مقدمة
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، محمد صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله الأئمة المهتدين.
«وبعد» فهذا هو الجزء السابع من السيرة وشرحها «الروض الأنف» للإمام السهيلى، والله وحده أسأل أن يعين على تمامه؟
عبد الرحمن الوكيل
[ ٧ / ٥ ]
[عُمْرَةُ الْقَضَاءِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ خَيْبَرَ، أَقَامَ بِهَا شَهْرَيْ رَبِيعٍ وَجُمَادَيَيْنِ وَرَجَبًا وَشَعْبَانَ وَرَمَضَانَ وَشَوّالًا، يَبْعَثُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ غَزْوِهِ وَسَرَايَاهُ ﷺ. ثُمّ خَرَجَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ فِي الشّهْرِ الّذِي صَدّهُ فِيهِ الْمُشْرِكُونَ مُعْتَمِرًا عُمْرَةَ الْقَضَاءِ، مكان عمرة الّتِي صَدّوهُ عَنْهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ على المدينة عوف بن الأضبط الدّيلى.
وَيُقَالُ لَهَا عُمْرَةُ الْقِصَاصِ، لِأَنّهُمْ صَدّوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ مِنْ سَنَةِ سِتّ، فَاقْتَصّ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهُمْ، فَدَخَلَ مَكّةَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ الّذِي صَدّوهُ فِيهِ مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ.
وَبَلَغَنَا عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ قَالَ: وأنزل الله في ذلك: (وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ) .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَرَجَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ مِمّنْ كَانَ صُدّ مَعَهُ فِي عُمْرَتِهِ تِلْكَ، وَهِيَ سَنَةَ سَبْعٍ، فَلَمّا سَمِعَ بِهِ أَهْلُ مَكّةَ خَرَجُوا عَنْهُ، وَتَحَدّثَتْ قُرَيْشٌ بَيْنَهَا أَنّ مُحَمّدًا وأصحابه في عسرة وجهد وشدّة.
قال ابن إسحاق: فحدثنى من لا انهم، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: صَفّوا لَهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٧ ]
عِنْدَ دَارِ النّدْوَةِ لِيَنْظُرُوا إلَيْهِ وَإِلَى أَصْحَابِهِ، فَلَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَسْجِدَ اضْطَبَعَ بِرِدَائِهِ، وَأَخْرَجَ عَضُدَهُ الْيُمْنَى، ثُمّ قَالَ: رَحِمَ اللهُ امْرَأً أَرَاهُمْ الْيَوْمَ مِنْ نَفْسِهِ قُوّةً، ثُمّ اسْتَلَمَ الرّكْنَ، وَخَرَجَ يُهَرْوِلُ وَيُهَرْوِلُ أَصْحَابُهُ مَعَهُ، حَتّى إذَا وَارَاهُ الْبَيْتُ مِنْهُمْ، وَاسْتَلَمَ الرّكْنَ الْيَمَانِيّ، مَشَى حَتّى يَسْتَلِمَ الرّكْنَ الْأَسْوَدَ، ثُمّ هَرْوَلَ كَذَلِك ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى سَائِرَهَا. فَكَانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُول: كَانَ النّاسُ يَظُنّونَ أَنّهَا لَيْسَتْ عَلَيْهِمْ. وَذَلِكَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ إنّمَا صَنَعَهَا لِهَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْشٍ لِلّذِي بَلَغَهُ عَنْهُمْ، حَتّى إذَا حَجّ حَجّةَ الْوَدَاعِ فلزمها، فمضت السّنة بها.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أَبِي بَكْرٍ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ دَخَلَ مَكّةَ فِي تِلْكَ الْعُمْرَةِ دَخَلَهَا وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ يَقُولُ:
خَلّوا بَنِي الْكُفّارِ عَنْ سَبِيلِهِ خَلّوا فَكُلّ الْخَيْرِ فِي رَسُولِهِ
يَا رَبّ إنّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ أَعْرِفُ حَقّ اللهِ فِي قَبُولِهِ
***
نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ كَمَا قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تنزيله
ضربا يزبل الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: «نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ» إلى آخر الأبيات، لعمّار بن ياسر فِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ، وَالدّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أن ابن رواحة إنما أراد المشركين،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٨ ]
والمشركون لم يقرّوا بالتنزيل، وإنما يقتل على التأويل من أقرّ بالتنزيل.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَمُجَاهِدٍ أَبِي الْحَجّاجِ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَزَوّجَ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ وَهُوَ حَرَامٌ، وَكَانَ الّذِي زَوّجَهُ إيّاهَا الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَتْ جَعَلَتْ أَمْرَهَا إلَى أُخْتِهَا أُمّ الفضل، وَكَانَتْ أُمّ الْفَضْلِ تَحْتَ الْعَبّاسِ، فَجَعَلَتْ أُمّ الْفَضْلِ أَمْرَهَا إلَى الْعَبّاسِ، فَزَوّجَهَا رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَكّةَ، وَأَصْدَقَهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أربع مائة درهم.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَكّةَ ثَلَاثًا، فَأَتَاهُ حُوَيْطِبُ بن عبد العزى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ نصر بن مالك بن حِسْلٍ، فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فِي الْيَوْمِ الثّالِثِ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ وَكّلَتْهُ بِإِخْرَاجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مَكّةَ؛ فَقَالُوا لَهُ: إنّهُ قَدْ انْقَضَى أَجَلُك، فَاخْرُجْ عَنّا؛ فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: وَمَا عَلَيْكُمْ لَوْ تَرَكْتُمُونِي فَأَعْرَسْت بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، وَصَنَعْنَا لَكُمْ طَعَامًا فَحَضَرْتُمُوهُ؟ قَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي طَعَامِك، فَاخْرُجْ عَنّا. فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَخَلّفَ أَبَا رافع مولاه على ميمونة، أَتَاهُ بِهَا بِسَرِفَ، فَبَنَى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ هُنَالِكَ، ثُمّ انْصَرَفَ رسول الله ﷺ إلى المدينة في ذى الحجة.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٩ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ عليه، فيما حدثنى أبو عبيدة:
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ، لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخافُونَ، فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا، فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا يَعْنِي خيبر.
[ذِكْرُ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ]
فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَمَانٍ، وَمَقْتَلُ جَعْفَرٍ وَزَيْدٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ بِهَا بَقِيّةَ ذِي الْحِجّةِ، وَوَلِيَ تِلْكَ الْحَجّةَ الْمُشْرِكُونَ، وَالْمُحَرّمَ وَصَفَرًا وَشَهْرَيْ رَبِيعٍ، وَبَعَثَ فِي جُمَادَى الْأُولَى بعثه إلى الشام الذين أصيبوا بمؤتة.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَ: بعث رسول الله ﷺ بَعْثَةَ إلَى مُؤْتَةَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَمَانٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَقَالَ: إنْ أُصِيبَ زَيْدٌ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى النّاسِ، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللهِ بن رواحة على الناس.
فَتَجَهّزَ النّاسُ ثُمّ تَهَيّئُوا لِلْخُرُوجِ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، فَلَمّا حَضَرَ خُرُوجَهُمْ وَدّعَ النّاسُ أُمَرَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسَلّمُوا عَلَيْهِمْ. فَلَمّا وَدّعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ مَنْ وَدّعَ مِنْ أُمَرَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَكَى؛ فَقَالُوا: مَا يُبْكِيك يَا بْنَ رَوَاحَةَ؟ فَقَالَ: أَمَا وَاَللهِ مَا بِي حُبّ الدّنْيَا وَلَا صَبَابَةٌ بِكُمْ، وَلَكِنّي سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٠ ]
﷿، يَذْكُرُ فِيهَا النّارَ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا مَرْيَمَ: ٧١، فَلَسْت أَدْرِي كَيْفَ لِي بِالصّدَرِ بَعْدَ الْوُرُودِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: صَحِبَكُمْ اللهُ وَدَفَعَ عَنْكُمْ، وَرَدّكُمْ إلَيْنَا صالحين؛ فقال عبد الله ابن رَوَاحَةَ:
لَكِنّنِي أَسْأَلُ الرّحْمَنَ مَغْفِرَةً وَضَرْبَةً ذَاتَ فرغ تَقْذِفُ الزّبَدا
أَوْ طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرّانَ مُجْهِزَةً بِحَرْبَةٍ تُنْفِذُ الْأَحْشَاءَ وَالْكَبِدَا
حَتّى يُقَالَ إذَا مَرّوا عَلَى جَدَثِي أَرْشَدَهُ اللهُ مِنْ غَازٍ وَقَدْ رَشَدَا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ الْقَوْمَ تَهَيّئُوا لِلْخُرُوجِ، فَأَتَى عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَوَدّعَهُ، ثُمّ قَالَ:
فَثَبّتَ اللهُ مَا آتَاك مِنْ حَسَنٍ تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَاَلّذِي نُصِرُوا
إنّي تَفَرّسْتُ فِيكَ الْخَيْرَ نَافِلَةً اللهُ يَعْلَمُ أَنّي ثَابِتُ الْبَصَرِ
أَنْتَ الرّسُولُ فَمَنْ يُحْرَمْ نوافله والوجه منه فقد أزرى به القدر
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ:
أَنْتَ الرّسُولُ فَمَنْ يُحْرَمْ نوافله والوجه منه فقد أزرى به القدر
فَثَبّتَ اللهُ مَا آتَاك مِنْ حَسَنٍ فِي الْمُرْسَلِينَ وَنَصْرًا كَاَلّذِي نُصِرُوا
إنّي تَفَرّسْت فِيك الْخَيْرَ نَافِلَةً فِرَاسَةً خَالَفَتْ فِيكَ الّذِي نَظَرُوا
يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ؛ وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١١ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ خَرَجَ الْقَوْمُ، وَخَرَجَ رسول الله ﷺ، حتى إذَا وَدّعَهُمْ وَانْصَرَفَ عَنْهُمْ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ:
خَلَفَ السّلَامُ عَلَى امْرِئٍ وَدّعْته فى النّخل خير مشيّع وخليل
ثم مضوا حتى نزلوا مَعَانَ، مِنْ أَرْضِ الشّامِ، فَبَلَغَ النّاسَ أَنّ هِرَقْلَ قَدْ نَزَلَ مَآبَ، مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ، في مائة أَلْفٍ مِنْ الرّومِ، وَانْضَمّ إلَيْهِمْ مِنْ لَخْم وجذام والقين وبهراء وبلىّ مائة أَلْفٍ مِنْهُمْ، عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ بَلِيّ ثُمّ أَحَدُ إرَاشَةَ، يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ زَافِلَةَ. فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ أَقَامُوا عَلَى مَعَانَ لَيْلَتَيْنِ يُفَكّرُونَ فِي أَمْرِهِمْ وَقَالُوا: نَكْتُبُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنُخْبِرُهُ يعدد عَدُوّنَا، فَإِمّا أَنْ يُمِدّنَا بِالرّجَالِ، وَإِمّا أَنْ يأمرنا بأمره، فنمضى له.
قَالَ: فَشَجّعَ النّاسَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَقَالَ: يَا قَوْمِ، وَاَللهِ إنّ الّتِي تَكْرَهُونَ، لَلّتِي خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ الشّهَادَةُ، وَمَا نُقَاتِلُ النّاسَ بِعَدَدِ وَلَا قُوّةٍ وَلَا كَثْرَةٍ، مَا نُقَاتِلُهُمْ إلّا بِهَذَا الدّينِ الّذِي أَكْرَمَنَا اللهُ بِهِ، فَانْطَلِقُوا فَإِنّمَا هِيَ إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، إمّا ظُهُورٌ وَإِمّا شَهَادَةٌ. قَالَ: فَقَالَ النّاسُ: قَدْ وَاَللهِ صَدَقَ ابْنُ رَوَاحَةَ. فَمَضَى النّاسُ، فَقَالَ عَبْدُ الله بن رواحة في محبسهم ذلك:
جَلَبْنَا الْخَيْلَ مِنْ أَجَإٍ وَفَرْعٍ تُغَرّ مِنْ الْحَشِيشِ لَهَا الْعُكُومُ
حَذَوْنَاهَا مِنْ الصّوّانِ سِبْتًا أَزَلّ كَأَنّ صَفْحَتَهُ أَدِيمُ
أَقَامَتْ لَيْلَتَيْنِ عَلَى مَعَانٍ فَأَعْقَبَ بَعْدَ فَتْرَتِهَا جُمُومُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٢ ]
فَرُحْنَا وَالْجِيَادُ مُسَوّمَاتٌ تَنَفّسُ فِي مَنَاخِرِهَا السّمُومُ
فَلَا وَأَبِي مَآبَ لَنَأْتِيَنْهَا وَإِنْ كَانَتْ بِهَا عَرَبٌ وَرُومُ
فَعَبّأْنَا أَعِنّتَهَا فَجَاءَتْ عَوَابِسَ وَالْغُبَارُ لَهَا بَرِيمُ
بِذِي لَجَبٍ كَأَنّ الْبَيْضَ فِيهِ إذا بررت قَوَانِسُهَا النّجُومُ
فَرَاضِيَةُ الْمَعِيشَةِ طَلّقَتْهَا أَسِنّتُهَا فَتَنْكِحُ أَوْ تَئِيمُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: «وَيُرْوَى: جَلَبْنَا الْخَيْلَ مِنْ آجَامِ قُرْحٍ»، وَقَوْلُهُ:
«فَعَبّأْنَا أَعِنّتَهَا» عن غير ابن إسحاق.
قال ابن إسحاق: ثُمّ مَضَى النّاسُ، فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنّهُ حُدّثَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: كُنْت يَتِيمًا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ فِي حَجْرِهِ، فَخَرَجَ بِي فِي سَفَرِهِ ذلك مردفي على حقيبة رحله، فو الله إنّهُ لَيَسِيرُ لَيْلَةً إذْ سَمِعْته وَهُوَ يُنْشِدُ أبياته هذه:
إذَا أَدّيْتِنِي وَحَمَلْتِ رَحْلِي مَسِيرَةَ أَرْبَعٍ بَعْدَ الحساء
قشأنك أَنْعُمٌ وَخَلّاكِ ذَمّ وَلَا أَرْجِعْ إلَى أَهْلِي ورائى
وجاء المسلمون وغادرونى بأرض الشام مستنهى الثّوَاءِ
وَرَدّك كُلّ ذِي نَسَبٍ قَرِيبٍ إلَى الرّحْمَنِ مُنْقَطِعَ الْإِخَاءِ
هُنَالِكَ لَا أُبَالِي طَلْعَ بَعْلٍ وَلَا نَخْلٍ أَسَافِلُهَا رِوَاءُ
فَلَمّا سَمِعْتُهُنّ مِنْهُ بَكَيْت. قَالَ: فَخَفَقَنِي بِالدّرّةِ، وَقَالَ: مَا عليك بالكع
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٣ ]
أَنْ يَرْزُقَنِي اللهُ شَهَادَةً وَتَرْجِعَ بَيْنَ شُعْبَتَيْ الرّحْلِ!
قَالَ: ثُمّ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فِي بَعْضِ سَفَرِهِ ذَلِكَ وَهُوَ يَرْتَجِزُ:
يَا زَيْدُ زَيْدَ الْيَعْمَلَاتِ الذّبّلِ تَطَاوَلَ اللّيْلُ هديت فانزل
[لقاء الروم]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَمَضَى النّاسُ، حَتّى إذَا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل، سن الروم وَالْعَرَبِ، بِقَرْيَةِ مِنْ قُرَى الْبَلْقَاءِ يُقَالُ لَهَا مَشَارِفُ، ثُمّ دَنَا الْعَدُوّ، وَانْحَازَ الْمُسْلِمُونَ إلَى قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا مُؤْتَةُ، فَالْتَقَى النّاسُ عِنْدَهَا، فَتَعَبّأَ لَهُمْ الْمُسْلِمُونَ، فَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنَتِهِمْ رَجُلًا من بنى عذرة، يقال له: قطبة ابن قَتَادَةَ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِمْ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ عُبَايَةُ بْنُ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ويقال عبادة بن مالك.
[مقتل ابن حارثة]
قال ابن إسحاق: ثم الْتَقَى النّاسُ وَاقْتَتَلُوا، فَقَاتَلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بِرَايَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى شَاطَ فِي رِمَاحِ الْقَوْمِ.
[إمَارَةُ جَعْفَرٍ وَمَقْتَلُهُ]
ثُمّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَقَاتَلَ بهاء حَتّى إذَا أَلْحَمَهُ الْقِتَالُ اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ، فَعَقَرَهَا، ثُمّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتّى قُتِلَ. فَكَانَ جَعْفَرٌ أَوّلَ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَقَرَ فِي الْإِسْلَامِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٤ ]
وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبّادٍ، قَالَ:
حَدّثَنِي أَبِي الّذِي أَرْضَعَنِي، وَكَانَ أَحَدُ بَنِي مُرّةَ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ قَالَ: وَاَللهِ لَكَأَنّي أَنْظُرُ إلَى جَعْفَرٍ حِينَ اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ، ثُمّ عَقَرَهَا ثُمّ قَاتَلَ حَتّى قُتِلَ وَهُوَ يَقُولُ:
يَا حَبّذَا الْجَنّةُ وَاقْتِرَابُهَا طَيّبَةً وَبَارِدًا شَرَابُهَا
وَالرّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا كَافِرَةٌ بَعِيدَةٌ أَنْسَابُهَا
عَلَيّ إذْ لَاقَيْتُهَا ضِرَابُهَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخَذَ اللّوَاءَ بِيَمِينِهِ فَقَطِعَتْ، فَأَخَذَهُ بِشِمَالِهِ فَقُطِعَتْ، فَاحْتَضَنَهُ بِعَضُدَيْهِ حَتّى قُتِلَ ﵁ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَأَثَابَهُ اللهُ بِذَلِكَ جَنَاحَيْنِ فِي الْجَنّةِ يَطِيرُ بِهِمَا حَيْثُ شَاءَ. وَيُقَالُ إنّ رَجُلًا مِنْ الرّومِ ضَرَبَهُ يَوْمَئِذٍ ضربة، فقطعه بنصفين
[استشهاد جعفر وابن رواحة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبّادٍ قَالَ: حَدّثَنِي أَبِي الّذِي أَرْضَعَنِي، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي مُرّةَ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: فَلَمّا قُتِلَ جَعْفَرٌ أَخَذَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ الرّايَةَ، ثُمّ تَقَدّمَ بِهَا، وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ، فَجَعَلَ يَسْتَنْزِلُ نَفْسَهُ، وَيَتَرَدّدُ بَعْضَ التّرَدّدِ، ثُمّ قَالَ:
أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنّهْ لَتَنْزِلِنّ أَوْ لتكرهنّه
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٥ ]
إنْ أَجْلَبَ النّاسُ وَشَدّوا الرّنّهْ مَالِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنّهْ
قَدْ طَالَ مَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنّهْ هَلْ أَنْتِ إلّا نُطْفَةٌ فِي شَنّهْ
وَقَالَ أَيْضًا:
يَا نَفْسُ إلّا تُقْتَلِي تَمُوتِي هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صَلِيَتْ
وَمَا تَمَنّيْتِ فقد أعطيت إن تفعلى فعلهما هدبت
يريد صاحبيه: زَيْدًا وَجَعْفَرًا؛ ثُمّ نَزَلَ. فَلَمّا نَزَلَ أَتَاهُ ابْنُ عَمّ لَهُ بِعَرْقٍ مِنْ لَحْمٍ فَقَالَ: شُدّ بِهَذَا صُلْبَك، فَإِنّك قَدْ لَقِيت فِي أَيّامِك هَذِهِ مَا لَقِيت، فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ ثُمّ انْتَهَسَ مِنْهُ نَهْسَةً، ثُمّ سَمِعَ الْحَطْمَةَ فِي نَاحِيَةِ النّاسِ، فَقَالَ:
وَأَنْتَ فِي الدّنْيَا! ثُمّ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمّ أَخَذَ سَيْفَهُ فتقدّم، فقاتل حتى قتل.
[عمل خالد]
ثم أَخَذَ الرّايَةَ ثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ أَخُو بَنِي الْعَجْلَانِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ اصْطَلِحُوا عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ، قَالُوا: أَنْتَ، قَالَ: مَا أَنَا بفاعل. فاصطلح الناس على خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَلَمّا أَخَذَ الرّايَةَ دَافَعَ الْقَوْمَ، وَحَاشَى بِهِمْ، ثُمّ انْحَازَ وَانْحِيزَ عَنْهُ، حَتّى انْصَرَفَ بِالنّاسِ.
تَنَبّؤُ الرّسُولِ بِمَا حَدَثَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا أُصِيبَ الْقَوْمُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فيما بَلَغَنِي: أَخَذَ الرّايَةَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَقَاتَلَ بِهَا حَتّى قُتِلَ شَهِيدًا؛ ثُمّ أَخَذَهَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٦ ]
جَعْفَرٌ فَقَاتَلَ بِهَا حَتّى قُتِلَ شَهِيدًا؛ قَالَ: ثُمّ صَمَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى تَغَيّرَتْ وُجُوهُ الْأَنْصَارِ، وَظَنّوا أَنّهُ قَدْ كَانَ فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ بَعْضُ مَا يَكْرَهُونَ، ثُمّ قَالَ: ثُمّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَقَاتَلَ بِهَا حَتّى قُتِلَ شَهِيدًا؛ ثُمّ قَالَ: لَقَدْ رُفِعُوا إلَيّ فِي الْجَنّةِ، فِيمَا يَرَى النّائِمُ، عَلَى سُرُرٍ من مِنْ ذَهَبٍ، فَرَأَيْت فِي سَرِيرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ ازْوِرَارًا عَنْ سَرِيرَيْ صَاحِبَيْهِ، فَقُلْت: عَمّ هَذَا؟ فَقِيلَ لِي: مَضَيَا وَتَرَدّدَ عَبْدُ اللهِ بَعْضَ التّرَدّدِ، ثُمّ مَضَى.
[حُزْنُ الرّسُولِ على جعفر]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أُمّ عِيسَى الْخُزَاعِيّةِ، عَنْ أُمّ جَعْفَرِ بِنْتِ مُحَمّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ جَدّتِهَا أَسَمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، قَالَتْ: لَمّا أُصِيبَ جَعْفَرٌ وَأَصْحَابُهُ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وقد دَبَغْت أَرْبَعِينَ مَنًا- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: أَرْبَعِينَ مَنِيئَةً- وَعَجَنْت عَجِينِي، وَغَسَلْت بَنِيّ وَدَهَنْتهمْ وَنَظّفْتهمْ. قَالَتْ: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: ائْتِينِي بِبَنِي جَعْفَرٍ، قَالَتْ: فَأَتَيْته بِهِمْ، فَتَشَمّمَهُمْ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَقُلْت: يَا رسول الله، بِأَبِي أَنْت وَأُمّي، مَا يُبْكِيك؟ أَبَلَغَك عَنْ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أُصِيبُوا هَذَا الْيَوْمَ. قَالَتْ: فَقُمْت أَصِيحُ، وَاجْتَمَعَتْ إلَيّ النّسَاءُ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ: لَا تُغْفِلُوا آلَ جَعْفَرٍ مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا لَهُمْ طَعَامًا فَإِنّهُمْ قَدْ شُغِلُوا بِأَمْرِ صَاحِبِهِمْ.
وَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبِيّ ﷺ، قَالَتْ: لَمّا أَتَى نَعْيُ جَعْفَرٍ عَرَفْنَا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٧ ]
ﷺ الْحُزْنَ. قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ النّسَاءَ عَنّيْنَنَا وَفَتَنّنَا، قَالَ: فَارْجِعْ إلَيْهِنّ فَأَسْكِتْهُنّ. قَالَتْ: فَذَهَبَ ثُمّ رَجَعَ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ- قَالَ: تَقُولُ وَرُبّمَا ضَرّ التّكَلّفُ أَهْلَهُ- قَالَتْ:
قَالَ: فَاذْهَبْ فَأَسْكِتْهُنّ، فَإِنْ أَبَيْنَ فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنّ التّرَابَ، قَالَتْ:
وَقُلْت فِي نَفْسِي: أبعدك الله! فو الله مَا تَرَكْتَ نَفْسَك وَمَا أَنْتَ بِمُطِيعٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَتْ: وَعَرَفْت أَنّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَحْثِيَ فِي أَفْوَاهِهِنّ التّرَابَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ الْعُذْرِيّ، الّذِي كَانَ عَلَى مَيْمَنَةِ الْمُسْلِمِينَ، قَدْ حَمَلَ عَلَى مَالِكِ بْنِ زَافِلَةَ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ:
طَعَنْتُ ابن رافلة بْنِ الْإِرَا شِ بِرُمْحٍ مَضَى فِيهِ ثُمّ انْحَطَمْ
ضَرَبْتُ عَلَى جِيدِهِ ضَرْبَةً فَمَالَ كَمَا مَالَ غُصْنُ السّلَمْ
وَسُقْنَا نِسَاءَ بَنِي عَمّهِ غَدَاةَ رَقُوقَيْنَ سَوْقَ النّعَمْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ «ابْنِ الْإِرَاشِ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
والبيت الثالث عن خَلّادِ بْنِ قُرّةَ؛ وَيُقَالُ: مَالِكُ بْنُ رَافِلَةَ:
[كاهنة حدس]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَتْ كَاهِنَةٌ مِنْ حَدَسٍ حِينَ سَمِعَتْ بِجَيْشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُقْبِلًا، قَدْ قَالَتْ لِقَوْمِهَا مِنْ حَدَسٍ- وَقَوْمُهَا بَطْنٌ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو غَنْمٍ- أُنْذِرُكُمْ قَوْمًا خُزْرًا، يَنْظُرُونَ شَزْرًا، وَيَقُودُونَ الْخَيْلَ تَتْرَى، ويُهْرِيقُونَ دَمًا عَكْرًا. فَأَخَذُوا بِقَوْلِهَا، وَاعْتَزَلُوا مِنْ بَيْنِ لَخْمٍ؛
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٨ ]
فَلَمْ تَزَلْ بَعْدُ أَثْرَى حَدَسٍ. وَكَانَ الّذِينَ صَلَوْا الْحَرْبَ يَوْمَئِذٍ بَنُو ثَعْلَبَةَ، بَطْنٌ مِنْ حَدَسٍ، فَلَمْ يَزَالُوا قَلِيلًا بَعْدُ. فَلَمّا انْصَرَفَ خالد بالناس أقبل بهم قافلا.
[كيف تلقى الجيش؟!]
قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَ: لَمّا دَنَوْا مِنْ حَوْلِ الْمَدِينَةِ تَلَقّاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ، قَالَ: وَلَقِيَهُمْ الصّبْيَانُ يَشْتَدّونَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مُقْبِلٌ مَعَ الْقَوْمِ عَلَى دَابّةٍ، فَقَالَ: خُذُوا الصّبْيَانَ فَاحْمِلُوهُمْ، وَأَعْطُونِي ابْنَ جَعْفَرٍ. فَأَتَى بِعَبْدِ اللهِ فَأَخَذَهُ فَحَمَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ: وَجَعَلَ النّاسُ يَحْثُونَ عَلَى الْجَيْشِ التّرَابَ، وَيَقُولُونَ: يَا فُرّارُ، فَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَيْسُوا بِالْفُرّارِ، وَلَكِنّهُمْ الْكُرّارُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ بَعْضِ آلِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ: وَهُمْ أَخْوَالُهُ، عَنْ أُمّ سلمة زوج النبي ﷺ، قَالَ: قَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ لِامْرَأَةِ سَلَمَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: مَالِي لَا أَرَى سَلَمَةَ يَحْضُرُ الصّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَتْ: وَاَللهِ مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ، كُلّمَا خَرَجَ صَاحَ بِهِ النّاسُ يَا فُرّارُ، فَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، حَتّى قَعَدَ فِي بَيْتِهِ فَمَا يَخْرُجُ.
[شِعْرُ قَيْسٍ فِي الِاعْتِذَارِ عَنْ تَقَهْقُرِ خَالِدٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ قَالَ فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ النّاسِ وَأَمْرِ خَالِدٍ وَمُخَاشَاتِهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٩ ]
بِالنّاسِ وَانْصِرَافِهِ بِهِمْ، قَيْسُ بْنُ الْمُسَحّرِ الْيَعْمَرِيّ، يعتذر مما صنع يومئذ وصنع الناس:
فو الله لَا تَنْفَكّ نَفْسِي تَلُومُنِي عَلَى مَوْقِفِي وَالْخَيْلُ قَابِعَةٌ قُبْلُ
وَقَفْتُ بِهَا لَا مُسْتَجِيرًا فَنَافِذًا وَلَا مَانِعًا مَنْ كَانَ حُمّ لَهُ الْقَتْلُ
عَلَى أَنّنِي آسَيْتُ نَفْسِي بِخَالِدِ أَلَا خَالِدٌ فِي الْقَوْمِ لَيْسَ لَهُ مِثْلُ
وَجَاشَتْ إلَيّ النّفْسُ مِنْ نَحْوِ جَعْفَرٍ بِمُؤْتَةِ إذْ لَا يَنْفَعُ النّابِلَ النّبْلُ
وَضَمّ إلَيْنَا حَجْزَتَيْهِمْ كِلَيْهِمَا مُهَاجِرَةٌ لَا مُشْرِكُونَ وَلَا عُزْلُ
فَبَيّنَ قَيْسٌ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ النّاسُ مِنْ ذَلِكَ فِي شِعْرِهِ، أَنّ الْقَوْمَ حَاجَزُوا وَكَرِهُوا الْمَوْتَ، وَحَقّقَ انْحِيَازَ خَالِدٍ بِمَنْ مَعَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَأَمّا الزّهْرِيّ فَقَالَ فِيمَا بَلَغَنَا عَنْهُ: أَمّرَ المسلمون عليهم خالد ابن الْوَلِيدِ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَتّى قَفَلَ إلَى النّبِيّ ﷺ.
[شِعْرُ حَسّانَ فِي بُكَاءِ قَتْلَى مُؤْتَةَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمّا بُكِيَ بِهِ أَصْحَابُ مُؤْتَةَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قول حسّان بن ثابت:
تَأَوّبَنِي لَيْلٌ بِيَثْرِبَ أَعْسَرُ وَهَمّ إذَا مَا نوّم الناس مسهر
لذكرى حَبِيبٍ هَيّجَتْ لِي عَبْرَةً سَفُوحًا وَأَسْبَابُ الْبُكَاءِ التّذَكّرُ
بَلَى، إنّ فِقْدَانَ الْحَبِيبِ بَلِيّةٌ وَكَمْ مِنْ كَرِيمٍ يُبْتَلَى ثُمّ يَصْبِرُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٠ ]
رأيت خيار المؤمنين تَوَارَدُوا شَعُوبَ وَخَلْفًا بَعْدَهُمْ يَتَأَخّرُ
فَلَا يُبْعِدَنّ الله قتلى تتابعوا بمؤتة مِنْهُمْ ذُو الْجَنَاحَيْنِ جَعْفَرُ
وَزَيْدٌ وَعَبْدُ اللهِ حِينَ تَتَابَعُوا جَمِيعًا وَأَسْبَابُ الْمَنِيّةِ تَخْطِرُ
غَدَاةَ مَضَوْا بِالْمُؤْمِنِينَ يَقُودُهُمْ إلَى الْمَوْتِ مَيْمُونُ النّقِيبَةِ أَزْهَرُ
أَغَرّ كَضَوْءِ الْبَدْرِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ أَبِيّ إذَا سِيمَ الظّلَامَةَ مِجْسَرُ
فَطَاعَنَ حَتّى مَالَ غَيْرَ مُوَسّدٍ لِمُعْتَرَكٍ فِيهِ قَنًا مُتَكَسّرُ
فَصَارَ مَعَ الْمُسْتَشْهَدِينَ ثَوَابَهُ جِنَانٌ وَمُلْتَفّ الْحَدَائِقِ أَخْضَرُ
وَكُنّا نَرَى فِي جَعْفَرٍ مِنْ مُحَمّدٍ وَفَاءً وَأَمْرًا حَازِمًا حِينَ يَأْمُرُ
فَمَا زَالَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ دَعَائِمُ عِزّ لَا يَزُلْنَ وَمَفْخَرُ
هُمْ جَبَلُ الْإِسْلَامِ وَالنّاسُ حولهم رضام إلى طود يروق ويقهر
بها ليل مِنْهُمْ جَعْفَرٌ وَابْنُ أُمّهِ عَلِيّ وَمِنْهُمْ أَحْمَدُ الْمُتَخَيّرُ
وَحَمْزَةُ وَالْعَبّاسُ مِنْهُمْ وَمِنْهُمْ عَقِيلٌ وَمَاءُ الْعُودِ مِنْ حَيْثُ يُعْصَرُ
بِهِمْ تُفْرَجُ اللّأْوَاءُ فِي كُلّ مَأْزِقٍ عِمَاسٍ إذا ماضاق بِالنّاسِ مَصْدَرُ
هُمْ أَوْلِيَاءُ اللهِ أَنْزَلَ حُكْمَهُ عَلَيْهِمْ، وَفِيهِمْ ذَا الْكِتَابُ الْمُطَهّرُ
[شِعْرُ كَعْبٍ فِي بُكَاءِ قَتْلَى مُؤْتَةَ]
وَقَالَ كعب بن مالك:
قام الْعُيُونُ وَدَمْعُ عَيْنِك يَهْمُلُ سَحّا كَمَا وَكَفَ الطّبَابُ الْمُخْضَلُ
فِي لَيْلَةٍ وَرَدَتْ عَلَيّ هُمُومُهَا طورا أخنّ وتارة أتململ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢١ ]
وَاعْتَادَنِي حُزْنٌ فَبِتّ كَأَنّنِي بِبَنَاتِ نَعْشٍ وَالسّمَاكِ مُوَكّلُ
وَكَأَنّمَا بَيْنَ الْجَوَانِحِ وَالْحَشَى مِمّا تَأَوّبَنِي شِهَابٌ مُدْخَلُ
وَجْدًا عَلَى النّفَرِ الّذِينَ تَتَابَعُوا يوما بمؤتة أُسْنِدُوا لَمْ يُنْقَلُوا
صَلّى الْإِلَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ فِتْيَةٍ وَسَقَى عِظَامَهُمْ الْغَمَامُ الْمُسْبِلُ
صَبَرُوا بِمُؤْتَة لِلْإِلَهِ نُفُوسَهُمْ حَذَرَ الرّدَى وَمَخَافَةً أَنْ يَنْكُلُوا
فَمَضَوْا أَمَامَ الْمُسْلِمِينَ كَأَنّهُمْ فُنُقٌ عَلَيْهِنّ الْحَدِيدُ الْمُرْفَلُ
إذْ يَهْتَدُونَ بِجَعْفَرٍ وَلِوَائِهِ قُدّامَ أَوّلِهِمْ فَنِعْمَ الْأَوّلُ
حَتّى تَفَرّجَتْ الصّفُوفُ وَجَعْفَرٌ حَيْثُ التقى وعث الصّفوف مجدّل
فتغيّر القمر المنبر لِفَقْدِهِ وَالشّمْسُ قَدْ كَسَفَتْ وَكَادَتْ تَأْفِلُ
قَرْمٌ عَلَا بُنْيَانُهُ مِنْ هَاشِمٍ فَرْعًا أَشَمّ وَسُؤْدُدًا مَا يُنْقَلُ
قَوْمٌ بِهِمْ عَصَمَ الْإِلَهُ عِبَادَهُ وَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْكِتَابُ الْمُنْزَلُ
فَضَلُوا الْمَعَاشِرَ عِزّةً وَتَكَرّمًا وَتَغَمّدَتْ أَحْلَامُهُمْ مَنْ يَجْهَلُ
لَا يُطْلِقُونَ إلَى السّفَاهِ حُبَاهُمْ وَيُرَى خَطِيبُهُمْ بِحَقّ يَفْصِلُ
بِيضُ الْوُجُوهِ تُرَى بُطُونُ أَكُفّهِمْ تَنْدَى إذَا اعْتَذَرَ الزّمَانُ الْمُمْحِلُ
وَبِهَدْيِهِمْ رَضِيَ الْإِلَهُ لِخَلْقِهِ وَبِجَدّهِمْ نُصِرَ النّبِيّ الْمُرْسَلُ
[شِعْرُ حَسّانَ فِي بُكَاءِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ]
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْكِي جَعْفَرَ بن أبى طالب ﵁:
وَلَقَدْ بَكَيْتُ وَعَزّ مُهْلَكُ جَعْفَرٍ حِبّ النّبِيّ عَلَى الْبَرِيّةِ كُلّهَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٢ ]
وَلَقَدْ جَزِعْت وَقُلْت حِينَ نُعِيتَ لِي مَنْ لِلْجِلَادِ لَدَى الْعُقَابِ وَظِلّهَا
بِالْبِيضِ حِينَ تُسَلّ مِنْ أَغْمَادِهَا ضَرْبًا وَإِنْهَالِ الرّمَاحِ وَعَلّهَا
بَعْدَ ابْنِ فَاطِمَةَ الْمُبَارَكِ جَعْفَرٍ خَيْرِ الْبَرِيّةِ كُلّهَا وأجلّها
وزآ وأكرمها جميعا محتدا وأعزّها متظلّما وأذلّها
لِلْحَقّ حِينَ يَنُوبُ غَيْرَ تَنَحّلٍ كَذِبًا، وَأَنْدَاهَا يدا، وأقلّها
فحشا، وأكثرها إذا ما يحتدى فَضْلًا، وَأَبْذَلِهَا نَدَى، وَأَبَلّهَا
بِالْعُرْفِ غَيْرَ مُحَمّدٍ لَا مِثْلُهُ حَيّ مِنْ احْيَاءِ الْبَرِيّةِ كُلّهَا
[شِعْرُ حَسّانَ فِي بُكَاءِ ابْنِ حَارِثَةَ وَابْنِ رواحة]
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي يَوْمِ مُؤْتَةَ يَبْكِي زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَعَبْدَ اللهِ ابن رواحة:
عَيْنِ جُودِي بِدَمْعِك الْمَنْزُورِ وَاذْكُرِي فِي الرّخَاءِ أَهْلَ الْقُبُورِ
وَاذْكُرِي مُؤْتَةً وَمَا كَانَ فِيهَا يَوْمَ رَاحُوا فِي وَقْعَةِ التّغْوِيرِ
حِينَ رَاحُوا وغادروا ثمّ زيد نِعْمَ مَأْوَى الضّرِيكِ وَالْمَأْسُورِ
حِبّ خَيْرِ الْأَنَامِ طُرّا جَمِيعًا سَيّدَ النّاسِ حُبّهُ فِي الصّدُورِ
ذَاكُمْ أَحْمَدُ الّذِي لَا سِوَاهُ ذَاكَ حُزْنِي لَهُ مَعًا وَسُرُورِي
إنّ زَيْدًا قَدْ كَانَ مِنّا بِأَمْرٍ لَيْسَ أَمْرَ الْمُكَذّبِ الْمَغْرُورِ
ثُمّ جودى للخزر حىّ بدمع سيّدا كان نمّ غَيْرَ نَزُورِ
قَدْ أَتَانَا مِنْ قَتْلِهِمْ مَا كفانا فبحزن كبيت؟؟؟ غير سرور
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٣ ]
وَقَالَ شَاعِرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِمّنْ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ:
كَفَى حَزَنًا أَنّي رَجَعْتُ وَجَعْفَرٌ وَزَيْدٌ وَعَبْدُ اللهِ فِي رَمْسِ أَقْبُرْ
قَضَوْا نَحْبَهُمْ لَمّا مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ وَخُلّفْتُ لِلْبَلْوَى مَعَ الْمُتَغَبّرِ
ثَلَاثَةُ رَهْطٍ قُدّمُوا فَتَقَدّمُوا إلَى وَرْدِ مكروه من الموت أحمر
[شُهَدَاءُ مُؤْتَةَ]
وَهَذِهِ تَسْمِيَةُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ مُؤْتَةَ:
مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ: جعفر بن أبي طالب ﵁، وزيد ابن حَارِثَةَ ﵁.
وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ: مَسْعُودُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ نَضْلَةَ.
وَمِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ حِسْلٍ: وَهْبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ.
وَمِنْ الْأَنْصَارِ ثُمّ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَعَبّادُ بْنُ قَيْسٍ.
ومن بني غنم بن مالك بن النجار: الْحَارِثُ بْنُ النّعْمَانِ بْنِ أَسَافَ بْنِ نَضْلَةَ بْنِ عَبْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ غَنْمٍ.
وَمِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النّجّارِ: سُرَاقَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطِيّةَ بْنِ خَنْسَاءَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَمِمّنْ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ مُؤْتَةَ، فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ شهاب.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٤ ]
من بَنِي مَازِنِ بْنِ النّجّارِ: أَبُو كُلَيْبٍ وَجَابِرٌ، ابنا عمرو بن زيد بن عوف ابن مَبْذُولٍ، وَهُمَا لِأَبٍ وَأُمّ.
وَمِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ أَفْصَى: عَمْرٌو وَعَامِرٌ، ابْنَا سَعْدِ بْنِ الحارث بن عبّاد ابن سَعْدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَفْصَى.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ أَبُو كلاب وجابر، ابنا عمرو.
ــ
عُمْرَةُ الْقَضِيّةِ وَيُرْوَى أَيْضًا: عُمْرَةُ الْقَضَاءِ، وَيُقَالُ لَهَا: عُمْرَةُ الْقِصَاصِ، وَهَذَا الِاسْمُ أَوْلَى بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ الْبَقَرَةِ: ١٩٤ وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا نَزَلَتْ، فَهَذَا الِاسْمُ أَوْلَى بِهَا، وَسُمّيَتْ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ، لِأَنّ النّبِيّ ﷺ قَاضَى قُرَيْشًا عَلَيْهَا، لَا لِأَنّهُ قَضَى الْعُمْرَةَ الّتِي صُدّ عَنْ الْبَيْتِ فِيهَا «١»، فَإِنّهَا لَمْ تَكُ فَسَدَتْ بِصَدّهِمْ عَنْ الْبَيْتِ، بَلْ كَانَتْ عُمْرَةً تَامّةً متقبّلة، حتى إنهم حين حلقوا رؤسهم بِالْحِلّ احْتَمَلَتْهَا الرّيحُ فَأَلْقَتْهَا فِي الْحَرَمِ، فَهِيَ مَعْدُودَةٌ فِي عُمَرِ النّبِيّﷺ- وَهِيَ أَرْبَعٌ: عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَةُ الْقَضَاءِ، وعمرة الجعرّانة، والعمرة التى
_________________
(١) هذا هو الصواب، لأن الذين صدوا عن المسجد الحرام كانوا ألفا وأربعمائة، وهؤلاء لم يكونوا معه «ص» فى عمرة القضية، ولو كانت قضاء لم يتخلف منهم أحد. أما قصة الشعر التى سيقصها السهيلى. فهى من الطرائف لا الحقائق.
[ ٧ / ٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَرَنَهَا مَعَ حَجّهِ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ، فَهُوَ أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ أَنّهُ كَانَ قَارِنًا فِي تِلْكَ الْحَجّةِ «١» وَكَانَتْ إحْدَى عُمَرِهِ ﵇ فِي شَوّالٍ كَذَلِكَ رَوَى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ «٢»، وَأَكْثَرُ الرّوَايَاتِ أَنّهُنّ كُنّ كُلّهُنّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إلّا الّتِي قَرَنَ مَعَ حَجّهِ «٣»، كَذَلِكَ رَوَى الزّهْرِيّ، وَانْفَرَدَ مَعْمَرٌ عَنْ الزّهْرِيّ بِأَنّهُ ﵇ كَانَ قَارِنًا، وَأَنّ عُمَرَهُ كُنّ أَرْبَعًا بِعُمْرَةِ الْقِرَانِ.
وَأَمّا حَجّاتُهُ ﵇ فَقَدْ رَوَى التّرْمِذِيّ أَنّهُ حَجّ ثَلَاثَ حَجّاتٍ ثِنْتَيْنِ بِمَكّةَ، وَوَاحِدَةً بِالْمَدِينَةِ وَهِيَ حَجّةُ الْوَدَاعِ «٤»، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ إلّا حَجّةُ الْوَدَاعِ، وَإِنْ كَانَ حَجّ مَعَ النّاسِ إذْ كَانَ بِمَكّةَ كَمَا رَوَى التّرْمِذِيّ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْحَجّ عَلَى سُنّةِ الْحَجّ، وَكَمَالِهِ، لأنه كان مغلوبا على
_________________
(١) كان قارنا لأنه «ص» جمع بين النسكين، وكان مفردا باعتبار اقتصاره على أحد الطوافين والسعيين.
(٢) هذا من رواية لمالك فى الموطأ أن رسول الله «ص» لم يعتمر إلا ثلاثا إحداهن فى شوال واثنتين فى ذى القعدة ولكنه مرسل، وهو غلط إما من هشام وإما من عروة. ورواه أبو داود مرفوعا عن عائشة. ولا يصح رفعه. ويدل على بطلانه قول عائشة وابن عباس وأنس: لم يعتمر رسول الله «ص» إلا فى ذى القعدة.
(٣) بل كانت أيضا فى ذى القعدة. لأن خروجه ﷺ كان لست ليال بقين من ذى القعدة.
(٤) قال عنه الترمذى: حديث غريب. قال: وسألت محمدا يعنى: البخارى- عن هذا فلم يعرفه من حديث الثورى، وفى رواية: لا يعد هذا الحديث محفوظا، وليس له «ص» سوى حجة واحدة.
[ ٧ / ٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَمْرِهِ، وَكَانَ الْحَجّ مَنْقُولًا عَنْ وَقْتِهِ، كَمَا تَقَدّمَ فِي أَوّلِ الْكِتَابِ، فَقَدْ ذَكَرَ أَنّهُمْ كَانُوا يَنْقُلُونَهُ عَلَى حَسَبِ الشّهُورِ الشّمْسِيّةِ، وَيُؤَخّرُونَهُ فِي كُلّ سَنَةٍ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وَهَذَا هُوَ الّذِي مَنَعَ النّبِيّﷺ- أَنْ يَحُجّ مِنْ الْمَدِينَةِ، حَتّى كَانَتْ مَكّةُ دَارَ إسْلَامٍ، وَقَدْ كَانَ أَرَادَ أَنْ يَحُجّ مَقْفَلَهُ مِنْ تَبُوكَ، وَذَلِكَ بِإِثْرِ فَتْحِ مَكّةَ بِيَسِيرِ، ثُمّ ذَكَرَ أَنّ بَقَايَا الْمُشْرِكِينَ يَحُجّونَ، وَيَطُوفُونَ عُرَاةً فَأَخّرَ الْحَجّ، حَتّى نَبَذَ إلَى كُلّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، وَذَلِكَ فِي السّنَةِ التّاسِعَةِ، ثُمّ حَجّ فِي السّنَةِ الْعَاشِرَةِ بَعْدَ امّحَاءِ رُسُومِ الشّرْكِ، وَانْحِسَامِ سِيَرِ الْجَاهِلِيّةِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ: إنّ الزّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السماوات وَالْأَرْضَ.
حُكْمُ الْعُمْرَةِ:
وَالْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَر وَابْنِ عَبّاسٍ، وَقَالَ الشّعْبِيّ: لَيْسَتْ بِوَاجِبَةِ، وَذُكِرَ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ بِالرّفْعِ لَا يَعْطِفُهَا عَلَى الْحَجّ، وَقَالَ عَطَاءٌ: هِيَ وَاجِبَةٌ إلّا عَلَى أَهْلِ مَكّةَ، وَيَكْرَهُ مَالِكٌ أَنْ يَعْتَمِرَ الرّجُلُ فِي الْعَامِ مِرَارًا، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْإِبَاحَةِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيّ وَابْنِ عَبّاسٍ وَعَائِشَةَ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمّدٍ قَالُوا: يعتمر الرجل فى العام ما شاء «١» .
_________________
(١) حقق الإمام ابن القيم هذه المسألة، وانتهى إلى نتيجة هى أن المسلم يجوز له أن يعتمر فى العام ما شاء، فانظر ص ٣٦٣ وما بعدها ح ١ زاد المعاد.
[ ٧ / ٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَفْسِيرُ شِعْرِ عَمّارٍ:
وَذَكَرَ قَوْلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ وَهُوَ آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ:
خَلّوا بَنِي الْكُفّارِ عَنْ سَبِيلِهِ نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ
كَمَا قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ «١»
وَيُرْوَى الْيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ بِسُكُونِ الْبَاءِ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي الضّرُورَةِ نَحْوَ قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
فَالْيَوْمَ أَشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبِ «٢»
وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا فِي الْكَلَامِ إذَا اتّصَلَ بِضَمِيرِ الْجَمْعِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَمْرٍو أَنّهُ كَانَ يَقْرَأُ يَأْمُرُكُمْ وَيَنْصُرْكُمْ وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ الْأَخِيرَانِ هُمَا لِعَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ، كَمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، قَالَهُمَا يَوْمَ صِفّينَ، وَهُوَ الْيَوْمُ الّذِي قُتِلَ فِيهِ عَمّارٌ، قَتَلَهُ أَبُو الْغَادِيَةِ الْفَزَارِيّ وَابْنُ جَزْءٍ اشْتَرَكَا فِيهِ.
حُكْمُ الزّوَاجِ لِلْمُحْرِمِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ تَزَوّجَ رَسُولِ اللهِﷺ- لِمَيْمُونَةَ بِنْتِ
_________________
(١) يعنى: إنكار تنزيله.
(٢) رواية البيت فى اللسان هكذا: فاليوم أسقى غير مستحقب إثما من الله ولا واغل
[ ٧ / ٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْحَارِثِ الْهِلَالِيّةِ، وَأُمّهَا هِنْدُ بِنْتُ عَوْفٍ الْكِنَانِيّةُ إلَى آخِرِ قِصّتِهَا، وَفِيهِ أَنّ حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزّى، قَالَ لِلنّبِيّ ﷺ فِي الْيَوْمِ الثّالِثِ:
اُخْرُجْ عَنّا، وَقَدْ كَانَ أَرَادَ أَنْ يَبْتَنِيَ بِمَيْمُونَةَ فِي مَكّةَ، وَيَصْنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَقَالَ لَهُ حُوَيْطِبٌ: لَا حَاجَةَ لَنَا بِطَعَامِك فَاخْرُجْ عَنّا، فَقَالَ لَهُ سعد: يا عاضّا ببظر أمّه أأرضك وَأَرْضُ أُمّك؟ هِيَ دُونَهُ؟! فَأَسْكَتَهُ النّبِيّ ﷺ، وَخَرَجَ وَفَاءً لَهُمْ بِشَرْطِهِمْ، وَابْتَنَى بِهَا بِسَرِفِ، وَبِسَرِفِ، كَانَتْ وَفَاتُهَا ﵂ حِينَ مَاتَتْ، وَذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتّينَ، وَقِيلَ:
سَنَةَ سِتّ وَسِتّينَ، وَصَلّى عَلَيْهَا ابْنُ عَبّاسٍ، وَيَزِيدُ بْنُ الْأَصَمّ، وَكِلَاهُمَا ابْنُ أُخْتٍ لَهَا، وَيُقَالُ: فِيهَا نَزَلَتْ: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ الْأَحْزَابِ: ٥٠ فِي أَحَدِ الأفوال، وَذَلِكَ أَنّ الْخَاطِبَ جَاءَهَا، وَهِيَ عَلَى بَعِيرِهَا، فَقَالَتْ: الْبَعِيرُ وَمَا عَلَيْهِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ. وَاخْتَلَفَ النّاسُ فِي تَزْوِيجِهِ إيّاهَا أَكَانَ مُحْرِمًا أَمْ حَلَالًا، فَرَوَى ابْنُ عَبّاسٍ أَنّهُ تَزَوّجَهَا مُحْرِمًا، وَاحْتَجّ بِهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ فِي تَجْوِيزِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ، وَخَالَفَهُمْ أَهْلُ الْحِجَازِ، وَاحْتَجّوا بِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ أَنْ يُنْكِحَ الْمُحْرِمُ أَوْ يَنْكِحَ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِيهِ:
أَوْ يَخْطُبَ «١» مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَعَارَضُوا حَدِيثَ ابن عبّاس بحديث يزيد ابن الْأَصَمّ أَنّ النّبِيّ ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال «٢» وخرّج
_________________
(١) رواية مسلم عن عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله «ص» يقول: «لا ينكح المحرم، ولا ينكح ولا يخطب» وحديث ابن عباس فى الصحيحين والموطأ والسنن.
(٢) رواه مسلم.
[ ٧ / ٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الدّارَقُطْنِيّ وَالتّرْمِذِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِعٍ أَنّ النّبِيّ ﷺ تَزَوّجَ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ حَلَالِ. وَرَوَى الدّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّهُ تَزَوّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ كَرِوَايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ. وَفِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ مِنْ حَدِيثِ مَسْرُوقٍ وَعَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: تَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ- وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَإِنْ لَمْ تُذْكَرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَيْمُونَةُ، فَنِكَاحُهَا أَرَادَتْ، وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَخَرّجَ الْبُخَارِيّ حَدِيثَ ابن عباس، ولم يعلله هُوَ، وَلَا غَيْرُهُ، وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ أَنّهُ قَالَ، غَلِطَ ابْنُ عَبّاسٍ أَوْ قَالَ وَهِمَ، مَا تَزَوّجَهَا النّبِيّ ﷺ إلّا وَهُوَ حَلَالٌ، وَلَمّا أَجْمَعُوا عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ النّبِيّﷺ- تَزَوّجَهَا مُحْرِمًا، وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُحَدّثِينَ غَيْرَ ذَلِكَ اسْتَغْرَبْت اسْتِغْرَابًا شَدِيدًا مَا رَوَاهُ الدّارَقُطْنِيّ فِي السّنَنِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ يَتِيمِ عُرْوَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ مَطَرٍ الْوَرّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ النّبِيّ ﷺ تَزَوّجَ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ حَلَالٌ، فَهَذِهِ الرّوَايَةُ عَنْهُ مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ غَيْرِهِ، فَقِفْ عَلَيْهَا، فَإِنّهَا غَرِيبَةٌ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، وَقَدْ كَانَ مِنْ شُيُوخِنَا ﵏ مَنْ يَتَأَوّلُ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ: تَزَوّجَهَا مُحْرِمًا، أَيْ: فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ، وَفِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ، وَذَلِكَ أَنّ ابْنَ عَبّاسٍ رَجُلٌ عَرَبِيّ فَصِيحٌ، فَتَكَلّمَ بِكَلَامِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يُرِدْ الْإِحْرَامَ بِالْحَجّ، وَقَدْ قَالَ الشّاعِرُ: قَتَلُوا ابْنَ عَفّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا وَدَعَا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَخْذُولَا
[ ٧ / ٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَلِكَ أَنّ قَتْلَهُ كَانَ فِي أَيّامِ التّشْرِيقِ «١»، والله أعلم أأراد ذلك ابن عباس، أولا.
غَزْوَةُ مُؤْتَةَ وَهِيَ مَهْمُوزَةُ الْوَاوِ، وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ مِنْ الشّامِ، وَأَمّا الْمُوتَةُ بِلَا هَمْزٍ، فَضَرْبٌ مِنْ الْجُنُونِ، وَفِي الْحَدِيثِ أن النبيﷺ- كان يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ: أَعُوذُ بِاَللهِ مِنْ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ.
وَفَسّرَهُ رَاوِي الحديث، فقال: نفثه: الشّعْرُ، وَنَفْخُهُ: الْكِبْرُ، وَهَمْزُهُ: الْمُوتَةُ.
تَفْسِيرُ (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها):
ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ قَوْلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ حِينَ ذَكَرَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى:
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها مَرْيَمَ: ٧١: فَلَسْت أَدْرِي كَيْفَ لِي بِالصّدَرِ بَعْدَ الْوُرُودِ، وَقَدْ تَكَلّمَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا بِأَقْوَالِ، مِنْهَا أَنّ الْخِطَابَ مُتَوَجّهٌ إلَى الْكُفّارِ عَلَى الْخُصُوصِ، وَاحْتَجّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: وَإِنْ مِنْهُمْ إلّا وَارِدُهَا «٢»، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْوُرُودُ ههنا هو الإشراف عليها ومعاينتها،
_________________
(١) يقال: أحرم الرجل إذا عقد الإحرام، وأحرم: إذا دخل فى الشهر الحرام، وإن كان حلالا.
(٢) لا يصلح هذا القول، فالخطاب للانسان، بدليل قوله سبحانه (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا) .
[ ٧ / ٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَحَكَوْا عَنْ الْعَرَبِ: وَرَدْت الْمَاءَ، فَلَمْ أَشْرَبْ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْوُرُودُ هَهُنَا هُوَ الْمُرُورُ عَلَى الصّرَاطِ، لِأَنّهُ عَلَى مَتْنِ جَهَنّمَ أَعَاذَنَا اللهُ مِنْهَا، وَرُوِيَ أَنّ اللهَ ﵎ يَجْمَعُ الْأَوّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِيهَا، ثُمّ يُنَادِي مُنَادٍ: خُذِي أَصْحَابَك وَدَعِي أَصْحَابِي، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْوُرُودُ أَنْ يأخذ العبد بخظّ مِنْهَا، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الدّنْيَا بِالْحُمّيّاتِ، فَإِنّ النّبِيّ ﷺ، قَالَ:
الْحُمّى كِيرٌ مِنْ جَهَنّمَ، وَهُوَ حَظّ كُلّ مُؤْمِنٍ مِنْ النّارِ «١» .
شَرْحُ شِعْرِ ابْنِ رَوَاحَةَ:
وَذَكَرَ شِعْرَ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ وَفِيهِ:
تُقَرّ مِنْ «٢» الْحَشِيشِ لَهَا الْعُكُومُ
تُقَرّ: أَيْ يُجْمَعُ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، وَالْعُكُومُ: جَمْعُ عِكْمٍ «٣»
وفيه:
من الغبار لها بريم «٤»
_________________
(١) أما نظم الآية فيؤكد الورود لكل بر وفاجر، غير أن آيات إنجاء المؤمنين منها، والقطع فى القرآن بأنهم لن يعذبوا فيها آيات كثيرة، ولهذا يجب أن نفهم فى الورود هنا أنه ليس دخولا فيها وهى تكاد تتميز من الغيظ، وإنما هو أشبه شىء بالإشراف عليها وشهودها والله أعلم.
(٢) هى فى السيرة: تغر. وفسرها الخشنى بقوله: أى تطم شيئا بعد شىء، وفى البداية لابن كثير: تعر بفتح التاء وضم العين.
(٣) فسرها الخشنى بأنها الجنوب.
(٤) فى السيرة: الْغُبَارِ لَهَا بَرِيمٌ.
[ ٧ / ٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْبَرِيمُ: خَيْطٌ تَحْتَزِمُ بِهِ الْمَرْأَةُ، وَالْبَرِيمُ أَيْضًا: لَفِيفُ النّاسِ، وَأَخْلَاطُهُمْ، وَيُقَالُ: هُمْ بَرِيمَانِ، أَيْ لَوْنَانِ مُخْتَلِطَانِ.
وَفِيهِ:
أَقَامَتْ لَيْلَتَيْنِ عَلَى مَعَانٍ
قَالَ الشّيْخُ أَبُو بَحْرٍ: مُعَانُ بِضَمّ الْمِيمِ، وَجَدْته فِي الْأَصْلَيْنِ، وَأَصْلَحَهُ عَلَيْنَا الْقَاضِي﵀- حِينَ السّمَاعِ: مَعَانَ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَهُوَ اسْمُ مَوْضِعٍ، وَذَكَرَهُ الْبَكْرِيّ بِضَمّ الْمِيمِ، وَقَالَ: هُوَ اسْمُ جَبَلٍ، وَالْمَعَانُ أَيْضًا: حَيْثُ تُحْبَسُ الْخَيْلُ وَالرّكَابُ، وَيَجْتَمِعُ النّاسُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَمْعَنْت النّظَرَ، أَوْ مِنْ الْمَاءِ الْمَعِينِ، فَيَكُونُ وَزْنُهُ فَعَالًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعَوْنِ، فَيَكُونُ وَزْنُهُ مَفْعَلًا، وَقَدْ جَنّسَ الْمَعَرّي بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، فَقَالَ:
مَعَانٌ مِنْ أَحِبّتِنَا مَعَانُ تُجِيبُ الصّاهِلَاتِ بِهَا الْقِيَانِ «١»
وَقَوْلُهُ:
فَرَاضِيَةُ الْمَعِيشَةِ طلّقتها
_________________
(١) البيت من أول قصيدة له فى سقط الزند. ومعان الأولى موضع والآخرى: المنزل. تقول العرب: الكوفة معان منا أى منزل. والمعنى: إن هذا الموضع الذى يقال له معان: هو منزل أحبتنا ينزلون به، ولهم خيول تصهل، وقيان تغنى، وكأن المغنيات تجيب الخيل. ويقصد أنهم ملوك عندهم أداة الحرب، وأسباب الرفاهية. أنظر ص ٥٤ من شرح التنوير على سقط الزند ط ١٣٢٤ هـ.
[ ٧ / ٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَيْ: الْمَعِيشَةُ الْمَرْضِيّةُ، وَبَنَاهَا عَلَى فَاعِلَةٍ، لِأَنّ أَهْلَهَا رَاضُونَ، لِأَنّهَا فِي مَعْنَى صَالِحَةٍ، وَقَدْ تَقَدّمَ طَرَفٌ مِنْ الْقَوْلِ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَقَوْلُهُ: وَخَلَاك ذَمّ، أَيْ: فَارَقَك الذّمّ، فَلَسْت بِأَهْلِ لَهُ، وَقَدْ أَحْسَنَ فِي قَوْلِهِ:
فَشَأْنُك أَنْعُمٌ وَخَلَاك ذَمّ
بَعْدَ قَوْلِهِ: إذَا بَلَغَتْنِي «١»، وَأَحْسَنَ أَيْضًا مَنْ اتّبَعَهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى، كَقَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ:
وَإِذَا الْمَطِيّ بِنَا بَلَغْنَ مُحَمّدًا فَظُهُورُهُنّ عَلَى الرّجَالِ حَرَامُ
وَكَقَوْلِ الْآخَرِ:
نجوت من حلّ ومن رحلة ياناق إنْ قَرّبْتنِي مِنْ قُثَمْ «٢»
وَقَدْ أَسَاءَ الشّمّاخُ حَيْثُ يَقُولُ:
إذَا بَلّغْتنِي وَحَمَلْتِ رَحْلِي عَرَابَةَ فاشرقى بدم الوتين «٣»
_________________
(١) فى السيرة: أديتنى.
(٢) البيت لداود بنى سلم التميمى يماح قثم بن العباس ومنها خمسة أبيات لى فى ذيل الأمالى للقالى ص ١٢٩ ط ٢ ومنها: أصم عن قول الخنا سمعه وما عن الخير به صمم
(٣) يمدح عرابة بن أوس. وغرضه أنه لا يبالى لأن الممدوح يحمله ويعطيه. وانظر ص ٢١٩ سمط اللآلى ففيها الموازنة بين هذه الأبيات.
[ ٧ / ٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَيَذْكُرُ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ هَانِئٍ أَنّهُ كَانَ يشنؤه إذا ذَكَرَ هَذَا الْبَيْتَ، وَذَكَرَ مُهَلْهِلُ بْنُ يَمُوتَ بْنِ الْمُزْرِعِ عَنْ أَبِي تَمّامٍ أَنّهُ قَالَ: كان الحسن يشنؤ الشّمّاخَ، وَأَنَا أَلْعَنُهُ مِنْ أَجْلِ قَوْلِهِ هَذَا.
وَقَوْلُ النّبِيّ ﷺ لِلْغِفَارِيّةِ: بِئْسَ مَا جَزَيْتِيهَا «١» يَشُدّ الْغَرَضَ الْمُتَقَدّمَ، وَيَشْهَدُ لِصِحّتِهِ.
وَقَوْلُهُ: مُسْتَنْهِي الثّوَاءِ: مُسْتَفْعِلٌ مِنْ النّهَايَةِ وَالِانْتِهَاءِ، أَيْ حَيْثُ انْتَهَى مَثْوَاهُ، وَمَنْ رَوَاهُ: مُشْتَهِيَ الثّوَاءِ، أَيْ لَا أُرِيدُ رُجُوعًا.
وَقَوْلُهُ:
حَذَوْنَاهَا مِنْ الصّوّانِ سِبْتًا «٢»
أَيْ حَذَوْنَاهَا نِعَالًا مِنْ حَدِيدٍ جَعَلَهُ سِبْتًا لَهَا «٣»، مَجَازًا. وَصَوّانٌ مِنْ الصّوْنِ، أَيْ: يَصُونَ حَوَافِرَهَا، أَوْ أَخْفَافَهَا، إنْ أَرَادَ الْإِبِلَ، فَهُوَ فَعّالٌ مِنْ الصّوْنِ، فَقَدْ كَانُوا يَحْذُونَهَا السّرِيحَ وَهُوَ جِلْدٌ يَصُونَ أَخْفَافَهَا، وَأَظْهَرُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالصّوّانِ يَبِيسَ الْأَرْضِ، أَيْ لَا سِبْتَ لَهُ إلّا ذَلِكَ، وَوَزْنُهُ فَعَلَانٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَخْلَةٌ خاوية أى يابسة، وأنشد أبو على:
_________________
(١) هاجرت الغفارية إليه من مكة على ناقة، فقالت: إنى نذرت إن بلغتنى إليك أن أنحرها.
(٢) عيب السهيلى أنه لا يرتب فى شرحه. فهو ينتقل من قصيدة إلى أخرى، ثم يعود إلى التى تركها.
(٣) السبت: النعال التى تصنع من الجلود المدبوغة.
[ ٧ / ٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قدأو بيت كُلّ مَاءٍ فَهْيَ صَاوِيَةٌ [مَهْمَا تُصِبْ أُفُقًا مِنْ بَارِقٍ تَشِمُ] «١»
وَيَشْهَدُ لِمَعْنَى الصّوّانِ هُنَا قول النابغة الذّبيانى:
برى وَقْعُ الصّوّانِ حَدّ نُسُورِهَا [فَهُنّ لِطَافٌ كَالصّعَادِ الذّوَابِلِ]
وَعَيْنُ الْفِعْلِ فِي صَوّانٍ وَلَامُهُ وَاوٌ، وَأَدْخَلَ صَاحِبُ الْعَيْنِ فِي بَابِ الصّادِ وَالْوَاوِ وَالْيَاءِ هَذَا اللّفْظَ، فَقَالَ: صَوِيَ يَصْوِي: إذَا يَبِسَ، وَنَخْلَةٌ صَاوِيَةٌ، وَلَوْ كَانَ مِمّا لَامُهُ يَاءً، لَقِيلَ فِي صَوّانٍ صَيّانٍ، كَمَا قِيلَ طَيّانُ وَرَيّانُ، وَلَكِنْ لَمّا انْقَلَبَتْ الْوَاوُ يَاءً من أجل الكسرة تَوَهّمَ الْحَرْفَ مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ وَقَوْلُ عَبْدِ اللهِ:
هَلْ أَنْتَ إلّا نُطْفَةٌ فِي شَنّةِ
النّطفة: القليل من الماء، والشّنة: السّقاء البال، فَيُوشِكُ أَنْ تُهْرَاقَ النّطْفَةُ، وَيَنْخَرِقَ السّقَاءُ، ضَرَبَ ذَلِكَ مَثَلًا لِنَفْسِهِ فِي جَسَدِهِ.
عَقْرُ جَعْفَرٍ فَرَسَهُ وَمَقْتَلُهُ:
وَأَمّا عَقْرُ جَعْفَرٍ فَرَسَهُ، وَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَدَلّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ إذَا خِيفَ أَنْ يَأْخُذَهَا الْعَدُوّ، فَيُقَاتِلَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَدْخُلْ هَذَا فِي بَابِ النّهى عن تعذيب البهائم، وقعلها عَبَثًا. غَيْرَ أَنّ أَبَا دَاوُدَ خَرّجَ هَذَا الحديث،
_________________
(١) البيت لساعدة يصف بقر وحش. والنخلة الصاوية التى إذا عطشت ويبست وضمرت.
[ ٧ / ٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَقَالَ: حَدّثَنَا النّفَيْلِيّ قَالَ: حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ عَنْ ابْنِ عَبّادٍ يَعْنِي: يَحْيَى بْنَ عَبّادٍ عَنْ أَبِيهِ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَ حَدّثَنِي: أَبِي الّذِي أَرْضَعَنِي، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي مُرّةَ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ غَزَاةِ مُؤْتَةَ، قَالَ: وَاَللهِ لَكَأَنّي أَنْظُرُ إلَى جَعْفَرٍ حِينَ اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ فَعَقَرَهَا، ثُمّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتّى قُتِلَ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ بِالْقَوِيّ «١»، وَقَدْ جاء فيه نهى كَثِيرٌ عَنْ أَصْحَابِ النّبِيّ ﷺ.
وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ ﷺ فِي جَعْفَرٍ: فَأَثَابَهُ اللهُ بِذَلِكَ جَنَاحَيْنِ فِي الْجَنّةِ يَطِيرُ بِهِمَا حَيْثُ شَاءَ. وَرَوَى عكرمة عن ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ النّبِيّ ﷺ قال: دَخَلْت الْجَنّةَ الْبَارِحَةَ، فَرَأَيْت جَعْفَرًا يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، وَجَنَاحَاهُ مُضَرّجَانِ بِالدّمِ «٢» . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مُثِلَ لِي جَعْفَرٌ وَزَيْدٌ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فِي خَيْمَةٍ مِنْ دَرّ عَلَى أَسِرّةٍ، فَرَأَيْت زَيْدًا وَعَبْدَ اللهِ وَفِي أَعْنَاقِهِمَا صُدُودٌ، وَرَأَيْت جَعْفَرًا مُسْتَقِيمًا. فَقِيلَ لِي: إنّهُمَا حِينَ غَشِيَهُمَا الْمَوْتُ أَعْرَضَا بِوُجُوهِهِمَا، وَمَضَى جَعْفَرٌ، فَلَمْ يَعْرِضْ، وَسَمِعَ النّبِيّﷺ- فَاطِمَةَ حِينَ جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ تقول: واعمّاه،
_________________
(١) جزم الحافظ أنه حديث حسن. والأصح أن جعفر مات وقد استوفى أربعين سنة وزاد عليها، وجزم ابن عبد البر أن سنه كان إحدى وأربعين سنة. وفى رواية للبخارى أنهم وجدوا بجسمه بضعا وتسعين من طعنة برمح ورمية بسهم.
(٢) رواه الحاكم والطبرانى عن ابن عباس مرفوعا.
[ ٧ / ٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَقَالَ: عَلَى مِثْلِ جَعْفَرٍ، فَلْتَبْكِ الْبَوَاكِي. وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ:
مَا احْتَذَى النّعَالَ، وَلَا رَكِبَ الْمَطَايَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ جَعْفَرٍ. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ: كُنْت إذَا سَأَلْت عَلِيّا حَاجَةً، فَمَنَعَنِي أُقْسِمُ عَلَيْهِ بِحَقّ جَعْفَرٍ فَيُعْطِينِي «١» .
مَعْنَى الْجَنَاحَيْنِ:
وَمِمّا يَنْبَغِي الْوُقُوفُ عَلَيْهِ فِي مَعْنَى الْجَنَاحَيْنِ أَنّهُمَا لَيْسَا كَمَا يَسْبِقُ إلَى الْوَهْمِ عَلَى مِثْلِ جَنَاحَيْ الطّائِرِ وَرِيشِهِ، لِأَنّ الصّورَةَ الْآدَمِيّةَ أَشْرَفُ الصّوَرِ، وَأَكْمَلُهَا، وَفِي قَوْلِهِ ﵇: إنّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ «٢» تَشْرِيفٌ لَهُ عَظِيمٌ، وَحَاشَا لِلّهِ مِنْ التّشْبِيهِ وَالتّمْثِيلِ، وَلَكِنّهَا عِبَارَة عَنْ صِفَةٍ مَلَكِيّةٍ وَقُوّةٍ رُوحَانِيّةٍ، أُعْطِيَهَا جَعْفَرٌ كَمَا أُعْطِيَتْهَا الْمَلَائِكَةُ، وقد قال الله تعالى لموسى:
اضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ طَه: ٢٣ فَعَبّرَ عَنْ الْعَضُدِ بِالْجَنَاحِ تَوَسّعًا، وَلَيْسَ ثَمّ طَيَرَانٌ، فَكَيْفَ بِمَنْ أُعْطِيَ الْقُوّةَ عَلَى الطّيَرَانِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ أَخْلِقْ بِهِ إذًا: أَنْ يُوصَفَ بِالْجَنَاحِ مَعَ كَمَالِ الصّورَةِ الْآدَمِيّةِ وَتَمَامِ الْجَوَارِحِ الْبَشَرِيّةِ، وَقَدْ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَجْنِحَةِ الْمَلَائِكَةِ لَيْسَتْ كَمَا يُتَوَهّمُ مِنْ أَجْنِحَةِ الطّيْرِ، وَلَكِنّهَا صِفَاتٌ مَلَكِيّةٌ لَا تُفْهَمُ إلّا بِالْمُعَايَنَةِ، وَاحْتَجّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَاطِرِ: ١ فَكَيْفَ تكون كأجنحة
_________________
(١) هذا دليل وضعه، فما كان لعلى أن يقبل من امرىء الحلف بغير الله!!.
(٢) مخرج فى الصحيحين.
[ ٧ / ٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الطّيْرِ عَلَى هَذَا، وَلَمْ يُرَ طَائِرٌ لَهُ ثَلَاثَةُ أَجْنِحَةٍ، وَلَا أَرْبَعَةٌ، فَكَيْفَ بِسِتّمِائَةِ جَنَاحٍ، كَمَا جَاءَ فِي صِفَةِ جِبْرِيلَ ﵇، فَدَلّ عَلَى أَنّهَا صِفَاتٌ لَا تَنْضَبِطُ كَيْفِيّتُهَا لِلْفِكْرِ، وَلَا وَرَدَ أَيْضًا فِي بَيَانِهَا، خَبَرٌ، فَيَجِبُ عَلَيْنَا الْإِيمَانُ بِهَا «١»، وَلَا يُفِيدُنَا عِلْمًا إعمال الفكر فى كيفيّتها، وكل امرىء قَرِيبٌ مِنْ مُعَايَنَةِ ذَلِكَ.
فَإِمّا أَنْ يَكُونَ من الذين تتنزّل عليهم الملائكة أن لا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنّةِ الّتِي كُنْتُمْ توعدون، وَإِمّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الّذِينَ تَقُولُ لَهُمْ الملائكة، وهم باسطوا أَيْدِيَهُمْ: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ.
فَضْلُ ابْنِ رَوَاحَةَ:
وَأَمّا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ مَا ذَكَرَ مِنْ فَضَائِلِهِ.
وَذَكَرَ قَوْلَهُ لِلنّبِيّ ﷺ:
فتبّت اللهُ مَا آتَاك مِنْ حَسَنٍ تَثْبِيتَ مُوسَى ونصرا كالذى نصروا
_________________
(١) لقد بين الله فى القرآن أنها أجنحة، فيجب علينا الإيمان بأنها أجنحة لكنها لا تشبه جناح الطيور، فكل شىء يناسب خلقه. ولا يجوز بحال تأويلها بأنها صفات، فهو قول على الله بغير علم. ولهذا رد الحافظ فى الفتح كلام السهيلى بقوله: «وهذا الذى جزم به فى مقام المنع، والذى نقله عن العلماء ليس صريحا فى الدلالة لما ادعاه، ولا مانع من الحمل على الظاهر إلا من جهة ما ذكره من المعهود، وهو من قياس الغائب على الشاهد، وهو ضعيف، وكون الصورة البشرية أشرف الصور لا يمنع من حمل الخبر على ظاهره لأن الصورة باقية» ص ٤١٦ ح ٧ فتح البارى.
[ ٧ / ٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَرَوَى غَيْرُهُ أَنّهُ ﵇ قَالَ لَهُ: قل شعرا تقتضبه اقتضابا، وأنا أنظر إليك، فَقَالَ مِنْ غَيْرِ رَوِيّةٍ:
إنّي تَفَرّسْت فِيك الْخَيْرَ
الْأَبْيَاتِ، حَتّى انْتَهَى إلَى قَوْلِهِ:
فَثَبّتَ اللهُ مَا آتَاك مِنْ حَسَنٍ
فَقَالَ لَهُ النّبِيّ ﷺ: وَأَنْتَ فَثَبّتَك اللهُ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ «١»
فَضْلُ زَيْدٍ:
وَأَمّا زَيْدٌ فَقَدْ تَقَدّمَ التّعْرِيفُ بِهِ وَبِجُمْلَةِ مِنْ فَضَائِلِهِ فِي أَحَادِيثِ الْمَبْعَثِ، وَحَسْبُك بِذِكْرِ اللهِ لَهُ بِاسْمِهِ فِي الْقُرْآنِ، وَلَمْ يُذْكَرْ أَحَدٌ مِنْ الصّحَابَة بِاسْمِهِ سِوَاهُ، وَقَدْ بَيّنّا النّكْتَةَ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ التّعْرِيفِ وَالْأَعْلَامِ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ.
رُجُوعُ أَهْلِ مُؤْتَةَ:
فَصْلٌ وَذَكَرَ رُجُوعَ أَهْلِ مُؤْتَة، وَمَا لَقَوْا مِنْ النّاسِ، إذْ قَالُوا لَهُمْ:
يَا فُرّارُ، فَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَرِوَايَةُ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّهُمْ قَالُوا لِلنّبِيّﷺ- نَحْنُ الْفَرّارُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: بَلْ أَنْتُمْ الْكَرّارُونَ، وَقَالَ لَهُمْ: أَنَا فِئَتُكُمْ، يُرِيدُ: أَنّ مَنْ فرّ متحيّزا إلى فئة المسلمين «٢»،
_________________
(١) لم يسند قوله هذا.
(٢) رواه أبو داود والترمذى وابن ماجة، وقال الترمذى: حسن لا نعرفه إلا من حديث ابن أبى زياد، وفيه: لا، بل أنتم العكارون، أنا فئتكم، وأنا فئة المسلمين.
[ ٧ / ٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، وَإِنّمَا جَاءَ الْوَعِيدُ فِيمَنْ فرّعن الْإِمَامِ، وَلَمْ يَتَحَيّزْ إلَيْهِ، أَيْ لَمْ يَلْجَأْ إلَى حَوْزَتِهِ، فَيَكُونُ مَعَهُ، فَالْمُتَحَيّزُ، مُتَفَيْعِلٌ مِنْ الْحَوْزِ، وَلَوْ كَانَ وَزْنُهُ مُتَفَعّلًا، كَمَا يَظُنّ بَعْضُ النّاسِ لَقِيلَ فِيهِ: مُتَحَوّزٌ. وَرُوِيَ أَنّ عُمَرَ ﵁ حِينَ بَلَغَهُ قَتْلُ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَيّامِ الْقَادِسِيّةِ، قَالَ: هَلّا تَحَيّزُوا إلَيْنَا، فَإِنّا فَيْئَةٌ لِكُلّ مُسْلِمٍ. وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ مُخَاشَاةَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بِالنّاسِ يَوْمَ مُؤْتَة. وَالْمُخَاشَاةُ: الْمُحَاجَزَةُ، وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الْخَشْيَةِ، لِأَنّهُ خَشِيَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِقِلّةِ عَدَدِهِمْ، فَقَدْ قِيلَ: كَانَ الْعَدُوّ مِائَتَيْ أَلْفٍ مِنْ الرّومِ، وَخَمْسِينَ أَلْفًا مِنْ الْعَرَبِ، وَمَعَهُمْ مِنْ الْخُيُولِ وَالسّلَاحِ مَا لَيْسَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ: وَكَانَ الْعَدُوّ مِائَةَ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفًا، وَقَدْ قِيلَ: إنّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَبْلُغْ عَدَدُهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ثَلَاثَةَ آلَافٍ، وَمَنْ رَوَاهُ: حَاشَى بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، فَهُوَ مِنْ الْحَشَى، وَهِيَ النّاحِيَةُ، وَفِي رِوَايَةِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبُغَ عَنْ ابْنِ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ أَنّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: حَاشَى بِهِمْ، فَقَالَ: مَعْنَاهُ: انْحَازَ بِهِمْ، وَشِعْرُ قُطْبَةَ بْنِ قَتَادَةَ يَدُلّ عَلَى أَنّهُ قَدْ كَانَ ثَمّ ظَفَرٌ وَمَغْنَمٌ لِقَوْلِهِ: وَسُقْنَا نِسَاءَ بَنِي عَمّهِ غَدَاةَ رَقُوقَيْنَ سَوْقَ النّعَمْ وَفِي هَذَا الشّعْرِ أَنّهُ قَتَلَ رَئِيسًا مِنْهُمْ وَهُوَ مَالِكُ بْنُ رَافِلَةَ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ، فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخَذَ خَالِدٌ الرّايَةَ حَتّى فَتَحَ اللهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَأَخْبَرَ أَنّهُ قَدْ كَانَ ثَمّ فَتْحٌ، وَفِي الرّايَةِ الْأُخْرَى حِينَ قِيلَ لَهُمْ: يَا فُرّارُ، دَلِيلٌ عَلَى أَنّهُ قَدْ كَانَ ثَمّ مُحَاجَزَةٌ، وَتَرْكٌ لِلْقِتَالِ، حَتّى قَالُوا:
[ ٧ / ٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَحْنُ الْفَرّارُونَ، فَقَالَ لَهُمْ النّبِيّ ﷺ مَا تَقَدّمَ، فَاَللهُ أَعْلَمُ «١» .
طَعَامُ التّعْزِيَةِ وَغَيْرِهَا:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- أَمَرَ أَنْ يُصْنَعَ لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامٌ، فَإِنّهُمْ قَدْ شُغِلُوا بِأَمْرِ صَاحِبِهِمْ، وَهَذَا أَصْلٌ فِي طَعَامِ التّعْزِيَةِ وَتُسَمّيهِ الْعَرَبُ الْوَضِيمَةَ، كَمَا تُسَمّي طَعَامَ الْعُرْسِ الْوَلِيمَةَ، وَطَعَامَ الْقَادِمِ مِنْ السّفَرِ: النّقِيعَةَ، وَطَعَامَ الْبِنَاءِ الْوَكِيرَةَ، وَكَانَ الطّعَامُ الّذِي صُنِعَ لِآلِ جَعْفَرٍ فِيمَا ذَكَرَ الزّبَيْرُ، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: فَعَمَدَتْ سَلْمَى
_________________
(١) عند الحاكم أن خالد قاتلهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأصاب غنيمة، وفى صحيح البخارى عن خالد: لقد انقطعت فى يدى يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقى فى يدى إلا صفيحة يمانية. وعند أحمد ومسلم وأبى داود أن رجلا من أهل اليمن رافقه، فقتل روميا، وأخذ سلبه، فاستكثره خالد، فشكاه إلى رسول الله «ص» كل هذا يدل على أن خالدا قاتل بالمسلمين الروم قتالا شديدا. ورواية الصحيح: حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم، وهذا يؤكد النصر. ولهذا يقول ابن كثير عن رواية ابن إسحاق التى يقول فيها إن المسلمين جعلوا يحثون عليهم بالتراب ويقولون: يا فرار الخ يقول عنها: هذا مرسل من هذا الوجه، وفيه غرابة، وعندى أن ابن إسحاق قد وهم فى هذا السياق. فظن أن هذا الجمهور الجيش، وإنما كان للذين فروا حين التقى الجمعان، وأما بقيتهم، فلم يفروا، بل نصروا كما أخبر بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المسلمين، وهو على المنبر فى قوله: ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه، فما كان المسلمون ليسمونهم فرارا بعد ذلك، وإنما تلقوهم إكراما وإعظاما، وإنما كان التأنيب، وحثى التراب للذين فروا وتركوهم هنالك، وقد كان فيهم عبد الله بن عمر ﵄ ص ٢٤٨ ح ٤ البداية
[ ٧ / ٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مَوْلَاةُ النّبِيّ ﷺ إلَى شَعِيرٍ، فَطَحَنَتْهُ، ثُمّ آدَمَتْهُ بِزَيْتِ، وَجَعَلَتْ عَلَيْهِ فُلْفُلًا، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَأَكَلْت مِنْهُ، وَحَبَسَنِي النّبِيّ ﷺ مَعَ إخْوَتِي فِي بَيْتِهِ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ. مِنْ شِعْرِ حَسّانٍ فِي رِثَاءِ جَعْفَرٍ: وَذَكَرَ قَوْلَ حَسّانٍ يَرْثِي جَعْفَرًا: تَأَوّبَنِي لَيْلٌ بِيَثْرِبَ أَعْسَرُ أَعْسَرُ: بِمَعْنَى: عسر، وفى التّنزيل: يَوْمٌ عَسِرٌ، وفيه أيضا عَسِيرٌ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، فَمَنْ قَالَ: عَسِرَ [يَعْسَرُ] قَالَ: عَسِيرٌ بِالْيَاءِ، وَمَنْ قَالَ: عَسِرَ يَعْسَرُ، قَالَ فِي الِاسْمِ: عَسِرٌ وَأَعْسَرُ، مِثْلَ حَمِقٌ وَأَحْمَقُ. وَفِي هَذَا الشّعْرِ قَوْلُهُ: بَهَالِيلُ مِنْهُمْ: جَعْفَرٌ وَابْنُ أُمّهِ عَلِيّ وَمِنْهُمْ أَحْمَدُ الْمُتَخَيّرُ الْبَهَالِيلُ: جَمْعُ بُهْلُولٍ، وَهُوَ الْوَضِيءُ الْوَجْهِ مَعَ طول. وقوله: منهم أَحْمَدُ الْمُتَخَيّرُ، فَدَعَا بِهِ بَعْضُ النّاسِ لَمّا أَضَافَ أَحْمَدَ الْمُتَخَيّرَ إلَيْهِمْ، وَلَيْسَ بِعَيْبِ؛ لِأَنّهَا لَيْسَتْ بِإِضَافَةِ تَعْرِيفٍ، وَإِنّمَا هُوَ تَشْرِيفٌ لَهُمْ حَيْثُ كَانَ مِنْهُمْ، وَإِنّمَا ظَهَرَ الْعَيْبُ فِي قَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ: كَيْفَ لَا يُدْنِيك مِنْ أَمَلٍ مَنْ رَسُولُ اللهِ مِنْ نفره لأنه ذكر واحدا، وَأَضَافَ إلَيْهِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا عِيبَ عَلَى الأعشى:
[ ٧ / ٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) شَتّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا وَيَوْمُ حَيّانَ أَخِي جَابِرِ وَكَانَ حَيّانُ أَسَنّ مِنْ جَابِرٍ، وَأَشْرَفَ، فَغَضِبَ عَلَى الْأَعْشَى حَيْثُ عَرّفَهُ بِجَابِرِ، وَاعْتَذَرَ إلَيْهِ مِنْ أَجْلِ الرّوِيّ، فَلَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُ، وَوَجَدْت فِي رِسَالَةِ الْمُهَلْهَلِ بْنِ يَمُوتَ بْنِ الْمُزْرِعِ، قَالَ: قَالَ عَلِيّ بْنُ الْأَصْفَرِ، وَكَانَ مِنْ رُوَاةِ أَبِي نُوَاسٍ قَالَ: لَمّا عمل أَبُو نُوَاسٍ: أيها المنتاب عن عُفُرِهِ أَنْشَدَنِيهَا فَلَمّا بَلَغَ قَوْلَهُ: كَيْفَ لَا يُدْنِيك مِنْ أَمَلٍ مَنْ رَسُولُ اللهِ مِنْ نَفَرِهِ وَقَعَ لِي أَنّهُ كَلَامٌ مُسْتَهْجَنٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، إذْ كَانَ حَقّ رَسُولِ اللهِﷺ- أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ، وَلَا يُضَافَ إلَى أَحَدٍ، فَقُلْت لَهُ: أَعَرَفْت عَيْبَ هَذَا الْبَيْتِ؟ قَالَ: مَا يَعِيبُهُ إلّا جَاهِلٌ بِكَلَامِ الْعَرَبِ، وَإِنّمَا أَرَدْت أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- مِنْ الْقَبِيلِ الّذِي هَذَا الْمَمْدُوحُ مِنْهُ، أَمَا سَمِعْت قَوْلَ حَسّانِ بْنِ ثَابِتِ شَاعِرِ دِينِ الْإِسْلَامِ: وَمَا زَالَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ دَعَائِمُ عز لا ترام وَمَفْخَرُ بَهَالِيلُ مِنْهُمْ جَعْفَرٌ وَابْنُ أُمّهِ عَلِيّ وَمِنْهُمْ أَحْمَدُ الْمُتَخَيّرُ وَقَوْلُهُ: بِهِمْ تُفْرَجُ اللّأْوَاءُ فِي كُلّ مَأْزِقٍ* عِمَاسٍ
[ ٧ / ٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمَأْزِقُ: الْمَضِيقُ مِنْ مَضَائِقِ الْحَرْبِ وَالْخُصُومَةِ، وَهُوَ مِنْ أَزَقْت الشّيْءَ إذَا ضَيّقْته «١»، وَفِي قِصّةِ ذِي الرّمّةِ قَالَ: سَمِعْت غُلَامًا يَقُولُ لِغِلْمَةِ، قَدْ أَزَقْتُمْ هَذِهِ الْأُوقَةَ حَتّى جَعَلْتُمُوهَا كَالْمِيمِ، ثم أدخل منجمه «٢»، يعنى:
عقبة فيها، فنجنجه، حَتّى أَفْهَقَهَا، أَيْ حَرّكَهُ حَتّى وَسّعَهَا. وَالْعِمَاسُ:
الْمُظْلِمُ، وَالْأَعْمَسُ: الضّعِيفُ الْبَصَرُ، وَحُفْرَةٌ معمسة، أي مغطّاة، قَالَ الشّاعِرُ:
فَإِنّك قَدْ غَطّيْت أَرْجَاءَ هُوّةٍ مُعَمّسَةٍ لَا يُسْتَبَانُ تُرَابُهَا
بِثَوْبِك فِي الظّلْمَاءِ، ثُمّ دَعَوْتنِي فَجِئْت إلَيْهَا سَادِرًا لَا أَهَابُهَا
أنشده ابن الأنبارىّ فى خبر لِزُرَارَةَ بْنِ عُدُسٍ.
حَوْلُ شِعْرِ كَعْبٍ:
وَذَكَرَ شِعْرَ كَعْبٍ وَفِيهِ:
سَحّا كَمَا وَكَفَ الطّبَابُ الْمُخْضِلُ
الطّبَابُ: جَمْعُ طِبَابَةٍ، وَهِيَ سَيْرٌ بَيْنَ خَرَزَتَيْنِ فِي الْمَزَادَةِ، فَإِذَا كَانَ غَيْرَ مُحْكَمٍ وَكَفَ مِنْهُ الْمَاءُ، وَالطّبَابُ أَيْضًا: جَمْعُ طَبّةٍ، وَهِيَ شِقّةٌ مُسْتَطِيلَةٌ.
وَقَوْلُهُ: طَوْرًا أَخِنّ. الْخَنِينُ بِالْخَاءِ الْمَنْقُوطَةِ حَنِينٌ بِبُكَاءِ، فَإِذَا كَانَ بِالْحَاءِ المهملة، فليس معه بكاء ولا دمع.
_________________
(١) فى القاموس: أزق صدره كفرح وضرب، ضاق أو تضايق فى الحرب كتأزق، ولم يذكر اللسان غير أزق كفرح.
(٢) هى على وزن منبر ومجلس.
[ ٧ / ٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الاستسقاء لِلْقُبُورِ عِنْدَ الْعَرَبِ: وَقَوْلُهُ: وَسَقَى عِظَامَهُمْ الْغَمَامُ الْمُسْبِلُ. يَرُدّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنّمَا اسْتَسْقَتْ الْعَرَبُ لِقُبُورِ أَحِبّتِهَا لِتَخْصَبَ أَرْضُهَا فَلَا يَحْتَاجُونَ إلَى الِانْتِقَالِ عَنْهَا لِمَطْلَبِ النّجْعَةِ فِي الْبِلَادِ. وَقَالَ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الدّلَائِلِ: فَهَذَا كَعْبٌ يَسْتَسْقِي لِعِظَامِ الشّهَدَاءِ بِمُؤْتَة، وَلَيْسَ مَعَهُمْ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْآخَرِ: سَقَى مُطْغِيَاتِ الْمَحْلِ جُودًا وديمة عظام ابن ليلى حيث كان رميمها فَقَوْلُهُ: حَيْثُ كَانَ رَمِيمُهَا يَدُلّ عَلَى أَنّهُ لَيْسَ مُقِيمًا مَعَهُ، وَإِنّمَا اسْتِسْقَاؤُهُمْ لِأَهْلِ الْقُبُورِ اسْتِرْحَامٌ لَهُمْ، لِأَنّ السّقْيَ رَحْمَةٌ، وَضِدّهَا عَذَابٌ. وَقَوْلُهُ: كَأَنّهُمْ فُنُقٌ، جَمْعُ: فَنِيقٍ، وَهُوَ الْفَحْلُ، كَمَا قَالَ الْآخَرُ، وَهُوَ طُخَيْمٌ: مَعِي كُلّ فَضْفَاضِ الرّدَاءِ كَأَنّهُ إذَا مَا سَرَتْ فِيهِ الْمُدَامُ فَنِيقُ وَقَوْلُهُ: فَتَغَيّرَ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ لِفَقْدِهِ وَالشّمْسُ قَدْ كَسَفَتْ وَكَادَتْ تَأْفِلُ قَوْلُهُ حَقّ، لأنه إن كان عنى بِالْقَمَرِ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَجَعَلَهُ قَمَرًا، ثُمّ جَعَلَهُ شَمْسًا، فَقَدْ كَانَ تَغَيّرَ بِالْحُزْنِ لِفَقْدِ جَعْفَرٍ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ الْقَمَرَ نَفْسَهُ، فَمَعْنَى الْكَلَامِ وَمَغْزَاهُ حَقّ أَيْضًا، لِأَنّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ تَعْظِيمُ الْحُزْنِ وَالْمُصَابِ، وَإِذَا فُهِمَ مَغْزَى الشّاعِرِ فِي كَلَامِهِ، وَالْمُبَالِغُ فِي الشّيْءِ فَلَيْسَ بِكَذِبِ،
[ ٧ / ٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ ﵇: أَمّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، أَرَادَ بِهِ الْمُبَالَغَةَ فِي شِدّةِ أَدَبِهِ لِأَهْلِهِ، فَكَلَامُهُ كُلّهُ حَقّﷺ- وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي مِثْلِ قَوْلِ الشّاعِرِ [طُفَيْلٍ الْغَنَوِيّ]:
إذَا مَا غَضِبْنَا غَضْبَةً مُضَرِيّةً هَتَكْنَا حِجَابَ الشّمْسِ، أَوْ قَطَرَتْ دَمًا «١»
قَالَ: إنّمَا أَرَادَ فَعَلْنَا فِعْلَةً شَنِيعَةً عَظِيمَةً، فَضَرَبَ الْمَثَلَ بِهَتْكِ حِجَابِ الشّمْسِ، وَفُهِمَ مَقْصِدُهُ، فَلَمْ يَكُنْ كَذِبًا، وَإِنّمَا الْكَذِبُ أَنْ يَقُولَ: فَعَلْنَا، وَهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا، وَقَتَلْنَا وَهُمْ لَمْ يَقْتُلُوا.
مِنْ شِعْرِ حَسّانٍ فِي رِثَاءِ جَعْفَرٍ:
وَذَكَرَ أَبْيَاتِ حَسّانٍ، وَفِي بَعْضِهَا تَضْمِينٌ، نَحْوَ قَوْلِهِ: وَأَذَلّهَا، ثُمّ قَالَ فِي أَوّلِ بَيْتٍ آخَرَ: لِلْحَقّ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي بَيْتٍ آخَرَ: وَأَقَلّهَا، وَقَالَ فِي الّذِي بَعْدَهُ:
فُحْشًا، وَهَذَا يُسَمّى التّضْمِينُ.
وَذَكَرَ قُدَامَةُ فِي كِتَابِ نَقْدِ الشّعْرِ أَنّهُ عَيْبٌ عِنْدَ الشّعَرَاءِ، وَلَعَمْرِي إنّ فِيهِ مَقَالًا، لِأَنّ آخِرَ الْبَيْتِ يُوقَفُ عَلَيْهِ، فَيُوهِمُ الذّمّ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: وَأَذَلّهَا، وَكَذَلِكَ، وَأَقَلّهَا، وَقَدْ غَلَبَ الزّبْرِقَانُ عَلَى الْمُخَبّلِ السّعْدِيّ «٢»، وَاسْمُهُ:
كَعْبٌ بِكَلِمَةِ قَالَهَا الْمُخَبّلُ أَشْعَرَ مِنْهُ، وَلَكِنّهُ لَمّا قال يهجوه:
_________________
(١) فى رواية: مطرت، وهى أليق.
(٢) هو ربيعة بن مالك بن ربيعة بن عوف بن قتال بن أنف الناقة الحمجى. هذا قول محمد بن حبيب. وقال ابن الكلبى: الربيع بن ربيعة بن عوف. وقال ابن رآب: اسمه: كعب.
[ ٧ / ٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَبُوك بَدْرٌ كَانَ يَنْتَهِزُ الْخُصْيَ وَأَبِي الْجَوَادُ رَبِيعَةُ بْنِ قِتَالِ «١»
وَصَلَ الْكَلَامَ بِقَوْلِهِ: وَأَبِي، وَأَدْرَكَهُ بُهْرٌ أَوْ سُعْلَةٌ، فَقَالَ لَهُ الزّبْرِقَانُ:
فَلَا بَأْسَ إذًا، فَضُحِكَ مِنْ الْمُخَبّلِ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ الزّبْرِقَانُ، وَإِذَا كَانَ هَذَا مَعِيبًا فِي وَسَطِ الْبَيْتِ، فَأَحْرَى أَنْ يُعَابَ فِي آخِرِهِ، إذَا كَانَ يُوهِمُ الذّمّ، وَلَا يَنْدَفِعُ ذَلِكَ الْوَهْمُ إلّا بِالْبَيْتِ الثّانِي، فَلَيْسَ هَذَا مِنْ التّحْصِينِ عَلَى الْمَعَانِي وَالتّوَقّي لِلِاعْتِرَاضِ «٢» .
وَقَوْلُ حَسّانٍ:
عَيْنِ جُودِي بِدَمْعِك الْمَنْزُورِ
النّزْرُ: الْقَلِيلُ، وَلَا يَحْسُنُ هَهُنَا ذِكْرُ الْقَلِيلِ، وَلَكِنّهُ مَنْ نَزَرْت الرّجل إذا ألححت عَلَيْهِ، وَنَزَرْت الشّيْءَ إذَا اسْتَنْفَدْته، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ﵀- نَزَرْت رَسُولَ اللهِﷺ «٣» - الأصح فيه التّخفيف،
_________________
(١) فى الأصل: قنال وصوابه ما أثبت.
(٢) المضمن من الشعر ما ضمنته بيتا، وقيل ما لم تتم معانى قوافيه إلا بالبيت الذى يليه. ولا يعيب الأخفش هذا، وقال ابن جنى: هذا الذى رآه أبو الحسن من أن التضمين ليس بعيب مذهب تراه العرب، وتستجيزه وانظر اللسان مادة ضمن ففيه المزيد.
(٣) لأنه كان قد سأل رسول الله عن شىء مرارا فلم يجبه، فقال لنفسه: ثكلتك أمك يا عمر: نَزَرْت رَسُولَ اللهِ ﷺ مرارا لا يجيبك. أى ألححت عليه فى المسألة.
[ ٧ / ٤٨ ]
[ذِكْرُ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ الْمَسِيرَ إلَى مَكّةَ وَذِكْرُ فَتْحِ مَكّةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ أَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ بَعْثِهِ إلَى مؤتة جمادى الآخرة ورجبا.
ــ
قَالَ الشّاعِرُ:
فَخُذْ عَفْوَ مَنْ تَهْوَاهُ لَا تنزرنّه فعند بلوغ الكدرنق الْمَشَارِبَ «١»
وَقَوْلُهُ: يَوْمَ رَاحُوا فِي وَقْعَةِ التّغْوِيرِ، هُوَ مَصْدَرُ غَوّرْت إذَا تَوَسّطَ الْقَائِلَةَ مِنْ النّهَارِ، وَيُقَالُ أَيْضًا: أَغْوَرُ فَهُوَ مُغْوِرٌ، وَفِي حَدِيثِ الْإِفْكِ:
مُغْوِرِينَ فِي نَحْرِ الظّهِيرَةِ، وَإِنّمَا صَحّتْ الْوَاوُ فِي مُغْوِرٍ، وَفِي أَغْوَرَ مِنْ هَذَا، لِأَنّ الْفِعْلَ بُنِيَ فِيهِ عَلَى الزّوَائِدِ، كما يا بنى اسْتَحْوَذَ، وَأُغِيلَتْ الْمَرْأَةُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَغَارَ عَلَى الْعَدُوّ، وَلَا أَغَارَ الْحَبْلَ.
وَذَكَرَ فِيمَنْ اُسْتُشْهِدَ بِمُؤْتَة أَبَا كُلَيْبِ بْنَ أَبِي صَعْصَعَةَ وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فِيهِ أَبُو كِلَابٍ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: لَا يُعْرَفُ فِي الصحابة أحد يقال له أبو كليب «٢» .
_________________
(١) هو فى اللسان وشطرته الأول هكذا: «فخذ عفو ما آتاك لا تنزرنه» .
(٢) يقول الحافظ فى الإصابة: يحتمل أن يكون أراد هذا. يعنى أبا كليب بن عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول الأنصارى أخا جابر شقيقه، ويحتمل أن يكون جد عاصم بن كليب فإن لعاصم رواية عن أبيه عن جده.
[ ٧ / ٤٩ ]
ثُمّ إنّ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ عَدَتْ عَلَى خُزَاعَةَ، وَهُمْ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ بِأَسْفَلِ مَكّةَ يُقَالُ لَهُ: الْوَتِيرُ، وَكَانَ الّذِي هَاجَ مَا بَيْنَ بَنِي بَكْرٍ وَخُزَاعَةَ أَنّ رَجُلًا مِنْ بَنِي الْحَضْرَمِيّ، وَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ عَبّادٍ- وَحِلْفُ الْحَضْرَمِيّ يَوْمَئِذٍ إلَى الْأَسْوَدِ بْنِ رَزْنٍ- خَرَجَ تَاجِرًا، فَلَمّا تَوَسّطَ أَرْضَ خُزَاعَةَ، عَدَوْا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا مَالَهُ، فَعَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ فَقَتَلُوهُ، فَعَدَتْ خُزَاعَةُ قُبَيْلَ الْإِسْلَامِ عَلَى بَنِي الْأَسْوَدِ بْنِ رَزْنٍ الدّيلِيّ- وَهُمْ مَنْخَرُ بَنِي كِنَانَةَ وَأَشْرَافُهُمْ- سَلْمَى وَكُلْثُومٌ وَذُؤَيْبٌ- فَقَتَلُوهُمْ بِعَرَفَةَ عِنْدَ أَنْصَابِ الْحَرَمِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي الدّيلِ، قَالَ: كَانَ بَنُو الأسود ابن رَزْنٍ يُودَوْنَ فِي الْجَاهِلِيّةِ دِيَتَيْنِ دِيَتَيْنِ، وَنُودَى دية دية، لفضلهم فينا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَبَيْنَا بَنُو بَكْرٍ وَخُزَاعَةُ عَلَى ذَلِكَ حَجَزَ بَيْنَهُمْ الْإِسْلَامُ، وَتَشَاغَلَ النّاسُ بِهِ. فَلَمّا كَانَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، كَانَ فِيمَا شَرَطُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَشَرَطَ لَهُمْ، كَمَا حَدّثَنِي الزّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَائِنَا: أَنّهُ مَنْ أَحَبّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَهْدِهِ فَلْيَدْخُلْ فِيهِ، وَمَنْ أَحَبّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ فَلْيَدْخُلْ فِيهِ. فَدَخَلَتْ بَنُو بَكْرٍ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ، وَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَهْدِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا كَانَتْ الْهُدْنَةُ اغْتَنَمَهَا بَنُو الدّيلِ مِنْ بَنِي بَكْرٍ مِنْ خُزَاعَةَ، وَأَرَادُوا أَنْ يُصِيبُوا مِنْهُمْ ثَأْرًا بِأُولَئِكَ النّفَرِ الّذِينَ أَصَابُوا مِنْهُمْ بِبَنِي
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٠ ]
الْأَسْوَدِ بْنِ رَزْنٍ، فَخَرَجَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدّيلِيّ فِي بَنِي الدّيلِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَائِدُهُمْ، وَلَيْسَ كُلّ بَنِي بَكْرٍ تَابَعَهُ حَتّى بَيّتَ خُزَاعَةَ وَهُمْ عَلَى الْوَتِيرِ، مَاءٌ لَهُمْ، فَأَصَابُوا مِنْهُمْ رَجُلًا، وَتَحَاوَزُوا وَاقْتَتَلُوا، وَرَفَدَتْ بَنِي بَكْرٍ قُرَيْشٌ بِالسّلَاحِ، وَقَاتَلَ مَعَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ مَنْ قَاتَلَ بِاللّيْلِ مُسْتَخْفِيًا، حَتّى حَازُوا خُزَاعَةَ إلَى الْحَرَمِ، فَلَمّا انْتَهَوْا إلَيْهِ، قَالَتْ بَنُو بَكْرٍ: يَا نَوْفَلُ، إنّا قَدْ دَخَلْنَا الْحَرَمَ، إلَهَكَ إلَهَكَ، فَقَالَ: كَلِمَةً عَظِيمَةً، لَا إلَهَ لَهُ الْيَوْمَ، يَا بَنِي بَكْرٍ أَصِيبُوا ثَأْرَكُمْ، فَلَعَمْرِي إنّكُمْ لَتَسْرِقُونَ، فِي الْحَرَمِ، أَفَلَا تُصِيبُونَ ثَأْرَكُمْ فِيهِ؛ وَقَدْ أَصَابُوا مِنْهُمْ لَيْلَةَ بَيّتُوهُمْ بِالْوَتِيرِ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ مُنَبّهٌ، وَكَانَ مُنَبّهٌ رَجُلًا مَفْئُودًا خَرَجَ هُوَ وَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهُ تَمِيمُ بْنُ أَسَدٍ، وَقَالَ لَهُ مُنَبّهٌ: يا تميم، انج بنفسك، فأما أنا فو الله إنّي لَمَيّتٌ، قَتَلُونِي أَوْ تَرَكُونِي لَقَدْ انْبَتّ فؤادى، وانطلق تميم فأقلت، وأدركوا منبّها فقتلوه، فلما دخلت خزاعة مكة، لجئوا إلى دار بديل ابن وَرْقَاءَ، وَدَارِ مَوْلَى لَهُمْ يُقَالُ لَهُ رَافِعٌ؛ فَقَالَ تَمِيمُ بْنُ أَسَدٍ يَعْتَذِرُ مِنْ فِرَارِهِ عَنْ مُنَبّهٍ:
[شِعْرُ تَمِيمٍ فِي الِاعْتِذَارِ مِنْ فِرَارِهِ عَنْ مُنَبّهٍ]
لَمّا رَأَيْتُ بَنِي نُفَاثَةَ أَقْبَلُوا يَغْشَوْنَ كُلّ وَتِيرَةٍ وَحِجَابِ
صَخْرًا وَرَزْنًا لَا عَرِيبَ سِوَاهُمْ يُزْجُونَ كُلّ مُقَلّصٍ خنّاب
ودكرت ذَحْلًا عِنْدَنَا مُتَقَادِمًا فِيمَا مَضَى مِنْ سَالِفِ الْأَحْقَابِ
ونَشَيْتُ رِيحَ الْمَوْتِ مِنْ تِلْقَائِهِمْ وَرَهِبْتُ وَقْعَ مُهَنّدٍ قَضّابِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥١ ]
وَعَرَفْت أَنْ مَنْ يَثْقَفُوهُ يَتْرُكُوا لَحْمًا لِمُجْرِيَةٍ وَشِلْوَ غُرَابِ
قَوّمْتُ رِجْلًا لَا أَخَافُ عِثَارَهَا وَطَرَحْت بِالْمَتْنِ الْعَرَاءِ ثِيَابِي
وَنَجَوْتُ لَا يَنْجُو نَجَائِي أحْقَبٌ عِلْجٌ أَقَبّ مُشَمّرُ الْأَقْرَابِ
تَلْحَى وَلَوْ شَهِدَتْ لَكَانَ نَكِيرُهَا بَوْلًا يَبُلّ مَشَافِرَ الْقَبْقَابِ
الْقَوْمُ أَعْلَمُ مَا تَرَكْتُ مُنَبّهًا عَنْ طيب نفس فاسألى أصحابى
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَتُرْوَى لِحَبِيبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (الْأَعْلَمِ) الْهُذَلِيّ. وَبَيْتُهُ:
«وَذَكَرْت ذَحْلًا عِنْدَنَا مُتَقَادِمًا» عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَوْلُهُ «خَنّابِ» وَ«عِلْجٌ أَقَبّ مُشَمّرُ الْأَقْرَابِ» عنه أيضا.
[شِعْرُ الْأَخْزَرِ فِي الْحَرْبِ بَيْنَ كِنَانَةَ وَخُزَاعَةَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ الْأَخْزَرُ بْنُ لُعْطٍ الدّيلِيّ، فِيمَا كَانَ بَيْنَ كِنَانَةَ وَخُزَاعَةَ فِي تلك الحرب:
ألاهل أَتَى قُصْوَى الْأَحَابِيشِ أَنّنَا رَدَدْنَا بَنِي كَعْبٍ بِأَفْوَقِ نَاصِلِ
حَبَسْنَاهُمْ فِي دَارَةِ الْعَبْدِ رَافِعٍ وَعِنْدَ بُدَيْلٍ مَحْبِسًا غَيْرَ طَائِلِ
بِدَارِ الذّلِيلِ الْآخِذِ الضّيْمِ بَعْدَمَا شَفَيْنَا النّفُوسَ مِنْهُمْ بِالْمَنَاصِلِ
حَبَسْنَاهُمْ حَتّى إذَا طَالَ يَوْمُهُمْ نَفَحْنَا لَهُمْ مِنْ كُلّ شِعْبٍ بِوَابِلِ
نُذَبّحْهُمُ ذَبْحَ التّيُوسِ كَأَنّنَا أَسُودٌ تَبَارَى فِيهِمْ بِالْقَوَاصِلِ
هُمْ ظَلَمُونَا واعَتَدَوْا فِي مَسِيرِهِمْ وَكَانُوا لَدَى الْأَنْصَابِ أَوّلَ قاتل
كأنهم بالجزع إذ يطردونهم قفاثور حفّان النعام الجوافل
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٢ ]
[بديل يرد على الأخزر]
فأجابه بُدَيْلُ بْنُ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَجَبّ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ بُدَيْلُ بن أمّ أصرم، فقال:
تفاقد قوم بفخرون وَلَمْ نَدَعْ لَهُمْ سَيّدًا يَنْدُوهُمُ غَيْرَ نَافِلِ
أَمِنْ خِيفَةِ الْقَوْمِ الْأُلَى تَزْدَرِيهِمْ تُجِيزُ الْوَتِيرَ خائفا غير آيل
وَفِي كُلّ يَوْمٍ نَحْنُ نَحْبُو حِبَاءَنَا لِعَقْلٍ وَلَا يُحْبَى لَنَا فِي الْمَعَاقِلِ
وَنَحْنُ صَبَحْنَا بِالتّلَاعَةِ دَارَكُمْ بِأَسْيَافِنَا يَسْبِقْنَ لَوْمَ الْعَوَاذِلِ
وَنَحْنُ مَنَعْنَا بَيْنَ بَيْضٍ وَعِتْوَدٍ إلَى خَيْفِ رَضْوَى مِنْ مِجَرّ الْقَنَابِلِ
وَيَوْمَ الْغَمِيمِ قَدْ تَكَفّتَ سَاعِيًا عُبَيْسٌ فَجَعْنَاهُ بِجَلْدٍ حُلَاحِلِ
أَإِنْ أَجْمَرْت فِي بَيْتِهَا أُمّ بَعْضِكُمْ بِجُعْمُوسِهَا تَنْزُونَ أَنْ لَمْ نُقَاتِلْ
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللهِ مَا إنْ قَتَلْتُمْ وَلَكِنْ تَرَكْنَا أَمْرَكُمْ فِي بَلَابِلِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ «غَيْرَ نَافِلِ»، وَقَوْلُهُ «إلَى خَيْفِ رَضْوَى» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
[شِعْرُ حَسّانَ فِي الْحَرْبِ بَيْنَ كِنَانَةَ وَخُزَاعَةَ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ:
لَحَا اللهُ قَوْمًا لَمْ نَدَعْ مِنْ سَرَاتِهِمْ لَهُمْ أَحَدًا يَنْدُوهُمُ غَيْرَ نَاقِبْ
أَخُصْيَيْ حِمَارٍ مَاتَ بِالْأَمْسِ نَوْفَلًا مَتَى كُنْتَ مِفْلَاحًا عَدُوّ الْحَقَائِبِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٣ ]
[شِعْرُ عَمْرٍو الْخُزَاعِيّ لِلرّسُولِ يَسْتَنْصِرُهُ وَرَدّهُ عَلَيْهِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا تَظَاهَرَتْ بَنُو بَكْرٍ وَقُرَيْشٌ عَلَى خُزَاعَةَ، وَأَصَابُوا مِنْهُمْ مَا أَصَابُوا، وَنَقَضُوا مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ بِمَا اسْتَحَلّوا مِنْ خُزَاعَةَ، وَكَانَ فِي عَقْدِهِ وعهده، خرج عمرو ابن سَالِمٍ الْخُزَاعِيّ، ثُمّ أَحَدُ بَنِي كَعْبٍ، حَتّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمّا هَاجَ فَتْحَ مَكّةَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ بين ظهرانى الناس، فقال:
يَا رَبّ إنّي نَاشِدٌ مُحَمّدًا حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا
قَدْ كُنْتُمْ وُلْدًا وَكُنّا وَالِدَا تمّت أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا
فَانْصُرْ هَدَاكَ اللهُ نَصْرًا أَعْتَدَا وَادْعُ عِبَادَ اللهِ يَأْتُوا مَدَدَا
فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَجَرّدَا إنْ سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبّدَا
فِي فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدًا إنّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوك الْمَوْعِدَا
وَنَقَضُوا مِيثَاقَك الْمُوَكّدَا وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءٍ رُصّدَا
وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أَدْعُو أَحَدَا وَهُمْ أَذَلّ وَأَقَلّ عَدَدَا
هُمْ بَيّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجّدًا وَقَتَلُونَا رُكّعًا وَسُجّدَا
يَقُولُ: قُتِلْنَا وَقَدْ أَسْلَمْنَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى أَيْضًا:
فَانْصُرْ هَدَاك اللهُ نَصْرًا أيدا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٤ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى أَيْضًا:
نَحْنُ وَلَدْنَاك فَكُنْت وَلَدًا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: نُصِرْتَ يَا عمرو ابن سَالِمٍ. ثُمّ عَرَضَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَنَانٌ مِنْ السّمَاءِ، فَقَالَ:
إنّ هذه السّحابة لتستهلّ بنصر بنى كعب.
[ابن ورقاء يشكو إلى الرسول بالمدينة]
ثم خَرَجَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ فِي نَفَرٍ مِنْ خُزَاعَةَ حَتّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَأَخْبَرُوهُ بِمَا أُصِيبَ مِنْهُمْ، وَبِمُظَاهَرَةِ قُرَيْشٍ بَنِي بَكْرٍ عَلَيْهِمْ، ثُمّ الصرفوا رَاجِعِينَ إلَى مَكّةَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلنّاسِ: كَأَنّكُمْ بِأَبِي سُفْيَانَ قَدْ جَاءَكُمْ لِيَشُدّ الْعَقْدَ، وَيَزِيدَ فِي الْمُدّةِ، وَقَدْ رَهِبُوا الّذِي صَنَعُوا. فَلَمّا لَقِيَ أَبُو سُفْيَانَ بُدَيْلِ بْنَ وَرْقَاءَ، قَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْت يَا بُدَيْلُ؟ وَظَنّ أَنّهُ قَدْ أتي رسول الله ﷺ؛ قَالَ تَسَيّرْت فِي خُزَاعَةَ فِي هَذَا السّاحِلِ، وَفِي بَطْنِ هَذَا الْوَادِي، قَالَ: أَوَ مَا جِئْت مُحَمّدًا؟ قَالَ:
لَا؛ فَلَمّا رَاحَ بُدَيْلِ إلَى مَكّةَ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَئِنْ جَاءَ بُدَيْلِ الْمَدِينَةَ لَقَدْ عَلَفَ بِهَا النّوَى فَأَتَى مَبْرَكَ رَاحِلَتِهِ، فَأَخَذَ مِنْ بَعْرِهَا فَفَتّهُ، فَرَأَى فِيهِ النّوَى، فَقَالَ: أَحْلِفُ بِاَللهِ لَقَدْ جَاءَ بديل محمدا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٥ ]
[أبو سفيان يحاول المصالحة]
ثُمّ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ حَتّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ المدينة، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَمّا ذَهَبَ لِيَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ طَوَتْهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا بُنَيّةُ، مَا أَدْرِي أَرَغِبْت بِي عَنْ هَذَا الْفِرَاشِ أَمْ رَغِبْت بِهِ عَنّي؟ قَالَتْ: بَلْ هُوَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِﷺ- وَأَنْتَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ نَجَسٌ، وَلَمْ أُحِبّ أَنْ تَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ الله ﷺ وَسَلّمَ؛ قَالَ: وَاَللهِ لَقَدْ أَصَابَك يَا بُنَيّةُ بَعْدِي شَرّ. ثُمّ خَرَجَ حَتّى أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَكَلّمَهُ، فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ شَيْئًا، ثُمّ ذَهَبَ إلَى أَبِي بَكْرٍ، فَكَلّمَهُ أَنْ يُكَلّمَ لَهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ؛ فَقَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلِ، ثُمّ أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ فَكَلّمَهُ، فَقَالَ: أَأَنَا أَشْفَعُ لَكُمْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ فو الله لَوْ لَمْ أَجِدْ إلّا الذّرّ لَجَاهَدْتُكُمْ بِهِ.
ثُمّ خَرَجَ فَدَخَلَ عَلَى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ، وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ورضي عَنْهَا، وَعِنْدَهَا حَسَنُ بْنُ عَلِيّ، غُلَامٌ يَدِبّ بَيْنَ يَدَيْهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيّ، إنّك أَمَسّ الْقَوْمِ بِي رَحِمًا، وَإِنّي قَدْ جِئْت فِي حَاجَةٍ، فَلَا أَرْجِعَنّ كَمَا جِئْت خَائِبًا، فَاشْفَعْ لى إلى رسول الله، فَقَالَ: وَيْحَك يَا أَبَا سُفْيَانَ! وَاَللهِ لَقَدْ عَزَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَمْرٍ مَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُكَلّمَهُ فِيهِ. فَالْتَفَتَ إلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: يَا بْنَةَ مُحَمّدٍ، هل لك أن تأمرى بنيّك هذا فيحير بَيْنَ النّاسِ، فَيَكُونَ سَيّدَ الْعَرَبِ إلَى آخِرِ الدّهْرِ؟ قَالَتْ:
وَاَللهِ مَا بَلَغَ بُنَيّ ذَاكَ أَنْ يُجِيرَ بَيْنَ النّاسِ، وَمَا يُجِيرُ أَحَدٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٦ ]
عَلَيْهِ وَسَلّمَ، قَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، إنّي أَرَى الْأُمُورَ قَدْ اشْتَدّتْ عَلَيّ، فَانْصَحْنِي؛ قَالَ: وَاَللهِ مَا أَعْلَمُ لَك شَيْئًا يُغْنِي عَنْك شَيْئًا، وَلَكِنّك سَيّدُ بَنِي كِنَانَةَ، فَقُمْ فَأَجِرْ بَيْنَ النّاسِ، ثُمّ الْحَقْ بِأَرْضِك؛ قَالَ: أَوَ تَرَى ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنّي شَيْئًا؟
قَالَ: لَا وَاَللهِ، مَا أَظُنّهُ، وَلَكِنّي لَا أَجِدُ لَك غَيْرَ ذَلِكَ. فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: أَيّهَا النّاسُ، إنّي قَدْ أَجَرْتُ بَيْنَ النّاسِ. ثُمّ رَكِبَ بَعِيرَهُ فَانْطَلَقَ، فَلَمّا قَدِمَ عَلَى قُرَيْشٍ، قَالُوا: مَا وَرَاءَك؟ قَالَ: جِئْتُ محمدا فكلّمته، فو الله مَا رَدّ عَلَيّ شَيْئًا، ثُمّ جِئْت ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ خَيْرًا، ثُمّ جئت ابن الخطاب، فوجدته أدنى العدوّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَعْدَى الْعَدُوّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ جِئْت عَلِيّا فَوَجَدْته أَلْيَنَ الْقَوْمِ، وقد أشار علىّ بشىء صنعته، فو الله مَا أَدْرِي هَلْ يُغْنِي ذَلِك شَيْئًا أَمْ لَا؟ قَالُوا: وَبِمَ أَمَرَك؟ قَالَ:
أَمَرَنِي أَنْ أُجِيرَ بَيْنَ النّاسِ، فَفَعَلْت؛ قَالُوا: فَهَلْ أَجَازَ ذَلِكَ مُحَمّدٌ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: وَيْلَك! وَاَللهِ إنْ زَادَ الرّجُلُ عَلَى أَنْ لَعِبَ بِك، فَمَا يُغْنِي عَنْك مَا قُلْت.
قَالَ: لَا والله، ما وجدت غير ذلك.
[الرسول ﷺ يعد لِفَتْحِ مَكّةَ]
وَأَمّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْجَهَازِ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُجَهّزُوهُ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى ابْنَتِهِ عَائِشَةَ ﵂، وَهِيَ تُحَرّكُ بَعْضَ جَهَازِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَقَالَ: أَيْ بُنَيّةُ: أَأَمَرَكُمْ رَسُولُ اللهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٧ ]
ﷺ أَنْ تُجَهّزُوهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَتَجَهّزْ، قَالَ: فَأَيْنَ تَرَيْنَهُ يُرِيدُ؟ قَالَتْ: (لَا) وَاَللهِ مَا أَدْرِي. ثُمّ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْلَمَ النّاسَ أَنّهُ سَائِرٌ إلَى مَكّةَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْجِدّ وَالتّهَيّؤِ، وَقَالَ: اللهُمّ خُذْ الْعُيُونَ وَالْأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حتى نبغتها فى بلادها. فتجهّز الناس.
[حسان يحرض النّاسِ]
فَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُحَرّضُ النّاسَ، ويذكر مصاب رجال خزاعة:
عَنَانِي وَلَمْ أَشْهَدْ بِبَطْحَاءِ مَكّةٍ رِجَالُ بَنِي كَعْبٍ تُحَزّ رِقَابُهَا
بِأَيْدِي رِجَالٍ لَمْ يَسُلّوا سُيُوفَهُمْ وَقَتْلَى كَثِيرٌ لَمْ تُجَنّ ثِيَابُهَا
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ تَنَالَنّ نُصْرَتِي سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَخْزُهَا وَعُقَابُهَا
وَصَفْوَانُ عَوْدٌ حَنّ مِنْ شفراسته فَهَذَا أَوَانُ الْحَرْبِ شُدّ عِصَابُهَا
فَلَا تَأْمَنَنّا يابن أُمّ مُجَالِدٍ إذَا اُحْتُلِبَتْ صَرْفًا وَأَعْصَلَ نَابُهَا
ولاَ تَجْزَعُوا مِنّا فَإِنّ سُيُوفَنَا لَهَا وَقْعَةٌ بِالْمَوْتِ يُفْتَحُ بَابُهَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُ حَسّانَ: «بأيدي رِجَالٍ لَمْ يَسُلّوا سُيُوفَهُمْ» يَعْنِي قُرَيْشًا؛ «وَابْنُ أُمّ مُجَالِدٍ» يَعْنِي عِكْرِمَةَ بْنَ أبى جهل.
[كتاب حاطب إلى قريش]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَائِنَا، قَالُوا: لَمّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَسِيرَ إلَى مَكّةَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٨ ]
كَتَبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ كِتَابًا إلَى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ بِاَلّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الْأَمْرِ فِي السّيْرِ إلَيْهِمْ، ثُمّ أَعْطَاهُ امْرَأَةً، زَعَمَ مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَنّهَا مِنْ مُزَيْنَةَ، وَزَعَمَ لِي غَيْرُهُ أَنّهَا سَارَةُ، مَوْلَاةٌ لِبَعْضِ بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَجَعَلَ لَهَا جُعْلًا عَلَى أَنْ تُبَلّغَهُ قُرَيْشًا، فَجَعَلَتْهُ فِي رَأْسِهَا، ثُمّ فَتَلَتْ عَلَيْهِ قُرُونَهَا، ثُمّ خَرَجَتْ بِهِ؛ وَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ الْخَبَرُ مِنْ السّمَاءِ بِمَا صَنَعَ حَاطِبٌ، فَبَعَثَ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزّبَيْرَ بْنَ الْعَوّامِ ﵄، فَقَالَ: أَدْرِكَا امْرَأَةً قَدْ كَتَبَ مَعَهَا حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ بِكِتَابِ إلَى قُرَيْشٍ، يُحَذّرُهُمْ ما قد أجمعنا له فى أمرهم، فخرجا حتى أدركاها بالخليفة، خليقة بنى أبى أحمد، فاستنزلاها، فالتمساه فِي رَحْلِهَا، فَلَمْ يَجِدَا شَيْئًا، فَقَالَ لَهَا عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إنّي أَحْلِفُ بِاَللهِ مَا كَذَبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا كَذَبْنَا؛ وَلَتُخْرِجِنّ لَنَا هَذَا الْكِتَابَ أَوْ لَنَكْشِفَنّك، فَلَمّا رَأَتْ الْجِدّ مِنْهُ، قَالَتْ: أَعْرِضْ؛ فَأَعْرَضَ، فَحَلّتْ قُرُونَ رَأْسِهَا، فَاسْتَخْرَجَتْ الْكِتَابَ مِنْهَا، فَدَفَعَتْهُ إلَيْهِ، فَأَتَى بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ. فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَاطِبًا، فَقَالَ: يَا حَاطِبُ، مَا حَمَلَك عَلَى هَذَا؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمَا وَاَللهِ إنّي لَمُؤْمِنٌ بِاَللهِ وَرَسُولِهِ، مَا غَيّرْت وَلَا بَدّلْت، وَلَكِنّي كُنْت أَمْرَأً لَيْسَ لِي فِي الْقَوْمِ مِنْ أَصْلٍ وَلَا عَشِيرَةٍ، وَكَانَ لِي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَلَدٌ وأهل، فصلعتهم عَلَيْهِمْ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، يَا رَسُولَ اللهِ، دَعْنِي فَلْأَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَإِنّ الرّجُلَ قَدْ نَافَقَ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَمَا يُدْرِيك يَا عُمَرُ، لَعَلّ اللهَ قَدْ اطّلَعَ إلَى أَصْحَابِ بَدْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ؛ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ.
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي حَاطِبٍ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٩ ]
أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ إلَى قَوْلِهِ: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ، إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلَى آخِرِ الْقِصّةِ. الممتحنة.
[خروج الرسول فى رمضان]
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بن عتبة بن مسعود، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ، قَالَ:
ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ لِسَفَرِهِ، واستخلف على المدينة أبارهم، كُلْثُومَ بْنَ حُصَيْنِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ خَلَفٍ الغفارىّ، وخرج لعشر مصين مِنْ رَمَضَانَ، فَصَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَصَامَ النّاسُ مَعَهُ، حَتّى إذَا كان بالكديد، بين عسفان وأمج أفطر.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ مَضَى حَتّى نَزَلَ مَرّ الظّهْرَانِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَسَبّعَتْ سُلَيْمٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ أَلّفَتْ سُلَيْمٌ، وَأَلّفَتْ مُزَيْنَةُ.
وَفِي كُلّ الْقَبَائِلِ عُدَدٌ وَإِسْلَامٌ، وَأَوْعَبَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، فَلَمْ يَتَخَلّفْ عَنْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَلَمّا نَزَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرّ الظّهْرَانِ، وَقَدْ عُمّيَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ قُرَيْشٍ، فَلَمْ يَأْتِهِمْ خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَا يَدْرُونَ مَا هُوَ فَاعِلٌ، وَخَرَجَ فِي تِلْكَ اللّيَالِي أَبُو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبدبل بن ورقاء،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٦٠ ]
يَتَحَسّسُونَ الْأَخْبَارَ، وَيَنْظُرُونَ هَلْ يَجِدُونَ خَبَرًا أَوْ يَسْمَعُونَ بِهِ، وَقَدْ كَانَ الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ لَقِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ببعض الطريق.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: لَقِيَهُ بِالْجُحْفَةِ مُهَاجِرًا بِعِيَالِهِ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِك مُقِيمًا بِمَكّةَ عَلَى سِقَايَتِهِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْهُ رَاضٍ، فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَدْ لَقِيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَيْضًا بنيق العقاب، فِيمَا بَيْنَ مَكّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَالْتَمَسَا الدّخُولَ عَلَيْهِ، فَكَلّمَتْهُ أُمّ سَلَمَةَ فِيهِمَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ عَمّك وَابْنُ عَمّتِك وَصِهْرُك؛ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِهِمَا، أَمَا ابْنُ عَمّي فَهَتَكَ عِرْضِي، وَأَمّا ابْنُ عَمّتِي وَصِهْرِي فَهُوَ الّذِي قَالَ لى بِمَكّةَ مَا قَالَ. قَالَ: فَلَمّا خَرَجَ الْخَبَرُ إلَيْهِمَا بِذَلِكَ، وَمَعَ أَبِي سُفْيَان بُنَيّ لَهُ.
فَقَالَ: وَاَللهِ لَيَأْذَنَنّ لِي أَوْ لَآخُذَنّ بِيَدَيْ بُنَيّ هَذَا، ثُمّ لَنَذْهَبَنّ فِي الْأَرْضِ حَتّى نَمُوتَ عَطَشًا وَجُوعًا؛ فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَقّ لَهُمَا، ثم أذن لهما، فدخلا عليه، فأسلما.
وَأَنْشَدَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ قَوْلَهُ فِي إسلامه، واعتذر إليه مما كَانَ مَضَى مِنْهُ، فَقَالَ:
لَعَمْرُك إنّي يَوْمَ أَحْمِلُ رَايَةً لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللّاتِ خَيْلَ مُحَمّدِ
لَكَالْمُدْلِجِ الْحَيْرَانِ أَظْلَمَ لَيْلُهُ فَهَذَا أَوَانِي حِينَ أهدى وأهتدى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٦١ ]
هَدَانِي هَادٍ غَيْرُ نَفْسِي وَنَالَنِي مَعَ اللهِ مَنْ طَرّدْتُ كُلّ مُطَرّدِ
أَصُدّ وَأَنْأَى جَاهِدًا عَنْ مُحَمّدٍ وَأُدْعَى وَإِنْ لَمْ أَنْتَسِبْ مِنْ محمّد
هم ماهم مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهَوَاهُمْ وَإِنْ كَانَ ذَا رَأْيٍ يُلَمْ وَيُفَنّدْ
أُرِيدُ لِأُرْضِيَهُمْ وَلَسْتُ بِلَائِطٍ مَعَ الْقَوْمِ مَا لَمْ أُهْدَ فِي كُلّ مَقْعَدِ
فَقُلْ لِثَقِيفٍ لَا أُرِيدُ قِتَالَهَا وَقُلْ لِثَقِيفِ تِلْكَ: غَيْرِي أَوْعِدِي
فَمَا كُنْت فِي الْجَيْشِ الّذِي نَالَ عَامِرًا وَمَا كَانَ عَنْ جَرّا لِسَانِي وَلَا يَدِي
قَبَائِلَ جَاءَتْ مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ نَزَائِعَ جَاءَتْ مِنْ سِهَامٍ وَسُرْدَدِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى «وَدَلّنِي عَلَى الْحَقّ مَنْ طَرّدْتُ كُلّ مُطَرّدِ»
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمُوا أَنّهُ حِينَ أَنْشَدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَوْلَهُ: «وَنَالَنِي مَعَ اللهِ مَنْ طَرّدْتُ كُلّ مُطَرّدِ» ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي صَدْرِهِ، وَقَالَ: أَنْتَ طَرّدْتَنِي كُلّ مُطَرّدٍ.
[قِصّةُ إسْلَامِ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى يَدِ الْعَبّاسِ]
فَلَمّا نَزَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرّ الظّهْرَانِ، قَالَ الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ: فَقُلْت: وَاصَبَاحَ قُرَيْشٍ، وَاَللهِ لَئِنْ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مكة عَنْوَةً قَبْلَ أَنْ يَأْتُوهُ فَيَسْتَأْمِنُوهُ، إنّهُ لَهَلَاكُ قُرَيْشٍ إلَى آخِرِ الدّهْرِ. قَالَ: فَجَلَسْت عَلَى بغلة رسول الله ﷺ الْبَيْضَاءِ، فَخَرَجْتُ عَلَيْهَا. قَالَ: حَتّى جِئْت الْأَرَاكَ، فَقُلْت: لَعَلّي أَجِدُ بَعْضَ الْحَطّابَةِ أَوْ صَاحِبَ لَبَنٍ أَوْ ذَا حَاجَةٍ يَأْتِي مَكّةَ، فَيُخْبِرَهُمْ بِمَكَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٦٢ ]
لِيَخْرُجُوا إلَيْهِ فَيَسْتَأْمِنُوهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا عَلَيْهِمْ عنوة. قال: فو الله إنّي لَأَسِيرُ عَلَيْهَا، وَأَلْتَمِسُ مَا خَرَجْت لَهُ، إذْ سَمِعْت كَلَامَ أَبِي سُفْيَانَ وَبُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ، وَهُمَا يَتَرَاجَعَانِ وَأَبُو سُفْيَانَ يَقُولُ: مَا رَأَيْت كَاللّيْلَةِ نِيرَانًا قَطّ وَلَا عَسْكَرًا، قَالَ: يَقُولُ بُدَيْلِ: هَذِهِ وَاَللهِ خُزَاعَةُ حَمَشَتْهَا الْحَرْبُ. قَالَ: يَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ:
خُزَاعَةُ أَذَلّ وَأَقَلّ مِنْ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ نِيرَانَهَا وَعَسْكَرَهَا؛ قَالَ: فَعَرَفْت صَوْتَهُ؛ فَقُلْت: يَا أَبَا حَنْظَلَةَ فَعَرَفَ صَوْتِي، فَقَالَ: أَبُو الْفَضْلِ؟ قَالَ: قُلْت:
نَعَمْ؛ قَالَ: مَالَك؟ فِدَاك أَبِي وَأُمّي؛ قَالَ: قُلْت: وَيْحَك يَا أَبَا سُفْيَانَ، هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النّاسِ، وَاصَبَاحَ قُرَيْشٍ وَاَللهِ. قَالَ:
فَمَا الْحِيلَةُ؟ فِدَاك أَبِي وَأُمّي؛ قَالَ: قُلْت: وَاَللهِ لَئِنْ ظَفِرَ بِك لَيَضْرِبَنّ عُنُقَك، فَارْكَبْ فِي عَجُزِ هَذِهِ الْبَغْلَةِ حَتّى آتِيَ بِك رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَسْتَأْمِنَهُ لَك؛ قَالَ: فَرَكِبَ خَلْفِي وَرَجَعَ صَاحِبَاهُ؛ قَالَ: فَجِئْت بِهِ، كُلّمَا مَرَرْت بِنَارِ مِنْ نِيرَانِ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا: مَنْ هَذَا؟ فَإِذَا رَأَوْا بَغْلَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا عَلَيْهَا، قَالُوا عَمّ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ، حَتّى مَرَرْت بِنَارِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ ﵁، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ وَقَامَ إلَيّ، فَلَمّا رَأَى أَبَا سُفْيَانَ عَلَى عَجُزِ الدّابّةِ، قَالَ: أَبُو سُفْيَانَ عَدُوّ اللهِ! الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَمْكَنَ مِنْك بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ، ثُمّ خَرَجَ يَشْتَدّ نَحْوَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَرَكَضْت الْبَغْلَةَ، فَسَبَقَتْهُ بِمَا تسبق الدابة البطيئة الرجل البطىء قَالَ:
فَاقْتَحَمْت عَنْ الْبَغْلَةِ، فَدَخَلْت عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ قَدْ أَمْكَنَ اللهُ مِنْهُ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ، فَدَعْنِي فَلْأَضْرِبْ عُنُقَهُ؛ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي قَدْ أَجَرْتُهُ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٦٣ ]
ثُمّ جَلَسْت إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخَذْت بِرَأْسِهِ، فَقُلْت: وَاَللهِ لَا يُنَاجِيهِ اللّيْلَةَ دُونِي رَجُلٌ؛ فَلَمّا أَكْثَرَ عُمَرُ فِي شَأْنِهِ، قَالَ: قُلْت: مَهْلًا يَا عُمَرُ، فو الله أن لو كان مِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ مَا قُلْت هَذَا، وَلَكِنّك قَدْ عَرَفْت أَنّهُ مِنْ رِجَالِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ؛ فَقَالَ: مَهْلًا يَا عَبّاسُ، فو الله لَإِسْلَامُك يَوْمَ أَسْلَمْت كَانَ أَحَبّ إلَيّ مِنْ إسْلَامِ الْخَطّابِ لَوْ أَسْلَمَ، وَمَا بِي إلّا أَنّي قَدْ عَرَفْت أَنّ إسْلَامَك كَانَ أَحَبّ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ إسْلَامِ الْخَطّابِ لَوْ أَسْلَمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اذْهَبْ بِهِ يَا عَبّاسُ إلَى رَحْلِك، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَأْتِنِي بِهِ، قَالَ: فَذَهَبْت بِهِ إلَى رَحْلِي، فَبَاتَ عِنْدِي، فَلَمّا أَصْبَحَ غَدَوْت بِهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمّا رَآهُ رسول الله ﷺ، قال: وَيْحَك يَا أَبَا سُفْيَانَ، أَلَمْ يَأْنِ لَك أَنْ تَعْلَمَ أَنّهُ لَا إلَهَ إلّا اللهُ؟ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي، مَا أَحْلَمَك وَأَكْرَمَك وَأَوْصَلَك، وَاَللهِ لَقَدْ ظَنَنْت أَنْ لَوْ كَانَ مَعَ اللهِ إلَهٌ غَيْرُهُ لَقَدْ أَغْنَى عَنّي شَيْئًا بَعْدُ، قَالَ: وَيْحَك يَا أَبَا سُفْيَانَ! أَلَمْ يَأْنِ لَك أَنْ تَعْلَمَ أَنّي رَسُولُ الله؟ قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وَأَكْرَمَك وَأَوْصَلَك! أَمّا هَذِهِ وَاَللهِ فَإِنّ فِي النّفْسِ مِنْهَا حَتّى الْآنَ شَيْئًا. فَقَالَ لَهُ الْعَبّاسُ: وَيْحَك! أَسْلِمْ وَاشْهَدْ أَنْ لَا إلَه إلّا اللهُ وَأَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ قَبْلَ أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُك. قَالَ: فَشَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقّ، فَأَسْلَمَ، قَالَ الْعَبّاسُ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبّ هَذَا الْفَخْرَ، فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا، قَالَ: نَعَمْ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، فَلَمّا ذَهَبَ لِيَنْصَرِفَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا عَبّاسُ، احْبِسْهُ بِمَضِيقِ الْوَادِي عِنْدَ خَطْمِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٦٤ ]
الْجَبَلِ، حَتّى تَمُرّ بِهِ جُنُودُ اللهِ فَيَرَاهَا. قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتّى حَبَسْتُهُ بِمَضِيقِ الْوَادِي، حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أن أحبسه.
[عرض الجيش]
قَالَ: وَمَرّتْ الْقَبَائِلُ عَلَى رَايَاتِهَا، كُلّمَا مَرّتْ قَبِيلَةٌ قَالَ: يَا عَبّاسُ، مَنْ هَذِهِ؟ فَأَقُولُ: سليم، فيقول: مالى واسليم، ثُمّ تَمُرّ الْقَبِيلَةُ فَيَقُولُ: يَا عَبّاسُ، مَنْ هؤلاء؟ فأفول: مُزَيْنَةُ، فَيَقُولُ: مَالِي وَلِمُزَيْنَةَ، حَتّى نَفِدَتْ الْقَبَائِلُ، مَا تَمُرّ بِهِ قَبِيلَةٌ إلّا يَسْأَلُنِي عَنْهَا، فَإِذَا أَخْبَرْته بِهِمْ، قَالَ: مَالِي وَلِبَنِي فُلَانٍ، حَتّى مَرّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِنّمَا قِيلَ لَهَا الْخَضْرَاءُ لِكَثْرَةِ الْحَدِيدِ وَظُهُورِهِ فِيهَا.
قَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلّزَةَ الْيَشْكُرِيّ:
ثُمّ حُجْرًا أَعْنِي ابْنَ أُمّ قَطَامٍ وَلَهُ فَارِسِيّةٌ خَضْرَاءُ
يَعْنِي الْكَتِيبَةَ، وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيّ:
لَمّا رأى بدرا تسيل جلاهه بكتيبة خضراء من بَلْخَزْرَجِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ قَدْ كَتَبْنَاهَا فِي أَشْعَارِ يَوْمِ بَدْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فِيهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، ﵃، لَا يُرَى مِنْهُمْ إلّا الْحَدَقُ مِنْ الْحَدِيدِ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ: يَا عَبّاسُ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قال: قلت:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٦٥ ]
هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، قَالَ: مَا لِأَحَدِ بِهَؤُلَاءِ قِبَلٌ وَلَا طَاقَةٌ، وَاَللهِ يَا أَبَا الْفَضْلِ، لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أَخِيك الْغَدَاةَ عَظِيمًا، قَالَ: قُلْت: يَا أَبَا سُفْيَانَ، إنّهَا النّبُوّةُ. قال: فنعم إذن.
[أبو سفيان يحذر أهل مكة]
قَالَ: قُلْت: النّجَاءَ إلَى قَوْمِك، حَتّى إذَا جَاءَهُمْ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ:
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، هَذَا مُحَمّدٌ قَدْ جَاءَكُمْ فِيمَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، فَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فهو آمن، فَقَامَتْ إلَيْهِ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، فَأَخَذَتْ بِشَارِبِهِ، فَقَالَتْ: اُقْتُلُوا الْحَمِيتَ الدّسِمَ الْأَحْمَسَ، قُبّحَ مِنْ طَلِيعَةِ قَوْمٍ! قَالَ: وَيْلَكُمْ لَا تَغُرّنّكُمْ هَذِهِ مِنْ أَنْفُسِكُمْ فَإِنّهُ قَدْ جَاءَكُمْ مَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، فَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، قَالُوا: قَاتَلَك اللهُ! وَمَا تُغْنِي عَنّا دَارُك، قَالَ: وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، فَتَفَرّقَ النّاسُ إلَى دُورِهِمْ وَإِلَى الْمَسْجِدِ.
وصول النبى ﷺ إلَى ذِي طُوَى قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا انْتَهَى إلَى ذِي طُوًى وَقَفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُعْتَجِرًا بِشُقّةِ بُرْدٍ حِبَرَةٍ حَمْرَاءَ، وَأَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِيَضَعَ رَأْسَهُ تَوَاضُعًا لِلّهِ حِينَ رَأَى مَا أَكْرَمَهُ اللهُ بِهِ مِنْ الْفَتْحِ، حَتّى إنّ عُثْنُونَهُ لَيَكَادُ يَمَسّ واسطة الرحل.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٦٦ ]
[إسلام والد أبى بكر]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عن جدته أسماء بنت أبي بكر، قالت: لَمّا وَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذِي طُوَى قَالَ أَبُو قُحَافَةَ لِابْنَةِ مِنْ أَصْغَرِ وَلَدِهِ: أَيْ بُنَيّةُ، اظْهَرِي بِي عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ، قَالَتْ: وَقَدْ كُفّ بَصَرُهُ، قَالَتْ: فَأَشْرَفَتْ بِهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيّةُ، مَاذَا تَرَيْنَ؟ قَالَتْ: أَرَى سَوَادًا مُجْتَمِعًا، قَالَ: تِلْكَ الْخَيْلُ، قَالَتْ:
وَأَرَى رَجُلًا يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ مُقْبِلًا وَمُدْبِرًا، قَالَ: أَيْ بُنَيّةُ، ذَلِكَ الْوَازِعُ، يَعْنِي الّذِي يَأْمُرُ الْخَيْلَ وَيَتَقَدّمُ إلَيْهَا، ثُمّ قَالَتْ: قَدْ وَاَللهِ انْتَشَرَ السّوَادُ، قَالَتْ: فَقَالَ: قَدْ وَاَللهِ إذَنْ دُفِعَتْ الْخَيْلُ، فَأَسْرِعِي بِي إلَى بَيْتِي، فَانْحَطّتْ بِهِ، وَتَلَقّاهُ الخيل قبل أن يصل إلى بيته، قَالَتْ: وَفِي عُنُقِ الْجَارِيَةِ طَوْقٌ مِنْ وَرِقٍ، فَتَلَقّاهَا رَجُلٌ فَيَقْتَطِعُهُ مِنْ عُنُقِهَا، قَالَتْ: فَلَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكّةَ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، أَتَى أَبُو بَكْرٍ بِأَبِيهِ يَقُودُهُ، فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: هَلّا تَرَكْت الشّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتّى أَكُونَ أَنَا آتِيَهُ فِيهِ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ، يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ أَحَقّ أَنْ يَمْشِيَ إلَيْك مِنْ أَنْ تَمْشِيَ إلَيْهِ أنت، قال: فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمّ مَسَحَ صَدْرَهُ، ثُمّ قَالَ لَهُ: أَسْلِمْ فَأَسْلَمَ، قَالَتْ: فَدَخَلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَكَأَنّ رَأْسُهُ ثَغَامَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: غَيّرُوا هَذَا مِنْ شَعَرِهِ، ثُمّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِيَدِ أُخْتِهِ، وَقَالَ: أُنْشِدُ اللهَ وَالْإِسْلَامَ طَوْقَ أُخْتِي، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، قَالَتْ: فَقَالَ: أَيْ أخيّة، احتسبى طوقك، إنّ الأمانة فى الناس اليوم لقليل.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٦٧ ]
[جيوش المسلمين تدخل مَكّةَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ فَرّقَ جَيْشَهُ مِنْ ذِي طُوَى، أَمَرَ الزّبَيْرَ بْنَ الْعَوّامِ أَنْ يَدْخُلَ فِي بَعْضِ النّاسِ مِنْ كُدَى، وَكَانَ الزّبير على المجنّبة اليسرى، وأمر سعد ابن عُبَادَةَ أَنْ يَدْخُلَ فِي بَعْضِ النّاسِ مِنْ كداء.
[المهاجرون وسعد]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ سَعْدًا حِينَ وُجّهَ دَاخِلًا، قَالَ: الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمُ تُسْتَحَلّ الْحُرْمَةُ، فَسَمِعَهَا رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: اسْمَعْ ما قال سعد ابن عُبَادَةَ، مَا نَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي قُرَيْشٍ صَوْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لعلى بن طَالِبٍ: أَدْرِكْهُ، فَخُذْ الرّايَةَ مِنْهُ فَكُنْ أَنْتَ الذى تدخل بها.
[كيف دخل الجيش مَكّةَ؟]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ فِي حَدِيثِهِ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أمر خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَدَخَلَ مِنْ اللّيطِ، أَسْفَلَ مَكّةَ، فِي بَعْضِ النّاسِ، وَكَانَ خَالِدٌ عَلَى المحنّبة اليمنى، وفيها أسلم وسليم وغفار ومرينة وَجُهَيْنَةُ وَقَبَائِلُ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ. وَأَقْبَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرّاحِ بِالصّفّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَنْصَبّ لِمَكّةَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٦٨ ]
وَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ أَذَاخِرَ، حَتّى نَزَلَ بِأَعْلَى مَكّةَ، وَضُرِبَتْ له هنالك قبّته.
[الذين تعرضوا لِلْمُسْلِمِينَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ:
أَنّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيّةَ وَعِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ وَسُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو كَانُوا قَدْ جَمَعُوا نَاسًا بِالْخَنْدَمَةِ لِيُقَاتِلُوا، وَقَدْ كَانَ حِمَاسُ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ، أَخُو بَنِي بَكْرٍ، يُعِدّ سِلَاحًا قَبْلَ دُخُولِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيُصْلِحُ مِنْهُ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: لِمَاذَا تُعِدّ مَا أَرَى؟ قَالَ: لِمُحَمّدِ وَأَصْحَابِهِ، قَالَتْ: وَاَللهِ مَا أَرَاهُ يَقُومُ لِمُحَمّدِ وَأَصْحَابِهِ شَيْءٌ، قَالَ: وَاَللهِ إنّي لَأَرْجُو أَنْ أُخْدِمَك بَعْضَهُمْ، ثُمّ قَالَ:
إنْ يُقْبِلُوا الْيَوْمَ فَمَا لِي عِلّهْ هَذَا سِلَاحٌ كَامِلٌ وَأَلّهْ
وَذُو غِرَارَيْنِ سَرِيعُ السّلّهْ
ثُمّ شَهِدَ الْخَنْدَمَةَ مَعَ صَفْوَانَ وَسُهَيْلٍ وَعِكْرِمَةَ، فَلَمّا لَقِيَهُمْ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، نَاوَشُوهُمْ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ، فَقُتِلَ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ، أَحَدُ بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ، وَخُنَيْسُ بْنُ خَالِدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَصْرَمَ، حَلِيفُ بَنِي مُنْقَذٍ، وَكَانَا فِي خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَشَذّا عنه فسلكا طريقا غير طريقه فقاتلا جميعا، قتل خنيس بن خالد قبل كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ، فَجَعَلَهُ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، ثُمّ قَاتَلَ عَنْهُ حَتّى قُتِلَ، وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٦٩ ]
قَدْ عَلِمَتْ صَفْرَاءُ مِنْ بَنِي فِهِرْ نَقِيّةُ الْوَجْهِ نَقِيّةُ الصّدِرْ
لَأَضْرِبَنّ الْيَوْمَ عَنْ أَبِي صَخِرْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ خُنَيْسٌ يُكْنَى أبا صخر، قال ابن هشام: خنيس ابن خَالِدٍ، مِنْ خُزَاعَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ، قَالَا: وَأُصِيبَ مِنْ جُهَيْنَةَ سَلَمَةُ بْنُ الْمَيْلَاءِ، مِنْ خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَأُصِيبَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ نَاسٌ قَرِيبٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، ثُمّ انْهَزَمُوا، فَخَرَجَ حِمَاسٌ مُنْهَزِمًا حَتّى دَخَلَ بَيْتَهُ؛ ثُمّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَغَلِقِي عَلَيّ بَابِي، قَالَتْ: فَأَيْنَ مَا كُنْت تَقُولُ؟ فَقَالَ:
إنّكِ لَوْ شَهِدْت يَوْمَ الْخَنْدَمَهْ إذْ فَرّ صَفْوَانُ وَفَرّ عِكْرِمَهْ
وَأَبُو يَزِيدَ قَائِمٌ كَالْمُوتَمَهْ وَاسْتَقْبَلَتْهُمْ بِالسّيُوفِ الْمُسْلِمَهْ
يَقْطَعْنَ كُلّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ ضَرْبًا فَلَا يُسْمَعُ إلّا غَمْغَمَهْ
لَهُمْ نَهِيتٌ خَلْفَنَا وَهَمْهَمَهْ لم تنطقى فى اللّوم أدنى كلمه
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ قَوْلَهُ «كَالْمُوتَمَهْ»، وَتُرْوَى للرعاش الْهُذَلِيّ.
شِعَارُ المسلمين يوم الفتح وَكَانَ شِعَارُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يوم فتح مكة
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٧٠ ]
وحنين وَالطّائِفِ، شِعَارُ الْمُهَاجِرِينَ: يَا بَنِي عَبْدِ الرّحْمَنِ، وَشِعَارُ الْخَزْرَجِ: يَا بَنِي عَبْدِ اللهِ، وَشِعَارُ الأوس: يا بنى عبيد الله.
من أمر الرسول بقتلهم قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ عَهِدَ إلَى أُمَرَائِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا مَكّةَ، أَنْ لَا يُقَاتِلُوا إلّا مَنْ قَاتَلَهُمْ، إلّا أَنّهُ قَدْ عَهِدَ فِي نَفَرٍ سَمّاهُمْ أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ وَإِنْ وُجِدُوا تَحْتَ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدٍ، أَخُو بَنِي عَامِرِ بن لؤىّ.
وَإِنّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِهِ لِأَنّهُ قَدْ كَانَ أَسْلَمَ، وَكَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ الْوَحْيَ، فَارْتَدّ مُشْرِكًا رَاجِعًا إلَى قُرَيْشٍ، فَفَرّ إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ، وَكَانَ أَخَاهُ لِلرّضَاعَةِ، فَغَيّبَهُ حَتّى أَتَى بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ اطْمَأَنّ النّاسُ وَأَهْلُ مَكّةَ، فَاسْتَأْمَنَ لَهُ: فَزَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَمَتَ طَوِيلًا، ثُمّ قَالَ: نَعَمْ؛ فَلَمّا انْصَرَفَ عَنْهُ عُثْمَانُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ: لَقَدْ صَمَتّ لِيَقُومَ إلَيْهِ بَعْضُكُمْ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: فَهَلّا أَوْمَأْت إلَيّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: إنّ النّبِيّ لَا يَقْتُلُ بِالْإِشَارَةِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثُمّ أَسْلَمَ بَعْدُ، فَوَلّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ بَعْضَ أَعْمَالِهِ، ثُمّ وَلّاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ بَعْدَ عُمَرَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبْدُ اللهِ بْنُ خَطَلٍ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي تيم بن غالب: إنما أمر
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٧١ ]
بقتله أنه كَانَ مُسْلِمًا، فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُصَدّقًا، وَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ مَعَهُ مَوْلَى لَهُ يَخْدُمُهُ، وَكَانَ مُسْلِمًا، فَنَزَلَ مَنْزِلًا، وَأَمَرَ الْمَوْلَى أَنْ يَذْبَحَ لَهُ تَيْسًا، فَيَصْنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ وَلَمْ يَصْنَعْ لَهُ شَيْئًا، فَعَدَا عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، ثم ارتدّ مشركا.
وَكَانَتْ لَهُ قَيْنَتَانِ: فَرْتَنَى وَصَاحِبَتُهَا، وَكَانَتَا تُغَنّيَانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِهِمَا مَعَهُ.
وَالْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ بْنِ قُصَيّ، وَكَانَ مِمّنْ يُؤْذِيهِ بِمَكّةَ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ حَمَلَ فَاطِمَةَ وَأُمّ كُلْثُومٍ، ابْنَتَيْ رسول الله ﷺ من مَكّةَ يُرِيدُ بِهِمَا الْمَدِينَةَ، فَنَخَسَ بِهِمَا الْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذٍ، فَرَمَى بِهِمَا إلَى الْأَرْضِ.
قَالَ ابن إسحاق: ومقيس بن حبابة [أو ضبابة، أو صبابة] وَإِنّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِهِ، لِقَتْلِ الْأَنْصَارِيّ الّذِي كَانَ قَتَلَ أَخَاهُ خَطَأً، وَرُجُوعُهُ إلَى قُرَيْشٍ مُشْرِكًا. وَسَارَةُ، مَوْلَاةٌ لِبَعْضِ بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ. وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ.
وَكَانَتْ سَارَةُ مِمّنْ يُؤْذِيهِ بِمَكّةَ، فأما عكرمة فهرب إلى اليمن، وأسامت امْرَأَتُهُ أُمّ حَكِيمِ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَاسْتَأْمَنَتْ لَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَمّنَهُ فَخَرَجَتْ فِي طَلَبِهِ إلَى الْيَمَنِ، حَتّى أَتَتْ بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَأَسْلَمَ. وَأَمّا عَبْدُ اللهِ بْنُ خَطَلٍ، فَقَتَلَهُ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَخْزُومِيّ وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيّ، اشْتَرَكَا فِي دَمِهِ؛ وَأَمّا مقيس بن حبابة فقتله نميلة
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٧٢ ]
ابن عَبْدِ اللهِ، رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَتْ أُخْتُ مقيس فى قتله:
لَعَمْرِي لَقَدْ أَخْزَى نُمَيْلَةُ رَهْطَهُ وَفَجّعَ أَضْيَافَ الشّتَاءِ بِمِقْيَسِ
فَلِلّهِ عَيْنَا مَنْ رَأَى مِثْلَ مِقْيَسٍ إذَا النّفَسَاءُ أَصْبَحَتْ لَمْ تُخَرّسْ
وَأَمّا قَيْنَتَا ابْنِ خَطَلٍ فَقُتِلَتْ إحْدَاهُمَا، وَهَرَبَتْ الْأُخْرَى، حَتّى اُسْتُؤْمِنَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ، فَأَمّنَهَا. وَأَمّا سَارَةُ فَاسْتُؤْمِنَ لَهَا فَأَمّنَهَا، ثُمّ بَقِيَتْ حَتّى أَوْطَأَهَا رَجُلٌ مِنْ النّاسِ فَرَسًا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ بِالْأَبْطَحِ فَقَتَلَهَا. وَأَمّا الْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذٍ فقتله علىّ بن أبى طالب.
[أم هانىء تؤمن رجلين]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِنْدَ، عَنْ أَبِي مُرّةَ، مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أبى طالب، أن أمّ هانىء بنت أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ: لَمّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَعْلَى مَكّةَ، فَرّ إلَيّ رَجُلَانِ مِنْ أَحْمَائِي، مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، وَكَانَتْ عِنْدَ هُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيّ، قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيّ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَخِي، فَقَالَ: وَاَللهِ لَأَقْتُلَنّهُمَا، فَأَغْلَقْت عَلَيْهِمَا بَابَ بَيْتِي، ثُمّ جِئْت رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكّةَ، فَوَجَدْته يَغْتَسِلُ مِنْ جَفْنَةٍ إنّ فِيهَا لَأَثَرَ الْعَجِينِ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبِهِ، فَلَمّا اغْتَسَلَ أَخَذَ ثَوْبَهُ فَتَوَشّحَ بِهِ، ثُمّ صَلّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مِنْ الضّحَى ثُمّ انْصَرَفَ إلَيّ، فَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا يا أمّ هانىء، مَا جَاءَ بِك؟ فَأَخْبَرْته خَبَرَ الرّجُلَيْنِ وَخَبَرَ عَلِيّ، فَقَالَ: قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ، وَأَمّنّا مَنْ أَمّنْت، فَلَا يَقْتُلْهُمَا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٧٣ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُمَا الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ.
[طَوَافُ الرسول بالكعبة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بن الزّبير، عن عبيد الله ابن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ صَفِيّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ مَكّةَ، وَاطْمَأَنّ النّاسُ، خَرَجَ حَتّى جَاءَ الْبَيْتَ، فَطَافَ بَهْ سَبْعًا عَلَى رَاحِلَتِهِ، يَسْتَلِمُ الرّكْنَ بِمِحْجَنِ فِي يَدِهِ، فلما قضى طوافه، دعا عثمان ابن طَلْحَةَ، فَأَخَذَ مِنْهُ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ، فَفُتِحَتْ لَهُ، فَدَخَلَهَا، فَوَجَدَ فِيهَا حَمَامَةً مِنْ عِيدَانٍ، فَكَسَرَهَا بيده ثم طَرَحَهَا، ثُمّ وَقَفَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ وَقَدْ استكفّ له الناس فى المسجد.
[خطبته على باب الكعبة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: «لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، أَلَا كُلّ مَأْثُرَةٍ أَوْ دَمٍ أَوْ مَالٍ يُدّعَى فَهُوَ تَحْتَ قَدَمَيّ هَاتَيْنِ إلّا سَدَانَةَ الْبَيْتِ وَسِقَايَةَ الْحَاجّ، أَلَا وَقَتِيلُ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ بالسّوط والعصا، ففيه الدّية مغلّظة، مائة مِنْ الْإِبِلِ، أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا. يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيّةِ، وَتَعَظّمَهَا بِالْآبَاءِ، النّاسُ مِنْ آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، ثُمّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى، وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٧٤ ]
لِتَعارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ الحجرات: ١٣. الْآيَةَ كُلّهَا.
ثُمّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تُرَوْنَ أَنّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ. قَالَ: اذْهَبُوا فأنتم الطّلفاء» .
[إقرار الرسول عثمان بْنَ طَلْحَةَ عَلَى السّدَانَةِ]
ثُمّ جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَامَ إلَيْهِ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمِفْتَاحُ الْكَعْبَةِ فِي يَدِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْمَعْ لَنَا الْحِجَابَةَ مَعَ السّقَايَةِ صَلّى اللهُ عَلَيْك؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَيْنَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ؟ فَدُعِيَ لَهُ، فَقَالَ: هَاكَ مِفْتَاحَك يَا عُثْمَانُ، الْيَوْمُ يَوْمُ بِرّ وَوَفَاءٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِعَلِيّ: إنّمَا أُعْطِيكُمْ مَا ترزؤن لا ما ترزؤن.
[طمس الصور التى بالبيت]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْبَيْتَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَرَأَى فِيهِ صُوَرَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَرَأَى إبْرَاهِيمَ ﵇ مُصَوّرًا فِي يَدِهِ الْأَزْلَامُ يَسْتَقْسِمُ بِهَا، فَقَالَ: قَاتَلَهُمْ اللهُ، جَعَلُوا شَيْخَنَا يَسْتَقْسِمُ بِالْأَزْلَامِ، مَا شَأْنُ إبراهيم والألازم! مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ آل عمران: ٦٧ ثم أمر بتلك الصّور كلها فطمست.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٧٥ ]
[دخول الكعبة والصلاة فيها]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خل دالكعبة وَمَعَهُ بِلَالٌ، ثُمّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَخَلّفَ بِلَالٌ، فَدَخَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى بِلَالٍ، فَسَأَلَهُ: أَيْنَ صَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ؟
وَلَمْ يَسْأَلْهُ كَمْ صَلّى، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا دَخَلَ الْبَيْتَ مَشَى قِبَلَ وَجْهِهِ، وَجَعَلَ الْبَابَ قِبَلَ ظَهْرِهِ، حَتّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ قَدْرُ ثَلَاثِ أَذْرُعٍ، ثُمّ يُصَلّي، يَتَوَخّى بذلك الموضع الذى قال له بلال.
[إسْلَامِ عَتّابٍ وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، وَحَدّثَنِي: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، دَخَلَ الْكَعْبَةَ عَامَ الْفَتْحِ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذّنَ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَعَتّابُ بْنُ أَسِيدٍ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ جُلُوسٌ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ عَتّابُ بْنُ أَسِيدٍ: لَقَدْ أَكْرَمَ اللهُ أَسِيدًا أَلّا يَكُونَ سَمِعَ هَذَا، فَيَسْمَعَ مِنْهُ مَا يَغِيظُهُ. فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ: أَمَا وَاَللهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنّهُ محقّ لا تّبعته، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَا أَقُولُ شَيْئًا، لَوْ تَكَلّمْت لَأَخْبَرَتْ عَنّي هَذِهِ الْحَصَى، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ النبىّ ﷺ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ الّذِي قُلْتُمْ، ثُمّ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَقَالَ الْحَارِثُ وَعَتّابٌ:
نَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللهِ، وَاَللهِ مَا اطّلَعَ عَلَى هَذَا أحد كان معنا، فنقول:
أخبرك.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٧٦ ]
[خراش وابن الأثوع]
قال ابن إسحاق: حدثنى سعيد بن أَبِي سَنْدَرٍ الْأَسْلَمِيّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ. قَالَ: كَانَ مَعَنَا رَجُلٌ يُقَال لَهُ أَحْمَرُ بَأْسًا، وَكَانَ رَجُلًا شُجَاعًا، وَكَانَ إذَا نَامَ غَطّ غَطِيطًا مُنْكَرًا لَا يَخْفَى مَكَانُهُ، فَكَانَ إذَا بَاتَ فِي حَيّهِ بَاتَ مُعْتَنِزًا، فَإِذَا بُيّتَ الْحَيّ صَرَخُوا يَا أَحْمَرُ، فَيَثُورُ مِثْلَ الْأَسَدِ، لَا يَقُومُ لِسَبِيلِهِ شَيْءٌ. فَأَقْبَلَ غَزِيّ من هذيل يُرِيدُونَ حَاضِرَهُ، حَتّى إذَا دَنَوْا مِنْ الْحَاضِرِ، قَالَ ابْنُ الْأَثْوَعِ الْهُذَلِيّ: لَا تَعْجَلُوا عَلَيّ حَتّى أَنْظُرَ، فَإِنْ كَانَ فِي الْحَاضِرِ أَحْمَرُ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِمْ، فَإِنّ لَهُ غَطِيطًا لَا يَخْفَى، قَالَ: فَاسْتَمَعَ، فَلَمّا سَمِعَ غَطِيطَهُ مَشَى إلَيْهِ حَتّى وَضَعَ السّيْفَ فِي صَدْرِهِ، ثُمّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ حَتّى قَتَلَهُ، ثُمّ أَغَارُوا عَلَى الْحَاضِرِ، فَصَرَخُوا يَا أَحْمَرُ وَلَا أَحْمَرَ لَهُمْ، فَلَمّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ، وَكَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، أَتَى ابْنُ الْأَثْوَعِ الْهُذَلِيّ حَتّى دَخَلَ مَكّةَ يَنْظُرُ وَيَسْأَلُ عَنْ أَمْرِ النّاسِ، وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ، فَرَأَتْهُ خُزَاعَةُ، فَعَرَفُوهُ، فَأَحَاطُوا بِهِ وَهُوَ إلَى جَنْبِ جِدَارٍ مِنْ جُدُرِ مَكّةَ، يَقُولُونَ: أَأَنْتَ قَاتِلُ أَحْمَرَ؟
قَالَ: نَعَمْ، أَنَا قَاتِلُ أَحْمَرَ فَمَهْ؟ قَالَ: إذْ أَقْبَلَ خِرَاشُ بْنُ أُمَيّةَ مُشْتَمِلًا عَلَى السّيْفِ، فَقَالَ: هكذا عن الرجل، ووالله مَا نَظُنّ إلّا أَنّهُ يُرِيدُ أَنْ يُفْرِجَ النّاسَ عَنْهُ. فَلَمّا انْفَرَجْنَا عَنْهُ حَمَلَ عَلَيْهِ، فطعنه بالسيف فى بطنه، فوالله لكأنّى أنظر إليه وحشوته تسيل من بطنه، وإن عينيه لترنّقان فى رأسه، وهو يقول: أقد فعلتموها يا معشر خُزَاعَةَ؟ حَتّى انْجَعَفَ فَوَقَعَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٧٧ ]
ﷺ: يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ، ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ عَنْ الْقَتْلِ، فَقَدْ كَثُرَ الْقَتْلُ إنْ نَفَعَ، لَقَدْ قَتَلْتُمْ قَتِيلًا لَأَدِيَنّهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ الأسلمى، عن سعيد ابن الْمُسَيّبِ، قَالَ: لَمّا بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا صَنَعَ خِرَاشُ بْنُ أُمَيّةَ، قَالَ: إنّ خِرَاشًا لَقَتّالٌ، يَعِيبُهُ بِذَلِكَ.
[بين أبى شريح وابن سعد]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيّ، قَالَ: لَمّا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ الزّبَيْرِ مَكّةَ لِقِتَالِ أَخِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، جِئْته، فَقُلْت لَهُ: يَا هَذَا، إنّا كُنّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حِينَ افْتَتَحَ مَكّةَ، فَلَمّا كَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ عَدَتْ خُزَاعَةُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ هُذَيْلٍ فَقَتَلُوهُ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فينا خطيبا، فقال:
يا أيها النّاسُ، إنّ اللهَ حَرّمَ مَكّةَ يَوْمَ خَلَقَ السّماوات وَالْأَرْضَ، فَهِيَ حَرَامٌ مِنْ حَرَامٍ إلَى يَوْمِ القيامة، فلا يحلّ لامرءى يُؤْمِنُ بِاَللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ يَسْفِكَ فِيهَا دَمًا وَلَا يَعْضِدَ فِيهَا شَجَرًا، لَمْ تَحْلِلْ لِأَحَدِ كَانَ قَبْلِي، وَلَا تَحِلّ لِأَحَدِ يَكُونُ بَعْدِي، وَلَمْ تَحْلِلْ لِي إلّا هَذِهِ السّاعَةَ، غَضَبًا عَلَى أَهْلِهَا أَلَا: ثُمّ قَدْ رَجَعَتْ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، فَلْيُبَلّغْ الشّاهِدُ مِنْكُمْ الْغَائِبَ، فَمَنْ قال لكم: إن رسول الله قَاتَلَ فِيهَا، فَقُولُوا: إنّ اللهَ قَدْ أَحَلّهَا لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يُحْلِلْهَا لَكُمْ، يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ عَنْ الْقَتْلِ، فَلَقَدْ كَثُرَ الْقَتْلُ إنْ نَفَعَ، لَقَدْ قَتَلْتُمْ قَتِيلًا لَأَدِيَنّهُ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٧٨ ]
فَمَنْ قُتِلَ بَعْدَ مُقَامِي هَذَا فَأَهْلُهُ بِخَيْرِ النّظرين: إن شاؤا فدم قاتله، وإن شاؤا فعقله. ثم وَدَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَلِكَ الرّجُلَ الّذِي قَتَلَتْهُ خُزَاعَةُ، فَقَالَ عَمْرٌو لِأَبِي شُرَيْحٍ: انْصَرِفْ أَيّهَا الشّيْخُ، فَنَحْنُ أَعْلَمُ بِحُرْمَتِهَا مِنْك، إنّهَا لَا تَمْنَعُ سَافِكَ دَمٍ، وَلَا خَالِعَ طَاعَةٍ، وَلَا مَانِعَ جِزْيَةٍ، فَقَالَ أَبُو شُرَيْحٍ: إنّي كُنْتُ شَاهِدًا وَكُنْتَ غَائِبًا، وَلَقَدْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُبَلّغَ شَاهِدُنَا غَائِبَنَا، وَقَدْ أَبَلَغْتُكَ، فأنت وشأنك.
[أول من ودى يَوْمَ الْفَتْحِ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي أَنّ أَوّلَ قَتِيلٍ وَدَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ جُنَيْدَبُ بْنُ الْأَكْوَعِ، قتلته بنو كعب، فوداه بمائة ناقة.
[الأنصار يتخوّفون من بقاء النبى ﷺ فى مكة]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنّ النّبِيّ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ مَكّةَ وَدَخَلَهَا، قَامَ عَلَى الصّفَا يَدْعُو اللهَ، وَقَدْ أَحْدَقَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ، فَقَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: أَتُرَوْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، إذْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ أَرْضَهُ وَبَلَدَهُ يُقِيمُ بِهَا؟ فَلَمّا فَرَغَ مِنْ دُعَائِهِ قَالَ: مَاذَا قُلْتُمْ؟ قَالُوا: لَا شَيْءَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتّى أَخْبَرُوهُ، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: مَعَاذَ الله المحيا محياكم، والممات مماتكم.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بدء فتح مكة ذكر فيه الْأَسْوَدِ بْنِ رَزْنٍ الْكِنَانِيّ بِفَتْحِ الرّاءِ، وَذَكَرَ الشّيْخُ الْحَافِظُ أَبُو بَحْرٍ أَنّ أَبَا الْوَلِيدِ أَصْلَحَهُ: رِزْنًا بِكَسْرِ الرّاءِ «١»، قَالَ: وَالرّزْنُ: نُقْرَةٌ فِي حَجَرٍ يُمْسِكُ الْمَاءَ، وَفِي كِتَابِ الْعَيْنِ: الرّزْنُ أَكَمَةٌ تُمْسِكُ الْمَاءَ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، وَذَكَرَ أَنّ بَنِي رِزْنٍ مِنْ بَنِي بَكْرٍ، وَقَدْ قِيلَ فِيهِ: الدّئِلُ، وَقَدْ أَشْبَعْنَا الْقَوْلَ فِيهِ فِي أَوّلِ الْكِتَابِ، وَمَا قَالَهُ اللّغَوِيّونَ وَالنّسّابُونَ، وَذَكَرْنَا هُنَالِكَ كُلّ دِيلٍ فِي الْعَرَبِ، وَكُلّ دُوَلٍ وَالْحَمْدُ لِلّهِ.
حَوْلَ شِعْرِ تَمِيمٍ:
وَذَكَرَ شِعْرَ تَمِيمِ بْنِ أَسَدٍ، وَفِيهِ:
يُزْجُونَ كُلّ مُقَلّصٍ خِنّابِ
الْخِنّابُ: الطّوِيلُ مِنْ الْخَيْلِ، وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْجَمْهَرَةِ، وَيُقَالُ: الْخِنّابُ:
الْوَاسِعُ الْمَنْخِرَيْنِ، وَالْخِنّابَةُ «٢» جَانِبُ الْأَنْفِ، وَفِي الْعَيْنِ: الْخِنّابُ «٣» الرّجُلُ
_________________
(١) يروى هنا بكسر الراء، وفتحها وإسكان الزاء وفتحها، وقيده الدارقطنى بفتح الراء، وإسكان الزاء لا غير «الخشنى» ص ٣٦٣.
(٢) خنابة بكسر الخاء وضمها.
(٣) فى التهذيب: هذا مما جاء على أصله شاذا لأن كل ما كان على فقال من الأحماء أبدل من أحد حرفى تضعيفه ياء مثل دينار وقيراط كرامية أن بلنبس بالمصادر إلا أن يكون بالهاء، فيخرج على أصله مثل: دنابة وصناوة وخنابة لأنه الآن قد أمن الباسه بالمصادر.
[ ٧ / ٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الضّخْمُ، وَهُوَ الْأَحْمَقُ أَيْضًا، وَالْمُقَلّصُ مِنْ الْخَيْلِ الْمُنْضَمّ الْبَطْنِ وَالْقَوَائِمِ، وَإِنْ قُلْت: الْمُقَلّصُ بِكَسْرِ اللام، فهو من قنصت الْإِبِلُ إذَا شَمّرَتْ، قَالَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ.
وَفِيهِ: ظِلّ عُقَابِ، وَهِيَ الرّايَةُ، وَكَانَ اسْمُ رَايَةِ النّبِيّﷺ- الْعُقَابَ، وَالدّلِيلُ عَلَى أَنّهُ يُقَالُ لِكُلّ رَايَةٍ عُقَابٌ قَوْلُ قَطَرِيّ بْنِ الْفُجَاءَةِ «١» وَيُكَنّى أَبَا نَعَامَةَ رَئِيسَ الخوارج:
يا ربّ ظلّ عقاب قد وقيت بِهَا مُهْرِي مِنْ الشّمْسِ وَالْأَبْطَالُ تَجْتَلِدُ
وَفِيهِ: يَبُلّ مَشَافِرَ الْقَبْقَابِ، الْقَبْقَابُ: أَرَادَ بِهِ الْفَرْجَ، والقبقب والقبقاب: البطن أيضا.
حول شعر الأخرز:
وذكر قول الأخرز، وفيه:
قفاثور حفّان النّعام الجوافل
_________________
(١) اختلف فى اسم الفجاءة، فقيل: اسمه: جعوتة، وقيل: مازن بن يزيد ابن زياد بن خنثر احد بَنِي مَازِنِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تميم، سمى الفجاءة لأنه غاب دهرا باليمن، ثم جاءهم فجاءة، وقد أنشد أبو عبيدة قصيدة قطرى التى منها هذا البيت لأبى حاتم، ثم قال: هذا الشعر لا ما تعللون به أنفسكم من أشعار المخانيث. أنظر ص ٢٦٥ ح ١ أمالى القالى ط ٢، ص ٥٩٠ سمط اللآلى للبكرى. هذا وليس فى قصيدة تميم ذكر للعقاب.
[ ٧ / ٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قفاثور، يَعْنِي: الْجَبَلَ، وَقَفَا ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ الّذِي قَبْلَهُ، وقال: قفاثور، وَلَمْ يُنَوّنْ لِأَنّهُ اسْمُ عَلَمٍ مَعَ ضَرُورَةِ الشّعْرِ، وَقَدْ تَكَلّمْنَا عَلَى هَذَا فِيمَا قَبْلُ، ولو قال: قفاثور بِنَصْبِ الرّاءِ، وَجَعَلَهُ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ، لَمْ يَبْعُدْ، لِأَنّ مَا لَا تَنْوِينَ فِيهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُعْرَبٍ بِأَلِفِ وَلَامٍ، وَلَا إضَافَةٍ، فَلَا يَدْخُلُهُ الْخَفْضُ لِئَلّا يُشْبِهَ مَا يُضِيفُهُ الْمُتَكَلّمُ إلَى نفسه، وقفاثور بِهَذَا اللّفْظِ تَقَيّدَ فِي الْأَصْلِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْبَرْقِيّ فِي شَرْحِ هَذَا الْبَيْتِ أَنّهُ بِفَاثُورَ، لِأَنّهُ قَالَ: الْفَاثُورُ سَبِيكَةُ الْفِضّةِ، وَكَأَنّهُ شَبّهَ المكان بالفضّة لنقائه واستوائه، فإن كانت لرواية كَمَا قَالَ، فَهُوَ اسْمُ مَوْضِعٍ، وَالْفَاثُورُ: خِوَانٌ مِنْ فِضّةٍ، وَيُقَالُ: إبْرِيقٌ مِنْ فِضّةٍ، قِيلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِ جَمِيلٍ:
وَصَدْرٍ كَفَاثُورِ اللّجَيْنِ وَجِيدُ «١»
وَفِي قَوْلِ لَبِيَدٍ:
حَقَائِبُهُمْ رَاحٌ عَتِيقٌ وَدَرْمَكٌ وَمِسْكٌ وَفَاثُورِيّةٌ وَسُلَاسِلُ
وَكَمَا قَالَ الْبَرْقِيّ: أَلْفَيْته فِي نُسَخٍ صَحِيحَةٍ سِوَى نُسْخَةِ الشّيْخِ، وَإِنْ صَحّ، مَا فِي نُسْخَةِ الشّيْخِ، فَهُوَ كَلَامٌ حُذِفَ مِنْهُ وَمَعْنَاهُ: قَفَا فَاثُورَ، وَحَسُنَ حَذْفُ الْفَاءِ الثّانِيَةِ، كَمَا حَسُنَ حَذْفُ اللّامِ الثّانِيَةِ فِي قَوْلِهِمْ: عُلَمَاءُ بَنِي فُلَانٍ، لَا سيّما
_________________
(١) أوله: سبتنى بعينى جزذر وسط ربرب. والشطرة الأخرى فى تزيين الأسواق لداود الأفطالى ص ٤٠: وصدر حكى لون اللجين وجيد. ولم أجده فى ترجمة جميل فى الأغانى.
[ ٧ / ٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَعَ ضَرُورَةِ الشّعْرِ، وَتَرْكِ الصّرْفِ، لِأَنّهُ جَعَلَهُ اسم بقعة، ومن الشاهد على عَلَى أَنّ فَاثُورَ اسْمُ بُقْعَةٍ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
وَيَوْمَ طَعَنْتُمْ فَاسْمَعَدّتْ وُفُودُكُمْ بِأَجْمَادِ فَاثُورٍ كَرِيمِ مُصَابِرِ
أَيْ أَنَا كَرِيمٌ مُصَابِرٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْبَكْرِيّ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ اخْتِلَافًا، وَقَالَ هُوَ اسْمُ جَبَلٍ يَعْنِي فَاثُورَ وَقَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
حَيّ مَحَاضِرُهُمْ شَتّى وَجَمْعُهُمْ دَوْمُ الْإِيَادِ، وَفَاثُورٌ إذَا انْتَجَعُوا
وَقَالَ لَبِيدٌ:
وَلَدَى النّعْمَانِ مِنّي موطن بين فاثور أفاق فالدّخل
وحفّان النّعَامِ: صِغَارُهَا، وَهُوَ مَرْفُوعٌ لِأَنّهُ خَبَرُ كَأَنّ.
حول شعر بديل:
وذكر شعر بديل بن أُمّ أَصْرَمَ، وَفِيهِ: غَيْرُ آيِلٍ، هُوَ فَاعِلٌ مِنْ آلَ إذَا رَجَعَ، وَلَكِنّهُ قَلَبَ الْهَمْزَةَ الّتِي هِيَ بَدَلٌ مِنْ الْوَاوِ يَاءً، لِئَلّا تَجْتَمِعَ هَمْزَتَانِ، وَكَانَتْ الْيَاءُ أَوْلَى بِهَا لِانْكِسَارِهَا.
وَفِيهِ ذِكْرُ عُيَيْسٍ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْكِتَابِ عُبَيْسٌ بِالْبَاءِ الْمَنْقُوطَةِ بِوَاحِدَةِ مِنْ أَسْفَلَ «١» .
_________________
(١) اسم رجل.
[ ٧ / ٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفِيهِ:
أَإِنْ أَجْمَرْت فِي بَيْتِهَا أُمّ بَعْضِكُمْ بِجُعْمُوسِهَا «١»
أَيْ: رَمَتْ بِهِ بِسُرْعَةِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ ضَرْبٍ مِنْ الْحَرْثِ يَسْمُجُ وَصْفُهُ.
حَوْلَ شِعْرِ عَمْرِو بْنِ سَالِمٍ:
وَذَكَرَ أَبْيَاتِ عَمْرِو بْنِ سَالِمٍ، وَفِيهَا:
قَدْ كُنْتُمْ وُلْدًا وَكُنّا وَالِدًا
يُرِيدُ: أَنّ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أُمّهُمْ مِنْ خُزَاعَةَ، وَكَذَلِكَ: قُصَيّ أُمّهُ:
فَاطِمَةُ بِنْتُ سَعْدٍ الْخُزَاعِيّةُ، وَالْوُلْدُ بِمَعْنَى الْوَلَدِ.
وَقَوْلُهُ: ثُمّتَ أَسْلَمْنَا، هُوَ مِنْ السّلْمِ لِأَنّهُمْ لَمْ يَكُونُوا آمَنُوا بَعْدُ، غَيْرَ أَنّهُ، قَالَ: رُكّعًا وَسُجّدَا، فَدَلّ عَلَى أَنّهُ كَانَ فِيهِمْ مَنْ صَلّى لِلّهِ، فَقُتِلَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ فِيهِ الْوَتِيرَ، وَهُوَ اسْمُ مَاءٍ مَعْرُوفٍ فِي بِلَادِ خُزَاعَةَ، وَالْوَتِيرُ فِي اللّغَةِ الْوَرْدُ الْأَبْيَضُ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْهُ بَرّيّ، فَمُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَاءُ سُمّيَ بِهِ، وَأَمّا الْوَرْدُ الْأَحْمَرُ فَهُوَ الْحَوْجَمُ «٢» وَيُقَالُ لِلْوَرْدِ كُلّهِ جَلّ «٣» قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ،
_________________
(١) أجمرت: بخرت. والجعموس: العذرة والبعر أيضا، أو هو كما عرفه أبو زيد: ما يطرحه الإنسان من ذى بطنه.
(٢) مفردها: حوجمة.
(٣) وتقال أيضا على الياسمين.
[ ٧ / ٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَكَأَنّ لَفْظَ الْحَوْجَمِ مِنْ الْحَجْمَةِ وَهِيَ حُمْرَةٌ فِي الْعَيْنَيْنِ، يُقَالُ مِنْهُ رَجُلٌ أَحْجَمُ. مَا قَالَ عُمَرُ لِأَبِي سُفْيَانَ وَمَعْنَاهُ: وَذَكَرَ قَوْلَ عمر ﵁: فو الله لَوْ لَمْ أَجِدْ إلّا الذّرّ لَجَاهَدْتُكُمْ بِهِ، وَهُوَ كَلَامٌ مَفْهُومُ الْمَعْنَى، وَقَدْ تَقَدّمَ أَنّ مِثْلَ هَذَا لَيْسَ بِكَذِبِ، وَإِنْ كَانَ الذّرّ لَا يُقَاتَلُ بِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ فِي حَدِيثِ الْمُوَطّأِ: وَاَللهِ لَيَمُرّن بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِك، يَعْنِي الْجَدْوَلَ، وَهُوَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لَا يُعَدّ كَذِبًا، لِأَنّهُ جَرَى فِي كَلَامِهِمْ كَالْمَثَلِ. شَرْحُ قَوْلِ فَاطِمَةَ لِأَبِي سُفْيَانَ: وَذَكَرَ قَوْلَ فَاطِمَةَ: وَاَللهِ مَا بَلَغَ بُنَيّ أَنْ يُجِيرَ بَيْنَ النّاسِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ هَذَا مُحْتَجّا بِهِ عَلَى مَنْ أَجَازَ أَمَانَ الصّبِيّ وَجِوَارَهُ، وَمَنْ أَجَازَ جِوَارَ الصّبِيّ إنّمَا أَجَازَهُ إذَا عَقَلَ الصّبِيّ، وَكَانَ كَالْمُرَاهِقِ. وَقَوْلُهَا: وَلَا يُجِيرُ أَحَدٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَقَدْ قَالَ ﵇: يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُم، فَمَعْنَى هَذَا- وَاَللهُ أَعْلَمُ- كَالْعَبْدِ وَنَحْوِهِ يَجُوزُ جِوَارُهُ، فِيمَا قَلّ، مِثْلَ أَنْ يُجِيرَ وَاحِدًا مِنْ الْعَدُوّ، أَوْ نَفَرًا يَسِيرًا، وَأَمّا أَنْ يُجِيرَ عَلَى الْإِمَامِ قَوْمًا يُرِيدُ الْإِمَامُ غَزْوَهُمْ وَحَرْبَهُمْ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَلَا عَلَى الْإِمَامِ، وَهَذَا هُوَ الّذِي أَرَادَتْ فَاطِمَةُ﵂- وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَأَمّا جِوَارُ الْمَرْأَةِ وتأمينها فجائز عند جماعة الْفُقَهَاءِ إلّا سَحْنُونٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، فَإِنّهُمَا قَالَا: هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْإِمَامِ، وَقَدْ قَالَ ﵇ لأم هانىء: قد أجرنا من
[ ٧ / ٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أجرت يا أمّ هانىء، وروى معنى قولهما عن عمرو بن العاصى وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ.
وَأَمّا جِوَارُ الْعَبْدِ، فَجَائِزٌ إلّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَوْلُ النّبِيّ ﷺ يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ يَدْخُلُ فِيهِ الْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ.
حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ وَمَا كَانَ فِي كِتَابِهِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ كِتَابَ حَاطِبٍ إلَى قُرَيْشٍ، وَهُوَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى، وَالْبَلْتَعَةُ فِي اللّغَةِ التّظَرّفُ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَاسْمُ أَبِي بَلْتَعَةَ، عَمْرٌو، وَهُوَ لَخْمِيّ، فِيمَا ذَكَرُوا، وَمِنْ ذُرّيّتِهِ: زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ [بْنِ زِيَادٍ] الْأَنْدَلُسِيّ الّذِي رَوَى الْمُوَطّأَ عَنْ مَالِكٍ «١»، وَهُوَ زِيَادُ شَبْطُونَ، وَكَانَ قَاضِي طُلَيْطِلَةَ «٢»، وكان شبطون زوجا لأمّه، فعرف بِهِ ﵀، وَقَدْ قِيلَ: إنّهُ كَانَ فِي الْكِتَابِ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَدْ تَوَجّهَ إلَيْكُمْ بِجَيْشِ كَاللّيْلِ يَسِيرُ كَالسّيْلِ، وَأُقْسِمُ بِاَللهِ لَوْ سَارَ إلَيْكُمْ وَحْدَهُ لَنَصَرَهُ اللهُ عَلَيْكُمْ فَإِنّهُ مُنْجِزٌ لَهُ مَا وعده، وفى تفسير [يحيى] ابن سَلّامٍ أَنّهُ كَانَ فِي الْكِتَابِ الّذِي كَتَبَهُ حَاطِبٌ أَنّ النّبِيّ مُحَمّدًا قَدْ نَفَرَ إمّا إليكم وإمّا إلى غيركم، فعليكم الحذر «٣» .
_________________
(١) قال عنه ابن حزم فى الجمهرة أول من أدخل الموطأ الأندلس.
(٢) فى المراصد: ضبطه الحميدى بضم الطاءين وفتح اللامين، قال: وأكثر ما سمعناه من المغاربة بضم الأولى وفتح الثانية.
(٣) ذكر الواقدى بسند له مرسل أن حاطب كتب إلى سهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبى جهل، - وقد أسلم الثلاثة- أن رسول الله «ص» أذن فى الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم، وقد أحببت أن تكون لى عندكم يد.
[ ٧ / ٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَصْحِيفُ هُشَيْمٍ لِخَاخٍ:
وَذَكَرَ أَنّ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ أَدْرَكُوهَا بِرَوْضَةِ خَاخٍ بِخَاءَيْنِ مَنْقُوطَتَيْنِ، وَكَانَ هُشَيْمٌ يَرْوِيهِ: حَاجٍ بِالْحَاءِ وَالْجِيمِ، وَهُوَ مِمّا حُفِظَ مِنْ تَصْحِيفِ هُشَيْمٍ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَرْوِي: سَدّادًا مِنْ عَوْنِ [بْنِ أَبِي شَدّادٍ] بِفَتْحِ السّينِ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ يَقُولُ فِيهِ: بَرْزَةُ بِالزّايِ «١» وَفَتْحِ الْبَاءِ فِي تَصْحِيفِ كَثِيرٍ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ ثَبْتٌ مُتّفَقٌ عَلَى عَدَالَتِهِ، عَلَى أَنّ الْبُخَارِيّ، قَدْ ذَكَرَ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ أَيْضًا أَنّهُ قَالَ فِيهِ: حَاجٍ كَمَا قِيلَ عَنْ هُشَيْمٍ، فَاَللهُ أَعْلَمُ، وَفِي هَذَا الْخَبَرِ مِنْ رِوَايَةِ الشّيْبَانِيّ أَنّ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيّ أَبُو بَكْرٍ وَأَنَا أُغَرْبِلُ حِنْطَةً لَنَا، فَسَأَلَنِي، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ، وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَكْلُهُمْ لِلْبُرّ، وَإِنْ كَانَ أَغْلَبُ أَحْوَالِهِمْ أَكْلَ الشّعِيرِ، وَلَا يُقَالُ حِنْطَةٌ إلّا لِلْبُرّ.
تَفْسِيرُ (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ):
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ اللهِ ﷿ فِي حاطب تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ أَيْ تَبْذُلُونَهَا لَهُمْ، وَدُخُولُ الْبَاءِ وَخُرُوجُهَا عِنْدَ الْفَرّاءِ سَوَاءٌ، وَالْبَاءُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لَا تُزَادُ فِي الْوَاجِبِ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ الْبَصْرِيّينَ: تُلْقُونَ إلَيْهِمْ النّصِيحَةَ بِالْمَوَدّةِ، قَالَ النّحّاسُ: مَعْنَاهُ تُخْبِرُونَهُمْ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ الرّجُلُ أَهْلَ
_________________
(١) هناك المغيرة بن أبى بردة الكنانى يروى عن أبى هريرة ويروى عنه سعيد ابن سلمة وثقه النسائى، وهناك المغيرة بن أبى برزة الأسلمى يروى عن أبيه، ويروى عنه جدعان.
[ ٧ / ٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَوَدّتِهِ، وَهَذَا التّقْدِيرُ إنْ نَفَعَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَمْ يَنْفَعْ فِي مِثْلِ قَوْلِ الْعَرَبِ: أَلْقَى إلَيْهِ بِوِسَادَةِ أَوْ بِثَوْبِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَيُقَالُ: إذًا إنْ أَلْقَيْت تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنْ تُرِيدَ وَضْعَ الشّيْءِ فِي الْأَرْضِ، فَتَقُولَ: أَلْقَيْت السّوْطَ مِنْ يَدِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَالثّانِي: أَنْ تُرِيدَ مَعْنَى الرّمْيِ بِالشّيْءِ، فَتَقُولَ: أَلْقَيْت إلَى زَيْدٍ بِكَذَا: أَرْمَيْته بِهِ، وَفِي الْآيَةِ إنّمَا هُوَ إلْقَاءٌ بِكِتَابِ، وَإِرْسَالٌ بِهِ، فَعَبّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْمَوَدّةِ لِأَنّهُ مِنْ أَفْعَالِ أَهْلِ الْمَوَدّةِ، فَمِنْ ثَمّ حَسُنَتْ الْبَاءُ لِأَنّهُ إرْسَالٌ بِشَيْءِ فَتَأَمّلْهُ.
قَتْلُ الْجَاسُوسِ:
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى قَتْلِ الْجَاسُوسِ، فَإِنّ عُمَرَ﵁- قَالَ:
دَعْنِي فَلْأَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ لَهُ النّبِيّ ﷺ: وَمَا يُدْرِيك يَا عُمَرُ لَعَلّ اللهَ اطّلَعَ إلَى أَصْحَابِ بَدْرٍ، الْحَدِيثَ، فَعَلّقَ حُكْمَ الْمَنْعِ مِنْ قَتْلِهِ بِشُهُودِ بَدْرٍ، فَدَلّ عَلَى أَنّ مَنْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ، وَلَيْسَ بِبَدْرِيّ أَنّهُ يُقْتَلُ. زَادَ الْبُخَارِيّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ، قَالَ: فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَا عُمَرَ﵁- وَقَالَ:
اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، يَعْنِي حِينَ سَمِعَهُ يَقُولُ فِي أَهْلِ بَدْرٍ مَا قَالَ «١»، وَفِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ أَنّ حَاطِبًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كُنْت عريرا فى قريش، وكانت أمى بين
_________________
(١) يرى مالك جواز قتل كل جاسوس، وإن كان مسلما، أما الشافعى وأبو حنيفة فيريان أنه لا يقتل، ويقول ابن القيم: والصحيح أن قتله راجع إلى رأى الإمام، فإن رأى فى قتله مصلحة للمسلمين قتله، وإن كان بقاؤه أصلح استبقاه.
[ ٧ / ٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ظَهْرَانِيهِمْ، فَأَرَدْت أَنْ يَحْفَظُونِي فِيهَا، أَوْ نَحْوَ هذا، ثم فسّر العرير، وَقَالَ:
هُوَ الْغَرِيبُ.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَيّةَ:
وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّﷺ- لِأُمّ سَلَمَةَ حِينَ اسْتَأْذَنَتْهُ فِي أَخِيهَا عَبْدِ اللهِ بْنِ أُمَيّةَ: وَأَمّا ابْنُ عَمّتِي وَصِهْرِي فَهُوَ الّذِي قَالَ لِي بِمَكّةَ مَا قَالَ، يَعْنِي حِينَ قَالَ لَهُ: وَاَللهِ لَا آمَنْت بِك حَتّى تَتّخِذَ سُلّمًا إلَى السّمَاءِ، فَتَعْرُجَ فِيهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ ثُمّ تَأْتِيَ بِصَكّ وَأَرْبَعَةٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَك أَنّ اللهَ قَدْ أَرْسَلَك، وَقَدْ تَقَدّمَتْ هَذِهِ الْقِصّةُ.
وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ هُوَ أَخُو أُمّ سَلَمَةَ لِأَبِيهَا، وَأُمّهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَأُمّ سَلَمَةَ أُمّهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ جِذْلِ الطّعَانِ، وَهُوَ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ «١» الْفِرَاسِيّ، وَاسْمُ أَبِي أُمَيّةَ حُذَيْفَةُ «٢» وَكَانَتْ عِنْدَهُ أَرْبَعُ عَوَاتِكَ، قَدْ ذَكَرْنَا مِنْهُنّ هَهُنَا ثِنْتَيْنِ «٣» .
عَنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ وَابْنِهِ وَقَصِيدَتِهِ:
وَقَوْلُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ: أَوْ لَآخُذَن بِيَدِ بُنَيّ هذا، ثم لنذهبنّ
_________________
(١) فى القاموس: علقمة بن فراس وكذلك فى المحبر لابن حبيب ص ٢٣٣ ونسب عاتكة عند ابن حبيب هو: بنت عامر بن ربيعة بن مالك بن جذيمة ابن علقمة بن جذل الطعان بن فِرَاسِ بْنِ غَنَمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ.
(٢) هو ابن الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مخزوم.
(٣) أنظر العواتك فى المحبر لابن حبيب.
[ ٧ / ٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي الْأَرْضِ. لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ إسْحَاقَ اسْمَ ابْنِهِ ذَلِكَ، وَلَعَلّهُ أَنْ يَكُونَ جَعْفَرًا، فَقَدْ كَانَ إذْ ذَاكَ غُلَامًا مُدْرِكًا، وَشَهِدَ مَعَ أَبِيهِ حُنَيْنًا، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَلَا عقب له.
وذكر الزّبير لأبى سفيان ولدا يُكَنّى أَبَا الْهِيَاجِ فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ لَا أَدْرِي: أَهُوَ جَعْفَرٌ أَمْ غَيْرُهُ، وَمَاتَ أَبُو سُفْيَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁، وَقَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: لَا تَبْكُنّ عَلَيّ، فَإِنّي لَمْ أَنْتَطِفْ بِخَطِيئَةِ مُنْذُ أَسْلَمْت، وَمَاتَ مِنْ ثُؤْلُولٍ حَلَقَهُ الْحَلّاقُ فِي حَجّ فَقَطَعَهُ مَعَ الشّعْرِ فَنَزَفَ مِنْهُ، وَقِيلَ فِي اسْمِ أَبِي سُفْيَانَ: الْمُغِيرَةُ، وَقِيلَ: بَلْ الْمُغِيرَةُ أَخُوهُ، قَالَ الْقُتَبِيّ: إخْوَتُهُ: الْمُغِيرَةُ وَنَوْفَلٌ وَعَبْدُ شَمْسٍ وَرَبِيعَةُ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ «١» .
وَزْنُ فُعْلَلٍ:
وَقَوْلُهُ: نَزَائِعَ جَاءَتْ مِنْ سِهَامٍ وَسُرْدَدِ، عَلَى وَزْنِ فَعَالٍ بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَسُرْدَدِ بِضَمّ أَوّلِهِ وَإِسْكَانِ ثَانِيهِ هَكَذَا ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ وَيَعْقُوبُ، وَبِفَتْحِ الدّالِ ذَكَرَهُ غَيْرُهُمَا، وَهُمَا مَوْضِعَانِ مِنْ أَرْضِ عَكّ، وَذَلِكَ أَنّ سِيبَوَيْهِ مِنْ أَصْلِهِ أَنّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ فُعْلَلٌ بِالْفَتْحِ، وَحَكَاهُ الْكُوفِيّونَ فِي جُنْدُبٍ وَسُرْدَدٍ، وَغَيْرِهِمَا، وَلَا يَنْبَغِي أَيْضًا عَلَى أَصْلِ سِيبَوَيْهِ أَنْ يَمْتَنِعَ الْفَتْحُ فِي سردد، لأن
_________________
(١) أولاد الحارث بن عبد المطلب- كما ذكر المصعب- هم: نوفل وأبو سفيان الشاعر واسمه: المغيرة، وربيعة. عبد شمس، وعبد المطلب، وأمية، وأروى، ونوفل هو أسن ولد الحارث ص ٨٥ نسب قريش. أما السدوسى فذكر أن له ثلاثة فقط هم ربيعة. ونوفل، وأبو سفيان ص ٢٢ حذف نسب قريش.
[ ٧ / ٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إحدى الدالين زائدة من أجل التضعيف، وَإِنّمَا الّذِي يَمْتَنِعُ فِي الْأَبْنِيَةِ مِثْلُ جُعْفُرٍ بِضَمّ أَوّلِهِ وَفَتْحِ ثَانِيهِ، فَمِثْلُ سُرْدَدٍ وَالسّودَدِ وَالْحُولَلِ «١» جَمْعُ حَائِلٍ، وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ طحلب وبرفع وَجُؤْذَرٍ، فَهُوَ دَخِيلٌ فِي الْكَلَامِ، وَلَا يُجْعَلُ أَصْلًا، وَلَا يَمْتَنِعُ أَيْضًا جُنْدَبٌ بِفَتْحِ الدّالِ، لأن النون زائدة «٢» .
_________________
(١) فى الأصل والحلل وهو خطأ.
(٢) نقل ابن خالويه عن ابن دريد أنه قال: ليس فى كلامهم فعلل- بضم الفاء وفتح اللام إلا سؤدد وجؤذر وجندب وخنطب كلها مفتوحة ومضمومة وقال الزبيدى فى الاستدراك على العين: ليس فى الكلام على مثال فعلل إلا أحرف لا يقول بها البصريون مثل: طحلب- بضم الطاء واللام- وبرقع وجؤذر ص ٦٣ ح ٣ المزهر للسيوطى. وفى كتاب التصريف للمازنى وشرحه لابن جنى ذكر ان الإجماع وقع على خمسة أمثلة للأسماء الرباعية التى لا زيادة فيها، ثم ذكر مثالا سادسا تجاذبه الخلاف وهو فعلل بضم الفاء وفتح اللام، ثم قال ابن جنى: وأما السادس الذى يتنازع الناس فيه فجخدب ومثاله: فعلل- بضم الفاء وفتح اللام- حكاه أبو الحسن وحده بالفتح، وخالفه فيه جميع البصريين إلا من قال بقوله. والذى رواه الناس غيره جخدب بضم الدال، وهو اسم لا صفة، وقد حكى غيره: برقع وبرقع، وطحلب وطحلب وجؤذر وجؤذر كلها بضم وفتح إلا أن جؤذرا ذكر أبو على أنه أعجمى، قال: فلا حجة فيه، والضم فى برقع وطلحب هو الشائع ص ٢٥، ٢٧ المنصف فى شرح التصريف ح ١ وفى إصلاح المنطق لأبى يوسف يعقوب بن السكيت فى باب فعلل بضم اللام وفعلل- بفتحها- بمعنى واحد. الفراء: يقال: برقع وبرقع وبرقوع.. ابن الأعرابى: عنصل وعنصل للبصل البرى، وهو لئيم العنصر والعنصر أى الأصل، وهو دخلله ودخلله، أى خاصته. ويقال: قنفذ وقنفذ وجؤذر، وجؤذر لولد البقرة ورجل قعدد وقعدد إذا كان قريب الآباء إلى الجد الأكبر.. ويقال: طحلب وطحلب، ويقال فى غير هذا الباب منخل ومنخل، ومنصل ومنصل للسيف.
[ ٧ / ٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَوْدٌ إلَى أَبِي سُفْيَانَ:
وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ رَضِيعَ رَسُولِ اللهِﷺ- أَرْضَعَتْهُمَا حَلِيمَةُ، وَكَانَ آلَفَ النّاسِ لَهُ قَبْلَ النّبُوّةِ لَا يُفَارِقُهُ، فَلَمّا نُبّئَ كَانَ أَبْعَدَ النّاسِ عَنْهُ، وَأَهْجَاهُمْ لَهُ إلَى أَنْ أَسْلَمَ، فَكَانَ أَصَحّ النّاسِ إيمَانًا، وَأَلْزَمَهُمْ لَهُ ﷺ، وَلِأَبِي سُفْيَانَ هَذَا قَالَ النّبِيّ ﷺ: أَنْتَ يَا أَبَا سُفْيَانَ، كَمَا قِيلَ كُلّ الصّيْدِ فِي جَوْفِ الْفَرَا «١»، وَقِيلَ: بَلْ قَالَهَا لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَالْأَوّلُ أَصَحّ.
وَقَوْلُ بُدَيْلٍ: حَمَشَتْهُمْ الْحَرْبُ، يُقَالُ: حَمَشْت الرّجُلَ إذَا أَغْضَبْته، وَحَمَشْت النّارَ أَيْضًا إذَا أَوْقَدْتهَا، وَيُقَالُ: حَمَسْت بِالسّينِ.
عَنْ إسْلَامِ سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ:
وَذَكَرَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ «٢» فِي إسْلَامِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ أَنّ الْعَبّاسَ لَمّا احْتَمَلَهُ مَعَهُ إلَى قُبّتِهِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَهُ، رَأَى النّاسَ وَقَدْ ثَارُوا إلى ظهورهم،
_________________
(١) الفرا: الحمار الوحشى. ويقول الذين رووا هذا إن أبا سفيان استأذن على النبى «ص» فحجب قليلا، ثم أذن له، فلما دخل قال: ما كدت تأذن لى حتى تأذن لحجارة الجهلتين- وهما جانبا الوادى- فقال «ص» يا أبا سفيان أنت كَمَا قِيلَ: كُلّ الصّيْدِ فِي جَوْفِ الْفَرَا، يتألفه على الإسلام، وقيل معناه: إذا حجبتك قنع كل محجوب. يضرب المثل لمن يفضل على أقرانه. وانظر أصل المثل فى الأمثال للميدانى ص ١٣٦ ح ٢ ط السنة المحمدية.
(٢) رواه ابن أبى شيبة.
[ ٧ / ٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا أَبَا الْفَضْلِ مَا لِلنّاسِ!! أَأُمِرُوا فِيّ بِشَيْءِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنّهُمْ قَامُوا إلَى الصّلَاةِ، فَأَمَرَهُ الْعَبّاسُ فَتَوَضّأَ، ثُمّ انْطَلَقَ بِهِ إلَى النّبِيّ ﷺ، فَلَمّا دَخَلَ ﵇ فِي الصّلَاةِ كَبّرَ فَكَبّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ، ثُمّ رَكَعَ فَرَكَعُوا، ثُمّ رَفَعَ فَرَفَعُوا، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ طَاعَةَ قَوْمٍ جَمَعَهُمْ مِنْ هَهُنَا وَهَهُنَا، وَلَا فَارِسَ الْأَكَارِمِ، وَلَا الرّومِ ذَاتِ الْقُرُونِ بِأَطْوَعَ مِنْهُمْ لَهُ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ أَنّ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ لِلنّبِيّ ﷺ، حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ: كَيْفَ أَصْنَعُ بِالْعُزّى؟ فَسَمِعَهُ عُمَرُ ﵁ مِنْ وَرَاءِ الْقُبّةِ، فَقَالَ لَهُ: نَخْرَا عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ: وَيْحَك يَا عُمَرُ!! إنّك رَجُلٌ فَاحِشٌ دَعْنِي مَعَ ابْنِ عَمّي، فَإِيّاهُ أُكَلّمُ. وَذَكَرَ قَوْلَ أَبِي سُفْيَانَ: لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أَخِيك الْغَدَاةَ عَظِيمًا، وَقَوْلَ الْعَبّاسِ لَهُ: إنّهَا النّبُوّةُ، قَالَ شَيْخُنَا أَبُو بَكْرٍ ﵀: إنّمَا أَنْكَرَ الْعَبّاسُ عَلَيْهِ أَنْ ذَكَرَ الْمُلْكَ مُجَرّدًا مِنْ النّبُوّةِ مَعَ أَنّهُ كَانَ فِي أَوّلِ دُخُولِهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَإِلّا فَجَائِزٌ أَنْ يُسَمّى مِثْلُ هَذَا مُلْكًا، وَإِنْ كَانَ لِنَبِيّ فَقَدْ قَالَ الله تعالى فى داود وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وقال سليمان: وَهَبْ لِي مُلْكًا غَيْرَ أَنّ الْكَرَاهِيَةَ أَظْهَرُ فِي تَسْمِيَةِ حَالِ النّبِيّ ﷺ مُلْكًا لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنّ النّبِيّ ﷺ خُيّرَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَبِيّا عَبْدًا، أَوْ نَبِيّا مَلِكًا، فَالْتَفَتَ إلَى جِبْرِيلَ، فَأَشَارَ إلَيْهِ أَنْ تَوْضَعْ، فَقَالَ: بَلْ نَبِيّا عَبْدًا أَشْبَعُ يَوْمًا، وَأَجُوعُ يَوْمًا وَإِنْكَارُ الْعَبّاسِ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ يُقَوّي هَذَا الْمَعْنَى، وَأَمْرُ الخلفاء الأربعة بعده يكره أيضا أن أَنْ يُسَمّى مَلِكًا، لِقَوْلِهِ ﵇ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: يَكُونُ بَعْدَهُ خُلَفَاءُ،
[ ٧ / ٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ثُمّ يَكُونُ أُمَرَاءُ، ثُمّ يَكُونُ مُلُوكٌ، ثُمّ جبابرة، ويروى: ثم يعود الأمر بربزيّا،؟؟؟ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، قَالَ الْخَطّابِيّ: إنّمَا هُوَ بِزّيزَيّ، أَيْ قَتْلٌ وَسَلْبٌ قَوْلُ هِنْدٍ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ: وَقَوْلُ هِنْدٍ: اُقْتُلُوا الْحَمِيتَ الدّسِمَ الْأَحْمَسَ. الْحَمِيتُ: الزّقّ، نَسَبَتْهُ إلَى الضّخْمِ وَالسّمَنِ، وَالْأَحْمَسُ أَيْضًا الّذِي لَا خَيْرَ عِنْدَهُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: عَامٌ أَحْمَسُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَطَرٌ، وَزَادَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي حَدِيثِهِ أَنّهَا قَالَتْ: يَا آلَ غَالِبٍ اُقْتُلُوا الْأَحْمَقَ، فَقَالَ لَهَا أَبُو سُفْيَانَ: وَاَللهِ لَتُسْلِمَن أَوْ لَأَضْرِبَن عُنُقَك، وَفِي إسْلَامِ أَبِي سُفْيَانَ قَبْلَ هِنْدٍ وَإِسْلَامُهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدّتِهَا، ثُمّ اسْتَقَرّا عَلَى نِكَاحِهِمَا وَكَذَلِكَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ مَعَ امْرَأَتِهِ حُجّةٌ لِلشّافِعِيّ، فَإِنّهُ لَمْ يُفَرّقْ بَيْنَ أَنْ تسلم قبله، أو يسلم قبلها، مادامت فِي الْعِدّةِ. وَفَرّقَ مَالِكٌ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى مَا فِي الْمُوَطّأِ وَغَيْرِهِ. إسْلَامُ أَبِي قُحَافَةَ: وَذَكَرَ إسْلَامُ أَبِي قُحَافَةَ، وَاسْمُهُ: عُثْمَانُ بْنُ عَامِرٍ، وَاسْمُ أُمّهِ: قَيْلَةُ بِنْتُ أَذَاةَ. وَقَوْلُهُ لِبِنْتِ لَهُ: وَهِيَ أَصْغَرُ وَلَدِهِ، يُرِيدُ وَاَللهُ أَعْلَمُ أَصْغَرُ أَوْلَادِهِ الّذِينَ لِصُلْبِهِ، وَأَوْلَادِهِمْ، لِأَنّ أَبَا قُحَافَةَ لَمْ يَعِشْ لَهُ وَلَدٌ ذَكَرٌ إلّا أَبُو بَكْرٍ، وَلَا تُعْرَفُ لَهُ بِنْتٌ إلّا أُمّ فَرْوَةَ الّتِي أَنْكَحَهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁ مِنْ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ تَمِيمٍ الدّارِيّ، فَهِيَ هَذِهِ التى ذكر
[ ٧ / ٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابْنُ إسْحَاقَ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قِيلَ: كَانَتْ له بنت أخرى تسمّمى قُرَيْبَةَ تَزَوّجَهَا قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَالْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ أَبِي قُحَافَةَ هِيَ إحْدَى هَاتَيْنِ عَلَى هَذَا، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْحَدِيثِ: وَكَانَ رَأْسُهُ ثَغَامَةً، وَالثّغَامُ مِنْ نَبَاتِ الْجِبَالِ، وَهُوَ مِنْ الْجَنَبَةِ، وَأَشَدّ مَا يَكُونُ بَيَاضًا إذَا أَمْحَلَ، وَالْحَلِيّ مِثْلُهُ يُشَبّهُ بِهِ الشّيْبُ، قَالَ الرّاجِزُ:
وَلِمّتِي كَأَنّهَا حَلِيّةٌ «١»
حُكْمُ الْخِضَابِ:
وَقَوْلُ النّبِيّﷺ- فِي شَيْبِ أَبِي قُحَافَةَ غَيّرُوا هَذَا مِنْ شَعْرِهِ، هُوَ عَلَى النّدْبِ، لَا عَلَى الْوُجُوبِ، لِمَا دَلّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ عَنْهُ ﵇ أَنّهُ لَمْ يُغَيّرْ شَيْبَهُ، وَقَدْ رَوَى مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّهُ؟؟؟ خَضَبَ.
وَقَالَ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ: إنّمَا كَانَتْ شَيْبَاتٍ يَسِيرَةً يُغَيّرُهَا بِالطّيبِ. وَقَالَ أَنَسٌ: لَمْ يَبْلُغْ النّبِيّ ﷺ حَدّ الْخِضَابِ، وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: أَرَتْنِي أُمّ سَلَمَةَ شَعْرًا مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللهِﷺ- وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: بَعَثَنِي أَهْلِي بِقَدَحِ إلى أمّ سلمة، وذكر
_________________
(١) الرجز هكذا: لما رأت حليلتى عينيه ولمنتى كأنها حليه تقول: هذى قرة عليه.
[ ٧ / ٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الْحَدِيثَ،: وَفِيهِ اطّلَعْت فِي الْجُلْجُلِ فَرَأَيْت شَعَرَاتٍ حمرا، وهذا كلام مشكل وشرحه فى مسند وَكِيعِ بْنِ الْجَرّاحِ قَالَ: كَانَ جُلْجُلًا مِنْ فِضّةٍ صُنِعَ صِيوَانًا لِشَعَرَاتِ كَانَتْ عِنْدَهُمْ مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّهُ كَانَ مَخْضُوبَ الشّيْبِ، وَقَدْ صَحّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ. أَنّهُ ﵇ لَمْ يَكُنْ بَلَغَ أَنْ يَخْضِبَ إنّمَا كَانَتْ شَعَرَاتٍ تُعَدّ. فَالْجَوَابُ: أَنّهُ لَمّا تُوُفّيَ خَضَبَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ شَعْرِهِ تِلْكَ الشّعَرَاتِ لِيَكُونَ أَبْقَى لها، كذلك قال الدّار قطنى فِي أَسْمَاءِ رِجَالِ الْمُوَطّأِ لَهُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَخْضِبُ بِالْحِنّاءِ وَالْكَتَمِ، وَكَانَ عُمَرُ يَخْضِبُ بِالصّفْرَةِ، وَكَذَلِكَ عُثْمَانُ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ يَخْضِبُ بِالْخِطْرِ، وَهُوَ الْوَسْمَةُ، وَأَمّا الصّفْرَةُ، فَكَانَتْ مِنْ الْوَرْسِ، أَوْ الْكُرْكُمِ وَهُوَ الزّعْفَرَانُ، وَالْوَرْسُ يَنْبُتُ بِالْيَمَنِ يُقَالُ لِجَيّدِهِ: بَادِرَةُ الْوَرْسِ، وَمِنْ أَنْوَاعِهِ: الْعَسْفُ وَالْحَبَشِيّ وَهُوَ آخِرُهُ، وَيُقَالُ مِنْ الْحِنّاءِ: حَنّا شَيْبَهُ وَرَقّنَهُ، وَجَمْعُ الْحِنّاءِ حِنّانٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، قَالَ الشّاعِرُ: وَلَقَدْ أَرُوحُ بِلِمّةِ فَيْنَانَةٍ سَوْدَاءَ قَدْ رُوِيَتْ مِنْ الْحِنّانِ مِنْ كِتَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَزِيدُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ فِي شَيْبِ أَبِي قُحَافَةَ: وَجَنّبُوهُ السّوَادَ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى كَرَاهَةِ الْخِضَابِ بِالسّوَادِ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَمِنْ أَجْلِ حَدِيثٍ آخَرَ جاء فيه الْوَعِيدِ وَالنّهْيِ لِمَنْ خَضَبَ بِالسّوَادِ، وَقِيلَ: أَوّلُ مَنْ خَضَبَ بِالسّوَادِ فِرْعَوْنُ، وَقِيلَ: أَوّلُ
[ ٧ / ٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَنْ خَضَبَ بِهِ مِنْ الْعَرَبِ عَبْدُ الْمُطّلِبِ، وترخّص قوم فى الخضاب بالسّواد منهم مُحَمّدُ بْنُ عَلِيّ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنّهُ قَالَ: اخْضِبُوا بِالسّوَادِ، فَإِنّهُ أَنْكَى لِلْعَدُوّ، وَأَحَبّ لِلنّسَاءِ. وَقَالَ ابْنُ بَطّالٍ فِي الشّرْحِ: إذَا كَانَ الرّجُلُ كَهْلًا لَمْ يَبْلُغْ الْهَرَمَ جَازَ لَهُ الْخِضَابُ بِالسّوَادِ، لِأَنّ فِي ذَلِكَ مَا قَالَ عُمَرُ ﵁ مِنْ الْإِرْهَابِ عَلَى الْعَدُوّ وَالتّحَبّبِ إلَى النّسَاءِ، وَأَمّا إذَا قوّس واحد ودبّ فَحِينَئِذٍ يُكْرَهُ لَهُ السّوَادُ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِﷺ- فِي أَبِي قحافة:
غيّروا شيبه، وجنّبوه السواد «١» .
_________________
(١) عن ثابت قال: سئل أنس عن خضاب النبى «ص» فقال: لو شئت أن أعد شمطات كن فى رأسه فعلت، قال: ولم يختضب، زاد فى رواية: وقد اختضب أبو بكر بالحناء والكتم، واختضب عمر بالحناء بحتا «أى: صرفا ومحضا» متفق عليه. وعن ابن عمر أنه كان يصفر لحيته بالصفرة حتى تمتلئ ثيابه من الصفرة، فقيل له: لم تصبغ بالصفرة؟ قال: إنى رأيت رسول الله يصبغ بها، ولم يكن شىء أحب إليه منها، وقد كان يصبغ بها ثيابه كلها حتى عمامته «أبو داود والنسائى» . وعن عثمان بن عبد الله بن موهب، قال: دخلت على أم سلمة. فأخرجت إلينا شعرا من شعر النبى «ص» مخضوبا «البخارى» . وهى أحاديث أقوى مما روى عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄- قَالَ: قال رسول الله ﷺ: يكون قوم يخضبون فى آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة «أبو داود والنسائى وابن حبان فى صحيحه والحاكم، وقال: صحيح الإسناد» .
[ ٧ / ٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَدَاءُ وَكُدًى:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ كَدَاءَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْمَدّ، وَهُوَ بِأَعْلَى مَكّةَ، وَكُدًى وَهُوَ مِنْ نَاحِيَةِ عَرَفَةَ، وَبِمَكّةَ مَوْضِعٌ ثَالِثٌ يُقَالُ: كُدَا بِضَمّ الْكَافِ وَالْقَصْرِ، وَأَنْشَدُوا فِي كَدَاءٍ وَكُدًى «١»:
أَقْفَرَتْ بَعْدَ عَبْدِ شَمْسٍ كَدَاءُ فَكُدَيّ فَالرّكْنُ وَالْبَطْحَاءُ
وَالْبَيْتُ لِابْنِ قَيْسٍ الرّقَيّاتِ يَذْكُرُ بَنِي عبد شمس بن عبدودّ «٢» الْعَامِرِيّينَ رَهْطَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو.
مَوْقِفُ إبْرَاهِيمَ بِكَدَاءَ:
وَبِكَدَاءَ وَقَفَ إبْرَاهِيمُ ﵇ حِينَ دَعَا لِذُرّيّتِهِ بِالْحَرَمِ، كَذَلِكَ رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، فَقَالَ: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ
_________________
(١) هناك خلاف واسع فى هذه المواضع الثلاث وأوضح الأقوال ما ذكره البكرى فى معجمه منسوبا إلى على بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسى: كدا بالضم والتنوين مقصور بأسفل مكة بقرب شعب الشافعيين وشعب ابن الزبير عند قعيقعان، وأما كدى مصغر فإنما هو لمن خرج من مكة إلى اليمن، أما هو فقال عن كدى بالتصغير فى معجمه وفى السمط: إنه جبل قريب من كدا.، وأما كداء فقال البكرى: جبل بمكة. وكداء هذا الجبل هو عرفة بعينها. وفى المراصد عن كداء: ثنية بأعلى مكة عند المحصب دار النبى ﵇ من ذى طوى إليها، وكدا بالتنوين بأسفل مكة. وانظر النهاية فى المفردات لابن الأثير وص ٣٩٩ السمط.
(٢) ابن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى بن غالب.
[ ٧ / ٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَهْوِي إِلَيْهِمْ فَاسْتُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ، وَقِيلَ لَهُ: أَذّنْ فِي النّاسِ بالحجّ يأتوك رجالا، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: يَأْتُوك، وَلَمْ يَقُلْ يَأْتُونِي، لِأَنّهَا اسْتِجَابَةٌ لِدَعْوَتِهِ، فَمِنْ ثَمّ- وَاَللهُ أَعْلَمُ- اسْتَحَبّ النّبِيّ ﷺ إذَا أَتَى لِمَكّةَ أَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ كَدَاءَ، لِأَنّهُ الْمَوْضِعُ الّذِي دَعَا فِيهِ إبْرَاهِيمُ بِأَنْ يَجْعَلَ أَفْئِدَةً مِنْ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ.
مَوْقِفُ الرّسُولِ ﷺ مِنْ سَعْدٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ نَزْعَ الرّايَةِ مِنْ سَعْدٍ حِينَ قَالَ: الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ. وَزَادَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ فِي الْخَبَرِ أَنّ ضِرَارَ بْنَ الْخَطّابِ قَالَ يَوْمَئِذٍ شِعْرًا حِينَ سَمِعَ قَوْلَ سَعْدٍ اسْتَعْطَفَ فِيهِ النّبِيّ ﷺ عَلَى قُرَيْشٍ، وَهُوَ مِنْ أَجْوَدِ شِعْرٍ لَهُ:
يَا نَبِيّ الْهُدَى إليك لجا «١» حي قُرَيْشٍ، وَلَاتَ حِينَ لَجَاءِ «٢»
حِينَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ سَعَةُ الْأَرْ ض وعاداهم إله السّماء
_________________
(١) ترك همز لجأ للوزن.
(٢) أثبت الألف فى لجاء للضرورة، وإلا فلجأ مهموز من بابى نفع وتعب، وفى الاستيعاب فى ترجمة ضرار: وأنت خير لجاء. وقد روى ابن عساكر من طريق أبى الزبير محمد بن مسلم المكى عن جابر قال: لما قال سعد بن عبادة ذلك عارضت امرأة رسول الله «ص» فقالت، ثم ذكر هذه القصيدة. وعند الواقدى والأموى أن هذا الشعر لضرار. قال الحافظ: فكأن ضرارا أرسل به المرأة ليكون أبلغ فى انعطافه ﷺ على قريش.
[ ٧ / ٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْتَقَتْ حَلْقَتَا البطان على القوم وَنُودُوا بِالصّيْلَمِ الصّلْعَاءِ
إنّ سَعْدًا يريد قاصمة الظهر بِأَهْلِ الْحَجُونِ وَالْبَطْحَاءِ
خَزْرَجِيّ لَوْ يستطيع من الغيظ رَمَانَا بِالنّسْرِ وَالْعَوّاءِ «١»
فَلَئِنْ أَقْحَمَ اللّوَاءَ، وَنَادَى يَا حُمَاةَ اللّوَاءِ أَهْلَ اللّوَاءِ «٢»
لَتَكُونَن بِالْبِطَاحِ قريش بقعة «٣» القاع فى أكفّ الإماء «٤»
_________________
(١) جاء بعد هذا البيت: دغر الصدر لا يهم بشىء غير سفك الدما وسبى النساء قد تلظى على البطاح وجاءت عنه هند بالسوءة الوء؟؟؟ اء إذ ينادى بذل حى قريش وابن حرب بذا من الشهداء
(٢) بعده: ثم ثابت إليه من بهم الخزرج والأوس أنجم الهيجاء
(٣) فى رواية: فقعة بكسر الفاء وسكون القاف وفتح العين جمع فقع بفتح الفاء وكسرها وسكون القاف ضرب من الكمأة، وهى الرخوة البيضاء يشبه به الرجل الذليل، لأن للدواب تنحله بأرجلها. وأما البقعة فمكان يستنقع فيه الماء، وبضم الباء وفتحها أيضا القطعة من الأرض على غير هيئة التى إلى جنبها.
(٤) وبعده فانهينه فإنه أسد الأسد لدى الغاب والغ فى الدماء إنه مطرق يريد لنا الأمر سكوتا كالحية الصماء من مفردات القصيدة: البطان- حزام يجعل تحت بطن البعير يقال ذلك إذا اشتد الأمر. الصيلم- الداهية أو الأمر الشديد. الصلعاء: الداهية، وقد حذف حرف العطف بينها وبين الصيلم للنظم وهو جائز فى غيره أيضا. قاصمة الظهر- الخصلة المانعة لهم من كل الأمور حتى كأنها كسرت ظهورهم. النسر- نجم. العواء- سيأتى شرحه، دغر- اسم فاعل من دغر والدغرة- شدة-
[ ٧ / ١٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَحِينَئِذٍ انْتَزَعَ النّبِيّ ﷺ الرّايَةَ مِنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِيمَا ذَكَرُوا، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَمَدّ فِي هَذَا الشّعْرِ الْعَوّاءَ، وَأَنْكَرَ الْفَارِسِيّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ مَدّهَا، وَقَالَ: لَوْ مُدّتْ لَقِيلَ فِيهَا الْعَيّاءُ، كَمَا قِيلَ فِي الْعَلْيَاءِ، لِأَنّهَا لَيْسَتْ بِصِفَةِ كَالْعَشْوَاءِ، قَالَ: وَإِنّمَا هِيَ مَقْصُورَةٌ كَالشّرْوَى وَالنّجْوَى، وَغَفَلَ عَنْ وَجْهٍ ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيّ الْقَالِي، فَإِنّهُ قَالَ: من مَدّ الْعَوّاءِ فَهِيَ عِنْدَهُ فَعّالٌ مِنْ عَوَيْت الشىء إذا لويت طرفه، وَهَذَا حَسَنٌ جِدّا لَا سِيّمَا، وَقَدْ صَحّ مَدّهَا فِي الشّعْرِ الّذِي تَقَدّمَ «١»، وَغَيْرِهِ، وَالْأَصَحّ فِي مَعْنَاهَا: أَنّ الْعَوّاءَ مِنْ الْعَوّةِ، وَالْعَوّةُ هِيَ الدّبُرُ، فَكَأَنّهُمْ سَمّوْهَا بِذَلِكَ، لِأَنّهَا دُبُرُ الْأَسَدِ مِنْ الْبُرُوجِ «٢» .
خُنَيْسُ بْنُ خَالِدٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ خُنَيْسَ بْنَ خَالِدٍ، وَقَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ: خُنَيْسٌ مِنْ خُزَاعَةَ، لَمْ يَخْتَلِفُوا عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّهُ خُنَيْسٌ بِالْخَاءِ الْمَنْقُوطَةِ وَالنّونِ، وَأَكْثَرُ مَنْ أَلّفَ فِي الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ يَقُولُ: الصّوَابُ فيه: حبيش بالحاء
_________________
(١) - توقد الحر. بهم- بضم الباء وفتح الهاء جمع بهمة الفارس الذى لا يؤتى من شدة بأسه. ويقال أيضا للجيش. الهيجاء- الحرب. القاع: المكان المستوى الواسع. أنظر ص ٣٠٦- ١٢ المواهب اللدنية، ٢٩٥ ح ٤ البداية لابن كثير.
(٢) قال الأزهرى: من قصر العوا شبهها بإست الكلب، ومن مدها جعلها تعوى كما يعوى الكلب والقصر فيها أكثر، وقول الفارسى الذى ذكره السهيلى موجود فى اللسان بتفصيل فى مادة عوا وكذلك الرد عليه فراجعه.
(٣) فى اللسان: تدعى وركى الأسد وعرقوب الأسد، والعواء: منزل من منازل القمر، وقيل: نجم من أنواء البرد، وقيل غير هذا.
[ ٧ / ١٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ وَالشّيْنِ الْمَنْقُوطَةِ، وَكَذَلِكَ فِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ أَنّ الصّوَابَ فِيهِ حُبَيْشٌ، وَأَبُوهُ خَالِدٌ هُوَ الْأَشْعَرُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَقَدْ رَفَعْنَا نَسَبَهُ عِنْدَ ذِكْرِ أُمّ مَعْبَدٍ، لِأَنّهَا بِنْتُهُ، وَهُوَ بِالشّيْنِ الْمَنْقُوطَةِ، وَأَمّا الْأَسْعَرُ بِالسّينِ الْمُهْمَلَةِ، فَهُوَ الْأَسْعَرُ الْجُعْفِيّ، وَاسْمُهُ: مَرْثَدُ بْنُ عِمْرَانَ «١»، وَسُمّيَ الْأَسْعَرُ لِقَوْلِهِ:
فَلَا يَدْعُنِي قَوْمِي لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ لَئِنْ أَنَا لَمْ أَسْعَرْ عَلَيْهِمْ وَأُثْقِبِ
يَعْنِي بِمَالِكِ: مَذْحِجٍ.
وَذَكَرَ الرّجَزَ الّذِي لِكُرْزِ:
قَدْ عَلِمَتْ صَفْرَاءُ مِنْ بَنِي فِهِرْ
أَشَارَ بِقَوْلِهِ: صَفْرَاءَ إلَى صُفْرَةِ الْخَلُوقِ، وَقِيلَ: بَلْ أَرَادَ مَعْنَى: قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
كَبِكْرِ مُقَانَاةِ الْبَيَاضُ بِصُفْرَةِ غَذَاهَا نَمِيرُ الْمَاءِ غَيْرَ مُحَلّلِ «٢»
وَكَقَوْلِ الْأَعْشَى:
[نُرْضِيك مِنْ دَلّ وَمِنْ حُسْنٍ مُخَالِطُهُ غَرَارَة «٣»]
حَمْرَاءُ غَدْوَتهَا، وصفر اء العشيّة كالعراره «٤»
_________________
(١) ابن حمران فى السمط ص ٩٤، وفى المؤتلف للآمدى: ابن أبى حمران، وكذلك فى الإكمال والاشتقاق. وقد سبق.
(٢) سبق البيت وشرحه، وفى المعلقة واللسان: المقاناة. وقد أضاف البكر إلى وصفها، وقيل: أراد كبكر الصدقة المقاناة الخ. وانظر شرح الزوزنى للمعلقات ص ١٥ ط ١٢٨٨. والزيادة من المعلقة.
(٣) هذا البيت زدته من السمط.
(٤) رواية البيت هكذا فى السمط: بيضاء ضحوتها الخ.
[ ٧ / ١٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَقَوْلُهُ: مِنْ بَنِي فِهِرْ بِكَسْرِ الْهَاءِ، وَكَذَلِكَ الصّدِرْ فِي الْبَيْتِ الثّانِي، وَأَبُو صَخْرٍ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْعَرَبِ فِي الْوَقْفِ عَلَى مَا أَوْسَطُهُ سَاكِنٌ، فَإِنّ مِنْهُمْ مَنْ يَنْقُلُ حَرَكَةَ لَامِ الْفِعْلِ إلَى عَيْنِ الْفِعْلِ فِي الْوَقْفِ، وذلك إذا كان لاسم مَرْفُوعًا أَوْ مَخْفُوضًا، وَلَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي النّصْبِ، وَعِلَلُهُ مُسْتَقْصَاةٌ فِي النّحْوِ. حَوْلَ: لِمَاذَا وَمُوتِمَةِ: وَذَكَرَ خَبَرَ حِمَاسٍ وَقَوْلَ امْرَأَتِهِ لَهُ: لِمَاذَا تُعِدّ السّلَاحَ بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ، وَلَا يَجُوزُ حَذْفُهَا مِنْ أَجْلِ تَرْكِيبِ ذَا مَعَهَا، وَالْمَعْرُوفُ فِي مَا إذَا كَانَتْ اسْتِفْهَامًا مَجْرُورَةً أَنْ تُحْذَفَ مِنْهَا الْأَلِفُ، فَيُقَالُ: لِمَ، وَبِمَ، قَالَ ابْنُ السّرّاجِ: الدّلِيلُ عَلَى أَنّ ذَا جُعِلَتْ مَعَ مَا اسْمًا وَاحِدًا أَنّهُمْ اتّفَقُوا عَلَى إثْبَاتِ الْأَلِفِ مَعَ حَرْفِ الْجَرّ، فَيَقُولُونَ: لِمَاذَا فَعَلْت، وَبِمَاذَا جِئْت، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ. حَوْلَ رَجَزَيْ حِمَاسٍ: وَقَوْلُهُ: وَذُو غِرَارَيْنِ سَرِيعُ السّلّهْ بِكَسْرِ السّينِ هُوَ الرّوَايَةُ، يُرِيدُ الْحَالَةَ مِنْ سَلّ السّيْفِ، وَمَنْ أَرَادَ الْمَصْدَرَ فَتَحَ. وَقَوْلُهُ: وَأَبُو يَزِيدَ قَائِمٌ كَالْمُوتِمَهْ، يُرِيدُ: الْمَرْأَةَ لَهَا أَيْتَامٌ، وَالْأَعْرَفُ فِي مِثْلِ هَذَا مُوتِمٌ مثل مُطْفِلٌ، وَجَمْعُهَا مَيَاتِمُ، وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي غير هذه الرواية: الموتمة: الاسطواته، وَهُوَ تَفْسِيرٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ أَصَحّ مِنْ التّفْسِيرِ الْأَوّلِ، لِأَنّهُ تَفْسِيرُ رَاوِي الْحَدِيثِ، فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ هَذَا يَكُونُ لَفْظُ الْمُوتِمَةِ
[ ٧ / ١٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْ قَوْلِهِمْ: وَتَمّ وَأَتَمّ إذَا ثَبَتَ، لِأَنّ الْأُسْطُوَانَةَ تَثْبُتُ مَا عَلَيْهَا، وَيُقَالُ فِيهَا عَلَى هذا مؤتمة بِالْهَمْزِ، وَتُجْمَعُ مَآتِمُ، وَمُوتِمَةٌ بِلَا هَمْزٍ، وَتُجْمَعُ: مَوَاتِمُ.
وَقَوْلُهُ: وَأَبُو يَزِيدَ بِقَلْبِ الْهَمْزَةِ مِنْ أَبُو أَلِفًا سَاكِنَةً، فِيهِ حُجّةٌ لِوَرْشِ [وَاسْمُهُ: عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ] حَيْثُ أَبْدَلَ الْهَمْزَةَ أَلِفًا سَاكِنَةً، وَهِيَ مُتَحَرّكَةٌ، وَإِنّمَا قِيَاسُهَا عِنْدَ النّحْوِيّينَ أَنْ تَكُونَ بَيْنَ بَيْنَ.
وَمِثْلُ قَوْلِهِ: وَأَبُو يَزِيدَ، قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ:
فَارْعَيْ فَزَارَةَ لَا هَنَاكِ الْمَرْتَعُ «١»
وَإِنّمَا هُوَ هَنَأَكِ بِالْهَمْزِ وَتَسْهِيلِهَا بَيْنَ بَيْنَ، فَقَلْبُهَا أَلِفًا عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ الْمَعْرُوفِ فِي النّحْوِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الْمِنْسَاةِ، وَهِيَ الْعَصَا، وَأَصْلُهَا الْهَمْزُ، لِأَنّهَا مِفْعَلَةٌ مِنْ نَسَأْت، وَلَكِنّهَا فِي التّنْزِيلِ كَمَا تَرَى «٢»، وَأَبُو يَزِيدَ الّذِي عَنَى فِي هَذَا الْبَيْتِ، هُوَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو خَطِيبُ قُرَيْشٍ.
وَقَوْلُهُ: لَهُمْ نَهِيتٌ: النّهِيتُ: صَوْتُ الصّدْرِ، وَأَكْثَرُ مَا تُوصَفُ بِهِ الْأُسْدُ، قَالَ ابْنُ الْأَسْلَتِ:
كَأَنّهُمْ أُسْدٌ لَدَى أَشْبُلٍ يَنْهِتْنَ فِي غِيلٍ وأجزاع
_________________
(١) شطرته الأولى: راحت بمسلمة البغال عشية. وهو من شواهد سيبويه ح ٢ ص ١٧٠.
(٢) أى مهموزة فى سورة سبأ فى قصة موت سليمان.
[ ٧ / ١٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْغَمْغَمَةُ: أَصْوَاتٌ غَيْرُ مَفْهُومَةٍ مِنْ اخْتِلَاطِهَا.
طَرَفٌ مِنْ أَحْكَامِ أَرْضِ مَكّةَ:
وَنَذْكُرُ هَاهُنَا طَرَفًا مِنْ أَحْكَامِ أَرْضِ مَكّةَ، فَقَدْ اُخْتُلِفَ: هَلْ افْتَتَحَهَا النّبِيّ ﷺ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا، لِيَبْتَنِيَ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمُ: هَلْ أَرْضُهَا مِلْكٌ لِأَهْلِهَا أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ ﵁ كَانَ يَأْمُرُ بِنَزْعِ أَبْوَابِ دُورِ مَكّةَ إذَا قَدِمَ الْحَاجّ، وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى عَامِلِهِ بِمَكّةَ أَنْ يُنْهِيَ أَهْلَهَا عَنْ كِرَاءِ دُورِهَا إذَا جَاءَ الْحَاجّ فَإِنّ ذَلِكَ لَا يَحِلّ لَهُمْ. وَقَالَ مَالِكٌ﵀- إنْ كَانَ النّاسُ لَيَضْرِبُونَ فَسَاطِيطَهُمْ بِدُورِ مَكّةَ لَا يَنْهَاهُمْ أَحَدٌ، وَرُوِيَ أَنّ دُورَ مَكّةَ كَانَتْ تُدْعَى السّوَائِبُ «١»، وَهَذَا كُلّهُ مُنْتَزَعٌ مِنْ أَصْلَيْنِ أَحَدُهُمَا:
قَوْلُهُ ﵎: وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ الْحَجّ: ٢٥ وقال ابن عمرو ابْنُ عَبّاسٍ: الْحَرَمُ كُلّهُ مَسْجِدٌ.
وَالْأَصْلُ الثّانِي: أَنّ النّبِيّ ﷺ دَخَلَهَا عَنْوَةً غَيْرَ أَنّهُ مَنّ عَلَى أَهْلِهَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا مِنْ الْبِلَادِ، كَمَا ظَنّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فَإِنّهَا مُخَالِفَةٌ لِغَيْرِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: مَا خَصّ اللهُ بِهِ نَبِيّهُ، فَإِنّهُ قَالَ:
قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ الأنفال: ١ والثانى: ما خَصّ اللهُ تَعَالَى بِهِ مَكّةَ فَإِنّهُ جَاءَ: لَا تَحِلّ غَنَائِمُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا، وَهِيَ حرم الله تعالى وأمنه،
_________________
(١) روى الإمام أحمد عن علقمة بن نضلة قال: «كانت رباع مكة تدعى السوائب عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وأبى بكر وعمر، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن» .
[ ٧ / ١٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَكَيْفَ تَكُونُ أَرْضُهَا أَرْضَ خَرَاجٍ، فَلَيْسَ لِأَحَدِ افْتَتَحَ بَلَدًا أَنْ يَسْلُكَ بِهِ سَبِيلَ مَكّةَ، فَأَرْضُهَا إذًا وَدُورُهَا لِأَهْلِهَا، وَلَكِنْ أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِمْ التّوْسِعَةَ عَلَى الْحَجِيجِ إذَا قَدِمُوهَا، وَلَا يَأْخُذُوا مِنْهُمْ كِرَاءً فِي مَسَاكِنِهَا، فَهَذَا حُكْمُهَا فَلَا عَلَيْك بَعْدَ هَذَا، فُتِحَتْ عَنْوَةً أَوْ صلحا، وإن كانت ظواهر الحديث أَنّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً «١» .
الْهُذَلِيّ الْقَتِيلُ:
وَذَكَرَ الْهُذَلِيّ الّذِي قُتِلَ، وَهُوَ وَاقِفٌ، فَقَالَ: أَقَدْ فَعَلْتُمُوهَا يا معشر خزاعة، وروى الدّار قطنى فى السّنن أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ: لَوْ كُنْت قَاتِلَ مُسْلِمٍ بِكَافِرِ لَقَتَلْت خِرَاشًا بِالْهُذَلِيّ، يَعْنِي بِالْهُذَلِيّ: قَاتِلَ ابْنِ أَثْوَعَ، وَخِرَاشٌ هُوَ قَاتِلُهُ، وَهُوَ مِنْ خُزَاعَةَ.
هَلْ تُعِيذُ الْكَعْبَةُ عَاصِيًا؟
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قِصّةَ ابْنِ خَطَلٍ، وَاسْمُهُ: عَبْدُ اللهِ، وَقَدْ قِيلَ فِي اسْمِهِ:
_________________
(١) يقول الإمام ابن القيم عن مكة: «إنها لا تملك، فإنها دار النسك، ومتعبد الخلق، وحرم الرب ﷾ الذى جعله للناس سواء العاكف فيه والباد، فهى وقف من الله تعالى على العالمين، وهم فيه سواء. ومنى مناخ من سبق» ثم يقول: «ذهب جمهور الأثمة من السلف والخلف إلى أنه لا يجوز بيع أراضى مكة، ولا إجارة بيوتها. هذا مذهب مجاهد وعطاء فى أهل مكة، ومالك فى أهل المدينة، وأبى حنيفة فى أهل العراق، وسفيان الثورى والإمام أحمد وإسحاق بن راهويه» ثم فصل الأمر فى أسلوب جميل فانظره ص ٤١٣ وما بعدها فى زاد المعاد ط السنة المحمدية.
[ ٧ / ١٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هِلَالٌ، وَقَدْ قِيلَ: هِلَالٌ كَانَ أَخَاهُ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُمَا الْخَطَلَانِ، وَهُمَا مِنْ بَنِي تَيْمِ ابن غَالِبِ «١» بْنِ فِهْرٍ، وَأَنّ النّبِيّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقُتِلَ وَهُوَ مُتَعَلّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَفِي هَذَا أَنّ الْكَعْبَةَ لَا تُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا تَمْنَعُ مِنْ إقَامَةِ حَدّ وَاجِبٍ «٢»، وَأَنّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا إنّمَا مَعْنَاهُ الْخَبَرُ عَنْ تَعْظِيمِ حُرْمَةِ الْحَرَمِ فِي الْجَاهِلِيّةِ نِعْمَةً مِنْهُ عَلَى أَهْلِ مَكّةَ، كما قال تعالى:
_________________
(١) هو من قريش الظواهر. وذكر ابن دريد أن ابن خطل كان اسمه هلال، وأن أخاه كان عبد الله. وفى المقريزى أنه هلال. أنظر ص ١٠٦، ٤٧٩ الاشتقاق، ص ٣٧٨ إمتاع الأسماع.
(٢) فى المسألة خلاف طويل. ولقد كان العربى فى الجاهلية يرى قاتل أبيه أو ابنه فى الحرم فلا يهيجه. وروى الإمام أحمد عن عمر أنه قال: لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه، وذكر عن عبد الله بن عمر أنه قال: لو وجدت فيه قاتل عمر ما بدهته. وروى مثله عن ابن عباس، وهذا قول جمهور التابعين ومن بعدهم، بل لا يحفظ عن تابعى ولا صحابى خلافه. وإليه ذهب أبو حنيفة ومن وافقه من أهل العراق، والإمام أحمد ومن وافقه من أهل الحديث: أما مالك والشافعى فيريان أنه يستوفى منه فى الحرم، كما يستوفى منه فى الحل، وهو اختيار ابن المنذر. وقد وفى ابن القيم هذه المسألة بحثا، وذكر بالتفصيل أدلة الفريقين فى زاد المعاد ص ٤٢٠ وما بعدها ج ٢. وأقوى دليل لمن قال باستيفاء الحد منه فى الحرم قوله سبحانه (وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) البقرة: ١٩١ وقد روى الإمام أحمد عن ابن عباس قوله: «من سرق أو قتل فى الحل، ثم دخل الحرم، فإنه لا يجالس، ولا يكلم، ولا يؤوى حتى يخرج، فيؤخذ، فيقام عليه الحد، وإن سرق أو قتل فى الحرم أقيم عليه الحد» ففرق بهذا بين اللاجئ إلى الحرم، وبين الجانى فيه. وهذا رأى بينه وبين هدى القرآن نسب متين.
[ ٧ / ١٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِيامًا لِلنَّاسِ إلَى آخِرِ الْآيَةِ، الْمَائِدَةِ: ٩٧ فَكَانَ فِي ذَلِكَ قوام للناس، ومضلحة لِذُرّيّةِ إسْمَاعِيلَﷺ- وَهُمْ قُطّانُ الْحَرَمِ، وَإِجَابَةً لِدَعْوَةِ إبْرَاهِيمَ ﵇ حَيْثُ يَقُولُ: اجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النّاسَ تَهْوِي إلَيْهِمْ، وَعِنْدَمَا قَتَلَ النّبِيّ ﷺ ابْنَ خَطَلٍ قَالَ: لَا يُقْتَلُ قُرَشِيّ صَبْرًا بَعْدَ هَذَا، كَذَلِكَ قَالَ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ.
صَلَاةُ الْفَتْحِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ صَلَاةَ النّبِيّ ﷺ فِي بَيْتِ أُمّ هانىء، وَهِيَ صَلَاةُ الْفَتْحِ، تُعْرَفُ بِذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وكان الأمراء يصلونها إذَا افْتَتَحُوا بَلَدًا. قَالَ الطّبَرِيّ: صَلّى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ، حِينَ افْتَتَحَ الْمَدَائِنَ، وَدَخَلَ إيوَانَ كِسْرَى، قَالَ: فَصَلّى فِيهِ صَلَاةَ الْفَتْحِ، قَالَ: وَهِيَ ثَمَانِي رَكَعَاتٍ لَا يُفْصَلُ بَيْنَهَا، وَلَا تُصَلّى بِإِمَامِ، فَبَيّنَ الطّبَرِيّ سُنّةَ هَذِهِ الصّلَاةِ وَصِفَتَهَا، وَمِنْ سُنّتِهَا أَيْضًا أَنْ لَا يُجْهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، وَالْأَصْلُ مَا تَقَدّمَ مِنْ صَلَاةِ النّبِيّﷺ- فى حديث أمّ هانىء وذلك ضحى «١» .
_________________
(١) عن أم هانىء أنه لما كان عام الفتح أتت رسول الله «ص» وهو بأعلى مكة، فقام رسول الله «ص» إلى غسله، فسترت عليه فاطمة، ثم أخذ ثوبه فالتحف به، ثم صلى ثمانى ركعات سبحة الضحى «متفق عليه» ولكن فى رواية للبخارى ومسلم أنها قالت إن النبى «ص» دخل بيتها يوم فتح مكة فأغتسل وصلى ثمان ركعات، وقد قيل فى الجمع بين الروايتين أن يكون قد نزل فى بيتها بأعلى مكة، وكانت فى بيت آخر بمكة، فجاءت إليه، فوجدته يغتسل. وفى حديث لأبى داود أنه «ص» كان يسلم بين كل ركعتين، وكذلك ذكر-
[ ٧ / ١٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أم هانيء:
وأم هانىء اسمها: هند تكنى بابنها هانىء بْنِ هُبَيْرَةَ، وَلَهَا ابْنٌ مِنْ هُبَيْرَةَ اسْمُهُ يُوسُفُ، وَثَالِثٌ وَهُوَ الْأَكْبَرُ اسْمُهُ: جَعْدَةُ، وَقِيلَ: إيّاهُ عَنَتْ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ، زَعَمَ ابْنُ أُمّي عَلَى أَنّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا أَجَرْته فُلَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَقَدْ قِيلَ فِي اسْمِ أُمّ هانىء. فَاخِتَةُ «١» .
عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ أَحَدَ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ يُكَنّى أَبَا يَحْيَى، وَكَانَ كَاتَبَ النّبِيّﷺ- ثم ارتدّ ولحق بمكة،
_________________
(١) - ابن خزيمة. وقد صلى سعد بن أبى وقاص يوم فتح المدائن فى إيوان كسرى ثمانى ركعات يسلم من كل ركعتين، وَفِي هَذَا رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنّ الصلاة هذه موصولة هذا وقد حقق الإمام ابن القيم ﵁ الصلاة المسماة بصلاة الضحى، تحقيقا عظيما، وجمع أكثر ما قيل فيها من أحاديث، ومنها ما رواه البخارى: «لم يكن رسول الله «ص» يصلى الضحى إلا أن يقدم من مغيبه» ثم قال ابن القيم: فالذى أثبتته فعلها بسبب كقدومه من سفر، وفتحه وزيارته لقوم ونحوه، وكذلك إتيانه مسجد قباء للصلاة فيه.. ولم يكن من هديه فعلها لغير سبب وقد أوصى بها وندب إليها وحض عليها، وكان يستغنى عنها بقيام الليل، فإن فيه غنية عنها، وهى كالبدل منه.. وابن عباس كان يصليها يوما ويدعها عشرة، وكان ابن عمر لا يصليها، فإذا أتى مسجد قباء صلاها. أما صلاة الفتح فهى هذه التى مر ذكرها، وكانت ضحى، فظنها من ظنها صلاة الضحى.
(٢) هى أم هانىء بنت أبى طالب ابنة عم النبى «ص» وقد اختلف فى اسمها، فقيل فاختة، وقيل فاطمة، وقيل هند، والأول أشهر، وكانت زوج ن عائذ المخزومى.
[ ٧ / ١٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثُمّ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ، وَعُرِفَ فَضْلُهُ وَجِهَادُهُ، وكان على ميمنة عمرو ابن العاصى حِينَ افْتَتَحَ مِصْرَ، وَهُوَ الّذِي افْتَتَحَ إفْرِيقِيّةَ سنة سبع وعشر بن، وَغَزَا الْأَسَاوِدَ مِنْ النّوْبَةِ، ثُمّ هَادَنَهُمْ الْهُدْنَةَ الْبَاقِيَةَ إلَى الْيَوْمِ، فَلَمّا خَالَفَ مُحَمّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ عَلَى عُثْمَانَ﵁- اعْتَزَلَ الْفِتْنَةَ، وَدَعَا اللهَ ﷿ أَنْ يَقْبِضَهُ، وَيَجْعَلَ وَفَاتَهُ بِأَثَرِ صَلَاةِ الصّبْحِ، فَصَلّى بِالنّاسِ الصّبْحَ، وَكَانَ يُسَلّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، فَلَمّا سَلّمَ التّسْلِيمَةَ الْأُولَى عَنْ يَمِينِهِ، وَذَهَبَ لِيُسَلّمَ الْأُخْرَى، قُبِضَتْ نَفْسُهُ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِعُسْفَانَ، وَهُوَ الّذِي يَقُولُ فِي حِصَارِ عُثْمَانَ:
أَرَى الْأَمْرَ لَا يَزْدَادُ إلّا تَفَاقُمًا وَأَنْصَارُنَا بِالْمَكّتَيْنِ قَلِيلُ
وَأَسْلَمْنَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَالْهَوَى إلَى أَهْلِ مِصْرَ وَالذّلِيلُ ذَلِيلُ
نُمَيْلَةُ:
وَأَمّا نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فَهُوَ لَيْثِيّ أَحَدُ بَنِي كَعْبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لَيْثٍ، صَحِبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَشَهِدَ كَثِيرًا مِنْ مَشَاهِدِهِ وَغَزَوَاتِهِ.
عَنْ ابْنِ نُقَيْذٍ وَالْقَيْنَتَيْنِ:
وَأَمّا الْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذٍ «١» الّذِي أَمَرَ بِقَتْلِهِ مَعَ ابْنِ خطل، فهو الذى
_________________
(١) بقية نسبه: ابن بجير بن عبد قصى.
[ ٧ / ١١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَخَسَ بِزَيْنَبِ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حين أدركها، هو وهبّار ابن الْأَسْوَدِ، فَسَقَطَتْ عَنْ دَابّتِهَا، وَأَلْقَتْ جَنِينَهَا.
وَأَمّا الْقَيْنَتَانِ اللّتَانِ أَمَرَ بِقَتْلِهِمَا، وَهُمَا سَارّةُ «١» وَفَرْتَنَى فأسلمت فرتنى، وآمنت سارّة وعاشت إلَى زَمَنِ عُمَرَ ﵀، ثُمّ وَطِئَهَا فَرَسٌ، فَقَتَلَهَا.
عَنْ الدّيَاتِ فِي خُطْبَةِ الرّسُولِ ﷺ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ خُطْبَةَ النّبِيّﷺ- وَفِيهَا ذِكْرُ الدّيَاتِ، وَذِكْرُ قَتِيلِ الْخَطَأِ، وَذِكْرُ شِبْهِ الْعَمْدِ وَتَغْلِيظِ الدّيَةِ فِيهِ، وَهِيَ أَنْ يُقْتَلَ الْقَتِيلُ بِسَوْطِ أَوْ عَصًا، فَيَمُوتَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ: أَنْ لَا قَوَدَ «٢» فِي شِبْهِ الْعَمْدِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ الشّافِعِيّ أَنّ فِيهِ الدّيَةَ مُغَلّظَةً أثلاثا «٣»، وليس
_________________
(١) فى بعض الروايات أنها ليست من القينتين، وإنما هى مولاة عمرو ابن هشام، وقيل مولاة لبنى عبد المطلب، لأنها كانت تؤذى رسول الله فى مكة، وقد قيل إنها التى تحملت الكتاب من حاطب بن أبى بلتعة، وكأنها عفى عنها، أو هربت، ثم أهدر دمها، فهربت حتى اسنؤمن لها من الرسول «ص» . وقيل قتلها على بن أبى طالب وقيل غيره وأما الجاريتان فهما قرتنا وقريبة، أو فرتنا وأرنبة وقد قتلت أرنب أو قريبة. أنظر ص ٢٩٨ ح ٤ البداية لابن كثير ص ٣٧٨، ٣٩٤ إمتاع الأسماع للمقريزى.
(٢) القود: القصاص وقتل القاتل بدل القتيل.
(٣) أى ثلاث وثلاثون حقة، وثلاث وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون ثنية. الثنية من الغنم، ما دخل فى الثالثة، ومن البقر كذلك، ومن الإبل فى السادسة، والجذعة ما دخل فى السنة الخامسة من الإبل، ومن البقر والغنم ما دخل فى السنة الثانية. وقيل البقر فى الثالثة، ومن الضأن ما تمت له سنة. وقيل غير ذلك. وحديث شبه العمد أخرجه الخمسة إلا الترمذى.
[ ٧ / ١١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عِنْدَ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ إلّا قَوَدٌ فِي عَمْدٍ أو دية فِي خَطَإِ تُؤْخَذُ أَخْمَاسًا «١» عَلَى مَا فَسّرَ الْفُقَهَاءُ. وَهُوَ قَوْلُ اللّيْثِ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ إنّ الْقَوَدَ لَا يَكُونُ إلّا بِالسّيْفِ، وَاحْتَجّوا بِأَثَرِ يُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا أن لا فود إلّا بِحَدِيدَةِ، وَعَنْ عَلِيّ مَرْفُوعًا أَيْضًا: لَا قَوَدَ إلّا بِالسّيْفِ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا قَوَدَ إلّا بِحَدِيدَةِ، وَهُوَ يَدُورُ عَلَى أَبِي مُعَاذٍ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ بِإِجْمَاعِ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ يَدُورُ عَلَى الْمُعَلّى بْنِ هِلَالٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيّ لَا تَقُومُ بِإِسْنَادِهِ حُجّةٌ، وَحُجّةُ الْآخَرِينَ فِي أَنّ الْقَاتِلَ يُقْتَلُ بِمَا قَتَلَ بِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ الْبَقَرَةِ: ١٩٤، وَحَدِيثُ الْيَهُودِيّ الّذِي رَضَخَ رَأْسَ الْجَارِيَةِ عَلَى أَوْضَاحٍ «٢» لَهَا، فَأَمَرَ النّبِيّ ﷺ أَنْ يُرْضَخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ.
الصّلَاةُ فِي الْكَعْبَةِ:
وَأَمّا دُخُولُهُ ﵇ الْكَعْبَةَ وصلاته فيها، فحديث بلال أنه صلى
_________________
(١) عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات لبون، وعشرون غير لبون، وعشرون بنات مخاض. ابن اللبون أو بنت اللبون: ما دخل من الإبل فى الثالثة. والمخاض: اسم للنوق الحوامل، وبنت المخاض ما دخلت فى السنة الثانية. وفى بنى اللبون خلاف. بل فى نفس الدية خلاف.
(٢) الأوضاح نوع من الحلى يعمل من الفضة وهو من حديث متفق عليه، فقد وجدوا جارية رض رأسها، فسألوها: من صنع بك هذا، حتى ذكروا يهوديا، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودى، فأقر، فأمر الرسول «ص» برض رأسه بين حجرين.
[ ٧ / ١١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِيهَا، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ لَمْ يُصَلّ فِيهَا، وَأَخَذَ النّاسُ بِحَدِيثِ بِلَالٍ، لِأَنّهُ أَثْبَتَ الصّلَاةَ وَابْنُ عَبّاسٍ نَفَى، وَإِنّمَا يُؤْخَذُ بِشَهَادَةِ المثبت، لا بشهادة الناقى، وَمَنْ تَأَوّلَ قَوْلَ بِلَالٍ أَنّهُ صَلّى، أَيْ دَعَا، فَلَيْسَ بِشَيْءِ، لِأَنّ فِي حَدِيثِ عُمَرَ أَنّهُ صَلّى فِيهَا رَكْعَتَيْنِ، وَلَكِنّ رِوَايَةَ ابْنِ عَبّاسٍ وَرِوَايَةَ بِلَالٍ صَحِيحَتَانِ، لِأَنّهُ ﵇ دَخَلَهَا يَوْمَ النّحْرِ فَلَمْ يُصَلّ، وَدَخَلَهَا مِنْ الْغَدِ فَصَلّى، وَذَلِكَ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَرْوِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادِ حَسَنٍ، خرجه الدارقطنى، وهو من فوائده «١» .
_________________
(١) عن ابن قال: دخل رسول الله «ص» البيت هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم الباب، فلما فتحوا كنت أول من ولج، فلقيت بلالا، فسألته: هل صلى فيه رسول الله «ص»؟ قال: نعم، بين العمودين اليمانيين «متفق عليه» وفى حديث البخارى وأحمد أنه «ص» صلى ركعتين بين الساريتين عن يسارك إذا دخلت وأنه خرج، فصلى فى وجهة الكعبة ركعتين. وحديث ابن عباس أنه ﷺ كبر فى البيت ولم يصل فيه قد أخرجه البخارى، وفقال إن إثبات بلال أرجح، لأنه كان مع النبى، ولم يكن ابن عباس معه» وإنما استند فى نفيه إلى أسامة تارة، وإلى الفضل تارة. وقد روى نفى الصلاة مسلم عن أسامة من طريق ابن عباس، ووقع إثبات صلاته فى الكعبة أيضا عن أسامة من رواية ابن عمر، ولهذا تترجح رواية بلال إذ ليس فيها مثل هذا التعارض «وعن عائشة قالت: خرج رسول الله «ص» من عندى وهو قرير العين طيب النفس، ثم رجع إلى، وهو حزين، فقلت له؟ فقال: إننى دخلت الكعبة، ووددت أنى لم أكن فعلت، إنى أخاف أن أكون أتعبت امتى من بعدى «الخمسة إلا النسائى وصححه الترمذى» وعن إسماعيل ابن أبى خالد قال: قلت لعبد الله ابن أبى أوفى: أدخل النبى «ص» البيت فى عمرته؟ قال: لا «متفق عليه» وبهذا استدل الجمهور على أن دخول الكعبة ليس من مناسك الحج.
[ ٧ / ١١٣ ]
[كسر الأصنام]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الرّوَايَةِ فِي إسْنَادٍ لَهُ، عَنْ ابن شهاب الزّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مكة يَوْمَ الْفَتْحِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَطَافَ عَلَيْهَا وَحَوْلَ الْبَيْتِ أَصْنَامٌ مَشْدُودَةٌ بِالرّصَاصِ، فَجَعَلَ النّبِيّ ﷺ يُشِيرُ بِقَضِيبِ فِي يَدِهِ إلَى الْأَصْنَامِ وَيَقُولُ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا فَمَا أَشَارَ إلَى صَنَمٍ مِنْهَا فِي وَجْهِهِ إلّا وَقَعَ لِقَفَاهُ، وَلَا أَشَارَ إلَى قَفَاهُ إلّا وَقَعَ لِوَجْهِهِ، حَتّى مَا بَقِيَ مِنْهَا صَنَمٌ إلّا وَقَعَ؛ فَقَالَ تَمِيمُ بْنُ أَسَدٍ الْخُزَاعِيّ فِي ذَلِكَ:
وَفِي الْأَصْنَامِ مُعْتَبَرٌ وَعِلْمٌ لِمَنْ يَرْجُو الثّوَابَ أو العقابا
[قصة إسلام فَضَالَةُ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي: أَنّ فَضَالَةَ بْن عُمَيْرِ بْنِ الْمُلَوّحِ اللّيْثِيّ أَرَادَ قَتْلَ النّبِيّ ﷺ: وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَامَ الْفَتْحِ، فَلَمّا دَنَا مِنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَفَضَالَةُ؟ قال: نعم فضالة يا رسول الله؛ قَالَ:
مَاذَا كُنْت تُحَدّثُ بِهِ نَفْسَك؟ قَالَ لَا شَيْءَ، كُنْت أَذْكُرُ اللهَ، قَالَ: فَضَحِكَ النّبِيّ ﷺ، ثُمّ قَالَ: اسْتَغْفِرْ اللهَ، ثُمّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ، فَسَكَنَ قَلْبُهُ؛ فَكَانَ فَضَالَةُ يَقُولُ: وَاَللهِ مَا رَفَعَ يَدَهُ عَنْ صَدْرِي حَتّى مَا مِنْ خَلْقِ اللهِ شَيْءٌ أَحَبّ إلَيّ مِنْهُ. قَالَ فَضَالَةُ: فَرَجَعْت إلَى أَهْلِي، فَمَرَرْت بِامْرَأَةِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١١٤ ]
كُنْت أَتَحَدّثُ إلَيْهَا، فَقَالَتْ: هَلُمّ إلَى الْحَدِيثِ، فَقُلْت: لَا، وَانْبَعَثَ فَضَالَةُ يَقُولُ:
قَالَتْ هَلُمّ إلَى الْحَدِيثِ فَقُلْت لَا يَأْبَى عَلَيْك اللهُ والإسلام
لو ما رَأَيْتِ مُحَمّدًا وَقَبِيلَهُ بِالْفَتْحِ يَوْمَ تَكَسّرَ الْأَصْنَامُ
لرأيت دين أَضْحَى بَيّنًا وَالشّرْكُ يَغْشَى وَجْهَهُ الْإِظْلَامُ
[أمان الرسول لصوان بْنِ أُمَيّةَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَ:
خَرَجَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ يُرِيدُ جُدّةَ لِيَرْكَبَ مِنْهَا إلَى الْيَمَنِ، فَقَالُ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ:
يَا نَبِيّ اللهِ إنّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيّةَ سَيّدُ قَوْمِهِ، وَقَدْ خَرَجَ هَارِبًا مِنْك لِيَقْذِفَ نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ، فَأَمّنْهُ، صَلّى اللهُ عَلَيْك؛ قَالَ، هُوَ آمِنٌ؛ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَعْطِنِي آيَةً يَعْرِفُ بِهَا أَمَانَك؛ فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِمَامَتَهُ الّتِي دَخَلَ فِيهَا مَكّةَ، فَخَرَجَ بِهَا عُمَيْرٌ حَتّى أَدْرَكَهُ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ: يَا صَفْوَانُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمّي، اللهَ اللهَ فِي نَفْسِك أَنْ تُهْلِكَهَا، فَهَذَا أَمَانٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَدْ جِئْتُك بِهِ؛ قَالَ: وَيْحَك! اُغْرُبْ عَنّي فلا تكلّمتى؛ قَالَ: أَيْ صَفْوَانُ فِدَاك أَبِي وَأُمّي، أَفْضَلُ النّاسِ، وَأَبَرّ النّاسِ، وَأَحْلَمُ النّاسِ، وَخَيْرُ النّاسِ، ابْنُ عَمّك، عِزّهُ عِزّك، وَشَرَفُهُ شَرَفُك، وَمُلْكُهُ مُلْكُك؛ قَالَ: إنّي أَخَافُهُ عَلَى نَفْسِي، قَالَ: هُوَ أَحْلَمُ مِنْ ذَاكَ وَأَكْرَمُ: فَرَجَعَ مَعَهُ، حَتّى وَقَفَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١١٥ ]
عَلَيْهِ وَسَلّمَ، فَقَالَ صَفْوَانُ: إنّ هَذَا يَزْعُمُ أَنّك قَدْ أَمّنْتَنِي، قَالَ: صَدَقَ؛ قَالَ:
فَاجْعَلْنِي فِيهِ بِالْخِيَارِ شَهْرَيْنِ؛ قَالَ: أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ صَفْوَانَ قَالَ لِعُمَيْرِ وَيْحَك! اُغْرُبْ عَنّي، فَلَا تُكَلّمْنِي، فَإِنّك كَذّابٌ، لِمَا كَانَ صَنَعَ بِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي آخِرِ حَدِيثِ يَوْمِ بَدْرٍ.
[إسْلَامُ عِكْرِمَةَ وَصَفْوَانَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي الزّهْرِيّ: أَنّ أُمّ حَكِيمِ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَفَاخِتَةَ بِنْتَ الْوَلِيدِ- وَكَانَتْ فَاخِتَةُ عِنْدَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ، وَأُمّ حَكِيمٍ عِنْدَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ- أَسْلَمَتَا؛ فَأَمّا أُمّ حَكِيمٍ فَاسْتَأْمَنَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِعِكْرِمَةَ فَأَمّنَهُ؛ فَلَحِقَتْ بِهِ بِالْيَمَنِ، فَجَاءَتْ بِهِ، فَلَمّا أَسْلَمَ عِكْرِمَةُ وَصَفْوَانُ أَقَرّهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَهُمَا عَلَى النّكَاحِ الْأَوّلِ.
[إسْلَامُ ابْنِ الزّبَعْرَى وَشِعْرُهُ فِي ذَلِك]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ حَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ:
قَالَ: رَمَى حَسّانُ ابن الزّبَعْرَى وَهُوَ بِنَجْرَانَ بِبَيْتِ وَاحِدٍ مَا زَادَهُ عليه:
لا تعد من رَجُلًا أَحَلّك بُغْضُهُ نَجْرَانَ فِي عَيْشٍ أَحَذّ لئيم
فلما بلغ ذلك ابن الزّبَعْرَى خَرَجَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَسْلَمَ، فَقَالَ حِينَ أَسْلَمَ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١١٦ ]
يَا رَسُولَ الْمَلِيكِ إنّ لِسَانِي رَاتِقٌ مَا فتقت إذ أنا بور
إذْ أُبَارِي الشّيْطَانَ فِي سُنَنِ الْغَيّ وَمَنْ مَالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ
آمَنَ اللّحْمُ وَالْعِظَامُ لِرَبّي ثُمّ قَلْبِي الشّهِيدُ أَنْتَ النّذِيرُ
إنّنِي عَنْكَ زاجر تمّ حَيّا مِنْ لُؤَيّ وَكُلّهُمْ مَغْرُورُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزّبَعْرَى أَيْضًا حين أسلم:
مَنَعَ الرّقَادَ بَلَابِلٌ وَهُمُومُ واللَيْلُ مُعْتَلِجُ الرّوَاقِ بَهِيمُ
مِمّا أَتَانِي أَنّ أَحْمَدَ لَامَنِي فِيهِ فَبِتّ كَأَنّنِي مَحْمُومُ
يَا خَيْرَ مَنْ حَمَلَتْ عَلَى أَوْصَالِهَا عَيْرَانَةٌ سُرُحُ الْيَدَيْنِ غَشُومُ
إنّي لَمُعْتَذِرٌ إلَيْكَ مِنْ الّذِي أَسْدَيْتُ إذْ أَنَا فِي الضّلَالِ أَهِيمُ
أَيّامَ تَأْمُرُنِي بِأَغْوَى خُطّةٍ سَهْمٌ وَتَأْمُرُنِي بِهَا مَخْزُومُ
وَأَمُدّ أَسْبَابَ الرّدَى وَيَقُودُنِي أَمْرُ الْغُوَاةِ وَأَمْرُهُمْ مَشْئُومُ
فَالْيَوْمَ آمَنَ بِالنّبِيّ مُحَمّدٍ قَلْبِي وَمُخْطِئُ هَذِهِ مَحْرُومُ
مَضَتْ الْعَدَاوَةُ وَانْقَضَتْ أَسْبَابُهَا وَدَعَتْ أَوَاصِرُ بَيْنَنَا وَحُلُومُ
فاغفر فدى لك والدى كِلَاهُمَا زَلَلِي، فَإِنّك رَاحِمٌ مَرْحُومُ
وَعَلَيْكَ مِنْ عِلْمِ الْمَلِيكِ عَلَامَةٌ نُورٌ أَغَرّ وَخَاتَمٌ مَخْتُومُ
أَعْطَاكَ بَعْدَ مَحَبّةٍ بُرْهَانَهُ شَرَفًا وَبُرْهَانُ الْإِلَهِ عَظِيمُ
وَلَقَدْ شَهِدْت بِأَنّ دِينَكَ صَادِقٌ حَقّ وَأَنّك فِي الْعِبَادِ جَسِيمُ
وَاَللهُ يَشْهَدُ أَنّ أَحْمَدَ مُصْطَفًى مُسْتَقْبَلٌ فِي الصّالِحِينَ كَرِيمُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١١٧ ]
قَرْمٌ عَلَا بُنْيَانَهُ مِنْ هَاشِمٍ فَرْعٌ تَمَكّنَ فِي الذّرَا وَأُرُومُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهَا لَهُ.
[بَقَاءُ هُبَيْرَةَ عَلَى كُفْرِهِ وَشِعْرُهُ فِي إسْلَامِ زَوْجِهِ أُمّ هانىء]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمّا هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيّ فَأَقَامَ بِهَا حَتّى مَاتَ كَافِرًا، وكانت عنده أمّ هانىء بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، وَاسْمُهَا هِنْدٌ، وَقَدْ قَالَ حين بلغه إسلام أمّ هانىء:
أَشَاقَتْكَ هِنْدٌ أَمْ أَتَاكَ سُؤَالُهَا كَذَاكَ النّوَى أَسْبَابُهَا وَانْفِتَالُهَا
وَقَدْ أَرّقَتْ فِي رَأْسِ حِصْنٍ مُمَنّعٍ بِنَجْرَانَ يُسْرِي بَعْدَ لَيْلٍ خَيَالُهَا
وَعَاذِلَةٍ هَبّتْ بِلَيْلٍ تَلُومُنِي وَتَعْذِلُنِي بِاللّيْلِ ضَلّ ضَلَالُهَا
وَتَزْعُمُ أَنّي إنْ أَطَعْتُ عَشِيرَتِي سَأُرْدَى وَهَلْ يُرْدِينِ إلّا زِيَالُهَا
فَإِنّي لَمِنْ قَوْمٍ إذَا جَدّ جِدّهُمْ عَلَى أَيّ حَالٍ أَصْبَحَ الْيَوْمَ حَالُهَا
وَإِنّي لَحَامٍ مِنْ وَرَاءِ عَشِيرَتِي إذَا كَانَ مِنْ تَحْتِ الْعَوَالِي مَجَالُهَا
وَصَارَتْ بِأَيْدِيهَا السّيُوفُ كَأَنّهَا مَخَارِيقُ وِلْدَانٍ وَمِنْهَا ظِلَالُهَا
وَإِنّي لَأَقْلَى الْحَاسِدِينَ وَفِعْلَهُمْ عَلَى اللهِ رِزْقِي نَفْسُهَا وَعِيَالُهَا
وَإِنّ كَلَامَ الْمَرْءِ فيَ غَيْرِ كُنْهِهِ لكا النّبل تَهْوِي لَيْسَ فِيهَا نِصَالُهَا
فَإِنْ كُنْتِ قَدْ تَابَعْت دِينَ مُحَمّدٍ وَعَطّفَتْ الْأَرْحَامَ مِنْك حِبَالُهَا
فكونى على أعلى سحيق بهضبة ململمة غبراه يَبْسٍ بِلَالُهَا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَيُرْوَى: «وَقَطّعَتْ الْأَرْحَامَ مِنْك حِبَالُهَا» .
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١١٨ ]
[عِدّةُ مَنْ شَهِدَ فَتْحَ مَكّةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ جَمِيعُ مَنْ شَهِدَ فَتْحَ مَكّةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَشَرَةَ آلَافٍ. مِنْ بنى سليم سبع مائة، ويقول بعضهم: ألف؛ ومن بنى غفار أربع مائة، ومن أسلم أربع مائة؛ وَمِنْ مُزَيْنَةَ أَلْفٌ وَثَلَاثَةُ نَفَرٍ، وَسَائِرُهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ وَحُلَفَائِهِمْ، وَطَوَائِفُ الْعَرَبِ مِنْ تَمِيمٍ وَقَيْسٍ وَأَسَدٍ.
[شِعْرُ حَسّانَ فِي فَتْحِ مَكّةَ]
وَكَانَ مِمّا قِيلَ مِنْ الشّعْرِ فِي يَوْمِ الْفَتْحِ قَوْلُ حسّان بن ثابت الأنصارى:
عَفَتْ ذَاتُ الْأَصَابِعِ فَالْجِوَاءُ إلَى عَذْرَاءَ مَنْزِلُهَا خَلَاءُ
دِيَارٌ مِنْ بَنِي الْحَسْحَاسِ قَفْرٌ تُعَفّيهَا الرّوَامِسُ وَالسّمَاءُ
وَكَانَتْ لَا يَزَالُ بِهَا أَنِيسٌ خِلَالَ مُرُوجِهَا نَعَمٌ وَشَاءُ
فَدَعْ هَذَا وَلَكِنْ مَنْ لِطَيْفِ يُؤَرّقُنِي إذَا ذَهَبَ الْعِشَاءُ
لِشَعْثَاءَ الّتِي قَدْ تَيّمَتْهُ فَلَيَسَ لِقَلْبِهِ مِنْهَا شِفَاءُ
كَأَنّ خَبِيئَةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ
إذَا مَا الْأَشْرِبَاتُ ذُكِرْنَ يَوْمًا فهنّ لطيّب الراح الفداء
فولّيها الْمَلَامَةَ إنْ أَلَمْنَا إذَا مَا كَانَ مَغْثٌ أَوْ لِحَاءُ
وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا وَأُسْدًا مَا يُنَهْنِهُنَا اللّقَاءُ
عَدِمْنَا خَيْلَنَا إنْ لَمْ تَرَوْهَا تُثِيرُ النّقْعَ مَوْعِدُهَا كَدَاءُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١١٩ ]
يُنَازِعْنَ الْأَعِنّةَ مُصْغِيَاتٍ عَلَى أَكْتَافِهَا الْأَسَلُ الظّمَاءُ
تَظَلّ جِيَادُنَا مُتَمَطّرَاتٍ يُلَطّمُهُنّ بِالْخُمُرِ النّسَاءُ
فَإِمّا تُعْرِضُوا عَنّا اعْتَمَرْنَا وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ
وَإِلّا فَاصْبِرُوا لِجِلَادِ يَوْمٍ يُعِينُ اللهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ
وَجِبْرِيلُ رَسُولُ اللهِ فِينَا وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ
وَقَالَ اللهُ: قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا يَقُولُ الْحَقّ إنْ نَفَعَ الْبَلَاءُ
شَهِدْتُ بِهِ فَقُومُوا صَدّقُوهُ فَقُلْتُمْ: لَا نَقُومُ وَلَا نَشَاءُ
وَقَالَ اللهُ قَدْ سَيّرْتُ جُنْدًا هُمْ الْأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللّقَاءُ
لَنَا فِي كُلّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدّ سِبَابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ
فَنُحْكِمُ بِالْقَوَافِي مَنْ هَجَانَا وَنَضْرِبُ حِينَ تَخْتَلِطُ الدّمَاءُ
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنّي مُغَلْغَلَةً فَقَدْ بَرِحَ الْخَفَاءُ
بِأَنّ سُيُوفَنَا تَرَكَتْكَ عَبْدًا وَعَبْدُ الدّارِ سَادَتُهَا الْإِمَاءُ
هَجَوْتَ مُحَمّدًا وَأَجَبْتُ عَنْهُ وَعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
هَجَوْتَ مُبَارَكًا بَرّا حَنِيفًا أَمِينَ اللهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ
أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ؟
فَإِنّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي لِعِرْضِ مُحَمّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
لِسَانِي صَارِمٌ لَا عَيْبَ فِيهِ وَبَحْرِي لَا تُكَدّرُهُ الدّلَاءُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٢٠ ]
قال ابن هشام: قَالَهَا حَسّانُ يَوْمَ الْفَتْحِ. وَيُرْوَى: «لِسَانِي صَارِمٌ لَا عَتْبَ فِيهِ» وَبَلَغَنِي عَنْ الزّهْرِيّ أَنّهُ قَالَ: لَمّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ النّسَاءَ يَلْطِمْنَ الْخَيْلَ بِالْخُمُرِ تَبَسّمَ إلَى أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ ﵁.
[شِعْرُ أَنَسِ بْنِ زُنَيْمٍ فِي الِاعْتِذَارِ إلَى الرسول مما قَالَ ابْنُ سَالِمٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَنَسُ بْنُ زُنَيْمٍ الدّيلِيّ يَعْتَذِرُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ممن كَانَ قَالَ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيّ:
أَأَنْتَ الّذِي تُهْدَى مَعَدّ بِأَمْرِهِ بَلْ اللهُ يَهْدِيهِمْ وَقَالَ لَك اشْهَدْ
وَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا أَبَرّ وَأَوْفَى ذِمّةً مِنُ مُحَمّدِ
أَحَثّ عَلَى خَيْرٍ وَأَسْبَغَ نَائِلًا إذَا رَاحَ كَالسّيْفِ الصّقِيلِ الْمُهَنّدِ
وَأَكْسَى لِبُرْدِ الْخَالِ قَبْلَ ابْتِذَالِهِ وَأَعْطَى لِرَأْسِ السّابِقِ الْمُتَجَرّدِ
تَعَلّمْ رَسُولَ اللهِ أَنّك مُدْرِكِي وَأَنّ وَعِيدًا مِنْك كَالْأَخْذِ بِالْيَدِ
تَعَلّمْ رَسُولَ اللهِ أَنّكَ قَادِرٌ عَلَى كُلّ صِرْمٍ مُتْهِمِينَ وَمُنْجِدِ
تَعَلّمْ بِأَنّ الرّكْبَ رَكْبُ عُوَيْمِرٍ هُمْ الْكَاذِبُونَ الْمُخْلِفُو كُلّ مَوْعِدِ
ونَبّوْا رَسُولَ اللهِ أَنّي هَجَوْتُهُ فَلَا حَمَلَتْ سَوْطِي إلَيّ إذَنْ يَدِي
سِوَى أَنّنِي قَدْ قُلْتُ وَيْلُ امّ فِتْيَةٍ أُصِيبُوا بِنَحْسٍ لا يطلق وَأَسْعُدِ
أَصَابَهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ لِدِمَائِهِمْ كِفَاءً فَعَزّتْ عَبْرَتِي وَتَبَلّدِي
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٢١ ]
فَإِنّكَ قَدْ أَخَفَرْتَ إنْ كُنْتَ سَاعِيًا بِعَبْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَابْنَةِ مَهْوِدِ
ذُوَيْبٌ وَكُلْثُومٌ وَسَلْمَى تَتَابَعُوا جَمِيعًا فَإِلّا تَدْمَعْ الْعَيْنُ اكْمَدْ
وَسَلْمَى وَسَلْمَى لَيْسَ حَيّ كَمِثْلِهِ وَإِخْوَتِهِ وَهَلْ مُلُوكٌ كَأَعْبُدِ؟
فَإِنّي لَا دِينًا فَتَقْتُ وَلَا دَمًا هَرَقْتُ تَبَيّنْ عَالِمَ الْحَقّ وَاقْصِدْ
[شِعْرُ بُدَيْلٍ فِي الرّدّ عَلَى ابْنِ زُنَيْمٍ]
فَأَجَابَهُ بُدَيْلُ بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ أُمّ أَصْرَمَ، فَقَالَ:
بَكَى أَنَسٌ رَزْنًا فَأَعْوَلَهُ اُلْبُكَا فَأَلّا عَدِيّا إذْ تُطَلّ وَتُبْعَدُ
بَكَيْتَ أَبَا عَبْسٍ لِقُرْبِ دِمَائِهَا فَتُعْذِرَ إذْ لَا يُوقِدُ الْحَرْبَ مُوقِدُ
أَصَابَهُمْ يَوْمَ الْخَنَادِمِ فِتْيَةٌ كِرَامٌ فَسَلْ، مِنْهُمْ نُفَيْلٌ وَمَعْبَدُ
هُنَالِكَ إنْ تُسْفَحْ دُمُوعُك لَا تُلَمْ عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ تَدْمَعْ الْعَيْنُ فَاكْمَدُوا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
[شِعْرُ بُجَيْرٍ فِي يَوْمِ الْفَتْحِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ بُجَيْرُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سلمى فى يوم الفتح:
نَفَى أَهْلَ الْحَبَلّقِ كُلّ فَجّ مُزَيْنَةُ غُدْوَةً وبنو خفاف
ضربناهم بمكة يوم فتح النّبىّ الْخَيْرِ بِالْبِيضِ الْخِفَافِ
صَبَحْنَاهُمْ بِسَبْعٍ مِنْ سُلَيْمٍ وَأَلْفٍ مِنْ بَنِي عُثْمَانَ وَافِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٢٢ ]
نَطَا أَكْتَافَهُمْ ضَرْبًا وَطَعْنًا وَرَشْقًا بِالْمُرَيّشَةِ اللّطَافِ
نرى بَيْنَ الصّفُوفِ لَهَا حَفِيفًا كَمَا انْصَاعَ الْفُوَاقُ مِنْ الرّصَافِ
فَرُحْنَا وَالْجِيَادُ تَجُولُ فِيهِمْ بِأَرْمَاحٍ مُقَوّمَةِ الثّقَافِ
فَأُبْنَا غَانِمِينَ بِمَا اشْتَهَيْنَا وَآبُوا نَادِمِينَ عَلَى الْخِلَافِ
وَأَعْطَيْنَا رَسُولَ اللهِ مِنّا مَوَاثِقَنَا عَلَى حُسْنِ التّصَافِي
وَقَدْ سَمِعُوا مَقَالَتَنَا فَهَمّوا غَدَاةَ الرّوْعِ مِنّا بِانْصِرَافِ
[شِعْرُ ابْنِ مِرْدَاسٍ فِي فَتْحِ مَكّةَ]
قَالَ ابن هشام: وقال ابن مرداس السلمى فى فتح مكة:
منا بمكة يوم فتح محمد ألف تسهيل به البطاح مسوم
نصروا الرسول وأشاهدا أَيّامَهُ وَشِعَارُهُمْ يَوْمَ اللّقَاءِ مُقَدّمُ
فِي مَنْزِلٍ ثَبَتَتْ بِهِ أَقْدَامُهُمْ ضَنْكٍ كَأَنّ الْهَامَ فِيهِ الْحَنْتَمُ
جَرّتْ سَنَابِكَهَا بِنَجْدٍ قَبْلَهَا حَتّى اسْتَقَادَ لها الحجاز الأدهم
الله مسكنه لَهُ وَأَذَلّهُ حُكْمُ السّيُوفِ لَنَا وَجَدّ مِزْحَمُ
عود الرياسة شامخ عرنيته مُتَطَلّعٌ ثُغَرَ الْمَكَارِمِ خِضْرِمُ
[إسْلَامُ عَبّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ إسْلَامُ عَبّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ، فِيمَا حَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ، وَحَدِيثُهُ أَنّهُ كَانَ لِأَبِيهِ مِرْدَاسٍ وَثَنٌ يَعْبُدُهُ، وَهُوَ حَجَرٌ كَانَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٢٣ ]
يُقَالُ لَهُ ضِمَارِ، فَلَمّا حَضَرَ مِرْدَاسٌ قَالَ لِعَبّاسِ: أَيْ بُنَيّ، اُعْبُدْ ضِمَارِ فَإِنّهُ يَنْفَعُك وَيَضُرّك، فَبَيْنَا عَبّاسٌ يَوْمًا عِنْدَ ضِمَارِ، إذْ سَمِعَ مِنْ جَوْفِ ضِمَارِ مُنَادِيًا يَقُولُ:
قُلْ لِلْقَبَائِلِ مِنْ سُلَيْمٍ كُلّهَا أَوْدَى ضِمَارِ وَعَاشَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ
إنّ الّذِي وَرِثَ النّبُوّةَ وَالْهُدَى بَعْدَ ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ قُرَيْشٍ مُهْتَدِي
أَوْدَى ضِمَارِ وَكَانَ يُعْبَدُ مَرّةً قَبْلَ الْكِتَابِ إلَى النّبِيّ مُحَمّدِ
فَحَرّقَ عَبّاسٌ ضِمَارِ، وَلَحِقَ بِالنّبِيّ ﷺ فَأَسْلَمَ.
[شِعْرُ جَعْدَةَ فِي يَوْمِ الْفَتْحِ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ جَعْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْخُزَاعِيّ يَوْمَ فَتْحِ مَكّةَ:
أَكَعْبَ بْنُ عَمْرٍو دَعْوَةً غَيْرَ بَاطِلِ لِحَيْنٍ لَهُ يَوْمَ الْحَدِيدِ مُتَاحِ
أُتِيحَتْ لَهُ مِنْ أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ لِتَقْتُلَهُ لَيْلًا بِغَيْرِ سِلَاحِ
وَنَحْنُ الْأُلَى سَدّتْ غَزَالَ خُيُولُنَا وَلِفْتًا سَدَدْنَاهُ وَفَجّ طِلَاحِ
خَطَرْنَا وَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ بجحفل ذوى عضد من خيلنا ورماح
وهذه الأبيات فى أبيات له.
[شِعْرُ بُجَيْدٍ فِي يَوْمِ الْفَتْحِ]
وَقَالَ بُجَيْدُ بْنُ عِمْرَانَ الْخُزَاعِيّ:
وَقَدْ أَنْشَأَ اللهُ السّحَابَ بِنَصْرِنَا رُكَامَ صِحَابِ الْهَيْدَبِ الْمُتَرَاكِبِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٢٤ ]
وَهِجْرَتُنَا فِي أَرْضِنَا عِنْدَنَا بِهَا كِتَابٌ أَتَى مِنْ خَيْرِ مُمْلٍ وَكَاتِبِ
وَمِنْ أَجْلِنَا حَلّتْ بِمَكّةَ حُرْمَةٌ لِنُدْرِكَ ثَأْرًا بِالسّيُوفِ الْقَوَاضِبِ
[مَسِيرُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بَعْدَ الْفَتْحِ إلَى بَنِي جَذِيمَةَ مِنْ كِنَانَةَ وَمَسِيرُ عَلِيّ لِتَلَافِي خَطَأِ خَالِد]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ بَعَثَ رسول الله ﷺ فيما حَوْلَ مَكّةَ السّرَايَا تَدْعُو إلَى اللهِ ﷿، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِقِتَالِ، وَكَانَ مِمّنْ بَعَثَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ بِأَسْفَلِ تِهَامَةَ دَاعِيًا، وَلَمْ يَبْعَثْهُ مُقَاتِلًا، فَوَطِئَ بَنِي جَذِيمَةَ، فَأَصَابَ مِنْهُمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السّلَمِيّ فِي ذَلِكَ:
فَإِنْ تك قد أمرت في القوم خالدا وقدمته فإنه قد تقدما
بجند هداه الله أنت أَمِيرُهُ نُصِيبُ بِهِ فِي الْحَقّ مَنْ كَانَ أَظْلَمَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ فِي حَدِيثِ يَوْمِ حُنَيْنٍ، سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللهُ فِي مَوْضِعِهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي حَكِيمُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ عَبّادِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمّدِ بْنِ عَلِيّ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خالد بن الوليد حين افتتح مَكّةَ دَاعِيًا، وَلَمْ يَبْعَثْهُ مُقَاتِلًا، وَمَعَهُ قَبَائِلُ مِنْ الْعَرَبِ: سُلَيْمُ بْنُ مَنْصُورٍ وَمُدْلِجُ بْنُ مُرّةَ، فَوَطِئُوا بَنِي جَذِيمَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةِ بْنِ كِنَانَةَ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٢٥ ]
فَلَمّا رَآهُ الْقَوْمُ أَخَذُوا السّلَاحَ، فَقَالَ خَالِدٌ: ضَعُوا السّلَاحَ، فَإِنّ النّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ، قَالَ: لَمّا أَمَرَنَا خَالِدٌ أَنْ نَضَعَ السّلَاحَ قَالَ رَجُلٌ مِنّا يُقَالُ لَهُ جَحْدَمٌ: وَيْلَكُمْ يَا بَنِي جَذِيمَةَ! إنّهُ خَالِدٌ وَاَللهِ! مَا بَعْدَ وَضْعِ السّلَاحِ إلّا الْإِسَارُ، وَمَا بَعْدَ الْإِسَارِ إلّا ضَرْبُ الْأَعْنَاقِ، وَاَللهِ لَا أَضَعُ سِلَاحِي أَبَدًا. قَالَ: فَأَخَذَهُ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالُوا: يَا جَحْدَمُ، أَتُرِيدُ أَنْ تَسْفِكَ دِمَاءَنَا؟ إنّ النّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا وَوَضَعُوا السّلَاحَ، وَوُضِعَتْ الْحَرْبُ وَأَمِنَ النّاسُ. فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتّى نَزَعُوا سِلَاحَهُ، وَوَضَعَ القوم السلاح لقول خالد.
[براءة الرسول ﷺ من عمل خَالِدٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي حَكِيمُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمّدِ بْنِ عَلِيّ، قَالَ: فَلَمّا وَضَعُوا السّلَاحَ أَمَرَ بِهِمْ خَالِدٌ عِنْدَ ذَلِكَ، فَكُتِفُوا، ثُمّ عَرَضَهُمْ عَلَى السّيْفِ فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ؛ فَلَمّا انْتَهَى الْخَبَرُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ إلَى السّمَاءِ، ثُمّ قَالَ: اللهُمّ إنّي أَبْرَأُ إلَيْك مِمّا صَنَعَ خَالِدُ بْنُ الوليد.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنّهُ حُدّثَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَحْمُودِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: رَأَيْتُ كَأَنّي لَقِمْت لُقْمَةً مِنْ حَيْسٍ، فَالْتَذَذْتُ طَعْمَهَا، فَاعْتَرَضَ فِي حَلْقِي مِنْهَا شَيْءٌ حِينَ ابْتَلَعْتهَا، فَأَدْخَلَ عَلِيّ يَدَهُ فَنَزَعَهُ؛ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ ﵁:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٢٦ ]
يا رسول الله، هَذِهِ سَرِيّةٌ مِنْ سَرَايَاك تَبْعَثُهَا، فَيَأْتِيك مِنْهَا بَعْضُ مَا تُحِبّ، وَيَكُونُ فِي بَعْضِهَا اعْتِرَاضٌ، فَتَبْعَثُ عَلِيّا فَيُسَهّلُهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي أَنّهُ انْفَلَتَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَلْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ رَجُلٌ أَبْيَضُ رَبْعَةٌ، فَنَهَمَهُ خَالِدٌ، فَسَكَتَ عَنْهُ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ طَوِيلٌ مُضْطَرِبٌ فَرَاجَعَهُ، فَاشْتَدّتْ مُرَاجَعَتُهُمَا؛ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخطّاب: أما الأوّل يا رسول الله فَابْنِي عَبْدُ اللهِ، وَأَمّا الْآخَرُ فَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي حَكِيمُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمّدِ بْنِ عَلِيّ قَالَ:
ثُمّ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ:
يَا عَلِيّ، اُخْرُجْ إلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، فَانْظُرْ فِي أَمْرِهِمْ، وَاجْعَلْ أَمْرَ الْجَاهِلِيّةِ تَحْتَ قَدَمَيْك. فَخَرَجَ عَلِيّ حَتّى جَاءَهُمْ وَمَعَهُ مَالٌ قَدْ بَعَثَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَوَدَى لَهُمْ الدّمَاءَ وَمَا أُصِيبَ لَهُمْ مِنْ الْأَمْوَالِ، حَتّى إنّهُ لَيَدِي لَهُمْ مِيلَغَةَ الْكَلْبِ، حَتّى إذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ وَلَا مَالٍ إلا وداء، بَقِيَتْ مَعَهُ بَقِيّةٌ مِنْ الْمَالِ، فَقَالَ لَهُمْ عَلِيّ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْهُمْ: هَلْ بَقِيَ لَكُمْ بَقِيّةٌ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ لَمْ يُودَ لَكُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَإِنّي أُعْطِيكُمْ هَذِهِ الْبَقِيّةَ مِنْ هَذَا الْمَالِ، احْتِيَاطًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، مِمّا يَعْلَمُ وَلَا تَعْلَمُونَ، فَفَعَلَ.
ثُمّ رَجَعَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ: فَقَالَ أَصَبْت وَأَحْسَنْت.
قَالَ: ثُمّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَائِمًا شَاهِرًا يَدَيْهِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٢٧ ]
حَتّى إنّهُ لَيُرَى مِمّا تَحْتَ مَنْكِبَيْهِ، يَقُولُ: اللهُمّ إنّي أَبْرَأُ إلَيْك مِمّا صَنَعَ خَالِدُ ابن الوليد، ثلاث مرّات.
[الاعتذار عن خالد]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ يَعْذِرُ خَالِدًا إنّهُ قَالَ: مَا قَاتَلْت حَتّى أَمَرَنِي بِذَلِك عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ السّهْمِيّ، وَقَالَ: إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قد أمرك أن تقاتلهم لا متناعهم من الإسلام.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو الْمَدَنِيّ: لما أتاهم خالد، قالوا: صبأنا صبأنا.
[بين خالد وبين ابن عوف]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ جَحْدَمٌ قَالَ لَهُمْ حِينَ وَضَعُوا السّلَاحَ وَرَأَى مَا يَصْنَعُ خَالِدٌ بِبَنِي جَذِيمَةَ: يَا بَنِي جَذِيمَةَ، ضَاعَ الضّرْبُ، قَدْ كُنْت حَذّرْتُكُمْ مَا وَقَعْتُمْ فِيهِ. قَدْ كَانَ بَيْنَ خَالِدٍ وَبَيْنَ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فِيمَا بَلَغَنِي، كَلَامٌ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: عَمِلْت بِأَمْرِ الْجَاهِلِيّةِ فِي الْإِسْلَامِ.
فَقَالَ: إنّمَا ثَأَرْت بِأَبِيك. فَقَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ: كَذَبْت، قَدْ قَتَلْتُ قَاتِلَ أَبِي، وَلَكِنّك ثَأَرْتَ بِعَمّك الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، حَتّى كَانَ بَيْنَهُمَا شَرّ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فقال: مهلا يا خالد، دع عنك أصحابى، فو الله لَوْ كَانَ لَك أُحُدٌ ذَهَبًا ثُمّ أَنْفَقْته فِي سَبِيلِ اللهِ مَا أَدْرَكَتْ غَدْوَةَ رَجُلٍ من أصحابى ولا روحته.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٢٨ ]
[بين قريش وبنى جذيمة]
وَكَانَ الْفَاكِهُ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَعَوْفُ بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ، وَعَفّانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ قَدْ خَرَجُوا تُجّارًا إلَى الْيَمَنِ، وَمَعَ عَفّانَ ابْنُهُ عُثْمَانُ، وَمَعَ عَوْفٍ ابْنُهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ، فَلَمّا أَقْبَلُوا حَمَلُوا مَالَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ بْنِ عَامِرٍ، كَانَ هَلَكَ، بِالْيَمَنِ، إلَى وَرَثَتِهِ، فَادّعَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ خَالِدُ بْنُ هِشَامٍ، وَلَقِيَهُمْ بِأَرْضِ بَنِي جَذِيمَةَ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إلَى أَهْلِ الْمَيّتِ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَقَاتَلَهُمْ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى الْمَالِ لِيَأْخُذُوهُ، وَقَاتَلُوهُ، فَقُتِلَ عَوْفُ بْنُ عَبْدِ عَوْفٍ، وَالْفَاكِهُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَنَجَا عَفّانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ وَابْنُهُ عُثْمَانُ، وَأَصَابُوا مَالَ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَمَالَ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفٍ، فَانْطَلَقُوا بِهِ، وَقَتَلَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ خَالِدَ بْنَ هِشَامٍ قَاتِلَ أَبِيهِ، فَهَمّتْ قُرَيْشٌ بِغَزْوِ بَنِي جَذِيمَةَ، فَقَالَتْ بَنُو جَذِيمَةَ: مَا كان مصاب أصحابكم عن ملإمنا، إنما عدا عليهم قوم بجهالة، فأصابوهم ولم نعلم، فنحن نعقل لكم ما كَانَ لَكُمْ قِبَلَنَا مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ، فَقَبِلَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ، وَوَضَعُوا الْحَرْبَ.
[شِعْرُ سَلْمَى فيما بين جذيمة وقريش]
وقد قَائِلٌ مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا سَلْمَى:
وَلَوْلَا مَقَالُ الْقَوْمِ لِلْقَوْمِ أَسْلِمُوا لَلَاقَتْ سُلَيْمٌ يَوْمَ ذَلِكَ نَاطِحَا
لَمَاصَعَهُمْ بُسْرٌ وَأَصْحَابُ جَحْدَمٍ وَمُرّةُ حَتّى يَتْرُكُوا الْبَرْكَ ضابحا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٢٩ ]
فكائن ترى يوم القميصاء مِنْ فَتًى أُصِيبَ وَلَمْ يَجْرَحْ وَقَدْ كَانَ جَارِحَا
أَلَظّتْ بِخُطّابِ الْأَيَامَى وَطَلّقَتْ غَدَاتَئِذٍ مِنْهُنّ مَنْ كَانَ نَاكِحَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ «يسر» «وَأَلَظّتْ بِخُطّابِ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ
[شِعْرُ ابْنِ مِرْدَاسٍ فِي الرّدّ عَلَى سَلْمَى]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَجَابَهُ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ، ويقال: بل الجحّاف بن حكيم السّلمى:
دَعِي عَنْك تِقْوَال الضّلَالِ كَفَى بِنَا لِكَبْشِ الْوَغَى فِي الْيَوْمِ وَالْأَمْسِ نَاطِحَا
فَخَالِدُ أَوْلَى بِالتّعَذّرِ مِنْكُمْ غَدَاةَ عَلَا نَهْجًا مِنْ الْأَمْرِ وَاضِحَا
مُعَانًا بِأَمْرِ اللهِ يُزْجِي إلَيْكُمْ سَوَانِحَ لا تكيو لَهُ وَبَوَارِحَا
نَعَوْا مَالِكًا بِالسّهْلِ لَمّا هَبَطْنَهُ عَوَابِسَ فِي كَابِي الْغُبَارِ كَوَالِحَا
فَإِنْ نَكُ أَثْكَلْنَاكِ سَلْمَى فَمَالِكٌ تَرَكْتُمْ عَلَيْهِ نَائِحَاتٍ وَنَائِحَا
[الجحاف يرد على سلمى]
قال الْجَحّافُ بْنُ حَكِيمٍ السّلَمِيّ:
شَهِدْنَ مَعَ النّبِيّ مُسَوّمَاتٍ حُنَيْنًا وَهْيَ دَامِيَةُ الْكِلَامِ
وَغَزْوَةَ خَالِدٍ شهدت وجرّت سنابكهنّ بالبلد الحرام
نعرص لِلطّعَانِ إذَا الْتَقَيْنَا وُجُوهًا لَا تُعَرّضُ لِلّطَامِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٣٠ ]
وَلَسْتُ بِخَالِعٍ عَنّي ثِيَابِي إذَا هَزّ الْكُمَاةُ وَلَا أُرَامِي
وَلَكِنّي يَجُولُ الْمُهْرُ تَحْتِي إلَى الْعَلَوَاتِ بِالْعَضْبِ الْحُسَامِ
[حديث ابن أبى حدرد يَوْمَ الْفَتْحِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيّ، قَالَ: كُنْت يَوْمَئِذٍ فِي خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَقَالَ لِي فَتَى مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ، وَهُوَ فِي سِنّي، وَقَدْ جُمِعَتْ يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ برمّة، ونسوة مجتمعات غير بعيد منه: يافتى؛ فَقُلْت: مَا تَشَاءُ؟
قَالَ: هَلْ أَنْتَ آخِذٌ بِهَذِهِ الرّمّةِ، فَقَائِدِي إلَى هَؤُلَاءِ النّسْوَةِ حَتّى أقضى إليهنّ حاجة، ثم تَرُدّنِي بَعْدُ، فَتَصْنَعُوا بِي مَا بَدَا لَكُمْ؟ قَالَ: قُلْت: وَاَللهِ لَيَسِيرٌ مَا طَلَبْت. فَأَخَذْت بِرُمّتِهِ فَقُدْته بِهَا، حَتّى وَقَفَ عَلَيْهِنّ، فَقَالَ: اسلمى حبيش، على نفد من العيش:
أَرَيْتُكِ إذْ طَالَبْتُكُمْ فَوَجَدْتُكُمْ بِحَلْيَةَ أَوْ أَلْفَيْتُكُمْ بِالْخَوَانِقِ
أَلَمْ يَكُ أَهْلًا أَنْ يُنَوّلَ عَاشِقٌ تَكَلّفَ إدْلَاجَ السّرَى وَالْوَدَائِقِ
فَلَا ذَنْبَ لِي قَدْ قُلْت إذْ أَهْلُنَا مَعًا أَثِيبِي بِوُدّ قَبْلَ إحْدَى الصّفَائِقِ
أَثِيبِي بِوُدّ قَبْلَ أَنْ تَشْحَطَ النّوَى وَيَنْأَى الْأَمِيرُ بِالْحَبِيبِ الْمُفَارِقِ
فَإِنّي لَا ضَيّعْتُ سِرّ أَمَانَةٍ وَلَا رَاقَ عَيْنِي عَنْك بَعْدَك رَائِقُ
سِوَى أَنّ مَا نَالَ الْعَشِيرَةَ شَاغِلٌ عَنْ الْوُدّ إلّا أَنْ يَكُونَ التّوَامُقُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُ الْبَيْتَيْنِ الْآخِرَيْنِ مِنْهَا لَهُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٣١ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ ابن أبى حدرد الأسلمى قَالَتْ:
وَأَنْتَ فَحُيّيت سَبْعًا وَعَشْرَا وِتْرًا وَثَمَانِيًا تَتْرَى
قَالَ: ثُمّ انْصَرَفْتُ بِهِ. فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي أَبُو فِرَاسِ بْنُ أَبِي سُنْبُلَةَ الْأَسْلَمِيّ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْهُمْ، عَمّنْ كَانَ حَضَرَهَا مِنْهُمْ، قَالُوا: فَقَامَتْ إلَيْهِ حِينَ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ، فَأَكَبّتْ عَلَيْهِ، فَمَا زَالَتْ تُقَبّلُهُ حتى ماتت عنده.
[شعر جذيمى فى الْفَتْحِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بنى جذيمة:
جزى الله عنامد لجا حَيْثُ أَصْبَحَتْ جَزَاءَةَ بُوسَى حَيْثُ سَارَتْ وَحَلّتْ
أَقَامُوا عَلَى أَقْضَاضِنَا يَقْسِمُونَهَا وَقْدَ نُهِلَتْ فِينَا الرّماح وعلّت
فو الله لَوْلَا دِينُ آلِ مُحَمّدٍ لَقَدْ هَرَبَتْ مِنْهُمْ خُيُولُ فَشَلّتْ
وَمَا ضَرّهُمْ أَنْ لَا يُعِينُوا كَتِيبَةً كَرِجْلِ جَرَادٍ أُرْسِلَتْ فَاشْمَعَلّتِ
فَإِمّا يَنْبُوا أَوْ يَثُوبُوا لِأَمْرِهِمْ فَلَا نَحْنُ نَجْزِيهِمْ بِمَا قد أضلّت
[وهب يرد على الجذيمى]
فَأَجَابَهُ وَهْبٌ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ، فَقَالَ:
دَعَوْنَا إلَى الْإِسْلَامِ وَالْحَقّ عَامِرًا فَمَا ذَنْبُنَا فِي عَامِرٍ إذْ تَوَلّتْ
وَمَا ذَنْبُنَا فِي عامر لا أبالهم لِأَنْ سَفِهَتْ أَحْلَامُهُمْ ثُمّ ضَلّتْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٣٢ ]
وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ:
لِيَهْنِئْ بَنِي كَعْبٍ مُقَدّمُ خَالِدٍ وَأَصْحَابِهِ إذْ صَبّحَتْنَا الْكَتَائِبُ
فَلَا تِرَةٌ يَسْعَى بِهَا ابْنُ خُوَيْلِدٍ وَقَدْ كنت مكفيّا لوانك غَائِبُ
فَلَا قَوْمُنَا يَنْهَوْنَ عَنّا غُوَاتَهُمْ وَلَا الدّاءُ مِنْ يَوْمِ الْغُمَيْصَاءِ ذَاهِبُ
شِعْرُ غُلَامٍ جَذْمِيّ هَارِبٍ أَمَامَ خَالِدٍ وَقَالَ غُلَامٌ مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ، وَهُوَ يَسُوقُ بِأُمّهِ وَأُخْتَيْنِ لَهُ وَهُوَ هَارِبٌ بِهِنّ مِنْ جَيْشِ خَالِدٍ:
رَخّينَ أَذْيَالَ الْمُرُوطِ وَارْبَعَنْ مَشْيَ حَيِيّاتٍ كَأَنْ لَمْ يُفْزَعَنْ
إنْ تُمْنَعْ الْيَوْمَ نِسَاءٌ تُمْنَعَنْ
[ارتجاز بنى مساحق حِينَ سَمِعُوا بِخَالِدِ]
وَقَالَ غِلْمَةٌ مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ، يُقَالُ لَهُمْ بَنُو مُسَاحِقٍ، يَرْتَجِزُونَ حِينَ سَمِعُوا بِخَالِدِ فَقَالَ أَحَدُهُمْ:
قَدْ عَلِمَتْ صَفْرَاءُ بَيْضَاءُ الْإِطِلْ يَحُوزُهَا ذُو ثَلّةٍ وَذُو إبِلْ
لأغنينّ اليوم ما أغنى رجل
وَقَالَ الْآخَرُ:
قَدْ عَلِمَتْ صَفْرَاءُ تُلْهِي الْعِرْسَا لَا تَمْلَأُ الْحَيْزُومَ مِنْهَا نَهْسَا
لَأَضْرِبَنّ الْيَوْمَ ضَرْبًا وَعْسَا ضَرْبَ الْمُحِلّينَ مَخَاضًا قُعْسَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٣٣ ]
وَقَالَ الْآخَرُ:
أَقْسَمْتُ مَا إنْ خَادِرٌ ذُو لِبْدَهْ شَثْنُ الْبَنَانِ فِي غَدَاةٍ بَرْدَهْ
جَهْمُ الْمُحَيّا ذُو سِبَالٍ وَرْدَهْ يُرْزِمُ بَيْنَ أَيْكَةٍ وَجَحْدَهْ
ضَارٍ بِتَأْكَالِ الرّجَالِ وَحْدَهْ بِأَصْدَقَ الْغَدَاةَ مَنّي نَجْدَهْ
[مَسِيرُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لِهَدْمِ الْعُزّى]
ثُمّ بعث رسول الله ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إلَى الْعُزّى، وَكَانَتْ بِنَخْلَةَ، وَكَانَتْ بَيْتًا يُعَظّمُهُ هَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ وَمُضَرَ كُلّهَا، وَكَانَتْ سَدَنَتُهَا وَحُجّابُهَا بَنِي شَيْبَانَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ حَلْفَاءِ بَنِي هَاشِمٍ، فَلَمّا سَمِعَ صَاحِبُهَا السّلَمِيّ بِمَسِيرِ خَالِدٍ إلَيْهَا، عَلّقَ عَلَيْهَا سَيْفَهُ، وَأَسْنَدَ فِي الْجَبَلِ الّذِي هى فيه وهو يقول:
أَيَا عُزّ شُدّي شِدّةً لَا شَوَى لَهَا عَلَى خَالِدٍ أَلْقِي الْقِنَاعَ وَشَمّرِي
يَا عُزّ إنْ لَمْ تَقْتُلِي الْمَرْءَ خَالِدًا فَبُوئِي بِإِثْمِ عَاجِلٍ أَوْ تَنَصّرِي
فَلَمّا انْتَهَى إلَيْهَا خَالِدٌ هَدَمَهَا، ثُمّ رَجَعَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
قال ابن إسحاق: وحدثني ابن شهاب الزّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ابن عثبة بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: أَقَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَكّةَ بَعْدَ فَتْحِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً يَقْصُرُ الصّلَاةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فَتْحُ مَكّةَ لِعَشْرِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) عَنْ إسْلَامِ أَبِي سُفْيَانَ وَصَاحِبَيْهِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ كَسْرَ الْأَصْنَامِ، وَطَمْسَ التّمَاثِيلِ، وَمَقَالَةَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ حِينَ اجْتَمَعَ هُوَ وَأَبُو سُفْيَانَ، وَعَتّابُ بْنُ أَسِيدٍ، فَتَكَلّمُوا فَأَخْبَرَهُمْ النّبِيّ ﷺ، كَمَا أَخْبَرَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِاَلّذِي قَالُوهُ، فَصَحّ بِذَلِكَ يَقِينُهُمْ وَحَسُنَ إسْلَامُهُمْ، وَفِي التّرْمِذِيّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: لَعَنَ النّبِيّ ﷺ الْحَارِثَ وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَصَفْوَانَ بْنَ أُمَيّةَ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ الْآيَةَ آلِ عِمْرَانَ: ١٢٨ قَالَ: فَتَابُوا بَعْدُ، وَحَسُنَ إسْلَامُهُمْ، وَرُوِينَا بإسناد متّصل عن عبد الله ابن أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: خَرَجَ النّبِيّﷺ- عَلَى أَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِ أَبُو سُفْيَانَ قَالَ فِي نَفْسِهِ: لَيْتَ شِعْرِي بِأَيّ شَيْءٍ غَلَبْتنِي، فَأَقْبَلَ النّبِيّ ﷺ، حَتّى ضَرَبَ بِيَدِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَقَالَ: بِاَللهِ غَلَبْتُك يَا أَبَا سُفْيَانَ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللهِ. مِنْ مُسْنَدِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ، وَرَوَى الزّبَيْرُ بِإِسْنَادِ يَرْفَعُهُ إلَى مَنْ سَمِعَ النّبِيّ ﷺ يُمَازِحُ أَبَا سُفْيَانَ فِي بَيْتِ أُمّ حَبِيبَةَ وَأَبُو سُفْيَانَ يَقُولُ لَهُ تَرَكْتُك، فَتَرَكَتْك الْعَرَبُ، وَلَمْ تَنْتَطِحْ بَعْدَهَا جَمّاءُ وَلَا قَرْنَاءُ، وَالنّبِيّ ﷺ يَضْحَكُ، وَيَقُولُ: أَنْتَ تَقُولُ هَذَا يَا أَبَا حَنْظَلَة. وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ جَلّ وَعَزّ: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً الْمُمْتَحِنَةِ: ٧ قَالَ هِيَ مُعَاهَدَةُ النّبِيّ ﷺ لِأَبِي سُفْيَانَ. وَقَالَ أَهْلُ التّفْسِيرِ: رَأَى النّبِيّ ﷺ فِي الْمَنَامِ أَسِيدَ بْنَ أَبِي الْعِيصِ وَالِيًا عَلَى مكة
[ ٧ / ١٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُسْلِمًا، فَمَاتَ عَلَى الْكُفْرِ، فَكَانَتْ الرّؤْيَا لِوَلَدِهِ عتّاب حين أسلم، فولاء رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكّةَ، وَهُوَ ابْنُ إحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَرَزَقَهُ كُلّ يَوْمٍ دِرْهَمًا، فَقَالَ: أَيّهَا النّاسُ أَجَاعَ اللهُ كَبِدَ مَنْ جَاعَ عَلَى دِرْهَمٍ، الْحَدِيثَ، وَقَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: وَاَللهِ مَا اكْتَسَبْت فِي وِلَايَتِي كُلّهَا إلّا قَمِيصًا مُعَقّدًا «١» كَسَوْته غُلَامِي كَيْسَانَ، وَكَانَ قَدْ قَالَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَسَمِعَ بِلَالًا يُؤَذّنُ عَلَى الْكَعْبَةِ، لَقَدْ أَكْرَمَ اللهُ أَسِيدًا، يَعْنِي: أَبَاهُ أَنْ لَا يَكُونَ سَمِعَ هَذَا فَيَسْمَعَ مِنْهُ مَا يَغِيظُهُ، وَكَانَتْ تَحْتَ عَتّابٍ جُوَيْرِيّةُ بِنْتُ أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَهِيَ الّتِي خَطَبَهَا عَلِيّ عَلَى فَاطِمَةَ، فَشَقّ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَةَ، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: لَا آذَنُ ثُمّ لَا آذَنُ، إنّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنّي، الْحَدِيثَ «٢»، فَقَالَ عَتّابٌ: أَنَا أُرِيحُكُمْ مِنْهَا فَتَزَوّجَهَا، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرّحْمَنِ الْمَقْتُولَ يَوْمَ الجمل، يروى أن عقابا طَارَتْ بِكَفّهِ يَوْمَ قُتِلَ، وَفِي الْكَفّ خَاتَمُهُ، فَطَرَحَتْهَا بِالْيَمَامَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَعُرِفَتْ بِالْخَاتَمِ.
الْحَنْفَاءُ بِنْتُ أَبِي جَهْلٍ:
وَكَانَتْ لِأَبِي جَهْلٍ بِنْتٌ أُخْرَى، يُقَالُ لَهَا الْحَنْفَاءُ كَانَتْ تَحْتَ سهيل
_________________
(١) ضرب من برود هجر.
(٢) قصة جويرية فى الصحيحين من حديث المسور بن مخرمة من غير أن تسمى. وفيها قوله ﷺ: «لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد أبدا» . والسبب خوفه «ص» أن تفتن فاطمة فى دينها كما جاء مصرحا به فى الحديث.
[ ٧ / ١٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن عَمْرٍو، يُقَالُ: إنّهَا وَلَدَتْ لَهُ ابْنَهُ أَنَسًا الّذِي كَانَ يَضْعُفُ «١»، وَفِيهِ جَرَى الْمَثَلُ: أَسَاءَ سَمْعًا فَأَسَاءَ إجَابَةً «٢» وَيُقَالُ: إنّهُ نَظَرَ يَوْمًا إلَى رَجُلٍ عَلَى نَاقَةٍ يَتْبَعُهَا خَرُوفٌ فَقَالَ: يَا أَبَتْ أَذَاكَ الْخَرُوفُ مِنْ تِلْكَ النّاقَةِ؟ فَقَالَ أَبُوهُ:
صَدَقَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، وَكَانَتْ حِينَ خَطَبَهَا قَالَتْ: إنْ جَاءَتْ مِنْهُ حَلِيلَتُهُ بِوَلَدِ أَحْمَقَتْ، وَإِنْ أَنْجَبَتْ فَعَنْ خَطَأٍ مَا أَنْجَبَتْ، وَقَدْ قِيلَ فِي بِنْتِ أَبِي جَهْلٍ:
الْحَنْفَاءِ: إنّ اسْمَهَا صَفِيّةُ «٣» فَاَللهُ أَعْلَمُ.
إسْلَامُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ:
وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ: أَلَا تَرَى مَا يَصْنَعُ محمّد من مِنْ كَسْرِ الْآلِهَةِ، وَنِدَاءِ هَذَا الْعَبْدِ الْأَسْوَدِ عَلَى الْكَعْبَةِ «٤» فَقَالَ: إنْ كَانَ اللهُ يَكْرَهُ هَذَا، فَسَيُغَيّرُهُ، ثُمّ حَسُنَ إسْلَامُهُ ﵁ بَعْدُ، وَهَاجَرَ إلَى الشّامِ، فَلَمْ يَزَلْ جَاهِدًا مُجَاهِدًا، حَتّى اُسْتُشْهِدَ هُنَالِكَ ﵀.
_________________
(١) من الضعفة ضعف الفؤاد وقلة الفطنة.
(٢) فى اللسان: جابة وقال «هكذا يتكلم به، لأن الأمثال تحكى على موضوعاتها» وهى اسم وضع موضع المصدر مثل الطاعة والطافة والغارة والعارة، وأصل المثل أن الأخنس بن شريق لقيه مع أبيه، فقال له: أبن أمك يا فتى «أمك مصدر الفعل أم، أى أين قصدك» فظن أنس أنه يسأل عن أمه، فقال: انطلقت إلى أم حنظلة تطحن دقيقا، فقال أبوه: أساء سمعا فأساء جابة. أنظر اللسان مادة جوب والأمثال للميدانى ص ٣٣٠ ط السنة المحمدية.
(٣) وفى الأمثال أن اسمها صفية.
(٤) وفى رواية أنه قال: واثكلاه ليتنى مت قبل هذا اليوم، قبل أن أسمع بلالا ينهق فوق الكعبة.
[ ٧ / ١٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إسْلَامُ بِنْتِ أَبِي جَهْلٍ:
وَأَمّا بِنْتُ أَبِي جَهْلٍ، فَقَالَتْ حِينَ سَمِعَتْ الْأَذَانَ عَلَى الْكَعْبَةِ، فلما قال لمؤذن: أَشْهَدُ أَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ، قَالَتْ: عَمْرِي لَقَدْ أَكْرَمَك اللهُ وَرَفَعَ ذِكْرَك، فَلَمّا سَمِعَتْ: حَيّ عَلَى الصّلَاةِ، قَالَتْ: أَمّا الصّلَاةُ فَسَنُؤَدّيهَا، وَلَكِنْ وَاَللهِ مَا تُحِبّ قُلُوبُنَا مَنْ قَتَلَ الْأَحِبّةَ، ثُمّ قَالَتْ: إنّ هَذَا الْأَمْرَ لَحَقّ، وَقَدْ كَانَ الْمَلَكُ جَاءَ بِهِ أَبِي، وَلَكِنْ كَرِهَ مُخَالَفَةَ قَوْمِهِ وَدِينَ آبَائِهِ.
وَأَمّا أَبُو مَحْذُورَةَ الْجُمَحِيّ، وَاسْمُهُ: سَلَمَةُ بْنُ مِعْيَرٍ، وَقِيلَ سَمُرَةُ «١»، فَإِنّهُ لَمّا سَمِعَ الْأَذَانَ، وَهُوَ مَعَ فتية من قريش خارج مكة أقبلوا يستهزؤن، وَيَحْكُونَ صَوْتَ الْمُؤَذّنِ غَيْظًا، فَكَانَ أَبُو مَحْذُورَةَ مِنْ أَحْسَنِهِمْ صَوْتًا، فَرَفَعَ صَوْتَهُ مُسْتَهْزِئًا بِالْأَذَانِ، فَسَمِعَهُ النّبِيّ ﷺ، فَأَمَرَ بِهِ فَمَثَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ يَظُنّ أَنّهُ مَقْتُولٌ، فَمَسَحَ النّبِيّ ﷺ نَاصِيَتَهُ وَصَدْرَهُ بِيَدِهِ، قَالَ: فَامْتَلَأَ قَلْبِي وَاَللهِ إيمَانًا وَيَقِينًا وَعَلِمْت أَنّهُ رَسُولُ اللهِ، فَأَلْقَى عَلَيْهِ النّبِيّﷺ- الْأَذَانَ، وَعَلّمَهُ إيّاهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذّنَ لِأَهْلِ مَكّةَ، وَهُوَ ابْنُ سِتّ عَشْرَةَ سَنَةً، فَكَانَ مُؤَذّنَهُمْ حَتّى مَاتَ ثُمّ عَقِبَهُ بَعْدَهُ يَتَوَارَثُونَ الْأَذَانَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، وَفِي أَبِي مَحْذُورَةَ يَقُولُ الشاعر:
_________________
(١) فى الاصابة عند البلاذرى عن اسمه: الأثبت أنه أدمس، وجزم ابن حزم فى أن سمرة أخوه. وخالف أبو اليقظان فجزم بأن أدمس بن معير قتل يوم بدر كافرا وأن اسم أبى مجذورة سلمان بن سمرة، وقيل غير ذلك.
[ ٧ / ١٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أما وربّ الكعبة المستوره وماتلا مُحَمّدٌ مِنْ سُورَهْ
وَالنّغَمَاتِ مِنْ أَبِي مَحْذُورَهْ لَأَفْعَلَن فِعْلَةً مَذْكُورَهْ
هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ:
وَأَمّا هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ، فَإِنّ مِنْ حَدِيثِهَا يَوْمَ الْفَتْحِ أَنّهَا بَايَعَتْ النّبِيّ ﷺ، وَهُوَ عَلَى الصّفَا، وَعُمَرُ دُونَهُ بِأَعْلَى الْعَقَبَةِ، فَجَاءَتْ فِي نِسْوَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ يُبَايِعْنَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَعُمَرُ يُكَلّمُهُنّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمّا أَخَذَ عَلَيْهِنّ أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاَللهِ شَيْئًا قَالَتْ هِنْدُ: قَدْ عَلِمْت أَنّهُ لَوْ كَانَ مَعَ اللهِ غَيْرُهُ لَأَغْنَى عَنّا، فَلَمّا قَالَ:
وَلَا يَسْرِقْنَ قَالَتْ: وَهَلْ تَسْرِقُ الْحُرّةُ، لَكِنْ يَا رَسُولَ اللهِ أَبُو سُفْيَانَ رَجُلٌ مَسِيكٌ رُبّمَا أَخَذْت مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ مَا يُصْلِحُ وَلَدَهُ، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ، ثُمّ قَالَ: إنّك لَأَنْتِ هِنْدُ؟ «١» قَالَتْ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ اُعْفُ عَنّي، عَفَا اللهُ عَنْك، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ حَاضِرًا، فَقَالَ: أَنْتِ فِي حِلّ مِمّا أَخَذْت، فَلَمّا قَالَ: وَلَا يَزْنِينَ، قَالَتْ: وَهَلْ تَزْنِي الْحُرّةُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَلَمّا قَالَ: وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوفٍ، قَالَتْ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي مَا أَكْرَمَك، وَأَحْسَنَ مَا دَعَوْت إلَيْهِ، فَلَمّا سَمِعَتْ: وَلَا يَقْتُلْنَ أولادهن،
_________________
(١) هذا لأنها كانت متنكرة خوفا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ورواية الصحيحين: «إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطينى من النفقة ما يكفينى، ويكفى بنى فهل على جناح إن أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال رسول الله «ص» خذى من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفى بنيك» .
[ ٧ / ١٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قَالَتْ: وَاَللهِ قَدْ رَبّيْنَاهُمْ صِغَارًا، حَتّى قَتَلْتهمْ أَنْتَ وَأَصْحَابُك بِبَدْرِ كِبَارًا، قَالَ: فَضَحِكَ عُمَرُ مِنْ قَوْلِهَا حَتّى مَالَ. عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ لَا عَمْرُو بْنُ الزّبَيْرِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيّ، وَاسْمُهُ: خُوَيْلِدُ بْنُ عَمْرٍو، وَقِيلَ: عَمْرُو بْنُ خُوَيْلِدٍ، وَقِيلَ: كَعْبُ بْنُ عمرو، وقيل: هانىء بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: لَمّا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ الزّبَيْرِ مَكّةَ لِقِتَالِ أَخِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ بِمَكّةَ، هَذَا وَهْمٌ مِنْ ابْنِ هِشَامٍ، وصوابه: عمرو بن سعيد بن العاصى بْنِ أُمَيّةَ، وَهُوَ الْأَشْدَقُ، وَيُكَنّى أَبَا أُمَيّةَ، وَهُوَ الّذِي كَانَ يُسَمّى لَطِيمَ الشّيْطَانِ، وَكَانَ جَبّارًا شَدِيدَ الْبَأْسِ، حَتّى خَافَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى مَكّةَ، فَقَتَلَهُ بِحِيلَةِ فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ، وَرَأَى رَجُلٌ عِنْدَ مَوْتِهِ فِي الْمَنَامِ قَائِلًا يَقُولُ: أَلَا يَا لَقَوْمِي لِلسّفَاهَةِ وَالْوَهْنِ وَلِلْعَاجِزِ الموهون والرّأى ذى الْأَفْنِ وَلِابْنِ سَعِيدٍ بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ عَلَى قَدَمَيْهِ خَرّ لِلْوَجْهِ وَالْبَطْنِ رَأَى الْحِصْنَ مَنْجَاةً مِنْ الْمَوْتِ فَالْتَجَا إلَيْهِ، فَزَارَتْهُ الْمَنِيّةُ فِي الْحِصْنِ فَقَصّ رُؤْيَاهُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُمَهَا، حَتّى كَانَ مِنْ قَتْلِهِ مَا كَانَ، وَهُوَ الّذِي خَطَبَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَعَفَ حَتّى سَالَ الدّمُ إلَى أَسْفَلِهِ فَعُرِفَ بِذَلِكَ مَعْنَى حَدِيثِهِ ﵇ الّذِي يُرْوَى عَنْهُ كَأَنّي بِجَبّارِ مِنْ بَنِي أُمَيّةَ يَرْعُفُ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا حَتّى يَسِيلَ الدّمُ إلَى
[ ٧ / ١٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَسْفَلِهِ «١»، أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ، فَعُرِفَ الْحَدِيثُ فِيهِ. فَالصّوَابُ إذًا عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ لَا عَمْرُو بْنُ الزّبَيْرِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَهَكَذَا وَقَعَ فِي الصّحِيحَيْنِ. ذَكَرَ هَذَا التّنْبِيهَ عَلَى ابْنِ هِشَامٍ أَبُو عُمَرَ﵀- فِي كِتَابِ الْأَجْوِبَةِ عَنْ الْمَسَائِلِ الْمُسْتَغْرَبَةِ، وَهِيَ مَسَائِلُ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ لِلْبُخَارِيّ تَكَلّمَ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ، وَإِنّمَا دَخَلَ الْوَهْمُ عَلَى ابْنِ هِشَامٍ أَوْ عَلَى الْبَكّائِيّ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ أَجْلِ أَنّ عَمْرَو بْنَ الزّبَيْرِ، كَانَ مُعَادِيًا لِأَخِيهِ عَبْدِ اللهِ وَمُعِينًا لِبَنِي أُمَيّةَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
أُمّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ أُمّ حَكِيمٍ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَكَانَتْ تَحْتَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ «٢»، وَأَنّهَا اتّبَعَتْهُ حِينَ فَرّ مِنْ الْإِسْلَامِ، فَاسْتَأْمَنَتْ لَهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَاسْتُشْهِدَ عِكْرِمَةُ بِالشّامِ، فَخَطَبَهَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، فَخُطِبَتْ إلَى خَالِدٍ، فَتَزَوّجَهَا، فَلَمّا أَرَادَ الْبِنَاءَ بِهَا، وَجُمُوعُ الرّومِ قَدْ احْتَشَدَتْ، قَالَتْ لَهُ: لَوْ أَمْهَلْت حتى يفضّ الله جمعهم، قال: إن
_________________
(١) من الأحاديث التى ابتدعتها الأهواء السياسية.
(٢) روى أبو داود والنسائى أنه ركب البحر فأصابتهم ريح عاصف فنادى عكرمة اللات والعزى، فقال أهل السفينة: أخلصوا فآلهتكم لا تغنى عنكم شيئا هاهنا، فقال عكرمة والله لئن لم ينجنى من البحر إلا الإخلاص لا ينجينى فى البر غيره اللهم لك عهد إن أنت عافيتنى مما أنا فيه أن آتى محمدا حتى أضع يدى فى يده فلأجدنه عفوا غفورا كريما، فجاء فأسلم. وقد روى البيهقى قصة إسلامه مطولة.
[ ٧ / ١٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَفْسِي تُحَدّثُنِي أَنّي أُصَابُ فِي جُمُوعِهِمْ، فَقَالَتْ: دُونَك، فَابْتَنَى بِهَا، فَلَمّا أَصْبَحَ الْتَقَتْ الْجُمُوعُ وَأَخَذَتْ السّيُوفُ مِنْ كُلّ فَرِيقٍ مَأْخَذَهَا فَقُتِلَ خَالِدٌ، وَقَاتَلَتْ يَوْمَئِذٍ أُمّ حَكِيمٍ، وَإِنّ عَلَيْهَا لِلرّدْعِ الْخَلُوقَ «١»، وَقَتَلَتْ سَبْعَةً مِنْ الرّومِ بِعَمُودِ الْفُسْطَاطِ بِقَنْطَرَةِ تُسَمّى إلَى الْيَوْمِ بِقَنْطَرَةِ أُمّ حَكِيمٍ وَذَلِكَ فِي غَزْوَةِ أَجْنَادِينَ «٢» .
دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ:
وَذَكَرَ فِي خُطْبَةِ النّبِيّ ﷺ: أَلَا كُلّ مَأْثُرَةٍ أَوْ دَمٍ أَوْ مَالٍ يُدَعّى، فَهُوَ تَحْتَ قَدَمَيّ هَاتَيْنِ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ: وَأَوّلُ دَمٍ أَضَعُهُ دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ. كَانَ لِرَبِيعَةَ ابْنٌ قُتِلَ فِي الْجَاهِلِيّةِ اسْمُهُ آدَمُ، وَقِيلَ تَمّامٌ، وَهُوَ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ.
حَوْلَ التّخْيِيرِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَبَيْنَ الدّيَةِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ فِي حَدِيثِ ابْنِ شُرَيْحٍ «٣» قَوْلَهُ ﵇: فَمَنْ قُتِلَ
_________________
(١) يعنى: كانت متطيبة حديثا.
(٢) فى الإصابة: فى معركة مرج الصفر.
(٣) أصل حديث أبى شريح فى الصحيحين عن أبى هريرة: من قتل له قتيل، فهو بخير النظرين، إما أن يفتدى، وإما أن يقتل. وقد رواه الجماعة لكن لفظ الترمذى، إما أن يعفو وإما أن يقتل. وقد رواه أبو داود والنسائى. وقد رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة هكذا «من أصيب بدم أو خبل- والخبل الجراح- فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتص أو يأخذ العقل، أو يعفو، -
[ ٧ / ١٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَعْدَ مُقَامِي هَذَا، فَأَهْلُهُ بِخَيْرِ النّظَرَيْنِ، إنْ شاؤا فدم قاتله، وإن شاؤا فَعَقْلُه، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ فِيهِ أَلْفَاظُ الرّوَاةِ وَظَاهِرُهُ عَلَى هَذِهِ الرّوَايَةِ أَنّ وَلِيّ الدّمِ، هُوَ الْمُخَيّرُ إنْ شَاءَ أَخَذَ الدّيَةَ، وَهُوَ الْعَقْلُ، وَإِنْ شَاءَ قَتَلَ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي فَصْلٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنْ يَخْتَارَ وَلِيّ الْمَقْتُولِ أَخْذَ الدّيَةِ، وَيَأْبَى الْقَاتِلُ إلّا أَنْ يُقْتَصّ مِنْهُ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَلَا اخْتِيَارَ لِلْقَاتِلِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُقْتَلُ الْقَاتِلُ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى إعْطَاءِ الْمَالِ، وَتَأَوّلُوا الْحَدِيثَ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ بِهَا طَائِفَةٌ، مِنْ السّلَفِ، وَقَالَ آخَرُونَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ، وَأَشْهَبَ، وَمَنْشَأُ الِاخْتِلَافِ مِنْ الِاحْتِمَالِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ فَاحْتَمَلَتْ الْآيَةُ عِنْدَ قَوْمٍ أَنْ تَكُونَ مِنْ وَاقِعَةً عَلَى وَلِيّ الْمَقْتُولِ، وَمِنْ أَخِيهِ أَيْ مِنْ وَلِيّهِ الْمَقْتُولِ، أَيْ: مِنْ دِيَتِهِ، وَعُفِيَ لَهُ أَيْ: يُسّرَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ مِنْ وَاقِعَةً عَلَى الْقَاتِلِ وَعُفِيَ مِنْ الْعَفْوِ عَنْ الدّمِ، وَلَا خِلَافَ أَنّ الْمُتّبِعَ بِالْمَعْرُوفِ، هُوَ وَلِيّ الدّمِ، وَأَنّ الْمَأْمُورَ بِأَدَاءِ بِإِحْسَانِ هُوَ الْقَاتِلُ، وَإِذَا تَدَبّرْت الآية، عرفت منشأ الخلاف منها، وَلَاحَ مِنْ سِيَاقَةِ الْكَلَامِ أَيّ الْقَوْلَيْنِ أَوْلَى بِالصّوَابِ.
وَأَمّا مَا ذَكَرْت مِنْ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ النقلة فى الحديث، فيحصرها سبعة ألفاظ
_________________
(١) - فإن أراد رابعة، فخذوا على يديه» أى أراد زيادة على القصاص أو الدية أو العفو. وقد فسر ابن عباس. (فمن عفى له) . الآية: العفو أن يقبل فى العمد الدية، والاتباع بالمعروف: يتبع الطالب بمعروف، ويؤدى إليه المطلوب بإحسان البخارى والنسائى والدارقطنى.
[ ٧ / ١٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَحَدُهَا: إمّا أَنْ يَقْتُلَ وَإِمّا أَنْ يُفَادِيَ.
وَالثّانِي: إمّا أَنْ يُعْقَلَ أَوْ يُقَادَ.
الثّالِثُ: إمّا أَنْ يَفْدِيَ وَإِمّا أَنْ يُقْتَلَ.
الرّابِعُ: إمّا أَنْ تُعْطَى الدّيَةُ أَوْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ.
الْخَامِسُ: إمّا أَنْ يَعْفُوَ أَوْ يَقْتُلَ.
السّادِسُ: يُقْتَلُ أَوْ يُفَادَى.
السّابِعُ: مَنْ قَتَلَ متعمّدا دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤا قتلوا وإن شاؤا أَخَذُوا الدّيَةَ. خَرّجَهُ التّرْمِذِيّ. وَرِوَايَةُ ابْنِ إسْحَاقَ فِي السّيرَةِ ثَامِنَةٌ، وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الرّوَايَاتِ قُوّةٌ لِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَفِي بَعْضِهَا قُوّةٌ لِرِوَايَةِ أَشْهَبَ فَتَأَمّلْهَا «١» .
النّهْيُ عَنْ اشْتِمَالِ الصّمّاءِ وَالِاحْتِبَاءِ:
وَخُطْبَتُهُ ﵇ أَطْوَلُ مِمّا ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ، وَفِيهَا مِنْ رِوَايَةِ الشّيْبَانِيّ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ نَهْيُهُ عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ، وَصَلَاةِ سَاعَتَيْنِ: يَعْنِي طُلُوعَ الشّمْسِ وَغُرُوبَهَا، وَأَنْ لَا يتوارث أهل ملّتين، وعن لبستين وطعمتين،
_________________
(١) وفى روايته «وإن أحبوا أخذوا العقل ثلاثين حقة وثلاثين جذعة، وأربعين خاتمة فى بطونها أولادها» وقد أخرجه الترمذى وابن ماجة عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده. ويقول الشوكانى فى نيل الأوطار عن حديث أبى شريح: فى إسناده محمد بن إسحاق، وقد أورده معنعنا، وهو معروف بالتدليس، فإذا عنعن ضعف حديثه» ص ٧ ج ٧.
[ ٧ / ١٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفُسّرَتَا فِي الْحَدِيثِ، فَقَالَ: اللّبْسَتَانِ: اشْتِمَالُ الصّمّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرّجُلُ «١» وَلَيْسَ بَيْنَ عَوْرَتِهِ وَالسّمَاءِ حِجَابٌ. وَالطّعْمَتَانِ: الْأَكْلُ بِالشّمَالِ، وَأَنْ يَأْكُلَ مُنْبَطِحًا عَلَى بَطْنِهِ.
شِعْرُ ابْنِ الزّبَعْرَى:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ شعر ابن لزّبعرى: الزّبَعْرَى: الْبَعِيرُ الْأَزَبّ «٢» مَعَ قِصَرٍ، وَفِيهِ:
رَاتِقٌ مَا فَتَقْت إذْ أَنَا بُورُ
قَوْلُهُ: فَتَقْت يَعْنِي: فِي الدّينِ، فَكُلّ إثْمٍ فَتْقٌ وَتَمْزِيقٌ، وَكُلّ تَوْبَةٍ، رَتْقٌ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قِيلَ للتوبة: نصوح من نصحت الثوب إذَا خِطْته، وَالنّصَاحُ: الْخَيْطُ «٣»، وَيَشْهَدُ لِصِحّةِ هَذَا المعنى قول إبراهيم بن أدهم:
_________________
(١) اشتمال الصماء: أن يتجلل الرجل بثوبه، ولا يرفع منه جانبا، وإنما قيل لها صماء، لأنه يسد على يديه ورجليه المنافذ كلها كالصخرة الصماء. والفقهاء يقولون: هو أن يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبه، فتنكشف عورته. والاحتباء: أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب نجمعهما به مع ظهره، ويشده عليها، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب، وإنما نهى عنه، لأنه إذا لم يكن عليه إلا ثوب واحد ربما تحرك أو زال الثوب فتبدو عورته.
(٢) الزبب فى الإبل كثرة شعر الوجه والعثنون. وابن دريد يقول هو من قولهم: رجل زبعرى إذا كان غليظا كثير الشعر.
(٣) والنصاح كشداد، والناصح والناصحى: الخياط.
[ ٧ / ١٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) نُرَقّعُ دُنْيَانَا بِتَمْزِيقِ دِينِنَا فَلَا دِينُنَا يَبْقَى، وَلَا مَا نُرَقّعُ وَقَوْلُهُ: إذْ أَنَا بُورُ، أَيْ: هَالِكٌ، يُقَالُ: رَجُلٌ بُورٌ وَبَائِرٌ، وَقَوْمٌ بُورٌ، وَهُوَ جَمْعُ بَائِرٍ كَانَ الْأَصْلُ فِيهِ فُعُلٌ بِتَحْرِيكِ الْوَاوِ، وَأَمّا رَجُلٌ بُورٌ، فَوَزْنُهُ فُعْلٌ بِالسّكُونِ، لِأَنّهُ وَصْفٌ بِالْمَصْدَرِ، وَمِنْهُ قِيلَ: أَرْضٌ بُورٌ مِنْ الْبَوَارِ، وَهُوَ هَلَاكُ الْمَرْعَى وَيُبْسُهُ. وَقَوْلُ ابْنِ الزّبَعْرَى: وَاللّيْلُ مُعْتَلِجُ الرّوَاقِ بَهِيمُ الِاعْتِلَاجُ: شِدّةٌ وَقُوّةٌ، وَقَدْ تَقَدّمَ شَرْحُهَا. وَالْبَهِيمُ: الّذِي لَيْسَ فِيهِ لَوْنٌ يُخَالِطُ لَوْنَهُ. وَقَوْلُهُ: سُرُحُ الْيَدَيْنِ غَشُومُ. الْغَشُومُ: الّتِي لَا تُرَدّ عَنْ وَجْهِهَا، وَيُرْوَى سَعُومُ، وَهِيَ الْقَوِيّةُ عَلَى السّيْرِ. حَوْلَ شِعْرِ حَسّانٍ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ شِعْرَ حَسّانٍ يَوْمَ الْفَتْحِ وَأَوّلُهُ: عَفَتْ ذَاتُ الْأَصَابِعِ فَالْجِوَاءُ ذَاتُ الْأَصَابِعِ: مَوْضِعٌ بِالشّامِ، وَالْجِوَاءُ كَذَلِكَ، وَبِالْجِوَاءِ كَانَ مَنْزِلُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ، وَكَانَ حَسّانُ كَثِيرًا مَا يَرِدُ عَلَى مُلُوكِ غَسّانَ بِالشّامِ يَمْدَحُهُمْ، فَلِذَلِكَ يَذْكُرُ هَذِهِ المنازل.
[ ٧ / ١٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: إلَى عَذْرَاءَ، هِيَ قَرْيَةٌ عِنْدَ دِمَشْقَ، فِيهَا قُتِلَ حُجْرُ بْنُ عَدِيّ وَأَصْحَابُهُ.
وَقَوْلُهُ: نَعَمٌ وَشَاءُ. النّعَمُ: الْإِبِلُ، فَإِذَا قِيلَ أَنْعَامٌ دَخَلَ فِيهَا الْغَنَمُ وَالْبَقَرُ وَالْإِبِلُ. وَالشّاءُ وَالشّوِيّ: اسْمٌ لِلْجَمِيعِ كَالضّأْنِ وَالضّئِينِ وَالْإِبِلِ وَالْإِبِيلِ، وَالْمَعْزِ وَالْمَعِيزِ، وَأَمّا الشّاةُ، فَلَيْسَتْ مِنْ لَفْظِ الشّاءِ، لِأَنّ لَامَ الْفِعْلِ مِنْهَا هَاءٌ. وَبَنُو الْحَسْحَاسِ: حَيّ مِنْ بَنِي أَسَدٍ.
وَقَوْلُهُ: الرّوَامِسُ وَالسّمَاءُ، يَعْنِي: الرّيَاحَ وَالْمَطَرَ. وَالسّمَاءُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَقَعُ عَلَى الْمَطَرِ، وَعَلَى السّمَاءِ الّتِي هِيَ السّقْفُ، وَلَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ وَنَحْوِهِ وَلَا مِنْ قَوْلِهِ:
إذَا سَقَطَ السّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا «١»
لِأَنّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مَطَرَ السّمَاءِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَلَكِنْ إنّمَا عَرَفْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي جَمْعِهِ: سُمَيّ وهم يقولون فى جمع السماء: سماوات وَأَسْمِيَةٌ، فَعَلِمْنَا أَنّهُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: وَلَكِنْ مَنْ لِطَيْفِ. الطّيْفُ: مَصْدَرُ طَافَ الْخَيَالُ يَطِيفُ طَيْفًا، وَلَكِنْ لَا يُقَالُ لِلْخَيَالِ: هُوَ طَائِفٌ عَلَى وَزْنِ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنْ طاف، لأنه
_________________
(١) الشعر لمعاوية بن مالك معود الحكماء، وبعده: بكل مقلص عبل شواه إذا وضعت أعنتهن ثابا ومحفزة؟؟؟ الحزام بمرفقيها كشاة الربل؟؟؟ أفلتت الكلابا
[ ٧ / ١٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَا حَقِيقَةَ لِلْخَيَالِ، فَيَرْجِعُ الْأَمْرُ إلَى أَنّهُ هو الطّيف، وهو توهّم ونخيّل، فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ لَهُ حَقِيقَةٌ قُلْت فِيهِ: طَائِفٌ، وَفِي مَصْدَرِهِ: طَيْفٌ كَمَا فِي التّنْزِيلِ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ الْأَعْرَافِ: ٢٠١ وَقَدْ قُرِئَ أَيْضًا طَيْفٌ مِنْ الشّيْطَان، لِأَنّ غُرُورَ الشّيْطَانِ وَأَمَانِيّهُ تُشَبّهُ بِالْخَيَالِ، وَمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ.
وَأَمّا قوله: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ ن: ١٩ فَلَيْسَ فِيهِ إلّا اسْمُ الْفَاعِلِ دُونَ الْمَصْدَرِ، لِأَنّ الّذِي طَافَ عَلَيْهَا لَهُ حَقِيقَةٌ، وَهُوَ فَاعِلٌ مَعْرُوفٌ بِالْفِعْلِ، يُقَالُ إنّهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَتَحَصّلَ مِنْ هَذَا ثَلَاثُ مَرَاتِبَ:
الْخَيَالُ وَلَا حَقِيقَةَ لَهُ، فَلَا يُعَبّرُ عَنْهُ إلّا بِالطّيْفِ، وَحَدِيثُ الشّيْطَانِ وَوَسْوَسَتُهُ، يُقَالُ فِيهِ: طَائِفٌ وَطَيْفٌ، وَكُلّ طَائِفٍ سِوَى هَذَيْنِ فَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ، لَا يُعَبّرُ عَنْهُ بِطَيْفِ، وَلَا بِطَوَافِ، فَقِفْ عَلَى هَذِهِ النّكْتَةِ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: يُؤَرّقُنِي إذَا ذَهَبَ الْعِشَاءُ، أَيْ: يُسَهّرُنِي، فَيُقَالُ: كَيْفَ يُسَهّرُهُ الطّيْفُ، وَالطّيْفُ حُلْمٌ فِي الْمَنَامِ؟.
فَالْجَوَابُ: أَنّ الّذِي يُؤَرّقُهُ لَوْعَةٌ يَجِدُهَا عِنْدَ زَوَالِهِ كَمَا قَالَ [حَبِيبُ بْنُ أَوْسٍ أَبُو تَمّامٍ] الطّائِيّ:
ظَبْيٌ تَقَنّصْتُهُ لَمّا نَصَبْت لَهُ مِنْ آخِرِ اللّيْلِ أَشْرَاكًا مِنْ الْحُلْمِ
ثُمّ انْثَنَى، وَبِنَا مِنْ ذِكْرِهِ سَقَمٌ بَاقٍ، وَإِنْ كَانَ معسولا من السّقم «١»
_________________
(١) من قصيدة له يمدح بها مالك بن طوق. أولها: سلم على الربع من سلم بذى سلم عليه وسم من الأيام والقدم-.
[ ٧ / ١٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَدْ أَحْسَنَ فِي قَوْلِهِ مِنْ آخِرِ اللّيْلِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنّهُ سَهِرَ لَيْلَهُ كُلّهُ، إلّا سَاعَةً جَاءَ الْخَيَالُ مِنْ آخِرِهِ، فَكَأَنّهُ مُسْتَرَقٌ مِنْ قَوْلِ حَسّانٍ:
وَخَيَالٌ إذَا تَقُومُ النّجُومُ
ونظير قوله: يؤرّقنى، أى يورقنى بِزَوَالِهِ عَنّي قَوْلُ الْبُحْتُرِيّ:
أَلَمّتْ بِنَا بَعْدَ الْهُدُوّ فَسَامَحَتْ بِوَصْلِ مَتَى تَطْلُبْهُ فِي الْجِدّ تَمْنَعْ
وَوَلّتْ كَأَنّ الْبَيْنَ يَخْلُجُ شَخْصَهَا أَوَانَ تَوَلّتْ مِنْ حِشَائِي وَأَضْلُعِي «١»
وَقَوْلُهُ: لِشَعْثَاءَ الّتِي قَدْ تَيّمَتْهُ. شَعْثَاءُ الّتِي يُشَبّبُ بِهَا حَسّانُ هِيَ بِنْتُ سَلّامِ بْنِ مِشْكَمٍ الْيَهُودِيّ، وَرُوِيَ أَنّهُ قَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنّ مُحَمّدًا نَبِيّ، وَلَوْلَا أَنْ تُعَيّرَ بِهَا شعثاء ابنتى لتبعته، وقد كان تَحْتَ حَسّانٍ أَيْضًا امْرَأَةٌ اسْمُهَا شَعْثَاءُ بِنْتُ كاهن الأسلميّة، ولدت له أمّ فراس.
_________________
(١) - وقبل البيتين قوله: زار الخيال لها لابل أزاركه فكر إذا نام فكر الخلق لم ينم وانظر نقد الآمدى لهذا البيت، ثم اعتذاره عنه، وما قاله الشريف المرتضى فى طيف الخيال ص ٧ ط ١٩٦٢ بتحقيق الأستاذ الصيرفى، ص ٦ ح ٣ أمالى المرتضى والسعادة.
(٢) ذكر معهما المرتضى فى أماليه ستة أبيات ص ٦ ح ٣ وفيه: نطلبه وهو الصواب بدلا من تطلبه. ويقول المرتضى عن البحترى «ولأبى عبادة البحترى فى وصف الخيال الفضل على كل متقدم ومتأخر، فانه تغلغل فى أوصافه، واهتدى من معانيه إلى ما لا يوجد لغيره» المصدر للسابق
[ ٧ / ١٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: كَأَنّ خَبِيئَةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ إلَى آخِرِهِ، خَبَرُ كَأَنّ فِي هَذَا الْبَيْتِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: كَأَنّ فِي فِيهَا خَبِيئَةً، وَمِثْلُ هَذَا الْمَحْذُوفِ فِي النّكِرَاتِ حَسَنٌ كَقَوْلِهِ:
إنّ مَحَلّا وَإِنّ مُرْتَحِلًا «١»
أَيْ: إنّ لَنَا مَحَلّا، وَكَقَوْلِ الْآخَرِ:
وَلَكِنّ زِنْجِيّا طَوِيلًا مَشَافِرُهْ «٢»
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيّ فِي صِفَةِ الدّجّالِ: أَعْوَرَ كَأَنّ عِنَبَةً طَافِيَةً، أَيْ: كَأَنّ فِي عَيْنِهِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنّ بَعْدَ هَذَا الْبَيْتِ بَيْتًا فِيهِ الْخَبَرُ وَهُوَ:
عَلَى أَنْيَابِهَا أَوْ طَعْمُ غَضّ مِنْ التّفّاح هصّره اجتناء «٣»
_________________
(١) هو للأعشى، والشطرة الأخرى: وإن فى السفر ما مضى مهلا.
(٢) روى سيبويه للفرزدق بيتا هو: فلو كنت ضبيا عرفت قرابتى ولكن زنجى عظيم المشافر هكذا برفع زنجى. ثم قال: والنصب أكثر فى كلام العرب كأنه قال: ولكن زنجيا عظيم المشافر لا يعرف قرابتى، ولكنه أضمر هذا كما يضمر ما يا بنى على الابتداء. انتهى. وعلى رفع زنجى يكون اسم لكن محذوفا والتقدير: ولكنك زنجى، وقد أنشده اللسان بنصب زنجى بإضمار الخبر، وهو أقيس. والبيت فى هجاء رجل من ضبة، فنفاه عنها، ونسبه إلى الزنج. أنظر ص ٢٨٢ ح ١ كتاب سيبويه واللسان مادة شفر.
(٣) هو فى ديوانه المطبوع فى أوربا.
[ ٧ / ١٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَهَذَا الْبَيْتُ مَوْضُوعٌ لَا يُشْبِهُ شِعْرَ حَسّانٍ وَلَا لَفْظَهُ. وَقَوْلُهُ: نُوَلّيهَا الْمَلَامَةَ إنْ أَلَمْنَا، أَيْ: إنْ أَتَيْنَا بِمَا نُلَامُ عَلَيْهِ صَرَفْنَا اللّوْمَ إلَى الْخَمْرِ وَاعْتَذَرْنَا بِالسّكْرِ. وَالْمَغْتُ: الضّرْبُ بِالْيَدِ، وَاللّحَاءُ: الْمُلَاحَاةُ بِاللّسَانِ، وَيُرْوَى أَنّ حَسّانًا مَرّ بِفِتْيَةِ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فِي الْإِسْلَامِ، فَنَهَاهُمْ، فَقَالُوا: وَاَللهِ لَقَدْ أَرَدْنَا تَرْكَهَا فَيُزَيّنُهَا لَنَا قَوْلُك: وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا فَقَالَ: وَاَللهِ لَقَدْ قُلْتهَا فِي الْجَاهِلِيّةِ وَمَا شَرِبْتهَا مُنْذُ أَسْلَمْت، وَكَذَلِكَ قِيلَ: إنّ بَعْضَ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ قَالَهَا فِي الْجَاهِلِيّةِ، وَقَالَ آخِرَهَا فِي الْإِسْلَامِ. مَعْنَى التفضيل في شركا: وَفِيهَا يَقُولُ لِأَبِي سُفْيَانَ: فَشَرّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ. وَفِي ظَاهِرُ اللّفْظِ بَشَاعَةٌ، لِأَنّ الْمَعْرُوفَ أَنْ لَا يُقَالَ هُوَ شَرّهُمَا إلّا وَفِي كِلَيْهِمَا شَرّ، وَكَذَلِكَ: شَرّ مِنْك، وَلَكِنّ سِيبَوَيْهِ قَالَ فِي كِتَابِهِ: تَقُولُ مَرَرْت بِرَجُلِ شَرّ مِنْك، إذَا نَقَصَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ، وَهَذَا يَدْفَعُ الشّنَاعَةَ عَنْ الْكَلَامِ الْأَوّلِ، وَنَحْوٌ مِنْهُ قَوْلُهُ ﵇: «شَرّ صُفُوفِ الرّجَالِ آخِرُهَا» يُرِيدُ: نُقْصَانَ حَظّهِمْ عَنْ حَظّ الْأَوّلِ، كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ التّفْضِيلَ فى الشر والله أعلم. يلطلم أَوْ يُطَلّمُ: وَفِيهَا قَوْلُهُ فِي صِفَةِ الْخَيْلِ: يَلْطِمُهُنّ بِالْخُمُرِ النّسَاءُ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ
[ ٧ / ١٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي الْجَمْهَرَةِ: كَانَ الْخَلِيلُ ﵀ يَرْوِي بَيْتَ حَسّانٍ يُطَلّمُهُنّ بِالْخُمُرِ، وَيُنْكِرُ يُلَطّمُهُنّ وَيَجْعَلُهُ بِمَعْنَى: يَنْفُضُ النّسَاءُ بِخُمُرِهِنّ مَا عَلَيْهِنّ مِنْ غُبَارٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَأَتْبَعَ بِذَلِكَ ابْنُ دُرَيْدٍ قَوْلُهُ: الطّلْمُ ضَرْبُك خُبْزَةَ الْمَلّةِ بِيَدِك لِتَنْفُضَ مَا عَلَيْهَا مِنْ الرّمَادِ، وَالطّلْمَةُ: الْخُبْزَةُ، ومنه حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَرَرْنَا بِقَوْمِ يُعَالِجُونَ طَلْمَةً لهم، فنفّرناهم عنها، فاقتسمناها، فأصابتنى منها كِسْرَةٌ، وَكُنْت أَسْمَعُ فِي بَلَدِي أَنّهُ مَنْ أَكَلَ الْخُبْزَ سَمِنَ، فَجَعَلْت أَنْظُرُ فِي عِطْفِي: هَلْ ظَهَرَ فِيّ السّمَنُ بَعْدُ. وَمِمّا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى أَنّ النّبِيّ ﷺ رؤى يَمْسَحُ وَجْهَ فَرَسِهِ بِرِدَائِهِ، فَقَالَ: عُوتِبْت اللّيْلَةَ فِي الْخَيْلِ.
وَفِيهَا:
وَنُحْكِمُ بِالْقَوَافِي مَنْ هَجَانَا
نُحْكِمُ: أَيْ نَرُدّ وَنَقْرَعُ، هُوَ مِنْ حَكَمَةِ الدّابّةِ، وَهُوَ لِجَامُهَا، وَيَكُونُ الْمَعْنَى أَيْضًا: نُفْحِمُهُمْ ونحرسهم، فَتَكُونُ قَوَافِينَا لَهُمْ كَالْحَكَمَاتِ لِلدّوَابّ قَالَ زُهَيْرٌ:
قَدْ أُحْكِمَتْ حَكَمَاتِ الْقَدّ وَالْأَبْقَا «١»
وَفِي هَذِهِ الْقَصِيدَةِ: مَوْعِدُهَا كَدَاءُ، وَفِي رِوَايَةِ الشّيْبَانِيّ: يَسِيلُ بها كدىّ أو كداء.
_________________
(١) أوله: القائد الخيل منكوبا دوائرها، والقد: السير يقد من جلد غير مدبوغ. والأبق: القنب.
[ ٧ / ١٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَدْ ذَكَرْنَا كُدَيّا وَكَدَاءَ، وَذَكَرْنَا مَعَهُمَا كُدًى، وَزَادَ الشّيْبَانِيّ فِي رِوَايَتِهِ أَبْيَاتًا فِي هَذِهِ الْقَصِيدَةِ وَهِيَ:
وَهَاجَتْ دُونَ قَتْلِ بَنِي لُؤَيّ جَذِيمَةُ إنّ قَتْلَهُمْ شِفَاءُ
وَحِلْفُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ وَحِلْفُ قُرَيْظَةَ فِينَا سَوَاءُ
أُولَئِكَ مَعْشَرٌ أَلّبُوا عَلَيْنَا فَفِي أَظْفَارِنَا مِنْهُمْ دِمَاءُ
سَتُبْصِرُ كَيْفَ نَفْعَلُ بِابْنِ حَرْبٍ بِمَوْلَاك الّذِينَ هُمْ الرّدَاءُ
حَوْلَ شِعْرِ أَنَسِ بْنِ سُلَيْمٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ شِعْرَ أَنَسِ بْنِ سُلَيْمٍ «١» الدّيلِيّ وَفِيهِ:
وَأَكْسَى لِبُرْدِ الْخَالِ قَبْلَ ابْتِذَالِهِ
الْخَالُ: مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ وَهُوَ مِنْ رَفِيعِ الثّيَابِ. وَأَحْسَبُهُ سُمّيَ بِالْخَالِ الّذِي بِمَعْنَى الْخُيَلَاءِ كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: الْبَرّ أَبْغِي لَا الْخَالَ، وَفِيهِ:
تَعَلّمْ رَسُولَ اللهِ أَنّك مُدْرِكِي وَأَنّ وَعِيدًا مِنْك كَالْأَخْذِ بِالْيَدِ
وَهَذَا الْبَيْتُ سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ، كَذَا أَلْفَيْته فِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الشّيْخِ، ﵀، وَمَعْنَاهُ مِنْ أَحْسَنِ الْمَعَانِي يُنْظَرُ إلَى قَوْلِ النّابِغَةِ:
فَإِنّك كَاللّيْلِ الّذِي هُوَ مُدْرِكِي وَإِنْ خِلْت أَنّ الْمُنْتَأَى عَنْك واسع
_________________
(١) فى السيرة: زنيم وهو الصواب، ولعله سهو من السهيلى.
[ ٧ / ١٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) خَطَاطِيفُ حُجْنٍ فِي حِبَالٍ مَتِينَةٍ تُمَدّ بِهَا أَيْدٍ إلَيْك نَوَازِعُ فَالْقَسِيمُ الْأَوّلُ كَالْبَيْتِ الْأَوّلِ من قول النابغة، وَالْقَسِيمُ الثّانِي كَالْبَيْتِ الثّانِي، لَكِنّهُ أَطْبَعُ مِنْهُ، وَأَوْجَزُ. وَقَوْلُ النّابِغَةِ كَاللّيْلِ فِيهِ مِنْ حُسْنِ التّشْبِيهِ مَا لَيْسَ فِي قَوْلِ الدّيلِيّ، إلّا أَنّهُ يَسْمُجُ مِثْلُ هَذَا التّشْبِيهِ فِي النّبِيّ ﷺ، لِأَنّهُ نُورٌ وَهُدًى، فَلَا يُشَبّهُ بِاللّيْلِ، وَإِنّمَا حَسُنَ فِي قَوْلِ النّابِغَةِ أَنْ يَقُولَ كَاللّيْلِ، وَلَمْ يَقُلْ كَالصّبْحِ، لِأَنّ اللّيْلَ تُرْهَبُ غَوَائِلُهُ، وَيُحْذَرُ مِنْ إدْرَاكِهِ مَا لَا يَحْذَرُ مِنْ النّهَارِ، وَقَدْ أَخَذَ بَعْضُ الأندلسيين هَذَا الْمَعْنَى، فَقَالَ فِي هَرَبِهِ مِنْ ابْنِ عَبّادٍ: كَأَنّ بِلَادَ اللهِ وَهِيَ عَرِيضَةٌ تَشُدّ بِأَقْصَاهَا عَلَيّ الْأَنَامِلَا فَأَيْنَ مَفَرّ الْمَرْءِ عَنْك بِنَفْسِهِ إذَا كَانَ يَطْوِي فِي يَدَيْك الْمَرَاحِلَا وَهَذَا كُلّهُ مَعْنًى مُنْتَزَعٌ مِنْ الْقُدَمَاءِ. رَوَى الطّبَرِيّ أَنّ «منوشهر بْنَ إيرج بْنِ أفريدون بْنِ أَثَفَيَانِ» وَهُوَ الّذِي بُعِثَ مُوسَى ﵇ فِي زَمَانِهِ أَعْنِي زَمَانَ منوشهر قَالَ حِينَ عَقَدَ التّاجَ عَلَى رَأْسِهِ فِي خُطْبَةٍ لَهُ طَوِيلَةٍ: «أَيّهَا النّاسُ إنّ الْخَلْقَ لِلْخَالِقِ، وَإِنّ الشّكْرَ لِلْمُنْعِمِ، وَإِنّ التّسْلِيمَ لِلْقَادِرِ، وَإِنّهُ لَا أَضْعَفَ مِنْ مَخْلُوقٍ طَالِبًا أَوْ مَطْلُوبًا، وَلَا أَقْوَى مِنْ طَالِبٍ طِلْبَتُهُ فِي يَدِهِ، وَلَا أَعْجَزَ مِنْ مَطْلُوبٍ هُوَ فِي يَدِ طَالِبِهِ. حَوْلَ شِعْرِ بُجَيْرِ بْنِ زُهَيْرٍ: وَأَنْشَدَ لِبُجَيْرِ بْنِ زُهَيْرٍ: نَفَى أَهْلَ الْحَبَلّقِ كُلّ فَجّ مُزَيْنَةُ غُدْوَةً وبنو خفاف
[ ٧ / ١٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الحبلق: أَرْضٌ يَسْكُنُهَا قَبَائِلُ مِنْ مُزَيْنَةَ، وَقَيْسٍ، وَالْحَبَلّقُ: الْغَنَمُ، الصّغَارُ، وَلَعَلّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: أَهْلَ الْحَبَلّقِ أَصْحَابَ الْغَنَمِ، وَبَنُو عُثْمَانَ هُمْ مُزَيْنَةُ وهم بنو عثمان بن لاطم بن أدبن طَابِخَةَ، وَمُزَيْنَةُ أُمّهُمْ بِنْتُ كَلْبِ بْنِ وَبَرَةَ ابن تَغْلِبَ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، وَأُخْتُهَا: الْحَوْأَبُ الّتِي عُرِفَ بِهَا مَاءُ الْحَوْأَبِ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَأَصْلُ الْحَوْأَبِ فِي اللّغَةِ: الْقَدَحُ الضّخْمُ الْوَاسِعُ، وَبَنُو خِفَافٍ: بَطْنٌ مِنْ سُلَيْمٍ، وَقَوْلُهُ: ضَرَبْنَاهُمْ بِمَكّةَ يَوْمَ فَتْحِ النّبى الخير بالبيض الخفاف فِي الْبَيْتِ مُدَاخَلَةٌ وَهُوَ انْتِهَاءُ الْقَسِيمِ الْأَوّلِ فِي بَعْضِ كَلِمَةٍ مِنْ الْقَسِيمِ الثّانِي، وَهُوَ عَيْبٌ عِنْدَهُمْ إلّا فِي الْخَفِيفِ وَالْهَزَجِ، وَمَعْنَى الْخَيْرِ أَيْ ذُو الْخَيْرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ الْخَيّرَ فَخَفّفَ، كَمَا يُقَالُ هَيْنٌ وَهَيّنٌ. وَفِي التّنْزِيلِ: خَيْراتٌ حِسانٌ الرّحْمَنِ: ٧٠. وَقَوْلُهُ: كَمَا انْصَاعَ الْفُوَاقُ مِنْ الرّصَافِ، أَيْ: ذَهَبَ، وَالرّصَافُ: عَصَبَةٌ تُلْوَى عَلَى فَوْقِ السّهْمِ، وَأَرَادَ بِالْفُوَاقِ الْفَوْقَ، وَهُوَ غَرِيبٌ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْعَيْنِ فِي الْفُوَاقِ صَوْتَ الصّدْرِ، وَهُوَ بِالْهَمْزِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْأَعْرَابِيّ، لِأَنّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ. عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ وَاَلّذِينَ حَرّمُوا الْخَمْرَ: وَذَكَرَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ، وَيُكَنّى أَبَا الْفَضْلِ، وَقِيلَ: أَبَا الْهَيْثَمِ، وَمِنْ ذُرّيّتِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ فَقِيهُ الْأَنْدَلُسِ، وَنَسَبُهُ: عَبّاسُ بْنُ مرداس بن أبى عامر بن جارية
[ ٧ / ١٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن عَبْدِ بْنِ عَبّاسِ «١» بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ الْحَارِثِ «٢» بْنِ بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمٍ السّلَمِيّ كَانَ أَبُوهُ حَاجِبًا لِحَرْبِ بْنِ أُمَيّةَ، وَقَتَلَتْهُمَا الْجِنّ فِي خَبَرٍ مَشْهُورٍ «٣» وَعَبّاسٌ مِمّنْ حَرّمَ عَلَى نَفْسِهِ الْخَمْرَ فِي الْجَاهِلِيّةِ، وَحَرّمَهَا أَيْضًا عَلَى نَفْسِهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، وَقَبْلَ هَؤُلَاءِ حَرّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ عَبْدُ الْمُطّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ وَوَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جُدْعَانَ وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَمِنْ قُدَمَاءِ الْجَاهِلِيّةِ عَامِرُ بْنُ الظّرِبِ الْعُدْوَانِيّ.
وَذَكَرَ فِي سَبَبِ إسْلَامِ عَبّاسٍ مَا سَمِعَ مِنْ جَوْفِ الصّنَمِ الّذِي كَانَ يَعْبُدُهُ، وَهُوَ ضَمَارِ بكسر الراء وهو مثل حذام ورفاش، وَلَا يَكُونُ مِثْلُ هَذَا الْبِنَاءِ إلّا فِي أسماء المؤنّث، وكانوا يجعلون آلهتهم إناثا كاللّات وَالْعُزّى وَمَنَاةَ، لِاعْتِقَادِهِمْ الْخَبِيثَ فِي الْمَلَائِكَةِ أَنّهَا بَنَاتٌ. وَفِي ضَمَارِ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَبَنِيّ تَمِيمٍ الْبِنَاءُ عَلَى الْكَسْرِ لَا غَيْرُ مِنْ أَجْلِ أَنّ آخِرَهُ رَاءٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ فِي آخِرِهِ رَاءٌ كَحَذَامِ وَرَقَاشِ، فَهُوَ مَبْنِيّ فِي لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَمُعْرَبٌ غَيْرُ مُجْرًى فى لغة غيرهم «٤» كذلك قال سيبويه.
_________________
(١) فى الإصابة: ابن حارثة بن عبد بن عبس.
(٢) فى الإصابة: ابن الحارث بن يحيى بن الحارث بن بهثة.
(٣) خرافة أخرى مما يقال عن الجن.
(٤) أى يجرونه مجرى ما لا ينصرف فيرفع بالضم بدون تنوين، وينصب ويجر بالكسرة. وقد جاءت الأشعار على لغة أهل الحجاز. وقد ضبط القاموس ضمار على وزن كتاب وكذلك ضبط فى المراصد وهى بفتح الضاد-
[ ٧ / ١٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدّنْيَا فِي سَبَبِ إسْلَامِ عَبّاسٍ حَدِيثًا أَسْنَدَهُ عَنْ رِجَالِهِ عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ، بْنِ أَنَسٍ السّلْمَانِيّ عَنْ عَبّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ أَنّهُ كَانَ فِي لِقَاحٍ لَهُ نِصْفَ النّهَارِ، فَاطّلَعَتْ عَلَيْهِ نَعَامَةٌ بَيْضَاءُ عَلَيْهَا رَاكِبٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بَيَاضٌ فَقَالَ لِي: يَا عَبّاسُ أَلَمْ تَرَ أَنّ السّمَاءَ كَفّتْ أَحْرَاسَهَا، وَأَنّ الْحَرْبَ جَرَعَتْ أَنْفَاسَهَا، وَأَنّ الْخَيْلَ وَضَعَتْ أَحْلَاسَهَا، وَأَنّ الّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ الْبِرّ وَالتّقَى يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لَيْلَةَ الثّلَاثَاءِ صَاحِبَ النّاقَةِ الْقَصْوَاءِ. قَالَ: فَخَرَجْت مَرْعُوبًا قَدْ رَاعِنِي مَا رَأَيْت، وَسَعَيْت، حَتّى جِئْت وَثَنًا لِي، يُقَالُ لَهُ الضّمَارِ كُنّا نَعْبُدُهُ وَنُكَلّمُ مِنْ جَوْفِهِ، فَكَنَسْت مَا حَوْلَهُ، ثُمّ تَمَسّحْت بِهِ، فَإِذَا صَائِحٌ يَصِيحُ مِنْ جَوْفِهِ:
قُلْ لِلْقَبَائِلِ مِنْ قُرَيْشٍ كُلّهَا هَلَكَ الضّمَارُ وَفَازَ أَهْلُ الْمَسْجِد «١»
هَلَكَ الضّمَارُ وَكَانَ يُعْبَدُ مُدّةً قَبْلَ الصّلَاةِ عَلَى النّبِيّ مُحَمّدِ
إنّ الّذِي وَرِثَ النّبُوّةَ وَالْهُدَى بَعْدَ ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ قُرَيْشٍ مُهْتَدِي
قَالَ فَخَرَجْت مَذْعُورًا حَتّى جِئْت قَوْمِي، فَقَصَصْت عَلَيْهِمْ الْقِصّةَ، وَأَخْبَرْتهمْ الْخَبَرَ فَخَرَجْت فِي ثَلَاثِمِائَةٍ مِنْ قَوْمِي مِنْ بَنِي جَارِيَةَ إلَى النّبِيّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ، فَلَمّا رَآنِي النّبِيّ ﷺ تَبَسّمَ، وَقَالَ: إلَيّ يَا عَبّاسُ، كَيْفَ إسْلَامُك؟ فقصصت عليه القصة، فقال:
_________________
(١) - موضع للعرب به وقعة. أما البكرى فضبط ضمار بفتح الضاد وقال: حجر كل لبنى سليم يعبدونه، كان سبب إسلام عباس بن مرداس.
(٢) فى السيرة والبكرى: من سليم. وأودى ضمار وعاش أهل المسجد.
[ ٧ / ١٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صَدَقْت، فَأَسْلَمْت أَنَا وَقَوْمِي «١» .
شِعْرُ جَعْدَةَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ فِي شِعْرِ جَعْدَةَ الْخُزَاعِيّ غَزَالَ، وَهُوَ اسْمُ طَرِيقٍ غَيْرُ مَصْرُوفٍ، وَقَالَ كُثَيّرُ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ يَذْكُرُ غَزَالَ:
أُنَادِيك مَا حَجّ الْحَجِيجُ وَكَبّرَتْ بِفَيْفَا غَزَالٍ رُفْقَةٌ وَأَهَلّتْ «٢»
وَكَذَلِكَ لَفْتٌ اسْمُ مَوْضِعٍ، وَفِي لَفْتٍ «٣» يَقُولُ مَعْقِلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ:
لَعَمْرُك مَا خَشِيت وَقَدْ بَلَغْنَا جِبَالَ الْجَوْزِ مِنْ بَلَدٍ تَهَامِ
نَزِيعًا «٤» مُحْلِبًا مِنْ أَهْلِ لَفْتٍ لِحَيّ بَيْنَ أثلة والنجام
وَقَدْ تَقَدّمَ هَذَا الْبَيْتُ الْأَخِيرُ فِي بَابِ الْهِجْرَةِ «٥» .
سَرِيّةُ خَالِدٍ إلَى بَنِي جَذِيمَةَ:
وَذَكَرَ سَرِيّةَ خَالِدٍ إلَى بَنِي جَذِيمَةَ، وَتُعْرَفُ بِغَزْوَةِ الغميط، وهو اسم ماء لبنى جذيمة.
_________________
(١) الشعر مصنوع ولا شك، فليس فيه نفحة من عصره، والقصة كذلك موضوعة ولا شك أو لعلها رؤيا كما فهم ابن حجر فى الإصابة.
(٢) القصيدة بطولها كلها فى الأمالى ص ١٠٧ ح ٣ ط ٢.
(٣) لفت قيدها البكرى بكسر اللام وفتحها. وقيدها القاضى عياض- كما فى المراصد بثلاثة أوجه منها ما ذكرنا، وبفتح اللام والفاء، وقد سبق الكلام عنها.
(٤) سبق الكلام عن البيتين فى باب الهجرة.
(٥) بل تقدم البيتان.
[ ٧ / ١٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ شِعْرَ امْرَأَةٍ، اسْمُهَا: سَلْمَى، وَفِيهِ:
وَمُرّةُ حَتّى يَتْرُكُوا الْبَرْكَ ضَابِحَا
الْبَرْكُ: جَمَاعَةُ الْإِبِلِ، وَمَاصَعَ: جَالَدَ وَقَاتَلَ، وَضَابِحَا مِنْ الضّبْحِ، وَهُوَ نَفْسُ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ إذَا عُيّيَتْ، وَفِي التّنْزِيلِ وَالْعادِياتِ ضَبْحًا وَفِي الْخَبَرِ:
مَنْ سَمِعَ ضَبْحَةً بِلَيْلِ، فَلَا يَخْرُجُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَهُ شَرّ. قَالَ الرّاجِزُ:
نَحْنُ نَطَحْنَاهُمْ غَدَاةَ الْجَمْعَيْنِ بِالضّابِحَاتِ فِي غُبَارِ النّقْعَيْنِ
نَطْحًا شَدِيدًا لَا كَنَطْحِ الطّورَيْنِ
وَالضّبْحُ وَالضّبْيُ مَصْدَرُ ضَبَحَتْ وَضُبِيَتْ أَيْ شُوِيَتْ وَقُلِيَتْ، قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ. قَالَ: وَالْمَضَابِي وَالْمَضَابِحُ هُوَ المقالى.
وذكر تبرّأ النّبِيّﷺ- مِمّا فَعَلَ خَالِدٌ، وَهَذَا نَحْوٌ مِمّا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ حِينَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ ﵄: إنّ فِي سَيْفِ خَالِدٍ رَهَقًا.
إنّ فِي سَيْفِ خَالِدٍ رَهَقًا فَاقْتُلْهُ، وَذَلِكَ حِينَ قَتَلَ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ، وَجَعَلَ رَأْسَهُ تَحْتَ قِدْرٍ حَتّى طُبِخَ بِهِ «١»، وَكَانَ مَالِكٌ ارْتَدّ، ثُمّ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ، وَلَمْ يُظْهِرْ ذَلِكَ لِخَالِدِ، وَشَهِدَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ مِنْ الصّحَابَةِ بِرُجُوعِهِ إلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَقْبَلْهُمَا، وَتَزَوّجَ امْرَأَتَهُ، فَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ: اُقْتُلْهُ، فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ لانه متأوّل،
_________________
(١) لا يظن برجل مجده التاريخ كخالد أن يقترف مثل هذه القسوة والمثلة التى نهاه عنها دينه.
[ ٧ / ١٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَقَالَ: اعْزِلْهُ، فَقَالَ: لَا أَغْمِدُ سَيْفًا سَلّهُ اللهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَلَا أَعْزِلُ وَالِيًا وَلّاهُ رسول الله ﷺ.
وذكر قَوْلَ الرّجُلِ لِلْمَرْأَةِ: اسْلِمِي حُبَيْشُ عَلَى نَفَدِ الْعَيْشِ «١» النّفَدُ مَصْدَرُ نَفِدَ إذَا فَنِيَ، وَهُوَ النّفَادُ، وَحُبَيْشٌ مُرَحّمٌ مِنْ حُبَيْشَةَ.
شِعْرُ أَبِي حدرد:
وحليبة وَالْخَوَانِقُ: مَوْضِعَانِ، وَالْوَدَائِقُ: جَمْعُ وَدِيقَةٍ، وَهُوَ شِدّةُ الْحَرّ فِي الظّهِيرَةِ، سُمّيَتْ بِذَلِكَ مِنْ الْوَدْقِ، لِأَنّ فِي ذَلِك الْوَقْتِ يَسِيلُ لُعَابُ الشّمْسِ، وَهُوَ مَا تَرَاهُ الْعَيْنُ كَالسّرَابِ وَنَحْوِهِ، وَقَالَ الرّاجِزُ:
وَقَامَ مِيزَانُ النّهَارِ، فَاعْتَدَلْ وَسَالَ لِلشّمْسِ لُعَابٌ فَنَزَلْ
وَقَالَ: الْأَحْوَلُ: يُقَالُ: وَدَقَ إذَا دَنَا مِنْ الْأَرْضِ، وَيُقَالُ: هُوَ وَادِقُ السّرّةِ إذَا كَانَتْ مَائِلَةً إلَى جِهَةِ الْأَرْضِ وَأَنْشَدَ:
وَادِقًا سُرّاتُهَا
فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْوَدِيقَةُ مِنْ وَدَقَتْ الشّمْسُ إذَا دَنَتْ مِنْ الْأُفُقِ، فَاشْتَدّ حرّها، والله أعلم.
وقوله: فهمه خالد، أى: زجره، وبحهه، وَرَوَى النّسَائِيّ فِي قِصّةِ الْمَرْأَةِ الّتِي مَاتَتْ مُكِبّةً عَلَى الرّجُلِ الْمَقْتُولِ قَالَ: حَدّثَنَا مُحَمّدُ بن على بن حرب
_________________
(١) فى السيرة: من العيش.
[ ٧ / ١٦٠ ]
[غَزْوَةُ حُنَيْنٍ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ بَعْدَ الْفَتْحِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا سَمِعَتْ هَوَازِنُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ مَكّةَ، جَمَعَهَا مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النّصْرِيّ، فَاجْتَمَعَ إلَيْهِ مَعَ هَوَازِنَ ثَقِيفٌ كُلّهَا، وَاجْتَمَعَتْ نَصْرٌ وَجُشَمٌ كُلّهَا، وَسَعْدُ بْنُ بَكْرٍ، وَنَاسٌ مِنْ بَنِي هِلَالٍ، وَهُمْ قَلِيلٌ، وَلَمْ يَشْهَدْهَا مِنْ قَيْسِ عَيْلَانَ إلّا هَؤُلَاءِ، وَغَابَ عَنْهَا فَلَمْ يَحْضُرْهَا مِنْ هَوَازِنَ كَعْبٌ وَلَا كِلَابٌ، وَلَمْ يَشْهَدْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ لَهُ اسْمٌ، وَفِي بَنِي جُشَمٍ دُرَيْدُ بْنُ الصّمّةِ. شَيْخٌ كَبِيرٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ إلّا التّيَمّنَ بِرَأْيِهِ وَمُعْرِفَتَهُ بِالْحَرْبِ، وَكَانَ شَيْخًا مُجَرّبًا، وَفِي ثقيف سيدان لهم. فى الأحلاف: قارب بن الأسود
_________________
(١) عَنْ عَلِيّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَافِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ النّحْوِيّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ النّبِيّ ﷺ بَعَثَ سَرِيّةً، قَالَ: فَغَنِمُوا وَفِيهِمْ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُمْ: إنّي لَسْت مِنْهُمْ، عَشِقْت امْرَأَةً فَلَحِقْتهَا، فَدَعَوْنِي أَنْظُرُ إلَيْهَا نَظْرَةً، ثُمّ اصْنَعُوا بى ما بدالكم، قَالَ: فَإِذَا امْرَأَةٌ طَوِيلَةٌ أَدْمَاءُ، فَقَالَ لَهَا: اسْلِمِي حُبَيْشُ قَبْلَ نَفَدِ الْعَيْشِ، وَذَكَرَ الْبَيْتَيْنِ الْأَوّلِينَ مِنْ الْقِطْعَةِ الْقَافِيّةِ أَوّلَ هَذَا الْخَبَرِ نَاقِصِي الْوَزْنِ، وَبَعْدَهُمَا قَالَتْ: نَعَمْ فَدَيْتُك، فَقَدّمُوهُ فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَجَاءَتْ الْمَرْأَةُ فَوَقَفَتْ عَلَيْهِ، فَشَهِقَتْ شَهْقَةً أَوْ شَهْقَتَيْنِ، ثُمّ مَاتَتْ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلَى النّبِيّ ﷺ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَحِيمٌ. خَرّجَهُ النّسَوِيّ فى باب قتل الأسارى من مصنّفه.
[ ٧ / ١٦١ ]
ابن مَسْعُودِ بْنِ مُعَتّبٍ، وَفِي بَنِي مَالِكٍ: ذُو الْخِمَارِ سُبَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَخُوهُ أَحْمَرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَجِمَاعُ أَمْرِ النّاسِ إلَى مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النّصْرِيّ.
فَلَمّا أَجْمَعَ السّيْرَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَطّ مَعَ النّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ، فَلَمّا نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس، وفيهم دُرَيْدُ بْنُ الصّمّةِ فِي شِجَارٍ لَهُ يُقَادُ بِهِ، فَلَمّا نَزَلَ قَالَ: بِأَيّ وَادٍ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: بِأَوْطَاسٍ، قَالَ:
نِعْمَ مَجَالُ الْخَيْلِ! لَا حزن ضرس، ولا سهل دهس، مالى أسمع رعاء الْبَعِيرِ، وَنُهَاقَ الْحَمِيرِ، وَبُكَاءَ الصّغِيرِ، وَيُعَارَ الشّاءِ؟ قَالُوا: سَاقَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ مَعَ النّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ. قَالَ: أَيْنَ مَالِكٌ؟ قِيلَ: هَذَا مَالِكٌ وَدُعِيَ لَهُ، فَقَالَ: يَا مَالِكُ، إنّك قَدْ أَصْبَحْتَ رَئِيسَ قَوْمِك، وَإِنّ هَذَا يَوْمٌ كَائِنٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ مِنْ الْأَيّامِ. مَالِي أَسْمَعُ رُغَاءَ الْبَعِيرِ، وَنُهَاقَ الْحَمِيرِ، وَبُكَاءَ الصّغِيرِ، وَيُعَارَ الشّاءِ؟ قَالَ: سُقْت مَعَ النّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ، قَالَ: وَلِمَ ذَاكَ؟
قَالَ: أَرَدْت أَنْ أَجْعَلَ خَلْفَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، لِيُقَاتِلَ عَنْهُمْ، قَالَ: فَأَنْقَضَ بِهِ. ثُمّ قَالَ: رَاعِي ضَأْنٍ وَاَللهِ! وَهَلْ يَرُدّ الْمُنْهَزِمَ شَيْءٌ؟ إنّهَا إنْ كَانَتْ لَك لَمْ يَنْفَعْك إلّا رَجُلٌ بِسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْك فُضِحْت فِي أَهْلِك وَمَالِك، ثُمّ قَالَ: مَا فَعَلَتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ؟ قَالُوا: لَمْ يَشْهَدْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ، قَالَ: غَابَ الْحَدّ وَالْجِدّ، وَلَوْ كَانَ يَوْمَ عَلَاءٍ وَرِفْعَةٍ لَمْ تَغِبْ عَنْهُ كَعْبٌ وَلَا كِلَابٌ، وَلَوَدِدْتُ أَنّكُمْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلَتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ، فَمَنْ شَهِدَهَا مِنْكُمْ؟ قَالُوا: عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ، وَعَوْفُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: ذَانِكَ الْجَذَعَانِ مِنْ عَامِرٍ، لَا يَنْفَعَانِ وَلَا يَضُرّانِ، يَا مَالِكُ، إنّك لَمْ تَصْنَعْ بِتَقْدِيمِ البيضة بيضة هَوَازِنَ إلَى نُحُورِ الْخَيْلِ شَيْئًا، ارْفَعْهُمْ إلَى مُتَمَنّعِ بِلَادِهِمْ وَعُلْيَا قَوْمِهِمْ، ثُمّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٦٢ ]
الْقَ الصّبَاءَ عَلَى مُتُونِ الْخَيْلِ، فَإِنْ كَانَتْ لَك لَحِقَ بِك مَنْ وَرَاءَك، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْك أَلْفَاك ذَلِكَ قَدْ أَحْرَزْت أَهْلَك وَمَالَك قَالَ: وَاَللهِ لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ، إنّك قَدْ كَبِرْت وَكَبِرَ عَقْلُك. وَاَللهِ لَتُطِيعُنّنِي يَا مَعْشَرَ هَوَازِنَ أَوْ لَأَتّكِئَنّ عَلَى هَذَا السّيْفِ حَتّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي. وَكَرِهَ أَنْ يَكُونَ لِدُرَيْدِ ابن الصّمّةِ فِيهَا ذِكْرٌ أَوْ رَأْيٌ؛ فَقَالُوا: أَطَعْنَاك؛ فَقَالَ دُرَيْدُ بْنُ الصّمّةِ: هَذَا يَوْمٌ لَمْ أَشْهَدْهُ وَلَمْ يَفُتْنِي:
يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ أَخُبّ فِيهَا وَأَضَعْ
أَقُودُ وَطْفَاءَ الزّمَعْ كَأَنّهَا شَاةٌ صَدَعْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ قَوْلَهُ:
«يَا ليتنى فيها جذع»
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ قَالَ مَالِكٌ لِلنّاسِ: إذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَاكْسِرُوا جُفُونَ سُيُوفِكُمْ، ثُمّ شُدّوا شَدّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ.
قَالَ: وَحَدّثَنِي أُمَيّةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ أَنّهُ حدّث: أنّ مالك ابن عَوْفٍ بَعَثَ عُيُونًا مِنْ رِجَالِهِ، فَأَتَوْهُ وَقَدْ تَفَرّقَتْ أَوْصَالُهُمْ، فَقَالَ:
وَيْلَكُمْ! مَا شَأْنُكُمْ؟ فَقَالُوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، فو الله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، فو الله مَا رَدّهُ ذَلِكَ عَنْ وَجْهِهِ أَنْ مَضَى على ما يريد.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا سَمِعَ بِهِمْ نَبِيّ اللهِ ﷺ بَعَثَ إلَيْهِمْ عبد الله
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٦٣ ]
عمرو بن طلة ونسبه:
قصة مقاتلة تبان لأهل المدينة:
ابنَ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيّ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي النّاسِ فَيُقِيمَ فِيهِمْ حَتّى يَعْلَمَ عِلْمَهُمْ ثُمّ يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِمْ. فَانْطَلَقَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ فَدَخَلَ فِيهِمْ فَأَقَامَ فِيهِمْ حَتّى سَمِعَ وَعَلِمَ مَا قَدْ أَجْمَعُوا لَهُ مِنْ حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسَمِعَ مِنْ مَالِكٍ وَأَمْرَ هَوَازِنَ مَا هُمْ عَلَيْهِ ثُمّ أَقْبَلَ حَتّى أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ عُمَرُ كَذَبَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ " إنّ أَكْذَبْتنِي فَرُبّمَا كَذَبْت بِالْحَقّ يَا عُمَرُ فَقَدْ كَذّبْت مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنّي، فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " قَدْ كُنْت ضَالّا فَهَدَاك اللهُ يَا عمر".
سَأَلَ الرَّسُول صَفْوَان أدرعه وسلاحه فَقبل
فَلَمّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ السّيْرَ إلَى هَوَازِنَ لِيَلْقَاهُمْ ذُكِرَ لَهُ أَنّ عِنْدَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ أَدْرَاعًا لَهُ وَسِلَاحًا، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ فَقَالَ " يَا أَبَا أُمَيّةَ أَعِرْنَا سِلَاحَك هَذَا نَلْقَ فِيهِ عَدُوّنَا غَدًا "، فَقَالَ صَفْوَانُ أَغَصْبًا يَا مُحَمّدُ؟ قَالَ " بَلْ عَارِيّةً وَمَضْمُونَةً حَتّى نُودِيهَا إلَيْك "فَقَالَ لَيْسَ بِهَذَا بَأْسٌ فَأَعْطَاهُ مِائَةَ دُرْعٍ بِمَا يَكْفِيهَا مِنْ السّلَاحِ فَزَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَأَلَهُ أَنْ يَكْفِيَهُمْ حملهَا، فَفعل.
خُرُوج الرَّسُول بجيشه إِلَى هوزان
قَالَ: ثُمّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُ أَلْفَانِ مِنْ أَهْلِ مَكّةَ مَعَ عَشْرَةِ آلَافٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ فَفَتَحَ اللهُ بِهِمْ مَكّةَ، فَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَتّابَ بْنَ أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ "عَلَى مَكّةَ أَمِيرًا عَلَى مَنْ تَخَلّفَ عَنْهُ مِنْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٦٤ ]
النّاسِ، ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى وَجْهِهِ يُرِيدُ لِقَاءَ هَوَازِنَ.
[قصيدة ابن مِرْدَاسٍ]
فَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السّلَمِيّ:
أَصَابَتْ الْعَامَ رِعْلًا غُولُ قَوْمِهِمْ وَسْطَ الْبُيُوتِ وَلَوْنُ الغول ألوان
بالهف أُمّ كِلَابٍ إذْ تُبَيّتُهُمْ خَيْلُ ابْنِ هَوْذَةَ لَا تُنْهَى وَإِنْسَانُ
لَا تَلْفِظُوهَا وَشُدّوا عَقْدَ ذِمّتِكُمْ أَنّ ابْنَ عَمّكُمْ سَعْدٌ وَدُهْمَانُ
لَنْ ترجعوها وإن كانت مجلّلة مادام فِي النّعَمِ الْمَأْخُوذِ أَلْبَانُ
شَنْعَاءُ جُلّلَ مِنْ سَوْآتِهَا حَضَنٌ وَسَالَ ذُو شَوْغَرٍ مِنْهَا وَسُلْوَانُ
ليست بأطيب مما يشتوى خذف إذْ قَالَ: كُلّ شِوَاءِ الْعَيْرِ جُوفَانُ
وَفِي هَوَازِنَ قَوْمٌ غَيْرَ أَنّ بِهِمْ دَاءَ الْيَمَانِيّ فَإِنْ لَمْ يَغْدِرُوا خَانُوا
فِيهِمْ أَخٌ لَوْ وَفَوْا أَوْ بَرّ عَهْدُهُمْ وَلَوْ نَهَكْنَاهُمْ بِالطّعْنِ قد لانوا
أبلغ هوازان أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا مِنّي رِسَالَةَ نُصْحٍ فِيهِ تِبْيَانُ
أَنّي أَظُنّ رَسُولَ اللهِ صَابِحَكُمْ جَيْشًا لَهُ فِي فَضَاءِ الْأَرْضِ أَرْكَانُ
فِيهِمْ أَخُوكُمْ سُلَيْمٌ غَيْرَ تَارِكِكُمْ وَالْمُسْلِمُونَ عِبَادَ اللهِ غَسّانُ
وَفِي عِضَادَتِهِ الْيُمْنَى بَنُو أَسَدٍ وَالْأَجْرَبَانِ بَنُو عَبْسٍ وَذُبْيَانُ
تَكَادُ تَرْجُفُ مِنْهُ الْأَرْضُ رَهْبَتَهُ وَفِي مقدّمه أوس وعثمان
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَوْسٌ وَعُثْمَانُ: قَبِيلَا مُزَيْنَةَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٦٥ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مِنْ قَوْلِهِ «أَبْلِغْ هَوَازِنَ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا» إلَى آخِرِهَا، فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ، وَهُمَا مَفْصُولَتَانِ، وَلَكِنّ ابْنَ إسْحَاقَ جَعَلَهُمَا وَاحِدَةً.
[ذات أنوط]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدّؤَلِيّ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللّيْثِيّ، أَنّ الْحَارِثَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيّةِ، قَالَ: فَسِرْنَا مَعَهُ إلَى حُنَيْنٍ، قَالَ: وَكَانَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْعَرَبِ لَهُمْ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ خَضْرَاءُ، يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ، يَأْتُونَهَا كُلّ سَنَةٍ، فَيُعَلّقُونَ أَسْلِحَتَهُمْ عَلَيْهَا، وَيَذْبَحُونَ عِنْدَهَا، وَيَعْكُفُونَ عَلَيْهَا يَوْمًا. قَالَ: فَرَأَيْنَا وَنَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سِدْرَةً خَضْرَاءَ عَظِيمَةً، قَالَ: فَتَنَادَيْنَا مِنْ جَنَبَاتِ الطّرِيقِ: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهُ أَكْبَرُ، قُلْتُمْ، وَاَلّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ، كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى: اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إنّهَا السّنَنُ، لَتَرْكَبُنّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قبلكم.
[ثبات الرّسُولِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَمّا اسْتَقْبَلْنَا وَادِيَ حُنَيْنٍ انْحَدَرْنَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٦٦ ]
فِي وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ تِهَامَةَ أَجْوَفَ حَطُوطٍ، إنّمَا نَنْحَدِرُ فِيهِ انْحِدَارًا، قَالَ:
وَفِي عَمَايَةِ الصّبْحِ، وَكَانَ الْقَوْمُ قَدْ سَبَقُونَا إلَى الْوَادِي، فَكَمَنُوا لَنَا فِي شِعَابِهِ وَأَحْنَائِهِ وَمَضَايِقِهِ وَقَدْ أجمعوا وتهيّئوا وأعدّوا، فو الله مَا رَاعَنَا وَنَحْنُ مُنْحَطّونَ إلّا الْكَتَائِبُ قَدْ شَدّوا عَلَيْنَا شَدّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَانْشَمَرَ النّاسُ رَاجِعِينَ، لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ.
وَانْحَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ الْيَمِينِ، ثُمّ قَالَ: أَيْنَ أَيّهَا النّاسُ؟
هَلُمّوا إلَيّ أَنَا رَسُولُ اللهِ، أَنَا مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. قَالَ: فَلَا شَيْءَ، حَمَلَتْ الْإِبِلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَانْطَلَقَ النّاسُ، إلّا أَنّهُ قَدْ بَقِيَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَفَرٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأَهْلِ بيته.
[الذين ثبتوا]
وَفِيمَنْ ثَبَتَ مَعَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَمِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بن الحارث، وابنه، والفضل بن العباس، وَرَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ. وَأَيْمَنُ بْنُ عُبَيْدٍ، قُتِلَ يَوْمَئِذٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اسْمُ ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ جَعْفَرٌ، وَاسْمُ أَبِي سُفْيَانَ الْمُغِيرَةُ، وَبَعْضُ النّاسِ يَعُدّ فِيهِمْ قُثَمَ بْنَ الْعَبّاسِ، وَلَا يَعُدّ ابْنَ أَبِي سُفْيَانَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ ابن جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: وَرَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٦٧ ]
أَحْمَرَ، بِيَدِهِ رَايَةٌ سَوْدَاءُ فِي رَأْسِ رُمْحٍ لَهُ طَوِيلٍ، أَمَامَ هَوَازِنَ، وَهَوَازِنُ خَلْفَهُ، إذَا أَدْرَكَ طَعَنَ بِرُمْحِهِ، وَإِذَا فَاتَهُ النّاسُ رَفَعَ رمحه لمن وراءه فاتّبعوه.
[الشماتة بِالْمُسْلِمِينَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا انْهَزَمَ النّاسُ وَرَأَى مَنْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ جُفَاةِ أَهْلِ مَكّةَ الْهَزِيمَةَ، تَكَلّمَ رِجَالٌ مِنْهُمْ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ الضّغْنِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: لَا تَنْتَهِي هَزِيمَتُهُمْ دُونَ الْبَحْرِ، وَإِنّ الْأَزْلَامَ لَمَعَهُ فِي كِنَانَتِهِ. وَصَرَخَ جَبَلَةُ بْنُ الْحَنْبَلِ- قال ابن هشام: كلدة ابن الحنبل- وهو مع أَخِيهِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ مُشْرِكٌ فِي الْمُدّةِ الّتِي جَعَلَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَلَا بَطَلَ السّحْرُ الْيَوْمَ! فَقَالَ له صفوان:
اسكت فضّ الله فاك، فو الله لَأَنْ يَرُبّنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبّ إلَيّ مِنْ أَنْ يَرُبّنِي رَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ.
[شِعْرُ حَسّانَ فِي هِجَاءِ كَلَدَةَ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَهْجُو كَلَدَةَ:
رَأَيْتُ سَوَادًا مِنْ بَعِيدٍ فَرَاعَنِي أَبُو حَنْبَلٍ يَنْزُو عَلَى أُمّ حَنْبَلِ
كَأَنّ الّذِي يَنْزُو بِهِ فَوْقَ بَطْنِهَا ذِرَاعُ قَلُوصٍ مِنْ نِتَاجِ ابْنِ عِزْهِلِ
أَنْشَدَنَا أَبُو زَيْدٍ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ، وَذَكَرَ لَنَا أَنّهُ هَجَا بِهِمَا صَفْوَانَ بْنَ أميّة، وكان أخا كلدة لأمّه.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٦٨ ]
[شيبة يحاول قتل الرسول]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدّارِ. قُلْت: الْيَوْمَ أُدْرِكُ ثَأْرِي مِنْ مُحَمّدٍ، وَكَانَ أَبُوهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، الْيَوْمَ أَقْتُلُ مُحَمّدًا. قال: فأدرت برسول الله لِأَقْتُلَهُ، فَأَقْبَلَ شَيْءٌ حَتّى تَغَشّى فُؤَادِي، فَلَمْ أُطِقْ ذَاكَ، وَعَلِمْت أَنّهُ مَمْنُوعٌ مِنّي.
قَال ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ مَكّةَ، أَنّ رسول الله ﷺ قال حِينَ فَصَلَ مِنْ مَكّةَ إلَى حُنَيْنٍ، وَرَأَى كَثْرَةَ مَنْ مَعَهُ مِنْ جُنُودِ اللهِ:
لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلّة.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمَ بَعْضُ النّاسِ أَنّ رَجُلًا مِنْ بَنِي بكر قالها.
[الانتصار بَعْدَ الْهَزِيمَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي الزّهْرِيّ. عَنْ كَثِيرِ بْنِ الْعَبّاسِ، عَنْ أَبِيهِ الْعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، قَالَ: إنّي لَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَخَذَ بِحَكَمَةِ بغلته البيضاء قد شجرتها بها، قَالَ: وَكُنْتُ امْرَأً جَسِيمًا شَدِيدَ الصّوْتِ، قَالَ. وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ حِينَ رَأَى مَا رَأَى مِنْ النّاسِ:
أَيْنَ أَيّهَا النّاسُ؟ فَلَمْ أَرَ النّاسَ يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ، فَقَالَ: يَا عَبّاسُ، اُصْرُخْ، يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ: يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ السّمُرَةِ، قَالَ: فَأَجَابُوا: لَبّيْكَ، لَبّيْكَ! قَالَ: فَيَذْهَبُ الرّجُلُ لِيُثْنِيَ بَعِيرَهُ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَيَأْخُذُ دِرْعَهُ، فَيَقْذِفُهَا فِي عُنُقِهِ؛ وَيَأْخُذُ سَيْفَهُ وَتُرْسَهُ، وَيَقْتَحِمُ عَنْ بَعِيرِهِ، وَيُخَلّي سَبِيلَهُ، فَيَؤُمّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٦٩ ]
الصّوْتَ، حَتّى يَنْتَهِيَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ. حَتّى إذَا اجْتَمَعَ إلَيْهِ منهم مائة، اسْتَقْبَلُوا النّاسَ، فَاقْتَتَلُوا، وَكَانَتْ الدّعْوَى أَوّلَ مَا كَانَتْ:
يَا لَلْأَنْصَارِ. ثُمّ خَلَصَتْ أَخَيْرًا: يَا لَلْخَزْرَجِ. وَكَانُوا صُبْرًا عِنْدَ الْحَرْبِ، فَأَشْرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي رَكَائِبِهِ. فَنَظَرَ إلَى مُجْتَلَدِ الْقَوْمِ وَهُمْ يَجْتَلِدُونَ، فَقَالَ: الآن حمى الوطيس.
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: بَيْنَا ذَلِكَ الرّجُلُ مِنْ هَوَازِنَ صَاحِبُ الرّايَةِ عَلَى جَمَلِهِ يَصْنَعُ مَا يَصْنَعُ، إذْ هَوَى لَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُرِيدَانِهِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ علىّ بن أبى طالب من خلفه، فصرب عُرْقُوبَيْ الْجَمَلِ، فَوَقَعَ عَلَى عَجُزِهِ، وَوَثَبَ الْأَنْصَارِيّ عَلَى الرّجُلِ، فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً أَطَنّ قَدَمَهُ بِنِصْفِ سَاقِهِ، فَانْجَعَفَ عَنْ رَحْلِهِ، قَالَ: وَاجْتَلَدَ النّاسُ، فَوَاَللهِ مَا رَجَعَتْ رَاجِعَةُ النّاسِ مِنْ هَزِيمَتِهِمْ حَتّى وَجَدُوا الْأُسَارَى مُكَتّفِينَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
قَالَ: وَالْتَفَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى أبى سفيان بن الحارث ابن عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَكَانَ مِمّنْ صَبَرَ يَوْمَئِذٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وكان حَسَنَ الْإِسْلَامِ حِينَ أَسْلَمَ، وَهُوَ آخِذٌ بِثَفَرِ بَغْلَتِهِ، فَقَالَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ:
أَنَا ابْنُ أمك يا رسول الله.
[رأى أُمّ سُلَيْمٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنّ رَسُولَ اللهِ صلى الله
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٧٠ ]
عليه وسلم التفت، فرأى أمّ سليم بنت مِلْحَانَ، وَكَانَتْ مَعَ زَوْجِهَا أَبِي طَلْحَةَ وَهِيَ حَازِمَةٌ وَسَطَهَا بِبُرْدٍ لَهَا، وَإِنّهَا لَحَامِلٌ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَمَعَهَا جَمَلُ أَبِي طَلْحَةَ، وَقَدْ خَشِيَتْ أَنْ يَعُزّهَا الْجَمَلُ، فَأَدْنَتْ رَأْسَهُ مِنْهَا، فَأَدْخَلَتْ يَدَهَا فِي خِزَامَتِهِ مَعَ الْخِطَامِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: أُمّ سُلَيْمٍ؟
قُلْت: نَعَمْ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي يَا رَسُولَ اللهِ، اُقْتُلْ هَؤُلَاءِ الّذِينَ يَنْهَزِمُونَ عَنْك كَمَا تَقْتُلُ الّذِينَ يُقَاتِلُونَك، فَإِنّهُمْ لِذَلِكَ أَهْلٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَوَ يَكْفِي اللهُ يَا أُمّ سُلَيْمٍ؟ قَالَ: وَمَعَهَا خِنْجَرٌ، فَقَالَ لَهَا أَبُو طَلْحَةَ:
مَا هَذَا الْخِنْجَرُ مَعَكِ يَا أُمّ سُلَيْمٍ؟ قَالَتْ: خِنْجَرٌ أَخَذْته، إنْ دَنَا منى أحد من المشركين بعجته به. قَالَ: يَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: أَلَا تَسْمَعُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا تَقُولُ أُمّ سُلَيْمٍ الرّمَيْصَاءُ.
[شعر مالك بن عوف فى الهزيمة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حِينَ وَجّهَ إلَى حُنَيْنٍ، قَدْ ضَمّ بَنِي سُلَيْمٍ الضّحّاكَ بْنَ سُفْيَانَ الْكِلَابِيّ، فَكَانُوا إلَيْهِ وَمَعَهُ، وَلَمّا انْهَزَمَ النّاسُ قَالَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ يَرْتَجِزُ بِفَرَسِهِ:
أَقْدِمْ مُحَاجُ إنّهُ يَوْمٌ نُكُرْ مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ يَحْمِي وَيَكُرّ
إذَا أُضِيعَ الصّفّ يَوْمًا والدّبُرْ ثُمّ احْزَأَلّتْ زُمَرٌ بَعْدَ زُمَرْ
كَتَائِبٌ يَكِلّ فِيهِنّ الْبَصَرْ قَدْ أَطْعَنُ الطّعْنَةَ تَقْذِي بِالسّبُرْ
حِينَ يُذَمّ الْمُسْتَكِينُ الْمُنْجَحِرْ وَأَطْعَنُ النّجْلَاءَ تعوى وتهر
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٧١ ]
لَهَا مِنْ الْجَوْفِ رَشَاشٌ مُنْهَمِرْ تَفْهَقُ تَارَاتٍ وَحِينًا تَنْفَجِرْ
وَثَعْلَبُ الْعَامِلِ فِيهَا مُنْكَسِرْ يَا زيد يابن هَمْهَمٍ أَيْنَ تَفِرّ
قَدْ نَفِدَ الضّرْسُ وَقَدْ طَالَ الْعُمُرْ قَدْ عَلِمَ الْبِيضُ الطّوِيلَاتُ الْخُمُرْ
أَنّي فِي أَمْثَالِهَا غَيْرُ غَمِرْ إذْ تُخْرَجُ الحاصن من تحت السّتر
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ أَيْضًا:
أَقْدِمْ مُحَاجُ إنّهَا الْأَسَاوِرَهْ وَلَا تَغُرّنّكَ رِجْلٌ نَادِرَهْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ لِغَيْرِ مَالِكِ بْنِ عوف فى غير هذا اليوم
[من قتل قتيلا فله سلبه]
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أَبِي بَكْرٍ، أَنّهُ حُدّثَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيّ قَالَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى بَنِي غِفَارٍ أَبِي مُحَمّدٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَا: قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: رَأَيْت يَوْمَ حُنَيْنٍ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ: مُسْلِمًا وَمُشْرِكًا، قَالَ: وَإِذَا رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُرِيدُ أَنْ يُعِينَ صَاحِبَهُ الْمُشْرِكَ عَلَى الْمُسْلِمِ. قَالَ: فَأَتَيْته فَضَرَبْت يَدَهُ فَقَطَعْتُهَا، وَاعْتَنَقَنِي بِيَدِهِ الْأُخْرَى، فو الله مَا أَرْسَلَنِي حَتّى وَجَدْت رِيحَ الدّمِ- وَيُرْوَى: رِيحَ الْمَوْتِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
وَكَادَ يَقْتُلُنِي، فَلَوْلَا أَنّ الدّمَ نَزَفَهُ لَقَتَلَنِي، فَسَقَطَ، فَضَرَبْته فَقَتَلْته، وَأَجْهَضَنِي عَنْهُ الْقِتَالُ، وَمَرّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكّةَ فَسَلَبَهُ، فَلَمّا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا وَفَرَغْنَا مِنْ الْقَوْمِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُه، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاَللهِ لَقَدْ قَتَلْت قَتِيلًا ذَا سَلَبٍ، فَأَجْهَضَنِي عنه
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٧٢ ]
الْقِتَالُ، فَمَا أَدْرِي مَنْ اسْتَلَبَهُ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكّةَ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَسَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ عَنّي مِنْ سَلَبِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ ﵁: لَا وَاَللهِ، لَا يُرْضِيهِ مِنْهُ، تَعْمِدُ إلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللهِ، يُقَاتِلُ عَنْ دِينِ اللهِ، تُقَاسِمُهُ سَلَبَهُ! اُرْدُدْ عَلَيْهِ سَلَبَ قَتِيلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: صدق فاردد عَلَيْهِ سَلَبَهُ. فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَأَخَذْته مِنْهُ، فبعته، فاشتريت منه مَخْرَفًا، فَإِنّهُ لَأَوّلُ مَالٍ اعْتَقَدْتُهُ.
قَالَ ابْنُ إسحاق: وحدثنى من لا أنهم، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَقَدْ اسْتَلَبَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمَ حنين وحده عشرين رجلا
[نزول الْمَلَائِكَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بن يسار، أنه حدث عن جبير ابن مُطْعِمٍ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ قَبْلَ هَزِيمَةِ الْقَوْمِ، وَالنّاسُ يَقْتَتِلُونَ مِثْلَ الْبِجَادِ الْأَسْوَدِ، أَقْبَلَ مِنْ السّمَاءِ حَتّى سَقَطَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ، فَنَظَرْت، فَإِذَا نَمَلٌ أَسْوَدُ مَبْثُوثٌ قَدْ مَلَأَ الْوَادِيَ، لَمْ أَشُكّ أَنّهَا الْمَلَائِكَةُ، ثُمّ لَمْ يَكُنْ إلا هزيمة القوم.
[هزيمة المشركين من أهل حنين]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا هَزَمَ اللهُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ حُنَيْنٍ، وَأَمْكَنَ رَسُولَهُ ﷺ مِنْهُمْ، قَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٧٣ ]
قَدْ غَلَبَتْ خَيْلُ اللهِ خَيْلَ اللّاتِ وَاَللهُ أَحَقّ بِالثّبَاتِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالرّوَايَةِ لِلشّعْرِ:
غَلَبْتِ خَيْلُ اللهِ خَيْلَ اللّاتِ وَخَيْلُهُ أَحَقّ بِالثّبَاتِ
قَالَ ابْنُ إسحاق: فلما انهزمت هوارن اسْتَحَرّ الْقَتْلُ مِنْ ثَقِيفٍ فِي بَنِي مَالِكٍ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا تَحْتَ رَايَتِهِمْ، فِيهِمْ عثمان بن عبد الله بن ربيعة ابن الحارث بن حبيب، وَكَانَتْ رَايَتُهُمْ مَعَ ذِي الْخِمَارِ فَلَمّا قُتِلَ أخذها عثمان ابن عَبْدِ اللهِ فَقَاتَلَ بِهَا حَتّى قُتِلَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ وَهْبِ بْنِ الْأَسْوَدِ، قَالَ: لَمّا بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَتْلُهُ، قَالَ: أَبْعَدَهُ اللهُ! فإنه كان يبغض قريشا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ. أَنّهُ قُتِلَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ غُلَامٌ لَهُ نَصْرَانِيّ أَغْرَلُ، قَالَ: فَبَيْنَا رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَسْلُبُ قَتْلَى ثَقِيفٍ، إذْ كَشَفَ الْعَبْدَ يَسْلُبُهُ، فَوَجَدَهُ أَغْرَلَ. قَالَ:
فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ: يَعْلَمُ اللهُ أَنّ ثَقِيفًا غُرْلٌ. قَالَ المغيرة ابن شُعْبَةَ: فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَخَشِيت أَنْ تَذْهَبَ عَنّا فِي الْعَرَبِ، فَقُلْتُ: لَا تَقُلْ ذَاكَ، فَدَاك أَبِي وَأُمّي، إنّمَا هُوَ غُلَامٌ لَنَا نَصْرَانِيّ قَالَ: ثُمّ جَعَلْت أَكْشِفُ لَهُ عَنْ الْقَتْلَى، وأقول له: ألا تراهم مختّنين كما ترى!
قال ابن إسْحَاقَ: وَكَانَتْ رَايَةُ الْأَحْلَافِ مَعَ قَارِبِ بْنِ الْأَسْوَدِ، فَلَمّا انْهَزَمَ النّاسُ أَسْنَدَ رَايَتَهُ إلَى شَجَرَةٍ، وَهَرَبَ هُوَ وَبَنُو عَمّهِ وَقَوْمُهُ مِنْ الأحلاف،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٧٤ ]
فَلَمْ يُقْتَلْ مِنْ الْأَحْلَافِ غَيْرُ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ مِنْ غِيَرَةَ، يُقَالُ لَهُ وَهْبٌ، وَآخَرُ مِنْ بَنِي كُبّةَ، يُقَال لَهُ الْجُلَاحُ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ بَلَغَهُ قَتْلُ الْجُلَاحِ: قُتِلَ الْيَوْمَ سَيّدُ شَبَابِ ثَقِيفٍ، إلّا مَا كَانَ مِنْ ابْنِ هُنَيْدَةَ، يَعْنِي بابن هنيدة الحارث بن أويس.
[رائية ابن مِرْدَاسٍ]
فَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السّلَمِيّ يَذْكُرُ قَارِبَ بْنَ الْأَسْوَدِ وَفِرَارَهُ مِنْ بَنِي أَبِيهِ وذا الخمار وحبسه قومه للموت:
أَلَا مِنْ مُبَلّغٍ غَيْلَانَ عَنّي وَسَوْفَ- إخَالُ- يَأْتِيهِ الْخَبِيرُ
وَعُرْوَةَ إنّمَا أُهْدِي جَوَابًا وَقَوْلًا غَيْرَ قَوْلِكُمَا يَسِيرُ
بِأَنّ مُحَمّدًا عَبْدٌ رَسُولٌ لربّ لا يضلّ ولا يجوز
وَجَدْنَاهُ نَبِيّا مِثْلَ مُوسَى فَكُلّ فَتَى يُخَايِرُهُ مَخِيرُ
وَبِئْسَ الْأَمْرُ أَمْرُ بَنِي قَسِيّ بِوَجّ إذْ تُقُسّمَتْ الْأُمُورُ
أَضَاعُوا أَمْرَهُمْ وَلِكُلّ قَوْمٍ أَمِيرٌ وَالدّوَائِرُ قَدْ تَدُورُ
فَجِئْنَا أُسْدَ غَابَاتٍ إلَيْهِمْ جُنُودُ اللهِ ضَاحِيَةً تَسِيرُ
يَؤُمّ الْجَمْعَ جَمْعَ بَنِي قَسِيّ عَلَى حَنَقٍ نَكَادُ لَهُ نَطِيرُ
وَأُقْسِمُ لَوْ هُمْ مَكَثُوا لَسِرْنَا إلَيْهِمْ بِالْجُنُودِ وَلَمْ يَغُورُوا
فَكُنّا أُسْدَ لِيّةَ ثَمّ حَتّى أَبَحْنَاهَا وَأُسْلِمَتْ النّصُورُ
وَيَوْمٌ كَانَ قَبْلُ لَدَى حُنَيْنٍ فَأَقْلَعَ وَالدّمَاءُ بِهِ تَمُورُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٧٥ ]
مِنْ الْأَيّامِ لَمْ تَسْمَعْ كَيَوْمٍ وَلَمْ يَسْمَعْ بِهِ قَوْمٌ ذُكُورُ
قَتَلْنَا فِي الْغُبَارِ بَنِي حُطَيْطٍ عَلَى رَايَاتِهَا وَالْخَيْلُ زُورُ
وَلَمْ يَكُ ذُو الْخِمَارِ رَئِيسَ قَوْمٍ لَهُمْ عَقْلٌ يُعَاقِبُ أَوْ مَكِيرُ
أَقَامَ بِهِمْ عَلَى سَنَنِ الْمَنَايَا وَقَدْ بَانَتْ لِمُبْصِرِهَا الْأُمُورُ
فَأَفْلَتَ مَنْ نَجَا مِنْهُمْ جَرِيضًا وَقُتّلَ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرُ
وَلَا يُغْنِي الْأُمُورَ أَخُو الْتَوَانِي وَلَا الْغَلِقُ الصّرَيّرَةُ الْحَصُورُ
أَحَانَهُمُ وَحَانَ وَمَلّكُوهُ أُمُورَهُمْ وَأَفْلَتَتْ الصّقُورُ
بنو عوف تميح بهم حياد أُهِينَ لَهَا الْفَصَافِصُ وَالشّعِيرُ
فَلَوْلَا قَارِبٌ وَبَنُو أَبِيهِ تُقُسّمتَ الْمَزَارِعُ وَالْقُصُورُ
وَلَكِنّ الرّيَاسَةَ عُمّمُوهَا عَلَى يُمْنٍ أَشَارَ بِهِ الْمُشِيرُ
أَطَاعُوا قَارِبًا وَلَهُمْ جُدُودٌ وَأَحْلَامٌ إلَى عِزّ تَصِيرُ
فَإِنْ يهدوا إلى الإسلام يلقوا أُنُوفَ النّاسِ مَا سَمَرَ السّمِيرُ
وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا فَهُمْ أَذَانٌ بِحَرْبِ اللهِ لَيْسَ لَهُمْ نَصِيرُ
كَمَا حَكّتْ بَنِي سَعْدٍ وَحَرْبٌ بِرَهْطِ بَنِي غَزِيّةَ عَنْقَفِيرُ
كَأَنّ بَنِي مُعَاوِيَةَ بْنِ بكر إلى الإسلام ضائنة نخور
فَقُلْنَا أَسْلِمُوا إنّا أَخُوكُمْ وَقَدْ بَرَأَتْ مِنْ الإحن الصّدور
كأن القوم إذ جاؤا إلَيْنَا مِنْ الْبَغْضَاءِ بَعْد السّلْمِ عُورُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: غَيْلَانُ: غَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ الثّقَفِيّ، وعروة: عروة بن مسعود الثّقفى.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٧٦ ]
[مصرع دريد]
قال ابن إسحاق: وَلَمّا انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، أَتَوْا الطّائِفَ وَمَعَهُمْ مَالِكُ ابن عَوْفٍ وَعَسْكَرَ بَعْضُهُمْ بِأَوْطَاسٍ، وَتَوَجّهَ بَعْضُهُمْ نَحْوَ نَخْلَةَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيمَنْ تَوَجّهَ نَحْوَ نَخْلَةَ إلّا بَنُو غِيَرَةَ مِنْ ثَقِيفٍ، وَتَبِعَتْ خَيْلُ رسول الله ﷺ من سَلَكَ فِي نَخْلَةَ مِنْ النّاسِ، وَلَمْ تَتْبَعْ مَنْ سَلَكَ الثّنَايَا.
فَأَدْرَكَ رَبِيعَةُ بْنُ رُفَيْعِ بْنِ أُهْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ يربوع بن سمّان ابن عَوْفِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الدّغُنّةِ وَهِيَ أُمّهُ، فَغَلَبَتْ عَلَى اسْمِهِ، وَيُقَالُ: ابْنُ لَذْعَةَ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- دُرَيْدَ بْنَ الصّمّةِ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ جَمَلِهِ وَهُوَ يَظُنّ أَنّهُ امْرَأَةٌ، وَذَلِكَ أَنّهُ فِي شِجَارٍ لَهُ، فَإِذَا بِرَجُلِ، فَأَنَاخَ بِهِ، فَإِذَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَإِذَا هُوَ دُرَيْدُ بْنُ الصّمّةِ وَلَا يَعْرِفُهُ الْغُلَامُ، فَقَالَ لَهُ دُرَيْدٌ:
مَاذَا تُرِيدُ بِي؟ قَالَ: أَقْتُلُك. قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ أَنَا رَبِيعَةُ بْنُ رُفَيْعٍ السّلَمِيّ، ثُمّ ضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ، فَلَمْ يُغْنِ شَيْئًا، فَقَالَ: بِئْسَ مَا سَلّحَتْك أُمّك! خُذْ سَيْفِي هَذَا مِنْ مُؤَخّرِ الرحل، وكان الرحل فى الشّجار، ثم ضرب بِهِ، وَارْفَعْ عَنْ الْعِظَامِ، وَاخْفِضْ عَنْ الدّمَاغِ، فَإِنّي كُنْت كَذَلِكَ أَضْرِبُ الرّجَالَ، ثُمّ إذَا أتيت أمّك فأخبرها أنك قتلت دربد بْنَ الصّمّةِ، فَرُبّ وَاَللهِ يَوْمٍ قَدْ مَنَعْتُ فِيهِ نِسَاءَك. فَزَعَمَ بَنُو سُلَيْمٍ أَنّ رَبِيعَةَ لَمّا ضَرَبَهُ فَوَقَعَ تَكَشّفَ، فَإِذَا عِجَانُهُ وَبُطُونُ فَخِذَيْهِ مِثْلُ الْقِرْطَاسِ، مِنْ رُكُوبِ الْخَيْلِ أَعْرَاءً؛ فَلَمّا رَجَعَ رَبِيعَةُ إلَى أُمّهِ أَخْبَرَهَا بِقَتْلِهِ إيّاهُ، فَقَالَتْ: أَمَا وَاَللهِ لَقَدْ أَعْتَقَ أُمّهَاتٍ لك ثلاثا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٧٧ ]
فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ دُرَيْدٍ فِي قَتْلِ رَبِيعَةَ دريدا:
لَعَمْرُكَ مَا خَشِيت عَلَى دُرَيْدٍ بِبَطْنِ سُمَيْرَة جَيْشَ الْعَنَاقِ
جَزَى عَنْهُ الْإِلَهُ بَنِي سُلَيْمٍ وَعَقّتْهُمْ بِمَا فَعَلُوا عَقَاقِ
وَأَسْقَانَا إذَا قُدْنَا إلَيْهِمْ دِمَاءَ خِيَارِهِمْ عِنْدَ التّلَاقِي
فَرُبّ عَظِيمَةٍ دَافَعْتَ عَنْهُمْ وَقَدْ بَلَغَتْ نَفُوسُهُمْ التّرَاقِي
وَرُبّ كَرِيمَةٍ أَعْتَقْتَ مِنْهُمْ وَأُخْرَى قَدْ فَكَكْتَ مِنْ الْوَثَاقِ
وَرُبّ مُنَوّهٍ بِكَ مِنْ سُلَيْمٍ أَجَبْتَ وَقَدْ دَعَاكَ بِلَا رَمَاقِ
فَكَانَ جَزَاؤُنَا مِنْهُمْ عُقُوقًا وَهَمّا مَاعَ مِنْهُ مُخّ سَاقِي
عَفَتْ آثَارُ خَيْلِك بَعْدَ أَيْنٍ بِذِي بَقَرٍ إلَى فَيْفِ النّهَاقِ
وَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ دُرَيْدٍ أَيْضًا:
قَالُوا قَتَلْنَا دُرَيْدًا قُلْتُ قَدْ صَدَقُوا فَظَلّ دمغى عَلَى السّرْبَالِ يَنْحَدِرُ
لَوْلَا الّذِي قَهَرَ الْأَقْوَامَ كُلّهُمْ رَأَتْ سُلَيْمٌ وَكَعْبٌ كَيْفَ تَأْتَمِرُ
إذَنْ لَصَبّحَهُمْ غِبّا وَظَاهِرَةً حَيْثُ اسْتَقَرّتْ نَوَاهُمْ جَحْفَلٌ ذَفِرُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ اسْمُ الّذِي قَتَلَ دُرَيْدًا: عَبْدُ اللهِ بْنُ قُنَيْعِ بْنِ أهبان بن ثعلبة بن ربيعة
[مصرع أَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيّ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبُعِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في آثَارِ مَنْ تَوَجّهَ قِبَلَ أَوْطَاسٍ أَبَا عَامِرٍ الْأَشْعَرِيّ، فَأَدْرَكَ مِنْ النّاسِ بَعْضَ مَنْ انْهَزَمَ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٧٨ ]
فَنَاوَشُوهُ الْقِتَالَ، فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ بِسَهْمِ فَقُتِلَ؛ فَأَخَذَ الرّايَةَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَهُوَ ابْنُ عمه، فقاتلهم، ففتح الله على يديه، وَهَزَمَهُمْ. فَيَزْعُمُونَ أَنّ سَلَمَةَ بْنَ دُرَيْدٍ هُوَ الّذِي رَمَى أَبَا عَامِرٍ الْأَشْعَرِيّ بِسَهْمِ، فَأَصَابَ رُكْبَتَهُ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ:
إنْ تَسْأَلُوا عَنّي فَإِنّي سلمه ابن سمادر لمن توسّمه
أضرب بالسّيف رؤس المسلمه
وسمادير: أمه.
[حال بنى رئاب فى المعركة]
واستحرّ القتل من بنى نصر فِي بَنِي رِئَابٍ، فَزَعَمُوا أَنّ عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ- وَهُوَ الّذِي يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْعَوْرَاءِ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي وَهْبِ بْنِ رِئَاب- قَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتْ بَنُو رِئَابٍ فَزَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: اللهمّ اجبر مصيبتهم.
[موقف قوم مالك بن عوف]
وخرج مالك بن عوف عِنْدَ الْهَزِيمَةِ، فَوَقَفَ فِي فَوَارِسَ مِنْ قَوْمِهِ، عَلَى ثَنِيّةٍ مِنْ الطّرِيقِ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: قِفُوا حَتّى تَمْضِيَ ضُعَفَاؤُكُمْ، وَتَلْحَقَ أُخْرَاكُمْ فَوَقَفَ هُنَاكَ حَتّى مَضَى مَنْ كَانَ لَحِقَ بِهِمْ مِنْ منهزمة الناس؛ فقال مالك بن عوف فى ذلك:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٧٩ ]
وَلَوْلَا كَرّتَانِ عَلَى مُحَاجٍ لَضَاقَ عَلَى الْعَضَارِيطِ الطّرِيقُ
وَلَوْلَا كَرّ دُهْمَانَ بْنِ نَصْرٍ لَدَى النّخَلَاتِ مُنْدَفَعَ الشّدِيقِ
لَآبَتْ جَعْفَرٌ وَبَنُو هِلَالٍ خَزَايَا مُحْقِبِينَ عَلَى شُقُوقِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذِهِ الْأَبْيَاتُ لِمَالِكِ بْنِ عَوْفٍ فِي غَيْرِ هذا اليوم. ومما يدلك على ذلك قول دُرَيْدِ بْنِ الصّمّةِ فِي صَدْرِ هَذَا الْحَدِيثِ: مَا فَعَلَتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ؟ فَقَالُوا لَهُ: لَمْ يَشْهَدْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَجَعْفَرٌ بْنُ كِلَابٍ. وَقَالَ مالك ابن عوف فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: «لَآبَتْ جَعْفَرٌ وَبَنُو هِلَالٍ» .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي أَنّ خَيْلًا طَلَعَتْ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الثّنِيّةِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَاذَا تَرَوْنَ؟ فَقَالُوا: نَرَى قَوْمًا وَاضِعِي رِمَاحِهِمْ بَيْنَ آذَانِ خَيْلِهِمْ، طَوِيلَةً بَوَادّهُمْ؛ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ بَنُو سُلَيْمٍ، وَلَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ، فَلَمّا أَقْبَلُوا سَلَكُوا بَطْنَ الْوَادِي. ثُمّ طَلَعَتْ خَيْلٌ أُخْرَى تَتْبَعُهَا، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ:
مَاذَا تَرَوْنَ؟ قَالُوا: نَرَى قَوْمًا عَارِضِي رِمَاحِهِمْ، أَغْفَالًا عَلَى خَيْلِهِمْ؛ فَقَالَ:
هَؤُلَاءِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، وَلَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ فَلَمّا انْتَهَوْا إلَى أَصْلِ الثّنِيّةِ سَلَكُوا طَرِيقَ بَنِي سُلَيْمٍ. ثُمّ طَلَعَ فَارِسٌ؛ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَاذَا تَرَوْنَ؟ قَالُوا: نَرَى فَارِسًا طَوِيلَ الْبَادّ، وَاضِعًا رُمْحَهُ عَلَى عَاتِقِهِ، عَاصِبًا رَأْسَهُ بِمُلَاءَةِ حَمْرَاءَ، فَقَالَ هَذَا الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ وَأَحْلِفُ بِاللّاتِ لَيُخَالِطَنّكُمْ، فَاثْبُتُوا لَهُ. فَلَمّا انْتَهَى الزّبَيْرُ إلَى أَصْلِ الثّنِيّةِ أَبْصَرَ الْقَوْمَ، فَصَمَدَ لَهُمْ، فَلَمْ يَزَلْ يُطَاعِنُهُمْ حَتّى أَزَاحَهُمْ عَنْهَا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٨٠ ]
[شِعْرُ سَلَمَةَ فِي فِرَارِهِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ دُرَيْدٍ وَهُوَ يَسُوقُ بِامْرَأَتِهِ حَتّى أَعْجَزَهُمْ:
نَسّيْتِنِي مَا كُنْتِ غَيْرَ مُصَابَةٍ وَلَقَدْ عَرَفْتِ غَدَاةَ نَعْفِ الْأَظْرُبِ
أَنّي مَنَعْتُكِ وَالرّكُوبُ مُحَبّبٌ وَمَشَيْتُ خَلْفَكِ مِثْلَ مَشْيِ الْأَنْكَبِ
إذْ فَرّ كُلّ مُهَذّبٍ ذِي لِمّةٍ عَنْ أمّه وخليله لم يعقب
[عود إلى حديث مصرع أَبِي عَامِرٍ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ، وَحَدِيثُهُ:
أَنّ أَبَا عَامِرٍ الْأَشْعَرِيّ لَقِيَ يَوْمَ أَوْطَاسٍ عَشَرَةَ إخْوَةٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ: فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمْ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَبُو عَامِرٍ وَهُوَ يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ وَيَقُولُ: اللهُمّ اشْهَدْ عَلَيْهِ، فَقَتَلَهُ أَبُو عَامِرٍ؛ ثُمّ حَمَلَ عَلَيْهِ آخَرُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَبُو عَامِرٍ، وَهُوَ يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ وَيَقُولُ: اللهُمّ اشْهَدْ عَلَيْهِ، فَقَتَلَهُ أَبُو عَامِرٍ. ثُمّ جَعَلُوا يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ رَجُلًا رَجُلًا، وَيَحْمِلُ أَبُو عامر وهو يقول ذَلِكَ، حَتّى قَتَلَ تِسْعَةً، وَبَقِيَ الْعَاشِرُ، فَحَمَلَ عَلَى أَبِي عَامِرٍ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ أَبُو عَامِرٍ، وَهُوَ يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ وَيَقُولُ: اللهُمّ اشْهَدْ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ الرّجُلُ: اللهُمّ لَا تَشْهَدْ عَلَيّ، فَكَفّ عَنْهُ أَبُو عَامِرٍ، فَأَفْلَتْ؛ ثُمّ أَسْلَمَ بَعْدُ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ. فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا رَآهُ قَالَ: هَذَا شَرِيدُ أَبِي عَامِرٍ وَرَمَى أَبَا عَامِرٍ أَخَوَانِ: الْعَلَاءُ وَأَوْفَى ابْنَا الْحَارِثِ، مِنْ بَنِي جُشَمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا قَلْبَهُ، وَالْآخَرُ رُكْبَتَهُ، فقاتلاه وَوَلِيَ النّاسَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فَحَمَلَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٨١ ]
عَلَيْهِمَا فَقَتَلَهُمَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُشَمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ يَرْثِيهِمَا:
إنّ الرّزِيّةَ قَتْلُ الْعَلَاءِ وَأَوْفَى جَمِيعًا وَلَمْ يُسْنَدَا
هُمَا الْقَاتِلَانِ أَبَا عَامِرٍ وَقَدْ كَانَ ذَا هَبّةٍ أَرْبَدَا
هُمَا تَرَكَاهُ لَدَى مَعْرَكٍ كَأَنّ عَلَى عِطْفِهِ مُجْسَدَا
فَلَمْ تَرَ فِي النّاسِ مِثْلَيْهِمَا أَقَلّ عِثَارًا وأرمى يدا
[النهى عَنْ قَتْلِ الضّعَفَاءِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مر يومئذ بامرأة وقد قتلها خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالنّاسُ مُتَقَصّفُونَ عَلَيْهَا، فَقَالَ:
مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: امْرَأَةٌ قَتَلَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِبَعْضِ مَنْ مَعَهُ: أَدْرِكْ خَالِدًا، فَقُلْ له: إن رسول الله يَنْهَاك أَنْ تَقْتُلَ وَلِيدًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ عسيفا
[شأن الشيماء وبجاد]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ، وَحَدّثَنِي بَعْضُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يَوْمَئِذٍ: إنْ قَدَرْتُمْ عَلَى بجاد، رجل من بنى سعد ابن بَكْرٍ، فَلَا يُفْلِتَنّكُم، وَكَانَ قَدْ أَحْدَثَ حَدَثًا، فَلَمّا ظَفِرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ سَاقُوهُ وَأَهْلَهُ، وَسَاقُوا مَعَهُ الشّيْمَاءَ، بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى أُخْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الرّضَاعَةِ، فَعَنُفُوا عَلَيْهَا فِي السّيَاقِ، فَقَالَتْ لِلْمُسْلِمِينَ:
تَعَلَمُوا وَاَللهِ أَنّي لَأُخْتُ صَاحِبِكُمْ مِنْ الرّضَاعَةِ؛ فَلَمْ يُصَدّقُوهَا حَتّى أَتَوْا بِهَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٨٢ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ السّعْدِيّ، قَالَ: فَلَمّا اُنْتُهِيَ بِهَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي أُخْتُك مِنْ الرّضَاعَةِ؛ قَالَ: وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: عَضّةٌ عَضَضْتَنِيهَا فِي ظَهْرِي وَأَنَا مُتَوَرّكَتُك؛ قَالَ: فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعَلَامَةَ، فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ، فَأَجْلَسَهَا عَلَيْهِ، وَخَيّرَهَا، وَقَالَ: إنْ أَحْبَبْتِ فَعِنْدِي مُحَبّةٌ مُكْرَمَةٌ، وَإِنْ أَحْبَبْتِ أَنْ أُمَتّعَك وَتَرْجِعِي إلَى قَوْمِك فَعَلْتُ؛ فَقَالَتْ:
بَلْ تُمَتّعُنِي وَتَرُدّنِي إلَى قَوْمِي، فَمَتّعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَرَدّهَا إلَى قَوْمِهَا. فَزَعَمَتْ بَنُو سَعْدٍ أَنّهُ أَعْطَاهَا غُلَامًا لَهُ يُقَالُ لَهُ مَكْحُولٌ، وَجَارِيَةً، فَزَوّجَتْ أَحَدَهُمَا الْأُخْرَى، فَلَمْ يزل فيهم من نسلهما بقية.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ إلَى قَوْلِهِ:
وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ.
[شهداء يَوْمَ حُنَيْنٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَهَذِهِ تَسْمِيَةُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ حُنَيْنٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ:
مِنْ قُرَيْشٍ ثُمّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ: أَيْمَنُ بْنُ عُبَيْدٍ.
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى: يزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب ابن أسد، جمح بن فَرَسٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ الْجَنَاحُ، فَقُتِلَ.
وَمِنْ الْأَنْصَارِ: سُرَاقَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيّ، مِنْ بنى العجلان.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٨٣ ]
ومن الأشعريين: أبو عامر الأشعرى.
[سبايا حنين يجمعون]
ثُمّ جُمِعَتْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبَايَا حُنَيْنٍ وَأَمْوَالُهَا، وَكَانَ عَلَى الْمَغَانِمِ مَسْعُودُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيّ، وَأَمّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالسّبَايَا وَالْأَمْوَالِ إلَى الْجِعْرَانَةِ، فَحُبِسَتْ بِهَا
[شِعْرُ بُجَيْرٍ يَوْمَ حُنَيْنٍ]
وَقَالُ بُجَيْرُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ:
لَوْلَا الْإِلَهُ وَعَبْدُهُ وَلّيْتُمْ حِينَ اسْتَخَفّ الرّعْبُ كُلّ جَبَانِ
بِالْجِزْعِ يَوْمَ حَبَا لَنَا أَقْرَانُنَا وَسَوَابِحٌ يَكْبُونَ لِلْأَذْقَانِ
مِنْ بَيْنِ سَاعٍ ثَوْبُهُ فِي كَفّهِ وَمُقَطّرٍ بِسَنَابِكِ وَلَبَانِ
وَاَللهُ أَكْرَمَنَا وَأَظْهَرَ دِينَنَا وَأَعَزّنَا بِعِبَادَةِ الرّحْمَنِ
وَاَللهُ أَهْلَكَهُمْ وفرّق جمعهم وأذلّهم بعبادة الشّيطان
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيَرْوِي فِيهَا بَعْضُ الرّوَاةِ:
إذ قام عمّ نبيّكم ووليّه يدعون: لَكَتِيبَةِ الْإِيمَانِ
أَيْنَ الّذِينَ هُمْ أَجَابُوا رَبّهُمْ يَوْمَ الْعُرَيْضِ وَبَيْعَةِ الرّضْوَانِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٨٤ ]
[شِعْرٌ لِعَبّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ:
إنّي وَالسّوَابِحَ يَوْمَ جَمْعٍ وَمَا يَتْلُو الرّسُولُ مِنْ الْكِتَابِ
لَقَدْ أَحْبَبْتُ مَا لَقِيَتْ ثَقِيفٌ بِجَنْبِ الشّعْبِ أَمْسِ مِنْ الْعَذَابِ
هُمْ رَأْسُ الْعَدُوّ مِنْ اهْلِ نَجْدٍ فَقَتْلُهُمْ أَلَذّ مْنَ الشّرَابِ
هَزَمْنَا الْجَمْعَ جَمْعَ بَنِي قَسِيّ وَحَكّتْ بَرْكَهَا بِبَنِي رِئَابِ
وَصِرْمًا مِنْ هِلَالٍ غَادَرَتْهُمْ بِأَوْطَاسٍ تُعَفّرُ بِالتّرَابِ
وَلَوْ لَاقَيْنَ جَمْعَ بَنِي كِلَابٍ لَقَامَ نِسَاؤُهُمْ وَالنّقْعُ كَابِي
رَكَضْنَا الْخَيْلَ فِيهِمْ بَيْنَ بُسّ إلَى الْأَوْرَالِ تَنْحِطُ بِالنّهَابِ
بِذِي لَجَبٍ رَسُولُ اللهِ فِيهِمْ كَتِيبَتُهُ تَعَرّضُ لِلضّرَابِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ «تُعَفّرُ بِالتّرَابِ»: عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
[ابن عفيّف يرد عَلَى ابْنِ مِرْدَاسٍ]
فَأَجَابَهُ عَطِيّةُ بْنُ عُفَيّفٍ النّصرىّ، فيما حدثنا ابن هشام، فقال:
أَفَاخِرَةٌ رِفَاعَةُ فِي حُنَيْنٍ وَعَبّاسُ بْنُ رَاضِعَةِ اللّجَابِ
فَانّكَ وَالْفِجَارَ كَذَاتِ مِرْطٍ لِرَبّتِهَا وَتَرْفُلُ فِي الْإِهَابِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ عَطِيّةُ بْنُ عُفَيّفٍ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ لَمّا أَكْثَرَ عَبّاسٌ عَلَى هَوَازِنَ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ وَرِفَاعَةُ مِنْ جهينة
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٨٥ ]
شِعْرٌ آخَرُ لِعَبّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَيْضًا:
يَا خَاتَمُ النّبَآءِ إنّكَ مُرْسَلٌ بِالْحَقّ كُلّ هُدَى السّبِيلِ هُدَاكَا
إنّ الْإِلَهَ بَنَى عَلَيْك مَحَبّةً فِي خَلْقِهِ وَمُحَمّدًا سَمّاكَا
ثُمّ الّذِينَ وَفَوْا بِمَا عَاهَدْتَهُمْ جُنْدٌ بَعَثْتَ عَلَيْهِمْ الضّحّاكَا
رَجُلًا بِهِ ذَرَبُ السّلَاحِ كَأَنّهُ لَمّا تَكَنّفَهُ الْعَدُوّ يَرَاكَا
يَغْشَى ذَوِي النّسَبِ الْقَرِيبِ وَإِنّمَا يَبْغِي رِضَا الرّحْمَنِ ثُمّ رِضَاكَا
أُنْبِيكَ أَنّي قَدْ رَأَيْتُ مَكَرّهُ تَحْتَ الْعَجَاجَةِ يَدْمَغُ الْإِشْرَاكَا
طَوْرًا يُعَانِقُ بِالْيَدَيْنِ وَتَارَةً يَفْرِي الْجَمَاجِمَ صَارِمًا بَتّاكَا
يَغْشَى بِهِ هَامَ الْكُمَاةِ وَلَوْ تَرَى مِنْهُ الّذِي عَايَنْتُ كَانَ شِفَاكَا
وَبَنُو سُلَيْمٍ مُعْنِقُونَ أَمَامَهُ ضَرْبًا وَطَعْنًا فِي الْعَدُوّ دِرَاكًا
يَمْشُونَ تَحْتَ لِوَائِهِ وَكَأَنّهُمْ أُسْدُ الْعَرِينِ أَرَدْنَ ثَمّ عِرَاكَا
مَا يَرْتَجُونَ مِنْ الْقَرِيبِ قَرَابَةً إلّا لِطَاعَةِ رَبّهِمْ وَهَوَاكَا
هَذِي مَشَاهِدُنَا الّتِي كَانَتْ لَنَا مَعْرُوفَةً وَوَلِيّنَا مَوْلَاكَا
وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مرداس أيضا:
إمّا تَرَيْ يَا أُمّ فَرْوَةَ خَيْلَنَا مِنْهَا معطّلة نقاد وظلّع
أوهى مقارعة الأعادى دمّها فيها رافذ؟؟؟ مِنْ جِرَاحٍ تَنْبَعُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٨٦ ]
فَلَرُبّ قَائِلَةٍ كَفَاهَا وَقْعُنَا أَزْمَ الْحُرُوبِ فَسِرْبُهَا لَا يُفْزَعُ
لَا وَفْدَ كَالْوَفْدِ الْأُلَى عَقَدُوا لَنَا سَبَبًا بِحَبْلِ مُحَمّدٍ لَا يُقْطَعُ
وَفْدٌ أبو قطن حزابة منهم وأبو الْغُيُوثِ وَوَاسِعٌ وَالْمِقْنَعُ
وَالْقَائِدُ الْمِئَةُ الّتِي وَفّى بِهَا تِسْعَ الْمِئِينَ فَتَمّ أَلْفٌ أَقْرَعُ
جَمَعَتْ بَنُو عَوْفٍ وَرَهْطُ مُخَاشِنٍ سِتّا وَأَحْلُبُ مِنْ خُفَافٍ أَرْبَعُ
فَهُنَاكَ إذْ نُصِرَ النّبِيّ بِأَلْفِنَا عقد النّبىّ لنا لواء يلمع
فُزْنَا بِرَايَتِهِ وَأَوْرَثَ عَقْدُهُ مَجْدَ الْحَيَاةِ وسُودَدًا لَا يُنْزَعُ
وَغَدَاةَ نَحْنُ مَعَ النّبِيّ جَنَاحُهُ بِبِطَاحِ مَكّةَ وَالْقَنَا يَتَهَزّعُ
كَانَتْ إجَابَتُنَا لِدَاعِي رَبّنَا بِالْحَقّ مِنّا حَاسِرٌ وَمُقَنّعُ
فِي كُلّ سَابِغَةٍ تَخَيّرَ سَرْدَهَا دَاوُدُ إذْ نَسَجَ الْحَدِيدَ وَتُبّعُ
وَلَنَا عَلَى بِئْرَيْ حُنَيْنٍ مَوْكِبٌ دَمَغَ النّفَاقَ وَهَضْبَةٌ مَا تُقْلَعُ
نُصِرَ النّبِيّ بِنَا وَكُنّا مَعْشَرًا فِي كُلّ نَائِبَةٍ نَضُرّ وَنَنْفَعُ
ذُدْنَا غَدَاتَئِذٍ هَوَازِنَ بِالْقَنَا وَالْخَيْلُ يَغْمُرُهَا عَجَاجٌ يَسْطَعُ
إذْ خَافَ حَدّهُمْ النّبِيّ وَأَسْنَدُوا جَمْعًا تَكَادُ الشّمْسُ مِنْهُ تَخْشَعُ
تُدْعَى بَنُو جُشَمٍ وَتُدْعَى وَسْطَهُ أَفْنَاءُ نَصْرٍ وَالْأَسِنّةُ شُرّعُ
حَتّى إذَا قَالَ الرّسُولُ مُحَمّدٌ أَبَنِي سُلَيْمٍ قَدْ وَفَيْتُمْ فَارْفَعُوا
رُحْنَا وَلَوْلَا نَحْنُ أَجْحَفَ بَأْسُهُمْ بالمؤمنين وأحرزوا ما جمّعوا
وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَيْضًا فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ:
عَفَا مِجْدَلٌ مِنْ أَهْلِهِ فَمُتَالِعُ فَمِطْلَا أَرِيكٍ قَدْ خَلَا فَالْمَصَانِعُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٨٧ ]
دِيَارٌ لَنَا يَا جُمْلُ إذْ جُلّ عَيْشِنَا رَخِيّ وَصَرْفُ الدّارِ لِلْحَيّ جَامِعُ
حُبَيّبَةٌ أَلْوَتْ بِهَا غُرْبَةُ النّوَى لِبَيْنِ فَهَلْ مَاضٍ مِنْ الْعَيْشِ رَاجِعُ
فَإِنْ تَبْتَغِي الْكُفّارَ غَيْرَ مَلُومَةٍ فَإِنّي وَزِيرٌ لِلنّبِيّ وَتَابِعُ
دَعَانَا إلَيْهِمْ خَيْرُ وَفْدٍ عَلِمْتُهُمْ خُزَيمَةُ وَالْمَرّارُ مِنْهُمْ وَوَاسِعُ
فَجِئْنَا بِأَلْفِ مِنْ سُلَيْمٍ عَلَيْهِمْ لَبُوسٌ لَهُمْ مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ رَائِعُ
نُبَايِعُهُ بِالْأَخْشَبَيْنِ وَإِنّمَا يَدَ اللهِ بَيْنَ الْأَخْشَبَيْنِ نُبَايِعُ
فَجُسْنَا مَعَ الْمَهْدِيّ مَكّةَ عَنْوَةً بِأَسْيَافِنَا وَالنّقْعُ كَابٍ وَسَاطِعُ
عَدَنِيّةً وَالْخَيْلُ يَغْشَى مُتُونَهَا حَمِيمٌ وَآنٍ مِنْ دَمِ الْجَوْفِ نَاقِعُ
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ حِينَ سَارَتْ هَوَازِنُ إلَيْنَا وَضَاقَتْ بِالنّفُوسِ الْأَضَالِعُ
صَبَرْنَا مَعَ الضّحّاكِ لَا يَسْتَفِزّنَا قِرَاعُ الْأَعَادِي مِنْهُمْ وَالْوَقَائِعُ
أَمَامَ رَسُولِ اللهِ يَخْفِقُ فَوْقَنَا لِوَاءٌ كَخُذْرُوفِ السّحَابَةِ لا مع
عَشِيّةَ ضَحّاكُ بْنُ سُفْيَانَ مُعْتَصٍ بِسَيْفِ رَسُولِ اللهِ وَالْمَوْتُ كَانِعُ
نَذُودُ أَخَانَا عَنْ أَخِينَا وَلَوْ نَرَى مَصَالًا لَكُنّا الْأَقْرَبِينَ نُتَابِعُ
وَلَكِنّ دِينَ اللهِ دِينُ مُحَمّدٍ رَضِينَا بِهِ فِيهِ الْهُدَى وَالشّرَائِعُ
أَقَامَ بِهِ بَعْدَ الضّلَالَةِ أَمْرَنَا وليس لأمر حمّه الله دافع
وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَيْضًا فِي يَوْمِ حنين:
تَقَطّعَ بَاقِي وَصْلِ أُمّ مُؤَمّلٍ بِعَاقِبَةِ وَاسْتَبْدَلَتْ نِيّةً خُلْفَا
وَقَدْ حَلَفَتْ بِاَللهِ لَا تَقْطَعُ الْقُوَى فَمَا صَدَقَتْ فِيهِ وَلَا بَرّتْ الْحَلْفَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٨٨ ]
خُفَافِيّةٌ بَطْنُ الْعَقِيقِ مَصِيفُهَا وَتَحْتَلّ فِي الْبَادِينَ وَجْرَةَ فَالْعُرْفَا
فَإِنْ تَتْبَعْ الْكُفّارَ أُمّ مُؤَمّلٍ فَقَدْ زَوّدَتْ قَلْبِي عَلَى نَأْيِهَا شَغْفَا
وَسَوْفَ يُنَبّيهَا الْخَبِيرُ بِأَنّنَا أَبَيْنَا وَلَمْ نَطْلُبْ سِوَى رَبّنَا حِلْفَا
وَأَنّا مَعَ الْهَادِي النّبِيّ مُحَمّدٍ وَفَيْنَا وَلَمْ يَسْتَوْفِهَا مَعْشَرٌ أَلْفَا
بِفِتْيَانِ صِدْقٍ مِنْ سُلَيْمٍ أَعِزّةٍ أَطَاعُوا فَمَا يَعْصُونَ مِنْ أَمْرِهِ حَرْفَا
خُفَافٌ وذَكْوَانٌ وَعَوْفٌ تَخَالُهُمْ مَصَاعِبَ زَافَتْ فِي طَرُوقَتِهَا كُلْفَا
كَأَنّ النّسِيجَ الشُهْبَ وَالْبِيضَ مُلْبَسٌ أُسُودًا تَلَاقَتْ فِي مَرَاصِدِهَا غُضْفَا
بِنَا عَزّ دِينُ اللهِ غَيْرَ تَنَحّلٍ وَزِدْنَا عَلَى الْحَيّ الّذِي مَعَهُ ضِعْفَا
بِمَكّةَ إذْ جِئْنَا كَأَنّ لِوَاءَنَا عُقَابٌ أَرَادَتْ بَعْدَ تَحْلِيقِهَا خَطْفَا
عَلَى شُخّصِ الْأَبْصَارِ تَحْسِبُ بَيْنَهَا إذَا هِيَ جَالَتْ فِي مَرَاوِدِهَا عَزْفَا
غَدَاةَ وَطِئْنَا الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ نَجِدْ لِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ عَدْلًا وَلَا صَرْفَا
بِمُعْتَرَكٍ لَا يَسْمَعُ الْقَوْمُ وَسْطَهُ لَنَا زَجْمَةٌ إلّا التّذَامُرَ وَالنّقْفَا
بِبِيضٍ نُطِيرُ الْهَامَ عَنْ مُسْتَقَرّهَا وَنَقْطِفُ أَعْنَاقَ الْكُمَاةِ بِهَا قَطْفَا
فَكَائِنْ تَرَكْنَا مِنْ قَتِيلٍ مُلَحّبٍ وَأَرْمَلَةٍ تَدْعُو عَلَى بَعْلِهَا لَهْفَا
رِضَا اللهِ نَنْوِي لَا رِضَا النّاسِ نَبْتَغِي وَلِلّهِ مَا يَبْدُو جميعا وما يخفى
وقال عباس بن مرداس أَيْضًا:
مَا بَالُ عَيْنِكَ فِيهَا عَائِرٌ سَهِرٌ مِثْلُ الْحَمَاطَةِ أَغْضَى فَوْقَهَا الشّفُرُ
عَيْنٌ تَأَوّبَهَا مِنْ شَجْوِهَا أَرَقٌ فَالْمَاءُ يَغْمُرُهَا طَوْرًا وَيَنْحَدِرُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٨٩ ]
كَأَنّهُ نَظْمُ دُرّ عِنْدَ نَاظِمَةٍ تَقَطّعُ السّلْكُ منه فهو مئتتر
يَا بُعْدَ مَنْزِلِ مَنْ تَرْجُو مَوَدّتَهُ وَمَنْ أَتَى دُونَهُ الصّمّانُ فَالْحَفَرُ
دَعْ مَا تَقَدّمَ مِنْ عَهْدِ الشّبَابِ فَقَدْ وَلّى الشّبَابُ وَزَارَ الشّيْبُ وَالزّعَرُ
وَاذْكُرْ بَلَاءَ سُلَيْمٍ فِي مَوَاطِنِهَا وَفِي سُلَيْمٍ لِأَهْلِ الْفَخْرِ مُفْتَخَرُ
قَوْمٌ هُمْ نَصَرُوا الرّحْمَنَ وَاتّبَعُوا دِينَ الرّسُولِ وَأَمْرُ النّاسِ مُشْتَجِرُ
لَا يَغْرِسُونَ فَسِيلَ النّخْلِ وَسْطَهُمْ وَلَا تَخَاوَرُ فِي مَشْتَاهُمْ الْبَقَرُ
إلّا سَوَابِحَ كَالْعِقْبَانِ مَقْرَبَةً فِي دَارَةٍ حَوْلَهَا الْأَخْطَارُ وَالْعَكَرُ
تُدْعَى خُفَافٌ وَعَوْفٌ فِي جَوَانِبِهَا وَحَيّ ذَكْوَانَ لَا مِيلٌ وَلَا ضُجُرُ
الضّارِبُونَ جُنُودَ الشّرْكِ ضَاحِيَةً بِبَطْنِ مَكّةَ وَالْأَرْوَاحُ تَبْتَدِرُ
حَتّى دَفَعْنَا وَقَتْلَاهُمْ كَأَنّهُمْ نَخْلٌ بِظَاهِرَةِ الْبَطْحَاءِ مُنْقَعِرُ
وَنَحْنُ يَوْمَ حُنَيْنٍ كَانَ مَشْهَدُنَا لِلدّينِ عِزّا وَعِنْدَ اللهِ مُدّخَرُ
إذْ نَرْكَبُ الْمَوْتَ مُخْضَرّا بَطَائِنُهُ وَالْخَيْلُ يَنْجَابُ عَنْهَا سَاطِعٌ كَدِرُ
تَحْتَ اللّوَاءِ مَعَ الضّحّاكِ يَقْدُمُنَا كَمَا مَشَى اللّيْثُ فِي غَابَاتِهِ الْخَدِرُ
فِي مَأْزِقٍ مِنْ مَجَرّ الْحَرْبِ كَلْكَلُهَا تَكَادُ تَأْفِلُ مِنْهُ الشّمْسُ وَالْقَمَرُ
وَقَدْ صَبَرْنَا بِأَوْطَاسٍ أَسِنّتَنَا لِلّهِ نَنْصُرُ مَنْ شِئْنَا وَنَنْتَصِرُ
حَتّى تَأَوّبَ أَقْوَامٌ مَنَازِلَهُمْ لَوْلَا الْمَلِيكُ وَلَوْلَا نحن ما صدروا
فما ترى معشر قَلّوا وَلَا كَثُرُوا إلّا قَدَ اصْبَحَ مِنّا فيهم أثر
وقال عبّاس بن مرداس أيضا:
يا أيّها الرّجُلُ الّذِي تَهْوِي بِهِ وَجْنَاءُ مُجْمَرَةُ الْمَنَاسِمِ عرمس
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٩٠ ]
إمّا أَتَيْتَ عَلَى النّبِيّ فَقُلْ لَهُ حَقّا عَلْيَكَ إذَا اطْمَأَنّ الْمَجْلِسُ
يَا خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطِيّ وَمَنْ مَشَى فَوْقَ التّرَابِ إذَا تُعَدّ الْأَنْفُسُ
إنّا وَفَيْنَا بِاَلّذِي عَاهَدْتَنَا وَالْخَيْلُ تقدع بالكماة وتضرس
إذ سَالَ مِنْ أَفْنَاءِ بُهْثَةَ كُلّهَا جَمْعٌ تَظَلّ بِهِ الْمَخَارِمُ تَرْجُسُ
حَتّى صَبَحْنَا أَهْلَ مَكّةَ فَيْلَقًا شَهْبَاءَ يَقْدُمُهَا الْهُمَامُ الْأَشْوَسُ
مِنْ كُلّ أَغْلَبَ مِنْ سُلَيْمٍ فَوْقَهُ بَيْضَاءُ مُحْكَمَةُ الدّخَالِ وَقَوْنَسُ
يُرْوِي الْقَنَاةَ إذَا تَجَاسَرَ فِي الْوَغَى وتخاله أسدا إدا مَا يَعْبِسُ
يَغْشَى الْكَتِيبَةَ مُعْلِمًا وَبِكَفّهِ عَضْبٌ يَقُدّ بِهِ وَلَدْنٌ مِدْعَسُ
وَعَلَى حُنَيْنٍ قَدْ وَفَى مِنْ جَمْعِنَا أَلْفٌ أُمِدّ بِهِ الرّسُولُ عَرَنْدَسُ
كَانُوا أَمَامَ الْمُؤْمِنِينَ دَرِيئَةً وَالشّمْسُ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهِمْ أَشْمُسُ
نَمْضِي وَيَحْرُسُنَا الْإِلَهُ بِحِفْظِهِ وَاَللهُ لَيْسَ بِضَائِعِ مَنْ يَحْرُسُ
وَلَقَدْ حُبِسْنَا بِالْمَنَاقِبِ مَحْبِسًا رَضِىَ الْإِلَهُ بِهِ فَنِعْمَ الْمَحْبِسُ
وَغَدَاةَ أَوْطَاسٍ شَدَدْنَا شَدّةً كَفَتْ الْعَدُوّ وَقِيلَ مِنْهَا: يَا احْبِسُوا
تَدْعُو هَوَازِنُ بِالْإِخَاوَةِ بَيْنَنَا ثَدْيٌ تَمُدّ بِهِ هَوَازِنُ أَيْبَسُ
حَتّى تَرَكْنَا جَمْعَهُمْ وَكَأَنّهُ عَيْرٌ تَعَاقَبَهُ السّبَاعُ مُفَرّسُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي خَلَفٌ الْأَحْمَرُ قَوْلَهُ: «وَقِيلَ مِنْهَا يا احبسوا» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَيْضًا:
نَصَرْنَا رَسُولَ اللهِ مِنْ غَضَبٍ لَهُ بِأَلْفِ كَمِيّ لَا تُعَدّ حَوَاسِرُهْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٩١ ]
حَمَلْنَا لَهُ فِي عَامِلِ الرّمْحِ رَايَةً يَذُودُ بِهَا فِي حَوْمَةِ الْمَوْتِ نَاصِرُهْ
وَنَحْنُ خَضَبْنَاهَا دَمًا فَهْوَ لَوْنُهَا غَدَاةَ حُنَيْنٍ يَوْمَ صَفْوَانُ شَاجِرُهْ
وَكُنّا عَلَى الْإِسْلَامِ مَيْمَنَةً لَهُ وَكَانَ لنا عقد اللواء وشاهره
وكنّا له درن الْجُنُودِ بِطَانَةً يُشَاوِرُنَا فِي أَمْرِهِ وَنُشَاوِرُهْ
دَعَانَا فَسَمّانَا الشّعَارَ مُقَدّمًا وَكُنّا لَهُ عَوْنًا عَلَى مَنْ يُنَاكِرُهْ
جَزَى اللهُ خَيْرًا مِنْ نَبِيّ مُحَمّدًا وَأَيّدَهُ بِالنّصْرِ وَاَللهُ نَاصِرُهْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي مِنْ قَوْلِهِ: «وَكُنّا عَلَى الْإِسْلَامِ» إلَى آخِرِهَا، بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ، وَلَمْ يَعْرِفْ الْبَيْتَ الّذِي أَوّلُهُ: «حَمَلْنَا لَهُ فِي عَامِلِ الرّمْحِ رَايَةً» . وَأَنْشَدَنِي بَعْدَ قَوْلِهِ: «وَكَانَ لَنَا عَقْدُ اللّوَاءِ وَشَاهِرُهْ»، «وَنَحْنُ خَضَبْنَاهُ دَمًا فَهُوَ لَوْنُهُ» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَيْضًا:
مَنْ مُبْلِغُ الْأَقْوَامِ أَنّ مُحَمّدًا رَسُولَ الْإِلَهِ رَاشِدٌ حَيْثُ يَمّمَا
دَعَا رَبّهُ وَاسْتَنْصَرَ اللهَ وَحْدَهُ فَأَصْبَحَ قَدْ وَفّى إلَيْهِ وَأَنْعَمَا
سَرَيْنَا وَوَاعَدْنَا قُدَيْدًا مُحَمّدًا يَؤُمّ بِنَا أَمْرًا مِنْ اللهِ مُحْكَمَا
تَمَارَوْا بِنَا فِي الْفَجْرِ حَتّى تَبَيّنُوا مَعَ الْفَجْرِ فِتْيَانًا وَغَابًا مُقَوّمًا
عَلَى الْخَيْلِ مَشْدُودًا عَلَيْنَا دُرُوعُنَا وَرَجْلًا كَدُفّاعِ الْأَتِيّ عَرَمْرَمَا
فَإِنّ سَرَاةَ الْحَيّ إنْ كُنْتَ سَائِلًا سُلَيْمٌ وَفِيهِمْ مِنْهُمْ مَنْ تَسَلّمَا
وَجُنْدٌ مِنْ الْأَنْصَارِ لَا يَخْذُلُونَهُ أَطَاعُوا فَمَا يَعْصُونَهُ مَا تَكَلّمَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٩٢ ]
فإن تك قد أمرت في القوم خالدا وقدمته فإنه قد تقدما
بجند هداه الله أَنْتَ أَمِيرُهُ تُصِيبُ بِهِ فِي الْحَقّ مَنْ كَانَ أَظْلَمَا
حَلَفْتُ يَمِينًا بَرّةً لِمُحَمّدٍ فَأَكْمَلْتُهَا أَلْفًا مِنْ الْخَيْلِ مُلْجَمَا
وَقَالَ نَبِيّ الْمُؤْمِنِينَ تَقَدّمُوا وَحُبّ إلَيْنَا أَنْ نَكُونَ الْمُقَدّمَا
وَبِتْنَا بِنَهْيِ الْمُسْتَدِيرِ وَلَمْ يَكُنْ بِنَا الْخَوْفُ إلّا رغبة وتحزّما
أَطَعْنَاكَ حَتّى أَسْلَمَ النّاسُ كُلّهُمْ وَحَتّى صَبَحْنَا الْجَمْعَ أَهْلَ يَلَمْلَمَا
يَضِلّ الْحِصَانُ الْأَبْلَقُ الْوَرْدُ وَسْطَهُ وَلَا يَطْمَئِنّ الشّيْخُ حَتّى يُسَوّمَا
سَمَوْنَا لَهُمْ وِرْدَ الْقَطَا زَفّهُ ضُحَى وَكُلّ تَرَاهُ عَنْ أَخِيهِ قَدَ احْجَمَا
لَدُنْ غُدْوَةً حَتّى تَرَكْنَا عَشِيّةً حُنَيْنًا وَقَدْ سَالَتْ دَوَافِعُهُ دَمَا
إذَا شِئْتَ مِنْ كُلّ رَأَيْتَ طِمِرّةً وَفَارِسَهَا يَهْوِى وَرُمْحًا مُحَطّمَا
وَقَدْ أَحْرَزَتْ مِنّا هَوَازِنُ سَرْبَهَا وَحُبّ إلَيْهَا أَنْ نَخِيبَ وَنُحْرَمَا
[شِعْرُ ضَمْضَمٍ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ ضَمْضَمُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ جُشَمِ بن عبد بن حبيب ابن مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ عُصَيّةَ السّلَمِيّ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ، وَكَانَتْ ثَقِيفٌ أَصَابَتْ كِنَانَةَ بْنَ الْحَكَمِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الشّرِيدِ، فَقَتَلَ بِهِ مِحْجَنًا وَابْنَ عَمّ لَهُ، وَهُمَا من ثقيف:
نَحْنُ جَلَبْنَا الْخَيْلَ مِنْ غَيْرِ مَجْلَبٍ إلَى جُرَشٍ مِنْ أَهْلِ زَيّانَ وَالْفَمِ
نُقَتّلُ أَشْبَالَ الْأُسُودِ وَنَبْتَغِي طَوَاغِيَ كَانَتْ قَبْلَنَا لَمْ تُهَدّمْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٩٣ ]
فَإِنْ تَفْخَرُوا بِابْنِ الشّرِيدِ فَإِنّنِي تَرَكْتُ بِوَجّ مَأْتَمًا بَعْدَ مَأْتَمِ
أَبَأْتُهُمَا بِابْنِ الشّرِيدِ وَغَرّهُ جِوَارُكُمْ وَكَانَ غَيْرَ مُذَمّمِ
تُصِيبُ رِجَالًا مِنْ ثَقِيفٍ رِمَاحُنَا وَأَسْيَافُنَا يَكْلِمْنَهُمْ كُلّ مَكْلَمِ
وَقَالَ ضَمْضَمُ بْنُ الْحَارِثِ أَيْضًا:
أَبْلِغْ لَدَيْكَ ذَوِي الْحَلَائِلِ آيَةً لَا تَأْمَنَنّ الدّهْرَ ذَاتَ خِمَارِ
بَعْدَ الّتِي قَالَتْ لِجَارَةِ بَيْتِهَا قَدْ كُنْتُ لَوْ لَبِثَ الْغَزِيّ بِدَارِ
لَمّا رَأَتْ رَجُلًا تَسَفّعَ لَوْنَهُ وَغْرُ الْمَصِيفَةِ وَالْعِظَامُ عَوَارِي
مُشُطَ الْعِظَامِ تَرَاهُ آخِرَ لَيْلِهِ مُتَسَرْبِلًا فِي دِرْعِهِ لغوار
إذا لَا أَزَالُ عَلَى رِحَالَةِ نَهْدَةٍ جَرْدَاءَ تُلْحِقُ بِالنّجَادِ إزَارِي
يَوْمًا عَلَى أَثَرِ النّهَابِ وَتَارَةً كُتِبَتْ مُجَاهَدَةً مَعَ الْأَنْصَارِ
وَزُهَاءَ كُلّ خَمِيلَةٍ أَزْهَقْتهَا مَهَلًا تَمَهّلُهُ وَكُلّ خَبَارِ
كَيْمَا أُغَيّرَ مابها مِنْ حَاجَةٍ وَتَوَدّ أَنّي لَا أَؤُوبُ فَجَارِ
[رثاء أبى خراش لابن العجوة]
قال ابن هشام: حدثنى أبو عُبَيْدَةَ، قَالَ: أُسِرَ زُهَيْرُ بْنُ الْعَجْوَةِ الْهُذَلِيّ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَكُتّفَ، فَرَآهُ جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ الجيجىّ، فَقَالَ لَهُ: أَأَنْتَ الْمَاشِي لَنَا بِالْمَغَايِظِ؟ فَضَرَبَ عُنُقَهُ؛ فَقَالَ أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيّ يَرْثِيهِ، وَكَانَ ابن عمه:
عَجّفَ أَضْيَافِي جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ بِذِي فَجَرٍ تَأْوِي إلَيْهِ الْأَرَامِلُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٩٤ ]
طَوِيلِ نِجَادِ السّيْفِ لَيْسَ بِجَيْدَرٍ إذَا اهْتَزّ وَاسْتَرْخَتْ عَلَيْهِ الْحَمَائِلُ
تَكَادُ يَدَاهُ تُسْلَمَانِ إزَارَهُ مِنْ الْجُودِ لَمّا أَذْلَقَتْهُ الشّمَائِلُ
إلَى بَيْتِهِ يَأْوِي الضّرِيكُ إذَا شَتَا وَمُسْتَنْبَحٌ بالي الدريسين عَائِلُ
تَرَوّحَ مَقْرُورًا وَهَبّتْ عَشِيّةً لَهَا حَدَبٌ تَحْتَثّهُ فَيُوَائِلُ
فَمَا بَالُ أَهْلِ الدّارِ لَمْ يتصدّعوا وقد بان منها اللّودعىّ الحلاحل
فأقمم لَوْ لَاقَيْتَهُ غَيْرَ مُوثَقٍ لَآبَك بِالنّعْفِ الضّبَاعُ الْجَيَائِلُ
وَإِنّك لَوْ وَاجَهْته إذْ لَقِيته فَنَازَلْته أَوْ كُنْتَ مِمّنْ يُنَازِلُ
لَظَلّ جَمِيلٌ أَفْحَشَ الْقَوْمِ صِرْعَةً وَلَكِنّ قِرْنَ الظّهْرِ لِلْمَرْءِ شَاغِلُ
فَلَيْسَ كَعَهْدِ الدّارِ يَا أُمّ ثَابِتٍ وَلَكِنْ أَحَاطَتْ بِالرّقَابِ السّلَاسِلُ
وَعَادَ الْفَتَى كَالشّيْخِ لَيْسَ بِفَاعِلِ سِوَى الْحَقّ شَيْئًا وَاسْتَرَاحَ الْعَوَاذِلُ
وَأَصْبَحَ إخْوَانُ الصّفَاءِ كَأَنّمَا أَهَالَ عَلَيْهِمْ جَانِبَ التّرْبِ هَائِلُ
فَلَا تَحْسَبِي أَنّي نَسِيتُ لَيَالِيَا بِمَكّةَ إذْ لَمْ نَعْدُ عَمّا نُحَاوِلُ
إذْ النّاسُ نَاسٌ وَالْبِلَادُ بِغِرّةٍ وَإِذْ نَحْنُ لَا تُثْنِي علينا المداخل
[ابن عوف يعتذر عن فراره]
قال ابن إسحاق: وَقَالَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ وَهُوَ يَعْتَذِرُ يَوْمَئِذٍ من فراره:
منع الرّفاد فَمَا أُغَمّضُ سَاعَةً نَعَمٌ بِأَجْزَاعِ الطّرِيقِ مُخَضْرَمُ
سَائِلْ هَوَازِنَ هَلْ أَضُرّ عَدُوّهَا وَأُعِينُ غَارِمَهَا إذَا مَا يَغْرَمُ
وَكَتِيبَةٍ لَبّسْتُهَا بِكَتِيبَةٍ فِئَتَيْنِ مِنْهَا حَاسِرٌ وَمُلَأّمُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٩٥ ]
وَمُقَدّمٍ تَعْيَا النّفُوسُ لِضِيقِهِ قَدّمْته وَشُهُودُ قَوْمِي أَعْلَمُ
فَوَرَدْته وَتَرَكْتُ إخْوَانًا لَهُ يَرِدُونَ غَمْرَتَهُ وَغَمْرَتُهُ الدّمُ
فَإِذَا انْجَلَتْ غَمَرَاتُهُ أَوْرَثْنَنِي مَجْدَ الْحَيَاةِ وَمَجْدَ غُنْمٍ يُقْسَمُ
كَلّفْتُمُونِي ذَنْبَ آلِ مُحَمّدٍ وَاَللهُ أَعْلَمُ مَنْ أَعَقّ وَأَظْلَمُ
وَخَذَلْتُمُونِي إذْ أُقَاتِلُ وَاحِدًا وَخَذَلْتُمُونِي إذْ تُقَاتِلُ خَثْعَمُ
وَإِذَا بَنَيْتُ الْمَجْدَ يَهْدِمُ بَعْضُكُمْ لَا يَسْتَوِي بَانٍ وَآخَرُ يَهْدِمُ
وَأَقَبّ مِخْمَاصِ الشّتَاءِ مُسَارِعٍ فِي الْمَجْدِ يَنْمِي لِلْعُلَى مُتَكَرّمُ
أَكْرَهْتُ فِيهِ أَلّةً يَزَنِيّةً سَحْمَاءَ يَقْدُمُهَا سِنَانٌ سَلْجَمُ
وَتَرَكْت حَنّتَهُ تَرُدّ وَلِيّهُ وَتَقُولُ لَيْسَ عَلَى فُلَانَةَ مقدم
ونصبت نفسى للرّماح مدجّجا مثل الدّريئة تستحلّ وتشرم
[هوازنى يذكر إسلام قومه]
قال ابن إسحاق: وَقَالَ قَائِلٌ فِي هَوَازِنَ أَيْضًا، يَذْكُرُ مَسِيرَهُمْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَعَ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ بَعْدَ إسْلَامِهِ:
أَذْكُرْ مَسِيرَهُمْ لِلنّاسِ إذْ جَمَعُوا وَمَالِكٌ فَوْقَهُ الرّايَاتُ تَخْتَفِقُ
وَمَالِكُ مَالِكٌ مَا فَوْقَهُ أَحَدٌ يَوْمَ حُنَيْنٍ عَلَيْهِ التّاجُ يَأْتَلِقُ
حَتّى لَقُوا الْبَاسَ حِينَ الْبَاسُ يَقْدُمُهُمْ عَلَيْهِمْ الْبِيضُ وَالْأَبْدَانُ وَالدّرَقُ
فَضَارَبُوا النّاسَ حَتّى لَمْ يَرَوْا أَحَدًا حَوْلَ النّبِيّ وَحَتّى جَنّهُ الْغَسَقُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٩٦ ]
ثُمّتَ نُزّلَ جِبْرِيلُ بِنَصْرِهِمْ مِنْ السّمَاءِ فَمَهْزُومٌ وَمُعْتَنَقُ
مِنّا وَلَوْ غَيْرُ جِبْرِيلِ يُقَاتِلُنَا لَمَنّعَتْنَا إذَنْ أَسْيَافُنَا الْعُتُقُ
وَفَاتَنَا عُمَرُ الْفَارُوقُ إذْ هزموا بطعنة بلّ منها سرجه العلق
[جشمية ترثى أَخَوَيْهَا]
وَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي جُشَمٍ تَرْثِي أَخَوَيْنِ لَهَا أُصِيبَا يَوْمَ حُنَيْنٍ:
أَعَيْنَيّ جُودَا عَلَى مَالِكٍ مَعًا وَالْعَلَاءِ وَلَا تَجْمُدَا
هُمَا الْقَاتِلَانِ أَبَا عَامِرٍ وَقَدْ كَانَ ذَا هَبّةٍ أَرْبَدَا
هُمَا تَرَكَاهُ لَدَى مُجْسَدٍ يَنُوءُ نَزِيفًا وما وسّدا
[أبو ثواب يهجو قريشا]
وَقَالَ أَبُو ثَوَابٍ زَيْدُ بْنُ صُحَارٍ، أَحَدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ:
أَلَا هَلْ أَتَاك أَنْ غَلَبَتْ قُرَيْشٌ هَوَازِنَ وَالْخُطُوبُ لَهَا شُرُوطُ
وَكُنّا يَا قُرَيْشُ إذَا غَضِبْنَا يَجِيءُ مِنْ الْغِضَابِ دَمٌ عَبِيطُ
وَكُنّا يَا قُرَيْشُ إذَا غَضِبْنَا كَأَنّ أُنُوفَنَا فِيهَا سَعُوطُ
فَأَصْبَحْنَا تَسَوّقُنَا قُرَيْشٌ سِيَاقَ الْعِيرِ يَحْدُوهَا النّبِيطُ
فَلَا أَنَا إنْ سُئِلْتُ الْخَسْفَ آبٍ وَلَا أَنَا أَنْ أَلِينَ لَهُمْ نَشِيطُ
سَيُنْقَلُ لَحْمُهَا فِي كُلّ فَجّ وَتُكْتَبُ فِي مَسَامِعِهَا الْقُطُوطُ
وَيُرْوَى «الْخُطُوطُ»، وَهَذَا الْبَيْتُ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعْدٍ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٩٧ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: أَبُو ثَوَابٍ زِيَادُ بن ثواب. وأنشدنى خلف الأحمر قوله: «يجىء من الغضاب دم عبيط» وآخرها بيتا عن غير ابن إسحاق.
[ابن وهب يرد عَلَى ابْنِ أَبِي ثَوَابٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي أُسَيّدٍ، فَقَالَ:
بِشَرْطِ اللهِ نَضْرِبُ مَنْ لَقِينَا كَأَفْضَلِ مَا رَأَيْتَ مِنْ الشّرُوطِ
وَكُنّا يَا هَوَازِنُ حِينَ نَلْقَى نَبُلّ الْهَامَ مِنْ عَلَقٍ عَبِيطِ
بِجَمْعِكُمْ وَجَمْعِ بَنِي قَسِيّ نَحُكّ الْبَرْكَ كَالْوَرَقِ الْخَبِيطِ
أَصَبْنَا مِنْ سَرَاتِكُمْ وَمِلْنَا بِقَتْلٍ فِي الْمُبَايِنِ وَالْخَلِيطِ
بِهِ الْمُلْتَاثُ مُفْتَرِشٌ يَدَيْهِ يَمُجّ الْمَوْتَ كَالْبَكْرِ النّحِيطِ
فَإِنْ تَكُ قَيْسُ عَيْلَانٍ غِضَابًا فَلَا يَنْفَكّ يُرْغِمُهُمْ سَعُوطِي
[شِعْرُ خَدِيجٍ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ]
وَقَالَ خَدِيجُ بْنُ الْعَوْجَاءِ النّصْرِيّ:
لَمّا دَنَوْنَا مِنْ حُنَيْنٍ وَمَائِهِ رَأَيْنَا سَوَادًا مُنْكَرَ اللّوْنِ أَخْصَفَا
بِمَلْمُومَةٍ شَهْبَاءَ لَوْ قَذَفُوا بِهَا شَمَارِيخَ مِنْ عُزْوَى إذَنْ عَادَ صَفْصَفَا
وَلَوْ أَنّ قَوْمِي طَاوَعَتْنِي سَرَاتُهُمْ إذَنْ مَا لَقِينَا الْعَارِضَ الْمُتَكَشّفَا
إذَنْ مَا لَقِينَا جُنْدَ آلِ مُحَمّدٍ ثَمَانِينَ أَلْفًا واستمدّوا بخندفا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذِكْرُ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ وَحُنَيْنٌ الّذِي عُرِفَ بَهْ الْمَوْضِعُ هُوَ: حُنَيْنُ بْنُ قَانِيَةَ بْنِ مَهْلَايِلَ «١» كَذَا قَالَ الْبَكْرِيّ، وَقَدْ قَدّمْنَا أَنّهُ قَالَ فِي خَيْبَرَ مِثْلَ هَذَا أَنّهُ ابْنُ قَانِيَةَ، فَاَللهُ أَعْلَمُ.
مِنْ الْبَلَاغَةِ النّبَوِيّةِ:
وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا غَزْوَةُ أَوْطَاسٍ سُمّيَتْ بِالْمَوْضِعِ الّذِي كَانَتْ فِيهِ الْوَقْعَةُ وَهُوَ مِنْ وَطَسْت الشّيْءَ وَطْسًا إذَا كَدّرْته، وَأَثّرْت فِيهِ. وَالْوَطِيسُ: نَقْرَةٌ فِي حُجَرٍ تُوقَدُ حَوْلَهُ النّارُ، فَيُطْبَخُ بِهِ اللّحْمُ، وَالْوَطِيسُ التّنّورُ، وَفِي غَزْوَةِ أَوْطَاسٍ قَالَ النّبِيّ ﷺ: الْآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ «٢»، وَذَلِكَ حِينَ اسْتَعَرْت الْحَرْبُ، وَهِيَ مِنْ الْكَلِمِ الّتِي لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهَا ﷺ، فَمِنْهَا هَذِهِ، وَمِنْهَا: مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، قَالَهَا فِي فَضْلِ مَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللهِ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ عَنْهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَتِيكٍ، قَالَ: ابْنُ عَتِيكٍ: وَمَا سَمِعْت هَذِهِ الْكَلِمَةَ يَعْنِي:
حَتْفَ أَنْفِهِ مِنْ أَحَدِ الْعَرَبِ قَبْلَهُﷺ- وَمِنْهَا لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرّتَيْنِ «٣» قَالَهَا لِأَبِي عَزّةَ الْجُمَحِيّ يَوْمَ أُحُدٍ، وَقَدْ مَضَى حديثه.
_________________
(١) فى البكرى: قاينة بن مهلائيل.
(٢) قيل عن الوطيس- غير التنور- إنه الضراب في الحرب. والوطء الذى يطس الناس أى يدقهم، وقال الأصمعى: هو حجارة مدورة إذا حميت لم يقدر أحد يطؤها. وقد عبر به عن اشتباك الحرب وقيامها على ساق.
(٣) متفق عليه ورواه أحمد وأبو داود وابن ماجة عن أبى هريرة «السيوطى» .
[ ٧ / ١٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمِنْهَا: لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ، وَسَيَأْتِي سَبَبُهُمَا.
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ ﵇: يَا خَيْلَ اللهِ ارْكَبِي، قَالَهَا يَوْمَ حُنَيْنٍ أَيْضًا فِي حَدِيثٍ خَرّجَهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ الْجَاحِظُ فِي كِتَابِ الْبَيَانِ عَنْ يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ:
لَمْ يَبْلُغْنَا مِنْ رَوَائِعِ الْكَلَامِ مَا بَلَغَنَا عَنْ النّبِيّ ﷺ «١»، وَغَلِطَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَنُسِبَ إلَى التّصْحِيفِ، وَإِنّمَا قَالَ الْقَائِلُ: مَا بَلَغَنَا عَنْ الْبَتّيّ، يُرِيدُ عُثْمَانَ الْبَتّيّ «٢» فَصَحّفَهُ الجاحظ، قالوا: وَالنّبِيّﷺ- أَجَلّ مِنْ أَنْ يُخْلَطَ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ الْفُصَحَاءِ، حَتّى يُقَالَ: مَا بَلَغَنَا عَنْهُ مِنْ الْفَصَاحَةِ أَكْثَرُ مِنْ الّذِي بَلَغَنَا عَنْ غَيْرِهِ، كَلَامُهُ أَجَلّ مِنْ ذَلِك، وَأَعْلَى، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ.
ابْنُ الصّمّةِ وَالْخَنْسَاءُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ دُرَيْدَ بْنَ الصّمّةِ الْجُشَمِيّ أَحَدَ بَنِي جُشَمِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، وَفِيهِ تَقُولُ الْخَنْسَاءُ حِينَ خَطَبَهَا: مَا كُنْت تَارِكَةً بَنِي عَمّي، كَأَنّهُمْ صُدُورُ الرّمَاحِ ومرتتة شَيْخًا مِنْ بَنِي جُشَمٍ «٣»، وَهُوَ دريّد بن الصّمّة بن بكر
_________________
(١) فى البيان: ما جاءنا عن أحد من روائع الكلام ما جاءنا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ «ص ١٨ ح ٢ البيان والنبيين ط ١٩٤٨.
(٢) نسبة إلى بت موضع بنواحى البصرة. رأى عثمان أنسا وروى عن الحسن البصرى.
(٣) العبارة فى الأغانى فى ترجمة دريد بن الصمة «يا أبت أترانى تاركة بنى عمى مثل عوالى الرماح، وناكحة شيخ بنى جشم هامة اليوم أو غد» وفى الإصابة: «أدع بنى عمى الطوال مثل عوالى الرماح، وأتزوج شيخا» .
[ ٧ / ٢٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ابن عَلْقَمَةَ بْنِ خُزَاعَةَ بْنِ غَزِيّةَ بْنِ جُشَمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، يُكَنّى أَبَا قُرّةَ، وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ زِيَادٍ يُقَالُ: كَانَ يَوْمَئِذٍ ابْنَ سِتّينَ وَمِائَةٍ، وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللّيْثِ عَنْ اللّيْثِ قَالَ: كَانَ دُرَيْدٌ يَوْمَئِذٍ ابْنَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ. وَقَوْلُهُ: فِي شِجَارٍ لَهُ، الشّجَارُ: مِثْلُ الْهَوْدَجِ، وَفِي الْعَيْنِ: الشّجَارُ خَشَبُ الْهَوْدَجِ. وقوله: فأنقض بِهِ، أَيْ: صَوّتَ، بِلِسَانِهِ فِي فَمِهِ مِنْ النّقِيضِ، وَهُوَ الصّوْتُ، وَقِيلَ: الْإِنْقَاضُ بِالْإِصْبَعِ الْوُسْطَى وَالْإِبْهَامِ، كَأَنّهُ يَدْفَعُ بِهِمَا شَيْئًا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْبَرْقِيّ. وَقَوْلُهُ: رَاعِي ضَأْنٍ، يُجَهّلُهُ بِذَلِكَ، كَمَا قَالَ الشّاعِرُ: أَصْبَحْت هُزُءَ الرّاعِي الضّأْنِ أُعْجِبُهُ مَاذَا يَرِيبُك مِنّي رَاعِيَ الضّانِ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ﵁- لِرَجُلٍ: قُمْ فَمَا نَفَعَك صِدَاغٌ وَلَا رَاعِي ضَأْنٍ. وَالدّرَيْدُ فِي اللّغَةِ: تَصْغِيرُ أَدْرَدَ، وَهُوَ تَصْغِيرُ التّرْخِيمِ، وَالصّمّةُ: الشّجَاعُ، وَجَمْعُهُ: صِمَمٌ. مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ وَابْنُ حَدْرَدٍ: وَذَكَرَ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ النّصْرِيّ رَئِيسَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَهُوَ مَالِكُ بْنُ عَوْفِ بْنِ سَعْدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ يَرْبُوعَ بْنِ وَاثِلَةَ بْنِ دُهْمَانَ بْنِ نَصْرِ ابن مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ النّصْرِي.
[ ٧ / ٢٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ بَعْثَ النّبِيّﷺ- عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي حَدْرَدٍ عَيْنًا إلَى هَوَازِنَ، وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ سَعْدٍ، وَسَلَامَةُ هُوَ أَبُو حَدْرَدٍ، وَهُوَ مِنْ بَنِي هَوَازِنَ بْنِ أَسْلَمَ بْن أَفْصَى بْنِ حَارِثَةَ، وَهُمْ إخْوَةُ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، أَعْنِي بَنِي أَسْلَمَ بْنِ أَفْصَى، مَاتَ عَبْدُ اللهِ سَنَةَ إحْدَى وَسَبْعِينَ، وَهُوَ الْعَامُ الّذِي قُتِلَ فِيهِ مُصْعَبُ بْنُ الزّبَيْرِ. شَهِدَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ مَعَ النّبِيّﷺ- الْحُدَيْبِيَةَ، وَمَا بَعْدَهَا، وَفَاتَهُ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ.
حَوْلَ قَصِيدَةِ عَبّاسٍ النّونِيّةِ:
وَذَكَرَ شِعْرَ عَبّاسٍ وَفِيهِ:
أَصَابَتْ الْعَامَ رِعْلًا
وَهِيَ قَبِيلَةٌ مِنْ سُلَيْمٍ، وَفِي الْحَدِيثِ: قَنَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهْرَيْنِ يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعَصِيّةَ، وَهُمْ الّذِينَ غَدَرُوا بِأَصْحَابِ بِئْرِ مَعُونَةَ.
وَقَوْلُهُ:
خَيْلُ ابْنِ هَوْذَةَ لَا تُنْهَى وَإِنْسَانُ
إنْسَانُ: قَبِيلَةٌ مِنْ قَيْسٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي نَصْرٍ، قَالَهُ الْبَرْقِيّ، وَقِيلَ: هُمْ مِنْ بَنِي جُشَمِ بْنِ بَكْرٍ، وَمِنْ بَنِي إنْسَانَ: شيطان بن مدلج صاحب حميدة «١» وهى
_________________
(١) فى الأمثال للميدانى: حميرة. وقد قال شيطان يذكر شؤمها. جاءت بما يزبى الدهيم لأهلها حميرة أو عرى؟؟؟ حميرة أشأم
[ ٧ / ٢٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَرَسٌ لَهُ تَضْرِبُ بِهَا الْعَرَبُ الْمَثَلَ فِي الشّؤْمِ، فَيُقَالُ أَشْأَمُ مِنْ حَمِيدَةَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ خَبَرٌ يَطُولُ، ذَكَرَهُ الْأَصْبَهَانِيّ فِي الْأَمْثَالِ.
سَعْدٌ وَدَهْمَانُ:
وَسَعْدٌ وَدَهْمَانُ ابْنَا نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ، كَذَا وَجَدْته فِي بَعْضِ الْمُعَلّقَاتِ، وَالْمَعْرُوفُ فِي قَيْسٍ: دُهْمَانَ بْنُ أَشْجَعَ بْنِ ريث بن غطفان والد نصر ابن دُهْمَانَ الّذِي عَاشَ مِائَةً وَتِسْعِينَ سَنَةً، حَتّى تقوّم ظَهْرُهُ بَعْدَ انْحِنَاءٍ، وَاسْوَدّ شَعْرُهُ بَعْدَ ابْيِضَاضٍ، فَكَانَ أُعْجُوبَةً فِي الْعَالَمِ، وَقَالَ الشّاعِرُ:
لِنَصْرِ بْنِ دُهْمَانَ الْهُنَيْدَةُ عَاشَهَا وَتِسْعِينَ حَوْلًا ثُمّ قُوّمَ فَانْصَاتَا
وَعَادَ سَوَادُ الرّأْسِ بَعْدَ ابْيِضَاضِهِ وَلَكِنّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ قَدْ مَاتَا «١»
وَمِمّنْ ذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ أَبُو الْحَسَنِ الدّارَقُطْنِيّ ﵀.
وَحُنَيْنٌ: اسْمُ جَبَلٍ، وَمِنْهُ الْمَثَلُ: أَنْجَدَ مَنْ رَأَى حُنَيْنًا.
وَقَوْلُهُ: مِمّا يَشْتَوِي حَذَفٌ. الْحَذَفُ: غَنَمٌ سُودٌ صِغَارٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ، وَفِي الْحَدِيثِ سَوّوا صُفُوفَكُمْ، لَا تَخَلّلَكُمْ الشّيَاطِينُ كَأَنّهَا بنات حذف «٢»
_________________
(١) سبق هذا الشعر، والهنيدة: المائة.
(٢) رواية أحمد: «سووا صفوفكم، وحاذوا بين مناكبكم، ولينوا فى أيدى إخوانكم، وسدوا الخلل، فإن الشيطان يدخل فيما بينكم بمنزلة الحذف» وقال المنذرى فى الترغيب والترهيب فى باب «الحث على تسوية الصفوف» رواه أحمد بإسناد لا بأس به والطبرانى، وأخرج نحوه أبو داود والنسائى من حديث ابن عمر، وأخرجا نحوه أيضا من حديث أنس.
[ ٧ / ٢٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَعْنِي فِي الصّفّ فِي الصّلَاةِ، هَكَذَا قَالَ الْبَرْقِيّ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْبَيْتِ، وَاَلّذِي أَرَادَ الشّاعِرُ: إنّمَا هُوَ رَجُلٌ، فَلَعَلّهُ كَانَ يُسَمّى بحذف، ولحذف هِيَ الْغَنَمُ السّودُ الّتِي ذَكَرْنَا.
وَقَوْلُهُ:
كُلّ شِوَاءِ الْعِيرِ جُوفَانُ «١»
يُقَالُ: إنّهُ شُوِيَ لَهُ غُرْمُولُ حِمَارٍ، فَأَكَلَهُ فِي الشّوَاءِ فَوَجَدَهُ أَجْوَفَ، وَقِيلَ لَهُ: إنّهُ الْقُنْبُ، أَيْ: وِعَاءُ الْقَضِيبِ، فَقَالَ: كُلّ شِوَاءِ الْعِيرِ جُوفَانُ، فَضُرِبَ هَذَا الْكَلَامُ مَثَلًا، وَقِيلَ: كَانَ فَزَارِيّ وَتَغْلِبِيّ وَكَلْبِيّ اجتمعوا فى سفر، وَقَدْ اشْتَوَوْا حِمَارَ وَحْشٍ، فَغَابَ الْفَزَارِيّ فِي بعض حاجاته، فأكل صاحباه العير واختباله غرمولاه، فَلَمّا جَاءَ قَالَا لَهُ: هَذَا خَبْؤُنَا لَك، فَجَعَلَ يَأْكُلُ، وَلَا يُسِيغُهُ، فَضَحِكَا مِنْهُ، فَاخْتَرَطَ سيفه، وقال: لا قتلتكما إنْ لَمْ تَأْكُلَاهُ، فَأَبَى أَحَدُهُمَا فَضَرَبَهُ بِالسّيْفِ، فَأَبَانَ رَأْسَهُ، وَكَانَ اسْمُهُ:
مِرْقَمَهْ، فَقَالَ صَاحِبُهُ طَاحَ مِرْقَمَهْ، فَقَالَ الْفَزَارِيّ، وَأَنْتَ إنْ لَمْ تَلْقُمْهُ أَرَادَ: تَلْقُمَهَا، فَطَرَحَ حَرَكَةَ الْهَاءِ عَلَى الْمِيمِ، وَحَذَفَ الْأَلِفَ كَمَا قَدْ قِيلَ فِي الْحِيرَةِ أَيّ رِجَالٍ بِهِ أَيْ بِهَا، وَقَدْ عُيّرَتْ فَزَارَةُ بِهَذَا الْخَبَرِ حَتّى قَالَ سَالِمُ بْنُ دَارَةَ:
لَا تَأْمَنَن فَزَارِيّا خَلَوْت بِهِ عَلَى قُلُوصِك، وَاكْتُبْهَا بِأَسْيَارِ
لَا تَأْمَنَنهُ وَلَا تَأْمَنْ بَوَائِقَهُ بَعْدَ الّذِي امْتَلّ أَيْرَ الْعَيْرِ فى النار
_________________
(١) يضرب فى تساوى الشىء فى الشرارة، والمثل فى مجمع الأمثال للميدانى ولكن ليس فيه القتل الذى سيذكر، وفيه الرجال: عبسى وفزارى وغطفانى.
[ ٧ / ٢٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَطْعَمْتُمْ الضّيْفَ غُرْمُولًا مُخَاتَلَةً فَلَا سَقَاكُمْ إلَهِي الْخَالِقُ الْبَارِي
مِنْ كِتَابِ الْأَمْثَالِ لِلْأَصْبَهَانِيّ. فَهَذَا الْفَزَارِيّ هُوَ حَذَفٌ الْمَذْكُورُ فِي الْبَيْتِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ:
وَالْأَجْرَبَانِ بَنُو عَبْسٍ وَذُبْيَانُ
سَمّاهُمَا بِالْأَجْرَبَيْنِ تَشْبِيهًا بِالْأَجْرَبِ الّذِي لَا يُقْرَبُ، وَقَالَ مَجْذُومٌ مِنْ الْعَرَبِ:
بِأَيّ فَعَالٍ رَبّ أُوتِيت مَا أَرَى أَظَلّ كَأَنّي كُلّمَا قُمْت أَجْرَبُ
أَيْ: يُفَرّ مِنّي، وَفِي الْخَبَرِ أَنّ عُمَرَ لَمّا نُهِيَ النّاسُ عن مجالسة صبيغ بْنِ عَسَلٍ كَانَ كُلّمَا حَلّ مَوْضِعًا تَفَرّقَ النّاسُ عنه كأنه بعير أجرب «١»، ومن
_________________
(١) فى القاموس: عسيل بالتصغير، وفى غيره: عسل. وقصة صبيغ مع عمر أنه سأله عن الذاريات، ثم عن المقسمات، ثم عن الجاريات، فأجابه عمر، ثم أمر بضربه، فضرب مائة، وجعل فى بيت، فلما برأ دعا به فضربه مائة أخرى، وحمله على قتب، وكتب إلى أبى موسى: امنع الناس من مجالسته، فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى. فحلف بالأيمان المغلظة ما يجد فى نفسه مما كان يجد شيئا، فكتب فى ذلك إلى عمر، ﵁، فكتب عمر: ما إخاله إلا قد صدق، فخل بينه وبين مجالسة الناس. ويقول البزار عن أبى بكر بن أبى سيرة راوى الحديث: إنه لين، وعن سعيد بن سلام راوى الحديث عن أبى أسيرة: ليس من أصحاب الحديث: ويقول ابن كثير: الحديث ضعيف رفعه. وأقرب فيه أنه موقوف على عمر ﵁، فإن قصة صبيغ بن عسل مشهورة مع عمر، -
[ ٧ / ٢٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَوَاهُ الْأَجْرَبَانُ بِضَمّ النّونِ، فَهُوَ جَائِزٌ فِي كُلّ اثْنَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ كَالْجَلَمَيْنِ، يُقَالُ فِيهِمَا. الْجَلَمَانُ «١» بِضَمّ النّونِ، وَكَذَلِكَ الْقَمَرَانِ، وَرُوِيَ أَنّ فَاطِمَةَرضي الله عنها- نادت الميها فِي لَيْلَةِ ظُلْمَةٍ: يَا حَسَنَانُ يَا حُسَيْنَانُ بِضَمّ النّونِ، قَالَهُ الْهَرَوِيّ فِي الْغَرِيبَيْنِ.
أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبْ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّﷺ- أَيْنَ أَيّهَا النّاسُ؟! أَنَا مُحَمّدٌ، أَنَا رَسُولُ اللهِ، وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرّوَايَةِ:
أَنَا النّبِيّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطّلِب «٢»
وَهُوَ كَلَامٌ مَوْزُونٌ، وَقَدْ تَقَدّمَ الْكَلَامُ فِي مِثْلِ هَذَا، وَأَنّهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ حَتّى يُقْصَدَ بِهِ الشّعْرُ. وَلِلْخَطّابِيّ فِي كِتَابِ الْأَعْلَامِ تَنْبِيهٌ عَلَى قَوْلِهِ: أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبْ، قَالَ: إنّمَا خَصّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ بِالذّكْرِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَقَدْ انْهَزَمَ النّاسُ تَشْبِيهًا لِنُبُوّتِهِ، وَإِزَالَةً لِلشّكّ لِمَا اشْتَهَرَ، وَعُرِفَ مِنْ رُؤْيَا عَبْدِ الْمُطّلِبِ الْمُبَشّرَةِ بِالنّبِيّ ﷺ، وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُهَا، وَلِمَا أَنْبَأَتْ بِهِ الْأَحْبَارُ وَالرّهْبَانُ، فَكَأَنّهُ يَقُولُ: أَنَا ذاك، فلابد مما وعدت به لئلا ينهزموا عنه،
_________________
(١) - وإنما ضربه لأنه ظهر له من أمره فيما يسأل تعنتا وعنادا. وأقول: وشيئا آخر قد يكون ارتيابا، أو محاولة لتشكيك. وقد روى الحافظ ابن عساكر قصة صبيغ مطولة.
(٢) المقراضان، واحدهما: جلم، والجلم: اسم يقع على الجلمين.
(٣) فى رواية البخارى ومسلم.
[ ٧ / ٢٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَيَظُنّوا أَنّهُ مَقْتُولٌ وَمَغْلُوبٌ، فَاَللهُ أَعْلَمُ أَأَرَادَ ذَلِكَ رَسُولُهُ أَمْ لَا.
شَيْبَةُ وَمُحَاوَلَةُ قَتْلِ الرّسُولِ ﷺ:
وَذَكَرَ قِصّةَ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ حِينَ أَرَادَ قَتْلَ النّبِيّ ﷺ، قَالَ فَجَاءَ شَيْءٌ حَتّى تَغَشّى فُؤَادِي، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيخِهِ، قَالَ شَيْبَةُ: الْيَوْمَ آخُذُ بِثَأْرِي، فَجِئْت النّبِيّ ﷺ مِنْ خَلْفِهِ، فَلَمّا هَمَمْت بِهِ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِنْ نَارٍ وَسُوَرٌ مِنْ حَدِيدٍ، قَالَ:
فَالْتَفَتَ إلَيّ النّبِيّﷺ- وَتَبَسّمَ، وَعَرَفَ الّذِي أَرَدْت، فَمَسَحَ صَدْرِي، وَذَهَبَ عَنّي الشّكّ، أَوْ كَمَا قَالَ، ذَهَبَ عَنّي بَعْضُ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ «١» .
أُمّ سُلَيْمٍ وَالْفِرَارُ يَوْمَ حُنَيْنٍ:
وَذَكَرَ أُمّ سُلَيْمٍ وَهِيَ مُلَيْكَةُ بِنْتُ مِلْحَانَ، وَقَالَ فِي اسْمِهَا رُمَيْلَةَ، وَيُقَالُ: سُهَيْلَةُ، وَتُعْرَفُ بِالْغُمَيْصَاءِ ولرّميصاء لِرَمَصٍ كَانَ فِي عَيْنَيْهَا، وَأَبُو طَلْحَةَ بَعْلُهَا هُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ حَرَامِ وهو القائل:
_________________
(١) فى رواية البيهقى قال شيبة: فذهبت لأجيئه عن يمينه فإذا بالعباس ابن عبد المطلب قائم عليه درع بيضاء كأنها فضة ينكشف عنها العجاج، فقلت: عمه ولن يخذله، قال: ثم جئته عن يساره فإذا أنا بأبى سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب، فقلت: ابن عمه ولن يخذله، قال: ثم جئته من خلفه، فلم يبق إلا أن أساوره سورة بالسيف إذ رفع شواظ من نار بينى وبينه كأنه برق فخفت أن يمحشنى، فوضعت يدى على بصرى، ومشيت القهقرى فالتفت رسول الله-
[ ٧ / ٢٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَنَا أَبُو طَلْحَةَ، وَاسْمِي: زَيْدٌ وَكُلّ يَوْمٍ فِي سِلَاحِي صَيْدٌ
وَقَوْلُ أُمّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللهِ اُقْتُلْ هَؤُلَاءِ الّذِينَ يَنْهَزِمُونَ عَنْك.
إنْ قِيلَ: كَيْفَ فَرّ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْهُ حَتّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ مِنْهُمْ إلّا ثَمَانِيَةٌ، وَالْفِرَارُ مِنْ الزّحْفِ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ مَا أَنْزَلَ. قُلْنَا: لَمْ يُجْمِعْ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ إلّا فِي يَوْمِ بَدْرٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ وَنَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلّ عَلَى هَذَا، فَإِنّهُ قَالَ: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ فَيَوْمَئِذٍ إشَارَةٌ إلَى يَوْمِ بَدْرٍ، ثُمّ نَزَلَ التّحْقِيقُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فِي الْفَارّينَ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ قَوْلُهُ:
وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ وَكَذَلِكَ أَنْزَلَ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ إلَى قَوْلِهِ: غَفُورٌ رَحِيمٌ وفى تفسير ابن سلام:
كان الْفِرَارُ مِنْ الزّحْفِ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَكَذَلِك يَكُونُ مِنْ الْكَبَائِرِ فِي مَلْحَمَةِ الرّومِ الْكُبْرَى «١»، وَعِنْدَ الدّجّالِ، وَأَيْضًا فَإِنّ الْمُنْهَزِمِينَ عَنْهُ ﵇ رَجَعُوا لِحِينِهِمْ، وَقَاتَلُوا مَعَهُ حَتّى فتح الله عليهم.
_________________
(١) - ﷺ وقال: يا شيب ادن منى، اللهم أذهب عنه الشيطان، قال: قرفعت إليه بصرى ولهو أحب إلى من سمعى وبصرى، فقال: يا شيب قاتل الكفار.
(٢) عن أبى هريرة قال: قال رسول الله «ص»: لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا تقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلى بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم-
[ ٧ / ٢٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَوْلَ رَجَزٍ مَالِكٍ:
وَقَوْلُ مَالِكٍ فِي رَجَزِهِ:
قد أطعن الطّعنة تقذى بالسّبر
_________________
(١) - فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، وبفتح الثلث لا يفتنون أبدا، فيفتحون قسطنطينية، فبيناهم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم فى أهليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاموا الشام خرج، فبيناهم يعدون للقتال يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم، فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح فى الماء، فلو تركه لا نذاب حتى يهلك ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه فى حربته» مسلم. وفى مسلم نفسه ولكن عن عبد الله بن مسعود أن ملحمة الروم تكون بين أهل الشام وبين الروم، وأن المعركة تستمر أربعة أيام، وأن صريخ الدجال يجيئهم، فيترك المسلمون ما بأيديهم. وفى مسلم نفسه أن صريخ الدجال يظهر حين يغز وسبعون ألفا من بني إسحاق مدينة جانب منها فى البر، وجانب منها فى البحر وأن هؤلاء السبعين ألفا تقاتلونها بغير سلاح!! وعند أبى داود عن معاذ: «عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح قسطنطينية، وفتح قسطنطينية خروج الدجال» . وفى رواية لأبى داود والترمذى «الملحمة العظمى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال فى سبعة أشهر» . وفى رواية لأبى داود أن المسلمين سيصالحون الروم، وأن الروم والمسلمين يغزون معاعدوا، وأن نصرانيا سيصيح: غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين، -
[ ٧ / ٢٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السّبُرُ: جَمْعُ سَابِرٍ، وَهُوَ الْفَتِيلُ الّذِي يُسْبَرُ به الجرح أى: يخبر.
وَقَوْلُهُ فِي الرّجَزِ الْآخَرِ:
أَقْدِمْ مُحَاجُ إنّهَا الْأَسَاوِرَهْ
وَقَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ: هُمَا لِغَيْرِ مَالِكٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ، يَعْنِي يَوْمَ الْقَادِسِيّةِ، وَكَانَتْ الدّوْلَةُ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الْفُرْسِ، وَالْأَسَاوِرَةُ: مُلُوكُ الْفُرْسِ، وَقُتِلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ رُسْتُمُ مَلِكُهُمْ دُونَ الْمَلِكِ الْأَكْبَرِ، وَكَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ: بِمَ سُمّيَتْ الْقَادِسِيّةُ.
وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي قَتَادَةَ فِي سَلَبِ الْقَتِيلِ، قَالَ: فَاشْتَرَيْت بِثَمَنِهِ مَخْرَفًا فَإِنّهُ لَأَوّلُ مَالٍ اعْتَقَدْته، يُقَالُ: اعْتَقَدْت مَالِي، أَيْ: اتّخَذْت مِنْهُ عُقْدَةً، كَمَا تَقُولُ: نُبْذَةٌ، أَوْ قِطْعَةٌ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مِنْ الْعَقْدِ، وَأَنّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا عَقَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْشَدَ أبو على [الفالى]:
وَلَمّا رَأَيْت الدّهْرَ أَنْحَتْ صُرُوفُهُ عَلَيّ وَأَوْدَتْ بالذّخائر والعقد
_________________
(١) - ويكسر الصليب. فتغدر لروم، وتجمع للملحمة. ويستشهد الذين يحملون السلام من المسلمين. هكذا الروايات، وفيها اضطراب واضح كما ترى. ويحدثنا التاريخ أن معاوية حاول فتح القسطنطينية فى سنة ٣٥ هـ ٦٥٥ م وأنه هزم بأسطوله العربى قسطنطين هزيمة ماحقة، لكنه لم يدخل المدينة التى كانت عاصمة الدولة البيزنطية، ولم تفتح القسطنطينية إلا فى عهد محمد الثانى العثمانى وذلك فى أواخر ٨٥٦ هـ- ١٤٥١ م أى فى القرن التاسع الهجرى فلنعتصم بهدى القرآن حين تضطرب بنا الشعاب.
[ ٧ / ٢١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَذَفْت فُضُولَ الْعَيْشِ حَتّى رَدَدْتهَا إلَى الْقُوتِ خَوْفًا أَنْ أُجَاءَ إلَى أَحَدْ «١»
وَيُرْوَى: تَأَثّلْته، وَهِيَ رِوَايَةُ الْمُوَطّأِ، وَيُقَالُ: مَخْرَفٌ بِفَتْحِ الرّاءِ وَكَسْرِهَا، وَأَمّا كَسْرُ الْمِيمِ فَإِنّمَا هُوَ لِلْمِخْرَفِ، وَهِيَ الْآلَةُ الّتِي تُخْتَرَفُ بِهَا التّمْرَةُ أَيْ تُجْتَنَى «٢» بِفَتْحِ الْمِيمِ مَعْنَاهُ الْبُسْتَانُ مِنْ النّخْلِ، هَكَذَا فَسّرُوهُ، وَفَسّرَهُ الْحَرْبِيّ، وَأَجَادَ فِي تَفْسِيرِهِ، فَقَالَ: الْمَخْرَفُ: نَخْلَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ نَخَلَاتٌ يَسِيرَةٌ إلَى عَشْرٍ، فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، فَهُوَ بُسْتَانٌ أَوْ حَدِيقَةٌ، وَيُقَوّي مَا قَالَهُ الْحَرْبِيّ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، قَالَ: الْمَخْرَفُ:
مِثْلُ الْخَرُوفَةِ، وَالْخَرُوفَةُ: هِيَ النّخْلَةُ يَخْتَرِفُهَا الرّجُلُ لِنَفْسِهِ وَلِعِيَالِهِ، وَأَنْشَدَ:
مِثْلُ الْمَخَارِفِ مِنْ خَيْلَانَ أَوْ هَجَرَا؟؟؟
قال: ويقال للخروفة: خَرِيفَةٌ أَيْضًا.
السّلَبُ لِلْقَاتِلِ:
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ من الفقه أن السّلب للقاتل حكما شرعيّا جعل ذلك الإمام له، أو لم يَجْعَلُهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ «٣»، وَقَالَ مَالِكٌ: إنّمَا ذلك إلى
_________________
(١) بعدهما: وقلت لنفسى: أبشرى وتوكلى على قاسم الأرزاق والواحد الصمد فإن لا تكن عندى دراهم جمة فعندى بحمد الله ما شئت من جلد ص ١٢٧ ج ٢ الأمالى للقالى. وقد قال: أنشدنا أبو بكر، قال: أنشدنا عبد الأول: قال: أنشدنى حماد، قال: أنشدنى أبى لنفسه.
(٢) فى القاموس: زنبيل صغير يخترف فيه أطايب الرطب.
(٣) وهى إحدى الروايتين عن أحمد. ويرى أبو حنيفة أيضا أنه لا يستحق إلا بشرط الإمام بعد القتال، فلو نص قبله لم يجز.
[ ٧ / ٢١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْإِمَامِ لَهُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ مَعْمَعَةِ الْحَرْبِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ «١»، وَيَكْرَهُ مَالِكٌ ﵀ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقِتَالِ لِئَلّا يُخَالِطَ النّيّةَ غَرَضٌ آخَرُ غَيْرُ احْتِسَابِ نَفْسِهِ لِلّهِ تَعَالَى، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا.
نُزُولُ الْمَلَائِكَةِ:
وَقَوْلُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: لَقَدْ رَأَيْت مِثْلَ الْبِجَادِ، يَعْنِي الْكِسَاءَ مِنْ النّمْلِ مَبْثُوثًا، يَعْنِي رَآهُ يَنْزِلُ مِنْ السّمَاءِ. قَالَ: لَمْ أَشُكّ أَنّهَا الْمَلَائِكَةُ، وَقَدْ قَدّمَ ابْنُ إسْحَاقَ قَوْلَ الْآخَرِ: رَأَيْت رِجَالًا بِيضًا عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ، وَكَانَتْ الْمَلَائِكَةُ فَأَرَاهُمْ اللهُ لِذَلِكَ الْهَوْاَزنِيّ عَلَى صُوَرِ الْخَيْلِ وَالرّجَالِ تَرْهِيبًا لِلْعَدُوّ، وَرَآهُمْ جُبَيْرٌ عَلَى صُورَةِ النّمْلِ الْمَبْثُوثِ إشْعَارًا بِكَثْرَةِ عَدَدِهَا، إذْ النّمْلُ لَا يُسْتَطَاعُ عَدّهَا مَعَ أَنّ النّمْلَةَ يُضْرَبُ بِهَا الْمَثَلُ فِي الْقُوّةِ، فَيُقَالُ: أَقْوَى مِنْ النّمْلَةِ، لِأَنّهَا تَحْمِلُ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْ جِرْمِهَا بِأَضْعَافٍ، وَقَدْ قَالَ رَجُلٌ لِبَعْضِ الْمُلُوكِ: جَعَلَ اللهُ قُوّتَك قُوّةَ النّمْلَةِ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْحَيَوَانِ مَا يَحْمِلُ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ إلّا النّمْلَةُ «٢»، وَهَذَا الْمَثَلُ قَدْ ذكره الأصبهانى فى كتاب الأمثال مَقْرُونًا بِهَذَا الْخَبَرِ، وَقَدْ أُهْلِكَ بِالنّمْلِ أُمّةٌ من الأمم، وهم جرهم.
_________________
(١) حديث: من قتل قتيلا فله سلبه حديث منفق عليه من حديث أبى قتادة. وقد قال مالك: لم يبلغنى أن النبى «ص» قال ذلك إلا يوم حنين، وإنما نفل النبى «ص» بعد أن برد القتال. وللامام ابن القيم تفصيل فى منشأ النزاع فى هذا الأمر وغيره فانظره ص ٤٥٧ ج ٢ زاد المعاد.
(٢) النملة بضم النون: النميمة. وكنية النمل: أبو مشغول، والنملة: أم نوبة وأم مازن. وسميت النملة نملة لتنملها، وهو كثرة حركتها وقلة قوائمها. يقول-
[ ٧ / ٢١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَوْلَ قَصِيدَةِ ابْنِ مِرْدَاسٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ عَبّاسٍ:
وَسَوْفَ إخَالُ يَأْتِيك «١» الْخَبِيرُ
الْفِعْلُ الْمُسْتَقْبَلُ هُوَ: يَأْتِيك، وَإِنْ كَانَ حَرْفُ سَوْفَ دَاخِلًا عَلَى إخَالُ فِي اللّفْظِ، فَإِنّ مَا يَدُلّ عَلَيْهِ مِنْ الِاسْتِقْبَالِ إنّمَا هُوَ الْفِعْلُ الثّانِي كَمَا قَالَ:
وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إخَالُ أَدْرِي «٢»
وَذَلِكَ أَنّ إخَالُ فِي مَعْنَى: أَظُنّ، وَلَيْسَ يُرِيدُ أَنّهُ يَظُنّ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ، وَإِنّمَا يُرِيدُ أَنْ يَخَالَ الْآنَ أَنْ سَيَكُونُ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ:
فإن يهدوا إلى الإسلام يلقوا أُنُوفَ النّاسِ مَا سَمَرُ السّمِيرُ
أُنُوفَ النّاسِ انْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ، لِأَنّهُ نَكِرَةٌ لَمْ يَتَعَرّفْ بِالْإِضَافَةِ، لِأَنّهُ لَمْ يَرِدْ الْأُنُوفُ بِأَعْيَانِهَا، وَلَكِنّ أشرافا، وهذا كقوله:
بمنجرد قيد الأوابد «٣»
_________________
(١) - الدميرى: «وليس فى الحيوان ما يحمل ضعف بدنه مرارا غيره، على أنه لا يرضى بأضعاف الأضعاف حتى إنه يتكلف لحمل نوى التمر» حياة الحيوان.
(٢) فى السيرة: يأتيه.
(٣) بقية البيت: أقوم آل حصن أم نساء، وبعده: فمن فى كفه منهم خضاب كمن فى كفه منهم قباء
(٤) من معلقة امرئ القيس فى وصف فرسه.
[ ٧ / ٢١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لِأَنّهُ جَعَلَهُ كَالْقَيْدِ، وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ فِي: نَصْبِ غَمَائِمَ الْأَبْصَارِ، عَلَى الْحَالِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ مَا مَنَعَهُ سِيبَوَيْهِ حِينَ قال معترضا على الخيل: لَوْ قُلْت مَرَرْت بِقَصِيرٍ الطّوِيلَ، تُرِيدُ: مِثْلَ الطّوِيلِ، لَمْ يَجُزْ، وَاَلّذِي أَرَادَهُ الْخَلِيلُ هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ اسْتِعَارَةِ الْكَلِمَةِ عَلَى جِهَةِ التّشْبِيهِ، نَحْوَ قَيْدِ الْأَوَابِدِ، وَأُنُوفِ النّاسِ تُرِيدُ: أَشْرَافَهُمْ، فَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ وَصْفًا لِلنّكِرَةِ وَحَالًا مِنْ الْمَعْرِفَةِ، وَقَدْ أَلْحَقَ بِهَذَا الْبَابِ: لَهُ صَوْتٌ صَوْتُ الْحِمَارِ، عَلَى الصّفة، وضعّفه سيبويه فى الحال، قال: وَهُوَ فِي الصّفّةِ أَقْبَحُ، وَإِنّمَا أَلْحَقَهُ الْخَلِيلُ بِمَا تَنَكّرَ، وَهُوَ مُضَافٌ إلَى مُعْرِفَةٍ مِنْ أَجْلِ تُكَرّرْ اللّفْظِ فِيهِ، فَحَسُنَ لِذَلِك. وَقَوْلُهُ: وَأُسْلِمَتْ النّصُورُ. ذَكَرَ الْبَرْقِيّ أَنّ النّصُورَ هَاهُنَا جَمْعُ: نَاصِرٍ، وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي كَذَلِك. فَإِنّ فَاعِلًا قَلّ مَا يُجْمَعُ عَلَى فَعُولٍ، وَإِنْ جُمِعَ فَلَيْسَ هُوَ بِالْقِيَاسِ الْمُطّرِدِ، وَإِنّمَا هُمْ بنو نصر مِنْ هَوَازِنَ رَهْطُ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النّصْرِيّ يُقَال لَهُمْ النّصُورُ، كَمَا يُقَال لِبَنِي الْمُهَلّبِ الْمَهَالِبَةُ، وَلِبَنِي الْمُنْذِرِ: الْمَنَاذِرَةِ، وَكَمَا يُقَال الْأَشْعَرُونَ، وَهُمْ بَنُو أَشْعَرَ بْنِ أُدَدٍ، وَالتّوَتْيَاتُ لِبَنِي تويت بْنِ أَسَدٍ جَمْعُ أَخ وَابْنٍ: وَقَوْلُهُ: إنّا أَخُوكُمْ، جَمَعَ أَخًا جَمْعًا مُسْلَمًا بِالْوَاوِ وَالنّونِ، ثُمّ حُذِفَتْ النّونُ لِلْإِضَافَةِ، كَمَا أَنْشَدُوا:
[ ٧ / ٢١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَلَمّا تَبَيّنّ أَصْوَاتَنَا بَكَيْنَ وَفَدّيْنَنَا بِالْأَبِينَا «١»
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَضْعُ الْوَاحِدِ مَوْضِعَ الْجَمِيعِ، كَمَا تَقَدّمَ فِي قَوْلِهِ: أَنْتُمْ الْوَلَدُ، وَنَحْنُ الْوُلْدُ.
مِنْ وَصْفِ الزّبَيْرِ:
وَقَوْلُهُ فِي صِفَةِ الزّبَيْرِ: طَوِيلُ الْبَادّ، أَيْ: الْفَخْرِ، وَالْبَدَدُ: تَبَاعُدُ مَا بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ.
مِنْ أَحْكَامِ الْقِتَالِ:
وَقَوْلُهُ فِي الْمَرْأَةِ الْمَقْتُولَةِ: أَدْرِكْ خَالِدًا، فَقُلْ: أن رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنْهَاك أَنْ تَقْتُلَ وَلِيدًا، أَوْ امْرَأَةً، أَوْ عَسِيفًا الْعَسِيفُ: الْأَجِيرُ، وَهَذَا مُنْتَزَعٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، لِأَنّهُ يَقُولُ: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ فَاقْتَضَى دَلِيلُ الْخِطَابِ أَلَا تُقْتَلَ الْمَرْأَةُ إلّا أَنْ تُقَاتِلَ، وَقَدْ أَخْطَأَ مَنْ قَاسَ مَسْأَلَةَ الْمُرْتَدّةِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنّ الْمُرْتَدّةَ لَا تسترقّ ولا تسبى،
_________________
(١) نقل سيبويه عن الخليل قوله: «إن ألخقت فيه النون والزيادة التى قبلها قلت: أبون، وكذلك أخ تقول: أخون لا تغير البناء، إلا أن تحدث العرب شيئا كما يقولون: دمون، ولا تغير بناء للقرب عن حال الحرفين لأنه بنى عليه إلا أن تحدث العرب شيئا، كما بنوه على غير الحرفين ثم استشهد بالبيت، وقال: إنه جاهلى. وإن شئت كسرت، فقلت آباء وآخاء. ويقول السيرافى عن البيت إنه لزياد بن واصل السلمى. أنظر خزانة البغدادى ص ٣٦٢ ج ٤ ط السلفية.
[ ٧ / ٢١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) كَمَا تُسْبَى نِسَاءُ الْحَرْبِ وَذَرَارِيّهُمْ، فَتَكُونُ مَالًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَنَهَى عَنْ قَتْلِهِنّ لِذَلِكَ. حُكْمُ رَفْعِ الْيَدِ فِي الدّعَاءِ: وَذَكَرَ فِيمَنْ اُسْتُشْهِدَ أَبَا عَامِرٍ، وَاسْمُهُ: عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمِ بْنِ حَصّارٍ، وَهُوَ عَمّ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيّ، وَهُوَ الّذِي اسْتَغْفَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِﷺ- حِينَ قُتِلَ رَافِعًا يَدَيْهِ جِدّا، يَقُولُ: اللهُمّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ ثَلَاثًا، وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الدّعَاءِ، وَقَدْ كَرِهَهُ قَوْمٌ، رَوَى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ أَنّهُ رَأَى قَوْمًا يرفعون أيديهم فى الدعاء، فقال: أو قد رَفَعُوهَا؟ قَطَعَهَا اللهُ، وَاَللهِ لَوْ كَانُوا بِأَعْلَى شَاهِقٍ مَا ازْدَادُوا مِنْ اللهِ بِذَلِكَ قُرْبًا وَذُكِرَ لِمَالِكٍ أَنّ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ كَانَ يَدْعُو بِإِثْرِ كُلّ صَلَاةٍ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، فَقَالَ: ذَلِكَ حَسَنٌ، وَلَا أَرَى أَنْ يَرْفَعَهُمَا جِدّا. وَحُجّةُ مَنْ رَأَى الرّفْعَ أَحَادِيثُ مِنْهَا مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا، وَمِنْهَا حَدِيثٌ تَقَدّمَ فِي سَرِيّةِ الْغُمَيْصَاءِ حِينَ رَفَعَ النّبِيّﷺ- يَدَيْهِ، وَقَالَ: اللهُمّ إنّي أَبْرَأُ إلَيْك مِمّا صَنَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ثَلَاثَ مَرّاتٍ وَلِكُلّ شَيْءٍ وَجْهٌ، فَمَنْ كَرِهَ، فَإِنّمَا كَرِهَ الْإِفْرَاطَ فِي الرّفْعِ كَمَا كُرِهَ رَفْعُ الصّوْتِ بِالدّعَاءِ جِدّا. قَالَ ﷺ: أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمّ وَلَا غَائِبًا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ الّذِي قَدّمْنَاهُ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ. الْحَفْنَةُ وَشَاهَتْ الْوُجُوهُ: فَصْلٌ: وَمِمّا ذُكِرَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ الحفنة التى
[ ٧ / ٢١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَخَذَهَا النّبِيّ ﷺ مِنْ الْبَطْحَاءِ، وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ، فَرَمَى بِهَا أَوْجُهَ الْكُفّارِ، وَقَالَ: شَاهَتْ الْوُجُوهُ «١»، فَانْهَزَمُوا. وَالْمُسْتَقْبَلُ مِنْ شَاهَتْ:
تَشَاهُ، لِأَنّ وَزْنَهُ فَعَلَ، وَفِيهِ أَنّ الْبَغْلَةَ حَضَجَتْ بِهِ إلَى الْأَرْضِ حِينَ أَخَذَ الحفنة، ثم قامت به، وفسروا حَضَجَتْ، أَيْ: ضَرَبَتْ بِنَفْسِهَا إلَى الْأَرْضِ، وَأَلْصَقَتْ بَطْنَهَا بِالتّرَابِ، وَمِنْهُ الْحِضَاجُ، وَهُوَ زِقّ مَمْلُوءٌ قَدْ أُسْنِدَ إلَى شَيْءٍ، وَأَمِيلُ إلَيْهِ، وَالْبَغْلَةُ الّتِي كَانَ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ هِيَ الّتِي تُسَمّى الْبَيْضَاءَ «٢»، وَهِيَ الّتِي أَهْدَاهَا إلَيْهِ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ، وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُ الْأُخْرَى، وَاسْمُهَا:
دُلْدُلُ وَذِكْرُ مَنْ أَهْدَاهَا إلَيْهِ.
نِدَاءُ أَصْحَابِ الشّجَرَةِ:
وَذَكَرَ نِدَاءَ الْعَبّاسِ: يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ السّمُرَةِ، وَكَانَ الْعَبّاسُ صِيّتَا جَهِيرًا. وَأَصْحَابُ السّمُرَةِ: هُمْ أَصْحَابُ بَيْعَةِ الرّضْوَانِ الّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَ الشّجَرَةِ، وكانت الشجرة سمرة.
_________________
(١) فى رواية لمسلم أنهم لما غشوا النبى «ص» نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: شاهت الوجوه فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأت عينه ترابا تلك القبضة فولوا منهزمين. وفى رواية أخرى أنه تناول حصيات من الأرض، وأنه لم ينزل من على البغلة. فالله أعلم.
(٢) عن ابن سعد وجماعة ممن صنفوا فى السيرة أنها دلدل، وفيه نظر، لأن دلدل أهداها له المقوقس، وقد روى مسلم أنه كان على بغلة له بيضاء كما ورد فى الروض ولكن فى مسلم أيضا أنه كان على بغلته الشهباء، وقد زعم النووى أن البيضاء والشهباء واحدة، ولا يعرف له غيرها، ولكن ذكر غير واحد بغلته دلدل، غير أن ابن الصلاح زعم أن دلدل والبيضاء اسمان لبغلة واحدة.
[ ٧ / ٢١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لضحاك بْنُ سُفْيَانَ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ الضّحّاكَ بْنَ سُفْيَانَ الكلابى، وهو الضّحّاك بن سفيان ابن عَوْفِ بْنِ كَعْبِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ كلاب الكلابىّ، يُكَنّى أَبَا سَعِيدٍ، وَكَانَ يَقُومُ عَلَى رَأْسِ النّبِيّﷺ- مُتَوَشّحًا بِالسّيْفِ، وَكَانَ يُعَدّ وَحْدَهُ بِمِائَةِ فَارِسٍ، وَكَانَتْ بَنُو سُلَيْمٍ يَوْمَ حُنَيْنٍ تِسْعَمِائَةٍ، فَأَمّرَهُ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَخْبَرَهُ أَنّهُ قَدْ تَمّمَهُمْ بِهِ أَلْفًا، وَإِيّاهُ أَرَادَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ بِقَوْلِهِ: جُنْدٌ بَعَثْت عَلَيْهِمْ الضّحّاكَا وَقَالَ الْبَرْقِيّ: لَيْسَ الضّحّاكُ بْنُ سُفْيَانَ هَذَا بالكلابى، إنما هو الضحاك ابن سُفْيَانَ السّلَمِيّ. وَذَكَرَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ نَسَبَهُ مَرْفُوعًا إلَى بُهْثَةَ ابن سُلَيْمٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو عُمَرَ فِي الصّحَابَةِ إلّا الْأَوّلُ، وَهُوَ الْكِلَابِيّ، فَاَللهُ أَعْلَمُ. قَصِيدَةُ ابْنِ مِرْدَاسٍ الْعَيْنِيّةُ: وَذَكَرَ شِعْرَ عَبّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ الّذِي أَوّلُهُ: عَفَا مِجْدَلٌ مِنْ أَهْلِهِ فَمُتَالِعُ الْمِجْدَلُ: الْقَصْرُ، وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ اسم علم لمكان. وَفِيهِ: فَمِطْلَا أَرِيكٍ
[ ٧ / ٢١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المطل: يمدّ ويقصر، وهى أرض تعقل لرّجل عن الشى، فَقِيلَ: إنّهَا مِفْعَالٌ مِنْ الطّلْيِ وَهُوَ الْجَرْيُ يُطْلَى، أَيْ تُعْقَلُ رِجْلُهُ، وَقِيلَ: إنّ الْمِطْلَاءَ فِعْلَاءُ مِنْ مَطَلْت إذَا مَدَدْت، وَجَمْعُهُ: مِطَالٌ فِي الْأَمَالِي:
أَمَا تَسْأَلَانِ اللهَ أَنّ يَسْقِيَ الحمى ألا فسقى الله الحمى فالمطايا «١»
وفيه:
نَذُودُ أَخَانَا عَنْ أَخِينَا، وَلَوْ نَرَى مَصَالًا لَكُنّا الْأَقْرَبِينَ نُتَابِعُ
يُرِيدُ أَنّهُ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَسُلَيْمٌ مِنْ قَيْسٍ، كَمَا أَنّ هَوَازِنَ مِنْ قَيْسٍ، كِلَاهُمَا ابْنُ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسٍ، فَمَعْنَى الْبَيْتِ: نُقَاتِلُ إخْوَتَنَا، وَنَذُودُهُمْ عَنْ إخْوَتِنَا مِنْ سُلَيْمٍ، وَلَوْ نَرَى فِي حُكْمِ الدّينِ مَصَالًا مُفْعِلًا مِنْ الصّوْلَةِ، لَكُنّا مَعَ الْأَقْرَبِينَ هَوَازِنُ:
وَلَكِنّ دِينَ اللهِ دِينُ مُحَمّدٍ رَضِينَا بِهِ فِيهِ الْهُدَى وَالشّرَائِعُ
وَفِيهِ قَوْلُهُ:
دَعَانَا إلَيْهِ خَيْرُ وَفْدٍ عَلِمَتْهُمْ خُزَيْمَةُ وَالْمَدّارُ «٢» مِنْهُمْ وَوَاسِعُ
هَؤُلَاءِ وَفْدُ بَنِي سُلَيْمٍ وَفَدُوا عَلَى النّبِيّﷺ- فأسلموا،
_________________
(١) فى الأهالى أن هذا الشعر لرجل طلق امرأتين من أهل الحمى ص ١٩١ ج ١ ط ٢. ومن الشعر: وإنى لأستسقى لثنتين بالحمى ولو تملكان البحر ما سقتانيا
(٢) فى رواية: المرار.
[ ٧ / ٢١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثُمّ دَعَوْا قَوْمَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، فَذَكَرَ فِيهِمْ الْمَدّارَ السّلَمِيّ، وَوَاسِعًا السّلَمِيّ، وَخُزَيْمَةَ، وَهُوَ خُزَيْمَةُ بْنُ جُزَيّ أَخُو حِبّانَ بْنِ جُزَيّ، وَكَانَ الدّارَقُطْنِيّ يَقُولُ فِيهِ: جِزَيّ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالزّايِ.
وَفِيهَا:
يَدَ اللهِ بَيْنَ الْأَخْشَبَيْنِ نُبَايِعُ
مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ أَقَامَ يَدَ رَسُول اللهِ ﷺ مَقَامَ يَدِهِ، كَمَا قَالَﷺ- فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ: هُوَ يَمِينُ اللهِ فِي الْأَرْضِ «١»، أَقَامَهُ فِي الْمُصَافَحَةِ وَالتّقْبِيلِ مَقَامَ يَمِينِ الْمَلِكِ الّذِي يُصَافِحُ بِهَا، لِأَنّ الْحَاجّ وَافِدٌ عَلَى الْمَلِكِ الْأَعْلَى وَزَائِرٌ بَيْتَهُ، فَجَعَلَ تَقْبِيلَهُ الْحَجَرَ مُصَافَحَةً لَهُ، وَكَمَا جُعِلَتْ يَمِينُ السّائِلِ الْآخِذِ لِلصّدَقَةِ الْمُتَقَبّلَةِ يَمِينَ الرّحْمَنِ سُبْحَانَهُ تَرْغِيبًا فِي الصّدَقَةِ، وَتَبْشِيرًا بِقَبُولِهَا، وَتَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ مَنْ أُعْطِيَتْ لَهُ، فَإِنّمَا أَعْطَاهَا الْمُتَصَدّقُ لله سبحانه، وإياه سبحانه أقرض،
_________________
(١) رواه الطبرانى فى معجمه، وهو موقوف على ابن عباس وهو سقط من القول لا يصح نسبته إلى مؤمن. وإليك ما يقوله الإمام ابن القيم فى قوله سبحانه: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) .. «لما كانوا يبايعون رَسُولِ الله ﷺ بِأَيْدِيهِمْ، ويضرب بيده على أيديهم، وكان رسول الله ﷺ هو السفير بينه وبينهم كانت مبايعتهم له مبايعة لله تعالى، ولما كان سبحانه فوق سماواته على عرشه، وفوق الخلائق كلهم، كانت يده فوق أيديهم، كما أنه سبحانه فوقهم» ص ١٧٢ ج ٢ الصواعق المراسلة. وهذا خير من تأويل السهيلى الذى يعطى لأصحاب وحدة الوجود وجها!!
[ ٧ / ٢٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَقَالَ ﷾: وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ «١» التّوْبَةُ: ١٠٤ وَقَالَ ﷺ: إنّمَا يَضَعُهَا فِي كَفّ الرّحْمَنِ يُرَبّيهَا لَه الْحَدِيثُ.
شِعْرُ عَبّاسٍ الْكَافِي:
وَقَوْلُ عَبّاسٍ فِي الشّعْرِ الْكَافِي:
إنّ الْإِلَهَ بَنَى عَلَيْك مَحَبّةً فِي خَلْقِهِ وَمُحَمّدًا سَمّاكَا
مَعْنًى دَقِيقٌ وَغَرَضٌ نَبِيلٌ وَتَفَطّنٌ لِحِكْمَةٍ نَبَوِيّةٍ قَدْ بَيّنّاهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ فِي تَسْمِيَةِ اللهِ تَعَالَى لِنَبِيّهِ مُحَمّدًا وَأَحْمَدَ «٢»، وَأَنّهُ اسْمٌ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ قَوْمِهِ قَبْلَهُ، وَأَنّ أُمّهُ أُمِرَتْ فِي الْمَنَامِ أَنْ تُسَمّيَهُ مُحَمّدًا، فَوَافَقَ مَعْنَى الِاسْمِ صِفَةَ الْمُسَمّى بِهِ مُوَافَقَةً تَامّةً قَدْ بَيّنّا شَرْحَهَا «٣» هُنَالِكَ، وَلِذَلِك قَالَ: بَنَى عَلَيْك مَحَبّةً، لِأَنّ الْبِنَاءَ تَرْكِيبٌ عَلَى أُسّ، فَأَسّسَ لَهُ سُبْحَانَهُ مُقَدّمَاتٍ لِنُبُوّتِهِ مِنْهَا: تَسْمِيَتُهُ بِمُحَمّدٍ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ، ثُمّ لَمْ يَزَلْ يُدْرِجُهُ فى محامد الأخلاق
_________________
(١) رواية البخارى ومسلم والنسائى والترمذى وابن ماجة وابن خزيمة فى صحيحه هى: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب- ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها» كما يربى أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل» والفلو- بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو: المهر الصغير، وقيل: الفطيم من أولاد ذوات الحافر.
(٢) سبق الكلام عن هذا. وأنه كان هناك من سمى بمحمد وأحمد فى الجاهلية وأنظر ص ٨، ٩ الاشتقاق لابن دريد، وص ١٣٠ المحبر لابن حبيب فقد ذكر سبعة ممن سموا باسم محمد.
(٣) علقنا على شرحه بما قاله ابن القيم وأبدع فيه.
[ ٧ / ٢٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَمَا تُحِبّهُ الْقُلُوبُ مِنْ الشّيَمِ، حَتّى بَلَغَ إلَى أَعْلَى الْمَحَامِدِ مَرْتَبَةً، وَتَكَامَلَتْ لَهُ الْمَحَبّةُ مِنْ الْخَالِقِ وَالْخَلِيقَةِ، وَظَهَرَ مَعْنَى اسْمِهِ فِيهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَهُوَ اللّبِنَةُ الّتِي اسْتَتَمّ بِهَا الْبِنَاءُ، كَمَا أَخْبَرَ ﵇، وَهَذَا كُلّهُ مَعْنَى بَيْتِ عَبّاسٍ، حَيْثُ قَالَ: إنّ الْإِلَهَ بَنَى عَلَيْك، الْبَيْتُ. الدّامّاءُ وَالدّأْمَاءُ: وَقَوْلُهُ: فِي العينيّة الأخرى يصف الخيل: أو هى مُقَارَعَةُ الْأَعَادِي دَمّهَا يُرِيدُ شَحْمَهَا، يُقَالُ: أَدْمِمْ قِدْرَك بِوَدَكٍ، وَدَمَمْت الشّيْءَ: طَلَيْته، وَمِنْهُ: الدّامّاءُ أَحَدُ جُحْرَةِ الْيَرْبُوعِ، لِأَنّهُ يَدُمّ بَابَهُ بِقِشْرٍ رقيق من الأرض، فلا يراه الصائد، فإذ طلب من القاصعاء أو لرّاهطاء أَوْ النّافِقَاءِ أَوْ الْعَانُقَاءِ، وَهِيَ الْأَبْوَابُ الْأُخَرُ نَطَحَ بِرَأْسِهِ بَابَ الدّامّاءِ فَخَرَقَهُ، وَأَمّا الدّأْمَاءُ بِالتّخْفِيفِ، فَهُوَ الْبَحْرُ وَهُوَ فَعْلَاءُ، لِأَنّهُ يُهْمَزُ فَيُقَالُ: دَأْمَاءُ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ شِعْرُ عَبّاسٍ الْفَاوِيّ: وَذَكَرَ شِعْرَ عَبّاسٍ الْفَاوِيّ، وَفِيهِ: بِعَاقِبَةٍ وَاسْتَبْدَلَتْ نِيّةً خُلْفَا النّيّةُ: مِنْ النّوَى وَهُوَ الْبُعْدُ. وَخُلْفَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ أَيْ: فَعَلْت ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْخُلْفِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكّدًا
[ ٧ / ٢٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِلِاسْتِبْدَالِ، لِأَنّ اسْتِبْدَالَهَا بِهِ خُلْفٌ مِنْهَا لِمَا وَعَدَتْهُ بِهِ، وَيُقَوّي هَذَا الْبَيْتَ الْبَيْتُ الّذِي بَعْدَهُ:
وَقَدْ حَلَفَتْ بِاَللهِ لَا تَقْطَعُ الْقُوَى
يَعْنِي: قُوَى الْحَبْلِ، وَالْحَبْلُ هُنَا: هُوَ الْعَهْدُ، ثُمّ قَالَ:
فَمَا صَدَقَتْ فِيهِ، وَلَا بَرّتْ الْحَلْفَا
وَهَذَا هُوَ الْخُلْفُ الْمُتَقَدّمُ ذِكْرُهُ.
وَقَوْلُهُ:
وَفِينَا وَلَمْ يَسْتَوْفِهَا مَعْشَرٌ أَلْفَا
أَيْ: وَفِينَا أَلْفًا وَلَمْ يَسْتَوْفِهَا غَيْرُنَا، أَيْ: لَمْ يَسْتَوْفِ هَذِهِ الْعُدّةَ غَيْرُنَا مِنْ الْقَبَائِلِ.
وَقَوْلُهُ:
إذَا هى حالت فِي مَرَاوِدِهَا عَزْفَا
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ مِرْوَدٍ «١» وَهُوَ الْوَتَدُ، كَمَا قَالَ الْآخَرُ يَصِفُ طعنة:
ومستنّة كاستنان الخرو ف قَدْ قَطَعَ الْحَبْلَ بِالْمِرْوَدِ
وَالْخَرُوفُ هَاهُنَا فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ: الْمُهْرُ، وَقَالَ آخَرُونَ: وَالْفَرَسُ يُسَمّى خَرُوفًا، وَمَعْنَاهُ عِنْدِي فِي هَذَا الْبَيْتِ أَنّهَا صفة من خرفت الثمرة إذا جنيتها
_________________
(١) فى الأصل: مردود.
[ ٧ / ٢٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَالْفَرَسُ خَرُوفٌ لِلشّجَرِ وَالنّبَاتِ، لَا نَقُولُ: إنّ الْفَرَسَ يُسَمّى خَرُوفًا فِي عُرْفِ اللّغَةِ، وَلَكِنْ خَرُوفٌ فِي مَعْنَى أَكُولٍ، لِأَنّهُ يَخْرُفُ، أَيْ: يَأْكُلُ، فَهُوَ صِفَةٌ لِكُلّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ مِنْ الدّوَابّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَرَاوِدِهَا جَمْعُ مُرَادٍ، وَهُوَ حَيْثُ تَرُودُ الْخَيْلِ تَذْهَبُ وَتَجِيءُ فَمُرَادُ وَمَرَاوِدُ، مِثْلُ مَقَامٍ وَمَقَاوِمَ، وَمَنَارٍ وَمَنَاوِرَ.
وَقَوْلُهُ: لَنَا زَجْمَةً إلّا التّذَامُرَ وَالنّقْفَا.
يُقَالُ: مَا زَجَمَ زَجْمَةً «١»، أَيْ مَا نَبَسَ بِكَلِمَةٍ، وَقَوْسٌ زَجُومٌ، أَيْ:
ضَعِيفَةُ الْإِرْنَانِ.
وَقَوْلُهُ: إلّا التّذَامُرَ، أَيْ يَذْمُرُ بَعْضُنَا بَعْضًا، ويحرّضه على القتل والنّقف: كسر الرّؤس، وَنَاقِفُ الْحَنْظَلَةِ: كَاسِرُهَا وَمُسْتَخْرِجُ مَا فِيهَا.
النّسَبُ إلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ وَتَصْغِيرُهَا:
قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَإِنّمَا قُلْنَا فِي هَذِهِ الْقَصِيدَةِ وَفِي التي بعدها الفاوية وَالرّاوِيَةُ، لِأَنّ النّسَبَ إلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ الّتِي أَوَاخِرُهَا أَلِفٌ هَكَذَا، هُوَ بِالْوَاوِ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ، وَفِي التّصْغِيرِ تُقْلَبُ أَلِفُهَا يَاءً، تَقُولُ فِي تَصْغِيرِ بَاءٍ: بُيَيّةٌ، وَخَاءٍ: خُيَيّةٌ، وَمَا كَانَ آخِرُهُ حَرْفًا سَالِمًا مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ قُلِبَتْ أَلِفُهُ وَاوًا فِي التّصْغِيرِ، فَتَقُولُ فِي الذّالِ: ذُوَيْلَةُ، وَفِي الضّادِ: ضُوَيْدَةُ، وَكَذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ، وَقِيَاسُ الْوَاوِ فِي النّحْوِ أَنْ تُصَغّرَ: أُوَيّةٌ بِهَمْزَةٍ [فِي] أَوّلِهَا.
_________________
(١) فى الأصل: رجمة.
[ ٧ / ٢٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْقَصِيدَةُ الرّاوِيَةُ:
وَقَوْلُ عَبّاسٍ فِي الْقَصِيدَةِ الرّاوِيَةُ:
مثل الحماطة أغضى فوقها الشّفر
الحماطة مِنْ وَرَقِ الشّجَرِ: مَا فِيهِ خُشُونَةٌ وَحُرُوشَةٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:
الْحُمَاطُ: وَرَقُ التّينِ الْجَبَلِيّ. وَقَالَ أَيْضًا فِي بَاب الْقَطَانِيّ: الْحَمَاطُ: تِبْنُ الذّرَةِ، إذَا ذُرّيَتْ، وَلَهُ أُكَالٌ فِي الْجِلْدِ. وَالْعَائِرُ: كَالشّيْءِ يَتَنَخّسُ فِي الْعَيْنِ كَأَنّهُ يَعُورُهَا، وَجَعَلَهُ سَهِرًا، وَإِنّمَا السّهِرُ الرّجُلُ، لِأَنّهُ لَمْ يفتر عنه، فكأنه قد سهر، وَلَمْ يَنَمْ، كَمَا قَالَ آخَرُ فِي وَصْفِ برق:
حتى شئاها كليل موهنا عَمَلُ بَاتَتْ طِرَابًا وَبَاتَ اللّيْلُ لَمْ يَنَمْ
شَئَاهَا: شَاقّهَا، يُقَالُ: شَاهَ وَشَاءَهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، أَيْ شَاقّهُ، وَأَنْشَدَ:
وَلَقَدْ عَهِدْت تَشَاءُ بِالْأَظْعَانِ
فَتَأَمّلْهُ فَإِنّهُ بَدِيعٌ مِنْ الْمَعَانِي.
وَقَوْلُهُ: الصّمّانُ وَالْحَفَرُ: هُمَا مَوْضِعَانِ، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيّ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَالْعَكَرُ: جَمْعُ عَكَرَةٍ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ الضّخْمَةُ مِنْ الْمَالِ.
وَعَكَرَةُ اللّسَانِ أَيْضًا: أَصْلُهُ، وَمَا غَلُظَ مِنْهُ، وَعَكَدَتُهُ «١» أَيْضًا بالدال.
_________________
(١) فى اللسان: العكدة- بضم العين وسكون الكاف- والعكدة بفتحهما أصل اللسان والذنب وعقدته. أما فى القاموس فقال: العكدة بضم العين وسكون الكاف: العصعص. وبالتحريك: أصل اللسان وأصل القلب.
[ ٧ / ٢٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قَصِيدَةُ عَبّاسٍ السّينِيّةُ: وَقَوْلُهُ فِي السّينِيّةِ: وَجْنَاءُ مُجْمَرَةُ الْمَنَاسِمِ عِرْمِسُ وَجْنَاءُ: غَلِيظَةُ الْوَجَنَاتِ بَارِزَتُهَا، وذلك يدل على غئور عَيْنَيْهَا، وَهُمْ يَصِفُونَ الْإِبِلَ بِغُئُورِ الْعَيْنَيْنِ عِنْدَ طُولِ السّفَارِ، وَيُقَالُ: هِيَ الْوَجْنَةُ فِي الْآدَمِيّينَ، رَجُلٌ مُوجَنٌ وَامْرَأَةٌ مُوجَنَةٌ، وَلَا يُقَالُ: وَجْنَاءُ، قَالَهُ يَعْقُوبُ. وَمُجْمَرَةُ الْمَنَاسِمِ، أَيْ: نَكَبَتْ مَنَاسِمَهَا الْجِمَارُ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ، وَالْعِرْمِسُ: الصّخْرَةُ الصّلْبَةُ، وَتُشَبّهُ بِهَا النّاقَةُ الْجَلْدَةُ، وَقَدْ يُرِيدُ بِمُجْمَرَةٍ أَيْضًا أَنّ مَنَاسِمَهَا مُجْتَمِعَةٌ مُنْضَمّةٌ، فَذَلِكَ أَقْوَى لَهَا، وَقَدْ حُكِيَ أَجْمَرَتْ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا إذَا ظَفّرَتْهُ وَأَجْمَرَ الْأَمِيرُ الْجَيْشَ أَيْ حَبَسَهُ عَنْ الْقُفُولِ قَالَ الشّاعِرُ: مُعَاوِيَ إمّا أَنْ يُجَهّزَ أَهْلُنَا إلينا، وإما أن نؤوب مُعَاوِيَا أَأَجْمَرْتنَا إجْمَارَ كِسْرَى جُنُودَهُ وَمَنّيْتنَا حَتّى نَسِينَا الْأَمَانِيَا وَقَوْلُهُ: كَانُوا أَمَامَ الْمُؤْمِنِينَ دَرِيئَةً الدّرِيئَةُ: الْحَلْقَةُ الّتِي يُتَعَلّمُ عَلَيْهَا الرّمْيُ، أَيْ: كَانُوا كَالدّرِيئَةِ لِلرّمَاحِ وَقَوْلُهُ: وَالشّمْسُ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهِمْ أَشْمَسُ يُرِيدُ: لَمَعَانَ الشّمْسِ، فِي كُلّ بَيْضَةٍ مِنْ بَيْضَاتِ الْحَدِيدِ، وَالسّيُوفِ،
[ ٧ / ٢٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَأَنّهَا شَمْسٌ. وَهُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ وَتَشْبِيهٌ مَلِيحٌ.
وَفِيهَا قَوْلُهُ:
وَالْخَيْلُ تَقْرَعُ بِالْكُمَاةِ وَتُضْرَسُ
أَيْ: تَضْرِبُ أَضْرَاسَهَا بِاللّجُمِ. تَقُولُ: ضَرَسَتْهُ، أَيْ ضَرَبَتْ أَضْرَاسَهُ، كَمَا تَقُولُ: رَأَسْته، أَيْ أَصَبْت رَأْسَهُ.
قَصِيدَةُ عَبّاسٍ الْمِيمِيّةِ:
وَقَوْلُهُ: فِي كَلِمَتِهِ الْمِيمِيّةِ:
وَفِيهِمْ مِنْهُمْ مَنْ تَسَلّمَا
يُرِيدُ: وَفِي سُلَيْمٍ مِنْ اعْتَزَى إلَيْهِمْ مِنْ حُلَفَائِهِمْ، فَتَسَلّمَ بِذَلِكَ، كَمَا تَقُولُ: تَقَيّسَ الرّجُلُ، إذَا اعْتَزَى إلَى قَيْسٍ. أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
وَقَيْسُ عَيْلَانَ وَمَنْ تَقَيّسَا «١»
_________________
(١) يقول ابن قتيبة: تأتى تفعلت بمعنى إدخالك نفسك فى أمر حتى تضاف إليه، أو تصير من أهله، ثم أتى بأمثلة واستشهد بهذا الرجز المنسوب إلى رؤبة ولكن ابن يرى يقول: الرجز للعجاج وليس لرؤبة. وصواب إنشاده: وقيس بالنصب، لأن قبله: وإن دعوت من تميم أرؤسا وجواب إن فى البيت الثالث: تقاعس العز بنا فاقعنسسا أنظر اللسان مادة قيس، وأدب الكاتب لابن قتيبة ص ٤٥٧، ص ٣٢٢ من شرح أدب الكاتب للجواليقى، وقد سبق الحديث.
[ ٧ / ٢٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَوْلَ قَصِيدَةِ ضَمْضَمِ بْنِ الْحَارِثِ:
وَأَنْشَدَ لِضَمْضَمِ بْنِ الْحَارِثِ، وَهُوَ مِمّنْ شَهِدَ حُنَيْنًا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ يَنْبَغِي لِأَبِي عُمَرَ ﵀ أَنْ يَذْكُرَهُ فِي الصّحَابَةِ، لِأَنّهُ مِنْ شَرْطِهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَدْ أَنْشَدَ لَهُ ابْنُ إسْحَاقَ مَا يَدُلّ عَلَى أَنّهُ مِنْهُمْ لِقَوْلِهِ:
يَوْمًا عَلَى أَثَرِ النّهَابِ وَتَارَةً كُتِبَتْ مُجَاهَدَةً مَعَ الْأَنْصَارِ
يَعْنِي: فَرَسَهُ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ أَبُو عُمَرَ ضَمْضَمَ بْنَ قَتَادَةَ الْعِجْلِيّ، وَلَهُ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ فِي قُدُومِهِ عَلَى النّبِيّ ﷺ، وَذَلِكَ أَنّهُ قَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي قَدْ تَزَوّجْت امْرَأَةً فَوَلَدَتْ لِي غُلَامًا أَسْوَدَ، فَقَالَ لَهُ النّبِيّﷺ- هَلْ لَك مِنْ إبِلٍ، فَقَالَ: نَعَمْ «١» وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ، غَيْرَ أَنّهُ لَمْ يُسَمّ بِاسْمِهِ فِي الصّحِيحَيْنِ، وَسُمّيَ فِي بَعْضِ الْمُسْنَدَاتِ، وَذَكَرَهُ عَبْدُ الْغَنِيّ فِي الْمُبْهَمَاتِ، وَذَكَرَ عَبْدُ الْغَنِيّ فِي الْحَدِيثِ زِيَادَةً حَسَنَةً قَالَ: كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ بَنِي عِجْلٍ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ عَجَائِزُ مِنْ عِجْلٍ، فَسُئِلْنَ عَنْ الْمَرْأَةِ الّتِي وَلَدَتْ الْغُلَامَ الْأَسْوَدَ، فَقُلْنَ: كَانَ فِي آبَائِهَا رجل أسود.
_________________
(١) بقية الحديث: قال: فما ألوانها؟ قال: فيها الأحمر والأسود وغير ذلك، قال: فأنى ذلك؟ قال: عرق نزع، قال: هذا عرق نزع، قال: فقدم عجائز من بنى عجل، فأخبرن أنه كان للمرأة جدة سوداء. قال أبو موسى فى الذيل: إسناده عجيب. قال الحافظ: أصل القصة فى الصحيحين من حديث أبى هريرة. وسيأتى.
[ ٧ / ٢٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شِعْرُ أَبِي خِرَاشٍ:
وَذَكَرَ شِعْرَ أَبِي خِرَاشٍ، وَاسْمُهُ: خُوَيْلِدُ بْنُ مُرّةَ شَاعِرٌ إسْلَامِيّ مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ﵀: مِنْ نَهْشِ حَيّةٍ نَهَشَتْهُ، كَانَ سَبَبُهَا أَضْيَافٌ نَزَلُوا بِهِ، وَخَبَرُهُ بِذَلِكَ عَجِيبٌ، وَلَهُ فِيهِ شِعْرٌ. وَالْخِرَاشُ: وَسْمٌ لِإِبِلٍ يَكُونُ مِنْ الصّدْغِ إلَى الذّقْنِ: فَقَوْلُهُ:
تَكَادُ يَدَاهُ تُسْلَمَانِ إزَارَهُ مِنْ الْجُودِ لَمّا أَذْلَفَتْهُ الشّمَائِلُ
يُرِيدُ: أَنّهُ مِنْ سَخَائِهِ، يُرِيدُ أَنْ يَتَجَرّدَ مِنْ إزَارِهِ لِسَائِلِهِ، فَيُسَلّمَهُ إلَيْهِ، وَأَلْفَيْت بِخَطّ أَبِي الْوَلِيدِ الْوَقْشِيّ: الْجُودُ هَاهُنَا، وَعَلَى هَذِهِ الرّوَايَةِ، وَبِهَذِهِ الرّتْبَةِ: السّخَاءُ، وَكَذَلِكَ فَسّرَهُ الْأَصْمَعِيّ وَالطّوسِيّ، وَأَمّا عَلَى مَا وَقَعَ فِي شِعْرِ الْهُذَلِيّ، وَفُسّرَ فِي الْغَرِيبِ الْمُصَنّفِ، فَهُوَ الْجُوعُ «١» وَمَوْضِعُهُ فِي الشّعْرِ الْمَذْكُورِ يَتْلُو قَوْلَهُ: تَرَوّحَ مَقْرُورًا.
وَفِي الْغَرِيبِ رِدَاءَهُ بَدَلَ إزَارِهِ.
وَقَوْلُهُ:
وَلَكِنّ قَرْنَ الظّهْرِ لِلْمَرْءِ شَاغِلُ
قَرْنٌ بِالْقَافِ: جَمْعُهُ: أَقْرَانٍ، وَيُرْوَى:
وَلَكِنّ أقران الظهور مقاتل
_________________
(١) عقب الخشنى على تفسيره بالجوع: ويكاد أن يكون الجود هنا على أصله يعنى به كثرة العطاء.
[ ٧ / ٢٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَقَاتِلُ: جَمْعُ مَقْتَلٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ، مِثْلُ مِحْرَبٍ من الحرب، أى من كان قرن ظهر، فَإِنّهُ قَاتِلٌ وَغَالِبٌ.
وَقَوْلُهُ يَصِفُ الرّيحَ:
لَهَا حَدَبٌ تَحْتَثّهُ فَيُوَائِلُ
بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَقَعَ فِي الْأَصْلِ، وَقَدْ يُسَمّى انْحِدَارُ الْمَاءِ وَنَحْوُهُ حَدَبًا، فَيَكُونُ هَذَا مِنْهُ، وَإِلّا فَالْخَدَبُ بِالْخَاءِ الْمَنْقُوطَةِ أَشْبَهُ بِمَعْنَى الْبَيْتِ، لِأَنّهُمْ يَقُولُونَ: رِيحٌ خَدْبَاءُ كَانَ بِهَا خَدْبًا «١»، وَهُوَ الْهَوَجُ «٢» .
مِنْ شِعْرِ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ:
وَذَكَرَ فِي آخِرِ بَيْتٍ مِنْ شِعْرِ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ:
مِثْلَ الدّرِيئَةِ تُسْتَحَلّ وَتُشْرَمُ
الدّرِيئَةُ: الْحَلْقَةُ الّتِي يُتَعَلّمُ عَلَيْهَا الطّعْنُ، وَهُوَ مَهْمُوزٌ «٣»، وَتُسْتَحَلّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَعَ فِي الْأَصْلِ، وَفِي غَيْرِهِ: تُسْتَخَلّ بِالْخَاءِ مُعْجَمَةً، وَهُوَ أَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى مِنْ الْخِلَالِ، وَقَدْ يَكُونُ لِتَسْتَحِلّ وَحَيّه مِنْ الْحَلّ إذْ بَعْدَهُ تشرم، وكلاهما قريب فى المعنى.
_________________
(١) كذا بالأصل.
(٢) فى الأصل: الهودج والتصويب من المعاجم.
(٣) جعلها القاموس فى باب درى أيضا.
[ ٧ / ٢٣٠ ]
[ذِكْرُ غَزْوَةِ الطّائِفِ بَعْدَ حُنَيْنٍ فِي سَنَةِ ثمان]
ولما قدم فلّ ثَقِيفٍ الطّائِفَ أَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ مَدِينَتِهَا، وَصَنَعُوا الصنائع للقتال.
وَلَمْ يَشْهَدْ حُنَيْنًا وَلَا حِصَارَ الطّائِفِ عُرْوَةُ بن مسعود، ولا غيلان بن سلمة، كانا بجرش يتعلّمان صنعة الدّبّاباب والمجانيق والضّبور.
ثُمّ سَارّ رَسُولَ اللهِ ﷺ إلَى الطّائِفِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حُنَيْنٍ؛ فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، حِينَ أَجْمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ السّيْرَ إلَى الطائف:
[شعر كعب]
قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةَ كُلّ رَيْبٍ وَخَيْبَرَ ثُمّ أجممنا السّيُوفَا
نُخَيّرُهَا وَلَوْ نَطَقَتْ لَقَالَتْ قَوَاطِعُهُنّ: دَوْسًا أَوْ ثَقِيفًا
فَلَسْتُ لِحَاضِنٍ إنْ لَمْ تَرَوْهَا بساحة داركم منّا أُلُوفَا
وَنَنْتَزِعُ الْعُرُوشَ بِبَطْنِ وَجّ وَتُصْبِحُ دُورُكُمْ مِنْكُمْ خُلُوفَا
وَيَأْتِيكُمْ لَنَا سَرَعَانُ خَيْلٍ يُغَادِرُ خَلْفَهُ جَمْعًا كَثِيفَا
إذَا نَزَلُوا بِسَاحَتِكُمْ سَمِعْتُمْ لَهَا مِمّا أَنَاخَ بِهَا رَجِيفَا
بِأَيْدِيهِمْ قَوَاضِبُ مُرْهَفَاتٌ يُزِرْنَ الْمُصْطَلِينَ بِهَا الْحُتُوفَا
كَأَمْثَالِ الْعَقَائِقِ أَخْلَصَتْهَا قُيُونُ الْهِنْدِ لَمْ تَضْرِبْ كَتِيفَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٣١ ]
تَخَالُ جَدِيّةَ الْأَبْطَالِ فِيهَا غَدَاةَ الزّحْفِ جَادِيّا مَدُوفَا
أَجِدّهُمْ أَلَيْسَ لَهُمْ نَصِيحٌ مِنْ الْأَقْوَامِ كَانَ بِنَا عَرِيفَا
يُخَبّرُهُمْ بِأَنّا قَدْ جَمَعْنَا عِتَاقَ الْخَيْلِ وَالنّجُبَ الطّرُوفَا
وَأَنّا قَدْ أَتَيْنَاهُمْ بزحف يحيط بسور حصنهم صفوفا
رئيسم النّبِيّ وَكَانَ صُلْبًا نَقِيّ الْقَلْبِ مُصْطَبِرًا عَزُوفَا
رَشِيدُ الْأَمْرِ ذُو حُكْمٍ وَعِلْمٍ وَحِلْمٍ لَمْ يَكُنْ نَزِقًا خَفِيفَا
نُطِيعُ نَبِيّنَا وَنُطِيعُ رَبّا هو الرّحمن كان بنا رؤفا
فَإِنْ تُلْقُوا إلَيْنَا السّلْمَ نَقْبَلْ وَنَجْعَلْكُمْ لَنَا عَضُدًا وَرِيفَا
وَإِنْ تَأْبَوْا نُجَاهِدْكُمْ وَنَصْبِرْ وَلَا يَكُ أَمْرُنَا رَعِشًا ضَعِيفَا
نُجَالِدُ مَا بَقِينَا أَوْ تُنِيبُوا إلَى الْإِسْلَامِ إذْعَانًا مُضِيفَا
نُجَاهِدُ لَا نُبَالِي مَنْ لَقِينَا أَأَهْلَكْنَا التّلَادَ أَمْ الطّرِيفَا
وَكَمْ مِنْ مَعْشَرٍ أَلَبُوا عَلَيْنَا صَمِيمَ الْجِذْمِ مِنْهُمْ وَالْحَلِيفَا
أَتَوْنَا لَا يَرَوْنَ لَهُمْ كِفَاء فَجَدّعْنَا الْمَسَامِعَ وَالْأُنُوفَا
بِكُلّ مُهَنّدٍ لَيْنٍ صَقِيلٍ يَسُوقُهُمْ بِهَا سَوْقًا عَنِيفَا
لِأَمْرِ اللهِ وَالْإِسْلَامِ حَتّى يَقُومَ الدّينُ مُعْتَدِلًا حَنِيفَا
وَتُنْسَى اللّاتُ وَالْعُزّى وَوَدّ وَنَسْلُبُهَا الْقَلَائِدَ وَالشّنُوفَا
فَأَمْسَوْا قَدْ أَقَرّوا وَاطْمَأَنّوا وَمَنْ لَا يَمْتَنِعْ يَقْبَلْ خسوفا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٣٢ ]
[كنانة يرد على كعب]
فأجابه كنانة بن عبد يا ليل بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، فَقَالَ:
مَنْ كَانَ يَبْغِينَا يُرِيدُ قِتَالَنَا فَإِنّا بِدَارٍ مَعْلَمٍ لَا نَرِيمُهَا
وَجَدْنَا بِهَا الْآبَاءَ مِنْ قَبْلِ مَا تَرَى وَكَانَتْ لَنَا أَطْوَاؤُهَا وَكُرُومُهَا
وَقَدْ جَرّبَتْنَا قَبْلُ عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ فَأَخْبَرَهَا ذُو رَأْيِهَا وَحَلِيمُهَا
وَقَدْ عَلِمَتْ إنْ قَالَتْ الْحَقّ أَنّنَا إذَا مَا أَبَتْ صُعْرُ الْخُدُودِ نُقِيمُهَا
نُقَوّمُهَا حَتّى يَلِينَ شَرِيسُهَا وَيُعْرَفُ لِلْحَقّ الْمُبِينِ ظَلُومُهَا
عَلَيْنَا دِلَاصٌ مِنْ تُرَاثِ مُحَرّقٍ كَلَوْنِ السّمَاءِ زَيّنَتْهَا نُجُومُهَا
نُرَفّهُهَا عَنّا بِبِيضٍ صَوَارِمٍ إذَا جرّدت فى غمرة لا نشيمها
[قصيدة شَدّادٍ فِي الْمَسِيرِ إلَى الطّائِفِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ شَدّادُ بْنُ عَارِضٍ الْجُشَمِيّ فِي مَسِيرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى الطائف:
لا تنصرو اللّاتَ إنّ اللهَ مُهْلِكُهَا وَكَيْفَ يُنْصَرُ مَنْ هُوَ لَيْسَ يَنْتَصِرُ
إنّ الّتِي حُرّقَتْ بِالسّدّ فَاشْتَعَلَتْ وَلَمْ يُقَاتَلْ لَدَى أَحْجَارِهَا هَدَرُ
إنّ الرّسُولَ مَتَى يَنْزِلْ بِلَادَكُمْ يَظْعَنْ وَلَيْسَ بِهَا من أهلها بشر
[الطّرِيقُ إلَى الطّائِفِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَسَلَكَ رسول الله ﷺ على نخلة
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٣٣ ]
الْيَمَانِيَةِ، ثُمّ عَلَى قَرْنٍ، ثُمّ عَلَى الْمُلَيْحِ، ثُمّ عَلَى بُحْرَةِ الرّغَاءِ مِنْ لِيّةَ، فَابْتَنَى بِهَا مَسْجِدًا فَصَلّى فِيهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ: أَنّهُ أَقَادَ يَوْمَئِذٍ بِبُحْرَةِ الرّغَاءِ، حِينَ نَزَلَهَا، بِدَمِ، وَهُوَ أَوّلُ دَمٍ أُقِيدَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ، فَقَتَلَهُ بِهِ؛ وَأَمّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَهُوَ بِلِيّةَ، بِحِصْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ فَهُدِمَ، ثُمّ سَلَكَ فِي طَرِيقٍ يُقَالُ لَهَا الضّيْقَةُ، فَلَمّا تَوَجّهَ فِيهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ سَأَلَ عَنْ اسْمِهَا، فَقَالَ: مَا اسْمُ هَذِهِ الطّرِيقِ؟ فَقِيلَ لَهُ: الضّيْقَةُ، فَقَالَ: بَلْ هِيَ الْيُسْرَى، ثُمّ خَرَجَ مِنْهَا عَلَى نَخْبٍ، حَتّى نَزَلَ تَحْتَ سِدْرَةٍ يُقَالُ لَهَا الصّادِرَةُ، قَرِيبًا مِنْ مَالِ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إمّا أَنْ تَخْرُجَ، وَإِمّا أَنْ نُخْرِبَ عَلَيْك حَائِطَك؛ فَأَبَى أَنْ يَخْرُجَ، فَأَمَرَ رسول الله ﷺ بِإِخْرَابِهِ
ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ الطّائِفِ، فَضَرَبَ بِهِ عَسْكَرَهُ، فَقُتِلَ بِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالنّبْلِ، وَذَلِكَ أَنّ الْعَسْكَرَ اقْتَرَبَ مِنْ حَائِطِ الطّائِفِ، فَكَانَتْ النّبْلُ تَنَالُهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنْ يَدْخُلُوا حَائِطَهُمْ، أَغْلَقُوهُ دُونَهُمْ؛ فَلَمّا أُصِيبَ أُولَئِكَ النّفَرُ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالنّبْلِ وَضَعَ عَسْكَرَهُ عِنْدَ مَسْجِدِهِ الّذِي بِالطّائِفِ الْيَوْمَ، فَحَاصَرَهُمْ بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ سَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَعَهُ امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِهِ، إحْدَاهُمَا أُمّ سَلَمَةَ بنت
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٣٤ ]
أبى أميّة، فَضَرَبَ لَهُمَا قُبّتَيْنِ، ثُمّ صَلّى بَيْنَ الْقُبّتَيْنِ. ثُمّ أَقَامَ، فَلَمّا أَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ بَنَى عَلَى مُصَلّى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ بْنِ وَهْبِ بْنِ مُعَتّبِ ابن مَالِكٍ مَسْجِدًا، وَكَانَتْ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ سَارِيَةٌ، فِيمَا يَزْعُمُونَ، لَا تَطْلُعُ الشّمْسُ عَلَيْهَا يَوْمًا مِنْ الدّهْرِ إلّا سُمِعَ لَهَا نَقِيضٌ، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَقَاتَلَهُمْ قتالا شديدا، وتراموا بالنّبل.
[أَوّلُ مَنْ رَمَى بِالْمَنْجَنِيقِ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَرَمَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْمَنْجَنِيقِ.
حَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَوّلُ مَنْ رَمَى فِي الْإِسْلَامِ بِالْمَنْجَنِيقِ، رَمَى أَهْلَ الطّائِفِ.
[يَوْمُ الشّدْخَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتّى إذَا كَانَ يَوْمُ الشّدْخَةِ عِنْدَ جِدَارِ الطّائِفِ، دَخَلَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَحْتَ دَبّابَةٍ، ثُمّ زَحَفُوا بِهَا إلى جدار الطائف ليحرقوه، فَأَرْسَلَتْ عَلَيْهِمْ ثَقِيفٌ سِكَكَ الْحَدِيدِ مُحْمَاةً بِالنّارِ، فَخَرَجُوا مِنْ تَحْتِهَا، فَرَمَتْهُمْ ثَقِيفٌ بِالنّبْلِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ رِجَالًا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَطْعِ أَعْنَابِ ثَقِيفٍ؛ فَوَقَعَ النّاسُ فيها يقطعون.
[بين أبى سفيان وثقيف]
وَتَقَدّمَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شعبة إلى الطائف، فناديا ثقيفا:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٣٥ ]
أَنْ أَمّنُونَا حَتّى نُكَلّمَكُمْ، فَأَمّنُوهُمَا، فَدَعَوْا نِسَاءً مِنْ نِسَاءٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَبَنِيّ كِنَانَةَ لِيَخْرُجْنَ إلَيْهِمَا، وَهُمَا يَخَافَانِ عَلَيْهِنّ السّبَاءَ، فَأَبَيْنَ، مِنْهُنّ: آمِنَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، كَانَتْ عِنْدَ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، لَهُ مِنْهَا دَاوُدُ بْنُ عُرْوَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ إنّ أُمّ دَاوُدَ مَيْمُونَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِي مُرّةَ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ دَاوُدَ بْنَ أَبِي مُرّةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْفِرَاسِيّةُ بِنْتُ سُوَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ، لها عبد الرحمن بن قارب، والفقيميّة أميمة بنت الناسئ أُمَيّةَ بْنِ قَلْعٍ؛ فَلَمّا أَبَيْنَ عَلَيْهِمَا، قَالَ لَهُمَا ابْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ: يَا أَبَا سُفْيَانَ وَيَا مُغِيرَةُ، أَلَا أَدُلّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمّا جِئْتُمَا لَهُ، إنّ مَالَ بَنِي الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطّائِفِ، نَازِلًا بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ الْعَقِيقُ، إنّهُ لَيْسَ بِالطّائِفِ مَالٌ أَبْعَدُ رِشَاءً، وَلَا أَشَدّ مُؤْنَةً، وَلَا أَبْعَدُ عِمَارَةً مِنْ مَالِ بَنِي الْأَسْوَدِ، وَإِنّ مُحَمّدًا إنْ قَطَعَهُ لَمْ يُعْمَرْ أَبَدًا، فَكَلّمَاهُ فَلْيَأْخُذْ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِيَدَعْهُ لِلّهِ وَالرّحِمِ، فَإِنّ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ مِنْ الْقَرَابَةِ مَا لَا يُجْهَلُ؛ فَزَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تركه لهم.
[تفسير أبى بكر لرؤيا الرسول]
وَقَدْ بَلَغَنِي أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ وَهُوَ مُحَاصِرٌ ثَقِيفًا: يَا أَبَا بَكْرٍ، إنّي رَأَيْت أَنّي أُهْدِيَتْ لِي قَعْبَةٌ مَمْلُوءَةٌ زُبْدًا، فَنَقَرَهَا دِيكٌ، فَهَرَاقَ مَا فِيهَا. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَظُنّ أَنْ تُدْرِكَ مِنْهُمْ يَوْمَك هَذَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٣٦ ]
مَا تُرِيدُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وأنا لا أرى ذلك.
[سبب ارتحال المسلمين]
ثُمّ إنّ خُوَيْلَةَ بِنْتَ حَكِيمِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْأَوْقَصِ السّلَمِيّةَ، وَهِيَ امْرَأَةُ عُثْمَانَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِنِي إنْ فتح الله عليك الطائف حلىّ بادية ابنة غيلان بْنِ سَلَمَةَ، أَوْ حُلِيّ الْفَارِعَةِ بِنْتِ عُقَيْلٍ، وَكَانَتَا مِنْ أَحْلَى نِسَاءِ ثَقِيفٍ.
فَذُكِرَ لِي أن رسول الله ﷺ قَالَ لَهَا: وَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤْذَنْ لِي فِي ثَقِيفٍ يَا خُوَيْلَةُ؟ فَخَرَجَتْ خُوَيْلَةُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: مَا حَدِيثٌ حَدّثَتْنِيهِ خُوَيْلَةُ، زَعَمَتْ أَنّك قُلْته؟ قَالَ: قد قلته؛ قال: أو ما أُذِنَ لَك فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: أَفَلَا أُؤَذّنُ بِالرّحِيلِ؟ قَالَ: بَلَى. قال: فأذّن عمر بالرّحيل.
[عيينة بن حصن]
فلما استقلّ الناس نادى سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ أَبِي عَمْرِو بْن عِلَاجٍ:
أَلَا إنّ الْحَيّ مُقِيمٌ قال: يقول عيينة بن خصن: أَجَلْ، وَاَللهِ مَجَدَةً كِرَامًا؛ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: قَاتَلَك اللهُ يَا عُيَيْنَةُ، أَتَمْدَحُ الْمُشْرِكِينَ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَدْ جِئْت تَنْصُرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ! فَقَالَ: إنّي وَاَللهِ مَا جِئْت لِأُقَاتِلَ ثَقِيفًا مَعَكُمْ، وَلَكِنّي أَرَدْت أَنْ يَفْتَحَ مُحَمّدٌ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٣٧ ]
الطّائِفَ، فَأُصِيبَ مِنْ ثَقِيفٍ جَارِيَةً أَتّطِئُهَا، لَعَلّهَا تَلِدُ لِي رَجُلًا، فَإِنّ ثَقِيفًا قَوْمٌ مَنَاكِيرُ.
وَنَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي إقَامَتِهِ مِمّنْ كَانَ مُحَاصَرًا بِالطّائِفِ عَبِيدٌ، فَأَسْلَمُوا، فَأَعْتَقَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
[العبيد الذين نزلوا من حصن الطائف]
قال ابن إسحاق: وحدثنى من لا أنهم، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُكَدّمٍ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ ثَقِيفٍ، قَالُوا: لَمّا أَسْلَمَ أَهْلُ الطّائِفِ تَكَلّمَ نَفَرٌ مِنْهُمْ فِي أُولَئِكَ الْعَبِيدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لا، أُولَئِكَ عُتَقَاءُ اللهِ؛ وَكَانَ مِمّنْ تَكَلّمَ فِيهِمْ الْحَارِثُ بْنُ كَلَدَةَ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَدْ سَمّى ابْنُ إسْحَاقَ مَنْ نَزَلَ مِنْ أُولَئِكَ العبيد.
[شعر الضحاك وموضوعه]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَتْ ثَقِيفٌ أَصَابَتْ أَهْلًا لِمَرْوَانَ بْنِ قَيْسٍ الدّوْسِيّ، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ، وَظَاهَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى ثَقِيفٍ، فَزَعَمَتْ ثَقِيفٌ، وَهُوَ الّذِي تَزْعُمُ بِهِ ثَقِيفٌ أَنّهَا مِنْ قَيْسٍ: أَنّ رسول الله ﷺ قال لِمَرْوَانَ بْنِ قَيْسٍ: خُذْ يَا مَرْوَانُ بِأَهْلِك أَوّلَ رَجُلٍ مِنْ قَيْسٍ تَلْقَاهُ، فَلَقِيَ أُبَيّ بْنَ مَالِكٍ الْقُشَيْرِيّ، فَأَخَذَهُ حَتّى يُؤَدّوا إلَيْهِ أَهْلَهُ، فَقَامَ فِي ذَلِكَ الضّحّاكُ بْنُ سُفْيَانَ الْكِلَابِيّ، فَكَلّمَ ثَقِيفًا حَتّى أَرْسَلُوا أَهْلَ مَرْوَانَ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٣٨ ]
وَأَطْلَقَ لَهُمْ أُبَيّ بْنَ مَالِكٍ، فَقَالَ الضّحّاكُ بْنُ سُفْيَانَ فِي شَيْءٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أبىّ بن مالك:
أَتَنْسَى بَلَائِي يَا أُبَيّ بْنَ مَالِكٍ غَدَاةَ الرّسُولُ مُعْرِضٌ عَنْك أَشْوَسُ
يَقُودُك مَرْوَانُ بْنُ قَيْسٍ بِحَبْلِهِ ذَلِيلًا كَمَا قِيدَ الذّلُولُ الْمُخَيّسُ
فَعَادَتْ عَلَيْكَ مِنْ ثَقِيفٍ عِصَابَةٌ مَتَى يَأْتِهِمْ مُستَقْبِسُ الشّرّ يُقْبِسُوا
فَكَانُوا هُمْ الْمَوْلَى فَعَادَتْ حُلُومُهُمْ عَلَيْك وَقَدْ كَادَتْ بِك النّفْسُ تَيْأَسُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: «يُقْبِسُوا» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسحاق
[الشهداء فى يوم الطائف]
قال ابن إسحاق: هذه تَسْمِيَةُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الطّائِفِ:
مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ: سَعِيدُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ الْعَاصِ ابن أُمَيّةَ، وَعُرْفُطَةُ بْنُ جَنّابٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ، مِنْ الْأُسْدِ بْنِ الْغَوْثِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: ابْنُ حُبَابٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرّةَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقُ، رُمِيَ بِسَهْمِ، فَمَاتَ مِنْهُ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، مِنْ رَمْيَةٍ رُمِيَهَا يَوْمَئِذٍ.
وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٣٩ ]
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرٍو: السّائِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ.
وَمِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ: جُلَيْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ.
وَاسْتُشْهِدَ مِنْ الْأَنْصَارِ: مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: ثَابِتُ بْنُ الْجَذَعِ.
ومن بَنِي مَازِنِ بْنِ النّجّارِ: الْحَارِثُ بْنُ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ.
وَمِنْ بَنِي سَاعِدَةَ: الْمُنْذِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ.
وَمِنْ الْأَوْسِ: رُقَيْمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ.
فَجَمِيعُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ بِالطّائِفِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ اثا عَشَرَ رَجُلًا، سَبْعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَرْبَعَةٌ مِنْ الأنصار، ورجل من بنى ليث.
[قصيدة بُجَيْرٍ فِي حُنَيْنٍ وَالطّائِفِ]
فَلَمّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ الطّائِفِ بَعْدَ الْقِتَالِ وَالْحِصَارِ، قَالُ بُجَيْرُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى يَذْكُرُ حُنَيْنًا وَالطّائِفَ:
كَانَتْ عُلَالَةَ يَوْمَ بَطْنِ حُنَيْنٍ وَغَدَاةَ أَوْطَاسٍ وَيَوْمَ الْأَبْرَقِ
جَمَعَتْ بِإِغْوَاءِ هَوَازِنُ جَمْعَهَا فَتَبَدّدُوا كَالطّائِرِ الْمُتَمَزّقِ
لَمْ يَمْنَعُوا مِنّا مَقَامًا وَاحِدًا إلّا جِدَارَهُمْ وَبَطْنَ الْخَنْدَقِ
وَلَقَدْ تَعَرّضْنَا لِكَيْمَا يَخْرُجُوا فَتَحَصّنُوا مِنّا بِبَابٍ مُغْلَقِ
تَرْتَدّ حَسْرَانًا إلَى رَجْرَاجَةٍ شَهْبَاءَ تَلْمَعُ بِالْمَنَايَا فَيْلَقِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٤٠ ]
مَلْمُومَةٍ خَضْرَاءَ لَوْ قَذَفُوا بِهَا حَضَنًا لَظَلّ كَأَنّهُ لَمْ يُخْلَقْ
مَشْيَ الضّرَاءِ عَلَى الْهَرَاسِ كَأَنّنَا قُدْرٌ تَفَرّقُ فِي الْقِيَادِ وَتَلْتَقِي
فِي كُلّ سَابِغَةٍ إذَا مَا اسْتَحْصَنَتْ كَالنّهْيِ هَبّتْ رِيحُهُ الْمُتَرَقْرِقِ
جُدُلٌ تَمَسّ فُضُولُهُنّ نِعَالَنَا مِنْ نَسْجِ دَاوُدٍ وَآلِ مُحَرّقِ
[أَمْرُ أَمْوَالِ هَوَازِنَ وَسَبَايَاهَا وَعَطَايَا الْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْهَا وَإِنْعَامُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهَا]
ثُمّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ انْصَرَفَ عَنْ الطّائِفِ عَلَى دَحْنَا حَتّى نَزَلَ الْجِعْرَانَةَ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ النّاسِ، وَمَعَهُ مِنْ هَوَازِنَ سَبْيٌ كَثِيرٌ وَقَدْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَوْمَ ظَعَنَ عَنْ ثَقِيفٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، اُدْعُ عَلَيْهِمْ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهم اهد ثقيفا وأت بهم.
ثُمّ أَتَاهُ وَفْدُ هَوَازِنَ بِالْجِعْرَانَةِ، وَكَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ من سَبْيِ هَوَازِنَ سِتّةُ آلَافٍ مِنْ الذّرَارِيّ وَالنّسَاءِ، وَمِنْ الْإِبِلِ وَالشّاءِ مَا لَا يُدْرَى مَا عِدّتُهُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّهِ عَبْدِ اللهِ ابن عَمْرٍو: أَنّ وَفْدَ هَوَازِنَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَدْ أَسْلَمُوا، فَقَالُوا: يا رسول، إنّا أَصْلٌ وَعَشِيرَةٌ، وَقَدْ أَصَابَنَا مِنْ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْك، فَامْنُنْ عَلَيْنَا، مَنّ اللهُ عَلَيْك. قَالَ: وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ، ثم أحد بنى سعد
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٤١ ]
ابن بَكْرٍ، يُقَالُ لَهُ زُهَيْرٌ، يُكْنَى أَبَا صُرَدٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّمَا فِي الْحَظَائِرِ عمّاتك وخالاتك وحواضنك اللاتى كُنّ يَكْفُلْنَك، وَلَوْ أَنّا مَلَحْنَا لِلْحَارِثِ بْنِ أَبِي شَمِرٍ، أَوْ لِلنّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، ثُمّ نَزَلَ مِنّا بِمِثْلِ الّذِي نَزَلْت بِهِ، رَجَوْنَا عَطْفَهُ وَعَائِدَتَهُ عَلَيْنَا، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمَكْفُولِينَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: وَلَوْ أَنّا مَالَحْنَا الْحَارِثَ بن أبى شمر، أو النّعمان ابن المنذر.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّهِ عبد الله ابن عَمْرٍو، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ أَحَبّ إلَيْكُمْ أَمْ أَمْوَالُكُمْ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، خَيّرْتَنَا بَيْنَ أَمْوَالِنَا وَأَحْسَابِنَا، بَلْ تَرُدّ إلَيْنَا نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، فَهُوَ أَحَبّ إلَيْنَا؛ فَقَالَ لَهُمْ: أَمّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ، وَإِذَا مَا أَنَا صَلّيْت الظّهْرَ بِالنّاسِ، فَقُومُوا فَقُولُوا: إنّا نَسْتَشْفِعُ بِرَسُولِ اللهِ إلَى الْمُسْلِمِينَ، وبالمسلمين إلى رسول الله فى أبناءنا وَنِسَائِنَا، فَسَأُعْطِيكُمْ عِنْدَ ذَلِكَ، وَأَسْأَلُ لَكُمْ، فَلَمّا صَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنّاسِ الظّهْرَ، قَامُوا فَتَكَلّمُوا بِاَلّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَأَمّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ. فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: وَمَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ. وَقَالَتْ الْأَنْصَارُ:
وَمَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ. فَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ:
أَمّا أَنَا وَبَنُو تَمِيمٍ فَلَا. وَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: أَمَا أَنَا وَبَنُو فَزَارَةَ فَلَا.
وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: أَمّا أَنَا وَبَنُو سُلَيْمٍ فَلَا فَقَالَتْ بَنُو سُلَيْمٍ: بلى،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٤٢ ]
مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ.
قَالَ: يَقُولُ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ لِبَنِي سُلَيْمٍ: وَهّنْتُمُونِي
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَمّا مَنْ تَمَسّكَ منكم بحقه من هذا السبى فله بكلّ إنسان ستّ فَرَائِضَ، مِنْ أَوّلِ سَبْيٍ أُصِيبُهُ، فَرَدّوا إلَى النّاسِ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي أَبُو وَجْزَةَ يَزِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ السّعْدِيّ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى علي بن أبي طالب ﵁ جَارِيَةً، يُقَالُ لَهَا رَيْطَةُ بِنْتُ هِلَالِ بْنِ حَيّانَ بْنِ عُمَيْرَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ نَاصِرَةَ بن قصيّة ابن نَصْرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَأَعْطَى عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ جَارِيَةً، يُقَالُ لَهَا زَيْنَبُ بِنْتُ حَيّانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَيّانَ، وَأَعْطَى عُمَرَ بن الخطّاب جارية، فوهها لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ابْنِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عمر، عن عبد الله ابن عُمَرَ، قَالَ: بَعَثْتُ بِهَا إلَى أَخْوَالِي مِنْ بَنِي جُمَحٍ، لِيُصْلِحُوا لِي مِنْهَا، وَيُهَيّئُوهَا، حَتّى أَطُوفَ بِالْبَيْتِ، ثُمّ آتِيَهُمْ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُصِيبَهَا إذَا رَجَعْت إلَيْهَا. قَالَ: فَخَرَجْت مِنْ الْمَسْجِدِ حِينَ فَرَغْتُ، فَإِذَا النّاسُ يَشْتَدّونَ؛ فَقُلْت:
مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: رَدّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا؛ فَقُلْت: تِلْكُمْ صَاحِبَتُكُمْ فِي بَنِي جُمَحٍ، فَاذْهَبُوا فَخُذُوهَا، فَذَهَبُوا إلَيْهَا، فَأَخَذُوهَا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٤٣ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمّا عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، فَأَخَذَ عَجُوزًا مِنْ عَجَائِزِ هَوَازِنَ، وَقَالَ حِينَ أَخَذَهَا: أَرَى عَجُوزًا إنّي لَأَحْسِبُ لَهَا فِي الْحَيّ نَسَبًا، وَعَسَى أَنْ يَعْظُمَ فِدَاؤُهَا فَلَمّا رَدّ رَسُولُ اللهِ ﷺ السّبَايَا بِسِتّ فَرَائِضَ، أَبَى أَنْ يَرُدّهَا، فَقَالَ له زهير أبو صرد: خذها عنك، فو الله مافوها بِبَارِدِ، وَلَا ثَدْيُهَا بِنَاهِدِ، وَلَا بَطْنُهَا بِوَالِدِ، وَلَا زَوْجُهَا بِوَاجِدِ، وَلَا دَرّهَا بِمَاكِدِ. فَرَدّهَا بِسِتّ فَرَائِضَ حِينَ قَالَ لَهُ زُهَيْرٌ مَا قَالَ؛ فَزَعَمُوا أَنّ عُيَيْنَةَ لَقِيَ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، فَشَكَا إلَيْهِ ذَلِكَ، فَقَالَ: إنّك وَاَللهِ مَا أَخَذْتهَا بَيْضَاءَ غَرِيرَةً، وَلَا نَصَفًا وَثِيرَةً.
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لوفد هوازن، وَسَأَلَهُمْ عَنْ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ مَا فَعَلَ؟ فَقَالُوا: هُوَ بِالطّائِفِ مَعَ ثَقِيفٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَخْبِرُوا مَالِكًا أَنّهُ إنْ أَتَانِي مُسْلِمًا رَدَدْت عَلَيْهِ أَهْلَهُ وماله، وأعطيته مائة مِنْ الْإِبِلِ، فَأَتَى مَالِكٌ بِذَلِكَ، فَخَرَجَ إلَيْهِ مِنْ الطّائِفِ. وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ خَافَ ثَقِيفًا عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَعْلَمُوا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ مَا قَالَ، فَيَحْبِسُوهُ، فَأَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَهُيّئَتْ لَهُ، وَأَمَرَ بِفَرَسِ لَهُ فَأُتِيَ بِهِ إلَى الطّائِفِ، فَخَرَجَ ليلا، فجلس على فرسا، فَرَكَضَهُ حَتّى أَتَى رَاحِلَتَهُ حَيْثُ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُحْبَسَ، فَرَكِبَهَا، فَلَحِقَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَدْرَكَهُ بِالْجِعْرَانَةِ أَوْ بِمَكّةَ، فردّ عليه أهله وماله، وأعطاه مائة مِنْ الْإِبِلِ، وَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ؛ فَقَالَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ حِينَ أَسْلَمَ:
مَا إنْ رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ بِمِثْلِهِ فِي النّاسِ كُلّهِمْ بِمِثْلِ محمّد
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٤٤ ]
أو فى وَأَعْطَى لِلْجَزِيلِ إذَا اُجْتُدِيَ وَمَتَى تَشَأْ يُخْبِرْكَ عَمّا فِي غَدِ
وَإِذَا الْكَتِيبَةُ عَرّدَتْ أَنْيَابُهَا بِالسّمْهَرِيّ وَضَرْبِ كُلّ مُهَنّدِ
فَكَأَنّهُ لَيْثٌ عَلَى أَشْبَالِهِ وَسْطَ الْهَبَاءَةِ خَادِرٌ فِي مَرْصَدِ
فَاسْتَعْمَلَهُ رسول الله ﷺ على مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ؛ وَتِلْكَ الْقَبَائِلُ: ثُمَالَةُ، وَسَلِمَةُ، وَفَهْمٌ، فَكَانَ يُقَاتِلُ بِهِمْ ثَقِيفًا، لَا يَخْرُجُ لَهُمْ سَرْحٌ إلّا أَغَارَ عَلَيْهِ، حَتّى ضَيّقَ عَلَيْهِمْ؛ فَقَالَ أَبُو مِحْجَنِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الثّقَفِي:
هَابَتْ الْأَعْدَاءُ جانبنا ثم تغزونا بنو اسلمه
وَأَتَانَا مَالِكٌ بِهِمْ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ وَالْحُرْمَهْ
وَأَتَوْنَا فى منازلنا ولقد كنّا أولى نقمه
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ رَدّ سَبَايَا حُنَيْنٍ إلَى أَهْلِهَا، رَكِبَ، وَاتّبَعَهُ النّاسُ يَقُولُونَ: يا رسول الله، أقسم علينا فيئنا مِنْ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ، حَتّى أَلْجَئُوهُ إلَى شَجَرَةٍ، فَاخْتَطَفَتْ عَنْهُ رِدَاءَهُ؛ فَقَالَ:
أَدّوا عَلَيّ رِدَائِي أيّها النّاس، فو الله أَنْ لَوْ كَانَ لَكُمْ بِعَدَدِ شَجَرِ تِهَامَةَ نَعَمًا لَقَسَمْته عَلَيْكُمْ، ثُمّ مَا أَلْفَيْتُمُونِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذّابًا، ثُمّ قَامَ إلَى جَنْبِ بَعِيرٍ، فَأَخَذَ وَبَرَةً مِنْ سَنَامِهِ، فَجَعَلَهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ، ثُمّ رَفَعَهَا، ثُمّ قَالَ:
أَيّهَا النّاسُ، وَاَللهِ مَالِي مِنْ فَيْئِكُمْ وَلَا هَذِهِ الْوَبَرَةُ إلّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ. فَأَدّوا الْخِيَاطَ وَالْمِخْيَطَ، فَإِنّ الْغُلُولَ يَكُونُ عَلَى أَهْلِهِ عَارًا وَنَارًا وَشَنَارًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِكُبّةٍ مِنْ خُيُوطِ شَعَرٍ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٤٥ ]
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخَذْت هَذِهِ الْكُبّةَ أَعْمَلُ بِهَا بَرْذَعَةَ بَعِيرٍ لِي دَبِرَ؛ فَقَالَ: أَمّا نَصِيبِي مِنْهَا فَلَك! قَالَ: أَمّا إذْ بَلَغَتْ هَذَا فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا، ثُمّ طَرَحَهَا مِنْ يَدِهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنّ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ دَخَلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ عَلَى امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَسَيْفُهُ مُتَلَطّخٌ دَمًا، فَقَالَتْ: إنّي قَدْ عَرَفْت أَنّك قَدْ قَاتَلْت، فَمَاذَا أَصَبْت مِنْ غَنَائِمِ الْمُشْرِكِينَ؟
فَقَالَ: دُونَكِ هَذِهِ الْإِبْرَةَ تَخِيطِينَ بِهَا ثِيَابَك، فَدَفَعَهَا إلَيْهَا، فَسَمِعَ مُنَادِيَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَلْيَرُدّهُ، حَتّى الْخِيَاطَ وَالْمِخْيَطَ. فَرَجَعَ عَقِيلٌ، فَقَالَ: مَا أَرَى إبْرَتَكِ إلّا قَدْ ذَهَبَتْ، فَأَخَذَهَا، فألقاها فى الغنائم.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُؤَلّفَةَ قُلُوبُهُمْ، وَكَانُوا أَشْرَافًا مِنْ أَشْرَافِ النّاسِ، يَتَأَلّفُهُمْ وَيَتَأَلّفُ بِهِمْ قَوْمَهُمْ، فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير، وأعطى ابنه معاوية مائة بعير، وأعطى حكيم ابن حزام مائة بَعِيرٍ، وَأَعْطَى الْحَارِثَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ، أخا بنى عبد الدار مائة بَعِيرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: نَصِيرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونُ اسْمُهُ الْحَارِثَ أَيْضًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَعْطَى الْحَارِثَ بْنَ هشام مائة بعير، وأعطى سهيل
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٤٦ ]
ابن عمرو مائة بَعِيرٍ، وَأَعْطَى حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ أبى قيس مائة بَعِيرٍ، وَأَعْطَى الْعَلَاءَ بْنَ جَارِيَةَ الثّقَفِيّ، حَلِيفَ بنى زهرة مائة بَعِيرٍ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بن بدر مائة بعير، وأعطى الأقرع بن حابس التميمى مائة بعير. وأعطى مالك بن عوف النّصرىّ مائة بعير، وأعطى صفوان بن أميّة مائة بعير، فهؤلاء أصحاب المئين.
وأعطى دون المائة رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْهُمْ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ الزّهْرِيّ، وَعُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيّ، وَهِشَامُ بْنُ عَمْرٍو أَخُو بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ، لَا أَحْفَظُ مَا أَعْطَاهُمْ، وَقَدْ عَرَفْت أَنّهَا دُونَ المائة، وأعطى سعيد بن يربوع بن عنكثة ابن عَامِرِ بْنِ مَخْزُومٍ خَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى السّهْمِيّ خَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: واسمه عدىّ بن قيس.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَعْطَى عَبّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ أَبَاعِرَ فَسَخِطَهَا، فَعَاتَبَ فِيهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ يعاقب رسول الله ﷺ:
كانت نِهَابًا تَلَافَيْتُهَا بِكَرّي عَلَى الْمُهْرِ فِي الْأَجْرَعِ
وَإِيقَاظِي الْقَوْمَ أَنْ يَرْقُدُوا إذَا هَجَعَ النّاسُ لَمْ أَهْجَعْ
فَأَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبُ الْعَبِيدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ
وَقَدْ كُنْتُ فِي الْحَرْبِ ذَا تُدْرَإٍ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أُمْنَعْ
إلّا أَفَائِلَ أُعْطِيتُهَا عَدِيدَ قَوَائِمِهَا الْأَرْبَعِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٤٧ ]
وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ يَفُوقَانِ شَيْخِي فِي الْمَجْمَعِ
وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئِ مِنْهُمَا ومن تضع اليوم لا يرفع
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي يُونُسُ النّحْوِيّ:
فَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اذْهَبُوا بِهِ، فَاقْطَعُوا عَنّي لِسَانَهُ، فَأَعْطَوْهُ حَتّى رَضِيَ، فَكَانَ ذَلِك قَطْعَ لِسَانِهِ الّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
قال ابن هشام: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنّ عَبّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
أَنْتَ الْقَائِلُ:
«فَأَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبُ الْعَبِيدِ بَيْنَ الْأَقْرَعِ وَعُيَيْنَةِ»؟
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ: بَيْنَ عيينة والأفرع؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هُمَا وَاحِدٌ؛ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَشْهَدُ أَنّك كَمَا قَالَ اللهُ: (وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ) .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي إسْنَادٍ لَهُ، عَنْ ابن شهاب لزهرى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ:
بَايَعَ رَسُولُ الله ﷺ من قريش وَغَيْرِهِمْ، فَأَعْطَاهُمْ يَوْمَ الْجِعْرَانَةِ مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٤٨ ]
مِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ: أَبُو سفيان بن حرب بن أميّة، وطليق ابن سُفْيَانَ بْنِ أُمَيّةَ، وَخَالِدُ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ أبى العيص بن أميّة.
ومن بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ: شَيْبَةُ بْنُ عثمان بن أبى طحة بن عبد العزّى ابن عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ، وَأَبُو السّنَابِلِ بْنِ بَعْكَكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْلَةَ بْنِ السّبّاقِ بن عبد الدار، وعكرمة بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ.
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ: زُهَيْرُ بن أبى أميّة بن المغيرة، والحارث ابن هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَخَالِدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَهِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَسُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَالسّائِبُ بْنُ أَبِي السّائِبِ بْنِ عَائِذِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ.
وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ: مُطِيعُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ نَضْلَةَ، وَأَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ.
وَمِنْ بَنِي جُمَحِ بْنِ عَمْرٍو: صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَأُحَيْحَةُ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُمَيْرُ بْنُ وَهْبِ بْنِ خَلَفٍ.
وَمِنْ بَنِي سَهْمٍ: عَدِيّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ.
وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ: حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ العزى بن أبي قيس بن عبد ود هِشَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حُبَيّبٍ.
وَمِنْ أَفْنَاءِ الْقَبَائِلِ: مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ: نَوْفَلُ بن معاوية ابن عُرْوَةَ بْنِ صَخْرِ بْنِ رَزْنِ بْنِ يَعْمَرَ بْنِ نُفَاثَةَ بْنِ عَدِيّ بْنِ الدّيلِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٤٩ ]
وَمِنْ بَنِي قَيْسٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، ثُمّ مِنْ بَنِي كِلَابِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ: عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ الْأَحْوَصِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، وَلَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ.
وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: خَالِدُ بْنُ هَوْذَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بن عمرو بن عامر ابن رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ هَوْذَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرٍو.
وَمِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ: مَالِكُ بْنُ عَوْفِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعٍ
وَمِنْ بَنِي سُلَيْمِ بْنِ مَنْصُورٍ: عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمٍ
وَمِنْ بَنِي غَطَفَانَ، ثُمّ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ: عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر.
ومن بَنِي تَمِيمٍ ثُمّ مِنْ بَنِي حَنْظَلَةَ: الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسِ بْنِ عِقَالٍ، مِنْ بَنِي مُجَاشِعِ بْنِ دَارِم.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التّيْمِيّ: أَنّ قَائِلًا قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطَيْت عُيَيْنَةَ بن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة، وَتَرَكْت جُعَيْلَ بْنَ سُرَاقَةَ الضّمْرِيّ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَمَا وَاَلّذِي نفس محمد بيده لجميل بْنُ سُرَاقَةَ خَيْرٌ مِنْ طِلَاعِ الْأَرْضِ، كُلّهُمْ مِثْلُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وَالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَلَكِنّي تَأَلّفْتهمَا لِيُسْلِمَا، وَوَكَلْتُ جُعَيْلَ بْنَ سُرَاقَةَ إلى إسلامه.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٥٠ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ عَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ، عَنْ مِقْسَمِ أَبِي الْقَاسِمِ، مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، قَالَ: خَرَجْت أَنَا وَتَلِيدُ بْنُ كِلَابٍ اللّيْثِيّ، حَتّى أَتَيْنَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، مُعَلّقًا نَعْلَهُ بِيَدِهِ، فَقُلْنَا لَهُ: هَلْ حَضَرْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ كَلّمَهُ التّمِيمِيّ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، يُقَالُ لَهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُعْطِي النّاسَ، فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، قَدْ رَأَيْتُ مَا صَنَعْتَ فِي هَذَا اليوم؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَجَلْ، فَكَيْفَ رَأَيْت؟ فَقَالَ: لَمْ أَرَك عَدَلْت؛ قَالَ: فَغَضِبَ النّبِيّ ﷺ، ثُمّ قَالَ: وَيْحَك! إذَا لَمْ يَكُنْ الْعَدْلُ عِنْدِي، فَعِنْدَ مَنْ يَكُونُ؟! فَقَالَ عُمَرُ ابن الْخَطّابِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَقْتُلُهُ؟ فَقَالَ: لَا، دَعْهُ فَإِنّهُ سَيَكُونُ لَهُ شِيعَةٌ يَتَعَمّقُونَ فِي الدّينِ حَتّى يَخْرُجُوا مِنْهُ كَمَا يَخْرُجُ السّهْمُ مِنْ الرّمِيّةِ، يُنْظَرُ فِي النّصْلِ، فَلَا يوجد شىء، ثم فى القدح، فَلَا يُوجَدُ شَيْءٌ، ثُمّ فِي الْفُوقِ، فَلَا يوجد شىء، سبق الفرث والدّم.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَلِيّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَبُو جَعْفَرٍ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَسَمّاهُ ذَا الْخُوَيْصِرَةِ.
[شِعْرُ حَسّانَ فِي جرمان الْأَنْصَارِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بن أبى نجيج، عَنْ أَبِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَمّا أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ما أعطى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٥١ ]
قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا، قَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُعَاتِبُهُ فِي ذَلِكَ:
زَادَتْ هُمُومٌ فَمَاءُ الْعَيْنِ مُنْحَدِرُ سَحّا إذَا حَفَلَتْهُ عَبْرَةٌ دَرِرُ
وَجْدًا بِشَمّاءَ إذْ شَمّاءُ بهكنة هيفاء لاذنن فِيهَا وَلَا خَوَرُ
دَعْ عَنْك شَمّاءَ إذْ كَانَتْ مَوَدّتُهَا نَزْرًا وَشَرّ وِصَالِ الْوَاصِلِ النّزِرُ
وَأْتِ الرّسُولَ فَقُلْ يَا خَيْرَ مُؤْتَمَنٍ لِلْمُؤْمِنِينَ إذَا مَا عُدّدَ الْبَشَرُ
عَلَامَ تُدْعَى سُلَيْمٌ وَهْي نَازِحَةٌ قُدّامَ قَوْمٍ هُمْ آوَوْا وَهُمْ نَصَرُوا
سَمّاهُمْ اللهُ أَنْصَارًا بِنَصْرِهِمْ دِينَ الْهُدَى وَعَوَانُ الْحَرْبِ تَسْتَعِرُ
وَسَارَعُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْتَرَفُوا لِلنّائِبَاتِ وَمَا خَامُوا وَمَا ضَجِرُوا
وَالنّاسُ أَلْبٌ عَلَيْنَا فِيك لَيْسَ لَنَا إلّا السّيُوفَ وَأَطْرَافَ الْقَنَا وَزَرُ
نُجَالِدُ النّاسَ لَا نُبْقِي عَلَى أَحَدٍ وَلَا نُضَيّعُ مَا تُوحِي بِهِ السّوَرُ
وَلَا تَهِرّ جُنَاةُ الْحَرْبِ نَادِيَنَا وَنَحْنُ حِينَ تَلَظّى نَارُهَا سُعُرُ
كَمَا رَدَدْنَا بِبَدْرٍ دُونَ مَا طَلَبُوا أَهْلَ النّفَاقِ وَفِينَا يُنْزَلُ الظّفَرُ
وَنَحْنُ جُنْدُك يَوْمَ النّعْفِ مِنْ أُحُدٍ إذْ حَزّبَتْ بَطَرًا أَحْزَابَهَا مُضَرُ
فَمَا وَنِيّنَا وَمَا خِمْنَا وَمَا خَبَرُوا مِنّا عِثَارًا وَكُلّ الناس قد عثروا
قال ابن هشام: حدثنى زياد بن عبد الله، قَالَ: حَدّثَنَا ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ:
وَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، قَالَ: لَمّا أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٥٢ ]
فِي قُرَيْشٍ وَفِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَجَدَ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ، حَتّى كَثُرَتْ مِنْهُمْ الْقَالَةُ حَتّى قَالَ قَائِلُهُمْ: لَقَدْ لَقِيَ وَاَللهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَوْمَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْك فِي أَنْفُسِهِمْ، لِمَا صَنَعْت فى هذا الفىء الذى أصبت، قسمت فى قومك، وأعطيت عطايا عظاما فى قبائل الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُ فِي هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ. قَالَ:
فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَنَا إلّا مِنْ قَوْمِي. قَالَ:
فَاجْمَعْ لِي قَوْمَك فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ. قَالَ: فَخَرَجَ سَعْدٌ، فَجَمَعَ الْأَنْصَارَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ قَالَ: فَجَاءَ رِجَالٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ، فَدَخَلُوا، وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدّهُمْ فَلَمّا اجْتَمَعُوا لَهُ أَتَاهُ سَعْدٌ، فَقَالَ: قَدْ اجْتَمَعَ لَك هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمّ قَالَ:
يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ: مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ، وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا عَلَيّ فِي أنفسكم؟
ألم آتكم ضلّالا فهذاكم اللهُ، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللهُ، وَأَعْدَاءً فَأَلّفَ اللهُ بين قلوبكم! قالوا: يلى، اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنّ وَأَفْضَلُ ثُمّ قَالَ: أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؟ قَالُوا: بِمَاذَا نُجِيبُك يَا رَسُولَ اللهِ؟ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنّ وَالْفَضْلُ.
قَالَ ﷺ: أَمَا وَاَللهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ، فَلَصَدَقْتُمْ وَلَصُدّقْتُمْ:
أَتَيْتَنَا مُكَذّبًا فصدّقناك، ومخذولا فنصرنك، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاك، وَعَائِلًا فَآسَيْنَاك. أَوَجَدْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِكُمْ فِي لُعَاعَةٍ مِنْ الدّنْيَا تَأَلّفْت بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إلَى إسْلَامِكُمْ، أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَنْ يَذْهَبَ النّاسُ بِالشّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُوا بِرَسُولِ اللهِ إلَى رحالكم؟
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٥٣ ]
فو الذى نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْت امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ. اللهُمّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ.
قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ حَتّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللهِ قَسْمًا وَحَظّا. ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ الله ﷺ، وتفرّقوا.
[عُمْرَةُ الرّسُولِ مِنْ الْجِعْرَانَةِ وَاسْتِخْلَافُهُ عَتّابَ بْنَ أَسِيدٍ عَلَى مَكّةَ، وَحَجّ عَتّابٌ بِالْمُسْلِمِينَ سَنَةَ ثمان]
[اعتمار الرسول واستخلافه ابن أسيد على مكة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الْجِعْرَانَةِ مُعْتَمِرًا، وَأَمَرَ بِبَقَايَا الْفَيْءِ فَحُبِسَ بِمَجَنّةَ، بِنَاحِيَةِ مَرّ الظّهْرَانِ، فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عُمْرَتِهِ انْصَرَفَ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ وَاسْتَخْلَفَ عَتّابَ بْنَ أَسِيدٍ عَلَى مَكّةَ، وَخَلّفَ مَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، يُفَقّهُ النّاسَ فِي الدّينِ، وَيُعَلّمُهُمْ الْقُرْآنَ، وَاتّبِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِبَقَايَا الْفَيْءِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنّهُ قَالَ: لَمّا اسْتَعْمَلَ النّبِيّ ﷺ عَتّابَ بْنَ أَسِيدٍ عَلَى مَكّةَ رَزَقَهُ كُلّ يَوْمٍ دِرْهَمًا، فَقَامَ فَخَطَبَ النّاسَ، فَقَالَ: أَيّهَا النّاسُ، أَجَاعَ اللهُ كَبِدَ مَنْ جَاعَ عَلَى دِرْهَمٍ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٥٤ ]
فَقَدْ رَزَقَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ دِرْهَمًا كُلّ يَوْمٍ، فَلَيْسَتْ بِي حَاجَةٌ إلى أحد.
[وَقْتُ الْعُمْرَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ عُمْرَةُ رسول الله ﷺ في ذِي الْقَعْدَةِ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فِي بَقِيّةِ ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ فِي ذِي الْحِجّةِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وقدم رسول الله ﷺ الْمَدِينَةَ لِسِتّ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ فِيمَا زَعَمَ أَبُو عَمْرٍو الْمَدَنِيّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَجّ النّاسُ تِلْكَ السّنَةَ عَلَى مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَحُجّ عَلَيْهِ، وَحَجّ بِالْمُسْلِمِينَ تِلْكَ السّنَةَ عَتّابُ بْنُ أَسِيدٍ، وَهِيَ سَنَةَ ثَمَانٍ، وأقام أهل الطائف على شِرْكِهِمْ وَامْتِنَاعِهِمْ فِي طَائِفِهِمْ، مَا بَيْنَ ذِي الْقَعْدَةِ إذْ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ.
[أَمْرُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ بَعْدَ الِانْصِرَافِ عَنْ الطّائِفِ]
وَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ مُنْصَرَفِهِ عَنْ الطّائِفِ كَتَبَ بُجَيْرُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى إلَى أَخِيهِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ يُخْبِرُهُ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَتَلَ رِجَالًا بِمَكّةَ، مِمّنْ كَانَ يَهْجُوهُ وَيُؤْذِيهِ، وَأَنّ مَنْ بَقِيَ مِنْ شُعَرَاءِ قُرَيْشٍ، ابْنَ الزّبَعْرَى وَهُبَيْرَةَ بن أبى وهب، قد هروا فِي كُلّ وَجْهٍ، فَإِنْ كَانَتْ لَك فِي نَفْسِك حَاجَةٌ، فَطِرْ إلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٥٥ ]
عَلَيْهِ وَسَلّمَ، فَإِنّهُ لَا يَقْتُلُ أَحَدًا جَاءَهُ تَائِبًا، وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَانْجُ إلَى نَجَائِك مِنْ الْأَرْضِ؛ وَكَانَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ قَدْ قَالَ:
أَلَا أَبْلِغَا عَنّي بُجَيْرًا رِسَالَةً فَهَلْ لَكَ فِيمَا قُلْتُ وَيْحَك هَلْ لَكَا؟
فَبَيّنْ لَنَا إنْ كُنْتَ لَسْتَ بِفَاعِلٍ عَلَى أَيّ شَيْءٍ غَيْرَ ذَلِكَ دَلّكَا
عَلَى خلق لم ألف يوما أباله عَلَيْهِ وَمَا تُلْفِي عَلَيْهِ أَبَا لَكَا
فَإِنْ أنت لم تفعل فلست بآسف ولا قائل إِمّا عَثَرْتَ: لَعًا لَكَا
سَقَاكَ بِهَا الْمَأْمُونُ كَأْسًا رَوِيّةً فَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلّكَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى «الْمَأْمُورُ» . وَقَوْلُهُ «فَبَيّنْ لَنَا» عن غير ابن إسحاق.
وأنشدنى بعض أهل العلم بالشعر وحديثه:
مَنْ مُبْلِغٌ عَنّي بُجَيْرًا رِسَالَةً فَهَلْ لَكَ فِيمَا قُلْت بِالْخَيْفِ هَلْ لَكَا
شَرِبْتَ مَعَ المأمون كأسا روية فأنهلك المأمون منها وعلكا
وَخَالَفْتَ أَسْبَابَ الْهُدَى وَاتّبَعْتَهُ عَلَى أَيّ شَيْءٍ وَيْبَ غَيْرِك دَلّكَا
عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمّا وَلَا أَبًا عَلَيْهِ وَلَمْ تُدْرِكْ عَلَيْهِ أَخًا لَكَا
فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَلَسْتُ بآسف ولا قائل إما عثرت: لعا لكا
قَالَ: وَبَعَثَ بِهَا إلَى بُجَيْرٍ، فَلَمّا أَتَتْ بُجَيْرًا كَرِهَ أَنْ يَكْتُمَهَا رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَنْشَدَهُ إيّاهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمّا سَمِعَ «سَقَاك بِهَا الْمَأْمُونُ» . صَدَقَ وَإِنّهُ لَكَذُوبٌ، أَنَا الْمَأْمُونُ: وَلَمّا سَمِعَ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٥٦ ]
«عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمّا وَلَا أَبًا عليه» قال: أجل، لم يلف عَلَيْهِ» قَالَ: أَجَلْ، لَمْ يُلْفِ عَلَيْهِ أَبَاهُ وَلَا أُمّهُ.
ثُمّ قَالَ بُجَيْرٌ لِكَعْبِ:
مَنْ مُبْلِغٌ كَعْبًا فَهَلْ لَكَ فِي الّتِي تَلُومُ عَلَيْهَا بَاطِلًا وَهْيَ أَحْزَمُ
إلَى اللهِ (لَا الْعُزّى وَلَا اللّاتِ) وَحْدَهُ فَتَنْجُو إذَا كَانَ النّجَاءُ وَتَسْلَمُ
لَدَى يَوْمِ لَا يَنْجُو وَلَيْسَ بِمُفْلِتٍ مِنْ النّاسِ إلّا طَاهِرُ الْقَلْبِ مُسْلِمُ
فَدِينُ زُهَيْرٍ وَهُوَ لَا شَيْءَ دِينُهُ وَدِينُ أَبِي سُلْمَى عَلَى مُحَرّمِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَإِنّمَا يَقُولُ كَعْبٌ: «الْمَأْمُونُ»، وَيُقَالُ: «الْمَأْمُورُ» فِي قَوْلِ ابْنِ هِشَامٍ، لِقَوْلِ قُرَيْشٍ الّذِي كَانَتْ تَقُولُهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ.
[قُدُومُ كَعْبٍ عَلَى الرّسُولِ وَقَصِيدَتُهُ اللّامِيّةُ]
قَالَ ابن إسحاق: فلما بلغ كعبا الكتاب ضافت به الأرض، وأشفق على نفسه، وأرجف به من كَانَ فِي حَاضِرِهِ مِنْ عَدُوّهِ، فَقَالُوا: هُوَ مَقْتُولٌ:
فَلَمّا لَمْ يَجِدْ مِنْ شَيْءٍ بُدّا، قَالَ قَصِيدَتَهُ الّتِي يَمْدَحُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَذَكَرَ فِيهَا خَوْفَهُ وَإِرْجَافَ الْوُشَاةِ بِهِ مِنْ عَدُوّهِ، ثُمّ خَرَجَ حَتّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلَ عَلَى رَجُلٍ كَانَتْ بينه وبينه معرفة، من جهينة، كما ذكرلى، فَغَدَا بِهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ صَلّى الصّبْحَ، فَصَلّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثم أَشَارَ لَهُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: هَذَا رَسُولُ اللهِ، فَقُمْ إليه فاستأمنه. فذكرلى أَنّهُ قَامَ إلَى رَسُولِ اللهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٥٧ ]
ﷺ، حَتّى جَلَسَ إلَيْهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ قَدْ جَاءَ لِيَسْتَأْمِنَ مِنْك تَائِبًا مُسْلِمًا، فَهَلْ أَنْتَ قَابِلٌ مِنْهُ إنْ أَنَا جِئْتُك بِهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَعَمْ؛ قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنّهُ وَثَبَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، دَعْنِي وَعَدُوّ اللهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: دَعْهُ عَنْك، فَإِنّهُ قَدْ جَاءَ تَائِبًا، نَازِعًا (عَمّا كَانَ عَلَيْهِ) قَالَ فَغَضِبَ كَعْبٌ عَلَى هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ، لِمَا صَنَعَ بِهِ صَاحِبُهُمْ، وَذَلِكَ أَنّهُ لَمْ يَتَكَلّمْ فِيهِ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ إلّا بِخَيْرِ، فَقَالَ فِي قَصِيدَتِهِ الّتِي قَالَ حِينَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ:
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مُتَبْولُ مُتَيّمٌ إثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ
وَمَا سُعَادُ غَدَاةَ الْبَيْنِ إذْ رَحَلُوا إلّا أَغَنّ غَضِيضُ الطّرْفِ مَكْحُولُ
هَيْفَاءُ مُقْبِلَةً عَجْزَاءُ مُدْبِرَةً لَا يُشْتَكَى قِصَرٌ مِنْهَا وَلَا طُولُ
تَجْلُو عَوَارِضَ ذِي ظَلْمٍ إذا ابتسمت كأنّه منهل بالروح مَعْلُولُ
شُجّتْ بِذِي شَيَمٍ مِنْ مَاءِ مَحْنِيَةٍ صَافٍ بِأَبْطَحَ أَضْحَى وَهْوَ مَشْمُولُ
تَنْفِي الرّيَاحُ الْقَذَى عَنْهُ وَأَفْرَطَهُ مِنْ صَوْبِ غَادِيَةٍ بِيضٌ يَعالِيلُ
فَيَالَهَا خُلّةً لَوْ أَنّهَا صَدَقَتْ بِوَعْدِهَا أَوْ لَوَ انّ النّصْحَ مَقْبُولُ
لَكِنّهَا خُلّةٌ قد سيط من دمها فجع وولع وإخلاف وتبديل
فما تدرم عَلَى حَالٍ تَكُونُ بِهَا كَمَا تَلَوّنُ فِي أثوابها الغول
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٥٨ ]
وَمَا تَمَسّكُ بِالْعَهْدِ الّذِي زَعَمَتْ إلّا كَمَا يُمْسِكُ الْمَاءَ الْغَرَابِيلُ
فَلَا يَغُرّنْكَ مَا مَنّتْ وَمَا وَعَدَتْ إنّ الْأَمَانِيّ وَالْأَحْلَامَ تَضْلِيلُ
كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلًا وَمَا مَوَاعِيدُهَا إلّا الْأَبَاطِيلُ
أَرْجُو وَآمُلُ أَنْ تَدْنُو مَوَدّتُهَا وَمَا إخَالُ لَدَيْنَا مِنْكِ تَنْوِيلُ
أَمْسَتْ سُعَادُ بِأَرْضٍ لَا يُبَلّغُهَا إلّا الْعِتَاقُ النّجِيبَاتُ الْمَرَاسِيلُ
وَلَنْ يُبَلّغَهَا إلّا عُذَافِرَةٌ لَهَا عَلَى الْأَيْنِ إرْقَالٌ وَتَبْغِيلُ
مِنْ كُلّ نَضّاخَةِ الذّفْرَى إذَا عَرِقَتْ عُرْضَتُهَا طَامِسُ الْأَعْلَامِ مَجْهُولُ
تَرْمِي الْغُيُوبَ بِعَيْنَيْ مُفْرِدٍ لَهَقٍ إذَا تَوَقّدَتْ الْحِزّانُ وَالْمِيلُ
ضَخْمٌ مُقَلّدُهَا فَعْمٌ مُقَيّدُهَا فِي خَلْقِهَا عَنْ بَنَاتِ الْفَحْلِ تَفْضِيلُ
غَلْبَاءُ وَجْنَاءُ عُلْكُومٌ مُذَكّرَةٌ فِي دَفّهَا سَعَةٌ قُدّامُهَا مِيلُ
وَجِلْدُهَا مِنْ أُطُومٍ مَا يُؤَيّسُهُ طِلْحٌ بِضَاحِيَةِ الْمَتْنَيْنِ مَهْزُولُ
حَرْفٌ، أَخُوهَا أَبُوهَا مِنْ مُهَجّنَةٍ وَعَمّهَا خَالُهَا قَوْدَاءُ شِمْلِيلُ
يَمْشِي الْقُرَادُ عَلَيْهَا ثُمّ يُزْلِقُهُ مِنْهَا لَبَانٌ وَأَقْرَابٌ زَهَالِيلُ
عَيْرَانَةٌ قُذِفَتْ بِالنّحْضِ عَنْ عرض مرفقها عن بنات لزّور مَفْتُولُ
كَأَنّمَا فَاتَ عَيْنَيْهَا وَمَذْبَحَهَا مِنْ خَطْمِهَا وَمِنْ اللّحْيَيْنِ بِرْطِيلُ
تَمُرّ مِثْلَ عَسِيبِ النّخْلِ ذَا خُصَلٍ فِي غَارِزٍ لَمْ تَخَوّنْهُ الْأَحَالِيلُ
قَنْوَاءُ فِي حُرّتَيْهَا لِلْبَصِيرِ بِهَا عِتْقٌ مُبِينٌ وَفِي الْخَدّيْنِ تَسْهِيلُ
تَخْدِي عَلَى يَسَرَاتٍ وَهْيَ لَاحِقَةٌ ذَوَابِلٍ مَسّهُنّ الْأَرْضَ تَحْلِيلُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٥٩ ]
سُمْرِ الْعُجَايَاتِ يَتْرُكْنَ الْحَصَى زِيَمًا لَمْ يَقِهِنّ رؤس الْأُكْمِ تَنْعِيلُ
كَأَنّ أَوْبَ ذِرَاعَيْهَا وَقَدْ عَرِقَتْ وقد تلفّع بالقور العساقيل
يَوْمًا يَظَلّ بِهِ الْحِرْبَاءُ مُصْطَخِدًا كَأَنّ ضَاحِيَهُ بالشّمس مملول
وقال للقوم حاديهم وقد جعلت ورق الجنادب يركضن الحصاقيلوا
شَدّ النّهَارِ ذِرَاعَا عَيْطَلٍ نَصَفٍ قَامَت فَجَاوَبَهَا نُكْدٌ مَثَاكِيلُ
نَوّاحَةٍ رِخْوَةِ الضّبْعَيْنِ لَيْسَ لَهَا لَمّا نَعَى بِكْرَهَا النّاعُونَ مَعْقُولُ
تَفْرِى اللّبَانَ بِكَفّيْهَا وَمِدْرَعُهَا مُشَقّقٌ عَنْ تَرَاقِيهَا رَعَابِيلُ
تَسْعَى الغواة جنابيها وقولهم إنّك يابن أَبِي سُلْمَى لَمَقْتُولُ
وَقَالَ كُلّ صَدِيقٍ كُنْتُ آمُلُهُ لَا أُلْهِيَنّكَ إنّي عَنْكَ مَشْغُولُ
فَقُلْتُ خَلّوا سَبِيلِي لَا أَبَا لَكُمْ فَكُلّ مَا قَدّرَ الرّحْمَنُ مَفْعُولُ
كُلّ ابْنِ أُنْثَى وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهُ يَوْمًا عَلَى آلَةٍ حَدْبَاءَ مَحْمُولُ
نبّئت أنّ رسول الله أو عدنى وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ مَأْمُولُ
مَهْلًا هَدَاك الذى أعطاك نافلة القرآن فِيهَا مَوَاعِيظٌ وَتَفْصِيلُ
لَا تَأْخُذَنّي بِأَقْوَالِ الْوُشَاةِ وَلَمْ أُذْنِبْ وَلَوْ كَثُرَتْ فِيّ الْأَقَاوِيلُ
لَقَدْ أَقُومُ مَقَامًا لَوْ يَقُومُ بِهِ أَرَى وَأَسْمَعُ مَا لَوْ يَسْمَعُ الْفِيلُ
لَظَلّ يَرْعَدُ إلّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْ الرّسُولِ بِإِذْنِ اللهِ تَنْوِيلُ
حَتّى وَضَعْتُ يَمِينِي مَا أُنَازِعُهُ فِي كَفّ ذِي نَقِمَاتٍ قِيلُهُ الْقِيلُ
فَلَهْوَ أَخْوَفُ عِنْدِي إذْ أُكَلّمُهُ وَقِيلَ إنّكَ مَنْسُوبٌ وَمَسْئُولُ
مِنْ ضَيْغَمٍ بِضَرَاءِ الْأَرْضِ مُخْدَرُهُ فِي بَطْنِ عَثّرَ غِيلٌ دُونَهُ غِيلُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٦٠ ]
يَغْدُو فَيُلْحِمُ ضِرْغَامَيْنِ عَيْشُهُمَا لَحْمُ مِنْ النّاسِ مَعْفُورٌ خَرَادِيلُ
إذَا يُسَاوِرُ قِرْنًا لَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْقِرْنَ إلّا وَهُوَ مَفْلُولُ
مِنْهُ تَظَلّ سِبَاعُ الْجَوّ نَافِرَةً وَلَا تَمَشّى بِوَادِيهِ الْأَرَاجِيلُ
وَلَا يَزَالُ بِوَادِيهِ أَخُو ثِقَةٍ مُضَرّجُ الْبَزّ وَالدّرْسَانِ مَأْكُولُ
إنّ الرّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ مُهَنّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ مَسْلُولُ
فِي عُصْبَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ بِبَطْنِ مَكّةَ لَمّا أَسْلَمُوا زُولُوا
زَالُوا فَمَا زَالَ أَنْكَاسٌ وَلَا كُشُفُ عِنْدَ اللّقَاءِ وَلَا مِيلٌ مَعَازِيلُ
شُمّ الْعَرَانِينِ أَبْطَالُ لَبُوسُهُمْ مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ فِي الْهَيْجَا سَرَابِيلُ
بِيضٌ سَوَابِغُ قَدْ شُكّتْ لَهَا حَلَقٌ كَأَنّهَا حَلَقُ الْقَفْعَاءِ مَجْدُولُ
لَيْسُوا مَفَارِيحَ إنْ نَالَتْ رِمَاحُهُمْ قَوْمًا وَلَيْسُوا مَجَازِيعًا إذَا نِيلُوا
يَمْشُونَ مَشْيَ الْجِمَالِ الزّهْرِ يَعْصِمُهُمْ ضَرْبٌ إذَا عَرّدَ السّودُ التّنَابِيلُ
لَا يَقَعَ الطّعْنُ إلّا فِي نُحُورِهِمْ وَمَا لَهُمْ عن حياض الموت تهليل
قال ابن هشام: قَالَ كَعْبٌ هَذِهِ الْقَصِيدَةُ بَعْدَ قُدُومِهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ المدينة وَبَيْتُهُ: «حَرْفٌ أَخُوهَا أَبُوهَا» وَبَيْتُهُ: «يَمْشِي الْقُرَادُ»، وَبَيْتُهُ: «عَيْرَانَةٌ قُذِفَتْ»، وَبَيْتُهُ: «تُمِرّ مِثْلَ عَسِيبِ النّخْلِ»، وَبَيْتُهُ: «تَفْرِي اللّبَان» وَبَيْتُهُ: «إذَا يُسَاوِرُ قِرْنَا» وَبَيْتُهُ: «وَلَا يَزَالُ بِوَادِيهِ»: عَنْ غَيْرِ ابن إسحاق.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٦١ ]
[اسْتِرْضَاءُ كَعْبٍ الْأَنْصَارَ بِمَدْحِهِ إيّاهُمْ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: فَلَمّا قَالَ كَعْبٌ:
«إذَا عَرّدَ السّودُ التّنَابِيلُ»، وَإِنّمَا يُرِيدُنَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، لِمَا كَانَ صَاحِبُنَا صَنَعَ بَهْ مَا صَنَعَ، وَخَصّ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِدْحَتِهِ، غَضِبَتْ عَلَيْهِ الْأَنْصَارُ؛ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ يَمْدَحُ الْأَنْصَارَ، وَيَذْكُرُ بَلَاءَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وموضعهم من اليمن:
مَنْ سَرّهُ كَرْمُ الْحَيَاةِ فَلَا يَزَلْ فِي مِقْنَبٍ مِنْ صَالِحِي الْأَنْصَارِ
وَرِثُوا الْمَكَارِمَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ إنّ الْخِيَارَ هُمْ بَنُو الْأَخْيَارِ
الْمُكْرِهِينَ السّمْهَرِيّ بِأَذْرُعٍ كَسَوَالِفِ الْهِنْدِيّ غَيْرَ قِصَارِ
وَالنّاظِرِينَ بِأَعْيُنٍ مُحْمَرّةٍ كَالْجَمْرِ غَيْرَ كَلَيْلَةِ الْأَبْصَارِ
وَالْبَائِعِينَ نُفُوسَهُمْ لِنَبِيّهِمْ لِلْمَوْتِ يَوْمَ تَعَانُقٍ وَكِرَارِ
وَالْقَائِدِينَ النّاسَ عَنْ أَدْيَانِهِمْ بِالْمَشْرَفِيّ وَبِالْقَنَا الْخَطّارِ
يَتَطَهّرُونَ يَرَوْنَهُ نُسْكًا لَهُمْ بِدِمَاءِ مَنْ عَلِقُوا مِنْ الْكُفّارِ
دَرِبُوا كَمَا دَرِبَتْ بِبَطْنٍ خَفِيّةٍ غُلْبُ الرّقَابِ مِنْ الْأَسْوَدِ ضَوَارِي
وَإِذَا حَلَلْتَ لِيَمْنَعُوك إلَيْهِمْ أَصْبَحْتَ عِنْدَ مَعَاقِلِ الْأَعْفَارِ
ضَرَبُوا عَلِيّا يَوْمَ بَدْرٍ ضَرْبَةً دَانَتْ لِوَقْعَتِهَا جَمِيعُ نِزَارِ
لَوْ يَعْلَمُ الْأَقْوَامُ عِلْمِي كُلّهُ فِيهِمْ لَصَدّقَنِي الّذِينَ أُمَارِي
قَوْمٌ إذَا خَوَتْ النّجُومُ فَإِنّهُمْ لِلطّارِقِينَ النّازِلِينَ مَقَارِي
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٦٢ ]
فِي الْغُرّ مِنْ غَسّانَ مِنْ جُرْثُومَةٍ أَعْيَتْ مَحَافِرُهَا عَلَى الْمِنْقَارِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ أن رسول الله ﷺ قَالَ لَهُ حَيْنَ أَنْشَدَهُ: «بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ»: لَوْلَا ذَكَرْت الْأَنْصَارَ بِخَيْرِ، فَإِنّهُمْ لِذَلِكَ أَهْلٌ، فَقَالَ كَعْبٌ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ، وَهِيَ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ لِي عَنْ عَلِيّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ أَنّهُ قَالَ: أَنْشَدَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ:
«بانت سعاد فقلبى اليوم متبول»
ــ
غَزْوَةُ الطّائِفِ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ النّسَبِ أَنّ الدّمون بن الصّدف، واسم الصّدف: ملك ابن مالك بن مرتّع بن كندة من حضر موت أَصَابَ دَمًا مِنْ قَوْمِهِ، فَلَحِقَ بِثَقِيفٍ، فَأَقَامَ فِيهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ: أَلَا أَبْنِي لَكُمْ حَائِطًا يُطِيفُ بِبَلَدِكُمْ، فَبَنَاهُ، فَسُمّيَ بِهِ الطّائِفُ، ذَكَرَهُ الْبَكْرِيّ هَكَذَا»
قَالَ: وَإِنّمَا هُوَ الدّمُونُ بْنُ عبيد ابن مَالِكِ بْنِ دَهْقَلٍ، وَهُوَ مِنْ الصّدَفِ، وَلَهُ ابْنَانِ أَدْرَكَا النّبِيّﷺ- وَبَايَعَاهُ، اسْمُ أَحَدِهِمَا: الْهُمَيْلُ، وَالْآخَرُ: قَبِيصَةُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُمَا أَبُو عُمَرَ فِي الصّحَابَةِ، وَذَكَرَهُمَا غَيْرُهُ.
_________________
(١) ذكر؟؟؟؟ معجم ما استعجم.
[ ٧ / ٢٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ أَنّ أَصْلَ أَعْنَابِهَا أَنّ قَيْسَ «١» بْنَ مُنَبّهٍ، وَهُوَ ثَقِيفٌ أَصَابَ دَمًا فِي قَوْمِهِ أَيْضًا، وَهُمْ إيَادٌ فَفَرّ إلَى الْحِجَازِ، فَمَرّ بِامْرَأَةٍ يَهُودِيّةٍ فَآوَتْهُ «٢»، وَأَقَامَ عِنْدَهَا زَمَانًا، ثُمّ انْتَقَلَ عَنْهَا، فَأَعْطَتْهُ قُضُبًا مِنْ الْحُبْلَةِ وَأَمَرَتْهُ أَنْ يَغْرِسَهَا فِي أَرْضٍ وَصَفَتْهَا لَهُ، فَأَتَى بِلَادَ عَدْوَانَ، وَهُمْ سُكّانُ الطّائِفِ فِي ذَلِكَ الزّمَانِ، فَمَرّ بِسُخَيْلَةَ «٣» جَارِيَةِ عَامِرِ بْنِ الظّرِبِ الْعَدْوَانِيّ، وَهِيَ تَرْعَى غَنَمًا، فَأَرَادَ سِبَاءَهَا، وَأَخَذَ الْغَنَمَ، فَقَالَتْ لَهُ: أَلَا أَدُلّك عَلَى خَيْرٍ مِمّا هَمَمْت بِهِ، اقْصِدْ إلَى سَيّدِي وَجَاوِرْهُ فَهُوَ أَكْرَمُ النّاسِ، فَأَتَاهُ فَزَوّجَهُ مِنْ بِنْتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ عَامِرٍ، فَلَمّا جَلَتْ عَدْوَانُ عَنْ الطّائِفِ بِالْحُرُوبِ الّتِي وَقَعَتْ بَيْنَهَا أَقَامَ قَسِيّ، وَهُوَ ثَقِيفٌ، فَمِنْهُ تَنَاسَلَ أَهْلُ الطّائِفِ، وَسُمّيَ: قَسِيّا بِقَسْوَةِ قَلْبِهِ حِينَ قَتَلَ أَخَاهُ أَوْ ابْنَ عَمّهِ «٤»، وَقِيلَ: سمي ثقيفا لِقَوْلِهِمْ فِيهِ: مَا أَثْقَفَهُ حِينَ ثَقِفَ عَامِرًا حَتّى أَمّنَهُ وَزَوّجَهُ بِنْتَه.
وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسّرِينَ وَجْهًا آخَرَ فِي تَسْمِيَتِهَا بِالطّائِفِ، فَقَالَ فِي الْجَنّةِ الّتِي ذَكَرَهَا اللهُ سُبْحَانَهُ فِي سُورَةِ «ن» حَيْثُ يَقُولُ: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ ن: ١٩. قَالَ: كَانَ الطّائِفُ جِبْرِيلَ ﵇ اقْتَلَعَهَا مِنْ مَوْضِعِهَا، فَأَصْبَحَتْ كَالصّرِيمِ، وَهُوَ اللّيْلُ، أَصْبَحَ موضعها كذلك،
_________________
(١) فى الأصل قيس. ولكنه قسى كما سيذكر، وكما ورد فى كتب النسب.
(٢) فى البكرى «فاتخذها أما، واتخذته ابنا» .
(٣) فى معجم البكرى: خصيلة، وقيل: زبينة.
(٤) فى البكرى: ابن عمه، وأنه قال هقب قتله: وحربة ناهل أوجرت عمرا فمالى بعده أبدا قرار
[ ٧ / ٢٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثُمّ سَارَ بِهَا إلَى مَكّةَ، فَطَافَ بِهَا حَوْلَ الْبَيْتِ، ثُمّ أَنْزَلَهَا حَيْثُ الطّائِفُ الْيَوْمَ، فَسُمّيَتْ بِاسْمِ الطّائِفِ الّذِي طَافَ عَلَيْهَا، وَطَافَ بِهَا، وَكَانَتْ تِلْكَ الْجَنّةُ بِضَرْوَانَ «١» عَلَى فَرَاسِخَ مِنْ صَنْعَاءَ، وَمِنْ ثَمّ كَانَ الْمَاءُ وَالشّجَرُ بِالطّائِفِ دُونَ مَا حَوْلَهَا مِنْ الْأَرَضِينَ، وَكَانَتْ قصة أصحاب الجنة بعد عيسى بن مَرْيَمَ صَلّى اللهُ عَلَى نَبِيّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلّمَ بِيَسِيرٍ، ذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ النّقّاشُ وَغَيْرُهُ «٢» .
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ ثَقِيفٌ هُوَ قَسِيّ بْنُ مُنَبّهٍ، كَمَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، فَكَيْفَ قَالَ سِيبَوَيْهِ حَاكِيًا عَنْ الْعَرَبِ: ثَقِيفُ بْنُ قَسِيّ، فَجَعَلَهُ ابْنًا لِقَسِيّ؟
قِيلَ: إنّمَا أَرَادَ سِيبَوَيْهِ أَنّ الْحَيّ سُمّيَ ثَقِيفًا، وَهُمْ بَنُو قسىّ، كما قالوا باهلة ابن أَعْصَرَ، وَإِنّمَا هِيَ أُمّهُمْ، وَلَكِنْ سُمّيَ الْحَيّ بِهَا، ثُمّ قِيلَ فِيهِ: ابْنُ أَعْصَرَ «٣»، كَذَلِكَ قَالُوا: ثَقِيفُ بْنُ قَسِيّ عَلَى هَذَا، وَيُقَوّي هَذَا أَنّ سِيبَوَيْهِ إنّمَا قَالَ حَاكِيًا: هَؤُلَاءِ ثقيف بن قسىّ.
_________________
(١) فى الأصل: ضوارن والتصويب من البكرى وتفسير ابن كثير، وهى على بعد ستة أميال من صنعاء كما نقل ابن كثير عن سعيد بن جبير.
(٢) أقوال بلا سند. والنقاش يفترى الكثير، وقد ورد أنهم من أهل الحبشة، وأنهم كانوا أهل كتاب.
(٣) فى الاشتقاق: من قبائل سعد بن قيس: أعصر بن سعد، وهو أبو غنى وباهلة والطفاوة، ولقب أعصر لبيت قاله، وكان من المعمرين. والبيت كما هو فى اللسان: أبنى إن أباك غير لونه كر الليالى واختلاف الأعصر ثم قال عن باهلة إنها امرأة من مذحج أو من همدان، وإنها حضنت كل أولاد معن بن أعصر أو معن بن مالك بن أعصر.
[ ٧ / ٢٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
آلَاتُ الْحَرْبِ فِي الطّائِفِ
فَصْلٌ: وَذَكَرَ تَعَلّمَ أَهْلِ الطّائِفِ صَنْعَةَ الدّبّابَاتِ وَالْمَجَانِيقِ وَالضّبُورِ. الدّبّابَةُ آلَةٌ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ يَدْخُلُ فِيهَا الرّجَالُ فَيَدُبّونَ بِهَا إلَى الْأَسْوَارِ لِيَنْقُبُوهَا، وَالضّبُورُ مِثْلُ رُءُوسِ الْأَسْفَاطِ يُتّقَى بِهَا فِي الْحَرْبِ عِنْدَ الِانْصِرَافِ وَفِي الْعَيْنِ الضّبْرُ جُلُودٌ يُغْشَى بِهَا خَشَبٌ يُتّقَى بِهَا فِي الْحَرْبِ.
وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ الزّهْرِيّ " أَنّ اللهَ ﵎ حِينَ مَسَخَ بَنِي إسْرَائِيلَ قِرَدَةً مَسَخَ رُمّانَهُمْ الْمَظّ وَبُرّهُمْ الذّرَةَ وَعِنَبَهُمْ الْأَرَاكَ، وَجَوْزَهُمْ الضّبْرَ "وَهُوَ مِنْ شَجَرِ الْبَرِيّةِ وَلَهُ ثَمَرٌ كَالْجَوْزِ لَا نَفْعَ فِيهِ فَهَذَا مَعْنًى آخَرُ غَيْرَ الْأَوّلِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الضّبْرِ إنّهُ كَالْجَوْزِ يُنَوّرُ وَلَا يُطْعَمُ «١» . قَالَ وَيُقَالُ أَظَلّ الظّلَالِ ظِلّ الضّبْرَةِ وَظِلّ التّنْعِيمَةِ وَظِلّ الْحَجَرِ، قَالَ وَوَرَقُهَا كَدَارٍ كَثِيفَةٍ فَكَانَ ظِلّهَا لِذَلِكَ أَلْمَى «٢»، وَأَمّا الْمَظّ الّذِي تَقَدّمَ ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ وَرُمّانُ الْبَرّ يُنَوّرُ وَلَا يُثْمِرُ وَلَهُ جُلّنَارُ كَمَا لِلرّمّانِ «٣» يُمْتَصّ مِنْهُ الْمَذَخُ وَهُوَ عَسَلٌ كَثِيرٌ يُشْبِعُ مَنْ امْتَصّهُ حَتّى يَمْلَأَ بَطْنَهُ ذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ في النّبَاتِ.
_________________
(١) في اللسان: ولا يعقد
(٢) ظل ألمى: كثيف
(٣) الجلنار: زدر الرمان، معرب كلنار. وفي الأصل: الزمان بدلا من الرمان.
[ ٧ / ٢٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَمّا الْمَجَانِيقُ «١»: فَمَعْرُوفَةٌ وَهِيَ أَعْجَمِيّةٌ عَرّبَتْهَا الْعَرَبُ. قَالَ كُرَاعٌ:
كُلّ كَلِمَةٍ فِيهَا جِيمٌ وَقَافٌ، أَوْ جِيمٌ وَكَافٌ فَهِيَ أَعْجَمِيّةٌ، وَذَلِكَ كَالْجُوَالِقِ وَالْجَوْلَقِ «٢» وَجِلّقٍ وَالْكَيْلَجَةِ وَهِيَ مِكْيَالٌ صَغِيرٌ، وَالْكَفْجَلَارُ «٣» وَهِيَ الْمِغْرَفَةُ وَالْقَبْجُ وَهُوَ الْحَجَلُ وَمَا كَانَ نَحْوَ ذَلِكَ، وَالْمِيمُ فِي مَنْجَنِيقٍ أَصْلِيّةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَالنّونُ زَائِدَةٌ، وَلِذَلِكَ سَقَطَتْ فِي الْجَمْعِ «٤» .
حول شعر كعب:
وذكر شعر كعب وفيه:
وَكَمْ مِنْ مَعْشَرٍ أَلَبُوا عَلَيْنَا
أَيْ جَمَعُوا، وَصَمِيمُ الْجِذْم مَفْعُولٌ بِأَلَبُوا، وَفِيهِ يَصِفُ السّيُوفَ:
كأمثال العقاثق أخلصتها قيون الهند لم تضرب كتيفا
_________________
(١) جمع منجنيق بفتح الميم وكسرها آلة ترمى بها الحجارة كالمنجنوق معربة، وقد تذكر فارسيتها من جهنيك، أى: أنا ما أجودنى وجمعها منجنيقات ومجانق، وقد جنقوا، وجنقوا، ومجنقوا.
(٢) بكسر الجيم واللام، وبضم الجيم وفتح اللام وكسرها وجمعه جوالق كصحائف وجواليق بفتح الجيم وجوالقات بضم الجيم، أما الخفاجى فى شفاء الغليل فيقول: بالضم مفرد وجمعه جوالق بالفتح ناد- معرب. وبعضهم- ومنهم سيبويه سينكر جوالقات لأنهم جمعوا جوالق جمع تكسير. وفى اللسان: الجوالق بضم الجيم وفتح اللام وكسرها مفرد. ولم أجد جولق فلعله يعنى: جوسق، وهو اسم قصر صغير.
(٣) لم أهتد إلى ضبطها.
(٤) فى القاموس جمعها: منجنيقات ومجانق ومجانيق.
[ ٧ / ٢٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْعَقَائِقُ: جَمْعُ عَقِيقَةٍ، وَهُوَ الْبَرْقُ تَنْعَقُ عَنْهُ السّحَابُ «١» .
وَقَوْلُهُ: لَمْ تَضْرِبْ كَتِيفًا، جَمْعُ كَتِيفَةٍ، وَهِيَ صَحِيفَةٌ مِنْ حَدِيدٍ صَغِيرَةٌ، وَأَصْلُ الْكَتِيفِ: الضّيّقُ مِنْ كُلّ شَيْءٍ.
شِعْرُ كِنَانَةَ:
وَذَكَرَ شعر كنانة بن عبد يا ليل الثّقَفِيّ، وَفِيهِ:
وَكَانَتْ لَنَا أَطْوَاؤُهَا وَكُرُومُهَا
الْأَطْوَاءُ: جَمْعُ طَوِيّ، وَهِيَ الْبِئْرُ، جُمِعَتْ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ تَوَهّمُوا سُقُوطَ يَاءَ فَعِيلٍ مِنْهَا إذْ كَانَتْ زَائِدَةً «٢»
وَفِيهَا:
وَقَدْ جَرّبَتْنَا قَبْلَ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ
إنّمَا قَالَ هَذَا جَوَابًا لِلْأَنْصَارِ، لِأَنّهُمْ بَنُو حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بن عامر، وعمر وَهُوَ مُزَيْقِيَاءُ، وَعَامِرٌ هُوَ مَاءُ السّمَاءِ، وَلَمْ يَرِدْ أَنّ الْأَنْصَار جَرّبَتْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِنّمَا أَرَادَ إخْوَتَهُمْ، وَهُمْ خُزَاعَةُ لِأَنّهُمْ بَنُو رَبِيعَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَقَدْ كَانُوا حَارَبُوهُمْ عِنْدَ نُزُولِهِمْ مكة، وقال البكرى فى معنى
_________________
(١) عرفه القاموس: العقيقة من البرق ما يبقى فى السحاب من شعاعه، ولعل تنعق: تنشق.
(٢) يقول ابن الأثير: الطوى فى الأصل صفة فعيل بمعنى مفعول، فلذلك جمعوه على الأطواء، كشريف وأشراف، وإن كان قد انتقل إلى باب الإسمية
[ ٧ / ٢٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هَذَا الْبَيْتِ: إنّمَا أَرَادَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَكَانُوا مُجَاوِرِينَ لِثَقِيفٍ وَأُمّهُمْ عَمْرَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ الظّرِبِ الْعَدْوَانِيّ، وَأُخْتُهَا زَيْنَبُ كَانَتْ تَحْتَ ثَقِيفٍ، وَأَكْثَرُ قَبَائِلِ ثَقِيفٍ مِنْهَا، وَكَانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ أَنْزَلَتْ بَنِي عَمْرِو ابن عَامِرٍ فِي أَرْضِهِمْ لِيَعْمَلُوا فِيهَا، وَيَكُونَ لَهُمْ النّصْفُ فِي الزّرْعِ وَالثّمَرِ، ثُمّ إنّ ثَقِيفًا مَنَعَتْهُمْ ذَلِكَ، وَتَحَصّنُوا مِنْهُمْ بِالْحَائِطِ الّذِي بَنَوْهُ حَوْلَ حَاضِرِهِمْ، فَحَارَبَتْهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، فَلَمْ يَظْفَرُوا مِنْهُمْ بِشَيْءٍ، وَجَلَوْا عَنْ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ كِنَانَةُ:
وَقَدْ جَرّبَتْنَا قَبْلَ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ
الْبَيْتُ ذَكَرَهُ الْبَكْرِيّ فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ لَخّصْته «١» .
أَوّلُ مَنْ رَمَى بِالْمَنْجَنِيقِ فِي الْجَاهِلِيّةِ وَالْإِسْلَامِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حِصَارَ الطّائِفِ، وَأَنّ أَوّلَ مَنْ رَمَى بِالْمَنْجَنِيقِ فِي الْإِسْلَامِ النّبِيّ ﷺ.
قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَأَمّا فِي الْجَاهِلِيّةِ: فَيُذْكَرُ أَنّ جَذِيمَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ فَهْمِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دَوْسٍ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِالْأَبْرَشِ أَوّلُ مَنْ رَمَى بِالْمَنْجَنِيقِ، وكان من ملوك الطّوائف، وكان يعرف بِالْوَضّاحِ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا مُنَادِمُ الْفَرْقَدَيْنِ، لِأَنّهُ رَبَأَ بِنَفْسِهِ عَنْ مُنَادَمَةِ النّاسِ، فَكَانَ إذَا شرب نادم الفرقدين عجبا
_________________
(١) أنظر ص ٧٧، ٧٨ ج ١ معجم ما استعجم للبكرى، ولكن البكرى ينسب هذه القصيدة إلى الأجش بن مرداس بن عمرو بن عامرين سيار بْنِ مَالِكِ بْنِ حُطَيْطِ بْنِ جُشَمَ بْنِ قسى.
[ ٧ / ٢٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِنَفْسِهِ، ثُمّ نَادَمَ بَعْدَ ذَلِكَ مَالِكًا وَعُقَيْلًا اللّذَيْنِ يَقُولُ فِيهِمَا مُتَمّمُ [بْنُ نُوَيْرَةَ يَرْثِي أَخَاهُ مَالِكًا]:
وَكُنّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً مِنْ الدّهْرِ حَتّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدّعَا «١»
وَيُذْكَرُ أَيْضًا أَنّهُ أَوّلُ مَنْ أَوْقَدَ الشّمْعَ.
غَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ:
وَذَكَرَ حُلِيّ بَادِيَةَ بِنْتِ غَيْلَانَ، وَهُوَ غَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ الثّقَفِيّ، وَهُوَ الّذِي أَسْلَمَ، وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَأَمَرَهُ النّبِيّ ﷺ أَنْ يُمْسِكَ أَرْبَعًا «٢»، وَيُفَارِقَ سَائِرَهُنّ، فَقَالَ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ: يَخْتَارُ أَرْبَعًا، وَقَالَ فُقَهَاءُ
_________________
(١) وبعده: وعشنا بخير فى الحياة وقبلنا أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا فلما تفرقنا كأنى ومالك لطول اجتماع لم نبت ليلة معا وكان ضرار بن الأزور الأسدى قد قتل مالكا بأمر خالد بن الوليد. ومالك وعقيل ابنا فارج هما اللذان عثرا على عمرو بن عدى بن أخت حذيمة فى أودية السماوة بعد ضلاله فيها عدة سنوات، فحملاه إلى خاله جذيمة، ثم سألاه منادمته، فلم يزالا نديميه حتى فرق الموت بينهم. وهما اللذان يذكرهما أبو خراش الهذلى فى شعره بقوله: ألم تعلمى أن قد تفرق قبلنا خليلا صفاء مالك وعقيل ويضرب المثل بهما للمتواخيين، فيقال: كندمانى جذيمة وقد دامت لهما رتبة المنادمة- كما قيل- أربعين سنة.
(٢) روى حديثه هذا أحمد والترمذى وابن حبان والحاكم. ولحديثه هذا عند الحافظ فى الإصابة تخريجات عديدة فراجعه فى ترجمة غبلان.
[ ٧ / ٢٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْعِرَاقِ: بَلْ يُمْسِكُ الّتِي تَزَوّجَ أَوّلًا، ثُمّ الّتِي تَلِيهَا إلَى الرّابِعَةِ «١»، وَاحْتَجّ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ بِأَنّ النّبِيّ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِلْهُ أَيّتَهنّ تَزَوّجَ أَوّلَ، وَتَرْكُهُ لِلِاسْتِفْصَالِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّهُ مُخَيّرٌ حَتّى جَعَلَ الْأُصُولِيّونَ مِنْهُمْ هَذَا أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الْعُمُومِ، فَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي كِتَابِ الْبُرْهَانِ: تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي حِكَايَاتِ الْأَحْوَالِ مَعَ الِاحْتِمَالِ يَتَنَزّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ، كَحَدِيثِ غَيْلَانَ. وَغَيْلَانُ هَذَا هُوَ الّذِي قُدّمَ عَلَى كِسْرَى، فَسَأَلَهُ أَيّ وَلَدِهِ أَحَبّ إلَيْهِ؟
فَقَالَ غَيْلَانُ: الْغَائِبُ حَتّى يَقْدَمَ، وَالْمَرِيضُ حَتّى يُفِيقَ، وَالصّغِيرُ حَتّى يَكْبُرَ، فَقَالَ لَهُ كِسْرَى: مَا غِذَاؤُك فِي بَلَدِك؟ قَالَ: الْخُبْزُ: قَالَ: هَذَا عَقْلُ الْخُبْزِ، تَفْضِيلًا لِعَقْلِهِ عَلَى عُقُولِ أَهْلِ الْوَرّ، وَنَسَبَ الْمُبَرّدُ هَذِهِ الْحِكَايَةَ مَعَ كِسْرَى إلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيّ الْحَنَفِيّ، وَالصّحِيحُ عِنْدَ الْإِخْبَارِيّينَ مَا قَدّمْنَاهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ.
بَادِيَةُ بِنْتُ غَيْلَانَ:
وَأَمّا بَادِيَةُ ابْنَتُهُ، فَقَدْ قِيلَ فِيهَا: بَادِنَةُ بِالنّونِ، وَالصّحِيحُ بِالْيَاءِ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَهِيَ الّتِي قَالَ فِيهَا هِيتٌ الْمُخَنّثُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَيّةَ: إنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ الطّائِفَ، فَإِنّي أَدُلّك عَلَى بَادِيَةَ بِنْتِ غَيْلَانَ، فَإِنّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ، فَسَمِعَهُ النّبِيّ ﷺ، فقال: قاتلك
_________________
(١) يقول أبو حنيفة: إن تزوجهن فى عقد واحد فسد نكاح الجميع، وإن تزوجهن مترتبات ثبت نكاح الأربع، وفسد نكاح من بعدهن، ولا تخيير، أما الجمهور فعلى التخيير.
[ ٧ / ٢٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللهُ لَقَدْ أَمْعَنْت النّظَرَ، وَقَالَ: لَا يَدْخُلَنّ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُنّ «١» ثُمّ نَفَاهُ إلَى رَوْضَةِ خَاخٍ، فَقِيلَ: إنّهُ يَمُوتُ بِهَا جُوعًا فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ كُلّ جُمُعَةٍ يَسْأَلُ النّاسَ، وَيُرْوَى فِي الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ لَمْ تَقَعْ فِي الصّحِيحِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ «٢» مَعَ ثَغْرٍ كَالْأُقْحُوَانِ، إنْ قَامَتْ تَثَنّتْ، وَإِنْ قَعَدَتْ تَبَنّتْ «٣»، وَإِنْ تَكَلّمَتْ تَغَنّتْ، يَعْنِي مِنْ الْغُنّةِ، وَالْأَصْلُ تَغَنّنَتْ، فَقُلِبَتْ إحْدَى النّونَيْنِ يَاءً، وَهِيَ هَيْفَاءُ «٤» شَمُوعٌ نَجْلَاءُ كَمَا قَالَ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ:
بَيْضَاءُ فَرْعَاءٌ يُسْتَضَاءُ بِهَا كَأَنّهَا خُوطُ بَانَةٍ قصف
_________________
(١) الرواية فى صحيح البخارى: لا يدخل عليكم. هذا ولم قسم بادية فى صحيح البخارى. وحديث هيت عند مسلم وأبى داود والنسائى دون تسميته.
(٢) يعنى- كما قال القالى فى الأمالى- أنها تقبل بأربع عكن، فإذا رأيتها من خلف رأيت لكل عكنة طرفين، فصارت ثمانية ص ١٦٠، ج ١ الأمالى. والعكنة: الطى الذى فى البطن من السمن.
(٣) أى فرجت رجليها لضخم ركبها كأنه شبهها بالقبة من الأدم وهى المبناة لسمنها وكثرة لحمها، وقيل: شبهها بها إذا ضربت وطنبت انفرجت وكذلك هذه إذا قعدت تربعت وفرجت رجليها «النهاية لابن الأثير» وقيل من تبنت الناقة إذا باعدت ما بين فخذيها عند الحلب ص ٤٢٢ سمط اللالى.
(٤) فى سمط البكرى: فإنها مبتلة هيفاء شموع نجلاء تناصف وجهها فى القسامة، وتجزأ معتدلا في الوسامة. وقد تسب هذا الوصف لنعيمان المخنث وهو يصف عائشة بنت طلحة ص ٤٢١ سمط الآلى.
[ ٧ / ٢٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَنْتَرِقُ الطّرْفَ، وَهِيَ لَاهِيَةٌ كَأَنّمَا شَفّ وَجْهَهَا نُزَفُ «١»
تَنَامُ عَنْ كِبْرِ شَأْنِهَا فَإِذَا قَا مَتْ رُوَيْدًا تَكَادُ تَنْغَرِفُ «٢»
وَفِي هَذَا الْبَيْتِ صَحّفَ ابْنُ دُرَيْدٍ أَعْنِي قَوْلَهُ: تُغْتَرَقُ، فَقَالَ هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، حَتّى هُجّيَ بِذَلِكَ «٣»، فَقِيلَ:
أَلَسْت قِدْمًا جَعَلْت تَعْتَرِقُ الطّرْفَ بِجَهْلِ مَكَانٍ تَغْتَرِقُ
وَقُلْت: كَانَ الْخِبَاءُ مِنْ أَدَمٍ وَهُوَ حباء يهدى ويصطدق «٤»
_________________
(١) بعده: بين شكول النساء خلقتها قصد فلا جبلة ولا قضف وقد ضبطت نزف فى اللسان كما ذكرت. والنزف الاسم من نزف فلان دمه ومن نزفه الدم ينزفه إذا خرج منه كثيرا. والنزف: الضعف الحادث عن ذلك. أما فى البيت، فقد قال ابن الأعرابى: من الضعف والانبهار- ولم يزد على ذلك قال غيره: النزف هنا الجرح الذى ينزف عنه دم الإنسان، وقال أبو منصور: أراد أنها رقيقة المحاسن حتى كأن دمها منزوف. ومعنى تغترق: تستغرق عيون الناس بالنظر إليها، وهى غافلة ثم هى رقيقة المحاسن كأن دمها ودم وجهها نزف والمرأة أحسن ما تكون غب نفاسها لأنه ذهب تهيج الدم، فصارت رقيقة المحاسن «اللسان مادة غرق ومادة نزف» .
(٢) تتثنى أو تنقصف من دقة خصرها.
(٣) هجاه المفجع البصرى، وقد تقدم ذكر هذا عند الحديث عز جنب.
(٤) ذكره الشيخ بدر الدين الزركشى فى كراسة له سماها: عمل من طب لمن حب، وروى البيت الأول هكذا: ألست مما صحفت تغترق الط رف بجهل فقلت تعترق ورواه التيجانى فى تحفة العروس: ألم تصحف، فقلت تعترق الط رف بجهل مكان تغترق ص ٣٦٦ ج ٢ المزهر للسيوطى.
[ ٧ / ٢٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَانَ صَحّفَ أَيْضًا قَوْلَ مُهَلْهَلٍ، فَقَالَ فِيهِ: الْخِبَاءُ «١»، وَبَادِيَةُ هَذِهِ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ جُوَيْرِيَةَ وَهِيَ امْرَأَةُ المسور ابن مَخْرَمَةَ.
الْمُخَنّثُونَ الّذِينَ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ:
وَكَانَ الْمُخَنّثُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْبَعَةً: هِيتٌ هَذَا، وَهَرِمٌ وَمَاتِعٌ «٢»، وَإِنْهٌ، وَلَمْ يَكُونُوا يَزْنُونَ بِالْفَاحِشَةِ الْكُبْرَى، وَإِنّمَا كَانَ تَأْنِيثُهُمْ لِينًا فِي الْقَوْلِ وَخِضَابًا فِي الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ كَخِضَابِ النّسَاءِ، وَلَعِبًا كَلَعِبِهِنّ، وَرُبّمَا لَعِبَ بَعْضُهُمْ بِالْكُرّجِ «٣»، وَفِي مَرَاسِيلِ أَبِي دَاوُدَ أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ ﵁، رَأَى لَاعِبًا يَلْعَبُ بِالْكُرّجِ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنّي رَأَيْت هَذَا يَلْعَبُ بِهِ عَلَى عَهْدِ النّبِيّﷺ- لَنَفَيْته مِنْ الْمَدِينَةِ.
عُيَيْنَةُ وَذَكَرَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، وَاسْمُهُ: حُذَيْفَةُ، وَإِنّمَا قِيلَ لَهُ: عُيَيْنَةُ لِشَتْرٍ كَانَ بِعَيْنِهِ.
الْعَبِيدُ الّذِينَ نَزَلُوا مِنْ حِصْنِ الطّائِفِ وَذَكَرَ الْعَبِيدَ الّذِينَ نَزَلُوا مِنْ الطّائِفِ، وَلَمْ يُسَمّهِمْ، وَمِنْهُمْ أبو بكرة
_________________
(١) سبق قول مهلهل عند الحديث عن جنب.
(٢) ذكرهم البكرى فى السمط ص ٤٢١ وقد نقله الحافظ فى الإصابة عن البكرى وقال: هدم بالدال.
(٣) دخيل معرب كره لا أصل له فى العربية وهو مثل المهر يتخذ ليعلب عليه، ولهذا نسب إليه المخنث فقيل عنه: الكرجى.
[ ٧ / ٢٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نُفَيْعُ بْنُ مَسْرُوحٍ تَدَلّى مِنْ سُوَرِ الطّائِفِ عَلَى بَكْرَةٍ، فَكُنّيَ أَبَا بَكْرَةَ، وَهُوَ مِنْ أَفَاضِلِ الصّحَابَةِ، وَمَاتَ بِالْبَصْرَةِ، وَمِنْهُمْ الْأَزْرَقُ، وَكَانَ عَبْدًا لِلْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ الْمُتَطَبّبُ، وَهُوَ زَوْجُ سميّة مولاة الحارث أمّ زياد ابن أَبِي سُفْيَانَ، وَأُمّ سَلَمَةَ بْنِ الْأَزْرَقِ، وَبَنُو سَلَمَةَ بْنُ الْأَزْرَقِ، وَلَهُمْ صِيتٌ وَذِكْرٌ بِالْمَدِينَةِ، وَقَدْ انْتَسَبُوا إلَى غَسّانَ، وَغَلِطَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ، فَجَعَلَ سُمَيّةَ هَذِهِ الْمَذْكُورَةَ أُمّ عَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَجَعَلَ سَلَمَةَ بْنَ الْأَزْرَقِ أَخَا عَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ لِأُمّهِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَنّ الْأَزْرَقَ خَرَجَ مِنْ الطّائِفِ، فَأَسْلَمَ وَسُمَيّةُ قَدْ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ قَتَلَهَا أَبُو جَهْلٍ، وَهِيَ إذْ ذَاكَ تَحْتَ يَاسِرٍ أَبِي عَمّارٍ، كَمَا تَقَدّمَ فِي بَابِ الْمَبْعَثِ. فَتَبَيّنَ غَلَطُ ابْنِ قُتَيْبَةَ وَوَهْمُهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو عُمَرَ النّمِرِيّ كَمَا قُلْت. وَمِنْ أُولَئِكَ الْعَبِيدِ: الْمُنْبَعِثُ، وَكَانَ اسْمُهُ الْمُضْطَجِعُ، فَبَدّلَ النّبِيّ ﷺ اسْمَهُ، وَكَانَ عَبْدًا لِعُثْمَانِ بن عامر ابن مُعَتّبٍ.
وَمِنْهُمْ يُحَنّسُ النّبّالُ، وَكَانَ عَبْدًا لِبَعْضِ آلِ يَسَارٍ.
وَمِنْهُمْ: وَرْدَانُ جَدّ الْفُرَاتِ بْنِ زَيْدِ بْنِ وَرْدَان، وَكَانَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ رييعة بْنِ خَرَشَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ، وَكَانَ أَيْضًا لِخَرَشَةَ، وَجَعَلَ النّبِيّﷺ- وَلَاءَ هَؤُلَاءِ الْعَبِيدِ لِسَادَتِهِمْ، حِينَ أَسْلَمُوا. كُلّ هَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابن هشام «١» .
_________________
(١) ومنهم: يسار، وأبو السائب، ومرزوق ص ٤١٨ إمتاع الأسماع للمقريزى.
[ ٧ / ٢٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ فِيهِمْ نَافِعَ بْنَ مَسْرُوحٍ، وَهُوَ أَخُو نُفَيْعِ أَبِي بَكْرَةَ، وَيُقَالُ فِيهِ وَفِي أَخِيهِ ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ.
وَذَكَرَ ابْنُ سَلَامٍ فِيهِمْ نَافِعًا مَوْلَى غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثّقَفِيّ، وَذَكَرَ أَنّ وَلَاءَهُ رَجَعَ إلَى غَيْلَانَ حِينَ أَسْلَمَ وَأَحْسَبُهُ وَهْمًا مِنْ ابْنِ سَلَامٍ، أَوْ مِمّنْ رَوَاهُ عَنْهُ، وَإِنّمَا الْمَعْرُوفُ نَافِعُ بْنُ غَيْلَانَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
مِنْ نَسَبِ بُجَيْرِ بْنِ زُهَيْرٍ:
وَذَكَرَ شِعْرَ بُجَيْرِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى، وَاسْمُ أَبِي سُلْمَى: رَبِيعَةُ، وَهُوَ مِنْ بَنِي لَاطِمِ بْنِ عُثْمَانَ، وهم مُزَيْنَةُ، عُرِفُوا بِأُمّهِمْ، وَقَدْ قَدّمْنَا أَنّهَا بِنْتُ كَلْبِ بْنِ وَبَرَةَ، وَأَنّ أُخْتَهَا الْحَوْأَبُ، وَبِهَا سُمّيَ مَاءُ الْحَوْأَبِ، وَعُثْمَانُ هُوَ ابْنُ أَدّ بْنِ طَابِخَةَ.
حَوْلَ شِعْرِ بُجَيْرٍ:
وَقَوْلُهُ:
كَانَتْ عُلَالَةُ يَوْمَ بَطْنِ حُنَيْنٍ
هَذَا مِنْ الْإِقْوَاءِ الّذِي تَقَدّمَ ذِكْرُهُ، وَهُوَ أَنْ يُنْقِصَ حَرْفًا مِنْ آخِرِ الْقَسِيمِ الْأَوّلِ مِنْ الْكَامِلِ، وَهُوَ الذى كان الأصمعىّ يسميه المقعد «١» .
_________________
(١) وكذلك كان يسميه الخليل لنقصانه من عروض البيت قوة. وأبو ذر الخشنى يقرأ حنينا مصغرة أى يتضعيف الياء مع كسرها مصغرة، وبهذا لا يكون فى البيت إقواء.
[ ٧ / ٢٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: كَانَتْ عُلَالَةَ. الْعُلَالَةُ: جَرْيٌ بَعْدَ جَرْيٍ، أَوْ قِتَالٌ بَعْدَ قِتَالٍ»
، يُرِيدُ: أَنّ هَوَازِنَ جَمَعَتْ جَمْعَهَا عُلَالَةً فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَحُذِفَ التّنْوِينُ مِنْ عُلَالَةَ ضَرُورَةً، وَأُضْمِرَ فِي كَانَتْ اسْمُهَا، وَهُوَ الْقِصّةُ، وَإِنْ كَانَتْ الرّوَايَةُ بِخَفْضِ يَوْمٍ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْتِزَامِ الضّرُورَةِ الْقَبِيحَةِ بِالنّصْبِ، وَلَكِنّ أَلْفِيّتَهُ فِي النّسْخَةِ الْمُقَيّدَةِ، وَإِذَا كَانَ الْيَوْمُ مَخْفُوضًا بِالْإِضَافَةِ جَازَ فِي عُلَالَةَ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى خَبَرِ كَانَ، فَيَكُونُ اسْمُهَا عَائِدًا عَلَى شَيْءٍ تَقَدّمَ ذِكْرُهُ، وَيَجُوزُ الرّفْعُ فِي عُلَالَةَ مَعَ إضَافَتِهَا إلَى يَوْمٍ عَلَى أَنْ تَكُونَ كَانَ تَامّةً مُكْتَفِيَةً بِاسْمٍ واحد، ويجور أَنْ تَجْعَلَهَا اسْمًا عَلَمًا لِلْمَصْدَرِ مِثْلَ بَرّةَ وَفَجَارِ «٢»، وَيُنْصَبُ يَوْمٌ عَلَى الظّرْفِ كَمَا تَقَيّدَ فِي النّسْخَةِ.
وَقَوْلُهُ: تَرْتَدّ حَسْرَانَا، جَمْعُ: حَسِيرٍ وَهُوَ الْكَلِيلُ. وَالرّجْرَاجَةُ: الْكَتِيبَةُ الضّخْمَةُ مِنْ الرّجْرَجَةِ، وَهِيَ شِدّةُ الْحَرَكَةِ وَالِاضْطِرَابِ. وَفَيْلَقٌ: مِنْ الْفِلْقِ، وَهِيَ الدّاهِيَةُ. وَالْهَرَاسُ: شَوْكٌ مَعْرُوفٌ وَالضّرَاءُ: الْكِلَابُ، وَهِيَ إذَا مَشَتْ فِي الْهَرَاسِ ابْتَغَتْ لِأَيْدِيهَا مَوْضِعًا، ثُمّ تَضَعُ أَرْجُلَهَا فِي مَوْضِعِ أَيْدِيهَا، شَبّهَ الْخَيْلَ بِهَا. وَالْفُدُرُ: الْوُعُولُ الْمُسِنّةُ. وَالنّهِيءُ: الْغَدِيرُ، سُمّيَ بِذَلِكَ، لِأَنّهُ مَاءٌ نَهَاهُ مَا ارتفع من الأرض عن السّيلان فوقف.
_________________
(١) وهى من العلل: الشرب بعد الشرب، وأراد به هاهنا معنى التكرار كما قال أبو ذر ص ٤١٠.
(٢) فجار اسم للفجرة والفجور مثل قطام، وهو معرفة علم غير مصروف وبرة كذلك اسم علم غير مصروف بمعنى البر، قال النابغة: إنا اقتسمنا خطتينا بيننا فحملت برة واحتملت فجار
[ ٧ / ٢٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: جُدُلٌ: جَمْعُ جَدْلَاءَ، وَهِيَ الشّدِيدَةُ الْفَتْلِ، وَمَنْ رَوَاهُ: جَدْلٌ، فَمَعْنَاهُ: ذَاتُ جَدْلٍ.
وَقَوْلُهُ: وَآل مُحَرّقِ يَعْنِي عُمَرَ بْنِ هِنْدَ مَلِكَ الْحِيرَةِ، وَقَدْ تَقَدّمَ فِي أَوّلِ الْكِتَابِ سَبَبُ تَسْمِيَتِهِ بِمُحَرّقٍ، وَفِي زَمَانِهِ وُلِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا ذَكَرُوا- وَاَللهُ أَعْلَمُ.
دَحْنَا وَمَسْحُ ظَهْرِ آدَمَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ انْصِرَافَ النّبِيّ ﷺ عَنْ الطّائِفِ عَلَى دَحْنَا.
وَدَحْنَا هَذِهِ هِيَ الّتِي خُلِقَ مِنْ تُرْبِهَا آدَمُ صَلّى اللهُ عَلَى نَبِيّنَا وَعَلَيْهِ، وَفِي الْحَدِيثِ: إنّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ دَحْنَا، وَمَسَحَ ظَهْرَهُ بِنُعْمَانِ الْأَرَاكِ «١» رَوَاهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وَكَانَ مَسْحُ ظَهْرِ آدَمَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْجَنّةِ بِاتّفَاقٍ مِنْ الرّوَايَاتِ، وَاخْتَلَفَتْ الرّوَايَةُ فِي مَسْحِ ظَهْرِهِ، فَرُوِيَ مَا تقدم، وهو أصح، وروى أن
_________________
(١) قال البكرى: موضع بسيف البحر، وفى اللسان: بين الطائف ومكة، وعند ياقوت أنها من مخاليف الطائف: ويرى البكرى أن ابن إسحاق أراد أنه سلك على وحى، إذ ليس فى الطائف سيف تجر. ونعمان: وادى عرفة دونها إلى منى، وهو كثير الأراك. وفى ياقوت: واد بنبته- أى ينبت الأراك- وبصب إلى ودان بلد غزاه النبى وهو بين مكة والطائف، يسكنه هذيل «معجم ياقوت وكتابه المشترك وضعا» وزعم أن الله خلق آدم من دحنا قول لا يثيته سند صحيح. ويخالف ما رواه أحمد وأبو داود والترمذى وابن حبان فى صحيحه من أن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض. ثم: ألا يكفينا ما ورد فى القرآن.
[ ٧ / ٢٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذَلِكَ كَانَ فِي سَمَاءِ الدّنْيَا قَبْلَ هُبُوطِهِ إلَى الْأَرْضِ، وَهُوَ قَوْلُ السّدّيّ، وَكِلْتَا الرّوَايَتَيْنِ ذَكَرَهُمَا الطّبَرِيّ.
وَقَوْلُهُ: حَتّى نَزَلَ الْجِعْرَانَةَ، بِسُكُونِ الْعَيْنِ فِيهَا هُوَ أَصَحّ الرّوَايَتَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطّابِيّ أَنّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ يُشَدّدُونَ الرّاءَ «١»، وَقَدْ ذُكِرَ أَنّ الْمَرْأَةَ الّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوّةٍ كَانَتْ تُلَقّبُ بِالْجِعْرَانَةِ، وَاسْمُهَا:
رَيْطَةُ بِنْتُ سَعْدٍ، وَأَنّ الْمَوْضِعَ يُسَمّى بِهَا، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
حَوْلَ قَوْلِ زُهَيْرٍ أَبِي صُرَدٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ زُهَيْرًا أَبَا صُرَدٍ، وَقَوْلُهُ لِلنّبِيّ ﷺ: وَلَوْ أَنّا مَلَحْنَا لِلْحَارِثِ بْنِ أَبِي شَمِرٍ، أَوْ لِلنّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَقَدْ تَقَدّمَ فِي أَوّلِ الْكِتَابِ التّعْرِيفُ بِالْحَارِثِ وَبِالنّعْمَانِ، وَمَلَحْنَا: أَرْضَعْنَا، وَالْمِلْحُ: الرّضَاعُ قَالَ الشّاعِرُ:
فَلَا يُبْعِدُ اللهُ رَبّ الْعِبَا دِ وَالْمِلْحُ مَا وَلَدَتْ خَالِدَهْ
هُمْ الْمُطْعِمُو الضّيف شحم السّنا م والكاسرو والليلة الْبَارِدَهْ
وَهُمْ يَكْسِرُونَ صُدُورَ الْقَنَاِ بِالْخَيْلِ تُطْرَدُ أَوْ طَارِدَهْ
فَإِنْ يَكُنْ الْمَوْتُ أَفْنَاهُمْ فَلِلْمَوْتِ مَا تَلِدُ الْوَالِدَهْ
وَأَمّا زُهَيْرٌ الّذِي ذَكَرَهُ فَهُوَ ابْنُ صُرَدٍ يُكَنّى أَبَا صُرَدٍ، وقيل أبا جرول،
_________________
(١) بكسر الجيم والعين وتشديد الراء هكذا يقوله العراقيون، أما لحجازيون فيخففون، فيقولونها بالضبط الأول. وكذلك الحديبية، العراقيون يشددون، والحجازيون يخففون.
[ ٧ / ٢٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَانَ مِنْ رُؤَسَاءِ بَنِي جُشَمٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ إسْحَاقَ شِعْرَهُ فِي النّبِيّ ﷺ ذَلِكَ الْيَوْمَ فِي رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ وَذَكَرَهُ فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْهُ وَهُوَ:
أَمْنِنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللهِ فِي كَرَمٍ فَإِنّك الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَنْتَظِرُ
اُمْنُنْ عَلَى بَيْضَةٍ قَدْ عَاقَهَا قَدَرٌ مُمَزّقٌ شَمْلَهَا فِي دَهْرِهَا غِيَرُ
يَا خَيْرَ طِفْلٍ وَمَوْلُودٍ وَمُنْتَخَبٍ فِي الْعَالَمِينَ إذَا مَا حُصّلَ الْبَشَرُ
إنْ لَمْ تُدَارِكْهُمْ نَعْمَاءُ تَنْشُرُهَا يَا أَرْجَحَ النّاسِ حِلْمًا حِينَ يُخْتَبَرُ
اُمْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْت تَرْضَعُهَا إذْ فُوك تَمْلَأُهُ مِنْ مَحْضِهَا الدّرَرُ
إذْ كُنْت طِفْلًا صَغِيرًا كُنْت تَرْضَعُهَا «١» وَإِذْ يُزَيّنْكَ مَا تَأْتِي وَمَا تَدَرُ
لَا تَجْعَلَنّا كمن شالت نعامته واستبق منا فإنا مَعْشَرٌ زُهْرُ
يَا خَيْرَ مَنْ مَرَحَتْ كُمْتُ الْجِيَادِ بِهِ عِنْدَ الْهِيَاجِ إذَا مَا اسْتَوْقَدَ الشّرَرُ
إنّا لَنَشْكُرُ آلَاءً وَإِنْ كُفِرَتْ وَعِنْدَنَا بعد هذا اليوم مدّخر
_________________
(١) فى البداية: امنن على نسوة قد كنت ترضعها.
[ ٧ / ٢٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إنّا نُؤَمّلُ عَفْوًا مِنْك تَلْبَسُهُ «١» هَذِي الْبَرِيّةِ إذْ تَعْفُو وَتَنْتَصِرُ
فَاغْفِرْ عَفَا اللهُ عَمّا أَنْتَ رَاهِبُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إذْ يُهْدَى لَك الظّفَرُ
مِنْ أَحْكَامِ السّبَايَا:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ رَدّ السّبَايَا إلَى هَوَازِنَ، وَأَنّهُ مَنْ لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِالرّدّ عَوّضَهُ مِمّا كَانَ بِيَدِهِ، وَاسْتَطَابَ نُفُوسَ الْبَاقِينَ، وَذَلِكَ أَنّ الْمَقَاسِمَ كَانَتْ قَدْ وَقَعَتْ فِيهِمْ، وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُنّ عَلَى الْأَسْرَى بَعْدَ الْقَسْمِ، وَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ الْمَقَاسِمِ، كَمَا فَعَلَ النّبِيّﷺ- بِأَهْلِ خَيْبَرَ حِينَ مَنّ عَلَيْهِمْ، وَتَرَكَهُمْ عُمّالًا لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَرْضِهِمْ الّتِي افْتَتَحُوهَا عَنْوَةً، كَذَلِكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، قَالَ: وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُنّ عَلَيْهِمْ، فَيَرُدّهُمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَلَكِنْ عَلَى أَنْ يُؤَدّوا الْجِزْيَةَ، وَيَكُونُوا تَحْتَ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ، وَالْإِمَامُ مُخَيّرٌ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْفِدَاءِ وَالْمَنّ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَالْفِدَاءِ بِالنّفُوسِ لَا بِالْمَالِ كَذَلِكَ، قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ هَذَا فِي الرّجَالِ، وَأَمّا الذّرَارِيّ وَالنّسَاءُ، فَلَيْسَ إلّا الِاسْتِرْقَاقُ، أَوْ الْمُفَادَاةُ بِالنّفُوسِ دُونَ الْمَالِ كَمَا تَقَدّمَ.
وَذَكَرَ الْجَارِيَةَ الّتِي أُعْطِيَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَنّهُ بَعَثَ بِهَا إلَى أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي جُمَحٍ لِيُصْلِحُوا لَهُ مِنْهَا كَيْ يُصِيبَهَا، وَهَذَا لِأَنّهَا كَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ، لِأَنّهُ لَا يَجُوزُ وَطْءُ وَثَنِيّةٍ وَلَا مَجُوسِيّةٍ بِمِلْكِ يَمِينٍ، وَلَا بِنِكَاحٍ حَتّى تُسْلِمَ، وإن
_________________
(١) فى الأصل: منك عفوا.
[ ٧ / ٢٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كانت ذات زوج، فلابد أَيْضًا مِنْ اسْتِبْرَائِهَا، وَأَمّا الْكِتَابِيّاتُ، فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ وَطْئِهِنّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ التّابِعِينَ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ إبَاحَةُ وَطْءِ الْمَجُوسِيّةِ وَالْوَثَنِيّةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى:
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ تَحْرِيمٌ عَامّ إلّا مَا خَصّصَتْهُ آيَةُ الْمَائِدَةِ مِنْ الْكِتَابِيّاتِ، وَالنّكَاحُ يَقَعُ عَلَى الْوَطْءِ بِالْعَقْدِ وَالْمِلْكِ.
حَوْلَ سَبْيِ حُنَيْنٍ:
وَكَانَ سَبْيُ حُنَيْنٍ سِتّةَ آلَافِ رَأْسٍ «١»، وَكَانَ النّبِيّﷺ- قَدْ وَلّى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَمْرَهُمْ، وَجَعَلَهُ أَمِينًا عَلَيْهِمْ، قَالَهُ الزّبَيْرُ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ ذَكَرَهُ الزّبَيْرُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أن أباجهم بْنَ حُذَيْفَةَ الْعَدَوِيّ كَانَ عَلَى الْأَنْفَالِ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَجَاءَهُ خَالِدُ بْنُ الْبَرْصَاءِ، فَأَخَذَ مِنْ الْأَنْفَالِ زِمَامَ شَعْرٍ فَمَانَعَهُ أَبُو جَهْمٍ، فَلَمّا تَمَانَعَا ضَرَبَهُ أَبُو جَهْمٍ بِالْقَوْسِ فَشَجّهُ مُنَقّلَةٌ «٢»، فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ خَالِدٌ رَسُولَ اللهِﷺ- فَقَالَ لَهُ: خُذْ خَمْسِينَ شَاةً ودعه، فقال أقدنى منه، فقال خذمائة، ودعه، فقال: أفدنى مِنْهُ، فَقَالَ: خُذْ خَمْسِينَ وَمِائَةً وَدَعْهُ، وَلَيْسَ لَك إلّا ذَلِكَ، وَلَا أُقِصّكَ مِنْ وَالٍ عَلَيْك، فَقُوّمَتْ الْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً مِنْ الْإِبِلِ، فَمِنْ هُنَالِكَ جُعِلَتْ دِيَةُ الْمُنَقّلَةِ خمس عشرة فريضة «٣» .
_________________
(١) وقيل كان مع هذا من الإبل أربعة وعشرون وألف، ومن الغنم أكثر من أربعين ألف شاة، ومن الفضة أربعة آلاف أوقية.
(٢) منقلة كمحدثة: الشجة التى تنقل منها فراش العظام.
(٣) وردت ديتها فى حديث صحيفة عمرو بن حزم. الذى قال عنه أبو داود-
[ ٧ / ٢٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إعْطَاءُ الْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ الْغَنَائِمِ:
فَصْلٌ: وَأَمّا إعْطَاءُ رَسُولِ اللهِﷺ الْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ حَتّى تَكَلّمَتْ الْأَنْصَارُ فِي ذَلِكَ، وَكَثُرَتْ مِنْهُمْ الْقَالَةُ، وَقَالَتْ:
يُعْطِي صَنَادِيدَ الْعَرَبِ وَلَا يُعْطِينَا، وَأَسْيَافُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَلِلْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنّهُ أَعْطَاهُمْ مِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْدُودٌ لِأَنّ خُمْسَ الْخُمْسِ مِلْكٌ لَهُ وَلَا كَلَامَ لِأَحَدٍ فِيهِ.
الْقَوْلُ الثّانِي: أَنّهُ أَعْطَاهُمْ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ، وَأَنّ ذَلِكَ خصوص بِالنّبِيّ ﷺ لِقَوْلِهِ ﵎ (قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) وَهَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا يَرُدّهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ نُسَخِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَدْ تَقَدّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، غَيْرَ أَنّ بعض العلماء احتج لِهَذَا الْقَوْلِ بِأَنّ الْأَنْصَارَ لَمّا انْهَزَمُوا يَوْمَ حُنَيْنٍ فَأَيّدَ اللهُ رَسُولَهُ وَأَمَدّهُ بِمَلَائِكَتِهِ، فَلَمْ يَرْجِعُوا حَتّى كَانَ الْفَتْحُ، رَدّ اللهُ تَعَالَى أَمْرَ الْمَغَانِمِ إلَى رَسُولِهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ فَلَمْ يُعْطِهِمْ مِنْهَا شَيْئًا وَقَالَ لَهُمْ: أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النّاسُ بِالشّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُوا بِرَسُولِ اللهِ إلَى رحالكم، فطيّب نفوسهم بذلك بعد ما فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ.
وَالْقَوْلُ الثّالِثُ: وَهُوَ الّذِي اخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ أَنّ إعْطَاءَهُمْ كَانَ مِنْ الْخُمْسِ حَيْثُ يَرَى أَنّ فِيهِ مَصْلَحَةً للمسلمين.
_________________
(١) - لا يصح.. ولا أحدث به: وقال ابن حزم فى المحلى: صحيفة عمرو بن حزم منقطعة لا تقوم بها حجة. والفريضة: أصلها البعير المأخوذ فى الزكاة، ثم اتسع فيه.
[ ٧ / ٢٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فَصْلٌ: وَمِمّا لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ إسْحَاقَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَنّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أُثْقِلَ بِالْجِرَاحَةِ يَوْمَئِذٍ، فَأَتَاهُ النّبِيّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ يَدُلّنِي عَلَى رَحْلِ خَالِدٍ حَتّى دُلّ عَلَيْهِ، فَوَجَدَهُ قَدْ أُسْنِدَ إلَى مُؤَخّرَةِ رَحْلِهِ، فَنَفَثَ عَلَى جُرْحِهِ فَبَرِئَ، ذَكَرَهُ الْكَشّيّ. وَصْفُ عَجُوزِ ابْنِ حِصْنٍ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَقَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ صُرَدٍ لَهُ فِي الْعَجُوزِ الّتِي أَخَذَهَا: مَا فُوهَا بِبَارِدٍ، وَلَا ثَدْيُهَا بِنَاهِدٍ، وَلَا دَرّهَا بِمَاكِدٍ، وَيُقَالُ أَيْضًا بِنَاكِدٍ، يُرِيدُ: لَيْسَتْ بِغَزِيرَةِ الدّرّ، وَالنّوقُ النّكْدُ: الْغَزِيرَاتُ اللّبَنِ، وَأَحْسَبُهُ مِنْ الْأَضْدَادِ، لِأَنّهُ قَدْ يُقَالُ أَيْضًا نَكِدَ لَبَنُهَا إذَا نَقَصَ، قَالَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ، وَالصّحِيحُ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ أَنّ النّكِدَ هِيَ الْقَلِيلَاتُ اللّبَنِ مِنْ قَوْلِهِ ﷿: (لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا) وَأَنّ الْمُكْدَ بِالْمِيمِ هِيَ الْغَزِيرَاتُ اللّبَنِ، قَالَ ابْنُ سِرَاجٍ، لِأَنّهُ مِنْ مَكَدَ فِي الْمَكَانِ إذَا أَقَامَ فِيهِ، وَقَدْ يُقَالُ أَيْضًا: نَكِدَ فِي مَعْنَى مَكَدَ، أَيْ ثَبَتَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: وَذَكَرَ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، وَكَانَ مِنْ الْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ، ثُمّ حَسُنَ إسْلَامُهُ بَعْدُ، وَهُوَ الّذِي قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) أَفِي كُلّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لَوْ قُلْتهَا لَوَجَبَتْ، وَهُوَ الّذِي قَالَ لِلنّبِيّ ﷺ حِينَ أَقْطَعَ أَبْيَضَ بْنَ حَمّالٍ الْمَاءَ الّذِي
[ ٧ / ٢٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِمَأْرِبٍ: أَتَدْرِي مَا أَقْطَعْته يَا رَسُولَ اللهِ؟ إنّمَا أَقْطَعْته الْمَاءَ الْعِدّ «١»، فَاسْتَرْجَعَهُ النّبِيّﷺ- وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ، غَيْرَ أَنّهُ لَمْ يُسَمّ قَائِلَ هَذَا الْكَلَامَ فِيهِ إلّا الدّارَقُطْنِيّ فِي رِوَايَتِهِ، وَزَادَ فِيهِ أَيْضًا: قَالَ أَبْيَضُ: عَلَى أَنْ يَكُونَ صَدَقَةً مِنّي يَا رَسُولَ اللهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: نَعَمْ، وَأَمّا نَسَبُ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، فَهُوَ ابْنُ حَابِسِ بْنِ عِقَالٍ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ مُجَاشِعِ [بْنِ دَارِمٍ] التّمِيمِيّ الْمُجَاشِعِيّ الدّارِمِيّ، وَأَمّا عُيَيْنَةُ، فَاسْمُهُ: حُذَيْفَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيّ، وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُهُ.
مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ تَوْلِيَةَ النّبِيّ ﷺ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ عَلَى ثُمَالَةَ وَبَنِيّ سَلِمَةَ وَفَهْمٍ. وَثُمَالَةُ هُمْ بَنُو أَسْلَمَ بْنُ أَحْجَنَ أُمّهُمْ: ثُمَالَةُ، وَقَوْلُ أَبِي مِحْجَنٍ فِيهِ:
هَابَتْ الْأَعْدَاءُ جَانِبَنَا ثُمّ تَغْزُونَا بَنُو سَلَمَهْ
هَكَذَا تَقَيّدَ فِي النّسْخَةِ بِكَسْرِ اللّامِ، وَالْمَعْرُوفُ فِي قَبَائِلِ قَيْسٍ: سَلَمَةُ بِالْفَتْحِ إلّا أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْأَزْدِ، فَإِنّ ثُمَالَةَ الْمَذْكُورِينَ مَعَهُمْ حَيّ مِنْ الْأَزْدِ وَفَهْمٌ مِنْ دَوْسٍ، وَهُمْ مِنْ الْأَزْدِ أَيْضًا، وَأُمّهُمْ: جَدِيلَةُ وَهِيَ مِنْ غَطَفَانَ بْنِ قَيْسِ بْنِ غَيْلَانَ، عَلَى أَنّهُ لَا يُعْرَفُ فِي الْأَزْدِ سلمة إلا فى الأنصار، وهم من
_________________
(١) أى الدائم الذى لا انقطاع لمادته، وجمعه: أعداد. وقد روى حديثه هذا أبو داود والترمذى والنسائى فى الكبرى وابن ماجة وابن حبان فى صحيحه
[ ٧ / ٢٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْأَزْدِ وَسَلِمَةُ أَيْضًا فِي جُعْفَى هُمْ، وَسَلِمَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ذُهْلِ بْنِ مُرّانَ بْنُ جُعْفِيّ، وَسَلِمَةُ فِي جُهَيْنَةَ أَيْضًا سَلِمَةُ بْنُ نَصْرِ بْنِ غَطَفَانَ بْنِ قَيْسِ بْنِ جُهَيْنَةَ وَجُعْفِيّ مِنْ مَذْحِجَ، وَجُهَيْنَةُ مِنْ قُضَاعَةَ «١» .
وَأَمّا مِحْجَنٌ، فَاسْمُهُ: مَالِكُ بْنُ حَبِيبٍ، وَقِيلَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ حَبِيبٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُقْدَةَ بْنِ غِيَرَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ قَيْسٍ الثّقَفِيّ، وَقَدْ تَقَدّمَ نَسَبُ أُحْجَنَ عِنْدَ ذِكْرِنَا لَهَبَ بْنَ أُحْجَنَ قَبْلَ بَابِ الْمَبْعَثِ.
وَذَكَرَ أَبَا السّنَابِلِ بْنَ بَعْكَكٍ، وَاسْمُهُ: حَبّةُ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الدّارِ، وَكَانَ شَاعِرًا وَحَدِيثُهُ مَعَ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيّةِ حِينَ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا مَذْكُورٌ فِي الصّحَاحِ «٢» .
قَوْلُ النّبِيّ ﷺ لِمِرْدَاسٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ ﷺ لِعَبّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ أَنْتَ الْقَائِلُ: فَأَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبُ الْعَبِيدِ بَيْنَ الأقرع وعيينة؟
_________________
(١) فى القاموس «وبنو سلمة بطن من الأنصار، وابن كهلاء فى بجيلة، وابن الحارث فى كندة، وابن عمرو بن ذعل، واين غطفان بن قيس وعميرة ابن خفاف بن سلمة، وعبد الله بن سلمة البدرى الأحدى. وعمرو بن سلمة الهمدانى وعبد الله بن سلمة المرادى. وأخطأ الجوهرى فى قوله: وليس سلمة فى العرب غير بطن الأنصار» وقد نقل اللسان قول الجوهرى ولم يعقب عليه.
(٢) لما مات زوج سبيعة وضعت حملها وتهيأت للخطاب، فأنكر عليها أبو السنابل، وقال. حتى تعتدى أربعة أشهر وعشرا، فسألت النبى ﷺ، فأعلمها أن قد حلت. هذا ما ورد فى الصحيحين. أقول: وفى القرآن عن عدة ذات الحمل: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) وقد روى أنها ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر. وقد أخرج قصة سبيعة البخارى ومسلم ومالك وأبو داود والنسائى. وفى الأصل عن نسبتها الإسلامية.
[ ٧ / ٢٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ: بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هُمَا وَاحِدٌ، يَعْنِي فِي الْمَعْنَى، وَأَمّا فِي الْفَصَاحَةِ، فَاَلّذِي أُجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ ﷺ هُوَ الْأَفْصَحُ فِي تَنْزِيلِ الْكَلَامِ وَتَرْتِيبِهِ، وَذَلِكَ أَنّ الْقَبْلِيّةَ تَكُونُ بِالْفَضْلِ نَحْوَ قوله تعالى: مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَتَكُونُ بِالرّتْبَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى حِينَ ذَكَرَ الْيَهُودَ وَالنّصَارَى، فَقَدِمَ الْيَهُودُ لِمُجَاوَرَتِهِمْ الْمَدِينَةَ، فَهُمْ فِي الرّتْبَةِ قَبْلَ النّصَارَى، وَقَبْلِيّةٌ بِالزّمَانِ نَحْوَ ذِكْرِ التّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بَعْدَهُ وَنُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ، وَقَبْلِيّةٌ بِالسّبَبِ، وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ مَا هُوَ عِلّةُ الشّيْءِ وَسَبَبُ وُجُودِهِ، ثُمّ يَذْكُرُ الْمُسَبّبَ بَعْدَهُ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ مِثْلُ أَنْ يَذْكُرَ مَعْصِيَةً وَعِقَابًا أَوْ طَاعَةً وَثَوَابًا فَالْأَجْوَدُ فِي حُكْمِ الْفَصَاحَةِ تَقْدِيمُ السّبَبِ. الْقَبْلِيّةُ بَيْنَ الْأَقْرَعِ وَعُيَيْنَةَ: وَالْأَقْرَعُ وَعُيَيْنَةُ مِنْ بَابِ قَبْلِيّةِ الْمَرْتَبَةِ، وَقَبْلِيّةِ الْفَضْلِ، أَمّا قَبْلِيّةُ الرّتْبَةِ فَإِنّهُ مِنْ خِنْدِفٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى النّبِيّ ﷺ مِنْ عُيَيْنَةَ، فَتَرَتّبَ فِي الذّكْرِ قَبْلَهُ، وَأَمّا قَبْلِيّةُ الْفَضْلِ، فَإِنّ الْأَقْرَعَ حَسُنَ إسْلَامُهُ وَعُيَيْنَةَ لَمْ يَزَلْ مَعْدُودًا فِي أَهْلِ الْجَفَاءِ حَتّى ارْتَدّ وَآمَنَ بِطُلَيْحَةَ، وَأُخِذَ، أَسِيرًا فَجَعَلَ الصّبْيَانُ يَقُولُونَ لَهُ- وَهُوَ يُسَاقُ إلَى أَبِي بَكْرٍ- وَيْحَك يَا عَدُوّ اللهِ ارْتَدَدْت بَعْدَ إيمَانِك، فَيَقُولُ: وَاَللهِ مَا كُنْت آمَنْت، ثُمّ أَسْلَمَ فِي الظّاهِرِ، وَلَمْ يَزَلْ جَافِيًا أَحْمَقَ حَتّى مَاتَ،
[ ٧ / ٢٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَبِحَسْبِك تَسْمِيَةُ النّبِيّ ﷺ لَهُ: الْأَحْمَقُ الْمُطَاعُ «١» وَمِمّا يُذْكَرُ مِنْ جَفَائِهِ أَنّ عَمْرَو بْنَ مَعْدِي كَرِبَ نَزَلَ بِهِ ضَيْفًا، فَقَالَ لَهُ عُيَيْنَةُ: هَلْ لَك فِي الْخَمْرِ نَتَنَادَمُ عَلَيْهَا؟ فَقَالَ عَمْرٌو: أَلَيْسَتْ مُحَرّمَةً فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ عُيَيْنَةُ إنّمَا قَالَ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، فَقُلْنَا نَحْنُ: لَا، فَشَرِبَا.
حَدِيثُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ وَذَكَرَ حَدِيثَ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التّمِيمِيّ، وَمَا قَالَ فِيهِ النّبِيّ ﵇ وَفِي شِيعَتِهِ، وَقَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِهِ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ إلَى صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ إلَى صِيَامِهِمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدّينِ كَمَا يَمْرُقُ السّهْمُ مِنْ الرّمِيّةِ الْحَدِيثُ «٢»، فَكَانَ كَمَا قَالَﷺ- وَظَهَرَ صِدْقُ الْحَدِيثِ فِي الْخَوَارِجِ، وَكَانَ أَوّلُهُمْ مِنْ ضِئْضِئِي ذَلِكَ الرّجُلِ، أَيْ: مِنْ أَصْلِهِ، وَكَانُوا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ الّتِي قَالَ فِيهَا النّبِيّ ﷺ: منها يطلع قرن
_________________
(١) رواه سعيد بن منصور والطبرانى. لأنه كان قد دخل على النبى «ص» بدون استئذان، وعنده عائشة فقال: من هذه الجالسة إلى جانبك؟ قال: عائشة. قال: أفلا أنزل لك عن خير منها يعنى امرأته؟ فقال له النبى: أخرج فاستأذن، فقال: إنها يمين على ألا أستأذن على مضرى فقالت عائشة من هذا؟ فقال الأحمق المطاع. وقد ذكر الشافعى فى كتاب الأم فى باب من كتاب الركان أن عمر قتل عيينة على الردة.
(٢) أصل الحديث فى الصحيحين.
[ ٧ / ٢٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشّيْطَانِ، فَكَانَ بَدْؤُهُمْ مِنْ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ، وَكَانَ آيَتُهُمْ ذُو الثّدَيّةِ الّذِي قَتَلَهُ عَلِيّ ﵁، وَكَانَتْ إحْدَى يَدَيْهِ كَثَدْيِ الْمَرْأَةِ، وَاسْمُ ذِي الثّدَيّةِ نَافِعٌ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ، وغيره بقول اسْمُهُ: حُرْقُوصُ [بْنُ زُهَيْرٍ] «١» وَقَوْلُ أَبِي دَاوُدَ أَصَحّ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
شِعْرُ حَسّانَ فِي عِتَابِهِ ﷺ:
وَذَكَرَ شِعْرَ حَسّانَ وفيه:
هيفاء لاذنن فِيهَا وَلَا خَوَرُ
الذّنَنُ: الْغَدْرُ وَالتّفْلُ، وَالذّنِينُ الْمُخَاطُ، وَالذّنَنُ أَيْضًا أَلّا يَنْقَطِعَ حَيْضُ الْمَرْأَةِ، يقال: امرأة ذنّاء، وَلَوْ رُوِيَ بِالدّالِ الْمُهْمَلَةِ لَكَانَ جَيّدًا أَيْضًا، فَإِنّ الدّنَنَ بِالدّالِ هُوَ قِصَرُ الْعُنُقِ وَتَطَامُنُهَا، وَهُوَ عَيْبٌ. وَالْبَهْكَنَةُ: الضّخْمَةُ
حَوْلَ عِتَابِ النّبِيّ لِلْأَنْصَارِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّﷺ- للأنصار: ما قالة بلغتنى
_________________
(١) كذا فى القاموس، وفى الملل والنحل، للشهرستانى، وهو من المحكمة الأولى الذين خرجوا على على بن أبى طالب، واجتمعوا بحروراء قرية بظاهر الكوفة. ويقول أبو سعيد الخدرى فيما رواه الصحيحان عن الخوارج «آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل تدى المرأة أو مثل البضعة تدردر» ثم يقول: «وأشهد أن على بن أبى طالب قاتلهم. وأنا معه، وأمر بذلك للرجل فالتمس، فأتى به حتى نظرت إليه على نَعَتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الّذِي نعت» .
[ ٧ / ٢٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَنْكُمْ وَجْدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ، هَكَذَا الرّوَايَةُ: جِدَةٌ وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ اللّغَةِ: مَوْجِدَةٌ إذَا أَرَدْت الْغَضَبَ، وَإِنّمَا الْجِدَةُ فِي الْمَالِ.
وَقَوْلُهُ ﵇: فِي لُعَاعَةٍ مِنْ الدّنْيَا تَأَلّفْت بِهَا قَوْمًا، لِيُسْلِمُوا. اللّعَاعَةُ بَقْلَةٌ نَاعِمَةٌ، وَهَذَا نَحْوٌ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: الْمَالُ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَاللّعَةُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى: وَهِيَ الْمَرْأَةُ الْمَلِيحَةُ الْعَفِيفَةُ، وَاللّعْلَعُ: السّرَابُ، وَلُعَاعُهُ: بَصِيصُهُ «١» .
جُعَيْلَ بْنُ سُرَاقَةَ:
وَذَكَرَ جُعَيْلَ بْنَ سُرَاقَةَ، وَقَوْلَ النّبِيّﷺ- فِيهِ:
وَوَكَلْت جُعَيْلَ بْنَ سُرَاقَةَ إلَى إسْلَامِهِ. نَسَبَ ابْنُ إسْحَاقَ جُعَيْلًا إلَى ضَمْرَةَ، وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي غِفَارٍ، لِأَنّ غِفَارًا، هُمْ بَنُو مُلَيْلِ بْنِ ضمرة من بنى ليث بن بكر ابن عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ. وَأَمّا حَدِيثُ التّمِيمِيّ الّذِي قَالَ لِلنّبِيّ ﷺ حِينَ أَعْطَى الْمُؤَلّفَةَ قُلُوبُهُمْ: لَمْ أَرَك عَدَلْت، فَغَضِبَ النّبِيّ ﷺ، ثُمّ قَالَ: إذَا لَمْ يَكُنْ الْعَدْلُ عِنْدِي، فَعِنْدَ مَنْ يَكُونُ؟ وَقَالَ أَيْضًا: إنّي أَرَى قِسْمَةَ مَا أُرِيدُ بِهَا وَجْهَ اللهِ، فَقَالَ ﷺ: أَيَأْمَنُنِي اللهُ فِي السّمَاءِ، وَلَا تَأْمَنُونِي، أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ، فَالرّجُلُ هُوَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ، كَذَلِكَ جاء ذكره فى الحديث «٢» .
_________________
(١) فى اللسان: ولعاع الشمس: السراب، والأكثر: لعاب الشمس والعلع: السراب، واللعلعة: بصيصة.
(٢) هكذا ورد اسمه فى الصحيحين: ذو الخويصرة رجل من بنى تميم.
[ ٧ / ٢٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَيُذْكَرُ عَنْ الْوَاقِدِيّ أَنّهُ قَالَ: هُوَ حُرْقُوصُ بن زهير السّعدى من سند؟؟؟ تَمِيمٍ، وَقَدْ كَانَ لِحُرْقُوصٍ هَذَا مَشَاهِدُ مَحْمُودَةٌ فِي حَرْبِ الْعِرَاقِ مَعَ الْفُرْسِ أَيّامَ عُمَرَ، ثُمّ كَانَ خَارِجِيّا، وَفِيهِ يَقُولُ نُحَيْبَةُ الْخَارِجِيّ: حَتّى أُلَاقِيَ فِي الْفِرْدَوْسِ حُرْقُوصًا وَلِذَلِكَ قَالَ فِيهِ النّبِيّ ﷺ: إنّهُ سَيَكُونُ مِنْ ضِئْضِئِهِ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ إلَى صَلَاتِهِمْ، وَذَكَرَ صِفَةَ الْخَوَارِجِ، وَلَيْسَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ هذا ذا التّديّة الّذِي قَتَلَهُ عَلِيّ بِالنّهَرِ، وَأَنّ ذَلِكَ اسْمُهُ نافع، ذكره أبو داود، وكلام الوافدى حَكَاهُ ابْنُ الطّلّاعِ فِي الْأَحْكَامِ لَهُ. شِعْرُ بجير وكعب ابى زُهَيْرٍ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ قِصّةَ بُجَيْرِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى، وَاسْمُ أَبِي سُلْمَى: رَبِيعَةُ بْنُ رِيَاحٍ أَحَدُ بَنِي مُزَيْنَةَ. وَفِي شِعْرِ كعب إلى أخيه بجير: سقاك بها الْمَأْمُونُ كَأْسًا رَوِيّةً وَيُرْوَى: الْمَحْمُودُ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ، أَرَادَ بِالْمَحْمُودِ: مُحَمّدًاﷺ- وَكَذَلِكَ الْمَأْمُونُ وَالْأَمِينُ كَانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمّي بِهِمَا النّبِيّ ﷺ قَبْلَ النّبُوّةِ. وَقَوْلُهُ لِأَخِيهِ بُجَيْرٍ:
[ ٧ / ٢٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمّا وَلَا أَبًا عَلَيْهِ، وَلَمْ تُدْرِكْ عَلَيْهِ أَخَا لَكَا «١»
إنّمَا قَالَ ذَلِكَ، لِأَنّ أُمّهُمَا وَاحِدَةٌ، وَهِيَ كَبْشَةُ بِنْتُ عَمّارٍ السّحَيْمِيّةُ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ الْأَعْرَابِيّ عن ابن الكلبى.
وقوله: إمّا عثرت لعالكا، كلمة تقال للعاثر دعاء له بالإقلة قَالَ الْأَعْشَى:
فَالتّعْسُ أَدْنَى لَهَا مِنْ أَنْ يقال لعالها «٢»
وأنشد أبو عبيد:
فلالعا لِبَنِي فَعْلَانَ إذْ عَثَرُوا
وَقَوْلُ بُجَيْرٍ:
وَدِينُ زُهَيْرٍ وَهُوَ لَا شَيْءَ دِينُهُ
رِوَايَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ، وَقَدْ رَوَاهُ الْقَالِيّ، فَقَالَ: وَهُوَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ، وَفَسّرَهُ عَلَى التّقْدِيمِ وَالتّأْخِيرِ أَرَادَ: وَدِينُ زُهَيْرٍ غَيْرُهُ، وَهُوَ لَا شَيْءَ. وَرِوَايَةُ ابْنِ إسْحَاقَ أَبْعَدُ مِنْ الْإِشْكَالِ وَأَصَحّ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَكَعْبٌ هَذَا مِنْ فُحُولِ الشّعَرَاءِ هُوَ وَأَبُوهُ زهير، وكذلك ابنه عقبة
_________________
(١) فى السيرة: على خلق لم ألف يوما أباله عليه وما تلقى عليه أبالكا
(٢) البيت فى اللسان هكذا: بذات لوث عفرناة إذا عثرت فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا وكذلك هو فى معجم ابن فارس، وفى ديوان الأعشى. وفى نوادر أبى زيد ص ٣٨.
[ ٧ / ٢٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ يُعْرَفُ عُقْبَةُ بِالْمُضَرّبِ، وَابْنُ عُقْبَةَ الْعَوّامُ «١» شَاعِرٌ أَيْضًا، وَهُوَ الّذِي يَقُولُ:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ تَغَيّرَ بَعْدَنَا مَلَاحَةُ عَيْنَيْ أُمّ عَمْرٍو وَجِيدُهَا
وَهَلْ بَلِيَتْ أَثْوَابُهَا بَعْدَ جِدّةٍ أَلَا حَبّذَ أَخْلَاقُهَا وَجَدِيدُهَا «٢»
وَمِمّا يُسْتَحْسَنُ وَيُسْتَجَادُ مِنْ قَوْلِ كَعْبٍ:
لَوْ كُنْت أَعْجَبُ مِنْ شَيْءٍ لَأَعْجَبَنِي سَعْيُ الْفَتَى وَهُوَ مَخْبُوءٌ لَهُ الْقَدَرُ
يَسْعَى الْفَتَى لِأُمُورٍ لَيْسَ يدركها فالنّفس واحدة والهمّ منتشر
والمرء ماعاش مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ لَا تَنْتَهِي الْعَيْنُ حَتّى يَنْتَهِي الْأَثَرُ
وَقَوْلُهُ:
إنْ كُنْت لَا تَرْهَبُ ذَمّي لِمَا تَعْرِفُ مِنْ صَفْحِي عَنْ الْجَاهِلْ
_________________
(١) كان فى عهد بنى العباس. وفى سمط البكرى عنه «شاعر مفلق مقل من شعراء الحجاز.. والعوام من المعرقين فى الشعر، لأنهم خمسة شعراء فى نسق، وكان ربيعة أبو سلمى شاعرا» ص ٣٧٣، ٣٧٤.
(٢) بعده: نظرت إليها نظرة ما يسرنى بها حمر أنعام البلاد وسودها ومن القصيدة فى حماسة أبى تمام: ونبئت سوداء الغميم مريضة فأقبلت من مصر إليها أعودها فو الله ما أدرى إذا أنا جئتها أأبرئها من دائها أم أزيدها والشعر فى امرأة كلف بها من بنى عبد الله بن غطفان، فخرج فى ميرة إلى مصر فعلم أنها مريضة، فترك ميرته وكر راجعا إليها. فلما رأته أشارت إليه أن يرجع إلى ميرته، فرجع، فلما ماتت رثاها بقصيدة منها: سقى جدثا بين الغميم وزلفة أحم الذرى واهى العزالى مطيرها أنظر الحماسة بشرح التبريزى.
[ ٧ / ٢٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَاخْشَ سُكُوتِي إذْ أَنَا مُنْصِتٌ فِيك لِمَسْمُوعِ خَنَا الْقَائِلْ
فَالسّامِعُ الذّمّ شَرِيكٌ لَهُ وَمُطْعِمُ الْمَأْكُولِ كَالْآكِلْ
مَقَالَةُ السّوءِ إلَى أَهْلِهَا أَسْرَعُ مِنْ مُنْحَدِرٍ سَائِلْ
وَمَنْ دَعَا النّاسَ إلَى ذَمّهِ ذَمّوهُ بِالْحَقّ وَبِالْبَاطِلْ
قَصِيدَةُ بَانَتْ سُعَادُ:
وَذَكَرَ قَصِيدَتَهُ:
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ
وفيها قوله:
شجّت بذى شم
يَعْنِي: الْخَمْرَ، وَشُجّتْ كُسِرَتْ مِنْ أَعْلَاهَا لِأَنّ الشّجّة لا تكون إلا فى الرأس، والشّبم الْبَرْدُ، وَأَفْرَطَهُ: أَيْ مَلَأَهُ. وَالْبِيضُ الْيَعَالِيلُ:
السّحَابُ، وَقِيلَ: جِبَالٌ يَنْحَدِرُ الْمَاءُ مِنْ أَعْلَاهَا، وَالْيَعَالِيلُ أَيْضًا: الْغُدْرَانُ، وَاحِدُهَا يَعْلُولٌ؛ لِأَنّهُ يُعِلّ الْأَرْضَ بِمَائِهِ.
وَقَوْلُهُ: يَا وَيْحَهَا «١» خُلّةٌ قَدْ سِيطَ مِنْ دَمِهَا
أَيْ خُلِطَ بِلَحْمِهَا وَدَمِهَا هَذِهِ الْأَخْلَاقُ الّتِي وَصَفَهَا بِهَا مِنْ الْوَلَعِ وَهُوَ
_________________
(١) فى السيرة: لكنها.
[ ٧ / ٢٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْخَلْفُ، وَالْكَذِبُ، وَالْمَطْلُ، يُقَالُ: سَاطَ الدّمَ وَالشّرَابَ إذَا ضَرَبَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ. وَقَالَ الشّاعِرُ يَصِفُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبّاسٍ:
صَمُوتٌ إذَا مَا زَيّنَ الصّمْتُ أَهْلَهُ وَفَتّاقُ أَبْكَارِ الْكَلَامِ الْمُخَتّمِ
وَعَى مَا حَوَى الْقُرْآنُ مِنْ كُلّ حِكْمَةٍ وَسِيطَتْ لَهُ الْآدَابُ بِاللّحْمِ وَالدّمِ
وَالْغُولُ: الّتِي تَتَرَاءَى بِاللّيْلِ. وَالسّعْلَاةُ مَا تَرَاءَى بِالنّهَارِ مِنْ الْجِنّ، وَقَدْ أَبْطَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حُكْمَ الْغُولِ حَيْثُ قَالَ: لَا عَدْوَى وَلَا غُولَ «١»، وَلَيْسَ يُعَارِضُ هَذَا مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: إذَا تَغَوّلَتْ
_________________
(١) لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا غول «أحمد ومسلم» عن جابر. والصفر فى زعم العرب: حية تصيب الإنسان إذا جاع وتؤذيه، وأنها تعدى. وقيل أراد به النسىء الذى كانوا يفعلونه فى الجاهلية وهو تأخير المحرم إلى صفر ويجعلون صفر هو الشهر الحرام، فأبطله. والهامة تقدم ذكرها. ويقول ابن الأثير: هى من طير الليل، وقيل: هى البوم وكان العرب يتشاءمون بها، وقيل: كانت العرب تزعم أن روح القتيل الذى لا يدرك بثأره تصير هامة فتقول: اسقونى، فإذا أدرك بثأره طارت وقيل غير ذلك. والغول عند ابن الأثير جنس من الجن والشياطين كانت العرب تزعم أن الغول فى القلاة تتراءى للناس، فتتغول تغولا، أى: تتلون تلونا فى صور شتى، وتغولهم أى: تضلهم عن الطريق وتهلكهم. والنفى إما الوجود، وإما للزعم. ولم لا يكون للأمرين؟! وقد تأول ابن الاثير نفى العدوى بقوله «وقد أبطله الإسلام، لأنهم كانوا يظنون أن المرض بنفسه يتعدى، فأعلمهم النبى «ص» أنه ليس الأمر كذلك، وإنما الله هو الذى-
[ ٧ / ٢٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْغِيلَانُ فَارْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْأَذَانِ «١»، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي أَيّوبَ مَعَ الْغُولِ حِينَ أَخَذَهَا، لِأَنّ قَوْلَهُ ﵇: لَا غُولَ إنّمَا أَبْطَلَ بِهِ مَا كَانَتْ الْجَاهِلِيّةُ تَتَقَوّلُهُ مِنْ أَخْبَارِهَا وَخُرَافَاتِهَا مَعَهَا
وَقَوْلُهُ:
كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلًا
هُوَ: عُرْقُوبُ بْنُ صَخْرٍ مِنْ الْعَمَالِيقِ الّذِينَ سَكَنُوا يَثْرِبَ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَقِصّتُهُ فِي إخْلَافِ الْوَعْدِ مَشْهُورَةٌ حِينَ وَعَدَ أَخَاهُ بِجَنَا نَخْلَةٍ لَهُ وَعْدًا مِنْ بَعْدِ وَعْدٍ، ثُمّ جَذّهَا لَيْلًا، وَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا.
وَالتّبْغِيلُ: ضَرْبٌ مِنْ السّيْرِ سَرِيعٌ، وَالْحِزّانُ جَمْعُ حَزْنٍ وَهُوَ مَا غَلُظَ مِنْ الْأَرْضِ. وَالْمِيلُ مَا اتّسَعَ مِنْهَا:
وَقَوْلُهُ: تَرْمِي النّجَادَ، وَأَنْشَدَهُ أَبُو عَلِيّ: تَرْمِي الْغُيُوبَ، وَهُوَ جَمْعُ غَيْبٍ، وَهُوَ مَا غَار مِنْ الْأَرْضِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مِقْبَلٍ:
لَزْمُ الْغُلَامِ وَرَاءَ الْغَيْبِ بِالْحَجَرِ
وَقَوْلُهُ:
حَرْفٌ أَبُوهَا أَخُوهَا مِنْ مُهَجّنَةٍ وَعَمّهَا خَالُهَا قَوْدَاءُ شِمْلِيلُ
الْقَوْدَاءُ: الطّوِيلَةُ الْعُنُقِ. والشمليل: السريعة. والحرف: الناقة الضامر.
_________________
(١) - يمرض وينزل الداء، ولهذا قال فى بعض الأحاديث: فمن أعدى البعير الأول، أى: من أين صار فيه الجرب» هذا لأن الواقع والتجربة تؤكد وجود العدوى
(٢) رواه الطبرانى فى الأوسط وهو ضعيف.
[ ٧ / ٢٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: مِنْ مُهَجّنَةٍ، أَيْ: مِنْ إبِلٍ مُهَجّنَةٍ مُسْتَكْرَمَةٍ هِجَانٍ.
وَقَوْلُهُ: أَبُوهَا أَخُوهَا أَيْ: أَنّهُمَا من جنس واحد فى الْكَرَمِ، وَقِيلَ:
إنّهَا مِنْ فَحْلٍ حَمَلَ عَلَى أُمّهِ فَجَاءَتْ بِهَذِهِ النّاقَةِ، فَهُوَ أَبُوهَا وَأَخُوهَا، وَكَانَتْ لِلنّاقَةِ الّتِي هِيَ أُمّ هَذِهِ بِنْتٌ أُخْرَى مِنْ الْفَحْلِ الْأَكْبَرِ، فَعَمّهَا خَالُهَا عَلَى هَذَا، وَهُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَكْرَمِ النّتَاجِ، وَالْقَوْلُ الْأَوّلُ ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيّ الْقَالِيّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، فَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: أَقْرَابٌ زَهَالِيلُ، أَيْ: خَوَاصِرُ مُلْسٌ، وَاحِدُهَا: زُهْلُولٌ وَالْبِرْطِيلُ: حَجَرٌ طَوِيلٌ، وَيُقَالُ: لِلْمِعْوَلِ أَيْضًا: بِرْطِيلٌ.
وَقَوْلُهُ: ذَوَابِلٌ وَقْعُهُنّ «١» الْأَرْضَ تَحْلِيلُ.
تَحْلِيلُ، أَيْ قَلِيلٌ. يُقَالُ: مَا أفام عِنْدَنَا إلّا كَتَحْلِيلِ الْأَلِيّةِ، وَكَتَحِلّةِ الْمَقْسِمِ، وَعَلَيْهِ حَمَلَ ابْنُ قُتَيْبَةَ قَوْلَهُ ﵇ لَنْ تَمَسّهُ النّارُ إلّا تَحِلّةَ الْقَسَمِ، وَغَلّطَ أَبَا عُبَيْدٍ حَيْثُ فَسّرَهُ عَلَى الْقَسَمِ حَقِيقَةً. قَالَ القتىّ: لَيْسَ فِي الْآيَةِ قَسَمٌ لِأَنّهُ قَالَ: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها وَلَمْ يُقْسِمْ. قَالَ: الْخَطّابِيّ: هَذِهِ غَفْلَةٌ مِنْ ابن قتيبة فإن فى أول الآية: فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ وَقَوْلُهُ:
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها داخل تحت القسم المتقدم.
وقوله: بالقور العساقبل. القور: جمع قارة، وهى الحجارة السّود.
_________________
(١) فى السيرة: مسهن.
[ ٧ / ٢٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْعَسَاقِيلُ هُنَا السّرَابُ، وَهَذَا مِنْ الْمَقْلُوبِ، أَرَادَ وَقَدْ تَلَفّعَتْ الْقُودُ بِالْعَسَاقِيلِ.
وَفِيهَا قَوْلُهُ:
تَمْشِي «١» الْغُوَاةُ بِجَنْبَيْهَا، أَيْ بِجَنْبَيْ نَاقَتِهِ.
عَنْ الْقَوْلِ والقيل إعرابا ومعنى:
وقوله: إنك يابن أَبِي سُلْمَى لَمَقْتُولُ وَيُرْوَى: وَقَيْلُهُمْ، وَهُوَ أَحْسَنُ فِي الْمَعْنَى، وَأَوْلَى بِالصّوَابِ؛ لِأَنّ الْقِيلَ هُوَ الكلام المقول فهو مبتدأ، وقوله: إنك يابن أَبِي سُلْمَى لَمَقْتُولُ: خَبَرٌ، تَقُولُ: إذَا سُئِلْت مَا قِيلُك؟
قِيلِي: إنّ اللهَ وَاحِدٌ، فَقَوْلُك: إنّ اللهَ وَاحِدٌ هُوَ الْقِيلُ، وَالْقَوْلُ مَصْدَرٌ كَالطّحْنِ وَالذّبْحِ، وَالْقِيلُ اسْمٌ لِلْمَقُولِ كَالطّحْنِ وَالذّبْحِ بِكَسْرِ أَوّلِهِ، وَإِنّمَا حَسُنَتْ هَذِهِ الرّوَايَةُ، لِأَنّ القول مصدر فيصير: إنك يابن أَبِي سُلْمَى فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ فِيهِ، فَيَبْقَى الْمُبْتَدَأُ بِلَا خَبَرٍ إلّا أَنْ تَجْعَلَ الْمَقُولَ هو القول على المجار، كَمَا يُسَمّى الْمَخْلُوقُ خَلْقًا، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قوله ﷿:
وَقِيلِهِ يا رَبِّ فِي مَوْضِعِ الْبَدَلِ مِنْ الْقِيلِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: إِلَّا قِيلًا:
سَلامًا سَلامًا مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْبَدَلِ مِنْ قِيلًا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا أى: حديثا مقولا، ومن
_________________
(١) فى السيرة: تسعى.
[ ٧ / ٢٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) هَذَا الْبَابِ مَسْأَلَةٌ مِنْ النّحْوِ ذَكَرَهَا سِيبَوَيْهِ، وَابْنُ السّرَاجِ فِي كِتَابِهِ، وَأَخَذَ الْفَارِسِيّ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ ابْنِ السّرَاجِ، فَكَثِيرًا مَا يَنْقُلُ مِنْ كِتَابِهِ بِلَفْظِهِ غَيْرَ أَنّهُ أَفْسَدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَلَمْ يَفْهَمْ مَا أَرَادَ بِهَا، وَذَلِكَ أَنّهُمَا قَالَا: إذَا قُلْت أَوّلَ مَا أَقُولُ: إنّي أَحْمَدُ اللهَ، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، فَهُوَ عَلَى الْحِكَايَةِ، فَظَنّ الْفَارِسِيّ أَنّهُ يُرِيدُ عَلَى الْحِكَايَةِ بِالْقَوْلِ، فَجَعَلَ إنّي أَحْمَدُ اللهَ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ بِأَقُولُ، فَلَمّا بَقِيَ لَهُ الْمُبْتَدَأُ بِلَا خَبَرٍ تَكَلّفَ لَهُ تَقْدِيرًا لَا يُعْقَلُ، فَقَالَ: تَقْدِيرُهُ أَوّلُ مَا أَقُولُ: إنّي أَحْمَدُ اللهَ مَوْجُودٌ أَوْ ثَابِتٌ، فَصَارَ مَعْنَى كَلَامِهِ: إلَى أَنّ أَوّلَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الّتِي هِيَ إنّي أَحْمَدُ اللهَ مَوْجُودٌ أَيْ: أَوّلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مَوْجُودٌ، فَآخِرُهَا إذًا مَعْدُومٌ، وَهَذَا خُلْفٌ مِنْ الْقَوْلِ، كَمَا تَرَى، وَقَدْ وَافَقَهُ ابْنُ جِنّي عَلَيْهِ، رَأَيْته فِي بَعْضِ مَسَائِلِهِ، قَالَ: قُلْت لِأَبِي عَلِيّ لِمَ لَا يَكُونُ: إنّي أَحْمَدُ اللهَ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، كَمَا تَقُولُ: أَوّلُ سورة أقرأها: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ أَوْ نَحْوَ هَذَا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى حَذْفِ خَبَرٍ، قَالَ: فَسَكَتَ وَلَمْ يَجِدْ جَوَابًا، وَإِنّمَا مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَوّلُ مَا أَقُولُ، أَيْ: أَوّلُ الْقِيلِ الّذِي أَقُولُهُ إنّي أَحْمَدُ اللهَ عَلَى حِكَايَةِ الْكَلَامِ الْمَقُولِ، وَهَذَا الّذِي أَرَادَ سِيبَوَيْهِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ السّرَاجِ، فَإِنْ فَتَحْت الْهَمْزَةَ مِنْ أَنّ صَارَ مَعْنَى الْكَلَامِ أَوّلُ الْقَوْلِ لَا أَوّلُ الْقِيلِ، وَكَانَتْ مَا وَاقِعَةً عَلَى الْمَصْدَرِ، وَصَارَ مَعْنَاهُ: أَوّلُ قَوْلِي الْحَمْدُ إذْ الْحَمْدُ قَوْلٌ وَلَمْ يُبَيّنْ مَعَ فَتْحِ الْهَمْزَةِ كَيْفَ حَمِدَ اللهَ، هَلْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلّهِ بِهَذَا اللّفْظِ، أَوْ غَيْرِهِ، وَعَلَى كَسْرِ الْهَمْزَةِ قَدْ بَيّنَ كَيْفَ حَمِدَ حِينَ افْتَتَحَ كَلَامَهُ، بِأَنّهُ قَالَ: إنّي أَحْمَدُ اللهَ بِهَذَا اللّفْظِ، أَوْ غَيْرِهِ وَعَلَى كَسْرِ الْهَمْزَةِ قَدْ بَيّنَ كَيْفَ حَمِدَ حِينَ افْتَتَحَ كَلَامَهُ، بِأَنّهُ قَالَ: إنّي أَحْمَدُ اللهَ بِهَذَا اللّفْظِ لَا بِلَفْظٍ آخَرَ، فَقِفْ عَلَى
[ ٧ / ٢٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَتَدَبّرْهَا إعْرَابًا وَمَعْنًى، فَقُلْ: مَنْ أَحْكَمَهَا وَحَسْبُك أَنّ الْفَارِسِيّ لَمْ يَفْهَمْ عَمّنْ قَبْلَهُ، وَجَاءَ بِالتّخْلِيطِ الْمُتَقَدّمِ، وَاَللهُ الْمُسْتَعَانُ.
عَوْدٌ إلَى بَانَتْ سُعَادُ:
وَالْخَرَادِيلُ: الْقِطَعُ مِنْ اللّحْمِ، وَفِي الْحَدِيثِ فِي صِفَةِ الصّرَاطِ: فَمِنْهُمْ الْمُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ الْمُخَرْدَلُ، أَيْ تُخَرْدِلُ لَحْمَهُ «١» الْكَلَالِيبُ الّتِي حَوْلَ الصّرَاطِ، سَمِعْت شَيْخَنَا الْحَافِظَ أَبَا بَكْرٍ ﵀ يَقُولُ: تِلْكَ الْكَلَالِيبُ هِيَ الشّهَوَاتُ، لِأَنّهَا تَجْذِبُ الْعَبْدَ فِي الدّنْيَا عَنْ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى سَوَاءِ الصّرَاطِ، فَتُمَثّلُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: بِضَرَاءِ الْأَرْضِ. الضّرَاءُ: مَا وَارَاك مِنْ شَجَرٍ، وَالْخَمْرُ: مَا وَارَاك مِنْ شَجَرٍ وَغَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ: بِوَادِيهِ الْأَرَاجِيلُ، أَيْ: الرّجّالَةُ، قِيلَ: إنّهُ جَمْعٌ الْجَمْعُ، كَأَنّهُ جَمْعُ الرّجْلِ، وَهُمْ الرّجّالَةُ عَلَى أَرْجُلٍ، ثُمّ جَمَعَ أَرَجُلًا عَلَى أَرَاجِلَ، وَزَادَ الْيَاءَ ضَرُورَةً. وَالدّرْسُ: الثّوْبُ الْخَلِقُ. وَالْفَقْعَاءُ: شَجَرَةٌ لَهَا ثَمَرٌ كَأَنّهُ حَلَقٌ.
وَيُرْوَى أَنّ النّبِيّﷺ- حِينَ أَنْشَدَهُ كَعْبٌ:
إنّ الرّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ مُهَنّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ مَسْلُولُ
نَظَرَ إلَى أَصْحَابِهِ كَالْمُعْجَبِ لَهُمْ مِنْ حسن القول وجودة الشعر.
_________________
(١) خردلت اللحم بالدال والذال: فصلت أعضاءه وقطعته.
[ ٧ / ٣٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ:
لَيْسَ لَهُمْ «١» عَنْ حِيَاضِ الْمَوْتِ تَهْلِيلُ
التهليل: أن يَنْكُصُ الرّجُلُ عَنْ الْأَمْرِ جُبْنًا.
وَقَوْلُهُ فِي الْأَنْصَارِ:
ضَرَبُوا عَلِيّا يَوْمَ بَدْرٍ ضَرْبَةً «٢»
بَنُو عَلِيّ: هُمْ بَنُو كِنَانَةَ، يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَلِيّ لِمَا تَقَدّمَ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَأَرَادَ: ضَرَبُوا قُرَيْشًا لِأَنّهُمْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ.
وَقَوْلُهُ: إذَا عَرّدَ «٣» السّودُ التّنَابِيلُ: جَمْعُ تِنْبَالٍ وَهُوَ الْقَصِيرُ، وَقَوْلُهُ:
عَرّدَ، أَيْ: هَرَبَ. قَالَ الشاعر:
يعرّد عنه صحبه وصديقه وبنبش عَنْهُ كَلْبُهُ وَهُوَ ضَارِبُهْ
عِلّةُ السّوَادِ فِي أَهْلِ الْيَمَنِ وَشَرْحُ بَيْتٍ لِحَسّانَ:
وَجَعَلَهُمْ سُودًا لِمَا خَالَطَ أَهْلَ الْيَمَنِ مِنْ السّودَانِ عِنْدَ غَلَبَةِ الْحَبَشَةِ عَلَى بِلَادِهِمْ «٤»، وَلِذَلِك قَالَ حَسّانُ فى آل جفنة:
_________________
(١) فى السيرة: ومالهم.
(٢) هذا من قصيدة كعب الراوية.
(٣) عاد إلى اللامية.
(٤) ترك السهيلى كثيرا من مفردات القصيدة دون شرح، وهنا أنقل عن الخشنى معانى ما ترك السهيلى: بانت: ذهبت وفارقت. متبول: هالك. متيم: -
[ ٧ / ٣٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَوْلَادُ جَفْنَةَ حَوْلَ قَبْرِ أَبِيهِمْ بِيضُ الْوُجُوهِ مِنْ الطّرَازِ الْأَوّلِ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: مِنْ الطّرَازِ الْأَوّلِ، أَنّ آلَ جَفْنَةَ كَانُوا مِنْ الْيَمَنِ، ثُمّ اسْتَوْطَنُوا الشّامَ بَعْدَ سَيْلِ الْعَرِمِ، فَلَمْ يُخَالِطْهُمْ السّودَانُ كَمَا خَالَطُوا مَنْ كَانَ مِنْ الْيَمَنِ، مِنْ الطّرَازِ الْأَوّلِ الّذِي كَانُوا عَلَيْهِ فى ألوانهم وأخلاقهم.
_________________
(١) - معبد مذلل. أغن: الظبى الصغير الذى فى صوته غنة. غضيض: فاتر الطرف هيفاء: ضامرة البطن والخصر. عجزاء: عظيمة العجيزة، وهو الردف. تجلو: تصقل. والعوارض: الاسنان هنا. الظلم: شدة يريق الأسنان، ويقال: هو ماؤه. منهل: مسقى. الراح: من أسماء الخمر. محثية: منتهى الوادى، ويقال: ما انغطف منه. أبطح: موضع سهل. مشمول: هبت عليه ريح الشمال، وهى عندهم باردة إذا هبت. والقذا: ما يقع فى الماء من تبن أو عود أو غيره، وكذا ما يقع فى العين. صوب: مصر. غادية: سحابة مطرت بالغدو. اليعاليل: الحباب الذى يعلو على وجه الماء وهى رغوته «راجع شرح السهيلى» الخلة هنا: الصديقة المراسيل: السريعة. عذافرة: ناقة ضخمة. الاين: الفتور والإعياء. والإرقال والتبغيل: ضربان من السير. نضاحة: يرشح عرقها. الذقرى: عظم فى أصل الاذن. عرضتها: الشىء الذى يقوى عليه، ومن رواه ولاجها، فمعناه: أضعفها طامس: متغير. الأعلام: العلامات التى فكون فى الطرق يهتدى بها، وأراد أنه ليس بها علم. النجاد: جمع نجد وهو ما ارتفع من الأرض. المفرد: هنا الثور الوحشى الذى انفرد فى الصحراء. اللهق: الابيض بفتح الهاء وكسرها. مقلدها: عنقها. فعم: ممتلئ. مقيد: موضع القيد. قوداء: طويلة. شمليل: سريعة. لبان: صدر أقرب: جمع قرب وهى الخاصرة وما يليها. زهاليل: أملس. عيرانة: تشبه العير فى شدته ونشاطه، والعير هنا: حمار الوحش. النحض: اللحم الزور: أسفل الصدر. قنواء: فى أنفها ارتفاع. حرتاها: أذناها. قاب: قرب، تقول: بينى وبينه قاب قوس أى قرب قوس، لحييها: هو تثنية لحى، وهو العظم الذى عليه الخد،
[ ٧ / ٣٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: حَوْلَ قَبْرِ أَبِيهِمْ، أَيْ إنّهُمْ لِعِزّهِمْ لَمْ يَجْلُوا عَنْ مَنَازِلِهِمْ قَطّ، وَلَا فَارَقُوا قبر أبيهم.
_________________
(١) - واللحية لذى اللحية: والخطم: الانف، وبرطيل: حجر طويل، ويقال: هى فاس طويلة، وتمر: تمد وتحرك، العسيب: جريد النخل الخصل: جمع خصالة اللفافة من الشعر، غارز: قليل اللبن، لم تخونه: لم تنقصه، ولم تضعفه، والاحاليل جمع إحليل وهو الثقب الذى يخرج منه اللبن، وهو من الذكر الذى يخرج منه البول. يسرات: يعنى قوائمها لانها تحسن السير بها كلها، ذوابل: شداد، عجايات جمع عجاية، وهى عصبة تكون فوق مربط القيد من ذى الخف، ومن ذى الحافر. وزيم: متكسر متفرق: الاكم: الكدى، واحدتها أكمة، الحرباء: ضرب من العظاء ويقال: هى أم حبيش. مرتبئ: مرتفع. ضاحية: ما برز منه للشمس، محلول: محرق، الملة: الحجارة والحمر والرماد، والحادى: الذى يسوق. والجنادب جمع جندب، وهو ذكر الجراد، قيلوا: أمر من القائلة، أى انزلوا واستريحوا كان أوب ذراعيها: الاوب الرجوع. تلغع: اشتمل، العساقيل: لمع السراب الفاقد: التى فقدت ولدها، الشمطاء: التى خالطها الشيب. معولة: رافعة صوتها بالبكاء. المثاكيل: جمع مثكال، وهى الفاقد أيضا، الضبعان: لحمتا العضدين، تفرى: تقطع، رعابيل: قطع متفرقة، على آلة حدباء محمول: النعش أو الداهية أى، لا يستقر عليها، لظل ترعد من وجد بوادره، البوادر: اللحم الذى بين العنق والكتف. ضيغم: أسد. مخدر الأسد: غابته وأجمته. عثر: اسم موضع تنسب إليه الأسود. غيل: أجمة أيضا. يلحم: يطعم اللحم. ضرغامين: أسدين، وأراد بهما شبيهه. معفور: ممرغ بالعفر، وهو التراب. خراديل: متقطعة. يساور: يواثب، مفلول. أى قد أثر فيه الجو: موضع. مضرج: مخضب بالدماء. أنكاس: جمع نكس: وهو المقصر عن غاية الكرم أو الضعيف «ليست من الخشنى» كشف: لا تراس لهم، أو الذى لا يحسن الركوب، فيميل عن السرج المعازيل: الذين لا سلاح معهم. الزهر: البيض. العرانين: الانوف. سوابغ: كاملة شكت: أدخل بعضها فى بعض، فقعاء: ضرب من الحسك، وهو نبات له شوك تشبه به.
[ ٧ / ٣٠٣ ]
[غزوة تبوك فى رجب سنة تسع]
[التهيؤ لتبوك]
قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هِشَامٍ، قَالَ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَكّائِيّ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطّلِبِيّ، قَالَ: ثُمّ أَقَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ مَا بَيْن ذِي الْحَجّةِ إلَى رَجَبٍ، ثُمّ أَمَرَ النّاسَ بِالتّهَيّؤِ لِغَزْوِ الرّومِ وَقَدْ ذَكَرَ لَنَا الزّهْرِيّ وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بن قتادة،
ــ
مَدْحٌ آخَرَ لِكَعْبٍ:
وَمِمّا أَجَادَ فِيهِ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ قَوْلُهُ يَمْدَحُ النّبِيّ ﷺ:
تَخْدِي بِهِ النّاقَةُ الْأَدْمَاءُ مُعْتَجِرًا بِالْبُرْدِ كَالْبَدْرِ جَلّى لَيْلَةَ الظّلَمِ
فَفِي عَطَافَيْهِ أَوْ أَثْنَاءِ بُرْدَتِهِ مَا يَعْلَمُ اللهُ مِنْ دين ومن كرم
_________________
(١) - حلق الدرع. مجدول: محكم السرد. تهليل: فرار «انتهى من ص ٤١٥- ص ٤٢١ شرح السيرة لابى ذر بن محمد بن مسعود الخشنى. وقد أورد ابن إسحاق القصيدة دون إسناد، ورواها البيهقى فى الدلائل بإسناد متصل. ويقول ابن كثير فى البداية عن كون النبى ﷺ أعطى كعبا بردته «هذا من الأمور المشهورة حدا، ولكن لم أر ذلك فى شىء من هذه الكتب المشهورة باسناد أرتضيه» ص ٣٧٣ ج ٤ هذا وقد ذكر الربيدى فى طبقات النحاة أن بندار الأصفهانى كان يحفظ تسعمائة قصيدة أول كل منها بانت سعاد، ومنها قول زهير والد كعب بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا وليت وصلا لنا من حبلها رجعا ص ٥٩ ج ٣ المواهب،
[ ٧ / ٣٠٤ ]
وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَائِنَا، كُلّ حَدّثَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مَا بَلَغَهُ عَنْهَا، وَبَعْضُ الْقَوْمِ يُحَدّثُ مَا لَا يُحَدّثُ بَعْضٌ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتّهَيّؤِ لِغَزْوِ الرّومِ، وَذَلِكَ فِي زَمَانٍ مِنْ عُسْرَةِ النّاسِ، وَشِدّةٍ مِنْ الْحَرّ، وَجَدْبٍ مِنْ الْبِلَادِ: وَحِينَ طَابَتْ الثّمَارُ، وَالنّاسُ يُحِبّونَ الْمُقَامَ فِي ثِمَارِهِمْ وَظِلَالِهِمْ، وَيَكْرَهُونَ الشّخُوصَ عَلَى الْحَالِ مِنْ الزّمَانِ الّذِي هُمْ عَلَيْهِ؛ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَلّمَا يَخْرُجُ فِي غَزْوَةٍ إلّا كَنّى عَنْهَا، وَأَخْبَرَ أَنّهُ يُرِيدُ غَيْرَ الْوَجْهِ الّذِي يَصْمُدُ لَهُ، إلّا مَا كَانَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَإِنّهُ بَيّنَهَا لِلنّاسِ، لِبُعْدِ الشّقّةِ، وَشِدّةِ الزّمَانِ، وَكَثْرَةِ الْعَدُوّ الّذِي يَصْمُدُ لَهُ، لِيَتَأَهّبَ النّاسُ لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ، فَأَمَرَ الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم.
[شأن الجد بن قيس]
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ فِي جِهَازِهِ ذَلِك لِلْجَدّ ابن قِيسٍ أَحَدِ بَنِي سَلِمَةَ: يَا جَدّ، هَلْ لَك الْعَامَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْ تَأْذَنُ لِي وَلَا تفتنّى؟ فو الله لقد عرف قومى أنه مامن رَجُلٍ بِأَشَدّ عُجْبًا بِالنّسَاءِ مِنّي، وَإِنّي أَخْشَى إنْ رَأَيْتَ نِسَاءَ بَنِي الْأَصْفَرِ أَنْ لَا أَصْبِرَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: قَدْ أَذِنْتُ لَك. فَفِي الجدّ ابن قِيسٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي، أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ التوبة: ٤٩. أَيْ إنْ كَانَ إنّمَا خَشَى الْفِتْنَةَ مِنْ نِسَاءِ بَنِي الْأَصْفَرِ، وَلَيْسَ ذَلِك بِهِ، فَمَا سَقَطَ فِيهِ مِنْ الْفِتْنَةِ أَكْبَرُ، بِتَخَلّفِهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَالرّغْبَة بِنَفْسِهِ عَنْ نَفْسِهِ، يَقُولُ تَعَالَى: وَإِنّ جَهَنّمَ لمن ورائه.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٠٥ ]
[المنافقون المثبطون]
وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرّ، زَهَادَةٌ فِي الْجِهَادِ، وَشَكّا فِي الْحَقّ، وَإِرْجَافًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﵎ فِيهِمْ: وَقالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ، قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ. فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا، جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ التوبة: ٨١، ٨٢.
[شعر الضحاك فى تحريق بيت سويلم]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي الثّقَةُ عَمّنْ حَدّثَهُ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عَنْ إسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَارِثَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّهِ، قَالَ:
بلغ رسول الله ﷺ، أَنّ نَاسًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ يَجْتَمِعُونَ فِي بَيْتِ سُوَيْلِمٍ الْيَهُودِيّ، وَكَانَ بَيْتُهُ عِنْدَ جَاسُومَ، يُثَبّطُونَ الناس عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ النّبِيّ ﷺ طلحة ابن عُبَيْدِ اللهِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُحَرّقَ عَلَيْهِمْ بَيْتَ سُوَيْلِمٍ، فَفَعَلَ طَلْحَةُ. فَاقْتَحَمَ الضّحّاكُ بْنُ خَلِيفَةَ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ، فَانْكَسَرَتْ رِجْلُهُ، وَاقْتَحَمَ أَصْحَابُهُ، فَأَفْلَتُوا. فَقَالَ الضّحّاكُ فِي ذَلِكَ:
كَادَتْ وَبَيْتِ اللهِ نَارُ مُحَمّدٍ يشيط بها الضّحّاك وابن أييرق
وَظَلْتُ وَقَدْ طَبّقْتُ كِبْسَ سُوَيْلِمٍ أَنَوْءُ عَلَى رِجْلِي كَسِيرًا وَمِرْفَقَى
سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا أَعُودُ لِمِثْلِهَا أَخَافُ وَمَنْ تَشْمَلْ بِهِ النّارُ يُحْرَق
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٠٦ ]
[حض أهل الغنى على النفقة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَدّ فِي سَفَرِهِ، وأمر الناس بالجهاز والانكماش، وحضّ أَهْلَ الْغِنَى عَلَى النّفَقَةِ وَالْحُمْلَانِ فِي سَبِيلِ الله، فَحَمَلَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْغِنَى وَاحْتَسَبُوا، وَأَنْفَقَ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ فِي ذَلِكَ نَفَقَةً عَظِيمَةً، لَمْ يُنْفِقْ أَحَدٌ مِثْلَهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ: أَنّ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ أَنْفَقَ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهُمّ ارْضَ عَنْ عُثْمَانَ، فإنى عنه راض.
[قصة البكائين والمعذرين والمتخلفين]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ رِجَالًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَتَوْا رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُمْ البكّاؤن، وَهُمْ سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: سَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَعُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَخُو بَنِي حَارِثَةَ، وَأَبُو ليلى عبد الرحمن ابن كَعْبٍ، أَخُو بَنِي مَازِنِ بْنِ النّجّارِ، وَعَمْرُو بْنُ حُمَامِ بْنِ الْجَمُوحِ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُغَفّلِ الْمُزَنِيّ- وَبَعْضُ النّاسِ يقول: بل هو عبد الله ابن عَمْرٍو الْمُزَنِيّ- وَهَرَمِيّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَخُو بَنِي وَاقِفٍ، وَعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ الْفَزَارِيّ. فَاسْتَحْمَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَكَانُوا أهل حاجة،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٠٧ ]
فَقَالَ: لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، فَتَوَلّوْا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا مَا يُنْفِقُونَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَبَلَغَنِي أَنّ ابْنَ يَامِينَ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ كَعْبٍ النّضْرِيّ لَقَى أَبَا لَيْلَى عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ كَعْبٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ مُغَفّلٍ وَهُمَا يَبْكِيَانِ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكُمَا؟ قَالَا: جِئْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ لِيَحْمِلَنَا، فَلَمْ نَجِدْ عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نَتَقَوّى بِهِ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ؛ فَأَعْطَاهُمَا نَاضِحًا لَهُ، فارتحلاه، وزوّدهما شَيْئًا مِنْ تَمْرٍ، فَخَرَجَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
قال ابن إسحاق: وَجَاءَهُ الْمُعَذّرُونَ مِنْ الْأَعْرَابِ، فَاعْتَذَرُوا إلَيْهِ، فَلَمْ يَعْذِرْهُمْ اللهُ تَعَالَى. وَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنّهُمْ نفر من بنى غفار.
ثُمّ اسْتَتَبّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ سَفَرُهُ، وَأَجْمَعَ السّيْرَ، وَقَدْ كَانَ نَفَرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَبْطَأَتْ بِهِمْ النّيّةُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حَتّى تَخَلّفُوا عَنْهُ، عَنْ غَيْرِ شَكّ وَلَا ارْتِيَابٍ: مِنْهُمْ: كَعْبُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي كَعْبٍ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، وَمُرَارَةُ بْنُ الرّبِيعِ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيّةَ، أَخُو بَنِي وَاقِفٍ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ، أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ.
وَكَانُوا نَفَرَ صِدْقٍ، لَا يُتّهَمُونَ فى إسلامهم.
فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلَى ثَنِيّةِ الْوَدَاعِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ مُحَمّدَ بْنَ مسلمة الأنصارىّ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٠٨ ]
وَذَكَرَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمّدٍ الدّرَاوَرْدِيّ عَنْ أَبِيهِ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ، مَخْرَجَهُ إلَى تَبُوكَ: سباع بن عرفطة.
المنافقون المتخلفون قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَضَرَبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ مَعَهُ عَلَى حِدَةٍ عَسْكَرَهُ أَسْفَلَ مِنْهُ، نَحْوَ ذُبَابٍ، وَكَانَ فِيمَا يَزْعُمُونَ لَيْسَ بِأَقَلّ الْعَسْكَرَيْنِ. فَلَمّا سَارّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَخَلّفَ عَنْهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ، فِيمَنْ تَخَلّفَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الرّيْبِ.
[إرجاف المنافقين بعلىّ]
وخلف رسول الله ﷺ علي بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ، عَلَى أَهْلِهِ، وَأَمَرَهُ بِالْإِقَامَةِ فِيهِمْ، فَأَرْجَفَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ، وَقَالُوا:
مَا خَلّفَهُ إلّا اسْتِثْقَالًا لَهُ، وَتَخَفّفًا مِنْهُ. فَلَمّا قَالَ ذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ، أَخَذَ على ابن أَبِي طَالِبٍ، رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ سِلَاحَهُ، ثُمّ خَرَجَ حَتّى أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجُرْفِ، فَقَالَ: يَا نَبِيّ اللهِ، زَعَمَ الْمُنَافِقُونَ أَنّكَ إنّمَا خَلّفَتْنِي أَنّك اسْتَثْقَلْتنِي وَتَخَفّفَتْ مِنّي؛ فَقَالَ: كَذَبُوا، وَلَكِنّنِي خَلّفْتُك لِمَا تَرَكْتُ وَرَائِي، فَارْجِعْ فَاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي وَأَهْلِك، أَفَلَا تَرْضَى يَا عَلِيّ أَنْ تَكُونَ مِنّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ إلّا أَنّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي، فَرَجَعَ عَلَيّ إلَى الْمَدِينَةِ؛ وَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ على سفره.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ طَلْحَةَ بن يزيد بن ركانة، عن إبراهيم
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٠٩ ]
ابن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ: أَنّهُ سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يقول لعلى هذه المقالة.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ رَجَعَ عَلِيّ إلَى الْمَدِينَةِ، وَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ على سفره.
[قصة أبى خيثمة]
ثُمّ إنّ أَبَا خَيْثَمَةَ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ سَارّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَيّامًا إلَى أَهْلِهِ فِي يَوْمٍ حَارّ، فَوَجَدَ امْرَأَتَيْنِ لَهُ فِي عَرِيشَيْنِ لَهُمَا فِي حَائِطِهِ، قَدْ رَشّتْ كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَرِيشَهَا، وَبَرّدَتْ لَهُ فِيهِ مَاءً، وَهَيّأَتْ لَهُ فِيهِ طَعَامًا. فَلَمّا دَخَلَ، قَامَ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ، فَنَظَرَ إلَى امْرَأَتَيْهِ وَمَا صَنَعَتَا لَهُ، فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الضّحّ وَالرّيحِ وَالْحَرّ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ فِي ظِلّ بَارِدٍ، وَطَعَامٍ مُهَيّأٍ، وَامْرَأَةٍ حَسْنَاءَ، فِي مَالِهِ مُقِيمٌ، مَا هَذَا بِالنّصَفِ! ثُمّ قَالَ: وَاَللهِ لَا أَدْخُلُ عَرِيشَ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَتّى أَلْحَقَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَهَيّئَا، لِي زَادًا، فَفَعَلَتَا. ثُمّ قَدّمَ نَاضِحَهُ فَارْتَحَلَهُ، ثُمّ خَرَجَ فِي طَلَبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى أَدْرَكَهُ حِينَ نَزَلَ تَبُوكَ. وَقَدْ كَانَ أَدْرَكَ أَبَا خَيْثَمَةَ عُمَيْر بْنَ وَهْبٍ الْجُمَحِيّ فِي الطّرِيقِ، يَطْلُبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَتَرَافَقَا، حَتّى إذَا دَنَوَا مِنْ تَبُوكَ، قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ لِعُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ: إنّ لِي ذَنْبًا، فَلَا عَلَيْك أَنْ تَخَلّفَ عَنّي حَتّى آتِيَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَفَعَلَ، حَتّى إذَا دَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ نَازِلٌ بِتَبُوكَ، قَالَ النّاسُ: هَذَا رَاكِبٌ عَلَى الطّرِيقِ مُقْبِلٌ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ؛ فقالوا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣١٠ ]
يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ وَاَللهِ أَبُو خَيْثَمَةَ. فَلَمّا أَنَاخَ أَقْبَلَ فَسَلّمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا خَيْثَمَةَ.
ثُمّ أَخْبَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ الْخَبَرَ؛ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ خيرا، ودعا له بخير.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا، وَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ قَيْسٍ:
لَمّا رَأَيْتُ النّاسَ فِي الدّينِ نَافَقُوا أَتَيْتُ الّتِي كَانَتْ أَعَفّ وَأَكْرَمَا
وَبَايَعْتُ بِالْيُمْنَى يَدِي لِمُحَمّدٍ فَلَمْ أَكْتَسِبْ إثْمًا وَلَمْ أَغْشَ مَحْرَمًا
تَرَكْتُ خَضِيبًا فِي الْعَرِيشِ وَصِرْمَةً صفايا كِرَامًا بُسْرُهَا قَدْ تَحَمّمَا
وَكُنْتُ إذَا شَكّ الْمُنَافِقُ أَسْمَحَتْ إلى الدين نفسى شطره حيث يمّما
[مرور النبى ﷺ بِالْحِجْرِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ مَرّ بِالْحِجْرِ نَزَلَهَا، وَاسْتَقَى النّاسُ مِنْ بِئْرِهَا. فَلَمّا رَاحُوا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
لَا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا، وَلَا تَتَوَضّئُوا مِنْهُ لِلصّلَاةِ، وَمَا كَانَ مِنْ عَجِينٍ عَجَنْتُمُوهُ فَاعْلِفُوهُ الْإِبِلَ، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْهُ شَيْئًا، وَلَا يَخْرُجَنّ أَحَدٌ مِنْكُمْ اللّيْلَةَ إلّا وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ، فَفَعَلَ النّاسُ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ رسول الله ﷺ، إلا أَنّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ خَرَجَ أَحَدُهُمَا لِحَاجَتِهِ، وَخَرَجَ الْآخَرُ فِي طَلَبِ بَعِيرٍ لَهُ، فَأَمّا الّذِي ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فَإِنّهُ خُنِقَ عَلَى مَذْهَبِهِ؛ وَأَمّا الّذِي ذَهَبَ فِي طَلَبِ بَعِيرِهِ فَاحْتَمَلَتْهُ الرّيحُ، حَتّى طَرَحَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيّئٍ. فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣١١ ]
ﷺ، فَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلّا وَمَعَهُ صَاحِبُهُ ثُمّ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلّذِي أُصِيبَ عَلَى مَذْهَبِهِ فَشُفِيَ، وَأَمّا الْآخَرُ الّذِي وَقَعَ بِجَبَلَيْ طَيّئٍ، فَإِنّ طَيّئًا أَهْدَتْهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ قدم المدينة.
وَالْحَدِيثُ عَنْ الرّجُلَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيّ، وَقَدْ حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنْ قَدْ سَمّى لَهُ الْعَبّاسُ الرّجُلَيْنِ، وَلَكِنّهُ اسْتَوْدَعَهُ إيّاهُمَا، فَأَبَى عَبْدُ اللهِ أَنْ يُسَمّيَهُمَا لِي.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَلَغَنِي عَنْ الزّهْرِيّ أَنّهُ قَالَ: لَمّا مَرّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْحِجْرِ سَجّى ثَوْبَهُ عَلَى وَجْهِهِ، وَاسْتَحَثّ رَاحِلَتَهُ، ثُمّ قَالَ:
لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ الّذِينَ ظَلَمُوا إلّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ، خَوْفًا أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا أَصْبَحَ النّاسُ وَلَا ماء معهم شكوا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَرْسَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ سَحَابَةً فَأَمْطَرَتْ حَتّى ارْتَوَى النّاسُ، وَاحْتَمَلُوا حَاجَتَهُمْ مِنْ الْمَاءِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيَدٍ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، قَالَ: قُلْت لِمَحْمُودِ: هَلْ كَانَ النّاسُ يَعْرِفُونَ النّفَاقَ فِيهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ وَاَللهِ، إنْ كَانَ الرّجُلُ لَيَعْرِفُهُ مِنْ أَخِيهِ وَمِنْ أَبِيهِ وَمِنْ عَمّهِ وَفِي عَشِيرَتِهِ، ثُمّ يَلْبَسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى ذَلِكَ. ثُمّ قَالَ مَحْمُودٌ: لَقَدْ أَخْبَرَنِي رِجَالٌ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣١٢ ]
مِنْ قَوْمِي عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ مَعْرُوفٌ نِفَاقُهُ، كَانَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَيْثُ سَارَ؛ فَلَمّا كَانَ مِنْ أَمْرِ النّاسِ بِالْحِجْرِ مَا كَانَ، وَدَعَا رسول الله ﷺ حين دَعَا، فَأَرْسَلَ اللهُ السّحَابَةَ، فَأَمْطَرَتْ حَتّى ارْتَوَى النّاسُ، قَالُوا: أَقْبَلْنَا عَلَيْهِ نَقُولُ: وَيْحَك، هَلْ بعد هذا شىء! قال:
سحابة مارّة.
[مقالة ابْنِ اللّصَيْتِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَارَ حَتّى إذَا كَانَ بِبَعْضِ الطّرِيقِ ضَلّتْ نَاقَتُهُ، فَخَرَجَ أَصْحَابُهُ فِي طَلَبِهَا، وَعِنْدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلٌ من أصحابه، يُقَالُ لَهُ، عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ، وَكَانَ عَقَبِيّا بَدْرِيّا، وَهُوَ عَمّ بَنِي عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَكَانَ فِي رَحْلِهِ زَيْدُ بْنُ اللّصَيْتِ الْقَيْنُقَاعِيّ، وَكَانَ مُنَافِقًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: ابْنُ لُصَيْبٍ، بِالْبَاءِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيَدٍ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، قَالُوا: فَقَالَ زَيْدُ بْنُ اللّصَيْتِ، وَهُوَ فِي رَحْلِ عُمَارَةَ، وَعُمَارَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ: أَلَيْسَ مُحَمّدٌ يَزْعُمُ أَنّهُ نَبِيّ، وَيُخْبِرُكُمْ عَنْ خَبَرِ السّمَاءِ، وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعُمَارَةُ عِنْدَهُ: إنّ رَجُلًا قَالَ: هَذَا مُحَمّدٌ يُخْبِرُكُمْ أَنّهُ نَبِيّ، وَيَزْعُمُ أَنّهُ يُخْبِرُكُمْ بِأَمْرِ السّمَاءِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ، وَإِنّي وَاَللهِ مَا أَعْلَمُ إلّا مَا عَلّمَنِي اللهُ وَقَدْ دَلّنِي اللهُ عَلَيْهَا، وَهِيَ فِي هَذَا الْوَادِي، فِي شِعْبِ كَذَا وَكَذَا، قَدْ حَبَسَتْهَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣١٣ ]
شَجَرَةٌ بِزِمَامِهَا، فَانْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُونِي بِهَا، فَذَهَبُوا، فجاؤا بها. فرجع عمارة ابن حَزْمٍ إلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ: وَاَللهِ لَعَجَبٌ مِنْ شَيْءٍ حَدّثَنَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ آنِفًا، عَنْ مَقَالَةِ قَائِلٍ أَخْبَرَهُ اللهُ عَنْهُ بِكَذَا وَكَذَا، لِلّذِي قَالَ زَيْدُ بْنُ لُصَيْتٍ؛ فَقَالَ رَجُلٌ مِمّنْ كَانَ فِي رَحْلِ عُمَارَةَ وَلَمْ يَحْضُرْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: زَيْدَ وَاَللهِ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ. فَأَقْبَلَ عُمَارَةُ عَلَى زَيْدٍ يَجَأُ فِي عُنُقِهِ وَيَقُولُ: إلَيّ عِبَادَ اللهِ، إنّ فِي رَحْلِي لَدَاهِيَةً وَمَا أَشْعُرُ، اُخْرُجْ أَيْ عَدُوّ اللهِ مِنْ رَحْلِي، فَلَا تَصْحَبْنِي.
قال ابن إسحاق: فَزَعَمَ بَعْضُ النّاسِ أَنّ زَيْدًا تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ وَقَالَ بَعْضُ النّاسِ: لَمْ يَزَلْ مُتّهَمًا بشرّ حتى هلك.
[إبطاء أبى ذر]
ثم مضى رسول الله ﷺ سائرا، فجعل يتخلّف عنه الرجل، فيقولون: يَا رَسُولَ اللهِ، تَخَلّفَ فُلَانٌ، فَيَقُولُ: دَعُوهُ، فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيَلْحَقُهُ اللهُ تَعَالَى بِكَمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمْ اللهُ مِنْهُ، حَتّى قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ تَخَلّفَ أَبُو ذَرّ، وَأَبْطَأَ بِهِ بَعِيرُهُ؛ فَقَالَ: دَعُوهُ، فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيَلْحَقُهُ اللهُ بِكَمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمْ اللهُ مِنْهُ؛ وَتَلَوّمَ أَبُو ذَرّ عَلَى بَعِيرِهِ، فَلَمّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ، أَخَذَ مَتَاعَهُ فَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمّ خَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَاشِيًا. وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ فِي
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣١٤ ]
بَعْضِ مَنَازِلِهِ، فَنَظَرَ نَاظِرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ هَذَا الرّجُلَ يَمْشِي عَلَى الطّرِيقِ وَحْدَهُ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: كُنْ أَبَا ذَرّ.
فَلَمّا تَأَمّلَهُ الْقَوْمُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ وَاَللهِ أَبُو ذَرّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: رَحِمَ اللهُ أَبَا ذَرّ يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ.
وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ الْأَسْلَمِيّ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: لَمّا نَفَى عُثْمَانُ أَبَا ذَرّ إلَى الرّبَذَةِ، وَأَصَابَهُ بِهَا قَدَرُهُ، لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ إلّا امْرَأَتُهُ وَغُلَامُهُ، فَأَوْصَاهُمَا أَنْ اغْسِلَانِي وَكَفّنَانِي، ثُمّ ضَعَانِي عَلَى قَارِعَةِ الطّرِيقِ، فَأَوّلُ رَكْبٍ يَمُرّ بِكَمْ فَقُولُوا: هَذَا أَبُو ذَرّ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ. فَلَمّا مَاتَ فَعَلَا ذَلِكَ بِهِ. ثُمّ وَضَعَاهُ عَلَى قارعة الطريق: وأقبل عبد الله ابن مَسْعُودٍ فِي رَهْطٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عُمّارٍ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ إلّا بِالْجِنَازَةِ عَلَى ظَهْرِ الطّرِيقِ، قَدْ كَادَتْ الْإِبِلُ تَطَؤُهَا، وَقَامَ إلَيْهِمْ الْغُلَامُ. فَقَالَ: هَذَا أَبُو ذَرّ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ. قَالَ: فَاسْتَهَلّ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَبْكِي وَيَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، تَمْشِي وَحْدَك، وَتَمُوتُ وَحْدَك، وَتُبْعَثُ وَحْدَك. ثُمّ نَزَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَوَارَوْهُ، ثُمّ حَدّثَهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَهُ، وَمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَسِيرِهِ إلَى تَبُوكَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣١٥ ]
[تَخْذِيلُ الْمُنَافِقِينَ لِلْمُسْلِمَيْنِ وَمَا نَزَلَ فِيهِمْ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ رَهْطٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ، مِنْهُمْ وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَمِنْهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَشْجَعَ، حَلِيفٌ لِبَنِي سَلِمَةَ، يُقَالُ لَهُ: مُخَشّنُ بْنُ حُمَيّر- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ مَخْشِيّ- يُشِيرُونَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وهو مُنْطَلِقٌ إلَى تَبُوكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: أَتَحْسِبُونَ جَلّادَ بَنِي الْأَصْفَرِ كَقِتَالِ الْعَرَبِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا! وَاَللهِ لَكَأَنّا بِكَمْ غَدًا مُقَرّنِينَ فِي الْحِبَالِ، إرْجَافًا وَتَرْهِيبًا لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ مُخَشّنُ بْنُ حُمَيّرٍ: وَاَللهِ لَوَدِدْت أَنّي أُقَاضِي عَلَى أَنْ يُضْرَبُ كل رجل منّا مائة جَلْدَةٍ، وَإِنّا نَنْفَلِتُ أَنْ يَنْزِلَ فِينَا قُرْآنٌ لِمَقَالَتِكُمْ هَذِهِ.
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- لِعَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ: أَدْرِكْ الْقَوْمَ، فَإِنّهُمْ قَدْ احْتَرَقُوا، فَسَلْهُمْ عَمّا قَالُوا، فَإِنْ أَنْكَرُوا فَقُلْ: بَلَى، قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا. فَانْطَلَقَ إلَيْهِمْ عَمّارٌ، فَقَالَ ذَلِكَ لَهُمْ: فأتوا رسول الله ﷺ يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ، فَقَالَ وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاقِفٌ عَلَى نَاقَتِهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ وَهُوَ آخِذٌ بِحَقَبِهَا يَا رَسُولَ اللهِ، إنّمَا كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ. وَقَالَ مُخَشّنُ بْنُ حُمَيّرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَعَدَ بِي اسْمِي وَاسْمُ أَبِي، وَكَأَنّ الّذِي عُفِيَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُخَشّنُ بْنُ حُمَيّرٍ، فَتَسَمّى عَبْدَ الرّحْمَنِ، وَسَأَلَ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَقْتُلَهُ شَهِيدًا لَا يُعْلَمُ بِمَكَانِهِ، فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، فَلَمْ يُوجَدْ له أثر.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣١٦ ]
[الصلح مع صاحب أيلة]
وَلَمّا انْتَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى تَبُوكَ، أَتَاهُ يُحَنّةُ بْنُ رُؤْبَةَ، صَاحِبُ أَيْلَةَ، فَصَالَحَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَعْطَاهُ الْجِزْيَةَ، وَأَتَاهُ أَهْلَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ، فَأَعْطَوْهُ الْجِزْيَةَ، فَكَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَهُمْ كِتَابًا، فَهُوَ عِنْدَهُمْ.
[كتاب الرسول لصاحب أيلة]
فكتب ليحنّة بن رؤبة:
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ: هَذِهِ أَمَنَةٌ مِنْ الله ومحمد النبي رسول الله ليحنّة ابن رُؤْبَةَ وَأَهْلِ أَيْلَةَ، سُفُنُهُمْ وَسَيّارَتُهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ: لَهُمْ ذِمّةُ اللهِ، وَذِمّةُ مُحَمّدٍ النّبِيّ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الشّامِ، وَأَهْلِ الْيَمَنِ، وَأَهْلِ الْبَحْرِ، فَمَنْ أَحْدَثَ مِنْهُمْ حَدَثًا، فَإِنّهُ لَا يَحُولُ مَالُهُ دُونَ نَفْسِهِ، وَإِنّهُ طَيّبٌ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنْ النّاسِ، وَإِنّهُ لَا يَحِلّ أَنْ يُمْنَعُوا مَاءً يَرِدُونَهُ، وَلَا طَرِيقًا يريدونه، من برّ أو بحر.
[أكيدر]
ثُمّ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَا خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَبَعَثَهُ إلَى أُكَيْدِرِ دَوْمَةَ، وَهُوَ أُكَيْدِرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ كَانَ مَلِكًا عَلَيْهَا، وَكَانَ نَصْرَانِيّا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لخالد: إنك ستجده يصيد البقر. فحرج خَالِدٌ، حَتّى إذَا كَانَ مِنْ حِصْنِهِ بِمَنْظَرِ الْعَيْنِ، وَفِي لَيْلَةٍ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣١٧ ]
مُقْمِرَةٍ صَائِفَةٍ، وَهُوَ عَلَى سَطْحٍ لَهُ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ، فَبَاتَتْ الْبَقَرُ تَحُكّ بِقُرُونِهَا بَابَ الْقَصْرِ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: هَلْ رَأَيْت مِثْلَ هَذَا قَطّ؟ قَالَ: لَا وَاَللهِ! قَالَتْ: فَمَنْ يَتْرُكُ هَذِهِ؟ قَالَ: لَا أَحَدَ. فَنَزَلَ فَأَمَرَ بِفَرَسِهِ، فَأُسْرِجَ لَهُ، وَرَكِبَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فِيهِمْ أَخٌ يُقَالُ لَهُ حَسّانُ. فَرَكِبَ، وَخَرَجُوا مَعَهُ بِمُطَارِدِهِمْ. فَلَمّا خَرَجُوا تَلَقّتْهُمْ خَيْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخَذَتْهُ، وَقَتَلُوا أَخَاهُ؛ وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُخَوّصٌ بِالذّهَبِ، فَاسْتَلَبَهُ خَالِدٌ، فَبَعَثَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ قُدُومِهِ بِهِ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنَ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: رَأَيْت قَبَاءَ أُكَيْدِرٍ حِينَ قَدِمَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَلْمِسُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ، وَيَتَعَجّبُونَ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أتعجبون من هذا؟ فو الذى نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ خَالِدًا قَدِمَ بِأُكَيْدِرٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ، وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ، ثُمّ خَلّى سَبِيلَهُ، فَرَجَعَ إلَى قَرْيَتِهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ طَيّئٍ: يُقَالُ لَهُ بُجَيْرُ بْنُ بُجْرَةَ، يَذْكُرُ قَوْلَ رسول الله ﷺ لخالد: إنّك سَتَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ، وَمَا صَنَعَتْ الْبَقَرُ تِلْكَ اللّيْلَةَ حَتّى اسْتَخْرَجَتْهُ، لِتَصْدِيقِ قَوْلِ رَسُولِ الله ﷺ:
تَبَارَكَ سَائِقُ الْبَقَرَاتِ إنّي رَأَيْتُ اللهَ يَهْدِي كُلّ هَادِ
فَمَنْ يَكُ حَائِدًا عَنْ ذِي تبوك فإنّا قد أمرنا بالجهاد
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣١٨ ]
فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَبُوكَ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، لَمْ يُجَاوِزْهَا ثُمّ انْصَرَفَ قَافِلًا إلَى الْمَدِينَةِ.
[حَدِيثُ وَادِي الْمُشَقّقِ وَمَائِهِ]
وَكَانَ فِي الطّرِيقِ مَاءٌ يَخْرُجُ مِنْ وَشَلٍ، مَا يَرْوِي الرّاكِبَ وَالرّاكِبَيْنِ وَالثّلَاثَةَ، بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ وَادِي الْمُشَقّقِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
مَنْ سَبَقَنَا إلَى ذَلِكَ الْوَادِي فَلَا يَسْتَقِيَنّ مِنْهُ شَيْئًا حَتّى نَأْتِيَهُ. قَالَ: فَسَبَقَهُ إلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ، فَاسْتَقَوْا مَا فِيهِ؛ فَلَمّا أَتَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَفَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرَ فِيهِ شَيْئًا. فَقَالَ: مَنْ سَبَقَنَا إلَى هَذَا الْمَاءِ؟ فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فُلَانٌ وَفُلَانٌ؛ فقال: أولم أَنْهَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْهُ شَيْئًا حَتّى آتِيَهُ! ثُمّ لَعَنَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَدَعَا عَلَيْهِمْ. ثُمّ نَزَلَ فَوَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ الْوَشَلِ، فَجَعَلَ يَصُبّ فِي يَدِهِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَصُبّ ثُمّ نَضَحَهُ بِهِ، وَمَسَحَهُ بِيَدِهِ، وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهِ، فَانْخَرَقَ مِنْ الْمَاءِ- كَمَا يَقُولُ مَنْ سَمِعَهُ- مَا إنّ لَهُ حِسّا كَحِسّ الصّوَاعِقِ، فَشَرِبَ النّاسُ، وَاسْتَقَوْا حَاجَتَهُمْ مِنْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَئِنْ بَقِيتُمْ أَوْ مَنْ بَقِيَ مِنْكُمْ لَتَسْمَعُنّ بِهَذَا الْوَادِي، وَهُوَ أَخْصَبُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَا خَلْفَهُ.
[قيام الرسول على دفن ذى البجادين]
قَالَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التّيمى، أن عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُحَدّثُ، قَالَ: قُمْت مِنْ جَوْفِ اللّيْلِ، وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣١٩ ]
فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، قَالَ: فَرَأَيْت شُعْلَةً مِنْ نَارٍ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ، قَالَ: فَاتّبَعْتهَا أَنْظُرُ إلَيْهَا، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَإِذَا عَبْدُ اللهِ ذو النجادين المزنى قدمات، وَإِذَا هُمْ قَدْ حَفَرُوا لَهُ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حُفْرَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُدَلّيَانِهِ إلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَدْنِيَا إلىّ أخا كما، فَدَلّيَاهُ إلَيْهِ، فَلَمّا هَيّأَهُ لِشِقّهِ قَالَ: اللهُمّ إنّي أَمْسَيْت رَاضِيًا عَنْهُ، فَارْضَ عَنْهُ.
قَالَ: يقول عبد اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ صَاحِبَ الحفرة.
[لم سمى ذو البجادين؟]
قال ابن هشام: وإنما سمّى ذو الْبِجَادَيْنِ، لِأَنّهُ كَانَ يُنَازِعُ إلَى الْإِسْلَامِ، فَيَمْنَعُهُ قَوْمُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَيُضَيّقُونَ عَلَيْهِ، حَتّى تَرَكُوهُ فِي بِجَادِ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَالْبِجَادُ: الْكِسَاءُ الْغَلِيظُ الْجَافِي، فَهَرَبَ مِنْهُمْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمّا كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ، شَقّ بِجَادَهُ بِاثْنَيْنِ، فَاِتّزَرَ بِوَاحِدِ، وَاشْتَمَلَ بِالْآخَرِ ثُمّ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقِيلَ لَهُ: ذُو الْبِجَادَيْنِ لِذَلِكَ، وَالْبِجَادُ أَيْضًا: الْمِسْحُ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
كَأَنّ أَبَانًا فِي عَرَانِينِ وَدْقِهِ كبير أناس فى بجاد مزمّل
[أبو رهم فى تبوك]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، عن ابن أكيمة اللّيثى، عن ابْنِ أَخِي أَبِي رُهْمٍ الْغِفَارِيّ، أَنّهُ سَمِعَ أبارهم كُلْثُومَ بْنَ الْحُصَيْنِ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَ الشّجَرَةِ، يَقُولُ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٢٠ ]
غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَسِرْت ذَاتَ لَيْلَةٍ مَعَهُ وَنَحْنُ بِالْأَخْضَرِ قَرِيبًا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَلْقَى اللهُ عَلَيْنَا النّعَاسَ فَطَفِقْتُ أَسْتَيْقِظُ وَقَدْ دَنَتْ رَاحِلَتِي مِنْ رَاحِلَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَيُفْزِعُنِي دُنُوّهَا مِنْهُ، مَخَافَةَ أَنْ أُصِيبَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، فَطَفِقْت أَحُوزُ رَاحِلَتِي عَنْهُ، حَتّى غَلَبَتْنِي عَيْنَيّ فِي بَعْضِ الطّرِيقِ، وَنَحْنُ فِي بَعْضِ اللّيْلِ، فَزَاحَمَتْ رَاحِلَتِي رَاحِلَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرِجْلُهُ فِي الْغَرْزِ، فَمَا اسْتَيْقَظْت إلّا بِقَوْلِهِ: حَسّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتَغْفِرْ لِي. فَقَالَ: سِرْ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْأَلُنِي عَمّنْ تَخَلّفَ عَنْ بَنِي غِفَارٍ، فَأَخْبَرَهُ بِهِ؛ فَقَالَ وَهُوَ يَسْأَلُنِي: مَا فَعَلَ النّفَرُ الْحُمْرُ الطّوَالُ الثّطَاطُ. فَحَدّثْته بِتَخَلّفِهِمْ.
قَالَ: فَمَا فَعَلَ النّفَرُ السّودُ الْجِعَادُ الْقِصَارُ؟ قَالَ: قُلْت: وَاَللهِ مَا أَعْرِفُ هَؤُلَاءِ مِنّا.
قَالَ: بَلَى الّذِينَ لَهُمْ نَعَمٌ بِشَبَكَةِ شَدَخٍ؛ فَتَذَكّرْتهمْ فِي بَنِي غِفَارٍ، وَلَمْ أَذْكُرْهُمْ حَتّى ذَكَرْتُ أُمّ لَهُمْ رَهْطٌ مِنْ أَسْلَمَ كَانُوا حُلَفَاءَ فِينَا، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، أُولَئِكَ رَهْطٌ مِنْ أَسْلَمَ، حَلْفَاءُ فِينَا؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
مَا مَنَعَ أَحَدٌ أُولَئِكَ حِينَ تَخَلّفَ أَنْ يَحْمِلَ عَلَى بَعِيرٍ مِنْ إبِلِهِ امْرَأً نَشِيطًا فِي سَبِيلِ اللهِ؟ إنّ أَعَزّ أَهْلِي عَلَيّ أَنْ يَتَخَلّفَ عَنّي الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارُ وَغُفَارٌ وَأَسْلَمُ.
[أَمْرُ مَسْجِدِ الضّرَارِ عِنْدَ الْقُفُولِ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ بِذِي أَوَانَ، بَلَدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ، وَكَانَ أَصْحَابُ مَسْجِدِ الضّرَارِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٢١ ]
قَدْ كَانُوا أَتَوْهُ وَهُوَ يَتَجَهّزُ إلَى تَبُوكَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّا قَدْ بَنَيْنَا مَسْجِدًا لِذِي الْعِلّةِ وَالْحَاجَةِ وَاللّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَاللّيْلَةِ الشّاتِيَةِ، وَإِنّا نُحِبّ أَنْ تَأْتِيَنَا، فَتُصَلّي لَنَا فِيهِ؛ فَقَالَ: إنّي عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ، وَحَالِ شُغْلٍ، أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ، وَلَوْ قَدْ قَدِمْنَا إنْ شَاءَ اللهُ لأتيناكم، فصلّينا لكم فيه.
فَلَمّا نَزَلَ بِذِي أَوَانَ، أَتَاهُ خَبَرُ الْمَسْجِدِ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَالِكَ بْنَ الدّخْشُمِ أَخَا بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وَمَعْنِ بْنِ عَدِيّ، أَوْ أَخَاهُ عَاصِمُ بْنُ عَدِيّ، أَخَا بَنِي الْعَجْلَانِ، فَقَالَ: انْطَلِقَا إلَى هَذَا الْمَسْجِدِ الظّالِمِ أَهْلُهُ، فَاهْدِمَاهُ وَحَرّقَاهُ. فَخَرَجَا سَرِيعَيْنِ حَتّى أَتَيَا بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وَهُمْ رَهْطُ مَالِكِ بْنِ الدّخْشُمِ، فَقَالَ مَالِكٌ لِمَعْنِ: أَنْظِرْنِي حَتّى أَخْرُجَ إلَيْك بِنَارٍ مِنْ أَهْلِي.
فَدَخَلَ إلَى أَهْلِهِ، فَأَخَذَ سَعَفًا مِنْ النّخْلِ، فَأَشْعَلَ فِيهِ نَارًا، ثُمّ خَرَجَا يَشْتَدّانِ حَتّى دَخَلَاهُ وَفِيهِ أَهْلُهُ، فَحَرّقَاهُ وَهَدّمَاهُ، وَتَفَرّقُوا عَنْهُ، وَنَزَلَ فِيهِمْ مِنْ الْقُرْآنِ مَا نَزَلَ: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ
إلى آخر القصة.
وكان الذين بنوه اثنى عَشَرَ رَجُلًا: خِذَامُ بْنُ خَالِدٍ، مِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ زَيْدٍ، أَحَدِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَمِنْ دَارِهِ أُخْرِجَ مَسْجِدُ الشّقَاقِ، وَثَعْلَبَةُ ابن حَاطِبٍ مِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَمُعَتّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبُو حَبِيبَةَ بْنِ الْأَزْعَرِ، مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَعَبّادِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَخُو سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَجَارِيَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَابْنَاهُ مُجَمّعُ بْنُ جَارِيَةَ، وَزَيْدُ بْنُ جَارِيَةَ، وَنَبْتَلُ بْنُ الْحَارِثِ، مِنْ ضبيعة، وبحزج،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٢٢ ]
مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ، وَبِجَادُ بْنُ عُثْمَانَ، مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ، وَوَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَهُوَ مِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدٍ رَهْطُ أَبِي لُبَابَةَ بن المنذر.
وَكَانَتْ مَسَاجِدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ إلَى تَبُوكَ مَعْلُومَةً مُسَمّاةً: مَسْجِدٌ بِتَبُوكَ، وَمَسْجِدٌ بِثَنِيّةِ مِدْرَانَ، وَمَسْجِدٌ بِذَاتِ الزّرَابِ، وَمَسْجِدٌ بِالْأَخْضَرِ، وَمَسْجِدٌ بِذَاتِ الْخِطْمِيّ، وَمَسْجِدٌ بِأَلَاءَ، وَمَسْجِدٌ بِطَرَفِ الْبَتْرَاءِ، مِنْ ذَنْبِ كَوَاكِب، وَمَسْجِدٌ بِالشّقّ، شِقّ تَارَا، وَمَسْجِدٌ بِذِي الجيفة، ومسجد بصدر حَوْضَى، وَمَسْجِدٌ بِالْحِجْرِ، وَمَسْجِدٌ بِالصّعِيدِ، وَمَسْجِدٌ بِالْوَادِي، الْيَوْمَ، وَادِي الْقُرَى، وَمَسْجِدٌ بِالرّقُعَة مِنْ الشّقّةِ، شِقّةِ بَنِي عُذْرَةَ، وَمَسْجِدٌ بِذِي الْمَرْوَةِ، وَمَسْجِدٌ بِالْفَيْفَاءِ، وَمَسْجِدٌ بِذِي خُشُبٍ.
[أَمْرُ الثّلَاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا وَأَمْرُ الْمُعَذّرِينَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ]
وَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَقَدْ كَانَ تَخَلّفَ عَنْهُ رَهْطٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ، وَتَخَلّفَ أُولَئِكَ الرّهْطُ الثّلَاثَةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ شَكّ وَلَا نِفَاقٍ:
كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَمُرَارَةُ بْنُ الرّبِيعِ، وَهِلَالُ بْنُ أُمّيّةٍ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: لَا تُكَلّمُنّ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ الثّلَاثَةِ، وَأَتَاهُ مَنْ تَخَلّفَ عَنْهُ مِنْ الْمُنَافِقِينَ فَجَعَلُوا يَحْلِفُونَ لَهُ وَيَعْتَذِرُونَ، فَصَفَحَ عَنْهُمْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَمْ يَعْذِرْهُمْ اللهُ وَلَا رَسُولُهُ. وَاعْتَزَلَ الْمُسْلِمُونَ كَلَامَ أولئك النفر الثلاثة.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٢٣ ]
[حديث كعب عن التخلف]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذَكَرَ الزّهْرِيّ مُحَمّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عبد الله بن كعب بن مالك: أن أَبَاهُ عَبْدَ اللهِ، وَكَانَ قَائِدَ أَبِيهِ حِينَ أُصِيبَ بَصَرُهُ، قَالَ: سَمِعْت أَبِي كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يُحَدّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ في غزوة تَبُوكَ، وَحَدِيثَ صَاحِبَيْهِ، قَالَ: مَا تَخَلّفْت عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ في غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطّ، غَيْرَ أَنّي كُنْت قَدْ تخلّفت عنه فى غزوة بذر؛ وَكَانَتْ غَزْوَةً لَمْ يُعَاتِبْ اللهُ وَلَا رَسُولُهُ أَحَدًا تَخَلّفَ عَنْهَا، وَذَلِكَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ إنّمَا خَرَجَ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتّى جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوّهِ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، وَلَقَدْ شَهِدْت مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ العقبة، وَحِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَا أُحِبّ أَنّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ هِيَ أَذْكَرُ فِي النّاسِ مِنْهَا. قَالَ:
كَانَ مِنْ خَبَرِي حِينَ تَخَلّفْت عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ في غزوة تَبُوكَ أَنّي لَمْ أَكُنْ قَطّ أَقْوَى وَلَا أيسر منى حين تخلّفت عنه فى تلك الغزوة، وو الله مَا اجْتَمَعَتْ لِي رَاحِلَتَانِ قَطّ حَتّى اجْتَمَعَتَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَلّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا إلّا وَرّى بِغَيْرِهَا، حَتّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، فَغَزَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَرّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا، وَاسْتَقْبَلَ غَزْوَ عَدُوّ كَثِيرٍ، فَجَلّى لِلنّاسِ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهّبُوا لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ وَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُ بِوَجْهِهِ الّذِي يُرِيدُ، وَالْمُسْلِمُونَ مَنْ تَبِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَثِيرٌ، لَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ، يَعْنِي بِذَلِكَ الدّيوَانَ، يَقُولُ:
لَا يَجْمَعُهُمْ دِيوَانٌ مكتوب.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٢٤ ]
قَالَ كَعْبٌ: فَقَلّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيّبَ إلّا ظَنّ أَنّهُ سَيَخْفَى لَهُ ذَلِكَ، مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحَيّ مِنْ اللهِ، وَغَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ تِلْكَ الْغَزْوَةِ حِينَ طَابَتْ الثّمَارُ وَأُحِبّتْ الظّلَالُ، فَالنّاسُ إلَيْهَا صُعْرٌ؛ فَتَجَهّزَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَتَجَهّزَ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَجَعَلْت أَغْدُو لِأَتَجَهّزَ مَعَهُمْ، فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ حَاجَةً، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي، أَنَا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ إذَا أَرَدْت، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتّى شَمّرَ النّاسُ بِالْجَدّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَادِيًا، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا، فَقُلْت: أَتَجَهّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمِ أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمّ أَلْحَقُ بِهِمْ، فَغَدَوْت بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا لِأَتَجَهّزَ، فَرَجَعْت وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، ثُمّ غَدَوْت فَرَجَعْت وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتّى أَسْرَعُوا، وَتَفَرّطَ الْغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ، فَأُدْرِكُهُمْ، وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ، فَلَمْ أَفْعَلْ، وَجَعَلْت إذَا خَرَجْت فِي النّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَطُفْتُ فِيهِمْ، يَحْزُنُنِي أَنّي لَا أَرَى إلّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِي النّفَاقِ، أَوْ رَجُلًا مِمّنْ عَذَرَ اللهُ مِنْ الضّعَفَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ: مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ، وَالنّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ؛ فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قُلْت! وَاَللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا مِنْهُ إلّا خَيْرًا؛ فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ..
فلما بَلَغَنِي أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ تَوَجّهَ قَافِلًا مِنْ تَبُوكَ، حَضَرَنِي بَثّي، فَجَعَلْت أَتَذَكّرُ الْكَذِبَ وَأَقُولُ: بِمَاذَا أَخْرُجُ مِنْ سَخْطَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَدًا وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ كُلّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي؛
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٢٥ ]
فَلَمّا قِيلَ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَظَلّ قَادِمًا زَاحَ عَنّي الْبَاطِلُ، وَعَرَفْت أَنّي لَا أَنْجُو مِنْهُ إلّا بِالصّدْقِ، فَأَجْمَعْت أَنْ أَصْدُقَهُ، وَصَبّحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ جَلَسَ لِلنّاسِ، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ، جَاءَهُ الْمُخَلّفُونَ، فَجَعَلُوا يَحْلِفُونَ لَهُ وَيَعْتَذِرُونَ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَيَقْبَلُ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَانِيَتَهُمْ وَأَيْمَانَهُمْ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، وَيَكِلُ سَرَائِرَهُمْ إلَى اللهِ تَعَالَى، حَتّى جِئْت فَسَلّمْت عَلَيْهِ، فَتَبَسّمَ تَبَسّمَ الْمُغْضَبِ، ثُمّ قَالَ لِي: تَعَالَهْ، فَجِئْت أَمْشِي، حَتّى جَلَسْت بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: مَا خَلّفَك؟ أَلَمْ تَكُنْ ابْتَعْت ظَهْرَك؟ قَالَ: قُلْت:
إنّي يَا رَسُولَ اللهِ، وَاَللهِ لَوْ جَلَسْت عِنْدَ غَيْرِك من أهل الدنيا، لرأيت أبى سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرِ، وَلَقَدْ أُعْطِيت جَدَلًا، لكن وَاَللهِ لَقَدْ عَلِمْت لَئِنْ حَدّثْتُك الْيَوْمَ حَدِيثًا كَذِبًا لَتَرْضِيَنّ عَنّي، وَلَيُوشِكَنّ اللهُ أَنْ يُسْخِطَك عَلَيّ، وَلَئِنْ حَدّثْتُك حَدِيثًا صِدْقًا تَجِدُ عَلَيّ فِيهِ، إنّي لَأَرْجُو عُقْبَايَ مِنْ اللهِ فِيهِ، وَلَا وَاَللهِ مَا كَانَ لِي عُذْرٌ، وَاَللهِ مَا كُنْت قَطّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنّي حِينَ تَخَلّفْت عَنْك. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَمّا هَذَا فَقَدْ صَدَقْت فِيهِ، فَقُمْ حَتّى يَقْضِيَ اللهُ فِيك. فَقُمْت، وَثَارَ مَعِي رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، فَاتّبَعُونِي فَقَالُوا لِي: وَاَللهِ مَا عَلِمْنَاك كُنْتَ أَذْنَبْت ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، وَلَقَدْ عَجَزْتَ أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْت إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَا اعْتَذَرَ بِهِ إلَيْهِ الْمُخَلّفُونَ، قَدْ كَانَ كَافِيك ذَنْبُكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَك، فَوَاَللهِ مَا زَالُوا بِي حَتّى أَرَدْت أَنْ أَرْجِعَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأُكَذّبُ نَفْسِي، ثُمّ قُلْت لَهُمْ: هَلْ لَقَى هَذَا أَحَدٌ غَيْرِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، رَجُلَانِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٢٦ ]
قَالَا مِثْلَ مَقَالَتِك، وَقِيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قيل لك؛ قلت: من هما؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرّبِيعِ العَمْرِيّ، مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَهِلَالُ بْنُ (أَبِي) أُمَيّةَ الْوَاقِفِيّ؛ فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ، فِيهِمَا أُسْوَةٌ، فَصَمَتّ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي، وَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كَلَامِنَا أَيّهَا الثّلَاثَةُ، مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلّفَ عَنْهُ، فَاجْتَنَبَنَا النّاسُ، وَتَغَيّرُوا لَنَا، حَتّى تَنَكّرَتْ لِي نَفْسِي وَالْأَرْضُ، فَمَا هِيَ بِالْأَرْضِ الّتِي كُنْت أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأَمّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا، وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا، وَأَمّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْت أَخْرُجُ، وَأَشْهَدُ الصّلَوَاتِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ بِالْأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَلّمُنِي أَحَدٌ، وأتى رسول الله ﷺ، فَأُسَلّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصّلَاةِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي، هَلْ حَرّك شَفَتَيْهِ بِرَدّ السّلَامِ عَلَيّ أَمْ لَا؟ ثُمّ أُصَلّي قَرِيبًا منه، فأرسارقه النّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْت عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إلَيّ، وَإِذَا الْتَفَتّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنّي، حَتّى إذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيّ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ، مَشَيْتُ حتى توّرت جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ. وَهُوَ ابْنُ عَمّي، وأحبّ الناس إلىّ، فسلمت عليه، فو الله ماردّ عَلَيّ السّلَامَ، فَقُلْت: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أَنْشُدُك بِاَللهِ، هَلْ تَعْلَمُ أَنّي أُحِبّ اللهَ وَرَسُولَهُ؟ فَسَكَتَ. فَعُدْت فَنَاشَدْته، فَسَكَتَ عَنّي، فَعُدْت فَنَاشَدْته فَسَكَتَ عَنّي، فَعُدْت فَنَاشَدْته، فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَوَثَبْت فَتَسَوّرْت الْحَائِطَ، ثُمّ غَدَوْت إلَى السّوقِ، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِالسّوقِ، إذَا نَبَطِيّ يَسْأَلُ عَنّي مِنْ نَبَطِ الشّامِ، مما قدم بالطعام ببيعه بِالْمَدِينَةِ، يَقُولُ: مَنْ يَدُلّ عَلَيّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ؟ قَالَ: فَجَعَلَ النّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إلَيّ، حَتّى جَاءَنِي، فَدَفَعَ إلَيّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسّانَ، وَكَتَبَ كِتَابًا فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَإِذَا فِيهِ: «أَمّا بَعْدُ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٢٧ ]
فَإِنّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنّ صَاحِبَك قَدْ جَفَاك، وَلَمْ يَجْعَلْك اللهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ، فالحق بنا نُوَاسِك» . قَالَ: قُلْت حِينَ قَرَأْتهَا: وَهَذَا مِنْ الْبَلَاءِ أَيْضًا، قَدْ بَلَغَ بِي مَا وَقَعْت فِيهِ أَنْ طَمِعَ فِيّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشّرْكِ. قَالَ: فَعَمَدْت بِهَا إلَى تَنّورٍ، فَسَجَرْته بِهَا. فَأَقَمْنَا عَلَى ذَلِكَ حَتّى إذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنْ الْخَمْسِينَ إذَا رَسُولُ رَسُولِ اللهِ يَأْتِينِي، فَقَالَ: إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْمُرُك أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَك، قَالَ: قُلْت: أُطَلّقُهَا أَمْ مَاذَا؟ قَالَ: لَا، بَلْ اعْتَزِلْهَا وَلَا تَقْرَبْهَا، وَأَرْسَلَ إلَيّ صَاحِبِي بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَقُلْت لِامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِك، فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتّى يَقْضِي اللهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ مَا هُوَ قَاضٍ. قَالَ: وَجَاءَتْ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيّةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ هِلَالَ ابن أُمَيّةَ شَيْخٌ كَبِيرٌ ضَائِعٌ لَا خَادِمَ لَهُ، أَفَتَكْرَهُ أَنْ أَخْدِمَهُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَا يَقْرَبَنّكِ؛ قَالَتْ: وَاَللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا به من حركة إلىّ، والله مازال يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إلَى يَوْمهِ هَذَا، وَلَقَدْ تَخَوّفَتْ عَلَى بَصَرِهِ. قَالَ:
فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوْ اسْتَأْذَنْت رَسُولَ اللهِ لِامْرَأَتِك، فَقَدْ أَذِنَ لِامْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ؛ قَالَ: فَقُلْت: وَاَللهِ لَا اْسَتَأْذِنُهُ فِيهَا، مَا أَدْرِي مَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِي فِي ذَلِكَ إذَا اسْتَأْذَنْته فِيهَا، وَأَنَا رَجُلٌ شَابّ.
قَالَ: فَلَبِثْنَا بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، فَكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً، مِنْ حِينِ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا، ثُمّ صَلّيْت الصّبْحَ، صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، عَلَى الْحَالِ الّتِي ذَكَرَ اللهُ مِنّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيْنَا الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، وَضَاقَتْ عَلَيّ نَفْسِي، وقد كنت ابتنيت خيمة فى ظهر مبلع، فَكُنْت أَكُونُ فِيهَا إذْ سَمِعْت صَوْتَ صَارِخٍ أو فى على
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٢٨ ]
أمر سَلْعٍ يَقُولُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مالك، أبشر، قال: فخررت ا، وعرفت أن قد جاء الفرج.
قال: وَآذَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النّاسَ بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلّى الْفَجْرَ، فَذَهَبَ النّاسُ يُبَشّرُونَنَا، وَذَهَبَ نَحْوَ صَاحِبَيّ مُبَشّرُونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ إلَيّ فَرَسًا. وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أسلم، حتى أو فى عَلَى الْجَبَلِ، فَكَانَ الصّوْتُ أَسْرَعَ مِنْ الْفَرَسِ، فَلَمّا جَاءَنِي الّذِي سَمِعْت صَوْتَهُ يُبَشّرُنِي، نَزَعْت ثَوْبَيّ، فَكَسَوْتهمَا إيّاهُ بِشَارَةً، وَاَللهِ مَا أَمْلِكُ يَوْمئِذٍ غَيْرَهُمَا، وَاسْتَعَرْت ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتهمَا، ثُمّ انْطَلَقْت أَتَيَمّمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَتَلَقّانِي النّاسُ يُبَشّرُونَنِي بِالتّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِيَهْنِكَ تَوْبَةُ اللهِ عَلَيْك، حَتّى دَخَلْت الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ حَوْلَهُ النّاسُ، فَقَامَ إلَيّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، فَحَيّانِي وهنّأنى، وو الله مَا قَامَ إلَيّ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ. قَالَ:
فَكَانَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ لَا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةِ.
قَالَ كَعْبٌ: فَلَمّا سَلّمْت عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ لِي، وَوَجْهُهُ يَبْرُقُ مِنْ السّرُورِ: أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرّ عَلَيْك مُنْذُ وَلَدَتْك أُمّك، قَالَ: قُلْت: أَمِنْ عِنْدَك يَا رَسُولَ اللهِ أَمْ مِنْ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: بَلْ مِنْ عِنْدِ اللهِ. قَالَ:
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا اسْتَبْشَرَ كَأَنّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ. قَالَ:
وَكُنّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ. قَالَ: فَلَمّا جَلَسْت بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ مِنْ تَوْبَتِي إلَى اللهِ ﷿ أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي، صَدَقَةً إلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَمْسِكْ عَلَيْك بَعْضَ مَالِكٍ، فَهُوَ خير لك.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٢٩ ]
قَالَ: قُلْت إنّي مُمْسِكٌ سَهْمِي الّذِي بِخَيْبَرِ؛ وَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ اللهَ قَدْ نَجّانِي بِالصّدْقِ، وَإِنّ مِنْ تَوْبَتِي إلَى اللهِ أن لا أحدّث إلا صدقا ما حيبت، وَاَللهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ النّاسِ أَبْلَاهُ اللهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ذَلِكَ أَفَضْلَ مِمّا أَبْلَانِي اللهُ، وَاَللهِ مَا تَعَمّدْت مِنْ كَذْبَةٍ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى يَوْمِي هَذَا، وَإِنّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظنِي اللهُ فِيمَا بَقِيَ.
وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا
إلَى قَوْلِهِ: وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ التوبة: ١١٧- ١١٩.
قال كعب: فو الله مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيّ نِعْمَةً قَطّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ كَانَتْ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْته، فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الّذِينَ كَذَبُوا، فَإِنّ اللهَ ﵎ قَالَ فِي الّذِينَ كَذّبُوهُ حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرّ مَا قَالَ لِأَحَدِ، قَالَ: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ، فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ* يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ، فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ. التوبة: ٩٥، ٩٦.
قَالَ: وَكُنّا خُلّفْنَا أَيّهَا الثّلَاثَةُ عَنْ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٣٠ ]
ﷺ، حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَعَذَرَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمْرَنَا، حَتّى قَضَى اللهُ فِيهِ مَا قَضَى، فَبِذَلِكَ قَالَ اللهُ تَعَالَى:
وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.
وَلَيْسَ الّذِي ذَكَرَ اللهُ مِنْ تَخْلِيفِنَا لِتَخَلّفِنَا عَنْ الْغَزْوَةِ وَلَكِنْ لِتَخْلِيفِهِ إيّانَا، وَإِرْجَائِهِ أَمْرَنَا عَمّنْ حَلَفَ لَهُ، وَاعْتَذَرَ إلَيْهِ، فَقَبِلَ مِنْهُ.
[أَمْرُ وَفْدِ ثَقِيفٍ وَإِسْلَامُهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ مِنْ تَبُوكَ فِي رَمَضَانَ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الشّهْرِ وَفْدُ ثَقِيفٍ.
وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِمْ أَنّ رسول الله ﷺ لما انْصَرَفَ عَنْهُمْ، اتّبَعَ أَثَرَهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثّقَفِيّ، حَتّى أَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْمَدِينَةِ، فَأَسْلَمَ وَسَأَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى قَوْمِهِ بِالْإِسْلَامِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، كَمَا يَتَحَدّثُ قَوْمُهُ: إنّهُمْ قَاتَلُوك، وَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنّ فِيهِمْ نَخْوَةَ الِامْتِنَاعِ الّذِي كَانَ مِنْهُمْ، فَقَالَ عُرْوَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا أَحَبّ إلَيْهِمْ مِنْ أَبْكَارِهِمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: من أبصارهم.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِيهِمْ كَذَلِكَ مُحَبّبًا مُطَاعًا، فَخَرَجَ يَدْعُو قَوْمَهُ إلَى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٣١ ]
الْإِسْلَامِ رَجَاءَ أَنْ لَا يُخَالِفُوهُ، لِمَنْزِلَتِهِ فِيهِمْ؛ فَلَمّا أَشْرَفَ لَهُمْ عَلَى عَلِيّةٍ لَهُ، وَقَدْ دَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، وَأَظْهَرَ لَهُمْ دِينَهُ، رَمَوْهُ بِالنّبْلِ مِنْ كُلّ وَجْهٍ، فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ. فَتَزْعُمُ بَنُو مَالِكٍ أَنّهُ قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ أَوْسُ بْنُ عَوْفٍ، أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ مَالِكٍ، وَتَزْعُمُ الْأَحْلَافُ أَنّهُ قَتَلَهُ رجل منهم، من بنى عتّاب ابن مَالِكٍ، يُقَالُ لَهُ وَهْبُ بْنُ جَابِرٍ، فَقِيلَ لِعُرْوَةِ: مَا تَرَى فِي دَمِك؟ قَالَ:
كَرَامَةٌ أَكَرَمَنِي اللهُ بِهَا، وَشَهَادَةٌ سَاقَهَا اللهُ إلَيّ، فَلَيْسَ فِيّ إلّا مَا فِي الشّهَدَاءِ الّذِينَ قَتَلُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ عَنْكُمْ، فَادْفِنُونِي مَعَهُمْ، فَدَفَنُوهُ مَعَهُمْ، فَزَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِيهِ: إنّ مِثْلَهُ فِي قَوْمِهِ لَكَمِثْلِ صَاحِبِ يَاسِينَ فِي قَوْمِهِ.
ثُمّ أَقَامَتْ ثَقِيفٌ بَعْدَ قَتْلِ عُرْوَةَ أَشْهُرًا، ثُمّ إنّهُمْ ائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ، وَرَأَوْا أَنّهُ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِحَرْبِ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنْ الْعَرَبِ وَقَدْ بَايَعُوا وَأَسْلَمُوا.
حَدّثَنِي يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ: أَنّ عَمْرَو بْنَ أُمَيّةَ، أَخَا بَنِي عِلَاجٍ، كَانَ مُهَاجِرًا لِعَبْدِ ياليل بن عمرو، الذى بينهما سىء، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ مِنْ أَدْهَى الْعَرَبِ، فَمَشَى إلَى عَبْدِ يَالَيْلَ بْنِ عَمْرٍو، حَتّى دَخَلَ دَارَهُ، ثُمّ أَرْسَلَ إلَيْهِ أَنّ عَمْرَو بْنَ أُمَيّةَ يَقُولُ لَك: اخْرَجْ إلَيّ، قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ يَالَيْلَ لِلرّسُولِ: وَيْلَك! أَعَمْرٌو أَرْسَلَك إلَيّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَهَا هُوَ ذَا وَاقِفًا فِي دَارِك، فَقَالَ: إنّ هَذَا الشّيْءَ مَا كُنْت أَظُنّهُ، لَعَمْرٌو كَانَ أَمْنَعَ فِي نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَخَرَجَ إلَيْهِ، فَلَمّا رَآهُ رَحّبَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: إنّهُ قَدْ نَزَلَ بِنَا أَمْرٌ لَيْسَتْ مَعَهُ هِجْرَةٌ إنّهُ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ هَذَا الرّجُلِ مَا قَدْ رَأَيْت، قَدْ أَسْلَمَتْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٣٢ ]
الْعَرَبُ كُلّهَا، وَلَيْسَتْ لَكُمْ بِحَرْبِهِمْ طَاقَةٌ، فَانْظُرُوا فِي أَمْرِكُمْ: فَعِنْدَ ذَلِكَ ائْتَمَرَتْ ثَقِيفٌ بَيْنَهَا، وقال بعضهم لبعض: أفلا ترون أنه لا يأمن لكم سرب، ولا يخرج منكم أَحَدٌ إلّا اُقْتُطِعَ، فَأْتَمِرُوا بَيْنَهُمْ، وَأَجْمَعُوا أَنْ يُرْسِلُوا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلًا، كَمَا أَرْسَلُوا عُرْوَةَ، فَكَلّمُوا عَبْدَ يَالَيْلَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، وَكَانَ سِنّ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَرَضُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَأَبَى أَنْ يَفْعَلَ، وَخَشِيَ أَنْ يُصْنَعَ بِهِ إذَا رَجَعَ كَمَا صُنِعَ بِعُرْوَةِ. فَقَالَ:
لَسْت فَاعِلًا حَتّى تُرْسِلُوا مَعِي رِجَالًا، فَأَجْمَعُوا أَنْ يَبْعَثُوا مَعَهُ رَجُلَيْنِ مِنْ الْأَحْلَافِ، وَثَلَاثَةً مِنْ بَنِي مَالِكٍ، فَيَكُونُوا سِتّةً، فَبَعَثُوا مَعَ عَبْدِ يَالَيْلَ الْحَكَمَ بْنَ عَمْرِو بْنِ وَهْبِ بْنِ مُعَتّبٍ، وشر حبيل بْنَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ مُعَتّبٍ، وَمِنْ بَنِي مَالِكٍ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ بِشْرِ بْنِ عَبْدِ دُهْمَانَ، أَخَا بَنِي يَسَارٍ، وَأَوْسَ بْنَ عَوْفٍ، أَخَا بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ وَنُمَيْرَ بْنَ خَرَشَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، أَخَا بَنِي الْحَارِثِ. فَخَرَجَ بِهِمْ عَبْدُ يَالَيْلَ، وَهُوَ نَابَ الْقَوْمَ وَصَاحِبُ أَمْرِهِمْ، وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِمْ إلّا خَشْيَةَ مِنْ مِثْلِ مَا صُنِعَ بِعُرْوَةِ بْنِ مَسْعُودٍ، لِكَيْ يَشْغَلَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إذا رجعوا إلى الطائف رهطه..
فَلَمّا دَنَوْا مِنْ الْمَدِينَةِ، وَنَزَلُوا قَنَاةَ أَلْفَوْا بها المغيرة بن شعبة، يرعى فى نوبته رِكَابَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَتْ رِعْيَتُهَا نُوَبًا عَلَى أَصْحَابِهِ ﷺ، فَلَمّا رَآهُمْ تَرَكَ الرّكَابَ عِنْدَ الثّقَفِيّينَ، وَضَبَرَ يَشْتَدّ، لِيُبَشّرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِقُدُومِهِمْ عَلَيْهِ، فَلَقِيَهُ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فأخبره عن ركب
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٣٣ ]
ثَقِيفٍ أَنْ قَدْ قَدِمُوا يُرِيدُونَ الْبَيْعَةَ وَالْإِسْلَامَ، بِأَنْ يَشْرُطَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ شُرُوطًا، وَيَكْتَتِبُوا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ كِتَابًا فِي قَوْمِهِمْ وَبِلَادِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِلْمُغِيرَةِ: أَقْسَمْت عَلَيْك بِاَللهِ لَا تَسْبِقُنِي إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، حَتّى أَكُونَ أَنَا أُحَدّثُهُ؛ فَفَعَلَ الْمُغِيرَةُ. فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فأخبره بِقُدُومِهِمْ عَلَيْهِ. ثُمّ خَرَجَ الْمُغِيرَةُ إلَى أَصْحَابِهِ، فَرَوّحَ الظّهْرَ مَعَهُمْ وَعَلّمَهُمْ كَيْفَ يُحَيّونَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمْ يَفْعَلُوا إلّا بِتَحِيّةِ الْجَاهِلِيّةِ، وَلَمّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ضَرَبَ عَلَيْهِمْ قُبّةً فِي نَاحِيَةِ مَسْجِدِهِ، كَمَا يَزْعُمُونَ، فَكَانَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، هُوَ الّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حَتّى اكْتَتَبُوا كِتَابَهُمْ. وَكَانَ خَالِدٌ هُوَ الّذِي كَتَبَ كِتَابَهُمْ بِيَدِهِ، وَكَانُوا لَا يَطْعَمُونَ طَعَامًا يَأْتِيهِمْ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى يَأْكُلَ مِنْهُ خَالِدٌ، حَتّى أَسْلَمُوا وَفَرَغُوا مِنْ كِتَابِهِمْ، وَقَدْ كَانَ فِيمَا سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَدَعَ لَهُمْ الطّاغِيَةَ، وَهِيَ اللات لَا يَهْدِمُهَا ثَلَاثَ سِنِينَ، فَأَبَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَمَا بَرِحُوا يَسْأَلُونَهُ سَنَةً سَنَةً، وَيَأْبَى عَلَيْهِمْ حَتّى سَأَلُوا شَهْرًا وَاحِدًا بَعْدَ مَقْدَمِهِمْ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ أَنْ يَدَعَهَا شَيْئًا مُسَمّى، وَإِنّمَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ فِيمَا يُظْهِرُونَ أَنْ يَتَسَلّمُوا بِتَرْكِهَا مِنْ سُفَهَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَذَرَارِيّهِمْ وَيَكْرَهُونَ أَنْ يُرَوّعُوا قَوْمَهُمْ بِهَدْمِهَا حَتّى يَدْخُلَهُمْ الْإِسْلَامُ: فَأَبَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إلّا أَنْ يَبْعَثَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فَيَهْدِمَاهَا، وَقَدْ كَانُوا سَأَلُوهُ مَعَ تَرْكِ الطّاغِيَةِ أَنْ يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا أو ثانهم بأيديهم، فقال
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٣٤ ]
رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَمَا كسر أو ثانكم بِأَيْدِيكُمْ فَسَنُعْفِيكُمْ مِنْهُ، وَأَمّا الصّلَاةُ، فَإِنّهُ لَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَا صَلَاةَ فِيهِ، فَقَالُوا: يا محمد، فسنؤنيكها، وإن كانت دناءة.
فَلَمّا أَسْلَمُوا وَكَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ كِتَابَهُمْ، أَمّرَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنّا، وَذَلِكَ أَنّهُ كَانَ أَحْرَصَهُمْ عَلَى التّفَقّهِ فِي الْإِسْلَامِ وَتَعَلّمِ الْقُرْآنِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي قَدْ رَأَيْتُ هَذَا الْغُلَامَ مِنْهُمْ مِنْ أَحْرَصِهِمْ عَلَى التّفَقّهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَتَعَلّمِ القرآن
قال ابن إسحاق: وحدثنى عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطِيّةَ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ رَبِيعَةَ الثّقَفِيّ، عَنْ بَعْضِ وَفْدِهِمْ. قَالَ: كَانَ بَلَالٌ يَأْتِينَا حِينَ أَسْلَمْنَا وَصُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا بَقِيَ مِنْ رَمَضَانَ، بِفِطْرِنَا وَسَحُورنَا مِنْ عند رسول الله ﷺ، فَيَأْتِينَا بِالسّحُورِ، وَإِنّا لَنَقُولُ: إنّا لَنَرَى الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ، فَيَقُولُ: قَدْ تَرَكْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَسَحّرُ، لِتَأْخِيرِ السّحُورِ، وَيَأْتِينَا بِفِطْرِنَا، وَإِنّا لَنَقُولُ: مَا نَرَى الشّمْسَ كُلّهَا ذَهَبَتْ بَعْدُ. فَيَقُولُ: مَا جِئْتُكُمْ حَتّى أَكَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمّ يَضَعُ يَدَهُ فِي الْجَفْنَةِ، فَيَلْتَقِمُ مِنْهَا.
قال ابن هشام: بفطورنا وسحورنا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هند، عن مطرّف بن عبد الله ابن الشّخّيرِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، قَالَ: كَانَ مِنْ آخِرِ مَا عَهِدَ إلَيّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٣٥ ]
رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ بَعَثَنِي عَلَى ثَقِيفٍ أَنْ قَالَ: يَا عُثْمَانُ، تُجَاوِزْ فِي الصّلَاةِ، وَاقْدُرْ النّاسَ بِأَضْعَفِهِمْ، فَإِنّ فِيهِمْ الْكَبِيرَ، وَالصّغِيرَ، وَالضّعِيفَ، وَذَا الْحَاجَةِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا فَرَغُوا مِنْ أَمْرِهِمْ، وَتَوَجّهُوا إلَى بِلَادِهِمْ رَاجِعِينَ، بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُمْ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، فِي هَدْمِ الطّاغِيَةِ، فَخَرَجَا مَعَ الْقَوْمِ، حَتّى إذَا قَدِمُوا الطّائِفَ أَرَادَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنْ يُقَدّمَ أَبَا سُفْيَانَ، فَأَبَى ذَلِكَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: اُدْخُلْ أَنْتَ عَلَى قَوْمِك؛ وَأَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ بِمَالِهِ بِذِي الْهَدْمِ؛ فَلَمّا دَخَلَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ عَلَاهَا يَضْرِبُهَا بِالْمِعْوَلِ، وَقَامَ قَوْمُهُ دُونَهُ، بَنُو مُعَتّبٍ، خَشْيَةَ أَنْ يُرْمَى أَوْ يُصَابَ كَمَا أُصِيبَ عُرْوَةُ، وَخَرَجَ نِسَاءُ ثَقِيفٍ حُسّرًا يَبْكِينَ عَلَيْهَا وَيَقُلْنَ:
لَتُبْكَيَنّ دُفّاعُ أَسْلَمَهَا الرضّاع لم يحسنوا المصاع
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: «لَتُبْكَيَنّ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَيَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ وَالْمُغِيرَةُ يَضْرِبُهَا بِالْفَأْسِ: وَاهَا لَك! آهَا لَك! فَلَمّا هَدَمَهَا الْمُغِيرَةُ، وَأَخَذَ مَالَهَا وَحُلِيّهَا أَرْسَلَ إلى أبى سفيان وحليها مجموع، ومالها من الذهب والجزع.
وَقَد كَانَ أَبُو مُلَيْحِ بْنِ عُرْوَةَ وَقَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ وَفْدِ ثَقِيفٍ، حِينَ قُتِلَ عُرْوَةُ، يُرِيدَانِ فِرَاقَ ثَقِيفٍ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٣٦ ]
وَأَنْ لَا يُجَامِعَاهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا، فَأَسْلَمَا؛ فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ تَوَلّيَا مَنْ شِئْتُمَا؛ فَقَالَا: نَتَوَلّى اللهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَخَالَكُمَا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، فَقَالَا: وخالنا أبا سفيان بن حرب.
فَلَمّا أَسْلَمَ أَهْلُ الطّائِفِ وَوَجّهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ وَالْمُغِيرَةَ إلَى هَدْمِ الطّاغِيَةِ، سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَبُو مُلَيْحِ بْنِ عُرْوَةَ أَنْ يَقْضِيَ عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الطّاغِيَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ قَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَعَنْ الْأَسْوَدِ يَا رَسُولَ اللهِ فَاقْضِهِ، وَعُرْوَةُ وَالْأَسْوَدُ أَخَوَانِ لِأَبٍ وَأُمّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنّ الْأَسْوَدَ مَاتَ مُشْرِكًا. فَقَالَ قَارِبٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: يَا رسول الله، ولكن تَصِلُ مُسْلِمًا ذَا قَرَابَةٍ، يَعْنِي نَفْسَهُ، إنّمَا الدّيْنُ عَلَيّ، وَإِنّمَا أَنَا الّذِي أُطْلَبُ بِهِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَ عُرْوَةَ وَالْأَسْوَدِ مِنْ مَالِ الطّاغِيَةِ، فَلَمّا جَمَعَ الْمُغِيرَةُ مَالَهَا قَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ: أَنْ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَمَرَك أَنْ تَقْضِيَ عن عروة والأسود دينهما، فقضى عنهما.
[وَكَانَ كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الذى كتب لهم:]
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ: مِنْ مُحَمّدٍ النّبِيّ، رَسُولِ اللهِ، إلَى الْمُؤْمِنِينَ: إنّ عِضَاهَ وَجّ وَصَيْدَهُ لَا يُعْضَدُ، مَنْ وُجِدَ يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنّهُ يُجْلَدُ وَتُنْزَعُ ثِيَابُهُ، فَإِنْ تَعَدّى ذَلِكَ فَإِنّهُ يُؤْخَذُ فَيَبْلُغُ بِهِ إلَى النّبِيّ مُحَمّدٍ، وَإِنّ هَذَا أَمْرُ النّبِيّ مُحَمّدٍ رسول الله.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٣٧ ]
وَكَتَبَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ: بِأَمْرِ الرّسُولِ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَلَا يَتَعَدّهُ أَحَدٌ، فَيَظْلِمَ نَفْسَهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ مُحَمّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
[حَجّ أَبِي بَكْرٍ بالناس سنة تسع واختصاص النّبِيّ ﷺ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ بِتَأْدِيَةِ أَوّلِ بَرَاءَةٍ عَنْهُ وَذِكْرُ بَرَاءَةَ وَالْقَصَصِ فِي تَفْسِيرِهَا]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ أَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَقِيّةَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَشَوّالًا وَذَا الْقَعَدَةِ، ثُمّ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْحَجّ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ، لِيُقِيمَ لِلْمُسْلِمِينَ حَجّهُمْ، وَالنّاسُ مِنْ أَهْلِ الشّرْكِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ مِنْ حَجّهِمْ. فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ ومن معه من المسلمين.
وَنَزَلَتْ بَرَاءَةٌ فِي نَقْضِ مَا بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْعَهْدِ، الّذِي كَانُوا عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ: أَنْ لَا يُصَدّ عَنْ الْبَيْتِ أَحَدٌ جَاءَهُ، وَلَا يَخَافُ أَحَدٌ فِي الشّهْرِ الْحِرَامِ. وَكَانَ ذَلِكَ عَهْدًا عَامّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النّاسِ مِنْ أَهْلِ الشّرْكِ، وَكَانَتْ بَيْنَ ذَلِكَ عُهُودٌ بين رسول الله ﷺ وَبَيْنَ قَبَائِلَ مِنْ الْعَرَبِ خَصَائِص، إلَى آجَالٍ مُسَمّاةٍ، فَنَزَلَتْ فِيهِ وَفِيمَنْ تَخَلّفَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ عَنْهُ فِي تَبُوكَ، وَفِي قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ، فَكَشَفَ اللهُ تَعَالَى فِيهَا سَرَائِرَ أَقْوَامٍ كَانُوا يَسْتَخْفُونَ بِغَيْرِ مَا يُظْهِرُونَ، مِنْهُمْ مَنْ سَمّى لَنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُسَمّ لَنَا، فَقَالَ ﷿:
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَيْ لِأَهْلِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٣٨ ]
العهد العام من أهل الشرك فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ. وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ:
أَيْ بَعْدَ هَذِهِ الْحِجّةِ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ، وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ* إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: أَيْ العهد الخاصّ إلى الأجل المسمى وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ: يَعْنِي الْأَرْبَعَةَ الّتِي ضَرَبَ لَهُمْ أَجَلًا فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ، وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ، فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ، فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: أَيْ مِنْ هَؤُلَاءِ الّذِينَ أَمَرْتُك بِقَتْلِهِمْ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ.
ثُمّ قَالَ: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ الّذِينَ كَانُوا هُمْ وَأَنْتُمْ عَلَى الْعَهْدِ الْعَامّ أَنْ لَا يُخِيفُوكُمْ وَلَا يُخِيفُوهُمْ فِي الْحُرْمَةِ، وَلَا فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ، إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَهِيَ قَبَائِلُ مِنْ بَنِي بَكْرٍ الّذِينَ كَانُوا دَخَلُوا فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، إلَى الْمُدّةِ الّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، فَلَمْ يَكُنْ نَقَضَهَا إلّا هَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْشٍ؛ وَهِيَ الدّيلُ مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، الّذِينَ كَانُوا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٣٩ ]
دَخَلُوا فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ. فَأُمِرَ بِإِتْمَامِ الْعَهْدِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ نَقَضَ مِنْ بَنِي بَكْرٍ إلَى مُدّتِهِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ.
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ: أَيْ الْمُشْرِكُونَ الّذِينَ لَا عَهْدَ لَهُمْ إلَى مُدّةٍ مِنْ أَهْلِ الشّرْكِ الْعَامّ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً.
[تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْمُفْرَدَاتِ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْإِلّ: الْحِلْفُ. قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ، أحد بني أسيد بن عمرو بن تميم:
لَوْلَا بَنُو مَالِكٍ وَالْإِلّ مَرْقَبَةٌ وَمَالِكٌ فِيهِمْ الْآلَاءُ وَالشّرَفُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَجَمَعَهُ: آلَالَ، قَالَ الشّاعِرُ:
فَلَا إلّ مِنْ الآلال بينى وبينكم فلا تألنّ حهدا
وَالذّمّةُ: الْعَهْدُ. قَالَ الْأَجْدَعُ بْنُ مَالِكٍ الْهَمْدَانِيّ، وهو أبو مسروق ابن الْأَجْدَعِ الْفَقِيهُ:
وَكَانَ عَلَيْنَا ذِمّةٌ أَنْ تُجَاوِزُوا مِنْ الْأَرْضِ مَعْرُوفًا إلَيْنَا وَمُنْكَرًا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي ثَلَاثَةِ أَبْيَاتٍ لَهُ وَجَمْعُهَا: ذِمَمٌ.
يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ* اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ، إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ* لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ أَيْ قَدْ اعْتَدَوْا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٤٠ ]
عَلَيْكُمْ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.
[اخْتِصَاصُ الرّسُولِ عَلِيّا بِتَأْدِيَةِ بَرَاءَةٌ عَنْهُ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي حَكِيمُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ عَبّادِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمّدِ بْنِ عَلِيّ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ، أَنّهُ قَالَ: لَمّا نَزَلَتْ بَرَاءَةٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَدْ كَانَ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ الصّدّيقَ لِيُقِيمَ لِلنّاسِ الْحَجّ، قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ بَعَثْت بِهَا إلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: لَا يُؤَدّي عَنّي إلّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، ثُمّ دَعَا عَلِيّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال لَهُ:
اُخْرُجْ بِهَذِهِ الْقِصّةِ مِنْ صَدْرِ بَرَاءَةٍ، وَأَذّنْ فِي النّاسِ يَوْمَ النّحْرِ إذَا اجْتَمَعُوا بِمِنًى:
أَنّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنّةَ كَافِرٌ، وَلَا يَحُجّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَهْدٌ فَهُوَ لَهُ إلَى مُدّتِهِ، فَخَرَجَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ عَلَى نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْعَضْبَاءَ، حَتّى أَدْرَكَ أَبَا بَكْرٍ بِالطّرِيقِ، فَلَمّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ بِالطّرِيقِ قَالَ: أَأَمِيرٌ أَمْ مَأْمُورٌ؟ فَقَالَ: بَلْ مَأْمُورٌ، ثُمّ مَضَيَا. فَأَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنّاسِ الْحَجّ، وَالْعَرَبُ إذْ ذَاكَ فِي تِلْكَ السّنَةِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ مِنْ الْحَجّ، الّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيّةِ، حَتّى إذَا كَانَ يَوْمُ النّحْرِ، قَامَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَأَذّنَ فِي النّاسِ بِاَلّذِي أَمَرَهُ بِهِ رسول الله ﷺ، فقال: أَيّهَا النّاسُ، إنّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنّةَ كَافِرٌ، وَلَا يَحُجّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَهْدٌ فَهُوَ لَهُ إلَى مُدّتِهِ، وَأَجّلَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٤١ ]
النّاسَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ أَذّنَ فِيهِمْ، لِيَرْجِعَ كُلّ قَوْمٍ إلَى مَأْمَنِهِمْ أَوْ بِلَادِهِمْ؛ ثُمّ لَا عَهْدٌ لِمُشْرِكِ وَلَا ذِمّةٌ إلّا أَحَدٌ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَهْدٌ إلَى مُدّةٍ، فَهُوَ لَهُ إلَى مُدّتِهِ. فَلَمْ يَحُجّ بَعْدَ ذَلِكَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.
ثُمّ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَ هَذَا مِنْ بَرَاءَةٍ فِيمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشّرْكِ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ الْعَامّ، وَأَهْلِ الْمُدّةِ إلَى الْأَجَلِ الْمُسَمّى.
[مَا نَزَلَ فِي الْأَمْرِ بِجِهَادِ الْمُشْرِكِينَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ بِجِهَادِ أَهْلِ الشّرْكِ، مِمّنْ نَقَضَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ الْخَاصّ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ الْعَامّ، بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ الّتِي ضَرَبَ لَهُمْ أَجَلًا إلّا أَنْ يَعْدُوَ فِيهَا عَادٍ مِنْهُمْ، فَيُقْتَلُ بِعَدَائِهِ، فَقَالَ:
أَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ. وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ أى من بعد ذلك عَلى مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ، وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً، وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٤٢ ]
[تفسير ابن هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: وَلِيجَةً: دَخِيلٌ، وَجَمْعُهَا: وَلَائِجُ؛ وَهُوَ مِنْ وَلَجَ يَلِجُ: أَيْ دَخَلَ يَدْخُلُ، وَفِي كِتَابِ اللهِ ﷿: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ:
أَيْ يَدْخُلُ، يَقُولُ: لَمْ يَتّخِذُوا دَخِيلًا مِنْ دُونِهِ يُسِرّونَ إلَيْهِ غَيْرَ مَا يُظْهِرُونَ، نَحْوَ مَا يَصْنَعُ الْمُنَافِقُونَ، يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ لِلّذِينَ آمَنُوا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ قَالَ الشّاعِرُ:
وَاعْلَمْ بِأَنّك قَدْ جُعِلْتَ وَلِيجَةً سَاقُوا إلَيْك الْحَتْفَ غَيْرَ مَشُوبِ
[مَا نَزَلَ فِي الرّدّ عَلَى قُرَيْشٍ بِادّعَائِهِمْ عُمَارَةَ الْبَيْتِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ ذَكَرَ قَوْلَ قُرَيْشٍ: إنّا أَهْلُ الْحَرَمِ، وَسُقَاةُ الْحَاجّ، وَعُمّارِ هَذَا الْبَيْتِ، فَلَا أَحَدَ أَفْضَلُ مِنّا، فَقَالَ: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
: أَيْ إنّ عِمَارَتَكُمْ لَيْسَتْ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ أَيْ مَنْ عَمّرَهَا بِحَقّهَا مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ: أَيْ فَأُولَئِكَ عُمّارُهَا فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ وَعَسَى مِنْ اللهِ: حَقّ.
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ.
[مَا نَزَلَ فِي الْأَمْرِ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ]
ثُمّ الْقِصّةُ عَنْ عَدُوّهِمْ، حَتّى انْتَهَى إلَى ذِكْرِ حُنَيْنٍ، وَمَا كَانَ فِيهِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٤٣ ]
وَتُوَلّيهِمْ عَنْ عَدُوّهِمْ، وَمَا أَنَزَلَ اللهُ تَعَالَى مِنْ نَصْرِهِ بَعْدَ تَخَاذُلِهِمْ، ثُمّ قَالَ تَعَالَى:
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذَا، وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً وَذَلِكَ أن الناس قالوا: لتنقطعنّ عنّا الأسواق، فلتهكنّ التجارة، وليذهبنّ ما كنا نصيب فيها من المرافق، فَقَالَ اللهُ ﷿:
وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ: أَيْ مِنْ وَجْهٍ غَيْرِ ذَلِكَ إِنْ شاءَ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. قاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ: أَيْ فَفِي هَذَا عِوَضٌ مِمّا تَخَوّفْتُمْ مِنْ قَطْعِ الْأَسْوَاقِ، فَعَوّضَهُمْ اللهُ بِمَا قَطَعَ عَنْهُمْ بِأَمْرِ الشّرْكِ، مَا أَعْطَاهُمْ مِنْ أَعْنَاقِ أَهْلِ الْكِتَابِ، مِنْ الْجِزْيَةِ.
[مَا نَزَلَ فِي أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ]
ثُمّ ذَكَرَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ بِمَا فِيهِمْ مِنْ الشّرّ وَالْفِرْيَةِ عَلَيْهِ، حَتّى انْتَهَى إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ.
[مَا نَزَلَ فِي النّسِيءِ]
ثُمّ ذَكَرَ النّسِيءَ، وَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ أَحْدَثَتْ فِيهِ. وَالنّسِيءُ مَا كَانَ يُحِلّ مِمّا حَرّمَ اللهُ تَعَالَى مِنْ الشّهُورِ، وَيُحَرّمُ مِمّا أَحَلّ اللهُ مِنْهَا، فَقَالَ: إِنَّ عِدَّةَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٤٤ ]
الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ: أَيْ لَا تَجْعَلُوا حَرَامَهَا حَلَالًا، وَلَا حَلَالهَا حَرَامًا: أَيْ كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الشّرْكِ إِنَّمَا النَّسِيءُ الّذِي كَانُوا يَصْنَعُونَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ، زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ.
[مَا نَزَلَ فِي تَبُوكَ]
ثُمّ ذَكَرَ تَبُوكَ وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ تَثَاقُلِ الْمُسْلِمِينَ عَنْهَا، وَمَا أَعْظَمُوا مِنْ غَزْوِ الرّومِ، حِينَ دَعَاهُمْ رسول الله ﷺ إلى جهادهم، ونفاق من نافق من المنافقين، حين دعوا إلى مادعوا إلَيْهِ مِنْ الْجِهَادِ، ثُمّ مَا نَعَى عَلَيْهِمْ مِنْ إحْدَاثِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، فَقَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمّ الْقِصّةُ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى:
يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى:
إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ
[مَا نَزَلَ فِي أَهْلِ النّفَاقِ]
ثُمّ قَالَ تَعَالَى لِنَبِيّهِ ﷺ، يَذْكُرُ أَهْلَ النّفَاقِ: لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ، وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٤٥ ]
وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ، يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ: أَيْ إنّهُمْ يَسْتَطِيعُونَ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ، لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ؟ إلَى قَوْلِهِ:
لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا، وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ، يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ
[تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيب]
قال ابن هِشَامٍ: أَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ: سَارُوا بَيْنَ أَضْعَافِكُمْ، فَالْإِيضَاعُ:
ضَرْبٌ مِنْ السّيْرِ أَسْرَعَ مِنْ الْمَشْيِ؛ قَالَ الْأَجْدَعُ بْنُ مَالِكٍ الْهَمْدَانِيّ:
يَصْطَادُك الْوَحَدَ الْمُدِلّ بِشَأْوِهِ بِشَرِيجٍ بَيْنَ الشّدّ وَالْإِيضَاعِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
[عَوْدٌ إلَى مَا نَزَلَ فِي أَهْلِ النّفَاقِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ الّذِينَ اسْتَأْذَنُوهُ مِنْ ذوى الشرف، فيما بلغنى، منهم: عبد الله بن أبىّ بن سَلُولَ، وَالْجَدّ بْنُ قِيسٍ؛ وَكَانُوا أَشْرَافًا فِي قَوْمِهِمْ، فَثَبّطَهُمْ اللهُ لِعِلْمِهِ بِهِمْ أَنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ، فَيُفْسِدُوا عَلَيْهِ جُنْدَهُ، وَكَانَ فِي جُنْدِهِ قَوْمٌ أَهْلُ مَحَبّةٍ لَهُمْ، وَطَاعَةٍ فِيمَا يَدْعُونَهُمْ إلَيْهِ، لِشَرَفِهِمْ فِيهِمْ. فَقَالَ تَعَالَى:
وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ:
أَيْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْتَأْذِنُوك، وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ: أَيْ لِيَخْذُلُوا عَنْك أَصْحَابَك وَيَرُدّوا عَلَيْك أَمْرَك حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٤٦ ]
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا، وَكَانَ الّذِي قَالَ ذَلِكَ، فِيمَا سُمّيَ لَنَا، الْجَدّ بْنُ قِيسٍ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، حِينَ دَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى جِهَادِ الرّومِ. ثُمّ كَانَتْ الْقِصّةُ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى:
لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ، فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا، وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ: أَيْ إنّمَا نِيّتُهُمْ وَرِضَاهُمْ وَسَخَطَهُمْ لِدُنْيَاهُمْ.
[مَا نَزَلَ فِي ذِكْرِ أَصْحَابِ الصّدَقَاتِ]
ثُمّ بَيّنَ الصّدَقَاتِ لِمَنْ هِيَ وَسَمّى أَهْلَهَا، فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها، وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَفِي الرِّقابِ، وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
[مَا نَزَلَ فِيمَنْ آذَوْا الرّسُولَ]
ثُمّ ذَكَرَ غَشّهُمْ وَأَذَاهُمْ النّبِيّ ﷺ، فَقَالَ: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ، قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ، يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ، وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. وَكَانَ الّذِي يَقُولُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، فِيمَا بَلَغَنِي، نَبْتَلُ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَذَلِكَ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ: إنّمَا مُحَمّدٌ أُذُنٌ، مَنْ حَدّثَهُ شَيْئًا صَدّقَهُ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ: أى يسمع الخير ويصدّق به.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٤٧ ]
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ، ثُمّ قَالَ: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ
إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً، وكان الذى قال وَدِيعَةَ بْنَ ثَابِتٍ، أَخُو بَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدٍ، مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ الّذِي عُفِيَ عَنْهُ، فِيمَا بَلَغَنِي: مُخَشّنَ بْنَ حُمَيّرٍ الْأَشْجَعِيّ، حَلِيفَ بَنِي سَلِمَةَ، وَذَلِكَ أَنّهُ أَنْكَرَ مِنْهُمْ بَعْضَ مَا سَمِعَ.
ثُمّ الْقِصّةُ مِنْ صِفَتِهِمْ حَتّى انْتَهَى إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قالُوا، وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا، وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ إلَى قَوْلِهِ:
مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ. وَكَانَ الّذِي قَالَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ الْجُلَاسَ بْنَ سُوَيْد بْنِ صَامِتٍ، فَرَفَعَهَا عَلَيْهِ رَجُلٌ كَانَ فِي حِجْرِهِ، يُقَال لَهُ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ، فَأَنْكَرَهَا وَحَلَفَ بِاَللهِ مَا قَالَهَا، فَلَمّا نَزَلَ فِيهِمْ الْقُرْآنُ تَابَ وَنَزَعَ، وَحَسُنَتْ حَالُهُ وَتَوْبَتُهُ، فِيمَا بَلَغَنِي.
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَكَانَ الّذِي عَاهَدَ اللهَ مِنْهُمْ ثَعْلَبَةَ بْنَ حَاطِبٍ، وَمُعَتّبَ بْنَ قُشَيْرٍ، وَهُمَا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ.
ثُمّ قَالَ: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٤٨ ]
وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ، فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ، سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَكَانَ الْمُطّوّعُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقَاتِ عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَعَاصِمَ بْنَ عَدِيّ أَخَا بَنِي الْعَجْلَانِ، وَذَلِكَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَغّبَ فِي الصّدَقَةِ، وَحَضّ عَلَيْهَا، فَقَامَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَتَصَدّقَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَقَامَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيّ، فَتَصَدّقَ بمائة وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ، فَلَمَزُوهُمَا وَقَالُوا مَا هَذَا إلّا رِيَاءٌ، وَكَانَ الّذِي تَصَدّقَ بِجَهْدِهِ أَبُو عُقَيْلٍ أَخُو بَنِي أُنَيْفٍ، أَتَى بِصَاعِ مِنْ تَمْرٍ، فَأَفْرَغَهَا فِي الصّدَقَةِ، فَتَضَاحَكُوا بِهِ، وَقَالُوا: إنّ اللهَ لَغَنِيّ عَنْ صَاعِ أَبِي عُقَيْلٍ.
ثُمّ ذَكَرَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِ، حِينَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْجِهَادِ وَأَمَرَ بِالسّيْرِ إلَى تَبُوكَ، عَلَى شِدّةِ الْحَرّ وَجَدْبِ الْبِلَادِ، فَقَالَ تَعَالَى:
وَقالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ، قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ.
فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا إلَى قَوْلِهِ: وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ.
[مَا نَزَلَ بِسَبَبِ صَلَاةِ النّبِيّ عَلَى ابْنِ أَبَيّ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي الزّهْرِيّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بن عقبة، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ يَقُولُ: لَمّا تُوُفّيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبَيّ، دُعِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلصّلَاةِ عَلَيْهِ، فَقَامَ إلَيْهِ؛ فَلَمّا وَقَفَ عَلَيْهِ يُرِيدُ الصّلَاةَ تَحَوّلْتُ حَتّى قُمْت فِي صَدْرِهِ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلّي عَلَى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٤٩ ]
عدوّ الله عبد بن أبىّ بن سَلُولَ؟ الْقَائِلِ كَذَا يَوْمَ كَذَا، وَالْقَائِلِ كَذَا يَوْمَ كَذَا؟ أُعَدّدُ أَيّامَهُ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يتبسم حتى إذ أَكْثَرْت قَالَ:
يَا عُمَرُ أَخّرْ عَنّي، إنّي قَدْ خُيّرْت فَاخْتَرْت، قَدْ قِيلَ لِي: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ، فَلَوْ أَعْلَمُ أَنّي إنْ زِدْت عَلَى السّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ، لَزِدْت. قَالَ ثُمّ صَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَمَشَى مَعَهُ حَتّى قَامَ عَلَى قَبْرِهِ، حَتّى فُرِغَ مِنْهُ. قَالَ: فَعَجِبْت لِي وَلِجُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاَللهُ وَرَسُولُهُ أعلم. فو الله مَا كَانَ إلّا يَسِيرًا حَتّى نَزَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ، إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ فَمَا صَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَهُ عَلَى مُنَافِقٍ حَتّى قَبَضَهُ اللهُ تَعَالَى.
[مَا نَزَلَ فِي الْمُسْتَأْذِنِينَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ قَالَ تَعَالَى: وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ، وكان ابن أبىّ من مِنْ أُولَئِكَ، فَنَعَى اللهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ منه، ثم قال تعالى: لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها، ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ، وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إلَى آخِرِ الْقِصّةِ. وَكَانَ الْمُعَذّرُونَ، فِيمَا بَلَغَنِي نَفَرًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ، مِنْهُمْ خُفَافُ بْنُ أَيْمَاءَ بْنِ رَحْضَةَ،
[ ٧ / ٣٥٠ ]
ثُمّ كَانَتْ الْقِصّةُ لِأَهْلِ الْعُذْرِ، حَتّى انْتَهَى إلَى قَوْلِهِ: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ، قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ وهم البكاؤن.
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ، رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ، وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَالْخَوَالِفُ: النّسَاءُ. ثُمّ ذَكَرَ حَلِفَهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ وَاعْتِذَارَهُمْ، فَقَالَ: فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ.
[مَا نَزَلَ فِيمَنْ نَافَقَ مِنْ الْأَعْرَابِ]
ثُمّ ذَكَرَ الْأَعْرَابَ وَمَنْ نَافَقَ مِنْهُمْ وَتَرَبّصُهُمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ: أَيْ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ نَفَقَةٍ فِي سَبِيلِ اللهِ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ، عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
ثُمّ ذَكَرَ الْأَعْرَابَ أَهْلَ الْإِخْلَاصِ وَالْإِيمَانِ مِنْهُمْ، فَقَالَ: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ، أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ.
[مَا نَزَلَ فِي السّابِقِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ]
ثُمّ ذَكَرَ السّابِقِينَ الْأَوّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَفَضْلَهُمْ، وَمَا وَعَدَهُمْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٥١ ]
اللهُ مِنْ حُسْنِ ثَوَابِهِ إيّاهُمْ، ثُمّ أَلْحَقَ بِهِمْ التّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ، فَقَالَ:
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، ثُمّ قَالَ تَعَالَى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ: أَيْ لَجّوا فِيهِ، وَأَبَوْا غيره سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ، والعذاب الذى أوعدها الله تعالى مرّتين، فيما بلغنى: غَمّهُمْ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ، وَمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْظِ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ حِسْبَةٍ، ثُمّ عَذَابُهُمْ فِي الْقُبُورِ إذَا صَارُوا إلَيْهَا، ثُمّ الْعَذَابُ الْعَظِيمُ الّذِي يُرِدّونَ إلَيْهِ، عَذَابُ النّارِ وَالْخُلْدُ فِيهِ. ثُمّ قَالَ تَعَالَى: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ، إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ الثّلَاثَةُ الّذِينَ خُلّفُوا، وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمْرَهُمْ حَتّى أَتَتْ مِنْ اللهِ تَوْبَتُهُمْ.
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا إلَخْ. الْقِصّةُ ثُمّ قَالَ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ.
ثُمّ كَانَ قِصّةُ الْخَبَرِ عَنْ تَبُوكَ، وَمَا كَانَ فِيهَا إلَى آخِرِ السّورَةِ.
وَكَانَتْ بَرَاءَةٌ تُسْمَى فِي زَمَانِ النّبِيّ ﷺ وَبَعْدَهُ الْمُبَعْثِرَةَ، لَمَا كَشَفَتْ مِنْ سَرَائِرِ الناس. وكانت تبوك آخِرَ غَزْوَةٍ غَزَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ.
[شِعْرُ حَسّانَ الّذِي عَدّدَ فِيهِ الْمَغَازِيَ]
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُعَدّدُ أَيّامَ الْأَنْصَارِ مَعَ النّبِيّ ﷺ، وَيَذْكُرُ مَوَاطِنَهُمْ مَعَهُ فِي أَيّامِ غَزْوِهِ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٥٢ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَتُرْوَى لَابْنِهِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بن حسان:
أَلَسْتُ خَيْرَ مَعَدّ كُلّهَا نَفَرًا وَمَعْشَرًا إنْ هُمْ عُمّوا وَإِنْ حُصِلُوا
قَوْمٌ هُمْ شَهِدُوا بَدْرًا بِأَجْمَعِهِمْ مَعَ الرّسُولِ فَمَا أَلَوْا وَمَا خَذَلُوا
وَبَايَعُوهُ فَلَمْ يَنْكُثْ بِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَمْ يَكُ فِي إيمَانِهِمْ دَخَلُ
وَيَوْمَ صَبّحَهُمْ فِي الشّعْبِ مِنْ أُحُدٍ ضَرْبٌ رَصِينٌ كَحَرّ النّارِ مُشْتَعِلُ
وَيَوْمَ ذِي قَرَدٍ يَوْمَ اسْتَثَارَ بِهِمْ عَلَى الْجِيَادِ فَمَا خَامُوا وَمَا نَكَلُوا
وَذَا الْعَشِيرَةِ جَاسُوهَا بِخَيْلِهِمْ مَعَ الرّسُولِ عَلَيْهَا الْبَيْضُ وَالْأَسَلُ
وَيَوْمَ وَدّانَ أَجْلَوْا أَهْلَهُ رَقَصًا بِالْخَيْلِ حَتّى نَهَانَا الْحَزْنُ وَالْجَبَلُ
وَلَيْلَةً طَلَبُوا فِيهَا عَدُوّهُمْ لِلّهِ وَاَللهُ يَجْزِيهِمْ بِمَا عَمِلُوا
وَغَزْوَةً يَوْمَ نَجْدٍ ثُمّ كَانَ لَهُمْ مَعَ الرّسُولِ بِهَا الْأَسْلَابُ وَالنّفَلُ
وَلَيْلَةً بِحُنَيْنٍ جَالَدُوا مَعَهُ فِيهَا يَعُلّهُمْ بِالْحَرْبِ إذْ نَهِلُوا
وَغَزْوَةَ الْقَاعِ فَرّقْنَا الْعَدُوّ بِهِ كَمَا تُفَرّقُ دُونَ الْمَشْرَبِ الرّسَلُ
وَيَوْمَ بُويِعَ كَانُوا أَهْلَ بَيْعَتِهِ عَلَى الْجِلَادِ فَآسَوْهُ وَمَا عَدَلُوا
وَغَزْوَةَ الْفَتْحِ كَانُوا فِي سَرِيّتِهِ مُرَابِطِينَ فَمَا طَاشُوا وَمَا عَجِلُوا
وَيَوْمَ خَيْبَرَ كَانُوا فِي كَتِيبَتِهِ يَمْشُونَ كُلّهُمْ مُسْتَبْسِلٌ بَطَلُ
بِالْبِيضِ تَرْعَشُ فِي الْأَيْمَانِ عَارِيَةً تَعْوَجّ فِي الضّرْبِ أَحْيَانًا وَتَعْتَدِلُ
وَيَوْمَ سَارَ رَسُولُ اللهِ مُحْتَسِبًا إلَى تَبُوكَ وَهُمْ رَايَاتُهُ الْأُوَلُ
وَسَاسَةُ الْحَرْبِ إنْ حَرْبٌ بَدَتْ لَهُمْ حَتّى بَدَا لَهُمْ الْإِقْبَالُ وَالْقَفَلُ
أُولَئِكَ الْقَوْمُ أَنْصَارُ النّبِيّ وَهُمْ قَوْمِي أَصِيرُ إلَيْهِمْ حين أتّصل
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٥٣ ]
مَاتُوا كِرَامًا وَلَمْ تُنْكَثْ عُهُودُهُمْ وَقَتْلُهُمْ فِي سبيل الله إذ قتلوا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ عَجُزُ آخِرِهَا بَيْتًا عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
كُنّا مُلُوكَ النّاسِ قَبْلَ مُحَمّدٍ فَلَمّا أَتَى الْإِسْلَامُ كَانَ لَنَا الْفَضْلُ
وَأَكْرَمَنَا اللهُ الّذِي لَيْسَ غَيْرَهُ إلَهٌ بِأَيّامٍ مَضَتْ مَا لَهَا شَكْلُ
بِنَصْرِ الْإِلَهِ والرّسول ودينه وألبسناه اسما مضى ماله مِثْلُ
أُولَئِكَ قَوْمِي خَيْرُ قَوْمٍ بِأَسْرِهِمْ فَمَا عُدّ مِنْ خَيْرٍ فَقَوْمِي لَهُ أَهْلُ
يَرُبّونَ بِالْمَعْرُوفِ مَعْرُوفِ مَنْ مَضَى وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ دُونَ مَعْرُوفِهِمْ قُفْلُ
إذَا اخْتُبِطُوا لَمْ يُفْحِشُوا فِي نَدِيّهِمْ وَلَيْسَ عَلَى سُؤَالِهِمْ عِنْدَهُمْ بُخْلُ
وَإِنْ حَارَبُوا أَوْ سَالَمُوا لَمْ يُشَبّهُوا فَحَرْبُهُمْ حَتْفٌ وَسِلْمُهُمْ سَهْلُ
وَجَارُهُمْ مُوفٍ بِعَلْيَاءَ بَيْتُهُ لَهُ مَا ثَوَى فِينَا الْكَرَامَةُ وَالْبَذْلُ
وَحَامِلُهُمْ مُوفٍ بِكُلّ حَمَالَةٍ تَحَمّلَ لَا غُرْمٌ عَلَيْهَا وَلَا خَذْلُ
وَقَائِلهُمْ بِالْحَقّ إنْ قَالَ قَائِلٌ وَحِلْمُهُمْ عَوْدٌ وَحُكْمُهُمْ عَدْلُ
وَمِنّا أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ حَيَاتَهُ ومن غسّلته من جنابته الرّسل
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَوْلُهُ «وَأَلْبَسْنَاهُ اسْمًا» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
قَوْمِي أُولَئِكَ إنْ تَسْأَلِي كِرَامٌ إذَا الضّيْفُ يَوْمًا أَلَمْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٥٤ ]
عِظَامُ الْقُدُورِ لِأَيْسَارِهِمْ يَكُبّونَ فِيهَا الْمُسِنّ السّنِمْ
يُؤَاسُونَ جَارَهُمْ فِي الْغِنَى وَيَحْمُونَ مَوْلَاهُمْ إنْ ظُلِمْ
فَكَانُوا مُلُوكًا بِأَرْضِيّهِمْ يُنَادُونَ عَضْبًا بِأَمْرِ غُشُمْ
مُلُوكًا عَلَى النّاسِ، لَمْ يُمْلَكُوا مِنْ الدّهْرِ يَوْمًا كَحِلّ الْقَسَمْ
فَأَنْبَوْا بِعَادٍ وَأَشْيَاعِهَا ثَمُودَ وَبَعْضِ بَقَايَا إرَمْ
بِيَثْرِبَ قَدْ شَيّدُوا فِي النّخِيلِ حُصُونًا وَدُجّنَ فِيهَا النّعَمْ
نَوَاضِحَ قد علّمتها اليهو د (عل) إليك وقولا هلم
وفيما اشْتَهَوْا مِنْ عَصِيرِ الْقِطَا فِ وَالْعَيْشِ رَخْوًا عَلَى غَيْرِ هَمْ
فَسِرْنَا إلَيْهِمْ بِأَثْقَالِنَا عَلَى كُلّ فَحْلٍ هِجَانٍ قَطِمْ
جَنَبْنَا بِهِنّ جِيَادَ الخيو لِ قَدْ جَلّلُوهَا جِلَالَ الْأَدَمْ
فَلَمّا أَنَاخُوا بِجَنْبَيْ صِرَارٍ وَشَدّوا السّرُوجَ بَلِيّ الْحُزُمْ
فَمَا رَاعَهُمْ غَيْرُ مَعْجِ الْخُيُو لِ وَالزّحْفُ مِنْ خَلْفِهِمْ قَدْ دَهِمْ
فَطَارُوا سِرَاعًا وَقَدْ أُفْزِعُوا وَجِئْنَا إلَيْهِمْ كَأُسْدِ الْأُجُمْ
عَلَى كُلّ سَلْهَبَةٍ فِي الصّيَا نِ لَا يَشْتَكِينَ نَحُولَ السّأَمْ
وَكُلّ كُمَيْتٍ مُطَارُ الْفُؤَادِ أَمِينِ الْفُصُوصِ كَمِثْلِ الزّلَمْ
عَلَيْهَا فَوَارِسُ قَدْ عُوّدُوا قِرَاعَ الْكُمَاةِ وَضَرْبَ الْبُهَمْ
مُلُوكٌ إذَا غَشَمُوا فِي الْبِلَا دِ لَا يَنْكُلُونَ وَلَكِنْ قُدُمْ
فَأُبْنَا بِسَادَاتِهِمْ وَالنّسَاءِ وَأَوْلَادُهُمْ فِيهِمْ تُقْتَسَمْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٥٥ ]
وَرِثْنَا مَسَاكِنَهُمْ بَعْدَهُمْ وَكُنّا مُلُوكًا بِهَا لَمْ نرم
فلمّا أتانا الرّسول الرّشي د بِالْحَقّ وَالنّورِ بَعْدَ الظّلْمْ
قُلْنَا صَدَقْتَ رَسُولَ الْمَلِيكِ هَلُمّ إلَيْنَا وَفِينَا أَقِمْ
فَنَشْهَدَ أَنّكَ عبد الإل هـ أُرْسِلَتْ نُورًا بِدِينٍ قِيَمْ
فَأَنَا وَأَوْلَادُنَا جُنّةٌ نَقِيكَ وَفِي مَالِنَا فَاحْتَكِمْ
فَنَحْنُ أُولَئِكَ إنْ كَذّبُوك فَنَادِ نِدَاءً وَلَا تَحْتَشِمْ
وَنَادِ بِمَا كنت أخفيته نداء جهارا ولا تكتتم
فصار الْغُوَاةُ بِأَسْيَافِهِمْ إلَيْهِ يَظُنّونَ أَنْ يُخْتَرَمْ
فَقُمْنَا إلَيْهِمْ بِأَسْيَافِنَا نُجَالِدُ عَنْهُ بُغَاةَ الْأُمَمْ
بِكُلّ صَقِيلٍ لَهُ مَيْعَةٌ رَقِيقِ الذّبّابِ عَضُوضٍ خَذِمْ
إذَا مَا يُصَادِفُ صُمّ الْعِظَا مِ لَمْ ينب عنها ولم ينثلم
فَذَلِكَ مَا وَرّثَتْنَا الْقُرُو مُ مَجْدًا تَلِيدًا وَعِزّا أَشَمْ
إذَا مَرّ نَسْلٌ كَفَى نَسْلُهُ وَغَادَرَ نَسْلًا إذَا مَا انْفَصَمْ
فَمَا إنْ مِنْ النّاسِ إلّا لَنَا عَلَيْهِ وَإِنْ خَاسَ فَضْلُ النّعَمْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ بَيْتَهُ:
فَكَانُوا مُلُوكًا بِأَرْضِيّهِمْ يُنَادُونَ غُضْبًا بِأَمْرِ غُشُمْ
وَأَنْشَدَنِي:
بِيَثْرِبَ قَدْ شَيّدُوا فِي النّخِيلِ حُصُونًا وَدُجّنَ فِيهَا النّعَمْ
وَبَيْتُهُ: «وكلّ كميت مطار الفؤاد» عنه.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٥٦ ]
ذِكْرُ سَنَةِ تِسْعٍ وَتَسْمِيَتِهَا سَنَةَ الْوُفُودِ وَنُزُولِ سُورَةِ الْفَتْحِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
لَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكّةَ، وَفَرَغَ مِنْ تَبُوكَ، وَأَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ وَبَايَعَتْ ضَرَبَتْ إلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ كُلّ وَجْهٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ أَنّ ذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَأَنّهَا كَانَتْ تُسَمّى سَنَةَ الْوُفُودِ.
انْقِيَادُ الْعَرَبِ وَإِسْلَامُهُمْ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَإِنّمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَرَبّصُ بِالْإِسْلَامِ أَمْرَ هَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَمْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَذَلِكَ أَنّ قُرَيْشًا كَانُوا إمَامَ النّاسِ وَهَادِيَهُمْ وَأَهْلَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَصَرِيحَ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ ﵉ وَقَادَةَ الْعَرَبِ لَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ هِيَ الّتِي نَصَبَتْ لِحَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَخِلَافِهِ فَلَمّا اُفْتُتِحَتْ مَكّةُ، وَدَانَتْ لَهُ قُرَيْشٌ، وَدَوّخَهَا الْإِسْلَامُ وَعَرَفَتْ الْعَرَبُ أَنّهُ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِحَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا عَدَاوَتِهِ فَدَخَلُوا فِي دِينِ اللهِ كَمَا قَالَ ﷿ أَفْوَاجًا، يَضْرِبُونَ إلَيْهِ مِنْ كُلّ وَجْهٍ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيّهِ ﷺ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النَّصْر:١،٣] أَيْ فَاحْمَدْ اللهَ عَلَى مَا أَظْهَرَ مِنْ دِينِك، وَاسْتَغْفِرْهُ إنّهُ كَانَ تَوّابًا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غَزْوَةُ تَبُوكَ سُمّيَتْ بِعَيْنِ تَبُوكَ، وَهِيَ الْعَيْنُ الّتِي أَمَرَ رَسُولُ اللهﷺ- النّاسَ أَلَا يَمَسّوا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا، فَسَبَقَ إلَيْهَا رَجُلَانِ، وَهِيَ تَبِضُ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ، فَجَعَلَا يُدْخِلَانِ فِيهَا سَهْمَيْنِ لِيَكْثُرَ مَاؤُهَا، فَسَبّهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَقَالَ لَهُمَا: مَا زُلْتُمَا تَبُوكَانِهَا مُنْذُ الْيَوْم فِيمَا ذَكَرَ الْقُتَبِيّ، قَالَ:
وَبِذَلِكَ سُمّيَتْ الْعَيْنُ تَبُوكَ «١»، وَالْبَوْكُ كَالنّقْشِ وَالْحَفْرِ فِي الشّيْءِ، وَيُقَالُ مِنْهُ: بَاكَ الْحِمَارُ الْأَتَانَ يَبُوكُهَا إذَا نَزَا عَلَيْهَا.
وَوَقَعَ فِي السّيرَةِ: فَقَالَ: مَنْ سَبَقَنَا إلَى هَذَا؟ فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: فِيمَا ذُكِرَ لِي، سَبَقَهُ إلَيْهَا أَرْبَعَةٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ مُعَتّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ الطّائِيّ، وَوَدِيعَةُ بن ثابت، وزيد ابن لُصَيْتٍ.
وَذَكَرَ الْجَدّ بْنَ قَيْسٍ، وَقَوْلَ النّبِيّ ﷺ لَهُ: يَا جَدّ هَلْ لَك الْعَامَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَر، يُقَالُ: إنّ الرّومَ قِيلَ لَهُمْ بَنُو الْأَصْفَرِ، لأن عيصو ابن إسْحَاقَ كَانَ بِهِ صُفْرَةٌ، وَهُوَ جَدّهُمْ، وَقِيلَ: إنّ الرّومَ بْنَ عِيصُو هُوَ الْأَصْفَرُ، وَهُوَ أَبُوهُمْ، وَأُمّهُ نَسْمَةُ بِنْتُ إسْمَاعِيلَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوّلِ الْكِتَابِ مَنْ وَلَدَتْ مِنْ الْأُمَمِ، وَلَيْسَ كُلّ الرّومِ مِنْ وَلَدِ بَنِي الْأَصْفَرِ، فإن
_________________
(١) هو فى معجم البكرى. وقد روى مالك ومسلم هذا الحديث بغير هذا اللفظ راجع فتح البارى ص ٨٩ وما بعدها ج ١.
[ ٧ / ٣٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرّومَ الْأُوَلَ هُمْ فِيمَا زَعَمُوا مِنْ وَلَدِ يُونَانِ بْنِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ، وَاَللهُ أَعْلَمُ بِحَقَائِقِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَصِحّتِهَا.
وَذَكَرَ يُونُسَ بِإِثْرِ حَدِيثِ الْجَدّ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ أَنّ الْيَهُودَ أَتَوْا النّبِيّ ﷺ يَوْمًا، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ إنْ كُنْت صَادِقًا أَنّك نَبِيّ فَالْحَقْ بِالشّامِ، فَإِنّ الشّامَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَأَرْضُ الْأَنْبِيَاءِ، فَصَدّقَ النّبِيّﷺ- مَا قَالُوا فَغَزَا غَزْوَةَ تَبُوكَ لَا يُرِيدُ إلّا الشّامَ، فَلَمّا بَلَغَ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ بعد ما خُتِمَتْ السّورَةُ وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ، لِيُخْرِجُوكَ مِنْها، وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ- إلَى قَوْلِهِ: تَحْوِيلًا الْإِسْرَاءُ: ٧٦، ٧٧. فَأَمَرَهُ بِالرّجُوعِ إلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَ: فِيهَا مَحْيَاك، وَفِيهَا مَمَاتُك، وَمِنْهَا تُبْعَثُ «١»، ثُمّ قَالَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلَى قَوْلِهِ مَحْمُودًا الْإِسْرَاءُ. ٧٨، ٧٩ فَرَجَعَ النّبِيّ ﷺ فَأَمَرَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: سَلْ
_________________
(١) بقول ابن كثير فى تفسيره عن هذا الحديث المذكور الذى رواه البيهقى «وفى هذا الإسناد نظر، والأظهر أن هذا ليس بصحيح. فإن النبى ﷺ لم يغز تبوك عن قول اليهود، وإنما غزاها امتثالا لقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) ولقوله تعالى: (قاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) الآية وغزاها ليقتص وينتقم بمن قتل أهل مؤتة من أصحابه. وقيل: إنها نزلت فى كفار قريش حين هموا بإخراج الرسول ﷺ من بين أظهرهم، فتوعدهم الله بهذه الآية، وأنهم لو أخرجوه لما لبثوا بعده بمكة إلا يسيرا، وكذلك وقع.
[ ٧ / ٣٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَبّك، فَإِنّ لِكُلّ نَبِيّ مَسْأَلَةً، وَكَانَ جِبْرِيلُ ﵇ لَهُ نَاصِحًا، وَكَانَ مُحَمّدٌ ﷺ لَهُ مُطِيعًا، فَقَالَ: مَا تأمرنى أن أسأل؟ قال: (قل: رَبّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ، وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ، وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا) وَهَؤُلَاءِ نَزَلْنَ عَلَيْهِ فِي رَجْعَتِهِ مِنْ تَبُوكَ «١» .
إبْطَاءُ أَبِي ذَرّ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ أَبَا ذَرّ الْغِفَارِيّ، وَإِبْطَاءَهُ. وَاسْمُهُ: جُنْدُبُ بْنُ جُنَادَةَ، هَذَا أَصَحّ مَا قِيلَ فِيهِ، وَقَدْ قِيلَ فِيهِ: بَرِيرُ بْنُ عِشْرِقَةَ، وَجُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَابْنُ السّكَنِ «٢» أَيْضًا.
وَقَوْلُ النّبِيّ ﷺ: كُنْ أَبَا ذَرّ، وَفِي أَبِي خَيْثَمَةَ: كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ، لَفْظُهُ لَفْظُ الْأَمْرِ، وَمَعْنَاهُ الدّعَاءُ، كَمَا تَقُولُ: أَسْلِمْ سَلّمَك اللهُ
إعْرَابُ كَلِمَةِ وَحْدَهُ:
وَقَوْلُهُ فِي أَبِي ذَرّ: رَحِمَ اللهُ أَبَا ذَرّ يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وحد «٣»،
_________________
(١) عن ابن عباس قال: كان النبى ﷺ بمكة، ثم أمر بالهجرة فأنزل الله هذه الآية. رواه أحمد وقال الترمذى: حسن صحيح.
(٢) فى الإصابة: ابن سكن، وقيل فى اسمه برير بالتصغير. ونسبه كما ورد فى الإمتاع للمقريزى بعد جنادة: «ابن قيس بن عمرو بن خليل بن صعير بن حرام بن غفار» وفى الإصابة «وقيل اسمه هو السكن بن جنادة بن قيس بن بياض» الخ كما ورد فى الإمتاع.
(٣) يقول ابن حجر فى الإصابة: عن سند قصة ابن إسحاق فهذا سند ضعيف.
[ ٧ / ٣٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أَيْ: يَمُوتُ مُنْفَرِدًا، وَأَكْثَرُ مَا تُسْتَعْمَلُ هَذِهِ الْحَالُ لِنَفْيِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْفِعْلِ نَحْوَ كَلّمَنِي زَيْدٌ وَحْدَهُ، أَيْ: مُنْفَرِدًا بِهَذَا الْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا مَعَهُ غَيْرُهُ، أَيْ: كَلّمَنِي خُصُوصًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قُلْت: كَلّمْته مِنْ بَيْنِهِمْ وَحْدَهُ، كَانَ مَعْنَاهُ خُصُوصًا كَمَا قَرّرَهُ سِيبَوَيْهِ، وَأَمّا الّذِي فِي الْحَدِيثِ، فَلَا يَتَقَدّرُ هَذَا التّقْدِيرَ، لِأَنّهُ مِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَمُوتَ خُصُوصًا، وَإِنّمَا مَعْنَاهُ: مُنْفَرِدًا بِذَاتِهِ، أَيْ: عَلَى حِدَتِهِ، كَمَا قَالَ يُونُسُ، فَقَوْلُ يُونُسَ صَالِحٌ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ، وَتَقْدِيرُ سِيبَوَيْهِ لَهُ بِالْخُصُوصِ يَصْلُحُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاطِنِ، وَإِنّمَا لَمْ يَتَعَرّفْ وَحْدَهُ بِالْإِضَافَةِ، لِأَنّ مَعْنَاهُ كَمَعْنَى لَا غير، ولأنها كلمة تنبىء عَنْ نَفْيٍ وَعَدَمٍ، وَالْعَدَمُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مُتَعَرّفًا مُتَعَيّنًا بِالْإِضَافَةِ، وَإِنّمَا لَمْ يُشْتَقّ مِنْهُ فِعْلٌ، وَإِنْ كَانَ مَصْدَرًا فِي الظّاهِرِ لِمَا قَدّمْنَاهُ مِنْ أَنّهُ لَفْظٌ يُنْبِئُ عَنْ عَدَمٍ وَنَفْيٍ، وَالْفِعْلُ يَدُلّ عَلَى حدث وزمان، فكيف يشتق من شىء ليس بِحَدَثٍ إنّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ انْتِفَاءِ الْحَدَثِ عَنْ كُلّ أَحَدٍ إلّا عَنْ زَيْدٍ، مَثَلًا إذَا قُلْت: جَاءَنِي زَيْدٌ وَحْدَهُ، أَيْ: لَمْ يَجِئْ غَيْرُهُ، وَإِنّمَا يُقَالُ: انْعَدَمَ وَانْتَفَى بَعْدَ الْوُجُودِ لَا قَبْلَهُ، لِأَنّهُ أَمْرٌ مُتَجَدّدٌ كَالْحَدَثِ، وقد أطنبنا فى هذا الغرض، وردناه بَيَانًا فِي مَسْأَلَةِ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ وَشَرْحِهَا. أَجَأٌ وَسَلْمَى: فَصْلٌ: وَذَكَرَ الرّجُلَ الّذِي طَرَحَتْهُ الريح بجبلى طىّء، وهما أجأ وسلمى وَعَرّفَ أَجَأً بِأَجَأِ بْنِ عَبْدِ الْحَيّ كَانَ صُلِبَ فِي ذَلِكَ الْجَبَلِ، وَسَلْمَى صُلِبَتْ
[ ٧ / ٣٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي الْجَبَلِ الْآخَرِ، فَعُرِفَ بِهَا، وَهِيَ سَلْمَى بنت خام فِيمَا ذُكِرَ وَاَللهُ أَعْلَمُ «١» .
أُكَيْدِرٌ وَالْكِتَابُ الّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ كِتَابَهُ لِأُكَيْدِرِ دُومَةَ. وودومة بِضَمّ الدّالِ هِيَ هَذِهِ، وَعُرِفَتْ بِدُومِيّ «٢» بْنِ إسْمَاعِيلَ فِيمَا ذَكَرُوا، وَهِيَ دُومَةُ الْجَنْدَلِ، وَدُومَةُ بِالضّمّ أُخْرَى، وَهِيَ عِنْدَ الْحِيرَةِ، وَيُقَالُ لِمَا حَوْلَهَا النّجَفُ، وَأَمّا دَوْمَةُ بِالْفَتْحِ فَأُخْرَى مَذْكُورَةٌ فِي أَخْبَارِ الرّدّةِ «٣» .
وَذَكَرَ أَنّهُ كَتَبَ لِأُكَيْدِرِ دُومَةَ كِتَابًا فِيهِ عَهْدٌ وَأَمَانٌ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ:
أَنَا قَرَأْته، أَتَانِي بِهِ شَيْخٌ هُنَالِكَ فِي قَضِيمٍ، وَالْقَضِيمُ الصّحِيفَةُ، وَإِذَا فِيهِ:
«بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللهِ لِأُكَيْدِرٍ حِينَ أَجَابَ إلَى الْإِسْلَامِ، وَخَلَعَ الْأَنْدَادَ وَالْأَصْنَامَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ سَيْفِ اللهِ فِي دُومَةِ الْجَنْدَلِ وَأَكْنَافِهَا، إنّ لَنَا الضّاحِيَةَ مِنْ الضّحْلِ وَالْبَوْرَ وَالْمَعَامِيَ، وَأَغْفَالَ الْأَرْضِ وَالْحَلْقَةَ وَالسّلَاحَ وَالْحَافِرَ وَالْحِصْنَ وَلَكُمْ الضّامِنَةُ مِنْ النّخْلِ وَالْمَعِينِ مِنْ الْمَعْمُورِ لَا تُعْدَلُ سَارِحَتُكُمْ، وَلَا تُعَدّ فَارِدَتُكُمْ وَلَا يُحْظَرُ عَلَيْكُمْ النّبَاتُ، تُقِيمُونَ الصلاة لوقتها، وتؤنون الزّكاة بحقّها، عليكم بذلك عهد الله
_________________
(١) أنظر معجم البكرى مادة أجأ وسلمى.
(٢) ويطلق عليه أيضا: دومان.
(٣) أنظر البكرى فى دومة. فهو يقول عن دومة بفتح الدال موضع بين الشام والموصل، وهى من منازل جذيمة الأبرش. ودومة الكوفة بضم الدال هى النجف بعينه.
[ ٧ / ٣٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْمِيثَاقُ، وَلَكُمْ بِذَلِكَ الصّدْقُ وَالْوَفَاءُ. شَهِدَ اللهُ، وَمَنْ حَضَرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» الضّاحِيَةُ: أَطْرَافُ الْأَرْضِ، وَالْمَعَامِي: مَجْهُولُهَا، وَأَغْفَالُ الْأَرْضِ: مَا لَا أَثَرَ لَهُمْ فِيهِ مِنْ عِمَارَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَالضّامِنَةُ مِنْ النّخْلِ: مَا دَاخَلَ بَلَدَهُمْ، وَلَا يُحْظَرُ عَلَيْكُمْ النّبَاتُ، أَيْ لَا تُمْنَعُونَ مِنْ الرّعْيِ حَيْثُ شِئْتُمْ، وَلَا تُعْدَلُ سَارِحَتُكُمْ، أَيْ لَا تُحْشَرُ إلَى الْمُصَدّقِ «١» وَإِنّمَا أَخَذَ مِنْهُمْ بَعْضَ هَذِهِ الْأَرَضِينَ مَعَ الْحَلْقَةِ، وَهِيَ السّلَاحُ، وَلَمْ يفعل ذلك مع أهل الطائف حين جاؤا تَائِبِينَ، لِأَنّ هَؤُلَاءِ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ وَأَخَذَ مَلِكَهُمْ أَسِيرًا، وَلَكِنّهُ أَبْقَى لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا تَضَمّنَهُ الْكِتَابُ، لِأَنّهُ لَمْ يُقَاتِلْهُمْ، حَتّى يَأْخُذَهُمْ عَنْوَةً كَمَا أَخَذَ خَيْبَر، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَكَانَتْ أَمْوَالُهُمْ كُلّهَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ لَهُ الخيار فى رقابهم كما تقدم ولو جاؤا إلَيْهِ تَائِبِينَ أَيْضًا قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَيْهِمْ، كَمَا فَعَلَتْ ثَقِيفٌ مَا أَخَذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا.
الْكِتَابُ إلَى هِرَقْلَ:
وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ هِرَقْلَ، فَإِنّ النّبِيّ ﷺ- كَتَبَ إلَيْهِ مِنْ تَبُوكَ مَعَ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ، وَنَصّهُ مَذْكُورٌ فِي الصّحَاحِ مَشْهُورٌ، فَأَمَرَ هِرَقْلُ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إنّ هِرَقْلَ قَدْ آمَن بِمُحَمّد وَاتّبَعَهُ، فَدَخَلَتْ الْأَجْنَادُ فِي سِلَاحِهَا، وأطافت بقصره تريد قتله،
_________________
(١) لا تعدل سارحتكم فسرها صاحب النهاية بقوله: لا تصرف ما شيتكم عن مرعاها. والغادرة: الزائدة على الفريضة، أى: لا تضم إلى غيرها، فتعد معها، وتحسب.
[ ٧ / ٣٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ: إنّي أَرَدْت أَنْ أَخْتَبِرَ صَلَابَتَكُمْ فِي دِينِكُمْ، فَقَدْ رَضِيت عَنْكُمْ فَرَضُوا عَنْهُ، ثُمّ كَتَبَ كِتَابًا، وَأَرْسَلَهُ مَعَ دِحْيَةَ يَقُولُ فِيهِ لِلنّبِيّﷺ- إنّي مُسْلِمٌ، وَلَكِنّي مَغْلُوبٌ عَلَى أَمْرِي، وَأَرْسَلَ إلَيْهِ بِهَدِيّةٍ، فَلَمّا قَرَأَ النّبِيّ ﷺ كِتَابَهُ، قَالَ: كَذَبَ عَدُوّ اللهِ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ، بَلْ هُوَ على نَصْرَانِيّتِهِ.
مَوْقِفُهُ ﷺ مِنْ بَعْضِ الْهَدَايَا:
وَقَبِلَ هَدِيّتَهُ، وَقَسّمَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ لَا يَقْبَلُ هَدِيّةَ مُشْرِكٍ مُحَارِبٍ، وَإِنّمَا قَبِلَ هَذِهِ لِأَنّهَا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلِذَلِكَ قَسّمَهَا عَلَيْهِمْ، وَلَوْ أَتَتْهُ فِي بَيْتِهِ كَانَتْ لَهُ خَالِصَةً، كَمَا كَانَتْ هَدِيّةُ الْمُقَوْقِسِ خَالِصَةً لَهُ، وَقَبِلَهَا مِنْ الْمُقَوْقِسِ؛ لِأَنّهُ لَمْ يَكُنْ مُحَارِبًا لِلْإِسْلَامِ، بَلْ كَانَ قَدْ أَظْهَرَ الْمَيْلَ إلَى الدّخُولِ فِي الدّينِ.
وَقَدْ رَدّ هَدِيّةَ أَبِي بَرَاءٍ مُلَاعِبِ الْأَسِنّةِ، وَكَانَ أَهْدَى إلَيْهِ فَرَسًا، وَأَرْسَلَ إلَيْهِ:
إنّي قَدْ أَصَابَنِي وَجَعٌ أَحْسَبُهُ قَالَ: يُقَالُ لَهُ: الدّبَيْلَةُ «١»، فَابْعَثْ إلَيّ بِشَيْءٍ أَتَدَاوَى بِهِ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ النّبِيّﷺ- بِعُكّةِ عَسَلٍ «٢»، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَشْفِيَ بِهِ وَرَدّ عَلَيْهِ هَدِيّتَهُ، وَقَالَ: إنّي نُهِيت عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَنْسُبُ هَذَا الْخَبَرَ لِعَامِرِ بن الطّفيل عدوّ الله، وإنما هو
_________________
(١) الدبيلة: خراج ودمل كبير تظهر فى الجوف، فنقتل صاحبها غالبا.
(٢) العكة من السمن أو العسل هى وعاء من جلود مستدير يختص بهما. وهو بالسمن أخص.
[ ٧ / ٣٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَمّهُ عَامِرُ بْنُ مَالِكٍ. وَقَوْلُهُ ﵇ عَنْ زَبْدِ «١» الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ يَقُلْ: عَنْ هَدِيّتِهِمْ يَدُلّ عَلَى أَنّهُ إنّمَا كَرِهَ مُلَايَنَتَهُمْ وَمُدَاهَنَتَهُمْ، إذَا كَانُوا حَرْبًا، لِأَنّ الزّبْدَ مُشْتَقّ مِنْ الزّبْدِ، كَمَا أَنّ الْمُدَاهَنَةَ مُشْتَقّةٌ مِنْ الدّهْنِ، فَعَادَ الْمَعْنَى إلَى مَعْنَى اللّينِ وَالْمُلَايَنَةِ، وَوُجُودِ الْجِدّ فِي حَرْبِهِمْ وَالْمُخَاشَنَةِ. وَقَدْ رَدّ هَدِيّةَ عياض بن حمّاد الْمُجَاشِعِيّ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، وَفِيهَا قَالَ: إنّي نُهِيت عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ. وَأَهْدَى إلَى أَبِي سُفْيَانَ عَجْوَةً وَاسْتَهْدَاهُ أَدَمًا فَأَهْدَاهُ أَبُو سُفْيَانَ وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ الْأَدَمَ، وَذَلِك فِي زَمَنِ الْهُدْنَةِ الّتِي كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنّ هِرَقْلَ وَضَعَ كِتَابُ رَسُولِ اللهِﷺ- الّذِي كَتَبَ إلَيْهِ فِي قَصَبَةٍ مِنْ ذَهَبٍ تعظيما له، وأنهم لم يزالوا يتوراثونه كارا عَنْ كَابِرٍ فِي أَرْفَعِ صِوَانٍ، وَأَعَزّ مَكَانٍ حَتّى كَانَ عِنْدَ «إذفونش» «٢» الّذِي تَغَلّبَ عَلَى طُلَيْطِلَةَ، وَمَا أَخَذَ أَخَذَهَا مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، ثُمّ كَانَ عِنْدَ ابْنِ بِنْتِهِ الْمَعْرُوفِ «بِالسّلِيطِينَ» حَدّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنّهُ حَدّثَهُ مَنْ سَأَلَهُ رُؤْيَتَهُ مِنْ قُوّادِ أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ يُعْرَفُ بِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: فَأَخْرَجَهُ إلَيّ فَاسْتَعْبَرْته وَأَرَدْت تَقْبِيلَهُ، وَأَخْذَهُ بِيَدِي، فَمَنَعَنِي مِنْ ذَلِكَ صِيَانَةً لَهُ وَضَنّا بِهِ عَلَيّ. وَيُقَالُ: هِرَقْلُ وَهِرْقِلُ.
حَوْلَ قِصّةِ الْبَكّائِينَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ البكّائين، وذكر فيهم عتبة بن زيد، وفى رواية يونس
_________________
(١) زبد: عطاه.
(٢) يقصد: الفونس بن فرديناند الذى استولى على طليطلة سنة ١٠٨٥ م.
[ ٧ / ٣٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَنّ عُلْبَةَ خَرَجَ مِنْ اللّيْلِ فَصَلّى مَا شَاءَ اللهُ، ثُمّ بَكَى، وَقَالَ: «اللهُمّ إنّك قَدْ أَمَرْت بِالْجِهَادِ، وَرَغّبْت فِيهِ، ثُمّ لَمْ تَجْعَلْ عِنْدِي، مَا أَتَقَوّى بِهِ مَعَ رَسُولِك وَلَمْ تَجْعَلْ فِي يَدِ رَسُولِك مَا يَحْمِلُنِي عَلَيْهِ، وَإِنّي أَتَصَدّقُ عَلَى كُلّ مُسْلِمٍ بِكُلّ مَظْلِمَةٍ أَصَابَنِي بِهَا فِي مَالٍ أَوْ جَسَدٍ أَوْ عِرْضٍ» ثُمّ أَصْبَحَ مَعَ النّاسِ، وَقَالَ النّبِيّ ﷺ: أَيْنَ الْمُتَصَدّقُ فِي هَذِهِ اللّيْلَةِ؟ لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ، ثُمّ قَالَ أَيْنَ الْمُتَصَدّقُ فِي هَذِهِ اللّيْلَةِ فَلْيَقُمْ، وَلَا يَتَزَاهَدُ مَا صَنَعَ هَذِهِ اللّيْلَةَ، فَقَامَ إلَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: أبشر فو الذى نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ كُتِبَ فِي الزّكَاةِ الْمُتَقَبّلَةِ. وَأَمّا سَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُغَفّلِ، فَرَآهُمَا يَامِينُ بْنُ كَعْبٍ يَبْكِيَانِ، فَزَوّدَهُمَا، وَحَمَلَهُمَا، فَلَحِقَا بِالنّبِيّ ﷺ.
مَعْنَى كَلِمَةِ حَسّ:
فَصْلٌ: وَقَوْلُهُ خَبَرًا عَنْ أَبِي رُهْمٍ: أَصَابَتْ رِجْلِي رِجْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرِجْلُهُ فِي الْغَرْزِ «١» فَمَا اسْتَيْقَظْت إلّا بِقَوْلِهِ: حَسّ. الْغَرْزُ لِلرّحْلِ كَالرّكَابِ لِلسّرْجِ، وَحَسّ: كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ عِنْدَ وُجُودِ الْأَلَمِ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنّ طَلْحَةَ لَمّا أُصِيبَتْ يَدُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: حَسّ، فَقَالَ النّبِيّﷺ- لَوْ أَنّهُ قَالَ: بِسْمِ اللهِ، يَعْنِي مَكَانَ حَسّ، لَدَخَلَ الْجَنّةَ وَالنّاسُ يَنْظُرُونَ، أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ، وَلَيْسَتْ حَسّ بِاسْمٍ وَلَا بِفِعْلٍ، إنّهَا لا موضع لها من
_________________
(١) يخكى الكلام بمعناه لا بنصه.
[ ٧ / ٣٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْإِعْرَابِ، وَلَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ صَهْ، وَمَهْ، وَرُوَيْدٍ، لأن تلك أسماء سمّى الفعل بهاء وَإِنّمَا حَسّ «١» صَوْتٌ كَالْأَنِينِ الّذِي يُخْرِجُهُ الْمُتَأَلّمُ نحو آه، ونحو قول الغراب:
غاق، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ فِي أُفّ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مِنْ بَابِ الْأَصْوَاتِ مَبْنِيّةً، كَأَنّهُ يحكى بها صوت النّفخ، والثانى أن يكون معرفة مثل تبّا يراد بها الْوَسَخُ «٢» .
وَقَوْلُهُ: السّودُ الثّطَاطُ «٣» جَمْعُ: ثَطّ، وَهُوَ الّذِي لَا لِحْيَةَ لَهُ. قَالَ الشّاعِرُ:
كَهَامَةِ الشّيْخِ الْيَمَانِيّ الثّطّ «٤»
وَنَحْوٌ مِنْهُ: السّنَاطُ، وَمِنْ الْمُحَدّثِينَ مَنْ يَرْوِيهِ: الشّطَاطُ، وَأَحْسَبُهُ تَصْحِيفًا.
وَقَوْلُهُ: شبكة شدخ «٥»: موضع من بلاد غفار.
_________________
(١) تقال بفتح الحاء وكسر السين وبدون تنوين، وتقول: ضرب فما قال حس ولابس بالجر والتنوين، ومن العرب من يجر ولا ينون، ومنهم من يكسر حاء حس وباء بس.
(٢) فيها عشرة أوجه أفّ له بفتح الفاء وتشديدها وبكسرها وبضمها كل هذا بدون تنوين ثم بنصبها وكسرها وضمها مع التنوين، ثم أفى بإمالة الفاء المشددة إلى الكسر، ثم أفى بوزن كبرى ثم أفة بتشديد الفاء، وأف بإسكان الفاء.
(٣) فى السيرة: الحمر الطوال الثطاط أم السود فقال عنهم: الجعاد القصار والثط أيضا: ثقيل البطن بطىء. أو القليل شعر الحاجبين.
(٤) هو لأبى النجم الفضل بن قدامة بن عبيد الله العجلى، وفى اللسان: كهامة.
(٥) فى الأصل: شرخ، والتصويب من معجم البكرى.
[ ٧ / ٣٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَصْحَابُ مَسْجِدِ الضّرَارِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ الْمُنَافِقِينَ الّذِينَ اتّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا.
وَذَكَرَ فِيهِمْ جَارِيَةَ بْنَ عَامِرٍ، وَكَانَ يُعْرَفُ بِحِمَارِ الدّارِ، وَهُوَ جَارِيَةُ ابن عَامِرِ بْنِ مُجَمّعِ بْنِ الْعَطّافِ.
وَذَكَرَ فِيهِمْ ابْنَهُ مُجَمّعًا، وَكَانَ إذْ ذَاكَ غُلَامًا حَدَثًا قَدْ جَمَعَ الْقُرْآنَ فَقَدّمُوهُ إمَامًا لَهُمْ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِشَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ فِي أَيّامِهِ أَرَادَ عَزْلَهُ عَنْ الْإِمَامَةِ، وَقَالَ: أَلَيْسَ بِإِمَامِ مَسْجِدِ الضّرَارِ، فَأَقْسَمَ لَهُ مُجَمّعٌ أَنّهُ مَا عَلِمَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَا ظَنّ إلّا الْخَيْرَ، فَصَدّقَهُ عُمَرُ، وَأَقَرّهُ، وَكَانَتْ مَسَاجِدُ الْمَدِينَةِ تِسْعَةً سِوَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِﷺ- كُلّهُمْ يُصَلّونَ بِأَذَانِ بِلَالٍ، كَذَلِكَ قَالَ بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَشَجّ فِيمَا رَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ، والدّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ، فَمِنْهَا مَسْجِدُ رَاتِجٍ «١»، وَمَسْجِدُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَمَسْجِدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَبْذُولٍ، وَمَسْجِدُ جُهَيْنَةَ وَأَسْلَمَ، وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَمَسْجِدُ بَنِي سَلِمَةَ، وَسَائِرُهَا مَذْكُورٌ فِي السّنَنِ، وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي الْمَسَاجِدِ الّتِي فِي الطّرِيقِ مَسْجِدًا بِذِي الْخِيفَةِ، كَذَا وَقَعَ فِي كِتَابِ أَبِي بَحْرٍ بِالْخَاءِ مُعْجَمَةً، وَوَقَعَ الْجِيفَةِ بِالْجِيمِ فِي كِتَابٍ قرئ على ابن أبى سراج، وابن الإفليلى وأحمد ابن خالد.
_________________
(١) فى معجم البكرى عن راتج: موضع تلقاء المدينة، كان ينزله بعض الأنصار، وفى المراصد: أطم من اطام اليهود بالمدينة، وتسمى الناحية به.
[ ٧ / ٣٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) عَنْ الثّلَاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا: فَصْلٌ: وَذَكَرَ الثّلَاثَةَ الّذِينَ خُلّفُوا، وَنَهْيَ النّاسِ عَنْ كَلَامِهِمْ، وَإِنّمَا اشْتَدّ غَضَبُهُ عَلَى مَنْ تَخَلّفَ عَنْهُ وَنَزَلَ فِيهِمْ مِنْ الْوَعِيدِ مَا نَزَلَ حَتّى تَابَ اللهُ عَلَى الثّلَاثَةِ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ الْجِهَادُ من فروض الكفاية، لامن فروض الأعيان، لكنه فى حقّ الأنصار خاصّة كَانَ فَرْضَ عَيْنٍ، وَعَلَيْهِ بَايَعُوا النّبِيّ ﷺ، أَلَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ: نَحْنُ الّذِينَ بَايَعُوا مُحَمّدًا على الجهاد ما بقينا أبدا ومن تَخَلّفَ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ إنّمَا تَخَلّفَ، لِأَنّهُمْ خَرَجُوا لِأَخْذِ عِيرٍ، وَلَمْ يَظُنّوا أَنْ سَيَكُونُ قِتَالٌ، فَكَذَلِكَ كَانَ تَخَلّفُهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ كَبِيرَةً لِأَنّهَا كَالنّكْثِ لِبَيْعَتِهِمْ، كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ بَطّالٍ ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: وَلَا أَعْرِفُ لَهَا وَجْهًا غَيْرَ الّذِي قَالَ، وَأَمّا الثّلَاثَةُ فَهُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي كَعْبٍ، وَاسْمُ أَبِي كَعْبٍ عَمْرُو بْنُ الْقَيْنِ بن كعب ابن سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلِمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ أَسَدِ بْنِ ساردة ابن يَزِيدَ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ الْأَنْصَارِيّ السّلَمِيّ، يُكَنّى: أَبَا عَبْدِ اللهِ، وَقِيلَ: أَبَا عَبْدِ الرّحْمَنِ، [وَقِيلَ: أَبَا بَشِيرٍ] أُمّهُ: لَيْلَى بِنْتُ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ أَيْضًا، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيّةَ، وَهُوَ مِنْ بَنِي وَاقِفٍ، وَمُرَارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَيُقَالُ ابْنُ الرّبِيعِ الْعُمَرِيّ الأنصارى من بنى عمر بن عوف.
[ ٧ / ٣٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زَاحَ عَنّي الْبَاطِلُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ كَعْبٍ: زَاحَ عَنّي الْبَاطِلُ، يُقَال: زَاحَ وَانْزَاحَ:
إذَا ذهب، والمصدر زبوحا وَزَيَحَانًا، إحْدَاهُمَا عَنْ الْأَصْمَعِيّ، وَالْأُخْرَى عَنْ الْكِسَائِيّ.
وَقَوْلُهُ: فَقَامَ إلَيّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ يُهَنّئُنِي، فَكَانَ كَعْبٌ يَرَاهَا لَهُ، فِيهِ: جَوَازُ السّرُورِ بِالْقِيَامِ إلَى الرّجُلِ كَمَا سُرّ كَعْبٌ بِقِيَامِ طَلْحَةَ إلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ ﵇ فِي خَبَرِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: قُومُوا إلَى سَيّدِكُمْ، وَقَامَ هُوَ ﷺ إلَى قَوْمٍ، مِنْهُمْ: صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ، وَإِلَى عَدِيّ بْنِ حَاتِمٍ، وَإِلَى زيد بن حارثة حين قدم عليه من مَكّةَ وَغَيْرِهِمْ، وَلَيْسَ هَذَا بِمُعَارِضٍ لِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ عَنْهُﷺ- أَنّهُ قَالَ: «مَنْ سَرّهُ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرّجَالُ قِيَامًا فيتبوّأ مَقْعَدَهُ مِنْ النّارِ» وَيُرْوَى: يَسْتَجِمّ لَهُ الرّجَالُ «١»؛ لِأَنّ هَذَا الْوَعِيدَ إنّمَا تَوَجّهَ لِلْمُتَكَبّرِينَ، وَإِلَى مَنْ يَغْضَبُ، أَوْ يَسْخَطُ أَلّا يُقَامَ لَهُ، وقد قال بعض السّلف: يقام إلى الولد بِرّا بِهِ، وَإِلَى الْوَلَدِ سُرُورًا بِهِ، وَصَدَقَ هَذَا الْقَائِلُ، فَإِنّ فَاطِمَةَ ﵂ كَانَتْ تَقُومُ إلَى أَبِيهَا ﷺ بِرّا بِهِ، وَكَانَ هُوَ ﷺ يَقُومُ إلَيْهَا سُرُورًا بِهَا ﵂، وَكَذَلِك كُلّ قِيَامٍ أَثْمَرَهُ الْحُبّ فِي اللهِ، وَالسّرُورُ بِأَخِيك بِنِعْمَةِ اللهِ، وَالْبِرّ بِمَنْ يُحِبّ بِرّهُ فِي اللهِ ﵎، فإنه خارج عن حديث الهى والله أعلم.
_________________
(١) يجتمعون له فى القيام. والحديث كما قال السيوطى: رواه أحمد فى مسنده، والترمذى وأبو داود.
[ ٧ / ٣٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إسْلَامُ ثَقِيفٍ فِيهِ قَوْلُ النّبِيّ ﷺ فِي عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ حِينَ قُتِلَ: مَثَلُهُ كَمَثَلِ صَاحِبِ يَاسِينَ فِي قَوْمِهِ، يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ ﷺ، كَمَثَلِ صَاحِبِ يَاسِينَ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَذْكُورَ فِي سُورَةِ يَاسِينَ، الّذِي قَالَ لِقَوْمِهِ (اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) فَقَتَلَهُ قَوْمُهُ، وَاسْمُهُ حَبِيبُ بْنُ مُرّي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ صَاحِبَ إلْيَاسَ، وَهُوَ الْيَسَعُ، فَإِنّ إلْيَاسَ يُقَالُ فِي اسْمِهِ: يَاسِينُ أَيْضًا، وَقَالَ الطّبَرِيّ: هُوَ إلْيَاسُ بْنُ يَاسِينَ، وَفِيهِ قَالَ اللهُ ﵎: سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ الصّافّاتِ: ١٣٠ فَاَللهُ أَعْلَمُ: وَقَدْ بَيّنّا فِي التّعْرِيفِ وَالْإِعْلَامِ مَعْنَى إلْيَاسَ وَإِلْيَاسِينَ وَآلِ يَاسِينَ بَيَانًا شَافِيًا، وَأَوْضَحْنَا خَطَأَ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنّ إلْيَاسِينَ جَمْعٌ كَالْأَشْعَرِينَ، وَضَعْفَ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنّ يَاسِينَ هُوَ مُحَمّدٌ ﷺ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ.
زَوْجُ عُرْوَةَ:
وَكَانَتْ تَحْتَ عُرْوَةَ مَيْمُونَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، فَوَلَدَتْ لَهُ أَبَا مُرّةَ بْنَ عُرْوَةَ، وَبِنْتُ أَبِي مُرّةَ هِيَ: لَيْلَى امْرَأَةُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيّ ﵉ وَلَدَتْ لِلْحُسَيْنِ عَلِيّا الْأَكْبَرَ قُتِلَ مَعَهُ بِالطّفّ «١»، وَأَمّا عَلِيّ الْأَصْغَرُ فَلَمْ يُقْتَلْ مَعَهُ، وَأُمّهُ:
أُمّ وَلَدٍ، وَاسْمُهَا سُلَافَةُ، وَهِيَ بِنْتُ كِسْرَى بْنِ يَزْدَجِرْدَ، وَأُخْتُهَا الْغَزَالُ هِيَ أُمّ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بن هشام.
_________________
(١) الطف: أرض من ضاحية الكوفة فى طرف البرية «المراصد» .
[ ٧ / ٣٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) حَوْلَ هَدْمِ اللّاتِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ إسلام ثقيف وهدم طَاغِيَتِهِمْ، وَهِيَ اللّاتُ، وَأَنّ الْمُغِيرَةَ وَأَبَا سُفْيَانَ هُمَا اللّذَانِ هَدَمَاهَا وَذَكَرَ بَعْضَ مَنْ أَلّفَ فِي السّيَرِ أَنّ الْمُغِيرَةَ قَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ حِينَ هَدَمَهَا: أَلَا أُضْحِكُك مِنْ ثَقِيفٍ؟ فَقَالَ: بَلَى، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ، وَضَرَبَ بِهِ اللّاتَ ضَرْبَةً، ثُمّ صَاحَ وَخَرّ عَلَى وَجْهِهِ، فَارْتَجّتْ الطّائِفُ بِالصّيَاحِ سُرُورًا بِأَنّ اللّاتَ قَدْ صَرَعَتْ الْمُغِيرَةَ، وَأَقْبَلُوا يَقُولُونَ: كَيْفَ رَأَيْتهَا يَا مُغِيرَةُ دُونَكَهَا إنْ اسْتَطَعْت، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّهَا تُهْلِكُ مَنْ عَادَاهَا، وَيْحَكُمْ أَلَا تَرَوْنَ مَا تَصْنَعُ؟ فَقَامَ الْمُغِيرَةُ يَضْحَكُ مِنْهُمْ، وَيَقُولُ لَهُمْ: يَا خُبَثَاءُ وَاَللهِ مَا قَصَدْت إلّا الْهُزُأَ بِكُمْ، ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى هَدْمِهَا، حَتّى اسْتَأْصَلَهَا، وَأَقْبَلَتْ عَجَائِزُ ثَقِيفٍ تَبْكِي حَوْلَهَا، وَتَقُولُ: أَسْلَمَهَا الرّضّاعُ، إذْ كَرِهُوا الْمِصَاعَ، أَيْ أَسْلَمَهَا اللّئَامُ حِينَ كرهوا القتال. فقه حديث كتاب النبي لِثَقِيفٍ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ كِتَابَهُ ﷺ لِثَقِيفٍ، وَذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ، وَذَكَرَ فِيهِ شَهَادَةَ عَلِيّ وَابْنَيْهِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، قَالَ: وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ شَهَادَةُ الصّبيان، وكتابة أسمائهم قبل البلوع، وَإِنّمَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ إذَا أَدّوْهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَيْضًا شَهَادَةُ الِابْنِ مَعَ شَهَادَةِ أَبِيهِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ. وَذَكَرَ فِي الْكِتَابِ: وَجّا، وَأَنّهُ حَرَامٌ عِضَاهُهُ وَشَجَرُهُ، يَعْنِي حراما على
[ ٧ / ٣٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غَيْرِ أَهْلِهِ كَتَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ وَمَكّةَ. وَوَجّ هِيَ أَرْضُ الطّائِفِ، وَهِيَ الّتِي جَاءَ فِيهَا الْحَدِيثُ: إنّ آخِرَ وَطْأَةٍ وَطِئَهَا الرّبّ بِوَج، وَمَعْنَاهَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ: آخِرُ غَزْوَةٍ وَوَقْعَةٍ كَانَتْ بِأَرْضِ الْعَرَبِ بِوَجّ، لِأَنّهَا آخِرُ غَزَوَاتِهِﷺ إلَى الْعَرَبِ، وَقَدْ قِيلَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ غَيْرُ هَذَا، مِمّا ذَكَرَهُ الْقُتَبِيّ، وَنَحْنُ نَضْرِبُ عَنْ ذِكْرِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ إيهام التّشْبِيهِ، وَاَللهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَجّ:
وَقَدْ قِيلَ فِي وَجّ هِيَ الطّائِفُ نَفْسُهَا، وَقِيلَ: هُوَ اسْمٌ لِوَادٍ بِهَا، وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ أُمَيّةَ بن الأسكر:
إذا يَبْكِي الْحَمَامُ بِبَطْنِ وَجّ عَلَى بَيْضَاتِهِ بَكَيَا كِلَابَا «١»
وَقَالَ آخَرُ «٢» .
أَتُهْدِي لِي الْوَعِيدَ بِبَطْنِ وَجّ كَأَنّي لَا أَرَاك وَلَا تَرَانِي
وَقَدْ أَلْفَيْت فِي نُسْخَةِ الشّيْخِ وَجًا بِتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَالصّوَابُ تَشْدِيدُهَا كَمَا تَقَدّمَ وَقَالَ أُمَيّةُ بْنُ أبى الصّلت:
_________________
(١) أول القصيدة: لمن شيخان قد نشدا كلابا كتاب الله إن رقب الكتابا والبيت الذى فى الروض ثالث بيت فى القصيدة وروايته فى الأمالى: إذا هتفت حمامة بطن واد على بيضاتها دعوا كلابا وللشعر خبر طريف فى الأمالى ص ١٠٨ ذيل الأمالى ط. ٢.
(٢) نسبه البكرى فى معجمه للنابغة الذبيانى.
[ ٧ / ٣٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إنّ وَجّا وَمَا يَلِي بَطْنَ وَجّ دَارُ قَوْمِي بِرَبْوَةٍ وَزُتُوقِ «١»
وَسُمّيَتْ وَجّا فِيمَا ذَكَرُوا بِوَجّ بْنِ عَبْدِ الْحَيّ مِنْ الْعَمَالِقَةِ «٢»، وَيُقَالُ:
وَجّ، وَأَجّ بِالْهَمْزَةِ، قَالَهُ يَعْقُوبُ فِي كِتَابِ الْإِبْدَالِ، وَكِتَابُهُ ﷺ لِأَهْلِ الطّائِفِ أَطْوَلُ مِمّا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ بِكَثِيرٍ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِكَمَالِهِ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ.
إنْزَالُ سُورَةِ بَرَاءَةٌ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مِنْ تَبُوكَ، فَذَكَرَ مُخَالَطَةَ الْمُشْرِكِينَ لِلنّاسِ فِي حَجّهِمْ، وَتَلْبِيَتِهِمْ بِالشّرْكِ وَطَوَافِهِمْ عُرَاةً بِالْبَيْتِ، وَكَانُوا يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ أَنْ يَطُوفُوا كَمَا وُلِدُوا بِغَيْرِ الثّيَابِ الّتِي أَذْنَبُوا فِيهَا، وَظَلَمُوا، فَأَمْسَكَﷺ- عَنْ الْحَجّ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، وَبَعَثَ أَبَا بَكْرٍ﵁- بِسُورَةِ بَرَاءَةٌ لِيَنْبِذَ إلَى كُلّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلّا بَعْضَ بَنِي بَكْرٍ الّذِينَ كَانَ لَهُمْ عَهْدٌ إلَى أَجَلٍ خَاصّ، ثُمّ أَرْدَفَ بِعَلِيّ ﵁، فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ لِلنّبِيّ ﷺ، وَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ أُنْزِلَ فِيّ قُرْآنٌ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَرَدْت أَنْ يُبَلّغَ عَنّي مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَمَرَنِي عَلِيّ﵁- أَنْ
_________________
(١) فى الأصل: ربوة ورثوق، والتصويب من معجم البكرى وفيه أيضا: بريدة بدلا من بربوة.
(٢) فى معجم البكرى.
[ ٧ / ٣٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَطُوفَ فِي الْمَنَازِلِ مِنْ مِنًى بِبَرَاءَةٌ، فَكُنْت أَصِيحُ حَتّى صَحِلَ حَلْقِي، فَقِيلَ لَهُ: بِمَ كُنْت تُنَادِي؟ فَقَالَ: بِأَرْبَعٍ: أَلّا يَدْخُلَ الْجَنّةَ إلّا مُؤْمِنٌ، وَأَلّا يَحُجّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَأَلّا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ «١»، وَمَنْ كَانَ له عهد، فله أحل أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ثُمّ لَا عَهْدَ لَهُ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ إذَا سَمِعُوا النّدَاءَ بِبَرَاءَةٌ يَقُولُونَ لِعَلِيّ: سَتَرَوْنَ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، بِأَنّهُ لَا عَهْدَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ابْنِ عَمّك إلّا الطّعْنُ وَالضّرْبُ، ثُمّ إنّ النّاسَ فِي ذَلِكَ الْمُدّةِ رَغِبُوا فِي الْإِسْلَامِ حَتّى دَخَلُوا فِيهِ طَوْعًا وَكَرْهًا، وَحَجّ رَسُولُ اللهِ ﷺ في العام القابل، وحجّ
_________________
(١) أصل الحديث فى البخارى ومسلم وأبى داود والنسائى. أما الإرداف بعلى وقول أبى بكر: يا رسول الله نزل فى شىء؟ قال: لا الحديث فقد رواه أحمد والطبرى. ويقول الطحاوى فى مشكل الآثار: «هذا مشكل، لأن الأخبار فى هذه القصة تدل على أنه (ﷺ) كان بعث أبا بكر بذلك، ثم أتبعه عليا، فأمره أن يؤذن، فكيف يبعث أبو بكر أبا هريرة ومن معه بالتأذين مع صرف الأمر عنه فى ذلك إلى على، ثم أجاب بما حاصله: إن أبا بكر كان الأمير على الناس فى تلك الحجة، وكان على هو المأمور بالتأذين بذلك، وكان عليا لم يطق التأذين بذلك وحده، واحتاج إلى معين، فأرسل أبو بكر أبا هريرة. وغيره ليساعدوه «ص ٩٠ ج ٣ المواهب، وقد روى الطبرى عن محمد بن كعب أنه أمر أن يؤذن ببضع وثلاثين آية منتهاها: ولو كره المشركون، وقيل: باربعين ولقد قيل: كيف يؤمر بالتأذين ببراءة، ثم يؤذن بمثل ما ذكره؟ وقد أجيب بأنه أمر أن يؤذن ببراءة، ومن جملة ما اشتملت عليه ألا يحج بعد هذا العام مشرك من قوله سبحانه: (إنما المشركون نجس) . الآية ويحتمل أن يكون قد أمر بأن يؤذن ببراءة وبما ذكر. وللرابعة التى أذن بها وهى قوله: ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته وردت فى رواية لأحمد والترمذى. وزاد الطبرى من حديث على: ومن لم يكن له عهد أربعة أشهر.
[ ٧ / ٣٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المسلمون، وقد عاد الذين كُلّهُ وَاحِدًا لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ.
وَأَمّا النّدَاءُ فِي أَيّامِ التّشْرِيقِ بِأَنّهَا أَيّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَفِي بَعْضِ الرّوَايَاتِ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ «١»، فَإِنّ الّذِي أُمِرَ أَنْ يُنَادِيَ بِذَلِكَ فِي أَيّامِ التّشْرِيقِ هُوَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَأَوْسُ بْنُ الْحَدَثَانِ، وَفِي الصّحِيحِ أَنّ زَيْدَ بْنَ مِرْبَعٍ وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا: عَبْدُ اللهِ بْنُ مِرْبَعٍ كَانَ مِمّنْ أُمِرَ أَنْ يُنَادِيَ بِذَلِكَ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ بِشْرِ بْنِ سُحَيْمٍ الْغِفَارِيّ، وَقَدْ رُوِيَ أَنّ حُذَيْفَةَ كَانَ الْمُنَادِيَ بِذَلِكَ، وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ أَيْضًا، وَبِلَالٍ، ذَكَرَ بَعْضَ ذَلِكَ الْبَزّارُ فِي مُسْنَدِهِ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ أَنّهُ أَرَادَ ذَا الْحِجّةِ وَالْمُحَرّمَ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِ، وَأَنّهُ جَعَلَ ذَلِكَ أَجَلًا لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَمَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ جَعَلَ لَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوّلُهَا يَوْمُ النّحْرِ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ قِيلَ: أَرَادَ حِينَ الْحَجّ، أَيْ أَيّامَ الْمَوْسِمِ كُلّهَا، لِأَنّ نِدَاءَ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِبَرَاءَةٌ كَانَ فِي تِلْكَ الْأَيّامِ.
مَا نَزَلَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَأَهْلُ التّفْسِيرِ يَقُولُونَ إنّ آخِرَهَا نَزَلَ قَبْلَ أَوّلِهَا، فَإِنّ أَوّلَ مَا نَزَلَ منها:
انْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا ثُمّ نَزَلَ أَوّلُهَا فِي نَبْذِ كُلّ عَهْدٍ إلى صاحبه كما تقدم.
_________________
(١) البعال: مباشرة الرجل زوجته وملاعبتها.
[ ٧ / ٣٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ (انْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا) فِيهِ أَقْوَالٌ، قِيلَ مَعْنَاهُ: شُبّانًا وَشُيُوخًا، وَقِيلَ:
أَغْنِيَاءَ وَفُقَرَاءَ، وَقِيلَ أَصْحَابَ شُغْلٍ وَغَيْرَ ذِي شُغْلٍ، وَقِيلَ: رُكْبَانًا وَرَجّالَةً.
عَنْ الْأَجْدَعِ بْنِ مَالِكٍ:
وَأَنْشَدَ شَاهِدًا عَلَى أَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ لِلْأَجْدَعِ بْنِ مَالِكٍ وَالِدِ مسروق ابن الْأَجْدَعِ، وَقَدْ غَيّرَ عُمَرُ ﵁ اسْمَ الْأَجْدَعِ، وَقَالَ: الْأَجْدَعُ:
اسْمُ شَيْطَانٍ، فَسَمّاهُ عَبْدَ الرّحْمَنِ وَيُكَنّى مَسْرُوقٌ أَبَا عَائِشَةَ.
وَقَوْلُهُ فِي الْبَيْتِ: يَصْطَادُك الْوَحَدَ، أَيْ: يَصْطَادُ بِك، وَأَرَادَ بِالْوَحَدِ: الثّوْرَ الْوَحْشِيّ.
وَقَوْلُهُ: بِشَرِيجٍ بَيْنَ الشّدّ وَالْإِيضَاعِ، يُقَالُ: هُمَا شَرِيجَانِ، أَيْ: مُخْتَلِفَانِ، وَقَبْلَ هَذَا الْبَيْتِ بِأَبْيَاتٍ فِي شِعْرِ الْأَجْدَعِ:
أَسَأَلْتنِي بِرَكَائِبِي وَرِحَالِهَا وَنَسِيت قَتْلَى فَوَارِسِ الْأَرْبَاعِ «١»
وَذَكَرَهُ أَبُو عَلِيّ [الْقَالِي] فِي الْأَمَالِي، فَقَالَ: وسألتنى «٢» بالواو،
_________________
(١) كانت امرأته من بنى الحارث فأصاب وقتل من بنى الحصيرة أربعة فقالت له امرأته: أين الإبل والغنيمة؟ فقال البيت المذكور. وروايته فى السمط: أسألتنى بنجائب. وفى السمط من القصيدة سبعة أبيات. راجع ص ١٠٩، ١٤٦ السمط.
(٢) أنظر ص ٢٣ ج ١ ط ٢. وقد نبه على هذا الخطأ البكرى فى كتابه «التنبيه على أوهام أبى على فى أماليه» ص ٣٥ فقال «إنما هو أسألتنى بالهمزة لا بالواو، وهو أول الشعر. بركائب منون لا بركائبى، لأنها إنما سألته عن إبل القوم
[ ٧ / ٣٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَدْ خَطّئُوهُ، وَقَالُوا: إنّمَا هُوَ أَسَأَلْتنِي. وَفَوَارِسُ الْأَرْبَاعِ قَدْ سَمّاهُمْ أَبُو عَلِيّ فِي الْأَمَالِي «١»، وَذَكَرَ لَهُمْ خَبَرًا.
إعْطَاءُ الْجِزْيَةِ عَنْ يَدٍ:
وَذَكَرَ قَوْلَهُ تَعَالَى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ وَقِيلَ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ أيضا:
أَحَدُهَا: أَنْ يُؤَدّيَهَا الذّمّيّ بِنَفْسِهِ، وَلَا يُرْسِلَهَا مَعَ غَيْرِهِ.
الثّانِي: أَنْ يُؤَدّيَهَا قَائِمًا، وَاَلّذِي يَأْخُذُهَا قَاعِدًا.
الثّالِثُ: أَنّ مَعْنَاهُ: عَنْ قَهْرٍ وَإِذْلَالٍ.
الرّابِعُ: أَنّ مَعْنَاهُ عَنْ يَدٍ مِنْكُمْ، أَيْ: إنْعَامٍ عَلَيْهِمْ بِحَقْنِ دِمَائِهِمْ، وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ بَدَلًا مِنْ الْقَتْلِ، كُلّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الْمُفَسّرِينَ، وَلَفْظُ الْآيَةِ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ هَذِهِ الْمَعَانِي، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فِي هَذِهِ الْآيَةِ قاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يُصَدّقُونَ بِالْآخِرَةِ، فَمَعْنَاهُ فيما ذكر ابن سلّام
_________________
(١) وركائبهم، لا عن ركائب نفسه، ثم ساق من القصيدة خمسة أبيات. وفوارس الأرباع هم أبناء الحصين ذى الغصة بن يزيد بن شداد الذى رأس بنى الحارث مائة سنة. والأرباع أرض قتلتهم بها همدان
(٢) من ولد الحصين كثير بن شهاب بن حصين ولاه معاوية الرى ودستبا، ومحمد بن زهير بن الحارث بن منصور بن قيس بن كثير» ص ٢٥ تنبيه البكرى «حاشية» .
[ ٧ / ٣٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَنّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَا يَقُولُونَ بِإِعَادَةِ الْأَجْسَادِ وَيَقُولُونَ إنّ الْأَرْوَاحَ هِيَ الّتِي تُبْعَثُ دُونَ الأجساد «١» .
من المعذربن:
وَذَكَرَ فِي الْمُعَذّرِينَ: خُفَافَ بْنَ إيمَاءَ بْنِ رَحْضَةَ، وَيُقَالُ فِيهِ: رُحْضَةُ بِالضّمّ ابْنُ خَرِبَةَ «٢»، وَكَانَ لَهُ وَلِأَبِيهِ إيمَاءَ، وَلِجَدّهِ رَحْضَةَ صُحْبَةٌ. مَاتَ خُفَافٌ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ﵁- وَكَانَ إمَامًا لِبَنِي غِفَارٍ.
وذكر أبا عُقَيْلٍ صَاحِبَ الصّاعِ «٣» الّذِي لَمَزَهُ الْمُنَافِقُونَ، وَاسْمُهُ جَثْجَاثٌ «٤» وَقَدْ قِيلَ فِي صَاحِبِ الصّاعِ أَنّهُ رفاعة بن سهل «٥» .
_________________
(١) بل لها معنى أوسع من ذلك، ففهمهم للآخرة عندهم لا يعطيهم صفة الإيمان بها، لأنهم يرون يسوع هو مالك يوم الدين، بل ويرون مع هذا فى أعماق جهنم، ويرون القديسين لهم شفعاء، ويرون أن الجنة لهم وحدهم. الخ.
(٢) قال فى الإصابة فى ترجمة رحضة والد إيماء وجد خفاف: بفتح أوله وثانيه ثم ضاد معجمة ابن خزيمة الغفارى، وفى ترجمة خفاف قال: ابن رحضة بفتح الراء المهملة ثم معجمة. وفى ترجمة إيماء قال: ابن رحضة بن خزمة (حربه) بن خفاف بن حارثة. وقال الحافظ: لا أعرف لأبى عمر مستندا فى إثياب صحبة رحضة.
(٣) عن أبى مسعود: لما نزلت آية الصدقة، كنا نحامل على ظهورنا، فجاء رجل، متصدق بشىء كثير فقالوا: مرائى، وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغنى عن صدقة هذا فنزلت (الذين يلمزون المطوعين) الآية رواه البخارى ومسلم.
(٤) ضبط. حثحاث.
(٥) فى بعض الروايات أن الذى تصدق بجهده وبصاع تمر هو أبو عقيل أخو-
[ ٧ / ٣٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَصِيدَةُ حَسّانَ الْمِيمِيّةُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ كَلِمَةَ حَسّانَ الْمِيمِيّةَ «١» وَفِيهَا:
أَلَسْت خَيْرَ مَعَدّ كُلّهَا نَفَرًا
وَحَسّانُ لَيْسَ مِنْ مَعَدّ، وَلَكِنْ أَرَادَ: أَلَسْت خَيْرَ النّاسِ، فَأَقَامَ مَعَدّا لِكَثْرَتِهَا مَقَامَ النّاسِ.
وَفِيهَا:
وَنَادِ جِهَارًا وَلَا تَحْتَشِمْ «٢»
وَفِيهَا رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنّ الْحِشْمَةَ لَا تَكُونُ إلّا بِمَعْنَى الْغَضَبِ وَأَنّهَا مِمّا يَضَعُهَا النّاسُ غَيْرَ مَوْضِعِهَا، وَقَدْ جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: لكل طاعم حشمة، فابدؤه بِالْيَمِينِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: لَا يَرْفَعَنّ أَحَدُكُمْ يَدَهُ عَنْ الطّعَامَ قَبْلَ أَكِيلِهِ، فَإِنّ ذَلِكَ مِمّا يَحْشِمُه، وَأَنْشَدَ أَبُو الْفَرَجِ لِمُحَمّدِ بْنِ يَسِيرٍ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مِثْلُ حَسّانَ فِي الْحُجّةِ:
فِي انْقِبَاضٍ وَحِشْمَةٍ فَإِذَا جَالَسْت أَهْلَ الْوَفَاءِ وَالْكَرَمِ
أَرْسَلْت نَفْسِي عَلَى سَجِيّتِهَا وَقُلْت ما شئت غير محتشم
_________________
(١) - بنى أنيف الإراشى حليف بنى عمرو بن عوف، ويقال عبد الرحمن بن عبد الله ابن تعلية.
(٢) هذا سهو من السهيلى، فهى فى قصيدته اللامية.
(٣) هذا من قصيدته الميمية. وليست الشطرة هكذا وإنما هى: «فناد نداء ولا تحتشم»
[ ٧ / ٣٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفِيهَا قَوْلُهُ:
وَكَانُوا مُلُوكًا، وَلَمْ يَمْلِكُوا مِنْ الدّهْرِ يَوْمًا كَحِلّ القَسَمْ «١»
فِيهِ شَاهِدٌ لِمَا قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي تَفْسِيرِ كَحِلّةِ الْقَسَمِ، وخلافه لأبى عبيد، وقد قدمنا قوليهما فِيمَا تَقَدّمَ مِنْ شَرْحِ قَصِيدَةِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ.
وَأَنْشَدَ ابْنُ قُتَيْبَةَ:
إذَا عَصَفَتْ رِيحٌ فَلَيْسَ بِقَائِمٍ بِهَا وَتَدٌ إلّا تَحِلّةَ مُقْسِمِ
وَأَنْشَدَ أَيْضًا:
قَلِيلًا كَتَحْلِيلِ الْأُلَى ثُمّ أَصْبَحَتْ
الْبَيْتَ.
وَقَوْلُهُ: وَعِزّا أَشَمْ، هُوَ كَقَوْلِ الْعَرَبِ: عِزّةٌ قَعْسَاءُ، يُرِيدُ: شَمّاءُ، لِأَنّ الْأَقْعَسَ الّذِي يخرج صدره ويدخل ظهره، وقد فسيره الْمُبَرّدُ غَيْرَ هَذَا التّفْسِيرِ، وَبَيْتُ حَسّانَ يَشْهَدُ لِمَا قُلْنَاهُ، إنّمَا هُوَ الشّمَمُ الّذِي يُوصَفُ بِهِ ذُو الْعِزّةِ، فَوُصِفَتْ الْعِزّةُ بِهِ مَجَازًا.
تَفْسِيرُ سُورَةِ النّصْرِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ سُورَةَ: إذَا جاء نصر الله. وتفسيره لها فى الظاهر خلاف
_________________
(١) رواية البيت مختلفة عما فى السيرة.
[ ٧ / ٣٨١ ]
ذكر سنة تسع وتسميتها سنة الوفود ونزول سورة الفتح
انقياد العرب وإسلامهم
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ حِينَ سَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ تَأْوِيلِهَا، فَأَخْبَرَهُ أَنّ اللهَ تَعَالَى أَعْلَمَ فِيهَا نَبِيّهُ ﵇ بِانْقِضَاءِ أَجَلِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إلّا مَا قُلْت. وَظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يَدُلّ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وَعُمَرُ؛ لِأَنّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ: فَاشْكُرْ رَبّك، وَاحْمَدْهُ، كَمَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: إنّمَا قَالَ: فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّك وَاسْتَغْفِرْهُ، إِنّهُ كَانَ تَوّابًا، فَهَذَا أَمْرٌ لِنَبِيّهِ ﵇ بِالِاسْتِعْدَادِ لِلِقَاءِ رَبّهِ تَعَالَى وَالتّوْبَةِ إلَيْهِ، وَمَعْنَاهَا الرّجُوعُ عَمّا كَانَ بِسَبِيلِهِ مِمّا أُرْسِلَ بِهِ مِنْ إظْهَارِ الدّينِ، إذْ قَدْ فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ، وَتَمّ مُرَادُهُ فِيهِ، فَصَارَ جَوَابُ إذَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا مَحْذُوفًا. وَكَثِيرًا مَا يَجِيءُ فِي الْقُرْآنِ الْجَوَابُ مَحْذُوفًا، وَالتّقْدِيرُ: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ، فَقَدْ انْقَضَى الْأَمْرُ، وَدَنَا الْأَجَلُ، وَحَانَ اللّقَاءُ، فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ، إِنّهُ كَانَ تَوّابًا ووقع فى مسند البزّاز مُبَيّنًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ فَقَالَ: فِيهِ: فَقَدْ دَنَا أَجَلُك فَسَبّحْ، هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الّذِي فَهِمَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وَهُوَ حَذْفُ جَوَابِ إذا، ولمّا يَتَنَبّهْ لِهَذِهِ النّكْتَةِ حَسِبَ أَنّ جَوَابَ إذَا فى قوله سبحانه: فسبّح، كَمَا تَقُولُ: إذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَصُمْ، وَلَيْسَ فِي هَذَا التّأْوِيلِ مِنْ الْمُشَاكَلَةِ لِمَا قَبْلَهُ مَا فِي تَأْوِيلِ ابْنِ عَبّاسٍ فَتَدَبّرْهُ، فَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ عُمَرُ ﵁، وَحَسْبُك بِهِمَا فَهْمًا لِكِتَابِ اللهِ ﵎، فَالْفَاءُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَابِطَةٌ لِلْأَمْرِ بِالْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ، وَعَلَى مَا ظَهَرَ لِغَيْرِهِ رَابِطَةٌ لِجَوَابِ الشّرط الذى فى إذا. [ذِكْرُ سَنَةِ تِسْعٍ وَتَسْمِيَتُهَا سَنَةَ الْوُفُودِ وَنُزُولُ سُورَةِ الْفَتْحِ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: لَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكّةَ، وَفَرَغَ مِنْ تَبُوكَ، وَأَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ وَبَايَعَتْ، ضَرَبَتْ إليه وفود العرب من كلّ وجه. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنّ ذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَأَنّهَا كَانَتْ تُسْمَى سنة الوفود. [انْقِيَادُ الْعَرَبِ وَإِسْلَامُهُمْ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَإِنّمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَرَبّصَ بِالْإِسْلَامِ أَمْرَ هَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَمّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَذَلِكَ أَنّ قُرَيْشًا كَانُوا إمَامَ النّاسِ وَهَادِيَهُمْ، وَأَهْلَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَصَرِيحَ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ ﵉، وَقَادَةَ الْعَرَبِ لَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ هِيَ الّتِي نَصَبَتْ لِحَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَخِلَافَهُ، فَلَمّا اُفْتُتِحَتْ مَكّةُ، وَدَانَتْ لَهُ قُرَيْشٌ، وَدَوّخَهَا الْإِسْلَامُ، وَعَرَفَتْ الْعَرَبُ أَنّهُ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِحَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا عَدَاوَتِهِ، فَدَخَلُوا فِي دِينِ اللهِ، كَمَا قَالَ ﷿، أَفْوَاجًا، يَضْرِبُونَ إلَيْهِ مِنْ كُلّ وَجْهٍ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيّهِ ﷺ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا: أَيْ فَاحْمَدْ اللهَ عَلَى مَا أَظْهَرَ مِنْ دِينِك، وَاسْتَغْفِرْهُ إنّهُ كَانَ توابا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٨٢ ]
[قُدُومُ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ وَنُزُولُ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ]
[رجال الوفد]
فَقَدِمَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وفود العرب، فقدم عليه عطارد ابن حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدُسٍ التّمِيمِيّ، فِي أشراف بنى تميم، منهم لأقرع ابن حَابِسٍ التّمِيمِيّ، وَالزّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ التّمِيمِيّ، أَحَدُ بَنِي سَعْدٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ، وَالْحَبْحَابُ بْنُ يزيد.
[شَيْءٌ عَنْ الْحُتَاتِ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْحُتَاتُ وَهُوَ الّذِي آخَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بينه وبين مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ آخَى بَيْنَ نفر من أصحابه مِنْ الْمُهَاجِرِينَ؛ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَبَيْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ وَعَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَبَيْنَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ وَالزّبِيرِ بْنِ العوّام، وبين أبى ذرّ الغفارى وَالْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو الْبَهْرَانِيّ، وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَالْحُتَاتِ بْنِ يَزِيدَ الْمُجَاشِعِيّ، فَمَاتَ الْحُتَاتُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ فِي خِلَافَتِهِ، فَأَخَذَ مُعَاوِيَةُ مَا تَرَكَ وِرَاثَةً بِهَذِهِ الْأُخُوّةِ، فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ لِمُعَاوِيَةَ:
أَبُوكَ وَعَمّي يَا مُعَاوِيَ أَوْرَثَا تُرَاثًا فَيَحْتَازُ التّرَاثَ أَقَارِبُهْ
فَمَا بَالُ مِيرَاثِ الْحُتَاتِ أَكَلْتَهُ وَمِيرَاثِ حَرْبٍ جَامِدٌ لَك ذَائِبُهْ
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٨٣ ]
[سَائِرُ رِجَالِ الْوَفْدِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَفِي وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ: نُعَيْمُ بْنُ يَزِيدَ، وَقَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ، وَقِيسُ بْنُ عَاصِمٍ، أَخُو بَنِي سَعْدٍ، فِي وَفْدٍ عَظِيمٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَعُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، أَحَدُ بنى دارم بن مالك بن حنظلة ابن مالك بن زيد مناة بن تميم، والأفرع بْنُ حَابِسٍ، أَحَدُ بَنِي دَارِمِ بْنِ مَالِكٍ، وَالْحُتَاتُ بْنُ يَزِيدَ، أَحَدُ بَنِي دَارِمِ بْنِ مَالِكٍ، وَالزّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ، أَحَدُ بَنِي بَهْدَلَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدٍ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ، أَحَدُ بَنِي مِنْقَرِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ ابن تَمِيمٍ، وَقِيسِ بْنِ عَاصِمٍ، أَحَدُ بَنِي مِنْقَرِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَعَهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيّ، وَقَدْ كَانَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ شَهِدَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَحَ مَكّةَ وَحُنَيْنًا والطائف.
[صياحهم بالرسول وكلمة عطارد]
فَلَمّا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ كَانَا مَعَهُمْ، فَلَمّا دَخَلَ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ الْمَسْجِدَ نَادَوْا رسول الله ﷺ من وَرَاءِ حُجُرَاتِهِ: أَنْ اُخْرُجْ إلَيْنَا يَا مُحَمّدُ، فآذى ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ صِيَاحِهِمْ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا مُحَمّدُ، جِئْنَاك نُفَاخِرُك، فَأْذَنْ لِشَاعِرِنَا وَخَطِيبِنَا، قَالَ: قَدْ أَذِنْت لِخَطِيبِكُمْ فَلْيَقُلْ، فَقَامَ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، فقال:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٨٤ ]
الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي لَهُ عَلَيْنَا الْفَضْلُ وَالْمَنّ، وَهُوَ أَهْلُهُ، الّذِي جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَوَهَبَ لَنَا أَمْوَالًا عِظَامًا، نَفْعَلُ فِيهَا الْمَعْرُوفَ، وَجَعَلَنَا أَعَزّ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَأَكْثَرَهُ عَدَدًا، وَأَيْسَرَهُ عِدّةً، فَمَنْ مثلنا فى الناس؟ ألسنا برؤس النّاسِ وَأُولِي فَضْلِهِمْ؟ فَمَنْ فَاخَرَنَا فَلْيُعَدّدْ مِثْلَ مَا عَدّدْنَا، وَإِنّا لَوْ نَشَاءُ لَأَكْثَرْنَا الْكَلَامَ، وَلَكِنّا نَحْيَا مِنْ الْإِكْثَارِ فِيمَا أَعْطَانَا، وَإِنّا نُعْرَفُ بِذَلِكَ.
أَقُولُ هَذَا لِأَنْ تَأْتُوا بِمِثْلِ قَوْلنَا، وَأَمْرٍ أَفَضْلَ مِنْ أَمْرِنَا. ثُمّ جَلَسَ.
[كَلِمَةُ ثَابِتٍ فِي الرّدّ عَلَى عُطَارِدٍ]
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشّمّاسِ، أَخِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: قُمْ، فَأَجِبْ الرّجُلَ فِي خُطْبَتِهِ. فَقَامَ ثَابِتٌ، فَقَالَ:
الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي السّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ خَلْقُهُ، قَضَى فِيهِنّ أَمْرَهُ، وَوَسِعَ كُرْسِيّهُ عِلْمُهُ وَلَمْ يَكُ شَيْءٌ قَطّ إلّا مِنْ فَضْلِهِ، ثُمّ كَانَ مِنْ قُدْرَتِهِ أَنْ جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَاصْطَفَى مِنْ خَيْرِ خَلْقِهِ رَسُولًا، أَكْرَمَهُ نَسَبًا، وَأَصْدَقَهُ حَدِيثًا، وَأَفْضَلَهُ حَسَبًا، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كتابه وأأتمنه عَلَى خَلْقِهِ، فَكَانَ خِيرَةَ اللهِ مِنْ الْعَالَمِينَ، ثُمّ دَعَا النّاسَ إلَى الْإِيمَانِ بِهِ، فَآمَنَ بِرَسُولِ اللهِ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قَوْمِهِ وَذَوِي رَحِمِهِ، أَكْرَمُ النّاسِ حَسَبًا، وَأَحْسَنُ النّاسِ وُجُوهًا، وَخَيْرُ النّاسِ فِعَالًا. ثُمّ كَانَ أَوّلُ الْخَلْقِ إجَابَةً، وَاسْتَجَابَ لِلّهِ حِينَ دَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَحْنُ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ وَوُزَرَاءُ رَسُولِهِ، نُقَاتِلُ النّاسِ حَتّى يُؤْمِنُوا بِاَللهِ، فَمَنْ آمَنْ بِاَللهِ وَرَسُولِهِ مَنَعَ مِنّا مَالَهُ وَدَمَهُ، وَمَنْ كَفَرَ جَاهَدْنَاهُ فِي اللهِ أَبَدًا، وكان قتله علينا بسيرا. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالسّلَامُ عَلَيْكُمْ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٨٥ ]
[شِعْرُ الزّبْرِقَانِ فِي الْفَخْرِ بِقَوْمِهِ]
فَقَامَ الزّبْرِقَانُ بن بدر، فقال:
نَحْنُ الْكِرَامُ فَلَا حَيّ يُعَادِلُنَا مِنّا الْمُلُوكُ وَفِينَا تُنْصَبُ الْبِيَعُ
وَكَمْ قَسَرْنَا مِنْ الْأَحْيَاءِ كُلّهِمْ عِنْدَ النّهَابِ وَفَضْلُ الْعِزّ يُتّبَعُ
وَنَحْنُ يُطْعِمُ عِنْدَ الْقَحْطِ مُطْعِمُنَا مِنْ الشّوَاءِ إذَا لَمْ يُؤْنَسْ الْقَزَعُ
بِمَا تَرَى النّاسَ تَأْتِينَا سُرَاتُهُمْ مِنْ كُلّ أَرْضٍ هُوِيّا ثُمّ تَصْطَنِعُ
فَنَنْحَرُ الْكُوَمَ عُبْطًا فِي أَرُومَتِنَا لِلنّازِلِينَ إذَا مَا أُنْزِلُوا شَبِعُوا
فَلَا تَرَانَا إلَى حَيّ نُفَاخِرُهُمْ إلّا اسْتَفَادُوا فَكَانُوا الرّأْسَ يُقْتَطَعُ
فَمَنْ يفاخرنا فى ذاك نعرفه فيرجع القوم والأحبار تستمع
منّا أَبَيْنًا وَلَا يَأْبَى لَنَا أَحَدٌ إنّا كَذَلِكَ عند الفخر نرتع
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى:
مِنّا الْمُلُوكُ وَفِينَا تُقْسَمُ الرّبَعُ
وَيُرْوَى:
مِنْ كُلّ أَرْضٍ هَوَانَا ثُمّ نُتّبَعُ
رَوَاهُ لِي بَعْضُ بَنِي تَمِيمٍ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهَا لِلزّبْرِقَانِ
[شِعْرُ حَسّانَ فِي الرّدّ عَلَى الزّبْرِقَانِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ حَسّانُ غَائِبًا، فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٨٦ ]
وَسَلّمَ. قَالَ حَسّانُ: جَاءَنِي رَسُولُهُ، فَأَخْبَرَنِي أَنّهُ إنّمَا دَعَانِي لِأُجِيبَ شَاعِرَ بَنِي تَمِيمٍ، فَخَرَجْت إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وأنا أقول:
مَنَعْنَا رَسُولَ اللهِ إذْ حَلّ وَسْطَنَا عَلَى أَنْفٍ رَاضٍ مِنْ مَعَدّ وَرَاغِمِ
مَنَعْنَاهُ لَمَا حَلّ بَيْنَ بُيُوتِنَا بِأَسْيَافِنَا مِنْ كُلّ بَاغٍ وَظَالِمِ
بِبَيْتٍ حَرِيدٍ عِزّهُ وَثَرَاؤُهُ بِجَابِيَةِ الْجَوْلَانِ وَسْطَ الْأَعَاجِمِ
هَلْ الْمَجْدُ إلّا السّودَدُ الْعَوْدُ وَالنّدَى وِجَاهُ الْمُلُوكِ وَاحْتِمَالُ الْعَظَائِمِ
قَالَ: فَلَمّا انْتَهَيْت إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَامَ شَاعِرُ الْقَوْمِ، فَقَالَ مَا قَالَ، عَرَضْت فِي قَوْلِهِ، وَقُلْت عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ قَالَ: فَلَمّا فَرَغَ الزّبْرِقَانُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ: قُمْ يَا حَسّانُ، فَأَجِبْ الرّجُلَ فِيمَا قال. فقام حسان فقال:
إنّ الذّوَائِبَ مِنْ فِهْرٍ وَإِخْوَتِهِمْ قَدْ بَيّنُوا سُنّةً لِلنّاسِ تُتّبَعُ
يَرْضَى بِهِمْ كُلّ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ تَقْوَى الْإِلَهِ وَكُلّ الْخَيْرِ يَصْطَنِعُ
قَوْمٌ إذَا حَارَبُوا ضَرّوا عَدُوّهُمْ أَوْ حَاوَلُوا النّفْعَ فِي أَشْيَاعِهِمْ نَفَعُوا
سَجِيّةٌ تِلْكَ مِنْهُمْ غير محدثة إنّ لخلائق فَاعْلَمْ شَرّهَا الْبِدَعُ
إنْ كَانَ فِي النّاسِ سَبّاقُونَ بَعْدَهُمْ فَكُلّ سَبْقٍ لِأَدْنَى سَبْقِهِمْ تَبَعُ
لَا يَرْقَعُ النّاسَ مَا أَوْهَتَ أَكَفّهُمْ عِنْدَ الدّفّاعِ وَلَا يُوهُونَ مَا رَقَعُوا
إنْ سَابَقُوا النّاسَ يَوْمًا فَازَ سَبْقُهُمْ أَوْ وَازَنُوا أَهْلَ مَجْدٍ بِالنّدَى مَتَعُوا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٨٧ ]
أعفّة ذكرت فى الوحى عفّتهم لا يطبعون وَلَا يُرْدِيهِمْ طَمَعُ
لَا يَبْخَلُونَ عَلَى جَارٍ بِفَضْلِهِمْ وَلَا يَمَسّهُمْ مِنْ مَطْمَعٍ طَبَعُ
إذَا نَصَبْنَا لِحَيّ لَمْ نَدِبّ لَهُمْ كَمَا يَدُبّ إلَى الْوَحْشِيّةِ الذّرِعُ
نَسْمُو إذَا الْحَرْبُ نَالَتْنَا مخالبها إذا الرّعانف مِنْ أَظْفَارهَا خَشَعُوا
لَا يَفْخَرُونَ إذَا نَالُوا عَدُوّهُمْ وَإِنْ أُصِيبُوا فَلَا خُورٌ وَلَا هُلُعُ
كَأَنّهُمْ فِي الْوَغَى وَالْمَوْتُ مُكْتَنِعٌ أُسْدٌ بِحِلْيَةِ فى أرساغها فدع
خد مِنْهُمْ مَا أَتَى عَفْوًا إذَا غَضِبُوا وَلَا يَكُنْ هَمّكَ الْأَمْرَ الّذِي مَنَعُوا
فَإِنّ فِي حَرْبِهِمْ فَاتْرُكْ عَدَاوَتَهُمْ شَرّا يُخَاضُ عَلَيْهِ السّمّ وَالسّلَعُ
أَكْرِمْ بِقَوْمٍ رَسُولُ اللهِ شِيعَتُهُمْ إذَا تَفَاوَتَتْ الْأَهْوَاءُ وَالشّيَعُ
أَهْدِي لَهُمْ مِدْحَتِي قَلْبٌ يُؤَازِرُهُ فِيمَا أُحِبّ لِسَانٌ حَائِكٌ صَنَعُ
فَإِنّهُمْ أَفْضَلُ الْأَحْيَاءِ كُلّهِمْ إنْ جَدّ بِالنّاسِ جِدّ الْقَوْلِ أَوْ شَمَعُوا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ:
يَرْضَى بِهَا كُلّ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ تَقْوَى الْإِلَهِ وَبِالْأَمْرِ الّذِي شَرَعُوا
[شِعْرٌ آخر للزبرقان]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بالشعر من بنى تميم: أنّ الزبرقان ابن بَدْرٍ لَمّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ قام فقال:
أَتَيْنَاكَ كَيْمَا يَعْلَمَ النّاسُ فَضْلَنَا إذَا احْتَفَلُوا عِنْدَ احْتِضَارِ الْمَوَاسِمِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٨٨ ]
بِأَنّا فُرُوعُ النّاسِ فِي كُلّ مَوْطِنٍ وَأَنْ لَيْسَ فِي أَرْضِ الْحِجَازِ كَدَارِمِ
وَأَنّا نَذُودُ الْمُعْلِمِينَ إذَا انْتَخَوْا وَنَضْرِبُ رَأْسَ الْأَصْيَدِ الْمُتَفَاقِمِ
وَأَنّ لَنَا الْمِرْبَاعَ فِي كُلّ غَارَةٍ نُغِيرُ بِنَجْدٍ أَوْ بِأَرْضِ الْأَعَاجِمِ
[شِعْرٌ آخَرُ لِحَسّانَ فِي الرّدّ عَلَى الزّبْرِقَانِ]
فقام حسان بن ثابت فأجابه، فقال:
هَلْ الْمَجْدُ إلّا السّودَدُ الْعَوْدُ وَالنّدَى وِجَاهُ الْمُلُوكِ وَاحْتِمَالُ الْعَظَائِمِ
نَصَرْنَا وَآوَيْنَا النّبِيّ مُحَمّدًا عَلَى أَنْفِ رَاضٍ مِنْ مَعَدّ وَرَاغِمِ
بِحَيّ حَرِيدٍ أَصْلُهُ وَثَرَاؤُهُ بِجَابِيَةِ الْجَوْلَانِ وَسْطَ الْأَعَاجِمِ
نَصَرْنَاهُ لَمّا حَلّ وَسْطَ دِيَارِنَا بِأَسْيَافِنَا مِنْ كُلّ بَاغٍ وَظَالِمِ
جَعَلْنَا بَنِينَا دُونَهُ وَبَنَاتَنَا وَطِبْنَا لَهُ نَفْسًا بِفَيْءِ الْمَغَانِمِ
وَنَحْنُ ضَرَبْنَا النّاسَ حَتّى تَتَابَعُوا عَلَى دِينهِ بِالْمُرْهَفَاتِ الصّوَارِمِ
وَنَحْنُ وَلَدْنَا مِنْ قُرَيْشٍ عَظِيمَهَا وَلَدْنَا نَبِيّ الْخَيْرِ مِنْ آلِ هَاشِمِ
بَنِي دَارِمٍ لَا تَفْخَرُوا إنّ فَخْرَكُمْ يَعُودُ وَبَالًا عِنْدَ ذِكْرِ الْمَكَارِمِ
هَبِلْتُمْ عَلَيْنَا تَفْخَرُونَ وَأَنْتُمْ لَنَا خَوَلٌ مَا بَيْنَ ظِئْرٍ وَخَادِمِ
فَإِنْ كُنْتُمْ جِئْتُمْ لِحَقْنِ دِمَائِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ أَنْ تُقْسَمُوا فِي الْمَقَاسِمِ
فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ نِدّا وَأَسْلِمُوا وَلَا تَلْبَسُوا زِيّا كزى الأعاجم
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٨٩ ]
[إسْلَامُهُمْ وَتَجْوِيزُ الرّسُولِ إيّاهُمْ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا فَرَغَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ قَوْلِهِ، قَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: وَأَبِي، إنّ هَذَا الرّجُلَ لَمُؤَتّى لَهُ، لَخَطِيبُهُ أَخْطَبُ مِنْ خَطِيبِنَا، وَلَشَاعِرُهُ أَشْعَرُ مِنْ شَاعِرِنَا، وَلِأَصْوَاتِهِمْ أَحْلَى مِنْ أَصْوَاتِنَا. فَلَمّا فَرَغَ الْقَوْمُ أَسْلَمُوا، وَجَوّزَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَحْسَنَ جَوَائِزَهُمْ.
[شِعْرُ ابْنِ الْأَهْتَمِ فِي هِجَاءِ قِيسٍ لِتَحْقِيرِهِ إياه]
كان عَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ قَدْ خَلّفَهُ الْقَوْمُ فِي ظَهْرِهِمْ، وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ سِنّا، فَقَالَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، وَكَانَ يُبْغِضُ عَمْرَو بْنَ الْأَهْتَمِ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّهُ قَدْ كَانَ رَجُلٌ مِنّا فِي رِحَالِنَا، وَهُوَ غُلَامٌ حَدَثٌ، وَأُزْرَى بِهِ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مثل ما أعطى القوم، فقال عمرو بن الأهتم حين بلغه أن قيسا قال ذلك يهجوه:
ظَلِلْتُ مَفْتَرِشَ الْهَلْبَاءِ تَشْتُمُنِي عِنْدَ الرّسُولِ فَلَمْ تصدق ولم تصب
سدناكم سود دار هوا وَسُوْدُدُكُمْ بَادٍ نَوَاجِذُهُ مُقْعٍ عَلَى الذّنَبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَقِيَ بَيْتٌ وَاحِدٌ تَرَكْنَاهُ، لِأَنّهُ أَقْذَعَ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَفِيهِمْ نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٩٠ ]
[قِصّةُ عَامِرِ بْنِ الطّفَيْلِ وَأَرْبَدُ بْنُ قَيْسٍ فى الوفادة عن بنى عامر]
[بعض رجال الوفد]
وقدم عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَفْدُ بَنِي عَامِرٍ فِيهِمْ عَامِرُ بْنُ الطّفيل وَأَرْبَدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ جَزْءِ بْنِ خَالِدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَجَبّارُ بْنُ سَلْمَى بْنِ مَالِكِ ابن جَعْفَرٍ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ الثّلَاثَةُ رُؤَسَاءَ الْقَوْمِ وَشَيَاطِينَهُمْ.
[تَدْبِيرُ عَامِرٍ لِلْغَدْرِ بِالرّسُولِ]
فَقَدِمَ عَامِرُ بْنُ الطّفَيْلِ عَدُوّ اللهِ، عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ يُرِيدُ الْغَدْرَ بِهِ، وَقَدْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ: يَا عَامِرُ، إنّ النّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا فَأَسْلِمْ، قَالَ: وَاَللهِ لَقَدْ كُنْتُ آلَيْتُ أَنْ لَا أَنْتَهِيَ حَتّى تَتْبَعَ الْعَرَبُ عَقِبِي، أَفَأَنَا أَتْبَعُ عَقِبَ هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ! ثُمّ قَالَ لِأَرْبَدَ: إذَا قَدِمْنَا عَلَى الرّجُلِ، فَإِنّي سَأَشْغَلُ عَنْك وَجْهَهُ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَاعْلُهُ بِالسّيْفِ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، قال عَامِرُ بْنُ الطّفَيْلِ: يَا مُحَمّدُ، خَالِنِي، قَالَ: لَا وَاَللهِ حَتّى تُؤْمِنَ بِاَللهِ وَحْدَهُ. قَالَ: يَا مُحَمّدُ خَالِنِي. وَجَعَلَ يُكَلّمُهُ وَيَنْتَظِرُ مِنْ أَرْبَدَ مَا كَانَ أَمَرَهُ بِهِ فَجَعَلَ أَرْبَدُ لَا يُحِيرُ شَيْئًا، قَالَ: فَلَمّا رَأَى عَامِرُ مَا يَصْنَعُ أَرْبَدُ، قَالَ يَا مُحَمّدُ خَالِنِي قَالَ: لَا، حَتّى تُؤْمِنَ بِاَللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. فَلَمّا أَبَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: أَمَا وَاَللهِ لَأَمْلَأَنّهَا عَلَيْك خَيْلًا وَرِجَالًا، فَلَمّا وَلّى قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهم اكْفِنِي عَامِرَ بْنَ الطّفَيْلِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٩١ ]
فَلَمّا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِ رسول الله ﷺ، قال عَامِرٌ لِأَرْبَدَ: وَيْلَك يَا أَرْبَدُ أَيْنَ مَا كنت أمرأتك بِهِ؟ وَاَللهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ رَجُلٌ هُوَ أَخْوَفَ عِنْدِي عَلَى نَفْسِي مِنْك. وَاَيْمُ اللهِ لَا أَخَافُك بَعْدَ الْيَوْمِ أَبَدًا. قَالَ:
لَا أَبَا لَك! لَا تَعْجَلْ عَلَيّ، وَاَللهِ مَا هَمَمْت بِاَلّذِي أَمَرْتنِي بِهِ مِنْ أَمْرِهِ إلّا دَخَلْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ الرّجُلِ، حَتّى مَا أَرَى غَيْرَك، أَفَأَضْرِبك بِالسّيْفِ؟
[مَوْتُ عَامِرٍ بِدُعَاءِ الرّسُولِ عَلَيْهِ]
وَخَرَجُوا رَاجِعِينَ إلَى بِلَادِهِمْ، حَتّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطّرِيقِ، بَعَثَ اللهُ عَلَى عَامِرِ بْنِ الطّفَيْلِ الطّاعُونَ فِي عُنُقِهِ، فَقَتَلَهُ اللهُ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ من بنى سلول، فجعل يقول: يا بنى عامر، أَغُدّةٌ كَغُدّةِ الْإِبِلِ، وَمَوْتًا فِي بَيْتِ سَلُولِيّةٍ!
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: أَغُدّةٌ كَغُدّةِ الْإِبِلِ، وَمَوْتًا فِي بَيْتِ سَلُولِيّةٍ.
[مَوْتُ أَرْبَدَ بِصَاعِقَةِ وَمَا نَزَلَ فِيهِ وَفِي عَامِرٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ خَرَجَ أَصْحَابُهُ حِينَ وَارَوْهُ، حِينَ قَدِمُوا أَرْضَ بَنِي عَامِرٍ شَاتِينَ، فَلَمّا قَدِمُوا أَتَاهُمْ قَوْمُهُمْ فَقَالُوا: مَا وَرَاءَك يَا أَرْبَدُ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ وَاَللهِ، لَقَدْ دَعَانَا إلَى عِبَادَةِ شَيْءٍ لَوَدِدْتُ أَنّهُ عِنْدِي الْآنَ فَأَرْمِيَهُ بِالنّبْلِ حَتّى أَقْتُلَهُ، فَخَرَجَ بَعْدَ مَقَالَتِهِ بِيَوْمِ أَوْ يَوْمَيْنِ مَعَهُ جَمْلٌ لَهُ يَتْبَعُهُ، فَأَرْسَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى جَمَلِهِ صَاعِقَةً، فَأَحْرَقَتْهُمَا. وَكَانَ أَرْبَدُ بْنُ قَيْسٍ أَخَا لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ لِأُمّهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٩٢ ]
ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: وَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِي عَامِرٍ وَأَرْبَدَ: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ إلَى قَوْلِهِ: وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ
قَالَ: الْمُعَقّبَاتُ: هِيَ مِنْ أَمْرِ اللهِ يَحْفَظُونَ مُحَمّدًا. ثُمّ ذَكَرَ أَرْبَدَ وَمَا قَتَلَهُ اللهُ بِهِ، فَقَالَ: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ إلَى قَوْلِهِ:
شَدِيدُ الْمِحالِ.
[شِعْرُ لَبِيَدٍ فِي بُكَاءِ أَرْبَدَ]
قَالَ ابْنُ إسحاق: فقال لبيد يبكى أربد:
مَا إنْ تُعَدّي الْمَنُونُ مِنْ أَحَدٍ لَا والد مشفق ولا ولد
أخشى على أربدا لحتوف وَلَا أَرْهَبُ نَوْءَ السّمَاكِ وَالْأَسَدِ
فَعَيْنٍ هَلّا بَكَيْت أَرْبَدَ إذْ قُمْنَا وَقَامَ النّسَاءُ فِي كَبَدِ
إنْ يَشْغَبُوا لَا يُبَالِ شَغْبَهُمْ أَوْ يَقْصِدُوا فِي الحكوم يَقْتَصِدْ
حُلْوٌ أَرِيَبٌ وَفِي حَلَاوَتِهِ مُرّ لَطِيفُ الْأَحْشَاءِ وَالْكَبِدِ
وَعَيْنِ هَلّا بَكَيْت أَرْبَدَ إذْ أَلْوَتْ رِيَاحُ الشّتَاءِ بِالْعَضَدِ
وَأَصْبَحَتْ لَاقِحًا مُصَرّمَةً حَتّى تَجَلّتْ غَوَابِرُ الْمُدَدِ
أَشْجَعُ مِنْ لَيْثِ غَابَةٍ لَحِمٍ ذُو نَهْمَةٍ فِي الْعُلَا وَمُنْتَقَدِ
لَا تَبْلُغُ الْعَيْنُ كُلّ نَهْمَتِهَا لَيْلَةَ تُمْسَى الْجِيَادُ كَالْقِدَدِ
الْبَاعِثُ النّوْحَ فِي مَآتِمِهِ مِثْلَ الظّبَاءِ الْأَبْكَارِ بِالْجَرَدِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٩٣ ]
فجّعنى البرق والصّواعق بال فارس يَوْمَ الْكَرِيهَةِ النّجُدِ
وَالْحَارِبِ الْجَابِرِ الْحَرِيبِ إذَا جَاءَ نَكِيبًا وَإِنْ يَعُدْ يَعُدْ
يَعْفُو عَلَى الْجَهْدِ وَالسّؤَالِ كَمَا يُنْبِتُ غَيْثُ الرّبِيعِ ذُو الرّصَدِ
كُلّ بَنِي حُرّةٍ مَصِيرُهُمْ قُلّ وَإِنْ أَكْثَرَتْ مِنْ الْعَدَدِ
إنْ يُغْبَطُوا يَهْبِطُوا وَإِنْ أُمِرُوا يَوْمًا فَهُمْ لِلْهَلَاكِ وَالنّفَدِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَيْتُهُ: «وَالْحَارِبِ الْجَابِرِ الْحَرِيبِ» عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَبَيْتُهُ: «يَعْفُو عَلَى الْجَهْدِ»: عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ لَبِيدٌ أَيْضًا يَبْكِي أَرْبَدَ:
أَلَا ذَهَبَ الْمُحَافِظُ وَالْمُحَامِي وَمَانِعُ ضَيْمِهَا يَوْمَ الْخِصَامِ
وَأَيْقَنْتُ التّفَرّقَ يَوْمَ قَالُوا تُقُسّمَ مَالُ أَرْبَد بِالسّهَامِ
تَطِيرُ عَدَائِدُ الْأَشْرَاكِ شَفْعًا وَوِتْرًا وَالزّعَامَةُ لِلْغُلَامِ
فَوَدّعَ بِالسّلَامِ أَبَا حُرَيْزٍ وَقَلّ وَدَاعُ أَرْبَدَ بِالسّلَامِ
وَكُنْتَ إمَامَنَا وَلَنَا نِظَامًا وَكَانَ الْجَزْعُ يُحْفَظُ بِالنّظَامِ
وَأَرْبَدُ فَارِسُ الْهَيْجَا إذَا مَا تَقَعّرَتْ الْمَشَاجِرُ بِالْفِئَامِ
إذَا بَكَرَ النّسَاءُ مُرَدّفَاتٍ حَوَاسِرَ لَا يُجِئْنَ عَلَى الْخِدَامِ
فَوَاءَلَ يَوْمَ ذَلِكَ مَنْ أَتَاهُ كَمَا وَأَلَ الْمُحِلّ إلَى الْحَرَامِ
وَيَحْمَدُ قِدْرَ أَرْبَد مَنْ عَرَاهَا إذَا مَا ذُمّ أَرْبَابُ اللّحَامِ
وَجَارَتُهُ إذَا حَلّتْ لَدَيْهِ لَهَا نَفَلٌ وَحَظّ مِنْ سَنَامِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٩٤ ]
فَإِنْ تَقْعُدْ فَمُكْرَمَةٌ حَصَانٌ وَإِنْ تَظْعَنْ فَمُحْسِنَةُ الْكَلَامِ
وَهَلْ حُدّثْتَ عَنْ أَخَوَيْنِ دَامَا عَلَى الْأَيّامِ إلّا ابْنَيْ شَمَامِ
وَإِلّا الْفَرْقَدَيْنِ وَآلَ نَعْشٍ خَوَالِدَ مَا تُحَدّثُ بِانْهِدَامِ
قَالَ ابْنُ هشام: وهى فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ لَبِيدٌ أَيْضًا يَبْكِي أَرْبَدَ:
انْعَ الْكَرِيمَ لِلْكَرِيمِ أَرْبَدَا انْعَ الرّئِيسَ وَاللّطِيفَ كَبَدَا
يُحْذِي وَيُعْطِي ماله ليحمدا أدما يشبّهن صوارا أيّدا
السّابِلَ الْفَضْلَ إذَا مَا عُدّدَا وَيَمْلَأُ الْجَفْنَةَ مَلْئًا مَدَدَا
رِفْهَا إذَا يَأْتِي ضَرِيكٌ وَرَدَا مِثْلُ الّذِي فِي الْغِيلِ يَقْرُو جُمُدَا
يَزْدَادُ قُرْبًا مِنْهُمْ أَنْ يُوعَدَا أَوْرَثْتَنَا تُرَاثَ غَيْرِ أَنْكَدَا
غِبّا وَمَالًا طَارِفًا وَوَلَدَا شَرْخًا صُقُورًا يَافِعًا وَأَمْرَدَا
وَقَالَ لَبِيدٌ أَيْضًا:
لَنْ تُفْنِيَا خَيْرَاتِ أَرْ بَدَ فَابْكِيَا حَتّى يَعُودَا
قُولَا هُوَ الْبَطَلُ الْمُحَا مِي حِينَ يَكْسُونَ الْحَدِيدَا
وَيَصُدّ عَنّا الظّالِمِي نَ إذَا لَقِينَا الْقَوْمَ صِيدَا
فَاعْتَاقَهُ رَبّ الْبَرِيّ ةِ إذْ رَأَى أَنْ لَا خُلُودًا
فَثَوَى وَلَمْ يُوجَعْ وَلَمْ ولم يوصب وكان هو الفقيدا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٩٥ ]
وَقَالَ لَبِيدٌ أَيْضًا:
يُذَكّرُنِي بِأَرْبَدَ كُلّ خَصْمٍ أَلَدّ تَخَالُ خُطّتَهُ ضِرَارَا
إذَا اقْتَصَدُوا فَمُقْتَصِدٌ كَرِيمٌ وَإِنْ جَارُوا سَوَاءُ الْحَقّ جَارَا
وَيَهْدِي الْقَوْمَ مُطّلِعًا إذَا مَا دَلِيلُ الْقَوْمِ بِالْمَوْمَاةِ حَارَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: آخِرُهَا بَيْتًا عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ لَبِيدٌ أَيْضًا:
أَصْبَحْتُ أَمْشِي بَعْدَ سَلْمَى بْنِ مَالِكٍ وَبَعْدَ أَبِي قَيْسٍ وَعُرْوَةَ كَالْأَجَبْ
إذَا مَا رَأَى ظِلّ الْغُرَابِ أَضَجّهُ حِذَارًا عَلَى بَاقِي السّنَاسِنِ وَالْعَصَبْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
[قُدُومُ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَافِدًا عَنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَعَثَ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلًا مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ.
[سُؤَالُهُ الرّسُولَ أَسْئِلَةً ثُمّ إسْلَامُهُ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ نُوَيْفِعٍ عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ، عن ابن عباس، قال: بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَافِدًا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، وَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٩٦ ]
بَابِ الْمَسْجِدِ ثُمّ عَقَلَهُ، ثُمّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ورسول الله ﷺ جالس فِي أَصْحَابِهِ؛ وَكَانَ ضِمَامٌ رَجُلًا جَلْدًا أَشْعَرَ ذَا غَدِيرَتَيْنِ، فَأَقْبَلَ حَتّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيّكُمْ ابْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ؟
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أنا ابْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ. قَالَ: أَمُحَمّدٌ؟
قَالَ: نَعَمْ؛ قال يابن عَبْدِ الْمُطّلِبِ، إنّي سَائِلُك وَمُغَلّظٌ عَلَيْك فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدَنّ فِي نَفْسِك، قَالَ: لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي، فَسَلْ عَمّا بَدَا لَك. قَالَ:
أَنْشُدُك اللهَ إلَهَك وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَك، وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَك، آللهُ بَعَثَك إلَيْنَا رَسُولًا؟ قَالَ: اللهُمّ نَعَمْ؛ قَالَ: فَأَنْشُدُك اللهَ إلَهَك وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَك، وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَك، آللهُ أَمَرَك أَنْ تَأْمُرُنَا أَنْ نَعْبُدَهُ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ نَخْلَعَ هَذِهِ الْأَنْدَادَ الّتِي كَانَ آبَاؤُنَا يَعْبُدُونَ مَعَهُ؟ قَالَ: اللهُمّ نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْشُدُك اللهَ إلَهَك وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَك، وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَك، آللهُ أَمَرَك أَنْ نُصَلّيَ هَذِهِ الصّلَوَاتِ الْخَمْسَ؟ قَالَ: اللهُمّ نَعَمْ؛ قَالَ: ثُمّ جَعَلَ يَذْكُرُ فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ فَرِيضَةً فَرِيضَةً. الزّكَاةَ وَالصّيَامَ وَالْحَجّ وَشَرَائِعَ الْإِسْلَامِ كُلّهَا، يَنْشُدُهُ عِنْدَ كُلّ فَرِيضَةٍ مِنْهَا كَمَا يَنْشُدُهُ فِي الّتِي قَبْلَهَا، حَتّى إذَا فَرَغَ قَالَ: فَإِنّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنّ مُحَمّدًا رَسُولَ اللهِ؛ وَسَأُؤَدّي هَذِهِ الْفَرَائِضَ، وَأَجْتَنِبُ مَا نَهَيْتنِي عَنْهُ، لاثم أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ. ثُمّ انْصَرَفَ إلَى بَعِيرِهِ رَاجِعًا.
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنْ صَدَقَ ذُو الْعَقِيصَتَيْنِ دَخَلَ الجنة.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٩٧ ]
دَعْوَتُهُ قَوْمَهُ لِلْإِسْلَامِ قَالَ: فَأَتَى بَعِيرَهُ فَأَطْلَقَ عِقَالَهُ، ثُمّ خَرَجَ حَتّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَاجْتَمَعُوا إلَيْهِ فَكَانَ أَوّلُ مَا تَكَلّمَ بِهِ أن قال: بئست اللّاتُ وَالْعُزّى! قَالُوا: مَهْ يَا ضِمَامُ اتّقِ الْبَرَصَ، اتّقِ الْجُذَامَ، اتّقِ الْجُنُونَ! قَالَ: وَيْلَكُمْ! إنّهُمَا وَاَللهِ لَا يَضُرّانِ وَلَا يَنْفَعَانِ، إنّ اللهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا أَسْتَنْقِذُكُمْ بِهِ مِمّا كُنْتُمْ فِيهِ، وَإِنّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَمَا نها كم عنه، قال: فو الله مَا أَمْسَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي حَاضِرِهِ رجل ولا امرأة إلا مسلما.
قَالَ: يَقُولُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ: فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامِ ابن ثَعْلَبَةَ.
[قُدُومُ الْجَارُودِ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقِيسِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْجَارُودُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَنْشٍ أَخُو عَبْدِ الْقَيْسِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْجَارُودُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْمُعَلّى فِي وَفْدِ عبد القيس وكان نصرانيا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ، عَنْ الْحَسَنِ، قَالَ: لَمّا انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَلّمَهُ، فَعَرَضَ عليه رسول الله ﷺ الْإِسْلَامَ، وَدَعَاهُ إلَيْهِ، وَرَغّبَهُ فِيهِ، فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، إنّي قَدْ كُنْت عَلَى دِينٍ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٩٨ ]
وَإِنّي تَارِكٌ دِينِي لِدِينِك، أَفَتَضْمَنُ لِي دَيْنِي؟ قال: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: نَعَمْ، أَنَا ضَامِنٌ أَنْ قَدْ هَدَاك اللهُ إلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ قَالَ: فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمَ أَصْحَابُهُ، ثُمّ سَأَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْحُمْلَانَ، فَقَالَ؛ وَاَللهِ مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بِلَادِنَا ضَوَالّ مِنْ ضَوَالّ النّاسِ: أَفَنَتَبَلّغُ عَلَيْهَا إلَى بِلَادِنَا؟ قَالَ: لَا، إيّاكَ وَإِيّاهَا، فَإِنّمَا تِلْكَ حَرَقُ النار.
[مَوْقِفُهُ مِنْ قَوْمِهِ فِي الرّدّةِ]
فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ الْجَارُودُ رَاجِعًا إلَى قَوْمِهِ، وَكَانَ حَسَنَ الْإِسْلَامِ، صُلْبًا عَلَى دِينِهِ، حَتّى هَلَكَ وَقَدْ أَدْرَكَ الرّدّةَ، فَلَمّا رَجَعَ مِنْ قَوْمِهِ مَنْ كَانَ أَسْلَمَ مِنْهُمْ إلَى دِينِهِمْ الْأَوّلِ مَعَ الْغَرُورِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ النّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، قام الجارود فتكلّم، فتشهّد شهادة الحق، وَدَعَا إلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ: أَيّهَا النّاسُ، إنّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَه إلّا اللهُ وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأُكَفّرُ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ.
قال ابن هشام: يروى: وَأَكْفِي مَنْ لَمْ يَشْهَدْ.
[إسْلَامُ ابْنِ سَاوَى]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بعث العلاء ابن الْحَضْرَمِيّ قَبْلَ فَتْحِ مَكّةَ إلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيّ، فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ ثُمّ هَلَكَ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ رِدّةِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْعَلَاءُ عِنْدَهُ أَمِيرًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى البحرين.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٩٩ ]
[قُدُومُ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ وَمَعَهُمْ مُسَيْلِمَةُ الْكَذّابِ]
وقدم عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وفد بنى حنيفة، فيهم مسيلمة ابن حَبِيبٍ الْحَنَفِيّ الْكَذّابُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مُسَيْلِمَةُ بْنُ ثُمَامَةَ، وَيُكَنّى أَبَا ثُمَامَةَ.
[مَا كَانَ مِنْ الرّسُولِ لِمُسَيْلِمَةَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَ مَنْزِلُهُمْ فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، ثُمّ مِنْ بَنِي النّجّارِ، فَحَدّثَنِي بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: أَنّ بَنِي حَنِيفَةَ أَتَتْ بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَسْتُرهُ بِالثّيَابِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ. مَعَهُ عَسِيبٌ مِنْ سَعَفِ النّخْلِ فِي رَأْسِهِ خوصات؛ فَلَمّا انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُمْ يَسْتُرُونَهُ بِالثّيَابِ، كَلّمَهُ وَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لو سألتنى هذا العيب؟؟؟ مَا أَعْطَيْتُكَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدّثَنِي شَيْخٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ أَنّ حَدِيثَهُ كَانَ عَلَى غَيْرِ هَذَا. زَعَمَ أَنّ وَفْدَ بَنِي حَنِيفَةَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَخَلّفُوا مُسَيْلِمَةَ فِي رِحَالِهِمْ، فَلَمّا أَسْلَمُوا ذَكَرُوا مَكَانَهُ، فَقَالُوا:
يَا رَسُولَ اللهِ، إنّا قَدْ خَلّفْنَا صَاحِبًا لَنَا فِي رِحَالِنَا وَفِي رِكَابِنَا يَحْفَظُهَا لَنَا، قَالَ:
فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ مَا أَمَرَ بِهِ لِلْقَوْمِ، وَقَالَ أَمَا إنّهُ لَيْسَ بِشَرّكُمْ مَكَانًا، أَيْ لِحِفْظِهِ ضَيْعَةَ أَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ الّذِي يُرِيدُ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٠٠ ]
[ارْتِدَادُهُ وَتُنَبّؤُهُ]
قَالَ: ثُمّ انْصَرَفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: وجاؤه بِمَا أَعْطَاهُ، فَلَمّا انْتَهَوْا إلَى الْيَمَامَةِ ارْتَدّ عَدُوّ اللهِ وَتَنَبّأَ وَتَكَذّبَ لَهُمْ، وَقَالَ: إنّي قَدْ أُشْرِكْتُ فِي الْأَمْرِ مَعَهُ. وَقَالَ لِوَفْدِهِ الّذِينَ كَانُوا مَعَهُ: أَلَمْ يَقُلْ لَكُمْ حِينَ ذَكَرْتُمُونِي لَهُ: أَمَا إنّهُ لَيْسَ بِشَرّكُمْ مَكَانًا؛ ماذاك إلّا لَمَا كَانَ يَعْلَمُ أَنّي قَدْ أُشْرِكْت فِي الْأَمْرِ مَعَهُ، ثُمّ جَعَلَ يَسْجَعُ لَهُمْ الأساجيع، ويقول وَيَقُولُ لَهُمْ فِيمَا يَقُولُ مُضَاهَاةً لِلْقُرْآنِ: «لَقَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَى الْحُبْلَى، أَخْرَجَ مِنْهَا نَسَمَةً تَسْعَى، مِنْ بَيْنَ صِفَاقٍ وَحَشًى» وَأَحَلّ لَهُمْ الْخَمْرَ وَالزّنَا، وَوَضَعَ عَنْهُمْ الصّلَاةَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَشْهَدُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بِأَنّهُ نَبِيّ، فَأَصْفَقَتْ مَعَهُ حَنِيفَةُ عَلَى ذَلِكَ، فَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ.
[قُدُومُ زيد الخيل فى وفد طيىء]
[إسلامه وموته]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وفد طيىء، فِيهِمْ زَيْدُ الْخَيْلِ، وَهُوَ سَيّدُهُمْ؛ فَلَمّا انْتَهَوْا إلَيْهِ كَلّمُوهُ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمُوا، فَحَسُنَ إسْلَامُهُمْ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، كَمَا حَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ مِنْ رِجَالِ طيىء؛ مَا ذُكِرَ لِي رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ بِفَضْلِ، ثُمّ جَاءَنِي، إلّا رَأَيْته دُونَ مَا يُقَالُ فِيهِ، إلّا زَيْدَ الْخَيْلِ: فَإِنّهُ لَمْ يَبْلُغْ كُلّ مَا كَانَ فِيهِ، ثُمّ سَمّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْدَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٠١ ]
الْخَيْرِ، وَقَطَعَ لَهُ فَيْدًا وَأَرَضِينَ مَعَهُ، وَكَتَبَ لَهُ بِذَلِكَ. فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ راجعا إلى قومه؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنْ يَنْجُ زَيْدٌ مِنْ حُمّى الْمَدِينَةِ، فَإِنّهُ قَالَ: قَدْ سَمّاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِاسْمِ غَيْرِ الْحُمّى، وَغَيْرِ أُمّ مَلْدَمٍ، فَلَمْ يَثْبُتْهُ- فَلَمّا انْتَهَى مِنْ بَلَدِ نَجْدٍ إلَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِهِ، يُقَالُ لَهُ فَرَدَةَ، أَصَابَتْهُ الْحُمّى بِهَا فَمَاتَ، وَلَمّا أَحَسّ زيد بالموت قال:
أمر تحل قَوْمِي الْمَشَارِقَ غُدْوَةً وَأُتْرَكُ فِي بَيْتٍ بِفَرَدَةَ منجد
لا رُبّ يَوْمٍ لَوْ مَرِضْت لَعَادَنِي عَوَائِدُ مَنْ لَمْ يُبْرَ مِنْهُنّ يَجْهَد
فَلَمّا مَاتَ عَمَدَتْ امْرَأَتُهُ إلَى مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ كُتُبِهِ، الّتِي قَطَعَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَحَرّقَتْهَا بِالنّارِ.
[أَمْرُ عَدِيّ بْنِ حَاتِمٍ]
وَأَمّا عَدِيّ بْنُ حَاتِمٍ فَكَانَ يَقُولُ، فِيمَا بَلَغَنِي: مَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْعَرَبِ كَانَ أَشَدّ كَرَاهِيَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ سَمِعَ بِهِ مِنّي، أَمَا أَنَا فَكُنْت امْرَأً شَرِيفًا، وَكُنْت نَصْرَانِيّا، وَكُنْت أَسِيرُ فِي قَوْمِي بِالْمِرْبَاعِ، فَكُنْتُ فِي نَفْسِي عَلَى دِينٍ، وَكُنْت مَلِكًا فِي قَوْمِي، لِمَا كَانَ يُصْنَعُ بِي. فَلَمّا سمعت برسول الله ﷺ كَرِهْته، فَقُلْت لِغُلَامِ كَانَ لِي عَرَبِيّ، وَكَانَ رَاعِيًا لِإِبِلِي: لَا أَبَا لَك، أَعْدِدْ لِي مِنْ إبِلِي أَجَمَالًا ذُلُلًا سِمَانًا، فَاحْتَبِسْهَا قَرِيبًا مِنّي، فَإِذَا سَمِعْتَ بِجَيْشِ لِمُحَمّدِ قَدْ وَطِئَ هَذِهِ الْبِلَادَ فَآذِنّي، فَفَعَلَ، ثُمّ إنّهُ أَتَانِي ذات
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٠٢ ]
غَدَاةٍ، فَقَالَ: يَا عَدِيّ مَا كُنْتَ صَانِعًا إذَا غَشِيَتْك خَيْلُ مُحَمّدٍ، فَاصْنَعْهُ الْآنَ، فَإِنّي قَدْ رَأَيْت رَايَاتٍ، فَسَأَلْت عَنْهَا، فَقَالُوا: هَذِهِ جُيُوشُ مُحَمّدٍ. قَالَ: فَقُلْت:
فَقَرّبْ إلَيّ أَجْمَالِي، فَقَرّبَهَا، فَاحْتَمَلْت بِأَهْلِي وَوَلَدِي، ثُمّ قُلْت: أَلْحَقُ بأهل دينى من النّصارى بالشام فلكت الْجَوْشِيّةَ، وَيُقَالُ الْحَوْشِيّةُ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَخَلّفْت بِنْتًا لِحَاتِمِ فِي الْحَاضِرِ، فَلَمّا قَدِمْت الشام أقمت بها.
وَتُخَالِفُنِي خَيْلٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَتُصِيبُ ابْنَةَ حَاتِمٍ، فِيمَنْ أَصَابَتْ، فَقُدِمَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فى سبايا من طىّء، وَقَدْ بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ هَرَبِي إلَى الشّامِ، قَالَ فَجُعِلَتْ بِنْتُ حَاتِمٍ فِي حَظِيرَةٍ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، كَانَتْ السّبَايَا يُحْبَسْنَ فِيهَا، فَمَرّ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَامَتْ إلَيْهِ، وَكَانَتْ امْرَأَةً جَزْلَةً، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ الْوَالِدُ، وَغَابَ الْوَافِدُ، فَامْنُنْ عَلَيّ، مَنّ اللهُ عَلَيْك. قَالَ: وَمَنْ وَافِدُك؟
قَالَتْ: عَدِيّ بْنُ حَاتِمٍ. قَالَ: الْفَارّ مِنْ اللهِ وَرَسُولِهِ؟ قَالَتْ: ثُمّ مضى رسول الله ﷺ وتركنى، حتى إذا كان من الغد مرّبى، فَقُلْت لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ بِالْأَمْسِ. قَالَتْ: حَتّى إذَا كَانَ بعد الغد مرّبى وَقَدْ يَئِسْت مِنْهُ، فَأَشَارَ إلَيّ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ أَنْ قَوْمِي فَكَلّمِيهِ؛ قَالَتْ: فَقُمْت إلَيْهِ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ الْوَالِدُ، وَغَابَ الْوَافِدُ، فَامْنُنْ عَلَيّ، مَنّ اللهُ عَلَيْك؛ فَقَالَ ﷺ: قَدْ فَعَلْتُ، فَلَا تَعْجَلِي بِخُرُوجِ حَتّى تَجِدِي مِنْ قَوْمِك مَنْ يَكُونُ لَك ثِقَةً، حَتّى يُبَلّغُك إلَى بِلَادِك، ثُمّ آذِنِينِي. فَسَأَلْت عَنْ الرّجُلِ الّذِي أَشَارَ إلَيّ أَنْ أُكَلّمَهُ، فَقِيلَ: عَلِيّ بْنُ أَبِي طالب رضوان
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٠٣ ]
اللهِ عَلَيْهِ، وَأَقَمْت حَتّى قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَلِيّ أَوْ قُضَاعَةَ، قَالَتْ: وَإِنّمَا أُرِيدُ أَنْ آتِيَ أَخِي بِالشّامِ. قَالَتْ: فَجِئْت رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ قَوْمِي، لِي فِيهِمْ ثِقَةٌ وَبَلَاغٌ. قَالَتْ: فَكَسَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَحَمَلَنِي، وَأَعْطَانِي نَفَقَةً، فخرجت معهم حتى قدمت الشام.
قال عدىّ: فو الله إنّي لَقَاعِدٌ فِي أَهْلِي، إذْ نَظَرْت إلَى ظَعِينَةٍ تَصُوبُ إلَيّ تُؤْمِنَا، قَالَ: فَقُلْت ابْنَةُ حَاتِمٍ، قَالَ: فَإِذَا هِيَ هِيَ، فَلَمّا وَقَفَتْ عَلَيّ انْسَحَلَتْ تَقُول: الْقَاطِعُ الظّالِمُ، احْتَمَلْتَ بِأَهْلِك وَوَلَدِك، وَتَرَكْت بَقِيّةَ وَالِدِك عَوْرَتَك، قَالَ: قُلْت: أى أخيّة، لا تقولى إلا خيرا، فو الله مالى مِنْ عُذْرٍ، لَقَدْ صَنَعْتُ مَا ذَكَرْت. قَالَ: ثُمّ نَزَلَتْ فَأَقَامَتْ عِنْدِي، فَقُلْت لَهَا: وَكَانَتْ امْرَأَةً حَازِمَةً، مَاذَا تَرَيْنَ فِي أَمْرِ هَذَا الرّجُلِ؟ قَالَتْ: أَرَى وَاَللهِ أَنْ تَلْحَقَ بِهِ سَرِيعًا، فَإِنْ يَكُنْ الرّجُلُ نَبِيّا فَلِلسّابِقِ إلَيْهِ فَضْلُهُ، وَإِنْ يَكُنْ مَلِكًا فَلَنْ تَذِلّ فِي عِزّ الْيَمَنِ، وَأَنْتَ أَنْتَ. قَالَ: قُلْت: وَاَللهِ إن هذا الرأى.
[إسلام عدىّ]
قال: فَخَرَجْت حَتّى أَقْدَمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْت عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي مَسْجِدِهِ، فَسَلّمْت عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ الرّجُلُ؟ فَقُلْت:
عَدِيّ بْنُ حَاتِمٍ؛ فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَانْطَلَقَ بِي إلَى بيته، فو الله إنّهُ لَعَامِدٌ بِي إلَيْهِ، إذْ لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ ضعيفة كبيرة، فاستوقفته، فَوَقَفَ لَهَا طَوِيلًا تُكَلّمُهُ فِي حَاجَتِهَا؛ قَالَ: قُلْت فِي نَفْسِي: وَاَللهِ مَا هَذَا بِمَلِكِ؛ قَالَ:
ثُمّ مَضَى بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى إذَا دَخَلَ بِي بَيْتَهُ، تَنَاوَلَ وِسَادَةً
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٠٤ ]
مِنْ أَدَمٍ مَحْشُوّةٍ لِيفًا، فَقَذَفَهَا إلَيّ؛ فَقَالَ: اجْلِسْ عَلَى هَذِهِ، قَالَ: قُلْت:
بَلْ أَنْتَ فَاجْلِسْ عَلَيْهَا، فَقَالَ: بَلْ أَنْتَ، فَجَلَسْت عَلَيْهَا، وجلس رسول الله ﷺ بِالْأَرْضِ؛ قَالَ: قُلْت فِي نَفْسِي: وَاَللهِ مَا هَذَا بِأَمْرِ مَلِكٍ، ثُمّ قَالَ: إيِهِ يَا عدتى بْنَ حَاتِمٍ! أَلَمْ تَكُ رَكُوسِيّا؟ قَالَ: قُلْت: بَلَى. (قَالَ):
أَوْ لَمْ تَكُنْ تَسِيرُ فِي قَوْمِك بِالْمِرْبَاعِ؟ قَالَ: قُلْت: بَلَى، قَالَ: فَإِنّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَحِلّ لَك فِي دِينِك؛ قَالَ: قُلْت: أَجَلْ وَاَللهِ، وَقَالَ: وَعَرَفْت أَنّهُ نَبِيّ مُرْسَلٌ، يَعْلَمُ مَا يُجْهَلُ، ثُمّ قَالَ: لَعَلّك يَا عَدِيّ إنّمَا يَمْنَعُك مِنْ دُخُولٍ فِي هَذَا الدّينِ مَا تَرَى مِنْ حَاجَتِهِمْ، فو الله لَيُوشِكَنّ الْمَالُ أَنْ يَفِيضَ فِيهِمْ حَتّى لَا يوجد من يأخذه؛ وَلَعَلّك إنّمَا يَمْنَعُك مِنْ دُخُولٍ فِيهِ مَا ترى من كثرة عدوّهم وقلة عددهم، فو الله لِيُوشِكَنّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْمَرْأَةِ تَخْرَجُ مِنْ الْقَادِسِيّةِ عَلَى بَعِيرِهَا (حَتّى) تَزُورَ هَذَا الْبَيْتَ، لَا تَخَافُ؛ وَلَعَلّك إنّمَا يَمْنَعُك مِنْ دُخُولٍ فِيهِ أَنّك تَرَى أَنّ الْمُلْكَ وَالسّلْطَانَ فِي غَيْرِهِمْ، وَاَيْمُ اللهِ لَيُوشِكَنّ أَنّ تَسْمَعَ بِالْقُصُورِ الْبِيضِ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ قَدْ فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ؛ قَالَ: فَأَسْلَمْت.
[وُقُوعُ مَا وَعَدَ بِهِ الرّسُولُ عَدِيّا]
وَكَانَ عَدِيّ يَقُولُ: قَدْ مَضَتْ اثْنَتَانِ وَبَقِيَتْ الثّالِثَةُ، وَاَللهِ لَتَكُونَنّ، قَدْ رَأَيْت الْقُصُورَ الْبِيضَ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ قَدْ فُتِحَتْ، وَقَدْ رَأَيْت الْمَرْأَةَ تَخْرُجُ مِنْ الْقَادِسِيّةِ عَلَى بَعِيرِهَا لَا تَخَافُ حَتّى تَحُجّ هَذَا الْبَيْتَ، وَاَيْمُ اللهِ لَتَكُونَنّ الثّالِثَةُ، لَيَفِيضَنّ الْمَالُ حَتّى لَا يُوجَدَ مَنْ يأخذه.
[قُدُومُ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ الْمُرَادِيّ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدِمَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ الْمُرَادّيّ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٠٥ ]
عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُفَارِقًا لِمُلُوكِ كِنْدَةَ، وَمُبَاعِدًا لَهُمْ، إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَقَدْ كَانَ قُبَيْلَ الْإِسْلَامِ بَيْنَ مُرَادَ وَهَمْدَانَ وَقْعَةٌ، أَصَابَتْ فِيهَا هَمْدَانُ مِنْ مُرَادَ مَا أَرَادُوا، حَتّى أَثْخَنُوهُمْ فِي يَوْمٍ كَانَ يُقَالُ لَهُ: يَوْمَ الرّدْمِ، فَكَانَ الّذِي قَادَ هَمْدَانَ إلَى مُرَادَ الْأَجْدَعُ بْنُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الّذِي قَادَ هَمْدَانَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَالِكُ بْنُ حَرِيمٍ الْهَمْدَانِيّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَقُولُ فروة بن مسيك:
مَرَرْنَا عَلَى لُفَاةَ وَهُنّ خَوْصٌ يُنَازِعْنَ الْأَعِنّةَ يَنْتَحِينَا
فَإِنْ نَغْلِبْ فَغَلّابُونَ قِدْمًا وَإِنْ نُغْلَبْ فَغَيْرُ مُغَلّبِينَا
وَمَا إنْ طِبّنَا جُبْنٌ وَلَكُنّ منايانا وطعمة آخرينا
كذاك لدّهر دَوْلَتُهُ سِجَالٌ تَكُرّ صُرُوفُهُ حِينًا فَحِينًا
فَبَيْنَا مَا نُسَرّ بِهِ وَنَرْضَى وَلَوْ لُبِسَتْ غَضَارَتُهُ سِنِينَا
إذْ انْقَلَبَتْ بِهِ كَرّاتُ دَهْرٍ فَأَلْفَيْتَ الْأُلَى غُبِطُوا طَحِينًا
فَمَنْ يُغْبَطْ بِرَيْبِ الدّهْرِ مِنْهُمْ يَجِدْ رَيْبَ الزّمَانِ لَهُ خَئُونًا
فَلَوْ خَلَدَ الْمُلُوكُ إذَنْ خَلَدْنَا وَلَوْ بَقِيَ الْكِرَامُ إذَنْ بَقِينَا
فَأَفْنَى ذَلِكُمْ سَرَوَاتِ قَوْمِي كَمَا أَفْنَى الْقُرُونَ الْأَوّلِينَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَوّلُ بَيْتٍ مِنْهَا، وَقَوْلُهُ: «فَإِنْ نَغْلِبْ» عَنْ غَيْرِ ابن إسحاق.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٠٦ ]
[قُدُومُ فَرْوَةَ عَلَى الرّسُولِ وَإِسْلَامُهُ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا تَوَجّهَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مُفَارِقًا لِمُلُوكِ كِنْدَةَ، قَالَ:
لَمّا رَأَيْتُ مُلُوكَ كِنْدَةَ أَعَرَضَتْ كَالرّجُلِ خَانَ الرّجُلَ عَرَقَ نَسَائِهَا
قَرّبْتُ راحلتى أؤمّ محمّدا أرجو فواضلها وحسن ثرائها
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: «أَرْجُو فَوَاضِلَهُ وَحُسْنَ ثَنَائِهَا» .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فِيمَا بَلَغَنِي: يَا فَرْوَةُ، هَلْ سَاءَك مَا أَصَابَ قَوْمَك يَوْمَ الرّدْمِ؟ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ ذَا يُصِيبُ قَوْمَهُ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمِي يَوْمَ الرّدْمِ لَا يسوؤه ذَلِكَ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَهُ:
أَمَا إنّ ذَلِكَ لَمْ يَزِدْ قَوْمَك فِي الْإِسْلَامِ إلّا خَيْرًا.
وَاسْتَعْمَلَهُ النّبِيّ ﷺ عَلَى مُرَادَ وَزُبَيْدٍ وَمَذْحِجٍ كُلّهَا، وَبَعَثَ مَعَهُ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَى الصّدَقَةِ، فَكَانَ مَعَهُ فِي بِلَادِهِ حَتّى تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
[قُدُومُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ فِي أُنَاسٍ مِنْ بَنِي زُبَيْدٍ]
وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكرب فى أتاس مِنْ بَنِي زُبَيْدٍ، فَأَسْلَمَ؛ وَكَانَ عَمْرٌو قَدْ قَالَ لِقَيْسِ بْنِ مَكْشُوحٍ الْمُرَادِيّ، حِينَ انْتَهَى إلَيْهِمْ أَمْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: يَا قَيْسُ، إنّك سَيّدُ قَوْمِك، وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ مُحَمّدٌ قَدْ خَرَجَ بِالْحِجَازِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٠٧ ]
يَقُولُ إنّهُ نَبِيّ، فَانْطَلِقْ بِنّا إلَيْهِ حَتّى نَعْلَمَ عِلْمَهُ، فَإِنْ كَانَ نَبِيّا كَمَا يَقُولُ فَإِنّهُ لَنْ يَخْفَى عَلَيْك، وَإِذَا لَقَيْنَاهُ اتّبَعْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ عَلِمْنَا عِلْمَهُ، فَأَبَى عَلَيْهِ قَيْسٌ ذَلِكَ، وَسَفّهُ رَأْيَهُ، فَرَكِبَ عَمْرُو بن معديكرب حَتّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَسْلَمَ، وَصَدّقَهُ، وَآمَنَ بِهِ.
فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ قَيْسَ بْنَ مَكْشُوحٍ أَوْعَدَ عَمْرًا، وتحطّم عليه، وقال: خالفى وترك رأيى؛ فقال عمرو بن معديكرب فى ذلك:
أمرتك يوم ذى صنعاء أَمْرًا بَادِيًا رُشْدَهْ أَمَرْتُكَ بِاتّقَاءِ اللهِ وَالْمَعْرُوفِ تَتّعِدُهْ
خَرَجْتُ مِنْ الْمُنَى مِثْلَ الْحُمَيّرِ غَرّهُ وَتِدُهْ تَمُنّانِي عَلَى فَرَسٍ عَلَيْهِ جَالِسًا أُسْدُهْ
عَلَيّ مُفَاضَةٌ كَالنّهْيِ أَخَلَصَ مَاءَهُ جَدَدُهْ تَرُدّ الرّمْحَ مُنْثَنَى السّنَانِ عَوَائِرًا قِصَدُهْ
فَلَوْ لَاقَيْتَنِي لَلَقِيتُ لَيْثًا فَوْقَهُ لِبَدُهْ تُلَاقِي شَنْبَثًا شَثْنَ البرائن نَاشِزًا كَتَدُهْ
يُسَامَى الْقِرْنَ إنْ قِرْنٌ تَيَمّمُهُ فَيَعْتَضِدُهْ فَيَأْخُذُهُ فَيَرْفَعُهُ فَيَخْفِضُهُ فَيَقْتَصِدُهْ
فَيَدْمَغُهُ فَيَحْطِمُهُ فَيَخْضِمهُ فَيَزْدَرِدُهْ ظَلُومَ الشّرَكِ فِيمَا أَحْرَزَتْ أَنْيَابُهُ ويده
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٠٨ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ:
أَمَرْتُكَ يوم ذى صنعاء أَمْرًا بَيّنًا رُشْدُهُ أَمَرْتُكَ بِاتّقَاءِ اللهِ تَأْتِيهِ وتتّعده
فكنت كذى الحميّر غرّره ممّا به وتده
لم يعرف سائرها.
[ارتداده وشعره فى ذلك]
قال ابن إسحاق: فأقام عمرو بن معديكرب فى قومه من بنى زبيدة وعليهم فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ. فَلَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ارتدّ عمرو ابن معديكرب، وَقَالَ حِينَ ارْتَدّ:
وَجَدْنَا مُلْكَ فَرْوَةَ شَرّ مُلْكٍ حِمَارًا سَافَ مُنْخُرَهُ بِثَفْرِ
وَكُنْتَ إذَا رَأَيْتَ أَبَا عُمَيْرٍ تَرَى الْحُوَلَاءَ مِنْ خَبَثٍ وَغَدْرٍ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ «بِثَفْرِ» عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ.
[قُدُومُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ فِي وَفْدِ كِنْدَةَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الأشعث ابن قَيْسٍ فِي وَفْدِ كِنْدَةَ، فَحَدّثَنِي الزّهْرِيّ بْنُ شِهَابٍ أَنّهُ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي ثَمَانِينَ رَاكِبًا مِنْ كِنْدَةَ، فَدَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مسجده وقد رجّلوا جمعهم وَتَكَحّلُوا، وَعَلَيْهِمْ جُبَبُ الْحِبَرَةِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٠٩ ]
وَقَدْ كَفّفُوهَا بِالْحَرِيرِ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ:
أَلَمْ تسلموا؟ قالوا: بلى، قال: فمال بَالُ هَذَا الْحَرِيرِ فِي أَعْنَاقِكُمْ؟ قَالَ:
فَشَقّوهُ منها، فالقوه.
ثُمّ قَالَ لَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: يَا رَسُولَ اللهِ: نَحْنُ بَنُو آكِلِ الْمُرَارِ، وأنت ابن آكل الْمُرَارِ، قَالَ: فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَقَالَ:
نَاسَبُوا بِهَذَا النّسَبِ الْعَبّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَرَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ، وَكَانَ الْعَبّاسُ وَرَبِيعَةُ رَجُلَيْنِ، تَاجِرَيْنِ وَكَانَا إذَا شَاعَا فِي بَعْضِ الْعَرَبِ، فَسُئِلَا مِمّنْ هُمَا؟
قَالَا: نَحْنُ بَنُو آكِلِ الْمُرَارِ، يَتَعَزّزَانِ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنّ كِنْدَةَ كَانُوا مُلُوكًا.
ثُمّ قَالَ لَهُمْ: لَا، بَلْ نَحْنُ بَنُو النّضْر بن كنانة، لَا نَقْفُو أُمّنَا، وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا، فَقَالَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: هَلْ فَرَغْتُمْ يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ؟ وَاَللهِ لَا أَسْمَعُ رَجُلًا يَقُولُهَا إلّا ضَرَبْته ثمانين.
قال ابن هشام: الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: هَلْ فَرَغْتُمْ يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ؟ وَاَللهِ لَا أَسْمَعُ رَجُلًا يَقُولُهَا إلّا ضربته ثمانين.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ مِنْ وَلَد آكِلِ الْمُرَارِ مِنْ قِبَلِ النّسَاءِ، وَآكِلُ الْمُرَارِ: الْحَارِثُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُجْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ ثَوْرِ بْنِ مُرَتّعِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ كِنْدِيّ، وَيُقَالُ كِنْدَةَ، وَإِنّمَا سُمّيَ آكِلَ الْمُرَارِ، لِأَنّ عَمْرَو بْنَ الْهَبُولَةِ الْغَسّانِيّ أَغَارَ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ الْحَارِثُ غَائِبًا، فَغَنِمَ وَسَبَى، وَكَانَ فِيمَنْ سَبَى أُمّ أُنَاسَ بِنْتُ عَوْفِ بْنِ مُحَلّمٍ الشّيْبَانِيّ، امْرَأَةُ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو، فَقَالَتْ لِعَمْرِو فِي مَسِيرِهِ: لَكَأَنّي بِرَجُلِ أَدْلَمْ أَسْوَدَ، كَأَنّ مَشَافِرَهُ مَشَافِرُ بَعِيرِ آكِلِ مُرَارٍ قَدْ أَخَذَ بِرِقْبَتِك، تَعْنِي: الْحَارِثَ، فَسُمّيَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤١٠ ]
آكِلَ الْمُرَارِ، وَالْمُرَارُ: شَجَرٌ. ثُمّ تَبِعَهُ الْحَارِثُ فِي بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَلَحِقَهُ، فَقَتَلَهُ، وَاسْتَنْقَذَ امْرَأَتَهُ، وَمَا كَانَ أَصَابَ. فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلّزَةَ الْيَشْكُرِيّ لِعَمْرِو بْنِ الْمُنْذِرِ وَهُوَ عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ اللّخْمِيّ:
وَأَقَدْنَاكَ رَبّ غَسّانَ بِالْمُنْذِرِ كَرْهًا إذْ لَا تُكَالُ الدّمَاءُ
لِأَنّ الْحَارِثَ الْأَعْرَجَ الْغَسّانِيّ قَتَلَ الْمُنْذِرُ أَبَاهُ، وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ أَطْوَلُ مما ذكرت، وإنما منعني من استقصائه ما ذَكَرْت مِنْ الْقَطْعِ. وَيُقَالُ بَلْ آكِلُ الْمُرَارِ: حُجْرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ صَاحِبُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَإِنّمَا سُمّيَ آكِلَ الْمُرَارِ، لِأَنّهُ أَكَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ شَجَرًا يقال له المرار.
[قدوم صرد بن عبد الله الأزدى]
[إسلامه]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَزْدِيّ، فَأَسْلَمَ، وَحَسُنَ إسْلَامُهُ، فِي وَفْدٍ مِنْ الْأَزْدِ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ. وأمره أَنْ يُجَاهِدَ بِمَنْ أَسْلَمَ مَنْ كَانَ يَلِيهِ من أهل الشرك، من قبل اليمن.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤١١ ]
[قتاله أهل جرش]
فَخَرَجَ صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يَسِيرُ بِأَمْرِ رسول الله ﷺ، حتى نَزَلَ بِجُرَشَ، وَهِيَ يَوْمئِذٍ مَدِينَةٌ مُعَلّقَةٌ، وَبِهَا قَبَائِلُ مِنْ قَبَائِلِ الْيَمَنِ، وَقَدْ ضَوَتْ إلَيْهِمْ خَثْعَمُ، فَدَخَلُوهَا مَعَهُمْ حِينَ سَمِعُوا بِسَيْرِ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ، فَحَاصَرُوهُمْ فِيهَا قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ، وَامْتَنَعُوا فِيهَا مِنْهُ، ثُمّ إنّهُ رَجَعَ عَنْهُمْ قَافِلًا، حَتّى إذَا كَانَ إلَى جَبَلٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ شَكْرُ، ظَنّ أَهْلُ جُرَشَ أَنّهُ إنّمَا وَلّى عَنْهُمْ مُنْهَزِمًا، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ، حَتّى إذَا أَدْرَكُوهُ عَطَفَ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلَهُمْ قَتْلًا شَدِيدًا.
[إخْبَارُ الرّسُولِ وَافِدِي جُرَشَ بِمَا حَدّثَ لِقَوْمِهَا]
وَقَدْ كَانَ أَهْلُ جَرْش بَعَثُوا رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بالمدينة يرتادان وينظران؛ فبيناهما عند رسول الله ﷺ عَشِيّةً بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، إذْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِأَيّ بِلَادِ اللهِ شَكْرُ؟ فَقَامَ إلَيْهِ الْجُرَشِيّانِ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، بِبِلَادِنَا جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ كَشْرُ؛ وَكَذَلِكَ يُسَمّيهِ أَهْلُ جُرَشَ، فَقَالَ: إنّهُ لَيْسَ بِكَشْرَ، وَلَكِنّهُ شَكْرُ؛ قَالَا: فَمَا شَأْنُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: إنّ بُدْنَ اللهِ لَتُنْحَرُ عِنْدَهُ الْآنَ، قَالَ: فَجَلَسَ الرّجُلَانِ إلَى أَبِي بَكْرٍ أَوْ إلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ لَهُمَا: وَيْحَكُمَا! أن رسول الله ﷺ لَيَنْعَى لَكُمَا قَوْمكُمَا، فَقُومَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَاسْأَلَاهُ أَنْ يَدْعُوَ اللهَ أَنْ يَرْفَعَ عَنْ قَوْمِكُمَا؛ فَقَامَا إلَيْهِ، فَسَأَلَاهُ ذَلِكَ، فَقَالَ:
اللهُمّ ارْفَعْ عَنْهُمْ، فَخَرَجَا من عند رسول الله ﷺ راجعين
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤١٢ ]
إلَى قَوْمِهِمَا، فَوَجَدَا قَوْمَهُمَا قَدْ أُصِيبُوا يَوْمَ أَصَابَهُمْ صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فِي الْيَوْمِ الّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا قَالَ، وَفِي السّاعَةِ الّتِي ذكر فيها ما ذكر.
[إسْلَامُ أَهْلِ جُرَشَ]
وَخَرَجَ وَفْدُ جُرَشَ حَتّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فأسلموا، وحمى لهم حَوْلَ قَرْيَتِهِمْ، عَلَى أَعْلَامٍ مَعْلُومَةٍ، لِلْفَرَسِ وَالرّاحِلَةِ وَلِلْمُثِيرَةِ، بَقَرَةُ الْحَرْثِ، فَمَنْ رَعَاهُ مِنْ النّاسِ فَمَا لَهُمْ سُحْتٌ. فَقَالَ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ رَجُلٌ مِنْ الْأَزْدِ: وَكَانَتْ خَثْعَمُ تُصِيبُ مِنْ الْأَزْدِ فِي الْجَاهِلِيّةِ، وَكَانُوا يَعْدُونَ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ:
يَا غَزْوَةً مَا غَزَوْنَا غَيْرَ خَائِبَةٍ فِيهَا الْبِغَالُ وَفِيهَا الْخَيْلُ وَالْحُمُرُ
حَتّى أَتَيْنَا حُمَيْرًا فِي مَصَانِعِهَا وَجَمْعَ خَثْعَمَ قَدْ شَاعَتْ لَهَا النّذُرُ
إذَا وَضَعَتْ غَلِيلًا كُنْتُ أَحْمِلُهُ فَمَا أُبَالِي أَدَانُوا بَعْدُ أَمْ كَفَرُوا
[قدوم رسول ملوك حمير]
وقدم عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كِتَابُ مُلُوكِ حِمْيَرَ، مَقْدَمَهُ مِنْ تَبُوكَ، وَرَسُولُهُمْ إلَيْهِ بِإِسْلَامِهِمْ، الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ كُلَالٍ، ونعيم ابن عَبْدِ كُلَالٍ. وَالنّعْمَانُ قَيْلُ ذِي رُعَيْنٍ وَمَعَافِرَ وهمدان؛ وبعث إليه زرعة ذو يزن مالك بن مرّة الرّهاوى بإسلامهم، ومفارقتهم الشرك وأهله.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤١٣ ]
[كتاب الرسول إليهم]
فَكَتَبَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ: مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ الله النبى، إلى الحارث ابن عَبْدِ كُلَالٍ، وَإِلَى نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، وَإِلَى النّعْمَانِ، قَيْلِ ذِي رُعَيْنٍ وَمَعَافِرَ وَهَمْدَانَ. أَمّا بَعْدُ ذَلِكُمْ، فَإِنّي أَحْمَدُ إلَيْكُمْ اللهَ الّذِي لَا إلَهَ إلّا هُوَ، أَمّا بَعْدُ، فإنه قد وقع بنا رسولكم منقلبنا من أرض الروم، فلقينا بالمدينة، فبلّغ ما أرسلتم به، وخبّرنا مَا قَبْلَكُمْ، وَأَنْبَأْنَا بِإِسْلَامِكُمْ وَقَتْلِكُمْ الْمُشْرِكِينَ، وَأَنّ اللهَ قَدْ هَدَاكُمْ بِهُدَاهُ، إنْ أَصْلَحْتُمْ وَأَطَعْتُمْ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَأَقَمْتُمْ الصّلَاةَ، وَآتَيْتُمْ الزّكَاةَ، وَأَعْطَيْتُمْ مِنْ الْمَغَانِمِ خُمُسَ اللهِ، وَسَهْمَ الرّسُولِ وَصَفِيّهُ، وَمَا كُتِبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الصّدَقَةِ مِنْ الْعَقَارِ، عُشْرَ مَا سَقَتْ الْعَيْنُ وَسَقَتْ السّمَاءُ، وَعَلَى مَا سَقَى الْغَرْبُ نِصْفُ الْعُشْرِ: وَأَنّ فِي الْإِبِلِ الْأَرْبَعِينَ ابْنَةَ لَبُونٍ، وَفِي ثَلَاثِينَ مِنْ الْإِبِلِ ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٍ، وَفِي كُلّ خُمُسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاةٌ، وَفِي كُلّ عَشْرٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاتَانِ، وَفِي كُلّ أَرْبَعِينَ مِنْ الْبَقَرِ بَقَرَةٌ؛ وَفِي كُلّ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ تَبِيعٌ، جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ؛ وَفِي كُلّ أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ سَائِمَةٌ وَحْدَهَا، شَاةٌ، وَأَنّهَا فَرِيضَةُ اللهِ الّتِي فَرَضَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقَةِ؛ فَمَنْ زَادَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَمَنْ أَدّى ذَلِكَ وَأَشْهَدَ عَلَى إسْلَامِهِ، وَظَاهَرَ الْمُؤْمِنِينَ على المشركين، فإنه من المؤمنين، له سالهم، وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَلَهُ ذِمّةُ اللهِ وَذِمّةُ رَسُولِهِ، وَإِنّهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيّ أَوْ نَصْرَانِيّ، فَإِنّهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، لَهُ مَا لَهُمْ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ؛
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤١٤ ]
وَمَنْ كَانَ عَلَى يَهُودِيّتِهِ أَوْ نَصْرَانِيّتِهِ فَإِنّهُ لَا يُرَدّ عَنْهَا، وَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، عَلَى كُلّ حَالٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرّ أَوْ عَبْدٍ، دِينَارٌ وَافٍ، مِنْ قِيمَةِ الْمَعَافِرِ أَوْ عِوَضُهُ ثِيَابًا، فَمَنْ أَدّى ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَإِنّ لَهُ ذِمّةُ اللهِ وَذِمّةُ رَسُولِهِ، وَمَنْ مَنَعَهُ فَإِنّهُ عَدُوّ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ. أَمّا بَعْدُ، فَإِنّ رَسُولَ اللهِ مُحَمّدًا النّبِيّ أَرْسَلَ إلَى زُرْعَةَ ذِي يَزَنٍ أَنْ إذَا أَتَاكُمْ رُسُلِي فَأُوصِيكُمْ بِهِمْ خَيْرًا: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ، وَمَالِكُ بْنُ عُبَادَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ نَمِرٍ. وَمَالِكُ بن مرّة، وأصحابهم وَأَنْ اجْمَعُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنْ الصّدَقَةِ وَالْجِزْيَةِ مِنْ مُخَالِيفِكُمْ، وَأَبْلِغُوهَا رُسُلِي، وَأَنّ أَمِيرَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَا يَنْقَلِبَنّ إلّا رَاضِيًا. أَمّا بَعْدُ. فَإِنّ مُحَمّدًا يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَأَنّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمّ إنّ مَالِكَ بْنَ مُرّةَ الرّهَاوِيّ قَدْ حَدّثَنِي أَنّك أَسْلَمْتَ مِنْ أَوّلِ حِمْيَرَ، وَقَتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَبْشِرْ بِخَيْرِ وَآمُرُك بِحِمْيَرَ خَيْرًا، وَلَا تَخُونُوا وَلَا تَخَاذَلُوا، فَإِنّ رَسُولَ اللهِ هُوَ وَلِيّ غَنِيّكُمْ وَفَقِيرِكُمْ، وَأَنّ الصّدَقَةَ لَا تَحِلّ لِمُحَمّدِ وَلَا لِأَهْلِ بَيْتِهِ، إنّمَا هِيَ زَكَاةٌ يُزَكّى بِهَا عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَابْنِ السّبِيلِ، وَأَنّ مَالِكًا قَدْ بَلّغَ الْخَبَرَ، وَحَفِظَ الْغَيْبَ، وَآمُرُكُمْ بِهِ خَيْرًا، وَإِنّي قَدْ أَرْسَلْتُ إلَيْكُمْ مِنْ صَالِحِي أَهْلِي وَأُولِي دِينِهِمْ وَأُولِي عِلْمِهِمْ، وَآمُرُك بِهِمْ خَيْرًا، فَإِنّهُمْ مَنْظُورٌ إلَيْهِمْ، وَالسّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله وبركاته.
[وَصِيّةُ الرّسُولِ مُعَاذًا حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ]
[بعث الرسول معاذا على اليمن وشىء من أمره بها]
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أَبِي بَكْرٍ أَنّهُ حُدّثَ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ بَعَثَ مُعَاذًا، أَوْصَاهُ وَعَهِدَ إلَيْهِ، ثُمّ قَالَ لَهُ: يَسّرْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤١٥ ]
وَلَا تُعَسّرْ، وَبَشّرْ وَلَا تُنَفّرْ، وَإِنّك سَتَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، يَسْأَلُونَك مَا مِفْتَاحُ الْجَنّةِ؛ فَقُلْ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ: فَخَرَجَ مُعَاذٌ، حَتّى إذَا قَدِمَ الْيَمَنَ قَامَ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالَتْ: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ، مَا حَقّ زَوْجِ الْمَرْأَةِ عَلَيْهَا؟ قَالَ: وَيْحَك! إنّ الْمَرْأَةَ لَا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تُؤَدّيَ حَقّ زَوْجِهَا، فَأَجْهِدِي نَفْسَك فِي أَدَاءِ حَقّهِ مَا اسْتَطَعْت، قَالَتْ: وَاَللهِ لَئِنْ كُنْت صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إنّك لَتَعْلَمُ مَا حَقّ الزّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ. قَالَ: وَيْحَك! لَوْ رَجَعْت إلَيْهِ فَوَجَدْته تَنْثَعِبُ مَنْخِرَاهُ قَيْحًا وَدَمًا، فَمَصَصْت ذَلِكَ حَتّى تُذْهِبِيهِ مَا أَدّيْت حَقّهُ.
[إسلام فروة بن عمرو الجذامى]
[إسلامه]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَعَثَ فَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو النّافِرَةَ الْجُذَامِيّ، ثُمّ النّفَاثِيّ، إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ رَسُولًا بِإِسْلَامِهِ، وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَانَ فَرْوَةُ عَامِلًا لِلرّومِ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ الْعَرَبِ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ معان وما حولها من أرض الشام.
[حبس الروم له وشعره فى محبسه]
فَلَمّا بَلَغَ الرّومَ ذَلِكَ مِنْ إسْلَامِهِ، طَلَبُوهُ حَتّى أَخَذُوهُ، فَحَبَسُوهُ عِنْدَهُمْ، فَقَالَ فِي مَحْبِسِهِ ذلك:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤١٦ ]
طَرَقَتْ سُلَيْمَى مَوْهِنًا أَصْحَابِي وَالرّومُ بَيْنَ الْبَابِ وَالْقِرْوَانِ
صَدّ الْخَيّالُ وَسَاءَهُ مَا قَدْ رَأَى وَهَمَمْتُ أَنْ أُغْفِي وَقَدْ أَبْكَانِي
لَا تَكْحَلِنّ الْعَيْنَ بَعْدِي إثْمِدًا سَلْمَى وَلَا تَدِيَنّ لِلْإِتْيَانِ
وَلَقَدْ عَلِمْتَ أَبَا كُبَيْشَةَ أَنّنِي وَسْطَ الْأَعِزّةِ لَا يُحَصْ لِسَانِي
فَلَئِنْ هَلَكْتُ لَتَفْقِدُنّ أَخَاكُمْ وَلَئِنْ بَقِيتُ لَتَعْرِفُنّ مَكَانِي
وَلَقَدْ جَمَعْتُ أَجَلّ مَا جَمَعَ الْفَتَى مِنْ جَوْدَةٍ وَشَجَاعَةٍ وَبَيَانِ
فَلَمّا أَجَمَعَتْ الرّومُ لِصَلْبِهِ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ، يقال له عفراء بفلسطين، قال:
أَلَا هَلْ أَتَى سَلْمَى بِأَنّ حَلِيلَهَا عَلَى مَاءِ عَفْرَا فَوْقَ إحْدَى الرّوَاحِلِ
عَلَى نَاقَةٍ لَمْ يَضْرِبْ الْفَحْلُ أُمّهَا مُشّذّبَةٌ أَطْرَافُهَا بِالْمَنَاجِلِ
[مقتله]
فزعم الزهرىّ بن شِهَابٍ، أَنّهُمْ لَمّا قَدّمُوهُ لِيَقْتُلُوهُ. قَالَ:
بَلّغْ سَرَاةَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنّنِي سَلْمٌ لِرَبّي أَعْظُمِي وَمَقَامِي
ثُمّ ضَرَبُوا عُنُقَهُ، وَصَلَبُوهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ، يَرْحَمُهُ اللهُ تَعَالَى.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤١٧ ]
[إسْلَامُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ عَلَى يَدَيْ خالد بن الوليد لما سار إليهم]
[دعوة خالد الناس إلى الإسلام وإسلامهم]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خالد بن الوليد فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ أَوْ جُمَادَى الْأُولَى، سَنَةَ عَشْرٍ، إلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ بِنَجْرَانَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ ثَلَاثًا، فَإِنْ اسْتَجَابُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَقَاتِلِهِمْ. فَخَرَجَ خَالِدٌ حَتّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَبَعَثَ الرّكْبَانُ يَضْرِبُونَ فِي كُلّ وَجْهٍ، وَيَدْعُونَ إلَى الْإِسْلَامِ، وَيَقُولُونَ:
أَيّهَا النّاسُ، أَسْلِمُوا تُسْلَمُوا. فَأَسْلَمَ النّاسُ، وَدَخَلُوا فِيمَا دُعُوا إلَيْهِ، فَأَقَامَ فِيهِمْ خَالِدٌ يُعَلّمُهُمْ الْإِسْلَامَ وَكِتَابَ اللهِ وَسُنّةَ نَبِيّهِ ﷺ، وَبِذَلِكَ كَانَ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إنْ هُمْ أَسْلَمُوا وَلَمْ يُقَاتِلُوا.
ثم كَتَبَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، السّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَإِنّي أَحْمَدُ إلَيْك اللهَ الّذِي لَا إلَهَ إلّا هُوَ، أَمّا بَعْدُ، يَا رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْك، فَإِنّك بَعَثْتنِي إلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، وَأَمَرْتنِي إذَا أَتَيْتهمْ أَلّا أُقَاتِلَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ، وَأَنْ أَدْعُوَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَسْلَمُوا أَقَمْت فِيهِمْ، وَقَبِلْت مِنْهُمْ، وَعَلّمْتهمْ مَعَالِمَ الْإِسْلَامِ وَكِتَابَ اللهِ وَسُنّةَ نَبِيّهِ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا قَاتَلْتهمْ. وَإِنّي قَدِمْت عَلَيْهِمْ فَدَعَوْتهمْ إلَى الْإِسْلَامِ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ، كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ، وبعثت
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤١٨ ]
فِيهِمْ رُكْبَانًا، قَالُوا: يَا بَنِي الْحَارِثِ، أَسَلِمُوا تُسْلَمُوا، فَأَسْلَمُوا وَلَمْ يُقَاتِلُوا، وَأَنَا مُقِيمٌ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، آمُرُهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ اللهُ بِهِ وَأَنْهَاهُمْ عَمّا نَهَاهُمْ اللهُ عَنْهُ، وَأُعَلّمُهُمْ مَعَالِمَ الْإِسْلَامِ وَسُنّةَ النّبِيّ ﷺ حَتّى يَكْتُبَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَالسّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
[كِتَابُ الرّسُولِ إلَى خَالِدٍ يَأْمُرُهُ بِالْمَجِيءِ]
فَكَتَبَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ: مِنْ مُحَمّدٍ النّبِيّ رَسُولِ اللهِ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ.
سَلَامٌ عَلَيْك، فَإِنّي أَحْمَدُ إلَيْك اللهَ الّذِي لَا إلَهَ إلّا هُوَ. أَمّا بَعْدُ، فَإِنّ كِتَابَك جَاءَنِي مَعَ رَسُولِك تُخْبِرُ أَنّ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ قَدْ أَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ تُقَاتِلَهُمْ، وَأَجَابُوا إلَى مَا دَعَوْتهمْ إلَيْهِ مِنْ الْإِسْلَامِ، وَشَهِدُوا أَنْ لَا إلَه إلّا اللهُ، وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ قَدْ هَدَاهُمْ اللهُ بِهُدَاهُ، فَبَشّرْهُمْ وَأَنْذِرْهُمْ، وَأَقْبِلْ وَلْيُقْبِلْ مَعَك وفدهم، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
[قدوم خالد مع وفدهم على الرسول]
فَأَقْبَلَ خَالِدٌ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَقْبَلَ مَعَهُ وَفْدُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، مِنْهُمْ قَيْسُ بْنُ الْحُصَيْنِ ذِي الْغُصّةِ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ، وَيَزِيدُ بْنُ المحجّل، وعبد الله بن قرد الزّيَادِيّ؛ وَشَدّادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْقَنَانِيّ، وَعَمْرُو بن عبد الله الضبابى.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤١٩ ]
[حديث وفدهم مع الرسول]
فلما قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَآهُمْ، قَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الّذِينَ كَأَنّهُمْ رِجَالُ الْهِنْدِ؟ قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، هؤلاء رجال بنى الحارث ابن كَعْبٍ؛ فَلَمّا وَقَفُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ سَلّمُوا عَلَيْهِ، وَقَالُوا:
نَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللهِ، وَأَنّهُ لَا إلَهَ إلّا اللهُ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَأَنّي رَسُولُ اللهِ، ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَنْتُمْ الّذِينَ إذَا زُجِرُوا اُسْتُقْدِمُوا؟ فَسَكَتُوا، فَلَمْ يُرَاجِعْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، ثُمّ أَعَادَهَا الثّانِيَةَ، فَلَمْ يُرَاجِعْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، ثُمّ أَعَادَهَا الثّالِثَةَ، فَلَمْ يُرَاجِعْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، ثُمّ أَعَادَهَا الرّابِعَةَ، فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ، نَحْنُ الّذِينَ إذَا زُجِرُوا اُسْتُقْدِمُوا، قَالَهَا أَرْبَعَ مِرَارٍ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَوْ أَنّ خَالِدًا لَمْ يَكْتُبْ إلَيّ أَنّكُمْ أسلمتم ولم نقاتلوا، لألقيت رؤسكم تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ؛ فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ: أَمَا وَاَللهِ مَا حَمِدْنَاك وَلَا حَمِدْنَا خَالِدًا، قَالَ: فَمَنْ حَمِدْتُمْ؟ قَالُوا: حَمِدْنَا اللهَ ﷿ الّذِي هَدَانَا بِك يَا رَسُولَ اللهِ؛ قَالَ: صَدَقْتُمْ. ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
بِمَ كُنْتُمْ تَغْلِبُونَ مَنْ قَاتَلَكُمْ فِي الْجَاهِلِيّةِ؟ قَالُوا: لَمْ نَكُنْ نَغْلِبُ أَحَدًا؛ قَالَ:
بَلَى، قَدْ كُنْتُمْ تَغْلِبُونَ مَنْ قَاتَلَكُمْ؛ قَالُوا: كُنّا نَغْلِبُ مَنْ قَاتَلَنَا يَا رَسُولَ اللهِ إنّا كُنّا نَجْتَمِعُ وَلَا نَفْتَرِقُ، وَلَا نَبْدَأُ أَحَدًا بِظُلْمِ؛ قَالَ: صَدَقْتُمْ، وَأَمّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ على بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ قَيْسَ بْنَ الْحُصَيْنِ.
فَرَجَعَ وَفْدُ بَنِي الْحَارِثِ إلَى قَوْمِهِمْ فِي بَقِيّةٍ مِنْ شَوّالٍ، أَوْ فِي صَدْرِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٢٠ ]
ذِي الْقَعَدَةِ، فَلَمْ يَمْكُثُوا بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا إلَى قَوْمِهِمْ إلّا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، حَتّى تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَرَحِمَ وبارك، ورضى وأنعم.
[بعث الرسول عمرو بن حزم بعهده إليهم]
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعَثَ إلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ وَلّى وَفْدُهُمْ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ، لِيُفَقّهَهُمْ فِي الدّينِ، وَيُعَلّمَهُمْ السّنّةَ وَمَعَالِمَ الْإِسْلَامِ، وَيَأْخُذُ مِنْهُمْ صَدَقَاتِهِمْ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا عَهِدَ إلَيْهِ فِيهِ عَهْدَهُ، وَأَمَرَهُ فِيهِ بِأَمْرِهِ.
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ: هَذَا بيان من الله ورسوله، يا أيها الّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، عَهْدٌ مِنْ مُحَمّدٍ النّبِيّ رَسُولِ اللهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ، أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللهِ فِي أَمْرِهِ كُلّهِ، فَإِنّ اللهَ مَعَ الّذِينَ اتّقَوْا وَاَلّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْحَقّ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، وَأَنْ يُبَشّرَ النّاسَ بِالْخَيْرِ، وَيَأْمُرَهُمْ بِهِ، وَيُعَلّمَ النّاسَ الْقُرْآنَ، وَيُفَقّهَهُمْ فِيهِ، وَيَنْهَى النّاسَ، فَلَا يَمَسّ الْقُرْآنَ إنْسَانٌ إلّا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذى لهم، والدى عليهم، ويلين للنّاس فى الحقّ، ويشدّ عَلَيْهِمْ فِي الظّلْمِ، فَإِنّ اللهَ كَرِهَ الظّلْمَ، وَنَهَى عَنْهُ، فَقَالَ: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، وَيُبَشّرَ النّاسَ بِالْجَنّةِ وَبِعَمَلِهَا، وَيُنْذِرَ النّاسَ النّارَ وَعَمَلَهَا، وَيَسْتَأْلِفَ النّاسَ حَتّى يُفَقّهُوا فِي الدّينِ، وَيُعَلّمَ النّاسَ مَعَالِمَ الْحَجّ وَسُنّتَهُ وَفَرِيضَتَهُ، وَمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ، وَالْحَجّ الْأَكْبَرَ: الْحَجّ الْأَكْبَرَ، وَالْحَجّ الْأَصْغَرَ:
هُوَ الْعُمْرَةُ؛ وَيَنْهَى النّاسَ أَنْ يُصَلّيَ أَحَدٌ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ صَغِيرٍ، إلّا أَنْ يَكُونَ ثَوْبًا يُثْنِي طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِيهِ؛ وينهى النّاسَ أن يَحْتَبِيَ أَحَدٌ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يُفْضِي بِفَرْجِهِ إلَى السّمَاءِ، وَيَنْهَى أَنْ يُعَقّصَ أَحَدٌ شَعَرَ رَأْسِهِ فِي قَفَاهُ، وَيَنْهَى إذَا كَانَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٢١ ]
بَيْنَ النّاسِ هَيْجٌ عَنْ الدّعَاءِ إلَى الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ، وَلْيَكُنْ دَعَوَاهُمْ إلَى اللهِ ﷿ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَمَنْ لَمْ يَدْعُ إلَى اللهِ، وَدَعَا إلَى الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ فَلْيُقْطَفُوا بِالسّيْفِ، حَتّى تَكُونَ دَعْوَاهُمْ إلَى اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَيَأْمُرُ النّاسَ بِإِسْبَاغِ الْوُضُوءِ وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَأَرْجُلَهُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ ويمسحون برؤسهم كَمَا أَمَرَهُمْ اللهُ، وَأَمَرَ بِالصّلَاةِ لِوَقْتِهَا، وَإِتْمَامِ الرّكُوعِ وَالسّجُودِ وَالْخُشُوعِ، وَيُغَلّسُ بِالصّبْحِ، وَيُهَجّرُ بِالْهَاجِرَةِ حِينَ تَمِيلُ الشّمْسُ، وَصَلَاةُ الْعَصْرِ وَالشّمْسُ فِي الْأَرْضِ مُدْبِرَةٌ، وَالْمَغْرِبُ حِينَ يَقْبَلُ اللّيْلُ، لَا يُؤَخّرُ حَتّى تَبْدُوَ النّجُومُ فِي السّمَاءِ، وَالْعِشَاءُ أَوّلُ اللّيْلِ، وَأَمَرَ بِالسّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ إذَا نُودِيَ لَهَا، وَالْغُسْلِ عِنْدَ الرّوَاحِ إلَيْهَا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمَغَانِمِ خُمُسَ اللهِ، وَمَا كُتِبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقَةِ مِنْ الْعَقَارِ عُشْرَ مَا سَقَتْ الْعَيْنُ وَسَقَتْ السّمَاءُ، وَعَلَى مَا سَقَى الْغَرْبُ نِصْفَ الْعُشْرِ، وَفِي كُلّ عَشْرٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاتَانِ، وَفِي كُلّ عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي كُلّ أَرْبَعِينَ مِنْ الْبَقَرِ بَقَرَةٌ، وَفِي كُلّ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ تَبِيعٌ جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ، وَفِي كُلّ أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ سَائِمَةٌ وَحْدَهَا: شَاةٌ، فَإِنّهَا فَرِيضَةُ اللهِ الّتِي افْتَرَضَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقَةِ، فَمَنْ زَادَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَأَنّهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيّ أَوْ نَصْرَانِيّ إسْلَامًا خَالِصًا مِنْ نَفْسِهِ، وَدَانَ بِدِينِ الْإِسْلَامِ، فَإِنّهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، لَهُ مِثْلُ مَا لَهُمْ، وَعَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنْ كَانَ عَلَى نَصْرَانِيّتِهِ أَوْ يَهُودِيّتِهِ فَإِنّهُ لَا يُرَدّ عَنْهَا، وَعَلَى كُلّ حَالِمٍ: ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرّ أَوْ عَبْدٍ، دِينَارٌ وَافٍ أَوْ عِوَضُهُ ثِيَابًا.
فَمَنْ أَدّى ذَلِكَ فَإِنّ لَهُ ذِمّةَ اللهِ وَذِمّةَ رَسُولِهِ، وَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ، فَإِنّهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٢٢ ]
عَدُوّ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَى مُحَمّدٍ، وَالسّلَامُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
[قدوم رفاعة بن زيد الجذامى]
[إسلامه وحمله كتاب الرسول إلى قومه]
وقدم عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، قَبْلَ خَيْبَرَ، رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ الْجُذَامِيّ ثُمّ الضّبَيْبِيّ، فَأَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ غُلَامًا، وَأَسْلَمَ، فَحَسُنَ إسْلَامُهُ، وَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ كِتَابًا إلَى قَوْمِهِ. وَفِي كِتَابِهِ: بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللهِ، لِرِفَاعَةِ بْنِ زَيْدٍ. إنّي بَعَثْته إلَى قَوْمِهِ عَامّةً، وَمَنْ دَخَلَ فِيهِمْ، يَدْعُوهُمْ إلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَمَنْ أَقْبَلَ مِنْهُمْ فَفِي حِزْبِ اللهِ وَحِزْبِ رَسُولِهِ، وَمَنْ أَدْبَرَ فَلَهُ أَمَانُ شَهْرَيْنِ.
فَلَمّا قَدِمَ رِفَاعَةُ عَلَى قَوْمِهِ أَجَابُوا وَأَسْلَمُوا، ثُمّ سَارُوا إلَى الْحَرّةِ: حَرّةِ الرّجْلَاءِ. وَنَزَلُوهَا.
[قُدُومُ وَفْدِ همدان]
[أسماؤهم وكلمة ابن نمط بين يدى الرسول]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَدِمَ وَفْدُ هَمْدَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فيما حدثنى من أثق به، عن عمرو بن عبد الله بن أذينة الْعَبْدِيّ، عَنْ أَبِي إسْحَاقَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٢٣ ]
السّبِيعِيّ، قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ هَمْدَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- مِنْهُمْ: مَالِكُ بْنُ نَمَطٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَهُوَ ذُو الْمِشْعَارِ، وَمَالِكُ بْنُ أَيْفَعَ وَضِمَامُ بْنُ مَالِكٍ السّلْمَانِيّ وَعَمِيرَةُ بْنُ مَالِكٍ الْخَارِفِيّ، فَلُقُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرْجِعَهُ مِنْ تَبُوكَ وَعَلَيْهِمْ مُقَطّعَاتُ الْحِبَرَاتِ. وَالْعَمَائِمُ الْعَدَنِيّةُ؛ بِرِحَالِ الْمَيْسِ عَلَى الْمَهْرِيّة وَالْأَرْحَبِيّة وَمَالِكِ بْنِ نَمَطٍ وَرَجُلٍ آخَرَ يَرْتَجِزَانِ بِالْقَوْمِ، يَقُولُ أَحَدُهُمَا:
هَمْدَانُ خَيْرٌ سُوقَةً وَأَقْيَالْ لَيْسَ لَهَا فِي الْعَالَمِينَ أَمْثَالْ
مَحَلّهَا الْهَضْبُ وَمِنْهَا الْأَبْطَالْ لَهَا إطَابَاتٌ بِهَا وَآكَالْ
وَيَقُولُ الْآخَرُ:
إلَيْكَ جَاوَزْنَ سَوَادَ الرّيفِ فِي هَبَوَاتِ الصّيْفِ وَالْخَرِيفِ
مُخَطّمَاتٍ بِحِبَالِ اللّيفِ
فَقَامَ مَالِكُ بْنُ نَمَطٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَصّيةٌ مِنْ هَمْدَانَ، مِنْ كُلّ حَاضِرٍ وَبَادٍ، أَتَوْك عَلَى قُلُصٍ نَوَاجٍ، متّصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم فى الله لومة لَائِمٍ، مِنْ مِخْلَافِ خَارِفٍ وَيَام وَشَاكِرٍ أَهْلُ السّود والقود، أجابوا دعوة الرسول، وفارقوا آلهات الْأَنْصَابَ عَهْدُهُمْ لَا يُنْقَضُ مَا أَقَامَتْ لَعْلَعٌ، وما جرى اليعفور بصلّع.
[فَكَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ كتابا فيه:]
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ. هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ مُحَمّدٍ، لِمِخْلَافِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٢٤ ]
خَارِفٍ وَأَهْلِ جَنَابِ الْهَضْبِ وَحِقَافِ الرّمْلِ، مَعَ وفدها ذى المشعار مالك ابن نَمَطٍ وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ، عَلَى أَنّ لَهُمْ فِرَاعَهَا وَوِهَاطَهَا، مَا أَقَامُوا الصّلَاةَ وَآتَوْا الزّكَاةَ، يَأْكُلُونَ عِلَافَهَا وَيَرْعُونَ عَافِيَهَا، لَهُمْ بِذَلِكَ عَهْدُ اللهِ وَذِمَامُ رَسُولِهِ، وَشَاهِدُهُمْ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ. فقال فى ذلك مالك بن نمط:
ذكرت رسول الله فى فحمة الدّحى وَنَحْنُ بِأَعْلَى رَحْرَحَانَ وَصَلْدَدِ
وَهُنّ بِنَا خُوصٌ طلائح تعتلى بِرُكْبَانِهَا فِي لَاحِبٍ مُتَمَدّدِ
عَلَى كُلّ فَتْلَاءِ الذّراعين جسرة تمرّ بنا مرّ الهجفّ الخفيدد
حَلَفْتُ بِرَبّ الرّاقِصَاتِ إلَى مِنًى صَوَادِرَ بِالرّكْبَانِ مِنْ هَضْبِ قَرْدَدِ
بِأَنّ رَسُولَ اللهِ فِينَا مُصَدّقُ رَسُولٌ أَتَى مِنْ عِنْدِ ذِي الْعَرْشِ مُهْتَدِي
فَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا أَشَدّ عَلَى أَعْدَائِهِ مِنْ مُحَمّدِ
وَأَعْطَى إذَا مَا طَالِبُ الْعُرْفِ جَاءَهُ وَأَمْضَى بِحَدّ الْمَشْرَفِيّ الْمُهَنّدِ
[ذِكْرُ الْكَذّابَينَ مُسَيْلِمَةَ الْحَنَفِيّ وَالْأَسْوَدِ الْعَنْسِيّ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ تَكَلّمَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْكَذّابَانِ مسيلمة بن حبيب باليمامة فى حنيفة، والأسود بن كعب العنسى بصنعاء.
[رؤيا الرسول فيهما]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٢٥ ]
أَوْ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ النّاسَ عَلَى مِنْبَرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَيّهَا النّاسُ، إنّي قَدْ رَأَيْت لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمّ أُنْسِيتهَا، وَرَأَيْت فِي ذِرَاعَيّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَرِهْتهمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوّلْتهمَا هَذَيْنِ الْكَذّابَيْنِ: صَاحِبِ الْيَمَنِ، وَصَاحِبِ الْيَمَامَةِ.
[حَدِيثُ الرّسُولِ عَنْ الدّجّالِينَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يخرج ثلاثون دجالا، كلهم يدّعى النبوّة.
[خروج الأمراء والعمال على الصدقات]
[الأمراء وأسماء العمال وما تولوه]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ بَعَثَ أُمَرَاءَهُ وَعُمّالَهُ عَلَى الصّدَقَاتِ، إلَى كُلّ مَا أَوْطَأَ الْإِسْلَامُ من البلدان، فبعث المهاجر ابن أَبِي أُمَيّةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ إلَى صَنْعَاءَ، فَخَرَجَ عليه العنسىّ وهو بها، وبعث زيادة بْنَ لَبِيدٍ، أَخَا بَنِي بَيَاضَةَ الْأَنْصَارِيّ، إلَى حَضْرَمَوْتَ وَعَلَى صَدَقَاتِهَا؛ وَبَعَثَ عَدِيّ بْنَ حَاتِمٍ على طيئ وصدقاتها، وعلى بنى أسد، وبعث مالك ابن نُوَيْرَةَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْيَرْبُوعِيّ- عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي حَنْظَلَةَ، وَفَرّقَ صَدَقَةَ بَنِي سَعْدٍ عَلَى رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ، فَبَعَثَ الزّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ عَلَى ناحية منها،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٢٦ ]
وَقَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ عَلَى نَاحِيَةٍ، وَكَانَ قَدْ بَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيّ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، وَبَعَثَ علي بن أبي طالب رضوان الله عليه إلى أهل بحران، لِيَجْمَعَ صَدَقَتَهُمْ وَيَقْدَمَ عَلَيْهِ بِجِزْيَتِهِمْ.
[كِتَابُ مُسَيْلِمَةَ إلَى رَسُولِ اللهِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ]
وَقَدْ كَانَ مُسَيْلِمَةُ بْنُ حَبِيبٍ، قَدْ كَتَبَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ: مِنْ مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللهِ، إلَى مُحَمّدٍ رَسُولِ اللهِ: سَلَامٌ عَلَيْك، أَمّا بَعْدُ، فَإِنّي قَدْ أُشْرِكْت فِي الْأَمْرِ مَعَك، وَإِنّ لَنَا نِصْفَ الْأَرْضِ، وَلِقُرَيْشٍ نِصْفَ الْأَرْضِ وَلَكِنّ قُرَيْشًا قَوْمٌ يَعْتَدُونَ.
فَقَدِمَ عَلَيْهِ رَسُولَانِ لَهُ بِهَذَا الْكِتَابِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَشْجَعَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيّ، عَنْ أَبِيهِ نُعَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لَهُمَا حِينَ قَرَأَ كِتَابَهُ: فَمَا تَقُولَانِ أَنْتُمَا؟ قَالَا: نَقُولُ كَمَا قَالَ، فَقَالَ: أَمَا وَاَللهِ لَوْلَا أَنّ الرّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْت أَعْنَاقَكُمَا.
ثُمّ كَتَبَ إلَى مُسَيْلِمَةَ: بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ، مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللهِ، إلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذّابِ: السّلَامُ على من اتبع الهدى. أما بعد، الْأَرْضَ لِلّهِ يُورَثُهَا مَنْ يُشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، والعاقبة للمتقين.
وذلك فى آخر سنة عشر.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قُدُومُ الْوُفُودِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ: مِنْ أَصَحّ مَا جَاءَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَهُمْ الّذِينَ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى، وَقَدْ تَكَرّرَ حَدِيثُهُمْ فِي الصّحِيحَيْنِ دُونَ تَسْمِيَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَمِنْهُمْ أَشَجّ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَهُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ عَائِذٍ، قَالَ لَهُ النّبِيّ ﷺ: إنّ فِيك خَلّتَيْنِ يُحِبّهُمَا اللهُ وَرَسُولُهُ: الْحِلْمَ وَالْأَنَاةَ، وَمِنْهُمْ أَبُو الْوَازِعِ الزّارِعُ بْنُ عَامِرٍ وَابْنُ أُخْتِهِ مَطَرُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنْزِيّ. وَلَمّا ذَكَرُوا لِلنّبِيّ ﷺ أَنّهُ ابْنُ أُخْتِهِمْ قَالَ: ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ. وَمِنْهُمْ: ابْنُ أَخِي الزّارِعِ، وَكَانَ مَجْنُونًا، فَجَاءَ بِهِ مَعَهُ لِيَدْعُوَ لَهُ النّبِيّﷺ- فَمَسَحَ ظَهْرَهُ، وَدَعَا لَهُ فَبَرِئَ لِحِينِهِ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا فَكُسِيَ جَمَالًا وَشَبَابًا، حَتّى كَانَ وَجْهُهُ وَجْهَ الْعَذْرَاءِ، وَمِنْهُمْ الْجَهْمُ بْنُ قُثَمَ لَمّا نَهَاهُمْ النّبِيّ ﵇ عَنْ الشّرْبِ فِي الْأَوْعِيَةِ وَحَذّرَهُمْ مَا يَقَعُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْجِرَاحِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنّهُمْ إذَا شربوا المسكر عَمَدَ أَحَدُهُمْ إلَى ابْنِ عَمّهِ، فَجَرَحَهُ، وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ قَدْ جُرِحَ فِي ذَلِكَ وَكَانَ يُخْفِي جُرْحَهُ وَيَكْتُمُهُ، وَذَلِكَ الرّجُلُ هُوَ جَهْمُ بْنُ قُثَمَ، عَجِبُوا مِنْ عِلْمِ النّبِيّ ﵇ بِذَلِكَ، وَإِشَارَتِهِ إلَى ذَلِكَ الرّجُلِ. وَمِنْهُمْ: أَبُو خَيْرَةَ الصّبَاحِيّ مِنْ بَنِي صُبَاحِ بْنِ لُكَيْزٍ مِنْ حَدِيثِهِ عَنْ
[ ٧ / ٤٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنّهُ قَالَ: اللهُمّ اغْفِرْ لِعَبْدِ الْقَيْسِ، وَأَنّهُ زَوّدَهُمْ الْأَرَاكَ يَسْتَاكُونَ بِهِ، وَمِنْهُمْ: مَزِيدَةُ «١» الْعَصْرِيّ جَدّ هُودِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «٢» بْنِ سَعْدِ ابن مَزِيدَةَ، وَعَلَى هُودٍ يَدُورُ حَدِيثُهُ فِي التّمْرِ الْبَرْنِيّ، وَأَنّهُ دَوَاءٌ، وَلَيْسَ فِيهِ دَاءٌ، وَمِنْهُمْ: قَيْسُ بْنُ النّعْمَانِ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ، فَهَذَا مَا بَلَغَنِي مِنْ تَسْمِيَةِ مَنْ وَفَدَ عَلَى النّبِيّ ﷺ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ.
وَذَكَرَ فِي الْوُفُودِ الْحُتَاتَ بْنَ يَزِيدَ وَقَوْلَ الْفَرَزْدَقِ لِمُعَاوِيَةَ فِيهِ:
فَمَا بَالُ مِيرَاثِ الْحُتَاتِ أَكَلْته
الْبَيْتَ، وَبَعْدَهُ فِي غَيْرِ سِيرَةِ ابْنِ إسْحَاقَ:
فَلَوْ أَنّ هَذَا كَانَ فِي غَيْرِ مُلْكِكُمْ لَبُؤْت بِهَا أَوْ غَصّ بِالْمَاءِ شَارِبُهْ
شَرْحُ صَاحِبِ الْحُلّةِ:
وَذَكَرَ فِيهِمْ عُطَارِدَ بْنَ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ، وَهُوَ صَاحِبُ الْحُلّةِ الّتِي قَالَ فِيهَا النّبِيّ ﷺ إنّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ الْحُلّةَ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ [فِي الآخرة] «٣»
_________________
(١) قال عنه ابن مندة: مزيدة بن جابر العبدى العصرى. وسماه ابن الكلبى: مزيدة بن مالك بن همام بن معاوية بن شبابة بن عامر بن خطمة بن محارب ابن عمرو بن وديعة بن لكير بن أفصى. وقال الحافظ: وهذا هو المعتمد. والذى ذكره ابن مندة وهم، فان مزيدة بن جابر العبدى كان قاضى الخوارج فى زمان قطرى بن الفجاءة فى زمن بنى أمية.
(٢) هو جده لأمه كما جاء فى الإصابة.
(٣) الزيادة من الصحيح، هذا وقد ورد فى الصحيح من طريق جرير بن حازم عن نافع عن ابن عمر قال: رأى عمر بن الخطاب عطاردا التميمى يبيع-
[ ٧ / ٤٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁: أَتَكْسُونِي هَذِهِ، وَقَدْ قُلْت فِي حُلّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْت، وَكَانَ سَبَبُ تِلْكَ الْحُلّةِ أَنّ حَاجِبَ بْنَ زُرَارَةَ أَبَا عُطَارِدٍ كَانَ وَفَدَ عَلَى كِسْرَى لِيَأْخُذَ مِنْهُ أَمَانًا لِقَوْمِهِ لِيَقْرُبُوا مِنْ رِيفِ الْعِرَاقِ لِجَدْبٍ أَصَابَ بِلَادَهُمْ، فَسَأَلَهُ كِسْرَى رَهْنًا لِيَسْتَوْثِقَ بِهَا مِنْهُمْ، فَدَفَعَ إلَيْهِ قَوْسَهُ رَهِينَةً فَاسْتَحْمَقَهُ الْمَلِكُ وَضَحِكَ مِنْهُ، فَقِيلَ لَهُ: أَيّهَا الْمَلِكُ إنّهُمْ الْعَرَبُ لَوْ رَهَنَك أَحَدُهُمْ تِبْنَةً مَا أَسْلَمَهَا غَدْرًا فَقَبِلَهَا مِنْهُ كِسْرَى، فَلَمّا أَخْصَبَتْ بِلَادُهُمْ انْتَشَرُوا رَاجِعِينَ إلَيْهَا، وَجَاءَ حَاجِبٌ يَطْلُبُ قَوْسَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ كَسَاهُ كِسْرَى تِلْكَ الْحُلّةَ الّتِي كَانَتْ عِنْدَ عُطَارِدٍ الْمَذْكُورَةَ فِي جَامِعِ الْمُوَطّإِ. ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ أَوْ مَعْنَاهُ، وَفِي الْمُوَطّإِ أَنّ عُمَرَ ﵁- كسا الحلّة أخاله مُشْرِكًا بِمَكّةَ، قَالَ ابْنُ الْحَذّاءِ: كَانَ أَخَاهُ لِأُمّهِ، وَاسْمُهُ: عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ الثّقَفِيّ، وَهُوَ جَدّ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ لِأُمّهِ، هَكَذَا ذَكَرَ فِي تَسْمِيَةِ رِجَالِ الْمُوَطّإِ، وَغَلِطَ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنّهُ قَالَ: كَانَ أَخَا عُمَرَ لِأُمّهِ، وإنما هو أخو زيد ابن الْخَطّابِ لِأُمّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ وَهْبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَأَمّا أُمّ عُمَرَ فَهِيَ حَنْتَمَةُ بِنْتُ هَاشِمِ بْنِ الْمُغِيرَةِ [بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَخْزُومٍ «١»]، وَالْغَلَطُ الثّانِي أَنّهُ جَعَلَهُ ثَقِيفِيّا وَإِنّمَا هُوَ سُلَمِيّ، وَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمِ بن أميّة بن مرّة بن هلال
_________________
(١) - فى السوق حلة سيراء، وكان رجلا يغشى الملوك، ويصيب منهم، فقال عمر: يا رسول الله لو اشتريتها فلبستها لوفود العرب، فقال: إنما يلبس الحرير فى الدنيا من لا خلاق له فى الآخرة ورواه مسلم عن شعبان بن أبى شيبة عن جرير، وله روايات أخرى عند الطبرانى وابن مندة.
(٢) الزيادة من نسب قريش ص ٣٤٧.
[ ٧ / ٤٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن فَالِجِ بْنِ ذَكْوَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمٍ «١»، هَكَذَا نَسَبَهُ الزّبَيْرُ وَبِنْتُهُ أُمّ سعيد، وَلَدَتْ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيّبِ.
نَسَبُ ابْنِ الْأَهْتَمِ:
وذكر فيهم عمرو بن الأهنم وَنَسَبَهُ، وَاسْمُ الْأَهْتَمِ: سُمَيّ بْنُ سِنَانٍ، وَهُوَ جَدّ شَبِيبِ بْنِ شَيْبَةَ وَخَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ الْخَطِيبَيْنِ الْبَلِيغَيْنِ، وَسُمّيَ سُمَيّ بِالْأَهْتَمِ، لِأَنّ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ ضَرَبَهُ فَهَتَمَ فَاهُ.
عَنْ كرسي الله:
وَذَكَرَ خُطْبَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، وَفِيهَا وَسِعَ كُرْسِيّهُ عِلْمُهُ، وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ قَالَ: الْكُرْسِيّ هُوَ الْعِلْمُ، وَكَذَلِك مَنْ قَالَ هُوَ الْقُدْرَةُ، لِأَنّهُ لَا تُوصَفُ الْقُدْرَةُ وَالْعِلْمُ بِأَنّ الْعِلْمَ وَسِعَهَا، وَإِنّمَا كُرْسِيّهُ مَا أَحَاطَ بِالسّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، وَهُوَ دُونَ الْعَرْشِ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ، فَعِلْمُهُ سُبْحَانَهُ قَدْ وَسِعَ الْكُرْسِيّ بِمَا حَوَاهُ مِنْ دَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ وَجَلَائِلِهَا وَجُمَلِهَا وَتَفَاصِيلِهَا، وَقَدْ قِيلَ: إنّ الْكُرْسِيّ فِي الْقُرْآنِ هُوَ الْعَرْشُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ حُجّةً لِهَذَا الْقَوْلِ، لِأَنّهُ لَمْ يُرِدْ أَنّ الْعِلْمَ وَسِعَ الْكُرْسِيّ، فما دونه
_________________
(١) أم زيد أسماء بنت وهب بن حبيب بن الحارث بن عيسى بن قعين من بنى أسد بن خزيم. ويقول المصعب الزبيرى فى كتابه: نسب قريش: «وأخوه لأمه عثمان بْنُ حَكِيمِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الأوقص السلمى، وعثمان بن حكيم هو جد سعيد بن المسيب أبو أمه» ص ٣٤٨.
[ ٧ / ٤٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَى الْخُصُوصِ، دُونَ مَا فَوْقَهُ، فَجَائِزٌ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْعَرْشَ، وَمَا تَحْتَهُ وَاَللهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ صَحّتْ الرّوَايَةُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ الْكُرْسِيّ هُوَ الْعِلْمُ، فَمُؤَوّلَةٌ، كَأَنّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَفْسِيرَ لَفْظِ الْكُرْسِيّ، وَلَكِنْ أَشَارَ إلَى أَنّ مَعْنَى الْعِلْمِ وَالْإِحَاطَةِ يُفْهَمُ مِنْ الْآيَةِ، لِأَنّ الْكُرْسِيّ الّذِي هُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ مِنْ سَرِيرِ الْمُلْكِ إذَا وَسِعَ مَا وَسِعَ، فَقَدْ وَسِعَهُ عِلْمُ الْمَلِكِ وَمُلْكُهُ وَقُدْرَتُهُ، وَنَحْوَ هَذَا، فَلَيْسَ فِي أَنْ يَسَعَ الْكُرْسِيّ مَا وَسِعَهُ مَدْحٌ وَثَنَاءٌ عَلَى الْمَلِكِ سُبْحَانَهُ، إلّا مِنْ حَيْثُ تَضَمّنِ سَعَةِ الْعِلْمِ وَالْمُلْكِ، وَإِلّا فَلَا مَدْحَ فِي وَصْفِ الْكُرْسِيّ بِالسّعَةِ، وَالْآيَةُ لَا مَحَالَةَ وَارِدَةٌ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ وَالتّعْظِيمِ لِلْعَلِيّ الْعَظِيمِ الّذِي لَا يَئُودُهُ حِفْظُ مَخْلُوقَاتِهِ كُلّهَا، وَهُوَ الْحَيّ الْقَيّومُ، وَقَرّى الطّبَرِيّ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ، وَاحْتَجّ لَهُ بِقَوْلِهِ ﷿ (ولا يئوده حفظهما) وَبِأَنّ الْعَرَبَ تُسَمّي الْعُلَمَاءَ كَرَاسِيّ. قَالَ: وَمِنْهُ سُمّيَتْ الْكُرّاسُ «١» لِمَا تَضَمّنَتْهُ «٢» وَتَجْمَعُهُ مِنْ الْعِلْمِ، وَأَنْشَدَ:
تَحُفّهُمْ بِيضُ الْوُجُوهِ وَعَصَبَةٌ كَرَاسِيّ بِالْأَحْدَاثِ حين تنوب «٣»
أى عالمون بالأحداث.
_________________
(١) فى الأصل: الكراسى. والكراسى: واحدتها كراسة.
(٢) فى الأصل تضمنه فلعلها كما ضبطت أو تضمه. ونص تعبير الطبرى: قيل يكون فيها علم مكتوب: كراسة.
(٣) فى الطبرى: يحف بهم. وفى أساس البلاغة للزمخشرى عن قطرب: تحف بها.
[ ٧ / ٤٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شِعْرُ الزّبْرِقَانِ:
وَذَكَرَ شِعْرَ الزّبْرِقَانِ، وَأَنّ بَعْضَ النّاسِ يُنْكِرُ الشّعْرَ لَهُ، وَذَكَرَ الْبَرْقِيّ أَنّ الشّعْرَ لِقَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيّ، وَكَانَ الزّبْرِقَانُ يُرْفَعُ لَهُ بَيْتٌ مِنْ عَمَائِمَ وَثِيَابٍ، وَيُنْضَخُ بِالزّعْفَرَانِ وَالطّيبِ، وَكَانَتْ بَنُو تَمِيمٍ تَحُجّ ذَلِكَ الْبَيْتَ. قَالَ الشّاعِرُ، وَهُوَ الْمُخَبّلُ السّعْدِيّ، وَاسْمُهُ كَعْبُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ قِتَالٍ:
وَأَشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً يَحُجّونَ سِبّ الزّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا «١»
_________________
(١) فى الأصل: ست وهو خطأ فى الطبع. ويقول الجاحظ: كان الزبرقان يصبغ عمامته بصفرة، وذكره الشاعر فقال: ثم ذكر البيت. ويرى قطرب أن المخبل نسب الزبرقان إلى الأبنة لأنه كان يصفر إسته، وأنه يعنى بالسب: الاست السمط ص ١٩١ واللسان مادة زبرق. وفى إصلاح المنطق عن معنى البيت «يكثرون الاختلاف إليه، والسب: العمامة، وسب المرأة: خمارها، وإنما سمى الزبرقان لصفرة عمامته» ص ٤١١ والحلول: الأحياء المجتمعة. انظر ص ٩٧ ج ٣ البيان ومادتى سبب وحجج فى اللسان ورواية البيت فى الاشتقاق: فهم أهلات حول قيس بن عاصم الخ. وفيه أيضا: قال قوم: سمى الزبرقان لخفة لحيته، وقال قوم: بل لجماله وقال قوم: لأنه كان يصبغ عمامته بالزعفران وكانت سادة العرب تفعل ذلك. وعن المخبل قال مغلطاى: اسمه: الربيع بن ربيعة، وقيل: ربيعة بن مالك بن ربيعة بن عوف بن قتال بن أنف الناقة شاعر مخضرم فحل يكنى أبا يزيد مات فى خلافة عمر أو عثمان. وقال السهيلى: اسمه: كعب بن ربيعة بن قتال، وهو وهم بينته فى كتاب الزهر الباسم» ص ٢٥٤ الاشتقاق وفى السمط أنه ربيعة بن مالك من بنى شماس بن لأى ابن أنف النافة ص ٤١٨- وقبل بيت الزبرقان: -
[ ٧ / ٤٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالسّبّ: الْعِمَامَةُ، وَأَحْسَبُهُ أَشَارَ إلَى هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ:
بِمَا تَرَى النّاسَ تَأْتِينَا سَرَاتُهُمْ
الْبَيْتَ. وَلَيْسَ السّرَاةُ جَمْعَ سَرِيّ كَمَا ظَنّوا، وَإِنّمَا هُوَ كَمَا تَقُولُ ذُرْوَتُهُمْ وَسَنَامُهُمْ، وَسَرَاةُ كُلّ شَيْءٍ: أَعْلَاهُ، وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَالزّبْرِقَانُ مِنْ أَسْمَاءِ الْقَمَرِ. قَالَ الشّاعِرُ:
تُضِيءُ بِهِ الْمَنَابِرُ حِينَ يَرْقَى عَلَيْهَا مِثْلَ ضَوْءِ الزّبْرِقَانِ
وَالزّبْرِقَانُ أَيْضًا: الْخَفِيفُ الْعَارِضَيْنِ، وَكَانَتْ لَهُ ثَلَاثَةُ أَسْمَاءَ: الزّبْرِقَانُ وَالْقَمَرُ وَالْحُصَيْنُ، وَثَلَاثُ كُنًى: أَبُو الْعَبّاسِ، وَأَبُو شَذْرَةَ، وَأَبُو عَيّاشٍ، وَهُوَ الزّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ خَلَفِ بْنِ بَهْدَلَةَ بْنِ عَوْفِ ابْنُ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ.
شِعْرُ حَسّانَ فِي الرّدّ عَلَى الزبرقان في المسيحية وَالْعَيْنِيّةِ:
وَقَوْلُ حَسّانَ:
بِبَيْتٍ حَرِيدٍ عِزّهُ وَثَرَاؤُهُ
يُرِيدُ: بَيْتٍ شَرَفُهُمْ مِنْ غَسّانَ وَهُمْ مُلُوكُ الشّامِ، وَهُمْ وَسَطَ الْأَعَاجِمِ، وَالْبَيْتُ الْحَرِيدُ: الْمُنْفَرِدُ عَنْ الْبُيُوتِ، كَمَا انْفَرَدَتْ غَسّانُ، وَانْقَطَعَتْ عَنْ أرض
_________________
(١) - ألم تعلمى يا أم عمرة أننى تخطأنى ريب المنون لأكبرا ولهذا ضبط ابن برى أشهد فى البيت بالنصب «مادة زبرق» اللسان.
[ ٧ / ٤٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْعَرَبِ، وَكَانَ حَسّانُ يَضْرِبُ بِلِسَانِهِ أَرْنَبَةَ أَنْفِهِ هُوَ وَابْنُهُ وَأَبُوهُ وَجَدّهُ، وَكَانَ يَقُولُ: لَوْ وَضَعْته يَعْنِي لِسَانَهُ عَلَى حَجَرٍ لَفَلَقَهُ، أَوْ عَلَى شَعْرٍ لَحَلَقَهُ، وَمَا يَسُرّنِي بِهِ مَقُولٌ مِنْ مَعَدّ.
وَقَوْلُ حَسّانَ:
يُخَاضُ إلَيْهِ السّمّ وَالسّلَعُ
السّلَعُ: شَجَرٌ مُرّ. قَالَ أُمَيّةُ [بْنُ أَبِي الصّلْتِ]:
عُشَرٌ مَا وَفَوْقَهُ سَلَعٌ مَا عَائِلٌ مَا، وَعَالَتْ الْبَيْقُورَا «١»
يُرِيدُ أَنّهُمْ كَانُوا إذَا اسْتَسْقَوْا فِي الْجَاهِلِيّةِ رَبَطُوا السّلَعَ وَالْعُشَرَ فِي أَذْنَابِ الْبَقَرِ.
وَقَوْلُهُ: شَمَعُوا، أَيْ: ضَحِكُوا وَمَزَحُوا. قَالَ الشّاعِرُ [الْمُتَنَخّلُ الْهُذَلِيّ] يَصِفُ الْأَضْيَافَ:
وَأَبْدَؤُهُمْ بِمَشْمَعَةٍ وَأُثْنِي بِجُهْدِي مِنْ طَعَامٍ أَوْ بِسَاطِ
وَفِي الْحَدِيثِ: مَنْ تَتَبّعَ الْمَشْمَعَةَ شَمّعَ اللهُ بِهِ. يُرِيدُ مِنْ ضَحِكَ مِنْ النّاسِ وأفرط فى المزح.
_________________
(١) البيت فى اللسان: سلع ما ومثله عشر ما الخ. وفى البيت كما قال الأزهرى وقاله السهيلى بعد، شاهد على ما يفعله العرب من استمطارهم بإضرام النار فى آذناب البقر، والسلع شجر، والعشر: شجر له صمغ. والبيقور: اسم جمع للبقر.
[ ٧ / ٤٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَقَوْلُهُ: أَوْ وَازَنُوا أَهْلَ مَجْدٍ بِالنّدَى مَتَعُوا أَيْ: ارْتَفَعُوا، يُقَال: مَتَعَ النّهَارُ إذَا ارْتَفَعَ. شِعْرٌ آخَرُ لِحَسّانَ فِي الرد عَلَى الزّبْرِقَانِ: وقول حسان: وطبنا له أنفسا بِفَيْءِ الْمَغَانِمِ يُرِيدُ: طِيبَ نُفُوسِهِمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ حِينَ أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُؤَلّفَةَ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا. شَرْحُ قَوْلِ ابْنِ الْأَهْتَمِ لِابْنِ عَاصِمٍ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ الْأَهْتَمِ لِقَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ: ظَلِلْت مُفْتَرِشَ الْهَلْبَاءِ تَشْتُمُنِي عِنْدَ النّبِيّ فَلَمْ تَصْدُقْ وَلَمْ تُصِبْ الْهَلْبَاءُ: فَعْلَاءُ مِنْ الْهُلْبِ وَهُوَ الْخَشِينُ مِنْ الشّعْرِ، يُقَالُ مِنْهُ: رَجُلٌ أَهْلَبُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشّعْبِيّ فِي مُشْكِلَةٍ نَزَلَتْ: هَلْبَاءُ زَبّاءُ ذَاتُ وَبَرٍ، كَأَنّهُ أَرَادَ بِمُفْتَرِشِ الْهَلْبَاءِ، أَيْ: مُفْتَرِشًا لِحْيَتَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِمُفْتَرِشِ الْهَلْبَاءِ، يَعْنِي امْرَأَةً. وَقِيلَ: الْهَلْبَاءُ، يُرِيدُ بِهَا هَاهُنَا دُبُرَهُ، فَإِنْ كَانَ عَنَى امْرَأَةً، فَهُوَ نَصْبٌ عَلَى النّدَاءِ. مَا نَزَلَ فِي وَفْدِ تَمِيمٍ مِنْ الْحُجُرَاتِ: وَذَكَرَ مَا أَنْزَلَ اللهُ ﵎ فِيهِمْ فِي سُورَةِ الْحُجُرَاتِ، وَقَدْ كَانَ
[ ٧ / ٤٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عُمَرُ وَأَبُو بَكْرٍ اخْتَلَفَا فِي أَمْرِ الزّبْرِقَانِ وَعَمْرِو بْنِ الْأَهْتَمِ، فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا بِتَقْدِيمِ الزّبْرِقَانِ، وَأَشَارَ الْآخَرُ بِتَقْدِيمِ عَمْرِو بْنِ الْأَهْتَمِ حَتّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إلَى قَوْلِهِ: لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ فَكَانَ عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا كَلّمَ النّبِيّ ﵇ لَا يُكَلّمُهُ إلّا كَأَخِي السّرَارِ «١» .
إنّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا:
وَفِي هَذَا الْوَفْدِ جَاءَ الْحَدِيثُ أَنّ رَجُلَيْنِ قَدِمَا مِنْ نَجْدٍ فَخَطَبَا، فَعَجِبَ النّاسُ لِبَيَانِهِمَا، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: إنّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا، وَأَدْخَلَهُ مَالِكٌ فِي بَابِ مَا يُذَمّ مِنْ الْقَوْلِ، مِنْ أَجْلِ أَنّ السّحْرَ مَذْمُومٌ شَرْعًا، وَغَيْرُهُ يَذْهَبُ إلَى أَنّهُ مَدْحٌ لَهُمَا بِالْبَيَانِ وَاسْتِمَالَةِ الْقُلُوبِ كَالسّحْرِ، وَكَانَ مِنْ قَوْلِهِمَا.
إنّ عَمْرًا قَالَ لِلنّبِيّ ﷺ فى الزّبرقان: إنه مطاع فى أذنيه سَيّدٌ فِي عَشِيرَتِهِ، فَقَالَ الزّبْرِقَانُ: لَقَدْ حَسَدَنِي يَا رَسُولَ اللهِ لِشَرَفِي، وَلَقَدْ عَلِمَ أَفْضَلَ مِمّا قَالَ. قَالَ: فَقَالَ عَمْرٌو: إنّهُ لَزَمِرُ الْمُرُوءَةِ ضَيّقُ الْعَطَنِ لَئِيمُ الْخَالِ، فَعَرَفَ الْإِنْكَارَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فقال: يا رسول الله
_________________
(١) عند البخارى فى رواية أن أحدهم أشار بالأقرع بن حابس، والآخر برجل آخر. قال نافع: لا أحفظ اسمه، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافى الخ، وقد انفرد به البخارى دون مسلم. وفى رواية أخرى أن أبا بكر أشار بتأمير القعقاع بن معبد، وأن عمر أشار بتأمير الأقرع بن حابس. وفى مسند البزار أن أبا بكر هو الذى قال: يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخى السرار. وهناك روايات أخرى تخالف هذه حول أسباب نزول الآية، فالله أعلم.
[ ٧ / ٤٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَضِيت فَقُلْت أَحْسَنَ مَا عَلِمْت، وَسَخِطْت فَقُلْت أَقْبَحَ مَا عَلِمْت، وَلَقَدْ صَدَقْت فِي الْأُولَى وَمَا كَذَبْت فِي الثّانِيَةِ، فَحِينَئِذٍ قَالَ النّبِيّ ﷺ: «إنّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» وَقَوْلُهُ: لَئِيمُ الْخَالِ، قِيلَ: إنّ أُمّهُ كَانَتْ مِنْ بَاهِلَةَ، قَالَهُ ابْنُ ثَابِتٍ فِي الدّلَائِلِ، وَقَدْ أَنْكَرَ هَذَا عَلَيْهِ، وَمِمّنْ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ أَبُو مَرْوَانَ بْنُ سِرَاجٍ، فَاَللهُ أَعْلَمُ، لِأَنّ أَهْلَ النّسَبِ ذَكَرُوا أَنّ أُمّ الزّبْرِقَانِ عُكْلِيّةٌ مِنْ بَنِي أُقَيْشٍ، وَعُكْلٌ وَإِنْ كَانَتْ تَجْتَمِعُ مَعَ تَمِيمٍ فِي أُدّ بْنِ طَابِخَةَ لَكِنّ تَمِيمًا أَشْرَفُ مِنْهُمْ، وَلَا سِيّمَا بَنِي سَعْدٍ رَهْطُ الزّبْرِقَانِ، فَلِذَلِكَ جَعَلَهُ عَمْرٌو لَئِيمَ الْخَالِ.
خَبَرُ عَامِرٍ وَأَرْبَد:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ خَبَرَ عَامِرِ بْنِ الطّفَيْلِ وَأَرْبَدَ، وَأَنّ أَرْبَدَ قَالَ لِعَامِرٍ: مَا هَمَمْت بِقَتْلِ مُحَمّدٍ إلّا رَأَيْتُك بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَفَأَقْتُلُك؟! وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ: إلّا رَأَيْت بَيْنِي وَبَيْنَهُ سُورًا مِنْ حَدِيدٍ وَكَذَلِك فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ، قَالَ عَامِرٌ: لَأَمْلَأَنّهَا عَلَيْك خَيْلًا جُرْدًا، وَرِجَالًا مُرْدًا، وَلَأَرْبِطَنّ بكلّ نخلة فرسا، فجعل أسيد ابن حضير يضرب فى رؤسهما وَيَقُولُ: اُخْرُجَا أَيّهَا الْهِجْرِسَانِ، فَقَالَ لَهُ عَامِرٌ: وَمَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَقَالَ: أَحُضَيْرُ بْنُ سِمَاكٍ؟ قَالَ:
نَعَمْ، قَالَ: أَبُوك كَانَ خَيْرًا مِنْك، فَقَالَ: بَلْ أَنَا خَيْرٌ مِنْك، وَمِنْ أَبِي، لِأَنّ أَبِي كَانَ مُشْرِكًا، وَأَنْت مُشْرِكٌ. وَذَكَرَ سِيبَوَيْهِ قَوْلَ عَامِرٍ: أَغُدّةً «١» كغدّة
_________________
(١) مضبوطة فى اللسان برفع غدة وكذلك فى النهاية لابن كثير.
[ ٧ / ٤٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْبَعِيرِ، وَمَوْتًا فِي بَيْتِ سَلُولِيّةٍ، فِي بَابِ مَا يَنْتَصِبُ عَلَى إضْمَارِ الْفِعْلِ الْمَتْرُوكِ إظْهَارُهُ، كَأَنّهُ قَالَ: أُغَدّ غُدّةً، وَالسّلُولِيّةُ امْرَأَةٌ مَنْسُوبَةٌ إلَى سَلُولَ بْنِ صَعْصَعَةَ وَهُمْ بَنُو مُرّةَ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَسَلُولُ أُمّهُمْ، وَهِيَ بِنْتُ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ، وَكَانَ عَامِرُ بْنُ الطّفَيْلِ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَلِذَلِكَ اخْتَصّهَا لِقُرْبِ النّسَبِ بَيْنَهُمَا، حَتّى مَاتَ فِي بَيْتِهَا. وَأَمّا أَشْعَارُ لَبِيدٍ فِي أَرْبَدَ فَفِيهَا قَوْلُهُ:
تَطِيرُ عَدَائِدُ «١» الْأَشْرَاكِ شَفْعًا وَوِتْرًا وَالزّعَامَةُ «٢» لِلْغُلَامِ
الزّعَامَةُ: الرّيَاسَةُ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالزّعَامَةِ هُنَا بَيْضَةَ السّلَاحِ، وَالْأَشْرَاكُ:
الشّرَكَاءُ، وَالْعَدَائِدُ: الْأَنْصِبَاءُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْعَدَدِ، وَيُقَالُ: إنّ أَرْبَدَ حِينَ أَصَابَتْهُ الصّاعِقَةُ أَنْزَلَ اللهُ ﵎ عَلَى مُحَمّدٍ ﷺ: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ يَعْنِي أَرْبَدَ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَعَامِرٌ وَأَرْبَدُ يَجْتَمِعَانِ فِي جَعْفَرِ بْنِ كِلَابِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَأُمّهُمَا وَاحِدَةٌ، وَسَائِرُ شِعْرِ لَبِيَدٍ فِي أَرْبَدَ مَرْغُوبٌ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِشَرْحِهِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِنَا الْمُتَقَدّمِ، وَاَللهُ وَلِيّ التّوْفِيقِ.
عَنْ لَبِيدٍ:
على أنّ لبيد ﵀ قَدْ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ، وَعَاشَ فِي الْإِسْلَامِ سِتّينَ سَنَةً، لَمْ يَقُلْ فِيهَا بَيْتَ شِعْرٍ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ تَرْكِهِ الشّعْرَ، فَقَالَ: مَا كُنْت لِأَقُولَ شِعْرًا بَعْدَ أَنْ علّمنى لله الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَزَادَهُ عُمَرُ فِي عَطَائِهِ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، مِنْ أَجْلِ هَذَا الْقَوْلِ، فَكَانَ عطاؤه ألفين وخمسمائة،
_________________
(١) رواية أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابى: غدائر.
(٢) قيل عن الزعامة إنها الرياسة أو الدرع.
[ ٧ / ٤٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَلَمّا كَانَ مُعَاوِيَةُ، أَرَادَ أَنْ يَنْقُصَهُ مِنْ عَطَائِهِ الْخَمْسَمِائَةِ، وَقَالَ لَهُ: مَا بَالُ الْعِلَاوَةِ فَوْقَ الْفَوْدَيْنِ؟ فَقَالَ لَهُ لَبِيدٌ: الْآنَ أَمُوتُ، وَتَصِيرُ لَك الْعِلَاوَةُ وَالْفَوْدَانِ، فَرَقّ لَهُ مُعَاوِيَةُ وَتَرَكَهَا لَهُ، فَمَاتَ لَبِيدٌ إثْرَ ذَلِكَ بِأَيّامٍ قَلِيلَةٍ، وَقَدْ قِيلَ: إنّهُ قَالَ بَيْتًا وَاحِدًا فِي الْإِسْلَامِ:
الْحَمْدُ لِلّهِ إذْ لَمْ يَأْتِنِي أَجَلِي حَتّى اكْتَسَيْت مِنْ الْإِسْلَامِ سِرْبَالًا
وَفْدُ جرس:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ وَفْدَ جُرَشٍ، وَأَنّ خَثْعَمَ ضَوَتْ إليها حين حاصرهم صرد ابن عَبْدِ اللهِ، وَأَنْشَدَ:
حَتّى أَتَيْنَا حُمَيْرًا فِي مَصَانِعِهَا وَجَمْعَ خَثْعَمَ قَدْ صَاغَتْ «١» لَهَا النّذُرُ
وَيُرْوَى خُمَيْرًا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِي حِمْيَرَ حِمْيَرُ الْأَدْنَى، وَهُوَ حِمْيَرُ بْنُ الْغَوْثِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَدِيّ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ شُدَدَ «٢» بْنِ زُرْعَةَ وَهُوَ حِمْيَرُ الْأَصْغَرُ بْنُ سَبَأٍ الْأَصْغَرِ بْنِ كَعْبِ كَهْفِ الظّلْمِ بن زيد الجمهور ابن عمرو بن قَيْسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ جُشَمَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ وَائِلِ بْنِ الْغَوْثِ ابن حَيْدَان بْنِ قَطَنِ بْنِ عَرِيبِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ الهميسع بن حمير الأكبر «٣»
_________________
(١) فى السيرة: شاعت.
(٢) فى جمهرة النسب: شرد.
(٣) النسب فى جمهرة ابن حزم من أول شرد: بن زرعة بن قيس بن صنعاء ابن سبأ الأصغر بن كعب بْنِ زَيْدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ جُشَمَ بْنِ عَبْدِ شمس بن وائل بن عوف بن حمير بن قطن بن عوف بن زهير بن أيمن بن حمير بن سبأ. وهو كما ترى يختلف عما هنا. وعند ابن الكلبى: -
[ ٧ / ٤٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهو العزبحج، وَقَالَ الْأَبْرَهِيّ: وَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ حِمْيَرَ بِالنّسَبِ وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى أَبَرْهَةَ بْنِ الصّبَاحِ الْحِمْيَرِيّ فِي حِمْيَرَ الْأَدْنَى الْمَبْدُوءِ بِذِكْرِهِ حِمْيَرُ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَصِحّ رِوَايَةُ الْخَاءِ الْمَنْقُوطَةِ، وَمَنْ رَوَاهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَهُوَ تَصْغِيرُ حِمْيَرَ تَصْغِيرَ التّرخيم، والعزبحج فِي لُغَةٍ: حِمْيَرُ الْعَتِيقُ.
حَدِيثُ ضِمَامٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَهُوَ الّذِي قَالَ فِيهِ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: جَاءَنَا أَعْرَابِيّ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيّ صَوْتِهِ، وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ، الْحَدِيثَ، رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطّإِ عَنْ عَمّهِ عَنْ جَدّهِ عَنْ طَلْحَةَ، وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ لِمَا فِيهِ مِنْ دُخُولِ الْمُشْرِكِ الْمَسْجِدَ.
وَذَكَرَ مَعَهُ حَدِيثَ الْيَهُودِ حِينَ دَخَلُوا الْمَسْجِدَ، وَذَكَرُوا أَنّ رَجُلًا مِنْهُمْ، وَامْرَأَةً زَنَيَا، وَقَالَ بِهِ الشّافِعِيّ، وَكَرِهَ مَالِكٌ دُخُولَ الذّمّيّ الْمَسْجِدَ، وَخَصّصَ أَبُو حَنِيفَةَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ لِقَوْلِ اللهِ ﵎: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ الْآيَةَ، وَتَعَلّقَ مَالِكٌ بِالْعِلّةِ الّتِي نَبّهَتْ عَلَيْهَا الآية، وهى التّنجيس، فعمّ المساجد كلّها.
_________________
(١) - كعب بْنِ زَيْدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ جُشَمَ بْنِ عَبْدِ شمس بْنِ الْغَوْثِ بْنِ حَيْدَان بْنِ قَطَنِ بْنِ عريب بن الهميسع. وقد سقط حيدان منه هنا، ولكنه ذكرها فى مكان آخر. أنظر ٣٦٤، ٣٦٥ المحبر.
[ ٧ / ٤٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَوْلَ حَدِيثِ الْجَارُودِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ الْجَارُودَ الْعَبْدِيّ، وَهُوَ بِشْرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْمُعَلّى، يُكَنّى أَبَا الْمُنْذِرِ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: يُكَنّى أَبَا غِيَاثٍ وَأَبَا عِتَابٍ، وَسُمّيَ الْجَارُودَ، لِأَنّهُ أَغَارَ عَلَى قَوْمٍ مِنْ بَكْرٍ، فَجَرّدَهُمْ «١» قَالَ الشّاعِرُ:
وَدُسْنَاهُمْ بِالْخَيْلِ مِنْ كُلّ جَانِبٍ كَمَا جَرّدَ الْجَارُودُ بَكْرَ بْنَ وَائِلِ
وَذَكَرَ فِي آخِرِ حَدِيثِ الْجَارُودِ الْغَرُورَ بْنَ النّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَكَانَ كِسْرَى حِينَ قَتَلَ النّعْمَانَ صَيّرَ أَمْرَ الْحِيرَةِ إلَى هَانِئِ بْنِ قَبِيصَةَ الشّيْبَانِيّ، وَلَمْ يَبْقَ لِآلِ الْمُنْذِرِ رَسْمٌ وَلَا أَمْرٌ يُذْكَرُ حَتّى كانت الرّدّة، ومات هانىء ابن قَبِيصَةَ فَأَظْهَرَ أَهْلُ الرّدّةِ أَمْرَ الْغَرُورِ بْنِ النّعْمَانِ، وَاسْمُهُ: الْمُنْذِرُ، وَإِنّمَا سُمّيَ الْغَرُورَ، لِأَنّهُ غَرّ قَوْمَهُ فِي تِلْكَ الرّدّةِ، أَوْ غَرّوهُ وَاسْتَعَانُوا بِهِ عَلَى حَرْبِهِمْ فَقُتِلَ هُنَالِكَ، وَزَعَمَ وَثِيمَةُ بْنُ مُوسَى أَنّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ ارْتِدَادِهِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ وَنَسَبُ مُسَيْلِمَةَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ وَفْدَ بَنِي حَنِيفَةَ، وَاسْمُ حَنِيفَةَ أَثَالُ بْنُ لُجَيْمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيّ ابن بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ مَعَ مُسَيْلِمَةَ عَلَى النّبِيّ ﷺ، وهو مسيلمة
_________________
(١) فى اللسان: لأنه فر بإبله إلى أخواله من بنى شيبان، وبإبله داء، ففشا ذلك الداء فى إبل أخواله، فأهلكها.
[ ٧ / ٤٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن ثُمَامَةَ بْنِ كَبِيرِ «١» بْنِ حَبِيبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ هِفّانَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ الدّوَلِ بْنِ حَنِيفَةَ يُكَنّى أَبَا ثُمَامَةَ، وَقِيلَ: أَبَا هَارُونَ، وكان يُسَمّى بِالرّحْمَنِ فِيمَا رُوِيَ عَنْ الزّهْرِيّ قَبْلَ مَوْلِدِ عَبْدِ اللهِ والد رَسُولِ اللهِﷺ- وَقُتِلَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ حِينَ سَمِعَتْ بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ، قَالَ قَائِلُهُمْ: دُقّ فُوك، إنّمَا تَذْكُرُ مُسَيْلِمَةَ رَحْمَانَ الْيَمَامَةِ، وَكَانَ الرّحّالُ الْحَنَفِيّ «٢»، وَاسْمُهُ نَهَارُ بْنُ عُنْفُوَةَ، وَالْعُنْفُوَةُ يَابِسُ الْحَلِيّ، وَهُوَ نَبَاتٌ، وَذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، فَقَالَ فِيهِ: عُنْثُوَ بِالثّاءِ الْمُثَلّثَةِ، وَقَالَ: هُوَ يَابِسُ الْحَلِيّ، وَالْحَلِيّ: النّصِيّ، وَهُوَ نَبْتٌ- قَدِمَ فِي وَفْدِ الْيَمَامَةِ عَلَى النّبِيّ ﷺ فَآمَنَ وَتَعَلّمَ سُوَرًا مِنْ الْقُرْآنِ، فَرَآهُ النّبِيّﷺ- يَوْمًا جَالِسًا مَعَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ، أَحَدُهُمَا فُرَاتُ بْنُ حَيّانَ، وَالْآخَرُ: أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: ضِرْسُ أَحَدِكُمْ فِي النّارِ مِثْلُ أُحُدٍ، فَمَا زَالَا خَائِفَيْنِ حَتّى ارْتَدّ الرّحّالُ، وَآمَنَ بِمُسَيْلِمَةَ وَشَهِدَ زُورًا أَنّ النّبِيّﷺ- قَدْ شَرِكَهُ مَعَهُ فِي النّبُوّةِ، وَنَسَبَ إلَيْهِ بَعْضَ مَا تَعَلّمَ مِنْ الْقُرْآنِ، فَكَانَ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ الْفِتْنَةِ عَلَى بنى حنفية، وَقَتَلَهُ زَيْدُ بْنُ الْخَطّابِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، ثُمّ قَتَلَ زَيْدَ بْنَ الْخَطّابِ سَلَمَةُ بْنُ صُبَيْحٍ الحنفىّ، وكان مسيلمة صاحب
_________________
(١) فى جهرة ابن حزم: كثير.
(٢) ذكره القاموس بالجيم على وزن شداد، وقال: ووهم من ضبطه بالحاء.
[ ٧ / ٤٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَيْرُوجَاتٍ «١» يُقَالُ: إنّهُ أَوّلُ مَنْ أَدْخَلَ الْبَيْضَةَ فِي الْقَارُورَةِ «٢»، وَأَوّلُ مَنْ وَصَلَ جَنَاحَ الطّائِرِ الْمَقْصُوصَ، وَكَانَ يَدّعِي أَنّ ظَبْيَةً تَأْتِيهِ مِنْ الْجَبَلِ، فَيَحْلُبُ لَبَنَهَا، وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يَرْثِيهِ:
لَهَفِي عَلَيْك أَبَا ثُمَامَةَ لَهَفِي عَلَى رُكْنِي شَمَامَةِ
كَمْ آيَةٍ لَك فِيهِمْ كَالشّمْسِ تَطْلُعُ مِنْ غَمَامَةِ
وَكَذَبَ بَلْ كَانَتْ آيَاتُهُ مَنْكُوسَةً، تَفَلَ فِي بِئْرِ قَوْمٍ سَأَلُوهُ ذَلِكَ تَبَرّكًا فَمَلُحَ مَاؤُهَا، وَمَسَحَ رَأْسَ صَبِيّ فَقَرِعَ قَرَعًا فَاحِشًا، وَدَعَا لِرَجُلٍ فِي ابْنَيْنِ لَهُ بِالْبَرَكَةِ، فَرَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ فَوَجَدَ أَحَدَهُمَا قَدْ سَقَطَ فِي الْبِئْرِ، وَالْآخَرَ قَدْ أَكَلَهُ الذّئْبُ، وَمَسَحَ عَلَى عَيْنَيْ رَجُلٍ اسْتَشْفَى بِمَسْحِهِ، فَابْيَضّتْ عَيْنَاهُ.
مُؤَذّنَا مُسَيْلِمَةَ وَسَجَاحَ:
وَاسْمُ مُؤَذّنِهِ: حُجَيْرٌ، وَكَانَ أَوّلَ مَا أُمِرَ أَنْ يَذْكُرَ مُسَيْلِمَةَ فِي الْأَذَانِ تَوَقّفَ، فَقَالَ لَهُ مُحَكّمُ بْنُ الطّفَيْلِ: صَرّحْ حُجَيْرُ، فَذَهَبَتْ مَثَلًا. وَأَمّا سَجَاحُ الّتِي تَنَبّأَتْ فِي زَمَانِهِ وَتَزَوّجَهَا، فَكَانَ مُؤَذّنُهَا جَنَبَةَ بْنَ طَارِقٍ، وَقَالَ الْقُتَبِيّ: اسْمُهُ: زهير بن عمرو، وقيل: إن شبث بنى رِبْعِيّ أَذّنَ لَهَا أَيْضًا، وَتُكَنّى أُمّ صَادِرٍ، وَكَانَ آخِرُ أَمْرِهَا أَنْ أَسْلَمَتْ فِي زَمَانِ عُمَرَ، كُلّ هَذَا مِنْ كِتَابِ الوّاقِدِيّ وَغَيْرِهِ. وكان محكّم بن طفيل الحنفىّ، صاحب
_________________
(١) النيرنج: آخذ كالسحر وليس به، وجمعها: نيرنجات ونيارج.
(٢) عمل هين يأتيه طلابنا فى معاملهم.
[ ٧ / ٤٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) حَرْبِهِ وَمُدَبّرَ أَمْرِهِ، وَكَانَ أَشْرَفَ مِنْهُ فِي حَنِيفَةَ، وَيُقَالُ فِيهِ: مُحَكّمٌ وَمُحَكّمٌ، وَفِيهِ يَقُولُ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ: يَا مُحَكّمُ بْنَ طُفَيْلٍ قَدْ أُتِيحَ لَكُمْ لِلّهِ دُرّ أَبِيكُمْ حَيّةِ الْوَادِي وَقَالَ أَيْضًا: يَخْبِطْنَ بِالْأَيْدِي حِيَاضَ مُحَكّمِ امْرَأَةُ مُسَيْلِمَةَ: وَقَوْلُ ابْنِ إسْحَاقَ: انْزِلُوا، يَعْنِي وَفْدَ بَنِي حَنِيفَةَ بِدَارِ الْحَارِثِ. الصّوَابُ: بِنْتُ الحارث، واسمها: كيسة بنت الحارث بن كريز بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَقَدْ تَقَدّمَ فِي غَزْوَةِ قُرَيْظَةَ الْكَلَامُ عَلَى كَيْسَةَ: وَكَيْسَةُ بِالتّخْفِيفِ، وَأَنّهَا كَانَتْ امْرَأَةً لِمُسَيْلِمَةَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ أَنْزَلَهُمْ بِدَارِهَا وَكَانَتْ تَحْتَ مُسَيْلِمَةَ، ثُمّ خَلَفَ عَلَيْهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرٍ، وَذَكَرْنَا هُنَالِكَ أَنّ الصّوَابَ مَا قَالَهُ ابْنُ إسْحَاقَ أَنّ اسْمَ تِلْكَ الْمَرْأَةِ زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ، كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَالْمَذْكُورَةُ هَاهُنَا كَيْسَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَإِيّاهُ عَنَى رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ خَطَبَ، فَقَالَ: أُرِيت فِي يَدَيّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَكَرِهْتهمَا، فَنَفَخْت فِيهِمَا فَطَارَا فَأَوّلْتهمَا كَذّابَ الْيَمَامَةِ وَالْعَنْسِيّ، صَاحِبَ صَنْعَاءَ، فَأَمّا مُسَيْلِمَةُ فَقَتَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَأَفْنَى قَوْمَهُ قَتْلًا وَسَبْيًا. مَسْعُودٌ الْعَنْسِيّ: وَأَمّا مَسْعُودُ بْنُ كَعْبٍ الْعَنْسِيّ، وَعَنْسٌ مِنْ مَذْحِجٍ، فَاتّبَعَتْهُ قَبَائِلُ مِنْ
[ ٧ / ٤٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَذْحِجٍ وَالْيَمَنُ عَلَى أَمْرِهِ، وَغَلَبَ عَلَى صَنْعَاءَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ذُو الْخِمَارِ، وَيُلَقّبُ: عَيْهَلَةَ، وَكَانَ يَدّعِي أَنّ سَحِيقًا وَشَرِيقًا يَأْتِيَانِهِ بِالْوَحْيِ، وَيَقُول:
هُمَا مَلَكَانِ يَتَكَلّمَانِ عَلَى لِسَانِي، فِي خُدَعٍ كَثِيرَةٍ يُزَخْرِفُ بِهَا، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ مَالِكِ بْنِ عَنْسٍ، وَبَنُو عَنْسٍ جُشَمُ وَجُشَيْمٌ وَمَالِكٌ وَعَامِرٌ وَعَمْرٌو، وَعَزِيزٌ وَمُعَاوِيَةُ وَعَتِيكَةُ وَشِهَابٌ وَالْقِرّيّةُ وَيَامُ «١» وَمِنْ وَلَدِ يَامَ بْنِ عَنْسٍ عمّار ابن يَاسِرٍ، وَأَخَوَاهُ عَبْدُ اللهِ وَحُوَيْرِثٌ ابْنَا يَاسِرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَالِكٍ، قَتَلَهُ فَيْرُوزُ الدّيْلَمِيّ، وَقَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ وَدَاذَوَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْأَبْنَاءِ دَخَلُوا عَلَيْهِ مِنْ سِرْبٍ صَنَعَتْهُ لَهُمْ امْرَأَةٌ كَانَ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهَا مِنْ الْأَبْنَاءِ، فَوَجَدُوهُ سَكْرَانَ لَا يَعْقِلُ مِنْ الْخَمْرِ، فَخَبَطُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ وَهُمْ يَقُولُونَ:
ضَلّ نَبِيّ مَاتَ وَهُوَ سَكْرَانْ وَالنّاسُ تَلْقَى جُلّهُمْ كَالذّبّانْ
النّورُ وَالنّارُ لَدَيْهِمْ سِيّانْ
ذَكَرَهُ الدّوْلَابِيّ، وَزَادَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْهُ أَنّ امْرَأَتَهُ سَقَتْهُ الْبَنْجَ فِي شَرَابِهِ تِلْكَ اللّيْلَةَ، وَهِيَ الّتِي احْتَفَرَتْ السّرْبَ لِلدّخُولِ عَلَيْهِ، وَكَانَ اغْتَصَبَهَا، لِأَنّهَا كَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النّسَاءِ، وَكَانَتْ مُسْلِمَةً صَالِحَةً، وَكَانَتْ تحدّث عنه أنه لا ينتسل مِنْ الْجَنَابَةِ، وَاسْمُهَا الْمَرْزُبَانَةُ، وَفِي صُورَةِ قَتْلِهِ اخْتِلَافٌ.
وَقَوْلُهُ ﷺ: أُرِيت سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَنَفَخْتهمَا فَطَارَا، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتّعْبِيرِ: تَأْوِيلُ نَفْخِهِ لَهُمَا أَنّهُمَا بريحه قتلا، لأنه لم يغزهما
_________________
(١) فى الجمهرة هم: سعد الأكبر وسعد الأصغر، وعمرو، وعامر ومعاوية، وعزيز وعتيك وشهاب ومالك ويام وجشم والقرية.
[ ٧ / ٤٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِنَفْسِهِ، وَتَأْوِيلُ الذّهَبِ أَنّهُ زُخْرُفٌ، فَدَلّ لَفْظُهُ عَلَى زَخْرَفَتِهِمَا، وَكَذِبِهِمَا، وَدَلّ الْإِسْوَارَانِ بِلَفْظِهِمَا عَلَى مَلِكَيْنِ لِأَنّ الْأَسَاوِرَةَ هُمْ الْمُلُوكُ، وَبِمَعْنَاهُمَا عَلَى التّضْيِيقِ عَلَيْهِ لِكَوْنِ السّوَارِ مُضَيّقًا عَلَى الذّرَاعِ.
زَيْدُ الْخَيْلِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ زَيْدَ الْخَيْلِ، وَهُوَ زَيْدُ بْنُ مُهَلْهِلِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُنْهِبٍ، يكنى: أبا مكنف الطّائىّ، واسم طيّئ أُدَدُ، وَقِيلَ لَهُ: زَيْدُ الْخَيْلِ لِخَمْسِ أَفْرَاسٍ، كَانَتْ لَهُ، لَهَا أَسْمَاءُ أَعْلَامٍ ذَهَبَ عَنّي حِفْظُهَا الْآنَ «١» .
وَذَكَرَ قَوْلَهُ ﷺ: إنْ يَنْجُ زَيْدٌ مِنْ حُمّى الْمَدِينَةِ.
أَسْمَاءُ الْحُمّى:
قَالَ الرّاوِي: وَلَمْ يُسَمّهَا بِاسْمِهَا الْحُمّى، وَلَا أُمّ مَلْدَمٍ، سَمّاهَا بِاسْمٍ آخَرَ ذَهَبَ عَنّي، وَالِاسْمُ الّذِي ذَهَبَ عَنْ الرّاوِي مِنْ أَسْمَاءِ الْحُمّى، هُوَ أُمّ كُلْبَةَ، ذُكِرَ لِي أَنّ أَبَا عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ فِي مَقَاتِلِ الْفُرْسَانِ، وَلَمْ أَرَهُ، وَلَكِنْ رَأَيْت الْبَكْرِيّ ذَكَرَهُ فِي بَابٍ أَفْرَدَهُ مِنْ أَسْمَاءِ الْبِلَادِ، وَلَهَا أَيْضًا اسْمٌ سِوَى هَذِهِ الْأَسْمَاءِ ذَكَرَهُ ابْنُ دريد فى الجمهرة، قَالَ: سَبَاطِ، مِنْ أَسْمَاءِ الْحُمّى عَلَى وَزْنِ
_________________
(١) ضبط منهب فى السمط بوزن منبر، ويقول البكرى: «وإنما سمى زيد الخيل لكثرة خيله، لأنه لم يكن لأحد من قومه، ولا لكثير من العرب إلا الفرس والفرسان، وكانت لزيد خيل كثيرة، فالتى ذكر منها فى شعره ستة: الهطال والكميت والورد والكامل وذؤل، «ولاحق» .
[ ٧ / ٤٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَقَاشِ، وَأَمّا أُمّ مَلْدَمٍ، فَيُقَالُ بِالدّالِ، وَبِالذّالِ وَبِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا، وَهُوَ [مِنْ] اللّدْمِ وَهُوَ شِدّةُ الضّرْبِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُمّ كُلْبَةَ هَذَا الِاسْمُ مُغَيّرًا مِنْ كُلْبَةٍ بِضَمّ الْكَافِ؛ والكلبة شدّة الرّعدة، وكلب البرد سدائده، فَهَذِهِ أُمّ كُلْبَةَ بِالْهَاءِ، وَهِيَ الْحُمّى، وَأَمّا أُمّ كُلْبٍ، فَشَجَرَةٌ لَهَا نُورٌ حَسَنٌ، وَهِيَ إذَا حُرّكَتْ أَنْتَنُ شَيْءٍ، وَزَعَمَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنّ الْغَنَمَ إذَا مَسّتْهَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَقْرَبَ الْغَنَمَ لَيْلَتَهَا تِلْكَ مِنْ شدة إنتانها.
خبر زَيْدٍ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى:
وَذَكَرَ فِي خَبَرِ زَيْدِ الْخَيْلِ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيّ الْبَغْدَادِيّ مَا هَذَا نَصّهُ: خَرَجَ نفر من طىّء يريدون النبىّ ﵇ بِالْمَدِينَةِ وُفُودًا، وَمَعَهُمْ زَيْدُ الْخَيْلِ، وَوَزَرُ بْنُ سُدُوسٍ النّبْهَانِيّ وَقَبِيصَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ جُوَيْنٍ الْجِرْمِيّ، وَهُوَ النّصْرَانِيّ، وَمَالِكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَيْبَرِيّ بْنِ أَفْلَتَ بْنِ سَلْسَلَةَ وَقُعَيْنُ بْنُ خُلَيْفٍ الطّرِيفِيّ رَجُلٌ مِنْ جَدِيلَةَ، ثُمّ مِنْ بَنِي بَوْلَانَ، فَعَقَلُوا رَوَاحِلَهُمْ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَدَخَلُوا، فَجَلَسُوا قَرِيبًا مِنْ النّبِيّﷺ- حَيْثُ يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ، فَلَمّا نَظَرَ النّبِيّﷺ- إلَيْهِمْ، قَالَ: إنّي خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ الْعُزّى، وَلَاتِهَا، وَمِنْ الْجَمَلِ الْأَسْوَدِ الّذِي تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، وَمِمّا حَازَتْ مِنَاع «١»، مِنْ كُلّ ضَارٍ غَيْرِ نَفّاعٍ، فَقَامَ زَيْدُ الْخَيْلِ، فَكَانَ مِنْ أَعْظَمِهِمْ خُلُقًا وَأَحْسَنِهِمْ وَجْهًا وَشِعْرًا، وَكَانَ يركب الفرس العظيم الطويل
_________________
(١) فى معجم البكرى: مناع: هضبة فى جبال طىء، أو هو اسم لأجأ، سمى بذلك لا متناعهم فيه من ملوك العرب والعجم.
[ ٧ / ٤٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَتَخُطّ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ كَأَنّهُ حِمَارٌ، فَقَالَ لَهُ النّبِيّ ﷺ- وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ: الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَتَى بِك مِنْ سَهْلِك وَحَزَنِك، وَسَهّلَ قَلْبَك لِلْإِيمَانِ، ثُمّ قَبَضَ عَلَى يَدِهِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا زَيْدُ الْخَيْلِ بْنُ مُهَلْهِلٍ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ، وَأَنّك عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، فَقَالَ لَهُ: بَلْ أنت زيد الخير، ثُمّ قَالَ: يَا زَيْدُ مَا خُبّرْت عَنْ رَجُلٍ شَيْئًا قَطّ إلّا رَأَيْته دُونَ مَا خُبّرْت عَنْهُ غَيْرَك، فَبَايَعَهُ، وَحَسُنَ إسْلَامُهُ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا عَلَى مَا أَرَادَ، وَأَطْعَمَهُ قِرًى كَثِيرَةً، مِنْهَا: فَيْدٌ، وَكَتَبَ لِكُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى قَوْمِهِ إلّا وَزَرَ بْنَ سُدُوسٍ، فَقَالَ: إنّي لَأَرَى رَجُلًا لَيَمْلِكَنّ رِقَابَ الْعَرَبِ، وَلَا وَاَللهِ لَا يَمْلِكُ رَقَبَتِي عَرَبِيّ أَبَدًا، ثُمّ لَحِقَ بِالشّامِ، وَتَنَصّرَ وَحَلَقَ رَأْسَهُ، فَلَمّا قَامَ زَيْدٌ مِنْ عِنْدِ النّبِيّ ﷺ، قَالَ: أَيْ فَتًى لَمْ تُدْرِكْهُ أُمّ كُلْبَةَ، يَعْنِي: الْحُمّى، وَيُقَالُ: بَلْ قَالَ: إنْ نَجَا مِنْ آجَامِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ زَيْدٌ حِينَ انْصَرَفَ:
أُنِيخَتْ بِآجَامِ الْمَدِينَةِ أَرْبَعًا وَعَشْرًا يُغَنّي فَوْقَهَا اللّيْلَ طَائِرُ
فَلَمّا قَضَتْ أَصْحَابُهَا كُلّ بُغْيَةٍ وَخَطّ كِتَابًا فِي الصّحِيفَةِ سَاطِرُ
شَدَدْت عَلَيْهَا رَحْلَهَا وَشَلِيلَهَا مِنْ الدّرْسِ وَالشّعْرَاءِ وَالْبَطْنُ ضَامِر
الدّرْسُ: الْجَرَبُ. وَالشّعْرَاءُ: ذُبَابٌ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيّ فِي حَدِيثِهِ:
وَأَهْدَى زَيْدٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مخذما وَالرّسُوبَ، وَكَانَا سَيْفَيْنِ لِصَنَمِ بَلِيّ الْفَلْسِ «١»، فَلَمّا انْصَرَفُوا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
_________________
(١) الفلس بضم الفاء واللام، أو سكونها أو بفتح الفاء وسكون اللام هو-
[ ٧ / ٤٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَا قَدِمَ عَلَيّ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ يُفَضّلُهُ قَوْمُهُ إلّا رَأَيْته دُونَ مَا يُقَالُ إلّا مَا كَانَ مِنْ زَيْدٍ، فَإِنْ يَنْجُ زَيْدٌ مِنْ حُمّى الْمَدِينَةِ فَلِأَمْرٍ مَا هُوَ. وَقَوْلُهُ:
أَلَا رُبّ يَوْمٍ لَوْ مَرِضْت لَعَادَنِي عَوَائِدُ مَنْ لَمْ يُبْرَ مِنْهُنّ يُجْهَدْ
وَبَعْدَهُ:
فَلَيْتَ اللّوَاتِي عُدْنَنِي لَمْ يَعُدْنَنِي وَلَيْتَ اللّوَاتِي غِبْنَ عَنّي شُهّدِي
قُدُومُ عَدِيّ بْنِ حَاتِمٍ وَهُوَ عَدِيّ بْنُ حَاتِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سعد بن حشرج بن امرىء القيس ابن عَدِيّ «١» بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ جَرْوَلَ بْنِ ثُعَلَ بن عمرو بن الغوث بن طيّئ، يُكَنّى أَبَا ظَرِيفٍ «٢»، وَحَدِيثُ إسْلَامِهِ صَحِيحٌ عَجِيبٌ خَرّجَهُ التّرْمِذِيّ، وَأُخْتُهُ الّتِي ذُكِرَ إسْلَامُهَا أَحْسَبُ اسْمَهَا سَفّانَةَ، لِأَنّي وَجَدْت فِي خَبَرٍ عَنْ امْرَأَةِ حَاتِمٍ تَذْكُرُ فِيهِ مِنْ سَخَائِهِ قَالَتْ: فَأَخَذَ حَاتِمٌ عَدِيّا يُعَلّلُهُ مِنْ الْجُوعِ، وَأَخَذْت أَنَا سَفّانَةَ، وَلَا يُعْرَفُ لِعَدِيّ وَلَدًا نُقْرَضُ عقبه، ولحاتم عقب من قبل
_________________
(١) - صنم طىء الذى بعث النبى «ص» عليا لهدمه سنة تسع. وكان آنقا أحمر فى وسط أجأ كأنه تمثال إنسان. وأخذ سيفين مشهورين يقال لهما المخذم ورسوب كان الحارث بن أبى شمر الغسلان؟؟؟ قلده إياهما. أنظر الطبرى ص ١٧٧ ج ٣ ط المعارف، ولسان العرب مادة خذم والمراصد.
(٢) فى إمتاع الأسماع بعد عدى: ابن أخزم بن أبى أخزم بن ربيعة بن ثعل ابن جرول.
(٣) فى الإصابة: طريف.
[ ٧ / ٤٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَبْدِ اللهِ بْنِ حَاتِمٍ، ذَكَرَهُ الْقُتَبِيّ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ بِنْتٌ إلّا سَفّانَةُ، فَهِيَ إذًا هَذِهِ الْمَذْكُورَةُ فِي السّيرَةِ وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَأُمّ حاتم: عنبة «١» بنت عفيف [بن عمرو «٢» ابن عَبْدِ الْقَيْسِ] كَانَتْ مِنْ أَكْرَمِ النّاسِ وَهِيَ الّتِي تَقُولُ:
لَعَمْرِي لَقَدْ مَا عَضّنِي الْجُوعُ عَضّةً فَآلَيْت أَلّا أَحْرِمَ الدّهْرَ جَائِعًا «٣»
وَالسّفّانَةُ: الدّرّةُ، وَبِهَا كَانَ يُكَنّى حَاتِمٌ.
حَدِيثُ فَرْوَةَ «مَعْنَى قَرْوٍ» .
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ حَدِيثَ فَرْوَةَ وَقَوْلَهُ:
طَرَقَتْ سُلَيْمَى مَوْهِنًا أَصْحَابِي وَالرّومُ بَيْنَ الْبَابِ وَالْقِرْوَانِ «٤»
الْقِرْوَانُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ قرو، وهو حوض الماء مثل صنوان،
_________________
(١) قال عنها القالى: غنية بِنْتُ عَفِيفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْقَيْسِ. وقال البكرى: وصواب اسمها عنبة.. وقد تصحف فى عامة الكتب بعتبة وغنية. ص ٢٣ ح ٣ ط ٢ الأمالى وص ١٣ ح ٣ سمط اللآلى.
(٢) الزيادة من الأمالى المكان السابق.
(٣) فى الأمالى ألا أمنع، وقد حجر أهلها عليها لإتلافها ما لها فى الكرم، فلما ظنوا أنها قد وجدت الم ذلك أعطوها صرمة من إبلها، فجامتها هوازنية فأعطتها إياها، ثم أنشدت هذا البيت، وبعده: فقولا لهذا اللائم اليوم أعفنى فإن أنت لم تفعل فعض الأصابعا فماذا عسيتم أن تقولوا لأختكم سوى عذلكم أو عذل من كان مانعا ولا ما ترون الخلق إلا طبيعة فكيف بتركى يابن أم الطبائعا ص ٢٤ ح ٣ الأمالى ط ١.
(٤) هذا البيت ليس فى السيرة.
[ ٧ / ٤٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ: قَرِيّ مِثْلُ صَلِيبٍ وَصُلْبَانٍ. وَأَصَحّ مَا قِيلَ فِي الْقَرْوِ إنّهُ حُوَيْضٌ مِنْ خَشَبٍ تُسْقَى فِيهِ الدّوَابّ، وَتَلِغُ فِيهِ الْكِلَابُ، وَفِي الْمَثَلِ: مَا فِيهَا لَاعِي قَرْوٍ، أَيْ: «١» مَا فِي الدّارِ حَيَوَانٌ، وَأَرَادَ: بِلَاعِي قَرْوٍ، لَاعِقَ قَرْوٍ، وَقَلَبَ الْقَافَ الْأُولَى يَاءً لِلتّضْعِيفِ.
إبْدَالُ آخِرِ حَرْفٍ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ:
وَحَسّنَ ذَلِكَ أَنّهُ اسْمُ فَاعِلٍ، وَقَدْ يُبْدِلُونَ مِنْ آخِرِ حَرْفٍ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ يَاءً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمّ تَضْعِيفٌ، كَقَوْلِهِمْ فِي الْخَامِسِ: خَامِيهِمْ، وَفِي سَادِسِهِمْ سَادِيهِمْ، وَكَذَلِكَ إلَى الْعَاشِرِ؛ وَنَحْوٌ مِنْهُ: مَا أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ.
وَلِضَفَادِي جَمّهِ نَقَانِقُ «٢»
أَيْ لِضَفَادِعِ جَمّهِ، وَأَنْشَدَ:
من الثّعالى ووخز من أرانبها «٣»
_________________
(١) فى الأصل: قروائى.
(٢) فى الأصل: جبه. وأول البيت: ومنهل ليس له حوازق وقيل: إن صانع البيت: خلف الأحمر. والحوازق الجماعات. والجم: جمع جمة، وهى معظم الماء ومجتمعه ص ٣٤٤ ح ١ كتاب سيبويه.
(٣) البيت لرجل من بنى يشكر. وأوله: لها أشارير من لحم تتمره والأشارير: جمع إشرارة وهى القطعة من اللحم يجفف للادخار. وتتمره: تجففه. والبيت فى وصف عقاب «المصدر السابق» .
[ ٧ / ٤٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أَرَادَ الثّعَالِبَ وَأَرَانِبِهَا، وَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْرُوفًا فَلَاعِي قَرْوٍ أَحَقّ أَنْ يُقْلَبَ آخِرُهُ يَاءً كَرَاهَةَ اجْتِمَاعِ قَافَيْنِ. وَذَكَرَ قُدُومَ وَفْدِ كِنْدَةَ، وَفِيهِ قَوْلُهُ ﵇: لَا نَقْفُو أُمّنَا، وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا، وَفِي هَذَا مَا يَدُلّ عَلَى أَنّ الْأَشْعَثَ قَدْ أَصَابَ فِي بَعْضِ قَوْلِهِ: نَحْنُ وَأَنْتَ بَنُو آكِلِ الْمُرَارِ، وَذَلِكَ أَنّ فِي جَدّاتِ النّبِيّ ﷺ مَنْ هِيَ مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ، مِنْهُنّ: دَعْدُ بِنْتُ سُرَيْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْكِنْدِيّ الْمَذْكُورِ، وَهِيَ أُمّ كِلَابِ بْنِ مُرّةَ، وَقِيلَ: بَلْ هِيَ جَدّةُ كِلَابٍ أُمّ أُمّهِ هِنْدٍ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ هِنْدًا هَذِهِ، وَأَنّهَا وَلَدَتْ كِلَابًا. قُدُومُ وَفْدِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ ذَكَرَ فِيهِمْ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَدَانِ، وَاسْمُ عَبْدِ الْمَدَانِ عَمْرُو بْنُ الدّيّانِ، وَالدّيّانُ اسْمُهُ: يَزِيدُ بْنُ قَطَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ بن كعب ابن الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ الْحَارِثِيّ. وَذَكَرَ فِيهِمْ أَيْضًا ذَا الْغُصّةِ، وَاسْمُهُ الْحُصَيْنُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ شَدّادٍ الْحَارِثِيّ، وَقِيلَ لَهُ: ذُو الْغُصّةِ، لِغُصّةٍ كَانَتْ فِي حَلْقِهِ لَا يَكَادُ يُبِينُ مِنْهَا، وذكره عمر ابن الْخَطّابِ يَوْمًا، فَقَالَ: لَا تُزَادُ امْرَأَةٌ فِي صَدَاقِهَا عَلَى كَذَا وَكَذَا، وَلَوْ كَانَتْ بِنْتَ ذِي الْغُصّةِ. وَذَكَرَ فِيهِمْ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ اللهِ الضّبَابِيّ، وَهُوَ ضِبَابٌ بِكَسْرِ الضّادِ فِي بنى الحارث بن كعب بن مذحج، وَضِبَابٌ أَيْضًا فِي قُرَيْشٍ وَهُوَ ابْنُ حُجَيْرِ
[ ٧ / ٤٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن عَبْدِ بْنِ مَعِيصِ بْنِ عَامِرٍ أَخُو حَجَرِ بْنِ عَبْدٍ، وَفِي حَجَرٍ وَحُجَيْرٍ يَقُولُ الشّاعِرُ:
أُنْبِئْت أَنّ غُوَاةً مِنْ بَنِي حَجَرٍ وَمِنْ حُجَيْرٍ بِلَا ذَنْبٍ أَرَاغُونِي
أَغْنُوا بَنِي حَجَرٍ عَنّا غُوَاتَكُمْ وَيَا حُجَيْرُ إلَيْكُمْ لا تبوروني
والضّباب فِي بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَهُمْ ضِبَابٌ وَمُضِبّ وَحِسْلٌ وَحُسَيْلٌ بَنُو مُعَاوِيَةَ بْنِ كِلَابٍ، وَأَمّا الضّبَابُ بِالْفَتْحِ، فَفِي نَسَبِ النّابِغَةِ الذّبْيَانِيّ ضَبَابُ بْنُ يَرْبُوعِ بْنِ غَيْظٍ، وَأَمّا الضّبَابُ بِالضّمّ فَزَيْدٌ وَمَنْجَا «١» ابْنَا ضُبَابٍ مِنْ بَنِي بَكْرٍ، ذَكَرَهُ الدّارَقُطْنِيّ.
وُفُودُ رِفَاعَةَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ وُفُودَ رِفَاعَةَ الضّبَيْبِيّ، وَأَنّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ غُلَامًا، وَذَلِكَ الْغُلَامُ هُوَ الّذِي يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ، وَقَعَ ذِكْرُهُ فِي الْمُوَطّإِ «٢» .
وَذَكَرَ وَفْدَ هَمْدَانَ، وَمَالِكَ بْنَ نَمَطٍ الْهَمْدَانِيّ الّذِي يُقَالُ لَهُ ذُو الْمِشْعَارِ، وَكُنْيَتُهُ: أَبُو ثَوْرٍ وَقَعَ فِي النّسْخَةِ، وَفِي أَكْثَرِ النّسَخِ: وَأَبُو ثَوْرٍ بِالْوَاوِ، كَأَنّهُ غَيْرُهُ، وَالصّوَابُ سُقُوطُ الْوَاوِ، لِأَنّهُ هُوَ هُوَ، وَقَدْ يخرج إثبات الواو على
_________________
(١) فى القاموس: والمنجى للمفعول: سيف واسم.
(٢) وقع ذكره أيضا فى الصحيحين من طريق سالم مولى ابن مطيع عن أبى هريرة فى فتح خيبر. وفيه أن مدعما أصابه سهم عائر فقتله.
[ ٧ / ٤٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إضْمَارِ هُوَ، كَأَنّهُ قَالَ: وَهُوَ أَبُو ثَوْرٍ ذُو الْمِشْعَارِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقَالَ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ: مَالِكٌ ذُو الْمِشْعَارِ، وَذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ فَقَالَ: هُوَ ذُو الْمِشْعَارِ يُكَنّى: أَبَا ثَوْرٍ، وَفِي الْكِتَابِ الّذِي كَتَبَهُ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللهِ إلَى مِخْلَافِ خَارِفٍ وَيَامٍ وَأَهْلِ جَنَابِ الْهَضْبِ وَحِقَافِ الرّمْلِ مَعَ وَافِدِهَا ذِي الْمِشْعَارِ مَالِكِ بْنِ نَمَطٍ، فَهَذَا كُلّهُ يَدُلّ عَلَى أَنّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ: وَأَبُو ثَوْرٍ ذُو الْمِشْعَارِ لَا مَعْنَى لَهُ.
وَقَوْلُهُ: عَلَيْهِمْ مُقَطّعَاتُ الْحِبَرَاتِ: الْمُقَطّعَاتُ مِنْ الثّيَابِ فِي تَفْسِيرِ أَبِي عُبَيْدٍ، هِيَ الْقِصَارُ، وَاحْتَجّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ فِي صَلَاةِ الضّحَى إذَا انْقَطَعَتْ الظّلَالُ، أَيْ: قَصُرَتْ، وَبِقَوْلِهِمْ فِي الْأَرَاجِيزِ: مُقَطّعَاتٍ، وَخَطّأَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي هَذَا التّأْوِيلِ، وَقَالَ: إنّمَا الْمُقَطّعَاتُ الثّيَابُ الْمَخِيطَةُ كَالْقُمُصِ وَنَحْوِهَا، سُمّيَتْ بِذَلِكَ، لِأَنّهَا تُقَطّعُ وَتُفَصّلُ ثُمّ تُخَاطُ «١»، وَاحْتَجّ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَفِيهِ أَنّهُ خَرَجَ وَعَلَيْهِ مُقَطّعَاتٌ يَجُرّهَا، فَقَالَ لَهُ شَيْخٌ مِنْ بَنِي أُمَيّةَ: لَقَدْ رَأَيْت أَبَاك، وَكَانَ مُشَمّرًا غَيْرَ جَرّارٍ لِثِيَابِهِ، فَقَالَ لَهُ الْفَتَى: لَقَدْ هَمَمْت بِتَقْصِيرِهَا، فَمَنَعَنِي قَوْلُ الشّاعِرِ فِي أَبِيك:
قَصِيرُ الثّيَابِ فَاحِشٌ عِنْدَ ضَيْفِهِ لِشَرّ قُرَيْشٍ «٢» فى قريش مركّبا
_________________
(١) فى شرح السيرة لأبى ذر: مقطعات: ثياب وشى يصنع باليمن. والميس خشب تصنع منه الرجال التى تكون على ظهر الإبل.
(٢) فى السمط: عند بيته وشر قريش. والقصة أن هشام بن عبد الملك خرج وهو سوقة إلى بيت المقدس، فمر بدمشق، فلقيه محمد بن الضحاك بن قيس-
[ ٧ / ٤٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالظّاهِرُ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِمْ مُقَطّعَاتُ الْحِبَرَاتِ مَا قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وَلَا مَعْنَى لِوَصْفِهَا بِالْقِصَرِ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ. وَالْمَهْرِيّةُ مَنْسُوبَةٌ إلَى مَهْرَةَ بن حيدان «١» ابن الخاف بْنِ قُضَاعَةَ «٢» . وَالْأَرْحَبِيّةُ: مَنْسُوبَةٌ إلَى أَرْحَبَ بَطْنٍ مِنْ هَمْدَانَ.
وَيَامٌ هُوَ يَامُ بْنُ أُصْبَى، وَخَارِفُ بْنُ الْحَارِثِ بَطْنَانِ مِنْ هَمْدَانَ يُنْسَبُ إلَى يَامٍ: زُبَيْدُ [بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ] الْيَامِيّ الْمُحَدّثُ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ فِيهِ: الْأَيَامِيّ. وَالْفِرَاعُ: مَا عَلَا مِنْ الْأَرْضِ. وَالْوِهَاطُ: مَا انْخَفَضَ مِنْهَا، وَاحِدُهَا: وَهْطٌ. وَلَعْلَعٌ: اسْمُ جَبَلٍ. وَالصّلّعُ: الْأَرْضُ الْمَلْسَاءُ. وَالْخَفَيْدَدُ:
وَلَدُ النّعَامَةِ. وَالْهِجَفّ: الضّخْمُ.
وَذَكَرَ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكرب، وقيس بن مكشوح.
_________________
(١) - الفهرى، وهو واليها يومئذ، وعلى هشام ثياب يجرها، فقال له: أما رأيت أمير المؤمنين عبد الملك يعرض له بجر ثيابه؟ فقال هشام: بلى، قال: فكيف رأيته؟ قال مهجرا مشمرا، قال: فما بالك أنت؟ قال: فعلت هذا لقول الشاعر. ثم ذكر للبيت. أنظر ص ١٦٥ سمط اللآلى، وص ١٧٤ ح ٦ الحيوان للجاحظ.
(٢) فى الأصل: المهدية ومهدة بن حيران وهو خطأ وهو فى الاشتقاق: مهرة بن حيدان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وصوابه حيدان بن عمرو بن الحاف، وكذا فى جهرة الأنساب لابن الكلبى، وفى الجمهرة لابن حزم، أنظر ص ٥٥٢ الاشتقاق. ص ٥٢ قلائد الجمان للقلقشندى ولكنهم فى كتابه نهاية الأرب مهرة بين حيدان بن عمران بن الحافى بن قضاعة ص ٢٤٧ وانظر ص ٤١٢ الجمهرة لابن حزم وص ٢٩٦ ج ٢ نهاية الأرب للنويرى.
(٣) ابن الحارث بن عبد الكريم زيادة من لباب الأنساب، وأصبى كما ورد فى اللباب ابن رافع بن مالك بن حسم بن حاشد بن جشم بن خيوان بن نوف بن همدان.
[ ٧ / ٤٥٦ ]
[حجة الوداع]
[تجهز الرسول واستعماله على المدينة أبا دجانة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ذُو الْقَعَدَةِ، تَجَهّزَ لِلْحَجّ، وَأَمَرَ النّاسَ بِالْجَهَازِ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبِيّ ﷺ، قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْحَجّ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعَدَةِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ أبا دجانة الساعدى، ويقال: سباع ابن عرفطة الغفارىّ.
ــ
وَذَكَرَ فِي الشّعْرِ:
تُلَاقِ شَنْبَثًا شَثْنَ الْ بَرَاثِنِ نَاشِزًا قَتَدَهْ «١»
أَلْفَيْت بِخَطّ الشّيْخِ أَبِي بَحْرٍ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ قَالَ: قَالَ الْقَاضِي: لَا أَعْرِفُ شَنْبَثًا الْآنَ، وَلَعَلّهُ تُلَاقِ شَرْ نَبَثًا «٢»، وَجَزَمَ تُلَاقِ لِمَا فِي قَوْلِهِ:
فَلَوْ لَاقَيْتنِي مِنْ قُوّةِ الشّرْطِ، فَكَأَنّهُ أَرَادَ: إنْ لا قيتنى تلاق.
_________________
(١) فى السيرة: كنده
(٢) للغليظ الكفين والرجلين والأشد.
[ ٧ / ٤٥٧ ]
[مَا أَمَرَ بِهِ الرّسُولُ عَائِشَةَ فِي حَيْضِهَا]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَا يَذْكُرُ وَلَا يَذْكُرُ النّاسُ إلّا الْحَجّ، حَتّى إذَا كَانَ بِسَرِفٍ وَقَدْ سَاقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُ الْهَدْيَ وَأَشْرَافٌ مِنْ أَشْرَاف النّاسِ، أَمَرَ النّاسَ أَنْ يُحِلّوا بِعُمْرَةِ، إلّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ؛ قَالَتْ: وَحِضْت ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَدَخَلَ عَلَيّ وأنا أبكى، فقال: مالك يَا عَائِشَةُ؟ لَعَلّك نُفِسْت؟ قَالَتْ:
قُلْت: نَعَمْ، وَاَللهِ لَوَدِدْت أَنّي لَمْ أَخْرُجْ مَعَكُمْ عَامِي فِي هَذَا السّفَرِ؛ فَقَالَ:
لَا تَقُولِنّ ذَلِكَ، فَإِنّك تَقْضِينَ كُلّ مَا يَقْضِي الْحَاجّ إلّا أَنّك لَا تَطُوفِينَ بِالْبَيْتِ قَالَتْ: وَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكّةَ، فَحَلّ كُلّ مَنْ كَانَ لَا هَدْيَ مَعَهُ، وَحَلّ نِسَاؤُهُ بِعُمْرَةٍ، فَلَمّا كَانَ يَوْمُ النّحْرِ أُتِيتُ بِلَحْمِ بَقَرٍ كَثِيرٍ، فَطُرِحَ فِي بَيْتِي، فَقُلْت: مَا هَذَا؟ قَالُوا: ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ، حَتّى إذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ، بَعَثَ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ أَخِي عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَأَعْمَرَنِي مِنْ التّنعيم، مكان عمرتى التى فاتتنى.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي نَافِعٌ، مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عمر، عن حفصة بنت عُمَرَ، قَالَتْ: لَمّا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ أَنْ يُحْلِلْنَ بِعُمْرَةٍ، قُلْنَ: فَمَا يَمْنَعُك يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ تُحِلّ مَعَنَا؟ فَقَالَ:
إنّي أَهْدَيْتُ وَلَبّدْت، فَلَا أُحِلّ حَتّى أَنْحَرَ هَدْيِي.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٥٨ ]
[مُوَافَاةُ عَلِيّ فِي قُفُولِهِ مِنْ الْيَمَنِ رَسُولَ الله فى الحج]
[ما أمر به الرسول عليّا من أمور الحج]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ بَعَثَ عَلِيّا ﵁ إلَى نَجْرَانَ، فَلَقِيَهُ بِمَكّةَ وَقَدْ أَحْرَمَ، فَدَخَلَ عَلَى فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرِضَى عَنْهَا، فَوَجَدَهَا قد حلّت وتهيّأت، فقال: مالك يَا بِنْتَ رَسُولِ اللهِ؟ قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَحِلّ بِعُمْرَةِ فَحَلَلْنَا. ثُمّ أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَلَمّا فَرَغَ مِنْ الْخَبَرِ عَنْ سَفَرِهِ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، انْطَلِقْ فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَحِلّ كَمَا حَلّ بِأَصْحَابِك. قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إنّي أَهْلَلْتُ كَمَا أَهْلَلْتَ؛ فَقَالَ: ارْجِعْ فَاحْلِلْ كَمَا حَلّ أَصْحَابُك؛ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي قُلْت حِينَ أَحْرَمْتُ: اللهُمّ إنّي أُهِلّ بِمَا أَهَلّ بِهِ نَبِيّك وَعَبْدُك وَرَسُولُك مُحَمّدٌ ﷺ؛ قَالَ: فَهَلْ مَعَك مِنْ هَدْيٍ؟ قَالَ: لَا. فَأَشْرَكَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي هَدْيِهِ، وَثَبَتَ عَلَى إحْرَامِهِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حَتّى فَرَغَا مِنْ الْحَجّ، وَنَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْهَدْيَ عنهما.
[شَكَا عَلِيّا جَنَدُهُ إلَى الرّسُولِ لِانْتِزَاعِهِ عَنْهُمْ حُلَلًا مِنْ بَزّ الْيَمَنِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ، قَالَ: لَمّا أَقْبَلَ عَلِيّ ﵁ مِنْ الْيَمَنِ لِيَلْقَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَكّةَ، تَعَجّلَ إلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٥٩ ]
عَلَيْهِ وَسَلّمَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى جُنْدِهِ الّذِينَ مَعَهُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَعَمِدَ ذَلِكَ الرّجُلُ فَكَسَا كُلّ رَجُلٍ مِنْ الْقَوْمِ حُلّةً مِنْ الْبَزّ الّذِي كَانَ مَعَ عَلِيّ ﵁.
فَلَمّا دَنَا جَيْشُهُ خَرَجَ لِيَلْقَاهُمْ، فَإِذَا عَلَيْهِمْ الْحُلَلُ؛ قَالَ: وَيْلَك! مَا هَذَا؟ قَالَ:
كَسَوْت الْقَوْمَ لِيَتَجَمّلُوا بِهِ إذَا قَدِمُوا فِي النّاسِ، قَالَ: وَيْلك! انْزِعْ قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ: فَانْتَزَعَ الْحُلَلَ مِنْ النّاسِ، فَرَدّهَا فِي الْبَزّ، قَالَ: وَأَظْهَرَ الْجَيْشَ شَكْوَاهُ لِمَا صُنِعَ بِهِمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ عَمّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبٍ، وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، قَالَ: اشْتَكَى النّاسُ عَلِيّا رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِينَا خَطِيبًا، فَسَمِعْته يَقُولُ: أَيّهَا النّاسُ، لا تشكوا عليّا، فو الله إنّهُ لَأَخْشَنُ فِي ذَاتِ اللهِ، أَوْ فِي سَبِيلِ اللهِ، مِنْ أَنْ يُشْكَى.
[خُطْبَةُ الرّسُولِ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى حَجّهِ، فَأَرَى النّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجّهِمْ، وَخَطَبَ النّاسَ خُطْبَتَهُ الّتِي بَيّنَ فِيهَا مَا بَيّنَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمّ قَالَ: أَيّهَا النّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنّي لَا أَدْرِي لَعَلّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيّهَا النّاسُ، إنّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٦٠ ]
وَقَدْ بَلّغْت، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنّ كُلّ رِبًا موضوع، ولكن لكم رؤس أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ.
قَضَى اللهُ أنه لاربا، وَإِنّ رِبَا عَبّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلّهُ، وَأَنّ كُلّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيّةِ موضوع، وإن أوّل دمائكم أضع دم ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيّةِ. أَمّا بَعْدُ أَيّهَا النّاسُ، فَإِنّ الشّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيّهَا النّاسُ: إنّ النّسِيءَ زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا، يُحِلّونَهُ عَامًا وَيُحَرّمُونَهُ عَامًا، لِيُوَاطِئُوا عِدّةَ مَا حَرّمَ اللهُ، فَيَحِلّوا مَا حَرّمَ اللهُ، وَيُحَرّمُوا مَا أَحَلّ اللهُ.
وَإِنّ الزّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنّ عِدّةَ الشّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمّا بَعْدُ أَيّهَا النّاسُ، فَإِنّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقّا، وَلَهُنّ عَلَيْكُمْ حَقّا، لَكُمْ عَلَيْهِنّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنّ رِزْقُهُنّ وَكُسْوَتُهُنّ بِالْمَعْرُوفِ، وَاسْتَوْصُوا بِالنّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنّهُنّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنّ شَيْئًا، وَإِنّكُمْ إنّمَا أَخَذْتُمُوهُنّ بِأَمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنّ بِكَلِمَاتِ اللهِ، فَاعْقِلُوا أَيّهَا النّاسُ قَوْلِي، فَإِنّي قَدْ بَلّغْت، وقد تركت
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٦١ ]
فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيّنًا، كِتَابَ اللهِ وَسُنّةَ نَبِيّهِ.
أَيّهَا النّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلّمُنّ أَنّ كُلّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فلا يحل لا مرئ مِنْ أَخِيهِ إلّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ؛ فَلَا تَظْلِمُنّ أَنَفْسَكُمْ، اللهُمّ هَلْ بَلّغْت؟
فَذُكِرَ لِي أَنّ النّاسَ قَالُوا: اللهُمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
اللهم اشهد.
[اسْمُ الصّارِخِ بِكَلَامِ الرّسُولِ وَمَا كَانَ يُرَدّدُهُ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبّادٍ قَالَ: كَانَ الرّجُلُ الّذِي يَصْرُخُ فِي الناس بقول رسول الله ﷺ وهو بعرفة، رَبِيعَة بْنُ أُمَيّةَ بْنِ خَلْفٍ. قَالَ: يَقُولُ له رسول الله ﷺ: قُلْ يَا أَيّهَا النّاسُ، إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:
هَلّا تَدْرُونَ أَيّ شَهْرٍ هَذَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ، فَيَقُولُونَ: الشّهْرُ الْحَرَامُ، فَيَقُولُ:
قُلْ لَهُمْ: إنّ اللهَ قَدْ حَرّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبّكُمْ كَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا؛: ثُمّ يَقُولُ: قُلْ: يَا أَيّهَا النّاسُ، إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: هَلْ تَدْرُونَ أَيّ بَلَدٍ هَذَا؟ قَالَ: فَيَصْرُخُ بِهِ، قَالَ:
فَيَقُولُونَ. الْبَلَدُ الْحَرَامُ، قَالَ: فَيَقُولُ: قُلْ لَهُمْ: إنّ اللهَ قَدْ حَرّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ إلَى أن تقلوا رَبّكُمْ، كَحُرْمَةِ بَلَدِكُمْ هَذَا. قَالَ: ثُمّ يَقُولُ: قُلْ: يَا أَيّهَا النّاسُ، إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: هَلْ تَدْرُونَ أَيّ يَوْمٍ هَذَا؟
قَالَ: فَيَقُولُهُ لَهُمْ. فَيَقُولُونَ: يَوْمُ الْحَجّ الْأَكْبَرِ؛ قَالَ: فَيَقُولُ: قُلْ لَهُمْ:
إنّ اللهَ قَدْ حَرّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٦٢ ]
[رِوَايَةُ ابْنِ خَارِجَةَ عَمّا سَمِعَهُ مِنْ الرّسُولِ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ الْأَشْعَرِيّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ قَالَ: بَعَثَنِي عَتّابُ بْنُ أَسِيدٍ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، فَبَلَغَتْهُ، ثُمّ وَقَفْت تَحْتَ نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَإِنّ لُغَامَهَا لَيَقَعُ عَلَى رَأْسِي، فَسَمِعْته وَهُوَ يَقُولُ: أَيّهَا النّاسُ، إنّ اللهَ قَدْ أَدّى إلَى كُلّ ذِي حَقّ حَقّهُ، وَإِنّهُ لَا تَجُوزُ وَصِيّةٌ لِوَارِثِ، وَالْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَمَنْ ادّعَى إلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ تَوَلّى غَيْرَ مَوَالِيَهُ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا.
[بَعْضُ تَعْلِيمِ الرّسُولِ فِي الْحَجّ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ: أن رسول الله ﷺ حِينَ وَقَفَ بِعَرَفَةَ، قَالَ: هَذَا الْمَوْقِفَ، لِلْجَبَلِ الّذِي هُوَ عَلَيْهِ، وَكُلّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ. وَقَالَ حِينَ وَقَفَ عَلَى قُزَحَ صَبِيحَةَ الْمُزْدَلِفَةِ: هَذَا الْمَوْقِفَ، وَكُلّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ. ثُمّ لَمّا نَحَرَ بالمنحر بمنى قال: هذا المنحر، وَكُلّ مِنًى مَنْحَرٌ. فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْحَجّ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ مَا فَرَضَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَجّهِمْ: مِنْ الْمَوْقِفِ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ، وَطَوَافٍ بِالْبَيْتِ، وَمَا أُحِلّ لَهُمْ مِنْ حَجّهِمْ، وَمَا حُرّمَ عَلَيْهِمْ، فَكَانَتْ حِجّةَ الْبَلَاغِ، وَحَجّةَ الْوَدَاعِ، وَذَلِكَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لم يحجّ بعدها.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٦٣ ]
[بَعْثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ إلَى أَرْضِ فِلَسْطِينَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ قَفَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ بَقِيّةَ ذِي الْحَجّةِ وَالْمُحَرّمِ وَصَفَرَ، وَضَرَبَ عَلَى النّاسِ بَعْثًا إلَى الشّامِ، وَأَمّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَوْلَاهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُوطِئَ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، فَتَجَهّزَ النّاسُ، وَأَوْعَبَ مَعَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ المهاجرون الأوّلون.
[خروج رسول الله إلى الملوك]
[تذكير الرسول قومه بما حدث للحواريين]
حين اختلفوا على عيسى قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعَثَ إلَى الْمُلُوكِ رُسُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَكَتَبَ مَعَهُمْ إلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَ عُمْرَتِهِ الّتِي صُدّ عَنْهَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ: أَيّهَا النّاسُ، إنّ اللهَ قَدْ بَعَثَنِي رَحْمَةً وَكَافّةً، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيّ كَمَا اخْتَلَفَ الْحَوَارِيّونَ عَلَى عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ؛ فَقَالَ أَصْحَابُهُ:
وَكَيْفَ اخْتَلَفَ الْحَوَارِيّونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: دَعَاهُمْ إلَى الّذِي دَعَوْتُكُمْ إلَيْهِ، فَأَمّا مِنْ بَعَثَهُ مَبْعَثًا قَرِيبًا فَرَضِيَ وَسَلِمَ، وَأَمّا مَنْ بَعَثَهُ مَبْعَثًا بَعِيدًا فَكَرِهَ وَجْهُهُ وَتَثَاقَلَ، فَشَكَا ذَلِكَ عِيسَى إلَى اللهِ، فَأَصْبَحَ الْمُتَثَاقِلُونَ وَكُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَتَكَلّمُ بِلُغَةِ الْأُمّةِ الّتِي بُعِثَ إلَيْهَا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٦٤ ]
[أَسَمَاءُ الرّسُلِ وَمَنْ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ]
فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رُسُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَكَتَبَ مَعَهُمْ كُتُبًا إلَى الْمُلُوكِ يَدْعُوهُمْ فِيهَا إلَى الْإِسْلَامِ. فَبَعَثَ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيّ إلَى قَيْصَرَ، مَلِكِ الرّومِ؛ وَبَعَثَ عَبْدَ اللهِ بْنَ حُذَافَةَ السّهْمِيّ إلَى كِسْرَى، مَلِكِ فَارِسَ، وَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ إلَى النّجاشى، ملك الحبشة، وبعث حاطب ابن أَبِي بَلْتَعَةَ إلَى الْمُقَوْقَسِ، مَلِكِ الإسكندرية، وَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ السّهْمِيّ إلَى جَيْفَرٍ وَعَيّادٍ ابْنَيْ الْجُلُنْدَى الْأَزْدِيّيْنِ، مَلِكَيْ عُمَانَ، وَبَعَثَ سَلِيطَ بْنُ عَمْرٍو، أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ، إلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ، وَهَوْذَةُ بْنُ عَلِيّ الْحَنَفِيّينَ، مَلِكَيْ الْيَمَامَةِ، وَبَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيّ إلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيّ، مَلِكَ الْبَحْرَيْنِ، وَبَعَثَ شُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ الْأَسْدِيّ إلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ الْغَسّانِيّ، مَلِكِ تُخُومِ الشّامِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَعَثَ شُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ إلَى جَبَلَةَ بْنِ الْأَيْهَمِ الْغَسّانِيّ، وَبَعَثَ الْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيّةَ الْمَخْزُومِيّ إلَى الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ الْحِمْيَرِيّ، مَلِكِ الْيَمَنِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنَا نَسِيت سَلِيطًا وَثُمَامَةَ وَهَوْذَةَ وَالْمُنْذِرَ.
[رِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ بَعْثِ الرّسُولِ رُسُلَهُ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ الْمِصْرِيّ: أَنّهُ وَجَدَ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُ مَنْ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْبُلْدَانِ وَمُلُوكِ الْعَرَبِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٦٥ ]
وَالْعَجَمِ، وَمَا قَالَ لِأَصْحَابِهِ حِينَ بَعَثَهُمْ. قَالَ: فَبَعَثْت بِهِ إلَى مُحَمّدِ بْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ فَعَرَفَهُ؛ وَفِيهِ: أَنّ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُمْ: إنّ اللهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً وَكَافّةً، فَأَدّوْا عَنّي يَرْحَمُكُمْ اللهُ، وَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيّ كَمَا اخْتَلَفَ الْحَوَارِيّونَ عَلَى عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، قَالُوا: وَكَيْفَ يَا رَسُولَ اللهِ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ؟ قَالَ: دَعَاهُمْ لِمِثْلِ مَا دَعَوْتُكُمْ لَهُ، فَأَمّا مَنْ قَرّبَ بِهِ فَأَحَبّ وَسَلّمَ، وَأَمّا مَنْ بَعُدَ بِهِ فِكْرُهُ وَأَبَى، فَشَكَا ذَلِكَ عِيسَى مِنْهُمْ إلَى اللهِ، فَأَصْبَحُوا وَكُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَتَكَلّمُ بِلُغَةِ القوم الذين وجّه إليهم.
[أَسَمَاءُ رُسُلِ عِيسَى]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ من بعث عيسى بن مَرْيَمَ ﵇ مِنْ الْحَوَارِيّينَ وَالْأَتْبَاعِ، الّذِينَ كَانُوا بَعْدَهُمْ فِي الْأَرْضِ: بُطْرُس الْحَوَارِيّ، وَمَعَهُ بُولُسُ، وَكَانَ بُولُسُ مِنْ الْأَتْبَاعِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْحَوَارِيّينَ، إلَى رُومِيّةَ، وَأَنْدَرَائِسُ وَمَنْتَا إلَى الْأَرْضِ الّتِي يَأْكُلُ أَهْلُهَا النّاسَ، وَتُومَاسُ إلَى أَرْضِ بَابِلَ، مِنْ أَرْضِ الْمَشْرِقِ؛ وَفِيلِبس إلَى أرض قرطا جنّة، وَهِيَ إفْرِيقِيّةُ، وَيُحَنّسُ، إلَى أَفْسُوسَ، قَرْيَةُ الْفِتْيَةِ، أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَيَعْقُوبُسُ إلَى أَوْرْاشَلِمَ، وَهِيَ إيلِيَاءُ، قَرْيَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَابْنُ ثَلْمَاءَ إلَى الْأَعْرَابِيّةِ، وَهِيَ أَرْضُ الْحِجَازِ، وَسِيمُن إلَى أَرْضِ الْبَرْبَرِ، وَيَهُوذَا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْحَوَارِيّينَ، جُعِلَ مَكَانَ يودس.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٦٦ ]
[ذِكْرُ جُمْلَةِ الْغَزَوَاتِ]
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هِشَامٍ، قَالَ حَدّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي: وكان جَمِيعُ مَا غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَفْسِهِ سَبْعًا وَعِشْرِينَ غَزْوَةً، مِنْهَا غَزْوَةُ وَدّانَ، وَهِيَ غَزْوَةُ الْأَبْوَاءِ، ثُمّ غَزْوَةُ بُوَاط، مِنْ نَاحِيَةِ رَضْوَى، ثُمّ غَزْوَةُ الْعَشِيرَةِ، مِنْ بَطْنِ يَنْبُعَ، ثُمّ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْأُولَى، بطلب كُرْزَ بْنَ جَابِرٍ، ثُمّ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى، الّتِي قَتَلَ اللهُ فِيهَا صَنَادِيدَ قُرَيْشٍ، ثُمّ غَزْوَةُ بَنِي سُلَيْمٍ، حَتّى بَلَغَ الْكُدْرَ، ثُمّ غَزْوَةُ السّوِيقِ، يَطْلُبُ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، ثُمّ غَزْوَةُ غَطَفَانَ، وَهِيَ غَزْوَةُ ذِي أَمِر، ثُمّ غَزْوَةُ بَحْرَانَ، مَعْدِنٌ بِالْحِجَازِ، ثُمّ غَزْوَةُ أُحُدٍ، ثُمّ غَزْوَةُ حَمْرَاءَ الْأَسَدِ، ثُمّ غَزْوَةُ بَنِي النّضِيرِ، ثُمّ غَزْوَةُ ذَاتِ الرّقَاعِ مِنْ نَخْلٍ. ثُمّ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْآخِرَةِ، ثُمّ غَزْوَةُ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، ثُمّ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ، ثُمّ غَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ، ثُمّ غَزْوَةُ بَنِي لِحْيَانَ، مِنْ هُذَيْلٍ، ثُمّ غَزْوَةُ ذِي قَرَدٍ، ثُمّ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، ثُمّ غَزْوَةُ الْحُدَيْبِيَةِ، لا يريد قتالا، فَصَدّهُ الْمُشْرِكُونَ، ثُمّ غَزْوَةُ خَيْبَرَ، ثُمّ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ، ثُمّ غَزْوَةُ الْفَتْحِ، ثُمّ غَزْوَةُ حُنَيْنٍ، ثُمّ غَزْوَةُ الطّائِفِ ثُمّ غَزْوَةُ تَبُوكَ.
قَاتَلَ مِنْهَا فِي تِسْعِ غَزَوَاتٍ: بَدْرٍ، وَأُحُدٍ، وَالْخَنْدَقِ، وَقُرَيْظَةَ، وَالْمُصْطَلِقِ، وَخَيْبَرَ، وَالْفَتْحِ وَحُنَيْنٍ، وَالطّائِفِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٦٧ ]
[ذِكْرُ جُمْلَةِ السّرَايَا وَالْبُعُوثِ]
وَكَانَتْ بُعُوثُهُ ﷺ وَسَرَايَاهُ ثَمَانِيّا وَثَلَاثِينَ، مِنْ بَيْنَ بَعْثٍ وَسَرِيّةٍ: غَزْوَةُ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ أَسْفَلَ مِنْ ثَنِيّةِ ذِي الْمَرْوَةِ، ثُمّ غَزْوَةُ حمزة ابن عبد المطّلب سَاحِلَ الْبَحْرِ، مِنْ نَاحِيَةِ الْعِيصِ؛ وَبَعْضُ النّاسِ يُقَدّمُ غَزْوَةَ حَمْزَةَ قَبْلَ غَزْوَةِ عُبَيْدَةَ؛ وَغَزْوَةُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ الْخَرّارَ، وَغَزْوَةُ عَبْدِ الله ابن جَحْشٍ نَخْلَةَ، وَغَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الْقَرَدَةَ، وَغَزْوَةُ مُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ، وَغَزْوَةُ مَرْثَدِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ الرّجِيعَ، وَغَزْوَةُ الْمُنْذِرِ بْنِ عَمْرٍو بِئْرَ مَعُونَةَ، وَغَزْوَةُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرّاحِ ذَا الْقَصّةِ، مِنْ طريق العراق، وغزوة عمر بن الخطّاب ترية مِنْ أَرْضِ بَنِي عَامِرٍ، وَغَزْوَةُ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْيَمَنَ، وَغَزْوَةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْكَلْبِيّ، كَلْبِ لَيْثٍ، الْكَدِيدَ، فَأَصَابَ بَنِي الْمُلَوّحِ.
[خَبَرُ غَزْوَةِ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الليثى بَنِي الْمُلَوّحِ]
[شأن ابن البرصاء]
وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهَا أَنّ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ، حَدّثَنِي عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ خُبَيْبٍ الْجُهَنِيّ، عَنْ الْمُنْذِرِ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ مَكِيثٍ الْجُهَنِيّ، قَالَ: بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبى، كَلْبَ بْنِ عَوْفِ بْنِ لَيْثٍ، فِي سَرِيّةٍ كُنْت فِيهَا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشُنّ الْغَارَةَ عَلَى بَنِي الْمُلَوّحِ، وَهُمْ بِالْكَدِيدِ، فَخَرَجْنَا، حَتّى إذَا كنا بقديد لقينا الحارث
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٦٨ ]
ابن مَالِكٍ، وَهُوَ ابْنُ الْبَرْصَاءِ اللّيْثِيّ، فَأَخَذْنَاهُ، فَقَالَ: إنّي جِئْت أُرِيدُ الْإِسْلَامَ، مَا خَرَجْت إلّا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقُلْنَا لَهُ: إنْ تَكُ مُسْلِمًا فَلَنْ يَضِيرُك رِبَاطُ لَيْلَةٍ، وَإِنْ تَكُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ كُنّا قَدْ اسْتَوْثَقْنَا مِنْك، فَشَدَدْنَاهُ رِبَاطًا، ثُمّ خَلّفْنَا عَلَيْهِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِنَا أَسْوَدَ، وَقُلْنَا لَهُ: إنْ عَازّك فَاحْتَزّ رَأْسَهُ.
[بَلَاءُ ابْنِ مَكِيثٍ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ]
قَالَ: ثُمّ سِرْنَا حَتّى أَتَيْنَا الْكَدِيدَ عِنْدَ غُرُوبِ الشّمْسِ، فَكُنّا فِي نَاحِيَةِ الْوَادِي، وَبَعَثَنِي أَصْحَابِي رَبِيئَةً لَهُمْ، فَخَرَجْت حَتّى آتِيَ تَلّا مُشْرَفًا عَلَى الْحَاضِرِ، فَأَسْنَدْت فِيهِ، فَعَلَوْتُ عَلَى رَأْسِهِ، فنظرت إلى الحاضر، فو الله إنّي لَمُنْبَطِحٌ عَلَى التّلّ، إذْ خَرَجَ رَجُلٌ منهم من خبائه، فقال لا مرأته: إنّي لَأَرَى عَلَى التّلّ سَوَادًا مَا رَأَيْته فِي أَوّلِ يَوْمِي، فَانْظُرِي إلَى أَوْعِيَتِك هَلْ تَفْقِدِينَ مِنْهَا شَيْئًا، لَا تَكُونُ الْكِلَابُ جَرّتْ بَعْضَهَا، قَالَ: فَنَظَرَتْ، فَقَالَتْ: لَا، وَاَللهِ مَا أَفْقِدُ شَيْئًا، قَالَ: فَنَاوِلِينِي قَوْسِي وَسَهْمَيْنِ، فَنَاوَلَتْهُ، قال: فأرسل سهما، فو الله مَا أَخَطَأ جَنْبِي، فَأَنْزِعُهُ، فَأَضَعُهُ، وَثَبّتّ مَكَانِي، قَالَ: ثُمّ أَرْسَلَ الْآخَرَ، فَوَضَعَهُ فِي مَنْكِبِي، فَأَنْزِعُهُ فَأَضَعُهُ، وَثَبّتّ مَكَانِي، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: لَوْ كَانَ رَبِيئَةً لِقَوْمِ لَقَدْ تَحَرّكَ، لَقَدْ خَالَطَهُ سَهْمَايَ لَا أَبَا لَك، إذَا أَصْبَحْتِ فَابْتَغِيهِمَا، فَخُذِيهِمَا، لَا يَمْضُغُهُمَا عَلَيّ الْكِلَابُ. قَالَ: ثُمّ دخل.
[نجاء المسلمين بالنعم]
قَالَ: وَأَمْهَلْنَاهُمْ، حَتّى إذَا اطْمَأَنّوا وَنَامُوا، وَكَانَ فى وجه السّحر شننّا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٦٩ ]
عليهم الغارة، قَالَ: فَقَتَلْنَا، وَاسْتَقْنَا النّعَمَ، وَخَرَجَ صَرِيخُ الْقَوْمِ، فجاء نادهم لَا قِبَلَ لَنَا بِهِ، وَمَضَيْنَا بِالنّعَمِ، وَمَرَرْنَا بِابْنِ الْبَرْصَاءِ وَصَاحِبِهِ، فاحتملناهما مَعَنَا، قَالَ: وَأَدْرَكْنَا الْقَوْمَ حَتّى قَرِبُوا مِنّا، قَالَ: فَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ إلّا وَادِي قُدَيْدٍ، فَأَرْسَلَ اللهُ الْوَادِيَ بِالسّيْلِ مِنْ حَيْثُ شَاءَ ﵎، مِنْ غَيْرِ سَحَابَةٍ نَرَاهَا وَلَا مَطَرٍ، فَجَاءَ بِشَيْءِ لَيْسَ لِأَحَدِ بِهِ قُوّةٌ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُجَاوِزَهُ، فَوَقَفُوا يَنْظُرُونَ إلَيْنَا، وَإِنّا لَنَسُوقُ نَعَمَهُمْ، مَا يَسْتَطِيعُ مِنْهُمْ رَجُلٌ أَنْ يُجِيزَ إلَيْنَا، وَنَحْنُ نَحْدُوهَا سِرَاعًا، حَتّى فُتْنَاهُمْ، فَلَمْ يقدروا على طلبنا.
[شعار المسلمين فى هذه الغزوة]
قَالَ: فَقَدِمْنَا بِهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
قال ابن إسحاق: وحدثني رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ: أَنّ شعار أصحاب رسول الله ﷺ كن تِلْكَ اللّيْلَةَ: أَمِتْ أَمِتْ. فَقَالَ رَاجِزٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ يَحْدُوهَا:
أَبَى أَبُو الْقَاسِمِ أَنْ تَعَزّبِي فِي خَضِلٍ نَبَاتُهُ مُغْلَوْلِبِ
صُفْرٍ أَعَالِيهِ كَلَوْنِ الْمُدْهَبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: «كَلَوْنِ الذّهَبِ» .
تَمّ خَبَرُ الْغُزَاةِ، وَعُدْت إلَى ذِكْرِ تفصيل السرايا والبعوث.
[تَعْرِيفٌ بِعِدّةِ غَزَوَاتٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَغَزْوَةُ علي بن أبي طالب ﵁ بنى عبد الله
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٧٠ ]
ابن سعد من أهل فَدَكَ، وَغَزْوَةُ أَبِي الْعَوْجَاءِ السّلَمِيّ أَرْضَ بَنِي سُلَيْمٍ، أُصِيبَ بِهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ جَمِيعًا، وَغَزْوَةُ عُكَاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْغَمْرَةَ، وَغَزْوَةُ أَبِي سَلَمَةَ ابن عَبْدِ الْأَسَدِ قَطَنًا، مَاءٌ مِنْ مِيَاهِ بَنِي أَسَدٍ، مِنْ نَاحِيَةِ نَجْدٍ، قُتِلَ بِهَا مَسْعُودُ ابن عُرْوَةَ، وَغَزْوَةُ مُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ أَخِي بَنِي حَارِثَةَ، الْقُرَطَاءَ مِنْ هَوَازِنَ، وَغَزْوَةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ بَنِي مُرّةَ بِفَدَكَ، وَغَزْوَةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ نَاحِيَةَ خَيْبَرَ، وَغَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الْجَمُومَ مِنْ أَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ، وَغَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ جُذَامَ، مِنْ أَرْضِ خُشَيْنٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَنْ نَفْسِهِ، وَالشّافِعِيّ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ: مِنْ أَرْضِ حِسْمَى.
[غَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إلَى جُذَامَ]
[سببها]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهَا كَمَا حَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ جُذَامَ كَانُوا عُلَمَاءَ بِهَا، أَنّ رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ الْجُذَامِيّ، لَمّا قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ عند رسول الله ﷺ بِكِتَابِهِ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، فَاسْتَجَابُوا لَهُ، لَمْ يَلْبَثْ أَنْ قَدِمَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيّ مِنْ عِنْدِ قَيْصَرَ صَاحِبِ الرّومِ، حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَيْهِ وَمَعَهُ تِجَارَةٌ لَهُ، حَتّى إذَا كَانُوا بِوَادٍ مِنْ أَوْدِيَتِهِمْ يُقَالُ لَهُ شَنَار، أَغَارَ عَلَى دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْهُنَيْدُ بْنُ عُوصٍ، وَابْنُهُ عُوصُ بْنُ الْهُنَيْدِ الضّلَعِيّانِ. وَالضّلَيْعُ. بَطْنٌ مِنْ جذام، فأصابا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٧١ ]
كُلّ شَيْءٍ كَانَ مَعَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ قَوْمًا مِنْ الضّبَيْبِ، رَهْطُ رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، مِمّنْ كَانَ أَسْلَمَ وَأَجَابَ؛ فَنَفَرُوا إلَى الْهُنَيْدِ وَابْنِهِ، فِيهِمْ مِنْ بَنِي الضّبَيْبِ النّعْمَانُ بْنُ أَبِي جِعَالٍ، حَتّى لَقُوهُمْ، فَاقْتَتَلُوا، وَانْتَمَى؟؟؟ يَوْمئِذٍ قُرّةُ بْنُ أَشْقَرَ الضّفَاوِيّ ثُمّ الضّلَعِيّ، فَقَالَ: أَنَا ابْنُ لُبْنَى، وَرَمَى النّعْمَانَ بْنَ أَبِي جِعَالٍ بِسَهْمٍ، فَأَصَابَ رُكْبَتِهِ؛ فَقَالَ حِينَ أَصَابَهُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ لُبْنَى، وَكَانَتْ لَهُ أُمّ تُدْعَى لُبْنَى، وَقَدْ كَانَ حَسّانُ بْنُ مِلّة الضّبَيْبِيّ قَدْ صَحِبَ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ، فعلّمه أمّ الكتاب.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: قُرّةُ بْنُ أَشْقَرَ الضّفارى، وحيّان بن ملّة.
[تمكن المسلمين من الكفار]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ جُذَامَ، قَالَ:
فَاسْتَنْقَذُوا مَا كَانَ فِي يَدِ الْهُنَيْدِ وَابْنِهِ، فَرَدّوهُ عَلَى دِحْيَةَ، فَخَرَجَ دِحْيَةُ، حَتّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ، وَاسْتَسْقَاهُ دَمَ الْهُنَيْدِ وَابْنِهِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَذَلِكَ الّذِي هَاجَ غَزْوَةَ زَيْدٍ جُذَامَ، وَبَعَثَ مَعَهُ جَيْشًا، وَقَدْ وَجّهَتْ غَطَفَانُ مِنْ جُذَامَ وَوَائِلٌ وَمَنْ كَانَ مِنْ سَلَامَانَ وَسَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ، حِين جَاءَهُمْ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ، بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حَتّى نَزَلُوا الْحَرّةَ، حَرّةَ الرّجْلَاءِ، وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ بِكُرَاعِ رِبَةَ، لَمْ يَعْلَمْ، وَمَعَهُ نَاسٌ من بنى الضّبيب، وسائر بنى الصبيب بِوَادِي مَدَانٍ، مِنْ نَاحِيَةِ الْحَرّةِ، مِمّا يَسِيلُ مُشَرّقًا، وَأَقْبَلَ جَيْشُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَوْلَاجِ، فَأَغَارَ بِالْمَاقِصِ مِنْ قِبَلِ الْحَرّةِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٧٢ ]
فَجَمَعُوا مَا وَجَدُوا مِنْ مَالٍ أَوْ نَاسٍ، وَقَتَلُوا الْهُنَيْدَ وَابْنَهُ وَرَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي الْأَجْنَفِ.
قال ابن هشام: من بنى الأجنف.
[شَأْنُ حَسّانَ وَأُنَيْفٍ ابْنِي مِلّة]
قَالَ ابْنُ إسحاق فى حديثه: ورجلان مِنْ بَنِي الْخَصِيبِ. فَلَمّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ بَنُو الضّبَيْبِ وَالْجَيْشُ بِفَيْفَاءِ مَدَانٍ رَكِبَ نَفَرٌ مِنْهُمْ، وَكَانَ فِيمَنْ رَكِبَ مَعَهُمْ حَسّانُ بْنُ مِلّة، عَلَى فَرَسٍ لِسُوَيْدِ بْنِ زَيْدٍ، يُقَالُ لَهَا العجاجة، وأنيف ابن مِلّة عَلَى فَرَسٍ لِمَلّةَ يُقَالُ لَهَا: رِغَالٌ، وَأَبُو زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو عَلَى فَرَسٍ يُقَال لَهَا شَمِرٌ، فَانْطَلَقُوا حَتّى إذَا دَنَوْا مِنْ الجيش، قال أبو زيد وحسّان لأنيف ابن مِلّة: كُفّ عَنّا وَانْصَرِفْ، فَإِنّا نَخْشَى لِسَانَك، فَوَقَفَ عَنْهُمَا فَلَمْ يَبْعُدَا مِنْهُ حَتّى جَعَلَتْ فَرَسُهُ تَبْحَثُ بِيَدَيْهَا وَتَوَثّبَ، فَقَالَ: لَأَنَا أَضَنّ بِالرّجُلَيْنِ مِنْك بِالْفَرَسَيْنِ، فَأَرْخَى لَهَا، حَتّى أَدْرَكَهُمَا، فَقَالَا لَهُ: أَمّا إذَا فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ فَكُفّ عَنّا لِسَانَك، وَلَا تَشْأَمْنَا الْيَوْمَ، فَتَوَاصَوْا أن لا يتكلّم منهم إلا حسّان ابن مِلّة، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ كَلِمَةٌ فِي الْجَاهِلِيّةِ قَدْ عَرَفَهَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، إذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ قَالَ: بُورَى أَوْ ثُورَى، فَلَمّا بَرَزُوا عَلَى الْجَيْشِ، أَقْبَلَ الْقَوْم يَبْتَدِرُونَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ حَسّانُ: إنّا قَوْمٌ مُسْلِمُونَ، وَكَانَ أَوّلَ مَنْ لَقِيَهُمْ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ أَدْهَمَ، فَأَقْبَلَ يَسُوقُهُمْ، فَقَالَ أُنَيْفٌ: بُورَى، فَقَالَ حَسّانُ: مَهْلًا، فَلَمّا وَقَفُوا عَلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ حَسّانُ: إنّا قَوْمٌ مُسْلِمُونَ، فَقَالَ لَهُ زيد: فاقرؤا أُمّ الْكِتَابِ، فَقَرَأَهَا حَسّانُ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٧٣ ]
حَارِثَةَ: نَادُوا فِي الْجَيْشِ: أَنّ اللهَ قَدْ حرّم علينا ثغرة القوم التى جاؤا منها إلا من ختر.
[قدومهم على الرسول وشعر أبى جعال]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَإِذَا أُخْتُ حَسّانَ بْنِ مِلّةَ، وَهِيَ امْرَأَةُ أَبِي وَبْرِ بْنِ عَدِيّ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ الضّبَيْبِ فِي الْأُسَارَى، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: خُذْهَا، وَأَخَذَتْ بِحَقْوَيْهِ، فَقَالَتْ أُمّ الفزز الضّلَعِيّة: أَتَنْطَلِقُونَ بِبَنَاتِكُمْ وَتَذَرُونَ أُمّهَاتِكُمْ؟
فَقَالَ أَحَدُ بَنِي الْخَصِيبِ: إنّهَا بَنُو الضّبَيْبِ وَسِحْرُ أَلْسِنَتِهِمْ سَائِرَ الْيَوْمِ، فَسَمِعَهَا بَعْضُ الْجَيْشِ، فَأَخْبَرَ بِهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، فَأَمَرَ بِأُخْتِ حَسّانَ، فَفُكّتْ يَدَاهَا مِنْ حِقْوَيْهِ، وَقَالَ لَهَا: اجْلِسِي مَعَ بَنَاتِ عَمّك حَتّى يَحْكُمَ اللهُ فِيكُنّ حُكْمَهُ، فَرَجَعُوا، وَنَهَى الْجَيْشَ أَنْ يَهْبِطُوا إلَى وَادِيهِمْ الذى جاؤا مِنْهُ، فَأَمْسَوْا فِي أَهْلِيهِمْ، وَاسْتَعْتَمُوا ذَوْدًا لِسُوَيْدِ بْنِ زَيْدٍ، فَلَمّا شَرِبُوا عَتَمَتَهُمْ، رَكِبُوا إلَى رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَكَانَ مِمّنْ رَكِبَ إلَى رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ تِلْكَ اللّيْلَةَ، أَبُو زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبُو شِمَاسِ بْنِ عَمْرٍو، وَسُوَيْد بْنُ زَيْدٍ، وَبَعْجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبَرْذَع بْنُ زَيْدٍ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَمُخَرّبَةُ بْنُ عَدِيّ، وأنيف بن ملّة، وحسّان بن ملّة، حَتّى صَبّحُوا رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ بِكُرَاعِ رِبَةَ، بِظَهْرِ الْحَرّةِ عَلَى بِئْرٍ هُنَالِكَ مِنْ حَرّةِ لَيْلَى، فَقَالَ لَهُ حَسّانُ بْنُ مِلّةَ: إنّك لَجَالِسٌ تَحْلُب الْمِعْزَى وَنِسَاءُ جُذَامَ أُسَارَى قَدْ غَرّهَا كِتَابُك الّذِي جِئْت بِهِ، فَدَعَا رِفَاعَةُ ابن زَيْدٍ بِجَمَلِ لَهُ، فَجَعَلَ يَشُدّ عَلَيْهِ رَحْلَهُ وَهُوَ يَقُولُ:
هَلْ أَنْتَ حَيّ أَوْ تُنَادِي حيا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٧٤ ]
ثُمّ غَدَا وَهُمْ مَعَهُ بِأُمَيّةِ بْنِ ضَفَارَةَ أَخِي الْخَصِيبِيّ الْمَقْتُولِ، مُبَكّرِينَ مِنْ ظَهْرِ الْحَرّةِ، فَسَارُوا إلَى جَوْفِ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ؛ فَلَمّا دَخَلُوا الْمَدِينَةَ، وَانْتَهَوْا إلَى الْمَسْجِدِ، نَظَرَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ النّاسِ، فَقَالَ: لَا تُنِيخُوا إبِلَكُمْ، فَتُقَطّعَ أَيْدِيَهُنّ، فَنَزَلُوا عَنْهُنّ وَهُنّ قِيَامٌ؛ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَآهُمْ، أَلَاحَ إلَيْهِمْ بِيَدِهِ: أَنْ تُعَالُوا مِنْ وَرَاءِ النّاسِ؛ فَلَمّا اسْتَفْتَحَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ الْمَنْطِقَ، قَامَ رَجُلٌ مِنْ النّاسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ سَحَرَةٌ، فَرَدّدَهَا مَرّتَيْنِ، فَقَالَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ: رَحِمَ اللهُ مَنْ لَمْ يَحْذُنَا فِي يَوْمِهِ هَذَا إلّا خَيْرًا. ثُمّ دَفَعَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ كِتَابَهُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الّذِي كَانَ كَتَبَهُ لَهُ. فَقَالَ: دُونَك يَا رَسُولَ اللهِ قَدِيمًا كِتَابُهُ، حَدِيثًا غَدْرُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اقْرَأْهُ يَا غُلَامُ، وَأَعْلِنْ؛ فَلَمّا قَرَأَ كِتَابَهُ اسْتَخْبَرَهُ فَأَخْبَرُوهُمْ الْخَبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: كَيْفَ أَصْنَعُ بِالْقَتْلَى؟
(ثَلَاثَ مَرّاتٍ) . فَقَالَ رِفَاعَةُ: أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَعْلَمُ، لَا نُحَرّمُ عَلَيْك حَلَالًا، وَلَا نُحَلّلُ لَك حَرَامًا، فَقَالَ أَبُو زَيْدِ بْنُ عَمْرٍو: أَطْلِقْ لَنَا يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ كَانَ حَيّا، وَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ تَحْتَ قَدَمِي هَذِهِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: صَدَقَ أَبُو زَيْدٍ، ارْكَبْ مَعَهُمْ يَا عَلِيّ فَقَالَ لَهُ عَلِيّ ﵁: إنّ زَيْدًا لَنْ يُطِيعَنِي يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَخُذْ سَيْفِي هَذَا، فَأَعْطَاهُ سَيْفَهُ، فَقَالَ عَلِيّ:
لَيْسَ لِي يَا رَسُولَ اللهِ رَاحِلَةٌ أَرْكَبُهَا، فَحَمَلُوهُ عَلَى بَعِيرٍ لِثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرٍو، يُقَالُ لَهُ مِكْحَالٌ، فَخَرَجُوا، فَإِذَا رَسُولٌ لِزَيْدِ بن حارثة على ناقة من إبل أَبِي وَبْرٍ، يُقَالُ لَهَا: الشّمْر، فَأَنْزَلُوهُ عَنْهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيّ، مَا شَأْنِي؟ فَقَالَ: مَا لَهُمْ، عَرَفُوهُ فَأَخَذُوهُ، ثُمّ سَارُوا فَلَقَوْا الْجَيْشَ بِفَيْفَاءِ الْفَحْلَتَيْنِ، فَأَخَذُوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٧٥ ]
حَتّى كَانُوا يَنْزِعُونَ لَبِيدَ الْمَرْأَةِ مِنْ تَحْتِ الرّحْلِ، فَقَالَ أَبُو جِعَالٍ حِينَ فَرَغُوا مِنْ شَأْنِهِمْ:
وَعَاذِلَةٍ وَلَمْ تَعْذُلْ بِطِبّ وَلَوْلَا نَحْنُ حُشّ بِهَا السّعِيرَ
تُدَافِعُ فِي الْأُسَارَى بِابْنَتَيْهَا وَلَا يُرْجَى لَهَا عِتْقٌ يَسِيرُ
وَلَوْ وُكِلَتْ إلَى عُوصٍ وَأَوْسٍ لَحَارَ بِهَا عَنْ الْعِتْقِ الْأُمُورُ
وَلَوْ شَهِدَتْ رَكَائِبَنَا بِمِصْرٍ تُحَاذِرُ أَنْ يُعَلّ بِهَا الْمَسِيرُ
وَرَدْنَا مَاءَ يَثْرِبَ عَنْ حِفَاظٍ لِرَبْعٍ إنّهُ قَرَبَ ضَرِيرُ
بِكُلّ مُجَرّبٍ كَالسّيدِ نَهْدٍ عَلَى أَقْتَادِ نَاجِيَةٍ صَبُورُ
فِدًى لِأَبِي سُلَيْمَى كُلّ جَيْشٍ بِيَثْرِبَ إذْ تَنَاطَحَتْ النّحُورُ
غَدَاةَ تَرَى الْمُجَرّبَ مُسْتَكِينًا خِلَافَ الْقَوْمِ هَامَتُهُ تَدُورُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ: وَلَا يُرْجَى لَهَا عِتْقٌ يَسِيرُ. وَقَوْلُهُ: عَنْ الْعِتْقِ الْأُمُورُ عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
تَمّتْ الْغَزَاةُ، وَعُدْنَا إلَى تَفْصِيلِ ذِكْرِ السّرَايَا وَالْبُعُوثِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَغَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَيْضًا الطّرَفَ مِنْ نَاحِيَةِ نَخْلٍ.
مِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٧٦ ]
[غَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ بَنِي فَزَارَةَ وَمُصَابُ أم قرفة]
[بعض من أصيب بها]
وغزوة زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَيْضًا وَادِيَ الْقُرَى، لَقِيَ بِهِ بَنِي فَزَارَةَ، فَأُصِيبَ بِهَا نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَارْتُثّ زَيْدٌ مِنْ بَيْنَ الْقَتْلَى، وَفِيهَا أصيب ورد بن عمرو ابن مَدَاشٍ، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي سَعْدِ بْنِ هُذَيْلٍ، أَصَابَهُ أَحَدُ بَنِي بَدْرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سعد بن هذيم.
[معاودة زيد لهم]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ آلَى أَنْ لَا يَمَسّ رَأْسَهُ غُسْلٌ مِنْ جَنَابَةٍ حَتّى يَغْزُوَ بَنِي فَزَارَةَ؛ فَلَمّا اسْتَبَلّ مِنْ جِرَاحَتِهِ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى بنى فزارة فِي جَيْشٍ، فَقَتَلَهُمْ بِوَادِي الْقُرَى، وَأَصَابَ فِيهِمْ، وَقَتَلَ قَيْسَ بْنَ الْمُسَحّرِ الْيَعْمُرِيّ مَسْعَدَةَ بْنَ حَكَمَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَأُسِرَتْ أُمّ قِرْفَةَ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَبِيعَةَ بْنِ بَدْرٍ، كَانَتْ عَجُوزًا كَبِيرَةٌ عِنْدَ مَالِكِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَبِنْتٌ لَهَا، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعَدَةَ، فَأَمَرَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ قَيْسَ بْنَ الْمُسَحّرِ أَنْ يَقْتُلَ أُمّ قِرْفَةَ، فَقَتَلَهَا قَتْلًا عَنِيفًا؛ ثُمّ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِابْنَةِ أُمّ قِرْفَةَ، وبابن مسعدة.
[شَأْنُ أُمّ قِرْفَةَ]
وَكَانَتْ بِنْتُ أُمّ قِرْفَةَ لِسَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ، كَانَ هُوَ الذى أصابها،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٧٧ ]
وَكَانَتْ فِي بَيْتِ شَرَفٍ مِنْ قَوْمِهَا؛ كَانَتْ الْعَرَبُ تَقُولُ: لَوْ كُنْتَ أَعَزّ مِنْ أُمّ قرفة مازدت. فَسَأَلَهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ سَلَمَةُ، فَوَهَبَهَا لَهُ، فَأَهْدَاهَا لِخَالِهِ حَزْنَ بْنَ وَهْبٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ حَزْنٍ
[شعر ابن المسحر فى قتل مسعدة]
فَقَالَ قيس بن المسحّر فى قتل مسعدة:
سَعَيْتُ بِوَرْدٍ مِثْلَ سَعْيِ ابْنِ أُمّهِ وَإِنّي بِوَرْدٍ فِي الْحَيَاةِ لَثَائِرُ
كَرَرْتُ عَلَيْهِ الْمُهْرَ لَمّا رَأَيْتُهُ عَلَى بَطَلٍ مِنْ آلِ بَدْرٍ مُغَاوِرِ
فَرَكّبْتُ فِيهِ قَعْضَبِيّا كَأَنّهُ شِهَابٌ بِمَعْرَاةَ يُذَكّى لِنَاظِرِ
[غَزْوَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ لِقَتْلِ الْيَسِيرِ بْنِ رِزَامٍ]
وَغَزْوَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ خَيْبَرَ مَرّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا الّتِي أَصَابَ فِيهَا الْيَسِيرَ بْنَ رِزَامٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ ابْنُ رازم.
[مَقْتَلُ الْيَسِيرِ]
وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ الْيَسِيرِ بْنِ رِزَامٍ أَنّهُ كَانَ بِخَيْبَرِ يَجْمَعُ غَطَفَانَ لِغَزْوِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ، حَلِيفُ بَنِي سَلِمَةَ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلَيْهِ كَلّمُوهُ، وَقَرّبُوا لَهُ، وَقَالُوا لَهُ: إنّك إنْ قَدِمْت عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَك وَأَكْرَمَك، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ، حَتّى خَرَجَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٧٨ ]
مَعَهُمْ فِي نَفَرٍ مِنْ يَهُودَ، فَحَمَلَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ عَلَى بَعِيرِهِ، حَتّى إذَا كَانَ بِالْقَرْقَرَةِ مِنْ خَيْبَرَ، عَلَى سِتّةِ أَمْيَالٍ، نَدِمَ الْيَسِيرُ بْنُ رِزَامٍ عَلَى مَسِيرِهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَفَطَنَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ، وَهُوَ يُرِيدُ السّيْفَ، فَاقْتَحَمَ بِهِ ثُمّ ضَرَبَهُ بِالسّيْفِ، فَقَطَعَ رِجْلَهُ، وَضَرَبَهُ الْيَسِيرُ بِمِخْرَشٍ فِي يَدِهِ مِنْ شوحط، فأمّه، ومال كلّ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ يَهُودَ فَقَتَلَهُ، إلّا رَجُلًا وَاحِدًا أَفْلَتْ عَلَى رِجْلَيْهِ؛ فَلَمّا قَدِمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ تَفَلَ عَلَى شَجّتِهِ، فَلَمْ تَقِحْ وَلَمْ تُؤْذِهِ.
[غَزْوَةُ ابْنِ عَتِيكٍ خَيْبَرَ]
وَغَزْوَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَتِيكٍ خَيْبَرَ، فَأَصَابَ بِهَا أَبَا رَافِعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ.
[غَزْوَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ لِقَتْلِ خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ الهذلى]
[مقتل ابن نبيح]
وَغَزْوَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ خَالِدَ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ، بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَيْهِ وَهُوَ بِنَخْلَةَ أَوْ بِعُرَنَةَ، يَجْمَعُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ النّاسَ لِيَغْزُوهُ، فَقَتَلَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَ: قال عبد الله
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٧٩ ]
ابن أُنَيْسٍ: دَعَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: إنّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنّ ابْنَ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيّ يَجْمَعُ لِي النّاسَ لِيَغْزُونِي، وَهُوَ بِنَخْلَةَ أَوْ بِعُرَنَةَ، فَأْتِهِ فَاقْتُلْهُ قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، انْعَتْهُ لِي حَتّى أَعْرِفَهُ. قَالَ: إنّك إذَا رَأَيْته أَذْكَرَك الشّيْطَانَ، وَآيَةُ مَا بَيْنَك وَبَيْنَهُ أَنّك إذَا رَأَيْته وَجَدْت لَهُ قُشَعْرِيرَةً.
قَالَ: فَخَرَجْت مُتَوَشّحًا سَيْفِي، حَتّى دُفِعْت إلَيْهِ وَهُوَ فِي ظُعُنٍ يَرْتَادُ لَهُنّ مَنْزِلًا، وَحَيْثُ كَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ؛ فَلَمّا رَأَيْته وَجَدْت مَا قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الْقُشَعْرِيرَةِ، فَأَقْبَلْت نَحْوَهُ، وَخَشِيت أَنْ تَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مُجَاوَلَةٌ تَشْغَلُنِي عَنْ الصّلَاةِ، فَصَلّيْت وَأَنَا أَمْشِي نَحْوَهُ، أومى بِرَأْسِي، فَلَمّا انْتَهَيْت إلَيْهِ، قَالَ: مَنْ الرّجُلُ؟ قلت: رجلى مِنْ الْعَرَبِ سَمِعَ بِك وَبِجَمْعِك لِهَذَا الرّجُلِ، فجاءك لذلك. قَالَ: أَجَلْ، إنّي لَفِي ذَلِكَ. قَالَ فَمَشَيْت مَعَهُ شَيْئًا، حَتّى إذَا أَمْكَنَنِي حَمَلْت عَلَيْهِ بِالسّيْفِ، فَقَتَلْته، ثُمّ خَرَجْت، وَتَرَكْت ظَعَائِنَهُ مُنْكَبّاتٌ عَلَيْهِ؛ فَلَمّا قَدِمْت عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فرآنى، أَفْلَحَ الْوَجْهُ؛ قُلْت: قَدْ قَتَلْته يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: صَدَقْت.
[إهْدَاءُ الرّسُولِ عَصًا لَابْن أُنَيْسٍ]
ثُمّ قَامَ بِي، فَأَدْخَلَنِي بَيْتَهُ، فَأَعْطَانِي عَصًا، فَقَالَ: أَمْسِكْ هَذِهِ الْعَصَا عِنْدَك يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ أُنَيْسٍ. قَالَ: فَخَرَجْت بِهَا عَلَى النّاسِ، فَقَالُوا: مَا هَذِهِ الْعَصَا؟
قُلْت: أَعْطَانِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَهَا عِنْدِي.
قَالُوا: أَفَلَا تَرْجِعُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَسْأَلَهُ لِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ:
فَرَجَعْت إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ أعطيتنى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٨٠ ]
هَذِهِ الْعَصَا؟ قَالَ: آيَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَك يَوْمَ الْقِيَامَةِ. إنّ أَقَلّ النّاسِ الْمُتَخَصّرُونَ يَوْمئِذٍ، قَالَ: فَقَرَنَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ بِسَيْفِهِ، فَلَمْ تَزَلْ مَعَهُ حَتّى مَاتَ، ثُمّ أَمَرَ بِهَا فَضُمّتْ فِي كَفَنِهِ، ثُمّ دُفِنَا جَمِيعًا.
[شعر ابن أُنَيْسٍ فِي قَتْلِهِ ابْنَ نُبَيْحٍ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ فِي ذلك:
تَرَكْتُ ابْنَ ثَوْرٍ كَالْحُوَارِ وَحَوْلَهُ نَوَائِحُ تَفْرِي كُلّ جَيْبٍ مُقَدّدِ
تَنَاوَلْتُهُ وَالظّعْنُ خَلْفِي وَخَلْفَهُ بِأَبْيَضَ مِنْ مَاءِ الْحَدِيدِ مُهَنّدِ
عَجُومٍ لِهَامِ الدّارِعِينَ كَأَنّهُ شِهَابٌ غَضًى مِنْ مُلْهَبٍ مُتَوَقّدِ
أَقُولُ لَهُ وَالسّيْفُ يَعْجُمُ رَأْسَهُ أَنَا ابْنُ أُنَيْسٍ فَارِسًا غَيْرَ قُعْدُدِ
أَنَا ابْنُ الّذِي لَمْ يُنْزِلْ الدّهَرُ قِدْرَهُ رَحِيبُ فِنَاءِ الدّارِ غَيْرُ مُزَنّدِ
وَقُلْتُ لَهُ خُذْهَا بِضَرْبَةِ مَاجِدٍ حَنِيفٍ عَلَى دِينِ النّبِيّ مُحَمّدِ
وَكُنْتُ إذَا هَمّ النّبِيّ بِكَافِرٍ سَبَقْتُ إلَيْهِ بِاللّسَانِ وَبِالْيَدِ
تَمّتْ الْغَزَاةُ، وَعُدْنَا إلَى خَبَرِ الْبُعُوثِ.
[غَزَوَاتٌ أُخَرُ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَغَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ الله ابن رَوَاحَةَ مُؤْتَةَ مِنْ أَرْضِ الشّامِ، فَأُصِيبُوا بِهَا جَمِيعًا، وَغَزْوَةُ كَعْبِ بْنِ عُمَيْرٍ الْغِفَارِيّ ذَاتَ أَطْلَاحٍ، مِنْ أَرْضِ الشّامِ، أُصِيبَ بِهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ جَمِيعًا.
وَغَزْوَةُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ بَنِي الْعَنْبَرِ مِنْ بَنِي تميم.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٨١ ]
وعد الرسول عائشة بإعطائها سبيا منهم لتعتقه
[غَزْوَةُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ بَنِي الْعَنْبَرِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ]
وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِمْ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَهُ إلَيْهِمْ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ، فَأَصَابَ مِنْهُمْ أَنَاسًا، وَسَبَى مِنْهُمْ أُنَاسًا.
فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنّ عَائِشَةَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ عَلَيّ رَقَبَةً مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ. قَالَ: هَذَا سَبْيُ بَنِي الْعَنْبَرِ يَقْدَمُ الْآنَ، فَنُعْطِيك مِنْهُمْ إنْسَانًا فَتُعْتِقِينَهُ.
[بَعْضُ مَنْ سُبِيَ وَبَعْضُ مَنْ قُتِلَ وَشِعْرُ سَلْمَى فِي ذَلِكَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا قُدِمَ بِسَبْيِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، رَكِبَ فِيهِمْ وَفْدٌ مِنْ بَنِي تميم، حَتّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، مِنْهُمْ رَبِيعَةُ بْنُ رَفِيعٍ، وَسَبْرَةُ بن عمرو، والقعقاع بن معبد، ووردان ابن محرز، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، وَمَالِكُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْأَقْرَعُ بن حابس، وفراس ابن حَابِسٍ؛ فَكَلّمُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيهِمْ، فَأَعْتَقَ بَعْضًا، وَأَفْدَى بَعْضًا، وَكَانَ مِمّنْ قُتِلَ يَوْمئِذٍ مِنْ بَنِي الْعَنْبَرِ: عَبْدُ اللهِ وَأَخَوَانِ لَهُ، بَنُو وَهْبٍ، وَشَدّادُ بْنُ فِرَاسٍ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ دَارِمٍ، وَكَانَ مِمّنْ سُبِيَ من نسائهم بومئذ: أَسَمَاءُ بِنْتُ مَالِكٍ، وَكَاسٍ بِنْتُ أَرِي وَنَجْوَةُ بِنْتُ نَهْدٍ، وَجُمَيْعَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، وَعَمْرَةُ بِنْتُ مَطَرٍ فَقَالَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سَلْمَى بِنْتُ عتّاب:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٨٢ ]
لَعَمْرِي لَقَدْ لَاقَتْ عَدِيّ بْنُ جُنْدَبٍ مِنْ الشّرّ مَهْوَاةً شَدِيدًا كَئُودهَا
تَكَنّفَهَا الْأَعْدَاءُ مِنْ كلّ جانب وغيّب عنها عزّها وجدودها
[شعر الفرزدق فى ذلك]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ فِي ذَلِكَ:
وَعِنْدَ رَسُولِ اللهِ قَامَ ابْنُ حَابِسٍ بِخُطّةِ سَوّارٍ إلَى الْمَجْدِ حَازِمِ
لَهُ أَطْلَقَ الْأَسْرَى الّتِي فِي حِبَالِهِ مُغَلّلَةً أَعْنَاقُهَا فِي الشّكَائِمِ
كَفَى أُمّهَاتِ الْخَالِفِينَ عَلَيْهِمْ غِلَاءَ الْمُفَادِي أَوْ سِهَامَ الْمَقَاسِمِ
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَعَدِيّ بْنُ جُنْدُبٍ مِنْ بَنِي الْعَنْبَرِ، وَالْعَنْبَرُ ابن عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ.
[غَزْوَةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ الله أرض بنى مرة]
[مقتل مرداس]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَغَزْوَةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْكَلْبِيّ- كَلْبِ لَيْثٍ- أَرْضَ بَنِي مُرّةَ، فَأَصَابَ بِهَا مِرْدَاسَ بْنَ نَهِيكٍ، حَلِيفًا لَهُمْ مِنْ الْحُرْقَةِ، مِنْ جُهَيْنَةَ، قَتَلَهُ أُسَامَةُ بْنُ زيد، ورجل من الأنصار.
قال ابن هشام: الحرقة، فيما حدثنى عُبَيْدَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: أَدْرَكْته
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٨٣ ]
أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَلَمّا شَهَرْنَا عَلَيْهِ السّلَاحَ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ قَالَ: فلم تنزع عَنْهُ حَتّى قَتَلْنَاهُ؛ فَلَمّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَخْبَرْنَاهُ خَبَرَهُ؛ فَقَالَ يَا أُسَامَةُ؛ مَنْ لَك بِلَا إلَهَ إلّا اللهُ؟ قَالَ: قُلْت:
يَا رَسُولَ اللهِ، إنّهُ إنّمَا قَالَهَا تَعَوّذًا بِهَا مِنْ الْقَتْلِ قَالَ: فَمَنْ لَك بِهَا يَا أُسَامَةُ؟
قَالَ: فو الذى بَعَثَهُ بِالْحَقّ مَا زَالَ يُرَدّدُهَا عَلَيّ حَتّى لَوَدِدْت أَنّ مَا مَضَى مِنْ إسْلَامِي لَمْ يَكُنْ، وَأَنّي كُنْت أَسْلَمْت يَوْمئِذٍ، وَأَنّي لَمْ أَقْتُلْهُ؛ قَالَ: قُلْت:
أَنْظِرْنِي يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي أُعَاهِدُ اللهَ أَنْ لَا أَقْتُلَ رَجُلًا يَقُولُ لَا إلَهَ إلّا اللهُ أَبَدًا، قَالَ: تَقُولُ بَعْدِي يَا أُسَامَةُ؛ قَالَ: قُلْت بَعْدَك
[غزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل]
[إرسال عمرو ثم إمداده]
وَغَزْوَةُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ذَاتَ السّلَاسِلِ مِنْ أَرْضِ بَنِي عُذْرَةَ، وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بعثه يَسْتَنْفِرُ الْعَرَبَ إلَى الشّامِ وَذَلِكَ أَنّ أُمّ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ كَانَتْ امْرَأَةً مِنْ بَلِيّ. فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَيْهِمْ يَسْتَأْلِفُهُمْ لِذَلِكَ، حَتّى إذَا كَانَ عَلَى مَاءٍ بِأَرْضِ جُذَامَ، يُقَالُ لَهُ السّلْسَلُ. وَبِذَلِكَ سُمّيَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، غَزْوَةَ ذَاتِ السّلَاسِلِ؛ فَلَمّا كَانَ عَلَيْهِ خَافَ فَبَعَثَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يعتمده، فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرّاحِ فِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوّلِينَ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؛ وَقَالَ لِأَبِي عبيدة حين وجهه: لا تحتلفا؛ فَخَرَجَ أَبُو عُبَيْدَةَ حَتّى إذَا قَدِمَ عَلَيْهِ، قَالَ لَهُ عَمْرٌو: إنّمَا جِئْتَ مَدَدًا لِي، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: لَا، وَلَكِنّي عَلَى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٨٤ ]
مَا أَنَا عَلَيْهِ، وَأَنْتَ عَلَى مَا أَنْتَ عليه، وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ رَجُلًا لَيّنًا سَهْلًا، هَيّنًا عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: بَلْ أَنْتَ مَدَدٌ لِي، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ. يَا عَمْرُو، وَأَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِي: لَا تَخْتَلِفَا، وَإِنّك إنْ عَصَيْتَنِي أَطَعْتُك، قَالَ: فَإِنّي الْأَمِيرُ عَلَيْك، وَأَنْتَ مَدَدٌ لِي، قَالَ: فَدُونَك. فَصَلّى عَمْرٌو بِالنّاسِ.
[وَصِيّةُ أَبِي بَكْرٍ رَافِعَ بْنَ رَافِعٍ]
قَالَ: وَكَانَ مِنْ الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ، أَنّ رفع بْنَ أَبِي رَافِعٍ الطّائِيّ، وَهُوَ رَافِعُ بْنُ عَمِيرَةَ، كَانَ يُحَدّثُ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ نَفْسِهِ، قَالَ: كُنْت امْرَأً نَصْرَانِيّا، وَسُمّيت سَرْجِسَ، فَكُنْت أَدَلّ النّاسِ وَأَهْدَاهُمْ بِهَذَا الرّمَلِ، كُنْت أَدْفِنُ الْمَاءَ فِي بَيْضِ النّعَامِ بِنَوَاحِي الرّمْلِ فِي الْجَاهِلِيّةِ، ثُمّ أُغِيرُ عَلَى إبِلِ النّاسِ، فَإِذَا أَدْخَلْتهَا الرّمْلَ غَلَبْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَطْلُبُنِي فِيهِ، حَتّى أَمُرّ بِذَلِكَ الْمَاءِ الّذِي خَبّأْت فِي بَيْضِ النّعَامِ فَأَسْتَخْرِجُهُ، فَأَشْرَبُ مِنْهُ، فَلَمّا أَسْلَمْت خَرَجْت فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ التى يعث فيها رسول الله ﷺ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إلَى ذَاتِ السّلَاسِلِ، قَالَ فَقُلْت: وَاَللهِ لَأَخْتَارَنّ لِنَفْسِي صَاحِبًا، قَالَ:
فَصَحِبْت أَبَا بَكْرٍ، قَالَ: فَكُنْت مَعَهُ فِي رَحْلِهِ، قَالَ: وَكَانَتْ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ لَهُ فَدَكِيّةٌ، فَكَانَ إذَا نَزَلْنَا بَسَطَهَا، وَإِذَا رَكِبْنَا لَبِسَهَا، ثُمّ شَكّهَا عَلَيْهِ بِخِلَالِ لَهُ، قَالَ: وَذَلِكَ الّذِي لَهُ يَقُولُ أَهْلُ نَجْدٍ حِينَ ارْتَدّوا كُفّارًا: نَحْنُ نُبَايِعُ ذَا الْعَبَاءَةِ! قَالَ: فَلَمّا دَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ قَافِلِينَ، قَالَ قُلْت: يَا أَبَا بَكْرٍ، إنّمَا صَحِبْتُك لِيَنْفَعَنِي اللهُ بِك، فَانْصَحْنِي وَعَلّمْنِي، قَالَ: لَوْ لَمْ تَسْأَلْنِي ذَلِكَ لَفَعَلْت، قَالَ:
آمُرُك أَنْ تُوَحّدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تُقِيمَ الصّلَاةَ، وَأَنْ تُؤْتِيَ الزكاة،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٨٥ ]
وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجّ هَذَا الْبَيْتَ، وَتَغْتَسِلَ مِنْ الْجَنَابَةِ، وَلَا تَتَأَمّرْ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَبَدًا. قَالَ: قُلْت: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَمَا أَنَا وَاَللهِ فَإِنّي أَرْجُو أَنْ لَا أُشْرِكَ بِاَللهِ أَحَدًا أَبَدًا، وَأَمّا الصّلَاةُ فَلَنْ أَتْرُكَهَا أَبَدًا إنْ شَاءَ اللهُ، وَأَمّا الزّكَاةُ فَإِنْ يَكُ لِي مَالٌ أُؤَدّهَا إنْ شَاءَ اللهُ، وَأَمّا رَمَضَانُ فَلَنْ أَتْرُكَهُ أَبَدًا إنْ شَاءَ اللهُ، وَأَمّا الْحَجّ فَإِنْ أَسْتَطِعْ أَحُجّ إنْ شاء الله تعالى، وأما الجنابة فأغتسل مِنْهَا إنْ شَاءَ اللهُ، وَأَمّا الْإِمَارَةُ فَإِنّي رَأَيْت النّاسَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَا يَشْرُفُونَ عند رسول الله ﷺ وَعِنْدَ النّاسِ إلّا بِهَا، فَلِمَ تَنْهَانِي عَنْهَا؟ قَالَ:
إنّك إنّمَا اسْتَجْهَدْتَنِي لِأَجْهَدَ لَك، وَسَأُخْبِرُك عَنْ ذَلِكَ، إنْ اللهُ ﷿ بَعَثَ مُحَمّدًا ﷺ بِهَذَا الدّينِ، فَجَاهَدَ عَلَيْهِ حَتّى دَخَلَ النّاسُ فِيهِ طَوْعًا وكرها، فلما دخلوا فيه كانوا عواذ لله وَجِيرَانَهُ، وَفِي ذِمّتِهِ، فَإِيّاكَ لَا تُخْفِرْ اللهَ فى جيرانه، فيتبعك الله فى خَفْرَتَهُ، فَإِنّ أَحَدَكُمْ يُخْفَرُ فِي جَارِهِ، فَيَظِلّ نَاتِئًا عَضَلَهُ، غَضَبًا لِجَارِهِ أَنْ أُصِيبَتْ لَهُ شَاةٌ أَوْ بَعِيرٌ، فَاَللهُ أَشَدّ غَضَبًا لِجَارِهِ قَالَ:
فَفَارَقْته عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ: فَلَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأُمّرَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى النّاسِ، قَالَ: قَدِمْت عَلَيْهِ، فَقُلْت لَهُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَمْ تَكُ نَهَيْتَنِي عَنْ أَنْ أَتَأَمّرَ عَلَى رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: بَلَى، وَأَنَا الْآنَ أَنَهَاك عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَقُلْت لَهُ: فَمَا حَمْلُك عَلَى أَنْ تَلِيَ أَمْرَ النّاسِ؟ قَالَ: لَا أَجِدُ مِنْ ذَلِكَ بُدّا، خَشِيت عَلَى أُمّةِ مُحَمّدٍ ﷺ الْفُرْقَةَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٨٦ ]
[تَقْسِيمُ عَوْفٍ الْأَشْجَعِيّ الْجَزُورَ بَيْنَ قَوْمٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ أنه حدّث عن عوف ابن مَالِكٍ الْأَشْجَعِيّ، قَالَ: كُنْت فِي الْغَزَاةِ الّتِي بَعَثَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إلَى ذَاتِ السّلَاسِلِ، قَالَ: فَصَحِبْت أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَمَرَرْتُ بِقَوْمِ عَلَى جَزُورٍ لَهُمْ قَدْ نَحَرُوهَا، وَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُعْضُوهَا، قَالَ: وَكُنْت امْرَأً لَبِقًا جَازِرًا، قَالَ: فَقُلْت: أَتُعْطُونَنِي مِنْهَا عَشِيرًا عَلَى أَنْ أَقَسَمَهَا بَيْنَكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فأخذت الشّفرتين، فجزّأتها مكانى، وأخذت منها جزآ، فَحَمَلْته إلَى أَصْحَابِي، فَاطّبَخْنَاهُ فَأَكَلْنَاهُ. فَقَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ أَنّى لَك هَذَا اللّحْمُ يَا عَوْفُ؟ قَالَ: فَأَخْبَرْتهمَا خبره، فقالا:
والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا، ثم قاما يتّقيان ما فى بطونهما من ذلك؛ قَالَ: فَلَمّا قَفَلَ النّاسُ مِنْ ذَلِكَ السّفَرِ، كُنْت أَوّلَ قَادِمٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: فَجِئْته وَهُوَ يُصَلّي فِي بَيْتِهِ؛ قَالَ: فَقُلْت: السّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، قَالَ: أَعَوْفُ بْنُ مَالِكٍ؟ قَالَ: قُلْت: نَعَمْ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي، قَالَ أَصَاحِبُ الْجَزُورِ؟ وَلَمْ يَزِدْنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ شيئا.
[غزوة ابن أبى حدرد بطن إصم وقتل عامر ابن الأضبط الأشجعى]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، قَالَ بَعَثَنَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٨٧ ]
رسول الله ﷺ إلى إضَمَ فِي نَفَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيّ وَمُحَلّمُ بْنُ جَثّامَةَ بْنِ قَيْسٍ، فَخَرَجْنَا حَتّى إذَا كُنّا بِبَطْنِ إضَمَ، مَرّ بِنّا عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيّ، عَلَى قَعُودٍ لَهُ، وَمَعَهُ مُتَيّعٌ لَهُ وَوَطْبٌ مِنْ لَبَنٍ. قَالَ: فَلَمّا مَرّ بِنَا سَلّمَ عَلَيْنَا بِتَحِيّةِ الْإِسْلَامِ، فَأَمْسَكْنَا عَنْهُ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلّمُ بْنُ جَثّامَةَ، فَقَتَلَهُ لِشَيْءِ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَأَخَذَ بَعِيرَهُ وَأَخَذَ مُتَيّعَهُ قَالَ: فَلَمّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ، نَزَلَ فِينَا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا، وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا، تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا النساء:
٩٤.. إلى آخر الآية.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَرَأَ أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعِلَاءِ: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا لِهَذَا الْحَدِيثِ.
[ابْنُ حَابِسٍ وَابْنُ حِصْنٍ يَخْتَصِمَانِ فِي دَمِ ابْنِ الْأَضْبَطِ إلَى الرّسُولِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَ: سمعت زياد ابن ضُمَيْرةَ بْنِ سَعْدٍ السّلَمِيّ يُحَدّثُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّهِ، وَكَانَا شَهِدَا حُنَيْنًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: صَلّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الظّهْرَ، ثُمّ عَمِدَ إلَى ظِلّ شَجَرَةٍ، فَجَلَسَ تَحْتَهَا، وَهُوَ بِحُنَيْنٍ، فَقَامَ إلَيْهِ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ، يَخْتَصِمَانِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٨٨ ]
فِي عَامِرِ بْنِ أَضْبَطَ الْأَشْجَعِيّ: عُيَيْنَةُ يَطْلُبُ بِدَمِ عَامِرٍ، وَهُوَ يَوْمئِذٍ رَئِيسُ غَطَفَانَ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ يَدْفَعُ عَنْ مُحَلّمِ بْنِ جَثّامَةَ، لِمَكَانِهِ مِنْ خندف، فَتَدَاوَلَا الْخُصُومَةَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَسَمِعْنَا عُيَيْنَةُ بْنَ حِصْنٍ وَهُوَ يَقُولُ وَاَللهِ يَا رَسُولَ اللهِ لَا أَدْعُهُ حَتّى أُذِيقَ نِسَاءَهُ مِنْ الْحُرْقَةِ مِثْلَ مَا أَذَاقَ نِسَائِي، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: بَلْ تَأْخُذُونَ الدّيَةَ خَمْسِينَ فِي سَفَرِنَا هَذَا، وَخَمْسِينَ إذَا رَجَعْنَا، وَهُوَ يَأْبَى عَلَيْهِ، إذْ قَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ، يُقَالُ لَهُ: مُكَيْثِرٌ، قَصِيرٌ مَجْمُوعٌ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مُكَيْتِلٌ- فَقَالَ: وَاَللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا وَجَدْت لِهَذَا الْقَتِيلِ شَبَهًا فِي غُرّةِ الْإِسْلَامِ إلّا كَغَنَمٍ وَرَدَتْ فَرُمِيَتْ أُولَاهَا، فَنَفَرَتْ أُخْرَاهَا، اُسْنُنْ الْيَوْمَ، وَغَيّرْ غَدًا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ. فَقَالَ: بَلْ تَأْخُذُونَ الدّيَةَ خَمْسِينَ فِي سَفَرِنَا هَذَا، وَخَمْسِينَ إذَا رَجَعْنَا. قَالَ: فَقَبِلُوا الدّيَةَ. قَالَ: ثُمّ قَالُوا: أَيْنَ صَاحِبُكُمْ هَذَا، يَسْتَغْفِرُ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ آدَمُ ضَرْبٌ طَوِيلٌ، عَلَيْهِ حُلّةٌ لَهُ، قَدْ كَانَ تَهَيّأَ لِلْقَتْلِ فِيهَا: حَتّى جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ: مَا اسْمُك؟ قَالَ: أَنَا مُحَلّمُ بْنُ جَثّامَةَ، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ، ثُمّ قَالَ: اللهُمّ لَا تَغْفِرْ لِمُحَلّمِ بْنِ جَثّامَةَ ثَلَاثًا. قَالَ:
فَقَامَ وَهُوَ يَتَلَقّى دَمْعَهُ بِفَضْلِ رِدَائِهِ. قَالَ: فَأَمّا نَحْنُ فَنَقُولُ فِيمَا بَيْنَنَا: إنّا لَنَرْجُو أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ اسْتَغْفَرَ لَهُ، وَأَمّا مَا ظَهَرَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فهذا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٨٩ ]
[مَوْتُ مُحَلّمٍ وَمَا حَدَثَ لَهُ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصَرِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ: أَمّنْتَهُ بِاَللهِ ثُمّ قَتَلْتَهُ! ثُمّ قَالَ لَهُ الْمَقَالَةَ التى قال؛ قال: فو الله مَا مَكَثَ مُحَلّمُ بْنُ جَثّامَةَ إلّا سَبْعًا حَتّى مَاتَ، فَلَفَظَتْهُ- وَاَلّذِي نَفْسُ الْحَسَنِ بِيَدِهِ- الْأَرْضُ، ثُمّ عَادُوا لَهُ، فَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، ثُمّ عَادُوا فَلَفَظَتْهُ؛ فَلَمّا غُلِبَ قَوْمُهُ عَمِدُوا إلَى صُدّيْنِ، فَسَطَحُوهُ بَيْنَهُمَا ثُمّ رَضَمُوا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ حَتّى وَارَوْهُ. قَالَ: فَبَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ شَأْنُهُ، فَقَالَ: وَاَللهِ إنّ الْأَرْضَ لَتَطّابِقُ عَلَى مَنْ هُوَ شَرّ مِنْهُ، وَلَكِنّ اللهَ أَرَادَ أَنْ يَعِظَكُمْ فِي حُرْمِ ما بينكم بما أراكم منه.
[دية بن الْأَضْبَطِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَخْبَرَنَا سَالِمٌ أَبُو النّضْرِ أَنّهُ حُدّثَ: أَنّ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وَقَيْسًا حِينَ قَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَخَلَا بِهِمْ، يَا مَعْشَرَ قَيْسٍ، مَنَعْتُمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَتِيلًا يَسْتَصْلِحُ بِهِ النّاسَ، أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَلْعَنَكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيَلْعَنَكُمْ اللهُ بِلَعْنَتِهِ، أَوْ أن يغضب اللهُ عَلَيْكُمْ بِغَضَبِهِ؟ وَاَللهِ الّذِي نَفْسُ الْأَقْرَعِ بِيَدِهِ لَتُسَلّمُنّهُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَيَصْنَعَنّ فِيهِ مَا أَرَادَ، أَوْ لَآتِيَنّ بِخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يَشْهَدُونَ بِاَللهِ كُلّهُمْ. لَقُتِلَ صَاحِبُكُمْ كَافِرًا، مَا صَلّى قَطّ، فَلَأَطُلّنّ دَمَهُ؛ فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ، قَبِلُوا الدّية.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٩٠ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مُحَلّمٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كُلّهِ عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ، وَهُوَ مُحَلّمُ ابن جثّامة بن قيس الليثى.
قال ابْنُ إسْحَاقَ: مُلَجّمٌ، فِيمَا حَدّثَنَاهُ زِيَادٌ عَنْهُ.
[غَزْوَةُ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ لِقَتْلِ رِفَاعَةَ بْنِ قيس الجشمى]
[سببها]
قال ابن إسحاق: وغزوة ابن أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيّ الْغَابَةَ.
وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهَا فِيمَا بَلَغَنِي، عَمّنْ لَا أَتّهِمُ، عَنْ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، قَالَ:
تَزَوّجْت امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي، وأصدقتها مائتى دِرْهَمٍ، قَالَ: فَجِئْت رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسْتَعِينُهُ عَلَى نِكَاحِي؛ فَقَالَ: وَكَمْ أصدقت؟ فقلت: مائتى دِرْهَمٍ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، لَوْ كُنْتُمْ تَأْخُذُونَ الدّرَاهِمَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ مَا زِدْتُمْ، وَاَللهِ مَا عِنْدِي مَا أُعِينُك بِهِ. قَالَ: فَلَبِثْتُ أَيّامًا، وَأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُشَمَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، يُقَالُ لَهُ: رِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ، أَوْ قَيْسُ بْنُ رِفَاعَةَ، فِي بطن جُشَمَ، حَتّى نَزَلَ بِقَوْمِهِ وَمَنْ مَعَهُ بِالْغَابَةِ، يريد أن يجمع قيسا على عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ ذَا اسْمٍ فِي جُشَمَ وَشَرَفٍ. قَالَ:
فَدَعَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَجُلَيْنِ مَعِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ:
اُخْرُجُوا إلَى هَذَا الرّجُلِ حَتّى تَأْتُوا مِنْهُ بِخَبَرِ وَعِلْمٍ. قَالَ: وَقَدّمَ لَنَا شَارِفًا عَجْفَاءَ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٩١ ]
فحمل عليها أحدنا، فو الله ما قامت به ضعفا حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم، حتى استقلّت وما كَادَتْ، ثُمّ قَالَ: تُبَلّغُوا عَلَيْهَا وَاعْتُقِبُوهَا.
[انْتِصَارُ الْمُسْلِمِينَ وَنَصِيبُ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ مِنْ فَيْءٍ اسْتَعَانَ بِهِ عَلَى الزّوَاجِ]
قَالَ: فَخَرَجْنَا وَمَعَنَا سِلَاحُنَا مِنْ النّبْلِ وَالسّيُوفِ، حَتّى إذَا جِئْنَا قَرِيبًا مِنْ الْحَاضِرِ عُشَيْشِيّةً مَعَ غُرُوبِ الشّمْسِ. قَالَ: كَمَنْتُ فِي نَاحِيَةٍ، وَأَمَرْت صَاحِبِيّ، فَكَمَنَا فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى مِنْ حَاضِرِ الْقَوْمِ؛ وَقُلْت لَهُمَا: إذَا سَمِعْتُمَانِي قَدْ كَبّرْت وَشَدَدْتُ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ فَكَبّرَا وَشُدّا مَعِي. قَالَ: فو الله إنّا لِكَذَلِكَ نَنْتَظِرُ غِرّةَ الْقَوْمِ، أَوْ أَنْ نُصِيبَ مِنْهُمْ شَيْئًا. قَالَ: وَقَدْ غَشِيَنَا اللّيْلُ حَتّى ذَهَبَتْ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ، وَقَدْ كَانَ لَهُمْ رَاعٍ قَدْ سَرّحَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِمْ حَتّى تُخَوّفُوا عَلَيْهِ قَالَ: فَقَامَ صَاحِبُهُمْ ذَلِكَ رِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ، فَأَخَذَ سَيْفَهُ، فَجَعَلَهُ فِي عُنُقِهِ، ثُمّ قَالَ: وَاَللهِ لَأَتّبِعَنّ أَثَرَ رَاعِينَا هَذَا، وَلَقَدْ أَصَابَهُ شَرّ، فَقَالَ لَهُ نَفَرٌ مِمّنْ مَعَهُ: وَاَللهِ لَا تَذْهَبْ، نَحْنُ نَكْفِيك؛ قَالَ: وَاَللهِ لَا يَذْهَبُ إلّا أَنَا؛ قَالُوا: فَنَحْنُ مَعَك؛ قَالَ: وَاَللهِ لَا يَتْبَعُنِي أحد منكم قال: وخرج حتى يمربى.
قَالَ: فَلَمّا أَمْكَنَنِي نَفْحَتُهُ بِسَهْمِي، فَوَضَعْته فِي فؤاده. قال: فو الله مَا تَكَلّمَ، وَوَثَبْت إلَيْهِ، فَاحْتَزَزْتُ رَأْسَهُ. قَالَ. وَشَدَدْت فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ، وَكَبّرْت، وَشَدّ صَاحِبَايَ وكبّرا. قال: فو الله مَا كَانَ إلّا النّجَاءُ مِمّنْ فِيهِ، عِنْدَك، عِنْدَك، بِكُلّ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، وَمَا خَفّ مَعَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. قَالَ:
واستقنا إبلا عظيمة، وغما كَثِيرَةً، فَجِئْنَا بِهَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٩٢ ]
قال: وجئت برأسه أحمله معى. قَالَ: فَأَعَانَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ بِثَلَاثَةَ عَشْرَ بَعِيرًا فِي صَدَاقِي، فَجَمَعْتُ إلَيّ أَهْلِي.
[غَزْوَةُ عَبْدِ الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل]
[شىء من وعظ الرسول لقومه]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ:
سَمِعْت رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَسْأَلُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، عَنْ إرْسَالِ الْعِمَامَةِ مِنْ خَلْفِ الرّجُلِ إذَا اعْتَمّ، قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: سَأُخْبِرُك إنْ شَاءَ اللهُ عَنْ ذَلِكَ بِعِلْمِ: كُنْت عَاشِرَ عَشَرَةِ رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فى مسجده: أبو بكر، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيّ، وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، إذْ أَقْبَلَ فَتًى مِنْ الْأَنْصَارِ، فَسَلّمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمّ جَلَسَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، صَلّى اللهُ عَلَيْك، أَيّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا؛ قَالَ: فَأَيّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: أَكْثَرُهُمْ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ، وَأَحْسَنُهُمْ اسْتِعْدَادًا لَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ، أُولَئِكَ الْأَكْيَاسُ، ثُمّ سَكَتَ الْفَتَى، وَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ فقال: «يا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسُ خِصَالٍ إذَا نَزَلْنَ بِكُمْ وَأَعُوذُ بِاَللهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنّ: إنّهُ لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطّ حَتّى يُعْلِنُوا بِهَا إلّا ظَهَرَ فِيهِمْ الطّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ، الّتِي لَمْ تَكُنْ فِي أَسْلَافِهِمْ الّذِينَ مَضَوْا؛ وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إلّا أُخِذُوا بِالسّنِينَ وَشِدّةِ الْمُؤْنَةِ وجور السّلطان؛
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٩٣ ]
وَلَمْ يَمْنَعُوا الزّكَاةَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إلّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السّمَاءِ، فَلَوْلَا الْبَهَائِمُ مَا مُطِرُوا؛ وَمَا نَقَضُوا عَهْدَ اللهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إلّا سلّط عليهم عدوّ من أغيرهم، فَأَخَذَ بَعْضَ مَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ؛ وَمَا لَمْ يَحْكُمْ أَئِمّتُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ وَتَجَبّرُوا فِيمَا أَنَزَلَ اللهُ إلّا جَعَلَ اللهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ» .
[تأمير ابن عوف واعتمامه]
ثم أَمَرَ عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَنْ يَتَجَهّزَ لِسَرِيّةِ بَعَثَهُ عَلَيْهَا، فَأَصْبَحَ وَقَدْ اعْتَمّ بِعِمَامَةِ مِنْ كَرَابِيسَ سَوْدَاءَ، فَأَدْنَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهُ، ثُمّ نَقَضَهَا، ثُمّ عَمّمَهُ بِهَا، وَأَرْسَلَ مِنْ خَلْفِهِ أَرْبَعَ أَصَابِعَ أَوْ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ، ثُمّ قَالَ: هَكَذَا يا بن عَوْفٍ فَاعْتَمّ، فَإِنّهُ أَحْسَنُ وَأَعْرَفُ، ثُمّ أَمَرَ بَلَالًا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ اللّوَاءَ. فَدَفَعَهُ إلَيْهِ فَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى، وَصَلّى عَلَى نَفْسِهِ، ثُمّ قَالَ: خُذْهُ يَا بْنَ عَوْفٍ، اُغْزُوَا جَمِيعًا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللهِ، لَا تَغُلّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلَيَدًا، فَهَذَا عَهْدُ اللهِ وَسِيرَةُ نَبِيّهِ فِيكُمْ.
فَأَخَذَ عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ اللّوَاءَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَخَرَجَ إلَى دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ.
[غَزْوَةُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرّاحِ إلَى سَيْفِ البحر]
[نفاد الطعام وخبر دابة الْبَحْر]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عِبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّهِ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٩٤ ]
سَرِيّةً إلَى سِيفِ الْبَحْرِ، عَلَيْهِمْ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرّاحِ، وَزَوّدَهُمْ جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ، فَجَعَلَ يَقُوتُهُمْ إيّاهُ، حَتّى صَارَ إلَى أَنْ يَعُدّهُ عَلَيْهِمْ عَدَدًا. قَالَ: ثُمّ نَفِدَ التّمْرُ، حَتّى كَانَ يُعْطَى كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ كُلّ يَوْمٍ تَمْرَةً. قَالَ: فَقَسَمَهَا يَوْمًا بَيْنَنَا. قَالَ:
فَنَقَصَتْ تَمْرَةٌ عَنْ رَجُلٍ، فَوَجَدْنَا فَقَدَهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ. قَالَ: فَلَمّا جَهَدَنَا الْجُوعُ أَخَرَجَ اللهُ لَنَا دابة من البحر، فأصبنا من لحمها وود كها، وَأَقَمْنَا عَلَيْهَا عِشْرِينَ لَيْلَةً، حَتّى سَمّنَا وَابْتَلَلْنَا، وَأَخَذَ أَمِيرُنَا ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهَا، فَوَضَعَهَا عَلَى طَرِيقِهِ، ثُمّ أَمَرَ بِأَجْسَمِ بَعِيرٍ مَعَنَا، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَجْسَمَ رَجُلٍ مِنّا. قَالَ: فَجَلَسَ عَلَيْهِ، قَالَ:
فَخَرَجَ مِنْ تَحْتِهَا وَمَا مَسّتْ رَأْسُهُ. قَالَ: فَلَمّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَخْبَرْنَاهُ خَبَرَهَا، وَسَأَلْنَاهُ عَمّا صَنَعْنَا فِي ذَلِكَ مِنْ أَكْلِنَا إيّاهُ، فَقَالَ:
رزق رزقكموه الله.
[بَعْثُ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ لِقِتَالِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَمَا صَنَعَ فِي طَرِيقِهِ]
[قدومه مكة وتعرف القوم عليه]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَمِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إسْحَاقَ مِنْ بُعُوثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسَرَايَاهُ بَعْثُ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ، بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فِيمَا حَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، بَعْدَ مَقْتَلِ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيّ وَأَصْحَابِهِ إلَى مَكّةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْتُلَ أَبَا سفيان بن حرب، وبعث معه جبّار ابن صَخْرٍ الْأَنْصَارِيّ فَخَرَجَا حَتّى قَدِمَا مَكّةَ وَحَبَسَا جَمَلَيْهِمَا بِشِعْبٍ مِنْ شِعَابِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٩٥ ]
يَأْجَجَ، ثُمّ دَخَلَا مَكّةَ لَيْلًا، فَقَالَ جَبّارٌ لِعَمْرِو: لَوْ أَنّا طُفْنَا بِالْبَيْتِ وَصَلّيْنَا رَكْعَتَيْنِ؟ فَقَالَ عَمْرٌو: إنّ الْقَوْمَ إذَا تَعَشّوْا جَلَسُوا بِأَفْنِيَتِهِمْ، فَقَالَ: كَلّا، إنْ شَاءَ اللهُ، فَقَالَ عَمْرٌو: فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ، وَصَلّيْنَا، ثُمّ خَرَجْنَا نُرِيدُ أبا سفيان، فو الله إنّا لَنَمْشِي بِمَكّةَ إذْ نَظَرَ إلَيّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكّةَ فَعَرَفَنِي، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ: وَاَللهِ إنْ قَدِمَهَا إلّا لِشَرّ، فَقُلْت لِصَاحِبِي: النّجَاءُ، فَخَرَجْنَا نَشْتَدّ، حَتّى أَصْعَدْنَا فِي جَبَلٍ، وَخَرَجُوا فِي طَلَبِنَا، حَتّى إذَا عَلَوْنَا الْجَبَلَ يَئِسُوا مِنّا، فَرَجَعْنَا، فَدَخَلْنَا كَهْفًا فِي الْجَبَلِ، فَبِتْنَا فِيهِ، وَقَدْ أَخَذْنَا حِجَارَةً فَرَضَمْنَاهَا دوننا، فلما أصبحنا غدا رجل من قُرَيْشٍ يَقُودُ فَرَسًا لَهُ، وَيَخْلِي عَلَيْهَا، فَغَشِيَنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ، فَقُلْت: إنْ رَآنَا صَاحَ بنا، فأخذنا فقتلنا.
[قتله أبا سفيان وهربه]
قَالَ: وَمَعِي خِنْجَرٌ قَدْ أَعْدَدْته لِأَبِي سُفْيَانَ، فَأَخْرُجُ إلَيْهِ، فَأَضْرِبُهُ عَلَى ثَدْيِهِ ضَرْبَةً، وَصَاحَ صَيْحَةً أَسْمَعَ أَهْلَ مَكّةَ، وَأَرْجِعُ فَأَدْخُلُ مَكَانِي، وَجَاءَهُ النّاسُ يَشْتَدّونَ وَهُوَ بِآخِرِ رَمَقٍ، فَقَالُوا: مَنْ ضَرَبَك؟ فَقَالَ: عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ، وَغَلَبَهُ الْمَوْتُ، فَمَاتَ مَكَانَهُ، وَلَمْ يَدْلُلْ عَلَى مَكَانِنَا، فَاحْتَمَلُوهُ. فَقُلْت لِصَاحِبِي، لَمّا أَمْسَيْنَا: النّجَاءُ، فَخَرَجْنَا لَيْلًا مِنْ مَكّةَ نُرِيدُ الْمَدِينَةَ، فَمَرَرْنَا بِالْحَرَسِ وَهُمْ يَحْرَسُونَ جِيفَةَ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيّ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: وَاَللهِ مَا رَأَيْت كَاللّيْلَةِ أَشَبَهَ بِمِشْيَةِ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ، لَوْلَا أَنّهُ بِالْمَدِينَةِ لَقُلْت هُوَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ، قَالَ:
فَلَمّا حَاذَى الْخَشَبَةَ شَدّ عَلَيْهَا، فَأَخَذَهَا فَاحْتَمَلَهَا، وَخَرَجَا شَدّا، وَخَرَجُوا وَرَاءَهُ حَتّى أَتَى جُرْفًا بِمَهْبِطِ مَسِيلِ يَأْجَجَ، فَرَمَى بِالْخَشَبَةِ فِي الْجُرْفِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٩٦ ]
فَغَيّبَهُ اللهُ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، قَالَ: وَقُلْت لِصَاحِبِي: النّجَاءَ النّجَاءَ، حَتّى تَأْتِيَ بَعِيرَك فَتَقْعُدَ عَلَيْهِ، فَإِنّي سَأَشْغَلُ عَنْك الْقَوْمَ، وَكَانَ الأنصارىّ لا رجلة له.
[قتله بكريا فى غار]
قَالَ: وَمَضَيْتُ حَتّى أَخْرُجَ عَلَى ضَجْنَانَ ثُمّ أَوَيْت إلَى جَبَلِ، فَأَدْخُلُ كَهْفًا، فَبَيْنَا أَنَا فِيهِ، إذْ دَخَلَ عَلَيّ شَيْخٌ مِنْ بَنِي الدّيلِ أَعْوَرُ، فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ، فَقَالَ: مَنْ الرّجُلُ؟ فَقُلْت: مِنْ بَنِي بَكْرٍ، فَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ بَنِي بَكْرٍ، فَقُلْت: مَرْحَبًا، فَاضْطَجَعَ، ثم رفع عقيرته، فقال:
ولست بمسلم مادمت حَيّا وَلَا دَانٍ لِدِينِ الْمُسْلِمِينَا
فَقُلْت فِي نَفْسِي: سَتَعْلَمُ، فَأَمْهَلْته، حَتّى إذَا نَامَ أَخَذْتُ قوسى، فجعلت سيتها فى عينه الصّحيحة، ثم تحاملت عليه حتى بلغت العظم، ثم خرجت النّجاء، حتى جئت الْعَرْجَ، ثُمّ سَلَكْت رَكُوبَةً، حَتّى إذَا هَبَطْت النّقِيعَ إذَا رَجُلَانِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، كَانَتْ قُرَيْشٌ بَعَثَتْهُمَا عَيْنًا إلَى الْمَدِينَةِ يَنْظُرَانِ وَيَتَحَسّسَانِ، فَقُلْت: اسْتَأْسِرَا، فَأَبَيَا، فَأَرْمِي أَحَدَهُمَا بِسَهْمِ فَأَقْتُلُهُ، وَاسْتَأْسَرَ الْآخَرُ، فَأُوَثّقُهُ رِبَاطًا، وَقَدِمْت بِهِ الْمَدِينَةَ.
[سَرِيّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إلَى مَدْيَنَ]
[بعثه هو وضميرة وقصة السبى]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَسَرِيّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إلى مدين. ذَكَرَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حَسَنِ بْنِ حسن، عن أمه فاطمة بنة الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيّ عَلَيْهِمْ رِضْوَانُ اللهِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٩٧ ]
أن رسول الله ﷺ بَعَثَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ نَحْوَ مَدْيَنَ، وَمَعَهُ ضُمَيْرةَ مَوْلَى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ، وَأَخٌ لَهُ. قَالَتْ: فَأَصَابَ سَبْيًا مِنْ أَهْلِ مِينَاءَ، وَهِيَ السّوَاحِلُ، وَفِيهَا جُمّاعٌ مِنْ النّاسِ، فَبِيعُوا، فَفُرّقَ بَيْنَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُمْ يَبْكُونَ، فَقَالَ: مَا لَهُمْ؟ فَقِيلَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، فُرّقَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا تَبِيعُوهُمْ إلّا جَمِيعًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَرَادَ الْأُمّهَاتَ وَالْأَوْلَادَ.
[سَرِيّةُ سَالِمِ بْنِ عُمَيْرٍ لِقَتْلِ أَبِي عَفَكٍ]
[سبب نفاق أَبِي عَفَكٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَغَزْوَةُ سَالِمِ بْنِ عُمَيْرٍ لِقَتْلِ أبى عفك، أحد بنى عمرو ابن عوف ثُمّ مِنْ بَنِي عُبَيْدَةَ، وَكَانَ قَدْ نَجَمَ نِفَاقُهُ، حِينَ قَتْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْد بْنِ صَامِتٍ، فَقَالَ:
لَقَدْ عِشْتُ دَهْرًا وَمَا إنْ أَرَى مِنْ النّاسِ دَارًا وَلَا مَجْمَعَا
أَبَرّ عُهُودًا وَأَوْفَى لِمَنْ يُعَاقَدُ فِيهِمْ إذَا مَا دَعَا
مِنْ أَوْلَادِ قَيْلَةَ فِي جَمْعِهِمْ يَهُدّ الْجِبَالَ وَلَمْ يَخْضَعَا
فَصَدّعَهُمْ رَاكِبٌ جَاءَهُمْ حَلَالٌ حَرَامٌ لِشَتّى مَعَا
فَلَوْ أَنّ بِالْعِزّ صَدّقْتُمْ أَوْ الْمُلْكِ تَابَعْتُمْ تُبّعَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٩٨ ]
[قَتْلُ ابْنِ عُمَيْرٍ لَهُ وَشِعْرُ الْمُزَيْرِيّة]
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: من لى بهذا الخبيث؟ فخرج سالم ابن عُمَيْرٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْبَكّائِينَ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَتْ أُمَامَةُ الْمُزَيْرِيّة فِي ذَلِكَ:
تُكَذّبُ دِينَ اللهِ وَالْمَرْءَ أَحْمَدَا لَعَمْرُ الّذِي أَمْنَاكَ أَنْ بِئْسَ مَا يُمْنِي
حَبَاكَ حَنِيفٌ آخِرَ اللّيْلِ طَعْنَةً أَبَا عَفَكٍ خُذْهَا عَلَى كِبَرِ السّنّ
[غَزْوَةُ عُمَيْرِ بْنِ عَدِيّ الخطمى لقتل عصماء بنت مروان]
[نفاقها وشعرها فى ذلك]
وَغَزْوَةُ عُمَيْرِ بْنِ عَدِيّ الْخِطْمِيّ عَصْمَاءَ بِنْتَ مروان، وهى من بنى أميّة ابن زَيْدٍ، فَلَمّا قُتِلَ أَبُو عَفَكٍ نَافَقَتْ، فَذَكَرَ عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أَبِيهِ، قَالَ: وَكَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي خَطْمَةَ، وَيُقَالُ لَهُ يَزِيدُ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَتْ تَعِيبُ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ:
بِاسْتِ بَنِي مَالِكٍ وَالنّبِيتِ وَعَوْفٍ وَبِاسْتِ بَنِي الْخَزْرَجِ
أَطَعْتُمْ أَتَاوِيّ مِنْ غَيْرِكُمْ فَلَا مِنْ مُرَادٍ وَلَا مَذْحِجِ
تَرْجُونَهُ بعد قتل الرّؤس كَمَا يُرْتَجَى مَرَقُ الْمُنْضَجِ
أَلَا أَنِفٌ يَبْتَغِيَ غِرّةُ فَيَقْطَع مِنْ أَمَلِ الْمُرْتَجِي
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٩٩ ]
[شِعْرُ حَسّانَ فِي الرّدّ عَلَيْهَا]
قَالَ: فَأَجَابَهَا حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ:
بَنُو وَائِلٍ وَبَنُو وَاقِفٍ وَخَطْمَةُ دُونَ بَنِي الْخَزْرَجِ
مَتَى مَا دَعَتْ سَفَهًا وَيْحَهَا بِعَوْلَتِهَا وَالْمَنَايَا تَجِي
فَهَزّتْ فَتًى مَاجِدًا عِرْقُهُ كَرِيمُ الْمَدَاخِلِ وَالْمَخْرَجِ
فَضَرّجَهَا مِنْ نَجِيعِ الدّمَا ء بَعْدَ الْهُدُوّ فَلَمْ يحرج
[خُرُوجُ الْخِطْمِيّ لَقَتْلِهَا]
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ بَلَغَهُ ذَلِكَ، أَلَا آخِذٌ لِي مِنْ ابْنَةِ مَرْوَانَ؟ فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عُمَيْرُ بْنُ عَدِيّ الْخِطْمِيّ، وَهُوَ عِنْدَهُ؛ فَلَمّا أَمْسَى مِنْ تِلْكَ اللّيْلَةِ سَرَى عَلَيْهَا فِي بَيْتِهَا فَقَتَلَهَا، ثُمّ أَصْبَحَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فقال: يا رَسُولَ اللهِ، إنّي قَدْ قَتَلْتهَا. فَقَالَ نَصَرْت اللهَ وَرَسُولَهُ يَا عُمَيْرُ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيّ شَيْءٌ مِنْ شَأْنِهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ.
[شَأْنُ بَنِي خَطْمَةَ]
فرجع عمير إلى قومه، وبنو خَطْمَةَ يَوْمئِذٍ كَثِيرٌ مَوْجُهُمْ فِي شَأْنِ بِنْتِ مَرْوَانَ، وَلَهَا يَوْمئِذٍ بَنُونَ خَمْسَةُ رِجَالٍ، فَلَمّا جَاءَهُمْ عُمَيْرُ بْنُ عَدِيّ مِنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: يَا بَنِي خَطْمَةَ، أَنَا قَتَلْت ابْنَةَ مَرْوَانَ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٠٠ ]
فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمّ لَا تُنْظِرُونَ. فَذَلِكَ الْيَوْمُ أَوّلُ مَا عَزّ الْإِسْلَامُ فِي دَارِ بَنِي خَطْمَةَ، وَكَانَ يَسْتَخْفِي بِإِسْلَامِهِمْ فِيهِمْ مَنْ أَسْلَمَ، وَكَانَ أَوّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ بَنِي خَطْمَةَ عُمَيْرُ بْنُ عَدِيّ، وَهُوَ الّذِي يُدْعَى الْقَارِئَ، وعبد الله بن أوس، ابن ثَابِتٍ، وَأَسْلَمَ، يَوْمَ قُتِلَتْ ابْنَةُ مَرْوَانَ، رِجَالٌ من بنى خطمة، لما رأوا وخزيمة مِنْ عِزّ الْإِسْلَامِ.
[أَسْرُ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ الْحَنَفِيّ وَإِسْلَامُهُ وَالسّرِيّةُ الّتِي أَسَرَتْ ثُمَامَةَ بْنَ أثال الحنفى]
[إسلامه]
بَلَغَنِي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيّ عَنْ أَبِي هَرِيرَةَ أَنّهُ قَالَ: خَرَجَتْ خَيْلٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخَذَتْ رَجُلًا مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، لَا يَشْعُرُونَ مَنْ هُوَ، حَتّى أَتَوْا بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَنْ أَخَذْتُمْ، هَذَا ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ الْحَنَفِيّ، أُحْسِنُوا إسَارَهُ. وَرَجَعَ رَسُولُ الله ﷺ إلى أهله، فَقَالَ: اجْمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَكُمْ مِنْ طَعَامٍ، فَابْعَثُوا بِهِ إلَيْهِ، وَأَمَرَ بِلِقْحَتِهِ أَنْ يُغْدَى عَلَيْهِ بِهَا وَيُرَاحُ، فَجَعَلَ لَا يَقَعُ مِنْ ثُمَامَةَ مَوْقِعًا وَيَأْتِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيَقُولُ أَسْلِمْ يَا ثُمَامَةُ، فَيَقُولُ: إيْهَا يَا مُحَمّدُ، إنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُرِدْ الْفِدَاءَ فَسَلْ مَا شِئْت، فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَمْكُثَ، ثُمّ قَالَ النّبِيّ ﷺ يَوْمًا: أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ، فَلَمّا أَطْلَقُوهُ خَرَجَ حَتّى أَتَى البقيع، فتطهّر فأحسن طهوره، ثم أَقْبَلَ فَبَايَعَ النّبِيّ ﷺ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٠١ ]
على الإسلام؛ فلما أمسى جاؤه بما جاؤه بِمَا كَانُوا يَأْتُونَهُ مِنْ الطّعَامِ، فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُ إلّا قَلِيلًا، وَبِاللّقْحَةِ فَلَمْ يُصِبْ مِنْ حِلَابِهَا إلّا يَسِيرًا، فَعَجِبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ بَلَغَهُ ذَلِكَ: مِمّ تَعْجَبُونَ؟ أَمِنْ رَجُلٍ أَكَلَ أَوّلَ النّهَارِ فِي مِعَى كَافِرٍ، وَأَكَلَ آخِرَ النّهَارِ فِي مِعَى مُسْلِمٍ! إنّ الْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، وَإِنّ الْمُسْلِمَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ.
[خُرُوجُهُ إلَى مَكّةَ وَقِصّتُهُ مَعَ قُرَيْشٍ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَبَلَغَنِي أَنّهُ خَرَجَ مُعْتَمِرًا، حَتّى إذَا كَانَ بِبَطْنِ مَكّةَ لَبّى، فَكَانَ أَوّلَ مَنْ دَخَلَ مَكّةَ يُلَبّي، فَأَخَذَتْهُ قُرَيْشٌ، فَقَالُوا: لَقَدْ اخْتَرْت عَلَيْنَا، فَلَمّا قَدّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ؛ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: دَعُوهُ فَإِنّكُمْ تَحْتَاجُونَ إلَى الْيَمَامَةِ لِطَعَامِكُمْ، فَخَلّوهُ، فَقَالَ الْحَنَفِيّ فِي ذَلِكَ:
وَمِنّا الّذِي لَبّى بِمَكّةَ مُعْلِنًا بِرَغْمِ أَبِي سفيان فى الأشهر الحرم
حدثت أَنّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، حِينَ أَسْلَمَ، لَقَدْ كَانَ وَجْهُك أَبْغَضَ الْوُجُوهِ إلَيّ، وَلَقَدْ أَصْبَحَ وَهُوَ أَحَبّ الْوُجُوهِ إلَيّ. وَقَالَ فِي الدّينِ وَالْبِلَادِ مِثْلَ ذَلِكَ.
ثُمّ خَرَجَ مُعْتَمِرًا، فَلَمّا قَدِمَ مَكّةَ، قَالُوا: أَصَبَوْت يَا ثُمَامُ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنّي اتّبَعْت خَيْرَ الدّينِ، دِينَ مُحَمّدٍ، وَلَا وَاَللهِ لَا تَصِلُ إلَيْكُمْ حَبّةٌ مِنْ الْيَمَامَةِ حَتّى يَأْذَنَ فيها رسول الله ﷺ. ثُمّ خَرَجَ إلَى الْيَمَامَةِ، فَمَنَعَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا إلَى مَكّةَ شَيْئًا، فَكَتَبُوا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ: إنّك
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٠٢ ]
تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرّحِمِ، وَإِنّك قَدْ قَطَعْت أَرْحَامَنَا، وَقَدْ قَتَلْت الْآبَاءَ بِالسّيْفِ، وَالْأَبْنَاءَ بِالْجَوْعِ، فَكَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَيْهِ أَنْ يُخَلّي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْحَمْلِ.
[سَرِيّةُ عَلْقَمَةَ بن مجزز]
[سبب إرسال علقمة]
وَبُعِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ علقمة بن مجزّز.
لما قتل وقّاص بن مُجَزّزٍ الْمُدْلِجِيّ يَوْمَ ذِي قَرَدَ، سَأَلَ عَلْقَمَةُ بْنُ مُجَزّزٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَبْعَثَهُ فِي آثَارِ الْقَوْمِ، لِيَدْرِكَ ثَأْرَهُ فِيهِمْ.
[دُعَابَةُ ابْنِ حُذَافَةَ مَعَ جَيْشِهِ]
فَذَكَرَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمّدٍ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلْقَمَةَ بْنَ مُجَزّزٍ- قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ: وَأَنَا فِيهِمْ- حَتّى إذَا بَلَغْنَا رَأَسَ غَزَاتِنَا أَوْ كُنّا بِبَعْضِ الطّرِيقِ، أَذِنَ لِطَائِفَةِ مِنْ الْجَيْشِ، واستعمل عليهم عبد الله بن حُذَافَةَ السّهْمِيّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَتْ فِيهِ دُعَابَةٌ، فلما كان ببعض الطريق أو قد نَارًا، ثُمّ قَالَ لِلْقَوْمِ: أَلَيْسَ لِي عَلَيْكُمْ السّمْعُ وَالطّاعَةُ؟ قَالُوا: بَلَى؛ قَالَ: أَفَمَا أَنَا آمُرُكُمْ بِشَيْءِ إلّا فَعَلْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنّي أَعْزِمُ عَلَيْكُمْ بِحَقّي وَطَاعَتِي إلّا تَوَاثَبْتُمْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٠٣ ]
فِي هَذِهِ النّارِ؛ قَالَ: فَقَامَ بَعْضُ الْقَوْمِ يَحْتَجِزُ، حَتّى ظَنّ أَنّهُمْ وَاثِبُونَ فِيهَا، فَقَالَ لَهُمْ: اجْلِسُوا، فَإِنّمَا كُنْت أَضْحَكُ مَعَكُمْ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ قَدِمُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
مَنْ أَمَرَكُمْ بِمَعْصِيَةٍ مِنْهُمْ فَلَا تُطِيعُوهُ.
وَذَكَرَ مُحَمّدُ بْنُ طَلْحَةَ أَنّ عَلْقَمَةَ بْنَ مُجَزّزٍ رَجَعَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا.
[سَرِيّةُ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ لقتل البجليين الذين قتلوا يسارا]
[شأن يسار]
حَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَمّنْ حَدّثَهُ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ، قَالَ: أَصَابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ مُحَارَبٍ وَبَنِيّ ثَعْلَبَةَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ يَسَارٌ، فَجَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي لِقَاحٍ لَهُ كانت ترعى فى نَاحِيَةِ الْجَمّاءِ، فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ نَفَرٌ مِنْ قَيْسٍ كُبّة مِنْ بَجِيلَةَ، فَاسْتَوْبَئُوا، وَطَحِلُوا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى اللّقَاحِ فَشَرِبْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَخَرَجُوا إليها.
[قَتْلُ الْبَجَلِيّينَ وَتَنْكِيلُ الرّسُولِ بِهِمْ]
فَلَمّا صَحّوا وَانْطَوَتْ بُطُونُهُمْ، عَدَوْا عَلَى رَاعِي رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسَارٍ، فَذَبَحُوهُ وَغَرَزُوا الشّوك فى عينيه، واستاقوا اللّقَاحَ. فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٠٤ ]
ﷺ فِي آثَارِهِمْ كُرْزَ بْنَ جَابِرٍ، فَلَحِقَهُمْ، فَأَتَى بِهِمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرْجِعه مِنْ غَزْوَةِ ذِي قَرَدَ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ.
[غَزْوَةُ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إلَى الْيَمَنِ]
وَغَزْوَةُ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ إلَى الْيَمَنِ غَزَاهَا مَرّتَيْنِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو الْمَدَنِيّ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ إلَى الْيَمَنِ، وَبَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي جُنْدٍ آخَرَ، وَقَالَ:
إنْ الْتَقَيْتُمَا فَالْأَمِيرُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِب.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ بَعْثَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فِي حَدِيثِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي عِدّةِ الْبُعُوثِ وَالسّرَايَا، فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْعِدّةُ فِي قَوْلِهِ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ.
[بَعْثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ إلَى أَرْضِ فِلَسْطِينَ وَهُوَ آخِرُ الْبُعُوثِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبُعِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أسامة بن زيد ابن حارثة إلى الشّامِ، وَأَمَرَهُ أَنّ يُوطِئَ الْخَيْلَ تُخُومَ الْبَلْقَاءِ والداروم، من أرض فلسطين فتجهز الناس، وأوعب مَعَ أُسَامَةَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوّلُونَ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وهو آخر بعث رسول الله ﷺ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٠٥ ]
[ابْتِدَاءُ شَكْوَى رَسُولِ اللهِ ﷺ]
بدء الشكوى قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَبَيْنَا النّاسُ عَلَى ذَلِكَ اُبْتُدِئَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَكْوِهِ الّذِي قَبَضَهُ اللهُ فِيهِ، إلَى مَا أَرَادَ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، فِي لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ، أَوْ فِي أَوّلِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ، فَكَانَ أَوّلُ مَا اُبْتُدِئَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، فِيمَا ذُكِرَ لِي، أَنّهُ خَرَجَ إلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، مِنْ جَوْفِ اللّيْلِ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، ثُمّ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ، فَلَمّا أَصْبَحَ اُبْتُدِئَ بِوَجَعِهِ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مَوْلَى الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ جَوْفِ اللّيْلِ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، إنّي قَدْ أُمِرْت أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأَهْلِ هَذَا الْبَقِيعِ، فَانْطَلِقْ مَعِي، فَانْطَلَقْت مَعَهُ، فَلَمّا وَقَفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، قال: السلام عليكم يا أهل الْمَقَابِرِ، لِيَهْنِئَ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمّا أَصْبَحَ النّاسُ فِيهِ، أَقْبَلَتْ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللّيْلِ الْمُظْلِمِ، يَتْبَعُ آخِرُهَا أَوّلَهَا، الْآخِرَةُ شَرّ مِنْ الْأُولَى؛ ثُمّ أَقْبَلَ عَلَيّ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، إنّي قَدْ أُوتِيت مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا، ثُمّ الْجَنّةُ، فَخُيّرْت بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبّي وَالْجَنّةِ. قَالَ: فَقُلْت:
بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي، فَخُذْ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا، ثُمّ الْجَنّةَ، قَالَ:
لَا وَاَللهِ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، لَقَدْ اخْتَرْت لِقَاءَ رَبّي وَالْجَنّةَ، ثُمّ أَسَتَغْفِرُ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٠٦ ]
ثُمّ أَنْصَرِف، فَبَدَأَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعُهُ الّذِي قَبَضَهُ اللهُ فِيهِ.
[تَمْرِيضُهُ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبِيّ ﷺ قَالَتْ: رجع رسول الله ﷺ مِنْ الْبَقِيعِ، فَوَجَدَنِي وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا فِي رأسى، وأنا أقول: وا رأساه، فقال: بل أنا والله يا عائشة وا رأساه. قَالَتْ: ثُمّ قَالَ: وَمَا ضَرّكِ لَوْ مُتّ قَبْلِي، فَقُمْتُ عَلَيْك وَكَفّنْتُك، وَصَلّيْت عَلَيْك وَدَفَنْتُك؟ قَالَتْ: قُلْت: وَاَللهِ لَكَأَنّي بِك، لَوْ قَدْ فَعَلْتَ ذَلِكَ، لَقَدْ رَجَعْتَ إلَى بَيْتِي، فَأَعْرَسْت فِيهِ بِبَعْضِ نِسَائِك، قَالَتْ: فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَتَتَامّ بِهِ وَجَعُهُ، وَهُوَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ حَتّى اسْتَعَزّ بِهِ وَهُوَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَدَعَا نِسَاءَهُ فَاسْتَأْذَنَهُنّ فِي أَنْ يُمَرّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنّ لَه.
ــ
حَجّةُ الْوَدَاعِ ذَكَرَ فِيهَا حَدِيثَ عَائِشَةَ وَقَوْلَهَا: فَأَهْلَلْنَا بِالْحَجّ وَمَا نَذْكُرُ إلّا أَمْرَ الْحَجّ، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّهُمْ أَفْرَدُوا، وَقَدْ بَيّنَ ذَلِكَ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ- أَفْرَدَ الْحَجّ، وَهَذَا هُوَ الصّحِيحُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ «١»، وَقَدْ رُوِيَ
_________________
(١) يقول الإمام ابن القيم: «وإنما قلنا إنه أحرم قارنا لبضعة وعشرين حديثا صحيحة صريحة فى ذلك» ثم ساقرضي الله عنه- اثنين وعشرين حديثا-
[ ٧ / ٥٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْ طُرُقٍ فِيهَا لِينٌ عَنْ جَابِرٍ أَنّهُ قَالَ قَرَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الْحَجّ وَالْعُمْرَةِ، وَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، وَسَعَى لَهُمَا سَعْيًا وَاحِدًا، رَوَاهُ الدّارَقُطْنِيّ «١»، وَرُوِيَ أَيْضًا أَنّ جَابِرًا قَالَ: حَجّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ حَجّاتٍ، حَجّتَيْنِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَحَجّتَهُ الّتِي قَرَنَهَا بِعُمْرَتِهِ «٢»، وَأَمّا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ فَصَحِيحٌ، وَقَالَ فِيهِ: طَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ حَجّتِهِ وَعُمْرَتِهِ طَوَافًا وَاحِدًا، وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْ عَلِيّ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنّهُ طَافَ عَنْهُمَا طَوَافَيْنِ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ قَارِنًا، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، فِي أَنّهُ ﵇ كَانَ قَارِنًا، وَأَمّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَصَرّحَ فِيهِ بِأَنّهُ كَانَ قَارِنًا، وَقَالَ: مَا تَعُدّونَا إلّا صِبْيَانًا سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْرُخُ بِهِمَا جَمِيعًا «٣» يَعْنِي الحجّ والعمرة، فاختلفت الروايات فى إحرام
_________________
(١) - يستدل بها على أنه ﷺ أحرم قارنا لا مفردا، ثم نقل عن شيخه الإمام ابن تيمية ما يؤكد به أن الأحاديث فى هذا متفقة لا مختلفة، وإن بدت بظواهرها مختلفة. فراجعه فهو فصل رائع ممتع للامام الجليل ٣٦٩ وما بعدها ح ١ زاد المعاد.
(٢) ورواه أحمد والترمذى. وفيه الحجاج بن أرطاة. وحديثه كما يقول ابن القيم لا ينزل عن درجة الحسن ما لم ينفرد بشىء، أو يخالف الثقات.
(٣) رواه الترمذى ثم قال: وهذا حديث غريب من حديث سفيان. قال: وسألت محمدا- يعنى البخارى- عن هذا فلم يعرفه من حديث الثورى، وفى رواية: لا يعد بهذا الحديث محفوظا. وإنما يروى عن الثورى عن أبى إسحاق السبعينى عن مجاهد مرسلا.
(٤) وفى رواية: سمعت رسول الله «ص» يقول: لبيك حجا وعمرة، وحديث أنس فى الصحيحين.
[ ٧ / ٥٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رسول الله ﷺ كما تَرَى: هَلْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا، أَوْ مُتَمَتّعًا، وَكُلّهَا صِحَاحٌ إلّا مَنْ قَالَ: كَانَ مُتَمَتّعًا، وَأَرَادَ بِهِ أَنّهُ أَهَلّ بِعُمْرَةٍ، وَأَمّا مَنْ قَالَ:
تَمَتّعَ رَسُولُ اللهِﷺ- أَيْ: أَمَرَ بِالتّمَتّعِ، وَفَسْخِ الْحَجّ بِالْعُمْرَةِ، فَقَدْ يَصِحّ هَذَا التّأْوِيلُ، وَيَصِحّ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ تَمَتّعَ إذَا قَرَنَ، لِأَنّ الْقِرَانَ ضَرْبٌ مِنْ الْمُتْعَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ إسْقَاطِ أَحَدِ السّفَرَيْنِ. وَاَلّذِي يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ حَدِيثُ الْبُخَارِيّ أَنّهُ أَهَلّ بِالْحَجّ، فَلَمّا كَانَ بِالْعَقِيقِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ: إنّك بِهَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، فَقُلْ: لَبّيْكَ بِحَجّ وَعُمْرَةٍ مَعًا، فَقَدْ صَارَ قَارِنًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مُفْرِدًا، وَصَحّ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا، وَأَمْرُهُ لِأَصْحَابِهِ أَنْ يَفْسَخُوا الْحَجّ بِالْعُمْرَةِ خُصُوصٌ لَهُمْ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَإِنّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيُذْهِبَ مِنْ قُلُوبِهِمْ أَمْرَ الْجَاهِلِيّةِ فِي تَحْرِيمِهِمْ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجّ، فَكَانُوا يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، وَيَقُولُونَ: إذَا بَرَأَ الدّبَرُ «١»، وَعَفَا الْأَثَرُ، وَانْسَلَخَ صَفَرُ حَلّتْ الْعُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَرَ، وَلَمْ يَفْسَخْ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَجّهُ كَمَا فَعَلَ أَصْحَابُهُ، لِأَنّهُ سَاقَ الْهَدْيَ، وَقَلّدَهُ، وَاَللهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ وَقَالَ حِينَ رَأَى أَصْحَابَهُ قَدْ شَقّ عَلَيْهِمْ خِلَافُهُ: لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت لَجَعَلْتهَا عُمْرَةً، وَلَمَا سُقْت الْهَدْي «٢»، قَالَ شَيْخُنَا أَبُو بَكْرٍ ﵁: إنّمَا نَدِمَ على ترك
_________________
(١) الدبر: الجرح الذى يكون فى ظهر البعير.. وقيل: هو أن يقرح خف البعير.
(٢) فى صحيح البخارى عن ابن عباس قال: «أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبى «ص» فى حجة الوداع، وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله-
[ ٧ / ٥٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَا هُوَ أَسْهَلُ، وَأَرْفَقُ، لَا عَلَى تَرْكِ مَا هُوَ أَفْضَلُ، وَأَوْفَقُ، وَذَلِكَ لِمَا رَأَى مِنْ كَرَاهَةِ أَصْحَابِهِ لِمُخَالَفَتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ سَاقَ الهدى معه من أصحابه إلا طلحة
_________________
(١) - ﷺ اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدى» ويعلق الإمام ابن القيم على هذا الحديث؛ ورواية السنن له: «ونحن نشهد الله علينا أنا لو أحرمنا بحج لرأينا فرضا علينا فسخه إلى عمرة تقاديا من غضب رسول اللهﷺ- واتباعا لأمره: فو الله ما نسخ هذا فى حياته ولا بعده، ولا صح حرف واحد يعارضه ولا خص به أصحابه دون من بعدهم، بل أجرى الله ﷾ على لسان سراقة أن يسأله: هل ذلك مختص بهم؟ فأجاب بأن ذلك كائن لأبد الأبد. فما ندرى ما نقدم على هذه الأحاديث» ص ٤٢٦ ح ١ زاد المعاد. وفى هذا رد على السهيلى فى زعمه أن فسخ الحج بالعمرة كان خصوصا لأصحاب النبى. ولقد قال سلمة بن شبيب لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله كل أمرك عندى حسن إلا خلة واحدة قال: وما هى: قال تقول بفسخ الحج إلى العمره، فقال: يا سلمة كنت أرى لك عقلا عندى فى ذلك أحد عشر حديثا صحاحا عن رسول الله «ص» أأتركها لقولك؟ المصدر السابق. ويقول: الإمام ابن القيم أيضا عن الذين غلطوا فى حج النبى «ص»: ووهم فى حجه خمس طوائف: الطائفة الأولى التى قالت: حج حجا مفردا لم يعتمر معه. الثانية: من قال: حج متمتعا تمتعا حل منه، ثم أحرم بعده بالحج كما قاله القاضى أبو يعلى وغيره. الثالثة: من قال حج متمتعا تمتعا لم يحل منه لأجل سوق الهدى، ولم يكن قارنا كما قاله أبو محمد بن قدامة صاحب المغنى. الرابعة: من قال حج قارنا قرانا طاف له طوافين وسعا له سعيين. الخامسة: من قال: حج حجا مفردا. اعتمر بعده من التنعيم. ثم بين ﵁ أنه ﷺ أحرم قارنا وساق الأدلة بالأحاديث. كما قال: حصل الترجيح لرواية من روى القران لوجوه عشرة ثم ذكر هذه الوجوه وزاد عليها خمسة أوجه أنظر ص ٣٨٢، ٣٩٠ ح ١ زاد المعاد.
[ ٧ / ٥١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن عُبَيْدِ اللهِ، فَلَمْ يَحِلّ حَتّى نَحَرَ، وَعَلِيّ أَيْضًا أَتَى مِنْ الْيَمَنِ وَسَاقَ الْهَدْيَ فَلَمْ يَحِلّ إلّا بِإِحْلَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَقَوْلُهُ ﵇ فِي خُطْبَةِ الْوَدَاعِ: وَرَجَبُ مُضَرَ الّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ، إنّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنّ رَبِيعَةَ كَانَتْ تُحْرِمُ فِي رَمَضَانَ، وَتُسَمّيهِ: رَجَبًا مِنْ رَجِبْت الرّجُلَ وَرَجّبْتُهُ إذَا عَظّمْته، وَرَجَبْت النّخْلَةَ إذَا دَعّمْتهَا «١»، فَبَيّنَ ﵇ أَنّهُ رَجَبُ مُضَرَ لَا رَجَبُ رَبِيعَةَ، وَأَنّهُ الّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ «٢» وَقَدْ تَقَدّمَ تَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ: إنّ الزّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ، وَتَقَدّمَ اسْمُ ابْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمُسْتَرْضَعِ فِي هُذَيْلٍ، وَأَنّ اسْمَهُ آدَمُ، وَقِيلَ: تَمّامٌ، وَكَانَ سَبَبَ قَتْلِهِ حَرْبٌ كَانَتْ بَيْنَ قَبَائِلِ هُذَيْلٍ تَقَاذَفُوا فِيهَا بِالْحِجَارَةِ فَأَصَابَ الطّفْلَ حَجَرٌ وَهُوَ يَحْبُو بَيْنَ الْبُيُوتِ، كَذَلِكَ ذَكَرَ الزّبَيْرُ.
بَعْثُ أُسَامَةَ وَأَمّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُسَامَةَ عَلَى جَيْشٍ كَثِيفٍ، وَأَمَرَهُ أن يغير على أبنى صباحا، وأن يحرق. وَأُبْنَا، هِيَ الْقَرْيَةُ الّتِي عِنْدَ مُؤْتَةَ حَيْثُ
_________________
(١) الترجيب أن يا بنى تحت النخلة دكان تعتمد عليه.
(٢) يقول ابن الأثير: «أضاف رجبا إلى مضر، لأنهم كانوا يعظمونه خلاف غيرهم، فكأنهم اختصوا به. وقوله: بين جمادى وشعبان تأكيد للبيان وإيضاح، لأنهم كانوا ينسئونه ويؤخرونه من شهر إلى شهر، فيتحول عن موضعه المختص به، فبين لهم أنه الشهر الذى بين جمادى وشعبان لا ما كانوا يسمونه على حساب النسىء.
[ ٧ / ٥١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُتِلَ أَبُوهُ زَيْدٌ، وَلِذَلِكَ أَمّرَهُ عَلَى حَدَاثَةِ سِنّهِ لِيُدْرِكَ ثَأْرَهُ، وَطَعَنَ فِي إمَارَتِهِ أَهْلُ الرّيْبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَاَيْمُ اللهِ إنّهُ لَخَلِيقٌ بِالْإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ لَخَلِيقًا بِهَا «١»، وَإِنّمَا طَعَنُوا فِي إمْرَتِهِ، لِأَنّهُ مَوْلًى مَعَ حَدَاثَةِ سِنّهِ، لِأَنّهُ كَانَ إذْ ذَاكَ ابْنَ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ ﵁ أَسْوَدَ الْجِلْدَةِ، وَكَانَ أَبُوهُ أَبْيَضَ صَافِيَ الْبَيَاضِ، نَزَعَ فِي اللّوْنِ إلَى أُمّهِ بَرَكَةَ، وَهِيَ أُمّ أَيْمَنَ، وَقَدْ تَقَدّمَ حَدِيثُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبّهُ وَيَمْسَحُ خَشْمَهُ، وَهُوَ صَغِيرٌ بِثَوْبِهِ، وَعَثَرَ يَوْمًا فَأَصَابَهُ جُرْحٌ فِي رَأْسِهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُصّ دَمَهُ وَيَمُجّهُ، وَيَقُولُ: لَوْ كَانَ أُسَامَةُ جارية لحلّيناها، حتى يرغب فتها، وكان يسمى الحبّ من الْحُبّ «٢» .
عِدّةُ الْغَزَوَاتِ:
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ عِدّةَ الْغَزَوَاتِ، وَهِيَ سِتّ وَعِشْرُونَ، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ:
كَانَتْ سَبْعًا وَعِشْرِينَ، وَإِنّمَا جَاءَ الْخِلَافُ، لِأَنّ غَزْوَةَ خَيْبَرَ اتّصَلَتْ بِغَزْوَةِ وَادِي الْقُرَى، فَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ غَزْوَةً وَاحِدَةً، وَأَمّا الْبُعُوثُ وَالسّرَايَا فَقِيلَ:
هِيَ سِتّ وَثَلَاثُونَ كَمَا فِي الْكِتَابِ، وَقِيلَ: ثَمَانٍ وأربعون وهو قول الواقدى،
_________________
(١) روى الإمام مالك، ومن طريقه البخارى عن ابن عمر أنه «ص» بعث بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن الناس فى إمارته، فقام ﷺ، فقال: إن تطعنوا فى إمارته، فقد كنتم تطعنون فى إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان خليقا للامارة، وإن كان لمن أحب الناس إلى، وإن هذا لمن أحب الناس إلى بعده» .
(٢) لعلها. الحب بن الحب.
[ ٧ / ٥١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَنَسَبَ الْمَسْعُودِيّ إلَى بَعْضِهِمْ أَنّ الْبُعُوثَ وَالسّرَايَا كَانَتْ سِتّينَ. قَاتَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي تِسْعِ غَزَوَاتٍ، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: قَاتَلَ فِي إحْدَى عَشْرَةَ غَزْوَةً، مِنْهَا الْغَابَةُ وَوَادِي الْقُرَى وَاَللهُ أَعْلَمُ.
إرْسَالُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى الْمُلُوكِ الْحَوَارِيّونَ:
ذكر فيه إرسال عيسى بن مَرْيَمَ الْحَوَارِيّينَ، وَأَصَحّ مَا قِيلَ فِي مَعْنَى الْحَوَارِيّينَ أَنّ الْحَوَارِيّ هُوَ الْخُلْصَانُ، أَيْ الْخَالِصُ الصّافِي مِنْ كُلّ شَيْءٍ، وَمِنْهُ الْحَوَارِيّ، وَالْحُورُ، وَقَوْلُ الْمُفَسّرِينَ هُوَ: الْخُلْصَانُ كَلِمَةٌ فَصَيْحَةٌ، أَنْشَدَ أَبُو حَنِيفَةَ:
خَلِيلَيّ خُلْصَانَيّ لَمْ يَبْقَ حِسّهَا مِنْ الْقَلْبِ إلّا عُوّذًا سَبَبًا لَهَا «١»
قَالَ: وَالْعُوّذُ مَا لَمْ تُدْرِكْهُ الْمَاشِيَةُ لِارْتِفَاعِهِ، أَوْ لِأَنّهُ بِأَهْدَافٍ، فَكَأَنّهُ قَدْ عَاذَ مِنْهَا.
مَعْنَى الْمَسِيحِ وَنِهَايَتُهُ:
وَأَصَحّ مَا قِيلَ فِي مَعْنَى الْمَسِيحِ عَلَى كَثْرَةِ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ أَنّهُ الصّدّيق
_________________
(١) البيت الكميت. وروايته فى اللسان: خليلاى، و: سينالها. بدلا من: خليلى، و: سببا لها. والعوذ: ما عيذ به من شجر أو غيره وما لم يرتفع إلى الأغصان. ومنعه الشجر من أن يرعى من ذلك. وقيل: هى أشياء تكون فى غلظ لا ينالها المال «اللسان» .
[ ٧ / ٥١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِلُغَتِهِمْ، ثُمّ عَرّبَتْهُ الْعَرَبُ. وَكَانَ إرْسَالُ الْمَسِيحِ لِلْحَوَارِيّينَ بَعْدَ مَا رُفِعَ وَصُلِبَ الّذِي شُبّهَ بِهِ، فَجَاءَتْ مَرْيَمُ الصّدّيقَةُ وَالْمَرْأَةُ الّتِي كَانَتْ مَجْنُونَةً، فَأَبْرَأَهَا الْمَسِيحُ، وَقَعَدَتَا عِنْدَ الْجِذْعِ تَبْكِيَانِ، وَقَدْ أَصَابَ أُمّهُ مِنْ الْحُزْنِ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْلَمُ عِلْمَهُ إلّا اللهُ، فَأُهْبِطَ إلَيْهِمَا، وقال: على م تَبْكِيَانِ؟ فَقَالَتَا: عَلَيْك، فَقَالَ إنّي لَمْ أُقْتَلْ، وَلَمْ أُصْلَبْ، وَلَكِنّ اللهَ رَفَعَنِي وَكَرّمَنِي، وَشُبّهَ عَلَيْهِمْ فِي أَمْرِي، أَبْلِغَا عَنّي الْحَوَارِيّينَ أَمْرِي، أَنْ يَلْقَوْنِي فِي مَوْضِعِ كَذَا لَيْلًا، فَجَاءَ الْحَوَارِيّونَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ، فَإِذَا الْجَبَلُ قَدْ اشْتَعَلَ نُورًا لِنُزُولِهِ بِهِ، ثُمّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَدْعُوا النّاسَ إلَى دِينِهِ وَعِبَادَةِ رَبّهِمْ، فَوَجّهَهُمْ إلَى الْأُمَمِ الّتِي ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، ثُمّ كُسِيَ كُسْوَةَ الْمَلَائِكَةِ، فَعَرَجَ مَعَهُمْ، فَصَارَ مَلَكِيّا إنْسِيّا سَمَائِيّا أَرْضِيّا «١» .
فَصْلٌ: وَذَكَرَ فِي الْأُمَمِ: الْأُمّةَ الّذِينَ يَأْكُلُونَ النّاسَ، وَهُمْ مِنْ الْأَسَاوِدَةِ فِيمَا ذَكَرَهُ الطّبَرِيّ.
أُسْطُورَةُ زُرَيْبٍ:
وَذَكَرَ فِي الْحَوَارِيّينَ زُرَيْبَ بْنَ بَرْثُمْلِي «٢» وَهُوَ الّذِي عَاشَ إلى زمن
_________________
(١) قصة مخترعة لا ينسيها إلى الحق سند صحيح. ولكنها فى كتب المسيحيين والحق الثابت الذى لا ريب. فيه أنهم ما قتلوه وما صلبوه، ولكن شبه لهم.
(٢) فى الإصابة ترملا وترملى. وفى سفر أعمال الرسل من العهد الجديد: برثو لماوس بدون زريب وسند قصة زريب سند ضعيف. وعند ابن أبى حاتم أن صاحبه هو جعونة بن نضلة، وعند غيره نضلة بن معاوية.
[ ٧ / ٥١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عُمَرَ وَسَمِعَ نَضْلَةَ بْنَ مُعَاوِيَةَ أَذَانَهُ فِي الْجَبَلِ فَكَلّمَهُ، فَإِذَا رَجُلٌ عَظِيمُ الْخَلْقِ رَأْسُهُ كَدُورِ الرّحَى، فَسَأَلَ نَضْلَةَ وَالْجَيْشَ الّذِينَ كَانُوا مَعَهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالُوا: قُبِضَ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالُوا: قُبِضَ، ثُمّ سَأَلَهُمْ عَنْ عُمَرَ، فَقَالُوا:
هُوَ حىّ، ونحن جيشه، فقال لهم: أقرؤه مِنّي السّلَامَ ثُمّ أَمَرَهُمْ أَنْ يُبَلّغُوا عَنْهُ وَصَايَا كَثِيرَةً، وَأَنْ يُحَذّرَ النّاسَ مِنْ خِصَالٍ إذَا ظَهَرَتْ فِي أُمّةِ مُحَمّدٍ، فَقَدْ قَرُبَ الْأَمْرُ، وَمِنْهَا لُبْسُ الْحَرِيرِ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ، وَأَنْ يَكْتَفِيَ الرّجَالُ بِالرّجَالِ وَالنّسَاءُ بِالنّسَاءِ «١» .
وَذَكَرَ فِيهَا أيضا المعارف وَالْقِيَانَ وَأَشْيَاءَ غَيْرَ هَذِهِ، فَقَالُوا لَهُ: مَنْ أَنْتَ يَرْحَمُك اللهُ؟ فَقَالَ زُرَيْبُ بْنُ بَرْثُمْلِي حوارىّ عيسى بن مَرْيَمَ ﵇ دَعَوْت اللهَ أَنْ يُحْيِيَنِي، حَتّى أَرَى أُمّةَ مُحَمّدٍ، أَوْ نَحْوَ هَذَا الْكَلَامِ، وَقَدْ أَرَدْت الْخُلُوصَ إلَى أُمّةِ مُحَمّدٍ ﷺ، فَلَمْ أَسْتَطِعْ، حَالَ بينى وبينه الكفار.
وذكر الدّارقطنى فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا أَنّ عُمَرَ قَالَ لِنَضْلَةَ إنْ لَقِيته فَأَقْرِئْهُ مِنّي السّلَامَ، فَإِنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إنّ بِذَلِكَ الْجَبَلِ وَصِيّا مِنْ أَوْصِيَاءِ عِيسَى ﵇، وَالْخَبَرُ بِهَذَا مَشْهُورٌ عَنْهُ، وَفِيهِ طُولٌ فَاخْتَصَرْنَاهُ، وَيُقَالُ: إنّهُ الْآنَ حَيّ. وَمَنْ قَالَ: إنّ الْخَضِرَ وَإِلْيَاسَ قَدْ مَاتَا، فَمِنْ أَصْلِهِ أَيْضًا أن زريبا قد مات، لأنهم يحتجون
_________________
(١) كل هذا سنده ضعيف كما قرر الحافظ فى الفتح. والعجب أن يفترى فى بعض الروايات أنه سيبقى إلى نزول عيسى!!
[ ٧ / ٥١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِالْحَدِيثِ الصّحِيحِ: إلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، لَا يَبْقَى عَلَى الْأَرْضِ مِمّنْ هُوَ عَلَيْهَا أَحَدٌ «١» .
رَسُولُهُ إلَى النّجَاشِيّ وَقَيْصَرَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ إرْسَالَ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ إلَى النّجَاشِيّ، وَقَدْ قَدّمْنَا ذِكْرَ مَا قَالَ وَمَا قِيلَ لَهُ، وَكَذَلِكَ ذَكَرْنَا خَبَرَ سَلِيطٍ مَعَ هَوْذَةَ، وَمَا قَالَ لَهُ، وَخَبَرَ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ مَعَ كِسْرَى، وَكَلَامَهُ مَعَهُ، وَنَذْكُرُ هُنَا بَقِيّةَ الْإِرْسَالِ، وَكَلَامَهُمْ فَمِنْهُمْ: دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيّ، فَقَدِمَ دِحْيَةُ عَلَى قَيْصَرَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى هَذَا الِاسْمِ، أَعْنِي اسْمَ دِحْيَةَ، وَاسْمَ قَيْصَرَ فِيمَا مَضَى مِنْ الْكِتَابِ، فَلَمّا قَدِمَ دِحْيَةُ عَلَى قَيْصَرَ، قَالَ لَهُ: «يَا قَيْصَرُ أَرْسَلَنِي إلَيْك مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك، وَاَلّذِي أَرْسَلَهُ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَمِنْك، فَاسْمَعْ بِذُلّ، ثُمّ أَجِبْ بِنُصْحٍ، فَإِنّك إنْ لَمْ تَذْلِلْ لَمْ تَفْهَمْ، وَإِنْ لَمْ تَنْصَحْ لَمْ تُنْصِفْ، قَالَ: هَاتِ، قَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَكَانَ الْمَسِيحُ يُصَلّي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنّي أَدْعُوك إلَى مَنْ كَانَ المسيح يصلّى له، وأدعوك
_________________
(١) وعلى هذا أجمع الأئمة. فقد كان صاحب موسى عبدا صالحا بشرا، والبشر لا يخلدون فى الدنيا. وإلياس كذلك. كلمة عن الحواريين: ما ذكر فى السيرة عنهم مستمد من أسفار المسيحيين وبين أسمائهم فى السيرة وأسمائهم فى الأسفار اختلاف يسير. ولست أدرى كيف يجعل من بولس تابعا طيبا؟ وهو الذى افترى أصول المسيحية المثلثة المؤلهة لعبد الله ورسوله عيسى وعاش يمجد اليهودية وحدها بأحقادها!! أنظر رسائله فى العهد الجديد.
[ ٧ / ٥١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلَى مَنْ دَبّرَ خَلْقَ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْمَسِيحُ فِي بَطْنِ أُمّهِ، وَأَدْعُوك إلَى هَذَا النّبِيّ الْأُمّيّ الّذِي بَشّرَ بِهِ مُوسَى، وَبَشّرَ بِهِ عيسى بن مَرْيَمَ بَعْدَهُ، وَعِنْدَك مِنْ ذَلِكَ أَثَارَةٌ مِنْ عِلْمٍ تَكْفِي مِنْ الْعِيَانِ وَتَشْفِي مِنْ الْخَبَرِ، فَإِنْ أَجَبْت كَانَتْ لَك الدّنْيَا وَالْآخِرَةُ، وَإِلّا ذَهَبَتْ عَنْك الْآخِرَةُ وَشُورِكْت فِي الدّنْيَا، وَاعْلَمْ أَنّ لَك رَبّا يَقْصِمُ الْجَبَابِرَةَ، وَيُغَيّرُ النّعَمَ»، فَأَخَذَ قَيْصَرُ الْكِتَابَ فَوَضَعَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَرَأْسِهِ وَقَبّلَهُ، ثُمّ قَالَ: أَمَا وَاَللهِ مَا تَرَكْت كِتَابًا إلّا وَقَرَأْته، وَلَا عَالِمًا إلّا سَأَلْته، فَمَا رَأَيْت إلّا خَيْرًا، فَأَمْهِلْنِي حَتّى أَنْظُرَ مَنْ كَانَ الْمَسِيحُ يُصَلّي لَهُ، فَإِنّي أَكْرَهُ أَنْ أُجِيبَك الْيَوْمَ بِأَمْرٍ أَرَى غَدًا مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ، فَأَرْجِعَ عَنْهُ، فَيَضُرّنِي ذَلِكَ، وَلَا يَنْفَعَنِي، أَقِمْ حَتّى أَنْظُرَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ أَتَاهُ وَفَاةُ رَسُولِ اللهِﷺ- وَفِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بَقِيّةُ حَدِيثِ قَيْصَرَ، فَانْظُرْهُ هُنَالِكَ.
رَسُولُهُ إلَى الْمُقَوْقِسِ:
وَأَمّا حَاطِبٌ فَقَدِمَ عَلَى الْمُقَوْقِسِ، وَاسْمُهُ: جُرَيْجُ بْنُ مِينَاءَ «١»، فَقَالَ لَهُ:
«إنّهُ قَدْ كَانَ رَجُلٌ قَبْلَك يَزْعُمُ أَنّهُ الرّبّ الْأَعْلَى، فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ، وَالْأُولَى، فَانْتَقَمَ بِهِ، ثُمّ انْتَقَمَ مِنْهُ، فَاعْتَبِرْ بِغَيْرِك، وَلَا يَعْتَبِرْ بِك غَيْرُك، قال: هات، قال: إن لك دينا لَنْ تَدَعَهُ إلّا لِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ «٢»، الْكَافِي بِهِ اللهُ فَقْدَ مَا سِوَاهُ. إنّ هَذَا النّبِيّﷺ-
_________________
(١) ابن مينا بن قرقوب. وفى الإصابة: ومنهم من لم يذكر مينا كما جزم به أبو عمر الكندى فى أمراء مصر.
(٢) فى المواهب: قال: إن لنا دينا لن ندعه إلا لما هو خير منه، فقال حاطب: ندعوك لله إلى دين او هو الإسلام
[ ٧ / ٥١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دَعَا النّاسَ، فَكَانَ أَشَدّهُمْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ، وَأَعْدَاهُمْ لَهُ يَهُودُ، وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ النّصَارَى، وَلَعَمْرِي مَا بِشَارَةُ مُوسَى بِعِيسَى إلّا كَبِشَارَةِ عِيسَى بِمُحَمّدٍﷺ- وَمَا دُعَاؤُنَا إيّاكَ إلَى الْقُرْآنِ إلّا كَدُعَائِك أَهْلَ التّوْرَاةِ إلَى الْإِنْجِيلِ، وَكُلّ نَبِيّ أَدْرَكَ قَوْمًا فَهُمْ مِنْ أُمّتِهِ فَالْحَقّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَأَنْتَ مِمّنْ أَدْرَكَهُ هَذَا النّبِيّ، وَلَسْنَا نَنْهَاك عَنْ دِينِ الْمَسِيحِ، وَلَكِنْ نَأْمُرُك بِهِ» قَالَ الْمُقَوْقِسُ: «إنّي قَدْ نَظَرْت فِي أَمْرِ هَذَا النّبِيّ، فَوَجَدْته لا يأمر يمزهود فِيهِ، وَلَا يَنْهَى إلّا عَنْ مَرْغُوبٍ عَنْهُ، وَلَمْ أَجِدْهُ بِالسّاحِرِ الضّالّ، وَلَا الْكَاهِنِ الْكَاذِبِ، وَوَجَدْت مَعَهُ آلَةَ «١» النّبُوّةِ بِإِخْرَاجِ الْخَبْءِ وَالْإِخْبَارِ بِالنّجْوَى «٢»، وَسَأَنْظُرُ فَأَهْدَى لِلنّبِيّ ﷺ أُمّ إبْرَاهِيمَ الْقِبْطِيّةَ، وَاسْمُهَا: مَارِيَةُ بِنْتُ شَمْعُونَ، وَأُخْتَهَا مَعَهَا، وَاسْمُهَا سِيرِينُ وَهِيَ أُمّ عبد الرّحمن
_________________
(١) فى شرح المواهب: «كذا فى العيون، اى: علامتها، عبر عنها بالآلة. لأنها سبب فى تحقيقها، وإظهارها. وفى الروض: آية. وهى العلامة بلا تكلف» غير أن الروض كما ترى ذكر آلة فلعل صاحب المواهب كان يطلع على نسخة أخرى.
(٢) يقال: إن المقوقس علم هذا من الأخبار الواردة عليه بذلك قبل كتابة النبى إليه فقد ذكر الوافدى أن المغيرة بن شعبة لقى المقوقس، وسأله عن النبى، فلما أجابه بما أجابه به قال: هذا نبى مرسل إلى الناس كافة، ولو أصاب القبط والروم لا تبعوه. وعند ابن عبد الحكم أنه أخذ كتاب النبى «ص» رضمه إلى صدره، وقال: هذا زمان النبى الذى نجد نعته فى كتاب الله، وحفظ الكتاب فى حق من عاج. وقد ورد أن الكسوة كانت عشرين ثوبا. وانظر ص ٤٥ وما بعدها كتاب فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم.
[ ٧ / ٥١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن حَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ «١»، وَغُلَامًا اسْمُهُ مَأْبُورُ «٢»، وَبَغْلَةً اسْمهَا دُلْدُلُ، وَكُسْوَةً، وَقَدَحًا مِنْ قَوَارِيرَ كَانَ يَشْرَبُ فِيهِ النّبِيّ ﷺ، وكاتبه «٣» .
؟؟؟ هرولة إلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى:
وَأَمّا الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيّ، فَقَدِمَ عَلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى «٤» فَقَالَ لَهُ:
«يَا مُنْذِرُ إنّك عَظِيمُ الْعَقْلِ فِي الدّنْيَا، فَلَا تَصْغُرَنّ عَنْ الْآخِرَةِ، إنّ هَذِهِ الْمَجُوسِيّةَ شَرّ دِينٍ لَيْسَ فِيهَا تَكَرّمُ الْعَرَبِ، وَلَا عِلْمُ أَهْلِ الْكِتَابِ، يَنْكِحُونَ مَا يُسْتَحْيَا مِنْ نِكَاحِهِ، وَيَأْكُلُونَ مَا يُتَكَرّمُ عَلَى أَكْلِهِ، ويعبدون
_________________
(١) وقيل إنه «ص» وهبها لجهم بن قيس، وقيل لمحمد بن مسلمة، وقيل لدحية ابن خليفة.
(٢) كان مأبور خصيا، ولم يعلموا بأمره بادىء الأمر، فصار يدخل على مارية، كما كان من عاداتهم ببلاد مصر؛ فجعل بعض الناس يتكلم فيهما بسبب ذلك، حتى قيل إنه الذى أمر النبى عليا بقتله، فوجده خصيا فتركه. والحديث فى صحيح مسلم من طريق حماد بن مسلمة «البداية لابن كثير» ص ٢٧٣ ص ٤، وقد تقدم الكلام عن هذا.
(٣) ورد أن الكسوة كانت عشرين ثوبا من القباطى كما ورد أنه أهدى اليه حمارا اسمه: يعفور، وعسلا من بيتها وألف مثقال ذهبا وخفين ساذجين أسودين واقرأ ما كتبه المقوقس فى كتاب فتوح مصر لابن عبد الحكم ص ٤٧.
(٤) ابن الأخنس بن بيان بن عمرو بن عبد الله بن زيد بن عبد الله بن دارم التميمى الدارمى العبدى، لأنه من ولد عبد الله بن دارم هذا ومما وهم فيه السهيلى زعمه أن الرسول «ص» بعث جبرا مع حاطب، فجبر من القبط. وهو رسول المقوقس بمارية إلى النبى «ص» كما جاء فى الإصابة والاستيعاب.
[ ٧ / ٥١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فِي الدّنْيَا نَارًا تَأْكُلُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَسْت بِعَدِيمِ عَقْلٍ، وَلَا رَأْيٍ، فَانْظُرْ: هَلْ يَنْبَغِي لِمَنْ لَا يَكْذِبُ أَنْ لَا تُصَدّقَهُ، وَلِمَنْ لَا يَخُونُ أَنْ لَا تَأْمَنَهُ، وَلِمَنْ لَا يُخْلِفُ أَنْ لَا تَثِقَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا، فَهُوَ هَذَا النّبِيّ الْأُمّيّ الّذِي وَاَللهِ لَا يَسْتَطِيعُ ذُو عَقْلٍ أَنْ يَقُولَ: لَيْتَ مَا أَمَرَ بِهِ نَهَى عَنْهُ، أَوْ ما نهى عنه أمر به، أوليته زَادَ فِي عَفْوِهِ، أَوْ نَقَصَ مِنْ عِقَابِهِ، إن كل ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى أُمْنِيَةِ أَهْلِ الْعَقْلِ وَفِكْرِ أَهْلِ الْبَصَرِ» . فَقَالَ الْمُنْذِرُ: قَدْ نَظَرْت فِي هَذِهِ الْأَمْرِ الّذِي فِي يَدِي، فَوَجَدْته لِلدّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ، وَنَظَرْت فِي دِينِكُمْ، فَوَجَدْته لِلْآخِرَةِ وَالدّنْيَا، فَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ قَبُولِ دِينٍ فِيهِ أُمْنِيَةُ الْحَيَاةِ وَرَاحَةُ الْمَوْتِ، وَلَقَدْ عَجِبْت أَمْسِ، مِمّنْ يَقْبَلُهُ، وَعَجِبْت الْيَوْمَ مِمّنْ يَرُدّهُ، وَإِنّ مِنْ إعْظَامِ مَنْ جَاءَ بِهِ أَنْ يُعَظّمَ رَسُولُهُ، وَسَأَنْظُرُ. مِفْتَاحُ الْجَنّةِ: فَصْلٌ: وَمِمّا وَقَعَ فِي السّيرَةِ فِي حَدِيثِ الْعَلَاءِ قَوْلُ النّبِيّ ﵇ لَهُ: إذَا سُئِلْت عَنْ مِفْتَاحِ الْجَنّةِ فَقُلْ: مِفْتَاحُهَا: لَا إلَهَ إلّا اللهُ، وفى البخارى: قبل لِوَهْبٍ: أَلَيْسَ مِفْتَاحُ الْجَنّةِ لَا إلَهَ إلّا اللهُ؟ فَقَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ مِنْ مِفْتَاحٍ إلّا وَلَهُ أَسْنَانٌ، فَإِنْ جِئْت بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَك، وَإِلّا لَمْ يُفْتَحْ لَك، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: أَنّ ابْنَ عَبّاسٍ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ وَهْبٍ، فَقَالَ: صَدَقَ وَهْبٌ، وَأَنَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ الْأَسْنَانِ مَا هِيَ، فَذَكَرَ الصّلَاةَ وَالزّكَاةَ وَشَرَائِعَ الْإِسْلَامِ.
[ ٧ / ٥٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَمْرٌو الْجُلَنْدَى:
وَأَمّا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِي، فَقَدِمَ عَلَى الْجُلَنْدَى «١»، فَقَالَ لَهُ: يَا جُلَنْدَى إنّك وَإِنْ كُنْت مِنّا بَعِيدًا، فَإِنّك مِنْ اللهِ غَيْرُ بَعِيدٍ، إنّ الّذِي تَفَرّدَ بِخَلْقِك أَهْلٌ أَنْ تُفْرِدَهُ بِعِبَادَتِك، وَأَنْ لَا تُشْرِكَ بِهِ مَنْ لَمْ يُشْرِكْهُ فِيك، وَاعْلَمْ أَنّهُ يُمِيتُك الّذِي أَحْيَاك، وَيُعِيدُك الّذِي بَدَأَك، فَانْظُرْ فِي هَذَا النّبِيّ الْأُمّيّ الّذِي جَاءَ بِالدّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ بِهِ أَجْرًا فَامْنَعْهُ، أَوْ يَمِيلُ بِهِ هَوًى فَدَعْهُ، ثُمّ اُنْظُرْ فِيمَا يَجِيءُ بِهِ: هَلْ يُشْبِهُ مَا يَجِيءُ بِهِ النّاسُ، فَإِنْ كَانَ يُشْبِهُهُ، فَسَلْهُ الْعِيَانَ، وَتَخَيّرْ عَلَيْهِ فِي الْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُشْبِهُهُ فَاقْبَلْ مَا قَالَ، وَخَفْ مَا وَعَدَ، قَالَ الْجُلَنْدَى: إنّهُ وَاَللهِ لَقَدْ دَلّنِي عَلَى هَذَا النّبِيّ الْأُمّيّ أَنّهُ لَا يَأْمُرُ بِخَيْرٍ إلّا كَانَ أَوّلَ مَنْ أَخَذَ بِهِ، وَلَا يَنْهَى عَنْ شَرّ إلّا كَانَ أَوّلَ تَارِكٍ لَهُ، وَأَنّهُ يَغْلِبُ فَلَا يَبْطَرُ، وَيُغْلَبُ فَلَا يَضْجَرُ «٢» وَأَنّهُ يَفِي بِالْعَهْدِ، وَيُنْجِزُ الْمَوْعُودَ، وَأَنّهُ لَا يَزَالُ سِرّ قَدْ اطّلَعَ عَلَيْهِ يُسَاوِي فِيهِ أهله، وأشهد أنه نبى «٣» .
_________________
(١) ضبطه الجوهرى بفتح اللام، وجعله القاموس من أوهامه، وقد ضبطه الحافظ فى الفتح والإصابة بضبط الجوهرى غير مبال بضبط شيخه صاحب القاموس، وفى السيرة أنه أرسله إلى ابنى الجلندى. وأما وثيمة فيذكر فى كتاب الردة عن ابن إسحاق أنه أرسل إلى الجلندى.
(٢) فى الإصابة. فلا يهجر.
(٣) فى الإصابة أنه أنشد أبياتا هى: أتانى عمرو بالتى ليس بعدها من الحق شىء والنصيح نصيح فقلت له: ما زدت أن جئت بالتى جلندى عمان فى عمان يصيح فيا عمرو قد أسلمت لله جهرة ينادى بها فى الواديين فصيح
[ ٧ / ٥٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شُجَاعٌ وَجَبَلَةُ:
وَأَمّا شُجَاعُ بْنُ وَهْبٍ، فَقَدِمَ عَلَى جَبَلَةَ بْنِ الْأَيْهَمِ، وَهُوَ جَبَلَةُ بْنُ الأيهم ابن الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ، وَجَبَلَةُ، وَهُوَ الّذِي أَسْلَمَ ثُمّ تَنَصّرَ مِنْ أَجْلِ لَطْمَةٍ حَاكَمَ فِيهَا إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرّاحِ وَكَانَ طُولُهُ اثْنَيْ عَشَرَ شِبْرًا، وَكَانَ يَمْسَحُ بِرِجْلَيْهِ الْأَرْضَ، وَهُوَ رَاكِبٌ، فَقَالَ لَهُ: يَا جَبَلَةُ إنّ قَوْمَك نَقَلُوا هَذَا النّبِيّ الْأُمّيّ مِنْ دَارِهِ إلَى دَارِهِمْ، يَعْنِي: الْأَنْصَارَ، فَآوَوْهُ، وَمَنَعُوهُ، وَإِنّ هَذَا الدّينَ الّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ لَيْسَ بِدِينِ آبَائِك، وَلَكِنّك مَلَكْت الشّامَ وَجَاوَرْت بِهَا الرّومَ، وَلَوْ جَاوَرْت كِسْرَى دِنْت بِدِينِ الْفُرْسِ لملك العراق، وقد أفرّ بِهَذَا النّبِيّ الْأُمّيّ مِنْ أَهْلِ دِينِك مَنْ إنْ فَضّلْنَاهُ عَلَيْك لَمْ يُغْضِبْك، وَإِنْ فَضّلْنَاك عَلَيْهِ لَمْ يُرْضِك، فَإِنْ أَسْلَمْت أَطَاعَتْك الشّامُ وَهَابَتْك الرّومُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا كَانَتْ لَهُمْ الدّنْيَا وَلَك الْآخِرَةُ، وَكُنْت قَدْ اسْتَبْدَلْت الْمَسَاجِدَ بِالْبِيَعِ، وَالْأَذَانَ بِالنّاقُوسِ، وَالْجُمَعَ بِالشّعَانِينِ «١»، وَالْقِبْلَةَ بِالصّلِيبِ، وَكَانَ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى، فَقَالَ لَهُ جَبَلَةُ: إنّي وَاَللهِ لَوَدِدْت أَنّ النّاسَ أَجْمَعُوا عَلَى هَذَا النّبِيّ الْأُمّيّ اجْتِمَاعَهُمْ عَلَى خَلْقِ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَقَدْ سَرّنِي اجْتِمَاعُ قَوْمِي لَهُ، وَأَعْجَبَنِي قَتْلُهُ أَهْلَ الْأَوْثَانِ وَالْيَهُودَ، وَاسْتِبْقَاؤُهُ النّصَارَى، وَلَقَدْ دَعَانِي قَيْصَرُ إلَى قِتَالِ أَصْحَابِهِ يَوْمَ مُؤْتَةَ، فَأَبَيْت عَلَيْهِ، فَانْتَدَبَ مَالِكَ بْنَ نافلة
_________________
(١) عيد صليبى يقع يوم الأحد السابق لعيد الفصح يحتفل فيه بحمل السعف ذكرى لدخول المسيح- كما قيل- بيت المقدس.
[ ٧ / ٥٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مِنْ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ فَقَتَلَهُ اللهُ، وَلَكِنّي لَسْت أَرَى حَقّا يَنْفَعُهُ، وَلَا بَاطِلًا يَضُرّهُ وَاَلّذِي يَمُدّنِي إلَيْهِ أَقْوَى مِنْ الّذِي يَخْتَلِجُنِي عَنْهُ، وَسَأَنْظُرُ الْمُهَاجِرُ وَابْنُ كُلَالٍ: وَأَمّا الْمُهَاجِرُ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ، فَقَدِمَ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، وَقَالَ لَهُ: يَا حَارِثُ إنّك كُنْت أَوّلَ مَنْ عَرَضَ عَلَيْهِ النّبِيّ ﷺ نَفْسَهُ، فَخَطِئْت عَنْهُ، وَأَنْتَ أَعْظَمُ الْمُلُوكِ قَدْرًا، فَإِذَا نَظَرْت فِي غَلَبَةِ الْمُلُوكِ، فَانْظُرْ فِي غَالِبِ الْمُلُوكِ، وَإِذَا سَرّك يَوْمُك فَخَفْ غَدَك، وَقَدْ كَانَ قَبْلَك مُلُوكٌ ذَهَبَتْ آثارها وبقيت أخبارها، عاشوا طويلا، وأمّلوا بَعِيدًا وَتَزَوّدُوا قَلِيلًا، مِنْهُمْ مَنْ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَكَلَتْهُ النّقَمُ، وَإِنّي أَدْعُوك إلَى الرّبّ الّذِي إنْ أَرَدْت الْهُدَى لم يَمْنَعْك، وَإِنْ أَرَادَك لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْك أَحَدٌ، وَأَدْعُوك إلَى النّبِيّ الْأُمّيّ الّذِي لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ أَحْسَنُ مِمّا يَأْمُرُ بِهِ، وَلَا أَقْبَحُ مِمّا يَنْهَى عَنْهُ، وَاعْلَمْ أَنّ لَك رَبّا يُمِيتُ الْحَيّ وَيُحْيِي الْمَيّتَ، وَيَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ، وَمَا تُخْفِي الصّدُورُ، فَقَالَ الْحَارِثُ: قَدْ كَانَ هَذَا النّبِيّ عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَيّ فَخَطِئْت عَنْهُ، وَكَانَ ذُخْرًا لِمَنْ صَارَ إلَيْهِ، وَكَانَ أَمْرُهُ أَمْرًا سَبَقَ، فَحَضَرَهُ الْيَأْسُ وَغَابَ عَنْهُ الطّمَعُ، وَلَمْ يَكُنْ لِي قَرَابَةٌ أَحْتَمِلُهُ عَلَيْهَا، وَلَا لِي فِيهِ هَوًى أَتّبِعُهُ لَهُ، غَيْرَ أَنّي أَرَى أَمْرًا لَمْ يُوَسْوِسْهُ الْكَذِبُ، وَلَمْ يُسْنِدْهُ الْبَاطِلُ. لَهُ بَدْءٌ سَارّ، وَعَاقِبَةٌ نَافِعَةٌ، وَسَأَنْظُرُ. وَمِمّا قَالَهُ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ فِي قُدُومِهِ عَلَى قيصر: ألا هل أناها على نأيها فإنى قدمت على قيصر فقدرته بصلاة المسي ح وَكَانَتْ مِنْ الْجَوْهَرِ الْأَحْمَرِ
[ ٧ / ٥٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَتَدْبِيرِ رَبّك أَمْرَ السّمَا ءِ وَالْأَرْضِ فَأَغْضَى وَلَمْ يُنْكِرْ
وَقُلْت: تُقِرّ بِبُشْرَى الْمَسِي حِ، فقال: سأنظر، قلت: انظر
فكاد يُقِرّ بِأَمْرِ الرّسُو لِ فَمَالَ إلَى الْبَدَلِ الْأَعْوَرِ
فَشَكّ وَجَاشَتْ لَهُ نَفْسُهُ وَجَاشَتْ نَفُوسُ بَنِي الْأَصْفَرِ
عَلَى وَضْعِهِ بِيَدَيْهِ الْكِتَا بَ عَلَى الرّأْسِ وَالْعَيْنِ وَالْمَنْخِرِ
فَأَصْبَحَ قَيْصَرُ مِنْ أَمْرِهِ بِمَنْزِلَةِ الْفَرَسِ الْأَشْقَرِ
يُرِيدُ بِالْفَرَسِ الْأَشْقَرِ مَثَلًا لِلْعَرَبِ يَقُولُونَ:
أَشْقَرُ إنْ يَتَقَدّمْ يُنْحَرْ وَإِنْ يَتَأَخّرْ يُعْقَرْ
وَقَالَ الشّاعِرُ فِي هَذَا الْمَعْنَى:
وَهَلْ كُنْت «١» إلّا مِثْلَ سَيّقِهِ الْعِدَا إنْ اسْتَقْدَمَتْ نَحْرٌ، وَإِنْ جَبَأَتْ عَقْرُ
وَفِي حَدِيثِ دِحْيَةَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَارِثِ فِي مُسْنَدِهِ أن رسول الله ﷺ- قَالَ: مَنْ يَنْطَلِقُ بِكِتَابِي هَذَا إلَى قَيْصَرَ وَلَهُ الْجَنّةُ، فَقَالُوا: وَإِنْ لَمْ يُقْتَلْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: وَإِنْ لَمْ يُقْتَلْ، فَانْطَلَقَ بِهِ رَجُلٌ يَعْنِي دِحْيَةَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ غَزْوَةُ عُمَرَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ غَزْوَةَ عُمَرَ إلَى تُرَبَةَ، وهى تربة بفتح الراء أرض
_________________
(١) رواه اللسان فى حادثى جبأ وسوق بدون نسبة: وهل أنا، وفى جبأ: نحر، وفى سوق: نجر
[ ٧ / ٥٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَانَتْ لِخَثْعَمَ وَفِيهَا جَاءَ الْمَثَلُ: صَادَفَ بَطْنُهُ بَطْنَ تُرَبَةَ «١»، يُرِيدُونَ الشّبَعَ وَالْخِصْبَ. قَالَ الْبَكْرِيّ: وَكَذَلِكَ: عُرَنَةُ بِفَتْحِ الرّاءِ يَعْنِي الّتِي عِنْدَ عَرَفَةَ.
ذِكْرُ غَزْوَةِ ذَاتِ السّلَاسِلِ وَالسّلَاسِلُ: مِيَاهٌ واحدها سلسل «٢» وأن عمرو بن العاصى كَانَ الْأَمِيرَ يَوْمئِذٍ، وَكَانَ ﵇ أَمَرَهُ أَنّ يَسِيرَ إلَى بَلِيّ، وَأَنّ أُمّ أَبِيهِ الْعَاصِي كَانَتْ مِنْ بَلِيّ: وَاسْمُهَا: سَلْمَى فِيمَا ذَكَرَ الزّبِيرُ «٣»، وَأَمّا أُمّ عَمْرٍو، فَهِيَ لَيْلَى تُلَقّبُ بِالنّابِغَةِ سُبِيَتْ مِنْ بَنِي جِلّانِ بْنِ عَنْتَرَةَ بْنِ رَبِيعَةَ «٤» .
وَذَكَرَ فِي هَذِهِ السّرِيّةِ صُحْبَةَ رَافِعِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ لِأَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ رَافِعُ بْنُ عُمَيْرَةَ وَيُقَالُ فِيهِ: ابْنُ عُمَيْرٍ «٥»، وَهُوَ الّذِي كَلّمَهُ الذّئْبُ، وَلَهُ شِعْرٌ مشهور فى تكليم
_________________
(١) فى معجم البكرى: عرف بطنى بطن تربة، يضرب الرجل يصير إلى الأمر الجلى، وأول من قاله عامر بن مالك أبو براء.
(٢) فى المراصد، السلاسل: جمع سلسلة ماء بأرض جذام، سميت به غزوة ذات السلاسل. وفى معجم البكرى ذات السلاسل جمع سلسلة رمل بالبادية ثم ذكر رواية ابن إسحاق، ثم قال: والسلاسل فى غير هذه الرواية ماء لجذام، وبه سميت تلك الغزوة: ذات السلاسل.
(٣) أنظر ص ٤٠٨ من كتاب نسب قريش.
(٤) فى نسب قريش: وأمه سبية من عنزة ص ٤٠٩. وفى الإصابة: أمه النابغة من بنى عنزة بفتح المهملة والنون.
(٥) فى الإصابة: رافع بن عمرو بن جابر بن حارثة بن عمرو بن محصن، ويقال: ابن عميرة. وقد ينسب لجده، وقيل هو رافع بن أبى رافع عده بعضهم فى التابعين مثل ابن سعد والعجلى.
[ ٧ / ٥٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الذّئْبِ لَهُ «١»، وَكَانَ الذّئْبُ قَدْ أَغَارَ عَلَى غَنَمِهِ فَاتّبَعَهُ، فَقَالَ لَهُ الذّئْبُ: أَلَا أَدُلّك عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَك، قَدْ بُعِثَ نَبِيّ اللهِ، وَهُوَ يَدْعُو إلَى اللهِ، فَالْحَقْ بِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَافِعٌ وَأَسْلَمَ.
وَذَكَرَ فِي حديثه مع أبى بكر أنه أطمعه وَعُمَرَ لَحْمَ جَزُورٍ، كَانَ قَدْ أَخَذَ مِنْهَا عَشِيرًا عَلَى أَنْ يُجَزّئَهَا لِأَهْلِهَا، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَتَقَيّآ مَا أَكَلَا، وَقَالَا:
أَتُطْعِمُنَا مِثْلَ هَذَا، وَذَلِكَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ أَنّهُمَا كَرِهَا أُجْرَةً مَجْهُولَةً، لِأَنّ الْعَشِيرَ وَاحِدُ الْأَعْشَارِ عَلَى غَيْرِ «٢» قِيَاسٍ، يُقَالُ: بُرْمَةٌ أَعْشَارٌ إذَا انْكَسَرَتْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَشِيرُ بِمَعْنَى الْعُشْرِ كَالثّمِينِ بِمَعْنَى الثّمَنِ، وَلَكِنّهُ عَامَلَهُمْ عَلَيْهِ قَبْلَ إخْرَاجِ الْجَزُورِ مِنْ جِلْدِهَا، وَقَبْلَ النّظَرِ إلَيْهَا، أَوْ يَكُونَا كَرِهَا جِزَارَةَ «٣» الْجَزّارِ عَلَى كُلّ حَالٍ وَاَللهُ أَعْلَمُ.
حُرْقَةُ:
وَذَكَرَ غَزْوَةَ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَقَتْلَهُ مِرْدَاسَ بْنَ نَهِيكٍ مِنْ الحرقة،
_________________
(١) منه: فلما أن سمعت الذئب نادى يبشرنى بأحمد من قريب فألفيت النبى يقول قولا صدوقا ليس بالقول الكذوب وليس للقصة سند يعتد به، ولهذا لم يأت بها حديث واحد يحترمه أهل الحديث ولا ريب فى أنها أسطورة.
(٢) فى اللسان: «وأعشار الجذور: الأنصباء، والعشر: قطعة تنكسر من القدح أو البرمة كأنها قطعة من عشر قطع والجمع أعشار، وقدح أعشار» .
(٣) إن كانت بكسر الجيم فمى حرفة الجزار، وإن كانت بضمها فهى ما يأخذه الجزار من الذبيحة عن أجرته.
[ ٧ / ٥٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْحُرْقَةُ فِيمَا ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فِي يَشْكُرَ حُرَقَةُ ابن ثَعْلَبَةَ، وَحُرْقَةُ بْنُ مَالِكٍ كِلَاهُمَا مِنْ بَنِي حَبِيبِ بْنِ كَعْبِ بْنِ يَشْكُرَ، وَفِي قُضَاعَةَ: حُرْقَةُ «١» بْنُ جَذِيمَةَ بْنِ نَهْدٍ، وَفِي تَمِيمٍ حرقة بن زيد بن مالك ابن حَنْظَلَةَ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: هَكَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ كُلّهَا بِالْقَافِ، وَذَكَرَهَا الدّارَقُطْنِيّ كُلّهَا بِالْفَاءِ.
أَنْسَابٌ:
وَذَكَرَ غَزْوَةَ مُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ إلَى الْقُرَطَاءِ، وَهُمْ بَنُو قُرْطٍ وَقَرِيطٍ، وَقُرَيْطٍ بَنُو أَبِي بَكْرِ بْنِ كِلَابِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ.
وَذَكَرَ حَيّانَ بْنَ مِلّةَ، وَهُوَ حَسّانُ بْنُ مِلّةَ، وَكَذَلِكَ قَالَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ.
وَذَكَرَ سَعْدَ بْنَ هُذَيْمٍ، وَإِنّمَا هُوَ سَعْدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ لَيْثِ بْنِ سُودِ بن أسلم ابن الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، وَإِنّمَا نُسِبَ إلَى هُذَيْمٍ، لأن هذيما حضنه، وهو عبد حبشى
_________________
(١) فى القاموس ضبطها بسكون الراء «والحرقة بالضم اسم، من الاحتراق، وحى من قضاعة، ولهمزة بنت النعمان بن المنذر. والحرقتان- بفتح الراء والقاف- تيم وسعد ابنا قيس بن ثعلبة بن المنذر بن عكابة» وفى اللسان ضبط حرقتى تيم وسعد سكون الراء. وقال: والحرقة بفتح الراء- حى من العرب.
[ ٧ / ٥٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَدِيثُ أُمّ قِرْفَةَ الّتِي جَرَى فِيهَا الْمَثَلُ: أَمْنَعُ مِنْ أُمّ قِرْفَةَ، لِأَنّهَا كَانَتْ يُعَلّقُ فِي بَيْتِهَا خَمْسُونَ سَيْفًا [لِخَمْسِينَ فَارِسًا «١»] كُلّهُمْ لَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَاسْمُهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ حُذَيْفَةَ ابن بَدْرٍ «٢» كُنِيَتْ بِابْنِهَا قِرْفَةَ، قَتَلَهُ النّبِيّ ﵇ فِيمَا ذَكَرَ الْوَاقِدِيّ.
وَذَكَرَ أَنّ سَائِرَ بَنِيهَا، وَهُمْ تِسْعَةٌ قُتِلُوا مَعَ طُلَيْحَةَ بْنِ بُزَاخَةَ فِي الرّدّةِ وَهُمْ حَكَمَةُ وَخَرَشَةُ وَجَبَلَةُ وَشَرِيكٌ وَوَالَانُ وَرَمْلٌ وَحُصَيْنٌ وَذَكَرَ بَاقِيَهُمْ.
وَذَكَرَ أَنّ قِرْفَةَ قُتِلَتْ يَوْمَ بُزَاخَةَ أَيْضًا «٣»، وَذَكَرَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَهُوَ الصّحِيحُ كَمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، وذكر الدّولابى أن زيد ابن حَارِثَةَ حِينَ قَتَلَهَا رَبَطَهَا بِفَرَسَيْنِ، ثُمّ رَكَضَا بِهَا حَتّى مَاتَتْ، وَذَلِكَ لِسِبّهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ. وَذَكَرَ الْمَرْأَةَ الّتِي سَأَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ سَلِمَةَ وَهِيَ بِنْتُ أُمّ قِرْفَةَ، وَفِي مُصَنّفِ أَبِي دَاوُدَ، وَخَرّجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ لِسَلَمَةَ: هَبْ لِي الْمَرْأَةَ يَا سَلَمَةُ، لِلّهِ أَبُوك، فَقَالَ: هِيَ لَك يَا رَسُولَ اللهِ فَفَدَى بِهَا أَسِيرًا كَانَ فِي قُرَيْشٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذِهِ الرّوَايَةُ أَصَحّ، وَأَحْسَنُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ، فَإِنّهُ ذَكَرَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهَبَهَا لِخَالِهِ بِمَكّةَ، وَهُوَ حَزْنُ بْنُ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَائِذِ بْنِ عمران ابن مَخْزُومٍ، وَفَاطِمَةُ جَدّةُ النّبِيّ ﷺ أُمّ أَبِيهِ هِيَ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ
_________________
(١) الزيادة من مجمع الأمثال للميدانى.
(٢) وفى السيرة والإمتاع للمقريزى: بنت ربيعة بن بدر.
(٣) وقيل إن قاتلها هو قيس بن المسحر أو المحمر اليعمرى ص ٢٧٠ الإمتاع للمقريزى.
[ ٧ / ٥٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَائِذٍ، فَهَذِهِ الْخَئُولَةُ الّتِي ذَكَرَ، وَقُتِلَ عَبْدُ الرحمن بن حزن بِالْيَمَامَةِ شَهِيدًا، وَحَزْنٌ هَذَا هُوَ جَدّ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ بْنِ حَزْنٍ، وَمَسْعَدَةُ الّذِي ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنّهُ قَتَلَ هُوَ ابْنَ حَكَمَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَسَلَمَةُ الّذِي كَانَتْ عِنْدَهُ الْجَارِيَةُ، قِيلَ: هُوَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ، وَاسْمُ الْأَكْوَعِ: سِنَانٌ، وَقِيلَ:
هُوَ سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ، قَالَهُ الزّبَيْرُ.
غَزْوَةُ أَبِي حَدْرَدٍ:
وَذَكَرَ غَزْوَةَ أَبِي حَدْرَدٍ، وَاسْمُهُ: سلمة بن عمير، وقيل: عبيدة ابن عَامِرٍ.
وَذَكَرَ قَتْلَ مُحَلّمِ بْنِ جَثّامَةَ، وَخَبَرَهُ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّ مُحَلّمَ ابن جَثّامَةَ مَاتَ بِحِمْصَ فِي إمَارَةِ ابْنِ الزّبَيْرِ، وأما الذى نزلت فيه الآية:
لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ شَدِيدٌ، فَقَدْ قِيلَ اسْمُهُ فُلَيْتٌ «١» وَقِيلَ وَهُوَ مُحَلّمٌ كَمَا تَقَدّمَ، وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي الْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو، وَقِيلَ فِي أُسَامَةَ، وَقِيلَ فِي أَبِي الدّرْدَاءِ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي الْمَقْتُولِ فَقِيلَ: مِرْدَاسُ بْنُ نَهِيكٍ، وَقِيلَ:
عَامِرُ الْأَضْبَطُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. كُلّ هَذَا مَذْكُورٌ فِي التّفَاسِيرِ وَالْمُسْنَدَاتِ.
ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ:
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ الْحَنَفِيّ وَإِسْلَامَهُ، وَقَدْ خرّج أهل
_________________
(١) وقيل قليب. ويقول ابن حجر فى الإصابة «والذى يظهر أن كلا منهما تصحيف وإنما هو غالب الليثى» .
[ ٧ / ٥٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحديث حديث إسلامه، وفيه قال للنبىﷺ-: إنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تُرِدْ الْمَالَ تُعْطَهُ، فَقَالَ ﵇: اللهُمّ أَكْلَةٌ مِنْ جَزُورٍ أَحَبّ إلَيّ مِنْ دَمِ ثُمَامَةَ، فَأَطْلَقَهُ، فَتَطَهّرَ وَأَسْلَمَ، وَحَسُنَ إسْلَامُهُ، وَنَفَعَ اللهُ بِهِ الْإِسْلَامَ كَثِيرًا، وَقَامَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَقَامًا حَمِيدًا حِينَ ارْتَدّتْ الْيَمَامَةُ مَعَ مُسَيْلِمَةَ، وَذَلِكَ أَنّهُ قَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا، وَقَالَ: يَا بَنِي حَنِيفَةَ أَيْنَ عَزَبَتْ عُقُولُكُمْ بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ: حم. تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ أَيْنَ هَذَا مِنْ يَا ضِفْدَعُ نِقّي كَمَا «١» تَنِقّينَ لَا الشّرَابَ تُكَدّرِينَ، وَلَا الْمَاءَ تَمْنَعِينَ «٢»، مما كان يهذى به مسيلمة، فأطاعه منهم ثَلَاثَةَ آلَافٍ، وَانْحَازُوا إلَى الْمُسْلِمِينَ، فَفَتّ ذَلِكَ فِي أَعْضَادِ حَنِيفَةَ.
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ أَنّهُ الذي قال فيه النبي ﷺ المؤمن يأكل
_________________
(١) فى الرواية: كم.
(٢) وزادوا فيما نسب إليه: أعلاك فى الماء وأسفلك فى الطين، وقد نسب إلى مسيلمة كثير من هذا الهذيان الذى أوقى أنه؟؟؟ ما جاز على عقول أولئك الذين عاشوا عصره ممن استهواهم معه الحقد، قلئن كان صحيحا فإنما تراؤا بتصديقه محاولة منهم لتهدئة سعار الأحقاد التى تضرمت فى أعماقهم، وإلا فمن الذى يصدق أن هذيانه: «إنا أعطيناك الجواهر، فصل لربك وهاجر، إن مبغضك لفاجر، أو: إنا أعطيناك الجماهر، فخذ لنفسك وبادر: واحذر أن تحرص أو تكاثر» من ذا الذى يظن أن هذا الهذيان يخدع أحدا عن جلال الحقيقة العليا وسمو الجمال الأعظم فى قوله سبحانه (إنا أعطيناك الكوثر)؟! أنظر ص ١٤ ح ١ الفتوحات الإسلامية لأحمد بن زينى دحلان فقد حشد فيه طائفة من هذيان حماقاته.
[ ٧ / ٥٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي مِعًى وَاحِدٍ [وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ] «١» الْحَدِيثَ، وَقَالَ: أَبُو عُبَيْدٍ هُوَ أَبُو بَصْرَةَ الْغِفَارِيّ، وَفِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أنه جهجاه [بن مسعود ابن سَعْدِ بْنِ حَرَامٍ] «٢» الْغِفَارِيّ، وَفِي الدّلَائِلِ أَنّ اسْمَهُ نَضْلَةُ، وَقَدْ أَمْلَيْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ نَحْوًا مِنْ كُرّاسَةٍ رَدَدْنَا فِيهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ:
إنّهُ مَخْصُوصٌ بِرَجُلِ وَاحِدٍ، وَبَيّنَا مَعْنَى الْأَكْلِ وَالسّبْعَةِ الْأَمْعَاءِ، وَأَنّ الْحَدِيثَ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصّ، وَلَكِنْ مَعْنَاهُ عَامّ، وَأَتَيْنَا فِي ذَلِكَ بِمَا فِيهِ شِفَاءٌ وَالْحَمْدُ لِلّهِ «٣»، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيّ: ذَا دَمٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: ذَا ذِمّ بِالذّالِ الْمُعْجَمَةِ «٤» .
مَا زَادَهُ ابْنُ هِشَامٍ مِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إسْحَاقَ وَذَكَرَ الشّيْخُ الْحَافِظُ أَبُو بَحْرٍ سُفْيَانُ بْنُ الْعَاصِي رَحِمَهُ فِي هذا الموضع،
_________________
(١) متفق عليه ورواه أحمد والترمذى وابن ماجه عن ابن عمر، وأحمد ومسلم عن جابر، والبخارى ومسلم وأحمد وابن ماجه عن أبى هريرة، ومسلم وابن ماجه عن أبى موسى «الجامع الصغير للسيوطى» .
(٢) ابن سعيد وقيل ابن قيس شهد بيعة الرضوان.
(٣) يقول ابن الأثير عن الحديث: «هذا مثل ضربه للمؤمن وزهده فى الدنيا، والكافر وحرصه عليها، وليس معناه كثرة الأكل دون الاتساع فى الدنيا، ولهذا قيل الرغب شؤم، لأنه يحمل صاحبه على اقتحام النار، وقيل: هو تحصيص للمؤمن وتحامى ما يجره الشبع من القسوة وطاعة الشهوة، ووصف الكافر بكثرة الأكل أغلاظ على المؤمن. وتأكيد لما رسم له، وقيل: هو خاص فى رجل بعينه. كان يأكل كثيرا، فأسلم، فقل أكله. والمعى واحد الأمعاء وهى المصارين.
(٤) ذا دم. اى من هو مطالب بدم، أو صاحب دم مطلوب، ويروى: وذا ذم أى ذا ذمام وحرمة فى قومه، وإذا عقد ذمة وفى له.
[ ٧ / ٥٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قَالَ: نَقَلْت مِنْ حَاشِيَةِ نُسْخَةٍ مِنْ كِتَابِ السّيَرِ مَنْسُوبَةً بِسَمَاعِ أَبِي سَعِيدٍ عَبْدِ الرّحِيمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرّحِيمِ وَأَخَوِيّهِ مُحَمّدٍ وَأَحْمَدَ ابْنَيْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرحيم ما هذا نصه: وَجَدْت بِخَطّ أَخِي قَوْلَ ابْنِ هِشَامٍ: هَذَا مِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إسْحَاقَ هُوَ غَلَطٌ مِنْهُ، قَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ فِيمَا حَدّثَ أَسَدٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيّاءَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَالْقَائِلُ فِي الْحَاشِيَةِ: وَجَدْت بِخَطّ أَخِي هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرّحِيمِ. وَفِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْمَذْكُورُ فِي غَزْوَةِ الطّائِفِ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَوَلَدَتْ لَهُ دَاوُدَ بْنَ أَبِي مُرّةَ. إلَى هَاهُنَا انْتَهَى سَمَاعِي مِنْ أَخِي، وَمَا بَقِيَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ سَمِعْته مِنْ ابْنِ هِشَامٍ نَفْسِهِ. عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيّ: وَذَكَرَ سَرِيّةَ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ وَحَلّةً لِخُبَيْبِ بْنِ عَدِيّ مِنْ خَشَبَتِهِ الّتِي صُلِبَ فِيهَا، وَفِي مُسْنَدِ ابْنِ أبي شيبة زيادة حَسَنَةٌ أَنّهُمَا حِينَ حَلّاهُ مِنْ الْخَشَبَةِ الْتَقَمَتْهُ الْأَرْضُ. وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ مَقْتَلَ الْعَصْمَاءِ بِنْتِ مَرْوَانَ، وَفِي خَبَرِهَا قَالَ ﷺ: لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ، وَكَانَتْ تَسُبّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَتَلَهَا بَعْلُهَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اشْهَدُوا أَنّ دَمَهَا هَدَرٌ. قال الدّارقطنىّ: من هاهنا يقوم أَصْلُ التّسْجِيلِ فِي الْفِقْهِ، لِأَنّهُ قَدْ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِإِمْضَاءِ الْحُكْمِ، وَوَقَعَ فِي مُصَنّفِ حماد بن سلمة أنها كانت يهودية،
[ ٧ / ٥٣٢ ]
[ذِكْرُ أَزْوَاجِهِ ﷺ أُمّهَاتِ المؤمنين]
[أسماؤهن]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكُنّ تِسْعًا: عَائِشَةُ بِنْتُ أبى بكر، وحفصة بنت عمر ابن الْخَطّابِ، وَأُمّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حرب، وأمّ سلمة بنت أبى أمية ابن الْمُغِيرَةِ، وَسَوْدَةُ بِنْتُ زَمَعَةَ بْنِ قَيْسٍ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ، وَمَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ، وَجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ، وَصَفِيّةُ بِنْتُ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ، فِيمَا حَدّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
[زَوَاجُهُ بِخَدِيجَةَ]
وَكَانَ جَمِيعُ مَنْ تَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ عَشْرَةَ: خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَهِيَ أَوّلُ مَنْ تَزَوّجَ، زوّجه إياها أبوها خويلد بن أسد،
ــ
وَكَانَتْ تُطْرَحُ الْمَحَائِضُ فِي مَسْجِدِ بَنِي حَطْمَةَ، فَأَهْدَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دمها، وقال: لا ينتطح فيها عنزان «١» .
_________________
(١) أى لا يلتقى فيها اثنان ضعيفان، لأن النطاح من شأن النيوس، والكباش لا العنوز، وهو إشارة إلى تضية مخصوصة لا يجرى فيها خلف ونزاع «ابن الأثير» .
[ ٧ / ٥٣٣ ]
وَيُقَالُ أَخُوهَا عَمْرُو بْنُ خُوَيْلِدٍ، وَأَصْدَقَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عِشْرِينَ بَكْرَةً، فَوَلَدَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَدَهُ كُلّهُمْ إلّا إبْرَاهِيمَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ أَبِي هَالَةَ بْنِ مَالِكٍ، أَحَدِ بَنِي أُسَيّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، حَلِيفِ بَنِي عَبْدِ الدّارِ، فَوَلَدَتْ لَهُ هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ، وَزَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي هَالَةَ، وَكَانَتْ قَبْلَ أَبِي هَالَةَ عِنْدَ عَتِيقِ بْنِ عَابِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللهِ، وَجَارِيَةً.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: جَارِيَةٌ مِنْ الْجَوَارِي، تَزَوّجَهَا صَيْفِيّ بْنُ أَبِي رِفَاعَةَ.
[زَوَاجُهُ بِعَائِشَةَ]
وَتَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ بِمَكّةَ، وَهِيَ بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ، وَبَنَى بِهَا بِالْمَدِينَةِ، وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ أَوْ عَشْرٍ، وَلَمْ يَتَزَوّجْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكْرًا غَيْرَهَا، زَوّجَهُ إيّاهَا أَبُوهَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَصْدَقَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أربع مائة درهم.
[زاوجه بِسَوْدَةِ]
وَتَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمَعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عبد شمس بن عبدودّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ، زَوّجَهُ إيّاهَا سَلِيطُ بْنُ عَمْرٍو، وَيُقَال أَبُو حَاطِبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عبد شمس بن عبدودّ ابن نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلٍ، وَأَصْدَقَهَا رَسُولُ الله ﷺ أربع مائة درهم.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٣٤ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ابْنُ إسْحَاقَ يُخَالِفُ هَذَا الْحَدِيثَ، يَذْكُرُ أَنّ سَلِيطًا وَأَبَا حَاطِبٍ كَانَا غَائِبَيْنِ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ.
وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ السّكْرَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شمس بن عبد ودّ بن نصر ابن مَالِكِ بْنِ حِسْلٍ.
[زَوَاجُهُ بِزَيْنَبِ بِنْتِ جَحْشٍ]
وَتَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْنَبَ بنت جحش بْنِ رِئَابٍ الْأَسْدِيَةَ. زَوّجَهُ إيّاهَا أَخُوهَا أَبُو أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ، وَأَصْدَقَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أربع مائة دِرْهَمٍ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَفِيهَا أَنَزَلَ اللهُ ﵎: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها.
[زَوَاجُهُ بِأُمّ سَلَمَةَ]
وَتَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُمّ سَلَمَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيّةَ، وَاسْمُهَا هِنْدُ؛ زَوّجَهُ إيّاهَا سَلَمَةُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ابْنُهَا، وَأَصْدَقَهَا رسول الله ﷺ فِرَاشًا حَشْوُهُ لِيفٌ، وَقَدَحًا وَصَحْفَةً، وَمِجَشّةً؛ وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللهِ، فَوَلَدَتْ لَهُ سَلَمَةَ وَعُمَرَ وَزَيْنَبَ وَرُقَيّةَ.
[زَوَاجُهُ بِحَفْصَةَ]
وَتَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، زوجه
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٣٥ ]
إيا أَبُوهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، وَأَصْدَقَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أربع مائة درهم، وكانت قبله عند خنيس بن حذاقة السّهمى.
[زَوَاجُهُ بِأُمّ حَبِيبَةَ]
وَتَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُمّ حَبِيبَةَ، وَاسْمُهَا رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، زَوّجَهُ إيّاهَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَهُمَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَأَصْدَقَهَا النّجَاشِيّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أربع مائة دِينَارٍ، وَهُوَ الّذِي كَانَ خَطَبَهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ الْأَسَدِيّ.
[زَوَاجُهُ بجويرية]
وَتَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ الْخُزَاعِيّة، كَانَتْ فِي سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، فَوَقَعَتْ فِي السّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشّمّاسِ الْأَنْصَارِيّ، فَكَاتَبَهَا عَلَى نَفْسِهَا، فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَسْتَعِينُهُ فِي كِتَابَتِهَا، فَقَالَ لَهَا: هَلْ لَك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو؟ قَالَ: أَقْضِي عَنْك كِتَابَتَك وَأَتَزَوّجُك؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَتَزَوّجَهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن لزبير، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٣٦ ]
قال ابن هشام: ويقال: لما انصرف رسول اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَمَعَهُ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، فَكَانَ بِذَاتِ الْجَيْشِ، دَفَعَ جُوَيْرِيَةَ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَدِيعَةً، وَأَمَرَهُ بِالِاحْتِفَاظِ بِهَا، وَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَأَقْبَلَ أَبُوهَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ضِرَارٍ بِفِدَاءِ ابْنَتِهِ، فَلَمّا كَانَ بِالْعَقِيقِ نَظَرَ إلَى الْإِبِلِ الّتِي جَاءَ بِهَا لِلْفِدَاءِ، فَرَغِبَ فِي بَعِيرَيْنِ مِنْهَا، فَغَيّبَهُمَا فِي شِعْبٍ مِنْ شِعَابِ الْعَقِيقِ، ثُمّ أَتَى النّبِيّ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، أَصَبْتُمْ ابْنَتِي، وَهَذَا فِدَاؤُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
فَأَيْنَ الْبَعِيرَانِ اللّذَانِ غَيّبْت بِالْعَقِيقِ فِي شِعْبِ كَذَا وكذا؟ فقال الحارث:
أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ، وَأَنّك رَسُولُ اللهِ، صَلّى اللهُ عليك، فو الله مَا اطّلَعَ عَلَى ذَلِكَ إلّا اللهُ تَعَالَى، فَأَسْلَمَ الْحَارِثُ، وَأَسْلَمَ مَعَهُ ابْنَانِ لَهُ وَنَاسٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَأَرْسَلَ إلَى الْبَعِيرَيْنِ، فَجَاءَ بِهِمَا فَدَفَعَ الْإِبِلَ إلَى النّبِيّ ﷺ، ودفعت إليه ابنته جويرية، فأسلمت وحسن إسْلَامُهَا، وَخَطَبَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى أَبِيهَا، فَزَوّجَهُ إيّاهَا، وَأَصْدَقَهَا أَرْبَعَ مائة دِرْهَمٍ، وَكَانَتْ قَبْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَ ابْنِ عَمّ لَهَا يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ اشْتَرَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ من ثابت ابن قيس، فأعتقها وتزوّجها، وأصدقها أربع مائة درهم.
[زَوَاجُهُ بِصَفِيّةَ]
وَتَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَفِيّةَ بِنْتَ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٣٧ ]
سَبَاهَا مِنْ خَيْبَرَ، فَاصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ، وَأَوْلَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلِيمَةً، مَا فِيهَا شَحْمٌ وَلَا لَحْمٌ، كَانَ سَوِيقًا وَتَمْرًا، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ كِنَانَةَ بْنِ الرّبِيعِ بْنِ أبى الحقيق.
[زَوَاجُهُ بِمَيْمُونَةَ]
وَتَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنِ ابن بحير بن هزم بن روبية بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، زَوّجَهُ إيّاهَا الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَأَصْدَقَهَا الْعَبّاسُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أربع مائة دِرْهَمٍ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ أَبِي رُهْمِ بْنِ عبد العزّى بن أبى قيس ابن عَبْدِ وُدّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ؛ وَيُقَالُ: إنّهَا الّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنّبِيّ ﷺ، وَذَلِكَ أَنّ خِطْبَةَ النّبِيّ ﷺ انْتَهَتْ إلَيْهَا وَهِيَ عَلَى بَعِيرِهَا، فَقَالَتْ: الْبَعِيرُ وَمَا عَلَيْهِ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ ﵎: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ.
وَيُقَالُ: إنّ الّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنّبِيّ ﷺ زَيْنَبُ بِنْتُ جحش، وَيُقَالُ أُمّ شَرِيكٍ، غَزِيّة بِنْتُ جَابِرِ بْنِ وَهْبٍ مِنْ بَنِي مُنْقِذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ معيص ابن عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ، وَيُقَالُ: بَلْ هِيَ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي سَامَةَ بْنِ لُؤَيّ، فَأَرْجَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ..
[زَوَاجُهُ زَيْنَبَ بِنْتِ خُزَيْمَةَ]
وَتَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ خُزَيْمَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٣٨ ]
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَكَانَتْ تُسْمَى أُمّ الْمَسَاكِينِ، لِرَحْمَتِهَا إيّاهُمْ، وَرِقّتِهَا عَلَيْهِمْ، زَوّجَهُ إيّاهَا قَبِيصَةُ بْنُ عَمْرٍو الْهِلَالِيّ، وَأَصْدَقَهَا رسول الله ﷺ أربع مائة دِرْهَمٍ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَتْ قَبْلَ عُبَيْدَةَ عِنْدَ جَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الحارث، وهو ابن عمّها.
[عدتهن وشأن الرسول معهن]
فَهَؤُلَاءِ اللّاتِي بَنَى بِهِنّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إحْدَى عَشَرَةَ، فَمَاتَ قَبْلَهُ مِنْهُنّ ثِنْتَانِ: خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ. وَتُوُفّيَ عَنْ تِسْعٍ قَدْ ذَكَرْنَاهُنّ فِي أَوّلِ هَذَا الْحَدِيثِ؛ وَثِنْتَانِ لَمْ يَدْخُلْ بِهِمَا: أَسَمَاءُ بِنْتُ النّعْمَانِ الْكِنْدِيّةُ، تَزَوّجَهَا فَوَجَدَ بِهَا بَيَاضًا، فَمَتّعَهَا وَرَدّهَا إلَى أَهْلِهَا، وَعَمْرَةُ بِنْتُ يَزِيدَ الْكِلَابِيّة، وَكَانَتْ حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِكُفْرٍ؛ فَلَمّا قدمت عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، اسْتَعَاذَتْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنِيعٌ عَائِذٌ اللهَ، فَرَدّهَا إلَى أَهْلِهَا، وَيُقَالُ: إنّ الّتِي اسْتَعَاذَتْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ كِنْدِيّةُ بِنْتُ عَمّ لِأَسْمَاءِ بِنْتِ النّعْمَانِ، وَيُقَالُ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَاهَا، فَقَالَتْ: إنّا قَوْمٌ نُؤْتَى وَلَا نَأْتِي؛ فَرَدّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى أَهْلِهَا.
[تسمية القرشيات منهن]
القرشيات من أزواج النبى ﷺ سِتّ: خَدِيجَةُ بِنْتُ خويلد
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٣٩ ]
ابن أسد بن عبد العزّى بن تصىّ بن كلاب بن مرة بن كعب بن لُؤَيّ؛ وَعَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بن سعد بن تيم ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب؛ وَحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قرط بن رياح بن رزاح بن عدي بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ، وَأُمّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عبد شمس ابن عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ؛ وَأُمّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بن مخزوم بن يقظة بن مرة ابن كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ؛ وَسَوْدَةُ بِنْتُ زَمَعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ ابن نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ بن لؤىّ.
[تسمية العربيات وغيرهن]
والعربيات وغيرهنّ سمع: زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشِ بْنِ رِئَابِ بْنِ يَعْمُرَ بن صبرة بن مرة بن كَبِيرُ بْنُ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدٍ بن خزيمة؛ وَمَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنِ بْنِ بَحِيرِ بْنِ هُزَمَ بْنِ رُوَيْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسٍ بْنِ عَيْلَانَ؛ وَزَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عبد الله بن عمرو ابن عَبْدِ مَنَافِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ الْخُزَاعِيّة، ثُمّ الْمُصْطَلِقِيّة، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ النّعْمَانِ الْكِنْدِيّةُ؛ وَعَمْرَةُ بِنْتُ يَزِيدَ الْكِلَابِيّة.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٤٠ ]
غَيْرُ الْعَرَبِيّاتِ وَمِنْ غَيْرِ الْعَرَبِيّاتِ: صَفِيّةُ بِنْتُ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ، مِنْ بَنِي النّضِيرِ
[تَمْرِيضُ رسول الله فى بيت عائشة]
[مجيئه إلى بيت عائشة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبِيّ ﷺ، قَالَتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْشِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِهِ: أَحَدُهُمَا الْفَضْلُ بْنُ الْعَبّاسِ، وَرَجُلٌ آخَرُ، عَاصِبًا رَأْسَهُ، تَخُطّ قَدَمَاهُ، حَتّى دَخَلَ بَيْتِي.
قَالَ عُبَيْدُ اللهِ، فَحَدّثْت هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْعَبّاسِ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَنْ الرّجُلُ الْآخَرُ؟ قَالَ: قُلْت: لَا، قَالَ: عَلِيّ بْنُ أَبِي طالب.
[شِدّةُ الْمَرَضِ وَصَبّ الْمَاءِ عَلَيْهِ]
ثُمّ غُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَاشْتَدّ بِهِ وَجَعُهُ، فَقَالَ هَريقُوا عَلَيّ سَبْعَ قِرَبٍ مِنْ آبَارٍ شَتّى، حَتّى أَخْرُجَ إلَى النّاسِ فَأَعْهَدُ إلَيْهِمْ. قَالَتْ:
فَأَقْعَدْنَاهُ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، ثُمّ صَبَبْنَا عَلَيْهِ الْمَاءَ حَتّى طَفِقَ يَقُولُ:
حَسْبُكُمْ حَسْبُكُمْ.
[كَلِمَةٌ لِلنّبِيّ وَاخْتِصَاصُهُ أَبَا بَكْرٍ بِالذّكْرِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ الزّهْرِيّ: حَدّثَنِي أَيّوبُ بْنُ بَشِيرٍ: أَنّ رَسُولَ اللهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٤١ ]
ﷺ خَرَجَ عَاصِبًا رَأْسَهُ حَتّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمّ كَانَ أَوّلُ مَا تَكَلّمَ بِهِ أَنّهُ صَلّى عَلَى أَصْحَابِ أُحُدٍ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، فَأَكْثَرَ الصّلَاةَ عَلَيْهِمْ، ثُمّ قَالَ:
إنّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللهِ خَيّرَهُ اللهُ بَيْنَ الدّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ.
قَالَ: فَفَهِمَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَعَرَفَ أَنّ نَفْسَهُ يُرِيدُ، فَبَكَى وَقَالَ: بَلْ نَحْنُ نَفْدِيك بِأَنْفُسِنَا وَأَبْنَائِنَا، فَقَالَ: عَلَى رِسْلِك يَا أَبَا بَكْرٍ، ثُمّ قَالَ: اُنْظُرُوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ اللّافِظَةَ فِي الْمَسْجِدِ، فَسُدّوهَا إلّا بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَانَ أَفْضَلَ فِي الصّحْبَةِ عِنْدِي يَدًا مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: إلّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الرحمن بن عَبْدِ اللهِ، عَنْ بَعْضِ آلِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلّى: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ يَوْمئِذٍ فِي كَلَامِهِ هَذَا: فَإِنّي لَوْ كُنْت مُتّخِذًا مِنْ الْعِبَادِ خَلِيلًا لا تخذت أبا بكر خليلا، ولكن صحبة وإخاه إيمَانٍ حَتّى يَجْمَعَ اللهُ بَيْنَنَا عِنْدَهُ.
[أَمْرُ الرّسُولِ بِإِنْفَاذِ بَعْثِ أُسَامَةَ]
وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ، أن رسول الله ﷺ اسْتَبْطَأَ النّاسَ فِي بَعْثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ فِي وَجَعِهِ، فَخَرَجَ عَاصِبًا رَأْسَهُ حَتّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَقَدْ كَانَ النّاسُ قَالُوا فِي إمْرَةِ أُسَامَةَ: أَمّرَ غُلَامًا حَدَثًا عَلَى جِلّةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٤٢ ]
فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ، ثُمّ قَالَ: أَيّهَا النّاسُ، أَنْفِذُوا بَعْثَ أُسَامَةَ، فَلِعَمْرِي لَئِنْ قُلْتُمْ فِي إمَارَتِهِ لَقَدْ قُلْتُمْ فِي إمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ، وَإِنّهُ لَخَلِيقٌ لِلْإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ لَخَلِيقًا لَهَا.
قَالَ: ثُمّ نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَانْكَمَشَ الناس فى جهازهم، واستعزّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعُهُ، فَخَرَجَ أُسَامَةُ، وَخَرَجَ جَيْشُهُ مَعَهُ حَتّى نَزَلُوا الْجُرْفَ، مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى فَرْسَخٍ، فَضَرَبَ بِهِ عَسْكَرَهُ، وَتَتَامّ إلَيْهِ النّاسُ، وَثَقُلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَقَامَ أُسَامَةُ وَالنّاسُ، لِيَنْظُرُوا مَا اللهُ قَاضٍ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ.
[وَصِيّةُ الرّسُولِ بِالْأَنْصَارِ]
وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ الزّهْرِيّ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ صَلّى وَاسْتَغْفَرَ لِأَصْحَابِ أُحُدٍ، وَذَكَرَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا ذَكَرَ مَعَ مَقَالَتِهِ يَوْمئِذٍ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ اسْتَوْصُوا بِالْأَنْصَارِ خَيْرًا، فَإِنّ النّاسَ يَزِيدُونَ، وَإِنّ الْأَنْصَارَ عَلَى هَيْئَتِهَا لَا تَزِيدُ، وَإِنّهُمْ كَانُوا عَيْبَتِي الّتِي أَوَيْت إلَيْهَا، فَأَحْسِنُوا إلَى مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ.
قَالَ عَبْدُ اللهِ: ثُمّ نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَدَخَلَ بَيْتَهُ، وَتَتَامّ به وجعه، حتى غمر.
[شَأْنُ اللّدُودِ]
قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَاجْتَمَعَ إلَيْهِ نِسَاءٌ مِنْ نِسَائِهِ: أُمّ سَلَمَةَ، وَمَيْمُونَةُ، وَنِسَاءٌ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٤٣ ]
مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ، مِنْهُنّ أَسَمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَعِنْدَهُ الْعَبّاسُ عَمّهُ، فَأَجْمَعُوا أَنْ يَلُدّوهُ، وَقَالَ الْعَبّاسُ: لَأَلُدّنّهُ. قَالَ: فَلَدّوهُ، فَلَمّا أَفَاقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ: مَنْ صَنَعَ هَذَا بِي؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، عَمّك، قَالَ:
هَذَا دَوَاءٌ أَتَى بِهِ نِسَاءٌ جِئْنَ مِنْ نَحْوِ هَذِهِ الْأَرْضِ، وَأَشَارَ نَحْوَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ؛ قَالَ: وَلِمَ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ عَمّهُ الْعَبّاسُ: خَشِينَا يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ يَكُونَ بِك ذَاتُ الْجَنْبِ فَقَالَ: إنّ ذَلِكَ لَدَاءٌ مَا كَانَ اللهُ ﷿ لِيَقْذِفَنِي بِهِ، لَا يَبْقَ فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ إلّا لُدّ إلّا عَمّي، فَلَقَدْ لُدّتْ مَيْمُونَةُ وَإِنّهَا لَصَائِمَةٌ، لِقَسَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، عُقُوبَةً لَهُمْ بِمَا صَنَعُوا بِهِ.
[دُعَاءُ الرّسُولِ لِأُسَامَةَ بِالْإِشَارَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ السّبّاقِ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ أُسَامَةَ بْنِ زيد، قَالَ: لَمّا ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَبَطْتُ وَهَبَطَ النّاسُ مَعِي إلَى الْمَدِينَةِ، فَدَخَلْت عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَدْ أُصْمِتَ فَلَا يَتَكَلّمُ، فَجَعَلَ يَرْفَعُ يَدَهُ إلَى السّمَاءِ ثُمّ يَضَعُهَا عَلَيّ، فَأَعْرِفُ أَنّهُ يَدْعُو لِي.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وقال ابن شهاب الزهرى: حدثنى عبيد بن عبد الله ابن عُتْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَثِيرًا مَا أَسْمَعُهُ يَقُولُ: إنّ اللهَ لَمْ يَقْبِضْ نَبِيّا حَتّى يُخَيّرْهُ. قَالَتْ: فَلَمّا حُضِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَانَ آخِرُ كَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا وَهُوَ يَقُولُ: بَلْ الرّفِيقُ الْأَعْلَى مِنْ الْجَنّةِ، قالت:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٤٤ ]
فقلت: إذا والله لا يختارنا، وعرفت أنه الذى كَانَ يَقُولُ لَنَا: إنّ نَبِيّا لَمْ يُقْبَضْ حتى يخيّر.
[صَلَاةُ أَبِي بَكْرٍ بِالنّاسِ]
قَالَ الزّهْرِيّ: وَحَدّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنّ عَائِشَةَ قَالَتْ:
لَمّا اُسْتُعِزّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلّ بِالنّاسِ.
قَالَتْ: قُلْت: يَا نَبِيّ اللهِ، إن أبا بكر رَجُلٌ رَقِيقٌ، ضَعِيفُ الصّوْتِ، كَثِيرُ الْبُكَاءِ إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ، قَالَ: مُرُوهُ فَلْيُصَلّ بِالنّاسِ. قَالَتْ: فَعُدْت بِمِثْلِ قَوْلِي، فَقَالَ: إنّكُنّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ فمروه فليصلّ بالناس، قالت: فو الله مَا أَقُولُ ذَلِكَ إلّا أَنّي كُنْت أُحِبّ أَنْ يُصْرَفَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعَرَفْت أَنّ النّاسَ لَا يُحِبّونَ رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا، وَأَنّ النّاسَ سَيَتَشَاءَمُونَ بِهِ فِي كُلّ حَدَثٍ كَانَ، فَكُنْت أُحِبّ أَنْ يُصْرَفَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زمعة بن الأسود ابن الْمُطّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، قَالَ: لَمّا اُسْتُعِزّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا عِنْدَهُ فِي نَفَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: دَعَاهُ بَلَالٌ إلَى الصّلَاةِ، فَقَالَ: مُرُوا مَنْ يُصَلّي بِالنّاسِ. قَالَ: فَخَرَجْت فَإِذَا عُمَرُ فِي النّاسِ. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ غَائِبًا؛ فَقُلْت:
قُمْ يَا عُمَرُ فَصَلّ بِالنّاسِ. قَالَ: فَقَامَ، فَلَمّا كَبّرَ، سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَوْتَهُ، وَكَانَ عُمَرُ رَجُلًا مِجْهَرًا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَأَيْنَ أَبُو بَكْرٍ؟ يَأْبَى اللهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ، يَأْبَى اللهُ ذلك والمسلمون.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٤٥ ]
قَالَ فَبُعِثَ إلَى أَبِي بَكْرٍ، فَجَاءَ بَعْدَ أَنْ صَلّى عُمَرُ تِلْكَ الصّلَاةَ، فَصَلّى بِالنّاسِ.
قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَمَعَةَ: قَالَ لى عمر: ويحك، ماذا صنعب بِي يَا بْنَ زَمَعَةَ، وَاَللهِ مَا ظَنَنْت حِينَ أَمَرْتنِي إلّا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَك بِذَلِكَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا صَلّيْت بِالنّاسِ. قَالَ: قُلْتُ: وَاَللهِ مَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ، وَلَكِنّي حِينَ لَمْ أَرَ أَبَا بَكْر رَأَيْتُك أَحَقّ مَنْ حَضَرَ بِالصّلَاةِ بِالنّاسِ.
[الْيَوْمُ الّذِي قَبَضَ اللهُ فِيهِ نَبِيّهُ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ الزّهْرِيّ: حَدّثَنِي أَنَسُ بْنُ مالك: أنه لما كان يوم الاثنين الذى قبض الله فيه رسوله ﷺ، خَرَجَ إلَى النّاسِ، وَهُمْ يُصَلّونَ الصّبْحَ، فَرَفَعَ السّتْرَ، وَفَتَحَ الْبَابَ، فَخَرَجَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَامَ على باب عائشة، فكاد المسلمون يفتنون فِي صَلَاتِهِمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ رَأَوْهُ فَرَحًا بِهِ، وَتَفَرّجُوا، فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اُثْبُتُوا عَلَى صَلَاتِكُمْ؛ قَالَ: فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سُرُورًا لَمّا رَأَى مِنْ هَيْئَتِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ، وَمَا رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ أَحَسَنَ هَيْئَةً مِنْهُ تِلْكَ السّاعَةَ، قَالَ: ثُمّ رَجَعَ وَانْصَرَفَ النّاسُ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَفْرَقَ مِنْ وَجَعِهِ، فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ إلَى أَهْلِهِ بِالسّنْحِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمّدٍ: أن رسول الله ﷺ قَالَ حِينَ سَمِعَ تَكْبِيرَ عُمَرَ فِي الصّلَاةِ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٤٦ ]
أين أبو بكر؟ يَأْبَى اللهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ. فَلَوْلَا مَقَالَةٌ قَالَهَا عُمَرُ عِنْدَ وَفَاتِهِ، لَمْ يَشُكّ الْمُسْلِمُونَ أَنّ رسول الله ﷺ قد اسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنّهُ قَالَ عِنْدَ وَفَاتِهِ: إنْ أَسْتَخْلَفَ فَقَدْ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنّي، وَإِنْ أَتَرَكَهُمْ فَقَدْ تَرَكَهُمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنّي. فَعَرَفَ النّاسُ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَسْتَخْلِفْ أَحَدًا، وَكَانَ عُمَرُ غَيْرَ مَتّهُمْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ:
لَمّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَاصِبًا رَأْسَهُ إلَى الصّبْحِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلّي بِالنّاسِ، فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَفَرّجَ النّاسُ، فَعَرَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنّ النّاسَ لَمْ يَصْنَعُوا ذَلِكَ إلّا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنَكَصَ عَنْ مُصَلّاهُ، فَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ظَهْرِهِ، وَقَالَ: صَلّ بِالنّاسِ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى جَنْبِهِ، فَصَلّى قَاعِدًا عَنْ يَمِينِ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمّا فَرَغَ مِنْ الصّلَاةِ أَقْبَلَ عَلَى النّاسِ، فَكَلّمَهُمْ رَافِعًا صَوْتَهُ، حَتّى خَرَجَ صَوْتُهُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، يَقُولُ: أَيّهَا النّاسُ، سُعّرَتْ النّارُ، وَأَقْبَلَتْ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللّيْلِ المظلم، وإنى والله ما تَمَسّكُونِ عَلَيّ بِشَيْءِ، إنّي لَمْ أُحِلّ إلّا مَا أَحَلّ الْقُرْآنُ، وَلَمْ أُحَرّمْ إلّا مَا حَرّمَ الْقُرْآنُ.
قَالَ: فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ كَلَامِهِ، قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ:
يَا نَبِيّ اللهِ إنّي أَرَاك قَدْ أَصْبَحْتَ بِنِعْمَةِ مِنْ اللهِ وَفَضْلٍ كَمَا نُحِبّ، وَالْيَوْمُ يَوْمُ بِنْتِ خَارِجَةَ، أَفَآتِيهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمّ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ إلَى أهله بالسّنح.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٤٧ ]
[شَأْنُ الْعَبّاسِ وَعَلِيّ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ الزّهْرِيّ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: خَرَجَ يَوْمئِذٍ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ عَلَى النّاسِ مِنْ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ، فقال له النّاسُ:
يَا أَبَا حَسَنٍ، كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، قَالَ، فَأَخَذَ الْعَبّاسُ بِيَدِهِ، ثُمّ قَالَ: يَا عَلِيّ، أَنْتَ وَاَللهِ عَبْدُ الْعَصَا بَعْدَ ثَلَاثٍ، أَحْلِفُ بِاَللهِ لَقَدْ عَرَفْت الْمَوْتَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، كَمَا كُنْت أَعْرِفُهُ فِي وُجُوهِ بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ، فَانْطَلِقْ بِنَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ فِينَا عَرَفْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا، أَمَرْنَاهُ فَأَوْصَى بِنَا النّاسَ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَلِيّ: إنّي وَاَللهِ لَا أَفْعَلُ، وَاَللهِ لَئِنْ مُنِعْنَاهُ لَا يُؤْتِينَاهُ أَحَدٌ بَعْدَهُ.
فَتُوُفّيَ رسول الله ﷺ حين اشْتَدّ الضّحَاءُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
[سِوَاكُ الرّسُولِ قُبَيْلَ الْوَفَاةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ عروة، عن عائشة، قَالَ: قَالَتْ: رَجَعَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حِينَ دَخَلَ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَاضْطَجَعَ فِي حِجْرِي، فَدَخَلَ عَلَيّ رَجُلٌ مِنْ آلِ أَبِي بَكْرٍ، وَفِي يَدِهِ سِوَاكٌ أَخَضَرَ. قَالَتْ: فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَيْهِ فِي يَدِهِ نَظَرًا عَرَفْت أَنّهُ يُرِيدُهُ، قَالَتْ: فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُحِبّ أَنْ أُعْطِيَك هَذَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٤٨ ]
السّوَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَأَخَذْته فَمَضَغْته لَهُ حَتّى لَيّنْته، ثُمّ أَعْطَيْته إيّاهُ، قَالَتْ: فَاسْتَنّ بِهِ كَأَشَدّ مَا رَأَيْته يَسْتَنّ بِسِوَاكٍ قَطّ، ثُمّ وَضَعَهُ، وَوَجَدْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يثقل فى حجرى، فذهبت أنظر فى وجهه، فإذا بصره قد شخص، وَهُوَ يَقُولُ: بَلْ الرّفِيقُ الْأَعْلَى مِنْ الْجَنّةِ، قَالَتْ:
فَقُلْت: خُيّرْت فَاخْتَرْت وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ. قَالَتْ: وَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أبيه عباد. قال: سمعت عائشة تَقُولُ: مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي وَفِي دَوْلَتِي، لَمْ أَظْلِمْ فِيهِ أَحَدًا، فَمِنْ سَفَهِي وَحَدَاثَةِ سِنّي أن رسول الله ﷺ قُبِضَ وَهُوَ فِي حِجْرِي، ثُمّ وَضَعْت رَأْسَهُ عَلَى وِسَادَةٍ، وَقُمْت ألْتَدِمُ مَعَ النّسَاءِ، وَأَضْرِبُ وجهى.
[مَقَالَةُ عُمَرَ بَعْدَ وَفَاةِ الرّسُولِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ الزّهْرِيّ: وَحَدّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَامَ عُمْرُ بْنُ الْخَطّابِ، فَقَالَ: إنّ رِجَالًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ يَزْعُمُونَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ تُوُفّيَ، وَأَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا مَاتَ، وَلَكِنّهُ ذَهَبَ إلى ربه كما ذهب موسى ابن عِمْرَانَ، فَقَدْ غَابَ عَنْ قَوْمِهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمّ رَجَعَ إلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ قِيلَ قَدْ مات؛ وو الله لَيَرْجِعَنّ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَمَا رَجَعَ مُوسَى، فَلَيَقْطَعَنّ أَيْدِي رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ زَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مات.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٤٩ ]
[موقف أبى بكر بعد وفاة الرسول]
قال: وأقبل أبو بكر حَتّى نَزَلَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ حِينَ بَلَغَهُ الْخَبَرُ، وَعُمَرُ يُكَلّمُ النّاسَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى شَيْءٍ حَتّى دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مُسَجّى فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، عَلَيْهِ بُرْدٌ حِبَرَةٌ، فَأَقْبَلَ حَتّى كَشَفَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ: ثُمّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فَقَبّلَهُ، ثُمّ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي، أَمّا الْمَوْتَةُ الّتِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْك فَقَدْ ذُقْتهَا، ثُمّ لَنْ تُصِيبَك بَعْدَهَا مَوْتَةٌ أَبَدًا. قَالَ:
ثُمّ رَدّ الْبُرْدَ عَلَى وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمّ خَرَجَ وَعُمَرُ يُكَلّمُ النّاسَ، فَقَالَ: عَلَى رِسْلِك يَا عُمَرُ، أَنْصِتْ، فَأَبَى إلّا أَنْ يَتَكَلّمَ، فَلَمّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ لَا يَنْصِتُ أَقْبَلَ عَلَى النّاسِ، فَلَمّا سَمِعَ النّاسُ كَلَامَهُ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ وَتَرَكُوا عُمَرَ؛ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمّ قَالَ:
أَيّهَا النّاسُ، إنّهُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمّدًا فَإِنّ مُحَمّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنّ اللهَ حَيّ لَا يَمُوتُ. قَالَ: ثُمّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ.
قال: فو الله لَكَأَنّ النّاسُ لَمْ يَعْلَمُوا أَنّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ حَتّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ يَوْمئِذٍ؛ قَالَ: وَأَخَذَهَا النّاسُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنّمَا هِيَ فِي أَفْوَاهِهِمْ؛ قَالَ؛
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٥٠ ]
فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ عُمَرُ: وَاَللهِ مَا هُوَ إلّا أَنْ سَمِعْت أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا، فَعَقِرْت حَتّى وَقَعْت إلَى الْأَرْضِ مَا تَحْمِلُنِي رِجْلَايَ، وَعَرَفْت أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ مَاتَ.
[أَمْرُ سَقِيفَةِ بَنِي ساعدة]
[تفرق الكلمة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ انْحَازَ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ إلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَاعْتَزَلَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ، وَانْحَازَ بَقِيّةُ الْمُهَاجِرِينَ إلَى أَبِي بَكْرٍ، وَانْحَازَ مَعَهُمْ أُسَيْدُ بْنُ حضير، فى بنى عبد الأشهل، فَأَتَى آتٍ إلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: إنّ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ مَعَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، قَدْ انْحَازُوا إلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ لَكُمْ بِأَمْرِ النّاسِ حَاجَةٌ فَأَدْرِكُوا قَبْلَ أَنْ يَتَفَاقَمَ أَمْرُهُمْ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ لَمْ يُفْرَغْ مِنْ أَمْرِهِ قَدْ أَغْلَقَ دُونَهُ الْبَابَ أَهْلُهُ. قَالَ عُمَرُ: فَقُلْت لِأَبِي بَكْرٍ: انْطَلِقْ بِنَا إلَى إخْوَانِنَا هَؤُلَاءِ مِنْ الْأَنْصَارِ، حَتّى نَنْظُرَ مَا هُمْ عَلَيْهِ.
[ابْنُ عَوْفٍ وَمَشُورَتُهُ عَلَى عُمَرَ بِشَأْنِ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ السّقِيفَةِ حِينَ اجْتَمَعَتْ بِهَا الْأَنْصَارُ، أَنّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، حَدّثَنِي عَنْ ابْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، قال: أخبرنى عبد الرحمن
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٥١ ]
ابن عَوْفٍ قَالَ: وَكُنْت فِي مَنْزِلِهِ بِمنَى أَنْتَظِرُهُ، وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ فِي آخِرِ حِجّةٍ حَجّهَا عُمَرُ، قَالَ: فَرَجَعَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ، فَوَجَدَنِي فِي مَنْزِلِهِ بِمنَى أَنْتَظِرُهُ، وَكُنْت أُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ، فَقَالَ لِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ:
لَوْ رَأَيْت رَجُلًا أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ لَك فِي فُلَانٍ يَقُولُ: وَاَللهِ لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ لَقَدْ بَايَعْت فُلَانًا، وَاَللهِ مَا كَانَتْ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ إلّا فَلْتَةٌ فَتَمّتْ. قَالَ: فَغَضِبَ عُمَرُ، فَقَالَ: إنّي إنْ شَاءَ اللهُ لَقَائِمٌ الْعَشِيّةَ فِي النّاسِ، فَمُحَذّرُهُمْ هَؤُلَاءِ الّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ أَمْرَهُمْ، قَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ: فَقُلْت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَفْعَلْ، فَإِنّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رِعَاعَ النّاسِ وَغَوْغَاءَهُمْ، وَإِنّهُمْ هُمْ الّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى قُرْبِك، حِينَ تَقُومُ فِي النّاسِ، وَإِنّي أَخْشَى أَنْ تَقُومَ فَتَقُولُ مَقَالَةً يَطِيرُ بِهَا أُولَئِكَ عَنْك كُلّ مَطِيرٍ، وَلَا يَعُوهَا، وَلَا يَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، فَأَمْهِلْ حَتّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ فَإِنّهَا دَارُ السّنّةِ، وَتَخْلُصُ بِأَهْلِ الثّقَةِ وَأَشْرَافِ النّاسِ فَتَقُولُ مَا قُلْت بِالْمَدِينَةِ مُتَمَكّنًا، فَيَعِيَ أَهْلُ الْفِقْهِ مَقَالَتَك، وَيَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا وَاَللهِ إنّ شَاءَ اللهُ لَأَقُومَنّ بِذَلِكَ أَوّلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ.
[خُطْبَةُ عُمَرَ عِنْدَ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ]
قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فِي عَقِبِ ذِي الْحَجّةِ، فَلَمّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ عَجّلْت الرّوَاحَ حِينَ زَالَتْ الشّمْسُ، فَأَجِدُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ جَالِسًا إلَى رُكْنِ الْمِنْبَرِ فَجَلَسْت حَذْوَهُ تَمَسّ رُكْبَتَيْ رُكْبَتَهُ، فَلَمْ أنشب أن خرج عمر ابن الْخَطّابِ، فَلَمّا رَأَيْته مُقْبِلًا، قُلْت لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ: لَيَقُولَنّ الْعَشِيّةَ عَلَى هَذَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٥٢ ]
الْمِنْبَرِ مَقَالَةً لَمْ يَقُلْهَا مُنْذُ اسْتَخْلَفَ؛ قَالَ: فَأَنْكَرَ عَلَيّ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ ذَلِكَ، وَقَالَ: ما عسى أن يقول مما لم يقل قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذّنون، قام فأثنى على الله بما هو أهل له، ثم قَالَ: أَمّا بَعْدُ، فَإِنّي قَائِلٌ لَكُمْ الْيَوْمَ مَقَالَةً قَدْ قُدّرَ لِي أَنْ أَقُولَهَا، وَلَا أَدْرِي لَعَلّهَا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِي، فَمَنْ عَقَلَهَا ووعاها فليأخذ بِهَا حَيْثُ انْتَهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَمَنْ خَشِيَ أَنْ لَا يَعِيَهَا فَلَا يَحِلّ لِأَحَدِ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيّ؛ إنّ اللهَ بَعَثَ مُحَمّدًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمّا أَنَزَلَ عَلَيْهِ آيَةَ الرّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا وَعُلّمْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، وَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إنْ طَالَ بِالنّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ:
وَاَللهِ مَا نَجِدُ الرّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنَزَلَهَا اللهُ، وَإِنّ الرّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ حَقّ عَلَى مَنْ زَنَى إذَا أُحْصِنَ مِنْ الرّجَالِ وَالنّسَاءِ، وَإِذَا قَامَتْ البينة، أو كان الحبل أو الاعترف؛ ثُمّ إنّا قَدْ كُنّا نَقْرَأُ فِيمَا نَقْرَأُ مِنْ كِتَابِ اللهِ: لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَإِنّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ إلا أن رسول الله ﷺ قَالَ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أُطْرِيَ عِيسَى بن مَرْيَمَ، وَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ»؛ ثُمّ إنّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنّ فُلَانًا قَالَ: وَاَللهِ لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ لَقَدْ بَايَعْت فُلَانًا، فَلَا يَغُرّنّ امْرَأً أَنْ يَقُولُ: إنّ بيعة أبى بكر كَانَتْ فَلْتَةً فَتَمّتْ، وَإِنّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ إلّا أَنّ اللهَ قَدْ وَقَى شَرّهَا، وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ تَنْقَطِعُ الْأَعْنَاقُ إلَيْهِ مِثْلَ أَبِي بكر، فَمَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنّهُ لَا بَيْعَةَ لَهُ هُوَ وَلَا الّذِي بَايَعَهُ تَغِرّةً أَنْ يَقْتُلَا، إنّهُ كَانَ مِنْ خَبَرِنَا حِينَ تَوَفّى اللهُ نَبِيّهُ ﷺ أَنّ الْأَنْصَارَ خَالَفُونَا، فَاجْتَمَعُوا بِأَشْرَافِهِمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَتَخَلّفَ عَنّا علي بن أبي طالب
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٥٣ ]
وَالزّبِيرُ بْنُ الْعَوّامِ وَمَنْ مَعَهُمَا، وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقُلْت لِأَبِي بَكْرٍ: انْطَلِقْ بِنَا إلَى إخْوَانِنَا هَؤُلَاءِ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَانْطَلَقْنَا نَؤُمّهُمْ حَتّى لَقِيَنَا مِنْهُمْ رَجُلَانِ صَالِحَانِ، فَذَكَرَا لَنَا مَا تَمَالَأَ عَلَيْهِ الْقَوْمُ، وَقَالَ: أَيْنَ تريدون يا معشر المهاجرين؟ قُلْنَا: نُرِيدُ إخْوَانَنَا هَؤُلَاءِ مِنْ الْأَنْصَارِ، قَالَا: فَلَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَقْرَبُوهُمْ يَا مَعْشَرَ المهاجرين، اقضوا أمركم: قال: قلت: والله لنأتينهم.
فانطلقا حَتّى أَتَيْنَاهُمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ رَجُلٌ مُزَمّلٌ فَقُلْت: مَنْ هَذَا؟ فقالوا: سعد بن عبادة، فقلت: ماله؟ فَقَالُوا: وَجِعَ.
فَلَمّا جَلَسْنَا تَشَهّدَ خَطِيبُهُمْ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ، ثُمّ قَالَ: أَمّا بَعْدُ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ وَكَتِيبَةُ الْإِسْلَامِ، وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ رَهْطٌ مِنّا، وَقَدْ دَفّتْ دَافّةٌ مِنْ قَوْمِكُمْ، قَالَ. وَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَحْتَازُونَا مِنْ أَصْلِنَا، وَيَغْصِبُونَا الْأَمْرَ، فَلَمّا سَكَتَ أَرَدْت أَنْ أَتَكَلّمَ، وَقَدْ زَوّرَتْ فِي نَفْسِي مَقَالَةٌ قَدْ أَعْجَبَتْنِي، أُرِيدُ أَنْ أُقَدّمَهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ، وَكُنْت أَدَارِي مِنْهُ بَعْضَ الْحَدّ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَى رِسْلِك يَا عُمَرَ، فَكَرِهْت أَنْ أُغْضِبَهُ، فتكلم، وهو كان أعلم منى وأوقر، فو الله مَا تَرَك مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبَتْنِي مِنْ تَزْوِيرِي إلّا قَالَهَا فِي بَدِيهَتِهِ، أَوْ مِثْلَهَا أَوْ أَفْضَلَ، حَتّى سَكَتَ؛ قَالَ: أَمّا مَا ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْرٍ، فَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ، وَلَنْ تَعْرِفَ الْعَرَبُ هَذَا الْأَمْرَ إلّا لِهَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْشٍ، هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ نَسَبًا وَدَارًا؛ وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرّجُلَيْنِ؛ فَبَايِعُوا أَيّهمَا شِئْتُمْ، وَأَخَذَ بِيَدَيْ وَبِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرّاحِ، وَهُوَ جَالِسٌ بَيْنَنَا، وَلَمْ أَكْرَهْ شَيْئًا مِمّا قَالَهُ غَيْرُهَا، كَانَ وَاَللهِ أَنْ أُقَدّمَ فَتُضْرَبُ عُنُقِي، لَا يُقَرّبُنِي ذَلِكَ إلَى إثْمٍ، أَحَبّ إلَيّ مِنْ أَنْ أَتَأَمّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٥٤ ]
قَالَ قَائِلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكّكُ وعذيقها المرجّب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قُرَيْشٍ. قَالَ: فَكَثُرَ اللّغَطُ، وَارْتَفَعَتْ الْأَصْوَاتُ، حَتّى تَخَوّفْت الِاخْتِلَافَ، فَقُلْت: اُبْسُطْ يَدَك يَا أَبَا با بَكْرٍ، فَبَسَطَ يَدَهُ، فَبَايَعْته، ثُمّ بَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ، ثُمّ بَايَعَهُ الْأَنْصَارُ، وَنَزَوْنَا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ: قَالَ: فَقُلْت: قَتَلَ اللهُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ.
[تَعْرِيفٌ بِالرّجُلَيْنِ اللّذَيْنِ لَقِيَا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي طَرِيقِهِمَا إلَى السّقِيفَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ الزّهْرِيّ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزّبَيْرِ أَنّ أَحَدَ الرّجُلَيْنِ اللّذَيْنِ لَقَوْا مِنْ الْأَنْصَارِ حِينَ ذَهَبُوا إلَى السّقِيفَةِ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، وَالْآخَرُ مَعَنُ بْنُ عَدِيّ، أَخُو بَنِي الْعَجْلَانِ. فَأَمّا عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، فَهُوَ الّذِي بَلَغَنَا أَنّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مَنْ الّذِينَ قَالَ اللهُ ﷿ لَهُمْ: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: نِعْمَ الْمَرْءُ مِنْهُمْ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ؛ وَأَمّا مَعْنُ بْنُ عَدِيّ، فَبَلَغَنَا أَنّ النّاسَ بَكَوْا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ تَوَفّاهُ اللهُ ﷿، وَقَالُوا:
وَاَللهِ لَوَدِدْنَا أَنّا مُتْنَا قَبْلَهُ، إنّا نَخْشَى أَنْ نَفْتَتِنَ بَعْدَهُ. قَالَ مَعَنُ بْنُ عَدِيّ:
لَكِنّي وَاَللهِ مَا أُحِبّ أَنّي مُتّ قَبْلَهُ حَتّى أُصَدّقَهُ مَيّتًا كَمَا صَدّقْته حَيّا؛ فَقُتِلَ مَعَنٌ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذّابِ.
[خُطْبَةُ عُمَرَ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ الْبَيْعَةِ الْعَامّةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي الزّهْرِيّ، قَالَ: حَدّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٥٥ ]
لما بويع أبو بكر فِي السّقِيفَةِ وَكَانَ الْغَدُ، جَلَسَ أَبُو بَكْر عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَامَ عُمَرُ، فَتَكَلّمَ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمّ قَالَ: أَيّهَا النّاسُ، إنّي كُنْت قُلْت لَكُمْ بِالْأَمْسِ مَقَالَةً مَا كَانَتْ مِمّا وَجَدْتهَا فِي كِتَابِ اللهِ، وَلَا كَانَتْ عَهْدًا عَهِدَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَكِنّي قَدْ كُنْت أَرَى أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَيُدَبّرُ أَمَرْنَا؛ يَقُولُ: يَكُونُ آخِرُنَا وَإِنّ اللهَ قَدْ أَبْقَى فيكم كتابه الذى به هدى الله رسوله ﷺ، فَإِنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ هَدَاكُمْ اللهُ لِمَا كَانَ هَدَاهُ لَهُ، وَإِنّ اللهَ قَدْ جَمَعَ أَمْرَكُمْ عَلَى خَيْرِكُمْ، صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثَانِي اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الْغَارِ، فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ، فَبَايَعَ النّاسُ أَبَا بَكْرٍ بَيْعَةَ الْعَامّةِ، بَعْدَ بيعة السقيفة.
[خطبة أبى بكر]
فتكلّم أبو بكر، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِاَلّذِي هُوَ أَهْلُهُ، ثُمّ قَالَ:
أَمّا بَعْدُ أَيّهَا النّاسُ، فَإِنّي قَدْ وُلّيت عَلَيْكُمْ وَلَسْت بِخَيْرِكُمْ، فَإِنْ أَحْسَنْت فَأَعِينُونِي؛ وَإِنْ أَسَأْت فَقَوّمُونِي، الصّدْقُ أَمَانَةٌ، وَالْكَذِبُ خِيَانَةٌ، وَالضّعِيفُ فِيكُمْ قَوِيّ عِنْدِي حَتّى أُرِيحَ عَلَيْهِ حَقّهُ إنْ شَاءَ اللهُ، وَالْقَوِيّ فِيكُمْ ضَعِيفٌ عِنْدِي حَتّى آخُذَ الْحَقّ مِنْهُ إنْ شَاءَ اللهُ، لَا يَدَعُ قَوْمٌ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ إلّا ضَرَبَهُمْ اللهُ بِالذّلّ، وَلَا تَشِيعُ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطّ إلّا عَمّهُمْ اللهُ بِالْبَلَاءِ؛ أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِذَا عَصَيْتُ اللهَ وَرَسُولَهُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ. قُومُوا إلَى صَلَاتِكُمْ يَرْحَمُكُمْ اللهُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٥٦ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: وَاَللهِ إنّي لَأَمْشِي مَعَ عُمَرَ فِي خِلَافَتِهِ وَهُوَ عَامِدٌ إلَى حَاجَةٍ لَهُ، وَفِي يَدِهِ الدّرّةُ وَمَا مَعَهُ غَيْرِي، قَالَ: وَهُوَ يُحَدّثُ نَفْسَهُ، وَيَضْرِبُ وَحْشِيّ قَدَمهُ بِدِرّتِهِ، قَالَ: إذْ الْتَفَتَ إلَيّ، فَقَالَ: يَا بْنَ عَبّاسٍ، هَلْ تَدْرِي مَا كَانَ حَمَلَنِي عَلَى مَقَالَتِي الّتِي قُلْتُ حِينَ تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَ:
قُلْت: لَا أَدْرِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْتَ أَعْلَمُ؛ قَالَ: فَإِنّهُ وَاَللهِ، إنْ كَانَ الّذِي حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ إلّا أَنّي كُنْت أَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا، فو الله إنْ كُنْت لَأَظُنّ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَيَبْقَى فِي أُمّتِهِ حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهَا بِآخِرِ أَعْمَالِهَا، فَإِنّهُ لِلّذِي حَمَلَنِي عَلَى أَنْ قُلْت مَا قُلْت.
[جَهَازُ رَسُولِ الله ﷺ ودفنه]
[من تولى غسل الرسول]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا بُويِعَ أَبُو بَكْر ﵁، أَقْبَلَ النّاسُ عَلَى جَهَازِ رسول الله ﷺ يوم الثّلَاثَاءِ، فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وحسين ابن عَبْدِ اللهِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنّ عَلِيّ بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وَالْفَضْلَ بْنَ الْعَبّاسِ وَقُثَمَ بْنَ الْعَبّاسِ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَشُقْرَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، هُمْ الّذِينَ وُلُوا غَسْلَهُ، وَأَنّ أَوْسَ بْنَ خَوْلِيّ، أَحَدَ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، قَالَ لِعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أنشدك الله
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٥٧ ]
يَا عَلِيّ وَحَظّنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ أَوْسُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَهْلِ بَدْرٍ، قَالَ: اُدْخُلْ، فَدَخَلَ فَجَلَسَ، وَحَضَرَ غَسْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَسْنَدَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إلَى صَدْرِهِ، وَكَانَ الْعَبّاسُ وَالْفَضْلُ وَقُثَمُ يُقَلّبُونَهُ مَعَهُ وَكَانَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَشُقْرَانُ مَوْلَاهُ، هُمَا اللّذَانِ يَصُبّانِ الْمَاءَ عَلَيْهِ، وَعَلِيّ يُغَسّلُهُ، قَدْ أَسْنَدَهُ إلَى صَدْرِهِ، وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ يُدَلّكُهُ بِهِ مِنْ وَرَائِهِ، لَا يُفْضَى بِيَدِهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَعَلِيّ يَقُولُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي، مَا أَطْيَبَك حَيّا وَمَيّتًا! وَلَمْ يُرَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ مِمّا يُرَى مِنْ الْمَيّتِ.
[كَيْفَ غُسّلَ الرسول؟]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَبّادٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمّا أَرَادُوا غَسْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ اخْتَلَفُوا فِيهِ. فَقَالُوا: وَاَللهِ مَا نَدْرِي، أَنُجَرّدُ رَسُولَ اللهِ ﷺ من مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرّدُ مَوْتَانَا، أَوْ نُغَسّلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ؟ قَالَتْ: فَلَمّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللهُ عَلَيْهِمْ النّوْمَ، حَتّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إلّا ذَقْنُهُ فِي صَدْرِهِ، ثُمّ كَلّمَهُمْ مُكَلّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ: أَنْ اغْسِلُوا النّبِيّ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، قَالَتْ: فَقَامُوا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَغَسّلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ، يَصُبّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ، وَيَدْلُكُونَهُ والقميص دون أيديهم.
[تكفين الرسول]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا فُرِغَ مِنْ غَسْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٥٨ ]
كُفّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثَوَابَ ثَوْبَيْنِ صُحَارِيّيْنِ وَبُرْدٍ حَبِرَةٌ، أُدْرِجَ فِيهَا إدْرَاجًا، كَمَا حَدّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّهِ عَلِيّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَالزّهْرِيّ، عن على بن الحسين.
[حفر القبر]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: لَمّا أَرَادُوا أَنْ يَحْفِرُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرّاحِ يَضْرَحُ كَحَفْرِ أَهْلِ مَكّةَ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ هُوَ الّذِي يَحْفِرُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَلْحَدُ، فَدَعَا الْعَبّاسُ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا:
اذْهَبْ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرّاحِ، وَلِلْآخَرِ اذْهَبْ إلَى أَبِي طَلْحَةَ. اللهُمّ خِرْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَوَجَدَ صَاحِبَ أَبِي طَلْحَةَ أَبَا طَلْحَةَ، فَجَاءَ بِهِ، فَلَحَدَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ.
[دَفْنُ الرّسُولِ وَالصّلَاةُ عَلَيْهِ]
فَلَمّا فُرِغَ مِنْ جهاز رسول الله ﷺ يوم الثلاثا، وُضِعَ فِي سَرِيرِهِ فِي بَيْتِهِ، وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ اخْتَلَفُوا فِي دَفْنِهِ. فَقَالَ قَائِلٌ: نَدْفِنُهُ فِي مَسْجِدِهِ وَقَالَ قَائِلٌ: بَلْ نَدْفِنُهُ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إنّي سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَا قُبِضَ نَبِيّ إلّا دُفِنَ حَيْثُ يُقْبَضُ، فَرُفِعَ فراش رَسُولِ اللهِ ﷺ الّذِي تُوُفّيَ عَلَيْهِ، فَحُفِرَ لَهُ تَحْتَهُ، ثُمّ دَخَلَ النّاسِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُصَلّونَ عَلَيْهِ أَرْسَالًا، دَخَلَ الرّجَالُ، حتى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٥٩ ]
إذَا فَرَغُوا أُدْخِلَ النّسَاءُ، حَتّى إذَا فَرَغَ النّسَاءُ أُدْخِلَ الصّبْيَانُ. وَلَمْ يَؤُمّ النّاسِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَدٌ.
ثم دفن رسول الله ﷺ من وسط الليل ليلة الأربعاء.
[دفن الرّسُولِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ عُمَارَةَ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَسَعْدَ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
دفن اللّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ.
[مَنْ تَوَلّى دَفْنَ الرّسُولِ]
وَكَانَ الّذِينَ نَزَلُوا فِي قَبْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ على بن أبى طالب، والفضل بن عَبّاسٍ، وَقُثَمَ بْنَ عَبّاسٍ، وَشُقْرَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَقَدْ قَالَ أَوْسُ بْنُ خَوْلِيّ لِعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: يَا عَلِيّ، أَنْشُدُك اللهَ، وَحَظّنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فقال له: انْزِلْ، فَنَزَلَ مَعَ الْقَوْمِ، وَقَدْ كَانَ مَوْلَاهُ شُقْرَانُ حِينَ وَضَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي حُفْرَتِهِ وَبَنَى عَلَيْهِ قَدْ أَخَذَ قَطِيفَةً، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يلبسها ويفترشها، دفنها فِي الْقَبْرِ، وَقَالَ: وَاَللهِ لَا يَلْبَسُهَا أَحَدٌ بَعْدَك أَبَدًا.
قَالَ: فَدُفِنَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٦٠ ]
[أَحْدَثُ النّاسِ عَهْدًا بِالرّسُولِ]
وَقَدْ كَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ يَدّعِي أَنّهُ أَحْدَثُ النّاسِ عَهْدًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ: أَخَذْت خَاتَمِي، فَأَلْقَيْته فِي الْقَبْرِ، وَقُلْت: إنّ خَاتَمِي سَقَطَ مِنّي، وَإِنّمَا طَرَحْته عَمْدًا لِأَمَسّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَأَكُونُ أَحْدَثَ النّاسِ عَهْدًا بِهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ مِقْسَمٍ، أَبِي الْقَاسِمِ، مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ مَوْلَاهُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: اعْتَمَرْت مَعَ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ فِي زَمَانِ عُمَرَ أَوْ زَمَانِ عُثْمَانَ، فنزل على أخته أم هانىء بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، فَلَمّا فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ رَجَعَ فَسُكِبَ لَهُ غِسْلٌ، فَاغْتَسَلَ، فَلَمّا فَرَغَ مِنْ غَسْلِهِ دَخَلَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَقَالُوا:
يَا أَبَا حَسَنٍ، جِئْنَا نَسْأَلُك عَنْ أَمْرٍ نُحِبّ أَنْ تُخْبِرَنَا عَنْهُ؟ قَالَ: أظنّ المغيرة ابن شُعْبَةَ يُحَدّثُكُمْ أَنّهُ كَانَ أَحْدَثَ النّاسِ عَهْدًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ.
قَالُوا: أَجَلْ، عَنْ ذَلِكَ جِئْنَا نَسْأَلُك؛ قَالَ: كَذَبَ، قَالَ: أَحْدَثُ النّاسِ عَهْدًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ قُثَمُ بْنُ عَبّاسٍ.
[خَمِيصَةُ الرّسُولِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ابن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنّ عَائِشَةَ حَدّثَتْهُ، قَالَتْ: كَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ حِينَ اشْتَدّ بِهِ وَجَعُهُ، قَالَتْ: فَهُوَ يَضَعُهَا مَرّةً عَلَى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٦١ ]
وَجْهِهِ، وَمَرّةً يَكْشِفُهَا عَنْهُ، وَيَقُولُ: قَاتَلَ اللهُ قَوْمًا اتّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، يَحْذَرُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أُمّتِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ الله ابن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ آخِرُ مَا عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ قَالَ: لَا يُتْرَكُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ.
[افْتِتَانُ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَوْتِ الرّسُولِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَظُمَتْ بِهِ مُصِيبَةُ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَتْ عَائِشَةُ، فِيمَا بَلَغَنِي، تَقُولُ: لَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ارْتَدّتْ الْعَرَبُ، وَاشْرَأَبّتْ الْيَهُودِيّةُ والنصرانية، وَنَجَمَ النّفَاقُ، وَصَارَ الْمُسْلِمُونَ كَالْغَنَمِ الْمَطِيرَةُ فِي اللّيْلَةِ الشّاتِيَةِ، لِفَقْدِ نَبِيّهِمْ ﷺ، حَتّى جَمَعَهُمْ اللهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ أكثر أهل مكة لَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَمّوا بِالرّجُوعِ عَنْ الْإِسْلَامِ، وَأَرَادُوا ذَلِكَ حَتّى خَافَهُمْ عَتّابُ بْنُ أَسِيدٍ، فَتَوَارَى، فَقَامَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمّ ذَكَرَ وَفَاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَالَ: إنّ ذَلِكَ لَمْ يَزِدْ الْإِسْلَامَ إلّا قُوّةً، فَمَنْ رَابَنَا ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، فَتَرَاجَعَ النّاسُ وَكَفّوا عَمّا هَمّوا بِهِ، وَظَهَرَ عَتّابُ بْنُ أَسِيدٍ.
فَهَذَا الْمَقَامُ الّذِي أَرَادَ رسول الله ﷺ في قَوْلِهِ لِعُمَرِ بْنِ الْخَطّابِ: إنّهُ عَسَى أَنْ يَقُومَ مَقَامًا لَا تَذُمّهُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٦٢ ]
[شِعْرُ حَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ فِي مَرْثِيّتِهِ الرّسُولَ]
وقال حسان بن ثابت يَبْكِي رَسُولَ اللهِ ﷺ، فِيمَا حَدّثَنَا ابْنُ هشام، عن أبى زيد الأنصارى:
بِطَيْبَةَ رَسْمٌ لِلرّسُولِ وَمَعْهَدُ مُنِيرٌ وَقَدْ تَعْفُو الرّسُومُ وَتَهْمُدُ
وَلَا تَمْتَحِي الْآيَاتُ مِنْ دَارِ حُرْمَةٍ بِهَا مِنْبَرُ الْهَادِي الّذِي كَانَ يَصْعَدُ
وَوَاضِحُ آثَارٍ وَبَاقِي مَعَالِمَ وَرَبْعٌ لَهُ فِيهِ مُصَلّى وَمَسْجِدُ
بِهَا حُجُرَاتٌ كَانَ يَنْزِلُ وَسْطَهَا مِنْ اللهِ نُورٌ يُسْتَضَاءُ وَيُوقَدُ
مَعَارِفُ لَمْ تطمس على العهد آيها أَتَاهَا الْبِلَى فَالْآيُ مِنْهَا تَجَدّدُ
عَرَفْتُ بِهَا رَسْمَ الرّسُولِ وَعَهْدَهُ وَقَبْرًا بِهَا وَارَاهُ فِي التّرْبِ مُلْحِدُ
ظَلِلْت بِهَا أَبْكِي الرّسُولَ فَأَسْعَدَتْ عُيُونٌ وَمِثْلَاهَا مِنْ الْجَفْنِ تُسْعَدُ
يُذَكّرْنَ آلَاءَ الرّسُولِ وَمَا أَرَى لَهَا مُحْصِيًا نَفْسِي فَنَفْسِيّ تَبَلّدُ
مُفَجّعَةً قَدْ شَفّهَا فَقْدُ أَحْمَدَ فَظَلّتْ لِآلَاءِ الرّسُولِ تُعَدّدُ
وَمَا بَلَغَتْ مِنْ كُلّ أَمْرٍ عَشِيرَهُ وَلَكِنْ لِنَفْسِي بَعْدَ مَا قَدْ تَوَجّدُ
أَطَالَتْ وُقُوفًا تَذْرِفُ الْعَيْنَ جُهْدَهَا عَلَى طَلَلِ الْقَبْرِ الّذِي فِيهِ أَحْمَدُ
فَبُورِكْتَ يَا قَبْرَ الرّسُولِ وَبُورِكَتْ بِلَادٌ ثَوَى فِيهَا الرّشِيدُ الْمُسَدّدُ
وَبُورِكَ لَحْدٌ مِنْكَ ضُمّن طَيّبًا عَلَيْهِ بِنَاءٌ مِنْ صَفِيحٍ مُنَضّدُ
تَهِيلُ عَلَيْهِ التّرَبَ أَيْدٍ وَأَعْيُنٍ عَلَيْهِ وَقَدْ غَارَتْ بِذَلِكَ أَسْعَدُ
لَقَدْ غَيّبُوا حُلْمًا وَعِلْمًا وَرَحْمَةً عَشِيّةَ عَلّوْهُ الثّرَى لَا يُوَسّدُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٦٣ ]
وَرَاحُوا بِحُزْنٍ لَيْسَ فِيهِمْ نَبِيّهُمْ وَقَدْ وَهَنَتْ منهم ظهور وأعضد
يبكون من تبكى السّماوات يَوْمَهُ وَمَنْ قَدْ بَكَتْهُ الْأَرْضُ فَالنّاسُ أَكَمَدُ
وَهَلْ عَدَلَتْ يَوْمًا رَزِيّةُ هَالِكٍ رَزِيّةَ يَوْمٍ مَاتَ فِيهِ مُحَمّدُ
تَقَطّعُ فِيهِ مَنْزِلُ الْوَحْيِ عَنْهُمْ وَقَدْ كَانَ ذَا نُورٍ يَغُورُ وَيُنَجّدُ
يَدُلّ عَلَى الرّحْمَنِ مَنْ يَقْتَدِي بِهِ وَيُنْقِذُ مِنْ هَوْلِ الْخَزَايَا وَيُرْشِدُ
إمَامٌ لَهُمْ يَهْدِيهِمْ الْحَقّ جَاهِدًا مُعَلّمُ صِدْقٍ إنْ يُطِيعُوهُ يُسْعَدُوا
عَفْوٌ عَنْ الزّلّاتِ يَقْبَلُ عُذْرَهُمْ وَإِنّ يُحْسِنُوا فَاَللهُ بِالْخَيْرِ أَجْوَدُ
وَإِنْ نَابَ أَمْرٌ لَمْ يَقُومُوا بِحَمْلِهِ فَمِنْ عِنْدِهِ تَيْسِيرُ مَا يُتَشَدّدُ
فبيناهم فِي نِعْمَةِ اللهِ بَيْنَهُمْ دَلِيلٌ بَهْ نَهْجُ الطّرِيقَةِ يُقْصَدُ
عَزِيزٌ عَلَيْهِ أَنْ يَجُورُوا عَنْ الْهُدَى حَرِيصٌ عَلَى أَنْ يَسْتَقِيمُوا وَيَهْتَدُوا
عَطُوفٌ عَلَيْهِمْ لَا يُثَنّى جُنَاحَهُ إلَى كَنَفٍ يَحْنُو عليهم ويمهد
فبيناهم فِي ذَلِكَ النّورِ إذْ غَدَا إلَى نُورِهِمْ سَهْمٌ مِنْ الْمَوْتِ مُقْصِدُ
فَأَصْبَحَ مَحْمُودًا إلَى اللهِ رَاجِعًا يُبَكّيهِ حَقّ الْمُرْسَلَاتِ وَيُحْمَدُ
وَأَمْسَتْ بِلَادُ الْحُرْمِ وَحْشًا بِقَاعُهَا لِغَيْبَةِ مَا كَانَتْ مِنْ الْوَحْيِ تُعْهَدُ
قِفَارًا سِوَى مَعْمُورَةِ اللّحْدِ ضَافَهَا فَقِيدٌ يُبَكّينَهُ بَلَاطٌ وَغَرْقَدُ
وَمَسْجِدُهُ فَالْمُوحِشَاتُ لِفَقْدِهِ خَلَاءٌ لَهُ فِيهِ مَقَامٌ وَمَقْعَدُ
وَبِالْجَمْرَةِ الكبرى له ثمّ أو حشت دِيَارٌ وَعَرَصَاتٌ وَرَبْعٌ وَمَوْلِدُ
فَبَكّي رَسُولَ اللهِ يَا عَيْنُ عَبْرَةً وَلَا أَعْرِفَنّكِ الدّهْرَ دَمْعُك يجمد
ومالك لَا تَبْكِينَ ذَا النّعْمَةِ الّتِي عَلَى النّاسِ مِنْهَا سَابِغٌ يُتَغَمّدُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٦٤ ]
فَجُودِي عَلَيْهِ بِالدّمُوعِ وَأَعْوِلِي لِفَقْدِ الّذِي لَا مِثْلُهُ الدّهْرَ يُوجَدُ
وَمَا فَقَدَ الْمَاضُونَ مِثْلَ مُحَمّدٍ وَلَا مِثْلُهُ حَتّى الْقِيَامَةِ يُفْقَدُ
أَعَفّ وَأَوْفَى ذِمّةً بَعْدَ ذِمّةٍ وَأَقْرَبَ مِنْهُ نَائِلًا لَا يُنَكّدُ
وَأَبْذَلَ مِنْهُ لِلطّرِيفِ وَتَالِدٍ إذَا ضَنّ مِعْطَاءٌ بِمَا كَانَ يُتْلَدُ
وَأَكْرَمَ صِيتًا فِي الْبُيُوتِ إذَا انْتَمَى وَأَكْرَمَ جَدّا أَبْطَحِيّا يُسَوّدُ
وَأَمْنَعَ ذِرْوَاتٍ وَأَثْبَتَ فِي الْعُلَا دَعَائِمَ عِزّ شَاهِقَاتٍ تُشَيّدُ
وَأَثْبَتَ فَرْعًا فِي الْفُرُوعِ وَمَنْبَتًا وَعُودًا غَذّاهُ الْمُزْنُ فَالْعُودُ أَغْيَدُ
رَبّاهُ وَلِيدًا فَاسْتَتَمّ تَمَامُهُ عَلَى أَكْرَمِ الْخَيْرَاتِ رَبّ مُمَجّدٌ
تَنَاهَتْ وَصَاةُ الْمُسْلِمِينَ بِكَفّهِ فَلَا الْعِلْمُ مَحْبُوسٌ وَلَا الرّأْيُ يُفْنَدُ
أَقُولُ وَلَا يُلْقَى لِقَوْلِي عَائِبٌ مِنْ النّاسِ إلّا عَازِبُ الْعَقْلِ مُبْعَدُ
وَلَيْسَ هَوَايَ نَازِعًا عَنْ ثَنَائِهِ لَعَلّي بِهِ فِي جَنّةِ الْخُلْدِ أَخْلَدُ
مَعَ الْمُصْطَفَى أَرْجُو بِذَاكَ جِوَارَهُ وَفِي نَيْلِ ذَاكَ الْيَوْمِ أسعى وأجهد
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا، يَبْكِي رَسُولَ اللهِ ﷺ:
مَا بَالُ عَيْنِك لَا تَنَامُ كَأَنّمَا كُحِلَتْ مَآقِيهَا بِكُحْلِ الْأَرْمَدِ
جَزَعًا عَلَى الْمَهْدِيّ أَصْبَحَ ثَاوِيًا يَا خَيْرَ مَنْ وَطِئَ الْحَصَى لَا تَبْعَدْ
وَجْهِي يَقِيكَ التّرْبَ لَهْفِي لَيْتَنِي غُيّبْتُ قَبْلَكَ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ
بِأَبِي وَأُمّي مَنْ شَهِدْتُ وَفَاتَهُ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ النّبِيّ الْمُهْتَدِي
فَظَلِلْتُ بَعْدَ وَفَاتِهِ مُتَبَلّدًا مُتَلَدّدًا يَا لَيْتَنِي لَمْ أُولَدْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٦٥ ]
أَأُقِيمُ بَعْدَكَ بِالْمَدِينَةِ بَيْنَهُمْ يَا لَيْتَنِي صُبّحْت سَمّ الْأَسْوَدِ
أَوْ حَلّ أَمْرُ اللهِ فِينَا عَاجِلًا فِي رَوْحَةٍ مِنْ يَوْمِنَا أَوْ مِنْ غد
فتقوم ساعتنا فنلقى طيّبا مَحْضًا ضَرَائِبُهُ كَرِيمَ الْمَحْتِدِ
يَا بِكْرَ آمِنَةَ الْمَبَارِكَ بِكْرُهَا وَلَدَتْهُ مُحْصَنَةٌ بِسَعْدِ الْأَسْعَدِ
نُورًا أَضَاءَ عَلَى الْبَرِيّةِ كُلّهَا منْ يُهْد لِلنّورِ الْمُبَارَكِ يَهْتَدِي
يَا رَبّ فَاجْمَعْنَا مَعًا وَنَبِيّنَا فِي جَنّةٍ تَثْنَى عُيُونُ الْحُسّدِ
فِي جَنّةِ الْفِرْدَوْسِ فَاكْتُبْهَا لَنَا يَا ذَا الْجَلَالِ وَذَا الْعُلَا وَالسّوْدُدِ
وَاَللهِ أَسْمَعُ مَا بَقِيتُ بِهَالِكٍ إلّا بَكَيْتُ عَلَى النّبِيّ مُحَمّدِ
يَا وَيْحَ أَنْصَارِ النّبِيّ وَرَهْطِهِ بَعْدَ الْمُغَيّبِ فِي سَوَاءِ الْمَلْحَدِ
ضَاقَتْ بِالْأَنْصَارِ الْبِلَادُ فَأَصْبَحُوا سُودًا وُجُوهُهُمْ كَلَوْنِ الْإِثْمِدِ
وَلَقَدْ وَلَدْنَاهُ وَفِينَا قَبْرُهُ وَفُضُولَ نِعْمَتِهِ بِنَا لَمْ نَجْحَدْ
وَاَللهُ أَكْرَمَنَا بِهِ وَهَدَى بِهِ أَنْصَارَهُ فِي كُلّ سَاعَةِ مَشْهَدِ
صَلّى الْإِلَهُ وَمَنْ يَحُفّ بِعَرْشِهِ وَالطّيّبُونَ عَلَى الْمُبَارَكِ أَحْمَدْ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْكِي رَسُولَ اللهِ ﷺ:
نَبّ الْمَسَاكِينَ أَنّ الْخَيْرَ فَارَقَهُمْ مَعَ النّبِيّ تَوَلّى عَنْهُمْ سَحَرَا
مَنْ ذَا الّذِي عِنْدَهُ رَحْلِي وَرَاحِلَتِي وَرِزْقُ أَهْلِي إذَا لَمْ يُؤْنِسُوا الْمَطَرَا
أَمْ مَنْ نُعَاتِبَ لَا نَخْشَى جَنَادِعَهُ إذَا اللّسَانُ عَتَا فِي الْقَوْلِ أَوْ عَثَرَا
كَانَ الضّيَاءَ وَكَانَ النّورَ نَتْبَعُهُ بَعْدَ الْإِلَهِ وَكَانَ السّمْعَ وَالْبَصَرَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٦٦ ]
فَلَيْتَنَا يَوْمَ وَارَوْهُ بِمُلْحِدِهِ وَغَيّبُوهُ وَأَلْقَوْا فَوْقَهُ الْمَدَرَا
لَمْ يَتْرُك اللهُ مِنّا بَعْدَهُ أَحَدًا وَلَمْ يَعِشْ بَعْدَهُ أُنْثَى وَلَا ذَكَرَا
ذَلّتْ رِقَابُ بَنِي النّجّارِ كُلّهِمْ وَكَانَ أَمْرًا مِنْ امْرِ اللهِ قَدْ قُدِرَا
وَاقْتُسِمَ الْفَيْءُ دُونَ النّاسِ كُلّهِمْ وَبَدّدُوهُ جِهَارًا بَيْنَهُمْ هَدَرًا
وَقَالَ حسان بن ثابت يَبْكِي رَسُولَ اللهِ ﷺ أَيْضًا:
آلَيْتُ مَا فِي جميع الناس مجتهدا مني ألية بر غير إفْنَادِ
تَاللهِ مَا حَمَلَتْ أُنْثَى وَلَا وَضَعَتْ مِثْلَ الرّسُولِ نَبِيّ الْأُمّةِ الْهَادِي
وَلَا بَرَا اللهُ خَلْقًا مِنْ بَرِيّتِهِ أَوْفَى بِذِمّةِ جَارٍ أَوْ بِمِيعَادِ
مِنْ الّذِي كَانَ فِينَا يُسْتَضَاءُ بِهِ مُبَارَكَ الْأَمْرِ ذَا عَدْلٍ وَإِرْشَادِ
أَمْسَى نِسَاؤُك عَطّلْنَ الْبُيُوتَ فَمَا يَضْرِبْنَ فَوْقَ قَفَا سِتْرٍ بِأَوْتَادِ
مِثْلَ الرواهب يَلْبَسْنَ الْمَبَاذِلَ قَدْ أَيْقَنّ بِالْبُؤْسِ بَعْدَ النّعْمَةِ الْبَادِي
يَا أَفْضَلَ النّاسِ إنّي كُنْتُ فِي نَهَرٍ أَصْبَحْتُ مِنْهُ كَمِثْلِ الْمُفْرَدِ الصّادِي
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَجُزُ البيت الأوّل عن غير ابن إسحاق.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذكر أزواج النبى ﵇ خَدِيجَةُ ﵂:
قَدْ تَقَدّمَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ نُبَذٌ كَافِيَةٌ مِنْ التّعْرِيفِ بِهِنّ، وَذَكَرَ هَاهُنَا خَدِيجَةَ، وَأَنّهَا كَانَتْ عِنْدَ أَبِي هَالَةَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ عُتَيّق ابن عَائِذٍ «١»، قَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: وَلَدَتْ لِعُتَيّق عَبْدَ مَنَافٍ، وَكَانَ اسْمُ أَبِي هَالَةَ هِنْدَ بْنَ زُرَارَةَ بْنِ النّبّاشِ «٢» وَقِيلَ: بَلْ أَبُو هَالَةَ هُوَ زُرَارَةُ، وَابْنُهُ هِنْدٌ، مَاتَ هِنْدٌ فى طاعون البصرة.
عن عائشة:
وَمِمّا نَزِيدُهُ هُنَا فِي ذِكْرِ عَائِشَةَ، أَنّهَا كَانَتْ تُكَنّى أُمّ عَبْدِ اللهِ، رَوَى ابْنُ الْأَعْرَابِيّ فِي الْمُعْجَمِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا أَنّهَا أَسَقَطَتْ جَنِينًا مِنْ رَسُولِ اللهِﷺ- فَسُمّيَ: عَبْدَ اللهِ، فَكَانَتْ تُكَنّى بِهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُورُ عَلَى دَاوُدَ بْنِ الْمُحَبّرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَصَحّ مِنْهُ حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ أن رسول الله ﷺ قَالَ لَهَا: تَكَنّي بِابْنِ أُخْتِك عَبْدِ اللهِ بن الزّبير، ويروى
_________________
(١) وقيل: عابد.
(٢) وقيل اسمه: النباش بن زرارة كما جزم أبو عبيد، وقدمه مغلطاى وقيل مالك كما حكاه الزبير بن بكار والدارقطنى. وصدر به فى الفتح،. هذا وبعضهم يقول إن عتيقا تزوجها بعد أبى هالة. أما ما ذكره السهيلى فهو قول قتادة وابن شهاب وابن إسحاق.
[ ٧ / ٥٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِابْنِك عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، لِأَنّهَا كَانَتْ قَدْ اسْتَوْهَبَتْهُ مِنْ أَبَوَيْهِ، فَكَانَ فِي حِجْرِهَا يدؤها، أُمّا، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَأَصَحّ مَا رُوِيَ فِي فَضْلِهَا عَلَى النّسَاءِ قَوْلُهُ ﵇: فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النّسَاءِ كَفَضْلِ الثّرِيدِ عَلَى الطّعَامِ، وَأَرَادَ الثّرِيدَ بِاللّحْمِ، كَذَا رَوَاهُ مُعْمَرٌ فِي جَامِعِهِ مُفَسّرًا عَنْ قَتَادَةَ، وَأَبَانُ يَرْفَعُهُ، فَقَالَ فِيهِ كَفَضْلِ الثّرِيدِ بِاللّحْمِ، وَوَجْهُ التّفْضِيلِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنّهُ قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: سَيّدُ إدَامِ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللّحْمُ، مَعَ أَنّ الثّرِيدَ إذَا أُطْلِقَ لَفْظُهُ، فَهُوَ ثَرِيدُ اللّحْمِ، وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
إذَا مَا الْخُبْزُ تأدمه بلحم فذك أمانة الله الثّريد «١»
خديجة وعائشة ومريم:
وَلَوْلَا مَا تَقَدّمَ مِنْ الْحَدِيثِ الْمُخَصّصِ لِخَدِيجَةَ بِالْفَضْلِ عَلَيْهَا حَيْثُ قَالَ: وَاَللهِ مَا أَبْدَلَنِي اللهُ خَيْرًا مِنْهَا، لَقُلْنَا بِتَفْضِيلِهَا عَلَى خَدِيجَةَ، وَعَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي مَرْيَمَ الصّدّيقَةِ، فَإِنّهَا عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ نَبِيّةٌ نَزَلَ عَلَيْهَا جِبْرِيلُ ﵇ بِالْوَحْيِ، وَلَا يُفَضّلُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ غَيْرُهُمْ، وَمَنْ قَالَ:
لَمْ تَكُنْ نَبِيّةً، وَجَعَلَ قوله تعالى: اصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ مَخْصُوصًا بِعَالَمِ زَمَانِهَا، فَمِنْ قَوْلِهِ: إنّ عَائِشَةَ وَخَدِيجَةَ أَفَضْلُ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي سَائِرِ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللهِﷺ- إنهن أفضل نساء العالمين،
_________________
(١) ص ٤٣٤ ح ١، ١٤٤ ح ٢ كتاب سيبويه. ويقال: إن النحويين هم الذين وضعوا هذا البيت:
[ ٧ / ٥٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَنَزَعُوا فِي تَصْحِيحِ هَذَا الْمَذْهَبِ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَفِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ أَنّ رسول الله ﷺ قال فِي فَاطِمَةَ هِيَ سَيّدَةِ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنّةِ إلا مريم.
أم سلمة:
وَذَكَرَ أُمّ سَلَمَةَ، وَأَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أصدقها مجشّة، وهى الزّحى. ومنه سُمّيَ الْجَشِيشُ. وَذَكَرَ مَعَ الْمَجِشّةِ أَشْيَاءَ لَا تُعْرَفُ قِيمَتُهَا، مِنْهَا جَفْنَةٌ وَفِرَاشٌ. وَفِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ ذِكْرُ قِيمَتِهَا، قَالَ أَنَسُ: أَصْدَقَهَا مَتَاعًا قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِم، قَالَ الْبَزّارُ: وَيُرْوَى أَرْبَعُونَ درهما.
جويرية وَذَكَرَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ، وكانت قبله عند مسافع ابن صَفْوَانَ الْخُزَاعِيّ «١» وَقَالَ: أَسْلَمُ الْحَارِثُ، وَأَسْلَمَ ابْنَاهُ، وَلَمْ يُسَمّهِمَا، وَهُمَا الْحَارِثُ بْنُ الْحَارِثِ وَعَمْرُو بن الحارث، ذكره البخارى.
زينب بنت جحش:
وَذَكَرَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، وَأَنّ أَخَاهَا أَبَا أَحْمَدَ هُوَ الّذِي أَنْكَحَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِﷺ- وَهَذَا خِلَافُ مَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنّهَا كَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى صَوَاحِبِهَا، وَتَقُولُ: زَوّجَكُنّ أَهْلُوكُنّ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله
_________________
(١) قتل كافرا يوم المريسيع كما جزم به ابن أبى خيثمة والواقدى.
[ ٧ / ٥٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَوّجَنِي رَبّ الْعَالَمِينَ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ «١» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنّه لَمّا نزلت الآية زَوَّجْناكَها قَامَ رَسُولُ اللهِﷺ- فَدَخَلَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنٍ «٢» وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ إسْحَاقَ فِي أَزْوَاجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَرَافِ بِنْتَ خَلِيفَةَ أُخْتَ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيّ، وَذَكَرَهَا غَيْرُهُ، وَلَمْ تَقُمْ عِنْدَهُ إلّا يَسِيرًا حَتّى مَاتَتْ «٣» وَكَذَلِكَ الْعَالِيَةُ «٤» بِنْتُ ظَبْيَانَ [بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ كِلَابٍ] ذَكَرَهَا غَيْرُهُ فِي أَزْوَاجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَكَذَلِكَ وَسْنَى بِنْتُ الصّلْتِ «٥» تَزَوّجَهَا ثُمّ خَلّى سَبِيلَهَا، وَيُقَالُ فِيهَا: سَنَا بِنْتُ أَسْمَاءَ بِنْتِ الصّلْتِ. وَمِنْهُنّ أَسْمَاءُ بِنْتُ النّعْمَانِ بْنِ الْجَوْنِ الْكِنْدِيّةُ «٦» اتّفَقُوا عَلَى تَزْوِيجِ النّبِيّ ﷺ إيّاهَا، وَاخْتَلَفُوا، فِي سبب فراق النبى ﷺ لها. وكذلك قيل فى: شراف بنت
_________________
(١) أخرجه الترمذى وصححه من حديث أنس.
(٢) أخرجه مسلم وأحمد والنسائى، وقد حدث هذا بعد انقضاء عدتها.
(٣) وجزم ابن عبد البر. أنها ماتت فى الطريق قبل وصولها إليه.
(٤) ويقال: إنه طلقها وقد رواه ابو سعد عن هشام الكلبى عن رجل من بنى بكر. وقد قيل إنه طلقها لأنه رأى بها بياضا، والله أعلم. والزيادة فى نسبها عن ابن حبيب فى المحبر ص ٩٣.
(٥) وقيل: سنى بفتح السين وتخفيف النون، وسماها قتادة أسماء أما ابن حبيب فى المحبر فيقول إنها بنت الصلت بن حبيب بن حارثة بن هلال بن حرام بن سماك ابن عوف السلمى. ويقول: إنها ماتت قبل أن تصل إليه.
(٦) وقيل أسماء بنت النعمان بن الأسود بن الحارث بن شراحيل بن كندى ابن الجرن. وبعضهم يجعل اسماء هذه وأسماء بنت كعب الجونية امرأة واحدة. ولكن ابن حبيب وغيره فرق بينهما.
[ ٧ / ٥٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خَلِيفَةَ: إنّهَا هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ خَوْلَةَ، وَيُقَالُ فِيهَا خُوَيْلَةُ، ذُكِرَتْ فِيمَنْ تَزَوّجَهُمْ النّبِيّ ﵇، وَيُقَالُ: هِيَ الّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنّبِيّ ﵇ «١» .
وفاة رسول الله ﷺ ذِكْرُ خُرُوجِهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ إلَى الْمَسْجِدِ، وَأَنّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ الْإِمَامَ، وَأَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْتَمّ بِهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ فِي السّيرَةِ، وَالْمَعْرُوفُ فِي الصّحَاحِ أَنّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِﷺ- وَالنّاسُ يُصَلّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ، وَلَكِنْ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ مِنْ طَرِيقٍ مُتّصِلٍ أَنّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ الْإِمَامَ يَوْمئِذٍ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَرَوَى الدّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: مَا مَاتَ نَبِيّ حَتّى يَؤُمّهُ رجل من أمته «٢»، وذكر
_________________
(١) ويقال إنها أم شريك القرشية العامرية، واسمها: غزبة بضم الغين وفتح الزاى وتشديد الياء- بنت جابر بن عوف من بنى عامر بن لوسى. وقيل: غزية بنت داودان بن عوف. وقيل: هى أم شريك غزية الأنصارية من بنى النجار، وفى الصفوة لابن الجوزى هى أم شريك عزية بنت جابر الدوسية. قال: والأكثرون على أنها التى وهبت نفسها له ﷺ، فلم يقبلها لكبر سنها. وما ذكره السهيلى هو قول ابن قتيبة فى المعارف. وقيل إن اللاتى وهبن أنفسهن: ام شريك وخولة وليلى بنت الحطيم ولم يدخل بهن وميمونة بنت الحارث وزينب بنت خزيمة أم المساكين. وانظر زاد المعاد ص ١- إلى ص ٥٨ ح ١ عن أزواج النبى «ص» وكذلك شرح المواهب المدنية ح ٣ من ص ٢١٦ إلى ص ٢٧١.
(٢) أخرجه ابن سعد عن محمد بن إبراهيم.
[ ٧ / ٥٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثَ إلّا أَنّهُ سَاقَهُ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرّحْمَنِ مُرْسَلًا، وَقَدْ أَسْنَدَهُ الْبَزّارُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الزّبَيْرِ عَنْ عُمَرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَفِي مَرَاسِيلِ؟؟؟ الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- مَرِضَ عَشَرَةَ أَيّامِ صَلّى أَبُو بَكْرٍ بِالنّاسِ تِسْعَةَ أَيّامٍ مِنْهَا، ثُمّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنْهَا يُهَادِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ أُسَامَةَ وَالْفَضْلِ بْنِ عَبّاسٍ حَتّى صَلّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، رَوَاهُ الدّارَقُطْنِيّ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنّهُ مَرِضَ عَشَرَةَ أَيّامٍ، وَهُوَ غَرِيبٌ، وَفِيهِ أَنّ أَحَدَ الرّجُلَيْنِ كَانَ أُسَامَةَ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ كَانَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَفِيهِ صَلَاتُهُ ﵇ خَلْفَ أَبِي بكر.
حديث العباس:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ الْعَبّاسِ، وَأَنّهُ قَالَ: لَأَلُدّنّهُ، فَلَدّوهُ، وَحَسَبُوا أَنّ بِهِ ذَاتَ الْجَنْبِ «١»، فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنّ الْعَبّاسَ حَضَرَهُ وَلّدَهُ مَعَ مَنْ لَدّ.
وَفِي الصّحِيحَيْنِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا يَبْقِيَنّ أَحَدٌ بِالْبَيْتِ إلّا لُدّ «٢» إلّا عَمّي الْعَبّاسُ، فَإِنّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ، وَهَذِهِ أَصَحّ مِنْ رِوَايَةِ ابن اسحاق
_________________
(١) ذر الجنب الذى يشتكى جنبه إلا أن ذو للمذكر، وذات للمؤنث، وصارت ذات الجنب علما لها، وإن كانت فى الأصل صفة مضافة. واللدود من الأدوية ما يسقاها المريض فى أحد شقى الفم، ولديدا الفم: جانباه. ولدوه: فعلوا به ذلك.
(٢) يقول ابن الأثير: إنه فعل ذلك عقوبة لهم لأنهم لدوه بعير إذنه.
[ ٧ / ٥٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَإِنّمَا لَدّوهُ لِأَنّهُ ﵇ قَدْ قَالَ فِي الْقُسْطِ «١»: فِيهِ سَبْعَةُ أَشْفِيَةٍ يُلَدّ بِهِ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ، وَيُسْعَطُ بِهِ مِنْ الْعَذِرَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْخَمْسَةَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَنَحْنُ نَسْتَعْمِلُهُ فِي أَدْوِيَتِنَا كُلّهَا لَعَلّنَا نُصِيبُهَا، وَاللّدُودُ فِي جَانِبِ الْفَمِ مِنْ دَاخِلِهِ يَجْعَلُ هُنَاكَ الدّوَاءَ وَيُحَكّ بِالْإِصْبَعِ قَلِيلًا.
وَقَوْلُهُ: فِي ذَاتِ الْجَنْبِ: ذَاكَ دَاءٌ مَا كَانَ اللهُ لِيَقْذِفَنِي بِهِ، وَقَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ الطّبَرِيّ لَهُ: أَنَا أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْ أَنْ يَقْذِفَنِي بِهَا، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: وَهِيَ مِنْ الشّيْطَانِ، وَمَا كَانَ اللهُ لِيُسَلّطَهَا عَلَيّ. وهذا يدل على أنها من سيّىء الْأَسْقَامِ الّتِي تَعَوّذَ النّبِيّ ﵇ مِنْهَا فِي دُعَائِهِ حَيْثُ يَقُولُ:
اللهُمّ إنّي أَعُوذُ بك من الجنون والجذام وسيّىء الْأَسْقَامِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا مِنْ الشّهَدَاءِ السّبْعَةِ، وَلَكِنّهُ ﵇ قَدْ تَعَوّذَ مِنْ الْغَرَقِ وَالْحَرْقِ، مَعَ قَوْلِهِ ﵇: الْغَرِيقُ شَهِيدٌ، وَالْحَرِيقُ شَهِيدٌ. وَقَدْ ذَكَرَ أَنّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ هِيَ الّتِي لَدّتْهُ فَاَللهُ أَعْلَمُ. وَالْوَجَعُ الّذِي كَانَ بِالنّبِيّ ﵇ فَلُدّ هُوَ الْوَجَعُ الّذِي يُسَمّى خَاصِرَةً، وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ النّذُورِ مِنْ الْمُوَطّأِ، قَالَ فِيهِ: فَأَصَابَتْنِي خَاصِرَةٌ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَثِيرًا مَا كَانَ يُصِيبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، الْخَاصِرَةُ. قَالَتْ وَلَا نَهْتَدِي لِاسْمِ الْخَاصِرَةِ، وَنَقُولُ: أخذ رسول الله ﷺ، عِرْقٌ فِي الْكُلّيّةِ. وَفِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ يَرْفَعُهُ إلَى النّبِيّ ﵇، قال: الخاصرة عرق فى الكلية إذا
_________________
(١) القسط: عقار معروف فى الأدوية طيب الريح، يبخر به النساء والأطفال.
[ ٧ / ٥٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَحَرّكَ وَجَعُ صَاحِبِهِ دَوَاؤُهُ الْعَسَلُ بِالْمَاءِ الْمُحْرَق، وَهُوَ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ عَبْدُ الرّحِيمِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ عُرْوَةَ، وَعَبْدِ الرّحِيمِ ضَعِيفٌ مَذْكُورٌ عِنْدَ الْمُحَدّثِينَ فِي الضّعَفَاءِ، وَلَكِنْ قَدْ رَوَتْ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ.
وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ﵁: هَذَا يَوْمُ بِنْتِ خَارِجَةَ يَا رَسُولَ اللهِ. بِنْتُ خَارِجَةَ اسْمُهَا: حَبِيبَةُ، وَقِيلَ مَلَكِيّة، وَخَارِجَةُ هُوَ ابْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ، وَابْنُ خَارِجَةَ هُوَ زَيْدُ بْنُ خَارِجَةَ الّذِي تَكَلّمَ بَعْدَ الْمَوْتِ فِيمَا رَوَى ثِقَاتُ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنّهُ مَاتَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، فَلَمّا سخى؟؟؟ عَلَيْهِ سَمِعُوا جَلْجَلَةً فِي صَدْرِهِ، ثُمّ تَكَلّمَ، فَقَالَ: أَحْمَدُ أَحْمَدُ فِي الْكِتَابِ الْأَوّلِ صِدْقٌ صِدْقٌ، وَأَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ الضّعِيفُ فِي نَفْسِهِ الْقَوِيّ فِي أَمْرِ اللهِ فِي؟؟؟ الْكِتَابِ الْأَوّلِ، صِدْقٌ صِدْقٌ، عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، الْقَوِيّ الْأَمِينُ فِي الْكِتَابِ الْأَوّلِ صِدْقٌ صِدْقٌ، عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ مَضَتْ أَرْبَعٌ وَبَقِيَتْ سَنَتَانِ،، أَتَتْ الْفِتَنُ، وَأَكَلَ الشّدِيدُ الضّعِيفَ، وَقَامَتْ السّاعَةُ وسيأتيكم عبر بِئْرِ أَرِيسَ، وَمَا بِئْرُ أَرِيسَ «١» . قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ: ثُمّ هَلَكَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي خَطْمَةَ فَسُجّيَ بِثَوْبِ، فَسَمِعُوا جَلْجَلَةً فِي صَدْرِهِ ثُمّ تَكَلّمَ، فَقَالَ: إنّ أَخَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ صِدْقٌ صِدْقٌ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ ﵁ وَقَدْ عُرِضَ مِثْلُ هَذِهِ الْقِصّةِ لِرَبِيعِ بْنِ حِرَاشٍ أَخِي رِبْعِيّ بْنِ حِرَاشٍ، قَالَ:
رِبْعِيّ: مَاتَ أَخِي فَسَجَيْنَاهُ، وَجَلَسْنَا عِنْدَهُ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِك إذْ كَشَفَ الثّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمّ قَالَ: السلام عليكم، قلت: سبحان الله!! أبعد الموت؟
_________________
(١) بئر قريبة من مسجد قباء.
[ ٧ / ٥٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَالَ: إنّي لَقِيت رَبّي فَتَلَقّانِي بِرَوْحِ وَرَيْحَانٍ، وَرَبّ غَيْرِ غَضْبَانَ، وَكَسَانِي ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ؛ أَسْرِعُوا بِي إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ- فَإِنّهُ قَدْ أَقَسَمَ أَنْ لَا يَبْرَحَ حَتّى آتِيَهُ وَأُدْرِكُهُ، وَإِنّ الْأَمْرَ أَهْوَنُ مَا تَذْهَبُونَ إلَيْهِ فَلَا تَغْتَرّوا، ثُمّ وَاَللهِ كَأَنّمَا كَانَتْ نَفْسُهُ حَصَاةً فَأُلْقِيَتْ فِي طَسْتٍ «١» .
آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلّمَ بِهَا ﵇:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ أَنّ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلّمَ بِهَا ﵇: اللهُمّ الرّفِيقَ الْأَعْلَى، وَهَذَا مُنْتَزَعٌ مِنْ قَوْلِهِ ﵎ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ إلى قوله سبحانه: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا فَهَذَا هُوَ الرّفِيقُ الْأَعْلَى، وَلَمْ يَقُلْ الرّفَقَاءُ، لِمَا قَدّمْنَاهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِمّا حَسُنَ ذَلِكَ، مَعَ أَنّ أَهْلَ الْجَنّةِ يُدْخِلُونَهَا عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَهَذِهِ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلّمَ بِهَا ﵇، وَهِيَ تَتَضَمّنُ مَعْنَى التّوْحِيدِ الّذِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ آخِرَ كَلَامِ الْمُؤْمِنِ، لِأَنّهُ قَالَ: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ أَصْحَابُ الصّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَهُمْ أَهْلُ لَا إلَهَ إلّا اللهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ثُمّ بَيّنَ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدّمَةِ مِنْ الّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ فَذَكَرَهُمْ، وَهُمْ الرّفِيقُ الْأَعْلَى الذين ذَكَرَهُمْ رَسُولُ اللهِﷺ- حين خبّر فَاخْتَارَ، وَبَعْضُ الرّوَاةِ يَقُولُ عَنْ عَائِشَةَ فِي هذا الحديث: فأشار
_________________
(١) لا تتصور فى هذه القصة إلا أحد أمرين، فإما أن يكون وراءها هوى ل؟؟؟ الذكاء وإما أن تكون إغماءة عميقة، أفاق بعدها زيد، فقال ما رأى فى غيبوبته وإلا فإن هدى القرآن والسنة فى جانب. وهذيان هذه الأسطورة فى جانب آخر
[ ٧ / ٥٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِأُصْبُعِهِ، وَقَالَ: فِي الرّفِيقِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنّهُ قَالَ: اللهُمّ الرّفِيقَ «١»، وَأَشَارَ بِالسّبّابَةِ، يُرِيدُ: التّوْحِيدَ، فَقَدْ دَخَلَ بِهَذِهِ الْإِشَارَةِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ ﵇: مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلّا اللهُ دَخَلَ الْجَنّةَ، وَلَا شَكّ أَنّهُ ﵇ فِي أَعَلَى دَرَجَاتِ الْجَنّةِ، وَلَوْ لَمْ يُشِرْ، وَلَكِنْ ذَكَرْنَا هَذَا لِئَلّا يَقُولَ الْقَائِلُ: لِمَ لَمْ يَكُنْ آخِرُ كَلَامِهِ: لَا إلَهَ إلّا اللهُ، وَأَوّلُ كَلِمَةٍ تَكَلّمَ بِهَا رَسُولُ اللهِ وَهُوَ مُسْتَرْضِعٌ عِنْدَ حَلِيمَةَ أَنْ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، رَأَيْت ذَلِكَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْوَاقِدِيّ.
وَأَمّا آخِرَ مَا أَوْصَى بِهِ ﵇ بِأَنْ قَالَ: الصّلَاةَ وما ملكت أيمانكم حرّك بها لِسَانَهُ وَمَا يَكَادُ يُبِينُ، وَفِي قَوْلِهِ: مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ قَوْلَانِ: قِيلَ:
أَرَادَ الرّفْقَ بِالْمَمْلُوكِ، وَقِيلَ: أَرَادَ الزّكَاةَ، لِأَنّهَا فِي الْقُرْآنِ مَقْرُونَةٌ بِالصّلَاةِ، وَهِيَ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ، قَالَهُ الْخَطّابِيّ.
وَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂: فَمِنْ سَفَهِي وَحَدَاثَةِ سِنّي أَنّهُ قُبِضَ فِي حِجْرِي فَوَضَعْت رَأْسَهُ عَلَى الْوِسَادَةِ، وَقُمْت أَلْتَدِمُ مَعَ النّسَاءِ. الِالْتِدَامُ:
ضَرْبُ الْخَدّ بِالْيَدِ، وَلَمْ يَدْخُلْ هَذَا فِي التّحْرِيمِ، لِأَنّ التّحْرِيمَ إنّمَا وَقَعَ عَلَى الصّرَاخِ والنّوح، وَلُعِنَتْ الْخَارِقَةُ وَالْحَالِقَةُ وَالصّالِقَةُ وَهِيَ الرّافِعَةُ لِصَوْتِهَا،
_________________
(١) فى رواية للبخارى قالت عائشة: كانت آخر كلمة تكلم بها: اللهم فى الرفيق الأعلى. وفى أخرى أنها سمعته يقول قبل أن يموت: اللهم اغفرلى وارحمنى وألحقنى بالرفيق الأعلى.
[ ٧ / ٥٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَلَمْ يَذْكُرْ اللّدْمَ «١» لَكِنّهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ، فَإِنّهُ مَكْرُوهٌ فِي حَالِ الْمُصِيبَةِ، وَتَرْكُهُ أَحْمَدُ إلّا عَلَى أَحْمَدَ ﷺ:
فَالصّبْرُ يُحْمَدَ فِي الْمَصَائِبِ كُلّهَا إلّا عَلَيْك فَإِنّهُ مَذْمُومُ
وَقَدْ كَانَ يُدْعَى لَابِسُ الصّبْرِ حَازِمًا فَأَصْبَحَ يُدْعَى حَازِمًا حِينَ يَجْزَعُ «٢»
مَتَى توفى رسول الله؟:
وَاتّفَقُوا أَنّهُ تُوُفّيَﷺ- يَوْمَ الِاثْنَيْنِ إلّا شَيْئًا ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ: الْأَرْبِعَاءِ «٣»، قَالُوا كُلّهُمْ: وَفِي رَبِيعٍ الأول، غير أنهم
_________________
(١) ما نظن أن سيدة فى مثل دين عائشة ﵂ وتقواها وأخذها الكتاب بقوة يلدم المصاب عقلها، فيدفعها إلى اقتراف فعل الجاهلية. هذا وقد روى ابن مسعود أن رسول الله «ص» قال: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه وهل اللدم إلا اللطم؟ قد تبكى، وتطيل البكاء. أما أن تلطم، ومع النساء؟ وفى بيت قدسته روح النبوة؟ أما هذا، فلا يجوز تصوره ولا قوله.
(٢) ذاك شعر ليس بينه وبين هدى السنة رحم. فالصبر محمود فى كل مصيبة. ترى أكان صبر أبى بكر على وفاة خليله «ص» كان غير حميد؟ والجازع لا يمكن أن يسمى حامدا، إنما هو زخرف من القول. وأجمل من هذا قول القائر: اصبر لكل مصيبة وتحلد واعلم بأن المرء غير مخلد واصبر كما صبر الكرام فإنها نوب تنوب اليوم تكشف فى غد وإذا أتتك مصيبة تشحى بها فاذكر مصابك بالنبى محمد.
(٣) قال ابن قتيبة أولا: «قبض الله ﷿ رسوله «ص» يوم الاثنين وقرر أن ذلك كان فى الثانى عشر من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة. ثم قال: «ويقال-
[ ٧ / ٥٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَالُوا، أَوْ قَالَ أَكْثَرُهُمْ فِي الثّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ، وَلَا يَصِحّ أَنْ يَكُونَ تُوُفّيَ ﷺ إلّا فِي الثّانِي مِنْ الشّهْرِ أَوْ الثّالِثَ عَشَرَ أَوْ الرّابِعَ عَشَرَ أَوْ الْخَامِسَ عَشَرَ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنّ وَقْفَةَ عَرَفَةَ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ كَانَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ التّاسِعُ مِنْ ذِي الْحَجّةِ، فَدَخَلَ ذُو الْحَجّةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَكَانَ الْمُحَرّمُ إمّا الْجُمُعَةُ وَإِمّا السّبْتُ، فَإِنْ كَانَ الْجُمُعَةُ، فَقَدْ كَانَ صَفَرٌ إمّا السّبْتُ وَإِمّا الْأَحَدُ، فَإِنْ كَانَ السّبْتُ، فَقَدْ كَانَ رَبِيعٌ الْأَحَدَ أَوْ الِاثْنَيْنِ، وَكَيْفَا دَارَتْ الْحَالُ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ، فَلَمْ يَكُنْ الثّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ بِوَجْهِ، وَلَا الْأَرْبِعَاءَ أَيْضًا «١» كَمَا قَالَ الْقُتَبِيّ، وَذَكَرَ الطّبَرِيّ عَنْ ابْنِ الْكَلْبِيّ وَأَبِي مِخْنَفٍ أَنّهُ تُوُفّيَ فِي الثّانِي مِنْ رَبِيعٍ الْأَوّلِ «٢»، وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ أَهْلِ الْجُمْهُورِ فَإِنّهُ لَا يُبْعَدُ أَنْ كَانَتْ الثّلَاثَةُ الْأَشْهُرُ الّتِي قَبْلَهُ كُلّهَا مِنْ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ، فَتَدَبّرْهُ، فَإِنّهُ صَحِيحٌ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا تَفَطّنَ لَهُ، وَقَدْ رَأَيْت لِلْخَوَارِزْمِيّ أَنّهُ تُوُفّيَ ﵇ فِي أَوّلِ يَوْمٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوّلِ، وَهَذَا أَقْرَبُ فِي الْقِيَاسِ بِمَا ذَكَرَ الطّبَرِيّ عَنْ ابْنِ الْكَلْبِيّ وَأَبِي مِخْنَفٍ.
_________________
(١) - أَنّهُ ولد يوم الاثنين، وبعث يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين، وقبض «ص» يوم الاثنين، ودفن ليلة الأربعاء فى حجرة عائشة، وفيها قبض» ص ٥٥ المعارف.
(٢) يذكر فى المعارف أنه دفن يوم الأربعاء، أما الوفاة فذكّر انها كانت يوم الاثنين فليس ثمت خلاف. ويصحح الحاكم أنه دفن يوم الاثنين عند الزوال. أما ابن عبد البر فيقول: أكثر الآثار على أنه دفن يوم الثلاثاء.
(٣) وقد صححه ابن حزم وغيره.
[ ٧ / ٥٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السّوَاكُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنّهَا نَاوَلَتْهُ السّوَاكَ حِينَ رَأَتْهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ، فَاسْتَاك بِهِ «١»، وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ: التّنَظّفُ وَالتّطَهّرُ لِلْمَوْتِ، وَلِذَلِكَ يُسْتَحَبّ الِاسْتِحْدَادُ لِمَنْ اسْتَشْعَرَ الْقَتْلَ أَوْ الْمَوْتَ كَمَا فَعَلَ خُبَيْبٌ، لِأَنّ الميت فادم عَلَى رَبّهِ، كَمَا أَنّ الْمُصَلّيَ مُنَاجٍ لِرَبّهِ، فَالنّظَافَةُ مِنْ شَأْنِهِمَا، وَفِي الْحَدِيثِ: إنّ اللهَ نَظِيفٌ يُحِبّ النّظَافَةَ، خَرّجَهُ التّرْمِذِيّ، وَإِنْ كَانَ مَعْلُولَ السّنَدِ، فَإِنّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ النّظِيفُ مِنْ أَسْمَاءِ الرّبّ، وَلَكِنّهُ حَسُنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، لِازْدِوَاجِ الْكَلَامِ، وَلِقُرْبِ مَعْنَى النّظَافَةِ مِنْ مَعْنَى الْقُدُسِ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ: الْقُدّوسُ، وَكَانَ السّوَاكُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ عَسِيبِ نَخْلٍ فِيمَا رَوَى بَعْضُهُمْ، وَالْعَرَبُ تَسْتَاكُ بِالْعَسِيبِ «٢»، وَكَانَ أَحَبّ السّوَاكِ إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- صُرْعُ الْأَرَاكِ، وَاحِدُهَا صَرِيعٌ وَهُوَ قَضِيبٌ يَنْطَوِي مِنْ الْأَرَاكَةِ حَتّى يَبْلُغَ التّرَابَ، فَيَبْقَى فِي ظِلّهَا فَهُوَ أَلْيَنُ مِنْ فَرْعِهَا.
وَمِمّا رُوِيَ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ﵂- فِي مَعْنَى قَوْلِهَا: بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، أَنّهَا قَالَتْ: قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بين حاقنتى
_________________
(١) كان سواك عبد الرحمن بن أبى بكر كما ورد فى البخارى. وكان السواك من جريدة رطبة. تقول عائشة: «إن من نعم الله تعالى على أن الله جمع بين ريقى وريقه عند موته. دخل على عبد الرحمن، وبيده سواك رأنا مسندة رسول الله» الخ الحديث.
(٢) سبق الكلام عن السواك كما ورد فى البخارى.
[ ٧ / ٥٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَدَاقِنَتِي، فَالْحَاقِنَةُ الثّغْرَةُ «١»، وَالدّاقِنَةُ: تَحْتَ الدّقْنِ، وَيُقَالُ لَهَا: النّونَةُ أَيْضًا. وَرُوِيَ أَيْضًا: بَيْنَ شَجْرِي- بِالشّيْنِ وَالْجِيمِ- وَنَحْرِي، وَسُئِلَ عُمَارَةُ بْنُ عُقَيْلٍ عَنْ مَعْنَاهُ، فَشَبّكَ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْهِ، وَضَمّهَا إلى نحره.
وغسّل ﵇ حين قهض مِنْ بِئْرٍ لِسَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ يُقَالُ لَهَا بِئْرُ الْغَرْسِ.
كَرَامَاتٌ وَمُعْجِزَاتٌ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ أَنّهُمْ كُلّمُوا حِينَ أَرَادُوا نَزْعَ قَمِيصِهِ لِلْغُسْلِ، وَكُلّهُمْ سَمِعَ الصّوْتَ، وَلَمْ يُرَ الشّخْصُ، وَذَلِكَ مِنْ كَرَامَاتِهِ ﷺ «٢»، وَمِنْ آيَاتِ نُبُوّتِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَقَدْ كَانَ لَهُ ﵇ كَرَامَاتٌ وَمُعْجِزَاتٌ «٣» فِي حَيَاتِهِ، وَقَبْلَ مَوْلِدِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ. وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو عُمَرَ ﵀ فِي التّمْهِيدِ مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ: أَنّ أَهْلَ بَيْتِهِ سَمِعُوا وَهُوَ مُسَجّى بَيْنَهُمْ قَائِلًا يَقُولُ:
السّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ إنّ فِي اللهِ عِوَضًا مِنْ كُلّ تَالِفٍ، وَخَلَفًا مِنْ كُلّ هَالِكٍ، وَعَزَاءً مِنْ كُلّ مُصِيبَةٍ، فَاصْبِرُوا وَاحْتَسِبُوا، إنّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ، وَهُوَ حَسْبُنَا، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. قَالَ: فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنّهُ الْخَضِرُ صَلّى اللهُ عَلَى نَبِيّنَا وَعَلَيْهِ «٤» وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنّ الفضل بن عباس كان يغسّله
_________________
(١) أو هى كما عرفها ابن الأثير: لوهدة المنخفضة بين الترقوتين من الحلق.
(٢) الرواية تقول. إن الله ألقى عَلَيْهِمْ النّوْمَ حَتّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إلّا ذقنه فى صدره. فهى إذا رؤبا وقد رواه أبو داود والحاكم والبيهقى.
(٣) قلت من قبل: لنسم ما من به الله على رسله تأييدا لهم: آيات.
(٤) وصاحب موسى هذا قد مات من قبل بمئات السنين.
[ ٧ / ٥٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هُوَ وَعَلِيّ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ وَهُوَ يَصُبّ الْمَاءَ يَقُولُ: أَرِحْنِي أَرِحْنِي، فَإِنّي أَجِدُ شَيْئًا يَتَنَزّلُ عَلَى ظَهْرِي. وَمِنْهَا أَنّهُ ﵇ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ شَيْءٌ مِمّا يَظْهَرُ مِنْ الْمَوْتَى، وَلَا تَغَيّرَتْ لَهُ رَائِحَةٌ، وَقَدْ طَالَ مُكْثُهُ فِي الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ، وَكَانَ مَوْتُهُ فِي شَهْرِ أَيْلُولَ، فَكَانَ طَيّبًا حَيّا وَمَيّتًا، وَإِنْ كَانَ عَمّهُ الْعَبّاسُ قَدْ قَالَ لِعَلِيّ: إنّ ابْنَ أَخِي مَاتَ لَا شَكّ، وَهُوَ مِنْ بَنِي آدَمَ يَأْسُنُ كَمَا يَأْسِنُونَ «١»، فَوَارَوْهُ. وَكَانَ مِمّا زَادَ الْعَبّاسُ يَقِينًا بِمَوْتِهِ ﵇ أَنّهُ كَانَ قَدْ رَأَى قَبْلَ ذَلِكَ بيسير كأنّ الفمر رُفِعَ مِنْ الْأَرْضِ إلَى السّمَاءِ بِأَشْطَانِ، فَقَصّهَا عَلَى نَبِيّ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ: هُوَ ابْنُ أَخِيك. وَرَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي السّيرَةِ أَنّ أُمّ سَلَمَةَ قَالَتْ: وَضَعْت يَدِي عَلَى صَدْرِ رَسُولِ اللهِﷺ- وَهُوَ مَيّتٌ فَمَرّتْ عَلَيّ جُمَعٌ لَا آكُلُ وَلَا أَتَوَضّأُ إلّا وَجَدْت رِيحَ الْمِسْكِ مِنْ يَدِي، وَفِي رِوَايَتِهِ أَيْضًا: أَنّ عَلِيّا نُودِيَ، وَهُوَ يُغَسّلُهُ أَنْ ارْفَعْ طَرَفَك إلَى السّمَاءِ. وَفِيهَا أَيْضًا أَنّ عَلِيّا وَالْفَضْلَ حِينَ انْتَهَيَا فِي الْغُسْلِ إلَى أَسْفَلِهِ سَمِعُوا مُنَادِيًا يَقُولُ: لَا تَكْشِفُوا عَوْرَةَ نَبِيّكُمْ ﵇.
مُوَازَنَةٌ بَيْنَ عُمَرَ وَبَيْنَ أبي بكر:
وَأَمّا جَزَعُ عُمَرَ ﵁ وَقَوْلُهُ: وَاَللهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه
_________________
(١) لا ريب فى أن العباس صدر فى كلمته هذه عن يقين الإيمان ببشرية محمد ﷺ، وأنه خاتم النبيين، وأن عظمته تتجلى فيما صدر عنه فى حياته لا فيما ينسب إلى هذا الجسد المسجى وليس فيما روى هنا حديث عند أصحاب الصحيح.
[ ٧ / ٥٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَسَلَّمَ، وَلَيَرْجِعَنّ كَمَا رَجَعَ مُوسَى ﵇، حَتّى كَلّمَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵀ وَذَكّرَهُ بِالْآيَةِ، فَعَقِرَ حَتّى سَقَطَ إلَى الْأَرْضِ، وَمَا كَانَ مِنْ ثَبَاتِ جَأْشِ أَبِي بَكْرٍ وَقُوّتِهِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ «١»، فَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصّدّيق ﵁ من؟؟؟ التّأَلّهِ، وَتَعَلّقِ الْقَلْبِ بِالْإِلَهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمّدًا، فَإِنّ مُحَمّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ، فَإِنّ اللهَ حَيّ لَا يَمُوتُ. وَمَنْ قُوّةِ تَأَلّهِهِ﵁- حِينَ أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى رَدّ جَيْشِ أُسَامَةَ حِينَ رَأَوْا الرّدّةَ قَدْ اسْتَعَرَتْ نَارُهَا، وَخَافُوا عَلَى نِسَاءِ الْمَدِينَةِ وَذَرَارِيّهَا، فَقَالَ: وَاَللهِ لَوْ لَعِبَتْ الْكِلَابُ بِخَلَاخِلِ نِسَاءِ الْمَدِينَةِ، مَا رَدَدْت جَيْشًا أَنْفَذَهُ رَسُولُ اللهِﷺ- وَكَلّمَهُ عُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَشَدّ شَيْءٍ عَلَيْهِ أَنْ يُخَالِفَ رَأْيُهُ رَأْيَ سَالِمٍ، فَكَلّمُوهُ أَنْ يَدَعَ لِلْعَرَبِ زَكَاةَ ذَلِكَ الْعَامِ تَأَلّفًا لَهُمْ حَتّى يَتَمَكّنَ لَهُ الْأَمْرُ، فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- يَتَأَلّفُهُمْ، وَكَلّمَهُ عُمَرُ أَنْ يُوَلّيَ مَكَانَ أُسَامَةَ مَنْ هُوَ أَسَنّ مِنْهُ، وَأَجْلَدُ، فَأَخَذَ بِلِحْيَةِ عُمَرَ، وَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الْخَطّابِ أَتَأْمُرُنِي أَنْ أَكُونَ أَوّلَ حَالّ عَقْدًا عَقَدَهُ رَسُولُ اللهِﷺ- وَاَللهِ لَأَنْ أَخِرّ مِنْ السّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ، فَتَخْطَفُنِي الطّيْرُ أَحَبّ إلَيّ من أن
_________________
(١) ما أجمل ما عبرت به عائشة عن موقفيهما حين قالت- كما ورد فى البخارى- «فما كانت من خطبتهما من خطبة إلا نفع الله بها، لقد خوف عمر الناس، وإن فيهم لنفاقا، فردهم الله بذلك، ثم لقد بصر أبو بكر الناس الهدى، وعرفهم الحق الذى عليهم» .
[ ٧ / ٥٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أُمَالِئَكُمْ عَلَى هَذَا الرّأْيِ، وَقَالَ لَهُمْ: وَاَللهِ لَوْ أَفْرَدْت مِنْ جَمِيعِكُمْ لَقَاتَلْتهمْ وَحْدِي حَتّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي، وَلَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا، لَجَاهَدْتهمْ عَلَيْهِ، أو فى شَكّ أَنْتُمْ، أَنّ وَعَدَ اللهِ لَحَقّ. وَإِنّ قَوْلَهُ لَصِدْقٌ، وَلَيُظْهِرَنّ اللهُ هَذَا الدّينَ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ. ثُمّ خَرَجَ وَحْدَهُ إلَى ذِي الْقِصّةِ «١» حَتّى اتّبَعُوهُ، وَسَمِعَ الصّوْتَ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي كُلّ قَبِيلَةٍ أَلَا إنّ الْخَلِيفَةَ قَدْ تَوَجّهَ إلَيْكُمْ الْهَرَبَ الْهَرَبَ، حَتّى اتّصَلَ الصّوْتُ مِنْ يَوْمِهِ بِبِلَادِ حِمْيَرَ، وَكَذَلِكَ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ ﵁، كَانَ يَلُوحُ الْفَرَقُ فِي التّأَلّهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُمَرَ ﵄، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ حِينَ قَالَ النّبِيّ ﷺ: سَمِعْتُك وَأَنْتَ تَخْفِضُ مِنْ صَوْتِك يَعْنِي فِي صَلَاةِ اللّيْلِ، فقال: قد أسمعت من ناحجيت، وَقَالَ: لِلْفَارُوقِ: سَمِعْتُك وَأَنْتَ تَرْفَعُ مِنْ صَوْتِك، فَقَالَ: كَيْ أَطْرُدَ الشّيْطَانَ، وَأُوقِظَ الْوَسْنَانَ. قَالَ عبد الكريم ابن هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيّ «٢»، وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ: اُنْظُرُوا إلَى فَضْلِ الصّدّيقِ عَلَى الْفَارُوقِ، هَذَا فِي مَقَامِ الْمُجَاهَدَةِ، وَهَذَا فِي بِسَاطِ الْمُشَاهَدَةِ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَقَالَتَهُ لِلنّبِيّ ﵇ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَهُوَ مَعَهُ فِي الْعَرِيشِ، وَكَذَلِكَ فِي أَمْرِ الصّدَقَةِ حِينَ رَغِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ- فِيهَا، فَجَاءَ عُمَرُ بِنِصْفِ مَالِهِ، وَجَاءَ الصّدّيقُ بِجَمِيعِ مَالِهِ، فَقَالَ لَهُ النّبِيّ ﵇: مَا أَبْقَيْت لِأَهْلِك؟ قَالَ: اللهَ وَرَسُولَهُ، وَكَذَلِكَ فَعَلَهُ فِي قِسْمِ الْفَيْءِ حِينَ سَوّى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ: هُمْ إخْوَةٌ، أَبُوهُمْ الْإِسْلَامُ، فَهُمْ فى هذا
_________________
(١) مكان على يريد من المدينة. وهناك غيره، فانظر المشترك وضعا لياقوت.
(٢) هو صاحب الرسالة القشيرية التى دس فيها من التصوف نزغات صارفة من الحق.
[ ٧ / ٥٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْفَيْءِ أُسْوَةٌ، وَأُجُورُ أَهْلِ السّوَابِقِ عَلَى اللهِ. وَفَضْلُ عُمَرَ فِي قَسْمِ الْفَيْءِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ عَلَى حَسَبِ سَوَابِقِهِمْ، ثُمّ قَالَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ: لَئِنْ بَقِيت إلَى قَابِلٍ لَأُسَوّيَنّ بَيْنَ النّاسِ، وَأَرَادَ الرّجُوعَ إلَى رَأْيِ أَبِي بَكْرٍ، ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ ﵁، وَعَنْ جَمِيعِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِﷺ-
مَا حَدَثَ لِلصّحَابَةِ عَقِبَ وَفَاتِهِ ﷺ:
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَغَيْرِهَا مِنْ الصّحَابَةِ أَنّ النّبِيّ ﷺ لَمّا قُبِضَ، وَارْتَفَعَتْ الرّنّةُ وَسَجّى رَسُولَ اللهِ ﷺ الْمَلَائِكَةَ، دُهِشَ الناس، وطاشت عقولهم وأفحموا، وَاخْتَلَطُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ خُبِلَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أُصْمِتَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أُقْعِدَ إلَى أَرْضٍ، فَكَانَ عُمَرُ مِمّنْ خُبِلَ وَجَعَلَ يَصِيحُ، وَيَحْلِفُ: مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِﷺ- وكان مِمّنْ أُخْرِسَ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ حَتّى جَعَلَ يُذْهَبُ بِهِ وَيُجَاءُ، وَلَا يَسْتَطِيعُ كَلَامًا، وَكَانَ مِمّنْ أُقْعِدَ: عَلِيّ، ﵁، فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَرَاكًا، وَأَمّا عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ، فَأُضْنِيَ حَتّى مَاتَ كَمَدًا، وَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَا بَكْرٍ ﵁، وَهُوَ بِالسّنْحِ «١»، فَجَاءَ وعيناه نهملان، وزفراته نتردّد فِي صَدْرِهِ، وَغُصَصُهُ تَرْتَفِعُ كَقِطَعِ الْجِرّةِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ، جَلْدُ الْعَقْلِ وَالْمَقَالَةِ، حَتّى دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- فَأَكَبّ عَلَيْهِ، وَكَشَفَ وَجْهَهُ وَمَسَحَهُ وَقَبّلَ جَبِينَهُ، وَجَعَلَ يَبْكِي، وَيَقُولُ: بِأَبِي
_________________
(١) ضبطها البكرى بصم النون وغيره بسكونها.
[ ٧ / ٥٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَنْتَ وَأُمّي طِبْت حَيّا وَمَيّتًا، وَانْقَطَعَ لِمَوْتِك مَا لَمْ يَنْقَطِعْ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ النّبُوّةِ، فَعَظُمْت عَنْ الصّفّةِ، وَجَلَلْت عَنْ الْبُكَاءِ، وَخَصَصْت حَتّى صِرْت مَسْلَاةً، وَعَمَمْت حَتّى صِرْنَا فِيك سَوَاءً، وَلَوْ أَنّ مَوْتَك كَانَ اخْتِيَارًا لَجُدْنَا لِمَوْتِك بِالنّفُوسِ، وَلَوْلَا أَنّك نَهَيْت عن البكاء لأنفدنا عليك ماء الشئون، فأما مالا نَسْتَطِيعُ نَفِيَهُ فَكَمَدٌ وَإِدْنَافٌ يَتَحَالَفَانِ لَا يَبْرَحَانِ، اللهُمّ أَبْلِغْهُ عَنّا، اُذْكُرْنَا يَا مُحَمّدُ عِنْدَ رَبّك، وَلْنَكُنْ مِنْ بَالِك «١»، فَلَوْلَا مَا خَلّفْت مِنْ السّكِينَةِ، لَمْ نَقُمْ لِمَا خَلّفْت مِنْ الْوَحْشَةِ، اللهُمّ أَبْلِغْ نَبِيّك عَنّا، وَاحْفَظْهُ فِينَا، ثُمّ خَرَجَ لَمّا قَضَى النّاسُ غَمَرَاتِهِمْ، وَقَامَ خَطِيبًا فِيهِمْ بِخُطْبَةِ جُلّهَا الصّلَاةُ عَلَى النّبِيّ مُحَمّدٍﷺ- وَقَالَ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَخَاتَمُ أَنْبِيَائِهِ، وَأَشْهَدُ أَنّ الْكِتَابَ كَمَا نَزَلَ، وَأَنّ الدّينَ كَمَا شُرِعَ، وَأَنّ الْحَدِيثَ كَمَا حُدّثَ، وَأَنّ الْقَوْلَ كَمَا قَالَ، وَأَنّ اللهَ هُوَ الْحَقّ الْمُبِينُ، فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ، ثُمّ قَالَ: أَيّهَا النّاسُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمّدًا، فَإِنّ مُحَمّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنّ اللهَ حَيّ لَمْ يَمُتْ، وَأَنّ اللهَ قَدْ تَقَدّمَ لَكُمْ فِي أَمْرِهِ، فَلَا تَدْعُوهُ جَزَعًا، وَأَنّ اللهَ ﵎ قَدْ اخْتَارَ لِنَبِيّهِ ﵇ مَا عِنْدَهُ عَلَى مَا عِنْدَكُمْ، وَقَبَضَهُ إلَى ثَوَابِهِ، وَخَلّفَ فِيكُمْ كِتَابَهُ وَسُنّةَ نَبِيّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِمَا عَرَفَ، وَمَنْ فَرّقَ بَيْنَهُمَا أَنْكَرَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَشْغَلَنّكُمْ الشّيْطَانُ بِمَوْتِ نَبِيّكُمْ وَلَا يَلْفِتَنّكُمْ عن دينكم، وعاجلوا
_________________
(١) لا يقول هذه أبو بكر.
[ ٧ / ٥٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشّيْطَانَ بِالْخِزْيِ تُعْجِزُوهُ، وَلَا تَسْتَنْظِرُوهُ فَيَلْحَقَ بِكَمْ. فَلَمّا فَرَغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، قَالَ: يَا عُمَرُ أَأَنْتَ الّذِي بَلَغَنِي عَنْك أَنّك تَقُولُ عَلَى بَابِ نَبِيّ اللهِ، وَاَلّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ: مَا مَاتَ نَبِيّ اللهِ، أَمّا عَلِمْت أَنّ رسول اللهﷺ- قال يَوْمَ كَذَا: كَذَا، وَكَذَا، وَقَالَ اللهُ ﷿ فِي كِتَابِهِ:
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ فَقَالَ عُمَرُ: وَاَللهِ لَكَأَنّي لَمْ أَسْمَعْ بِهَا فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى قَبْلَ الْآنَ لَمَا نَزَلَ بِنَا، أَشْهَدُ أَنّ الْكِتَابَ كَمَا نَزَلَ، وَأَنّ الْحَدِيثَ كَمَا حُدّثَ، وَأَنّ اللهَ ﵎ حَيّ لَا يَمُوتُ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَى رَسُولِهِ، وَعِنْدَ اللهِ نَحْتَسِبُ رَسُولَهُ. وَقَالَ عُمَرُ فِيمَا كَانَ مِنْهُ:
لَعَمْرِي لَقَدْ أَيْقَنْت أَنّك مَيّتٌ وَلَكِنّمَا أَبْدَى الّذِي قُلْته الْجَزَعْ «١»
وَقُلْت يَغِيبُ الْوَحْيُ عَنّا لِفَقْدِهِ كَمَا غَابَ مُوسَى، ثُمّ يَرْجِعْ كَمَا رَجَعَ
وَكَانَ هَوَايَ أَنْ تَطُولَ حَيَاتُهُ وَلَيْسَ لِحَيّ فِي بَقَا مَيّتٍ طَمَعْ
فَلَمّا كَشَفْنَا الْبُرْدَ عَنْ حُرّ وَجْهِهِ إذَا الْأَمْرُ بِالْجَزَعِ الْمُوهِبِ قَدْ وَقَعْ
فَلَمْ تَكُ لِي عِنْدَ الْمُصِيبَةِ حِيلَةٌ أَرُدّ بِهَا أَهْلَ الشّمَاتَةِ وَالْقَذَعْ
سِوَى آذَنَ اللهُ فِي كِتَابِهِ وَمَا آذَنَ اللهُ الْعِبَادَ بِهِ يَقَعْ
وَقَدْ قَلّتْ مِنْ بَعْدِ الْمَقَالَةِ قَوْلَةً لَهَا فِي حُلُوقِ الشّامِتِينَ بِهِ بَشَعْ
أَلَا إنّمَا كَانَ النّبِيّ مُحَمّدٌ إلَى أَجَلٍ وَافِي بِهِ الْوَقْتُ فَانْقَطَعْ
نَدِينُ عَلَى الْعِلّاتِ مِنّا بِدِينِهِ وَنُعْطِي الّذِي أعطى، ونمنع ما منع
_________________
(١) جزم بدون سبب. وليس فى الشعر رائحة من عمر.
[ ٧ / ٥٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَوَلّيْت مَحْزُونًا بِعَيْنِ سَخِينَةٍ أَكَفْكِفُ دَمْعِي وَالْفُؤَادُ قَدْ انْصَدَعْ
وَقُلْت لِعَيْنِي: كُلّ دَمْعٍ ذَخَرْته فَجُودِي بِهِ إنّ الشّجِيّ لَهُ دُفَعْ
وَفِي هَذَا الْخَبَرِ أَنّ عُمَرَ قَالَ: فَعَقِرْت إلَى الْأَرْضِ، يَعْنِي حِينَ قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ مَا قَالَ، يُقَالُ: عَقِرَ الرّجُلُ إذَا سَقَطَ إلَى الْأَرْضِ مِنْ قَامَتِهِ، وَحَكَاهُ يَعْقُوبُ عَفَرَ بِالْفَاءِ كَأَنّهُ مِنْ الْعَفَرِ وَهُوَ التّرَابُ، وَصَوّبَ ابْنُ كَيْسَانَ الرّوَايَتَيْنِ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ﵂ تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
فَلَوْ نَزَلَ بِالْجِبَالِ الصّمّ مَا نَزَلَ بِأَبِي لَهَاضَهَا، ارْتَدّتْ الْعَرَبُ وَاشْرَأَبّ النّفَاقُ، فَمَا اخْتَلَفُوا فِي نُقْطَةٍ إلّا طَارَ أَبِي بِحَظّهَا وَغِنَائِهَا، وَيُرْوَى فِي بُقْطَةٍ بِالْبَاءِ، قَالَهُ الْهَرَوِيّ فى الغرببين، وفسره باللمعة «١»، ونحوها، واستشهد بالحديث فى النّهى عَنْ بَقْطِ الْأَرْضِ، وَهُوَ أَنْ يَقْطَعَ شَجَرَهَا فَتُتّخَذُ بُقَعًا لِلزّرْعِ، وَبَقْطُهَا ضَرْبٌ مِنْ الْمُخَابِرَةِ قَدْ فَسّرَهُ.
كَيْفَ صُلّيَ عَلَى جِنَازَتِهِ ﵇؟
ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ وَغَيْرُهُ أَنّ الْمُسْلِمِينَ صَلّوْا عَلَيْهِ أَفْذَاذًا، لَا يَؤُمّهُمْ أَحَدٌ، كُلّمَا جَاءَتْ طَائِفَةٌ صَلّتْ عَلَيْهِ، وَهَذَا خُصُوصٌ بِهِ ﷺ، وَلَا يَكُونُ هَذَا الْفِعْلُ إلّا عَنْ تَوْقِيفٍ «٢»، وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنّهُ أوصى بذلك،
_________________
(١) فى اللسان: البقطة: البقعة من بقاع الأرض أو الفرقة من الناس.
(٢) حديث ابن إسحاق رواه البيهقى وابن ماجة. ويقول الحافظ فى الفتح، إسناده ضعيف لأنه من حديث حسين بن عبد الله بن ضميرة.. وعن أبى عسيب-
[ ٧ / ٥٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذَكَرَهُ الطّبَرِيّ مُسْنَدًا، وَوَجْهُ الْفِقْهِ فِيهِ أَنّ اللهَ ﵎ افْتَرَضَ الصّلَاةَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا وَحُكْمُ هَذِهِ الصّلَاةِ الّتِي تَضَمّنَتْهَا الْآيَةُ أَلّا تَكُونَ بِإِمَامِ، وَالصّلَاةُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَوْتِهِ دَاخِلَةٌ فِي لَفْظِ الْآيَةِ، وَهِيَ مُتَنَاوِلَةٌ لَهَا، وَلِلصّلَاةِ عَلَيْهِ عَلَى كُلّ حَالٍ، وَأَيْضًا فَإِنّ الرّبّ ﵎، قد أخبر أَنّهُ يُصَلّي عَلَيْهِ وَمَلَائِكَتُهُ، فَإِذَا كَانَ الرّبّ تَعَالَى هُوَ الْمُصَلّي وَالْمَلَائِكَةُ قَبْلَ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ الْمُؤْمِنِينَ تَبَعًا لِصَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ، وَأَنْ تَكُونَ الْمَلَائِكَةُ هُمْ الْإِمَامُ، وَالْحَدِيثُ الّذِي ذَكَرْته عَنْ الطّبَرِيّ فِيهِ طُولٌ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزّارُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُرّةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَفِيهِ أَنّهُ حِينَ جَمَعَ أَهْلَهُ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ﵂- أَنّهُمْ قَالُوا: فمن يصلّى عليك يا رسول الله؟
_________________
(١) - عند أحمد أنه شهد الصلاة على رسول الله «ص» فقال: كيف نصلى عليك؟ قال: ادخلوا أرسالا، وعن جابر وابن عباس أيضا عند الطبرانى، وفى إسناده عبد المنعم ابن إدريس وهو كذاب، وقد قال البزار: إنه موضوع. وعن ابن مسعود عند الحاكم بسند واه. وعن نبيط بن شريط عند البيهقى وذكره مالك بلاغا وفى الحديث أن الصلاة كانت عليه فرادى، الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان. قال ابن عبد البر: وصلاة الناس عليه أفرادا مجمع عليه عند أهل السير، وجماعة أهل النقل لا يختلفون فيه، وتعقبه ابن دحية بأن ابن القصار حكى الخلاف فيه، هل صلوا عليه الصلاة المعهودة أو دعوا فقط، وهل صلوا فرادى أو جماعة.. قال ابن دحية: والصحيح أن المسلمين صلوا عليه أفرادا لا يؤمهم أحد. وبه جزم الشافعى، قال: وذلك لعظم رسول الله «ص» بأبى هو وأمى، وتنافسهم فى ألا يتولى الإمامة عليه فى الصلاة واحد. قال ابن دحية: كان المصلون عليه ثلاثون ألفا. أنظر نيل الأوطار ص ٤١ ح ٤ ط ١٣٥٧ هـ والخصائص للسيوطى ص ٢٩٤ ط دار الكتب الحديثة بتحقيق الأستاذ محمد خيل هراس.
[ ٧ / ٥٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَالَ: فَهَلّا غَفَرَ اللهُ لَكُمْ وَجَزَاكُمْ عَنْ نَبِيّكُمْ خَيْرًا، فَبَكَيْنَا وَبَكَى النّبِيّﷺ- فَقَالَ: إذَا غَسّلْتُمُونِي، وَكَفّنْتُمُونِي، فَضَعُونِي عَلَى سَرِيرِي فِي بَيْتِي هَذَا عَلَى شَفِيرِ قَبْرِي، ثُمّ اُخْرُجُوا عَنّي سَاعَةً، فَإِنّ أَوّلَ مَنْ يُصَلّي عَلَيّ جَلِيسِي وَخَلِيلِي جِبْرِيلُ، ثُمّ مِيَكَائِيلُ، ثُمّ إسْرَافِيلُ، ثُمّ مَلَكُ الْمَوْتِ مَعَ جُنُودِهِ، ثُمّ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْمَعِهَا، ثُمّ اُدْخُلُوا عَلَيّ فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ، فَصَلّوا عَلَيّ وَسَلّمُوا، تَسْلِيمًا، وَلَا تُؤْذُونِي بِتَزْكِيَةِ، وَلَا ضَجّةٍ، وَلَا رَنّةٍ، وَلْيَبْدَأْ بِالصّلَاةِ عَلَيّ رِجَالُ بَيْتِي ثُمّ نِسَاؤُهُمْ، وأنتم بعد اقرؤا أَنَفْسَكُمْ السّلَامَ مِنّي، وَمَنْ غَابَ مِنْ أَصْحَابِي فاقرؤه مِنّي السّلَامَ، وَمَنْ تَابِعَكُمْ بَعْدِي عَلَى دِينِي، فاقرؤه مِنّي السّلَامَ، فَإِنّي أُشْهِدُكُمْ أَنّي قَدْ سَلّمْت عَلَى مَنْ تَابَعَنِي عَلَى دِينِي مِنْ الْيَوْمِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قُلْت: فَمَنْ يُدْخِلْك قَبْرَك يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَهْلِي مَعَ مَلَائِكَةٍ كَثِيرٍ يَرَوْنَكُمْ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ «١» .
موته ﵇ كَانَ خَطْبًا كَالِحًا:
فَصْلٌ: وَكَانَ مَوْتُهُ ﵇ خطبا كالحا، ورزآ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَادِحًا، كَادَتْ تُهَدّ لَهُ الْجِبَالُ، وَتَرْجُفُ الْأَرْضُ، وَتَكْسِفُ النّيّرَاتُ، لِانْقِطَاعِ خَبَرِ السّمَاءِ، وَفَقَدَ مَنْ لَا عِوَضَ مِنْهُ، مَعَ مَا آذَنَ بِهِ مَوْتُهُ﵇- مِنْ الْفِتَنِ السّحم، والحوادث الوهم، والكرب المدلهمّة، والهزاهز
_________________
(١) لا أدرى كيف يعتمد على مثل هذا الحديث الذى لم يخرجه أحد من أصحاب الصحيح والذى طعن فيه نقدة الحديث؟
[ ٧ / ٥٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمُضْلِعَةِ، فَلَوْلَا مَا أَنْزَلَ اللهُ ﵎ مِنْ السّكِينَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَأَسْرَجَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ نُورِ الْيَقِينِ، وَشَرَحَ لَهُ صُدُورَهُمْ مِنْ فَهْمِ كِتَابِهِ الْمُبِينِ لَانْقَصَمَتْ الظّهُورُ، وَضَاقَتْ عَنْ الْكُرَبِ الصّدُورُ، وَلَعَاقَهُمْ الْجَزَعُ عَنْ تَدْبِيرِ الْأُمُورِ، فَقَدْ كَانَ الشّيْطَانُ أَطْلَعَ إلَيْهِمْ رَأْسَهُ، وَمَدّ إلَى إغْوَائِهِمْ مَطَامِعَهُ، فَأَوْقَدَ نَارَ الشّنَآنِ، وَنَصَبَ رَايَةَ الْخِلَافِ، وَلَكِنْ أَبَى اللهُ ﵎ إلّا أَنْ يُتِمّ نُورَهُ، وَيُعْلِي كَلِمَتَهُ، وَيُنْجِزَ مَوْعُودَهُ، فَأَطْفَأَ نَارَ الرّدّةِ، وَحَسَمَ قَادَةَ الْخِلَافِ وَالْفِتْنَةِ عَلَى يَدِ الصّدّيقِ ﵁، وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:
لَوْلَا أَبُو بَكْرٍ لَهَلَكَتْ أُمّةُ مُحَمّدٍ ﵇ بَعْدَ نَبِيّهَا، وَلَقَدْ كَانَ مِنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ يَوْمئِذٍ مِنْ النّاسِ إذَا أَشْرَفُوا عَلَيْهَا سَمِعُوا لِأَهْلِهَا ضَجِيجًا، وَلِلْبُكَاءِ فِي جَمِيعِ أَرْجَائِهَا عَجِيجًا، حَتّى صَحِلَتْ الحلوق، ونزفت الدموع، وحق لهم ذلك، وان بَعْدَهُمْ، كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيّ، وَاسْمُهُ: خُوَيْلِدُ بْنُ خَالِدٍ، وَقِيلَ ابْنُ مُحَرّثٍ «١» قَالَ: بَلَغَنَا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلِيلٌ فَاسْتَشْعَرْت حُزْنًا وَبِتّ بِأَطْوَلِ لَيْلَةٍ لَا يَنْجَابُ دَيْجُورُهَا، وَلَا يَطْلُعُ نُورُهَا، فَظَلِلْت أُقَاسِي طُولَهَا، حَتّى إذَا كَانَ قُرْبُ السّحَرِ أَغْفَيْت، فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ، وَهُوَ يَقُولُ:
خَطْبٌ أَجَلّ أَنَاخَ بِالْإِسْلَامِ بَيْنَ النّخِيلِ وَمَعْقِدِ الْآطَامِ
قُبِضَ النّبِيّ مُحَمّدٌ فَعُيُونُنَا تُذْرِي الدّمُوعَ عليه بالتّسجام
_________________
(١) هو شاعر جاهلى إسلامى مات أيام عثمان، وعامة شعره فى إسلامه، وحضر سقيفة بنى ساعدة.
[ ٧ / ٥٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ: فَوَثَبْت مِنْ نُوُمِي فَزِعًا، فَنَظَرْت إلَى السّمَاءِ، فَلَمْ أَرَ إلّا سَعْدَ؟؟؟ الذّابِحِ، فَتَفَاءَلْت بِهِ ذَبْحًا يَقَعُ فِي الْعَرَبِ، وَعَلِمَتْ أَنّ النّبِيّﷺ- قَدْ قُبِضَ، وَهُوَ مَيّتٌ مِنْ عِلّتِهِ، فَرَكِبْت نَاقَتِي وَسِرْت، فَلَمّا أَصْبَحْت طَلَبْت شَيْئًا أَزْجُرُ بِهِ، فَعَنّ لِي شَيْهَمٌ، يَعْنِي: الْقُنْفُذَ قَدْ قُبِضَ عَلَى صِلّ، يَعْنِي: الْحَيّةَ، فَهِيَ تَلْتَوِي عَلَيْهِ، وَالشّيْهَمُ يَقْضِمُهَا حَتّى أَكَلَهَا، فَزَجَرْت ذَلِكَ، وَقُلْت: شَيْهَمٌ شَيْءٌ مُهِمّ، وَالْتِوَاءُ الصّلّ الْتِوَاءُ الناس عن الحق على النائم بَعْدَ النّبِيّ ﷺ، ثُمّ أَكْلُ الشّيْهَمِ إيّاهَا غَلَبَةُ الْقَائِمِ بَعْدَهُ عَلَى الْأَمْرِ. فَحَثَثْت نَاقَتِي، حَتّى إذَا كُنْت بِالْغَابَةِ زَجَرْت الطّائِرَ فَأَخْبَرَنِي بِوَفَاتِهِ، وَنَعَبَ غُرَابٌ سَانِحٌ فَنَطَقَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَتَعَوّذَتْ بِاَللهِ مِنْ شَرّ مَا عَنْ لِي فِي طَرِيقِي، وَقَدِمْت الْمَدِينَةَ وَلَهَا ضَجِيجٌ بِالْبُكَاءِ كَضَجِيجِ الْحَجِيجِ، إذَا أَهَلّوا بِالْإِحْرَامِ، فَقُلْت: مَهْ؟ فَقَالُوا: قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَجِئْت الْمَسْجِدَ فَوَجَدْته خَالِيًا، فَأَتَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَأَصَبْت بَابَهُ مُرْتَجّا، وَقِيلَ هُوَ مُسَجّى قد خلا بِهِ أَهْلُهُ، فَقُلْت: أَيْنَ النّاسُ؟ فَقِيلَ: فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، صَارُوا إلَى الْأَنْصَارِ، فَجِئْت إلَى السّقِيفَةِ فَأَصَبْت أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرّاحِ وَسَالِمًا وَجَمَاعَةً مِنْ قُرَيْشٍ، وَرَأَيْت الْأَنْصَارَ فِيهِمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَفِيهِمْ شُعَرَاؤُهُمْ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَمَلَأٌ مِنْهُمْ، فَآوَيْت إلَى قُرَيْشٍ، وَتَكَلّمَتْ الْأَنْصَارُ، فَأَطَالُوا الْخِطَابَ وَأَكْثَرُوا الصّوَابَ وَتَكَلّمَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَلِلّهِ دَرّهُ مِنْ رَجُلٍ لَا يُطِيلُ الْكَلَامَ وَيَعْلَمُ مَوَاضِعَ فَصْلِ الْخِطَابِ، وَاَللهِ لَقَدْ تَكَلّمَ بِكَلَامِ لَا يَسْمَعُهُ سَامِعٌ إلّا انْقَادَ لَهُ، وَمَالَ إلَيْهِ، ثُمّ تَكَلّمَ عُمَرُ، ﵁، بَعْدَهُ دُونَ كَلَامِهِ، ومدّ يده،
[ ٧ / ٥٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فَبَايَعَهُ وَبَايَعُوهُ، وَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ، وَرَجَعْت مَعَهُ. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ: فَشَهِدْت الصّلَاةَ عَلَى مُحَمّدٍ ﷺ، وَشَهِدْت دَفْنُهُ، ثُمّ أَنْشَدَ أَبُو ذُؤَيْبٍ يَبْكِي النّبِيّ ﷺ: لَمّا رَأَيْت النّاسَ فِي عَسَلَانِهِمْ مِنْ بَيْنِ مَلْحُودٍ لَهُ وَمُضَرّحِ مُتَبَادِرِينَ لِشَرْجَعِ بِأَكُفّهِمْ نَصّ الرّقَابِ لِفَقْدِ أَبْيَضَ أَرْوَحِ فَهُنَاكَ صِرْت إلَى الْهُمُومِ، وَمَنْ يَبِتْ جَارَ الْهُمُومُ يَبِيتُ غَيْرَ مُرَوّحِ كَسَفْت لِمَصْرَعِهِ النّجُومُ وَبَدْرُهَا وَتَزَعْزَعَتْ آطَامُ بَطْنِ الْأَبْطَحِ وَتَزَعْزَعَتْ أَجْبَالُ يَثْرِبَ كُلّهَا وَنَخِيلُهَا لِحُلُولِ خَطْبٍ مُفْدِحِ وَلَقَدْ زَجَرْت الطّيْرَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِمُصَابِهِ، وَزَجَرْت سَعْدَ الْأَذْبَحِ وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ يَبْكِي رَسُولَ اللهِ ﷺ: أَرِقْت فَبَاتَ لَيْلِي لَا يَزُولُ دَلِيلُ أَخِي الْمُصِيبَةِ فِيهِ طُولُ وَأَسْعَدَنِي الْبُكَاءُ وَذَاكَ فِيمَا أُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ قَلِيلُ لَقَدْ عَظُمَتْ مُصِيبَتُنَا وَجَلّتْ عَشِيّةَ قِيلَ: قَدْ قُبِضَ الرّسُولُ وَأَضْحَتْ أَرْضُنَا مِمّا عَرَاهَا تَكَادُ بِنَا جَوَانِبُهَا تَمِيلُ فَقَدْنَا الْوَحْيَ وَالتّنْزِيلَ فِينَا يَرُوحُ بِهِ وَيَغْدُو جَبْرَئِيلُ وَذَاكَ أَحَقّ مَا سَأَلَتْ عَلَيْهِ نَفُوسُ النّاسِ أَوْ كَرَبَتْ تَسِيلُ نَبِيّ كَانَ يَجْلُو الشّكّ عَنّا بِمَا يُوحَى إلَيْهِ وَمَا يقول
[ ٧ / ٥٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَيَهْدِينَا فَلَا نَخْشَى ضَلَالًا عَلَيْنَا وَالرّسُولُ لَنَا دَلِيلُ أَفَاطِمُ إنْ جَزِعْت فَذَاكَ عُذْرٌ وَإِنْ لَمْ تَجْزَعِي، ذَاكَ السّبِيلُ فَقَبْرُ أَبِيك سَيّدُ كُلّ قَبْرٍ وَفِيهِ سَيّدُ النّاسِ الرّسُولُ وَلَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ودفن ورجع المهاجرون والأنصار لى رِحَالِهِمْ وَرَجَعَتْ فَاطِمَةُ إلَى بَيْتِهَا اجْتَمَعَ إلَيْهَا نِسَاؤُهَا، فَقَالَتْ: اغْبَرّ آفَاقُ السّمَاءِ وَكُوّرَتْ شَمْسُ النّهَارِ وَأَظْلَمَ الْعَصْرَانِ فَالْأَرْضُ مِنْ بَعْدِ النّبِيّ كَئِيبَةٌ أَسَفًا عَلَيْهِ كَثِيرَةَ الرّجَفَانِ فَلْيَبْكِهِ شَرْقُ الْبِلَادِ وَغَرْبُهَا وَلْتَبْكِهِ مُضَرُ وَكُلّ يَمَانِ وَلْيَبْكِهِ الطّوْدُ الْمُعَظّمُ جَوّهُ وَالْبَيْتُ ذُو الْأَسْتَارِ وَالْأَرْكَانُ يا خاتم الرّسل المبارك ضوؤه صَلّى عَلَيْك مُنَزّلُ الْقُرْآنِ [نَفْسِي فَدَاؤُك مَا لِرَأْسِك مَاثِلًا مَا وَسّدُوك وِسَادَةَ الْوَسْنَانِ]
[ ٧ / ٥٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الِاخْتِلَافُ فِي كَفَنِهِ:
فَصْلٌ: وَأَمّا الِاخْتِلَافُ فِي كَفَنِهِ ﵇ كَمْ ثَوْبًا كَانَ، وَفِي الّذِينَ أَدَخَلُوهُ قَبْرَهُ وَنَزَلُوا فِيهِ، فَكَثِيرٌ، وَأَصَحّ مَا رُوِيَ فِي كَفَنِهِ أَنّهُ كُفّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولِيّةٍ «١»، وَكَانَتْ تِلْكَ الْأَثْوَابُ مِنْ كُرْسُفٍ «٢»، وَكَذَلِكَ قَمِيصُهُ ﵇ كَانَ مِنْ قُطْنٍ، وَوَقَعَ فِي السّيرَةِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ أَنّهَا كَانَتْ إزَارًا وَرِدَاءً، وَلِفَافَةً، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَفِي الشّرُوحَاتِ، وَكَانَتْ اللّبَنُ الّتِي نُضّدَتْ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ تِسْعَ لَبَنَاتٍ.
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِيمَنْ أَلْحَدَهُ شُقْرَانُ مَوْلَاهُ، وَاسْمُهُ: صَالِحٌ، وَشَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ عَبْدٌ قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ، فَلَمْ يُسْهَمْ لَهُ، انْقَرَضَ عَقِبُهُ فَلَا عَقِبَ لَهُ.
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ مَرَاثِيَ حَسّانَ فِي النّبِيّ ﷺ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَشْكُلُ فَنَشْرَحُهُ، وَقَدْ رَثَاهُ كَثِيرٌ مِنْ الشّعَرَاءِ وَغَيْرُهُمْ، وَأَكْثَرُهُمْ
_________________
(١) بضم السين والحاء، وبفتح السين أشهر نسبة إلى سحول قرية باليمن. قال ابن الأعرابى: وهى ثياب بيض نقية لا تكون إلا من القطن. وقال ابن قتيبة ثياب بيض، ولم يخصها بالقطن، وفى رواية للبخارى. سحول بدون نسبة. وهو جمع سحل، والسحل: الثوب الأبيض النقى، وقيل هى بالضم نسبة إلى القرية، وبالفتح نسبة إلى القصار لأنه يسحل الثياب، ى ينقيها. وكونه كفن فى ثلاثة أثواب بيض سحولية جدد يمانية ليس فيها قميص ولا عمامة أدرج فيها إدراجا هو من رواية الجماعة.
(٢) القطن.
[ ٧ / ٥٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أَفْحَمَهُمْ الْمُصَابُ عَنْ الْقَوْلِ، وَأَعْجَزَتْهُمْ الصّفَةُ عَنْ التّأْبِينِ، وَلَنْ يَبْلُغَ بِالْإِطْنَابِ فِي مَدْحٍ وَلَا رثاء فى كنه محاسته ﵇ وَلَا قَدْرَ مُصِيبَةٍ فَقَدَهُ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَصَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ صَلَاةً تَتّصِلُ مَدَى اللّيَالِي وَالْأَيّامِ، وَأَحَلّهُ أَعَلَى مراتب الرحمة والرضوان والإكرام، وجزاء عَنّا أَفْضَلَ مَا جَزَى بِهِ نَبِيّا عَنْ أُمّتِهِ، وَلَا خَالَفَ بِنَا عَنْ مِلّته، إنّهُ وَلِيّ الطّولِ وَالْفَضْلِ وَالْإِنْعَامِ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الوكيل، والحمد لله رب العالمين. «تم الكتاب بحمد الله رب العالمين» وكان الفراغ من تحقيقه فى الساعة الثامنة والدقيقة الخامسة والأربعين صباح يوم الاثنين ٢٧ من شعبان سنة ١٣٨٨ هـ- ١٨ من نوفمبر سنة ١٩٦٨ م بمدينة الزهراء بوادى حوف
[ ٧ / ٥٩٦ ]
خاتمة
الحمد لله رب العالمين بهذا الحمد الذى يجيش به القلب، وتفيض الحياة، ويتجاوب الوجود، أختم عملى فى هذا الكتاب الذى يتناول سيرة أقدس وأنبل حياة بشرية، كانت للناس نورا وحياة ورحمة، حياة خاتم النبيين محمد «صلوات الله وسلامه عليه» الذى بعثه الله لأمته، يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ، وَيُزَكّيهِمْ، وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ فتحقق ما وعد به الله، فكانوا خير أمة أخرجت الناس، إيمانا، وخلقا، وسلوكا فى الحياة، وتحكيما لهدى القرآن فى شئون الحياة.
وشهد الله لقد بذلت من الجهد ما أملك، وحاولت أن أقوم بما هو مفروض علىّ نحو هذا الكتاب «الروض الأنف» الذى سيطر على المعارف الإسلامية قرونا متطاولات.
فهو فوق كونه شرحا وتحقيقا لسيرة ابن هشام، يضم بين دفتيه كل أثر للثقافة الشاملة، التى كان الإمام السهيلى عليها فى عصره، والتى بسببها كان مصدرا لأمثال هؤلاء الأعلام «الإمام ابن القيم، والإمام الحافظ ابن حجر العسقلانى، وابن منظور» فى لسان العرب.
الكتاب سيرة، وتاريخ، وفقه، وعقيدة، ونحو، وأدب. والسهيلى إمام كبير فى كل ذلك.
[ ٧ / ٥٩٧ ]
وقد حاولت جهدى تحقيق كل مسائله بالرجوع إلى نفس مصادره التى عنها أخذ، أو بالرجوع إلى الكتب التى عنه أخذت ونقدت، حتى استوى الكتاب على هذه الصورة المشرفة المشرقة التى صوّبت ما كان من أخطاء كثيرة فى طبعته الأولى.
ولقد كان فى طبعته الأولى جزءين فى مجلد، وها هو فى سبعة أجزاء كبار، تجمع بين سيرة ابن هشام، وبين «الروض الأنف» وبين تحقيقى للروض.
ومثل هذه الكتب الجادة التى تمثل تراثنا الفكرى الإسلامى أصدق تمثيل، لا يقبل عليها الناشرون كثيرا. ولكن صاحب «دار الكتب الحديثة» أقدم على هذا، مصابرا الزمن الذى قضيته فى تحقيق الكتاب ومقداره ثلاث سنوات، استغرقت فيها اليوم كله إلا قليلا. ولقد كنت حين أقبل على الكتاب أضرع إلى الله أن يلهمنى الصواب فيما أكتب، وأضرع إليه الآن سبحانه أن يكون قد استجاب دعائى.
وفى السهيلى مسّ من أشعرية، كان يبتعد به أحيانا عن السلفية، فلم تمنعنا إمامته الكبرى عن نقده، وبيان الصواب فى المسألة.
ولقد قمت بتصحيح تجارب طبع ثلاثة أجزاء من الكتاب، ثم انتدبتّ لتدريس مادة العقيدة الإسلامية فى قسم الدراسات الإسلامية العليا بكلية الشريعة، فى مكة المكرمة، حرسها الله، وكلأها برعايته وحفظه، فوكلت الدار إلى الأخ «محمود غانم غيث» تصحيح تجارب الطبع فى بقية الأجزاء، والله يجزيه على ما قدم أحسن وأطيب الجزاء.
وأخيرا وبعد حمد الله وشكره أشكر الشاب الكريم «أحمد حمدى شعبان»
[ ٧ / ٥٩٨ ]
صاحب دار النصر للطباعه، والإخوة العاملين فى الدار، على هذا الجهد الكريم السخى، الذى بذلوه فى طبع الكتاب.
وجزى الله صاحب «دار الكتب الحديثة» على ما ينشر من كتب الخير والحق والموسوعات الإسلامية الجادة.
وصلّ الله عليه وسلم وبارك على خاتم النبيين محمد.
والحمد لله رب العالمين؟
٣٠ من ربيع الأول سنة ١٣٩٠
مكة المكرمة
٥ يونيه سنة ١٩٧٠
عبد الرحمن عبد الوهاب الوكيل أستاذ العقيدة الإسلامية فى قسم الدراسات العليا بكلية الشريعة
[ ٧ / ٥٩٩ ]
فهرس الجزء السابع من الروض الأنف
٥ مقدمة الجزء السابع
٧ عمرة القضاه فى ذى القعدة سنة سبع «س» «١»
١٠ ذِكْرُ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَمَانٍ وَمَقْتَلُ جَعْفَرٍ وَزَيْدٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ رواحة «س»
١٤ لقاء الروم «س»
١٤ مقتل ابن حارثة «س»
١٤ إمارة جعفر ومقتله «س»
١٥ استشهاد جعفر وابن رواحة «س»
١٦ عمل خالد «س»
١٦ تنبؤ الرسول بما حدث «س»
١٧ حزن الرسول على جعفر «س»
١٨ كاهنة حدس «س»
١٩ كيف تلقى الجيش «س»
١٩ شِعْرُ قَيْسٍ فِي الِاعْتِذَارِ عَنْ تَقَهْقُرِ خَالِدٍ «س»
٢٠ شعر حسان فى بكاء قتلى مؤتة «س»
ص ٢١ شعر كعب فى بكاء قتلى مؤتة «س»
٢٢ شِعْرُ حَسّانَ فِي بُكَاءِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طالب «س»
٢٣ شِعْرُ حَسّانَ فِي بُكَاءِ ابْنِ حَارِثَةَ وَابْنِ رواحة «س»
٢٤ شهداء مؤتة «س»
٢٥ عمرة القضية
٢٧ حكم العمرة
٢٨ تفسير شعر عمار
٢٨ حكم الزواج للمحرم
٣١ غزوة مؤتة
٣١ تفسير (وإن منكم إلا واردها)
٣٢ شرح شعر ابن رواحة
٣٦ عقر جعفر فرسه ومقتله
٣٨ معنى الجناحين
٣٩ فضل ابن رواحة
٤٠ فضل زيد
٤٠ رجوع أهل مؤتة
_________________
(١) س رهن عن السيرة. و«ن. ل» رمز عن النحو واللغة. وش رمز عن الشرح. أما الروض فبدون رمز.
[ ٧ / ٦٠٠ ]
٤٢ طعام التعزية وغيرها
٤٣ من شعر حسان فى رثاء جعفر
٤٥ حول شعر كعب
٤٦ الاستسقاء للقبور عند العرب
٤٧ من شعر حسان فى رثاء جعفر
٤٩ ذِكْرُ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ الْمَسِيرَ إلَى مَكّةَ، وَذِكْرُ فَتْحِ مَكّةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ س
٥١ شِعْرُ تَمِيمٍ فِي الِاعْتِذَارِ مِنْ فِرَارِهِ عَنْ منبه س
٥٢ شِعْرُ الْأَخْزَرِ فِي الْحَرْبِ بَيْنَ كِنَانَةَ وَخُزَاعَةَ س
٥٣ بديل يرد على الأخزر س
٥٣ شِعْرُ حَسّانَ فِي الْحَرْبِ بَيْنَ كِنَانَةَ وَخُزَاعَةَ س
٥٤ شِعْرُ عَمْرٍو الْخُزَاعِيّ لِلرّسُولِ يَسْتَنْصِرُهُ وَرَدّهُ عَلَيْهِ س
٥٥ ابن ورقاء يشكو إلى الرسول بالمدينة س
٥٦ أبو سفيان يحاول المصالحة س
٥٧ الرسول ص يعد لفتح مكة س
٥٨ حسان يحرض الناس س
٥٨ كتاب حاطب إلى قريش س
٦٠ خروج الرسول فى رمضان س
٦٢ قِصّةُ إسْلَامِ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى يَدِ الْعَبّاسِ س
٦٥ عرض الجيش س
٦٦ أبو سفيان يحذر أهل مكة س
٦٦ وصول النبى ص إلى ذى طوى س
٦٧ إسلام والد أبى بكر س
٦٨ جيوش المسلمين تدخل مكة س
٦٨ المهاجرون وسعد س
٦٨ كيف دخل الجيش مكة؟ س
٦٩ الذين تعرضوا للمسلمين س
٧٠ شعار المسلمين يوم الفتح س
٧١ من أمر الرسول بقتلهم س
٧٣ أم هانىء تؤمن رجلين س
٧٤ طواف الرسول بالكعبة س
٧٤ خطبته على باب الكعبة س
٧٥ إقرار الرسول عثمان بن طلحة على السدانة س
٧٥ طمس الصور التى بالبيت س
٧٦ دخول الكعبة والصلاة فيها س
٧٦ إسلام عتاب والحارث بن هشام س
٧٧ خراش وابن الأثوع س
٧٨ بين أبى شريح وابن سعد س
٧٩ أول من ودى يوم الفتح س
٨٠ بدء فتح مكة
٨٠ حول شعر تميم
٨١ حول شعر الأخرز
٨٣ حول شعر بديل
[ ٧ / ٦٠١ ]
٨٤ حول شعر عمرو بن سالم
٨٥ ما قال عمر لأبى سفيان ومعناه
٨٥ شرح قول فاطمة لأبى سفياص
٨٦ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ وَمَا كَانَ فِي كتابه
٨٧ تصحيف هشيم لخاخ
٨٧ تفسير (تلقون إليهم بالمودة)
٨٨ قتل الجاسوس
٨٩ عن عبد الله بن أبى أمية
٨٩ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ وَابْنِهِ وَقَصِيدَتِهِ
٩٠ وزن فعلل (ن. ل)
٩٢ عود إلى أبى سفيان
٩٢ عن إسلام سفيان بن حرب
٩٥ قول هند عن أبى سفيان
٩٥ إسلام أبى قحافة
٩٥ حكم الخضاب
٩٨ كداء وكدى
٩٨ موقف إبراهيم بكداء
٩٩ موقف الرسول «ص» من سعد
١٠١ خنيس بن خالد
١٠٣ حول: لماذا وموتمة
١٠٣ حول رجزى حماس
١٠٥ طرف من أحكام أرض مكة
١٠٦ الهذلى القتيل
١٠٦ هل تعيذ الكعبة عاصيا؟
١٠٨ صلاة الفتح
١٠٩ أم هانىء
١٠٩ عبد الله بن سعد
١١٠ نميلة
١١٠ عن ابن نقيذ والقينتين
١١١ عن الديات فى خطبة الرسول ص
١١٢ الصلاة فى الكعبة
١١٤ كسر الأصنام س
١١٤ قصة إسلام فضالة س
١١٥ أمان الرسول لصفوان بن أمية س
١١٦ إسلام عكرمة وصفوان س
١١٦ إسلام ابن الزبعرى وشعرء فى ذلك س
١١٨ بقاء هبيرة على كفره وشعرء فى إسلام زوجه أم هانىء س
١١٩ عِدّةُ مَنْ شَهِدَ فَتْحَ مَكّةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ س
١١٩ شعر حسان فى فتح مكة س
١٢١ شِعْرُ أَنَسِ بْنِ زُنَيْمٍ فِي الِاعْتِذَارِ إلَى الرسول مما قال ابن سالم س
١٢٢ شِعْرُ بُدَيْلٍ فِي الرّدّ عَلَى ابْنِ زُنَيْمٍ «س»
١٢٢ شعر بحير فى يوم الفتح س
١٢٣ شعر ابن مرداس فى فتح مكة س
١٢٣ إسلام عباس بن مرداس س
١٢٤ شعر جعدة فى يوم الفتح س
١٢٤ شعر بجيد فى يوم الفتح س
[ ٧ / ٦٠٢ ]
١٢٥ مَسِيرُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بَعْدَ الْفَتْحِ إلَى بَنِي جَذِيمَةَ مِنْ كِنَانَةَ وَمَسِيرُ عَلِيّ لِتَلَافِي خطأ خالد س
١٢٦ براءة الرسول ص من عمل خالد س
١٢٨ الاعتذار عن خالد س
١٢٨ بين خالد وبين ابن عوف س
١٢٩ بين قريش وبنى جذيمة س
١٢٩ شعر سلمى فيما بين جذيمة وقريش س
١٣٠ شِعْرُ ابْنِ مِرْدَاسٍ فِي الرّدّ عَلَى سَلْمَى س
١٣٠ الجحاف يرد على سلمى س
١٣١ حديث ابن أبى حدرد يوم الفتح س
١٣٢ شعر جذيمى فى الفتح س
١٣٢ وهب يرد على الجذيمى س
١٣٣ شعر علام جذمى هارب أمام خالد س
١٣٣ ارتجاز بنى مساحق حين سمعوا بخالد س
١٣٤ مسير خالد بن الوليد لهدم العزى س
١٣٥ عن إسلام أبى سفيان وصاحبيه
١٣٦ الحنفاء بنت أبى جهل
١٣٧ إسلام الحارث بن هشام
١٣٨ إسلام بنت أبى جهل
١٣٩ هند بنت عتبة
١٤٠ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ لَا عَمْرُو بْنُ الزّبَيْرِ
١٤١ أم حكيم بنت الحارث
١٤٢ دم ربيعة بن الحارث
١٤٢ حول التخيير بين القصاص وبين الدية
١٤٤ النهى عن اشتمال الصماء والاحتباء
١٤٥ شعر ابن الزبعرى
١٤٦ حول شعر حسان
١٥١ معنى التفضيل فى شركما
١٥١ يلطم أو يطلم «ن. ل»
١٥٣ حول شعر أنس بن سليم
١٥٤ حول شعر بجير بن زهير
١٥٥ عباس بن مرداس والذين حرموا الخمر؟؟؟
١٥٨ شعر جعدة
١٥٨ سرية خالد إلى بنى خذيمة
١٦٠ شعر أبى حدرد
١٦١ غَزْوَةُ حُنَيْنٍ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ بَعْدَ الْفَتْحِ «س»
١٦٥ قصيدة ابن مرداس «س»
١٦٦ ذات انواط «س»
١٦٦ ثبات الرسول «س»
١٦٧ الذين ثبتوا الرسول «س»
١٦٨ الشماتة بالمسلمين «س»
١٦٨ شعر حسان فى هجاء كلدة «س»
[ ٧ / ٦٠٣ ]
١٦٩ شيبة يحاول قتل الرسول «س»
١٦٩ فى الانتصار بعد الهزيمة «
١٧٠ رأى أم سليم «
١٧١ شعر مالك بن عوف فى الهزيمة «
١٧٢ من قتل قتيلا فله سلبه «
١٧٣ نزول الملائكة «
١٧٣ هزيمة المشركين من أهل حنين «
١٧٥ رائية ابن مرداس «
١٧٧ مصرع دريد «
١٧٨ مصرع أبى عامر الأشعرى «
١٧٩ حال بنى رئاب فى المعركة «
١٧٩ موقف قوم مالك بن عوف «
١٨١ شعر سلمة فى فزارة «
١٨١ عود إلى حديث مصرع أبى عامر «
١٨٢ النهى عن قتل الضعفاء «
١٨٢ شأن الشيماء وبجاد «
١٨٣ شهداء يوم حنين «
١٨٤ سبايا حنين يجمعون «
١٨٤ شعر بجير يوم حنين «
١٨٥ شعر لعباس بن مرداس يوم حنين «س»
١٨٥ ابن عفيف يرد على ابن مرداس «
١٨٦ شعر آخر لعباس بن مرداس «
١٩٣ شعر ضمضم فى يوم حنين «
١٩٤ رثاء أبى خراش لابن العجوة «
١٩٥ ابن عوف يعتذر عن قراره «
١٩٦ هوازنى يذكر إسلام قومه «س»
١٩٧ جشمية ترثى أخويها «
١٩٧ أبو ثواب يهجو قريشا «
١٩٨ ابن وهب يرد على ابن أبى ثواب «
١٩٨ شعر خديج فى يوم حنين «
١٩٩ ذكر غزوة حنين
٢٠٠ ابن الصمة والخنساء
٢٠١ مالك بن عوف وابن حدرد
٢٠٢ حول قصيدة عباس النونية
٢٠٣ سعد ودهمان
٢٠٦ أنا ابن عبد المطلب
٢٠٧ شيبة ومحاولة قتل الرسول «ص»
٢٠٧ أم سليم والفرار يوم حنين
٢٠٩ حول رجز مالك
٢١١ السلب القاتل
٢١٢ نزول الملائكة
٢١٣ حول قصيدة ابن مرداس
٢١٤ جمع أخ وابن «ن. ل»
٢١٥ من وصف الزبير
٢١٥ من أحكام القتال
٢١٦ حكم رفع اليد فى الدعاء
٢١٦ الحفنة وشاهت الوجوه
٢١٧ نداء أصحاب الشجرة
٢١٨ الضحاك بن سفيان
٢١٨ قصيدة ابن مرداس العينية
[ ٧ / ٦٠٤ ]
ص
٢١٩ شعر عباس الكافى
٢٢٠ الداماء والدأماء «ن. ل»
٢٢٠ شعر عباس الفاوى
٢٢٥ القصيدة الراوية
٢٢٦ قصيدة عباس السينية
٢٢٧ قصيدة عباس الميمية
٢٢٨ حول قصيدة ضمضم بز الحارث
٢٢٩ شعر أبى خراش
٢٣٠ من شعر مالك بن عوف
٢٣١ ذِكْرُ غَزْوَةِ الطّائِفِ بَعْدَ حُنَيْنٍ فِي سَنَةِ ثمان «س»
٢٣١ شعر كعب «
٢٣٣ كنانة يرد على كعب «
٢٣٣ قصيدة شداد فى المسير إلى الطائف «
٢٣٣ الطريق إلى الطائف «
٢٣٥ أول من رمى بالمنجنيق «
٢٣٥ يوم الشدخة «
٢٣٥ بين أبى سفيان وثقيف «
٢٣٦ تفسير أبى بكر لرؤيا الرسول «
٢٣٧ سبب ارتحال المسلمين «
٢٣٧ عيينة بن حصن «
٢٣٨ العبيد الذين نزلوا من حصن الطائف «
٢٣٨ شعر الضحاك وموضوع «
٢٣٩ الشهداء فى يوم الطائف «
ص
٢٤٠ قصيدة بحير فى حنين والطائف
٢٤١ أَمْرُ أَمْوَالِ هَوَازِنَ وَسَبَايَاهَا وَعَطَايَا الْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ منها، وإنعام رسول الله ص فيها س
٢٥١ شعر حسان فى حرمان الأنصار س
٢٥٤ عُمْرَةُ الرّسُولِ مِنْ الْجِعْرَانَةِ وَاسْتِخْلَافُهُ عَتّابَ بْنَ أسيد على على مكة وحج عتاب بالمسلمين سنة ثمان. اعتمار الرسول واستخلافه ابن أسيد على مكة س
٢٥٥ وقت العمرة س
٢٥٥ أَمْرُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ بَعْدَ الِانْصِرَافِ عَنْ الطائف س
٢٥٧ قدوم كعب على الرسول وقصيدته اللامية س
٢٦٢ استرضاء كعب الأنصار بمدحه إياهم س
٢٦٣ غزوة الطائف
٢٦٦ آلات الحرب فى الطائف
٢٦٧ حول شعر كعب
٢٦٨ شعر كنانة
٢٦٩ أَوّلُ مَنْ رَمَى بِالْمَنْجَنِيقِ فِي الْجَاهِلِيّةِ وَالْإِسْلَامِ
٢٧٠ غيلان بن سلمة
٢٧١ بادية بنت غيلا
[ ٧ / ٦٠٥ ]
ص
٢٧٤ المخنثون الذين كانوا بالمدينة
٢٧٤ عيينة
٢٧٤ العبيد الذين نزلوا من حصن الطائف
٢٧٦ من نسب بجير بن زهير
٢٧٦ حول شعر بجير
٢٧٨ دحنا ومسح ظهر آدم
٢٧٩ حول قول زهير أبى صرد
١٨١ من أحكام السبايا
٢٨٢ حول سبى حنين
٢٨٣ إعطاء المؤلفة قلوبهم من الغنائم
٢٨٤ وصف عجوز ابن حصن
٢٨٤ الأقرع بن حابس
٢٨٥ مالك بن عوف
٢٨٦ قول النبى «ص لمرداس
٢٨٧ القبلية بين الأقرع وعيينة
٢٨٨ حديث ذو الخويصرة
٢٨٩ شعر حسان فى عتابه ص
٢٨٩ حول عتاب النبى للأنصار
٢٩٠ جعيل بن سراقة
٢٩١ شعر بجير وكعب ابنى زهير
٢٩٤ قصيدة بانت سعاد
٢٩٨ عن القول والقيل إعرابا ومعنى (ن. ل)
٣٠٠ عود إلى بانت سعاد
ص
٣٠٤ غزوة تبوك فى رجب سنة تسع التهيؤ لتبوك. س
٣٠٤ مدح آخر لكعب
٣٠٥ شأن الجد بن قيس س
٣٠٦ المنافقون المثبطون س
٣٠٦ شعر الضحاك فى تحريق بيت سويلم س
٣٠٧ حض أهل الغنى على النققة س
٣٠٧ قصة البكائين والمعذرين والمتخلفين س
٣٠٩ المنافقون المتخلفون س
١٠٩ إرجاف المنافقين بعلى س
٣١٠ قصة أبى خيثمة س
٣١١ مرور النبى ص بالحجر س
٣١٣ مقالة ابن اللصيت س
٣١٤ إبطاء أبى ذر س
٣١٦ تخذيل المنافقين للمسلمين وما نزل فيهم س
٣١٧ الصلح مع صاحب أيلة س
٣١٧ كتاب الرسول لصاحب أيلة س
٣١٧ أكيدر س
٣١٩ حديث وادى المشقق ومائه س
٣١٩ قيام الرسول على دفن ذى البجادين س
٣٢٠ لم سمى ذو البجادين؟ س
[ ٧ / ٦٠٦ ]
ص
٣٢٠ أبو رهم فى تبوك س
٣٢١ أَمْرُ مَسْجِدِ الضّرَارِ عِنْدَ الْقُفُولِ مِنْ غَزْوَةِ تبوك س
٣٢٣ أَمْرُ الثّلَاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا وَأَمْرُ الْمُعَذّرِينَ فِي غزوة تبوك س
٣٢٤ حديث كعب عن التخلف س
٣٣١ أَمْرُ وَفْدِ ثَقِيفٍ وَإِسْلَامُهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سنة تسع س
٣٣٨ حج أبى بكر بالناس سنة تسع واختصاص النبى ص على بن أبى طالب بِتَأْدِيَةِ أَوّلِ بَرَاءَةٍ عَنْهُ وَذِكْرُ بَرَاءَةَ وَالْقَصَصِ فى تفسيرها س
٣٤٠ تفسيرا بن هشام لبعض المفردات
٣٤٢ اختصاص الرسول عليا بتأدية براءة عنه س
٣٤٢ ما نزل فى الأمر بجهاد المشركين س
٣٤٣ تفسير ابن هشام لبعض الغريب
٣٤٣ مَا نَزَلَ فِي الرّدّ عَلَى قُرَيْشٍ بِادّعَائِهِمْ عمارة البيت س
٣٤٣ ما نزل فى الأمر بقتال المشركين»
٣٤٤ ما نزل فى أهل الكتابين»
٣٤٤ ما نزل فى النسىء»
٣٤٥ ما نزل فى تبوك»
ص
٣٤٥ ما نزل فى أهل النفاق س
٣٤٦ تفسير ابن هشام لبعض الغريب»
٣٤٦ عَوْدٌ إلَى مَا نَزَلَ فِي أَهْلِ النّفَاقِ»
٣٤٧ ما نزل فى ذكر أصحاب الصدقات»
٢٤٧ ما نزل فيمن آذوا الرسول»
٣٤٩ مَا نَزَلَ بِسَبَبِ صَلَاةِ النّبِيّ عَلَى ابْنِ أبى»
٣٥٠ ما نزل فى المستأذنين»
٣٥١ ما نزل فيمن نافق من الأعراب»
٣٥١ مَا نَزَلَ فِي السّابِقِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ
٣٥٢ شعر حسان الذى عدد فيه المغازى»
٣٥٧ ذِكْرُ سَنَةِ تِسْعٍ وَتَسْمِيَتُهَا سَنَةَ» الْوُفُودِ وَنُزُولُ سورة الفتح»
٣٥٧ انقياد العرب وإسلامهم»
٣٥٨ غزوة تبوك
٣٦٠ إبطاء أبى ذر
٣٦٠ إعراب كلمة وحده (ن. ل)
٣٦١ أجأ وسلمى
٣٦٢ أكيدر والكتاب الذى أرسل إليه
٣٦٣ الكتاب إلى هرقل
٣٦٤ موقفه ص من الهدايا
٣٦٥ حول قصة البكائين
[ ٧ / ٦٠٧ ]
ص
٣٦٦ معنى كلمة حس (ن. ل)
٣٦٨ أصحاب مسجد لضرار
٣٦٩ عن الثلاثة الذين خلفوا
٣٧٠ زاح عنى الباطل (ن. ل)
٣٧١ إسلام ثقيف
٣٧١ زوج عروة
٣٧٢ حول هدم اللات
٣٧٢ فقه حديث كتاب النبى لثقيف
٣٧٣ وج
٣٧٤ إنزال سورة براءة
٣٧٦ ما نزل فى سورة براءة
٣٧٧ عن الأجدع بن مالك
٣٧٨ إعطاء الجزية عن يد
٣٧٩ من المعذرين
٣٨٠ قصيدة حسان الميمية
٣٨١ تفسير سورة النصر
٣٨٣ قُدُومُ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ وَنُزُولُ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ. رجال الوفد س
٣٨٣ شىء عن الحتات «
٣٨٤ سائر رجال الوفد «
٣٨٤ صياحهم بالرسول وكلمة عطارد «
٣٨٥ كلمة ثابت فى الرد على عطارد «
٣٨٦ شعر الزبرقان فى الفخر بقومه «
٣٨٨ شعر آخر للزبرقان «
٣٨٩ شِعْرٌ آخَرُ لِحَسّانَ فِي الرد عَلَى الزّبْرِقَانِ «
ص
٣٩٠ إسلامهم وتجويز الرسول إياهم س
٣٩٠ شِعْرُ ابْنِ الْأَهْتَمِ فِي هِجَاءِ قِيسٍ لِتَحْقِيرِهِ إياه «
٣١ قِصّةُ عَامِرِ بْنِ الطّفَيْلِ وَأَرْبَدُ بْنُ قَيْسٍ فى الوفادة بن بنى عامر.
بعض رجال الوفد
٣٩١ تدبير عامر للغدر بالرسول «
٣٩٢ موت عامر بدعاء الرسول عليه»
٣٩٢ مَوْتُ أَرْبَدَ بِصَاعِقَةِ وَمَا نَزَلَ فِيهِ وَفِي عامر «
٣٩٣ شعر لببد فى بكاء أربد «
٣٩٦ قدوم ضمام بن ثعلبة وافدا هن بنى سعد بن بكر «
٣٩٦ سؤاله الرسول أسئلة ثم إسلامه «
٣٩٨ دعوته قومه للاسلام «
٣٩٨ قدوم الجارود فى وفد عبد القيس «
٣٩٩ موقفه من قومه فى الردة «
٣٩٩ إسلام ابن ساوى «
٤٠٠ قُدُومُ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ وَمَعَهُمْ مُسَيْلِمَةُ الْكَذّابِ «
٤٠٠ ما كان من الرسول لمسيلمة «٤٠١ ارتداده وتنبؤه «
[ ٧ / ٦٠٨ ]
ص
٤٠١ قدوم زيد الخيل فى وفد طىء.
إسلامه وموته س
٤٠٢ أمر عدى بن حاتم س
٤٠٤ إسلام عدى س
٤٠٥ وقوع ما وعد به الرسول عديا س
٤٠٥ قدوم فروة بن مسيك المرادى س
٤٠٧ قدوم فروة على الرسول وإسلامه «
٤٠٧ قُدُومُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ فِي أُنَاسٍ من بنى زبيد س
٤٠٩ ارتداده وشعره فى ذلك س
٤٠٩ قُدُومُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ فِي وَفْدِ كِنْدَةَ س
٤١١ قدوم صرد بن عبد الله الأزدى إسلامه س
٤١٢ قتاله أهل جرش س
٤١٢ إخْبَارُ الرّسُولِ وَافِدِي جُرَشَ بِمَا حَدّثَ لِقَوْمِهَا س
٤١٣ إسلام اهل جرش س
٤١٣ قدوم رسول ملوك حمير بكتابهم «
٤١٤ كتاب الرسول إليهم س
٤١٥ وَصِيّةُ الرّسُولِ مُعَاذًا حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ. بعث الرسول معاذا إلى اليمن وشىء من أمره بها س
٤١٦ إسلام فروة بن عمرو الجذامى «
ص
٤١٦ حبس الروم له وشعره فى محبسه س
٤١٧ مقتله «
٤١٨ إسْلَامُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ عَلَى يَدَيْ خالد بن الوليد لما سار إليهم دعوة خالد الناس إلى الإسلام وإسلامهم «
٤١٩ كتاب الرسول إلى خالد يأمره بالمجىء «
٤١٩ قدوم خالد مع وفدهم على الرسول «
٤٢٠ حديث وفدهم مع الرسول «
٤٢١ بعث الرسول عمرو بن حزم بعهده إليهم «
٤٢٣ قدوم رفاعة بن زيد الجذامى.
إسلامه وحمله كتاب الرسول إلى قومه «
٤٢٣ قدوم وفد همدان. أسماؤهم وكلمة ابن نمط بين يدى الرسول «
٤٢٥ ذكر الكذابين مسيلمة الحنفى والاسود العنى «
٤٢٥ رؤيا الرسول فيهما «
٤٢٦ حديث الرسول عن الدجالين «
٤٢٦ خروج الأمراء والعمال على
[ ٧ / ٦٠٩ ]
ص
الصدقات. الأمراء وأسماء العمال وما تولوه س
٤٢٧ كِتَابُ مُسَيْلِمَةَ إلَى رَسُولِ اللهِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ س
٤٢٨ قدوم الوفود على رسول الله ص وفد عبد القيس
٤٢٩ شرح صاحب الحلة
٤٣١ نسب بن الأهتم
٤٣١ عن كرسى الله
٤٣٣ شعر الزبرقان
٤٣٤ شِعْرُ حَسّانَ فِي الرّدّ عَلَى الزّبْرِقَانِ فِي الميمية والعينية
٤٣٦ شِعْرٌ آخَرُ لِحَسّانَ فِي الرد عَلَى الزّبْرِقَانِ
٤٣٦ شرح قول ابن الأهتم لابن عاصم
٤٣٦ مَا نَزَلَ فِي وَفْدِ تَمِيمٍ مِنْ الْحُجُرَاتِ
٤٣٧ إن من البيان لسحرا
٤٣٨ خبر عامر وأربد
٤٣٩ عن لبيد
٤٤٠ وفد جرش
٤٤١ حديث ضمام
٤٤٢ حول حديث الجارود
٤٤٢ وفد بنى حنيفة ونسب مسيلمة
٤٤٤ مؤذنا مسيلمة وسجاح
ص
٤٤٥ امرأة مسيلمة
٤٤٥ مسعود العنى
٤٤٧ زيد الخيل
٤٤٧ أسماء الحمى (ن. ل)
٤٤٨ خبر زيد فى رواية أخرى
٤٥٠ قدوم عدى بن حاتم
٤٥١ حديث فروة «معنى قرو» «ن. ل»
٤٥٢ إبدال آخر حرف فى اسم الفاعل (ن. ل)
٤٥٣ قدوم وفد بنى الحارث بن كعب
٤٥٤ وفود رفاعة
٤٥٧ حجة الوداع. تجهز الرسول واستعماله على المدينة أبا دجانة س
٤٥٨ مَا أَمَرَ بِهِ الرّسُولُ عَائِشَةَ فِي حَيْضِهَا س
٤٥٩ مُوَافَاةُ عَلِيّ فِي قُفُولِهِ مِنْ الْيَمَنِ رَسُولَ الله فى الحج. ما أمر به الرسول عليا من أمور الحج س
٤٥٩ شَكَا عَلِيّا جَنَدُهُ إلَى الرّسُولِ لِانْتِزَاعِهِ عَنْهُمْ حللا من بز اليمن س
٤٦٠ خطبة الرسول فى حجة الوداع س
٤٦٢ اسم الصاروخ بكلام الرسول وما كان يردده س
[ ٧ / ٦١٠ ]
ص
٤٦٣ رِوَايَةُ ابْنِ خَارِجَةَ عَمّا سَمِعَهُ مِنْ الرّسُولِ فى حجة الوداع س
٤٦٣ بعض تعليم الرسول فى الحج س
٤٦٤ بَعْثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ إلَى أَرْضِ فِلَسْطِينَ س
٤٦٤ خروج رسول الله إلى الملوك.
تذكير الرسول قومه بما حدث للحواريين حين اختلفوا على عيسى س
٤٦٥ أسماء الرسل ومن أرسلوا إليهم س
٤٦٥ رِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ بَعْثِ الرّسُولِ رُسُلَهُ س
٤٦٦ أسماء رسل عيسى س
٤٦٧ ذكر جملة الغزوات س
٤٦٨ ذكر جملة السرايا والبعوث س
٤٦٨ خَبَرُ غَزْوَةِ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ اللّيْثِيّ بنى الملوح شأن ابن البرصاء س
٤٦٩ بلاء ابن مكيث فى هذه الغزوة س
٤٦٩ نجاء المسلمين بالنعم س
٤٧٠ شعار المسلمين فى هذه الغزوة س
٤٧٠ تعريف بعدة غزوات س
٤٧١ غزوة زيد بن حارثة إلى جذام- سببها س
٤٧٢ تمكن المسلمين من الكفار س
ص
٤٧٣ شأن حسان وأنيف ابنى ملة س
٤٧٤ قدومهم على الرسول وشعر أبى جعال س
٤٧٧ غَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ بَنِي فَزَارَةَ وَمُصَابُ أم قرفة. بعض من أصيب بها س
٤٧٧ معاودة زيد لهم س
٤٧٧ شأن أم قرفا س
٤٧٨ شعر ابن المسحر فى قتل مسعدة س
٤٧٨ غَزْوَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ لِقَتْلِ الْيَسِيرِ ابن رزام س
٤٧٨ مقتل اليسير س
٤٧٩ غزوة ابن عتيك خيبر س
٤٧٩ غَزْوَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ لِقَتْلِ خَالِدِ بن سفيان بن نبيح الهذلى مقتل ابن نبيح س
٤٨٠ إهداء الرسول عصا لابن أنيس س
٤٨١ شعر ابن أنيس فى قتله بن نبيح س
٤٨١ غزوات أخر س
٤٨٢ غزوة عيينة بن حصن بن العنبر من بنى تميم. وعد الرسول عائشة بإعطائها سبيا منهم لتعتقه س
[ ٧ / ٦١١ ]
ص
٤٨٢ بَعْضُ مَنْ سُبِيَ وَبَعْضُ مَنْ قُتِلَ وَشِعْرُ سلمى فى ذلك س
٤٨٣ شعر الفرزدق فى ذلك «
٤٨٣ غَزْوَةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَرْضَ بَنِي مرة. مقتل مرداس س
٤٨٤ غزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل. إرسال عمرو ثم إمداده س
٤٨٥ وصية أبى بكر رافع بن رافع «
٤٨٧ تقسيم عوف الأشجعى الحزور بين قوم «
٤٨٧ غزوة ابن أبى حدود بطن إضم قتل عامر بن الأضبط الأشجعى «
٤٨٨ ابْنُ حَابِسٍ وَابْنُ حِصْنٍ يَخْتَصِمَانِ فِي دَمِ ابن الأضبط إلى الرسول س
٤٩٠ موت محلم وما حدث له «
٤٩٠ دية ابن الأضبط «
٤٩١ غزوة ابن أبى حدرد لقتل رفاعة ابن قيس الجشمي. سببها س
٤٩٢ انْتِصَارُ الْمُسْلِمِينَ وَنَصِيبُ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ مِنْ فىء استعان به على الزواج س
٤٩٣ غَزْوَةُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ إلَى دَوْمَةِ الجندل. شىء من وعظ الرسول لقومه س
٤٩٤ تأمير ابن عوف واعتمامه
ص
٤٩٤ غَزْوَةُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرّاحِ إلَى سَيْفِ البحر. نفاد الطعام وخبر دابة البحر س
٤٩٥ بعث عمرو بن أمية الصمرى لقتال سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَمَا صَنَعَ فِي طَرِيقِهِ. قدومه مكة ونعرف القوم عليه س
٤٩٦ قتله أبا سفيان وهربه «
٤٩٧ قتله بكريا فى غار «
٤٩٧ سرية زيد بن حارثة إلى مدين بعثه هو وضميرة وقصة السبى «
٤٩٨ سَرِيّةُ سَالِمِ بْنِ عُمَيْرٍ لِقَتْلِ أَبِي عَفَكٍ. سبب نفاق أبى عفك «
٤٩٩ قتل ابن عمير له وشعر المزيرية «
٤٩٩ غَزْوَةُ عُمَيْرِ بْنِ عَدِيّ الْخِطْمِيّ لِقَتْلِ عَصْمَاءَ بنت مروان. نفاقها وشعرها فى ذلك س
٥٠٠ شعر حسان فى الرد عليها «
٥٠٠ خروج الخطمى لقتلها «
٥٠٠ شأن بنى خطمة «
٥٠١ أسر تمامة بْنِ أُثَالٍ الْحَنَفِيّ وَإِسْلَامُهُ وَالسّرِيّةُ الّتِي أَسَرَتْ تمامة بن أثال الحنفى. إسلامه س
٥٠٢ خروجه إلى مكة وقصته مع قريش س
[ ٧ / ٦١٢ ]
ص
٥٠٣ سرية علقمة بن محرز. سبب إرسال علقمة س
٥٠٣ دعابة ابن حذافة مع جيشه س
٥٠٤ سَرِيّةُ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ لِقَتْلِ الْبَجَلِيّينَ الّذِينَ قتلوا يسارا شأن يسار س
٥٠٤ قتل البجليين وتنكيل الرسول بهم س
٥٠٥ غَزْوَةُ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إلَى الْيَمَنِ س
٥٠٥ بَعْثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ إلَى أَرْضِ فِلَسْطِينَ وهو آخر البعوث
٥٠٦ ابْتِدَاءُ شَكْوَى رَسُولِ اللهِ ﷺ. بدء الشكوى س
٥٠٧ تمريضه فى بيت عائشة س
٥٠٧ حجة الوداع
٥١١ بعث أسامة
٥١٢ عدة الغزوات
٥١٣ إرْسَالُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى الملوك. الحواريون
٥١٣ منى المسيح ونهايته
٥١٤ أسطورة زريب
٥١٦ رسوله إلى النجاشى وقيصر
٥١٧ رسوله إلى المقوقس
٥١٩ رسوله إلى المنذر بن ساوى
٥٢٠ مفتاح الجنة
ص
٥٢١ عمرو والجلندى
٥٢٢ شجاع وجبلة
٥٢٣ المهاجر وابن كلال
٥٢٤ غزوة عمر
٥٢٥ ذكر غزوة ذات السلاسل
٥٢٦ حرقة
٥٢٧ أنساب
٥٢٨ حديث أم قرفة
٥٢٩ غزوة أبى حدرد
٥٢٩ ثمامة بن أثال
٥٣٠ مَا زَادَهُ ابْنُ هِشَامٍ مِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ ابن إسحاق
٥٣٢ عن خبيب بن عدى
٥٣٣ ذِكْرُ أَزْوَاجِهِ ﷺ أُمّهَاتِ المؤمنين. أسماؤهن س
٥٣٣ زواجه بخديجة «
٥٣٤ «بعائشة «
٥٣٤ «بسودة «
٥٣٥ «بزينب بنت جحش «
٥٣٥ «بأم سلمة «
٥٣٥ «بحفصة «
٥٣٦ «بأم حبيبة «
٥٣٦ «بجويرية «
٥٣٧ «بصفية «
٥٣٨ «بميمونة «
٥٣٨ «زينب بنت خزيمة «
[ ٧ / ٦١٣ ]
ص
٥٣٩ عدتهن وشأن الرسول معهن س
٥٣٩ تسمية القرشيات منهن «
٥٤٠ تسمية العربيات وغيرهن «
٥٤١ غير العربيات «
٥٤١ تمريص رسول الله فى بيت عائشة.
٥٤١ مجيئه إلى بيت عائشة «
٥٤١ شدة المرض وصب الماء عليه «
٥٤١ كلمة النبى واختصاصه أبا بكر بالذكر «
٥٤٢ أمر الرسول بإنفاذ بعث أسامة «
٥٤٣ وصية الرسول بالأنصار «
٥٤٣ شأن اللدود س
٥٤٤ دعاء الرسول لأسامة بالإشارة «
٥٤٥ صلاة أبى بكر بِالنّاسِ «
٥٤٦ الْيَوْمُ الّذِي قَبَضَ اللهُ فِيهِ نَبِيّهُ «
٥٤٨ شأن العباس وعلى «
٥٤٨ سواك الرسول قبيل الوفاة «
ص
٥٤٩ مقالة عمر بعد وفاة الرسول س
٥٥٠ موقف أبى بكر بعد وفاة الرسول «
٥٥١ أمر سقيفة بنى ساعدة. تفرق الكلمة «
٥٥١ ابْنُ عَوْفٍ وَمَشُورَتُهُ عَلَى عُمَرَ بِشَأْنِ بَيْعَةِ أبى بكر «
٥٥٢ خطبة عمر عند بيعة أبى بكر «
٥٥٥ تَعْرِيفٌ بِالرّجُلَيْنِ اللّذَيْنِ لَقِيَا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فى طريقهما إلى السقيفة «
٥٥٥ خُطْبَةُ عُمَرَ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ الْبَيْعَةِ العامة «
٥٥٦ خطبة أبى بكر «
٥٥٧ جهاز رسول الله (ص) ودفنه.
من تولى غسل الرسول «
٥٥٨ كيف غسل الرسول؟ «
٥٥٨ تكفين الرسول «
٥٥٩ حفر القبر «
٥٥٩ دفن الرسول والصلاة عليه «
٥٦٠ دفن الرسول «
٥٦٠ من تولى دفن الرسول «
٥٦١ أحدث الناس عهدا بالرسول «
٥٦١ خميصة الرسول «
٥٦٢ افتتان المسلمين بعد موت الرسول «
٥٦٣ شِعْرُ حَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ فِي مَرْثِيّتِهِ الرّسُولَ «
[ ٧ / ٦١٤ ]