ مِنْ الْغَارِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ أَوّلَ يَوْمٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوّلِ، ودخل المدينة يوم الجمعة لثنتى عشرة منه، وَكَانَتْ بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ أَوْسَطَ أَيّامِ التّشْرِيقِ «١» .
كُلْثُومُ بْنُ الْهِدْمِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ نُزُولَ رسول اللهﷺ- على كُلْثُومِ بْنِ الْهِدْمِ، وَكُلْثُومٌ هَذَا كُنْيَتُهُ أَبُو قيس، وهو كلثوم بن الهدم ابن امرىء الْقَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ «٢»، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا مَاتَ بَعْدَ قُدُومِ رَسُولِ اللهِﷺ- الْمَدِينَةَ بِيَسِيرِ، هُوَ أَوّلُ مَنْ مَاتَ مِنْ الْأَنْصَارِ بَعْدَ قُدُومِ النّبِيّ ﷺ، ثُمّ مَاتَ بَعْدَهُ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ بِأَيّامِ، وَسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ، وَأَنّهُ كَانَ يُقَالُ لِبَيْتِهِ: بَيْتُ الْعُزّابِ هَكَذَا رُوِيَ، وَصَوَابُهُ: الأعزب؛ لأنه
_________________
(١) فى الفتح: ليلة وحول تاريخ دخوله المدينة يدور خلاف شديد. انظر ص ٣٥٠ وما بعدها ح ١ شرح المواهب للزرقانى.
(٢) فى جمهرة ابن حزم يرد بعد الحارث بن زيد ما يأتى: بن عبيد بن زيد إلخ.
[ ٤ / ٢٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جَمْعُ عَزَبٍ، يُقَالُ: رَجُلٌ عَزَبٌ، وَامْرَأَةٌ عَزَبّ، وَقَدْ قِيلَ: امْرَأَةٌ عَزَبَةٌ بِالتّاءِ «١» .
تَأْسِيسُ مَسْجِدِ قُبَاءٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ تَأْسِيسَ مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَأَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسّسَهُ لِبَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ثُمّ انْتَقَلَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ أَسّسَهُ، كَانَ هُوَ أَوّلَ مَنْ وَضَعَ حَجَرًا فِي قِبْلَتِهِ، ثُمّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِحَجَرِ فَوَضَعَهُ، ثُمّ جَاءَ عُمَرُ بِحَجَرِ فَوَضَعَهُ إلَى حَجَرِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمّ أَخَذَ النّاسُ فِي الْبُنْيَانِ. فِي الْخَطّابِيّ عَنْ الشّمُوسِ بِنْتِ النّعْمَانِ [بْنِ عامر ابن مُجْمِعٍ الْأَنْصَارِيّةِ] قَالَتْ: كَانَ النّبِيّ ﷺ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ قُبَاءٍ يَأْتِي بِالْحَجَرِ قَدْ صَهَرَهُ إلَى بَطْنِهِ، فَيَضَعُهُ فَيَأْتِي الرّجُلُ يُرِيدُ أَنْ يُقِلّهُ فَلَا يَسْتَطِيعُ حَتّى يَأْمُرَهُ أَنْ يَدَعَهُ وَيَأْخُذَ غَيْرَهُ. يُقَالُ: صَهَرَهُ وَأَصْهَرَهُ إذَا أَلْصَقَهُ بِالشّيْءِ، وَمِنْهُ اشْتِقَاقُ الصّهْرِ فِي الْقَرَابَةِ «٢»، وَهَذَا الْمَسْجِدُ أَوّلُ مَسْجِدٍ بُنِيَ فِي الْإِسْلَامِ، وَفِي أَهْلِهِ نَزَلَتْ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا التّوْبَةُ: ١٠٨ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْمَسْجِدِ الّذِي أُسّسَ عَلَى التّقْوَى، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْمَسْجِدِ الّذِي أُسّسَ عَلَى التّقْوَى، فَقَالَ: هُوَ
_________________
(١) فى اللسان: رجل عزب ومعذابة لا أهل له، ونظيره: مطرابة. ومطواعة. وامرأة عزبة وعزب: لا زوج لها والجمع أعزاب والعزاب الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء.
(٢) فى رواية أخرى: فبصره إلى بطنه: أى أضافه وأماله.
[ ٤ / ٢٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَسْجِدِي هَذَا، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ: وَفِي الْآخَرِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، وَقَدْ قَالَ لِبَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ حِينَ نَزَلَتْ: «لَمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى التّقوى» مَا الطّهُورُ الّذِي أَثْنَى اللهُ بِهِ عَلَيْكُمْ؟ فَذَكَرُوا لَهُ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ بَعْدَ الِاسْتِجْمَارِ بِالْحَجَرِ، فقال: هوذا كم فَعَلَيْكُمُوهُ» «١» وَلَيْسَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ تَعَارُضٌ كِلَاهُمَا أُسّسَ عَلَى التّقْوَى، غَيْرَ أَنّ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: مِنْ أول يوم يَقْتَضِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ لِأَنّ تَأْسِيسَهُ كَانَ فِي أَوّلِ يَوْمٍ مِنْ حُلُولِ رَسُولِ اللهِﷺ- دَارُ مُعْجِزَتِهِ وَالْبَلَدُ الّذِي هُوَ مُهَاجَرُهُ.
التّارِيخُ الْعَرَبِيّ:
وَفِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ وَقَدْ عُلِمَ أَنّهُ لَيْسَ أَوّلَ الْأَيّامِ كُلّهَا، وَلَا أَضَافَهُ إلَى شَيْءٍ فِي اللّفْظِ الظّاهِرِ [فَتَعَيّنَ أَنّهُ أُضِيفَ إلَى شَيْءٍ مُضْمَرٍ] فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ صِحّةُ مَا اتّفَقَ عَلَيْهِ الصّحَابَةُ مَعَ عُمَرَ حِينَ شَاوَرَهُمْ فِي التّارِيخِ، فَاتّفَقَ رَأْيُهُمْ أَنْ يَكُونَ التّارِيخُ مِنْ عَامِ الْهِجْرَةِ لِأَنّهُ الْوَقْتُ الّذِي عَزّ فِيهِ الْإِسْلَامُ، وَاَلّذِي أُمّرَ فِيهِ النّبِيّﷺ- وَأَسّسَ الْمَسَاجِدَ. وَعَبَدَ اللهَ آمِنًا كَمَا يُحِبّ «٢»، فَوَافَقَ رَأْيَهُمْ هَذَا ظَاهِرُ التّنْزِيلِ، وَفَهِمْنَا الْآنَ بفعلهم أن قوله
_________________
(١) ورد هذا فى روايات بينها وبين بعضها خلاف فى الطبرانى وأحمد وابن خزيمة. وقد أخرج عبد الرزاق والبخارى عن عروة وابن عائذ عن ابن عباس: الذى بنى فيهم المسجد الذى أسس على التقوى هم بنو عمرو بن عوف. ولكن ورد فى مسلم وأحمد والترمذى عن أبى سعيد الخدرى أنه مسجد المدينة، وبهذا جرم الإمام مالك.
(٢) نقل الحافظ فى الفتح عبارة السهيلى، فقال: «وأفاد السهيلى أن الصحابة اخذوا التاريخ بالهجرة من قوله تعالى لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ لأن من. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المعلوم أنه ليس أول الأيام مطلقا، فتبين أنه أضيف إلى شىء مضمر، وهو أول الزمن الذى عز فيه الإسلام، وعبد فيه النبى «ص» ربه آمنا، وابتدأ بناء المسجد، فوافق رأى الصحابة ابتداء التاريخ من ذلك اليوم، وفهمنا من فعلهم أن قوله تعالى من أول يوم أنه أول أيام التاريخ الإسلامى. كذا قال- يعنى السهيلى» ويعقب الحافظ على هذا بقوله: «والمتبادر أن معنى قوله من أول يوم أى دخل فيه النبى «ص» وأصحابه المدينة، والله أعلم» . ويقول ابن المنير: «كلام السهيلى تكلف وتعسف وخروج عن تقدير الأقدمين، فإنهم قدروه: من تأسيس أول يوم فكأنه قيل: من أول يوم وقع فيه التأسيس وهذا تقدير تقتضيه العربية» ص ٣٥٣ ج ١ المواهب. وعن أمر التاريخ روى الحاكم فى الإكليل عن الزهرى أن النبى «ص» هو الذى أمر بالتاريخ وهو بقباء. والحديث معضل والمشهور خلافه. وأخرج أبو نعيم الفضل بن دكين فى تاريخه ومن طريقه الحاكم من طريق الشعبى أن أبا موسى كتب إلى عمر إنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس، فقال بعضهم، أرخ بالمبعث، وبعضهم: بالهجرة، فقال عمر: الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا بها أو بالمحرم، لأنه منصرف الناس من حجهم، فاتفقوا عليه، وذلك سنة سبع عشرة، وقيل كما روى ابن خيثمة عن ابن سيرين سنة سبع عشرة. وقيل: ست عشرة فى ربيع الأول والذى يفهم من مجموع الآثار أن الذى أشار بالمحرم عمر وعثمان وعلى وقيل: إن أول من أرخ يعلى بن أمية حين كان باليمن حكاه مغلطاى، ورواه أحمد بإسناد صحيح عن يعلى لكن فيه انقطاع بين عمرو بن دينار ويعلى. ويقول الزرقانى: «ولم يؤرخوا بالمولد ولا بالمبعث، لأن وقتهما لا يخلو من نزاع من حيث الاختلاف فيهما، ولا بالوفاة النبوية لما يقع فى تذكره من الأسف والتألم على فراقه ص ٢١٤ ح ٧ فتح البارى وص ٣٥٢ ح ١ شرح المواهب وأقول من يتدبر كلمة عمر ﵁ فى وصف الهجرة يعرف لماذا اختاروا التاريخ بالهجرة دون غيره، وعن التاريخ العربى انظر كتاب المحبر لمحمد بن حيلب ص ٥ ط الهند.
[ ٤ / ٢٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سُبْحَانَهُ مِنْ أَوّلِ يَوْمٍ أَنّ ذَلِكَ الْيَوْمَ هو أول أيام التاريخ الذى يورّخ بِهِ الْآنَ، فَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَخَذُوا هَذَا مِنْ الْآيَةِ، فَهُوَ الظّنّ بِأَفْهَامِهِمْ، فَهُمْ أَعْلَمُ النّاسِ بِكِتَابِ اللهِ وَتَأْوِيلِهِ، وَأَفْهَمُهُمْ بِمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ إشَارَاتٍ وَإِفْصَاحٍ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَنْ رَأْيٍ وَاجْتِهَادٍ، فَقَدْ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَكُونُوا وَأَشَارَ إلَى صِحّتِهِ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ، إذْ لَا يُعْقَلُ قَوْلُ الْقَائِلِ:
فَعَلْته أَوّلَ يَوْمٍ إلّا بِإِضَافَةِ إلَى عَامٍ مَعْلُومٍ أَوْ شَهْرٍ مَعْلُومٍ، أَوْ تَارِيخٍ مَعْلُومٍ، وَلَيْسَ هَاهُنَا إضَافَةٌ فِي الْمَعْنَى إلّا إلَى هَذَا التّارِيخِ الْمَعْلُومِ لِعَدَمِ الْقَرَائِنِ الدّالّةِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ قَرِينَةِ لَفْظٍ أَوْ قَرِينَةِ حَالٍ فَتَدَبّرْهُ فَفِيهِ مُعْتَبَرٌ لِمَنْ اذّكّرَ وَعِلْمٌ لِمَنْ رَأَى بِعَيْنِ فُؤَادِهِ وَاسْتَبْصَرَ وَالْحَمْدُ لِلّهِ.
مِنْ وَدُخُولُهَا عَلَى الزّمَانِ:
وَلَيْسَ يَحْتَاجُ فِي قَوْلِهِ مِنْ أَوّلِ يَوْمٍ إلَى إضْمَارٍ كَمَا قَرّرَهُ بَعْضُ النّحَاةِ: مِنْ تَأْسِيسِ أَوّلِ يَوْمٍ، فِرَارًا مِنْ دُخُولِ مِنْ عَلَى الزّمَانِ، وَلَوْ لَفَظَ بِالتّأْسِيسِ لَكَانَ مَعْنَاهُ مِنْ وَقْتِ تَأْسِيسِ أَوّلِ يَوْمٍ، فَإِضْمَارُهُ لِلتّأْسِيسِ لَا يُفِيدُ شَيْئًا، وَمِنْ تَدْخُلُ عَلَى الزّمَانِ، وَغَيْرِهِ، فَفِي التّنْزِيلِ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَالْقَبْلُ وَالْبَعْدُ زَمَانٌ، وَفِي الْحَدِيثِ: مَا مِنْ دَابّةٍ إلّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ «١» يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينِ تَطْلُعُ الشّمْسُ إلَى أَنْ تَغْرُبَ، وَفِي شعر النابغة [فى وصف سيوف]:
_________________
(١) يروى: مسيخة أى مصغية.
[ ٤ / ٢٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تُوُرّثْنَ مِنْ أَزْمَانِ يَوْمِ حَلِيمَةَ إلَى الْيَوْمِ قد جرّ بن كلّ التّجارب «١»
_________________
(١) جاء فى مغنى اللبيب عن من ما يأتى تأتى على خمسة عشر وجها أحدها: ابتداء الغاية، وهو الغالب عليها حتى ادعى جماعة أن سائر معانيها راجعة إليه، وتقع لهذا المعنى فى غير الزمان نحو: من المسجد الحرام. إنه من سليمان قال الكوفيون والأخفش والمبرد وابن درستويه: وفى الزمان أيضا بدليل: من أول يوم، وفى الحديث: فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة. وقال النابغة: تخيرن من أزمان يوم حليمة إلى اليوم قد جربن كل التجارب وقيل: التقدير من مضى أزمان يوم حليمة، ومن تأسيس أول يوم، ورده السهيلى بأنه لو قيل هكذا لاحتيج إلى تقدير الزمان» وعلق الأمير فى حاشيته على هذا بقوله: «الظاهر أنه لا رد وأنه لا مانع من جعله نفس المضى» والتأسيس مبدأ كما تجعل الدار مبدأ للخروج، ولا حاجة لتقدير زمن، ثم معنى ابتداء الخروج مثلا من الدار أنه أول ما تحقق نشأ منها وكذا ابتداء العلم من زيد فى قولك أخذت العلم من زيد، وليس بلازم أن الخروج مثلا أمر ممتد له مبدأ لما أنه يقال: خرجت من الدار بمجرد مفارقته لها، وكذلك الابتداء فى إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة أى نداء ناشئا من يوم الجمعة، وأما من أول يوم، فالمراد بالتأسيس فيه: الوضع والبناء لا خصوص وضع الأساس الذى لا يمتد، وتوقف الرضى فى معنى الابتداء فى الآيتين، وقال: الظاهر أنها بمعنى فى، ونيابة حروف الجر بعضها عن بعض غير عزيزة، ثم قال: الظاهر مذهب الكوفيين، وأنها تأتى للابتداء فى الزمان إذ لا مانع من قولك صمت من أول الشهره إلى آخره. ونمت من أول الليل إلى آخره» وأقول إن من تفيد ابتداء الغاية المكانية باتفاق من البصريين والكوفيين، بدليل أن الغاية تنتهى بعدها. ويرى الكوفيون والأخفش والمبرد وابن درستويه وبعض البصريين أنها تفيد أيضا ابتداء الغاية الزمانية. والشاهد ما ذكر والحديث المروى فى البخارى: فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة، وقول بعض العرب الذى رواه الأخفش فى المعانى: من الآن إلى الغد:
[ ٤ / ٢٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تقد السّلوقىّ المضاعف نسجه ويوقدون بِالصّفّاحِ نَارَ الْحُبَاحِبِ]
وَبَيْنَ مِنْ الدّاخِلَةِ عَلَى الزّمَانِ، وَبَيْنَ مُنْذُ فَرْقٌ بَدِيعٌ قَدْ بَيّنّاهُ فى شرح آية الوصية «١» .
_________________
(١) والبيت للنابغة الذبيانى كما قال من قصيدته التى مدح بها النعمان وأولها: كلينى لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطىء الكواكب والرواية المشهورة: تخيرن بدلا من تورثن. والشاهد فى البيت قوله: من أزمان حيث جاءت من هنا لابتداء الغاية أى المسافة فى الزمان، وقد أجاب البصريون القائلون بأنها لابتدء الغاية فى المكان فقط عن هذا بقولهم إن فى البيت حذف مضاف: أى من استقرار زمان يوم حليمة ورد عليهم بأن الأصل عدم الحذف. ويوم حليمة نسبة إلى حليمة بنت الحارث بن أبى شمر ملك غسان ولخم، وكان أبوها وجه جيشا إلى المنذر بن ماء السماء، فأخرجت لهم طيبا فطيبتهم، فقالوا ما يوم حليمة بسر. يضرب مثلا فى كل أمر متعالم مشهور. وقال المبرد: هو أشهر أيام العرب. وفى هذا اليوم قتل المنذر، وقيل قتل فى يوم عين أباغ وهو يوم وقعة بين غسان ولخم أيضا «أنظر مجمع الأمثال رقم ٣٨١٤ ح ١ السنة المحمدية والتصريح على التوضيح لابن هشام والأزهرى ص ٧ ح ٢ ط مصطفى محمد، ص ٢٠٥ شرح شواهد ابن عقيل للشيخ عبد المنعم الجرجاوى ص ١٩١٤ م ص ١٣ ح ٢ من مغنى اللبيب لأبى محمد جمال الدين عبد الله بن يوسف بن أحمد ابن عبد الله بن هشام ط ١٣٢٨ هـ» .
(٢) أنظر معنى منذ ومذ فى مغنى اللبيب تحت المادة، وفى نوادر أبى زيد: «منذ ومذ لابتداء الغاية فى الزمان، ومن لابتداء الغاية فى سائر الأشياء والزمان وإن انفرد بمنذ ومذ، فالأصل فيه أن تدخل عليه من» ص ٢١»
[ ٤ / ٢٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَحَلْحَلَ وَتَلَحْلَحَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ لِقَاءَ كُلّ قَبِيلَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ لَهُ يَقُولُونَ: هَلُمّ إلَيْنَا يَا رَسُولَ اللهِ إلَى الْعَدَدِ وَالْعُدّةِ، فَيَقُولُ: خَلّوا سَبِيلَهَا فَإِنّهَا مَأْمُورَةٌ حَتّى بَرَكَتْ بِمَوْضِعِ مَسْجِدِهِ، وَقَالَ تَحَلْحَلَتْ وَرَزَمَتْ وَأَلْقَتْ بِجِرَانِهَا أَيْ: بِعُنُقِهَا، وَفَسّرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَلَى تَلَحْلَحَ أَيْ: لَزِمَ مَكَانَهُ، وَلَمْ يَبْرَحْ، وَأَنْشَدَ:
أُنَاسٌ إذَا قِيلَ انْفِرُوا قَدْ أَتَيْتُمْ أَقَامُوا عَلَى أَثْقَالِهِمْ وَتَلَحْلَحُوا
قَالَ: وَأَمّا تَحَلْحَلَ بِتَقْدِيمِ الْحَاءِ عَلَى اللّامِ فَمَعْنَاهُ: زَالَ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَهَذَا الّذِي قَالَهُ قَوِيّ مِنْ جِهَةِ الِاشْتِقَاقِ، فَإِنّ التّلَحْلُحَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ لَحِحَتْ عَيْنُهُ: إذَا الْتَصَقَتْ، وهو ابن عمّى لحّا «١» .
_________________
(١) فى اللسان «لححت عينه تلحح لححا بإظهار التضعيف، وهو أحد الأحرف التى أخرجت على الأصل من هذا الضرب منبهة على أصلها ودليلا على أولية حالها، والإدغام لغة» وفى إصلاح المنطق لابن السكيت: «كل ما كان على فعلت ساكنة التاء من ذوات التضعيف، فهو مدغم نحو: صمت المرأة وأشباهه إلا أحرفا جاءت نوادر فى إظهار التضعيف، وهى: لححت عينه: إذا النصقت، ومنه قيل: هو ابن عمى لحا، وهو ابن عم لح ولح. وقد مششت الدابة وصككت، وقد ضبب البلد: إذا كثر ضبابه، وقد ألل السقاء: إذا تغيرت ريحه، وقد قطط شعره» ص ٢٤٢ إصلاح المنطق لابن السكيت ط المعارف وفى اللسان: «وهو ابن عم لح فى النكرة بالكسرة لأنه نعت للعم، وابن عمى لحا فى المعرفة أى: لازق النسب من ذلك، ونصب لحا على الحال، لأن ما قبله معرفة، والواحد والاثنان والجميع والمؤنث فى هذا سواء بمنزلة الواحد. وقال اللحيانى: هما ابنا عم لح ولحا وهما ابنا خالة، ولا يقال: هما ابنا خال لحا، ولا ابنا عمة لحا لأنهما
[ ٤ / ٢٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَمّا التّحَلْحُلُ: فَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الْحَلّ وَالِانْحِلَالِ بَيّنٌ، لِأَنّهُ انْفِكَاكُ شَيْءٍ مِنْ شَيْءٍ، وَلَكِنّ الرّوَايَةَ فِي سِيرَةِ ابْنِ إسْحَاقَ: تَحَلْحَلَتْ بِتَقْدِيمِ الْحَاءِ عَلَى اللّامِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَعْنَى إلّا أَنْ يَكُونَ مَقْلُوبًا مِنْ تَلَحْلَحَتْ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: لُصِقَتْ بِمَوْضِعِهَا، وَأَقَامَتْ عَلَى الْمَعْنَى الّذِي فَسّرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي تَلَحْلَحَتْ.
وَأَمّا قَوْلُهُ: وَرَزَمَتْ فَيُقَالُ: رَزَمَتْ النّاقَةُ رُزُومًا إذَا أَقَامَتْ مِنْ الْكَلَالِ وَنُوقٌ رَزْمَى، وَأَمّا أَرْزَمَتْ بِالْأَلِفِ، فَمَعْنَاهُ: رَغَتْ، وَرَجَعَتْ فِي رُغَائِهَا، وَيُقَالُ مِنْهُ: أَرْزَمَ الرّعْدُ، وَأَرْزَمْت الرّيحُ قَالَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ، وَفِي غَيْرِ هَذِهِ السّيرَةِ: أَنّهَا لَمّا أَلْقَتْ بِجِرَانِهَا فِي دَارِ بَنِي النّجّارِ جَعَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، وَهُوَ جَبّارُ بْنُ صَخْرٍ يَنْخُسُهَا رَجَاءَ أَنْ تَقُومَ فَتَبْرُكَ فِي دَارِ بَنِي سَلِمَةَ، فَلَمْ تَفْعَلْ.
الْمِرْبَدُ وَصَاحِبَاهُ:
وَقَوْلُهُ كَانَ الْمَسْجِدُ مِرْبَدًا. الْمِرْبَدُ وَالْجَرِينُ [وَالْجُرْنُ وَالْمِجْرَنُ] وَالْمِسْطَحُ «١» وَهُوَ بِالْفَارِسِيّةِ: مِشْطَاحٌ وَالْجُوخَارُ وَالْبَيْدَرُ وَالْأَنْدَرُ لُغَاتٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ لِلْمَوْضِعِ الّذِي يُجْعَلُ فِيهِ الزّرْعُ وَالتّمْرُ لِلتّيْبِيسِ، وَأَنْشَدَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمِسْطَحِ [لِتَمِيمِ بن مقبل]:
_________________
(١) مفترقان، إذ هما رجل وامرأة، وإذا لم يكن ابن العم لحا، وكان رجلا من العشيرة قلت: هو ابن عم الكلالة، وابن عم كلالة، هذا والبيت الذى أنشده بن قتيبة هو لابن مقبل وروايته فى اللسان: بحى إذا قيل: اظعنوا إلخ.
(٢) المسطح تكسر ميمه وتفتح.
[ ٤ / ٢٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَرَى الْأَمْعَزَ الْمَحْزُوّ فِيهِ كَأَنّهُ مِنْ الْحَرّ فِي نَحْرِ الظّهِيرَةِ مِسْطَحُ «١»
قَالَ: وَالْمَحْزُوّ مِنْ: حزؤت الشّيْءَ: إذَا أَظْهَرْته. وَالْمِسْطَحُ هُوَ بِالْفَارِسِيّةِ: مِشْطَحٌ، وَأَمّا الْمِسْطَحُ الّذِي، هُوَ عُودُ الْخِبَاءِ فَعَرَبِيّةٌ.
وَذَكَرَ أَنّ ذَلِكَ الْمِرْبَدَ كَانَ لِسَهْلِ وَسُهَيْلٍ ابنى عمرو يتيمين فى حجر معاذ بن عَفْرَاءَ وَلَمْ يَعْرِفْهُمَا بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا، وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: كَانَا يَتِيمَيْنِ فِي حِجْرِ أَسْعَدِ بْنِ زُرَارَةَ «٢» وَهُمَا ابْنَا رَافِعِ بْنِ عمرو بن أبى عمرو بن عبيد ابن ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّجّارِ شَهِدَ سُهَيْلٌ مِنْهُمَا بَدْرًا، وَالْمَشَاهِدَ كُلّهَا، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ يَشْهَدُ سَهْلٌ بَدْرًا، وَشَهِدَ غَيْرَهَا وَمَاتَ قَبْلَ أَخِيهِ سُهَيْلٍ.
حَوْلَ بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ بُنْيَانَ الْمَسْجِدِ إلَى آخِرِ الْقِصّةِ، وَفِي الصّحِيحِ أَنّهُ قَالَ: يَا بَنِي النّجّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ «٣» [هَذَا] حِينَ أَرَادَ أَنْ يتخذه مسجدا، [فقالوا: لا، والله
_________________
(١) روايته فى اللسان: إذا الأمعز المحزو آض كأنه من الحر فى حد الظهيرة مسطح وقد ذكره اللسان لبيان أن المسطح معناه: حصير يسف من خوص الدوم لا أن المسطح هو البيدر. والأمعز: الأرض الحزنة الغليظة ذات الحجارة أو المكان الصلب الكثير الحصى وقد فسر الأصمعى المربد بقوله: كل شىء حبست فيه الإبل أو الغنم، وبه سمى مربد البصرة، لأنه كان موضع سوق الإبل.
(٢) فى رواية أبى ذر وحده: سعد بن زرارة، وفى رواية الباقين: أسعد، وهو الوجه: لأن أخاه سعدا تأخر إسلامه. وحكى الزبير أنهما كانا فى حجر أبى أيوب.
(٣) فى رواية للبخارى: ثامنونى حائطكم.
[ ٤ / ٢٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلّا إلَى اللهِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصّحِيحِ أَيْضًا: «ثُمّ دَعَا رَسُولُ اللهِﷺ الْغُلَامَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ لِيَتّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالَا: بَلْ نَهَبُهُ لَك يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمّ بَنَاهُ مَسْجِدًا]، وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيّ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِفِقْهِ، وَهُوَ أَنّ الْبَائِعَ أَوْلَى بِتَسْمِيَةِ الثّمَنِ الّذِي يَطْلُبُهُ، قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ فِي مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ نَخْلٌ وَخِرَبٌ وَمَقَابِرُ مُشْرِكِينَ، فَأَمَرَ بِالْقُبُورِ فَنُبِشَتْ وَبِالْخِرَبِ «١» فَسُوّيَتْ، وَبِالنّخْلِ فَقُطِعَتْ.
وَيُرْوَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَخْلٌ وَحَرْثٌ مَكَانَ قَوْلِهِ: وَخِرَبٌ، وَرُوِيَ عَنْ الشّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ الرّحْمَنِ الْأَنْصَارِيّةِ قَالَتْ: كَانَ النّبِيّﷺ- حِينَ بَنَى الْمَسْجِدَ يَؤُمّهُ جِبْرِيلُ إلَى الْكَعْبَةِ وَيُقِيمُ له القبلة.
_________________
(١) بكسر الخاء وفتح الراء، وقال الخطابى: أكثر الرواة بالفتح، ثم الكسر، وحدثناه الخيام بالكسر ثم الفتح، ثم حكى احتمالات منها: الخرب: بضم أوله وسكون ثانيه، وهى الخروق المستديرة فى الأرض، والجرف بكسر الجيم وفتح الراء: ما تجرفه السيول وتأكله من الأرض، والحدب: المرتفع من الأرض بفتح الحاء والدال. قال: وهذا لائق بقوله: فسويت لأنه إنما يسوى المكان المحدوب وكذا الذى جرفته السيول، وأما الخراب، فيا بنى ويعمر دون أن يصلح ويسوى ورد الحافظ فى الفتح عليه: وما المانع من تسوية الخراب بأن يزال ما بقى منه، ويسوى أرضه، ولا ينبغى الالتفات إلى هذه الاحتمالات مع توجيه الرواية الصحيحة. «ص ٢٠٣ ح ٧ فتح البارى ط ١٣٤٨. وفى بعض الروايات عن معمر عن الزّهْرِيّ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أمر أبا بكر أن يعطيهما ثمنه وقال غير معمر: أعطاهما عشرة دنانير، وعند الزبير أن أبا أيوب أرضاهما عن ثمنه.
[ ٤ / ٢٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ فِيهِ قَوْلَ الرّجُلِ لِعَمّارِ: قَدْ سَمِعْت ما تقول يابن سُمَيّةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَدْ سَمّى ابْنُ إسْحَاقَ الرّجُلَ، وَكَرِهَ ابْنُ هِشَامٍ أَنّ يُسَمّيَهُ كَيْ لَا يُذْكَرَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِﷺ- بِمَكْرُوهِ، فَلَا يَنْبَغِي إذًا الْبَحْثُ عَلَى اسْمِهِ.
سُمَيّةُ أُمّ عَمّارٍ:
وَسُمَيّةُ: أُمّ عَمّارٍ وَقَدْ تَقَدّمَ التّعْرِيفُ بِهَا فِي الْهِجْرَةِ الْأُولَى وَنَبّهْنَا عَلَى غَلَطِ ابْنِ قُتَيْبَةَ فِيهَا فَإِنّهُ جَعَلَهَا وَسُمَيّةَ أُمّ زِيَادٍ وَاحِدَةً وَسُمَيّةُ أُمّ زِيَادٍ كَانَتْ لِلْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ الْمُتَطَبّبِ، وَالْأُولَى: مَوْلَاةٌ لِبَنِي مَخْزُومٍ وَهِيَ سُمَيّةُ بِنْتُ خِبَاط «١»، كَمَا تَقَدّمَ، وَكَانَ أَهْدَى سُمَيّةَ إلَى الْحَرْثِ رَجُلٌ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ: يُقَالُ لَهُ أَبُو جَبْرٍ، وَذَلِكَ أَنّهُ عَالَجَهُ مِنْ دَاءٍ كَانَ بِهِ فَبَرِئَ، فَوَهَبَهَا لَهُ، وَكَانَتْ قَبْلَ أَبِي جَبْرٍ لِمَلِكِ مِنْ مُلُوكِ الْفُرْسِ وَفَدَ عَلَيْهِ أَبُو جَبْرٍ، فَأَهْدَاهَا إلَيْهِ الْمَلِكُ ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ «٢»، وَفِي جَامِعِ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ أَنّ عَمّارًا كَانَ يَنْقُلُ فى بنيان المسجد لبنتين، لبنة
_________________
(١) فى الإصابة: سمية بنت خباط بمعجمة مضمومة، وموحدة ثقيلة، ويقال: بمثناة- أى ياء- تحتانية، وعند الفاكهى: سمية بنت خبط بفتح أوله بغير ألف كانت سابعة سبعة فى الإسلام. وما يذكره السهيلى ذكره أبو عمر. أما سمية أم زياد فذكرها ابن حجر فى القسم الثالث، او قال: ولم يرد ما يدل على أنها رأت النبى «ص» وأنها ولدت للحارث بن كلدة التى كان يطؤها بملك اليمين: نافعا ونفيعا. فانتفى منه لأنه رآه أسود، ثم وهبها لزوجته، فزوجتها عبدا روميا لها، فولدت له زيادا فأعتقته صفية زوجة الحارث.
(٢) فى الإصابة أن الكوى اليشكرى سبى سمية من الروم، ثم وهبها للحارث ابن كلدة ووهم ابن قتيبة هذا هو فى كتابه المعارف ص ٧٦ ط ١٣٠٠ هـ.
[ ٤ / ٢٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَنْهُ، وَلَبِنَةً عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ- وَالنّاسُ يَنْقُلُونَ لَبِنَةً وَاحِدَةً، فَقَالَ لَهُ النّبِيّﷺ- لِلنّاسِ أَجْرٌ وَلَك، أَجْرَانِ، وَآخِرُ زَادِك مِنْ الدّنْيَا شَرْبَةُ لَبَنٍ، وَتَقْتُلُك الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ فَلَمّا قُتِلَ يَوْمَ صِفّينَ دَخَلَ عَمْرٌو عَلَى مُعَاوِيَةَ فَزِعًا، فَقَالَ: قُتِلَ عَمّارٌ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: فَمَاذَا؟ فَقَالَ عَمْرٌو:
سَمِعْت رَسُولَ اللهِﷺ- يَقُولُ: تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ دُحِضْت فِي بَوْلِك «١»، أَنَحْنُ قَتَلْنَاهُ؟ إنّمَا قَتَلَهُ من أخرجه «٢»؟!
_________________
(١) زلقت.
(٢) وروى البيهقى فى الدلائل هذا الحديث عن عبد الرحمن السلمى أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول لأبيه عمرو: قد قتلنا هذا الرجل، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فيه ما قال، قال: أى رجل؟ قال: عمار بن ياسر، أما تذكر يوم بنى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَسْجِدَ فكنا نحمل لبنة لبنة، وعمار يحمل لبنتين لبنتين إلخ وهذا يقتضى أن هذا البناء كان فى الخامسة من الهجرة أو بعدها، لأن عمرا أسلم فى الخامسة!! ويقول الإمام ابن تيمية تعليقا على حديث: تقتلك الفئة الباغية «تكلم فيه بعضهم، وبعضا تأوله على أن الباغى: الطالب، وهذا لا شىء، وأما السلف كأبى حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم، فيقولون لم يوجد شرط قتال الطائفة الباغية، فإن الله لم يأمر بقتالها ابتداء، بل أمر إذا اقتتلت طائفتان أن يصلح بينهما، ثم: إن بغت إحداهما قوتلت، ولهذا كان هذا القتال عند أحمد ومالك قتال فتنة؛ وأبو حنيفة يقول: لا يجوز قتال البغاة حتى يبدؤا بقتال الإمام، وهؤلاء لم يبدؤا» وفى مكان آخر يقول: «كان على ومعاوية ﵄ أطلب لكب الدماء من أكثر المقتتلين، لكن غلبا فيما وقع، والفتنة إذا ثارت عجز الحكماء عن إطفاء نارها، وكان فى العسكرين مثل الأشتر النخعى، وهاشم بن عتبة المرقال، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وأبى الأعور السلمى، ونحوهم من المحرضين على القتال. قوم ينتصرون لعثمان غاية الانتصار، وقوم ينفرون عنه، وقوم ينتصرون لعلى، وقوم ينفرون عنه،
[ ٤ / ٢٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إضَافَةُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ إلَى عَمّارٍ:
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي عَمّارٍ، وَهُوَ: أَوّلُ مَنْ بَنَى لِلّهِ مَسْجِدًا عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَيُقَالُ: كَيْفَ أَضَافَ إلَى عَمّارٍ بُنْيَانَ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ بَنَاهُ مَعَهُ النّاسُ؟ فَيَقُولُ إنّمَا عَنَى بِهَذَا الْحَدِيثِ مَسْجِدَ قُبَاءٍ، لِأَنّ عَمّارًا هُوَ الّذِي أَشَارَ عَلَى النّبِيّﷺ- بِبُنْيَانِهِ، وَهُوَ جَمَعَ الْحِجَارَةَ لَهُ، فَلَمّا أَسّسَهُ رَسُولُ اللهِﷺ اسْتَتَمّ بُنْيَانَهُ عَمّارٌ.
أَطْوَارُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ:
كَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْهُ: وَبُنِيَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِﷺ- وَسُقِفَ بِالْجَرِيدِ وَجُعِلَتْ قِبْلَتُهُ مِنْ اللّبِنِ، وَيُقَالُ: بَلْ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْضُودَةٍ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَجُعِلَتْ عمده من جذوع
_________________
(١) وقتال الفتنة مثل قتال الجاهلية لا تنضبط مقاصد أهله واعتقاداتهم» ص ٢٦٣ ولقد حاول ملك الروم استغلال معركة صفين، فحشد جيوشا كثيرة وحاول الاقتراب من الحدود الإسلامية، فكتب إليه معاوية ﵁: «والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك، لأصطلحن أنا وابن عمى عليك، ولأخرجنك من جميع بلادك، ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت» فجبن ملك الروم ح ٨ ص ١٨٩ البداية والنهاية لابن كثير. ويقول الأستاذ محب الخطيب: «وكان معاوية يعرف من نفسه أنه لم يكن منه البغى فى حرب صفين لأنه لم يردها، ولم يبتدئها، ولم يأت لها إلا بعد أن خرج على من الكوفة، وضرب معسكره فى النخيلة ليسير إلى الشام، ولذلك لما قتل عمار قال معاوية: إنما قتله من أخرجه» انظر ص ٢٥١. ص ٢٦٣ من كتاب المنتقى للامام الذهبى الذى اختصر فيه كتاب منهاج السنة للامام ابن تيمية.
[ ٤ / ٢٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النّخْلِ، فَنُخِرَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فَجَرّدَهَا، فَلَمّا كَانَ عُثْمَانُ بَنَاهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ بِالْقَصّةِ وَسَقَفَهُ بِالسّاجِ «١»، وَجَعَلَ قِبْلَتَهُ مِنْ الْحِجَارَةِ، فَلَمّا كَانَتْ أَيّامُ بَنِي الْعَبّاسِ بَنَاهُ مُحَمّدُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْمُتَسَمّي بِالْمَهْدِيّ، وَوَسّعَهُ وَزَادَ فِيهِ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ سِتّينَ وَمِائَةٍ، ثُمّ زَادَ فِيهِ الْمَأْمُونُ بْنُ الرّشِيدِ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ، وأثقن بُنْيَانَهُ، وَنَقَشَ فِيهِ: هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللهِ الْمَأْمُونُ فِي كَلَامٍ كَثِيرٍ كَرِهْت الْإِطَالَةَ بِذِكْرِهِ، ثُمّ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنّ أَحَدًا غَيّرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَلَا أَحْدَثَ فِيهِ عَمَلًا.
بُيُوتُ النّبِيّ ﷺ:
وَأَمّا بُيُوتُهُ ﵇ فَكَانَتْ تِسْعَةً، بَعْضُهَا مِنْ جَرِيدٍ مُطَيّنٍ «٢» بِالطّينِ وَسَقْفُهَا جَرِيدٌ، وَبَعْضُهَا مِنْ حِجَارَةٍ مَرْضُومَةٍ، بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، مُسَقّفَةٌ بِالْجَرِيدِ أَيْضًا. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ «٣»: كُنْت أدخل بيوت النبى
_________________
(١) القصة: الجص لغة حجازية، وتقصيص الدار: تجصيصها والساج: ضرب من الشجر يعظم جدا، ويذهب طولا وعرضا، وله ورق كبير، يتغطى الرجل بورقة منه فيقيه المطر، واحدته: ساجة «المعجم الوسيط» ورواية الصحيحين عن القبلة: «فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة» وعضادتا الباب: خشبتان منصوبتان مثبتتان فى الحائط على جانبيه ويقال إن معنى صف للنخل قبلة له: جعلها سوارى فى جهة القبلة، ليسقف عليها، كما فى الصحيح من أن عمده كانت خشب النخل.
(٢) ينكر بعضهم هذه اللغة، ويقول، طانه من باب باع، فهو مطين بفتح فكسر.
(٣) ذكر فى إعلام الساجد لمحمد بن عبد الله الزركشى أنه: الحسن البصرى وذكر أنه نقله عن السهيلى. انظر ص ٢٢٤.
[ ٤ / ٢٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﵇، وَأَنَا غُلَامٌ مُرَاهِقٌ، فَأَنَالُ السّقْفَ بِيَدِي، وَكَانَتْ حُجَرُهُ﵇- أَكْسِيَةٌ مِنْ شَعْرٍ مَرْبُوطَةٌ فِي خَشَبٍ عَرْعَرٍ «١» وَفِي تَارِيخِ الْبُخَارِيّ أَنّ بَابَهُ﵇- كَانَ يُقْرَعُ بِالْأَظَافِرِ، أَيْ لَا حِلَقَ لَهُ، وَلَمّا تُوُفّيَ أَزْوَاجُهُ ﵇ خُلِطَتْ الْبُيُوتُ وَالْحُجَرُ بِالْمَسْجِدِ، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمّا وَرَدَ كِتَابُهُ بِذَلِكَ ضَجّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِالْبُكَاءِ، كَيَوْمِ وَفَاتِهِ ﵇، وَكَانَ سَرِيرُهُ خَشَبَاتٌ مَشْدُودَةٌ بِاللّيفِ، بِيعَتْ زَمَنَ بَنِي أُمَيّةَ، فَاشْتَرَاهَا رَجُلٌ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّ بُيُوتَهُ ﵇ إذَا أُضِيفَتْ إلَيْهِ، فَهِيَ إضَافَةُ مِلْكٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ وَإِذَا أُضِيفَتْ إلَى أَزْوَاجِهِ كَقَوْلِهِ: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ فَلَيْسَتْ بِإِضَافَةِ مِلْكٍ، وَذَلِكَ أَنّ مَا كَانَ مِلْكًا لَهُ ﵇، فَلَيْسَ بِمَوْرُوثِ عَنْهُ «٢» .
_________________
(١) جنس أشجار وجنبات من فصيلة الصنوبريات. فيه أنواع تصلح للأخراج وللنزبين أنواعه كثيرة «المعجم الوسيط» وفى القاموس أنه شجر السرو فارسية.
(٢) وعن المسجد والبيوت روى عن النوار بنت مالك أم زيد بن ثابت أنها رأت أسعد بن زرارة قبل أن يقدم رسول الله «ص» يصلى بالناس الصلوات الخمس، ويجمع بهم فى مسجد بناه فى مربد سهل وسهيل ابنى رافع ابن أبى عمرو بن عايد بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النجار قالت: فأنظر إلى رسول الله «ص» لما قدم صلى بهم فى ذلك المسجد وبناه، فهو مسجده اليوم. ووقع فى رواية عطاف بن خالد عند ابن عايد أنه «ص» صلى فيه- وهو عريش- اثنى عشر يوما، ثم بناه، وسقفه وسيأتى ما يشهد له. وروى أحمد عن طلحة بن على قال: جئت إلى النبى «ص» وأصحابه يبنون. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المسجد، قال: فكأنه لم يعجبه عملهم، قال: فأخذت المسحات، فخلطت بها الطين، فكأنه أعجبه أخذى المسحاة وعملى، فقال: دعوا الحنفى والطين، فإنه من أصنعكم للطين. وفى كتاب رزين أن الصحابة لما كثروا قالوا: يا رسول الله لو زيد فيه، ففعل، فرفعوا أساسه قريبا من ثلاثة أذرع بالحجارة وجعلوا طوله مما يلى القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وكذا فى العرض. وكان مربعا. وفى حديث حصار عثمان يأتى قول عثمان: أنشدكم بالله الذى لا إله إلا هو. أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: من يبتاع مربد بنى فلان غفر الله له، فابتعته بعشرين ألفا، أو خمسة وعشرين ألفا، فأتيت النبى «ص» فقلت: قد ابتعته، فقال: جعله فى مسجدنا، وأجره لك؟ قالوا: اللهم نعم، هذا وقد ورد فى ذرع المسجد هذا عدة روايات: فهو سبعون ذراعا فى ستين أو يزيد «الذراع المقصود ذراع الآدمى»، أو هو مائة ذراع فى مائة وأنه مربع، أو هو: أقل من مائة، وقيل إنه بناه أو لا أقل من مائة فى مائه ثم بناه وزاد عليه مثله فى الدور، وليس المراد هنا فى هذه الرواية مثله فى الأذرع لأنه كان حتى نهاية القرن التاسع الهجرى لا يبلغ مائة وخمسين ذراعا والرواية الأولى بالقبول أنه كان سبعين فى ستين. الصفة: هى- كما قال ابن حجر- مكان فى مؤخر المسجد مظلل أعد لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له، ولا أهل، وكانوا يكثرون فيه ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يموت أو يسافر. وعن ابن سعد أن أهل الصفة كانوا أناسا فقراء لا منازل لهم. فكانوا ينامون فى المسجد لا مأوى لهم غيره، وقريب من هذا فى البخارى. الزيادات فى المسجد: روى البخارى وأبو داود عن نافع أن عبد الله ابن عمر أخبره أن المسجد كان على عهد رسول اللهﷺ- مبنيا باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، وزاد فيه عمر، وبناه على بنائه فى عهد رسول الله «ص» باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبا، ثم غيره عثمان، فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج. زيادة عمر: فى الحديث السابق ورد أن عمر زاد فيه، وقد روى أحمد عن نافع أن عمر «رض» زاد فى المسجد من الأسطوانة إلى المقصورة، وقال عمر: لولا أنى سمعت رسول الله «ص» يقول: ينبغى أن نزيد فى المسجد ما زدت فى المسجد شيئا. وذكر ابن سعد أنه لما كثر المسلمون فى عهد عمر ﵁- وضاق بهم المسجد، اشترى عمر ما حول المسجد من الدور إلا دار العباس بن عبد المطلب وحجر أمهات المؤمنين. ولكن العباس تصدق بداره، فقبلها عمر، وأدخلها فى المسجد- وروى البيهقى نحوه فى كتاب الرجعة عن أبى هريرة. وحسبنا هذا زيادة عثمان: لما ولى عثمان كلمه الناس أن يزيد فى مسجدهم، وشكوا إليه صفة يوم الجمعة حتى إنهم ليصلون فى الرحاب. فشاور عثمان أهل الرأى، فأجمعوا على أن يهدمه ويزيد فيه وفى البخارى ومسلم عن عبيد الله الخولانى أنه سمع عثمان عند قول الناس فيه حين بنى مسجد الرسول «ص» إنكم قد أكثر ثم، وإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: من بنى مسجد الله بنى الله له فى الجنة مثله، وفى مسلم أنه أراد بناء المسجد، فكره الناس ذلك، وأحبوا أن يدعه على هيئته. وقد روى أن عثمان بدأ بهذا فى شهر ربيع الأول من سنة تسع وعشرين وأنه فرع منه حين دخلت السنة لهلال المحرم سنة ثلاثين، أو قبل أن يقتل بأربع سنين ويروى أن القصة «الجص» كانت تحمل إلى عثمان، وهو يا بنى مسجد رسول الله- ص- من بطن نخل، وأنه كان يقوم على رجليه، والعمال يعملون فيه، حتى تأتى الصلاة، فيصلى بهم، وربما نام ثم رجع، وربما نام فى المسجد. وعن خارجة بن زيد قال: هدم عثمان بن عفان المسجد، وزاد فى قبلته، ولم يزد فى شرقيه، وزاد فى غربيه قدر أسطوانه، وبناه بالحجارة المنقوشة والقصة وعسب النخل والجريد وبيضه بالقصة، وقدر زيد بن ثابت أساطينه، فجعلها على قدر
[ ٤ / ٢٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) النخل، وجعل فيه طبقانا مما يلى المشرق والمغرب، وزاد فيه إلى الشام خمسين ذراعا.. وهناك عدة روايات أخرى بعضها يقارب هذه والآخر يباعدها زيادة الوليد بن عبد الملك: نقل رزين أن المسجد بعد أن زاد فيه عثمان «﵁ لم يزد فيه على ولا معاوية ﵄، ولا يزيد ولا مروان ولا ابنه عبد الملك شيئا، حتى كان الوليد بن عبد الملك وكان عمر بن عبد العزيز عامله على المدينة، ومكة، فبعث الوليد إلى عمر بن عبد العزيز بمال، وقال له: من باعك، فأعطه ثمنه، ومن أبى فاهدم عليه، وأعطه المال، فان أبى أن يأخذه فاصرفه إلى الفقراء. وقد روى أن عمر اشترى ما حول المسجد من المشرق والمغرب والشام، وأنه أراد ابتياع بيت حفصة ﵂، فأرسل إلى رجال من آل عمر، وانتهى الأمر إلى هدم البيت لإدخاله فى المسجد، وإلى إعطائهم طريقا إلى المسجد تنتهى إلى الأسطوانة، مع توسعتها. وكانت قبل ذلك ضيقة قدر ما يمر الرجل منحرفا. هذا وتجمع أخبار المؤرخين على أن حجر أزواج النبى ﷺ أدخلت فى المسجد بأمر الوليد، ويقول عطاء الخراسانى: حضرت كتاب الوليد يقرأ يأمر بإدخال حجر أزواج النبى «ص» فما رأيت يوما كان أكثر باكيا من ذلك اليوم. قال عطاء: فسمعت سعيد بن المسيب يقول: والله لوددت أنهم تركوها على حالها. ويقول عبد الله بن زيد الهذلى أنه رأى بيوت أزواج النبى «ص» حين هدمها عمر كانت باللبن ولها حجر من جريد مطرود بالطين عددت تسعة أبيات بحجراتها. وكانت الحجرات شرقى المسجد وقبليه، خارجة من المسجد مديرة به إلا من الغرب، وهذا الرأى يخالف ما ذكر السهيلى من أنها أدخلت فى زمن عبد الملك. كما أدخل فيه عمر دور عبد الرحمن بن عوف الثلاث التى يقال لها: القرابين ويقال إن الوليد طلب من ملك الروم أن يعينه بعمال وفسيفساء، فبعث إليه بأحمال منها، وبعدد من العمال. قيل كانوا ثمانين: أربعين من الروم وأربعين من القبط.، كما قيل إنه بعث إليه بعدة ألوف من الذهب، وبأحمال من سلاسل القناديل. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويقال إن عمر هدمه سنة إحدى وتسعين هـ وأن البناء كان بالحجارة المنقوشة، وقصة بطن نخل وعمله بالفسيفساء وهى ألوان من الخرز يركب فى حيطان الببوت والمرمر، وعمل سقفه بالساج، وماء الذهب، وجعل عمد المسجد من حجارة حشوها عمد الحديد والرصاص، ويقال إن عمر لما صار إلى جدار القبلة دعا مشيخة من أهل المدينة من قريش والأنصار والعرب والموالى، فجعل لا ينزع حجرا إلا وضع مكانه حجرا، فكانت زيادة الوليد من المشرق إلى المغرب ست أساطين، وزاد إلى الشام من الأسطوانة المربعة التى فى القبر أربع عشرة أسطوانة. ومكث فى بنائه ثلاث سنين. كما روى أن عمل القبط كان مقدم المسجد، وكانت الروم تعمل ما خرج من المسجد جوانبه ومؤخره، فقال سعيد بن المسيب عن القبط: عمل هؤلاء أحكم. ويروى أن عثمان مات وليس فى المسجد شرفات ولا محراب، وأن أول من أحدث المحراب والشرفات عمر بن عبد العزيز، وأنه هو الذى عمل الميازيب التى من الرصاص، ولكن روى من طريق آخر أن الذى عمل الشرفات هو عبد الواحد بن عبد الله وهو وال على المدينة سنة أربع ومائة. وعمر توفى سنة ١٠١ ولما احترق المسجد جددت له شرفات سنة ٧٦٧ فى أيام الأشرف شعبان بن حسين بن محمد صاحب مصر. أما مناراته «مآذنه» فأحدثها عمر أيضا ويشهد لهذا ما رواه ابن إسحاق وأبو داود والبيهقى أن امرأة من بنى النجار قالت: كانت بيتى من أطول بيت حول المسجد وكان بلال يؤذن عليه الفجر كل غداة، فيأتى بسحر، فيجلس على البيت، لينظر إلى الفجر، فإذا رأى تمطى، ثم قال: اللهم إنى أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك، قالت: ثم يؤذن. القبر: حين رزىء المسلمون بموت النبى ﵊ اختلفوا فى مكان دفنه، ثم روى لهم أنه يدفن حيث مات، فاهتدوا، وكان أبو عبيدة يضرح- والضرح هو الشق فى وسطه القبر- وأبو طلحة يلحد- واللحد: الشق يعمل فى جانب القبر، فيميل عن وسطه- فقال الصحابة: نستخير ربنا، ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه، فأرسل إليهما، فسبق أبو طلحة، فلحدوا للنبى كما ورد فى مسند أحمد وسنن ابن ماجة وغيرهما. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فلما دفن فى حجرة السيدة عائشة حيث مات قالت ابنته فاطمة: أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله «ص» التراب، وسكت أنس عن جوابها رعاية لها، ولسان حاله يقول: لم تطب أنفسنا بذلك إلا لأنا قهرنا على فعله امتثالا لأمره. وقد روى البخارى فى موضعين من الجنائز، وفى المغازى، ومسلم فى الصلاة أن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ فى مرضه الذى لم يقم منه- أو توفى فيه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. لولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشى- أو خشى- أن يتخذ قبره مسجدا» ولم يجلس أحد على قبره ﷺ ولم يصل إليه، ولا عليه، لأنه قال- كما روى مسلم: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها أو عليها، وروى مسلم أنه قال هذا فى مرضه الذى مات منه قبل موته بخمس وأنه قال: «فلا تتخذوا القبور مساجد، فانى أنهاكم عن ذلك» ولم يزره رجل ولا امرأة، ولم يعلق عليه قنديل ولا غيره، لأن الواقع كان يمنع الرجال من ذلك، أفكان يستطيع أحد أن يقتحم على عائشة بيتها؟ ثم إن ابن عباس روى لهم ما يأتى: «لعن رسول الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج «رواه الخمسة إلا بن ماجة، كما روى لهم أبو هريرة ما يأتى: قال رسول الله ﷺ «لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر»، ولم يجصص قبره ﵊، ولم يكتب عليه شىء، لأن جابرا روى لهم: «نهى النبى ﷺ- أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يا بنى عليه، رواه أحمد ومسلم والنسائى وأبو داود والترمذى وصححه، ولفظه: «نهى أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يا بنى عليها، وأن توطأ» وفى لفظ النسائى: «ونهى أن يا بنى على القبر، أو يزاد عليه، أو يجصص، أو يكتب عليه» . ولم يستطع أحد أن يقيم له ضريحا، أو يعلى من قبره، لأنهم كانوا يعلمون . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ما قاله على لأبى الهياج الأسدى «أبعثك على ما بعثنى عليه رسول اللهﷺ- لا تدع تمثالا إلا طمسته. ولا قبرا مشرفا إلا سويته» رواه الجماعة إلا البخارى وابن ماجة. وكان هديهم هذا، فقد روى مسلم أن فضالة بن عبيد أمر بقبر فسوى، ثم قال: سمعت رسول الله «ص» يأمر بتسويتها. ولقد روى ابن سعد فى طبقاته بسنده عن مالك بن أنس: قسم بيت عائشة بأثنين: «قسم كان فيه القبر، وقسم كان تكون فيه عائشة، وبينهما حائط فكانت عائشة ربما دخلت حيث القبر فضلا، فلما دفن عمر لم تدخله إلا وهى جامعة عليها ثيابها» كما روى أن عمر هو أول من بنى جدارا على بيت النبى «ص» . وورد أن هذا الجدار كان قصيرا ثم بناه عبد الله بن الزبير. وروى البخارى فى صحيحه من حديث هشام بن عروة عن أبيه: لما سقط عنهم الحائط- يعنى حائط حجرة النبى «ص» فى زمان الوليد بن عبد الملك بن مروان أخذوا فى بنائه فقيدت لهم قدم، ففزعوا، وظنوا أنها قدم النبى «ص» فما وجدوا أحدا يعلم ذلك، حتى قال لهم عروة: لا والله ما هى قدم النبى «ص» ما هى إلا قدم عمر ولما أدخل عمر بن عبد العزيز حجرات أزواج النبى «ص» فى المسجد نازله عروة منازلة شديدة كيلا يجعل قبر النبى «ص» فى المسجد، فأبى وقال: كتاب أمير المؤمنين لا بد من إنفاذه، ولكنه جعل حجرة السيدة عائشة مثلثة الشكل محددة حتى لا يتأتى لأحد أن يصلى إلى جهة القبر الكريم مع استقبال القبلة.. ثم جدث ما جدث، واقترف الناس ما اقترفوا من عبادة للقبر. لهذا يجب العمل على إفراد القبر عن المسجد اهتداء بهدى الرسول نفسه ﷺ- فليس من تكريم النبىﷺ- أن يعبد قبره من دون الله، أو أن يتمسح به، أو يستجار به، أو. أو مما يحاول اقترافه عبدة الشياطين. وما أجمل ما قاله الإمام الشوكانى وهو يشرح حديث النهى عن رفع القبور. «ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولا أوليا: القبب والمشاهد المعمورة على القبور. وأيضا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبى «ص» فاعل ذلك وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكى لها الإسلام. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . منها: اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك، قظنوا أنها قادرة على جلب النفع، ودفع الضر، فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج، وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم وشدوا إليها الرحال، وتمسحوا بها، واستغاثوا، وبالجملة أنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله، ويغار حمية للدين الحنيف لا عالما، ولا متعلما، ولا أميرا، ولا وزيرا ولا ملكا، وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرا، فاذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولى الفلانى تلعثم وتلكلأ وأبى واعترف بالحق، وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال إنه تعالى ثانى اثنين أو ثالث ثلاثة. فيا علماء الدين، ويا ملوك المسلمين: أى رزء للاسلام أشد من الكفر؟! وأى بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله؟! وأى مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟ وأى منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجبا؟! لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادى ولو نارا نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ فى رماد أفيسمع المسلمون من رجل لا يستطيع أحد أن ينال من علمه وفقهه وإخلاصه؟؟ وإنه ليروى أن الوليد لما قدم حاجا جعل يطوف فى المسجد، وينظر إليه. ويصيح بعمر هاهنا، ومعه أبان بن عثمان: فلما استنفد الوليد النظر إلى المسجد التفت إلى أبان، وقال: أين بناؤنا من بنائكم؟ قال أبان: إنا بنيناه بنيان المساجد وبنيثموه بناء الكنائس ص ٣٧٠ السمهودى ح ١ وصف المسجد فى القرن السادس: وقد ورد للمسجد وصف دقيق من كاتب مراكشى عاش فى القرن السادس الهجرى ننقله بنصه عن كتابه «الاستبصار. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فى عجائب الأمصار»: «ومسجد النبى «ص» مستطيل غير مربع يزيد طوله على عرضه مائة ذراع، وسماء المسجد منقوشة مدهونة محفورة مذهبة كلها على عتب منقوشة على أعمدة خرز أسود بعضه على بعض ملبسة بالجيار، وهو ليس على أقواس إلا ما كان إلى الصحن، فانه أقواس معقودة وجوهها منزولة بالفسيفساء على أعمدة من خرز ملبسة بالجيار والأعمدة التى إلى صحن المسجد هى أقصر من التى عليها سماء المسجد، وتلك الأقواس التى إلى صحن المسجد مغلقة بشرا جيب الساج، مقدم المسجد خمس بلاطات معترضة، ومؤخره مثل ذلك، ومجنبة المسجد الشرقية فيها ثلاث بلاطات معترضة، ومجنبته الغربية أربع بلاطات، ومن مقدم المسجد إلى الصحن أحد عشر قوسا، وكذلك من مجنبته الآخرى. وطول المسجد من ركن منار بلالرضي الله عنه- وهو الذى بإزاء قبر النبى «ص» إلى ركن مؤخره، وعرضه من باب جبريل ﵇، وهو الذى بإزاء قبر النبى «ص» إلى باب الرحمة التى بجنب دار السيدة مائة وسبعون ذراعا» ص ٣٧ ط ١٩٥٨ نشر وتعليق الدكتور سعد زغلول عبد الحميد. حجرات أزواج النبى «ص»: يقول الذهبى فى بلبل الروض: لم يبلغنا أنه ﵇ بنى له تسعة أبيات حين بنى المسجد، ولا أحسبه بعد ذلك. إنما كان يريد بيتا واحدا حينئذ لسودة أم المؤمنين، ثم لم يحتج إلى بيت آخر حتى بنى بعائشة فى شوال سنة اثنتين، وكأنه ﵇ بناها فى أزمان مختلفة» ص ٢٢٤ أعلام الساجد. وفى رواية أنه لما انصرف النبى «ص» من خيبر وزاد فى مسجده البنية الثانية ضرب الحجرات ما بين القبلة إلى الشام، ولم يضربها غربية، وكانت خارجة من المسجد مديرة به إلا من الغرب. وكانت لها أبواب فى المسجد. وسائر الروايات غير ما ذكر السهيلى تقرر أن أبواب بيوت زوجات النبى كانت مستورة بالمسوح، وقال ابن عطاء عن أبيه: وكانت بيوت أزواج النبى «ص» يقوم الرجل فيمس سقف البيت، والحجرات سقف عليها المسوح، وقد وصف عطاء الخراسانى حجرات أزواج النبى بأنها كانت من جريد على أبوابها المسوح. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من شعر أسود. كما يروى أن أحدهم قال حين هدمت: ليتها تركت حتى يقصر الناس عن البناء، ويرى الناس ما رضى الله لنبيه، وخزائن الدنيا بيده. هذا ولفظ الحجرة فى هذه الآثار لا يراد به جملة البيت كما فى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ: بل يراد ما يتخذ حجرة للبيت عند بابه مثل الحريم للبيت، وكانت هذه من جريد النخل، بخلاف الحجر التى هى المساكن فانها كانت من اللبن، كما يروى أن بعضهن كانت له حجرة، وبعضهن لم يكن له حجرة، وكان بيت فاطمة مع على خلف حجرة عائشة لم يزل حتى أدخله الوليد فى المسجد، وكان بيت عائشة مما يلى الشام، وكان ذا مصراع واحد. ومما يوضح مسمى الحجرة التى قدام البيت ما فى سنن أبى داود وغيره عن ابن عمر: قال قال رسول اللهﷺ- صلاة المرأة فى بيتها أفضل من صلاتها فى حجرتها، وصلاتها فى مخدعها أفضل من صلاتها فى بيتها» فالمخدع أستر من البيت الذى يقعد فيه، والبيت أستر من الحجرة التى هى أقرب إلى الباب والطريق، وكانت حجر عائشة وسودة وحفصةرضي الله عنهن- لاصقة بالمسجد لأنه بنى بهن قبل غيرهن، وآخر من تزوجها صفية لما فتح خيبر سنة تسع من الهجرة، وحينئذ اتخذ لها بيتا، وكان أبعد عن المسجد من غيره كما يستفاد من حديث ورد فى الصحيحين، وفيه أنه خرج مع صفية من المسجد ليوصلها إلى سكنها، ولو كان بيتها متصلا بالمسجد لم يفعل. وحين دخلت حجرة عائشة فى المسجد سد عمر بن عبد العزيز باب الحجرة، وبنى حائطا آخر عليها غير الحائط القديم. فالواجب- كما بينا من قبل- أن يعود كل شىء إلى مكانه، وأن يفصل بين القبر والمسجد، كما أمر رسول الله ﷺ نفسه، «انظر كتابى الرد على البكرى والرد على الإخنائى للامام ابن تيمية المطبوعين معا سنة ١٣٤٦ هـ ولا سيما من ص ١٨٤ من كتاب الرد على الإخنائى، وانظر ص ٢٩٢ وما بعدها ح ٨ شرح المواهب اللدنية، وكتاب وفاء الوفاء ح ١ من ص ٢٢٩ إلى ٣٧٩ ط ١٣٢٦ هـ ونيل الأوطار ح ٤ ص ٨٣ ط عثمان خليفة ١٣٥٧ وكتاب الخصائص للسيوطى ص ٣٩٦ ح ٣ بتحقيق فضيلة الشيخ هراس.
[ ٤ / ٢٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حُبّ حَبّابٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ أُمّ أَيّوبَ، وَقَوْلَهَا: انْكَسَرَ حُبّ لَنَا. الْحُبّ جَرّةٌ كَبِيرَةٌ، جَمْعُهُ [أُحْبٌ وَحِبَابٌ] حِبَبَةٌ مِثْلُ جُحْرٍ وَجِحَرَةٌ [وَأَجْحَارٌ وَجُحْرٌ] وَكَأَنّهُ أَخَذَ لَفْظَهُ مِنْ حِبَابِ الماأ أَوْ مِنْ حَبَبِهِ، وَحَبَابِهِ بِالْأَلِفِ:
تَرَافُعُهُ. قَالَ الشّاعِرُ:
كَأَنّ صَلَا جَهِيزَةَ حِينَ تَمْشِي حَبَابَ الماء يتّبع الحبابا «١»
_________________
(١) نشر دار الكتاب الحديثة، والنصوص التى نقلتها عن الحجرات نقل أكثرها الإمام ابن تيمية عن كتاب أخبار المدينة لأبى زيد عمر بن شبة النميرى، وانظر كتاب القرى للمحب الطبرى ص ٦٢٩ ط الحلبى. وأما السرير الذى تحدث عنه السهيلى، فقد ورد فى الصحيحين عن عائشة ﵂: إنما كان فراش رَسُولِ اللهِ ﷺ الّذِي ينام عليه أدما- أى: جلدا- حشوه: ليف» وكذلك رواه الترمذى. وورد أنه نام على حصير أثر فى جنبه «أحمد وابن ماجة والترمذى، والحاكم» وروى ابن حبان أنه كان لرسول الله «ص» سرير مرمل- بضم الميم وفتح الراء وتشديد الميم المفتوحة- بالبردى، وعليه كساأ أسود محشو بالبردى والبردى نبات يعمل منه الحصر. والمعنى: أن قوائم السرير موصولة مغطاة بما نسج من نبات البردى. وفى حديث عمر أنه دخل على رسول الله ﷺ، وإذا هو جالس على رمال سرير وفى روآية: على رمال حصير. والرمال: ما رمل أى نسج.
(٢) البيت فى اللسان فى مادة حبب غير منسوب إلى أحد وفيه قامت بدلا من. تمشى، وفيه الحبب: حبب الماء وهو تكسره وهو الحباب وقبل حباب الماء موجه الذى يتبع بعضه بعضا وقال الأصمعى: حباب الماء الطرائق التى فى الماء كأنها الوشى» والصلا: العجيزة.
[ ٤ / ٢٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْحَبَبُ بِغَيْرِ أَلِفٍ نُفّاخَاتٌ بِيضٌ صِغَارٌ تَكُونُ عَلَى وَجْهِ الشّرَابِ قَالَهُ ابْنُ ثَابِتٍ «١» .
الثّومُ:
وَذَكَرَ قَوْلَهُ ﵇ لِأُمّ أَيّوبَ- حِينَ رَدّ عَلَيْهَا الثّرِيدَ مِنْ أَجْلِ الثّومِ: أَنَا رجل أناحى، وَرَوَى غَيْرُهُ حَدِيثَ أُمّ أَيّوبَ، وَقَالَ فِيهِ: إن الملائكة تتأذى بما يتأذى به الإنس «٢» . وَرُوِيَ أَنّ خُصَيْفَ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ رَأَيْت رسول الله ﷺ في الْمَنَامِ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ: الْحَدِيثُ الّذِي تَرْوِيهِ عَنْك أُمّ أَيّوبَ أَنّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذّى بِمَا يَتَأَذّى بِهِ الْإِنْسُ أَصَحِيحٌ هُوَ؟
قَالَ: نَعَمْ.
مَصِيرُ مَنْزِلِ أَبِي أَيّوبَ وَمَنْزِلُ أَبِي أَيّوبَ الّذِي نَزَلَ فِيهِ النّبِيّﷺ- تَصِيرُ بَعْدَهُ إلَى أَفْلَحَ مَوْلَى أبى أيوب، فاشتراه منه بعد ما خرب، وتثلّمت حيطانه
_________________
(١) فى اللسان عن الحباب- بالألف- أنها النفاخات والفقاقيع التى تطفو على وجه الماء كأنها القوارير. وحبب الأسنان: تنضدها.
(٢) ورد حديث أبى أيوب فى مسلم وفيه أن أبا أيوب سأل رسول الله «ص»: أحرام هو؟ قال: لا، ولكن أكرهه من أجل ريحه. قال أبو أيوب: فانى أكره ما كرهت. وعن جابر أن النبى «ص» قال: من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا، أو قال: فليعتزل مسجدنا، أو ليقعد فى بيته، وإن النبى «ص» أتى بقدر فيه خضرات من بقول، فوجد لها ريحا، فقال قربوها إلى بعض أصحابه وقال: كل فانى أناجى من لا تناجى» متفق عليه.
[ ٤ / ٢٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ بَعْدَ حِيلَةٍ احْتَالَهَا عَلَيْهِ الْمُغِيرَةُ ذَكَرَهَا الزّبَيْرُ، ثُمّ أَصْلَحَ الْمُغِيرَةُ مَا وَهَى مِنْهُ، وَتَصَدّقَ بِهِ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ فُقَرَاءِ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ ابْنُ أَفْلَحَ يَقُولُ لِلْمُغِيرَةِ: خَدَعْتنِي، فَيَقُولُ لَهُ الْمُغِيرَةُ: لَا أَفْلَحَ مَنْ نَدِمَ. هَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ الزّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ «١»
مِنْ قِصّةِ أَبِي سُفْيَانَ مَعَ بَنِي جَحْشٍ وَذَكَرَ قَوْلَ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ لِأَبِي سُفْيَانَ:
دَارُ ابْنِ عَمّك بِعْتهَا تَقْضِي بِهَا عَنْك الْغَرَامَهْ
اذْهَبْ بِهَا اذْهَبْ بِهَا طُوّقْتَهَا طَوْقَ الْحَمَامَهْ
أَبُو أَحْمَدَ هَذَا اسْمُهُ عَبْدٌ، وَقِيلَ: ثُمَامَةُ، وَالْأَوّلُ أَصَحّ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ الْفَارِعَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، وَبِهَذَا السّبَبِ تَطَرّقَ أَبُو سُفْيَانَ إلَى بَيْعِ دَارِ بَنِي جَحْشٍ إذْ كَانَتْ بِنْتُهُ فِيهِمْ. مَاتَ أَبُو أَحْمَدَ بَعْدَ أُخْتِهِ زَيْنَبَ أم المؤمنين فى خلافة عمر.
وَقَوْلُهُ لِأَبِي سُفْيَانَ طُوّقْتَهَا طَوْقَ الْحَمَامَهْ مُنْتَزَعٌ من قول النبى- صلى الله
_________________
(١) ذكر ابن إسحاق أن بيت أبى أيوب بناه تبع الأول لما مر بالمدينة للنبى «ص» ينزله إذا قدم المدينة!! فتداول البيت الملاك إلى أن صار لأبى أيوب!! وهى ولا شك خرافة حين يقال إن تبعا بناها للنبى «ص» فما كان تبع إلها حتى يعرف الغيب، أو ما كان تبع يعرف ما لم يعرفه النبى نفسه حتى ليلة الوحى.. ويقال إن الملك المظفر شهاب الدين غازى بن الملك العادل سيف الدين بكر بن أيوب بن شادى اشترى عرصة دار أبى أيوب، وبناها مدرسة لتدريس المذاهب الأربعة.
[ ٤ / ٢٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طُوّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ «١» وَقَالَ طَوْقَ الْحَمَامَهْ، لِأَنّ طَوْقَهَا لَا يُفَارِقُهَا، وَلَا تُلْقِيهِ عَنْ نَفْسِهَا أَبَدًا، كَمَا يَفْعَلُ مَنْ لَبِسَ طَوْقًا مِنْ الْآدَمِيّينَ، فَفِي هَذَا الْبَيْتِ مِنْ السّمَانَةِ وَحَلَاوَةِ الْإِشَارَةِ وَمَلَاحَةِ الِاسْتِعَارَةِ مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وَفِي قَوْلِهِ: طَوْقَ الْحَمَامَةِ رَدّ عَلَى مَنْ تَأَوّلَ قَوْلَهُ ﵇: طُوّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ أَنّهُ مِنْ الطّاقَةِ، لَا مِنْ الطّوْقِ فِي الْعُنُقِ، وَقَالَهُ الْخَطّابِيّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، مَعَ أَنّ الْبُخَارِيّ قَدْ رَوَاهُ، فَقَالَ فِي بَعْضِ رِوَايَتِهِ لَهُ: خُسِفَ بِهِ إلَى سَبْعِ أَرَضِينَ «٢»، وَفِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ جَاءَ بِهِ إسْطَامًا فِي عُنُقِهِ، وَالْأَسْطَامُ كَالْحِلَقِ مِنْ الْحَدِيدِ، وَسِطَامُ السّيْفِ. حَدّهُ «٣» .
الْخُطْبَةُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللهِﷺ- وَفِيهَا يَقُولُ اللهُ ﷿ لِعَبْدِهِ: أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا وَأُفْضِلْ عَلَيْك، فَمَاذَا قَدّمْت، وَفِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ زِيَادَةٌ، وَهِيَ: أَلَمْ أوتك مالا، وجعلتك ترباع وَتَدْسَعُ؟
وَفَسّرَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيّ، فَقَالَ: هُوَ مَثَلٌ، وأصله: أن الرئيس من العرب كان
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) فسرها ابن الأثير فى النهاية بما يأتى: أى يخسف الله به الأرض فتصير القطعة المغصوبة فى عنقه كالطوق، وقيل: هو أن يطوق حملها يوم القيامة، أى يكلف، فيكون من طوق التكليف لا من طوق التقليد.
(٣) سطام أو إسطام: الحديدة التى تحرك بها النار وتسعر «النهاية لابن الأثير» .
[ ٤ / ٢٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يرباع قَوْمَهُ أَيْ: يَأْخُذُ الْمِرْبَاعَ إذَا غَزَا وَيَدْسَعُ: أى يعطى ويدافع مِنْ الْمَالِ لِمَنْ شَاءَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ ضَخْمُ الدّسِيعَةِ «١» .
الْحُبّ:
وَذَكَرَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللهِﷺ- الثّانِيَةَ، وَفِيهَا: أَحِبّوا اللهَ مِنْ كُلّ قُلُوبِكُمْ، يُرِيدُ أَنْ يَسْتَغْرِقَ حُبّ اللهِ جَمِيعَ أَجْزَاءِ الْقَلْبِ، فَيَكُونُ ذِكْرُهُ وَعَمَلُهُ خَارِجًا مِنْ قَلْبِهِ خَالِصًا لِلّهِ، وَإِضَافَةُ الْحُبّ إلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ عَبْدِهِ مَجَازٌ حَسَنٌ لِأَنّ حَقِيقَةَ الْمَحَبّةِ: إرَادَةٌ يُقَارِنُهَا اسْتِدْعَاءٌ لِلْمَحْبُوبِ إمّا بِالطّبْعِ، وَإِمّا بِالشّرْعِ، وَقَدْ كَشَفْنَا مَعْنَاهَا بِغَايَةِ الْبَيَانِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ ﵇: إنّ اللهَ [تَعَالَى] جَمِيلٌ يُحِبّ الْجَمَالَ «٢» ونبهنا هنا لك عَلَى تَقْصِيرِ أَبِي الْمَعَالِي ﵀ فِي شَرْحِ الْمَحَبّةِ فِي كِتَابِ الْإِرَادَةِ مِنْ كِتَابِ الشامل فلتنظر هنا لك «٣» .
_________________
(١) أصل الدسع: الدفع. وضخم الدسيعة: واسع العطية، ومعنى ألم أجعلك إلخ- كما فى النهاية لابن الأثير: ألم أجعلك رئيسا مطاعا، لأن الملك كان يأخذ الرباع من الغنيمة فى الجاهلية دون أصحابه.
(٢) رواه مسلم والترمذى والطبرانى فى الكبير والحاكم فى مستدركه.
(٣) أحسن من تكلم عن الحب هو الإمام ابن القيم فى كتابيه «روضة المحبين» وكتاب «مدارج السالكين» وفى هذا الأخير يقول الإمام الجليل إن الكلام عن الحب معلق بطرفين: «محبة العبد لربه، وطرف محبة الرب لعبده. والناس فى إثبات ذلك ونفيه أربعة أقسام: فأهل يحبهم الله ويحبونه على إثبات الطرفين، وأن محبة العبد لربه فوق كل محبة تقدر، ولا نسبة لسائر المحاب إليها، وهى حقيقة: لا إله إلا الله، وكذلك عندهم محبة الرب لأوليائه وأنبيائه ورسله صفة زائدة على رحمته وإحسانه، وعطائه، فإن ذلك أثر المحبة وموجبها،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإنه لما أحبهم كان نصيبهم من رحمته وإحسانه وبره أتم نصيب. والجهمية المعطلة عكس هؤلاء، فانه عندهم لا يحب ولا يحب، ولم يمكناهم تكذيب النصوص، فأولوا نصوص محبة العباد له على محبة طاعته وعبادته. والازدياد من الأعمال؛ لينالوا بها الثواب، وإن أطلقوا عليهم بها لفظ المحبة، فلما ينالون به من الثواب والأجر والثواب المنفصل عندهم: هو المحبوب لذاته، والرب تعالى محبوب لغيره حب الوسائل. وأولوا نصوص محبته لهم باحسانه إليهم، وإعطائهم الثواب، وربما أولوها بثنائه عليهم، ومدحه لهم، ونحو ذلك. وربما أولوها بارادته لذلك. فتارة يؤلونها بالمفعول المنفصل، وتارة يؤلونها بنفس الإرادة. ويقولون: الإرادة إن تعلقت بتخصيص العبد بالأحوال والمقامات العلية، سميت محبة، وإن تعلقت بالعقوبة والانتقام سميت غضبا. وإن تعلقت بعموم الإحسان والإنعام الخاص سميت برا، وإن تعلقت بايصاله فى خفاء من حيث لا يشعر أولا يحتسب سميت: لطفا، وهى واحدة، ولها أسماء وأحكام باعتبار متعلقاتها. ومن جعل محبته للعبد ثناءه عليه ومدحه له. ردها إلى صفة الكلام، فهى عنده من صفات الذات، لا من صفات الأفعال، والفعل عنده نفس المفعول، فلم يقم بذات الرب محبة لعبده ولا لأنبيائه، ورسله ألبتة. ومن ردها إلى صفة الإرادة جعلها من صفات الذات باعتبار أصل الإرادة، ومن صفات الأفعال باعتبار تعلقها. ولما رأى هؤلاأ أن المحبة إرادة، وأن الإرادة لا تتعلق إلا بالمحدث المقدور. والقديم ويستحيل أن يراد أنكروا محبة العباد، والملائكة والأنبياء والرسل له. وقالوا: لا معنى إلا إرادة التقرب إليه، والتعظيم له، وإرادة عبادته، فأنكروا خاصة الإلهية، وخاصة العبودية، واعتقدوا أن هذا من موجبات التوحيد والتنزيه، فعندهم لا يتم التوحيد والتنزيه، إلا بجحد حقيقة الإلهية، وجحد حقيقة العبودية. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وجميع طرق الأدلة: عقلا، ونقلا، وفطرت وقياسا واعتبارا تدل على إثبات محبة العبد لربه، والرب لعبده.. ثم قال إن من أنكروا المحبة: «قد أنكروا خاصة الخلق والأمر، والغاية التى وجدوا لأجلها، فان الخلق والأمر والثواب والعقاب إنما نشأ عن المحبة، ولأجلها، وهى الحق الذى به خلقت السماوات والأرض، وهى الحق الذى تضمنه الأمر والنهى، وهى سر التأليه، وتوحيدها، هو: شهادة أن لا إله إلا الله والقرآن والسنة مملوآن بذكر من يحبه الله سبحانه، من عباده المؤمنين. وذكر ما يحبه من أعمالهم وأقوالهم وأخلاقهم كقوله تعالى: وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ آل عمران: ١٤٦ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ آل عمران ١٣٤، ١٤٨. وكم فى السنة: أحب الأعمال إلى الله كذا كذا فلو بطلت مسألة المحبة لبطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان، ولتعطلت منازل السير إلى الله، فانها روح مقام ومنزلة وعمل، والمحبة حقيقة العبودية فمنكر هذه المسألة ومعطلها من القلوب معطل لذلك كله، وحجابه أكشف الحجب، وقلبه أقسى القلوب، وأبعدها عن الله، وهو منكر لخلة إبراهيم ﵇، فان الخلة كمال المحبة» ص ١٨ إلى ص ٢٧ باختصار ح ٣ ط السنة المحمدية. وبالنصوص القرآنية يثبت لنا أن الحب ليس هو الإرادة، وإنما هو صفة أخرى. والذين ينكرون حب الله لعباده. وحب العباد لله. قوم عيونهم وأفكارهم مشدودة إلى صفات البشر بكل ما لهذه الصفات البشرية من خصائص، وظنوا- خاضعين فى هذا لأفكار غير عربية وغير إسلامية أنهم إن وصفوا الله بهذه الصفات التى بها وصف الله نفسه. أو أضافوا إليه من الأفعال والأسماء ما أضافه إلى نفسه.. ظنوا أنهم إن فعلوا ذلك أسندوا إلى الله ما يسندونه من لوازم هذه الصفات فى بشريتها إلى البشر، زعموا أن من لوازم الحب اللهف والقلق والخوف والشوق والفقر، والشعور بالنقص فنفوا عن الله صفة أنه يحب أو أنه استوى، أو لأن هذه الصفات تستلزم ما يستحيل إطلاقه على الله. وهذا الظن قصور وتقصير. وإفراط فى المادية، واستغراق فى الذهول عن الحقيقة، فان الصفة. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تستمد قيمتها من موصوفها. بل إن الصفات تتغير وتتباين لوازمها تبعا لتباين الموصوفات فى الخلق أنفسهم، فغضبى ليس عين غضبك وحبى ليس عين حبك. وحبنا ليس حب الآخرين. فما بالنا بصفات الخالق؟؟ فكيف نسند إلى صفات الخلاق ما نسنده إلى صفات البشر من الوازم وخصائص؟ وكيف نظن أن حب الله مثل حب خلقه! حتى نحمل عليه ما نحمله عليهم؟ وكيف نجرؤ على أن نجرد صفات الله من معانيها، أو ننفيها عنه ونحن مستعبدون لظنون وأوهام ضرب الشيطان بها أفكار غيرنا وقلوبهم فأعماهم وأضلهم عن سواء السبيل؟ وكيف نسوى بين صفتين، لم يجعل الله إحداهما عين الأخرى، كيف نسوى بين الإرادة والمحبة، والله يقول: قُلْ: مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً الأحزاب: ١٧ قُلْ: فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا، أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا الفتح: ١١ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ، أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ الزمر: ٣٨ وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها، فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا الإسراء: ١٦ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ، فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا المائدة: ٤١ إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا يس: ٢٣ أو يمكن أن نضع الحب مكان الإرادة فى هذه الآية؟ لقد تكرر إسناد الحب إلى الله فى القرآن إثباتا قرابة عشرين مرة، وفى كل مرة يتعلق الحب بصفة فى العيد تجعله من خير العباد الذين يستحقون هذه المحبة الإلهية، فهو جل شأنه يحب المحسنين، والتوابين والمتطهرين، والمتقين والصابرين، والمتوكلين، والمقسطين والمطهرين والذين يقاتلون فى سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص، والأذلة على المؤمنين الأعزة على الكافرين، والذين يحبونه، ويتبعون نبيه، وهو لا يحب المعتدين، ولا يحب الفساد ولا المفسدين، ولا يحب الكفار الأثيم ولا يحب الظالمين، ولا يحب من كان مختالا فخورا ولا يحب المسرفين، ولا يحب الخائنين، ولا يحب المستكبرين، ولا يحب كل خوان فخور، ولا يحب الفرحين، ولا يحب الكافرين، هكذا يثبت الله حبه
[ ٤ / ٢٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْ شَرْحِ الْخُطْبَةِ وَقَوْلُهُ ﵇: لَا تَمَلّوا كَلَامَ اللهِ وَذِكْرَهُ، فَإِنّهُ مِنْ كُلّ مَا يَخْلُقُ اللهُ يَخْتَارُ وَيَصْطَفِي. الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَإِنّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَائِدَةً عَلَى كَلَامِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَلَكِنّهَا ضَمِيرُ الْأَمْرِ وَالْحَدِيثِ، فَكَأَنّهُ قَالَ: إنّ الْحَدِيثَ مِنْ كُلّ مَا يَخْلُقُ اللهُ يَخْتَارُ، فَالْأَعْمَالُ إذًا كُلّهَا مِنْ خَلْقِ اللهِ قَدْ اخْتَارَ مِنْهَا مَا شَاءَ قَالَ سُبْحَانَهُ: [وَرَبُّكَ] يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيَخْتارُ الْقَصَصُ: ٦٨، وَقَوْلُهُ: قَدْ سَمّاهُ خِيرَتَهُ من الأعمال، يعنى: الذّكْرَ، وَتِلَاوَةَ الْقُرْآنِ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: وَيَخْتَارُ، فَقَدْ اخْتَارَهُ مِنْ الْأَعْمَالِ.
وَقَوْلُهُ: وَالْمُصْطَفَى مِنْ عِبَادِه، أَيْ: وَسُمّيَ الْمُصْطَفَى مِنْ عِبَادِهِ بِقَوْلِهِ:
اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ الْحَجّ: ٧٥ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْمُصْطَفَى مِنْ عِبَادِهِ أَيْ: الْعَمَلُ الّذِي اصْطَفَاهُ مِنْهُمْ وَاخْتَارَهُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، فَلَا تَكُونُ مِنْ عَلَى هَذَا لِلتّبْعِيضِ، إنّمَا تَكُونُ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، لِأَنّهُ عَمَلٌ اسْتَخْرَجَهُ مِنْهُمْ بِتَوْفِيقِهِ إيّاهُمْ. وَالتّأْوِيلُ الْأَوّلُ أَقْرَبُ مَأْخَذًا والله أعلم بما أراد رسوله.
_________________
(١) لقوم، وينفيه عن آخرين، وبهذا الإثبات والنفى، تأكد ثبوت هذه الصفة الإلهية له سبحانه. فلنؤمن بأن الله يحب، ولنقل إن الله يحب، ولنسعد بأن الله يحب، ولنشعر بروح وريحان حين نذكر ونقرأ ونقول: إن الله يحب، ولن تلمس خاطرة من فكرة مهما كان شأنها فى الصغر أو الكبر أن حب الله يشبه حب خلقه. إلا إذا كان ثمة إنسان يجعل الله بعض خلقه!! وجل جلال الله سبحانه أن نشبهه بشى، أو ننفى عنه ما أثبته لنفسه.
[ ٤ / ٢٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ فِي أَوّلِ الْخُطْبَةِ «١» إنّ الْحَمْدَ لِلّهِ أَحْمَدُهُ هَكَذَا بِرَفْعِ الدّالِ مِنْ قَوْلِهِ:
الْحَمْدُ لِلّهِ وَجَدْته مُقَيّدًا مُصَحّحًا عَلَيْهِ، وَإِعْرَابُهُ لَيْسَ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَلَكِنْ عَلَى إضْمَارِ الْأَمْرِ كَأَنّهُ قَالَ: إنّ الْأَمْرَ الّذِي أَذْكُرُهُ، وَحَذَفَ الْهَاءَ الْعَائِدَةَ عَلَى الْأَمْرِ كَيْ لَا يُقَدّمَ شَيْئًا فِي اللّفْظِ مِنْ الْأَسْمَاءِ عَلَى قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلّهِ، وَلَيْسَ تَقْدِيمُ إنّ فِي اللّفْظِ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الْأَسْمَاءِ، لِأَنّهَا حَرْفٌ مُؤَكّدٌ لِمَا بَعْدَهُ مَعَ مَا فِي اللّفْظِ مِنْ التّحَرّي لِلَفْظِ الْقُرْآنِ وَالتّيَمّنِ بِهِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَتْ خُطْبَتُهُ فِي تِلْكَ الْأَيّامِ عَلَى جِذْعٍ، فَلَمّا صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ «٢»، وَصَنَعَهُ لَهُ عَبْدٌ لِامْرَأَةِ مِنْ الْأَنْصَارِ اسْمُهُ بَاقُومٌ «٣» خار الجذع خوار
_________________
(١) روى أبو داود عن الخطبة الثانية ما يأتى: عن ابن مسعود ﵁ أن النبى إذا تشهد قال: الحمد لله الحديث إلى قوله لا شريك له. وقد صحح النووى إسناد هذا الحديث فى شرحه لمسلم. هذا ويرى الحسن البصرى، وداود الظاهرى، والجوينى والشوكانى أن الخطبة مندوبة، وليست بواجبة.
(٢) شجر، الواحدة: طرفة، وقال سيبويه: الطرفاء واحد وجمع. ويصفها المعجم الوسيط بقوله جنس جنبات وجنيبات للتزيين من الفصيلة الطرفاوية، ومنها: الأثل، وفى الصحيحين عن سهل بن سعد أنه صنع له من أثل الغابة، ويقول الزرقانى فى المواهب: وهو شجر كالطرفاء لا شوك له، وخشبه جيد، يعمل منه القصاع والأوانى، والغابة: موضع بالعوالى
(٣) واختلف فى اسم صانعه، ففى الصحيح أنه ميمون مولى امرأة من الأنصار، وقيل: مولى سعد بن عبادة، فكأنه فى الأصل مولى امرأته، ونسب إلى سعد مجازا- وقد اختلف أيضا فى اسم امرأة سعد- وروى أبو نعيم أن صانعه باقوم الرومى مولى سعيد بن العاص، أو باقول، أو صباح، أو قبيصة، أو مينا، أو صالح أو كلاب، وكلاهما مولى العباس، أو إبراهيم، أو تميم الدارى
[ ٤ / ٢٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النّاقَةِ الْخَلُوجِ، حَتّى نَزَلَ ﵇، فَالْتَزَمَهُ، وَقَالَ: لَوْ لَمْ أَلْتَزِمْهُ مَا زَالَ يَخُورُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمّ دَفَنَهُ، وَإِنّمَا دَفَنَهُ، لِأَنّهُ قَدْ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُؤْمِنِ لَحُبّهِ وَحَنِينِهِ إلَى النّبِيّ ﷺ، وَهَذَا يُنْظَرُ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ الْآيَةُ، وَإِلَى قَوْلِهِ ﵇ فِي النّخْلَةِ: مَثَلُهَا كَمَثَلِ الْمُؤْمِنِ، وَحَدِيثُ خُوَارِ الْجِذْعِ وَحَنِينِهِ مَنْقُولٌ نَقْلَ التّوَاتُرِ لِكَثْرَةِ مَنْ شَاهَدَ خُوَارَهُ مِنْ الْخَلْقِ وَكُلّهُمْ نَقَلَ ذَلِكَ، أَوْ سَمِعَهُ من غيره فلم ينكره «١» .
_________________
(١) كما ورد فى أبى داود. ويقول الحافظ فى الفتح: وليس فى جميع الروايات التى سمى فيها النجار شىء قوى السند سوى الحديث الذى رواه أبو داود عن ابن عمر لكن لم يصرح فيه بأن صانعه تميم. وأشبه الأقوال بالصواب بأنه ميمون لكونه من طريق سهل بن سعد وكان المنبر ذا ثلاث درجات، وزاد فيه مروان ست درجات لما كثر الناس، ولما احترق المسجد سنة ٦٥٤ جدد المظفر صاحب اليمن سنة ست وخمسين منبرا، ثم أرسل الظاهر بيبرس بعد عشر سنين منبرا، فأزيل منبر المظفر، ولم يزل منبر بيبرس إلى سنة ٨٢٠، ثم أرسل المؤيد شيخ منبرا، فبقى سنة ٨٦٧، فأرسل الظاهر خشقدم منبرا.
(٢) يقول القاضى عياض فى الشفاء عن حديث حنين الجذع: حديث حنين الجذع مشهور منتشر، والخبر به متواتر، أخرجه أهل الصحيح، ورواه من الصحابة بضعة عشر، منهم أبى بن كعب وجابر وأنس وابن عمر وابن عباس وسهل بن سعد وأبو سعيد الخدرى وبريدة وأم سلمة والمطلب بن أبى وداعة» وقد أخرج البخارى الحديث فى علامات النبوة، والترمذى فى الصلاة عن عن نافع عن ابن عمر، ورواه أحمد من رواية أبى جناب وهو ضعيف عن أبيه أبى حية عن ابن عمر، ورواه ابن ماجة وأبو يعلى الموصلى وغيرهما من رواية حماد بن مسلمه عن ثابت عن أنس، ورواه الترمذى وصححه وأبو يعلى وابن خزيمة والطبرانى والحاكم وصححه، وقال على شرط مسلم يلزمه إخراجه من رواية
[ ٤ / ٢٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَهُودِ شَرَطَ لَهُمْ فِيهِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ، وَأَمّنَهُمْ فِيهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَكَانَتْ أَرْضُ يَثْرِبَ لَهُمْ قَبْلَ نُزُولِ الْأَنْصَارِ بِهَا، فَلَمّا كَانَ سَيْلُ الْعَرِمِ، وَتَفَرّقَتْ سَبَأٌ نَزَلَتْ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ بِأَمْرِ طَرِيفَةَ الْكَاهِنَةِ، وأمر
_________________
(١) إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عن أنس، ورواه الطبرانى من رواية الحسن عن أنس، ورواه أحمد بن منيع والطبرانى وغيرهما من رواية حماد ابن سلمة عن عمار بن أبى عامر عن ابن عباس. ورواه أحمد والدارمى وأبو يعلى وابن ماجة وغيرهم من رواية الطفيل بن أبى بن كعب عن أبيه، ورواه الدارمى من رواية أبى حازم عن سهل بن سعد، ورواه أبو محمد الحسن بن على الجوهرى من رواية عبد العزيز بن رواد عن نافع عن تميم الدارى. وقال الحافظ فى الفتح: «حنين الجذع وانشقاق القمر نقل كل منهما نقلا مستفيضا يفيد القطع عند من يطلع على طرق الحديث دون غيرهم ممن لا ممارسة فى الله، والله أعلم» وقال البيهقى: «قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التى حملها الخلف ورووها عن السلف رواية الأخبار الخاصة كالتكليف» أقول: زالت آية الجذع، وبقيت آية الله الكبرى التى من بها على محمد ﷺ، وهى القرآن، ومن يتدبر القرآن يجده هاديا إلى الأدلة التى بها تثبت نبوة عبده وخاتم أنبيائه، وذكر فيه من آياته الكبرى ما ذكر. والله يمن على عبده بما شاء. والناقة الخلوج: التى اختلج ولدها أى انتزع منها. وحديث النخلة فى الجامع الصغير: «مثل المؤمن مثل النخلة ما أخذت منها من شىء نفعك» وقال عنه رواه الطبرانى عن ابن عمر!!
[ ٤ / ٢٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) عِمْرَانَ بْنِ عَامِرٍ، فَإِنّهُ كَانَ كَاهِنًا أَيْضًا وَبِمَا سَجَعَتْ بِهِ لِكُلّ قَبِيلَةٍ مِنْ سَبَأٍ، فَسَجَعَتْ لِبَنِي حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ. وَهُمْ الْأَوْسُ والخزرج أن ينزلوا بثرب ذَاتَ النّخْلِ فَنَزَلُوهَا عَلَى يَهُودَ وَحَالَفُوهُمْ وَأَقَامُوا مَعَهُمْ، فَكَانَتْ الدّارُ وَاحِدَةً. مَتَى دَخَلَ الْيَهُودُ يَثْرِبَ؟: وَالسّبَبُ فِي كَوْنِ الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ، وَهِيَ وَسَطَ أَرْضِ الْعَرَبِ مَعَ أَنّ الْيَهُودَ أَصْلُهُمْ مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ أَنّ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَتْ تُغِيرُ عَلَيْهِمْ الْعَمَالِيقُ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، وَكَانَتْ مَنَازِلُهُمْ يَثْرِبَ وَالْجُحْفَةَ إلَى مَكّةَ، فَشَكَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ ذَلِكَ إلَى مُوسَى، فَوَجّهَ إلَيْهِمْ جَيْشًا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُمْ، وَلَا يُبْقُوا مِنْهُمْ أَحَدًا، فَفَعَلُوا وَتَرَكُوا مِنْهُمْ ابْنَ مَلِكٍ لَهُمْ كَانَ غُلَامًا حَسَنًا، فَرَقّوا لَهُ، وَيُقَالُ لِلْمَلِكِ: الْأَرْقَمُ بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ فِيمَا ذَكَرَ الزّبَيْرُ ثُمّ رجعوا إلى الشام وموسى قدمات، فَقَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لَهُمْ: قَدْ عَصَيْتُمْ وَخَالَفْتُمْ، فلا نؤويكم، فَقَالُوا: نَرْجِعُ إلَى الْبِلَادِ الّتِي غَلَبْنَا عَلَيْهَا فَنَكُونُ بِهَا، فَرَجَعُوا إلَى يَثْرِبَ، فَاسْتَوْطَنُوهَا وَتَنَاسَلُوا بِهَا إلَى أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ بَعْدَ سَيْلِ الْعَرِمِ. هَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ الْمَعْرُوفِ: بِكِتَابِ الْأَغَانِي، وَإِنْ كَانَ الزّبَيْرُ قَدْ ذَكَرَهُ أَيْضًا فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ، وَلَا أَحْسَبُ هَذَا صَحِيحًا لِبُعْدِ عُمْرِ مُوسَى ﵇، وَاَلّذِي قَالَ غَيْرُهُ إنّ طَائِفَةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ لَحِقَتْ بِأَرْضِ الْحِجَازِ حِينَ دَوّخَ بُخْتُ نَصّرَ الْبَابِلِيّ فِي بِلَادهمْ، وَجَاسَ خِلَالَ دِيَارِهِمْ، فَحِينَئِذٍ لَحِقَ مَنْ لَحِقَ مِنْهُمْ بِالْحِجَازِ كَقُرَيْظَةَ وَالنّضِيرِ، وَسَكَنُوا خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةَ، وَهَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَ الطّبَرِيّ وَاَللهُ أَعْلَمُ.
[ ٤ / ٢٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اسْمُ يَثْرِبَ وَأَمّا يَثْرِبُ فَاسْمُ رَجُلٍ نَزَلَ بِهَا أَوّلَ مِنْ الْعَمَالِيقِ فَعُرِفَتْ بِاسْمِهِ، وَهُوَ يَثْرِبُ بْنُ قاين بْن عِبِيلِ بْنِ مهلايل بْنِ عَوَصِ بْنِ عِمْلَاقِ بْنِ لَاوَذِ بْنِ إرَمَ، وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ اخْتِلَافٌ وَبَنُو عِبِيلٍ هُمْ الّذِينَ سَكَنُوا الْجُحْفَةَ فَأَجْحَفَتْ بِهِمْ السّيُولُ وَبِذَلِكَ سُمّيَتْ الْجُحْفَةَ «١»، فَلَمّا احْتَلّهَا رَسُولُ اللهِﷺ- كَرِهَ لَهَا هَذَا الِاسْمَ أَعْنِي: يَثْرِبَ لِمَا فِيهِ مِنْ لَفْظِ التّثْرِيبِ، وَسَمّاهَا طِيبَةَ وَالْمَدِينَةَ.
فَإِنْ قُلْت: وَكَيْفَ كَرِهَ اسْمًا ذَكَرَهَا اللهُ فِي الْقُرْآنِ بِهِ، وَهُوَ الْمُقْتَدِي بِكِتَابِ اللهِ، وَأَهْلٌ أَنْ لَا يَعْدِلَ عَنْ تَسْمِيَةِ اللهِ؟ قُلْنَا إنّ اللهَ- سُبْحَانَهُ- إنّمَا ذَكَرَهَا بِهَذَا الِاسْمِ حَاكِيًا عَنْ الْمُنَافِقِينَ؛ إذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقامَ لَكُمْ؟ فَنَبّهَهُ بِمَا حَكَى عَنْهُمْ أَنّهُمْ قَدْ رَغِبُوا عَنْ اسْمٍ سَمّاهَا اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَأَبَوْا إلّا مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي جَاهِلِيّتِهِمْ، وَاَللهُ سُبْحَانَهُ قَدْ سَمّاهَا:
الْمَدِينَةَ، فَقَالَ غَيْرَ حَاكٍ عَنْ أَحَدٍ: مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ [يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ] التوبة ١٢٠، وفى الخبر عن كعب الأخبار قَالَ: إنّا نَجِدُ فِي التّوْرَاةِ يَقُولُ اللهُ لِلْمَدِينَةِ يَا طَابَةُ يَا طَيْبَةُ يَا مِسْكِينَةُ لَا تَقْبَلِي الْكُنُوزَ أَرْفَعْ أَجَاجِيرَكِ عَلَى أَجَاجِيرِ «٢» القرى، وقد روى هذا الحديث عن
_________________
(١) أجحف به: ذهب به، وكان اسم الجحفة: مهيعة «معجم البكرى، المراصد، القاموس»
(٢) أجاجير: جمع إجار، وهو السطح الذى ليس حواليه ما يرد الساقط عنه، والأناجير جمع أيضا
[ ٤ / ٢٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَرْفَعُهُ، وَرُوِيَ أَيْضًا أَنّ لَهَا فِي التّوْرَاةِ أَحَدَ عَشَرَ اسْمًا:
الْمَدِينَةُ وَطَابَةُ وَطِيبَةُ وَالْمِسْكِينَةُ وَالْجَابِرَةُ وَالْمُحِبّةُ وَالْمَحْبُوبَةُ وَالْقَاصِمَةُ وَالْمَجْبُورَةُ وَالْعَذْرَاءُ وَالْمَرْحُومَةُ «١»، وَرُوِيَ فِي مَعْنَى قوله: وَقُلْ رَبِ
_________________
(١) فى تسميتها روى مسلم عن جابر بن سمرة قال: كان الناس يقولون: يثرب والمدينة، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ- إن الله ﷿ سماها: طابة. وعن زيد بن ثابت أن رسول اللهﷺ- قال: إنها طيبة، وإنها تنفى الخبت، كما تنفى النار خبث الفضة «مسلم أيضا» وعن أحمد: من سمى المدينة، فليستغفر الله ﷿، هى طابة، هى طابة وقال الأزهرى: كره ذكر الثرب، لأنه فساد فى لسان العرب ويرى ابن فارس وقطرب أن المدينة من دان إذا أطاع، فتكون الميم زائدة، وقيل من مدن بالمكان إذا أقام به، فتكون الميم أصلية وجمعها مدن بضم الدال وإسكانها ومدائن وترك الهمزة أفصح، والنسب إلى المدينة مدنى، وإلى مدينة المنصور مدينى، وإلى مدائن كسرى: مدائنى وقيل: مدنى إذا نسبت الرجل والثوب. أما الطير فمدينى. والطاب والطيب لغتان بمعنى. وحديث كعب رواه ابن زبالة وما أضعفه. وقد ذكرت لها أسماء أخرى منهما: طيبة بتشديد الياء، والمطيبة بتشديد الياء مع فتحها، والدار والهذراء- لشدة حرارتها-، والحبيية، ومدخل صدق، ودار السنة، ودار الهجرة، والبلاط، والإيمان، ويندر، ويندد والبحرة والبحيرة. وقد غالى السمهودى فذكر لها أكثر من تسعين اسما «راجع ص ٢٣٢ إعلام الساجد ص ٧ وفاء الوفا للسمهودى، ص ٦٢٠ القرى للمحب الطبرى. وقد اختلف فى يثرب- كما قال ابن دقيق العيد فى شرح الإمام-: هل هو اسم يرادف المدينة، أو هو اسم لقطر محدود، والمدينة فى ناحية منه؟ وعن
[ ٤ / ٢٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ [وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ] الْإِسْرَاءُ: ٨٠ أنها المدينة، وأن مُخْرَجَ صِدْقٍ مكّة وسُلْطانًا نَصِيرًا الْأَنْصَارُ.
تَفْسِيرُ عَلَى رِبْعَاتِهِمْ:
وَفِي الْكِتَابِ: بَنُو فُلَانٍ عَلَى رِبْعَاتِهِمْ. هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خالد [بن عُقَيْلٍ الْأَبْلِيّ] عَنْ الزّهْرِيّ وَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الله ابن صَالِحٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فَقَالَ: رِبَاعَتِهِمْ. الْأَلِفُ بَعْدَ الْبَاءِ، ثُمّ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ:
يُقَالُ: فُلَانٌ عَلَى رِبَاعِهِ قَوْمُهُ إذَا كَانَ نَقِيبَهُمْ وَوَافِدَهُمْ.
قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَكَسْرُ الرّاءِ فِيهِ الْقِيَاسُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، لِأَنّهَا وِلَايَةٌ، وَإِنْ جَعَلَ الرّبَاعَةَ مَصْدَرًا فَالْقِيَاسُ فَتْحُ الرّاءِ، أَيْ عَلَى شَأْنِهِمْ وَعَادَتِهِمْ مِنْ أَحْكَامِ الدّيَاتِ وَالدّمَاءِ «١» يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الأولى: جمع: معقلة ومعقلة من العقل
_________________
(١) أبى عبيد: يثرب اسم أرض، ومدينة الرسول فى ناحية منها،. وقيل: أرض وقعت المدينة فى ناحية منها أو أن يثرب اسم للمدينة، هكذا ورد فى الكشاف. وقال ابن عطية: يثرب قطر محدود، والمدينة فى طرف منه، وقد غالى السمهودى، فجمع لها أكثر من تسعين اسما. وانظر ص ١٠٩ وما بعدها ح ١ وفاء الوفاء فى سكناها وما ذكر فى سبب نزول اليهود بها وبيان منازلهم.
(٢) فى النهاية لابن الأثير: يقال القوم على رباعتهم، ورباعهم أى: على استقامتهم، يريد: أنهم على أمرهم الذى كانوا عليه، ورباعة الرجل: شأنه وحاله التى هو رابع عليها، أى: ثابت مقيم. وعند الخشنى: الربعة والرباعه الحال التى جاء الإسلام، وهم عليها، ويقال: فلان يقوم برباعة أهله، إذا كان يقوم بأمرهم وشأنهم ص ١٢٥
[ ٤ / ٢٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَهُوَ الدّيَةُ «١» .
مِنْ كَلِمَاتِ الْكِتَابِ:
وَقَالَ فِي الْكِتَابِ: وَأَلّا يُتْرَكَ مُفْرَحٌ، وَفَسّرَهُ ابْنُ هِشَامٍ كَمَا فَسّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ أَنّهُ الّذِي أَثْقَلَهُ الدّيْنُ، وَأَنْشَدَ الْبَيْتَ الّذِي أَنْشَدَهُ أَبُو عُبَيْدٍ «٢» .
إذَا أَنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تُؤَدّي أَمَانَةً وَتَحْمِلُ أُخْرَى أَفْرَحَتْك الْوَدَائِعُ
أَيْ: أَثْقَلَتْك يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَفْعَالِ السّلْبِ، أَيْ سَلَبَتْك الْفَرَحَ، كَمَا قِيلَ: أَقْسَطَ الرّجُلُ إذَا عَدَلَ، أَيْ: أَزَالَ الْقِسْطَ، وَهُوَ الِاعْوِجَاجُ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ مُبْدَلَةً مِنْ بَاءٍ، فَيَكُونُ مِنْ الْبَرْحِ وَهُوَ الشّدّةُ، تَقُولُ: لَقِيت مِنْ فُلَانٍ بَرْحًا أَيْ: شِدّةً، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ رِوَايَةً أُخْرَى مُفْرَجٌ بِالْجِيمِ، وَذَكَرَ فِي مَعْنَاهُ أَقْوَالًا، مِنْهَا أَنّهُ الّذِي لَا دِيوَانَ لَهُ، وَمِنْهَا: أَنّهُ الْقَتِيلُ بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ لَا يُدْرَى مَنْ قَتَلَهُ، وَمِنْهَا أَنّهُ فِي مَعْنَى الْمُقْرَحِ بِالْحَاءِ أَيْ:
_________________
(١) يقال: بنو فلان على معاقلهم التى كانوا عليها، أى: مراتبهم وحالاتهم، وسميت دية القتيل: عقلا، لإن القاتل كان إذا قتل قتيلا جمع الدية من الإبل، فعقلها بفناء أولياء المقتول، أى شدها فى عقلها، ليسلمها إليهم، ويقبضوها منه، فسميت الدية: عقلا بالمصدر، يقال. عقل البعير يعقله عقلا، وجمعها عقول، والعاقلة: هى العصبة والأقارب من قبل الأب الذين يعطون دية قتيل الخطأ. وهى صفة جماعة عاقلة، وأصلها اسم فاعلة من العقل، وهى من الصفات الغالبة انظر مادة عقل فى النهاية لابن الأثير.
(٢) فى اللسان أبو عبيدة، ونسبه لبيهسى العذرى، وقبله: إذا أنت أكثرت الأخلاء صادفت بهم حاجة بعض الذى أنت مانع
[ ٤ / ٢٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الّذِي لَا شَيْءَ لَهُ، وَقَدْ أَثْقَلَهُ الدّيْنُ، أَوْ نَحْوَ «١» هَذَا فَيُقْضَى عَنْهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
وَفِيهِ: وَلَا يُوتِغُ إلّا نَفْسَهُ، أَيْ: لَا يُوبِقُ، وَيُهْلِكُ إلّا نَفْسَهُ، يُقَالُ وَتِغَ الرّجُلُ، وَأَوْتَغَهُ غَيْرُهُ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ يُبِيءُ هُوَ مِنْ الْبَوَاءِ، أَيْ: الْمُسَاوَاةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ حِينَ قَتَلَ ابْنًا لِلْحَارِثِ بن عباد: بؤ بشسع نعل كليب «٢» .
وقوله: إن البرّدون الْإِثْمِ، أَيْ: إنّ الْبِرّ وَالْوَفَاءَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَاجِزًا عَنْ الْإِثْمِ.
وَقَوْلُهُ: وَإِنّ اللهَ عَلَى أَتْقَى مَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَأَبَرّهِ، أَيْ: إنّ اللهَ وَحِزْبَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الرّضَى بِهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ: إنّمَا كَتَبَ رَسُولُ اللهِﷺ- هَذَا الْكِتَابَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الْجِزْيَةُ،
_________________
(١) وفى اللسان عن أبى عبيد: أن المفرج هو الذى يسلم، ولا يوالى أحدا فاذا جنى جناية، كانت جنايته على بيت المال، لأنه لا عاقلة له.
(٢) حين نشب الشر استعرت الحرب بين بكر وتغلب أربعين سنة، وكان الحارث ابن عباد البكرى قد اعتزل القوم، فلما استحر القتل فى بكر، اجتمعوا إليه وقالوا: قد فنى قومك فأرسل الحارث إلى مهلهل أخى كليب بجيرا ابنه يناشده السلام، فقد أدرك وتره من بكر، فلما عرف المهلهل أن بجيرا هو ابن الحارث ابن عباد قتله قائلا: بؤ بشسع نعل كليب، فلما علم أبوه الحارث بهذا خرج يقاتل المهلهل وبنى تغلب ثائرا ببجير ابنه، وأنشأ يقول: قربا مربط النعامة منى إن بيع الكريم بالشسع غالى قربا مربط النعامة منى لقحت حرب وائل عن حيال لم أكن من جناتها. علم الله وإنى بشرها اليوم صالى ويروى: بحرها. والنعامة: فرس الحارث، وكانت هزيمة تغلب على يد الحارث.
[ ٤ / ٢٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَإِذْ كَانَ الْإِسْلَامُ ضَعِيفًا. قَالَ: وَكَانَ لِلْيَهُودِ إذْ ذَاكَ نَصِيبٌ فِي الْمَغْنَمِ إذَا قَاتَلُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا شَرَطَ عَلَيْهِمْ فِي هَذَا الْكِتَابِ النّفَقَةَ مَعَهُمْ فِي الْحُرُوبِ.
الْمُؤَاخَاةُ بَيْنَ الصّحَابَةِ فَصْلٌ الْمُؤَاخَاةُ بَيْنَ الصّحَابَةِ: آخَى رَسُولُ اللهِﷺ- بَيْنَ أَصْحَابِهِ حِينَ نَزَلُوا الْمَدِينَةَ، لِيُذْهِبَ عَنْهُمْ وَحْشَةَ الْغُرْبَةِ وَيُؤْنِسَهُمْ مِنْ مُفَارَقَةِ الْأَهْلِ وَالْعَشِيرَةِ، وَيَشُدّ أَزْرَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضِ، فَلَمّا عَزّ الْإِسْلَامُ وَاجْتَمَعَ الشّمْلُ، وذهبت الوحشة أنزل الله سبحانه: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ الْأَنْفَالُ ٧٥ أَعْنِي فِي الْمِيرَاثِ «١»، ثُمّ جعل المؤمنين كلهم إخوة
_________________
(١) من أين جاء بهذا، وليس فى آيات الميراث شىء من هذا؟، هذا وقد أنكر الإمام ابن تيمية ﵁ فى منهاج السنة النبوية المؤاخاة بين المهاجرين والمهاجرين. وأقول: إنه ينكر هذه المؤاخاة بمعناها الخاص المعروف، وإلا فالمسلم من أول يوم هو أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه. ولنتدبر ما ذكر الله فى أول سورة الحشر عما فعل الأنصار باخوتهم المهاجرين، ففى هدى الله هداية الحق والنور المبين لا فى كلام السهيلى أو غيره ويقول الإمام ابن القيم: «وقد قيل: إنه آخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض مؤاخاة ثانية، واتخذ فيها عليا أخا لنفسه. والثابت الأول. يعنى المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار- والمهاجرون كانوا مستغنين بأخوة الإسلام، وأخوة الدار، وقرابة النسب عن عقد مؤاخاة بخلاف المهاجرين مع الأنصار، ولو آخى بين المهاجرين، كان أحق الناس بأخوته أحب الخلق إليه، ورفيقه فى الهجرة، وأنيسه فى الغار، وأفضل الصحابة، وأكرمهم عليه: أبو بكر الصديق، وقد قال: لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا، لا تخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام أفضل، «الصحيحان
[ ٤ / ٢٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ يعنى فى التّوادّ وشمول الدعوة.
وذكر مؤاخاة بَيْنَ أَبِي ذَرّ وَالسّنْذِرِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَدْ ذَكَرْنَا إنْكَارَ الْوَاقِدِيّ لِذَلِكَ فِي آخِرِ حَدِيثِ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ.
نَسَبَ أَبِي الدّرْدَاءِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ مُؤَاخَاةَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدّرْدَاءِ، وَأَبُو الدّرْدَاءِ اسْمُهُ عويمر ابن عَامِرٍ، وَقِيلَ عُوَيْمِرُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَقِيلَ: عُوَيْمِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ أُمَيّةَ مِنْ بَلْحَارِثِ «١» بن الخزرج، أمه: تحبّة بنت واقد بْنِ عَمْرِو بْنِ الْإِطَنَابَةِ، وَامْرَأَتُهُ: أُمّ الدّرْدَاءِ، اسْمُهَا: خَيْرَةُ بِنْتُ أَبِي حَدْرَدٍ، وَأُمّ الدّرْدَاءِ الصّغْرَى، اسْمُهَا: جُمَانَةُ، مَاتَ أَبُو الدّرْدَاءِ بِدِمَشْقَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ «٢» .
_________________
(١) من حديث أنس» وفى لفظ «ولكن أخى وصاحبى» وهذه الأخوة فى الإسلام وإن كانت عامة كما قال: وددت أن قد رأينا إخواننا؟ قالوا: ألسنا إخوانك؟ قال: أنتم أصحابى، وإخوانى: قوم يأتون من بعدى يؤمنون بى، ولم يرونى رواه مسلم. فللصديق من هذه الأخوة أعلى مراتبها، كما له من الصحبة أعلى مراتبها، فالصحابة لهم الأخوة ومزية الصحبة ولأتباعهم الأخوة والصحبة. ص ١٧٦ ح ٢ زاد المعاد ط السنة المحمدية.
(٢) «اختلف فى اسم أبيه، فقيل: عامر أو مالك أو ثعلبة أو عبد الله أو زيد، وأبوه: ابن قيس بن أمية بن عامر بن عدى بن كعب بن الخزرج الأنصارى الخزرجى» الإصابة
(٣) قيل مات لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وقال ابن عبد البر إنه مات بعد صفين، والأصح عند أصحاب الحديث أنه مات فى خلافة عثمان.
[ ٤ / ٢٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَسَبُ الْفَزَعِ فَصْلٌ وَذَكَرَ مُؤَاخَاةَ أَبِي رُوَيْحَةَ وَبِلَالٍ، وَسَمّاهُ: عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ الرّحْمَنِ، وَقَالَ: هُوَ أَحَدُ الْفَزَعِ «١»، لَمْ يُبَيّنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا، وَالْفَزَعُ عِنْدَ أَهْلِ النّسَبِ، هُوَ ابْنُ شَهْرَانَ بْنِ عِفْرِسِ بْنِ حُلْفِ بْنِ أَفْتَلَ، وَأَفْتَلُ هُوَ خَثْعَمٌ. وَقَدْ تَقَدّمَ فِي أول الكتاب: لم سمى خثعم وَهُوَ ابْنُ أَنْمَارٍ، وَقَدْ تَقَدّمَ خِلَافُ النّسّابِينَ فِيمَا بَعْدَ أَنْمَارٍ.
وَالْفَزَعُ هَذَا بِفَتْحِ الزّايِ، وَأَمّا الْفَزْعُ بِسُكُونِهَا، فَهُوَ الْفَزْعُ بْنُ عَبْدِ الله ابن رَبِيعَةَ [بْنِ جَنْدَلٍ]، وَكَذَلِكَ الْفَزْعُ فِي خُزَاعَةَ، وَفِي كَلْبٍ هُمَا سَاكِنَانِ أَيْضًا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَقَالَ الدّارَقُطْنِيّ: الْفَزَعُ بِفَتْحِ الزّايِ: رَجُلٌ يَرْوِي عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
وَذُكِرَ آخَرُ فِي الرّوَاةِ أَيْضًا بِفَتْحِ الزّايِ يَرْوِي حَدِيثًا فِي الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، يَرْوِي أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَقَدَ لِأَبِي رُوَيْحَةَ الْخَثْعَمِيّ لِوَاءً عَامَ الْفَتْحِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ: مَنْ دَخَلَ تَحْتَ لِوَاءِ أَبِي رُوَيْحَةَ، فَهُوَ آمِنٌ.
مُؤَاخَاةُ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بُلْتُعَةَ فَصْلٌ: وَذَكَرَ مُؤَاخَاةَ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بُلْتُعَةَ «٢» وَعُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ،
_________________
(١) ويروى بالقاف كما ذكر الخشنى.
(٢) نسب حاطب فى الإصابة: حاطب بن أبى بلتعة بن عمر بن عمير بن سلمة ابن صعب بن سهل اللخمى.
[ ٤ / ٢٩٨ ]
[خبر الأذان]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا اطْمَأَنّ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، وَاجْتَمَعَ إلَيْهِ إخْوَانُهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، وَاجْتَمَعَ أَمْرُ الْأَنْصَارِ، اسْتَحْكَمَ أَمْرُ الْإِسْلَامِ، فَقَامَتْ الصّلَاةُ، وَفُرِضَتْ الزّكَاةُ وَالصّيَامُ، وَقَامَتْ الْحُدُودُ، وَفُرِضَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَتَبَوّأَ الْإِسْلَامُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَكَانَ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ هم الذين تبوّؤا الدّارَ وَالْإِيمَانَ. وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَيْنَ قَدِمَهَا إنّمَا يَجْتَمِعُ النّاسُ إلَيْهِ لِلصّلَاةِ لِحِينِ مَوَاقِيتِهَا، بِغَيْرِ دَعْوَةٍ فَهَمّ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَيْنَ قَدِمَهَا أَنْ يَجْعَلَ بُوقًا كَبُوقِ يَهُودَ الّذِينَ يَدْعُونَ بِهِ لِصَلَاتِهِمْ، ثُمّ كَرِهَهُ، ثُمّ أَمَرَ بِالنّاقُوسِ، فَنُحِتَ لِيُضْرَبَ بِهِ لِلْمُسْلِمَيْنِ لِلصّلَاةِ.
[رؤيا عبد الله بن زيد]
فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ، إذْ رَأَى عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عبد رَبّهِ، أَخُو بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، النّدَاءَ، فَأَتَى رسول الله ﷺ، فقال لَهُ:
يَا رَسُولَ اللهِ، إنّهُ طَافَ بِي هذه الليلة طائف: مرّبى رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ، يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْت لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، أَتَبِيعُ هذا النّاقوس؟ قال:
_________________
(١) وَقَالَ فِي حَاطِبٍ: حَلِيفُ بَنِي أَسَدٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ عَبْدًا لِعُبَيْدِ اللهِ بْنِ حُمَيْدِ ابن زُهَيْرِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى، وَقِيلَ: كَانَ مِنْ مَذْحِجَ، وَالْأَشْهَرُ: أَنّهُ مِنْ لَخْمِ بْنِ عَدِيّ، وَاسْمُ أَبِي بُلْتُعَةَ عَمْرُو بْنُ أَشَدّ بْنِ مُعَاذٍ. وَالْبُلْتُعَةُ مِنْ قَوْلِهِمْ تَبَلْتَعَ الرّجُلُ إذَا تَظَرّفَ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الغريب المصنف.
[ ٤ / ٢٩٩ ]
وما تصنع به؟ قال: قلت: ندعوا بِهِ إلَى الصّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلّك عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: قُلْت: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنّ لَا إلَهَ إلّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنّ لَا إلَهَ إلّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيّ عَلَى الصّلَاةِ، حَيّ عَلَى الصّلَاةِ، حَيّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إله إلا الله.
فَلَمّا أَخْبَرَ بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: إنّهَا لَرُؤْيَا حَقّ، إنْ شَاءَ اللهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِهَا عَلَيْهِ، فَلْيُؤَذّنْ بِهَا، فَإِنّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْك.
فَلَمّا أَذّنَ بِهَا بِلَالٌ سَمِعَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ يَجُرّ رِدَاءَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا نَبِيّ اللهِ، وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ، لَقَدْ رَأَيْت مِثْلَ الّذِي رَأَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَلِلّهِ الْحَمْدُ على ذلك.
[رؤيا عمر فى الأذان]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ مُحَمّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ رَبّهِ، عَنْ أَبِيهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ لِي عَطَاءٌ: سَمِعْت عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ اللّيْثِيّ يَقُولُ: ائْتَمَرَ النّبِيّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بِالنّاقُوسِ لِلِاجْتِمَاعِ لِلصّلَاةِ، فَبَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَ خَشَبَتَيْنِ لِلنّاقُوسِ، إذْ رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ فِي الْمَنَامِ: لَا تَجْعَلُوا النّاقُوسَ، بَلْ أَذّنُوا لِلصّلَاةِ، فَذَهَبَ عُمَرُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٠٠ ]
إلَى النّبِيّ ﷺ لِيُخْبِرَهُ بِاَلّذِي رَأَى، وَقَدْ جَاءَ النّبِيّ ﷺ الْوَحْيُ بِذَلِكَ، فَمَا رَاعَ عُمَرُ إلّا بِلَالٌ يُؤَذّنُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَيْنَ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ: قَدْ سَبَقَك بِذَلِكَ الْوَحْيُ.
[مَا كَانَ يَقُولُهُ بِلَالٌ فى الفجر]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النّجّارِ، قَالَتْ: كَانَ بَيْتِي مِنْ أَطْوَلِ بَيْتٍ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، فَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذّنُ عَلَيْهِ لِلْفَجْرِ كُلّ غَدَاةٍ، فَيَأْتِي بِسَحَرٍ، فَيَجْلِسُ عَلَى الْبَيْتِ يَنْتَظِرُ الْفَجْرَ، فَإِذَا رَآهُ تَمَطّى، ثُمّ قَالَ: اللهُمّ إنّي أَحَمْدُك وَأَسْتَعِينُك عَلَى قُرَيْشٍ أَنْ يُقِيمُوا عَلَى دِينِك. قَالَتْ: وَاَللهِ مَا عَلِمْته كَانَ يَتْرُكُهَا لَيْلَةً وَاحِدَةً
[أبو قيس بن أبى أنس]
قال ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا اطْمَأَنّتْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ دَارُهُ، وَأَظْهَرَ اللهُ بِهَا دِينَهُ، وَسَرّهُ بِمَا جَمَعَ إلَيْهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ، قَالَ أَبُو قَيْسٍ صِرْمَةُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ، أَخُو بَنِي عَدِيّ بْنِ النّجّارِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو قَيْسٍ، صِرْمَةُ بْنُ أَبِي أَنَسِ بْنُ صِرْمَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَدِيّ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَدِيّ بْنِ النّجّارِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَجُلًا قَدْ تَرَهّبَ فِي الْجَاهِلِيّةِ، وَلَبِسَ الْمُسُوحَ، وَفَارَقَ الْأَوْثَانَ، وَاغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ وَتَطَهّرَ مِنْ الْحَائِضِ مِنْ النّسَاءِ، وَهَمّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٠١ ]
بِالنّصْرَانِيّةِ، ثُمّ أَمْسَكَ عَنْهَا، وَدَخَلَ بَيْتًا لَهُ، فَاِتّخَذَهُ مَسْجِدًا لَا تَدْخُلُهُ عَلَيْهِ فِيهِ طَامِثٌ وَلَا جُنُبٌ، وَقَالَ: أَعْبُدُ رَبّ إبْرَاهِيمَ، حَيْنَ فَارَقَ الْأَوْثَانَ وَكَرِهَهَا، حَتّى قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَكَانَ قَوّالًا بِالْحَقّ مُعَظّمًا لِلّهِ ﷿ فِي جَاهِلِيّتِهِ، يَقُولُ أَشْعَارًا فِي ذَلِكَ حِسَانًا- وَهُوَ الّذِي يَقُولُ:
يَقُولُ أَبُو قَيْسٍ وَأَصْبَحَ غَادِيًا: أَلَا مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ وَصَاتَى فَافْعَلُوا
فَأُوصِيكُمْ بِاَللهِ وَالْبِرّ وَالتّقَى وَأَعْرَاضِكُمْ وَالْبِرّ بِاَللهِ أَوّلُ
وَإِنْ قَوْمُكُمْ سَادُوا فَلَا تَحْسُدُنّهُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ أَهْلَ الرّيَاسَةِ فَاعْدِلُوا
وَإِنْ نَزَلَتْ إحْدَى الدّوَاهِي بِقَوْمِكُمْ فَأَنْفُسَكُمْ دُونَ الْعَشِيرَةِ فَاجْعَلُوا
وَإِنْ نَابَ غُرْمٌ فَادِحٌ فَارْفُقُوهُمْ وَمَا حَمّلُوكُمْ فِي الْمُلِمّاتِ فَاحْمِلُوا
وَإِنْ أَنْتُمْ أَمْعَرْتُمْ فَتَعَفّفُوا وَإِنْ كَانَ فَضْلُ الْخَيْرِ فِيكُمْ فَأَفْضِلُوا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى:
وَإِنْ ناب أمر فادح فارفدوهم
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو قَيْسٍ صِرْمَة أَيْضًا:
سَبّحُوا اللهَ شَرْقَ كُلّ صَبَاحٍ طَلَعَتْ شَمْسُهُ وَكُلّ هِلَالِ
عَالِمَ السّرّ وَالْبَيَانِ لَدَيْنَا لَيْسَ مَا قَالَ رَبّنَا بِضَلَالِ
وَلَهُ الطّيْرُ تَسْتَرِيدُ وَتَأْوِي فِي وُكُورٍ مِنْ آمِنَاتِ الْجِبَالِ
وَلَهُ الْوَحْشُ بِالْفَلَاةِ تَرَاهَا فِي حِقَافٍ وَفِي ظلال الرّمال
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٠٢ ]
وَلَهُ هَوّدَتْ يَهُودُ وَدَانَتْ كُلّ دِينٍ إذَا ذَكَرْتَ عُضَالِ
وَلَهُ شَمّسَ النّصَارَى وَقَامُوا كُلّ عِيدٍ لِرَبّهِمْ وَاحْتِفَالِ
وَلَهُ الرّاهِبُ الْحَبِيسُ تَرَاهُ رَهْنَ بُوْسٍ وَكَانَ نَاعِمَ بَالِ
يَا بَنِيّ الْأَرْحَامَ لَا تَقْطَعُوهَا وَصِلُوهَا قَصِيرَةً مِنْ طِوَالِ
وَاتّقُوا اللهَ فِي ضِعَافِ الْيَتَامَى رُبّمَا يُسْتَحَلّ غَيْرُ الْحَلَالِ
وَاعْلَمُوا أَنّ لِلْيَتِيمِ وَلِيّا عَالِمًا يَهْتَدِي بِغَيْرِ السّؤَالِ
ثُمّ مَالَ الْيَتِيمِ لَا تَأْكُلُوهُ إنّ مَالَ الْيَتِيمِ يَرْعَاهُ وَالِي
يَا بَنِيّ، التّخُومَ لَا تَخْزِلُوهَا إنّ خَزْلَ التّخُومِ ذُو عُقّالِ
يَا بَنِيّ الْأَيّامَ لَا تَأْمَنُوهَا وَاحْذَرُوا مَكْرَهَا وَمَرّ اللّيَالِي
وَاعْلَمُوا أَنّ مَرّهَا لنفاد الخلق مَا كَانَ مِنْ جَدِيدٍ وَبَالِي
وَاجْمَعُوا أَمْرَكُمْ على البرّ والتّقوى وترك الخنا وأخذ الحلال
وَقَالَ أَبُو قَيْسٍ صِرْمَةُ أَيْضًا، يَذْكُرُ مَا أَكْرَمَهُمْ اللهُ ﵎ بِهِ مِنْ الْإِسْلَامِ، وَمَا خَصّهُمْ اللهُ بِهِ مِنْ نُزُولِ رَسُولِهِ ﷺ عَلَيْهِمْ:
ثَوَى فِي قُرَيْشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجّةً يُذَكّرُ لَوْ يَلْقَى صَدِيقًا مُوَاتِيَا
وَيَعْرِضُ فِي أَهْلِ الْمَوَاسِمِ نَفْسَهُ فلم ير من يؤوى وَلَمْ يَرَ دَاعِيَا
فَلَمّا أَتَانَا أَظْهَرَ اللهُ دِينَهُ فَأَصْبَحَ مَسْرُورًا بطِيبةَ رَاضِيَا
وَأَلْفَى صِدّيقًا وَاطْمَأَنّتْ بِهِ النّوَى وَكَانَ لَهُ عَوْنًا مِنْ اللهِ بَادِيَا
يَقُصّ لَنَا مَا قَالَ نُوحٌ لِقَوْمِهِ وَمَا قَالَ مُوسَى إذْ أَجَابَ الْمُنَادِيَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٠٣ ]
فَأَصْبَحَ لَا يَخْشَى مِنْ النّاسِ وَاحِدًا قَرِيبًا وَلَا يَخْشَى مِنْ النّاسِ نَائِيَا
بَذَلْنَا لَهُ الْأَمْوَالَ مِنْ حِلّ مَالِنَا وَأَنْفُسَنَا عِنْدَ الْوَغَى والتّآسِيا
وَنَعْلَمُ أَنّ اللهَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ وَنَعْلَمُ أَنّ اللهَ أَفْضَلُ هَادِيَا
نُعَادِي الّذِي عَادَى مِنْ النّاسِ كلّهُم جَمِيعًا وَإِنْ كَانَ الْحَبِيبَ الْمُصَافِيَا
أَقُولُ إذَا أَدْعُوك فِي كُلّ بيعة: تباركت قدأ كثرت لِاسْمِك دَاعِيَا
أَقُولُ إذَا جَاوَزْتُ أَرْضًا مَخُوفَةً حَنانَيْكَ لَا تُظْهِرْ عَلَيّ الْأَعَادِيَا
فَطَأْ مُعْرِضًا إنّ الْحُتُوفَ كَثِيرَةٌ وَإِنّك لَا تُبْقِي لِنَفْسِك باقيا
فو الله مَا يَدْرِي الْفَتَى كَيْفَ يَتّقِي إذَا هُوَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ اللهُ وَاقِيَا
وَلَا تَحْفِلُ النّخْلُ الْمُعِيمَةُ رَبّهَا إذَا أَصْبَحَتْ رِيّا وَأَصْبَحَ ثاويا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْبَيْتُ الّذِي أَوّلُهُ:
فَطَأْ مُعْرِضًا إنّ الْحُتُوفَ كَثِيرَةٌ
وَالْبَيْتُ الّذِي يَلِيهِ:
فو الله مَا يَدْرِي الْفَتَى كَيْفَ يَتّقِي
لِأَفْنُونَ التّغْلِبِيّ، وَهُوَ صُرَيْمُ بْنُ مَعْشَرٍ، فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٠٤ ]
[الْأَعْدَاءُ مِنْ يَهُودَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَنَصَبَتْ عِنْدَ ذَلِكَ أَحْبَارُ يَهُودَ- لِرَسُولِ اللهِ ﷺ- الْعَدَاوَةَ، بَغْيًا وَحَسَدًا وَضِغْنًا، لِمَا خَصّ اللهُ تَعَالَى بِهِ الْعَرَبَ مِنْ أَخْذِهِ رَسُولَهُ مِنْهُمْ، وَانْضَافَ إلَيْهِمْ رِجَالٌ مِنْ الأوس والخزرج، ممن كان على عَلَى جَاهِلِيّتِهِ فَكَانُوا أَهْلَ نِفَاقٍ عَلَى دِينِ آبَائِهِمْ مِنْ الشّرْكِ وَالتّكْذِيبِ بِالْبَعْثِ، إلّا أَنّ الْإِسْلَامَ قَهَرَهُمْ بِظُهُورِهِ وَاجْتِمَاعِ قَوْمِهِمْ عَلَيْهِ، فَظَهَرُوا بِالْإِسْلَامِ، وَاِتّخَذُوهُ جُنّةً مِنْ الْقَتْلِ وَنَافَقُوا فِي السّرّ، وَكَانَ هَوَاهُمْ مَعَ يَهُودَ، لِتَكْذِيبِهِمْ النّبِيّﷺ- وَجُحُودِهِمْ الْإِسْلَامَ. وَكَانَتْ أحبار يهودهم الّذِينَ يَسْأَلُونَ- رَسُولَ اللهِ ﷺ- وَيَتَعَنّتُونَهُ، وَيَأْتُونَهُ بِاللّبْسِ، لِيَلْبِسُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ، فَكَانَ الْقُرْآنُ يَنْزِلُ فِيهِمْ فِيمَا يَسْأَلُونَ عَنْهُ، إلّا قَلِيلًا مِنْ الْمَسَائِلِ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ كان المسلمون يسألون عنها.
[من يهود بنى النضير]
منهم: حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ، وَأَخَوَاهُ أَبُو يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ، وَجُدَيّ بْنُ أَخْطَبَ، وَسَلّامُ بْنُ مُشْكِمٍ، وَكِنَانَةُ بْنُ الرّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَسَلّامُ بن أبى الحقيق، أَبُو رَافِعٍ الْأَعْوَرُ، وَهُوَ الّذِي قَتَلَهُ أَصْحَابُ رسول الله ﷺ بخيبر- وَالرّبِيعُ بْنُ الرّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَعَمْرُو بن جحّاش، وكعب ابن الأشرف، وهو من طيىء، ثُمّ أَحَدُ بَنِي نَبْهَانَ، وَأُمّهُ مِنْ بَنِي النّضِيرِ، وَالْحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو، حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الأشرف، وَكَرْدَمُ بْنُ قَيْسٍ، حَلِيفُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٠٥ ]
كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، فَهَؤُلَاءِ مِنْ بَنِي النّضِيرِ.
[من يهود بنى ثعلبة]
وَمِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ ابْنُ الفِطْيَوْن: عَبْدُ اللهِ بْنُ صُورِيّا الْأَعْوَرُ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْحِجَازِ فِي زَمَانِهِ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِالتّوْرَاةِ مِنْهُ؛ وَابْنُ صَلُوبا، ومخيريق، وكان حبرهم، أسلم.
[من يهود بنى قينقاع]
وَمِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ: زَيْدُ بْنُ اللّصِيت- وَيُقَالُ: ابْنُ اللّصَيت- فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَسَعْدُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ سَيْحَانَ، وَعُزَيْزُ بْنُ أبى عزيز، وعبد الله ابن صَيْفٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: ابْنُ ضَيْفٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسُوَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ، وَرِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَفِنْحَاصُ، وَأَشْيَعُ، وَنُعْمَانُ بْنُ أضَا، وَبَحْرِيّ بْنُ عَمْرٍو، وَشَأْسُ بْنُ عَدِيّ، وَشَأْسُ ابن قَيْسٍ، وَزَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ، وَنُعْمَانُ بْنُ عَمْرٍو، وَسُكَيْنُ بْنُ أَبِي سُكَيْنٍ، وَعَدِيّ بْنُ زَيْدٍ، وَنُعْمَانُ بْنُ أَبِي أَوْفَى، أَبُو أَنَسٍ، وَمَحْمُودُ بن دحية، ومالك ابن صَيْفٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: ابْنُ ضَيْفٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَعْبُ بْنُ رَاشِدٍ، وَعَازِرٌ، وَرَافِعُ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، وَخَالِدٌ وَأَزَارُ بْنُ أَبِي أَزَارٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: آزِرُ بْنُ آزِرُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَرَافِعُ بْنُ حَارِثَةَ، وَرَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، وَرَافِعُ بْنُ خَارِجَةَ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٠٦ ]
وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ، وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامِ بْنِ الْحَارِثِ، وَكَانَ حَبْرَهُمْ وَأَعْلَمَهُمْ، وَكَانَ اسْمُهُ الْحُصَيْنُ، فَلَمّا أَسْلَمَ سَمّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ- عَبْدَ اللهِ. فَهَؤُلَاءِ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ.
[من يهود بنى قريظة]
وَمِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ: الزّبَيْرُ بْنُ بَاطَا بْنُ وَهْبٍ، وَعَزّالُ بْنُ شَمْوِيلٍ، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، وَهُوَ صَاحِبُ عَقْدِ بَنِي قُرَيْظَةَ الّذِي نُقِضَ عَامَ الْأَحْزَابِ، وَشَمْويِلُ بْنُ زَيْدٍ، وَجَبَلُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سُكَيْنَةَ، وَالنّحّامُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَرْدَمُ ابن كَعْبٍ، وَوَهْبُ بْنُ زَيْدٍ، وَنَافِعُ بْنُ أَبِي نافع، وأبو نافع، وعدىّ ابن زَيْدٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ، وَكَرْدَمُ بْنُ زَيْدٍ، وأسامة بن حبيب، ورافع ابن رُمَيْلَةَ، وَجَبَلُ بْنُ أَبِي قُشَيْرٍ، وَوَهْبُ بْنُ يهوذا، فهؤلاء من بنى قريظة.
[من يهود بنى زريق]
وَمِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ، وَهُوَ الّذِي أَخَذَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عن نسائه.
[من يهود بنى حارثة]
ومن يهود بنى حارثة: كنانة بن صوريا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٠٧ ]
[من يهود بنى عمرو]
وَمِنْ يَهُودِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: قَرْدَمُ بن عمرو.
[من يهود بنى النجار]
وَمِنْ يَهُودِ بَنِي النّجّارِ: سِلْسِلَةُ بْنُ بَرْهَامَ.
فَهَؤُلَاءِ أَحْبَارُ الْيَهُودِ، أَهْلُ الشّرُورِ وَالْعَدَاوَةِ لِرَسُولِ اللهِﷺ- وَأَصْحَابِهِ، وَأَصْحَابُ الْمَسْأَلَةِ، وَالنّصْبُ لِأَمْرِ الْإِسْلَامِ الشّرُورَ لِيُطْفِئُوهُ، إلّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ ومخيريق.
[إسْلَامُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، كَمَا حَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِهِ عَنْهُ، وَعَنْ إسْلَامِهِ حَيْنَ أَسْلَمَ، وَكَانَ حَبْرًا عَالِمًا، قَالَ: لَمّا سَمِعْتُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَرَفْتُ صِفَتَهُ وَاسْمَهُ وَزَمَانَهُ الّذِي كُنّا نَتَوَكّفُ لَهُ، فَكُنْت مُسِرّا لِذَلِكَ، صَامِتًا عَلَيْهِ، حَتّى قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَلَمّا نَزَلَ بقُباءٍ، فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، أَقْبَلَ رَجُلٌ حَتّى أَخْبَرَ بِقُدُومِهِ، وَأَنَا فِي رَأْسِ نَخْلَةٍ لِي أَعَمَلُ فِيهَا، وَعَمّتِي خَالِدَةُ ابْنَةُ الْحَارِثِ تَحْتِي جَالِسَةٌ، فَلَمّا سَمِعْتُ الْخَبَرَ بِقُدُومِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَبّرْتُ، فَقَالَتْ لِي عَمّتِي، حَيْنَ سَمِعَتْ تَكْبِيرِي: خَيّبَك اللهُ، وَاَللهِ لَوْ كنت سمعت بموسى ابن عمران قادما مازدت، قَالَ: فَقُلْت لَهَا: أَيْ عَمّةُ، هُوَ وَاَللهِ أخو موسى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٠٨ ]
ابن عمران، وعلى دينه، بعث بما بعث به. قَالَ: فَقَالَتْ: أَيْ ابْنَ أَخِي، أَهُوَ النّبِيّ الّذِي كُنّا نُخْبَرُ أَنّهُ يُبْعَثُ مَعَ نَفْسِ السّاعَةِ؟ قَالَ: فَقُلْت لَهَا: نَعَمْ.
قَالَ: فَقَالَتْ: فَذَاكَ إذًا. قَالَ: ثُمّ خَرَجْتُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَسْلَمْتُ، ثُمّ رَجَعْتُ إلَى أَهْلِ بَيْتِي، فَأَمَرْتُهُمْ فَأَسْلَمُوا.
قَالَ: وَكَتَمْتُ إسْلَامِي مِنْ يَهُودَ، ثُمّ جِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ يَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ وَإِنّي أُحِبّ أَنْ تُدْخِلَنِي فِي بَعْضِ بُيُوتِك، وَتُغَيّبَنِي عَنْهُمْ، ثُمّ تَسْأَلُهُمْ عَنّي، حَتّى يُخْبِرُوك كَيْفَ أَنَا فِيهِمْ، قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي، فَإِنّهُمْ إنْ عَلِمُوا بِهِ بَهَتُونِي وَعَابُونِي. قَالَ: فَأَدْخَلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ بُيُوتِهِ، وَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَكَلّمُوهُ وَسَاءَلُوهُ، ثُمّ قَالَ لَهُمْ: أَيّ رَجُلٍ الْحُصَيْنُ بْنُ سَلَامٍ فِيكُمْ؟ قَالُوا: سَيّدُنَا وَابْنُ سَيّدِنَا، وَحَبْرُنَا وَعَالِمُنَا. قَالَ: فَلَمّا فَرَغُوا مِنْ قَوْلِهِمْ، خَرَجْتُ عَلَيْهِمْ، فَقُلْت لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، اتّقُوا الله واقبلوا ما جاءكم به، فو الله إنّكُمْ لَتَعْلَمُونَ إنّهُ لَرَسُولُ اللهِ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التّوْرَاةِ بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ، فَإِنّي أَشْهَدُ أَنّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأُومِنُ بِهِ وَأُصَدّقُهُ وَأَعْرِفُهُ، فَقَالُوا:
كَذَبْت ثُمّ وَقَعُوا بِي، قَالَ: فَقُلْت لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَلَمْ أُخْبِرْك يَا رَسُولَ اللهِ أَنّهُمْ قَوْمٌ بُهْتٌ، أَهْلُ غَدْرٍ وَكَذِبٍ وَفُجُورٍ! قَالَ: فَأَظْهَرْت إسْلَامِي وَإِسْلَامُ أَهْلِ بَيْتِي، وأسلمت علىَّ خَالِدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، فَحَسُنَ إسْلَامُهَا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٠٩ ]
[حديث مخيريق]
قال ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ مُخَيْرِيقٍ، وَكَانَ حَبْرًا عَالِمًا، وَكَانَ رَجُلًا غَنِيّا كَثِيرَ الْأَمْوَالِ مِنْ النّخْلِ، وَكَانَ يَعْرِفُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِصِفَتِهِ، وَمَا يَجِدُ فِي عِلْمِهِ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ إلْفُ دِينِهِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ، حَتّى إذَا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَكَانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ السّبْتِ، قَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، وَاَللهِ إنّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنّ نَصْرَ مُحَمّدٍ عَلَيْكُمْ لَحَقّ. قَالُوا: إنّ الْيَوْمَ يَوْمُ السّبْتِ؛ قَالَ: لَا سَبْتَ لَكُمْ. ثُمّ أَخَذَ سِلَاحَهُ، فَخَرَجَ حَتّى أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ بِأُحُدٍ، وَعَهِدَ إلَى مَنْ وَرَاءَهُ مِنْ قَوْمِهِ: إنْ قُتِلْتُ هَذَا الْيَوْمَ، فَأَمْوَالِي لِمُحَمّدٍﷺ- يَصْنَعُ فِيهَا مَا أَرَاهُ اللهُ. فَلَمّا اقْتَتَلَ النّاسُ قَاتَلَ حَتّى قُتِلَ. فَكَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- يَقُولُ:
مُخَيْرِيقُ خير يهود. وقبض رسول الله ﷺ أَمْوَالَهُ، فَعَامّةُ صَدَقَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا.
[شَهَادَةٌ عَنْ صَفِيّةَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ: حُدّثْت عَنْ صَفِيّةَ بِنْتِ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ أَنّهَا قَالَتْ: كنت أحبّ ولد أَبِي إلَيْهِ، وَإِلَى عَمّي أَبِي يَاسِرٍ، لَمْ أَلْقَهُمَا قَطّ مَعَ وَلَدٍ لَهُمَا إلّا أَخَذَانِي دُونَهُ.
قَالَتْ: فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَنَزَلَ قُبَاءَ، فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، غَدَا عَلَيْهِ أَبِي، حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ، وَعَمّي: أَبُو يَاسِرِ بْنِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣١٠ ]
أَخْطَبَ، مُغَلّسَيْنِ. قَالَتْ: فَلَمْ يَرْجِعَا حَتّى كَانَا مَعَ غُرُوبِ الشّمْسِ. قَالَتْ:
فَأَتَيَا كَالّيْنِ كَسْلَانَيْنِ سَاقِطَيْنِ يَمْشِيَانِ الْهُوَيْنَى. قَالَتْ: فَهَشِشْتُ إلَيْهِمَا كَمَا كنت أصنع، فو الله مَا الْتَفَتَ إلَيّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، مَعَ مَا بِهِمَا مِنْ الْغَمّ.
قَالَتْ: وَسَمِعْت عَمّي أَبَا يَاسِرٍ، وَهُوَ يَقُولُ لِأَبِي: حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ: أَهُوَ هُوَ؟
قَالَ: نَعَمْ وَاَللهِ؛ قَالَ: أَتَعْرِفُهُ: وَتُثْبِتُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا فِي نَفْسِك مِنْهُ؟
قَالَ: عَدَاوَتُهُ وَاَللهِ مَا بَقِيتُ.
[مِنْ اجْتَمَعَ إلَى يَهُودَ مِنْ مُنَافِقِي الْأَنْصَارِ]
[منافقو بنى عمرو]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمّنْ انْضَافَ إلَى يَهُودَ، مِمّنْ سُمّيَ لَنَا مِنْ الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. مِنْ الْأَوْسِ، ثُمّ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ؛ ثُمّ مِنْ بَنِي لَوْذَانِ بْنِ عمرو بن عوف: زوىّ بن الحارث.
[منافقو حبيب]
ومن بنى حبيب بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: جُلَاسُ بْنُ سُوَيْدِ بن الصامت، وأخوه الحارث بن سويد.
[من نفاق جُلَاسَ]
وَجُلَاسُ الّذِي قَالَ- وَكَانَ مِمّنْ تَخَلّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ- لَئِنْ كَانَ هَذَا الرّجُلُ صَادِقًا لَنَحْنُ شَرّ مِنْ الْحُمُرِ. فَرَفَعَ ذَلِكَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣١١ ]
مِنْ قَوْلِهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ- عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ، أَحَدُهُمْ، وَكَانَ فِي حِجْرِ جُلَاسَ، خَلَفَ جُلَاسَ عَلَى أُمّهِ بَعْدَ أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ:
وَاَللهِ يَا جُلَاسُ، إنّك لَأَحَبّ النّاسِ إلَيّ، وَأَحْسَنُهُمْ عِنْدِي يَدًا، وَأَعَزّهُمْ عَلَيّ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وَلَقَدْ قُلْتَ مَقَالَةً لَئِنْ رَفَعْتُهَا عليك لأفضحنّك، ولئن صمتّ عليها ليهلكنّ دِينِي، وَلَإِحْدَاهُمَا أَيْسَرُ عَلَيّ مِنْ الْأُخْرَى. ثُمّ مَشَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فذكر له ما قال جلاس، فخلف جُلَاسُ بِاَللهِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: لَقَدْ كَذَبَ عَلَيّ عُمَيْرٌ، وَمَا قُلْتُ ما قال عمير ابن سَعْدٍ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِيهِ: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قالُوا، وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ، وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا، وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ، وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ التوبة: ٧٤.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأَلِيمُ: الْمُوجِعُ. قَالَ ذُو الرّمّةِ يَصِفُ إبِلًا:
وَتَرْفَعُ مِنْ صُدُورِ شَمَرْدَلَاتٍ يَصُكّ وُجُوهَهَا وَهَجٌ أَلِيمُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمُوا أَنّهُ تَابَ فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، حَتّى عُرِفَ مِنْهُ الْخَيْرُ والإسلام.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣١٢ ]
[ارتداد الحارث بن سويد وغدره]
وَأَخُوهُ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ، الّذِي قَتَلَ الْمُجَذّرَ بن ذياد البلوىّ، وقيس ابن زَيْدٍ، أَحَدَ بَنِي ضُبَيْعَةَ، يَوْمَ أُحُدٍ. خَرَجَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مُنَافِقًا، فَلَمّا الْتَقَى النّاسُ عَدَا عَلَيْهِمَا، فَقَتَلَهُمَا ثُمّ لَحِقَ بِقُرَيْشٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ الْمُجَذّرُ بْنُ ذِيَادٍ قَتَلَ سُوَيْدَ بْنَ صَامِتٍ فِي بَعْضِ الْحُرُوبِ الّتِي كَانَتْ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فَلَمّا كَانَ يَوْمُ أحد طلب الحارث ابن سُوَيْدٍ غُرّةَ الْمُجَذّرِ بْنِ ذِيَادٍ، لِيَقْتُلهُ بِأَبِيهِ، فَقَتَلَهُ وَحْدَهُ، وَسَمِعْت غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: وَالدّلِيلُ عَلَى أَنّهُ لَمْ يَقْتُلْ قَيْسَ بْنَ زَيْدٍ، أَنّ ابْنَ إسْحَاقَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي قَتْلَى أُحُدٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَتَلَ سُوَيْدَ بْنَ صَامِتٍ مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ غِيلَةً، فِي غَيْرِ حَرْبٍ، رَمَاهُ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ قبل يوم بعاث.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ- فِيمَا يَذْكُرُونَ- قَدْ أَمَرَ عمر بن الخطاب بقتله إن هو ظفر بِهِ، فَفَاتَهُ، فَكَانَ بِمَكّةَ، ثُمّ بَعَثَ إلَى أَخِيهِ جُلَاسَ يَطْلُبُ التّوْبَةَ، لِيَرْجِعَ إلَى قَوْمِهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﵎ فِيهِ- فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ-: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ، وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ آل عمران: ٨٦ إلى آخر القصة.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣١٣ ]
[منافقو بنى ضبيعة]
وَمِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: بِجَادُ ابن عثمان بن عامر.
[منافقو بنى لوذان]
وَمِنْ بَنِي لَوْذَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: نَبْتَلُ بْنُ الْحَارِثِ، وَهُوَ الّذِي قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ- فيما بَلَغَنِي: مَنْ أَحَبّ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الشّيْطَانِ، فَلْيَنْظُرْ إلَى نَبْتَلَ بْنِ الْحَارِثِ، وَكَانَ رَجُلًا جسيما أدلم، ثَائِرَ شَعْرِ الرّأْسِ أَحْمَرَ الْعَيْنَيْنِ، أَسْفَعَ الْخَدّيْنِ، وَكَانَ يَأْتِي رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَحَدّثُ إلَيْهِ فَيَسْمَعُ مِنْهُ، ثُمّ يَنْقُلُ حَدِيثَهُ إلَى الْمُنَافِقِينَ، وَهُوَ الّذِي قَالَ:
إنّمَا مُحَمّدٌ أُذُنٌ، مَنْ حَدّثَهُ شَيْئًا صَدّقَهُ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِيهِ: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ: هُوَ أُذُنٌ، قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ، يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ، وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ رِجَالِ بَلْعِجْلَانَ أَنّهُ حُدّثَ: أَنّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ إنّهُ يَجْلِسُ إلَيْك رَجُلٌ أدلم، ثَائِرُ شَعْرِ الرّأْسِ، أَسْفَعُ الْخَدّيْنِ أَحْمَرُ الْعَيْنَيْنِ، كأنهما قدران من صفر، كبده أغلظ من كبد الحمار، ينقل حديثك إلى المنافقين، فاحذره. وَكَانَتْ تِلْكَ صِفّةُ نَبْتَلِ بْنِ الْحَارِثِ، فِيمَا يذكرون.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣١٤ ]
[منافقو بنى ضبيعة]
وَمِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ: أَبُو حَبِيبَةَ بْنُ الْأَزْعَرِ، وَكَانَ مِمّنْ بَنَى مَسْجِدَ الضّرَارِ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ، وَمُعَتّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وَهُمَا اللّذَانِ عَاهَدَا اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصّدّقَنّ وَلَنَكُونَنّ مِنْ الصّالِحِينَ، إلَخْ الْقِصّةِ. وَمُعَتّبٌ الّذِي قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ، يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنا هاهُنا إلَى آخِرِ الْقِصّةِ. وَهُوَ الّذِي قَالَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: كَانَ مُحَمّدٌ يَعِدُنَا أَنْ نَأْكُلَ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَأَحَدُنَا لَا يَأْمَنُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى الْغَائِطِ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِيهِ: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا وَالْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ.
[مُعَتّبٌ وَابْنَا حَاطِبٍ بَدْرِيّونَ وَلَيْسُوا مُنَافِقِينَ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مُعَتّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وَثَعْلَبَةُ وَالْحَارِثُ ابْنَا حَاطِبٍ، وَهُمْ مِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدٍ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَلَيْسُوا مِنْ الْمُنَافِقِينَ فِيمَا ذَكَرَ لِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ نَسَبَ ابْنُ إسْحَاقَ ثَعْلَبَةَ وَالْحَارِثَ فِي بَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدٍ فِي أَسْمَاءِ أَهْلِ بَدْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبّادُ بْنُ حُنَيْفٍ، أَخُو سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ؛ وَبَحْزَجُ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣١٥ ]
وَهُمْ مِمّنْ كَانَ بَنَى مَسْجِدَ الضّرَارِ، وَعَمْرُو بن خذام، وعبد الله بن نبتل.
[من بنى ثعلبة]
وَمِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: جَارِيَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ الْعَطّافِ، وَابْنَاهُ: زَيْدٌ وَمُجَمّعٌ، ابْنَا جَارِيَةَ، وَهُمْ مِمّنْ اتّخَذَ مَسْجِدَ الضّرَارِ. وَكَانَ مُجَمّعٌ غُلَامًا حَدَثًا قَدْ جَمَعَ مِنْ الْقُرْآنِ أَكْثَرَهُ، وَكَانَ يُصَلّي بِهِمْ فِيهِ، ثم إنه لما أخرب المسجد، وذهب رجال من بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، كَانُوا يُصَلّونَ بِبَنِي عمرو ابن عَوْفٍ فِي مَسْجِدِهِمْ، وَكَانَ زَمَانُ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، كُلّمَ فِي مُجَمّعٍ لِيُصَلّيَ بِهِمْ؛ فَقَالَ: لا، أو ليس بِإِمَامِ الْمُنَافِقِينَ فِي مَسْجِدِ الضّرَارِ؟ فَقَالَ لِعُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاَللهِ الّذِي لَا إلَهَ إلّا هُوَ، مَا عَلِمْت بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَلَكِنّي كُنْت غُلَامًا قَارِئًا لِلْقُرْآنِ، وَكَانُوا لَا قُرْآنَ مَعَهُمْ، فَقَدّمُونِي أُصَلّي بِهِمْ، وَمَا أَرَى أَمْرَهُمْ، إلّا عَلَى أَحْسَنِ مَا ذَكَرُوا. فَزَعَمُوا أن عمر تركه فصلى بقومه.
[مِنْ بَنِي أُمَيّةَ]
وَمِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكٍ: وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَهُوَ مِمّنْ بَنَى مَسْجِدَ الضّرَارِ، وَهُوَ الّذِي قَالَ: إنّمَا كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﵎:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ إلى آخر القصة.
[من بنى عبيد]
وَمِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكٍ: خِذَامُ بْنُ خَالِدٍ، وَهُوَ الّذِي أُخْرِجَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣١٦ ]
مَسْجِدُ الضّرَارِ مِنْ دَارِهِ؛ وَبِشْرٌ وَرَافِعٌ، ابْنَا زيد.
[من بنى النبيت]
وَمِنْ بَنِي النّبِيتِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: النّبِيتُ: عمرو بن مالك بن الأوس- قال ابن إسْحَاقَ: ثُمّ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مالك ابن الْأَوْسِ: مِرْبَعُ بْنُ قَيْظِيّ، وَهُوَ الّذِي قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حين أَجَازَ فِي حَائِطِهِ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَامِدٌ إلَى أُحُد: لَا أُحِلّ لَك يَا مُحَمّدُ، إنْ كُنْتَ نَبِيّا، أَنْ تَمُرّ فِي حَائِطِي، وَأَخَذَ فِي يَدِهِ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ، ثُمّ قَالَ: وَاَللهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنّي لَا أُصِيبُ بِهَذَا التّرَابِ غَيْرَك لَرَمَيْتُك بِهِ، فَابْتَدَرَهُ الْقَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: دَعُوهُ، فَهَذَا الْأَعْمَى، أَعْمَى الْقَلْبِ، أَعْمَى الْبَصِيرَةِ، فَضَرَبَهُ سَعْدُ بْنُ زيد، أخو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ بِالْقَوْسِ فَشَجّهُ؛ وَأَخُوهُ أَوْسُ عن قَيْظِيّ، وَهُوَ الّذِي قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ، فَأْذَنْ لَنَا فَلْنَرْجِعْ إلَيْهَا. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَوْرَةٌ، أَيْ مُعْوَرَةٌ لِلْعَدُوّ وَضَائِعَةٌ؛ وَجَمْعُهَا: عَوْرَاتٌ قَالَ النّابِغَةُ الذّبْيَانِيّ:
مَتَى تَلْقَهُمْ لَا تَلْقَ لِلْبَيْتِ عَوْرَةً ولا الجار مخروما وَلَا الْأَمْرَ ضَائِعًا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣١٧ ]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَالْعَوْرَةُ (أَيْضًا): عورة الرجل، وهى حرمته.
والعورة (أيضا) السّوءة.
[من بنى ظفر]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي ظَفَرٍ، وَاسْمُ ظَفَرٍ: كَعْبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ حَاطِبُ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ رَافِعٍ، وَكَانَ شَيْخًا جَسِيمًا قَدْ عَسَا فِي جَاهِلِيّتِهِ وَكَانَ لَهُ ابْنٌ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ يُقَالُ لَهُ يَزِيدُ بْنُ حَاطِبٍ أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى أَثَبَتَتْهُ الْجِرَاحَاتُ، فَحُمِلَ إلَى دَارِ بَنِي ظَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ أَنّهُ اجْتَمَعَ إلَيْهِ مَنْ بِهَا مِنْ رِجَالِ الْمُسْلِمِينَ وَنِسَائِهِمْ وَهُوَ بِالْمَوْتِ فَجَعَلُوا يَقُولُونَ أَبْشِرْ يابن حَاطِبٍ بِالْجَنّةِ. قَالَ فَنَجَمَ نِفَاقُهُ حِينَئِذٍ، فَجَعَلَ يَقُولُ أَبُوهُ أَجَلْ جَنّةٌ وَاَللهِ مِنْ حَرْمَلٍ، غَرَرْتُمْ وَاَللهِ هَذَا الْمِسْكِينُ مِنْ نَفْسِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبُشَيْرُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، وَهُوَ أَبُو طُعْمَةَ، سَارِقُ الدّرْعَيْنِ، الّذِي أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ: وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّانًا أَثِيمًا وقزمان: حليف لهم.
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بْنِ قَتَادَةَ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: إنّهُ لَمِنْ أَهْلِ النّار. فَلَمّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا حَتّى قَتَلَ بِضْعَةَ نَفَرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَأَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَاتُ، فَحُمِلَ إلَى دَارِ بَنِي ظَفَرٍ، فَقَالَ لَهُ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: أَبْشِرْ يَا قُزْمَانُ، فَقَدْ أَبْلَيْتَ الْيَوْمَ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣١٨ ]
وَقَدْ أَصَابَك مَا تَرَى فِي اللهِ: قَالَ: بماذا أبشر، فو الله مَا قَاتَلْت إلّا حَمِيّةً عَنْ قَوْمِي؛ فَلَمّا اشْتَدّتْ بِهِ جِرَاحَاتُهُ وَآذَتْهُ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَقَطَعَ بِهِ رَوَاهِشَ يَدِهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ.
[من بنى عبد الأشهل]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمْ يَكُنْ فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ مُنَافِقٌ وَلَا مُنَافِقَةٌ يَعْلَمُ، إلّا أَنّ الضّحّاكَ بْنَ ثَابِتٍ، أَحَدِ بَنِي كَعْبٍ، رَهْطِ سَعْدِ بْنِ زَيْدٍ، قَدْ كَانَ يُتّهَمُ بِالنّفَاقِ وَحُبّ يَهُودَ.
قَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
من ملبغ الضّحّاكَ أَنّ عُرُوقَهُ أَعْيَتْ عَلَى الْإِسْلَامِ أَنْ تَتَمَجّدَا
أَتُحِبّ يُهْدَانَ الْحِجَازِ وَدِينَهُمْ كِبْدَ الْحِمَارِ، وَلَا تُحِبّ مُحَمّدًا
دِينًا لَعَمْرِي لَا يُوَافِقُ دِينَنَا مَا اسْتَنّ آلٌ فِي الْفَضَاءِ وَخَوّدَا
وَكَانَ جُلَاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ صَامِتٍ قَبْلَ توبته- فيما بلغنى- ومعتّب ابن قُشَيْرٍ، وَرَافِعُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِشْرٌ، وَكَانُوا يُدْعَوْنَ بِالْإِسْلَامِ، فَدَعَاهُمْ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي خُصُومَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَدَعَوْهُمْ إلَى الْكُهّانِ، حُكّامُ أَهْلِ الْجَاهِلِيّةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِيهِمْ: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا» .. إلى آخر القصة.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣١٩ ]
[من الخزرج]
وَمِنْ الْخَزْرَجِ، ثُمّ مِنْ بَنِي النّجّارِ: رَافِعُ بْنُ وَدِيعَةَ، وَزَيْدُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَمْرُو بْنُ قيس، وقيس بن عمرو بن سهل.
[من بنى جشم]
وَمِنْ بَنِي جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمّ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ: الْجَدّ بْنُ قَيْسٍ، وَهُوَ الّذِي يَقُولُ: يَا مُحَمّدُ، ائْذَنْ لِي، وَلَا تَفْتِنّي. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي، وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ إلَى آخِرِ القصة.
[مِنْ بَنِي عَوْفٍ]
وَمِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ: عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ بْنِ سَلُول، وَكَانَ رَأْسَ الْمُنَافِقِينَ وَإِلَيْهِ يَجْتَمِعُونَ، وَهُوَ الّذِي قَالَ: لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنّ الْأَعَزّ مِنْهَا الْأَذَلّ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ. وَفِي قَوْلِهِ ذَلِكَ، نَزَلَتْ سُورَةُ الْمُنَافِقِينَ بِأَسْرِهَا. وَفِيهِ وَفِي وَدِيعَةَ- رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَوْفٍ- وَمَالِكِ بن أبى قوفل، وَسُوَيْدٍ، وَدَاعِسٌ، وَهُمْ مِنْ رَهْطِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ بْنِ سَلُولٍ؛ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ بْنِ سَلُولٍ. فَهَؤُلَاءِ النّفَرُ مِنْ قَوْمِهِ الّذِينَ كَانُوا يَدُسّونَ إلَى بَنِي النّضِيرِ حَيْنَ حَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إن اثبتوا، فو الله لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أحدا أَبَدًا، وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنّكُمْ.
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٢٠ ]
كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا، وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ، ثُمّ الْقِصّةُ مِنْ السّورَةِ حَتّى انْتَهَى إلَى قَوْلِهِ: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ.
[مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ نِفَاقًا]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمّنْ تَعَوّذَ بِالْإِسْلَامِ، وَدَخَلَ فِيهِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَأَظْهَرَهُ وَهُوَ مُنَافِقٌ، مِنْ أحبار يهود:
[من بنى قينقاع]
مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ: سَعْدُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَزَيْدُ بن اللّصيت، ونعمان بن أوفى ابن عَمْرٍو، وَعُثْمَانُ بْنُ أَوْفَى. وَزَيْدُ بْنُ اللّصَيْتِ، الّذِي قَاتَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ ﵁ بِسُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَهُوَ الّذِي قَالَ، حَيْنَ ضَلّتْ نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: يَزْعُمُ مُحَمّدٌ أَنّهُ يَأْتِيهِ خَبَرُ السّمَاءِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَجَاءَهُ الْخَبَرُ بِمَا قَالَ عَدُوّ اللهِ فِي رَحْلِهِ، وَدَلّ اللهُ ﵎ رَسُولَهُ ﷺ عَلَى نَاقَتِهِ «إنّ قَائِلًا قَالَ:
يَزْعُمُ مُحَمّدٌ أَنّهُ يَأْتِيهِ خَبَرُ السّمَاءِ، وَلَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ؟ وَإِنّي وَاَللهِ مَا أَعْلَمُ إلّا مَا عَلّمَنِي اللهُ، وَقَدْ دَلّنِي اللهُ عَلَيْهَا، فَهِيَ فِي هَذَا الشّعْبِ، قَدْ حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِزِمَامِهَا، فَذَهَبَ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَوَجَدُوهَا حَيْثُ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٢١ ]
عَلَيْهِ وَسَلّمَ، وَكَمَا وَصَفَ» وَرَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، وَهُوَ الّذِي قَالَ لَهُ الرّسُولُ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنَا- حَيْنَ مَاتَ: قَدْ مَاتَ الْيَوْمَ عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُنَافِقِينَ؛ وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ، وَهُوَ الّذِي قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حين هَبّتْ عَلَيْهِ الرّيحُ، وَهُوَ قَافِلٌ مِنْ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَاشْتَدّتْ عَلَيْهِ حَتّى أَشْفَقَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا؛ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا تَخَافُوا، فَإِنّمَا هَبّتْ لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ الْكُفّارِ. فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَجَدَ رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ مَاتَ ذَلِكَ الْيَوْمَ الّذِي هَبّتْ فِيهِ الرّيحُ وَسِلْسِلَةَ بْنَ بِرْهامٍ. وَكِنَانَةَ بْنَ صُورِيّا.
[طَرْدُ الْمُنَافِقِينَ مِنْ مَسْجِدِ الرّسُولِ ﷺ]
وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ يَحْضُرُونَ الْمَسْجِدَ فَيَسْتَمِعُونَ أَحَادِيثَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَسْخَرُونَ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِدِينِهِمْ، فَاجْتَمَعَ يَوْمًا فِي الْمَسْجِدِ مِنْهُمْ نَاسٌ فَرَآهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَحَدّثُونَ بَيْنَهُمْ، خَافِضِي أَصْوَاتَهُمْ، قَدْ لَصِقَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَأَمَرَ بهم رسول الله ﷺ فَأُخْرِجُوا مِنْ الْمَسْجِدِ إخْرَاجًا عَنِيفًا، فَقَامَ أَبُو أَيّوبَ، خَالِدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ كُلَيْبٍ، إلَى عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، أَحَدِ بَنِي غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّجّارِ- كَانَ صَاحِبَ آلِهَتِهِمْ فِي الْجَاهِلِيّةِ فَأَخَذَ بِرِجْلِهِ فَسَحَبَهُ، حَتّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَتُخْرِجُنِي يَا أَبَا أَيّوبَ مِنْ مِرْبَدِ بَنِي ثَعْلَبَة، ثُمّ أَقْبَلَ أَبُو أَيّوبَ أَيْضًا إلَى رَافِعِ بْنِ وَدِيعَةَ، أَحَدِ بَنِي النّجّارِ فَلَبّبَهُ بِرِدَائِهِ ثمَ نَتَرَهُ نَتْرًا شَدِيدًا، وَلَطَمَ وَجْهَهُ، ثُمّ أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٢٢ ]
وَأَبُو أَيّوبَ يَقُولُ لَهُ: أُفّ لَك مُنَافِقًا خَبِيثًا: أَدْرَاجَك يَا مُنَافِقُ مِنْ مَسْجِدِ رَسُولِ الله ﷺ.
قال ابن هِشَامٍ: أَيْ ارْجِعْ مِنْ الطّرِيقِ الّتِي جِئْت مِنْهَا. قَالَ الشّاعِرُ:
فَوَلّى وَأَدْبَرَ أَدْرَاجَهُ وَقَدْ بَاءَ بِالظّلْمِ مَنْ كَانَ ثَمّ
وَقَامَ عِمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ إلَى زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ رَجُلًا طَوِيلَ اللّحْيَةِ، فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فَقَادَهُ بِهَا قَوْدًا عَنِيفًا حَتّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، ثُمّ جَمَعَ عِمَارَةُ يَدَيْهِ فَلَدَمَهُ بِهِمَا فِي صَدْرِهِ لَدْمَةً خَرّ مِنْهَا. قَالَ: يَقُولُ: خَدَشْتَنِي يَا عمارة؛ قال:
أَبْعَدَك اللهُ يَا مُنَافِقُ، فَمَا أَعَدّ اللهُ لَك مِنْ الْعَذَابِ أَشَدّ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا تَقْرَبَنّ مَسْجِدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اللّدْمُ: الضّرْبُ بِبَطْنِ الْكَفّ. قَالَ تَمِيمُ بْنُ أُبَيّ بْنِ مُقْبِلٍ:
وَلِلْفُؤَادِ وَجِيبٌ تَحْتَ أَبْهَرِهِ لَدْمَ الْوَلِيدِ وَرَاءَ الْغَيْبِ بِالْحَجَرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْغَيْبُ: مَا انْخَفَضَ مِنْ الْأَرْضِ. وَالْأَبْهَرُ: عِرْقُ الْقَلْبِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَامَ أَبُو مُحَمّدٍ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي النّجّارِ، كَانَ بَدْرِيّا، وَأَبُو مُحَمّدٍ مَسْعُودُ بْنُ أَوْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ ابن مَالِكِ بْنِ النّجّارِ إلَى قَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ، وَكَانَ قَيْسٌ غُلَامًا شَابّا، وَكَانَ لَا يُعْلَمُ فِي الْمُنَافِقِينَ شَابّ غَيْرُهُ، فَجَعَلَ يَدْفَعُ فِي قَفَاهُ حَتّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٢٣ ]
وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَلْخُدْرَةَ بْنِ الْخَزْرَجِ، رَهْطِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، يُقَالُ لَهُ:
عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ، حَيْنَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِإِخْرَاجِ الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَانَ ذَا جُمّةٍ، فَأَخَذَ بِجُمّتِهِ فَسَحَبَهُ بِهَا سَحْبًا عَنِيفًا، عَلَى مَا مَرّ بِهِ مِنْ الْأَرْضِ، حَتّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ. قَالَ: يَقُولُ المنافق: لقد أغلظت يابن الْحَارِثِ؛ فَقَالَ لَهُ؛ إنّك أَهْلٌ لِذَلِكَ، أَيْ عَدُوّ اللهِ لَمّا أَنْزَلَ اللهُ فِيك، فَلَا تَقْرَبَنّ مَسْجِدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِنّك نَجِسٌ.
وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ إلَى أَخِيهِ زُوَيّ بْنِ الْحَارِثِ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ إخْرَاجًا عَنِيفًا، وَأَفّفَ مِنْهُ، وَقَالَ: غَلَبَ عَلَيْك الشّيْطَانُ وَأَمْرُهُ.
فَهَؤُلَاءِ مَنْ حَضَرَ الْمَسْجِدَ يَوْمئِذٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ، وَأَمّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِإِخْرَاجِهِمْ.
[مَا نَزَلَ مِنْ الْبَقَرَةِ فِي الْمُنَافِقِينَ وَيَهُودَ]
[ما نزل فى الأحبار]
ففى هؤلاء من أحبار يهود، والمنافقين من الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، نَزَلَ صَدْرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ إلَى المائة مِنْهَا- فِيمَا بَلَغَنِي- وَاَللهُ أَعْلَمُ.
يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ: الم ذلِكَ الْكِتابُ لَا رَيْبَ فِيهِ، أَيْ لَا شَكّ فِيهِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٢٤ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ سَاعِدَةُ بْنُ جُؤَيَةَ الْهُذَلِيّ:
فَقَالُوا عَهِدْنَا الْقَوْمَ قَدْ حَصَرُوا بِهِ فَلَا رَيْبَ أَنْ قَدْ كَانَ ثَمّ لَحِيمُ
وهذا البيت فى قصيدة له، وارّيب (أَيْضًا): الرّيبَةُ. قَالَ خَالِدُ بْنُ زُهَيْرٍ الْهُذَلِيّ:
كأننى أريبه بِرَيْبٍ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ:
كَأَنّنِي أَرَبْته بِرَيْبٍ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَهُوَ ابْنُ أَخِي أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيّ.
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، أَيْ الّذِينَ يَحْذَرُونَ مِنْ اللهِ عُقُوبَتَهُ فِي تَرْكِ مَا يَعْرِفُونَ مِنْ الْهُدَى، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ بِالتّصْدِيقِ بِمَا جَاءَهُمْ مِنْهُ: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أَيْ يُقِيمُونَ الصّلَاةَ بِفَرْضِهَا، وَيُؤْتَوْنَ الزّكَاةَ احْتِسَابًا لَهَا: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، أَيْ يُصَدّقُونَك بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ اللهِ ﷿، وَمَا جَاءَ بِهِ مَنْ قَبْلُك مِنْ الْمُرْسَلِينَ، لَا يُفَرّقُونَ بينهم، ولا يجحدون ما جاؤهم بِهِ مِنْ رَبّهِمْ. وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أَيْ بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان، أى هؤلاء الذين بزعمون أنهم آمنوا بما كَانَ مِنْ قَبْلِك، وَبِمَا جَاءَك مِنْ رَبّك أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ، أَيْ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبّهِمْ وَاسْتِقَامَةٍ عَلَى مَا جَاءَهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أَيْ الّذِينَ أَدْرَكُوا مَا طلبوا ونجوا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٢٥ ]
مِنْ شَرّ مَا مِنْهُ هَرَبُوا. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، أَيْ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْك، وَإِنْ قَالُوا إنّا قَدْ آمَنّا بِمَا جَاءَنَا قَبْلَك سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ أَيْ أَنّهُمْ قَدْ كَفَرُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ ذكرك، وجحدوا ما أخذ عليهم من الْمِيثَاقُ لَك، فَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَك وَبِمَا عِنْدَهُمْ، مِمّا جَاءَهُمْ بِهِ غَيْرُك، فَكَيْفَ يَسْتَمِعُونَ مِنْك إنْذَارًا أَوْ تَحْذِيرًا، وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمِك.
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ أَيْ عَنْ الْهُدَى أَنْ يُصِيبُوهُ أَبَدًا، يَعْنِي بِمَا كَذّبُوك بِهِ مِنْ الْحَقّ الّذِي جَاءَك مِنْ رَبّك حَتّى يُؤْمِنُوا بِهِ، وَإِنْ آمَنُوا بِكُلّ مَا كَانَ قَبْلَك، وَلَهُمْ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِك عَذَابٌ عَظِيمٌ.
فَهَذَا فِي الْأَحْبَارِ مِنْ يَهُودَ، فِيمَا كَذّبُوا بِهِ مِنْ الْحَقّ بَعْدَ مُعْرِفَتِهِ.
[مَا نَزَلَ فِي مُنَافِقِي الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَمَنْ كَانَ عَلَى أَمْرِهِمْ. يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ. فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، أَيْ شَكّ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا، أَيْ شَكّا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ. وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ، قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَيْ إنّمَا نُرِيدُ الْإِصْلَاحَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ.
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لَا يَشْعُرُونَ. وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ، قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ، أَلا إِنَّهُمْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٢٦ ]
هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لَا يَعْلَمُونَ. وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا، وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ مِنْ يَهُودَ، الّذِينَ يَأْمُرُونَهُمْ بِالتّكْذِيبِ بِالْحَقّ، وَخِلَافِ مَا جَاءَ بِهِ الرّسُولُ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ، أَيْ إنّا عَلَى مِثْلِ مَا أَنْتُمْ عليه.
إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ: أى إنما نستهزىء بالقوم، ونلعب بهم. يقول الله ﷿: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ.
[تفسير بن هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ يَعْمَهُونَ: يَحَارُونَ. تَقُولُ الْعَرَبُ: رَجُلٌ عَمِهٌ وَعَامِهٌ:
أَيْ حَيَرَانُ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجّاجِ يَصِفُ بَلَدًا:
أَعْمَى الْهُدَى بِالْجَاهِلِينَ الْعُمّهِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. فَالْعُمّهُ: جَمْعُ عَامِهٍ؛ وَأَمّا عَمِهٌ، فَجَمْعُهُ:
عَمِهُونَ. وَالْمَرْأَةُ: عَمِهَةٌ وَعَمْهَاءُ.
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى: أَيْ الْكُفْرِ بِالْإِيمَانِ فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا، فَقَالَ تَعَالَى كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لَا يُبْصِرُونَ أَيْ لَا يُبْصِرُونَ الْحَقّ وَيَقُولُونَ بِهِ حَتّى إذَا خَرَجُوا بِهِ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ أَطْفَئُوهُ بِكُفْرِهِمْ بِهِ وَنِفَاقِهِمْ فِيهِ، فَتَرَكَهُمْ اللهُ فِي ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ هُدًى، وَلَا يَسْتَقِيمُونَ عَلَى حَقّ: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٢٧ ]
لَا يَرْجِعُونَ: أَيْ لَا يَرْجِعُونَ إلَى الْهُدَى، صُمّ بُكْمٌ عُمْيٌ عَنْ الْخَيْرِ، لَا يَرْجِعُونَ إلَى خَيْرٍ وَلَا يُصِيبُونَ نَجَاةً مَا كَانُوا على ماهم عَلَيْهِ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ، وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الصّيّبُ: الْمَطَرُ، وَهُوَ مِنْ صَابَ يَصُوبُ، مِثْلُ قَوْلِهِمْ:
السّيّدُ، مَنْ سَادَ يَسُودُ، وَالْمَيّتُ: مَنْ مَاتَ يَمُوتُ؛ وَجَمْعُهُ: صَيَائِبُ. قَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبَدَةَ، أَحَدُ بَنِي رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ:
كَأَنّهُمْ صَابَتْ عَلَيْهِمْ سَحَابَةٌ صَوَاعِقُهَا لِطَيْرِهِنّ دَبِيبُ
وَفِيهَا:
فَلَا تَعْدِلِي بَيْنِي وَبَيْنَ مُغَمّرٍ سَقَتْكَ رَوَايَا المزن حيث تصوب
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَيْ هُمْ مِنْ ظُلْمَةِ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْحَذَرِ مِنْ الْقَتْلِ، مِنْ الّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالتّخَوّفِ لَكُمْ، عَلَى مِثْلِ مَا وُصِفَ، مِنْ الّذِي هُوَ (فِي) ظُلْمَةِ الصّيّبِ، يَجْعَلُ أَصَابِعَهُ فِي أُذُنِيهِ مِنْ الصّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ. يَقُولُ:
وَاَللهُ مُنْزِلُ ذَلِكَ بِهِمْ مِنْ النّقْمَةِ، أَيْ هُوَ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ: أَيْ لِشِدّةِ ضَوْءِ الْحَقّ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ، وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا، أَيْ يَعْرِفُونَ الْحَقّ وَيَتَكَلّمُونَ بِهِ، فَهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ بِهِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ، فَإِذَا ارْتَكَسُوا مِنْهُ فِي الْكُفْرِ قَامُوا مُتَحَيّرِينَ. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٢٨ ]
لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ أَيْ لِمَا تَرَكُوا مِنْ الْحَقّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ثُمّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، مِنْ الْكُفّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، أَيْ وَحّدُوا رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا، وَالسَّماءَ بِناءً، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ، فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
[تَفْسِيرُ ابْنِ هشام لبعض الغريب]
قال ابن هشام: الأمثال، واحدهم ندّ. قال لعبيد بْنُ رَبِيعَةَ:
أَحْمَدُ اللهَ فَلَا نِدّ لَهُ بيديه الخير ماشاء فعل
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَيْ لَا تُشْرِكُوا بِاَللهِ غَيْرَهُ مِنْ الْأَنْدَادِ الّتِي لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرّ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنّهُ لَا رَبّ لَكُمْ يَرْزُقكُمْ غَيْرُهُ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنّ الّذِي يَدْعُوكُمْ إلَيْهِ الرّسُولُ مِنْ تَوْحِيدِهِ هُوَ الْحَقّ لَا شَكّ فِيهِ. وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا أَيْ فِي شَكّ مِمّا جَاءَكُمْ بِهِ، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أى من استطعتم من أعوانكم على ما أنتم عليه إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَقَدْ تَبَيّنَ لَكُمْ الْحَقّ فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٢٩ ]
أَيْ لِمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ.
ثُمّ رَغّبَهُمْ وَحَذّرَهُمْ نُقْضَ الْمِيثَاقِ الّذِي أَخَذَ عَلَيْهِمْ لِنَبِيّهِ ﷺ إذَا جَاءَهُمْ، وَذَكَرَ لَهُمْ بَدْءَ خَلْقِهِمْ حَيْنَ خَلَقَهُمْ، وَشَأْنَ أَبِيهِمْ آدَمَ ﵇ وَأَمْرَهُ، وَكَيْفَ صَنَعَ بِهِ حَيْنَ خَالَفَ عَنْ طَاعَتِهِ، ثُمّ قَالَ: يَا بَنِي إِسْرائِيلَ لِلْأَحْبَارِ مِنْ يَهُودَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ أَيْ بَلَائِي عِنْدَكُمْ وَعِنْدَ آبَائِكُمْ، لَمّا كان نجاها بِهِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي الّذِي أَخَذْت فِي أَعْنَاقِكُمْ لِنَبِيّي أَحْمَدَ إذَا جَاءَكُمْ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ أُنْجِزْ لَكُمْ مَا وَعَدْتُكُمْ عَلَى تَصْدِيقِهِ وَاتّبَاعِهِ بِوَضْعِ مَا كَانَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ الّتِي كَانَتْ فِي أَعْنَاقِكُمْ بِذُنُوبِكُمْ الّتِي كَانَتْ مِنْ أَحْدَاثِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ أَيْ أَنْ أُنْزِلَ بِكُمْ مَا أَنَزَلْت بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ آبَائِكُمْ مِنْ النّقْمَاتِ الّتِي قَدْ عَرَفْتُمْ، مِنْ الْمَسْخِ وَغَيْرِهِ وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ، وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَعِنْدَكُمْ مِنْ الْعِلْمِ فِيهِ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِكُمْ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ. وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ، وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَيْ لَا تَكْتُمُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنْ الْمُعْرِفَةِ بِرَسُولِي وَبِمَا جَاءَ بِهِ، وَأَنْتُمْ تَجِدُونَهُ عِنْدَكُمْ فِيمَا تَعْلَمُونَ مِنْ الْكُتُبِ الّتِي بِأَيْدِيكُمْ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ أَيْ أَتَنْهَوْنَ النّاسَ عَنْ الْكُفْرِ بِمَا عِنْدَكُمْ مِنْ النّبُوّةِ وَالْعَهْدِ مِنْ التّوْرَاةِ وَتَتْرُكُونَ أَنَفْسَكُمْ، أَيْ وَأَنْتُمْ تَكْفُرُونَ بِمَا فِيهَا مِنْ عَهْدِي إلَيْكُمْ فِي تَصْدِيقِ رَسُولِي وَتَنْقُضُونَ مِيثَاقِي، وَتَجْحَدُونَ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ كِتَابِي.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٣٠ ]
ثُمّ عَدّدَ عَلَيْهِمْ أَحْدَاثَهُمْ، فَذَكَرَ لَهُمْ الْعِجْلَ وَمَا صَنَعُوا فِيهِ، وَتَوْبَتَهُ عَلَيْهِمْ، وَإِقَالَتَهُ إيّاهُمْ، ثُمّ قَوْلَهُمْ: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً.
[تَفْسِيرُ ابْنِ هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: جَهْرَةً، أَيْ ظَاهِرًا لَنَا لَا شَيْءَ يَسْتُرهُ عَنّا. قَالَ أَبُو الْأَخْزَرِ الْحَمَانِيّ، وَاسْمُهُ قتيبة:
يَجْهَرُ أَجْوَافَ الْمِيَاهِ السّدُم
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ.
يَجْهَرُ: يَقُولُ: يُظْهِرُ الْمَاءَ وَيَكْشِفُ عَنْهُ مَا يَسْتُرُهُ مِنْ الرّمْلِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَخْذَ الصّاعِقَةِ إيّاهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِغِرّتِهِمْ، ثُمّ إحْيَاءَهُ إيّاهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وَتَظْلِيلَهُ عَلَيْهِمْ الْغَمَامَ، وَإِنْزَالَهُ عَلَيْهِمْ الْمَنّ وَالسّلْوَى، وَقَوْلُهُ لهم: ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ، أَيْ قُولُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ أَحُطّ بِهِ ذُنُوبَكُمْ عَنْكُمْ؛ وَتَبْدِيلَهُمْ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ اسْتِهْزَاءً بِأَمْرِهِ، وَإِقَالَتَهُ إيّاهُمْ ذَلِكَ بَعْدَ هُزْئِهِمْ.
[تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الغريب]
تفسير ابن هشام لبعض الغريب قال ابن هِشَامٍ: الْمَنّ: شَيْءٌ كَانَ يَسْقُطُ فِي السّحَرِ على شجرهم، فيجتنبونه حُلْوًا مِثْلَ الْعَسَلِ، فَيَشْرَبُونَهُ وَيَأْكُلُونَهُ. قَالَ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ:
لَوْ أُطْعِمُوا الْمَنّ وَالسّلْوَى مَكَانَهُمْ مَا أَبْصَرَ النّاسُ طُعْمًا فِيهُمُ نجعا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٣١ ]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالسّلْوَى: طَيْرٌ؛ وَاحِدَتُهَا: سَلْوَاةٌ؛ وَيُقَالُ:
إنّهَا السّمَانِيّ، وَيُقَالُ لِلْعَسَلِ (أَيْضًا): السّلْوَى. وَقَالَ خَالِدُ بْنُ زُهَيْرٍ الْهُذَلِيّ:
وَقَاسَمَهَا بِاَللهِ حَقّا لَأَنْتُمْ أَلَذّ مِنْ السّلْوَى إذَا مَا نَشُورُهَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَحِطّةٌ: أَيْ حُطّ عَنّا ذُنُوبَنَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِنْ تَبْدِيلِهِمْ ذَلِكَ، كَمَا حَدّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التّوْءَمَةِ بِنْتِ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، عَنْ أَبِي هريرة ومن لا أنّهم، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: دَخَلُوا الْبَابَ الّذِي أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا مِنْهُ سُجّدًا يَزْحَفُونَ، وَهُمْ يَقُولُونَ حِنْطٌ فِي شَعِيرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: حِنْطَةٌ فِي شَعِيرَةٍ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاسْتِسْقَاءَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، وَأَمْرَهُ (إيّاهُ) أَنْ يَضْرِبَ بعصاه الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ لَهُمْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشَرَةَ عَيْنًا، لِكُلّ سِبْطٍ عَيْنٌ يَشْرَبُونَ مِنْهَا، قَدْ عَلِمَ كُلّ سِبْطٍ عَيْنَهُ الّتِي مِنْهَا يَشْرَبُ؛ وَقَوْلَهُمْ لِمُوسَى ﵇:
لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ، فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْفُوَمُ: الْحِنْطَةُ. قَالَ أُمَيّةُ بْنُ الصّلْتِ الثّقَفِيّ:
فَوْقَ شِيزَى مِثْلِ الْجَوَابِي عَلَيْهَا قطع كالوذبل فِي نِقْيِ فُومِ
[تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: الْوَذِيلُ: قِطَعُ الْفِضّةِ وَالْفُوَمُ: الْقَمْحُ؛ وَاحِدَتُهُ: فُومَةٌ.
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٣٢ ]
وَعَدَسِها وَبَصَلِها، قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ.
اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمْ يَفْعَلُوا. وَرَفْعَهُ الطّورَ فَوْقَهُمْ لِيَأْخُذُوا مَا أُوتُوا؛ وَالْمَسْخَ الّذِي كَانَ فِيهِمْ، إذْ جَعَلَهُمْ قِرَدَةً بِأَحْدَاثِهِمْ، وَالْبَقَرَةَ الّتِي أَرَاهُمْ اللهُ ﷿ بِهَا الْعِبْرَةَ فِي الْقَتِيلِ الّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، حَتّى بَيّنَ اللهُ لَهُمْ أَمْرَهُ، بَعْدَ التّرَدّدِ عَلَى مُوسَى ﵇ فِي صِفّةِ الْبَقَرَةِ؛ وَقَسْوَةَ قُلُوبِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ حَتّى كَانَتْ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدّ قَسْوَةً. ثُمّ قَالَ تَعَالَى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ، وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ، وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أَيْ وَإِنّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَأَلْيَنُ مِنْ قُلُوبِكُمْ عَمّا تَدْعُونَ إلَيْهِ مِنْ الْحَقّ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.
ثم قال لمحمد ﵊ وَلِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يُؤَيّسُهُمْ مِنْهُمْ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ وَلَيْسَ قَوْلُهُ يَسْمَعُونَ التّوْرَاةَ، أَنّ كُلّهُمْ قَدْ سَمِعَهَا، وَلَكِنّهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ، أَيْ خَاصّةٌ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ، فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ: قَالُوا لِمُوسَى: يَا مُوسَى، قَدْ حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ رُؤْيَةِ اللهِ، فَأَسْمِعْنَا كَلَامَهُ حَيْنَ يُكَلّمُك، فَطَلَبَ ذَلِكَ مُوسَى ﵇ مِنْ رَبّهِ، فَقَالَ لَهُ: نَعَمْ، مُرْهُمْ فَلْيَطّهّرُوا، أَوْ لِيُطَهّرُوا ثِيَابَهُمْ، وَلْيَصُومُوا، فَفَعَلُوا. ثُمّ خَرَجَ بِهِمْ حَتّى أَتَى بِهِمْ الطّورَ؛ فَلَمّا غَشِيَهُمْ الْغَمَامُ أَمَرَهُمْ مُوسَى فَوَقَعُوا سُجّدًا، وَكَلّمَهُ رَبّهُ، فَسَمِعُوا كَلَامَهُ ﵎، يأمرهم
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٣٣ ]
وَيَنْهَاهُمْ، حَتّى عَقَلُوا عَنْهُ مَا سَمِعُوا، ثُمّ انْصَرَفَ بِهِمْ إلَى بَنِي إسْرَائِيلَ، فَلَمّا جَاءَهُمْ حَرّفَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَقَالُوا، حَيْنَ قَالَ مُوسَى لِبَنِي إسْرَائِيلَ:
إنّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ ذَلِكَ الْفَرِيقُ الّذِي ذَكَرَ اللهُ ﷿:
إنّمَا قَالَ كَذَا وَكَذَا، خِلَافًا لِمَا قَالَ اللهُ لَهُمْ، فَهُمْ الّذِينَ عَنَى اللهُ ﷿ لِرَسُولِهِ ﷺ.
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا، أَيْ بِصَاحِبِكُمْ رَسُولِ اللهِ، وَلَكِنّهُ إلَيْكُمْ خَاصّةً. وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا:
لَا تُحَدّثُوا الْعَرَبَ بِهَذَا، فَإِنّكُمْ قَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ فِيهِمْ.
فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِيهِمْ: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا، وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ، أَيْ تُقِرّونَ بِأَنّهُ نَبِيّ، وَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنّهُ قَدْ أُخِذَ لَهُ الْمِيثَاقُ عَلَيْكُمْ بِاتّبَاعِهِ، وَهُوَ يُخْبِرُكُمْ أَنّهُ النّبِيّ الّذِي كُنّا نَنْتَظِرُ وَنَجِدُ فِي كِتَابِنَا؛ اجْحَدُوهُ وَلَا تُقِرّوا لَهُمْ بِهِ. يَقُولُ اللهُ ﷿: أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ، وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ.
[تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ]
الغريب قال ابن هِشَامٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ: إلّا أَمَانِيّ: إلّا قراءة، لأن الأمىّ: الذى يقرأ ولا يكتب. يقول: لا يعلمون الكتاب إلا (أنهم) يقرؤنه.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٣٤ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَيُونُسَ أَنّهُمَا تَأَوّلَا ذَلِكَ عَنْ الْعَرَبِ فِي قَوْلِ اللهِ ﷿، حَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ النّحْوِيّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: أَنّ الْعَرَبَ تَقُولُ: تَمَنّى، فِي مَعْنَى قَرَأَ. وَفِي كِتَابِ اللهِ ﵎:
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ. قَالَ: وَأَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ النّحْوِيّ:
تَمَنّى كِتَابَ اللهِ أَوّلَ لَيْلِهِ وَآخِرَهُ وَافَى حِمَامُ الْمَقَادِرِ
وَأَنْشَدَنِي أَيْضًا:
تَمَنّى كِتَابَ اللهِ فِي اللّيْلِ خَالِيًا تَمَنّيَ دَاوُدَ الزّبُورَ عَلَى رِسْلِ
وَوَاحِدَةُ الْأَمَانِيّ: أُمْنِيّةٌ. وَالْأَمَانِيّ (أَيْضًا): أَنْ يَتَمَنّى الرّجُلُ الْمَالَ أَوْ غَيْرَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ: أَيْ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ وَلَا يَدْرُونَ مَا فِيهِ، وَهُمْ يَجْحَدُونَ نُبُوّتَك بِالظّنّ. وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً، قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
[دَعْوَى الْيَهُودَ قِلّةَ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ وَرَدّ اللهِ عَلَيْهِمْ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَوْلًى لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: فدم رسول الله ﷺ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٣٥ ]
الْمَدِينَةَ وَالْيَهُودُ تَقُولُ: إنّمَا مُدّةُ الدّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، وَإِنّمَا يُعَذّبُ اللهُ النّاسَ فِي النّارِ بِكُلّ أَلْفِ سَنَةٍ مِنْ أَيّامِ الدّنْيَا يَوْمًا وَاحِدًا فِي النّارِ مِنْ أَيّامِ الْآخِرَةِ، وَإِنّمَا هِيَ سَبْعَةُ أَيّامٍ ثُمّ يَنْقَطِعُ الْعَذَابُ. فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ:
وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً. قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ. بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ أى من عمل بمثل أعمالكم، وَكَفَرَ بِمِثْلِ مَا كَفَرْتُمْ بِهِ، يُحِيطُ كُفْرُهُ بِمَا لَهُ عِنْدَ اللهِ مِنْ حَسَنَةٍ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ أَيْ خُلْدٌ أَبَدًا. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ: أَيْ مَنْ آمَنَ بِمَا كَفَرْتُمْ بِهِ، وَعَمِلَ بِمَا تَرَكْتُمْ مِنْ دِينِهِ، فَلَهُمْ الْجَنّةُ خَالِدِينَ فِيهَا، يُخْبِرُهُمْ أَنّ الثّوَابَ بِالْخَيْرِ وَالشّرّ مُقِيمٌ عَلَى أَهْلِهِ أَبَدًا، لَا انْقِطَاعَ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ قَالَ اللهُ ﷿ يُؤَنّبُهُمْ: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ أَيْ مِيثَاقَكُمْ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ، وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا، وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ، وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ، ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ أَيْ تَرَكْتُمْ ذَلِكَ كُلّهُ لَيْسَ بِالتّنَقّصِ. وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٣٦ ]
[تفسير ابن هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: تَسْفِكُونَ: تَصُبّونَ. تَقُولُ الْعَرَبُ: سَفَكَ دَمَهُ، أَيْ صَبّهُ، وَسَفَكَ الزّقّ، أَيْ هَرَاقَهُ. قَالَ الشّاعِرُ:
وَكُنّا إذَا مَا الضّيْفُ حَلّ بِأَرْضِنَا سَفَكْنَا دِمَاءَ الْبُدْنِ فِي تُرْبَةِ الْحَالِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَعْنِي «بِالْحَالِ»: الطّينِ الّذِي يُخَالِطُهُ الرّمْلُ، وَهُوَ الّذِي تَقُولُ لَهُ الْعَرَبُ: السّهْلَةُ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: أَنّ جِبْرِيلَ لَمّا قَالَ فِرْعَوْنُ:
آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ أَخَذَ مِنْ حَالِ الْبَحْرِ وَحَمَأَتِهِ فَضَرَبَ بِهِ وَجْهَ فِرْعَوْنَ. (وَالْحَالُ: مِثْلُ الْحَمْأَةِ) .
قَالَ ابن إسحاق: وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلَى أَنّ هَذَا حَقّ مِنْ مِيثَاقِي عَلَيْكُمْ ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ، وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ، تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ أَيْ أَهْلَ الشّرْكِ، حَتّى يَسْفِكُوا دِمَاءَهُمْ مَعَهُمْ، وَيُخْرِجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ مَعَهُمْ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنّ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ فِي دِينِكُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ: فِي كِتَابِكُمْ إِخْراجُهُمْ، أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ، (أَيْ) أَتُفَادُونَهُمْ مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وَتُخْرِجُونَهُمْ كُفّارًا بِذَلِكَ. فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٣٧ ]
بِالْآخِرَةِ، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ فَأَنّبَهُمْ اللهُ ﷿ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلهمْ، وَقَدْ حَرّمَ عَلَيْهِمْ فِي التّوْرَاةِ سَفْكَ دِمَائِهِمْ، وَافْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فِيهَا فِدَاءَ أَسْرَاهُمْ.
فَكَانُوا فَرِيقَيْنِ، مِنْهُمْ بَنُو قَيْنُقَاعَ وَلَفّهُمْ، حُلَفَاءُ الْخَزْرَجِ، والنّضير وقريظة وَلَفّهُمْ، حُلَفَاءُ الْأَوْسِ. فَكَانُوا إذَا كَانَتْ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ حَرْبٌ خَرَجَتْ بَنُو قَيْنُقَاعَ مَعَ الْخَزْرَجِ وَخَرَجَتْ النّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَعَ الْأَوْسِ يُظَاهِرُ كُلّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ حُلَفَاءَهُ عَلَى إخْوَانِهِ، حَتّى يَتَسَافَكُوا دِمَاءَهُمْ بَيْنَهُمْ وَبِأَيْدِيهِمْ التّوْرَاةُ يَعْرِفُونَ فيها ما عليهم ومالهم، وَالْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَهْلُ شِرْكٍ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ. لَا يَعْرِفُونَ جَنّةً وَلَا نَارًا، وَلَا بَعْثًا وَلَا قِيَامَةً، وَلَا كِتَابًا، وَلَا حَلَالًا وَلَا حَرَامًا، فَإِذَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا افْتَدَوْا أُسَارَاهُمْ تَصْدِيقًا لِمَا فِي التّوْرَاةِ، وَأَخَذَ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، يَفْتَدِي بَنُو قَيْنُقَاعَ مَنْ كَانَ مِنْ أسراهم فى أيدى الأوس وتفتدى النّضير وفريظة مَا فِي أَيَدِي الْخَزْرَجِ مِنْهُمْ وَيُطِلّونَ مَا أصابوا من الدماء، وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، مُظَاهَرَةً لِأَهْلِ الشّرْكِ عَلَيْهِمْ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لَهُمْ حَيْنَ أَنّبَهُمْ بِذَلِكَ:
أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ، أَيْ تُفَادِيهِ بِحُكْمِ التّوْرَاةِ وَتَقْتُلُهُ، وَفِي حُكْمِ التّوْرَاةِ أَنْ لَا تَفْعَلَ، تَقْتُلُهُ وَتُخْرِجُهُ مِنْ دَارِهِ وَتُظَاهِرُ عَلَيْهِ مَنْ يُشْرِكُ بِاَللهِ، وَيَعْبُدُ الْأَوْثَانَ مِنْ دُونِهِ، ابْتِغَاءَ عَرَضِ الدّنْيَا. فَفِي ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ مَعَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ- فِيمَا بَلَغَنِي- نَزَلَتْ هَذِهِ الْقِصّةُ.
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٣٨ ]
بِالرُّسُلِ، وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ، أَيْ الْآيَاتُ الّتِي وُضِعَتْ عَلَى يَدَيْهِ، مِنْ إحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَخَلْقِهِ مِنْ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ، ثُمّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ، وَإِبْرَاءِ الْأَسْقَامِ، وَالْخَبَرِ بِكَثِيرٍ مِنْ الْغُيُوبِ مِمّا يَدّخِرُونَ فِي بُيُوتِهِمْ، وَمَا رَدّ عَلَيْهِمْ مِنْ التّوْرَاةِ مَعَ الْإِنْجِيلِ، الّذِي أَحْدَثَ اللهُ إلَيْهِ. ثُمّ ذَكَرَ كُفْرَهُمْ بِذَلِكَ كُلّهِ، فَقَالَ: أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لَا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ، فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ، ثُمّ قَالَ تَعَالَى: وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ: فِي أَكِنّةٍ. يَقُولُ اللهُ ﷿:
بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ. وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالَ: قَالُوا: فِينَا وَاَللهِ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْقِصّةُ، كُنّا قَدْ عَلَوْنَاهُمْ ظَهْرًا فِي الْجَاهِلِيّةِ وَنَحْنُ أَهْلُ شِرْكٍ وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ فَكَانُوا يَقُولُونَ لَنَا: إنّ نَبِيّا يُبْعَثُ الْآنَ نَتّبِعُهُ قَدْ أَظَلّ زَمَانَهُ، نَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ. فَلَمّا بَعَثَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ مِنْ قُرَيْشٍ فَاتّبَعْنَاهُ كَفَرُوا بِهِ. يَقُولُ اللهُ: فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ. بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، أَيْ أَنْ جَعَلَهُ فِي غَيْرِهِمْ: فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ، وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٣٩ ]
[تفسير ابن هشام لبعض الغريب]
قال ابن هشام: فباؤا بِغَضَبٍ: أَيْ اعْتَرَفُوا بِهِ وَاحْتَمَلُوهُ. قَالَ أَعْشَى بنى قيس بن ثعلبة:
أصالحكم حتى تبوؤا بِمِثْلِهَا كَصَرْخَةِ حُبْلَى يَسّرَتْهَا قَبِيلُهَا
(قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَسّرَتْهَا: أَجَلَسَتْهَا لِلْوِلَادَةِ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَالْغَضَبُ عَلَى الْغَضَبِ لِغَضَبِهِ عَلَيْهِمْ فِيمَا كَانُوا ضَيّعُوا مِنْ التّوْرَاةِ، وَهِيَ مَعَهُمْ، وَغَضَبٌ بِكُفْرِهِمْ بِهَذَا النّبِيّ ﷺ الّذِي أَحْدَثَ اللهُ إلَيْهِمْ.
ثُمّ أَنّبَهُمْ بِرَفْعِ الطّورِ عَلَيْهِمْ، وَاِتّخَاذِهِمْ الْعِجْلَ إلَهًا دُونَ رَبّهِمْ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِمُحَمّدٍ ﷺ: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أَيْ اُدْعُوا بِالْمَوْتِ عَلَى أَيّ الْفَرِيقَيْنِ أَكْذَبُ عِنْدَ اللهِ، فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ. يَقُولُ اللهُ جلّ ثناؤه لنبيّه ﵊: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، أَيْ بِعِلْمِهِمْ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ بِك، وَالْكُفْرِ بِذَلِكَ، فَيُقَالُ: لَوْ تَمَنّوْهُ يَوْمَ قَالَ ذَلِكَ لَهُمْ مَا بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يَهُودِيّ إلّا مَاتَ. ثُمّ ذَكَرَ رَغْبَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَطُولَ الْعُمْرِ، فَقَالَ تَعَالَى:
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ الْيَهُودَ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٤٠ ]
يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ، أى ما هو بِمُنْجِيهِ مِنْ الْعَذَابِ، وَذَلِكَ أَنّ الْمُشْرِكَ لَا يَرْجُو بَعْثًا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَهُوَ يُحِبّ طُولَ الحياة، وأن اليهودىّ قد عرف ماله فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخِزْيِ بِمَا ضَيّعَ مِمّا عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ. ثُمّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ.
[سُؤَالُ الْيَهُودِ الرّسُولَ، وإجابته لهم ﵊]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي عَبْدِ اللهِ بْنِ (عَبْدِ) الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الْمَكّيّ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ الْأَشْعَرِيّ: أَنّ نَفَرًا مِنْ أحبار يهود جاؤا رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا مُحَمّدُ، أَخْبِرْنَا عَنْ أَرْبَعٍ نَسْأَلُك عَنْهُنّ، فَإِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ اتّبَعْنَاك وَصَدّقْنَاك وَآمَنّا بِك. قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ عَهْدُ اللهِ وَمِيثَاقُهُ لَئِنْ أَنَا أَخْبَرْتُكُمْ بِذَلِكَ لَتُصَدّقُنّنِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَاسْأَلُوا عَمّا بَدَا لَكُمْ، قَالُوا فَأَخْبِرْنَا كَيْفَ يُشْبِهُ الْوَلَدُ أُمّهُ، وَإِنّمَا النّطْفَةُ مِنْ الرّجُلِ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أُنْشِدُكُمْ بِاَللهِ وَبِأَيّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنّ نُطْفَةَ الرّجُلِ بَيْضَاءُ غَلِيظَةٌ، وَنُطْفَةَ الْمَرْأَةِ صَفْرَاءُ رَقِيقَةٌ، فَأَيّتُهُمَا عَلَتْ صَاحِبَتَهَا كَانَ لَهَا الشّبَهُ؟ قَالُوا: اللهُمّ نَعَمْ. قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا كَيْفَ نَوْمُك؟ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاَللهِ وَبِأَيّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنّ نَوْمَ الّذِي تَزْعُمُونَ أَنّي لَسْتُ بِهِ تَنَامُ عَيْنُهُ وَقَلْبُهُ يَقْظَانُ؟ فَقَالُوا: اللهُمّ نَعَمْ، قَالَ: فَكَذَلِك نَوْمِي، تَنَامُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٤١ ]
عَيْنِيّ وَقَلْبِي يَقْظَانُ. قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا عَمّا حَرّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ؟ قَالَ:
أَنْشُدُكُمْ بِاَللهِ وَبِأَيّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنّهُ كَانَ أَحَبّ الطّعَامِ وَالشّرَابِ إلَيْهِ أَلْبَانَ الْإِبِلِ وَلُحُومَهَا، وَأَنّهُ اشْتَكَى شَكْوَى، فَعَافَاهُ اللهُ مِنْهَا، فَحَرّمَ عَلَى نَفْسِهِ أَحَبّ الطّعَامِ وَالشّرَابِ إلَيْهِ شُكْرًا لِلّهِ، فَحَرّمَ عَلَى نَفْسِهِ لُحُومَ الْإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا؟ قَالُوا: اللهُمّ نَعَمْ. قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا عَنْ الرّوحِ؟ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاَللهِ وَبِأَيّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُونَهُ جِبْرِيلُ، وَهُوَ الّذِي يَأْتِينِي؟ قَالُوا:
اللهُمّ نَعَمْ، وَلَكِنّهُ يَا مُحَمّدُ لَنَا عَدُوّ، وَهُوَ مَلَكٌ، إنّمَا يَأْتِي بِالشّدّةِ وَبِسَفْكِ الدّمَاءِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاتّبَعْنَاك، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِيهِمْ: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أَيْ السّحْرُ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ.
[إنْكَارُ الْيَهُودِ نُبُوّةَ دَاوُدَ ﵇ وَرَدّ اللهِ عَلَيْهِمْ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَلِكَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ- فيما بلغنى-
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٤٢ ]
لَمّا ذَكَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ فِي الْمُرْسَلِينَ، قَالَ بَعْضُ أَحْبَارِهِمْ: أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ مُحَمّدٍ، يَزْعُمُ أَنّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ كَانَ نَبِيّا، وَاَللهِ مَا كَانَ إلّا سَاحِرًا. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا، أَيْ بِاتّبَاعِهِمْ السّحْرَ وَعَمَلِهِمْ بِهِ. وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، أَنّهُ كَانَ يَقُولُ: الّذِي حَرّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ زَائِدَتَا الْكَبِدِ وَالْكُلْيَتَانِ وَالشّحْمَ، إلّا مَا كَانَ عَلَى الظّهْرِ، فَإِنّ ذَلِكَ كَانَ يُقَرّبُ لِلْقُرْبَانِ، فَتَأْكُلَهُ النّارُ.
[كِتَابُهُ ﷺ إلَى يَهُودِ خَيْبَرَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى يَهُودِ خَيْبَرَ، فِيمَا حَدّثَنِي مَوْلًى لِآلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ:
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ، مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ، صَاحِبِ مُوسَى وَأَخِيهِ، وَالْمُصَدّقُ لِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى: أَلَا إنّ اللهَ قَدْ قَالَ لَكُمْ يَا مَعْشَرَ أَهْلِ التّوْرَاةِ، وَإِنّكُمْ لَتَجِدُونَ ذَلِكَ فِي كِتَابِكُمْ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ، تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا، سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٤٣ ]
السُّجُودِ، ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ، وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا.
وَإِنّي أَنْشُدُكُمْ بِاَللهِ، وَأَنْشُدُكُمْ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ، وَأَنْشُدُكُمْ بِاَلّذِي أَطْعَمَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ أَسْبَاطِكُمْ الْمَنّ وَالسّلْوَى، وَأَنْشُدُكُمْ بِاَلّذِي أَيْبَسَ الْبَحْرَ لِآبَائِكُمْ حَتّى أَنَجَاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، إلّا أَخْبَرْتُمُونِي: هَلْ تَجِدُونَ فِيمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِمُحَمّدٍ؟ فَإِنْ كُنْتُمْ لَا تَجِدُونَ ذَلِكَ فِي كِتَابِكُمْ فَلَا كُرْهَ عَلَيْكُمْ. قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ- فَأَدْعُوكُمْ إلَى اللهِ وَإِلَى نَبِيّهِ.
[تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ]
قال ابن هِشَامٍ: شَطْؤُهُ: فِرَاخُهُ، وَوَاحِدَتُهُ: شِطْأَةٌ. تَقُولُ الْعَرَبُ:
قَدْ أَشْطَأَ الزّرْعُ إذَا أَخْرَجَ فِرَاخَهُ. وَآزَرَهُ: عَاوَنَهُ، فَصَارَ الّذِي قَبْلَهُ مِثْلَ الْأُمّهَاتِ. قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ حُجْرٍ الْكِنْدِيّ:
بمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضّالّ نَبْتُهَا مَجَرّ جُيُوشٍ غَانِمِينَ وَخُيّبِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ حُمَيْدُ بن مالك الأرقط، أحد بنى ربيعة ابن مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ:
زَرْعًا وَقَضْبًا مُؤْزَرَ النّبات
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٤٤ ]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. وَسُوقُهُ غَيْرُ مَهْمُوزٍ جَمْعُ سَاقٍ، لِسَاقِ الشّجَرَةِ.
[مَا نَزَلَ فِي أَبِي يَاسِرٍ وَأَخِيهِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمّنْ نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، بِخَاصّةٍ مِنْ الْأَحْبَارِ وَكُفّارِ يَهُودَ، الّذِي كَانُوا يسئلونه وَيَتَعَنّتُونَهُ لِيَلْبِسُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ- فِيمَا ذُكِرَ لِي عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رِئَابٍ- أَنّ أَبَا يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ مَرّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وهو يتلوا فَاتِحَةَ الْبَقَرَةِ: الم ذلِكَ الْكِتابُ لَا رَيْبَ فِيهِ، فأتى أَخَاهُ حُيَيّ بْنَ أَخْطَبَ فِي رِجَالٍ مِنْ يَهُودَ، فَقَالَ: تَعْلَمُوا وَاَللهِ، لَقَدْ سَمِعْت مُحَمّدًا يَتْلُو فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ: الم ذلِكَ الْكِتابُ، فَقَالُوا: أَنْتَ سَمِعْتَهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَمَشَى حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ فِي أُولَئِكَ النّفَرِ مِنْ يَهُودَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمّدُ، أَلَمْ يُذْكَرْ لَنَا أَنّك تَتْلُو فِيمَا أُنْزِلَ إلَيْك: الم ذلِكَ الْكِتابُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ سلم: بَلَى، قَالُوا: أَجَاءَك بِهَا جِبْرِيلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: لَقَدْ بَعَثَ اللهُ قَبْلَك أَنْبِيَاءَ، مَا نَعْلَمُهُ بَيّنَ لِنَبِيّ مِنْهُمْ مَا مُدّةُ مُلْكِهِ، وَمَا أَكْلُ أُمّتِهِ غَيْرَك، فَقَالَ حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ، وَأَقْبَلَ عَلَى مَنْ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ، وَاللّامُ ثَلَاثُونَ، وَالْمِيمُ أَرْبَعُونَ، فَهَذِهِ إحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً، أَفَتَدْخُلُونَ فِي دِينٍ إنّمَا مُدّةُ مُلْكِهِ وَأَكْلُ أُمّتِهِ إحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً؟ ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فقال: يا مُحَمّدُ، هَلْ مَعَ هَذَا غَيْرُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ مَاذَا؟ قَالَ:
المص. قَالَ: هَذِهِ وَاَللهِ أَثْقَلُ وَأَطْوَلُ، الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ، وَاللّامُ ثَلَاثُونَ، وَالْمِيمُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٤٥ ]
أربعون، والصاد تسعون، فهذه إحدى وستّون ومائة سَنَةٍ، هَلْ مَعَ هَذَا يَا مُحَمّدُ غَيْرُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ الر قَالَ: هَذِهِ وَاَللهِ أَثْقَلُ وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتان، هَلْ مَعَ هَذَا غَيْرُهُ يَا مُحَمّدُ؟ قَالَ: نَعَمْ المر. قَالَ: هَذِهِ وَاَللهِ أَثْقَلُ وَأَطْوَلُ، الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ، وَاللّامُ ثَلَاثُونَ، وَالْمِيمُ أَرْبَعُونَ، وَالرّاءُ مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سَنَةٍ، ثُمّ قَالَ: لَقَدْ لُبّسَ عَلَيْنَا أَمْرُك يَا مُحَمّدُ، حَتّى مَا نَدْرِي أَقَلِيلًا أُعْطِيت أَمْ كَثِيرًا؟ ثُمّ قَامُوا عَنْهُ، فَقَالَ أَبُو يَاسِرٍ لِأَخِيهِ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ وَلِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْأَحْبَارِ: مَا يُدْرِيكُمْ لَعَلّهُ قَدْ جُمِعَ هَذَا كُلّهُ لِمُحَمّدٍ، إحْدَى وَسَبْعُونَ، وَإِحْدَى وَسِتّونَ ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبع مائة وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، فَقَالُوا: لَقَدْ تَشَابَهَ عَلَيْنَا أمره. فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ، وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ سَمِعْت مَنْ لَا أَتّهِمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُ: أَنّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ إنّمَا أُنْزِلْنَ فِي أَهْلِ نَجْرَانَ، حَيْنَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يسألونه عن عيسى بن مَرْيَمَ ﵇.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنّهُ قَدْ سَمِعَ: أَنّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ إنّمَا أُنْزِلْنَ فِي نَفَرٍ مِنْ يَهُودَ، وَلَمْ يُفَسّرْ ذَلِكَ لِي. فَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذلك كان.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٤٦ ]
[كُفْرُ الْيَهُودِ بِهِ ﷺ بَعْدَ اسْتِفْتَاحِهِمْ بِهِ وَمَا نَزَلَ فِي ذَلِكَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبّاسٍ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: أَنّ يَهُودَ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمّا بَعَثَهُ اللهُ مِنْ الْعَرَبِ كَفَرُوا بِهِ، وَجَحَدُوا مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِيهِ. فَقَالَ لَهُمْ مُعَاذُ بن جبل، وبشر ابن الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، أَخُو بَنِي سَلَمَةَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، اتّقُوا اللهَ وَأَسْلِمُوا، فَقَدْ كُنْتُمْ تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك، ونخبروننا أَنّهُ مَبْعُوثٌ، وَتَصِفُونَهُ لَنَا بِصِفّتِهِ، فَقَالَ سَلَامُ بْنُ مِشْكَمٍ، أَحَدُ بَنِي النّضِيرِ: مَا جَاءَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وَمَا هُوَ بِاَلّذِي كُنّا نَذْكُرُهُ لَكُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ.
عَلَى الْكافِرِينَ.
[مَا نَزَلَ فى نكر ان مالك بْنِ الصّيْفِ الْعَهْدَ إلَيْهِمْ بِالنّبِيّ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الصّيْفِ، حَيْنَ بعث رسول الله ﷺ، وَذَكَرَ لَهُمْ مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ لَهُ مِنْ الْمِيثَاقِ، وَمَا عَهِدَ اللهُ إلَيْهِمْ فِيهِ:
وَاَللهِ مَا عُهِدَ إلَيْنَا فِي مُحَمّدٍ عَهْدٌ، وَمَا أُخِذَ لَهُ عَلَيْنَا مِنْ مِيثَاقٍ. فَأَنْزَلَ اللهُ فيه:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٤٧ ]
أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.
[مَا نَزَلَ فِي قَوْلِ أَبِي صَلُوبا «مَا جِئْتنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ»]
وَقَالَ أَبُو صَلُوبا الْفَطْيُونِيّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: يَا مُحَمّدُ، مَا جِئْتَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وَمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْك مِنْ آيَةٍ فَنَتّبِعَك لَهَا. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ.
[مَا نَزَلَ فِي قَوْلِ ابْنِ حُرَيْمِلَةَ وَوَهْبٍ]
وَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، وَوَهْبُ بْنُ زَيْدٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: يَا مُحَمّدُ، ائْتِنَا بِكِتَابٍ تُنَزّلُهُ عَلَيْنَا مِنْ السّمَاءِ نَقْرَؤُهُ، وَفَجّرْ لَنَا أَنَهَارًا نَتّبِعْك وَنُصَدّقْك.
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ، وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ.
[تفسير ابن هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: سَوَاءُ السّبِيلِ: وَسَطُ السّبِيلِ. قَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
يَا وَيْحَ أَنْصَارِ النّبِيّ وَرَهْطِهِ بَعْدَ الْمُغَيّبِ فِي سَوَاءِ الْمُلْحَدِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٤٨ ]
[مَا نَزَلَ فِي صَدّ حُيَيّ وَأَخِيهِ النّاسَ عَنْ الْإِسْلَامِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ وَأَخُوهُ أَبُو يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ، مِنْ أَشَدّ يَهُودَ لِلْعَرَبِ حَسَدًا، إذْ خَصّهُمْ اللهُ تَعَالَى بِرَسُولِهِ ﷺ، وَكَانَا جَاهِدَيْنِ فِي رَدّ النّاسِ عَنْ الْإِسْلَامِ بِمَا اسْتَطَاعَا. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمَا:
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ، فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
[تَنَازُعُ الْيَهُودِ وَالنّصَارَى عند الرسول ﷺ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا قَدِمَ أَهْلُ نَجْرَانَ مِنْ النّصَارَى عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَتَتْهُمْ أَحْبَارُ يَهُودَ، فَتَنَازَعُوا عِنْدَ رسول الله ﷺ، فقال رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَكَفَرَ بِعِيسَى وَبِالْإِنْجِيلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ النّصَارَى لِلْيَهُودِ: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَجَحَدَ نُبُوّةَ مُوسَى وَكَفَرَ بِالتّوْرَاةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ، وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ، وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ، كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، أَيْ كُلّ يَتْلُو فِي كِتَابِهِ تَصْدِيقَ مَا كَفَرَ بِهِ، أَيْ يَكْفُرُ الْيَهُودُ بِعِيسَى، وَعِنْدَهُمْ التّوْرَاةُ فِيهَا مَا أَخَذَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٤٩ ]
اللهُ عَلَيْهِمْ عَلَى لِسَانِ مُوسَى ﵇ بِالتّصْدِيقِ بِعِيسَى ﵇، وَفِي الْإِنْجِيلِ مَا جَاءَ بِهِ عِيسَى ﵇، مِنْ تَصْدِيقِ مُوسَى ﵇، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ التّوْرَاةِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَكُلّ يَكْفُرُ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ.
[مَا نَزَلَ فِي طَلَبِ ابْنِ حُرَيْمِلَةَ أَنْ يُكَلّمَهُ اللهُ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ:
يَا مُحَمّدُ، إنْ كُنْت رَسُولًا مِنْ اللهِ كَمَا تَقُولُ، فَقُلْ لِلّهِ فَلْيُكَلّمْنَا حَتّى نَسْمَعَ كَلَامَهُ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: وَقالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ، أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ، قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.
[مَا نَزَلَ فِي سُؤَالِ ابْنِ صُورِيّا لِلنّبِيّ عليه الصلا والسلام بِأَنْ يَتَهَوّدَ]
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ صُورِيّا الْأَعْوَرُ الْفَطْيُونِيّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ:
مَا الْهُدَى إلّا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فاتبعنا يا محمد تهد، وَقَالَتْ النّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ.
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللهِ بْن صُورِيّا وَمَا قَالَتْ النّصَارَى:
وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا، قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. ثُمّ الْقِصّةَ إلَى قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ، لَها مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ، وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٥٠ ]
[مَقَالَةُ الْيَهُودِ عِنْدَ صَرْفِ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا صُرِفَتْ الْقِبْلَةُ عَنْ الشّامِ إلَى الْكَعْبَةِ، وَصُرِفَتْ فِي رَجَبٍ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ رِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَرْدَمُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ، وَرَافِعُ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، وَالْحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو، حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَالرّبِيعُ بْنُ الرّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَكِنَانَةُ بْنُ الرّبِيعِ ابن أَبِي الْحُقَيْقِ، فَقَالُوا: يَا مُحَمّدُ، مَا وَلّاك عَنْ قِبْلَتِك الّتِي كُنْت عَلَيْهَا، وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنّك عَلَى مِلّةِ إبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ؟ ارْجِعْ إلَى قِبْلَتِك الّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا نَتّبِعْك وَنُصَدّقْك، وَإِنّمَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ فِتْنَتَهُ عَنْ دِينِهِ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ:
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ، يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا. وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ أَيْ ابْتِلَاءً وَاخْتِبَارًا وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ أَيْ مِنْ الْفِتَنِ: أَيْ الّذِينَ ثَبّتَ اللهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ أَيْ إيمَانَكُمْ بِالْقِبْلَةِ الْأُولَى، وَتَصْدِيقَكُمْ نَبِيّكُمْ، وَاتّبَاعَكُمْ إيّاهُ إلَى الْقِبْلَةِ الْآخِرَةِ، وَطَاعَتَكُمْ نَبِيّكُمْ فِيهَا:
أَيْ لَيُعْطِيَنّكُمْ أَجْرَهُمَا جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ.
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٥١ ]
تَرْضاها، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.
[تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لبعض العريب]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: شَطْرَهُ: نَحْوَهُ وَقَصْدَهُ. قَالَ عمرو بن أحمر الباهلى- وباهلة ابن يعصر بن سعد بن قيس بن عيلان- يصف ناقة له.
تَعْدُو بِنَا شَطْرَ جَمْعٍ وَهِيَ عَاقِدَةٌ قَدْ كارَبَ الْعَقْدُ مِنْ إيفَادِهَا الْحَقَبَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَقَالَ قَيْسُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الْهُذَلِيّ يَصِفُ نَاقَتَهُ:
إنّ النّعُوسَ بِهَا دَاءٌ مُخَامِرُهَا فَشَطْرَهَا نَظَرُ الْعَيْنَيْنِ مَحْسُورُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالنّعُوسُ: نَاقَتُهُ، وَكَانَ بِهَا دَاءٌ فَنَظَرَ إلَيْهَا نَظَرَ حَسِيرٍ، مِنْ قَوْلِهِ: وَهُوَ حَسِيرٌ.
وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ. وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ، وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ، وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ، وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ، إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٥٢ ]
قال ابن إسحاق: إلى قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ.
[كِتْمَانُهُمْ ما فى التوراة من الحق]
وَسَأَلَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، أَخُو بَنِي سَلَمَةَ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَخُو بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، نَفَرًا مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ عَنْ بَعْضِ مَا فِي التّوْرَاةِ، فَكَتَمُوهُمْ إيّاهُ، وَأَبَوْا أَنْ يُخْبِرُوهُمْ عَنْهُ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ:
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ.
[جوابهم للنبى ﵊ حين دعاهم إلى الإسلام]
قَالَ: وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الْيَهُودَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلَى الْإِسْلَامِ وَرَغّبَهُمْ فِيهِ، وَحَذّرَهُمْ عَذَابَ اللهِ وَنِقْمَتَهُ؛ فَقَالَ لَهُ رَافِعُ بْنُ خَارِجَةَ، وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ: بَلْ نَتْبَعُ يَا مُحَمّدُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، فَهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ وَخَيْرًا مِنّا. فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا، أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٥٣ ]
[جمعهم فى سوق بنى قينقاع]
وَلَمّا أَصَابَ اللهُ ﷿ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَهُودَ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، حَيْنَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، أَسْلِمُوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللهُ بِمِثْلِ مَا أَصَابَ بِهِ قُرَيْشًا، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمّدُ، لَا يَغِرّنّك مِنْ نَفْسِك أَنّك قَتَلْت نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ، كَانُوا أَغْمَارًا لَا يَعْرِفُونَ الْقِتَالَ، إنّك وَاَللهِ لَوْ قَاتَلْتنَا لَعَرَفْت أَنّا نَحْنُ النّاسُ، وَأَنّك لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ. قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا، فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأُخْرى كافِرَةٌ، يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ، وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ آل عمران: ١٢، ١٣.
[دخوله ﷺ بيت المدارس]
قَالَ: وَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بيت المدارس عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ يَهُودَ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللهِ، فَقَالَ لَهُ النّعْمَانُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلَى أَيّ دِينٍ أَنْتَ يَا مُحَمّدُ؟ قَالَ: عَلَى مِلّةِ إبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ، قَالَا: فَإِنّ إبْرَاهِيمَ كَانَ يَهُودِيّا؛ فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَهَلُمّ إلَى التّوْرَاةِ، فهى بيننا وبينكم، فأبيا عليه. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمَا: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٥٤ ]
إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ، وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ.
[اخْتِلَافُ الْيَهُودِ وَالنّصَارَى فِي إبْرَاهِيمَ ﵇]
وَقَالَ أَحْبَارُ يَهُودَ وَنَصَارَى نَجْرَانَ، حَيْنَ اجْتَمَعُوا عند رسول الله ﷺ فَتَنَازَعُوا، فَقَالَتْ الْأَحْبَارُ: مَا كَانَ إبْرَاهِيمُ إلّا يَهُودِيّا، وَقَالَتْ النّصَارَى مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ: مَا كَانَ إبْرَاهِيمُ إلّا نَصْرَانِيّا. فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِيهِمْ: يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ. هَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا، وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ.
[مَا نَزَلَ فِيمَا هَمّ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ الْإِيمَانِ غَدْوَةً وَالْكُفْرِ عَشِيّةً]
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ صَيْفٍ، وَعَدِيّ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعَالَوْا نُؤْمِنْ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ غُدْوَةً، وَنَكْفُرْ بِهِ عَشِيّةً، حَتّى نَلْبِسَ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ لَعَلّهُمْ يَصْنَعُونَ كَمَا نَصْنَعُ، وَيَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ، وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٥٥ ]
أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.
وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.
[مَا نَزَلَ فِي قَوْلِ أَبِي رَافِعٍ وَالنّجْرَانِيّ «أَتُرِيدُ أَنْ نَعْبُدَك كَمَا تَعْبُدُ النّصَارَى عِيسَى»]
وقال أبو رافع القرظىّ، حين اجتمعت الأحبار من يهود، وَالنّصَارَى مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَدَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ:
أَتُرِيدُ مِنّا يَا مُحَمّدُ أَنْ نَعْبُدَك كَمَا تعبد النصارى عيسى بن مَرْيَمَ؟ وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ نَصْرَانِيّ، يقال له: الرّبّيس، (ويروى: الريس، والرئيس):
أو ذاك تُرِيدُ مِنّا يَا مُحَمّدُ وَإِلَيْهِ تَدْعُونَا؟ أَوْ كَمَا قَالَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَعَاذَ اللهِ أَنْ أَعْبُدَ غَيْرَ اللهِ أَوْ آمُرَ بِعِبَادَةِ غَيْرِهِ، فَمَا بِذَلِكَ بَعَثَنِي اللهُ، وَلَا أَمَرَنِي؛ أَوْ كَمَا قَالَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ، ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ، وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الرّبّانِيّونَ: الْعُلَمَاءُ الْفُقَهَاءُ السّادَةُ، واحدهم: ربانىّ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٥٦ ]
قَالَ الشّاعِرُ:
لَوْ كُنْت مُرْتَهَنًا فِي الْقَوْسِ أَفْتَنَنِي مِنْهَا الْكَلَامُ وَرَبّانِيّ أَحْبَارِ
[تَفْسِيرُ ابْنِ هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: الْقَوْسُ: صَوْمَعَةُ الرّاهِبِ. وَأَفْتَنَنِي، لُغَةُ تَمِيمٍ. وفتننى، لغة قيس.
قال جرير:
لَا وَصْلَ إذْ صَرَمَتْ هِنْدٌ وَلَوْ وَقَفَتْ لَاسْتَنْزَلَتْنِي وَذَا الْمِسْحَيْنِ فِي الْقَوْسِ
أَيْ صَوْمَعَةَ الرّاهِبِ. وَالرّبّانِيّ: مُشْتَقّ مِنْ الرّبّ، وَهُوَ السّيّدُ. وَفِي كِتَابِ اللهِ: فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا، أَيْ سَيّدَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
[مَا نَزَلَ فِي أَخْذِ الْمِيثَاقِ عَلَيْهِمْ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ ذَكَرَ مَا أَخَذَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَعَلَى أَنْبِيَائِهِمْ مِنْ الْمِيثَاقِ بِتَصْدِيقِهِ إذْ هُوَ جَاءَهُمْ، وَإِقْرَارَهُمْ، فَقَالَ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ، ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ، قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا، قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ إلى آخر القصة.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٥٧ ]
[سعيهم فى الوقيعة بين الأنصار]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَرّ شَاسُ بْنُ قَيْسٍ، وَكَانَ شَيْخًا قَدْ عَسَا، عَظِيمَ الْكُفْرِ شَدِيدَ الضّغَنِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، شَدِيدَ الْحَسَدِ لَهُمْ، عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ. فِي مَجْلِسٍ قَدْ جَمَعَهُمْ، يَتَحَدّثُونَ فِيهِ، فَغَاظَهُ مَا رَأَى مِنْ أُلْفَتِهِمْ وَجَمَاعَتِهِمْ، وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، بَعْدَ الّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْعَدَاوَةِ فِي الْجَاهِلِيّةِ فَقَالَ: قَدْ اجْتَمَعَ مَلَأُ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ الْبِلَادِ، لَا وَاَللهِ مَا لَنَا مَعَهُمْ إذَا اجْتَمَعَ مَلَؤُهُمْ بِهَا مِنْ قَرَارٍ.
فَأَمَرَ فَتًى شَابّا مِنْ يَهُودَ كَانَ مَعَهُمْ، فَقَالَ: اعْمِدْ إلَيْهِمْ، فَاجْلِسْ مَعَهُمْ، ثُمّ اُذْكُرْ يَوْمَ بُعَاثَ وَمَا كَانَ قَبْلَهُ وَأَنْشِدْهُمْ بَعْضَ مَا كَانُوا تَقَاوَلُوا فِيهِ مِنْ الْأَشْعَارِ.
[شَيْءٌ عَنْ يَوْمِ بُعَاثَ]
وَكَانَ يَوْمُ بُعَاثَ يَوْمًا اقْتَتَلَتْ فِيهِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، وَكَانَ الظّفْرُ فيه يومئذ للأوس على الْخَزْرَجِ، وَكَانَ عَلَى الْأَوْسِ يَوْمئِذٍ حُضَيْرُ بْنُ سِمَاكٍ الْأَشْهَلِيّ، أَبُو أُسَيْدِ بْنُ حُضَيْرٍ؛ وَعَلَى الخزرج عمرو بن النّعمان البياضىّ، فقاتلا جَمِيعًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ:
عَلَى أَنْ قَدْ فُجِعْتُ بِذِي خفاظ فَعَاوَدَنِي لَهُ حُزْنٌ رَصِينُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٥٨ ]
فَإِمّا تَقْتُلُوهُ فَإِنّ عَمْرًا أَعَضّ بِرَأْسِهِ عَضْبٌ سَنِينُ
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَحَدِيثُ يَوْمِ بُعَاثَ أَطْوَلُ مِمّا ذَكَرْتُ، وَإِنّمَا مَنَعَنِي مِنْ اسْتِقْصَائِهِ مَا ذَكَرْت مِنْ الْقَطْعِ.
[تَفْسِيرُ ابن هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: سَنِينُ: مَسْنُونٌ، مِنْ سَنّهُ، إذَا شَحَذَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَفَعَلَ. فَتَكَلّمَ الْقَوْمُ عِنْدَ ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى توائب رَجُلَانِ مِنْ الْحَيّيْنِ عَلَى الرّكْبِ، أَوْسُ بْنُ قَيْظِيّ، أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ، مِنْ الْأَوْسِ، وَجَبّارُ بْنُ صَخْرٍ، أَحَدُ بَنِي سَلَمَةَ مِنْ الْخَزْرَجِ، فَتَقَاوَلَا ثُمّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: إنْ شِئْتُمْ رَدَدْنَاهَا الْآنَ جَذَعَةً، فَغَضِبَ الْفَرِيقَانِ جَمِيعًا، وَقَالُوا: قَدْ فَعَلْنَا، مَوْعِدُكُمْ الظّاهِرَةُ- وَالظّاهِرَةُ: الْحرّةُ- السّلَاحَ السّلَاحَ. فَخَرَجُوا إلَيْهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فخرج إلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ الْمُهَاجِرِينَ حَتّى جَاءَهُمْ، فَقَالَ:
يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، اللهَ اللهَ، أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ بَعْدَ أَنْ هَدَاكُمْ اللهُ لِلْإِسْلَامِ، وَأَكْرَمَكُمْ بِهِ، وَقَطَعَ بِهِ عَنْكُمْ أَمْرَ الْجَاهِلِيّةِ، وَاسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِنْ الْكُفْرِ، وَأَلّفَ بِهِ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، فَعَرَفَ الْقَوْمُ أَنّهَا نَزْغَةٌ مِنْ الشّيْطَانِ، وَكَيْدٌ مِنْ عَدُوّهِمْ، فَبَكَوْا وَعَانَقَ الرّجَالُ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، ثُمّ انْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَامِعِينَ مُطِيعِينَ، قَدْ أَطْفَأَ اللهُ عَنْهُمْ كَيْدَ عَدُوّ اللهِ شَأْسِ بْنِ قَيّسْ. فأنزل الله تعالى فى شأس ابن قَيْسٍ وَمَا صَنَعَ: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٥٩ ]
وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا تَعْمَلُونَ. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا، وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.
وَأَنْزَلَ اللهُ فِي أَوْسِ بْنِ قَيْظِيّ وَجَبّارِ بْنِ صَخْرٍ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمَا مِنْ قَوْمِهِمَا الّذِينَ صَنَعُوا مَا صَنَعُوا عَمّا أَدْخَلَ عَلَيْهِمْ شَأْسٌ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيّةِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ، وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
[مَا نَزَلَ فِي قولهم: «مَا آمَنَ إلّا شِرَارُنَا»]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا أَسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ، وَأُسَيْدُ ابن سَعْيَةَ، وَأَسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودَ مَعَهُمْ، فَآمَنُوا وَصَدّقُوا وَرَغِبُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَرَسَخُوا فِيهِ، قَالَتْ أَحْبَارُ يَهُودَ، أَهْلِ الْكُفْرِ مِنْهُمْ:
مَا آمَنَ بِمُحَمّدٍ وَلَا اتّبَعَهُ إلّا شِرَارُنَا، وَلَوْ كَانُوا مِنْ أَخْيَارِنَا مَا تَرَكُوا دِينَ آبَائِهِمْ وَذَهَبُوا إلَى غَيْرِهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَيْسُوا سَواءً، مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٦٠ ]
[تفسير ابن هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: آنَاءَ اللّيْلِ: سَاعَاتِ اللّيْلِ، وَوَاحِدُهَا: إنْيٌ. قَالَ الْمُتَنَخّلُ الْهُذَلِيّ، وَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ عُوَيْمِرٍ، يَرْثِي أُثَيْلَةَ ابْنَهُ:
حُلْوٌ وَمُرّ كَعَطْفِ الْقِدْحِ شِيمَتُهُ فِي كُلّ إنْيٍ قَضَاهُ اللّيْلُ يَنْتَعِلُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ لَبِيدُ بن ربيعة يصف حمار وحش:
يُطَرّبُ آنَاءَ النّهَارِ كَأَنّهُ غَوِيّ سَقَاهُ فِي التّجَارِ نَدِيمُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَيُقَالُ: إنًى مَقْصُورٌ فِيمَا أَخْبَرَنِي يُونُسُ.
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ، وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ.
[مَا نَزَلَ فِي نَهْيِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مُبَاطَنَةِ اليهود]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُوَاصِلُونَ رِجَالًا مِنْ الْيَهُودِ، لِمَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْجِوَارِ وَالْحِلْفِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ يَنْهَاهُمْ عَنْ مُبَاطَنَتِهِمْ:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ، لَا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ، قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ، قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ، وَلا يُحِبُّونَكُمْ، وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ، أَيْ تُؤْمِنُونَ بِكِتَابِكُمْ، وَبِمَا مَضَى مِنْ الْكُتُبِ قَبْلَ ذَلِكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِكِتَابِكُمْ، فَأَنْتُمْ كُنْتُمْ أَحَقّ بِالْبَغْضَاءِ لَهُمْ مِنْهُمْ لَكُمْ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا، وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٦١ ]
عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ، قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إلَى آخِرِ الْقِصّةِ.
[مَا كَانَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَفِنْحَاصٍ]
وَدَخَلَ أبو بكر الصدّيق بيت المدارس عَلَى يَهُودَ، فَوَجَدَ مِنْهُمْ نَاسًا كَثِيرًا قَدْ اجْتَمَعُوا إلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ فِنْحَاصُ، وَكَانَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَأَحْبَارِهِمْ، وَمَعَهُ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِهِمْ، يُقَالُ لَهُ: أَشْيَعُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِفِنْحَاصٍ:
وَيْحَك يَا فَنُحَاصُ! اتّقِ اللهَ وَأَسْلِمْ، فو الله إنّك لَتَعْلَمُ أَنّ مُحَمّدًا لَرَسُولُ اللهِ، قَدْ جَاءَكُمْ بِالْحَقّ مِنْ عِنْدِهِ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فى التوراة والإنجيل، فقال فنحاص لِأَبِي بَكْرٍ: وَاَللهِ يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا بِنَا إلَى اللهِ مِنْ فَقْرٍ، وَإِنّهُ إلَيْنَا لَفَقِيرٌ، وَمَا نَتَضَرّعُ إلَيْهِ كَمَا يَتَضَرّعُ إلَيْنَا، وَإِنّا عَنْهُ لَأَغْنِيَاءُ، وَمَا هُوَ عَنّا بِغَنِيّ، وَلَوْ كَانَ عَنّا غَنِيّا مَا اسْتَقْرَضَنَا أَمْوَالَنَا، كَمَا يَزْعُمُ صَاحِبُكُمْ، يَنْهَاكُمْ عَنْ الرّبَا وَيُعْطِينَاهُ، وَلَوْ كَانَ عَنّا غَنِيّا مَا أَعْطَانَا الرّبَا. قَالَ فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ، فَضَرَبَ وَجْهَ فِنْحَاصَ ضَرْبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا الْعَهْدُ الّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، لَضَرَبْتُ رَأْسَك، أَيْ عَدُوّ اللهِ. قَالَ: فَذَهَبَ فِنْحَاصُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فقال يا مُحَمّدُ اُنْظُرْ مَا صَنَعَ بِي صَاحِبُك، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأبي بَكْرٍ: مَا حَمَلَك عَلَى مَا صَنَعْت؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ عَدُوّ اللهِ قَالَ قَوْلًا عَظِيمًا، إنّهُ زَعَمَ أَنّ اللهَ فَقِيرٌ وَأَنّهُمْ أَغْنِيَاءُ، فَلَمّا قَالَ ذَلِكَ غَضِبْتُ لِلّهِ مِمّا قَالَ، وَضَرَبْتُ وَجْهَهُ. فَجَحَدَ ذَلِكَ فِنْحَاصُ، وَقَالَ: مَا قُلْتُ ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيمَا قَالَ فِنْحَاصُ رَدّا عَلَيْهِ، وَتَصْدِيقًا لِأَبِي بَكْرٍ: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٦٢ ]
وَنَحْنُ أَغْنِياءُ، سَنَكْتُبُ مَا قالُوا، وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ.
وَنَزَلَ فِي أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ ﵁، وَمَا بَلَغَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْغَضَبِ:
وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا. وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ.
ثُمّ قَالَ فِيمَا قَالَ فِنْحَاصُ وَالْأَحْبَارُ مَعَهُ مِنْ يَهُودَ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ، فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ، وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ. لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا، وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يَعْنِي فِنْحَاصَ، وَأَشْيَعَ وَأَشْبَاهَهُمَا مِنْ الْأَحْبَارِ، الّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا يُصِيبُونَ مِنْ الدّنْيَا عَلَى مَا زَيّنُوا لِلنّاسِ مِنْ الضّلَالَةِ، وَيُحِبّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا، أَنْ يَقُولَ النّاسُ:
عُلَمَاءُ، وَلَيْسُوا بِأَهْلِ عِلْمٍ، لَمْ يَحْمِلُوهُمْ عَلَى هُدًى وَلَا حَقّ، وَيُحِبّونَ أَنْ يَقُولَ النّاسُ قَدْ فَعَلُوا.
[أمرهم المؤمنين بالبخل]
قال ابن إسحاق: وَكَانَ كَرْدَمُ بْنُ قَيْسٍ، حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَأُسَامَةُ بْنُ حَبِيبٍ، وَنَافِعُ بْنُ أَبِي نَافِعٍ، وَبَحْرِيّ بْنُ عَمْرٍو، وَحُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ، وَرِفَاعَةُ بْن زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ، يَأْتُونَ رِجَالًا مِنْ الْأَنْصَارِ كَانُوا يُخَالِطُونَهُمْ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٦٣ ]
يَنْتَصِحُونَ لَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَيَقُولُونَ لَهُمْ:
لَا تُنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ فَإِنّا نَخْشَى عَلَيْكُمْ الْفَقْرَ فِي ذَهَابِهَا، وَلَا تُسَارِعُوا فِي النّفَقَةِ فَإِنّكُمْ لَا تَدْرُونَ عَلَامَ يَكُونُ. فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أَيْ مِنْ التّوْرَاةِ، الّتِي فِيهَا تَصْدِيقُ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمّدٌ ﷺ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا. وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ، وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ إلَى قَوْلِهِ: وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا.
[جحدهم الحق]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ مِنْ عُظَمَاءِ يَهُودَ، إذَا كَلّمَ رَسُولَ اللهِﷺ لَوَى لِسَانَهُ، وَقَالَ: أَرْعِنَا سَمْعَك يَا مُحَمّدُ، حَتّى نُفْهِمَك، ثُمّ طَعَنَ فِي الْإِسْلَامِ وَعَابَهُ. فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ، وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا، وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا* مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا، (أَيْ رَاعِنَا سَمْعَك) لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَطَعْنًا فِي الدِّينِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا، لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا.
وَكَلّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رُؤَسَاءَ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ، منهم:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٦٤ ]
عبد الله بن صوريا الأعور، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ يهود، اتقوا الله وأسلموا، فو الله إنّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنّ الّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ لَحَقّ، قَالُوا: مَا نَعْرِفُ ذَلِكَ يَا مُحَمّدُ: فَجَحَدُوا مَا عَرَفُوا، وَأَصَرّوا عَلَى الْكُفْرِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها، أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا.
[تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: نَطْمِسَ: نَمْسَحَهَا فَنُسَوّيهَا، فَلَا يُرَى فِيهَا عَيْنٌ وَلَا أَنْفٌ وَلَا فَمٌ، وَلَا شَيْءٌ مِمّا يُرَى فِي الْوَجْهِ، وَكَذَلِكَ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ. الْمَطْمُوسُ الْعَيْنُ: الّذِي لَيْسَ بَيْنَ جَفْنَيْهِ شِقّ. وَيُقَالُ طَمَسْت الْكِتَابَ وَالْأَثَرَ، فَلَا يُرَى مِنْهُ شَيْءٌ. قَالَ الْأَخْطَلُ، وَاسْمُهُ الْغَوْثُ بْنُ هُبَيْرَةَ بْنِ الصّلْتِ التّغْلِبِيّ، يَصِفُ إبِلًا كَلّفَهَا مَا ذَكَرَ:
وتَكْلِيفُناها كُلّ طَامِسَةٍ الصّوَى شَطُونٍ تَرَى حِرْبَاءَهَا يَتَمَلْمَلُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاحِدَةُ الصّوَى: صُوّةٌ. وَالصّوَى: الْأَعْلَامُ الّتِي يُسْتَدَلّ بِهَا عَلَى الطّرُقِ وَالْمِيَاهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَقُولُ: مُسِحَتْ فَاسْتَوَتْ بِالْأَرْضِ، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ نَاتِئٌ..
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٦٥ ]
[النّفَرُ الّذِينَ حَزّبُوا الْأَحْزَابَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ الّذِينَ حَزّبُوا الْأَحْزَابَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ وَبَنْي قُرَيْظَةَ حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ، وَسِلَامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ، أَبُو رَافِعٍ، وَالرّبِيعُ بْنُ الرّبِيعِ ابن أَبِي الْحُقَيْقِ، وَأَبُو عَمّارٍ، وَوَحْوَحُ بْنُ عَامِرٍ، وهوذة بن قيس. فأما وحوح، وأبو عمّار، وهوذة، فمن بَنِي وَائِلٍ، وَكَانَ سَائِرُهُمْ مِنْ بَنِي النّضِيرِ. فلما قدمو عَلَى قُرَيْشٍ قَالُوا: هَؤُلَاءِ أَحْبَارُ يَهُودَ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوّلِ، فَسَلُوهُمْ:
دِينُكُمْ خَيْرٌ أَمْ دِينُ مُحَمّدٍ؟ فَسَأَلُوهُمْ، فَقَالُوا: بَلْ دِينُكُمْ خَيْرٌ من دينه، وأنتم أهدى منه وممن اتباعه. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ.
[تفسير ابن هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: الْجِبْتُ (عِنْدَ الْعَرَبِ): مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ ﵎. وَالطّاغُوتُ: كُلّ مَا أضلّ عن الحقّ. وَجَمْعُ الطّاغُوتِ: طَوَاغِيتُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنَا عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ أَنّهُ قَالَ: الْجِبْتُ: السّحَرُ؛ وَالطّاغُوتُ: الشّيْطَانُ:
وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى مَا آتاهُمُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٦٦ ]
اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا.
[إنكارهم التنزيل]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ سُكَيْنٌ وَعَدِيّ بْنُ زَيْدٍ: يَا مُحَمّدُ، مَا نَعْلَمُ أَنّ اللهَ أَنْزَلَ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ مُوسَى. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا:
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ، وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا. وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ، وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ، وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا. رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.
وَدَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ:
أَمَا وَاَللهِ إنّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنّي رَسُولٌ مِنْ اللهِ إلَيْكُمْ؛ قَالُوا: مَا نعلمه، وما نشهد عليه. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ، وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٦٧ ]
[اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى طَرْحِ الصّخْرَةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ]
وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى بَنِي النّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ الْعَامِرِيّيْنِ اللّذَيْنِ قَتَلَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ. فَلَمّا خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ قَالُوا:
لَنْ تَجِدُوا مُحَمّدًا أَقْرَبَ مِنْهُ الْآنَ، فَمَنْ رَجُلٌ يَظْهَرُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ، فَيَطْرَحَ عَلَيْهِ صَخْرَةً فَيُرِيحَنَا مِنْهُ؟ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ جَحّاشِ بْنِ كَعْبٍ: أَنَا، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ الْخَبَرُ، فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ، وَفِيمَا أَرَادَ هُوَ وقومه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.
[ادّعَاؤُهُمْ أَنّهُمْ أَحِبّاءُ الله]
وَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ نُعْمَانُ بْنُ أَضَاءَ، وَبَحْرِيّ بْنُ عَمْرٍو، وَشَأْسُ بْنُ عَدِيّ، فَكَلّمُوهُ وَكَلّمَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَدَعَاهُمْ إلَى اللهِ، وَحَذّرَهُمْ نِقْمَتَهُ؛ فَقَالُوا: مَا تُخَوّفُنَا يَا مُحَمّدُ، نَحْنُ وَاَللهِ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ، كَقَوْلِ النّصَارَى. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ، وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٦٨ ]
[إنْكَارُهُمْ نُزُولَ كِتَابٍ بَعْدَ مُوسَى ﵇]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَهُودَ إلَى الْإِسْلَامِ وَرَغّبَهُمْ فِيهِ، وَحَذّرَهُمْ غَيْرَ اللهِ وَعُقُوبَتَهُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، وَكَفَرُوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَعُقْبَةُ بْنُ وهب: يا معشر يهود، اتّقوا الله، فو الله إنّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنّهُ رَسُولُ اللهِ، وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَهُ لَنَا قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وَتَصِفُونَهُ لَنَا بِصِفَتِهِ، فَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، وَوَهْبُ بْنُ يَهُوذَا: مَا قُلْنَا لَكُمْ هَذَا قَطّ، وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَابٍ بَعْدَ مُوسَى، وَلَا أَرْسَلَ بَشِيرًا وَلَا نَذِيرًا بَعْدَهُ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: يَا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ثُمّ قَصّ عَلَيْهِمْ خَبَرَ مُوسَى وَمَا لَقِيَ مِنْهُمْ، وَانْتِقَاضَهُمْ عَلَيْهِ، وَمَا رَدّوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ اللهِ حَتّى تَاهُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً عُقُوبَةً.
[رُجُوعُهُمْ إلَى النّبِيّ ﷺ فِي حُكْمِ الرّجْمِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ أَنّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، يُحَدّثُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيّبِ، أَنّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدّثَهُمْ: أَنّ أَحْبَارَ يهود اجتمعوا فى بيت المدارس حَيْنَ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَقَدْ زَنَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بَعْدَ إحْصَانِهِ بِامْرَأَةٍ مِنْ يَهُودَ قَدْ أَحْصَنَتْ، فَقَالُوا:
ابْعَثُوا بِهَذَا الرّجُلِ وَهَذِهِ الْمَرْأَةِ إلَى مُحَمّدٍ، فَسَلُوهُ كَيْفَ الْحُكْمُ فِيهِمَا، وَوَلّوهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٦٩ ]
الْحُكْمَ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ عَمِلَ فِيهِمَا بِعَمَلِكُمْ مِنْ التّجْبِيَةِ- وَالتّجْبِيَةُ: الْجَلْدُ بِحَبْلٍ مِنْ لِيفٍ مَطْلِيّ بِقَارٍ، ثُمّ تُسَوّدُ وُجُوهُهُمَا، ثُمّ يُحْمَلَانِ عَلَى حِمَارَيْنِ، وَتُجْعَلُ وُجُوهُهُمَا مِنْ قِبَلِ أَدْبَارِ الْحِمَارَيْنِ- فَاتّبِعُوهُ، فَإِنّمَا هُوَ مَلَكٌ، وَصَدّقُوهُ، وَإِنْ هُوَ حَكَمَ فِيهِمَا بِالرّجْمِ فَإِنّهُ نَبِيّ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى مَا فِي أَيْدِيكُمْ أَنْ يَسْلُبَكُمُوهُ.
فَأَتَوْهُ، فَقَالُوا: يَا مُحَمّدُ، هَذَا رَجُلٌ قَدْ زَنَى بَعْدَ إحْصَانِهِ بِامْرَأَةٍ قَدْ أَحْصَنَتْ، فَاحْكُمْ فِيهِمَا، فَقَدْ وَلّيْنَاك الْحُكْمَ فِيهِمَا. فَمَشَى رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى أَتَى أَحْبَارَهُمْ فِي بيت المدارس فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَخْرِجُوا إلَيّ عُلَمَاءَكُمْ، فَأُخْرِجَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ صُورِيّا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدّثَنِي بَعْضُ بَنِي قُرَيْظَةَ: أَنّهُمْ قَدْ أَخَرَجُوا إلَيْهِ يَوْمئِذٍ مَعَ ابْنِ صُورِيّا، أَبَا يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ، وَوَهْبَ بْنَ يهوذا، فقالوا هؤلاء علماؤنا. فسألهم رسول الله ﷺ، ثم حَصّلَ أَمْرَهُمْ، إلَى أَنْ قَالُوا لِعَبْدِ اللهِ بن صوريا: هذا من أَعْلَمُ مَنْ بَقِيَ بِالتّوْرَاةِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مِنْ قَوْلِهِ: «وَحَدّثَنِي بَعْضُ بَنِي قُرَيْظَةَ- إلَى أَعْلَمُ مَنْ بَقِيَ بِالتّوْرَاةِ» مِنْ قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ، وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الْحَدِيثِ الّذِي قَبْلَهُ.
فَخَلَا بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَكَانَ غُلَامًا شَابّا مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنّا فَأَلَظّ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ المسألة، يقول له: يابن صُورِيّا، أَنْشُدُك اللهَ وَأُذَكّرُك بِأَيّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُ أَنّ اللهَ حَكَمَ فِيمَنْ زَنَى بَعْدَ إحْصَانِهِ بِالرّجْمِ فِي التّوْرَاةِ؟ قَالَ اللهُمّ نَعَمْ، أَمَا وَاَللهِ يَا أَبَا الْقَاسِمِ إنّهُمْ لَيَعْرِفُونَ أَنّك لَنَبِيّ مُرْسَلٌ وَلَكِنّهُمْ يَحْسُدُونَك. قَالَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٧٠ ]
عَلَيْهِ وَسَلّمَ. فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا عِنْدَ بَابِ مَسْجِدِهِ فِي بَنِي غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّجّارِ.
ثُمّ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ابْنُ صُورِيّا، وَجَحَدَ نُبُوّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا: آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ، وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ أَيْ: الّذِينَ بَعَثُوا مِنْهُمْ مَنْ بَعَثُوا وَتَخَلّفُوا، وَأَمَرُوهُمْ بِمَا أَمَرُوهُمْ بِهِ مِنْ تَحْرِيفِ الْحُكْمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ. ثُمّ قَالَ: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ، يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ، وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ، أَيْ الرّجْمَ فَاحْذَرُوا إلَى آخِرِ الْقِصّةِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ طلحة بْنِ إبْرَاهِيمَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرَجْمِهِمَا، فَرُجِمَا بِبَابِ مَسْجِدِهِ، فَلَمّا وَجَدَ الْيَهُودِيّ مَسّ الْحِجَارَةِ قَامَ إلَى صَاحِبَتِهِ، فَجَنَأَ عَلَيْهَا، يَقِيهَا مسّ الحجارة، حتى قتلا جميعا.
قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ مِمّا صَنَعَ اللهُ لِرَسُولِهِ ﷺ فِي تَحْقِيقِ الزّنَا مِنْهُمَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي صَالِحُ بْنُ كيسان، عن نافع مولى عبد الله ابن عمر عن عبد الله بن عمر، لَمّا حَكّمُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيهِمَا، دَعَاهُمْ بِالتّوْرَاةِ، وَجَلَسَ حَبْرٌ مِنْهُمْ يَتْلُوهَا، وَقَدْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرّجْمِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٧١ ]
قَالَ: فَضَرَبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ يَدَ الْحَبْرِ، ثُمّ قَالَ: هَذِهِ يَا نَبِيّ اللهِ آيَةُ الرّجْمِ، يَأْبَى أَنْ يَتْلُوَهَا عَلَيْك، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَيْحَكُمْ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ! مَا دَعَاكُمْ إلَى تَرْكِ حُكْمِ اللهِ وَهُوَ بِأَيْدِيكُمْ؟ قَالَ: فَقَالُوا:
أَمَا وَاَللهِ إنّهُ قَدْ كَانَ فِينَا يُعْمَلُ بِهِ، حَتّى زَنَى رَجُلٌ مِنّا بَعْدَ إحْصَانِهِ، مِنْ بُيُوتِ الْمُلُوكِ وَأَهْلِ الشّرَفِ، فَمَنَعَهُ الْمُلْكُ مِنْ الرّجْمِ، ثُمّ زَنَى رَجُلٌ بَعْدَهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَرْجُمَهُ، فَقَالُوا: لَا وَاَللهِ، حَتّى تَرْجُمَ فُلَانًا، فَلَمّا قَالُوا لَهُ ذَلِكَ اجْتَمَعُوا فَأَصْلَحُوا أَمْرَهُمْ عَلَى التّجْبِيَةِ، وَأَمَاتُوا ذِكْرَ الرّجْمِ وَالْعَمَلَ بِهِ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فأنا أوّل من أحيى أَمْرَ اللهِ وَكِتَابَهُ وَعَمِلَ بِهِ، ثُمّ أَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا عِنْدَ بَابِ مَسْجِدِهِ. قَالَ عَبْدُ الله بن عمر: فكنت فيمن رجمهما.
[ظلمهم فى الدية]
قال ابن إسحاق: وحدثني دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: أَنّ الْآيَاتِ مِنْ الْمَائِدَةِ الّتِي قَالَ اللهُ فِيهَا: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ، وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا* وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إنّمَا أُنْزِلَتْ فِي الدّيَةِ بَيْن بَنِي النّضِيرِ وَبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَذَلِكَ أَنّ قَتْلَى بَنِي النّضِيرِ، وَكَانَ لَهُمْ شَرَفٌ، يُؤَدّونَ الدّيَةَ كَامِلَةً، وَأَنّ بَنِي قُرَيْظَةَ كَانُوا يُؤَدّونَ نِصْفَ الدّيَةِ، فَتَحَاكَمُوا فِي ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللهُ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَحَمَلَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْحَقّ فِي ذَلِكَ، فَجَعَلَ الدّيَةَ سَوَاءً.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٧٢ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كان.
[قصدهم الفتنة بِرَسُولِ اللهِ ﷺ]
قَالَ ابن إسحاق: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، وَابْنُ صَلُوبَا، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ صُورِيّا، وَشَأْسُ بْنُ قَيْسٍ، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إلَى مُحَمّدٍ، لَعَلّنَا نَفْتِنَهُ عَنْ دِينِهِ، فَإِنّمَا هُوَ بَشَرٌ، فَأَتَوْهُ، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمّدُ، إنّك قَدْ عَرَفْت أَنّا أَحْبَارُ يَهُودَ وَأَشْرَافُهُمْ وَسَادَتُهُمْ، وَأَنّا إنْ اتّبَعْنَاك اتّبَعَتْك يَهُودُ، وَلَمْ يُخَالِفُونَا، وَأَنّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَعْضِ قَوْمِنَا خُصُومَةٌ، أَفَنُحَاكِمُهُمْ إلَيْك فَتَقْضِيَ لَنَا عَلَيْهِمْ، وَنُؤْمِنُ بِك وَنُصَدّقُك، فَأَبَى ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ. فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ:
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ، وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ، وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ. أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.
[جحودهم نبوة عيسى ﵇]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ نَفَرٌ مِنْهُمْ: أَبُو يَاسِرِ ابن أَخْطَبَ، وَنَافِعُ بْنُ أَبِي نَافِعٍ، وَعَازِرُ بْنُ أبى عازر، وخالد، وزيد، وإزار ابن أبى إزار، وأشبع، فَسَأَلُوهُ عَمّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنْ الرّسُلِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا، وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٧٣ ]
وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. فَلَمّا ذكر عيسى بن مَرْيَمَ جَحَدُوا نُبُوّتَهُ، وَقَالُوا: لَا نُؤْمِنُ بِعِيسَى بن مَرْيَمَ وَلَا بِمَنْ آمَنَ بِهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ؛ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ.
[ادعاؤهم أنهم على الحق]
وأتى رسول الله ﷺ رافع بن حارثة، وسلّام بن مشكم، ومالك بن الصّيف، وَرَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، فَقَالُوا: يَا مُحَمّدُ، أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنّك عَلَى مِلّةِ إبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ، وَتُؤْمِنُ بِمَا عِنْدَنَا مِنْ التّوْرَاةِ، وَتَشْهَدُ أَنّهَا مِنْ اللهِ حَقّ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنّكُمْ أَحْدَثْتُمْ وَجَحَدْتُمْ مَا فِيهَا مِمّا أَخَذَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِنْ الْمِيثَاقِ فِيهَا، وَكَتَمْتُمْ مِنْهَا مَا أُمِرْتُمْ أَنْ تُبَيّنُوهُ لِلنّاسِ، فَبَرِئْتُ مِنْ إحْدَاثِكُمْ؛ قَالُوا فَإِنّا نَأْخُذُ بِمَا فِي أَيْدِينَا، فَإِنّا عَلَى الْهُدَى وَالْحَقّ، وَلَا نُؤْمِنُ بِك، وَلَا نَتّبِعُك، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا، فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ.
[إشراكهم بالله]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ النّحّامُ بْنُ زَيْدٍ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٧٤ ]
وَقَرْدَمُ بْنُ كَعْبٍ، وَبَحْرِيّ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمّدُ، أَمَا تَعْلَمُ مَعَ اللهِ إلَهًا غَيْرَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهُ لَا إلَهَ إلّا هُوَ، بِذَلِكَ بُعِثْت، وَإِلَى ذَلِكَ أَدْعُو. فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ وَفِي قَوْلِهِمْ: قُلْ: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً، قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ، أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى، قُلْ لَا أَشْهَدُ، قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ، وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ، الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.
[نهيه تعالى للمؤمنين عن موادتهم]
وَكَانَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ، وَسُوَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ قَدْ أَظْهَرَا الْإِسْلَامَ وَنَافَقَا فَكَانَ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُوَادّونَهُمَا. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمَا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إلَى قَوْلِهِ: وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا، وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ.
[سُؤَالُهُمْ عَنْ قِيَامِ السّاعَةِ]
وَقَالَ جَبَلُ بْنُ أَبِي قُشَيْرٍ، وَشَمْويِلُ بْنُ زَيْدٌ، لِرَسُولِ اللهِ ﷺ يَا مُحَمّدُ، أَخْبِرْنَا، مَتَى تَقُومُ السّاعَةُ إنْ كُنْتَ نَبِيّا كَمَا تقول؟ فأنزل
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٧٥ ]
الله تعالى فيهما يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي، لَا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ، ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً، يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
[تفسير بن هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَيّانَ مُرْسَاهَا: مَتَى مُرْسَاهَا. قَالَ قَيْسُ بْنُ الْحُدَادِيّةِ الْخُزَاعِيّ:
فَجِئْتُ وَمُخْفَى السّرّ بَيْنِي وَبَيْنَهَا لِأَسْأَلَهَا أَيّانَ مَنْ سَارَ رَاجِعُ؟
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَمُرْسَاهَا: مُنْتَهَاهَا، وَجَمْعُهُ: مَرَاسٍ. قَالَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ الْأَسْدِيّ:
وَالْمُصِيبِينَ بَابَ مَا أَخْطَأَ النّا سُ وَمُرْسَى قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ
وَهَذَا البيت فى قصيدة له ومرسى السفينة: حتى تَنْتَهِي. وَحَفِيّ عَنْهَا- عَلَى التّقْدِيمِ وَالتّأْخِيرِ- يَقُولُ: يَسْأَلُونَك عَنْهَا كَأَنّك حَفِيّ بِهِمْ، فَتُخْبِرَهُمْ بِمَا لَا تُخْبِرُ بِهِ غَيْرَهُمْ. وَالْحَفِيّ: الْبَرّ الْمُتَعَهّدُ. وَفِي كِتَابِ اللهِ: إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا. وَجَمْعُهُ: أَحْفِيَاءُ. وَقَالَ أُعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثعلبة:
فإن تسألى عنى فياربّ سَائِلٍ حَفِيّ عَنْ الْأَعْشَى بِهِ حَيْثُ أَصْعَدَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالْحَفِيّ أَيْضًا: الْمُسْتَحْفِي عَنْ عِلْمِ الشّيْءِ، الْمُبَالِغِ فِي طَلَبِهِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٧٦ ]
[ادعاؤهم أن عزيرا ابن الله]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ سَلَامُ بْنُ مِشْكَمٍ، وَنُعْمَانُ بْنُ أَوْفَى أَبُو أَنَسٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ دِحْيَةَ، وشأس بن قيس، ومالك، ابن الصّيْفِ، فَقَالُوا لَهُ: كَيْفَ نَتّبِعُك وَقَدْ تَرَكْت قِبْلَتَنَا، وَأَنْتَ لَا تَزْعُمُ أَنّ عُزَيْرًا ابْنُ اللهِ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ، قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ.
إلَى آخِرِ الْقِصّةِ.
[تَفْسِيرُ ابْنِ هشام لبعض الغريب]
قال ابن هشام: يضاهون: أَيْ يُشَاكِلُ قَوْلُهُمْ قَوْلَ الّذِينَ كَفَرُوا، نَحْوَ أَنْ تُحَدّثَ بِحَدِيثٍ، فَيُحَدّثَ آخَرُ بِمِثْلِهِ، فَهُوَ يضاهيك.
[طلبهم كتابا من السماء]
قال ابن إسحاق: وأنى رَسُولَ اللهِ ﷺ مَحْمُودُ بْنُ سَيْحَانَ، وَنُعْمَانُ بْنُ أَضَاءَ، وَبَحْرِيّ بْنُ عَمْرٍو، وَعُزَيْرُ بْنُ أَبِي عُزَيْرٍ، وَسَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ، فَقَالُوا: أَحَقّ يَا مُحَمّدُ أَنّ هَذَا الّذِي جِئْتَ بِهِ لَحَقّ مِنْ عِنْدِ اللهِ، فَإِنّا لَا نَرَاهُ مُتّسِقًا كَمَا تَتّسِقُ التّوْرَاةُ؟ فقال: لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
أَمَا وَاَللهِ إنّكُمْ لَتَعْرِفُونَ أَنّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ. تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التّوْرَاةِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٧٧ ]
وَلَوْ اجْتَمَعَتْ الْإِنْسُ وَالْجِنّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بمثله ما جاؤا به؛ فقالوا عند ذلك، وهم جميع: فنحاص، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ صُورِيّا، وَابْنُ صَلُوبَا، وَكِنَانَةُ بن الربيع ابن أَبِي الْحُقَيْقِ، وَأَشْيَعُ، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، وَشَمْويِلُ بن زيد، وجبل بن عمرو ابن سُكَيْنَةَ: يَا مُحَمّدُ، أَمَا يُعَلّمُك هَذَا إنْسٌ وَلَا جِنّ؟ قَالَ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَمَا وَاَللهِ إنّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَإِنّي لَرَسُولُ اللهِ، تَجِدُونَ ذَلِكَ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التّوْرَاةِ؛ فَقَالُوا: يَا مُحَمّدُ، فَإِنّ اللهَ يَصْنَعُ لِرَسُولِهِ إذا بعثه ما يشاء ويقدر منه على ما أَرَادَ، فَأَنْزِلْ عَلَيْنَا كِتَابًا مِنْ السّمَاءِ نَقْرَؤُهُ وَنَعْرِفُهُ، وَإِلّا جِئْنَاك بِمِثْلِ مَا تَأْتِي بِهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ وَفِيمَا قَالُوا:
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا.
[تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: الظّهِيرُ: الْعَوْنُ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ: تَظَاهَرُوا عَلَيْهِ، أَيْ تَعَاوَنُوا عَلَيْهِ. قَالَ الشّاعِرُ:
يَا سمىّ النبىّ أصبحت للدّي ن قَوّامًا وَلِلْإِمَامِ ظَهِيرَا
أَيْ عَوْنًا؛ وَجَمْعُهُ: ظُهَرَاءُ.
[سُؤَالُهُمْ لَهُ ﷺ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، وَأَبُو رَافِعٍ وَأَشْيَعُ، وَشَمْويِلُ بْنُ زَيْدٍ، لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ حَيْن أَسْلَمَ: مَا تَكُونُ النّبُوّةُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٧٨ ]
فى العرب ولكنّ صاحبك ملك. ثم جاؤا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَقَصّ عَلَيْهِمْ مَا جَاءَهُ مِنْ اللهِ تَعَالَى فِيهِ، مِمّا كَانَ قَصّ عَلَى قُرَيْشٍ، وَهُمْ كَانُوا مِمّنْ أَمَرَ قُرَيْشًا أَنْ يَسْأَلُوا رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْهُ، حَيْنَ بَعَثُوا إلَيْهِمْ النّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ.
[تهجمهم على ذات الله وغضب الرسول ﷺ لذلك]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدّثْت عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنّهُ قَالَ: أَتَى رَهْطٌ مِنْ يَهُودَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا مُحَمّدُ، هَذَا اللهُ خَلَقَ، الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى اُنْتُقِعَ لَوْنُهُ، ثُمّ سَاوَرَهُمْ غَضَبًا لِرَبّهِ. قَالَ: فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَسَكّنَهُ، فَقَالَ: خَفّضْ عَلَيْك يَا مُحَمّدُ، وَجَاءَهُ مِنْ اللهِ بِجَوَابِ مَا سَأَلُوهُ عنه:
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ* وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.
قَالَ: فَلَمّا تَلَاهَا عَلَيْهِمْ، قَالُوا: فَصِفْ لَنَا يَا مُحَمّدُ كَيْفَ خَلْقُهُ؟ كَيْفَ ذِرَاعُهُ؟ كَيْفَ عَضُدُهُ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَشَدّ مِنْ غَضَبِهِ الْأَوّلِ، وَسَاوَرَهُمْ. فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لَهُ أَوّلَ مَرّةٍ، وَجَاءَهُ مِنْ اللهِ تَعَالَى بِجَوَابِ مَا سَأَلُوهُ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَالسَّماواتُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٣٧٩ ]
مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، مَوْلَى بنى تيم، عن أبى سلمة ابن عَبْدِ الرّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يقول «يُوشِكُ النّاسُ أَنْ يَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ حَتّى يَقُولَ قَائِلُهُمْ: هَذَا اللهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ فَقُولُوا: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ثُمّ لِيَتْفُلْ الرّجُلُ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلِيَسْتَعِذْ بِاَللهِ مِنْ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ» .
[تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: الصّمَدُ: الّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ، وَيُفْزَعُ إلَيْهِ، قَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ مَعْبَدِ بْنِ نَضْلَةَ تَبْكِي عَمْرَو بْنَ مَسْعُودٍ، وَخَالِدَ بْنَ نَضْلَةَ، عَمّيْهَا الْأَسَدِيّيْنِ، وَهُمَا اللّذَانِ قَتَلَ النّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ اللّخْمِيّ، وَبَنَى الْغَرِيّيْنِ اللّذَيْنِ بِالْكُوفَةِ عَلَيْهِمَا:
أَلَا بَكَرَ النّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أَسَدْ بِعَمْرِو بْنِ مسعود وبالسيّد الصّمد
ــ
بَدْءُ الْأَذَانِ ذِكْرُ حَدِيثِ «١» عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ رَبّهِ، هَكَذَا ذكره،
_________________
(١) قال الترمذى: لا نعرف له عن النبى- ص- شيئا يصح إلا هذا الحديث، وكذا قال ابن عدى، وخطأ الحافظ فى الإصابة من قال ذلك وذكر أنه جمع له ستة أو سبعة أحاديث فى جزء مفرد.
[ ٤ / ٣٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَكْثَرُ النّسّابِ يَقُولُونَ: زَيْدُ بْنُ عَبْدِ رَبّهِ، وَثَعْلَبَةُ أَخُو زَيْدٍ ذَكَرَ حَدِيثَهُ عِنْدَمَا شَاوَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَصْحَابَهُ فِي الْأَذَانِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
نَاقُوسٌ كَنَاقُوسِ النّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بُوقٌ كَبُوقِ الْيَهُودِ، وَفِي غَيْرِ السّيرَةِ أَنّهُمْ ذَكَرُوا الشّبّورَ، وَهُوَ الْبُوقُ. قَالَ الْأَصْمَعِيّ لِلْمُفَضّلِ، وَقَدْ نَازَعَهُ فِي مَعْنَى بَيْتٍ مِنْ الشّعْرِ، فَرَفَعَ الْمُفَضّلُ صَوْتَهُ، فَقَالَ الْأَصْمَعِيّ لَوْ نَفَخْت فِي الشّبّورِ مَا نَفَعَك، تَكَلّمْ كَلَامَ النّمْلِ وَأَصِبْ!!.
وَذَكَرُوا أَيْضًا الْقُنْعَ وَهُوَ الْقَرْنُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ تَصْحِيفٌ إنّمَا هُوَ الْقُبْعُ وَالْقُنْعُ أَوْلَى بِالصّوَابِ «١»، لِأَنّهُ مِنْ أَقْنَعَ صَوْتَهُ إذَا رَفَعَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُوقِدُ نَارًا، وَنَرْفَعُهَا، فَإِذَا رَآهَا النّاسُ أَقْبَلُوا إلَى الصّلَاةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَبْعَثُ رَجُلًا يُنَادِي بالصلاة، فبينماهم فِي ذَلِكَ أُرِيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ
_________________
(١) يذكر ابن الأثير أنها رويت بالباء والتاء والثاء والنون، وأشهرها وأكثرها: النون. قال الخطابى: سألت عنه غير واحد من أهل اللغة، فلم يثبتوا لى على شىء واحد- ثم ذكر مثل ما قاله السهيلى فى اشتقاقه- ويقول الزمخشرى: أو لأن أطرافه أقنعت إلى داخله، أى عطفت، وقال الخطابى عن القبع إنه سمى بهذا لأنه يقبع فم صاحبه، أى يستره، أو من قبعت الجوالق والجراب إذا ثنيت أطرافه إلى داخل. وقيل: القشع من قثع فى الأرض: إذا ذهب، وقيل: القثع، وهو دود يكون فى الخشب. قال الخطابى: ومدار هذا الحرف على هشيم، وكان كثير اللحن والتحريف على جلالة محله فى الحديث هذا ويقول الدكتور بوست عن البوق عند اليهود «آلة موسيقية على هيئة القرن كانوا يصوتون بها فى الأعياد، وعند إعطاء علامة الحرب، وما أشبه، وكانت أبواق الكهنة من الفضة» .
[ ٤ / ٣٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرّؤيا الّتِي ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ، فَلَمّا أَخْبَرَ بِهَا رَسُولَ اللهِﷺ- وَأَمَرَهُ أَنْ يُلْقِيَهَا عَلَى بِلَالٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا رَأَيْتهَا، وَأَنَا كُنْت أُحِبّهَا لِنَفْسِي، فَقَالَ: لِيُؤَذّن بِلَالٌ، وَلِتُقِمْ أَنْتَ، فَفِي هَذَا مِنْ الْفِقْهِ جَوَازُ أَنْ يُؤَذّنَ الرّجُلُ، وَيُقِيمَ غَيْرُهُ وَهُوَ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الصّدَئِيّ حِينَ قَالَ لَهُ النّبِيّﷺ: مَنْ أَذّنَ فَهُوَ أَحَقّ أَنْ يُقِيمَ «١»، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ إلّا أَنّهُ يَدُورُ عَلَى عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ الْأَفْرِيقِيّ وَهُوَ ضَعِيفٌ «٢»، وَالْأَوّلُ أَصَحّ مِنْهُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَتَزْعُمُ الْأَنْصَارُ أَنّ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ حِينَ رَأَى النّدَاءَ كَانَ مَرِيضًا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِﷺ-
_________________
(١) عن زياد بن الحارث الصدائى قال قال رسول الله «ص» يا أخا صداء أذن، قال: فأذنت، وذلك حين أضاء الفجر، قال: فلما توضأ رسول الله «ص» قام إلى الصلاة، فأراد بلال أن يقيم، فقال رسول الله «ص» يقيم أخو صداء فإن من أذن فهو يقيم. رواه الخمسة إلا النسائى واللفظ لأحمد.
(٢) وثقه يحيى بن سعيد القطان، قال أحمد: حديثه منكر. قال يعقوب ابن شيبة: رجل صالح من الآمرين بالمعروف، وقال ابن عدى: عامة ما يرويه لا يتابع عليه، قال البخارى: هو مقارب الحديث مات سنة ١٥٦ هـ خلاصة تذهيب الكمال. وقال الترمذى عن هذا الحديث: إنما نعرفه من حديث الإفريقى، وهو ضعيف عند أهل الحديث ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره. وقال أحمد: لا أكتب حديث الإفريقى. قال: ورأيت محمد بن إسماعيل يقوى أمره، ويقول: هو مقارب الحديث، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن من أذن فهو يقيم وكان سفيان الثورى يعظمه نيل الأوطار ح ٢ ص ٥٦ ط عثمان خليفة. وهناك تناقض بين نقل الخزرجى فى التذهيب، وبين ما فى نيل الأوطار فى حكم يحيى بن سعيد. وحديث «فأقام هو، وأذن بلال» فى إسناده محمد ابن عمر الرافعى، وهو ضعيف ضعفه القطان وابن نمير ويحيى بن معين.
[ ٤ / ٣٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِالْأَذَانِ، وَقَدْ تَكَلّمَتْ الْعُلَمَاءُ فِي الْحِكْمَةِ الّتِي خَصّتْ الْأَذَانَ بِأَنْ رَآهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي نَوْمِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَنْ وَحْيٍ مِنْ اللهِ لِنَبِيّهِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَالْأَحْكَامِ الشّرْعِيّةِ، وَفِي قول النبيﷺ- له: إنّهَا لَرُؤْيَا حَقّ، ثُمّ بَنَى حُكْمَ الْأَذَانِ عَلَيْهَا، وَهَلْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ وَحْيٍ مِنْ اللهِ لَهُ، أَمْ لَا؟
وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ قَوْلَهُ ذَلِكَ كَانَ عَنْ وَحْيٍ، وَتَكَلّمُوا: لِمَ لَمْ يُؤَذّنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ وَهَلْ أَذّنَ قَطّ مَرّةً مِنْ عُمْرِهِ دَهْرَهُ أَمْ لَا؟.
فَأَمّا الحكمة فى تخصيص الأذان برؤيا رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَكُنْ عَنْ وَحْيٍ فَلِأَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أُرِيَهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَأُسْمِعَهُ مُشَاهَدَةً فَوْقَ سَبْعِ سَمَوَاتٍ «١»، وَهَذَا أَقْوَى مِنْ الْوَحْيِ، فَلَمّا تَأَخّرَ فَرْضُ الْأَذَانِ إلَى الْمَدِينَةِ، وَأَرَادُوا إعْلَامَ النّاسِ بِوَقْتِ الصّلَاةِ تَلَبّثَ الْوَحْيُ حَتّى رَأَى عَبْدُ اللهِ الرّؤْيَا، فَوَافَقَتْ مَا رَأَى رَسُولُ اللهِﷺ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ: إنّهَا لَرُؤْيَا حَقّ إنْ شَاءَ اللهُ، وَعَلِمَ حِينَئِذٍ أَنّ مُرَادَ الْحَقّ بِمَا رَآهُ فِي السّمَاءِ، أَنْ يَكُونَ سُنّةً فِي الْأَرْضِ «٢»، وَقَوّى ذلك عنده موافقة رؤيا عمر للأنصارى
_________________
(١) رواه البزار فى مسنده، وفى إسناده: زياد بن المنذر الهمدانى أو النهدى أبو الجارود الأعمى الكوفى رأس الجارودية مبتدع ضال. كذبه ابن معين. وقال عنه كذاب عدو الله واتهمه ابن حبان بالوضع. وقال الذهبى وابن كثير: هذا الحديث من وضعه، فكيف يستند السهيلى إلى حديث مثل هذا؟ وفى هذا الحديث يزعم أن النبى صعد إلى ما فوق السماء بالبراق.
(٢) كل هذا يبنيه على بيت عنكبوت. يتمثل فى صورة حديث لعن الله مفتريه.
[ ٤ / ٣٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مَعَ أَنّ السّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ واقتضت الحكمة لإلهية أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ عَلَى لِسَانِ غَيْرِ النّبِيّ ﷺ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، لِمَا فِيهِ مِنْ التّنْوِيهِ مِنْ اللهِ لِعَبْدِهِ، وَالرّفْعِ لِذِكْرِهِ، فَلِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ لِسَانِهِ أَنْوَهُ بِهِ وَأَفْخَمُ لِشَأْنِهِ، وَهَذَا مَعْنًى بَيّنٌ فَإِنّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ فَمِنْ رَفْعِ ذِكْرِهِ أَنْ أَشَادَ بِهِ عَلَى لِسَانِ غَيْرِهِ. فَإِنْ قِيلَ: وَمَنْ رَوَى أَنّهُ أُرِيَ النّدَاءَ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ، قُلْنَا: هُوَ فِي مُسْنَدِ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزّارُ. حَدّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمّدُ بْنُ طَاهِرٍ الْإِشْبِيلِيّ سَمَاعًا وَإِجَازَةً عَنْ أَبِي عَلِيّ الْغَسّانِيّ عَنْ أَبِي عُمَرَ النّمِرِيّ بِإِسْنَادِهِ إلَى الْبَزّارِ، قَالَ الْبَزّارُ: نا مُحَمّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَخْلَدٍ، نا أَبِي عَنْ زِيَادِ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ، عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ﵁- قَالَ: لَمّا أَرَادَ اللهُ أَنْ يُعَلّمَ رَسُولَهُ الْأَذَانَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﷺ بِدَابّةِ يُقَالُ لَهَا الْبُرَاقُ، فَذَهَبَ يَرْكَبُهَا، فاستصعبت، فقال لها جبريل: اسكنى فو الله مَا رَكِبَك عَبْدٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ مِنْ مُحَمّدٍﷺ- قَالَ: فَرَكِبَهَا حَتّى انْتَهَى إلَى الْحِجَابِ الّذِي يَلِي الرّحْمَنَ﵎- قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ، إذْ خَرَجَ مَلَكٌ مِنْ الْحِجَابِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِﷺ- يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ إنّي لَأَقْرَبُ الْخَلْقِ مَكَانًا، وَإِنّ هَذَا الْمَلَكَ مَا رَأَيْته مُنْذُ خُلِقْت قَبْلَ سَاعَتِي هَذِهِ، فَقَالَ؟ الْمَلَكُ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ قَالَ فَقِيلَ لَهُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ صَدَقَ عَبْدِي أَنَا أَكْبَرُ أَنَا أَكْبَرُ، ثُمّ قَالَ الْمَلَكُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ صَدَقَ عَبْدِي أَنَا اللهُ لَا إلَهَ إلّا أَنَا، قَالَ: فَقَالَ
[ ٤ / ٣٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الْمَلَكُ: أَشْهَدُ أَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ. قَالَ: فَقِيلَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ صَدَقَ عَبْدِي أَنَا أَرْسَلْت مُحَمّدًا، قَالَ الْمَلَكُ حَيّ عَلَى الصّلَاةِ، حَيّ عَلَى الْفَلَاحِ، ثُمّ قَالَ الْمَلَكُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، قَالَ: فَقِيلَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ: صَدَقَ عَبْدِي أَنَا أَكْبَرُ أَنَا أَكْبَرُ، ثُمّ قَالَ: لَا إلَهَ إلّا اللهُ، قَالَ: فَقِيلَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ: صَدَقَ عَبْدِي أَنَا لَا إلَهَ إلّا أَنَا، قَالَ: ثُمّ أَخَذَ الْمَلَكُ بِيَدِ مُحَمّدٍﷺ- فَقَدّمَهُ فَأَمّ أَهْلَ السّمَاءِ، فِيهِمْ آدَمُ وَنُوحٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمّدُ بْنُ عَلِيّ: يَوْمَئِذٍ أَكْمَلَ اللهُ لِمُحَمّدِﷺ- الشّرَفَ عَلَى أَهْلِ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ. قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَأَخْلَقُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا لِمَا يُعَضّدُهُ وَيُشَاكِلُهُ مِنْ أَحَادِيثِ الْإِسْرَاءِ فَبِمَجْمُوعِهَا يَحْصُلُ أَنّ مَعَانِيَ الصّلَاةِ كُلّهَا وَأَكْثَرَهَا، قَدْ جَمَعَهَا ذَلِكَ الْحَدِيثُ، أَعْنِي الْإِسْرَاءَ، لِأَنّ اللهَ- سُبْحَانَهُ- رَفَعَ الصّلَاةَ الّتِي هِيَ مُنَاجَاةٌ عَنْ أَنْ تُفْرَضَ فِي الْأَرْضِ، لَكِنْ بِالْحَضْرَةِ الْمُقَدّسَةِ الْمُطَهّرَةِ، وَعِنْدَ الْكَعْبَةِ الْعُلْيَا، وَهِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا طَرَفًا مِنْ هَذَا الْغَرَضِ، وَنُبَذًا مِنْ هَذَا الْمَقْصِدِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ وَيَنْضَافُ إلَيْهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْأَذَانِ الّذِي تَضَمّنَهُ حَدِيثُ الْبَزّارِ مَعَ مَا رُوِيَ أَيْضًا أَنّهُ مَرّ وَهُوَ عَلَى الْبُرَاقِ بِمَلَائِكَةِ قِيَامٍ، وَمَلَائِكَةٍ رُكُوعٍ، وَمَلَائِكَةٍ سُجُودٍ وَمَلَائِكَةٍ جُلُوسٍ، وَالْكُلّ يُصَلّونَ لِلّهِ، فَجُمِعَتْ لَهُ هَذِهِ الْأَحْوَالُ فِي صَلَاتِهِ، وَحِينَ مَثَلَ بِالْمَقَامِ الْأَعْلَى، وَدَنَا فَتَدَلّى أُلْهِمَ أَنْ يَقُولَ: التّحِيّاتُ لِلّهِ إلَى قَوْلِهِ: الصّلَوَاتُ لِلّهِ، فَقَالَتْ الْمَلَائِكَةُ: السّلَامُ عَلَيْك أَيّهَا النّبِيّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَقَالَ السّلَامُ
[ ٤ / ٣٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصّالِحِينَ، فَقَالَتْ الْمَلَائِكَةُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ، فَجَمَعَ ذَلِكَ لَهُ فِي تَشَهّدِهِ. وَانْظُرْ بِقَلْبِك كَيْفَ شُرِعَ لَهُ ﵇ وَلِأُمّتِهِ أَنْ يَقُولُوا تِسْعَ مَرّاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللّيْلَةِ فِي تِسْعِ جَلَسَاتٍ فِي الصّلَوَاتِ الْخَمْسِ بَعْدَ ذِكْرِ التّحِيّاتِ: السّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصّالِحِينَ، فَيُحَيّونَ وَيُحَيّونَ تَحِيّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيّبَةً، وَمِنْ قَوْلِهِ: السّلَامُ عَلَيْنَا كَمَا قِيلَ لَهُمْ، فَسَلّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَمِنْ ثَمّ قَالَ: الطّيّبَاتُ الْمُبَارَكَاتُ، كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ فِي التّشَهّدِ اُنْظُرْ إلَى هَذَا كُلّهِ كَيْفَ حَيّا وَحُيّيَ تِسْعَ مَرّاتٍ، حَيّتْهُ مَلَائِكَةُ كُلّ سَمَاءٍ، وَحَيّاهُمْ، ثُمّ مَلَائِكَةُ الْكُرْسِيّ، ثُمّ مَلَائِكَةُ الْعَرْشِ، فَهَذِهِ تِسْعٌ، فَجُعِلَ التّشَهّدُ فِي الصّلَوَاتِ عَلَى عَدَدِ تِلْكَ الْمَرّاتِ الّتِي سَلّمَ فِيهَا وَسُلّمَ عَلَيْهِ، وَكُلّهَا تَحِيّاتٌ لِلّهِ، أَيْ: مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبَارَكَةٌ طَيّبَةٌ، هَذَا إلَى نُكَتٍ ذَكَرْنَاهَا فِي شَرْحِ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِذَا جَمَعْت بَعْضَ مَا ذَكَرْنَاهُ إلَى بَعْضٍ عَرَفْت جُمْلَةً مِنْ أَسْرَارِ الصّلَاةِ وَفَوَائِدِهَا الْجَلِيّةِ دُونَ الْخَفِيّةِ، وَأَمّا بَقِيّةُ أَسْرَارِهَا وَمَا تَضَمّنَتْهُ أَحَادِيثُ الْإِسْرَاءِ مِنْ أَنْوَارِهَا، وَمَا فِي الْأَذَانِ مِنْ لَطَائِفُ الْمَعَانِي وَالْحِكَمِ، فِي افْتِتَاحِهِ بِالتّكْبِيرِ وَخَتْمِهِ بِالتّكْبِيرِ مَعَ التّكْرَارِ، وَقَوْلِ: لَا إلَهَ إلّا اللهُ فِي آخِرِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ فِي أَوّلِهِ، وَمَا تَحْتَ هَذَا كُلّهِ مِنْ الْحِكَمِ الْإِلَهِيّةِ الّتِي تَمْلَأُ الصّدُورَ هَيْبَةً وَتُنَوّرُ الْقُلُوبَ بِنُورِ الْمَحَبّةِ، وَكَذَلِكَ مَا تَضَمّنَتْهُ الصّلَاةُ فِي شَفْعِهَا وَوِتْرِهَا وَالتّكْبِيرِ فِي أَرْكَانِهَا، وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي افْتِتَاحِهَا، وَتَخْصِيصِ الْبُقْعَةِ الْمُكَرّمَةِ بِالتّوَجّهِ إلَيْهَا، مَعَ فَوَائِدِ الْوُضُوءِ مِنْ الْأَحْدَاثِ لَهَا، فَإِنّ فِي ذَلِكَ كُلّهِ مِنْ فَوَائِدِ الْحِكْمَةِ، وَلَطَائِفِ الْمَعْرِفَةِ مَا يَزِيدُ فِي ثَلْجِ الصّدُورِ،
[ ٤ / ٣٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَيُكَحّلُ عَيْنَ الْبَصِيرَةِ بِالضّيَاءِ وَالنّورِ، وَنَعُوذُ بِاَللهِ أَنْ نَنْزِعَ فِي ذَلِكَ بِمَنْزَعِ فَلْسَفِيّ أَوْ مَقَالَةِ بِدْعِيّ، أَوْ رَأْيٍ مُجَرّدٍ مِنْ دَلِيلٍ شَرْعِيّ، وَلَكِنْ بِتَلْوِيحَاتِ مِنْ الشّرِيعَةِ، وَإِشَارَاتٍ مِنْ الْكِتَابِ وَالسّنّةِ يُعَضّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيُنَادِي بَعْضُهَا بِتَصْدِيقِ بَعْضٍ: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا النّسَاءُ ٨٢. لَكِنْ أَضْرَبْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ عَنْ بَثّ هَذِهِ الْأَسْرَارِ، فَإِنّ ذَلِكَ يَخْرُجُ عَنْ الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ، وَيَشْغَلُ عَمّا صَمَدْنَا إلَيْهِ فِي أَوّلِ الْكِتَابِ، وَوَعَدْنَا بِهِ النّاظِرَ فِيهِ مِنْ شَرْحِ لُغَاتٍ وَأَنْسَابٍ وَآدَابٍ، وَاَللهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَقَدْ عَرَفْت رُؤْيَا عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ وَكَيْفِيّتَهَا بِرِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ تُعْرَفْ كَيْفِيّةُ رُؤْيَا عُمَرَ حِينَ أُرِيَ النّدَاءَ، وَقَدْ قَالَ: قَدْ رَأَيْت مِثْلَ الّذِي رَأَى، لَكِنْ فِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ بَيَانٌ لَهَا. رَوَى الْحَارِثُ [بْنُ أَبِي أُسَامَةَ] فِي مُسْنَدِهِ «١» أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قَالَ: أَوّلُ مَنْ أَذّنَ بِالصّلَاةِ جِبْرِيلُ أَذّنَ بِهَا فِي سَمَاءِ الدّنْيَا فَسَمِعَهُ عُمَرُ وَبِلَالٌ فَسَبَقَ عُمَرُ بِلَالًا إلَى رَسُولِ اللهِﷺ فَأَخْبَرَهُ بِهَا، فَقَالَ ﵇ لِبِلَالِ: سَبَقَك بِهَا عُمَر، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ. وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنّ عُمَرَ سَمِعَ ذَلِكَ فِي الْيَقَظَةِ، وَكَذَلِكَ رُؤْيَا عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ فِي الْأَذَانِ رَآهَا، وَهُوَ بَيْنَ النّائِمِ وَالْيَقْظَانِ: قَالَ: وَلَوْ شِئْت لقلت: كنت يقظانا «٢» .
_________________
(١) رواه بسند واه عن كثير الحضرمى.
(٢) فى رواية معاذ بن جبل عند الإمام أحمد: ولو قلت: إنى لم أكن نائما لصدقت.
[ ٤ / ٣٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَصْلٌ: وَأَمّا قَوْلُ السّائِلِ: هَلْ أَذّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَفْسِهِ قَطّ، فَقَدْ رَوَى التّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيقٍ يَدُورُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الرّمّاحِ «١» يَرْفَعُهُ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ «٢» أن رسول اللهﷺ- أَذّنَ فِي سَفَرٍ، وَصَلّى بِأَصْحَابِهِ، وَهُمْ عَلَى رَوَاحِلِهِمْ، السّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَالْبِلّةُ مِنْ أَسْفَلِهِمْ، فَنَزَعَ بَعْضُ النّاسِ بِهَذَا الْحَدِيثِ إلَى أَنّهُ أَذّنَ بِنَفْسِهِ، وَأَسْنَدَهُ الدّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِ التّرْمِذِيّ إلّا أنه لم يذكر عمر بن الرماخ، وَوَافَقَهُ فِيمَا بَعْدَهُ مِنْ إسْنَادٍ وَمَتْنٍ، لَكِنّهُ قال فيه:
_________________
(١) - وهذا للنفس أن تلح فى معرفة كيف كان ينادى للصلاة قبل الهجرة؟ يجزم ابن المنذر بأنه ﵊ كان يصلى بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة إلى أن وقع التشاور فى ذلك. ولكن توجد بعض الأحاديث عند الطبرانى والدارقطنى وغيرهما تدل على أنه شرع فى مكة. غير أن رجال السند يضعفون هذه الأحاديث. على أن الحرية الرحيبة التى من بها الله على نبيه وأصحابه فى المدينة توحى بأن الحاجة إلى الإعلام بالصلاة راحت تلح على النفوس، وكانت القسوة الباغية من قريش تكبتها فى النفس، ولا تدع لها قبل الهجرة بابا تنطلق منه.
(٢) هو ابن ميمون بن بحر بن سعد الرماح البلخى أبو على أو سعد هو الرماح، فنسبه إلى جده الأعلى قاضى بلخ المتوفى سنة ١٧١ روى له الترمذى، ووثقه ابن معين وأبو داود
(٣) الحديث عند الترمذى والدارقطنى من حديث يعلى بن مرة بن وهب الثقفى ممن بايع تحت الشجرة، فسبق السهيلى حفظه، أو سبق مستمليه قلمه، لأنه كان ضريرا «الزرقانى على المواهب ص ٣٨٠ ح ١ وقال الترمذى عن الحديث: غريب تفرد به عمر بن الرماح، ولا يعرف إلا من حديثه.
[ ٤ / ٣٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَقَامَ الْمُؤَذّنُ، فَأَذّنَ، وَلَمْ يَقُلْ: أَذّنَ رَسُولُ اللهِﷺ- وَالْمُتّصِلُ يَقْضِي عَلَى الْمُجْمَلِ الْمُحْتَمَلِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
حَدِيثُ صِرْمَةَ بْنِ أَبِي أَنَس وَاسْمُ أَبِي أَنَسٍ: قَيْسُ بْنُ صِرْمَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَدِيّ بْنِ عمرو بن غنم»
ابن عَدِيّ بْنِ النّجّارِ الْأَنْصَارِيّ، وَهُوَ الّذِي أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ، وَفِي عُمَرَ ﵄: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ البقرة: ١٨٧ إلى قوله:
وَعَفا عَنْكُمْ فَهَذِهِ فِي عُمَرَ، ثُمّ قَالَ: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا إلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَهَذِهِ فِي صِرْمَةَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ «٢»، وَذَلِكَ أَنّ إتْيَانَ النّسَاءِ لَيْلًا فى رمضان
_________________
(١) فى الإصابة: عامر بن غانم. وفيه أيضا: صرمة بن أنس، ويقال: ابن أبى أنس، ويقال: ابن قيس وكنيته: أبو قيس. وفى حرف القاف يقول قيس بن صرمة، وقيل: صرمة بن مالك أبو صرمة. وقيل: قيس بن أنس أبو صرمة. وفرق ابن حبان بين قيس بن مالك وقيس بن صرمة، فقال فى كل منهما له صحبته. وفى جمهرة ابن حزم عن بنى عدى بن النجار «منهم: صِرْمَةَ بْنِ أَبِي أَنَس، وَاسْمُ أَبِي أَنَسٍ: قَيْسُ بْنُ صِرْمَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَدِيّ بْنِ النجار أسلم، وهو شيخ كبير، وكان قد رفض الأوثان فى الجاهلية، وعمه: أنس بن صرمة الشاعر، وهو الذى يقول «ثوى فى قريش بضع عشرة حجة الخ» ص ٣٣٠ ط أولى.
(٢) ورد مثل هذا فى حديث رواه أحمد وأبو داود والحاكم من طريق عبد الرحمن بن أبى ليلى، ولكن هذا لم يسمع من معاذ، ورواية البخارى على اختصارها عظيمة هنا، فقد روى بسنده عن أبى إسحاق قال: سمعت البراء «رضى» لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال-
[ ٤ / ٣٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَانَ مُحَرّمًا عَلَيْهِمْ فِي أَوّلِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ النّوْمِ، وَكَذَلِكَ الْأَكْلُ وَالشّرْبُ كَانَ مُحَرّمًا عَلَيْهِمْ بَعْدَ النّوْمِ «١» فَأَمّا عُمَرُ، فَأَرَادَ امْرَأَتَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَتْ لَهُ:
إنّي قَدْ نِمْت، فَقَالَ: كَذَبْت ثُمّ وَقَعَ عَلَيْهَا، وَأَمّا صِرْمَةُ فَإِنّهُ عَمِلَ فِي حَائِطِهِ وَهُوَ صَائِمٌ، فَجَاءَ اللّيْلُ وَقَدْ جَهَدَهُ الْكَلَالُ فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ بِطَعَامِ كَانَتْ قَدْ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَوَجَدَتْهُ قَدْ نَامَ، فَقَالَتْ لَهُ: الْخَيْبَةُ لَك حُرّمَ عَلَيْك الطّعَامُ وَالشّرَابُ فَبَاتَ صَائِمًا، وَأَصْبَحَ إلَى حَائِطِهِ يَعْمَلُ فِيهِ، فَمَرّ بِهِ رسول الله ﷺ، وهو طَلِيحٌ قَدْ جَهَدَهُ الْعَطَشُ مَعَ مَا بِهِ مِنْ الْجُوعِ وَالنّصَبِ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللهِﷺ- فأخبره بقصته فرقّ له ﵇، وَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى الرّخْصَةَ، وَجَاءَ بِالْفَرَجِ. بَدَأَ بِقِصّةِ عُمَرَ لِفَضْلِهِ، فقال: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ ثم بصرمة فقال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا قَالَ بَعْضُ أَشْيَاخِ الصّوفِيّةِ: هَذِهِ الْعِنَايَةُ مِنْ اللهِ أَخْطَأَ عُمَرُ خَطِيئَةً فَرُحِمَتْ الْأُمّةُ بِسَبَبِهَا «٢» .
_________________
(١) - يخونون أنفسهم، فأنزل الله تعالى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ، فَتابَ عَلَيْكُمْ الآية.
(٢) وقيل: كان إلى صلاة العشاء، أو ينام.
(٣) الرواية الصحيحة عند البخارى «وكان رجال يخونون أنفسهم» فهى ليست خطيئة، ولا خطأ عمر وحده، وإن صح الحديث الذى ينسب إلى عمر هذا.
[ ٤ / ٣٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَنْ شَرَحَ شِعْرَهُ:
وَذَكَرَ مِنْ شِعْرِ صِرْمَةَ:
فَأُوصِيكُمْ بِاَللهِ وَالْبِرّ وَالتّقَى وَأَعْرَاضِكُمْ وَالْبِرّ بِاَللهِ أَوّلُ
بِرَفْعِ الْبِرّ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَأَوّلُ خَبَرٌ لَهُ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ فِي الظّاهِرِ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الظّرُوفِ الْمَبْنِيّةِ عَلَى الضّمّ أَنْ تَكُونَ خَبَرَ الْمُبْتَدَإِ، لَا تَقُولُ: الصّلَاةُ، قَبْلَ إلّا أَنْ تَقُولَ: قَبْلَ كَذَا، وَلَا الْخُرُوجُ بَعْدَ إلّا أَنْ تَقُولَ: بَعْدَ كَذَا، وَذَلِكَ لِسِرّ دَقِيقٍ قَدْ حَوّمَ عَلَيْهِمَا ابْنُ جِنّي «١» فَلَمْ يُصِبْ الْمُفَصّلَ، وَاَلّذِي مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَنّ هَذِهِ الْغَايَاتِ إنّمَا تَعْمَلُ فِيهَا الْأَفْعَالُ الْمَلْفُوظُ بِهَا لِأَنّهَا غَايَاتٌ لِأَفْعَالِ مُتَقَدّمَةٍ، فَإِذَا لَمْ تَأْتِ بِفِعْلِ يَعْمَلُ فِيهَا، لَمْ تَكُنْ غَايَةً لِشَيْءِ مَذْكُورٍ، وَصَارَ الْعَامِلُ فِيهَا مَعْنَوِيّا، وَهُوَ: الِاسْتِقْرَارُ، وَهِيَ مُضَافَةٌ فِي الْمَعْنَى إلَى شَيْءٍ، وَالشّيْءُ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَعْنَوِيّ، لَا لَفْظِيّ، فَلَا يَدُلّ الْعَامِلُ الْمَعْنَوِيّ عَلَى مَعْنَوِيّ آخَرَ، إنّمَا يَدُلّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ اللّفْظِيّ، فَتَأَمّلْهُ، فَالضّمّةُ فِي أَوّلُ عَلَى هَذَا حَرَكَةُ إعْرَابٍ، لَا حَرَكَةُ بِنَاءٍ، وَلَوْ قَالَ: ابْدَأْ بِالْبِرّ أَوّلُ لَكَانَتْ حَرَكَةَ بِنَاءٍ، لَكِنّ مَنْ رَوَاهُ: وَالْبِرّ بِاَللهِ أَوّلُ بِخَفْضِ الرّاءِ مِنْ الْبِرّ فَأَوّلُ حِينَئِذٍ ظَرْفٌ مَبْنِيّ عَلَى الضّمّ يَعْمَلُ فِيهِ: أُوصِيكُمْ
وَفِيهِ: وَإِنْ أَنْتُمْ أَمْعَرْتُمُ فَتَعَفّفُوا، الإمعار: الفقر «٢» .
_________________
(١) أنظر ص ٣٦٢ ح ٢ الخصائص لابن جنى.
(٢) فى رواية- كما ذكر الخشنى- أمعزتم: أى أصابتكم شدة، من قولهم رجل ماعز ومعز أى شديد.
[ ٤ / ٣٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمِنْ شِعْرِهِ:
سَبّحُوا اللهَ شَرْقَ كُلّ صَبَاحٍ طَلَعَتْ شَمْسُهُ وَكُلّ هِلَالِ
الشّرْقُ: طُلُوعُ الشّمْسِ، وَهُوَ مِنْ أَسْمَائِهَا أَيْضًا، وَكَذَلِكَ الشّرَقُ بِفَتْحِ الرّاءِ وَكُلّ هِلَالٍ بِالنّصْبِ عَلَى الظّرْفِ، أَيْ: وَقْتَ كُلّ هِلَالٍ، وَلَوْ قُلْت فِي مِثْلِ هَذَا: وَكُلّ قَمَرٍ عَلَى الظّرْفِ، لَمْ يَجُزْ، لِأَنّ الْهِلَالَ قَدْ أُجْرِيَ مَجْرَى الْمَصَادِرِ فِي قَوْلِهِمْ: اللّيْلَةُ الْهِلَالُ؛ فَلِذَلِكَ صَحّ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِأَنّ الْمَصَادِرَ قَدْ تَكُونُ ظُرُوفًا لَمَعَانٍ وَأَسْرَارٍ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعًا لِذِكْرِهَا، وَلَوْ خُفِضَتْ وَكُلّ هِلَالٍ عَطْفًا عَلَى صَبَاحٍ، لَمْ يَجُزْ لِأَنّ الشّرْقَ لَا يُضَافُ إلَى الْهِلَالِ كَمَا يُضَافُ إلَى الصّبَاحِ.
وَفِيهِ:
وَلَهُ شَمْسُ النّصَارَى
يعنى دين الشّماسة «١»، وَهُمْ الرّهْبَانُ لِأَنّهُمْ يُشَمّسُونَ أَنْفُسَهُمْ، يُرِيدُونَ تَعْذِيبَ النّفُوسِ بِذَلِكَ فِي زَعْمِهِمْ.
وَفِيهِ:
يَا بَنِي الْأَرْحَامَ لَا تَقْطَعُوهَا
بِنَصْبِ الْأَرْحَامِ، وَهُوَ أَجْوَدُ مِنْ الرّفْعِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِلنّهْيِ.
وَقَوْلُهُ:
وصلوها قصيرة من طوال
_________________
(١) الشماس: خادم الكنيسة، ومرتبته دون القسيس.
[ ٤ / ٣٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَدْ أَمْلَيْنَا فِيهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ ما نعيده ههنا بِحَوْلِ اللهِ، وَأَمْلَيْنَا أَيْضًا فِي مَعْنَى الرّحِمِ وَاشْتِقَاقِ الْأُمّ لِإِضَافَةِ الرّحِمِ إلَيْهَا، وَوَضْعِهَا فِيهِ عِنْدَ خَلْقِ آدَمَ وَحَوّاءَ، وَكَوْنِ الْأُمّ أَعْظَمَ حَظّا فِي الْبِرّ مِنْ الْأَبِ، مَعَ أَنّهَا فِي الْمِيرَاثِ دُونَهُ أَسْرَارًا بَدِيعَةً، وَمَعَانِيَ لَطِيفَةً أَوْدَعْنَاهَا كِتَابَ الْفَرَائِضِ وَشَرْحَ آيَاتِ الْوَصِيّةِ، فَلْتُنْظَرْ هُنَالِكَ.
وَأَمّا قَوْلُهُ: قَصِيرَةً مِنْ طِوَالِ، فَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ:
صِلُوا قِصَرَهَا مِنْ طِوَلِكُمْ، أَيْ: كُونُوا أَنْتُمْ طِوَالًا بِالصّلَةِ وَالْبِرّ إنْ قَصُرَتْ هِيَ، وَفِي الْحَدِيثِ: [أَنّهُ قَالَ لِأَزْوَاجِهِ]: أَسْرَعُكُنّ لُحُوقًا بِي: أَطْوَلُكُنّ يَدًا [فَاجْتَمَعْنَ يَتَطَاوَلْنَ، فَطَالَتْهُنّ سَوْدَةُ، فَمَاتَتْ زَيْنَبُ أَوَلَهُنّ] أَرَادَ الطّوال بِالصّدَقَةِ وَالْبِرّ، فَكَانَتْ تِلْكَ صِفَةَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ «١» . وَالتّأْوِيلُ الْآخَرُ:
أَنْ يُرِيدَ مَدْحًا لِقَوْمِهِ بِأَنّ أَرْحَامَهُمْ قَصِيرَةُ النّسَبِ، وَلَكِنّهَا مِنْ قَوْمٍ طِوَالٍ كَمَا قَالَ:
أُحِبّ مِنْ النّسْوَانِ كُلّ طَوِيلَةٍ لَهَا نَسَبٌ فِي الصّالِحِينَ قَصِيرُ
وَقَالَ الطّائِيّ:
أَنْتُمْ بَنُو النّسَبِ الْقَصِيرِ وَطُولُكُمْ بَادٍ عَلَى الْكُبَرَاءِ وَالْأَشْرَافِ
وَالنّسَبُ الْقَصِيرُ: أَنْ يَقُولَ: أنا ابن فلان فيعرف، وتلك: صفة
_________________
(١) المعنى فى الحديث: أمدكن يدا بالعطاء من الطول، فظننه من الطول، وكانت زينب تعمل بيدها وتتصدق به. النهاية لابن الأثير.
[ ٤ / ٣٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْأَشْرَافِ، وَمَنْ لَيْسَ بِشَرِيفِ لَا يُعْرَفُ حَتّى يَأْتِيَ بِنِسْبَةِ طَوِيلَةٍ يَبْلُغُ بِهَا رَأْسَ الْقَبِيلَةِ. وَقَدْ قَالَ رُؤْبَةُ: قَالَ لِي النّسّابَةُ: مَنْ أَنْتَ انْتَسِبْ، فَقُلْت:
رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجّاجِ، فَقَالَ: قَصّرْت وَعُرِفْت. وَقَوْلُهُ:
إنّ خَزْلَ التّخُومِ ذُو عُقّالِ
التّخُومُ: جَمْعُ: تَخُومَةٍ، وَمَنْ قَالَ: تَخِمَ فِي الْوَاحِدِ، قَالَ فِي الْجَمْعِ تُخُومٌ بِضَمّ التّاءِ «١»، وَأَرَادَ بِهَا الْأَرْفَ [أَوْ الْأُرْثَ] وَهِيَ الْحُدُودُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:
التّخُومُ وَالتّخُومُ: حُدُودُ الْبِلَادِ وَالْقُرَى، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حُدُودِ الْأَحْقَالِ الْأَرْفَ. وَالْعُقّالُ. مَا يَمْنَعُ الرّجُلَ مِنْ الْمَشْيِ، وَيَعْقِلُهَا يُرِيدُ أَنّ الظّلْمَ يَخْلُفُ صَاحِبَهُ وَيَعْقِلُهُ عَنْ السّبَاقِ، وَيَحْبِسُهُ فِي مَضَايِقِ الِاحْتِقَاقِ.
وَذَكَرَ قَصِيدَتَهُ الْيَائِيّةَ، وَقَالَ فِيهَا: فَطَأْ مُعْرِضًا. الْبَيْتُ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
هُوَ لِأُفْنُونٍ التّغْلِبِيّ، وَاسْمُهُ صُرَيْمُ بْنُ مَعْشَرِ [بْنِ ذُهْلِ بْنِ تَيْمِ بن عمرو ابن عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ تَغْلِبَ «٢»] . قَالَ الْمُؤَلّفُ وَسُمّيَ أُفْنُونًا فِي قَوْلِ ابْنِ دُرَيْدٍ لِبَيْتِ قَالَهُ فيه:
_________________
(١) يرى الفراء أنها بضم التاء، ويرى الكسائى أنها بفتحها ويقول أبو عبيد: أصحاب العربية يقولون: هى التخوم بفتح التاء ويجعلونها واحدة، وأما أهل الشام فيقولون: التخوم يجعلونها جمعا، والواحد: تخم. وقال ابن برى تخوم وتخوم وزبور وزبور، وعذوب وعذوب- بالفتح أو الضم- فى هذه الأحرف الثلاثة. وينسب هذا البيت أيضا إلى أحيحة بن الجلاح.
(٢) وأفنون بضم الأول أو فتحه، وفى مؤتلف الآمدى أن اسمه: ظالم.
[ ٤ / ٣٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منّيتنا الودّ يا أفنون مظنونا «١»
أَوْ نَحْوَ هَذَا اللّفْظِ. وَالْأُفْنُونُ: الْغُصْنُ النّاعِمُ، وَالْأُفْنُونُ أَيْضًا الْعَجُوزُ الْفَانِيَةُ، وَأُفْنُونُ هُوَ الّذِي يَقُولُ:
لَوْ أَنّنِي كُنْت مِنْ عَادٍ وَمِنْ إرَمٍ غَذِيّ بَهْمٍ وَلُقْمَانِ وَذِي جَدَنِ
لَمَا وَقَوْا بِأَخِيهِمْ مِنْ مُهَوّلَةٍ أَخَا السّكُونِ وَلَا جَارُوا عَنْ السّنَنِ
أَنّى جَزَوْا عَامِرًا سُوءَى بِفِعْلِهِمْ أَمْ كَيْفَ يَجْزُونَنِي السّوءَى مِنْ الْحَسَنِ
أَمْ كَيْفَ يَنْفَعُ مَا تُعْطِي الْعَلُوقُ بِهِ رئمان أنف إذا ما ضنّ باللّبن «٢»
_________________
(١) فى سمط اللآلىء: منيتنا الود يا مضنون مضنونا أزماننا إن للشبان أفنونا وبعض الشطرة الآخيرة فى الاشتقاق لابن دريد. انظر ص ٦٨٤ السمط، ص ٢٣٦ الاشتقاق
(٢) البيت الأول فى اللسان، وفيه: «ولقمانا وذا جدن» وفى المفضليات للضبى ص ٣٠ ح ٢ ط ١٣٢٤ هـ، وفى البيان والتبيين ح ٢ ص ٩ ط ١٣٦٧ هـ «ربيت فيهم، ومن لقمان أوجدن» وعدة القصيدة فى المفضليات تسعة أبيات، ومنها فى البيان أربعة الأبيات التى ذكرها السهيلى، ومنها فى أمالى القالى البيت الثالث والرابع ص ٥١ ح ٢ ط ٢، وفى سمط اللآلى ورد قبل البيت الثالث بيتان آخران. وفى البيان والتبيين عن رئمان «أصله: الرقة والرحمة والرؤم أرق من الرؤف، فقال: «رئمان أنف، كأنها تبر ولدها بأنفها وتمنعه اللبن» ص ٩ ح ٢ وفى مغنى البيب لابن هشام ورد البيتان الثالث والرابع. وفيه عن العلوق: الناقة التى علق قلبها بولدها، وذلك أنه ينحر، ثم يحشى جلده تبنا، ويجعل بين يديها لتشمه، فتدر عليه، فهى تسكن إليه مرة وتنفر عنه أخرى، وهذا البيت ينشد لمن يعد بالجميل، ولا يفعله، لا نطواء قلبه على ضده» هذا وقد نقل عن الكسائى أنه يرى رفع رئمان على أنها بدل من ما، كما يرى نصبها بتعطى، وجرها على أنها بدل من الهاء، أما الأصمعى وابن الشجرى فينكران الرفع. أنظر-
[ ٤ / ٣٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ فِي الْبَيْتَيْنِ: فَطَأْ مُعْرِضًا وَاَلّذِي بَعْدَهُ أَنّهُمَا لِأُفْنُونٍ التّغْلِبِيّ مَذْكُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْأَخْبَارِ، وَلَهَا سَبَبٌ ذَكَرُوا أَنّ أُفْنُونًا خَرَجَ فِي رَكْبٍ، فَمَرّوا بِرَبْوَةِ تُعْرَفُ: بِالْإِلَهَةِ «١»، وَكَانَ الْكَاهِنُ قَبْلَ ذَلِكَ قَدْ حَدّثَهُ أَنّهُ يَمُوتُ بِهَا، فَمَرّ بِهَا فِي ذَلِكَ الرّكْبِ، فَلَمّا أَشْرَفُوا عَلَيْهَا وَأُعْلِمَ بِاسْمِهَا، كَرِهَ الْمُرُورَ بِهَا، وَأَبَوْا أَصْحَابُهُ إلّا أَنْ يَمُرّوا بِهَا، وَقَالُوا لَهُ: لَا تَنْزِلْ عِنْدَهَا، وَلَكِنْ نَجُوزُهَا سَعْيًا، فَلَمّا دَنَا مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى حَيّةٍ، فَنَزَلَ لِيَنْظُرَ فَنَهَشَتْهُ الْحَيّةُ، فَمَاتَ، فَقَبْرُهُ هُنَالِكَ، وَقِيلَ فِي حَدِيثِهِ: إنّهُ مَرّ بِهَا لَيْلًا، فَلَمْ يَعْرِفْ بِهَا حَتّى رَبَضَ الْبَعِيرُ الّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَعَلِمَ أَنّهُ عِنْدَ الْإِلَهَةِ فَجَزَعَ، فَقِيلَ لَهُ: لَا بَأْسَ عَلَيْك، فَقَالَ فَلِمَ رَبَضَ الْبَعِيرُ، فَأَرْسَلَهَا مَثَلًا. ذَكَرَهُ يعقوب، وعند ما أَحَسّ بِالْمَوْتِ قَالَ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ اللّذَيْنِ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ وَبَعْدَهُمَا:
كَفَى حُزْنًا أَنْ يَرْحَلَ الرّكب غدوة وأترك فى جنب الإلهة ثاوبا «٢»
تَسْمِيَةُ الْيَهُودِ الّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ الْقُرْآنُ ذُكِرَ فِيهِمْ جُدَيّ بْنُ أَخْطَبَ، بِالْجِيمِ، وَهُوَ أَخُو حيىّ بن أخطب،
_________________
(١) - ص ٤٠ ح ١ مغنى البيب ط ١٣٢٨ والأبيات مشروحه بالتفصيل فى المفضليات، وخزانة الأدب للبغدادى.
(٢) الإلاهة على وزن الفعالة: قارة بالسماوة من دار كلب، وهى بين ديار تغلب والشام.
(٣) أنظر عن القصة ص ١٨٦ ح ١ معجم ما استعجم.
[ ٤ / ٣٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَمّا حُدَيّ بِالْحَاءِ، فَذَكَرَهُ الدّارَقُطْنِيّ فِي نَسَبِ عتيبة بن الحارث بن شهاب ابن حدىّ التميمى فارس العرب.
وذكر عزيز بن أبى عزيز وَأَلْفَيْت بِخَطّ الْحَافِظِ أَبِي بَحْرٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَقُولُ عُزَيْزُ بْنُ أَبِي عُزَيْزٍ، بِزَايَيْنِ قَيّدْنَاهُ فِي الْجُزْءِ قَبْلُ.
وَذَكَرَ ثَعْلَبَةَ بْنَ الْفِطْيَوْنِ وَالْفِطْيَوْنُ كَلِمَةٌ عِبْرَانِيّةٌ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ كُلّ مِنْ وَلِيّ أَمْرِ الْيَهُودِ، وَمَلِكِهِمْ، كَمَا أَنّ النّجَاشِيّ عِبَارَةٌ عَنْ كُلّ مِنْ مَلِكِ الْحَبَشَةِ، وَخَاقَانَ مَلِكِ التّرْكِ، وَقَدْ تَقَدّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ جُمْلَةٌ.
وَذُكِرَ فِيهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ صُورِيَا «١» الْأَعْوَرُ، وَكَانَ أَعْلَمُهُمْ بِالتّوْرَاةِ، ذَكَرَ النّقّاشُ أَنّهُ أَسْلَمَ لَمّا تَحَقّقَ مِنْ صِفَاتِ مُحَمّدٍﷺ- فِي التّوْرَاةِ، وَأَنّهُ هُوَ وَلَيْسَ فِي سِيرَةِ ابْنِ إسْحَاقَ ذِكْرُ إسْلَامِهِ.
يَهُودُ الْمَدِينَةِ:
فَصْلٌ: وَقَوْلُهُ: وَمِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَمِنْ يَهُودِ بَنِي حَارِثَةَ، وَذَكَرَ قَبَائِلَ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَإِنّمَا الْيَهُودُ بَنُو إسْرَائِيلَ، وَجُمْلَةُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ بِالْمَدِينَةِ وَخَيْبَرَ إنّمَا هُمْ [بَنُو] قُرَيْظَةَ [وَبَنُو] النّضِيرِ وَبَنُو قَيْنُقَاعِ، غَيْرَ أَنّ فِي الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ مَنْ قَدْ تَهَوّدَ، وَكَانَ مِنْ نِسَائِهِمْ مَنْ تُنْذِرُ إذَا وَلَدَتْ إنْ عَاشَ وَلَدُهَا أَنْ تُهَوّدَهُ، لِأَنّ الْيَهُودَ عِنْدَهُمْ كَانُوا أَهْلَ عِلْمٍ وَكِتَابٍ، وفى هؤلاء
_________________
(١) فى الأصل: صورى؛ والتصويب من القاموس. وفيه أن عبد الله هذا أسلم ثم كفر.
[ ٤ / ٣٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْأَبْنَاءِ الّذِينَ تَهَوّدُوا نَزَلَتْ لَا إِكْراهَ فِي الدِّينِ الْبَقَرَةُ: ٢٥٦ حِينَ أَرَادَ آبَاؤُهُمْ إكْرَاهَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ فِي أَحَدِ الْأَقْوَالِ «١» .
السّحْرُ الْمَنْسُوبُ إلَى النّبِيّ ﷺ وَأَمّا لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ، الّذِي ذَكَرَهُ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَقَالَ: هُوَ الّذِي أَخَذَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ يَعْنِي مِنْ الْأُخْذَةِ، وَهِيَ ضَرْبٌ مِنْ السّحْرِ. فِي الخبر أن القاسم بن محمد بن الْحَنَفِيّةِ، كَانَ مُؤْخَذًا عَنْ مَسْجِدِ النّبِيّﷺ- لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْخُلَهُ، وَكَانَ لَبِيدٌ هَذَا قَدْ سَحَرَ رَسُولَ اللهِﷺ، وَجَعَلَ سِحْرَهُ فِي مشط ومشاطة.
_________________
(١) الحديث مروى عن ابن عباس: كانت المرأة تكون مقلاة فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله ﷿: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ رواه أبو داود والنسائى جميعا عن بندار به، ومن وجوه آخر عن شعبة به نحوه، ورواه ابن أبى حاتم وابن حبان فى صحيحه. وهكذا ذكر مجاهد وسعيد بن جبير والشعبى والحسن البصرى وغيرهم. وبسند آخر روى ابن إسحاق عن ابن عباس نفسه أنها نزلت فى رجل من الأنصار من بنى سالم بن عوف يقال له: الحصينى كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلا مسلما، فقال للنبى «ص» ألا أستكرههما. فانهما قد أبيا إلا النصرانية، وقيل غير ذلك. ويقول ابن كثير فى تفسير الآية «لا تكرهوا أحدا على الدخول فى دين الإسلام، فانه بين واضح جلى دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه» وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية فى قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عاما»
[ ٤ / ٣٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَرُوِيَ: مُشَاقَةٍ بِالْقَافِ، وَهِيَ مُشَاقَةُ الْكَتّانِ، وَجُفّ طَلْعَةٍ «١» ذَكَرٍ، هِيَ فُحّالُ النّخْلِ، وَهُوَ ذُكّارُهُ. وَالْجُفّ: غِلَافٌ لِلطّلْعَةِ، وَيَكُونُ لِغَيْرِهَا، وَيُقَالُ لِلْجُفّ الْقِيقَاءُ وَتُصْنَعُ مِنْهُ آنِيَةٌ يُقَالُ لَهَا: التّلَاتِلُ [جَمْعُ: تَلْتَلَةٍ] قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَدَفَنَهُ فِي بئرذى أروان، وأكثر أهل الحديث يقولون: ذروان تحت راعوفة البئر [أو أورعوفتها]، وَهِيَ صَخْرَةٌ فِي أَسْفَلِهِ يَقِفُ عَلَيْهَا الْمَائِحُ «٢»، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَشْهُورٌ عِنْدَ النّاسِ، ثَابِتٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، غَيْرَ أَنّي لَمْ أَجِدْ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ: كَمْ لَبِثَ- رَسُولُ اللهِ ﷺ- بِذَلِكَ السّحْرِ، حَتّى شُفِيَ مِنْهُ، ثُمّ وَقَعْت عَلَى الْبَيَانِ فِي جَامِعِ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ. رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ الزّهْرِيّ، قَالَ: سُحِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَنَةً يُخَيّلُ إلَيْهِ أَنّهُ يَفْعَلُ الْفِعْلَ، وَهُوَ لَا يَفْعَلُهُ «٣»، وَقَدْ طَعَنَتْ الْمُعْتَزِلَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَطَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَقَالُوا لَا يَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يُسْحَرُوا، وَلَوْ جَازَ أَنْ يُسْحَرُوا، لَجَازَ أَنْ يُجَنّوا. وَنَزَعَ بعضهم بِقَوْلِهِ ﷿: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ وَالْحَدِيثُ ثَابِتٌ خَرّجَهُ أَهْلُ الصّحِيحِ، وَلَا مَطْعَنَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ النّقْلِ، وَلَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ، لِأَنّ الْعِصْمَةَ إنّمَا وَجَبَتْ لَهُمْ فِي عُقُولِهِمْ وَأَدْيَانِهِمْ، وَأَمّا أَبْدَانُهُمْ، فَإِنّهُمْ يُبْتَلَوْنَ فِيهَا، ويخلص إليهم بالجراحة والضرب والسموم والقتل،
_________________
(١) الطلعة: القطعة من طلع النخل، والطلع: غلاف يشق الكوز ينفتح عن حب منضود، فيه مادة إخصاب النخلة
(٢) الراعوفة أيضا صخرة تكون على رأس البئر يقوم عليها المستقى، والمائح: المستقى.
(٣) أليس التخيل تخليطا أو اختلاطا عقليا؟
[ ٤ / ٣٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْأُخْذَةُ الّتِي أُخِذَهَا رَسُولُ اللهِﷺ- مِنْ هَذَا الْفَنّ، إنّمَا كَانَتْ فى بعض جوارحه دون بعض «١» .
وأما قوله سبحانه: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فإنه قد روى أنه كان
_________________
(١) نعرض هنا بعض روايات الحديث. روى الإمام أحمد بسنده عن زيد ابن أرقم قال: سحر النبىﷺ- رجل من اليهود، فاشتكى لذلك أياما، قال: فجاءه جبريل فقال: إن رجلا من اليهود سحرك، وعقد لك عقدا فى بئر كذا وكذا، فأرسل إليها من يجىء بها، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فاستخرجها، فجاءه بها، فحللها، قال: فقام رسول الله «ص» كأنما نشط من عقال، فما ذكر ذلك اليهودى، ولا رآه فى وجهه حتى مات. ورواه النسائى عن هناد عن أبى معاوية محمد بن حازم الضرير. ويثبت الحديث أن رسول الله «ص» اشتكى أياما لكن لم يذكر ما اشتكى منه، ولا تحدث عن المشط والمشاطة ولا شىء مما ورد. ويقول ابن الأثير عن التعبير بكأنما نشط من عقال أن التعبير بنشط ليس بصحيح، والصواب: أنشط يقال: نشطت العقدة إذا عقدتها، وأنشطتها وانتشطتها: إذا حللتها.. أقول: وهذا التعبير يؤكد أن ما أصاب النبى «ص» كان يشمل كل جسده. أما البخارى فيروى بسنده عن عائشة قالت: كان رسول الله «ص» سحر حتى كان يرى أنه يأتى النساء، ولا يأتيهن. قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر، إذا كان كذا. فقال يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتانى فيما استفتيته فيه. أتانى رجلان فقعد أحدهما عند رأسى، والآخر عند رجلى، فقال الذى عند رأسى للآخر. ما بال الرجل؟ قال مطبوب «المطبوب: المسحور» قال: ومن طبه؟ قال لبيد بن أعصم، رجل من بنى زريق حليف اليهود، وكان منافقا، قال: وفيم؟ قال: فى مشط ومشاطة. قال: وأين؟ قال: فى جف طلعة ذكر تحت رعوفة فى بئر ذروان. قالت: فأتى البئر، حتى استخرجه. فقال: هذه البئر التى أريتها، وكأن ماءها نقاعة الحناء، وكأن نخلها رؤس الشياطين، قال فاستخرج، فقلت: -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . - أفلا تنشرت، فقال: أما الله فقد شفانى، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرا»، وأسنده من حديث عيسى بن يونس وأبى ضمرة أنس بن عياض، وأبى أسامة، ويحيى القطان، وفيه قالت: حتى يخيل إليه أنه فعل الشىء، ولم يفعله، وعنده، فأمر بالبئر، فدفنت، وذكر رواية عن هشام أيضا ابن أبى الزناد، والليث بن سعد، وقد رواه مسلم من حديث أبى أسامة حماد بن أسامة، وعبد الله ابن نمير، ورواه أحمد عن عفان عن وهب عن هشام به، ورواه الإمام أحمد أيضا عن إبراهيم بن خالد عن معمر عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: لبث النبى «ص» ستة أشهر يرى أنه يأتى ولا يأتى، فاتاه ملكان، فجلس أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال أحدهما للآخر: ما باله؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، وذكر تمام الحديث. وفى بعض الروايات ورد أن الرسول «ص» أرسل عليا والزبير وعمار ابن ياسر. وأنهم وجدوا فيه وترا معقودا فيه اثنا عشر عقدة مغروزة بالإبراة، فأنزل الله السورتين، افجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة. ورواية البخارى ومسلم. لم تتحدث عن جبريل، وإنما عن رجلين.، ثم هى تؤكد أنه «ص» كان مطبوبا، أى مسحورا. وأنه كان يرى أنه يأتى النساء، ولا يأتيهن، وأنه أبى الرقية: ورواية أحمد عن إبراهيم بن خالد تثبت أنه ظل ستة أشهر يرى أنه يأتى، ولا يأتى. كما تجد فى بعض روايات الحديث ما يفيد أن الرسول «ص» أرسل من يجىء بالسحر، وفى غيرها ضده. هذا والسحر- كما يقول الراغب- يقال على معان، الأول: الخداع وتخييلات لا حقيقة لها نحو ما يفعله المشعبذ بصرف الأبصار عما يفعله لخفة يد، وما يفعله النمام بقول مزخرف عائق للأجماع، وعلى ذلك: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ.. الثانى استجلاب معاونة الشيطان بضرب من التقرب إليه كقوله: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ؟ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ وعلى ذلك قوله: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ. والثالث: ما يذهب إليه الأغتام، وهو اسم لفعل يزعمون أنه من قوته يغير-
[ ٤ / ٤٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
_________________
(١) - الصور والطبائع، فيجعل الإنسان حمارا، ولا حقيقة لذلك عند المحصلين. وقد تصور من السحر تارة حسنه، فقيل: إن من البيان لسحرا، وتارة: دقة فعله «حتى قالت الأطباء: الطبيعة ساحرة، وسموا الغداء سحرا من حيث إنه يدق ويلطف تأثيره» وعند ابن فارس فى مقاييسه: «السين والحاء والراء: أصول ثلاثة متباينة، أحدها: عضو من الأعضاء، والآخر: خدع وشبهة، والثالث: وقت من الأوقات» ثم يقول عن السحر: «قال قوم هو إخراج الباطل فى صور الحق، ويقال: هو الخديغة» هذا معنى السحر فى اللغة التى شرفها الله، فنزل بها القرآن. ولنتدبر معا بعض ما ورد فى القرآن مما لهذا الأمر صلة وثيقة به. يقص ربنا سبحانه قول موسى للسحرة فى قوله جل شأنه: فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى: ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ، إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ يونس: ٨١. والمعنى واضح وضوح الحق فى القرآن. هو أن الله سبحانه يبطل السحر الذى يجىء به السحرة ضد النبوة. وتدبر ختام الآية الكريمة. ويقص الله سبحانه ما قاله المشركون عن نبيه محمد ﷺ: يَقُولُ الظَّالِمُونَ: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا. انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ، فَضَلُّوا، فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا الإسراء: ٤٧، ٤٨ فبهت الرسول ﷺ بأنه رجل مسحور هو قول الظالمين الذين ضلوا، فلا يستطيعون سبيلا! وقد ورد هذا المعنى أيضا فى سورة الفرقان: وَقالَ الظَّالِمُونَ: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا. انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا، فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا الفرقان: ٨، ٩. كما يقص الله سبحانه أن فرعون قد بهت موسى (إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا) الإسراء: ١٠١ والعجب هنا أن فرعون على حقده وجحوده وتوحش الظلم فى أعماقه وأعماله قال اظنك، ونسمع من يؤكد أن النبى ﷺ يسحره يهودى، ويظل النبى «ص» مسحورا ستة أشهر، وهو يرى الشىء عين نقيضه، وإحساسه بما يوقظ الإحساس الخامد بقوة إحساس مختلط. ماذا يدل عليه الزعم بأنه كان يرى أنه يأتى النساء، ولا يأتيهن؟ يدل على أنه قد تجرد من كل تمييز. ولهذا قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر. إذا كان-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . - مثل هذا اليهودى القذر اليد والدين واللؤم يهيمن بدجله على خير نبى، هو خير ولى، وخير صديق، فماذا بقى من نبوة تقاوم؟ وإذا كان الله سبحانه قد قال لإبليس (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ) الحجرات: ٤٢ أفيكون لجنده عليهم سلطان؟ إن الشيخ السهيلى يزعم أن الأمر كان يتعلق بجسد النبى «ص» لا بعقله!! كيف يزعم هذا، وهو يروى عمن رووا أنه كان يرى أنه يأتى النساء، ولا يأتيهن؟ وإذا كان هذا ليس تخليطا عقليا، وغمة فكرية وشعورية، فماذا يكون التخليط، وكيف تكون الغمة الفكرية الشعورية، وكيف نقلد فرعون والظالمين فى بهت صفوة الخلق أجمعين؟ وإذا كان قد ورد فى رواية متفق عليها أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشىء، وما فعله؟ وستة أشهر؟؟ إن أجل ما يمتاز به الرسل- صلوات الله وسلامه عليهم- تلك اليقظة العقلية التى لا تغفل عن عوار فى الكفر أو الخلق أو الشعور، والتى لا يتصور مطلقا فيها التسوية بين الشىء ونقيضه، فكيف استطاع يهودى بمشط ومشاطة أن يجعل هذه اليقظة العقلية الملهمة الرائعة خرقا؟ ثم إننا لم نسمع مطلقا فيما روى- أن الرسول «ص» قد احتبس عن أصحابه ستة أشهر بسبب هذا الخرف، أو يمكن أن نظن أنه يلتقى بالناس ويخاطبهم.، ويعلمهم ويهديهم، وهو بهذا الخرف، أو بهذا الوسواس، أو بهذا الشعور النفسى المحطم، أو بهذا الحطام من بقايا رجل يختاره الله لختم النبوة، ثم يدعه ليهودى قذر يسيطر على فكره وعاطفته وتمييزه، فيرى الشىء عين نقيضه؟. إننا حين نفترض صحة الحديث، فانى أتصور الأمر كما يأتى: أصيب ﵊ بمرض ما لم يمسس به نباهة عقل، ولا تألق فكر، ولا إشراق روح، ولا تسامى وعى إلى أعلى الذرى التى تكون لأفق الوعى الإنسانى، فما بالك إذا كانت تهديه أضواء النبوة، وتحلق به هدايتها؟ وأتصور أن اليهودى قام بهذا السحر، وأن الذى كان بالرسولﷺ لا يمكن أن نتصور أنه أثر-
[ ٤ / ٤٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَحْرُسُ فِي الْغَزْوِ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَأَمَرَ حُرّاسَهُ أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُ، وَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِكُمْ، فَقَدْ عَصَمَنِي اللهُ مِنْ النّاسِ «١»، أَوْ كَمَا قَالَ.
فِقْهُ حَدِيثِ السّحْرِ:
وَأَمّا مَا فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ، فَإِنّ عَائِشَةَ قَالَتْ لَهُ: هَلّا تَنَشّرْت، فَقَالَ: أَمّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللهُ، وَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النّاسِ شَرّا، وَهُوَ حَدِيثٌ مُشْكِلٌ فِي ظَاهِرِهِ، وَإِنّمَا جَاءَ الْإِشْكَالُ فِيهِ مِنْ قِبَلِ الرّوَاةِ، فإنهم جعلوا جوابين
_________________
(١) - من سحر اليهودى القذر، وإنما عائشةرضي الله عنها- هى التى ربطت بين سحر اليهودى حين علمت بما فعله، وبين ما أصيب به النبى ﷺ، ولا سيما وقد كان الأمر بالمدينة، وفيها اليهود الذين كانوا يصورون للناس أن لسحرهم القدرة التى لا تقاومها قدرة. أريد أن أقول شيئا آخر. ليس من الخير أن نقول سندا فيه محاولة لهدم أقوى سند فى الوجود. سند النبوة الخاتمة لخاتم النبيين محمد ﷺ. وليست العصمة التامة لأحد، والله وحده هو الذى يعصمنا.
(٢) الذى فى الصحيحين وأحمد أن عائشةرضي الله عنها كانت تحدث أن رسول الله ﷺ سهر ذات ليلة، وهى إلى جنبه، قالت: فقلت: ما شأنك يا رسول الله؟ قال ليت رجلا صالحا من أصحابى يحرسنى الليلة. قالت: فبينا أنا على ذلك إذ سمعت صوت السلاح، فقال من هذا، فقال: أنا سعد ابن مالك، فقال: ما جاء بك؟ قال: جئت لأحرسك يا رسول الله، قالت: فسمعت غطيط رسول الله ﷺ فى نومه. وفى بعض الروايات ان أن هذا حدث ذات ليلة مقدمه المدينة على أثر هجرته إليه، وبعد أن بنى بعائشة فى السنة الثانية. أما ما رواه السهيلى فقد ورد فيما روى ابن أبى حاتم والترمذى ثم قال: وهذا حديث غريب.
[ ٤ / ٤٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لكلامين كلاما واحدا، وذلك أَنّ عَائِشَةَ قَالَتْ لَهُ أَيْضًا: هَلّا اسْتَخْرَجْته، أَيْ: هَلّا اسْتَخْرَجْت السّحْرَ مِنْ الْجُفّ وَالْمُشَاطَةِ، حَتّى يُنْظَرَ إلَيْهِ، فَلِذَلِكَ قَالَ: وَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النّاسِ شَرّا، قَالَ ابْنُ بَطّالٍ: كَرِهَ أَنْ يُخْرِجَهُ، فَيَتَعَلّمُ مِنْهُ بَعْضُ النّاسِ، فَذَلِكَ هُوَ الشّرّ الّذِي كَرِهَهُ.
قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشّرّ غَيْرَ هَذَا، وَذَلِكَ أَنّ السّاحِرَ كَانَ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ، فَلَوْ أَظْهَرَ سِحْرَهُ لِلنّاسِ، وَأَرَاهُمْ إيّاهُ لَأَوْشَكَ أَنْ يُرِيدَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَتْلَهُ، وَيَتَعَصّبَ لَهُ آخَرُونَ مِنْ عَشِيرَتِهِ فَيَثُورُ شَرّ كَمَا ثَارَ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ مِنْ الشّرّ مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
وَقَوْلُ عَائِشَةَ: هَلّا اسْتَخْرَجْته هُوَ فِي حَدِيثَيْنِ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيّ جَمِيعًا، وَأَمّا جَوَابُهُ لَهَا فِي حَدِيثِ: هَلّا تَنَشّرْت: بِقَوْلِهِ أَمّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللهُ، وَجَوَابُهُ لَهَا حِينَ قَالَتْ: هَلّا اسْتَخْرَجْته: بِأَنْ قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النّاسِ شَرّا، فَلَمّا جَمَعَ الرّاوِي بَيْنَ الْجَوَابَيْنِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ اسْتَغْلَقَ الْكَلَامُ، وَإِذَا نَظَرْت الْأَحَادِيثَ مُتَفَرّقَةً تَبَيّنْت، وَعَلَى هَذَا النّحْوِ شَرَحَ هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ بَطّالٍ.
وَأَمّا الْفِقْهُ الّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ فَهُوَ إبَاحَةُ النّشْرَةِ «١» مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ:
هَلّا تَنَشّرْت، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا قولها.
_________________
(١) النشرة: ضرب من الرقية والعلاج يعالج به من كان يظن أن به مسا من الجن، سميت نشرة، لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء. وقال الحسن: نشرة من السحر، وقد نشرت عنه تنشيرا.
[ ٤ / ٤٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ أَنّهُ سُئِلَ عَنْ النّشْرَةِ لِلّذِي يُؤْخَذُ عَنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ لَمْ يُنْهَ عَنْ الصّلَاحِ، إنّمَا نُهِيَ عَنْ الْفَسَادِ، وَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ. وَمِنْ النّاسِ مَنْ كَرِهَ النّشْرَةَ عَلَى الْعُمُومِ، وَنَزَعَ بِحَدِيثِ خَرّجَهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا: أَنّ النّشْرَةَ مِنْ عَمَلِ الشّيْطَانِ، وَهَذَا- وَاَللهُ أَعْلَمُ- فِي النّشْرَةِ الّتِي فِيهَا الْخَوَاتِمُ وَالْعَزَائِمُ، وَمَا لَا يُفْهَمُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْعَجَمِيّةِ «١»، وَلَوْلَا الْإِطَالَةُ الْمُخْرِجَةُ لَنَا عَنْ غَرَضِنَا لَقَدّرْنَا الرّخْصَةَ بِالْآثَارِ، وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ، وَاَللهُ الْمُسْتَعَانُ. وَكَانَتْ عُقَدُ السّحْرِ أَحَدَ عَشَرَ عُقْدَةً، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى الْمُعَوّذَتَيْنِ أَحَدَ عَشَرَ آيَةً، فَانْحَلّتْ بِكُلّ آيَةٍ عُقْدَةٌ «٢»، قَالَ تَعَالَى: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ وَلَمْ يَقُلْ النّفّاثِينَ، وَإِنّمَا كَانَ الّذِي سَحَرَهُ رَجُلًا «٣» وَالْجَوَابُ: أَنّ الْحَدِيثَ قَدْ رَوَاهُ إسْمَاعِيلُ القاضى،
_________________
(١) من يتأمل فيما قيل عنه إنه رقى شرعية يجد دعاء إلى الله سبحانه. فلم نسمى هذه الدعوات الطيبات نشرات أورقى؟ وللاسمين ما لهما من إيحاء غير طيب بل إيحاء يغلب أن يكون خبيثا، بل إن الكثير من الرقى هو عين الشرك. فلنقل: إن المفروض هو الدعاء، بدلا من القول: إن الرقى أو النشرات مباحة، فننزع بالناس إلى اتخاذ أحط وسائل الشرك قربا إلى الله!!
(٢) هذا مما روى بلا إسناد، وفى حديثه نكارة وغرابة، ورغم هذا ففى الحديث أنها أثنتا عشرة عقدة!! أما الآيات، فإحدى عشرة!!.
(٣) يقول بعض المفسرين قولا طيبا: المراد بالنفث فى العقد: إبطال عزائم الرجال بالحيل مستعار من تليين العقدة بنفث الريق ليسهل حله. ويقول الشيخ حامد الفقى ﵀ تعليقا على تفسير ابن القيم للمعوذتين «النفث الذى يليق بعظمة بلاغة القرآن، وفخامة أسلوبه: هو نفث المفسدين سمومهم بالكذب والغيبة والنميمة وقالة السوء، فى عقد الصلات بين الناس، حتى يفكوا عرى-
[ ٤ / ٤٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ أَنّ زَيْنَبَ الْيَهُودِيّةَ أَعَانَتْ لَبِيدَ بْنَ الْأَعْصَمِ عَلَى ذَلِكَ السّحْرِ، مَعَ أَنّ الْأُخْذَةَ فِي الْغَالِبِ مِنْ عَمَلِ النّسَاءِ وَكَيْدِهِنّ.
إسْلَامُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ سَلَامٌ هُوَ بِتَخْفِيفِ اللّامِ، وَلَا يُوجَدُ مَنْ اسْمُهُ سَلَامٌ بِالتّخْفِيفِ فِي الْمُسْلِمِينَ لِأَنّ السّلَامَ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ، فَيُقَالُ عَبْدُ السّلَامِ، وَيُقَالُ سَلّامٌ بِالتّشْدِيدِ، وَهُوَ كَثِيرٌ، وَإِنّمَا سَلَامٌ بِالتّخْفِيفِ فِي الْيَهُودِ، وَهُوَ وَالِدُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ مِنْهُمْ.
ذَكَرَ فِيهِ قَوْلَ عَمّتِهِ خَالِدَةَ أَهُوَ النبى لذى كُنّا نُخْبَرُ أَنّهُ يُبْعَثُ مَعَ نَفَسِ السّاعَةِ، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇: إنّي لَأَجِدُ نَفَسَ السّاعَةِ بَيْنَ كَتِفِي، وَفِي مَعْنَى قَوْلِهِ: نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ وَمَنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْ طَالِبِهِ، فَنَفَسُ الطّالِبِ بين كفتيه «١»، وكأن النّفس فى هذا الحديث
_________________
(١) - الزوجية والمودة والرحمة وغيرها، وشر وضرر هذا فى الناس أكثر جدا من شر من يقولون: إنهم سحرة» ص ٥٧١ التفسير ألقيم ط ١. وقيل عن تأنيث النفاثات أن المراد: النفوس: أقول: وهذا هو الأوفق، وليعم كل نافث ونافثة.
(٢) فسر ابن الأثير القول بقوله: أى بعثت وقد حان قيام الساعة وقرب.. فأطلق النفس على القرب، وقيل معناه أنه جعل للساعة نفسا كنفس الإنسان، أراد: أنى بعثت فى وقت قريب منها أحس فيه بنفسها كما يحس بنفس الإنسان إذا قرب منه، يعنى: بعثت فى وقت بانت أشراطها فيه، وظهرت علاماتها، ويروى فى نسم الساعة. وفى الترمذى «بعثت فى نفس الساعة، فسبقتها، كما سبقت هذه، وأشار بأصبعه السبابة والوسطى» .
[ ٤ / ٤٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عِبَارَةٌ عَنْ الْفِتَنِ الْمُؤْذِنَةِ بِقِيَامِ السّاعَةِ، وَكَانَ بَدْؤُهَا حِينَ وَلّى أُمّتَهُ ظَهْرَهُ خَارِجًا مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانِيهِمْ إلَى اللهِ تَعَالَى، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: وَأَنَا أَمَانٌ لِأُمّتِي، فَإِذَا ذَهَبْت أَتَى أُمّتِي مَا يُوعَدُون، فَكَانَتْ بَعْدَهُ الْفِتْنَةُ ثُمّ الْهَرْجُ «١» الْمُتّصِلُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَنَحْوٌ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ ﵇: بُعِثْت أَنَا وَالسّاعَةُ كَهَاتَيْنِ «٢»، يَعْنِي السّبّابَةَ وَالْوُسْطَى، وَهُوَ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَابْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، وَجَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ كُلّهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ- وَفِي حَدِيثِ سَهْلٍ سَبَقْتهَا بِمَا سَبَقَتْ هَذِهِ هَذِهِ، يَعْنِي: الْوُسْطَى وَالسّبّابَةَ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ: إنْ كَادَتْ لَتَسْبِقُنِي. وَرَوَاهُ أَيْضًا: أَبُو جُبَيْرَةَ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: جِئْت أَنَا وَالسّاعَةُ كَهَاتَيْنِ سَبَقْتهَا كَمَا سَبَقَتْ هَذِهِ هَذِهِ فِي نَفَسٍ مِنْ السّاعَةِ، أَوْ فِي نَفَسِ السّاعَةِ، خَرّجَهَا الطّبَرِيّ بِجَمِيعِ أَسَانِيدِهَا، وَبَعْضُهَا فِي الصّحِيحَيْنِ، وَفِي بَعْضِهَا زِيَادَةٌ عَلَى بَعْضٍ.
وَخَالِدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ قَدْ ذَكَرَ إسْلَامَهَا، وَهِيَ مِمّا أَغْفَلَهُ أَبُو عُمَرَ فى كتاب الصحابة، وقد استدر كناها عَلَيْهِ فِي جُمْلَةِ الِاسْتِدْرَاكَاتِ الّتِي أَلْحَقْنَاهَا بِكِتَابِهِ.
وَذَكَرَ حَدِيثَ مُخَيْرِيقٍ، وَقَالَ فِيهِ: مُخَيْرِيقٌ خَيْرُ يَهُودَ، وَمُخَيْرِيقٌ مُسْلِمٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي مُسْلِمٍ: هُوَ خَيْرُ النّصَارَى، وَلَا خَيْرَ الْيَهُودِ، لِأَنّ أَفْعَلَ مِنْ كَذَا إذَا أُضِيفَ فَهُوَ بَعْضِ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: وكيف جاز هذا؟ قلنا:
_________________
(١) الهرج: القتل.
(٢) متفق عليه.
[ ٤ / ٤٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِأَنّهُ قَالَ خَيْرُ يَهُودَ، وَلَمْ يَقُلْ خَيْرُ الْيَهُودِ، وَيَهُودُ اسْمُ عَلَمٍ كَثَمُودَ، يُقَالُ:
إنّهُمْ نسبوا إلى يهوذ بْنِ يَعْقُوبَ، ثُمّ عُرّبَتْ الذّالُ دَالًا، فَإِذَا قُلْت: الْيَهُودُ بِالْأَلِفِ وَاللّامِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ النّسَبَ وَالدّينَ الّذِي هُوَ الْيَهُودِيّةُ «١»، أَمّا النّسَبُ فَعَلَى حَدّ قَوْلِهِمْ التّيْمُ فِي التّيْمِيّينَ وَأَمّا الدّينُ فَعَلَى حَدّ قَوْلِك: النّصَارَى وَالْمَجُوسُ أَعْنِي: أَنّهَا صِفَةٌ، لَا أَنّهَا نَسَبٌ إلَى أَب. وَفِي الْقُرْآنِ لَفْظٌ ثَالِثٌ، لَا يُتَصَوّرُ فِيهِ إلّا مَعْنًى وَاحِدٌ، وَهُوَ الدّينُ دُونَ النّسَبِ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ:
وَقالُوا: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى الْبَقَرَةُ: ١٣٥. بِحَذْفِ الْيَاءِ، وَلَمْ يَقُلْ:
كُونُوا يَهُودَ لِأَنّهُ أَرَادَ التّهَوّدَ، وَهُوَ التّدَيّنُ بِدِينِهِمْ، وَلَوْ قَالَ: كُونُوا يَهُودًا بِالتّدَيّنِ، لَجَازَ أَيْضًا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدّمَيْنِ، وَلَوْ قِيلَ لِقَوْمِ مِنْ الْعَرَبِ:
كُونُوا يَهُودَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، لَكَانَ مُحَالًا، لِأَنّ تَبْدِيلَ النّسَبِ حَقِيقَةً مُحَالٌ، وَقَدْ قِيلَ فِي هُودٍ: جَمْعُ هَائِدٍ «٢»، وَهُوَ فِي مَعْنَى مَا قُلْنَاهُ، فَلْتَعْرِفْ الْفَرَقَ بَيْنَ قَوْلِك هُودًا بِغَيْرِ يَاءٍ، وَيَهُودًا بِالْيَاءِ وَالتّنْوِينِ، وَيَهُودَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَإِنّهَا تَفْرِقَةٌ حَسَنَةٌ صَحِيحَةٌ وَاَللهُ أَعْلَمُ وَلَمْ يُسْلِمْ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلا اثْنَانِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: لَوْ اتّبَعَنِي عَشْرَةٌ مِنْ الْيَهُودِ لَمْ يَبْقَ فِي الْأَرْضِ يَهُودِيّ إلّا اتّبَعَنِي «٣» . رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَسَمِعَ كعب الأحبار
_________________
(١) ليس دينا إلهيا، إنما هو من افتراء شهوات حاخاميم اليهود وأحبارهم.
(٢) تاب ورجع إلى الحق، وقد مثلوها فى الجمع بحائل وعائط من النوق مفرد حول وعوط.
(٣) فى الجامع الصغير للسيوطى «لو آمن بى عشرة من اليهود، لآمن بى اليهود» وذكر أن البخارى خرجه.
[ ٤ / ٤٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدّثُ، فَقَالَ لَهُ: إنّمَا الْحَدِيثُ: اثْنَا عَشَرَ مِنْ الْيَهُودِ، وَمِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي القرآن (وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا) فَسَكَتَ أَبُو هُرَيْرَةَ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: أَبُو هُرَيْرَةَ أَصْدَقُ مِنْ كَعْبٍ. قَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَامٍ كِلَاهُمَا: (صَدَقَ)؛ لِأَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ إنّمَا أَرَادَ: لَوْ اتّبَعَنِي عَشْرَةٌ مِنْ الْيَهُودِ بَعْدَ هَذَيْنِ اللّذَيْنِ قَدْ أسلما.
ذكر المنافقين فصل: وذكر نبتلا مِنْ الْمُنَافِقِينَ، قَالَ: وَكَانَ أَدْلَمَ، وَالْأَدْلَمُ الْأَسْوَدُ الطّوِيلُ مِنْ كُلّ شَيْءٍ. وَقِيلَ لِجَمَاعَةِ النّمْلِ: دَيْلَمٌ، لِسَوَادِهِمْ مِنْ كِتَابِ الْعَيْنِ.
وَذَكَرَ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْدٍ، وَقَتْلَهُ لِلْمُجَذّرِ بْنِ ذِيَادٍ. وَاسْمُ الْمُجَذّرِ:
عَبْدُ اللهِ، وَالْمُجَذّرُ: الْغَلِيظُ الْخُلُقِ «١» .
وَذَكَرَ أَنّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ فِي الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ وَارْتِدَادِهِ: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ آلُ عِمْرَانَ: ٨٦ فَقِيلَ: إنّ هَذِهِ الْآيَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى سَبَبِهَا مَخْصُوصَةٌ بِمَنْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللهِ أَنّهُ لَا يَهْدِيهِ مِنْ كُفْرِهِ، وَلَا يَتُوبُ عَلَيْهِ مِنْ ظُلْمِهِ، وَإِلّا فَالتّوْبَةُ مَفْرُوضَةٌ، وَقَدْ تَابَ قَوْمٌ بَعْدَ ارْتِدَادِهِمْ، فَقُبِلَتْ تَوْبَتُهُمْ.
وَقِيلَ لَيْسَ فِيهَا نَفْيٌ لِقَبُولِ التّوْبَةِ، فَإِنّهُ قَالَ: كَيْفَ يَهْدِي اللهُ، وَلَمْ يَقُلْ لَا يَهْدِي اللهُ، عَلَى أَنّهُ قَدْ قَالَ فِي آخِرِهَا: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) وَذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى الْخُصُوصِ، كَمَا قَدّمْنَا أَوْ إلَى مَعْنَى الْهِدَايَةِ فِي الظّلْمَةِ الّتِي عِنْدَ الصراط بالنور
_________________
(١) فى الاشتقاق لابن دريد: رجل مجذر: قصير متقارب الخلق.
[ ٤ / ٤١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التام يوم القيامة، فان ذلك مننف عَمّنْ مَاتَ غَيْرَ تَائِبٍ مِنْ كُفْرِهِ وَظُلْمِهِ.
وَاَللهُ أَعْلَمُ «١» .
ذَكَرَ حَدِيثَ بَشِيرِ «٢» بْنِ أُبَيْرِقٍ سَارِقُ الدّرْعَيْنِ وَذَكَرَ أَنّ اللهَ أَنْزَلَ فِيهِ: وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ
النّسَاءُ: ١٧ الْآيَةُ: وَكَانَ مِنْ قِصّةِ الدّرْعَيْنِ، وَقِصّةِ بَشِيرٍ أَنّ بَنِي أُبَيْرِقٍ، وَهُمْ ثَلَاثَةٌ بَشِيرٌ وَمُبَشّرٌ وَبِشْرٌ «٣» نَقَبُوا مَشْرُبَةً «٤» أَوْ نَقَبَهَا بَشِيرٌ وَحْدَهُ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ، وَكَانَتْ الْمَشْرُبَةُ لِرِفَاعَةِ بْنِ زَيْدٍ، وَسَرَقُوا أَدْرَاعًا لَهُ، وَطَعَامًا فَعَثَرَ عَلَى ذَلِكَ، فَجَاءَ ابْنُ أَخِيهِ قَتَادَةُ بن النّعمان يشكو بهم إلى رسول
_________________
(١) روى النسائى والحاكم وابن حبان وابن جرير عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتد، ولحق بالشرك، ثم ندم، فأرسل إلى قومه: أن سلوا لى رسول الله: هل لى من توبة، فنزلت: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ.. الآية، فأرسل إليه قومه، فأسلم. وأخرج عبد الرزاق أنها نزلت فى حق الحارث ابن سويد، وأنه حسن إسلامه بعد ارتداده. وأذكر هنا معانى بعض ما تركه السهيلى من شرح السيرة للخشنى. الشمردلات: الإبل الطوال. والوهج: شدة الحر. بجاد بن عثمان: بالنون والباء، وقيده الدارقطنى بالباء ثائر شعر الرأس: مرتفعه. أسفع: السفعة: حمرة تضرب إلى سواد.
(٢) قيده الدارقطنى بضم الباء. وفى السيرة بفتحها.
(٣) فى الأصل بشير وهو خطأ. وفى تفسير الطبرى ضبط بشير بضم الباء ويقول الخشنى: وقع هنا بشير، بفتح الباء، وقال الدارقطنى: إنما هو بشير بضم الباء.
(٤) بضم الراء وفتحها: الغرفة.
[ ٤ / ٤١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللهِﷺ- فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ هَؤُلَاءِ عَمَدُوا إلَى أَهْلِ بَيْتٍ هُمْ أَهْلُ صَلَاحٍ وَدِينٍ، فَأَبَنُوهُمْ بِالسّرِقَةِ، وَرَمَوْهُمْ بِهَا مِنْ غَيْرِ بَيّنَةٍ، وَجَعَلَ يُجَادِلُ عَنْهُمْ حَتّى غَضِبَ رَسُولُ اللهِﷺ- عَلَى قَتَادَةَ وَرِفَاعَةَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ
النّسَاءُ ١٠٧ الْآيَةُ، وَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا
النّسَاءُ ١١٢ وَكَانَ الْبَرِيءُ الّذِي رَمَوْهُ بِالسّرِقَةِ لَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ: قَالُوا: مَا سَرَقْنَاهُ، وَإِنّمَا سَرَقَهُ لبيد ابن سَهْلٍ، فَبَرّأَهُ اللهُ، فَلَمّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ مَا أَنْزَلَ، هَرَبَ ابْنُ أُبَيْرِقٍ السّارِقُ إلَى مَكّةَ، وَنَزَلَ عَلَى سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ شَهِيدٍ «١»، فَقَالَ فِيهَا حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ بَيْتًا، يُعَرّضُ فِيهِ بِهَا، فَقَالَتْ: إنّمَا أَهْدَيْت لِي شِعْرَ حَسّانَ، وَأَخَذَتْ رَحْلَهُ، فَطَرَحَتْهُ خَارِجَ الْمَنْزِلِ «٢»، وَقَالَتْ: حَلَقْت وَسَلَقْت وَخَرَقْت «٣» إنْ بِتّ فِي مَنْزِلِي لَيْلَةً سَوْدَاءَ، فَهَرَبَ إلَى خَيْبَرَ، ثُمّ إنّهُ نَقَبَ بَيْتًا ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَسَقَطَ الْحَائِطُ عَلَيْهِ فَمَاتَ. ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ بِكَثِيرِ من ألفاظه التّرمذىّ، وذكره
_________________
(١) فى تفسير الطبرى: بنت سعد بن سهيل، وفى تفسير ابن كثير: بنت سعد بن سمية.
(٢) فى تفسير الطبرى، فوضعته على رأسها، ثم خرجت فرمته بالأبطح.
(٣) الحالقة: التى تحلق شعرها عند المصيبة. وهى فى الأصل: حلفت وفيها ورد من حديث أنه لعن من النساء الحالقة والسالقة والخارقة. وفى اللسان فى مادة حلق: وفى حديث ليس منا من سلق أو حلق أو خرق، أى ليس من سنتنا رفع الصوت فى المصائب ولا حلق الشعر، ولا خرق الثياب وسلافة تدعو على نفسها بهذه الأشياء.
[ ٤ / ٤١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْكَشّيّ وَالطّبَرِيّ بِأَلْفَاظِ مُخْتَلِفَةٍ، وَذَكَرَ قِصّةَ مَوْتِهِ يَحْيَى بْنُ سَلّامٍ فِي تَفْسِيرِهِ وَوَقَعَ اسْمُهُ فِي أَكْثَرِ التّفَاسِيرِ: طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ «١» وَفِي كُتُبِ الْحَدِيثِ:
بَشِيرُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْهُ: بَشِيرُ أَبُو طُعْمَةَ فَلَيْسَ طُعْمَةُ إذًا اسْمًا لَهُ، وَإِنّمَا هُوَ أَبُو طُعْمَةَ، كَمَا ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي هَذِهِ الرّوَايَةِ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ أَيْضًا أَنّ الْحَائِطَ الّذِي سقط عليه كان بالطائف لا يخيبر، كَمَا قَالَ ابْنُ سَلّامٍ، وَأَنّ أَهْلَ الطّائِفِ قَالُوا حِينَئِذٍ:
مَا فَارَقَ مُحَمّدًا مِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ فِيهِ خَيْرٌ. وَالْأَبْيَاتُ الّتِي رَمَى بِهَا حَسّانُ الْمَرْأَةَ، وَهِيَ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عوف، وقد تقدم اسمها:
وما سَارِقُ الدّرْعَيْنِ إذْ كُنْت ذَاكِرًا بِذِي كَرَمٍ مِنْ الرّجَالِ أُوَادِعُهْ
وَقَدْ أَنَزَلَتْهُ بِنْتُ سَعْدٍ فأصبحت ينازعها جارستها وَتُنَازِعُهْ
ظَنَنْتُمْ بِأَنْ يَخْفَى الّذِي قَدْ صَنَعْتُمْ وَفِيكُمْ نَبِيّ عِنْدَهُ الْوَحْيُ وَاضِعُهْ
وَقَعَ هَذَا الْبَيْتُ فِي كِتَابِ سِيبَوَيْهِ «٢» . وَذَكَرَ الشّعْرَ وَالْخَبَرَ بِطُولِهِ ابْنُ إسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْهُ.
_________________
(١) هو كذلك فى تفسير الطبرى.
(٢) فى سيبويه ص ٢٤٢ ح ١ ط ١ «وفينا نبى» ويقول شارح شواهده: الشاهد فيه جرى قوله واضعه على النبى «ص» مع إعادة الضمير على الوحى، وهو لا يحتمل القلب كما تقدم فى الباب، وقد رد عليه هذا التقدير وجعل الضمير عائدا على الذى قد صنعتم على تقدير: وفينا نبى واضع ما قد صنعتم، لا على الوحى كما قدره والحجة لسيبويه أن رده على الوحى أولى لأنه يريد: يضع فينا ما يوحى إليه، فينبئنا بصنيعكم على الحقيقة، وإذا رد الضمير على الذى كان التقدير: واضع الذى صنعتم-
[ ٤ / ٤١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَصْلٌ: وَأَنْشَدَ ابْنُ هِشَامٍ:
لَدَمُ الْوَلِيدِ وَرَاءَ الغيب بالحجر
والبيت لتميم بن أبى ابن مقبل، واللّدم: الضرب، والغيب: العاثر مِنْ الْأَرْضِ.
بَابٌ إخْرَاجُ الْمُنَافِقِينَ:
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي بَابِ إخْرَاجِ الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَبَا مُحَمّدٍ، وَقَالَ:
هُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي النّجّارِ، وَلَمْ يُعَرّفْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا، وَهُوَ: أبو محمد مسعود ابن أَوْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّجّارِ «١»، يُعَدّ فِي الشّامِيّينَ، وَهُوَ الّذِي زَعَمَ أَنّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ، فَقَالَ عُبَادَةُ: كَذَبَ أَبُو مُحَمّدٍ، وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي الْبَدْرِيّينَ عِنْدَ الْوَاقِدِيّ وطائفة، ولم يذكره ابن إسحاق فيهم.
_________________
(١) - مطلقا دون ربطه بالوحى الذى هو أكشف لحقيقته، والوضع هنا النشر والبث» أقول: وما أظن حسانا ينطق بالبيت الثانى، فهو لا يتفق مع أدب الصحابة وهو قذف لم تقم عليه بينة.
(٢) فى الإصابة: مسعود بن أوس بن أصرم بن زيد الخ. وقال ابن عبد البر أدخل الواقدى وابن عمارة بين أوس وأصرم زيدا آخر. وفى جمهرة ابن حزم ص ٢٢٩ كما فى الروض. ويقول جعفر المستغفرى: أبو محمد الذى كذبه عبادة فى وجوب الوتر اسمه: مسعود بن زيد بن سبيع. هذا وقد وهم ابن عبد البر فزعم أن ابن إسحاق لم يذكره فى البدريين، وهو قد ذكره فيمن شهدها من بنى زيد بن ثعلبة.
[ ٤ / ٤١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ذَكَرَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي الْمُنَافِقِينَ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي الْمُنَافِقِينَ وَالْأَحْبَارِ وَمِنْ يَهُودَ مِنْ صَدْرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَاسْتَشْهَدَ ابْنُ هِشَامٍ عَلَى الرّيْبِ بِمَعْنَى الرّيبَةِ بِقَوْلِ خَالِدِ بْنِ زُهَيْرِ ابْنِ أُخْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ، وَاسْمُ أَبِي ذُؤَيْبٍ: خُوَيْلِدُ بْنُ خَالِدٍ، وَالرّجَزُ الذى استشهد ببيت منه: يا قوم مالى وَأَبَا ذُؤَيْب كُنْت إذَا أَتَيْته مِنْ غَيْبِ يَشُمّ عَطْفِي وَيَمَسّ ثَوْبِي كَأَنّنِي أَرَبْته بِرَيْب وَكَانَ أَبُو ذُؤَيْبٍ قَدْ اتّهَمَهُ بِامْرَأَتِهِ، فَلِذَلِكَ، قَالَ هَذَا. وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاَلّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلَاةَ، وَأَغْفَلَ التّلَاوَةَ: وَإِنّمَا هُوَ: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ الْبَقَرَةُ: ٣. وَكَذَلِكَ وَجَدْته مُنَبّهًا عَلَيْهِ فِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ: وَفِي الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ أَقْوَالٌ، مِنْهَا أَنّ الغيب ههنا ما بعد الموت من أمور الآخرة، ومنها: أن الغيب: القدر، ومنها قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنّ الْغَيْبَ الْقَلْبُ، أَيْ يُؤْمِنُونَ بِقُلُوبِهِمْ، وَقِيلَ: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، أَيْ بِاَللهِ ﷿، وَأَحْسَنُ مَا فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَوْلُ الرّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، أَيْ: يُؤْمِنُونَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، أَيْ: لَيْسُوا كَالْمُنَافِقِينَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ إذَا لَقُوا الّذِينَ آمَنُوا وَيَكْفُرُونَ إذَا غَابُوا عَنْهُمْ، وَيَدُلّ عَلَى صِحّةِ هَذَا التّأْوِيلِ: بِسِيَاقَةِ الْكَلَامُ، مَعَ قَوْلِهِ ﷿ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ فَلَا يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: يَخْشَوْنَ رَبّهُمْ بِالْغَيْبِ إلّا تَأْوِيلًا وَاحِدًا، فَإِلَيْهِ يُرَدّ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ. وقوله سبحانه: لا ريب فيه، وَقَدْ ارْتَابَ فِيهِ كَثِيرٌ
[ ٤ / ٤١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْ النّاسِ، قِيلَ: هُوَ عَلَى الْخُصُوصِ فِي الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ لَا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ. قَالَ الْمُؤَلّفُ: ﵁: وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنّ التّبْرِئَةَ تُعْطِي الْعُمُومَ، وَأَصَحّ مِنْهُ:
أَنّ الْكَلَامَ ظَاهِرُهُ الْخَبَرُ، وَمَعْنَاهُ: النّهْيُ، أَيْ: لَا تَرْتَابُوا، وَهَذَا النّهْيُ عَامّ لَا يُخَصّصُ، وَأَدَقّ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ خَبَرًا مَحْضًا عَنْ الْقُرْآنِ، أَيْ: لَيْسَ فِيهِ مَا يَرِيبُ، تَقُولُ: رَابَنِي مِنْك كَذَا وَكَذَا، إذَا رَأَيْت مَا تُنْكِرُ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا تُنْكِرُهُ الْعُقُولُ. وَالرّيْبُ، وَإِنْ كَانَ مَصْدَرًا فَقَدْ يُعَبّرُ بِهِ عَنْ الشّيْءِ الّذِي يَرِيبُ، كَمَا يُعَبّرُ بِالضّيْفِ عَنْ الضّائِفِ، وَبِالطّيْفِ عَنْ الْخَيَالِ الطّائِفِ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ فَهَذَا خَبَرٌ، لِأَنّ النّهْيَ لَا يَكُونُ فِي مَوْضِعِ الصّفَةِ.
وَقَوْلُهُ: لَا رَيْبَ فِيهِ فِي مَوْضِعِ الصّفَةِ لِيَوْمِ، وَالْحَيَاةُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَيْسَ فِيهِ مَا يَرِيبُك، لِأَنّ مَنْ قَدَرَ عَلَى البدءة، فَهُوَ عَلَى الْإِعَادَةِ أَقْدَرُ، وَلَيْسَ الرّيْبُ بِمَعْنَى الشّكّ عَلَى الْإِطْلَاقِ، لِأَنّك تَقُولُ: رَابَنِي منك رَائِبٌ، وَلَا تَقُولُ شَكّنِي، بَلْ تَقُولُ: ارْتَبْت كَمَا تَقُولُ شَكَكْت، فَالِارْتِيَابُ: قَرِيبٌ مِنْ الشّكّ «١» .
وَذَكَرَ قَوْلَ اللهِ سُبْحَانَهُ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وأصل المرض: الضعف
_________________
(١) يقول الراغب فى مفرداته: الشك: اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما. والريب: أن تتوهم بالشىء أمرا، فينكشف عما تتوهمه ويقول الإمام ابن تيمية فى كتابه مقدمة فى أصول التفسير ص ١٦ «ومن قال لا ريب: لا شك، فهذا تقريب، وإلا فالريب فيه اضطراب وحركة كما قال: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فكما أن اليقين ضمن السكون والطمأنينة، فالريب ضده» ط السلفية
[ ٤ / ٤١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفُتُورُ الْأَعْضَاءِ، وَهُوَ هَاهُنَا ضَعْفُ الْيَقِينِ، وَفُتُورُ الْقَلْبِ عَنْ كَدّ النّظَرِ، وَعَطَفَ:
فَزَادَهُمْ اللهُ، وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ لَا يُعْطَفُ عَلَى الِاسْمِ، وَلَا عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، لَوْ قُلْت: فِي الدّارِ زَيْدٌ، فَأَعْطَيْته دِرْهَمًا لَمْ يَجُزْ، وَلَكِنْ لَمّا كَانَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ:
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ كَمَعْنَى مَرِضَتْ، قُلُوبُهُمْ صَحّ عَطْفُ الْفِعْلِ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: يَا بَنِي إسرائيل، وَوَهِمَ فِي التّلَاوَةِ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ، كَمَا وَهِمَ فِي أَوّلِ السّورَةِ. وَبَنُو إسْرَائِيلَ: هُمْ بَنُو يَعْقُوبَ، وَكَانَ يُسَمّى: إسْرَائِيلَ، أَيْ سَرِيّ اللهِ «١» لَكِنْ لَمْ يُذْكَرُوا فِي الْقِرَاءَةِ إلّا أُضِيفُوا إلَى إسْرَائِيلَ، وَلَمْ يُسَمّوْا فِيهِ: بَنُو يَعْقُوبَ، وَمَتَى، ذُكِرَ إبْرَاهِيمُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ لَمْ يُسَمّ إسْرَائِيلُ، وَذَلِكَ لِحِكْمَةِ فُرْقَانِيّةٍ، وَهُوَ أن القوم لما خوطبوا بعبادة الله، وذكّروا بِدِينِ أَسْلَافِهِمْ مَوْعِظَةً لَهُمْ، وَتَنْبِيهًا مِنْ غَفْلَتِهِمْ سُمّوا بِالِاسْمِ الّذِي فِيهِ تَذْكِرَةٌ بِاَللهِ، فَإِنّ إسرائيل اسم مضاف إلى
_________________
(١) فى قاموس الدكتور بوست أن معنى إسرائيل هو: الأمير المجاهد مع الله، ثم أطلق هذا اللقب على جميع ذرية يعقوب إلى حين انفصال عشرة الأسباط عن بيت داود وتحيزهم مملكة وحدها، فأطلق عليها مملكة إسرائيل تمييزا لها عن مملكة يهوذا. والعجيب الغريب أن الإصحاح الثالث والثلاثين من سفر التكوين بقص أن الله لقب يعقوب بإسرائيل بعد أن صارع الله- وهو فى صورة إنسان- يعقوب «ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حق فخذه، فانخلع حق فخذ يعقوب فى مصارعته معه، وقال: أطلقنى. لأنه قد طلع الفجر، فقال: لا أطلقك إن لم تباركنى، فقال له: ما اسمك؟ فقال: يعقوب، فقال: لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب. بل إسرائيل لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت» فقرات ٢٦- ٢٩ أولا يعرف الله اسم يعقوب؟ أو يبلغ العدوان على الله هذا الحد؟.
[ ٤ / ٤١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللهِ تَعَالَى فِي التّأْوِيلِ. أَلَا تَرَى: كَيْفَ نَبّهَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى رَسُولَ اللهِ ﷺ- حِينَ دَعَا إلَى الْإِسْلَامِ قَوْمًا، يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ لَهُمْ:
يَا بَنِي عَبْدِ اللهِ، إنّ اللهَ قَدْ حَسّنَ اسْمَ أَبِيكُمْ يُحَرّضُهُمْ بِذَلِكَ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ اسْمُهُمْ مِنْ الْعُبُودِيّةِ لِلّهِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: يَا بَنِي إسْرَائِيلَ إنّمَا وَرَدَ فِي مَعْرِضِ التّذْكِرَةِ لَهُمْ بِدِينِ أَبِيهِمْ، وَعُبُودِيّتِهِ لِلّهِ، فَكَانَ ذِكْرُهُمْ بِهَذَا الِاسْمِ أَلْيَقَ بِمَقَامِ التّذْكِرَةِ وَالتّحْرِيضِ مِنْ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَا بَنِي يَعْقُوبَ، وَلَمّا ذَكَرَ مَوْهِبَتَهُ لِإِبْرَاهِيمَ وَتَبْشِيرَهُ بِإِسْحَاقِ، ثُمّ يَعْقُوبَ كَانَ لَفْظُ يَعْقُوبَ أَوْلَى بِذَلِكَ الْمَقَامِ، لِأَنّهَا مَوْهِبَةٌ بِعَقِبِ أُخْرَى، وَبُشْرَى عَقّبَ بِهَا بُشْرَى وَإِنْ كَانَ اسْمُ يَعْقُوبَ عِبْرَانِيّا، وَلَكِنّ لَفْظَهُ مُوَافِقٌ لِلْعَرَبِيّ فِي الْعَقِبِ وَالتّعْقِيبِ «١»، فَانْظُرْ مُشَاكَلَةَ الِاسْمَيْنِ لِلْمَقَامَيْنِ، فَإِنّهُ مِنْ بَابِ النّظَرِ فِي إعْجَازِ الْقُرْآنِ وَبَلَاغَةِ أَلْفَاظِهِ وَتَنْزِيلِ الْكَلَامِ فِي مَنَازِلِهِ اللّائِقَةِ بِهِ.
حَدِيثُ أَبِي يَاسِرٍ بْنِ أَخْطَبَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ حَدِيثَ أَبِي يَاسِرٍ بْنِ أَخْطَبَ وَأَخِيهِ حيى بن أخطب حين سمعا المص «٢» وَنَحْوَهَا مِنْ الْحُرُوفِ، وَأَنّهُمْ أَخَذُوا تَأْوِيلَهَا مِنْ حُرُوفِ أَبِجَدّ إلَى قَوْلِهِ: لَعَلّهُ قَدْ جُمِعَ لِمُحَمّدِ وَأُمّتِهِ هَذَا كُلّهُ: قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَهَذَا
_________________
(١) فى الإصحاح الخامس والعشرين من سفر التكوين عن عيسو بن إسحاق وأمهما تلدهما: «وبعد ذلك خرج أخوه، ويده قابضة بعقب عيسو، فدعى اسمه: يعقوب» .
(٢) تقرأ هكذا: ألف لام ميم صاد.
[ ٤ / ٤١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْقَوْلُ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ، وَمَا تَأَوّلُوهُ مِنْ مَعَانِي هَذِهِ الْحُرُوفِ مُحْتَمَلٌ، حَتّى الْآنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَعْضِ مَا دَلّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْحُرُوفُ الْمُقَطّعَةُ، فَإِنّ رَسُولَ اللهِﷺ- لَمْ يُكَذّبْهُمْ فِيمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا صَدّقَهُمْ «١» . وَقَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ:
لَا تُصَدّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، وَلَا تُكَذّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنّا بِاَللهِ وَبِرَسُولِهِ «٢»، وَإِذَا كَانَ فِي حَدّ الِاحْتِمَالِ وَجَبَ أَنْ يُفْحَصَ عَنْهُ فِي الشّرِيعَةِ هَلْ يُشِيرُ إلَى صِحّتِهِ كِتَابٌ أَوْ سُنّةٌ، فَوَجَدْنَا فِي التّنْزِيلِ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ وَوَجَدْنَا فِي حَدِيثِ زَمْلٍ الْخُزَاعِيّ حِينَ قَصّ عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- رُؤْيَا، وَقَالَ فِيهَا: رَأَيْتُك يَا رَسُولَ اللهِ عَلَى مِنْبَرٍ لَهُ سَبْعُ دَرَجَاتٍ، وَإِلَى جَنْبِهِ نَاقَةٌ عَجْفَاءُ، كَأَنّك تَبْعَثُهَا، فَفَسّرَ لَهُ النّبِيّ ﷺ النّاقَةَ بِقِيَامِ السّاعَةِ الّتِي أُنْذِرَ بِهَا، وَقَالَ فِي الْمِنْبَرِ: وَدَرَجَاتِهِ الدّنْيَا: سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ بُعِثْت فِي آخِرِهَا أَلْفًا، وَالْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفَ الْإِسْنَادِ، فَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبّاسٍ مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ، أَنّهُ قَالَ: الدّنْيَا سَبْعَةُ أَيّامٍ كُلّ يَوْمٍ أَلْفُ سَنَةٍ، وَبُعِثَ رَسُولُ اللهِﷺ- فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْهَا. وَقَدْ مَضَتْ مِنْهُ سُنُونَ، أَوْ قَالَ: مِئُونَ، وَصَحّحَ أَبُو جَعْفَرٍ الطّبَرِيّ هَذَا الْأَصْلَ، وَعَضّدَهُ بِآثَارِ، وَذَكَرَ قَوْلَ رَسُولِ اللهِﷺ- بعثت أنا والساعة
_________________
(١) كلام يهود خرف وشعبذة، فكيف يصدق. هذا والحروف المقطعة التى افتتحت بها السور أربعة عشر حرفا بحذف المكرر منها يجمعها قولك: «نص حكيم قاطع له سر» وهى نصف الحروف عددا، وتشتمل على أصناف أجناس الحروف.
(٢) هذا إذا كان لا يخالف نصا صحيحا أو عقلا صريحا.
[ ٤ / ٤١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَهَاتَيْنِ «١»، وَإِنّمَا سَبَقْتهَا بِمَا سَبَقَتْ هَذِهِ هَذِهِ، يَعْنِي: الْوُسْطَى وَالسّبّابَةَ، وَأَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ صَحّحَهَا وَأَوْرَدَ مِنْهَا قَوْلُهُ ﵇: لَنْ يُعْجِزَ اللهَ أَنْ يُؤَخّرَ هَذِهِ الْأُمّةَ نِصْفَ يَوْمٍ، يَعْنِي: خَمْسَمِائَةِ عَامٍ، وَقَدْ خَرّجَ، هَذَا الْحَدِيثَ الْأَخِيرَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا. قَالَ الطّبَرِيّ: وَهَذَا فِي مَعْنَى مَا قَبْلَهُ يَشْهَدُ لَهُ وَيُبَيّنُهُ فَإِنّ الْوُسْطَى تَزِيدُ عَلَى السّبّابَةِ بِنِصْفِ سُبْعِ أُصْبُعٍ، كَمَا أَنّ نِصْفَ يَوْمٍ مِنْ سَبْعَةٍ نِصْفُ سُبْعٍ. قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَقَدْ مَضَتْ الْخَمْسُمِائَةِ مِنْ وَفَاتِهِ إلَى الْيَوْمِ بِنَيّفِ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ: لَنْ يُعْجِزَ اللهَ أَنْ يُؤَخّرَ هَذِهِ الْأُمّةَ نِصْفَ يَوْمٍ مَا يَنْفِي الزّيَادَةَ عَلَى النّصْفِ، وَلَا فِي قَوْلِهِ: بُعِثْت أَنَا وَالسّاعَةَ كَهَاتِينَ مَا يَقْطَعُ بِهِ عَلَى صِحّةِ تَأْوِيلِهِ، فَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ غَيْرُ هَذَا، وَهُوَ أَنْ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السّاعَةِ نَبِيّ غَيْرُهُ، وَلَا شَرْعٌ غَيْرُ شَرْعِهِ مَعَ التّقْرِيبِ لِحِينِهَا، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ وَلَكِنْ إذَا قُلْنَا: إنّهُ﵇- بُعِثَ فى الألف الآخر بعد ما مَضَتْ مِنْهُ سُنُونَ، وَنَظَرْنَا بَعْدُ إلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطّعَةِ فِي أَوَائِلِ السّوَرِ، وَجَدْنَاهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا يَجْمَعُهَا: قَوْلُك
أَلَمْ يَسْطَعْ نَصّ حَقّ كُرِهَ
ثُمّ نَأْخُذُ الْعَدَدَ عَلَى حِسَابِ أَبِي جاد، فنجد: ق مائة، و: رمائتين، و: س ثَلَاثَمِائَةٍ، فَهَذِهِ سِتّمِائَةٍ، و: ع سبعين، و: ص ستين، فهذه سبعمائة
_________________
(١) متفق عليه.
[ ٤ / ٤٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَثَلَاثُونَ، و: ن خَمْسِينَ، و: ك عِشْرِينَ، فَهَذِهِ ثَمَانُمِائَةٍ، و: م أَرْبَعِينَ، و: ل ثَلَاثِينَ، فَهَذِهِ ثَمَانُمِائَةٍ وَسَبْعُونَ، و: ي عَشْرَةٌ، و: ط تسعة، و: اواحد، فَهَذِهِ ثَمَانُمِائَةٍ وَتِسْعُونَ، و: ح ثَمَانِيَةٌ، و: هـ خَمْسَةٌ، فَهَذِهِ تِسْعُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ، وَلَمْ يُسَمّ اللهُ سُبْحَانَهُ فِي أَوَائِلِ السّوَرِ إلّا هَذِهِ الْحُرُوفَ، فَلَيْسَ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَعْضِ مُقْتَضَيَاتِهَا وَبَعْضِ فَوَائِدِهَا الْإِشَارَةُ إلَى هَذَا الْعَدَدِ مِنْ السّنِينَ لِمَا قَدّمْنَاهُ فِي حَدِيثِ الْأَلْفِ السّابِعِ الّذِي بُعِثَ فِيهِ ﵇، غَيْرَ أَنّ الْحِسَابَ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَبْعَثِهِ، أَوْ مِنْ وَفَاتِهِ، أَوْ مِنْ هِجْرَتِهِ، وَكُلّ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ، فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا، وَلَكِنْ لَا تَأْتِيكُمْ إلّا بَغْتَةً «١»، وَقَدْ رُوِيَ أَنّ الْمُتَوَكّلَ الْعَبّاسِيّ سَأَلَ جَعْفَرَ بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْقَاضِي، وَهُوَ عَبّاسِيّ أَيْضًا: عَمّا بَقِيَ مِنْ الدّنْيَا، فَحَدّثَهُ بِحَدِيثِ يَرْفَعُهُ إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- أَنّهُ قَالَ: إنْ أَحْسَنَتْ أُمّتِي، فَبَقَاؤُهَا يَوْمٌ مِنْ أَيّامِ الْآخِرَةِ، وَذَلِكَ أَلْفُ سَنَةٍ، وَإِنْ أَسَاءَتْ، فَنِصْفُ يوم، ففى هذا الحديث نتميم لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدّمِ وَبَيَانٌ لَهُ؛ إذْ قَدْ انْقَضَتْ الْخَمْسُمِائَةِ، وَالْأُمّةُ بَاقِيَةٌ وَالْحَمْدُ لِلّهِ «٢» .
مَعَانِي الْحُرُوفِ فِي أَوَائِلِ السّوَرِ:
فَصْلٌ: وَلِهَذِهِ الْحُرُوفِ فِي أَوَائِلِ السّوَرِ مَعَانٍ جَمّةٌ وَفَوَائِدُ لَطِيفَةٌ، وَمَا كَانَ اللهُ تَعَالَى لِيُنَزّلَ فِي الْكِتَابِ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَلَا لِيُخَاطِبَ نَبِيّهُ وَذَوِي ألباب
_________________
(١) هذا من قول الله، وهى تضرب كل ما ذكر السهيلى عن دلالة الحروف العددية، وتدمغه بأنه خرف يهودى وقد كذب الواقع ما خرفوا به:
(٢) كيف يجعل من حجته الأساطير والكيد المحموم من أحقاد اليهود؟!
[ ٤ / ٤٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْ صَحْبِهِ بِمَا لَا يَفْهَمُونَ، وَقَدْ أَنْزَلَهُ بَيَانًا لِلنّاسِ، وَشِفَاءً لِمَا فِي الصّدُورِ، فَفِي تَخْصِيصِهِ هَذِهِ الْحُرُوفَ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ بِالذّكْرِ دُونَ غَيْرِهَا حِكْمَةٌ بَلْ حِكَمٌ، وَفِي إنْزَالِهَا مُقَطّعَةً عَلَى هَيْئَةِ التّهَجّي فَوَائِدُ عِلْمِيّةٌ وَفِقْهِيّةٌ، وَفِي تَخْصِيصِهِ إيّاهَا بِأَوَائِلِ السّوَرِ، وَفِي أَنْ كَانَتْ فِي بَعْضِ السّوَرِ، دُونَ بَعْضٍ فَوَائِدُ أَيْضًا، وَفِي اقْتِرَانِ الْأَلِفِ بِاللّامِ، وَتَقَدّمِهَا عَلَيْهَا مَعَانٍ وَفَوَائِدُ، وَفِي إرْدَافِ الْأَلِفِ وَاللّامِ بِالْمِيمِ تَارَةً، وَبِالرّاءِ أُخْرَى، وَلَا تُوجَدُ الْأَلِفُ، وَاللّامُ فِي أَوَائِلِ السّوَرِ، إلّا هَكَذَا مَعَ تَكَرّرِهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَرّةً فَوَائِدُ أَيْضًا، وَفِي إنْزَالِ الْكَافِ قَبْلَ الْهَاءِ، وَالْهَاءِ قَبْلَ الْيَاءِ ثُمّ الْعَيْنُ ثم الصاد من كهيعص «١» مَعَانٍ أَكْثَرُهَا تُنَبّهُ عَلَيْهَا آيَاتٌ مِنْ الْكِتَابِ، وَتُبَيّنُ الْمُرَادَ بِهَا لِمَنْ تَدَبّرَهَا. وَالتّدَبّرُ وَالتّذَكّرُ وَاجِبٌ عَلَى أُولِي الْأَلْبَابِ، وَالْخَوْضُ فِي إيرَادِ هَذِهِ الْمَعَانِي، وَالْقَصْدُ لِإِيضَاحِ مَا لَاحَ لِي عِنْدَ الْفِكْرِ وَالنّظَرِ فِيهَا، مَعَ إيرَادِ الشّوَاهِدِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كِتَابٍ وَأَثَر وَعَرَبِيّةٍ وَنَظَرٍ يُخْرِجُنَا عَنْ مَقْصُودِ الْكِتَابِ وَيَنْأَى بِنَا عَنْ مَوْضُوعِهِ وَالْمُرَادِ بِهِ، وَيَقْتَضِي إفْرَادَ جُزْءٍ أَشْرَحُ مَا أَمْكَنَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَعَلّهُ أَنْ يَكُونَ، إنْ سَاعَدَ الْقَدَرُ؛ وَاَللهُ الْمُسْتَعَانُ، وَهُوَ وَلِيّ التّوْفِيقِ، لَا شَرِيكَ لَهُ.
ذِكْرُ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ تَحْوِيلَ الْقِبْلَةِ، وَمَا قَالَتْهُ جَمَاعَةُ يَهُودَ حِينَ قَالُوا: يَا مُحَمّدُ مَا وَلّاك عَنْ قِبْلَتِك، وَهُمْ السّفَهَاءُ «٢» مِنْ النّاسِ، فِيهِمْ نزلت هذه الآية.
_________________
(١) تقرأ هكذا: كاف ها يا عيين صاد.
(٢) يرى الزجاج أن السفهاء هم المشركون، ويرى مجاهد أنهم أحبار اليهود،
[ ٤ / ٤٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَالَ: سَيَقُولُ بِلَفْظِ الِاسْتِقْبَالِ لِتَقَدّمِ الْعِلْمِ الْقَدِيمِ بِأَنّهُمْ سَيَقُولُونَ ذَلِكَ، أَيْ: لَمْ آمُرْكُمْ بِتَحْوِيلِهَا إلّا وَقَدْ عَلِمْت أَنْ سَيَقُولُونَ مَا قَالُوهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ، قِصّةَ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ فَوَائِدُ فِي مَعْنَى تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ، فَلْتُنْظَرْ هُنَالِكَ «١» وَأَنْشَدَ فِي تَفْسِيرِ الشّطْرِ بَيْتَ ابْنِ أَحْمَرَ:
تَعْدُو بِنَا شَطْرَ جَمْعٍ وَهِيَ عَاقِدَةٌ قَدْ قَارَبَ الْعِقْدَ مِنْ إيفَادِهَا الْحَقَبَا
وَأَلْفَيْت فِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ مَا هَذَا نَصّهُ. قَالَ مِنْ إيفَادِهَا:
مِنْ إشْرَافِهَا، كَذَا قَالَ مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَرْقِيّ، وَقَالَ كَارَبَ مَوْضِعَ قَارَبَ، وَوَقَعَ فِي شعر ابن أحمر:
تعدو بِنَا عُرْضَ جَمْعٍ وَهِيَ مُوقِدَةٌ قَدْ قَارَبَ الْغَرْضُ مِنْ إيفَادِهَا الْحَقَبَا
تَعْدُو: مِنْ الْعَدْوِ بِنَا وَبِرَحْلِي: يَعْنِي غُلَامَهُ. عُرْضَ جَمْعٍ: يَعْنِي مَكّةَ، وَعَرْضُ أَحَبّ إلَيّ، وَعُرْضُ: كَثْرَةُ النّاسِ، عن الأصمعى، وموفدة، أى:
_________________
(١) - ويرى السدى أنهم المنافقون. ويقول ابن كثير قولة حق: والآية عامة فى هؤلاء كلهم. وفى البخارى أنه صلى ستة عشر شهرا أر سبعة عشر شهرا، وكذلك فى مسلم وعند ابن أبى حاتم. ويحكى القرطبى فى تفسيره عن عكرمة وأبى العالية والحسن البصرى أن التوجه إلى بيت المقدس كان باجتهاده ﵇، ويرى ابن عباس وغيره أن التوجه كان بأمر الله. وقد سبق ذكر شىء عن هذا.
(٢) يقول البيضاوى: وفائدة تقديم الإخبار به: توطين النفس وإعداد الجواب.
[ ٤ / ٤٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُشْرِفَةٌ. أَوْفَدَ: إذَا أَشْرَفَ، وَرَوَى غَيْرُهُ: وَهِيَ عَاقِدَةٌ، يُرِيدُ عُنُقَهَا لَاوِيَتَهَا «١» وَالْغَرْضُ: الْبِطَانُ وَهُوَ حِزَامُ الرّحْلِ. مِنْ إيفَادِهَا، أَيْ إشْرَافِهَا، وَقَدْ اقْتَادَتْ:
نَصَبَتْ عُنُقَهَا وَعَصَرَتْ بِذَنَبِهَا وَتَخَامَصَتْ بِبَطْنِهَا فَقَرُبَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَرْضِ وَالْحَقَبِ مِنْ صَاحِبَهُ بِذَلِكَ. هُنَا انْتَهَى مَا كَتَبَهُ الشّيْخُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ وَأَوْرَدْته وَقَبْلَ الْبَيْتِ:
أَنْشَأْت أَسْأَلُهُ عَنْ حَالِ رُفْقَتِهِ فَقَالَ: حَيّ فَإِنّ الرّكْبَ قَدْ نَصَبَا «٢»
مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي بَنِي قَيْنُقَاعِ فَصْلٌ: وَذَكَرَ مَا أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ فِي بَنِي قَيْنُقَاعِ، وَقَوْلَهُمْ لِلنّبِيّ ﷺ: لَوْ حَارَبْتنَا، لَعَلِمْت أَنّا نَحْنُ النّاسُ: قُلْ: لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ إلَى قوله: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ فَمَنْ قَرَأَهُ: يَرَوْنَهُمْ بِالْيَاءِ، فَمَعْنَاهُ أَنّ الْكُفّارَ يَرَوْنَ الْمُؤْمِنِينَ مِثْلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانُوا أَقَلّ مِنْهُمْ لَمّا كَثّرَهُمْ بِالْمَلَائِكَةِ. فَإِنْ قِيلَ: وَكَيْفَ وَهُوَ يَقُولُ فِي آيَةٍ أُخْرَى: وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ قيل: كان هذا قبل القتال عند ما حزر الكفار المؤمنين، فرأوهم
_________________
(١) فى اللسان: ناقة عاقد: تعقد بذنبها عند اللقاح، وظبى عاقد: واضع عنقه على عجزه قد عطفه للنوم. وفى شرح السيرة لأبى ذر الخشنى: ناقة عاقد: إذا عقدت ذنبها بين فخذيها فى أول ما تحمل.
(٢) فى اللسان: أنشأت أسأله ما بال رفقته حى الحمول، فإن الركب قد ذهب وحى: حث ودعاء.
[ ٤ / ٤٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَلِيلًا، فَتَجَاسَرُوا عَلَيْهِمْ ثُمّ أَمَدّهُمْ اللهُ بِالْمَلَائِكَةِ، فَرَأَوْهُمْ، كَثِيرًا فَانْهَزَمُوا، وَقِيلَ: إنّ الْهَاءَ فِي يَرَوْنَهُمْ عَائِدَةٌ عَلَى الْكُفّارِ، وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ رَأَوْهُمْ مِثْلَيْهِمْ، وَكَانُوا ثَلَاثَةَ أَمْثَالِهِمْ، فَقَلّلَهُمْ فِي عُيُونِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمّا مَنْ قَرَأَهَا بِالتّاءِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِلْيَهُودِ، أَيْ تَرَوْنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلَيْ الْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ أَنّهُمْ كَانُوا أَلْفًا، فَانْخَذَلَ عَنْهُمْ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ بِبَنِي زُهْرَةَ، فَصَارُوا سَبْعَمِائَةٍ أَوْ نَحْوَهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِلْمُشْرِكِينَ، أَيْ: تَرَوْنَ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ الْمُؤْمِنِينَ مِثْلَيْهِمْ، حِينَ أَمَدّهُمْ اللهُ بِالْمَلَائِكَةِ فَيَعُودُ الْكَلَامُ إلَى الْمَعْنَى الْأَوّلِ الّذِي قَدّمْنَاهُ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ. وَفِي الْآيَةِ تَخْلِيطٌ عَنْ الْفَرّاءِ أَضَرَبْنَا عَنْ ذِكْرِهِ «١»، وَجُلّ مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا مَذْكُورٌ فِي التّفَاسِيرِ بِأَلْفَاظِ مُخْتَلِفَةٍ.
وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ فِي الرّبّانِيّينَ أَنّهُمْ الْعُلَمَاءُ الْفُقَهَاءُ السّادَةُ وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: الرّبّانِيّونَ الّذِينَ يُرَبّونَ النّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ، وَقِيلَ نُسِبُوا إلَى عِلْمِ الرّبّ وَالْفِقْهِ فِيمَا أَنْزَلَ وَزِيدَتْ فِيهِ الْأَلِفُ وَالنّونُ لتفخيم الاسم، وأنشد ابن هشام:
_________________
(١) ذكر الفراء هذا فى كتابه معانى القرآن ص ١٩٤ ح ١ ط دار الكتب. وقد خطأ القرطبى الفراء فى قوله إن معنى أحتاج إلى مثله أنك محتاج إليه وإلى مثله قال القرطبى عن هذا إنه بعيد غير معروف فى اللغة. هذا وقد قرأ نافع ويعقوب: ترونهم. والباقون بالياء. وإذا كان الخطاب لليهود، فيحتمل أن تكون الإشارة إلى وقائع أخرى حدثت لبنى إسرائيل مثل قصة طالوت مع جالوت وقيل: إن الرائين والمرئيين هم المقاتلون فى سبيل الله فالمعنى أنهم يرون أنفسهم مثلى ما هم عليه عددا.
[ ٤ / ٤٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَوْ كُنْت مُرْتَهَنًا فِي الْقَوْسِ أَفْتَنَنِي مِنْهَا الْكَلَامُ وَرَبّانِيّ أَحْبَارِ
وَقَالَ: الْقَوْسُ: الصّوْمَعَةُ، وَمِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ: أَنَا بِالْقَوْسِ وَأَنْتَ بِالْقَرْقُوسِ «١»، فَكَيْفَ نَجْتَمِعُ؟ وَقَالَ فِي أَفَتْنَنِي: هِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ، وَفَرّقَ سِيبَوَيْهِ بَيْنَ فَتَنْته وَأَفْتَنْتُهُ، وَجَعَلَهُ مِنْ قَوْلِ الْخَلِيلِ، قَالَ أَفْتَنْتُهُ: صَيّرْته مُفْتَتِنًا أَوْ نَحْوَ هَذَا، وَفَتَنْته، جَعَلْت فِيهِ فِتْنَةً «٢»، كَمَا تَقُولُ: كَحّلْته جَعَلْت فِي عَيْنَيْهِ كُحْلًا، وَمَآلُ هَذَا الْفَرْقِ إلَى أَنّ فِتْنَتَهُ صَرَفَتْهُ، فَجَاءَ عَلَى وَزْنِهِ، لِأَنّ الْمَفْتُونَ مَصْرُوفٌ عَنْ حَقّ، وَأَفْتَنْتُهُ بِمَعْنَى أَضْلَلْته وَأَغْوَيْته، فَجَاءَ عَلَى وَزْنِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ، وَأَمّا فَتَنْت الْحَدِيدَةَ فِي النّارِ، فَعَلَى وَزْنِ فَعَلْت، لَا غَيْرَ؛ لِأَنّهَا فِي مَعْنَى:
خَبِرْتهَا، وَبَلَوْتهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ «٣» .
_________________
(١) القرقوس: القاع الأملس الغليظ الأجرد الذى ليس عليه شىء وقد سبق الكلام عن هذا فى الجزء الأول. ويرى سيبويه أن العرب زادوا ألفا ونونا فى الربانى، لأنهم أرادوا تخصيصه بعلم الرب دون غيره، كأن معناه صاحب علم بالرب دون غيره من العلوم، وهو كما يقال: رجل شعرانى ولحيانى ورقبانى إذا خص بكثرة الشعر وطول اللحية، وغلظ الرقبة، فاذا نسبوا إلى الشعر قالوا: شعرى، وإلى الرقبة قالوا: رقبى، وإلى اللحية: لحيى. أقول: وأحسن ما قيل فى تعريفه. العالم العامل المعلم.
(٢) وفى اللسان أيضا: فتن الرجل بالمرأة، وافتتن، وأهل الحجاز يقولون: فتنته المرأة إذا ولهته وأحبها وأهل نجد يقولون: أفتنته. وعند الخشنى: فتن لغة قيس، وأفتن لغة تميم. ومرتهنا وتروى: مرتهبا.
(٣) فى مفردات الراغب الأصفهانى: أصل الفتن: إدخال الذهب فى النار لتظهر جودته من رداءته. وفى معجم ابن فارس عن مادة الكلمة أنها تدل على ابتلاء واختبار وفتنت الذهب بالنار: إذا امتحنته وأنكر الأصمعى: -
[ ٤ / ٤٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَفْسِيرُ آنَاءِ اللّيْلِ:
فَصْلٌ وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ فِي تَفْسِيرِ آنَاءِ اللّيْلِ، قَالَ: وَاحِدُ الْآنَاءِ إنْيٌ، وَاسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ الْهُذَلِيّ «١»، ثُمّ أَغْرَبَ بِمَا حَدّثَهُ بِهِ يُونُسُ، فَقَالَ: وَيُقَالُ إنّي فِيمَا حَدّثَنِي يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، وَهَذَا الّذِي قَالَهُ آخِرًا هُوَ لُغَةُ الْقُرْآنِ، قَالَ اللهُ تعالى: (غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ) .
ذِكْرُ جُمَلٍ مِنْ الْآيَاتِ الْمُنَزّلَةِ فِي قَصَصِ الْأَحْبَارِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ جُمَلًا مِنْ الْآيَاتِ الْمُنَزّلَةِ فِي قَصَصِ الْأَحْبَارِ وَمَسَائِلُهُمْ كُلّهَا وَاضِحَةٌ، وَالتّكَلّمُ عَلَيْهَا يَخْرُجُ عَنْ غَرَضِ الْكِتَابِ إلَى تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَفِي جُمْلَتِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى أَيَّانَ مُرْساها وَقَالَ الْفَرّاءُ فِي أَيّانَ: هِيَ كَلِمَتَانِ، جُعِلَتْ وَاحِدَةً، وَالْأَصْلُ: أَيْ آنَ، وَالْآنُ وَالْأَوَانُ بِمَعْنًى واحد، كما يقال: راح ورياح، وأنشد:
_________________
(١) - أفتن. هذا وبيت جرير الذى فى السيرة هو هكذ فى اللسان: لا وصل إذ صرفت هند ولو وقفت لاستفتنتنى وذا المسحين فى القوس وبعده: قد كنت تربا لنا يا هند فاعتبرى ماذا يريبك من شيبى وتقويسى
(٢) لبيت المتنخل رواية أخرى فى اللسان هى: السالك الثغر مخشيا موارده بكل إنى قضاء الليل ينتعل ورواية السيرة وردت فى اللسان، وفيها مرته بدلا من شيمته، وسبق بيان إنى وشيمته: طبيعته.
[ ٤ / ٤٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نشاوى تساقوا بِالرّيَاحِ الْمُفَلْفَلِ «١»
وَقَدْ ذَكَرَ الْهَرَوِيّ فِي أَيّانَ وَجْهًا آخَرَ، قَالَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ: أَيْوَانَ فَانْدَغَمَتْ الْيَاءُ فِي الْوَاوِ مِثْلَ قِيَامٍ.
وَذَكَرَ آيَةَ التّيهِ وَحَبْسِ بَنِي إسْرَائِيلَ فِيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً عُقُوبَةً مِنْ اللهِ تَعَالَى لِمُخَالَفَتِهِمْ أَمْرِهِ حِينَ فَزِعُوا مِنْ الْجَبّارِينَ لِعِظَمِ أَجْسَامِهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ رَجُلَانِ وَهُمَا يُوشَعُ بْنُ نُونٍ مِنْ سَبْطِ يُوسُفَ، وَكَالِبُ بْنُ يُوفِيَا مِنْ سبط يامين «٢» ادْخُلُوا
_________________
(١) البيت فى اللسان لامرئ القيس فى مادة ريح وفى مادة أين قال: أنشد أبو القمقام، وشطرته الأولى: ورواية الشطرة الثانية فى المقامات بشرح الزوزنى: كأن مكالى الجواء عدية صبحن سلافا من رحيق مفلفل. والراح والرياح بفتح الراء: الخمر، وقد أنشد اللسان البيت فى ريح، وأين. وبقية كلام الفراء أن الآن حرف بنى على الألف واللام، ولم يخلعا منه. وترك على مذهب الصفة، لأنه صفة فى المعنى واللفظ. ويرى أن الآن أصلها الأوان، فحذفت منها الألف، وغيرت واوها إلى الألف.
(٢) بين القرآن القصة بجلاء لكن لم يرد فيه اسم يوشع وكالب لكن ورد ذكرهما فى أسفار العهد القديم. ويقول الدكتور بوست عن يوشع إنه خليفة موسى، وهو ابن نون من سبط أفرايم ولد فى مصر، وكان أولا خادم موسى، واسمه فى الأصل: هو شع وكان هو وكالب الرجلين اللذين تكلما بالحق بخصوص البلاد التى تجسسوها. وانظر سفر الخروج والعدد. وكالب عندهم هو ابن يفنة- بفتح الياء وضم الفاء وتضعيف النون مع فتح القنزى أحد الجواسيس الإثنى عشر الذين أرسلهم موسى إلى أرض كنعان. ويجب أن نأخذ ما يقصه علينا بنو إسرائيل بحذر بالغ، ونقد بصير. وحسبنا قصص القرآن الكريم.
[ ٤ / ٤٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ فَلَمّا عَصَوْهُمَا دَعَا عَلَيْهِمْ مُوسَى، فَتَاهُوا، أَيّ تَحَيّرُوا، وَكَانُوا سِتّمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَتَاهُوا فِي ستّة فراسخ من مِنْ الْأَرْضِ، يَمْشُونَ النّهَارَ كُلّهُ، ثُمّ يُمْسُونَ حيث أصبحوا، ويصبحون حيث أمسوا. وفى تلك السّنِينَ أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ الْمَنّ وَالسّلْوَى، لِأَنّهُمْ شُغِلُوا عَنْ الْمَعَاشِ بِالتّيهِ فِي الْأَرْضِ، وَأُبْقِيَتْ عَلَيْهِمْ ثِيَابُهُمْ لَا تَخْلَقُ، وَلَا تَتّسِخُ، وَتَطُولُ مَعَ الصّغِيرِ، إذَا طَالَ، وَفِيهَا اسْتَسْقَى لَهُمْ مُوسَى، فَأُمِرَ أَنْ يَأْخُذَ حَجَرًا مِنْ الطّورِ، فَيَضْرِبُهُ بِعَصَاهُ، فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا، وَفِيهَا ظَلّلَ عَلَيْهِمْ الْغَمَامَ لِأَنّهُمْ كَانُوا فِي الْبَرِيّةِ، فَظُلّلُوا مِنْ الشّمْسِ، وَذَلِكَ أَنّ مُوسَى كَانَ نَدِمَ حِينَ دَعَا عَلَيْهِمْ لِمَا رَأَى مِنْ جَهْدِهِمْ وَحَيْرَتِهِمْ فِي التّيهِ، فَكَانَ يَدْعُو اللهَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ؛ لِئَلّا يَهْلِكُوا فِي التّيهِ جُوعًا أَوْ عُرْيًا أَوْ عَطَشًا، فَلَمّا آسى عليهم قال الله له: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ أى: الذين فَسَقُوا أَيْ:
خَرَجُوا عَنْ أَمْرِك. وَمَاتَ فِي أَيّامِ التّيهِ جَمِيعُ كِبَارِهِمْ إلّا يُوشَعُ وَكَالِبٌ فَمَا دَخَلَ الْأَرْضَ عَلَى الْجَبّارِينَ إلّا خُلُوفُهُمْ وَأَبْنَاؤُهُمْ، وَقِيلَ: إنّ مُوسَى مَاتَ فِي تِلْكَ السّنِينَ أَيْضًا وَلَمْ يَشْهَدْ الْفَتْحَ مَعَ يُوشَعَ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ مَعَ يُوشَعَ حِينَ افْتَتَحَهَا «١» .
_________________
(١) أصل قصة التيه فى القرآن. أما هذه التفصيلات، فعن أسفار بنى إسرائيل.
[ ٤ / ٤٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذِكْرُ الْمَرْجُومَةِ مِنْ الْيَهُودِ فَصْلٌ: وَذَكَرَ الْمَرْجُومَةَ مِنْ الْيَهُودِ، وَأَنّ صَاحِبَهَا الّذِي رُجِمَ مَعَهَا حَنَا عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ «١» لِيَقِيَهَا الْحِجَارَةَ. حَنَا بِالْحَاءِ تَقَيّدَ فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ،
_________________
(١) يقول الدكتور بوست فى قاموسه عن الرجم فى العهد القديم «نوع من أنواع العقاب كان كثير الاستعمال لمقاصة المجرمين الأشقياء حتى إذا لم يذكر نوع القصاص فالغالب أنه الرجم، فكان يرجم المجرمون وعبدة الأصنام ومدلسو البيت ومرتكبوا الفحشاء والمتمردون من البنين، فيخرج بالمجرم إلى خارج المدينة، وحسب زعم البعض كان يربط، وأول من يبدأ برجمه الشهود، والأرجح أنهم كانوا ينزعون ثيابهم لكى يتمكنوا من إجراء العمل بقوة ونشاط» مادة رجم وقد ورد فى سفر التثنية من العهد القديم ما يأتى: «إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل، فوجدها رجل فى المدينة واضطجع معها، فأخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة، وارجموهما بالحجارة حتى يموتا الفتاة من أجل أنها لم تصرخ فى المدينة، والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه» إصحاح ٢٢ فقرة ٣٢- ٣٤. كما ورد فى الإصحاح المتمم للعشرين من سفر اللاويين من العهد القديم ما يأتى: «وإذا زنى رجل مع امرأة، فإذا زنى مع امرأة قريبة، فانه يقتل الزانى والزانية، وإذا اضطجع رجل مع امرأة أبيه، فقد كشف عورة أبيه، إنهما يقتلان كلاهما، دمهما عليهما، وإذا اضطجع رجل مع كنته- والكنة امرأة الإبن أو الأخ- فانهما يقتلان كلاهما، قد فعلا فاحشة دمهما عليهما، وإذا اضطجع رجل مع ذكر اضطجاع امرأة فقد فعلا كلاهما رجسا إنهما يقتلان دمهما عليهما، وإذا اتخذ رجل امرأة وأمها، فذلك رذيلة بالنار يحرقونه وإياهما لكيلا يكون رذيلة بينكم» وفيه أيضا أن المرأة التى تزعم أن فيها جانا يجب أن ترجم بالحجارة وكذلك الرجل أما الرجم فحكمه لم يرد فى القرآن والزعم بأنه كان ثم نسخ لفظه وبقى حكمه دعوى بلا بينة، والقرآن حين ذكر حد الزنى فى سورة النور لم يفرق بين محصن وغير محصن بل جاء بالوصف، ورتب-
[ ٤ / ٤٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَذَلِكَ فِي الْمُوَطّأِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى، فَجَعَلَ يَحْنَى عَلَيْهَا، وَفِي الرّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ: جَنَأَ بِالْجِيمِ وَالْهَمْزِ، وَعَلَى هَذِهِ الرّوَايَةِ فَسّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَالْجَنَاءُ:
الِانْحِنَاءُ «١»، قَالَ الشّاعِرُ عَوْفُ بْنُ مُحَلّمٍ:
وَبَدّلَتْنِي بِالشّطَاطِ الْجَنَا وَكُنْت كَالصّعْدَةِ تَحْتَ السّنَانِ «٢»
وَفِي حُنُوّهِ عَلَيْهَا مِنْ الْفِقْهِ: أَنّهُمَا لَمْ يَكُونَا فِي حُفْرَتَيْنِ، كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي سُنّةٍ الرّجْمِ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَلِيّ ﵀، أنه
_________________
(١) - عليه العقوبة، (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) ولكن ورد فى بعض الأحاديث أنه حدث رجم.
(٢) فى القاموس: جنأ عليه كجعل وخرج جنوآ، وجنأ: أكب كأجنأ، وجانأ، وتجانأ. وفى النهاية لابن الأثير: أجنأ يجنىء إجناء، وفى رواية أخرى: فلقد رأيته: يجانىء عليها مفاعلة من جانأ يجانىء.
(٣) أول القصيدة: يا ابن الذى دان له المشرقان طرا، وقد دان له المغربان إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعى إلى ترجمان وبدلتنى بالشطاط الجنا وكنت كالصعدة تحت السنان وعدة القصيدة فى أمالى القالى: عشرة أبيات، وسببها أن عوفا دخل على عبد الله بن طاهر، فسلم عليه عبد الله، فلم يسمع، فأعلم بذلك. فزعموا أنه ارتجل هذه القصيدة.. وعوف يكنى أبا محلم أو أبا المنهال، وهو شاعر مجيد من شعراء الدولة الهاشمية. والشطاط: حسن القوام والاعتدال، والصعد: الفتاة المستوية انظر ص ٥٠ ح ١ الأمالى ط ٢ و١٩٨ سمط اللالى للبكرى.
[ ٤ / ٤٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَفَرَ لِشُرَاحَةَ بِنْتِ مَالِكٍ الْهَمْدَانِيّةِ حِينَ رَجَمَهَا. وَأَمّا الْأَحَادِيثُ فَأَكْثَرُهَا عَلَى تَرْكِ الْحَفْرِ لِلْمَرْجُومِ، وَاسْمُ هَذِهِ الْمَرْجُومَةِ: بُسْرَةُ فِيمَا ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفِي قِصّتِهِمَا أَنْزَلَ اللهُ: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ الْآيَةُ إلَى قَوْلِهِ: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا، يَعْنِي مُحَمّدًا، وَمَنْ حَكَمَ بِالرّجْمِ قَبْلَهُ، لِأَنّهُ حَكَمَ بِالرّجْمِ لِأُولَئِكَ الْيَهُودِ الّذِينَ تَحَاكَمُوا إلَيْهِ، والربانيون.
يَعْنِي: عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلَامٍ وَابْنَ صورى مِنْ الْأَحْبَارِ بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ، لِأَنّهُمْ حَفِظُوا أَنّ الرّجْمَ فِي التّوْرَاةِ، لَكِنّهُمْ بَدّلُوا وَغَيّرُوا، وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ؛ لِأَنّهُمْ شَهِدُوا بِذَلِكَ عَلَى الْيَهُودِ إلَى قَوْلِهِ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَحَكَمَ بِالرّجْمِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَهَذَا يُبَيّنُ لَك أَنّ الرّجْمَ فِي الْقُرْآنِ، وَعَلَى هَذَا فَسّرَهُ مَالِكٌ فِيمَا بَلَغَنِي، وَلِذَلِكَ قَالَ ﵇ لِلرّجُلَيْنِ: لَأَحْكُمَنّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، فَحَكَمَ بِالرّجْمِ، كَمَا فِي الْكِتَابِ الْمُنَزّلِ عَلَى مُوسَى وَعَلَى مُحَمّدٍ صَلّى اللهُ عَلَيْهِمَا، وَقَدْ قِيلَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ أَقْوَالٌ غير هذا، والصحيح ما ذكرنا «١» .
_________________
(١) روى البخارى ومسلم ومالك وغيرهم أن اليهود جاؤا إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لَهُمْ رَسُولُ اللهِﷺ- ما تجدون فى التوراة فى شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم، ويجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة، فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع فاذا آية الرجم، فقالوا صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بِهِمَا رَسُولَ اللهِ ﷺ- فرجما، فرأيت الرجل يحنى على المرأة يقيها الحجارة» هذا لفظ البخارى. ونستطيع أن نفهم من هذا أن رسول الله «ص» إنما رجع إلى حكم التوراة، لأنه لم يكن قد نزل حكم-
[ ٤ / ٤٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَاسْتَشْهَدَ ابْنُ هِشَامٍ فِي تَفْسِيرِ الْجَهْرَةِ بِقَوْلِ أَبِي الْأَخْزَرِ الْحِمّانِيّ، وَاسْمُهُ:
قُتَيْبَةُ، وَحِمّانُ هُوَ ابْنُ كَعْبِ «١» بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، فَقَالَ:
يَجْهَرُ أَفْوَاهَ الْمِيَاهِ السّدُمِ
يُقَالُ: مَاءٌ سِدَامٌ إذَا غَطّاهُ الرّمْلُ، وَجَمْعُهُ: سُدّمٌ، وَجَمْعُهُ عَلَى سَدُمٍ غَرِيبٌ، وَيُقَالُ أَيْضًا سِدَامٌ وَأَسْدَامٌ «٢» وَنَحْوٌ مِنْ قَوْلِهِ يَجْهَرُ قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ فِي أَبِيهَا. وَاجْتَهَرَ لهم عين الرّواء «٣»، وأنشد فى تفسير الفوم وأنه البرّ:
_________________
(١) - الزنا، وإلا لبادرهم ببيان حكم الله الذى فى القرآن قبل أن يسألهم عن حكم الله الذى فى التوراة التى يهيمن عليها القرآن. وكل روايات الحديث توحى بهذا المعنى وقصر وصف الربانيين على ابن سلام وابن صورى، وقصر وصف المسلمين على ما قصره عليه. كل هذا لا دليل عليه. فلم لا يعمم معنى الآية، فيتناول كل أنبياء بنى إسرائيل الذين حكموا بالتوراة من بعد موسى، وكل الربانيين؟! ثم أين آية الرجم فى القرآن حتى يصدق ما ذهب إليه السهيلى؟
(٢) فى اللباب لابن الأثير: حمان، وهى قبيلة من تميم، وهو حمان ابن عبد العزيز بن كعب الخ بزيادة عبد العزيز عما فى الروض.
(٣) فى اللسان: ماء سدم- بفتح السين والدال- وسدم- بفتح فكسر- وسدم- بضم فضم- وسدوم- بضم السين والدال- مندفق، والجمع: أسدام وسدام بكسر السين فى هذه، وقد قيل الواحد والجمع فى ذلك سواء. والرجز فى السيرة: يجهر أجواف.
(٤) فى النهاية لابن الأثير «اجتهر دفن الرواء هو بالفتح والمد: الماء الكثير، وقيل: العذب الذى فيه الواردين رى» .
[ ٤ / ٤٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَوْقَ شِيزَى مِثْلَ الْجَوَابِي عَلَيْهَا قِطَعٌ كَالْوَذِيلِ فِي نِقْيِ فُوَمِ
الشّيزَى: خَشَبٌ أَسْوَدُ تُصْنَعُ مِنْهُ الْجِفَانُ [مُفْرَدُهَا: جَفْنَةُ، وَهِيَ الْقَصْعَةُ، وَالْجَوَابِي: جَمْعُ جَابِيَةٍ: الْحَوْضُ يُجْبَى فِيهِ الْمَاءُ لِلْإِبِلِ]، وَالْوَذِيلُ: جَمْعُ وَذِيلَةٍ وَهِيَ السّبِيكَةُ مِنْ الْفِضّةِ. قال الشاعر:
وتريك وجها كالوذيلة لَا رَيّانَ مُمْتَلِئٌ ولا جهم
ومنه قول عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ: أَمَا وَاَللهِ لَقَدْ أَلْفَيْت أَمْرَك، وَهُوَ أَشَدّ انْفِضَاحًا مِنْ حَقّ الكهول. كذاك رَوَاهُ الْهَرَوِيّ، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَةَ:
الْكَهْدَلُ، فَمَا زِلْت أَرُمّهُ بِوَذَائِلِهِ، وَأَصْلُهُ، بِوَصَائِلِهِ، حَتّى تَرَكْته عَلَى مِثْلِ فَلْكَةِ الْمَدْرِ. حَقّ الْكُهُولِ: بَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ، وَكَمَا قَالَهُ الْهَرَوِيّ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ الزّاهِدُ فِي كِتَابِ الْيَاقُوتِ، كَمَا وَقَعَ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِلْقُتَبِيّ قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ الْقَزّازِ فِي الْكِتَابِ الْكَبِيرِ، قَالَ: الْكَهْدَلُ: الْعَنْكَبُوتُ، وَقِيلَ فِي الْكُهُولِ إنّهُ ثَدْيُ الْعَجُوزِ، وَفِي الْعَيْنِ: الْوَذِيلَةِ: الْمِرْآةُ «١»، وَقِيلَ فِي الْفُومِ:
إنّهُ الثّومُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وَاحْتَجّ بِأَنّهُ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ:
وَثُومِهَا، وَلَا حُجّةَ فِي هَذَا لِمَا ذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي النّبَاتِ: أَنّ الثّومَ، هُوَ الْبُرّ،
_________________
(١) فى النهاية لابن الأثير عن الكهول: رواها الأزهرى بفتح الكاف وضم الهاء، وقال: هى العنكبوت، ورواها الخطابى والزمخشرى بسكون الهاء وفتح الكاف والواو، وقالا: هى العنكبوت.. وقال القتيبى: أما حق الكهدل، فلم أسمع فيه شيئا ممن يوثق بعلمه، بلغنى أنه بيت العنكبوت، ويقال: إنه ثدى العجوز، وقيل: العجوز نفسها، وحقها: ثديها.
[ ٤ / ٤٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَنّهُ يُقَالُ بِالْفَاءِ وَبِالثّاءِ، وَمِنْ الشّاهِدِ عَلَى الفوم وأنه البرّ قول أبى أحيحة ابن الجلاح، وقيل هو لأبى محجن الثّققىّ:
قَدْ كُنْت أَغْنَى النّاسِ شَخْصًا وَاحِدًا سَكَنَ الْمَدِينَةَ عَنْ زِرَاعَةِ فُومِ «١»
وَأَنْشَدَ فِي بَعْضِ مَا فَسّرَ بَيْتَ الْأَخْطَلِ، قَالَ: وَهُوَ الْغَوْثُ بن هبيرة ابن الصّلْتِ «٢»، يُكَنّى أَبَا مَالِكٍ، وَالْمَعْرُوفُ: غِيَاثُ بْنُ الغوث بن هبيرة ابن الصّلْتِ، وَسُمّيَ: الْأَخْطَلَ لِقَوْلِهِ:
لَعَمْرُك إنّنِي وَابْنَيْ جُعَيْلٍ وَأُمّهِمَا لَاسْتَارٌ لَئِيمُ
كُلّ أَرْبَعَةٍ إسْتَارٌ «٣» قِيلَ: إنّ كَعْبَ بْنَ جُعَيْلٍ قَالَ لَهُ فى خبر جرى بينهما،
_________________
(١) نسبه الأخفش إلى أبى محجن، وروايته فى اللسان هكذا: قد كنت أحسبنى كأغنى واحد نزل المدينة عن زراعة فوم
(٢) الأخطل فى سمط اللآلى: غياث بن غوث، وفى ديوانه برواية السكرى: غوث بن الصلت بن طارقة بن عمرو بن سيحان بن العذولس بن عمرو بن مالك بن جشم بن بكر بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ تغلب، وفى الأغانى ابن الطارقة، ويقال: ابن السحيان بن عمرو بن العذولس. وعن المدائنى: غوث بن مسلمة بن طارقة انظر ص ٤٤ من السمط.
(٣) وقيل الإستار: رابع أربعة. وقيل هو معرب عن الفارسية، وأصله جهار، ويجمع أساتير، وقال أبو حاتم: ثلاثة أساتر.. ويقول ابن قتيبة عن الأخطل: وسمى الأخطل، من الخطل، وهو استرخاء الأذنين.. قال شارحه ابن السيد: لا أعلم أحدا ذكر أن الأخطل كان طويل الأذنين مسترخيهما، والمعروف أنه لقب الأخطل لبذاءته وسلاطة لسانه، وذلك أن ابنى
[ ٤ / ٤٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْأَخْطَلُ يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ يُقَرْزِمُ، أَيْ: كَمَا يَبْتَدِي «١» يَقُولُ:
قُبّحَ ذَاكَ الْوَجْهُ غِبّ الْحُمّهِ «٢» فَقَالَ الْأَخْطَلُ، وَلَمْ يَكُنْ
وَفَعَلَ كَعْبُ بْنُ جُعَيْلٍ أمّه «٣»
فقال جعيل؛ إنك لأخطل «٤»
_________________
(١) جعيل احتكما إليه مع أمهما، فقال البيت الذى ذكره السهيلى؛ فقيل: إنه لأخطل فلزمه هذا اللقب.
(٢) القرزمة: أن يقول الشعر فى أول أمره قبل أن يستحكم طبعه، وتقوى قريحته.
(٣) فى الأغانى: شاهد هذا الوجه الخ، وفى خزانة الأدب ويل لهذا الوجه
(٤) فى الأغانى: بدل «وفعل» كلمة يقبح ذكرها وقد استبدلها السهيلى، ولهذا قال: ولم يكن يعنى أن الأخطل ذكرها صريحة.
(٥) الخبر بطوله فى الأغانى ص ٢٨ ح ٨ ط لبنان، وانظر خزانة البغدادى ص ٣٠٨ وما بعدها ح ١ طبع دار العصور.
[ ٤ / ٤٣٦ ]
تم بحمد الله
الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس
ان شاء الله
وأوله: ذكر نصاري نجران وما أنزل الله فيهم
[ ٤ / ٤٣٧ ]
فهرس الجزء الرابع من الروض الأنف
الرقم الموضوع
٥ المقدمة
٧ كفاية الله أمر المستهزئين «س»
٨ الوليد وأبو أزيهر «س»
١١ ثورة لمقتل أبى أزيهر «س»
١٢ آية الربا من البقرة «س»
١٣ الهم بأخذ ثأر أبا أزيهر «س»
١٣ عمل أم غيلان «س»
١٣ من المؤذين لرسول الله «س»
١٤ ما عاناه الرسول ص بعد وفاة أبى طالب وخديجة «س»
١٥ ما حدث بين النبى «ص» وبين أبى طالب والمشركين «س»
١٦ الرسول يرجو أن يسلم أبو طالب»
١٧ مَا نَزَلَ فِيمَنْ طَلَبُوا الْعَهْدَ عَلَى الرّسُولِ عند أبى طالب «س»
١٧ عن المستهزئين وملكان
١٩ حديث الوليد بن المغيرة
١٩ عن مقتل أبى أزيهر وموقف درس
٢٠ عن أطوقا ومن أحكامه أن
٢٢ شعر الجون
٢٣ من أسواق العرب
٢٥ ما أنزل الله فى الربا
٢٦ وفاة أبى طالب ووصيته
٣١ تفسير المشى فى سورة ص
٣٢ تتابع المصائب بموت خديجة
٣٣ الرسول يسعى إلى الطائف «س»
٣٣ موقف ثقيف من الرسول ص «س»
٣٦ أمرجن نصيبين «س»
٣٦ عرض رسول الله ص نفسه على القبائل «س»
٣٨ العرض على بنى كلب «س»
٣٨ العرض على بنى حنيفة «س»
٣٨ العرض على بنى عامر «س»
٣٩ عرض على العرب فى المواسم «س»
٤٠ حديث سويد بن صامت «س»
٤٢ إسْلَامُ إيَاسِ بْنِ مُعَاذٍ وَقِصّةُ أَبِي الْحَيْسَرِ «س»
٤٣ الرسول مع نفر من الخزرج عند العقبة «س»
[ ٤ / ٤٣٩ ]
٤٤ أسماء الخزرجين الذين التقوا بالرسول عند العقبة «س»
٤٥ خروج النبى ص إلى الطائف
٤٨ نور الله ووجهه
٥٦ خبر عداس
٥٧ جن نصيبين
٥٩ ذكر عرض نفسه على القبائل
٦٠ عرض نفسه على كندة
٦٠ فى هذا الكتاب تتمة لفائدته
٦٥ حديث سويد بن صامت
٦٦ ذكر مجلة لقمان
٦٧ ذكر قدوم أبى الحيسر
٦٨ بدء إسلام الأنصار
٧١ بيعة العقبة الأولى «س»
٧٣ رجال العقبة من الأوس «س»
٧٣ رجال العقبة الأولى من بنى عمرو «س»
٧٣ بيعة العقبة «س»
٧٤ مصعب بن عمير ووفد العقبة «س»
٧٤ أول جمعة أقيمت بالمدينة «س»
٧٥ إسلام سعد بن معاذ وأسيد ابن حضير «س»
٨١ إسلام عبد الله بن عمرو ابن حزام «س»
٨١ أمرأتان فى البيعة «س»
٨٢ العباس والأنصار «س»
٨٢ عَهْدُ الرّسُولِ ﵊ عَلَى الْأَنْصَارِ «س»
٨٣ أَسَمَاءُ النّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَتَمَامُ خَبَرِ الْعَقَبَةِ «س»
٨٣ النقباء من العقبة «س»
٨٥ النقباء من الأوس «س»
٨٥ شعر كعب بن مالك عن النقباء «س»
٨٦ ما قاله العباس بن عبادة للخزرج قبل المبايعة «س»
٨٧ أول صحابى ضَرَبَ عَلَى يَدِ الرّسُولِ فِي بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ الثانية «س»
٨٨ الشيطان وبيعة العقبة «س»
٨٨ الرسول لا يستجيب الطلب الحرب من الأنصار «س»
٨٩ مجادلة جلة قريش للأنصار فى شأن البيعة «س»
٩٠ قريش تطلب الأنصار وتأسر سعد بن عبادة «س»
٩٠ خلاص سعد بن عبادة «س»
٩٧ هجرة مصعب بن عمير
٩٨ أول جمعة
٩٩ نقيع الخضمات
١٠٠ الجمعة
١٠٦ لفظ الجمعة
١٠٦ أيام الأسبوع
[ ٤ / ٤٤٠ ]
١٠٩ إسلام سعد بن معاذ وأسيد ابن حضير
١١٠ هل يغتسل الكافر إذا أسلم
١١١ من شرح شعر أبن الأسلت
١١٢ ذِكْرُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وَصَلَاتِهِ إلَى الْقِبْلَةِ
١١٣ قبلة الرسول ص
١١٨ أُمّ عُمَارَةَ وَأُمّ مَنِيعٍ فِي بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ الأخرى
١١٩ قول البراء بن معرور
١٢١ ترجمة البراء
١٢١ والهدم الهدم
١٢٣ من ولى النقباء
١٢٥ تفسير بعض ما وقع فى وجدته
١٢٨ تذكير فعيل وتأنيثها
١٢٩ من ألقاب الطويل
١٣٠ معانى الكلمات
١٣١ حول قصيدة حسان
١٣٣ قصة صنم عمرو بن الجموح «س»
١٣٤ اسلام عمرو بن الجموح «س»
١٣٤ شروط البيعة فى العقبة الأخيرة «س»
١٣٥ أسماء من شهد العقبة «س»
١٣٨ من شهدها من بلحارث ابن الخزرج «س»
١٤٦ نزول الأمر لرسول الله ص فى القتال «س»
١٤٧ الإذن لمسلمى مكة بالهجرة «س»
١٤٨ المهاجرون إلى المدينة «س»
١٤٨ هِجْرَةُ أَبِي سَلَمَةَ وَزَوْجُهُ، وَحَدِيثُهَا عَمّا لَقِيَا «س»
١٥٠ هجرة عامر وزوجه وهجرة بنى جحش «س»
١٥٤ إسلام عمرو بن الجموح وصنمه
١٥٥ تفسير بعض الأنساب
١٥٩ ذكر خديج بن سلامة البلوى
١٦١ متى أسلم عثمان بن أبى طلحة
١٦٢ هجرة بنى جحش
١٦٣ الشعر الذى تمثل به أبو سفيان
١٧٠ هجرة عمر وقصة عياش معه «س»
١٧١ كتاب عمر إلى هشام بن العاصى «س»
١٧٢ الوليد بن الوليد وعياش وهشام «س»
١٧٢ منازل المهاجرين بالمدينة «س»
١٧٤ مَنْزِلُ حَمْزَةَ وَزَيْدٍ وَأَبِي مَرْثَدٍ وَابْنِهِ وَأَنَسَةَ وأبى كبشه «س»
١٧٥ خبر الندوة وهجرة الرسول ﷺ «س»
١٧٦ الملأ من قريش يتشاورون فى أمر الرسول ص «س»
١٧٨ مما يقال عن ليلة الهجرة «س»
١٨٠ الآيات التى نزلت فى تربص المشركين بالنبى «س»
١٨١ الهجرة إلى المدينة «س»
[ ٤ / ٤٤١ ]
١٨٢ الذين كانوا يعلمون بالهجرة «س»
١٨٢ الرسول ص وأبو بكر فى الغار «س»
١٨٣ الذين قاموا بشئون الرسول فى الغار «س»
١٨٣ لم سميت أسماء بذات النطاقين «س»
١٨٤ راحلة النبى ص «س»
١٨٤ أبو جهل يضرب أسماء بنت أبى بكر «س»
١٨٥ خير الجنى الذى تغنى بمقدم الرسول ص «س»
١٨٥ نسب أم معبد «س»
١٨٦ آل أبى بكر بعد هجرته «س»
١٨٦ خبر سراقة بن مالك «س»
١٨٨ هجرة عمر وعياش
١٩١ قول هشام بن العاص
١٩١ نزول طلحة وصهيب على خبيب بن إساف
١٩٢ أبو كبشه
١٩٦ سالم مولى أبى حذيفة
١٩٨ اجتماع قريش للتشاور فى أمر النبى ص
٢٠٢ إذن الله سبحانه لنبيه بالهجرة
٢٠٤ لم اشتريت الراحلة
٢٠٥ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابن هشام
٢٠٦ بكاء الفرح من أبى بكر
٢٠٧ مكة والمدينة
٢٠٨ حديث الغار
٢١٥ الرّدّ عَلَى الرّافِضَةِ فِيمَا بَهَتُوا بِهِ أَبَا بكر
٢١٦ معية الله مع رسوله وصاحبه
٢١٧ حَدِيثُ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْكِنَانِي
٢٢٠ حديث أم معبد
٢٢٥ نسب أم معبد وزوجها
٢٢٨ طريق الهجرة «س»
٢٢٩ النزول بقباء «س»
٢٣٠ المنازل التى نزلت بقباء «س»
٢٣٢ سهيل بن جنيف وامرأة مسلحة «س»
٢٣٢ بناء مسجد قباء «س»
٢٣٣ القبائل تعترضه لينزل عندها «س»
٢٣٣ مبرك الناقة بدار بنى مالك ابن النجار «س»
٢٣٤ المسجد والمسكن «س»
٢٣٤ عمار والفئة الباغية «س»
٢٣٥ ارتجاز على «س»
٢٣٥ مشادة عمار «س»
٢٣٥ الرسول ص يوصى بعمار «س»
٢٣٦ إضافة بناء أول مسجد إلى عمار «س»
٢٣٦ الرسول ص فى بيت أبى أيوب «س»
٢٣٧ تلاحق المهاجرين «س»
[ ٤ / ٤٤٢ ]
٢٣٨ قصة أبى سفيان مع بنى جحش «س»
٢٣٨ انتشار الإسلام ومن بقى على شركه «س»
٢٣٩ الخطبة الأولى «س»
٢٣٩ الخطبة الثانية «س»
٢٤٠ كتاب الموادعة لليهود «س»
٢٤٤ المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار «س»
٢٤٦ بلال يوصى بديوانه لأبى رويحه «س»
٢٤٦ أبو أمامة «س»
٢٤٧ بلاد فى طريق الهجرة
٢٥١ قصة أوس بن حجر
٢٥٣ متى قدم الرسول من المدينة
٢٥٣ كلثوم بن الهدم
٢٥٤ تأسيس مسجد قباء
٢٥٥ التاريخ العربى
٢٥٧ من ودخولها على الزمان
٢٦٠ تحلحل وتلحلح
٢٦١ المربد وصاحباه
٢٦٢ حول بتيان المسجد
٢٦٤ سمية أم عمار
٢٦٦ إضافة بناء المسجد إلى عمار
٢٦٦ أطوار بناء المسجد
٢٦٧ بيوت النبى ﷺ
٢٧٨ حب حباب
٢٧٩ الشوم
٢٧٩ مصير منزل أبى أيوب
٢٨٠ مِنْ قِصّةِ أَبِي سُفْيَانَ مَعَ بَنِي جَحْشٍ
٢٨١ الخطبة
٢٨٢ الحب
٢٨٦ من شرح الخطبة
٢٨٩ كتاب رسول الله ص فيما بينه وبين اليهود
٢٩٠ متى دخل اليهود يثرب؟
٢٩١ اسم يثرب
٢٩٣ تفسير على ربعاتهم
٢٩٤ من كلمات الكتاب
٢٩٦ المؤاخاة بين الصحابة
٢٩٧ نسب أبى الدرداء
٢٩٨ نسب الفزع
٢٩٨ مواخاة حاطب بن أبى بلتعة
٢٩٩ خبر الأذان «س»
٢٩٩ رؤيا عبد الله بن زيد «س»
٣٠٠ رؤيا عمر فى الأذان «س»
٣٠١ ما كان يقوله بلال فى الفجر «س»
٣٠١ أبو قيس بن أبى أنس «س»
٣٠٥ الأعداء من يهود «س»
٣٠٥ من يهود بنى النضير «س»
٣٠٦ من يهود بنى ثعلبة «س»
٣٠٦ من يهود بنى قينقاع «س»
٣٠٧ من يهود بنى قريظة «س»
٣٠٧ من يهود بنى زريق «س»
٣٠٧ من يهود بنى حارثة «س»
[ ٤ / ٤٤٣ ]
٣٠٨ من يهود بنى عمرو «س»
٣٠٨ من يهود بنى النجار «س»
٣٠٨ اسلام عبد الله بن سلام «س»
٣١٠ حديث مخيريق «س»
٣١٠ شهادة عن صفية «س»
١١١ مِنْ اجْتَمَعَ إلَى يَهُودَ مِنْ مُنَافِقِي الْأَنْصَارِ منافقو بنى عمرو «س»
٣١١ منافقو حبيب «س»
٣١١ من نفاق جلاس «س»
٣١٣ ارتداد الحارث بن سويد وغدره «س»
٣١٤ منافقو بنى ضبيعة «س»
٣١٤ منافقو بنى لوذان «س»
٣١٥ منافقو بنى ضبيعة «س»
٣١٥ معتب وابنا حاطب بدريون وليسوا منافقين «س»
٣١٦ من بنى ثعلبة «س»
٣١٦ من بنى أمية «س»
٣١٦ من بنى عبيد «س»
٣١٧ من بنى النبيت «س»
٣١٨ من بنى ظفر «س»
٣١٩ من عبد الأشهل «س»
٣٢٠ من الخزرج «س»
٣٢٠ من بنى جشم «س»
٣٢٠ من بنى عوف «س»
٣٢١ من أسلم من أحبار يهود نفاقا «س»
٣٢١ من بنى قينقاع «س»
٣٢٢ طَرْدُ الْمُنَافِقِينَ مِنْ مَسْجِدِ الرّسُولِ ﷺ «س»
٣٢٤ مَا نَزَلَ مِنْ الْبَقَرَةِ فِي الْمُنَافِقِينَ وَيَهُودَ ما نزل فى الأحبار «س»
٣٢٦ ما نزل فى منافقى الأوس والخزرج «س»
٣٢٧ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٣٥ دَعْوَى الْيَهُودَ قِلّةَ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ وَرَدّ الله عليهم «س»
٣٣٧ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٤١ سؤال اليهود الرسول، وإجابته لهم ﵊ «س»
٣٤٢ إنْكَارُ الْيَهُودِ نُبُوّةَ دَاوُدَ ﵇ وَرَدّ الله عليهم «س»
٣٤٣ كِتَابُهُ ﷺ إلَى يَهُودِ خيبر «س»
٣٤٤ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٤٥ ما نزل فى أبى ياسر وأخيه «س»
٣٤٧ كفر اليهود به ص بعد استفتاحهم وما نزل فى ذلك «س»
٣٤٧ مَا نَزَلَ فِي نُكْرَانِ مَالِكِ بْنِ الصّيْفِ العهد اليهم بالنبى «س»
٣٤٨ مَا نَزَلَ فِي قَوْلِ أَبِي صَلُوبا «مَا جئتنا بشىء نعرفه» «س»
٣٤٨ مَا نَزَلَ فِي قَوْلِ ابْنِ حُرَيْمِلَةَ وَوَهْبٍ «س»
[ ٤ / ٤٤٤ ]
٣٤٨ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٤٩ ما نزل فى صد حي وأخيه الناس عن الإسلام «س»
٣٤٩ تَنَازُعُ الْيَهُودِ وَالنّصَارَى عِنْدَ الرّسُولِ ﷺ «س»
٣٥٠ مَا نَزَلَ فِي طَلَبِ ابْنِ حُرَيْمِلَةَ أَنْ يكلمه الله «س»
٣٥٠ مَا نَزَلَ فِي سُؤَالِ ابْنِ صُورِيّا لِلنّبِيّ ﵊ بأن يتهود «س»
٣٥١ مَقَالَةُ الْيَهُودِ عِنْدَ صَرْفِ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ «س»
٣٥٢ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٥٣ كتمانهم ما فى التوراة من الحق «س»
٣٥٣ جوابهم للنبى ﵊ حين دعاهم إلى الإسلام «س»
٣٥٤ جمعهم فى سوق بنى قينقاع «س»
٣٥٤ دخوله ص بيت المدارس «س»
٣٥٥ اخْتِلَافُ الْيَهُودِ وَالنّصَارَى فِي إبْرَاهِيمَ ﵇ «س»
٣٥٥ ما نزل فيماهم بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ الْإِيمَانِ غَدْوَةً وَالْكُفْرِ عَشِيّةً «س»
٣٥٦ مَا نَزَلَ فِي قَوْلِ أَبِي رَافِعٍ وَالنّجْرَانِيّ «أَتُرِيدُ أَنْ نَعْبُدَك كَمَا تَعْبُدُ النّصَارَى عِيسَى «س»
٣٥٧ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٥٧ ما نزل فى أخذ الميثاق عليهم «س»
٣٥٨ سعيهم فى الوقيعة بين الأنصار «س»
٣٥٨ شىء عن يوم بعاث «س»
٣٥٩ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٦٠ مَا نَزَلَ فِي قَوْلِهِمْ «مَا آمَنَ إلّا شرارنا» «س»
٣٦١ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٦١ ما كان فى نهى المسلمين عن مباطنة اليهود «س»
٣٦٢ ما كان بين أبى بكر وفنحاص «س»
٣٦٣ أمرهم المؤمنين بالبخل
٣٦٤ جحدهم الحق «س»
٣٦٥ تفسير ابن هشام الغريب «س»
٣٦٦ النفر الذين حزبوا الأحزاب «س»
٣٦٦ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٦٧ أنكارهم التنزيل «س»
٣٦٨ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى طَرْحِ الصّخْرَةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ص «س»
٣٦٨ أدعاؤهم أنهم أحباء الله «س»
٣٦٩ إنْكَارُهُمْ نُزُولَ كِتَابٍ بَعْدَ مُوسَى ﵇ «س»
٣٦٩ رجوعهم إلى النبى ص فى حكم الرحم «س»
٣٧٢ ظلمهم فى الدية «س»
٣٧٣ فصدهم الفتنة برسول الله ص «س»
٣٧٣ جحودهم نبوة عيسى ﵇ «س»
٣٧٤ دعاؤهم أنهم على الحق «س»
٣٧٤ إشراكهم بالله «س»
[ ٤ / ٤٤٥ ]
٣٧٥ نهيه تعالى للمؤمنين عن موادتهم «س»
٣٧٥ سؤالهم عن قيام الساعة «س»
٣٧٦ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٧٧ ادعاؤهم أن عزيزا ابن الله «س»
٣٧٧ طلبهم كتابا من السماء «س»
٣٧٨ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٧٨ سؤالهم له ص عن ذى القرنين «س»
٣٧٩ تهجمهم على ذات الله وغضب الرسول ص لذلك «س»
٣٨٠ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٨٠ بدء الآذان
٣٨٩ حديث صرمة بن أبى أنس
٣٩١ من شرح شعره
٣٩٦ تسمية اليهود الذين نزل فيهم القرآن
٣٩٧ يهود المدينة
٣٩٨ السحر المنسوب إلى النبى ص
٤٠٤ فقه حديث السحر
٤٠٧ إسلام عبد الله بن سلام
٤١٠ ذكر المنافقين
٤١١ ذَكَرَ حَدِيثَ بَشِيرِ بْنِ أُبَيْرِقٍ سَارِقُ الدّرْعَيْنِ
٤١٥ ذكر ما أنزل الله فى المنافقين
٤١٨ حديث أبى ياسر بن أخطب
٤٢١ معانى الحروف فى أوائل السور
٤٢٢ ذكر تحويل القبلة
٤٢٤ ما أنزل الله فى بنى قينقاع
٤٢٧ تفسير آناء الليل
٤٢٧ ذِكْرُ جُمَلٍ مِنْ الْآيَاتِ الْمُنَزّلَةِ فِي قَصَصِ الأحبار
[ ٤ / ٤٤٦ ]
بعون الله وجميل توفيقه قد تم طبع الجزء الرابع من كتاب الروض الأنف
[ ٤ / ٤٤٧ ]