مقدمة
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الأئمة المهتدين.
«وبعد» فهذا هو الجزء السادس من السيرة وشرحها «الروض الأنف» للإمام السهيلى
والله وحده أسأل أن يعين على تمامه؟
عبد الرحمن الوكيل
[ ٦ / ٥ ]
[تتمة غزوة أحد]
[قَتْلُ الرّسُولِ لأبىّ بن خلف]
(قَالَ): فَلَمّا أُسْنِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في الشّعب أدركه أبىّ ابن خَلَفٍ وَهُوَ يَقُولُ: أَيْ مُحَمّدُ، لَا نَجَوْتُ إنْ نَجَوْتَ، فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَعْطِفُ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنّا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: دَعُوهُ؛ فَلَمّا دَنَا، تَنَاوَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْحَرْبَةَ مِنْ الْحَارِثِ بْنِ الصّمّةِ يَقُولُ بَعْضُ الْقَوْمِ، فِيمَا ذُكِرَ لِي: فَلَمّا أُخِذَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهُ انْتَفَضَ بِهَا انْتِفَاضَةً، تَطَايَرْنَا عَنْهُ، تَطَايُر الشّعْرَاءِ عَنْ ظَهْرِ الْبَعِيرِ إذَا انْتَفَضَ بِهَا- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الشّعْرَاءُ: ذُبَابٌ لَهُ لَدْغٌ- ثُمّ اسْتَقْبَلَهُ فَطَعَنَهُ فِي عُنُقِهِ طَعْنَةً تَدَأْدَأَ مِنْهَا عَنْ فَرَسِهِ مِرَارًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَدَأْدَأَ، يَقُولُ: تَقَلّبَ عَنْ فَرَسِهِ، فَجَعَلَ يَتَدَحْرَجُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أُبَيّ بْنُ خَلَفٍ، كَمَا حَدّثَنِي صَالِحُ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، يَلْقَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَكّةَ، فَيَقُولُ:
يَا مُحَمّدُ إنّ عِنْدِي الْعَوْذَ، فَرَسًا أَعْلِفُهُ كُلّ يَوْمٍ فَرَقًا مِنْ ذُرَةٍ، أَقْتُلُك عَلَيْهِ؛ فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بَلْ أَنَا أَقْتُلُك إنْ شَاءَ اللهُ. فَلَمّا رَجَعَ إلَى قُرَيْشٍ وَقَدْ خَدَشَهُ فِي عُنُقِهِ خَدْشًا غير كبير، فاحتقن الدم، فقال: قتلى وَاَللهِ مُحَمّدٌ! قَالُوا لَهُ: ذَهَبَ وَاَللهِ فُؤَادُك! وَاَللهِ إنْ بِك مِنْ بَأْسٍ؛ قَالَ: إنّهُ قَدْ كَانَ قَالَ لِي بِمَكّةَ: أَنَا أَقْتُلُك، فَوَاَللهِ لَوْ بَصَقَ عَلَيّ لَقَتَلَنِي. فَمَاتَ عَدُوّ الله؟؟ يشرف وَهُمْ قَافِلُونَ بِهِ إلَى مَكّةَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٧ ]
[شِعْرُ حَسّانَ فِي مَقْتَلِ أُبَيّ بْنِ خَلَفٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فى ذلك:
لَقَدْ وَرِثَ الضّلَالَةَ عَنْ أَبِيهِ أُبَيّ يَوْمَ بَارَزَهُ الرّسُولُ
أَتَيْتَ إلَيْهِ تَحْمِلُ رِمّ عَظْمٍ وَتُوعِدُهُ وَأَنْتَ بِهِ جَهُولُ
وَقَدْ قَتَلَتْ بَنُو النّجّارِ مِنْكُمْ أُمَيّةَ إذْ يُغَوّثُ: يَا عَقِيلُ
وَتَبّ ابْنَا رَبِيعَةَ إذْ أَطَاعَا أَبَا جَهْلٍ، لِأُمّهِمَا الْهَبُول
وَأَفْلَتْ حَارِثٌ لَمّا شَغَلْنَا بِأَسْرِ الْقَوْمِ، أُسْرَتُهُ فَلَيْلُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أُسْرَتُهُ: قَبِيلَتُهُ.
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا فِي ذَلِكَ:
أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ عَنّي أُبَيّا لَقَدْ أُلْقِيَتْ فِي سُحْقِ السّعِيرِ
تَمَنّى بِالضّلَالَةِ مِنْ بَعِيدٍ وَتُقْسِمُ أَنْ قَدَرْت مَعَ النّذُورِ
تَمَنّيك الْأَمَانِيّ مِنْ بَعِيدٍ وَقَوْلُ الْكُفْرِ يَرْجِعُ فِي غُرُورِ
فَقَدْ لَاقَتْك طَعْنَةُ ذِي حِفَاظٍ كَرِيمِ الْبَيْتِ لَيْسَ بِذِي فُجُورِ
لَهُ فَضْلٌ عَلَى الأحياء طرّا إذا فابت ملمّات الأمور
[انْتِهَاءُ الرّسُولِ إلَى الشّعْبِ]
(قَالَ): فَلَمّا انْتَهَى رسول الله ﷺ إلى فَمِ الشّعْبِ خَرَجَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، حتى ملأ دوقته مَاءً مِنْ الْمِهْرَاسِ، فَجَاءَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٨ ]
ﷺ ليشرب منه، فوجده لَهُ رِيحًا، فَعَافَهُ، فَلَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ، وَغَسَلَ عَنْ وَجْهِهِ الدّمَ، وَصَبّ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اشْتَدّ غَضَبُ اللهِ عَلَى مَنْ دَمّى وجه نبيه.
[حِرْصُ ابْنِ أَبِي وَقّاصٍ عَلَى قَتْلِ عُتْبَة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَمّنْ حَدّثَهُ عَنْ سَعْد بْنِ أَبِي وَقّاصٍ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ: وَاَللهِ مَا حَرَصْت عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ قَطّ كَحِرْصِي عَلَى قَتْلِ عُتْبَة بْنِ أَبِي وَقّاصٍ، وَإِنْ كَانَ مَا عَلِمْتُ لِسَيّئِ الْخَلْقِ مُبْغَضًا فِي قَوْمِهِ، وَلَقَدْ كَفَانِي مِنْهُ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: اشْتَدّ غَضَبُ اللهِ عَلَى مَنْ دَمّى وَجْهَ رَسُولِهِ.
[صُعُودُ قُرَيْشٍ الْجَبَلَ وَقِتَالُ عُمَرَ لهم]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشّعْبِ، مَعَهُ أُولَئِكَ النّفَرُ مِنْ أَصْحَابِهِ، إذْ عَلَتْ عَالِيَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ الْجَبَلَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: كَانَ عَلَى تِلْكَ الْخَيْلِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهم إنّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا! فَقَاتَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ وَرَهْطٌ مَعَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حَتّى أَهْبَطُوهُمْ مِنْ الْجَبَلِ.
[ضَعْفُ الرّسُولِ عَنْ النّهُوضِ وَمُعَاوَنَةُ طَلْحَةَ لَهُ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَنَهَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى صَخْرَةٍ مِنْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٩ ]
الْجَبَلِ لِيَعْلُوَهَا، وَقَدْ كَانَ بُدْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، فَلَمّا ذَهَبَ لِيَنْهَضَ ﷺ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَجَلَسَ تَحْتَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، فَنَهَضَ بِهِ، حَتّى اسْتَوَى عَلَيْهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، كما حَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ الزّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمئِذٍ يَقُولُ:
أَوْجَبَ طَلْحَةُ حِينَ صَنَعَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مَا صَنَعَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: أن رسول الله ﷺ لَمْ يَبْلُغْ الدّرَجَةَ الْمَبْنِيّةَ فِي الشّعْبِ.
[صَلَاةُ الرسول قاعدا]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ عُمَرُ مَوْلَى غُفْرَةَ: أَنّ النّبِيّ ﷺ صَلّى الظّهْرَ يَوْمَ أُحُدٍ قَاعِدًا مِنْ الْجِرَاحِ الّتِي أَصَابَتْهُ، وَصَلّى الْمُسْلِمُونَ خَلْفَهُ قُعُودًا.
[مَقْتَلُ الْيَمَانِ وَابْنِ وَقْشٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ النّاسُ انْهَزَمُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى انْتَهَى بَعْضُهُمْ إلَى الْمُنَقّى، دُونَ الْأَعْوَصِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ محمود بن لبيد، قَالَ: لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى أُحُدٍ، رَفَعَ حُسَيْلُ بْنُ جابر
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٠ ]
وَهُوَ الْيَمَانُ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ الْيَمَانِ، وَثَابِتُ بْنُ وَقْشٍ فِي الْآطَامِ مَعَ النّسَاءِ وَالصّبْيَانِ، فقال أحدهما لصاحبه، وهما شيخان كبيران: لا أبالك، مَا تَنْتَظِرُ؟
فَوَاَللهِ لَا بَقِيَ لِوَاحِدِ مِنّا مِنْ عُمْرِهِ إلّا ظِمْءُ حِمَارٍ، إنّمَا نَحْنُ هَامَةُ الْيَوْمِ أَوْ غَد، أَفَلَا نَأْخُذُ أَسْيَافَنَا، ثُمّ نَلْحَقُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، لَعَلّ اللهَ يَرْزُقُنَا شَهَادَةً مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ فَأَخَذَا أَسْيَافَهُمَا ثُمّ خَرَجَا، حَتّى دَخَلَا فِي النّاسِ، وَلَمْ يُعْلَمْ بِهِمَا، فَأَمّا ثَابِتُ بْنُ وَقْشٍ فَقَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ، وَأَمّا حُسَيْلُ بْنُ جَابِرٍ فَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ أَسْيَافُ الْمُسْلِمِينَ، فَقَتَلُوهُ وَلَا يَعْرِفُونَهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَبِي، فَقَالُوا: وَاَللهِ إنْ عَرَفْنَاهُ، وَصَدَقُوا. قَالَ حُذَيْفَةُ: يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَدِيَهُ؛ فَتَصَدّقَ حُذَيْفَةُ بِدِيَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ فَزَادَهُ ذَلِكَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَيْرًا.
[مَقْتَلُ حَاطِبٍ وَمَقَالَةُ أَبِيهِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن رَجُلًا مِنْهُمْ كَانَ يُدْعَى حَاطِبَ بْنَ أُمّيّةَ بْنِ رَافِعٍ، وَكَانَ لَهُ ابْنٌ يُقَال لَهُ يَزِيدُ بْنُ حَاطِبٍ، أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأُتِيَ بِهِ إلَى دَارِ قَوْمِهِ وَهُوَ بِالْمَوْتِ، فَاجْتَمَعَ إلَيْهِ أَهْلُ الدّارِ، فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ له من الرجال والنساء: أبشر يابن حَاطِبٍ بِالْجَنّة؛ قَالَ: وَكَانَ حَاطِبٌ شَيْخًا قَدْ عَسَا فِي الْجَاهِلِيّةِ، فَنَجَمَ يَوْمئِذٍ نِفَاقُهُ، فَقَالَ: بِأَيّ شَيْءٍ تُبَشّرُونَهُ؟ بِجَنّةٍ مِنْ حَرْمَلٍ! غَرَرْتُمْ وَاَللهِ هَذَا الْغُلَامَ مِنْ نَفْسِهِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١١ ]
[مقتل قزمان منافقا كما حدّث الرسول ذلك]
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ فِينَا رَجُلٌ أَتَى لَا يُدْرَى مِمّنْ هُوَ، يُقَالُ لَهُ قُزْمَانُ، وكان رسول الله ﷺ يَقُولُ، إذَا ذُكِرَ لَهُ: إنّهُ لَمِنْ أَهْلِ النّارِ، قَالَ: فَلَمّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَتَلَ وَحْدَهُ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ ذَا بَأْسٍ، فَأَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ، فَاحْتُمِلَ إلَى دَارِ بَنِي ظَفَرٍ، قَالَ: فَجَعَلَ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ لَهُ:
وَاَللهِ لَقَدْ أبليت اليوم يا قزمان، فأبشر، قال: بماذ أَبْشِرُ؟ فَوَاَللهِ إنْ قَاتَلْتُ إلّا عَنْ أَحْسَابِ قَوْمِي، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا قَاتَلْتُ. قَالَ: فَلَمّا اشْتَدّتْ عَلَيْهِ جِرَاحَتُهُ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فقتل به نفسه.
[قَتْلُ مُخَيْرِيقٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمّنْ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ مُخَيْرِيق، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ الْفِطْيُونِ، قَالَ: لَمّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، قَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، وَاَللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنّ نَصْرَ مُحَمّدٍ عَلَيْكُمْ لَحَقّ، قَالُوا: إن اليوم يوم السبت، قال لاسبت لكم.
فَأَخَذَ سَيْفَهُ وَعُدّتَهُ، وَقَالَ: إنْ أُصِبْت فَمَالِي لِمُحَمّدِ يَصْنَعُ فِيهِ مَا شَاءَ، ثُمّ غَدَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَاتَلَ مَعَهُ حَتّى قُتِلَ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنَا- مُخَيْرِيق خير يهود.
[أَمْرُ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْد بْنِ صَامَتْ مُنَافِقًا، فخرج يوم
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٢ ]
أُحُدٍ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمّا الْتَقَى النّاسُ، عَدَا على المجذّر بن ذياد البلوى، وقيس ابن زَيْدٍ، أَحَدِ بَنِي ضُبَيْعَةَ، فَقَتَلَهُمَا، ثُمّ لَحِقَ بِمَكّةَ بِقُرَيْشٍ؛ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ- فيما يذكرون- قد أمر عمر بن الخطاب بقتله إن هو ظفر به، فَفَاتَهُ، فَكَانَ بِمَكّةَ؛ ثُمّ بَعَثَ إلَى أَخِيهِ الْجُلَاسِ بْنِ سُوَيْد يَطْلُبُ التّوْبَةَ، لِيَرْجِعَ إلَى قَوْمِهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ، فِيمَا بَلَغَنِي؛ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ:
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ، وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ إلَى آخِرِ الْقِصّةِ.
[تَحْقِيقُ ابْنِ هِشَامٍ فِيمَنْ قَتَلَ الْمُجَذّرَ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنّ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْد قَتَلَ الْمُجَذّرَ بْنَ ذِيَادٍ، وَلَمْ يَقْتُلْ قِيسَ بْنَ زَيْدٍ، وَالدّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: أَنّ ابْنَ إسْحَاقَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي قَتْلَى أُحُدٍ؛ وَإِنّمَا قَتَلَ الْمُجَذّرَ لِأَنّ الْمُجَذّرَ بْنَ ذِيَادٍ كَانَ قَتَلَ أَبَاهُ سُوَيْدًا فِي بَعْضِ الْحُرُوبِ الّتِي كَانَتْ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ.
فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فِي نَفَرٍ مِنْ أصحابه، إذ خرج الحارث ابن سُوَيْد مِنْ بَعْضِ حَوَائِطِ الْمَدِينَةِ، وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مضرّ جان، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَيُقَالُ:
بَعْضُ الْأَنْصَارِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَتَلَ سُوَيْدَ بْنَ الصّامِتِ مَعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ غِيلَةً، فِي غَيْرِ حَرْبٍ رَمَاهُ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ قَبْلَ يَوْمِ بعاث.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٣ ]
[أَمْرُ أُصَيْرِم]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي الْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مَعَاذٍ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ يَقُولُ:
حَدّثُونِي عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ الْجَنّةَ لَمْ يُصَلّ قَطّ، فَإِذَا لَمْ يَعْرِفْهُ النّاسُ سَأَلُوهُ: مَنْ هُوَ؟ فَيَقُولُ: أُصَيْرِم، بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، عَمْرُو بْنُ ثَابِتِ بْنِ وَقْشٍ. قَالَ الْحُصَيْنُ: فَقُلْت لِمَحْمُودِ بْنِ أَسَدٍ: كَيْفَ كَانَ شَأْنُ الْأُصَيْرِمِ؟ قَالَ: كَانَ يَأْبَى الْإِسْلَامَ عَلَى قَوْمِهِ. فَلَمّا كَانَ يَوْمُ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى أُحُدٍ، بَدَا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، ثُمّ أَخَذَ سَيْفَهُ، فَعَدَا حَتّى دَخَلَ فِي عُرْضِ النّاسِ، فَقَاتَلَ حَتّى أَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ. قَالَ: فَبَيْنَا رِجَالٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَلْتَمِسُونَ قَتَلَاهُمْ فِي الْمَعْرَكَةِ إذَا هُمْ بِهِ، فَقَالُوا: وَاَللهِ إنّ هَذَا لَلْأُصَيْرِمُ، مَا جَاءَ بِهِ؟ لَقَدْ تَرَكْنَاهُ وَإِنّهُ لِمُنْكِرٍ لِهَذَا الْحَدِيثَ، فَسَأَلُوهُ مَا جَاءَ بِهِ، فَقَالُوا: مَا جَاءَ بِك يَا عَمْرُو؟ أَحَدَبٌ عَلَى قَوْمِك أَمْ رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ،؟ قَالَ: بَلْ رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ، آمَنْت بِاَللهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَسْلَمْتُ، ثُمّ أَخَذْت سَيْفِي، فَغَدَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمّ قَاتَلْت حَتّى أَصَابَنِي مَا أَصَابَنِي، ثُمّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ فِي أَيْدِيهِمْ. فَذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: إنّهُ لَمِنْ أَهْلِ الجنة.
[مَقْتَلُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وحدثثى أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ بنى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٤ ]
سلمة: أَنّ عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ كَانَ رَجُلًا أَعْرَجَ شَدِيدَ الْعَرَجِ، وَكَانَ لَهُ بَنُونَ أَرْبَعَةٌ مِثْلَ الْأُسْدِ، يَشْهَدُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَشَاهِدَ، فَلَمّا كَانَ يَوْمُ أُحُد أَرَادُوا حَبْسَهُ، وَقَالُوا لَهُ: إنّ اللهَ ﷿: قَدْ عَذَرَك، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: إنّ بَنِيّ يُرِيدُونَ أَنْ يَحْبِسُونِي عَنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَالْخُرُوجِ مَعَك فِيهِ، فَوَاَللهِ إنّي لَأَرْجُو أَنْ أَطَأَ بِعَرْجَتِي هَذِهِ فِي الْجَنّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَمّا أَنْتَ فَقَدْ عَذَرَك اللهُ فَلَا جِهَادَ عَلَيْك، وَقَالَ لِبَنِيهِ: مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَمْنَعُوهُ، لَعَلّ اللهَ أَنْ يَرْزُقَهُ الشّهَادَةَ، فَخَرَجَ مَعَهُ فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ.
[هِنْدُ وَتَمْثِيلُهَا بِحَمْزَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَوَقَعَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَة، كَمَا حَدّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، وَالنّسْوَةُ اللّاتِي مَعَهَا، يُمَثّلْنَ بِالْقَتْلَى مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، يجدّعن الآذان والأنف، حتى اتخذت هِنْدُ مِنْ آذَانِ الرّجَالِ وَآنُفِهِمْ خَدَمًا وَقَلَائِدَ، وَأَعْطَتْ خَدَمَهَا وَقَلَائِدَهَا وَقِرَطَتَهَا وَحْشِيّا، غُلَامَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَبَقَرَتْ عَنْ كَبِدِ حَمْزَةَ، فَلَاكَتْهَا، فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُسِيغَهَا، فَلَفَظَتْهَا، ثُمّ عَلَتْ عَلَى صَخْرَةٍ مُشْرِفَةٍ، فَصَرَخَتْ بِأَعْلَى صَوْتِهَا فَقَالَتْ:
نَحْنُ جَزَيْنَاكُمْ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَالْحَرْبُ بَعْدَ الْحَرْبِ ذَاتِ سُعْرِ
مَا كَانَ عَنْ عُتْبَة لِي مِنْ صَبْرِ وَلَا أَخِي وَعَمّهِ وَبَكْرِي
شَفَيْتُ نَفْسِي وَقَضَيْتُ نَذْرِي شَفَيْتَ وَحْشِيّ غَلِيلَ صَدْرِي
فَشُكْرُ وَحْشِيّ عَلَيّ عُمْرِي حَتّى تَرُمّ أَعْظُمِي فى قبرى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٥ ]
[شِعْرُ هِنْدَ بِنْتِ أُثَاثَةَ فِي الرّدّ عَلَى هند بنت عتبة]
فأجابتها هِنْدُ بِنْتُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبّادِ بْنِ الْمُطّلِبِ، فقالت:
خَزِيت فِي بَدْرٍ وَبَعْدَ بَدْرٍ يَا بِنْتَ وَقّاعٍ عَظِيمِ الْكُفْرِ
صَبّحَك اللهُ غَدَاةَ الْفَجْرِ ملهاشميّين الطّوال الزّهر
ببكلّ قَطّاعٍ حُسَامٍ يَفْرِي حَمْزَةُ لَيْثِيّ وَعَلِيّ صَقْرِيّ
إذا رَامَ شَيْبٌ وَأَبُوك غَدْرِي فَخَضّبَا مِنْهُ ضَوَاحِي النّحْرِ
وَنَذْرُك السّوءَ فَشَرّ نَذْرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْنَا مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَبْيَاتٍ أَقْذَعَتْ فِيهَا.
[شِعْرُ لِهِنْدِ بِنْتِ عُتْبَة أَيْضًا]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَة أَيْضًا:
شَفَيْتُ مِنْ حَمْزَةَ نَفْسِي بِأُحُدٍ حَتّى بَقَرْتُ بَطْنَهُ عَنْ الْكَبِدِ
أَذْهَبَ عَنّي ذَاكَ مَا كُنْتُ أَجِدُ مِنْ لَذْعَةِ الْحُزْنِ الشّدِيدِ الْمُعْتَمِدِ
وَالْحَرْبُ تَعْلُوكُمْ بِشَؤْبُوب بَرِدٍ تُقْدِمُ إقْدَامًا عَلَيْكُمْ كَالْأَسَدِ
[تَحْرِيضُ عُمَرَ لِحَسّانَ عَلَى هَجْوِ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ أَنّهُ حُدّثَ: أَنّ عُمْرَ بْنَ الْخَطّابِ قال لحسّان بن ثابت: يابن الْفُرَيْعَةِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْفُرَيْعَةُ بِنْتُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٦ ]
خَالِدِ بْنِ خُنَيْسٍ، وَيُقَال: خُنَيْسٌ: ابْنُ حَارِثَةَ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ- لَوْ سَمِعْتَ مَا تَقُولُ هند، وأريت أَشْرَهَا قَائِمَةً عَلَى صَخْرَةٍ تَرْتَجِزُ بِنَا، وَتَذْكُرُ مَا صَنَعَتْ بِحَمْزَةِ؟
قَالَ لَهُ حَسّانُ: وَاَللهِ إنّي لَأَنْظُرُ إلَى الْحَرْبَةِ تَهْوِي وَأَنَا عَلَى رَأْسِ فَارِعٍ- يَعْنِي أُطُمَهُ- فَقُلْت: وَاَللهِ إنّ هَذِهِ لَسِلَاحٌ مَا هِيَ بِسِلَاحِ الْعَرَبِ، وَكَأَنّهَا إنّمَا تَهْوِي إلَى حَمْزَةَ وَلَا أَدْرِي، لَكِنْ أسمعنى بعض قولها أكفكموها؛ قَالَ: فَأَنْشَدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ بَعْضَ مَا قَالَتْ؛ فَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
أَشْرَتْ لَكَاعُ وَكَانَ عَادَتُهَا لُؤْمًا إذَا أَشْرَتْ مَعَ الْكُفْرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ تَرَكْنَاهَا، وَأَبْيَاتًا أَيْضًا لَهُ عَلَى الدّالِ. وَأَبْيَاتًا أُخَرَ عَلَى الذّالِ، لِأَنّهُ أَقْذَعَ فِيهَا.
[اسْتِنْكَارُ الْحُلَيْسِ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ تَمْثِيلَهُ بِحَمْزَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ الْحُلَيْسُ بْنُ زبّان، أخو بنى الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ، وَهُوَ يَوْمئِذٍ سَيّدُ الْأُبَيْشِ، قَدْ مَرّ بِأَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ يَضْرِبُ فى فِي شَدْقِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بِزُجّ الرّمْحِ وَيَقُولُ: ذُقْ عُقَقُ؛ فَقَالَ الْحُلَيْسُ: يَا بَنِي كِنَانَةَ، هَذَا سَيّدُ قُرَيْشٍ يَصْنَعُ بِابْنِ عَمّهِ مَا تَرَوْنَ لَحْمًا؟ فَقَالَ: وَيْحَك! اُكْتُمْهَا عَنّي، فَإِنّهَا كَانَتْ زَلّةً.
[شَمَاتَةُ أَبِي سُفْيَانَ بِالْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أُحُدٍ وَحَدِيثُهُ مَعَ عُمَرَ]
ثُمّ إنّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، حِينَ أَرَادَ الِانْصِرَافَ، أَشْرَفَ عَلَى الْجَبَلِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٧ ]
ثُمّ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ فَقَالَ: أَنْعَمْتَ فَعَالِ، وَإِنّ الْحَرْبَ سِجَالٌ يَوْمٌ بِيَوْمِ، أُعْلُ هُبَلُ، أَيْ: أَظْهِرْ دِينَك، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قُمْ يَا عُمَرُ فَأَجِبْهُ، فَقُلْ: اللهُ أَعَلَى وَأَجَلّ، لَا سَوَاءَ، قَتَلَانَا فى الجنّة، وقتلاكم فى النّار. فَلَمّا أَجَابَ عُمَرُ أَبَا سُفْيَانَ، قَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ: هَلُمّ إلَيّ يَا عُمَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعُمَرِ: ائْتِهِ فَانْظُرْ مَا شَأْنُهُ؛ فَجَاءَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ: أَنْشُدُك اللهَ يَا عُمَرُ، أَقَتَلْنَا مُحَمّدًا؟ قَالَ عُمَرُ: اللهُمّ لَا، وَإِنّهُ لَيَسْمَعُ كَلَامَك الْآنَ، قَالَ: أَنْتَ أَصْدَقُ عِنْدِي مِنْ ابْنِ قَمِئَةَ وَأَبَرّ؛ لِقَوْلِ ابْنِ قَمِئَةَ لَهُمْ: إنّي قَدْ قَتَلْت مُحَمّدًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ ابْنِ قَمِئَةَ عَبْدُ اللهِ.
[تَوَعّدُ أَبِي سُفْيَانَ الْمُسْلِمِينَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ نَادَى أَبُو سُفْيَانَ: إنّهُ قَدْ كَانَ فِي قَتْلَاكُمْ مُثُلٌ، وَاَللهِ مَا رَضِيت، وَمَا سَخِطْت، وَمَا نَهَيْتُ، وَمَا أَمَرْت.
وَلَمّا انْصَرَفَ أَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ، نَادَى: إنّ مَوْعِدَكُمْ بَدْرٌ لِلْعَامِ الْقَابِلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِرَجُلِ مِنْ أَصْحَابِهِ: قُلْ: نَعَمْ، هُوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ مَوْعِدٌ.
[خُرُوجُ عَلِيّ فِي آثَارِ الْمُشْرِكِينَ]
ثُمّ بَعَثَ رسول الله ﷺ على بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: اُخْرُجْ فِي آثَارِ الْقَوْمِ، فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ وَمَا يُرِيدُونَ، فَإِنْ كَانُوا قَدْ جَنّبُوا الْخَيْلَ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٨ ]
وَامْتَطَوْا الْإِبِلَ، فَإِنّهُمْ يُرِيدُونَ مَكّةَ، وَإِنْ رَكِبُوا الْخَيْلَ وَسَاقُوا الْإِبِلَ، فَإِنّهُمْ يُرِيدُونَ الْمَدِينَةَ، وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ أَرَادُوهَا لَأَسِيرَنّ إلَيْهِمْ فِيهَا، ثُمّ لَأُنَاجِزَنّهُمْ. قَالَ عَلِيّ: فَخَرَجْت فِي آثَارِهِمْ أَنْظُرُ مَاذَا يَصْنَعُونَ؛ فَجَنّبُوا الْخَيْلَ، وَامْتَطَوْا الْإِبِلَ، ووجّهوا إلى مكة.
[أَمْرُ الْقَتْلَى بِأُحُدِ]
وَفَرَغَ النّاسُ لِقَتْلَاهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كما حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْمَازِنِيّ، أَخُو بَنِي النّجّار: مَنْ رَجُلٌ يَنْظُرُ لِي مَا فَعَلَ سَعْدُ بْنُ الرّبِيعِ؟ أَفِي الْأَحْيَاءِ هُوَ أَمْ فِي الْأَمْوَاتِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَنَا أَنْظُرُ لَك يَا رَسُولَ اللهِ مَا فَعَلَ سَعْدٌ، فَنَظَرَ فَوَجَدَهُ جَرِيحًا فِي الْقَتْلَى وَبِهِ رَمَقٌ. قَالَ: فَقُلْت لَهُ: إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ، أَفِي الْأَحْيَاءِ أَنْتَ أَمْ فِي الْأَمْوَاتِ؟ قَالَ: أَنَا فِي الْأَمْوَاتِ، فَأَبْلِغْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنّي السّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: إنّ سَعْدَ بْنَ الرّبِيعِ يَقُولُ لَك: جَزَاك اللهُ عَنّا خَيْرَ مَا جَزَى نَبِيّا عَنْ أُمّتِهِ، وَأَبْلِغْ قَوْمَك عَنّي السّلَامَ وَقُلْ لَهُمْ: إنّ سَعْدَ بْنَ الرّبِيعِ يَقُولُ لَكُمْ: إنّهُ لَا عُذْرَ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ إنْ خَلُصَ إلَى نَبِيّكُمْ ﷺ وَمِنْكُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ. قَالَ: ثُمّ لَمْ أَبْرَحْ حَتّى مَاتَ؛ قال: فجئت رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْته خَبَرَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الزّبَيْرِيّ: أَنّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ وَبِنْتٌ لِسَعْدِ بْنِ الرّبِيعِ جَارِيَةٌ صَغِيرَةٌ عَلَى صَدْرِهِ يَرْشُفُهَا وَيُقَبّلُهَا؛
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٩ ]
فَقَالَ لَهَ الرّجُلُ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هَذِهِ بِنْتُ رَجُلٍ خَيْرٍ مِنّي، سَعْدِ بْنِ الرّبِيعِ، كَانَ مِنْ النّقَبَاءِ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، وَشَهِدَ بَدْرًا، وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ.
[حُزْنُ الرّسُولِ عَلَى حَمْزَةَ وَتَوَعّدُهُ الْمُشْرِكِينَ بِالْمُثْلَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فيما بلغنى، يتلمس حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، فَوَجَدَهُ بِبَطْنِ الْوَادِي قَدْ بُقِرَ بَطْنُهُ عَنْ كَبِدِهِ، وَمُثّلَ بِهِ، فَجُدِعَ أَنْفُهُ وَأُذُنَاهُ.
فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بن الزبير: أن رسول الله ﷺ قَالَ حِينَ رَأَى مَا رَأَى: لَوْلَا أَنْ تَحْزَنَ صَفِيّةُ، وَيَكُونُ سُنّةً مِنْ بَعْدِي لَتَرَكْته، حَتّى يَكُونَ فِي بِطُونِ السّبَاعِ، وَحَوَاصِلِ الطّيْرِ، وَلَئِنْ أَظْهَرنِي اللهُ عَلَى قُرَيْشٍ فى موطن من المواطن لأمثلنّ بثلاثين رجلا منهم. فلما رأى المسلمون حُزْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَغَيْظَهُ عَلَى مَنْ فَعَلَ بِعَمّهِ مَا فَعَلَ، قَالُوا: وَاَللهِ لَئِنْ أَظْفَرَنَا اللهُ بِهِمْ يَوْمًا من الدهر لنمثّان بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثّلْهَا أَحَدٌ مِنْ الْعَرَبِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَمّا وَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى حَمْزَةَ قَالَ:
لَنْ أُصَابَ بِمِثْلِك أَبَدًا! مَا وَقَفْتُ مَوْقِفًا قَطّ أَغْيَظَ إلَيّ مِنْ هَذَا! ثُمّ قَالَ:
جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنّ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ المطلب مكتوب فى أهل السماوات السبع: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، أَسَدُ اللهِ، وَأَسَدُ رَسُولِه.
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَحَمْزَةُ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ، إخْوَةٌ مِنْ الرّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْهُمْ مَوْلَاةٌ لِأَبِي لَهَبٍ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٠ ]
[مَا نَزَلَ فِي النّهْيِ عَنْ الْمُثْلَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ فَرْوَةَ الْأَسْلَمِيّ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ، وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: أَنّ اللهَ ﷿ أَنْزَلَ فِي ذَلِكَ، مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَوْلِ أَصْحَابِهِ: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ، وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ، فَعَفَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَصَبَرَ وَنَهَى عَنْ الْمُثْلَةِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي حُمَيْد الطّوِيلُ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: مَا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَقَامٍ قَطّ فَفَارَقَهُ، حَتّى يَأْمُرَنَا بِالصّدَقَةِ، وَيَنْهَانَا عَنْ المثلة.
[صلاة الرسول على حمزة والقتلى]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ مِقْسَمٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحَمْزَةِ فَسُجّيَ بِبُرْدَةِ ثُمّ صَلّى عَلَيْهِ، فَكَبّرَ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمّ أُتِيَ بِالْقَتْلَى فَيُوضَعُونَ إلَى حَمْزَةَ، فَصَلّى عَلَيْهِمْ وعليهم مَعَهُمْ، حَتّى صَلّى عَلَيْهِ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ صَلَاةً.
[صَفِيّةُ وَحُزْنُهَا عَلَى حَمْزَةَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ أَقْبَلَتْ فِيمَا بَلَغَنِي، صَفِيّةُ بِنْتُ عَبْدِ المطلّب لتنظر
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢١ ]
إلَيْهِ وَكَانَ أَخَاهَا لِأَبِيهَا وَأُمّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِابْنِهَا الزّبَيْرِ بْنِ الْعَوّامِ: الْقَهَا فَأَرْجِعْهَا، لَا تَرَى مَا بِأَخِيهَا، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمّهُ، إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْمُرُك أَنْ تَرْجِعِي، قَالَتْ: وَلِمَ؟ وَقَدْ بَلَغَنِي أَنْ قَدْ مُثّلَ بِأَخِي، وَذَلِك فِي اللهِ، فَمَا أَرْضَانَا بِمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ! لَأَحْتَسِبَن وَلَأَصْبِرَن إنْ شَاءَ اللهُ. فَلَمّا جَاءَ الزّبَيْرُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، قَالَ: خَلّ سَبِيلَهَا، فَأَتَتْهُ، فَنَظَرَتْ إلَيْهِ، فَصَلّتْ عَلَيْهِ، وَاسْتَرْجَعَتْ، وَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ، ثُمّ أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدُفِنَ.
[دَفْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ مَعَ حَمْزَةَ]
قَالَ: فَزَعَمَ لِي آلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ- وَكَانَ لِأُمَيْمَةِ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، حَمْزَةُ خَالُهُ، وَقَدْ كَانَ مُثّلَ بِهِ كَمَا مُثّلَ بِحَمْزَةِ، إلّا أَنّهُ لَمْ يُبْقَرْ عَنْ كَبِدِهِ- أن رسول الله ﷺ دَفَنَهُ مَعَ حَمْزَةَ فِي قَبْرِهِ، وَلَمْ أَسْمَعْ ذلك إلا عن أهله.
[دفن الشهداء]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ قَدْ احْتَمَلَ نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَتْلَاهُمْ إلَى الْمَدِينَةِ، فَدَفَنُوهُمْ بِهَا، ثُمّ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ:
ادْفِنُوهُمْ حَيْثُ صُرِعُوا.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم الزّهرىّ، عن عبد الله بن ثعلبة
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٢ ]
ابن صُعَيْرٍ الْعُذْرِيّ، حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا أَشْرَفَ عَلَى الْقَتْلَى يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ، إنّهُ مَا مِنْ جَرِيحٍ يُجْرَحُ فِي اللهِ، إلّا وَاَللهُ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى جُرْحُهُ، اللّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرّيحُ رِيحُ مسك، وانظروا أَكْثَرَ هَؤُلَاءِ جَمْعًا لِلْقُرْآنِ، فَاجْعَلُوهُ أَمَامَ أَصْحَابِهِ فِي الْقَبْرِ- وَكَانُوا يَدْفِنُونَ الِاثْنَيْنِ وَالثّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ.
قَالَ: وَحَدّثَنِي عَمّي مُوسَى بْنُ يَسَارٍ، أَنّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: مَا مِنْ جَرِيحٍ يُجْرَحُ فِي اللهِ إلّا وَاَللهُ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَدْمَى، اللّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرّيحُ رِيحُ مِسْكٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ يَوْمَئِذٍ، حِينَ أَمَرَ بِدَفْنِ الْقَتْلَى: اُنْظُرُوا إلَى عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، فَإِنّهُمَا كانا متضافيين فِي الدّنْيَا، فَاجْعَلُوهُمَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ.
[حُزْنُ حَمْنَةَ عَلَى حَمْزَةَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ، فَلَقِيَتْهُ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، كَمَا ذُكِرَ لِي، فَلَمّا لَقِيَتْ النّاسَ نُعِيَ إلَيْهَا أَخُوهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ، فَاسْتَرْجَعَتْ وَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ، ثُمّ نُعِيَ لَهَا خَالُهَا حمزة ابن عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَاسْتَرْجَعَتْ وَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ، ثُمّ نُعِيَ لَهَا زَوْجُهَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، فَصَاحَتْ وَوَلْوَلَتْ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إن زوج المرأة منها
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٣ ]
لمكان! لِمَا رَأَى مِنْ تَثَبّتِهَا عِنْدَ أَخِيهَا وَخَالِهَا، وَصِيَاحِهَا عَلَى زَوْجِهَا
[بُكَاءُ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ عَلَى حمزة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَرّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِدَارِ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَظَفَرٍ، فَسَمِعَ الْبُكَاءَ وَالنّوَائِحَ عَلَى قَتْلَاهُمْ، فَذَرَفَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَبَكَى، ثُمّ قَالَ: لَكِنّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ! فَلَمّا رَجَعَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ إلَى دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ أَمَرَا نِسَاءَهُمْ أَنْ يتحزّ من، ثُمّ يَذْهَبْنَ فَيَبْكِينَ عَلَى عَمّ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
قال ابن إسحاق: حَدّثَنِي حَكِيمُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ عَبّادِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ بَعْضِ رِجَالِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، قَالَ: لَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بُكَاءَهُنّ عَلَى حَمْزَةَ خَرَجَ عَلَيْهِنّ وَهُنّ عَلَى بَابِ مَسْجِدِهِ يَبْكِينَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ارْجِعْنَ يَرْحَمْكُنّ اللهُ، فَقَدْ آسَيْتُنّ بِأَنْفُسِكُنّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَنُهِيَ يَوْمَئِذٍ عَنْ النّوْحِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا سَمِعَ بُكَاءَهُنّ، قَالَ: رَحِمَ اللهُ الْأَنْصَارَ! فَإِنّ الْمُوَاسَاةَ مِنْهُمْ مَا عَتّمَتْ لَقَدِيمَةٌ، مُرُوهُنّ فَلْيَنْصَرِفْنَ.
[شَأْنُ الْمَرْأَةِ الدّينَارِيّةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بن،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٤ ]
مُحَمّدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ، قَالَ: مَرّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِامْرَأَةِ مِنْ بَنِي دِينَارٍ، وَقَدْ أُصِيبَ زَوْجُهَا وَأَخُوهَا وَأَبُوهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأُحُدٍ، فَلَمّا نُعُوا لَهَا، قَالَتْ: فَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟
قَالُوا: خَيْرًا يَا أُمّ فُلَانٍ، هُوَ بِحَمْدِ اللهِ كَمَا تُحِبّينَ، قَالَتْ: أَرُونِيهِ حَتّى أَنْظُرَ إلَيْهِ، قَالَ: فَأُشِيرَ لَهَا إلَيْهِ، حَتّى إذَا رَأَتْهُ قَالَتْ: كُلّ مُصِيبَةٍ بَعْدَك جَلَلٌ! تُرِيدُ صَغِيرَةً.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْجَلَلُ: يَكُونُ مِنْ الْقَلِيلِ، وَمِنْ الْكَثِيرِ، وَهُوَ هَاهُنَا مِنْ الْقَلِيلِ. قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ فِي الْجَلَلِ الْقَلِيلِ:
لَقَتْلُ بَنِي أَسَدٍ رَبّهُمْ أَلَا كُلّ شَيْءٍ سِوَاهُ جَلَلُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَمّا قَوْلُ الشّاعِرِ، وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ وَعْلَةَ الْجَرْمِيّ:
وَلَئِنْ عَفَوْتُ لَأَعْفُوَن جَلَلًا وَلَئِنْ سَطَوْت لَأُوْهِنَنْ عَظْمِي
(فهو من الكثير) .
[غَسْلُ السّيُوفِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا انْتَهَى رسول الله ﷺ إلى أَهْلِهِ نَاوَلَ سَيْفَهُ ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ، فَقَالَ: اغْسِلِي عن هذا دمه يا بنيّة، فو الله لَقَدْ صَدَقَنِي الْيَوْمَ؛ وَنَاوَلَهَا عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ سَيْفَهُ، فَقَالَ: وَهَذَا أَيْضًا، فَاغْسِلِي عَنْهُ دَمَهُ، فَوَاَللهِ لَقَدْ صَدَقَنِي الْيَوْمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَئِنْ كُنْت صَدَقْتَ الْقِتَالَ لَقَدْ صَدَقَ مَعَك سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَأَبُو دُجَانَةَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٥ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ يُقَالُ لِسَيْفِ رَسُولِ اللهِ ﷺ:
ذُو الْفَقَارِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنّ ابْنَ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ: نَادَى مُنَادٍ يوم أحد:
لَا سَيْفَ إلّا ذُو الْفَقَارِ وَلَا فَتَى إلّا عَلِيّ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قَالَ لِعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: لَا يُصِيبُ الْمُشْرِكُونَ مِنّا مِثْلَهَا حَتّى يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْنَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ السّبْتِ لِلنّصْفِ مِنْ شَوّالٍ.
[خُرُوجُ الرسول فى أثر العدو ليرهبه]
قَالَ: فَلَمّا كَانَ الْغَدُ (مِنْ) يَوْمِ الْأَحَدِ لِسِتّ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ شَوّالٍ، أَذّنَ مُؤَذّنُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي النّاسِ بِطَلَبِ الْعَدُوّ، فَأَذّنَ مُؤَذّنُهُ أَنْ لَا يَخْرُجَنّ مَعَنَا أَحَدٌ إلّا أَحَدٌ حَضَرَ يومنا بالأمس. فكلّمه جابر ابن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ أَبِي كَانَ خَلّفَنِي عَلَى أَخَوَاتٍ لِي سَبْعٍ، وَقَالَ: يَا بُنَيّ، إنّهُ لَا يَنْبَغِي لِي وَلَا لَك أَنْ نَتْرُكَ هَؤُلَاءِ النّسْوَةَ لَا رَجُلَ فِيهِنّ، وَلَسْت بِاَلّذِي أُوثِرُكَ بِالْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى نَفْسِي، فَتَخَلّفْ عَلَى أخوانك، فَتَخَلّفْتُ عَلَيْهِنّ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَخَرَجَ مَعَهُ. وَإِنّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٦ ]
مُرْهِبًا لِلْعَدُوّ، وَلِيُبَلّغَهُمْ أَنّهُ خَرَجَ فِي طَلَبِهِمْ، لِيَظُنّوا بِهِ قُوّةً، وَأَنّ الّذِي أَصَابَهُمْ لَمْ يُوهِنْهُمْ عَنْ عَدُوّهِمْ.
[مَثَلٌ مِنْ اسْتِمَاتَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي نُصْرَةِ الرّسُولِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي السّائِبِ مَوْلَى عَائِشَةَ بِنْتِ عُثْمَانَ: أَنّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، كَانَ شَهِدَ أُحُدًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: شَهِدْتُ أُحُدًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَنَا وَأَخٌ لِي، فَرَجَعْنَا جَرِيحَيْنِ، فَلَمّا أَذّنَ مُؤَذّنُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعَدُوّ، قُلْت لِأَخِي أَوْ قَالَ لِي: أَتَفُوتُنَا غَزْوَةٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ وَاَللهِ مَا لَنَا مِنْ دَابّةٍ نَرْكَبُهَا وَمَا مِنّا إلّا جَرِيحٌ ثَقِيلٌ، فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنْت أَيْسَرَ جُرْحًا، فَكَانَ إذَا غُلِبَ حَمَلْته عُقْبَةً، وَمَشَى عُقْبَةً، حَتّى انْتَهَيْنَا إلَى مَا انْتَهَى إلَيْهِ الْمُسْلِمُون.
[اسْتِعْمَالُ ابْنِ أُمّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ]
قال ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى انْتَهَى إلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ، وهى من الْمَدِينَةِ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ بِهَا الِاثْنَيْنِ وَالثّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ، ثُمّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٧ ]
[شَأْنُ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيّ]
قَالَ: وَقَدْ مَرّ بِهِ كَمَا حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، مبعد بْنُ أَبِي مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيّ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ، مُسْلِمُهُمْ وَمُشْرِكُهُمْ عَيْبَةَ نُصْحٍ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، بِتِهَامَةَ، صَفْقَتُهُمْ مَعَهُ، لَا يُخْفُونَ عَنْهُ شَيْئًا كَانَ بِهَا، وَمَعْبَدٌ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ، فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، أَمَا وَاَللهِ لَقَدْ عَزّ عَلَيْنَا مَا أَصَابَك، وَلَوَدِدْنَا أَنّ اللهَ عَافَاك فِيهِمْ، ثُمّ خَرَجَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ، حَتّى لَقِيَ أَبَا سفيان بن حرب وَمَنْ مَعَهُ بِالرّوْحَاءِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا الرّجْعَةَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وأصحابه، وَقَالُوا: أَصَبْنَا حَدّ أَصْحَابِهِ وَأَشْرَافَهُمْ وَقَادَتَهُمْ، ثُمّ نَرْجِعُ قَبْلَ أَنْ نَسْتَأْصِلَهُمْ! لَنَكُرَنّ عَلَى بَقِيّتِهِمْ، فلنفرغنّ منهم.
فلما رأى أبو سفيان مَعْبَدًا، قَالَ: مَا وَرَاءَك يَا مَعْبَدُ؟ قَالَ: مُحَمّدٌ قَدْ خَرَجَ فِي أَصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جمع لم أر مثله قطّ، يتحرّفون عليكم تحرّفا، قَدْ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلّفَ عَنْهُ فِي يَوْمِكُمْ، وَنَدِمُوا عَلَى مَا صَنَعُوا، فِيهِمْ مِنْ الْحَنَقِ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطّ، قَالَ: وَيْحك! مَا تَقُولُ؟ قَالَ: وَاَللهِ مَا أَرَى أَنْ تَرْتَحِلَ حَتّى أَرَى نَوَاصِيَ الْخَيْلِ، قَالَ: فَوَاَللهِ لَقَدْ أَجْمَعْنَا الْكَرّةَ عَلَيْهِمْ، لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيّتَهُمْ: قَالَ: فَإِنّي أَنْهَاك عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: وَاَللهِ لَقَدْ حَمَلَنِي مَا رَأَيْتُ عَلَى أَنْ قُلْتُ فِيهِمْ أَبْيَاتًا مِنْ شِعْرٍ، قَالَ: وما قلت؟ قال: قلت:
كادت تهدّمن الْأَصْوَاتِ رَاحِلَتِي إذْ سَالَتْ الْأَرْضُ بِالْجُرْدِ الْأَبَابِيلِ
تَرْدِى بِأُسْدٍ كَرَامٍ لَا تَنَابِلَةٍ عِنْدَ اللّقَاءِ وَلَا مِيلٍ مَعَازِيلِ
فَظَلْتُ عَدْوًا أَظُنّ الْأَرْضَ مَائِلَةً لَمّا سَمَوْا بِرَئِيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٨ ]
فَقُلْت: وَيْلَ ابْنِ حَرْبٍ مِنْ لِقَائِكُمْ إذَا تغطمطت البطحاء بالخيل
إنّي نَذِيرٌ لِأَهْلِ الْبَسْلِ ضَاحِيَةً لِكُلّ ذِي إربة منهم ومعقول
من جيش أحمد لاوخش تَنَابِلَةٍ وَلَيْسَ يُوصَفُ مَا أَنْذَرْتُ بِالْقِيلِ
فَثَنَى ذَلِكَ أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ.
[رِسَالَةُ أَبِي سُفْيَانَ إلَى الرّسُولِ عَلَى لِسَانِ رَكْبٍ]
وَمَرّ بِهِ رَكْبٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ الْمَدِينَةَ؟
قَالَ: وَلِمَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ الْمِيرَةَ؛ قَالَ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُبَلّغُونَ عَنّي مُحَمّدًا رِسَالَةً أُرْسِلُكُمْ بِهَا إلَيْهِ، وَأُحَمّلُ لَكُمْ هَذِهِ غَدًا زَبِيبًا بِعُكَاظٍ إذَا وَافَيْتُمُوهَا؟
قَالُوا نَعَمْ؛ قَالَ: فَإِذَا وَافَيْتُمُوهُ فَأَخْبِرُوهُ أَنّا قَدْ أَجْمَعْنَا السّيْرَ إلَيْهِ وَإِلَى أَصْحَابِهِ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيّتَهُمْ، فَمَرّ الرّكْبُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ، فَأَخْبَرُوهُ بِاَلّذِي قَالَ أَبُو سُفْيَانَ؛ فَقَالَ: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
[كَفّ صَفْوَانَ لِأَبِي سُفْيَانَ عَنْ مُعَاوَدَةِ الْكَرّةِ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنّ أبا سفيان بن حرب لَمّا انْصَرَفَ يَوْمَ أُحُدٍ، أَرَادَ الرّجُوعَ إلَى الْمَدِينَةِ، لِيَسْتَأْصِلَ بَقِيّةَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُمْ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ: لَا تَفْعَلُوا، فَإِنّ الْقَوْمَ قَدْ حَرِبُوا، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ قِتَالٌ غَيْرُ الّذِي كَانَ، فَارْجِعُوا، فَرَجَعُوا. فَقَالَ النّبِيّ ﷺ، وَهُوَ بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ، حِينَ بَلَغَهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٩ ]
أَنّهُمْ هَمّوا بِالرّجْعَةِ: وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ سُوّمَتْ لَهُمْ حِجَارَةٌ، لَوْ صُبّحُوا بِهَا لَكَانُوا كَأَمْسِ الذّاهِبِ.
[مَقْتَلُ أَبِي عَزّةَ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ المغيرة]
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي جِهَةِ ذَلِكَ، قَبْلَ رُجُوعِهِ إلى المدينة، معاوية بن المغيرة بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَهُوَ جَدّ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، أَبُو أُمّهِ عَائِشَةَ بِنْتِ مُعَاوِيَةَ، وَأَبَا عَزّة الْجُمَحِيّ، وكان رسول الله ﷺ أَسَرَهُ بِبَدْرِ، ثُمّ مَنّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَقِلْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَاَللهِ لَا تَمْسَحْ عَارِضَيْك بِمَكّةَ بَعْدَهَا وَتَقُول: خَدَعْت مُحَمّدًا مَرّتَيْنِ، اضْرِبْ عُنُقَهُ يَا زُبَيْرُ. فَضَرَبَ عُنُقَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ أَنّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنّ الْمُؤْمِنَ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرّتَيْنِ، اضْرِبْ عُنُقَهُ يَا عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ، فضرب عنقه.
[مَقْتَلُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ويقال: إنّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَعَمّارَ بْنَ يَاسِرٍ قتلا معاوية ابن المغيرة بَعْدَ حَمْرَاءِ الْأَسَدِ، كَانَ لَجَأَ إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ فَاسْتَأْمَنَ لَهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَمّنَهُ، عَلَى أَنّهُ إنْ وُجِدَ بَعْدَ ثَلَاثٍ قُتِلَ، فَأَقَامَ بَعْدَ ثَلَاثٍ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٠ ]
وَتَوَارَى، فَبَعَثَهُمَا النّبِيّ ﷺ، وَقَالَ: إنّكُمَا سَتَجِدَانِهِ بِمَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، فَوَجَدَاهُ فقاتلاه.
[شَأْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ بَعْدَ ذَلِكَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ عَبْدُ الله بن أبىّ بن سَلُولَ، كَمَا حَدّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، لَهُ مَقَامٌ يَقُومُهُ كُلّ جُمُعَةٍ لَا يُنْكَرُ، شَرَفًا لَهُ فِي نَفْسِهِ وَفِي قَوْمِهِ، وَكَانَ فِيهِمْ شَرِيفًا، إذَا جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ يَخْطُبُ النّاسَ، قَامَ فَقَالَ: أَيّهَا النّاسُ، هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، أَكْرَمَكُمْ اللهُ وَأَعَزّكُمْ بِهِ، فَانْصُرُوهُ وَعَزّرُوهُ، وَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا ثُمّ يَجْلِسُ، حَتّى إذَا صَنَعَ يَوْمَ أُحُدٍ مَا صَنَعَ، وَرَجَعَ بِالنّاسِ، قَامَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ، فَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ بِثِيَابِهِ مِنْ نَوَاحِيهِ، وَقَالُوا: اجْلِسْ، أَيْ عَدُوّ اللهِ، لَسْت لِذَلِكَ بِأَهْلِ، وَقَدْ صَنَعْتَ مَا صَنَعْتَ، فَخَرَجَ يَتَخَطّى رِقَابَ النّاسِ وَهُوَ يَقُولُ: وَاَللهِ لَكَأَنّمَا قُلْت بَجْرًا أَنْ قُمْت أُشَدّدُ أَمْرَهُ. فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ مالك؟ وَيْلَك! قَالَ: قُمْتُ أُشَدّدُ أَمْرَهُ، فَوَثَبَ عَلَيّ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَجْذِبُونَنِي وَيُعَنّفُونَنِي، لَكَأَنّمَا قُلْت بَجْرًا أَنْ قُمْت أُشَدّدُ أَمْرَهُ، قَالَ وَيْلَك! ارْجِعْ يَسْتَغْفِرْ لَك رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ: وَاَللهِ مَا أَبْتَغِي أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي.
[كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ مِحْنَةٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ بَلَاءٍ وَمُصِيبَةٍ وَتَمْحِيصٍ، اخْتَبَرَ اللهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَحَنَ بِهِ الْمُنَافِقِينَ مِمّنْ كَانَ يُظْهِرُ الْإِيمَانَ بِلِسَانِهِ، وَهُوَ مُسْتَخْفٍ بِالْكُفْرِ فِي قَلْبِهِ، وَيَوْمًا أَكْرَمَ اللهُ فِيهِ مَنْ أَرَادَ كَرَامَتَهُ بِالشّهَادَةِ مِنْ أَهْلِ ولايته
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَتْلُ الرّسُولِ لِأُبَيّ بْنِ خَلَفٍ فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَتْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِأُبَيّ، وَفِيهِ: تَطَايَرْنَا عَنْهُ تَطَايُر الشّعْرَاءِ عَنْ ظَهْرِ الْبَعِيرِ. الشّعْرَاءُ: ذُبَابٌ صَغِيرٌ لَهُ لَدْغٌ، تَقُولُ الْعَرَبُ فِي أَمْثَالِهَا: قِيلَ لِلذّئْبِ: مَا تَقُولُ فِي غَنِيمَةٍ تَحْرُسُهَا جُوَيْرِيَةُ؟ قَالَ: شُحَيْمَةُ فِي حَلْقِي، قِيلَ: فَمَا تَقُولُ فِي غَنِيمَةٍ يحرسها غُلَيْمٌ؟ قَالَ: شَعْرَاءُ فِي إبْطِي أَخْشَى خُطُوَاتِهِ الْخُطُوَاتُ: سِهَامٌ مِنْ قُضْبَانٍ لَيّنَةٍ يَتَعَلّمُ بِهَا الْغِلْمَانُ الرّمْيَ وَهِيَ الْجُمّاحُ أَيْضًا قَالَ الشّاعِرُ:
أَصَابَتْ حَبّةَ الْقَلْبِ بِسَهْمِ غَيْرَ جُمّاحِ «١»
مِنْ كِتَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرَوَاهُ الْقُتَبِيّ: تَطَايُرَ الشّعَرِ، وَقَالَ: هِيَ جَمْعُ شَعْرَاءَ، وَهِيَ ذُبَابٌ أَصْغَرُ مِنْ الْقَمَعِ «٢»، وَفِي الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ فَزَجَلَهُ بِالْحَرْبَةِ، أَيْ رَمَاهُ بِهَا.
حَوْلَ عَيْنِ قَتَادَةَ:
وَذَكَرَ قَتَادَةَ بْنُ النّعْمَانِ بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ أَخُو أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ لِأُمّهِ، وَهُوَ الرّجُلُ الّذِي سَمِعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ- يَقْرَأُ: قُلْ هُوَ الله أحد،
_________________
(١) رواية الشطرة الثانية فى اللسان: فلم تخطىء بجماح. ويقال له: جباح أيضا.
(٢) القمع مفردة قمعة بفتح القاف والميم ذباب يركب الإبل والظباء إذا اشتد الحر ويجمع على مقامع أيضا كمشابه وملامح. وفى رواية: تطاير الشعارير، وهى بمعنى الشعر وقياس واحدها: شعرور.
[ ٦ / ٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُرَدّدُهَا، فَقَالَ وَجَبَتْ، وَحَدِيثُهُ فِي الْمُوَطّأِ، وَذَكَرَ أَنّ عَيْنَهُ أُصِيبَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. رَوَى عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أُصِيبَتْ عَيْنُ رَجُلٍ مِنّا يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ قَتَادَةُ بْنُ النّعْمَانِ، حَتّى وَقَعَتْ عَلَى وَجْنَتِهِ، فَأَتَيْنَا بِهِ رسول اللهﷺ- فقال: إنّ لِي امْرَأَةً أُحِبّهَا، وَأَخْشَى إنْ رَأَتْنِي أَنْ تَقْذَرَنِي، فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللهِﷺ- بِيَدِهِ، وَرَدّهَا إلَى مَوْضِعِهَا، وَقَالَ: اللهُمّ اكْسِبْهُ جَمَالًا، فَكَانَتْ أَحَسَنَ عَيْنَيْهِ، وَأَحَدّهُمَا نَظَرًا، وَكَانَتْ لَا تَرْمَدُ إذَا رَمِدَتْ الْأُخْرَى، وَقَدْ وَفَدَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ﵀- رَجُلٌ مِنْ ذُرّيّتِهِ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ:
أَنَا ابْنُ الّذِي سَالَتْ عَلَى الْخَدّ عَيْنُهُ فَرُدّتْ بِكَفّ الْمُصْطَفَى أَيّمَا رَدّ
فَعَادَتْ كَمَا كَانَتْ لِأَوّلِ أَمْرِهَا فَيَا حُسْنَ مَا عَيْنٍ وَيَا حُسْنَ مَا خَدّ
فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁:
تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قَعْبَانِ «١» مِنْ لَبَنٍ شِيبَا بِمَاءِ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالَا
فَوَصَلَهُ عُمَرُ، وَأَحْسَنَ جَائِزَتَهُ، وَقَدْ رُوِيَ أَنّ عَيْنَيْهِ جَمِيعًا سَقَطَتَا، فَرَدّهُمَا النّبِيّﷺ- رَوَاهُ مُحَمّدُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ [أَبُو مَرْوَانَ الْأُمَوِيّ] عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَخِيهِ قَتَادَةَ بْنِ النّعْمَانِ قَالَ: أُصِيبَتْ عَيْنَايَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَسَقَطَتَا عَلَى وَجْنَتِي، فَأَتَيْت بِهِمَا النّبِيّﷺ- فأعادهما النبىّ-
_________________
(١) القعب: قدح ضخم جاف.
[ ٦ / ٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ﷺ- مَكَانَهُمَا، وَبَصَقَ فِيهِمَا، فمادتا تَبْرُقَانِ. قَالَ. الدّارَقُطْنِيّ:
هَذَا الْحَدِيثُ غَرِيبٌ عَنْ مالك، تفرد به عمّار بن نصر، وَهُوَ ثِقَةٌ «١» وَرَوَاهُ الدّارَقُطْنِيّ عَنْ إبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيّ عَنْ عَمّارِ «٢» بْنِ نَصْرٍ [السّعْدِيّ أَبُو يَاسِرٍ الْمَرْوَزِيّ] .
حَوْلَ نَسَبِ حُذَيْفَةَ الْيَمَانِيّ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ثَابِتُ بْنُ وَقْشٍ، وَالْوَقْشُ: الْحَرَكَةُ، وَحُسَيْلُ بْنُ جَابِرٍ وَالِدُ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، وَسُمّيَ حُسَيْلَ بْنَ جَابِرٍ الْيَمَانِيّ، لِأَنّهُ مِنْ وَلَدِ جِرْوَةِ ابن مَازِنِ بْنِ قُطَيْعَةَ بْنِ عَبْسِ [بْنِ بَغِيضٍ] وَكَانَ جِرْوَةُ قَدْ بَعُدَ عَنْ أَهْلِهِ فِي اليمن زمنا طويلا، ثم ارجع إلَيْهِمْ فَسَمّوْهُ الْيَمَانِيّ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ يُكَنّى أَبَا عَبْدِ اللهِ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ أُمّهُ الرّبَابُ بِنْتُ كَعْبٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ: يَعْنِي الْيَمَانِيّ أَسْيَافُ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنّ الّذِي قَتَلَهُ مِنْهُمْ خَطَأً هُوَ عُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ أَخُو عَبْدِ الله بن مسعود، وجدّ
_________________
(١) لكن قال النووى: قال أبو نعيم: سالت عيناه، وغلطوه.
(٢) بهذا حصل لمحمد بن أبى عثمان متابع. فى روايته عن عمار بن نصر، لكن لم يحصل متابع لعمار فى روايته عن مالك. انظر تفصيل هذا فى المواهب ص ١٨٦ وما بعدها. والله يختص برحمته من يشاء ولا أحد يبرىء أحدا. وتدبر قوله سبحانه فيما يقص عن خليله إبراهيم (وإذا مرضت فهو يشفين) وتدبر كل آيات القرآن التى ذكر الله فيها آياته التى من بها على عيسى تجد فيها النص المؤكد على أنها بإذن الله وحده.
[ ٦ / ٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الْفَقِيهِ، ذَكَرَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي التّفْسِيرِ، وَعُتْبَةُ هُوَ أَوّلُ مَنْ سَمّى الْمُصْحَفَ مُصْحَفًا، فِيمَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ فِي الْجَامِعِ.
الْهَامَةُ وَالظّمْءُ:
وَقَوْلُ ثَابِتِ بْنِ وَقْشٍ وَحُسَيْلٍ: إنّمَا نَحْنُ هَامَةُ الْيَوْمَ أَوْ غَد، يُرِيد:
الْمَوْتَ، وَكَانَ مِنْ مَذْهَبِ الْعَرَبِ فِي الْمَيّتِ أَنّ رُوحَهُ تَصِيرُ هَامَةً «١»، وَلِذَلِكَ قَالَ الْآخَرُ:
وَكَيْفَ حَيَاةُ أَصْدَاءٍ وَهَامِ وَقَوْلُهُ: لَمْ يَبْقَ مِنْ عُمُرِنَا إلّا ظِمْءُ «٢» حِمَارٍ. إنّمَا قال ذلك، لأن الحمار
_________________
(١) الصدى- كما يقول ابن دريد فى الاشتقاق طائر معروف، وتزعم العرب أنه إذا قتل رجل خرج من هامته طائر يسمى: الصدى، فينادى الليل كله: اسقونى، حتى يقتل قاتله، وهذا باطل، ويسمونه أيضا: هامة. ص ٢٣٣ الاشتقاق. والصدى أصلا- كما فى القاموس- طائر يصر بالليل يقفز قفزانا ويطفز والناس- كما يقول العديس العبدى- يرونه الجندب، وإنما هو الصدى، فأما الجندب، فانه أصغر من الصدى، والصدى ذكر اليوم. والهامة أصلا رأس كل شىء وجمعه هام، والهامة: طير الليل وهو الصدى. وسمى الصدى لما تعتقده الأعراب من كونه عطشان ولا يزال يقول اسقونى. والصدى: العطش. وقد سمى الدماغ هامة لأنه يشبه رأس الصدى، وتسميته الطائر بالهامة يحتمل أن تكون المعنى الذى لأجله سمى صدى وهو العطش، ويجوز أن يكون قد اشتق من الهيام، وهو داء يصيب الإبل فتشرب ولا تروى. القاموس، وحياة الحيوان للدميرى ح ٢ ص ٥٩، ٣٧٤.
(٢) والظمء ما بين الشربتين والوردين وما بين سقوط الولد إلى حين موته؛ فيكون المعنى: لم يبق لنا إلا يسير.
[ ٦ / ٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَقْصَرُ الدّوَابّ ظِمْئًا، وَالْإِبِلُ أَطْوَلُهَا إظْمَاءً.
حَوْلَ بَعْضِ رِجَالِ أُحُدٍ:
وَذَكَرَ قُزْمَانَ، وَهُوَ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنْ الْقَزَمِ، وَهُوَ رُذَالُ الْمَالِ، وَيُقَالُ:
الْقُزْمَانُ «١»: الرّدِيءُ مِنْ كُلّ شَيْءٍ.
وَذَكَرَ الْأُصَيْرِمَ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ ثَابِتِ بْنِ وَقْشٍ، وَيُقَالُ فِيهِ وَقَشٌ بِتَحْرِيكِ الْقَافِ.
وَقَوْلُ حَاطِبٍ الْمُنَافِقِ: الْجَنّةُ مِنْ حَرْمَلٍ، يُرِيدُ الْأَرْضَ الّتِي دُفِنَ فِيهَا، وَكَانَتْ تُنْبِتُ الْحَرْمَلَ «٢» أَيْ: لَيْسَ لَهُ جَنّةٌ إلّا ذَاكَ.
ابْنُ الْجَمُوحِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ خَبَرَ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ حِينَ أَرَادَ بَنُوهُ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى آخِرِ الْقِصّةِ، وَزَادَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّهُ لَمّا خَرَجَ قَالَ: اللهُمّ لَا تَرُدّنِي، فَاسْتُشْهِدَ، فَجَعَلُوهُ بَنُوهُ عَلَى بَعِيرٍ، لِيَحْمِلُوهُ إلَى الْمَدِينَةِ، فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِمْ الْبَعِيرُ، فَكَانَ إذَا وَجّهُوهُ إلَى كُلّ جِهَةٍ سَارَعَ إلّا جِهَةِ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَأْبَى الرّجُوعَ إلَيْهَا، فَلَمّا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ذَكَرُوا قَوْلَهُ: اللهُمّ لَا تَرُدّنِي إلَيْهَا، فَدَفَنُوهُ فِي مَصْرَعِهِ «٣» .
_________________
(١) لا يوجد لا فى اللسان ولا فى القاموس سوى أنه اسم أو اسم موضع.
(٢) نبت له حب أسود، وحب هذا النبات.
(٣) قصة البعير خرافة، والشهيد يدفن فى مصرعه كشهداء بدر.
[ ٦ / ٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حكم (ص) وَالسّاكِنُ بَعْدَهَا:
فَصْلٌ: وَقَوْلُ هِنْدَ بِنْتِ أُثَاثَةَ:
مِلْ هَاشِمِيّيْنِ الطّوّالِ الزّهْرِ بِحَذْفِ النّونِ مِنْ حَرْفِ مِنْ لِالْتِقَاءِ السّاكِنَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا فِي مِنْ وَحْدَهَا لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا، كَمَا خُصّتْ نُونُهَا بِالْفَتْحِ إذَا الْتَقَتْ مَعَ لَامِ التّعْرِيفِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي نُونٍ سَاكِنَةٍ غَيْرِهَا، كَرِهُوا تُوَالِي الْكَسْرَتَيْنِ مَعَ تَوَالِي الِاسْتِعْمَالِ، فَإِنْ الْتَقَتْ مَعَ سَاكِنٍ غَيْرِ لَامِ التّعْرِيفِ نَحْوُ مَنْ ابْنُك، وَمَنْ اسْمُك، كَسَرْت عَلَى الْأَصْلِ، وَالْقِيَاسِ الْمُسْتَتِبّ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَقَدْ فَتَحَهَا قَوْمٌ فُصَحَاءُ يَعْنِي مَعَ غَيْرِ لَامِ التّعْرِيفِ.
لَكَاعُ وَلُكَعُ:
وَقَوْلُ حَسّانَ فِي هِنْدٍ: أَشِرَتْ لَكَاعُ، جَعَلَهُ اسْمًا لَهَا فِي غَيْرِ النّدَاءِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ فِي النّدَاءِ أَكْثَرُ، نَحْوُ يَا غَدَارِ وَيَا فَسَاقِ، وَكَذَلِكَ لُكَعٌ، قَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ النّدَاءِ، نَحْوُ قَوْلُهُ ﵇: أَيْنَ لُكَعُ يَعْنِي:
الْحَسَنَ أَوْ الْحُسَيْنَ مُمَازِحًا لَهُمَا «١» . فَإِنْ قِيلَ: إنّ النّبِيّﷺ-
_________________
(١) يقال فى النداء للثيم يا لكع، وللأنثى: يا لكاع، لأنه موضع معرفة، فان لم ترد أن تعدله عن جهته قلت للرجل: يا ألكع، وللأنثى: يا لكعاء، وقد استعمل الحطيئة لكاع فى غير النداء، فقال يهجر امرأته أطوف ما أطوف ثم آوى إلى بيت قعيدته لكاع ويقال: إنه لأبى الغريب البصرى. كما جاء فى اللسان. -
[ ٦ / ٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَانَ يَمْزَحُ، وَلَا يَقُولُ إلّا حَقّا، فَكَيْفَ يَقُولُ: أَيْنَ لُكَعُ وَقَدْ سَمّاهُ سَيّدًا فِي حَدِيثٍ آخَرَ؟ فَالْجَوَابُ: أَنّهُ أَرَادَ التّشْبِيهَ بِاللّكَعِ الّذِي هُوَ الْفَلُوّ أَوْ الْمُهْرُ لِأَنّهُ طِفْلٌ كَمَا أَنّ الْفَلُوّ وَالْمُهْرُ «١» كَذَلِكَ، وَإِذَا قَصَدَ بِالْكَلَامِ قَصْدَ التّشْبِيهِ، لَمْ يَكُنْ كَذِبًا، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ ﵇: لَا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يَكُونَ أَسْعَدَ النّاسِ فِي الدّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعٍ، وَاللّكَعُ فِي اللّغَةِ: وَسَخُ الْغُرْلَةِ، وَهُوَ أَيْضًا الْفَلُوّ الصّغِيرُ، فَمِنْ أَجْلِ هَذَا جَازَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي غَيْرِ النّدَاءِ، لِأَنّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَيْرُ مَعْدُولٍ كَمَا عُدِلَ خُبَثُ عَنْ خَبِيثٍ، وَفُسَقُ عَنْ فَاسِقٍ، وَقَالَ ابْنُ الأنبارىّ فى الزّاهر: استقاقه مِنْ الْمَلَاكِعِ، وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مَعَ الْمَوْلُودِ مِنْ مَاءِ الرّحِمِ وَدَمِهَا، وَأَنْشَدَ:
رَمَتْ الْفَلَاةُ بِمَعْجَلٍ مُتَسَرْبِلٍ غِرْسَ السّلَى وَمَلَاكِعَ الْأَمْشَاجِ
قَالَ: وَيُقَالُ فِي الْوَاحِدِ يَا لُكَعُ، وَفِي الِاثْنَيْنِ يَا ذَوِي لَكِيعَةَ، وَلَكَاعَةٍ، وَلَا تُصْرَفُ لَكِيعَةَ، وَلَكِنْ تُصْرَفُ لَكَاعَةُ لِأَنّهُ مَصْدَرٌ وَفِي الْجَمِيعِ،
_________________
(١) - ولكاع مبنية على الكسر. واللكع عند العرب: العبد، ثم استعمل فى الحمق والذم، وقد لكع الرجل بوزن فرح يلكع لكعا فهو ألكع، وقد يطلق على الصغير، فان أطلق على الكبير أريد به الصغير العلم والعقل. وقد ورد فى حديث سعد بن عبادة أرأيت إذ دخل رجل بيته، فرأى لكاعا قد تفخذ امرأته الخ فجعل لكاع صفة لرجل. ويقال: لعله أراد لكعا فحرف. «خزانة الأدب والنهاية لابن الأثير» .
(٢) فلو: المهر الصغير، وقيل هو الفطم من أولاد ذوات الحافر، وفى اللسان من معانى اللكع: المهر والجحش.
[ ٦ / ٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَا ذَوِي لَكِيعَةَ وَلَكَاعَةٍ «١» وَفِي الْمُؤَنّثِ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ.
قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَلَا يُقَالُ يَا لُكَاعَانِ، وَلَا فُسَقَانِ، لِسِرّ شَرَحْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ. وَتَلْخِيصُ مَعْنَاهُ: أَنّ الْعَرَبَ قَصَدَتْ بهذا النّبأ فى النّدَاءِ قَصْدَ الْعَلَمِ، لِأَنّ الِاسْمَ الْعَلَمَ أَلْزَمُ لِلْمُسَمّى مِنْ الْوَصْفِ الْمُشْتَقّ مِنْ الْفِعْلِ نَحْوُ فَاسِقٍ وَغَادِرٍ، كَمَا قَالُوا عُمَرُ، وَعَدَلُوا عَنْ عَامِرٍ الّذِي هُوَ وَصْفٌ فِي الْأَصْلِ تَحْقِيقًا مِنْهُمْ لِلْعَلَمِيّةِ، ثُمّ إنّ الِاسْمَ الْعَلَمَ لَا يُثَنّى وَلَا يُجْمَعُ وَهُوَ عَلَمٌ، فَإِذَا ثُنّيَ زَالَ عَنْهُ تَعْرِيفُ الْعَلَمِيّةِ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لَمْ يُثَنّوا يَا فُسَقُ وَيَا غُدَرُ، لِأَنّ فِي ذَلِكَ نَقْضًا لِمَا قَصْدُوهُ مِنْ تَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ الِاسْمِ الْعَلَمِ، أَيْ: إنّهُ مُسْتَحِقّ لِأَنْ يُسَمّى بِهَذَا الِاسْمِ، فَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ أَنْ يَقُولُوا: يَا فَاسِقُ، فَيَجِيئُوا بِالِاسْمِ، الّذِي يَجْرِي مَجْرَى الْفِعْلِ وَالْفِعْلُ غَيْرُ لَازِمٍ، وَالْعَلَمُ أُلْزِمَ منه، وَالتّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ تُبْطِلُ الْعَلَمِيّةَ كَمَا ذَكَرْنَا فَافْهَمْهُ، وَوَقَعَ فِي الْمُوَطّإِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنّهُ قَالَ لمولاة له: اقعدى لكع، وقد عِيبَتْ هَذِهِ الرّوَايَةُ عَلَى يَحْيَى، لِأَنّ الْمَرْأَةَ إنّمَا يُقَالُ لَهَا: لَكَاعِ، وَقَدْ وَجَدْت الْحَدِيثَ كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى فِي كِتَابِ الدّارَقُطْنِيّ، وَوَجْهُهُ فِي الْعَرَبِيّةِ أَنّهُ مَنْقُولٌ غَيْرُ مَعْدُولٍ فَجَائِزٌ أَنْ يُقَالَ لِلْأَمَةِ يَا لُكَعُ كَمَا يُقَالُ لها إذا سبت: يا زيل وَيَا وُسَخُ إذْ اللّكَعُ ضَرْبٌ مِنْ الْوَسَخِ، كما قدمناه وهو فى كتاب العين.
_________________
(١) قال الفراء: ثنية لكاع أن تقول: يا ذواتى لكيعة أقبلا، ويا ذوات لكيعة أقبلن وقالوا فى النداء للرجل: يا لكع، وللمرأة يا لكاع، وللاثنين: يا ذوى لكع.
[ ٦ / ٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرّسُولُ يَسْأَلُ عَنْ ابْنِ الرّبِيعِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قول النبي ﷺ: مَنْ رَجُلٌ يَنْظُرُ لِي مَا فَعَلَ سَعْدُ بْنُ الرّبِيعِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَنَا، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. الرّجُلُ: هُوَ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيّ، وَذَكَرَ أَنّهُ نَادَى فِي الْقَتْلَى: يَا سَعْدُ بْنَ الرّبِيعِ مَرّةً بَعْدَ مَرّةٍ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، حَتّى قَالَ يَا سَعْدُ أن رَسُولَ اللهِﷺ- أَرْسَلَنِي أَنْظُرُ مَا صَنَعْت، فَأَجَابَهُ حِينَئِذٍ بِصَوْتِ ضَعِيفٍ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَهَذَا خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ فِي كِتَابِ الصّحَابَةِ، فَإِنّهُ ذَكَرَ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ رُبَيْحِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ أَنّ الرّجُلَ الّذِي الْتَمَسَ سَعْدًا فِي الْقَتْلَى هُوَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ.
حَمِيدٌ الطّوِيلُ وَطَلْحَةُ الطّلَحَات:
وَذَكَرَ عَنْ حُمَيْدٍ الطّوِيلِ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنْ النّبِيّﷺ- فِي النّهْيِ عَنْ الْمُثْلَةِ، وَحُمَيْدٌ الطّوِيلُ هُوَ حُمَيْدُ بْنُ تِيرَوَيْهِ، وَيُقَالُ:
ابْنُ تِيرِي «١» يُكَنّى أَبَا حُمَيْدَةَ مَوْلَى طَلْحَةَ الطّلَحَاتِ «٢»، وَهُوَ حديث صحيح
_________________
(١) فى القاموس: تير بكسر التاء وبدون ياء وكذلك فى تهذيب الأسماء واللغات، وقال: هو أبو عبيدة، وقيل: أبو عبيد حميد بن أبى حميد، واسم أبى حميد تيرويه، وقيل: تير، وقيل ذاذويه، وقيل طرخان، وقيل: مهران، ويقال: عبد الرحمن، ويقال. داود. قال الأصمعى: رأيت حميدا، لم يكن طويلا، ولكن طويل اليدين مات سنة ١٤٣ هـ ص ١٧٠ ح ١.
(٢) هو طلحة بن عبيد الله بن خلف الخزاعى ويقول صاحب اللسان: ورأيت فى بعض حواشى نسخ الصحاح بخط من يوثق به الصواب: طلحة-
[ ٦ / ٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي النّهْيِ عَنْ الْمُثْلَةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ مَثّلَ رَسُولُ اللهِﷺ- بِالْعُرَنِيّينَ «١» فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعَيْنَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ بالحرّة.
_________________
(١) - ابن عبد الله: وسمى طلحة الطلحات بسبب أمه، وهى صفية بنت الحارث ابن طلحة بن أبى طلحة وزاد الأزهرى ابن عبد مناف وأخوها: طلحة ابن الحارث فقد تكنفه هؤلاء الطلحات كما ترى، وقبره بسجستان، وفيه يقول ابن الرقيات: رحم الله أعظما دفنوها بسجستان طلحة الطلحات وعند ابن الأثير: عن طلحة الطلحات قيل: إنه جمع بين مائة عربى وعربية بالمهر والعطاء الواسعين فولد لكل واحد منهم ولد فسمى طلحة، فأضيف إليهم وفى القاموس: القول الأول.
(٢) عن قتادة عن أنس أن ناسا من عكل وعرينة قدموا على النبى «ص» وتكلموا بالإسلام، فاستوخموا المدينة، فأمر لهم النبى «ص» بذود وراع وأمرهم أن يخرجوا، فليشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعى النبى «ص» واستاقوا الذود، فبلغ ذلك النبى «ص» فبعث الطلب فى آثارهم، فأمر بهم، فسمروا أعينهم، وقطعوا أيديهم، وتركوا فى ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم» رواه الجماعة، وزاد البخارى، قال: قتادة: بلغنا أن النبى «ص» بعد ذلك كان يحث على الصدقة، وينهى عن المثلة، وفى رواية لأحمد والبخارى وأبو داود قال قتادة فحدثنى ابن سيرين أن ذلك كان قبل أن تنزل الحدود، وللبخارى وأبى داود فى هذا الحديث، فأمر بمسامير فأحميت، فكحلهم، وقطع أيديهم وأرجلهم، وما حسمهم، ثم ألقوا فى الحرة، يستسقون فما سقوا حتى ماتوا. وعند البخارى، قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله. وعند سليمان التيمى عن أنس قال: إنما سمل النبى أعين أولئك، لأنهم-
[ ٦ / ٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُلْنَا: فِي ذَلِكَ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنّهُ فَعَلَ ذَلِكَ قِصَاصًا لِأَنّهُمْ قَطَعُوا أَيْدِي الرّعَاءِ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلُوا أَعْيُنَهُمْ «١»، رُوِيَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَقِيلَ: إنّ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْمُثْلَةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ تَرَكَهُمْ يَسْتَسْقُونَ، فَلَا يُسْقَوْنَ، حَتّى مَاتُوا عَطَشًا، قُلْنَا عَطّشَهُمْ لِأَنّهُمْ عَطّشُوا أَهْلَ بَيْتِ النّبِيّﷺ- تِلْكَ اللّيْلَةَ، رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَنّهُ ﵇ لَمّا بَقِيَ وَأَهْلُهُ تِلْكَ اللّيْلَةَ بِلَا لَبَنٍ، قَالَ: اللهُمّ عَطّشْ مَنْ عَطّشَ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيّك. وَقَعَ هَذَا فِي شَرْحِ ابْنِ بَطّالٍ، وَقَدْ خَرّجَهُ النّسَوِيّ.
الصّلَاةُ عَلَى الشّهَدَاءِ:
وَرَوَى ابْنُ إسْحَاقَ عَمّنْ لَا يَتّهِمُ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ النّبِيّﷺ- صَلّى عَلَى حَمْزَةَ، وَعَلَى شُهَدَاءِ يَوْمِ أُحُد، وَلَمْ يَأْخُذْ بِهَذَا الْحَدِيثِ
_________________
(١) - سلموا أعين الرعاة» رواه مسلم والنسائى والترمذى استوخموا المدينة: كرهوا المقام فيها. الذود: قيل ما بين الثنتين إلى التسع من الإبل، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر. والحرة: أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة. وقد وفى الإمام الشوكانى الموضوع حقه فى نيل الأوطار فانظره تحت باب المحاربين وقطاع الطريق.
(٢) صرح ببعض هذا فى حديث مسلم والنسائى والترمذى. والذى يعرف خلق النبى «ص» ويتدبر وصف الله له بأنه على خلق عظيم، وأنه ليس فظا ولا غليظ القلب، وأنه محمد وأحمد يوقن- ولا ريب- بأن ما فعله بهؤلاء إنما كان قصاصا لأمة طيبة أذلة على المؤمنين من قوم غلاظ الأكباد غلف القلوب فاضطرم نفوسهم غلا وحقدا وجحودا.
[ ٦ / ٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فُقَهَاءُ الْحِجَازِ، وَلَا الْأَوْزَاعِيّ لِوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا ضَعْفُ إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنّ ابْنَ إسْحَاقَ قَالَ: حَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ، يَعْنِي: الْحَسَنَ بْنَ عُمَارَةَ- فِيمَا ذَكَرُوا- وَلَا خِلَافَ فِي ضَعْفِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَرَوْنَهُ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ الّذِي قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ غَيْرَ الْحَسَنِ، فَهُوَ مَجْهُولٌ، وَالْجَهْلُ يُوبِقُهُ.
وَالْوَجْهُ الثّانِي: أَنّهُ حَدِيثٌ لَمْ يَصْحَبْهُ الْعَمَلُ، وَلَا يُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ- أَنّهُ صَلّى عَلَى شَهِيدٍ فِي شَيْءٍ مِنْ مَغَازِيهِ إلّا هَذِهِ الرّوَايَةَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَكَذَلِكَ فِي مُدّةِ الْخَلِيفَتَيْنِ إلّا أَنْ يَكُونَ الشّهِيدُ مُرْتَثّا «١» مِنْ الْمَعْرَكَةِ، وَأَمّا تَرْكُ غَسْلِهِ، فَقَدْ أَجَمَعُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي الصّلَاةِ إلّا رِوَايَةً شَاذّةً عِنْدَ بَعْضِ التّابِعِينَ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ- وَاَللهُ أَعْلَمُ- تَحْقِيقُ حَيَاةِ الشّهَدَاءِ وَتَصْدِيقُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا الْآيَةَ مَعَ أَنّ فِي تَرْكِ غُسْلِهِ مَعْنًى آخَرُ، وَهُوَ أَنّ دَمَهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ «٢»، وَهُوَ يجىء
_________________
(١) ارتث على البناء للمجهول: حمل من المعركة رثيثا أى جريحا وبه رمق.
(٢) عن جابر قال: «كان رسول الله «ص» يجمع بين الرجلين من قتلى أحد فى الثوب الواحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذا للقرآن، فاذا أشير إلى أحدهما قدمه فى اللحد، وأمر يدفنهم فى دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم» البخارى والنسائى وابن ماجه والترمذى وصححه. وهناك خلاف كبير حول الصلاة عليهم، وقد رد الشافعى على من قال بالصلاة عليهم بأن الأخبار جاءت كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبى «ص» لم يصل على قتلى أحد.. قال وما روى من أنه «ص» صلى عليهم وكبر على حمزة سبعين تكبيرة لا يصح، وقد كان ينبغى لمن عارض بذلك هذه الأحاديث أن يستحى على نفسه. ويقول الأمام-
[ ٦ / ٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يُثْعَبُ دَمًا، وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ، فَكَيْفَ يَطْهُرُ مِنْهُ وَهُوَ طَيّبٌ وَأَثَرُ عِبَادَةٍ، وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ انْتَزَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَرَاهِيَةَ تَجْفِيفِ الْوَجْهِ مِنْ مَاءِ الْوُضُوءِ، وَهُوَ قَوْلُ الزّهْرِيّ، قَالَ الزّهْرِيّ: وَبَلَغَنِي أَنّهُ يُوزَنُ، وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ انْتَزَعَ كَرَاهِيَةَ السّوَاكِ بِالْعَشِيّ لِلصّائِمِ لِئَلّا يَذْهَبُ خُلُوفُ فَمِهِ، وَهُوَ أَثَرُ عِبَادَةٍ، وَجَاءَ فِيهِ مَا جَاءَ فِي دَمِ الشّهَدَاءِ أَنّهُ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَيُرْوَى أَطْيَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِاللّفْظَيْنِ جَمِيعًا، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَجَاءَتْ الْكَرَاهِيَةُ لِلسّوَاكِ بِالْعَشِيّ لِلصّائِمِ «١» عَنْ عَلِيّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، ذَكَرَ ذَلِكَ الدّارَقُطْنِيّ.
عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ الْمُجْدَعُ:
وَذَكَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ جحش بن أُخْت حَمْزَةَ، وَأَنّهُ مُثّلَ بِهِ كَمَا مُثّلَ بحمزة، وعبد اللهِ هَذَا يُعْرَفُ بِالْمُجْدَعِ فِي اللهِ، لِأَنّهُ جُدِعَ أَنْفُهُ وَاذُنَاه يَوْمئِذٍ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ يُحَدّثُ أَنّهُ لَقِيَهُ يَوْمَ أُحُدٍ أَوّلَ النّهَارِ، فَخَلَا بِهِ، وَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: يَا سَعْدُ هَلُمّ فَلْنَدْعُ اللهَ وَلِيَذْكُرَ كُلّ وَاحِدٍ مِنّا حَاجَتَهُ فِي دُعَائِهِ، وَلَيُؤَمّنّ الْآخَرُ، قَالَ سَعْدٌ: فَدَعَوْت اللهَ أَنْ أَلْقَى فَارِسًا شَدِيدًا بَأْسُهُ شَدِيدًا حَرْدُهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فأقتله، وآخذ سلبه، فقال عبد الله آمين، ثم استقبل
_________________
(١) - الشوكانى: «فائدة: لم يرد فى شىء من الأحاديث أنه «ص» صلى على شهداء بدر: ولا أنه لم يصل عليهم، وكذلك فى شهداء سائر المشاهد النبوية إلا ما ذكرناه فى هذا البحث، فليعلم ذلك» . وقد عرض الشوكانى كل ما روى من أحاديث.
(٢) لا يصح هذا.
[ ٦ / ٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَبْدُ اللهِ الْقِبْلَةَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ إلَى السّمَاءِ، وَقَالَ اللهُمّ لَقّنِي الْيَوْمَ فَارِسًا شَدِيدًا بَأْسُهُ شَدِيدًا حَرْدُهُ «١»، يَقْتُلُنِي وَيَجْدَعُ أَنْفِي وَأُذُنِي، فَإِذَا لَقِيتُك غَدًا تَقُولُ لِي: يَا عَبْدِي: فِيمَ جُدِعَ أَنْفُك وَأُذُنَاك، فَأَقُولُ: فِيك يَا رَبّ، وَفِي رَسُولِك، فَتَقُولُ لِي: صَدَقْت، قُلْ يَا سعد: آمِينَ، قَالَ فَقُلْت: آمِينَ، ثُمّ مَرَرْت بِهِ آخِرَ النّهَارِ قَتِيلًا مَجْدُوع الْأَنْفِ وَالْأُذُنَيْنِ، وَأَنّ أُذُنَيْهِ وَأَنْفَهُ مُعَلّقَانِ بِخَيْطِ، وَلَقِيت أَنَا فُلَانًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَقَتَلْته، وَأَخَذْت سَلَبَهُ «٢»، وَذَكَرَ الزّبَيْرُ أَنّ سَيْفَ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ انْقَطَعَ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِﷺ- عُرْجُونًا، فَعَادَ فِي يَدِهِ سَيْفًا، فقاتل به، فَكَانَ يُسَمّى ذَلِكَ السّيْفُ الْعُرْجُونَ «٣»، وَلَمْ يَزَلْ يتوارث حتى بيع من بغاء «٤» التركى بمائتى دِينَارٍ، وَهَذَا نَحْوٌ مِنْ حَدِيثِ عُكَاشَةَ الّذِي تقدم إلا أنّ سَيْفَ عُكَاشَةَ، كَانَ يُسَمّى الْعَوْنَ، وَكَانَتْ قِصّةُ عُكَاشَةَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ الّذِي قَتَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَحْشٍ أَبُو الْحُكْم بْنُ الْأَخْنَسِ بن شريق «٥» وكان عبد الله
_________________
(١) حرد الرجل فهو حرد بكسر الراء إذا اغتاظ فتحرش بالذى غاظه، وهم به فهو حارد، والحرد: الغضب والقصد والمنع.
(٢) رواه البغوى من طريق إسحاق بن سعد. وابن شاهين من وجه آخر عن سعيد بن المسيب. ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة.
(٣) لم يروه غير الزبير.
(٤) فى الإصابة: بغا الكبير دون همزة فى آخر بغا. وهو مر أمراء المعتصم بالله الخليفة العباسى إبراهيم بن هارون الرشيد.
(٥) اسمه: ابى بْنُ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبِ بْنِ علاج بن أبى سلمة ابن عبد العزى بن غيرة.
[ ٦ / ٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حِينَ قُتِلَ ابْنَ بِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، فِيمَا ذَكَرُوا وَدُفِنَ مَعَ حَمْزَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ.
حَدِيث عُمَرَ وَأَبِي سُفْيَانَ:
فَصْلٌ: وَمِمّا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ مِنْ الْكَلِمِ الّذِي يُسْأَلُ عَنْهُ قَوْلُ أَبِي سُفْيَانَ حِينَ قَالَ: اُعْلُ «١» هُبَلْ، أَيْ زِدْ عُلُوّا، ثُمّ قَالَ: أَنْعَمَتْ، فَعَالِ، قَالُوا:
مَعْنَاهُ الْأَزْلَامُ، وَكَانَ اسْتَقْسَمَ بِهَا حِينَ خَرَجَ إلَى أُحُد، فَخَرَجَ الّذِي يُحِبّ «٢» وَقَوْلُهُ: فَعَالِ: أَمْرٌ أَيْ عَالِ عَنْهَا وَأَقْصِرْ عَنْ لَوْمِهَا، تَقُولُ الْعَرَبُ: اُعْلُ عَنّي، وَعَالِ عَنّي بِمَعْنَى: أَيْ ارْتَفِعْ عَنّي، وَدَعْنِي. وَيُرْوَى أن الزّبير قال
_________________
(١) فسرها ابن هشام بغير هذا فضبطت اعل فى السيرة بفتح الهمزة وسكون العين وكسر اللام فالأمر من أعلى، وضبطتها فى الروض هكذا بهمزة وصل مع ضم اللام كما ضبطت فى اللسان والنهاية لابن الأثير والمواهب للزرقانى ص ٤٨ لأن الأمر من علا كما فسرها السهيلى.
(٢) كان الرجل من قريش إذا أراد ابتداء أمر عمد إلى سهمين، فكتب على أحدهما: نعم، وعلى الآخر: لا، ثم يتقدم إلى الضم ويجيل سهامه، فإن خرج سهم نعم، أقدم، وإن خرج سهم لا: امتنع، وكان أبو سفيان لما أراد الخروج إلى أحد استفتى هبل، فخرج له سهم الإنعام، فذاك قوله لعمر أنعمت، فعال عنها أى تجاف عنها، ولا تذكرها بسوء يعنى آلهتهم. «ابن الأثير مادة علا» وعنه نقل اللسان.. وقد ذكر الخشنى: وقوله: أنعمت- بضم التاء- فعال، معناه: بالغت. يقال: أنعم فى الشىء إذا بالغ فيه، وقوله: أنعمت يخاطب به نفسه ومن رواه: أنعمت بفتح التاء فانه يعنى به الحرب أو الوقيعة.. وقد يجوز أن تكون معدولة من الفعلة كما عدلوا فجار عن الفجرة، أى بالغت فى هذه الفعلة، ويعنى بالفعلة: الوقيعة ص ٢٣٠. وهبل اسم صنم.
[ ٦ / ٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لِأَبِي سُفْيَانَ يَوْمَ الْفَتْحِ: أَيْنَ قَوْلُك: أَنْعَمَتْ، فَعَالِ؟ فَقَالَ: قَدْ صَنَعَ اللهُ خَيْرًا، وَذَهَبَ أَمْرُ الْجَاهِلِيّةِ. وَقَوْلُ عُمَرَ لَا سَوَاءَ، أَيْ لَا نَحْنُ سَوَاءٌ، وَلَا يَجُوزُ دُخُولُ لَا عَلَى اسْمٍ مُبْتَدَأٍ مَعْرِفَةٍ إلّا مَعَ التّكْرَارِ نَحْوُ لَا زَيْدٌ قَائِمٌ، وَلَا عَمْرٌو خَارِجٌ، وَلَكِنّهُ جَازَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لِأَنّ الْقَصْدَ فِيهِ إلَى نَفْيِ الْفِعْلِ، أَيْ لَا يَسْتَوِي، كَمَا جَازَ لَا نُوَلّك، أَيْ: لَا يَنْبَغِي لَك، وَقَدْ بَيّنّا هَذَا فِي أَوّلِ الْكِتَابِ حَيْثُ تَكَلّمْنَا عَلَى قَوْلِهِ: فَشَتْتَنَا سَعْدٌ فَلَا نحن من سعد حديث محيريق وَأَوّلُ وَقْفٍ فِي الْإِسْلَامِ: وَمِمّا يَلِيقُ ذِكْرُهُ بهذه الغزاة حديث محيريق، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي النّضِيرِ، وَقَوْلُهُ: إنْ أُصِبْت فَمَالِي لِمُحَمّدِ يَصْنَعُ فِيهِ مَا شَاءَ، فَأُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِﷺ- حِينَ انْصَرَفَ مَالُهُ أَوْقَافًا، وَهُوَ أَوّلُ حَبْسٍ حُبِسَ فِي الْإِسْلَامِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ، وَقَالَ الزّهْرِيّ: كَانَتْ سَبْعَ حَوَائِطَ، وَأَسْمَاؤُهَا: الْأَعْرَافُ، وَالْأَعْوَافُ وَالصّافِيَةُ والدّلال وَبُرْقَةُ، وَحُسْنَى وَمَشْرَبَةُ أُمّ إبْرَاهِيمَ، وَإِنّمَا سُمّيَتْ مُشْرَبَةَ أُمّ إبْرَاهِيمَ، لِأَنّهَا كَانَتْ تَسْكُنُهَا، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ حَدِيثَ مُخَيْرِيقٍ، وَهَذَا الّذِي ذكرناه تكلمة لَهُ، وَزِيَادَةُ فَائِدَةٍ فِيهِ. وَذَكَرَ: لَا سَيْفَ إلّا ذُو الْفَقَارِ، بِفَتْحِ الْفَاءِ جَمْعُ فَقَارَةٍ، وَإِنْ قِيلَ ذُو الْفِقَارِ بِالْكَسْرِ، فَهُوَ جَمْعُ فِقْرَةٍ، وَقَدْ تَقَدّمَ شَرْحُهُ. وَوَقَعَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرّوَايَةِ أَنّ
[ ٦ / ٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رِيحًا هَبّتْ يَوْمَ أُحُدٍ، فَسَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ:
لَا سَيْفَ إلّا ذُو الْفَقَارِ وَلَا فَتَى إلّا عَلِيّ «١»
فِي أَبْيَاتٍ ذَكَرَهَا، وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ قَوْلَ عَلِيّ لِفَاطِمَةَ حِينَ غَسَلَتْ سَيْفَهُ مِنْ الدّمِ:
أَفَاطِمُ هَاتِي السّيْفَ غَيْرَ ذَمِيمِ فَلَسْت بِرِعْدِيدِ وَلَا بِلَئِيمِ
غَزْوَةُ حَمْرَاءِ الْأَسَدِ «٢» شَرْحُ قَصِيدَةِ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيّ:
ذَكَرَ شِعْرَ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيّ وَفِيهِ:
إذَا تَغَطْمَطَتْ الْبَطْحَاءُ بِالْخَيْلِ
لَفْظٌ مُسْتَعَارٌ مِنْ الغطمة «٣»، وَهُوَ صَوْتُ غَلَيَانِ الْقِدْرِ.
قَوْلُهُ بِالْخَيْلِ جَعَلَ الرّدْفَ حَرْفَ لِينٍ، وَالْأَبْيَاتُ كُلّهَا مُرْدَفَةُ الرّوىّ
_________________
(١) يقول الشيبانى فى التمييز: يروى فى أثرواه عند الحسن بن عرفة من حديث أبى جعفر محمد بن على الباقر.
(٢) موضع على ثمانية أميال أو عشرة من المدينة عن يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة.
(٣) تغطمطت: اهتزت وارتجت، ومنه يقال: بحر غطامط بضم الغين وفتح الطاء إذا علت أمواجه. والجيل: الصنف من الناس ولكنها فى السيرة: الخيل.
[ ٦ / ٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِحَرْفِ مَدّ وَلِينٍ «١»، وَهَذَا هُوَ السّنَادُ الّذِي بَيّنّاهُ فِي أَوّلِ الْكِتَابِ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ فَسُونِدَ بَيْنَ الْقَبَائِلِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُ [عَمْرِو] بن كلثوم:
ألا هبي بصحنك فاصبحينا
ثم قَالَ:
تُصَفّقُهَا الرّيَاحُ إذَا جَرَيْنَا
وَتَسْمِيَةُ هَذَا سِنَادٌ عَرَبِيّةٌ لَا صِنَاعِيّةٌ، قَالَ عَدِيّ بْنُ الرّفاع:
وَقَصِيدَةٍ قَدْ بِتّ أَجْمَعُ بَيْنَهَا حَتّى أُقَوّمَ مِيلَهَا وَسِنَادَهَا
نَظَرَ الْمُثَقّفِ فِي كُعُوبِ قَنَاتِهِ كَيْمَا يُقِيمُ ثِقَافُهُ مُنْآدَهَا «٢»
وَقَوْلُهُ: لَا تَنَابِلَةٍ. التّنَابِلَةُ: الْقِصَارُ، وَأَحَدُهُمْ: تِنْبَالٌ، تِفْعَالٌ مِنْ النّبْلِ، وهى صغار الحصى «٣» .
_________________
(١) الردف: الألف والياء والواو التى قبل الروى، سمى بذلك لأنه ملحق فى التزامه وتحمل مراعاته بالروى، فجرى مجرى الردف للراكب، أى يليه، لأنه ملحق به، مثل الألف فى كتاب، والياء فى بليد، والواو فى قتول وانظر اللسان مادة ردف.
(٢) سبق هذا وانظر اللسان فى مادة سند، والخصائص لابن جنى ط ٢ ص ٣٢٣ ح ١.
(٣) تنبال وتنبل والتنبالة بفتح التاء وكسرها، وفتح الباء: الرجل القصير، وهو رباعى على مذهب سيبويه وعند ثعلب ثلاثى. وحكم بزيادة التاء، ويشتقه من النبل كما قال السهيلى، وذكره الأزهرى فى الثلاثى، وجمعه أيضا: التنابيل.
[ ٦ / ٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَبُو عَزّةَ الْجُمَحِيّ:
وَذَكَرَ أَبَا عَزّةَ «١»، وَكَانَ الّذِي أَسَرَهُ عُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، كَذَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ، وَأَحْسَبُهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَيْرٍ أَحَدَ بَنِي خُدَارَةَ، أَوْ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَيْرٍ الْخَطْمِيّ وَمِنْ خَبَرِ أَبِي عَزّةَ مَا ذَكَرَ الزّبَيْرُ عَنْ ابْنِ جُعْدُبَةَ وَالضّحّاكِ بْنِ عُثْمَانَ.
وَالْجُعْدُبَةُ فِي اللّغَةِ وَاحِدَةٌ الْجِعَادِبِ، وَهِيَ النّفّاخَاتُ الّتِي تَكُونُ فِي الْمَاءِ.
قَالَا: بَرِصَ أَبُو عَزّةَ الْجُمَحِيّ، فَكَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تُؤَاكِلُهُ وَلَا تجالسه فقال الموت خَيْرٌ مِنْ هَذَا، فَأَخَذَ حَدِيدَةً، وَدَخَلَ بَعْضَ شِعَابِ مَكّةَ فَطَعَنَ بِهَا فِي مَعَدّهِ، وَالْمَعَدّ مَوْضِعٌ عَقِبَ الرّاكِبِ مِنْ الدّابّةِ، وَقَالَ ابْنُ جُعْدُبَةَ:
فَمَارَتْ الْحَدِيدَةُ، وَقَالَ الضّحّاكُ: بَيْنَ الْجِلْدِ وَالصّفَاقِ فَسَالَ مِنْهُ أصفر فبرىء، فَقَالَ:
اللهُمّ رَبّ وَائِلٍ وَنَهْدِ وَالتّهِمَاتِ وَالْجِبَالِ الْجُرْدِ
وَرَبّ مَنْ يَرْعَى بِأَرْضِ نَجِدْ أَصْبَحْت عَبْدًا لَك وَابْنَ عَبْدِ
أَبَرّأَتْنِي مِنْ وَضَحٍ بِجِلْدِ مِنْ بَعْدَ مَا طَعَنْت فِي مَعَدّي
مُوصِلُ مَقَالَةِ أَبِي سُفْيَانَ:
وَذَكَرَ إرْسَالَ أَبِي سُفْيَانَ مَعَ الرّكْبِ بِالْوَعِيدِ، وَكَانَ الْمُوَصّلُ مَقَالَتَهُ لِلْمُؤْمِنَيْنِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالُوا: حَسْبُنَا اللهُ ونعم الوكيل، كذلك جاء فى التفسير.
_________________
(١) فى حديثه لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. وقد ذكر السيوطى عن هذا أن رواته: البخارى ومسلم وأحمد فى مسنده وأبو داود وابن ماجة.
[ ٦ / ٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلٌ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ وَذَكَرَ قَوْلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ حِينَ أُخْرِجَ مِنْ الْمَسْجِدِ: لَكَأَنّمَا قُلْت بَجْرًا. الْبَجْرُ: الْأَمْرُ الْعَظِيمُ وَالْبَجَارِي: الدّوَاهِي، وَفِي وَصِيّةِ أَبِي بَكْرٍ:
يَا هادى الطريق جرت، إنما هو الفجر والبجر «١» قَالَ الْخَطّابِيّ: مَعْنَاهُ الدّاهِيَةُ.
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرّوَايَةِ قَوْلَ النّبِيّ ﷺ فِي قَتْلَى أُحُدٍ: يَا لَيْتَنِي غُودِرْت مَعَ أَصْحَابٍ نُحْصِ الْجَبَلَ. نُحْصُ الجبل:
أسفله، قاله صاحب العين «٢» .
_________________
(١) ضبط القاموس البجر بالضم، وابن الأثير بالفتح، وفى اللسان أنها بالفتح والضم وهى الداهية والأمر العظيم. ومعنى قول أبى بكر: إن انتظرت حتى يضىء الفجر أبصرت الطريق، وإن خبطت الظلماء أفضت بك إلى المكروه، ويروى البحر يريد غمرات الدنيا شبهها بالبحر لتحير أهلها فيها.
(٢) فى الأصل: نحض بالضاد والتصويب من النهاية واللسان، والمعنى تمنى أن يكون استشهد معهم يوم أحد، أراد باليتنى غودرت شهيدا مع شهداء أحد. وفى البخارى ومسلم وغيرهما عن عائشة: لما انصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، فقال: من يذهب فى أثرهم، فانتدب منهم سبعون رجلا فيهم: أبو بكر والزبير وزاد الطبرانى آخرين. وعن هذا يقول الحافظ ابن كثير: هذا سياق غريب جدا، فالمشهور عند أصحاب المغازى أن الذين خرجوا إلى حمراء الأسد كل من شهد أحدا، وكانوا سبعمائة، قتل منهم سبعون، وبقى الباقون. وقيل إنه لا تخالف بين قول عائشة وأصحاب المغازى لأن معنى قولها فانتدب منهم سبعون أنهم سبقوا غيرهم، ثم تلاحق الباقون. وقد أقام ﵇ بحمراء الأسد كما روى الاثنين والثلاثاء والأربعاء، وقال ابن سعد: كان المسلمون يوقدون تلك الليالى خمسائة نار حتى ترى من المكان البعيد، وذهب صوت معسكرهم ونيرانهم فى كل وجه. ثم رجع إلى المدينة ﷺ.
[ ٦ / ٥١ ]
[ذِكْرُ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي أُحُدٍ مِنْ القرآن]
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ قَالَ: حَدّثَنَا أَبُو محمد عبد الملك بن هشام، قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بْنِ إسْحَاقَ الْمُطّلِبِيّ، قَالَ: فَكَانَ مِمّا أَنْزَلَ اللهُ ﵎ فِي يَوْمِ أُحُدٍ مِنْ الْقُرْآنِ سِتّونَ آيَةً مِنْ آلِ عِمْرَانَ، فِيهَا صِفَةُ مَا كَانَ فِي يَوْمِهِمْ ذَلِكَ، وَمُعَاتَبَةُ مَنْ عَاتَبَ مِنْهُمْ، يَقُولُ اللهُ ﵎ لِنَبِيّهِ ﷺ: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ آل عمران: ١٢١.
قال ابن هشام: تبوّىء الْمُؤْمِنِينَ: تَتّخِذُ لَهُمْ مَقَاعِدَ وَمَنَازِلَ. قَالَ الْكُمَيْتُ ابن زَيْدٍ:
لَيْتَنِي كُنْتُ قَبْلَهُ قَدْ تَبَوّأْتُ مَضْجَعَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
أَيْ سَمِيعٌ بِمَا تَقُولُونَ، عَلِيمٌ بِمَا تُخْفُونَ.
إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا: أَنْ تَتَخَاذَلَا، وَالطّائِفَتَانِ:
بَنُو سَلَمَةَ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَبَنُو حَارِثَةَ بْنِ النّبِيت مِنْ الْأَوْسِ، وَهُمَا الْجَنَاحَانِ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما: أَيْ الْمُدَافِعُ عَنْهُمَا مَا هَمّتَا بِهِ مِنْ فَشَلِهِمَا، وَذَلِك أَنّهُ إنّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمَا عَنْ ضَعْفٍ وَوَهَنٍ أَصَابَهُمَا غَيْرَ شَكّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٢ ]
فِي دِينِهِمَا، فَتَوَلّى دَفْعَ ذَلِكَ عَنْهُمَا بِرَحْمَتِهِ وَعَائِدَتِهِ، حَتّى سَلِمَتَا مِنْ وُهُونِهِمَا وَضَعْفِهِمَا، وَلَحِقَتَا بِنَبِيّهِمَا ﷺ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي رَجُلٌ مِنْ الْأَسْدِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ: قَالَتْ الطّائِفَتَانِ مَا نُحِبّ أَنّا لَمْ نَهُمّ بِمَا هَمَمْنَا بِهِ، لَتَوَلّى اللهُ إيّانَا فِي ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ:
أَيْ مَنْ كَانَ بِهِ ضَعْفٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَلْيَتَوَكّلْ علىّ، وليستعن بى، أعنه على أمره، وأدفع عَنْهُ، حَتّى أَبْلُغَ بِهِ، وَأَدْفَعَ عَنْهُ، وَأُقَوّيَهُ عَلَى نِيّتِهِ. وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: أى فاتّقونى، فإنه شُكْرُ نِعْمَتِي. وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَقَلّ عَدَدًا وَأَضْعَفُ قُوّةً إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ. بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ:
أَيْ إنْ تَصْبِرُوا لِعَدُوّي، وَتُطِيعُوا أَمْرِي، وَيَأْتُوكُمْ مِنْ وَجْهِهِمْ هَذَا، أُمِدّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُسَوّمِينَ.
[تَفْسِيرُ ابن هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: مُسَوّمِينَ: مُعْلَمِينَ. بَلَغَنَا عَنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ أَنّهُ قَالَ: أَعْلَمُوا عَلَى أَذْنَابِ خَيْلِهِمْ وَنَوَاصِيهَا بِصُوفِ أَبْيَضَ فَأَمّا ابْنُ إسْحَاقَ فَقَالَ: كَانَتْ سِيمَاهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ عَمَائِمَ بِيضًا. وَقَدْ ذَكَرْت ذَلِكَ فِي حَدِيثِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٣ ]
بَدْرٍ. وَالسّيمَا: الْعَلَامَةُ. وَفِي كِتَابِ اللهِ ﷿: (سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ): أى علامتهم. وحِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ. مُسَوَّمَةً يَقُول: مُعْلَمَةً. بَلَغَنَا عَنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ أَنّهُ قَالَ: عَلَيْهَا عَلَامَةٌ، أَنّهَا لَيْسَتْ مِنْ حِجَارَةِ الدّنْيَا، وَأَنّهَا مِنْ حِجَارَةِ الْعَذَابِ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجّاجِ:
فَالْآنَ تُبْلَى بِي الْجِيَادُ السّهَمُ وَلَا تُجَارِينِي إذَا مَا سَوّمُوا
وَشَخَصَتْ أَبْصَارُهُمْ وَأَجْذَمُوا
[أَجْذَمُوا «بِالذّالِ الْمُعْجَمَةِ»: أَيْ أَسْرَعُوا: وَأَجْدَمُوا «بِالدّالِ الْمُهْمَلَةِ»:
أَقْطَعُوا] .
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ: وَالْمُسَوّمَةُ (أَيْضًا) الْمَرْعِيّةُ. وَفِي كِتَابِ اللهِ تعالى: وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وشَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ. تَقُولُ الْعَرَبُ:
سَوّمَ خَيْلَهُ وَإِبِلَهُ، وَأَسَامَهَا: إذَا رَعَاهَا. قَالَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ:
راعيا كان مسجحا ففقدنا هـ وَفَقْدُ الْمُسِيمِ هُلْكُ السّوَامِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ. مُسْجِحًا: سَلِسُ السّيَاسَةِ مُحْسِنٌ (إلَى الْغَنَمِ) . وَهَذَا البيت فى قصيدة له.
وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ، وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ: أَيْ مَا سَمّيْت لَكُمْ مَنْ سَمّيْتُ مِنْ جُنُودِ مَلَائِكَتِي إلّا بُشْرَى لَكُمْ، وَلِتَطْمَئِنّ قُلُوبُكُمْ بِهِ، لِمَا أَعْرِفُ مِنْ ضَعْفِكُمْ، وَمَا النّصْرُ إلّا مِنْ عِنْدِي، لِسُلْطَانِي وَقُدْرَتِي، وَذَلِك أَنّ الْعِزّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٤ ]
وَالْحُكْمَ إلَيّ، لَا إلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِي. ثُمّ قَالَ: لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ: أَيْ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِقَتْلٍ يَنْتَقِمُ بِهِ مِنْهُمْ، أَوْ يَرُدّهُمْ خَائِبِينَ: أَيْ وَيَرْجِعُ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ فَلّا خَائِبِينَ، لَمْ يَنَالُوا شَيْئًا مِمّا كَانُوا يأملون.
[تفسير ابن هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: يَكْبِتُهُمْ: يَغُمّهُمْ أَشَدّ الْغَمّ، وَيَمْنَعُهُمْ مَا أَرَادُوا. قَالَ ذُو الرّمّةِ:
مَا أَنْسَ مِنْ شَجَنٍ لَا أَنْسَ مَوْقِفَنَا فِي حَيْرَةٍ بَيْنَ مَسْرُورٍ وَمَكْبُوتِ
وَيَكْبِتُهُمْ (أَيْضًا): يَصْرَعُهُمْ لِوُجُوهِهِمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ قَالَ لِمُحَمّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ:
أَيْ لَيْسَ لَك مِنْ الْحُكْمِ شَيْءٌ فِي عِبَادِي، إلّا مَا أَمَرْتُك بِهِ فِيهِمْ، أَوْ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِي، فَإِنْ شِئْتُ فَعَلْت، أَوْ أُعَذّبُهُمْ بِذُنُوبِهِمْ فَبِحَقّي فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ: أَيْ قَدْ اسْتَوْجَبُوا ذَلِكَ بِمَعْصِيَتِهِمْ إيّايَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ:
أَيْ يَغْفِرُ الذّنْبَ وَيَرْحَمُ الْعِبَادَ، على ما فيهم.
[النهى عن الربا]
ثم قَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً؛ أَيْ لَا تَأْكُلُوا فِي الْإِسْلَامِ، إذْ هَدَاكُمْ اللهُ بِهِ مَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ إذا أَنْتُمْ عَلَى غَيْرِهِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٥ ]
مِمّا لَا يَحِلّ لَكُمْ فِي دِينِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: أَيْ فَأَطِيعُوا اللهَ لَعَلّكُمْ تنجون مما حذّركم الله من عذابه، وتدركون مَا رَغّبَكُمْ اللهُ فِيهِ مِنْ ثَوَابِهِ، وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ: أَيْ الّتِي جُعِلَتْ دَارًا لِمِنْ كَفَرَ بِي.
[الْحَضّ عَلَى الطّاعَةِ]
ثُمّ قَالَ: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ مُعَاتَبَةً لِلّذِينَ عَصَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ أَمَرَهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفِي غَيْرِهِ. ثُمّ قَالَ: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ أَيْ دَارًا لِمَنْ أَطَاعَنِي وَأَطَاعَ رَسُولِي: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ، وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ: أَيْ وَذَلِك هُوَ الْإِحْسَانُ، وَأَنَا أُحِبّ مَنْ عَمِلَ بِهِ، وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ، وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ: أَيْ إنْ أَتَوْا فَاحِشَةً، أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَعْصِيَةٍ ذَكَرُوا نَهْيَ اللهِ عَنْهَا، وَمَا حَرّمَ عَلَيْهِمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ لَهَا، وَعَرَفُوا أَنّهُ لَا يَغْفِرُ الذّنُوبَ إلّا هُوَ.
وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ: أَيْ لَمْ يُقِيمُوا عَلَى مَعْصِيَتِي كَفِعْلِ مَنْ أَشْرَكَ بِي فِيمَا غَلَوْا بِهِ فِي كُفْرِهِمْ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا حَرّمْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِي. أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها، وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ: أى ثواب المطيعين.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٦ ]
[ذكر ما أصابهم وتعزيتهم عنه]
ثُمّ اسْتَقْبَلَ ذِكْرَ الْمُصِيبَةِ الّتِي نَزَلَتْ بِهِمْ، وَالْبَلَاءَ الّذِي أَصَابَهُمْ، وَالتّمْحِيصَ لِمَا كَانَ فِيهِمْ، وَاِتّخَاذَهُ الشّهَدَاءَ مِنْهُمْ، فَقَالَ: تَعْزِيَةً لَهُمْ، وَتَعْرِيفًا لَهُمْ فِيمَا صَنَعُوا، وَفِيمَا هُوَ صَانِعٌ بِهِمْ: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ: أَيْ قَدْ مَضَتْ مِنّي وَقَائِعُ نِقْمَةٍ فِي أَهْلِ التّكْذِيبِ لِرُسُلِي وَالشّرْكِ بِي: عَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ لُوطٍ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ، فَرَأَوْا مَثُلَاتٍ قَدْ مَضَتْ مِنّي فِيهِمْ، وَلِمَنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مِنّي، فَإِنّي أَمْلَيْت لَهُمْ: أَيْ لِئَلّا يَظُنّوا أَنّ نِقْمَتِي انْقَطَعَتْ عَنْ عَدُوّكُمْ وَعَدُوّي لِلدّوْلَةِ الّتِي أَدْلَتْهُمْ بِهَا عَلَيْكُمْ، لِيَبْتَلِيَكُمْ بِذَلِكَ، لِيُعَلّمَكُمْ مَا عِنْدَكُمْ.
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: هَذَا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ: أَيْ هَذَا تَفْسِيرٌ لِلنّاسِ إنْ قَبِلُوا الْهُدَى وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ: أَيْ نُورٌ وَأَدَبٌ (لِلْمُتّقِينَ) أَيْ لِمَنْ أَطَاعَنِي وَعَرَفَ أَمْرِي، وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا: أَيْ لَا تَضْعُفُوا وَلَا تَبْتَئِسُوا عَلَى مَا أَصَابَكُمْ، وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ أَيْ لَكُمْ تَكُونُ الْعَاقِبَةُ وَالظّهُورُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: أَيْ إنْ كُنْتُمْ صَدّقْتُمْ نَبِيّي بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ عَنّي إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ: أَيْ جِرَاحُ مِثْلُهَا وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ: أَيْ نُصَرّفُهَا بَيْنَ النّاسِ لِلْبَلَاءِ وَالتّمْحِيصِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ: أَيْ لِيُمَيّزَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ؛ وَلِيُكْرِمَ مَنْ أَكْرَمَ من
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٧ ]
أَهْلِ الْإِيمَانِ بِالشّهَادَةِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ: أَيْ الْمُنَافِقِينَ الّذِينَ يُظْهِرُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ الطّاعَةَ وَقُلُوبُهُمْ مُصِرّةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا أَيْ يَخْتَبِرَ الّذِينَ آمَنُوا حَتّى يُخَلّصَهُمْ بِالْبَلَاءِ الّذِي نَزَلَ بِهِمْ، وَكَيْفَ صَبْرُهُمْ وَيَقِينُهُمْ وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ: أَيْ يُبْطِلَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ قَوْلَهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، حَتّى يَظْهَرَ مِنْهُمْ كُفْرُهُمْ الّذِي يَسْتَتِرُونَ بِهِ.
[دَعْوَةُ الْجَنّةِ لِلْمُجَاهِدِينَ]
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ: أَيْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنّةَ، فَتُصِيبُوا مِنْ ثَوَابِي الْكَرَامَةَ، وَلَمْ أَخْتَبِرْكُمْ بِالشّدّةِ، وَأَبْتَلِيَكُمْ بِالْمَكَارِهِ، حَتّى أَعْلَمَ صدق ذلك منكم بِالْإِيمَانِ بِي، وَالصّبْرَ عَلَى مَا أَصَابَكُمْ فِيّ، وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنّوْنَ الشّهَادَةَ عَلَى الّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْحَقّ قَبْلَ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوّكُمْ، يَعْنِي الّذِينَ اسْتَنْهَضُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ إلَى خُرُوجِهِ بِهِمْ إلَى عَدُوّهِمْ، لِمَا فَاتَهُمْ مِنْ حُضُورِ الْيَوْمِ الّذِي كَانَ قَبْلَهُ بِبَدْرٍ، وَرَغْبَةً فِي الشّهَادَةِ الّتِي فَاتَتْهُمْ بِهَا، فَقَالَ: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ يَقُولُ: فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ: أَيْ الْمَوْتُ بِالسّيُوفِ فِي أَيْدِي الرّجَالِ قَدْ خُلّيَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ، ثُمّ صَدّهُمْ عَنْكُمْ وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ: أَيْ لِقَوْلِ النّاسِ: قُتِلَ مُحَمّدٌ ﷺ، وَانْهِزَامُهُمْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٨ ]
عِنْدَ ذَلِكَ، وَانْصِرَافُهُمْ عَنْ عَدُوّهِمْ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ رَجَعْتُمْ عَنْ دِينِكُمْ كُفّارًا كَمَا كُنْتُمْ، وَتَرَكْتُمْ جِهَادَ عَدُوّكُمْ، وَكِتَابَ اللهِ. وَمَا خَلّفَ نَبِيّهُ ﷺ مِنْ دِينِهِ مَعَكُمْ وَعِنْدَكُمْ وَقَدْ بَيّنَ لَكُمْ فِيمَا جَاءَكُمْ بِهِ عَنّي أَنّهُ مَيّتٌ وَمُفَارِقُكُمْ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ: أَيْ يَرْجِعُ عَنْ دِينِهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا: أَيْ لَيْسَ يُنْقِصُ ذَلِكَ عِزّ اللهِ تَعَالَى وَلَا مُلْكَهُ وَلَا سُلْطَانَهُ وَلَا قُدْرَتَهُ، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ: أَيْ مَنْ أَطَاعَهُ وَعَمِلَ بِأَمْرِهِ.
[ذِكْرُهُ أَنّ الْمَوْتَ بإذن الله]
ثُمّ قَالَ: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا:
أَيْ أَنّ لِمُحَمّدِ ﷺ أَجَلًا هُوَ بَالِغُهُ، فَإِذَا أَذِنَ اللهُ ﷿ فِي ذَلِكَ كَانَ. وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها، وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها، وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ: أَيْ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ الدّنْيَا، لَيْسَتْ لَهُ رَغْبَةٌ فِي الْآخِرَةِ، نُؤْتِهِ مِنْهَا مَا قُسِمَ لَهُ مِنْ رِزْقٍ، وَلَا يَعْدُوهُ فِيهَا، وليس له فى الآخرة من حظّ وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها مَا وُعِدَ بِهِ، مَعَ مَا يُجْزَى عَلَيْهِ مِنْ رِزْقِهِ فِي دُنْيَاهُ، وَذَلِك جَزَاءُ الشّاكِرِينَ، أَيْ الْمُتّقِينَ.
[ذِكْرُ شَجَاعَةِ الْمُجَاهِدِينَ مِنْ قَبْلُ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ]
ثُمّ قَالَ: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا، وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ:
أَيْ وَكَأَيّنْ مِنْ نَبِيّ أَصَابَهُ الْقَتْلُ، وَمَعَهُ رِبّيّونَ كَثِيرٌ: أَيْ جَمَاعَةٌ، فَمَا وهنوا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٩ ]
لِفَقْدِ نَبِيّهِمْ، وَمَا ضَعُفُوا عَنْ عَدُوّهِمْ؛ وَمَا اسْتَكَانُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي الْجِهَادِ عَنْ اللهِ تَعَالَى وَعَنْ دِينِهِمْ، وَذَلِك الصّبْرُ، وَاَللهُ يُحِبّ الصّابِرِينَ وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا، وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا، وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ.
[تَفْسِيرُ ابن هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: وَاحِدُ: الرّبّيّينَ: رِبّيّ؛ وَقَوْلُهُمْ: الرّبَابُ، لِوَلَدِ عبد مناة ابن أدّ بن طابخة بْنِ إلْيَاسَ، وَلِضَبّةَ، لِأَنّهُمْ تَجَمّعُوا وَتَحَالَفُوا، مِنْ هَذَا، يُرِيدُونَ الْجَمَاعَاتِ. وَوَاحِدَةُ الرّبَابِ: رِبّةٌ (وَرِبَابَةٌ) وَهِيَ جَمَاعَاتُ قِدَاحٍ أَوْ عِصِيّ وَنَحْوِهَا، فَشَبّهُوهَا بِهَا. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيّ:
وَكَأَنّهُنّ رِبَابَةٌ وكأنّه يسر يفيض عَلَى الْقِدَاحِ وَيَصْدَعُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَقَالَ أُمَيّةُ بْنُ أَبِي الصّلْتِ:
حَوْلَ شَيَاطِينِهِمْ أَبَابِيلُ رِبّيّونَ شَدّوا سَنَوّرًا مَدْسُورَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالرّبَابَةُ (أَيْضًا) الْخِرْقَةُ الّتِي تُلَفّ فِيهَا الْقِدَاحُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: والسّنَوّر: الدّرُوعُ. وَالدّسُرُ: هِيَ الْمَسَامِيرُ الّتِي فِي الْحِلَقِ، يَقُولُ اللهُ ﷿ وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ.
قَالَ الشّاعِرُ، وَهُوَ أَبُو الْأَخْزَرِ الْحِمّانِيّ، مِنْ تَمِيمٍ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٦٠ ]
دَسْرًا بِأَطْرَافِ الْقَنَا الْمُقَوّمِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَيْ فَقُولُوا مِثْلَ مَا قَالُوا، وَاعْلَمُوا أَنّمَا ذَلِكَ بِذُنُوبِ مِنْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ كَمَا اسْتَغْفَرُوهُ، وَامْضُوا عَلَى دِينِكُمْ كَمَا مَضَوْا عَلَى دِينِهِمْ، وَلَا تَرْتَدّوا عَلَى أَعْقَابِكُمْ رَاجِعِينَ، وَاسْأَلُوهُ كَمَا سَأَلُوهُ أَنْ يُثَبّتَ أَقْدَامَكُمْ، وَاسْتَنْصِرُوهُ كَمَا اسْتَنْصَرُوهُ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، فَكُلّ هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ قَدْ كَانَ؛ وَقَدْ قُتِلَ نَبِيّهُمْ، فَلَمْ يَفْعَلُوا كَمَا فَعَلْتُمْ، فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدّنْيَا بِالظّهُورِ عَلَى عَدُوّهِمْ، وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَمَا وَعَدَ اللهُ فِيهَا، وَاللهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ.
[تَحْذِيرُهُ إيّاهُمْ مِنْ إطَاعَةِ الْكُفّارِ]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ: أَيْ عَنْ عَدُوّكُمْ، فَتَذْهَبُ دُنْيَاكُمْ وآخِرَتُكُمْ بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِكُمْ صِدْقًا فِي قُلُوبِكُمْ فَاعْتَصِمُوا بِهِ، وَلَا تَسْتَنْصِرُوا بِغَيْرِهِ، وَلَا تَرْجِعُوا عَلَى أَعْقَابِكُمْ مُرْتَدّينَ عَنْ دِينِهِ. سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ: أَيْ الّذِي بِهِ كُنْتُ أَنْصُرُكُمْ عَلَيْهِمْ بِمَا أَشْرَكُوا بِي مَا لَمْ أَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ حُجّةٍ، أَيْ فَلَا تَظُنّوا أَنّ لَهُمْ عَاقِبَةَ نَصْرٍ وَلَا ظُهُورٍ عَلَيْكُمْ مَا اعْتَصَمْتُمْ بِي، وَاتّبَعْتُمْ أَمْرِي، لِلْمُصِيبَةِ الّتِي أَصَابَتْكُمْ مِنْهُمْ بِذُنُوبٍ قَدّمْتُمُوهَا لِأَنْفُسِكُمْ، خَالَفْتُمْ بِهَا أَمْرِي لِلْمَعْصِيَةِ، وَعَصَيْتُمْ بِهَا النّبِيّ ﷺ. وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ، وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَراكُمْ مَا تُحِبُّونَ، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
[ ٦ / ٦١ ]
ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ، وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ، وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَيْ وَقَدْ وَفّيْت لَكُمْ بِمَا وَعَدْتُكُمْ مِنْ النّصْرِ عَلَى عَدُوّكُمْ، إذْ تُحِسّونَهُمْ بِالسّيُوفِ، أَيْ الْقَتْلِ، بِإِذْنِي وتسليطى أيديكم عليهم، وكفّى أيديهم عنكم.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْحَسّ: الِاسْتِئْصَالُ: يُقَالُ: حَسَسْتُ الشّيْءَ: أَيْ اسْتَأْصَلْته بِالسّيْفِ وَغَيْرِهِ. قَالَ جَرِيرٌ:
تَحُسّهُمْ السّيُوفُ كَمَا تَسَامَى حَرِيقُ النّارِ فِي الْأَجَمِ الْحَصِيدِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجّاجِ:
إذَا شَكَوْنَا سَنَةً حَسُوسا تَأْكُلُ بَعْدَ الْأَخْضَرِ الْيَبِيسَا
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: (حَتّى إِذَا فَشِلْتُمْ): أَيْ تَخَاذَلْتُمْ (وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ) أَيْ اخْتَلَفْتُمْ فِي أَمْرِي، أَيْ تَرَكْتُمْ أَمْرَ نَبِيّكُمْ وَمَا عَهِدَ إلَيْكُمْ، يَعْنِي الرّمَاةَ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَراكُمْ مَا تُحِبُّونَ: أَيْ الْفَتْحُ، لَا شَكّ فِيهِ، وَهَزِيمَةُ الْقَوْمِ عَنْ نِسَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا: أَيْ الّذِينَ أَرَادُوا النّهْبَ فِي الدّنْيَا وَتَرْكَ مَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الطّاعَةِ الّتِي عَلَيْهَا ثَوَابُ الْآخِرَةِ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ: أَيْ الّذِينَ جَاهَدُوا فِي اللهِ، وَلَمْ يُخَالِفُوا إلَى مَا نُهُوا عَنْهُ لِعَرَضٍ مِنْ الدّنْيَا، رَغْبَةً فِيهَا، رَجَاءَ مَا عِنْدِ اللهِ مِنْ حُسْنِ ثَوَابِهِ فِي الْآخِرَةِ؛ أَيْ الّذِينَ جَاهَدُوا فِي الدّينِ ولم يخالفوا إلى ما نهوا عنه، لعرض مِنْ الدّنْيَا، لِيَخْتَبِرَكُمْ، وَذَلِك بِبَعْضِ ذُنُوبِكُمْ، وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْ عَظِيمِ ذَلِكَ، أَنْ لَا يهلككم
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٦٢ ]
بِمَا أَتَيْتُمْ مِنْ مَعْصِيَةِ نَبِيّكُمْ، وَلَكِنّي عُدْت بِفَضْلِي عَلَيْكُمْ، وَكَذَلِكَ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ عَاقَبَ بِبَعْضِ الذّنُوبِ فِي عَاجِلِ الدّنْيَا أَدَبًا وَمَوْعِظَةً، فَإِنّهُ غَيْرُ مُسْتَأْصِلٍ لِكُلّ مَا فِيهِمْ مِنْ الْحَقّ لَهُ عَلَيْهِمْ، بِمَا أَصَابُوا مِنْ مَعْصِيَتِهِ، رَحْمَةً لَهُمْ، وَعَائِدَةً عَلَيْهِمْ، لِمَا فِيهِمْ مِنْ الْإِيمَانِ.
[تَأْنِيبُهُ إيّاهُمْ لِفِرَارِهِمْ عَنْ نَبِيّهِمْ]
ثُمّ أَنّبَهُمْ بِالْفِرَارِ عَنْ نَبِيّهِمْ ﷺ، وَهُمْ يُدْعَوْنَ لَا يَعْطِفُونَ عَلَيْهِ لِدُعَائِهِ إيّاهُمْ، فَقَالَ: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ، وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ، فَأَثابَكُمْ، غَمًّا بِغَمٍّ، لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ وَلا مَا أَصابَكُمْ: أَيْ كَرْبًا بَعْدَ كَرْبٍ، بِقَتْلِ مَنْ قتل من إخوانكم، وعلوّ عدوّكم عليكم، وبما وَقَعَ فِي أَنْفُسِكُمْ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: قُتِلَ نَبِيّكُمْ، فَكَانَ ذَلِكَ مِمّا تَتَابَعَ عَلَيْكُمْ غَمّا بِغَمّ؛ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ؛ مِنْ ظُهُورِكُمْ عَلَى عَدُوّكُمْ، بَعْدَ أَنْ رَأَيْتُمُوهُ بِأَعْيُنِكُمْ، وَلَا مَا أَصَابَكُمْ مِنْ قَتْلِ إخْوَانِكُمْ، حَتّى فَرّجْتُ ذَلِكَ الْكَرْبَ عَنْكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ. وَكَانَ الّذِي فَرّجَ اللهُ بِهِ عَنْهُمْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ الْكَرْبِ وَالْغَمّ الّذِي أَصَابَهُمْ، أَنّ اللهَ ﷿ رَدّ عَنْهُمْ كِذْبَةَ الشّيْطَانِ بِقَتْلِ نَبِيّهِمْ ﷺ، فَلَمّا رَأَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ حَيّا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، هَانَ عَلَيْهِمْ مَا فَاتَهُمْ مِنْ الْقَوْمِ بَعْدَ الظّهُورِ عَلَيْهِمْ، وَالْمُصِيبَةُ الّتِي أَصَابَتْهُمْ فِي إخْوَانِهِمْ، حِينَ صَرَفَ اللهُ الْقَتْلَ عَنْ نَبِيّهِمْ ﷺ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ، وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ، يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ
[ ٦ / ٦٣ ]
يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ، قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ؛ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنا هاهُنا، قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ، وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ، وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، فَأَنْزَلَ اللهُ النّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ عَلَى أَهْلِ الْيَقِينِ بِهِ، فَهُمْ نِيَامٌ لَا يَخَافُونَ، وَأَهْلُ النّفَاقِ قَدْ أهمتهم أنفسهم، يظنون بالله غير الحق ظن الْجَاهِلِيّةِ، تَخَوّفَ الْقَتْلِ، وَذَلِك أَنّهُمْ لَا يَرْجُونَ عَاقِبَةً، فَذَكَرَ اللهُ ﷿ تَلَاوُمَهُمْ وَحَسْرَتَهُمْ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ. ثُمّ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِنَبِيّهِ ﷺ: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَمْ تَحْضُرُوا هَذَا الْمَوْطِنَ الّذِي أَظْهَرَ اللهُ فِيهِ مِنْكُمْ مَا أَظْهَرَ مِنْ سَرَائِرِكُمْ لَبَرَزَ لَأَخْرَجَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ إلَى مَوْطِنٍ غَيْرِهِ يُصْرَعُونَ فِيهِ، حَتّى يُبْتَلَى بِهِ مَا فِي صُدُورِهِمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ: أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا فِي صُدُورِهِمْ مِمّا اسْتَخْفَوْا بِهِ مِنْكُمْ.
[تَحْذِيرُهُمْ أَنْ يكونوا ممن يخشون الموت فى الله]
ثم قَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا، لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: أَيْ لَا تَكُونُوا كَالْمُنَافِقِينَ الّذِينَ يَنْهَوْنَ إخْوَانَهُمْ عَنْ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالضّرْبِ فِي الْأَرْضِ فِي طَاعَةِ اللهِ ﷿، وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ، ويقولون إذا ماتوا أو قتلو: لَوْ أَطَاعُونَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ لِقِلّةِ الْيَقِينِ بربهم، وَاللَّهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٦٤ ]
يُحْيِي وَيُمِيتُ: أَيْ يُعَجّلُ مَا يَشَاءُ وَيُؤَخّرُ مَا يَشَاءُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ آجَالِهِمْ بِقُدْرَتِهِ. قَالَ تَعَالَى: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ: أَيْ إنّ الْمَوْتَ لَكَائِنٌ لَا بُدّ مِنْهُ، فَمَوْتٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ قَتْلٌ، خَيْرٌ لَوْ عَلِمُوا وَأَيْقَنُوا مِمّا يَجْمَعُونَ مِنْ الدّنْيَا الّتِي لَهَا يَتَأَخّرُونَ عَنْ الْجِهَادِ، تَخَوّفَ الْمَوْتِ وَالْقَتْلِ لِمَا جَمَعُوا مِنْ زَهْرَةِ الدّنْيَا زَهَادَةً فِي الْآخِرَةِ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ أَيّ ذَلِكَ كَانَ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ: أَيْ أَنّ إلَى اللهِ الْمَرْجِعَ، فَلَا تَغُرّنّكُمْ الدّنْيَا، وَلَا تَغْتَرّوا بِهَا، وَلْيَكُنْ الْجِهَادُ وَمَا رَغّبَكُمْ اللهُ فِيهِ مِنْ ثَوَابِهِ آثَرَ عِنْدَكُمْ منها.
[ذِكْرُهُ رَحْمَةَ الرّسُولِ عَلَيْهِمْ]
ثُمّ قَالَ ﵎: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ: أَيْ لَتَرَكُوك فَاعْفُ عَنْهُمْ:
أَيْ فَتَجَاوَزْ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ، وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ فَذَكَرَ لِنَبِيّهِ ﷺ لِينَهُ لَهُمْ، وَصَبْرَهُ عَلَيْهِمْ، لِضَعْفِهِمْ، وَقِلّةِ صَبْرِهِمْ عَلَى الْغِلْظَةِ لَوْ كَانَتْ مِنْهُ عَلَيْهِمْ فِي كُلّ مَا خَالَفُوا عَنْهُ مِمّا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ طَاعَةِ نَبِيّهِمْ ﷺ.
ثُمّ قَالَ ﵎: فَاعْفُ عَنْهُمْ: أَيْ تَجَاوَزْ عَنْهُمْ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ، مَنْ قَارَفَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ مِنْهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ: أى لتريهم أنك تسمع منهم، وتستعين بهم، وإن كنت غنيّا عنهم، تألّنا لَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى دِينِهِمْ فَإِذا عَزَمْتَ: أَيْ عَلَى أَمْرٍ جَاءَك مِنّي وَأَمْرٍ مِنْ دِينِك فى جهاد
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٦٥ ]
عَدُوّك لَا يُصْلِحُك وَلَا يُصْلِحُهُمْ إلّا ذَلِكَ، فَامْضِ عَلَى مَا أُمِرْتَ بِهِ، عَلَى خِلَافِ من خالفك، وموافقة من وافقك، فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، أَيْ ارْضَ بِهِ مِنْ الْعِبَادِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ. إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ، وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ: أَيْ لِئَلّا تَتْرُكَ أَمْرِي لِلنّاسِ، وَارْفُضْ أَمْرَ النّاسِ إلَى أَمْرِي، وَعَلَى اللهِ لَا عَلَى النّاسِ، فَلْيَتَوَكّلِ الْمُؤْمِنُونَ.
[مَا نَزَلَ فِي الْغُلُولِ]
ثُمّ قَالَ: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ، وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ: أَيْ مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكْتُمَ النّاسَ مَا بَعَثَهُ اللهُ بِهِ إلَيْهِمْ، عَنْ رَهْبَةٍ مِنْ النّاسِ وَلَا رَغْبَةٍ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَأْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِهِ، ثُمّ يُجْزَى بِكَسْبِهِ، غَيْرَ مَظْلُومٍ وَلَا مُعْتَدًى عَلَيْهِ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ عَلَى مَا أَحَبّ النّاسُ أَوْ سَخِطُوا كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ لِرِضَا النّاسِ أَوْ لِسَخَطِهِمْ. يَقُولُ: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى طَاعَتِي، فَثَوَابُهُ الْجَنّةُ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ وَاسْتَوْجَبَ سَخَطَهُ، فَكَانَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أَسَوَاءٌ الْمِثْلَانِ! فَاعْرِفُوا. هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ لِكُلّ دَرَجَاتٌ مِمّا عَمِلُوا فِي الْجَنّةِ وَالنّارِ: أَيْ إنّ اللهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَهْلُ طَاعَتِهِ مِنْ أَهْلِ مَعْصِيَتِهِ.
[فَضْلُ اللهِ عَلَى النّاسِ بِبَعْثِ الرّسُلِ]
ثُمّ قَالَ: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ
[ ٦ / ٦٦ ]
أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ: أَيْ لَقَدْ مَنّ اللهُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْإِيمَانِ، إذْ بَعَثَ فِيكُمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِهِ فِيمَا أَحْدَثْتُمْ، وَفِيمَا عَمِلْتُمْ، فَيُعَلّمَكُمْ الْخَيْرَ وَالشّرّ، لِتَعْرِفُوا الْخَيْرَ فَتَعْمَلُوا بِهِ، وَالشّرّ فَتَتّقُوهُ، وَيُخْبِرَكُمْ بِرِضَاهُ عَنْكُمْ إذَا أَطَعْتُمُوهُ فَتَسْتَكْثِرُوا مِنْ طَاعَتِهِ وَتَجْتَنِبُوا مَا سَخِطَ مِنْكُمْ مِنْ معصيته، لتتخلّصوا بذلك من نقمته، وتدركوا بذلك ثوابه من جنّته وَإِنْ كنتم مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ: أى لفى عمياء من الجاهلية، أى لا تعرفون حسنة ولا تَسْتَغْفِرُونَ مِنْ سَيّئَةٍ، صُمّ عَنْ الْخَيْرِ، بُكْمٌ عَنْ الْحَقّ، عُمْيٌ عَنْ الْهُدَى.
[ذِكْرُهُ الْمُصِيبَةَ الّتِي أَصَابَتْهُمْ]
ثُمّ ذَكَرَ الْمُصِيبَةَ الّتِي أَصَابَتْهُمْ، فَقَالَ: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ: أَنَّى هَذَا؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: أَيْ إنْ تَكُ قَدْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ فِي إخْوَانِكُمْ بِذُنُوبِكُمْ فَقَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قَبْلُ مِنْ عَدُوّكُمْ، فِي الْيَوْمِ الّذِي كَانَ قَبْلَهُ بِبَدْرِ، قَتْلًا وَأَسْرًا وَنَسِيتُمْ مَعْصِيَتَكُمْ وَخِلَافَكُمْ عَمّا أَمَرَكُمْ بِهِ نَبِيّكُمْ ﷺ، أَنْتُمْ أَحْلَلْتُمْ ذَلِكَ بِأَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: أَيْ إنّ اللهَ عَلَى مَا أَرَادَ بِعِبَادِهِ مِنْ نِقْمَةٍ أَوْ عَفْوٍ قَدِيرٌ وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ، وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ: أَيْ مَا أَصَابَكُمْ حِينَ الْتَقَيْتُمْ أَنْتُمْ وَعَدُوّكُمْ فَبِإِذْنِي، كَانَ ذَلِكَ حِينَ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بَعْدَ أَنْ جَاءَكُمْ نَصْرِي، وَصَدَقَتْكُمْ وَعْدِي، لِيُمَيّزَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٦٧ ]
وَالْمُنَافِقِينَ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا مِنْكُمْ: أَيْ لِيُظْهِرَ مَا فِيهِمْ. وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا: يَعْنِي عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيّ وَأَصْحَابَهُ الّذِينَ رَجَعُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حِينَ سَارَ إلَى عَدُوّهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِأُحُدِ، وَقَوْلَهُمْ: لَوْ نَعْلَمُ أَنّكُمْ تُقَاتِلُونَ لَسِرْنَا مَعَكُمْ، وَلَدَفَعْنَا عَنْكُمْ، وَلَكِنّا لَا نَظُنّ أَنّهُ يَكُونُ قِتَالٌ. فَأَظْهَرَ مِنْهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ.
يَقُولُ اللهُ ﷿: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ، يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ أَيْ يُظْهِرُونَ لَك الْإِيمَانَ وَلَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ أَيْ مَا يُخْفُونَ الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ الّذِينَ أُصِيبُوا مَعَكُمْ مِنْ عَشَائِرِهِمْ وَقَوْمِهِمْ: لَوْ أَطاعُونا مَا قُتِلُوا، قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ: أَيْ أَنّهُ لَا بُدّ مِنْ الْمَوْتِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَدْفَعُوهُ عَنْ أَنْفُسِكُمْ فَافْعَلُوا، وَذَلِكَ أَنّهُمْ إنّمَا نَافَقُوا وَتَرَكُوا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ، حِرْصًا عَلَى الْبَقَاءِ فِي الدّنْيَا، وَفِرَارًا مِنْ الموت.
[الترغيب فى الجهاد]
ثم قَالَ لِنَبِيّهِ ﷺ، يُرَغّبُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجِهَادِ، وَيُهَوّنُ عَلَيْهِمْ الْقَتْلَ: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: أَيْ لَا تَظُنّن الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا: أَيْ قَدْ أَحْيَيْتهمْ، فَهُمْ عِنْدِي يُرْزَقُونَ فِي رَوْحِ الْجَنّةِ وَفَضْلِهَا، مَسْرُورِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى جِهَادِهِمْ عَنْهُ، وَيَسْتَبْشِرُونَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٦٨ ]
بِالّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ، أَيْ وَيُسَرّونَ بِلُحُوقِ مَنْ لَحِقَهُمْ مِنْ إخْوَانِهِمْ عَلَى مَا مَضَوْا عَلَيْهِ مِنْ جِهَادِهِمْ، لِيَشْرَكُوهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنْ ثَوَابِ اللهِ الّذِي أَعْطَاهُمْ، قَدْ أَذْهَبَ اللهُ عَنْهُمْ الْخَوْفَ وَالْحَزَنَ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ لِمَا عَايَنُوا مِنْ وَفَاءِ الْمَوْعُودِ، وَعَظِيمِ الثّوَابِ.
[مَصِيرُ قَتْلَى أُحُدٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيّةَ، عَنْ أَبِي الزّبَيْرِ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَمّا أُصِيبَ إخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنّةِ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ، فِي ظِلّ الْعَرْشِ، فَلَمّا وَجَدُوا طِيبَ مَشْرَبِهِمْ وَمَأْكَلِهِمْ، وَحُسْنَ مَقِيلِهِمْ، قَالُوا: يَا لَيْتَ إخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ مَا صَنَعَ اللهُ بِنَا، لِئَلّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ، وَلَا يَنْكُلُوا عَنْ الْحَرْبِ؛ فَقَالَ اللهُ تَعَالَى:
فَأَنَا أُبَلّغُهُمْ عَنْكُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ:
(وَلَا تَحْسَبَنّ ) .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ الْفَضِيلِ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيَدٍ الْأَنْصَارِيّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: الشّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهْرٍ ببا الْجَنّةِ، فِي قُبّةٍ خَضْرَاءَ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ من الجنّة بكرة وعشيّا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنّهُ سُئِلَ عن
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٦٩ ]
هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَقَالَ: أَمَا إنّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْهَا فَقِيلَ لَنَا: إنّهُ لَمّا أُصِيبَ إخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنّةِ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلّ الْعَرْشِ، فَيَطّلِعُ اللهُ ﷿ عَلَيْهِمْ اطّلَاعَةً فَيَقُولُ: يَا عِبَادِي، مَا تَشْتَهُونَ فَأَزِيدَكُمْ؟ قَالَ:
فَيَقُولُونَ ربنا لا فوق ما أعطيتنا، الجنة نأكل مِنْهَا حَيْثُ شِئْنَا! قَالَ: ثُمّ يَطّلِعُ اللهُ عَلَيْهِمْ اطّلَاعَةً، فَيَقُولُ: يَا عِبَادِي، مَا تَشْتَهُونَ، فأزيدكم؟ فيقولون:
ربنا لا فوق ما أعطيتنا، الْجَنّةُ نَأْكُلُ مِنْهَا حَيْثُ شِئْنَا! قَالَ: ثُمّ يَطّلِعُ عَلَيْهِمْ اطّلَاعَةً، فَيَقُولُ: يَا عِبَادِي، مَا تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا لا فوق ما أَعْطَيْتنَا، الْجَنّةُ نَأْكُلُ مِنْهَا حَيْثُ شِئْنَا. إلّا أَنّا نُحِبّ أَنْ تَرُدّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا، ثُمّ نُرَدّ إلَى الدّنْيَا، فَنُقَاتِلُ فِيك، حَتّى نُقْتَلَ مَرّةً أُخْرَى.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عُقَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ:
أَلَا أُبَشّرُك يَا جَابِرُ؟ قَالَ: قُلْت: بَلَى يَا نَبِيّ اللهِ؛ قَالَ: إنّ أَبَاك حَيْثُ أُصِيبَ بِأُحُدٍ أَحْيَاهُ اللهُ ﷿، ثُمّ قَالَ لَهُ: مَا تُحِبّ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو أَنْ أَفْعَلَ بِك؟
قَالَ: أَيْ رَبّ، أُحِبّ أَنْ تَرُدّنِي إلَى الدّنْيَا فَأُقَاتِلَ فِيك، فَأُقْتَلَ مَرّةً أُخْرَى.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُفَارِقُ الدّنْيَا يُحِبّ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَأَنّ لَهُ الدّنْيَا وَمَا فِيهَا إلّا الشّهِيدُ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٧٠ ]
فَإِنّهُ يُحِبّ أَنْ يُرَدّ إلَى الدّنْيَا، فَيُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَيُقْتَلَ مَرّةً أُخْرَى.
[ذكر من خرجوا على الرّسُولِ إلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثم قَالَ تَعَالَى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصابَهُمُ الْقَرْحُ أَيْ الْجِرَاحُ، وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ الّذِينَ سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ إلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ عَلَى مَا بِهِمْ مِنْ أَلَمِ الْجِرَاحِ: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ* الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ، فَزادَهُمْ إِيمانًا، وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَالنّاسُ الّذِينَ قَالُوا لَهُمْ مَا قَالُوا، النّفَرُ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، الّذِينَ قَالَ لَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ مَا قَالَ، قَالُوا إنّ أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ رَاجِعُونَ إلَيْكُمْ.
يَقُولُ اللهُ ﷿: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ، وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ، وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ لِمَا صَرَفَ اللهُ عَنْهُمْ مِنْ لِقَاءِ عَدُوّهِمْ (إِنّمَا ذَلِكُمُ الشّيْطَانُ)، أَيْ لِأُولَئِكَ الرّهْطِ وَمَا أَلْقَى الشّيْطَانُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ: أَيْ يُرْهِبُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ: فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ: أَيْ الْمُنَافِقُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا، يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ، وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ، إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ. مَا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٧١ ]
أَيْ الْمُنَافِقِينَ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ أَيْ فِيمَا يُرِيدُ أَنْ يَبْتَلِيَكُمْ بِهِ، لِتَحْذَرُوا مَا يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ فِيهِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ أَيْ يُعَلّمُهُ ذَلِكَ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا أَيْ تَرْجِعُوا وَتَتُوبُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ.
[ذِكْرُ من استشهد بأحد من المهاجرين]
من بنى هاشم قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاسْتُشْهِدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمّ مِنْ بنى هاشم بن عبد مناف: حمزة ابن عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، ﵁؛ قتله وحشىّ، غلام جبير بن مطعم.
مِنْ بَنِي أُمَيّةَ وَمِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ: عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ، حَلِيفٌ لهم من بنى أسد بن خزيمة.
مِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قَتَلَهُ ابن قمئة اللّيثىّ
مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يقظة: شمّاس بن عثمان. أربعة نفر.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٧٢ ]
من الأنصار وَمِنْ الْأَنْصَارِ، ثُمّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ: عَمْرُو بْنُ مُعَاذِ بْنِ النّعْمَانِ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَنَسِ بْنِ رَافِعٍ، وَعُمَارَةُ بْنُ زِيَادِ بْنِ السّكين.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: السّكَنُ: ابْنُ رَافِعِ بْنُ امرىء الْقَيْسِ؛ وَيُقَالُ: السّكْنُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَلَمَةُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ وَقْشٍ، وَعَمْرُو بْنُ ثَابِتِ بْنِ وَقْشٍ.
رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ زَعَمَ لِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنّ أَبَاهُمَا ثَابِتًا قُتِلَ يَوْمَئِذٍ. وَرِفَاعَةُ بْنُ وَقْشٍ. وَحُسَيْلُ بْنُ جَابِرٍ، أَبُو حُذَيْفَةَ وَهُوَ الْيَمَانُ، أَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَلَا يَدْرُونَ، فَتَصَدّقَ حُذَيْفَةُ بِدِيَتِهِ عَلَى مَنْ أَصَابَه؛ وَصَيْفِيّ بن قيظى. وحباب بن قيظى. وعبّاد بن سهل، والحارث بن أوس ابن معاذ. اثنا عشر رجلا.
من راتج وَمِنْ أَهْلِ رَاتِجٍ: إيَاسُ بْنُ أَوْسِ بْنُ عَتِيكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَمِ بْنِ زَعُوراء بْنِ جُشَمِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ؛ وَعُبَيْدُ بْنُ التّيْهَانِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَتِيكُ بْنُ التّيْهَانِ.
وَحَبِيبُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ تَيْمٍ. ثلاثة نفر.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٧٣ ]
من بنى ظفر ومن بنى ظفر: يزيد بن حاطب بن أميّة بن رافع. رجل.
من بنى ضبيعة وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ: أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرِ بْنِ صَيْفِيّ بْنِ نُعْمَانَ بْنِ مالك بن أمة، هو غَسِيلُ الْمَلَائِكَةِ، قَتَلَهُ شَدّادُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ شُعُوبٍ اللّيْثِيّ. رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَيْسُ: ابْنُ زَيْدِ بْنِ ضُبَيْعَةَ، وَمَالِكُ: ابْنُ أَمَةَ بن ضبيعة.
من بنى عبيد قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ زَيْدٍ: أُنَيْسُ بْنُ قَتَادَةَ. رَجُلٌ.
وَمِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: أَبُو حَيّةَ، وَهُوَ أَخُو سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ لِأُمّهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو حَيّةَ: ابْنُ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ النّعْمَانِ، وَهُوَ أَمِيرُ الرّمَاةِ.
رَجُلَانِ.
من بنى السلم ومن بنى السّلم بن امرىء الْقَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ: خَيْثَمَةُ أَبُو سعد ابن خيثمة رجل.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٧٤ ]
من بنى العجلان وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ مِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ: عَبْدُ اللهِ بن سلمة: رجل.
من بنى معاوية وَمِنْ بَنِي مُعَاوِيَةَ بْنِ مَالِكٍ: سُبَيْعُ بْنُ حاطب بن الحارث بن قيس بن حيشة. رجل.
من بنى النجار قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: سُويْبِق بْنُ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبِ بْنِ هَيْشَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي النّجّارِ، ثُمّ مِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَنِيّ:
عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، وَابْنُهُ قَيْسُ بْنُ عَمْرٍو.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ: ابْنُ زَيْدِ بْنِ سَوَادٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَثَابِتُ بْنُ عَمْرِو بْنِ زيد، وعامر بن مخلد. أربعة نفر.
من بنى مبذول وَمِنْ بَنِي مَبْذُولٍ: أَبُو هُبَيْرَةَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَقْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ مَبْذُولٍ، وَعَمْرُو بْنُ مُطَرّفِ بْنِ علقمة بن عمرو. رجلان.
مِنْ بَنِي عَمْرٍو وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَالِكِ: أَوْسُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ. رَجُلٌ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٧٥ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَوْسُ بْنُ ثَابِتٍ، أَخُو حسّان بن ثابت.
من بنى عدى قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ النّجّارِ: أَنَسُ بْنُ النّضْرِ بْنِ ضَمْضَمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ جُنْدُبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَدِيّ بْنِ النّجّارِ. رَجُلٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنَسُ بْنُ النّضْرِ، عَمّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: خَادِمُ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
من بنى مازن وَمِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النّجّارِ: قَيْسُ بْنُ مخلّد، وكيسان، عبد لهن. رجلان.
من بنى دينار وَمِنْ بَنِي دِينَارِ بْنِ النّجّارِ: سُلَيْمُ بْنُ الحارث، ونعمان بن عبد عمرو.
رجلان.
مِنْ بَنِي الْحَارِثِ وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الخزرج خارجة بن زيد بن أبي زهير، وَسَعْدُ بْنُ الرّبِيعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ، دُفِنَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَأَوْسُ بْنُ الْأَرْقَمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ النّعْمَانِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبٍ. ثَلَاثَةُ نفر.
من بنى الأبجر وَمِنْ بَنِي الْأَبْجَرِ، وَهُمْ بَنُو خُدْرَةَ: مَالِكُ بن سنان بن عبيد بن ثعلبة
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٧٦ ]
ابن عُبَيْدِ بْنِ الْأَبْجَرِ، وَهُوَ أَبُو أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اسْمُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ: سِنَانُ، وَيُقَالُ: سَعْدٌ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَعِيدُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبّادِ بْنِ الْأَبْجَرِ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعِ بْنِ رَافِعِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ الْأَبْجَرِ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
من بنى ساعدة وَمِنْ بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ: ثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ خَالِدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الخزرج بن ساعدة، وثقف بن فروة ابن البدىّ. رجلان.
من بنى طريف وَمِنْ بَنِي طَرِيفٍ، رَهْطُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: عبد الله بن عمرو بن وهب ابن ثَعْلَبَةَ بْنِ وَقْشِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ طَرِيفٍ، وَضَمْرَةُ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي جُهَيْنَةَ.
رَجُلَانِ.
مِنْ بَنِي عَوْفٍ وَمِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمّ مِنْ بَنِي سَالِمٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ زَيْدِ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمٍ: نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَعَبّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٧٧ ]
نَضْلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ، وَنُعْمَانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ فِهْرِ بْنِ غَنْمِ ابن سَالِمٍ، وَالْمُجَذّرُ بْنُ ذِيَادٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَلِيّ، وَعُبَادَةُ بْنُ الْحَسْحَاسِ.
دُفِنَ النّعْمَانُ بْنُ مَالِكٍ، وَالْمُجَذّرُ، وَعُبَادَةُ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ. خَمْسَةُ نفر.
من بنى الحبلى وَمِنْ بَنِي الْحُبْلَى: رِفَاعَةُ بْنُ عَمْرٍو. رَجُلٌ.
من بنى سلمة ومن بني سلمة، ثم من بني حرام: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامِ بْنِ ثعلبة ابن حَرَامٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ، دُفِنَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَخَلّادُ بْنُ عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام، وَأَبُو أَيْمَنَ، مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ.
أَرْبَعَةُ نفر.
مِنْ بَنِي سَوَادٍ وَمِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ غَنْمٍ: سُلَيْمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَدِيدَةَ، وَمَوْلَاهُ عَنْتَرَةُ، وَسَهْلُ بْنُ قَيْسِ بْنِ أَبِي كَعْبِ بن القين. ثلاثة نفر.
مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ وَمِنْ بَنِي زُرَيْقِ بْنِ عامر: ذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ، وَعُبَيْدُ بْنُ الْمُعَلّى ابن لوذان. رجلان.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٧٨ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عُبَيْدُ بْنُ الْمُعَلّى، مِنْ بَنِي حَبِيبٍ.
عَدَدُ الشّهَدَاء قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَجَمِيعُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ والأنصار، خمسة وستون رجلا.
من بنى معاوية قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَمِمّنْ لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ إسْحَاقَ مِنْ السّبْعِينَ الشّهَدَاءِ الّذِينَ ذَكَرْنَا، مِنْ الْأَوْسِ، ثُمّ مِنْ بَنِي مُعَاوِيَةَ بْنِ مَالِكٍ: مَالِكُ بْنُ نُمَيْلَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ مُزَيْنَةَ.
من بنى خطمة وَمِنْ بَنِي خَطْمَةَ- وَاسْمُ خَطْمَةَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ جُشَمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ- الْحَارِثِ بْنِ عَدِيّ بْنِ خَرَشَةَ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عامر بن خطمة.
من بنى الخزرج وَمِنْ الْخَزْرَجِ، ثُمّ مِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ مالك: مالك بن إياس.
مِنْ بَنِي عَمْرٍو وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مالك بن النّجار: إياس بن عدىّ.
من بنى سالم وَمِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ: عَمْرُو بْنُ إياس.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٧٩ ]
[ذِكْرُ مَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ]
من بنى عبد الدار قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقُتِلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ مِنْ أَصْحَابِ اللّوَاءِ: طَلْحَةُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، وَاسْمُ أَبِي طَلْحَةَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ، قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، (و) أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، قَتَلَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَمُسَافِعُ بْنُ طَلْحَةَ، وَالْجُلّاسُ بْنُ طَلْحَةَ، قَتَلَهُمَا عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ.
وَكِلَابُ بْنُ طَلْحَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ طَلْحَةَ، قَتَلَهُمَا قُزْمَانُ، حَلِيفٌ لِبَنِي ظَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: قَتَلَ كِلَابًا عَبْدُ الرحمن بن عوف.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَرْطَاةُ بْنُ عَبْدِ شُرَحْبِيلَ بن هاشم بن عبد مناف ابن عَبْدِ الدّارِ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَأَبُو يَزِيدَ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ، قَتَلَهُ قُزْمَانُ، وَصُؤَابُ: غُلَامٌ لَهُ حَبَشِيّ، قَتَلَهُ قُزْمَانُ.
قَالَ ابن هشام: ويقال: قتله علي بن أبي طَالِبٍ، وَيُقَالُ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ، وَيُقَالُ: أبو دجانة.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٨٠ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْقَاسِطُ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ قتله قزمان. أحد عشر رجلا.
مِنْ بَنِي أَسَدٍ وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ: عَبْدِ اللهِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ. قتلة علىّ بن أبى طالب. رجل.
مِنْ بَنِي زُهْرَةَ وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: أَبُو الْحَكَمِ بْنُ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبِ الثّقَفِيّ، حَلِيفٌ لَهُمْ، قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَسِبَاعُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى- وَاسْمُ عَبْدِ الْعُزّى: عَمْرُو بْنُ نَضْلَةَ بْنِ غُبْشَانَ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ مَلَكَانِ بْنِ أَفْصَى- حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ خُزَاعَةَ، قَتَلَهُ حمزة بن عبد المطلب. رجلان.
مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ، هِشَامُ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قتله قُزْمَانُ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَتَلَهُ قُزْمَانُ، وَأَبُو أُمَيّةَ بْنُ أَبِي حذيفة ابن الْمُغِيرَةِ، قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْأَعْلَمِ، حَلِيفٌ لَهُمْ، قَتَلَهُ قُزْمَانُ أَرْبَعَةُ نفر.
مِنْ بَنِي جُمَحٍ وَمِنْ بَنِي جُمَحِ بْنِ عَمْرٍو: عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَيْرِ بن وهب بن
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٨١ ]
حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، وَهُوَ أَبُو عَزّةَ، قَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَبْرًا، وَأُبَيّ بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، قَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ. رجلان.
مِنْ بَنِي عَامِرٍ وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ: عُبَيْدَةُ بْنُ جَابِرٍ، وَشَيْبَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْمُضَرّبِ، قَتَلَهُمَا قُزْمَانُ. رَجُلَانِ.
قَالَ ابْنُ هشام: ويقال: قتل عبيدة بن جابر بن عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
عَدَدُ قَتْلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَجَمِيعُ مَنْ قَتَلَ اللهُ ﵎ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، اثْنَانِ وعشرون رجلا.
_________________
(١) تَفْسِيرُ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي أُحُدٍ بَعْضُ مَنْ آمَنَ رَغْمَ الدّعَاءِ عَلَيْهِمْ: قَدْ ذكر ابن إسحاق ما يحتاج إليه قارىء السّيرَةِ مِنْ تَفْسِيرِ ذَلِكَ، وَذَكَرَ قَوْلَهُ سبحانه لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ الْآيَةَ لَمْ يُزِدْ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ مِنْهُ. وَفِي تَفْسِيرِ التّرْمِذِيّ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَنّ رسول اللهﷺ- كان يَدْعُو عَلَى أَبِي سُفْيَانَ وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِي، حَتّى أَنَزَلَ اللهُ تَعَالَى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ قال:
[ ٦ / ٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَتَابُوا وَأَسْلَمُوا، وَحَسُنَ إسْلَامُهُمْ، وَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ فِي حُسْنِ إسْلَامِ أَبِي سُفْيَانَ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَأَمّا الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ فَلَا خِلَافَ فِي حُسْنِ إسْلَامِهِ، وَفِي مَوْتِهِ شَهِيدًا بِالشّامِ، وَأَمّا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِي، فَقَدْ قَالَ فِيهِ النّبِيّ ﵇: أَسْلَمَ النّاسُ وَآمَنَ عَمْرٌو، وَقَالَ فِي حَدِيثٍ جَرَى:
مَا كَانَتْ هِجْرَتِي لِلْمَالِ، وَإِنّمَا كَانَتْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ لَهُ النّبِيّﷺ- نِعِمّا بِالْمَالِ الصّالِحِ لِلرّجُلِ الصّالِحِ، فَسَمّاهُ: رَجُلًا صَالِحًا، وَالْحَدِيثُ الّذِي جَرَى: أَنّهُ كَانَ قَالَ لَهُ: إنّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَك «١» وَجْهًا يُسَلّمُك اللهُ فِيهِ، وَيُغَنّمُكَ، وَأَزْعَبُ لَك زَعْبَةً مِنْ الْمَالِ «٢»، وَسَتَأْتِي نُكَتٌ وَعُيُونٌ مِنْ أَخْبَارِ الْحَارِثِ، وَأَبِي سُفْيَانَ- فِيمَا بَعْدُ- إنْ شَاءَ اللهُ.
مَعْنَى اتّخَذَ:
وَذَكَرَ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَفِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِلشّهَدَاءِ وَتَنْبِيهٌ عَلَى حُبّ اللهِ إيّاهُمْ حَيْثُ قَالَ (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ) وَلَا يُقَالُ: اتّخَذْت وَلَا اتّخَذَ إلّا فِي مُصْطَفًى مَحْبُوبٍ، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وقال: مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَدًا فالاتّخاذ إنما هو اقتناء واجتباء «٣»،
_________________
(١) فى رواية: على جيش.
(٢) أعطيك دفعة من المال. وفى الحديث: بعد هذا: فقلت يا رسول الله: ما أسلمت من أجل المال، بل أسلمت رغبة فى الإسلام. وأخرجه أحمد بسند حسن عن عمرو بن العاص.
(٣) يقول الراغب فى معنى المادة: الآخذ: حوز بالقهر الشىء وتحصيله، وذلك قارة بالتناول، وتارة بالقهر.
[ ٦ / ٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنْ الْأَخَذِ، فَإِذَا قُلْت: اتّخَذْت كَذَا، فَمَعْنَاهُ: أَخَذْته لِنَفْسِي، وَاخْتَرْته لَهَا، فَالتّاءُ الْأُولَى بَدَلٌ مِنْ يَاءٍ، وَتِلْكَ الْيَاءُ بَدَلٌ مِنْ هَمْزَةِ أَخَذَ، فَقُلِبَتْ تَاءً إذْ كَانَتْ الْوَاوُ تَنْقَلِبُ تَاءً فِي مِثْلِ هَذَا الْبِنَاءِ، نَحْوُ اُتّعِدَ وَاِتّزِرْ وَالْيَاءُ أُخْت الْوَاوِ، فَقُلِبَتْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ تَاءً، وَكَثُرَ اسْتِعْمَالُهُمْ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، حَتّى قَالُوا: تَخِذْت بِحَذْفِ إحْدَى التّاءَيْنِ اكْتِفَاءً بِأَحَدَيْهِمَا عَنْ الْأُخْرَى، وَلَا يَكُونُ هَذَا الْحَذْفُ إلّا فِي الْمَاضِي خَاصّةً، لَا يُقَالُ تَتّخِذُ كَمَا يُقَالُ تَخِذَ، لِأَنّ الْمُسْتَقْبَلَ لَيْسَ فِيهِ هَمْزَةُ وَصْلٍ، وَإِنّمَا فَرّوا فِي الْمَاضِي مِنْ ثِقَلِ الْهَمْزَةِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَاسْتَغْنَوْا بِحَرَكَةِ التّاءِ عَنْهَا، وَكَسَرُوا الْخَاءَ مِنْ تَخِذْت لِأَنّهُ لَا مُسْتَقْبَلَ لَهُ مَعَ الْحَذْفِ، فَحَرّكُوا عَيْنَ الْفِعْلِ بِالْحَرَكَةِ الّتِي كَانَتْ لَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَكَلَامُنَا هَذَا عَلَى اللّغَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَإِلّا فَقَدْ حُكِيَ يَتّخِذُ فِي لُغَةٍ ضَعِيفَةٍ ذَكَرَهَا أَبُو عُبَيْدٍ، وَذَكَرَهَا النّحّاسُ فِي إعْرَابِ الْقُرْآنِ. أَدِلّةٌ علي صحة خلافة أبي بكر: وَذَكَرَ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ إلى قوله: وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ظَهَرَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ حِينَ انْقَلَبَ أَهْلُ الرّدّةِ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، فَلَمْ يَضُرّ ذَلِكَ دِينَ اللهِ، وَلَا أُمّةَ نَبِيّهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُسَمّى: أَمِير الشّاكِرِينَ لِذَلِكَ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى صِحّةِ خِلَافَتِهِ، لِأَنّهُ الّذِي قَاتَلَ الْمُنْقَلِبِينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ حِينَ رَدّهُمْ إلَى الدّينِ الّذِي خَرَجُوا مِنْهُ، وَكَانَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ دَلِيلٌ عَلَى أَنّهُمْ سَيَظْفَرُونَ بِمَنْ ارْتَدّ، وَتَكْمُلُ عَلَيْهِمْ النّعْمَةُ، فَيَشْكُرُونَ، فَتَحْرِيضُهُ إيّاهُمْ عَلَى الشّكْرِ
[ ٦ / ٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) - وَالشّكْرُ لَا يَكُونُ إلّا عَلَى نِعْمَةٍ- دَلِيلٌ عَلَى أَنّ بَلَاءَ الرّدّةِ لَا يَطُولُ، وَأَنّ الظّفَرَ بِهِمْ سَرِيعٌ، كَمَا كَانَ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ سبحانه: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ فِيهِ أَيْضًا: التّصْحِيحُ لِخِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، لِأَنّهُ الّذِي دَعَا الْأَعْرَابَ إلَى جِهَادِ حَنِيفَةَ، وَكَانُوا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، وَلَمْ يُقَاتِلُوا لِجِزْيَةِ، وَإِنّمَا قُوتِلُوا لِيُسْلِمُوا، وَكَانَ قِتَالُهُمْ بِأَمْرِ أَبِي بَكْرٍ، وَفِي سُلْطَانِهِ، ثُمّ قَالَ: فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا فَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ الطّاعَةَ لِأَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ فِي الْآيَةِ كَالنّصّ عَلَى خِلَافَتِهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ، وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ وَقَدْ بَيّنَ فِي سُورَةِ الْحَشْرِ مَنْ الصّادِقُونَ، وهم المهاجرون بقوله: أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ فأمر الذين تبوّؤا الدّارَ وَالْإِيمَانَ أَنْ يَكُونُوا مَعَهُمْ، أَيْ: تَبَعًا لَهُمْ، فَحَصَلَتْ الْخِلَافَةُ فِي الصّادِقِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَاسْتَحَقّوهَا بِهَذَا الِاسْمِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الصّادِقِينَ مَنْ سَمّاهُ اللهُ الصّدّيقَ إلّا أَبُو بَكْرٍ، فَكَانَتْ لَهُ خَاصّةً، ثُمّ لِلصّادِقِينَ بَعْدَهُ. رِبّيّونَ وَرَفْعُهَا فِي الْآيَةِ: وَذَكَرَ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ارْتَفَعَ رِبّيّونَ عَلَى تَفْسِيرِ ابْنِ إسْحَاقَ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ الضّمِيرِ فِي قُتِلَ، وَهَذَا أَصَحّ التّفْسِيرَيْنِ، لِأَنّهُ قَالَ: فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ، وَلَوْ كَانُوا هُمْ الْمَقْتُولِينَ مَا قَالَ فِيهِمْ: مَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ أَيْ: مَا ضَعُفُوا، وَقَدْ يُخَرّجُ
[ ٦ / ٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَيْضًا قَوْلُ مَنْ قَالَ: رِبّيّونَ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمّ فَاعِلُهُ بِقُتِلَ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: فَمَا وَهَنُوا أَيْ مَا وَهَنَ الْبَاقُونَ مِنْهُمْ، لِمَا أُصِيبُوا بِهِ مِنْ قَتْلِ إخْوَانِهِمْ، وَهَذَا وَجْهٌ، وَلَكِنْ سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ يَدُلّ عَلَى صِحّةِ التّفْسِيرِ الْأَوّلِ «١» .
وَقَوْلُهُ: رِبّيّونَ، وَهُمْ الْجَمَاعَاتُ «٢» فِي قَوْلِ أَهْلِ اللّغَةِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ:
رِبّيّونَ أُلُوفٌ، وَقَالَ أَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ: الرّبّيّ: عَشَرَةُ آلَافٍ.
مِنْ تَفْسِيرِ آيَاتِ أُحُدٍ:
وقوله تعالى: فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ وَعَلَى: تَفْسِيرِ ابْنِ إسْحَاقَ غَمّا بَعْدَ غَمّ الْبَاءُ مُتَعَلّقَةٌ بِمَحْذُوفِ، التّقْدِيرُ: غَمّ مَقْرُونٌ بِغَمّ، وَعَلَى تَفْسِيرٍ آخَرَ مُتَعَلّقَةٌ:
بِأَثَابَكُمْ، أَيْ: أَثَابَكُمْ غَمّا بِمَا غَمَمْتُمْ نَبِيّهُ حِينَ خَالَفْتُمْ أَمْرَهُ.
وقوله وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ الّذِي كَانَ أَمِيرًا عَلَى الرّمَاةِ، وَكَانَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَلْزَمُوا مَكَانَهُمْ، وَأَلّا يُخَالِفُوا أَمْرَ نَبِيّهِمْ، فَثَبَتَتْ مَعَهُ طَائِفَةٌ، فَاسْتُشْهِدَ، وَاسْتُشْهِدُوا، وَهُمْ الذين
_________________
(١) التلاوة فى المصحف: قاتل بفتح القاف على البناء للفاعل. وهى قراءة جماعة من قراء الحجاز والكوفة. أما قتل بضم القاف فقراءة جماعة من الحجاز وللبصرة. ورأى السهيلى تلخيص لرأى ابن جرير الطبرى فى تفسيره. وقد اختار ما قال عنه السهيلى إنه أصح التفسيرين. وقال: وأما الربيون فانهم مرفوعون بقوله: معه لا بقوله: قتل.
(٢) هذا رأى بعض نحويى الكوفة، ويرى بعض نحويى البصرة أن الربيين هم الذين يعبدون الرب، ويرى بعض المفسرين أنهم العلماء، أو الفقهاء، أو الأتباع، ويرى ابن زيد أن الربيين هم الأتباع والرعية وأن الربانيين هم الولاة.
[ ٦ / ٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَرَادُوا الْآخِرَةَ، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْمَغْنَمِ، وَأَخْذِ السّلَبِ، فَكَرّ عَلَيْهِمْ الْعَدُوّ، وَكَانَتْ الْمُصِيبَةُ، وَفِي الْخَبَرِ: لَقَدْ رَأَيْت خَدَمَ هِنْدٍ وَصَوَاحِبَهَا، وَهُنّ مُشَمّرَاتٌ فِي الْحَرْبِ. وَالْخَدَمُ: الْخَلَاخِيلُ «١»، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ حِينَ ذَكَرَ هِنْدًا، وَأَنّهَا اتّخَذَتْ مِنْ آذَانِ الشّهَدَاءِ وَآنُفِهِمْ خَدَمًا وَقَلَائِدَ، وَأَعْطَتْ خَدَمَهَا وَقَلَائِدَهَا وَقِرَطَتَهَا وَحْشِيّا، مَعْنَاهُ: الْخَلَاخِلُ أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنا هاهُنا فِي صَحِيحِ التّفْسِيرِ أَنّ عَتّابَ بْنَ قُشَيْرٍ هُوَ قَائِلٌ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، وَكَانَ مَنْبُوذًا بِالنّفَاقِ.
وقوله: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ أَيْ: يَظُنّونَ أَنّ اللهَ خَاذِلٌ دِينَهُ وَنَبِيّهُ.
وقوله: ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ أَيْ: أَهْلَ الْجَاهِلِيّةِ كَأَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ.
وَذَكَرَ قوله: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ وَفَسّرَهُ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أُمِرَ بِمُشَاوَرَتِهِمَا «٢» .
حُكْمُ الْغُلُولِ:
وَذَكَرَ قَوْلَهُ: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَفَسّرَهُ أَنْ يَكْتُمَ مَا أَنَزَلَ اللهُ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسّرِينَ يَقُولُونَ: نَزَلَتْ فِي الْغُلُولِ، وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ أَنّهُمْ فَقَدُوا قَطِيفَةً مِنْ الْمَغْنَمِ «٣»، فَقَالَ قَائِلٌ: لَعَلّ النّبِيّﷺ-
_________________
(١) مفردها: خدمة بفتح الخاء والدال، وتجمع أيضا على خدام.
(٢) أخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم بسنده عن ابن عباس قال: فقدوا قطيفة يوم بدر، فقالوا: لعل رسول الله «ص» أخذها. -
[ ٦ / ٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَخَذَهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ الْآيَةَ، وَمَنْ قَرَأَ يُغَلّ بضم الياء وفتح الغين فمعناه أن يلغى غَالّا، تَقُولُ: أَجْبَنْت الرّجُلَ إذَا أَلْفَيْته جَبَانًا، وَكَذَلِكَ أَغَلَلْته: إذَا وَجَدْته غَالّا، وَقَدْ قَالَ عمرو بن معد يكرب لِبَنِي سُلَيْمٍ: قَاتَلْنَاكُمْ، فَمَا أَجْبَنّاكُمْ، وَسَأَلْنَاكُمْ فَمَا أَبْخَلْنَاكُمْ وَتَفْسِيرُ ابْنِ إسْحَاقَ [غَيْرُ] «١» خَارِجٍ عَنْ مُقْتَضَى اللّغَةِ. فَمَنْ كَتَمَ فَقَدْ غَلّ، أَيْ: سَتَرَ، وَكَذَلِكَ مَنْ خَانَ فِي شَيْءٍ وَأَخَذَهُ خُفْيَةً، فَقَدْ سَتَرَهُ وَكَتَمَهُ، وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ: السّتْرُ وَالْإِخْفَاءُ، وَمِنْهُ الْغِلَالَةُ وَالْغَلَلُ لِلْمَاءِ الّذِي يُغَطّيهِ الشّجَرُ وَالنّبَاتُ، وَقَدْ أَمَرَ النّبِيّﷺ- فِي بَعْضِ الْمَغَازِي بِإِحْرَاقِ مَتَاعِ الْغَالّ، وَأَخَذَتْ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ أحمد وإسحاق «٢» .
_________________
(١) - وروى ابن جرير وأبو داود والترمذى أنها نزلت فى قطيفة حمراء فقدت يوم بدر. الخ. وقال الترمذى: حسن غريب.. ورواه بعضهم عن خصيف عن مقسم مرسلا. وروى ابن مردويه أن بعض المنافقين اتهم رسول الله «ص» بشىء، فنزلت. والغلول هو الخيانة فى المغنم والسرقة من الغنيمة قبل القسمة، وكل من خان فى شىء خفية فقد غل. القراءة بفتح الياء هى قراءة المصحف، وهى قراءة ابن عباس وأبى عبد الرحمن السلمى وجماعة من قراء الحجاز والعراق، والقراءة بضم الياء وفتح الغين قراءة عظم قراء أهل المدينة والكوفة.
(٢) سياق الكلام يفرضها، وهى محذوفة فى الأصل.
(٣) قال البخارى: قد روى فى غير حديث عن النبى «ص» فى الغال، ولم يأمر بحرق متاعه. وقد قال رسول الله «ص» عن رجل غل بردة، ثم مات فى المعركة فقيل عنه إنه شهيد- كلا، إنى رأيته فى النار فى بردة غلها أو عبادة «من حديث رواه أحمد ومسلم» وجاءه رجل بشراك كان قد. غله يوم خيبر فقال رسول الله «ص» . شراك من نار «من حديث متفق عليه» .
[ ٦ / ٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الشّهَادَةُ وَالشّهَدَاءُ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْآيَاتِ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ الّذِينَ سَمّاهُمْ اللهُ شُهَدَاءَ بقوله: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَهَذَا الِاسْمُ مَأْخُوذٌ مِنْ الشّهَادَةِ أَوْ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الشّهَادَةِ فَهُوَ شَهِيدٌ بِمَعْنَى مَشْهُودٍ، أَيْ مَشْهُودٌ عَلَيْهِ، وَمَشْهُودٌ لَهُ بِالْجَنّةِ، أَمّا مَشْهُودٌ عَلَيْهِ، فَلِأَنّ النّبِيّﷺ- حِينَ وَقَفَ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ، قَالَ: هَؤُلَاءِ الّذِينَ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ، أَيْ: أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِالْوَفَاءِ، وَقَالَ: عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَقُلْ: لَهُمْ، لِأَنّ الْمَعْنَى: أَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ، وَهِيَ وِلَايَةٌ وَقِيَادَةٌ، فَوُصِلَتْ بِحَرْفِ عَلَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الشّهَادَةِ وَتَكُونُ فَعِيلًا بِمَعْنَى فَاعِلٍ، لِأَنّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ أَيْ: تَشْهَدُونَ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا، وَإِنْ كَانَ عَامّا فِي جَمِيعِ أُمّةِ مُحَمّدٍ- عليه الصلاة السلام- فَالشّهَدَاءُ أَوْلَى بِهَذَا الِاسْمِ، إذْ هُمْ تَبَعٌ لِلصّدّيقِينَ وَالنّبِيّينَ. قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ فَهَذَانِ وَجْهَانِ فِي مَعْنَى الشّهِيدِ، إذَا جَعَلْته مُشْتَقّا مِنْ الشّهَادَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ، فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى: فَاعِلٍ أَيْضًا، لِأَنّهُ يُشَاهِدُ من ملكوت الله، ويعاين من ملائكته مالا يُشَاهِدُ غَيْرُهُ، وَيَكُونُ أَيْضًا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَهُوَ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ، أَيْ: إنّ الْمَلَائِكَةَ تُشَاهِدُ قَبْضَهُ، وَالْعُرُوجَ بِرُوحِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ فَعِيلًا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. وَأَوْلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلّهَا بِالصّحّةِ أَنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ. مَشْهُودًا لَهُ بِالْجَنّةِ، أَوْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ النّبِيّ ﵇ كَمَا قَالَ: هَؤُلَاءِ أَنَا شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ، أَيْ: قَيّمٌ عَلَيْهِمْ بِالشّهَادَةِ لَهُمْ، وَإِذَا حُشِرُوا تَحْتَ لِوَائِهِ، فَهُوَ وَالٍ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ
[ ٦ / ٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شَاهِدًا لَهُمْ، فَمِنْ هَاهُنَا اتّصَلَ الْفِعْلُ بِعَلَى، فَتَقَوّى هَذَا الْوَجْهُ مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِنْ الْعَرَبِيّةِ، وَهُوَ أَنّ النّبِيّﷺ- حِينَ ذَكَرَ الشّهَدَاءَ قَالَ: وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجَمْعِ «١»
شَهِيدٍ، وَلَمْ يَقُلْ شَهِيدَةً، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ: وَالنّفَسَاءُ شَهِيدٌ يَجُرّهَا جَنِينُهَا بِسَرَرِهِ إلَى الْجَنّةِ، وَلَمْ يَقُلْ:
شَهِيدَةً وَفَعِيلٌ إذَا كَانَ صِفَةً لِمُؤَنّثِ كَانَ بِغَيْرِ هَاءٍ إذَا كَانَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، نَحْوَ:
امْرَأَةٍ قَتِيلٍ وَجَرِيحٍ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، كَانَ بِالْهَاءِ كَقَوْلِهِمْ: امْرَأَةٌ عَلِيمَةٌ وَرَحِيمَةٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَدَلّ عَلَى أَنّ الشّهِيدَ مَشْهُودٌ لَهُ، وَمَشْهُودٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا اسْتِقْرَاءٌ مِنْ اللّغَةِ صَحِيحٌ، واستنباط من الحديث بديع، فقف عليه «٢» .
_________________
(١) أى: تموت وفى بطنها ولد. أو التى تموت بكرا، والجمع بالضم بمعنى المجموع كالذخر بمعنى المذخور، وكسر الكسائى الجيم، والمعنى: أنها ماتت مع شىء مجموع فيها غير منفصل عنها من حمل أو بكارة.
(٢) «الشهداء جمع شهيد، وبين الرازى أنه لا يجوز أن يراد بالشهيد هنا من قتله الكفار فى الحرب، لأن الشهادة مرتبة عالية عظيمة فى الدين وكون الإنسان مقتول الكافر ليس فيه زيادة شرف. لأن هذا القتل قد يحصل فى الفساق، ومن لا منزلة له عند الله تعالى، ولأن المؤمنين يدعون الله تعالى أن يرزقهم الشهادة، ولا يجوز أن يطلبوا منه أن يسلط عليهم الكفار يقتلونهم، ولأنه ورد إطلاق لفظ الشهيد على المبطون والمطعون والغريق، قال: أى الرازى: فعلمنا أن الشهادة ليست عبارة عن القتل، بل نقول: الشهيد فعيل بمعنى الفاعل، وهو الذى يشهد بصحة دين الله تعالى تارة بالحجة والبيان، وأخرى بالسيف والسنان، فالشهداء هم القائمون بالقسط، وهم الذين ذكرهم الله فى قوله: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ) آل عمران: ١٨-
[ ٦ / ٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ الْمَرْفُوعَ، وَفِيهِ أَنّ اللهَ جَعَلَ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنّ أَرْوَاحَ الشّهَدَاءَ تَتَعَارَفُ عِنْدَ السّدْرَةِ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ بِيضٍ، وَقَدْ أَنْكَرَ هَذِهِ الرّوَايَةَ قَوْمٌ، وَقَالُوا: لَا يَكُونُ رَوْحَانِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ، وَإِنّ ذَلِكَ مُحَالٌ، وَهَذَا جَهْلٌ بِالْحَقَائِقِ، فَإِنّ مَعْنَى الْكَلَامِ بَيّنٌ، فَإِنّ رُوحَ الشّهِيدِ الّذِي كَانَ فِي جَسَدِهِ فِي الدّنْيَا، يُجْعَلُ فِي جَسَدٍ آخَرَ كَأَنّهُ صُورَةُ طَائِرٍ، فَيَكُونُ فِي هَذَا الْجَسَدِ الْآخَرِ، كَمَا كَانَ فِي الْأَوّلِ، إلَى أَنْ يُعِيدَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا خَلَقَهُ، وَهَذِهِ الرّوَايَةُ لَا تُعَارِضُ مَا رَوَوْهُ مِنْ قَوْلِهِ: فِي صُوَرِ طَيْرٍ خُضْرٍ، وَالشّهَدَاءُ طَيْرٌ خُضْرٌ، وَجَمِيعُ الرّوَايَاتِ كُلّهَا مُتّفِقَةُ الْمَعْنَى، وَإِنّمَا الّذِي يَسْتَحِيلُ فِي الْعَقْلِ قِيَامُ حَيَاتَيْنِ بِجَوْهَرِ وَاحِدٍ، فَيَحْيَا الْجَوْهَرُ بِهِمَا جَمِيعًا، وَأَمّا رَوْحَانِ فِي جَسَدٍ فَلَيْسَ بِمُحَالِ إذَا لَمْ نَقُلْ بِتَدَاخُلِ الْأَجْسَامِ، فَهَذَا الْجَنِينُ فِي بطن أمّه وروحه
_________________
(١) - ويقال المقتول: شهيد من حيث إنه بذل نفسه فى نصرة دين الله وشهادته له بأنه هو الحق، وما سواه باطل، وإذا كان من شهداء الله بهذا المعنى، كان من شهداء الله فى الآخرة. كما قال (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا، لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) البقرة: ١٤٣. وقال الأستاذ الإمام: الشهداء هم الذين أمرنا الله تعالى أن نكون منهم فى قوله: (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) وهم أهل العدل والإنصاف الذين يؤيدون الحق بالشهادة لأهله بأنهم محقون، ويشهدون على أهل الباطل أنهم مبطلون، ودرجتهم تلى درجة الصديقين، والصديقون شهداء وزيادة. وأقول- أى الشيخ رشيد رضا- إن الشهادة التى تقوم بها حجة أهل الحق على أهل الباطل، تكون بالقول والعمل والأخلاق والأحوال، فالشهداء هم حجة الله تعالى على المبطلين فى الدنيا والآخرة بحسن سيرتهم. تفسير المنار الآية رقم ٦٩ أو ٧١ من سورة النساء.
[ ٦ / ٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غَيْرُ رُوحِهَا، وَقَدْ اشْتَمَلَ عَلَيْهِمَا جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَهَذَا أَنْ لَوْ قِيلَ لَهُمْ: إنّ الطّائِرَ لَهُ رُوحٌ غَيْرُ رُوحِ الشّهِيدِ، وَهُمَا فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ، فَكَيْفَ، وَإِنّمَا قَالَ:
فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، أَيْ: فِي صُورَةِ طَيْرٍ خُضْرٍ، كَمَا تَقُولُ: رَأَيْت مَلَكًا فِي صُورَةِ إنْسَانٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇: إنّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلَقُ فِي ثَمَرِ الْجَنّةِ «١» تَأَوّلَهُ بَعْضُهُمْ مَخْصُوصًا بِالشّهِيدِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنّمَا الشّهِيدُ فِي الْجَنّةِ يَأْكُلُ مِنْهَا حَيْثُ شَاءَ، ثُمّ يَأْوِي إلَى قَنَادِيلَ مُعَلّقَةٍ فِي الْعَرْشِ، وَغَيْرُ الشّهِيدِ، مِنْ الْمُؤْمِنِينَ نَسَمَتُهُ، أَيْ: رُوحُهُ طَائِرٌ، لَا أَنّ رُوحَهُ جُعِلَ فِي جَوْفِ طَائِرٍ، لِيَأْكُلَ وَيَشْرَبَ، كَمَا فَعَلَ بِالشّهِيدِ لَكِنّ الرّوحَ نَفْسَهُ طَائِرٌ يَعْلَقُ بِشَجَرِ الْجَنّةِ، يَعْلَقُ بِفَتْحِ اللّامِ يَنْشَبُ بِهَا، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْهَا، وَمَنْ رَوَاهُ: يعلق فمعناه يصيب العلقة، أى ينال منها مَا هُوَ دُونَ نَيْلِ الشّهِيدِ، فَضَرَبَ الْعَلَقَةَ مَثَلًا، لِأَنّ مَنْ أَصَابَ الْعَلَقَةَ مِنْ الطّعَامِ وَالشّرَابِ فَقَدْ أَصَابَ دُونَ مَا أَصَابَ غَيْرُهُ مِمّنْ أَدْرَكَ الرّغَدَ، فَهُوَ مِثْلُ مَضْرُوبٍ يُفْهَمُ مِنْهُ هَذَا الْمَعْنَى.
وَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِيَعْلَقُ «٢» الأكل نفسه، فهو مخصوص بالشهيد، فتكون
_________________
(١) رواه أحمد عن الشافعى عن مالك.
(٢) العلقة بضم العين وسكون اللام: ما يتبلغ به من الطعام والمركب. وفى اللسان: تعلق- بفتح- التاء وضم اللام- من ثمار الجنة: تناول بأفواهها وهو تفسير الأصمعى، وفى النهاية لابن الأثير: تعلق بضم اللام أيضا، وقال: أى تأكل، وهو فى الأصل للابل إذا أكلت العضاه، فنقل إلى الطير. وما أعد الله للشهداء هو من علم الغيب الذى هو لله وحده فلنتحر فى حديثنا عنه الخبر الصادق الذى لا ريب فيه. هذا وفى حديث الشهداء شىء من الاضطراب كما يقول الشيخ رشيد- رضا فى تفسير المنار- ففى رواية مسلم والترمذى من حديث ابن مسعود-
[ ٦ / ٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رِوَايَةُ مَنْ رَوَاهُ بِالضّمّ لِلشّهَدَاءِ، وَرِوَايَةُ الْفَتْحِ لِمَنْ دُونَهُمْ، فَاَللهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ رَسُولُهُ من ذلك.
وقوله ثم تأوى إلى فناديل يُصَدّقُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﷿: وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ «١» الْحَدِيدُ: ١٩. وَإِنّمَا تَأْوِي إلى تلك القناديل
_________________
(١) أنها فى حواصل طيور خضر تسرح من أنهار الجنة حيث شاءت، ثم تأوى إلى قناديل معلقة. تحت العرش» وفى رواية عبد الرازق من حديث عبد الله بن كعب ابن مالك: «إن أرواح الشهداء فى صور طيور خضر معلقة فى قناديل الجنة حتى يرجعها الله يوم القيامة» فهذا يدل على أنها محبوسة فى مكان خاص، والأول يفيد أنها مطلقة تسرح حيث تشاء، ثم إن لها مأوى تأوى إليه حين تشاء، وفى رواية مالك وأصحاب السنن ما عدا أبا داود أنها فى أجواف خضر تعلف من ثمر الجنة أو شجر الجنة، وعبد الطاغوت والقبور يحرفون الكلم عن مواضعه فى هذه الآية الإلهية: فيضعون مكان «أحياء عند ربهم» «أحياء فى قبورهم» بغية استهواء الناس إلى عبادة الموتى بالدعاء والرجاء والخوف والحب والتوكل، زاعمين لهم أنهم يسمعون لأنهم «أحياء فى قبورهم» وهذه الحياة الدقيقة السامية عند الله حياة غيبية هو وحده جل شأنه العليم بحقيقتها، إنها حياة روحية لا جسدية، لأن الأجساد أرمت وفنيت وكم من دود منها طعم، وسوس عاث «وشجر منها نبت، فأكلنا ثمره، واصطلينا بناره. فإذا جاء يوم الفصل بعث الله كل أمرىء من مرقده، كيف؟ أو ليس الذى. خلق السماوات والأرض بقادر على أن يحيى الموتى؟ بلى: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن فيكون. ولا يأتى حين يتشعب القول بين: كيف، ولم- وهذا هو رأيى- إلا بتشقق القلب بالقلق الأسود. ولنسكت عن المراء فى شأن الغيب، فالمراء كفر.
(٢) هم القائمون بالشهادة لله سبحانه، ولهم، وعلى الأمم يوم القيامة، ولم لا يكون قوله سبحانه إخبارا عن الذين آمنوا بالله ورسوله؟ ثم هو بيان عن النور الذى سيكون يوم القيامة. واقرأ من سورة الحديد من قوله سبحانه: -
[ ٦ / ٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَيْلًا، وَتَسْرَحُ نَهَارًا، فَتَعْلَمُ بِذَلِكَ اللّيْلَ مِنْ النّهَارِ، وَبَعْدَ دُخُولِ الْجَنّةِ فِي الْآخِرَةِ، لَا تأوى إلى تلك القناديل- ولله أَعْلَمُ- وَإِنّمَا ذَلِكَ مُدّةُ الْبَرْزَخِ هَذَا مَا يَدُلّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الشّهَدَاءُ يَأْكُلُونَ مِنْ ثَمَرِ الْجَنّةِ وَلَيْسُوا فِيهَا، وَقَدْ أَنْكَرَ أَبُو عُمَرَ قَوْلَ مُجَاهِدٍ، وَرَدّهُ وَلَيْسَ بمنكر عددى، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا وَقَعَ فِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرِهِ عَنْ النّبِيّﷺ- قَالَ: الشّهَدَاءُ بِنَهَرِ أَوْ عَلَى نَهَرٍ يُقَالُ: لَهُ: بَارِقٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنّةِ فِي قِبَابٍ خُضْرٍ يَأْتِيهِمْ رِزْقُهُمْ مِنْهَا بُكْرَةً وَعَشِيّا «١»، فَهَذَا يُبَيّنُ مَا أَرَادَ مُجَاهِدٌ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَمِمّا وَقَعَ السّيرَةُ أَيْضًا، وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ هِشَامٍ حَدِيثٌ رَوَاهُ ابْنُ إسْحَاقَ، قَالَ:
حَدّثَنِي إسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، قَالَ: حَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قال: الشّهَدَاءُ ثَلَاثَةٌ، فَأَدْنَى الشّهَدَاءُ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً رجل
_________________
(١) - (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) الحديد: ١٢ فالحديث عن القيامة والجزاء فيها.
(٢) لفظ أحمد والطبرانى والحاكم كلهم عن ابن عباس «الشّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهْرٍ بِبَابِ الْجَنّةِ فِي قُبّةٍ خَضْرَاءَ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنْ الْجَنّةِ بكرة وعشيا» . وبهذا يتبين أن بعض الروايات تدل على دخولهم الجنة وبعضها يدل على وقوفهم ببابها عند النهر. ولقد حاول ابن كثير فى تفسيره الجمع، أو المصالحة بين الضدين فقال: كأن الشهداء أقسام. وقد قال الزرقانى قولا طيبا هنا عن كلمة ابن كثير كأن: وعبر بكأن، لأنه على سبيل الاحتمال لا القطع. لأن حقيقة الحال غيب عنا» وهى كلمة حق.
[ ٦ / ٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خَرَجَ مُسَوّدًا بِنَفْسِهِ وَرَحْلِهِ، لَا يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَ وَلَا يُقْتَلَ «١» أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَأَصَابَهُ، قَالَ: فَأَوّلُ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهِ، يَغْفِرُ اللهُ بِهَا مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، ثُمّ يُهْبِطُ اللهُ إلَيْهِ جَسَدًا مِنْ السّمَاءِ، فَيَجْعَلُ فِيهِ رُوحَهُ، ثُمّ يُصْعَدُ بِهِ إلَى اللهِ، فما يمرّ بسماء من السّماوات إلّا شَيّعَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، حَتّى يَنْتَهِيَ بِهِ إلَى اللهِ، فَإِذَا انْتَهَى بِهِ إلَيْهِ وَقَعَ سَاجِدًا، ثُمّ يُؤْمَرُ بِهِ فَيُكْسَى سَبْعِينَ زَوْجًا مِنْ الْإِسْتَبْرَقِ، ثُمّ يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: كَأَحْسَنِ مَا رَأَيْتُمْ مِنْ شَقَائِقِ النّعمان.
وحدّث كعب الأحبار عَنْ قَوْلِ- رَسُولِ اللهِ ﵇- فَقَالَ كعب الأحبار: أَجَلّ كَأَحْسَنِ مَا رَأَيْتُمْ مِنْ شَقَائِقِ النّعْمَانِ، ثم يقول: اذهبوا به إلى إخوانه مِنْ الشّهَدَاءِ، فَاجْعَلُوهُ مَعَهُمْ، فَيُؤْتَى بِهِ إلَيْهِمْ فى قُبّةٍ خَضْرَاءَ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْجَنّةِ يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ حُوتٌ وَنُورٌ مِنْ الْجَنّةِ لِغَدَائِهِمْ، فَيَلْعَبَانِهِمْ «٢»، حَتّى إذَا كَثُرَ عَجَبُهُمْ مِنْهَا طَعَنَ الثّوْرُ الْحُوتَ بِقَرْنِهِ، فَبَقَرَهُ لَهُمْ عَمّا يَدْعُونَ. ثُمّ يَرُوحَانِ عَلَيْهِمْ لِعَشَائِهِمْ، فَيُلَعّبَانِهِمْ، حَتّى إذَا كَثُرَ عَجَبُهُمْ مِنْهُمَا ضَرَبَ الْحُوتُ الثّوْرَ بِذَنْبِهِ فَبَقَرَهُ لَهُمْ عَمّا يَدْعُونَ، فَإِذَا انْتَهَى إلَى إخْوَانِهِ سَأَلُوهُ تَسْأَلُوا «٣» الرّاكِبَ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ بِلَادَكُمْ، فَيَقُولُونَ: مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُ: أَفْلَسَ، فَيَقُولُونَ: فَمَا أَهْلَكَ مَالَهُ فَوَاَللهِ إنْ كَانَ لَكَيّسًا جَمُوعًا تَاجِرًا، فَيُقَالُ لَهُمْ: إنّا لَا نَعُدّ الْفَلَسَ مَا تَعُدّونَ، وَإِنّمَا نَعُدّ الْفَلَسَ مِنْ الْأَعْمَالِ، فَمَا فَعَلَ فُلَانٌ وَامْرَأَتُهُ فُلَانَةُ؟ فيقول: طلّقها، فيقولون: فما الذى
_________________
(١) فى نسخة: يريد أن يقتل، ولا يقتل.
(٢) فى نسخة: فيلعبا بهم.
(٣) هكذا فى الأصل.
[ ٦ / ٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَزَلَ بَيْنَهُمَا، حَتّى طَلّقَهَا، فَوَاَللهِ إنْ كَانَ بِهَا لَمُعْجَبًا؟ فَيَقُولُونَ: مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟
فَيَقُولُونَ: مَاتَ أيهات قَبْلُ بِزَمَانِ، فَيَقُولُونَ: هَلَكَ وَاَللهِ مَا سَمِعْنَا لَهُ بِذِكْرِ، إنّ لِلّهِ طَرِيقَيْنِ، أَحَدُهُمَا: عَلَيْنَا، وَالْآخَرُ: يُخَالِفُ بِهَا عَنّا، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِ خَيْرًا أَمَرّ بِهِ عَلَيْنَا، فعرفناه، وَعَرَفْنَا مَتَى مَاتَ، وَاذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِ شَرّا خُولِفَ بِهِ عَنّا، فَلَمْ نَسْمَعْ لَهُ بِذِكْرِ، هَلَكَ وَاَللهِ فُلَانٌ، فَإِنّ هَذَا لِأَدْنَى الشهداء عند الله؟؟؟، وَإِنّ الْآخَرَ رَجُلٌ خَرَجَ مُسَوّدًا بِنَفْسِهِ وَرَحْلِهِ يُحِبّ أَنْ يَقْتُلَ، وَلَا يُقْتَلَ، أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَأَصَابَهُ، فَذَلِكَ رَفِيقُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرّحْمَنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحُكّ رُكْبَتَاهُ رُكْبَتَيْهِ، وَأَفْضَلُ الشّهَدَاءِ: رَجُلٌ خَرَجَ مُسَوّدًا بِنَفْسِهِ وَرَحْلِهِ يُحِبّ أَنْ يَقْتُلَ وَأَنْ يُقْتَلَ، وَقَاتَلَ حَتّى قَتَلَ قَعْصًا فَذَلِكَ يَبْعَثُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَاهِرًا سَيْفَهُ، يَتَمَنّى عَلَى اللهِ، لَا يَسْأَلُهُ شَيْئًا إلّا أَعْطَاهُ إيّاهُ. وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْحُوتِ وَلَعِبُهُ مَعَ الثّوْرِ وَقَدْ خَرّجَهُ هَنّادُ بْنُ السّرِيّ بِإِسْنَادِ حَسَنٍ فِي كِتَابِ الرّقَاقِ له بأكثر مما وقع هاهنا، وَفِي الصّحِيحَيْنِ مِنْهُ ذَكَرَ أَكْلَ أَهْلِ الْجَنّةِ من كبد الحوت أَوّلَ مَا يَأْكُلُونَ، ثُمّ يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنّةِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ بَابِ التّفَكّرِ وَالِاعْتِبَارِ أَنّ الْحُوتَ لَمّا كَانَ عَلَيْهِ قَرَرُ هَذِهِ الْأَرْضِ «١»، وَهُوَ حَيَوَانٌ سَابِحٌ لِيَسْتَشْعِرَ أَهْلُ هَذِهِ الدّارِ أَنّهُمْ فِي مَنْزِلٍ قُلْعَةٍ، وَلَيْسَ بِدَارِ قَرَارٍ، فَإِذَا نُحِرَ لَهُمْ، قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا الْجَنّةَ، فَأَكَلُوا مِنْ كَبِدِهِ، كَانَ فِي ذَلِكَ إشْعَارٌ لَهُمْ بِالرّاحَةِ مِنْ دَارِ الزّوَالِ، وَأَنّهُمْ قَدْ صَارُوا إلَى دَارِ الْقَرَارِ، كَمَا يُذْبَحُ لَهُمْ الْكَبْشُ الْأَمْلَحُ عَلَى الصّرَاطِ، وَهُوَ
_________________
(١) ذلك كان مبلغ علم عصره عن الأرض، ولهذا يجب النظر فيما بناه عليه.
[ ٦ / ٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صُورَةُ الْمَوْتِ لِيَسْتَشْعِرُوا أَنْ لَا مَوْتَ، وَأَمّا الثّوْرُ فَهُوَ آلَةُ الْحَرْثِ، وَأَهْلُ الدّنْيَا لَا يَخْلَوْنَ مِنْ أَحَدِ الْحَرْثَيْنِ، حَرْثٍ لِدُنْيَاهُمْ، وَحَرْثٍ لأخراهم، ففى تحر الثّوْرِ لَهُمْ هُنَالِكَ إشْعَارٌ بِإِرَاحَتِهِمْ مِنْ الْكَدّيْنِ وَتَرْفِيهِهِمْ مِنْ نَصَبِ الْحَرْثَيْنِ، فَاعْتَبِرْ، وَاَللهُ الْمُسْتَعَانُ.
إغْفَالُ ابْنِ إسْحَاقَ نَسَبَ عُبَيْدِ بْنِ التّيّهَانِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِيمَنْ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ عُبَيْدَ بْنَ التّيّهَانِ. وَاسْمُ التّيّهَانِ: مَالِكٌ، وَلَمْ يَرْفَعْ نَسَبَهُ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ فِي هَذَا النّسَبِ حَيْثُ وَقَعَ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَهُوَ نَسَبٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَقَدْ رَفَعْنَاهُ عِنْدَ ذِكْرِ أَبِي الْهَيْثَمِ، وَذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِيهِ هُنَالِكَ.
وَقَوْلُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:
وَلَا مِثْلَ أَضْيَافِ الْأَرَاشِيّ مَعْشَرَا يَعْنِي: أَبَا الْهَيْثَمِ، فَجَعَلَهُ إرَاشِيّا، وَلَيْسَتْ إرَاشَةً مِنْ الْأَنْصَارِ، وَنَسَبَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي جَمَاعَةٍ مَعَهُ إلَى بَلِيّ، وَقَالُوا هُوَ حليف الأنصار، وليس من من أنفسهم، وقال ابن إسحاق والوافدى فِي الْمُسْتَشْهَدِ يَوْمَ أُحُدٍ: عُبَيْدُ بْنُ التّيّهَانِ، وَقَالَ ابْنُ عُقْبَةَ، وَأَبُو مَعْشَرٍ، وَابْنُ عُمَارَةَ: هو عتيك بن التّيّهان «١» .
_________________
(١) ذكر ذلك ابن دريد فى الاشتقاق.
[ ٦ / ٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَبُو حَنّةَ أَوْ حَبّةَ:
وَذَكَرَ فِيهِمْ أَبَا حَبّةٍ الْأَنْصَارِيّ الْبَدْرِيّ، وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ أَبُو حَنّةَ بْنُ ثَابِتٍ بِالنّونِ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْوَاقِدِيّ، قَالَ: لَيْسَ فِيمَنْ شَهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ اسْمِهِ أَبُو حَبّة بِالْبَاءِ، وَكَذَلِكَ رَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ: أَبُو حَنّةَ بِالنّونِ شَهِدَ بَدْرًا، وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ مِنْ الْأَوْسِ، وَاسْمُهُ ثَابِتٍ، وَقِيلَ: عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ، وَالِاخْتِلَافُ فِي اسْمِهِ، وَفِي كُنْيَتِهِ كَثِيرٌ. وَأَمّا أَبُو حَبّةَ الْمُسْتَشْهَدُ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، فَهُوَ أَبُو حَبّةَ بْنُ غَزِيّةَ بِالْبَاءِ الْمَنْقُوطَةِ بِوَاحِدَةِ مِنْ أَسْفَلَ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إلّا مَنْ لَا يُؤْبَهُ بِقَوْلِهِ، وَاسْمُهُ: زَيْدُ بْنُ غَزِيّةَ بْنِ عَمْرٍو، وَهُوَ مِنْ الْخَزْرَجِ، وَالْأَوّلُ من الأوس، وقد قيل فى الأول:
أبو حَيّةُ «١» بِيَاءِ مُعْجَمَةٍ بِاثْنَتَيْنِ، فَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَحَنّةُ بِالنّونِ: دَيْرُ حَنّةَ مَعْرُوفٌ «٢» بِالشّامِ، وَحَنّةُ أُمّ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، وَخَنّةُ بِخَاءِ مَنْقُوطَةٍ بِنْتُ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ الْقَاضِي، وَهِيَ أُمّ مُحَمّدِ ابن نَصْرٍ الْمَرْوَزِيّ الْفَقِيهِ «٣» وَجَنّةُ بِالْجِيمِ لَا يُعْرَفُ إلّا أَبُو جَنّةَ خَالُ ذِي الرّمّةِ الشّاعِرِ، قاله ابن ماكولا.
_________________
(١) هو فى السيره: أبو حية بالياء.
(٢) فى معجم البكرى أنه دير قديم بناه بنو ساطع حى من تنوخ، وهو بالحيرة. والحيرة بالعراق. ودير حنة آخر، وهو بالأكيراح، وقد ذكره أبو نواس فى شعره. والأكيراح موضع بالحيرة.
(٣) فى القاموس أنها أخت يحيى وزوجة محمد بن نصر.
[ ٦ / ٩٨ ]
[ذِكْرُ مَا قِيلَ مِنْ الشّعْرِ يَوْمَ أُحُدٍ]
شِعْرُ هُبَيْرَةَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمّا قيل من الشعر فى يوم أحد، قول هبيرة ابن أَبِي وَهْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَائِذُ بْنُ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
عَائِذٌ: ابْنُ عِمْرَانَ بْنُ مَخْزُومٍ:
مَا بَالُ هَمّ عَمِيدٍ بَاتَ يَطْرُقنِي بِالْوُدّ مِنْ هِنْدَ إذْ تَعْدُو عَوَادِيهَا
بَاتَتْ تُعَاتِبنِي هِنْدٌ وَتَعْذُلُنِي وَالْحَرْبُ قَدْ شُغِلَتْ عَنّي مَوَالِيهَا
مَهْلًا فَلَا تَعْذُلِينِي إنّ مِنْ خُلُقِي مَا قَدْ عَلِمْتِ وَمَا إنْ لَسْتُ أُخْفِيهَا
مُسَاعِفٌ لِبَنِي كَعْبٍ بِمَا كَلِفُوا حَمّالُ عِبْءٍ وَأَثْقَالٌ أُعَانِيهَا
وَقَدْ حَمَلْتُ سِلَاحِي فَوْقَ مُشْتَرَف سَاطٍ سَبُوحٍ إذَا تَجْرِي يُبَارِيهَا
كَأَنّهُ إذْ جَرَى عَيْرٌ بفدفدة مكدّم لا حق بِالْعُونِ يَحْمِيهَا
مِنْ آلِ أَعْوَجَ يَرْتَاحُ النّدِيّ لَهُ كَجِذْعِ شَعْرَاءَ مُسْتَعْلٍ مَرَاقِيهَا
أَعْدَدْتُهُ وَرِقَاقَ الحدّ منتخلا ومارنا لخطوب قد ألاقيها
_________________
(١) وَذَكَرَ فِيمَنْ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَمَةَ الْعَجْلَانِيّ، سَلَمَةُ بِفَتْحِ اللّامِ تَقَيّدَ فِي الْأَصْلِ، وَفِي الْأُصُولِ الصّحَاحِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ، وَذَكَرَهُ الدّارَقُطْنِيّ فِي بَابِ سَلِمَةَ بِكَسْرِ اللّامِ، وَأَخْبَرَ أَنّهَا رِوَايَةُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ أَيْضًا أَنّهَا رِوَايَةُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، والله أعلم.
[ ٦ / ٩٩ ]
هَذَا وَبَيْضَاءَ مِثْلَ النّهْيِ مُحْكَمَةٌ نِيطَتْ عَلَيّ فَمَا تَبْدُو مَسَاوِيهَا
سُقْنَا كِنَانَةَ مِنْ أَطْرَافِ ذِي يَمَنٍ عُرْضُ الْبِلَادِ عَلَى مَا كَانَ يُزْجِيهَا
قَالَتْ كِنَانَةُ: أنّي تَذْهَبُونَ بِنَا؟ قُلْنَا: النّخَيْلُ، فَأَمّوهَا وَمَنْ فِيهَا
نَحْنُ الْفَوَارِسُ يَوْمَ الْجَرّ مِنْ أُحُدٍ هَابَتْ مَعَدّ فَقُلْنَا نَحْنُ نَأْتِيهَا
هَابُوا ضِرَابًا وَطَعْنًا صَادِقًا خَذِمًا مِمّا يَرَوْنَ وَقَدْ ضُمّتْ قَوَاصِيهَا
ثُمّتَ رُحْنَا كَأَنّا عَارِضٌ بَرِدٌ وَقَامَ هَامُ بَنِي النّجّارِ يَبْكِيهَا
كَأَنّ هَامَهُمْ عِنْدَ الْوَغَى فِلَقٌ مِنْ قَيْضِ رُبْدٍ نَفَتْهُ عَنْ أَدَاحِيهَا
أَوْ حَنْظَلُ ذَعْذَعَتْه الرّيحُ فِي غُصُنٍ بَالٍ تَعَاوَرَهُ مِنْهَا سَوَافِيهَا
قَدْ نَبْذُلُ الْمَالَ سَحّا لَا حِسَابَ لَهُ وَنَطْعَنُ الْخَيْلَ شَزْرًا فِي مَآقِيُهَا
وَلَيْلَةٍ يَصْطَلِي بِالْفَرْثِ جَازِرُهَا يَخْتَصّ بِالنّقَرَى الْمُثْرِينَ دَاعِيهَا
وَلَيْلَةٍ مِنْ جُمَادَى ذَاتِ أَنْدِيَةٍ جَرْبَا جُمَادِيّةٍ قَدْ بِتّ أَسْرِيهَا
لَا يَنْبَحُ الْكَلْبُ فِيهَا غَيْرَ وَاحِدَةٍ مِنْ الْقَرِيس وَلَا تَسْرَى أَفَاعِيهَا
أَوْقَدْتُ فِيهَا لِذِي الضّرّاءِ جَاحِمَةً كَالْبَرْقِ ذَاكِيَةَ الْأَرْكَانِ أَحْمِيهَا
أَوْرَثَنِي ذَاكُمْ عَمْروٌ وَوَالِدُهُ مِنْ قَبْلِهِ كَانَ بِالْمَثْنَى يُغَالِيهَا
كَانُوا يُبَارُونَ أَنْوَاءَ النّجُومِ فَمَا دَنّتْ عَنْ السّوْرَةِ الْعُلْيَا مَسَاعِيهَا
شِعْرُ حَسّانٍ فِي الرّدّ عَلَى هُبَيْرَةَ قَالَ ابْنُ إسحاق: فأجابه حسّان بن ثابت، فقال:
سُقْتُمْ كِنَانَةَ جَهْلًا مِنْ سَفَاهَتِكُمْ إلَى الرّسُولِ فجند الله مخزيها
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٠٠ ]
أوردتموها حياض الموت صاحية فَالنّارُ مَوْعِدُهَا، وَالْقَتْلُ لَاقِيهَا
جَمّعْتُمُوهَا أحابِيشًا بِلَا حَسَبٍ أَئِمّةَ الْكُفْرِ غَرّتْكُمْ طَوَاغِيهَا
أَلَا اعْتَبَرْتُمْ بِخَيْلِ اللهِ إذْ قَتَلَتْ أَهْلَ الْقَلِيبِ وَمَنْ أَلْقَيْنَهُ فِيهَا
كَمْ مِنْ أَسِيرٍ فَكَكْنَاهُ بِلَا ثَمَنٍ وَجَزّ نَاصِيَةٍ كُنّا مَوَالِيهَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِيهَا أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَيْتُ هُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبٍ الّذِي يَقُولُ فِيهِ:
وَلَيْلَةٍ يَصْطَلِي بِالْفَرْثِ جَازِرُهَا يَخْتَصّ بِالنّقَرَى الْمُثْرِينَ دَاعِيهَا
يُرْوَى لِجَنُوبٍ، أُخْتِ عَمْرِو ذِي الْكَلْبِ الْهُذَلِيّ، فِي أَبْيَاتٍ لَهَا فِي غَيْرِ يَوْمِ أُحُدٍ.
شِعْرُ كَعْبٍ فِي الرّدّ عَلَى هُبَيْرَةَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يُجِيبُ هُبَيْرَةَ بْنَ أَبِي وَهْبٍ أَيْضًا:
أَلَا هَلْ أَتَى غَسّانَ عَنّا وَدُونَهُمْ مِنْ الْأَرْضِ خَرْقٌ سَيْرُهُ مُتَنَعْنِعُ
صَحَارٍ وَأَعْلَامٌ كَأَنّ قَتَامَهَا مِنْ الْبُعْدِ نقع هامد متقطع
تظلّ به البزل الغراميس رُزّحَا وَيَخْلُو بِهِ غَيْثُ السّنِينَ فَيُمْرِعُ
بِهِ جِيَفُ الْحَسْرَى يَلُوحُ صَلِيبُهَا كَمَا لَاحَ كَتّانُ التّجَارِ الْمُوَضّعُ
بِهِ الْعَيْنُ وَالْآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً وَبَيْضُ نَعَامٍ قَيْضُهُ يَتَقَلّعُ
مُجَالَدُنَا عَنْ دِينِنَا كُلّ فَخْمَةٍ مُذَرّبَةٍ فِيهَا الْقَوَانِسُ تَلْمَعُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٠١ ]
وَكُلّ صَمُوتٍ فِي الصّوَانِ كَأَنّهَا إذَا لُبِسَتْ تهى من الماء مترع
وَلَكِنْ بِبَدْرٍ سَائِلُوا مَنْ لَقِيُتمُ مِنْ النّاسِ وَالْأَنْبَاءُ بِالْغَيْبِ تَنْفَعُ
وَإِنّا بِأَرْضِ الْخَوْفِ لَوْ كَانَ أَهْلُهَا سِوَانَا لَقَدْ أَجْلَوْا بِلَيْلٍ فَأَقْشَعُوا
إذَا جَاءَ مِنّا رَاكِبٌ كَانَ قَوْلُهُ أَعِدّوا لِمَا يُزْجِي ابْنُ حَرْبٍ وَيَجْمَعُ
فَمَهْمَا يُهِمّ النّاسَ مِمّا يَكِيدُنَا فَنَحْنُ لَهُ مِنْ سَائِرِ النّاسِ أَوْسَعُ
فَلَوْ غَيْرُنَا كَانَتْ جَمِيعًا: تَكِيدُهُ البريّة قد أعطوا يدا وتوزّعوا
بجالد لَا تَبْقَى عَلَيْنَا قَبِيلَةٌ مِنْ النّاسِ إلّا أن يهابوا ويفظعوا
ولمّا ابتنوا بالعرض قَالَ سَرَاتُنَا عَلَامَ إذَا لَمْ تَمْنَعْ الْعِرْضَ نَزْرَعُ؟
وَفِينَا رَسُولُ اللهِ نَتْبَعُ أَمْرَهُ إذَا قَالَ فِينَا الْقَوْلَ لَا نَتَطَلّعُ
تَدَلّى عَلَيْهِ الرّوحُ مِنْ عِنْدِ رَبّهِ يُنَزّلُ مِنْ جَوّ السّماء ويرفع
فشاوره فِيمَا نُرِيدُ وَقَصْرُنَا إذَا مَا اشْتَهَى أَنّا نُطِيعُ وَنَسْمَعُ
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ لَمّا بَدَوْا لَنَا ذَرُوا عَنْكُمْ هَوْلَ الْمَنِيّاتِ وَاطْمَعُوا
وَكُونُوا كَمَنْ يَشْرِي الْحَيَاةَ تَقَرّبًا إلَى مَلِكٍ يُحْيَا لَدَيْهِ وَيُرْجَعُ
وَلَكِنْ خُذُوا أَسْيَافَكُمْ وَتَوَكّلُوا عَلَى اللهِ إنّ الْأَمْرَ لِلّهِ أَجْمَعُ
فَسِرْنَا إلَيْهِمْ جَهْرَةً فِي رِحَالهِمْ ضُحَيّا عَلَيْنَا الْبِيضُ لَا نَتَخَشّعُ
بِمَلْمُومَةٍ فِيهَا السّنَوّرُ وَالْقَنَا إذَا ضَرَبُوا أَقْدَامَهَا لَا تَوَرّعُ
فَجِئْنَا إلَى مَوْجٍ مِنْ الْبَحْرِ وَسْطَهُ أَحَابِيشُ مِنْهُمْ حَاسِرٌ وَمُقَنّعُ
ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَنَحْنُ نَصِيّةٌ ثَلَاثُ مِئِينٍ إنْ كَثُرْنَا وأربع
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٠٢ ]
نُغَاوِرُهُمْ تَجْرِي الْمَنِيّةُ بَيْنَنَا نُشَارِعُهُمْ حَوْضَ الْمَنَايَا وَنَشْرَعُ
تَهَادَى قَسَيّ النّبْعِ فِينَا وَفِيهِمْ وَمَا هُوَ إلّا الْيَثْرِبِيّ الْمُقَطّعُ
وَمَنْجُوفَةٌ حِرْمِيّةٌ صَاعِدِيّةٌ يُذَرّ عَلَيْهَا السّمّ سَاعَةَ تُصْنَعُ
تَصُوبُ بِأَبْدَانِ الرّجَالِ وَتَارَةً تَمُرّ بِأَعْرَاضِ الْبِصَارِ تَقَعْقَعُ
وَخَيْلٌ تَرَاهَا بِالْفَضَاءِ كَأَنّهَا جَرَادٌ صَبّا فِي قَرّةٍ يَتَرَيّعُ
فَلَمّا تَلَاقَيْنَا وَدَارَتْ بِنَا الرّحَى وَلَيْسَ لِأَمْرِ حَمّهُ اللهُ مَدْفَعُ
ضَرَبْنَاهُمْ حَتّى تَرَكْنَا سَرَاتَهُمْ كَأَنّهُمْ بِالْقَاعِ خُشُبٌ مُصَرّعُ
لَدُنْ غُدْوَةً حَتّى اسْتَفَقْنَا عَشِيّةً كَأَنّ ذَكَانَا حَرّ نَارٍ تَلَفّعُ
وَرَاحُوا سِرَاعًا مُوجِفِينَ كَأَنّهُمْ جِهَامٌ هَرَاقَتْ مَاءَهُ الرّيحُ مُقَلّعُ
وَرُحْنَا وَأُخْرَانَا بِطَاءٌ كَأَنّنَا أُسُودٌ عَلَى لَحْمٍ بِبِيشَةِ ظُلّعُ
فَنَلِنَا وَنَالَ الْقَوْمُ مِنّا وَرُبّمَا فَعَلْنَا وَلَكِنْ مَا لَدَى اللهِ أَوْسَعُ
وَدَارَتْ رَحَانَا وَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ وَقَدْ جُعِلُوا كُلّ مِنْ الشّرّ يَشْبَعُ
وَنَحْنُ أُنَاسٌ لَا نَرَى الْقَتْلَ سُبّةً عَلَى كُلّ مَنْ يَحْمِي الذّمَارَ وَيَمْنَعُ
جِلَادٌ عَلَى رَيْبِ الْحَوَادِثِ لَا نَرَى عَلَى هَالِكٍ عَيْنًا لَنَا الدّهْرَ تَدْمَعُ
بَنُو الْحَرْبِ لَا نَعْيَا بِشَيْءِ نَقُولُهُ وَلَا نَحْنُ بِمَا جَرَتْ الْحَرْبُ نَجْزَعُ
بَنُو الْحَرْبِ إنْ نَظْفَرْ فَلَسْنَا بِفُحْشِ وَلَا نَحْنُ مِنْ أَظْفَارِهَا نَتَوَجّعُ
وَكُنّا شِهَابًا يَتّقِي النّاسُ حَرّهُ وَيَفْرُجُ عَنْهُ مَنْ يَلِيهِ وَيَسْفَعُ
فَخَرْت عَلَيّ ابْنَ الزّبَعْرَى وَقَدْ سَرَى لَكُمْ طَلَبٌ مِنْ آخِرِ اللّيْلِ مُتْبَعُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٠٣ ]
فَسَلْ عَنْك فِي عُلْيَا مَعَدّ وَغَيْرِهَا مِنْ النّاسِ مَنْ أَحْزَى مَقَامًا وَأَشْنَعَ
وَمَنْ هُوَ لَمْ تَتْرُكْ لَهُ الْحَرْبُ مَفْخَرًا وَمَنْ حَدّهُ يَوْمَ الْكَرِيهَةِ أَضْرَعُ
شَدَدْنَا بِحَوْلِ اللهِ وَالنّصْرِ شِدّةً عَلَيْكُمْ وَأَطْرَافُ الْأَسِنّةِ سُرّعُ
تَكُرّ الْقَنَا فِيكُمْ كَأَنّ فُرُوعَهَا عَزّ إلَى مَزَادٍ مَاؤُهَا يَتَهَرّعُ
عَمَدْنَا إلَى أَهْلِ اللّوَاءِ وَمَنْ يَطِرْ بِذِكْرِ اللّوَاءِ فَهُوَ فِي الْحَمْدِ أَسْرَعُ
فَخَانُوا وَقَدْ أَعْطَوْا يَدًا وَتَخَاذَلُوا أَبَى اللهُ إلّا أَمْرَهُ وَهُوَ أَصْنَعُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَكَانَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ قَدْ قَالَ:
مُجَالَدُنَا عَنْ جِذْمِنَا كُلّ فَخْمَةٍ
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "أَيَصْلُحُ أَنْ تَقُولَ مُجَالَدُنَا عَنْ دِينِنَا"؟ فَقَالَ كَعْبٌ نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "فَهُوَ أَحْسَنُ" فَقَالَ كَعْبٌ مُجَالَدُنَا عَنْ دِينِنَا
شِعْرٌ لِابْنِ الزّبَعْرَى
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزّبَعْرَى فِي يَوْمِ أُحُدٍ:
يَا غُرَابَ الْبَيْنِ أَسَمِعْت فَقُلْ إنّمَا تَنْطِقُ شَيْئًا قَدْ فُعِلْ
إنّ لِلْخَيْرِ وَلِلشّرّ مدى وكلا ذَلِك وَجْهٌ وَقَبَلْ
وَالْعَطِيّاتُ خِسَاسٌ بَيْنَهُمْ وَسَوَاءٌ قَبْرٌ مُثْرٍ وَمُقِلْ
كُلّ عَيْشٍ وَنَعِيمٍ زَائِلٌ وَبَنَاتُ الدّهْرِ يَلْعَبْنَ بِكُلّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٠٤ ]
أَبْلِغْنَ حَسّانَ عَنّي آيَةً فَقَرِيضُ الشّعْرِ يَشْفِي ذَا الْعِلَلْ
كَمْ تَرَى بِالْجَرّ مِنْ جُمْجُمَةٍ وَأَكُفّ قَدْ أُتِرّتْ وَرِجِلْ
وَسَرَابِيلَ حِسَانٍ سُرِيَتْ عَنْ كُمَاةٍ أُهْلِكُوا فِي الْمُنْتَزَلْ
كَمْ قَتَلْنَا مِنْ كَرِيمٍ سَيّدٍ مَاجِدِ الْجَدّيْنِ مِقْدَامٍ بَطَلْ
صَادِقِ النّجْدَةِ قَرْمٍ بَارِعٍ غَيْرِ مُلْتَاثٍ لَدَى وَقْعِ الْأَسَلْ
فَسَلْ الْمِهْرَاسَ مَنْ سَاكِنُهُ؟ بَيْنَ أَقْحَافٍ وَهَامٍ كَالْحَجَلْ
لَيْت أَشْيَاخِي بِبَدْرٍ شَهِدُوا جَزَعَ الْخَزْرَجِ مِنْ وَقْعِ الْأَسَلْ
حِينَ حَكّتْ بِقُبَاءٍ بَرْكَهَا وَاسْتَحَرّ القتل فى عبد الأشل
ثمّ خفّوا عند ذَاكُمْ رُقّصًا رَقَصَ الْحَفّانِ يَعْلُو فِي الْجَبَلْ
فَقَتَلْنَا الضّعْفَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ وَعَدَلْنَا مَيْلَ بَدْرٍ فاعتدل
لا ألوم النّفس إلا أنّا لَوْ كَرَرْنَا لَفَعَلْنَا الْمُفْتَعَلْ
بِسُيُوفِ الْهِنْدِ تَعْلُو هَامَهُمْ عَلَلًا تَعْلُوهُمْ بَعْدَ نَهَلْ
رَدّ حَسّانٍ عَلَى ابْنِ الزّبَعْرَى
فَأَجَابَهُ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ الأنصارىّ ﵁، قال:
ذهبت يا ابن الزّبَعْرَى وَقْعَةٌ كَانَ مِنّا الْفَضْلُ فِيهَا لَوْ عَدَلْ
وَلَقَدْ نِلْتُمْ وَنِلْنَا مِنْكُمْ وَكَذَاكَ الْحَرْبُ أَحْيَانًا دُوَلْ
نَضَعُ الْأَسْيَافَ فِي أَكْتَافِكُمْ حَيْثُ نهوى عللا بعد نهل
مخرج الأصبح مِنْ أَسْتَاهِكُمْ كَسُلَاحِ النّيبِ يَأْكُلْنَ الْعَصَلْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٠٥ ]
إذْ تُوَلّونَ عَلَى أَعْقَابِكُمْ هُرّبًا فِي الشّعْبِ أَشْبَاهَ الرّسَلْ
إذْ شَدَدْنَا شَدّةً صَادِقَةً فَأَجَأْنَاكُمْ إلى سفح الجبل
بخناطيل كأشراف الْمَلَا مَنْ يُلَاقُوهُ مِنْ النّاسِ يُهَلْ
ضَاقَ عنّا الشّعب إذ بحزعه وَمَلَأْنَا الْفَرْطَ مِنْهُ وَالرّجَلْ
بِرِجَالٍ لَسْتُمْ أَمْثَالَهُمْ أُيّدُوا جِبْرِيل نَصْرًا فَنَزَلْ
وَعَلَوْنَا يَوْمَ بَدْرٍ بِالتّقَى طَاعَةِ اللهِ وَتَصْدِيقِ الرّسُلْ
وَقَتَلْنَا كُلّ رَأْسٍ مِنْهُمْ وَقَتَلْنَا كُلّ جَحْجَاحٍ رِفَلْ
وَتَرَكْنَا فِي قُرَيْشٍ عَوْرَةً يَوْمَ بَدْرٍ وَأَحَادِيثَ الْمَثَلْ
وَرَسُولُ اللهِ حَقّا شَاهِدٌ يَوْمَ بَدْرٍ وَالتّنَابِيلُ الْهُبُلْ
فِي قُرَيْشٍ مِنْ جُمُوعٍ جُمّعُوا مِثْلَ مَا يُجْمَعُ فِي الْخِصْبِ الْهَمَلْ
نَحْنُ لَا أَمْثَالُكُمْ وُلْدَ اسْتِهَا نَحْضُرُ النّاسَ إذَا الْبَأْسُ نَزَلْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ: «وَأَحَادِيثَ الْمَثَلْ» وَالْبَيْتَ الّذِي قَبْلَهُ. وَقَوْلَهُ: «فِي قُرَيْشٍ مِنْ جُمُوعٍ جُمّعُوا» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
شِعْرُ كَعْبٍ فِي بُكَاءِ حَمْزَةَ وَقَتْلَى أُحُدٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَبْكِي حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَقَتْلَى أُحُدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ:
نَشَجْتَ وَهَلْ لَك مِنْ مَنْشجِ وَكُنْتَ مَتَى تَذّكِرْ تَلْجَجْ
تَذَكّرَ قَوْمٍ أَتَانِي لَهُمْ أَحَادِيثُ فِي الزّمَنِ الْأَعْوَجْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٠٦ ]
نقلبك مِنْ ذِكْرِهِمْ خَافِقٌ مِنْ الشّوْقِ وَالْحَزَنِ الْمُنْضِجْ
وَقَتْلَاهُمْ فِي جِنَانِ النّعِيمِ كِرَامُ الْمَدَاخِلِ وَالْمَخْرَجْ
بِمَا صَبَرُوا تَحْتَ ظِلّ اللّوَاءِ لِوَاءِ الرّسُولِ بِذِي الْأَضْوُجْ
غَدَاةَ أَجَابَتْ بِأَسْيَافِهَا جَمِيعًا بَنُو الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجْ
وَأَشْيَاعُ أَحْمَدَ إذْ شَايَعُوا عَلَى الْحَقّ ذِي النّورِ وَالْمَنْهَجْ
فَمَا بَرِحُوا يَضْرِبُونَ الْكُمَاةَ وَيَمْضُونَ فِي الْقَسْطَلِ الْمُرْهَجْ
كَذَلِكَ حَتّى دَعَاهُمْ مَلِيكٌ إلَى جَنّةِ دَوْحَةِ الْمَوْلِجْ
فَكُلّهُمْ مَاتَ حُرّ الْبَلَاء عَلَى مِلّةِ اللهِ لَمْ يَحْرَجْ
كَحَمْزَةِ لَمّا وَفَى صَادِقًا بِذِي هَبّةٍ صَارِمٍ سَلْجَجْ
فَلَاقَاهُ عَبْدُ بَنِي نَوْفَلٍ يُبَرْبِرُ كَالْجَمَلِ الْأَدْعَجْ
فَأَوْجَرَهُ حَرْبَةً كَالشّهَابِ تَلَهّبُ فِي اللهَبِ الْمُوهَجْ
وَنُعْمَانُ أَوْفَى بِمِيثَاقِهِ وَحَنْظَلَةُ الْخَيْرِ لَمْ يُحْنِجْ
عَنْ الْحَقّ حَتّى غَدَتْ رُوحُهُ إلى منزل فاخر الزّبرج
أولئك لامن ثَوَى مِنْكُمْ مِنْ النّارِ فِي الدّرْكِ الْمُرْتَجْ
شِعْرُ ضِرَارٍ فِي الرّدّ عَلَى كَعْبٍ فَأَجَابَهُ ضرار بن الخطّاب الفهرىّ، فقال:
أَيَجْزَعُ كَعْبٌ لِأَشْيَاعِهِ وَيَبْكِي مِنْ الزّمَنِ الْأَعْوَجْ
عَجِيجَ الْمُذَكّي رَأَى إلْفَهُ تَرَوّحَ فِي صَادِرٍ محنج
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٠٧ ]
فَرَاحَ الرّوَايَا وَغَادَرْنَهُ يُعَجْعِجُ قَسْرًا وَلَمْ يُحْدَجْ
فَقُولَا لِكَعْبٍ يُثَنّي اُلْبُكَا وَلِلنّيءِ مِنْ لَحْمِهِ يَنْضَجْ
لِمَصْرَعِ إخْوَانِهِ فِي مَكَرّ مِنْ الْخَيْلِ ذى قسطل مرهج
فياليت عَمْرًا وَأَشْيَاعَهُ وَعُتْبَةَ فِي جَمْعِنَا السّوْرَجْ
فَيَشْفُوا النّفُوسَ بِأَوْتَارِهَا بِقَتْلَى أُصِيبَتْ مِنْ الْخَزْرَجْ
وَقَتْلَى مِنْ الْأَوْسِ فِي مَعْرَكٍ أُصِيبُوا جَمِيعًا بِذِي الْأَضْوُجْ
وَمَقْتَلِ حَمْزَةَ تَحْتَ اللّوَاءِ بِمُطّرِدِ، مَارِنٍ، مُخْلَجْ
وَحَيْثُ انْثَنَى مُصْعَبٌ ثَاوِيًا بِضَرْبَةٍ ذِي هَبّةٍ سَلْجَجْ
بِأُحُدٍ وَأَسْيَافُنَا فِيهِمْ تَلَهّبُ كَاللهَبِ الْمُوهَج
غَدَاةَ لَقِينَاكُمْ فِي الْحَدِيدِ كَأُسْدِ الْبَرَاحِ فَلَمْ تُعْنَجْ
بِكُلّ مُجَلّحَةٍ كَالْعُقَابِ وَأَجْرَدَ ذِي مَيْعَةٍ مُسْرَجْ
فَدُسْنَاهُمْ ثَمّ حَتّى انْثَنَوْا سِوَى زاهق النّفس أو محرج
قال ابن هشام: وبعض أهل؟؟؟ يُنْكِرُهَا لِضِرَارٍ. وَقَوْلُ كَعْبٍ: «ذِي النّورِ وَالْمَنْهَجْ» عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ.
شِعْرُ ابْنِ الزّبَعْرَى فِي يَوْمِ أُحُدٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزّبَعْرَى فِي يَوْمِ أُحُدٍ، يبكى القتلى:
أَلَا ذَرَفَتْ مِنْ مُقْلَتَيْك دُمُوعُ وَقَدْ بَانَ مِنْ حَبْلِ الشّبَابِ قُطُوعُ
وَشَطّ بِمَنْ تَهْوَى الْمَزَارُ وَفَرّقَتْ نَوَى الْحَيّ دَارٌ بِالْحَبِيبِ فَجُوعُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٠٨ ]
وَلَيْسَ لِمَا وَلّى عَلَى ذِي حَرَارَةٍ وَإِنْ طال تذراف الدموع رجوع
فذرذا وَلَكِنْ هَلْ أَتَى أُمّ مَالِكٍ أَحَادِيثُ قَوْمِي وَالْحَدِيثُ يَشِيعُ
وَمُجْنَبُنَا جُرْدًا إلَى أَهْلِ يَثْرِبَ عناجج مِنْهَا مُتْلَدٌ وَنَزِيعُ
عَشِيّةَ سِرْنَا فِي لُهَامٍ يَقُودُنَا ضَرُورُ الْأَعَادِي لِلصّدِيقِ نَفُوع
نَشُدّ عَلَيْنَا كلّ زغّف كأنها غدير بضوج الواديين نقيع
فَلَمّا رَأَوْنَا خَالَطَتْهُمْ مَهَابَةٌ وَعَايَنَهُمْ أَمْرٌ هُنَاكَ فظيع
وودّوا لوان الْأَرْضَ يَنْشَقّ ظَهْرُهَا بِهِمْ وَصَبُورُ الْقَوْمِ ثَمّ جَزُوعُ
وَقَدْ عُرّيَتْ بِيضٌ كَأَنّ وَمِيضَهَا حَرِيقٌ تَرَقّى فِي الْآبَاءِ سَرِيعُ
بِأَيْمَانِنَا نَعْلُو بِهَا كُلّ هَامَةٍ وَمِنْهَا سِمَامٌ لِلْعَدُوّ ذَرِيعُ
فَغَادَرْنَ قَتْلَى الْأَوْسِ غَاصِبَةً بِهِمْ ضِبَاعٌ وَطَيْرٌ يَعْتَفِيَن وُقُوعُ
وَجَمْعُ بَنِي النّجّارِ فِي كُلّ تَلْعَةٍ بِأَبْدَانِهِمْ مِنْ وَقْعِهِنّ نَجِيعُ
وَلَوْلَا عُلُوّ الشّعْبِ غَادَرْنَ أَحْمَدَا وَلَكِنْ عَلَا والسّمْهَرِيّ شُرُوعُ
كَمَا غَادَرَتْ فِي الْكَرّ حَمْزَةَ ثَاوِيًا وَفِي صَدْرِهِ ماضى الشّباة وقيع
ونعمان قد غادرن تحت لوائه عَلَى لَحْمِهِ طَيْرٌ يَجُفْنَ وُقُوعُ
بِأُحُدِ وَأَرْمَاحُ الْكُمَاةِ يُرِدْنَهُمْ كَمَا غَالَ أَشْطَانَ الدّلَاءِ نُزُوعُ
شِعْرُ حَسّانٍ فِي الرّدّ عَلَى ابْنِ الزّبَعْرَى فأجابه حسّان بن ثابت، فقال:
؟؟؟ من أتم الْوَلِيدِ رُبُوعٌ بَلَاقِعُ مَا مِنْ أَهْلِهِنّ جَمِيعُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٠٩ ]
عَفَاهُنّ صَيْفِيّ الرّيَاحِ وَوَاكِفٌ مِنْ الدّلْوِ رَجّافُ السّحَابِ هَمُوعُ
فَلَمْ يَبْقَ إلّا مَوْقِدُ النّارِ حَوْلَهُ رَوَاكِدُ أَمْثَالِ الْحَمَامِ كُنُوعُ
فَدَعْ ذِكْرَ دَارٍ بَدّدَتْ بَيْنَ أَهْلِهَا نَوًى لِمَتِينَاتِ الْحِبَالِ قطوع
وقل إن يكن يوم بأحد يعدّ سَفِيهٌ فَإِنّ الْحَقّ سَوْفَ يَشِيعُ
فَقَدْ صَابَرَتْ فِيهِ بَنُو الْأَوْسِ كُلّهُمْ وَكَانَ لَهُمْ ذِكْرٌ هُنَاكَ رَفِيعُ
وَحَامَى بَنُو النّجّارِ فِيهِ وَصَابَرُوا وَمَا كَانَ مِنْهُمْ فِي اللّقَاءِ جَزُوعُ
أَمَامَ رَسُولِ اللهِ لَا يَخْذُلُونَهُ لَهُمْ نَاصِرٌ مِنْ ربّهم وشفيع
وفوا إذ كفرتم ياسخين بِرَبّكُمْ وَلَا يَسْتَوِي عَبْدٌ وَفَى وَمُضِيعُ
بِأَيْدِيهِمْ بيض إذا حمش الوغى فلا بُدّ أَنْ يَرْدَى لَهُنّ صَرِيعُ
كَمَا غَادَرَتْ فِي النّقْعِ عُتْبَةَ ثَاوِيًا وَسَعْدًا صَرِيعًا وَالْوَشِيجُ شُرُوعُ
وَقَدْ غَادَرَتْ تَحْتَ الْعَنَاجَةِ مُسْنَدًا أَبِيّا وَقَدْ بَلّ الْقَمِيصَ نَجِيعُ
يَكُفّ رَسُولُ اللهِ حيث تنضّبت عَلَى الْقَوْمِ مِمّا قَدْ يُثِرْنَ نُقُوعُ
أُولَئِكَ قَوْمٌ سَادَة مِنْ فُرُوعِكُمْ وَفِي كُلّ قَوْمٍ سَادَةٌ وَفُرُوعُ
بِهِنّ نُعِزّ اللهَ حَتّى يُعَزّنَا وإن كان أمر ياسخين فَظِيعُ
فَلَا تَذْكُرُوا قَتْلَى وَحَمْزَةُ فِيهُمُ قَتِيلٌ ثَوَى لِلّهِ وَهْوَ مُطِيعُ
فَإِنّ جِنَانَ الْخُلْدِ مَنْزِلَةٌ لَهُ وَأَمْرُ الّذِي يَقْضِي الْأُمُورَ سَرِيعُ
وَقَتْلَاكُمْ فِي النّارِ أَفْضَلُ رِزْقِهِمْ حَمِيمٌ مَعَا فى جوفها وصريع
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١١٠ ]
شِعْرُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي يَوْمِ أُحُدٍ قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر يُنْكِرُهُمَا لِحَسّانٍ وَابْنِ الزّبَعْرَى وَقَوْلُهُ: «مَاضِي الشّبَاةِ، وَطَيْرٌ يَجِفْنَ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
وَقَالَ ابن إسحاق: وقال عمرو بن العاصى (فى) يوم أحد:
خَرَجْنَا مِنْ الْفَيْفَا عَلَيْهِمْ كَأَنّنَا مَعَ الصّبْحِ مِنْ رَضْوَى الْحَبِيكِ الْمُنَطّقِ
تَمَنّتْ بَنُو النّجّارِ جَهْلًا لِقَاءَنَا لَدَى جَنْبِ سَلْعٍ وَالْأَمَانِيّ تَصْدُقُ
فَمَا رَاعَهُمْ بِالشّرّ إلّا فُجَاءَةَ كَرَادِيسُ خَيْلٍ فِي الْأَزِقّةِ تَمْرُقُ
أَرَادُوا لِكَيْمَا يَسْتَبِيحُوا قِبَابَنَا وَدُونِ الْقِبَابِ الْيَوْمَ ضَرْبٌ مُحَرّقُ
وَكَانَتْ قِبَابًا أو منت قَبْلَ مَا تَرَى إذْ رَامَهَا قَوْمٌ أُبِيحُوا وأحنقوا
كأنّ رؤس الخزرجيّين غدوة وأيمانهم بالمشرقيّة بَرْوَقُ
شِعْرُ كَعْبٍ فِي الرّدّ عَلَى ابْنِ العاصى فَأَجَابَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ:
أَلَا أَبْلَغَا فِهْرًا عَلَى نَأْيِ دَارِهَا وَعِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمِنَا الْيَوْمَ مَصْدَقُ
بِأَنّا غَدَاةَ السّفْحِ مِنْ بَطْنِ يَثْرِبِ صَبَرْنَا وَرَايَاتُ الْمَنِيّةِ تَخْفِقُ
صَبَرْنَا لَهُمْ وَالصّبْرُ مِنّا سَجِيّةٌ إذَا طَارَتْ الْأَبْرَامُ نَسْمُو وَنَرْتُقُ
عَلَى عَادَةِ تِلْكُمْ جَرَيْنَا بِصَبْرِنَا وَقِدْمًا لَدَى الْغَايَاتِ نَجْرِي فَنَسْبِقُ
لَنَا حَوْمَةٌ لَا تُسْتَطَاعُ يَقُودُهَا نَبِيّ أَتَى بِالْحَقّ عَفّ مُصَدّقُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١١١ ]
أَلَا هَلْ أَتَى أَفْنَاءَ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ مُقَطّعُ أَطْرَافٍ وَهَامٌ مُفَلّقُ
شِعْرُ ضِرَارٍ فِي يَوْمِ أُحُدٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ ضِرَارُ بن الخطّاب:
إنّي وَجَدّك لَوْلَا مُقْدَمِي فَرَسِي إذْ جَالَتْ الْخَيْلُ بَيْنَ الْجِزْعِ وَالْقَاعِ
مَا زَالَ مِنْكُمْ بِجَنْبِ الْجَزْعِ مِنْ أُحُدٍ أَصْوَاتُ هَامٍ تَزَاقى أَمْرُهَا شَاعِي
وَفَارِسٌ قَدْ أَصَابَ السّيْفُ مَفْرِقَهُ أَفْلَاقُ هَامَتِهِ كَفَرْوَةِ الرّاعِي
إنّي وَجَدّك لَا أَنْفَك مُنْتَطِقًا بِصَارِمٍ مِثْلَ لَوْنِ الْمِلْحِ قَطّاعِ
عَلَى رِحَالَةِ مِلْوَاحٍ مُثَابَرَةٍ نَحْوَ الصّرِيخِ إذَا مَا ثَوّبَ الدّاعِي
وَمَا انْتَمَيْت إلَى خُورٍ وَلَا كُشُفٍ وَلَا لِئَامٍ غَدَاةَ الْبَأْسِ أَوْرَاعِ
بَلْ ضَارِبِينَ حَبِيك الْبِيضَ إذْ لَحِقُوا شُمّ الْعَرَانِينَ عِنْدَ الْمَوْتِ لُذّاعِ
شُمّ بَهَالِيلُ مُسْتَرْخٍ حَمَائِلُهُمْ يَسْعَوْنَ لِلْمَوْتِ سَعْيًا غَيْرَ دَعْدَاعِ
وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ أَيْضًا:
لَمّا أَتَتْ مِنْ بَنِي كَعْبٍ مُزَيّنَةً وَالْخَزْرَجِيّةُ فِيهَا الْبِيضُ تَأْتَلِقُ
وَجَرّدُوا مَشْرَفِيّاتٍ مُهَنّدَةً وَرَايَةً كَجَنَاحِ النّسْرِ تَخْتَفِقُ
فَقُلْت يَوْمٌ بِأَيّامِ وَمَعْرَكَةٌ تُنْسَى لِمَا خَلْفَهَا مَا هُزْهُزُ الْوَرَقِ
قَدْ عُوّدُوا كُلّ يَوْمٍ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ رِيحُ الْقِتَالِ وَأَسْلَابُ الّذِينَ لَقَوْا
خَيّرْت نَفْسِي عَلَى مَا كَانَ مِنْ وَجَلٍ مِنْهَا وَأَيْقَنْت أَنّ الْمَجْدَ مُسْتَبَقُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١١٢ ]
أَكْرَهْت مُهْرِي حَتّى خَاضَ غَمْرَتَهُمْ وَبَلّهُ مِنْ نَجِيعٍ عَانِكٍ عَلَقُ
فَظَلّ مُهْرِي وَسِرْبَالِي جَسِيدُهُمَا نَفَخَ الْعُرُوقَ رِشَاشُ الطّعْنِ وَالْوَرَقُ
أَيْقَنْت أَنّي مُقِيمٌ فِي دِيَارِهِمْ حَتّى يُفَارِقَ مَا فِي جَوْفِهِ الْحَدَقُ
لَا تَجْزَعُوا يَا بَنِي مَخْزُومٍ إنّ لَكُمْ مِثْلَ الْمُغِيرَةِ فِيكُمْ مَا بِهِ زَهَقُ
صَبْرًا فَدَى لَكُمْ أُمّي وَمَا وَلَدَتْ تَعَاوَرُوا الضّرْبَ حَتّى يُدْبِرَ الشّفَقُ
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِي:
لَمّا رَأَيْت الْحَرْبَ يَنْـ زُو شَرّهَا بِالرّضْفِ نَزْرَا
وَتَنَاوَلَتْ شَهْبَاءُ تَلْحُـ والنّاسَ بِالضّرّاءِ لَحْوًا
أَيْقَنْت أَنّ الْمَوْتَ حَقّ وَالْحَيَاةَ تَكُونُ لَغْوًا
حَمَلَتْ أَثَوَابِي عَلَى عَتَدٍ يَبُذّ الْخَيْلَ رَهْوَا
سَلِسٍ إذَا نُكِبْنَ فِي الْ بَيْدَاءِ يَعْلُو الطّرَفَ عُلْوَا
وَإِذَا تَنَزّلَ مَاؤُهُ مِنْ عِطْفِهِ يَزْدَادُ زَهْوَا
رَبِذٍ كَيَعْفُورِ الصّرِيـ مَةِ رَاعَهُ الرّامُونَ دَحْوَا
شَنِجٍ نَسَاهُ ضَابِطٍ لِلْخَيْلِ إرْخَاءً وَعَدْوَا
فَفِدَى لَهُمْ أُمّي غَدَا ةَ الرّوْعِ إذْ يَمْشُونَ قَطْوَا
سَيْرًا إلَى كَبْشِ الْكَتِيـ بَةِ إذْ جَلَتْهُ الشّمْسُ جَلْوَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١١٣ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهَا لِعَمْرِو.
شِعْرُ كَعْبٍ فِي الرّدّ عَلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَأَجَابَهُمَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، فَقَالَ
أَبْلِغْ قُرَيْشًا وَخَيْرُ الْقَوْلِ أَصْدَقُهُ وَالصّدْقُ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ مَقْبُولُ
أَنْ قَدْ قَتَلْنَا بِقَتْلَانَا سَرَاتُكُمْ أَهْلَ اللّوَاءِ فَفِيمَا يَكْثُرُ الْقِيلُ
وَيَوْمَ بَدْرٍ لَقِينَاكُمْ لَنَا مَدَدٌ فِيهِ مَعَ النّصْرِ مِيكَالُ وَجِبْرِيلُ
إنْ تَقْتُلُونَا فَدِينُ الْحَقّ فِطْرَتُنَا وَالْقَتْلُ فِي الْحَقّ عِنْدَ اللهِ تَفضِيلُ
وَإِنْ تَرَوْا أَمْرَنَا فِي رَأْيِكُمْ سَفَهًا فَرَأْيُ مَنْ خَالَفَ الْإِسْلَامَ تَضْلِيلُ
فَلَا تَمَنّوْا لِقَاحَ الْحَرْبِ وَاقْتَعِدُوا إنّ أَخَا الْحَرْبِ أَصْدَى اللّوْنِ مَشْغُولُ
إنّ لَكُمْ عِنْدَنَا ضَرْبًا تَرَاحُ لَهُ عُرْجُ الضّبَاعِ لَهُ خَذْمٌ رَعَابِيلُ
إنّا بَنُو الْحَرْبِ نَمْرِيهَا وَنَنْتُجُهَا وَعِنْدَنَا لِذَوِي الْأَضْغَانِ تَنْكِيلُ
إنْ يَنْجُ مِنْهَا ابْنُ حَرْبٍ بَعْدَمَا بَلَغَتْ مِنْهُ التّرَاقِي، وَأَمْرُ اللهِ مَفْعُولُ
فَقَدْ أَفَادَتْ لَهُ حِلْمًا وَمَوْعِظَةً لِمَنْ يَكُونُ لَهُ لُبّ وَمَعْقُولُ
وَلَوْ هَبَطْتُمْ بِبَطْنِ السّيْلِ كَافَحَكُمْ ضَرْبٌ بِشَاكِلَةِ الْبَطْحَاءِ تَرْعِيلُ
تَلْقَاكُمْ عُصَبٌ حَوْلَ النّبِيّ لَهُمْ مِمّا يُعِدّونَ لِلْهَيْجَا سَرَابِيلُ
مِنْ جِذَمُ غَسّانَ مُسْتَرْخٍ حَمَائِلُهُمْ لَا جُبَنَاءُ وَلَا مِيلٌ مَعَازِيلُ
يَمْشُونَ تَحْتَ عَمَايَاتِ الْقِتَالِ كَمَا تَمْشِي الْمَصَاعِبَةُ الْأُدْمُ الْمَرَاسِيلُ
أَوْ مِثْلَ مَشْيِ أُسُودِ الظّلّ أَلْثَقَهَا يَوْمَ رَذَاذٍ مِنْ الْجَوْزَاءِ مَشْمُولُ
فِي كُلّ سَابِغَةٍ كَالنّهْيِ مُحْكَمَةٍ قِيَامُهَا فَلَجٌ كَالسّيْفِ بُهْلُولُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١١٤ ]
تَرُدّ حَدّ قِرَامِ النّبْلِ خَاسِئَةً وَيَرْجِعُ السّيْفُ عَنْهَا وَهُوَ مَفْلُولُ
وَلَوْ قَذَفْتُمْ بِسَلْعِ عَنْ ظهوركم وللحياة ودفع الموت تأجيل
مازال فِي الْقَوْمِ وِتْرٌ مِنْكُمْ أَبَدًا تَعْفُو السّلَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَطْلُولُ
عَبْدٌ وَحُرّ كَرِيمٌ مُوثِقٌ قَنَصًا شَطْرَ الْمَدِينَةِ مَأْسُورٌ وَمَقْتُولُ
كُنّا نُؤَمّلُ أُخْرَاكُمْ فَأَعْجَلَكُمْ مِنّا فَوَارِسُ لَا عُزْلٌ وَلَا مِيلُ
إذَا جَنَى فِيهِمْ الْجَانِي فَقَدْ عَلِمُوا حَقّا بِأَنّ الّذِي قَدْ جَرّ مَحْمُولُ
مَا نَحْنُ لَا نَحْنُ مِنْ إثْمٍ مُجَاهَرَةً وَلَا مَلُومٌ وَلَا فِي الْغُرْمِ مَخْذُولُ
شِعْرُ حَسّانٍ فِي أَصْحَابِ اللّوَاءِ وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ، يَذْكُرُ عُدّةَ أَصْحَابِ اللّوَاءِ يَوْمَ أُحُدٍ:
- قَالَ ابن هشام: هذه أحسن ما قيل-
مَنَعَ النّوْمَ بِالْعَشَاءِ الْهُمُومُ وَخَيّالٌ إذَا تَغُورُ النّجُومُ
مِنْ حَبِيبٍ أَضَافَ قَلْبَك مِنْهُ سَقَمٌ فَهُوَ دَاخِلٌ مَكْتُومُ
يَا لَقَوْمِي هَلْ يَقْتُلُ الْمَرْءَ مِثْلِي وَاهِنُ الْبَطْشِ وَالْعِظَامِ سَؤُومُ
لَوْ يدبّ الحولىّ من ولد الذ رّ عليها لأندبتها الكلوم
شَأْنُهَا الْعِطْرُ وَالْفِرَاشُ وَيَعْلُو هَا لُجَيْنٌ وَلُؤْلُؤٌ مَنْظُومُ
لَمْ تَفُتْهَا شَمْسُ النّهَارِ بِشَيْءٍ غَيْرَ أَنّ الشّبَابَ لَيْسَ يَدُومُ
إنّ خَالِي خَطِيبُ جَابِيَةِ الْجَوْ لَانِ عِنْدَ النّعْمَانِ حِينَ يَقُومُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١١٥ ]
وَأَنَا الصّقْرُ عِنْدَ بَابِ ابْنِ سَلْمَى يَوْمَ نُعْمَانَ فِي الْكُبُولِ سَقِيمُ
وَأَبِيّ وَوَاقِدٌ أُطْلِقَا لى يوم راحا وكلبهم مَخْطُومُ
وَرَهَنْتُ الْيَدَيْنِ عَنْهُمْ جَمِيعًا كُلّ كَفّ جُزْءٍ لَهَا مَقْسُومُ
وَسَطَتْ نِسْبَتِي الذّوَائِبَ مِنْهُمْ كُلّ دَارٍ فِيهَا أَبٌ لِي عَظِيمُ
وَأُبَيّ فِي سُمَيْحَةِ الْقَائِلِ الْفاَ صِلِ يَوْمَ الْتَقَتْ عَلَيْهِ الْخُصُومُ
تِلْكَ أَفْعَالُنَا وَفِعْلُ الزّبَعْرَى خَامِلٌ فِي صَدِيقِهِ مَذْمُومُ
رُبّ حِلْمٍ أَضَاعَهُ عَدَمُ الْمَا لِ وَجَهْلٍ غطا عليه النّعيم
إن دهرا يبور فيه ذوو العلم لدهر هو العتوّ الزنيم
لَا تُسَبّنّني فَلَسْتَ بِسَبّي إنّ سَبّي مِنْ الرّجَالِ الْكَرِيمُ
مَا أُبَالِي أَنَبّ بِالْحَزْنِ تَيْسٌ أَمْ لَحَانِي بِظَهْرِ غَيْبٍ لَئِيمُ
وَلِيَ الْبَأْسَ مِنْكُمْ إذْ رَحَلْتُمْ أَسِرّةٌ مِنْ بَنِي قُصَيّ صَمِيمُ
تِسْعَةٌ تَحْمِلُ اللّوَاءَ وَطَارَتْ فِي رَعَاعٍ مِنْ الْقَنَا مَخْزُومُ
وَأَقَامُوا حَتّى أُبِيحُوا جَمِيعًا فِي مَقَامٍ وَكُلّهُمْ مَذْمُومُ
بِدَمٍ عَانِكٍ وَكَانَ حِفَاظًا أَنْ يُقِيمُوا إنّ الْكَرِيمَ كَرِيمُ
وَأَقَامُوا حتى أزيروا شعوبا والقنا فى نحورهم مخطوم
وَقُرَيْشٌ تَفِرّ مِنّا لِوَاذًا أَنْ يُقِيمُوا وَخَفّ مِنْهَا الْحُلُومُ
لَمْ تَطُقْ حَمْلَهُ الْعَوَاتِقُ مِنْهُمْ إنّمَا يَحْمِلُ اللّواء النّجوم
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ حَسّانٌ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١١٦ ]
مَنَعَ النّوْمَ بِالْعِشَاءِ الْهُمُومُ لَيْلًا، فَدَعَا قَوْمَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: خَشِيت أَنْ يُدْرِكَنِي أَجَلِي قَبْلَ أَنْ أُصْبِحَ، فَلَا تَرْوُوهَا عَنّي.
قَالَ ابْنُ هشام: أنشدنى أبو عبيدة للحجّاج بْنِ عِلَاطٍ السّلَمِيّ يَمْدَحُ أَبَا الْحَسَنِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَيَذْكُرُ قَتْلَهُ طلحة بن أبى طلحة ابن عَبْدِ الْعُزّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ، صَاحِبِ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ:
لِلّهِ أَيّ مُذَبّبٍ عَنْ حُرْمَةٍ أَعْنِي ابْنَ فَاطِمَةَ الْمُعَمّ الْمُخْوِلَا
سَبَقَتْ يَدَاكَ لَهُ بِعَاجِلِ طَعْنَةٍ تَرَكَتْ طُلَيْحَةَ لِلْجَبِينِ مُجَدّلَا
وَشَدَدْتَ شَدّةَ بَاسِلٍ فَكَشَفْتهمْ بالجرّ إذ تهوون أَخْوَلَ أَخْوَلَا
شِعْرُ حَسّانٍ فِي قَتْلَى يَوْمِ أُحُدٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْكِي حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَمَنْ أُصِيبَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يوم أحد:
يامىّ قُومِي فَانْدُبِنْ بِسُحَيْرَةٍ شَجْوَ النّوَائِحِ
كَالْحَامِلَاتِ الْوِقْرِ بِال ثّقَلِ الْمُلِحّاتِ الدّوَالِحِ
الْمُعْوِلَاتُ الْحَامِشَا تُ وُجُوهَ حُرّاتٍ صَحَائِحِ
وَكَأَنّ سَيْلَ دُمُوعِهَا الْ أَنْصَابُ تُخْضَبُ بِالذّبَائِحِ
يَنْقُضْنَ أَشْعَارًا لَهُنّ هُنَاكَ بادية المسائح
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١١٧ ]
وكأنّها أذناب خيل بالضّحى شمس روامح
من بين مشرور ومجزور يُذَعْذَع بِالْبَوَارِحِ
يَبْكِينَ شَجْوًا مُسْلِبَا تٍ كَدّحَتْهُنّ الكَوَادِح
وَلَقَدْ أَصَابَ قُلُوبَهَا مَجْلٌ لَهُ جُلَبٌ قَوَارِحُ
إذْ أَقْصَدِ الْحِدْثَانَ مَنْ كُنّا نُرَجّي إذ تشايح
أَصْحَابَ أُحْدٍ غَالَهُمْ دَهْرٌ أَلَمّ لَهُ جَوَارِحُ
مَنْ كَانَ فَارِسَنَا وَحَا مِينَا إذَا بُعِثَ الْمَسَالِحُ
يَا حَمْزَ، لَا وَاَللهِ لَا أَنْسَاكَ ماصرّ اللّقائح
لمناخ أيتام وأضياف وأرملة تلامح
وَلِمَا يَنُوبُ الدّهْرُ فِي حَرْبٍ لِحَرْبٍ وَهْيَ لَاقِحُ
يَا فَارِسًا يَا مِدْرَهًا يَا حَمْزَ قَدْ كُنْتَ الْمُصَامِحَ
عَنّا شَدِيدَاتِ الْخُطُو بِ إذَا يَنُوبُ لَهُنّ فَادِحْ
ذَكّرْتنِي أَسَدَ الرّسُو ل، وذاك مدرهنا المنافح
عنّا وكان بعدّ إذْ عُدّ الشّرِيفُونَ الْجَحَاجِحْ
يَعْلُو الْقَمَاقِمَ جَهْرَةً سَبْطَ الْيَدَيْنِ أَغَرّ وَاضِحْ
لَا طَائِشٌ رَعِشٌ وَلَا ذُو عِلّةٍ بِالْحِمْلِ آنِحْ
بَحْرٌ فَلَيْسَ يُغِبّ جَا رًا مِنْهُ سَيْبٌ أَوْ مَنَادِحْ
أَوْدَى شَبَابُ أُولِي الْحَفَا ئِظِ وَالثّقِيلُونَ الْمَرَاجِحْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١١٨ ]
الْمُطْعِمُونَ إذَا الْمَشَا تِي مَا يُصَفّفهُنّ نَاضِحْ
لَحْمَ الْجِلَادِ وَفَوْقَهُ مِنْ شَحْمِهِ شُطَبٌ شَرَائِحْ
ليدافعو عَنْ جَارِهِمْ مَا رَامَ ذُو الضّغْنِ الْمُكَاشِحْ
لهفى لشبّان رزئناهم كَأَنّهُمْ المَصَابِحْ
شُمّ، بَطَارِقَةٌ، غَطَا رِفةٌ، خَضَارِمَةٌ، مسامح
المشترون الحمد بالمأموال إنّ الحمد رابح
والجامزون بِلُجْمِهِمْ يَوْمًا إذَا مَا صَاحَ صَائِح
مَنْ كَانَ يُرْمَى بِالنّوَا قِرِ مِنْ زَمَانٍ غَيْرِ صَالِح
مَا إنْ تَزَالُ رِكَابُهُ يَرْسِمْنَ فِي غبر صحاصح
رَاحَتْ تَبَارَى وَهُوَ فِي رَكْبٍ صُدُورُهُمْ رَوَاشِحْ
حَتّى تَئُوبَ لَهُ الْمَعَا لِي لَيْسَ مِنْ فَوْزِ السّفَائِحْ
يَا حَمْزُ قَدْ أَوْحَدْتَنِي كَالْعُودِ شَذّ بِهِ الْكَوَافِحُ
أَشْكُو إلَيْك وَفَوْقَك الْـ تّرَابُ الْمُكَوّرُ وَالصّفَائِحُ
مِنْ جَنْدَلٍ نُلْقِيهِ فَوْ قَك إذْ أَجَادَ الضّرْحُ ضَارِحُ
فِي وَاسِعٍ يَحْشُونَهُ بِالتّرْبِ سَوّتْهُ الْمَمَاسِحُ
فَعَزَاؤُنَا أَنّا نَقُو لُ وَقَوْلُنَا بَرْحٌ بَوَارِحُ
مَنْ كَانَ أَمْسَى وَهُوَ عَمّـ ـا أَوْقَعَ الْحِدْثَانُ جَانِحُ
فَلْيَأْتِنَا فَلْتَبْكِ عَيْـ ـنَاهُ لِهَلْكَانَا النّوَافِحُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١١٩ ]
الْقَائِلِينَ الْفَاعِلِينَ ذَوِي السّمَاحَةِ وَالْمَمَادِحِ
مَنْ لَا يَزَالُ نَدَى يَدَيْهِ لَهُ طَوَالَ الدّهْرِ مَائِحُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهَا لِحَسّانَ وَبَيْتُهُ " الْمُطْعِمُونَ إذَا الْمَشَاتِي " وَبَيْتُهُ " الْجَامِزُونَ بِلُجُمِهِمْ " وَبَيْتُهُ " مَنْ كَانَ يَرْمِي بِالنّوَاقِرِ " عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
شِعْرُ حَسّانَ فِي بُكَاءِ حَمْزَةَ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا يَبْكِي حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ:
أَتَعْرِفُ الدّارَ عَفَا رَسْمُهَا بَعْدَك صَوْبَ الْمُسَنْبَلِ الْهَاطِلِ
بَيْنَ السّرَادِيحِ فَأُدْمَانَةٍ فَمَدْفَعُ الرّوْحَاءِ فِي حَائِلِ
سَاءَلْتهَا عَنْ ذَاكَ فَاسْتَعْجَمَتْ لَمْ تَدْرِ مَا مَرْجُوعَةُ السّائِلِ؟
دَعْ عَنْك دَارًا قَدْ عَفَا رَسْمُهَا وَابْكِ عَلَى حَمْزَةَ ذِي النّائِلِ
الْمَالِئِ الشّيزَي إذَا أَعْصَفَتْ غَبْرَاءُ فِي ذِي الشّيْمِ الْمَاحِلِ
وَالتّارِكِ الْقِرْنَ لَدَى لِبْدَةٍ يَعْثُرُ فِي ذِي الْخُرُصِ الذّابِلِ
وَاللّابِسِ الْخَيْلَ إذْ أَجْحَمَتْ كَاللّيْثِ فِي غَابَتِهِ الْبَاسِلِ
أَبْيَضُ فِي الذّرْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ لَمْ يَمُرّ دُونَ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ
مَالَ شَهِيدًا بَيْنَ أَسْيَافِكُمْ شُلّتْ يَدًا وَحْشِيّ مِنْ قَاتِلِ
أَيّ امْرِئِ غَادَرَ فِي أَلّةٍ مَطْرُورَةٍ مَارِنَةِ الْعَامِلِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٢٠ ]
أَظْلَمَتْ الْأَرْضُ لِفِقْدَانِهِ وَاسْوَدّ نُورُ الْقَمَرِ النّاصِلِ
صَلّى عَلَيْهِ اللهُ فِي جَنّةٍ عَالِيَةٍ مُكْرَمَةِ الدّاخِلِ
كُنّا نَرَى حَمْزَةَ حِرْزًا لَنَا فِي كُلّ أَمْرٍ نَابَنَا نَازِلِ
وَكَانَ فِي الْإِسْلَامِ ذَا تُدْرَإِ يَكْفِيك فَقْدَ الْقَاعِدِ الْخَاذِلِ
لَا تَفْرَحِي يَا هِنْدُ وَاسْتَحْلِبِي دَمْعًا وَأَذْرِي عِبْرَة الثاكل
أبْكِي عَلَى عُتْبَةَ إذْ قَطّهُ بِالسّيْفِ تَحْتَ الرّهْجِ الْجَائِلِ
إذَا خَرّ فِي مَشْيَخَةٍ مِنْكُمْ مِنْ كُلّ عَاتٍ قَلْتُةُ جَاهِلِ
أَرْدَاهُمْ حَمْزَةُ فِي أُسْرَةٍ يَمْشُونَ تَحْتَ الْحَلَقِ الْفَاضِلِ
غَدَاةَ جِبْرِيلَ وَزِيرٌ لَهُ نِعْمَ وَزِيرُ الْفَارِسِ الْحَامِلِ
شِعْرُ كَعْبٍ فِي بُكَاءِ حَمْزَةَ:
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَبْكِي حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ:
طَرَقَتْ هُمُومُك فَالرّقَادُ مُسَهّدُ وَجَزِعْت أَنْ سُلِخَ الشّبَابُ الْأَغْيَدُ
وَدَعَتْ فُؤَادَك لِلْهَوَى ضَمْرِيّةٌ فَهَوَاك غَوْرِيّ وَصَحْوُك مُنْجِدُ
فَدَعْ التّمَادِي فِي الْغَوَايَةِ سَادِرًا قَدْ كُنْت فِي طَلَبِ الْغَوَايَةِ تُفْنَدُ
وَلَقَدْ أَتَى لَك أَنّ تَنَاهَى طَائِعًا أَوْ تَسْتَفِيقَ إذَا نَهَاك الْمُرْشِدُ
وَلَقَدْ هُدِدْتُ لِفَقْدِ حَمْزَةَ هَدّةً ظَلّتْ بَنَاتُ الْجَوْفِ مِنْهَا تَرْعَدُ
وَلَوْ أَنّهُ فُجِعَتْ حِرَاءُ بِمِثْلِهِ لَرَأَيْتُ رَاسِيَ صَخْرِهَا يَتَبَدّدُ
قَرْمٌ تَمَكّنَ فِي ذُؤَابَةِ هَاشِمٍ حَيْثُ النّبُوّةُ وَالنّدَى والسّودَد
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٢١ ]
وَالْعَاقِرُ الْكُومَ الْجِلَاد إذَا غَدَتْ رِيحٌ يَكَادُ الْمَاءُ مِنْهَا يَجْمُدُ
وَالتّارِكُ الْقِرْنَ الْكَمِيّ مُجَدّلًا يَوْمَ الْكَرِيهَةِ وَالْقَنَا يَتَقَصّدُ
وَتَرَاهُ يَرْفُلُ فِي الحديد كأنّه ذو لبدة شثن البرائن أَرْبَدُ
عَمّ النّبِيّ مُحَمّدٍ وَصَفِيّهُ وَرَدَ الْحِمَامَ فَطَابَ ذَاكَ الْمَوْرِدُ
وَأَتَى الْمَنِيّةَ مُعْلِمًا فِي أُسْرَةٍ نَصَرُوا النّبِيّ وَمِنْهُمْ الْمُسْتَشْهَدُ
وَلَقَدْ إخَالُ بِذَاكَ هِنْدًا بُشّرَتْ لَتُمِيت دَاخِلَ غُصّةٍ لَا تَبْرُدُ
مِمّا صَبّحْنَا بالعَقَنْقَل قَوْمَهَا يَوْمًا تَغَيّبْ فِيهِ عَنْهَا الْأَسْعَدُ
وَبِبِئْرِ بَدْرٍ إذْ يَرُدّ وُجُوهَهُمْ جِبْرِيلُ تَحْتَ لِوَائِنَا وَمُحَمّدُ
حَتّى رَأَيْتُ لَدَى النّبِيّ سَرَاتَهُمْ قِسْمَيْنِ: يَقْتُل مَنْ نَشَاءُ وَيَطْرُدُ
فَأَقَامَ بِالْعَطَنِ الْمُعَطّنِ مِنْهُمْ سَبْعُونَ: عُتْبَةُ مِنْهُمْ وَالْأَسْوَدُ
وَابْنُ الْمُغِيرَةِ قَدْ ضَرَبْنَا ضَرْبَةً فَوْقَ الْوَرِيدِ لَهَا رَشّاشٌ مُزْبِدُ
وَأُمَيّةُ الْجُمَحِيّ قَوّمَ مَيْلَهُ عَضْبٌ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ مُهَنّدُ
فَأَتَاكَ فلّ المشركين كأنهم والخيل تثفهم نَعَامٌ شُرّدُ
شَتّانَ مَنْ هُوَ فِي جَهَنّمَ ثَاوِيًا أَبَدًا وَمَنْ هُوَ فِي الْجِنَانِ مُخَلّدُ
وَقَالَ كَعْبٌ أَيْضًا يَبْكِي حَمْزَةَ:
صَفِيّةَ قُومِي وَلَا تَعْجِزِي وَبَكّي النّسَاءَ عَلَى حَمْزَةِ
وَلَا تَسْأَمِي أَنْ تُطِيلِي اُلْبُكَا عَلَى أَسَدِ اللهِ فِي الْهِزّةِ
فَقَدْ كَانَ عِزّا لِأَيْتَامِنَا وَلَيْثَ الْمَلَاحِمِ فِي الْبِزّةِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٢٢ ]
يُرِيدُ بِذَاكَ رِضَا أَحْمَدٍ وَرِضْوَانَ ذِي الْعَرْشِ وَالْعِزّةِ
شِعْرُ كَعْبٍ فِي أُحُدٍ وَقَالَ كَعْبٌ أيضا فى أحد:
إنك عمر أبيك الكريم أَنْ تَسْأَلِي عَنْكِ مَنْ يَجْتَدينا
فَإِنْ تَسْأَلِي ثَمّ لَا تُكْذَبِي يُخْبِرُك مَنْ قَدْ سَأَلْتِ الْيَقِينَا
بِأَنّا لَيَالِي ذَاتِ الْعِظَا مِ كُنّا ثمالا لمن يعترينا
تلوذ النجوم بأذرائنا من الضّرّ فى أزمات السّنينا
يجدوى فُضُولٍ أُولِي وُجْدِنَا وَبِالصّبْرِ وَالْبَذْلِ فِي الْمُعْدِمِينَا
وَأَبْقَتْ لَنَا جَلَمات الْحُرُو بِ مِمّنْ نُوَازِي لدن أن برينا
فعاطن تَهْوِي إلَيْهَا الْحُقُو قُ يَحْسِبُهَا مَنْ رَآهَا الفتينا
نخيّس فِيهَا عِتَاقُ الْجَمَا لِ صُحْما دَوَاجِن حُمْرًا وُجُونَا
وَدُفّاعُ رَجْلٍ كَمَوْجِ الْفُرَا تِ يَقْدُمُ جَأْوَاء جُولَا طَحُونَا
تَرَى لَوْنَهَا مِثْلَ لَوْنِ النّجُو مِ رَجْرَاجَةً تُبْرِقُ النّاظِرِينَا
فَإِنْ كُنْتَ عَنْ شَأْنِنَا جَاهِلًا فَسَلْ عَنْهُ ذَا الْعِلْمِ مِمّنْ يَلِينَا
بِنَا كَيْفَ نَفْعَلُ إنْ قَلّصَتْ عَوَانًا ضَرُوسًا عَضُوضًا حَجُونَا
أَلَسْنَا نَشُدّ عَلَيْهَا الْعِصَا بَ حَتّى تَدُرّ وَحَتّى تَلِينَا
وَيَوْمٌ لَهُ رَهَجٌ دَائِمٌ شَدِيدُ التّهَاوُلِ حَامِي الْأَرِينَا
طَوِيلٌ شَدِيدُ أُوَارِ الْقِتَا لِ تَنْفِي قَوَاحِزُهُ الْمُقْرِفِينَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٢٣ ]
تَخَالُ الْكُمَاةَ بِأَعْرَاضِهِ ثِمَالًا عَلَى لَذّةٍ مُنْزِفِينَا
تَعَاوَرُ أَيْمَانُهُمْ بَيْنَهُمْ كُؤُوسَ الْمَنَايَا بِحَدّ الظبينا
شَهِدنَا فَكُنَّا أُولِي بَأْسِهِ وَتَحْتَ الْعَمَايَةِ وَالْمُعْلِمِينَا
بِخُرْسِ الْحَسِيسِ حِسَانٍ رِوَاءٍ وَبُصْرِيّةٍ قَدْ أَجَمْنَ الْجُفُونَا
فَمَا يَنْفَلِلْنَ وَمَا يَنْحَنِينَ وَمَا يَنْتَهِينَ إذَا مَا نُهِينَا
كَبَرْقِ الْخَرِيفِ بِأَيْدِي الْكُمَاةِ يُفَجّعَن بِالظّلّ هَامًا سُكُونَا
وَعَلّمَنَا الضّرْبَ آبَاؤُنَا وَسَوْفَ نَعْلَمُ أَيْضًا بَنِينَا
جِلَادَ الْكُمَاةِ وَبَذْلَ التّلَا دِ عَنْ جُلّ أَحْسَابِنَا مَا بَقِينَا
إذَا مَرّ قَرْنٌ كَفَى نَسْلُهُ وَأَوْرَثَهُ بَعْدَهُ آخَرِينَا
نَشِبّ وَتَهْلِكُ آبَاؤُنَا وَبِينَا نُرَبّي بَنِينَا فَنِينَا
سَأَلْت بِك ابْنَ الزّبَعْرَى فَلَمْ أُنَبّأْك فِي الْقَوْمِ إلّا هَجِينَا
خَبِيثًا تُطِيفُ بِك الْمُنْدِيَاتُ مُقِيمًا عَلَى اللّؤْمِ حَيْنًا فَحِينَا
تَبَجّسْت تَهْجُو رَسُولَ الْمَلِيـ ـكِ قَاتَلَك اللهُ جِلْفًا لَعِينَا
تَقُولُ الْخَنَائِمُ تَرْمِي بِهِ نَقِيّ الثّيَابِ تَقِيّا أَمِينَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
أَنْشَدَنِي بَيْتَهُ " بِنَا كَيْفَ نَفْعَلُ "، وَالْبَيْتَ الّذِي يَلِيهِ وَالْبَيْتَ الثّالِثَ مِنْهُ وَصَدْرَ الرّابِعَ مِنْهُ وَقَوْلَهُ " نَشِبّ وَتَهْلِكُ آبَاؤُنَا وَالْبَيْتَ الّذِي يَلِيهِ وَالْبَيْتَ الثّالِثَ مِنْهُ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَيْضًا، فِي يَوْمِ أُحُدٍ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٢٤ ]
سَائِلْ قُرَيْشًا غَدَاةَ السّفْحِ مِنْ أُحُدٍ مَاذَا لَقِينَا وَمَا لَاقُوا مِنْ الْهَرَبِ
كُنّا الْأُسُودَ وَكَانُوا النّمْرَ إذَا زَحَفُوا مَا إنْ نُرَاقِبْ مِنْ آلٍ وَلَا نَسَبٍ
فَكَمْ تَرَكْنَا بِهَا مِنْ سَيّدٍ بَطَلٍ حَامِي الذّمَارِ كَرِيمِ الْجَدّ وَالْحَسَبِ
فِينَا الرّسُولُ شِهَابٌ ثُمّ يَتْبَعُهُ نُورٌ مُضِيءٌ لَهُ فَضْلٌ عَلَى الشّهُبِ
الْحَقّ مَنْطِقُهُ وَالْعَدْلُ سِيرَتُهُ فَمَنْ يُجِبْهُ إلَيْهِ يَنْجُ مِنْ تَبَبِ
نَجْدُ الْمُقَدّمِ مَاضِي الْهَمّ مُعْتَزَمٌ حِينَ الْقُلُوبِ عَلَى رَجْفٍ مِنْ الرّعُبِ
يَمْضِي وَيَذْمُرُنَا عَنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ كَأَنّهُ الْبَدْرُ لَمْ يُطْبَعْ عَلَى الْكَذِبِ
بَدَا لَنَا فَاتّبَعْنَاهُ نُصَدّقُهُ وَكَذّبُوهُ فَكُنّا أَسْعَدَ الْعَرَبِ
جَالُوا وَجُلْنَا فَمَا فَاءُوا وَمَا رَجَعُوا وَنَحْنُ نَثْقِنَهُمْ لَمْ نَأْلُ فِي الطّلَبِ
لَيْسَ سَوَاءً وَشَتّى بَيْنَ أَمْرِهِمَا حَزْبُ الْإِلَهِ وَأَهْلُ الشّرْكِ وَالنّصُبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
أَنْشَدَنِي مِنْ قَوْلِهِ " يَمْضِي وَيَذْمُرُنَا " إلَى آخِرهَا، أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ.
شِعْرُ ابْنِ رَوَاحَةَ فِي بُكَاءِ حَمْزَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَبْكِي حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ:
قَالَ ابْنُ هِشَامِ: أَنْشَدَنِيهَا أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:
بَكَتْ عَيْنِي وَحُقّ لَهَا بُكَاهَا وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ
عَلَى أَسَدِ الْإِلَهِ غَدَاةَ قَالُوا أَحَمْزَةَ ذَاكُمْ الرّجُلُ الْقَتِيلُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٢٥ ]
أُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ جَمِيعًا هُنَاكَ وَقَدْ أُصِيبَ بِهِ الرّسُولُ
أَبَا يَعْلَى لَك الْأَرْكَانُ هُدّتْ وَأَنْتَ الْمَاجِدُ الْبَرّ الْوَصُولُ
عَلَيْك سَلَامُ رَبّك فِي جِنَانٍ مُخَالِطُهَا نَعِيمٌ لَا يَزُولُ
أَلَا يَا هَاشِمَ الْأَخْيَارِ صَبْرًا فَكُلّ فِعَالِكُمْ حَسَنٌ جَمِيلُ
رَسُولُ اللهِ مُصْطَبِرٌ كَرِيمٌ بِأَمْرِ اللهِ يَنْطِقُ إذْ يَقُولُ
أَلَا مِنْ مُبْلِغٍ عَنّي لُؤَيّا فَبَعْدَ الْيَوْمِ دَائِلَةٌ تَدُولُ
وَقَبْلَ الْيَوْمِ مَا عَرَفُوا وَذَاقُوا وَقَائِعَنَا بِهَا يُشْفَى الْغَلِيلُ
نَسِيتُمْ ضَرْبنَا بِقَلِيبِ بَدْرٍ غَدَاةَ أَتَاكُمْ الْمَوْتُ الْعَجِيلُ
غَدَاةً ثَوَى أَبُو جَهْلٍ صَرِيعًا عَلَيْهِ الطّيْرُ حَائِمَةٌ تَجُولُ
وَعُتْبَةُ وَابْنُهُ خَرّا جَمِيعًا وَشَيْبَةُ عَضّهُ السّيْفُ الصّقِيلُ
وَمَتْرَكُنَا أُمَيّةَ مُجْلَعِبّا وَفِي حَيْزُومِهِ لَدْنٌ نبيل
رهام بَنِي رَبِيعَةَ سَائِلُوهَا فَفِي أَسْيَافِنَا مِنْهَا فُلُولُ
أَلَا يَا هِنْدُ فَابْكِي لَا تَمَلّي فَأَنْتِ الْوَالِهُ العَبْرَى الْهَبُولُ
أَلَا يَا هِنْدُ لَا تُبْدِي شِمَاتًا بِحَمْزَةِ إنّ عِزّكُمْ ذَلِيلُ
شِعْرُ كَعْبٍ فِي أُحُدٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ:
أَبْلِغْ قُرَيْشًا عَلَى نَأْيِهَا أَتُفْخَرُ مِنّا بِمَا لَمْ تَلِي
فَخَرْتُمْ بِقَتْلَى أصابتهم فواضل من نعم المفضل
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٢٦ ]
فخلّو جِنَانًا وَأَبْقَوْا لَكُمْ أُسُودًا تُحَامِي عَنْ الْأَشْبُلِ
تُقَاتِلُ عَنْ دِينِهَا وَسْطَهَا نَبِيّ عَنْ الْحَقّ لَمْ يَنْكُلْ
رَمَتْهُ مَعَدّ بِعُورِ الْكَلَامِ وَنَبْلِ الْعَدَاوَةِ لَا تَأْتَلِي
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي قَوْلَهُ: «لَمْ تَلِي»، وَقَوْلَهُ: «مِنْ نَعَمِ الْمُفَضّلِ» أبو زَيْدٌ الْأَنْصَارِيّ.
شِعْرُ ضِرَارٍ فِي أُحُدٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ فِي يوم أحد:
مَا بَالُ عَيْنُكَ قَدْ أَزْرَى بِهَا السّهْدُ كَأَنّمَا جَالَ فِي أَجْفَانِهَا الرّمَدُ
أَمِنْ فِرَاقِ حَبِيبٍ كُنْتَ تَأْلَفَهُ قَدْ حَالَ مِنْ دُونِهِ الْأَعْدَاءُ وَالْبُعْدُ
أَمْ ذَاكَ مِنْ شَغْبِ قَوْمٍ لاجداء بِهِمْ إذْ الْحُرُوبُ تَلَظّتْ نَارُهَا تَقِدُ
مَا يَنْتَهُونَ عَنْ الْغَيّ الّذِي رَكِبُوا وَمَا لَهُمْ من لؤىّ ويحهم عضد
وقد نشدناهم بالله قَاطِبَةً فَمَا تَرُدّهُمْ الْأَرْحَامُ وَالنّشَدُ
حَتّى إذَا مَا أَبَوْا إلّا مُحَارَبَةً وَاسْتَحْصَدَتْ بَيْنَنَا الْأَضْغَانُ وَالْحِقَدُ
سِرْنَا إلَيْهِمْ بِجَيْشٍ فِي جَوَانِبِهِ قَوَانِسُ البيض والمحبوكة السّرد
والجرد ترفل بالأبطال شازية كأتّها حِدَأٌ فِي سَيْرِهَا تُؤَدُ
جَيْشٌ يَقُودُهُمْ صَخْرٌ وَيَرْأَسُهُمْ كَأَنّهُ لَيْثُ غَابٍ هَاصِرٌ حَرِدُ
فَأَبْرَزَ الْحَيْنَ قَوْمًا مِنْ مَنَازِلِهِمْ فَكَانَ مِنّا وَمِنْهُمْ ملتقى أحد
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٢٧ ]
فَغُودِرَتْ مِنْهُمْ قَتْلَى مُجَدّلَةٌ كَالْمَعْزِ أَصْرَدَهُ بالصّرْدحِ الْبَرَدُ
قَتْلَى كِرَامٌ بَنُو النّجّارِ وَسْطَهُمْ وَمُصْعَبٌ مِنْ قَنَانَا حَوْلَهُ قِصَدُ
وَحَمْزَةُ الْقَرْمُ مَصْرُوعٌ تُطِيفُ بِهِ ثَكْلَى وَقَدْ حُزّ مِنْهُ الْأَنْفُ وَالْكَبِدُ
كَأَنّهُ حِينَ يَكْبُو فِي جَدِيّتِهِ تَحْتَ العجاح وَفِيهِ ثَعْلَبٌ جَسَدُ
حُوَارُ نَابٍ وَقَدْ وَلّى صَحَابَتُهُ كَمَا تَوَلّى النّعَامُ الْهَارِبُ الشّرُدُ
مُجَلّحِينَ وَلَا يَلُوونَ قَدْ مُلِئُوا رُعْبًا، فَنَجّتْهُمْ الْعَوْصَاءُ وَالْكُؤُدُ
تَبْكِي عَلَيْهِمْ نِسَاءٌ لَا بُعُولَ لَهَا مِنْ كُلّ سَالِبَةٍ أَثْوَابُهَا قِدَدُ
وَقَدْ تَرَكْنَاهُمْ لِلطّيْرِ مَلْحَمَةً وَلِلضّبَاعِ إلَى أَجْسَادِهِمْ تَفِدُ
قَالَ ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لِضِرَارِ.
رَجَزُ أَبِي زَعْنَةَ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو زَعْنَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ، أَخُو بَنِي جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ، يَوْمَ أُحُدٍ:
أَنَا أَبُو زَعْنَةَ يَعْدُو بِي الهُزَمْ لَمْ تُمْنَعْ الْمَخْزَاةُ إلّا بِالْأَلَمْ
يَحْمِي الذّمَارَ خَزْرَجِيّ مِنْ جُشَمْ
رَجَزٌ يُنْسَبُ لِعَلِيّ فِي يَوْمِ أُحُدٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَهَا رَجُلٌ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٢٨ ]
مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ غَيْرَ عَلِيّ، فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ، وَلَمْ أر أحدا منهم يعرفها لعلىّ:
لأهمّ إنّ الْحَارِثَ بْنَ الصّمّهْ كَانَ وَفِيّا وَبِنَا ذَا ذِمّهْ
أَقْبَلَ فِي مَهَامَهٍ مُهِمّهْ كَلِيلَةٍ ظَلْمَاءَ مُدْلَهِمّهْ
بَيْنَ سُيُوفٍ وَرِمَاحٍ جَمّهْ يَبْغِي رَسُولَ اللهِ فِيمَا ثَمّهْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلَهُ: «كَلِيلَةٍ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
رَجَزُ عِكْرِمَةَ فِي يَوْمِ أُحُدٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فِي يَوْمِ أُحُدٍ:
كُلّهُمْ يَزْجُرُهُ أَرْحِبْ هَلَا وَلَنْ يَرَوْهُ الْيَوْمَ إلّا مُقْبِلَا
يَحْمِلُ رُمْحًا وَرَئِيسًا جَحْفَلَا
شِعْرُ الْأَعْشَى التّمِيمِيّ فِي بُكَاءِ قَتْلَى بَنِي عَبْدِ الدّارِ يَوْمَ أُحُدٍ وَقَالَ الْأَعْشَى بْنُ زُرَارَةَ بْنِ النّبّاشِ التّمِيمِيّ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثُمّ أَحَدُ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تميم- يبكى قتلى بنى عبد الدار يَوْمَ أُحُدٍ:
حُيّيَ مِنْ حَيّ عَلَيّ نَأْيُهُمْ بَنُو أَبِي طَلْحَةَ لَا تُصْرَفُ
يَمُرّ سَاقِيهِمْ عَلَيْهِمْ بِهَا وَكُلّ سَاقٍ لَهُمْ يَعْرِفُ
لَا جَارُهُمْ يَشْكُو وَلَا ضَيْفُهُمْ مِنْ دُونِهِ بَابٌ لهم يصرف
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٢٩ ]
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزّبَعْرَى يَوْمَ أُحُدٍ:
قَتَلْنَا ابْنَ جَحْشٍ فَاغْتَبَطْنَا بِقَتْلِهِ وَحَمْزَةَ فِي فُرْسَانِهِ وَابْنَ قَوْقَلِ
وَأَفْلَتَنَا مِنْهُمْ رِجَالٌ فَأَسْرَعُوا فَلَيْتَهُمْ عَاجُوا وَلَمْ نَتَعَجّلْ
أَقَامُوا لَنَا حَتّى تَعَضّ سُيُوفُنَا سَرَاتَهُمْ وَكُلّنَا غَيْرُ عُزّلِ
وَحَتّى يَكُونَ الْقَتْلُ فِينَا وَفِيهِمْ وَيَلْقَوْا صَبُوحًا شَرّهُ غَيْرَ مُنْجَلِي
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَوْلَهُ: «وَكُلّنَا»، وَقَوْلَهُ «وَيَلْقَوْا صَبُوحًا»: عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
شِعْرُ صَفِيّةَ فِي بُكَاءِ حَمْزَةَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَتْ صَفِيّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَبْكِي أَخَاهَا حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ:
أَسَائِلَةً أَصْحَابَ أُحْدٍ مَخَافَةً بَنَاتُ أَبِي مِنْ أَعْجَمٍ وَخَبِيرِ
فَقَالَ الْخَبِيرُ إنّ حَمْزَةَ قَدْ ثَوَى وَزِيرُ رَسُولِ اللهِ خَيْرُ وَزِيرِ
دَعَاهُ إلَهُ الْحَقّ ذُو الْعَرْشِ دَعْوَةً إلَى جَنّةٍ يَحْيَا بِهَا وَسُرُورِ
فَذَلِكَ مَا كُنّا نُرَجّي وَنَرْتَجِي لِحَمْزَةِ يَوْمَ الْحَشْرِ خَيْرِ مَصِيرِ
فَوَاَللهِ لَا أَنْسَاك مَا هَبّتْ الصّبَا بُكَاءً وَحُزْنًا مَحْضَرِي وَمَسِيرِي
عَلَى أَسَدِ اللهِ الّذِي كَانَ مِدْرَهَا يَذُودُ عَنْ الْإِسْلَامِ كُلّ كَفُورِ
فَيَا لَيْتَ شِلْوِي عِنْدَ ذَاكَ وَأَعْظُمِي لَدَى أَضْبُعٍ تَعْتَادُنِي وَنُسُورِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٣٠ ]
أقول وقد أعلى النّمىّ عشيرتى جزى الله خيرا من أخ ونصير
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ قَوْلَهَا:
بُكَاءً وَحُزْنًا مَحْضَرِي وَمَسِيرِي شِعْرُ نُعَمَ فِي بُكَاءِ شَمّاسٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَتْ نُعَمُ، امْرَأَةُ شَمّاسِ بْنِ عُثْمَانَ، تَبْكِي شمّاسا، وأصيب يوم أحد:
يَا عَيْنُ جُودِي بِفَيْضٍ غَيْرِ إبْسَاسِ عَلَى كَرِيمٍ مِنْ الْفِتْيَانِ أبّاسِ
صَعْبِ الْبَدِيهَةِ مَيْمُونٍ نَقِيبَتُهُ حَمّالِ أَلْوِيَةٍ رَكّابِ أَفْرَاسِ
أَقُولُ لَمَا أَتَى النّاعِي لَهُ جَزَعًا أَوْدَى الْجَوَادُ وَأَوْدَى المطعم الكاسى
وقلت لما خلت مته مَجَالِسُهُ لَا يُبْعِدُ اللهُ عَنّا قُرْبَ شَمّاسِ
شِعْرُ أَبِي الْحَكَمِ فِي تَعْزِيَةِ نُعَمَ فَأَجَابَهَا أَخُوهَا، وَهُوَ أَبُو الْحَكَمِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعٍ، يُعَزّيهَا، فَقَالَ:
إقْنَى حَيَاءَك فِي سِتْرٍ وَفِي كَرَمٍ فَإِنّمَا كَانَ شَمّاسٌ مِنْ النّاسِ
لَا تَقْتُلِي النّفْسَ إذْ حَانَتْ مَنِيّتُهُ فِي طَاعَةِ اللهِ يَوْمَ الرّوْعِ وَالْبَاسِ
قَدْ كَانَ حَمْزَةُ لَيْثَ اللهِ فَاصْطَبِرِي فَذَاقَ يَوْمَئِذٍ مِنْ كأس شمّاس
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٣١ ]
شِعْرُ هِنْدٍ بَعْدَ عَوْدَتِهَا مِنْ أُحُدٍ وَقَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، حِينَ انْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ عَنْ أُحُدٍ:
رَجَعْتُ وَفِي نَفْسِي بَلَابِلُ جَمّةٌ وَقَدْ فَاتَنِي بَعْضُ الّذِي كَانَ مَطْلَبِي
مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ بَنِي هَاشِمٍ مِنْهُمْ وَمِنْ أَهْلِ يَثْرِبِ
وَلَكِنّنِي قَدْ نِلْتُ شَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ كَمَا كُنْتُ أَرْجُو فِي مَسِيرِي وَمَرْكَبِي
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ قَوْلَهَا:
وَقَدْ فَاتَنِي بَعْضُ الّذِي كَانَ مَطْلَبِي وَبَعْضُهُمْ يُنْكِرُهَا لِهِنْدٍ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) شَرْحُ مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ مِنْ الْأَشْعَارِ وَقَدْ شَرَطْنَا الْإِضْرَابَ عَنْ شَرْحِ شِعْرِ الْكَفَرَةِ وَالْمُفَاخِرِينَ بِقِتَالِ النّبِيّﷺ- إلّا مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ، لَكِنّهُ ذَكَرَ فِي شِعْرِ هُبَيْرَةَ الّذِي بَدَأَ بِهِ بَيْتَيْنِ لَيْسَا مِنْ شِعْرِهِ، فَلِذَلِكَ ذَكَرْتهمَا، وهما: وليلة يصطلى بالفرث جازرها يختصّ بالنّفرى الْمُثْرِينَ دَاعِيهَا فِي لَيْلَةٍ مِنْ جُمَادَى ذَاتِ أَنْدِيَةٍ جَرْبَا جُمَادِيّةٍ قَدْ بِتّ أَسْرِيهَا قَوْلُهُ: يصطلى بالفرث، أى: يستدفى بِهِ مِنْ شِدّةِ الْبَرْدِ.
[ ٦ / ١٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَوْلَ جَمْعِ نَدَى وَأَسْمَاءِ الشّهُورِ:
وَقَوْلُهُ يَخْتَصّ بالنّفرى «١» الْمُثْرِينَ، يُرِيدُ يَخْتَصّ الْأَغْنِيَاءَ طَلَبًا لِمُكَافَأَتِهِمْ، وَلِيَأْكُلَ عِنْدَهُمْ، يَصِفُ شِدّةَ الزّمَانِ، قَالَهُ يَعْقُوبُ فِي الألفاظ، ونسبهما للهذلىّ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ أَنّهُمَا لَيْسَا لِهُبَيْرَةَ وَنَسَبَهُمَا لِجَنُوبَ أُخْتِ عَمْرٍو ذِي الْكَلْبِ الْهُذَلِيّ.
وَقَوْلُهُ: ذَاتُ أَنْدِيَةٍ: جَمْعُ نَدَى عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَقَدْ قِيلَ: إنّهُ جَمْعُ الْجَمْعِ كَأَنّهُ جَمْعُ نَدَى عَلَى نِدَاءٍ مِثْلُ جَمَلٍ وَجِمَالٍ «٢»، ثُمّ جَمْعُ الْجَمْعِ عَلَى أَفْعِلَةٍ، وَهَذَا بَعِيدٌ فِي الْقِيَاسِ، لِأَنّ الْجَمْعَ الْكَثِيرَ لَا يُجْمَعُ، وَفَعّالٌ مِنْ أَبْنِيَةِ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ، وَقَدْ قِيلَ هُوَ جَمْعُ نَدِيّ وَالنّدِيّ الْمَجْلِسُ، وَهَذَا لَا يُشْبِهُ مَعْنَى الْبَيْتِ، وَلَكِنّهُ جَمْعٌ جَاءَ عَلَى مِثَالٍ أَفْعِلَةٍ، لِأَنّهُ فِي معنى الأهوية والأشتية «٣»
_________________
(١) هى النقرى بالقاف، والنقرى- كما يقول الحشنى- أن يدعو قوما دون قوم، يقال هو يدعو الجفلى إذا عم، وهو يدعو النقرى إذا خص.
(٢) أنظر ص ٢٧٧ ج ٤ شرح شواهد الشافية المطبوع مع الشافية فقد فصل ابن جنى القول عن هذا. هذا والشطرة الأولى فى شعر لمرة بن محكان. وانظر اللسان أيضا فى مادة ندى.
(٣) يقول البغدادى فى شرحه لشواهد الشافية بعد أن نقل قول السهيلى هذا: «وقريب منه قول الخوارزمى «ندى وإن كان فى نفسه فعلا- بفتح الفاء والعين- لكنه بالنظر إلى ما يقابله، وهو الجفاف- فقال فمن ثم كسروه على أفعلة» ويقول ابن جنى «وأجود تكسير ندى: أنداء» ويرد البغدادى على السهيلى فى قوله أن القول بأن أندية هو جمع ندى- أى المجلس- لا يشبه معنى البيت، يرد بقوله: «قد يمنع، ويكون معناه: فى ليلة من ليالى الشتاء ذات مجالس يجلس فيها-
[ ٦ / ١٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَأَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنّهُ فِي مَعْنَى الرّذَاذِ وَالرّشَاشِ، وَهُمَا يُجْمَعَانِ عَلَى أَفْعِلَةٍ، وَأَرَادَ بِجُمَادَى الشّهْرَ، وَكَانَ هَذَا الِاسْمُ قَدْ وَقَعَ عَلَى هَذَا الشّهْرِ فِي زَمَنِ جُمُودِ الْمَاءِ، ثُمّ انْتَقَلَ بِالْأَهِلّةِ وَبَقِيَ الِاسْمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الصّيْفِ وَالْقَيْظِ، وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ هَذِهِ الشّهُورِ الْعَرَبِيّةِ سُمّيَتْ بِأَسْمَاءِ مَأْخُوذَةٍ مِنْ أَحْوَالِ السّنَةِ الشّمْسِيّةِ، ثُمّ لَزِمَتْهَا، وَإِنْ خَرَجَتْ عن تلك الأوقات «١» .
_________________
(١) - الأشراف والأغنياء لإطعام الفقراء، فإنهم كانوا إذا اشتد الزمان وفشا القحط، وذلك يكون عند العرب فى الشتاء، يجلسون فى مجالسهم ويلعبون الميسر، وينحرون الجزر، ويفرقونها على الفقراء، ص ٢٧٨ ج ٤ شرح الشافية وشواهدها.
(٢) قال البغدادى فى شرحه لشواهد الشافية: «وينبغى أن يعتبر هنا أصل الوضع، وإلا فلا فائدة فى ذكر اسم شهر لا يدل على شدة البرد وجمود الماء، والشاعر إسلامى، وليس ممن أدرك زمن وضع الشهور، ويجوز أن يلاحظ فى الأعلام أصل وضعها» . ويقول ابن الأنبارى عن أسماء الشهور «أسماء الشهور كلها مذكرة إلا جمادى فهما مؤنثان. تقول: مضت جمادى بما فيها، فان جاء تذكير جمادى فى شعر، فهو ذهاب إلى معنى الشهر، وهى غير مصروفة للتأنيث والعلمية، والأولى والآخرة صفة لها، فان الآخرة بمعنى المتأخرة، ولا يقال. جمادى الأخرى، لأن الأخرى بمعنى الواحدة، فتتناول المتقدمة والمتأخرة، فيحصل اللبس، ويحكى أن العرب حين وضعت الشهور وافق وضع الأزمنة فاشتق للشهر معان من تلك الأزمنة ثم كثر حتى استعملوها فى الأهلة وإن لم توافق ذلك الزمان، فقالوا: رمضان لما أرمضت الأرض من شدة الحر، وشوال لما شالت الإبل بأذنابها الطروق، وذو القعدة لما ذللوا القعدان للركوب، وذو الحجة لما حجوا، والمحرم لما حرموا القتال والتجارة، وصفر لما غزوا فتركوا ديار القوم صفرا، وشهر ربيع لما أربعت الأرض وأمرعت، وجمادى لما جمد الماء، -
[ ٦ / ١٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شَرْحُ شِعْرِ كَعْبٍ:
وَذَكَرَ شِعْرَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ يُجِيبُ هُبَيْرَةَ وَأَوّلُهُ: أَلَا هَلْ أَتَى غَسّانَ.
وَقَدْ افْتَتَحَ قَصِيدَةً أُخْرَى فِي أَشْعَارِ بَدْرٍ بِهَذَا اللّفْظِ، فَقَالَ:
أَلَا هَلْ أَتَى غَسّانَ فِي نَأْيِ دَارِهَا وَإِنّمَا يَذْكُرُ غَسّانَ لِأَنّهُمْ بَنُو عَمّ الْأَنْصَارِ، وَالْأَنْصَارُ بَنُو حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ.
وَاَلّذِينَ بالشام بنو جفنة بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، وَالْكُلّ غَسّانُ، لِأَنّ غَسّانَ مَاءٌ شَرِبُوا مِنْهُ حِينَ ارْتِحَالُهُمْ مِنْ الْيَمَنِ فَسُمّوا بِهِ.
وَقَوْلُهُ: سَيْرُهُ مُتَنَعْنِعُ، أَيْ: مُضْطَرِبٌ «١» . وَقَوْلُهُ: الْعَرَامِيسُ:
جَمْعُ عِرْمِسٌ، وَهِيَ النّاقَةُ الْقَوِيّةُ عَلَى السّيْرِ.
وَقَوْلُهُ: قَيْضُهُ يَتَفَلّعُ، أَيْ يَتَشَقّقُ، وَالْقَيْضُ: قُشُورُ الْبَيْضِ، وَالْقَوَانِسُ:
جَمْعُ قَوْنَسٍ، وَهِيَ بَيْضَةُ السّلَاحِ «٢» .
وَقَوْلُهُ: وَكُلّ صَمُوتٍ فِي الصّوان، يعنى الدّرع جعلها صموتا لشدة
_________________
(١) - ورجب لما رجبوا الشجر، وشعبان لما شعبوا العود» ص ٢٨٠ ج ٤ المصدر السابق.
(٢) الخرق: الفلاة الواسعة التى تخرق فيها الريح. ومتنعنع تروى بالتاء، والمعنى: متردد «عن الخشنى باختصار» .
(٣) عند الخشنى وفى القاموس أن القونس رأس بيضة السلاح، أرأعلى بيضة الحديد.
[ ٦ / ١٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) نَسْجِهَا وَإِحْكَامِ صَنْعَتِهَا، وَالنّهْيُ وَالنّهْيُ: الْغَدِيرُ، سُمّيَ بِذَلِكَ، لِأَنّ مَاءَهُ قَدْ مُنِعَ مِنْ الْجَرَيَانِ بِارْتِفَاعِ الْأَرْضِ، فَغَادَرَهُ السّيْلُ، فَسُمّيَ غَدِيرًا، وَنَهَتْهُ الْأَرْضُ فَسُمّيَ نَهْيًا. وَقَوْلُهُ: وَمَنْجُوفَةٌ، مَفْعُولَةٌ مِنْ نجفت: إذا حفرت، ويكون أيضا من مِنْ نَجَفْت الْعَنْزَ إذَا شَدَدْتهَا بِالنّجَافِ، وَهُوَ الْحَبْلُ، فَإِنْ كَانَ أَرَادَ الرّمَاحَ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ: مَنْجُوفَةٌ، أَيْ: مَشْدُودَةٌ مُثَقّفَةٌ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ أسنّتها، فهى أيضا منجوفة، مِنْ نَجَفْت إذَا حَفَرْت، لِأَنّ ثَعْلَبَ الرّمْحِ دَاخِلٌ فِي الْحَدِيدَةِ، فَهِيَ مَنْجُوفَةٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ السّيُوفَ، فَمَنْجُوفَةٌ، أَيْ كَالْمَحْفُورَةِ، لِأَنّ مُتُونَهَا مِدْوَسَةٌ مَضْرُوبَةٌ بِمَطَارِقِ الْحَدِيدِ، فَهِيَ كَالْمَحْفُورَةِ. وَقَوْلُهُ: تَصُوبُ بِأَبْدَانِ الرّجَالِ وَتَارَةً تَمُرّ بِأَعْرَاضِ الْبِصَارِ تَقَعْقَعُ يَقُولُ: تَشُقّ أَبْدَانَ الرّجَالِ حَتّى تَبْلُغَ الْبِصَارَ فَتَقَعْقَعُ فِيهَا، وَهِيَ جَمْعُ بَصْرَةٍ، وَهِيَ حِجَارَةٌ لَيّنَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ جَمْعَ بَصِيرَةٍ، مِثْلُ كَرِيمَةٍ، وَكِرَامٍ، وَالْبَصِيرَةُ الدّرْعُ، وَقِيلَ: التّرْسُ، وَالْبَصِيرَةُ أَيْضًا: طَرِيقَةُ الدّمِ فِي الْأَرْضِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ، فَهِيَ جَدِيّةٌ، وَلَا مَعْنَى لَهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ. شَرْحُ شعر ابن الزّبَعْرَى: وَقَوْلُ ابْنِ الزّبَعْرَى:
[ ٦ / ١٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَا غُرَابَ الْبَيْنِ أَسَمِعْت، فَقُلْ إنّمَا تَنْطِقُ شَيْئًا قَدْ فُعِلْ
إقْرَارُ الْجَاهِلِيّةِ بِالْقَدَرِ:
قَوْلُهُ: قَدْ فُعِلْ: أَيْ: قَدْ فُرِغَ مِنْهُ، وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيّةِ يُقِرّونَ بِالْقَدْرِ، وَقَالَ لَبِيدٌ فِي الْجَاهِلِيّةِ:
إنّ تَقْوَى رَبّنَا خَيْرُ نَفَلْ وَبِإِذْنِ اللهِ رَيْثِي وَالْعَجَلْ
مَنْ هُدَاهُ سُبُلَ الْخَيْرِ اهْتَدَى نَاعِمَ الْبَالِ وَمَنْ شَاءَ أَضَلْ
وَقَالَ رَاجِزُهُمْ:
يَا أَيّهَا اللّائِمُ لُمْنِي، أَوْ فذر إن كت أَخْطَأْت فَمَا أَخْطَا الْقَدَرُ
وَقَوْلُهُ: غَيْرُ مُلْتَاثٍ، هُوَ مُفْتَعَلٌ مِنْ اللّوثَةِ كَمَا قَالَ الضّبّيّ:
عِنْدَ الْحَفِيظَةِ إنْ ذِي لُوثَةٍ لَانَا «١» وَالْمِهْرَاسُ: حَجَرٌ مَنْقُورٌ يَمْسِكُ الْمَاءَ، فَيَتَوَضّأُ مِنْهُ، شُبّهَ بِالْمِهْرَاسِ الّذِي هُوَ الْهَاوُونُ، وَوَهِمَ الْمُبَرّدُ، فَجَعَلَ الْمِهْرَاسَ اسْمًا عَلَمًا لِلْمِهْرَاسِ الّذِي بِأُحُدِ خَاصّةً، وَإِنّمَا هُوَ اسْمٌ لِكُلّ حَجَرٍ نُقِرَ فَأَمْسَكَ الماء. وروى ابن عبدوس
_________________
(١) فى ديوان الحماسة لأبى تمام لقريط بن أنيف أحد بنى العنبر: لو كنت من مازن لم تستبح إبلى بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا إذا لقام بنصرى معشر خشن عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا وكذلك رواه ابن فارس فى معجمه غير منسوب فى مادة لوث: «إن ذو لوثة لاثا» .
[ ٦ / ١٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَنْ مَالِكٍ أَنّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يَمُرّ بِمِهْرَاسِ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ كَيْفَ يَغْتَسِلُ مِنْهُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: هَلّا قُلْت مَرّ بِغَدِيرِ، وَمَنْ يُجْعَلُ لَهُ مِهْرَاسًا فِي أَرْضِ فَلَاةٍ؟ فَهَذَا يُبَيّنُ لَك أَنّ الْمِهْرَاسَ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِالْمِهْرَاسِ، الّذِي كَانَ بِأُحُدِ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ، فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ أَنّ النّبِيّﷺ- مَرّ بِقَوْمِ يَتَجَاذَوْنَ «١» مِهْرَاسًا أَيْ: يَرْفَعُونَهُ.
شِعْرُ حسان برد بِهِ عَلَى ابْنِ الزّبَعْرَى:
قَوْلُ حَسّانَ يُجِيبُهُ:
هُرّبًا فِي الشّعْبِ أَشْبَاهَ الرّسَلْ يَعْنِي: الْغَنَمَ إذَا أَرْسَلَهَا الرّاعِي، يُقَالُ لَهَا حِينَئِذٍ رَسَلٌ «٢» .
وَقَوْلُهُ كَأَشْرَافِ الْمَلَا، الْأَشْرَافُ: جَمْعُ شَرَفٍ، وَهُوَ الشّخْصُ، وَالْمَلَا:
مَا اتّسَعَ مِنْ الْأَرْضِ، وَيُرِيدُ بِالْأَشْرَافِ هَاهُنَا أَشْخَاصُ الشّجَرِ وَأُصُولُهَا.
وَقَوْلُهُ: يُهَلّ، أَرَادَ: فَيُهَالُ ثُمّ جُزِمَ لِلشّرْطِ، فَانْحَذَفَتْ الْأَلِفُ لِالْتِقَاءِ السّاكِنَيْنِ، وَهُوَ مِنْ الْهَوْلِ، يُقَالُ هَالَنِي الْأَمْرُ يَهُولُنِي هَوْلًا إذَا أَفْزَعَك.
وَقَوْلُهُ: وَمَلَأْنَا الْفَرْطَ، أَرَادَ: الْفَرَطَ بِتَحْرِيكِ الرّاءِ، وَهِيَ الْأَكَمَةُ،
_________________
(١) فى الأصل: يتجارون والتصويب من النهاية لابن الأثير مادة جذا، وكذلك فى اللسان.
(٢) يقول الخشنى عن الرسل: الإبل المرسلة التى بعضها فى أثر بعض، وقال بعض اللغويين: الرسل: الجماعة من كل شىء.
[ ٦ / ١٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ، وَالرّجَلُ: جَمْعُ رَجْلَةٍ، وَهُوَ الْمُطَمّسُ مِنْ الْأَرْضِ، وَالرّجْلَةُ أَيْضًا فِي مَعْنَى الرّجْلِ مِنْ الْجَرَادِ، قَالَ الشّاعِرُ:
وَتَحْتَ نُحُورِ الْخَيْلِ حَرْشَفُ رَجْلَةٍ
يُرِيدُ بِالْحَرْشَفِ جَمَاعَةَ الرّبَا، وَهُمْ صِغَارُ الْجَرَادِ، ضَرَبَهُمْ مَثَلًا لِلرّجّالَةِ وَالرّمَاةِ، وَجَمْعُ الْفَرَطِ: أَفْرَاطٌ.
وَقَوْلُهُ: وُلْدَ اسْتِهَا: كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ عِنْدَ السّبّ، تَقُولُ: يَا بَنِي اسْتِهَا، وَالْوَلَدُ: بِمَعْنَى الْأَوْلَادِ. وَكَتَبَ أَهْلُ دِمَشْقَ إلَى أَهْلِ مِزّةَ وَهِيَ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ دِمَشْقَ وَكَانُوا أَمْسَكُوا عَنْهُمْ الْمَاءَ فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ: مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ إلَى بَنِي اسْتِهَا.
وَبَعْدُ: فَإِمّا أَنْ يُمْسِيَنَا الْمَاءُ وَإِلّا صَبّحَتْكُمْ الْخَيْلُ. ذَكَرَهُ الْجَاحِظُ «١» .
مَتَى يَضُرّ حَذْفُ حَرْفِ الْجَرّ؟
وَقَوْلُهُ فِي الْمُؤْمِنِينَ: أَيّدُوا جِبْرِيلَ، أَيْ: أَيّدُوا بِجِبْرِيلَ، وَحُذِفَ الْجَارُ فَتَعَدّى الْفِعْلُ فَنُصِبَ، وَلَا يَضُرّ هَذَا الْحَذْفُ إلّا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُتَعَدّي بِحَرْفِ جَرّ مُتَضَمّنًا لِمَعْنَى فِعْلٍ آخَرَ نَاصِبٍ، كَقَوْلِهِمْ: أَمَرْتُك الْخَيْرَ أَيْ كَلّفْتُك
_________________
(١) ذكره فى البيان والتبيين، والذى كتب إلى أهل مزة هو أبو الهيذام، ويقول راوى الخبر ثمامة بن أشرس: فوافاهم الماء قبل أن يعتموا، فقال أبو الهيذام: الصدق ينبى عنك لا الوعيد «ص ٣٠١ ج ١ البيان والتبيين الجاحظ ط سنه ١٩٤٨ بتحقيق عبد السلام هارون.
[ ٦ / ١٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْخَيْرَ وَأَلْزَمْتُكَهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ نَهَيْتُك الشّرّ إذْ لَيْسَ فِي مَعْنَى نَهَيْتُك فِعْلٌ. نَاصِبٌ وَقَوْلُهُ: أَيّدُوا جِبْرِيلَ، أَيْ أُصْحِبُوهُ، وَنَحْوُ هَذَا، فَحَسُنَ حَذْفُ الْبَاءِ لِهَذَا.
عَوْدٌ إلَى شِعْرِ حَسّانَ:
وَقَوْلُ حَسّانَ:
نُخْرِجُ الْأَصْبَحَ مِنْ اسْتَاهِكُمْ رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ: نُخْرِجُ الْأَضْيَاحَ، وَهُوَ اللّبَنُ الْمَمْزُوجُ بِالْمَاءِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْأَصْبَحِ، لِأَنّ الصّبْحَةَ بَيَاضٌ غَيْرُ خَالِصٍ، فَجَعَلَهُ وَصْفًا لِلّبَنِ الْمَمْذُوقِ الْمُخْرَجِ مِنْ بُطُونِهِمْ.
وَقَوْلُهُ:
كَسِلَاحِ النّيْبِ يَأْكُلْنَ الْعَصَلْ الْعَصَلُ: نَبَاتٌ كَالرّفَلّينَ «١» يُصْلِحُ الْإِبِلَ إذَا أَكَلَتْهُ، وَيُكْثِرُ شُرْبَهَا لِلْمَاءِ، وَهُوَ مِنْ الْحَمْضِ، وَيَنْبُتُ فِي السّبَاخِ، قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
شِعْرُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:
وَقَوْلُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:
_________________
(١) فى اللسان: «شجر يشبه الدفلى- بكسر الدال وسكون الفاء وفتح اللام تأكله الإبل وتشرب عليه الماء كل يوم» ولم أجد الرفلين، وإنما الرفلى فى عجائب المخلوقات للقزوينى واللسان.
[ ٦ / ١٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِوَاءِ الرّسُولِ بِذِي الْأَضْوُجِ الْأَضْوُجُ: جَمْعُ ضَوْجٍ، وَالضّوْجُ: جَانِبُ الْوَادِي.
وَقَوْلُهُ: فِي الْقَسْطَلِ الْمُرْهِجِ. الْقَسْطَلُ: الْغُبَارُ، وَكَذَلِكَ الرّهَجُ، وَقَدْ شَرَحْنَا السّلْجَجَ «١» فِيمَا مَضَى، وَالْجَمَلُ الْأَدْعَجُ: يَعْنِي الْأَسْوَدَ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي صِفَةِ النّبِيّﷺ- فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ، وَفِي أَشْفَارِهِ وَطَفٌ «٢» .
وَقَوْلُهُ: وَحَنْظَلَةُ الْخَيْرُ لَمْ يُحْنَجْ، أَيْ لَمْ يُمْلِهِ شَيْءٌ عَنْ الطّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، يُقَالُ حَنَجْت الشّيْءَ إذَا أَمَلْته وَعَدَلْته عَنْ وَجْهِهِ، وَيُقَالُ أَيْضًا: أَحْنَجْتُهُ فَهُوَ مُحْنَجٌ، وَسَيَأْتِي فِي الشّعْرِ بَعْدَ هَذَا مَا يَدُلّ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ:
عَنْ الْحَقّ حَتّى غَدَتْ رُوحُهُ أَنّثَ الرّوحَ لِأَنّهُ فِي مَعْنَى النّفْسِ، وَهِيَ لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ مَعْرُوفَةٌ. أَمَرَ ذُو الرّمّةِ عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى قَبْرِهِ:
يَا نَازِعَ الرّوحِ مِنْ جِسْمِي إذَا قُبِضْت وَفَارِجَ الْكَرْبِ أَنْقِذْنِي مِنْ النّارِ
فَكَانَ ذَلِكَ مَكْتُوبًا عَلَى قَبْرِهِ.
وَقَوْله: فَاخِرِ الزّبرج، أى: فاخر الزّينة، أى ظاهرها.
_________________
(١) السيف المرهف القاطع.
(٢) مر فى حديث أم معبد، تعنى فى شعر أجفانه طول، والدعج: السواد فى العين، وقيل: شدة السواد مع شدة البياض.
[ ٦ / ١٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: فِي الدّرَكِ الْمُرْتَجِ، أَيْ الْمُغْلَقِ، يُقَالُ: ارْتَجْتُ الْبَابَ إذَا أَغْلَقْته، وَهُوَ مِنْ الرّتَاجِ، قَالَتْ جَارِيَةٌ مِنْ الْعَرَبِ مَاتَتْ أُمّهَا، وَتَزَوّجَ أبوها:
ولكن قد أنى مِنْ دُونِ وُدّي وَبَيْنَ فُؤَادِهِ غَلْقُ الرّتَاجِ
وَمَنْ لَمْ يُؤْذِهِ أَلَمٌ بِرَأْسِي وَمَا الرّئْمَانُ إلّا بِالنّتَاجِ
وَمِنْهُ قِيلَ: ارْتَجْ عَلَى الْخَطِيبِ، إذَا أُغْلِقَ عَلَيْهِ بَابُ الْقَوْلِ.
وَفِي شِعْرِ ضرار «١»: من جَمْعِنَا السّوْرَجُ، وَهُوَ فَوْعَلٌ مِنْ السّرَاجِ يُرِيدُ الْمُضِيءَ:
مِنْ شِعْرِ حَسّانَ:
وَفِي شِعْرِ حَسّانَ:
وفوا إذ كفرتم ياسخين بِرَبّكُمْ
أَرَادَ سَخِينَةَ، فَرَخّمَ وَعَنَى قُرَيْشًا لِأَنّهَا كانت تلقّب بذلك [لداومتهم على شرب هَذَا الْحِسَاءِ الْمُتّخَذِ مِنْ الدّقِيقِ الّذِي يُسَمّى: سَخِينَةً] «٢»، وَفِي أَشْعَارِ ضِرَارٍ فِي الْعَيْنِيّةِ «٣» مِنْهَا أَمْرُهَا شَاعٍ، أَرَادَ: شَائِعٌ، فَقُلِبَتْ، كَمَا قَالَ الآخر:
لاث به الأشاء والعبرىّ «٤»
_________________
(١) فى السيرة: من.
(٢) ما بين قوسين من شرح السيرة لأبى ذر، وضعته لإتمام المعنى.
(٣) لا توجد «منها» فى السيرة.
(٤) الأشاء: صغار النخل واحدتها أشاءة، والعبرى من السدر ما نبت على عبر النهر، وقيل: العبرى والعمرى منه ما شرب الماء، والذى لا يشرب الماء يكون بريا، وهو الضال. ولاث الشجر فهو لاث- بضم الثاء- ولاث-
[ ٦ / ١٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أراد: لائث، وكما جاء في الحديث: لا يحتكر الطعام إلّا طاغ «١» أو باغ أو زاغ أراد: زائغ.
وفى شعره الفافىّ:
رَشّاشُ الطّعْنِ وَالْوَرَقِ الْوَرَقُ: مَا تَعَقّدَ مِنْ الدّمِ، قَالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ مَا بِهِ رَهَقٌ، أَيْ عَيْبٌ، وَالْمُرَهّقُ مِنْ الرّجَالِ الْمَعِيبُ.
فِي شِعْرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ:
وَفِي شعر عمرو بن العاصى: يمشون قطوا. والقطو والأقطيطاء: مشى القطا «٢»
_________________
(١) - بكسرها: لبس بعضه بعضا، قد تنعم. وأما لاث بضم الثاء، فقد يكون فعلا بفتح فكسر، وقد يكون فاعلا حذفت عينه. وأما لاث بكسر الثاء، فمقلوب عن لائث، ووزنه فالع.
(٢) فى مسلم وأبى داود وابن ماجة والنسائى وأحمد فى مسنده: «لا يحتكر إلا خاطىء» .
(٣) ومنى معانى قصيدة عمرو كما جاء فى شرح أبى ذر: ينزر: يرتفع ويثب. الرضف: الحجارة المحماة. شهباء: يعنى كتيبة كثيرة السلاح. تلحو: تقشر وتضعف. تقول لحوت العود إذا قشرته والعيد: الفرس الشديد. يبد الخيل رهوا: يسبق، والرهو: الساكن اللين. ربذ: سريع. يعفور: ولد الظبية. الصريحة: الرملة المنقطعة. شنج: منقبض. نساء: النسا عرق مستبطن الفخذين. ضابط: ممسك. كبش الكتيبة: رئيسها. جلته: أبرزته.
[ ٦ / ١٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شِعْرِ كَعْب:
وَفِي شِعْرِ كَعْبٍ: خَذْمٌ رَعَابِيلُ. الْخَذْمُ «١»: الْقَطْعُ بِالْأَسْنَانِ، وَرَعَابِيلُ:
قِطَعٌ مُتَمَزّقَةٌ، يُقَالُ خِبَاءٌ مُرَعْبَلٌ، أَيْ مُتَمَزّقٌ.
وَقَوْلُهُ:
إنّا بَنُو الحرب نمريها وننتجها مستعار من مريت النافة إذا استدررت لبنها، ونتجنها إذَا اسْتَخْرَجَتْ مِنْهَا وَلَدًا، يُقَالُ: نُتِجَتْ النّاقَةُ، وَنَتَجَهَا أَهْلُهَا، وَأَمّا أَنْتَجَتْ تُنْتِجُ فَإِذَا دَنَا نتاجها.
وقوله:
يوم رذاذ من الجوزاء مسئول يُرِيدُ: مِنْ أَيّامِ أَنْوَاءِ الْجَوْزَاءِ، وَهُوَ نَوْءُ الْهَفْعَةِ، أَوْ الْهَنْعَةِ «٢»، وَذَلِكَ فِي الشّتَاءِ فِي شَهْرِ كَانُونَ الْأَوّلِ «٣» وَمَشْمُولٌ مِنْ الرّيحِ الشّمَالِ «٤» .
وَقَوْلُهُ: أَلْثَقَهَا مِنْ اللّثَقِ، وَهُوَ الْبَلَلُ وَالطّينُ اليسير، والرّذاذ
_________________
(١) يقول الخشنى من رواه بضم الخاء فيعنى به قطع اللحم، ومن رواه بفتح الخاء، فهو مصدر.
(٢) كانت الهعقة والصواب كما أثبت: الهنعة بفتح الهاء وسكون النون وفتح العين، فهى كذلك فى اللسان.
(٣) هو شهر ديسمبر كما أخبرتنى ابنتى إشراق.
(٤) عند أبى ذر: هبت فيه ريح السمال:
[ ٦ / ١٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ الطّشّ وَالْبَغْشِ «١»، وَالطّلّ نَحْوٌ مِنْهُ، أَوْ أَقْوَى مِنْهُ قَلِيلًا، يُقَالُ: أَرْضٌ مَطْلُولَةٌ وَمَبْغُوشَةٌ، وَلَا يُقَالُ: مَرْذُوذَةٌ، وَلَكِنْ يُقَالُ: مُرَذّةٌ وَمُرَذّ عَلَيْهَا «٢» قَالَهُ الْخَطّابِيّ.
أَجْوَدُ مَا قَالَ حَسّانُ:
وَذَكَرَ شِعْرَ حَسّانَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذِهِ أَجْوَدُ مَا قَالَ، وَهَذِهِ الْقَصِيدَةُ الّتِي قَالَهَا حَسّانُ لَيْلًا، وَنَادَى قَوْمَهُ أَنَا أَبُو الْحُسَامِ، أَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، وَهُمَا كُنْيَتَانِ لَهُ، ثُمّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَرْوُوهَا عَنْهُ قَبْلَ النّهَارِ، مَخَافَةَ أَنْ يَعُوقَهُ عَائِقٌ، فَخَرّ فِيهَا عَلَى ابْنِ الزّبَعْرَى بِمَقَامَاتِ لَهُ عِنْدَ مُلُوكِ الشّامِ مِنْ أَبْنَاءِ جَفْنَةٍ، افْتَكّ فِيهَا عُنَاةً مِنْ قَوْمِهِ.
وَذَكَرَ مَقَامَ خَالِدِ عِنْدَ النّعْمَانِ الْغَسّانِيّ مِنْ آلِ جَفْنَةَ، وَلَيْسَ بِالنّعْمَانِ ابن المنذر، وقال فيها:
_________________
(١) البغشة المطرة الضعيفة، وفى الأصل بالعين، والطش: المطر الضعيف فوق الرذاذ، والرذاذ: المطر الضعيف أو الساكن الدائم الصغار القطر كالغبار أو هو بعد الطل. ويقول الأصمعى: الطل أخف المطر وأضعفه، ثم الرذاذ، والرذاذ فوق القطقط «بكسر القافين» .
(٢) فى القاموس: أرذت السماء ورذت وأرض مرذ عليها، ومرذوذة ويوم مرذوذ ورذاذ. وكذلك فى اللسان: أرض مرذ عليها، ومرذة ومرذوذة الأخيرة عن ثعلب. وقال الأصمعى: لا يقال أرض مرذة ولا مرذوذة، ولكن يقال: أرض مرذ عليها، أما الكسائى فقال: مرذة.
[ ٦ / ١٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رُبّ حِلْمٍ أَضَاعَهُ عَدَمُ الْمَا لِ وَجَهْلٍ غَطَا عَلَيْهِ النّعِيمُ
غَطَا بِتَخْفِيفِ الطّاءِ أَنْشَدَهُ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، وَهَكَذَا كَانَ فِي حَاشِيَةِ الشيخ مذكورا عن يونس، وغطا معناه ارْتَفَعَ وَعَلَا، وَأَنْشَدَ الْقُتَبِيّ:
وَمِنْ تَعَاجِيبِ خَلْقِ اللهِ غَاطِيَةٌ يُعْصَى مِنْهَا مُلَاحِيّ وَغِرْبِيبُ «١»
مُلَاحِيّ بِتَخْفِيفِ اللّامِ، وَيُقَالُ: مُلَاحِيّ كَمَا قَالَ:
كَعُنْقُودِ مُلّاحِيّةٍ حِينَ نَوّرَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ قَالَ مُلّاحِيّةٌ بِالتّشْدِيدِ شَبّهَهُ بِالْمُلّاحِ وَهُوَ ثَمَرُ الْأَرَاكِ «٢» وَفِيهِ مُلُوحَةٌ، وَقَالَ: وَالْغِرْبِيبُ اسْمٌ لِنَوْعِ مِنْ الْعِنَبِ، وَلَيْسَ بِنَعْتِ. قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَعَلّك أَنْ تَفْهَمَ مِنْهُ مَعْنَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ:
وَغَرابِيبُ سُودٌ فَاطِرٌ: ٢٧. حِينَ وَصَفَ الْجُدُدَ، وَسُودٌ عِنْدِي بَدَلٌ، لَا نَعْتٌ، وَإِنّمَا يَتِمّ شَرْحَ الْآيَةِ لِمَنْ لَحَظَهُ مِنْ هَذَا الْمَطْلَعِ، فَإِنّ أَبَا حَنِيفَةَ زَعَمَ أَنّ الْغِرْبِيبَ إذَا أُطْلِقَ لَفْظُهُ، وَلَمْ يُقَيّدْ بِشَيْءِ مَوْصُوفٍ بِهِ، فَإِنّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْعِنَبُ الّذِي هَذَا اسْمُهُ خَاصّةً، وَاَللهُ الْمُوَفّقُ لِلصّوَابِ وَفَهْمِ الْكِتَابِ.
_________________
(١) فى اللسان أنشده ابن قتيبة وفيه: يعصر وهو الصواب.
(٢) فى اللسان وحكى أبو حنيفة ملاحى- بتشديد اللام- وهى قليلة، وقال مرة إنما نسبه إلى الملاح- بتشديد اللام وضم الميم- وإنما الملاح فى الطعم، والملاحى- بتخفيف اللام- من الأراك الذى فيه بياض وشهبة وحمرة وفى اللسان أيضا: ملاحى بتخفيف اللام: عنب أبيض.
[ ٦ / ١٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ فِيهِ حُمَاةَ اللّوَاءِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ، وَأَنّهُمْ صَرَعُوا حَوْلَهُ حَتّى أَخَذَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ وَهِيَ عَمْرَةُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ، فَلِذَلِكَ قَالَ:
لَمْ تَطُقْ حَمْلَهُ الْعَوَاتِقُ مِنْهُمْ إنّمَا يَحْمِلُ اللّوَاءَ النّجُومُ «١»
شِعْرُ ابْنِ عِلَاطٍ:
وَقَالَ فِي شِعْرِ حَجّاجِ بْنِ عِلَاطٍ يَمْدَحُ عَلِيّا ﵁.
لِلّهِ أَيّ مُذَبّبٍ عَنْ حُرْمَةٍ أَلْفَيْت فِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ أَبِي بَحْرٍ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ يَعْنِي أَصْلَ أَبِي الْوَلِيدِ، قَالَ إبْرَاهِيمُ: أَيّ نُصِبَ لِأَنّهُ مَدِيحٌ وَالْمَدِيحُ نُصِبَ فِي أَيّ حَالَيْهِ، فَأَمّا ابْنُ هِشَامٍ فَرَفَعَ أَيّ. قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَهَذَا الّذِي ذَكَرَهُ مَنْ نَصَبَ أَيْ عَلَى الْمَدِيحِ، لَا يَسْتَقِيمُ إلّا أَنْ تَقَدّرَ حَذْفُ الْمُبْتَدَأِ قَبْلَهُ، كَأَنّهُ قَالَ لِلّهِ أَنْتَ لِأَنّهُ لَا يُنْصَبُ عَلَى الْمَدْحِ إلّا بَعْدَ جُمْلَةٍ تَامّةٍ، وَأَمّا الرّفْعُ عَلَى أَنْ تَجْعَلَ خَبَرَهُ لِلّهِ: فقبيح لأنها وإن كانت خبرا، فأصلها
_________________
(١) وإليك بقية شرحها من شرح السيرة لأبى ذر الخشنى: «أضاف: نزل وزار. السئوم: الملول. الحولى: الصغير. أندبتها: أثرت فيها من الندب، وهو أثر الجرح. الكلوم: الجراحات. اللجين: الفضة. الجابية: الحوض الصغير. الجولان: موضع بالشام. إن خالى خطيب: يعنى بخاله مسلمة ابن مخلد بن الصامت. محطوم: مكسور. جز: أراد جزآ فنقل حركة الهمزة وحذفها. وسطت: توسطت. الذوائب: الأعالى. سميحة: اسم بئر بالمدينة كان عندها احتكام الأوس والخزرج فى حروبهم إلى ثابت بن المنذر والد حسان ابن ثابت. غطى: من رواه بتشديدها فهو معروف. فلست بسبى: السب هو الذى يقاوم الرجل فى السب، ويكون شرفه مثل شرفه. نب: صاح. لحانى: ذكرنى. الرعاع: الضعفاء. لواذ: مستترين. الحلوم: العقول. العواتق: جمع عاتق وهو ما بين الكتف والعنق. النجوم هنا المشاهير من الناس» ص ٢٥٧ وما بعدها.
[ ٦ / ١٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الِاسْتِفْهَامُ فَلَهَا صَدْرُ الْكَلَامِ كَمَا كَانَ ذَلِكَ فِي كَمْ خَبَرِيّةً كَانَتْ، أَوْ اسْتِفْهَامِيّةً، فَالتّقْدِيرُ إذًا: لِلّهِ دَرّهُ أَيّ مُذَبّبٍ عَنْ حُرْمَةٍ هُوَ، أَلَا تَرَى أَنّهُ يَقْبُحُ أَنْ يَقُولَ: جَاءَنِي أَيّ فَتًى، فَإِنْ جَعَلْته وَصْفًا جَارِيًا على ما قبلها، فقلت جاءنى رَجُلٌ أَيّ رَجُلٍ جَازَ ذَلِكَ، لِأَنّهُ إذَا كَانَ وَصْفًا لَمْ تَلِهِ الْعَوَامِلُ اللّفْظِيّةُ، فَكَأَنّهُ لم لَمْ يَخْرُجْ عَنْ أَصْلِهِ، إذْ الْمُبْتَدَأُ لَا تَلِيهِ الْعَوَامِلُ اللّفْظِيّةُ. وَقَوْلُهُ: أَخْوَلُ أَخْوَلًا، أَيْ: مُتَفَرّقِينَ، وَوَقَعَ تَفْسِيرُهُ فِي بَعْضِ النّسْخِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ هِشَامٍ، وَكَانَ أَصْلُهُ مِنْ الْخَالِ، وَهُوَ الْخُيَلَاءُ وَالْكِبْرُ، تَقُولُ: فُلَانٌ أَخْوَلُ مِنْ فُلَانٍ، أَيْ أَشَدّ كِبْرًا مِنْهُ، وَاخْتِيَالًا، فَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: إذَا جَاءَ الْقَوْمُ أَخْوَلَ أَخْوَلًا، أَيْ انْفَرَدَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِنَفْسِهِ، وَازْدَهَاهُ الْخَالُ أَنْ يَكُونَ تَابِعًا لِغَيْرِهِ، فَكُلّمَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْهُمْ، قُلْت: هَذَا أَخْوَلُ مِنْ الْآخَرِ، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، ثُمّ كَثُرَ حَتّى اُسْتُعْمِلَ فِي التّفَرّقِ مَثَلًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مِنْ مَعْنَى الْخَالِ شَيْءٌ، وَقَدْ قِيلَ فِي أَخْوَلَ: إنّهُ مِنْ تَخَوّلْت بِالْمَوْعِظَةِ، وَنَحْوِهَا إذَا فَعَلْت ذَلِكَ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَفِي الْحَدِيثِ: كَانَ رَسُولُ اللهِﷺ- يَتَخَوّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ، مَخَافَةَ السّآمَةِ عَلَيْنَا. شِعْرُ حَسّانَ الْحَائِيّ: وَذَكَرَ شِعْرَ حَسّانَ الْحَائِيّ وَقَالَ فِيهِ: كَالْحَامِلَاتِ الْوِقْرَ بالثّقل الْمُلِحّات الدّوَالِحْ الدّوَالِحُ: جَمْعُ دَالِحَةٍ وَهِيَ الْمُثَقّلَةُ، وَكَذَلِكَ الدّلُوحُ مِنْ السّحَابِ، وَهِيَ الْمُثْقَلَةُ بِالْمَاءِ وفيه:
[ ٦ / ١٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ينقضن أشعارا لهنّ هناك بادية المسائح
المسائح: جميع: مَسِيحَةٍ، وَهُوَ مَا لَمْ يُمْشَطْ مِنْ الشّعْرِ بِدُهْنِ، وَلَا شَيْءٍ، وَالْمَسِيحَةُ أَيْضًا الْقِطْعَةُ مِنْ الْفِضّةِ، وَالْمَسِيحَةُ الْفَرَسُ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ بَيْنِ مَشْرُورٍ، أَيْ مُفَرّقٍ، وَيُقَالُ شَرَرْت الْمِلْحَ إذَا فَرّقْته «١»، وَالْمَجْلُ كَالْجُرْحِ، تَقُولُ: مَجِلَتْ يَدِي مِنْ الْعَمَلِ.
وَقَوْلُهُ: نُشَائِحُ، أَيْ نُحَاذِرُ، كَمَا قَالَ الْآخَرُ.
وَشَايَحْتَ قَبْلَ الْيَوْمِ إنّك شِيحُ «٢» وَقَوْلُهُ: قَدْ كُنْت الْمُصَامِحَ، وَفِي الْحَاشِيَةِ عِنْدَ الشّيْخِ الْمُصَافِحِ «٣» بِالْفَاءِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، وَأَمّا الْمُصَامِحُ بِالْمِيمِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ صَمَحْت الشّيْءَ إذَا أَذَبْته، قَالَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ، قَالَ: وَالصّمَحْمَحُ مِنْ الرّجال: الشّديد العصب، وسنّه
_________________
(١) فى رواية: مشرور، أى مفتول. ويذعذع: يفرق. والبوارح: الرياح الشديدة.
(٢) الشعر لأبى ذؤيب الهذلى يرثى رجلا من بنى عمه، ويصف مواقفه فى الحرب: وزعتهم حتى إذا ما تبددوا سراعا ولاحت أوجه وكشوح بدرت إلى أولاهم فسبقتهم وشايحت قبل اليوم إنك شيح أنظر اللسان فى مادة شيح وديوان الهذليين ح ١ ص ١١٤- ١٢٠.
(٣) ومعنى المصافح: الراد للشىء، تقول: أتانى فلان، فصفحته عن حاجته أى: رددته عنها. والمصامح: المدافع الشديد، والمنافح المدافع عن القوم «ص ٢٦٠ شرح السيرة لأبى ذر» .
[ ٦ / ١٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَا بَيْنَ الثّلَاثِينَ إلَى الْأَرْبَعِينَ، وَالصّمَاحُ فِيمَا ذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ الرّيحُ الْمُنْتِنَةُ.
وَقَوْلُهُ: سَبَبٌ أَوْ مَنَادِحٌ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعُ: مَنْدُوحَةٍ، وَهِيَ السّعَةُ، وَقِيَاسُهُ: مَنَادِيحُ بِالْيَاءِ، وَحَذْفُهَا ضَرُورَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ النّدْحِ، فَيَكُونُ مُفَاعِلًا بِضَمّ الْمِيمِ، أَيْ مُكَاثِرًا، وَيَكُونُ بِفَتْحِ الْمِيمِ فَيَكُونُ جَمْعُ مَنْدَحَةٍ مَفْعَلَةً مِنْ الْكَثْرَةِ وَالسّعَةِ، وَأَمّا قَوْلُهُمْ: أَنَا فِي مَنْدُوحَةٍ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ، فَهِيَ مَفْعُولَةٌ مِنْ النّدْحِ، وَوَهِمَ أَبُو عُبَيْدٍ، فَجَعَلَهُ مِنْ انْدَاحَ بَطْنُهُ إذَا اتّسَعَ، وَالنّونُ فِي مَنْدُوحَةٍ أَصْلٌ، وَهِيَ فِي انْدَاحَ زَائِدَةٌ، لِأَنّ وَزْنَهُ انْفَعَلَ، وَالْأَلِفُ فِي انْدَاحَ أَصْلٌ وَهِيَ بَدَلٌ مِنْ وَاوٍ كَأَنّهُ مَنْدُوحَةُ الشّجّ، وَالْمِيمُ فِي مَنْدُوحَةٍ زَائِدَةٌ، وَالدّالُ عَيْنُ الْفِعْلِ، وَهُوَ فِي انْدَاحَ فَاءُ الْفِعْلِ، وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ الْخَطّابِيّ: يَا عَجَبًا لِابْنِ قُتَيْبَةَ يَتْرُكُ مِثْلَ هَذَا مِنْ غَلَطِ أَبِي عُبَيْدٍ، وَيُعَنّفُ فِي الرّدّ عَلَيْهِ، فِيمَا لَا بَالَ لَهُ مِنْ الْغَلَطِ.
وَقَوْلُهُ: خَضَارِمَةٌ: جَمْعُ خَضْرَمَ، وَهُوَ الْكَثِيرُ الْعَطَاءِ.
وَقَوْلُهُ: يَرْسِمْنَ مِنْ الرّسِيمِ فِي السّيْرِ، وَالصّحَاصِحُ: جَمْعُ صَحْصَحٍ، وَهِيَ الْأَرْضُ الْمَلْسَاءُ.
وَقَوْلُهُ: لَيْسَ مِنْ فَوْزِ السّفَائِحْ، السّفَائِحُ: جمع سفيحة، وهى كالجوالق «١» ونحوه.
_________________
(١) المفرد جوالق بضم الجيم وكسر اللام وفتحها، أو بكسر الجيم واللام. وجمعها جوالق كصحائف، وجواليق بفتح الجيم، وجوالقات بضم الجيم، -
[ ٦ / ١٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شِعْرُ حَسّانَ اللّامِيّ:
وَقَالَ فِي الْقَصِيدَةِ اللّامِيّةِ: ذِي الْخُرُصِ الذّابِلِ، يُرِيدُ: الرّمْحَ، وَالْخُرُصُ سِنَانُهُ وَجَمْعُهُ خُرْصَانٌ. وَفِيهِ: شُلّتْ يَدَا وَحْشِيّ مِنْ قَاتِلِ.
تَرْكُ تَنْوِينِ الْعَلَمِ لِلضّرُورَةِ:
تَرْكُ التّنْوِينِ لِلضّرُورَةِ لَمّا كَانَ اسْمًا عَلَمًا، وَالْعَلَمُ قَدْ يُتْرَكُ صَرْفُهُ كَثِيرًا، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الْبَصْرِيّونَ، وَاحْتَجّ الْكُوفِيّونَ فِي إجَازَتِهِ بِأَنّ الشّاعِرَ قَدْ يَحْذِفُ الْحَرْفَ وَالْحَرْفَيْنِ نَحْوَ قَوْلِ عَلْقَمَةَ [بْنِ عبده]:
كأنّ إبريقهم ظبى على شرف مفدّم بسبا الكتّان ملثوم «١»
أَيْ بِسَبَائِبَ، وَقَوْلُ لَبِيَدٍ:
كَالْحَمَالِيجِ «٢» بِأَيْدِي التّلَامِ
_________________
(١) - والجوالق: وعاء من صوف أو شعر أو غيرهما كالغرارة. وعند أبى ذر: أن أن السفائح: جمع سفيح، وهو من قداح الميسر.
(٢) لم يكن فى الروض غير قوله: بسبا الكتان. والسبيبة هى الشقة.
(٣) هى فى الأصل: الحلاميح، ولا معنى لها، والحماليج: جمع حملاج- بكسر الحاء- منفاخ الصائغ. وفى اللسان فى مادة تلم ورد هذا البيت منسوبا إلى الطرماح يصف بقرة: تتقى الشمس بمدرية كالحماليج بأيدى التلامى وقال: التلام: اسم أعجمى، ويراد به الصائمة، وقيل: غلمان الصاغة، يقال هو بالكسر يقرأ بإثبات الياء فى القافية- ورواه بعضهم بأيدى التلام- فمن رواه بفتح التا. وإثبات الياء أراد التلاميذ يعنى: تلاميذ الصاغة. ومن رواه بكسر التاء من ثلام، فهى جمع تلم: الغلام. وقيل كل غلام تلم تلميذا كان أو غير تلميذ والجمع التلام وقيل: التلام بالكسر-
[ ٦ / ١٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَيْ التّلَامِيذِ.
وَقَالَ ابْنُ السّرّاجِ مُحْتَجّا عَلَيْهِمْ: لَيْسَ التّنْوِينُ مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ لِأَنّهُ زائد.
لمعنى، وما زيد لمعنى لَا يُحْذَفُ.
شِعْرُ كَعْبٍ وَفِي شِعْرِ كَعْبٍ:
طَرَقَتْ هُمُومُك فَالرّقَادُ مُسَهّدُ أَرَادَ الرّقَادَ مُسَهّدٌ صَاحِبَهُ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ، وَأَقَامَ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ، وَهُوَ الضّمِيرُ الْمَخْفُوضُ، فَصَارَ الضّمِيرُ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمّ فَاعِلُهُ، فَاسْتَتَرَ فِي الْمُسَهّدِ «١» . وَمِنْهُ:
وَجَزِعْت أَنْ سُلِخَ الشّبَابُ الْأَغْيَدُ أَيْ: الْأَغْيَدُ صَاحِبُهُ، وَهُوَ النّاعِمُ.
وَقَوْلُهُ: وَالْخَيْلُ تَثْفِنُهُمْ، أَيْ: تَتّبِعُ آثَارَهُمْ، وَأَصْلُهُ مِنْ ثَفِنَاتِ الْبَعِيرِ، وَهُوَ مَا حَوْلَ الْخُفّ مِنْهُ.
قَصِيدَةُ كَعْبٍ الزّائِيّةُ:
وَقَوْلُ كعب فى الشعر الزّائى:
_________________
(١) - الحملاج الذى ينفخ فيه، والتلام بالفتح التلاميذ التى تنفخ فيها. وأنشد. كالتلاميذ بأيدى التلام وانظر مادة حملج من اللسان. والتلاميذ: الخذم والأتباع.
(٢) ذهب أبو ذر إلى ما ذهب إليه السهيلى، ولكنه زاد: ويجوز أن يكون وصف الرقاد بأنه مسهد على وجه المجاز.
[ ٦ / ١٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَلَيْثُ الْمَلَاحِمِ فِي الْبِزّةِ الْبِزّةُ: الشّارَةُ الْحَسَنَةُ، وَالْبِزّةُ السّلَاحُ أَيْضًا، وَهُوَ مِنْ بَزَزْت الرّجُلَ، إذَا سَلَبْته بِزّتَهُ، يُقَالُ: مَنْ عَزّ بَزّ، أَيْ: مَنْ غَلَبَ سَلَبَ، وَالْبُزَابِزُ: الرّجُلُ الشّدِيدُ.
نُونِيّةُ كَعْبٍ:
وَقَالَ أَيْضًا فِي الْقَصِيدَةِ النّونِيّةِ.
تَلُوذُ الْبُجُودُ، بِأَذْرَائِنَا الْبُجُودُ: جَمْعُ بَجَدٍ، وَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ النّاسِ، وَيُرْوَى النّجُودُ بِالنّونِ، وَهِيَ الْمَرْأَةُ الْمَكْرُوبَةُ. وَالنّجُودُ مِنْ الْإِبِلِ: الْقَوِيّةُ «١» وَقَوْلُهُ: بِأَذْرَائِنَا، جَمْعُ ذَرَا مِنْ قَوْلِهِمْ: أَنَا فِي ذَرَا فُلَانٍ، أَيْ فِي سِتْرِهِ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ: لَيْسَ فِي الشّجَرِ أَذْرَى مِنْ السّلَمِ، أَيْ: أَدْفَأَ ذَرَا مِنْهُ، لِأَنّهُ يُقَالُ: مَا مَاتَ أَحَدٌ صَرْدًا «٢» قَطّ فِي ذَرَا سَلَمَة.
وَقَوْلُهُ: جَلَمَاتُ الْحُرُوبِ. مِنْ قَوْلِك جَلَمْت الشّيْءَ، وَجَرَشْته إذَا قَطَعْته، وَمِنْهُ: الْجَلَمَانُ «٣» . وَقَوْلُهُ: لَدُنْ أَنْ بُرِينَا أَيْ خُلِقْنَا، وَالْبَارِي:
الْخَالِقُ «٤» سُبْحَانَهُ، أَيْ هذا حالنا من لدن خلقنا.
_________________
(١) وهى فى السيرة: النجوم ويعنى: المشهورين من الناس.
(٢) الصرد بسكون الراء وفتحها: البرد أو شدته.
(٣) هما المقراضان واحدهما: جلم. وقيل الجلم الذى يجز به الصوف والشعر، والجلمان شفرتاه.
(٤) يقول ابن الأثير عن البارىء: هو الذى خلق الخلق لا عن مثال، -
[ ٦ / ١٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: يَحْسِبُهَا مَنْ رَآهَا الْفَتِينَا، هِيَ الصّخُورُ السّودُ، سُمّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنّهَا تُشْبِهُ مَا فُتِنَ بِالنّارِ، أَيْ: أُحْرِقَ. وَفِي التّنْزِيلِ: عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ الذاريات: ١٣ وَأَصْلُ الْفِتَنِ «١» الِاخْتِبَارُ، وَإِنّمَا قِيلَ: فَتَنْت الْحَدِيدَةَ بِالنّارِ، لِأَنّك تَخْتَبِرُ طَيّبَهَا مِنْ خَبِيثِهَا.
وَقَوْلُهُ: دَوَاجِنُ حُمْرًا وَجُونًا، أَيْ: حُمْرًا وَسُودًا «٢»، وَقَوْلُهُ: جَأْوَاءُ، أَيْ:
كَتِيبَةٌ لَوْنُهَا لَوْنُ الْحَدِيدِ.
وَقَوْلُهُ: جُولًا طَحُونًا: الْجُولُ: جَانِبُ الْبِئْرِ.
وَقَوْلُهُ: إنْ قَلّصَتْ، يَعْنِي الْحَرْبَ «٣»، ثُمّ وَصَفَهَا فَقَالَ: عَضُوضًا حجونا مِنْ الْعَضّ، وَحَجُونًا مِنْ حَجَنْت الْعُودَ إذَا لويته «٤»، وقوله:
_________________
(١) - ولهذه اللفظة من الاختصاص بخلق الحيوان ما ليس لها بغيره من المخلوقات، وقلما تستعمل فى غير الحيوان، فيقال: برأ الله النسمة، وخلق السماوات والأرض. ويقول أبو هلال العسكرى فى فروقه عن البرية: «البرية فعيلة من برأ الله الخلق، أى: ميز صورهم، وترك همزه لكثرة الاستعمال، وقيل أصل البرية البرى وهو القطع، وسمى برية لأن الله ﷿ قطعهم من جملة الحيوان فأفردهم بصفات ليست لغيرهم، أما الخالق، فهو كما يقول ابن الأثير- الذى أوجد الأشياء جميعها بعد أن لم تكن موجودة، وأصل الخلق: التقدير، فهو باعتبار تقدير ما منه وجودها، وباعتبار الإيجاد على وفق التقدير: خالق. وقد ذكر القرآن الإسمين، فلا يمكن أن يكون أحدهما عين الآخر فى معناه الكلى.
(٢) فى الأصل: الفتى.
(٣) الدواجن: المقيمة.
(٤) وقلصت: ارتفعت وانقبضت.
(٥) الحجون: المعوجة الأسنان.
[ ٦ / ١٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَلَسْنَا نَشُدّ عَلَيْهَا الْعِصَا بَ حَتّى تَدُرّ وَحَتّى تَلِينَا
هَذَا كُلّهُ مِنْ صِفَةِ الْحَرْبِ، شَبّهَهَا بِنَاقَةِ صَعْبَةٍ قَلّصَتْ، أَيْ صَارَتْ قَلُوصًا، أى إنا نذلّل صعبها، ونلين مِنْ ضِرَاسِهَا. وَقَوْلُهُ: وَيَوْمٌ لَهُ رَهَجٌ دَائِمٌ الرّهَجِ: الْغُبَارُ.
وَقَوْلُهُ: شَدِيدُ التّهَاوُلِ: جَمْعُ تَهْوِيلٍ، وَالتّهَاوِيلُ: أَلْوَانٌ مُخْتَلِفَةٌ، قَالَ الشّاعِرُ [عَبْدُ الْمَسِيحِ بْنُ عَسَلَةَ] يَصِفُ رَوْضًا:
وَعَازِبٌ قَدْ عَلَا التّهْوِيلُ جَنْبَتَهُ لَا تَنْفَعُ النّعْلُ فِي رَقْرَاقِهِ الْحَافِي «١»
وَقَوْلُهُ: حَامِي الْأَرِينَا: جَمْعُ إرَةٍ، وَهُوَ مُسْتَوْقَدُ النّارِ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَزْنُهَا عِلّةً مِنْ الْأُوَارِ، وَهُوَ الْحَرّ، فَحُذِفَتْ الْهَمْزَةُ، وَهُمِزَتْ الواو لانكسارها، وجائز أن يكون وزنها فعة مِنْ تَأَرّيْتُ بِالْمَكَانِ، لِأَنّهُمْ يَتَأَرّوْنَ حَوْلَهَا، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الصّحِيحُ، لِأَنّهُمْ جَمَعُوهَا عَلَى إرِينَ مِثْلُ سِنِينَ، وَلَا يُجْمَعُ هَذَا الْجَمْعُ الْمُسْلَمُ كجمع من يعقل إلا إذا حذفت لَامُهُ، وَكَانَ مُؤَنّثًا، وَكَانَ لَامُ الْفِعْلِ حَرْفَ عِلّةٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُذَكّرٌ كَالْأُمّةِ، إذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الشّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ جُمِعَ بِالْوَاوِ وَالنّونِ فِي الرّفْعِ، وَالْيَاءِ وَالنّونِ فِي الْخَفْضِ والنصب، كسنين
_________________
(١) يصف به ما أخرجه الزرع من الألوان، وفى المحكم يصف نباتا وقد نسبه اللسان فى مادة هول كما أثبت لعبد المسيح بن عسلة وهو أخو بنى مرة بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان. وبيته هذا مع أربعة غيره فى المفضليات للضبى وانظر ص ٥٧ سمط اللآلى. البكرى ح ١ وص ٢٥٤ الأمالى للقالى ج ٢ واللسان مادة هول ولغا. وص ٢٣٥ المؤتلف والمختلف لأبى القاسم الحسن ابن بشر بن يحيى الآمدى ط ١٩٦١.
[ ٦ / ١٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَعِضِينَ، غَيْرَ أَنّهُمْ قَدْ قَالُوا رِقِينَ «١» فِي جَمْعِ الرّقّةِ وَهِيَ الْوَرِقُ وَقَدْ تَكَلّمْنَا عَلَى سِرّ هَذَا الْجَمْعِ وَسِرّ أَرْضِينَ فِي «نَتَائِجِ الْفِكْرِ» بِمَا فِيهِ جَلَاءٌ وَالْحَمْدُ لِلّهِ.
وَقَوْلُهُ: كَنَارِ أَبِي حُبَاحِبَ وَالضّبِينَا «٢» يُقَالُ أَبُو حُبَاحِبَ ذُبَابٌ يَلْمَعُ بِاللّيْلِ، وَقِيلَ كَانَ رَجُلًا لَئِيمًا لَا يَرْفَعُ نَارَهُ «٣» خَشْيَةَ الْأَضْيَافِ، وَلَا يُوقِدُهَا إلّا ضَعِيفَةً، وَتَرَكَ صَرْفَهُ وَلَمْ يَخْفِضْ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْخَفْضِ، لِمَا قَدّمْنَاهُ مِنْ أَنّ الِاسْمَ إذَا تُرِكَ صَرْفُهُ ضَرُورَةً أَوْ غَيْرَ ضَرُورَةٍ، لَمْ يَدْخُلْهُ الْخَفْضُ كَمَا لَا يَدْخُلُهُ التّنْوِينُ، لِئَلّا يُشْبِهَ مَا يُضِيفُهُ الْمُتَكَلّمُ إلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا أَدْرِي مَا حُبَاحِبُ وَلَا أَبُو حُبَاحِبَ، وَلَا بَلَغَنِي عَنْ الْعَرَبِ فِيهِ شَيْءٌ «٤»، وَقَالَ فِي الْإِرَةِ عَنْ قَوْمٍ حَكَى قَوْلَهُمْ: هُوَ مِنْ أَرَيْت الشّيْءَ إذا عملته، وقال: الأرى هو عمل النحل وفعلها،
_________________
(١) فى الأصل: رقيق وهو خطأ صوابه ما أثبته. والرقة: الدرهم المضروب. ورقون فى حال الرفع، ورقين فى حال النصب والحجر.
(٢) لا يوجد فى القصيدة ما ذكره، ولكنه بيت الكميت هو: يرى الراؤن بالشفرات منها كنار أبى حباحب والظبينا وإنما ترك الكميت صرفه، لأنه جعله اسما لمؤنث.
(٣) كان من محارب خصفة، وقد ضرب بناره المثل، فقالوا: نار الحباحب لما تقدحه الخيل بحوافرها، فان ما أورت الخيل لا ينتفع به كما لا ينتفع بنار الحباحب، وقيل إنه كان إذا انتبه منتبه، ليقبس من ناره أطفأها، وقد اشتق ابن الأعرابى نار الحباحب من الحبحبة، وهى الضعف. وأما: أم حباحب فدويبة مثل الجندب تطير صفراء خضراء رقطاء.
(٤) قال: ويزعم قوم أنه اليراع، واليراع فراشة إذا طارت ظن أنها شررة. وقيل إن الحباحب هو طائر أطول من الذباب فى دقة يطير فيما بين المغرب والعشاء.
[ ٦ / ١٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثُمّ سُمّيَ الْعَسَلُ أَرْيًا لِهَذَا كَمَا يُسَمّى مزجا وأنشد [لأبى ذؤيب الهذلى]:
وجاؤا بِمَزْجِ لَمْ يَرَ النّاسُ مِثْلَهُ هُوَ الضّحِكُ إلّا أَنّهُ عَمَلُ النّحْلِ «١»
قَالَ: وَالضّحْكُ: الزّبْدُ الْأَبْيَضُ، وَقِيلَ الثّغْرُ، وَقِيلَ الطّلْعُ، وَقِيلَ:
الْعَجَبُ.
وَقَوْلُهُ: وَالظّبِينَا: جَمْعُ ظُبَةٍ، جَمَعَهَا عَلَى هَذَا الْجَمْعِ الْمُسْلَمِ، لِمَا قَدّمْنَاهُ فِي الْأَرِينَ وَالسّنِينَ، غَيْرَ أَنّهُ لَمْ يَكْسِرْ أَوّلَ الْكَلِمَةِ كَمَا كُسِرَتْ السّينُ مِنْ سِنِينَ إشْعَارًا بِالْجَمْعِ، لِأَنّ ظُبِينَ لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا، إذْ لَيْسَ فِي الْأَسْمَاءِ فَعِيلٌ، وَكَسَرُوا أَوّلَ «٢» سِنِينَ إيذَانًا بِأَنّهُ جَمْعٌ كَيْ لَا يُتَوَهّمَ أَنّهُ اسْمٌ عَلَى فُعُولٍ، إذْ لَيْسَ فِي الْأَسْمَاءِ فُعُولٌ وَلَا فِعِيلٍ وَلَمْ يَبْلُغْ سِيبَوَيْهِ أَنّ ظُبَةَ تُجْمَعُ عَلَى ظُبِينَ، وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الشّعْرِ، وَفِي غَيْرِهِ كَمَا تَرَاهُ.
وَقَوْلُهُ: قَوَاحِزُهُ: جَمْعُ قَاحِزٍ وَهُوَ الْوَثّابُ الْقَلِقُ، يُقَالُ: قحز قحزانا
_________________
(١) فى اللسان فى مادة ضحك: فجاء.
(٢) بعضهم- كما جاء فى اللسان- يقول: سنون بضم السين، وبعضهم يجعل النون فى سنين هى علامة الإعراب فيقول. هذه سنين بضم النون مع تنوينها، ورأيت سنينا، وبعضهم يجعل النون نون الجمع، فيقول هذه سنون، ورأيت سنين. والنحويين بعض تفصيل فى هذه المسألة. فقالوا: الغالب فى باب سنه وأخواتها أن ما كان منه مفتوح الفاء فى المفرد فإنه يكسر فى الجمع مثل سنة وسنين، وما كان مكسور الفاء فى المفرد لم يتغير فى الجمع، مثل مائة ومئين وعضه وعضين وعزه وعزين وما كان مضموم الفاء يجوز فيه الكسر والضم، مثل: ثبة وثبين. انظر ص ٧٤ ح ١ من التصريح على التوضيح لابن هشام.
[ ٦ / ١٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[وَقَحْزًا وَقُحُوزًا] «١»، إذَا وَثَبَ وَقَلِقَ. وَقَوْلُهُ: بِخُرْسِ الْحَسِيسِ، يَصِفُ السّيُوفَ بِالْخَرَسِ لِوُقُوعِهَا فِي الدّمِ وَاللّحْمِ.
وَقَوْلُهُ: حِسَانٍ رِوَاءٍ: مِنْ الدّمِ، وَقَوْلُهُ: بُصْرِيّةٌ: مَنْسُوبَةٌ إلَى بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشّامِ، كما أن المشرقيّة مَنْسُوبَةٌ إلَى مَشَارِفَ مِنْ أَرْضِ الشّامِ، لِأَنّهَا تُصْنَعُ فِيهَا.
وَقَوْلُهُ: قَدْ أَجَمْنَ الْجُفُونَا، أَيْ كَرِهْنَ الْمُقَامَ فِيهَا، وَمَلَلْنَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ هِشَامٍ لِسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: مَا طَعَامُك؟ قَالَ: الْخُبْزُ بِالزّيْتِ، قَالَ: أَمَا تَأْجِمُهُمَا؟ قَالَ: إذَا أَجِمْتهمَا تَرَكْتهمَا حَتّى أَشْتَهِيهِمَا.
وَقَوْلُهُ: وَتَحْتَ الْعَمَايَةِ وَالْمُعْلِمِينَا، بِإِسْقَاطِ الْوَاوِ مِنْ أَوّلِ الْقَسِيمِ الثّانِي «٢» وَقَعَ فِي الْأَصْلِ وَفِي الْحَاشِيَةِ، وَتَحْتَ الْعَمَايَةِ بِوَاوِ الْعَطْفِ وَقَعَ فِي الْأَصْلَيْنِ، وَبِهَا يَكْمُلُ الْوَزْنُ وَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُهَا إلّا عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ الّذِي يُجِيزُ الْخَرْمَ فِي أَوّلِ الْقَسِيمِ الثّانِي مِنْ الْبَيْتِ، كَمَا يُجِيزُهُ الْعَرُوضِيّونَ فِي أَوّلِ الْبَيْتِ.
وَقَوْلُهُ: تُطِيفُ بِك الْمُنْدِيَاتُ: أَيْ الْأُمُورُ الشّنِيعَةُ.
وَقَوْلُهُ: تَبَجّسْت، مِنْ تَبَجّسَ الْمَاءُ، إذا انفجر.
_________________
(١) ما بين القوسين من القاموس.
(٢) أى بحذف الواو قبل: تحت.
[ ٦ / ١٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شِعْرُ ضِرَارٍ وَقَوْلُ ضِرَارٍ فِي قَصِيدَتِهِ الدّالِيّةِ يَكْبُو فِي جَدِيّتِهِ «١»، أَيْ: فِي دَمِهِ.
وَقَوْلُهُ: ثَعْلَبٌ جَسَدُ، يُرِيدُ ثَعْلَبَ الرّمْحِ، وَجَسِدَ مِنْ الْجِسَادِ وَهُوَ الدّمُ «٢» .
وَقَوْلُهُ: الْأَضْغَانُ وَالْحِقِدُ، حَرّكَ الْقَافَ بِالْكَسْرِ ضَرُورَةً، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى الدّالِ بِالسّكُونِ، وَكَانَ الِاسْمُ مَخْفُوضًا كَانَ الْكَسْرُ أَحْسَنَ فى الوقف، كما قال:
واصطفاقا بِالرّجْلِ، أَيْ: الرّجْلِ «٣» .
وَقَوْلُهُ: الْعَوْصَاءُ وَالْكُؤُدُ، يُرِيدُ الرّمُلَةَ الْعَوِيصُ مَسْلَكُهَا، وَالْكُؤُدُ جَمْعُ عَقَبَةٍ كَؤُودٍ وهى الشاقة.
_________________
(١) عند الخشنى: طريقة الدم.
(٢) الثعلب ما دخل من الرمح فى السنان. وجسد يبس عليه الدم «الخشنى ص ٢٧٢» .
(٣) انظر ص ٣٢١ ح ٢ الشافية لابن الحاجب مع شرحها للرضى، وقد أنشد اللسان: أرتنى حجلا على ساقها فهش الفؤاد لذاك الحجل فقلت، ولم أخف عن صاحبى ألابى أنا أصل تلك الرجل ثم قال: أراد الرجل- بكسر الراء وسكون الجيم- والحجل- بضبط الرجل- فألقى حركة اللام- وهى الكسر- على الجيم. وليس هذا وضعا، لأن فعلا- بكسر الفاء والعين- لم يأت إلا فى قولهم: إبل وإطل.
[ ٦ / ١٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَجَزُ عِكْرِمَةَ:
وَقَوْلُ عِكْرِمَةَ: أَرْحِبْ هَلّا، هُوَ مِنْ زَجْرِ الْخَيْلِ، وَكَذَلِكَ هِقِطْ وَهِقِطْ وَهَبْ وَسَقَبْ «١» . وَذَكَرَ قَوْلَ نعيم:
شعر نُعَيْمٍ:
يَا عَيْنُ جُودِيّ بِفَيْضِ غَيْرِ إبْسَاسِ الْإِبْسَاسُ: أَنْ تَسْتَدِرّ لَبَنَ النّاقَةِ بِأَنْ تَمْسَحَ ضَرْعَهَا، وَتَقُولُ لَهَا: بَسْ بَسْ فَاسْتَعَارَتْ هَذَا الْمَعْنَى لِلدّمْعِ الْفَائِضِ بِغَيْرِ تَكَلّفٍ وَلَا اسْتِدْرَارٍ لَهُ.
وَقَوْلُهَا: صَعْبُ الْبَدِيهَةِ، أَيْ: بَدِيهَتُهُ «٢» لَا تُعَارَضُ وَلَا تُطَاقُ، فَكَيْفَ رَوِيّتُهُ وَاحْتِفَالُهُ.
شِعْرُ كَعْبٍ اللّامِيّ:
وَفِي شِعْرِ كَعْبٍ:
بَكَتْ عَيْنِي وَحُقّ لَهَا بُكَاهَا وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ
وَضَعَ الْمَقْصُورَ فِي مَوْضِعِهِ، وَالْمَمْدُودَ فِي مَوْضِعِهِ، لِأَنّ البكا مقصور بمعنى
_________________
(١) سبق ذكرها. وهقط عن المبرد وحده. وقد كررها فى الروض مرتين، وأظن أن الأخرى: هقب بكسر ففتح وهى من زجر الخيل أيضا.
(٢) البديهة: سداد الرأى عند المفاجأة، والمعرفة يجدها الإنسان فى نفسه من غير إعمال للفكر، ولا علم بسببها، وأول كل شىء وما يفجأ منه.
[ ٦ / ١٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْحُزْنِ وَالْغَمّ، وَإِنْ كَانَ مَمْدُودًا فَهُوَ الصّرَاخُ، وَكَذَلِكَ قِيَاسُ الْأَصْوَاتِ أَنْ تَكُونَ عَلَى فِعَالٍ، فَقَوْلُهُ: حُقّ لَهَا بُكَاهَا، أَيْ حُقّ لَهَا حُزْنُهَا، لِأَنّهُ الّذِي يَحِقّ دُونَ الصّرَاخِ. ثُمّ: قَالَ: وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ، أَيْ: لَيْسَ يَنْفَعُ الصّيَاحُ وَلَا الصّرَاخُ، وَلَا يُجْدِي عَلَى أَحَدٍ، فَتَنَزّلَتْ كُلّ كَلِمَةٍ مَنْزِلَتَهَا.
وَقَوْلُهُ: حُقّ لَهَا، أَيْ: حُقّ، وَالْأَصْلُ: حَقِقَ عَلَى فَعِلَ، فَبُكَاهَا: فَاعِلٌ لَا مَفْعُولٌ، وَكُلّ فِعْلٍ إذَا أَرَدْت الْمُبَالَغَةَ فِي الْأَمْرِ وَمَعْنَى التّعَجّبِ نُقِلَتْ الضّمّةُ مِنْ عَيْنِ الْفِعْلِ إلَى فَائِهِ، فَتَقُولُ: حَسُنَ زَيْدٌ، أَيْ حَسُنَ جِدّا، فَإِنْ لَمْ تُرِدْ مَعْنَى التّعَجّبِ لَمْ يَجُزْ إلّا الضّمّ أَوْ التّسْكِينُ، تَقُولُ: كَبُرَ زَيْدٌ وَكَبْرُ، وَلَا تَقُولُ كُبْرَ إلّا مَعَ قَصْدِ التّعَجّبِ. قَالَ الشّاعِرُ [الْأَخْطَلُ]:
فَقُلْت:
اُقْتُلُوهَا عَنْكُمْ بِمِزَاجِهَا وَحُبّ بِهَا مَقْتُولَةً حِينَ تُقْتَلُ
يَعْنِي الْخَمْرَ. وَقَالَ آخَرُ: [سَهْمُ بْنُ حَنْظَلَةَ الْغَنَوِيّ]:
لَمْ يَمْنَعْ الْقَوْمُ مِنّي مَا أَرَدْت وَلَمْ أُعْطِيهِمْ مَا أَرَادُوا حُسْنَ ذَا أَدَبَا «١»
أَيْ حَسُنَ، وَقَالَ آخَرُ:
أَلَا حُبّ بِالْبَيْتِ الّذِي أَنْتَ زائره
_________________
(١) سبق هذا وانظر ص ٤١ إصلاح المنطق لابن السكيت وتهذيبه التبريزى ص ٥٤ ففيهما ما نقل السهيلى وعنه وعن التبريزى نقلت اسم الأخطل، ونقلت اسم سهم بين حنظلة وعن كتاب تهذيب إصلاح المنطق لأبى زكريا يحيى بن على ابن الخطيب التبريزى ص ٥٤.
[ ٦ / ١٦١ ]
[ذكر يوم الرجيع]
فى سنة ثلاث مقتل خبيب وأصحابه قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هِشَامٍ، قَالَ: حَدّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَكّائِيّ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطّلِبِيّ، قَالَ: حَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ أُحُدٍ رَهْطٌ مِنْ عَضَلٍ وَالْقَارّةِ.
ــ
وَقَالَ: بِالْبَيْتِ، لِأَنّ مَعْنَاهُ كَمَعْنَى أَحْبِبْ بِالْبَيْتِ تَعَجّبًا. وَقَوْلُ كَعْبٍ:
أَبَا يَعْلَى لَك الْأَرْكَانُ هَدّتْ
كَانَ حَمْزَةُ يُكَنّى أَبَا يَعْلَى بِابْنِهِ يَعْلَى، وَلَمْ يَعِشْ لِحَمْزَةِ وَلَدٌ غَيْرُهُ، وَأَعْقَبَ يَعْلَى خَمْسَةٌ مِنْ الْبَنِينَ، ثُمّ انْقَرَضَ عَقِبُهُمْ فِيمَا ذَكَرَ مُصْعَبٌ وَيُكَنّى حَمْزَةُ أَيْضًا أَبَا عُمَارَةَ، وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُهُ فِي الْمَبْعَثِ، بِهَذِهِ الْكُنْيَةِ، قِيلَ: إنّ عُمَارَةَ بِنْتٌ لَهُ كُنّيَ بِهَا، وَهِيَ الّتِي وَقَعَ ذِكْرُهَا فِي السّنَنِ لِلدّارَقُطْنِيّ: أَنّ مَوْلَى لِحَمْزَةِ مَاتَ، وَتَرَكَ «١» بِنْتًا فَوَرِثَتْ مِنْهُ النّصْفُ، وَوَرِثَتْ بِنْتُ حَمْزَةَ النّصْفَ الْآخَرَ، وَلَمْ يُسَمّهَا فِي السّنَنِ، وَلَكِنْ جَاءَ اسْمُهَا فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لِبَكْرِ بْنِ الْعَلَاءِ وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ رُوِيَ أَنّ الْوَلَاءَ كَانَ لَهَا، وَأَنّهَا كَانَتْ الْمُعْتِقَةَ لَا حَمْزَةَ.
_________________
(١) فى جمهرة ابن حزم «ولد حمزة عمارة أمه خولة بنت قيس بن فهد الأنصارى ويعلى وعامر أمهما أنصارية، وابنة تزوجها سلمة بن أبى سلمة ابن عبد الأسد المخزومى، وقد انقرض عقب حمزة ﵁» ص ١٥.
[ ٦ / ١٦٢ ]
[نسب عَضَلٍ وَالْقَارّةِ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَضَلٌ وَالْقَارّةُ، مِنْ الْهَوْنِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْهُونُ، بِضَمّ الْهَاءِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ فِينَا إسْلَامًا، فَابْعَثْ مَعَنَا نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِك يُفَقّهُونَنَا فِي الدّينِ، وَيُقْرِئُونَنَا الْقُرْآنَ، وَيُعَلّمُونَنَا شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ.
فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَفَرًا سِتّةً مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُمْ: مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ، حَلِيفُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ؛ وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ اللّيْثِيّ، حَلِيفُ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ، وَعَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ، أَخُو بنى عمرو ابن عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ؛ وَخُبَيْبٌ بْنُ عَدِيّ، أَخُو بَنِي جَحْجَبَى بْنِ كُلْفَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَزَيْدُ بْنُ الدّثِنّةِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، أَخُو بَنِي بَيَاضَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ زريق بن عبد حارثة بْنِ غَضْبِ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ؛ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ طَارِقٍ حَلِيفُ بَنِي ظَفَرِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ.
وَأَمّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْقَوْمِ مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ فخرج مع القوم. حَتّى إذَا كَانُوا عَلَى الرّجِيعِ، مَاءٍ لِهُذَيْلٍ بِنَاحِيَةِ الْحِجَازِ، عَلَى صُدُورِ الْهَدْأَةِ غَدَرُوا بِهِمْ، فَاسْتَصْرَخُوا عَلَيْهِمْ هُذَيْلًا؛ فَلَمْ يَرُعْ الْقَوْمَ، وَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ، إلّا الرّجَالُ بِأَيْدِيهِمْ السّيُوفُ، قَدْ غَشُوهُمْ؛ فَأَخَذُوا أَسْيَافَهُمْ لِيُقَاتِلُوهُمْ، فَقَالُوا لَهُمْ: إنّا وَاَللهِ مَا نُرِيدُ قَتْلَكُمْ، وَلَكِنّا نُرِيدُ أَنْ نُصِيبَ بِكُمْ شَيْئًا مِنْ أَهْلِ مَكّةَ وَلَكُمْ عَهْدُ اللهِ وَمِيثَاقُهُ أَنْ لَا نَقْتُلَكُمْ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٦٣ ]
[مَقْتَلُ مَرْثَدٍ وَابْنِ الْبُكَيْرِ وَعَاصِمٍ]
فَأُمّا مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَعَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالُوا:
وَاَللهِ لَا نَقْبَلُ مِنْ مُشْرِكٍ عَهْدًا وَلَا عَقْدًا أَبَدًا؛ فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ:
مَا عِلّتِي وَأَنَا جَلْدٌ نَابِلُ وَالْقَوْسُ فِيهَا وَتَرٌ عُنَابِلُ
تَزَلّ عَنْ صَفْحَتِهَا الْمَعَابِلُ الْمَوْتُ حَقّ وَالْحَيَاةُ بَاطِلُ
وَكُلّ مَا حَمّ الْإِلَهُ نَازِلٌ بِالْمَرْءِ وَالْمَرْءُ إلَيْهِ آئِلُ
إنْ لَمْ أُقَاتِلْكُمْ فَأُمّي هَابِلُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَابِلُ: ثَاكِلُ.
وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
أَبُو سُلَيْمَانَ وَرِيشُ الْمُقْعَدِ وَضَالَةٌ مِثْلَ الْجَحِيمِ الْمُوقَدِ
إذَا النّوَاجِي افْتُرِشْتِ لَمْ أُرْعَدْ وَمُجْنَأٌ مِنْ جَلَدٍ ثَوْرٍ أَجْرَدِ
وَمُؤْمِنٌ بِمَا على محمّد وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
أَبُو سُلَيْمَانَ وَمِثْلِي رَامَى وَكَانَ قَوْمِي مَعْشَرًا كِرَامَا
وَكَانَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ يُكَنّى: أَبَا سُلَيْمَانَ. ثُمّ قاتل القوم حتى قتل وقتل صاحباه.
[حِمَايَةِ الدّبْرِ لِعَاصِمِ]
فَلَمّا قُتِلَ عَاصِمٌ أَرَادَتْ هُذَيْلٌ أَخْذَ رَأْسِهِ، لِيَبِيعُوهُ مِنْ سُلَافَةَ بِنْتِ سعد
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٦٤ ]
ابن شُهَيْدٍ، وَكَانَتْ قَدْ نَذَرَتْ حِين أَصَابَ ابْنَيْهَا يَوْمَ أُحُدٍ: لَئِنْ قَدَرَتْ عَلَى رَأْسِ عَاصِمٍ لَتَشْرَبَن فِي قِحْفِهِ الْخَمْرَ، فَمَنَعَتْهُ الدّبْرُ، فَلَمّا حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ الدّبْرُ قَالُوا: دَعُوهُ يُمْسِي فَتَذْهَبُ عَنْهُ، فَنَأْخُذُهُ. فَبَعَثَ اللهُ الْوَادِيَ، فَاحْتَمَلَ عَاصِمًا، فَذَهَبَ بِهِ. وَقَدْ كَانَ عَاصِمٌ قَدْ أَعْطَى اللهَ عَهْدًا أَنْ لَا يَمَسّهُ مُشْرِكٌ، وَلَا يَمَسّ مُشْرِكًا أَبَدًا، تَنَجّسًا؛ فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ يَقُولُ:
حِينَ بَلَغَهُ أَنّ الدّبْرَ مَنَعَتْهُ: يَحْفَظُ اللهُ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ، كَانَ عَاصِمٌ نَذَرَ أَنْ لَا يَمَسّهُ مُشْرِكٌ، وَلَا يَمَسّ مُشْرِكًا أَبَدًا فِي حَيَاتِهِ، فَمَنَعَهُ اللهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ، كَمَا امْتَنَعَ مِنْهُ فى حياته.
[مصرع خبيب وابن طارق وَابْنِ الدّثِنّةِ]
وَأَمّا زَيْدُ بْنُ الدّثِنّةِ وَخُبَيْبٌ بْنُ عَدِيّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ طَارِقٍ، فَلَانُوا وَرَقّوا وَرَغِبُوا فِي الْحَيَاةِ، فَأَعْطَوْا بِأَيْدِيهِمْ، فَأَسَرُوهُمْ، ثُمّ خَرَجُوا إلَى مَكّةَ، لِيَبِيعُوهُمْ بِهَا، حَتّى إذَا كَانُوا بِالظّهْرَانِ انْتَزَعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ طَارِقٍ يَدَهُ مِنْ الْقِرَانِ، ثُمّ أَخَذَ سَيْفَهُ، وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُ الْقَوْمُ، فَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ حَتّى قَتَلُوهُ، فَقَبْرُهُ، ﵀، بِالظّهْرَانِ؛ وَأَمّا خُبَيْبُ بْنُ عَدِيّ وَزَيْدُ بْنُ الدّثِنّةِ فَقَدِمُوا بِهِمَا مَكّةَ.
قال ابن هشام: فباعوهما مِنْ قُرَيْشٍ بِأَسِيرَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ كَانَا بِمَكّةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَابْتَاعَ خُبَيْبًا حُجَيْرُ بْنُ أَبِي إهَابٍ التّمِيمِيّ، حَلِيفُ بَنِي نَوْفَلٍ، لِعُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وَكَانَ أبو إهاب أخا الحارث ابن عامر لأمه لقتله بأبيه.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٦٥ ]
قال ابن هشام: الحارث بن عامر، خَالُ أَبِي إهَابٍ، وَأَبُو إهَابٍ، أَحَدُ بَنِي أُسَيّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، وَيُقَالُ: أَحَدُ بَنِي عُدَس بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بن دارم، من بنى تميم.
[مثل من وفاء ابن الدثنة لِلرّسُولِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمّا زَيْدُ بْنُ الدّثِنّةِ فَابْتَاعَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ، أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَبَعَثَ بِهِ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ مَعَ مَوْلًى لَهُ، يُقَالُ لَهُ:
نِسْطَاسُ، إلَى التّنْعِيمِ، وَأَخْرَجُوهُ مِنْ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ. وَاجْتَمَعَ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ؛ فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ قَدِمَ لِيُقْتَلَ:
أَنْشُدُكَ اللهَ يَا زَيْدُ، أَتُحِبّ أَنّ مُحَمّدًا عِنْدَنَا الْآنَ فِي مَكَانِك نَضْرِبُ عُنُقَهُ، وَأَنّك فِي أَهْلِك؟ قَالَ: وَاَللهِ مَا أُحِبّ أَنّ مُحَمّدًا الْآنَ فِي مَكَانِهِ الّذِي هُوَ فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وأنّى جَالِسٌ فِي أَهْلِي. قَالَ: يَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ:
مَا رَأَيْت مِنْ النّاسِ أَحَدًا يُحِبّ أَحَدًا كَحُبّ أَصْحَابِ مُحَمّدٍ مُحَمّدًا؛ ثُمّ قَتَلَهُ نِسْطَاسُ، يرحمه الله.
[مَقْتَلُ خُبَيْبٍ وَحَدِيثُ دَعْوَتِهِ]
وَأَمّا خُبَيْبُ بْنُ عَدِيّ، فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، أَنّهُ حُدّثَ عَنْ مَاوِيّةَ، مَوْلَاةِ حُجَيْرِ بْنِ أَبِي إهَابٍ، وَكَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ، قَالَتْ:
كَانَ خُبَيْبٌ عِنْدِي، حُبِسَ فِي بَيْتِي، فَلَقَدْ اطّلَعَتْ عَلَيْهِ يَوْمًا، وَإِنّ فِي يَدِهِ لَقِطْفًا مِنْ عِنَبٍ، مِثْلَ رَأْسِ الرّجُلِ يَأْكُلُ مِنْهُ، وَمَا أَعْلَمُ فِي أَرْضِ اللهِ عِنَبًا يُؤْكَلُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٦٦ ]
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بْنِ قَتَادَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ جَمِيعًا أَنّهَا قَالَتْ: قَالَ لِي حِينَ حَضَرَهُ الْقَتْلُ: ابْعَثِي إلَيّ بِحَدِيدَةٍ أَتَطَهّرُ بِهَا لِلْقَتْلِ، قَالَتْ: فَأَعْطَيْتُ غُلَامًا مِنْ الْحَيّ الْمُوسَى، فَقُلْت: اُدْخُلْ بِهَا عَلَى هَذَا الرّجُلِ الْبَيْتَ؛ قَالَتْ: فَوَاَللهِ مَا هُوَ إلّا أَنْ وَلّى الْغُلَامُ بِهَا إلَيْهِ، فَقُلْت: مَاذَا صَنَعْتُ! أَصَابَ وَاَللهِ الرّجُلُ ثَأْرَهُ بِقَتْلِ هَذَا الْغُلَامِ، فَيَكُونُ رَجُلًا برجل، فلما ناوله الحديدة أخذها من يده ثم قَالَ: لَعَمْرَك، مَا خَافَتْ أُمّك غَدْرِي حِينَ بَعَثَتْك بِهَذِهِ الْحَدِيدَةِ إلَيّ! ثُمّ خَلّى سَبِيلَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: إنّ الْغُلَامَ ابْنُهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ عَاصِمٌ: ثُمّ خَرَجُوا بخبيب، حتى إذا جاؤا بِهِ إلَى التّنْعِيمِ لِيَصْلُبُوهُ، قَالَ لَهُمْ: إنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَدَعُونِي حَتّى أَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ فَافْعَلُوا؛ قَالُوا: دُونَك فَارْكَعْ. فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ أَتَمّهُمَا وَأَحْسَنَهُمَا، ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ: أَمَا وَاَللهِ لَوْلَا أَنْ تَظُنّوا أَنّي إنّمَا طَوّلْت جَزَعًا مِنْ الْقَتْلِ لَاسْتَكْثَرْت مِنْ الصّلَاةِ. قَالَ: فَكَانَ خُبَيْبُ بْنُ عَدِيّ أَوّلَ مَنْ سَنّ هَاتَيْنِ الرّكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْقَتْلِ لِلْمُسْلِمِينَ. قَالَ: ثُمّ رَفَعُوهُ عَلَى خَشَبَةٍ، فَلَمّا أَوْثَقُوهُ، قَالَ: اللهُمّ إنّا قَدْ بَلّغْنَا رِسَالَةَ رَسُولِك، فَبَلّغْهُ الْغَدَاةَ مَا يُصْنَعُ بِنَا؛ ثُمّ قَالَ: اللهُمّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا وَلَا تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا.
ثُمّ قَتَلُوهُ ﵀.
فَكَانَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ يَقُولُ: حَضَرْتُهُ يَوْمَئِذٍ فِيمَنْ حَضَرَهُ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يُلْقِينِي إلَى الْأَرْضِ فَرْقًا مِنْ دَعْوَةِ خُبَيْبٍ، وَكَانُوا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٦٧ ]
يَقُولُونَ إنّ الرّجُلَ إذَا دُعِيَ عَلَيْهِ، فَاضْطَجَعَ لِجَنْبِهِ زَالَتْ عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبّادٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ سَمِعْته يَقُولُ: مَا أَنَا وَاَللهِ قَتَلْت خُبَيْبًا، لِأَنّي كُنْت أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنّ أَبَا مَيْسَرَةَ، أَخَا بَنِي عَبْدِ الدّارِ، أَخَذَ الْحَرْبَةَ فَجَعَلَهَا فِي يَدِي، ثُمّ أَخَذَ بِيَدِي وَبِالْحَرْبَةِ، ثُمّ طَعَنَهُ بِهَا حَتّى قَتَلَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁ اسْتَعْمَلَ سَعِيدَ بْنَ عَامِرِ بْنِ حِذْيَمٍ الْجُمَحِيّ عَلَى بَعْضِ الشّامِ، فَكَانَتْ تُصِيبُهُ غَشْيَةٌ، وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَيْ الْقَوْمِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرِ بْنِ الْخَطّابِ، وَقِيلَ: إنّ الرّجُلَ مُصَابٌ؛ فَسَأَلَهُ عُمَرُ فِي قَدْمَةٍ قَدِمَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ:
يَا سَعِيدُ، مَا هَذَا الّذِي يُصِيبُك؟ فَقَالَ: وَاَللهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا بِي مِنْ بَأْسٍ، وَلَكِنّي كنت فيمن حَضَرَ خُبَيْبُ بْنُ عَدِيّ حِينَ قُتِلَ، وَسَمِعْتُ دَعْوَتَهُ، فَوَاَللهِ مَا خَطَرَتْ عَلَى قَلْبِي وَأَنَا فِي مَجْلِسٍ قَطّ إلّا غُشِيَ عَلَيّ، فَزَادَتْهُ عِنْدَ عُمَرَ خَيْرًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَقَامَ خُبَيْبٌ فِي أَيْدِيهِمْ حَتّى انْقَضَتْ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ، ثُمّ قَتَلُوهُ.
[مَا نَزَلَ فِي سَرِيّةِ الرّجِيعِ مِنْ الْقُرْآنِ]
قَالَ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمّا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي تِلْكَ السّرِيّةِ، كَمَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٦٨ ]
حَدّثَنِي مَوْلًى لِآلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبّاسٍ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ ابن جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا أُصِيبَتْ السّرِيّةُ الّتِي كَانَ فِيهَا مَرْثَدٌ وَعَاصِمٌ بِالرّجِيعِ، قَالَ رِجَالٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ: يَا وَيْحَ هَؤُلَاءِ الْمَفْتُونِينَ الّذِينَ هَلَكُوا (هَكَذَا)، لَا هُمْ قَعَدُوا فِي أَهْلِيهِمْ، وَلَا هُمْ أَدّوْا رِسَالَةَ صَاحِبِهِمْ! فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْمُنَافِقِينَ، وَمَا أَصَابَ أُولَئِكَ النّفَرُ مِنْ الْخَيْرِ بِاَلّذِي أَصَابَهُمْ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا:
أَيْ لِمَا يُظْهِرُ مِنْ الْإِسْلَامِ بِلِسَانِهِ، وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى مَا فِي قَلْبِهِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا يَقُولُ بِلِسَانِهِ، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ: أَيْ ذُو جِدَالٍ إذَا كَلّمَك وَرَاجَعَك.
[تَفْسِيرُ ابن هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: الْأَلَدّ: الّذِي يَشْغَبُ، فَتَشْتَدّ خُصُومَتُهُ؛ وَجَمْعُهُ: لُدّ.
وَفِي كِتَابِ اللهِ ﷿: وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا. وَقَالَ الْمُهَلْهَلُ بْنُ رَبِيعَةَ التّغْلِبِيّ، وَاسْمُهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ؛ وَيُقَالُ: عَدِيّ بْنُ رَبِيعَةَ:
إنّ تَحْتَ الْأَحْجَارِ حَدّا وَلِينَا وَخَصِيمًا أَلَدّ ذَا مِعْلَاقِ
وَيُرْوَى ذَا مِغْلَاقِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ له، وهو الألندد. قَالَ الطّرِمّاحُ بْنُ حَكِيمٍ الطّائِيّ يَصِفُ الْحِرْبَاءَ:
يُوفِي عَلَى جِذْمِ الْجُذُولِ كَأَنّهُ خَصْمٌ أَبَرّ عَلَى الْخُصُومِ أَلَنْدَد
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٦٩ ]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ تَعَالَى: وَإِذا تَوَلَّى: أَيْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِك سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها، وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسادَ أَيْ لَا يُحِبّ عَمَلَهُ وَلَا يَرْضَاهُ. وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ* وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ، وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ: أَيْ قَدْ شَرَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْ اللهِ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَالْقِيَامِ بِحَقّهِ، حَتّى هَلَكُوا عَلَى ذَلِكَ، يَعْنِي تِلْكَ السّرِيّةَ.
[تَفْسِيرُ ابْنِ هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: يَشْرِي نَفْسَهُ: يَبِيعُ نَفْسَهُ؛ وَشَرَوْا: بَاعُوا. قال يزيد ابن رَبِيعَةَ بْنِ مُفَرّغٍ الْحِمْيَرِيّ:
وَشَرَيْت بُرْدًا لَيْتَنِي مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْت هَامَهُ
بُرْدٌ: غُلَامٌ لَهُ بَاعَهُ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وشرى أيضا: اشترى.
قال الشاعر:
فَقُلْتُ لَهَا لَا تَجْزَعِي أُمّ مَالِكٍ عَلَى ابْنَيْك إنْ عَبْدٌ لَئِيمٌ شَرَاهُمَا
[شِعْرُ خُبَيْبٍ حِينَ أُرِيدَ صَلْبُهُ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمّا قِيلَ فِي ذَلِكَ مِنْ الشّعْرِ، قَوْلُ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيّ، حِينَ بَلَغَهُ أَنّ الْقَوْمَ قَدْ اجْتَمَعُوا لِصَلْبِهِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٧٠ ]
قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر يُنْكِرُهَا لَهُ.
لَقَدْ جَمّعَ الْأَحْزَابُ حَوْلِي وَأَلّبُوا قَبَائِلَهُمْ وَاسْتَجْمَعُوا كُلّ مَجْمَعِ
وَكُلّهُمْ مُبْدِي الْعَدَاوَةَ جَاهِدٌ عَلَيّ لِأَنّي فِي وِثَاقٍ بِمَصْيَعِ
وَقَدْ جَمّعُوا أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَقُرّبْتُ مِنْ جِذْعٍ طَوِيلٍ مُمَنّعِ
إلَى اللهِ أَشْكُو غُرْبَتِي ثُمّ كُرْبَتِي وما أرصد الأحزاب لى عند مصرعى
؟؟؟ الْعَرْشِ، صَبّرْنِي عَلَى مَا يُرَادُ بِي فَقَدْ بَضّعُوا لَحْمِي وَقَدْ يَاسَ مَطْمَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزّعِ
وَقَدْ خَيّرُونِي الْكُفْرَ وَالْمَوْتُ دُونَهُ وَقَدْ هَمَلَتْ عَيْنَايَ مِنْ غَيْرِ مَجْزَعِ
وَمَا بِي حِذَارُ الْمَوْتِ، إنّي لَمَيّتٌ وَلَكِنْ حِذَارِي جَحْمُ نَارٍ مُلَفّعِ
فَوَاَللهِ مَا أَرْجُو إذَا متّ مسلما على أىّ حنب كَانَ فِي اللهِ مَصْرَعِي
فَلَسْتُ بِمُبْدٍ لِلْعَدُوّ تَخَشّعًا وَلَا جَزَعًا إنّي إلَى اللهِ مَرْجِعِي
[شِعْرُ حَسّانٍ فِي بُكَاءِ خُبَيْبٍ]
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْكِي خُبَيْبًا:
مَا بَالُ عَيْنِكِ لَا تَرْقَا مَدَامِعُهَا سَحّا عَلَى الصّدْرِ مِثْلَ اللّؤْلُؤِ الْقَلِقِ
عَلَى خُبَيْبٍ فَتَى الْفِتْيَانِ قَدْ عَلِمُوا لَا فَشِلٍ حِينَ تَلْقَاهُ وَلَا نَزِقِ
فَاذْهَبْ خُبَيْبُ جَزَاك اللهُ طَيّبَةً وَجَنّةُ الْخُلْدِ عِنْدَ الْحُورِ فِي الرّفُقِ
مَاذَا تَقُولُونَ إنْ قَالَ النّبِيّ لَكُمْ حِينَ الْمَلَائِكَةِ الْأَبْرَارِ فِي الأفق
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٧١ ]
فِيمَ قَتَلْتُمْ شَهِيدَ اللهِ فِي رَجُلٍ طَاغٍ قَدْ أَوْعَثَ فِي الْبُلْدَانِ وَالرّفَقِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: «الطّرُقِ» وَتَرَكْنَا مَا بَقِيَ مِنْهَا، لِأَنّهُ أَقْذَعَ فِيهَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حسّان بن ثابت أيضا يبكى خبيبا:
يَا عَيْنُ جُودِي بِدَمْعٍ مِنْكِ مُنْسَكِبٍ وَابْكِي خُبَيْبًا مَعَ الْفِتْيَانِ لَمْ يَؤُبْ
صَقْرًا تَوَسّطَ فِي الْأَنْصَارِ مَنْصِبُهُ سَمْحَ السّجِيّةَ مَحْضًا غَيْرَ مُؤْتَشِبِ
قَدْ هَاجَ عَيْنِي عَلَى عِلّاتِ عَبْرَتِهَا إذْ قِيلَ نُصّ إلَى جِذْعٍ مِنْ الْخَشْبِ
يا أيها الرّاكِبُ الْغَادِي لِطَيّتِهِ أَبْلِغْ لَدَيْك وَعِيدًا لَيْسَ بِالْكَذِبِ
بَنِي كُهَيْبَةَ أَنّ الْحَرْبَ قَدْ لَقِحَتْ مَحْلُوبُهَا الصّابُ إذْ تُمْرَى لَمُحْتَلِبِ
فِيهَا أُسُودُ بَنِي النّجّارِ تَقْدُمُهُمْ شُهْبُ الْأَسِنّةِ فِي مُعْصَوْصَبٍ لَجِبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْقَصِيدَةُ مِثْلُ الّتِي قَبْلَهَا، وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهُمَا لِحَسّانٍ، وَقَدْ تَرَكْنَا أَشْيَاءَ قَالَهَا حَسّانٌ فِي أَمْرِ خُبَيْبٍ لِمَا ذَكَرْتُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
لَوْ كَانَ فى الدّار قرم ما جد بَطِلٌ أَلْوَى مِنْ الْقَوْمِ صَقْرٌ خَالُهُ أَنَسُ
إذَنْ وَجَدْتَ خُبَيْبًا مَجْلِسًا فَسِحًا وَلَمْ يُشَدّ عَلَيْك السّجْنُ وَالْحَرَسُ
وَلَمْ تَسُقْك إلَى التّنْعِيمِ زِعْنِفَةٌ مِنْ الْقَبَائِلِ مِنْهُمْ مَنْ نَفَتْ عُدَسُ
دَلّوْكَ غَدْرًا وَهُمْ فِيهَا أُولُو خُلُفٍ وَأَنْتَ ضَيْمٌ لَهَا فِي الدّارِ مُحْتَبَسُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنَسٌ: الْأَصَمّ السّلَمِيّ: خَالُ مُطْعِمِ بْنِ عدىّ بن نوفل
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٧٢ ]
ابن عبد مَنَافٍ. وَقَوْلَهُ: «مِنْ نَفْثِ عُدَسُ» يَعْنِي حُجَيْرَ بْنَ أَبِي إهَابٍ، وَيُقَالُ الْأَعْشَى بْنُ زُرَارَةَ بْنِ النّبّاشِ الْأَسَدِيّ، وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.
[مَنْ اجْتَمَعُوا لِقَتْلِ خُبَيْبٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ الّذِينَ أَجْلَبُوا عَلَى خُبَيْبٍ فِي قَتْلِهِ حِينَ قُتِلَ مِنْ قُرَيْشٍ: عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَسَعِيدُ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عبدودّ، وَالْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ الثّقَفِيّ، حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْأَوْقَصِ السّلَمِيّ، حَلِيفُ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَأُمَيّةُ بْنُ أَبِي عُتْبَةَ، وَبَنُو الْحَضْرَمِيّ.
[شِعْرُ حَسّانٍ فِي هِجَاءِ هُذَيْلٍ لِقَتْلِهِمْ خُبَيْبًا]
وَقَالَ حَسّانٌ أَيْضًا يَهْجُو هُذَيْلًا فِيمَا صَنَعُوا بِخُبَيْبِ بْنِ عَدِيّ:
أَبْلِغْ بَنِي عَمْرٍو بِأَنّ أَخَاهُمْ شَرَاهُ امْرُوٌ قَدْ كَانَ لِلْغَدْرِ لَازِمَا
شَرَاهُ زُهَيْرُ بْنُ الْأَغَرّ وَجَامِعٌ وَكَانَا جَمِيعًا يَرْكَبَانِ الْمَحَارِمَا
أَجَرْتُمْ فَلَمّا أَنْ أَجَرْتُمْ غَدَرْتُمْ وَكُنْتُمْ بِأَكْنَافِ الرّجِيعِ لَهَاذِمَا
فَلَيْتَ خُبَيْبًا لَمْ تَخُنْهُ أَمَانَةٌ وَلَيْتَ خُبَيْبًا كَانَ بِالْقَوْمِ عَالِمَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: زُهَيْرُ بْنُ الْأَغَرّ وَجَامِعٌ: الْهُذَلِيّانِ اللّذَانِ بَاعَا خُبَيْبًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وقال حسان بن ثابت أيضا:
إن سرّك الغدر صرفا لامزاج لَهُ فَأْتِ الرّجِيعَ فَسَلْ عَنْ دَارِ لِحْيَانَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٧٣ ]
قوم نواصوا بأكل الجار بينهم فالكلب والقردو الإنسان مِثْلَانِ
لَوْ يَنْطِقُ التّيْسُ يَوْمًا قَامَ يَخْطُبُهُمْ وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِيهِمْ وَذَا شَانِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ قَوْلَهُ:
لَوْ يَنْطِقُ التّيْسُ يَوْمًا قَامَ يَخْطُبُهُمْ وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِيهِمْ وَذَا شَانِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا يَهْجُو هُذَيْلًا:
سَالَتْ هُذَيْلٌ رَسُولَ اللهِ فَاحِشَةً ضَلّتْ هُذَيْلٌ بِمَا سَالَتْ وَلَمْ تُصِبْ
سَالُوا رَسُولَهُمْ مَا لَيْسَ مُعْطِيَهُمْ حَتّى الْمَمَاتِ، وَكَانُوا سُبّةَ الْعَرَبِ
وَلَنْ تَرَى لِهُذَيْلٍ دَاعِيًا أَبَدًا يَدْعُو لِمَكْرُمَةٍ عَنْ مَنْزِلِ الْحَرْبِ
لَقَدْ أَرَادُوا خِلَالَ الْفُحْشِ وَيْحَهُمْ وَأَنْ يُحِلّوا حَرَامًا كَانَ فِي الْكُتُبِ
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا يَهْجُو هذيلا:
لَعَمْرِي لَقَدْ شَانَتْ هُذَيْلَ بْنَ مُدْرِكٍ أَحَادِيثُ كَانَتْ فِي خُبَيْبٍ وَعَاصِمِ
أَحَادِيثُ لِحْيَانٍ صَلَوْا بِقَبِيحِهَا وَلِحْيَانُ جَرّامُونَ شَرّ الْجَرَائِمِ
أُنَاسٌ هُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ فِي صَمِيمِهِمْ بِمَنْزِلَةِ الزّمْعَانِ دُبْرَ الْقَوَادِمِ
هُمْ غَدَرُوا يَوْمَ الرّجِيعِ وَأَسْلَمَتْ أَمَانَتُهُمْ ذَا عِفّةٍ وَمَكَارِمِ
رَسُولَ رَسُولِ اللهِ غَدْرًا وَلَمْ تَكُنْ هُذَيْلٌ تَوَقّى مُنْكَرَاتِ الْمَحَارِمِ
فَسَوْفَ يَرَوْنَ النّصْرَ يَوْمًا عَلَيْهِمْ بِقَتْلِ الّذِي تَحْمِيهِ دُونَ الْحَرَائِمِ
أَبَابِيلُ دَبْرٍ شُمّسٍ دُونَ لَحْمِهِ حَمَتْ لَحْمَ شَهّادٍ عِظَامَ الْمَلَاحِمِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٧٤ ]
لَعَلّ هُذَيْلًا أَنْ يَرَوْا بِمَصَابّهِ مَصَارِعَ قَتْلَى أَوْ مَقَامًا لِمَاتم
وَنُوقِعَ فِيهِمْ وَقْعَةً ذَاتَ صَوْلَةٍ يُوَافِي بِهَا الرّكْبَانُ أَهْلَ الْمَوَاسِمِ
بِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ إنّ رَسُولَهُ رَأَى رَأْيَ ذِي حَزْمٍ بِلِحْيَانَ عَالِمِ
قُبَيّلةٌ لَيْسَ الْوَفَاءُ يُهِمّهُمْ وَإِنْ ظُلِمُوا لَمْ يَدْفَعُوا كَفّ ظَالِمِ
إذَا النّاسُ حَلّوا بِالْفَضَاءِ رَأَيْتهمْ بِمَجْرَى مَسِيلِ الْمَاءِ بَيْنَ الْمَخَارِمِ
مَحَلّهُمْ دَارُ الْبَوَارِ وَرَأْيُهُمْ إذَا نَابَهُمْ أَمْرٌ كَرَأْيِ الْبَهَائِمِ
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثابت يهجو هذيلا:
لَحَى اللهُ لِحْيَانًا فَلَيْسَتْ دِمَاؤُهُمْ لَنَا مِنْ قَتِيلَيْ غَدْرَةٍ بِوَفَاءِ
هُمُو قَتَلُوا يَوْمَ الرّجِيعِ ابْنَ حُرّةٍ أَخَا ثِقَةٍ فِي وُدّهِ وَصَفَاءِ
فَلَوْ قُتِلُوا يَوْمَ الرّجِيعِ بِأَسْرِهِمْ بِذِي الدّبْرِ مَا كَانُوا لَهُ بِكِفَاءِ
قَتِيلٌ حَمَتْهُ الدّبْرُ بَيْنَ بُيُوتِهِمْ لَدَى أَهْلِ كُفْرٍ ظَاهِرٍ وَجَفَاءِ
فَقَدْ قَتَلَتْ لِحْيَانُ أَكْرَمَ مِنْهُمْ وَبَاعُوا خُبَيْبًا وَيْلَهُمْ بِلَفَاءِ
فَأُفّ لِلِحْيَانٍ عَلَى كُلّ حَالَةٍ عَلَى ذِكْرِهِمْ فِي الذّكْرِ كُلّ عَفَاءِ
قُبَيّلةٌ بِاللّؤْمِ وَالْغَدْرِ تَغْتَرِي فَلَمْ تُمْسِ يَخْفَى لُؤْمُهَا بِخَفَاءِ
فَلَوْ قُتِلُوا لَمْ تُوفِ مِنْهُ دِمَاؤُهُمْ بَلَى إنّ قَتْلَ الْقَاتِلِيهِ شِفَائِي
فَالّا أَمُتْ أَذْعَرُ هُذَيْلًا بِغَارَةٍ كَغَادِي الْجَهَامِ الْمُغْتَدِي بَافَاءِ
بِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ وَالْأَمْرُ أَمْرُهُ يَبِيتُ لِلِحْيَانَ الْخَنَا بِفَنَاءِ
يُصَبّحُ قَوْمًا بِالرّجِيعِ كَأَنّهُمْ جِدَاءُ شِتَاءٍ بِتْنَ غَيْرَ دِفَاءِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٧٥ ]
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا يَهْجُو هُذَيْلًا:
فَلَا وَاَللهِ، مَا تَدْرِي هُذَيْلٌ أَصَافٍ مَاءُ زَمْزَمَ أَمْ مَشُوبُ
وَلَا لَهُمْ إذَا اعْتَمَرُوا وَحَجّوا مِنْ الْحِجْرَيْنِ وَالْمَسْعَى نَصِيبُ
وَلَكِنّ الرّجِيعَ لَهُمْ مَحَلّ بِهِ اللّؤْمُ الْمُبَيّنُ وَالْعُيُوبُ
كَأَنّهُمْ لدى السكّنّات أُصْلًا تُيُوسٌ بِالْحِجَازِ لَهَا نَبِيبُ
هُمْ غَرَوْا بِذِمّتِهِمْ خُبَيْبًا فَبِئْسَ الْعَهْدُ عَهْدُهُمْ الْكَذُوبُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: آخِرُهَا بَيْتًا عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ.
[شِعْرُ حَسّانٍ فِي بُكَاءِ خُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْكِي خُبَيْبًا وَأَصْحَابَهُ:
صَلّى الْإِلَهُ عَلَى الّذِينَ تَتَابَعُوا يَوْمَ الرّجِيعِ فَأُكْرِمُوا وَأُثِيبُوا
رَأْسُ السّرِيّةِ مَرْثَدٌ وَأَمِيرُهُمْ وَابْنُ الْبُكَيْرِ إمَامُهُمْ وَخُبَيْبُ
وَابْنٌ لِطَارِقَ وَابْنُ دَثْنَة مِنْهُمْ وَافَاهُ ثَمّ حِمَامُهُ الْمَكْتُوبُ
وَالْعَاصِمُ الْمَقْتُولُ عِنْدَ رَجِيعِهِمْ كَسَبَ الْمَعَالِيَ إنّهُ لَكَسُوبُ
مَنَعَ الْمَقَادَةَ أَنْ يَنَالُوا ظَهْرَهُ حَتّى يُجَالِدَ إنّهُ لَنَجِيبُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: حَتّى يُجَدّلَ إنّهُ لَنُجِيبُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وأكثر أَهْلِ الْعِلْم بِالشّعْرِ يُنْكِرُهَا لِحَسّانَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٧٦ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَقِيّةَ شَوّالٍ وَذَا الْقَعْدَةِ وذا الحجة- وولي تلك الحجة المشركون- والمحرم، ثُمّ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ فِي صَفَرٍ، عَلَى رأس أربعة أشهر من أحد.
[حديث بئر معونة]
[سبب إرسال بعث بئر معونة]
وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِمْ، كَمَا حَدّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حزم، وغيره من أهل الملم، قَالُوا: قَدِمَ أَبُو بَرَاءٍ عَامِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ مُلَاعِبُ الْأَسِنّةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْإِسْلَامَ، وَدَعَاهُ إلَيْهِ، فَلَمْ يُسْلِمْ وَلَمْ يَبْعُدْ مِنْ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ: يَا مُحَمّدُ لَوْ بَعَثْتَ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِك إلَى أَهْلِ نَجْدٍ، فَدَعَوْهُمْ إلَى أَمْرِك، رَجَوْتُ أَنْ يَسْتَجِيبُوا لَك؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
إنّي أَخْشَى عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْدٍ؛ قَالَ أَبُو بَرَاءٍ: أَنَا لَهُمْ جَارٍ، فَابْعَثْهُمْ فَلْيَدْعُوا النّاسَ إلَى أَمْرِك.
[رِجَالُ الْبَعْثِ]
فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو، أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ، الْمُعْنِقَ لِيَمُوتَ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ: مِنْهُمْ:
الْحَارِثُ بْنُ الصّمّةِ، وَحَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ أَخُو بَنِي عَدِيّ بن النّجّار، وعروة ابن أَسْمَاءَ بْنِ الصّلْتِ السّلَمِيّ، وَنَافِعُ بْنُ بُدَيْلِ بن ورقاء الخزاعىّ، وعامر
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٧٧ ]
ابن فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ، فِي رِجَالٍ مسمّين من خيار المسلمين. فسارو حَتّى نَزَلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ، وَهِيَ بَيْنَ أَرْضِ بَنِي عَامِرٍ وَحَرّةِ بَنِي سُلَيْمٍ، كِلَا الْبَلَدَيْنِ مِنْهَا قَرِيبٌ، وَهِيَ إلَى حَرّةِ بَنِي سُلَيْمٍ أقرب.
[عامر يقتل صحابيا]
فَلَمّا نَزَلُوهَا بَعَثُوا حَرَامَ بْنَ مِلْحَانَ بِكِتَابِ رسول الله ﷺ- إلى عَدُوّ اللهِ عَامِرِ بْنِ الطّفَيْلِ؛ فَلَمّا أَتَاهُ لَمْ يَنْظُرْ فِي كِتَابِهِ حَتّى عَدَا عَلَى الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بَنِي عَامِرٍ، فَأَبَوْا أَنْ يُجِيبُوهُ إلَى مَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ، وَقَالُوا:
لَنْ نَخْفِرَ أَبَا بَرَاءٍ، وَقَدْ عَقَدَ لَهُمْ عَقْدًا وَجِوَارًا؛ فَاسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ قَبَائِلَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ مِنْ عُصَيّةَ وَرِعْلٍ وَذَكْوَانَ، فَأَجَابُوهُ إلَى ذَلِكَ، فَخَرَجُوا حَتّى غَشُوا الْقَوْمَ، فَأَحَاطُوا بِهِمْ فِي رِحَالِهِمْ، فَلَمّا رَأَوْهُمْ أَخَذُوا سُيُوفَهُمْ، ثُمّ قَاتَلُوهُمْ حَتّى قُتِلُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ، يَرْحَمُهُمْ اللهُ، إلّا كَعْبَ بْنَ زيد، أخا بنى دينار ابن النّجّارِ، فَإِنّهُمْ تَرَكُوهُ وَبِهِ رَمَقٌ، فَارْتُثّ مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى، فَعَاشَ حَتّى قُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ شَهِيدًا، ﵀.
ابْنُ أُمَيّةَ وَالْمُنْذِرُ وَمَوْقِفُهُمَا من القوم بعد علمهما بمقتل أصحابهم وَكَانَ فِي سَرْحِ الْقَوْمِ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ، وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ الْمُنْذِرُ بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الْجُلَاحِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمْ يُنْبِئْهُمَا بِمُصَابِ أصحابهما إلا الطير تحوم على
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٧٨ ]
العسكر، فقالا: وَاَللهِ إنّ لِهَذِهِ الطّيْرِ لَشَأْنًا، فَأَقْبَلَا لِيَنْظُرَا، فَإِذَا الْقَوْمُ فِي دِمَائِهِمْ، وَإِذَا الْخَيْلُ الّتِي أَصَابَتْهُمْ وَاقِفَةٌ. فَقَالَ الْأَنْصَارِيّ لِعَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ:
مَا تَرَى؟ قَالَ أَرَى أَنْ نَلْحَقَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنُخْبِرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيّ: لَكِنّي مَا كُنْتُ لِأَرْغَبَ بِنَفْسِي عن موطن قتل فيه المنذر ابن عَمْرٍو، وَمَا كُنْتُ لِتُخْبِرَنِي عَنْهُ الرّجَالُ؛ ثُمّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتّى قُتِلَ، وَأَخَذُوا عَمْرَو بْنَ أُمَيّةَ أَسِيرًا؛ فَلَمّا أَخْبَرَهُمْ أَنّهُ مِنْ مُضَرَ، أَطْلَقَهُ عَامِرُ بْنُ الطّفَيْلِ، وَجَزّ نَاصِيَتَهُ، وَأَعْتَقَهُ عَنْ رَقَبَةٍ زَعَمَ أَنّهَا كَانَتْ عَلَى أُمّهِ.
[قَتْلُ الْعَامِرِيّيْنِ]
فَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ، حَتّى إذَا كَانَ بِالْقَرْقَرَةِ مِنْ صَدْرِ قَنَاةٍ، أَقْبَلَ رجلان من بنى عامر.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثُمّ مِنْ بَنِي كِلَابٍ، وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الْمَدَنِيّ أَنّهُمَا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتّى نَزَلَا مَعَهُ فِي ظِلّ هُوَ فِيهِ. وَكَانَ مَعَ الْعَامِرِيّيْنِ عَقْدٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَجِوَارٌ، لَمْ يَعْلَمْ بِهِ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ، وَقَدْ سَأَلَهُمَا حِينَ نَزَلَا، مِمّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَا: مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فَأَمْهَلَهُمَا، حَتّى إذَا نَامَا، عَدَا عَلَيْهِمَا فَقَتَلَهُمَا، وَهُوَ يَرَى أَنّهُ قَدْ أَصَابَ بِهِمَا ثُؤْرَةً مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فِيمَا أَصَابُوا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمّا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَقَدْ قَتَلْتَ قَتِيلَيْنِ، لَأَدِيَنّهُمَا!
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٧٩ ]
[كراهية الرسول عَمَلِ أَبِي بَرَاءٍ]
ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَذَا عَمَلُ أَبِي بَرَاءٍ، قَدْ كُنْت لِهَذَا كَارِهًا مُتَخَوّفًا. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَرَاءٍ، فَشَقّ عَلَيْهِ إخْفَارُ عَامِرٍ إيّاهُ، وَمَا أَصَابَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِﷺ بِسَبَبِهِ وَجِوَارِهِ؛ وَكَانَ فِيمَنْ أصيب عامر بن فهيرة.
[ابن فهيرة والسماء]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنّ عَامِرَ بْنَ الطّفَيْلِ كَانَ يَقُولُ: مَنْ رَجُلٌ مِنْهُمْ لَمّا قُتِلَ رَأَيْته رُفِعَ بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ، حَتّى رَأَيْت السّمَاءَ مِنْ دُونِهِ؟ قَالُوا: هُوَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ.
[سَبَبُ إسْلَامِ ابْنِ سَلْمَى]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وقد حدثنى بعض بَنِي جَبّارِ بْنِ سَلْمَى بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ- وَكَانَ جَبّارٌ فِيمَنْ حَضَرَهَا يَوْمَئِذٍ مَعَ عَامِرٍ ثُمّ أَسْلَمَ- (قَالَ) فَكَانَ يَقُولُ: إنّ مِمّا دَعَانِي إلَى الْإِسْلَامِ أَنّي طَعَنْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ بِالرّمْحِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَنَظَرْتُ إلَى سِنَانِ الرّمْحِ حِينَ خَرَجَ مِنْ صَدْرِهِ، فَسَمِعْته يَقُولُ:
فُزْتُ وَاَللهِ! فَقُلْت فِي نَفْسِي: مَا فَازَ! أَلَسْتُ قَدْ قَتَلْتُ الرّجُلَ! قَالَ: حَتّى سَأَلْت بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ، فَقَالُوا: لِلشّهَادَةِ؛ فَقُلْت: فَازَ لَعَمْرِو اللهِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٨٠ ]
[شِعْرُ حَسّانٍ فِي تَحْرِيضِ بَنِي أَبِي بَرَاءٍ عَلَى عَامِرٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُحَرّضُ بَنِي أَبِي بَرَاءٍ عَلَى عامر ابن الطفيل:
بَنِي أُمّ الْبَنِينَ أَلَم يَرُعْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنْ ذَوَائِبِ أَهْلِ نَجْدِ
تَهَكّمُ عَامِرٍ بِأَبِي بَرَاءٍ لِيُخْفِرَهُ وَمَا خَطَأٌ كَعَمْدِ
أَلَا أَبْلِغْ رَبِيعَةَ ذَا الْمَسَاعِي فَمَا أَحْدَثْتَ فِي الْحَدَثَانِ بَعْدِي
أَبُوك أَبُو الْحُرُوبِ أَبُو بَرَاءٍ وَخَالُك مَاجِدٌ حَكَمُ بْنُ سَعْدِ
[نَسَبُ حَكَمِ وَأُمّ الْبَنِينَ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَكَمُ بْنُ سَعْدٍ: مِنْ الْقَيْنِ بْنِ جَسْرٍ؛ وَأُمّ الْبَنِينَ: بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَهِيَ أُمّ أبى براء.
[طَعْنُ رَبِيعَةَ لِعَامِرِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَمَلَ رَبِيعَةُ (بْنُ عَامِرِ) بْنِ مَالِكِ عَلَى عَامِرِ بْنِ الطّفَيْلِ، فَطَعَنَهُ بِالرّمْحِ، فَوَقَعَ فِي فَخِذِهِ، فَأَشْوَاهُ، وَوَقَعَ عَنْ فَرَسِهِ، فَقَالَ: هَذَا عَمَلُ أَبِي بَرَاءٍ، إنْ أَمُتْ فَدَمِي لِعَمّي، فَلَا يُتْبَعَنّ بِهِ، وَإِنْ أَعِشْ فَسَأَرَى رَأْيِي فِيمَا أُتِيَ إلَيّ.
[مَقْتَلُ ابْنِ وَرْقَاءَ وَرِثَاءُ ابْنِ رَوَاحَةَ لَهُ]
وَقَالَ أَنَسُ بْنُ عَبّاسٍ السّلَمِيّ، وَكَانَ خَالَ طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيّ بْنِ نَوْفَلٍ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٨١ ]
وَقَتَلَ يَوْمَئِذٍ نَافِعَ بْنَ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيّ:
تَرَكْت ابْنَ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيّ ثَاوِيًا بِمُعْتَرَكِ تسْفِي عليه الأعاصر
ذكرت أبا الزّيّان لَمّا رَأَيْته وَأَيْقَنْت أَنّي عِنْدَ ذَلِكَ ثَائِرُ
وأبو الزيّان: طُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيّ.
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَبْكِي نَافِعَ بْنَ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ:
رحم الله نافع بن بديل رحمة المبتنى ثَوَابَ الْجِهَادِ
صَابِرٌ صَادِقٌ وَفِيّ إذَا مَا أَكْثَرَ الْقَوْمُ قَالَ قَوْلَ السّدَادِ
[شِعْرُ حَسّانٍ فِي بُكَاءِ قَتْلَى بِئْرِ مَعُونَةَ]
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْكِي قَتْلَى بِئْرِ معونة، ويخصّ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو:
عَلَى قَتْلَى مَعُونَةَ فَاسْتَهِلّي بِدَمْعِ الْعَيْنِ سَحّا غَيْرَ نَزْرِ
عَلَى خَيْلِ الرّسُولِ غَدَاةَ لَاقَوْا مَنَايَاهُمْ وَلَاقَتْهُمْ بِقَدْرِ
أَصَابَهُمْ الفناء بعقد قوم نخوّن عَقْدُ حَبْلِهِمْ بِغَدْرِ
فَيَا لَهْفِي لِمُنْذِرٍ إذْ تَوَلّى وَأَعْنَقَ فِي مَنِيّتِهِ بِصَبْرِ
وَكَائِنْ قَدْ أُصِيبَ غَدَاةَ ذَاكُمْ مِنْ أَبْيَضَ مَاجِدٍ مِنْ سِرّ عَمْرِو
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي آخِرَهَا بَيْتًا أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ.
[شِعْرُ كَعْبٍ فِي يَوْمِ بِئْرِ مَعُونَةَ]
وَأَنْشَدَنِي لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي يَوْمِ بِئْرِ مَعُونَةَ، يُعَيّرُ بَنِي جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ١٨٢ ]
تَرَكْتُمْ جَارَكُمْ لِبَنِي سُلَيْمٍ مَخَافَةَ حَرْبِهِمْ عَجْزًا وَهُونَا
فَلَوْ حَبْلًا تَنَاوَلَ مِنْ عُقَيْلٍ لَمَدّ بِحَبْلِهَا حَبْلًا مَتِينَا
أَوْ الْقُرَطُاءُ مَا إنْ أَسْلَمُوهُ وَقِدْمًا مَا وَفَوْا إذْ لَا تَفُونَا
[نَسَبُ الْقُرَطَاءِ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْقُرَطَاءُ: قَبِيلَةٌ مِنْ هَوَازِنَ، وَيُرْوَى «مِنْ نُفَيْلٍ» مَكَانَ «مِنْ عُقَيْلٍ»، وَهُوَ الصّحِيحُ؛ لِأَنّ الْقُرَطَاءَ مِنْ نُفَيْلٍ قريب.
ــ
مَقْتَلُ خَبِيبٍ وَأَصْحَابِهِ وَذَكَرَ غَدْرَ عَضَلٍ وَالْقَارَةِ، وَهُمَا بَطْنَانِ مِنْ بَنِي الْهُونِ، وَالْهُونُ هُمْ بَنُو الرّيشِ وَيَثِيعُ ابْنَيْ الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ «١»، وقد تقدم التعريف بمعنى
_________________
(١) ورد عنهم فى نسب قريش للمصعب الزبيرى أن خزيمة بن مدركة ولد الهون وأن أمه بَرّةُ بِنْتُ مُرّ بْنِ أَدّ بْنِ طَابِخَةَ بن إلياس بن مضر ثم قال بالنص «فأما الهون بن خزيمة فهم عضل وديش والقارة بنو بيثغ بن الهون، وهم بطنان من خزاعة يقال لهما: الحيا والمصطلق» ص ٩ وفى جمهرة ابن حزم أن الهون بن خزيمة ولد مليحا، وأن هذا ولد يثيغا. وأن الديش هو ابن محلم ابن غالب بن عائذة بن يثيع. وأن الديش ولد عضلا، وأن الدبش هم القارة ص ١٧٩ لكن ابن عبد البر يقول: «ولد خزيمة كنانة أمه هند ابنة عيلان ابن مضر، وأسد أو الهون وهو القارة أمهما بنت مر أخت تميم بن مر، وفى القارة بطون كثيرة» ويكرر هذا بقوله عن أكثر أهل العلم أنهم لا يعلمون الخزيمة ولدا غير أسد والهون وهو القارة وكنانة» بل إنه ليجعل للقارة عنوانا خاصا ثم يقول «وهو الهون بن خزيمة» ثم قال: «قال الزبير: عضل والقارة اننا ييثغ بن الهون بن خزيمة.. يقال لهم القارة. وقال أبو عبيدة عن يشيغ-
[ ٦ / ١٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القارة، وبالمثل الذى جَرَى فِيهِمْ، وَالْقَارَةُ الْحَرّةُ «١»، وَذَكَرْنَا السّبَبَ فِي تَسْمِيَتِهِمْ بِهَا.
وَذَكَرَ أَنّ أَصْحَابَ خَبِيبٍ كَانُوا سِتّةً، وَفِي الْجَامِعِ الصّحِيحِ لِلْبُخَارِيّ أَنّهُمْ كَانُوا عَشْرَةً، وَهُوَ أَصَحّ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ أَسَمَاءَ السّتّة، وقد نسبهم فيما تقدم، فلما خُبَيْبٌ فَهُوَ مِنْ بَنِي جَحْجَبَى «٢» بْنِ كُلْفَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، وَزَيْدُ بْنُ الدّثِنّةِ «٣» بْنِ مُعَاوِيَةَ مَقْلُوبٌ مِنْ الثّدَنَةِ وَالثّدَنُ اسْتِرْخَاءُ اللّحْمِ «٤» .
وَذَكَرَ فِيهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ وَقَوْلَهُ:
مَا عِلّتِي وَأَنَا جلد نايل وَالْقَوْسُ فِيهَا وَتَرٌ عُنَابِلُ
وَالْعُنَابِلُ: الشّدِيدُ، وَكَأَنّهُ من العبالة، وهى القوّة، والنون زائدة،
_________________
(١) - هو أيثغ بن الهون بالألف، وقال محمد بن حبيب: هو ييثغ بالياء كما قال الزبير وقال ابن الكلبى: ييثغ بن مليح بن الهون بن خزيمة، وهو القارة» ص ٧٣ وما بعدها الإنباه. أما الديش، فهو فى الأصل الريش وهو خطا، والديش بكسر الدال. وقال الجوهرى وربما قالوا بفتح الدال «ص ٥٦ نهاية الأرب فى معرفة أنساب العرب للقلقشندى.
(٢) الحرة: أرض ذات حجارة سود نخرة كأنها أحرقت بالنار.
(٣) فى الأصل حججبى وهو خطأ.
(٤) ضبطه القاموس بدون تضعيف النون.
(٥) فى الأصل تدنية والتدن وهو خطأ، ويقول ابن دريد إن الدثنة مشتقة من دثن الطائر- بتضعيف الثاء- إذا طاف حول وكره ولم يسقط عليه.
[ ٦ / ١٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْعَبَالَةُ أَيْضًا: شَجَرَةٌ صُلْبَةٌ، وَفِي الْخَبَرِ أَنّ عَصَا مُوسَى كَانَتْ مِنْ عَبَالَةٍ، وَقَدْ رُوِيَ أَنّ عَصَا مُوسَى كَانَتْ مِنْ عَيْنِ وَرَقَةِ آسِ الْجَنّةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْحُوتًا مِنْ أَصْلَيْنِ: مِنْ الْعَنَنِ «١» وَالنّبْلِ، كَأَنّهُ يُصِيبُ مَا عزّ له بِنَبْلِهِ.
وَذَكَرَ قَوْلَهُ: أَبُو سُلَيْمَانَ وَرِيشُ الْمُقْعَدِ.
قَوْلُهُ: أَبُو سُلَيْمَانَ، أَيْ: أَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَدْ عُرِفْت فِي الْحُرُوبِ، وَعِنْدِي نَبْلٌ رَاشَهَا الْمُقْعُدُ، وَكَانَ «٢» رَائِشًا صَانِعًا. وَرِيشٌ: السّهْمُ الْمَحْمُودُ فِيهِ اللّؤَامُ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الرّيشَةُ بَطْنُهَا إلى ظهر الأخرى، واللّغاب «٣» بعكس ذَلِكَ، أَنْ يَكُونَ ظَهْرُ وَاحِدَةٍ إلَى ظَهْرِ الأخرى، وهو الظّهار أيضا، ومن اللّؤَامُ أُخِذَ اللّأْمُ وَهُوَ السّهْمُ الْمَرِيشُ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
كَرّكَ لَأْمَيْنِ عَلَى نَابِلٍ «٤» وَسُئِلَ رُؤْبَةُ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْبَيْتِ، فَقَالَ: حَدّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ، قَالَ حَدّثَتْنِي عَمّتِي، وَكَانَتْ فِي بَنِي دَارِمٍ قَالَتْ: سَأَلْت امْرَأَ الْقَيْسِ، وهو يشرب
_________________
(١) العنن: ظهور الشىء أمامك.
(٢) أى هذا المقعد المذكور كان رجلا رائشا الخ.
(٣) فى القاموس: سهم لأم عليه ريش لؤام يلائم بعضها بعضا. واللغاب: السهم الفاسد لم يحسن يريه «القاموس» .
(٤) البيت فى اللسان نطعنهم سلكى ومخلوجة لغتك لأمين على نابل ويروى كما ذكر السهيلى: كرك لأمين
[ ٦ / ١٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
طِلَاءً لَهُ مَعَ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: مَا مَعْنَى قَوْلِك: كَرّكَ لَأْمَيْنِ عَلَى نَابِلٍ؟ فَقَالَ:
مررت بنابل وصاحبه يناوله الرّيش لؤاما وَظُهَارًا، فَمَا رَأَيْت شَيْئًا أَسْرَعَ مِنْهُ، وَلَا أَحْسَنَ فَشَبّهْت بِهِ، ذَكَرَ هَذَا أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَوْلُهُ: وَضَالّةٌ، أَيْ:
سِهَامٌ قِدَاحُهَا مِنْ الضّالِ، وَهُوَ السّدْرُ. قَالَ الشّاعِرُ [ذُو الرّمّةِ]:
قَطَعْت إذَا تَخَوّفْت الْعَوَاطِي ضُرُوبَ السّدْرِ عُبْرِيًا وَضَالَا
فَالْعُبْرِيّ مِنْهَا مَا كَانَ عَلَى شُطُوطِ الْأَنْهَارِ، وَالضّالّ مَا كَانَ فِي الْبَرّيّةِ، وَالْعَوَاطِي هِيَ الْمَاشِيَةُ تَعْطُو أَيْ تَتَنَاوَلُ، وَإِنّمَا تَتَنَاوَلُ أَطْرَافَ الشّجَرِ فِي الصّيْفِ، فَمَعْنَاهُ: قَطَعْت هَذِهِ الصّحْرَاءَ فى هذا الوقت، وتخوفت: أى تنقّصت مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ النّحْلُ: ٤٧. وَذَكَرَ أَنّ حُجَيْرَ بْنَ أَبِي إهَابٍ هُوَ الّذِي اشْتَرَى خُبَيْبًا، وَكَانَ خُبَيْبٌ قَدْ قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ نَوْفَلٍ أَخَا حُجَيْرٍ لِأُمّهِ، وَقَالَ مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ: اشْتَرَى خُبَيْبًا بَنُو الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، لِأَنّهُ قَتَلَ أَبَاهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَالْمَعْنَى قَرِيبٌ مِمّا ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ.
وقوله عاويّة بِنْتُ «١» حُجَيْرٍ بِالْوَاوِ، رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عن ابن
_________________
(١) فى السيرة: مولاة، وفى رواية البخارى أنه استعار الموسى من بعض بنات الحارث، وقد وقع فى الأطراف لخلف أن أسمها زينب بنت الحارث. وهى أخت عقبة الذى قتل خبيبا، وقيل: امرأته. وفى رواية البخارى أن بنت الحارث قالت بعد أن أعارته الموسى ليحلق به عانته: «قالت: فغفلت عن صبى لى فدرج إليه حتى أتاه، فوضعه على فخذه، فلما رأيته، فزعت فزعة، عرف ذاك منى، وفى يده الموسى، فقال: أتخشين أن أقتله؟! ما كنت لأفعل ذاك إن شاء الله تعالى، وكانت تقول: ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب» ثم ذكرت-
[ ٦ / ١٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إسْحَاقَ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ: مَارِيّةُ بِالرّاءِ، وَبِالْوَاوِ وَقَعَ فِي النّسَخِ الْعَتِيقَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ بُكَيْرٍ، وَقَدْ تَكَلّمْنَا عَنْ اشْتِقَاقِ هَذَا الِاسْمِ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ، فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ، وَذَكَرْنَا أَنّ الْمَارِيَةَ بِالتّخْفِيفِ هِيَ الْبَقَرَةُ، وَبِتَشْدِيدِ الْيَاءِ: القطاة المنساء، وَأَمّا الْغُلَامُ الّذِي أَعْطَتْهُ الْمُدْيَةَ، فَقِيلَ: هُوَ أَبُو عِيسَى بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيّ بْنِ نوفل بن
_________________
(١) - فطف العنب. وفى الفتح نقلا عن الزبير أيضا أن الغلام هو: أبو حسين ابن الْحَارِثِ بْنِ عَدِيّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مناف. وفى رواية بريدة بن سفيان: وكان ابن صغير، فأقبل إليه الصبى، فأخذه، فأجلسه عنده، فخشيت المرأة أن يقتله، فنا شدته. وعند أبى الأسود عن عروة، فأخذ خبيب بيد الغلام، فقال: هل أمكن الله منكم، فقالت: ما كان هذا ظنى بك، فرمى لها الموسى، وقال: إنما كنت مازحا، وفى رواية بريدة بن سفيان: ما كنت لأغدر. وقد حوول الجمع بين الروايتين رواية ابن إسحاق وما تقدم فى مسألة من حمل الموسى. وبعلق ابن بطال على مسألة قطف العنب: «هذا ويمكن أن يكون الله جعله آية على الكفار وبرهانا لنبيه، لتصحيح رسالته. قال: فأما من يدعى وقوع ذلك له اليوم بين ظهرانى المسلمين، فلا وجه له، إذ المسلمون قد دخلوا الدين، وأيقنوا بالنبوة، فأى معنى لإظهار الآية عندهم، ولو لم يكن فى تجويز ذلك إلا أن يقول جاهل: إذا جاز ظهور هذه الآيات على يد غير نبى، فكيف فصدقها من نبى، والغرض أن غيره يأتى بها، لكان فى إنكار ذلك قطعا للذريعة- إلى أن قال- إلا أن يكون وقوع ذلك مما لا يخرق عادة. ولا يقلب عينا، مثل أن يكرم الله عبدا باجابة دعوة، فى الحين، ونحو ذلك مما يظهر فيه فضل الفاضل وكرامة اولى، ومن ذلك حماية الله تعالى عاصما لئلا ينتهك عدوه حرمته» ص ٣٠٥ ح ٧ فتح البارى.
[ ٦ / ١٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَبْدِ مَنَافٍ «١»، قَالَهُ الزّبَيْرُ: وَهُوَ جَدّ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الّذِي يَرْوِي عَنْهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطّأِ.
وَذَكَرَ أَنّ أَبَا مَيْسَرَةَ هُوَ الّذِي طَعَنَ خُبَيْبًا فى الخشبة، وهو أبو ميسرة ابن عَوْفِ بْنِ السّبّاقِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ، وَاَلّذِي طَعَنَهُ مَعَهُ عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ يُكَنّى أَبَا سِرْوَعَةَ، وَيُقَالُ: إنّ أَبَا سِرْوَعَةَ وَعُقْبَةُ أَخَوَانِ أَسْلَمَا جَمِيعًا وَلِعُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي الرّضَاعِ، وَشَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِيهِ.
وَحَدِيثُهُ مَشْهُورٌ فِي الصّحَاحِ، فِيهِ أَنّهُ قَالَ: تَزَوّجْت بِنْتَ أَبِي إهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ، سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: إنّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ «٢» وَزَادَ فِيهِ الدّارَقُطْنِيّ قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ تَسْأَلُ، فَلَمْ نُعْطِهَا شَيْئًا، فَقَالَتْ: إنّي وَاَللهِ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنّبِيّﷺ- وَقَالَ إنّهَا كَاذِبَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ لَهُ ﵇: كَيْفَ؟ وَقَدْ قِيلَ؟ فَطَلّقْهَا، وَنَكَحَتْ ضَرِيبَ بْنَ الْحَارِثِ، فَوَلَدَتْ لَهُ أُمّ قِتَالٍ، وَهِيَ امْرَأَةُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَأُمّ ابْنِهِ مُحَمّدٌ، وَنَافِعٌ ابْنَا جَابِرٍ، وَاسْمُ هذه المرأة التى طلقها عقبة:
_________________
(١) وهى كلمة حق يجب أن يعيها الذين لا عمل لهم فى الدين سوى إثبات أن شيوخهم كانوا صناع معجزات تقلب الإنسان حجرا!!.
(٢) رواه البخارى فى الشهادات والعلم والبيوع والنكاح، ورواه أبو داود فى القضايا، والترمذى فى الرضاع، والنسائى فى النكاح. ولعقبة حديث: «صلى العصر ثم قام مسرعا، فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه» رواه البخارى والنسائى، وحديث ثالث «جىء بالنعيمان أو ابن النعيمان شاربا رواه البخارى.
[ ٦ / ١٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غُنَيّةُ، وَتُكَنّى أُمّ يَحْيَى، ذَكَرَ اسْمَهَا أَبُو الْحَسَنِ الدّارَقُطْنِيّ فِي الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو عُمَرَ فِي كِتَابِ النّسَاءِ، وَلَا كَثِيرٌ مِمّنْ أَلّفَ فِي الْحَدِيثِ.
وَذَكَرَ قِصّةَ عَاصِمٍ حِينَ حَمَتْهُ الدّبْرُ. الدّبْرُ هَاهُنَا: الزّنَابِيرُ، وَأَمّا الدّبْرُ «١» فَصِغَارُ الْجَرَادِ، وَمِنْهُ يُقَالُ مَاءٌ دِبْرٌ «٢» قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، قَالَ: وَقَدْ يُقَالُ لِلنّحْلِ أَيْضًا دَبْرٌ بِفَتْحِ الدّالِ وَاحِدَتُهَا دَبْرَةٌ، قَالَ: وَيُقَالُ لَهُ: خَشْرَمٌ، وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، هَذِهِ رِوَايَةُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ الْأَصْمَعِيّ، ورواية غيره عنه أن واحدته: خشرمة. والثّوئل جَمَاعَةُ النّحْلِ أَيْضًا، وَلَا وَاحِدَ لَهَا، وَكَذَلِكَ النّوَبُ وَاللّوْبُ. وَمِنْ اللّوْبِ: حَدِيثُ زَبّان بْنِ قَسْوَرٍ «٣»، قَالَ: رَأَيْت النّبِيّﷺ- وَهُوَ نَازِلٌ بِوَادِي الشّوْحَطِ «٤» فَكَلّمْته، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ إنّ مَعَنَا لَوْبًا لَنَا- يعنى نحلا- كَانَتْ فِي عَيْلَمٍ لَنَا بِهِ طَرْمٌ وَشَمْعٌ، فجاء رجل فضرب ميتين «٥» فانتج حيا، وكفّنه بالتّمام، يعنى نارا
_________________
(١) هكذا ضبطها اللسان.
(٢) فى اللسان: مال دبر: أى كثير.
(٣) فى الإصابة: ابن قيس، أو قيسور. وقال: روى حديثه الدارقطنى فى المؤتلف من طريق محمد بن إسحاق عن يحيى بن عروة عن أبيه عنه، قال الدارقطنى: حديثه منكر.
(٤) فى القاموس وفى مراصد الإطلاع: شواحط بضم الشين وكسر الحاء جبل مشهور قرب المدينة كثير التمور.
(٥) لم أهتد إليها، فى المعاجم، فلعلها حنين وهو الجبل أو الغيار أو عتين وهى خيوط تشد بها أوصال الخيام!! لا أدرى.
[ ٦ / ١٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْ زَنْدَيْنِ، ونحسه يَعْنِي: دُخْنَهُ، فَطَارَ اللّوبُ هاربا، ودلّى مشواره فى العليم فَاشْتَارَ الْعَسَلُ، فَمَضَى بِهِ، فَقَالَ النّبِيّﷺ- مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ سَرَقَ شرو قوم، فَأَضَرّ بِهِمْ، أَفَلَا تَبِعْتُمْ أَثَرَهُ، وَعَرَفْتُمْ خَبَرَهُ؟ قَالَ:
قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ إنّهُ دَخَلَ فِي قَوْمٍ لَهُمْ مَنَعَةٌ، وَهُمْ جِيرَانُنَا مِنْ هُذَيْلٍ، فَقَالَ النّبِيّﷺ- صَبْرَك صَبْرَك تَرِدُ نَهَرَ الْجَنّةِ، وَإِنّ سِعَتَهُ كَمَا بَيْنَ اللّقِيقَةِ وَالسّحِيقَةِ «١» يَتَسَبْسَبُ جَرْيًا بِعَسَلِ صاف من قذاه ما تقيّاه لوب، ولا مجّه ثوب. فالعليم البئر، وأراد بها هاهنا قبّة النّحل أَوْ الْخَلِيّةَ، وَقَدْ يُقَالُ لِمَوْضِعِ النّحْلِ إذَا كَانَ صَدْعًا فِي جَبَلٍ: شِيقٌ، وَجَمْعُهُ: شِيقَانٌ، وَيُقَالُ لِكُلّ دُخَانٍ نُحَاسٌ «٢»، وَلَا يُقَالُ أَيّامٌ إلّا لِدُخَانِ النّحْلِ خَاصّةً، يُقَالُ: آمَهَا يَئُومُهَا إذَا دَخّنَهَا، قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
مَقْتَلُ حُجْر بْنِ عَدِيّ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ أَنّ خُبَيْبًا أَوّلُ مَنْ سَنّ الرّكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْقَتْلِ. قَوْلُهُ هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّهُمَا سُنّةٌ جَارِيَةٌ، وَكَذَلِكَ فَعَلَهُمَا حُجْر بْنُ عَدِيّ بْنِ الْأَدْبَرِ حِينَ قَتَلَهُ مُعَاوِيَةُ- رَحْمَةُ اللهِ- وَذَلِكَ أَنّ زِيَادًا كَتَبَ مِنْ الْبَصْرَةِ إلَى مُعَاوِيَةَ يَذْكُرُ أَنّ حُجْرا وَأَصْحَابَهُ، قَدْ خَرَجُوا عَلَى السّلْطَانِ، وَشَقّوا عَصَا الْمُسْلِمِينَ، وَوَجّهَ مَعَ الْكِتَابِ «٣» بِك فِيهِ شَهَادَةُ سَبْعِينَ رَجُلًا فِيهِمْ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ
_________________
(١) لم أهتد فى مراجعى إلى معرفتهما.
(٢) الذى سبق ذكره نحسة لا نحاس، وليس فى المعاجم نحسة بمعنى دخان.
(٣) هكذا بالأصل، ولعلها: صكا.
[ ٦ / ١٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْبَصْرِيّ وَابْنُ سِيرِينَ وَالرّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ عِلْيَةِ التّابِعِينَ ذَكَرَهُمْ الطّبَرِيّ «١» يَشْهَدُونَ بِمَا قَالَ زِيَادٌ مِنْ خُرُوجِ حُجْر بْنِ عَدِيّ عَلَيْهِ «٢»، وَكَانَ حُجْر شَدِيدَ الْإِنْكَارِ لِلظّلْمِ، غَلِيظًا عَلَى الْأُمَرَاءِ، وَأَنْكَرَ عَلَى زِيَادٍ أُمُورًا مِنْ الظّلْمِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ الْخُرُوجَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَلَمّا حَمَلَ حُجْر إلَى مُعَاوِيَةَ فِي خَمْسَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، قَالَ لَهُ: السّلَامُ عَلَيْك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: أو أنا لِلْمُؤْمِنَيْنِ أَمِيرٌ؟! ثُمّ أَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ صَلّى حُجْر الرّكْعَتَيْنِ، ثُمّ لَقِيَ مُعَاوِيَةُ عَائِشَةَ بالمدينة، فقالت له: أَمَا اتّقَيْت اللهَ يَا مُعَاوِيَةُ فِي حُجْر بْنِ عَدِيّ وَأَصْحَابِهِ؟ فَقَالَ: أَوْ أَنَا قَتَلْتهمْ، إنّمَا قَتَلَهُمْ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أَكْثَرْت عَلَيْهِ، قَالَ لَهَا: دَعِينِي وَحُجْرًا فَإِنّي مُلَاقِيهِ غَدًا عَلَى الْجَادّةِ، قَالَتْ:
فَأَيْنَ عَزَبَ عَنْك حُلْمُ أَبِي سُفْيَانَ؟ فَقَالَ: حِينَ غَابَ عَنّي مثلك من قومى «٣» .
_________________
(١) فى ص ٢٦٩ وما بعدها ح ٥ ط دار المعارف.
(٢) وقد جاء فى كتاب هذه الشهادة ما يأتى: «هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبى موسى لله رب العالمين. شهد أن حجر بن عدى خلع الطاعة، وفارق الجماعة، ولعن الخليفة، ودعا إلى الحرب والفتنة. وجمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة، وخلع أمير المؤمنين معاوية، وكفر بالله ﷿ كفرة صلعاء» ص ٢٦٩ المصدر السابق.
(٣) تعددت روايات الطبرى للقاء عائشة ومعاوية ﵄. ففى ص ٢٥٧ يذكر أنه لقيها بمكة، فقالت: يا معاوية أين كان حلمك عن حجر؟ فقال لها: يا أم المؤمنين لم يحضرنى رشيد!! وفى ص ٢٧٨ أن عائشة أرسلت إلى معاوية بعثت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فى شأن حجر وأصحابه، فقدم عليه، وقد قتلهم، فقال له عبد الرحمن: أين غاب عنك حلم أبى سفيان؟ قال: غاب عنى حين غاب عنى مثلك من حلماء قومى. -
[ ٦ / ١٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِمَ صَارَتْ صَلَاةُ خُبَيْبٍ سُنّةً؟:
وَإِنّمَا صَارَ فِعْلُ خُبَيْبٍ سُنّةً حَسَنَةً. وَالسّنّةُ إنّمَا هِيَ أَقْوَالٌ مِنْ النّبِيّﷺ- وَأَفْعَالٌ وَإِقْرَارٌ، لِأَنّهُ فَعَلَهَا فِي حَيَاتِهِ ﵇، فاستحسن ذلك من فعله، واستحسنه المعلّمون، مَعَ أَنّ الصّلَاةَ خَيْرُ مَا خُتِمَ بِهِ عَمَلُ الْعَبْدِ، وَقَدْ صَلّى هَاتَيْنِ الرّكْعَتَيْنِ أَيْضًا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مَوْلَى النّبِيّﷺ- وَذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ ﵇، حَدّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ طَاهِرِ بْنِ طَاهِرٍ الْإِشْبِيلِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيّ الْغَسّانِيّ، قَالَ: أخبرنا أبو عمر النّمرىّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ جَبْرُونٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمّدٍ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ مَعِينٍ: أَخْبَرَنَا قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ الْمِصْرِيّ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا اللّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ اكْتَرَى من رجل
_________________
(١) - وفى نفس الصفحة ذكر أن معاوية حين حج مر على عائشة رضوان الله عليهما، فاستأذن عليها، فأذنت له، فلما قعد قالت له: يا معاوية: أأمنت أن أخبأ لك من يقتلك؟! قال بيت الّا من دخلت. قالت: يا معاوية أما خشيت الله فى قتل حجر وأصحابه؟ قال: لست أَنَا قَتَلْتهمْ إنّمَا قَتَلَهُمْ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِمْ. هذا وقد فصل الطبرى فى تاريخه قصة حجر وجعل مصرعه من أحداث سنة إحدى وخمسين وهى فى كتابه من ص ٢٥٣ إلى ص ٢٨٥ أما المسعودى فذكر أن مصرع حجر كان فى سنة ٥٣ هـ. ولكنه قال: قيل إن قتلهم كان فى سنة ٥٠ ص ١٢ ح ٣ مروج الذهب لأبى الحسن على بن الحسين بن على المسعودى ط ١٩٤٨ وانظر ص ٢٢ المجلد الثالث من تاريخ عبد الرحمن بن خلدون المسمى كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر الخ» ط لبنان ١٩٥٧.
[ ٦ / ١٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَغْلًا مِنْ الطّائِفِ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ الْكَرْيَ أَنْ يُنْزِلَهُ حَيْثُ شَاءَ، قَالَ: فَمَالَ بِهِ إلَى خربة، فقال له: انزل فنزل، فإذا فِي الْخَرِبَةِ قَتْلَى كَثِيرَةٌ، قَالَ: فَلَمّا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ، قَالَ: دَعْنِي أُصَلّي رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: صَلّ، فَقَدْ صَلّى قَبْلَك هَؤُلَاءِ فَلَمْ تَنْفَعْهُمْ صَلَاتُهُمْ شَيْئًا، قَالَ: فَلَمّا صَلّيْت أَتَانِي، لِيَقْتُلَنِي، قَالَ:
فَقُلْت: يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ، قَالَ: فَسَمِعَ صَوْتًا: لَا تَقْتُلْهُ، قَالَ: فَهَابَ ذَلِكَ فَخَرَجَ يَطْلُبُ أَحَدًا، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَرَجَعَ إلَيّ، فَنَادَيْت: يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَإِذَا أَنَا بِفَارِسِ بِيَدِهِ حَرْبَةٌ حَدِيدٌ فِي رَأْسِهَا شُعْلَةٌ مِنْ نَارٍ فَطَعَنَهُ بِهَا، فَأَنْفَذَهُ مِنْ ظَهْرِهِ، فَوَقَعَ مَيّتًا، ثُمّ قَالَ: لَمّا دَعَوْت الْمَرّةَ الْأُولَى يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ كُنْت فِي السّمَاءِ السّابِعَةِ، فَلَمّا دَعَوْت الْمَرّةَ الثّانِيَةَ يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ، كُنْت فِي السّمَاءِ الدّنْيَا، فَلَمّا دَعَوْت الْمَرّةَ الثّالِثَةَ يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ أَتَيْتُك «١» .
مَا أَنَزَلَ اللهُ مِنْ الْقُرْآنِ فِي خبر خُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ مَا أَنَزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي خَبَرِ خُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ مِنْ قَوْلِ الْمُنَافِقِينَ فِيهِمْ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى مَا فِي قَلْبِهِ الْبَقَرَةُ: ٢٠٤ الْآيَةُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ التّفْسِيرِ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ وَأَنّهَا نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثّقَفِيّ، رَوَاهُ أَبُو مَالِكٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيّ: كُنْت بِمَكّةَ، فَسُئِلْت عَنْ هَذِهِ الآية فقلت:
_________________
(١) لا شك وانها أسطورة.
[ ٦ / ١٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، فَسَمِعَنِي رَجُلٌ مِنْ وَلَدِهِ، فَقَالَ لِي: يَا هَذَا إنّمَا أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَهْلِ مَكّةَ، فَلَا تُسَمّ أحدا مادمت فِيهَا، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي قَوْلِهِ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ الْبَقَرَةُ ٢٠٧.
نَزَلَتْ فِي صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ حِينَ هَاجَرَ، وَتَرَكَ جَمِيعَ مَالِهِ لِقُرَيْشِ وَيَدَعُونَهُ يُهَاجِرُ بِنَفْسِهِ إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَاسْتَشْهَدَ ابْنُ هِشَامٍ عَلَى تَفْسِيرِ الْأَلَدّ بِقَوْلِ مُهَلْهَلٍ، قَالَ: وَاسْمُهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ، وَيُقَالُ عَدِيّ، وَقَدْ صَرّحَ مُهَلْهَلٌ بِاسْمِ نَفْسِهِ فِي الشّعْرِ الّذِي اسْتَشْهَدَ بِهِ ابْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ:
صَرَبَتْ صَدْرَهَا إلَيّ وَقَالَتْ يَا عَدِيّا لَقَدْ وَقَتْك الْأَوَاقِي «١»
وَفِيهِ الْبَيْتُ الّذِي ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ:
إنّ تَحْتَ الْأَحْجَارِ حَدّا وَلِينَا وَخَصِيمًا أَلَدّ ذَا مِعْلَاقِ «٢»
وَيُرْوَى: مِغْلَاقِ بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ، وَالْمِعْلَاقُ: اللّسَانُ، وَأَمّا الْمِغْلَاقُ، بَالِغِينَ مُعْجَمَةً، فَالْقَوْلُ الّذِي يَغْلِقُ فَمَ الْخَصْمِ وَيُسَكّتُهُ. وبعده:
حيّة فى الوجار أربد لا ينفع منها السّليم نفث الرّاقى
_________________
(١) الأواقى: جمع واقية، فهمز الواو الأولى فى الجمع. ومن قال: إن اسمه امرؤ القيس بن ربيعة الخ روى الشطرة الثانية هكذا: يا امرا القيس حان وقت الفراق. ص ١١١ سمط اللآلى للبكرى.
(٢) أنشده اللسان: إن تحت الاحجار حزما وجودا. وزاد فى تفسير المعلاق أنه اللسان إذا كان جدلا. هذا وبيت الطرماح الذى فى السيرة أنشده اللسان هكذا: يضحى على سوق الجذول كأنه يلتدد.
[ ٦ / ١٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَسُمّيَ مُهَلْهِلًا بِقَوْلِهِ:
لَمّا تَوَقّلَ فِي الْكُرَاعِ هَجِينُهُمْ هَلْهَلْت أَثَارُ جَابِرًا أَوْ صِنْبِلَا «١»
هَلْهَلْت: أَيْ كِدْت وَقَارَبْت، وَأَمّا الْأَلَدّ، فَهُوَ مِنْ اللّدِيدَيْنِ، وَهُمَا جَانِبًا الْعُنُقِ، فَالْأَلَدّ الّذِي يُرِيغُ الْحُجّةَ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ، يُقَالُ: تَرَكْته يَتَلَدّدُ «٢»، وَقَالَ الزّجّاجُ: الْخِصَامُ جَمْعٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْمُخَاصَمَةَ، لِأَنّ أَفَعَلَ الّذِي يُرَادُ بِهِ التّفْضِيلُ إنّمَا يَكُونُ بَعْضَ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ، تَقُولُ: زَيْدٌ أَفْصَحُ النّاسِ، وَلَا تَقُولُ: زَيْدٌ أَفْصَحُ الْكَلَامِ.
قَالَ الشّيْخُ الْحَافِظُ ﵁: وَهَذَا الّذِي قَالَهُ حَسَنٌ إنْ كَانَ أَلَدّ مِنْ هَذَا الْبَابِ الّذِي مُؤَنّثُهُ الْفُعْلَى، أَمّا إنْ كَانَ مِنْ بَابِ أَفْعَل الّذِي مُؤَنّثُهُ فَعْلَاء نَحْوُ: أَخْرَس وَخَرْسَاء، فَالْخِصَامُ مَصْدَرُ خَاصَمْته، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُفَسّرِينَ، فَإِنّهُمْ فَسَرّوهُ بِالشّدِيدِ الْخُصُومَةِ، فَاللّدَد إذًا مِنْ صِفَةِ الْمُخَاصَمَةِ، وَإِنْ وُصِفَ
_________________
(١) فى الأصل: نوقل وصوابها توقل، والبيت فى اللسان، وفى سمط اللآلى ص ١١٢: توعر بدلا من توقل. والبيت من شعر قاله لزهير بن جناب، وقد قاله لما أدرك بثأر أخيه كليب، وقد سبق الحديث عن المهلهل، وقد ذكر ابن قتيبة أنه سمى مهلهلا لأنه هلهل الشعر، أى أرقه وقول السهيلى هو قول الطوسى. وهو الذى ارتضاه أبو العلاء المعرى فى رسالة الغفران، وجابر وصنبل رجلان من تغلب.
(٢) قال أبو اسحاق: معنى الخصم الألد فى اللغة: الشديد الخصومة الجدل واشتقاقه من لديدى العنق، وهما صفحتاه، وتأويله: أن خصمه أى وجه أخذ من وجوه الخصومة غلبه فى ذلك.
[ ٦ / ١٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِهِ الرّجُلُ مَجَازًا، وَيُقَوّي هَذَا قَوْلُهُ: وَخَصِيمًا أَلَدّ، وَلَمْ يُضِفْهُ، وَلَا قَالَ أَلَدّ مِنْ كَذَا، فَجَعَلَهُ مِنْ بَابِ أَصَمّ وَأَشَمّ وَنَحْوِهِ، وَيُقَوّيهِ أَيْضًا قَوْلُهُمْ فِي الْجَمْعِ: قَوْمٌ لُدّ، رَوَتْ عَائِشَةُ عَنْ النّبِيّﷺ أَنّهُ قَالَ: أَبْغَضُ الْخَلْقِ إلَى اللهِ الخصم الألذّ «١» وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى مَا فِي قَلْبِهِ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْهَاءِ، وَرَفْعِ الْهَاءِ مِنْ اسْمِ اللهِ تَعَالَى، أَيْ: وَيَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قلبه.
_________________
(١) البخارى ومسلم والترمذى والنسائى. والخصم بكسر الصاد الذى يحج من يخاصمة. هذا وقد استشهد ابن هشام فى السيرة ببيت قاله يزيد بن ربيعة بن مفرغ. وقد سبق حديث عنه وعن السبب الذى من أجله قال القصيدة. والقصيدة التى منها البيت «وشربت بردا ليتنى» الخ هى كما رواها الزجاج فى أماليه: أصرمت حبلك من أمامه من بعد أيام برامه لهفى على الرأى الذى كانت عواقبه ندامه تركى سعيدا ذا الندى والبيت ترفعه الدعامه وتبعت عبد بنى علا ج تلك أشراط القيامه جاءت به حبشية سكاء تحسبها نعامه من نسوة سود الوجو هـ ترى عليهن الدمامه وشربت بُرْدًا لَيْتَنِي مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهُ أو بومة تدعو صدى بين المشقر واليمامه العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الملامه الريح تبكى شجوها والبرق يلمع فى غمامه ورمقتها فوجدتها كالضلع ليس له استقامه ص ٢٩ وما بعدها الأمالى لأبى القاسم عبد الرحمن بن اسحاق الزجاجى ط ١٣٢٤.
[ ٦ / ١٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عُدَس فِي شِعْرِ حَسّانَ فِي خُبَيْبٍ:
وَذَكَرَ شِعْرَ حَسّانَ فِي قِصّةِ خُبَيْبٍ، وَقَوْلُهُ فِيهِ:
مِنْ الْقَبَائِلِ مِنْهُمْ مَنْ نَفَتْ عُدَسُ
قَوْلُهُ: مَنْ نَفَتْ عُدَسُ، يَعْنِي حُجَيْرَ بْنَ أَبِي إهَابِ بْنِ عُرَيْنٍ، وَهُوَ يُنْتَسَبُ إلَى بَنِي عُدَسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بن دَارِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ، وَيُقَالُ: بَلْ هُوَ مِنْ بَنِي رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ حنظلة، ومن ها هنا ذَكَرَ نَفْيَ بَنِي عُدَس لَهُ، مِنْ أَجْلِ الِاخْتِلَافِ فِي نَسَبِهِ. وَعُدَس بِضَمّ الدّالِ فِي تَمِيمٍ، وَهُوَ هَذَا، وَكُلّ عُدَس فِي الْعَرَبِ سِوَاهُ فَهُوَ بِفَتْحِ الدّالِ، وَهُوَ مِنْ عَدَسَ فِي الْأَرْضِ إذَا ذَهَبَ فِيهَا، وَاَللهُ أَعْلَمُ، فَمِنْ الْمَفْتُوحِ الدّالِ عُدَس بْنُ عُبَيْدٍ فِي الْأَنْصَارِ، ثُمّ فِي بَنِي النّجّارِ، وَهُوَ جَدّ أَبِي أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ «١» وَقَدْ قَالَ بعض النسايين فِي عُدُس بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ دَارِمٍ الّذِي تَقَدّمَ ذِكْرُهُ: عَدَس بِفَتْحِ الدّالِ، وَالْأَوّلُ أَعْرَفُ وَأَشْهَرُ.
دَعْوَةُ خُبَيْبٍ عَلَى قَاتِلِيهِ:
وَذَكَرَ قَوْلَ خُبَيْبٍ حِينَ رَفَعُوهُ فِي الْخَشَبَةِ: اللهُمّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا، فَمَنْ رواه بددا بكسر الباء، فهو مصدر بمعنى التّبدّد، أى: ذوى «٢»
_________________
(١) فى الأصل دارة وهو خطأ وصوابه ما أثبته.
(٢) جاء فى هامش المطبوعة: وفى النسخة الأخرى: بكسر الباء فهو جمع بدة، وهى الفرقة والقطعة من الشىء المتبدد، أى ذوى بدد هذا وقد ذكر-
[ ٦ / ١٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَدَدٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ أُجِيبَتْ فِيهِمْ دَعْوَةُ خُبَيْبٍ، وَالدّعْوَةُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ الْعَبْدِ مُسْتَجَابَةٌ؟
قُلْنَا: أَصَابَتْ مِنْهُمْ مَنْ سُبِقَ فِي عِلْمِ اللهِ أَنْ يَمُوتَ كَافِرًا، ومن أسلم منهم فلم بعنه خُبَيْبٌ وَلَا قَصَدَهُ بِدُعَائِهِ، وَمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ كَافِرًا بَعْدَ هَذِهِ الدّعْوَةِ، فَإِنّمَا قُتِلُوا بَدَدًا غَيْرَ مُعَسْكِرِينَ وَلَا مُجْتَمَعِينَ كَاجْتِمَاعِهِمْ فِي أُحُد، وَقَبْلَ ذَلِكَ فِي بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ الْخَنْدَقُ بَعْدَ قِصّةِ خُبَيْبٍ فَقَدْ قُتِلَ مِنْهُمْ آحَادٌ فِيهَا مُتَبَدّدُونَ، ثُمّ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ جَمْعٌ وَلَا مُعَسْكَرٌ غَزَوْا فِيهِ، فَنَفَذَتْ الدّعْوَةُ عَلَى صُورَتِهَا وَفِيمَنْ أَرَادَ خُبَيْبٌ﵀- وَحَاشَا لَهُ أَنْ يَكْرَهَ إيمَانَهُمْ وَإِسْلَامَهُمْ «١» .
ابْنُ كُهَيْبَةَ فِي شِعْرِ حَسّانَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ أَشْعَارَ حَسّانَ فِي خُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَعْنًى خَفِيّ، وَلَا لَفْظٌ غَرِيبٌ وَحْشِيّ، فَيَحْتَاجُ إلى تفسيره، لكن فى بعضها:
_________________
(١) - الخشنى البدة بكسر الباء: المتفرقون، وهو بفتح الباء المصدر، وأصله من التبدد وهو التفرق. وذكر ابن الأثير ما يأتى: بدد: يروى بكسر الباء جمع بدة وهى الحصة والنصيب؛ أى اقتلهم حصصا مقسمة، لكل واحد حصته ونصيبه. ويروى بالفتح. أى. متفرقين فى القتل واحد أبعد واحد من التبديد.
(٢) وقصيدة خبيب فى السيرة لم يرو منها البخارى غير هذين: ما إن أبالى حين أقتل مسلما على أى شق كان لله مصرعى وذاك فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى أوصال شلوزع؟؟؟ وفى رواية أبى الأسود عن عروة ذكر البيت الأول والرابع من القصيدة.
[ ٦ / ١٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَنِي كُهَيْبَةَ أَنّ الْحَرْبَ قَدْ لَقِحَتْ جَعَلَ كُهَيْبَةَ كَأَنّهُ اسْمُ عِلْمٍ لِأُمّهِمْ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ: بَنِي ضَوْطَرَي وَبَنِيّ الْغَبْرَاءِ وَبَنِيّ دَرَزَةَ «١» قَالَ الشّاعِرُ:
أَوْلَاد دَرْزَةَ أَسْلَمُوك وَطَارُوا «٢»
وَهَذَا كُلّهُ اسْمٌ لِمَنْ يُسَبّ، وَعِبَارَةٌ عَنْ السّفْلَةِ مِنْ النّاسِ، وَكُهَيْبَةُ مِنْ الْكُهْبَةِ، وَهِيَ الْغُبْرَةُ، وَهَذَا كَمَا قَالُوا: بَنِي الْغَبْرَاءِ، وَأَكْثَرُ أَشْعَارِ حَسّانَ فِي هَذِهِ الْقِصّةِ، قَالَ فِيهَا مِنْ هُذَيْلٍ، لِأَنّهُمْ إخْوَةُ الْقَارَةِ، وَالْمُشَارَكُونَ لَهُمْ فِي الْغَدْرِ بِخُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ، وهُذَيل وَخُزَيْمَةُ أَبْنَاءُ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ وَعَضَلَ وَالْقَارَةُ مِنْ بَنِي خُزَيْمَةَ.
حَوْلَ الْعَلَمِ وَضْعُهُ مِنْ التّنْوِينِ مَعَ الْخَفْضِ:
وَقَوْلُهُ: وَابْنٌ لِطَارِقِ، وَابْنُ دَثْنَة مِنْهُمْ، حَذَفَ التنوين كما تقدم فى قوله
_________________
(١) الضوطرى: الرجل الضخم الذى لا غناء عنده، ويقال للقوم إذا كانوا لا يغنون غناء بنو ضوطرى. وبنو ضوطرى: حى معروف. وبنو غبراء تقال المحاويج أو الفقراء كأنهم نسبوا إلى الأرض، وهى فى الأصل: غبرى- مقصورة- ولم أجدها. وبنو درزة يقال الدعى هو ابن درزة وابن ترنى، وذلك إذا كان ابن أمة تساعى فجاءت به من المساعاة: ولا يعرف له أب ويقال: هؤلاء أولاد درزة وأولاد فرتنى للسفلة والسقاط. انظر اللسان فى مادة درز وضطر وغبر.
(٢) فى اللسان قاله شاعر يخاطب زيد بن على. ويقال. أراد به الخياطين، وقد كانوا خرجوا معه، فتركوه وانهزموا.
[ ٦ / ١٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) شُلّتْ يَدَا وَحْشِيّ مِنْ قَاتِلٍ، وَلَوْ أَنّهُ حِينَ حَذَفَ التّنْوِينَ نَصَبَ، وَجَعَلَهُ كَالِاسْمِ الّذِي لَا يَنْصَرِفُ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْخَفْضِ مَفْتُوحٌ، لمكان وَجْهًا وَقِيَاسًا صَحِيحًا، لِأَنّ الْخَفْضَ تَابِعُ التّنْوِينِ، فَإِذَا زَالَ التّنْوِينُ، زَالَ الْخَفْضُ، لِئَلّا يَلْتَبِسُ بِالْمُضَافِ إلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلّمِ، لِأَنّ ضَمِيرَ الْمُتَكَلّمِ، وَإِنْ كَانَ يَاءً فَقَدْ يُحْذَفُ، وَيَكْتَفِي بِالْكِسْرَةِ مِنْهُ، وَزَوَالُ التّنْوِينِ فِي أَكْثَرِ مَا لَا يَنْصَرِفُ إنّمَا هُوَ لِاسْتِغْنَاءِ الِاسْمِ عَنْهُ، إذْ هُوَ عَلَامَةُ الِانْفِصَالِ عَنْ الْإِضَافَةِ فَكُلّ اسْمٍ لَا يُتَوَهّمُ فِيهِ الْإِضَافَةُ لَا يَحْتَاجُ إلَى التّنْوِينِ، لَكِنّهُ إذَا لَمْ يُنَوّنْ لَمْ يُخْفَضْ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْتِبَاسِهِ بِالْمُضَافِ إلَى الْمُتَكَلّمِ، وَقَدْ تَقَدّمَ فِي أَشْعَارِ أُحُدٍ: كَنَارِ أَبِي حُبَاحِبَ والظُبينا بِفَتْحِ الْبَاءِ مِنْ حُبَاحِبَ فِي مَوْضِعِ الْخَفْضِ، وَكَانَ حَقّ كُلّ عَلَمٍ أَلّا يُنَوّنَ؛ لِأَنّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ الْإِضَافَةِ كَمَا لَمْ يُنَوّنْ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْمَعَارِفِ، وَلَكِنّهُ نُوّنَ مَا نوّن منه لِلسّرّ الّذِي بَيّنّاهُ فِي أَسْرَارِ مَا لَا يَنْصَرِفُ مِنْ الْأَسْمَاءِ، وَقَدْ أَمْلَيْنَا فِي ذَلِكَ جزآ، وَلَكِنْ الْخَفْضُ فِي طَارِقٍ وَوَحْشِيّ مَرْوِيّ، وَوَجْهُهُ أَنّهُ لَمّا كَانَ ضَرُورَةَ شِعْرٍ، وَلَمْ يَكْثُرْ فِي كَلَامِهِمْ لَمْ يُتْبِعُوا الْخَفْضَ فِيهِ التّنْوِينَ إذْ لَا يُتَوَهّمُ إضَافَتُهُ إلَى الْمُتَكَلّمِ، إذْ لَا يَقَعُ إلّا نَادِرًا فِي شِعْرٍ، فَاللّبْسُ فِيهِ بَعِيدٌ. اشْتِقَاقُ اسْمِ خُبَيْبٍ وهُذَيل: وَقَوْلُهُ: وَابْنُ الْبُكَيْرِ إمَامُهُمْ وَخُبَيْبُ، أَرْدَفَ حَرْفَ الرّوِيّ بِيَاءِ مَفْتُوحٌ مَا قَبْلَهَا، وَقَدْ تَقَدّمَ الْقَوْلُ فِيهِ مَرّتَيْنِ. وَخُبَيْبٌ فِي اللّغَةِ تَصْغِيرُ خِبّ، وهو الماكر من الرجال الخداع، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَصْغِيرَ خَابٍ مِنْ الْخَبِيبِ،
[ ٦ / ٢٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَيَكُونُ مِنْ بَابِ تَصْغِيرِ التّرْخِيمِ، وَهُوَ الّذِي يَنْبَنِي عَلَى حَذْفِ الزّوَائِدِ، وَأَمّا هُذَيْلٌ فَقَالُوا فيه: إنه مصغّر تصغير التّرخيم، لِأَنّهُ مِنْ هَوْذَل الرّجُلُ بِبَوْلِهِ إذَا بَاعَدَ بِهِ، فَكَأَنّهُ تَصْغِيرُ مُهَوْذِلٍ عَلَى حَذْفِ الزّوَائِدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَصْغِيرَ هُذْلُولٍ، وَهُوَ التّلّ الصّغِيرُ مِنْ الرّمْلِ عَلَى تَصْغِيرِ التّرْخِيمِ أَيْضًا «١» .
سَالَتْ بِدُونِ هَمْزَةٍ:
وَقَوْلُهُ: سَالَتْ «٢» هُذَيْلٌ رَسُولَ اللهِ فَاحِشَةً، لَيْسَ عَلَى تَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ فِي سَالَتْ، وَلَكِنّهَا لُغَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: تَسَايَلَ الْقَوْمُ، وَلَوْ كَانَ تَسْهِيلًا، لَكَانَتْ الْهَمْزَةُ بَيْنَ بَيْنَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ وَزْنُ الشّعْرِ بِهَا، لِأَنّهَا كَالْمُتَحَرّكَةِ، وَقَدْ تُقْلَبُ أَلِفًا سَاكِنَةً كَمَا قَالُوا: الْمِنْسَاة «٣»، وَلَكِنّهُ شَيْءٌ لَا يُقَاسَ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَتْ سَالَ لُغَةً فِي سَأَلَ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُضَارِعُ يَسِيلُ، وَلَكِنْ قَدْ حَكَى يُونُسُ:
سِلْت تَسَالُ مِثْلَ خِفْت تَخَافُ، هُوَ عِنْدَهُ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ، وَقَالَ الزّجّاجُ:
الرّجُلَانِ يَتَسَايَلَانِ، وَقَالَ النّحّاسُ وَالْمُبَرّدُ: يَتَسَاوَلَانِ، وَهُوَ مِثْلُ مَا حَكَى يُونُسُ.
خَبَرُ بِئْرِ مَعُونَةَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا، وَالصّحِيحُ أَنّهُمْ كَانُوا سَبْعِينَ،
_________________
(١) قريب منه قول ابن دريد: اشتقاق هذيل عن الهذل وهو الاضطراب، يقال: هوذل الرجل ببوله إذا اضطرب بوله فقد هوذل.
(٢) السهيلى ينتقل من قصيدة إلى قصيدة دون ترتيب.
(٣) المنساة: العصا يهمز ولا يهمز.
[ ٦ / ٢٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَذَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِمٍ.
مُلَاعِبُ الْأَسِنّةِ وَإِخْوَتُهُ وَمُعَوّذٌ الْحُكَمَاءُ:
وَذَكَرَ أَبَا بَرَاءٍ مُلَاعِبَ الْأَسِنّةِ، وَأَنّهُ أَجَارَ أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، وَهُوَ عَامِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، سُمّيَ مُلَاعِبَ الْأَسِنّةِ فِي يَوْمِ سُوبَانَ، وَهُوَ يَوْمٌ كَانَتْ فِيهِ وَقِيعَةٌ فِي أَيّامِ جَبَلَةَ، وَهِيَ أَيّامُ حَرْبٍ كَانَتْ بَيْنَ قَيْسٍ وَتَمِيمٍ، وَجَبَلَةُ اسْمٌ لِهَضْبَةِ عَالِيَةٍ، وَقَدْ تَقَدّمَ طَرَفٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَوّلِ الْكِتَابِ، وَكَانَ سَبَبُ تَسْمِيَتِهِ فِي يَوْمِ سُوبَانَ مُلَاعِبَ الْأَسِنّةِ أَنّ أَخَاهُ الّذِي يُقَالُ لَهُ فَارِسُ قُرْزل، وَهُوَ طُفَيْلُ بْنُ مَالِكٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوّلِ الْكِتَابِ مَعْنَى قُرْزل، كَانَ أَسْلَمَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَفَرّ فَقَالَ شَاعِرٌ:
فَرَرْت وَأَسْلَمْت ابْنَ أُمّك عَامِرًا يُلَاعِبُ أطراف الوسيج الْمُزَعْزَعِ
فَسُمّيَ مُلَاعِبَ الْأَسِنّةِ، وَمُلَاعِبُ الرّمَاحِ. قَالَ لبيد:
وإنني ملاعب الرماح ومدره الكتيبة الرداح
وَهُوَ عَمّ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانُوا إخْوَةً خَمْسَةً: طُفَيْلٌ فَارِسُ قُرْزل، وَعَامِرٌ مُلَاعِبُ الْأَسِنّةِ، وَرَبِيعَةُ الْمُقْتِرِينَ «١» وَهُوَ وَالِدُ لَبِيدٍ، وَعُبَيْدَةُ الْوَضّاحُ، ومعاوية معوّذ الحكماء «٢» وهو الذى يقول:
_________________
(١) فى الجمهرة لابن حزم: وربيعة، وهو ربيع المفترين.
(٢) فى الجمهرة معود ص ٢٦٨ وكذلك فى اللسان وفى سمط اللآلى ص ١٩٠، ٤٤٨.
[ ٦ / ٢٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذَا سَقَطَ السّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا
وَفِي هَذَا الشّعْرِ يَقُولُ:
يَعُوذُ مِثْلَهَا الْحُكَمَاءُ بَعْدِي إذَا مَا الْأَمْرُ فِي الْحَدَثَانِ نَابَا
وَبِهَذَا الْبَيْتِ سُمّيَ مُعَوّذَ الْحُكَمَاءِ «١» .
شِعْرُ لَبِيدٍ عَنْ مُلَاعِبٍ وَإِخْوَتِهِ أَمَامَ النّعْمَانِ:
وَإِيّاهُمْ عَنَى لَبِيدٌ حِينَ قَالَ بَيْنَ يَدَيْ النّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ:
نَحْنُ بَنِي أُمّ الْبَنِينَ الأربعه المطعمون الْجَفْنَةَ الْمُدَعْدَعَهْ
وَالضّارِبُونَ الْهَامَ تَحْت الْخَيْضَعَهْ يَا ربّ هيجا هى خير من دعه «٢»
_________________
(١) البيت فى اللسان هكذا: أعود مثلها الحكماء بعدى إذا ما الحق فى الحدثان نابا ويقول اللسان قبلها: وسمى معود الحكماء لقوله فى هذه القصيدة ثم ذكر البيت. وفى سمط اللالى ص ١٩٠ يقول: سمى معود- بالدال- الحكماء يقوله: سأعقلها وتحملها غنى وأورث مجدها أبدا كلابا أعود مثلها الحكماء بعدى إذا ما معضل الحدثان نابا وفى ص ٤٤٨ يذكر بعد بيته إذا نزل السماء هذين البيتين: لكل مقلص عبل شواه إذا وضعت أعنتهن نابا ومحفزة الحزام بمرفقيها كشاة الربل أفلتت الكلابا وانظر ص ١٨٢ ج ١ الأمالى للقالى ط ٢.
(٢) فى اللسان وفى سمط اللآلى: نحن بنو، وزاد اللسان بعد الشطرة الأولى فى مادة خضع: ونحن خير عامر بن صعصعة «والمدعدعة: المليئة. والخيضعة: البيضة أو التفاف الأصوات فى الحرب وقد قال لبيد الرجز حين ناظر الربيع-
[ ٦ / ٢٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثُمّ ذَكَرَ الرّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ [الْعَبْسِيّ] فَقَالَ:
مَهْلًا أَبَيْتَ اللّعْنَ لَا تَأْكُلْ مَعَهْ
إلَى آخِرِ الرّجَزِ فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ، إنّمَا قَالَ: الْأَرْبَعَةُ، وَهُمْ خَمْسَةٌ، لِأَنّ أَبَاهُ رَبِيعَةَ قَدْ كَانَ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، لَا كَمَا قَالَ بَعْضُ النّاسِ، وَهُوَ قَوْلٌ يُعْزَى إلَى الْفَرّاءِ أَنّهُ قَالَ إنّمَا قَالَ أَرْبَعَةً، وَلَمْ يَقُلْ خَمْسَةً مِنْ أَجْلِ الْقَوَافِي، فَيُقَالُ لَهُ: لَا يَجُوزُ لِلشّاعِرِ أَنْ يَلْحَنُ لِإِقَامَةِ وَزْنِ الشّعْرِ، فَكَيْفَ بِأَنْ يَكْذِبَ لِإِقَامَةِ الْوَزْنِ، وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا أَنّهُ اسْتَشْهَدَ بِهِ عَلَى تَأْوِيلٍ فَاسِدٍ تَأَوّلَهُ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ:
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ الرّحْمَنُ: ٤٦ وَقَالَ: أَرَادَ جَنّةً وَاحِدَةً، وجاء بلفظ التّثنية، لتتفق رؤس الْآيِ، أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ، فَصَمّي صَمَامْ «١» مَا أَشْنَعَ هَذَا الْكَلَامَ، وَأَبْعَدَهُ عَنْ الْعِلْمِ، وَفَهْمِ الْقُرْآنِ: وَأَقَلّ هَيْبَةَ قَائِلِهِ مِنْ أَنْ يَتَبَوّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النّارِ، فَحَذَارِ مِنْهُ حَذَارِ. وَمِمّا يَدُلّك أَنّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَةً حِينَ قَالَ لَبِيدٌ هَذِهِ الْمَقَالَةَ إنّ فِي الْخَبَرِ ذِكْرُ يُتْمِ لَبِيَدٍ وَصِغَرِ سِنّهِ، وَأَنّ أَعْمَامَهُ الْأَرْبَعَةَ اسْتَصْغَرُوهُ أَنْ يُدْخِلُوهُ مَعَهُمْ عَلَى النّعْمَانِ حِينَ هَمّهُمْ مَا قَاوَلَهُمْ بِهِ الرّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ، فَسَمِعَهُمْ لَبِيدٌ يَتَحَدّثُونَ بِذَلِكَ، وَيَهْتَمّونَ لَهُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يُدْخِلُوهُ مَعَهُمْ عَلَى النّعْمَانِ، وَزَعَمَ أَنّهُ سيفحمه فتهاونوا بقوله،
_________________
(١) - ابن زياد العبسى بحضرة النعمان بن المنذر. أنظر ص ١٥١ سمط اللآلى. وحسنا فعل السهيل حين بتر الرجز، فقد أفحش فيه لبيد، ورمى زيادا بما تبرأ منه الرجولة بألفاظ تثير التقزز» .
(٢) صمى صمام: يضرب الرجل يأتى الداهية، أى احرصى يا صمام- ويقال الداهية: صمى صمام مثل قطام وهى الداهية، أى زيدى.
[ ٦ / ٢٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَتّى اخْتَبَرُوهُ بِأَشْيَاءَ مَذْكُورَةٍ فِي الْخَبَرِ، فَبَانَ بِهَذَا كُلّهِ أَنّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَةً، وَلَوْ سَكَتَ الْجَاهِلُ لَقَلّ الْخِلَافُ وَالْحَمْدُ لِلّهِ.
مَصِيرُ ابْنِ فُهَيْرَةَ:
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنّ عَامِرَ بْنَ الطّفَيْلِ قَالَ يَوْمئِذٍ: مَنْ رَجُلٌ لَمّا طَعَنْته رَفَعَ حَتّى رَأَيْت السّمَاءَ مِنْ دُونِهِ. هَذِهِ رِوَايَةُ البكّابى عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَرَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنّ عَامِرَ بْنَ الطّفَيْلِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَالَ لِلنّبِيّ ﵇: مَنْ رَجُلٌ يَا مُحَمّدُ لَمّا طَعَنْته رَفَعَ إلَى السّمَاءِ؟ فَقَالَ: هُوَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ «١» وَرَوَى عَبْدُ الرّزّاقِ وَابْنُ الْمُبَارَكِ أَنّ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ اُلْتُمِسَ فِي الْقَتْلَى يَوْمئِذٍ، فَفُقِدَ، فَيَرَوْنَ أَنّ الْمَلَائِكَةَ رَفَعَتْهُ أَوْ دَفَنَتْهُ.
أُمّ الْبَنِينَ الْأَرْبَعَةِ:
وَذَكَرَ قَوْلَ حَسّانَ:
بَنِي أُمّ الْبَنِينَ أَلَمْ يَرْعَكُمْ وَأَنْتُمْ فِي «٢» ذَوَائِبِ أَهْلِ نَجْدِ
وَهَذِهِ أُمّ الْبَنِينَ الّتِي ذَكَرَ لَبِيدٌ فِي قَوْلِهِ:
نَحْنُ بَنِي أُمّ الْبَنِينَ الأربعة
_________________
(١) فى رواية البخارى أن عامر بن الطفيل سأل عمرو بن أمية الضمرى، وأن عامرا قال: لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء، حتى إنى لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض وهذا قول رجل كافر ظل على كفره فهل يصدق؟.
(٢) فى السيرة: من.
[ ٦ / ٢٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَاسْمُهَا: لَيْلَى بِنْتُ عَامِرٍ- فِيمَا ذَكَرُوا وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ نَسَبَهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَهَا.
وَذَكَرَ قَوْلَ أَنَسِ بْنِ عَبّاسٍ السّلَمِيّ:
تَرَكْت ابن ورقاء الخزاعىّ ثاويا بمعترك تسغى عَلَيْهِ الْأَعَاصِرُ
ذَكَرْت أَبَا الزّبّانِ لَمّا رَأَيْته وَأَيْقَنْت أَنّي عِنْدَ ذَلِكَ ثَائِرُ
الزّبّانُ أَوْ الرّيّانُ هَكَذَا وَقَعَ فِي النّسْخَةِ أَبَا الزّبّانِ «١»، وَفِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ:
أَبَا الرّيّانِ بِالرّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْيَاءِ أُخْتِ الْوَاوِ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُ الدّارَقُطْنِيّ فِي الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ، كَمَا فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ.
القُرطاء:
وَذَكَرَ شِعْرَ كَعْبٍ وَفِيهِ: أَوْ القُرطاء مَا إنْ أَسْلَمُوهُ. القُرطاء: هُمْ بَنُو قُرْطٍ وَقُرَيْطٍ وَقَرِيطٍ، وَهُمْ أَبَطْنُ مِنْ بَنِي عَامِرٍ ثُمّ مِنْ بَنِي كِلَابٍ.
شَيْءٌ مَنْسُوخٌ وَلَمّا قُتِلَ أَصْحَابُ بِئْرِ مَعُونَةَ نَزَلَ فِيهِمْ قُرْآنٌ، ثُمّ رفعَ: أَنْ أَبْلِغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبّنَا فَرَضِيَ عَنّا وَرَضِينَا عَنْهُ «٢»، فَثَبَتَ هَذَا فِي الصّحِيحِ، وَلَيْسَ
_________________
(١) فى أبى ذر: الزيان أى بالزاء والياء وقد صوب: الريان.
(٢) البخارى: إنا لقينا ربنا، فرضى عنا وأرضانا. ولنتدبر النقد الرائح الذى نقد به السهيلى هذا.
[ ٦ / ٢٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَيْهِ رَوْنَقُ الْإِعْجَازِ، فَيُقَالُ: إنّهُ لَمْ يَنْزِلْ بِهَذَا النّظْمِ، وَلَكِنْ بِنَظْمِ مُعْجِزٍ كَنَظْمِ الْقُرْآنِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنّهُ خَبَرٌ وَالْخَبَرُ لَا يَدْخُلُهُ النّسْخُ، قُلْنَا: لَمْ يُنْسَخْ مِنْهُ الْخَبَرُ، وَإِنّمَا نُسِخَ مِنْهُ الْحُكْمُ، فَإِنّ حُكْمَ الْقُرْآنِ أَنْ يُتْلَى فِي الصّلَاةِ، وَأَنْ لَا يَمَسّهُ إلّا طَاهِرٌ «١»، وَأَنْ يَكْتُبَ بَيْنَ اللّوْحَيْنِ، وَأَنْ يَكُونَ تَعَلّمُهُ مِنْ فَرَوْضِ الْكِفَايَةِ، فَكُلّ مَا نُسِخَ، وَرُفِعَتْ مِنْهُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ، وَإِنْ بَقِيَ مَحْفُوظًا، فَإِنّهُ مَنْسُوخٌ، فَإِنْ تَضَمّنَ حُكْمًا جَازَ أَنْ يَبْقَى ذَلِكَ الْحُكْمُ مَعْمُولًا بِهِ، وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ، وَإِنْ تَضَمّنَ خَبَرًا بَقِيَ ذَلِكَ الْخَبَرُ مُصَدّقًا بِهِ، وَأَحْكَامُ التّلَاوَةِ مَنْسُوخَةٌ عَنْهُ، كَمَا قَدْ نَزَلَ: لَوْ أَنّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ لَابْتَغَى لَهُمَا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَاب.
وَيُرْوَى: لَا يَمْلَأُ عَيْنَيْ ابْنِ آدَمَ، وَفَمَ ابْنِ آدَم، كُلّ ذَلِكَ فِي الصّحِيحِ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ: وَادِيًا مِنْ مَالٍ أَيْضًا، فَهَذَا خَبَرٌ حَقّ، وَالْخَبَرُ لَا يُنْسَخُ، وَلَكِنْ نُسِخَ مِنْهُ أَحْكَامُ التّلَاوَةِ لَهُ، وَكَانَتْ هذه الآية أعنى قوله: لو أنّ
_________________
(١) يشير إلى قوله سبحانه: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) الواقعة: ٧٧- ٧٩ والضمير فى لا يمسه يعود إلى الكتاب الذى فى السماء كما قال ابن عباس. والمطهرون هم الملائكة. وقال ابن زيد: زعمت كفار قريش أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين، فأخبر الله تعالى أنه لا يمسه إلا المطهرون كما قال تعالى: (وما تنزلت به الشياطين) وقال الفراه: لا يحد طعمه ونفعه إلا من آمن به.
[ ٦ / ٢٠٧ ]
[أَمْرُ إجْلَاءِ بَنِي النّضِيرِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ]
[بنو النضير يأتمرون بالرسول ﷺ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى بَنِي النّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دية ذينك القتيلين من بنى عامر، الذين قَتَلَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ، لِلْجِوَارِ الّذِي كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عقد لهما، كما حاثّنى يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، وَكَانَ بَيْنَ بَنِي النّضِير وبين بنى عامر عقد وحلف.
ــ
لِابْنِ آدَمَ فِي سُورَةِ يُونُسَ بَعْدَ قَوْلِهِ: كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصّلُ الْآيَاتِ لقوم يتفكرون، كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ سَلّام، وَأَمّا الْحُكْمُ الّذِي بَقِيَ، وَكَانَ قُرْآنًا يُتْلَى: فَالشّيْخُ وَالشّيْخَةُ إذَا زَنَيَا، فَارْجُمُوهُمَا الْبَتّةَ نَكَالًا مِنْ اللهِ، وَلَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَإِنّ ذَلِكَ كُفْرٌ بِكُمْ، فَهَذَا حُكْمٌ كَانَ نَسْخُهُ جَائِزًا حِينَ نُسِخَ حُكْمُ التّلَاوَةِ، وَكَانَ جَائِزًا أَنْ يَبْقَى حُكْمُ التّلَاوَةِ، وَيُنْسَخُ هَذَا الْحُكْمُ بِخِلَافِ هَذَا الْخَبَرِ كما تقدم «١» .
_________________
(١) سؤال نسأله لهؤلاء الذين يزعمون مثل هذا: هل يجوز لمسلم أن يزعم أن قوله: لو أن لابن آدم الخ من القرآن؟. ثم هل يكفر من ينكر أنه كان من القرآن؟ وفى آى القرآن من جلال البيان وجماله واشراقه ما يغنى عن هذا، وما يحكم بأن هذا كلام ليس عليه- كما قال السهيلى من قبل- رونق الإعجاز ثم كيف تنسخ آية ويبقى حكمها؟ أهذه تتفق مع حكمة الله بعباده ورحمته؟ ليتق الله الذين يزعمون مثل هذا، وكيف نأمن شرا يفترى مثل هذا؟ وسؤال آخر: أفى كتاب الله آية يحرم على المسلم أن يعمل بها؟! لا يجرؤ أحد على قول: نعم.
[ ٦ / ٢٠٨ ]
فَلَمّا أَتَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ ذَيْنِك الْقَتِيلَيْنِ، قَالُوا نَعَمْ، يَا أَبَا الْقَاسِمِ، نُعِينُك عَلَى مَا أَحْبَبْت، مِمّا اسْتَعَنْت بِنَا عَلَيْهِ. ثُمّ خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضِ، فَقَالُوا: إنّكُمْ لَنْ تَجِدُوا الرّجُلَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ هَذِهِ- وَرَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى جَنْبِ جِدَارٍ مِنْ بُيُوتِهِمْ قَاعِدٌ- فَمَنْ رَجُلٌ يَعْلُو عَلَى هَذَا الْبَيْتِ، فَيُلْقِي عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَيُرِيحُنَا مِنْهُ؟ فَانْتَدَبَ لذلك عمرو ابن جَحّاشِ بْنِ كَعْبٍ، أَحَدَهُمْ، فَقَالَ: أَنَا لِذَلِكَ، فَصَعِدَ لِيُلْقِيَ عَلَيْهِ صَخْرَةً كَمَا قَالَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيّ، رضوان الله عليهم.
[الله يعلم نبيه بما دبّروا]
فأتي رسول الله ﷺ الْخَبَرُ مِنْ السّمَاءِ بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ، فَقَامَ وَخَرَجَ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمّا اسْتَلْبَثَ النّبِيّ ﷺ أَصْحَابُهُ، قَامُوا فِي طَلَبِهِ، فَلَقُوا رَجُلًا مُقْبِلًا مِنْ الْمَدِينَةِ، فَسَأَلُوهُ عَنْهُ؛ فَقَالَ: رَأَيْته دَاخِلًا الْمَدِينَةَ.
فَأَقْبَلَ أَصْحَابُ رسول الله ﷺ، حتى انْتَهَوْا إلَيْهِ ﷺ، فَأَخْبَرَهُمْ الْخَبَرَ، بِمَا كَانَتْ الْيَهُودُ أَرَادَتْ مِنْ الْغَدْرِ بِهِ، وَأَمّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بالتّهيئ لِحَرْبِهِمْ، وَالسّيْرِ إلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ سَارَ بِالنّاسِ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٠٩ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ، فَحَاصَرَهُمْ سِتّ لَيَالٍ؛ وَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ.
[حصار الرسول لبنى النضير]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَتَحَصّنُوا مِنْهُ فِي الْحُصُونِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِﷺ بِقَطْعِ النّخِيلِ وَالتّحْرِيقِ فِيهَا، فَنَادَوْهُ: أَنْ يَا مُحَمّدُ، قَدْ كُنْت تَنْهَى عَنْ الْفَسَادِ، وَتَعِيبُهُ عَلَى مَنْ صَنَعَهُ، فَمَا بَالُ قَطْعِ النّخْلِ وَتَحْرِيقِهَا؟
[تَحْرِيضُ الرّهْطِ لَهُمْ ثُمّ مُحَاوَلَتُهُمْ الصّلْحَ]
وَقَدْ كَانَ رَهْطٌ مِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، مِنْهُمْ (عَدُوّ اللهِ) عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ بن سلول، ووديعة، وَمَالِكُ بْنُ أَبِي قَوْقَلٍ، وَسُوَيْدُ وَدَاعِسٌ، قَدْ بَعَثُوا إلَى بَنِي النّضِيرِ: أَنْ اُثْبُتُوا وَتَمَنّعُوا، فإنّا لن نسامكم، إنْ قُوتِلْتُمْ قَاتَلْنَا مَعَكُمْ، وَإِنْ أُخْرِجْتُمْ خَرَجْنَا مَعَكُمْ، فَتَرَبّصُوا ذَلِكَ مِنْ نَصْرِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَقَذَفَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ الرّعْبَ، وَسَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يُجْلِيَهُمْ وَيَكُفّ عَنْ دِمَائِهِمْ، عَلَى أَنّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إلّا الْحَلْقَةَ، فَفَعَلَ. فَاحْتَمَلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا اسْتَقَلّتْ بِهِ الْإِبِلُ، فكان الرجل منهم يهدء بَيْتَهُ عَنْ نِجَافِ بَابِهِ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ، فَيَنْطَلِقُ بِهِ. فَخَرَجُوا إلَى خَيْبَرَ وَمِنْهُمْ مَنْ سَارَ إلَى الشّامِ.
[مَنْ هَاجَرَ مِنْهُمْ إلَى خَيْبَرَ]
فَكَانَ أَشْرَافُهُمْ مَنْ سَارَ مِنْهُمْ إلَى خَيْبَرَ: سَلّامُ بْنُ أبى الحقيق،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢١٠ ]
وَكِنَانَةُ بْنُ الرّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحَقِيقِ، وَحُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ. فَلَمّا نَزَلُوهَا دَانَ لَهُمْ أَهْلُهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنّهُ حُدّثَ: أَنّهُمْ اسْتَقَلّوا بِالنّسَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْأَمْوَالِ، مَعَهُمْ الدّفُوفُ وَالْمَزَامِيرُ، وَالْقِيَانُ يَعْزِفْنَ خَلْفَهُمْ، وَأَنّ فِيهِمْ لَأُمّ عَمْرٍو صَاحِبَةَ عُرْوَةَ بْنِ الْوَرْدِ الْعَبْسِيّ، الّتِي ابْتَاعُوا مِنْهُ، وَكَانَتْ إحدى نساء بنى غفار، بزهاء وفخر مارئى مِثْلُهُ مِنْ حَيّ مِنْ النّاسِ فِي زَمَانِهِمْ.
[تَقْسِيمُ الرّسُولِ أَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ]
وَخَلّوْا الْأَمْوَالَ لرسول الله ﷺ، فكانت لِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَاصّةً، يَضَعُهَا حَيْثُ يَشَاءُ، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ الْأَوّلِينَ دُونَ الْأَنْصَارِ. إلّا أَنّ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ وَأَبَا دُجَانَةَ سِمَاكَ بْنَ خَرَشَةَ ذَكَرَا فَقْرًا، فَأَعْطَاهُمَا رسول الله ﷺ.
[من أسلم من بنى النضير]
وَلَمْ يُسْلِمْ مِنْ بَنِي النّضِيرِ إلّا رَجُلَانِ: يَامِينُ بْنُ عُمَيْرٍ، أَبُو كَعْبِ بْنُ عَمْرِو ابن جِحَاشٍ؛ وَأَبُو سَعْدِ بْنُ وَهْبٍ، أَسْلَمَا عَلَى أَمْوَالِهِمَا فَأَحْرَزَاهَا.
[تَحْرِيضُ يَامِينَ عَلَى قَتْلِ ابْنِ جِحَاشٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ- وَقَدْ حَدّثَنِي بَعْضُ آلِ يَامِينَ: أن رسول الله ﷺ قَالَ لِيَامِينَ: أَلَمْ تَرَ مَا لَقِيتُ مِنْ ابْنِ عَمّك، وَمَا هُمْ بِهِ مِنْ شَأْنِي؟
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢١١ ]
فَجَعَلَ يَامِينُ بْنُ عُمَيْرٍ لِرَجُلِ جُعْلًا عَلَى أَنْ يَقْتُلَ لَهُ عَمْرَو بْنَ جِحَاشٍ، فَقَتَلَهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ.
[مَا نَزَلَ فِي بَنِي النّضِير من القرآن]
ونزل فى بنى النّضير سُورَةُ الْحَشْرِ بِأَسْرِهَا، يَذْكُرُ فِيهَا مَا أَصَابَهُمْ اللهُ بِهِ مِنْ نِقْمَتِهِ. وَمَا سَلّطَ عَلَيْهِمْ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ، وَمَا عمل به فيهم، فقال تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ، مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ، فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ لِهَدْمِهِمْ بُيُوتَهُمْ عَنْ نُجُفِ أَبْوَابِهِمْ إذَا احْتَمَلُوهَا. فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصارِ. وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ وَكَانَ لَهُمْ مِنْ الله نِقْمَةٌ، لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا:
أَيْ بِالسّيْفِ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ مَعَ ذَلِكَ، مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها. وَاللّينَةُ: مَا خَالَفَ الْعَجْوَةَ مِنْ النّخْلِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ: أَيْ فَبِأَمْرِ اللهِ قُطِعَتْ، لَمْ يَكُنْ فَسَادًا، وَلَكِنْ كَانَ نِقْمَةً مِنْ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ.
[تَفْسِيرُ ابْنِ هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: اللّينَةُ: مِنْ الْأَلْوَانِ، وَهِيَ مَا لَمْ تَكُنْ بَرْنِيّةَ وَلَا عَجْوَةً مِنْ النّخْلِ، فِيمَا حَدّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ. قَالَ ذُو الرّمّةِ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢١٢ ]
كَأَنّ قُتُودِي فَوْقَهَا عُشّ طَائِرٍ عَلَى لِينَةٍ سوفاء تَهْفُو جُنُوبُهَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ- قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: يَعْنِي مِنْ بَنِي النّضِيرِ- فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ، وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: أَيْ لَهُ خَاصّةً.
[تفسير ابن هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: أوْجَفْتُمْ: حَرّكْتُمْ وَأَتْعَبْتُمْ فِي السّيْرِ. قَالَ تميم بن أبي بن مقبل أحد بني عامر بن صعصعة:
مَذَاوِيدُ بِالْبِيضِ الْحَدِيثِ صِقَالُهَا عَنْ الرّكْبِ أَحْيَانًا إذَا الرّكْبُ أَوْجَفُوا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَهُوَ الْوَجِيفُ. (و) قَالَ أَبُو زُبَيْدٍ الطّائِيّ، وَاسْمُهُ حَرْمَلَةُ بْنُ الْمُنْذِرِ:
مُسْنِفَاتٌ كَأَنّهُنّ قَنَا الْهِنْدِ لِطُولِ الْوَجِيفِ جَدْبَ الْمَرُودِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: السّنَافُ: الْبِطَانُ. وَالْوَجِيفُ (أَيْضًا): وَجِيفُ الْقَلْبِ وَالْكَبِدِ، وَهُوَ الضّرَبَانُ. قَالَ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ الظّفَرِيّ:
إنّا وَإِنْ قَدّمُوا الّتِي عَلِمُوا أَكْبَادُنَا مِنْ وَرَائِهِمْ تَجِفُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢١٣ ]
مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ- قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: مَا يُوجِفُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِالْخَيْلِ وَالرّكَابِ، وَفُتِحَ بِالْحَرْبِ عَنْوَةً فَلِلّهِ وَلِلرّسُولِ- وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ، وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا. يقول: هذا قشم آخَرُ فِيمَا أُصِيبَ بِالْحَرْبِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى مَا وَضَعَهُ اللهُ عَلَيْهِ.
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَعْنِي عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيّ وَأَصْحَابَهُ، وَمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ أَمْرِهِمْ يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ: يعنى بنى النّضير، إلى قوله: كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ: يَعْنِي بَنِي قَيْنُقَاعَ.
ثُمّ الْقِصّةُ إلَى قَوْلِهِ: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ، فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ، إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ. فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها، وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ.
[مَا قِيلَ فِي بَنِي النّضِيرِ مِنْ الشّعْرِ]
وكان مما قيل فى بنى النّضير من الشعر قول ابن لقيم العيمى، وَيُقَالُ:
قَالَهُ قَيْسُ بْنُ بَحْرِ بْنِ طَرِيفٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَيْسُ بْنُ بَحْرٍ الْأَشْجَعِيّ- فقال:
أهلى فداء لامرىء غَيْرِ هَالِكٍ أَحَلّ الْيَهُودَ بِالْحَسِيّ الْمُزَنّمِ
يَقِيلُونَ فِي جَمْرِ الغَضَاةِ وَبُدّلُوا أُهَيْضِبُ عُودى بِالْوَدِيّ المكمّم
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢١٤ ]
فَإِنْ يَكُ ظَنّيّ صَادِقًا بِمُحَمّدٍ تَرَوْا خَيْلَهُ بَيْنَ الصّلَا وَيَرَمْرَمَ
يَؤُمّ بِهَا عَمْرَو بْنَ بُهْثَةَ إنّهُمْ عدْوّ وَمَا حَيّ صَدِيقٌ كَمُجْرِمِ
عَلَيْهِنّ أَبْطَالٌ مَسَاعِيرُ فِي الْوَغَى يَهُزّونَ أَطْرَافَ الْوَشِيجِ الْمُقَوّمِ
وَكُلّ رَقِيقِ الشّفْرَتَيْنِ مُهَنّدٌ تُوُورِثْنَ مِنْ أَزْمَانِ عَادٍ وَجُرْهُمِ
فَمَنْ مُبْلِغٌ عَنّي قُرَيْشًا رِسَالَةً فَهَلْ بَعْدَهُمْ فِي الْمَجْدِ مِنْ مُتَكَرّمِ
بِأَنّ أَخَاكُمْ فَاعْلَمُنّ مُحَمّدًا تَلِيدُ النّدَى بَيْنَ الْحَجُونِ وَزَمْزَمِ
فَدِينُوا لَهُ بِالْحَقّ تَجْسُمُ أُمُورُكُمْ وَتَسْمُوا مِنْ الدّنْيَا إلَى كُلّ مُعْظَمِ
نَبِيّ تَلَاقَتْهُ مِنْ اللهِ رَحْمَةٌ وَلَا تَسْأَلُوهُ أَمْرَ غَيْبٍ مُرَجّمِ
فَقَدْ كَانَ فِي بَدْرٍ لعمرى عبرة لكم يا قريشا والقليب الملمّم
غداة أنى فِي الْخَزْرَجِيّةِ عَامِدًا إلَيْكُمْ مُطِيعًا لِلْعَظِيمِ الْمُكَرّمِ
مُعَانًا بِرُوحِ الْقُدْسِ يُنْكَى عَدُوّهُ رَسُولًا مِنْ الرّحْمَنِ حَقّا بِمَعْلَمِ
رَسُولًا مِنْ الرّحْمَنِ يَتْلُو كتابه فلمّا أنار الحقّ لم يتلعئم
أَرَى أَمْرَهُ يَزْدَادُ فِي كُلّ مَوْطِنٍ عُلُوّا لِأَمْرِ حَمّهُ اللهُ مُحْكَمِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمْرُو بْنُ بُهْثَةَ، مِنْ غَطَفَانَ. وَقَوْلُهُ «بِالْحَسِيّ الْمُزَنّمِ» عَنْ- غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: يَذْكُرُ إجْلَاءَ بَنِي النّضِيرِ، وَقَتْلَ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَهَا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فِيمَا ذَكَرَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢١٥ ]
لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ، وَلَمْ أَرَ أحدا منهم يعرفها لعلىّ:
عَرَفْتُ وَمَنْ يَعْتَدِلْ يَعْرِفْ وَأَيْقَنْتُ حَقّا وَلَمْ أَصْدِفْ
عَنْ الْكَلِمِ الْمُحْكَمِ اللّاءِ مِنْ لَدَى اللهِ ذِي الرّأْفَةِ الْأَرْأَفِ
رَسَائِلُ تُدْرَسُ فِي الْمُؤْمِنِينَ بِهِنّ اصْطَفَى أَحْمَدَ الْمُصْطَفَى
فَأَصْبَحَ أَحْمَدُ فينا عزيزا عزيز المقامة والموقف
فيا أيها الْمُوعِدُوهُ سَفَاهًا وَلَمْ يَأْتِ جَوْرًا وَلَمْ يَعْنُفْ
أَلَسْتُمْ تَخَافُونَ أَدْنَى الْعَذَابِ وَمَا آمِنُ اللهِ كَالْأَخْوَفِ
وَأَنْ تُصْرَعُوا تَحْتَ أَسْيَافِهِ كَمَصْرَعِ كَعْبٍ أَبِي الْأَشْرَفِ
غَدَاةَ رَأَى اللهُ طُغْيَانَهُ وَأَعْرَضَ كَالْجَمَلِ الْأَجْنَفِ
فَأَنْزَلَ جِبْرِيلَ فِي قَتْلِهِ بِوَحْيٍ إلَى عَبْدِهِ مُلْطَفِ
فَدَسّ الرّسُولُ رَسُولًا لَهُ بِأَبْيَضَ ذِي هَبّةٍ مُرْهَفِ
فَبَاتَتْ عُيُونٌ لَهُ مُعْوِلَاتٍ مَتَى يُنْعَ كَعْبٌ لَهَا تَذْرِفْ
وَقُلْنَ لِأَحْمَدَ ذَرْنَا قَلِيلًا فَإِنّا مِنْ النّوْحِ لَمْ نَشْتَفِ
فَخَلّاهُمْ ثُمّ قَالَ اظْعَنُوا دُحُورًا عَلَى رَغْمِ الْآنُفِ
وَأَجْلَى النّضِيرَ إلَى غُرْبَةٍ وَكَانُوا بِدَارٍ ذَوِي زُخْرُفِ
إلَى أَذْرِعَاتٍ رُدَافَى وَهُمْ على كلّ ذى دبر أعجف
فأجابه سَمّاكٌ الْيَهُودِيّ، فَقَالَ:
إنْ تَفْخَرُوا فَهُوَ فَخْرٌ لَكُمْ بِمَقْتَلِ كَعْبٍ أَبِي الْأَشْرَفِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢١٦ ]
غَدَاةَ غَدَوْتُمْ عَلَى حَتْفِهِ وَلَمْ يَأْتِ غَدِرًا وَلَمْ يُخْلِفْ
فَعَلّ اللّيَالِيَ وَصَرَفَ الدّهُورَ يُدِيلُ مِنْ الْعَادِلِ الْمُنْصِفِ
بِقَتْلِ النّضِيرِ وَأَحْلَافِهَا وَعَقْرِ النّخِيلِ وَلَمْ تُقْطَفْ
فَإِنْ لَا أَمُتْ نَأْتِكُمْ بِالْقَنَا وَكُلّ حُسَامٍ مَعًا مُرْهَفِ
بِكَفّ كَمِىّ بِهِ يَحْتَمِي مَتَى يَلْقَ قِرْنًا لَهُ يُتْلِفْ
مَعَ الْقَوْمِ صَخْرٌ وَأَشْيَاعُهُ إذَا غَاوَرَ الْقَوْمَ لم يضعف
كليث بئرج حَمَى غِيلَهُ أَخِي غَابَةٍ هَاصِرٍ أَجْوَفِ
[شعر كعب فى إجلاء بنى النضير وَقَتْلِ ابْنِ الْأَشْرَفِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَذْكُرُ إجْلَاءَ بَنِي النّضِيرِ وقتل كعب بن الأشرف:
لَقَدْ خَزِيَتْ بِغَدْرَتِهَا الْحُبُورُ كَذَاكَ الدّهْرُ ذُو صَرْفٍ يَدُورُ
وَذَلِكَ أَنّهُمْ كَفَرُوا بِرَبّ عَزِيزٍ أَمْرُهُ أَمْرٌ كَبِيرُ
وَقَدْ أُوتُوا مَعًا فَهْمًا وَعِلْمًا وَجَاءَهُمْ مِنْ اللهِ النّذِيرُ
نَذِيرٌ صَادِقٌ أَدّى كِتَابًا وَآيَاتٍ مُبَيّنَةً تُنِيرُ
فَقَالُوا: مَا أَتَيْتَ بِأَمْرِ صِدْقٍ وَأَنْتَ بِمُنْكَرٍ مِنّا جَدِيرُ
فَقَالَ: بَلَى لَقَدْ أَدّيْتُ حَقّا يُصَدّقُنِي بِهِ الْفَهِمُ الْخَبِيرُ
فَمَنْ يَتْبَعْهُ يُهْدَ لِكُلّ رُشْدٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ يُجْزَ الْكَفُورَ
فَلَمّا أُشْرِبُوا غَدِرًا وَكُفْرًا وَحَادَ بِهِمْ عَنْ الْحَقّ النّفُورِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢١٧ ]
أَرَى اللهُ النّبِيّ بِرَأْيِ صَدْقٍ وَكَانَ اللهُ يَحْكُمُ لَا يَجُورُ
فَأَيّدَهُ وَسَلّطَهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ نَصِيرُهُ نِعْمَ النّصِيرِ
فَغُودِرَ مِنْهُمْ كَعْبٌ صَرِيعًا فَذَلّتْ بَعْدَ مَصْرَعِهِ النّضِيرُ
عَلَى الْكَفّيْنِ ثَمّ وقد علته بأيدينا مشهرة ذكور
بأمر محمد إذْ دَسّ لَيْلًا إلَى كَعْبٍ أَخَا كَعْبٍ يَسِيرُ
فَمَا كَرِهَ فَأَنْزَلَهُ بِمَكْرٍ وَمَحْمُودٌ أَخُو ثِقَةٍ جَسُورُ
فَتِلْكَ بَنُو النّضِيرِ بِدَارِ سَوْءٍ أَبَارَهُمْ بِمَا اجْتَرَمُوا الْمُبِيرُ
غَدَاةَ أَتَاهُمْ فِي الزّحْفِ رَهْوًا رَسُولُ اللهِ وَهْوَ بِهِمْ بَصِيرُ
وَغَسّانَ الْحُمَاةَ مُوَازِرُوهُ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَهْوَ لَهُمْ وَزِيرُ
فَقَالَ السّلَمُ وَيْحَكُمْ فَصَدّوا وَحَالَفَ أَمْرَهُمْ كَذِبٌ وَزُورُ
فَذَاقُوا غِبّ أَمْرِهِمْ وَبَالًا لِكُلّ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ بَعِيرُ
وَأَجْلَوْا عَامِدِينَ لِقَيْنُقَاعَ وَغُودِرَ منهم نخل ودور
[شِعْرُ سَمّاكٍ فِي الرّدّ عَلَى كَعْبٍ]
فَأَجَابَهُ سَمّاكٌ الْيَهُودِيّ، فَقَالَ:
أَرِقْتُ وَضَافَنِي هَمّ كَبِيرُ بِلَيْلٍ غَيْرُهُ لَيْلٌ قَصِيرُ
أَرَى الْأَحْبَارَ تُنْكِرُهُ جَمِيعًا وَكُلّهُمْ لَهُ عِلْمٌ خَبِيرُ
وَكَانُوا الدّارِسِينَ لِكُلّ عِلْمٍ بِهِ التّوْرَاةُ تَنْطِقُ وَالزّبُورُ
قَتَلْتُمْ سَيّدَ الْأَحْبَارِ كَعْبًا وَقِدْمًا كَانَ يَأْمَنُ مَنْ يجير
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢١٨ ]
تَدَلّى نَحْوَ مَحْمُودٍ أَخِيهِ وَمَحْمُودٌ سَرِيرَتُهُ الْفُجُورُ
فَغَادَرَهُ كَأَنّ دَمًا نَجِيعًا يَسِيلُ عَلَى مَدَارِعِهِ عَبِيرُ
فُقِدَ وَأَبِيكُمْ وَأَبِي جَمِيعًا أُصِيبَتْ إذْ أُصِيبَ بِهِ النّضِيرُ
فَإِنْ نَسْلَمُ لَكُمْ نَتْرُكُ رِجَالًا بِكَعْبٍ حَوْلَهُمْ طَيْرٌ تَدُورُ
كَأَنّهُمْ عَتَائِرُ يَوْمَ عِيدٍ تُذَبّحُ وَهْيَ لَيْسَ لَهَا نَكِيرُ
بِبِيضٍ لَا تُلِيقُ لَهُنّ عَظْمًا صَوَافِي الْحَدّ أَكْثَرُهَا ذُكُورُ
كَمَا لَاقَيْتُمْ مِنْ بَأْسِ صَخْرٍ بِأُحْدٍ حَيْثُ لَيْسَ لَكُمْ نَصِيرُ
[شِعْرُ ابْنِ مِرْدَاسٍ فِي امْتِدَاحِ رِجَالِ بَنِي النّضِيرِ]
وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَخُو بَنِي سليم يمتدح رجال بنى النضير:
لَوْ أَنّ أَهْلَ الدّارِ لَمْ يَتَصَدّعُوا رَأَيْتَ خِلَالَ الدّارِ مَلْهًى وَمَلْعَبَا
فَإِنّك عَمْرِي هَلْ أُرِيك ظَعَائِنَا سَلَكْنَ عَلَى رُكْنِ الشّطاة فَتَيْأَبَا
عليهنّ عين من ظباء تبالة أو انس يُصْبِيَن الْحَلِيمَ الْمُجَرّبَا
إذَا جَاءَ بَاغِي الْخَيْرِ قُلْنَ فُجَاءَةً لَهُ بِوُجُوهٍ كَالدّنَانِيرِ مَرْحَبَا
وَأَهْلًا فَلَا مَمْنُوعَ خَيْرٍ طَلَبْتَهُ وَلَا أَنْتَ تَخْشَى عِنْدَنَا أَنْ تُؤَنّبَا
فَلَا تَحْسَبَنّي كُنْت مَوْلَى ابْنِ مِشْكَمٍ سَلَامٍ وَلَا مَوْلَى حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَا
[شِعْرُ خَوّاتٍ فِي الرّدّ عَلَى ابْنِ مِرْدَاسٍ]
فَأَجَابَهُ خَوّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَقَالَ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢١٩ ]
تُبَكّي عَلَى قَتْلَى يَهُودَ وَقَدْ تَرَى مِنْ الشّجْوِ لَوْ تَبْكِي أَحَبّ وَأَقْرَبَا
فَهَلّا عَلَى قَتْلَى بِبَطْنِ أُرَيْنِق بَكَيْتَ وَلَمْ تُعْوِل مِنْ الشّجْوِ مُسْهِبَا
إذَا السّلْمُ دَارَتْ فِي صَدِيقٍ رَدَدْتَهَا وَفِي الدّينِ صَدّادًا وَفِي الْحَرْبِ ثَعْلَبَا
عَمَدْتَ إلَى قَدْرٍ لِقَوْمِك تَبْتَغِي لَهُمْ شَبَهًا كَيْمَا تَعِزّ وَتَغْلِبَا
فَإِنّك لَمّا أَنْ كَلِفْتَ تَمَدّحًا لِمَنْ كَانَ عَيْبًا مَدْحُهُ وَتَكَذّبَا
رَحَلْتَ بِأَمْرٍ كُنْتَ أَهْلًا لِمِثْلِهِ وَلَمْ تُلْفِ فِيهِمْ قَائِلًا لَك مَرْحَبَا
فَهَلّا إلَى قَوْمٍ مُلُوكٍ مَدَحْتَهُمْ تَبَنّوْا مِنْ الْعَزّ الْمُؤَثّلِ مَنْصِبَا
إلَى مَعْشَرٍ صَارُوا مُلُوكًا وَكُرّمُوا وَلَمْ يُلْفَ فِيهِمْ طَالِبُ الْعُرْفِ مُجْدِبَا
أُولَئِكَ أَحْرَى مِنْ يَهُودَ بمدحة تراهم وفيهم عزّة المجد ترتبا
[شِعْرُ ابْنِ مِرْدَاسٍ فِي الرّدّ عَلَى خَوّاتٍ]
فَأَجَابَهُ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السّلَمِيّ، فَقَالَ:
هَجَوْتَ صَرِيحَ الْكَاهِنَيْنِ وَفِيكُمْ لَهُمْ نِعَمٌ كَانَتْ مِنْ الدّهْرِ تُرْتُبَا
أُولَئِكَ أَحْرَى لَوْ بَكَيْتَ عَلَيْهِمْ وَقَوْمُك لَوْ أَدّوْا مِنْ الْحَقّ مُوجَبَا
مِنْ الشّكْرِ إنّ الشّكْرَ خَيْرٌ مَغَبّةً وَأَوْفَقُ فِعْلًا لِلّذِي كَانَ أَصْوَبَا
فَكُنْتَ كَمَنْ أَمْسَى يُقَطّعُ رَأْسَهُ لِيَبْلُغَ عِزّا كَانَ فِيهِ مُرَكّبَا
فَبَكّ بَنِي هَارُونَ وَاذْكُرْ فِعَالَهُمْ وَقَتْلَهُمْ لِلْجُوعِ إذْ كُنْتَ مُجْدِبَا
أَخَوّاتُ أَذِرْ الدّمْعَ بِالدّمْعِ وَابْكِهِمْ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمَكْرُوهِ مِنْهُمْ وَنَكّبَا
فَإِنّك لَوْ لَاقَيْتَهُمْ فِي دِيَارِهِمْ لَأُلْفِيتَ عَمّا قَدْ تَقُولُ منكّبا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٢٠ ]
سِرَاعٌ إلَى الْعَلْيَا كِرَامٌ لَدَى الْوَغَى يُقَالُ لِبَاغِي الْخَيْرِ أَهْلًا وَمَرْحَبَا
[شِعْرٌ لِكَعْبِ أَوْ ابْنِ رَوَاحَةَ فِي الرّدّ عَلَى ابْنِ مِرْدَاسٍ]
فَأَجَابَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، أَوْ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فِيمَا قَالَ ابن هشام، فقال:
لعمرى لقد حكّت رحى الحرب بعد ما أَطَارَتْ لُؤَيّا قَبْلُ شَرْقًا وَمَغْرِبَا
بَقِيّةَ آلِ الْكَاهِنَيْنِ وَعِزّهَا فَعَادَ ذَلِيلًا بَعْدَ مَا كَانَ أَغْلَبَا
فَطَاحَ سَلَامٌ وَابْنُ سَعْيَةَ عَنْوَةً وَقِيدَ ذَلِيلًا لِلْمَنَايَا ابْنُ أَخْطَبَا
وَأَجْلَبَ يَبْغِي الْعِزّ وَالذّلّ يَبْتَغِي خِلَافَ يَدَيْهِ مَا جَنَى حِينَ أجلبا
كتارك سهل الأض وَالْحَزَنُ هَمّهُ وَقَدْ كَانَ ذَا فِي النّاسِ أَكْدَى وَأَصْعَبَا
وَشَأْسٌ وعَزّال وَقَدْ صَلَيَا بِهَا وَمَا غُيّبَا عَنْ ذَاكَ فِيمَنْ تَغَيّبَا
وَعَوْفُ بْنُ سَلْمَى وَابْنُ عَوْفٍ كِلَاهُمَا وَكَعْبٌ رَئِيسُ الْقَوْمِ حَانَ وَخُيّبَا
فَبُعْدًا وَسُحْقًا لِلنّضِيرِ وَمِثْلِهَا إنْ أَعْقَبَ فَتْحٌ أَوْ إنْ اللهُ أَعْقَبَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو الْمَدَنِيّ: ثُمّ غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بعد بنى النّضير بنى المصطلق. وَسَأَذْكُرُ حَدِيثَهُمْ إنْ شَاءَ اللهُ فِي الْمَوْضِعِ الّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِيهِ.
[غَزْوَةُ ذَاتِ الرقاع فى سنة أربع]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ أَقَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٢١ ]
بَنِي النّضِيرِ شَهْرَ رَبِيعٍ الْآخَرِ وَبَعْضَ جُمَادَى، ثم غزا نجدا يريد بنى محارب وبنى ثعلبة مِنْ غَطَفَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا ذَرّ الْغِفَارِيّ، وَيُقَالُ: عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ، فِيمَا قَالَ ابن هشام.
[لم سميت بذات الرقاع؟]
قال ابن إسحاق: حتى نَزَلَ نَخْلًا، وَهِيَ غَزْوَةُ ذَاتِ الرّقَاعِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِنّمَا قِيلَ لَهَا غَزْوَةُ ذَاتِ الرّقَاعِ، لِأَنّهُمْ رَقّعُوا فِيهَا رَايَاتِهِمْ، وَيُقَالُ: ذَاتُ الرّقَاعِ: شَجَرَةٌ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ الرّقَاعِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَقِيَ بِهَا جَمْعًا عَظِيمًا مِنْ غَطَفَانَ، فَتَقَارَبَ النّاسُ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ، وَقَدْ خَافَ النّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتّى صَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنّاسِ صَلَاةَ الْخَوْفِ، ثُمّ انْصَرَفَ بِالنّاسِ.
[صَلَاةُ الْخَوْفِ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التّنّورِيّ- وَكَانَ يُكَنّى:
أَبَا عُبَيْدَةَ- قَالَ: حَدّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، قَالَ: صَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِطَائِفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمّ سَلّمَ، وَطَائِفَةٌ مُقْبِلُونَ عَلَى الْعَدُوّ. قال: فجاؤا فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمّ سَلّمَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدّثَنَا أَيّوبُ، عَنْ أَبِي الزّبَيْرِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٢٢ ]
عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: صَفّنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَفّيْنِ، فَرَكَعَ بِنَا جَمِيعًا، ثُمّ سَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَسَجَدَ الصّفّ الْأَوّلُ، فَلَمّا رَفَعُوا سَجَدَ الّذِينَ يَلُونَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، ثُمّ تَأَخّرَ الصّفّ الْأَوّلُ، وَتَقَدّمَ الصّفّ الْآخَرُ حَتّى قَامُوا مَقَامَهُمْ ثُمّ رَكَعَ النّبِيّ ﷺ بِهِمْ جَمِيعًا ثُمّ سَجَدَ النّبِيّ ﷺ وَسَجَدَ الّذِينَ يَلُونَهُ مَعَهُ، فَلَمّا رَفَعُوا رؤسهم سَجَدَ الْآخَرُونَ بِأَنْفُسِهِمْ، فَرَكَعَ النّبِيّ ﷺ بِهِمْ جَمِيعًا، وَسَجَدَ كُلّ وَاحِدٍ متهما بأنفسهم سجدتين.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التّنّورِيّ قَالَ: حَدّثَنَا أَيّوبُ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: يَقُومُ الْإِمَامُ وَتَقُومُ مَعَهُ طَائِفَةٌ، وَطَائِفَةٌ مِمّا يَلِي عَدُوّهُمْ، فَيَرْكَعُ بِهِمْ الْإِمَامُ وَيَسْجُدُ بِهِمْ، ثُمّ يَتَأَخّرُونَ فَيَكُونُونَ مِمّا يَلِي الْعَدُوّ، يَتَقَدّمُ الْآخَرُونَ فَيَرْكَعُ بِهِمْ الْإِمَامُ رَكْعَةً، وَيَسْجُدُ بِهِمْ، ثُمّ تُصَلّي كُلّ طَائِفَةٍ بِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً، فَكَانَتْ لَهُمْ مَعَ الْإِمَامِ ركعة ركعة، وصلّوا بأنفسهم ركعة ركعة.
[همّ غورث بن الحارث بقتل الرّسُولِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ الله: أن رجلا من بنى محارب، يُقَالُ لَهُ: غُوْرَثُ، قَالَ لِقَوْمِهِ مِنْ غَطَفَانَ وَمُحَارِبٍ: أَلَا أَقْتُلُ لَكُمْ مُحَمّدًا؟ قَالُوا: بَلَى، وَكَيْفَ تَقْتُلُهُ؟ قَالَ: أَفْتِكُ بِهِ. قَالَ:
فَأَقْبَلَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ، وَسَيْفُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حِجْرِهِ، فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، أَنْظُرُ إلَى سَيْفِك هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ- وَكَانَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٢٣ ]
مُحَلّى بِفِضّةِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- قَالَ: فَأَخَذَهُ فَاسْتَلّهُ، ثُمّ جَعَلَ يَهُزّهُ، وَيَهُمّ فَيَكْبِتُهُ اللهُ، ثُمّ قَالَ: يَا مُحَمّدُ، أَمَا تَخَافَنِي؟ قَالَ: لَا، وَمَا أَخَافُ مِنْك؟ قَالَ:
أَمَا تَخَافَنِي وَفِي يَدِي السّيْفُ؟ قَالَ: لَا، يَمْنَعُنِي اللهُ مِنْك. ثُمّ عَمَدَ إلَى سَيْفِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَرَدّهُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ، فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ: أَنّهَا إنّمَا أُنْزِلَتْ فِي عَمْرِو بْنِ جِحَاشٍ، أخى بنى النّضير وَمَا هَمّ بِهِ، فَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كان.
[قصه جمل جابر]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى غَزْوَةِ ذَاتِ الرّقَاعِ مِنْ نَخْلٍ، عَلَى جَمَلٍ لِي ضَعِيفٍ، فَلَمّا قَفَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ:
جَعَلَتْ الرّفَاقُ تَمْضِي، وَجَعَلْت أَتَخَلّفُ، حَتّى أَدْرَكَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ، فقال: مالك يَا جَابِرُ؟ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، أبطأنى جَمَلِي هَذَا؛ قَالَ: أَنِخْهُ؛ قَالَ: فَأَنَخْته، وَأَنَاخَ رسول الله ﷺ؛ ثم قَالَ:
أَعْطِنِي هَذِهِ الْعَصَا مِنْ يَدِك، أَوْ اقْطَعْ لِي عَصًا مِنْ شَجَرَةٍ؛ قَالَ: فَفَعَلْت. قَالَ:
فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَنَخَسَهُ بِهَا نَخَسَاتٍ، ثُمّ قَالَ: ارْكَبْ، فَرَكِبْتُ، فَخَرَجَ، وَاَلّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقّ، يُوَاهِقُ نَاقَتَهُ مواهقة.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٢٤ ]
قَالَ: وَتَحَدّثْت مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لِي: أَتَبِيعُنِي جَمَلَك هَذَا يَا جَابِرُ؟ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، بَلْ أَهَبُهُ لَك؛ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ بِعْنِيهِ، قَالَ: قُلْت: فَسُمْنِيهِ يَا رَسُولَ اللهِ؛ قَالَ: قَدْ أَخَذْته بِدِرْهَمِ؛ قَالَ:
قُلْت: لَا، إذَنْ، تغبننى يا رسول الله! قال: فبدر همين؛ قَالَ: قُلْت: لَا.
قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يَرْفَعُ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ثَمَنِهِ حَتّى بَلَغَ الْأُوقِيّةَ.
قَالَ: فَقُلْت: أَفَقَدْ رَضِيتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ قُلْت: فَهُوَ لَك، قَالَ:
قَدْ أَخَذْته. قَالَ: ثُمّ قَالَ: يَا جَابِرُ، هَلْ تَزَوّجْتَ بَعْدُ؟ قَالَ: قُلْت: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أَثَيّبًا أَمْ بِكْرًا؟ قَالَ: قُلْت: لَا، بَلْ ثَيّبًا؛ قَالَ: أَفَلَا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُك! قَالَ قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ أَبِي أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ بَنَاتٍ لَهُ سَبْعًا، فَنَكَحْت امرأة جامعة، تجمع رؤسهنّ، وَتَقُومُ عَلَيْهِنّ؛ قَالَ:
أَصَبْتَ إنْ شَاءَ اللهُ، أَمَا إنّا لَوْ قَدْ جِئْنَا صِرَارًا أَمَرْنَا بِجَزُورٍ فَنُحِرَتْ، وَأَقَمْنَا عَلَيْهَا يَوْمَنَا ذَاكَ، وَسَمِعَتْ بِنَا، فَنَفَضَتْ نَمَارِقَهَا: قَالَ: قُلْت: وَاَللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَنَا مِنْ نَمَارِقَ؛ قَالَ: إنّهَا سَتَكُونُ، فَإِذَا أَنْتَ قَدِمْت فَاعْمَلْ عَمَلًا كيّسا. قَالَ. فَلَمّا جِئْنَا صِرَارًا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِجَزُورٍ فَنُحِرَتْ، وَأَقَمْنَا عَلَيْهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ؛ فَلَمّا أَمْسَى رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ وَدَخَلْنَا، قَالَ: فَحَدّثْتُ الْمَرْأَةَ الْحَدِيثَ، وَمَا قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَتْ: فَدُونَك، فَسَمْعٌ وَطَاعَةٌ. قَالَ: فَلَمّا أَصْبَحْتُ أَخَذْتُ بِرَأْسِ الْجَمَلِ، فَأَقْبَلْتُ بِهِ حَتّى أَنَخْته عَلَى بَابِ رسول الله ﷺ، قال: ثُمّ جَلَسْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَرِيبًا مِنْهُ، قَالَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَرَأَى الْجَمَلَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا جَمَلٌ جَاءَ بِهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٢٥ ]
جَابِرٌ، قَالَ: فَأَيْنَ جَابِرٌ؟ قَالَ: فَدُعِيتُ لَهُ، قال: فقال: يابن أَخِي خُذْ بِرَأْسِ جَمَلِك، فَهُوَ لَك، وَدَعَا بِلَالًا، فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ بِجَابِرِ، فَأَعْطِهِ أُوقِيّةً قَالَ:
فَذَهَبْت مَعَهُ، فَأَعْطَانِي أُوقِيّةً، وَزَادَنِي شَيْئًا يَسِيرًا. قَالَ فَوَاَللهِ مَا زَالَ يَنْمِى عِنْدِي، وَيَرَى مَكَانَهُ مِنْ بَيْتِنَا، حَتّى أُصِيبَ أَمْسِ فِيمَا أُصِيبَ لَنَا، يَعْنِي يَوْمَ الْحَرّةِ.
[ابْنُ يَاسِرٍ وَابْنُ بِشْرٍ، وَقِيَامُهُمَا عَلَى حِرَاسَةِ جَيْشِ الرّسُولِ وَمَا أُصِيبَا بِهِ]
قَالَ ابْنُ إسحاق: وحدثنى عَمّي صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ عَقِيلِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيّ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرّقَاعِ مِنْ نَخْلٍ، فَأَصَابَ رَجُلٌ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَافِلًا، أَتَى زَوْجُهَا وَكَانَ غَائِبًا، فَلَمّا أُخْبِرَ الْخَبَرَ حَلَفَ لَا يَنْتَهِي حَتّى يُهْرِيقَ فِي أَصْحَابِ مُحَمّدٍ ﷺ دَمًا، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْزِلًا، فَقَالَ: مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا لَيْلَتَنَا (هَذِهِ)؟ قَالَ: فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَكُونَا بِفَمِ الشّعْبِ. قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ قَدْ نَزَلُوا إلَى شِعْبٍ مِنْ الْوَادِي، وَهُمَا عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَعَبّادُ بْنُ بِشْرٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا خَرَجَ الرّجُلَانِ إلَى فَمِ الشّعْبِ، قال الأنصارىّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٢٦ ]
لِلْمُهَاجِرِيّ أَيّ اللّيْلِ تُحِبّ أَنْ أَكْفِيكَهُ: أَوّلَهُ أَمْ آخِرَهُ؟ قَالَ: بَلْ اكْفِنِي أَوّلَهُ، قَالَ: فَاضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيّ فَنَامَ، وَقَامَ الْأَنْصَارِيّ يُصَلّي، قَالَ: وَأَتَى الرّجُلُ، فَلَمّا رَأَى شَخْصَ الرّجُلِ عَرَفَ أَنّهُ رَبِيئَةُ الْقَوْمِ. قَالَ: فَرَمَى بِسَهْمِ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، قَالَ: فَنَزَعَهُ وَوَضَعَهُ، فَثَبَتَ قَائِمًا، قَالَ: ثُمّ رَمَاهُ بِسَهْمِ آخَرَ فَوَضَعَهُ فِيهِ. قَالَ: فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، وَثَبَتَ قَائِمًا، ثُمّ عَادَ لَهُ بِالثّالِثِ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، قَالَ:
فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ ثُمّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمّ أَهَبّ صَاحِبَهُ فَقَالَ: اجْلِسْ فقد أثبتّ، قال: فوثب، فلما رَآهُمَا الرّجُلُ عَرَفَ أَنْ قَدْ نَذِرَا بِهِ، فَهَرَبَ. قَالَ: وَلَمّا رَأَى الْمُهَاجِرِيّ مَا بِالْأَنْصَارِيّ مِنْ الدّمَاءِ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! أَفَلَا أَهْبَبْتَنِي أَوّلَ مَا رَمَاك؟ قَالَ: كُنْت فِي سُورَةٍ أقرؤها فلم أحبّ أن أفطعها حتى أنفذها، فَلَمّا تَابَعَ عَلَيّ الرّمْيَ رَكَعْتُ فَأَذِنْتُك، وَأَيْمُ اللهِ، لَوْلَا أَنْ أُضَيّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحِفْظِهِ، لَقَطَعَ نَفْسِي قبل أن أقطعها أو أنفذها.
قال ابن هشام: ويقال: أنفذها.
[رجوع الرسول]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ مِنْ غَزْوَةِ الرّقَاعِ، أَقَامَ بِهَا بَقِيّةَ جُمَادَى الْأُولَى وَجُمَادَى الآخرة ورجبا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٢٧ ]
[غَزْوَةُ بَدْرٍ الْآخِرَةِ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ]
[خُرُوجُ الرّسُولِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ خَرَجَ فِي شَعْبَانَ إلَى بَدْرٍ، لِمِيعَادِ أَبِي سُفْيَانَ، حَتّى نَزَلَهُ.
[اسْتِعْمَالُهُ ابْنِ أُبَيّ عَلَى الْمَدِينَةِ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ بْنِ سَلُولَ الْأَنْصَارِيّ.
[رجوع أبى سفيان فى رجاله]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ عَلَيْهِ ثَمَانِي لَيَالٍ يَنْتَظِرُ أَبَا سُفْيَانَ، وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ فِي أَهْلِ مَكّةَ حَتّى نَزَلَ مَجِنّةَ، مِنْ نَاحِيَةِ الظّهْرَانِ، وَبَعْضُ النّاسِ يَقُولُ: قَدْ بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمّ بَدَا لَهُ فِي الرّجُوعِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّهُ لَا يُصْلِحُكُمْ إلّا عَامٌ خصيب ترعون فيه الشّجر، وتشربون فيه اللين، وإنّ عامكم هذا عام جدب، وإنى راجع، فارجعوا فرجع الناس. فَسَمّاهُمْ أَهْلُ مَكّةَ جَيْشَ السّوِيقِ، يَقُولُونَ: إنّمَا خرجتم تشربون السّويق.
[الرّسُولُ وَمَخْشِيّ الضّمْرِيّ]
وَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى بَدْرٍ يَنْتَظِرُ أَبَا سفيان لميعاده،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٢٨ ]
فَأَتَاهُ مَخْشِيّ بْنُ عَمْرٍو الضّمْرِيّ، وَهُوَ الّذِي كَانَ وَادَعَهُ عَلَى بَنِي ضَمْرَةَ فِي غَزْوَةِ وَدّانَ، فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، أَجِئْتَ لِلِقَاءِ قُرَيْشٍ عَلَى هَذَا الْمَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا أَخَا بَنِي ضَمْرَةَ، وَإِنْ شِئْتَ مَعَ ذَلِكَ رَدَدْنَا إلَيْك مَا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَك، ثُمّ جَالَدْنَاك حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَك، قَالَ: لَا والله يا محمد، مالنا بِذَلِكَ مِنْك مِنْ حَاجَةٍ.
[مَعْبَدٌ وَشِعْرُهُ فِي نَاقَةٍ لِلرّسُولِ هَوَتْ]
فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْتَظِرُ أَبَا سُفْيَانَ، فَمَرّ بِهِ مَعْبَدُ بْنُ أَبِي مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيّ، فَقَالَ، وَقَدْ رَأَى مَكَانَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنَاقَتُهُ تَهْوَى بِهِ.
قَدْ نَفَرَتْ مِنْ رُفْقَتَيْ مُحَمّدِ وَعَجْوَةٍ مِنْ يَثْرِبَ كالعَنْجَدِ
تَهْوَى عَلَى دِينِ أَبِيهَا الْأَتْلَدِ قَدْ جَعَلَتْ مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِي
وَمَاءَ ضَجْنان لَهَا ضُحَى الْغَدِ
[شِعْرٌ لِابْنِ رَوَاحَةَ أَوْ كَعْبٍ فِي بَدْرٍ]
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فِي ذَلِكَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِيهَا أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ لكعب بن مالك:
وَعَدْنَا أَبَا سُفْيَانَ بَدْرًا فَلَمْ نَجِدْ لِمِيعَادِهِ صِدْقًا وَمَا كَانَ وَافِيَا
فَأُقْسِمُ لَوْ وَافَيْتَنَا فَلَقِيتنَا لَأُبْتَ ذَمِيمًا وَافْتَقَدْتَ الْمَوَالِيَا
تَرَكْنَا بِهِ أَوْصَالَ عُتْبَةَ وَابْنَهُ وَعَمْرًا أَبَا جَهْلٍ تَرَكْنَاهُ ثاويا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٢٩ ]
عَصَيْتُمْ رَسُولَ اللهِ أُفّ لِدِينِكُمْ وَأَمْرِكُمْ السّيْءِ الّذِي كَانَ غَاوِيَا
فَإِنّي وَإِنْ عَنّفْتُمُونِي لَقَائِلٌ فِدًى لِرَسُولِ اللهِ أَهْلِي وَمَالِيَا
أَطَعْنَاهُ لَمْ نَعْدِلْهُ فِينَا بِغَيْرِهِ شِهَابًا لَنَا فِي ظُلْمَةِ اللّيل هاديا
[شِعْرُ حَسّانٍ فِي بَدْرٍ]
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثابت فى ذلك:
دَعُوا فَلَجَاتِ الشّامِ قَدْ حَالَ دُونَهَا جَلّادٌ كَأَفْوَاهِ الْمَخَاضِ الْأَوَارِكِ
بِأَيْدِي رِجَالٍ هَاجَرُوا نَحْوَ ربهم وأنصاره حقا وأيدي الملائك
إذا سلكت لِلْغَوْرِ مِنْ بَطْنِ عَالِجٍ فَقُولَا لَهَا لَيْسَ الطّرِيقُ هُنَالِكِ
أَقَمْنَا عَلَى الرّسّ النّزُوعِ ثَمَانِيَا بِأَرْعَنَ جَرّارٍ عَرِيضِ الْمَبَارِكِ
بِكُلّ كُمَيْتٍ جَوْزُهُ نِصْفُ خَلْقِهِ وَقُبّ طُوّالٍ مُشْرِفَاتِ الْحَوَارِكِ
تَرَى الْعَرْفَجَ الْعَامِيّ تَذْرِي أُصُولَهُ مَنَاسِمُ أَخْفَافِ الْمَطِيّ الرّواتك
فان تلق فِي تَطْوَافِنَا وَالْتِمَاسِنَا فُرَاتَ بْنَ حَيّانٍ يَكُنْ رَهْنَ هَالِكِ
وَإِنْ تَلْقَ قَيْسَ بْنَ امْرِئِ الْقَيْسِ بَعْدَهُ يُزَدْ فِي سَوَادٍ لَوْنُهُ لَوْنُ حَالِكِ
فَأَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنّي رِسَالَةً فَإِنّك مِنْ غُرّ الرّجَالِ الصّعَالِكِ
[شعر أبي سفيان في الرد على حسان]
فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، فقال:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٣٠ ]
أحسّان إنّا يابن آكلة الفغا وجدّك نغتال الحروق كَذَلِكِ
خَرَجْنَا وَمَا تَنْجُو الْيَعَافِيرُ بَيْنَنَا وَلَوْ وَأَلَتْ مِنّا بِشَدّ مُدَارِكِ
إذَا مَا انْبَعَثْنَا مِنْ مُنَاخٍ حَسِبْتَهُ مُدَمّنَ أَهْلِ الْمَوْسِمِ الْمُتَعَارِكِ
أَقَمْتَ عَلَى الرّسّ النّزُوعِ تُرِيدُنَا وَتَتْرُكُنَا فِي النّخْلِ عِنْدَ الْمَدَارِكِ
عَلَى الزّرْعِ تَمْشِي خَيْلُنَا وركابنا فما وطئت ألصقنه بالدّكادك
أفمنا ثَلَاثًا بَيْنَ سَلْعٍ وَفَارِعٍ بِجُرْدِ الْجِيَادِ وَالْمَطِيّ الرّوَاتِكِ
حَسِبْتُمْ جِلَادَ الْقَوْمِ عِنْدَ قِبَابِهِمْ كَمَأْخَذِكُمْ بِالْعَيْنِ أَرْطَالَ آنُكِ
فَلَا تَبْعَثْ الْخَيْلَ الْجِيَادَ، وَقُلْ لَهَا عَلَى نَحْوِ قَوْلِ الْمُعْصِمِ الْمُتَمَاسِكِ
سَعِدْتُمْ بِهَا وَغَيْرُكُمْ كَانَ أَهْلَهَا فَوَارِسُ مِنْ أَبْنَاءِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ
فَإِنّك لَا فِي هِجْرَةٍ إنْ ذَكَرْتَهَا وَلَا حُرُمَاتِ الدّينِ أَنْتَ بِنَاسِكِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَقِيَتْ مِنْهَا أَبْيَاتٌ تَرَكْنَاهَا. لِقُبْحِ اخْتِلَافِ قَوَافِيهَا.
وَأَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ هَذَا الْبَيْتَ:
خَرَجْنَا وَمَا تَنْجُو الْيَعَافِيرُ بَيْنَنَا
وَالْبَيْتَ الّذِي بَعْدَهُ لِحَسّانِ بْنِ ثَابِتٍ فِي قَوْلِهِ:
دَعُوا فَلَجَاتِ الشّأْمِ قَدْ حَالَ دُونَهَا
وَأَنْشَدَنِي لَهُ فِيهَا بَيْتَهُ «فَأَبْلِغْ أَبَا سفيان» .
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غَزْوَةُ بَنِي النّضِيرِ وَمَا نَزَلَ فِيهَا ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ هَذِهِ الْغَزْوَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَهَا بَعْدَ بَدْرٍ، لِمَا رَوَى عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ الزّهْرِيّ، قَالَ: كَانَتْ غَزْوَةُ بَنِي النّضِيرِ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتّةِ أَشْهُرٍ.
قَطْعُ اللّينَةِ وَتَأْوِيلُهُ:
وَذَكَرَ نُزُولَ رَسُولِ اللهِﷺ- بِبَنِي النّضِيرِ، وَسَيْرَهُ إلَيْهِمْ حِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ الّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَهَمّوا بِقَتْلِهِ، فَلَمّا تَحَصّنُوا فِي حُصُونِهِمْ وَحَرّقَ نَخْلَهُمْ نَادَوْهُ أَنْ يَا مُحَمّدُ، قَدْ كُنْت تَنْهَى عَنْ الْفَسَادِ وَتَعِيبُهُ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ أَهْلُ التّأْوِيلِ: وَقَعَ فِي نَفُوسِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ شَيْءٌ، حَتّى أَنَزَلَ اللهُ تَعَالَى: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ، أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها الآية الحشر: ٥. وَاللّينَةُ أَلْوَانُ التّمْرِ مَا عَدَا الْعَجْوَةَ وَالْبَرْنِيّ فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنّ النّبِيّﷺ- لم يحرق من بخلهم إلّا مَا لَيْسَ بِقُوتِ لِلنّاسِ، وَكَانُوا يَقْتَاتُونَ الْعَجْوَةَ، وَفِي الْحَدِيثِ: الْعَجْوَةُ مِنْ الْجَنّةِ «١»، وَثَمَرُهَا يَغْذُو أَحْسَنَ غِذَاءٍ، وَالْبَرْنِيّ أَيْضًا كَذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيّةِ حِمْلٌ مُبَارَكٌ، لِأَنّ بَرّ مَعْنَاهُ: حِمْلٌ، وَنِيّ مَعْنَاهُ جَيّدٌ، أَوْ مُبَارَكٌ فَعَرّبَتْهُ الْعَرَبُ، وَأَدْخَلَتْهُ فِي كَلَامِهَا، وَفِي حديث وفد عبد القيس أن
_________________
(١) رواه أحمد والترمذى وابن ماجة عن أبى هريرة وأحمد والنسائى وابن ماجة عن أبى سعيد وجابر عنه ﷺ.
[ ٦ / ٢٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) رسول اللهﷺ- قال لهم، وذكر الْبَرْنِيّ: إنّهُ مِنْ خَيْرِ تَمْرِكُمْ، وَإِنّهُ دَوَاءٌ وَلَيْسَ بِدَاءِ، رَوَاهُ مِنْهُمْ مَزِيدَةُ الْعَصْرِيّ، فَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ وَلَمْ يَقُلْ: مِنْ نَخْلِهِ عَلَى الْعُمُومِ: تَنْبِيهٌ عَلَى كَرَاهَةِ قَطْعِ مَا يَقْتَاتُ وَيَغْذُو مِنْ شَجَرِ الْعَدُوّ إذَا رُجِيَ أَنْ يَصِيرَ إلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ كَانَ الصّدّيقُ﵁- يُوصِي الْجُيُوشَ أَلّا يَقْطَعُوا شَجَرًا مُثْمِرًا، وَأَخَذَ بِذَلِكَ [أَبُو عَمْرٍو عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو] الْأَوْزَاعِيّ، فَإِمّا تَأَوّلُوا حَدِيثَ بَنِي النّضِيرِ، وَإِمّا رَأَوْهُ خَاصّا لِلنّبِيّ ﵇، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنّ سُورَةَ الْحَشْرِ نَزَلَتْ فِي بَنِي النّضِيرِ، وَلَا اخْتَلَفُوا فِي أَمْوَالِهِمْ، لِأَنّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُوجِفُوا عَلَيْهَا بِخَيْلِ وَلَا رِكَابٍ، وَإِنّمَا قُذِفَ الرّعْبُ فِي قُلُوبِهِمْ وَجَلَوْا عَنْ مَنَازِلِهِمْ إلَى خَيْبَرَ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ قِتَالٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ، فَقَسَمَهَا النّبِيّ ﷺ- بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ، لِيَرْفَعَ بِذَلِكَ مُؤْنَتَهُمْ عَنْ الْأَنْصَارِ، إذْ كَانُوا قَدْ سَاهَمُوهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالدّيَارِ، غَيْرَ أَنّهُ أَعْطَى أَبَا دُجَانَةَ وَسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ لِحَاجَتِهِمَا، وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ: وَأَعْطَى ثَلَاثَةً مِنْ الْأَنْصَارِ، وَذَكَرَ الْحَارِثُ بْنُ الصّمّةِ فِيهِمْ. حَوْلَ أَوّلِ سُورَةِ الْحَشْرِ: وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ [بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ] الْحَشْرُ: ٢ أى يحرّبونها مِنْ دَاخِلٍ، وَالْمُؤْمِنُونَ مِنْ خَارِجٍ، وَقِيلَ مَعْنَى بِأَيْدِيهِمْ: بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ مِنْ نَقْضِ الْعَهْدِ، وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ بِجِهَادِهِمْ. وَقَوْلُهُ (لِأَوَّلِ الْحَشْرِ)، رَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنّهُمْ قَالُوا لَهُ: إلى أين نخرج
[ ٦ / ٢٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَا مُحَمّدُ؟ قَالَ: إلَى الْحَشْرِ، يَعْنِي: أَرْضَ الْمَحْشَرِ، وَهِيَ الشّامُ، وَقِيلَ: إنّهُمْ كَانُوا مِنْ بَسْطٍ لَمْ يُصِبْهُمْ جَلَاءٌ قَبْلَهَا، فَلِذَلِكَ قَالَ: لِأَوّلِ الْحَشْرِ، وَالْحَشْرُ:
الْجَلَاءُ «١»، وَقِيلَ إنّ الْحَشْرَ الثّانِي، هُوَ حَشْرُ النّارِ الّتِي تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ، فَتَحْشُرُ النّاسَ إلَى الْمَوْقِفِ، تَبِيتُ مَعَهُمْ، حَيْثُ بَاتُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ قَالُوا، وَتَأْكُلُ مَنْ تَخَلّفَ، وَالْآيَةُ مُتَضَمّنَةٌ لِهَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلّهَا، وَلِزَائِدِ عَلَيْهَا، فَإِنّ قَوْلَهُ: لِأَوّلِ الْحَشْرِ يُؤْذِنُ أَنّ ثَمّ حَشْرًا آخَرَ، فَكَانَ هَذَا الْحَشْرُ وَالْجَلَاءُ إلَى خَيْبَرَ، ثُمّ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ مِنْ خَيْبَرَ إلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَا «٢»، وَذَلِكَ حِينَ بَلَغَهُ التّثَبّتُ عَنْ النّبِيّ ﷺ أَنّهُ قَالَ: لَا يَبْقِيَنّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ.
وَقَوْلُهُ: فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا الْحَشْرُ: ٢، يُقَالُ: نَزَلَتْ فِي قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى الْحَشْرُ: ٧.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنّهُ قَالَ: هُمْ بَنُو قُرَيْظَةَ، وَأَهْلُ التّأْوِيلِ عَلَى أَنّهَا عَامّةٌ فِي جَمِيعِ الْقُرَى الْمُفْتَتِحَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهَا، فرأى قوم
_________________
(١) الحشر- كما يقول الراغب: «إخراج الجماعة عن نفرهم وإزعاجهم عنه إلى الحرب ونحوها» ولذا يقول البيضاوى: أى فى أول حشرهم من جزيرة العرب إذ لم يصبهم هذا الذل قبل ذلك، أو فى أول حشرهم للقتال أو الجلاء إلى الشام وهو قريب من بعض ما ذكر السهيلى.
(٢) تيماء: بليد فى أطراف الشام بينها وبين وادى القرى على طريق حاج دمشق. وأريحا مدينة الجبارين فى الغور بينها وبين بيت المقدس يوم «المراصد»
[ ٦ / ٢٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَسْمَهَا كَمَا تَقْسِمْ الْغَنَائِمِ، وَرَأَى بَعْضُهُمْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقِفَهَا، وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ إنْ شَاءَ اللهُ.
وَذَكَرَ شِعْرَ الْعَبْسِيّ فِي إجْلَاءِ الْيَهُودِ، فَقَالَ:
أَحَلّ الْيَهُودُ بِالْحِسّيّ الْمُزَنّمِ
يُرِيدُ: أَحَلّهُمْ بِأَرْضِ غُرْبَةٍ، وَفِي غَيْرِ عَشَائِرِهِمْ، وَالزّنِيمُ وَالْمُزَنّمُ:
الرّجُلُ يَكُونُ فِي الْقَوْمِ، وَلَيْسَ مِنْهُمْ، أَيْ أَنَزَلَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْحِسّيّ، أَيْ الْمُبْعَدُ الطّرِيدُ، وَإِنّمَا جَعَلَ الطّرِيدَ الذّلِيلَ حِسّيّا لِأَنّهُ عُرْضَةُ الْأَكْلِ، وَالْحِسّيّ وَالْحَسْوُ مَا يُحْسَى مِنْ الطّعَامِ حَسْوًا، أَيْ أَنّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَلَى آكِلٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالْحِسّيّ مَعْنَى الْغَذِيّ مِنْ الْغَنَمِ، وَهُوَ الصّغِيرُ الضّعِيفُ الّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الرّعْيَ، يُقَالُ: بُدّلُوا بِالْمَالِ الدّثْرِ وَالْإِبِلِ الْكُومِ رُذَالَ الْمَالِ وَغِذَاءَ الْغَنَمِ، وَالْمُزَنّمُ مِنْهُ، فَهَذَا وَجْهٌ يُحْتَمَلُ، وَقَدْ أَكْثَرْت النّقِيرَ عَنْ الْحِسّيّ فِي مَضَانّهِ مِنْ اللّغَةِ فَلَمْ أَجِدْ نَصّا شَافِيًا أَكْثَرَ مِنْ قَوْلِ أَبِي عَلِيّ: الْحِسّيّةُ، وَالْحِسّيّ مَا يُحْسَى مِنْ الطّعَامِ، وَإِذْ قَدْ وَجَدْنَا الْغَذِيّ وَاحِدَ غِذَاءِ الْغَنَمِ، فَالْحِسّيّ فِي مَعْنَاهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنْ يُقَالَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ»
. وَالْمُزَنّمُ أَيْضًا: صِغَارُ الْإِبِلِ، وسائر هذا
_________________
(١) يقول أبو ذر الخشنى: الحسى والحساء: مياه تفور فى الرمل وتمسكها صلابة الأرض، فاذا حفر عنها وجدت، والمزنم على هذا القول هو المقلل اليسير، ومن رواه بالحشى أراد به حاشية الإبل، وهى صغارها وضعافها وهو الصواب، والمزنم على هذا القول يعنى به أولاد الإبل الصغار، وقد يكون المزنم هنا المعز سميت بذلك للزنمتين اللتين فى أعناقها، وهما الهنيتان اللتان تتعلقان من أعناقها ص ٢٨٨.
[ ٦ / ٢٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشعر مع ما بعده مِنْ الْأَشْعَارِ لَيْسَ فِيهِ عَوِيصٌ مِنْ الْغَرِيبِ، وَلَا مُسْتَغْلِقٌ مِنْ الْكَلَامِ.
الْكَاهِنَانِ:
وَمَا ذَكَرَ مِنْ أَمْرِ الْكَاهِنَيْنِ فَهُمَا قُرَيْظَةُ وَالنّضِيرُ، وَفِي الْحَدِيثِ:
يَخْرُجُ فِي الْكَاهِنَيْنِ رَجُلٌ يَدْرُسُ الْقُرْآنَ دَرْسًا لَمْ يَدْرُسْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ، وَلَا يَدْرُسُهُ أَحَدٌ بَعْدَهُ، فَكَانُوا يَرَوْنَهُ أَنّهُ مُحَمّدُ بْنُ كعب القرظىّ وهو محمد ابن كَعْبِ بْنِ عَطِيّةَ «١»، وَسَيَأْتِي خَبَرُ جَدّهِ عَطِيّةَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، وَالْكَاهِنُ فِي اللّغَةِ بِمَعْنَى الكاهل، وهو لذى يَقُومُ بِحَاجَةِ أَهْلِهِ، إذَا خَلَفَ عَلَيْهِمْ يُقَالُ:
هُوَ كَاهِنُ أَبِيهِ وَكَاهِلُهُ، قَالَهُ الْهَرَوِيّ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُمّيَ الْكَاهِنَانِ بِهَذَا «٢» .
خُرُوجُ بَنِي النّضِيرِ إلَى خَيْبَرَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ خُرُوجَ بَنِي النّضِيرِ، إلَى خَيْبَرَ، وَأَنّهُمْ اسْتَقَلّوا بِالنّسَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْأَمْوَالِ مَعَهُمْ الدّفُوفُ وَالْمَزَامِيرُ وَالْقِيَانُ يعزفن
_________________
(١) محمد بن كعب القرظى المدنى ثم الكوفى أحد العلماء. قال ابن عون: ما رأيت أحدا أعلم بتأويل القرآن من القرظى، وقال ابن سعد: كان ثقة ورعا كثير الحديث، وقد وثقه أبو زرعة والعجلى مات سنة ١١٩، وقيل سنة ١٢٠ وقيل سنة ١٠٨ «خلاصة تذهيب الكمال والإكمال لولى الدين أبى عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب» .
(٢) العرب تسمى كل من يتعاطى علما دقيقا: كاهنا.
[ ٦ / ٢٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خَلْفَهُمْ، وَأَنّ فِيهِمْ لَأُمّ عَمْرٍو صَاحِبَةُ عُرْوَةَ بن الورد الّتِي ابْتَاعُوا مِنْهُ، وَكَانَتْ إحْدَى نِسَاءِ بَنِي غِفَارٍ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ إسْحَاقَ، وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَهَا فِي رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ عَنْهُ، وَذَكَرَهُ فِي غَيْرِهَا، وَهِيَ سَلْمَى، قَالَ الْأَصْمَعِيّ: اسْمُهَا:
لَيْلَى بِنْتُ شَعْوَاءَ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ: هِيَ سَلْمَى أُمّ وَهْبٍ امْرَأَةٌ مِنْ كنانة، كانت ناكحا فى مزينة، فأغار عليهم عُرْوَةُ بْنُ الْوَرْدُ، فَسَبَاهَا، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَوْلُ أَبِي الْفَرَجِ إنّهَا مِنْ كِنَانَةَ لَا يَدْفَعُ قَوْلَ ابْنِ إسْحَاقَ إنّهَا مِنْ غِفَارٍ، لِأَنّ غِفَارَ مِنْ كِنَانَةَ. غِفَارُ بْنُ مُلَيْلِ بْنِ ضَمْرَةَ بْنِ لَيْثِ «١» بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مناة ابن كِنَانَةَ. وَعُرْوَةُ بْنُ الْوَرْدِ بْنِ زَيْدٍ، وَيُقَالُ: ابن عمرو بن ناشب بن هدم ابن عَوْذِ بْنِ غَالِبِ بْنِ قَطِيعَةَ بْنِ عَبْسٍ، فَهُوَ عَبْسِيّ غَطَفَانِيّ قَيْسِيّ، لِأَنّ عَبْسًا هُوَ ابْنُ بِغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ قَالَ فِيهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ:
مَا يَسُرّنِي أَنّ أَحَدًا مِنْ الْعَرَبِ وَلَدَنِي إلّا عُرْوَةُ بن الورد لقوله:
أتهز أمنّى أَنْ سَمِنْت، وَقَدْ تَرَى بِجِسْمِي مَسّ الْحَقّ والحقّ جاهد
إنّى امرؤ عافى إنائى شركة وأنت امرؤ عَافِي إنَائِك وَاحِدُ
أُقَسّمُ جِسْمِي فِي جُسُومٍ كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد «٢»
_________________
(١) فى جمهرة ابن حزم: مليل بن ضمرة بن بكر بإسقاط ليث بين ضمرة وبكر ص ١٧٥.
(٢) هى فى الأمالى ص ٢٠٤ ح ٢ وقد نسب القالى بيتا فى أولها إلى عروة: لا تشتمنى يا بن ورد فإننى تعود على مالى الحقوق العوائد ومن يؤثر الحق الندوب تكن خصاصة جسم وهو طيان ماجد وقد علق البكرى فى السمط على هذا بقوله: هذا وهم بين وغلط واضح والبيت-
[ ٦ / ٢٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَانَ يُقَالُ: مَنْ قَالَ: إنّ حَاتِمًا أَسْمَحُ الْعَرَبِ، فَقَدْ ظَلَمَ عُرْوَةَ بْنَ الْوَرْدِ «١»، قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: وَكَانَ عُرْوَةُ يَتَرَدّدُ عَلَى بَنِي النّضِيرِ، فَيَسْتَقْرِضُهُمْ إذَا احْتَاجَ، وَيَبِيعُ مِنْهُمْ إذَا غَنِمَ، فَرَأَوْا عِنْدَهُ سَلْمَى، فَأَعْجَبَتْهُمْ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَبِيعَهَا «٢»، مِنْهُمْ فَأَبَى فَسَقَوْهُ الْخَمْرَ، وَاحْتَالُوا عَلَيْهِ، حَتّى ابْتَاعُوهَا مِنْهُ، وَأَشْهَدُوا عَلَيْهِ، وَفِي ذَلِكَ يقول:
سفونى الخمر ثم تكنفوني عداة الله من كذب وَزُورِ
وَرُوِيَ أَيْضًا أَنّ قَوْمَهَا افْتَدَوْهَا مِنْهُ، وَكَانَ يَظُنّ أَنّهَا لَا تَخْتَارُ عَلَيْهِ أَحَدًا، وَلَا تُفَارِقُهُ، فَاخْتَارَتْ قَوْمَهَا، فَنَدِمَ، وَكَانَ لَهُ مِنْهَا بَنُونَ فَقَالَتْ لَهُ:
وَاَللهِ مَا أَعْلَمُ امْرَأَةً مِنْ الْعَرَبِ أَرَخْت سِتْرًا عَلَى بَعْلٍ مثلك أغض طرفا،
_________________
(١) - الأول لقيس بن زهير يخاطب عروة.. وكان بين قيس وعروة. تنافس وتحاسد، وكان قيس أكولا مبطانا، وكان عروة يعرض له بذلك فى أشعاره. وقيل فى نسب عروة عمرو بن زيد بن عبد الله بن ناشب بن هرم بن لديم بن عواد الخ، وهو فى الأغانى كذلك. ويعلق الأستاذ الميمنى على هذا بقوله: وخرمه السهيلى فى ح ٢ ص ١٧٩. ص ٨٢٢، ٧٢٣ سمط اللالى. وكان يكنى عروة: أبا الصعاليك، وقيل بل أبا نجدة، وقيل: كنيته ابو المغلس، أو: أبو عبلة وفى السلم: أبو هراشة. وفى الحماسة ثلاثة أبيات من قصيدة عروة هذه، ورواية البيت الأول هكذا: أتهزأ منى أن سمنت وأن ترى بوجهى شحوب الحق والحق جاهد رفى الأغانى ثلاثة أبيات منها أيضا ص ٧١ ح ٣
(٢) ص ٧١ ح ٣ الأغانى ط لبنان.
(٣) لعلها: يبيعوها منه.
[ ٦ / ٢٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَلَا أَنْدَى كَفّا وَلَا أَغْنَى غِنَاءً، وَإِنّك لَرَفِيعُ الْعِمَادِ، كَثِيرُ الرّمَادِ، خَفِيفٌ عَلَى ظُهُورِ الْخَيْلِ، ثَقِيلٌ عَلَى مُتُونِ الْأَعْدَاءِ، رَاضٍ لِلْأَهْلِ وَالْجَارِ، وَمَا كُنْت لَأُوثِرَ عَنْك أَهْلِي، لَوْلَا أَنّي كُنْت أَسْمَعُ بَنَاتَ عَمّك يَقُلْنَ فَعَلَتْ أمة عروة، وقالت أُمّةُ عُرْوَةَ، فَأَجِدُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْتَ، وَاَللهِ لَا يُجَامِعُ وَجْهِي وَجْهَ غَطَفَانِيّةٍ أَبَدًا، فَاسْتَوْصِ بِبَنِيك خَيْرًا، قَالَ ثُمّ تَزَوّجَهَا بَعْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي النّضِيرِ «١»، فَسَأَلَهَا أَنْ تُثْنِيَ عَلَيْهِ فِي نَادِي قَوْمِهِ، كَمَا أَثْنَتْ عَلَى عُرْوَةَ، فَقَالَتْ: اُعْفُنِي، فَإِنّي لَا أَقُولُ إلّا مَا عَلِمْته، فَأَبَى أَنْ يُعْفِيَهَا، فَجَاءَتْ حَتّى وَقَفَتْ عَلَى النّادِي، وَهُوَ فِيهِ، فَقَالَتْ: عَمُوا صَبَاحًا، ثُمّ قَالَتْ: إنّ هَذَا أَمَرَنِي أَنْ أَثْنِي عَلَيْهِ بِمَا عَلِمْت فِيهِ، ثُمّ قَالَتْ لَهُ: والله إن شملتك
_________________
(١) اقرأ قصتها فى الأغانى ص ٧٢، ٧٣ ح ٣ ط لبنان ففى إحدى الروايتين أن قومها هم الذين قالوا لعروة: فادنا بصاحبتنا فانها وسيطة النسب فينا معروفة. فلما نادوه بها خيروها واختارت أهلها ثم أقبلت عليه فقالت: يا عروة أما إنى أقول فيك، وإن فارقتك الحق: والله ما أعلم امرأة من العرب ألقت سترها على بعل خير منك، وأغض طرفا، وأقل فحشا، وأجود يدا. وأحمى لحقيقة وما مر على يوم منذ كنت عندك إلا والموت أحب إلى من الحياة بين قومك لأنى لم أكن أشاء أن أسمع امرأة من قومك تقول: قالت أمة عروة كذا وكذا إلا سمعته، ووالله لا أنظر فى وجه غطفانية أبدا، فارجع راشدا إلى ولدك وأحسن إليهم ص ٧٣ ح ٣ الأغانى ط لبنان وفى رواية أخرى أنها قالت له: والله إنك ما علمت لضحوك مقبلا كسوب مدبرا، خفيف على متن الفرس، ثقيل على العدو، طويل العماد كثير الرماد، راضى الأهل والجانب، فاستوص ببنيك خيرا، ثم فارقته، فتزوجها رجل من بنى عمها. والسهيلى جمع بين الروايتين. أو لعله نقل من كتاب آخر.
[ ٦ / ٢٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا التفاف «١»، وإن شربك لاشتفاف، وإن ضجعتك لا انجعاف، وَإِنّك لَتَشْبَعُ لَيْلَةً تُضَافُ، وَتَنَامُ لَيْلَةً تَخَافُ «٢»، فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ: قَدْ كُنْت فِي غِنًى عَنْ هَذَا، وَفِيهَا يَقُولُ عُرْوَةُ بْنُ الْوَرْدِ:
أَرِقْت وَصُحْبَتِي بِمَضِيقِ عُمْقٍ لِبَرْقِ فِي تِهَامَةَ مُسْتَطِيرِ «٣»
إذَا قُلْت اسْتَهَلّ عَلَى قُدَيْدٍ يَحُورُ رَبَابُهُ حُورَ الْكَسِيرِ
سَقَى سَلْمَى، وَأَيْنَ مَحَلّ سَلْمَى إذَا حَلّتْ مُجَاوِرَةَ السّرِيرِ «٤»
إذَا حَلّتْ بِأَرْضِ بَنِي عَلِيّ وَأَهْلُك بَيْنَ أَمّرَةٍ وَكِيرِ «٥»
ذَكَرْت مَنَازِلًا مِنْ أُمّ وَهْبٍ مَحَلّ الْحَيّ أَسْفَلَ ذِي النّقِيرِ «٦»
وَآخَرُ «٧» مَعْهَدٍ مِنْ أُمّ وَهْبٍ مُعَرّسُنَا فُوَيْقَ بَنِي النّضِيرِ «٨»
وَقَالَتْ: مَا تُشَاءُ، فَقُلْت: أَلْهُو إلَى الْإِصْبَاحِ آثُرَ ذِي أَثِيرِ
بِآنِسَةِ الْحَدِيثِ رُضَابُ فِيهَا بُعَيْدَ النّوْمِ كالعنب العصير
_________________
(١) فى الأغانى: لا التحاف.
(٢) فى الأغانى «وإنك لتنام ليلة تخاض، وتشبع ليلة تضاف، وما ترضى الأهل ولا الجانب» ص ٧٥ ح ٣ الأغانى.
(٣) فى الأغانى: من تهامة.
(٤) فى الأغانى: كانت مجاورة.
(٥) فى الأغانى: وأهلى.
(٦) فى الأغانى: من نقير.
(٧) فى الأغانى: واحدث.
(٨) فى الأغانى: بدار بنى النضير.
[ ٦ / ٢٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَطَعْت الْآمِرِينَ بِصِرْمِ سَلْمَى فَطَارُوا فِي بِلَادِ الْيَسْتَعُورِ
سَقَوْنِي الْخَمْرَ ثُمّ تَكَنّفُونِي عُدَاةُ اللهِ من كذب وزور
وقالوا لست بَعْدَ فِدَاءِ سَلْمٍ بِمُغْنٍ مَا لَدَيْك وَلَا فَقِيرِ
وَلَا وَأَبِيك لَوْ كَالْيَوْمِ أَمْرِي وَمَنْ لَك بِالتّدَبّرِ فِي الْأُمُورِ
إذًا لَمَلَكْت عِصْمَةَ أُمّ وَهْبٍ عَلَى مَا كَانَ مِنْ حَسَكِ الصّدُورِ
فَيَا لِلنّاسِ كَيْفَ غَلَبْت نَفْسِي عَلَى شَيْءٍ وَيَكْرَهُهُ ضَمِيرِي «١»
قَوْلُهُ: السّرِيرُ مَوْضِعٌ فِي نَاحِيَةِ كِنَانَةَ، وَقَوْلُهُ: الْيَسْتَعُورِ: هُوَ مَوْضِعٌ قَبْلَ حَرّةِ الْمَدِينَةِ، فِيهِ عَضّاهُ مِنْ سَمُرٍ وَطَلْحٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْيَسْتَعُورُ شَجَرٌ يَسْتَاكُ بِهِ، يَنْبُتُ بِالسّرَاةِ، وَالْيَسْتَعُورُ أَيْضًا مِنْ أَسْمَاءِ الدّوَاهِي، وَالْيَاءُ فِي الْيَسْتَعُورِ أَصْلِيّةٌ، فَهَذَا شَرْحُ مَا أَوْمَأَ إلَيْهِ ابْنُ إسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ أُمّ عَمْرٍو، وَإِنّمَا هِيَ أُمّ وَهْبٍ كَمَا تَكَرّرَ فِي شِعْرِهِ.
غَزْوَةُ ذَاتِ الرّقَاعِ وَسُمّيَتْ ذَاتَ الرّقَاعِ، لِأَنّهُمْ رَقّعُوا فِيهَا رَايَاتِهِمْ فِي قَوْلِ ابن هشام، قال:
ويقلل ذَاتُ الرّقَاعِ شَجَرَةٌ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ يُقَالُ لَهَا ذَاتُ الرّقَاعِ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنّهَا أَرْضٌ فِيهَا بُقَعٌ سُودٌ، وَبُقَعٌ بيض، كأنها مرقّعة برقاع مختلفة،
_________________
(١) الأبيات: الثانى ثم التاسع والحادى عشر إلى آخر القصيدة ليست فى الأغانى. هذا وقد نصب عداة على الذم فى البيت الأول (عداة الله من كذب وزور) أنظر لهذا ص ٢٢٥ إعراب ثلاثين سورة لابن خالويه.
[ ٦ / ٢٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَسُمّيَتْ ذَاتَ الرّقَاعِ لِذَلِكَ، وَكَانُوا قَدْ نَزَلُوا فِيهَا فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ، وَأَصَحّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلّهَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، قَالَ:
«خَرَجْنَا مَعَ النّبِيّﷺ- فِي غَزَاةٍ، وَنَحْنُ سِتّةُ نَفَرٍ بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ، فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا، ونقبت قدماى، وسقطت أظفارى، فكنا فلفّ عَلَى أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ، فَسُمّيَتْ غَزْوَةَ ذَاتِ الرّقَاعِ، لِمَا كُنّا نَعْصِبُ مِنْ الْخِرَقِ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَحَدّثَ أَبُو مُوسَى بِهَذَا، ثُمّ كَرِهَ ذَلِكَ، فَقَالَ: مَا كُنْت أَصْنَعُ بِأَنْ أَذْكُرَهُ، كَأَنّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ أَفْشَاهُ» «١» .
صَلَاةُ الْخَوْفِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ صَلَاةَ الْخَوْفِ، وَأَوْرَدَهَا مِنْ طُرُقٍ ثَلَاثٍ، وَهِيَ مَرْوِيّةٌ بِصُوَرِ مُخْتَلِفَةٍ أَكْثَرَ مِمّا ذُكِرَ. سَمِعْت شَيْخَنَا أَبَا بَكْرٍ﵀- يَقُولُ: فِيهَا سِتّ عَشْرَةَ رِوَايَةً، وَقَدْ خَرّجَ الْمُصَنّفُونَ أَصَحّهَا، وَخَرّجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْهَا جُمْلَةً، ثُمّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي التّرْجِيحِ، فَقَالَ طَائِفَةٌ: يُعْمَلُ مِنْهَا بِمَا كَانَ أَشْبَهَ بظاهر
_________________
(١) هو فى صحيح مسلم أيضا ونقبت أقدامنا: رقت أقدامنا. نعتقبه: نركبه عقبة عقبة، وهو أن يركب هذا قليلا، ثم ينزل فيركب الآخر بالنوبة حتى يأتى على سائرهم. وقد اختلف فى ميقاتها على أقوال ذكرها الحافظ فى الفتح، ثم قال: «وهذا التردد لا حاصل له، بل الذى ينبغى الجزم به أنها بعد غزوة بنى قريظة، لأنه تقدم أن صلاة الخوف فى غزوة الخندق لم تكن شرعت، وقد ثبت وقوع صلاة الخوف فى غزوة ذات الرقاع، فدل على تأخرها بعد الخندق، ص ٣٣٥ ح ٦ فتح البارى سنة ١٣٤٨ مطبعة البهية المصرية. وانظر أيضا زاد المعاد ص ٢٧٤ ح ٢ ط السنة المحمدية.
[ ٦ / ٢٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْقُرْآنِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُجْتَهَدُ فِي طَلَبِ الْآخِرِ مِنْهَا، فَإِنّهُ النّاسِخُ لِمَا قَبْلَهُ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُؤْخَذُ بِأَصَحّهَا نَقْلًا، وَأَعْلَاهَا رُوَاةً، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ- وَهُوَ مَذْهَبُ شَيْخِنَا: يُؤْخَذُ بِجَمِيعِهَا عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْخَوْفِ، فَإِذَا اشْتَدّ الْخَوْفُ، أُخِذَ بِأَيْسَرِهَا مُؤْنَةً، فَإِذَا تَفَاقَمَ الْخَوْفُ صَلّوْا بِغَيْرِ إمَامٍ لِقِبْلَةِ أَوْ لِغَيْرِ قِبْلَةٍ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ سَلَامٍ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ السّلَفِ أَنّ صَلَاةَ الْخَوْفِ، قَدْ تَئُولُ إلَى أَنْ تَكُونَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَذَلِكَ عِنْدَ مَعْمَعَةِ الْقِتَالِ، وَسَيَأْتِي بَقِيّةُ الْقَوْلِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي خَبَرِ بَنِي قُرَيْظَة إنْ شَاءَ اللهُ «١»، وَمِمّا تُخَالِفُ بِهِ صَلَاةُ الْخَوْفِ حُكْمَ غَيْرِهَا أَنّهُ لَا سَهْوَ فِيهَا عَلَى إمَامٍ، وَلَا عَلَى مَأْمُومٍ
_________________
(١) روى أحمد والشيخان وأصحاب السنن الثلاثة عن صالح بن خوات عن سهل بن أبى حثمة- وفى لفظ عمن صلى مع النبى «ص» يوم ذات الرقاع- أن طائفة صفت مع النبى «ص» وطائفة وجاه العدو- أى تجاهه مراقبة له- فصلى بالتى معه ركعة، ثم ثبت قائما فأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التى بقيت من صلاته، فأتموا لأنفسهم، فسلم بهم» وهذه الكيفية تطابق مفهوم الآية الكريمة، إذ ليس فى الآية ذكر السجود إلا مرة واحدة. وبهذه الصلاة قال على وابن عباس وابن مسعود وابن عمر وزيد بن ثابت وأبو هريرة وأبو موسى وسهل بن أبى حثمة، وعليها مالك والشافعى وأبو ثور وغيرهم. وهناك رواية أخرى عن أحمد والشيخين مثل هذه غير أنها زادت أن كل فرقة قضت ركعة!! ولكن ليس فى الآية هذا. أما حين يكون خوف من شىء أكثر من الفتنة فقد قال سبحانه (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) جمع راجل وراكب وقد فسرها ابن عمر: قياما على أقدامهم مستقبلى القبلة وغير مستقبليها قال مالك: قال نافع لا أرى عبد الله بن عمر قال إلا عن الرسول «ص» البخارى ومسلم من قول ابن عمر بنحو ذلك، ورواه ابن ماجة عنه مرفوعا، ورواه الشافعى فى الأم.
[ ٦ / ٢٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَوَاهُ الدّارَقُطْنِيّ بِسَنَدِ ثَابِتٍ عَنْ النّبِيّ ﷺ أَنّهُ قَالَ: لَا سَهْوَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ.
رَفْعُ الْمَنْصُوبِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرٍ حِينَ أَبْطَأَ بِهِ جَمَلُهُ فَنَخَسَهُ النّبِيّﷺ- نَخَسَاتٍ، فخرج يُوَاهِقُ نَاقَتَهُ مُوَاهَقَةً. الْمُوَاهَقَةُ كَالْمُسَابَقَةِ، وَالْمُجَارَاةِ، وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِأَوْسِ بْنِ حَجَرٍ:
تُوَاهِقُ رِجْلَاهَا يَدَاهَا وَرَأْسُهُ لَهَا قَتَبٌ خَلْفَ الْحَقِيبَةِ رَادِفُ
رَفَعَ يَدَاهَا وَرِجْلَاهَا رَفْعَ الْفَاعِلِ، لِأَنّ الْمُوَاهَقَةَ، لَا تَكُونُ إلّا مِنْ اثْنَيْنِ، فَكُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَاعِلٌ فِي الْمَعْنَى كَمَا ذَكَرُوا فِي قَوْلِ الرّاجِزِ:
قَدْ سَالَمَ الْحَيّاتُ مِنْهُ الْقَدَمَا الْأُفْعُوَانَ وَالشّجَاعَ الشّجْعَمَا
[وَذَاتَ قَرْنَيْنِ ضَمُورًا ضِرْزِمَا «١»]
هَكَذَا تَأَوّلَهُ سِيبَوَيْهِ، وَلَعَلّ هَذَا الشّاعِرَ كَانَ مِنْ لُغَتِهِ أَنْ يَجْعَلَ التّثْنِيَةَ بِالْأَلِفِ فِي الرّفْعِ وَالنّصْبِ وَالْخَفْضِ كَمَا قَالَ:
تَزَوّدْ مِنّا بَيْنَ أُذُنَاهُ طَعْنَةً دَعَتْهُ إلَى هَابِي التّرَابِ عَقِيمِ
_________________
(١) الزيادة من الكتاب لسيبويه ص ١٤٥ ط أولى، وقد نسبه سيبويه لشاعر قال عنه هو عبد بنى عبس. وقد نسبه فى اللسان إلى مساور بن هند العبسى، وفى شرح الشواهد للشنتمرى نسبه للعجاج. والشهم: الطويل، والضمور: الساكنة المطرقة التى لا تصفر لخبثها. والضرزم: المسنة.
[ ٦ / ٢٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ:
قَدْ بَلَغَا فِي الْمَجْدِ غَايَتَاهَا «١»
وَهِيَ لُغَةُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ. وَقَالَ النّحّاسُ فِي الْكِتَابِ المقنع: هى أيضا لغة لخثعم وطيّىء وَأَبْطُنٍ مِنْ كِنَانَةَ، وَالْبَيْتُ أَعْنِي:
تُوَاهِقُ رِجْلَاهَا يَدَاهَا، هُوَ لِأَوْسِ بْنِ حَجَرٍ الْأَسَدِيّ، وَلَيْسَ مِمّنْ هَذِهِ لُغَتُهُ، فَالْبَيْتُ إذًا عَلَى مَا قاله سيبويه.
_________________
(١) أصل الشعر: واها لليلى ثم واها واها هى المنى لو أننا نلناها يا ليت عينيها لنا وفاها وقد نسبه الهروى فى التلويح شرح فصيح ثعلب ص ٣٩ ط ١٩٤٩ إلى أبى النجم العجلى المتوفى نحو سنة ١٣٠ هـ وفى بعض الروايات سلمى، وفى بعضها: ريا وقد زاد القالى فى الأمالى: بثمن نرضى به أباها ص ٧٧ ح ١ ط ٢ وبعد هذا: إن أباها وأبا أباها قد بلغا فى المجد غايتاها وفى الصحاح زيادة قبل المنى: فاضت دموع العين من جراها وقيل أيضا: شالوا علينا فشل علاها واشدد بمثنى حقب حقواها إن أباها وأبا أباها قد بلغا فى المجد غايتاها أنظر سمط اللآلى ص ٢٥٧ وشرح شواهد ابن عقيل للجرجاوى ص ٩ وعلى هامشه شرح الشواهد أيضا للشيخ فطه العدوى ص ٩.
[ ٦ / ٢٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُسَاوَمَةُ جَابِرٍ فِي جَمَلِهِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ:
وَذَكَرَ مُسَاوَمَةَ النّبِيّ ﷺ لِجَابِرِ فِي الْجَمَلِ «١»، حَتّى اشْتَرَاهُ مِنْهُ بأوفيّة، وَأَنّهُ أَعْطَاهُ أَوّلًا دِرْهَمًا، فَقَالَ: لَا إذَا تَغْبِنُنِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنْ كَانَ أَعْطَاهُ الدّرْهَمَ مَازِحًا، فَقَدْ كَانَ يَمْزَحُ، وَلَا يَقُولُ إلّا حَقّا، فَإِذَا كَانَ حَقّا، فَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ إبَاحَةُ الْمُكَايَسَةِ الشّدِيدَةِ فِي الْبَيْعِ، وَأَنْ يُعْطِيَ فِي السّلْعَةِ مَا لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لَهَا بِنَصّ الْحَدِيثِ، وَفِي دَلِيلِهِ أَنّ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِمَا لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لَهَا ثَمَنًا، وَهُوَ عَاقِلٌ بَصِيرٌ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْعِ تَدْلِيسٌ عَلَيْهِ، فَهُوَ بيع ماض لارجوع فِيهِ، وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ لَهُ كُلّمَا زَادَ لَهُ دِرْهَمًا قَدْ أَخَذْته بِكَذَا وَاَللهُ يَغْفِرُ لَك، فَكَأَنّهُ ﵇ أَرَادَ بِإِعْطَائِهِ إيّاهُ دِرْهَمًا دِرْهَمًا أَنْ يُكْثِرَ اسْتِغْفَارَهُ لَهُ، وَفِي جَمَلِ جَابِرٍ هَذَا أُمُورٌ مِنْ الْفِقْهِ سِوَى مَا ذَكَرْنَا، وَذَلِكَ أَنّ طَائِفَةً مِنْ الْفُقَهَاءِ احْتَجّوا بِهِ فِي جَوَازِ بَيْعٍ وَشَرْطٍ «٢»، لِأَنّ النّبِيّﷺ- شَرَطَ لَهُ ظَهْرَهُ إلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعٌ وَشَرْطٌ، وَإِنْ وَقَعَ فَالشّرْطُ بَاطِلٌ، وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ «٣»، وَاحْتَجّوا بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ شُعَيْبٍ عَنْ جدّ أبيه
_________________
(١) كما رواه ابن إسحاق رواه ابن سعد فى طبقاته، وفى البخارى فى عشرين موضعا فى بعضها أن ذلك كان فى غزوة تبوك، وفى مسلم أنه فى غزوة الفتح.. وعن نخسه ذكر فى أحمد ومسلم أنه ضربه برجله، ودعا له.
(٢) إلى هذا ذهب أحمد والبخارى لكثرة رواة الاشتراط.
(٣) إلى هذا ذهب أبو حنيفة والشافعى مطلقا، وتوسط مالك ففصل.
[ ٦ / ٢٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي أَنّ النّبِيّﷺ- نَهَى عَنْ شَرْطٍ وَبَيْعٍ، وَعَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ.
شُعَيْبٌ لَا يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ وَإِنّمَا عَنْ جَدّهِ:
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو.
وَهَذِهِ رِوَايَةٌ مُسْتَغْرَبَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ جِدّا، لِأَنّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَهُمْ أَنّ شُعَيْبًا إنّمَا يَرْوِي عَنْ جدّه عبد الله، لاعن أَبِيهِ مُحَمّدٍ لِأَنّ أَبَاهُ مُحَمّدًا مَاتَ قَبْلَ جَدّهِ عَبْدِ اللهِ، فَقِفْ عَلَى هَذِهِ التّنْبِيهَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَلّ مَنْ تَنَبّهَ إلَيْهَا، وقالوا: لا حُجّةٌ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاضْطِرَابِ، فَقَدْ رُوِيَ أَنّهُ قَالَ: أَفْقِرْنِي ظَهْرَهُ إلَى الْمَدِينَةِ، وَرُوِيَ أَنّهُ قَالَ: اسْتَثْنَيْت ظَهْرَهُ إلَى الْمَدِينَةِ، وَرُوِيَ أَنّهُ قَالَ: شَرَطَ لِي ظَهْرَهُ «١»، وَقَالَ الْبُخَارِيّ: الِاشْتِرَاطُ أَكْثَرُ وَأَصَحّ، وَكَذَلِكَ اضْطَرَبُوا فِي الثّمَنِ، فَقَالُوا: بِعْته مِنْهُ بِأُوقِيّةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِأَرْبَعِ أَوَاقِيّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِخَمْسِ أَوَاقِيّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ فِي مَعْنَى الْأُوقِيّةِ، وَكُلّ هَذِهِ الرّوَايَاتِ قَدْ ذَكَرَهَا الْبُخَارِيّ، وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: دِينَارَيْنِ وَدِرْهَمَيْنِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بِإِبْطَالِ الشّرْطِ، وَجَوَازِ الْبَيْعِ، وَاحْتَجّوا بِحَدِيث بَرِيرَةَ حِينَ بَاعَهَا أَهْلُهَا مِنْ عَائِشَةَ، واشترطوا لولاء فأجاز النبىّ ﷺ
_________________
(١) وفى رواية: وشرطت ظهره إلى المدينة.
[ ٦ / ٢٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْبَيْعَ وَأَبْطَلَ الشّرْطَ «١»، وَاسْتَعْمَلَ مَالِكٌ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ أَجْمَعَ، فَقَالَ:
بِإِبْطَالِ الْبَيْعِ وَالشّرْطِ عَلَى صُورَةٍ، وَبِجِوَازِهِمَا عَلَى صُورَةٍ أُخْرَى، وَبِإِبْطَالِ الشّرْطِ وَجَوَازِ الْبَيْعِ عَلَى صُورَةٍ أَيْضًا، وَذَلِكَ بَيّنٌ فِي الْمَسَائِلِ لِمَنْ تَدَبّرَهَا، وَأَبْيَنُ مَا تُوجَدُ مُحْكَمَةَ الْأُصُولِ مُسْتَثْمَرَةَ الْجَنَا وَالْفُصُولِ فِي كِتَابِ الْمُقَدّمَاتِ لِابْنِ رُشْدٍ، فَلْيَنْظُرْهَا هُنَالِكَ مَنْ أَرَادَهَا «٢» .
الْحِكْمَةُ مِنْ مُسَاوَمَةِ النّبِيّ لِجَابِرِ:
فَصْلٌ: وَمِنْ لَطِيفِ الْعِلْمِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ بَعْدَ أَنْ تَعْلَمَ قَطْعًا أَنّ النّبِيّﷺ- لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ شَيْئًا عَبَثًا بَلْ كَانَتْ أَفْعَالُهُ مَقْرُونَةً بِالْحِكْمَةِ وَمُؤَيّدَةً بِالْعِصْمَةِ، فَاشْتِرَاؤُهُ الْجَمَلَ مِنْ جَابِرٍ ثُمّ أَعْطَاهُ الثّمَنَ، وَزَادَهُ عَلَيْهِ زِيَادَةً، ثُمّ رَدّ الْجَمَلَ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ الْعَطَاءَ دُونَ مُسَاوَمَةٍ فِي الْجَمَلِ، وَلَا اشْتِرَاءٍ وَلَا شَرْطٍ وَلَا تَوْصِيلٍ، فَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ بَدِيعَةٌ جِدّا، فَلْتَنْظُرْ بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ، وَذَلِكَ أَنّهُ سَأَلَهُ: هَلْ تَزَوّجْت، ثُمّ قَالَ لَهُ: هَلّا بِكْرًا، فَذَكَرَ لَهُ مَقْتَلَ أَبِيهِ، وَمَا خَلّفَ مِنْ الْبَنَاتِ، وَقَدْ كَانَ ﵇ قَدْ أَخْبَرَ جَابِرًا بِأَنّ اللهَ، قَدْ أَحْيَا أَبَاهُ، وَرَدّ عَلَيْهِ رُوحَهُ، وَقَالَ:
مَا تَشْتَهِي فَأَزِيدُك، فَأَكّدَ ﵇ هَذَا الْخَبَرَ بِمِثْلِ مَا يُشْبِهُهُ، فَاشْتَرَى مِنْهُ الْجَمَلَ، وَهُوَ مَطِيّتُهُ، كَمَا اشْتَرَى اللهُ تَعَالَى من أبيه، ومن الشّهداء أنفسهم
_________________
(١) عن عائشة أنها أرادت أن تشترى بريرة للعتق، فاشترطوا ولاءها، فذكرت ذلك لرسول الله «ص» فقال اشتريها واعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق» متفق عليه ولم يذكر البخارى لفظة: أعتقيها. وروى بصورة أخرى أطول من هذه
(٢) أنظر فى ص ١٣٢ ح ٢ من بآية المجتهد لابن رشد ط ١٣٣٣.
[ ٦ / ٢٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِثَمَنِ هُوَ الْجَنّةُ، وَنَفْسُ الْإِنْسَانِ مَطِيّتُهُ، كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ﵁- إنْ نَفْسِي مَطِيّتِي، ثُمّ زَادَهُمْ زِيَادَةً فَقَالَ: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ يُونُسَ: ٢٦، ثُمّ رَدّ عَلَيْهِمْ أَنْفُسَهُمْ الّتِي اشْتَرَى مِنْهُمْ فَقَالَ:
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا آلَ عِمْرَانَ ١٦٩ الْآيَةَ، فَأَشَارَ ﵇ بِاشْتِرَائِهِ الْجَمَلَ مِنْ جَابِرٍ وَإِعْطَائِهِ الثّمَنَ وَزِيَادَتِهِ عَلَى الثّمَنِ، ثُمّ رَدّ الْجَمَلِ الْمُشْتَرَى عَلَيْهِ، أَشَارَ بِذَلِكَ كُلّهِ إلَى تَأْكِيدِ الْخَبَرِ الّذِي أَخْبَرَ بِهِ عَنْ فِعْلِ اللهِ تَعَالَى بِأَبِيهِ، فَتَشَاكَلَ الْفِعْلُ مَعَ الْخَبَرِ، كَمَا تَرَاهُ، وَحَاشَ لِأَفْعَالِهِ أَنْ تَخْلُوَ مِنْ حِكْمَةٍ، بَلْ هِيَ كُلّهَا نَاظِرَةٌ إلَى الْقُرْآنِ وَمُنْتَزَعَةٌ مِنْهُ ﷺ.
سِيَاقُهُ الْحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بن عبيد:
فصل: وحدّث عن عمر عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ جَابِرٍ، وَذَكَرَ حَدِيثَ غَوْرَثَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فَقَالَ فِيهِ: غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ «١»، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْخَطّابِيّ، فَقَالَ فِيهِ: أَنّهُ لَمّا هَمّ بِقَتْلِ النّبِيّﷺ- رُمِيَ بِالزّلَخَةِ فَنَدَرَ السّيْفُ مِنْ يَدِهِ، وَسَقَطَ إلَى الْأَرْضِ. الزّلَخَةُ: وَجَعٌ يَأْخُذُ فِي الصّلْبِ، وَأَمّا رِوَايَتُهُ الْحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ فَأَعْجَبُ شَيْءٍ سِيَاقَتُهُ إيّاهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، وَقَدْ رَوَاهُ الْأَثْبَاتُ عَنْ جَابِرٍ، وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ مُتّفَقٌ عَلَى وَهْنِ حَدِيثِهِ، وَتَرْكِ الرّوَايَةِ عَنْهُ، لِمَا اشْتَهَرَ مِنْ بدعته، وسوء نحلته،
_________________
(١) يقال أيضا بضم الغين. ووقع عند الخطيب بالكاف بدلا من الثاء وحكى الخطابى فيه غويرث. وقد ذكر فى غزوة ذى أمر بناحية نجد مثل هذه القصة لرجل اسمه دعثور.
[ ٦ / ٢٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَإِنّهُ حُجّةُ الْقَدَرِيّةِ، فِيمَا يُسْنِدُونَ إلَى الْحَسَنِ﵁- مِنْ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ، وَقَدْ بَرّأَهُ اللهُ مِنْهُ، وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا، وَأَمّا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدِ بْنِ دَأْبٍ، فَقَدْ «١» كَانَ عَظِيمًا فِي زَمَانِهِ عَالِيَ الرّتْبَةِ فِي الْوَرَعِ، حَتّى اُفْتُتِنَ بِهِ، وَبِمَقَالَتِهِ أُمّةٌ فَصَارُوا قدريّة، وقد ببز بِمَذْهَبِهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَلَمْ يُسْقَطْ حَدِيثُهُمْ، لِأَنّهُمْ لَمْ يُجَادِلُوا عَلَى مَذْهَبِهِمْ، وَلَا طَعَنُوا فِي مُخَالِفِيهِمْ مِنْ أَهْلِ السّنّةِ، كَمَا فَعَلَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ. فَمِمّنْ نُبِزَ بِالْقَدَرِ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَقَتَادَةُ وَدَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَطَائِفَةٌ سِوَاهُمْ مِنْ الْأَثْبَاتِ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ، وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ يُكَنّى أَبَا عُثْمَانَ وَأَبُوهُ عُبَيْدُ بْنُ دَأْبٍ كَانَ صَاحِبَ شُرْطَةٍ فِيمَا ذَكَرُوا وَسَمِعَ يَوْمًا ناسا يقولون فِي ابْنِهِ هَذَا خَيْرُ النّاسِ ابْنُ شَرّ النّاسِ، فَالْتَفَتَ إلَيْهِمْ، وَقَالَ: وَمَا يُعْجِبُكُمْ مِنْ هَذَا؟ هُوَ كَإِبْرَاهِيمَ وَأَنَا كَآزَرَ، وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ، يَقُولُ بَعْدَ مَوْتِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ يُسْتَحْيَا مِنْهُ «٢» بَعْدَ عمرو، وكان يقول:
_________________
(١) توفى عمرو بن عبيد سنة ١٤٤ بحران ورثاه المنصور، قالوا: ولم يسمع بخليفة رثى من دونه سواه.
(٢) قال المنصور قولته لما مات ابن أبى ليلى وعمرو بن عبيد ص ٩٤ ح ٢ البيان للجاحظ. ومن أقوال عمرو الطيبة أن أحدهم قال له: إنى لأرحمك مما يقول الناس فيك، قال: أسمعتنى أذكر فيهم شيئا؟ قال: لا، قال: إياهم فارحم. وقوله لأبى جعفر: إن الله قد وهب لك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك ببعضها، فلو أن هذا الأمر الذى صار إليك بقى فى يدى من كان قبلك لم يصل إليك، وتذكر يوما يتمخض بأهله لا ليلة بعده ص ٦٥ ح ٤ البيان. ومن دعائه: اللهم اغننى بالافتقار إليك، ولا تفقرنى بالاستغناء عنك ص ٢٧١ ح ٢ البيان. اللهم أعنى على الدنيا بالقناعة. وعلى الدين بالعصمة.
[ ٦ / ٢٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كُلّكُمْ خَاتِلُ صَيْدٍ كُلّكُمْ يَمْشِي رُوَيْدٍ
غَيْرَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ
وَقَدْ نُبِزَ ابْنُ إسْحَاقَ بِالْقَدَرِ أَيْضًا، وَرِوَايَتُهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ تُؤَيّدُ قَوْلَ مَنْ عَزَاهُ إلَيْهِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ «١» .
_________________
(١) وروى صاحب العقد الفريد أن عمرا بعد أن نصح أبا جعفر النصيحة التى سبق ذكرها أتبعه أبو جعفر بصرة فلم يقبلها، وجعل يقول: كلكم يمشى رويد كلكم خاتل صيد غير عمرو بن عبيد وفى رواية: كلكم يطلب صيد واقرأ نصيحته الرائعة المنصور فى ترجمته فى الملل والنحل للشهرستانى. ومن رثاء المنصور له كما ذكر الشهرستانى: لو أن هذا الأمر أبقى صالحا أبقى لنا عمرا أبا عثمان وقيل لما حضرته الوفاة قال لصاحبه: نزل بى الموت، ولم أتأهب له، ثم قال: الهم إنك تعلم أنه لم يسنح لى أمران فى أحدهما رضا لك، وفى الآخر هوى لى إلا اخترت رضاك على هواى فاغفر لى، ومات عن ٦٤ عاما. والقدرية تقال باطلاقين الأولى على الذين ينفون القدر، والآخرين على الذين يثبتونه مع نفى الشرع. والقدرية كما يعرفهم ابن تيمية- هم الذين خاضوا فى قدر الله بالباطل، وأصل ضلالهم ظنهم أن القدر يناقض الشرع، فصاروا حزبين حزبا يعظمون الشرع والأمر والنهى والوعد والوعيد، واتباع ما يحبه الله ويرضاه، وهجر ما يبغضه وما يسخطه، وظنوا أن هذا لا يمكن أن يجمع بينه وبين القدر» .. وقد وصف هذا الحزب بأنه يكذب بالقدر وينفيه، أو ينفى بعضه ثم قال عن الحزب الثانى «وحزبا يغلب القدر، فينفى الشرع فى الباطن، أو ينفى حقيقته، ويقول: لا فرق بين ما أمر الله به وما نهى عنه فى نفس الأمر الجميع سواء، وكذلك أولياؤه وأعداؤه، وكذلك ما ذكر أنه يحبه وذكر أنه يبغضه لكنه فرق بين المتماثلين بمحض المشيئة، يأمر بهذا، وينهى عن مثله، فجحدوا- . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . - الفرق والفصل الذى بين التوحيد والشرك وبين الإيمان والكفر وبين الطاعة والمعصية وبين الحلال والحرام» ثم عاد يسم الحزب الاول وهم نفاة القدر أو بعضه أنهم أنكروا الجمع وأنكروا أن يكون الله على كل شىء قدير، ومنهم من أنكر أن يكون الله بكل شىء عليما، وأنكروا أن يكون خالقا لكل شىء» ثم وازن بين الفريقين فقال عن نفاة الشرع الذين يسوون بين الأمر والنهى «هؤلاء نفوا حكمته وعدله، وأولئك- أى نفاة القدر- نفوا قدرته ومشيئته» وشبه هؤلاء بالمجوس، وشبه الآخرين بالمشركين ص ١٦٤ وما بعدها ح ١ مجموعة الرسائل الكبرى، وقد أبدع فيها كعادته ﵁. وعمرو بن عبيد هو من نفاة القدر الذين سموا بالمعتزلة. يقول ابن تيمية «وكانت الخوارج قد تكلموا فى تكفير أهل الذنوب من أهل القبلة، وقالوا: إنهم كفار مخلدون فى النار، فخاض الناس فى ذلك، وخاض فى ذلك القدرية بعد موت الحسن البصرى، فقال عمرو بن عبيدة وأصحابه: لا هم مسلمون، ولا كفار، بل لهم منزلة بين المنزلتين، وهم مخلدون فى النار، فوافقوا الخوارج على أنهم مخلدون، وعلى أنه ليس معهم من الإسلام والإيمان شى ولكن لم يسموهم كفارا، واعتزلوا حلقة أصحاب الحسن البصرى عن قتادة وأيوب السختيانى وأمثالها، فسموا معتزلة من ذلك الوقت بعد موت الحسن» ص ٢٧. المصدر السابق وهناك آراء أخرى فى سبب تلقيبهم بالمعتزلة ولكن ابن تيمية فى موازنته العادلة يقول عن المعتزلة «ولا ريب أن المعتزلة خير من الرافضة- أى الشيعة الذين رفضوا إمامة زيد- ومن الخوارج، فإن المعتزلة تقر بخلافة الخلفاء الأربعة وكلهم يتولون أبا بكر وعمر وعثمان، وكذلك المعروف عنهم أنهم يتولون عليا، ومنهم من يفضله على أبى بكر وعمر، وكلهم يتولى عثمان، ويعظمون أبا بكر وعمر، ويعظمون الذنوب، فهم يتحرون الصدق كالخوارج لا يختلقون الكدب كالرافضة ولا يرون اتخاذ دار غير دار الاسلام كالخوارج، ولهم كتب فى تفسير القرآن، ونصر الرسول ولهم محاسن كثيرة يترجحون على الخوارج والروافض، وهم قصدهم إثبات توحيد-
[ ٦ / ٢٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقْعَةُ الْحَرّةِ وَمَوْقِفُ الصّحَابَةِ مِنْهَا:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قول جابر: فو الله مَا زَالَ يَنْمِي عِنْدَنَا، وَيُرَى مَكَانُهُ مِنْ مِنْ بَيْتِنَا حَتّى أُصِيبَ فِيمَا أُصِيبَ مِنّا يَوْمَ الْحَرّةِ يَعْنِي: وَقْعَةَ الْحَرّةِ «١» الّتِي كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ أَيّامَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَلَى يَدِي مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ الْمُرّيّ الّذِي يُسَمّيهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مُسْرِفَ بْنَ عُقْبَةَ، وَكَانَ سَبَبُهَا أَنّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ خَلَعُوا يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ وَأَخْرَجُوا مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَبَنِيّ «٢» أُمَيّة، وَأَمّرُوا عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللهِ بْنَ حَنْظَلَةَ الْغَسِيلِ الّذِي غَسّلَتْ أَبَاهُ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَى هَذَا الْخَلْعِ أَحَدٌ مِنْ أَكَابِرِ الصّحَابَةِ الّذِينَ كَانُوا فِيهِمْ. رَوَى الْبُخَارِيّ أَنّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ لَمّا أُرْجِفَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِيَزِيدَ دَعَا بَنِيهِ وَمَوَالِيَهُ، وَقَالَ لَهُمْ: إنّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرّجُلَ عَلَى بَيْعَةِ اللهِ وَبَيْعَةِ رَسُولِهِ، وَإِنّهُ وَاَللهِ لَا يَبْلُغَنّي عَنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ أَنّهُ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِ إلّا كَانَتْ الْفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، ثُمّ لَزِمَ بَيْتَهُ، وَلَزِمَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ بَيْتَهُ، فَدُخِلَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْأَيّامِ الّتِي اُنْتُهِبَتْ الْمَدِينَةُ فِيهَا، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ أَيّهَا الشّيْخُ؟ فَقَالَ: أنا أبو سعيد الخدرى
_________________
(١) - الله ورحمته وحكمته وصدقه وطاعته، وأصولهم الخمس عن هذه الصفات الخمس، ولكنهم غلطوا فى بعض ما قالوه فى كل واحد من أصولهم الخمس» ثم عدد أحطاءهم ﵃ ص ٧٥ ح ١ المصدر السابق.
(٢) الحرة سنة ٦٣ هـ ص ٢٨٢ ح ٥ الطبرى.
(٣) وأخرجوا عثمان بن محمد بن أبى سفيان عامل يزيد وقد طلب يزيد من مسلم أن يدعو القوم ثلاثا، فان هم أجابوه وإلا قاتلهم، وأمره أن يبحث عن على بن الحسين وأن يكف عنه، وأن يستوصى به خيرا، وأن يدنى منه مجلسه. وكان على قد رفض أن يخب فى الفتنة.
[ ٦ / ٢٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) صَاحِبُ النّبِيّﷺ- فَقَالُوا لَهُ: قَدْ سَمِعْنَا خَبَرَك، وَلَنِعْمَ مَا فَعَلْت حِينَ كَفَفْت يَدَك، وَلَزِمْت بَيْتَك، وَلَكِنْ هَاتِ الْمَالَ، فَقَالَ قَدْ أَخَذَهُ الّذِينَ دَخَلُوا قَبْلَكُمْ عَلَيّ، وَمَا عِنْدِي شَيْءٌ، فَقَالُوا: كَذَبْت وَنَتَفُوا لِحْيَتَهُ، وَأَخَذُوا مَا وَجَدُوا حَتّى صُوفَ الْفَرْشِ، وَحَتّى أَخَذُوا زَوْجَيْنِ مِنْ حَمَامٍ كَانَ صِبْيَانُهُ يَلْعَبُونَ بِهِمَا. وَأَمّا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الّذِي كُنّا بِمَسَاقِ حَدِيثِهِ، فَخَرَجَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَطُوفُ فِي أَزِقّةِ الْمَدِينَةِ وَالْبُيُوتُ تُنْتَهَبُ، وَهُوَ أَعْمَى، وَهُوَ يَعْثِرُ فِي الْقَتْلَى، وَيَقُولُ تَعِسَ مَنْ أَخَافَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: وَمَنْ أَخَافَ رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ أَخَافَ الْمَدِينَةَ، فَقَدْ أَخَافَ مَا بَيْنَ جَنْبَيّ، فَحَمَلُوا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، فَأَجَارَهُ مِنْهُمْ مَرْوَانُ، وَأَدْخَلَهُ بَيْتَهُ، وَقُتِلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ وُجُوهِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَلْفٌ وَسَبْعُمِائَةٍ، وَقُتِلَ مِنْ أَخْلَاطِ النّاسِ عَشَرَةُ آلَافٍ سِوَى النّسَاءِ وَالصّبْيَانِ، فَقَدْ ذَكَرُوا أَنّ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ دَخَلَ عَلَيْهَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشّامِ، وَهِيَ تُرْضِعُ صَبِيّهَا، وَقَدْ أَخَذَ مَا كَانَ عِنْدَهَا، فَقَالَ لَهَا: هَاتِ الذّهَبَ، وَإِلّا قَتَلْتُك، وَقَتَلْت صَبِيّك، فَقَالَتْ: وَيْحَك إنْ قَتَلْته فَأَبُوهُ أَبُو كَبْشَةَ صَاحِبُ النّبِيّﷺ- وَأَنَا مِنْ النّسْوَةِ اللّاتِي بَايَعْنَ رَسُولَ اللهِﷺ- وَمَا خُنْت اللهَ فِي شَيْءٍ بَايَعْت رَسُولَهُ عَلَيْهِ، فَانْتَفَضَ الصّبِيّ مِنْ حِجْرِهَا، وَثَدْيُهَا فِي فِيهِ، وَضَرَبَ بِهِ الْحَائِطَ حَتّى انْتَثَرَ دِمَاغُهُ فِي الْأَرْضِ وَالْمَرْأَةُ تَقُولُ: يَا بُنَيّ لَوْ كان عندى شى نَفْدِيك بِهِ، لَفَدَيْتُك، فَمَا خَرَجَ مِنْ الْبَيْتِ حَتّى اسْوَدّ نِصْفُ وَجْهِهِ، وَصَارَ مُثْلَةً فِي الناس.
[ ٦ / ٢٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَأَحْسَبُ أَنّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ جَدّةُ للصبى، لَا أُمّا لَهُ، إذْ يَبْعُدُ فِي الْعَادَةِ أَنْ تُبَايِعَ النّبِيّ ﵇، وَتَكُونَ يَوْمَ الحرّة فى سنّ من ترضيع.
وَالْحَرّةُ الّتِي يُعْرَفُ بِهَا هَذَا الْيَوْمُ يُقَالُ لَهَا حَرّةُ زُهْرَةَ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنّ النّبِيّﷺ- وَقَفَ بِهَا، وَقَالَ: لَيُقْتَلَنّ بِهَذَا الْمَكَانِ رِجَالٌ هُمْ خِيَارُ أُمّتِي بَعْدَ أَصْحَابِي، وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، أَنّهُ قَالَ: لَقَدْ وَجَدْت صِفَتَهَا فِي كِتَابِ يَهُودَ بْنِ يَعْقُوبَ الّذِي لَمْ يَدْخُلْهُ تَبْدِيلٌ، وَأَنّهُ يُقْتَلُ فِيهَا قَوْمٌ صَالِحُونَ يَجِيئُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَسِلَاحُهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَعُرِفَتْ حَرّةُ زُهْرَةَ بِقَرْيَةِ كَانَتْ لِبَنِي زُهْرَةَ قَوْمٍ مِنْ الْيَهُودِ، وَكَانَتْ كَبِيرَةً فِي الزّمَانِ الْأَوّلِ، وَيُقَالُ كَانَ فِيهَا ثَلَاثُمِائَةِ صَائِغٍ، ذَكَرَ هَذَا الزّبَيْرُ فِي فَضَائِلِ الْمَدِينَةِ لَهُ: وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتّينَ، وَقَدْ كَانَ يزيد ابن مُعَاوِيَةَ قَدْ أَعْذَرَ إلَيْهِمْ فِيمَا ذَكَرُوا، وَبَذَلَ لَهُمْ مِنْ الْعَطَاءِ أَضْعَافَ مَا يُعْطِي النّاسَ وَاجْتَهَدَ فِي اسْتِمَالَتِهِمْ إلَى الطّاعَةِ، وَتَحْذِيرِهِمْ مِنْ الْخِلَافِ، وَلَكِنْ أَبَى اللهُ إلّا مَا أَرَادَ، وَاَللهُ يَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها مَا كَسَبَتْ، وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ «١» البقرة: ١٣٤، ١٤١.
_________________
(١) أنظر ص ٢٨٢ ح ٥ الطبرى. وقد أحسن السهيلى فى ختام كلامه عن هذه الفتنة وإن كان قد نقل مبالغات عن كتاب الحرة للواقدى وما ذكره من أحاديث فيها شىء لا يعتد به فما أخرج واحدا منها أحد من أصحاب الصحيح ولا أصحاب السنن، فقد نقلها عن كتاب الحرة للواقدى، وانظر ص ٨٥ ح ١ من كتاب وفاء الوفا للسمهودى وفى كتابه أيضا عن حرة واقم: هى حرة المدينة الشرقية. وتسمى أيضا حرة بنى قريظة لأنهم كانوا بطرفها القبلى وحرة زهرة لمجاورتها لها
[ ٦ / ٢٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَعْنَى الرّبِيئَةِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ الْأَنْصَارِيّ وَالْمُهَاجِرِيّ، وَهُمَا عَبّادُ بْنُ بِشْرٍ، وَعَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَأَنّ رَجُلًا مِنْ الْعَدُوّ رَمَى الْأَنْصَارِيّ بِسَهْمِ، وَهُوَ يُصَلّي لَمّا عَلِمَ أَنّهُ رَبِيئَةُ الْقَوْمِ. الرّبِيئَةُ هُوَ الطّلِيعَةُ، يُقَالُ: رَبَأَ عَلَى الْقَوْمِ يَرْبَأُ فَهُوَ رَبّاءٌ وَرَبِيئَةٌ قَالَ الشّاعِرُ [الْهُذَلِيّ]:
ربّاء شمّة لَا يَأْوِي لِقُلّتِهَا إلّا السّحَابُ وَإِلّا الْأَوْبُ وَالسّبَلُ
«١» فَرَبّاءُ: فَعّالُ مِنْ رَبَا إذَا نَظَرَ مِنْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ، وَشَمّاءُ، يُرِيدُ هَضْبَةً شَمّاءَ، وَإِنّمَا قَالُوا: رَبِيئَةٌ بِهَاءِ التّأْنِيثِ، وَطَلِيعَةٌ؛ لِأَنّهُمَا فِي مَعْنَى الْعَيْنِ، وَالْعَيْنُ مُؤَنّثَةٌ، تَقُولُ: ثَلَاثُ أَعْيُنٍ، وَإِنْ كَانُوا رِجَالًا، يَعْنِي الطّلَائِعَ، لِأَنّ الطّلِيعَةَ وَالرّبِيئَةَ إنّمَا يُرَادُ مِنْهُ عَيْنُهُ النّاظِرَةُ، كَمَا تَقُولُ فِي ثَلَاثَةِ أَعْبُدٍ: أَعْتَقْت ثَلَاثَ رِقَابٍ، فَتُؤَنّثُ، لِأَنّ الرّقَبَةَ تَرْجَمَةٌ عَنْ جَمِيعِ الْعَبْدِ، كَمَا أَنّ الْعَيْنَ الّذِي هُوَ الطّلِيعَةُ كَذَلِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ فِي رَبِيئَةٍ وَطَلِيعَةٍ لِلْمُبَالَغَةِ، كَمَا هِيَ فِي عَلّامَةٍ وَنَسّابَةٍ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوّلِ تَقُولُ: ثَلَاثَ طَلَائِعَ، وَثَلَاثَ رَبَايَا فِي جَمْعِ رَبِيئَةٍ، كَمَا تَقُولُ: ثَلَاثَ أَعْيُنٍ، لِأَنّهُ بَابٌ وَاحِدٌ مِنْ التّأْنِيثِ، وَإِذَا كَانَتْ الْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ قُلْت: ثَلَاثَةً وَأَرْبَعَةً، لِأَنّك تَقْصِدُ التّذْكِيرَ، لِأَنّ هَاءَ الْمُبَالَغَةِ لَا تُوجِبُ تَأْنِيثَ الْمُسَمّى، وَلِأَنّهَا فِي الصّفَةِ، وَالصّفَةُ بَعْدَ الْمَوْصُوفِ؛ وَلِذَلِكَ تَقُولُ: هَذَا عَلّامَةٌ، وَلَا تَقُولُ: هذه علّامة بخلاف الرّقبة والعين،
_________________
(١) سبق الكلام عن البيت فى الجزء لأول وفى المستدركات فى الجزء الثانى.
[ ٦ / ٢٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لِأَنّك تَقُولُ فِي الْعَبْدِ الذّكَرِ: هَذِهِ رَقَبَةٌ فَأَعْتِقْهَا، وَفِي الْعَيْنِ: هَذِهِ طَلِيعَةٌ، وَهَذِهِ عَيْنٌ، وَأَنْت تَعْنِي الرّجُلَ. هَذَا مَعْنَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا. فِقْهُ الْحَدِيثِ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفِقْهِ صَلَاةُ الْمَجْرُوحِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، وَقَدْ تَرْجَمَ بَعْضُ الْمُصَنّفِينَ عليه لموضع هذا الْفِقْهِ، وَفِيهِ مُتَعَلّقٌ لِمَنْ يَقُولُ: إنّ غُسْلَ النّجَاسَةِ، لَا يُعَدّ فِي شُرُوطِ صِحّةِ الصّلَاةِ، وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَيْضًا تَعْظِيمُ حُرْمَةِ الصّلَاةِ، وَأَنّ لِلْمُصَلّي أَنْ يَتَمَادَى عَلَيْهَا، وَإِنْ جَرّ إلَيْهِ ذَلِكَ الْقَتْلَ، وَتَفْوِيتُ النّفْسِ، مَعَ أَنّ التّعَرّضَ لِفَوَاتِ النّفْسِ، لَا يَحِلّ إلّا فِي حَالِ الْمُحَارَبَةِ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ: لَوْلَا أَنْ أُضَيّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحِفْظِهِ لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا أَوْ أُنْفِذَهَا، يَعْنِي: السّورَةَ الّتِي كَانَ يَقْرَؤُهَا. حَوْلَ رَجَزِ مَعْبَدٍ وَشِعْرِ حَسّانَ وَأَبِي سُفْيَانَ: وَذَكَرَ قَوْلَ مَعْبَدٍ: وَعَجْوَةٍ مِنْ يَثْرِبَ كَالْعَنْجَدِ الْعَنْجَدُ: حَبّ الزّبِيبِ، وَقَدْ يُقَالُ للزبيب نَفْسُهُ أَيْضًا عَنْجَدٌ، وَأَمّا الْعِنَبُ، فَيُقَالُ: لِعَجْمِهِ: الفرصد. والأتلد: الأقدم من المال التّلبد. وَأَمّا قَوْلُ حَسّانَ:
[ ٦ / ٢٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دَعُوا فَلَجَاتِ الشّامِ جَمْعُ فَلَجٍ، وَهُوَ الْمَاءُ الْجَارِي، سُمّيَ فَلَجًا، لِأَنّهُ قَدْ خَدّ فِي الْأَرْضِ، وَفَرّقَ بَيْنَ جَانِبَيْهِ مَأْخُوذٌ مِنْ فَلَجِ الْأَسْنَانِ، أَوْ مِنْ الْفَلْجِ وَهُوَ الْقَسْمُ، وَالْفَالِجُ مِكْيَالٌ يُقْسَمُ بِهِ، وَالْفَلْجُ وَالْفَالِجُ بَعِيرٌ ذُو سَنَامَيْنِ؛ وَهُوَ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ، وَرَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْحَاءِ وَقَالَ: الْفَلْجَةُ الْمَزْرَعَةُ «١» .
وَذَكَرَ شِعْرَ أبى سفيان:
أحسّان إنّا يابن آكِلَةِ الْفَغَا
الْفَغَا: ضَرْبٌ مِنْ التّمْرِ، وَيُقَالُ: هِيَ غَبَرَةٌ تَعْلُو، الْبُسْرَ، وَالْغَفَالِغَةُ فِي الْفَغَا «٢» .
وفيه:
كمأخذكم بالعين «٣» أرطال آنك
_________________
(١) وفى اللسان: الفلجات: المزارع وقد استشهد بالبيت المذكور. وفى مادة فلح يقول: «الفلحة القراح الذى اشتق للزرع عن أبى حنيفة، وأنشد لحسان: دعوا فلحات الخ يعنى المزارع. ومن رواه فلجات فمعناه: ما اشتق من الأرض للديار، كل ذلك قول أبى حنيفة» .
(٢) الفغا: البسر الفاسد المغبر، أو هو فساد البسر، والغفا ما يخرج من الطعام فيرمى به والردىء من كل شىء من الناس والمأكول والمشروب والمركوب.
(٣) العين هنا: المال الحاضر، والعين أيضا الدر وكلاهما يصلح هاهنا. ومن رواه بالعير فالعير الرفقة من الإبل، والآلك: الأسرب وهو القزدير «الخشنى ص ٢٩٨» وقيل عن الآنك إنه الرصاص القعلى. -
[ ٦ / ٢٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَلْفَيْتُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ فِي حَاشِيَةِ أَبِي بَحْرٍ مَا هَذَا نَصّهُ: ذَكَرَ مُحَمّدُ بْنُ سَلَامٍ فِي الطّبَقَاتِ لَهُ هَذَا الْبَيْتَ:
حَسِبْتُمْ جِلَادَ الْقَوْمِ حَوْلَ بُيُوتِكُمْ كَأَخَذِكُمْ فِي الْعَيْنِ أَرْطَالَ آنِكِ
وَوَصَلَ بِهِ بِأَنْ قَالَ: فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ:
يَا ابْنَ أَخِي: لِمَ جَعَلْتهَا آنِكِ إنْ كَانَتْ لَفِضّةً بَيْضَاءَ جَيّدَةً.
وَقَوْلُهُ:
سَعِدْتُمْ بِهَا وَغَيْرُكُمْ كَانَ أَهْلَهَا
وَفِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ: شَقِيتُمْ بِهَا وَغَيْرُكُمْ أَهْلُ ذِكْرِهَا.
وَقَوْلُهُ:
خَرَجْنَا وما تنجو اليعافير بيننا
اليعافير: الظّبياء الْعُفْرُ «١» يُرِيدُ أَنّهُمْ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ لَا تَنْجُوا منهم اليعافير.
_________________
(١) - وقيل هو الرصاص الأبيض، وقيل الأسود. وقيل الخالص منه. ويقال: لم يجىء على مثال فاعل بضم العين غيره أو أفعل واحدا غيره، فأما أشد فمختلف فيه هل هو واحد أو جمع.
(٢) جمع أعفر وهو من الظباء ما يعلو بياضه حمرة، أو الذى فى سراته حمرة وأقرابه بيض، أو الأبيض ليس بالشديد البياض.
[ ٦ / ٢٥٩ ]
[غَزْوَةُ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ سنة خمس]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، فَأَقَامَ مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِهَا أَشْهُرًا حَتّى مَضَى ذُو الْحِجّةِ وَوَلِيَ تِلْكَ الْحِجّةَ الْمُشْرِكُونَ وَهِيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ ثُمّ غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ دومة الجندل.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ الْغِفَارِيّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهَا، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، فَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ بَقِيّةَ سَنَتِهِ.
[غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ فِي شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ]
تَارِيخُهَا حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام: قال حدثنا زياد بن عبد الله البكائي، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطّلِبِيّ، قَالَ: ثُمّ كَانَتْ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ فِي شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٦٠ ]
[اليهود تحرّض قريشا]
فَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ مَوْلَى آلِ الزّبَيْرِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، وَمَنْ لَا أَتّهِمُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَمُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ، وَالزّهْرِيّ، وَعَاصِمِ بْنِ عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بَكْرٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَائِنَا، كُلّهُمْ قَدْ اجْتَمَعَ حَدِيثُهُ فِي الْحَدِيثِ عَنْ الْخَنْدَقِ، وَبَعْضُهُمْ يُحَدّثُ مَا لَا يُحَدّثُ بِهِ بَعْضٌ، قَالُوا: إنّهُ كَانَ مِنْ حَدِيثِ الْخَنْدَقِ أَنّ نَفَرًا مِنْ اليهود، منهم: سلّام ابن أَبِي الْحَقِيقِ النّضْرِيّ، وَحُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ النّضْرِيّ، وَكِنَانَةُ بْنُ أَبِي الْحَقِيقِ النّضْرِيّ، وَهَوْذَةُ بْنُ قَيْسٍ الْوَائِلِيّ، وَأَبُو عَمّارٍ الْوَائِلِيّ، فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي النّضِيرِ، وَنَفَرٍ مِنْ بَنِي وَائِلٍ، وَهُمْ الّذِينَ حَزّبُوا الْأَحْزَابَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، خَرَجُوا حَتّى قَدِمُوا على قريش مكة، فدعوهم إلى إلَى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَالُوا: إنّا سَنَكُونُ مَعَكُمْ عَلَيْهِ، حَتّى نَسْتَأْصِلَهُ- فَقَالَتْ لَهُمْ قُرَيْشٌ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، إنّكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الْأَوّلِ وَالْعِلْمِ بِمَا أَصْبَحْنَا نَخْتَلِفُ فِيهِ نَحْنُ وَمُحَمّدٌ أَفَدِينُنَا خَيْرٌ أَمْ دِينُهُ؟ قَالُوا:
بَلْ دِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ، وأنتم أولى بالحق (منه) فَهُمْ الّذِينَ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ: أَيْ النّبُوّةَ، فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٦١ ]
مُلْكًا عَظِيمًا. فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا.
[اليهود تحرّض غطفان]
قَالَ: فَلَمّا قَالُوا ذَلِكَ لِقُرَيْشٍ، سَرّهُمْ وَنَشَطُوا لِمَا دَعَوْهُمْ إلَيْهِ، مِنْ حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَاجْتَمَعُوا لِذَلِكَ وَاتّعَدُوا لَهُ. ثُمّ خَرَجَ أُولَئِكَ النّفَرُ مِنْ يَهُودَ، حتى جاؤا غَطَفَانَ، مِنْ قَيْسِ عَيْلَانَ، فَدَعَوْهُمْ إلَى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَخْبَرُوهُمْ أَنّهُمْ سَيَكُونُونَ مَعَهُمْ عَلَيْهِ، وَأَنّ قُرَيْشًا قَدْ تَابَعُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَاجْتَمَعُوا مَعَهُمْ فِيهِ.
[خُرُوجُ الْأَحْزَابِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ، وَقَائِدُهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ؛ وَخَرَجَتْ غَطَفَانُ، وَقَائِدُهَا عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ، فِي بَنِي فَزَارَةَ؛ وَالْحَارِثُ بْنُ عَوْفِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرّيّ، فِي بنى مرّة؛ ومسعر بن رخيلة ابن نُوَيْرَةَ بْنِ طَرِيفِ بْنِ سُحْمَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ هِلَالِ بْنِ خَلَاوَةَ بْنِ أَشْجَعَ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ، فِيمَنْ تَابَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ أَشْجَعَ.
[حَفْرُ الْخَنْدَقِ وَتَخَاذُلُ الْمُنَافِقِينَ وَجِدّ الْمُؤْمِنِينَ]
فَلَمّا سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وما أجمعوا له من الأمر، صرب الْخَنْدَقَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَعَمِلَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَرْغِيبًا لِلْمُسْلِمِينَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٦٢ ]
فِي الْأَجْرِ، وَعَمِلَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ، فَدَأَبَ فِيهِ وَدَأَبُوا، وَأَبْطَأَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَنْ الْمُسْلِمِينَ فِي عَمَلِهِمْ ذَلِكَ رِجَالٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ، وَجَعَلُوا يُوَرّونَ بِالضّعِيفِ مِنْ الْعَمَلِ وَيَتَسَلّلُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَا إذْنٍ، وَجَعَلَ الرّجُلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا نَابَتْهُ النّائِبَةُ، مِنْ الْحَاجَةِ الّتِي لَا بُدّ لَهُ مِنْهَا، يَذْكُرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيَسْتَأْذِنُهُ فِي اللّحُوقِ بِحَاجَتِهِ فَيَأْذَنُ لَهُ، فَإِذَا قَضَى حَاجَتَهُ رَجَعَ إلَى مَا كَانَ فِيهِ مِنْ عَمَلِهِ، رَغْبَةً فِي الخير، واحتسابا له.
[ما نزل فى حق العاملين فى الخندق]
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي أُولَئِكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيمَنْ كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْحِسْبَةِ وَالرّغْبَةِ فِي الْخَيْرِ، وَالطّاعَةِ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ.
ثُمّ قَالَ تَعَالَى، يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ الّذِينَ كَانُوا يَتَسَلّلُونَ مِنْ الْعَمَلِ، وَيَذْهَبُونَ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ النّبِيّ ﷺ: لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا، قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ، أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٦٣ ]
[تفسير بعض الغريب]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اللّوَاذُ: الِاسْتِتَارُ بِالشّيْءِ عند الهرب، قال حسّان بن ثابت:
وَقُرَيْشٌ تَفِرّ مِنّا لِوَاذًا أَنْ يُقِيمُوا وَخَفّ مِنْهَا الْحُلُومُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ قد ذكرتها فى أشطر يَوْمِ أُحُدٍ.
أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: مِنْ صَدْقٍ أَوْ كَذِبٍ.
وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
[المسلمون يرتجزون فى الحفر]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَمِلَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ حَتّى أَحْكَمُوهُ، وَارْتَجَزُوا فِيهِ بِرَجُلِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، يُقَالُ لَهُ جُعَيْلٌ، سَمّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: عَمْرًا، فَقَالُوا:
سَمّاهُ مِنْ بَعْدِ جُعَيْلٍ عَمْرَا وَكَانَ لِلْبَائِسِ يَوْمًا ظَهْرَا
فَإِذَا مَرّوا «بِعَمْرٍو» قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: عَمْرًا، وَإِذَا مَرّوا «بِظَهْرٍ» قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ظَهْرًا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٦٤ ]
[الآيات التى ظهرت فى حفر الخندق]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ أَحَادِيثُ بَلَغَتْنِي، فِيهَا مِنْ اللهِ تَعَالَى عِبْرَةٌ فِي تَصْدِيقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وتحقيق نبوّته، عاين ذلك المسلمون.
فَكَانَ مِمّا بَلَغَنِي أَنّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ كَانَ يُحَدّثُ: أَنّهُ اشْتَدّتْ عَلَيْهِمْ فِي بَعْضِ الْخَنْدَقِ كُدْيَةٌ، فَشَكَوْهَا إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- فَدَعَا بِإِنَاءِ مِنْ مَاءٍ. فَتَفَلَ فِيهِ، ثُمّ دَعَا بِمَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهِ، ثُمّ نَضَحَ ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَى تِلْكَ الْكُدْيَةِ، فَيَقُولُ مَنْ حَضَرَهَا: فو الذى بعثه بالحق نبيا، لا نهالت حَتّى عَادَتْ كَالْكَثِيبِ، لَا تَرُدّ فَأْسًا وَلَا مسحاة.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مِينَا أَنّهُ حُدّثَ: أَنّ ابْنَةً لِبَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ، أُخْتِ النّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَتْ: دَعَتْنِي أُمّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ، فَأَعْطَتْنِي حَفْنَةً مِنْ تَمْرٍ فِي ثَوْبِي، ثُمّ قَالَتْ: أَيْ بُنَيّةُ، اذْهَبِي إلَى أَبِيك وَخَالِك عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ بِغَدَائِهِمَا، قَالَتْ: فَأَخَذْتهَا، فَانْطَلَقْت بِهَا، فَمَرَرْتُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَلْتَمِسُ أَبِي وَخَالِي؛ فَقَالَ: تَعَالَيْ يَا بُنَيّةُ، مَا هَذَا مَعَك؟ قَالَتْ: فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا تَمْرٌ، بَعَثَتْنِي بِهِ أُمّي إلَى أَبِي بصير بْنِ سَعْدٍ، وَخَالِي عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ يَتَغَدّيَانِهِ؛ قَالَ: هَاتِيهِ؛ قَالَتْ:
فَصَبَبْته فِي كَفّيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَمَا مَلَأَتْهُمَا، ثُمّ أَمَرَ بِثَوْبِ فَبُسِطَ لَهُ، ثُمّ دَحَا بِالتّمْرِ عَلَيْهِ، فَتَبَدّدَ فَوْقَ الثّوْبِ، ثُمّ قَالَ لِإِنْسَانِ عِنْدَهُ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٦٥ ]
اُصْرُخْ فِي أَهْلِ الْخَنْدَقِ: أَنْ هَلُمّ إلَى الْغَدَاءِ، فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ عَلَيْهِ، فَجَعَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْهُ، وَجَعَلَ يَزِيدُ، حَتّى صَدَرَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ عنه، وإنه ليسقط من أطراف الثوب.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مِينَا، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
عَمِلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْخَنْدَقِ، فَكَانَتْ عِنْدِي شُوَيْهَةٌ، غَيْرُ جِدّ سَمِينَةٌ. قَالَ: فَقُلْت: وَاَللهِ لَوْ صَنَعْنَاهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ؛ قَالَ: فَأَمَرْت امْرَأَتِي، فَطَحَنَتْ لَنَا شَيْئًا مِنْ شَعِيرٍ، فَصَنَعَتْ لَنَا مِنْهُ خُبْزًا، وَذَبَحَتْ تِلْكَ الشّاةَ، فَشَوَيْنَاهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ: فلما أمسينا وأراد رسول الله ﷺ الِانْصِرَافَ عَنْ الْخَنْدَقِ- قَالَ:
وَكُنّا نَعْمَلُ فِيهِ نَهَارَنَا، فَإِذَا أَمْسَيْنَا رَجَعْنَا إلَى أَهَالِيِنَا- قَالَ: قُلْت:
يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي قَدْ صَنَعْت لَك شُوَيْهَةً كَانَتْ عِنْدَنَا، وَصَنَعْنَا مَعَهَا شَيْئًا مِنْ خُبْزِ هَذَا الشّعِيرِ فَأُحِبّ أَنْ تَنْصَرِفَ معى إلى مَنْزِلِي، وَإِنّمَا أُرِيدُ أَنْ يَنْصَرِفَ مَعِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَحْدَهُ. قَالَ: فَلَمّا أَنْ قُلْت لَهُ ذَلِكَ قَالَ: نَعَمْ، ثُمّ أَمَرَ صَارِخًا فَصَرَخَ: أَنْ انْصَرِفُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى بَيْتِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: قُلْت: إنّا لِلّهِ وَإِنّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ! قَالَ: فَأَقْبَلَ رسول الله ﷺ، وأقبل النّاسُ مَعَهُ؛ قَالَ: فَجَلَسَ وَأَخْرَجْنَاهَا إلَيْهِ. قَالَ: فَبَرّك وَسَمّى (اللهَ)، ثُمّ أَكَلَ، وَتَوَارَدَهَا النّاسُ، كُلّمَا فَرَغَ قَوْمٌ قَامُوا وَجَاءَ نَاسٌ، حَتّى صدر أهل الخندق عنها.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدّثْت عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيّ، أَنّهُ قَالَ: ضَرَبْت
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٦٦ ]
فِي نَاحِيَةٍ مِنْ الْخَنْدَقِ، فَغَلُظَتْ عَلَيّ صَخْرَةٌ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَرِيبٌ مِنّي؛ فَلَمّا رَآنِي أَضْرِبُ وَرَأَى شِدّةَ الْمَكَانِ علىّ، نزل فأخذ المعول من مِنْ يَدِي، فَضَرَبَ بِهِ ضَرْبَةً لَمَعَتْ تَحْتَ الْمِعْوَلِ بُرْقَةٌ، قَالَ: ثُمّ ضَرَبَ بِهِ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَلَمَعَتْ تَحْتَهُ بُرْقَةٌ أُخْرَى؛ قَالَ: ثُمّ ضَرَبَ بِهِ الثّالِثَةَ، فَلَمَعَتْ تَحْتَهُ بُرْقَةٌ أُخْرَى. قَالَ: قُلْت: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي يَا رَسُولَ اللهِ! مَا هَذَا الّذِي رَأَيْت لَمَعَ تَحْتَ الْمِعْوَلِ وَأَنْتَ تَضْرِبُ؟ قَالَ: أَوَقَدْ رَأَيْت ذَلِكَ يَا سَلْمَانُ؟ قَالَ:
قُلْت: نَعَمْ؛ قَالَ: أَمّا الأول فَإِنّ اللهَ فَتَحَ عَلَيّ بِهَا الْيَمَنَ؛ وَأَمّا الثّانِيَةُ فَإِنّ اللهَ فَتَحَ عَلَيّ بِهَا الشّامَ وَالْمَغْرِبَ، وَأَمّا الثّالِثَةُ فَإِنّ اللهَ فَتَحَ عَلَيّ بِهَا الْمَشْرِقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ، حِينَ فُتِحَتْ هَذِهِ الْأَمْصَارُ فِي زَمَانِ عُمَرَ وَزَمَانِ عُثْمَانَ وَمَا بَعْدَهُ: افْتَتِحُوا مَا بدا لكم، فو الذى نفس أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، مَا افْتَتَحْتُمْ مِنْ مَدِينَةٍ وَلَا تَفْتَتِحُونَهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إلّا وَقَدْ أَعْطَى اللهُ سُبْحَانَهُ مُحَمّدًا ﷺ مفاتيحها قبل ذلك.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الْخَنْدَقِ، أَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ حَتّى نَزَلَتْ بِمُجْتَمَعِ الْأَسْيَالِ مِنْ رُومَةَ، بين الجرف وزغابة فى عشرة آلاف من أحابيشهم، ومن تبعهم من بَنِي كِنَانَةَ وَأَهْلِ تِهَامَةَ، وَأَقْبَلَتْ غَطَفَانُ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، حَتّى نَزَلُوا بِذَنَبِ نَقْمَى، إلَى جَانِبِ أُحُدٍ. وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ، حَتّى جَعَلُوا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٦٧ ]
ظُهُورَهُمْ إلَى سَلْعٍ، فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَضَرَبَ هُنَالِكَ عَسْكَرَهُ، وَالْخَنْدَقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القوم.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَرَ بِالذّرَارِيّ والنساء فجعلوا فى الآطام.
[تحريض حيى بن أخطب لكعب بن أسد]
وَخَرَجَ عَدُوّ اللهِ حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ النّضْرِيّ، حَتّى أَتَى كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ الْقُرَظِيّ، صَاحِبَ عَقْدِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَعَهْدِهِمْ، وَكَانَ قَدْ وَادَعَ رسول الله ﷺ على قَوْمِهِ، وَعَاقَدَهُ عَلَى ذَلِكَ وَعَاهَدَهُ؛ فَلَمّا سَمِعَ كَعْبٌ بِحُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ أَغْلَقَ دُونَهُ بَابَ حِصْنِهِ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَأَبَى أَنْ يَفْتَحَ لَهُ، فَنَادَاهُ حُيَيّ: وَيْحَك يَا كَعْبُ! افْتَحْ لِي، قَالَ: وَيْحك يَا حُيَيّ: إنّك امْرُؤٌ مَشْئُومٌ، وإنى قد عاهدت محمدا، فلست بناقص مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَلَمْ أَرَ مِنْهُ إلّا وَفَاءً وَصِدْقًا؛ قَالَ: وَيْحَك افْتَحْ لِي أُكَلّمْك؛ قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلِ، قَالَ: وَاَللهِ إنْ أغلقت دونى إلا تخوفت على جشيشتك أن آكل معك منها، فأحفظ الرّجل، ففتح له، فقال: ويحك يا كعب، جئك بِعِزّ الدّهْرِ وَبِبَحْرٍ طَامّ، جِئْتُك بِقُرَيْشٍ عَلَى قَادَتِهَا وَسَادَتِهَا، حَتّى أَنْزَلْتهمْ بِمُجْتَمَعِ الْأَسْيَالِ مِنْ رُومَةَ، وَبِغَطَفَانَ عَلَى قَادَتِهَا وَسَادَتِهَا حَتّى أَنْزَلَتْهُمْ بِذَنَبِ نَقْمَى إلَى جَانِبِ أُحُدٍ، قَدْ عَاهَدُونِي وَعَاقَدُونِي عَلَى أَنْ لَا يَبْرَحُوا حَتّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمّدًا وَمَنْ مَعَهُ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ جِئْتنِي وَاَللهِ بِذُلّ الدّهْرِ، وَبِجَهَامٍ قَدْ هَرَاقَ مَاءَهُ، فَهُوَ يَرْعَدُ وَيَبْرُقُ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيْحَك يَا حُيَيّ! فَدَعْنِي وَمَا أَنَا عَلَيْهِ، فَإِنّي لَمْ أَرَ مِنْ مُحَمّدٍ إلّا صِدْقًا وَوَفَاءً. فَلَمْ يَزَلْ حُيَيّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٦٨ ]
بِكَعْبِ يَفْتِلُهُ فِي الذّرْوَةِ وَالْغَارِبِ، حَتّى سَمَحَ لَهُ، عَلَى أَنْ أَعْطَاهُ عَهْدًا مِنْ اللهِ وَمِيثَاقًا: لَئِنْ رَجَعَتْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ، وَلَمْ يُصِيبُوا مُحَمّدًا أَنْ أَدْخُلَ مَعَك فِي حِصْنِك حَتّى يصيا بنى مَا أَصَابَك. فَنَقَضَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ عَهْدَهُ، وبرىء مِمّا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
[التحرى عَنْ نَقْضِ كَعْبٍ لِلْعَهْدِ]
فَلَمّا انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الخبر وَإِلَى الْمُسْلِمِينَ، بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذِ بْنِ النّعْمَانِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيّدُ الْأَوْسِ، وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بنى دُلَيْمٍ، أَحَدَ بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيّدُ الْخَزْرَجِ وَمَعَهُمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَخَوّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بن عوف؛ فقال: انْطَلِقُوا حَتّى تَنْظُرُوا، أَحَقّ مَا بَلَغَنَا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ حَقّا فَالْحَنُوا لِي لَحْنًا أَعْرِفُهُ، وَلَا تَفُتّوا فِي أَعْضَادِ النّاسِ وَإِنْ كَانُوا عَلَى الْوَفَاءِ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَاجْهَرُوا بِهِ لِلنّاسِ. قَالَ: فَخَرَجُوا حَتّى أَتَوْهُمْ، فَوَجَدُوهُمْ عَلَى أَخْبَثِ مَا بَلَغَهُمْ عنهم، نَالُوا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَالُوا: مَنْ رَسُولُ اللهِ؟ لَا عَهْدَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمّدٍ وَلَا عَقْدَ. فَشَاتَمَهُمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَشَاتَمُوهُ، وَكَانَ رَجُلًا فِيهِ حِدّةٌ، فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: دَعْ عَنْك مُشَاتَمَتَهُمْ، فَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَرْبَى مِنْ الْمُشَاتَمَةِ. ثُمّ أَقْبَلَ سَعْدٌ وَسَعْدٌ وَمَنْ مَعَهُمَا، إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَلّمُوا عَلَيْهِ، ثُمّ قَالُوا: عَضَلٌ وَالْقَارّةُ، أَيْ كَغَدْرِ عضل والقارة
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٦٩ ]
بِأَصْحَابِ الرّجِيعِ، خُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
اللهُ أَكْبَرُ، أَبْشِرُوا يا معشر المسلمين.
[ظهور نفاق المنافقين واشتداد خوف المسلمين]
وَعَظُمَ عِنْدَ ذَلِكَ الْبَلَاءُ، وَاشْتَدّ الْخَوْفُ، وَأَتَاهُمْ عَدُوّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، حَتّى ظَنّ الْمُؤْمِنُونَ كُلّ ظَنّ، وَنَجَمَ النّفَاقُ مِنْ بَعْضِ الْمُنَافِقِينَ، حَتّى قَالَ مُعَتّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: كَانَ مُحَمّدٌ يَعِدُنَا أَنْ نَأْكُلَ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَأَحَدُنَا الْيَوْمَ لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَذْهَبَ إلى الغائط.
[أكان معتب منافقا؟]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنّ مُعَتّبَ بْنَ قُشَيْرٍ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ، وَاحْتَجّ بِأَنّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَتّى قَالَ أَوْسُ بْنُ قَيْظِيّ، أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ بن الحارث:
يا رسول الله، إن بيوننا عَوْرَةٌ مِنْ الْعَدُوّ، وَذَلِكَ عَنْ مَلَأٍ مِنْ رِجَالِ قَوْمِهِ، فَأْذَنْ لَنَا أَنْ نَخْرُجَ فَنَرْجِعَ إلَى دَارِنَا، فَإِنّهَا خَارِجٌ مِنْ الْمَدِينَةِ. فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَقَامَ عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر، لم تكن بينهم حرب إلا الرّمّيا بِالنّبْلِ وَالْحِصَارُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ الرّميا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٧٠ ]
[الهمّ بعقد الصلح مع غطفان]
فَلَمّا اشْتَدّ عَلَى النّاسِ الْبَلَاءُ، بَعَثَ رَسُولُ اللهِﷺ- كَمَا حَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَمَنْ لَا أَتّهِمُ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ- إلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَإِلَى الْحَارِثِ ابن عَوْفِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرّيّ، وَهُمَا قَائِدَا غَطَفَانَ، فَأَعْطَاهُمَا ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَا بِمَنْ مَعَهُمَا عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ، فَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا الصّلْحُ، حَتّى كَتَبُوا الْكِتَابَ، وَلَمْ تَقَعْ الشّهَادَةُ وَلَا عَزِيمَةُ الصّلْحِ، إلّا الْمُرَاوَضَةُ فِي ذَلِكَ.
فَلَمّا أَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَفْعَلَ، بَعَثَ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمَا، وَاسْتَشَارَهُمَا فِيهِ، فَقَالَا لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمْرًا نُحِبّهُ فَنَصْنَعُهُ، أَمْ شَيْئًا أَمَرَك اللهُ بِهِ، لَا بُدّ لَنَا مِنْ الْعَمَلِ بِهِ، أَمْ شَيْئًا تَصْنَعُهُ لَنَا؟ قَالَ: بَلْ شَيْءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ، وَاَللهِ مَا أَصْنَعُ ذَلِكَ إلّا لِأَنّنِي رَأَيْت الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَكَالَبُوكُمْ مِنْ كُلّ جَانِبٍ، فَأَرَدْت أَنْ أَكْسِرَ عَنْكُمْ مِنْ شَوْكَتِهِمْ إلَى أَمْرٍ مَا؛ فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ كُنّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَى الشّرْكِ بِاَللهِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، لَا نَعْبُدُ اللهَ وَلَا نَعْرِفُهُ. وَهُمْ لَا يَطْمَعُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا تَمْرَةً إلّا قِرًى أَوْ بَيْعًا، أَفَحِينَ أَكْرَمْنَا اللهُ بِالْإِسْلَامِ وَهَدَانَا لَهُ وَأَعَزّنَا بِك وَبِهِ، نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا! (وَاَللهِ) مَا لَنَا بِهَذَا مِنْ حَاجَةٍ، وَاَللهِ لَا نُعْطِيهِمْ إلّا السّيْفَ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَأَنْتَ وَذَاكَ. فَتَنَاوَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الصّحِيفَةَ، فَمَحَا مَا فِيهَا مِنْ الْكِتَابِ، ثُمّ قَالَ: ليجهدوا علينا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٧١ ]
[عُبُورُ نَفَرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ الْخَنْدَقَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ، وَعَدُوّهُمْ مُحَاصِرُوهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، إلّا أَنّ فَوَارِسَ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدّ بْنِ أَبِي قَيْسٍ، أَخُو بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ.
- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَمْرُو بْنُ عَبْدِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ-
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيّانِ، وَضِرَارُ بن الخطّاب الشاعر ابن مِرْدَاسٍ، أَخُو بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ، تَلَبّسُوا لِلْقِتَالِ، ثُمّ خَرَجُوا عَلَى خَيْلِهِمْ، حَتّى مَرّوا بِمَنَازِلِ بَنِي كِنَانَةَ، فَقَالُوا:
تَهَيّئُوا يَا بَنِي كِنَانَةَ لِلْحَرْبِ، فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ الْفُرْسَانُ الْيَوْمَ، ثُمّ أَقْبَلُوا تُعْنِقُ بِهِمْ خَيْلُهُمْ، حَتّى وَقَفُوا عَلَى الْخَنْدَقِ، فَلَمّا رَأَوْهُ قَالُوا: وَاَللهِ إنّ هَذِهِ لَمَكِيدَةٌ مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَكِيدُهَا.
[سَلْمَانُ وَإِشَارَتُهُ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُقَالُ: إنّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيّ أَشَارَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنّ الْمُهَاجِرِينَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ قَالُوا: سَلْمَانُ مِنّا؛ وَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: سَلْمَانُ مِنّا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: سلمان منا أهل البيت.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٧٢ ]
[مبارزة علىّ لعمرو بن عبد ود]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ تَيَمّمُوا مَكَانًا ضَيّقًا مِنْ الْخَنْدَقِ، فَضَرَبُوا خَيْلَهُمْ فَاقْتَحَمَتْ مِنْهُ، فَجَالَتْ بِهِمْ فِي السّبْخَةِ بَيْنَ الْخَنْدَقِ وَسَلْعٍ، وَخَرَجَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇ فِي نَفَرٍ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، حَتّى أَخَذُوا عَلَيْهِمْ الثّغرة التى أقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبدودّ قَدْ قَاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى أَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ، فَلَمْ يَشْهَدْ يَوْمَ أُحُدٍ؛ فَلَمّا كَانَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ خَرَجَ مُعْلِمًا لِيُرِيَ مَكَانَهُ. فَلَمّا وَقَفَ هُوَ وَخَيْلُهُ، قَالَ: مَنْ يُبَارِزُ؟
فَبَرَزَ لَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ: يَا عَمْرُو، إنّك قَدْ كُنْت عَاهَدْت اللهَ أَلّا يَدْعُوك رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى إحْدَى خَلّتَيْنِ إلّا أَخَذْتَهَا مِنْهُ، قَالَ لَهُ: أَجَلْ؛ قَالَ لَهُ عَلِيّ: فَإِنّي أَدْعُوك إلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، وَإِلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ، قَالَ: فَإِنّي أَدْعُوك إلَى النّزَالِ، فَقَالَ له: لم يابن أَخِي؟ فَوَاَللهِ مَا أُحِبّ أَنْ أَقْتُلَك، قَالَ لَهُ عَلِيّ: لَكِنّي وَاَللهِ أُحِبّ أَنْ أَقْتُلَك، فَحَمَى عَمْرٌو عِنْدَ ذَلِكَ، فَاقْتَحَمَ عَنْ فَرَسِهِ، فَعَقَرَهُ، وَضَرَبَ وَجْهَهُ، ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيّ، فَتَنَازَلَا وَتَجَاوَلَا، فَقَتَلَهُ عَلِيّ ﵁. وَخَرَجَتْ خَيْلُهُمْ مُنْهَزِمَةً، حَتّى اقْتَحَمَتْ مِنْ الْخَنْدَقِ هَارِبَةً.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ:
نَصَرَ الْحِجَارَةَ مِنْ سَفَاهَةِ رَأْيِهِ وَنَصَرْتُ رَبّ مُحَمّدٍ بِصَوَابِي
فَصَدَدْت حِينَ تَرَكْته مُتَجَدّلًا كَالْجِذْعِ بين دكادك وروابى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٧٣ ]
وَعَفَفْت عَنْ أَثْوَابِهِ وَلَوْ أَنّنِي كُنْتُ الْمُقَطّرَ بَزّنِى أَثْوَابِي
لَا تَحْسَبَن اللهَ خَاذِلَ دِينِهِ وَنَبِيّهِ يَا مَعْشَرَ الْأَحْزَابِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يَشُكّ فِيهَا لِعَلِيّ بن أبى طالب
[شعر حسان فى عكرمة]
قال ابن إسحاق: وَأَلْقَى عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ رُمْحَهُ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ مُنْهَزِمٌ عَنْ عَمْرٍو، فَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي ذَلِك:
فَرّ وَأَلْقَى لَنَا رُمْحَهُ لَعَلّك عِكْرِمَ لَمْ تَفْعَلْ
وَوَلّيْتَ تَعْدُو كَعَدْوِ الظّلِيمِ مَا إنْ تَجُورُ عَنْ الْمَعْدِلِ
وَلَمْ تَلْقَ ظَهْرَك مُسْتَأْنِسًا كَأَنّ قَفَاك قَفَا فُرْعُلِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْفُرْعُلُ: صَغِيرُ الضّبَاعِ، وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ
[شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ]
وَكَانَ شِعَارُ أَصْحَابِ رسول الله ﷺ يوم الخندق وبنى قريظة:
حم، لا ينصرون.
[حديث سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي أَبُو لَيْلَى عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ عبد الرحمن ابن سَهْلٍ الْأَنْصَارِيّ، أَخُو بَنِي حَارِثَةَ: أَنّ عَائِشَةَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ فِي حِصْنِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٧٤ ]
بَنِي حَارِثَةَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَكَانَ مِنْ أَحْرَزِ حصون المدينة. قال: وكانت أم سعد ابن مُعَاذٍ مَعَهَا فِي الْحِصْنِ؛ فَقَالَتْ عَائِشَةُ وَذَلِك قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ، فَمَرّ سَعْدٌ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ لَهُ مُقَلّصَةٌ، قَدْ خَرَجَتْ مِنْهَا ذراعه كلّها، وفى يده حربته يرفل بِهَا وَيَقُولُ:
لَبّثْ قَلِيلًا يَشْهَدْ الهيجا جمل لا بأس بالموت إذا حان الأجل
قَالَ فَقَالَتْ لَهُ أُمّهُ: الْحَقّ: أَيْ بني، فَقَدْ وَاَللهِ أَخّرْت؛ قَالَتْ عَائِشَةُ:
فَقُلْت لَهَا: يَا أُمّ سَعْدٍ، وَاَللهِ لَوَدِدْت أَنّ دِرْعَ سَعْدٍ كَانَتْ أَسْبَغَ مِمّا هِيَ، قَالَتْ:
وَخِفْتِ عَلَيْهِ حَيْثُ أَصَابَ السّهْمُ مِنْهُ، فَرُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ بِسَهْمِ، فَقَطَعَ مِنْهُ الْأَكْحَلَ، رَمَاهُ كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، حِبّانُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الْعَرِقَةِ، أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ، فَلَمّا أَصَابَهُ، قَالَ: خُذْهَا مِنّي وَأَنَا ابْنُ الْعَرِقَةِ، فَقَالَ لَهُ سَعْدُ: عَرّقَ اللهُ وَجْهَك فِي النّارِ، اللهُمّ إنْ كُنْتَ أَبْقَيْتَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا فَأَبْقِنِي لَهَا، فَإِنّهُ لَا قَوْمَ أَحَبّ إلَيّ أَنْ أُجَاهِدَهُمْ مِنْ قَوْمٍ آذَوْا رَسُولَك وَكَذّبُوهُ وَأَخْرَجُوهُ، اللهُمّ وَإِنْ كُنْت قَدْ وَضَعْت الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَاجْعَلْهُ لِي شَهَادَةً، وَلَا تُمِتْنِي حَتّى تقرّ عينى من بنى قريظة.
[من قَاتِلُ سَعْدٍ؟]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لا أتهم عن عبد الله بن كعب بْنِ مَالِكٍ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا أَصَابَ سَعْدًا يَوْمَئِذٍ إلّا أَبُو أُسَامَةَ الجشمي، حَلِيفُ بنى مخزوم.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٧٥ ]
وَقَدْ قَالَ أَبُو أُسَامَةَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا لعكرمة بن أبى جهل:
أعكرم هَلّا لُمْتنِي إذْ تَقُولُ لِي فِدَاك بِآطَامِ الْمَدِينَةِ خَالِدُ
أَلَسْتُ الّذِي أَلْزَمْت سَعْدًا مُرِشّةً لَهَا بَيْنَ أَثْنَاءِ الْمَرَافِقِ عَانِدُ
قَضَى نَحْبَهُ مِنْهَا سَعِيدٌ فأعولت عَلَيْهِ مَعَ الشّمْطِ الْعَذَارَى النواهد
وَأَنْتَ الّذِي دَافَعْتَ عَنْهُ وَقَدْ دَعَا عُبَيْدَةُ جَمْعًا مِنْهُمْ إذْ يُكَابِدُ
عَلَى حِينِ مَا هُمْ جَائِرٌ عَنْ طَرِيقِهِ وَآخَرُ مَرْعُوبٌ عَنْ الْقَصْدِ قَاصِدُ
(وَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذلك كان) .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: إنّ الّذِي رَمَى سعدا خفاجة بن عاصم بن حبّان.
[الحديث عن جبن حسان]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبّادٍ قَالَ: كَانَتْ صَفِيّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ فِي فَارِعٍ، حِصْنُ حَسّانِ بْنِ ثَابِتٍ؛ قَالَتْ: وَكَانَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ مَعَنَا فِيهِ، مَعَ النّسَاءِ وَالصّبْيَانِ، قَالَتْ صَفِيّةُ: فَمَرّ بِنَا رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ، فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالْحِصْنِ، وَقَدْ حَارَبَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، وَقَطَعَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَحَدٌ يَدْفَعُ عَنّا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ فِي نُحُورِ عَدُوّهِمْ، لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ إلَيْنَا إنْ أَتَانَا آتٍ. قَالَتْ: فَقُلْت: يَا حَسّانُ، إنّ هَذَا الْيَهُودِيّ كَمَا تَرَى يُطِيفُ بِالْحِصْنِ، وَإِنّي وَاَللهِ مَا آمنه أَنْ يَدُلّ عَلَى عَوْرَتِنَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٧٦ ]
مَنْ وَرَاءَنَا مِنْ يَهُودَ، وَقَدْ شُغِلَ عَنّا رسول الله ﷺ وأصحابه، فَانْزِلْ إلَيْهِ فَاقْتُلْهُ؛ قَالَ: يَغْفِرُ اللهُ لَك يابنة عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَاَللهِ لَقَدْ عَرَفْت مَا أَنَا بِصَاحِبِ هَذَا: قَالَتْ: فَلَمّا قَالَ لِي ذَلِكَ، وَلَمْ أَرَ عِنْدَهُ شَيْئًا، احْتَجَزْت ثُمّ أَخَذْت عَمُودًا، ثُمّ نَزَلْت مِنْ الْحِصْنِ إلَيْهِ، فَضَرَبْتُهُ بِالْعَمُودِ حَتّى قَتَلْته.
قَالَتْ: فَلَمّا فَرَغْت مِنْهُ، رَجَعْتُ إلَى الْحِصْنِ، فَقُلْت: يَا حَسّانُ، انْزِلْ إلَيْهِ فَاسْلُبْهُ، فَإِنّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ سَلَبِهِ إلّا أَنّهُ رَجُلٌ؛ قَالَ: مَا لِي بِسَلَبِهِ من حاجة يابنة عبد المطلب.
[نعيم يخذّل المشركين]
قال ابن إسحاق: وَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فِيمَا وَصَفَ اللهُ مِنْ الْخَوْفِ وَالشّدّةِ، لِتَظَاهُرِ عَدُوّهِمْ عَلَيْهِمْ، وَإِتْيَانِهِمْ إيّاهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ.
قَالَ: ثُمّ إنّ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ عَامِرِ بْنِ أُنَيْفِ بْنِ ثعلبة بن قنفد بن هلال ابن خَلَاوَةَ بْنِ أَشْجَعَ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ، أتي رسول الله ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي قَدْ أَسْلَمْت، وَإِنّ قَوْمِي لَمْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي، فَمُرْنِي بِمَا شِئْت، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنّمَا أَنْت فِينَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَخَذّلْ عَنّا إنْ اسْتَطَعْت، فَإِنّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ. فَخَرَجَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ حَتّى أَتَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَكَانَ لَهُمْ نَدِيمًا فِي الْجَاهِلِيّةِ، فَقَالَ: يَا بَنِي قُرَيْظَةَ، قَدْ عَرَفْتُمْ وُدّي إيّاكُمْ، وَخَاصّةً مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، قَالُوا: صَدَقْت، لَسْت عِنْدَنَا بمتّهم، فقال
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٧٧ ]
لَهُمْ: إنّ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ لَيْسُوا كَأَنْتُمْ، الْبَلَدُ بَلَدُكُمْ، فِيهِ أَمْوَالُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ، لَا تَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ تَحَوّلُوا مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ، وَإِنّ قريشا وغطفان قد جاؤا لِحَرْبِ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقَدْ ظَاهَرْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ، وَبَلَدُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ بِغَيْرِهِ، فَلَيْسُوا كَأَنْتُمْ، فَإِنْ رَأَوْا نُهْزَةً أَصَابُوهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ لَحِقُوا ببلادهم وخلّوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خَلَا بِكُمْ، فَلَا تُقَاتِلُوا مَعَ الْقَوْمِ حَتّى تَأْخُذُوا مِنْهُمْ رَهْنًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، يَكُونُونَ بِأَيْدِيكُمْ ثِقَةً لَكُمْ عَلَى أَنْ تُقَاتِلُوا مَعَهُمْ مُحَمّدًا حَتّى تُنَاجِزُوهُ، فَقَالُوا لَهُ: لَقَدْ أَشَرْت بِالرّأْيِ.
ثُمّ خَرَجَ حَتّى أَتَى قُرَيْشًا، فَقَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ: قَدْ عَرَفْتُمْ وُدّي لَكُمْ وَفِرَاقِي مُحَمّدًا، وَإِنّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَمْرٌ قَدْ رَأَيْت عَلَيّ حَقّا أَنْ أُبْلِغَكُمُوهُ، نُصْحًا لَكُمْ، فَاكْتُمُوا عَنّي؛ فَقَالُوا: نَفْعَلُ، قَالَ:
تَعْلَمُوا أَنّ مَعْشَرَ يَهُودَ قَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا صَنَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُحَمّدٍ، وَقَدْ أَرْسَلُوا إلَيْهِ: إنّا قَدْ نَدِمْنَا عَلَى مَا فَعَلْنَا، فَهَلْ يُرْضِيك أَنْ نَأْخُذَ لَك مِنْ الْقَبِيلَتَيْنِ، مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ رِجَالًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ فَنُعْطِيكَهُمْ، فَتَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ ثُمّ نَكُونُ مَعَك عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ حَتّى نَسْتَأْصِلَهُمْ؟ فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ: أَنْ نَعَمْ.
فَإِنْ بَعَثَتْ إلَيْكُمْ يَهُودُ يَلْتَمِسُونَ مِنْكُمْ رَهْنًا مِنْ رِجَالِكُمْ فَلَا تَدْفَعُوا إلَيْهِمْ مِنْكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا.
ثُمّ خَرَجَ حَتّى أَتَى غَطَفَانَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ غَطَفَانَ، إنّكُمْ أَصْلِي وَعَشِيرَتِي، وَأَحَبّ النّاسِ إلَيّ، وَلَا أَرَاكُمْ تَتّهِمُونِي، قَالُوا: صَدَقْت، مَا أَنْتَ عندنا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٧٨ ]
يمتّهم، قَالَ فَاكْتُمُوا عَنّي، قَالُوا: نَفْعَلُ، فَمَا أَمْرُك؟ ثُمّ قَالَ لَهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ لِقُرَيْشِ وحذّرهم ما حذّرهم.
فَلَمّا كَانَتْ لَيْلَةُ السّبْتِ مِنْ شَوّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ، وَكَانَ مِنْ صُنْعِ اللهِ لِرَسُولِهِ ﷺ أَنْ أَرْسَلَ أَبُو سُفْيَانَ بن حرب ورؤس غَطَفَانَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ، فَقَالُوا لَهُمْ: إنّا لَسْنَا بِدَارِ مُقَامٍ، قَدْ هَلَكَ الْخُفّ وَالْحَافِرُ، فَاغْدُوَا لِلْقِتَالِ حَتّى نُنَاجِزَ مُحَمّدًا، وَنَفْرُغَ مِمّا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَأَرْسَلُوا إلَيْهِمْ: إنّ الْيَوْمَ يَوْمُ السّبْتِ، وَهُوَ (يَوْمٌ) لَا نَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا، وَقَدْ كَانَ أَحْدَثَ فِيهِ بَعْضُنَا حَدَثًا، فَأَصَابَهُ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكُمْ، وَلَسْنَا مَعَ ذَلِكَ بِاَلّذِينَ نُقَاتِلُ مَعَكُمْ مُحَمّدًا حَتّى تُعْطُونَا رَهْنًا مِنْ رِجَالِكُمْ، يَكُونُونَ بِأَيْدِينَا ثِقَةً لَنَا حَتّى نُنَاجِزَ مُحَمّدًا، فَإِنّا نَخْشَى إنّ ضَرّسَتْكُمْ الْحَرْبُ، وَاشْتَدّ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَنْ تَنْشَمِرُوا إلَى بِلَادِكُمْ وَتَتْرُكُونَا، وَالرّجُلَ فِي بَلَدِنَا، وَلَا طاقة لنا بذلك منه. فلما رجعت إليهم الرسل بما قَالَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، قَالَتْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ: وَاَللهِ إنّ الّذِي حَدّثَكُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ لَحَقّ، فَأَرْسِلُوا بَنِي قُرَيْظَةَ:
إنّا وَاَللهِ لَا نَدْفَعُ إلَيْكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا مِنْ رِجَالِنَا، فَإِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الْقِتَالَ فَاخْرُجُوا فَقَاتِلُوا، فَقَالَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، حِينَ انْتَهَتْ الرّسُلُ إلَيْهِمْ بِهَذَا: إنّ الّذِي ذَكَرَ لَكُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ لَحَقّ، مَا يُرِيدُ الْقَوْمُ إلّا أَنْ يُقَاتِلُوا، فَإِنْ رَأَوْا فُرْصَةً انْتَهَزُوهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ انْشَمَرُوا إلَى بِلَادِهِمْ. وَخَلّوْا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الرّجُلِ فِي بَلَدِكُمْ، فَأَرْسِلُوا إلَى قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ: إنّا وَاَللهِ لَا نُقَاتِلُ مَعَكُمْ مُحَمّدًا حَتّى تُعْطُونَا رَهْنًا، فَأَبَوْا عَلَيْهِمْ وَخَذّلَ اللهُ بَيْنَهُمْ، وَبَعَثَ اللهُ عليهم الرّيح
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٧٩ ]
فِي لَيَالٍ شَاتِيَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ، فَجَعَلَتْ تكفأ قدورهم، وتطرح أبنيتهم
[تعرف مَا حَلّ بِالْمُشْرِكِينَ]
(قَالَ): فَلَمّا انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ما اخْتَلَفَ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَا فَرّقَ اللهُ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ، دَعَا حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، فَبَعَثَهُ إلَيْهِمْ، لِيَنْظُرَ مَا فَعَلَ الْقَوْمُ لَيْلًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، أَرَأَيْتُمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ وصحبتموه؟ قال: نعم، يابن أخى، قال:
فكيف كنتم تصنعون؟ قَالَ: وَاَللهِ لَقَدْ كُنّا نَجْهَدُ، قَالَ: فَقَالَ: وَاَللهِ لَوْ أَدْرَكْنَاهُ مَا تَرَكْنَاهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَلَحَمَلْنَاهُ عَلَى أَعْنَاقِنَا. قَالَ: فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يابن أَخِي، وَاَللهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْخَنْدَقِ، وَصَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوِيّا مِنْ اللّيْلِ، ثُمّ الْتَفَتَ إلَيْنَا فَقَالَ: مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرُ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ ثُمّ يَرْجِعُ- يَشْرِطُ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرّجْعَةَ- أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ رَفِيقِي فِي الْجَنّةِ؟ فَمَا قَامَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ، مِنْ شِدّةِ الْخَوْفِ، وَشِدّةِ الْجُوعِ، وَشِدّةِ الْبَرْدِ، فَلَمّا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ، دَعَانِي رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمْ يَكُنْ لِي بُدّ مِنْ الْقِيَامِ حِينَ دَعَانِي، فَقَالَ: يَا حُذَيْفَةُ، اذْهَبْ فَادْخُلْ فِي الْقَوْمِ، فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ، وَلَا تُحْدِثَنّ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنَا. قَالَ: فَذَهَبْت فَدَخَلْت فِي الْقَوْمِ، وَالرّيحُ وَجُنُودُ اللهِ تَفْعَلُ بِهِمْ مَا تَفْعَلُ، لَا تُقِرّ لَهُمْ قِدْرًا وَلَا نَارًا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٨٠ ]
وَلَا بِنَاءً، فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: لِيَنْظُرْ امْرُؤٌ مَنْ جَلِيسُهُ؟
قَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَخَذْت بِيَدِ الرّجُلِ الّذِي كَانَ إلَى جَنْبِي، فَقُلْت: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ:
فُلَانُ بْنُ فلان.
[أبو سفيان ينادى بالرحيل]
ثُمّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّكُمْ وَاَللهِ مَا أَصْبَحْتُمْ بِدَارِ مُقَامٍ، لَقَدْ هَلَكَ الْكُرَاعُ وَالْخُفّ، وَأَخْلَفَتْنَا بَنُو قُرَيْظَةَ، وَبَلَغَنَا عَنْهُمْ الّذِي نَكْرَهُ، وَلَقِينَا مِنْ شِدّةِ الرّيحِ مَا تَرَوْنَ، مَا تَطْمَئِنّ لَنَا قِدْرٌ، وَلَا تَقُومُ لَنَا نَارٌ، وَلَا يَسْتَمْسِكُ لَنَا بِنَاءٌ، فَارْتَحِلُوا فَإِنّي مُرْتَحِلٌ، ثُمّ قَامَ إلَى جَمَلِهِ وَهُوَ مَعْقُولٌ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمّ ضَرَبَهُ، فوثب به على ثلاث، فو الله مَا أَطْلَقَ عِقَالَهُ إلّا وَهُوَ قَائِمٌ، وَلَوْلَا عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَيّ «أَنْ لَا تُحْدِثَ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي» ثم شئت، لقتلته بسهم.
قَالَ حُذَيْفَةُ: فَرَجَعْتُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي فِي مِرْطٍ لِبَعْضِ نِسَائِهِ، مَرَاجِلُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمَرَاجِلُ: ضَرْبٌ مِنْ وَشَى الْيَمَنِ.
فَلَمّا رَآنِي أَدْخَلَنِي إلَى رِجْلَيْهِ، وَطَرَحَ عَلَيّ طَرَفَ الْمِرْطِ، ثُمّ رَكَعَ وَسَجَدَ، وَإِنّي لِفِيهِ، فَلَمّا سَلّمَ أَخْبَرْته الْخَبَرَ، وَسَمِعَتْ غَطَفَانُ بِمَا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، فانشمروا راجعين إلى بلادهم.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٨١ ]
[الانصراف عَنْ الْخَنْدَقِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا أَصْبَحَ رسول الله ﷺ انصرف عَنْ الْخَنْدَقِ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ وَالْمُسْلِمُونَ، وَوَضَعُوا السّلَاحَ.
[غَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ]
[الأمر الإلهى بِحَرْبِ بَنِي قُرَيْظَةَ]
فَلَمّا كَانَتْ الظّهْرُ، أَتَى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، كَمَا حَدّثَنِي الزّهْرِيّ، مُعْتَجِرًا بِعِمَامَةِ مِنْ إسْتَبْرَقٍ، عَلَى بَغْلَةٍ عَلَيْهَا رِحَالَةٌ، عَلَيْهَا قَطِيفَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ، فَقَالَ: أَوَقَدْ وَضَعْتَ السّلَاحَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ جِبْرِيلُ:
فَمَا وَضَعَتْ الْمَلَائِكَةُ السّلَاحَ بَعْدُ، وَمَا رَجَعَتْ الْآنَ إلّا مِنْ طَلَبِ الْقَوْمِ، إنّ اللهَ ﷿ يَأْمُرُك يَا مُحَمّدُ بِالْمَسِيرِ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فإنى عامد إليهم فمزلزل بهم.
فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُؤَذّنًا، فَأَذّنَ فِي النّاسِ، مَنْ كَانَ سَامِعًا مُطِيعًا، فَلَا يُصَلّيَنّ الْعَصْرَ إلّا بِبَنِي قُرَيْظَة.
وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ، فِيمَا قال ابن هشام.
[علىّ يبلغ الرسول ما سمعه من بنى قريظة]
قال ابن إسحاق: وقدم رسول الله ﷺ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٨٢ ]
بِرَايَتِهِ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَابْتَدَرَهَا النّاسُ. فَسَارَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، حَتّى إذَا دَنَا مِنْ الْحُصُونِ سَمِعَ مِنْهَا مَقَالَةً قَبِيحَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَرَجَعَ حَتّى لَقِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالطّرِيقِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَا عَلَيْك أَنْ لَا تَدْنُوَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَخَابِثِ، قَالَ: لِمَ؟ أَظُنّك سَمِعْت مِنْهُمْ لِي أَذًى؟ قَالَ:
نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: لَوْ رَأَوْنِي لَمْ يَقُولُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا. فَلَمّا دَنَا رسول الله ﷺ من حُصُونِهِمْ. قَالَ: يَا إخْوَانَ الْقِرَدَةِ، هَلْ أَخْزَاكُمْ اللهُ وَأَنْزَلَ بِكُمْ نِقْمَتَهُ؟ قَالُوا يَا أَبَا القاسم، ما كنت جهولا.
[جبريل فى صورة دحية]
وَمَرّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالصّوْرَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَقَالَ: هَلْ مَرّ بِكُمْ أَحَدٌ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ مَرّ بِنَا دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيّ، عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ عَلَيْهَا رِحَالَةٌ، عَلَيْهَا قَطِيفَةٌ دِيبَاجٌ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ذلك جِبْرِيلُ، بُعِثَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ يُزَلْزِلُ بِهِمْ حُصُونَهُمْ، وَيَقْذِفُ الرّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ.
وَلَمّا أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَنِي قُرَيْظَةَ: نَزَلَ عَلَى بِئْرٍ مِنْ آبَارِهَا مِنْ ناحية أموالهم، يقال لها بئر أنا.
قال ابن هشام: بئر آنىّ.
[تلاحق الناس بِالرّسُولِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَتَلَاحَقَ بِهِ النّاسُ، فَأَتَى رِجَالٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ الْعِشَاءِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٨٣ ]
الْآخِرَةِ، وَلَمْ يُصَلّوا الْعَصْرَ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: لَا يُصَلّيَنّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إلّا بِبَنِي قُرَيْظَةَ، فَشَغَلَهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بُدّ فِي حَرْبِهِمْ، وَأَبَوْا أَنْ يُصَلّوا، لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: حَتّى تَأْتُوا بَنِي قُرَيْظَةَ. فَصَلّوْا الْعَصْرَ بِهَا، بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَمَا عَابَهُمْ اللهُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، وَلَا عَنّفَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ. حَدّثَنِي بِهَذَا الحديث أبى إسْحَاقَ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بن مالك الأنصارى.
[الحصار]
(قَالَ): وَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً حَتّى جَهَدَهُمْ الْحِصَارُ، وَقَذَفَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ الرّعْبَ.
وَقَدْ كَانَ حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ دَخَلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي حِصْنِهِمْ، حِينَ رَجَعَتْ عَنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ، وَفَاءً لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ بِمَا كَانَ عَاهَدَهُ عليه.
[نصيحة كعب بن أسد لقومه]
فَلَمّا أَيْقَنُوا بِأَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ عَنْهُمْ حَتّى يُنَاجِزَهُمْ، قَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مِنْ الْأَمْرِ مَا تَرَوْنَ، وَإِنّي عَارِضٌ عَلَيْكُمْ خِلَالًا ثَلَاثًا، فَخُذُوا أَيّهَا شِئْتُمْ، قَالُوا: وَمَا هِيَ؟
قَالَ: نُتَابِعُ هذا الرجل ونصدّقه فو الله لَقَدْ تَبَيّنَ لَكُمْ أَنّهُ لَنَبِيّ مُرْسَلٌ، وَأَنّهُ لَلّذِي تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ، فَتَأْمَنُونَ عَلَى دِمَائِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ وَنِسَائِكُمْ، قَالُوا:
لَا نُفَارِقُ حُكْمَ التّوْرَاةِ أَبَدًا، وَلَا نَسْتَبْدِلُ بِهِ غَيْرَهُ، قَالَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ عَلَيّ هَذِهِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٨٤ ]
فهلمّ فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مُصْلِتِينَ السّيُوفَ، لَمْ نَتْرُكْ وَرَاءَنَا ثَقَلًا، حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمّدٍ، فَإِنْ نَهْلِكْ نهلك، ولم نترك وراءنا فلا نَخْشَى عَلَيْهِ، وَإِنْ نَظْهَرْ فَلَعَمْرِي لِنَجِدَنّ النّسَاءَ وَالْأَبْنَاءَ، قَالُوا:
نَقْتُلُ هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينِ! فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ؟ قَالَ: فَإِنْ أَبَيْتُمْ عَلَيّ هَذِهِ، فَإِنّ اللّيْلَةَ لَيْلَةُ السّبْتِ، وَإِنّهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ قَدْ أَمّنُونَا فِيهَا، فَانْزِلُوا لَعَلّنَا نُصِيبُ مِنْ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ غِرّةً، قَالُوا: نُفْسِدُ سَبْتَنَا عَلَيْنَا، وَنُحْدِثُ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا إلّا مَنْ قَدْ عَلِمْت، فَأَصَابَهُ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْك مِنْ الْمَسْخِ! قَالَ: مَا بَاتَ رَجُلٌ مِنْكُمْ مُنْذُ وَلَدَتْهُ أُمّهُ لَيْلَةً وَاحِدَةً مِنْ الدّهْرِ حَازِمًا.
[قصة أبى لبابة]
ثُمّ إنّهُمْ بَعَثُوا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ: أَنْ ابْعَثْ إلَيْنَا أَبَا لبابة ابن عَبْدِ الْمُنْذِرِ، أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْأَوْسِ، لِنَسْتَشِيرَهُ فِي أَمْرِنَا، فَأَرْسَلَهُ رسول الله ﷺ إليهم، فَلَمّا رَأَوْهُ قَامَ إلَيْهِ الرّجَالُ، وَجَهَشَ إلَيْهِ النّسَاءُ وَالصّبْيَانُ يَبْكُونَ فِي وَجْهِهِ، فَرَقّ لَهُمْ، وَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا لُبَابَةَ! أَتَرَى أَنْ تنزل عَلَى حُكْمِ مُحَمّدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى حَلْقِهِ، إنّهُ الذّبْحُ. قَالَ أَبُو لُبَابَةَ: فو الله مَا زَالَتْ قَدَمَايَ مِنْ مَكَانِهِمَا حَتّى عَرَفْتُ أنى قد خنت الله ورسوله ﷺ، ثُمّ انْطَلَقَ أَبُو لُبَابَةَ عَلَى وَجْهِهِ، وَلَمْ يَأْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتّى ارْتَبَطَ فِي المسجد إلى إلَى عَمُودٍ مِنْ عُمُدِهِ، وَقَالَ: لَا أَبْرَحُ مَكَانِي هَذَا حَتّى يَتُوبَ اللهُ عَلَيّ مِمّا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٨٥ ]
صَنَعْت، وَعَاهَدَ اللهَ: أَنْ لَا أَطَأَ بَنِي قريظة أبدا، ولا أرى فى بلد خلت الله ورسوله فيه أبدا.
[توبة الله على أَبَى لُبَابَةَ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي أَبِي لُبَابَةَ، فِيمَا قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. الأنفال: ٢٧
قال ابن إسحاق: فلما بلغ رسول الله ﷺ خَبَرُهُ، وَكَانَ قَدْ اَسْتَبْطَأَهُ، قَالَ: أَمَا إنّهُ لَوْ جَاءَنِي لَاسْتَغْفَرْتُ لَهُ، فَأَمّا إذْ قَدْ فَعَلَ مَا فَعَل، فَمَا أَنَا بِاَلّذِي أُطْلِقُهُ مِنْ مَكَانِهِ حَتّى يَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسَيْطٍ: أَنّ تَوْبَةَ أَبَى لُبَابَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ السّحَرِ، وَهُوَ فِي بَيْتِ أُمّ سَلَمَةَ.
(فَقَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ): فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ السّحَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ. قَالَتْ: فَقُلْت: مِمّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ أَضْحَكَ اللهُ سِنّك؟ قَالَ:
تِيبَ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ، قَالَتْ: قُلْت: أَفَلَا أُبَشّرُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: بَلَى، إنْ شِئْتِ. قَالَ: فَقَامَتْ عَلَى بَابِ حُجْرَتِهَا، وَذَلِك قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِنّ الْحِجَابُ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا لُبَابَةَ، أَبْشِرْ فَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَيْك. قَالَتْ: فَثَارَ النّاسُ إلَيْهِ لِيُطْلِقُوهُ فَقَالَ: لَا وَاَللهِ حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ الّذِي يُطْلِقُنِي بِيَدِهِ، فَلَمّا مَرّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَارِجًا إلَى صَلَاةِ الصّبْحِ أَطْلَقَهُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٨٦ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَقَامَ أَبُو لُبَابَةَ مُرْتَبِطًا بِالْجِذْعِ سِتّ لَيَالٍ، تَأْتِيهِ امْرَأَتُهُ فِي كُلّ وَقْتِ صَلَاةٍ، فَتَحُلّهُ لِلصّلَاةِ، ثُمّ يَعُودُ فَيَرْتَبِطُ بِالْجِذْعِ، فِيمَا حَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْآيَةُ الّتِي نَزَلَتْ فِي تَوْبَتِهِ قَوْلُ اللهِ ﷿: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
[إسلام بعض بَنِي هُدَلٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ ثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ، وَأُسَيْدِ بْنِ سَعْيَةَ، وَأَسَدِ بن عبيد. وهم ففر مِنْ بَنِي هُدَلٍ، لَيْسُوا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَلَا النّضِيرِ، نَسَبُهُمْ فَوْقَ ذَلِكَ هُمْ بَنُو عَمّ الْقَوْمِ، أَسْلَمُوا تِلْكَ اللّيْلَةَ الّتِي نَزَلَتْ فِيهَا بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
[عَمْرِو بْنِ سُعْدَى]
وَخَرَجَ فِي تِلْكَ اللّيْلَةِ عَمْرُو بْنُ سُعْدَى الْقَرَظِيُ، فَمَرّ بِحَرَسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَعَلَيْهِ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ تِلْكَ اللّيْلَةَ، فَلَمّا رَآهُ قَالَ: مَنْ هَذَا؟
قَالَ: أَنَا عَمْرُو بْنُ سُعْدَى- وَكَانَ عَمْرٌو قَدْ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي غَدْرِهِمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَالَ: لَا أَغْدِرُ بِمُحَمّدِ أَبَدًا- فَقَالَ مُحَمّدُ بْنُ مُسْلِمَة حِينَ عَرَفَهُ: اللهُمّ لَا تَحْرِمْنِي إقَالَةَ عَثَرَاتِ الْكِرَامِ، ثُمّ خَلّى سَبِيلَهُ.
فَخَرَجَ عَلَى وَجْهِهِ حَتّى أَتَى بَابَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ تِلْكَ اللّيْلَةِ، ثُمّ ذَهَبَ فَلَمْ يُدْرَ أَيْنَ تَوَجّهَ مِنْ الْأَرْضِ إلَى يَوْمِهِ هذا، فذكر
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٨٧ ]
لِرَسُولِ اللهِ ﷺ شَأْنُهُ، فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ نَجّاهُ اللهُ بِوَفَائِهِ. وَبَعْضُ النّاسِ يَزْعُمُ أَنّهُ كَانَ أُوثِقَ بِرُمّةِ فِيمَنْ أوثق من بنى قريظة، حين نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَصْبَحَتْ رُمّتُهُ مُلْقَاةً، وَلَا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ أىّ ذلك كان.
[تحكيم سعد فى أمر بنى قريظة ورضاء الرسول به]
(قَالَ) فَلَمّا أَصْبَحُوا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَتَوَاثَبَتْ الْأَوْسُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّهُمْ مَوَالِينَا دُونَ الْخَزْرَجِ، وَقَدْ فَعَلْتَ فِي مَوَالِي إخْوَانِنَا بِالْأَمْسِ مَا قَدْ عَلِمْت- وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ بَنِي قُرَيْظَةَ قَدْ حَاصَرَ بَنِي قَيْنُقَاعِ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَسَأَلَهُ إيّاهُمْ عَبْدُ اللهِ بن أبىّ بن سَلُولَ، فَوَهَبَهُمْ لَهُ. فَلَمّا كَلّمَتْهُ الْأَوْسُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إلا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
فَذَاكَ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قد جعل سعد ابن مُعَاذٍ فِي خَيْمَةٍ لِامْرَأَةِ مِنْ أَسْلَمَ، يُقَالُ لَهَا رُفَيْدَةُ، فِي مَسْجِدِهِ، كَانَتْ تُدَاوِي الْجَرْحَى، وَتَحْتَسِبُ بِنَفْسِهَا عَلَى خِدْمَةِ مَنْ كَانَتْ بِهِ ضَيْعَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ قَالَ لِقَوْمِهِ حِينَ أَصَابَهُ السّهْمُ بِالْخَنْدَقِ: اجْعَلُوهُ فِي خَيْمَةِ رُفَيْدَةَ حَتّى أَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ. فَلَمّا حَكّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، أَتَاهُ قَوْمُهُ فَحَمَلُوهُ عَلَى حِمَارٍ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٨٨ ]
قَدْ وَطّئُوا لَهُ بِوِسَادَةِ مِنْ أَدَمٍ، وَكَانَ رَجُلًا جَسِيمًا جَمِيلًا، ثُمّ أَقْبَلُوا مَعَهُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وهم يَقُولُونَ: يَا أَبَا عَمْرٍو، أَحْسِنْ فِي مَوَالِيك، فَإِنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ- إنّمَا وَلّاك ذَلِكَ لِتُحْسِنَ فِيهِمْ، فَلَمّا أَكْثَرُوا عليه قال: لقد أنى لِسَعْدٍ أَنْ لَا تَأْخُذَهُ فِي اللهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ. فَرَجَعَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ إلَى دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَنَعَى لَهُمْ رِجَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ، قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ سَعْدٌ، عَنْ كَلِمَتِهِ الّتِي سَمِعَ مِنْهُ. فَلَمّا انْتَهَى سَعْدٌ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
قُومُوا إلَى سَيّدِكُمْ- فَأَمّا الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَيَقُولُونَ: إنّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْأَنْصَارَ، وَأَمّا الْأَنْصَارُ، فَيَقُولُونَ: قَدْ عَمّ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ- فَقَامُوا إلَيْهِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا عَمْرٍو، أن رسول الله ﷺ قَدْ وَلّاك أَمْرَ مَوَالِيك لِتَحْكُمَ فِيهِمْ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ عَهْدُ اللهِ وَمِيثَاقُهُ، أَنّ الْحُكْمَ فِيهِمْ لَمَا حَكَمْتُ؟
قَالُوا: نَعَمْ، وَعَلَى مَنْ هَاهُنَا، فِي النّاحِيَةِ الّتِي فيها رسول الله ﷺ، وَهُوَ مُعْرِضٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إجْلَالًا لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: نَعَمْ، قَالَ سَعْدٌ: فَإِنّي أَحُكْمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الرّجَالُ، وَتُقَسّمُ الأموال، وتسبى الذرارى والنساء.
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقّاصٍ اللّيْثِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِسَعْدٍ: لَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سبعة أرقعة:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٨٩ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي بَعْضُ مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنّ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ صَاحَ وَهُمْ مُحَاصِرُو بَنِي قُرَيْظَة: يَا كَتِيبَةَ الْإِيمَانِ، وَتَقَدّمَ هُوَ وَالزّبَيْرُ بْنُ العوّام، وقال: والله لأذوقنّ ماذاق حَمْزَةُ أَوْ لَأُفْتَحَنّ حِصْنَهُمْ، فَقَالُوا: يَا مُحَمّدُ، ننزل على حكم سعد بن معاذ.
[تنفيذ الحكم فى بنى قريظة]
قال ابن إسحاق: ثُمّ اسْتَنْزَلُوا، فَحَبَسَهُمْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ، امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النّجّارِ، ثُمّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى سُوقِ الْمَدِينَةِ، الّتِي هِيَ سُوقُهَا الْيَوْمَ، فَخَنْدَقَ بِهَا خَنَادِقَ، ثُمّ بَعَثَ إلَيْهِمْ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ فِي تِلْكَ الْخَنَادِقِ، يُخْرَجُ بِهِمْ إلَيْهِ أَرْسَالًا، وَفِيهِمْ عَدُوّ اللهِ حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ، وَكَعْبُ بْنُ أسد، رأس القوم، وهم ستّ مائة أو سبع مائة، والمكثّر لهم يقول: كانوا بين الثمان مائة والتسع مائة. وَقَدْ قَالُوا لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ، وَهُمْ يُذْهَبُ بِهِمْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْسَالًا: يَا كَعْبُ، مَا تَرَاهُ يُصْنَعُ بِنَا؟ قَالَ: أَفِي كُلّ مَوْطِنٍ لَا تَعْقِلُونَ؟ أَلَا تَرَوْنَ الدّاعِيَ لَا يَنْزِعُ، وَأَنّهُ مَنْ ذُهِبَ بِهِ مِنْكُمْ لَا يَرْجِعُ؟
هُوَ وَاَللهِ الْقَتْلُ! فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الدّأْبُ حَتّى فَرَغَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
[مقتل حيى بن أخطب]
وَأُتِيَ بِحُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ عَدُوّ اللهِ، وَعَلَيْهِ حُلّةٌ لَهُ فَقّاحِيّةٌ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٩٠ ]
فَقّاحِيّةٌ: ضَرْبٌ مِنْ الْوَشَى- قَدْ شَقّهَا عَلَيْهِ من كل ناحية قدر أُنْمُلَة لِئَلّا يُسْلَبَهَا، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ بِحَبْلِ. فَلَمّا نَظَرَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: أَمَا وَاَللهِ مَا لُمْت نَفْسِي فِي عَدَاوَتِك، وَلَكِنّهُ مَنْ يَخْذُلُ اللهَ يُخْذَلْ، ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى النّاسِ، فَقَالَ: أَيّهَا النّاسُ، إنّهُ لَا بَأْسَ بِأَمْرِ اللهِ، كِتَابٌ وَقَدَرٌ وَمَلْحَمَةٌ كَتَبَهَا اللهُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ، ثُمّ جَلَسَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ.
فَقَالَ جَبَلُ بْنُ جَوّالٍ الثّعْلَبِيّ:
لَعَمْرُك مَا لَامَ ابْنُ أَخْطَبَ نَفْسَهُ وَلَكِنّهُ مَنْ يَخْذُلُ اللهُ يُخْذَلْ
لَجَاهَدَ حَتّى أَبْلَغَ النّفْسَ عُذْرَهَا وَقَلْقَلَ يَبْغِي العزّ كلّ مقلقل
[المرأة القتيل من بنى قريظة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، عن عائشة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ أَنّهَا قَالَتْ: لَمْ يُقْتَلْ مِنْ نِسَائِهِمْ إلّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ.
قَالَتْ: وَاَللهِ إنّهَا لعندى تحدّث مَعِي، وَتَضْحَكُ ظَهْرًا وَبَطْنًا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْتُلُ رِجَالَهَا فِي السّوقِ، إذْ هَتَفَ هَاتِفٌ بِاسْمِهَا: أَيْنَ فُلَانَةُ؟
قَالَتْ: أنا والله، قالت: قلت لها: ويلك، مالك؟ قَالَتْ: أُقْتَلُ، قُلْت: وَلِمَ؟
قَالَتْ: لِحَدَثِ أَحْدَثْته، قَالَتْ: فَانْطَلَقَ بِهَا، فَضُرِبَتْ عُنُقُهَا، فَكَانَتْ عَائِشَةُ تقول:
فو الله مَا أَنْسَى عَجَبًا مِنْهَا، طِيبَ نَفْسِهَا، وَكَثْرَةَ ضَحِكِهَا، وَقَدْ عَرَفَتْ أَنّهَا تُقْتَلُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهِيَ الّتِي طَرَحَتْ الرّحَا عَلَى خَلّادِ بْنِ سُوَيْدٍ، فَقَتَلَتْهُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٩١ ]
[شَأْنُ الزّبَيْرِ بْنِ بَاطَا]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشّمّاسِ، كَمَا ذَكَرَ لِي ابْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، أَتَى الزّبَيْرَ بْنَ بَاطَا الْقُرَظِيّ؛ وَكَانَ يُكَنّى أَبَا عبد الرحمن وكا الزّبَيْرُ قَدْ مَنّ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ فِي الْجَاهِلِيّةِ. ذَكَرَ لِي بَعْضُ وَلَدِ الزّبَيْرِ أَنّهُ كَانَ مَنّ عَلَيْهِ يَوْمَ بُعَاثٍ، أَخَذَهُ فَجَزّ نَاصِيَتَهُ، ثُمّ خَلّى سَبِيلَهُ- فَجَاءَهُ ثَابِتٌ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرّحْمَنِ، هَلْ تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: وَهَلْ يَجْهَلُ مِثْلِي مِثْلَك، قَالَ: إنّي قَدْ أَرَدْت أَنْ أَجْزِيَك بِيَدِك عِنْدِي، قَالَ: إنّ الْكَرِيمَ يَجْزِي الْكَرِيمَ، ثُمّ أَتَى ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ رسول الله ﷺ، فقال: يَا رَسُولَ اللهِ إنّهُ قَدْ كَانَتْ لِلزّبَيْرِ عَلَيّ مِنّةٌ، وَقَدْ أَحْبَبْت أَنْ أَجْزِيَهُ بِهَا، فَهَبْ لِي دَمَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هُوَ لَك، فَأَتَاهُ فَقَالَ:
أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ وَهَبَ لِي دَمَك، فَهُوَ لَك، قَالَ: شَيْخُ كَبِيرٌ لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا وَلَدٌ، فَمَا يَصْنَعُ بِالْحَيَاةِ؟ قَالَ: فَأَتَى ثَابِتٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي يَا رَسُولَ اللهِ، هَبْ لِي امْرَأَتَهُ وَوَلَدَهُ، قَالَ:
هُمْ لَك. قَالَ: فَأَتَاهُ فَقَالَ: قَدْ وَهَبَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَك وَوَلَدَك، فَهُمْ لَك، قَالَ: أَهْلُ بَيْتٍ بِالْحِجَازِ لَا مَالَ لَهُمْ، فَمَا بَقَاؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ فَأَتَى ثَابِتٌ رَسُولَ الله ﷺ، فقال: يا رَسُولَ اللهِ، مَالَهُ، قَالَ:
هُوَ لَك. فَأَتَاهُ ثَابِتٌ فَقَالَ: قَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ مالك، فهو لك، قَالَ: أَيْ ثَابِتٌ، مَا فَعَلَ الّذِي كَأَنّ وَجْهَهُ مِرْآةٌ صِينِيّةٌ يَتَرَاءَى فِيهَا عَذَارَى الْحَيّ، كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ؟ قَالَ: قُتِلَ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ سَيّدُ الْحَاضِرِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٩٢ ]
وَالْبَادِي حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ؟ قَالَ: قُتِلَ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ مُقَدّمَتُنَا إذَا شَدَدْنَا، وَحَامِيَتُنَا إذَا فَرَرْنَا، عَزّالُ بْنُ سَمَوْأَلَ؟ قَالَ: قُتِلَ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ الْمُجْلِسَانِ؟
يَعْنِي بَنِي كَعْبِ بْنِ قُرَيْظَةَ وَبَنِيّ عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ؟ قَالَ: ذَهَبُوا قُتِلُوا. قَالَ: فَأَنّي أَسْأَلُك يَا ثَابِتُ بِيَدِي عندك إلا ألحقتنى بالقوم، فو الله مَا فِي الْعَيْشِ بَعْدَ هَؤُلَاءِ مِنْ خَيْرٍ، فَمَا أَنَا بِصَابِرِ لِلّهِ فَتْلَةَ دَلْوٍ نَاضِحِ حَتّى أَلْقَى الْأَحِبّةَ. فَقَدّمَهُ ثَابِتٌ، فَضُرِبَ عُنُقُهُ.
فَلَمّا بَلَغَ أَبَا بَكْرٍ الصّدّيقَ قَوْلَهُ «أَلْقَى الْأَحِبّةَ» . قَالَ: يَلْقَاهُمْ وَاَللهِ فِي نَارِ جَهَنّمَ خالدا مُخَلّدًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قِبْلَةَ دَلْوٍ نَاضِحٍ. وقال زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سَلْمَى فِي «قِبْلَةٍ»:
وَقَابِلٍ يَتَغَنّى كُلّمَا قَدَرَتْ عَلَى الْعَرَاقَى يَدَاهُ قَائِمًا دفقا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: وَقَابِلٌ يُتَلَقّى، يَعْنِي قَابِلَ الدّلْوِ يتناول.
[عطية القرظى ورفاعة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ كُلّ مَنْ أَنْبَتَ مِنْهُمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي شُعْبَةُ بْنُ الْحَجّاجِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَطِيّةَ الْقُرَظِيّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ أن يقتل
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٩٣ ]
مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ كُلّ مَنْ أَنْبَتَ مِنْهُمْ، وكنت غلاما، فوجدنى لم أنبت، فخلّوا سبيلى.
قال: وَحَدّثَنِي أَيّوبَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ أَخُو بَنِي عَدِيّ بْنِ النّجّارِ: أَنّ سَلْمَى بِنْتَ قَيْسٍ، أُمّ الْمُنْذِرِ، أُخْتَ سُلَيْطِ بْنِ أُخْتَ سُلَيْطِ بْنِ قَيْسٍ- وَكَانَتْ إحْدَى خَالَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَدْ صَلّتْ مَعَهُ الْقِبْلَتَيْنِ، وَبَايَعَتْهُ بَيْعَةَ النّسَاءِ- سَأَلَتْهُ رِفَاعَةَ بْنَ سَمَوْأَلَ الْقُرَظِيّ، وَكَانَ رَجُلًا قَدْ بَلَغَ، فَلَاذَ بِهَا، وَكَانَ يَعْرِفُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: يَا نَبِيّ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي، هَبْ لِي رِفَاعَةَ، فَإِنّهُ قَدْ زَعَمَ أَنّهُ سَيُصَلّي وَيَأْكُلُ لَحْمَ الجمل، قال: فوهبه لها فاستحيته.
[الرسول صلي الله عليه وسلم يقسم فَيْءِ بَنِي قُرَيْظَةَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ أن رسول الله ﷺ قَسَمَ أَمْوَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَعْلَمَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سُهْمَانَ الْخَيْلِ وَسُهْمَانَ الرّجَالِ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا الْخُمُسَ، فَكَانَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ وَلِفَارِسِهِ سَهْمٌ، وَلِلرّاجِلِ، مَنْ لَيْسَ لَهُ فَرَسٌ، سَهْمٌ. وَكَانَتْ الْخَيْلُ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ سِتّةً وَثَلَاثِينَ فَرَسًا، وَكَانَ أَوّلَ فَيْءٍ وَقَعَتْ فِيهِ السّهْمَانُ، وَأُخْرِجَ مِنْهَا الْخُمْسُ، فَعَلَى سُنّتِهَا وَمَا مَضَى مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا وَقَعَتْ المقاسم، ومضت السنّة فى المغازى.
ثُمّ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ أَخَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٩٤ ]
بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ بِسَبَايَا مِنْ سَبَايَا بَنِي قُرَيْظَةَ إلَى نَجْدٍ، فَابْتَاعَ لَهُمْ بِهَا خَيْلًا وسلاحا.
[شأن ريحانة]
وكان رسول الله ﷺ قَدْ اصْطَفَى لِنَفْسِهِ مِنْ نِسَائِهِمْ رَيْحَانَةَ بِنْتَ عَمْرِو بْنِ خُنَافَةَ، إحْدَى نِسَاءِ بَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ، فَكَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى تُوُفّيَ عَنْهَا وَهِيَ فِي مِلْكِهِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَرَضَ عَلَيْهَا أَنْ يَتَزَوّجَهَا، وَيَضْرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَابَ، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ، بَلْ تَتْرُكُنِي فِي مِلْكِك، فَهُوَ أَخَفّ عَلَيّ وَعَلَيْك، فَتَرَكَهَا. وَقَدْ كَانَتْ حِينَ سَبَاهَا قَدْ تَعَصّتْ بِالْإِسْلَامِ، وَأَبَتْ إلّا الْيَهُودِيّةَ، فَعَزَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ لِذَلِكَ مِنْ أَمْرِهَا. فَبَيْنَا هُوَ مَعَ أَصْحَابِهِ، إذْ سَمِعَ وَقْعَ نَعْلَيْنِ خَلْفَهُ، فَقَالَ: إنّ هَذَا لِثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ يُبَشّرُنِي بِإِسْلَامِ رَيْحَانَةَ، فَجَاءَهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ أَسْلَمَتْ رَيْحَانَةُ، فَسَرّهُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهَا.
[ما نزل من القرآن فِي الْخَنْدَقِ وَبَنِيّ قُرَيْظَةَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي أَمْرِ الْخَنْدَقِ، وَأَمْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنْ الْقُرْآنِ، الْقِصّةَ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ، يَذْكُرُ فِيهَا مَا نَزَلَ مِنْ الْبَلَاءِ، وَنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَكِفَايَتِهِ إيّاهُمْ حِينَ فَرّجَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، بَعْدَ مَقَالَةِ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ النّفَاقِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ
[ ٦ / ٢٩٥ ]
جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها، وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا. وَالْجُنُودُ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَبَنُو قُرَيْظَةَ، وَكَانَتْ الْجُنُودُ الّتِي أَرْسَلَ اللهُ عَلَيْهِمْ مَعَ الرّيحِ الْمَلَائِكَةَ. يَقُول اللهُ تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ، وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. فالذين جاؤهم من فوقهم بنو قريظة، والذين جاؤهم مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ. يَقُولُ اللهُ (تَبَارَكَ و) تَعَالَى:
هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا. وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا لقول معتّب ابن قُشَيْرٍ إذْ يَقُولُ مَا قَالَ. وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ، إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا لِقَوْلِ أَوْسِ بْنِ قَيْظِيّ وَمَنْ كَانَ عَلَى رَأْيِهِ مِنْ قَوْمِهِ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها: أى المدينة.
[تفسير ابن هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: الْأَقْطَارُ: الْجَوَانِبُ، وَوَاحِدُهَا: قُطْرٌ، وَهِيَ الْأَقْتَارُ، وَوَاحِدُهَا: قَتَرٌ.
قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
كَمْ مِنْ غِنًى فَتَحَ الْإِلَهُ لَهُمْ بِهِ وَالْخَيْلُ مُقْعِيَةٌ عَلَى الْأَقْطَارِ
وَيُرْوَى: «عَلَى الْأَقْتَارِ» . وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قصيدة له.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٩٦ ]
ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ: أَيْ الرّجُوعَ إلَى الشّرْكِ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيرًا. وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ، وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا فَهُمْ بَنُو حَارِثَةَ، وَهُمْ الّذِينَ هَمّوا أَنْ يَفْشَلُوا يَوْمَ أُحُدٍ مَعَ بَنِي سَلِمَةَ حَيْنَ هَمّتَا بِالْفَشَلِ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمّ عَاهَدُوا اللهَ أَنْ لَا يَعُودُوا لِمِثْلِهَا أَبَدًا، فَذَكَرَ لَهُمْ الّذِي أَعْطَوْا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، ثُمّ قَالَ تَعَالَى: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ، وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا.
قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا، أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً، وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا. قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ: أَيْ أَهْلَ النّفَاقِ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا، وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا: أى إلا دفعا وتعذيرا أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ:
أَيْ لِلضّغَنِ الّذِي فِي أَنْفُسِهِمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ، تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ: أَيْ إعْظَامًا لَهُ وَفَرَقًا مِنْهُ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ: أَيْ فِي الْقَوْلِ بِمَا لَا تُحِبّونَ، لِأَنّهُمْ لَا يَرْجُونَ آخِرَةً، وَلَا تَحْمِلهُمْ حِسْبَةٌ، فَهُمْ يَهَابُونَ الْمَوْتَ هَيْبَةَ مَنْ لا يرجو ما بعده.
[تفسير ابن هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: سَلَقُوكُمْ: بَالَغُوا فِيكُمْ بِالْكَلَامِ، فَأَحْرَقُوكُمْ وَآذَوْكُمْ.
تَقُولُ الْعَرَبُ: خَطِيبٌ سَلّاقٌ، وَخَطِيبٌ مُسْلِقٌ وَمِسْلَاقٌ. قال أعشى بنى قيس بن ثعلبة:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٩٧ ]
فيهم المجد والسّماحة والنجدة فِيهِمْ وَالْخَاطِبُ السّلّاقُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ مَا قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا.
ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ: أَيْ لِئَلّا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا عَنْ مَكَانٍ هُوَ بِهِ.
ثُمّ ذَكَرَ الْمُؤْمِنِينَ وَصِدْقَهُمْ وَتَصْدِيقَهُمْ بِمَا وَعَدَهُمْ اللهُ مِنْ الْبَلَاءِ يَخْتَبِرُهُمْ بِهِ، فَقَالَ: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيمانًا وَتَسْلِيمًا: أَيْ صَبْرًا عَلَى الْبَلَاءِ وَتَسْلِيمًا لِلْقَضَاءِ، وَتَصْدِيقًا لِلْحَقّ، لَمّا كَانَ اللهُ تَعَالَى وعدهم ورسوله ﷺ. ثم قال: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ: أَيْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ، وَرَجَعَ إلَى رَبّهِ، كَمَنْ اُسْتُشْهِدَ يوم بدر ويوم أحد.
[تفسير ابن هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: قَضَى نَحْبَهُ: مَاتَ، وَالنّحْبُ: النّفْسُ، فِيمَا أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ، وَجَمْعُهُ: نُحُوبٌ، قَالَ ذُو الرمّة:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٩٨ ]
عشيّة فرّ الحارثيّون بعد ما قضى نحبه فى ملتقى الخيل هوبر
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَهَوْبَرُ: مِنْ بنى الحارث بن كعب، أراد:
زيد بْنَ هَوْبَرٍ. وَالنّحْبُ (أَيْضًا): النّذْرُ. قَالَ جَرِيرُ بْن الْخَطْفِيّ:
بِطِخْفَةَ جَالَدْنَا الْمُلُوكَ وَخَيْلُنَا عَشِيّةَ بِسْطَامٍ جَرَيْنَ عَلَى نَحْبِ
يَقُول: عَلَى نَذْرٍ كَانَتْ نَذَرَتْ أَنْ تَقْتُلَهُ فَقَتَلَتْهُ، وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَبِسْطَامٌ: بِسْطَامُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَسْعُودٍ الشّيْبَانِيّ، وَهُوَ ابْنُ ذِي الْجَدّيْنِ: حَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنّهُ كَانَ فَارِسَ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ. وَطِخْفَةُ: مَوْضِعٌ بِطَرِيقِ الْبَصْرَةِ.
وَالنّحْبُ (أَيْضًا): الْخِطَارُ، وَهُوَ: الرّهَانُ. قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
وَإِذْ نَحَبَتْ كَلْبٌ عَلَى النّاسِ أَيّنَا عَلَى النّحْبِ أَعْطَى لِلْجَزِيلِ وَأَفْضَلُ
وَالنّحْبُ (أَيْضًا): الْبُكَاءُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ يُنْتَحَبُ. وَالنّحْبُ (أَيْضًا):
الْحَاجَةُ وَالْهِمّةُ، تَقُولُ: مالى عِنْدَهُمْ نَحْبٌ. قَالَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ الْيَرْبُوعِي:
ومالى نَحْبٌ عِنْدَهُمْ غَيْرَ أَنّنِي تَلَمّسْت مَا تَبْغِي من الشّدن الشّجر
وَقَالَ نَهَارُ بْنُ تَوْسِعَةَ، أَحَدُ بَنِي تَيْمِ اللّاتِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ ابن عَلِيّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ.
قَالَ ابْنُ هشام: هؤلاء موال بَنِي حَنِيفَةَ:
وَنَجّى يُوسُفَ الثّقَفِيّ رَكْضٌ دِرَاكٌ بَعْدَ مَا وَقَعَ اللّوَاءُ
وَلَوْ أَدْرَكْنَهُ لَقَضَيْنَ نَحْبًا بِهِ وَلِكُلّ مُخْطَأَةٍ وِقَاءُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٢٩٩ ]
وَالنّحْبُ (أَيْضًا): السّيْرُ الْخَفِيفُ الْمُرّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ: أَيْ مَا وَعَدَ اللهُ بِهِ مِنْ نَصْرِهِ، وَالشّهَادَةُ عَلَى مَا مَضَى عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا:
أَيْ مَا شَكّوا وَمَا تَرَدّدُوا فِي دِينِهِمْ، وَمَا اسْتَبْدَلُوا بِهِ غَيْرَهُ. لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ، وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ، أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا. وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ: أَيْ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ، وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا.
وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ: أَيْ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنْ صَياصِيهِمْ، وَالصّيَاصِيّ: الْحُصُونُ وَالْآطَامُ الّتِي كَانُوا فِيهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ سُحَيْمٌ عَبْدُ بَنِي الْحِسْحَاسِ، وَبَنُو الْحِسْحَاسِ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ:
وَأَصْبَحَتْ الثّيرَانُ صَرْعَى وَأَصْبَحَتْ نِسَاءُ تَمِيمٍ يَبْتَدِرْنَ الصّيَاصِيَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالصّيَاصِيّ (أَيْضًا): الْقُرُونُ. قَالَ النّابِغَةُ الْجَعْدِيّ:
وِسَادَةَ رَهْطِي حَتّى بَقِيتُ فَرْدًا كَصَيْصِيَةِ الْأَعْضَبِ يَقُول: أَصَابَ الْمَوْتُ سَادَةَ رَهْطِي. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ أَبُو دَواُدَ الإيادىّ:
فذعرنا سحم الصّياصى بأيديهنّ نضح من الكحيل وقار
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٠٠ ]
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالصّيَاصِيّ أَيْضًا: الشّوْكُ الّذِي لِلنّسّاجِينَ، فِيمَا أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ. وَأَنْشَدَنِي لِدُرَيْدِ بْنِ الصّمّةِ الْجُشَمِىّ، جُشَمُ بْنُ معاوية ابن بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ:
نَظَرْتُ إلَيْهِ وَالرّمَاحُ تَنُوشُهُ كَوَقْعِ الصّيَاصِي فِي النّسِيجِ الْمُمَدّدِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالصّيَاصِيّ (أَيْضًا): الّتِي تَكُونُ فِي أَرْجُلِ الدّيَكَةِ نَاتِئَةً كَأَنّهَا الْقُرُونُ الصّغَارُ، وَالصّيَاصِيّ (أَيْضًا): الْأُصُولُ. أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ أَنّ الْعَرَبَ تَقُولُ: جَذّ اللهُ صِيصِيَتَهُ: أَيْ أَصْلَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا: أَيْ قَتَلَ الرّجَالَ، وَسَبَى الذّرَارِيّ وَالنّسَاءَ، وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها: يَعْنِي خَيْبَرَ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا.
[إكرام سعد فى موته]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا انْقَضَى شَأْنُ بَنِي قريظة انْفَجَرَ بِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ جُرْحُهُ، فَمَاتَ مِنْهُ شَهِيدًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مُعَاذُ بْنُ رِفَاعَةَ الزّرَقِيّ، قَالَ: حَدّثَنِي مَنْ شِئْت مِنْ رِجَالِ قَوْمِي: أَنّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَى رسول الله ﷺ حين قُبِضَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مِنْ جَوْفِ اللّيْلِ مُعْتَجِرًا بِعِمَامَةِ مِنْ إسْتَبْرَقٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٠١ ]
مَنْ هَذَا الْمَيّتُ الّذِي فُتّحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السّمَاءِ، وَاهْتَزّ لَهُ الْعَرْشُ؟ قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيعًا يَجُرّ ثوبه إلى سعد، فوجده قد مات.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرّحْمَنِ قَالَتْ: أَقْبَلَتْ عَائِشَةُ قَافِلَةً مِنْ مَكّةَ، وَمَعَهَا أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَلَقِيَهُ مَوْتُ امْرَأَةٍ لَهُ، فَحَزِنَ عَلَيْهَا بَعْضَ الْحُزْنِ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَغْفِرُ اللهُ لَك يَا أَبَا يَحْيَى، أَتَحْزَنُ عَلَى امْرَأَةٍ وَقَدْ أُصِبْت بِابْنِ عَمّك، وَقَدْ اهْتَزّ لَهُ الْعَرْشُ!
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي من لا أتهم عن الحسن البصري، قال: كَانَ سَعْدٌ رَجُلًا بَادِنًا، فَلَمّا حَمَلَهُ النّاسُ وَجَدُوا لَهُ خِفّةً، فَقَالَ رِجَالٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ:
وَاَللهِ إنْ كَانَ لَبَادِنَا، وَمَا حَمَلْنَا مِنْ جِنَازَةٍ أَخَفّ مِنْهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: إنّ لَهُ حَمَلَةً غَيْرَكُمْ، وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ اسْتَبْشَرَتْ الْمَلَائِكَةُ بِرُوحِ سَعْدٍ، وَاهْتَزّ لَهُ الْعَرْشُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُعَاذُ بْنُ رِفَاعَةَ، عَنْ محمود بن عبد الرحمن ابن عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَمّا دُفِنَ سَعْدٌ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، سَبّحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَسَبّحَ النّاسُ مَعَهُ، ثُمّ كَبّرَ فَكَبّرَ النّاسُ مَعَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مِمّ سَبّحْت؟ قَالَ:
لَقَدْ تَضَايَقَ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الصّالِحِ قَبْرُهُ، حتى فرّجه الله عنه.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَمَجَازُ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُ عَائِشَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٠٢ ]
عَلَيْهِ وَسَلّمَ: إنّ لِلْقَبْرِ لَضَمّةً لَوْ كَانَ أَحَدٌ مِنْهَا نَاجِيًا لَكَانَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلِسَعْدِ يَقُولُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ:
وَمَا اهْتَزّ عَرْشُ اللهِ مِنْ مَوْتِ هَالِكٍ سَمِعْنَا بِهِ إلّا لِسَعْدٍ أَبِي عَمْرٍو
وَقَالَتْ أُمّ سَعْدٍ، حِين اُحْتُمِلَ نَعْشُهُ وَهِيَ تَبْكِيهِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَهِيَ كُبَيْشَةُ بِنْتُ رَافِعِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْأَبْجَرِ، وَهُوَ خُدْرَةُ بْنُ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ:
وَيْلُ أُمّ سَعْدٍ سَعْدًا صَرَامَةً وَحَدّا
وَسُوْدُدًا وَمَجْدًا وَفَارِسًا مُعَدّا
سُدّ بِهِ مَسَدّا يَقُدّ هَامًا قَدّا
يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: كُلّ نَائِحَةٍ تَكْذِبُ، إلّا نَائِحَةَ سَعْدِ بْنِ معاذ.
[شهداء الغزوة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمْ يَسْتَشْهِدْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ إلّا سِتّةُ نَفَرٍ.
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ: سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأَنَسُ بْنُ أوس بن عتيك بن عمرو، عبد اللهِ بْنُ سَهْلٍ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
وَمِنْ بَنِي جشم بن الخزرج، ثم من بني سلمة: الطّفيل بن النعمان، وثعلبة ابن غنمة. رجلان.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٠٣ ]
ومن بَنِي النّجّارِ، ثُمّ مِنْ بَنِي دِينَارٍ: كَعْبُ بن زيد، أصابه سهم غرب، فقتله.
[تفسير ابن هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: سَهْمُ غَرْبٍ وَسَهْمٌ غَرْبٌ، بِإِضَافَةِ وَغَيْرِ إضَافَةٍ، وَهُوَ الّذِي لَا يُعْرَفُ مِنْ أَيْنَ جاء ولا من رمى به.
[قتلى المشركين]
وَقُتِلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
مِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ: مُنَبّهُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ السّبّاقِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ، أَصَابَهُ سَهْمٌ، فَمَاتَ مِنْهُ بِمَكّةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ عُثْمَانُ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ مُنَبّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ السّبّاقِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ: نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَهُمْ جَسَدَهُ، وَكَانَ اقْتَحَمَ الْخَنْدَقَ، فَتَوَرّطَ فِيهِ، فَقُتِلَ، فَغَلَبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَسَدِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي جَسَدِهِ وَلَا بِثَمَنِهِ، فَخَلّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَعْطَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ بِجَسَدِهِ عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ الزّهْرِيّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ، ثُمّ مِنْ بَنِي مالك بن حسل:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٠٤ ]
عمرو بن عبدود، قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي الثّقَةُ أَنّهُ حَدّثَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ أَنّهُ قَالَ: قَتَلَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَئِذٍ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدّ وَابْنَهُ حِسْلَ بْنَ عَمْرٍو.
قال ابن هشام: ويقال عمرو بن عبدود، ويقال: عمرو بن عبد.
[شُهَدَاءُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمّ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: خَلّادُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرٍو، طُرِحَتْ عَلَيْهِ رَحًى، فَشَدَخَتْهُ شَدْخًا شَدِيدًا، فَزَعَمُوا أَنّ رسول الله ﷺ قال: إنّ لَهُ لَأَجْرَ شَهِيدَيْن.
وَمَاتَ أَبُو سِنَانِ بْنُ مُحْصَنِ بْنِ حَرْثَانَ، أَخُو بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مُحَاصِرٌ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ الّتِي يَدْفِنُونَ فِيهَا الْيَوْمَ، وَإِلَيْهِ دفنوا أمواتهم فى الإسلام.
[البشارة بِغَزْوِ قُرَيْشٍ]
وَلَمّا انْصَرَفَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ عَنْ الْخَنْدَقِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنِي: لَنْ تَغْزُوَكُمْ قُرَيْشٌ بَعْدَ عَامِكُمْ هَذَا، وَلَكِنّكُمْ تَغْزُونَهُم. فَلَمْ تَغْزُهُمْ قُرَيْشٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ هُوَ الّذِي يَغْزُوهَا، حَتّى فتح الله عليه مكة.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غَزْوَةُ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيّ: سُمّيَتْ دَوْمَةَ الْجَنْدَلِ بِدُومِيّ بْنِ إسْمَاعِيلَ، كَانَ نَزَلَهَا «١»
غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ وَحَفْرُ الْخَنْدَقِ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنّهُ مِنْ مَكَايِدِ الْفُرْسِ وَحُرُوبِهَا، وَلِذَلِك أَشَارَ بِهِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيّ، وَأَوّلُ مَنْ خَنْدَقَ الْخَنَادِقَ مِنْ مُلُوكِ الْفُرْسِ فِيمَا ذَكَرَ الطّبَرِيّ «مِنُوشِهْرُ بْنُ أبيرج «٢» بْنُ أَفْرِيدُونَ «٣» وَقَدْ قِيلَ فِي أَفْرِيدُونَ: إنّهُ ابْنُ إسْحَاقَ ﵇، وَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُ فِيهِ: هُوَ ابْنُ أَثْقِيَانَ، وَهُوَ أَوّلُ مَنْ اتّخَذَ آلَةَ» الرّمْيِ، وَإِلَى رَأْسِ سِتّينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ بُعِثَ
_________________
(١) يصفها البكرى بأنها على عشر مراحل من المدينة وعشر من الكوفة، وثمان من دمشق، واثنتى عشرة من مصر، وسميت بدومان بن إسماعيل ﵇ كان ينزلها.
(٢) هو فى الطبرى: إيرج وكذلك فى الزرقانى وهو ينقل عن الروض ويقول عن الطبرى ص ٣٧٩ ح ١ ط المعارف «وهو أول من خندق الخنادق وجمع آلة الحرب» .
(٣) ذكره حبيب بن أوس الطائى فى شعره إذ قال: ما نال ما قد نال فرعون ولا هامان فى الدنيا، ولا قارون بل كان كالضحاك فى سطواته بالعالمين وأنت أفريدون والعجم يزعمون أن أفريدون وثب بالضحاك، وأوثقه وصيره بجبال دنباوند وأنه إلى اليوم موثق فى الحديد يعذب!! ص ١٩٧ ح ١ تاريخ الطبرى.
[ ٦ / ٣٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُوسَى ﵇، وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُ الْكَمَائِنِ فِي الْحُرُوبِ، وَأَنّ أَوّلَ مَنْ فَعَلَهَا بُخْتَنَصّرُ فِي قَوْلِ الطّبَرِيّ.
وَذَكَرَ تَحْزِيبَ بَنِي قُرَيْظَةَ الْأَحْزَابَ، وَنَسَبَ طَائِفَةً مِنْ بَنِي النّضِيرِ، فَقَالَ فِيهِمْ النّضَرِيّ، وَهَكَذَا تَقَيّدَ فِي النّسْخَةِ الْعَتِيقَةِ، وَقِيَاسُهُ: النّضِيرِيّ إلّا أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِمْ ثَقَفِيّ وَقُرَشِيّ «١»، وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ الْقِيَاسِ، وإنما يقال: فعلىّ فى النّسب إلى فعلية.
عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ:
وَذَكَرَ قَائِدَ غَطَفَانَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، وَهُوَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَاسْمُهُ حُذَيْفَةُ، وسمّى: عيينة لشتركان بِعَيْنِهِ، وَهُوَ الّذِي قَالَ فِيهِ ﵇
_________________
(١) هذا شاذ فى فعيل بفتح الفاء وفعيل بضم الفاء. فالقياس فيها إبقاء الياء. ولكن يقول السيرافى عن النسب إلى فعيل بضم الفاء «أما ما ذكره سيبويه من أن النسبة إلى هذيل هذلى فهذا الباب عندى لكثرته كالخارج عن الشذوذ وذلك خاصة فى العرب الذين بتهامة وما يقرب منها، لأنهم قالوا: قرشى وملحى وهذلى وفقمى، وكذا قالوا فى سليم وخشيم وقريم وحريق وهم من هذيل- وكلها بضم الأوّل- سلمى وخثمى وقرمى وحرثى. وهؤلاء كلهم متجاورون بتهامة وما يدانيها، والعلة اجتماع ثلاث ياآت مع كسر فى الوسط» ص ٢٩ ح ٢ شرح الشافيه للرضى. ويرى المبرد أن ما كان على فعيل وفعيل بالفتح فى الأولى والضم فى الأخرى فانك مخير فى النسب إليهما بين حذف الياء وبقائها قياسا مطردا فتقول فى النسب إلى شريف وجعيل شريفى وجعيلى أو شرفى وجعلى. أما مذهب السيرافى فيبدو أنه يشير إلى أن ما كان على فعيل بفتح الفاء فليس فيه إلا إبقاء الياء.
[ ٦ / ٣٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْأَحْمَقُ الْمُطَاع، لِأَنّهُ كَانَ مِنْ الْجَرّارِينَ تَتْبَعُهُ عَشَرَةُ آلَافِ قَنَاةٍ، وَهُوَ الّذِي قَالَ فِيهِ النّبِيّ ﷺ: إنّ شَرّ النّاسِ مَنْ وَدَعَهُ النّاسُ اتّقَاءَ شَرّهِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنّهُ قَالَ: إنّي أُدَارِيهِ، لِأَنّي أَخْشَى أَنْ يُفْسِدَ عَلَيّ خَلْقًا كَثِيرًا، وَفِي هَذَا بَيَانُ مَعْنَى الشّرّ الّذِي اتّقَى مِنْهُ، وَكَانَ دَخَلَ عَلَى النّبِيّ ﷺ بِغَيْرِ إذْنٍ، فَلَمّا قَالَ لَهُ: أَيْنَ الْإِذْنُ؟ قَالَ: مَا اسْتَأْذَنْت عَلَى مُضَرِيّ قَبْلَك، وَقَالَ: مَا هَذِهِ الْحُمَيْرَاءُ مَعَك يَا مُحَمّدُ؟ فَقَالَ: هِيَ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ:
؟ لِّقها، وَأَنْزِلُ لَك عَنْ أُمّ الْبَنِينَ، فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ تُذْكَرُ مِنْ جَفَائِهِ، أَسْلَمَ، ثُمّ ارْتَدّ، وَآمَنَ بِطُلَيْحَةَ حِينَ تَنَبّأَ وَأُخِذَ أَسِيرًا، فَأُتِيَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁ أَسِيرًا، فَمَنّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَزَلْ مُظْهِرًا لِلْإِسْلَامِ عَلَى جَفْوَتِهِ وَعَنْجَهِيّتِهِ وَلُوثَةِ أَعْرَابِيّتِهِ حَتّى مَاتَ. قَالَ الشّاعِرُ:
وَإِنّي عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَنْجَهِيّتِي وَلُوثَةِ أَعْرَابِيّتِي لَأَدِيبُ «١»
وَذَكَرَ حَفْرَهُ الْخَنْدَقَ، وَأَنّهُ عَرَضَتْ لَهُ صَخْرَةٌ، وَوَقَعَ فِي غَيْرِ السّيرَةِ
_________________
(١) البيت فى اللسان. وفيه عيد هيتى بدلا من عنجهيتى، وأريب بدلا من أديب والعيدهية: الكبر. والعنجهية والعيدهية أيضا والعندهية وعجرفية، وشمخرة إذا كان فيه جفاء. هذا وقد وصف بالأحمق المطاع فى حديث رواه سعيد بن منصور مرسلا!! وقد قيل عنه ذلك بعد أن سألت عائشة عنه بعد أن قال ما قال. وقد أخرجه الطبرانى موصلالا من وجه آخر عن جرير بن عيينة بن حصن دخل على النبى «ص» فقال وعنده عائشة- من هذه الجالسة إلى جانبك؟ قال: عائشة. قال: أفلا أنزل لك عن خير منها؟ يعنى امرأته، فقال له النبى: أخرج فاستأذن، فقال: إنها يمين على ألا استأذن على مضرى، فقالت عائشة: من هذا؟ فذكره-.
[ ٦ / ٣٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَبْلَةٌ وَهِيَ الصّخْرَةُ الصّمّاءُ، وَجَمْعُهَا عَبَلَاتٌ وَيُقَالُ لَهَا الْعَبْلَاءُ وَالْأَعْبَلُ أَيْضًا، وَهِيَ صَخْرَةٌ بَيْضَاءُ.
الْبَرَقَاتُ الّتِي لَمَعَتْ:
وَذَكَرَ أَنّهُ لَمَعَتْ لَهُ مِنْ تِلْكَ الصّخْرَةِ بَرْقَةٌ بَعْدَ بَرْقَةٍ، وَخَرّجَهُ النّسَوِيّ مِنْ طَرِيقِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ بِأَتَمّ مِمّا وَقَعَ فِي السّيرَةِ، قَالَ: لَمّا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ- إن نَحْفِرَ الْخَنْدَقَ عَرَضَ لَنَا حَجَرٌ لَا يَأْخُذُ فِيهِ الْمِعْوَلُ، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ وَقَالَ: بِسْمِ اللهِ، فَضَرَبَ ضَرْبَةً فَكَسَرَ ثُلُثَ الصّخْرَةِ، وَقَالَ اللهُ أَكْبَرُ أُعْطِيت مَفَاتِيحَ الشّامِ، وَاَللهِ إنّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ مِنْ مَكَانِي هَذَا، قَالَ: ثُمّ ضَرَبَ أُخْرَى، وَقَالَ: بِسْمِ اللهِ، وَكَسَرَ ثُلُثًا آخَرَ، قَالَ اللهُ أَكْبَرُ أُعْطِيت مَفَاتِيحَ فَارِسَ، وَاَللهِ إنّي لَأُبْصِرُ قَصْرَ الْمَدَائِنِ الْأَبْيَضَ الْآنَ، ثُمّ ضَرَبَ ثَالِثَةً وَقَالَ: بِسْمِ اللهِ، فَقَطَعَ الْحَجَرَ، وَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ. أُعْطِيت مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، والله إنى لا بصر بَابَ صَنْعَاءَ [مِنْ مَكَانِي هَذَا السّاعَةَ] «١» . وَقَوْلُهُ: فَأْسًا وَلَا مِسْحَاةً. الْمِسْحَاةُ: مِفْعَلَةٌ مِنْ سَحَوْت الطّينَ، إذَا قَشَرْته، وَيُقَالُ لِحَدّ الْفَأْسِ وَالْمِسْحَاةِ: الْغُرَابُ، وَلِنَصْلَيْهِمَا: الْفِعَالُ بِكَسْرِ الْفَاءِ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ التّيْمِيّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النّهْدِيّ أَنّهُ ﵇ حِينَ ضَرَبَ فى الخندق قال:
_________________
(١) أخرجه أحمد والنسائى والزيادة من روايتهما. وللطبرانى من حديث عبد الله بن عمرو نحوه، وأخرجه البيهقى من طريق كثير بن عبد الرحمن ابن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده وثمت خلاف بين روايتهما ورواية السيرة فوازن بين الروايتين.
[ ٦ / ٣٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِسْمِ اللهِ وَبِهِ بَدِينَا* وَلَوْ عَبَدْنَا غَيْرَهُ شقينا* حبّذا ربا وحبّذا دينا «١»
_________________
(١) هو عند الحارث بن أبى أسامة من طريق سليمان بن طرخان التيمى عن أبى عثمان النهدى. وبدينا بكسر الدال يقال: بديت بالشىء بكسر الدال، أى: بدأت به، فلما خفف الهمز كسر الدال، فانقلبت الهمزة ياء، وليست الياء فيه أصلية. وقوله حبذا دينا يجعل الرجز غير موزون إلا بإسكان باء حبذا. والذى فى الفتح والحلبية: حبذا ربا وحب دينا. انظر ص ٣٣٢ ح ٢ وفتح البارى فى غزوة الخندق. وفى البخارى: كان النبى «ص» ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه أو أغير بطنه يقول: والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا وفى رواية أخرى عن البراء «فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة ثم ذكر الرجز السابق» . وقوله: إن الألى قد بغوا ليس بموزون، وتحريره إن الذين قد بغوا علينا. وفى رواية مسلم: أبو ابدلا من بغوا أنظر ص ٣٢١ ح ٧ فتح البارى شرح صحيح البخارى. وفى البخارى أيضا أنه خرج «ص» فرأى المهاجرين والأنصار يحفرون فى غداة باردة، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: اللهم إن العيش عيش الأخره فاغفر للأنصار والمهاجره فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا وهذا قول ابن رواحة. وقد قال الداودى: إنه قاله: لاهم، فأورده بعض لرواة على المعنى، وقيل ليس كذلك بل يكون دخله الخرم ومن صوره زيادة شىء من حروف المعانى فى أول الجزء، والجزء الثانى أيضا غير موزون. وفى رواية: فبارك يدل: فاغفر.
[ ٦ / ٣١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَحْقِيقُ اسْمِ زَغَابَةَ:
وَقَوْلُهُ: حَتّى نَزَلُوا بَيْنَ الْجُرُفِ وَزَغَابَةَ. زَغَابَةُ اسْمُ مَوْضِعٍ بِالْغَيْنِ الْمَنْقُوطَةِ وَالزّايِ الْمَفْتُوحَةِ، وَذَكَرَهُ الْبَكْرِيّ بِهَذَا اللّفْظِ بَعْدَ أَنْ قَدّمَ الْقَوْلَ بِأَنّهُ زُعَابَةُ بِضَمّ الزّايِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَحُكِيَ عَنْ الطّبَرِيّ أَنّهُ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْنَ الْجُرُفِ وَالْغَابَةِ، وَاخْتَارَ هَذِهِ الرّوَايَةَ وَقَالَ: لِأَنّ زَغَابَةَ لَا تُعْرَفُ. قَالَ الْمُؤَلّفُ:
وَالْأَعْرَفُ عِنْدِي فِي هَذِهِ الرّوَايَةِ رِوَايَةُ مَنْ قَالَ: زَغَابَةَ بِالْغَيْنِ الْمَنْقُوطَةِ، لِأَنّ فِي الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ أَنّهُ ﵇، قَالَ فى ناقة أهداها إليه أعرانى، فَكَافَأَهُ بِسِتّ بَكَرَاتٍ، فَلَمْ يَرْضَ، فَقَالَ ﵇: أَلَا تَعْجَبُونَ لِهَذَا الْأَعْرَابِيّ! أَهْدَى إلَيّ نَاقَةً أَعْرِفُهَا بِعَيْنِهَا، كَمَا أَعْرِفُ بَعْضَ أَهْلِي ذَهَبَتْ مِنّي يَوْمَ زَغَابَةَ «١»، وَقَدْ كَافَأْته بِسِتّ فَسَخِطَ. الْحَدِيثَ، وَقَالَ: ذَنَبِ نُقْمٍ وَنَقْمَى مَعًا.
يقتل فِي الذّرْوَةِ وَالْغَارِبِ:
وَذَكَرَ حَيَيّ بْنَ أَخْطَبَ، وَمَا قَالَ لِكَعْبِ، وَأَنّهُ لَمْ يَزَلْ يَفْتِلُ فِي الذّرْوَةِ وَالْغَارِبِ. هَذَا مَثَلٌ، وَأَصْلُهُ فِي الْبَعِيرِ، يُسْتَصْعَبُ عَلَيْك فَتَأْخُذُ الْقُرَادَ مِنْ ذِرْوَتِهِ وَغَارِبِ سَنَامِهِ، وَتَفْتِلُ هُنَاكَ، فَيَجِدُ الْبَعِيرُ لَذّةً فَيَأْنَسُ عِنْدَ ذَلِكَ «٢»، فَضُرِبَ هَذَا الْكَلَامُ مَثَلًا فِي الْمُرَاوَضَةِ وَالْمُخَاتَلَةِ، وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي حَدِيثِ
_________________
(١) ولكن يقول الخشنى: «كذا وقع هنا بالزاء مفتوحة، ورغابة بالراء المفتوحة هو الجيد وكذلك رواه الوقشى» ص ٣٠١.
(٢) فسره الخشنى بقوله: أراد بذلك أنه لم يزل يخدعه كما يخدع البعير إذا كان نافرا فيمسح باليد على ظهره حتى يستأنس، فيجعل الخطام على رأسه. ص ٢٠١.
[ ٦ / ٣١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابْنِ الزّبَيْرِ حِينَ أَرَادَ عَائِشَةَ عَلَى الْخُرُوجِ إلَى الْبَصْرَةِ «١»، فَأَبَتْ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ يَفْتِلُ فِي الذّروة والغارب حتى أجابته. وقال الخطيئة:
لَعَمْرُك مَا قُرَادُ بَنِي بَغِيضٍ إذَا نُزِعَ القواد بِمُسْتَطَاعِ «٢»
يُرِيدُ: أَنّهُمْ لَا يُخْدَعُونَ وَلَا يُسْتَذَلّونَ.
اللّحْنُ:
وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّﷺ- الْحَنُوا لِي لَحْنًا أَعْرِفُهُ، وَلَا تَفُتّوا فِي أَعْضَادِ النّاسِ.
اللّحْنُ: الْعُدُولُ بِالْكَلَامِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ النّاسِ إلَى وَجْهٍ لَا يَعْرِفُهُ إلّا صَاحِبُهُ، كَمَا أَنّ اللّحْنَ الّذِي هُوَ الْخَطَأُ عُدُولٌ عَنْ الصّوَابِ الْمَعْرُوفِ.
قَالَ السّيرَافِيّ: مَا عَرَفْت حَقِيقَةَ مَعْنَى النّحْوِ إلّا مِنْ مَعْنَى اللّحْنِ الّذِي هُوَ ضِدّهُ، فَإِنّ اللّحْنَ عُدُولٌ عَنْ طَرِيقِ الصّوَابِ، وَالنّحْوُ قَصْدٌ إلَى الصّوَابِ، وَأَمّا اللّحَنُ بِفَتْحِ الْحَاءِ، فَأَصْلُهُ مِنْ هَذَا إلّا أَنّهُ إذَا لَحَنَ لَك لِتَفْهَمَ عَنْهُ، فَفَهِمْت سُمّيَ ذَلِكَ الْفَهْمُ لَحَنًا، ثُمّ قِيلَ لِكُلّ مَنْ فَهِمَ قَدْ لَحِنَ بكسر
_________________
(١) يقول ابن قتيبة فى ضبطها «مسكنة الصاد، وكسرها خطأ، فاذا حذفوا الهاء قالوا: البصر، فكسروا الباء، وإنما أجازوا فى النسب بصرى لذلك» ص ٤٢٠ أدب الكاتب، وانظر معجم البكرى. وفى القاموس البصرة بلد وموضع ويكسر ويحرك وبكسر الصاد، أو هو معرب بس راه، أى كثير الطرق.
(٢) البيت فى اللسان وفيه كليب بدلا من: بغيض، وقد نسبه الأزهرى للأخطئى.
[ ٦ / ٣١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْحَاءِ، وَأَصْلُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْفَهْمِ عَنْ اللاحن «١» قال الجاحظ فى قول مالك ابن أَسْمَاءَ [بْنِ خَارِجَةَ الْفَزَارِيّ]:
مَنْطِقٌ صَائِبٌ وَتَلْحَنُ أَحْيَا نًا وَخَيْرُ الْحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْنَا «٢»
أراد أنّ اللّحن الذى هو الخطأ فد يستملح، ويستطاب من الجارية الحديثة السّزّ، وخطّىء الْجَاحِظُ فِي هَذَا التّأْوِيلِ «٣»، وَأُخْبِرَ بِمَا قَالَهُ الحجاج بن
_________________
(١) فى اللسان: اللحن واللحن- بالسكون فى الحاء الأولى والفتح فى الثانية واللحانة واللحابن ترك الصواب فى القراءة والنشيد. وفيه أيضا: اللحن- بفتح الحاء- الفطنة.
(٢) يريد: أنها تتكلم بشىء وهى تريد غيره، وتعرض فى حديثها، فنزيله عن جهته من فطنتها. وفسر القالى قوله: وتلحن أحيانا: تصيب، وذكر أن اللحن بفتح الحاء هو الفطنة. قال: وربما أسكنوا الحاء فى الفطنة، وقال: لحن الرجل يلحن بفتح الحاء لحنا فهو لاحن إذا أخطأ، ولحن يلحن بكسر الحاء فى الماضى وفتحها فى المضارع- فهو لحن بفتح فكسر إذا أصاب وفطن. واستشهد بالبيت وبيت قبله.
(٣) قال الجاحظ: وقد قال مالك بن أسماء فى استملاح اللحن من بعض نسائه: أمغطى منى على بصرى للحب أم أنت أكمل الناس حسنا وحديث ألذه هو مما تشتهيه النفوس يوزن وزنا ثم ذكر البيت الذى فى الروض وقال فى موضع آخر: وقال مالك بن أسماء فى بعض نسائه، وكانت لا تصيب الكلام كثيرا وربما لحنت ثم ذكر ثلاثة الأبيات ص ١٤٧، ٢٢٥ ح ١ البيان والتبيين بتحقيق الأستاذ عبد السلام هارون، وانظر ص ٥٩٩ من أمالى ثعلب بتحقيق الأستاذ الفاضل وقد أنشد ابن الأنبارى فى كتاب الأضداد البيت وبيتا قبله، وقال: أى أبو العباس: أراد بتلحن: تصيب وتفطن، وأراد بقوله: ما كان لحنا: ما كان صوابا. ونقل قول ابن قتيبة «وهذا-
[ ٦ / ٣١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُوسُفَ لِامْرَأَتِهِ: هِنْدِ بِنْتِ أَسْمَاءَ بْنِ خَارِجَةَ، حِينَ لَحَنَتْ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهَا، اللّحْنَ فَاحْتَجّتْ بِقَوْلِ أَخِيهَا مَالِكِ بْنِ أَسْمَاءَ:
وَخَيْرُ الْحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْنًا
فَقَالَ لَهَا الْحَجّاجُ: لَمْ يُرِدْ أَخُوك هَذَا، إنّمَا أَرَادَ اللّحْنَ الّذِي هُوَ التّوْرِيَةُ وَالْإِلْغَازُ، فَسَكَتَتْ، فَلَمّا حُدّثَ الْجَاحِظُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: لَوْ كَانَ بَلَغَنِي هَذَا قَبْلَ أَنْ أُؤَلّفَ كِتَابَ الْبَيَانِ مَا قُلْت فِي ذَلِكَ مَا قُلْت، فَقِيلَ لَهُ:
أَفَلَا تُغَيّرُهُ؟ فَقَالَ: كَيْفَ وَقَدْ سَارَتْ بِهِ الْبِغَالُ الشّهْبُ وَأَنْجَدَ فِي الْبِلَادِ وَغَارَ.
وَكَمَا قَالَ الْجَاحِظُ فِي مَعْنَى تَلْحَنُ أَحْيَانًا قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ مثله أو قريبا منه «١»
_________________
(١) - الشاعر استملح من هذه المرأة ما يقع فى كلامها من الخطأ» ثم رد قول ابن قتيبة بقوله: وقوله عندنا محال، لأن العرب لم تزل تستقبح اللحن من النساء كما تستقبحه من الرجال الخ ص ٢١٠ ط الحسينية. وقد ذكر ابن قتيبة بعد البيت أربعة أبيات أخرى. كما نقل ثلاثة الأبيات فى ص ن من مقدمته لكتابه عيون الأخبار، ونقلها ايضا فى ص ١٦١، ١٦٢ ح ٢ ونقل تعليق ابن دريد على الأبيات، وهو قوله: استثقل منها الإعراب.
(٢) يقول الأستاذ عبد السلام هارون فى تعليقه على أمالى ثعلب «وقد نبه الجاحظ إلى خطئه فاعترف به، وقصته واعترافه فى تاريخ بغداد «١٢: ٢١٤» ومعجم الأدباء (٦: ٦٥) مرجليوث ص ٥٩٩ أمالى ثعلب. هذا وقد قال الحجاج لهند لما لحنت: أتلحنين وأنت شريفة، وفى بيت قيس، فاستشهدت بقول أخيها كما ذكر السهيلى، فقال لها: إنما عنى أخوك اللحن فى القول إذا كنى المحدث عما يريد، ولم يعن اللحن فى العربية، فأصلحى لسانك. وانظر ص ١١، ١٢ من أمالى المرتضى، ففيها بيان خطأ الجاحظ واعترافه بهذا الخطأ، ونص المرتضى على خطأ ابن قتيبة حين ذكر فى كتابه عيون الأخبار أبيات الفزارى يعتذر بها عن لحن أصيب فى كتابه- كما يقول المرتضى ط ١.
[ ٦ / ٣١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: يَفُتّ فِي أَعْضَادِ النّاسِ، أَيْ يَكْسِرُ مِنْ قُوّتِهِمْ وَيُوهِنُهُمْ، وَضُرِبَ الْعَضُدُ مَثَلًا، وَالْفَتّ: الْكَسْرُ، وَقَالَ: فِي أَعْضَادِهِمْ وَلَمْ يَقُلْ: يَفُتّ أَعْضَادَهُمْ، لِأَنّهُ كِنَايَةٌ عَنْ الرّعْبِ الدّاخِلِ فِي الْقَلْبِ، وَلَمْ يُرِدْ كَسْرًا حَقِيقِيّا، وَلَا الْعَضُدَ الّذِي هُوَ الْعُضْوُ، وَإِنّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَمّا يَدْخُلُ فِي الْقَلْبِ مِنْ الْوَهْنِ، وَهُوَ مِنْ أَفْصَحِ الْكَلَامِ.
وَذَكَرَ أَوْسَ بْنَ قَيْظِيّ، وَهُوَ الْقَائِلُ: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَابْنُهُ:
عَرَابَةُ بْنُ أَوْسٍ كَانَ سَيّدًا، وَلَا صُحْبَةَ لَهُ، وَقَدْ قِيلَ: لَهُ صُحْبَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَنْ اُسْتُصْغِرَ يوم أحد، وهو الذى بقول فِيهِ الشّمّاخُ:
إذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدِ تلقاها عرابة باليمين «١»
ولعرابة أخ اسمه: كباثة مَذْكُورٌ فِي الصّحَابَةِ أَيْضًا.
مُصَالَحَةُ الْأَحْزَابِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ مَا هَمّ بِهِ النّبِيّ ﷺ مِنْ مُصَالَحَةِ الْأَحْزَابِ عَلَى ثُلُثِ تَمْرِ الْمَدِينَةِ، وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ جَوَازُ إعْطَاءِ المال للعدوّ، إذا كان فيه نظر للمسلمين وَحِيَاطَةٌ لَهُمْ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ هَذَا الخبر، وأنه أمر
_________________
(١) معناها كما يقول البكرى فى السمط: القوة أو الحق. ومن القصيدة: إذَا بَلّغْتنِي وَحَمَلْتِ رَحْلِي عَرَابَةَ فَاشْرَقِي بِدَمّ الوثين فنعم المرتجى رحلت إليه رحى حيزومها كرحى الطحين ص ٦٠٧- ٦١٩ السمط.
[ ٦ / ٣١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَعْمُولٌ بِهِ، وَذَكَرَ أَنّ مُعَاوِيَةَ صَالَحَ مَلِكَ الرّومِ عَلَى الْكَفّ عَنْ ثُغُورِ الشّامِ بِمَالِ دَفَعَهُ إلَيْهِ، قِيلَ: كَانَ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَخَذَ مِنْ الرّومِ رَهْنًا، فَغَدَرَتْ الرّومُ، وَنَقَضَتْ الصّلْحَ، فَلَمْ يَرَ مُعَاوِيَةُ قَتْلَ الرّهَائِنِ، وَأَطْلَقَهُمْ، وَقَالَ: وَفَاءً بِغَدْرِ خَيْرٌ مِنْ غَدْرٍ بِغَدْرِ، قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيّ وَأَهْلِ الشّامِ أَلّا تُقْتَلَ الرّهَائِنُ، وَإِنْ غَدَرَ الْعَدُوّ.
سَلْمَانُ مِنّا:
وَذَكَرَ قَوْلَهُ ﵇: سَلْمَانُ مِنّا أَهْلَ الْبَيْتِ بِالنّصْبِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، أَوْ عَلَى إضْمَارِ أَعْنِي، وَأَمّا الْخَفْضُ عَلَى الْبَدَلِ، فَلَمْ يَرَهُ سِيبَوَيْهِ جَائِزًا مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلّمِ، وَلَا مِنْ ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ، لِأَنّهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَأَجَازَهُ الأخفش.
حول مبارزة ابن أدّ لعلى:
فصل: وذكر خبر عمرو بن أدّ الْعَامِرِيّ، وَمُبَارَزَتَهُ لِعَلِيّ إلَى آخِرِ الْقِصّةِ، وَوَقَعَ فِي مَغَازِي ابْنِ إسْحَاقَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ عَنْ الْبَكّائِيّ فِيهَا زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ، رَأَيْت أَنْ أُورِدَهَا هُنَا تَتْمِيمًا لِلْخَبَرِ.
قَالَ ابن إسحاق: إن عمرو بن أدّ «١» خَرَجَ فَنَادَى: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟
فَقَامَ عَلِيّ﵁- وَهُوَ مُقَنّعٌ بِالْحَدِيدِ، فَقَالَ: أَنَا لَهُ يَا نَبِيّ اللهِ، فَقَالَ:
إنّهُ عَمْرٌو اجْلِسْ، وَنَادَى عَمْرٌو أَلَا رَجُلٌ يُؤَنّبُهُمْ، وَيَقُولُ: أَيْنَ جَنّتُكُمْ الّتِي تَزْعُمُونَ أَنّهُ مَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ دَخَلَهَا، أَفَلَا تُبْرِزُونَ لِي رَجُلًا، فقام علىّ،
_________________
(١) فى السيرة: ود. وكان سنه كما ذكر ابن سعد تسعين عاما.
[ ٦ / ٣١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: اجْلِسْ إنّهُ عَمْرٌو، ثُمّ نَادَى الثّالِثَةَ وَقَالَ:
وَلَقَدْ بَحِحْت مِنْ النّدَا ءِ بِجَمْعِكُمْ هَلْ مِنْ مُبَارِزْ؟
وَوَقَفْت إذْ جَبُنَ الْمُشَ جّعُ مَوْقِفَ الْقِرْنِ الْمُنَاجِزْ
وَكَذَاك إنّي لَمْ أَزَلْ مُتَسَرّعًا قَبْلَ الْهَزَاهِزْ «١»
إنّ الشّجَاعَةَ فِي الْفَتَى وَالْجُودَ مِنْ خَيْرِ الْغَرَائِزْ
فَقَامَ عَلِيّ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا لَهُ فَقَالَ: إنّهُ عَمْرٌو، فَقَالَ: وَإِنْ كَانَ عَمْرًا، فَأَذِنَ لَهُ النّبِيّﷺ- فَمَشَى إلَيْهِ عَلِيّ، حَتّى أَتَاهُ وَهُوَ يَقُولُ
لَا تَعْجَلَنّ فَقَدْ أتا ك مجيب صوتك غير عاجز
ذونيّة وَبَصِيرَةٍ وَالصّدْقُ مُنْجِي كُلّ فَائِزْ
إنّي لَأَرْجُو أَنْ أُقِ يمَ عَلَيْك نَائِحَةَ الْجَنَائِزْ
مِنْ ضَرْبَةٍ نَجْلَاءَ يَبْ قَى ذِكْرُهَا عِنْدَ الْهَزَاهِزْ
فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا على، قال: ابن عبد مناف؟ فقال: أناء ابن أبى طالب، فقال: غيرك يابن أَخِي مِنْ أَعْمَامِك مَنْ هُوَ أَسَنّ مِنْك، فَإِنّي أَكْرَهُ أَنْ أُهْرِيقَ دَمَك، فَقَالَ لَهُ عَلِيّ ﵁: وَلَكِنّي وَاَللهِ لَا أَكْرَهُ أَنْ أُهْرِيقَ دَمَك، فَغَضِبَ وَنَزَلَ فَسَلّ سَيْفَهُ، كَأَنّهُ شُعْلَةُ نَارٍ، ثُمّ أَقْبَلَ نَحْوَ عَلِيّ مُغْضَبًا، وَذَكَرَ أَنّهُ كَانَ عَلَى فَرَسِهِ، فقال له علىّ: كيف أقاتلك،
_________________
(١) الهزاهز: الفتن يهتز فيها الناس.
[ ٦ / ٣١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَنْتَ عَلَى فَرَسِك، وَلَكِنْ انْزِلْ مَعِي، فَنَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ، ثُمّ أَقْبَلَ نَحْوَ عَلِيّ، وَاسْتَقْبَلَهُ عَلِيّ﵁- بِدَرَقَتِهِ «١»، فَضَرَبَهُ عَمْرٌو فِيهَا فَقَدّهَا وَأَثْبَتَ فِيهَا السّيْفَ، وَأَصَابَ رَأْسَهُ فَشَجّهُ، وَضَرَبَهُ عَلِيّ عَلَى حَبْلِ الْعَاتِقِ، فَسَقَطَ، وَثَارَ الْعَجَاجُ، وَسَمِعَ النّبِيّ ﷺ التّكْبِيرَ، فَعَرَفَ أَنّ عَلِيّا﵁- قَدْ قَتَلَهُ، فَثَمّ يَقُولُ عَلِيّ ﵁:
أسلّى تَقْتَحِمُ الْفَوَارِسُ هَكَذَا عَنّي وَعَنْهُ أَخّرُوا أَصْحَابِي
فَالْيَوْمَ تَمْنَعُنِي الْفِرَارَ حَفِيظَتِي وَمُصَمّمٌ فِي الرّأْسِ لَيْسَ بِنَابِي
أَدّى عُمَيْرٌ حِينَ أُخْلِصَ صَقْلُهُ صَافِي الْحَدِيدَةِ يَسْتَفِيضُ ثَوَابِي
فَغَدَوْت أَلْتَمِسُ الْقِرَاعَ بِمُرْهَفِ عَضْبٍ مَعَ الْبَثْرَاءِ فِي أَقْرَابِ
قَالَ ابْنُ عَبْدٍ حِينَ شَدّ أَلِيّةً وَحَلَفْت فَاسْتَمِعُوا مِنْ الْكَذّابِ
أَلّا يَفِرّ وَلَا يُهَلّلَ فَالْتَقَى رَجُلَانِ يَلْتَقِيَانِ كُلّ ضِرَابِ
وَبَعْدَهُ: نَصَرَ الْحِجَارَةَ إلَى آخِرِ الْأَبْيَاتِ، إلّا أَنّهُ رُوِيَ: عَبَدَ الْحِجَارَةَ، وَعَبَدْت رَبّ مُحَمّدٍ، وَرُوِيَ فِي مَوْضِعٍ: وَلَقَدْ بَحِحْت: وَلَقَدْ عَجِبْت، وَيُرْوَى: فَالْتَقَى أَسَدَانِ يضطربان كلّ سراب، وَفِيهِ إنْصَافٌ مِنْ عَلِيّ﵁- لِقَوْلِهِ: أَسَدَانِ، وَنَسَبِهِ إلَى الشّجَاعَةِ وَالنّجْدَةِ. وَقَوْلُهُ: أَدّى عُمَيْرٌ إلَى قَوْلِهِ ثَوَابِي، أَيْ أَدّى إلَيّ ثَوَابِي، وَأَحْسَنَ جَزَائِي حِينَ أَخْلَصَ صَقْلَهُ،
_________________
(١) الدرقة: الترس من جلد ليس خشب ولا عقب، والعقب هو القصب الذى تعمل منه الأوتار.
[ ٦ / ٣١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثُمّ أَقْبَلَ نَحْوَ النّبِيّ ﷺ، وَهُوَ مُتَهَلّلٌ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁: هَلّا سَلَبْته دِرْعَهُ، فَإِنّهُ لَيْسَ فِي الْعَرَبِ دِرْعٌ خَيْرٌ مِنْهَا، فَقَالَ:
إنّي حِينَ ضَرَبْته اسْتَقْبَلَنِي بِسَوْأَتِهِ، فَاسْتَحْيَيْت ابْنَ عَمّي أَنْ أَسْتَلِبَهُ، وَخَرَجَتْ خَيْلُهُمْ مُنْهَزِمَةً حَتّى اقْتَحَمَتْ الْخَنْدَقَ هَارِبَةً، فَمِنْ هُنَا لَمْ يَأْخُذْ عَلِيّ سَلَبَهُ، وَقِيلَ تَنَزّهَ عَنْ أَخْذِهَا، وَقِيلَ: إنّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيّةِ إذَا قَتَلُوا الْقَتِيلَ لَا يَسْلُبُونَهُ ثِيَابَهُ.
وَقَوْلُ عَمْرٍو لِعَلِيّ: وَاَللهِ مَا أُحِبّ أَنْ أَقْتُلَك، زَادَ فِيهِ غَيْرُهُ: فَإِنّ أَبَاك كَانَ لِي صَدِيقًا، قَالَ الزّبَيْرُ: كَانَ أَبُو طَالِبٍ يُنَادِمُ مُسَافِرَ بْنَ أَبِي عَمْرٍو، فَلَمّا هَلَكَ اتّخَذَ عَمْرَو بْنَ وُدّ نَدِيمًا، فَلِذَلِكَ قَالَ لِعَلِيّ حِينَ بَارَزَهُ ما قال.
الفرعل:
وقول حسان فى عكرمة:
كأن ففاك قَفَا فُرْعُلِ
الْفُرْعُلُ: وَلَدُ الضّبْعِ.
وَذَكَرَ قَوْلَ سعد:
ليّث قَلِيلًا يَلْحَقْ الْهَيْجَا حَمَلْ
هُوَ بَيْتٌ تَمَثّلَ بِهِ عَنَى بِهِ حَمَلَ بْنَ سَعْدَانَةَ بْنِ حارثة بن معقل بن كعب ابن عُلَيْمِ بْنِ جَنَابٍ الْكَلْبِيّ. وَقَوْلُهُ يَرْقَدّ «١» بِالْحَرْبَةِ أَيْ: يُسْرِعُ بِهَا، يُقَالُ:
ارْقَدّ وَارْمَدّ بِمَعْنَى واحد. قال ذو الرّمّة:
_________________
(١) فى السيرة: يرفل.
[ ٦ / ٣١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يرقدّ فى أثر عرّاض وَتَتْبَعُهُ صَهْبَاءُ شَامِيّةٌ عُثْنُونُهَا حَصِبُ «١»
يَعْنِي الرّيحَ.
ابْنُ الْعَرِقَةِ وَأُمّ سَعْدٍ:
وَابْنُ الْعَرِقَةِ الّذِي رَمَى سَعْدًا هُوَ حِبّانُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الْعَرِقَةِ، وَالْعَرِقَةُ هِيَ قِلَابَةُ بِنْتُ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمِ [بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بن هصيص بن كعب ابن لُؤَيّ] تُكَنّى أُمّ فَاطِمَةَ، سُمّيَتْ الْعَرِقَةَ لِطِيبِ رِيحِهَا، وَهِيَ جَدّةُ خَدِيجَةَ أُمّ أُمّهَا هَالَةُ، وَحِبّانُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ مُنْقِدِ بن عمرو بن معيص بن عامر ابن لؤىّ «٢» .
_________________
(١) البيت فى اللسان وفيه عراص وحفيف نافجة بدلا من عراض وصهباء شامية، وعراض خطأ وقد روى الشطرة الثانية فى مادة حصب كما رواها هنا. وروى البيت كله فى مادة عرص وشطرته الأولى هكذا يرقد فى ظل عراص ويطرده الخ وقبل البيت: حتى إذا الهيق أمسى شام أفرخه وهن لا مؤبس نأيا ولا كثب والبيت فى وصف ظليم. أنظر ص ٧٩٨ سمط اللآلى ص ١٨٠ ح ٢ ط ٢.
(٢) فى نسب قريش: عبد مناف بن الحارث بن منقذ الخ ص ٢٢، ٤١٢ ويقول عنه إنه أخو هالة لأبيها وأمها. وعند الحافظ فى الفتح عنه فيما شرح به لفظ البخارى «وهو حبان بن قيس» . ويقال: ابن أبى قيس بن علقمة ابن عبد مناف.
[ ٦ / ٣٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأُمّ سَعْدٍ اسْمُهَا: كَبْشَةُ بِنْتُ رَافِعِ [بْنِ عُبَيْدٍ] «١» حَوْلَ اهْتِزَازِ الْعَرْشِ وَحَدِيثُ اهْتِزَازِ الْعَرْشِ ثَابِتٌ مِنْ وُجُوهٍ «٢»، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ أَنّ جبريل
_________________
(١) هى من الأنصار من بنى خدرة، وقد ذكر ابن سعد أنها أول من بايع النبى «ص» من نساء الأنصار.
(٢) رواه الشيخان من حديث جابر، وثبت- كما قيل- عن عشرة من الصحابة أو أكثر. وقال الحاكم: الأحاديث التى تصرح باهتزاز عرش الرحمن مخرجة فى الصحيحين، وليس لمعارضها فى الصحيح ذكر. وسيأتى حديث السهيلى عن هذا. وقد أنكر مالك هذا الحديث، وكره التحدث به. فقد سئل- كما روى صاحب العتبية- عن هذا الحديث، فقال: أنهاك أن تقوله وما يدعو المرء أن يتكلم بهذا، وما يدرى ما فيه المغرور. ويقول اليعمرى عن إنكار مالك: إن العلماء اختلفوا فى هذا الخبر، فمنهم من يحمله على ظاهره، ومنهم من يؤوله، وما هذا سبيله من الأخبار المشكلة، فمن الناس من يكره روايته إذا لم يتعلق به حكم شرعى، فلعل الكراهة المروية عن مالك من هذا النمط. ويقول أبو الوليد بن رشد فى شرح العتيبة: إنما نهى مالك لئلا يسبق إلى وهم الجاهل أن العرش إذا تحرك يتحرك الله بحركته، كما يقع للجالس منا على كرسيه، وليس العرش بموضع استقرار الله تبارك الله وتنزه عن مشابهة خلقه. ولكن مالكا من رواة حديث النزول وهو أصرح فى إثبات الحركة. فقيل: لعل حديث سعد لم يثبت عنده كما ثبت حديث النزول. لكن لو كان الأمر كذلك لقال مالك: ليس بثابت، أو لا أعرفه أو ما سمعته أو نحو ذلك. وكان ابن عمر يقول: إن العرش لا يهتز لأحد، ولكن قيل إنه رجع عن هذا لما بلغته الروايات. أخرج ذلك ابن حبان من طريق مجاهد عنه. المراد باعتزاز العرش: قيل المراد استبشاره وسروره بقدوم روحه، كما يقال-
[ ٦ / ٣٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﵇ نَزَلَ حِينَ مَاتَ سَعْدٌ مُعْتَجِرًا بِعِمَامَةِ مِنْ إسْتَبْرَقٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ
_________________
(١) - لكل من فرح بقدوم أحد عليه: اهتز له، ومنه: اهتزت الأرض بالنبات إذا اخضرت وحسنت. ومنه قول العرب: فلان يهتز للمكارم يريدون: ارتياحه إليها ووقع ذلك من حديث ابن عمر عند الحاكم بلفظ: اهتز العرش فرحا به لكنه تأوله، فقال: اهتز العرش فرحا بلقاء الله سعدا حتى تفسخت أعواده على عواتقنا. قال ابن عمر: يعنى عرش سعد الذى حمل عليه. وقيل: المراد باهتزاز العرش: اهتزاز حملة العرش ويؤيده حديث إن جبريل قال: من هذا الميت الذى فتحت له أبواب السماء، واستبشر به أهلها؟ «أخرجه الحاكم» وقيل: هى علامة نصبها الله لموت من يموت من أوليائه، ليشعر ملائكته بفضله. وقال الحربى: هو عبارة عن تعظيم شأن وفاته من النبى، والعرب إذا عظموا الأمر نسبوه إلى عظيم، كما يقولون: قامت لموت فلان القيامة، وأظلمت الدنيا بموته ونحو ذلك. وقال النووى فى شرح مسلم ما معناه: إن طائفة حملت الاهتزاز على ظاهره، وقالوا إن اهتزاز العرش تحركه حقيقة فرحا بقدوم روح سعد، وجعل الله فى العرش تمييزا حصل به هذا التحرك، ولا مانع منه كما قال تعالى عن الحجارة، (وإن منها لما يهبط من خشية الله) وهذا القول هو ظاهر الحديث، وهو المختار. ويقول المازرى عن حركة العرش: وهذا لا ينكر من جهة العقل، لأن العرش جسم مخلوق يقبل الحركة والسكون. وأقول: دين السلف: إذا ثبت النص ثبوتا لا اختلاف عليه، فإنه لا يجوز تأويله تأويلا يفسد معناه، أو يجرده من حقيقته، وإنما يجب حمله كما ورد دون تشبيه لما نسب إلى الله من صفة أو اسم أو فعل بما ينسب إلى الخلق من ذلك. وقد نبهت إلى ذلك مرارا فى الكتاب. فلله مثلا يدان حقيقتان ليستا هما النعمة أو القدرة أو غير ذلك مما يهرف به المعطلة، لكنهما ليستا كيد الخلق، وإذا كانت أيدى البشر لا تتشابه، فكيف نشبه يد الخالق بيد الخلق، فنقع فى وصف الله بأنه عدم حين تجرد صفاته من معانيها، أر بأنه صنم حين ننسب إليه عين ما ننسبه إلى الخلق، تعالى الله عن هذا علوا كبيرا. وما نقلت ما نقلت إلا لتعرف فحسب.
[ ٦ / ٣٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَنْ هَذَا الْمَيّتُ الّذِي فُتّحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السّمَاءِ، وَاهْتَزّ لَهُ الْعَرْشُ؟ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: قَالَ ﵇: لَقَدْ نَزَلَ لِمَوْتِ سَعْدِ بن معاذ سبعون ألف ملك ما وطؤا الْأَرْضَ قَبْلَهَا، وَيُذْكَرُ أَنّ قَبْرَهُ وُجِدَ مِنْهُ رَائِحَةُ الْمِسْكِ، وَقَالَ ﵇. لَوْ نَجَا أَحَدٌ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ لَنَجَا مِنْهَا سَعْد «١»، وَفِي كِتَابِ الدّلَائِلُ أَنّ النّبِيّ ﷺ جَلَسَ عَلَى قَبْرِ سَعْدٍ حِينَ وُضِعَ فِيهِ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ لِهَذَا الْعَبْدِ الصالح ثمّ فِي قَبْرِهِ ضَمّةً، ثُمّ فُرّجَ عَنْهُ، وَأَمّا ضغطة للقبر الّتِي ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ﵂ أَنّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا انْتَفَعْت بِشَيْءِ مُنْذُ سَمِعْتُك تَذْكُرُ ضَغْطَةَ الْقَبْرِ، وَضَمّتَهُ [وَصَوْتَ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ] فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، إنّ ضَغْطَةَ الْقَبْرِ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَوْ قَالَ ضَمّةُ الْقَبْرِ عَلَى الْمُؤْمِنِ كَضَمّةِ الْأُمّ الشّفِيقَةِ يَدَيْهَا عَلَى رَأْسِ ابْنِهَا، يَشْكُو إلَيْهَا الصّدَاعَ، وَصَوْتُ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ كَالْكُحْلِ فِي الْعَيْنِ، وَلَكِنْ يَا عَائِشَةُ وَيْلٌ لِلشّاكّينَ [فِي اللهِ] أُولَئِكَ الّذِينَ يُضْغَطُونَ فِي قُبُورِهِمْ ضَغْطَ الْبَيْضِ عَلَى الصّخْر. ذَكَرَهُ أَبُو سَعِيدِ ابن الْأَعْرَابِيّ فِي كِتَابِ الْمُعْجَمِ «٢» .
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ [يُونُسَ] الشّيْبَانِيّ عَنْهُ، قَالَ: حَدّثَنِي أميّة ابن عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قُلْت لِبَعْضِ أَهْلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: مَا بَلَغَكُمْ فِي هَذَا، يَعْنِي الضّمّةَ الّتِي انْضَمّهَا الْقَبْرُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: كَانَ يقصّر فى بعض الطّهور من البول
_________________
(١) أخرجه ابن سعد وأبو نعيم.
(٢) ورواه أيضا: البيهقى وابن مندة.
[ ٦ / ٣٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بعض التّقصير «١» .
امر حَسّانُ جَبَانًا؟:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ حَسّانَ حِينَ جُعِلَ فِي الْآطَامِ مَعَ النّسَاءِ وَالصّبْيَانِ، وَمَا قَالَتْ لَهُ صَفِيّةُ فِي أَمْرِ الْيَهُودِيّ حِينَ قَتَلَتْهُ، وَمَا قَالَ لَهَا، وَمَحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثِ عند الناس على أن حسّانا كَانَ جَبَانًا شَدِيدَ الْجُبْنِ، وَقَدْ دَفَعَ هَذَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَأَنْكَرَهُ، وَذَلِكَ أَنّهُ حَدِيثٌ مُنْقَطِعُ الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: لَوْ صَحّ هَذَا لَهُجِيَ بِهِ حَسّانُ، فَإِنّهُ كَانَ يُهَاجِي الشّعَرَاءَ كَضِرَارِ وَابْنِ الزّبعرى، وغيرهما، وكانوا يُنَاقِضُونَهُ وَيَرُدّونَ عَلَيْهِ، فَمَا عَيّرَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِجُبْنِ، وَلَا وَسَمَهُ بِهِ، فَدَلّ هَذَا عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِ ابْنِ إسْحَاقَ، وَإِنْ صَحّ فَلَعَلّ حَسّانَ أَنْ يَكُونَ مُعْتَلّا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بعلّة منعته مِنْ شُهُودِ الْقِتَالِ، وَهَذَا أَوْلَى مَا تَأَوّلَ عَلَيْهِ، وَمِمّنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ هَذَا صَحِيحًا أَبُو عُمَرَ ﵀ فِي كِتَابِ الدّرَرِ لَهُ.
الْحَدِيثُ عَنْ الصّوْرَيْنِ وَدِحْيَةَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ خروج النبي ﷺ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ مَرّ بِالصّوْرَيْنِ، وَالصّوْرُ الْقِطْعَةُ مِنْ النّخْلِ «٢»، فَسَأَلَهُمْ، فَقَالُوا مَرّ بِنَا دِحْيَةُ
_________________
(١) قيل: إن تقصيره لم يكن على وجه يؤدى إلى فساد عبادته. وأقول: إن الرجل الذى قيل عنه ما قيل لا نصدق أنه يقع فى مثل هذا الذى نسب إليه. هذا واقرأ حديث سعد الذى قال فيه: اللهُمّ إنْ كُنْتَ أَبْقَيْتَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شيئا الخ المذكور فى السيرة فى البخارى وغيره.
(٢) الصورين: موضع قرب المدينة.
[ ٦ / ٣٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن خَلِيفَةَ الْكَلْبِيّ. هُوَ: دِحْيَةُ بِفَتْحِ الدّالِ، وَيُقَالُ: دِحْيَةُ بِكَسْرِ الدّالِ أَيْضًا، وَالدّحْيَةُ بِلِسَانِ الْيَمَنِ: الرّئِيسُ، وَجَمْعُهُ دِحَاءٌ، وَفِي مَقْطُوعِ الْأَحَادِيثِ أَنّ النّبِيّﷺ- رَأَى الْبَيْتَ الْمَعْمُورِ يَدْخُلُهُ كُلّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ دحية، تَحْتَ يَدِ كُلّ دِحْيَةٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، ذَكَرَهُ الْقُتَبِيّ، وَرَوَاهُ ابْنُ سُنْجُرٍ فِي تَفْسِيرِهِ مُسْنَدًا إلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الْهُذَيْلِ، رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو التّيّاحِ، وَذَكَرَ أَنّ حَمّادَ بْنَ سَلَمَةَ قَالَ لِأَبِي التّيّاحِ حِينَ حَدّثَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَا الدّحْيَةُ؟ قَالَ: الرّئِيسُ، وَأَمّا نَسَبُ دِحْيَةَ فَهُوَ ابْنُ خَلِيفَةَ بْنِ فَرْوَةَ بْنِ فَضَالَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَالْخَزْرَجُ الْعَظِيمُ الْبَطْنِ ابْنُ زَيْدِ مَنَاةَ ابن عَامِرِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَامِرِ الْأَكْبَرِ بْنِ عوف بن عذرة بن زيد اللّات ابن رُقَيْدَةَ بْنِ ثَوْرِ بْنِ كَلْبٍ «١» يُذْكَرُ مِنْ جَمَالِهِ أَنّهُ كَانَ إذَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ لَمْ تَبْقَ مُعْصِرٌ، وَهِيَ الْمُرَاهِقَةُ لِلْحَيْضِ إلّا خَرَجَتْ تَنْظُرُ إلَيْهِ.
فِقْهُ لَا يُصَلّيَنّ أَحَدُكُمْ الْعَصْرَ إلّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ:
وَذَكَرَ قَوْلَهُ ﵇: لَا يُصَلّيَنّ أَحَدُكُمْ الْعَصْرَ إلّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَغَرَبَتْ عَلَيْهِمْ الشّمْسُ قَبْلَهَا، فَصَلّوْا العضر بِهَا بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَمَا عَابَهُمْ اللهُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، وَلَا عَنّفَهُمْ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ، وَفِي هَذَا مِنْ الْفِقْهِ أَنّهُ لَا يُعَابُ عَلَى مَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ حَدِيثٍ أَوْ آيَةٍ، فَقَدْ صَلّتْ مِنْهُمْ طائفة
_________________
(١) لم يذكر ابن حزم فى نسبه زيد مناة ص ٤٢٨ الجمهرة. وذكر ابن دريد فى الاشتقاق أن الخزرج هو الريح العاصف.
[ ٦ / ٣٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قَبْل أَنْ تَغْرُبَ الشّمْسُ، وَقَالُوا: لَمْ يُرِدْ النّبِيّﷺ- إخْرَاجَ الصّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا، وَإِنّمَا أَرَادَ الْحَثّ وَالْإِعْجَالَ، فَمَا عُنّفَ أَحَدٌ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنّ كُلّ مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْفُرُوعِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ مُصِيبٌ، وَفِي حُكْمِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ فِي الْحَرْثِ أَصْلٌ لِهَذَا الْأَصْلِ أَيْضًا، فَإِنّهُ قَالَ سُبْحَانَهُ: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ، وَكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا الْأَنْبِيَاءَ: ٧٩، وَلَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الشّيْءُ صَوَابًا فِي حَقّ إنْسَانٍ وَخَطَأً فِي حَقّ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ مَنْ اجْتَهَدَ فِي مَسْأَلَةٍ فَأَدّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى التّحْلِيلِ مُصِيبًا فِي اسْتِحْلَالِهِ، وَآخَرُ اجْتَهَدَ فَأَدّاهُ، اجْتِهَادُهُ وَنَظَرُهُ إلَى تَحْرِيمِهَا، مُصِيبًا فِي تَحْرِيمِهَا، وَإِنّمَا الْمُحَالُ أَنْ يُحْكَمَ فِي النّازِلَةِ بِحُكْمَيْنِ مُتَضَادّيْنِ فِي حَقّ شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَإِنّمَا عَسُرَ فَهْمُ هَذَا الْأَصْلِ عَلَى طَائِفَتَيْنِ: الظّاهِرِيّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، أَمّا الظّاهِرِيّةُ فَإِنّهُمْ عَلّقُوا الْأَحْكَامَ بِالنّصُوصِ، فَاسْتَحَالَ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ النّصّ يَأْتِي بِحَظْرِ، وَإِبَاحَةٍ مَعًا إلّا عَلَى وَجْهِ النّسْخِ، وَأَمّا الْمُعْتَزِلَةُ، فَإِنّهُمْ عَلّقُوا الْأَحْكَامَ بِتَقْبِيحِ الْعَقْلِ وَتَحْسِينِهِ، فَصَارَ حُسْنُ الْفِعْلِ عِنْدَهُمْ أَوْ قُبْحُهُ صِفَةَ عَيْنٍ، فَاسْتَحَالَ عِنْدَهُمْ أَنْ يَتّصِفَ فِعْلٌ بِالْحُسْنِ فِي حَقّ زَيْدٍ وَالْقُبْحِ فِي حَقّ عَمْرٍو، كَمَا يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ فِي الْأَلْوَانِ، وَالْأَكْوَانِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِالذّوَاتِ، وَأَمّا مَا عَدَا هَاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ مِنْ أَرْبَابِ الْحَقَائِقِ، فَلَيْسَ الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ عِنْدَهُمْ بِصِفَاتِ أَعْيَانٍ، وَإِنّمَا هِيَ صِفَاتُ أَحْكَامٍ، وَالْحُكْمُ مِنْ اللهِ تَعَالَى يَحْكُمُ بِالْحَظْرِ فى النازلة على من أداه نظره وَاجْتِهَادُهُ إلَى الْحَظْرِ، وَكَذَلِكَ الْإِبَاحَةُ وَالنّدْبُ وَالْإِيجَابُ وَالْكَرَاهَةُ، كُلّهَا صِفَاتُ أَحْكَامٍ، فَكُلّ مُجْتَهِدٍ وَافَقَ اجْتِهَادُهُ وَجْهًا مِنْ التّأْوِيلِ، وَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ أَدَوَاتِ الِاجْتِهَادِ مَا يَتَرَفّعُ بِهِ عَنْ حَضِيضِ
[ ٦ / ٣٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التّقْلِيدِ إلَى هَضْبَةِ النّظَرِ، فَهُوَ مُصِيبٌ فِي اجْتِهَادِهِ مُصِيبٌ لِلْحُكْمِ الّذِي تَعَبّدَ بِهِ، وَإِنْ تَعَبّدَ غَيْرُهُ فِي تِلْكَ النّازِلَةِ بِعَيْنِهَا بِخِلَافِ مَا تَعَبّدَ هُوَ بِهِ، فَلَا يُعَدّ فِي ذَلِكَ إلّا عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ الْحَقَائِقَ أَوْ عَدَلَ بِهِ الْهَوَى عن أوضح الطرائق «١» .
_________________
(١) يقول الحافظ فى الفتح تعليقا على هذا، وهو أن كل مجتهد مصيب على الإطلاق: ليس بواضح، وإنما فيه ترك تعنيف من بذل وسعه واجتهد، فيستفاد منه عدم تأثيمه.، هذا ومن المشهور الذى عليه الجمهور أن المصيب فى القطعيات واحد. وخالف هذا الجاحظ والعنبرى. وما لا قطع فيه فالجمهور يرى أيضا أنه واحد. ويقول الأشعرى: كل مجتهد مصيب، وأن حكم الله تابع لظن المجتهد ويرى بعض الحنفية والشافعية أن من لم يصب ما فى نفس الأمر فهو مخطىء. وأقول: الحق واحد لا يتعدد، والله لا يجعل الشىء مباحا ومحظورا من جهة واحدة: وإذا كان الأمر كذلك؛ فان من اجتهد- كما قال الرسول ﷺ- وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد استحقه باجتهاده. ويقال لمن أصاب الحق محق. ولمن لم يصبه: غير محق فى رأيه، لكن قد يكون الشىء واجبا فعله ومحظورا فعله لا من جهة واحدة، وإنما من جهات متعددة، أو من جهتين مختلفتين، كالصوم فى بعض أحواله المعروفة. هذا وقد وقع فى جميع نسخ البخارى أن الصلاة هى العصر، واتفق على هذا جميع أهل المغازى، ولكن وقع فى جميع نسخ مسلم أنها الظهر مع اتفاق البخارى ومسلم على روايته عن شيخ واحد باسناد واحد. ووافق مسلما ابن سعد وابن حبان كلاهما من طريق مالك بن اسماعيل. وانظر التوفيق بين هذا فى شرح المواهب اللدنية ص ١٣٠ ح ٢ وفى فتح البارى فى الغزوة. ومن بين التوفيق أن البخارى كتبه من حفظه، ولم يراع اللفظ كما عرف من مذهبه فى تجويز ذلك بخلاف مسلم فانه يحافظ كثيرا على اللفظ.
[ ٦ / ٣٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَوْلَ قِصّةِ أَبِي لُبَابَةَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ أَبَا لُبَابَةَ وَاسْمُهُ رِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زَنْبَر «١» وَقِيلَ:
اسْمُهُ مُبَشّرٌ «٢»، وَتَوْبَتَهُ وَرَبْطَهُ نَفْسَهُ حَتّى تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ فِيهِ أَنّهُ أَقْسَمَ أَلّا يَحُلّهُ إلّا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَرَوَى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عن على ابن زَيْدٍ عَنْ عَلِيّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنّ فَاطِمَةَ أَرَادَتْ حَلّهُ حِينَ نَزَلَتْ تَوْبَتُهُ، فَقَالَ:
قَدْ أَقْسَمْت أَلّا يَحُلّنِي إلّا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنّ فَاطِمَةَ مُضْغَةٌ مِنّي، فَصَلّى اللهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى فَاطِمَةَ، فَهَذَا حَدِيثٌ يَدُلّ عَلَى أَنّ مَنْ سَبّهَا فَقَدْ كَفَرَ، وَأَنّ مَنْ صَلّى عَلَيْهَا، فَقَدْ صَلّى عَلَى أَبِيهَاﷺ- وَفِيهِ: أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا التّوْبَةَ: ١٠٢ الْآيَةَ، غَيْرَ أَنّ الْمُفَسّرِينَ اخْتَلَفُوا فِي ذَنْبِهِ مَا كَانَ، فَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ مَا ذَكَرَهُ فِي السّيرَةِ مِنْ إشَارَتِهِ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ مِنْ الْمُخَلّفِينَ: الّذِينَ تَخَلّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَنَزَلَتْ تَوْبَةُ اللهِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
لَعَلّ وَعَسَى وَلَيْتَ:
فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ فِي الْآيَةِ نَصّ عَلَى تَوْبَتِهِ وَتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ.
فَالْجَوَابُ: أَنّ عَسَى مِنْ اللهِ وَاجِبَةٌ وَخَبَرُ صدق. فإن قيل: وهو سؤال
_________________
(١) فى جمهرة ابن حزم ص ٣١٤ وفى الإصابة: زر.
(٢) مختلف فى اسمه فهو بشير، وهو مروان. أنظر الإصابة والاشتقاق لابن دريد ص ٤٣٨.
[ ٦ / ٣٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ: إنّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ، وَلَيْسَتْ عَسَى فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِخَبَرِ، وَلَا تَقْتَضِي وُجُوبًا، فَكَيْفَ تَكُونُ عَسَى وَاجِبَةً فِي الْقُرْآنِ، وَلَيْسَ بِخَارِجِ عَنْ كَلَامِ الْعَرَبِ؟ وَأَيْضًا: فَإِنّ لَعَلّ تُعْطِي مَعْنَى التّرَجّي، وَلَيْسَتْ مِنْ اللهِ وَاجِبَةً، فَقَدْ قَالَ: (لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) فَلَمْ يَشْكُرُوا، وَقَالَ (لَعَلّهُ يَتَذَكّرُ أَوْ يَخْشَى) فَلَمْ يَتَذَكّرْ وَلَمْ يَخْشَ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ لَعَلّ وَعَسَى حَتّى صَارَتْ عَسَى وَاجِبَةً؟ قُلْنَا: لَعَلّ تُعْطِي التّرَجّيَ، وَذَلِكَ التّرَجّي مَصْرُوفٌ إلَى الْخَلْقِ، وَعَسَى مِثْلُهَا فِي التّرَجّي، وَتَزِيدُ عَلَيْهَا بِالْمُقَارَبَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا الْإِسْرَاءَ: ٧٩ وَمَعْنَاهُ التّرَجّي مَعَ الْخَبَرِ بِالْقُرْبِ، كَأَنّهُ قَالَ قَرُبَ أَنْ يَبْعَثَك، فَالتّرَجّي مَصْرُوفٌ إلَى الْعَبْدِ، كَمَا فِي لَعَلّ، وَالْخَبَرُ عَنْ الْقُرْبِ وَالْمُقَارَبَةِ مَصْرُوفٌ إلَى اللهِ تَعَالَى، وَخَبَرُهُ حَقّ وَوَعْدُهُ حَتْمٌ، فَمَا تَضَمّنَتْهُ مِنْ الْخَبَرِ فَهُوَ الْوَاجِبُ دُونَ التّرَجّي الّذِي هُوَ مُحَالٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَمَصْرُوفٌ إلَى الْعَبْدِ، وَلَيْسَ فِي لَعَلّ مِنْ تَضَمّنِ الْخَبَرِ مِثْلُ مَا فِي عَسَى، فَمِنْ ثَمّ كَانَتْ عَسَى وَاجِبَةً إذَا تَكَلّمَ اللهُ بِهَا، وَلَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَعَلّ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يَجُوزُ فِي لَيْتَ مَا كَانَ فِي لَعَلّ مِنْ وُرُودِهَا فِي كَلَامِ الْبَارِي سُبْحَانَهُ، عَلَى أَنْ يَكُونَ التّمَنّي مَصْرُوفًا إلَى الْعَبْدِ، كَمَا كَانَ التّرَجّي فِي لَعَلّ كَذَلِكَ؟
[ ٦ / ٣٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قُلْنَا: هَذَا غَيْرُ جَائِزٍ، وَإِنّمَا جَازَ ذَلِكَ فِي لَعَلّ عَلَى شَرْطٍ وَصُورَةٍ، نَحْوَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهَا فِعْلٌ، وَبَعْدَهَا فِعْلٌ، وَالْأَوّلُ سَبَبٌ لِلثّانِي نَحْوَ قَوْلِهِ: يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ النحل: ٩٠، فَقَالَ بَعْضُ النّاسِ: لَعَلّ هَاهُنَا بِمَعْنَى كَيْ، أَيْ كَيْ تَذْكُرُوهُ، وَأَنَا أَقُولُ: لَمْ يَذْهَبْ مِنْهَا مَعْنَى التّرَجّي، لِأَنّ الْمَوْعِظَةَ، مِمّا يُرْجَى أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِلتّذَكّرِ، فَعَلَى هَذِهِ الصّورَةِ وَرَدَتْ فِي الْقُرْآنِ، وَنَحْوَ قَوْلِهِ أَيْضًا: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ هُودٌ: ١٢ هِيَ هَاهُنَا تَوَقّعٌ وَتَخَوّفٌ، أَيْ: مَا أَصَابَك مِنْ التّكْذِيبِ مِمّا يَتَخَوّفُ وَيُتَوَقّعُ مِنْهُ ضِيقُ الصّدْرِ، فَهَذَا هُوَ الْجَائِزُ فِي لَعَلّ، وَأَمّا أَنْ تَرِدَ فِي الْقُرْآنِ دَاخِلَةً عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ مِثْلَ أَنْ تَقُولَ، مُبْتَدِئًا: لَعَلّ زَيْدًا يُؤْمِنُ، فَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنّ الرّبّ سُبْحَانَهُ لَا يَتَرَجّى، وَإِنّ صُرِفَ التّرَجّي إلَى حَقّ الْمَخْلُوقِ، وَمَوْضُوعُهَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلّمُ بِهَا لَا يَسْتَقِيمُ أَيْضًا إلّا عَلَى الصّورَةِ الّتِي قَدّمْنَا مِنْ كَوْنِهَا بِمَعْنَى: كَيْ، وَوُقُوعُهَا بَيْنَ السّبَبِ وَالْمُسَبّبِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَا إشْكَالَ فِي لَيْتَ أَنّهَا لَا تَكُونُ فِي كَلَامِ الْبَارِي سُبْحَانَهُ، لِأَنّ التّمَنّي مُحَالٌ عَلَيْهِ، وَالتّرَجّي وَالتّوَقّعُ وَالتّخَوّفُ كَذَلِكَ، حَتّى تُزِيلَهَا عَنْ الْمَوْضِعِ الّذِي يَكُونُ مَعْنَاهَا فِيهِ لِلْمُتَكَلّمِ بِهَا. مِنْ أَسْمَاءِ السّمَاءِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ حُكْمَ سَعْدٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَوْلُ النّبِيّ ﵇ لَهُ: لَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ، هَكَذَا فِي السّيرَةِ: أَرْقِعَةٍ،
[ ٦ / ٣٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفى الصحيح: من فوق سبع سماوات «١»، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، لِأَنّ الرّقِيعَ مِنْ أَسْمَاءِ السّمَاءِ، لِأَنّهَا رُقِعَتْ بِالنّجُومِ، وَمِنْ أَسْمَائِهَا: الْجَرْبَاءُ وَبِرْقِعُ، وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ أَنّهُ ﵇ قَالَ فِي حُكْمِ سَعْدٍ: بِذَلِكَ: طَرَقَنِي الْمَلَكُ سَحَرًا.
فَوْقِيّةُ اللهِ سُبْحَانَهُ:
وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ تَعْلِيمُ حُسْنِ اللّفْظِ إذَا تَكَلّمَتْ بِالْفَوْقِ مُخْبِرًا عَنْ اللهِ سُبْحَانَهُ أَلَا تَرَاهُ كَيْفَ قَالَ: بحكم الله من فوق سبع سماوات، وَلَمْ يَقُلْ فَوْقُ عَلَى الظّرْفِ، فَدَلّ عَلَى أَنّ الْحُكْمَ نَازِلٌ مِنْ فَوْقُ، وَهُوَ حُكْمُ اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا نَحْوٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ النّحْلَ: ٥٠، أَيْ يَخَافُونَ عِقَابًا يَنْزِلُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَهُوَ عِقَابُ رَبّهِمْ.
فإن قيل: أو ليس بِجَائِزِ أَنْ يُخْبَرَ عَنْهُ سُبْحَانَهُ أَنّهُ فَوْقَ سبع سماوات؟
قُلْنَا: لَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى إطْلَاقِ ذَلِكَ، فَإِنْ جَازَ فَبِدَلِيلِ آخَرَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ زَيْنَبَ: زَوّجَنِي الله من نبيّه من فوق سبع
_________________
(١) رواه النسائى. هذا وما حكم به سعد قريب جدا مما فى سفر التثنية، ففى الإصحاح المتمم للعشرين منه جاء ما يلى: «إن لم تسالمك بل عملت معك حربا، فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك، فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم، وكل ما فى المدينة كل غنيمتها؛ فتغنمها لنفسك. وتأكل غنيمة أعدائك التى أعطاك الرب إلهك» من فقرة ١٠ إلى ١٥. وازن بين هذا وبين حكم سعد «تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم» ثم قول الرسول «ص» له: قضيت بحكم الله، أفيباح لنا أن نقول إن الحديث يشير إلى هذا الحكم الذى ورد فى سفر التثنية؟!.
[ ٦ / ٣٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سماوات، وَإِنّمَا مَعْنَاهُ: أَنّ تَزْوِيجَهُ إيّاهَا نَزَلَ مِنْ فوق سبع سماوات «١» وَلَا يَبْعُدُ فِي الشّرْعِ وَصْفُهُ سُبْحَانَهُ بِالْفَوْقِ عَلَى الْمَعْنَى الّذِي يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، لَا عَلَى الْمَعْنَى الّذِي يَسْبِقُ لِلْوَهْمِ مِنْ التّحْدِيدِ، وَلَكِنْ لَا يُتَلَقّى إطْلَاقُ ذَلِكَ الْوَصْفِ مِمّا تَقَدّمَ مِنْ الْآيَةِ وَالْحَدِيثَيْنِ لِارْتِبَاطِ حَرْفِ الْجَرّ بِالْفِعْلِ، حَتّى صَارَ وَصْفًا لَهُ لَا وَصْفًا لِلْبَارِي سُبْحَانَهُ، وَقَدْ أَمْلَيْنَا فِي حَدِيثِ الْأُمّةِ الّتِي قَالَ لَهَا: أَيْنَ اللهُ؟ قَالَتْ: فِي السّمَاءِ مسألة بديعة نافعة شافية رافعة لكل لبس، والحمد لله «٢» .
_________________
(١) حقيقة الفوقية هى علو ذات الشىء على غيره، والجهميون يزعمون أن فوقية الله فوقية رتبة وقهر كقولنا: الذهب فوق الفضة. وأهل السنة وسلفنا الصالح يقولون إن العهد والفطر والعقول والشرائع وجميع كتب الله المنزلة على خلاف ما يزعم الجهميون، وأنه سبحانه فوق العالم بذاته، فالخطاب بفوقيته ينصرف إلى ما استقر فى الفطر والعقول والكتب السماوية. والمجاز فى الفوقية وإن احتمل فى قوله: (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ) فدلك لأنه قد علم أنهم جميعا مستقرون على الأرض فهى فوقية قهر وغلبة ولكن هذا المجاز لا يحتمل فى قوله سبحانه: (وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ) إذ قد علم بالضرورة أنه وعباد. ليسوا مستوين فى مكان واحد حتى تكون فوقية قهر وغلبة. واقرأ كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ولا سيما من أول ص ٢٠٥ فقد أقام الأدلة القاطعة من القرآن والسنة والعقل على فوقية الله سبحانه بذاته من سبعة عشر وجها، واقرأ لابن رشد الفيلسوف فى إثبات جهة العلو لله سبحانه فى كتابه مناهج الأدلة. وكانت زينب ﵂ تفخر على أزواج النبى تقول: زوجكن أهاليكن، وزجنى الله تعالى من فوق سبع سماوات. رواه البخارى فى الصحيح.
(٢) وحديث الأمة التى سألها رسول الله ﷺ: أين الله؟ قالت: الله فى السماء، قال من أنا؟ فقالت: أنت رسول الله، قال إنها مؤمنة فاعتقها وكان الذئب قد أصاب شاة من غنم كانت ترعاها لسيدها، فصكها صكة، ثم-
[ ٦ / ٣٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَيّسَةُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَبْسَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي دَارِ بِنْتِ الْحَدَثِ، كَذَا وَقَعَ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَالصّحِيحُ عِنْدَهُمْ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَاسْمُهَا: كَيّسَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ كُرَيْزِ بْنِ حَبِيبِ «١» بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذّابِ، ثُمّ خَلَفَ عَلَيْهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ، وَكَيّسَةُ أُخْرَى مَذْكُورَةٌ فِي النّسَاءِ، وَهِيَ بِنْتُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ، وَكَيّسَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرَة رَوَتْ عَنْ أَبِيهَا عَنْ النّبِيّﷺ أَنّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْ الْحِجَامَةِ يَوْمَ الثّلَاثَاءِ أَشَدّ النّهْيِ، وَيَقُولُ: فِيهِ سَاعَةٌ لَا يَرْقَأُ فِيهَا الدّمُ «٢»: وَأَمّا كَيْسَةُ بِسُكُونِ الْيَاءِ، فَهِيَ بِنْتُ أَبِي كَثِيرٍ تَرْوِي عَنْ أُمّهَا عَنْ عَائِشَةَ فى الخمر: لا طيّب الله من
_________________
(١) - انصرف إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وأخبره بما فعل مع الجارية وأراد عتقها تكفيرا عن ذنبه، فطلب منه الرسول «ص» أن يأتيه بها. ففعل فسألها عما قدمت ذكره. والحديث فى صحيح مسلم. وقد ورد فى حديث رواه البخارى ومسلم «ألا تأمنونى، وأنا أمين من السماء، يأتينى خبر السماء صباحا ومساء» وفوق ذلك كله قول الله سبحانه: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ) .
(٢) فى الاشتقاق لابن دريد: كريز بن ربيعة بن حبيب ص ١٦٥ وكذلك هو فى نسب قريش: كريز بن ربيعة بن حبيب فلعله سقط. فالسهيلى يأخذ يقول الزبيريين فى الأنساب. وكذلك ذكر نسبه فى كتاب حذف من نسب قريش للسدوسى: كريز بن ربيعة بن حبيب. وفى الإصابة أن المرأة هى رملة بنت الحارث ابن ثعلبة بن الحارث بن زيد. وهى زوج معاذ بن الحارث بن رفاعة. وعند أبى الأسود أنهم حبسوا فى دار أسامة بن زيد.
(٣) قول لا يعتد به، وإلا توقفت الجراحات كلها يوم الثلاثاء.
[ ٦ / ٣٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَطَيّبَ بِهَا، وَلَا شَفَى مَنْ اسْتَشْفَى بِهَا، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْأَشْرِبَةِ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْكِتَابِ، وَوَقَعَ اسْمُهَا فِي السّيرَةِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ: زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ النّجّارِيّةُ، فَاَللهُ أَعْلَمُ. وَأَمّا كَيّسَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، فَهِيَ الّتِي أُنْزِلَ فِي دَارِهَا وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا.
رُفَيْدَةُ:
وَذَكَرَ رُفَيْدَةَ، وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنْ أَسْلَمَ الّذِي كَانَ سَعْدٌ يُمَرّضُ فِي خَيْمَتِهَا لَمْ يَذْكُرْهَا أَبُو عُمَرَ، وَزَادَهَا أَبُو عَلِيّ الْغَسّانِيّ فِي كِتَابِ أَبِي عُمَرَ، حَدّثَنِي بِتِلْكَ الزّوَائِدِ أَبُو بَكْرِ بْنُ طَاهِرٍ عَنْهُ، وَحَدّثَنِي عَنْهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي عُمَرَ أَنّهُ قَالَ لِأَبِي عَلِيّ: أَمَانَةُ اللهِ فِي عُنُقِك، مَتَى عَثَرْت عَلَى اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ الصّحَابَةِ، لَمْ أَذْكُرْهُ إلّا أَلْحَقْته فِي كِتَابِي الّذِي فِي الصّحَابَةِ «١» .
غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ ثَعْلَبَةَ بْنَ سَعْيَةَ، وَأَسَدَ بْنَ سَعْيَةَ «٢» .
وَأُسَيْدَ بْنَ سَعْيَةَ وَهُمْ مِنْ بَنِي هَدَلٍ، وَقَدْ تَكَلّمْنَا فِي الْجُزْءِ الثّانِي مِنْ هذا
_________________
(١) وقيل هى أنصارية، وفى الإصابة الأنصارية أو الاسلحية، وقد روى البخارى فى الأدب المفرد حديثها، وذكر أن الرسول «ص» كان إذا مر بعد عند ما يقول: كيف أمسيت، وإذا أصبح يقول: كيف أصبحت. وفى الإصابة فى حرف الكاف: كعيبة بنت سعيد الأسلمية وقد قال عنها ابن سعد هى التى كانت لها خيمة فى المسجد. وعند البخارى: «فضرب النبى «ص» خيمة فى المسجد، ليعوده من قريب» أى ليعود سعد.
(٢) المذكور فى السيرة: أسد بن عبيد.
[ ٦ / ٣٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْكِتَابِ عَلَى سَعْيَةَ وَسُعْنَةَ بِالنّونِ، وَذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِي أَسِيدٍ وَأُسَيْدٍ، وَذَكَرْنَا خَبَرًا عَجِيبًا لِزَيْدِ بْنِ سَعْيَةَ بِالْيَاءِ، وَمَنْ قَالَ مِنْ النّسّابِينَ هَدْلٌ بِسُكُونِ الدّالِ فِي بَنِي هَدَلٍ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَتِهِ.
قَتْلُ الْمُرْتَدّةِ:
وَأَمّا حَدِيثُ الْمَرْأَةِ الْمَقْتُولَةِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَفِيهَا دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ بِقَتْلِ الْمُرْتَدّةِ مِنْ النّسَاءِ، أَخْذًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵇: مَنْ بَدّلَ دِينَهُ، فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ «١» . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ الْعُمُومِ قُوّةٌ أُخْرَى، وَهُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْعِلّةِ، وَهُوَ التّبْدِيلُ وَالرّدّةُ، وَلَا حُجّةَ مَعَ هَذَا لِمَنْ زعم منى أَهْلِ الْعِرَاق بِأَنْ لَا تُقْتَلَ الْمَرْأَةُ لِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ قَتْلِ النّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، وَلِلِاحْتِجَاجِ لِلْفَرِيقَيْنِ، وَمَا نَزَلَ بِهِ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَوْطِنٌ غَيْرُ هَذَا.
الزّبِيرُ بْنُ بَاطَا:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ مَعَ الزّبِيرِ بن باطا، وهو الزّبير
_________________
(١) فى حديث رواه الجماعة إلا مسلما: من بدل دينه فاقتلوه. وقد علق صاحب الفتح عليه بقوله: واستدل به على قتل المرتدة كالمرتد. وخصه الحنفية بالذكر متمسكين بحديث النهى عن قتل النساء، ولكن الجمهور يحمل النهى على الكافرة الأصلية إذا لم تباشر القتال، لقوله فى بعض طرق الحديث النهى عن قتل النساء لما رأى امرأة مقتولة: ما كانت هذه لتقاتل، ثم نهى عن قتل النساء. واحتجوا بأن من الشرطية لا تعم المؤنث، وتعقب بأن راوى الخبر هو ابن عباس، وقد قال بقتل المرتدة وقد قتل الصديق امرأة ارتدت فى خلافته، ولم ينكر عليه صحابى. أنظر ص ١٩٠ ج ٧ نيل الأوطار للشوكانى.
[ ٦ / ٣٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِفَتْحِ الزّايِ وَكَسْرِ الْبَاءِ جَدّ الزّبِيرِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ الْمَذْكُورِ فِي الْمُوَطّأِ فِي كِتَابِ النّكَاحِ، وَاخْتُلِفَ فِي الزّبِيرِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ، فَقِيلَ: الزّبِيرُ بِفَتْحِ الزّايِ وَكَسْرِ الْبَاءِ كَاسْمِ جَدّهِ، وَقِيلَ الزّبَيْرُ، وَهُوَ قَوْلُ الْبُخَارِيّ فِي التّارِيخِ.
وَذَكَرَ فِيهِ قَوْلَ الزّبِيرِ:
فَمَا أَنَا بِصَابِرِ لِلّهِ فَتْلَةَ دَلْوٍ نَاضِحِ
وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: إنّمَا هُوَ قَبَلَةُ دَلْوٍ بِالْقَافِ وَالْبَاءِ، وَقَابِلُ الدّلْوِ هُوَ الّذِي يَأْخُذُهَا مِنْ الْمُسْتَقَى «١» .
وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْحَدِيثَ فِي الْأَقْوَالِ عَلَى غَيْرِ مَا قَالَاهُ جَمِيعًا، فَقَالَ:
قَالَ الزّبِيرُ: يَا ثَابِتُ أَلْحِقْنِي بِهِمْ، فَلَسْت صَابِرًا عَنْهُمْ إفْرَاغَةُ دَلْوٍ.
الْإِنْبَاتُ أَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ الْبُلُوغِ:
وَذَكَرَ حَدِيثَ عَطِيّةَ الْقُرَظِيّ، وَهُوَ جَدّ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ، وَذَكَرَ أَنّهُ لَمْ يَكُنْ أَنْبَتَ فَتُرِكَ، فَفِي هَذَا أَنّ الْإِنْبَاتَ أَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ الْبُلُوغِ إذَا جُهِلَ الِاحْتِلَامُ، وَلَمْ تعرف سنوّه.
_________________
(١) يقول الخشنى: الناضح: الحبل الذى يستخرج عليه الماء من البئر بالسانية، وأراد بقوله له: فتلة دلو ناضح: مقدار ما يأخذ الرجل الدلو إذا أخرجت فيصبها فى الحوض يفتلها أو يردها إلى موضعها، ومن رواه قبلة بالقاف والباء فهو بمقدار ما يقبل الرجل الدلو ليصبها فى الحوض، ثم يصرفها، وهذا كله لا يكون إلا عن استعجال وسرعة ص ٣٠٧.
[ ٦ / ٣٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حُلّةُ حُيَيّ:
وَذَكَرَ حُيَيّ بْنَ أَخْطَبَ حِينَ قُدّمَ إلَى الْقَتْلِ، وَعَلَيْهِ حُلّةٌ فُقّاحِيّةٌ. الْحُلّةُ:
إزَارٌ وَرِدَاءٌ، وَأَصْلُ تَسْمِيَتِهَا بِهَذَا إذَا كَانَ الثّوْبَانِ جَدِيدَيْنِ، كَمَا حَلّ طَيّهُمَا، فَقِيلَ لَهُ: حُلّةٌ لِهَذَا، ثُمّ اسْتَمَرّ عَلَيْهِ الِاسْمُ، قَالَهُ الْخَطّابِيّ.
وَقَوْلُهُ: فُقّاحِيّةٌ نُسِبَتْ إلَى الْفُقّاحِ، وَهُوَ الزّهْرُ إذَا انْشَقّتْ أَكِمّتُهُ، وَانْضَرَجَتْ بَرَاعِيمُهُ، وَتَفَتّقَتْ أَخْفِيَتُهُ، فَيُقَالُ لَهُ حِينَئِذٍ فَقّحَ وَهُوَ فُقّاحٌ. وَالْقَنَابِعُ أَيْضًا فِي مَعْنَى الْبَرَاعِيمِ، وَاحِدُهَا: قُنْبُعَةٌ، وَأَمّا الْفُقّاعُ بِالْعَيْنِ «١» فَهُوَ الْفِطْرُ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: آذَانُ الْكَمْأَةِ مِنْ كِتَابِ النّبَاتِ.
وَيُرْوَى أيضا: حلّة شقحيّة وهو سنح «٢» البشر إذَا تَلَوّنَ. قَالَهُ الْخَطّابِيّ.
وَلَكِنّهُ مَنْ يَخْذُلْ اللهَ يُخْذَلْ
بِنَصْبِ الْهَاءِ مِنْ اسْمِ اللهِ، وَيُصَحّحُ هَذِهِ الرّوَايَةَ أَنّ فِي الْخَبَرِ قَوْلَ النّبِيّ ﷺ: أَلَمْ يُمَكّنْ اللهُ مِنْك؟ فَقَالَ: بَلَى، وَلَقَدْ قَلْقَلْت كُلّ مُقَلْقَلِ، وَلَكِنْ مَنْ يَخْذُلْك يُخْذَلْ، فَقَوْلُهُ: يَخْذُلْك كَقَوْلِ الْآخَرِ فِي الْبَيْتِ:
وَلَكِنّهُ مَنْ يَخْذُلْ الله يخذل
_________________
(١) فى اللسان: الفقع بكسر الفاء وقتحها وسكون القاف الأبيض الرخو من الكمأة وهو أردؤها وجمعها على وزن فعلة بكسر الفاء وفتح العين مثل قردة.
(٢) فى التعبير خلل، وهو يعنى أن شقحية نسبة إلى شقحة التى جمعها شقح. والشقحة: هى البسرة المتغيرة الحمرة. وسنح فى الأصل: صوابها شقح.
[ ٦ / ٣٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لِأَنّهُ إنّمَا نَظَمَ فِي الْبَيْتِ كَلَامَ حُيَيّ. سَلْمَى بِنْتُ أَيّوبَ: وَذَكَرَ حَدِيثَهُ عَنْ أَيّوبَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، وَأَلْفَيْت فِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ، قَالَ: وَقَعَ فِي تَارِيخِ الْبُخَارِيّ أَنّ أَيّوبَ نَفْسَهُ هُوَ الْمُخْبِرُ أَنّ سَلْمَى بِنْتَ قَيْسٍ هِيَ: سَلْمَى بِنْتُ أَيّوبَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَهُوَ الصّحِيحُ وَاَللهُ أَعْلَمُ. سَلْمَى بِنْتُ قَيْسٍ: وَقَوْلُهُ عَنْ سَلْمَى بِنْتِ قَيْسٍ، هِيَ سَلْمَى بِنْتُ قَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَدِيّ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَدِيّ بْنِ النّجّارِ تَفْسِيرُ آيَاتٍ قُرْآنِيّةٍ: وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ والقلب لا ينتقل من موصعه، وَلَوْ انْتَقَلَ إلَى الْحَنْجَرَةِ لَمَاتَ صَاحِبُهُ، وَاَللهُ سُبْحَانَهُ لَا يَقُولُ إلّا الْحَقّ، فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنّ التّكَلّمَ بِالْمَجَازِ عَلَى جِهَةِ الْمُبَالَغَةِ، فَهُوَ حَقّ إذَا فَهِمَ الْمُخَاطَبُ عَنْك، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ الْكَهْفَ: ٧٧، أَيْ مَثَلُهُ كَمَثَلِ مَنْ يُرِيدَ أَنْ يفعل الفعل، ويهم بِهِ، فَهُوَ مِنْ مَجَازِ التّشْبِيهِ، وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ مِثْلُهُمْ فِيمَا بَلَغَهُمْ مِنْ الْخَوْفِ وَالْوَهَلِ وَضِيقِ الصّدْرِ كَمِثْلِ الْمُنْخَلِعِ قَلْبُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، تَقْدِيرُهُ: بَلَغَ وَجِيفُ الْقُلُوبِ الْحَنَاجِرَ وَأَمّا قَوْلُهُ: إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ غَافِرَ: ١٨ فَلَا مَعْنَى لِحَمْلِهِ عَلَى الْمَجَازِ،
[ ٦ / ٣٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِأَنّهُ فِي صِفَةِ هَوْلِ الْقِيَامَةِ، وَالْأَمْرُ فِيهِ أَشَدّ مِمّا تَقَدّمَ، لَا سِيمَا وَقَدْ قَالَ فِي أُخْرَى:
لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ إبْرَاهِيمَ: ٤٣، أَيْ قَدْ فَارَقَ الْقَلْبُ الْفُؤَادَ، وَبَقِيَ فَارِغًا هَوَاءً، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنّ الْقَلْبَ غَيْرُ الْفُؤَادِ، كَأَنّ الْفُؤَادَ هُوَ غِلَافُ الْقَلْبِ، وَيُؤَيّدُهُ قَوْلُ النّبِيّ ﷺ فِي أَهْلِ الْيَمَنِ:
أَلْيَنُ قُلُوبًا وَأَرَقّ أَفْئِدَةً «١» مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ الزمر: ٢٢ ولم يقل للقاسية أفئلتهم، والقسوة ضد اللين، فتأمله.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: قَدْ يَعْلَمُ «٢» اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ الْأَحْزَابَ: ١٨ أَيْ الْمُخَذّلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ: فَيُعَوّقُونَهُمْ بِالتّخْذِيلِ عَنْ الطّاعَةِ، لِقَوْلِهِمْ: هَلُمّ إلَيْنَا. تَقُولُ: عَاقَنِي الْأَمْرُ عَنْ كَذَا، وَعَوّقَنِي فُلَانٌ عَنْ كَذَا، أَيْ صَرَفَنِي عَنْهُ.
وَذَكَرَ الصّيَاصِيَ وَأَنّهَا الْحُصُونُ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ سُحَيْمٍ يَصِفُ سَيْلًا:
وَأَصْبَحَتْ الثّيرَانُ صَرْعَى، وَأَصْبَحَتْ نِسَاءُ تَمِيمٍ يَبْتَدِرْنَ الصّيَاصِيَا
وَأَلْفَيْت فِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ أَبِي بَحْرٍ ﵀ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ: الصّيَاصِي:
قرون الثيران المذكورة فيه، لا ماتوهم ابْنُ هِشَامٍ أَنّهَا الْحُصُونُ وَالْآطَامُ، يَقُولُ: لَمّا أهلك هذا السيل النيران وغرّفها أصبحت نساء تمم يَبْتَدِرْنَ أَخْذَ قُرُونِهَا، لِيَنْسِجْنَ بِهَا الْبُجُدَ، وَهِيَ الْأَكْسِيَةُ، قَالَ هَذَا يَعْقُوبُ عَنْ الْأَصْمَعِيّ. وَيُصَحّحُ هَذَا أَنّهُ لَا حُصُونَ فِي بَادِيَةِ الْأَعْرَابِ قال المؤلف: ويصحح
_________________
(١) جاء فى حديث متفق عليه: «هم أرق أفئدة وألين قلوبا» .
(٢) دخلت قد هنا لتوكيد العلم، ويرجع ذلك إلى توكيد الوعيد، ولأن الله لا تخفى عليه خافية فى الأرض، ولا فى السماء.
[ ٦ / ٣٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هَذَا التّفْسِيرَ أَيْضًا رِوَايَةُ أَحْمَدَ بْنِ دَاوُدَ لَهُ، فَإِنّهُ أَنْشَدَهُ فِي كِتَابِ النّبَاتِ لَهُ، فقال فيه يلتقطن الصّياصيا «١» ولم يقل: بيتدرن، وأنشد:
فذعرنا سحم الصّياصى بأيديهنّ نضح من الكحيل وقار
الكحيل: القطرن، وَالْقَارُ: الزّفْتُ، شَبّهَ السّوَادَ الّذِي فِي أَيْدِيهِنّ بِنَضْحِ مِنْ ذَلِكَ الْكُحَيْلِ وَالْقَارِ، يَصِفُ بَعْرَ وَحْشٍ، وَأَنْشَدَ لِدُرَيْدِ بْنِ الصّمّةِ:
كَوَقْعِ الصّيَاصِي فِي النّسِيجِ الْمُمَدّدِ
وَحَمَلَهُ الْأَصْمَعِيّ عَلَى مَا تَقَدّمَ فِي الْبَيْتِ قَبْلَ هَذَا مِنْ أَنّهَا الْقُرُونُ الّتِي يُنْسَجُ بِهَا، لَا أَنّهَا شَوْكٌ كَمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
اهْتِزَازُ الْعَرْشِ:
وَذَكَرَ اهْتِزَازَ الْعَرْشِ، وَقَدْ تَكَلّمَ النّاسُ فِي مَعْنَاهُ، وَظَنّوا أَنّهُ مُشْكِلٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الِاهْتِزَازُ هَاهُنَا بِمَعْنَى الِاسْتِبْشَارِ بِقُدُومِ رُوحِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
يُرِيدُ حَمَلَةَ الْعَرْشِ وَمَنْ عِنْدَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، اسْتِبْعَادًا مِنْهُمْ، لِأَنْ يَهْتَزّ الْعَرْشُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَلَا بُعْدَ فِيهِ، لِأَنّهُ مَخْلُوقٌ وَتَجُوزُ عَلَيْهِ الْحَرَكَةُ، وَالْهَزّةُ، وَلَا يُعْدَلُ عَنْ ظَاهِرِ اللّفْظِ، مَا وجد إليه سبيل، وحديث اهتزاز العرش لوت سَعْدٍ صَحِيحٌ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: هُوَ ثَابِتٌ مِنْ طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ، وَمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي مَعْنَاهُ: أَنّهُ سَرِيرُ سَعْدٍ اهْتَزّ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ الْعُلَمَاءُ «٢»، وَقَالُوا: كَانَتْ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَيّيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ ضَغَائِنُ «٣» . وفى لفظ
_________________
(١) كذا أنشده ابن برى فى اللسان. وقال: يلتقطن القرون لينسجن بها.
(٢) قال الحافظ: إلا أن يراد اهتزاز حملة سريره فرحا بقدومه، فيتجه.
(٣) فى الصحيح قال رجل لجابر: «فان البراء يقول اهتز السرير، فقال: -
[ ٦ / ٣٤٠ ]
[مَا قِيلَ مِنْ الشّعْرِ فِي أَمْرِ الْخَنْدَقِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ]
شِعْرُ ضِرَارٍ وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ بْنِ مِرْدَاسٍ، أَخُو بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فهر، فى يوم الخندق:
وَمُشْفِقَةٌ تَظُنّ بِنَا الظّنُونَا وَقَدْ قُدْنَا عَرَنْدَسَةً طَحُونَا
كَأَنّ زُهَاءَهَا أُحُدٌ إذَا مَا بَدَتْ أركانه للنّاظرينا
ــ
الْحَدِيثِ: اهْتَزّ عَرْشُ الرّحْمَنِ، رَوَاهُ أَبُو الزّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ يَرْفَعُهُ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَأَبِي سُفْيَانَ كِلَاهُمَا عَنْ جَابِرٍ، وَرَوَاهُ مِنْ الصّحَابَةِ جَمَاعَةٌ غَيْرُ جَابِرٍ، مِنْهُمْ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، وأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَرُمَيْثَةُ بِنْتُ عَمْرٍو، ذَكَرَ ذَلِكَ التّرْمِذِيّ. وَالْعَجَبُ لِمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ﵀ مِنْ إنْكَارِهِ لِلْحَدِيثِ، وَكَرَاهِيَتِهِ لِلتّحَدّثِ بِهِ مَعَ صِحّةِ نَقْلِهِ، وَكَثْرَةِ الرّوَاةِ لَهُ، وَلَعَلّ هَذِهِ الرّوَايَةَ لَمْ تَصِحّ عَنْ مَالِكٍ وَاَللهُ أَعْلَمُ «١» .
_________________
(١) - إنه كان بين هذين الحيين ضغائن. سمعت النبى «ص» يقول اهتز عرش الرحمن لموت سعد. والحيان: الأوس والخزرج، فقال ذلك جابر إظهارا للحق واعترافا بالفضل لأهله فكأنه تعجب من البراء كيف قال ذلك مع أنه أوسى، ثم قال: أنا وإن كنت خزرجيا، وكان بين الحيين ما كان لا أمتنع من قول الحق، وعذر البراء أنه فهم ذلك لا أنه قصد الغض من حكاية سعد وقد ظن جابر أن البراء قصد الغض من سعد فانتصر له. فتح البارى، والمواهب ح ٢ ص ١٤٠.
(٢) سبق الكلام عن هذا.
[ ٦ / ٣٤١ ]
تَرَى الْأَبْدَانَ فِيهَا مُسْبِغَاتٍ عَلَى الْأَبْطَالِ وَالْيَلَبَ الْحَصِينَا
وَجُرْدًا كَالْقِدَاحِ مُسَوّمَاتٍ نَؤُمّ بِهَا الْغُوَاةَ الْخَاطِيِينَا
كَأَنّهُمْ إذَا صَالُوا وَصُلْنَا بِبَابِ الْخَنْدَقَيْنِ مُصَافِحُونَا
أُنَاسٌ لَا نَرَى فِيهِمْ رَشِيدًا وَقَدْ قَالُوا أَلَسْنَا رَاشِدِينَا
فَأَحْجَرْنَاهُمُ شَهْرًا كَرِيتًا وَكُنّا قوقهم كالقاهرينا
مزاوحهم وَنَغْدُو كُلّ يَوْمٍ عَلَيْهِمْ فِي السّلَاحِ مُدَجّجِينَا
بأيدينا صورام مُرْهَفَاتٌ نَقُدّ بِهَا الْمَفَارِقَ وَالشّئُونَا
كَأَنّ وَمِيضَهُنّ مُعَرّيَاتٍ إذَا لَاحَتْ بِأَيْدِي مُصْلِتِينَا
وَمِيضُ عَقِيقَةٍ لمعت بليل ترى فيها العقائق متبينا
فَلَوْلَا خَنْدَقٌ كَانُوا لَدَيْهِ لَدَمّرْنَا عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَا
وَلَكِنْ حَالَ دُونَهُمْ وَكَانُوا بِهِ مِنْ خَوْفِنَا مُتَعَوّذِينَا
فَإِنْ نَرْحَلْ فَإِنّا قَدْ تَرَكْنَا لَدَى أَبْيَاتِكُمْ سَعْدًا رَهِينَا
إذَا جَنّ الظّلَامُ سَمِعْتَ نَوْحَى عَلَى سَعْدٍ يُرَجّعْنَ الْحَنِينَا
وَسَوْفَ نَزُورُكُمْ عَمّا قَرِيبٍ كَمَا زُرْنَاكُمْ مُتَوَازِرِينَا
بِجَمْعٍ مِنْ كِنَانَةَ غَيْرَ عُزْلٍ كَأُسْدِ الْغَابِ قَدْ حَمَتِ العرينا
كعب يرد عَلَى ضِرَارٍ فَأَجَابَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، أَخُو بنى سلمة، فقال:
وَسَائِلَةٍ تُسَائِلُ مَا لَقِينَا وَلَوْ شَهِدَتْ رَأَتْنَا صابرينا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٤٢ ]
صَبَرْنَا لَا نَرَى لِلّهِ عَدْلًا عَلَى مَا نَابَنَا مُتَوَكّلِينَا
وَكَانَ لَنَا النّبِيّ وَزِيرَ صِدْقٍ بِهِ نَعْلُو الْبَرِيّةَ أَجْمَعِينَا
نُقَاتِلُ مَعْشَرًا ظَلَمُوا وَعَقّوا وَكَانُوا بِالْعَدَاوَةِ مُرْصِدِينَا
نُعَاجِلُهُمْ إذَا نَهَضُوا إلَيْنَا بِضَرْبٍ يُعْجِلُ الْمُتَسَرّعِينَا
تَرَانَا فِي فَضَافِضَ سَابِغَاتٍ كَغُدْرَانِ الْمَلَا مُتَسَرْبِلِينَا
وَفِي أَيْمَانِنَا بِيضٌ خِفَافٌ بِهَا نَشْفِي مُرَاحَ الشّاغِبِينَا
بِبَابِ الْخَنْدَقَيْنِ كأنّ أسدا شوابكهنّ يحمين العريفا
فوارسنا إذا بكروا وراحوا على الأعداء شوسا مسلمينا
لِنَنْصُرَ أَحَمْدًا وَاَللهَ حَتّى نَكُونَ عِبَادَ صِدْقٍ مُخْلِصِينَا
وَيَعْلَمَ أَهْلُ مَكّةَ حِينَ سَارُوا وَأَحْزَابٌ أَتَوْا مُتَحَزّبِينَا
بِأَنّ اللهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ وَأَنّ اللهَ مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَا
فَإِمّا تَقْتُلُوا سَعْدًا سَفَاهًا فَإِنّ اللهَ خَيْرُ الْقَادِرِينَا
سَيُدْخِلُهُ جِنَانًا طيّبات تكون مقامة للصّالحينا
كما قد زدّكم فَلّا شَرِيدًا بِغَيْظِكُمْ خَزَايَا خَائِبِينَا
خَزَايَا لَمْ تَنَالُوا ثَمّ خَيْرًا وَكِدْتُمْ أَنْ تَكُونُوا دَامِرِينَا
بريح عاصف هبّت عليكم فكنتم تحتها متكهّينا
شعر ابن الزبعرى وقال عَبْدُ اللهِ بْنُ الزّبَعْرَى السّهْمِيّ، فِي يَوْمِ الخندق:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٤٣ ]
حَتّى الدّيَارَ مَحَا مَعَارِفَ رَسْمِهَا طُولُ الْبِلَى وتراوح الأحقاب
فكأنما كَتَبَ الْيَهُودُ رُسُومَهَا إلّا الْكَنِيفَ وَمَعْقِدَ الْأَطْنَابِ
قفزا كَأَنّك لَمْ تَكُنْ تَلْهُو بِهَا فِي نِعْمَةٍ بِأَوَانِسٍ أَتْرَابِ
فَاتْرُكْ تَذَكّرَ مَا مَضَى مِنْ عِيشَةٍ وَمَحِلّةٍ خَلْقِ الْمَقَامِ يَبَابِ
وَاذْكُرْ بَلَاءَ مَعَاشِرٍ وَاشْكُرْهُمْ سَارُوا بِأَجْمَعِهِمْ مِنْ الْأَنْصَابِ
أَنْصَابِ مَكّةَ عَامِدِينَ لِيَثْرِبِ فِي ذِي غَيَاطِلَ جَحْفَلٍ جَبْجَابِ
يَدَعُ الْحُزُونَ مَنَاهِجًا مَعْلُومَةً فِي كُلّ نَشْرٍ ظَاهِرٍ وَشِعَابِ
فِيهَا الْجِيَادُ شَوَازِبٌ مَجْنُوبَةٌ قُبّ الْبُطُونِ لَوَاحِقُ الْأَقْرَابِ
مِنْ كُلّ سَلْهَبَةٍ وَأَجْرَدَ سَلْهَبٍ كَالسّيدِ بَادَرَ غَفْلَةَ الرّقّابِ
جَيْشُ عُيَيْنَةَ قَاصِدٌ بِلِوَائِه فِيهِ وَصَخْرٌ قَائِدُ الْأَحْزَابِ
قَرْمَانُ كَالْبَدْرَيْنِ أَصْبَحَ فِيهِمَا غَيْثُ الْفَقِيرِ وَمَعْقِلُ الْهُرّابِ
حَتّى إذَا وَرَدُوا الْمَدِينَةَ وَارْتَدَوْا لِلْمَوْتِ كُلّ مُجَرّبٍ قَضّابِ
شَهْرًا وَعَشْرًا قَاهِرِينَ مُحَمّدًا وَصِحَابُهُ فِي الْحَرْبِ خَيْرُ صِحَابِ
نَادَوْا بِرِحْلَتِهِمْ صَبِيحَةَ قُلْتُمْ كِدْنَا نَكُونُ بِهَا مَعَ الْخُيّابِ
لَوْلَا الْخَنَادِقَ غَادَرُوا مِنْ جَمْعِهِمْ قَتْلَى لِطَيْرٍ سغّب وذئاب
حسان يرد عَلَى ابْنِ الزّبَعْرَى فَأَجَابَهُ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ الأنصارى، فقال:
هَلْ رَسْمُ دَارِسَةِ الْمَقَامِ يَبَابِ مُتَكَلّمٌ لِمُحَاوِرِ بجواب
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٤٤ ]
قفر عفارهم السّحَابِ رُسُومَهُ وَهُبُوبُ كُلّ مُطِلّةٍ مِرْبَابِ
وَلَقَدْ رَأَيْت بِهَا الْحُلُولَ يَزِينُهُمْ بِيضُ الْوُجُوهِ ثَوَاقِبُ الْأَحْسَابِ
فَدَعْ الدّيَارَ وَذِكْرَ كُلّ خَرِيدَةٍ بَيْضَاءَ آنِسَةِ الْحَدِيثِ كَعَابِ
وَاشْكُ الْهُمُومَ إلَى الْإِلَهِ وَمَا تَرَى مِنْ مَعْشَرٍ ظَلَمُوا الرّسُولَ غِضَابِ
سَارُوا بِأَجْمَعِهِمْ إلَيْهِ وَأَلّبُوا أَهْلَ الْقُرَى وَبَوَادِيَ الْأَعْرَابِ
جَيْشُ عُيَيْنَةَ وَابْنُ حَرْبٍ فِيهِمْ مُتَخَمّطُونَ بِحَلَبَةِ الْأَحْزَابِ
حَتّى إذَا وَرَدُوا الْمَدِينَةَ وَارْتَجَوْا قَتْلَى الرّسُولِ وَمَغْنَمَ الْأَسْلَابِ
وَغَدَوْا عَلَيْنَا قَادِرِينَ بأيديهم رُدّوا بِغَيْظِهِمْ عَلَى الْأَعْقَابِ
بِهُبُوبِ مُعْصِفَةٍ تُفَرّقُ جَمْعَهُمْ وَجُنُودِ رَبّكَ سَيّدِ الْأَرْبَابِ
فَكَفَى الْإِلَهُ الْمُؤْمِنِينَ قِتَالَهُمْ وَأَثَابَهُمْ فِي الْأَجْرِ خَيْرَ ثَوَابِ
من بعد ما مَا قَنَطُوا فَفَرّقَ جَمْعَهُمْ تَنْزِيلُ نَصْرٍ مَلِيكِنَا الْوَهّابِ
وَأَقَرّ عَيْنَ مُحَمّدٍ وَصِحَابِهِ وَأَذَلّ كُلّ مُكَذّبٍ مُرْتَابِ
عَاتِي الْفُؤَادِ مُوَقّعٍ ذِي رِيبَةٍ فِي الْكُفْرِ لَيْسَ بِطَاهِرِ الْأَثْوَابِ
عَلِقَ الشّقَاءُ بِقَلْبِهِ، فَفُؤَادُهُ فِي الْكُفْرِ آخِرُ هَذِهِ الْأَحْقَابِ
كعب يرد على ابن الزبعرى وأجابه كعب بن مالك أيضا، فقال:
أَبْقَى لَنَا حَدَثُ الْحُرُوبِ بَقِيّةً مِنْ خَيْرِ نِحْلَةِ رَبّنَا الْوَهّابِ
بَيْضَاءَ مُشْرِفَةَ الذّرَى وَمَعَاطِنًا حُمّ الْجُذُوعِ غَزِيرَةُ الْأَحْلَابِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٤٥ ]
كَاللّوبِ يُبْذَلُ جَمّهَا وَحَفِيلُهَا لِلْجَارِ وَابْنِ الْعَمّ والمنتاب
ونزائعا مثل السّراخ نَمَى بِهَا عَلَفُ الشّعِيرِ وَجِزّةُ الْمِقْضَابِ
عَرِيَ الشّوى منها وأردف نحضها جرد المتون وسائز الْآرَابِ
قُودًا تَرَاحُ إلَى الصّيَاحِ إذْ غَدَتْ فِعْلَ الضّرَاءِ تَرَاحُ لِلْكَلّابِ
وَتَحُوطُ سَائِمَةَ الدّيَارِ وتارة تردى العدا وتثوب بِالْأَسْلَابِ
حُوشُ الْوُحُوشِ مُطَارَةٌ عِنْدَ الْوَغَى عُبْسُ اللّقَاءِ مُبِينَةُ الْإِنْجَابِ
عُلِفَتْ عَلَى دَعَةٍ فَصَارَتْ بُدّنًا دُخْسَ الْبَضِيعِ خَفِيفَةَ الْأَقْصَابِ
يَغْدُونَ بِالزّغْفِ الْمُضَاعَفِ شَكّةً وَبِمُتْرَصَاتِ فِي الثّقَافِ صِيَابِ
وَصَوَارِمٌ نزع الصّياقل غلبها وبكلّ أروع ماجد الأتاب
يَصِلُ الْيَمِينَ بِمَارِنٍ مُتَقَارِبٍ وُكِلَتْ وَقِيعَتُهُ إلَى خَبّابِ
وَأَغَرّ أَزْرَقَ فِي الْقَنَاةِ كَأَنّهُ فِي طُخْيَةِ الظّلْمَاءِ ضَوْءُ شِهَابِ
وَكَتِيبَةٍ يَنْفِي الْقِرَانَ قتيرها وتردّ حدّ قواحذ النّسّاب
جَأْوَى مُلَمْلَمَةً كَأَنّ رِمَاحَهَا فِي كُلّ مَجْمَعَةٍ ضَرِيمَةُ غَابِ
يَأْوِي إلَى ظِلّ اللّوَاءِ كَأَنّهُ فِي صَعْدَةِ الْخَطّيّ فَيْءُ عُقّابِ
أَعْيَتْ أَبَا كرب وأعيت نبّعا وَأَبَتْ بَسَالَتُهَا عَلَى الْأَعْرَابِ
وَمَوَاعِظٌ مِنْ رَبّنَا نُهْدَى بِهَا بِلِسَانِ أَزْهَرَ طَيّبِ الْأَثْوَابِ
عُرِضَتْ عَلَيْنَا فَاشْتَهَيْنَا ذِكْرَهَا مِنْ بَعْدِ مَا عُرِضَتْ عَلَى الْأَحْزَابِ
حِكَمًا يَرَاهَا الْمُجْرِمُونَ بِزَعْمِهِمْ حَرَجًا وَيَفْهَمُهَا ذَوُو الْأَلْبَابِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٤٦ ]
جَاءَتْ سَخِينَةُ كَيْ تُغَالِبَ رَبّهَا فَلَيُغْلَبَنّ مُغَالِبُ الغلّاب
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ، قَالَ: حَدّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَ: لَمّا قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ:
جَاءَتْ سَخِينَةُ كَيْ تُغَالِبَ رَبّهَا فَلَيُغْلَبَنّ مُغَالِبُ الْغَلّابِ
قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَقَدْ شَكَرَك اللهُ يَا كَعْبُ عَلَى قَوْلِك هَذَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مالك فى يوم الخندق:
مَنْ سَرّهُ ضَرْبٌ يُمَعْمِعُ بَعْضُهُ بَعْضًا كَمَعْمَعَةِ الْأَبَاءِ الْمُحْرَقِ
فَلْيَأْتِ مَأْسَدَةً تُسَنّ سُيُوفُهَا بَيْنَ الْمَذَادِ وَبَيْنَ جَزْعِ الْخَنْدَقِ
دَرِبُوا بِضَرْبِ الْمُعْلِمِينَ وأسلموا مهجات أنضهم لِرَبّ الْمَشْرِقِ
فِي عُصْبَةٍ نَصَرَ الْإِلَهُ نَبِيّهُ بِهِمْ وَكَانَ بِعَبْدِهِ ذَا مَرْفِقِ
فِي كُلّ سَابِغَةٍ تَخُطّ فُضُولُهَا كَالنّهْيِ هَبّتْ رِيحُهُ الْمُتَرَقْرِقِ
بَيْضَاءُ مُحْكِمَةٌ كَأَنّ قَتِيرَهَا حَدَقُ الْجَنَادِبِ ذَاتُ شَكّ مُوثَقِ
جَدْلَاءُ يَحْفِزُهَا نِجَادُ مُهَنّدٍ صَافِي الْحَدِيدَةِ صَارِمٌ ذِي رَوْنَقِ
تِلْكُمْ مَعَ التّقْوَى تَكُونُ لِبَاسَنَا يَوْمَ الْهِيَاجِ وَكُلّ سَاعَةِ مَصْدَقِ
نَصِلُ السّيُوفَ إذَا قَصُرْنَ بِخَطْوِنَا قُدُمًا وَنُلْحِقُهَا إذَا لَمْ تَلْحَقْ
فَتَرَى الْجَمَاجِمَ ضَاحِيًا هَامَاتُهَا بَلْهَ الْأَكُفّ كَأَنّهَا لَمْ تُخْلَقْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٤٧ ]
نَلْقَى الْعَدُوّ بِفَخْمَةٍ مَلْمُومَةٍ تَنْفِي الْجُمُوعَ كَفَصْدِ رَأْسِ الْمَشْرِقِ
وَنُعِدّ لِلْأَعْدَاءِ كُلّ مُقَلّصٍ وَرْدٍ وَمَحْجُولِ الْقَوَائِمِ أَبْلَقِ
تُرْدِى بِفُرْسَانٍ كَأَنّ كُمَاتَهُمْ عِنْدَ الْهِيَاجِ أُسُودُ طَلّ مُلْثِقِ
صُدَقٌ يُعَاطُونَ الْكُمَاةَ حُتُوفَهُمْ تَحْتَ الْعِمَايَةِ بِالْوَشِيجِ الْمُزْهِقِ
أَمَرَ الْإِلَهُ بِرَبْطِهَا لِعَدُوّهِ فِي الْحَرْبِ إنّ اللهَ خَيْرُ مُوَفّقِ
لِتَكُونَ غَيْظًا لِلْعَدُوّ وَحُيّطَا لِلدّارِ إنْ دَلَفَتْ خُيُولُ النّزّقِ
وَيُعِينُنَا اللهُ الْعَزِيزُ بِقُوّةٍ مِنْهُ وَصِدْقِ الصّبْرِ سَاعَةَ نَلْتَقِي
وَنُطِيعُ أَمْرَ نَبِيّنَا وَنُجِيبُهُ وَإِذَا دَعَا لِكَرِيهَةٍ لَمْ نُسْبَقْ
وَمَتَى يُنَادِ إلَى الشّدَائِدِ نَأْتِهَا وَمَتَى نَرَ الْحَوْمَاتِ فِيهَا نُعْنِقْ
مَنْ يَتّبِعْ قَوْلَ النّبِيّ فَإِنّهُ فِينَا مُطَاعُ الْأَمْرِ حَقّ مُصَدّقِ
فَبِذَاكَ يَنْصُرنَا وَيُظْهِرُ عِزّنَا وَيُصِيبُنَا مِنْ نَيْلِ ذَاكَ بِمِرْفَقِ
إنّ الّذِينَ يُكَذّبُونَ مُحَمّدًا كَفَرُوا وَضَلّوا عَنْ سَبِيلِ الْمُتَقّي
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ أَنْشَدَنِي بَيْتَهُ:
تِلْكُمْ مَعَ التّقْوَى تَكُونُ لِبَاسَنَا
وَبَيْتَهُ:
مَنْ يَتّبِعْ قَوْلَ النّبِيّ
أَبُو زَيْدٍ. وأنشدنى:
تنفى الجموع كرأس قدس المشرق
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٤٨ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ:
لَقَدْ عَلِمَ الْأَحْزَابُ حِينَ تَأَلّبُوا عَلَيْنَا وَرَامُوا دِينَنَا مَا نُوَادِعُ
أَضَامِيمُ مِنْ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ أُصْفِقَتْ وَخِنْدِفُ لَمْ يَدْرُوا بِمَا هُوَ وَاقِعُ
يَذُودُونَنَا عَنْ دِينِنَا وَنَذُودُهُمْ عَنْ الْكُفْرِ وَالرّحْمَنُ رَاءٍ وَسَامِعُ
إذَا غَايَظُونَا فِي مَقَامٍ أَعَانَنَا عَلَى غَيْظِهِمْ نَصْرٌ مِنْ اللهِ وَاسِعُ
وَذَلِك حِفْظُ اللهِ فِينَا وَفَضْلُهُ عَلَيْنَا وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْ اللهُ ضَائِعُ
هَدَانَا لِدِينِ الْحَقّ وَاخْتَارَهُ لَنَا وَلِلّهِ فَوْقَ الصّانِعِينَ صَنَائِعُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ:
أَلَا أَبْلِغْ قُرَيْشًا أَنّ سَلْعًا وَمَا بَيْنَ الْعُرَيْضِ إلَى الصّمَادِ
نَوَاضِحُ فِي الْحُرُوبِ مُدَرّبَاتٌ وَخَوْصٌ ثُقّبَتْ مِنْ عَهْدِ عَادِ
رَوَاكِدُ يَزْخَرُ الْمُرّارُ فِيهَا فَلَيْسَتْ بِالْجِمَامِ وَلَا الثّمَادِ
كَأَنّ الْغَابَ وَالْبَرْدِيّ فِيهَا أَجَشّ إذَا تَبَقّعَ لِلْحَصَادِ
وَلَمْ نَجْعَلْ تِجَارَتَنَا اشْتِرَاءَ الْحَمِيرِ لِأَرْضِ دَوْسٍ أَوْ مُرَادِ
بِلَادٌ لَمْ تَثُرْ إلّا لِكَيْمَا نُجَالِدُ إن شطم للجلاد
أثر سِكّةَ الْأَنْبَاطِ فِيهَا فَلَمْ تَرَ مِثْلَهَا جَلَهَاتِ وَادِ
قَصَرْنَا كُلّ ذِي حُضْرٍ وَطَوْلٍ عَلَى الْغَايَاتِ مُقْتَدِرٍ جَوَادِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٤٩ ]
أَجِيبُونَا إلَى مَا نَجْتَدِيكُمْ مِنْ الْقَوْلِ الْمُبَيّنِ وَالسّدَادِ
وَإِلّا فَاصْبِرُوا لِجِلَادِ يَوْمٍ لَكُمْ مِنّا إلَى شَطْرِ الْمَذَادِ
نُصَبّحُكُمْ بِكُلّ أَخِي حُرُوبٍ وَكُلّ مُطَهّمٍ سَلِسِ الْقِيَادِ
وَكُلّ طِمِرّةٍ خَفِقٌ حَشَاهَا تَدِفّ دَفِيفَ صَفْرَاءِ الْجَرَادِ
وَكُلّ مُقَلّصِ الْآرَابِ نَهْدٍ تَمِيمِ الْخَلْقِ مِنْ أُخْرٍ وَهَادِي
خُيُولٌ لَا تُضَاعُ إذَا أُضِيعَتْ خُيُولُ النّاسِ فِي السّنَةِ الْجَمَادِ
يُنَازِعْنَ الْأَعِنّةَ مُصْغِيَاتٍ إذَا نَادَى إلَى الْفَزَعِ الْمُنَادِي
إذَا قَالَتْ لَنَا النّذُرُ اسْتَعِدّوا تَوَكّلْنَا عَلَى رَبّ الْعِبَادِ
وَقُلْنَا لَنْ يُفَرّجَ مَا لَقِينَا سِوَى ضَرْبُ الْقَوَانِسِ وَالْجِهَادِ
فَلَمْ تَرَ عُصْبَةً فِيمَنْ لَقِينَا مِنْ الْأَقْوَامِ مِنْ قَارٍ وَبَادِي
أَشَدّ بَسَالَةً مِنّا إذَا مَا أَرَدْنَاهُ وَأَلْيَنَ فِي الْوِدَادِ
إذَا مَا نَحْنُ أَشْرَجْنَا عَلَيْهَا جِيَادَ الْجُدْلِ فِي الْأُرَبِ الشّدَادِ
قَذَفْنَا فِي السّوَابِغِ كُلّ صَقْرٍ كَرِيمٍ غَيْرِ مُعْتَلِثِ الزّنَادِ
أَشَمّ كَأَنّهُ أَسَدٌ عَبُوسٌ غَدَاةَ بَدَا بِبَطْنِ الْجَزَعِ غَادِي
يُغَشّي هامة البطل المذكّى صبىّ السّيف مسترخى النّحاد
لِنُظْهِرَ دِينَك اللهُمّ. إنّا بِكَفّكَ فَاهْدِنَا سُبُلَ الرّشاد
قال ابن هشام بيته:
قَصَرْنَا كُلّ ذِي حُضْرٍ وَطَوْلٍ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٥٠ ]
وَالْبَيْتُ الّذِي يَتْلُوهُ، وَالْبَيْتُ الثّالِثُ مِنْهُ، وَالْبَيْتُ الرّابِعُ مِنْهُ، وَبَيْتُهُ:
أَشَمّ كَأَنّهُ أَسَدٌ عَبُوسٌ
وَالْبَيْتُ الّذِي يَتْلُوهُ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ.
مسافع يبكى عمرا فى شعره قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ مُسَافِعُ بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ يبكى عمرو بن عبدودّ، وَيَذْكُرُ قَتْلَ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إيّاهُ:
عَمْرُو بْنُ عَبْدٍ كَانَ أَوّلَ فَارِسٍ جَزَعَ الْمَذَادَ وَكَانَ فَارِسَ يَلْيَلِ
سَمْحُ الْخَلَائِقِ مَاجِدٌ ذُو مِرّةٍ يَبْغِي الْقِتَالَ بِشِكّةِ لَمْ يَنْكُلْ
وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ حِينَ وَلّوْا عَنْكُمْ أَنّ ابْنَ عَبْدٍ فِيهِمْ لَمْ يَعْجَلْ
حَتّى تَكَنّفَهُ الْكُمَاةُ وَكُلّهُمْ يَبْغِي مَقَاتِلَهُ وَلَيْسَ بِمُؤْتَلِي
وَلَقَدْ تَكَنّفَتْ الْأَسِنّةُ فَارِسًا بِجُنُوبِ سَلْعٍ غَيْرَ نَكْسٍ أَمْيَلِ
تَسَلُ النّزَالَ عَلَيّ فَارِسَ غَالِبٍ بِجُنُوبِ سَلْعٍ، لَيْته لَمْ يَنْزِلْ
فَاذْهَبْ عَلَيّ فَمَا ظَفِرْت بِمِثْلِهِ فَخْرًا وَلَا لَاقَيْتَ مِثْلَ الْمُعْضِلِ
نَفْسِي الْفِدَاءُ لِفَارِسٍ مِنْ غَالِبٍ لَاقَى حِمَامَ الْمَوْتِ لم يتحلحل
أعنى الذى جزع المداد ممهره طلبا لثأر معاشر لم يخذل
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٥١ ]
مسافع يؤنب الْفُرْسَانِ الّذِينَ كَانُوا مَعَ عَمْرٍو وَقَالَ مُسَافِعٌ أَيْضًا يُؤَنّبُ فُرْسَانَ عَمْرٍو الّذِينَ كَانُوا مَعَهُ، فَأَجْلَوْا عَنْهُ وَتَرَكُوهُ:
عَمْرُو بْنُ عَبْدٍ وَالْجِيَادُ يَقُودُهَا خَيْلٌ تُقَادُ لَهُ وَخَيْلٌ تُنْعَلُ
أَجْلَتْ فَوَارِسُهُ وَغَادَرَ رَهْطُهُ رُكْنًا عَظِيمًا كَانَ فِيهَا أَوّلُ
عَجَبًا وَإِنْ أَعْجَبْ فَقَدْ أَبْصَرْته مَهْمَا تَسُومُ عَلَيّ عَمْرًا يَنْزِلُ
لَا تَبْعَدَنّ فَقَدْ أُصِبْتُ بِقَتْلِهِ وَلَقِيتُ قَبْلَ الْمَوْتِ أَمْرًا يَثْقُلُ
وَهُبَيْرَةُ الْمَسْلُوبُ وَلّى مُدْبِرًا عِنْدَ الْقِتَالِ مَخَافَةً أَنّ يُقْتَلُوا
وَضِرَارٌ كَأَنّ الْبَأْسَ مِنْهُ مُحْضَرًا وَلّى كَمَا وَلّى اللّئِيمُ الْأَعْزَلُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهَا لَهُ. وَقَوْلُهُ: «عَمْرًا يَنْزِلُ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
هبيرة يبكى عمرا ويعتذر مِنْ فِرَارِهِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ يَعْتَذِرُ مِنْ فِرَارِهِ، وَيَبْكِي عمرا، ويذكر قتل علىّ إياه:
لعمرى ما ولّيت ظهرى محمدا وأصحابه جبتا وَلَا خِيفَةَ الْقَتْلِ
وَلَكِنّنِي قَلّبْت أَمْرِي فَلَمْ أَجِدْ لِسَيْفِي غَنَاءً إنْ ضَرَبْتُ وَلَا نَبْلِي
وَقَفْت فَلَمّا لَمْ أَجِدْ لِي مُقَدّمًا صَدَدْتُ كَضِرْغَامِ هِزَبْرٍ أَبِي شَبْلِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٥٢ ]
ثَنَى عِطْفِهِ عَنْ قِرْنِهِ حِينَ لَمْ يَجِدْ مَكَرّا وَقِدْمًا كَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي
فَلَا تَبْعُدْنَ يَا عَمْرُو حَيّا وَهَالِكًا وَحُقّ لِحُسْنِ الْمَدْحِ مِثْلُك مِنْ مِثْلِي
وَلَا تَبْعَدَن يَا عَمْرُو حَيّا وَهَالِكًا فَقَدْ بِنْتَ مَحْمُودَ الثّنَا مَاجِدَ الْأَصْلِ
فَمَنْ لِطِرَادِ الْخَيْلِ تُقْدَعُ بِالْقَنَا وَلِلْفَخْرِ يَوْمًا عِنْدَ قَرْقَرَةَ الْبَزْلِ
هُنَالِكَ لَوْ كَانَ ابْنُ عَبْدٍ لَزَارَهَا وَفَرّجَهَا حَقّا فَتًى غَيْرُ مَا وَغْلِ
فَعَنْك عَلَيّ لَا أَرَى مِثْلَ مَوْقِفٍ وَقَفْت عَلَى نَجْدِ الْمُقَدّمِ كَالْفَحْلِ
فَمَا ظَفِرَتْ كَفّاك فَخْرًا بِمِثْلِهِ أَمِنْت بِهِ ما عشت من زلّة النّعل
هبيرة يبكى عمرا فى شعره قال هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ يَبْكِي عَمْرَو بْنَ عبدودّ، وَيَذْكُرُ قَتْلَ عَلِيّ إيّاهُ:
لَقَدْ عَلِمْت عُلْيَا لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ لَفَارِسُهَا عَمْرٌو إذَا نَابَ نَائِبُ
لَفَارِسُهَا عَمْرٌو إذَا مَا يَسُومُهُ عَلِيّ وَإِنّ اللّيْثَ لَا بُدّ طَالِبُ
عَشِيّةَ يَدْعُوهُ علىّ وإنّه لفارسها إذ خام عنه الكائب
فَيَا لَهْفَ نَفْسِي إنّ عَمْرًا تَرَكْتُهُ بِيَثْرِبَ لا زالت هناك المصائب
حسان يفتخر بِقَتْلِ عَمْرٍو وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَفْتَخِرُ بقتل عمرو بن عبدودّ:
بَقِيّتُكُمْ عَمْرٌو أَبَحْنَاهُ بِالْقَنَا بِيَثْرِبَ نَحْمِي وَالْحُمَاةُ قَلِيلُ
وَنَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ بِكُلّ مُهَنّدٍ وَنَحْنُ وُلَاةُ الْحَرْبِ حِينَ نَصُولُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٥٣ ]
وَنَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ بِبَدْرٍ فَأَصْبَحَتْ مَعَاشِرُكُمْ فِي الْهَالِكِينَ تَجُولُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهَا لِحَسّانَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا فِي شَأْنِ عَمْرِو بن عبدودّ:
أَمْسَى الْفَتَى عَمْرُو بْنُ عَبْدٍ يَبْتَغِي بِجُنُوبِ يَثْرِبَ ثَأْرَهُ لَمْ يُنْظَرْ
فَلَقَدْ وَجَدْتَ سُيُوفَنَا مَشْهُورَةً وَلَقَدْ وَجَدْتَ جِيَادَنَا لَمْ تُقْصَرْ
وَلَقَدْ لَقِيتَ غَدَاةَ بَدْرٍ عُصْبَةً ضَرَبُوكَ ضَرْبًا غَيْرَ ضَرْبِ الْحُسّرِ
أَصْبَحْت لَا تُدْعَى لِيَوْمِ عَظِيمَةٍ يَا عَمْرُو أَوْ لِجَسِيمِ أَمْرٍ مُنْكَرِ
قَالَ ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لِحَسّانَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا هِدْمٍ رَسُولًا مُغَلْغَلَةً تَخُبّ بِهَا الْمَطِيّ
أَكُنْتُ وَلِيّكُمْ فِي كُلّ كُرْهٍ وَغَيْرِي فِي الرّخَاءِ هُوَ الْوَلِيّ
ومنكر شَاهِدٌ وَلَقَدْ رَآنِي رُفِعْتُ لَهُ كَمَا اُحْتُمِلَ الصّبِيّ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَتُرْوَى هَذِهِ الْأَبْيَاتُ لِرَبِيعَةَ بْنِ أُمَيّةَ الدّيْلِيّ، وَيُرْوَى فِيهَا آخِرُهَا:
كَبَبْتَ الْخَزْرَجِيّ عَلَى يَدَيْهِ وَكَانَ شِفَاءَ نَفْسِي الْخَزْرَجِيّ
وَتُرْوَى أَيْضًا لِأَبِي أُسَامَةَ الْجُشَمِيّ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٥٤ ]
شِعْرُ حَسّانَ فِي يَوْمِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَبُكَاءُ ابْنِ مُعَاذٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي يَوْمِ بَنِي قُرَيْظَةَ يَبْكِي سعد ابن معاذ ويذكر حكمه فيهم:
لَقَدْ سَجَمَتْ مِنْ دَمْعِ عَيْنِي عَبْرَةٌ وَحُقّ لِعَيْنِي أَنْ تَفِيضَ عَلَى سَعْدٍ
قَتِيلٌ ثَوَى فِي مَعْرَكٍ فُجِعَتْ بِهِ عُيُونٌ ذَوَارِي الدّمْعِ دَائِمَةُ الْوَجْدِ
عَلَى مِلّةِ الرّحْمَنِ وَارِثَ جَنّةٍ مَعَ الشّهَدَاءِ وَفْدُهَا أَكْرَمُ الْوَفْدِ
فَإِنْ تَكُ قَدْ وَدّعْتنَا وَتَرَكْتنَا وَأَمْسَيْت فِي غَبْرَاءِ مُظْلِمَةِ اللّحْدِ
فَأَنْتَ الّذِي يَا سَعْدُ أُبْت بِمَشْهَدٍ كريم وأتواب الْمَكَارِمِ وَالْحَمْدِ
بِحُكْمِك فِي حَيّيْ قُرَيْظَةَ بِاَلّذِي قَضَى اللهُ فِيهِمْ مَا قَضَيْت عَلَى عَمْدِ
فَوَافَقَ حُكْمَ اللهِ حُكْمَك فِيهِمْ وَلَمْ تَعْفُ إذْ ذُكِرْت مَا كَانَ مِنْ عَهْدِ
فَإِنْ كَانَ رَيْبُ الدّهْرِ أَمْضَاكَ فِي الْأُلَى شَرَوْا هَذِهِ الدّنْيَا بِجَنّاتِهَا الْخُلْدِ
فَنِعْمَ مَصِيرُ الصّادِقِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللهِ يَوْمًا لِلْوَجَاهَةِ وَالْقَصْدِ
شِعْرُ حَسّانَ فِي بُكَاءِ ابْنِ مُعَاذٍ وَغَيْرِهِ وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا، يَبْكِي سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَرِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الشّهَدَاءِ، وَيَذْكُرُهُمْ بِمَا كَانَ فِيهِمْ مِنْ الْخَيْرِ:
أَلَا يَا لَقَوْمِي هَلْ لِمَا حُمّ دَافِعُ وَهَلْ مَا مَضَى مِنْ صَالِحِ الْعَيْشِ رَاجِعُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٥٥ ]
تَذَكّرْت عَصْرًا قَدْ مَضَى فَتَهَافَتَتْ بَنَاتُ الْحَشَى وَانْهَلّ مِنّي الْمَدَامِعُ
صَبَابَةُ وَجْدٍ ذَكّرَتْنِي أَحِبّةً وَقَتْلَى مَضَى فِيهَا طُفَيْلٌ وَرَافِعُ
وَسَعْدٌ فَأَضْحَوْا فِي الْجِنَانِ وَأَوْحَشَتْ مَنَازِلُهُمْ فَالْأَرْضُ مِنْهُمْ بَلَاقِعُ
وَفَوْا يَوْمَ بَدْرٍ لِلرّسُولِ وَفَوْقَهُمْ ظِلَالُ الْمَنَايَا وَالسّيُوفُ اللّوَامِعُ
دَعَا فَأَجَابُوهُ بِحَقّ وَكُلّهُمْ مُطِيعٌ لَهُ فِي كُلّ أَمْرٍ وَسَامِعُ
فَمَا نَكَلُوا حَتّى تَوَلّوْا جَمَاعَةً وَلَا يَقْطَعَ الْآجَالَ إلّا الْمَصَارِعُ
لِأَنّهُمْ يَرْجُونَ مِنْهُ شَفَاعَةً إذَا لَمْ يَكُنْ إلّا النّبِيّونَ شَافِعُ
فَذَلِكَ يَا خَيْرَ الْعِبَادِ بَلَاؤُنَا إجَابَتُنَا لِلّهِ وَالْمَوْتُ نَاقِعُ
لَنَا الْقَدَمُ الْأُولَى إلَيْك وَخَلْفُنَا لِأَوّلِنَا فِي مِلّةِ اللهِ تَابِعُ
وَنَعْلَمُ أَنّ الْمُلْكَ لِلّهِ وَحْدَهُ وأنّ قضاء الله لا بدّ واقع
شعر آخر لِحَسّانَ فِي يَوْمِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا فِي يَوْمِ بَنِي قُرَيْظَةَ:
لقد لقيت قريظة ماسآها وَمَا وَجَدَتْ لِذُلّ مِنْ نَصيرِ
أَصَابَهُمْ بَلَاءٌ كَانَ فِيهِ سِوَى مَا قَدْ أَصَابَ بَنِي النّضير
غمداة أَتَاهُمْ يَهْوَى إلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ كَالْقَمَرِ الْمُنِيرِ
لَهُ خَيْلٌ مُجَنّبَةٌ تَعَادَى بِفُرْسَانٍ عَلَيْهَا كَالصّقُورِ
تَرَكْنَاهُمْ وَمَا ظَفِرُوا بِشَيْءِ دِمَاؤُهُمْ عَلَيْهِمْ كَالْغَدِيرِ
فَهُمْ صَرْعَى تَحُوم الطّيْرُ فِيهِمْ كَذَاكَ يُدَانُ ذُو الْعَنَدِ الْفَجُورِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٥٦ ]
فَأَنْذِرْ مِثْلَهَا نُصْحًا قُرَيْشًا مِنْ الرّحْمَنِ إنْ قَبِلَتْ نَذِيرِى
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي بنى قريظة:
لقد لقيت قريظة ماسآها وَحَلّ بِحِصْنِهَا ذُلّ ذَلِيلُ
وَسَعْدٌ كَانَ أَنْذَرَهُمْ بِنُصْحٍ بِأَنّ إلَهَكُمْ رَبّ جَلِيلُ
فَمَا بَرِحُوا بِنَقْضِ الْعَهْدِ حَتّى فَلَاهُمْ فِي بِلَادِهُمُ الرّسُولُ
أَحَاطَ بِحِصْنِهِمْ مِنّا صُفُوفٌ لَهُ مِنْ حَرّ وَقْعَتِهِمْ صَلِيلُ
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا فِي يَوْمِ بَنِي قُرَيْظَةَ:
تَفَاقَدَ مَعْشَرٌ نَصَرُوا قريشا وليس لهم يبلدتهم نَصِيرُ
هُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ فَضَيّعُوهُ وَهُمْ عُمْيٌ مِنْ التّوْرَاةِ بُورُ
كَفَرْتُمْ بِالْقُرْانِ وَقَدْ أَتَيْتُمْ بِتَصْدِيقِ الّذِي قَالَ النّذِيرُ
فَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ
شِعْرُ أَبِي سفيان في الرد على حسان فأجابه أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، فَقَالَ:
أَدَامَ اللهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعٍ وَحَرّقَ فِي طَرَائِقِهَا السّعِيرُ
سَتَعْلَمُ أَيّنَا مِنْهَا بِنُزْهِ وَتَعْلَمُ أَيّ أَرْضَيْنَا تَضِيرُ
فَلَوْ كَانَ النّخِيلُ بِهَا رِكَابًا لَقَالُوا لَا مُقَامَ لَكُمْ فَسِيرُوا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٥٧ ]
شِعْرُ ابْنِ جَوّالٍ فِي الرّدّ عَلَى حَسّانَ وَأَجَابَهُ جَبَلُ بْنُ جَوّالٍ الثّعْلَبِيّ أَيْضًا، وَبَكَى النّضير وقريظة، فقال:
أَلَا يَا سَعْدُ سَعْدَ بَنِي مُعَاذٍ لِمَا لَقِيَتْ قُرَيْظَةُ وَالنّضِيرُ
لَعَمْرُك إنّ سَعْدَ بَنِي مُعَاذٍ غَدَاةَ تَحَمّلُوا لَهُوَ الصّبُورُ
فَأَمّا الْخَزْرَجِيّ أبو حباب فقال لقينقاع لا تسيرا
وَبُدّلَتْ الْمَوَالِي مِنْ حُضَيْرٍ أُسَيْدًا وَالدّوَائِرُ قَدْ تَدُورُ
وَأَقْفَرَتْ الْبُوَيْرَةُ مِنْ سَلَامٍ وَسَعْيَةَ وَابْنِ أَخْطَبَ فَهِيَ بُورُ
وَقَدْ كَانُوا بِبَلْدَتِهِمْ ثِقَالًا كَمَا ثَقُلَتْ بِمِيطَانِ الصّخُورِ
فَإِنْ يَهْلِكْ أَبُو حَكَمٍ سَلَامٌ فَلَا رَثّ السّلَاحِ وَلَا دَثُورُ
وَكُلّ الْكَاهِنَيْنِ وَكَانَ فِيهِمْ مَعَ اللّينِ الْخَضَارِمَةُ الصّقُورُ
وَجَدْنَا الْمَجْدَ قَدْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ بِمَجْدٍ لَا تُغَيّبُهُ الْبُدُورُ
أَقِيمُوا يَا سَرَاةَ الْأَوْسِ فِيهَا كَأَنّكُمْ مِنْ الْمَخْزَاةِ عُورُ
تَرَكْتُمْ قِدْرَكُمْ لَا شَيْءَ فِيهَا وَقِدْرُ الْقَوْمِ حَامِيَةٌ تَفُورُ
[مقتل سلام بن أبى الحقيق]
[الخزرج يستأذنون فى قتل ابن أَبِي الْحُقَيْقِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا انْقَضَى شَأْنُ الْخَنْدَقِ، وَأَمْرُ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَكَانَ سَلّامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَهُوَ أَبُو رَافِعٍ فِيمَنْ حَزّبَ الْأَحْزَابُ عَلَى رَسُولِ اللهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٥٨ ]
ﷺ، وَكَانَتْ الْأَوْسُ قَبْلَ أُحُدٍ قَدْ قَتَلَتْ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ، فِي عَدَاوَتِهِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَحْرِيضِهِ عَلَيْهِ، اسْتَأْذَنَتْ الْخَزْرَجُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي قَتْلِ سَلّامِ بْنِ أبى الحقيق، وهو بخيبر، فأذن لهم.
[التنافس بين الأوس والخزرج فى عمل الخير]
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهرى، عن عبدا ابن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: وَكَانَ مِمّا صَنَعَ اللهُ بِهِ لِرَسُولِهِ ﷺ أَنّ هَذَيْنِ الْحَيّيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ وَالْأَوْسِ، وَالْخَزْرَجِ، كَانَا يَتَصَاوَلَانِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ، لَا تَصْنَعُ الْأَوْسُ شَيْئًا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَنَاءً إلّا قَالَتْ الْخَزْرَجُ: وَاَللهِ لَا تَذْهَبُونَ بِهَذِهِ فَضْلًا عَلَيْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَفِي الْإِسْلَامِ. قَالَ: فَلَا يَنْتَهُونَ حَتّى يُوقِعُوا مِثْلَهَا؛ وَإِذَا فَعَلَتْ الْخَزْرَجُ شَيْئًا قَالَتْ الْأَوْسُ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَلَمّا أَصَابَتْ الْأَوْسَ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ فِي عَدَاوَتِهِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَتْ الْخَزْرَجُ: وَاَللهِ لَا تَذْهَبُونَ بِهَا فَضْلًا عَلَيْنَا أَبَدًا؛ قَالَ:
فَتَذَاكَرُوا: مَنْ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْعَدَاوَةِ كَابْنِ الْأَشْرَفِ؟
فَذَكَرُوا ابْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَهُوَ بِخَيْبَرِ؛ فَاسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ في قتله، فأذن لهم.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٥٩ ]
[قصة الذين خرجوا لقتل ابن أبى الحقيق]
فَخَرَجَ إلَيْهِ مِنْ الْخَزْرَجِ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ خَمْسَةُ نَفَرٍ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَتِيكٍ، وَمَسْعُودُ بْنُ سِنَانٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ، وَأَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيّ، وَخُزَاعِيّ بْنُ أَسْوَدَ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ أَسْلَمَ. فَخَرَجُوا وَأَمّرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَتِيكٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَنْ يَقْتُلُوا وَلِيدًا أَوْ امْرَأَةً، فَخَرَجُوا حَتّى إذَا قَدِمُوا خَيْبَرَ، أَتَوْا دَارَ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ لَيْلًا، فَلَمْ يَدْعُوَا بَيْتًا فِي الدّارِ إلّا أَغْلَقُوهُ عَلَى أَهْلِهِ. قَالَ: وَكَانَ فِي عِلّيّةٍ لَهُ إلَيْهَا عَجَلَةٌ قَالَ:
فَأَسْنَدُوا فِيهَا حَتّى قَامُوا عَلَى بَابِهِ، فَاسْتَأْذَنُوا عَلَيْهِ، فَخَرَجَتْ إلَيْهِمْ امْرَأَتُهُ، فَقَالَتْ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَاسٌ مِنْ الْعَرَبِ نَلْتَمِسُ الْمِيرَةَ. قَالَتْ: ذَاكُمْ صَاحِبكُمْ، فَادْخُلُوا عَلَيْهِ، قَالَ: فَلَمّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ، أَغْلَقْنَا عَلَيْنَا وَعَلَيْهَا الْحُجْرَةَ، تَخَوّفًا أَنْ تَكُونَ دُونَهُ مُجَاوَلَةٌ تَحُولُ بيننا وبينه، قالت: فَصَاحَتْ امْرَأَتُهُ، فَنَوّهَتْ بِنَا وَابْتَدَرْنَاهُ؛ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِهِ بِأَسْيَافِنَا، فَوَاَللهِ مَا يَدُلّنَا عَلَيْهِ فِي سَوَادِ اللّيْلِ إلّا بَيَاضُهُ كَأَنّهُ قُبْطِيّةٌ مُلْقَاةٌ. قَالَ: وَلَمّا صَاحَتْ بِنَا امْرَأَتُهُ، جَعَلَ الرّجُلُ مِنّا يَرْفَعُ عَلَيْهَا سَيْفَهُ، ثُمّ يَذْكُرُ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيَكُفّ يَدَهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَفَرَغْنَا مِنْهَا بِلَيْلٍ. قَالَ: فَلَمّا ضَرَبْنَاهُ بِأَسْيَافِنَا تَحَامَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ ابن أُنَيْسٍ بِسَيْفِهِ فِي بَطْنِهِ حَتّى أَنْفَذَهُ، وَهُوَ يقول: قطنى قطنى: أى حسى حَسْبِي. قَالَ: وَخَرَجْنَا، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عتيك رجلا سىء الْبَصَرِ، قَالَ: فَوَقَعَ مِنْ الدّرَجَةِ فَوُثِئَتْ يَدُهُ وَثْئًا شَدِيدًا- وَيُقَالُ: رِجْلُهُ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَحَمَلْنَاهُ حَتّى نَأْتِيَ بِهِ مَنْهَرًا مِنْ عُيُونِهِمْ، فَنَدْخُلَ فِيهِ. قَالَ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٦٠ ]
فَأَوْقَدُوا النّيرَانَ، وَاشْتَدّوا فِي كُلّ وَجْهٍ يَطْلُبُونَنَا، قال: حتى إذا يئسوا رجعو إلى ضاحبهم، فَاكْتَنَفُوهُ وَهُوَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ. قَالَ: فَقُلْنَا: كَيْفَ لَنَا بِأَنْ نَعْلَمَ بِأَنّ عَدُوّ اللهِ قَدْ مَاتَ؟ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنّا: أَنَا أَذْهَبُ فَأَنْظُرُ لَكُمْ، فَانْطَلَقَ حَتّى دَخَلَ فِي النّاسِ. قَالَ: فَوَجَدْت امْرَأَتَهُ وَرِجَالَ يَهُودَ حَوْلَهُ وَفِي يَدِهَا الْمِصْبَاحُ تَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ، وَتُحَدّثُهُمْ وَتَقُولُ: أَمَا وَاَللهِ لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ ابْنِ عَتِيكٍ، ثُمّ أَكْذَبْتُ نَفْسِي وَقُلْت: أَنّى ابْنُ عَتِيكٍ بِهَذِهِ الْبِلَادِ؟ ثُمّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ تَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ ثُمّ قَالَتْ: فَاظَ وَإِلَهِ يَهُودَ، فَمَا سَمِعْتُ مِنْ كَلِمَةٍ كَانَتْ أَلَذّ إلَى نَفْسِي مِنْهَا. قَالَ: ثُمّ جَاءَنَا الْخَبَرُ فَاحْتَمَلْنَا صَاحِبَنَا فَقَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَتْلِ عَدُوّ اللهِ، وَاخْتَلَفْنَا عِنْدَهُ فِي قَتْلِهِ، كُلّنَا يَدّعِيهِ.
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَاتُوا أَسْيَافَكُمْ، قَالَ: فَجِئْنَاهُ بِهَا، فَنَظَرَ إلَيْهَا، فَقَالَ لَسَيْفُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ: هَذَا قَتَلَهُ، أَرَى فِيهِ أَثَرَ الطّعَامِ.
[شِعْرُ حَسّانَ فِي قَتْلِ ابن الأشرف وابن أبى الحقيق]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَهُوَ يَذْكُرُ قَتْلَ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَقَتْلَ سَلّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ:
لِلّهِ دَرّ عِصَابَةٍ لاقيتهم يابن الحقيق وأنت يابن الْأَشْرَفِ
يَسْرُونَ بِالْبِيضِ الْخِفَافِ إلَيْكُمْ مَرَحًا كَأُسْدٍ فى غرين مُغْرِفِ
حَتّى أَتَوْكُمْ فِي مَحِلّ بِلَادِكُمْ فَسَقَوْكُمْ حَتْفًا بِبِيضِ ذُفّفِ
مُسْتَبْصِرِينَ لِنَصْرِ دِينِ نَبِيّهِمْ مُسْتَصْغِرِينَ لِكُلّ أَمْرٍ مُجْحِفٍ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ: «ذُفّفِ»، عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٦١ ]
[إسْلَامُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ]
[عمرو وصحبه عند النجاشى]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَاشِدٍ مَوْلَى حَبِيبِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ الثّقَفِيّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ الثّقفى، قال: حدثنى عمرو بن لعاص مِنْ فِيهِ، قَالَ: لَمّا انْصَرَفْنَا مَعَ الْأَحْزَابِ عَنْ الْخَنْدَقِ جَمَعْتُ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ، كَانُوا يَرَوْنَ رَأْيِي، وَيَسْمَعُونَ مِنّي، فَقُلْت لَهُمْ: تَعْلَمُونَ وَاَللهِ أَنّي أَرَى أَمْرَ مُحَمّدٍ يَعْلُو الْأُمُورَ عُلُوّا مُنْكَرًا، وَإِنّي قَدْ رَأَيْت أَمْرًا، فَمَا تَرَوْنَ فِيهِ؟ قَالُوا: وَمَاذَا رَأَيْت؟ قَالَ: رَأَيْت أَنْ نَلْحَقَ بِالنّجَاشِيّ فَنَكُونَ عِنْدَهُ، فَإِنْ ظَهَرَ مُحَمّدٌ عَلَى قَوْمِنَا كُنّا عِنْدَ النّجَاشِيّ، فَإِنّا أَنْ نَكُونَ تَحْتَ يَدَيْهِ أَحَبّ إلَيْنَا مِنْ أَنْ نَكُونَ تَحْت يَدَيْ مُحَمّدٍ؛ وَإِنْ ظَهَرَ قَوْمُنَا فَنَحْنُ مَنْ قَدْ عَرَفُوا، فَلَنْ يَأْتِيَنَا مِنْهُمْ إلّا خَيْرٌ، قَالُوا: إنّ هَذَا الرّأْيُ. قلت: فاجمعوا لنا ما نهديه له، وَكَانَ أَحَبّ مَا يُهْدَى إلَيْهِ مِنْ أَرْضِنَا الْأَدَمَ. فَجَمَعْنَا لَهُ أَدَمًا كَثِيرًا، ثُمّ خَرَجْنَا حتى قدمنا عليه.
فو الله إنّا لَعِنْدَهُ إذْ جَاءَهُ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ بَعَثَهُ إلَيْهِ فِي شَأْنِ جَعْفَرٍ وأصحابه. قال: فدخل، ثُمّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ. قَالَ: فَقُلْت لِأَصْحَابِي: هَذَا عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ، لَوْ قَدْ دَخَلْتُ عَلَى النّجَاشِيّ وَسَأَلْته إيّاهُ فَأَعْطَانِيهِ، فَضَرَبْت عُنُقَهُ، فَإِذَا فَعَلْت
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٦٢ ]
ذَلِكَ رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنّي قَدْ أَجْزَأْت عَنْهَا حِينَ قَتَلْت رَسُولَ مُحَمّدٍ. قَالَ: فَدَخَلْت عَلَيْهِ فَسَجَدْت لَهُ كَمَا كُنْت أَصْنَعُ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِصَدِيقِي، أَهْدَيْتَ إلَيّ مِنْ بِلَادِك شَيْئًا؟ قَالَ: قُلْت: نَعَمْ، أَيّهَا الْمَلِكُ، قَدْ أَهْدَيْت إلَيْك أَدَمًا كَثِيرًا؛ قَالَ: ثُمّ قَرّبْته إلَيْهِ، فَأَعْجَبَهُ وَاشْتَهَاهُ، ثُمّ قُلْت لَهُ: أَيّهَا الْمَلِكُ، إنّي قَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا خَرَجَ مِنْ عِنْدِك، وَهُوَ رَسُولُ رَجُلٍ عَدُوّ لَنَا، فَأَعْطِنِيهِ لِأَقْتُلَهُ، فَإِنّهُ قَدْ أَصَابَ مِنْ أَشْرَافِنَا وَخِيَارِنَا، قَالَ: فَغَضِبَ، ثُمّ مَدّ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا أَنْفَهُ ضَرْبَةً ظَنَنْتُ أَنّهُ قَدْ كَسَرَهُ، فَلَوْ انْشَقّتْ لِي الْأَرْضُ لَدَخَلْت فِيهَا فَرَقًا مِنْهُ؛ ثُمّ قُلْت لَهُ: أَيّهَا الْمَلِكُ، وَاَللهِ لَوْ ظَنَنْت أَنّك تَكْرَهُ هَذَا مَا سَأَلْتُكَهُ؛ قَالَ:
أَتَسْأَلُنِي أَنْ أُعْطِيَك رَسُولَ رَجُلٍ يَأْتِيهِ النّامُوسُ الْأَكْبَرُ الّذِي كان يأتى موسى لتقتله! قال: قالت: أَيّهَا الْمَلِكُ، أَكَذَاك هُوَ؟ قَالَ: وَيْحَك يَا عَمْرُو أَطِعْنِي وَاتّبِعْهُ، فَإِنّهُ وَاَللهِ لَعَلَى الْحَقّ، وَلَيَظْهَرَنّ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، كَمَا ظَهَرَ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ؛ قَالَ: قُلْت: أَفَتُبَايِعُنِي لَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَبَسَطَ يَدَهُ، فَبَايَعْتُهُ: عَلَى الْإِسْلَامِ، ثُمّ خَرَجْت إلَى أَصْحَابِي وَقَدْ حَالَ رَأْيِي عَمّا كَانَ عَلَيْهِ، وَكَتَمْتُ أَصْحَابِي إسلامى.
[اجتماع عمرو مع خالد فى الطريق]
ثُمّ خَرَجْت عَامِدًا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لأسلم، فلقيت خالد ابن الْوَلِيدِ، وَذَلِكَ قُبَيْلَ الْفَتْحِ، وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مكة، فقلت: أين يا أبا سليمان؟
قال: والله لقد استقام الميسم، وَإِنّ الرّجُلَ لَنَبِيّ، أَذْهَبُ وَاَللهِ فَأُسْلِمَ، فَحَتّى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٦٣ ]
مَتَى؛ قَالَ: قُلْت: وَاَللهِ مَا جِئْتُ إلّا لِأُسْلِمَ. قَالَ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَتَقَدّمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَأَسْلَمَ وَبَايَعَ، ثُمّ دَنَوْتُ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي أُبَايِعُك عَلَى أَنْ يُغْفَرَ لِي مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِي، وَلَا أَذْكُرُ مَا تَأَخّرَ؛ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا عَمْرُو، بَايِعْ، فَإِنّ الْإِسْلَامَ يَجُبّ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَإِنّ الْهِجْرَةَ تَجُبّ مَا كَانَ قَبْلَهَا؛ قَالَ: فَبَايَعْته، ثُمّ انْصَرَفْت.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: فَإِنّ الْإِسْلَامَ يَحُتّ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَإِنّ الْهِجْرَةَ تَحُتّ ما كان قبلها.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ، وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ: أَنّ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، كَانَ مَعَهُمَا، حِينَ أَسْلَمَا.
[شعر ابن الزبعزى فِي إسْلَامِ ابْنِ طَلْحَةَ وَخَالِدٍ]
قَالَ ابْنُ إسحاق: فقال ابن الزبعرى السّهى:
أَنْشُدُ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ حِلْفَنَا وَمُلْقَى نِعَالِ الْقَوْمِ عِنْدَ الْمُقَبّلِ
وَمَا عَقَدَ الْآبَاءُ مِنْ كُلّ حِلْفِهِ وَمَا خَالِدٌ مِنْ مِثْلِهَا بِمُحَلّلِ
أَمِفْتَاحَ بَيْتٍ غَيْرِ بَيْتِك تَبْتَغِي وَمَا يُبْتَغَى من مجد بيت مؤنّل
فَلَا تَأْمَنَنّ خَالِدًا بَعْدَ هَذِهِ وَعُثْمَانُ جَاءَ بالدّهيم المعضّل
وَكَانَ فَتْحُ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَصَدْرِ ذِي الْحَجّةِ، وَوَلِيَ تِلْكَ الْحِجّةَ الْمُشْرِكُونَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٦٤ ]
[غزوة بنى لحيان]
«بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ» قَالَ: حَدّثَنَا أَبُو محمد عبد الملك بن هشام قال حدثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبى قال: ثُمّ أَقَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ ذَا الْحَجّةِ وَالْمُحَرّمَ وَصَفَرًا وَشَهْرَيْ رَبِيعٍ، وَخَرَجَ فِي جُمَادَى الْأُولَى عَلَى رَأْسِ سِتّةِ أَشْهُرٍ مِنْ فَتْحِ قُرَيْظَةَ إلَى بَنِي لِحْيَانَ يَطْلُبُ بِأَصْحَابِ الرّجِيعِ: خُبَيْبَ بْنَ عَدِيّ وَأَصْحَابَهُ، وَأَظْهَرَ أَنّهُ يُرِيدُ الشّامَ، لِيُصِيبَ مِنْ القوم غرّة.
فَخَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ ﷺ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ، فِيمَا قال ابن هشام.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَسَلَكَ عَلَى غُرَابٍ، جَبَلٍ بِنَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ عَلَى طَرِيقِهِ إلَى الشّامِ، ثُمّ عَلَى مَحِيصٍ، ثُمّ عَلَى الْبَتْرَاءِ، ثُمّ صَفّقَ ذَاتَ الْيَسَارِ، فَخَرَجَ عَلَى بَيْنٍ، ثُمّ عَلَى صُخَيْرَاتِ الْيَمَامِ، ثُمّ اسْتَقَامَ بِهِ الطّرِيقُ عَلَى المحجّة من طريق مكة، فأغذ السير سريعا، حتى نَزَلَ عَلَى غُرَانَ، وَهِيَ مَنَازِلُ بَنِي لِحْيَانٍ، وَغُرَانُ وَادٍ بَيْنَ أَمَجّ وَعُسْفَانَ، إلَى بَلَدٍ يُقَالُ لَهُ: سَايَةُ، فَوَجَدَهُمْ قَدْ حَذِرُوا وَتَمَنّعُوا فى رؤس الْجِبَالِ. فَلَمّا نَزَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَخْطَأَهُ مِنْ غِرّتِهِمْ مَا أَرَادَ، قَالَ: لَوْ أَنّا هَبَطْنَا عُسْفَانَ لَرَأَى أَهْلُ مَكّةَ أَنّا قَدْ جِئْنَا مَكّةَ، فَخَرَجَ فِي مِئَتَيْ رَاكِبٍ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتّى نَزَلَ عُسْفَانَ، ثُمّ بَعَثَ فَارِسَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتّى بَلَغَا كُرَاعَ الْغَمِيمِ، ثُمّ كَرّ وَرَاحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قافلا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٦٥ ]
فَكَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يقول حِينَ وَجّهَ رَاجِعًا: آيِبُونَ تَائِبُونَ إنْ شَاءَ اللهُ لِرَبّنَا حَامِدُونَ، أَعُوذُ بِاَللهِ مِنْ وَعْثَاءِ السّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ والمال.
وَالْحَدِيثُ فِي غَزْوَةِ بَنِي لِحْيَانَ، عَنْ عَاصِمِ بن عمر بن قتادة، وعبد الله بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؛ فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي غَزْوَةِ بَنِي لِحْيَانَ.
لَوْ أَنّ بَنِي لِحْيَانَ كَانُوا تَنَاظَرُوا لَقُوا عُصَبًا فِي دَارِهِمْ ذَاتَ مَصْدَقِ
لَقُوا سَرَعَانًا يَمْلَأُ السّرْبَ رَوْعُهُ أَمَامَ طَحُونٍ كَالْمَجَرّةِ فَيْلَقِ
وَلَكِنّهُمْ كَانُوا وِبَارًا تَتَبّعَتْ شعاب حجاز غير ذى متنفّق
ــ
فَصْلٌ فِي أَشْعَارِ يَوْمِ الْخَنْدَقِ شِعْرُ ضِرَارٍ ذَكَرَ فِيهَا شِعْرَ ضِرَارِ بْنِ الْخَطّابِ:
عَلَى الأبطال واليلب الحصينا
اليلب: التّرَسَةُ، وَقِيلَ: الدّرَقُ، وَقِيلَ: بَيْضَاتٌ وَدُرُوعٌ «١» كَانَتْ تُتّخَذُ مِنْ جُلُودِ الْإِبِلِ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا قَوْلُ حبيب:
_________________
(١) ترسة جمع ترس وكل ما سبق من أدوات الحرب من أول الترسة.
[ ٦ / ٣٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هَذِهِ الْأَسِنّةُ وَالْمَاذِيّ «١» قَدْ كَثُرَا فَلَا الصّيَاصِي لَهَا قَدْرٌ وَلَا الْيَلَبُ
أَيْ لَا حَاجَةَ بَعْدَ وُجُودِ الدّرُوعِ الْمَاذِيّةِ إلَى الْيَلَبِ، وَبَعْدَ الْأَسِنّةِ إلَى الصّيَاصِي، وَهِيَ الْقُرُونُ، وَكَانَتْ أَسِنّتُهُمْ مِنْهَا فِي الْجَاهِلِيّةِ «٢» . قَالَ الشّاعِرُ:
يُهَزْهِزُ صَعْدَةً جَرْدَاءَ فِيهَا نَقِيعُ السّمّ أَوْ قَرْنٌ مُحِيقُ
شِعْرُ كَعْبٍ:
وَذَكَرَ فِي شِعْرِ كَعْبٍ:
فَكُنْتُمْ تَحْتَهَا مُتَكَمّهِينَا
مُتَفَعّلِينَ مِنْ الْكَمَهِ وَهُوَ الْعَمَى، والأظهر فى الأكمه أنه لذى يُولَدُ أَعْمَى، وَقَدْ قِيلَ فِيهِ: إنّهُ الّذِي لَا يُبْصِرُ بِاللّيْلِ شَيْئًا، ذَكَرَ هَذَا الْقَوْلَ الْبُخَارِيّ فِي التّفْسِيرِ.
مِنْ شِعْرِ حَسّانَ حَوْلَ أسماء الله:
وَفِيهِ قَوْلُهُ:
وَجُنُودِ رَبّك سَيّدِ الْأَرْبَابِ
فِيهِ شَاهِدٌ لِمَنْ زَعَمَ أَنّ السّيّدَ مِنْ أَسْمَاءِ الله، وقد كره أكثر
_________________
(١) السلاح كله من الحديد.
(٢) فى اللسان: وربما كانت تركب فى الرماح مكان الأسنة.
[ ٦ / ٣٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) العلماء أن يقال فِي الدّعَاءِ: يَا سَيّدِي، وَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ، وَاحْتَجّ بِحَدِيثِ لَيْسَ إسْنَادُهُ بِالْقَوِيّ أَنّ النّبِيّﷺ- قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا سَيّدُ، فَقَالَ: السّيّدُ اللهُ. وَأَمّا مَذْهَبُ الْقَاضِي فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ الْأَسْمَاءِ الّتِي يُرَادُ بِهَا الْمَدْحُ وَالتّعْظِيمُ فَذِكْرُ اللهِ بِهِ جَائِزٌ ما لم يرد نهى عنه، أو يجمع الْأُمّةُ عَلَى تَرْكِ الدّعَاءِ بِهِ، كَمَا أَجْمَعُوا أَلّا يُسَمّى بِفَقِيهِ، وَلَا عَاقِلٍ وَلَا سَخِيّ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَدْحٌ. قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَاَلّذِي أَقُولُ فِي السّيّدِ: أَنّهُ اسْمٌ يُعْتَبَرُ بِالْإِضَافَةِ، لِأَنّهُ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ بَعْضُ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ. تَقُولُ: فُلَانٌ سَيّدُ قَيْسٍ، إذَا كَانَ وَاحِدًا مِنْهُمْ، وَلَا يُقَالُ: فِي قَيْسٍ هُوَ سَيّدُ تَمِيمٍ، لِأَنّهُ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمْ، فَكَذَلِكَ لَا يُقَالُ فِي اللهِ تَعَالَى هُوَ سَيّدُ النّاسِ، وَلَا سَيّدُ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنّمَا يُقَالُ: رَبّهُمْ فَإِذَا قُلْت: سَيّدُ الْأَرْبَابِ، وَسَيّدُ الْكُرَمَاءِ، جَازَ، لِأَنّ مَعْنَاهُ أَكْرَمُ الْكُرَمَاءِ، وَأَعْظَمُ الْأَرْبَابِ، ثُمّ يُشْتَقّ لَهُ مِنْ اسْمِ الرّبّ فَيُوصَفُ بالرّبوبيّة ولا يوصف بالسّودد، لأنه ليس باسم لَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَقَدْ جَاءَ فِي شِعْرِ حسّان الذى يرنى به رسول الله ﷺ: يا ذا الجلال وذا العلا والسّودد يَصِفُ الرّبّ، وَلَكِنْ لَا تَقُومُ الْحُجّةُ فِي إطْلَاقِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ إلّا أَنْ يَسْمَعَهَا الرّسُولُ ﵇ فَلَا يُنْكِرَهَا، كَمَا سَمِعَ شِعْرَ كَعْبٍ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ، وَإِنّمَا
[ ٦ / ٣٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وُصِفَ عَلَى الْوَجْهِ الّذِي قَدّمْنَاهُ، وَعَلَى الْمَعْنَى الّذِي بَيّنّاهُ «١» .
مِنْ شِعْرِ كَعْبٍ:
وَقَوْلِ كَعْبٍ:
بيضاء مشرفة الذّرى ومعاطنا
_________________
(١) هذا كلام له وزنه العظيم. وممن أبدع وأجاد فى هذا الإمام ابن القيم فى بدائع الفوائد فاقرأ ما كتبه فى ص ١٦٤ ح ١ بدائع الفوائد. ومما قاله: اختلف النظار فى الأسماء التى تطلق على الله وعلى العباد. كالحى والسميع والبصير والعليم والقدير والملك ونحوها، فقالت طائفة من المتكلمين: هى حقيقة فى العبد مجاز فى الرب، وهذا قول غلاة الجهمية وهو أخبث الأقوال، وأشدها فسادا. والثانى مقابله: وهو أنها حقيقة فى الرب مجاز فى العبد، وهو قول أبى العباس للناشىء. والثالث: أنها حقيقة فيهما، وهذا قول أهل السنة وهو الصواب، واختلاف الحقيقتين فيهما لا يخرجها عن كونها حقيقة فيهما، وللرب تعالى منها ما يليق بجلاله، وللعبد منها ما يليق به، ص ١٦٤. ثم يقول: «له من كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه معنى وأبعده وأنزهه عن شائبة عيب أو نقص، فله من صفة الإدراكات: العليم الخبير دون العاقل الفقيه، والسميع والبصير دون السامع والباصر والناظر، ومن صفات الإحسان: البر الرحيم الودود دون الرفيق والشفوق ونحوهما، وكذلك العلى العظيم دون الرفيع الشريف، وكذلك الكريم دون السخى. والخالق البارىء المصور دون الفاعل الصانع المشكل. والغفور العفو دون الصفوح الساتر. وكذلك سائر أسمائه تعالى يجرى على نفسه منها أكملها وأحسنها. وما لا يقوم غيره مقامه. فتأمل ذلك. فأسماوه أحسن الأسماء. كما أن صفاته أكمل الصفات. فلا تعدل عما سمى به نفسه إلى غيره. كما لا تتجاوز ما وصف به نفسه. ووصفه به رسوله إلى ما وصفه به المبطلون والمعطلون، أنظر صفحتى ١٦٤، ١٦٨ من المصدر المذكور.
[ ٦ / ٣٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَعْنِي: الْآطَامَ، وَقَوْلُهُ: مَعَاطِنًا يَعْنِي: مَنَابِتَ النّخْلِ عند الماء شهها بِمَعَاطِنِ الْإِبِلِ، وَهِيَ مَبَارِكُهَا عِنْدَ الْمَاءِ.
وَقَوْلُهُ: حُمّ الْجُذُوعِ، وَصَفَهَا بِالْحُمّةِ، وَهِيَ السّوَادُ، لِأَنّهَا تَضْرِبُ إلَى السّوَادِ، مِنْ الْخُضْرَةِ وَالنّعْمَةِ، وَشَبّهَ مَا يُجْتَنَى مِنْهَا بِالْحَلَبِ، فَقَالَ:
غَزِيرَةَ الْأَحْلَابِ.
وَقَوْلُهُ: كَاللّوبِ، اللّوبُ: جَمْعُ لُوبَةٍ، وَاللّابُ جَمْعُ لَابَةٍ وَهِيَ الْحَرّةُ، يُقَالُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا مِثْلُ فُلَانٍ، وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي كُلّ بَلَدٍ، فَقَدْ قَالَ شَبِيبُ بْنُ شَبِيبَةَ لِرَجُلِ نَسَبَهُ إلَى التّصْحِيفِ فِي حَدِيثِ السّقْطِ. إنّهُ يَظِلّ مُحْبَنْطِئًا عَلَى بَابِ الْجَنّةِ، فَقَالَ لَهُ: شَبِيبٌ: بِالظّاءِ مَنْقُوطَةً، فَقَالَ الرّجُلُ: أَخْطَأْت، إنّمَا هُوَ بِالطّاءِ. قَالَ الرّاجِزُ:
إِنّي إِذَا «١» اسْتَنْشَدْت لا أَحْبَنْطِي وَلَا أُحِبّ كَثْرَةَ التّمَطّي
فَقَالَ لَهُ شَبِيبٌ: أَتُلَحّنُنِي وَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَفْصَحُ مِنّي، فَقَالَ لَهُ الرّجُلُ:
وَهَذِهِ لَحْنَةٌ أُخْرَى، أو للبصرة لا بتان؟! إنما اللّابتان للمدينة والكوفة.
_________________
(١) فى اللسان غير منسوب: أنشدت ومحبنطىء بالهمز وتركه: المتغضب المستبطىء للشىء. وقيل: هو الممتنع امتناع طلبة لا امتناع إباء «النهاية لابن الأثير» وفى اللسان أن الحرة أعظم من اللوبة. ويرى سيبويه أن اللوب جمع لابة مثل قارة وقور. ومثلها ساح وسوح.
[ ٦ / ٣٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَقَوْلُهُ: يُبْذَلُ جَمّهَا وَحَفِيلُهَا، أَيْ: الْكَثِيرُ مِنْهَا، وَالْمُنْتَابِ: الزّائِرُ مُفْتَعِلٌ مِنْ نَابَ يَنُوبُ إذَا أَلَمّ. وَقَوْلُهُ: وَنَزَائِعًا مِثْلَ السّرَاجِ، يَعْنِي: الْخَيْلَ الْعَرَبِيّةَ، الّتِي نَزَعَتْ مِنْ الْأَعْدَاءِ. وَقَوْلُهُ: مِثْلَ السّرَاجِ بِالْجِيمِ، كَذَا وَقَعَ فِي الْأَصْلِ، أَيْ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهَا كَالسّرَاجِ، وَوَقَعَ فِي الْحَاشِيَةِ بِالْحَاءِ، وَفَسّرَهُ فَقَالَ: جَمْعُ سِرْحَانٍ، وَهُوَ الذّئْبُ، وَهَذَا الْجَمْعُ إنّمَا جَازَ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الزّائِدَتَيْنِ مِنْ الِاسْمِ وَهِيَ الْأَلِفُ وَالنّونُ، وَلَوْ جَمَعَهُ عَلَى لَفْظِهِ، لَقَالَ: سَرَاحِينَ. وَقَوْلُهُ: وَجِزّةُ الْمِقْضَابِ الْمِقْضَابُ: مَزْرَعَةٌ، وَجِزّتُهَا مَا يُجَزّ مِنْهَا لِلْخَيْلِ وَقَوْلُهُ عَرِيَ الشّوَى مِنْهَا، يَعْنِي الْقَوَائِمَ. وَالنّحْضُ: اللّحْمُ. وَالْآرَابُ: الْمَفَاصِلُ، وَاحِدُهُمَا إرْبٌ، وَفِي الْحَدِيثِ أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ آرَابٍ. وَقَوْلُهُ: قُودًا، أَيْ طِوَالُ الْأَعْنَاقِ، وَالضّرَاءُ: الْكِلَابُ الضّارِيَةُ، وَفِي الْحَدِيثِ: إنّ قَيْسًا ضِرَاءُ اللهِ فى الأرض، أى أسده الضّارِيَةُ. وَالْكُلّابُ: جَمْعُ كَالِبٍ، وَهُوَ صَاحِبُ الْكِلَابِ، الّذِي يَصِيدُ بِهَا. وَقَوْلُهُ: عُبْسُ اللّقَاءِ: جَمْعُ عَبُوسٍ. وَقَوْلُهُ: دُخْسَ الْبَضِيعِ. الْبَضْعُ: اللّحْمُ الْمُسْتَطِيلُ، وَالدّخِيسُ مِنْ اللّحْمِ: الْكَثِيرُ. وَقَوْلُهُ: خَفِيفَةَ الْأَقْصَابِ، يَعْنِي: جَمْعَ قُصْبٍ وَهُوَ الْمِعَى، وَمِنْهُ سُمّيَ
[ ٦ / ٣٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْجَزّارُ قَصّابًا، وَقَوْلُهُ يَعْدُونَ بِالزّغْفِ، أَيّ: بِالدّرُوعِ.
وَقَوْلُهُ: شَكّهُ: حِلَقُهُ وَنَسْجُهُ، وَقَوْلُهُ:
وَبِمُتْرَصَاتِ فِي الثّقَافِ صِبَابِ
الْمُتْرَصَاتُ: الْمُحْكَمَةُ، يَعْنِي الرّمَاحَ الْمُثَقّفَةَ.
وَقَوْلُهُ: نَزَعَ الصّيَاقِلُ عَلْبَهَا، أَيْ: جُسْأَتَهَا وَخُشُونَةَ دَرْئِهَا، يُقَالُ عَلِبَ اللّحْمُ إذَا لَمْ يَكُنْ رَخْصًا، وَعَلِبَ «١» النّبَاتُ إذَا جَسَأَ.
وَقَوْلُهُ: بِمَارِنِ متقارب. المارن: اللّيّنُ، وَوَقِيعَتُهُ: صَقْلُهُ، وَخَبّابُ:
اسْمُ صَيْقَلٍ.
وَقَوْلُهُ: وَأَغَرّ أَزْرَقَ، يَعْنِي الرّمْحَ، وَطُخْيَةِ الظّلْمَاءِ، أَيْ: شِدّتِهَا، وَطَخَاءُ الْقَلْبِ: ظُلْمَتُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵇ فِي السّفَرْجَلِ: إنّهُ يَذْهَبُ بِطَخَاءِ الْقَلْبِ.
وَقَوْلُ كَعْبٍ:
جَاءَتْ سَخِينَةُ كَيْ تُغَالِبَ رَبّهَا
كَانَ هَذَا الِاسْمُ مِمّا سُمّيَتْ بِهِ قُرَيْشٌ قديما، ذكروا أن قصيّا كان إذا
_________________
(١) هى فى نسخ أخرى بالغين وقد فسرها أبو ذر بقوله: علبها: خشونتها وما علا عليها من الصدأ. وليس فى اللسان ما قال. وإنما فيه مادة علب ومعناها كما قال السهيلى.
[ ٦ / ٣٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذُبِحَتْ ذَبِيحَةٌ أَوْ نُحِرَتْ نَحِيرَةٌ بِمَكّةَ أَتَى بِعَجُزِهَا، فَصَنَعَ مِنْهُ خَزِيرَةً، وَهُوَ لَحْمٌ يُطْبَخُ بِبُرّ فَيُطْعِمُهُ النّاسَ، فَسُمّيَتْ قُرَيْشٌ بِهَا سَخِينَةَ. وَقِيلَ: إنّ الْعَرَبَ كَانُوا إذَا أَسْنَتُوا أَكَلُوا الْعِلْهِزَ، وَهُوَ الْوَبْرُ وَالدّمُ، وَتَأْكُلُ قُرَيْشٌ الْخَزِيرَةَ وَالْفَتّةَ»
فَنَفِسَتْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَلَقّبُوهُمْ: سَخِينَةَ، وَلَمْ تَكُنْ قُرَيْشٌ تَكْرَهُ هَذَا اللّقَبَ، وَلَوْ كَرِهَتْهُ مَا اسْتَجَازَ كَعْبٌ أَنْ يَذْكُرَهُ، وَرَسُولُ اللهِﷺ- مِنْهُمْ، وَلَتَرَكَهُ أَدَبًا مَعَ النّبِيّ ﵇، إذْ كَانَ قُرَشِيّا، وَلَقَدْ اُسْتُنْشِدَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ مَا قَالَهُ الْهَوَازِنِيّ فِي قُرَيْشٍ:
يَا شَدّةً مَا شَدَدْنَا غَيْرَ كَاذِبَةٍ عَلَى سَخِينَةَ لَوْلَا اللّيْلُ وَالْحَرَمُ «٢»
فَقَالَ: مَا زَادَ هَذَا عَلَى أَنْ اسْتَثْنَى، وَلَمْ يَكْرَهْ سَمَاعَ التّلْقِيبِ بِسَخِينَةَ، فَدَلّ هَذَا عَلَى أَنّ هَذَا اللّقَبَ لَمْ يَكُنْ مكروها عندهم، ولا كان فيه تعبير لَهُمْ بِشَيْءِ يُكْرَهُ.
شِعْرٌ آخَرُ لِكَعْبِ:
وَفِي شِعْرِ كَعْبٍ أَيْضًا: مَنْ سَرّهُ ضَرْبٌ يُمَعْمِعُ بَعْضُهُ، الْمَعْمَعَةُ: صَوْتُ النّارِ فِيمَا عَظُمَ وَكَثُفَ من الشّعراء والقصباء ونحوها، والكلحبة صوتها
_________________
(١) الفتة. الكتلة من التمر.
(٢) قاله خداش بن زهير العامرى بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ ربيعة ابن عامر بن صعصعة العامرى، شهد حنينا مع المشركين، وله فى ذلك شعر منه هذا البيت «الإصابة رقم ٢٣٢٣» وقيل: قالها فى حرب الفجار كما فى الأغانى أنظر ص ١٨ و١٩ ح ٣ البيان والتبيين الجاحظ.
[ ٦ / ٣٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِيمَا دَقّ كَالسّرَاجِ وَنَحْوِهِ، وَالْقَطْمَطَةُ: صَوْتُ الْغَلَيَانِ، وَكَذَلِكَ الْغَرْغَرَةُ وَالْجَعْجَعَةُ صَوْتُ الرّحَى، وَالدّرْدَبَةُ صَوْتُ الطبل.
وقوله: الأباء، هو القصب واجدتها أَبَاءَةٌ، وَالْهَمْزَةُ الْآخِرَةُ فِيهَا بَدَلٌ مِنْ يَاءٍ، قَالَهُ ابْنُ جِنّيّ، لِأَنّهُ عِنْدَهُ مِنْ الْأَبَايَةِ، كَأَنّ الْقَصَبَ يَأْبَى عَلَى مَنْ أَرَادَهُ بِمَضْغِ أَوْ نَحْوِهِ، وَيَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ ابْنُ جِنّيّ قَوْلُ الشّاعِرِ [بِشْرُ بْنُ أَبِي خَازِمٍ]:
يَرَاهُ النّاسُ أَخْضَرَ مِنْ بَعِيدٍ وَتَمْنَعُهُ الْمَرَارَةُ وَالْإِبَاءُ «١»
وَقَوْلُهُ: فَلْيَأْتِ مَأْسَدَةً، هِيَ الْأَرْضُ الْكَثِيرَةُ الْأُسْدِ، وَكَذَلِكَ الْمَسْبَعَةُ الْأَرْضُ الْكَثِيرَةُ السّبَاعِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَأْسَدَةٌ جَمْعَ أَسَدٍ كَمَا قَالُوا مَشْيَخَةً ومعلحة، حَكَى سِيبَوَيْهِ مَشْيَخَةً وَمَشْيُوخَاءَ، وَمَعْلَجَةً وَمَعْلُوجَاءَ، وَأَلْفَيْت أَيْضًا فِي النّبَاتِ مَسْلُومَاءَ «٢» لِجَمَاعَةِ السّلَمِ وَمَشْيُوحَاءَ «٣» للشّيخ بالحاء، المهملة، الكثير.
_________________
(١) البيت لبشر بن أبى خازم، وقد زدت الاسم فى الأصل من اللسان والأمالى وسمط اللآلى. وقبل البيت: فيا عجبا عجبت لآل لأم فليس لهم إذا عقدوا وفاء سأقذف نحوهم بمشنعات لها من بعد هلكهم بقاء فانكم ومدحكم بجيرا أبا لجأ كما امتدح الألاء يَرَاهُ النّاسُ أَخْضَرَ مِنْ بَعِيدٍ وَتَمْنَعُهُ الْمَرَارَةُ والإباء والألاء شجر حسن المنظر مر المطعم. انظر ص ٣٢ ح ٢ الأمالى ط ٢، ص ٦٦٥ سمط اللآلى.
(٢) فى الأصل مسلوقاء. وفى اللسان: أرض مسلوماء كثيرة السلم.
(٣) فى اللسان: المشيوحاء: الأرض التى تنبت الشيح يقصر ويمد، وقال أبو حنيفة: إذا كثر نباته بمكان قيل: هذه مشيوحاء.
[ ٦ / ٣٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَقَوْلُهُ تَسُنّ سُيُوفَهَا، بِنَصْبِ الْفَاءِ، وَهُوَ الْأَصَحّ عند القاضى أبى الوليد، ووقع فى الأصلى عِنْدَ أَبِي بَحْرٍ: تُسَنّ سُيُوفُهَا بِالرّفْعِ، وَمَعْنَى الرّوَايَةِ الْأُولَى: تَسُنّ أَيْ: تَصْقُلُ، وَمَعْنَى الرّوَايَةِ الثّانِيَةِ أَيْ: تُسَنّ لِلْأَبْطَالِ، وَلِمَنْ بَعْدَهَا مِنْ مِنْ الرّجَالِ سَنّةَ الْجُرْأَةِ وَالْإِقْدَامِ. وَقَوْلُهُ فِي وَصْفِ الدّرْعِ: جَدْلَاءَ يَحْفِزُهَا نِجَادُ مُهَنّدٍ جَدْلَاءَ مِنْ الْجَدَلِ، وَهُوَ قُوّةُ الْفَتْلِ، وَمِنْهُ الْأَجْدَلُ لِلصّقْرِ، وَفِي هَذَا الْبَيْتِ دَلِيلٌ عَلَى قُوّةِ امْتِنَاعِ الصّرْفِ فِي أَجْدَلَ، وَأَنّهُ مِنْ بَابِ أَفْعَلَ الّذِي مُؤَنّثُهُ فَعْلَاءُ، وَمَنْ صَرَفَهُ شَبّهَهُ بِأَرْنَبِ وَأَفْكَلٍ، وَهُوَ أَضْعَفُ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ قَالُوا فِي جَمْعِهِ: أَجَادِلُ مِثْلَ أَرَانِبَ فَقَدْ قَالُوا أَيْضًا الْأَجَارِعُ وَالْأَبَاطِحُ فِي جَمْعِ أَجْرَعَ وَأَبْطَحَ، وَلَكِنّهُمْ لَا يَصْرِفُونَهُمَا مِنْ حَيْثُ قَالُوا فِي الْمُؤَنّثِ بَطْحَاءَ وَجَرْعَاءَ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي أَبْرَقَ وَبَرْقَاءَ. وَقَوْلُهُ: يَحْفِزُهَا نِجَادُ مُهَنّدٍ، كقول [أبى قيس] ابن الْأَسْلَتِ فِي وَصْفِ الدّرْعِ: أَحْفِزُهَا عَنّي بِذِي رَوْنَقٍ أَبْيَضَ مِثْلِ الْمَلِحِ قَطّاعِ وَذَلِكَ أَنّ الدّرْعَ إذَا طَالَتْ فُضُولُهَا حَفَزُوهَا، أَيْ شَمّرُوهَا فَرَبَطُوهَا بِنِجَادِ السّيْفِ. وَقَوْلُهُ: تِلْكُمْ مَعَ التّقْوَى تَكُون لِبَاسَنَا مِنْ أَجْوَدِ الْكَلَامِ: وَأَمْلَحِ الِالْتِفَاتَاتِ، لِأَنّهُ قَوْلٌ انْتَزَعَهُ مِنْ قَوْلِ اللهِ
[ ٦ / ٣٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تَعَالَى: وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ الْأَعْرَافَ: ٢٦. وَقَالَ الشّاعِرُ: إنّي كَأَنّي أَرَى مَنْ لَا وَفَاءَ لَهُ وَلَا أَمَانَةَ وَسْطَ الْقَوْمِ عُرْيَانَا وَمَوْضِعُ الْإِجَادَةِ وَالْإِحْسَانِ مِنْ قَوْلِ كَعْبٍ أَنّهُ جَعَلَ لِبَاسَ الدّرْعِ تَبَعًا لِلِبَاسِ التّقْوَى، لِأَنّ حَرْفَ مَعَ تُعْطِي فِي الْكَلَامِ أَنّ مَا بَعْدَهُ هو المنبوع، وَلَيْسَ بِتَابِعِ، وَقَدْ احْتَجّ الصّدّيقُ عَلَى الْأَنْصَارِ يَوْمَ السّقِيفَةِ بِأَنْ قَالَ لَهُمْ أَنْتُمْ الّذِينَ آمَنُوا، وَنَحْنُ الصّادِقُونَ، وَإِنّمَا أَمَرَكُمْ اللهُ أَنْ تَكُونُوا مَعَنَا فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ، وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ التّوْبَةَ: ١١٩. وَالصّادِقُونَ هُمْ الْمُهَاجِرُونَ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ إلَى قَوْلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ الْحَشْرَ: ٨. حُكْمُ بَلْهَ وَمَا بَعْدَهَا: وَقَوْلُهُ بَلْهَ الْأَكُفّ، بِخَفْضِ الْأَكُفّ هُوَ الْوَجْهُ، وَقَدْ رُوِيَ بِالنّصْبِ، لِأَنّهُ مَفْعُولٌ، أَيْ: دَعْ الْأَكُفّ، فَهَذَا كَمَا تَقُولُ: رُوَيْدَ زَيْدٍ، وَرُوَيْدَ زَيْدَ بِلَا تَنْوِينٍ مَعَ النّصْبِ، وَبَلْهَ كَلِمَةٌ بِمَعْنَى دَعْ، وَهِيَ مِنْ الْمَصَادِرِ الْمُضَافَةِ إلَى مَا بَعْدَهَا وَهِيَ عِنْدِي مِنْ لَفْظِ الْبَلَهِ وَالتّبَالُهِ، وَهُوَ مِنْ الْغَفْلَةِ، لِأَنّ مَنْ غَفَلَ عَنْ الشّيْءِ تَرَكَهُ، وَلَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: بَلْهَ الْأَكُفّ، أَيْ لَا تَسْأَلْ عَنْ الْأَكُفّ إذَا كَانَتْ الْجَمَاجِمُ ضَاحِيَةً مُقَطّعَةً، وَفِي الْحَدِيثِ: يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَعْدَدْت لِعِبَادِي الصّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، بَلْهَ مَا أَطْلَعْتهمْ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: بِفَخْمَةِ مَلْمُومَةٍ، أَيْ: كَتِيبَةٍ مَجْمُوعَةٍ. وَقَوْلُهُ: كفصد رأس
[ ٦ / ٣٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الْمَشْرِقِ، الصّحِيحُ فِيهِ: مَا رَوَاهُ ابْنُ هِشَامٍ عَنْ أَبِي زَيْدٍ: كَرَأْسِ قُدْسِ الْمَشْرِقِ، لِأَنّ قُدْسَ جَبَلٌ مَعْرُوفٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ. وَقَوْلُهُ: عِنْدَ الْهِيَاجِ أُسُودُ طَلّ مُلْثِقِ الطّلّ مَعْرُوفٌ، وَاللّثَقُ مَا يَكُونُ عَنْ الطّلّ مِنْ زَلَقٍ وَطِينٍ، وَالْأُسْدُ أَجْوَعَ مَا تَكُونُ وَأَجْرَأَ فِي ذَلِكَ الْحِينِ. قَصِيدَةُ كَعْبٍ الْعَيْنِيّةُ: وَقَوْلُهُ فِي الْعَيْنِيّةِ: أَضَامِيمَ مِنْ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ أَصْفَقَتْ وَاحِدُ الْأَضَامِيمِ: إضْمَامَةٌ، وَهُوَ كُلّ شَيْءٍ مُجْتَمَعٍ يُقَالُ: إضْمَامَةٌ مِنْ النّاسِ وَإِضْمَامَةٌ مِنْ كُتُبٍ. قَيْسُ عَيْلَانَ وَقَيْسُ كُبّةَ: وَقَوْلُهُ: مِنْ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ، هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ النّسَبِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إنّ قَيْسًا هُوَ عَيْلَانُ لَا ابْنُهُ، قَالَ: وَعُرِفَ قَيْسُ بْنُ عَيْلَانَ بِفَرَسِ، كَانَ لَهُ يُسَمّى: عَيْلَانًا، كَمَا عُرِفَ قَيْسُ كُبّةَ مِنْ بَجِيلَةَ بِفَرَسِ اسْمُهُ: كُبّةُ، وَكَانَ هُوَ وَقَيْسُ عَيْلَانَ مُتَجَاوِرَيْنِ، فَكَانَ إذَا ذُكِرَ أَحَدُهُمَا وَقِيلَ أَيّ الْقَيْسَيْنِ هُوَ، قِيلَ قَيْسُ عَيْلَانَ أَوْ قَيْسُ كُبّةَ، وَقِيلَ؛ إنّ عَيْلَانَ
[ ٦ / ٣٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اسْمُ كَلْبٍ، كَانَ لَهُ، وَقِيلَ: عَيْلَانُ اسْمُ جَبَلٍ وُلِدَ عِنْدَهُ، وَقِيلَ اسْمُ غُلَامٍ لِمُضَرَ كَانَ حَضَنَهُ، وَقِيلَ كَانَ جَوَادًا أَتْلَفَ مَالَهُ فأدركته عَيْلَةُ فَسُمّيَ عَيْلَانَ، وَمِمّا يُحْتَجّ بِهِ لِلْقَوْلِ الْآخَرِ قَوْلُ رُؤْبَةَ:
وَقَيْسَ عَيْلَانَ وَمَنْ تَقَيّسَا «١»
شِعْرُ كَعْبٍ فِي الْخَنْدَقِ:
وَقَوْلُهُ فِي الدّالِيّةِ: وَمَا بَيْنَ الْعُرَيْضِ إلَى الصّمَادِ. الْعُرَيْضِ: مَوْضِعٌ، وَالصّمَادُ:
جَمْعُ صَمْدٍ، وَهُوَ مَا غَلُظَ مِنْ الْأَرْضِ.
وَقَوْلُهُ: نَوَاضِحُ فِي الْحُرُوبِ. يَعْنِي: حَدَائِقَ نخل تسقى بالنّضح، وأراد
_________________
(١) قال ابن برى: الرجز للعجاج، وليس لرؤية، وصواب إنشائه: وقيس بالنصب، لأن قبله: وإن دعوت من تميم أرؤسا. وجواب إن فى البيت الثالث: تقاعس العربنا فاقعنسسا. أقول: ولم أجد الرجز فى ديوان رؤية. ولم ينسبه ابن قتيبة إلى أحد فى أدب الكاتب. وقال عن صيغة تفعلت إنها تأتى بمعنى إدخالك نفسك فى أمر حتى تضاف إليه، أو تصير من أهله مثل تقيست. ومعناه- كما يقول الجواليقى فى شرح أدب الكاتب: تقيس: أدخل نفسه فى القيسيين، وانتسب إليهم. وقد سبق الكلام عن قيس، واسمه الناسى بن مضر، وكان الناسى متلافا، وكان إذا نفد ما عنده أتى أخاه الياس، فيناصفه ماله أحيانا، ويواسيه أحيانا، فلما طال ذلك عليه، وأتاه كما كان يأتيه، قال له الياس: غلبت عليك العيلة، فأنت عيلان، فسمى لذلك عيلان. ويقول الجواليقى: وليس فى الأسماء عيلان بعين غير معجمة غيره.
[ ٦ / ٣٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِالْخُوصِ آبَارًا، وَإِنّمَا جَعَلَ الْبِئْرَ خُوصًا لِأَنّ الْعَيْنَ الْخَوْصَاءَ هِيَ الْغَائِرَةُ، وَجَمْعُهَا خُوصٌ، فَعُيُونُ الْمَاءِ فِي الْآبَارِ كَذَلِكَ غَائِرَةٌ.
وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي وَصْفِ الْإِبِلِ:
مُحَبّسَةً بُزْلًا كَأَنّ عُيُونَهَا عُيُونُ الرّكَايَا أَنْكَزَتْهَا الْمَوَاتِحُ «١»
وَقَوْلُهُ: يَزْخَرُ الْمُرّارُ فِيهَا. الْمُرّارُ: اسْمُ نَهَرٍ.
وَقَوْلُهُ:
كَأَنّ الْغَابَ وَالْبَرْدِيّ فِيهَا أَجَشّ إذَا تَبَقّعَ لِلْحَصَادِ
يُرِيدُ: صَوْتَ حَفِيفِ الرّيحِ، كَصَوْتِ الْأَجَشّ، وَهُوَ الْأَبَحّ، وَقَدْ يُوصَفُ النّبَاتُ أَيْضًا بِالْغُنّةِ مِنْ أَجْلِ حَفِيفِ الرّيحِ فِيهِ، فَيُقَالُ: رَوْضَةٌ غَنّاءُ، وَقَدْ قِيلَ إنّمَا ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ صَوْتِ الذّبَابِ الّذِي يَكُونُ فِيهِ، قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَوْلُهُ: تَبَقّعَ لِلْحَصَادِ، أَيْ: صَارَتْ فِيهِ بُقَعٌ بِيضٌ مِنْ الْيَبْسِ، يُقَالُ لِلزّرْعِ إذَا صَارَ كَذَلِكَ: ارْقَاطّ، وَاسْحَامّ وَاسْحَارّ «٢»، وَإِذَا أَخَذَ السّبَلُ الْحَبّ قِيلَ: أَلْحَمَ وَأَسْفَى مِنْ السّفَى، وَأَشَعّ مِنْ الشّعَاعِ بِفَتْحِ الشّينِ وَكَسْرِهَا، وَهُوَ السّفَى، وَيُقَالُ أَسْبَلَ الزّرْعُ مِنْ السّبَلِ، كَمَا يُقَالُ: بَعِيرٌ حَظِلٌ وَأَحْظَلَ الْمَكَانُ مِنْ الْحَنْظَلِ، وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَبَنُو تَمِيمٍ يَقُولُونَ: سَبَلٌ، وأما همدان
_________________
(١) سبق البيت، وفى الأصل: أنكرتها. والصواب ما أثبته. ولرؤية: على حميريات كأن عيونها عيون الركايا أنكزتها المواتح.
(٢) اسحام واسحار ليستا فى اللسان والقاموس.
[ ٦ / ٣٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَيُسَمّونَ السّنْبُلَ سُبُولًا، وَالْوَاحِدَةُ سَبُولَةٌ «١» فَقِيَاسُ لُغَتِهِمْ أَنْ يُقَالَ أَسْبَلَ، وَإِنّمَا فَخَرَتْ الْأَنْصَارُ فِي هَذَا الشّعْرِ وَاَلّذِي قَبْلَهُ بِنَخْلِهَا وَآطَامِهَا، إشَارَةً إلَى عِزّهَا وَمَنَعَتِهَا، وَأَنّهَا لَمْ تُغْلَبُ عَلَى بِلَادِهَا عَلَى قَدِيمِ الدّهْرِ، كَمَا أُجْلِيَتْ أَكْثَرُ الْأَعَارِيبِ عَنْ مَحَالّهَا، وَأَزْعَجَهَا الْخَوْفُ عَنْ مَوَاطِنِهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى أَرَادَ حَسّانُ فِي قَوْلِهِ:
أَوْلَادُ جَفْنَةَ حَوْلَ قَبْرِ أَبِيهِمْ قَبْرِ ابْنِ مَارِيَةَ الْكَرِيمِ الْمُفْضِلِ
لِأَنّ إقَامَتَهُمْ حَوْلَ قُبُورِ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ دَلِيلٌ عَلَى مَنَعَتِهِمْ، وَأَلّا مُغَالِبَ لَهُمْ عَلَى مَا تَخَيّرُوهُ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ، وَآثَرُوهُ عِنْدَ ارْتِيَادِهِمْ.
وَقَوْلُهُ:
أَثَرْنَا سِكّةَ الْأَنْبَاطِ فِيهَا السّكّةُ: النّخْلُ الْمُصْطَفّ، أَيْ حَرَثْنَاهَا وَغَرَسْنَاهَا، كَمَا تَفْعَلُ الْأَنْبَاطُ فِي أَمْصَارِهَا لَا تَخَافُ عَلَيْهَا كَيْدَ كَائِدٍ، وَإِيّاهَا أَرَادَ النّبِيّ ﷺ بِقَوْلِهِ: خَيْرُ الْمَالِ سِكّةٌ مَأْبُورَةُ. وَالسّكّةُ أَيْضًا: السّنّةُ، وَهِيَ الْحَدِيدَةُ الّتِي يَشُقّ بِهَا الْفَدّانُ «٢» الْأَرْضَ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: الْمَانُ، وَهُوَ تَفْسِيرُ الْأَصْمَعِيّ، وَفَسّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ، وَأَنّهَا النّخْلُ، وَيُقَالُ أَيْضًا أُبِيثَتْ الْأَرْضُ فِي مَعْنَى أُثِيرَتْ، قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، ويروى فى الحماسة:
_________________
(١) أنظر مادة سبل فى اللسان ففيها تفصيل.
(٢) الفدان: الثور أو الثوران يقرن للحرث بينهما، ولا يقال للواحد فدان، أو هو الثورين.
[ ٦ / ٣٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هَلُمّ إلَيْهَا قَدْ أُبِيثَتْ زُرُوعُهَا أَيْ أُثِيرَتْ وَفِي الْغَرِيبِ الْمُصَنّفِ:
وَحَقّ بَنِي شِغَارَةَ أَنْ يَقُولُوا لِصَخْرِ الْغَيّ مَاذَا تَسْتَبِيثُ «١»
وَغَلِطَ أَبُو عُبَيْدٍ [الْقَاسِمُ بْنُ سَلّامٍ] فَجَعَلَ تَسْتَبِيثُ مِنْ نَبِيثَةِ «٢» الْبِئْرِ، وَهُوَ تُرَابُهَا، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ تَسْتَنْبِيثُ بِنُونِ قَبْلَ الْبَاءِ.
وَقَوْلُهُ: جَلْهَاتِ وَادٍ
الْجَلْهَاتُ مِنْ الْوَادِي مَا كَشَفَتْ عَنْهُ السّيُولُ الشّعْرَاءُ فَأَبْرَزَتْهُ، وَهُوَ مِنْ الْجَلَهِ وَهُوَ انْحِسَارُ الشّعْرِ عَنْ مُقَدّمِ الرّأْسِ.
وَقَوْلُهُ: صَفْرَاءِ الْجَرَادِ، وَهِيَ الْخَيْفَانَةُ مِنْهَا، وَهِيَ الّتِي أَلْقَتْ سُرُأَهَا، أَيْ بَيْضَهَا، وَهِيَ أَخَفّ طَيَرَانًا، وَالْكُتْفَانُ «٣» من الجراد أكبر من الخيفان،
_________________
(١) البيت فى اللسان: لحق وشعارة وهو منسوب إلى أبى المثلم الهذلى، وقد عزاه أبو عبيدة سهوا إلى صخر الغى. وقد علق ابن سيدة فى خطبة كتابه مما قصد به الوضع من أبى عبيد القاسم بن سلام فى استشهاده بقول الهذلى المذكور على النبيثة التى هى كناسة البئر، فقال: هيهات الأروى من النعام الأربد، وأين سهيل من الفرقد. لأن النبيثة من نبث أما تستبيث فمن بوث أو بيث. انظر مادة بوث وبيث ونبث فى اللسان.
(٢) فى الأصل بالتاء المفتوحة وهو خطأ.
(٣) فى الأصل كثفان وهى كتفان بالتاء لا بالثاء وهو الجراد يعد الغوغاء، وقيل هو كتفان إذا بدا حجم أجنحته ورأيت موضعه شاخصا وإن مسسته وجدت حجمه، واحدته: كتفانة، وقيل واحده: كاتف، والأنثى كاتفة-.
[ ٦ / ٣٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَوّلُ أَمْرِ الْجَرَادِ دُودٌ وَيُقَالُ لَهُ: الْغَمَص «١» يُلْقِيهِ بَحْرُ الْيَمَنِ، وَلَهُ عَلَامَةٌ قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَهُوَ بَرْقٌ يَلْمَعُ مِنْ ذَلِكَ الْبَحْرِ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرّةً، فَيَعْلَمُونَ بِخُرُوجِ الْجَرَادِ، قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَوْلُهُ: غَيْرِ مُعْتَلِثِ الزّنَادِ
الزّنَادُ الْمُعْتَلِثُ: هُوَ الّذِي لَا يُدْرَى مِنْ أَيّ عُودٍ هُوَ، وَأَصْلُ الِاعْتِلَاثِ الِاخْتِلَاطُ: يُقَالُ عَلَثْت الطّعَامَ إذَا خَلَطْت حِنْطَةً بِشَعِيرِ، وَالْعُلَاثَةُ: الزّنْدُ الّذِي لَا يُورِي نَارًا.
مَقْتَلُ ابْنِ أَبِي الحقيق ذكر فيه النّفَرَ الْخَمْسَةَ الّذِينَ قَتَلُوهُ، وَسَمّاهُمْ، وَذَكَرَ فِيهِمْ ابن عقبة أسعد ابن حَرَامٍ، وَلَا يُعْرَفُ أَحَدٌ ذَكَرَهُ غَيْرُهُ.
قَطْنِي وَقَدْ وَنُونُ الْوِقَايَةِ:
وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ: قَطْنِي قطنى، قال معناه: حسبى حسبى.
_________________
(١) - وقال أبو منصور: سماعى من العرب فى الكتفان من الجراد التى ظهرت أجنحتها ولما تطر بعد. والخيفانة: الجرادة إذا صارت فيها خطوط مختلفة بياض وصفرة والجمع: خيفان، وقال اللحيانى: الخيفان: جراد اختلفت فيه الألوان والجراد حينئذ أطير ما يكون، وقيل الجراد قبل أن تستوى أجنحته.
(٢) لم أجده لا فى اللسان ولا فى القاموس، ولا فى معجم ابن فارس. وفى الإفصاح- وهو مختصر المخصص لابن سيدة- السروة: الجراد أول ما يكون، والدبا: أكبر من السروة وذلك إذا تحرك قبل أن تنبت أجنحته الواحدة: دباه. السلقة: الجرادة التى ألقت بيضها الخ.
[ ٦ / ٣٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ أَصْلُهَا مِنْ الْقَطّ، وَهُوَ الْقَطْعُ، ثُمّ خُفّفَتْ وَأُجْرِيَتْ مَجْرَى الْحَرْفِ، وَكَذَلِكَ قَدْ بِمَعْنَى قَطْ هِيَ أَيْضًا مِنْ الْقَدّ، وَهُوَ الْقَطْعُ طُولًا، وَالْقَطّ بِالطّاءِ هُوَ الْقَطْعُ عَرْضًا، يُقَالُ: إنّ عَلِيّا﵀- كَانَ إذَا اسْتَعْلَى الْفَارِسَ قَدّهُ، وَاذَا اسْتَعْرَضَهُ قَطّهُ، وَلَمّا كَانَ الشّيْءُ الْكَافِي الّذِي لَا يُحْتَاجُ مَعَهُ إلَى غَيْرِهِ يَدْعُو إلَى قَطْعِ الطّلَبِ، وَتَرْكِ الْمَزِيدِ جَعَلُوا قَدْ وَقَطْ تُشْعِرُ بِهَذَا الْمَعْنَى، فَإِذَا ذَكَرْت نَفْسَك قُلْت: قَدِي وَقَطِي، كَمَا تَقُولُ: حَسْبِي، وَإِنْ شِئْت أَلْحَقْت نُونًا، فَقُلْت: قَدْنِي، وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ سُكُونِ آخِرِهَا فَكَرِهُوا تَحْرِيكَهُ مِنْ أَجْلِ الْيَاءِ، كَمَا كَرِهُوا تَحْرِيكَ آخِرِ الْفِعْلِ، فَقَالُوا ضَرَبَنِي، وَكَذَلِكَ كَرِهُوا تَحْرِيكَ آخِرِ لَيْتَ فَقَالُوا لَيْتَنِي، وَقَدْ يَقُولُونَ: لَيْتِي وَهُوَ قَلِيلٌ، وَقَالُوا لَعَلّنِي وَلَعَلّي، وَقَالُوا مِنْ: لَدُنّي فَأَدْخَلُوهَا عَلَى الْيَاءِ الْمَخْفُوضَةِ بِالظّرْفِ كَمَا أَدْخَلُوهَا عَلَى الْيَاءِ الْمَخْفُوضَةِ بِمِنْ وعن، فعلوا هذا وقاية لأواخر هذه الْكَلِمِ مِنْ الْخَفْضِ وَخَصّوا النّونَ بِهَذَا؛ لِأَنّهَا إذَا كَانَتْ تَنْوِينًا فِي آخِرِ الِاسْمِ، آذَنَتْ بِامْتِنَاعِ الْإِضَافَةِ، وَكَذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الّتِي سَمّيْنَا تُشْعِرُ بِامْتِنَاعِهَا مِنْ الْخَفْضِ، وَتُشْعِرُ فِي الْفِعْلِ وَالْحُرُوفِ بِامْتِنَاعِهَا مِنْ الْإِضَافَةِ أَيْضًا، لِأَنّ الْحَرْفَ لَا يُضَافُ، وَكَذَلِكَ الْفِعْلُ مَعَ أَنّ النّونَ مِنْ عَلَامَاتِ الْإِضْمَارِ فِي فَعَلْنَا، وَفَعَلَنَا فِي ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ، فَأَمّا قَدْ وَقَطْ فَاسْمَانِ، وَكَذَلِكَ لَدُنْ، وَلَكِنْ كَرِهُوا تَحْرِيكَ أَوَاخِرِهَا لِشَبَهِهَا بِالْحُرُوفِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَوْضِعُ نِيّ مِنْ قَوْلِهِ قَطْنِي؟ قُلْنَا: مَوْضِعُهَا خَفْضٌ بِالْإِضَافَةِ، كَمَا هِيَ فِي لَدُنّي. فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ تَكُونُ ضَمِيرَ الْمَفْعُولِ وَالْمَنْصُوبِ فِي ضَرَبَنِي وَلَيْتَنِي، ثُمّ تَقُولُ إنّهَا فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ؟ قُلْنَا: الضّمِيرُ فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ الْيَاءُ وَحْدَهَا فِي الْخَفْضِ والنصب،
[ ٦ / ٣٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَمَا أَنّ الْكَافَ وَالْهَاءَ كَذَلِكَ، وَقَدْ قَالُوا: مِنّي وَعَنّي، وَهُوَ ضَمِيرُ خَفْضٍ، وَفِيهِ النّونُ، وَقَالُوا لَيْتِي وَلَعَلّي، وَهُوَ ضَمِيرُ نَصْبٍ وَلَيْسَ فِيهِ نُونٌ فَإِنْ. قِيلَ:
فَمَا مَوْضِعُ الِاسْمِ مِنْ الْإِعْرَابِ إذَا قُلْت: قَطِي وَقَدِي؟ قُلْنَا: إعْرَابُهُمَا كَإِعْرَابِ حَسْبِي مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وَإِنّمَا لَزِمَ حَذْفُ خَبَرِهِ لِمَا دَخَلَهُ مِنْ مَعْنَى الْأَمْرِ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ جَهَنّمَ أَعَاذَنَا اللهُ مِنْهَا: قَطِي وَعِزّتِك قَطِي، وَيُرْوَى: قَطْنِي، وَذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِهَا: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، فَإِذَا وُضِعَتْ فِيهَا الْقَدَمُ، وَزَوَى بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، قَالَتْ: قَطْنِي «١» . وَقَدْ جَمَعَ الشّاعِرُ بَيْنَ اللّغَتَيْنِ، فقال:
قدنى من نصر الخبيبين قدى «٢»
_________________
(١) فى حديث صحيح: «لا تزال جهنم يلقى فيها. وتقول هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوى بعضها إلى بعض، فتقول: قط، قط بعزتك وكرمك، ولا يزال فى الجنة فضل حتى ينشىء الله لها خلقا، فيسكنهم فضل الجنة» متفق عليه بين البخارى ومسلم. وفى حديث آخر متفق عليه بينهما. «فأما النار، فلا تمتلىء حتى يضع الله رجله تقول: قط قط قط» وثبوت صحة النص يفرض علينا الإيمان بمقتضاه، الإيمان الذى يقتبس نور الهدى من قوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) فلله جل شأنه ما يخير به عن نفسه، وما يخبر به عنه رسوله ﷺ دون تمثيل أو تشبيه أو تأويل أو تعطيل.
(٢) الرجز من شواهد سيبويه فى الكتاب، وقد أنشده ص ٣٨٧ ح ١ تحت: «باب علامة إضمار المنصوب المتكلم والمجرور المتكلم» البيت عنده: قدنى من نصر الخبيبين قدى ليس الإمام بالشحيح الماجد-
[ ٦ / ٣٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَهَذَا مَا فِي قَطْ الّتِي هِيَ بِمَعْنَى حَسْبِي، فَأَمّا قَطّ الْمَبْنِيّةُ عَلَى الضّمّ، فَهِيَ ظَرْفٌ لِمَا مَضَى، وَهِيَ تقال بالتخفيف والتثقيل، وَهِيَ مِنْ الْقَطّ أَيْضًا الّذِي بِمَعْنَى الْقَطْعِ، وَفِي مُقَابَلَتِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ: عَوْضُ مَا فَعَلْته قَطّ، وَلَا أَفْعَلُهُ عَوْضُ «١» مِثْلُ قَبْلُ وَبَعْدُ.
_________________
(١) - وأراد بالخبيبين: عبد الله بن الزبير وكنيته أبو خبيب، ومصعبا أخاه وغلبه عليه لشهرته، ويروى الخبيبيين على الجمع يريد أبا خبيب وشيعته. والرجز لم ينسبه سيبويه، وهو لحميد بن مالك بن ربعى الارقط يعرض بابن الزبير ويمدح الحجاج. وقد الثانية تأكيد لقدنى مبنى على الكسر فى محل رفع مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، وهى مضاف إليه. وقد روى أبو على القالى رجزه هكذا: ليس الامير بالشحيح الملحد ولا بوبر بالحجاز مقرد إن ير يوما بالغضاء يصطبر أو ينحجر فالحجر شر محكد وروى البكرى فى السمط قبلهما: قلت لعنسى، وهى عجلى تعتدى لا نوم حتى تحسرى وتلهدى أو تردى حوض أبى محمد ليس الأمير الخ وقد أورد اللسان الشطرة الأولى فى مادة قد غير منسوبة وفى مادة لحد إلى حميد وقال ابن ثور. أنظر ص ١٧ ح ٢ ط ٢ الأمالى للقالى وسمط اللآلى للبكرى ص ٩٤٩، ص ٤٧٤، ص ٢١ شرح شواهد ابن عقيل للشيخ عبد المنعم الجرجاوى وشرح الشواهد أيضا للشيخ قطة العدوى ص ١٠١ ح ١ شرح ابن عقيل بشرح الشيخ محيى الدين.
(٢) يقول ابن هشام فى مغنى اللبيب «عوض ظرف لاستغراق المستقبل مثل أبدا، إلا أنه مختص بالنفى، وهو معرب إن أضيف كقولهم: لا أفعله عوض العائضين، مبنى إن لم يضف، وبناؤه إما على الضم كقبل، أو على الكسر كأمس، أو على الفتح كأين، وسمى الزمان عوضا، لأنه كلما مضى جزء منه-
[ ٦ / ٣٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إسْلَامُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمَا «١» رَوَيْنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ بِإِسْنَادِ يَرْفَعُهُ أَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- قَالَ: يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ اللّيْلَةَ رَجُلٌ حَكِيمٌ، فَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مُهَاجِرًا، ذَكَرَ فِيهِ اجْتِمَاعَهُ مَعَ خَالِدٍ فِي الطّرِيقِ وَقَوْلُ خَالِدٍ لَهُ: وَاَللهِ لَقَدْ اسْتَقَامَ الْمِيسَمُ. مَنْ رَوَاهُ الْمِيسَمُ بِالْيَاءِ، فَهِيَ الْعَلَامَةُ، أَيْ قَدْ تَبَيّنَ الْأَمْرُ وَاسْتَقَامَتْ الدّلَالَةُ، وَمَنْ رَوَاهُ الْمَنْسَمُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِالنّونِ، فَمَعْنَاهُ: اسْتَقَامَ الطّرِيقُ وَوَجَبَتْ الْهِجْرَةُ، وَالْمَنْسَمُ مُقَدّمُ خُفّ الْبَعِيرِ، وَكُنّيَ بِهِ عَنْ الطّرِيقِ لِلتّوَجّهِ بِهِ فِيهِ.
وَذَكَرَ الزّبَيْرُ خَبَرَ عَمْرٍو هَذَا، وَزَادَ فِيهِ: أَنّ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ صَحِبَهُمَا فِي تِلْكَ الطّرِيقِ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلَى النّبِيّ ﷺ، قَالَ عَمْرٌو:
وَكُنْت أَسَنّ مِنْهُمَا، فَأَرَدْت أَنْ أَكِيدَهُمَا، فَقَدّمْتهمَا قَبْلِي لِلْبَيْعَةِ، فَبَايَعَا، وَاشْتَرَطَا أَنْ يُغْفَرَ مِنْ ذَنْبِهِمَا مَا تَقَدّمَ، فَأَضْمَرْت فِي نَفْسِي أَنْ نُبَايِعَ عَلَى أَنْ يَغْفِرَ اللهُ مِنْ ذَنْبِي مَا تَقَدّمَ وَمَا تَأَخّرَ، فَلَمّا بَايَعْت ذَكَرْت مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِي وَأُنْسِيت أَنْ أَقُولَ وما تأخر.
_________________
(١) - عوضه جزء آخر، تقول: عوض لا أفارقك، كما تقول: قط ما فارقتك، ولا تقول: عوض ما فارقتك ولا: قط لا أفارقك.
(٢) يقول ابن كثير «كان إسلامهم بعد الحديبية، وذلك أن خالد بن الوليد كان يومئذ فى خيل المشركين ص ١٤٢ ح ٤ البداية والنهاية.
[ ٦ / ٣٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مَا قَالَهُ الضّمْرِيّ لِلنّجَاشِيّ: وَذَكَرَ فِيهِ قُدُومَ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ عَلَى النّجَاشِيّ بِكِتَابِ النّبِيّ ﷺ، وَكَانَ فِي الْكِتَابِ مَا تَكَلّمَ بِهِ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ، فَإِنّهُ لَمّا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: يَا أَصْحَمَةُ إنّ عَلَيّ الْقَوْلَ وَعَلَيْك الِاسْتِمَاعَ إنّك كَأَنّك فِي الرّقّةِ عَلَيْنَا مِنّا، وَكَأَنّا بِالثّقَةِ بك منك لأنا لم نظن بِك خَيْرًا قَطّ إلّا نِلْنَاهُ، وَلَمْ نَخَفْك على شىء قطّ إلّا أَمِنّاهُ، وَقَدْ أَخَذْنَا الْحُجّةَ عَلَيْك مِنْ فِيك أَلّا يُحِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَك شَاهِدٌ لَا يُرَدّ، وَقَاضٍ لَا يَجُورُ، وَفِي ذَلِكَ وَقْعُ الْحَزّ وَإِصَابَةُ الْمَفْصِلِ، وَإِلّا فَأَنْتَ فِي هَذَا النّبِيّ الْأُمّيّ كَالْيَهُودِ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَقَدْ فَرّقَ النّبِيّ ﵇ رُسُلَهُ إلَى النّاسِ فَرَجَاك لِمَا لَمْ يَرْجُهُمْ لَهُ، وَأَمِنَك عَلَى مَا خَافَهُمْ عَلَيْهِ لِخَيْرِ سَالِفٍ وَأَجْرٍ يُنْتَظَرُ، فَقَالَ النّجَاشِيّ: أَشْهَدُ بِاَللهِ أَنّهُ النّبِيّ الْأُمّيّ الّذِي يَنْتَظِرُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَأَنّ بِشَارَةَ مُوسَى بِرَاكِبِ الْحِمَارِ كَبِشَارَةِ عِيسَى بِرَاكِبِ الْجَمَلِ، وَإِنّ الْعِيَانَ لَهُ لَيْسَ بِأَشْفَى مِنْ الْخَبَرِ عَنْهُ، وَلَكِنّ أَعْوَانِي مِنْ الْحَبَشِ قَلِيلٌ فَأَنْظِرْنِي حَتّى أُكَثّرَ الْأَعْوَانَ وَأُلَيّنَ الْقُلُوبَ، وَسَنَذْكُرُ فِيمَا بَعْدُ- إنْ شَاءَ اللهُ- مَا قَالَتْهُ أَرْسَالُ النّبِيّﷺ- إلَى الْمُلُوكِ، وَمَا رَدّتْ عَلَيْهَا. الرّسُلُ إلَى الْمُلُوكِ: فَإِنّ دِحْيَةَ كَانَ رَسُولَهُ إلَى قَيْصَرَ، وَخَارِجَةَ بْنَ حُذَافَةَ كَانَ رَسُولَهُ إلَى كِسْرَى، وَشُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ إلَى جَبَلَةَ بْنِ الْأَيْهَمِ الْغَسّانِيّ، وَسَلِيطَ بْنَ عَمْرٍو إلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيّ الْحَنَفِيّ صَاحِبِ الْيَمَامَةِ، وَالْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيّ إلَى الْمُنْذِرِ
[ ٦ / ٣٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن سَاوِي [مَلِكِ الْبَحْرَيْنِ] وَالْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيّةَ إلَى الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِي إلَى الْجُلَنْدَى «١» صَاحِبِ عُمَانَ، وَحَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ إلَى الْمُقَوْقَسِ صَاحِبِ مِصْرَ، وَعَمْرَو بْنَ أُمَيّةَ إلَى النّجَاشِيّ كَمَا تَقَدّمَ، وَلِكُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَلَامٌ قَالَهُ، وَشِعْرٌ نَظَمَهُ سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللهُ.
السّمْهَرِيّةُ:
فَصْلٌ: وَمَا وَقَعَ فِي أَشْعَارِ السّيرَةِ مِنْ ذِكْرِ السّمْهَرِيّةِ مِنْ الرّمَاحِ، فَمَنْسُوبَةٌ إلَى سَمْهَرٍ وَكَانَ صَنَعًا فِيمَا زَعَمُوا يَصْنَعُ الرّمَاحَ، وَكَانَتْ امْرَأَتُهُ رُدَيْنَةُ تَبِيعُهَا، فَقِيلَ لِلرّمَاحِ: الرّدَيْنِيّةُ لِذَلِكَ، وَأَمّا الْمَاسِخِيّ مِنْ الْقِسِيّ فَمَنْسُوبَةٌ إلَى مَاسِخَةَ، وَاسْمُهُ نُبَيْشَةُ بْنُ الْحَارِثِ أَحَدُ بَنِي نَصْرِ بْنِ الْأَزْدِ، وَقَالَ الْجَعْدِيّ:
بِعِيسِ تُعَطّفُ أَعْنَاقَهَا كَمَا عَطّفَ الْمَاسِخِيّ الْقِيَانَا
وَقَدْ تُنْسَبُ الْقِسِيّ أَيْضًا إلَى زرارة وَهِيَ امْرَأَةُ مَاسِخَةَ. قَالَ صَخْرُ الْغَيّ:
سَمْحَةٍ من قسىّ زارة حمراء هتوف عدادها غمرد «٢»
مِنْ كِتَابِ النّبَاتِ لِلدّينَوَرِيّ، وَالْيَزَنِيّةُ مَنْسُوبَةٌ إلَى عبيد الطّعّان، وهو المعروف بيزن «٣» بْنِ هَمَاذِي، وَالْمَاذِيّةُ مَنْسُوبَةٌ إلَى مَاذِي بْنِ يافث
_________________
(١) فى القاموس: جلنداء بضم أوله. وفتح ثانيه ممدودة وبضم ثانيه مقصورة اسم ملك عمان، ووهم الجوهرى فقصره مع فتح ثانيه.
(٢) فى الأصل زرارة وهو خطأ، والعداد: صوت القوس.
(٣) قال ابن جنى: ذويزن غير مصروف، أصله ويزأن بدليل قولهم: -
[ ٦ / ٣٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن نوح، قاله الطبرى، وزعم أن أَوّلُ مَنْ عَمِلَ السّيُوفَ جَمّ وَهُوَ رَابِعُ مُلُوكِ الْأَرْضِ.
غَزْوَةُ بَنِي لِحْيَانَ لَيْسَ فِيهَا مَا يُشْكِلُ، وَفِيهَا مِنْ شِعْرِ حَسّانَ «١» .
لَقُوا سَرَعَانًا يَمْلَأُ السّرْبَ رَوْعُهُ
سَرَعَانُ النّاسِ: سُبّاقُهُمْ، وَالسّرْبُ: الْمَالُ الرّاعِي، كَأَنّهُ جَمْعُ سَارِبٍ، وَيُقَالُ: هُوَ آمِنٌ فِي سَرْبِهِ إذَا لَمْ يُذْعَرْ، وَلَا خَافَ عَلَى مَالِهِ مِنْ الْغَارَةِ، وَمَنْ قَالَ فِي سِرْبِهِ بِكَسْرِ السّينِ، فَهُوَ مَثَلٌ، لِأَنّ السّرْبَ هُوَ الْقَطِيعُ مِنْ الْوَحْشِ وَالطّيْرِ، فَمَعْنَى: آمِنٌ فِي سِرْبِهِ، أَيْ لَمْ يُذْعَرْ هُوَ نَفْسُهُ وَلَا ذُعِرَ أَهْلُهُ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ اللّغَةِ: مَعْنَى فِي سِرْبِهِ أَيْ: فِي نَفْسِهِ لَمْ يُرِدْ أَنّ النّفْسَ يُقَالُ لَهَا: سِرْبٌ وَإِنّمَا أَرَادَ أنه لم يدعر هُوَ وَلَا مَنْ مَعَهُ، لَا كَالْآخَرِ الّذِي تَقَدّمَ ذِكْرُهُ، وَقِيلَ فِيهِ آمِنٌ فِي سَرْبِهِ بِفَتْحِ السّينِ، فَكَانَ الْوَاحِدُ آمِنٌ فِي مَالِهِ، وَالْآخَرُ آمِنٌ فِي نَفْسِهِ، وَيُقَالُ: فِي سَرْبِهِ، أَيْ: فِي طَرِيقِهِ أَيْضًا «٢» .
وَقَوْلُهُ:
أَمَامَ طَحُونٍ كالمحرّة فيلق
_________________
(١) - وصح يزأنى وأزانى، وقالوا أيضا: أيزنى ووزنه عيفلى، وقالوا آزنى ووزنه عافلى.. وسميت يزينة لأن أول من عملت له ذو يزن.
(٢) هو سهو من السهيلى فالشعر لكعب بن مالك.
(٣) أنظر مادة سرب فى اللسان.
[ ٦ / ٣٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَعْنِي: كَتِيبَةً، جَعَلَهَا كَالْمَجَرّةِ لِلَمَعَانِ السّيُوفِ وَالْأَسِنّةِ فِيهَا كَالنّجُومِ حَوْلَ الْمَجَرّةِ، لِأَنّ النّجُومَ- وَأَكْثَرَ مَا تَكُونُ- حَوْلَهَا، وَقَدْ قِيلَ: إنّ الْمَجَرّةَ نَفْسَهَا نُجُومٌ صِغَارٌ مُتَلَاصِقَةٌ، فَبَيَاضُ الْمَجَرّةِ مِنْ بَيَاضِ تِلْكَ النّجُومِ، وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مُنْقَطِعٍ: أَنّ الْمَجَرّةَ الّتِي فِي السّمَاءِ هِيَ مِنْ لُعَابِ حَيّةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ «١»، وَفِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنّ النّبِيّﷺ- حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: إنّك سَتَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ يَسْأَلُونَك عَنْ الْمَجَرّةِ، فَقُلْ لَهُمْ: هِيَ مِنْ عَرَقِ الْأَفْعَى الّتِي تَحْتَ الْعَرْشِ، لَكِنّ إسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ النّقْلِ لَا يُعَرّجُ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ الْعُقَيْلِيّ، وَعَنْ عَلِيّ أَنّهَا شَرَجُ السّمَاءِ الّذِي تَنْشَقّ مِنْهُ، وَأَمّا قَوْلُ الْمُنَجّمِينَ غَيْرِ الْإِسْلَامِيّينَ فِي مَعْنَى الْمَجَرّةِ، فَذَكَرَ لَهُمْ الْقَاضِي فِي النّقْضِ الْكَبِيرِ نَحْوًا مِنْ عَشَرَةِ أَقْوَالٍ وَأَكْثَرَ، مِنْهَا مَا يُجَوّزُهُ الْعَقْلُ، وَمِنْهَا مَا هُوَ شِبْهُ الْهَذَيَانِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ كَالْمَجَرّةِ، أَيْ أَثَرُ هَذِهِ الْكَتِيبَةِ الطّحُونِ كَأَثَرِ الْمَجَرّةِ تَقْشِرُ مَا مَرّتْ عَلَيْهِ، وَتَكْنُسُهُ. وَالْفَيْلَقُ: فَيْعَلٌ مِنْ الْفِلْقِ وَهِيَ الدّاهِيَةُ، كَأَنّهَا تَفْلِقُ الْقُلُوبَ، وَهِيَ الْفِلْقَةُ «٢» أَيْضًا. قَالَ ابن أحمر:
_________________
(١) هذا الحديث ومثله يبين لنا مدى احتدام شهوة الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فى نفوس الوضاعين ومدى الجهالة التى تردى فيها الكثير من المسلمين إذ يعيش بينهم مثل هذا الافتراء حتى يكتب فى كتب!!.
(٢) الذى فى اللسان الفلق والفليق والفليقة والمفلقة والفيلق والفلقى كله: الداهية والأمر العجب.
[ ٦ / ٣٩٠ ]
[غَزْوَةَ ذِي قَرَدٍ]
ثُمّ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَلَمْ يُقِمْ بِهَا إلّا لَيَالِيَ قَلَائِلَ، حَتّى أَغَارَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيّ، فِي خَيْلٍ مِنْ غَطَفَانَ عَلَى لِقَاحٍ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْغَابَةِ، وَفِيهَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ وَامْرَأَةٌ لَهُ، فَقَتَلُوا الرجل، واحتملوا المرأة فى اللّقاح.
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر، وَمَنْ لَا أَتّهِمُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، كُلّ قَدْ حَدّثَ فِي غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ بَعْضَ الْحَدِيثِ: أَنّهُ كَانَ أَوّلَ مَنْ نَذَرَ بِهِمْ سَلَمَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ الْأَسْلَمِيّ، غَدا يُرِيدُ الْغَابَةَ مُتَوَشّحًا قَوْسَهُ وَنَبْلَهُ، وَمَعَهُ غُلَامٌ لِطَلْحَةِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ مَعَهُ فَرَسٌ لَهُ يَقُودُهُ، حَتّى إذَا علا ثنيّة الواداع نَظَرَ إلَى بَعْضِ خُيُولِهِمْ، فَأَشْرَفَ فِي نَاحِيَةِ سلع. ثم صرخ: وا صباحاه، ثم خرج يشتدّ فى آثار القوم،
ــ
قَدْ طَرّقَتْ بِبِكْرِهَا أُمّ طَبَقْ فَدَبّرُوهُ خَبَرًا ضَخْمَ الْعُنُقْ
فَقِيلَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ:
مَوْتُ الإمام فلقة من الفلق «١»
_________________
(١) قاله لما نعى إليه المنصور، ورواية الشطرة الثانية فى اللسان هكذا: فذمروها وهمة. ويقال للدواهى بنات طبق، ويروى أن أصلها الحية أى أنها استدارت حتى صارت مثل الطبق.
[ ٦ / ٣٩١ ]
وَكَانَ مِثْلَ السّبُعِ حَتّى لَحِقَ بِالْقَوْمِ، فَجَعَلَ يردّهم بالنّبل، ويقول إذا رمى:
خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ، الْيَوْمُ يَوْمُ الرّضّعِ، فَإِذَا وُجّهَتْ الْخَيْلُ نَحْوَهُ انْطَلَقَ هَارِبًا، ثُمّ عَارَضَهُمْ، فَإِذَا أَمْكَنَهُ الرّمْيُ رَمَى، ثُمّ قَالَ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ، الْيَوْمُ يَوْمُ الرّضّعِ، قال. فيقول قائلهم: أو يكعنا هو أوّل النهار.
[تسابق الفرسان إلى الرسول ﷺ]
قَالَ: وَبَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ صِيَاحُ ابْنِ الْأَكْوَعِ، فَصَرَخَ بِالْمَدِينَةِ: الْفَزَعُ الْفَزَعُ، فَتَرَامَتْ الْخُيُولُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَكَانَ أَوّلَ مَنْ انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْفُرْسَانِ:
الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو، وَهُوَ الّذِي يُقَالُ لَهُ: الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ؛ ثُمّ كَانَ أَوّلَ فَارِسٍ وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بعد الْمِقْدَادِ مِنْ الْأَنْصَارِ، عَبّادُ بْنُ بِشْرِ بْنِ وَقْشِ بْنِ زُغْبَةَ بْنِ زَعُورَاءَ، أَحَدُ بَنِي عبد الأشهل، وسعد ابن زَيْدٍ، أَحَدُ بَنِي كَعْبِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وأسيد بن ظهير، أخو بنى حارثة ابن الْحَارِثِ، يُشَكّ فِيهِ، وَعُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، أَخُو بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ؛ وَمُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ، أَخُو بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَأَبُو قَتَادَة الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيّ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ؛ وَأَبُو عَيّاشٍ، وَهُوَ عُبَيْدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الصّامِتِ، أَخُو بَنِي زُرَيْقٍ. فَلَمّا اجْتَمَعُوا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَمّرَ عَلَيْهِمْ سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ فِيمَا بَلَغَنِي، ثُمّ قَالَ: اُخْرُجْ فِي طَلَبِ الْقَوْمِ، حَتّى أَلْحَقَك فِي الناس.
[نصيحة الرسول لأبى عياش]
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٩٢ ]
زُرَيْقٍ، لِأَبِي عَيّاشٍ: يَا أَبَا عِيَاشٍ، لَوْ أَعْطَيْت هَذَا الْفَرَسَ رَجُلًا، هُوَ أَفْرَسُ مِنْك فَلَحِقَ بِالْقَوْمِ؟ قَالَ أَبُو عَيّاشٍ: فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا أَفْرَسُ النّاسِ، ثُمّ ضَرَبْتُ الْفَرَسَ، فَوَاَللهِ مَا جَرَى بِي خَمْسِينَ ذِرَاعًا حَتّى طَرَحَنِي، فَعَجِبْت أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: لَوْ أَعْطَيْتَهُ أَفْرَسَ مِنْك، وأنا أقول:
أنا أفرس الناس، فزعم رِجَالٌ من بني زُرَيْق أن رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى فَرَسَ أَبِي عَيّاشٍ مُعَاذَ بْنَ مَاعِصٍ، أَوْ عَائِذَ بْنَ مَاعِصِ بْنِ قَيْسِ بْنِ خَلَدَةَ، وَكَانَ ثَامِنًا، وبعض الناس يعدّ سَلَمَةِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ أَحَدَ الثّمَانِيَةِ، ويطرح أسيد ابن ظُهَيْرٍ، أَخَا بَنِي حَارِثَةَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ. وَلَمْ يَكُنْ سَلَمَةُ يَوْمَئِذٍ، فَارِسًا، وَقَدْ كَانَ أَوّلَ مَنْ لَحِقَ بِالْقَوْمِ عَلَى رِجْلَيْهِ. فَخَرَجَ الْفُرْسَانُ فِي طَلَبِ الْقَوْمِ حَتّى تلاحقوا.
[مقتل محرز بن نضلة]
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بْنِ قَتَادَةَ: أَنّ أَوّلَ فَارِسٍ لَحِقَ بِالْقَوْمِ مُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ، أَخُو بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ- وَكَانَ يُقَالُ لِمُحْرَزِ: الْأَخْرَمُ؛ وَيُقَالُ لَهُ قُمَيْرٌ- وَأَنّ الْفَزَعَ لَمّا كَانَ جَالَ فَرَسٌ لِمَحْمُودِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي الْحَائِطِ، حِينَ سَمِعَ صَاهِلَةَ الْخَيْلِ، وَكَانَ فَرَسًا صَنِيعًا جَامّا، فَقَالَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، حِينَ رَأَيْنَ الْفَرَسَ يَجُولُ فِي الْحَائِطِ بِجِذْعِ نَخْلٍ هُوَ مَرْبُوطٌ فِيهِ:
يَا قُمَيْرُ، هَلْ لَك فِي أَنْ تَرْكَبَ هَذَا الْفَرَسَ؟ فَإِنّهُ كَمَا تَرَى، ثُمّ تَلْحَقُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِالْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَعْطَيْنَهُ إيّاهُ. فَخَرَجَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَذّ الْخَيْلَ بِجَمَامِهِ، حَتّى أَدْرَكَ الْقَوْمَ، فَوَقَفَ لَهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، ثُمّ قَالَ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٩٣ ]
قِفُوا يَا مَعْشَرَ بَنِي اللّكِيعَةِ حَتّى يَلْحَقَ بِكُمْ مَنْ وَرَاءَكُمْ مِنْ أَدْبَارِكُمْ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. قَالَ: وَحَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَتَلَهُ، رجال الْفَرَسُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ حَتّى وَقَفَ عَلَى آرِيّهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَلَمْ يُقْتَلْ من المسلمين غيره.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مع محرز، وقّاص بن مجزّز المدلجّى، فيما ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
[أَسَمَاءُ أفراس المسلمين]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ اسْمُ فَرَسِ مَحْمُودٍ: ذَا اللّمّةِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ اسْمُ فَرَسِ سَعْدِ بْنِ زَيْدٍ: لَاحِقَ، وَاسْمُ فَرَسِ الْمِقْدَادِ بَعْزَجَةُ، وَيُقَالُ: سُبْحَةُ، وَاسْمُ فَرَسِ عُكَاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ: ذو اللّمّةِ؛ وَاسْمُ فَرَسِ أَبِي قتادة: جزوة، وَفَرَسُ عَبّادِ بْنِ بِشْرٍ: لَمّاعٌ، وَفَرَسُ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ: مَسْنُونٌ، وَفَرَسُ أَبِي عَيّاشٍ: جُلْوَةُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنّ مُجَزّزًا إنّمَا كَانَ عَلَى فَرَسٍ لِعُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، يُقَالُ لَهُ: الْجَنَاحُ، فَقُتِلَ مجزّز واستلبت الجناح.
[قتلى الْمُشْرِكِينَ]
وَلَمّا تَلَاحَقَتْ الْخَيْلُ قَتَلَ أَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثَ بْنَ رِبْعِيّ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، حَبِيبُ بْنُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَغَشّاهُ بُرْدَهُ، ثُمّ لحق بالناس.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٩٤ ]
وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمُسْلِمِينَ.
[اسْتِعْمَالُ ابْنِ أُمّ مَكْتُومٍ عَلَى المدينة]
قال ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَإِذَا حَبِيبٌ مُسَجّى بِبُرْدِ أَبِي قَتَادَةَ، فَاسْتَرْجَعَ النّاسُ وَقَالُوا: قُتِلَ أَبُو قَتَادَةَ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ليس بأبى قتادة، ولكنه قتيل لِأَبِي قَتَادَةَ، وَضَعَ عَلَيْهِ بُرْدَهُ، لِتَعْرِفُوا أَنّهُ صَاحِبُهُ.
وَأَدْرَكَ عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ أَوْبَارًا وَابْنَهُ عمرو بن أوبار، وهما على بعير واحد، فانتظمهما بالرّمح، فقتلهما جميعا، واستنقذوا بعض اللّقاح، وَسَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ بِالْجَبَلِ مِنْ ذِي قَرَدٍ، وَتَلَاحَقَ بِهِ النّاسُ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِهِ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً؛ وقال له سلمة ابن الْأَكْوَعِ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ سَرّحْتنِي فِي مائة رَجُلٍ لَاسْتَنْقَذْتُ بَقِيّةَ السّرْحِ، وَأَخَذْت بِأَعْنَاقِ الْقَوْمِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فِيمَا بَلَغَنِي:
إنّهُمْ الْآنَ لَيُغْبَقُونَ فِي غطفان.
[تَقْسِيمُ الْفَيْءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ]
فَقَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ فِي كل مائة رَجُلٍ جَزُورًا، وَأَقَامُوا عَلَيْهَا، ثُمّ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَافِلًا حَتّى قدم المدينة.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٩٥ ]
[امْرَأَةُ الْغِفَارِيّ وَمَا نَذَرَتْ مَعَ الرّسُولِ]
وَأَقْبَلَتْ امْرَأَةُ الْغِفَارِيّ عَلَى نَاقَةٍ مِنْ إبِلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حَتّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ فَأَخْبَرَتْهُ الْخَبَرَ، فَلَمّا فَرَغَتْ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي قَدْ نَذَرْت لِلّهِ أَنْ أَنَحْرَهَا إنْ نَجّانِي اللهُ عَلَيْهَا؛ قَالَ: فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمّ قَالَ: بِئْسَ مَا جَزَيْتهَا أَنْ حَمَلَك اللهُ عَلَيْهَا وَنَجّاك بِهَا ثُمّ تَنْحَرِينَهَا! إنّهُ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ وَلَا فِيمَا لَا تَمْلِكِينَ، إنّمَا هِيَ نَاقَةٌ مِنْ إبِلِي، فَارْجِعِي إلَى أَهْلِك عَلَى بَرَكَةِ اللهِ.
وَالْحَدِيثُ عَنْ امْرَأَةِ الْغِفَارِيّ وَمَا قَالَتْ، وَمَا قَالَ لَهَا رسول الله ﷺ، عن أَبِي الزّبَيْرِ الْمَكّيّ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ.
[شِعْرُ حَسّانَ فِي ذِي قَرَدٍ]
وَكَانَ مِمّا قِيلَ مِنْ الشّعْرِ فِي يَوْمِ ذِي قَرَدٍ قول حسّان بن ثابت:
لَوْلَا الّذِي لَاقَتْ وَمَسّ نُسُورُهَا بِجَنُوبِ سَايَةَ أَمْسِ فِي التّقْوَادِ
لَلَقِينَكُمْ يَحْمِلْنَ كُلّ مُدَجّجٍ حَامِي الْحَقِيقَةِ مَاجِدُ الْأَجْدَادِ
وَلَسَرّ أَوْلَادَ اللّقِيطَةِ أَنّنَا سِلْمٌ غَدَاةَ فَوَارِسِ الْمِقْدَادِ
كُنّا ثَمَانِيَةً وَكَانُوا جَحْفَلًا لِجَبَا فَشُكّوا بِالرّمَاحِ بَدَادِ
كُنّا مِنْ الْقَوْمِ الّذِينَ يَلُونَهُمْ وَيُقَدّمُونَ عِنَانَ كُلّ جَوَادٍ
كَلّا وَرَبّ الرّاقِصَاتِ إلَى مِنًى يَقْطَعْنَ عُرْضَ مَخَارِمِ الْأَطْوَادِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٩٦ ]
حَتّى نُبِيلَ الْخَيْلَ فِي عَرَصَاتِكُمْ وَنُؤَوّبُ بِالْمَلَكَاتِ وَالْأَوْلَادِ
رَهْوًا بِكُلّ مُقَلّصٍ وَطِمَرّةٍ فِي كُلّ معترك عطفن روادى
أَفْنَى دَوَابِرَهَا وَلَاحَ مُتُونَهَا يَوْمٌ تُقَادُ بِهِ وَيَوْمٌ طِرَادُ
فَكَذَاك إنّ جِيَادَنَا مَلْبُونَةٌ وَالْحَرْبُ مُشْعَلَةٌ بِرِيحِ غَوَادٍ
وَسُيُوفُنَا بِيضُ الْحَدَائِدِ تَجْتَلِي جُنَنَ الْحَدِيدِ وَهَامَةَ الْمُرْتَادِ
أَخَذَ الْإِلَهُ عَلَيْهِمْ لِحَرَامِهِ وَلِعِزّةِ الرّحْمَنِ بِالْأَسْدَادِ
كَانُوا بِدَارٍ نَاعِمِينَ فَبُدّلُوا أَيّامَ ذِي قَرَدٍ وُجُوهَ عِبَادٍ
[غَضَبُ سعد على حسان ومحاولة حسان استراضاءه]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَلَمّا قَالَهَا حَسّانُ غَضِبَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ، وَحَلَفَ أَنْ لَا يُكَلّمَهُ أَبَدًا؛ قَالَ: انْطَلَقَ إلَى خَيْلِي وَفَوَارِسِي فَجَعَلَهَا لِلْمِقْدَادِ! فَاعْتَذَرَ إلَيْهِ حَسّانُ وَقَالَ: وَاَللهِ مَا ذَاكَ أَرَدْتُ، وَلَكِنّ الرّوِيّ وَافَقَ اسْمَ الْمِقْدَادِ؛ وَقَالَ أَبْيَاتًا يُرْضِي بِهَا سَعْدًا:
إذَا أَرَدْتُمْ الْأَشَدّ الْجَلْدَا أَوْ ذَا غَنَاءٍ فَعَلَيْكُمْ سَعْدًا
سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ لَا يُهَدّ هَدّا
فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ سَعْدٌ وَلَمْ يُغْنِ شَيْئًا.
[شِعْرٌ آخَرُ لِحَسّانَ فِي يَوْمِ ذِي قَرَدٍ]
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي يَوْمِ ذِي قرد:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٩٧ ]
أَظَنّ عُيَيْنَةُ إذْ زَارَهَا بِأَنْ سَوْفَ يَهْدِمُ فِيهَا قُصُورًا
فَأُكْذِبْتَ مَا كُنْتَ صَدّقْته وَقُلْتُمْ سَنَغْنَمُ أَمْرًا كَبِيرًا
فَعِفْتَ الْمَدِينَةَ إذْ زُرْتهَا وآنست للأسد فيها زئيرا
فولّوا صراعا كَشَدّ النّعَامِ وَلَمْ يَكْشِفُوا عَنْ مُلِطّ حَصِيرًا
أَمِيرٌ عَلَيْنَا رَسُولُ الْمَلِيكِ أَحْبِبْ بِذَاكَ إلَيْنَا أميرا
رسول نصدّق ما جاءه ويتلوا كِتَابًا مُضِيئًا مُنِيرًا
[شِعْرُ كَعْبٍ فِي يَوْمِ ذِي قَرَدٍ]
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي يَوْمِ ذِي قَرَدٍ للفوارس:
أَتَحْسَبُ أَوْلَادُ اللّقِيطَةِ أَنّنَا عَلَى الْخَيْلِ لَسْنَا مِثْلَهُمْ فِي الْفَوَارِسِ
وَإِنّا أُنَاسٌ لَا نَرَى الْقَتْلَ سُبّةً وَلَا نَنْثَنِي عِنْدَ الرّمَاحِ الْمَدَاعِسِ
وَإِنّا لَنَقْرِي الضّيْفَ مِنْ قَمَعِ الذّرَا وَنَضْرِبُ رَأْسَ الْأَبْلَخِ الْمُتَشَاوِسِ
نَرُدّ كُمَاةَ الْمُعْلَمِينَ إذَا انْتَخَوْا بِضَرْبٍ يُسْلِي نَخْوَةَ الْمُتَقَاعِسِ
بِكُلّ فَتًى حَامِي الْحَقِيقَةَ مَاجِدٍ كَرِيمٍ كَسِرْحَانِ الْغَضَاةِ مُخَالِسِ
يَذُودُونَ عَنْ أَحْسَابهِمْ وَتِلَادِهِمْ بِبِيضٍ تَقُدّ الْهَامَ تَحْتَ الْقَوَانِسِ
فَسَائِلْ بَنِي بَدْرٍ إذَا مَا لَقِيتَهُمْ بِمَا فَعَلَ الْإِخْوَانُ يَوْمَ التّمَارُسِ
إذَا مَا خَرَجْتُمْ فَاصْدُقُوا مَنْ لَقِيتُمْ وَلَا تَكْتُمُوا أَخْبَارَكُمْ فِي الْمَجَالِسِ
وَقُولُوا زَلِلْنَا عَنْ مَخَالِبِ خَادِرٍ بِهِ وَحَرٌ فِي الصّدْرِ مَا لَمْ يُمَارِسْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَيْتَهُ: «وَإِنّا لَنَقْرِي الضّيْفَ» أَبُو زَيْدٍ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٩٨ ]
[شِعْرُ شَدّادٍ لِعُيَيْنَةَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ شَدّادُ بْنُ عَارِضٍ الْجُشَمِيّ، فِي يَوْمِ ذِي قَرَدٍ:
لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَكَانَ عُيَيْنَةُ بْنُ حصن يكنى بأبى مالك:
فَهَلّا كَرَرْتَ أَبَا مَالِكٍ وَخَيْلُك مُدْبِرَةٌ تُقْتَلُ
ذَكَرْتَ الْإِيَابَ إلَى عَسْجَرٍ وَهَيْهَاتَ قَدْ بَعُدَ الْمُقْفَلُ
وَطَمّنْتَ نَفْسَك ذَا مَيْعَةَ مِسَحّ الْفَضَاءِ إذَا يُرْسَلُ
إذَا قَبّضَتْهُ إلَيْك الشّمَا لُ جَاشَ كَمَا اضْطَرَمَ الْمِرْجَلُ
فَلَمّا عَرَفْتُمْ عِبَادَ الْإِلَهِ لَمْ يَنْظُرْ الْآخَرَ الْأَوّلَ
عَرَفْتُمْ فَوَارِسَ قَدْ عُوّدُوا طِرَادَ الْكُمَاةِ إذَا أَسْهَلُوا
إذَا طَرَدُوا الْخَيْلَ تَشْقَى بِهِمْ فِضَاحًا وَإِنْ يُطْرَدُوا يَنْزِلُوا
فَيَعْتَصِمُوا فِي سَوَاءِ اُلْمُقَا مِ بِالْبِيضِ أخلصها الصّيقل
[غزوة بنى المصطلق]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ بَعْضَ جُمَادَى الْآخِرَةِ وَرَجَبًا ثُمّ غَزَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، فى شعبان سنة ست قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا ذرّ الغفارىّ؛ ويقال: نميلة ابن عبد الله الليثى.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٣٩٩ ]
[سبب الْغَزْوَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بَكْرٍ.
وَمُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبّانَ، كُلّ قَدْ حَدّثَنِي بَعْضَ حَدِيثِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، قَالُوا:
بلغ رسول الله ﷺ أَنّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ يَجْمَعُونَ لَهُ، وَقَائِدُهُمْ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ضِرَارٍ أَبُو جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، زوج رسول الله ﷺ؛ فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِهِمْ خَرَجَ إلَيْهِمْ، حَتّى لَقِيَهُمْ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: الْمُرَيْسِيعُ، مِنْ نَاحِيَةِ قديد إلى الساحل، فَتَزَاحَفَ النّاسُ وَاقْتَتَلُوا، فَهَزَمَ اللهُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، وَنَفّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فأقاءهم عليه.
[مقتل ابن صبابة خطأ]
وَقَدْ أُصِيبَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَنِي كَلْبِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لَيْثِ ابن بَكْرٍ، يُقَالُ لَهُ: هِشَامُ بْنُ صُبَابَةَ، أَصَابَهُ رجل من الأنصار من رهط عبادة ابن الصّامِتِ، وَهُوَ يَرَى أَنّهُ مِنْ الْعَدُوّ، فَقَتَلَهُ خطأ.
[فتنة]
فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ، وَرَدَتْ وَارِدَةُ النّاسِ وَمَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ أَجِيرٌ لَهُ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، يُقَالُ لَهُ. جَهْجَاه بْنُ مَسْعُودٍ يَقُودُ فَرَسَهُ، فَازْدَحَمَ جَهْجَاه وَسِنَانُ بْنُ وَبَرٍ الْجُهَنِيّ، حَلِيفُ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ عَلَى الْمَاءِ، فَاقْتَتَلَا، فَصَرَخَ الْجُهَنِيّ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَصَرَخَ جهجاه:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٠٠ ]
يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ؛ فَغَضِبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبىّ بن سلول، وعنده رهط من قومه فيهم: زيد بن أرقم، غلام حدث، فقال: أوقد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا فى بلادنا، والله ما أعدّنا وجلابيب قُرَيْشٍ إلّا كَمَا قَالَ الْأَوّلُ: سَمّنْ كَلْبَك يَأْكُلْك، أَمَا وَاَللهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنّ الْأَعَزّ مِنْهَا الْأَذَلّ.
ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا مَا فَعَلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ، أَحْلَلْتُمُوهُمْ بِلَادَكُمْ، وَقَاسَمْتُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ، أَمَا وَاَللهِ لَوْ أَمْسَكْتُمْ عَنْهُمْ مَا بِأَيْدِيكُمْ لَتَحَوّلُوا إلَى غَيْرِ دَارِكُمْ. فَسَمِعَ ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، فَمَشَى بِهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَذَلِكَ عِنْدَ فَرَاغِ رسول الله ﷺ من عَدُوّهِ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، وَعِنْدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، فَقَالَ: مُرْ بِهِ عَبّادَ بْنِ بِشْرٍ فَلْيَقْتُلْهُ؛ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَكَيْفَ يَا عُمَرُ إذَا تَحَدّثَ النّاسُ أَنّ مُحَمّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ! لَا وَلَكِنْ أَذّنَ بِالرّحِيلِ، وَذَلِكَ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْتَحِلُ فِيهَا، فارتحل الناس.
[حول فتنة ابن أبىّ ونفاقه]
وقد مشى عبد الله بن أبىّ بن سَلُولَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، حِينَ بَلَغَهُ أَنّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قَدْ بَلّغَهُ مَا سَمِعَ مِنْهُ، فَحَلَفَ بِاَللهِ: مَا قُلْت مَا قَالَ، وَلَا تَكَلّمْت بِهِ. - وَكَانَ فِي قَوْمِهِ شَرِيفًا عَظِيمًا- فَقَالَ مَنْ حضر رسول الله ﷺ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَسَى أَنْ يَكُونَ الْغُلَامُ قَدْ أَوْهَمَ فِي حَدِيثِهِ، وَلَمْ يَحْفَظْ مَا قَالَ الرّجُلُ، حَدَبًا على ابن أبىّ بن سلول، ودفعا عنه.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٠١ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا اسْتَقَلّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَسَارَ، لَقِيَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَحَيّاهُ بِتَحِيّةِ النّبُوّةِ وَسَلّمَ عَلَيْهِ، ثُمّ قَالَ: يَا نَبِيّ اللهِ، وَاَللهِ لَقَدْ رُحْتَ فِي سَاعَةٍ مُنْكَرَةٍ، مَا كُنْتَ تَرُوحُ فى مثلها، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَوْ مَا بَلَغَك مَا قَالَ صَاحِبُكُمْ؟ قَالَ: وَأَيّ صَاحِبٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ، قَالَ: وَمَا قَالَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنّهُ إنْ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَن الْأَعَزّ مِنْهَا الْأَذَلّ، قَالَ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ وَاَللهِ تُخْرِجُهُ مِنْهَا إنْ شِئْت، هُوَ وَاَللهِ الذّلِيلُ وَأَنْتَ الْعَزِيزُ؛ ثُمّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اُرْفُقْ بِهِ فَوَاَللهِ لَقَدْ جَاءَنَا اللهُ بِك، وَإِنّ قَوْمَهُ لَيَنْظِمُونَ لَهُ الحرز لِيُتَوّجُوهُ، فَإِنّهُ لَيَرَى أَنّك قَدْ اسْتَلَبْته مُلْكًا.
ثُمّ مَشْيَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالنّاسِ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ حَتّى أَمْسَى، وَلَيْلَتَهُمْ حَتّى أَصْبَحَ، وَصَدْرَ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ حَتّى آذَتْهُمْ الشّمْسُ، ثُمّ نَزَلَ بِالنّاسِ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ وَجَدُوا مَسّ الْأَرْضِ فَوَقَعُوا نِيَامًا، وَإِنّمَا فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِيَشْغَلَ النّاسَ عَنْ الْحَدِيثِ الّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ، من حديث عبد الله بن أبىّ.
ثُمّ رَاحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنّاسِ، وَسَلَكَ الْحِجَازَ حَتّى نَزَلَ عَلَى مَاءٍ بِالْحِجَازِ فُوَيْقَ النّقِيعِ؛ يُقَالُ لَهُ: بَقْعَاءُ. فَلَمّا رَاحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَبّتْ عَلَى النّاسِ رِيحٌ شَدِيدَةٌ آذَتْهُمْ وَتَخَوّفُوهَا؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا تَخَافُوهَا، فَإِنّمَا هَبّتْ لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ الْكُفّارِ.
فَلَمّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ وَجَدُوا رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ، أَحَدَ بَنِي قينقاع، وكان
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٠٢ ]
عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءِ يَهُودَ، وَكَهْفًا لِلْمُنَافِقِينَ، مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
[مَا مَا نَزَلَ فِي ابْنِ أُبَيّ مِنْ الْقُرْآنِ]
وَنَزَلَتْ السّورَةُ الّتِي ذَكَرَ اللهُ فِيهَا الْمُنَافِقِينَ فِي ابْنِ أُبَيّ وَمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ أَمْرِهِ، فَلَمّا نَزَلَتْ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأُذُنِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، ثُمّ قَالَ: هَذَا الّذِي أَوْفَى اللهُ بِأُذُنِهِ. وَبَلَغَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبىّ الذى كان من أمر أبيه.
[موقف عبد الله من أبيه]
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أَنّ عَبْدَ اللهِ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنّهُ بَلَغَنِي أَنّك تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ فِيمَا بَلَغَك عَنْهُ، فَإِنْ كُنْت لَا بُدّ فَاعِلًا فَمُرْنِي بِهِ، فَأَنَا أَحْمِلُ إلَيْك رَأْسَهُ، فَوَاَللهِ لَقَدْ عَلِمَتْ الْخَزْرَجُ مَا كَانَ لَهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرّ بِوَالِدِهِ مِنّي، وَإِنّي أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ، فَلَا تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْظُرُ إلَى قَاتِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ يَمْشِي فِي النّاسِ، فَأَقْتُلَهُ فَأَقْتُلَ (رَجُلًا) مُؤْمِنًا بِكَافِرِ، فَأَدْخُلَ النّارَ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بَلْ نَتَرَفّقُ بِهِ، وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا.
وَجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا أَحْدَثَ الْحَدَثَ كَانَ قَوْمُهُ هُمْ الّذِينَ يُعَاتِبُونَهُ وَيَأْخُذُونَهُ وَيُعَنّفُونَهُ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعُمَرِ بْنِ الْخَطّابِ، حِينَ بَلَغَهُ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهِمْ: كَيْفَ تَرَى يَا عُمَرُ؛ أَمَا وَاَللهِ لَوْ قتلته يوم قلت لى اقتله،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٠٣ ]
رعدت له آنف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتله؛ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: قَدْ وَاَللهِ عَلِمْتُ لَأَمْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَعْظَمُ بركة من أمرى.
[قدوم مقيس مسلما وشعره]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدِمَ مِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ مِنْ مَكّةَ مُسْلِمًا، فِيمَا يَظْهَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُك مُسْلِمًا، وَجِئْتُك أَطُلُبُ دِيَةَ أَخِي، قُتِلَ خَطَأً.
فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِدِيَةِ أَخِيهِ هِشَامِ بْنِ صُبَابَةَ؛ فَأَقَامَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَيْرَ كَثِيرٍ، ثُمّ عَدَا عَلَى قَاتِلِ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ، ثُمّ خَرَجَ إلَى مكة مرتدّا؛ فقال فى شعر يقوله:
شَفَى النّفْسَ أَنْ قَدْ مَاتَ بِالْقَاعِ مُسْنَدًا تُضَرّجُ ثَوْبَيْهِ دِمَاءُ الْأَخَادِعِ
وَكَانَتْ هُمُومُ النّفْسِ مِنْ قَبْلِ قَتْلِهِ تُلِمّ فَتَحْمِينِي وِطَاءَ الْمَضَاجِعِ
حَلَلْت بِهِ وِتْرِي وَأَدْرَكْتُ ثؤرتي وَكُنْتُ إلَى الْأَوْثَانِ أَوّلَ رَاجِعٍ
ثَأَرْتُ بِهِ فِهْرًا وَحَمَلْت عَقْلَهُ سَرَاةَ بَنِي النّجّارِ أَرْبَابَ فَارِعِ
وَقَالَ مِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ أَيْضًا:
جَلّلْته ضَرْبَةً بَاءَتْ لَهَا وَشَلٌ مِنْ نَاقِعِ الْجَوْفِ يَعْلُوهُ وَيَنْصَرِمُ
فقلت والموت تغشاه أسرّنه لَا تَأْمَنَن بَنِي بَكْرٍ إذَا ظُلِمُوا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٠٤ ]
[شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ: يَا مَنْصُورُ، أَمِتْ أمت.
[قَتْلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأُصِيبَ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ يَوْمَئِذٍ نَاسٌ، وَقَتَلَ عَلِيّ ابن أَبِي طَالِبٍ مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ، مَالِكًا وَابْنَهُ، وَقَتَلَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَجُلًا مِنْ فُرْسَانِهِمْ، يُقَالُ لَهُ: أَحْمَرُ، أَوْ أُحَيْمِرٌ.
[أَمْرُ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ]
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ أَصَابَ مِنْهُمْ سَبْيًا كَثِيرًا، فَشَا قَسْمُهُ فِي الْمُسْلِمِينَ؛ وَكَانَ فِيمَنْ أُصِيبَ يَوْمَئِذٍ مِنْ السّبَايَا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحارث ابن أَبِي ضِرَارٍ، زَوْجُ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمّا قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ فِي السّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشّمّاسِ، أَوْ لِابْنِ عَمّ لَهُ، فَكَاتَبَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا، وَكَانَتْ امْرَأَةً حُلْوَةً مُلّاحَةً، لَا يَرَاهَا أَحَدٌ إلّا أَخَذَتْ بِنَفْسِهِ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَسْتَعِينُهُ فِي كِتَابَتِهَا قَالَتْ عَائِشَةُ: فَوَاَللهِ مَا هُوَ إلّا أَنْ رَأَيْتهَا عَلَى باب حجرتى فكرهتها، وعرفت
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٠٥ ]
أنه سيرى منها ﷺ مَا رَأَيْتُ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا جُوَيْرِيَةُ بنت الحارث بن أبى صرار، سَيّدِ قَوْمِهِ، وَقَدْ أَصَابَنِي مِنْ الْبَلَاءِ، مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْك، فَوَقَعْت فِي السّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشّمّاسِ، أَوْ لِابْنِ عَمّ لَهُ، فَكَاتَبْتُهُ عَلَى نَفْسِي فَجِئْتُك أَسْتَعِينُك عَلَى كِتَابَتِي، قَالَ: فَهَلْ لَك فِي خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَقْضِي عَنْك كِتَابَتك وَأَتَزَوّجُك؛ قَالَتْ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: قَدْ فَعَلْت.
قَالَتْ: وَخَرَجَ الْخَبَرُ إلَى النّاسِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ تَزَوّجَ جُوَيْرِيَةَ ابْنَةَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ، فَقَالَ النّاسُ: أَصْهَارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَرْسَلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ، قَالَتْ: فَلَقَدْ أُعْتِقَ بِتَزْوِيجِهِ إياها مائة أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَمَا أَعْلَمُ امرأة كانت أعظ عَلَى قَوْمِهَا بَرَكَةً مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ويقال: لما انصرف رسول الله ﷺ مِنْ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَمَعَهُ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَكَانَ بِذَاتِ الْجَيْشِ، دَفَعَ جُوَيْرِيَةَ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَدِيعَةً، وَأَمَرَهُ بِالِاحْتِفَاظِ بِهَا، وَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَأَقْبَلَ أَبُوهَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ضِرَارٍ بِفِدَاءِ ابْنَتِهِ، فَلَمّا كَانَ بِالْعَقِيقِ نَظَرَ إلَى الْإِبِلِ الّتِي جَاءَ بِهَا لِلْفِدَاءِ، فَرَغِبَ فِي بَعِيرَيْنِ مِنْهَا، فَغَيّبَهُمَا فِي شِعْبٍ مِنْ شِعَابِ الْعَقِيقِ، ثُمّ أَتَى إلَى النّبِيّ ﷺ وَقَالَ:
يَا مُحَمّدُ، أَصَبْتُمْ ابْنَتِي، وَهَذَا فِدَاؤُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَأَيْنَ الْبَعِيرَانِ اللّذَانِ غَيّبْتهمَا بِالْعَقِيقِ، فِي شِعْبِ كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ الحارث: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلا اللهُ، وَأَنّك مُحَمّدٌ رَسُولُ اللهِ، فَوَاَللهِ مَا اطّلَعَ عَلَى ذَلِكَ إلّا اللهُ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٠٦ ]
فَأَسْلَمَ الْحَارِثُ، وَأَسْلَمَ مَعَهُ ابْنَانِ لَهُ، وَنَاسٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَأَرْسَلَ إلَى الْبَعِيرَيْنِ، فَجَاءَ بِهِمَا، فَدَفَعَ الْإِبِلَ إلَى النّبِيّ ﷺ، ودفعت إليه ابنته جويرية، فأسلمت، وحسن إسْلَامُهَا، فَخَطَبَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى أبيها، فزوّجه إياها، وأصدقها أربعمائة درهم.
[ما نزل من القرآن فى حق الوليد بن عقبة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ: أن رسول الله ﷺ بَعَثَ إلَيْهِمْ بَعْدَ إسْلَامِهِمْ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَلَمّا سَمِعُوا بِهِ رَكِبُوا إلَيْهِ، فَلَمّا سَمِعَ بِهِمْ هَابَهُمْ، فَرَجَعَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فأخبره أَنّ الْقَوْمَ قَدْ هَمّوا بِقَتْلِهِ، وَمَنَعُوهُ مَا قبلهم من صدقتهم، فَأَكْثَرَ الْمُسْلِمُونَ فِي ذِكْرِ غَزْوِهِمْ، حَتّى هَمّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَنْ يغزوهم، فبيناهم عَلَى ذَلِكَ قَدِمَ وَفْدُهُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ سَمِعْنَا بِرَسُولِك حِينَ بَعَثْته إلَيْنَا، فَخَرَجْنَا إلَيْهِ لِنُكْرِمَهُ، وَنُؤَدّيَ إلَيْهِ مَا قِبَلَنَا مِنْ الصّدَقَةِ، فَانْشَمَرَ رَاجِعًا، فَبَلَغْنَا أَنّهُ زَعَمَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنّا خَرَجْنَا إلَيْهِ لِنَقْتُلَهُ، وَوَاللهِ مَا جِئْنَا لِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ وَفِيهِمْ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ، فَتُصْبِحُوا عَلى مَا فَعَلْتُمْ نادِمِينَ. وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ إلَى آخر الآيات. (الحجرات ٦- ٨) .
وَقَدْ أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ سَفَرِهِ ذَلِكَ، كَمَا حَدّثَنِي مَنْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٠٧ ]
لَا أَتّهِمُ عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، حَتّى إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ مَعَهُ عَائِشَةُ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ، قَالَ فِيهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قالوا.
[خَبَرُ الْإِفْكِ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ سَنَةَ سِتّ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنَا الزّهْرِيّ، عَنْ علقمة بن وقّاص، وعن سعيد ابن جُبَيْرٍ، وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ:
كُلّ قَدْ حَدّثَنِي بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَبَعْضُ الْقَوْمِ كَانَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ، وَقَدْ جمعت لك الذى حدّثنى القوم.
[الهدى فى السفر مع الزوجات]
قَالَ مُحَمّدُ بْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ نَفْسِهَا، حِينَ قَالَ فِيهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، فَكُلّ قَدْ دَخَلَ فِي حَدِيثِهَا عَنْ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا يُحَدّثُ بَعْضُهُمْ مَا لَمْ يُحَدّثْ صَاحِبَهُ، وَكُلّ كَانَ عَنْهَا ثِقَةً، فَكُلّهُمْ حَدّثَ عَنْهَا مَا سَمِعَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيّتُهُنّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، فَلَمّا كَانَتْ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، كَمَا كَانَ يصنع، فخرج سمهى عَلَيْهِنّ مَعَهُ، فَخَرَجَ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٠٨ ]
[حديث الإفك]
قَالَتْ: وَكَانَ النّسَاءُ إذْ ذَاكَ إنّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلَقَ لَمْ يَهِجْهُنّ اللّحْمُ فَيَثْقُلْنَ وَكُنْت إذَا رَحَلَ لِي بَعِيرِي جَلَسْتُ فِي هَوْدَجِي، ثُمّ يَأْتِي الْقَوْمُ الّذِينَ يُرَحّلُونَ لِي وَيَحْمِلُونَنِي، فَيَأْخُذُونَ بِأَسْفَلَ الْهَوْدَجِ، فَيَرْفَعُونَهُ، فَيَضَعُونَهُ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ، فَيُشِدّونَهُ بِحِبَالِهِ، ثُمّ يَأْخُذُونَ بِرَأْسِ الْبَعِيرِ، فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ. قَالَتْ: فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ سَفَرِهِ ذَلِكَ، وَجّهَ قَافِلًا حَتّى إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْمَدِينَةِ نزل منزلا، فبات بِهِ بَعْضَ اللّيْلِ، ثُمّ أَذّنَ فِي النّاسِ بِالرّحِيلِ، فَارْتَحَلَ النّاسُ، وَخَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي، وَفِي عنقى عقد لى، فيه جزع ظفاره فَلَمّا فَرَغْت انْسَلّ مِنْ عُنُقِي وَلَا أَدْرِي، فَلَمّا رَجَعْت إلَى الرّحْلِ ذَهَبْتُ أَلْتَمِسُهُ فِي عُنُقِي، فَلَمْ أَجِدْهُ، وَقَدْ أَخَذَ النّاسُ فِي الرّحِيلِ، فَرَجَعْت إلَى مَكَانِي الّذِي ذَهَبْت إلَيْهِ، فَالْتَمَسْته حَتّى وَجَدْته، وَجَاءَ الْقَوْمُ خِلَافِي، الّذِينَ كَانُوا يُرَحّلُونَ لِي الْبَعِيرَ، وَقَدْ فَرَغُوا مِنْ راحلته، فَأَخَذُوا الْهَوْدَجَ، وَهُمْ يَظُنّونَ أَنّي فِيهِ، كَمَا كُنْت أَصْنَعُ، فَاحْتَمَلُوهُ، فَشَدّوهُ عَلَى الْبَعِيرِ، وَلَمْ يَشُكّوا أَنّي فِيهِ، ثُمّ أَخَذُوا بِرَأْسِ الْبَعِيرِ، فَانْطَلَقُوا بِهِ، فَرَجَعْتُ إلَى الْعَسْكَرِ وَمَا فِيهِ مِنْ دَاعٍ وَلَا مُجِيبٍ، قَدْ انْطَلَقَ النّاسُ.
قَالَتْ: فَتَلَفّفْت بِجِلْبَابِي، ثُمّ اضْطَجَعْتُ فِي مَكَانِي، وَعَرَفْت أَنْ لَوْ قَدْ اُفْتُقِدْت لَرُجِعَ إلَيّ. قَالَتْ: فَوَاَللهِ إنّي لَمُضْطَجِعَةٌ إذْ مَرّ بِي صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطّلِ السّلَمِيّ، وَقَدْ كَانَ تَخَلّفَ عَنْ الْعَسْكَرِ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، فَلَمْ يَبِتْ مَعَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٠٩ ]
النّاسِ، فَرَأَى سَوَادِي، فَأَقْبَلَ حَتّى وَقَفَ عَلَيّ، وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ، فَلَمّا رَآنِي قَالَ: إنّا لِلّهِ وَإِنّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، ظَعِينَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ! وَأَنَا مُتَلَفّفَةٌ فِي ثِيَابِي، قَالَ: مَا خَلّفَك يَرْحَمُك اللهُ؟ قَالَتْ: فَمَا كَلّمَتْهُ، ثُمّ قَرّبَ الْبَعِيرَ، فَقَالَ: ارْكَبِي، وَاسْتَأْخَرَ عَنّي.
قَالَتْ: فَرَكِبْتُ، وَأَخَذَ بِرَأْسِ الْبَعِيرِ، فَانْطَلَقَ سَرِيعًا، يَطْلُبُ النّاسَ، فَوَاَللهِ مَا أَدْرَكْنَا النّاسَ، وَمَا افْتَقَدْت حَتّى أَصْبَحْتُ، وَنَزَلَ النّاسُ، فَلَمّا اطْمَأَنّوا طَلَعَ الرّجُلُ يَقُودُ بِي، فَقَالَ أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، فَارْتَعَجَ الْعَسْكَرُ، وَوَاللهِ مَا أَعْلَمُ بشىء من ذلك.
ثُمّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَلَمْ أَلْبَثَ أَنْ اشْتَكَيْتُ شكوى شديدة، ولا يبلغنى من ذلك شىء، وقد انتهى الحديث إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَإِلَى أَبَوَيّ لَا يَذْكُرُونَ لِي مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، إلّا أَنّي قَدْ أَنْكَرْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بعض لُطْفِهِ بِي، كُنْت إذَا اشْتَكَيْتُ رَحِمَنِي، وَلَطَفَ بِي، فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِي فِي شَكْوَايَ تِلْكَ، فَأَنْكَرْت ذَلِكَ مِنْهُ، كَانَ إذَا دَخَلَ عَلَيّ وَعِنْدِي أُمّي تُمَرّضُنِي- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهِيَ أُمّ رُومَانَ، وَاسْمُهَا زَيْنَبُ بِنْتُ عَبْدِ دُهْمَانَ، أَحَدُ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنَمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ- قَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ، لَا يزيد على ذلك.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَتْ: حَتّى وَجَدْتُ فِي نَفْسِي، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، حِينَ رَأَيْتُ مَا رَأَيْت مِنْ جَفَائِهِ لِي: لَوْ أَذِنْتَ لِي، فَانْتَقَلْت إلَى أُمّي، فَمَرّضْتنِي؟
قَالَ: لَا عَلَيْك. قَالَتْ: فَانْتَقَلْت إلَى أُمّي، وَلَا عِلْمَ لِي بِشَيْءِ مِمّا كَانَ، حَتّى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤١٠ ]
نَقِهْت مِنْ وَجَعِي بَعْدَ بِضْعٍ وَعَشْرَيْنِ لَيْلَةً، وَكُنّا قَوْمًا عَرَبًا، لَا نَتّخِذُ فِي بُيُوتِنَا هَذِهِ الْكُنُفَ الّتِي تَتّخِذُهَا الْأَعَاجِمُ، نَعَافُهَا وَنَكْرَهُهَا، إنّمَا كُنّا نَذْهَبُ فِي فُسَحِ الْمَدِينَةِ، وَإِنّمَا كَانَتْ النّسَاءُ يَخْرُجْنَ كُلّ لَيْلَةٍ فِي حَوَائِجِهِنّ، فَخَرَجْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ حَاجَتِي وَمَعِي أُمّ مِسْطَحٍ بِنْتُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَتْ أُمّهَا بِنْتَ صَخْرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، خَالَةَ أبى بكر الصدّيق رضى عَنْهُ؛ قَالَتْ: فَوَاَللهِ إنّهَا لَتَمْشِي مَعِي إذْ عَثَرْت فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ! وَمِسْطَحٌ لَقَبٌ وَاسْمُهُ: عَوْفٌ؛ قَالَتْ: قُلْت: بِئْسَ لَعَمْرُ اللهِ مَا قُلْت لِرَجُلٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، قَالَتْ: أَوْ مَا بَلَغَك الْخَبَرُ يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: قُلْت: وَمَا الْخَبَرُ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِاَلّذِي كَانَ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ، قَالَتْ: قُلْت: أَوَ قَدْ كَانَ هَذَا؟ قالت: نعم والله فقد كَانَ. قَالَتْ:
فَوَاَللهِ مَا قَدَرْت عَلَى أَنْ أَقْضِيَ حَاجَتِي، وَرَجَعْت، فَوَاَللهِ مَا زِلْت أَبْكِي حَتّى ظَنَنْت أَنّ الْبُكَاءَ سَيَصْدَعُ كَبِدِي؛ قَالَتْ: وَقُلْت لِأُمّي: يَغْفِرُ اللهُ لَك، تَحَدّثَ النّاسُ بِمَا تَحَدّثُوا بِهِ، وَلَا تَذْكُرِينَ لِي مِنْ ذلك شيئا! قالت: أى بنيّة، خفّضى عليك الشأن، فوالله لقلّما كَانَتْ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ، عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبّهَا، لَهَا ضرائر، إلّا كثّرن وكثّر الناس عليها.
قَالَتْ: وَقَدْ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النّاسِ يَخْطُبُهُمْ وَلَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمّ قَالَ: أَيّهَا النّاسُ، مَا بَالُ رِجَالٍ يُؤْذُونَنِي فِي أَهْلِي، وَيَقُولُونَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ الْحَقّ، وَاَللهِ مَا عَلِمْت مِنْهُمْ إلّا خَيْرًا، وَيَقُولُونَ ذَلِكَ لِرَجُلِ وَاَللهِ مَا عَلِمْت مِنْهُ إلّا خَيْرًا، وَمَا يَدْخُلُ بَيْتًا مِنْ بُيُوتِي إلّا وَهُوَ مَعِي.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤١١ ]
قَالَتْ: وَكَانَ كُبْر ذَلِكَ عِنْدِ عَبْدِ اللهِ بن أبىّ بن سَلُولَ فِي رِجَالٍ مِنْ الْخَزْرَجِ مَعَ الّذِي قَالَ مِسْطَحٌ وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، وَذَلِكَ أَنّ أُخْتَهَا زَيْنَبَ بِنْتُ جَحْشٍ كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَمْ تَكُنْ مِنْ نِسَائِهِ امْرَأَةٌ تُنَاصِينِي فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَهُ غَيْرُهَا، فَأَمّا زَيْنَبُ فَعَصَمَهَا اللهُ تَعَالَى بِدِينِهَا فَلَمْ تَقُلْ إلّا خَيْرًا وَأَمّا حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، فَأَشَاعَتْ مِنْ ذَلِكَ مَا أَشَاعَتْ، تُضَادّنِي لأختها، فشقيت بذلك.
فَلَمّا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، قَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ:
يَا رَسُولَ اللهِ، إنْ يَكُونُوا مِنْ الْأَوْسِ نَكْفِكَهُمْ، وَإِنْ يَكُونُوا مِنْ إخْوَانِنَا مِنْ الْخَزْرَجِ، فَمُرْنَا بِأَمْرِك، فَوَاَللهِ إنّهُمْ لَأَهْلٌ أَنْ تُضْرَبَ أَعْنَاقُهُمْ، قَالَتْ:
فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يَرَى رَجُلًا صَالِحًا، فَقَالَ: كَذَبْت لَعَمْرُ اللهِ، لَا نَضْرِبُ أَعْنَاقَهُمْ، أَمَا وَاَللهِ مَا قُلْتَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ إلّا أَنّك قَدْ عَرَفْت أَنّهُمْ مِنْ الْخَزْرَجِ، وَلَوْ كَانُوا مِنْ قَوْمِك مَا قُلْتَ هَذَا، فَقَالَ أُسَيْدٌ: كَذَبْت لَعَمْرُ اللهِ، وَلَكِنّك مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ، قَالَتْ: وَتَسَاوَرَ النّاسُ، حَتّى كَادَ يَكُونُ بَيْنَ هذين الحيّين من الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ شَرّ. وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَدَخَلَ علىّ.
(قَالَتْ) فَدَعَا عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ الله عليه، وأسامة بن زيد فاستشارها، فَأَمّا أُسَامَةُ فَأَثْنَى عَلَيّ خَيْرًا وَقَالَهُ، ثُمّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَهْلُك وَلَا نَعْلَمُ مِنْهُمْ إلّا خَيْرًا، وَهَذَا الْكَذِبُ وَالْبَاطِلُ، وَأَمّا عَلِيّ فَإِنّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إنّ النّسَاءَ لَكَثِيرٌ، وَإِنّك لَقَادِرٌ عَلَى أَنْ تَسْتَخْلِفَ، وَسَلْ الْجَارِيَةَ، فَإِنّهَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤١٢ ]
سَتُصْدِقُك. فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَرِيرَةَ لِيَسْأَلَهَا، قَالَتْ: فَقَامَ إلَيْهَا عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَضَرَبَهَا ضَرْبًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: اُصْدُقِي رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَتْ: فَتَقُولُ: وَاَللهِ مَا أَعْلَمُ إلّا خَيْرًا، وَمَا كُنْت أَعِيبُ عَلَى عَائِشَةَ شَيْئًا، إلّا أَنّي كُنْت أَعْجِنُ عَجِينِي، فَآمُرُهَا أَنْ تَحْفَظَهُ، فتنام عنه فتأتى الشاة فتأكله.
[القرآن وبراءة عَائِشَةَ]
قَالَتْ: ثُمّ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَعِنْدِي أَبَوَايَ، وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَأَنَا أَبْكِي، وَهِيَ تَبْكِي مَعِي، فَجَلَسَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمّ قَالَ يَا عَائِشَةُ، إنّهُ قَدْ كَانَ مَا قَدْ بَلَغَك مِنْ قَوْلِ النّاسِ، فَاتّقِي اللهَ، وإن كنت قد قارفت سوآ، مِمّا يَقُولُ النّاسُ فَتُوبِي إلَى اللهِ، فَإِنّ اللهَ يَقْبَلُ التّوْبَةَ عَنْ عِبَادِه، قَالَتْ: فَوَاَللهِ مَا هُوَ إلّا أَنْ قَالَ لِي ذَلِكَ، فَقَلَصَ دَمْعِي، حَتّى مَا أُحِسّ مِنْهُ شَيْئًا، وَانْتَظَرْت أَبَوَيّ أَنْ يُجِيبَا عَنَى رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَلَمْ يَتَكَلّمَا. قَالَتْ: وَاَيْمُ اللهِ لَأَنَا كُنْت أَحْقَرَ فِي نَفْسِي، وَأَصْغَرَ شَأْنًا مِنْ أَنْ يُنْزِلَ اللهُ فِيّ قُرْآنًا يُقْرَأُ بِهِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَيُصَلّى بِهِ، وَلَكِنّي قَدْ كُنْت أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي نَوْمِهِ شَيْئًا يُكَذّبُ بِهِ اللهُ عَنّي، لِمَا يَعْلَمُ منى بَرَاءَتِي، أَوْ يُخْبِرُ خَبَرًا، فَأَمّا قُرْآنٌ يَنْزِلُ فِيّ، فَوَاَللهِ لَنَفْسِي كَانَتْ أَحْقَرَ عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ. قَالَتْ: فَلَمّا لَمْ أَرَ أَبَوَيّ يَتَكَلّمَانِ، قَالَتْ: قُلْت لَهُمَا: أَلَا تُجِيبَانِ رَسُولَ اللهِ ﷺ؟ قَالَتْ: فَقَالَا: وَاَللهِ مَا نَدْرِي بِمَاذَا نُجِيبُهُ، قَالَتْ: وَوَاللهِ مَا أَعْلَمُ أَهْلَ بَيْتٍ دَخَلَ عَلَيْهِمْ مَا دَخَلَ عَلَى آلِ أَبِي بَكْرٍ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤١٣ ]
فِي تِلْكَ الْأَيّامِ، قَالَتْ: فَلَمّا أَنْ اسْتَعْجَمَا عَلَيّ، اسْتَعْبَرْتُ فَبَكَيْتُ، ثُمّ قُلْت:
وَاَللهِ لَا أَتُوبُ إلَى اللهِ مِمّا ذَكَرْت أَبَدًا. وَاَللهِ إنّي لَأَعْلَمُ لَئِنْ أَقْرَرْتُ بِمَا يَقُولُ النّاسُ، وَاَللهُ يَعْلَمُ أَنّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ، لَأَقُولَن مَا لَمْ يَكُنْ، وَلَئِنْ أَنَا أَنْكَرْت مَا يَقُولُونَ لَا تُصَدّقُونَنِي. قَالَتْ: ثُمّ الْتَمَسْت اسْمَ يَعْقُوبَ فَمَا أَذْكُرُهُ، فَقُلْت:
وَلَكِنْ سَأَقُولُ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ. قَالَتْ: فَوَاَللهِ مَا بَرِحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَجْلِسَهُ حَتّى تَغَشّاهُ مِنْ اللهِ مَا كَانَ يَتَغَشّاهُ، فَسُجّيَ بِثَوْبِهِ وَوُضِعَتْ لَهُ وِسَادَةُ مِنْ أَدَمٍ تَحْت رَأْسِهِ، فَأَمّا أَنَا حِينَ رَأَيْت مِنْ ذَلِكَ مَا رَأَيْت، فَوَاَللهِ مَا فَزِعْت وَلَا بَالَيْتُ، قَدْ عَرَفْت أَنّي بَرِيئَةٌ، وَأَنّ اللهَ ﷿ غَيْرُ ظَالِمِي، وَأَمّا أَبَوَايَ، فَوَاَلّذِي نَفْسُ عَائِشَةَ بِيَدِهِ، مَا سُرّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى ظَنَنْتُ لَتَخْرُجَن أَنَفْسُهُمَا، فَرَقًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ اللهِ تَحْقِيقُ مَا قَالَ النّاسُ، قَالَتْ: ثُمّ سُرّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ- فجلس، وإنه ليتحذّر مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ فِي يَوْمٍ شَاتٍ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ، وَيَقُولُ: أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، فَقَدْ أَنَزَلَ اللهُ بَرَاءَتَك، قَالَتْ: قُلْت: بِحَمْدِ اللهِ، ثُمّ خَرَجَ إلَى النّاسِ، فَخَطَبَهُمْ، وَتَلَا عَلَيْهِمْ مَا أَنَزَلَ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ، ثُمّ أَمَرَ بِمِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ، وَحَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، وكانو ممن أفصح بالفاحشة، فضربوا حدّهم.
قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يَسَارٍ عَنْ بَعْضِ رِجَالِ بَنِي النّجّارِ: أَنّ أَبَا أَيّوبٍ خَالِدَ بْنَ زَيْدٍ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أُمّ أَيّوبَ: يَا أَبَا أَيّوبَ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤١٤ ]
أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النّاسُ فِي عَائِشَةَ؟ قَالَ: بَلَى، وَذَلِكَ الْكَذِبُ، أَكُنْت يَا أُمّ أَيّوبَ فَاعِلَةٌ؟ قَالَتْ: لَا وَاَللهِ مَا كُنْتُ لأفعله؛ قال: فعائشة والله خير منك.
قَالَتْ: فَلَمّا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِذِكْرِ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْفَاحِشَةِ مَا قَالَ مِنْ أَهْلِ الإفك، فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ، لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ، وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ، وَذَلِكَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَصْحَابُهُ الّذِينَ قَالُوا مَا قَالُوا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: وَذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ وَأَصْحَابُهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاَلّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ عَبْد اللهِ بْنُ أُبَيّ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَبْلَ هَذَا. ثُمّ قَالَ تَعَالَى: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا: أَيْ فَقَالُوا كَمَا قَالَ أَبُو أَيّوبَ وَصَاحِبَتُهُ، ثُمّ قَالَ: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ، وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ.
فَلَمّا نَزَلَ هَذَا فِي عَائِشَةَ، وَفِيمَنْ قَالَ لَهَا مَا قَالَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ وَحَاجَتِهِ: وَاَللهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا، وَلَا أَنْفَعُهُ بِنَفْعِ أَبَدًا بَعْدَ الّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ، وَأَدْخَلَ عَلَيْنَا، قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِك وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤١٥ ]
وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلْيَعْفُوا، وَلْيَصْفَحُوا، أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
[تفسير ابن هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: يُقَالُ: كِبْرُهُ وَكُبْرُهُ فِي الرّوَايَةِ، وَأَمّا فِي الْقُرْآنِ فَكِبْرُهُ بِالْكَسْرِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ) وَلَا يَأْلُ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ.
قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ حجر الكندى:
أَلَا رُبّ خَصْمٌ فِيك أَلْوَى رَدَدْتُهُ نَصِيحٌ عَلَى تَعْذَالِهِ غَيْرُ مُؤْتَلِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قصيدة له، ويقال: (ولا يأتل أولو الْفَضْلِ): وَلَا يَحْلِفُ أُولُو الْفَضْلِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ، فِيمَا بَلَغْنَا عنه.
وفى كتاب الله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ وَهُوَ مِنْ الْأَلْيَةِ، وَالْأَلْيَةُ: الْيَمِينُ. قَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
آلَيْتُ ما في جميع الناس مجتهدا مني ألية بِرّ غَيْرَ إفْنَادِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ، سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللهُ فِي مَوْضِعِهَا. فمعنى: أن يؤتوا فى هذا الذهب: أَنْ لَا يُؤْتَوْا، وَفِي كِتَابِ اللهِ ﷿: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا يُرِيدُ: أَنْ لَا تَضِلّوا، وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ يُرِيدُ أَنْ لَا تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ، وَقَالَ ابْنُ مُفَرّغٍ الْحِمْيَرِيّ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤١٦ ]
لَا ذَعَرْت السّوَامَ فِي وَضَحِ الصّبْحِ مُغِيرًا وَلَا دُعِيتُ يَزِيدَا
يَوْم أُعْطَى مَخَافَةَ الْمَوْتِ ضيما والمنايا يرصدننى أن أحيدا
بريد: أَنْ لَا أَحِيدَ، وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاَللهِ، إنّي لَأُحِبّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجّعَ إلَى مِسْطَحٍ نَفَقَتَهُ الّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَاَللهِ لَا أَنْزِعُهَا منه أبدا.
[ابن المعطل يهمّ بِقَتْلِ حَسّانَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ صَفْوَانَ بْنَ الْمُعَطّلِ اعْتَرَضَ حَسّانَ بْنَ ثَابِتٍ بِالسّيْفِ، حِينَ بَلَغَهُ مَا كَانَ يَقُولُ فِيهِ، وَقَدْ كَانَ حَسّانُ قَالَ شِعْرًا مَعَ ذَلِكَ يُعَرّضُ بِابْنِ الْمُعَطّلِ فِيهِ وَبِمَنْ أَسْلَمَ مِنْ العرب من مضر، فقال:
أَمْسَى الْجَلَابِيبُ قَدْ عَزّوا وَقَدْ كَثُرُوا وَابْنُ الْفُرَيْعَةَ أَمْسَى بَيْضَةَ الْبَلَدِ
قَدْ ثَكِلَتْ أُمّهُ مَنْ كُنْتَ صَاحِبَهُ أَوْ كَانَ مُنْتَشِبًا فِي برنن الْأَسَدِ
مَا لِقَتِيلِي الّذِي أَغْدُو فَآخُذُهُ مِنْ دِيَةٍ فِيهِ يُعْطَاهَا وَلَا قَوَدِ
مَا الْبَحْرُ حِينَ تَهُبّ الرّيحُ شَامِيّةً فَيَغْطَئِلُ وَيَرْمِي الْعِبْرَ بِالزّبَدِ
يَوْمًا بِأَغْلَبَ مِنّي حِينَ تُبْصِرُنِي مِلْغَيِظٍ أَفْرِي كَفَرْيِ الْعَارِضِ الْبَرِدِ
أُمّا قُرَيْشٌ فَإِنّي لن أسالمهم حتى ينيبوا من الغيّات الرّشد
وَيَتْرُكُوا اللّاتَ وَالْعُزّى بِمَعْزِلَةٍ وَيَسْجُدُوا كُلّهُمْ لِلْوَاحِدِ الصّمد
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤١٧ ]
وَيَشْهَدُوا أَنّ مَا قَالَ الرّسُولُ لَهُمْ حَقّ وَيُوفُوا بِعَهْدِ اللهِ وَالْوُكُدِ
فَاعْتَرَضَهُ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطّلِ، فَضَرَبَهُ بِالسّيْفِ، ثُمّ قَالَ: كَمَا حَدّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ:
تَلَقّ ذُبَابُ السّيْفِ عَنّي فإنى غلام إذا هو جيت لَسْتُ بِشَاعِرٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التّيْمِيّ: أَنّ ثَابِتَ ابن قَيْسِ بْنِ الشّمّاسِ وَثَبَ عَلَى صَفْوَانَ بْنِ الْمُعَطّلِ، حِينَ ضَرَبَ حَسّانَ، فَجَمَعَ يَدَيْهِ إلَى عُنُقِهِ بِحَبْلِ، ثُمّ انْطَلَقَ بِهِ إلَى دَارِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: أَمَا أَعْجَبَك ضَرْبُ حَسّانَ بِالسّيْفِ وَاَللهِ مَا أَرَاهُ إلّا قَدْ قَتَلَهُ، قَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ: هَلْ عَلِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَيْءِ مِمّا صَنَعْت؟ قَالَ: لَا وَاَللهِ، قَالَ: لَقَدْ اجْتَرَأْت، أَطْلِقْ الرّجُلَ، فَأَطْلَقَهُ، ثُمّ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَدَعَا حَسّانَ وَصَفْوَانَ بْنَ الْمُعَطّلِ، فَقَالَ ابْنُ الْمُعَطّلِ: يَا رَسُولَ اللهِ: آذَانِي وَهَجَانِي، فَاحْتَمَلَنِي الْغَضَبُ، فَضَرَبْته، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحَسّانَ: أَحْسِنْ يَا حَسّانُ، أَتَشَوّهْتَ عَلَى قَوْمِي أَنْ هَدَاهُمْ اللهُ لِلْإِسْلَامِ، ثُمّ قَالَ:
أَحْسِنْ يَا حَسّانُ فِي الّذِي أَصَابَك، قَالَ: هِيَ لك يا رسول الله.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: أَبَعْدَ أَنْ هُدَاكُمْ اللهُ لِلْإِسْلَامِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَاهُ عِوَضًا مِنْهَا بَيْرُحَاءَ، وَهِيَ قَصْرُ بَنِي حُدَيْلَةَ الْيَوْمَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤١٨ ]
مَالًا لِأَبِي طَلْحَةَ بْنِ سَهْلٍ تَصَدّقَ بِهَا عَلَى آلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَعْطَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَسّانَ فِي ضَرْبَتِهِ، وَأَعْطَاهُ سِيرِينَ، أَمَةً قبطيّة، فولدت له عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ حَسّانَ، قَالَتْ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ:
لَقَدْ سُئِلَ عَنْ ابْنِ الْمُعَطّلِ، فَوَجَدُوهُ رَجُلًا حَصُورًا، مَا يَأْتِي النّسَاءَ، ثُمّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهِيدًا.
قَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَعْتَذِرُ مِنْ الّذِي كَانَ قَالَ فِي شَأْنِ عَائِشَةَ ﵂:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تزنّ بريبة وتصبح غرنى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
عَقِيلَةُ حَيّ مِنْ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ كِرَامِ الْمَسَاعِي مَجْدُهُمْ غَيْرُ زَائِلِ
مُهَذّبَةٌ قَدْ طَيّبَ اللهُ خِيمَهَا وَطَهّرَهَا مِنْ كُلّ سُوءٍ وَبَاطِلِ
فَإِنْ كُنْتُ قَدْ قُلْت الّذِي قَدْ زَعَمْتُمْ فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إلَيّ أَنَامِلِي
وَكَيْفَ وَوُدّي مَا حَيِيتُ وَنُصْرَتِي لِآلِ رَسُولِ اللهِ زَيْنُ الْمَحَافِلِ
لَهُ رَتَبٌ عَالٍ عَلَى النّاسِ كُلّهِمْ تَقَاصَرَ عَنْهُ سَوْرَةُ الْمُتَطَاوِلِ
فَإِنّ الّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلَائِطٍ وَلَكِنّهُ قول امرىء بى ماحل
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَيْتُهُ: «عَقِيلَةُ حَيّ» وَاَلّذِي بَعْدَهُ، وَبَيْتُهُ: «لَهُ رَتَبٌ عَالٍ» عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنّ امْرَأَةً مَدَحَتْ بِنْتَ حَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤١٩ ]
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنّ بِرِيبَةِ وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَكِنْ أَبُوهَا.
[شِعْرٌ فِي هِجَاءِ حَسّانَ وَمِسْطَحٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ قَائِلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي ضَرْبِ حَسّانَ وَأَصْحَابِهِ فِي فِرْيَتِهِمْ عَلَى عَائِشَةَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فِي ضَرْبِ حَسّانَ وَصَاحِبَيْهِ:
لَقَدْ ذَاقَ حَسّانُ الّذِي كَانَ أَهْلَهُ وَحَمْنَةُ إذْ قَالُوا هَجِيرًا وَمِسْطَحُ
تَعَاطَوْا بِرَجْمِ الْغَيْبِ زَوْجَ نَبِيّهِمْ وَسَخْطَةَ ذِي الْعَرْشِ الْكَرِيمِ فَأُتْرِحُوا
وَآذَوْا رَسُولَ اللهِ فِيهَا فَجُلّلُوا مَخَازِيَ تَبْقَى عُمّمُوهَا وَفُضّحُوا
وَصُبّتْ عَلَيْهِمْ مُحْصَدَاتٌ كَأَنّهَا شَآبِيبُ قَطْرٍ من ذر المزن تسفح
ــ
غَزْوَةُ ذِي قَرَد وَيُقَالُ فِيهِ: قُرُدٌ بِضَمّتَيْنِ هَكَذَا أَلْفَيْته مُقَيّدًا عَنْ أَبِي عَلِيّ، وَالْقَرَدُ فِي اللّغَةِ الصّوفُ الرّدِيءُ، يُقَالُ فِي مِثْلِ: عَثَرْت عَلَى الْغَزْلِ بِأُخْرَةٍ فَلَمْ تَدَعْ بِنَجْدِ قَرَدَةً «١» .
أَسْمَاءُ أَفْرَاسِ الْمُسْلِمِينَ:
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ أَسْمَاءَ خَيْلِ جَمَاعَةٍ مِمّنْ حضرها،
_________________
(١) مثل لمن ترك الحاجة ممكنة، وطلبها فائتة، وأصله أن تترك المرأة الغزل، وهى تجد ما تغزله، حتى إذا فاتها تتبعت القرد فى القمامات.
[ ٦ / ٤٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَذَكَرَ بَعْزَجَةَ فَرَسَ الْمِقْدَادِ، وَالْبَعْزَجَةُ: شِدّةُ جَرْيٍ فِي مُغَالَبَةٍ كَأَنّهُ مَنْحُوتٌ مِنْ بَعَجَ إذَا شَقّ، وَعَزّ، أَيْ: غَلَبَ. وَأَمّا سُبْحَةُ فَمِنْ سَبَحَ إذَا عَلَا عُلُوّا فِي اتّسَاعٍ، وَمِنْهُ: سُبْحَانَ اللهِ، وَسُبُحَاتُ اللهِ: عَظَمَتُهُ وَعُلُوّهُ، لِأَنّ النّاظِرَ الْمُفَكّرَ فِي [اللهِ] سُبْحَانَهُ يَسْبَحُ فِي بَحْرٍ لَا سَاحِلَ لَهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ حَقَائِقَ وَدَقَائِقَ أَسْرَارٍ فِي شَرْحِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ. وَأَمّا حَزْوَةُ، فَمِنْ حَزَوْت الطّيْرَ إذَا زَجَرْتهَا، أَوْ مِنْ حَزَوْت الشّيْءَ إذَا أَظْهَرْته.
قَالَ الشّاعِرُ:
تَرَى الْأَمْعَزَ الْمَحْزُوّ فِيهِ كَأَنّهُ مِنْ الْحَرّ وَاسْتِقْبَالِهِ الشّمْسَ مَسْطَحُ «١»
وَجُلْوَةُ مِنْ جَلَوْت السّيْفَ، وَجَلَوْت الْعَرُوسَ، كأنها تجلو الغمّ عَنْ قَلْبِ صَاحِبِهَا. وَمَسْنُونٌ مِنْ سَنَنْت الْحَدِيدَةَ إذَا صَقَلْتهَا.
سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ:
وَذَكَرَ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ، وَاسْمُ الْأَكْوَعِ: سِنَانٌ، وَخَبَرُ سَلَمَةَ فِي ذَلِك الْيَوْمِ أَطْوَلُ مِمّا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ، وَأَعْجَبُ، فَإِنّهُ اسْتَلَبَ وَحْدَهُ فِي ذَلِك الْيَوْمِ مِنْ الْعَدُوّ وَهُوَ رَاجِلٌ قَبْلَ أَنْ تَلْحَقَ بَهْ الْخَيْلُ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً وَثَلَاثِينَ دَرَقَةً، وَقَتَلَ مِنْهُمْ بِالنّبْلِ كَثِيرًا، فَكُلّمَا هَرَبُوا أَدْرَكَهُمْ، وكلما
_________________
(١) المسطح: حصير يسف من خوص الدوم، والبيت لتميم بن مقبل وروايته فى اللسان هكذا: إذا الأمعز المحزو أجن كأنه من الحر فى حد الظهيرة مسطح والأمعز: أرض صلبة.
[ ٦ / ٤٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
راموه أنلت مِنْهُمْ، وَشُهْرَةُ حَدِيثِهِ تُغْنِي عَنْ سَرْدِهِ، فَإِنّهُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورَةِ «١»، وَقِيلَ إنّ سَلَمَةَ هَذَا هُوَ الّذِي كَلّمَهُ الذّئْبُ، وَقِيلَ: إنّ الّذِي كَلّمَهُ الذّئْبُ هُوَ أُهْبَانُ بْنُ صَيْفِيّ «٢» وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ.
شَرْحُ الْيَوْمَ يَوْمُ الرّضّعِ:
وَقَوْلُهُ: الْيَوْمَ يَوْمُ الرّضّعِ، يُرِيدُ يَوْمَ اللّئَامِ، أَيْ يَوْمُ جُبْنِهِمْ، وَفِي قَوْلِهِمْ:
لَئِيمٌ رَاضِعٌ أَقْوَالٌ، ذَكَرَهَا ابْنُ الْأَنْبَارِيّ. قِيلَ: الرّاضِعُ هُوَ الّذِي رَضَعَ اللّؤْمَ فِي ثَدْيَيْ أُمّهِ أَيْ: غدى بِهِ، وَقِيلَ هُوَ الّذِي يَرْضِعُ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ يَسْتَكْثِرُ مِنْ الْجَشَعِ بِذَلِك. وَشَاهِدُ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ امْرَأَةٍ مِنْ الْعَرَبِ تَذُمّ رَجُلًا:
إنّهُ لَأُكُلَةٌ ثُكُلَةٌ يَأْكُلُ مِنْ جَشَعِهِ خِلَلَهُ، أَيْ: مَا يَتَخَلّلُ بَيْنَ أَسْنَانِهِ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَلَمْ أَسْمَعْ فِي الْجَشَعِ، وَالْحِرْصِ أَبْلَغَ مِنْ هَذَا، وَمِنْ قَوْلِهِمْ: هُوَ يُثِيرُ الْكِلَابَ من مربضها، أَيْ يَلْتَمِسُ تَحْتَهَا عَظْمًا يَتَعَرّقُهُ، وَقِيلَ فِي اللّئِيمِ الرّاضِعِ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِمّا هُوَ معروف عند الناس ومذكور فى كتبهم.
_________________
(١) ورد فى حديث رواه البخارى ومسلم «فحملت أرميهم بنبلى، وكنت راميا، وأقول: أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع وأرتجز حتى استنقذت اللقاح منهم، واستلبت ثلاثين بردة» وللقاح الإبل الحوامل ذرات الألبان، وقد رواه الإمام أحمد. مطر لا وفيه: ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها» وسلمة هو ابن عمرو بن الأكوع وهو ممن بايع الرسول تحت الشجرة على الموت، مات وسنه أربع وسبعون سنة.
(٢) وقيل اسمه: أهبهان، أو. وهبان. ولقد علم سليمان النبى منطق الطير، فهل علم احد غيره منطق السبع والوحش؟.
[ ٦ / ٤٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَقَوْلُهُ: الْيَوْمَ يَوْمُ الرّضّعِ بِالرّفْعِ فِيهِمَا، وَبِنَصْبِ الْأَوّلِ، وَرَفْعِ الثّانِي، حَكَى سِيبَوَيْهِ: الْيَوْمَ يَوْمُك، عَلَى أَنْ تَجْعَلَ الْيَوْمَ ظَرْفًا فِي مَوْضِعِ خَبَرٍ لِلثّانِي، لِأَنّ ظُرُوفَ الزّمَانِ يُخْبَرُ بِهَا عَنْ زَمَانٍ مِثْلِهَا إذَا كَانَ الظّرْفُ يَتّسِعُ، وَلَا يَضِيقُ عَلَى الثّانِي، مِثْلُ أَنْ تَقُولَ: السّاعَةَ يَوْمُك، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ الْمُدّثّرُ ٩٠ أَنّ يَوْمَئِذٍ ظَرْفٌ لِيَوْمٌ عَسِيرٌ، وَذَلِك أَنّ ظُرُوفَ الزّمَانِ أَحْدَاثٌ، وَلَيْسَتْ بِجُثَثِ فَلَا يَمْتَنِعُ فِيهَا مِثْلُ هَذَا، كَمَا لَا يَمْتَنِعُ فِي سَائِرِ الْأَحْدَاثِ. وَقَوْلُهُ ﵇ لِلْغِفَارِيّةِ، وَاسْمُهَا لَيْلَى، وَيُقَالُ هِيَ امْرَأَةُ أَبِي ذَرّ حِينَ أَخْبَرَتْهُ أَنّهَا نَذَرَتْ إنْ اللهُ نَجّاهَا، عَلَيْهَا أَنْ تَنْحَرَهَا، قَالَ: فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللهِﷺ- ثُمّ قَالَ: بِئْسَ مَا جَزَيْتهَا أَنْ حَمَلَك اللهُ عَلَيْهَا وَنَحّاك بِهَا، ثُمّ تَنْحَرِينَهَا إنّهُ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِي مَا لَا تَمْلِكِينَ، فِيهِ حُجّةٌ لِلشّافِعِيّ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ: إنّ مَا أَحْرَزَهُ الْعَدُوّ مِنْ مَالٍ إنّهُ لَهُمْ بِلَا ثَمَنٍ قَبْلَ الْقَسْمِ وَبَعْدَهُ، لِأَنّهُ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ مِلْكِهِ حَوْزُ الْعَدُوّ لَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ أَوْلَى بِهِ قَبْلَ الْقَسْمِ وَصَاحِبُهُ بَعْدَ الْقَسْمِ أَوْلَى بِهِ بِالثّمَنِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ آخَرَانِ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ. حَوْلَ النّذْرِ وَالطّلَاقِ وَالْعِتْقِ: وَقَوْلُهُ ﵇: إنّهُ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِيمَا لَا تَمْلِكِينَ، وَقَوْلُهُ ﵇: لَا نَذْرَ لِأَحَدِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلَاقَ لِأَحَدِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ
[ ٦ / ٤٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِأَحَدِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، حَدِيثٌ مَرْوِيّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَكِنّهُ لَمْ يُخَرّجْ فِي الصّحِيحَيْنِ لِعِلَلِ فِي أَسَانِيدِهِ، وَقَدْ قَالَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْ لَا طَلَاقَ قَبْلَ الْمِلْكِ جَمَاعَةٌ مِنْ الصّحَابَةِ وَفُقَهَاءِ التّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَسَوَاءٌ عِنْدَهُمْ عَيّنَ امْرَأَةً، أَوْ لَمْ يُعَيّنْ، وَإِلَيْهِ مَالَ الْبُخَارِيّ ﵀، وَرَوَاهُ ابْنُ كِنَانَةَ عَنْ مَالِكٍ، وَابْنِ وَهْبٍ، وَاحْتَجّ ابْنُ عَبّاسٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ الْأَحْزَابُ: ٤٩ قَالَ:
فَإِذًا لَا طَلَاقَ إلّا بَعْدَ نِكَاحٍ، وَقَالَ شَرِيكٌ الْقَاضِي: النّكَاحُ عَقْدٌ وَالطّلَاقُ حَلّ، فَلَا يَكُونُ الْحَلّ إلّا بَعْدَ الْعَقْدِ.
مِنْ شَرْحِ شِعْرِ حَسّانَ أَعْضَاءَ الْخَيْلِ:
وَذَكَرَ شِعْرَ حَسّانَ:
لَوْلَا الّذِي لَاقَتْ وَمَسّ نُسُورَهَا
يَعْنِي: الْخَيْلَ، وَالنّسْرَ كَالنّوَاةِ فِي بَاطِنِ الْحَافِرِ، وَفِي الْفَرَسِ عِشْرُونَ عُضْوًا، كُلّ عُضْوٍ مِنْهَا يُسَمّى بِاسْمِ طَائِرٍ، فَمِنْهَا النّسْرُ وَالنّعَامَةُ وَالْهَامَةُ وَالسّمَامَةُ وَالسّعْدَانَةُ وَهِيَ الْحَمَامَةُ وَالْقَطَاةُ الذّبَاب وَالْعُصْفُورُ وَالْغُرَابُ وَالصّرَدُ وَالصّقْرُ وَالْخَرَبُ وَالنّاهِضُ، وَهُوَ فَرْخُ «١» الْعُقَابِ وَالْخُطّابِ، ذَكَرَهَا وَبَقِيّتَهَا الْأَصْمَعِيّ»
، وَرَوَى فِيهَا شِعْرًا لِأَبِي حَزْرَةَ جَرِيرٍ، وَهُوَ:
_________________
(١) فى الأصل: فرج.
(٢) أنظر ص ١٩٣ من ذيل الأمالى والنوادر للقالى ط ٢ فثم أكثر مما ذكر-
[ ٦ / ٤٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَقَبّ كَالسّرْحَانِ تَمّ لَهُ مَا بَيْنَ هَامَتِهِ إلَى النّسْرِ
رَحِبَتْ نَعَامَتُهُ وَوُفّرَ فَرْخُهُ وَتَمَكّنَ الصّرْدَانُ فِي النّحْرِ
وَأَنَافَ بِالْعُصْفُورِ فِي سَعَفٍ هَامٍ أَشَمّ مُوَثّقُ الْجِذْرِ
وَازْدَانَ بِالدّيكَيْنِ صَلْصَلُهُ وَنَبَتْ دَجَاجَتُهُ عَنْ الصّدْرِ
وَالنّاهِضَانِ أُمِرّ جَلْزُهُمَا فَكَأَنّمَا عُثِمَا عَلَى كَسْرِ
مُسْحَنْفِرُ الْجَنْبَيْنِ مُلْتَئِمٌ مَا بَيْنَ شِيمَتِهِ إلَى الْغُرّ
وَصَفَتْ سُمَانَاهُ وَحَافِرُهُ وَأَدِيمُهُ وَمَنَابِتُ الشّعْرِ «١»
وَسَمَا الْغُرَابُ لِمَوْقِعَيْهِ مَعًا فَأَبَيْنَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ
وَاكْتَنّ دُونَ قَبِيحِهِ خُطّافُهُ وَنَأْتِ سَمَامَتُهُ «٢» عَلَى الصّقْرِ
وَتَقَدّمَتْ عَنْهُ الْقَطَاةُ لَهُ فَنَأْتِ بِمَوْقِعِهَا عَنْ الْحُرّ «٣»
وَسَمَا عَلَى نِقْوَيْهِ دُونَ حِدَاتِهِ خَرَبَانُ بَيْنَهُمَا مَدَى الشّبْرِ
يَدَعُ الرّضِيمَ إذَا جَرَى فِلَقًا بتوائم كمواسم سمر
_________________
(١) - السهيلى. ويذكرون أن الرشيد قال للأصمعى: قيل إن فى الفرس عشرين اسما من أسماء الطير، فقال: نعم، وأنشده شعرا جامعا لها من قول جرير، فأمر له بعشرة آلاف درهم.
(٢) فى الأصل. وأديمة والشفر.
(٣) فى الأصل: سمانته.
(٤) فى الأصل: فبانت.
[ ٦ / ٤٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رُكّبْنَ فِي مَحْضِ الشّوَى سَبِطٍ كَفْتِ الْوُثُوبِ مُشَدّدِ الْأَسْرِ «١»
بَدَادٌ وَفِجَارٌ:
وَقَوْلُهُ: فَشَكّوا بِالرّمَاحِ بَدَادِ. بَدَادُ مِنْ التّبَدّدِ، وَهُوَ التّفَرّقُ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ غَيْرَ أَنّهُ مَبْنِيّ وَنَصْبُهُ كَانْتِصَابِ الْمَصْدَرِ، إذَا قُلْت: مَشَيْت الْقَهْقَرَى، وَقَعَدْت الْقُرْفُصَاءَ، وَكَأَنّهُ قَالَ: طَعَنُوا الطّعْنَةُ الّتِي يُقَالُ لَهَا بَدَادِ، وَبَدَادُ مِثْلُ فَجَارِ مِنْ قَوْلِهِ: احْتَمَلْت فَجَارِ «٢» جَعَلُوهُ اسْمًا عَلَمًا لِلْمَصْدَرِ، كَمَا قَالُوا: فَحَمَلْت بَرّةَ، فَجُعِلَ بَرّةُ عَلَمًا لِلْبِرّ، وَسِرّ هَذِهِ الْعَلَمِيّةِ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ أَنّهُمْ أَرَادُوا الْفِعْلَ الْأَتَمّ الّذِي يُسَمّى بِاسْمِ ذَلِكَ الْفِعْلِ حَقِيقَةً، فَقَدْ يَقُولُ الْإِنْسَانُ بَرّ فُلَانٌ وَفَجَرَ أَيْ قَارَبَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِك، أَوْ فَعَلَ مِنْهُ بَعْضَهُ، فَإِذَا قَالَ: فَعَلْت بَرّةَ، فَإِنّمَا يُرِيدُ الْبِرّ الّذِي يُسَمّى بِرّا عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَجَاءَ بِالِاسْمِ الْعَلَمِ الّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مُسَمّاهُ حَقِيقَةً، إذْ لَا يُتَصَوّرُ هَذَا الضّرْبُ مِنْ الْمَجَازِ فِي الْأَعْلَامِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَرَادَ الْفُجُورَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَأَرَادَ رَفْعَ الْمَجَازِ سَمّاهُ، فَجَازَ تَحْقِيقًا لِلْمَعْنَى، أَيْ: مِثْلَ هَذِهِ الْفَعْلَةِ يَنْبَغِي أَنْ تُسَمّى بِاسْمِ الْفُجُورِ حَقِيقَةً، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي النّدَاءِ: يَا فَسَاقِ وَيَا فسق فجاؤا بِالصّيغَةِ الْمَعْرُوفَةِ الْعَلَمِيّةِ الْمَعْرُوفَةِ مَعَ النّدَاءِ خَاصّةً، أَيْ: إنّ هَذَا الِاسْمَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ
_________________
(١) انظر القصيدة وشرحها وقصة الأصمعى مع الرشيد فى نهاية الأرب ص ٢٣ لسفر العاشر وانظر أيضا العقد الفريد لابن عبد ربه ح ١ ص ٦١ ط بولاق وص ٩١ ح ٣ سمط اللآلى للبكرى.
(٢) يعنى قول النابغة: إنا اقتسمنا خطئينا بيننا فحملت برة، واحتملت فجار.
[ ٦ / ٤٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اسْمَهُ الّذِي يُدْعَى بِهِ، إذْ الِاسْمُ الْعَلَمُ أَلْزَمُ لِمُسَمّاهُ مِنْ اسْمٍ مُشْتَقّ مِنْ فِعْلٍ فَعَلَهُ، لِأَنّ الْفِعْلَ لَا يَثْبُتُ، وَالِاسْمَ الْعَلَمَ يَثْبُتُ، فَهَذَا هُوَ مَعْزَاهُمْ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الّتِي هِيَ عَلَى صِيَغِ الْأَعْلَامِ فِي هَذِهِ المواطن، فتأملها، وقد بسطنا هذا الْغُرُضَ بَسْطًا شَافِيًا فِي أَسْرَارِ مَا يَنْصَرِفُ، وَمَا لَا يَنْصَرِفُ، فَلْتُنْظَرْ هُنَالِكَ، فَثَمّ تَرَى سِرّ بِنَائِهَا عَلَى الْكَسْرِ مَعَ مَا يَتّصِلُ بِمَعَانِيهَا إنْ شَاءَ اللهُ، وَأَلْفَيْت فِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ ﵀ عَلَى قَوْلِهِ: فَشُكّوا بِالرّمَاحِ فَشُلّوا «١» بِاللّامِ الرّوَايَةُ الصّحِيحَةُ، وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى، وَوَقَعَ فِي الْأَصْلَيْنِ: فَشُكّوا بِالْكَافِ كَمَا فِي هَذَا الْأَصْلِ. إلَى هَاهُنَا انْتَهَى كَلَامُ الشّيْخِ، وَالشّلّ بِاللّامِ: الطّرْدُ، وَالشّكّ بِالْكَافِ: الطّعْنُ كَمَا قَالَ:
شَكّ الْفَرِيصَةَ بِالْمِدْرَى فَأَنْفَذَهَا «٢» [شَكّ الْمُبَيْطَرِ إذْ يَشْفِي مِنْ الْعَضَدِ]
عَوْدٌ إلَى شَرْحِ شِعْرِ حَسّانَ:
وَقَوْلُهُ: رَهْوًا أَيْ: مَشْيًا بِسُكُونِ، وَيُقَالُ لِمُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ أَيْضًا رَهْوٌ وَالرّهْوُ أَسْمَاءُ الْكُرْكِيّ، والرّهو المرآة الواسعة.
_________________
(١) أنظر مادة بدد وفجر وفسق فى للسان. وشلوا هى رواية للسان. وضبط لجبا بضم اللام والجيم.
(٢) البيت للنابغة وتمامه: شك المبيطر إذ يشفى من العضد. والمدرى والمدراة شىء يعمل من حديد أو خشب على شكل سن من أسنان المنط والفريصة: لحمة عن نفض الكف فى وسط الحنب عند منبض القلب.
[ ٦ / ٤٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: رَوَادِي، أَيْ تَرْدِي بِفُرْسَانِهَا، أَيْ: تُسْرِعُ «١» .
قَصِيدَةٌ أُخْرَى لِحَسّانَ:
وَقَوْلُ حَسّانَ فِي خَيْلِ عيينة:
فولّوا سراعا كشدّ النّعا م لم يَكْشِفُوا عَنْ مُلِطّ حَصِيرَا
أَيْ: لَمْ يَغْنَمُوا بَعِيرًا، وَلَا كَشَفُوا عَنْهُ حَصِيرًا، يَعْنِي: بِالْحَصِيرِ مَا يُكَنّفُ بِهِ حَوْلَ الْإِبِلِ مِنْ عِيدَانِ الْحَظِيرَةِ، وَالْمُلِطّ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَطّتْ النّاقَةُ، وَأَلَطّتْ بِذَنَبِهَا إذَا أَدْخَلَتْهُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا «٢» .
غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ بَنُو جُذَيْمَةَ بْنِ كَعْبٍ مِنْ خُزَاعَةَ، فَجُذَيْمَةُ هُوَ الْمُصْطَلِقُ وَهُوَ مُفْتَعِلٌ مِنْ الصّلْقِ، وَهُوَ رَفْعُ الصّوْتِ «٣» .
وَذَكَرَ الْمُرَيْسِيعَ، وَهُوَ مَاءٌ لِخُزَاعَةَ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: رَسَعَتْ عَيْنُ الرجل: إذا دمعت من فساد.
_________________
(١) يقول الخشنى: ومن رواه بكسر الراء. فهو من المشى الرويد، وهو الذى فيه فتور ص ٣٣١.
(٢) يقول أبو ذر: الملط بالطاء المهملة اللاصق بالأرض هنا. والحصير: وجه الأرض هنا ص ٣٣٢.
(٣) يقول ابن دريد فى الاشتقاق «سمى المصطلق لحسن صوته كأنه مفتعل من الصلق، والصلق شدة الصوت وحدته» ص ٤٧٦ وقد ضبط الزرقانى جذيمة بضم الجيم وفتح الذال. والقاموس يضبطها بالضبطين.
[ ٦ / ٤٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ سِنَانَ بْنَ وَبْرَةَ «١» وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ سِنَانُ بْنُ تَمِيمٍ مِنْ جُهَيْنَةَ بْنِ سَوْدِ بْنِ أَسْلَمَ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ.
تَحْرِيمُ دَعْوَى الْجَاهِلِيّةِ:
وَذَكَرَ أَنّهُ نَادَى: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَنَادَى جَهْجَاهٌ الغفارىّ يا للماجرين، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا قَالَ النّبِيّ ﷺ حِينَ سَمِعَهُمَا، وَفِي الصّحِيحِ «٢» أَنّهُ ﵇ حِينَ سَمِعَهُمَا مِنْهُمَا، قَالَ: دَعُوهَا فَإِنّهَا مُنْتِنَةٌ، يَعْنِي: إنّهَا كَلِمَةٌ خَبِيثَةٌ، لِأَنّهَا مِنْ دَعْوَى الْجَاهِلِيّةِ، وَجَعَلَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ إخْوَةً وَحِزْبًا وَاحِدًا، فَإِنّمَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الدّعْوَةُ يَا لَلْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ دَعَا فِي الْإِسْلَامِ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيّةِ فَيَتَوَجّهُ لِلْفُقَهَاءِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُجْلَدَ مَنْ اسْتَجَابَ لَهَا بِالسّلَاحِ خَمْسِينَ سَوْطًا اقْتِدَاءً بِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي جَلْدِهِ النّابِغَةَ الْجَعْدِيّ خَمْسِينَ سَوْطًا، حِينَ سَمِعَ: يَا لَعَامِرٍ، فَأَقْبَلَ يَشْتَدّ بِعُصْبَةِ لَهُ. وَالْقَوْلُ الثّانِي: أَنّ فِيهَا الْجَلْدَ دُونَ الْعَشْرَةِ لِنَهْيِهِ ﵇ أَنْ يُجْلَدَ أَحَدٌ فَوْقَ الْعَشْرَةِ إلّا فِي حَدّ، وَالْقَوْلُ الثّالِثُ: اجْتِهَادُ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَاهُ مِنْ سَدّ الذّرِيعَةِ وَإِغْلَاقِ بَابِ الشّرّ، إمّا بِالْوَعِيدِ، وَإِمّا بِالسّجْنِ، وَإِمّا بِالْجَلْدِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنّ النّبِيّ ﷺ لَمْ يُعَاقِبْ الرّجُلَيْنِ حِينَ دَعَوْا بِهَا قُلْنَا: قَدْ قَالَ: دَعُوهَا فَإِنّهَا مُنْتِنَةٌ، فَقَدْ أَكّدَ النّهْيَ، فَمَنْ عَادَ إلَيْهَا بَعْدَ هَذَا النّهْيِ، وَبَعْدَ وَصْفِ النّبِيّ ﷺ لَهَا بِالْإِنْتَانِ وَجَبَ أن يؤدّب،
_________________
(١) فى السيرة: وبر.
(٢) هو فى صحيح البخارى.
[ ٦ / ٤٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَتّى يَشُمّ نَتْنَهَا، كَمَا فَعَلَ أَبُو مُوسَى ﵀ بِالْجَعْدِيّ، فَلَا مَعْنَى لِنَتْنِهَا إلّا سُوءُ الْعَاقِبَةِ فِيهَا وَالْعُقُوبَةُ عَلَيْهَا.
جَهْجَاهٌ:
وَأَمّا جَهْجَاهٌ فَهُوَ ابْنُ مَسْعُودِ «١» بْنِ سَعْدِ بْنِ حَرَامٍ، وَهُوَ الّذِي رَوَى عَنْ النّبِيّ ﷺ: الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، وَهُوَ كَانَ صَاحِبَ هَذِهِ الْقِصّةِ فِيمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبَزّارُ، وَقَدْ قِيلَ أَيْضًا: إنّ الرّجُلَ الّذِي قَالَ فِيهِ ﵇ هَذِهِ المقالة، هو نمامة بْنُ أُثَالٍ الْحَنَفِيّ، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ أَبُو بَصْرَةَ [جَمِيلُ بْن بَصْرَةَ] الْغِفَارِيّ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَمَاتَ جَهْجَاهٌ هَذَا بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ ﵀، أَخَذَتْهُ الْأَكِلَةُ فِي رُكْبَتِهِ فَمَاتَ مِنْهَا، وَكَانَ قَدْ كَسَرَ بِرُكْبَتِهِ عَصَا رَسُولِ اللهِ ﷺ- الّتِي كَانَ يَخْطُبُ بِهَا، وَذَلِكَ أَنّهُ انْتَزَعَهَا مِنْ عُثْمَانَ حِينَ أُخْرِجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَمُنِعَ مِنْ الصّلَاةِ فِيهِ، فَكَانَ هُوَ أَحَدَ الْمُعِينِينَ عَلَيْهِ، حَتّى كَسَرَ الْعَصَا عَلَى رُكْبَتِهِ، فِيمَا ذَكَرُوا، فَابْتُلِيَ بِمَا اُبْتُلِيَ بِهِ مِنْ الْأَكِلَةِ، نَعُوذُ بِاَللهِ مِنْ عُقُوبَتِهِ، وَنَسْتَجِيرُ بِهِ مِنْ الْأَهْوَاءِ الْمُضِلّةِ «٢» .
مَوْقِفُ عَبْدِ اللهِ الصّحَابِيّ مِنْ أَبِيهِ الْمُنَافِقِ وَدِلَالَتُهُ:
وَذَكَرَ مَقَالَةَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ، وَأَنّ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ بن عبد الله استأذن
_________________
(١) فى الإصابة: ابن سعيد، وقيل: ابن قيس.
(٢) أنظر ترجمته فى الإصابة.
[ ٦ / ٤٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النّبِيّ ﷺ فِي قَتْلِ أَبِيهِ مِنْ أَجْلِ تِلْكَ الْمَقَالَةِ، وَفِي هَذَا الْعِلْمُ الْعَظِيمُ وَالْبُرْهَانُ النّيّرُ مِنْ أَعْلَامِ النّبُوّةِ، فَإِنّ الْعَرَبَ كَانَتْ أَشَدّ خَلْقِ اللهِ حَمِيّةً وَتَعَصّبًا، فَبَلَغَ الْإِيمَانُ مِنْهُمْ وَنُورُ الْيَقِينِ مِنْ قُلُوبِهِمْ إلَى أَنْ يَرْغَبَ الرّجُلُ مِنْهُمْ فِي قَتْلِ أَبِيهِ وَوَلَدِهِ، تَقَرّبًا إلَى اللهِ، وَتَزَلّفًا إلَى رَسُولِهِ، مَعَ أَنّ الرّسُولَ﵇- أَبْعَدُ النّاسِ نَسَبًا مِنْهُمْ، وَمَا تَأَخّرَ إسْلَامُ قَوْمِهِ وَبَنِيّ عَمّهِ وَسَبَقَ إلَى الْإِيمَانِ بِهِ الْأَبَاعِدُ إلّا لِحِكْمَةِ عَظِيمَةٍ، إذْ لَوْ بَادَرَ أَهْلُهُ وَأَقْرَبُوهُ إلَى الْإِيمَانِ بِهِ، لَقِيلَ: قَوْمٌ أَرَادُوا الْفَخْرَ بِرَجُلِ مِنْهُمْ، وَتَعَصّبُوا لَهُ، فَلَمّا بَادَرَ إلَيْهِ الْأَبَاعِدُ، وَقَاتَلُوا عَلَى حُبّهِ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، عُلِمَ أَنّ ذلك عن يصيرة صَادِقَةٍ وَيَقِينٍ قَدْ تَغَلْغَلَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَرَهْبَةٍ مِنْ اللهِ أَزَالَتْ صِفَةً، قَدْ كَانَتْ سَدِكَتْ «١» فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ أَخْلَاقِ الْجَاهِلِيّةِ لَا يَسْتَطِيعُ إزَالَتُهَا إلّا الّذِي فَطَرَ الْفِطْرَةَ الْأُولَى، وَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى مَا يَشَاءُ، وَأَمّا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فَكَانَ مِنْ كُتّابِ النّبِيّﷺ- وَكَانَ اسْمُهُ حُبَابٌ، وَبِهِ كَانَ يُكَنّى أَبُوهُ، فَسَمّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ، مَاتَ شَهِيدًا بِالْيَمَامَةِ ﵁، وَرَوَى الدّارَقُطْنِيّ مُسْنَدًا أَنّ النّبِيّﷺ- مَرّ عَلَى جَمَاعَةٍ فِيهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ فَسَلّمَ عَلَيْهِمْ، ثُمّ وَلّى، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَقَدْ عَنَا ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ، فَسَمِعَهَا ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ، فَاسْتَأْذَنَ النّبِيّ ﷺ فِي أَنْ يَأْتِيَهُ بِرَأْسِ أَبِيهِ، فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ بِرّ أَبَاك وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنّ النّبِيّ ﷺ حِينَ بلغته مقالة
_________________
(١) لزمت.
[ ٦ / ٤٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ: مَتَنَ النّاسَ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، وَيُرْوَى مَشَى، فَأَمّا مَتَنَ، فَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ: يُقَالُ: سَارُوا سَيْرًا مُمَاتِنًا، أَيْ: بَعِيدًا.
حَوْلَ حَدِيثِ جُوَيْرِيَةَ «مُلّاحَةٌ وَمَلِيحٌ»:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَوُقُوعَهَا فِي السّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، أَوْ لِابْنِ عَمّ لَهُ، ثُمّ جَاءَتْ تَسْتَعِينُ فِي كِتَابَتِهَا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَتْ امْرَأَةً حُلْوَةً مُلّاحَةً. الْمُلّاحُ أَبْلَغُ مِنْ الْمَلِيحِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَكَذَلِكَ الْوَضّاءُ أَبْلَغُ مِنْ الْوَضِيءِ، وَالْكُبّارُ كَذَلِكَ أَبْلَغُ مِنْ الْكَبِيرِ، غَيْرَ أَنّهُ لَا يُوصَفُ الْبَارِي سُبْحَانَهُ بِهَذَا اللّفْظِ، فَيُقَالُ فِيهِ كُبّارٌ بِمَعْنَى كَبِيرٍ، لِأَنّهُ عَلَى بِنْيَةِ الْجَمْعِ، نَحْوَ ضُرّابٍ وَشُهّادٍ، فَكَانَ لَفْظُ الْكَبِيرِ وَنَحْوُهُ أَبْعَدَ مِنْ الِاشْتِرَاكِ، وَأَدَلّ عَلَى الْوَحْدَانِيّةِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَأَمّا مَعْنَى: الْمُلّاحَةِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنّهَا مِنْ الْمُلْحَةِ وَهِيَ الْبَيَاضُ، تَقُولُ الْعَرَبُ: عِنَبٌ مُلّاحِيّ «١» وَالصّحِيحُ فِي مَعْنَى الْمَلِيحِ، أَنّهُ مُسْتَعَارٌ مِنْ قَوْلِهِمْ:
طَعَامٌ مَلِيحٌ إذَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْمِلْحِ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهُ، وَلِذَلِكَ إذَا بَالَغُوا فِي الْمَدْحِ قَالُوا: مَلِيحٌ قَزِيحٌ، فَمَلِيحٌ مِنْ مَلَحْت الْقِدْرَ، وَقَزِيحٌ مِنْ قَزَحْتهَا إذَا طَيّبْت نَكْهَتَهَا بِالْأَفَاوِيَةِ، وَهِيَ الأقزاح، ويدلك عَلَى بُعْدِ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ الْبَيَاضِ قَوْلُهُمْ: فِي الْأَسْوَدِ: مَلِيحٌ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ إذَا اشْتَدّ سَوَادُهُمَا وَحُسْنُهُمَا كَمَا جَاءَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي طَه: ٢٩. أَنّهَا
_________________
(١) وقد تشدد اللام.
[ ٦ / ٤٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مَلَاحَةٌ فِي الْعَيْنَيْنِ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ: الْحُسْنُ فِي الْعَيْنَيْنِ، وَالْجَمَالُ فِي الْأَنْفِ، وَالْمَلَاحَةُ فِي الْفَمِ. وَقَالَتْ امْرَأَةُ خَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ لِبَعْلِهَا: إنّك لَجَمِيلٌ يَا أَبَا صَفْوَانَ، فَقَالَ: وَكَيْفَ وَلَيْسَ عِنْدِي رِدَاءُ الْجَمَالِ وَلَا بُرْنُسُهُ وَلَا عَمُودُهُ؟ ثُمّ قَالَ: عَمُودُهُ الطّولُ، وَأَنَا رَبْعَةٌ، وَبُرْنُسُهُ سَوَادُ الشّعْرِ، وَأَنَا أَشْمَطُ، وَرِدَاؤُهُ الْبَيَاضُ، وَأَنَا آدَمُ، وَلَكِنْ قُولِي: إنّك مَلِيحٌ ظَرِيفٌ. فَعَلّمَهَا أن الملاحة قد تكون من صفة لآدم، فَهِيَ إذًا لَيْسَتْ مِنْ مَعْنَى الْبَيَاضِ فِي شَيْءٍ، وَإِنّمَا هِيَ ضِدّ الْمَسَاسَةِ. غَيْرَةُ نِسَاءِ النبى، وَالنّظَرُ إلَى الْمَرْأَةِ: وَقَوْلُ عَائِشَةَ فِي جُوَيْرِيَةَ: فَوَاَللهِ مَا هُوَ إلّا أَنْ رَأَيْتهَا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي فَكَرِهْتهَا. فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَزْوَاجُ النّبِيّﷺ- مِنْ الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ، وَالْعِلْمِ بِمَوْقِعِ الْجَمَالِ مِنْهُ، كَمَا قَدْ رُوِيَ أَنّهُ﵇- أَنّهُ خَطَبَ امْرَأَةً فَأَرْسَلَ عَائِشَةَ لِتَنْظُرَ إلَيْهَا، فَلَمّا رَجَعَتْ إلَيْهِ قَالَتْ: مَا رَأَيْت طَائِلًا، فَقَالَ: بَلَى لقد رأيت: خالا فى خَدّهَا اقْشَعَرّتْ مِنْهُ كُلّ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِك. وَأَمّا نَظَرُهُ ﵇ لِجُوَيْرِيَةَ حَتّى عَرَفَ مِنْ حُسْنِهَا مَا عَرَفَ، فَإِنّمَا ذَلِكَ لِأَنّهَا كَانَتْ امْرَأَةً مَمْلُوكَةً، وَلَوْ كَانَتْ حُرّةً مَا مَلَأَ عَيْنَهُ مِنْهَا، لِأَنّهُ لَا يُكْرَهُ النّظَرُ إلَى الْإِمَاءِ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ نَظَرَ إلَيْهَا، لِأَنّهُ نَوَى نِكَاحَهَا، كَمَا نَظَرَ إلَى الْمَرْأَةِ الّتِي قَالَتْ لَهُ: إنّي قَدْ وَهَبْت نَفْسِي لَك يَا رَسُولَ اللهِ، فَصَعّدَ فِيهَا النّظَرَ ثُمّ صَوّبَ، ثُمّ أَنْكَحَهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﵇ الرّخْصَةُ فِي النّظَرِ إلَى الْمَرْأَةِ عِنْدَ إرَادَةِ نِكَاحِهَا، وَقَالَ لِلْمُغِيرَةِ حِينَ شَاوَرَهُ فِي نِكَاحِ امْرَأَةٍ:
[ ٦ / ٤٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَوْ نَظَرْت إلَيْهَا، فَإِنّ ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا، وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ لِمُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ حِينَ أَرَادَ نِكَاحَ ثُبَيْتَةَ بِنْتَ الضّحّاكِ، وَقَدْ أَجَازَهُ مَالِكٌ فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي زَيْدٍ. وَفِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرَةَ لَا حَرَجَ أَنْ يَنْظُرَ الرّجُلُ إلَى الْمَرْأَةِ إذَا أَرَادَ تَزَوّجَهَا، وَهِيَ لَا تَشْعُرُ وَفِي تَرَاجِمِ الْبُخَارِيّ: النّظَرُ إلَى الْمَرْأَةِ قَبْلَ التّزْوِيجِ، وَأَوْرَدَ فِي الْبَابِ قَوْلَهُ ﵇ لِعَائِشَة أَرَيْتُك فِي الْمَنَامِ يَجِيءُ بِك الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَكُشِفَتْ عَنْ وَجْهِك، فَقَالَ: هَذِهِ امْرَأَتُك، فَقُلْت: إنْ يَكُنْ مِنْ عِنْدِ اللهِ يَمْضِهِ. وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ حَسَنٌ. وَفِي قَوْلِهِ: إنْ يَكُنْ مِنْ عِنْدِ اللهِ سُؤَالٌ، لِأَنّ رُؤْيَاهُ وَحْيٌ، فَكَيْفَ يُشَكّ فِي أَنّهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ.
وَالْجَوَابُ: أَنّهُ لَمْ يَشُكّ فِي صِحّةِ الرّؤْيَا، وَلَكِنّ الرّؤْيَا قَدْ تَكُونُ عَلَى ظَاهِرِهَا. وَقَدْ تَكُونُ لِمَنْ هُوَ نَظِيرُ الْمَرْءِ أَوْ سَمِيّهُ، فَمِنْ هَاهُنَا تَطَرّقَ الشّكّ مَا بَيْنَ أَنْ تَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهَا، أَوْ لَهَا تَأْوِيلٌ كَذَلِكَ، وَسَمِعْت شَيْخَنَا يَقُولُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَلِغَيْرِهِ فِيهِ قَوْلٌ لَا أَرْضَاهُ، فَلَا يَخْلُو نَظَرُهُ ﵇ إلَيْهَا مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ، وَإِلّا فَقَدْ قَالَ الله تعالى له: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَهُوَ إمَامُ الْمُتّقِينَ وَقُدْوَةُ الورعين «١» ﷺ.
_________________
(١) هذا هو الحق، ولا يلتفت أبدا إلى سواه. وللأستاذ العقاد فصل ممتاز عن زواج النبى ﷺ نختار منه ما يأتى: «لا حجة المسلم على صدق محمد ﵇ فى رسالته أصدق من سيرته فى زواجه. وفى اختيار زوجاته، وليس النبوة من آية أشرف من آيتها فى معيشة نبى الإسلام من مطلع حياته-
[ ٦ / ٤٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جُوَيْرِيَةُ:
وَأَمّا جُوَيْرِيَةُ فَهِيَ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَائِدِ بْنِ مالك ابن جذيمة، وجذيمة هو الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، كَانَ اسْمُهَا بَرّةُ، فَسَمّاهَا
_________________
(١) - إلى يوم وفاته. ما الذى يفعله الرجل الشهوان الفاسق فى لذات الجسد إذا بلغ من المكانة والسلطان ما بلغه محمد بين قومه؟ لم يكن عسيرا عليه أن يجمع إليه أجمل بنات العرب، وأفتن جوارى الفرس والروم. ولم يكن عسيرا عليه أن يوفر لنفسه، ولأهله من الطعام والكساء والزينة ما لم يتوفر لسيد من سادات الجزيرة فى زمان. فهل فعل محمد «ص» ذلك بعد نجاحه؟ هل فعل محمد ذلك فى مطلع حياته؟ كلا لم يفعله قط، بل فعل نقيضه، وكاد أن يفقد زوجاته لشكايتهن من شظف العيش فى داره. ولم يحدث قط أن اختار زوجة واحدة، لأنها مليحة أو وسيمة، ولم يبن بعذراء قط إلا العذراء التى علم قومه جميعا أنه اختارها، لأنها بنت صديقه وصفيه، وخليفته من بعده أبى بكر الصديق ﵁ وما بنى﵇- بواحدة من أمهات المسلمين، لما وصفت به عنده من جمال ونضارة، وإنما كانت صلة الرحم، والضن بها على المهانة هى الباعث الأكبر فى نفسه الشريفة على التفكير فى الزواج منهن» ثم يتحدث عن كل زوجة من أزواجه ﷺ، ثم يقول: «والسيدة جويرية بنت الحارث سيد قومه كانت بين السبايا فى غزوة بنى المصطلق، فأكرمها النبى﵇- أن تذل ذلة السباء، فتزوجها، وأعتقها، وحض المسلمين على إعتاق سباياهم، فأسلموا جميعا، وحسن إسلامهم، وخيرها أبوها بين العودة إليه، والبقاء عند رسول الله، فاختارت البقاء فى حرم رسول الله، ص ١٩٠ وما بعدها حقائق الإسلام ط ١
[ ٦ / ٤٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَسُولُ اللهِﷺ- جُوَيْرِيَةَ «١»، وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذَا فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ وَكَذَلِكَ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، كَانَ اسْمُهَا بَرّةَ أَيْضًا، وَزَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ رَبِيبَتُهُ ﵇، كَانَ اسْمُهَا بَرّةُ فَسَمّاهُنّ جُمَعٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ الِاسْمِ، تُوُفّيَتْ جُوَيْرِيَةُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ سَنَةَ سِتّ أَوْ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَكَانَتْ قَبْلَ أَنْ تُسْبَى عِنْدَ مُسَافِعِ بْنِ صَفْوَانَ الْخُزَاعِيّ.
حَدِيثُ الْإِفْكِ فِيهِ مِنْ الْغَرِيبِ قَوْلُ عَائِشَةَ: وَالنّسَاءُ يَوْمَئِذٍ لم يهبّجهنّ «٢» اللحم فيثقلن.
_________________
(١) فى حديث رواه مسلم وأبو داود عن محمد بن عمرو بن عطاء أن زينب سألته: ما سميت بنتك؟ فقال: سميتها: برة، فقالت زينت: كان اسم جويرية برة، فغيره رَسُولُ اللهِﷺ- بِاسْمِ جويرية» وفى حديث رواه أبو داود «نهى رسول الله أن يسمى بهذا الاسم، فقال: لا تركوا أنفسكم، والله أعلم بأهل البر منكم» .
(٢) فى جميع النسخ المطبوعة: يهجهن أو يهيجهن. على حين ينقل المحققون السيرة فى كل طبعة شرح الكلمة عن أبى ذر وعن الروض. وهى فى الروض يهجهن أيضا، والسهيلى يشرحها بقوله: التهييج: انتفاخ فى الجسم، أما أبو ذر فيقول: والتهييج كالورم فى الجسد، وفى الجمهرة: التهيج: انتفاخ الوجه وتقبضه. وما قاله أبو ذر هو الصواب ولعله خطأ من الناسخ فى الروض ومن الطابع فى السيرة!! وفى اللسان: هبجه بالباء تهبيجا فتهبج، أى ورمه فتورم. والتهبيج: شبه الورم فى الجسد. والكلمة عدة روايات: لم يثقلهن اللحم، أو لم يغشهن اللحم، وفى رواية: لم يهبلهن اللحم. وهبله اللحم وأهبله إذا أثقله وأصبح فلان مهبلا أى كثير اللحم أو وارم الوجه، وفلان مهبل أى مهيج، كان به ورما.
[ ٦ / ٤٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التّهييج: انْتِفَاخٌ فِي الْجِسْمِ قَدْ يَكُونُ مِنْ سِمَنٍ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ آفَةٍ، قَالَ الْأَصْمَعِيّ أَوْ غَيْرُهُ: هَجَمْت عَلَى حَيّ مِنْ الْعَرَبِ بِوَادٍ خَصِيبٍ، وَإِذَا أَلْوَانُهُمْ مُصْفَرّةٌ وَوُجُوهُهُمْ مُهَيّجَةٌ، فَقُلْت لَهُمْ: مَا بَالُكُمْ؟ وَادِيكُمْ أَخْصَبُ واد، وأنتم لا تشبهون الْمَخَاصِبَ، فَقَالَ لِي شَيْخٌ مِنْهُمْ: إنّ بَلَدَنَا لَيْسَتْ لَهُ رِيحٌ، يُرِيدُ: أَنّ الْجِبَالَ أَحَاطَتْ بِهِ فَلَا تُذْهِبُ الرّيَاحُ وَبَاءَهُ وَلَا رَمَدَهُ.
صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطّلِ:
وَفِيهِ ذِكْرُ صَفْوَانَ بْنِ الْمُعَطّلِ بْنِ رُبَيْضَةَ بْنِ خُزَاعِيّ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ مُرّةَ بْنِ فَالِجِ بْن ذَكُوَانُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمٍ السّلَمِيّ، ثُمّ الذّكُوَانِيّ يُكَنّى أَبَا عَمْرٍو، وَكَانَ يَكُونُ عَلَى سَاقَةِ الْعَسْكَرُ يَلْتَقِطُ مَا يَسْقُطُ مِنْ مَتَاعِ الْمُسْلِمِينَ، حَتّى يَأْتِيَهُمْ بِهِ، وَلِذَلِكَ تَخَلّفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الّذِي قَالَ فِيهِ أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، وَقَدْ رُوِيَ فِي تَخَلّفِهِ سَبَبٌ آخِرُ، وَهُوَ أَنّهُ كَانَ ثَقِيلُ النّوْمِ لَا يَسْتَيْقِظُ حَتّى يَرْتَحِلَ النّاسُ. وَيَشْهَدُ لِصِحّةِ هَذَا حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ أَنّ امْرَأَةَ صَفْوَانَ اشْتَكَتْ بِهِ إلَى النّبِيّﷺ- وذكرت أشياء منها أنه لا يصلى الصبخ، فقال صفوان: يا رسول الله إنى امرؤ ثَقِيلُ الرّأْسِ لَا أَسْتَيْقِظُ حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ، فَقَالَ لَهُ النّبِيّ ﵇: فَإِذَا اسْتَيْقَظْت فَصَلّ وَقَدْ ضَعّفَ الْبَزّارُ حَدِيثَ أَبِي دَاوُدَ «١» هذا فى مسنده. وقتل صفوان
_________________
(١) يرويه أبو ذر فى سننه والبزار وابن سعد وابن حيان والحاكم من طريق الأعمش عن أبى صالح عن أبى سعيد. وقد قال البزار: هذا الحديث كلامه منكر، ولعل الأعمش أخذه من غير ثقة، فدلسه فصار ظاهر سنده الصحة، وليس للحديث عندى أصل وقد رد الحافظ فى الفتح على البزار ردا مطولا فانظره ص ٢٧٢ ح ٨ ط ١ ١٣٤٨ عبد الرحمن محمد.
[ ٦ / ٤٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن الْمُعَطّلِ شَهِيدًا فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَانْدَقّتْ رِجْلُهُ يَوْمَ قُتِلَ، فَطَاعَنَ بِهَا، وَهِيَ مُنْكَسِرَةٌ، حَتّى مات، وذلك بالجزيرة بموضع لَهُ شِمْطَاطٌ.
تَفْسِيرُ أَسْقَطُوا:
وَفِيهِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّهُمْ دَعَوْا الْجَارِيَةَ، فَسَأَلُوهَا حَتّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ، يُرِيدُ: أَفْصَحُوا بِالْأَمْرِ، ونقرّوا عنه، يقال: ساقطته الحديث ساقطة وَأَسْقَطُوا بِهِ، فِي هَذَا الْمَعْنَى قَالَ أَبُو حَيّةَ [النّمَيْرِيّ]:
إذَا هُنّ سَاقَطْنَ الْحَدِيثَ كَأَنّهُ سقاط حصا الْمَرْجَانِ مِنْ سِلْكٍ نَاظِمٍ «١»
كَذَا فَسّرَهُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بَطّالٍ، وَفِيمَا ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ مِنْ رِوَايَةِ الشّيْبَانِيّ عَنْهُ، أَنّهُمْ أَدَارُوا الْجَارِيَةَ عَلَى الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَصْرُخُوا لَهَا حَتّى فَطِنَتْ بِمَا أَرَادُوا، فَقَالَتْ: مَا أَعْلَمُ عَلَيْهَا عَيْبًا، الْحَدِيثُ. وَأَمّا ضَرْبُ عَلِيّ لِلْجَارِيَةِ وَهِيَ حُرّةٌ، وَلَمْ تَسْتَوْجِبْ ضَرْبًا، وَلَا اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِﷺ- فِي ضَرْبِهَا، فَأَرَى مَعْنَاهُ أَنّهُ أَغْلَظَ لَهَا بِالْقَوْلِ، وَتَوَعّدَهَا بِالضّرْبِ، وَاتّهَمَهَا أَنْ تَكُونَ خَانَتْ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَكَتَمَتْ مِنْ الْحَدِيثِ مَا لَا يَسَعُهَا كَتْمُهُ مَعَ إدْلَالِهِ، وَأَنّهُ كَانَ مِنْ أَهْلُ الْبَيْتِ، وَفِي غير حديث ابن إسحاق
_________________
(١) البيت من قصيدة طويلة ذكر منها القالى ثمانية أبيات منها هذا البيت ورواية الشطرة الأولى هكذا: إذا هن ساقطن الأحاديث الفتى كما ذكرها البكرى فى السمط وزاد فيها، وبين روايته ورواية القالى اختلاف يسير. ص ٢٨٠ ح ٢ ط ٢ الأمالى، ص ٩٢٥ سمط اللآلى.
[ ٦ / ٤٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قَالَتْ الْجَارِيَةُ: وَاَللهِ مَا أَعْلَمُ عَلَيْهَا إلّا مَا يَعْلَمُ الصّائِغُ عَلَى الذّهَبِ الْأَحْمَرِ. بَرِيرَةُ: وَأَمّا بَرِيرَةُ فَهِيَ مَوْلَاةُ عَائِشَةَ﵂- الّتِي اشْتَرَتْهَا مِنْ بَنِي كَاهِلٍ فَأَعْتَقَتْهَا، وَخُيّرَتْ فِي زَوْجِهَا، وَكَانَ عَبْدًا لِبَنِي جَحْشٍ. هَذِهِ رِوَايَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنّهُ كَانَ حُرّا، وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ، وَالْأَوْلَى رِوَايَةُ عُرْوَةَ وَالْقَاسِمِ، بْنِ مُحَمّدٍ عَنْ عَائِشَةَ، وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ بِتَخْيِيرِ الْأَمَةِ إذَا عَتَقَتْ، وَإِنْ كَانَ بَعْلُهَا حُرّا، وَقَوْلُ أَهْلِ الْحِجَازِ عَلَى حَسَبِ رِوَايَتِهِمْ، فَلَا يَرَوْنَ تَخْيِيرَهَا، إلّا إذَا كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، وَعَاشَتْ بَرِيرَةُ حَتّى رَوَى عَنْهَا الْحَدِيثَ بَعْضُ التّابِعِينَ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: كُنْت أُجَالِسُ بَرِيرَةَ قَبْلَ أَنْ أَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ، فَتَقُولُ لِي: يَا أَبَا عَبْدِ الْمَلِكِ، إنّ فِيك خِصَالًا خَلِيقَةً بِهَذَا الْأَمْرِ، فَإِنْ وُلّيت هَذَا الْأَمْرَ فَاتّقِ اللهَ فِي الدّمَاءِ، فَإِنّي سَمِعْت رَسُولَ اللهِﷺ- يَقُولُ: إنّ الرّجُلَ لَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنّةِ بَعْدَ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا بِمِحْجَمَةِ دَمٍ أَرَاقَهَا مِنْ مُسْلِمٍ فِي غَيْرِ حَقّ. وَالْبَرِيرَةُ وَاحِدَةُ الْبَرِيرِ وَهُوَ ثَمَرُ الْأَرَاكِ. أُمّ رُومَانَ: وَأَمّا أُمّ رُومَانَ، وَهِيَ أُمّ عَائِشَةَ فَقَدْ مَرّ ذِكْرُهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَهِيَ زَيْنَبُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ عُوَيْمِرِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ دُهْمَانَ، وَهِيَ مِنْ كِنَانَةَ، وَاخْتُلِفَ فِي عَمُودِ نَسَبِهَا، وُلِدَتْ لِأَبِي بَكْرٍ عَائِشَةُ وَعَبْدُ الرّحْمَنِ، وَكَانَتْ قَبْلَ
[ ٦ / ٤٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ سَخْبَرَةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ الطّفَيْلَ، وَتُوُفّيَتْ أُمّ رُومَانَ سَنَةَ سِتّ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَنَزَلَ النّبِيّﷺ- فِي قَبْرِهَا، وَقَالَ «اللهُمّ إنّهُ لَمْ يَخَفْ عَلَيْك مَا لَقِيَتْ أُمّ رُومَانَ فِيك، وَفِي رَسُولِك» وَقَالَ: «مَنْ سَرّهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى امْرَأَةٍ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، فَلْيَنْظُرْ إلَى أُمّ رُومَانَ «١» .
وَهْمٌ لِلْبُخَارِيّ:
وَرَوَى الْبُخَارِيّ حَدِيثًا عَنْ مَسْرُوقٍ، وَقَالَ فِيهِ: «سَأَلْت أُمّ رُومَانَ وَهِيَ أُمّ عَائِشَةَ عَمّا قِيلَ فِيهَا» وَمَسْرُوقٌ وُلِدَ بَعْدَ رَسُولِ اللهِﷺ- بِلَا خِلَافٍ، فَلَمْ يَرَ أُمّ رُومَانَ قَطّ «٢»، فَقِيلَ إنّهُ وَهِمَ فِي الْحَدِيثِ، وَقِيلَ: بَلْ الْحَدِيثُ صَحِيحٌ، وَهُوَ مُقَدّمٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ السّيرَةِ مِنْ مَوْتِهَا فِي حَيَاةِ النّبِيّ ﷺ، وَقَدْ تَكَلّمَ شَيْخُنَا أَبُو بَكْرٍ﵀- عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَاعْتَنَى بِهِ لِإِشْكَالِهِ، فَأَوْرَدَهُ مِنْ طُرُقٍ، فَفِي بَعْضِهَا: حَدّثَتْنِي أُمّ رُومَانَ، وَفِي بَعْضِهَا عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ أُمّ رومان معنعنا، قال ﵀: والصنعنة أَصَحّ فِيهِ، وَإِذَا كَانَ الْحَدِيثُ مُعَنْعَنًا كَانَ مُحْتَمَلًا، وَلَمْ يَلْزَمْ فِيهِ مَا يَلْزَمُ فِي حدّثنا،
_________________
(١) الأول رواه أبو عمر، والآخر رواه ابن سعد. وانظر الإصابة.
(٢) أنكر سماع مسروق من أم رومان جماعة من الحفاظ منهم الخطيب البغدادى، وذلك لما ذكره أهل التاريخ أنها ماتت فى زمن النبى «ص» قال الخطيب: وقد كان مسروق يرسله، فيقول: سئلت أم رومان، ويسوقه، فلعل بعضهم كتب سئلت بألف فاعتقد الراوى أنها سألت، فظنه متصلا.
[ ٦ / ٤٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفِي سَأَلْت، لِأَنّ لِلرّاوِي أَنْ يَقُولَ: عَنْ فُلَانٍ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْحَدِيثِ.
تُنَاصِبُنِي أَوْ تُنَاصِينِي:
وَقَوْلُ عَائِشَةَ: لَمْ تَكُنْ امْرَأَةٌ تُنَاصِبُنِي فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَهُ غَيْرَهَا، هَكَذَا فِي الْأَصْلِ تُنَاصِبُنِي «١»، وَالْمَعْرُوفُ فِي الْحَدِيثِ: تُنَاصِينِي مِنْ الْمُنَاصَاةُ، وَهِيَ الْمُسَاوَاةُ، وَأَصْلُهُ مِنْ النّاصِيَةِ.
شِعْرُ حَسّانَ فِي الْتعَرِيضِ بِابْنِ الْمُعَطّلِ:
وَذَكَرَ قَوْلَ حَسّانَ:
أَمْسَى الْجَلَابِيبُ قَدْ عَزّوا وَقَدْ كَثُرُوا وَابْنُ الْفُرَيْعَةِ أَمْسَى بَيْضَةَ الْبَلَدِ
يَعْنِي بِالْجَلَابِيبِ الْغُرَبَاءَ، وَبَيْضَةُ الْبَلَدِ، يَعْنِي: مُنْفَرِدًا، وَهِيَ كَلِمَةٌ يُتَكَلّمُ بِهَا فِي الْمَدْحِ تَارَةً وَفِي مَعْنَى الْقِلّ أُخْرَى، يُقَالُ: فُلَانٌ بَيْضَةُ الْبَلَدِ، أَيْ: أَنّهُ وَاحِدٌ فِي قَوْمِهِ، عَظِيمٌ فِيهِمْ، وَفُلَانٌ بَيْضَةُ الْبَلَدِ، يُرِيدُ: أَنّهُ ذَلِيلٌ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ.
وَأَمّا قَوْلُهُ:
قَدْ ثَكِلَتْ أُمّهُ مَنْ كُنْت صَاحِبَهُ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: مَنْ مُبْتَدَأٌ، وَقَدْ ثَكِلَتْ أُمّهُ فى موضع الخبر
_________________
(١) لعلها كانت كذلك فى نسخته، أما هى فى السيرة: تناصينى بالياء لا بالباء
[ ٦ / ٤٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمُقَدّمِ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ مَفْعُولًا بِثَكِلَتْ، وَأُضْمِرَ قَبْلَ الذّكْرِ مَعَ اتّصَالِ الضّمِيرِ بِالْفَاعِلِ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ:
جَزَى رَبّهُ عَنّي عَدِيّ بْنَ حَاتِمٍ وَمِثْلُ قَوْلِهِ:
أَبْقَى الْيَوْمَ مَجْدُهُ مُطْعِمَا وَقَدْ تَقَدّمَ الْقَوْلُ فِيهِ «١» .
وَقَوْلُهُ: فَيَغْطَئِلُ، يُرِيدُ: الْبَحْرَ أَيْ، يَهِيجُ وَيَعْتَلِمُ، وَأَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ الْغَيْطَلَةِ، وَهِيَ الظّلْمَةُ، وَأَصْلُهَا يَغْطَالّ مِثْلَ يَسْوَادّ، لَكِنّهُ هَمَزَ الْأَلِفَ لِئَلّا يَجْتَمِعَ سَاكِنَانِ، وَإِنْ كَانَ اجْتِمَاعُهُمَا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ حَسَنًا كَقَوْلِهِ ﵎ وَلَا الضَّالِّينَ «٢»، وَلَكِنّهُمَا فِي الشّعْرِ لَا يَجْتَمِعَانِ إلّا فِي عُرُوضٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ الْمُتَقَارِبُ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ قَرَأَ أَيّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ [كَيْسَانُ] السّخْتِيَانِيّ وَلَا الضّالّينَ بِهَمْزَةِ مَفْتُوحَةٍ «٣» وَقَرَأَ عَمْرُو
_________________
(١) هو كما قال قد سبق القول فى هذا. والشطرة الأولى بقيتها: جزاء الكلاب العاويات، وقد فعل. والبيت كما زعم ابن جنى وغيره للنابغة. وقيل لأبى الأسود الديلى يهجو به عدى بن حاتم الطائى. وأبقى مجده مطعما. هى من بيت شعر لحسان يرثى به جبير بن مطعم هو: ولو أن مجدا أخلد الدهر واحدا من الناس أبقى مجده الدهر مطعما
(٢) أصلها: الضالين فحذفت حركة اللام الأولى، ثم أدغمت اللام فى اللام، فاجتمع ساكنان: مدة الألف واللام المدغمة.
(٣) وغير ممدودة كأنه فر من التقاء الساكنين، وهى لغة.
[ ٦ / ٤٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن عُبَيْدٍ: إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ «١» الرّحْمَنُ: ٥٦ وَأَنْشَدَ الْخَطّابِيّ:
سَقَى مُطْغِيَاتِ الْمَحْلِ سَكْبًا وَدِيمَةً عِظَامُ ابْنُ لَيْلَى حَيْثُ كَانَ رَمِيمُهَا
فَأَصْبَحَ مِنْهَا كُلّ وَادٍ وَتَلْعَةٍ حَدَائِقَ خُضْرًا مُزْهَئِرّا عَمِيمُهَا
أنشدأ:
خَاطِمَهَا زَأَمّهَا أَنْ تَهْرُبَا «٢» فَإِنْ قِيلَ: الْهَمْزَةُ فِي هَذَا كُلّهِ مَفْتُوحَةٌ، وَفِي قَوْلِهِ يَغْطَئِلّ مكسورة،
_________________
(١) حكى أبو زيد قال: سمعت عمرو بن عبيد يقرأ (فيومئذ لا يسأل عن ذئبه إنس، ولا جأن) فظننته قد لحن حتى سمعت من العرب دأبة، وشأبة. قال أبو الفتح: وعلى هذه اللغة قول كثير: إذا ما الغوالى بالعبيط احمأرت وانظر ص ٤٢٨ ح ٤ من شرح الشافية المرضى وص ١٠٥، وما بعدها، ص ١٤٩ ح ١ وما بعدها شرح تصريف المازنى لابن جنى وقد أفاض ابن جنى فى الكلام على هذا فى قراءة من قرأ ولا الضألين بهمز الألف فى ص ٢٢ وما بعدها من كتابه المحتسب.
(٢) استعار بعض الرجاز الخطام فى الحشرات، فقال: يا عجبا لقد رأيت عجبا حمار قبان يسوق أرنبا عاقلها خاطمها أن تذهبا فقلت: أردفنى، فقال أراد: لئلا تذهب، أو مخاقة أن تذهب. ورواه ابن جنى كما روى السهيلى: خاطمها زأمها أن تذهبا. أراد: زأمها. وزممت البعير: خطمته، ويقول اللسان إنه حرك الهمزة ضرورة لاجتماع الساكنين كما جاء فى الشعر: اسوأدت بمعنى: اسوادت. أنظر مادة خطم وزمم فى اللسان. وزأمها فى الأصل: رامها.
[ ٦ / ٤٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكذلك فى الحديث الصحيح: أسود مر بئدّ فِي رِوَايَةٍ.
قُلْنَا: إنّمَا كُسِرَتْ الْهَمْزَةُ فِي مزهئرّ ومر بئدّ وَيَغْطَئِلّ، بَعْدَ أَنْ فُتِحَتْ فِي الْمَاضِي، فَقِيلَ: اغْطَأَلّ، وَازْهَأَرّ، فَصَارَ عَلَى وَزْنِ اطْمَأَنّ، فَجَاءَ اسْمُ الْفَاعِلِ وَالْمُسْتَقْبَلِ عَلَى ذَلِكَ الْقِيَاسِ مَكْسُورًا كَمَا يُكْسَرُ فِي مُطْمَئِنّ
تَفْسِيرُ الْعَجَبِ:
وَقَوْلُ ثَابِتٍ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ: أَمَا أَعْجَبَك ضَرْبُ حَسّانَ بِالسّيْفِ، مَعْنَاهُ: أَمَا جَعَلَك تَعْجَبُ، تَقُولُ: عَجِبْت مِنْ الشّيْءِ وَأَعْجَبَنِي الشّيْءُ، إذَا كَانَ ذَلِكَ الْعَجَبُ مِنْ مَكْرُوهٍ أَوْ مَحْبُوبٍ، وَهُوَ عِنْدَ النّاسِ بِمَعْنَى سَرّنِي لَا غَيْرَ، وَفِي الْحَدِيثِ، وَكَلَام الْعَرَبِ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مِنْهَا فِي الْكَامِل فَلَأَعْجَبَنِي أَنْ أَعْجَبَهُ بُكَاءُ أَبِيهِ، وَفِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ عَنْ عبد الرحمن بن حسان «١»، وكذلك أنشد:
_________________
(١) فى اللسان: ذكر أبو زيد خارجة بن زيد أن حسان بن ثابت أنشد قوله: انظر خليلى ببطن جلق هل تؤنس دون البلقاء من أحد فبكى حسان بذكر ما كان فيه من صحة البصر والشباب بعد ما كف بصره، وكان ابنه عبد الرحمن حاضرا، فسر ببكاء أبيه، قال خارجه: يقول: عجبت من سروره ببكاء أبيه. قال ومثله قوله: فقالت لى ابن قيس ذا وبعض الشىء يعجبها وفى مكان آخر من نفس المادة أنشد اللسان لابن قيس الرقيات: رأت فى الرأس منى شيبة لست أغيبها فقالت لى: ابن قيس ذا وبعض الشىء يعجبها أى يكسبها التعجب، أو تتعجب منه وأراد: أبى قيس فترك الألف الأولى.
[ ٦ / ٤٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَلَا هُزِئَتْ بِنّا قُرَشِيّةٌ يَهْتَزّ مَنْكِبُهَا تَقُول لِي: ابْنُ قَيْسٍ ذَا وَبَعْضُ الشّيْبِ يُعْجِبُهَا وَقَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
لَوْ كُنْت أَعْجَبُ مِنْ شَيْءٍ لَأَعْجَبَنِي سَعْيُ الْفَتَى، وَهُوَ مَخْبُوءٌ لَهُ الْقِدْرُ «١» لَهُ
وَقَوْلُهُ ﵇: أَتَشَوّهْت عَلَى قَوْمِي أَنْ هَدَاهُمْ اللهُ، مَعْنَاهُ: أَقَبّحْت ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ حِينَ سَمّيْتهمْ بِالْجَلَابِيبِ مِنْ أَجْلِ هِجْرَتِهِمْ إلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ؟
بِيرُحَاءٍ:
وَقَوْلُهُ: فَأَعْطَاهُ عِوَضًا مِنْهَا بِيرَحَاءٍ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنّ هَذِهِ الْبِئْرَ سُمّيَتْ بِيرَحَاءٍ بِزَجْرِ الْإِبِلِ عَنْهَا، وَذَلِكَ أَنّ الْإِبِلَ يُقَالُ لَهَا إذَا زجرت عن الماء، وقد رويت حاحا، وَهَكَذَا كَانَ الْأَصِيلِيّ يُقَيّدُهُ بِرَفْعِ الرّاءِ إذَا كَانَ الِاسْمُ مَرْفُوعًا، وَبِالْمَدّ، وَغَيْرُ الْأَصِيلِيّ يَقُولُ: بيرحاء بالفتح على كل حال وبالقصر
_________________
(١) وبعده: يَسْعَى الْفَتَى لِأُمُورٍ لَيْسَ يُدْرِكُهَا فَالنّفْسُ وَاحِدَةٌ، وَالْهَمّ مُنْتَشِرُ وَالْمَرْءُ- مَا عَاشَ- مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ لَا تَنْتَهِي الْعَيْنُ حَتّى يَنْتَهِي الْأَثَرُ أنظر الاستيعاب لابن عبد البر والإصابة لابن حجر. وقال ابن عبد البر: كان كعب شاعرا مجودا كثير الشعر مقدما فى طبقته هو وأخوه يجير، وكعب أشعرهما، وأبوه زهير فوقهما.
[ ٦ / ٤٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَجْعَلُهُ اسْمًا وَاحِدًا، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ فيه بيرحاء بِفَتْحِ الْبَاء مَعَ الْقَصْرِ، وَفِي الصّحِيحِ أَنّ أَبَا طَلْحَةَ دَفَعَ بِيرَحَاءٍ إلَى رَسُولِ اللهِﷺ- وَجَعَلَهَا صَدَقَةً، فَأَمَرَهُ النّبِيّﷺ- أَنْ يَجْعَلَهَا فى الأقربين، فقسمها بين أتىّ وَحَسّانَ، وَفَسّرَ الْبُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُدَ الْقَرَابَةَ الّتِي بَيْنَ أَبِي طَلْحَةَ وَبَيْنَهُمَا قَالَا: فَأَمّا حَسّانُ فَهُوَ ابْنُ الْمُنْذِرِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ حَرَامٍ، وَأَبُو طَلْحَةَ هُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ حَرَامٍ «١»، فَهَذِهِ قَرَابَةٌ قَرِيبَةٌ، وَأَمّا أُبَيّ، فَيَجْتَمِعُ مَعَهُ فِي الْأَبِ السّادِسِ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ مَالِكِ بْنِ النّجّارِ، وَقَدْ كَانَ أُبَيّ غَنِيّا، فَكَيْفَ تَرَكَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ، وَخَصّهُ؟
وَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنّ أُبَيّا كَانَ ابْنَ عَمّةِ أَبِي طَلْحَةَ، وَهِيَ صُهَيْلَةُ بِنْتُ الْأَسْوَدِ بْنِ حَرَامٍ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ النّسَبِ، فمن أجل ذلك النسب خصّه بها، لامن أَجْلِ النّسَبِ الّذِي ذَكَرْنَاهُ فَإِنّهُ بَعِيدٌ، وَإِنّمَا قَالَ لَهُ النّبِيّ ﷺ: اجعلها فى الأقربين.
حول براءة عائشة:
وَفِي الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنّهُ لَمّا أنزل الله يراءتها قَامَ إلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ، فَقَبّلَ رَأْسَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: هَلّا كُنْت عَذَرْتنِي، فَقَالَ: أَيّ سَمَاءٍ تظلّنى، وأى
_________________
(١) فى الجمهرة لابن حزم: ابن سهل بن الأسود بن حرام ص ٢٢٧ فلعل الأسود سقط من الناسخ، وقد استوفى السمهودى القول فى بيرحاء فانظره ص ١٣٣ ح ٢ وفاء الوفاء، وانظر معاجم أسماء الأماكن كمعجم البكرى وياقوت ومراصد الإطلاع.
[ ٦ / ٤٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أرض تقلّنى، إن قلت بمالا أَعْلَمُ، وَكَانَ نُزُولُ بَرَاءَةِ عَائِشَةَ﵂- بَعْدَ قُدُومِهِمْ الْمَدِينَةَ بِسَبْعِ وَثَلَاثِينَ لَيْلَةً فِي قَوْلِ بَعْضِ الْمُفَسّرِينَ.
شِعْرُ حَسّانَ فِي مَدْحِ عَائِشَةَ:
وَقَوْلُ حَسّانَ فِي عَائِشَةَ:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنّ بِرِيبَةِ وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
حَصَانٌ: فَعَالٌ بِفَتْحِ الْحَاءِ يَكْثُرُ فِي أَوْصَافِ الْمُؤَنّثِ، وَفِي الْأَعْلَامِ مِنْهَا، كَأَنّهُمْ قَصَدُوا بِتَوَالِي الْفَتَحَاتِ مُشَاكَلَةَ خِفّةِ اللّفْظِ لِخِفّةِ الْمَعْنَى، أَيْ الْمُسَمّى بِهَذِهِ الصّفَاتِ خَفِيفٌ عَلَى النّفْسِ، وَحَصَانٌ مِنْ الْحِصْنِ وَالتّحَصّنِ، وَهُوَ الِامْتِنَاعُ عَلَى الرّجَالِ مِنْ نَظَرِهِمْ إلَيْهَا، وَقَالَتْ جَارِيَةٌ مِنْ الْعَرَبِ لِأُمّهَا:
يَا أُمّتَا أَبْصَرَنِي رَاكِبٌ يَسِيرُ فِي مُسْحَنْفَرٍ لَاحِبِ «١»
جَعَلْت أَحْثِي التّرَابَ فِي وَجْهِهِ حُصْنًا وَأَحْمِي حَوْزَةَ الْغَائِبِ «٢»
فَقَالَتْ لَهَا أُمّهَا:
الْحُصْنُ أَدْنَى لَوْ تَآبَيْتِهِ مِنْ حَثْيِك التّرَبَ عَلَى الرّاكِبِ
ذَكَرَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ السّيرَافِيّ فِي شَرْحِ أبيات الإيضاح
_________________
(١) المسحنفر: الممتد. واللاحب: الطريق الواسع المنقاد.
(٢) روايته فى اللسان هكذا: فظلت أحثى التراب فى وجهه عنى وأحمى حوزة الغائب.
[ ٦ / ٤٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَالرّزَانُ وَالثّقَالُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهِيَ الْقَلِيلَةُ الْحَرَكَةِ. وَقَوْلُهُ: وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ، أَيْ خَمِيصَةَ الْبَطْنِ مِنْ لُحُومِ النّاسِ، أَيْ اغْتِيَابِهِمْ وَضَرَبَ الْغَرْثَ مَثَلًا، وَهُوَ عَدَمُ الطّعْمِ وَخُلُوّ الْجَوْفِ، وَفِي التّنْزِيلِ: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا الْحُجُرَاتُ: ١٢ ضَرَبَ الْمَثَلَ لِأَخْذِهِ فِي الْعِرْضِ بِأَكْلِ اللّحْمِ، لِأَنّ اللّحْمَ سِتْرٌ عَلَى الْعَظْمِ، وَالشّاتِمُ لِأَخِيهِ كَأَنّهُ يُقَشّرُ وَيَكْشِفُ مَا عَلَيْهِ مِنْ سِتْرٍ. وَقَالَ: مَيْتًا، لِأَنّ الْمَيّتَ لَا يُحِسّ، وَكَذَلِكَ الْغَائِبُ لَا يَسْمَعُ مَا يَقُولُ فِيهِ الْمُغْتَابُ، ثُمّ هُوَ فِي التّحْرِيمِ كَأَكْلِ لَحْمِ الْمَيّتِ. وَقَوْلُهُ: مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ، يُرِيدُ: الْعَفَائِفَ الْغَافِلَةُ قُلُوبُهُنّ عَنْ الشّرّ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ النّورُ: ٢٣ جَعَلَهُنّ غَافِلَاتٍ، لِأَنّ الّذِي رُمِينَ بِهِ مِنْ الشّرّ لَمْ يَهْمُمْنَ بِهِ قَطّ وَلَا خَطَرَ عَلَى قُلُوبِهِنّ، فَهُنّ فِي غَفْلَةٍ عَنْهُ، وَهَذَا أَبْلَغُ مَا يَكُونُ مِنْ الْوَصْفِ بِالْعَفَافِ. وَقَوْلُهُ: لَهُ رَتَبٌ عَالٍ عَلَى النّاسِ كُلّهِمْ الرّتَبُ: مَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ وَعَلَا، وَالرّتَبُ أَيْضًا: قُوّةٌ فِي الشّيْءِ وَغِلَظٌ فِيهِ، وَالسّوْرَةُ رُتْبَةٌ رَفِيعَةٌ مِنْ الشّرَفِ مَأْخُوذَةُ اللّفْظِ مِنْ سُورِ الْبِنَاءِ. وَقَوْلُهُ: فَإِنّ الّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلَائِطِ، أَيْ: بِلَاصِقِ، يُقَالُ: ما يليط
[ ٦ / ٤٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ذَلِكَ بِفُلَانِ، أَيْ: مَا يُلْصَقُ بِهِ، وَمِنْهُ سُمّيَ الرّبَا: لِيَاطًا، لِأَنّهُ أُلْصِقَ بِالْبَيْعِ، وَلَيْسَ بِبَيْعِ. وَفِي الْكِتَابِ الّذِي كَتَبَ لِثَقِيفِ: وَمَا كَانَ مِنْ دَيْنٍ لَيْسَ فِيهِ رَهْنٌ، فَإِنّهُ لِيَاطٌ مُبَرّأٌ مِنْ اللهِ. وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ مُفَسّرًا إنْ شَاءَ اللهُ. وَقَوْلُهُ فِي الشّعْرِ: فَلَا رفعت سو على إلَيّ أَنَامِلِي دُعَاءٌ عَلَى نَفْسِهِ، وَفِيهِ تَصْدِيقٌ لِمَنْ قَالَ: إنّ حَسّانَ لَمْ يُجْلَدْ فِي الْإِفْكِ، وَلَا خَاضَ فِيهِ، وَأَنْشَدُوا الْبَيْتَ الّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ: لَقَدْ ذَاقَ حَسّانُ الّذِي كَانَ أَهْلَهُ عَلَى خِلَافِ هَذَا اللّفْظِ: لَقَدْ ذَاقَ عَبْدُ اللهِ مَا كَانَ أَهْلَهُ وَحَمْنَةُ إذْ قَالُوا: هَجِيرًا وَمِسْطَحُ مَا نَزَلَ فِي حول أَصْحَابِ الْإِفْكِ: وَذَكَرَ مَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي أَصْحَابِ الْإِفْكِ وَقَوْلَهُ تَعَالَى: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ النّورُ: ١٥ وَكَانَتْ عَائِشَةُ﵂ تَقْرَؤُهَا: إذْ تَلِقُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ مِنْ الْوَلَقِ، وَهُوَ اسْتِمْرَارُ اللّسَانِ بِالْكَذِبِ. وَأَمّا إقَامَةُ الْحَدّ عَلَيْهِمْ فَفِيهِ التّسْوِيَةُ بَيْنَ أَفْضَلِ النّاسِ بَعْدَ النّبِيّﷺ- وَأَدْنَى النّاسِ دَرَجَةً فِي الْإِيمَانِ، لَا يُزَادُ الْقَاذِفُ عَلَى الثّمَانِينَ، وَإِنْ شَتَمَ خَيْرَ النّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْهَا، فَإِنْ قَذَفَ قَاذِفٌ الْيَوْمَ إحْدَى أُمّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ سِوَى عَائِشَةَ، فَيَتَوَجّهُ فِيهِ لِلْفُقَهَاءِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُجْلَدَ ثَمَانِينَ كَمَا يَقْتَضِيهِ عُمُومُ التّنْزِيلِ، وَكَمَا فَعَلَ النّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ
[ ٦ / ٤٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِاَلّذِينَ قَذَفُوا أَهْلَهُ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ بِبَرَاءَتِهَا، وَأَمّا بَعْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ بِبَرَاءَتِهَا فَيُقْتَلُ قَاذِفُهَا قَتْلَ كُفْرٍ، وَلَا يُصَلّى عَلَيْهِ، وَلَا يُورَثُ، لِأَنّهُ كَذّبَ اللهَ تَعَالَى.
وَالْقَوْلُ الثّانِي فِي قَاذِفِ أُمّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ عَائِشَةَ﵅ أَنْ يُقْتَلَ أَيْضًا، وَبِهِ كَانَ يَأْخُذُ شَيْخُنَا- رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- وَيَحْتَجّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ الْأَحْزَابُ:
٥٧ الْآيَةُ، وَإِذَا قَذَفَ أَزْوَاجَ النّبِيّ ﵇، فَقَدْ سَبّهُ فَمِنْ أَعْظَمِ الْإِذَايَةِ، أَنْ يُقَالَ عَنْ الرّجُلِ: قَرْنَانٌ «١» وَإِذَا سُبّ نَبِيّ بِمِثْلِ هَذَا فَهُوَ كُفْرٌ صُرَاحٌ وَقَدْ قَالَ الْمُفَسّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (فَخَانَتَاهُمَا) أَيْ: خَانَتَا فِي الطّاعَةِ لَهُمَا، وَالْإِيمَانِ، وَمَا بَغَتْ امْرَأَةُ نَبِيّ قَطّ، أَيْ مَا زَنَتْ.
إهْدَاءُ سِيرِينَ إلَى حَسّانَ:
وَذَكَرَ أَنّ النّبِيّﷺ- أَعْطَى حَسّانَ جَارِيَتَهُ بِضَرْبِ صَفْوَانَ بْنِ الْمُعَطّلِ لَهُ، وَهَذِهِ الْجَارِيَةُ اسْمُهَا سِيرِينُ بِنْتُ شَمْعُونَ أُخْتُ مَارِيَةَ سُرّيّةُ النّبِيّﷺ- وَهِيَ أُمّ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ حَسّانَ الشّاعِرِ، وَكَانَ عَبْدُ الرّحْمَنِ يَفْخَرُ بِأَنّهُ ابْنُ خالة إبْرَاهِيمَ بْنِ النّبِيّ ﷺ
_________________
(١) القرنان هو الذى يشارك فى امرأته كأنه يقرن به غيره أو هو نعت سوء فى الرجل الذى لا غيرة له. قال الأزهرى: هذا من كلام الحاضرة، ولم أر البوادى لفظوا به ولا عرفوه.
[ ٦ / ٤٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَدْ رَوَتْ سِيرِينُ هَذِهِ عَنْ النّبِيّ ﷺ حَدِيثًا قَالَتْ: رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ خَلَلًا فِي قَبْرِ إبْرَاهِيمَ ابْنِهِ فَأَصْلَحَهُ، وَقَالَ:
إنّ اللهَ يُحِبّ مِنْ الْعَبْدِ إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَنْ يصلحه «١» .
_________________
(١) أخرج البخارى ومسلم حديث قصة الإفك فى صحيحيهما من حديث الزهرى. وفى روايتهما أن أمها قالت لها عقب تبشير الرسول «ص» لعائشة ببراءتها. «قومى إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله ﷿ هو الذى أنزل براءتى» . وفى رواية للبخارى قالت: «لا والله، لا أقوم إليه، ولا أحمده، ولا أحدكما، ولكن أحمد الله الذى أنزل براءتى، لقد سمعتموه، فما أنكرتموه، ولا غيرتموه» ويقول ابن كثير عن الذى تولى كبره: «قيل: المراد به حسان، وهو قول غريب، ولولا أنه وقع فى صحيح البخارى ما قد يدل على إيراد ذلك لما كان لإيراده كبير فائدة، فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر، وأحسن مآثره أنه كان يذب عن رسول الله «ص» بشعره، وهو الذى قال له رسول الله «ص»: هاجهم، وجبريل معك» . هذا وفى رواية البخارى أن الرسول «ص» لبث شهرا لا يوحى إليه فى شأن عائشة، وعند ابن حزم أن المدة كانت خمسين يوما أو أزيد، ويجمع بأنها المدة التى كانت بين قدومهم المدينة ونزول القرآن فى قصة الإفك، وأما التقييد بالشهر فهو المدة التى أولها إتيان عائشة بيت أبويها حين بلغها الخبر. ويقول الزمخشرى: لم يقع فى القرآن من التغليظ فى معصية ما وقع فى قصة الإفك بأوجز عبارة، وأشبعها، لاشتماله على الوعيد الشديد والعقاب البليغ، والزجر العنيف، واستعظام القول فى ذلك واستثناعه بطريق مختلفة، وأساليب متقنة، كل واحد منها كاف فى بابه، بل ما وقع منها من وعيد عبدة الأوثان إلا بما هو دون ذاك، وما ذلك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله ﷺ. وانظر القول فى العصبة الذين جاؤا بالإفك فى ص ٣٧٣ ح ٨ ط عبد الرحمن محمد فتح البارى. هذا وقد زاد الحاكم فى شعر حسان اللامى بيتين من غير رواية ابن اسحاق-
[ ٦ / ٤٥١ ]
[أَمْرُ الْحُدَيْبِيَةِ فِي آخِرِ سَنَةِ سِتّ، وَذِكْرُ بَيْعَةِ الرّضْوَانِ وَالصّلْحِ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ أَقَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ شَهْرَ رَمَضَانَ وَشَوّالًا، وَخَرَجَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مُعْتَمِرًا، لَا يريد حربا.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله اللّيثى.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاسْتَنْفَرَ الْعَرَبَ وَمَنْ حَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي مِنْ الْأَعْرَابِ لِيَخْرُجُوا مَعَهُ، وَهُوَ يَخْشَى مِنْ قُرَيْشٍ الّذِي صَنَعُوا، أَنْ يَعْرِضُوا لَهُ بِحَرْبِ أَوْ يَصُدّوهُ عَنْ الْبَيْتِ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَعْرَابِ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمَنْ لَحِقَ بِهِ مِنْ الْعَرَبِ، وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ، وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ لِيَأْمَنَ النّاسُ مِنْ حَرْبِهِ، وَلِيَعْلَمَ النّاسُ أَنّهُ إنّمَا خرج زائرا لهذا البيت ومعظّما له.
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم بْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ عَنْ مِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أنهما حدّثاه قالا: خرج
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) - حليلة خير الخلق دينا ومنصبا نبى الهدى والمكرمات الفواضل رأيتك وليغفر لك الله حرة من المحصنات غير ذات الغوائل وقد روى من طريق صالح بن كيسان عن الزهرى. قال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول: إنه الذى قال فإن أتى ووالده وعرضى لعرض محمد منكم وفاء
[ ٦ / ٤٥٢ ]
رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ الحديبية يُرِيدُ زِيَارَةَ الْبَيْتِ، لَا يُرِيدُ قِتَالًا، وَسَاقَ معه الهدى سبعين بدنة، وكان الناس سبع مائة رَجُلٍ، فَكَانَتْ كُلّ بَدَنَةٍ عَنْ عَشَرَةِ نَفَرٍ.
وَكَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فِيمَا بَلَغَنِي، يقول: كنّا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة.
قَالَ الزّهْرِيّ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حَتّى إذَا كَانَ بِعُسْفَانَ لَقِيَهُ بِشْرُ بْنُ سُفْيَانَ الْكَعْبِيّ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ويقال بشر- فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ هَذِهِ قُرَيْشٌ، قَدْ سَمِعْت بِمَسِيرِك، فَخَرَجُوا مَعَهُمْ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ، قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النّمُورِ، وَقَدْ نَزَلُوا بِذِي طُوًى، يُعَاهِدُونَ اللهَ لَا تَدْخُلُهَا عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَهَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي خَيْلِهِمْ قَدْ قَدّمُوهَا إلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ، قَالَ:
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا وَيْحَ قُرَيْشٍ! لَقَدْ أَكَلَتْهُمْ الْحَرْبُ، مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلّوْا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَرَبِ، فَإِنْ هُمْ أَصَابُونِي كَانَ الّذِي أَرَادُوا، وَإِنْ أَظْهَرَنِي اللهُ عَلَيْهِمْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَافِرِينَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا قَاتَلُوا وَبِهِمْ قُوّةٌ، فَمَا تَظُنّ قُرَيْشٌ، فَوَاَللهِ لَا أَزَالُ أُجَاهِدُ عَلَى الّذِي بَعَثَنِي اللهُ بِهِ حَتّى يُظْهِرَهُ اللهُ أَوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السّالفة.
[الرسول ﷺ يسلك طريقا غير طريق قريش]
ثُمّ قَالَ: مَنْ رَجُلٌ يَخْرَجُ بِنَا عَلَى طريق غير طريقهم التى هم بها؟
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ قَالَ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٥٣ ]
أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَسَلَكَ بِهِمْ طَرِيقًا وَعْرًا أَجْرَلَ بَيْنَ شِعَابٍ، فَلَمّا خَرَجُوا مِنْهُ، وَقَدْ شَقّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَفْضَوْا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادى؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلنّاسِ: قُولُوا: نَسْتَغْفِرُ اللهَ وَنَتُوبُ إلَيْهِ؛ فَقَالُوا ذَلِكَ، فَقَالَ: وَاَللهِ إنّهَا لَلْحِطّةُ الّتِي عُرِضَتْ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ فَلَمْ يَقُولُوهَا.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النّاسَ فَقَالَ:
اُسْلُكُوا ذَاتَ الْيَمِينِ بَيْنَ ظَهْرَيْ الْحَمْشِ، فِي طَرِيقٍ تُخْرِجُهُ عَلَى ثَنِيّةِ الْمُرَارِ مَهْبِطِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ أَسْفَلِ مَكّةَ؛ قَالَ: فَسَلَكَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الطّرِيقَ، فَلَمّا رَأَتْ خَيْلُ قُرَيْشٍ قَتَرَةَ الْجَيْشِ قَدْ خَالَفُوا عَنْ طَرِيقِهِمْ، رَجَعُوا رَاكِضِينَ إلَى قُرَيْشٍ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حَتّى إذَا سَلَكَ، فِي ثَنِيّةِ الْمُرَارِ بَرَكَتْ نَاقَتُهُ، فَقَالَتْ النّاسُ: خَلَأَتْ النّاقَةُ، قَالَ: مَا خَلَأَتْ وَمَا هُوَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ عَنْ مَكّةَ. لَا تَدْعُونِي قُرَيْشٌ الْيَوْمَ إلَى خُطّةٍ يَسْأَلُونَنِي فِيهَا صِلَةَ الرّحَمِ إلّا أَعْطَيْتُهُمْ إيّاهَا. ثُمّ قَالَ لِلنّاسِ: انْزِلُوا، قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ: مَا بِالْوَادِي مَاءٌ نَنْزِلُ عَلَيْهِ، فَأَخْرَجَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَأَعْطَاهُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَنَزَلَ بِهِ فِي قَلِيبٍ مِنْ تِلْكَ الْقُلُبِ. فَغَرّزَهُ فِي جَوْفِهِ، فَجَاشَ بِالرّوّاءِ حَتّى ضرب الناس عنه بعطن.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَسْلَمَ: أَنّ الّذِي نَزَلَ فِي الْقَلِيبِ بِسَهْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَاجِيَةُ بْنُ جُنْدُبِ بْنِ عُمَيْرِ ابن يَعْمُرَ بْنِ دَارِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَائِلَةَ بْنِ سَهْمِ بْنِ مَازِنِ بْنِ سَلَامَانِ بْنِ أسلم بن أفصى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٥٤ ]
ابن أَبِي حَارِثَةَ، وَهُوَ سَائِقُ بُدْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
قال ابن هشام: أَفْصَى بْنُ حَارِثَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ زَعَمَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنّ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ كَانَ يَقُولُ: أَنَا الّذِي نَزَلْت بِسَهْمِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَاَللهُ أعلم أى ذلك كان.
وَقَدْ أَنْشَدَتْ أَسْلَمُ أَبْيَاتًا مِنْ شِعْرٍ قَالَهَا نَاجِيَةُ، قَدْ ظَنَنّا أَنّهُ هُوَ الّذِي نَزَلَ بِالسّهْمِ، فَزَعَمَتْ أَسْلَمُ أَنّ جَارِيَةً مِنْ الْأَنْصَارِ أَقْبَلَتْ بِدَلْوِهَا، وَنَاجِيَةُ فِي الْقَلِيبِ يَمِيحُ عَلَى النّاسِ، فَقَالَتْ:
يَا أَيّهَا الْمَائِحُ دَلْوَى دُونَكَا إنى رأيت الناس يحمدنكا
يُثْنُونَ خَيْرًا وَيُمَجّدُونَكَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى:
إنّي رَأَيْت النّاسَ يَمْدَحُونَكَا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ نَاجِيَةُ، وَهُوَ فِي الْقَلِيبِ يَمِيحُ عَلَى النّاسِ:
قَدْ عَلِمَتْ جَارِيَةٌ يَمَانِيَهْ أَنّي أَنَا الْمَائِحُ وَاسْمِي نَاجِيَهْ
وَطَعْنَةٍ ذَاتِ رَشَاشٍ وَاهِيَهْ طعنتها عند صدور العاديه
فَقَالَ الزّهْرِيّ فِي حَدِيثِهِ: فَلَمّا اطْمَأَنّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَتَاهُ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيّ، فِي رِجَالٍ مِنْ خُزَاعَةَ، فكلّموه وسألوه: ما الذ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٥٥ ]
جَاءَ بِهِ؟ فَأَخْبَرَهُمْ أَنّهُ لَمْ يَأْتِ يُرِيدُ حَرْبًا، وَإِنّمَا جَاءَ زَائِرًا لِلْبَيْتِ، وَمُعَظّمًا لِحُرْمَتِهِ، ثُمّ قَالَ لَهُمْ نَحْوًا مِمّا قَالَ لِبِشْرِ بْنِ سُفْيَانَ، فَرَجَعُوا إلَى قُرَيْشٍ فَقَالُوا:
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّكُمْ تَعْجَلُونَ عَلَى مُحَمّدٍ، إنّ مُحَمّدًا لَمْ يَأْتِ لِقِتَالِ، وَإِنّمَا جَاءَ زَائِرًا هذا البيت، قاتهموهم وَجَبَهُوهُمْ وَقَالُوا: وَإِنْ كَانَ جَاءَ وَلَا يُرِيدُ قتالا، فوالله لَا يَدْخُلُهَا عَلَيْنَا عَنْوَةً أَبَدًا، وَلَا تَحَدّثَ بذلك عنّا العرب.
قَالَ الزّهْرِيّ: وَكَانَتْ خُزَاعَةُ عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، مُسْلِمُهَا وَمُشْرِكُهَا، لا يخفون عنه شيئا كان بمكة.
قَالَ: ثُمّ بَعَثُوا إلَيْهِ مِكْرَزَ بْنَ حَفْصِ بْنِ الْأَخْيَفِ، أَخَا بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ، فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُقْبِلًا قَالَ: هَذَا رَجُلٌ غَادِرٌ، فَلَمّا انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَلّمَهُ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَحْوًا مِمّا قَالَ لِبُدَيْلٍ وَأَصْحَابِهِ، فَرَجَعَ إلَى قُرَيْشٍ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
ثُمّ بَعَثُوا إلَيْهِ الْحُلَيْسَ بْنَ عَلْقَمَةَ أَوْ ابن زيّان، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ سَيّدَ الْأَحَابِيشِ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ؛ فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: إنّ هَذَا مِنْ قَوْمٍ يَتَأَلّهُونَ، فَابْعَثُوا الهدى فى وجهه حتى براه، فَلَمّا رَأَى الْهَدْيَ يَسِيلُ عَلَيْهِ مِنْ عُرْضِ الْوَادِي فِي قَلَائِدِهِ، وَقَدْ أَكَلَ أَوْبَارَهُ مِنْ طُولِ الْحَبْسِ عَنْ مَحِلّهِ، رَجَعَ إلَى قُرَيْشٍ، وَلَمْ يَصِلْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ إعْظَامًا لَمَا رَأَى، فَقَالَ لَهُمْ ذلك. قال: فقالوا له: جلس، فَإِنّمَا أَنْتَ أَعْرَابِيّ لَا عِلْمَ لَك.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٥٦ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنّ الْحُلَيْسَ غَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَاَللهِ مَا عَلَى هَذَا حَالَفْنَاكُمْ، وَلَا عَلَى هَذَا عَاقَدْنَاكُمْ.
أَيُصَدّ عَنْ بَيْتِ اللهِ مَنْ جَاءَ مُعَظّمًا لَهُ! والذى نفس الحنيس بِيَدِهِ، لَتُخَلّنّ بَيْنَ مُحَمّدٍ وَبَيْنَ مَا جَاءَ لَهُ، أَوْ لَأَنْفِرَن بِالْأَحَابِيشِ نَفْرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ. قَالَ: فَقَالُوا لَهُ: مَهْ، كُفّ عَنّا يَا حُلَيْسُ حَتّى نَأْخُذَ لِأَنْفُسِنَا مَا نَرْضَى بِهِ.
قال الزهرىّ فى حديثه: ثم بعثو إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثّقَفِيّ؛ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّي قَدْ رَأَيْت مَا يَلْقَى مِنْكُمْ مَنْ بَعَثْتُمُوهُ إلَى مُحَمّدٍ إذْ جَاءَكُمْ مِنْ التّعْنِيفِ وَسُوءِ اللّفْظِ، وَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنّكُمْ وَالِدٌ وَإِنّي وَلَدٌ- وَكَانَ عُرْوَةُ لِسُبَيْعَةَ بِنْتِ عَبْدِ شَمْسٍ- وَقَدْ سَمِعْت بِاَلّذِي نَابَكُمْ، فَجَمَعْتُ مَنْ أَطَاعَنِي مِنْ قَوْمِي، ثُمّ جِئْتُكُمْ حَتّى آسَيْتُكُمْ بِنَفْسِي، قَالُوا: صَدَقْت، مَا أَنْتَ عِنْدَنَا بِمُتّهَمٍ. فَخَرَجَ حَتّى أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمّ قَالَ: يا محمد، أجمعت أو شاب النّاسِ، ثُمّ جِئْتَ بِهِمْ إلَى بَيْضَتِك لِتَفُضّهَا بِهِمْ، إنّهَا قُرَيْشٌ قَدْ خَرَجَتْ مَعَهَا الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ. قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النّمُورِ، يُعَاهِدُونَ اللهَ لَا تَدْخُلُهَا عَلَيْهِمْ عَنْوَةً أَبَدًا وَاَيْمُ اللهِ، لِكَأَنّي بِهَؤُلَاءِ قَدْ انْكَشَفُوا عَنْك غَدًا. قَالَ: وَأَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَاعِدٌ؛ فَقَالَ: اُمْصُصْ بَظْرَ اللّات، أَنَحْنُ نَنْكَشِفُ عَنْهُ؟
قَالَ: مَنْ هَذَا يَا مُحَمّدُ؟ قَالَ: هَذَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، قَالَ: أَمَا وَاَللهِ لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَك عِنْدِي لَكَافَأْتُك بِهَا، وَلَكِنْ هَذِهِ بِهَا، قَالَ: ثُمّ جَعَلَ يَتَنَاوَلُ لِحْيَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُكَلّمُهُ قَالَ: وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَاقِفٌ عَلَى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٥٧ ]
رَأْسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْحَدِيدِ. قَالَ: فَجَعَلَ يَقْرَعُ يَدَهُ إذَا تَنَاوَلَ لِحْيَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيَقُولُ: اُكْفُفْ يَدَك عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ لَا تَصِلَ إلَيْك، قَالَ: فَيَقُولُ عُرْوَةُ:
وَيْحَك! مَا أَفَظّكَ وَأَغْلَظَك! قَالَ: فَتَبَسّمَ. رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: مَنْ هَذَا يَا مُحَمّدُ؟ قَالَ: هَذَا ابْنُ أَخِيك الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَالَ:
أَيْ غُدَرُ، وهل غسلت سوء تك إلّا بِالْأَمْسِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَرَادَ عُرْوَةُ بِقَوْلِهِ هَذَا أَنّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ قَبْلَ إسلامه قتل ثلاثة عَشَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَالِكٍ، مِنْ ثَقِيفٍ، فَتَهَايَجَ الْحَيّانِ مِنْ ثَقِيفٍ:
بَنُو مَالِكٍ رَهْطُ الْمَقْتُولِينَ، وَالْأَحْلَافُ رَهْطُ الْمُغِيرَةِ، فَوَدَى عُرْوَةُ الْمَقْتُولِينَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ دِيَةً، وَأَصْلَحَ ذَلِكَ الْأَمْرَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ الزّهْرِيّ: فَكَلّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَحْوٍ مِمّا كَلّمَ بِهِ أَصْحَابَهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنّهُ لَمْ يَأْتِ يُرِيدُ حَرْبًا.
فَقَامَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَدْ رَأَى مَا يَصْنَعُ بِهِ أَصْحَابُهُ، لَا يَتَوَضّأُ إلّا ابْتَدَرُوا وُضُوءَهُ، وَلَا يَبْصُقُ بُصَاقًا إلّا ابْتَدَرُوهُ. وَلَا يَسْقُطُ حين شَعْرِهِ شَيْءٌ إلّا أَخَذُوهُ. فَرَجَعَ إلَى قُرَيْشٍ، فقال: يا مشعر قُرَيْشٍ، إنّي قَدْ جِئْت كِسْرَى فِي مُلْكِهِ، وَقَيْصَرَ فِي مُلْكِهِ. وَالنّجَاشِيّ فِي مُلْكِهِ. وَإِنّي وَاَللهِ مَا رَأَيْت مَلِكًا فِي قَوْمٍ قَطّ مِثْلَ مُحَمّدٍ فِي أَصْحَابِهِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ قَوْمًا لا يسلمونه لشى أبدا، فروا رأيكم.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٥٨ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَا خِرَاشَ بْنَ أُمَيّةَ الْخُزَاعِيّ، فَبَعَثَهُ إلَى قُرَيْشٍ بِمَكّةَ، وَحَمَلَهُ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ الثّعْلَبُ، لِيُبَلّغَ أَشْرَافَهُمْ عَنْهُ مَا جَاءَ لَهُ، فَعَقَرُوا بِهِ جَمْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَمَنَعَتْهُ الْأَحَابِيشُ، فَخَلّوْا سَبِيلَهُ، حَتّى أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدّثَنِي بَعْضُ مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: أَنّ قُرَيْشًا كَانُوا بَعَثُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ أَوْ خَمْسِينَ رَجُلًا، وَأَمَرُوهُمْ أَنْ يُطِيفُوا بِعَسْكَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لِيُصِيبُوا لَهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدًا، فَأُخِذُوا أَخْذًا، فَأُتِيَ بِهِمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَعَفَا عنهم، وخلّى سبيلهم، وقد كَانُوا رَمَوْا فِي عَسْكَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بالحجارة والنّبل.
ثم دَعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ لِيَبْعَثَهُ إلَى مَكّةَ، فَيُبَلّغُ عَنْهُ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مَا جَاءَ لَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي أَخَافُ قُرَيْشًا عَلَى نَفْسِي، وَلَيْسَ بِمَكّةَ مِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ أَحَدٌ يَمْنَعُنِي، وَقَدْ عَرَفَتْ قُرَيْشٌ عَدَاوَتِي إيّاهَا، وَغِلْظَتِي عَلَيْهَا، وَلَكِنّي أَدُلّك عَلَى رَجُلٍ أَعَزّ بِهَا مِنّي، عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ. فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ، فَبَعَثَهُ إلَى أَبِي سُفْيَانَ وَأَشْرَافِ قُرَيْشٍ، يُخْبِرُهُمْ أَنّهُ لَمْ يَأْتِ لِحَرْبِ، وَإِنّهُ إنّمَا جَاءَ زَائِرًا لِهَذَا الْبَيْتِ، وَمُعَظّمًا لحرمته.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَ عُثْمَانُ إلَى مَكّةَ، فَلَقِيَهُ أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٥٩ ]
حِينَ دَخَلَ مَكّةَ، أَوْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا، فَحَمَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمّ أَجَارَهُ حَتّى بَلّغَ رسالة رسول الله ﷺ؛ فَانْطَلَقَ عُثْمَانُ حَتّى أَتَى أَبَا سُفْيَانَ وَعُظَمَاءَ قُرَيْشٍ، فَبَلّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وما أَرْسَلَهُ بِهِ؛ فَقَالُوا لِعُثْمَانِ حِينَ فَرَغَ مِنْ رسالة رسول الله ﷺ إلَيْهِمْ: إنْ شِئْت أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَطُفْ؛ فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ حَتّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وَاحْتَبَسَتْهُ قُرَيْشٌ عِنْدَهَا، فَبَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ أَنّ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ قد قتل.
[بيعة الرضوان]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ حِينَ بَلَغَهُ أَنّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ: لَا نَبْرَحُ حَتّى نُنَاجِزَ الْقَوْمَ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ النّاسَ إلَى الْبَيْعَةِ. فَكَانَتْ بَيْعَةُ الرّضْوَانِ تَحْتَ الشّجَرَةِ، فَكَانَ النّاسُ يَقُولُونَ: بَايَعَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمَوْتِ، وَكَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يُبَايِعْنَا عَلَى الْمَوْتِ، وَلَكِنْ بَايَعَنَا عَلَى أَنْ لَا نفرّ.
فبايع رَسُولُ اللهِ ﷺ النّاسَ، وَلَمْ يَتَخَلّفْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَضَرَهَا، إلّا الْجَدّ بْنَ قَيْسٍ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، فَكَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: وَاَللهِ لَكَأَنّي أَنْظُرُ إلَيْهِ لَاصِقًا بِإِبْطِ نَاقَتِهِ. قَدْ ضَبَأَ إلَيْهَا، يَسْتَتِرُ بِهَا مِنْ النّاسِ. ثُمّ أتي رسول الله ﷺ أَنّ الّذِي ذُكِرَ مِنْ أَمْرِ عُثْمَانَ بَاطِلٌ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٦٠ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَذَكَرَ وَكِيعٌ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ الشّعْبِيّ: أَنّ أَوّلَ مَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَيْعَةَ الرّضْوَانِ أَبُو سِنَانٍ الْأَسَدِيّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَمّنْ حَدّثَهُ بِأَسْنَادٍ لَهُ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي عُمَرَ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَايَعَ لِعُثْمَانِ، فَضَرَبَ بإحدى يديه على الأخرى.
[أمر الهدنة]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ الزّهْرِيّ: ثُمّ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، أَخَا بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ، إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَالُوا لَهُ: ائْتِ مُحَمّدًا فَصَالِحْهُ وَلَا يَكُنْ فِي صُلْحِهِ إلّا أَنْ يَرْجِعَ عَنّا عَامَهُ هَذَا، فَوَاَللهِ لَا تُحَدّثُ الْعَرَبُ عَنّا أَنّهُ دَخَلَهَا عَلَيْنَا عَنْوَةً أَبَدًا. فَأَتَاهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو؛ فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُقْبِلًا، قَالَ: قَدْ أَرَادَ الْقَوْمُ الصّلْحَ حِينَ بَعَثُوا هَذَا الرّجُل: فَلَمّا انْتَهَى سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ تَكَلّمَ فَأَطَالَ الكلام، وتراجعا ثم جرى بينهما الصّلْحَ.
فَلَمّا الْتَأَمَ الْأَمْرُ وَلَمْ يَبْقَ إلّا الكتاب، وثب عمر بن الخطّاب، فأتى أبابكر، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ بِرَسُولِ اللهِ؟ قال: بلى: قال أولسنا بالمسلمين؟
قال: بلى؛ قال: أوليسوا بِالْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطَى الدّنِيّةَ فِي دِينِنَا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا عُمَرُ، الْزَمْ غَرْزَهُ، فَإِنّي أَشْهَدُ أَنّهُ رَسُولُ اللهِ؛ قَالَ عُمَرُ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنّهُ رَسُولُ اللهِ؛ ثم أتى رسول الله ﷺ فقال:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٦١ ]
يَا رَسُولَ اللهِ أَلَسْتَ بِرَسُولِ اللهِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَوَ لَسْنَا بِالْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ:
بَلَى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فغلام نُعْطَى الدّنِيّةَ فِي دِينِنَا؟ قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، لَنْ أُخَالِفَ أَمْرَهُ، وَلَنْ يُضَيّعَنِي! قَالَ:
فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: مَا زِلْت أَتَصَدّقُ وَأَصُومُ وَأُصَلّي وَأُعْتِقُ، مِنْ الّذِي صَنَعْتُ يَوْمَئِذٍ! مَخَافَةَ كَلَامِي الّذِي تَكَلّمْت بِهِ، حَتّى رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا.
[عَلِيّ يَكْتُبُ شُرُوطَ الصّلْحِ]
قَالَ: ثُمّ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ على بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال: اُكْتُبْ: بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ، قَالَ: فَقَالَ سُهَيْلٌ:
لَا أَعْرِفُ هَذَا، وَلَكِنْ اُكْتُبْ بِاسْمِك اللهُمّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اُكْتُبْ بِاسْمِك اللهُمّ، فَكَتَبَهَا، ثُمّ قَالَ: اُكْتُبْ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمّدٌ رَسُولَ اللهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، قَالَ: فَقَالَ سُهَيْلٌ: لَوْ شَهِدْت أَنّك رَسُولُ اللهِ لَمْ أُقَاتِلْك، وَلَكِنْ اُكْتُبْ اسْمَك وَاسْمَ أَبِيك، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اُكْتُبْ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، اصْطَلَحَا عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَنْ النّاسِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهِنّ النّاسُ، وَيَكُفّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، عَلَى أَنّهُ مَنْ أَتَى مُحَمّدًا مِنْ قُرَيْشٍ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيّهِ رَدّهُ عَلَيْهِمْ، وَمَنْ جَاءَ قُرَيْشًا مِمّنْ مَعَ مُحَمّدٍ لَمْ يَرُدّوهُ عَلَيْهِ، وَإِنّ بَيْنَنَا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً، وَأَنّهُ لَا إسْلَالَ وَلَا إغْلَالَ، وَأَنّهُ مَنْ أَحَبّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ مُحَمّدٍ وَعَهْدِهِ دَخَلَ فِيهِ، وَمَنْ أَحَبّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ دَخَلَ فِيهِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٦٢ ]
[خزاعة فى عهد محمد، وبنو بَكْرٍ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ]
فَتَوَاثَبَتْ خُزَاعَةُ فَقَالُوا: نَحْنُ فِي عَقْدِ مُحَمّدٍ وَعَهْدِهِ، وَتَوَاثَبَتْ بَنُو بَكْرٍ، فَقَالُوا: نَحْنُ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ، وَأَنّك تَرْجِعُ عَنّا عَامَك هَذَا، فَلَا تَدْخُلُ عَلَيْنَا مَكّةَ، وَأَنّهُ إذَا كَانَ عَامُ قَابِلٍ، خَرَجْنَا عَنْك فَدَخَلْتهَا بِأَصْحَابِك، فَأَقَمْتَ بِهَا ثَلَاثًا، مَعَك سِلَاحُ الرّاكِبِ، السّيُوفُ فِي الْقُرُبِ، لَا تدخلها بغيرها.
[جندل بن سهيل]
فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَكْتُبُ الْكِتَابَ هُوَ وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، إذْ جَاءَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو يَرْسُفَ فِي الْحَدِيدِ، قَدْ انْفَلَتَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَرَجُوا وَهُمْ لَا يَشُكّونَ فِي الْفَتْحِ، لِرُؤْيَا رَآهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَلَمّا رَأَوْا مَا رَأَوْا مِنْ الصّلْحِ وَالرّجُوعِ، وَمَا تَحَمّلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي نَفْسِهِ دَخَلَ عَلَى النّاسِ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، حَتّى كَادُوا يُهْلِكُونَ:
فَلَمّا رَأَى سُهَيْلٌ أَبَا جَنْدَلٍ قَامَ إلَيْهِ فَضَرَبَ وَجْهَهُ، وَأَخَذَ بِتَلْبِيبِهِ؛ ثُمّ قَالَ:
يَا مُحَمّدُ؛ قَدْ لَجّتْ الْقَضِيّةُ بَيْنِي وَبَيْنَك قَبْل أَنْ يَأْتِيَك هَذَا؛ قَالَ: صَدَقْتَ، فَجَعَلَ يَنْتُرُهُ بِتَلْبِيبِهِ، وَيَجُرّهُ لِيَرُدّهُ إلَى قُرَيْشٍ، وَجَعَلَ أَبُو جَنْدَلٍ يَصْرُخُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أَأُرَدّ إلَى الْمُشْرِكِينَ يَفْتِنُونِي فِي دِينِي؟ فَزَادَ ذَلِكَ النّاسَ إلَى مَا بِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا أَبَا جَنْدَلٍ؛ اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ فَإِنّ اللهَ جَاعِلٌ لَك وَلِمَنْ مَعَك مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، إنّا قَدْ عَقَدْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ صُلْحًا، وَأَعْطَيْنَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَعْطَوْنَا عَهْدَ اللهِ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٦٣ ]
وَإِنّا لَا نَغْدِرُ بِهِمْ؛ قَالَ: فَوَثَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ مَعَ أَبِي جَنْدَلٍ يَمْشِي إلَى جَنْبِهِ، وَيَقُولُ: اصْبِرْ يَا أَبَا جَنْدَلٍ، فَإِنّمَا هُمْ الْمُشْرِكُونَ وَإِنّمَا دَمُ أَحَدِهِمْ دَمُ كَلْبٍ. قَالَ: وَيُدْنِي قَائِمَ السّيْفِ مِنْهُ. قَالَ: يَقُولُ عمر: رجوت أن يأخذ السّيف فيضرب به أَبَاهُ، قَالَ: فَضَنّ الرّجُلُ بِأَبِيهِ، وَنَفَذَتْ الْقَضِيّةُ.
[الذين شَهِدُوا عَلَى الصّلْحِ]
فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الْكِتَابِ أَشْهَدَ عَلَى الصّلْحِ رِجَالًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَرِجَالًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ: أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَمِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ، وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَكَتَبَ، وكان هو كاتب الصحيفة.
[الإحلال]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُضْطَرَبًا فِي الْحِلّ، وَكَانَ يُصَلّي فِي الْحُرُمِ، فَلَمّا فَرَغَ مِنْ الصّلْحِ قَدِمَ إلَى هَدْيِهِ فَنَحَرَهُ، ثُمّ جَلَسَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَكَانَ الّذِي حَلَقَهُ، فِيمَا بَلَغَنِي، فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ خِرَاشَ بْنَ أُمَيّةَ بْنِ الْفَضْلِ الْخُزَاعِيّ، فَلَمّا رَأَى النّاسُ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ نَحَرَ وَحَلَقَ تواثبوا ينحرون ويحلقون.
[المحلّقون والمقصرون]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٦٤ ]
عَبّاسٍ، قَالَ: حَلَقَ رِجَالٌ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَصّرَ آخَرُونَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَرْحَمُ اللهُ الْمُحَلّقِينَ، قَالُوا: وَالْمُقَصّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ:
يَرْحَمُ اللهُ الْمُحَلّقِينَ، قَالُوا: وَالْمُقَصّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: يَرْحَمُ اللهُ الْمُحَلّقِينَ، قَالُوا: وَالْمُقَصّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: وَالْمُقَصّرِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ:
فَلِمَ: ظَاهَرْت التّرْحِيمَ لِلْمُحَلّقِينَ دُونَ الْمُقَصّرِينَ؟ قَالَ: لَمْ يَشُكّوا.
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ: حَدّثَنِي مُجَاهِدٌ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَهْدَى عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي هَدَايَاهُ جَمَلًا لِأَبِي جَهْلٍ، فِي رَأْسِهِ بَرّةٌ مِنْ فِضّةٍ، يَغِيظُ بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ.
[نُزُولُ سُورَةِ الْفَتْحِ]
قَالَ الزّهْرِيّ فِي حَدِيثِهِ: ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ وَجْهِهِ ذَلِكَ قَافِلًا، حَتّى إذَا كَانَ بَيْنَ مَكّةَ وَالْمَدِينَةِ، نَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ، وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ، وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا.
[ذِكْرُ الْبَيْعَةِ]
ثُمّ كَانَتْ الْقِصّةُ فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ، حَتّى انْتَهَى إلَى ذِكْرِ الْبَيْعَةِ، فَقَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ، يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ، فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٦٥ ]
[ذِكْرُ مَنْ تَخَلّفَ]
ثُمّ ذَكَرَ مَنْ تَخَلّفَ عَنْهُ مِنْ الْأَعْرَابِ، ثُمّ قَالَ: حِينَ اسْتَفَزّهُمْ لِلْخُرُوجِ مَعَهُ فَأَبْطَئُوا عَلَيْهِ: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا. ثُمّ الْقِصّةُ عَنْ خَبَرِهِمْ، حَتّى انْتَهَى إلَى قَوْلِهِ: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ، يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ، قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا، كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ..
ثُمّ الْقِصّةُ عَنْ خَبَرِهِمْ وَمَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِهَادِ الْقَوْمِ أُولِي الْبَأْسِ الشّدِيدِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: فَارِسٌ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ، عَنْ الزّهْرِيّ أَنّهُ قَالَ: أُولُو الْبَأْسِ الشّدِيدِ: حَنِيفَةُ مَعَ الْكَذّابِ.
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا. وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها، وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ، وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا. وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٦٦ ]
[ذِكْرُ كَفّ الرّسُولِ عَنْ الْقِتَالِ]
ثُمّ ذَكَرَ مَحْبِسَهُ وَكَفّهُ إيّاهُ عَنْ الْقِتَالِ، بَعْدَ الظّفَرِ مِنْهُ بِهِمْ، يَعْنِي النّفَرَ الّذِينَ أَصَابَ مِنْهُمْ وَكَفّهُمْ عَنْهُ، ثُمّ قَالَ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ، وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ثُمّ قَالَ تَعَالَى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ.
[تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: الْمَعْكُوفُ: الْمَحْبُوسُ، قَالَ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ:
وَكَأَنّ السّمُوطَ عَكّفَهُ السّلْكُ بِعِطْفِي جَيْدَاءَ أُمّ غَزَالِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَالْمَعَرّةُ: الْغُرْمُ، أَيْ أَنْ تُصِيبُوا مِنْهُمْ (مَعَرّةً) بِغَيْرِ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوا دِيَتَهُ، فَإِمّا إثْمٌ فَلَمْ يُخَشّهِ عَلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَلَغَنِي عَنْ مُجَاهِدٍ أَنّهُ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الوليد بن الْمُغِيرَةِ، وَسَلَمَةَ بْنِ هِشَامٍ، وَعَيّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَأَبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ. وَأَشْبَاهِهِمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ قَالَ ﵎: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ ٦ / ٤٦٧ ]
فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ، حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ يَعْنِي سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو حِينَ حَمِيَ أَنْ يَكْتُبَ بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ، وَأَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمّ قَالَ تَعَالَى: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى، وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها: أَيْ التّوْحِيدُ، شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَه إلّا اللهُ، وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخافُونَ، فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا: أَيْ لِرُؤْيَا رَسُولِ اللهِ ﷺ الّتِي رَأَى، أَنّهُ سَيَدْخُلُ مَكّةَ آمِنًا لا يخاف؛ يقول: محلّقين رؤسكم، وَمُقَصّرِينَ مَعَهُ لَا تَخَافُونَ، فَعَلِمَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا، فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا، صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ.
يَقُولُ الزّهْرِيّ: فَمَا فُتِحَ فِي الْإِسْلَامِ فَتْحٌ قَبْلَهُ كَانَ أَعْظَمَ مِنْهُ، إنّمَا كَانَ الْقِتَالُ حَيْثُ الْتَقَى النّاسُ؛ فَلَمّا كَانَتْ الْهُدْنَةُ، وَوُضِعَتْ الْحَرْبُ، وَآمَنَ النّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَالْتَقَوْا، فَتَفَاوَضُوا فِي الْحَدِيثِ وَالْمُنَازَعَةِ، فَلَمْ يُكَلّمْ أَحَدٌ بِالْإِسْلَامِ يَعْقِلُ شَيْئًا إلّا دَخَلَ فِيهِ، وَلَقَدْ دَخَلَ فِي تِينِك السّنَتَيْنِ مِثْلُ مَنْ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالدّلِيلُ عَلَى قَوْلِ الزّهْرِيّ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خرج إلى الحديبية فى ألف وأربع مائة، فِي قَوْلِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، ثُمّ خَرَجَ عَامَ فَتْحِ مَكّةَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَتَيْنِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٦٨ ]
[مَا جَرَى عَلَيْهِ أَمْرُ قَوْمٍ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ بعد الصلح]
[مجىء أبى بصير إلى المدينة وطلب قريش له]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَتَاهُ أَبُو بَصِيرٍ عُتْبَةُ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ جَارِيَةَ، وَكَانَ مِمّنْ حُبِسَ بِمَكّةَ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَتَبَ فِيهِ أَزْهَرُ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ، وَالْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثّقَفِيّ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ويعثا رجلا من بنى لُؤَيّ، وَمَعَهُ مَوْلًى لَهُمْ، فَقَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِكِتَابِ الْأَزْهَرِ وَالْأَخْنَسِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
يَا أَبَا بِصَيْرِ إنّا قَدْ أَعْطَيْنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ مَا قَدْ عَلِمْتَ، وَلَا يَصْلُحُ لَنَا فِي دِينِنَا الْغَدْرُ، وَإِنّ اللهَ جَاعِلٌ لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، فَانْطَلِقْ إلَى قَوْمِك، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَرُدّنِي إلَى الْمُشْرِكِينَ يَفْتِنُونَنِي فِي دِينِي؟ قَالَ: يَا أَبَا بِصَيْرِ، انْطَلِقْ، فَإِنّ اللهَ تَعَالَى سَيَجْعَلُ لَك وَلِمَنْ مَعَك مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرْجًا وَمَخْرَجًا.
[قَتْلُ أَبِي بِصَيْرِ لِلْعَامِرِيّ، وَمَقَالَةُ الرّسُولِ فِي ذَلِكَ]
فَانْطَلَقَ مَعَهُمَا، حَتّى إذَا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، جَلَسَ إلَى جِدَارٍ، وَجَلَسَ مَعَهُ صَاحِبَاهُ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَصَارِمٌ سَيْفُك هَذَا يَا أَخَا بَنِي عَامِرٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ؛ قَالَ: أَنَظَرَ إلَيْهِ؟ قَالَ: اُنْظُرْ، إنْ شِئْت. قَالَ: فَاسْتَلّهُ أَبُو بَصِيرٍ، ثُمّ عَلَاهُ بِهِ حَتّى قَتَلَهُ، وَخَرَجَ الْمَوْلَى سَرِيعًا حَتّى أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٦٩ ]
جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَالِعًا، قَالَ: إنّ هَذَا الرّجُلَ قَدْ رَأَى فَزِعًا، فَلَمّا انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، قال:
ويحك! مالك؟ قَالَ: قَتَلَ صَاحِبُكُمْ صَاحِبِي. فَوَاَللهِ مَا بَرِحَ حَتّى طَلَعَ أَبُو بَصِيرٍ مُتَوَشّحًا بِالسّيْفِ، حَتّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، وَفَتْ ذِمّتُك، وَأَدّى اللهُ عَنْك، أَسْلَمْتنِي بِيَدِ الْقَوْمِ وَقَدْ امتنعت بدينى أن أفتن فيه، أو يبعث بِي. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَيْلُ أُمّهِ مِحَشّ حَرْبٍ لَوْ كان معه رجال!
[أبو بصير وزملاؤه فى العيص]
ثُمّ خَرَجَ أَبُو بَصِيرٍ حَتّى نَزَلَ الْعِيصَ، مِنْ نَاحِيَةِ ذِي الْمَرْوَةِ، عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، بِطَرِيقِ قُرَيْشٍ الّتِي كَانُوا يَأْخُذُونَ عَلَيْهَا إلَى الشّامِ، وَبَلَغَ الْمُسْلِمِينَ الّذِينَ كَانُوا اُحْتُبِسُوا بِمَكّةَ قول رسول الله ﷺ لِأَبِي بِصَيْرِ:
«وَيْلُ أُمّهِ مِحَشّ حَرْبٍ لَوْ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ!»، فَخَرَجُوا إلَى أَبِي بِصَيْرِ بِالْعِيصِ، فَاجْتَمَعَ إلَيْهِ مِنْهُمْ قَرِيبٌ مِنْ سَبْعِينَ رَجُلًا، وَكَانُوا قَدْ ضَيّقُوا عَلَى قُرَيْشٍ، لَا يَظْفَرُونَ بِأَحَدِ مِنْهُمْ إلّا قَتَلُوهُ، وَلَا تَمُرّ بِهِمْ عِيرٌ إلّا اقْتَطَعُوهَا، حَتّى كَتَبَتْ قُرَيْشٌ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ تَسْأَلُ بِأَرْحَامِهَا إلّا آوَاهُمْ، فَلَا حَاجَةَ لَهُمْ بِهِمْ. فَآوَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَدِمُوا عَلَيْهِ الْمَدِينَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَلَمّا بَلَغَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو قَتْلُ أَبِي بصير صاحبهم
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٧٠ ]
الْعَامِرِيّ، أَسْنَدَ ظَهْرَهُ إلَى الْكَعْبَةِ، ثُمّ قَالَ: وَاَللهِ لَا أُؤَخّرُ ظَهْرِي عَنْ الْكَعْبَةِ حَتّى يُودِيَ هَذَا الرّجُلُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: وَاَللهِ إنّ هَذَا لَهُوَ السّفِهُ، وَاَللهِ لَا يُودَى ثَلَاثًا. فَقَالَ فِي ذَلِكَ مَوْهِبُ بْنُ رِيَاحٍ أَبُو أُنَيْسٍ، حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ:
قال ابن هشام: أبو أنيس أشعرىّ.
[شعر موهب فى ودى أبى بصير]
أَتَانِي عَنْ سُهَيْلٍ ذَرْءُ قَوْلٍ فَأَيْقَظَنِي وَمَا بِي مِنْ رُقَادِ
فَإِنْ تَكُنِ الْعِتَابَ تُرِيدُ مِنّي فَعَاتِبْنِي فَمَا بِكَ مِنْ بِعَادِي
أَتُوعِدُنِي وَعَبْدُ مَنَافٍ حَوْلِي بِمَخْزُومٍ أَلَهْفًا مَنْ تُعَادَى
فَإِنْ تَغْمِزْ قَنَاتِي لَا تَجِدْنِي ضَعِيفَ الْعُودِ فِي الْكُرَبِ الشّدَادِ
أُسَامِي الْأَكْرَمِينَ أَبًا بِقَوْمِي إذا وطىء الضّعِيفُ بِهِمْ أُرَادَى
هُمْ مَنَعُوا الظّوَاهِرَ غَيْرَ شَكّ إلَى حَيْثُ الْبَوَاطِنُ فَالْعَوَادِي
بِكُلّ طِمِرّةٍ وَبِكُلّ نَهْدٍ سَوَاهِمَ قَدْ طُوِينَ مِنْ الطّرَادِ
لَهُمْ بِالْخَيْفِ قَدْ عَلِمَتْ مَعَدّ رِوَاقِ الْمَجْدِ رفّع بالعماد
[ابن الزبعرى يرد عَلَى مَوْهَبٍ]
فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزّبَعْرَى، فَقَالَ:
وَأَمْسَى مَوْهِبٌ كَحِمَارِ سَوْءٍ أَجَازَ بِبَلْدَةٍ فيها ينادى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٧١ ]
فَإِنّ الْعَبْدَ مِثْلَك لَا يُنَاوِي سُهَيْلًا ضَلّ سعيك من تعادى
فأقصر يابن قَيْنِ السّوءِ عَنْهُ وَعَدّ عَنْ الْمَقَالَةِ فِي الْبِلَادِ
وَلَا تَذْكُرْ عِتَابَ أَبِي يَزِيدٍ فَهَيْهَاتَ الْبُحُورُ مِنْ الثّمَادِ
[أَمْرُ الْمُهَاجِرَاتِ بَعْدَ الْهُدْنَةِ]
الرسول ﷺ يأبى رد أم كلثوم (قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ): وَهَاجَرَتْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أُمّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعِيطٍ فِي تِلْكَ الْمُدّةِ، فخرج أخواها عمارة والوليد ابنا عقبة، حتى قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْأَلَانِهِ أَنْ يَرُدّهَا عَلَيْهِمَا بِالْعَهْدِ الّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ فِي الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، أبى الله ذلك.
[حول آية المهاجرات المؤمنات]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي الزّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يَكْتُبُ كِتَابًا إلَى ابْنِ أَبِي هُنَيْدَةَ، صَاحِبِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَتَبَ إلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ، فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ، لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ، وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ، وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا، وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٧٢ ]
- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاحِدَةُ الْعِصَمِ: عِصْمَةٌ، وَهِيَ الحبل والسّبب. قال عشى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ:
إلَى الْمَرْءِ قَيْسٍ نُطِيلُ السّرَى وَنَأْخُذُ مِنْ كُلّ حَيّ عِصَمِ
وهذا البيت فى قصيدة له.
وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ، وَلْيَسْئَلُوا مَا أَنْفَقُوا، ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
قَالَ: فَكَتَبَ إلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزّبَيْرِ: إنّ رسول الله ﷺ كان صَالَحَ قُرَيْشًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ يَرُدّ عَلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيّهِ، فَلَمّا هَاجَرَ النّسَاءُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وإلى الإسلام أتى اللهُ أَنْ يُرْدَدْنَ إلَى الْمُشْرِكِينَ إذَا هُنّ اُمْتُحِنّ بِمِحْنَةِ الْإِسْلَامِ، فَعَرَفُوا أَنّهُنّ إنّمَا جِئْنَ رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ، وَأَمَرَ بِرَدّ صَدُقَاتِهِنّ إلَيْهِمْ إنْ احْتَبَسْنَ عَنْهُمْ، إنْ هُمْ رَدّوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ صَدَاقَ مَنْ حُبِسُوا عَنْهُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ، ذلكم حكم الله يحكم بينكم، والله عليم حَكِيمٌ. فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النساء وردّ الرجال، وسأل الذى أَمَرَهُ اللهُ بِهِ أَنْ يَسْأَلَ مِنْ صَدُقَاتِ نساء من مَنْ حُبِسُوا مِنْهُنّ، وَأَنْ يَرُدّوا عَلَيْهِمْ مِثْلَ الّذِي يَرُدّونَ عَلَيْهِمْ، إنْ هُمْ فَعَلُوا، وَلَوْلَا الّذِي حَكَمَ اللهُ بِهِ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ لَرَدّ رَسُولُ اللهِ ﷺ النّسَاءَ كَمَا رَدّ الرّجَالَ، وَلَوْلَا الْهُدْنَةُ وَالْعَهْدُ الّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ لَأَمْسَكَ النّسَاءَ، وَلَمْ يَرْدُدْ لَهُنّ صَدَاقًا، وَكَذَلِكَ كَانَ يَصْنَعُ بِمَنْ جَاءَهُ مِنْ الْمُسْلِمَاتِ قَبْلَ العهد.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٧٣ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَأَلْت الزّهْرِيّ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَوْلِ اللهِ ﷿ فِيهَا: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ، فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ فَقَالَ: يَقُولُ: إنْ فَاتَ أَحَدًا مِنْكُمْ أَهْلُهُ إلَى الْكُفّارِ، وَلَمْ تَأْتِكُمْ امْرَأَةٌ تَأْخُذُونَ بِهَا مِثْلَ الّذِي يَأْخُذُونَ مِنْكُمْ، فَعَوّضُوهُمْ مِنْ فَيْءٍ إنْ أَصَبْتُمُوهُ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ
إلَى قَوْلِ اللهِ ﷿: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ، كَانَ مِمّنْ طَلّقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، طَلّقَ امْرَأَتَهُ قُرَيْبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَتَزَوّجَهَا بَعْدَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَهُمَا عَلَى شِرْكِهِمَا بِمَكّةَ، وَأُمّ كُلْثُومٍ بِنْتُ جَرْوَلَ أُمّ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ الْخُزَاعِيّةُ، فَتَزَوّجَهَا أَبُو جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ، رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَهُمَا عَلَى شِرْكِهِمَا.
[بشرى فتح مكة وتعجيل بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنّ بَعْضَ مَنْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ لَمّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ: أَلَمْ تَقُلْ يَا رَسُولَ اللهِ إنّك تَدْخُلُ مَكّةَ آمِنًا؟ قَالَ: بَلَى، أَفَقُلْت لَكُمْ مِنْ عَامِي هَذَا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهُوَ كَمَا قَالَ لِي جِبْرِيلُ ﵇.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٤٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غَزْوَةُ الْحُدَيْبِيَةِ يُقَالُ فِيهَا: الْحُدَيْبِيَةُ بِالتّخْفِيفِ، وَهُوَ الْأَعْرَفُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيّةِ. قَالَ الْخَطّابِيّ: أَهْلُ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ: الْحُدَيْبِيَةُ بِالتّشْدِيدِ، وَالْجِعْرَانَةُ كَذَلِكَ، وَأَهْلُ الْعَرَبِيّةِ يَقُولُونَهُمَا: بِالتّخْفِيفِ، وَقَالَ الْبَكْرِيّ: أَهْلُ الْعِرَاقِ يُشَدّدُونَ الرّاءَ وَالْيَاءَ فِي الْجِعْرَانَةِ وَالْحُدَيْبِيَةِ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ يُخَفّفُونَ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النّحّاسُ: سَأَلْت كُلّ مَنْ لَقِيته مِمّنْ أَثِقُ بِعِلْمِهِ عَنْ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَمْ يَخْتَلِفُوا عَلَى أَنّهَا بِالتّخْفِيفِ «١» .
الْمِيقَاتُ وَالْإِشْعَارُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ خُرُوجَ النّبِيّﷺ- مُعْتَمِرًا إلَى مَكّةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ: مِنْ أَيْنَ أَحْرَمَ، وَفِي الصّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ الزّهْرِيّ أَنّهُ أَحْرَمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا يُرْوَى عَنْ عَلِيّ ﵀ مِنْ قَوْلِهِ: إنّ تَمَامَ الْعُمْرَةِ أَنْ تُحْرِمَ بِهَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِك، وَهَذَا مِنْ قَوْلِ عَلِيّ مُتَأَوّلٌ فِيمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ مِنْ وَرَاءِ الْمِيقَاتِ، فَهُوَ الّذِي يُحْرِمُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، كَمَا يُحْرِمُ أَهْلُ مَكّةَ مِنْ مَكّةَ فِي الْحَجّ.
وَفِيهِ: أَنّهُ أَشْعَرَ الْهَدْيَ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ النّخَعِيّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ فِي قَوْلِهِمْ إنّ الْإِشْعَارَ مَنْسُوخٌ بِنَهْيِهِ عَنْ الْمُثْلَةِ، ويقال لهم: إن
_________________
(١) وأهل الحديث يكسرون العين وأهل الأدب يخففون الراء.
[ ٦ / ٤٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النّهْيَ عَنْ الْمُثْلَةِ كَانَ بِإِثْرِ غَزْوَةِ أُحُدٍ، فلا يكون الناسخ متقدما على المنسوخ
فيه شَرْحِ حَدِيثِ الْحُدَيْبِيَةِ:
وَفِيهِ أَنّهُمْ مَرّوا بِطَرِيقِ أَجْرَدَ، وَمَعْنَاهُ: كَثِيرُ الْحِجَارَةِ «١»، وَالْجَرَدُ: الْحَجَرُ.
وَفِيهِ أَنّهُ بَعَثَ عَيْنًا لَهُ مِنْ خُزَاعَةَ إلَى مَكّةَ، فَدَلّ عَلَى أَنّهُ يَجُوزُ لِلرّجُلِ أَنْ يُسَافِرَ وَحْدَهُ، إذَا مَسّتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ، أَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ صَلَاحٌ لِلْمُسْلِمَيْنِ.
وَفِي الْبُخَارِيّ وَالنّسَوِيّ أَنّ عَيْنَهُ الّذِي أَرْسَلَ جَاءَهُ بِغَدِيرِ الْأَشْطَاطِ، وَالْأَشْطَاطُ: جَمْعُ شَطّ، وَهُوَ السّنَامُ، قَالَ الرّاجِزُ «٢»:
شَطّا رَمَيْت فَوْقَهُ بِشَطّ وَشَطّ الْوَادِي: أَيْضًا جَانِبُهُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ الْأَشْظَاظُ بِالظّاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَاسْمُ عَيْنِهِ ذَلِكَ بُسْرُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الْخُزَاعِيّ «٣»، وَهُوَ الذى
_________________
(١) فى السيرة أجرل. والجرل: بالتحريك: الحجارة أو مع الشجر أو المكان الصلب الغليظ، والجرد من الأرض ما لا ينبت، والفضاء لا نبت فيه وهذا الإسم للفضاء، ومن هذا يتبين أن السهيلى وضع للجرد معنى الجرل، أو لعله خطأ من الناسخ، إذ جعل اللام دالا.
(٢) الرجز لأبى النجم، وهو الفضل بن قدامة بن عبيد الله عجلى من بنى عجل ابن لُجَيْمِ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيّ بْنِ بَكْرِ بن وائل، والرجز هكذا. علقت خودا من بنات الزط ذات جهاز مضغط ملط كأن تحت درعها المنعط شطا رميت فوقه بشط لم ينز فى الرفع ولم ينحط
(٣) أوعو يمر الخزاعى.
[ ٦ / ٤٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مع بديل بن أم أصرم «١» وهو بديل ابن سَلَمَةَ «٢» إلَى خُزَاعَةَ يَسْتَنْفِرُهُمْ إلَى قِتَالِ أَهْلِ مَكّةَ عَامَ الْفَتْحِ.
وَفِيهِ أَنّ قُرَيْشًا خَرَجَتْ وَمَعَهَا الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ. الْعُوذُ: جَمْعُ عَائِذٍ، وَهِيَ النّاقَةُ الّتِي مَعَهَا وَلَدُهَا، يُرِيدُ أَنّهُمْ خَرَجُوا بذوات الألبان من الإبل، ليتزوّدوا ألباسها، وَلَا يَرْجِعُوا، حَتّى يُنَاجِزُوا مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ فِي زَعْمِهِمْ، وَإِنّمَا قِيلَ لِلنّاقَةِ: عَائِذٌ، وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ هُوَ الّذِي يَعُوذُ بِهَا، لِأَنّهَا عَاطِفٌ عليه، كما قالوا نجارة رَابِحَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مَرْبُوحًا فِيهَا، لِأَنّهَا فِي مَعْنَى نَامِيَةٍ وَزَاكِيَةٍ، وَكَذَلِكَ عِيشَةٌ رَاضِيَةٌ لِأَنّهَا فِي مَعْنَى صَالِحَةٍ، وَمِنْ نَحْوِ هَذَا قَوْلُهُ:
وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا الْفَتْحُ: ٢٥ وَإِنْ كَانَ عَاكِفًا، لِأَنّهُ مَحْبُوسٌ فِي الْمَعْنَى، فَتَحَوّلَ وَزْنُهُ فِي اللّفْظِ إلَى وَزْنِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ، كَمَا قَالُوا فِي الْمَرْأَةِ: تُهْرَاقُ الدّمَاءَ، وَقِيَاسُهُ: تُهْرِيقُ الدّمَاءَ، وَلَكِنّهُ فِي مَعْنَى: تُسْتَحَاضُ، فَحُوّلَ إلَى وزن ما لم يسمّ فاعله وبقيت الدماء منصوبة على المفعول كما كانت «٣» .
_________________
(١) فى الأصل: أصوم.
(٢) فى القاموس: بديل بن ميسرة بن أم أصرم، وبديل بن سلمة. وفى الاشتقاق: بديل بن أم أصرم.
(٣) قد يكون منصوبا على التمييز، وإن كان معرفة، وله نظائر، أو يكون قد أجرى تهراق مجرى: نفست المرأة غلاما، ونتج الفرس مهرا، ويجوز رفع الدم على تقدير تهراق دماؤها، وتكون الألف واللام بدلا من الإضافة كقوله تعالى: (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) أى عقدة نكاحه أو نكاحها واللسان مادة هرق» .
[ ٦ / ٤٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ فِي بِئْرِ الْحُدَيْبِيَةِ: إنّمَا يُتَبَرّضُ مَاؤُهَا تبرّضا من البرض، وهو الماء الدى يَقْطُرُ قَلِيلًا قَلِيلًا، وَالْبَارِضُ مِنْ النّبَاتِ الّذِي كأنه يقطر من مِنْ الرّيّ وَالنّعْمَةِ. قَالَ الشّاعِرُ:
رَعَى بَارِضَ الْبُهْمَى جَمِيمًا وَبُسْرَةً وَصَمْعَاءَ حَتّى آنَفَتْهُ نِصَالُهَا «١»
يُقَالُ لِكُلّ شَيْءٍ فِي أَوّلِهِ: بُسْرَةٌ حَتّى لِلشّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِهَا، وَصَمْعَاءُ:
مُتّحِدَةٌ قَدْ شَوّكَتْ، قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَذَكَرَ أَنْ رَجُلًا مِنْ أسلم سلك بهم طريقا وعرا أجول يُقَالُ: إنّ ذَلِكَ الرّجُلُ هُوَ نَاجِيَةُ الْأَسْلَمِيّ، وَهُوَ سَائِقُ بُدْنِهِ، وَهُوَ نَاجِيَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، وَيُقَالُ فِيهِ ابْنُ عُمَيْرٍ، وَكَانَ اسْمُهُ: ذَكْوَانُ، فَسَمّاهُ النّبِيّ ﷺ: نَاجِيَةَ حِينَ نَجَا مِنْ كُفّارِ قُرَيْشٍ، وَعَاشَ إلَى زَمَنِ مُعَاوِيَةَ، وَأَمّا صَاحِبُ بُدْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي الْمُوَطّإِ وَغَيْرِهِ، فَاسْمُهُ: ذُؤَيْبُ بْنُ حَلْحَلَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كُلَيْبِ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُمَيْرِ بْنِ حُبْشِيّةَ بْنِ سَلُولَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ ربيعة، وهو لحىّ بن
_________________
(١) البيت فى اللسان وروايته: رعت. وفى الأصل: حميما وآلفته والتصويب من اللسان. وآنفته: جعلتها تشتكى- أنوفها بسفاها. ويروى حتى أنصاتها. والبهمى: نبات تحبه الغنم حبا شديدا مادام أخضر. قال الأزهرى: البهمى أول ما يبدو منها البارض، فاذا تحرك قليلا فهو جميم، فاذا أرتفع وتم قبل أن يتفقأ، فهو الصمعاء. والبسرة: الغض من البهمى «انظر اللسان فى مادة يسر، وصمع، وبهم.
[ ٦ / ٤٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَارِثَةَ جَدّ خُزَاعَةَ، وَذُؤَيْبٌ هَذَا هُوَ وَالِدُ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ الْقَاضِي صَاحِبُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَعَاشَ ذُؤَيْبٌ إلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ أَيْضًا.
وَذَكَرَ فِي نَسَبِ أَسْلَمَ بْنِ أَفْصَى بْنِ أَبِي حَارِثَةَ، وَهُوَ وَهْمٌ، وَقَدْ أَصْلَحَهُ ابن هشام، فقال: هو حارثة يعنى بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ مَاءِ السّماء ابن حارثة الغطريف بن امرىء الْقَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ الْأَسَدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ إسْحَاقَ لَمْ يَهِمْ فِيهِ، وَلَكِنّهُ نَسَبَهُ إلَى أَبِي حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، وَهُوَ عَمّ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَحَارِثَةُ هُوَ أَبُو الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ «١» .
وَذَكَرَ قَوْلَهُ ﵇: لَا تَدْعُونِي قُرَيْشٌ الْيَوْمَ إلَى خُطّةٍ، الْحَدِيثُ، وَفِي غَيْرِ رِوَايَةُ ابْنِ إسْحَاقَ عَنْ الزّهْرِيّ أَنّهُ قَالَ: وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَدْعُونِي قُرَيْش، وَلَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ: إنْ شَاءَ اللهُ، وَقَدْ تَكَلّمُوا فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: إنّمَا أَسْقَطَ الِاسْتِثْنَاءَ، لِأَنّهُ أَمْرٌ وَاجِبٌ كَانَ قَدْ أَمَرَ بِهِ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ فِي الْحَدِيثِ: إنّمَا أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ لَنْ أُخَالِفَ أَمْرَهُ، وَلَنْ يُضَيّعَنِي «٢»، وَقِيلَ إنّ إسْقَاطَ الِاسْتِثْنَاءِ إنّمَا هُوَ مِنْ الرّاوِي إمّا نَسِيَهُ وَإِمّا لَمْ يَحْفَظْهُ.
وَفِي الْحَدِيثِ: أَوْ تَنْفَرِدُ هَذِهِ السّالِفَةُ. السّالِفَةُ: صَفْحَةُ الْعُنُقِ، وانفرادها
_________________
(١) هذا لأن حارثة ولد ربيعة، وولد ربيعة عمرا، وهو أبو خزاعة.
(٢) رأى غير جيد، لأنه تعالى قال فى هذه القصة: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) مع تحقيق وقوع ذلك تعليما وإرشادا «عن فتح البارى» .
[ ٦ / ٤٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عبارة عن القتل أو الذيح، وَفِي الرّجَزِ الّذِي أَنْشَدَهُ:
يَا أَيّهَا الْمَائِحُ دَلْوِي دُونَكَا لَوْ قَالَ دُونَك دَلْوِي لَكَانَ الدّلْوُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْإِغْرَاءِ، فَلَمّا قَدّمَهَا عَلَى دُونَك، لَمْ يَجُزْ نَصْبُهَا بِدُونِك، وَلَكِنّهُ بِفِعْلِ آخَرَ، كَأَنّهُ قَالَ:
امْلَأْ دَلْوِي، فَقَوْلُهُ: دُونَكَا أَمْرٌ بَعْدَ أَمْرٍ.
وَفِيهِ قَوْلُهُ ﷺ: فِي الْحُلَيْسِ: إنّ هَذَا مِنْ قَوْمٍ يَتَأَلّهُونَ، أَيْ: يُعَظّمُونَ أَمْرَ الْإِلَهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ:
سَبّحْنَ، وَاسْتَرْجَعْنَ مَنْ تَأَلّهَ «١» أَيْ: مِنْ تَنَسّكٍ وَتَعْظِيمٍ لِلّهِ سُبْحَانَهُ.
وَصْفُ الْجَمْعِ بِالْمُفْرَدِ:
وَقَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ لِقُرَيْشِ: قَدْ عَرَفْتُمْ أَنّكُمْ وَالِدٌ: أَيْ كُلّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ كَالْوَالِدِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَنْتُمْ حَيّ قَدْ وَلَدَنِي، لِأَنّهُ كَانَ لِسُبَيْعَةَ «٢» بِنْتِ عَبْدِ شَمْسٍ «٣»، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي الْجَمَاعَةِ: هم لى صديق وعدوّ. وفى
_________________
(١) القصيدة فى ديوان رؤية والبيت هكذا: لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تألهى.
(٢) فى الأصل: سفيعة، وهو خطأ.
(٣) وعبد شمس هو ابن عبد مناف بن قصى.
[ ٦ / ٤٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) التّنْزِيلِ: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا النّسَاءُ: ٦٩ فَيُفْرَدُ لِأَنّهُ صِفَةٌ لِفَرِيقِ وَحِزْبٍ وَيَقْبُحُ أَنْ تَقُولَ: قَوْمُك ضَاحِكٌ أَوْ بَاكٍ، وَإِنّمَا يَحْسُنُ هَذَا إذَا وَصَفْت بِصَدِيقِ وَرَفِيقٍ وَعَدُوّ لِأَنّهَا صِفَةٌ تَصْلُحُ لِلْفَرِيقِ وَالْحِزْبِ، لِأَنّ الْعَدَاوَةَ وَالصّدَاقَةَ صِفَتَانِ مُتَضَادّتَانِ، فَإِذَا كَانَ عَلَى أَحَدِهِمَا الْفَرِيقُ الْوَاحِدُ، كَانَ الْآخَرُ عَلَى ضِدّهَا، وَكَانَتْ قُلُوبُ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ فِي تِلْكَ الصّفَةِ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي عُرْفِ الْعَادَةِ، فَحَسُنَ الْإِفْرَادُ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ مِثْلُ هَذَا فِي الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَنَحْوِهِ، حَتّى يُقَالَ: هُمْ قَاعِدٌ أَوْ قَائِمٌ كَمَا يُقَالُ: هُمْ صَدِيقٌ لِمَا قَدّمْنَاهُ مِنْ الِاتّفَاقِ وَالِاخْتِلَافِ. وَأَمّا قَوْلُهُ تَعَالَى: يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا غَافِرٌ: ٦٧، بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ النّورُ: ٥٩ فَالْأَحْسَنُ فِي حُكْمِ الْبَلَاغَةِ أَنْ يُعَبّرَ عَنْ الْأَطْفَالِ الرّضّعِ بِالطّفْلِ فِي الْوَاحِدِ وَالْجَمِيعِ، لِأَنّهُمْ مَعَ حِدْثَانِ الْوِلَادَةِ كَالْجِنْسِ الّذِي يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بِلَفْظِ وَاحِدٍ، أَلَا تَرَى أَنّ بَدْءَ الْخَلْقِ طِينٌ، ثُمّ مَنِيّ، وَالْمَنِيّ جِنْسٌ لَا يَتَمَيّزُ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ، فَلِذَلِكَ لَا يُجْمَعُ، وَكَذَلِكَ الطّينُ، ثُمّ يَكُونُ الْخَلْقُ عَلَقًا، وَهُوَ الدّمُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ جِنْسًا، ثُمّ يُخْرِجُهُمْ اللهُ طِفْلًا، أَيْ: جِنْسًا تَالِيًا لِلْعَلَقِ وَالْمَنِيّ لَا يَكَادُ يَتَمَيّزُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ إلّا عِنْدَ آبَائِهِمْ، فَإِذَا كَبُرُوا وَخَالَطُوا النّاسَ، وَعَرَفَ النّاسُ صُوَرَهُمْ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَصَارُوا كَالرّجَالِ وَالْفِتْيَانِ، قِيلَ فِيهِمْ: حِينَئِذٍ أَطْفَالٌ، كَمَا يُقَالُ: رِجَالٌ وَفِتْيَانٌ، وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ بِالْأَجِنّةِ أَنّهُمْ مُغَيّبُونَ فِي الْبُطُونِ، فَلَمْ يَكُونُوا كَالْجِنْسِ الظّاهِرِ لِلْعُيُونِ كَالْمَاءِ وَالطّينِ وَالْعَلَقِ، وَإِنّمَا جَمْعُ الْجَنِينِ عَلَى أَجِنّةٍ، وَحَسُنَ ذَلِكَ فِيهِ، لِأَنّهُ تَبَعٌ لِلْبَطْنِ الّذِي هُوَ فِيهِ، وَيُقَوّي هَذَا الْغَرَضَ الّذِي صمدنا إليه فى الطّال
[ ٦ / ٤٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مَجَاعَةَ لِعُمَرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَدْ سَأَلَهُ: هَلْ بَقِيَ مِنْ كُهُولِ بَنِي مَجَاعَةَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَشَكِيرٌ كَثِيرٌ، فَانْظُرْ كَيْفَ قَالَ: الْكُهُولُ وَجَمَعَ، وَقَالَ فِي الصّغَارِ: شَكِيرٌ كَمَا تَقُولُ: حَشِيشٌ، وَنَبَاتٌ، فَتُفْرَدُ، لِأَنّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَالطّفْلُ فِي مَعْنَى الشّكِيرِ مَا دَامُوا رُضّعًا، حَتّى يَتَمَيّزُوا بِالْأَسْمَاءِ وَالصّوَرِ عِنْدَ النّاسِ، فَهَذَا حُكْمُ الْبَلَاغَةِ، وَمَسَاقُ الفصاحة فافهمه.
وأما قول عروة: جمعت أو شاب النّاسِ، يُرِيدُ: أَخْلَاطًا، وَكَذَلِكَ الْأَوْبَاشُ.
وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ: أَمّا الْمَالُ فَلَسْت مِنْهُ «١» فِي شَيْء فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَنّ أَمْوَالَ الْمُشْرِكِينَ حَرَامٌ إذَا أَمّنُوك وَأَمّنْتهمْ، وَإِنّمَا يَحِلّ بِالْمُحَارَبَةِ والمبالغة لَا عِنْدَ طُمَأْنِينَتِهِمْ إلَيْك وَأَمَنَتِهِمْ مِنْك، فَإِنّ ذلك هو الغدر،
_________________
(١) كان المغيرة قبل إسلامه صحب قوما فى الجاهلية ثلاثة عشر من ثقيف من بنى مالك لما خرجوا المقوقس بمصر بهدايا، فأحسن إليهم، وأعطاهم، وقصر بالمغيرة، لأنه ليس من القوم، بل من أحلافهم، فغار منهم ولم يواسه أحد منهم، فلما كان ببعض الطريق شربوا الخمر، وناموا، فوثب المغيرة، فقتلهم كلهم، وأخذ أموالهم، ثم جاء إلى المدينة، فأسلم فقال أبو بكر: ما فعل المالكيون الذين كانوا معك؟ قال: قتلتهم، وجئت بأسلابهم إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، ليحسن، أو ليرى رأيه فيها، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: أَمَا الإسلام- بالنصب على المفعولية- فأقبل، وأما المال فلست منه فى شىء «المواهب ص ١٩١ ح ٢» ورواية البخارى ومسلم «صحب قوما فى الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبى «ص» أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه فى شىء» .
[ ٦ / ٤٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَفِي هَذَا الْمَعْنَى آثَارٌ قَدْ مَضَى بَعْضُهَا، وَسَيَأْتِي بَعْضُهَا فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ وَغَيْرِهَا.
وَفِيهِ: أَنّهُمْ كَانُوا يَتَدَلّكُونَ بِنُخَامَةِ النّبِيّﷺ إذَا تَنَخّمَ.
وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ النّخَامَةِ خِلَافًا لِلنّخَعِيّ، وَمَا يُرْوَى فِي ذَلِكَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيّ. وَحَدِيثُ: إذَا تَنَخّمَ أَحَدُكُمْ فِي الصّلَاة أَبْيَنُ فِي الْحُجّةِ، لِأَنّ حَدِيثَ السّيرَةِ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ بِالنّبِيّ ﷺ «١» .
حَوْلَ الْمُصَالَحَةِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ مُصَالَحَةَ النّبِيّﷺ- لِقُرَيْشِ وَشَرْطَهُمْ أَنْ لَا يَأْتِيَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ مِمّنْ هُوَ عَلَى دِينِهِ إلّا رَدّهُ عَلَيْهِمْ، وَفِي هذا الحديث مصالحة
_________________
(١) لا يعتبر عمل الصحابة هنا هدا يهتدى به أو أسوة يقتدى بها، أو عملا يمكن أن يضاف إلى الإسلام كشعيرة أو سنة. فإنه عمل إن صح الحديث مرتبط بما فعل من أجله، لا يتعداه، ولا يحتسب قاعدة. بدليل أن أحدا من الصحابة لم يفعله بعد ذلك، وهى لمحة رئعة من لمحات صاحب الفتح أن يقول: «ولعل الصحابة فعلوا ذلك بحضرة عروة بالغوا فى ذلك إشارة إلى الرد على ما حشيه من فرارهم، فكانهم قالوا بلسان الحال: من نحبه هذه المحبة. ونعظمه هذا التعظيم، كيف يظن به أن نفر عنه ونسلمه لعدو، بل هم أشد اعتباطا به وبدينه ونصره من هذه القبائل التى تداعى بعضها بمجرد الرحم، ص ١٩٢ ح ٢ المواهب. ولعل من دنس الفهم وقذارته أن نتصور فى الإسلام أنه بمجد مثل هذا أو يفتح له بابا يدخل منه إلى شريعته. أو يحث الناس على التدلك بنخامة شيوخهم كما يفترون!! هذا وقد روى عن أبى هريرة وأبى سعيد أن رسول الله «ص» رأى تخامة فى جدار المسجد فتناول حصاة. فحتها، وقال إذا تخم احدكم فلا يتنخمن قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى «متفق عليه» وفى رواية البخارى: فيدفها.
[ ٦ / ٤٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الْمُشْرِكِينَ عَلَى غَيْرِ مَالٍ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ، وَقَدْ تَقَدّمَ مُصَالَحَتُهُمْ عَلَى مَالٍ يُعْطُونَهُ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، وَاخْتُلِفَ: هَلْ يَجُوزُ صُلْحُهُمْ إلَى أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا رَآهُ الْإِمَامُ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَتَجَاوَزُ فِي صُلْحِهِمْ إلَى أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، وَحُجّتُهُمْ أَنّ حَظْرَ الصّلْحِ هُوَ الْأَصْلُ بِدَلِيلِ آيَةِ الْقِتَالِ، وَقَدْ وَرَدَ التّحْدِيدُ بِالْعَشْرِ فِي حَدِيثِ ابْنِ إسْحَاقَ فَحَصَلَتْ الْإِبَاحَةُ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ متحقّقة، وبقيت الزيادة على الأصلى وَهُوَ الْحَظْرُ، وَفِيهِ الصّلْحُ عَلَى أَنْ يُرَدّ الْمُسْلِمُ إلَى دَارِ الْكُفْرِ، وَهَذَا مَنْسُوخٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ سُرّيّةِ خَالِدٍ حِينَ وَجّهَهُ النّبِيّﷺ إلَى خَثْعَمٍ، وَفِيهِمْ نَاسٌ مُسْلِمُونَ فَاعْتَصَمُوا بِالسّجُودِ فَقَتَلَهُمْ خَالِدٌ، فَوَدَاهُمْ النّبِيّﷺ- نِصْفَ الدّيَةِ، وَقَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ مُسْلِمٍ بَيْنَ مُشْرِكِين، وَقَالَ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ: هُوَ جَائِزٌ، وَلَكِنْ لِلْخَلِيفَةِ الْأَكْبَرِ لَا لِمَنْ دُونَهُ، وَفِيهِ: نَسْخُ السّنّةِ بِالْقُرْآنِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، فَإِنّ هَذَا الْعَهْدَ كَانَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَأْتِيَهُ مُسْلِمٌ إلّا رَدّهُ، فَنَسَخَ اللهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي النّسَاءِ خَاصّةً، فَقَالَ ﷿: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ [فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ] الْمُمْتَحَنَةُ: ١٠ هَذَا عَلَى رِوَايَةِ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ الزّهْرِيّ، فَإِنّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: أَنْ لَا يَأْتِيَهُ أَحَدٌ، وَأَحَدٌ يَتَضَمّنُ الرّجَالَ وَالنّسَاءَ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ فِي مِثْلِ هَذَا تَخْصِيصُ عُمُومٍ لَا نَسْخٌ، عَلَى أَنّ بَعْضَ حُذّاقِ الْأُصُولِيّينَ قَدْ قَالَ فِي الْعُمُومِ: إذَا عُمِلَ بِمُقْتَضَاهُ فِي عَصْرِ النّبِيّﷺ- وَاعْتُقِدَ فِيهِ الْعُمُومُ، ثُمّ وَرَدَ التّخْصِيصُ فَهُوَ نَسْخٌ، وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنْ لَا يَأْتِيَهُ رَجُلٌ. فَهَذَا اللّفْظُ لَا يَتَنَاوَلُ
[ ٦ / ٤٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النّسَاءَ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إنّمَا اسْتَجَازَ النّبِيّﷺ- رَدّ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ فِي هَذَا الصّلْحِ لِقَوْلِهِ ﵇: لَا تَدْعُونِي قُرَيْشٌ إلَى خُطّةٍ يُعَظّمُونَ فِيهَا الْحَرَمَ إلّا أَجَبْتهمْ إلَيْهَا، وَفِي رَدّ الْمُسْلِمِ إلَى مَكّةَ عِمَارَةُ الْبَيْتِ، وَزِيَادَةُ خَيْرٍ لَهُ فِي الصّلَاةِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالطّوَافِ بِالْبَيْتِ، فَكَانَ هَذَا مِنْ تَعْظِيمِ حُرُمَاتِ اللهِ تَعَالَى، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ حُكْمًا مَخْصُوصًا بِمَكّةَ، وَبِالنّبِيّ ﷺ، وَيَكُونُ غَيْرَ جَائِزٍ لِمَنْ بَعْدَهُ كَمَا قَالَ الْعِرَاقِيّونَ.
حُكْمُ الْمُهَاجِرَاتِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ اللهِ سُبْحَانَهُ: إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ، فَامْتَحِنُوهُنَّ الْمُمْتَحَنَةُ: ١. هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَخْصُوصٌ بِنِسَاءِ أَهْلِ الْعَهْدِ وَالصّلْحِ، وَكَانَ الِامْتِحَانُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمَرْأَةَ الْمُهَاجِرَةَ أَنّهَا مَا خَرَجَتْ نَاشِزًا وَلَا هَاجَرَتْ إلّا لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ «١»، فَإِذَا حَلَفَتْ لَمْ تُرَدّ وَرُدّ صَدَاقُهَا إلَى بَعْلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْعَهْدِ لَمْ تُسْتَحْلَفْ، وَلَمْ يُرَدّ صَدَاقُهَا.
وَفِيهِ: أَنّ النّبِيّ ﷺ مَحَا اسْمَهُ، وَهُوَ رَسُولُ اللهِ، وَكَتَبَ:
هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، لِأَنّهُ قَوْلُ حَقّ كُلّهُ، وَظَنّ بَعْضُ النّاسِ أَنّهُ كَتَبَ بِيَدِهِ، وَفِي الْبُخَارِيّ أَنّهُ كَتَبَ، وَهُوَ لَا يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ، فَتَوَهّمَ أَنّ اللهَ تَعَالَى أَطْلَقَ يَدَهُ بِالْكِتَابَةِ فِي تِلْكَ السّاعَةِ خَاصّةً، وَقَالَ: هِيَ آيَةٌ، فَيُقَالُ لَهُ: كَانَتْ تَكُونُ آيَةً لَوْلَا أَنّهَا مُنَاقِضَةٌ لِآيَةِ أُخْرَى، وَهُوَ كَوْنُهُ أُمّيّا لَا يكتب،
_________________
(١) اقرأ تفسير ابن كثير للآية فقد روى غير هذا.
[ ٦ / ٤٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَبِكَوْنِهِ أُمّيّا فِي أُمّةٍ أُمّيّةٍ قَامَتْ الْحُجّةُ، وَأُفْحِمَ الْجَاحِدُ، وَانْحَسَمَتْ الشّبْهَةُ، فَكَيْفَ يُطْلِقُ اللهُ يَدَهُ، لِتَكُونَ آيَةً؟ وَإِنّمَا الْآيَةُ أَنْ لَا يَكْتُبَ وَالْمُعْجِزَاتُ «١» يَسْتَحِيلُ أَنْ يَدْفَعَ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَإِنّمَا مَعْنَى: كَتَبَ أَيْ: أَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ «٢» وَكَانَ الْكَاتِبُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلِيّ بْنَ أبى طالب، وقد كتب له عدّة
_________________
(١) أذكر هنا بأن الله سبحانه سمى ما أعطاه لرسله آيات، لا معجزات.
(٢) نص رواية البخارى والنسائى وأحمد «فأخذ الكتاب، وليس يحسن أن يكتب، فكتب مكان رسول الله محمد بن عبد الله» ولهذا يتبين لنا ان تأويل السهيلى غير جيد. ولأن هذه الرواية مخالفة لكل الروايات الصحيحة أنكر بعض المأخرين على أبى موسى المدينى نسبتها للبخارى فقال: ليست فى البخارى ولا فى مسلم. وهو كما قال عن مسلم، ولكنها ثابتة فى البخارى. وقد تمسك بظاهر رواية البخارى أبو الوليد الباجى سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب المتوفى سنة ٤٧٤ هـ، فزعم أن النبى «ص» كتب بعد أن لم يكن يحسن أن يكتب، فشنع عليه علماء الأندلس، وبهتوه بالزندقة، وشنعوا عليه من على المنابر فى الجمع، فجمعهم به الأمير، فاستظهر الباجى بما كان يعرف من فنون القول والمجادلة، وزعم أن رأيه غير مخالف للقرآن، بل إنه يؤخذ من مفهوم القرآن، لأنه قيد نفى الكتابة عنه بما قبل ورود القرآن: (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ، وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ) وبعد أن تحققت أمنيته، وتقررت بذلك معجزته وأمن الارتياب فى ذلك، لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم، فيكون معجزة أخرى وقد وافقه جماعة، وأنكر عليه آخرون كثيرون. أنظر فتح البارى فى شرح الحديث والمواهب اللدنية ص ١٩٦ وما عدها ح ٢. أقول: وما استنبطه الباجى مخالف لما تواتر وللروايات الصحيحة.
[ ٦ / ٤٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْ أَصْحَابِهِ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْأَرْقَمِ، وخالد بن سعيد، وأخوه أبان، وزيد ابن ثَابِتٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبي بن سَلُولَ، وَأُبَيّ بْنُ كَعْبٍ الْقَارِي، وَقَدْ كَتَبَ لَهُ أَيْضًا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵃، وَكَتَبَ لَهُ كَثِيرًا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بَعْدَ عَامِ الفتح، وكتب له أيضا الزّبير ابن الْعَوّامِ، وَمُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وعمرو بن العاصى، وجهيم بن الصّلت، وعبد الله ابن رَوَاحَةَ، وَمُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَحَنْظَلَةُ الْأُسَيْدِيّ، وَهُوَ حَنْظَلَةُ بْنُ الرّبِيعِ، وَفِيهِ يَقُولُ الشّاعِرُ بَعْدَ مَوْتِهِ:
إنّ سَوَادَ الْعَيْنِ أَوْدَى بِهِ حُزْنٌ عَلَى حَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ
وَالْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيّ، ذَكَرَهُمْ عُمَرُ بْنُ شَبّةَ فِي كِتَابِ الْكُتّابِ لَهُ «١» .
بِاسْمِك اللهُمّ:
وَأَمّا قَوْلُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو لَهُ: وَلَكِنْ اُكْتُبْ: بِاسْمِك اللهُمّ، فَإِنّهَا كَلِمَةٌ كَانَتْ قُرَيْشٌ تَقُولُهَا وَلِقَوْلِهِمْ لَهَا سَبَبٌ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ التّعْرِيفِ وَالْإِعْلَامِ، وَأَوّلُ مَنْ قَالَهَا أُمَيّةُ بْنُ أَبِي الصّلْتِ، وَمِنْهُ تَعَلّمُوهَا وَتَعَلّمَهَا هُوَ مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْجِنّ فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ ذَكَرَهُ الْمَسْعُودِيّ «٢» وَهُوَ الْخَبَرُ الّذِي لخصناه فى الكتاب المذكور.
_________________
(١) ذكر ابن القيم فى زاد المعاد منهم عامر بن فهيرة، وثابت بن قيس ابن شماس.
(٢) يثير الدهشة أن يصدق الرجل الكثير مثل هذا الخرف الصغير.
[ ٦ / ٤٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَيْبَةٌ مَكْفُوفَةٌ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ فِي الْكِتَابِ: وَأَنّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ عَيْبَةً مَكْفُوفَةً «١» أَيْ: صُدُورٌ مُنْطَوِيَةٌ عَلَى مَا فِيهَا لَا تُبْدِي عَدَاوَةً، وَضَرَبَ الْعَيْبَةَ مَثَلًا، وَقَالَ الشّاعِرُ:
وَكَادَتْ عِيَابُ الْوُدّ منّا ومتهم وَإِنْ قِيلَ أَبْنَاءُ الْعُمُومَةِ تَصْفَرُ
وَقَالَ ﷺ: الْأَنْصَارُ كَرِشِي وَعَيْبَتِي «٢» فَضَرَبَ الْعَيْبَةَ مَثَلًا لِمَوْضِعِ السّرّ، وَمَا يُعْتَدّ بِهِ مِنْ وُدّهِمْ. وَالْكَرِشُ وِعَاءٌ يُصْنَعُ مِنْ كَرِشِ البعبر، يُجْعَلُ فِيهِ مَا يُطْبَخُ مِنْ اللّحْمِ، يُقَالُ: مَا وَجَدْت لِهَذِهِ الْبَضْعَةِ فَاكَرِشٍ، أَيْ: إنّ الْكَرِشَ قَدْ امْتَلَأَ، فَلَمْ يَسَعْهَا فَمُهُ. وَيُضْرَبُ أيضا هذا مثلا «٣»،
_________________
(١) ليس فى السيرة وبينكم.
(٢) أراد «ص» أنهم بطانه وموضع سره وأمانته، والذين يعتمد إليهم فى اموره. واستعار الكرش وتعيبه لذلك، لأن المجتر بجمع لمفه فى كرشه، والرجل يضع ثيابه فى عيبته. وقيل: أراد بالكرش: الجماعة أى: جماعتى وصحابتى، يقال. عليه كرش، أى جماعة «النهاية لابن الأثير» والحديث فى البخارى: «أوصيكم بالأنصار، فانهم كرشى وعيبتى، وقد قضوا الذى عليهم، وبقى الذى لهم فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» .
(٣) أى لم أجد إليه سبيلا؛ وعن اللحيانى: لو وجدت إليه فاكرش، وباب كرش، وإنى فى كرش لأتيته، يعنى قدر ذلك من السبل، ومثله قولهم لو وجدت إليه: فاسبيل، وأصل المثل أن رجلا فصل شاة. فأدخلها فى كرشتها. ليطبحها، فقيل له: أدخل الرأس، فقال: إن وجدت إلى ذلك فاكرش يعنى: إن وجدت إليه سبيلا، وقيل غير ذلك ولكنه قريب من هذا.
[ ٦ / ٤٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) كَمَا قَالَ الْحَجّاجُ: مَا وَجَدْت إلَى دَمِ فُلَانٍ فَاكَرِشٍ. وَقَوْلُهُ: وَلَا إغْلَالَ، هِيَ الْخِيَانَةُ، يُقَالُ: فُلَانٌ مُغِلّ الْأُصْبُعِ، أَيْ خَائِنُ الْيَدِ. قَالَ الشّاعِرُ: حَدّثْت نَفْسَك بِالْوَفَاءِ، وَلَمْ تَكُنْ بِالْغَدْرِ خَائِنَةً مِثْلَ الْأُصْبُعِ وَالْإِسْلَالُ: السّرِقَةُ، وَالْخُلْسَةُ وَنَحْوُهَا، وَهِيَ السّلّةُ قَالُوا فِي الْمَثَلِ: الْخَلّةُ تدعو إلى السّنّة. أبو جندل وصاحباه فِي الْخَمْرِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ خُرُوجَ أَبِي جَنْدَلٍ يرسف فى الحديد. أبو جندل، هو العاصى بْنُ سُهَيْلٍ، وَأَمّا أَخُوهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَكَانَ قَدْ فَرّ يَوْمَ بَدْرٍ إلَى الْمُسْلِمِينَ، فَلَحِقَ بِهِمْ، وَشَهِدَ بَدْرًا، وَالْمَشَاهِدَ كُلّهَا، وَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا، وَأَمّا أَبُو جَنْدَلٍ، فَاسْتُشْهِدَ مَعَ أَبِيهِ بِالشّامِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَهُوَ الّذِي شَرِبَ الْخَمْرَ مُتَأَوّلًا لِقَوْلِهِ ﵎ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا [إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا؛ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] الْمَائِدَةُ: ٩٣ فَجَلَدَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَمْرِ عُمَرَ وَجَلَدَ صَاحِبَهُ، وَهُوَ ضِرَارٌ، ثُمّ إنّ أَبَا جَنْدَلٍ أَشْفَقَ مِنْ الذّنْبِ حَتّى قَالَ: لَقَدْ هَلَكْت، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ ﵁، فَكَتَبَ إلَيْهِ: إنّ الّذِي زَيّنَ لَك الْخَطِيئَةَ هُوَ الّذِي حَظَرَ عَلَيْك التوبة:
[ ٦ / ٤٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم «١» تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ الْآيَةُ. وَكَانَ شَرِبَهَا مَعَهُ ضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ، وَأَبُو الْأَزْوَرِ، فَلَمّا أَمَرَ عُمَرُ أَنْ يُجْلَدُوا، قَالُوا: دَعْنَا نَلْقَى الْعَدُوّ، فَإِنْ قُتِلْنَا فَذَاكَ، وَإِلّا حَدَدْتُمُونَا، فَقُتِلَ أَبُو الْأَزْوَرِ، وَحُدّ الْآخَرَانِ.
الدنية التى رفضها عمر:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ عُمَرَ﵁- فغلام نُعْطَى الدّنِيّةَ فِي دِينِنَا، هِيَ فَعِيلَةٌ مِنْ الدّنَاءَةِ، وَأَصْلُهَا الْهَمْزُ، وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ لِعُمَرِ: إنّي عَبْدُ اللهِ وَلَسْت أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي، وَأَنّهُ أَتَى أَبَا بَكْرٍ﵁- فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِلنّبِيّ ﷺ، فَجَاوَبَهُ أَبُو بَكْرٍ بِمِثْلِ مَا جَاوَبَهُ بِهِ النّبِيّ ﷺ حَرْفًا بِحَرْفِ، ثُمّ قَالَ لَهُ: يَا عُمَرُ الْزَمْ غَرْزَهُ «٢»، فَإِنّي أَشْهَدُ أَنّهُ رَسُولُ اللهِ، قَالَ عُمَرُ:
وَمَا شَكَكْت مُنْذُ أَسْلَمْت إلّا تِلْكَ السّاعَةَ، وَفِي هَذَا أَنّ الْمُؤْمِنَ قَدْ يَشُكّ، ثُمّ يُجَدّدُ النّظَرَ فِي دَلَائِلِ الْحَقّ فَيَذْهَبُ شَكّهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ قَالَ: هُوَ شَيْءٌ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ، ثُمّ ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ قَوْلَ إبْرَاهِيمَﷺ (ولكن ليطمئنّ قلبى) وَلَوْلَا الْخُرُوجُ عَمّا صَمَدْنَا إلَيْهِ فِي هَذَا الكتاب
_________________
(١) تقرأ هكذا: حاميم، وكل أخواتها.
(٢) أى اعتلق به، وأمسكه. واتبع قوله وفعله ولا تخالفه، فاستعار له الغرز كالذى يمسك بركاب الراكب ويسير بسيره. والغرز هو ركاب كور الجمل، وقيل: هو الكور مطلقا مثل الركاب للسرج «مختصر عن النهاية» .
[ ٦ / ٤٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِ إبْرَاهِيمَ ﷺ (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي)، وَذَكَرْنَا النّكْتَةَ الْعُظْمَى فِي ذَلِكَ، وَلَعَلّنَا أَنْ نَلْقَى لَهَا مَوْضِعًا، فَنَذْكُرَهَا. وَالشّكّ الّذِي ذَكَرَهُ عُمَرُ وابن عباس مالا يُصِرّ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ، وَإِنّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْوَسْوَسَةِ الّتِي قَالَ فِيهَا ﵇ مُخْبِرًا عَنْ إبْلِيسَ:
الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي رَدّ كَيْدَهُ إلَى الْوَسْوَسَةِ.
مَوْقِفُ أُمّ سَلَمَةَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ:
وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ مِنْ الصّحِيحِ أَنّهُ ﵇ دَخَلَ عَلَى أُمّ سَلَمَةَ، وَشَكَا إلَيْهَا مَا لَقِيَ مِنْ النّاسِ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحْلِقُوا وَيَنْحَرُوا، فَلَمْ يَفْعَلُوا لِمَا بِهِمْ مِنْ الْغَيْظِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ اُخْرُجْ إلَيْهِمْ، فَلَا تُكَلّمْهُمْ، حَتّى تَحْلِقَ وَتَنْحَرَ، فَإِنّهُمْ إذَا رَأَوْك قَدْ فَعَلْت ذَلِكَ، لَمْ يُخَالِفُوك. فَفَعَلَ ﷺ، وَفَعَلَ النّاسُ، وَكَانَ الّذِي حَلَقَ رَأْسَ رَسُولِ اللهِﷺ- فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ خِرَاشَ بْنَ أُمَيّةَ [بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ مُنْقِذِ بْنِ عَفِيفِ بْنِ كُلَيْبِ بْنِ حبشية بن سَلُولَ] الْخُزَاعِيّ [ثُمّ الْكَلْبِيّ] «١» وَهُوَ الّذِي كَانَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ إلى مَكّةَ فَعَقَرُوا جَمَلَهُ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَحِينَئِذٍ بَعَثَ إلَيْهِمْ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ ﵁، فَفِي تَرْكِهِمْ لِلْبِدَارِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ الْأَمْرَ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ، كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْأُصُولِيّينَ، وَفِيهِ أَنّهُمْ حَمَلُوا الْأَمْرَ عَلَى غَيْرِ الْوُجُوبِ لِقَرِينَةِ، وَهِيَ أَنّهُمْ رَأَوْهُ لم يحلق ولم ينحر،
_________________
(١) الزيادة من الإصابة.
[ ٦ / ٤٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَلَمْ يُقَصّرْ، فَلَمّا رَأَوْهُ قَدْ فَعَلَ اعْتَقَدُوا وُجُوبَ الْأَمْرِ وَامْتَثَلُوهُ. وَفِيهِ أَيْضًا إبَاحَةُ مُشَاوَرَةِ النّسَاءِ، وَذَلِكَ أَنّ النّهْيَ عَنْ مُشَاوَرَتِهِنّ إنّمَا هُوَ عِنْدَهُمْ فِي أَمْرِ الْوِلَايَةِ خَاصّةً، كَذَلِكَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النّحّاسُ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ.
الْمُقَصّرُونَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ اسْتِغْفَارَ النّبِيّﷺ- لِلْمُحَلّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصّرِينَ مَرّةً وَاحِدَةً. وَلَمْ يَكُنْ الْمُقَصّرُ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إلّا رَجُلَيْنِ، أَحَدُهُمَا عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ، وَالْآخَرُ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيّ، كَذَلِكَ جَاءَ فِي مُسْنَدِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ ﵁.
أَبُو بَصِيرٍ:
وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي بَصِيرٍ وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ، فَقِيلَ: عُبَيْدُ بْنُ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ، وَقِيلَ عتبة.
وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ ﷺ لَهُ حِينَ قَتَلَ أَحَدَ الرّجُلَيْنِ: وَيْلُ أُمّهِ مَحَشّ حَرْبٍ. وَفِي الصّحِيحِ: وَيْلُ أُمّهِ مُسَعّرُ حَرْب، يُقَالُ: حَشَشْت النّارَ، وَأَرّثْتُهَا، وَأَذْكَيْتهَا، وَأَثْقَبْتُهَا وَسَعّرْتهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَسُمّيَ الْأَسْعَرُ الْجُعْفِيّ أَسْعَرَ بِقَوْلِهِ:
فَلَا يدعنى قومى لسعد بن مالك لئن أتا لَمْ أُسْعِرْ عَلَيْهِمْ وَأُثْقِبِ
وَكَانَ اسْمُهُ مَرْثَدَ بْنَ حُمْرَانَ «١»، وَمَالِكٌ فِي هَذَا الْبَيْتِ: هُوَ مذحج،
_________________
(١) فى المؤتلف للآمدى ص ٥٨ ابن أبى حمران وكذلك فى الاشتقاق ص ٤٠٨-
[ ٦ / ٤٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَمّا لُحُوقُ أَبِي بَصِيرٍ بِسَيْفِ الْبَحْرِ، فَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنْ الزّهْرِيّ، أَنّهُ كَانَ يُصَلّي بِأَصْحَابِهِ هُنَالِكَ، حَتّى لَحِقَ بِهِمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ فَقَدّمُوهُ، لِأَنّهُ قُرَشِيّ، فَلَمْ يَزَلْ أَصْحَابُهُ يَكْثُرُونَ، حَتّى بَلَغُوا ثَلَاثَمِائَةٍ، وَكَانَ أَبُو بَصِيرٍ كَثِيرًا مَا يَقُولُ هُنَالِكَ: اللهُ الْعَلِيّ الْأَكْبَرُ، مَنْ يَنْصُرُ اللهَ فَسَوْفَ يُنْصَرْ، فَلَمّا جَاءَهُمْ الْفَرَجُ مِنْ اللهِ تَعَالَى، وَكَلّمَتْ قُرَيْشٌ النبىّ ﵇ أَنْ يُؤْرِبَهُمْ إلَيْهِ لَمّا ضَيّقُوا عَلَيْهِمْ، وَرَدَ كِتَابُ النّبِيّ ﷺ وَأَبُو بَصِيرٍ فِي الْمَوْتِ، يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَأُعْطِي الْكِتَابَ فجعل يقرأه ويسرّبه، حَتّى قُبِضَ وَالْكِتَابُ عَلَى صَدْرِهِ، فَبُنِيَ عَلَيْهِ هُنَاكَ مَسْجِدٌ، يَرْحَمُهُ اللهُ «١» .
عُمْرَةٌ:
وَفِي الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ السّيرَةِ أَنّ الْمُسْلِمِينَ حِينَ حَلَقُوا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَهُمْ بِالْحِلّ قَدْ مُنِعُوا أَنْ يَدْخُلُوا الْحَرَمَ جَاءَتْ الرّيحُ، فَاحْتَمَلَتْ شُعُورَهُمْ حتى
_________________
(١) - ولكنه فى سمط البكرى ص ٩٤ كما هنا، والكل على أن كنيته: أبو حمران، وهو شاعر جاهلى.
(٢) لا ريب فى أنه بنى بعد ذلك بكثير، فليس من هدى الإسلام إقامة المساجد على القبور. فقد وصف الرسول «ص» - كما جاء فى البخارى ومسلم- الذين يفعلون ذلك بأنهم شرار الخلق عند الله يوم القيامة ولعن الذين يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، أما إقامة مسجد على كهف أهل الكهف فكان من عمل الذين علبوا على الأمر، أما الذين قالوا: ربهم أعلم بهم- وهذه كلمة الإيمان العظيم- فقالوا ابنوا عليهم بنيانا. أى سدوا عليهم باب الكهف.
[ ٦ / ٤٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَلْقَتْهَا فِي الْحَرَمِ، فَاسْتَبْشَرُوا بِقَبُولِ اللهِ عُمْرَتَهُمْ. ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ.
وَالْعُمْرَةُ مُشْتَقّةٌ مِنْ عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَبُنِيَتْ عَلَى فُعْلَةٍ، لِأَنّهَا فِي مَعْنَى قُرْبَةٍ وَوُصْلَةٍ إلَى اللهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنّهَا الزّيَارَةُ فِي اللّغَةِ بِبَيّنِ، وَلَا فِي قَوْلِ الْأَعْشَى حُجّةٌ لَهُمْ لِأَنّهُ مُحْتَمَلُ التّأْوِيلِ وَهُوَ قَوْلُهُ:
وَجَاشَتْ النّفْسُ لَمّا جَاءَ فَلّهُمْ وَرَاكِبٌ جَاءَ مِنْ تَثْلِيثَ مُعْتَمِرُ
قَتْلُ أَبِي بَصِيرٍ لِلْكَافِرِ:
فَصْلٌ: وَمِمّا يُسْأَلُ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَبِي بَصِيرٍ قَتْلُهُ الرّجُلَ الْكَافِرَ، وَهُوَ فِي الْعَهْدِ: أَكَانَ ذَلِكَ حَرَامًا أَمْ مُبَاحًا لَهُ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ رَفْعُ الْحَرَجِ عَنْهُ، لِأَنّ النّبِيّﷺ- لَمْ يُثَرّبْ، بَلْ مَدَحَهُ، وَقَالَ: وَيْلُ أُمّهِ مِحَشّ حَرْبٍ. فَإِنْ قِيلَ: وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ جَائِزًا لَهُ، وَقَدْ حَقَنَ الصّلْحُ الدّمَاءَ؟ قُلْنَا: إنّمَا ذَلِكَ فِي حَقّ أَبِي بَصِيرٍ عَلَى الْخُصُوصِ، لِأَنّهُ دَافَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَدِينِهِ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَإِنّمَا لَمْ يُطَالِبْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ- بِدِيَةِ. لأن أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ لَمْ يُطَالِبُوهُ، إمّا لِأَنّهُمْ كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا، وَإِمّا لِأَنّ اللهَ شَغَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، حَتّى انْتَكَثَ الْعَهْدُ، وَجَاءَ الْفَتْحُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنّ النّبِيّ ﷺ كَانَ يَدِي مَنْ قُتِلَ خَطَأً مِنْ أَهْلِ الصّلْحِ كَمَا وَدَى الْعَامِرِيّيْنِ «١» وَغَيْرَهُمَا قُلْنَا: عَنْ هذا جوابان، أحدهما:
_________________
(١) هذا بنص القرآن (وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)
[ ٦ / ٤٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَنّ أَبَا بَصِيرٍ كَانَ قَدْ رَدّهُ إلَى الْمُشْرِكِينَ، فَصَارَ فِي حُكْمِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ فِي فِئَةِ الْمُسْلِمِينَ وَحِزْبِهِمْ، فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِمَا يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ.
وَالْجَوَابُ الثّانِي: أَنّهُ إنْ كَانَ قَتَلَ عَمْدًا، وَلَمْ يَكُنْ قَتَلَ خَطَأً، كَمَا كَانَ قَتَلَ الْعَامِرِيّيْنِ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا [وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا] «١»
مِنْ مَوَاقِفِ عُمَرَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ:
فَصْلٌ: وَقَوْلُ عُمَرَ لِلنّبِيّﷺ: أَلَمْ تَعِدْنَا أَنّا تَأْتِي الْبَيْتَ، وَنَطُوفُ بِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. كَانَ النّبِيّﷺ- قَدْ أُرِيَ ذَلِكَ فِي مَنَامِهِ، وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، ثُمّ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى:
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ الآية الفتح: ٢٧ وَيُسْأَلُ عَنْ قَوْلِهِ:
إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ: مَا فَائِدَةُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ خَبَرٌ وَاجِبٌ؟ وَفِي الْجَوَابِ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: أَنّهُ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ: آمِنِينَ، لَا إلَى نَفْسِ الدّخُولِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنّ الْوَعْدَ بِالْأَمَانِ قَدْ انْدَرَجَ فِي الوعد بالدخول.
_________________
(١) سبق الحديث عن العقل والعاقلة وهى العصبة والأقارب من قبل الأب الذين يعطون دية قتيل الخطأ. والمعنى أن كل جناية عمد، فانها من مال الجانى خاصة، ولا يلزم العاقلة منها شىء، وكذلك ما اصطلحوا عليه من الجنايات فى الخطأ، وكذلك إذا اعترف الجانى بالجناية من غير بينة تقوم عليه، وإن ادعى أنها خطأ لا يقبل منه، ولا تلزم بها العاقلة، وأما العبد، فهو أن يجنى حر على عبد، فليس على عاقلة الجانى شىء، إنما جنايته فى ماله خاصة. أنظر مادة عقل فى النهاية لابن الأثير.
[ ٦ / ٤٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثّانِي أَنّهُ وَعْدٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إلَى التّفْصِيلِ، إذْ لَا يَدْرِي كُلّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ: هَلْ يَعِيشُ إلَى ذَلِكَ، أَمْ لَا، فَرَجَعَ الشّكّ إلَى هَذَا الْمَعْنَى، لَا إلَى الْأَمْرِ الْمَوْعُودِ بِهِ، وَقَدْ قِيلَ إنّمَا هُوَ تَعْلِيمٌ لِلْعِبَادِ أَنْ يَقُولُوا هَذِهِ الْكَلِمَةَ، ويستعملونها فِي كُلّ فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ أَعْنِي: إنْ شَاءَ اللهُ «١» .
بَيْعَةُ الشّجَرَةِ وَأَوّلُ مَنْ بَايَعَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ بَيْعَةَ الشّجَرَةِ، وَسَبَبَهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوّلَ مَنْ بَايَعَ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيّ أَنّ أَوّلَ مَنْ بَايَعَ بَيْعَةَ الرّضْوَانِ سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الأسدىّ وقال موسى ابن عُقْبَةَ: أَوّلُ مَنْ بَايَعَ أَبُو سِنَانٍ، وَاسْمُهُ: وهب بن محصن أخى عكّاشة ابن مِحْصَنٍ الْأَسَدِيّ، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَ أَبُو سِنَانٍ أَسَنّ مِنْ أَخِيهِ عُكّاشَةَ بِعَشْرِ «٢» سِنِينَ، شَهِدَ بَدْرًا، وَتُوُفّيَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَيُرْوَى أَنّهُ حين قال
_________________
(١) يقول البيضاوى «هى تعليق للعدة بالمشيئة تعليما للعباد أو إشعارا بأن بعضهم لا يدخل لموت أو غيبة أو حكاية لما قاله ملك الرؤيا، أو النبى ﷺ لأصحابه» .
(٢) فى رواية: بعشرين. تعليق عام على الحديبية الحديبية: بئر سمى المكان بها، وقيل شجرة سمى بها المكان، أو هى قرية ليست كبيرة بعضها فى الحل وبعضها فى الحرم، وهى على تسعة أميال من مكة عدد أبطالها: فى الصحيحين عن جابر أنهم كانوا خمسائة وألفا. وفيهما عن جابر نفسه أنهم كانوا أربعمائة وألفا. ويقول ابن القيم: والقلب إلى هذا أميل. وفى الصحيحين أيضا عن عبد الله بن أبى أنهم كانوا ثلثمائة وألفا. المبايعة: كانت على ألا يفرو كما فى الصحيحين. أول من بايع: هو أبو سنان الأسدى، وبايعه سلمة بن الأكوع ثلاث مرات-
[ ٦ / ٤٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِلنّبِيّ ﷺ اُبْسُطْ يَدَك أُبَايِعْك، قَالَ: عَلَامَ تُبَايِعُنِي؟ قَالَ: عَلَى مَا فِي نَفْسِك يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَمّا سِنَانٌ ابْنُهُ، فَهُوَ أَيْضًا بَدْرِيّ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَأَمّا مُبَايَعَتُهُمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَحْتَ الشّجَرَةِ، وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْ جَابِرٍ وَأَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ فِي الرّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْهُ، فَبَايَعُوهُ فِي قَوْلِ جَابِرٍ عَلَى أَنْ لَا يَفِرّوا. قَالَ: وَلَمْ يُبَايِعُوهُ عَلَى الْمَوْتِ. وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ: بَايَعَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ على الموت، قال
_________________
(١) - فى أول الناس وأوسطهم وآخرهم من كلام عروة لقريش عن النبى «ص» وصحبه: «إذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه تعظيما له، وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها» الصحيحان. كلام عمر: فى رواية الصحيحين أنه قال: «والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ» وقالها عقب مجىء أبى جندل ورفض سهيل بن عمر تركه، وصرخة أبى جندل الحزينة ثم قوله «وقد جئت مسلما، ألا ترون ما لقيت» ويقول الراوى فى الصحيحين: «وكان قد عذب فى الله عذابا شديدا، وكان مما قاله عمر للنبى «ص»: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ فرد عليه الرسول «ص» بمثل ما ورد فى السيرة، فقال عمر: «أو لست كنت تحدثنا أنا سنأتى البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت- القائل عمر- لا، قال: فانك آتيه ومطوف به» . مشورة أم سلمة: فعل بها رسول الله «ص» . ويقول الراوى فى الصحيحين: «فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضهم غما» ويقول ابن القيم: «وقد اعتذر عن تأخيرهم الامتثال بأنهم كانوا يرجون النسخ، فأخروا متأولين لذلك، وهذا الاعتذار أولى أن يعتذر عنه، وهو باطل، فانه «ص» لو فهم منهم ذلك لم يشتد غضبه عليهم لتأخير أمره، ويقول: مالى لا أغضب، وأنا آمر بالأمر، فلا أتبع، وإنما-
[ ٦ / ٤٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التّرْمِذِيّ: وَكِلَا الْحَدِيثِينَ صَحِيحٌ، لِأَنّ بَعْضَهُمْ بَايَعَ عَلَى أَنْ لَا يَفِرّوا، وَلَمْ يَذْكُرُوا الْمَوْتَ، وبعضهم قال: أبايعك على الموت.
_________________
(١) - كان تأخيرهم من السعى المغفور لا المشكور، وقد ﵃، وغفر لهم وأوجب لهم الجنة» ص ٢١٦ ح ٢ زاد المعاد. الماء فى الحديبية: فى الصحيح «أن النبى «ص» توضأ، ومج فى بئر الحديبية من فمه، فجاشت بالماء» كذلك قال البراء بن عازب وسلمة بن الأكوع فى الصحيحين. وفى الصحيحين أيضا فى حديث جابر «عطش الناس يوم الحديبية، وبين يدى رسول الله «ص» ركوة يتوضأ منها، فأقبل الناس نحوه، فقال: ما لكم، قالوا: يا رسول الله ليس عندنا ماء نتوضأ منه، ولا نشرب إلا ما فى ركوتك، فوضع يده فى الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا» وقد أخرج أحمد حديث جابر، وفيه: فجاءه رجل بإداوة فيها شىء من ماء ليس فى القوم ماء غيره، فصبه «ص» فى قدح، ثم توضأ، فأحسن الوضوء، ثم انصرف، وترك القدح، فتزاحم الناس عليه، فقال: على رسلكم فوضع كفه فى القدح، ثم قال: أسبغوا الوضوء. قال: فلقد رأيت العيون عيون الماء تخرج من بين أصابعه» وفى حديث زيد بن خالد أنهم أصابهم مطر بالحديبية، فلما صلى الصبح قال: أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: أصبح من عبادى مؤمن بى وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بى كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بى مؤمن بالكواكب، هذا وقد استنبط الامام ابن القيم من قصة الحديبية ستأ وثلاثين فائدة فقهية تشهد له بالبراعة والألمعية، كما استنبط منها عدة حكم، فانظر كل هذا فى كتابه القيم «زاد المعاد» ص ٣١١ ح ٢ ط السنة المحمدية.
[ ٦ / ٤٩٨ ]
[ذِكْرُ الْمَسِيرِ إلَى خَيْبَرَ فِي الْمُحَرّمِ سَنَةَ سبع]
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ قَالَ: حَدّثَنَا أَبُو محمد عبد الملك بن هشام، قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبى قال: ثُمّ أَقَامَ رَسُولِ اللهِﷺ- بِالْمَدِينَةِ حِينَ رَجَعَ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ، ذَا الْحَجّةِ وَبَعْضَ الْمُحَرّمِ، وَوَلِيَ تِلْكَ الْحَجّةَ الْمُشْرِكُونَ، ثُمّ خَرَجَ فِي بَقِيّةِ الْمُحَرّمِ إلَى خَيْبَرَ.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة نميلة بْنَ عَبْدِ اللهِ اللّيْثَيّ، وَدَفَعَ الرّايَةَ إلَى علي بن أبي طالب ﵁، وكانت بيضاء.
_________________
(١) مَا قَالَهُ أَبُو جَنْدَلٍ: فَصْلٌ: وَمِمّا قَالَهُ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ أَيّامَ كَوْنِهِ مَعَ أَبِي بَصِيرٍ بِسَيْفِ الْبَحْرِ: أَبْلِغْ قُرَيْشًا عَنْ أَبِي جَنْدَلٍ أَنّا بِذِي الْمَرْوَةِ فَالسّاحِلِ فِي مَعْشَرٍ تَخْفُقُ أَيْمَانُهُمْ بِالْبِيضِ فِيهَا وَالْقَنَا الذّابِلِ يَأْبَوْنَ أَنْ تَبْقَى لَهُمْ رُفْقَةٌ مِنْ بَعْدِ إسْلَامِهِمْ الْوَاصِلِ أَوْ يَجْعَلُ اللهُ لَهُمْ مَخْرَجًا وَالْحَقّ لَا يُغْلَبُ بِالْبَاطِلِ فَيَسْلَمُ الْمَرْءُ بِإِسْلَامِهِ أو يقتل المرء ولم يأتل
[ ٦ / ٤٩٩ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بن الحارث التّيمى عن أبى الهيثم ابن نَصْرِ بْنِ دَهْرٍ الْأَسْلَمِيّ أَنّ أَبَاهُ حَدّثَهُ: أَنّهُ سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ- يَقُولُ فِي مَسِيرِهِ إلَى خَيْبَرَ لِعَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَهُوَ عَمّ سَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو ابن الأكوع، وكان إسم الأكوع سنان: انزل يابن الأكوع، فخذ لنا من مِنْ هَنَاتِك، قَالَ: فَنَزَلَ يَرْتَجِزُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ:
وَاَللهِ لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدّقْنَا وَلَا صَلّيْنَا
إنّا إذَا قَوْمٌ بَغَوْا عَلَيْنَا وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا وَثَبّتْ الْأَقْدَامَ إنْ لَاقَيْنَا
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَرْحَمُك اللهُ؛ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ:
وَجَبَتْ وَاَللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَمْتَعْتنَا بِهِ! فَقُتِلَ يَوْمَ خَيْبَرَ شَهِيدًا، وَكَانَ قَتَلَهُ، فِيمَا بَلَغَنِي، أَنّ سَيْفَهُ رَجَعَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُقَاتِلُ، فَكَلَمَهُ كَلْمًا شَدِيدًا، فَمَاتَ مِنْهُ؛ فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ شَكّوا فِيهِ، وَقَالُوا: إنّمَا قَتَلَهُ سِلَاحُهُ، حَتّى سَأَلَ ابْنُ أَخِيهِ سَلَمَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ النّاسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنّهُ لَشَهِيدٌ، وَصَلّى عَلَيْهِ، فَصَلّى عَلَيْهِ المسلمون.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ، عَنْ عَطَاءِ بْن أَبِي مَرْوَانَ الْأَسْلَمِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُعَتّبِ بْنِ عَمْرٍو: أَنّ رسول الله ﷺ لما أَشْرَفَ عَلَى خَيْبَرَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ، وَأَنَا فِيهِمْ: قفوا، ثم قال: اللهمّ ربّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٠٠ ]
السماوات وَمَا أَظْلَلْنَ وَرَبّ الْأَرَضِينَ وَمَا أَقَلَلْنَ، وَرَبّ الشّياطين وما أظللن، وَرَبّ الرّيَاحِ وَمَا أَذْرَيْنَ، فَإِنّا نَسْأَلُك خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَنَعُوذُ بِك مِنْ شَرّهَا وَشَرّ أَهْلِهَا وَشَرّ مَا فِيهَا، أَقَدِمُوا بِسْمِ اللهِ.
قَالَ: وَكَانَ يقولها ﵇ لكلّ قرية دخلها.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ يُغِرْ عَلَيْهِمْ حَتّى يُصْبِحَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ. فَنَزَلْنَا خَيْبَرَ لَيْلًا، فَبَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حَتّى إذَا أَصْبَحَ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا، فَرَكِبَ وَرَكِبْنَا مَعَهُ، فَرَكِبْتُ خَلْفَ أَبِي طَلْحَةَ، وَإِنّ قَدَمِي لَتَمَسّ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَاسْتَقْبَلْنَا عُمّالَ خَيْبَرَ غَادِينَ، قَدْ خَرَجُوا بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ، فَلَمّا رَأَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ والجيش، قالوا: محمد والخميس مَعَهُ!
فَأَدْبَرُوا هُرّابًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ، فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنَا هَارُونَ عَنْ حميد، عن أنس بمثله.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى خَيْبَرَ سَلَكَ عَلَى عَصْرٍ فَبَنَى لَهُ فيها مسجد، ثم على الصّبهاء، ثُمّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِجَيْشِهِ، حَتّى نَزَلَ بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ: الرّجِيعُ، فَنَزَلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَطَفَانَ، لِيَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يُمِدّوا أَهْلَ خَيْبَرَ، وَكَانُوا لَهُمْ مُظَاهِرِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٠١ ]
فَبَلَغَنِي أَنّ غَطَفَانَ لَمّا سَمِعَتْ بِمَنْزِلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ جَمَعُوا لَهُ ثُمّ خَرَجُوا لِيُظَاهِرُوا يَهُودَ عَلَيْهِ، حَتّى إذَا سَارُوا مَنْقَلَةً سَمِعُوا خَلْفَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ حِسّا ظَنّوا أَنّ الْقَوْمَ قَدْ خَالَفُوا إلَيْهِمْ، فَرَجَعُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ، فَأَقَامُوا فِي أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَخَلّوْا بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وبين خيبر.
وَتَدَنّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْأَمْوَالَ يَأْخُذُهَا مَالًا مَالًا، وَيَفْتَتِحُهَا حِصْنًا حِصْنًا، فَكَانَ أَوّلُ حُصُونِهِمْ اُفْتُتِحَ حِصْنُ نَاعِمٍ، وَعِنْدَهُ قتل محمود ابن مسلمة، ألقيت عليه منه رحا فقتلته، ثم الْقَمُوصُ، حِصْنُ بَنِي أَبِي الْحُقَيْقِ، وَأَصَابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهُمْ سَبَايَا، مِنْهُنّ صَفِيّةُ بِنْتُ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ، وَكَانَتْ عِنْدَ كِنَانَةَ بْنِ الرّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَبِنْتَيْ عَمّ لَهَا، فَاصْطَفَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَفِيّةَ لِنَفْسِهِ.
وَكَانَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيّ قَدْ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَفِيّةَ، فَلَمّا أَصْفَاهَا لِنَفْسِهِ أَعْطَاهُ ابْنَتَيْ عَمّهَا، وَفَشَتْ السّبَايَا من خيبر فى المسلمين.
[ما نهى عنه الرسول ﷺ فى خيبر]
وَأَكَلَ الْمُسْلِمُونَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ مِنْ حُمُرِهَا، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فهى النّاسَ عَنْ أُمُورٍ سَمّاهَا لَهُمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ ضمرة الفزارى عن عبد الله
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٠٢ ]
ابن أَبِي سَلِيطٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: أَتَانَا نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عن أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيّةِ، وَالْقُدُورُ تَفُورُ بِهَا، فَكَفَأْنَاهَا عَلَى وُجُوهِهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مَكْحُولٍ: أن رسول الله ﷺ نَهَاهُمْ يَوْمَئِذٍ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ إتْيَانِ الْحَبَالَى مِنْ السّبَايَا، وَعَنْ أَكْلِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيّ، وَعَنْ أَكْلِ كُلّ ذِي نَابٍ مِنْ السّبَاعِ، وَعَنْ بَيْعِ الْمَغَانِمِ حَتّى تُقْسَمَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي سَلّامُ بْنُ كِرْكِرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيّ، وَلَمْ يَشْهَدْ جَابِرٌ خَيْبَرَ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ نَهَى النّاسَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ، أَذِنَ لَهُمْ فِي أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي مَرْزُوقٍ مولى تجيب، عن حَنْشٍ الصّنْعَانِيّ، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيّ الْمَغْرِبَ، فَافْتَتَحَ قَرْيَةً مِنْ قُرَى الْمَغْرِبِ يُقَالُ لَهَا جِرْبَةٌ، فَقَامَ فِينَا خَطِيبًا، فقال: يا أيها النّاسُ. إنّي لَا أَقُولُ فِيكُمْ إلّا مَا سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللهِﷺ- يَقُولُهُ فِينَا يَوْمَ خَيْبَرَ، قَامَ فِينَا رسول الله ﷺ فقال:
لا يحلّ لامرىء يُؤْمِنُ بِاَللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاؤُهُ زَرْعَ غَيْرِهِ، يَعْنِي إتْيَانَ الْحَبَالَى مِنْ السّبَايَا، ولا يحلّ لامرىء يُؤْمِنُ بِاَللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُصِيبَ امْرَأَةً من السّبى حتى يستبرئها، ولا يحلّ لامرىء يُؤْمِنُ بِاَللهِ وَالْيَوْمِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٠٣ ]
الْآخِرِ أَنْ يَبِيعَ مَغْنَمًا حَتّى يَقْسِمَ، وَلَا يحلّ لامرىء يُؤْمِنُ بِاَللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَرْكَبَ دَابّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتّى إذَا أَعْجَفَهَا رَدّهَا فِيهِ، وَلَا يَحِلّ لِامْرِئِ يُؤْمِنُ بِاَللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتّى إذَا أَخْلَقَهُ رَدّهُ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسَيْطٍ، أَنّهُ حُدّثَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ، قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يوم خيبر عن عَنْ أَنْ نَبِيعَ أَوْ نَبْتَاعَ تِبْرَ الذّهَبِ بِالذّهَبِ الْعَيْنِ، وَتِبْرَ الْفَضّةِ بِالْوَرِقِ الْعَيْنِ، وَقَالَ: ابْتَاعُوا تِبْرَ الذّهَبِ بِالْوَرِقِ الْعَيْنِ، وَتِبْرَ الْفِضّةِ بِالذّهَبِ الْعَيْنِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَدَنّى الحصون والأموال.
[شأن بنى سهم]
فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنّهُ حَدّثَهُ بَعْضُ أَسْلَمَ: أَنّ بَنِي سَهْمٍ مِنْ أَسْلَمَ أَتَوْا رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالُوا: وَاَللهِ يَا رَسُولَ اللهِ لَقَدْ جَهَدْنَا وَمَا بِأَيْدِينَا مِنْ شَيْءٍ؛ فَلَمْ يَجِدُوا عند رسول الله ﷺ شَيْئًا يُعْطِيهِمْ إيّاهُ؛ فَقَالَ: اللهُمّ إنّك قَدْ عَرَفْت حَالَهُمْ وَأَنْ لَيْسَتْ بِهِمْ قُوّةٌ، وَأَنْ لَيْسَ بِيَدِي شَيْءٌ أُعْطِيهِمْ إيّاهُ، فَافْتَحْ عَلَيْهِمْ أَعْظَمَ حُصُونِهَا عَنْهُمْ غَنَاءً، وَأَكْثَرَهَا طَعَامًا وَوَدَكًا، فَغَدَا النّاسُ، فَفَتَحَ اللهُ ﷿ حِصْنَ الصّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ، وَمَا بِخَيْبَرِ حِصْنٌ كَانَ أَكْثَرَ طَعَامًا وَوَدَكًا مِنْهُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٠٤ ]
[مَقْتَلُ مَرْحَبٍ الْيَهُودِيّ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ حُصُونِهِمْ مَا افْتَتَحَ، وَحَازَ مِنْ الْأَمْوَالِ مَا حَازَ، انْتَهَوْا إلَى حِصْنَيْهِمْ الْوَطِيحِ وَالسّلَالِمِ، وَكَانَ آخِرَ حُصُونِ أَهْلِ خَيْبَرَ افْتِتَاحًا، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضْعَ عشرة ليلة.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ شِعَارُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ: يَا مَنْصُورُ، أَمِتْ أَمِتْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ، أَخُو بَنِي حَارِثَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: خَرَجَ مَرْحَبٌ الْيَهُودِيّ مِنْ حِصْنِهِمْ، قَدْ جَمَعَ سِلَاحَهُ، يَرْتَجِزُ وَهُوَ يَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنّي مَرْحَبْ شَاكِي السّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرّبْ
أَطْعَنُ أَحْيَانًا وَحِينًا أصرب إذَا اللّيُوثُ أَقْبَلَتْ تَحَرّبْ
إنّ حِمَايَ لِلْحِمَى لَا يُقَرّبْ
وَهُوَ يَقُولُ: مَنْ يُبَارِزُ؟
فَأَجَابَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، فَقَالَ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أتى كَعْبُ مُفَرّجُ الْغَمّى جَرِيءٌ صُلْبُ
إذْ شَبّتْ الْحَرْبُ تَلَتْهَا الْحَرْبُ مَعِي حُسَامٌ كَالْعَقِيقِ عَضْبُ
نَطَؤُكُمْ حَتّى يَذِلّ الصّعْبُ نُعْطِي الْجَزَاءَ أَوْ يَفِيءَ النّهْبُ
بِكَفّ مَاضٍ لَيْسَ فِيهِ عَتْبُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٠٥ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنّي كَعْبُ وَأَنّنِي مَتَى تُشَبّ الْحَرْبُ
مَاضٍ عَلَى الْهَوْلِ جَرِيءٌ صُلْبُ مَعِي حُسَامٌ كَالْعَقِيقِ عَضْبُ
بِكَفّ مَاضٍ لَيْسَ فِيهِ عَتْبُ نَدُكّكُمْ حَتّى يَذِلّ الصّعْبُ
قَالَ ابن هشام: ومرحب من حِمْيَرَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيّ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ لِهَذَا؟ قَالَ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَنَا لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا وَاَللهِ الْمَوْتُورُ الثّائِرُ، قُتِلَ أَخِي بِالْأَمْسِ؛ فَقَالَ:
فقم إليه، اللهمّ أعنه عليه. قَالَ: فَلَمّا دَنَا أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، دَخَلَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ عُمْرِيّةٌ مِنْ شَجَرِ الْعُشَرِ فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا يَلُوذُ بِهَا مِنْ صَاحِبِهِ، كَلّمَا لَاذَ بِهَا مِنْهُ اقْتَطَعَ صَاحِبُهُ بِسَيْفِهِ مَا دُونَهُ مِنْهَا، حَتّى بَرَزَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَصَارَتْ بَيْنَهُمَا كَالرّجُلِ الْقَائِمِ، مَا فِيهَا فَنَنٌ، ثُمّ حَمَلَ مَرْحَبٌ عَلَى مُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَضَرَبَهُ، فَاتّقَاهُ بِالدّرَقَةِ، فَوَقَعَ سَيْفُهُ فِيهَا، فَعَضّتْ بِهِ فَأَمْسَكَتْهُ، وَضَرَبَهُ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ حَتّى قتله.
[مَقْتَلُ يَاسِرٍ أَخِي مَرْحَبٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ خَرَجَ بَعْدَ مَرْحَبٍ أَخُوهُ يَاسِرٌ، وَهُوَ يقول: من
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٠٦ ]
يُبَارِزُ؟ فَزَعَمَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أَنّ الزّبَيْرَ بْنَ الْعَوّامِ خَرَجَ إلَى يَاسِرٍ، فَقَالَتْ أُمّهُ صَفِيّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ: يَقْتُلُ ابْنِي يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: بَلْ ابْنُك يَقْتُلُهُ إنْ شَاءَ اللهُ. فَخَرَجَ الزّبَيْرُ فَالْتَقَيَا، فَقَتَلَهُ الزّبَيْرُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: أَنّ الزّبَيْرَ كَانَ إذَا قِيلَ لَهُ:
وَاَللهِ إنْ كَانَ سَيْفُك يَوْمَئِذٍ لَصَارِمًا عَضْبًا، قَالَ: وَاَللهِ مَا كَانَ صَارِمًا، وَلَكِنّي أَكْرَهْتُهُ.
[شَأْنُ عَلِيّ يَوْمَ خَيْبَرَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ فَرْوَةَ الْأَسْلَمِيّ، عَنْ أَبِيهِ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ الصّدّيقَ ﵁ بِرَايَتِهِ، وَكَانَتْ بَيْضَاءَ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، إلَى بَعْضِ حُصُونِ خَيْبَرَ، فَقَاتَلَ، فَرَجَعَ وَلَمْ يَكُ فَتْحٌ، وَقَدْ جَهَدَ؛ ثُمّ بَعَثَ الْغَدَ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ، فَقَاتَلَ، ثُمّ رَجَعَ وَلَمْ يَكُ فَتَحَ، وَقَدْ جَهَدَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَأُعْطِيَنّ الرّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبّ اللهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، لَيْسَ بِفَرّارٍ. قَالَ: يَقُولُ سَلَمَةُ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيّا رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَرْمَدُ، فَتَفَلَ فِي عَيْنِهِ، ثُمّ قَالَ: خُذْ هَذِهِ الرّايَةَ، فَامْضِ بِهَا حَتّى يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْك.
قَالَ: يَقُولُ سَلَمَةُ: فَخَرَجَ وَاَللهِ بِهَا يَأْنِحُ، يُهَرْوِلُ هَرْوَلَةً، وَإِنّا لَخَلْفَهُ نَتّبِعُ أَثَرَهُ، حَتّى رَكَزَ رَايَتَهُ فِي رَضْمٍ مِنْ حِجَارَةٍ تَحْتَ الْحِصْنِ، فَاطّلَعَ إلَيْهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٠٧ ]
يَهُودِيّ مِنْ رَأْسِ الْحِصْنِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ يَقُولُ الْيَهُودِيّ: عَلَوْتُمْ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى، أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَ: فَمَا رَجَعَ حَتّى فَتَحَ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُ، حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرَايَتِهِ؛ فَلَمّا دَنَا مِنْ الْحِصْنِ خَرَجَ إلَيْهِ أَهْلُهُ فَقَاتَلَهُمْ، فَضَرَبَهُ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ، فَطَاحَ تُرْسُهُ مِنْ يَدِهِ، فَتَنَاوَلَ عَلِيّ ﵇ بَابًا كَانَ عِنْدَ الْحِصْنِ فَتَرّسَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي يَدِهِ وَهُوَ يُقَاتِلُ حَتّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ، ثُمّ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ حِينَ فَرَغَ، فَلَقَدْ رَأَيْتنِي فِي نَفَرٍ سَبْعَةٍ مَعِي، أَنَا ثَامِنُهُمْ، نَجْهَدُ عَلَى أَنْ نَقْلِبَ ذَلِكَ الْبَابَ، فَمَا نُقَلّبُهُ.
[أمر أبى اليسر]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ الْأَسْلَمِيّ، عَنْ بَعْضِ رِجَالِ بَنِي سَلِمَةَ عَنْ أَبِي الْيُسْرِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: وَاَللهِ إنّا لَمَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِخَيْبَرِ ذَات عَشِيّةٍ، إذْ أَقْبَلَتْ غَنَمٌ لِرَجُلِ مِنْ يَهُودَ تُرِيدُ حِصْنَهُمْ، وَنَحْنُ مُحَاصِرُوهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ رَجُلٌ يُطْعِمُنَا مِنْ هَذِهِ الْغَنَمِ؟ قَالَ أَبُو الْيُسْرِ: فَقُلْت: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ؛ قَالَ: فَافْعَلْ، قَالَ: فَخَرَجْت أَشْتَدّ مِثْلَ الظّلِيمِ، فلما نظر إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٠٨ ]
مُوَلّيًا قَالَ: اللهُمّ أَمْتِعْنَا بِه؛ قَالَ: فَأَدْرَكْتُ الْغَنَمَ وَقَدْ دَخَلَتْ أُولَاهَا الْحِصْنَ فَأَخَذْت شَاتَيْنِ مِنْ أُخْرَاهَا، فَاحْتَضَنْتهمَا تَحْتَ يَدَيّ، ثُمّ أَقْبَلْت بِهِمَا أَشْتَدّ، كَأَنّهُ لَيْسَ مَعِي شَيْءٌ، حَتّى ألقيتهما عند رسول الله ﷺ، فَذَبَحُوهُمَا فَأَكَلُوهُمَا، فَكَانَ أَبُو الْيُسْرِ مِنْ آخِرِ أصحاب رسول الله ﷺ هَلَاكًا، فَكَانَ إذَا حَدّثَ هَذَا الْحَدِيثَ بَكَى، ثُمّ قَالَ: أُمْتِعُوا بِي، لَعَمْرِي، حَتّى كُنْت من آخرهم هلكا.
[صَفِيّةَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْقَمُوصَ، حِصْنُ بَنِي أَبِي الْحُقَيْقِ، أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَفِيّةَ بِنْتِ حيىّ ابن أَخْطَبَ، وَبِأُخْرَى مَعَهَا، فَمَرّ بِهِمَا بِلَالٌ، وَهُوَ الّذِي جَاءَ بِهِمَا عَلَى قَتْلَى مِنْ قَتْلَى يَهُودَ، فَلَمّا رَأَتْهُمْ الّتِي مَعَ صَفِيّةَ صَاحَتْ، وَصَكّتْ وَجْهَهَا وَحَثّتْ التّرَابَ عَلَى رَأْسِهَا؛ فَلَمّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: أَعْزِبُوا عَنّي هَذِهِ الشّيْطَانَةَ، وَأَمَرَ بِصَفِيّةَ فَحِيزَتْ خَلْفَهُ، وَأَلْقَى عَلَيْهَا رِدَاءَهُ، فَعَرَفَ الْمُسْلِمُونَ أن رسول الله ﷺ قَدْ اصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِبِلَالِ، فِيمَا بَلَغَنِي، حِينَ رَأَى بِتِلْكَ الْيَهُودِيّةِ مَا رَأَى: أَنُزِعَتْ مِنْك الرّحْمَةُ يَا بِلَالُ، حِينَ تَمُرّ بِامْرَأَتَيْنِ عَلَى قَتْلَى رِجَالِهِمَا؟
وَكَانَتْ صَفِيّةُ قَدْ رَأَتْ فِي الْمَنَامِ وَهِيَ عَرُوسٌ بِكِنَانَةِ بْنِ الرّبِيعِ بْنِ أبى الحقيق، أن قمرا وقع فى حِجْرُهَا، فَعَرَضَتْ رُؤْيَاهَا عَلَى زَوْجِهَا، فَقَالَ: مَا هَذَا إلّا أَنّك
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٠٩ ]
تَمَنّيْنَ مُلْكَ الْحِجَازِ مُحَمّدًا، فَلَطَمَ وَجْهَهَا لَطْمَةً خَضّرَ عَيْنَهَا مِنْهَا. فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَبِهَا أَثَرٌ مِنْهُ، فَسَأَلَهَا مَا هُوَ؟ فَأَخْبَرَتْهُ هَذَا الْخَبَرَ.
[بَقِيّةُ أمر خيبر]
وأتى رسول الله ﷺ بِكِنَانَةَ بْنِ الرّبِيعِ، وَكَانَ عِنْدَهُ كَنْزُ بَنِي النّضِيرِ، فَسَأَلَهُ عَنْهُ، فَجَحَدَ أَنْ يَكُونَ يَعْرِفُ مَكَانَهُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ:
إنّي رَأَيْت كِنَانَةَ يُطِيفُ بِهَذِهِ الْخَرِبَةِ كُلّ غَدَاةٍ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لكنانة: أَرَأَيْت إنْ وَجَدْنَاهُ عِنْدَك، أَأَقْتُلُك؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْخَرِبَةِ فَحُفِرَتْ، فَأَخْرَجَ مِنْهَا بَعْضَ كَنْزِهِمْ، ثُمّ سَأَلَهُ عَمّا بَقِيَ، فَأَبَى أَنْ يُؤَدّيَهُ، فَأَمَرَ به رسول الله ﷺ الزّبَيْرَ بْنَ الْعَوّامِ، فَقَالَ: عَذّبْهُ حَتّى تَسْتَأْصِل مَا عِنْدَهُ، فَكَانَ الزّبَيْرُ يَقْدَحُ بِزَنْدٍ فِي صَدْرِهِ، حَتّى أَشْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمّ دَفَعَهُ رسول الله ﷺ إلى مُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ بِأَخِيهِ مَحْمُودِ بن مسلمة.
[صلح خَيْبَرَ]
وَحَاصَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، أَهْلَ خَيْبَرَ فِي حِصْنَيْهِمْ الْوَطِيحِ وَالسّلَالِمِ، حَتّى إذَا أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ، سَأَلُوهُ أَنْ يُسَيّرَهُمْ وَأَنْ يَحْقِنَ لَهُمْ دِمَاءَهُمْ، فَفَعَلَ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ حَازَ الْأَمْوَالَ كُلّهَا: الشّقّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥١٠ ]
وَنَطَاةَ وَالْكَتِيبَةَ وَجَمِيعَ حُصُونِهِمْ، إلّا مَا كَانَ مِنْ ذَيْنِك الْحِصْنَيْنِ. فَلَمّا سَمِعَ بِهِمْ أَهْلُ فَدَكَ قَدْ صَنَعُوا مَا صَنَعُوا، بَعَثُوا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يُسَيّرَهُمْ، وَأَنّ يَحْقِنَ دِمَاءَهُمْ، وَيُخَلّوا لَهُ الْأَمْوَالَ، فَفَعَلَ.
وَكَانَ فِيمَنْ مَشَى بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَهُمْ فِي ذلك محيّصة ابن مَسْعُودٍ أَخُو بَنِي حَارِثَةَ، فَلَمّا نَزَلَ أَهْلُ خَيْبَرَ عَلَى ذَلِكَ، سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يُعَامِلَهُمْ فِي الْأَمْوَالِ عَلَى النّصْفِ، وَقَالُوا: نَحْنُ أَعْلَمُ بِهَا مِنْكُمْ، وَأَعْمَرُ لَهَا؛ فَصَالَحَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى النّصْفِ، عَلَى أَنّا إذَا شِئْنَا أَنْ نُخْرِجَكُمْ أَخْرَجْنَاكُمْ؛ فَصَالَحَهُ أَهْلُ فَدَكَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فَكَانَتْ خَيْبَرُ فَيْئًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتْ فَدَكُ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، لِأَنّهُمْ لَمْ يَجْلِبُوا عَلَيْهَا بخيل ولا ركاب.
[الشّاةِ الْمَسْمُومَةِ]
فَلَمّا اطْمَأَنّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْدَتْ لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ، امْرَأَةُ سَلّامِ بْنِ مِشْكَمٍ، شَاةً مَصْلِيّةً، وَقَدْ سَأَلَتْ أَيّ عُضْوٍ مِنْ الشّاةِ أَحَبّ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ فَقِيلَ لَهَا: الذّرَاعُ، فَأَكْثَرَتْ فِيهَا مِنْ السّمّ، ثم سَمّتْ سَائِرَ الشّاةِ، ثُمّ جَاءَتْ بِهَا؛ فَلَمّا وَضَعَتْهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، تَنَاوَلَ الذّرَاعَ، فَلَاكَ مِنْهَا مُضْغَةً، فَلَمْ يُسِغْهَا، وَمَعَهُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، قَدْ أَخَذَ مِنْهَا كَمَا أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ فَأَمّا بِشْرٌ فَأَسَاغَهَا؛ وَأَمّا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَفَظَهَا، ثُمّ قَالَ: إنّ هَذَا الْعَظْمَ لَيُخْبِرُنِي أَنّهُ مَسْمُومٌ، ثُمّ دَعَا بِهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فقال: ما حملك على
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥١١ ]
ذلك؟ قالت: بَلَغْتَ مِنْ قَوْمِي مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْك، فَقُلْت: إنْ كَانَ مَلِكًا اسْتَرَحْتُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ نَبِيّا فَسَيُخْبَرُ، قَالَ: فَتَجَاوَزَ عَنْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ وَمَاتَ بِشْرٌ مِنْ أَكْلَتِهِ الّتِي أَكَلَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَرْوَانُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلّى، قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ قَالَ فِي مَرَضِهِ الّذِي تُوُفّيَ فِيهِ، وَدَخَلَتْ أُمّ بِشْرٍ بِنْتُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ تَعُودُهُ: يَا أُمّ بِشْرٍ، إنّ هَذَا الْأَوَانَ وَجَدْتُ فِيهِ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ الْأَكْلَةِ الّتِي أَكَلْت مَعَ أَخِيك بِخَيْبَرِ. قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَيَرَوْنَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَاتَ شَهِيدًا، مَعَ مَا أَكْرَمَهُ اللهُ بِهِ مِنْ النّبُوّةِ.
[رُجُوعُ الرّسُولِ إلَى الْمَدِينَةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ انْصَرَفَ إلَى وَادِي الْقُرَى، فَحَاصَرَ أَهْلَهُ لَيَالِيَ، ثُمّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إلَى المدينة.
[مقتل غلام للرسول ﷺ]
قال ابن إسحاق: فحدثنى ثور بْنُ زَيْدٍ، عَنْ سَالِمٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: فَلَمّا انْصَرَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ خَيْبَرَ إلَى وَادِي الْقُرَى نَزَلْنَا بِهَا أَصِيلًا مَعَ مَغْرِبِ الشّمْسِ، وَمَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غُلَامٌ لَهُ أَهْدَاهُ لَهُ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ الْجُذَامِيّ، ثُمّ الضّبينىّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥١٢ ]
قال ابن هشام: جذام، أخو لحم.
قَالَ: فَوَاَللهِ إنّهُ لَيَضَعُ رَحْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إذْ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَأَصَابَهُ فَقَتَلَهُ، فَقُلْنَا: هَنِيئًا لَهُ الْجَنّةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: كَلّا، وَاَلّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ، إنّ شَمْلَتَهُ الْآنَ لَتَحْتَرِقُ عَلَيْهِ فِي النّارِ، كَانَ غَلّهَا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ خَيْبَرَ. قَالَ: فَسَمِعَهَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ شِرَاكَيْنِ لِنَعْلَيْنِ لِي، قَالَ: فَقَالَ: يُقَدّ لك مثلهما من النار.
[أمر ابن مغفل والجراب]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفّلٍ الْمُزَنِيّ، قَالَ: أَصَبْت مِنْ فَيْءِ خَيْبَرَ جِرَابَ شَحْمٍ، فَاحْتَمَلْته عَلَى عَاتِقِي إلَى رَحْلِي وَأَصْحَابِي. قَالَ: فَلَقِيَنِي صَاحِبُ الْمَغَانِمِ الّذِي جُعِلَ عَلَيْهَا، فَأَخَذَ بِنَاحِيَتِهِ وَقَالَ: هَلُمّ هَذَا نَقْسِمُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: قُلْت: لَا وَاَللهِ لَا أُعْطِيكَهُ، قَالَ:
فَجَعَلَ يُجَابِذُنِي الْجِرَابَ. قَالَ: فَرَآنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ نَصْنَعُ ذَلِكَ. قَالَ: فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ضَاحِكًا، ثُمّ قَالَ لِصَاحِبِ الْمَغَانِمِ: لَا أَبَا لَك، خَلّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ. قَالَ: فَأَرْسَلَهُ، فَانْطَلَقْتُ به إلى رحلى وأصحابى، فأكلناه.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥١٣ ]
[أبو أيوب يحرس الرسول ﷺ ليلة بنائه بصفية]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا أَعْرَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَفِيّةَ، بِخَيْبَرِ أَوْ بِبَعْضِ الطّرِيقِ، وَكَانَتْ الّتِي جَمّلَتْهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، ومشّطتها وأصلحت من أَمْرِهَا أُمّ سُلَيْمٍ بِنْتُ مِلْحَانَ، أُمّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. فَبَاتَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي قُبّةٍ لَهُ، وَبَاتَ أَبُو أَيّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ، أَخُو بَنِي النّجّارِ مُتَوَشّحًا سَيْفَهُ، يَحْرَسُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَيُطِيفُ بِالْقُبّةِ، حَتّى أَصْبَحَ رسول الله ﷺ، فلما رأى مكانه قال:
مالك يَا أَبَا أَيّوبَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، خِفْت عَلَيْك مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، وَكَانَتْ امْرَأَةً قَدْ قَتَلْتَ أَبَاهَا وَزَوْجَهَا وَقَوْمَهَا، وَكَانَتْ حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، فَخِفْتهَا عَلَيْك. فَزَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: اللهُمّ احفظ أبا أيوب كما بات يحفظنى.
[بلال يغلبه النوم وهو يرقب الفجر]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي الزّهْرِيّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، قَالَ:
لَمّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ، فَكَانَ بِبَعْضِ الطّرِيقِ، قَالَ مِنْ آخِرِ اللّيْلِ: مَنْ رَجُلٌ يَحْفَظُ عَلَيْنَا الْفَجْرَ لَعَلّنَا. نَنَام؟ قَالَ بِلَالٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ أَحْفَظُهُ عَلَيْك. فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَنَزَلَ النّاسُ فَنَامُوا، وَقَامَ بِلَالٌ يُصَلّي، فَصَلّى مَا شَاءَ اللهُ ﷿ أَنْ يُصَلّيَ ثُمّ اسْتَنَدَ إلَى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥١٤ ]
بَعِيرِهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْفَجْرَ يَرْمُقُهُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ، فَنَامَ، فَلَمْ يُوقِظْهُمْ إلّا مَسّ الشّمْسِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَوّلَ أَصْحَابِهِ هَبّ، فَقَالَ: مَاذَا صَنَعْتَ بِنَا يَا بِلَالُ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخَذَ بِنَفْسِي الّذِي أَخَذَ بِنَفْسِك، قَالَ: صَدَقْت، ثُمّ اقْتَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعِيرَهُ غَيْرَ كَثِيرٍ، ثُمّ أَنَاخَ فَتَوَضّأَ، وَتَوَضّأَ النّاسُ، ثُمّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصّلَاةَ، فَصَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنّاسِ، فَلَمّا سَلّمَ أَقْبَلَ عَلَى النّاسِ فَقَالَ: «إذَا نَسِيتُمْ الصّلَاةَ فَصَلّوهَا إذَا ذَكَرْتُمُوهَا»، فَإِنّ اللهَ ﵎ يقول: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي.
[شِعْرُ ابْنِ لُقَيْمٍ فِي فَتْحِ خَيْبَرَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فيما بلغنى، قد أعطى ابن لُقَيْمٍ الْعَبْسِيّ، حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، مَا بِهَا مِنْ دَجَاجَةٍ أَوْ دَاجِنٍ، وَكَانَ فَتْحُ خَيْبَرَ فِي صَفَرٍ، فَقَالَ ابْنُ لُقَيْمٍ الْعَبْسِيّ فِي خيبر:
رُمِيَتْ نَطَاةٌ مِنْ الرّسُولِ بِفَيْلَقٍ شَهْبَاءَ ذَاتِ مَنَاكِبَ وَفَقَارِ
وَاسْتَيْقَنَتْ بِالذّلّ لَمَا شُيّعَتْ وَرِجَالُ أَسْلَمَ وَسْطَهَا وَغِفَارِ
صَبّحَتْ بَنِي عَمْرِو بْنِ زُرْعَةَ غُدْوَةً وَالشّقّ أَظْلَمَ أَهْلُهُ بِنَهَارِ
جَرّتْ بِأَبْطَحِهَا الذّيُولُ فَلَمْ تَدَعْ إلّا الدّجَاجَ تَصِيحُ فِي الْأَسْحَارِ
وَلِكُلّ حِصْنٍ شَاغِلٌ مِنْ خَيْلِهِمْ مِنْ عَبْدِ أَشْهَلَ أَوْ بَنِي النّجّارِ
وَمُهَاجِرِينَ قد اعلموا سماهم فَوْقَ الْمَغَافِرِ لَمْ يَنُوا لِفِرَارِ
وَلَقَدْ عَلِمْتُ لَيَغْلِبَن مُحَمّدٌ وَلَيَثْوِيَن بِهَا إلَى أَصْفَارِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥١٥ ]
فَرّتْ يَهُودُ يَوْمَ ذَلِكَ فِي الْوَغَى تَحْتَ العجاج غمائم الأبصار
قال ابن هشام: فَرّتْ: كَشَفَتْ، كَمَا تُفَرّ الدّابّةُ بِالْكَشَفِ عَنْ أَسْنَانِهَا، يُرِيدُ كَشَفَتْ عَنْ جُفُونِ الْعُيُونِ غَمَائِمَ الأبصار، يريد الأنصار.
[حديث الْمَرْأَةِ الْغِفَارِيّةِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَشَهِدَ خَيْبَرَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَرَضَخَ لَهُنّ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الْفَيْءِ، وَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنّ بِسَهْمٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سُحَيْمٍ، عَنْ أُمَيّةَ بْنِ أَبِي الصّلْتِ، عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، قَدْ سَمّاهَا لِي، قَالَتْ: أَتَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ مَعَك إلَى وَجْهِك هَذَا، وَهُوَ يَسِيرُ إلَى خَيْبَرَ، فَنُدَاوِي الْجَرْحَى، وَنُعِينُ الْمُسْلِمِينَ بِمَا اسْتَطَعْنَا، فَقَالَ: عَلَى بَرَكَةِ اللهِ. قَالَتْ: فَخَرَجْنَا مَعَهُ، وَكُنْت جَارِيَةً حَدَثَةً، فَأَرْدَفَنِي رسول الله ﷺ على حَقِيبَةِ رَحْلِهِ. قَالَتْ:
فَوَاَللهِ لَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الصّبْحِ وَأَنَاخَ، وَنَزَلْت عَنْ حَقِيبَةِ رَحْلِهِ، وَإِذَا بِهَا دَمٌ مِنّي، وَكَانَتْ أَوّلَ حَيْضَةٍ حِضْتَهَا، قَالَتْ: فَتَقَبّضْت إلَى النّاقَةِ وَاسْتَحْيَيْت، فَلَمّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا بِي وَرَأَى الدم، قال: مالك؟ لَعَلّك نُفِسْت، قَالَتْ: قُلْت: نَعَمْ، قَالَ: فَأَصْلِحِي مِنْ نَفْسِك، ثُمّ خُذِي إنَاءً مِنْ مَاءٍ، فَاطْرَحِي فِيهِ مِلْحًا، ثُمّ اغْسِلِي بِهِ مَا أَصَابَ الْحَقِيبَةَ مِنْ الدّمِ، ثُمّ عُودِي لِمَرْكَبِك.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥١٦ ]
قَالَتْ: فَلَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ، رَضَخَ لَنَا مِنْ الْفَيْءِ، وَأَخَذَ هَذِهِ الْقِلَادَةَ الّتِي تَرَيْنَ فِي عُنُقِي فَأَعْطَانِيهَا، وَعَلّقَهَا بِيَدِهِ فِي عُنُقِي، فَوَاَللهِ لَا تُفَارِقُنِي أَبَدًا.
قَالَتْ: فَكَانَتْ فِي عُنُقِهَا حَتّى مَاتَتْ، ثُمّ أَوْصَتْ أَنْ تُدْفَنَ مَعَهَا. قَالَتْ:
وَكَانَتْ لَا تَطَهّرَ مِنْ حَيْضَةٍ إلّا جَعَلَتْ فِي طَهُورِهَا مِلْحًا، وَأَوْصَتْ بِهِ أَنْ يُجْعَلَ فى غسلها حين ماتت.
[شهداء خيبر]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَهَذِهِ تَسْمِيَةُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ بِخَيْبَرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ قُرَيْشٍ ثُمّ مِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، ثُمّ مِنْ حَلْفَائِهِمْ: رَبِيعَةُ بْنُ أَكْثَمَ بْنِ سَخْبَرَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ لُكَيْزِ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدٍ، وَثَقِيفُ بْنُ عَمْرٍو، وَرِفَاعَةُ بْنُ مَسْرُوحٍ.
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى: عَبْدُ اللهِ بْنُ الْهُبَيْبِ، وَيُقَالُ: ابْنُ الْهَبِيبِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، ابْنُ أُهَيْبِ بْنِ سُحَيْمِ بْنِ غِيرَةَ، مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ، حَلِيفٌ لِبَنِي أَسَدٍ، وَابْنُ أُخْتِهِمْ.
وَمِنْ الْأَنْصَارِ ثُمّ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، مَاتَ مِنْ الشّاةِ الّتِي سُمّ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَفُضَيْلُ بْنُ النّعْمَانِ. رَجُلَانِ.
وَمِنْ بَنِي زُرَيْقٍ: مَسْعُودُ بْنُ سَعْدِ بْنِ قيس بن خلدة بن عامر ابن زريق.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥١٧ ]
وَمِنْ الْأَوْسِ ثُمّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ: مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَدِيّ ابن مَجْدَعَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ، حَلِيفٌ لَهُمْ من بنى حارثة.
ومن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: أَبُو ضَيّاحِ بْنُ ثابت بن النّعمان بن أميّة بن امرىء القيس بن ثعلبة بن عمرو بن عوف، والحارث بن حاطب؛ وعروة ابن مُرّةَ بْنِ سُرَاقَةَ، وَأَوْسُ بْنُ الْقَائِدِ، وَأُنَيْفُ بْنُ حَبِيبٍ، وَثَابِتُ بْنُ أَثَلَةَ، وَطَلْحَةُ.
وَمِنْ بَنِي غِفَارٍ: عِمَارَةُ بْنُ عُقْبَةَ، رُمِيَ بِسَهْمِ.
وَمِنْ أَسْلَمَ: عَامِرُ بْنُ الْأَكْوَعِ، وَالْأَسْوَدُ الرّاعِي، وَكَانَ اسْمُهُ أَسْلَمَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأَسْوَدُ الرّاعِي مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ.
وَمِمّنْ اُسْتُشْهِدَ بِخَيْبَرِ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، مِنْ بَنِي زُهْرَةُ:
مَسْعُودُ بْنُ رَبِيعَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ الْقَارَةِ
وَمِنْ الْأَنْصَارِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: أَوْسُ بْنُ قَتَادَةَ.
[أَمْرُ الْأَسْوَدِ الرّاعِي فِي حَدِيثِ خَيْبَرَ]
قَالَ ابن إسحاق: وكان من حديث الْأَسْوَدِ الرّاعِي، فِيمَا بَلَغَنِي: أَنّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُحَاصِرٌ لِبَعْضِ حُصُونِ خَيْبَرَ، وَمَعَهُ غَنَمٌ لَهُ، كَانَ فِيهَا أَجِيرًا لِرَجُلِ مِنْ يَهُودَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اعْرِضْ عَلَيّ الْإِسْلَامَ، فَعَرّضَهُ عَلَيْهِ، فَأَسْلَمَ- وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَحْقِرُ أَحَدًا أَنْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥١٨ ]
يَدْعُوَهُ إلَى الْإِسْلَامِ، وَيَعْرِضَهُ عَلَيْهِ- فَلَمّا أَسْلَمَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي كُنْت أَجِيرًا لِصَاحِبِ هَذِهِ الْغَنَمِ، وَهِيَ أَمَانَةٌ عِنْدِي، فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِهَا؟ قَالَ:
اضْرِبْ فِي وُجُوهِهَا فَإِنّهَا سَتَرْجِعُ إلَى رَبّهَا- أَوْ كَمَا قَالَ- فَقَالَ الْأَسْوَدُ: فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ الْحَصَى فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِهَا، وَقَالَ: ارْجِعِي إلَى صَاحِبِك، فَوَاَللهِ لَا أَصْحَبُك أَبَدًا، فَخَرَجَتْ مُجْتَمَعَةً كَأَنّ سَائِقًا يَسُوقُهَا، حَتّى دَخَلَتْ الْحِصْنَ، ثُمّ تَقَدّمَ إلَى ذَلِكَ الْحِصْنِ لِيُقَاتِلَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَصَابَهُ حَجَرٌ فَقَتَلَهُ، وَمَا صَلّى لِلّهِ صَلَاةً قَطّ، فَأُتِيَ به رسول الله ﷺ، فَوُضِعَ خَلْفَهُ، وَسُجّيَ بِشَمْلَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، ثُمّ أَعَرَضَ عَنْهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ أَعَرَضْت عَنْهُ؟ قَالَ: إنّ مَعَهُ الْآنَ زَوْجَتَيْهِ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ أَنّهُ ذُكِرَ لَهُ: أَنّ الشّهِيدَ إذَا مَا أُصِيبَ تَدَلّتْ (لَهُ) زَوْجَتَاهُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، عَلَيْهِ تَنْفُضَانِ التّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ، وَتَقُولَانِ: تَرّبَ اللهُ وَجْهَ مَنْ تَرّبَك، وَقَتَلَ مَنْ قَتَلَك.
[أَمْرُ الْحَجّاجِ بْنِ عِلَاطٍ السّلَمِيّ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ، كَلّمَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، الْحَجّاجُ بْنُ عِلَاطٍ السّلَمِيّ ثُمّ الْبَهْزِيّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ لِي بِمَكّةَ مَالًا عِنْدَ صَاحِبَتِي أُمّ شَيْبَةَ بِنْتِ أَبِي طَلْحَةَ- وَكَانَتْ عِنْدَهُ، لَهُ مِنْهَا مُعْرِضُ بْنِ الْحَجّاجِ وَمَالٌ مُتَفَرّقٌ فِي تُجّارِ أَهْلِ مَكّةَ، فَأْذَنْ لِي يَا رَسُولَ الله،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥١٩ ]
فَأَذِنَ لَهُ، قَالَ: إنّهُ لَا بُدّ لِي يَا رَسُولَ اللهِ مِنْ أَنْ أَقُولَ، قَالَ: قُلْ قَالَ الْحَجّاجُ:
فَخَرَجْتُ حَتّى إذَا قَدِمْت مَكّةَ وَجَدْت بِثَنِيّةِ الْبَيْضَاءِ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ يَتَسَمّعُونَ الْأَخْبَارَ، وَيَسْأَلُونَ عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَدْ بَلَغَهُمْ أَنّهُ قَدْ سَارَ إلَى خَيْبَرَ، وَقَدْ عَرَفُوا أَنّهَا قَرْيَةُ الْحِجَازِ، رِيفًا وَمَنَعَةً وَرِجَالًا، فَهُمْ يَتَحَسّسُونَ الأخبار، ويسألون الركبان، فلما رأونى قَالُوا: الْحَجّاجُ بْنُ عِلَاطٍ- قَالَ: وَلَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا بِإِسْلَامِي، عِنْدَهُ وَاَللهِ الْخَبَرُ- أَخْبِرْنَا يَا أَبَا مُحَمّدٍ، فَإِنّهُ قَدْ بَلَغْنَا أَنّ الْقَاطِعَ قَدْ سَارَ إلَى خَيْبَرَ، وَهِيَ بَلَدُ يَهُودُ وَرِيفُ الْحِجَازِ، قَالَ:
قُلْت: قَدْ بَلَغَنِي ذَلِكَ وَعِنْدِي مِنْ الْخَبَرِ مَا يَسُرّكُمْ، قَالَ: فَالْتَبَطُوا بِجَنْبَيْ نَاقَتِي يَقُولُونَ: إيهِ يَا حَجّاجُ، قَالَ: قلت: هزم هزيمة لم يسمعوا بِمِثْلِهَا قَطّ، وَقُتِلَ أَصْحَابُهُ قَتْلًا لَمْ تَسْمَعُوا بِمِثْلِهِ قَطّ، وَأُسِرَ مُحَمّدٌ أَسْرًا، وَقَالُوا: لَا نَقْتُلُهُ حَتّى نَبْعَثَ بِهِ إلَى أَهْلِ مَكّةَ، فَيَقْتُلُوهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ بِمَنْ كَانَ أَصَابَ مِنْ رِجَالِهِمْ.
قَالَ: فَقَامُوا وَصَاحُوا بِمَكّةَ، وَقَالُوا: قَدْ جَاءَكُمْ الْخَبَرُ، وَهَذَا مُحَمّدُ إنّمَا تَنْتَظِرُونَ أَنْ يُقْدَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ، فَيُقْتَلُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ. قَالَ: قُلْت: أَعِينُونِي عَلَى جَمْعِ مَالِي بِمَكّةَ وَعَلَى غُرَمَائِي، فَإِنّي أُرِيدُ أَنْ أَقْدَمَ خَيْبَر، فَأُصِيبُ مِنْ فَلّ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَنِي التّجّارُ إلَى مَا هُنَالِكَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ويقال: من فىء محمد.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ: فَقَامُوا فَجَمَعُوا لِي مَالِي كَأَحَثّ جَمْعٍ سَمِعْت بِهِ.
قَالَ: وَجِئْت صَاحِبَتِي فَقُلْت، مَالِي، وَقَدْ كَانَ لِي عِنْدَهَا مَالٌ مَوْضُوعٌ، لَعَلّي أَلْحَقُ بِخَيْبَرِ، فَأُصِيبَ مِنْ فُرَصِ الْبَيْعِ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَنِي التّجّارُ، قَالَ:
فَلَمّا سَمِعَ الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ الْخَبَرَ، وَجَاءَهُ عَنّي، أَقْبَلَ حَتّى وَقَفَ إلَى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٢٠ ]
جَنْبِي وَأَنَا فِي خَيْمَةٍ مِنْ خِيَامِ التّجّارِ، فَقَالَ: يَا حَجّاجُ، مَا هَذَا الْخَبَرُ الّذِي جِئْت بِهِ؟ قَالَ: فَقُلْت: وَهَلْ عِنْدَك حِفْظٌ لِمَا وَضَعْتُ عِنْدَك؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ:
قُلْت: فَاسْتَأْخِرْ عَنّي حَتّى أَلْقَاك عَلَى خَلَاءٍ، فَإِنّي فِي جَمْعِ مَالِي كَمَا تَرَى، فَانْصَرِفْ عَنّي حَتّى أَفَرُغَ: قَالَ: حَتّى إذَا فَرَغْت مِنْ جَمْعِ كُلّ شَيْءٍ كَانَ لِي بِمَكّةَ، وَأَجْمَعْت الخروج، لقيت العباس، فقلت: احْفَظْ عَلَيّ حَدِيثِي. يَا أَبَا الْفَضْلِ، فَإِنّي أَخْشَى الطّلَبَ ثَلَاثًا، ثُمّ قُلْ مَا شِئْت، قَالَ: أَفْعَلُ. قُلْت: فَإِنّي وَاَللهِ لَقَدْ تَرَكْت ابْنَ أَخِيك عَرُوسًا عَلَى بِنْتِ مَلِكِهِمْ يَعْنِي صَفِيّةَ بِنْتَ حُيَيّ، وَلَقَدْ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، وَانْتَثَلَ مَا فِيهَا، وَصَارَتْ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا حَجّاجُ؟ قَالَ: قُلْت:
إي وَاَللهِ فَاكْتُمْ عَنّي، وَلَقَدْ أَسْلَمْتُ وَمَا جِئْت إلّا لآخذ مالى، فرقا من أن أغلب عَلَيْهِ، فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثٌ فَأَظْهِرْ أَمْرَك، فَهُوَ وَاَللهِ عَلَى مَا تُحِبّ، قَالَ:
حَتّى إذَا كَانَ الْيَوْمُ الثّالِثُ لَبِسَ الْعَبّاسُ حُلّةً لَهُ، وتحلّق، وَأَخَذَ عَصَاهُ، ثُمّ خَرَجَ حَتّى أَتَى الْكَعْبَةَ، فَطَافَ بِهَا، فَلَمّا رَأَوْهُ قَالُوا: يَا أَبَا الْفَضْلِ، هَذَا وَاَللهِ التّجَلّدُ لِحَرّ الْمُصِيبَةِ، قَالَ: كَلّا، وَاَللهِ الّذِي حَلَفْتُمْ بِهِ، لَقَدْ افْتَتَحَ مُحَمّدٌ خَيْبَرَ وَتُرِكَ عَرُوسًا عَلَى بِنْتِ مَلِكِهِمْ، وَأَحْرَزَ أَمْوَالَهُمْ وَمَا فِيهَا فَأَصْبَحَتْ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ، قَالُوا: مَنْ جَاءَك بِهَذَا الْخَبَرِ؟ قَالَ: الّذِي جَاءَكُمْ بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ، وَلَقَدْ دَخَلَ عَلَيْكُمْ مُسْلِمًا، فَأَخَذَ مَالَهُ، فَانْطَلَقَ لِيَلْحَقَ بِمُحَمّدِ وَأَصْحَابِهِ، فَيَكُونُ مَعَهُ. قَالُوا: يَا لِعِبَادِ اللهِ! انْفَلَتَ عَدُوّ اللهِ، أَمَا وَاَللهِ لَوْ عَلِمْنَا لَكَانَ لَنَا وَلَهُ شَأْنٌ، قَالَ: وَلَمْ يَنْشَبُوا أَنْ جاءهم الخبر بذلك.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٢١ ]
[شعر حسان عن خَيْبَرَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمّا قِيلَ مِنْ الشّعْرِ فِي يَوْمِ خَيْبَرَ قَوْلُ حَسّانَ ابن ثَابِتٍ:
بِئْسَمَا قَاتَلَتْ خَيَابِرُ عَمّا جَمَعُوا مِنْ مَزَارِعَ وَنَخِيلِ
كَرِهُوا الْمَوْتَ فَاسْتُبِيحَ حِمَاهُمْ وَأَقَرّوا فِعْلَ اللّئِيمِ الذّلِيلِ
أَمِنْ الْمَوْتِ يَهْرَبُونَ فَإِنّ الموت موت الهزال غير جميل
[حسان يعتذر عن أيمن]
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا، وَهُوَ يَعْذِرُ أَيْمَنَ بْنِ أُمّ أَيْمَنَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَكَانَ قَدْ تَخَلّفَ عَنْ خَيْبَرَ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَكَانَتْ أُمّهُ أُمّ أَيْمَنَ مَوْلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهِيَ أُمّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَكَانَ أَخَا أسامة لأمه:
عَلَى حِينِ أَنْ قَالَتْ لِأَيْمَنَ أُمّهُ جَبُنْتَ وَلَمْ تَشْهَدْ فَوَارِسَ خَيْبَر
وَأَيْمَنُ لَمْ يَجْبُنْ وَلَكِنّ مُهْرَهُ أَضَرّ بِهِ شُرْبُ الْمَدِيدِ الْمُخَمّرِ
وَلَوْلَا الّذِي قَدْ كَانَ مِنْ شَأْنِ مُهْرِهِ لَقَاتَلَ فِيهِمْ فَارِسًا غَيْرَ أَعْسَرَ
وَلَكِنّهُ قَدْ صَدّهُ فِعْلُ مُهْرِهِ وَمَا كَانَ مِنْهُ عِنْدَهُ غَيْرَ أَيْسَرَ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَنْشَدَنِي:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٢٢ ]
وَلَكِنّهُ قَدْ صَدّهُ شَأْنُ مُهْرِهِ وَمَا كَانَ لَوْلَا ذَاكُمْ بِمُقَصّرِ
[شِعْرُ نَاجِيَةَ فِي يَوْمِ خَيْبَرَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ نَاجِيَةُ بْنُ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيّ:
يَا لِعِبَادِ لَلّهَ فِيمَ يُرْغَبُ مَا هُوَ إلّا مَأْكَلٌ وَمَشْرَبُ
وَجَنّةٌ فِيهَا نَعِيمٌ مُعْجِبُ
وَقَالَ ناجية بن جندب الأسلىّ أَيْضًا:
أَنَا لِمَنْ أَنْكَرَنِي ابْنُ جُنْدُبِ يَا رُبّ قِرْنٍ فِي مَكَرّي أَنْكَبِ
طَاحَ بِمَغْدَى أَنْسُرٍ وَثَعْلَبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ الرّوَاةِ لِلشّعْرِ قَوْلَهُ: «في مَكَرّي»، و«طاح بمغدى» .
[شِعْرُ كَعْبٍ فِي يَوْمِ خَيْبَرَ]
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي يَوْمِ خَيْبَرَ، فِيمَا ذَكَرَ ابن هشام، عن أبى زيد الأنصارى:
وَنَحْنُ وَرَدْنَا خَيْبَرًا وَفُرُوضَهُ بِكُلّ فَتًى عَارِي الأشاجع مذود
جواد لذى الْغَايَاتِ لَا وَاهِنِ الْقُوَى جَرِيءٍ عَلَى الْأَعْدَاءِ فِي كُلّ مَشْهَدِ
عَظِيمِ رَمَادِ الْقِدْرِ فِي كُلّ شَتْوَةٍ ضَرُوبٍ بِنَصْلِ الْمَشْرَفِيّ الْمُهَنّدِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٢٣ ]
يَرَى الْقَتْلَ مَدْحًا إنْ أَصَابَ شَهَادَةً مِنْ اللهِ يَرْجُوهَا وَفَوْزًا بِأَحْمَدِ
يَذُودُ وَيَحْمِي عَنْ ذِمَارِ مُحَمّدٍ وَيَدْفَعُ عَنْهُ بِاللّسَانِ وَبِالْيَدِ
وَيَنْصُرُهُ مِنْ كُلّ أَمْرٍ يَرِيبُهُ يَجُودُ بِنَفْسٍ دُونَ نَفْسِ مُحَمّدٍ
يُصَدّقُ بِالْأَنْبَاءِ بِالْغَيْبِ مُخْلِصًا يُرِيدُ بِذَاكَ الْفَوْزَ وَالْعِزّ فِي غَدٍ
[ذِكْرُ مَقَاسِمِ خَيْبَرَ وَأَمْوَالِهَا]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وكانت القاسم عَلَى أَمْوَالِ خَيْبَرَ، عَلَى الشّقّ وَنَطَاةَ وَالْكَتِيبَةِ، فَكَانَتْ الشّقّ وَنَطَاةُ فِي سُهْمَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتْ الْكَتِيبَةُ خُمُسَ اللهِ، وَسَهْمَ النّبِيّ ﷺ، وَسَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، وَطُعْمَ أَزْوَاجِ النّبِيّ ﷺ، وَطُعْمَ رِجَالٍ مَشَوْا بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ أَهْلِ فَدَكَ بِالصّلْحِ؛ مِنْهُمْ مُحَيّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، أَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثِينَ وَسْقًا مِنْ شَعِيرٍ، وَثَلَاثِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ، وَقُسِمَتْ خَيْبَرُ على أهل الحديبية، من شهد خيبر، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَلَمْ يَغِبْ عَنْهَا إلّا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، فَقَسَمَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَسَهْمِ مَنْ حَضَرَهَا، وَكَانَ وَادِيَاهَا، وَادِي السّرَيْرَةِ، وَوَادِي خَاصّ، وَهُمَا اللّذَانِ قُسِمَتْ عَلَيْهِمَا خَيْبَرُ، وَكَانَتْ نَطَاةُ وَالشّقّ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سهما، نطاة من ذلك خمسة أسهم، وَالشّقّ ثَلَاثَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَقُسِمَتْ الشّقّ وَنَطَاةُ على ألف سهم، وثمانمائة سهم.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٢٤ ]
[مَنْ قُسِمَتْ عَلَيْهِمْ خَيْبَرُ]
وَكَانَتْ عِدّةُ الّذِينَ قُسِمَتْ عَلَيْهِمْ خَيْبَرُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ألف سهم وثمانمائة سهم، برجالهم وخيلهم، الرجال أربع عشرة مائة والخيل مائتا فَارِسٍ، فَكَانَ لِكُلّ فَرَسٍ سَهْمَانِ، وَلِفَارِسِهِ سَهْمٌ، وَكَانَ لِكُلّ رَاجِلٍ سَهْمٌ؛ فَكَانَ لِكُلّ سَهْمٍ رأس جمع إليه مائة رَجُلٍ، فَكَانَتْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا جُمِعَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَفِي يَوْم خَيْبَرَ عَرّبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعَرَبِيّ مِنْ الخيل، وهجّن الهجين.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَأْسًا، وَالزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيّ، أَخُو بَنِي الْعَجْلَانِ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَسَهْمُ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَسَهْمُ نَاعِمِ، وَسَهْمُ بَنِي بَيَاضَةَ، وَسَهْمُ بَنِي عُبَيْدٍ، وَسَهْمُ بَنِي حَرَامٍ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ وَعُبَيْدٍ السّهَامِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِنّمَا قِيلَ لَهُ عُبَيْدٌ السّهَامُ لِمَا اشْتَرَى مِنْ السّهَامِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَهُوَ عُبَيْدُ بْنُ أَوْسٍ، أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بن عمرو ابن مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَهْمُ سَاعِدَةَ، وَسَهْمُ غِفَارٍ وَأَسْلَمَ، وَسَهْمُ النّجّارِ وَسَهْمُ حَارِثَةَ، وَسَهْمُ أَوْسٍ. فَكَانَ أَوّلُ سَهْمٍ خَرَجَ من خيبر بنطاة سهم الزبير
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٢٥ ]
ابن الْعَوّامِ، وَهُوَ الْخَوْعُ وَتَابَعَهُ السّرَيْرُ، ثُمّ كَانَ الثّانِي سَهْمَ بَيَاضَةَ، ثُمّ كَانَ الثّالِثُ سَهْمَ أُسَيْدٍ، ثُمّ كَانَ الرّابِعُ سَهْمَ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمّ كَانَ الْخَامِسُ سَهْمَ نَاعِمٍ لبنى عوف بن الْخَزْرَجِ وَمُزَيْنَةَ وَشُرَكَائِهِمْ، وَفِيهِ قُتِلَ مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَهَذِهِ نَطَاةُ.
ثُمّ هَبَطُوا إلَى الشّقّ، فَكَانَ أَوّلُ سَهْمٍ خَرَجَ مِنْهُ سَهْمَ عَاصِمِ بْنِ عَدِيّ، أَخِي بَنِي الْعَجْلَانِ، وَمَعَهُ كَانَ سهم رسول الله ﷺ، ثُمّ سَهْمُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، ثُمّ سَهْمُ سَاعِدَةَ، ثُمّ سَهْمُ النّجّارِ، ثُمّ سَهْمُ علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، ثُمّ سَهْمُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، ثُمّ سَهْمُ غِفَارٍ وَأَسْلَمَ، ثُمّ سَهْمُ عُمَرَ بْنِ الخطّاب، ثم سهما سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَبَنِيّ حَرَامٍ، ثُمّ سَهْمُ حَارِثَةَ، ثُمّ سَهْمُ عُبَيْدٍ السّهَامِ، ثُمّ سَهْمُ أَوْسٍ، وَهُوَ سَهْمُ اللّفِيفِ، جَمَعَتْ إلَيْهِ جُهَيْنَةُ وَمَنْ حَضَرَ خَيْبَرَ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ، وَكَانَ حَذْوهُ سَهْمَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، الّذِي كَانَ أَصَابَهُ فِي سَهْمِ عَاصِمِ بْنِ عَدِيّ.
ثُمّ قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْكَتِيبَةَ، وَهِيَ وَادِي خَاصّ، بَيْنَ قَرَابَتِهِ وَبَيْنَ نِسَائِهِ، وَبَيْنَ رِجَالِ الْمُسْلِمِينَ وَنِسَاءٍ أَعْطَاهُمْ مِنْهَا، فَقَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لفاطمة ابنته مائتى وسق، ولعلىّ بن أبى طالب مائة وسق، ولأسامة بن زيد مائتى وَسْقٍ، وَخَمْسِينَ وَسْقًا مِنْ نَوًى، وَلِعَائِشَةَ أُمّ المؤمنين مائتى وسق، ولأبى بكر بن أبى قحافة مائة وسق، ولعقيل بن أبى طالب مائة وَسْقٍ وَأَرْبَعِينَ وَسْقًا، وَلِبَنِي جَعْفَرٍ خَمْسِينَ وَسْقًا، ولربيعة بن الحارث مائة وسق، وللصّلت بن مخرمة وابنيه مائة وَسْقٍ، لِلصّلْتِ مِنْهَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٢٦ ]
أَرْبَعُونَ وَسْقًا، وَلِأَبِي نَبْقَةَ خَمْسِينَ وَسْقًا وَلِرُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ خَمْسِينَ وَسْقًا، وَلِقَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَلِأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَرْبَعِينَ وَسْقًا، وَلِبَنَاتِ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ وَابْنَةِ الحصين بن الحارث مائة وَسْقٍ، وَلِبَنِي عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ سِتّينَ وَسْقًا، وَلِابْنِ أَوْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ ثَلَاثِينَ وَسْقًا. وَلِمِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ وَابْنِ إلْيَاسَ خَمْسِينَ وَسْقًا، ولأمّ رميثة أربعين وسقا، ولنعيم بن هِنْدٍ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَلِبُحَيْنَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَلِعُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، ولأمّ الحكم ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَلِجُمَانَةِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَلِابْنِ الْأَرْقَمِ خَمْسِينَ وَسْقًا، وَلِعَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَسْقًا، وَلِحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَلِأُمّ الزّبَيْرِ أَرْبَعِينَ وَسْقًا، وِلِضُبَاعَةَ بِنْتِ الزّبَيْرِ أَرْبَعِينَ وَسْقًا، وَلِابْنِ أَبِي خُنَيْسٍ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَلِأُمّ طَالِبٍ أَرْبَعِينَ وَسْقًا، وَلِأَبِي بَصْرَةَ عِشْرِينَ وَسْقًا، وَلِنُمَيْلَةَ الْكَلْبِيّ خَمْسِينَ وَسْقًا، وَلِعَبْدِ اللهِ بْنِ وَهْبٍ وَابْنَتَيْهِ تِسْعِينَ وَسْقًا، لَابْنَيْهِ مِنْهَا أَرْبَعِينَ وَسْقًا، وَلِأُمّ حَبِيبٍ بِنْتِ جَحْشٍ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَلِمَلْكُو بْنِ عَبَدَةَ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَلِنِسَائِهِ ﷺ سبع مائة وَسْقٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَمْحٌ وَشَعِيرٌ وَتَمْرٌ وَنَوًى وَغَيْرُ ذَلِكَ، قَسَمَهُ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِمْ وَكَانَتْ الْحَاجَةُ فِي بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ أَكْثَرَ، وَلِهَذَا أَعْطَاهُمْ أَكْثَرَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٢٧ ]
[بسم الله الرحمن الرحيم ذِكْرُ مَا أَعْطَى مُحَمّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ مِنْ قَمْحِ خَيْبَرَ]
قسم لهنّ مائة وَسْقٍ وَثَمَانِينَ وَسْقًا، وَلِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ خمسة وثمانين وسقا، ولأسامة بن زيد أربعين وسقا، وللمقداد بن الأسود خمسة عَشَرَ وَسْقًا، وَلِأُمّ رُمَيْثَةَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ.
شَهِدَ عثمان بن عفّان وعباس وكتب.
[وصاة الرّسُولُ عِنْدَ مَوْتِهِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: لَمْ يُوصِ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ إلا بثلاث، أوصى للرّهاويين بجادّ مائة وسق من خيبر، وللداريين بجادّ مائة وسق من خيبر، وللسبائيين، وللأشعريين بجادّ مائة وَسْقٍ مِنْ خَيْبَرَ، وَأَوْصَى بِتَنْفِيذِ بَعْثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأَلّا يُتْرَكَ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ.
[أَمْرُ فَدَكِ فِي خَبَرِ خَيْبَرَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ قَذَفَ اللهُ الرّعْبَ فِي قُلُوبِ أَهْلِ فَدَكِ، حِينَ بَلَغَهُمْ مَا أوقع الله تعالى بأهل خيبر، فبعوا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يصالحونه على النصف من فدك، فقدمت عَلَيْهِ رُسُلُهُمْ بِخَيْبَرِ، أَوْ بِالطّائِفِ، أَوْ بَعْدَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَكَانَتْ فَدَكُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَالِصَةً، لِأَنّهُ لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهَا بِخَيْلِ وَلَا ركاب.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٢٨ ]
[تَسْمِيَةُ النّفَرِ الدّارِيّينَ الّذِينَ أَوْصَى لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ]
وهم بنو الدار بن هانى بن حبيب بن نمارة بن لخم، الّذِينَ سَارُوا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الشّامِ: تَمِيمُ بْنُ أَوْسٍ وَنُعَيْمُ بْنُ أَوْسٍ أَخُوهُ، وَيَزِيدُ بْنُ قَيْسٍ، وَعَرَفَةُ بْنُ مَالِكٍ، سَمّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ الرّحْمَنِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَزّةُ بْنُ مَالِكٍ: وَأَخُوهُ مُرّانُ بْنُ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مَرْوَانُ بْنُ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَفَاكِهُ بْنُ نُعْمَانَ، وجبلة بن مالك، وأبو هند بن، وَأَخُوهُ الطّيّبُ بْنُ بَرّ، فَسَمّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عبد الله.
فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، كَمَا حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، يَبْعَثُ إلَى أَهْلِ خَيْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ خَارِصًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَيَهُودَ، فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا قَالُوا: تَعَدّيْت عَلَيْنَا؛ قَالَ: إنْ شِئْتُمْ فلكم، وإن شئتم قلنا، فتقول يهود: بهذا قامت السماوات وَالْأَرْضُ.
وَإِنّمَا خَرَصَ عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ عَامًا وَاحِدًا، ثُمّ أُصِيبَ بِمُؤْتَةِ يَرْحَمُهُ اللهُ، فَكَانَ جَبّارُ بْنُ صَخْرِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ خَنْسَاءَ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، هُوَ الّذِي يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٢٩ ]
فَأَقَامَتْ يَهُودُ عَلَى ذَلِكَ، لَا يَرَى بِهِمْ الْمُسْلِمُونَ بَأْسًا فِي مُعَامَلَتِهِمْ، حَتّى عَدَوْا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ سَهْلِ، أَخِي بَنِي حَارِثَةَ، فَقَتَلُوهُ، فَاتّهَمَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ والمسلمون عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي الزّهْرِيّ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ؛ وَحَدّثَنِي أَيْضًا بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ، مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: أُصِيبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ بِخَيْبَرِ، وَكَانَ خَرَجَ إلَيْهَا فِي أَصْحَابٍ لَهُ يَمْتَارُ مِنْهَا تَمْرًا، فَوُجِدَ فِي عين قد كسرت عنقه، ثم طُرِحَ فِيهَا؛ قَالَ: فَأَخَذُوهُ فَغَيّبُوهُ، ثُمّ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَذَكَرُوا لَهُ شَأْنَهُ، فَتَقَدّمَ إلَيْهِ أَخُوهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَمَعَهُ ابْنَا عَمّهِ حُوَيّصَةُ وَمُحَيّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ، وَكَانَ عَبْدُ الرّحْمَنِ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنّا، وَكَانَ صَاحِبَ الدّمِ، وَكَانَ ذَا قَدَمٍ فِي الْقَوْمِ، فَلَمّا تَكَلّمَ قَبْل ابْنَىْ عَمّهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: الْكُبْرَ الْكُبْرَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: كَبّرْ كَبّرْ- فِيمَا ذَكَرَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ- فَسَكَتَ؛ فَتَكَلّمَ حُوَيّصَةُ وَمُحَيّصَةُ، ثُمّ تَكَلّمَ هُوَ بَعْدُ، فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَتْلَ صَاحِبِهِمْ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَتُسَمّونَ قَاتِلَكُمْ، ثُمّ تَحْلِفُونَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا فَنُسَلّمُهُ إلَيْكُمْ؟ قَالُوا: يَا رسول الله، ما كنا لنحلف على مالا نَعْلَمُ؛ قَالَ: أَفَيَحْلِفُونَ بِاَللهِ خَمْسِينَ يَمِينًا مَا قتلوه ولا يعلمون له قاتلا ثم يبرؤن مِنْ دَمِهِ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كُنّا لِنَقْبَلَ أَيْمَانَ يَهُودَ، مَا فِيهِمْ مِنْ الْكُفْرِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى إثْمٍ قَالَ: فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ من عنده مائة ناقة.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٣٠ ]
قَالَ سَهْلٌ: فَوَاَللهِ مَا أَنْسَى بَكْرَةً مِنْهَا حَمْرَاءَ ضَرَبَتْنِي وَأَنَا أَحُوزُهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التّيْمِيّ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدِ بْنِ قَيْظِيّ، أَخِي بَنِي حَارِثَةَ، قَالَ مُحَمّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ:
وَاَيْمُ اللهِ، مَا كَانَ سَهْلٌ بِأَكْثَرَ عِلْمًا منه، ولكنّه كان أسنّ منه؛ وإنه قَالَ لَهُ:
وَاَللهِ مَا هَكَذَا كَانَ الشّأْنُ! وَلَكِنّ سَهْلًا أَوْهَمَ، مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ احلفوا على ما لا علم لكم به ولكنه كتب إلى يهود خَيْبَرَ حِينَ كَلّمَتْهُ الْأَنْصَارُ: إنّهُ قَدْ وُجِدَ قَتِيلٌ بَيْنَ أَبْيَاتِكُمْ فَدُوهُ، فَكَتَبُوا إلَيْهِ يَحْلِفُونَ بِاَللهِ مَا قَتَلُوهُ، وَلَا يَعْلَمُونَ لَهُ قَاتِلًا. فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ مِثْلَ حَدِيثِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدٍ، إلّا أَنّهُ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: دُوهُ أَوْ ائْذَنُوا بِحَرْبِ. فَكَتَبُوا يَحْلِفُونَ بِاَللهِ مَا قَتَلُوهُ وَلَا يَعْلَمُونَ لَهُ قَاتِلًا؛ فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ.
[عمر يجلى يهود خيبر]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَأَلْت ابْنَ شِهَابٍ الزّهْرِيّ: كَيْفَ كَانَ إعْطَاءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَهُودَ خَيْبَرَ نَخْلَهُمْ، حِينَ أَعْطَاهُمْ النخل على عَلَى خَرْجِهَا، أَبَتّ ذَلِكَ لَهُمْ حَتّى قُبِضَ، أَمْ أَعْطَاهُمْ إيّاهَا لِلضّرُورَةِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ؟
فَأَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ افْتَتَحَ خَيْبَرَ عَنْوَةً بَعْدَ الْقِتَالِ، وَكَانَتْ خَيْبَرُ مِمّا أَفَاءَ اللهُ ﷿ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٣١ ]
وَسَلّمَ، خَمّسَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَسَمَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَزَلَ مَنْ نَزَلَ مِنْ أَهْلِهَا عَلَى الْجَلَاءِ بَعْدَ الْقِتَالِ، فَدَعَاهُمْ رسول الله ﷺ، فقال: إنْ شِئْتُمْ دَفَعْت إلَيْكُمْ هَذِهِ الْأَمْوَالَ عَلَى أن تعلموها، وَتَكُونَ ثِمَارُهَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، وَأُقِرّكُمْ مَا أَقَرّكُمْ اللهُ، فَقَبِلُوا، فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ يُعْمِلُونَهَا.
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَبْعَثُ عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ، فَيَقْسِمُ ثَمَرَهَا، وَيَعْدِلُ عَلَيْهِمْ فِي الْخَرْصِ، فَلَمّا تَوَفّى اللهُ نَبِيّهُ ﷺ، أَقَرّهَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأَيْدِيهِمْ، عَلَى الْمُعَامَلَةِ الّتِي عَامَلَهُمْ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، حَتّى تُوُفّيَ؛ ثُمّ أَقَرّهَا عُمَرُ ﵁ صَدْرًا مِنْ إمَارَتِهِ. ثُمّ بَلَغَ عُمَرَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِي وَجَعِهِ الّذِي قَبَضَهُ اللهُ فِيهِ: لَا يَجْتَمِعَنّ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ؛ فَفَحَصَ عُمَرُ ذَلِكَ، حَتّى بَلَغَهُ الثّبْتُ، فَأَرْسَلَ إلىَ يَهُودَ، فَقَالَ: إنّ اللهَ ﷿ قَدْ أَذِنَ فِي جَلَائِكُمْ، قَدْ بَلَغَنِي أَنّ رسول الله ﷺ قال: لَا يَجْتَمِعَنّ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْيَهُودِ فَلْيَأْتِنِي بِهِ، أُنْفِذُهُ له، ومن لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْيَهُودِ، فَلْيَتَجَهّزْ لِلْجَلَاءِ، فَأَجْلَى عُمَرُ مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْهُمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي نَافِعٌ، مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ الله ابن عُمَرَ قَالَ: خَرَجْت أَنَا وَالزّبَيْرُ وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ إلَى أَمْوَالِنَا بِخَيْبَرِ نَتَعَاهَدُهَا، فَلَمّا قَدِمْنَا تَفَرّقْنَا فِي أَمْوَالِنَا، قَالَ: فَعُدِيَ عَلَيّ تَحْتَ الليل، وأنا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٣٢ ]
نَائِمٌ عَلَى فِرَاشِي، فَفُدِعَتْ يَدَايَ مِنْ مِرْفَقَيّ، فَلَمّا أَصْبَحْت اسْتَصْرَخَ عَلَيّ صَاحِبَايَ، فَأَتَيَانِي فَسَأَلَانِي: مَنْ صَنَعَ هَذَا بِك؟ فَقُلْت: لَا أَدْرِي؛ قَالَ:
فَأَصْلَحَا مِنْ يَدَيّ، ثُمّ قَدِمَا بِي عَلَى عُمَرَ ﵁، فَقَالَ: هَذَا عَمَلُ يَهُودَ، ثُمّ قَامَ فِي النّاسِ خَطِيبًا فَقَالَ: أَيّهَا النّاسُ، إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَنّا نُخْرِجُهُمْ إذَا شِئْنَا، وَقَدْ عَدَوْا على عبد الله ابن عمر، ففدعوا يديه، كما قد بغلكم، مَعَ عَدْوِهِمْ عَلَى الْأَنْصَارِيّ قَبْلَهُ، لَا نَشُكّ أَنّهُمْ أَصْحَابُهُ، لَيْسَ لَنَا هُنَاكَ عَدُوّ غَيْرُهُمْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ بِخَيْبَرِ فَلْيَلْحَقْ بِهِ، فَإِنّي مُخْرِجٌ يَهُودَ، فَأَخْرَجَهُمْ.
[قِسْمَةُ عُمَرَ لِوَادِي الْقُرَى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَكْنَفٍ، أَخِي بَنِي حَارِثَةَ، قَالَ: لَمّا أَخْرَجَ عُمَرُ يَهُودَ مِنْ خَيْبَرَ رَكِبَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَخَرَجَ مَعَهُ جَبّارُ بْنُ صَخْرِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ خنساء، أخو بنى سلمة، وكان خَارِصَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَحَاسِبَهُمْ- وَيَزِيدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَهُمَا قَسَمَا خَيْبَرَ بَيْنَ أَهْلِهَا، عَلَى أَصْلِ جَمَاعَةِ السّهْمَانِ، الّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا.
وَكَانَ مَا قَسَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ مِنْ وَادِي الْقُرَى؛ لِعُثْمَانِ بْنِ عَفّانَ خَطَرٌ، وَلِعَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ خَطَرٌ، وَلِعُمَرِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ خَطَرٌ، وَلِعَامِرِ بْنِ أَبِي رَبِيعَة خَطَرٌ، وَلِعَمْرِو بْنِ سُرَاقَةَ خَطَرٌ، وَلِأُشَيْمٍ خَطَرٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: وَلِأَسْلَمَ وَلِبَنِي جَعْفَرٍ خَطَرٌ، وَلِمُعَيْقِيبٍ خَطَرٌ،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٣٣ ]
وَلِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْأَرْقَمِ خَطَرٌ، وَلِعَبْدِ اللهِ وعبيد الله خطران، ولابن عبد الله ابن جحش خَطَرٌ، وَلِابْنِ الْبُكَيْرِ خَطَرٌ، وَلِمُعْتَمِرٍ خَطَرٌ، وَلِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ خَطَرٌ، وَلِأُبَيّ بْنِ كَعْبٍ خَطَرٌ، وَلِمُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ خَطَرٌ، وَلِأَبِي طَلْحَةَ وَحَسَنٍ خَطَرٌ، وَلِجَبّارِ بْنِ صَخْرٍ خَطَرٌ، وَلِجَابِرِ بْنِ عبد الله بن رئاب خطر، ولمالك ابن صَعْصَعَةَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو خَطَرٌ، وَلِابْنِ حُضَيْرٍ خَطَرٌ، وَلِابْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ خَطَرٌ، وَلِسَلَامَةِ بْنِ سَلَامَةَ خَطَرٌ، وَلِعَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي شَرِيكٍ خَطَرٌ، وَلِأَبِي عَبْسِ بْنِ جَبْرٍ خَطَرٌ، وَلِمُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ خَطَرٌ، وَلِعُبَادَةَ بْنِ طَارِقٍ خَطَرٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: لِقَتَادَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلِجَبْرِ بن عتيك نصف خطر، ولا بنى الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ نِصْفُ خَطَرٍ، وَلِابْنِ حَزَمَةَ وَالضّحّاكِ خَطَرٌ، فَهَذَا مَا بَلَغَنَا مِنْ أَمْرِ خَيْبَرَ وَوَادِي الْقُرَى وَمَقَاسِمِهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْخَطَرُ: النّصِيبُ يُقَالُ: أَخْطَرَ لِي فُلَانٌ خَطَرًا.
[ذِكْرُ قُدُومِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ الْحَبَشَةِ وَحَدِيثُ الْمُهَاجِرِينَ إلَى الْحَبَشَةِ]
قَالَ ابْنُ هشام: وَذَكَرَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الْأَجْلَحِ، عَنْ الشّعْبِيّ: أَنّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٣٤ ]
فَتْحِ خَيْبَرَ، فَقَبّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ عيينه، والتزمه وَقَالَ:
مَا أَدْرِي بِأَيّهِمَا أَنَا أُسَرّ: بِفَتْحِ خيبر، أم بقدوم جعفر؟
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مَنْ أَقَامَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى النّجَاشِيّ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ، فَحَمَلَهُمْ فِي سَفِينَتَيْنِ، فَقَدِمَ بِهِمْ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِخَيْبَرِ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ.
مِنْ بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيّةُ، وَابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَكَانَتْ وَلَدَتْهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ. قُتِلَ جَعْفَرٌ بِمُؤْتَةِ مِنْ أَرْضِ الشّامِ أَمِيرًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، رَجُلٌ.
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: خَالِدُ بن سعيد بن العاص بن أميّة ابن عَبْدِ شَمْسٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أَمِينَةُ بِنْتُ خَلَفِ بْنِ أَسْعَد- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَيُقَالُ: هُمَيْنَةُ بِنْتُ خَلَفٍ- وَابْنَاهُ سَعِيدُ بْنُ خَالِدٍ، وَأُمّهُ بنت خالد، ولدتهما بأرض الْحَبَشَةِ. قُتِلَ خَالِدٌ بِمَرْج الصّفّرِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ بِأَرْضِ الشّامِ؛ وَأَخُوهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بنت صفوان ابن أُمَيّةَ بْنِ محرّث الْكِنَانِيّ، هَلَكَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ. قُتِلَ عَمْرٌو بِأَجْنَادِينَ مِنْ أَرْضِ الشّامِ فِي خلافة أبى بكر ﵁.
وَلِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ يَقُولُ أَبُوهُ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ أَبُو أُحَيْحَةَ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٣٥ ]
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي عَنْك يَا عَمْرُو سَائِلًا إذَا شَبّ وَاشْتَدّتْ يَدَاهُ وَسُلّحَا
أَتَتْرُكُ أَمْرَ الْقَوْمِ فِيهِ بَلَابِلُ تُكَشّفُ غَيْظًا كَانَ فِي الصّدر موجحا
وَلِعَمْرِو وَخَالِدٍ يَقُولُ أَخُوهُمَا أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، حِينَ أَسْلَمَا، وَكَانَ أَبُوهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ هَلَكَ بِالظّرَيْبَةِ، مِنْ نَاحِيَةِ الطّائِفِ، هَلَكَ فِي مَالٍ لَهُ بِهَا:
أَلَا لَيْتَ مَيْتًا بِالظّرَيْبَةِ شَاهِدُ لِمَا يَفْتَرِي فِي الدّينِ عَمْرٌو وَخَالِدُ
أَطَاعَا بِنَا أَمْرَ النّسَاءِ فَأَصْبَحَا يُعِينَانِ مِنْ أَعْدَائِنَا مَنْ نُكَايِدُ
فَأَجَابَهُ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، فَقَالَ:
أَخِي مَا أَخِي لَا شَاتِمٌ أَنَا عِرْضَهُ وَلَا هُوَ مِنْ سُوءِ الْمَقَالَةِ مُقْصِرُ
يَقُولُ إذَا اشْتَدّتْ عَلَيْهِ أُمُورُهُ أَلَا لَيْتَ مَيْتًا بِالظّرَيْبَةِ يُنْشَرُ
فَدَعْ عَنْكَ مَيْتًا قَدْ مَشَى لِسَبِيلِهِ وَأَقْبِلْ عَلَى الْأَدْنَى الّذِي هُوَ أَفْقَرُ
وَمُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ، خَازِنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ عَلَى بَيْتِ مَالِ المسلمين وكان إلى آلِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ؛ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَبْدُ اللهِ بْنُ قَيْسٍ، حَلِيفُ آلِ عُتْبَةَ بن رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، أَرْبَعَةُ نَفَرٍ.
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ: الْأَسْوَدُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ.
رَجُلٌ.
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ: جَهْمُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شُرَحْبِيلَ، مَعَهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٣٦ ]
ابْنَاهُ عَمْرُو بْنُ جَهْمٍ وَخُزَيْمَةُ بْنُ جَهْمٍ، وَكَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمّ حَرْمَلَةَ بِنْتُ عَبْدِ الْأَسْوَدِ هَلَكَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَابْنَاهُ لَهَا. رَجُلٌ.
وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: عَامِرُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ هُذَيْلٍ. رَجُلَانِ.
وَمِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبٍ: الْحَارِثُ بْنُ خَالِدِ بْنِ صَخْرٍ، وَقَدْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ رَيْطَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ جُبَيْلَةَ، هَلَكَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ. رَجُلٌ.
ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص بْنِ كَعْبٍ: عُثْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ أُهْبَانَ. رَجُلٌ.
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ، مَحْمِيّةُ بْنُ الْجَزْءِ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي زُبَيْدٍ، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، جَعَلَهُ عَلَى خُمُسِ الْمُسْلِمِينَ. رَجُلٌ.
وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ: مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نضلة. رجل.
ومن بني عامر بن لؤي بن غالب: أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس؛ وَمَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شمس، معه امرأته عمرة بنت السعدى ابن وَقْدَانَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ. رَجُلَانِ.
وَمِنْ بَنِي الحارث بن فهران بْنِ مَالِكٍ: الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ لَقِيطٍ.
رَجُلٌ. وَقَدْ كَانَ حُمِلَ مَعَهُمْ فِي السّفِينَتَيْنِ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءِ مَنْ هَلَكَ هنالك من المسلمين.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٣٧ ]
فَهَؤُلَاءِ الّذِينَ حَمَلَ النّجَاشِيّ مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ فِي السّفِينَتَيْنِ، فَجَمِيعُ مَنْ قَدِمَ فِي السّفِينَتَيْنِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ستة عشر رجلا.
وَكَانَ مِمّنْ هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَلَمْ يَقْدَمْ إلّا بَعْدَ بَدْرٍ، وَلَمْ يَحْمِلْ النّجَاشِيّ فِي السّفِينَتَيْنِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَمِنْ قَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَمَنْ هَلَكَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ؛ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ:
مِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُبَيْدُ اللهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ الْأُسْدِيّ، أُسْدَ خُزَيْمَةَ، حَلِيفُ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، وَابْنَتُهُ حَبِيبَةُ بِنْتُ عُبَيْدِ اللهِ، وَبِهَا كَانَتْ تُكْنَى أُمّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سفيان، وكان اسمها رملة.
خَرَجَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مُهَاجِرًا، فَلَمّا قَدِمَ أَرْضَ الْحَبَشَةِ تَنَصّرَ بِهَا وَفَارَقَ الْإِسْلَامَ، وَمَاتَ هُنَالِكَ نَصْرَانِيّا، فَخَلَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى امْرَأَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ أُمّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، عن عروة، قال خرج عُبَيْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مُسْلِمًا، فلما قدم أرض الحبشة تقصّر، قَالَ فَكَانَ إذَا مَرّ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قال:
فَتّحْنَا وَصَأْصَأْتُمْ، أيَ قَدْ أَبْصَرْنَا وَأَنْتُمْ تَلْتَمِسُونَ الْبَصَرَ وَلَمْ تُبْصِرُوا بَعْدُ.
وَذَلِكَ أَنّ وَلَدَ الْكَلْبِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ عَيْنَيْهِ لِلنّظَرِ صَأْصَأَ قَبْلَ ذَلِكَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٣٨ ]
فَضَرَبَ ذَلِكَ لَهُ وَلَهُمْ مَثَلًا: أَيْ أَنّا قَدْ فَتّحْنَا أَعْيُنَنَا فَأَبْصَرْنَا، وَلَمْ تَفْتَحُوا أَعْيُنَكُمْ فَتُبْصِرُوا، وَأَنْتُمْ تَلْتَمِسُونَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَيْسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي أُسْدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَهُوَ أَبُو أُمَيّةَ بِنْتِ قَيْسٍ الّتِي كَانَتْ مَعَ أُمّ حَبِيبَةَ؛ وَامْرَأَتُهُ بركة بنت يسار، مولاة، أبي سفيان بن حَرْبٍ، كَانَتَا ظِئْرَى عُبَيْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ، وَأُمّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، فَخَرَجَا بِهِمَا مَعَهُمَا حِينَ هَاجَرَا إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ. رَجُلَانِ.
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ: يَزِيدُ بْنُ زَمَعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ المطلّب بن أَسَدٍ، قُتِلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَهِيدًا، وَعَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ، هَلَكَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ. رَجُلَانِ.
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ: أَبُو الرّومِ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ؛ وَفِرَاسُ بْنُ النّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ علقمة ابن عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ. رَجُلَانِ.
وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرّةَ: الْمُطّلِبُ بن أزهر بن عبد عوف ابن عَبْدِ (بْنِ) الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ رملة بنت أبى عوف بن ضبيرة ابن سعيد بن سعد بن سهم، هلك بأرض الحبشة، ولدت له هنالك عبد الله ابن الْمُطّلِبِ فَكَانَ يُقَالُ: إنْ كَانَ لَأَوّلُ رَجُلٍ وَرِثَ أَبَاهُ فِي الْإِسْلَامِ رَجُلٌ.
وَمِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ: عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، قُتِلَ بِالْقَادِسِيّةِ مَعَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ. رَجُلٌ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٣٩ ]
ومن بني مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ: هَبّارُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، قُتِلَ بِأَجْنَادِينَ مِنْ أَرْضِ الشّامِ، فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁؛ وَأَخُوهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سُفْيَانَ، قُتِلَ عَامَ الْيَرْمُوكِ بِالشّامِ، فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ ﵁، يُشَكّ فِيهِ أَقُتِلَ ثَمّ أَمْ لَا؛ وَهِشَامُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
وَمِنْ بَنِي جُمَحِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ: حَاطِبُ بْنُ الْحَارِثِ بن معمر بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جمح، وابناه مُحَمّدٌ وَالْحَارِثُ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُجَلّلِ هَلَكَ حَاطِبٌ هُنَالِكَ مُسْلِمًا، فَقَدِمَتْ امْرَأَتُهُ وَابْنَاهُ، وَهِيَ أُمّهُمَا، فِي إحْدَى السّفِينَتَيْنِ؛ وَأَخُوهُ حَطّابُ بْنُ الْحَارِثِ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ فُكَيْهَةُ بِنْتُ يَسَارٍ هَلَكَ هُنَالِكَ مُسْلِمًا، فَقَدِمَتْ امْرَأَتُهُ فُكَيْهَةُ فِي إحْدَى السّفِينَتَيْنِ؛ وَسُفْيَانُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبٍ، وَابْنَاهُ جُنَادَةُ وَجَابِرٌ، وَأُمّهُمَا مَعَهُ حَسَنَةُ، وَأَخُوهُمَا لِأُمّهِمَا شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ؛ وَهَلَكَ سُفْيَانُ وَهَلَكَ ابْنَاهُ جُنَادَةُ وَجَابِرٌ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ ﵁. سِتّةُ نَفَرٍ.
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ: عبد الله بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ الشّاعِرُ، هَلَكَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَقَيْسُ بن حذافة بن قيس بن عدي بن سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ؛ وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سعد بن سَهْمٍ، قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ ﵁، وَعَبْدُ اللهِ بن حذافة بن قيس بن عدي بن سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، وَهُوَ رَسُولَ (رَسُولِ) اللهِ ﷺ إلَى كِسْرَى، وَالْحَارِثُ بن الحارث
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٤٠ ]
ابن قَيْسِ بْنِ عَدِيّ، وَمَعْمَرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قيس بن عدىّ، وبشر بن الحارث ابن قَيْسِ بْنِ عَدِيّ، وَأَخٌ لَهُ مِنْ أُمّهِ، مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، يُقَالُ لَهُ سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو، قُتِلَ بِأَجْنَادِينَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَسَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ، قُتِلَ عَامَ الْيَرْمُوكِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ ﵁، وَالسّائِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ، جُرِحَ بِالطّائِفِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقُتِلَ يَوْمَ فِحْلٍ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ ﵁، وَيُقَالُ: قُتِلَ يَوْمَ خَيْبَرَ، يُشَكّ فِيهِ، وَعُمَيْرُ بْنُ رِئَابِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ مِهْشَمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، قُتِلَ بِعَيْنِ التّمْرِ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، مُنْصَرَفَهُ مِنْ الْيَمَامَةِ، فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁. أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا.
وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ: عُرْوَةُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ حُرْثَانَ بْنِ عَوْفِ بن عبيد بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ، هَلَكَ بأرض الحبشة، وعدىّ ابن نَضْلَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ حُرْثَانَ، هَلَكَ بأرض الحبشة. رجلان.
وقد كَانَ مَعَ عَدِيّ ابْنُهُ النّعْمَانُ بْنُ عَدِيّ، فَقَدِمَ النّعْمَانُ مَعَ مَنْ قَدِمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَبَقِيَ حَتّى كَانَتْ خِلَافَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى مَيْسَانَ، مِنْ أَرْضِ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ أَبْيَاتًا مِنْ شِعْرٍ، وَهِيَ:
أَلَا هَلْ أَتَى الْحَسْنَاءَ أَنّ حَلِيلَهَا بِمَيْسَانَ يُسْقَى فِي زُجَاجٍ وَحَنْتَمِ
إذَا شِئْتُ غَنّتِني دَهَاقِينُ قَرْيَةٍ وَرَقّاصَةٌ تَجْذُو عَلَى كُلّ مَنْسِمِ
فَإِنْ كُنْت نَدْمَانِي فَبِالْأَكْبَرِ اسْقِنِي وَلَا تَسْقِنِي بالأصغر المتثلّم
لعلّ أمير المؤمنين يسوؤه تَنَادُمُنَا فِي الجَوْسَقِ الْمُتَهَدّمِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٤١ ]
فَلَمّا بَلَغَتْ أَبْيَاتُهُ عُمَرَ، قَالَ: نَعَمْ وَاَللهِ، إنّ ذَلِكَ لَيَسُوءنِي، فَمَنْ لَقِيَهُ فَلْيُخْبِرْهُ أَنّي قَدْ عَزَلْته، وَعَزَلَهُ. فَلَمّا قَدِمَ عَلَيْهِ اعْتَذَرَ إلَيْهِ وَقَالَ: وَاَللهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا صَنَعْت شَيْئًا مِمّا بَلَغَك أَنّي قُلْته قَطّ، وَلَكِنّي كُنْت امْرَأً شَاعِرًا، وَجَدْت فَضْلًا مِنْ قَوْلٍ، فَقُلْت فِيمَا تَقُولُ الشّعَرَاءُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَاَيْمُ اللهِ، لَا تَعْمَلُ لِي عَلَى عَمَلٍ مَا بَقِيت، وَقَدْ قُلْتَ مَا قُلْتَ.
ومن بني عامر بن لؤي بن غالب بْنِ فِهْرٍ: سَلِيطُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شمس ابن عبدودّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ، وَهُوَ كَانَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيّ الحنفى باليمامة. رجل.
وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ: عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ غَنْمِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدّادٍ، وَسَعْدُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ لقيط بن عامر بن أمية بن ظرب بن الحارث ابن فِهْرٍ، وَعِيَاضُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدّادٍ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
فَجَمِيعُ مَنْ تَخَلّفَ عَنْ بَدْرٍ، وَلَمْ يَقْدَمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَكّةَ، وَمَنْ قَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَمَنْ لَمْ يَحْمِلْ النّجَاشِيّ فِي السّفِينَتَيْنِ، أَرْبَعَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا.
وَهَذِهِ تَسْمِيَةُ جُمْلَةِ مَنْ هَلَكَ مِنْهُمْ وَمِنْ أَبْنَائِهِمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ:
مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُبَيْدُ اللهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ، حَلِيفُ بَنِي أُمَيّةَ، مَاتَ بِهَا نَصْرَانِيّا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٤٢ ]
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قصىّ: عمرو بن أميّة بن الحارث ابن أَسَدٍ.
وَمِنْ بَنِي جُمَحٍ: حَاطِبُ بْنُ الْحَارِثِ، وَأَخُوهُ حَطّابُ بْنُ الْحَارِثِ.
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ: عبد الله بن الحارث ابن قَيْسٍ.
وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ: عُرْوَةُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ حُرْثَانَ ابن عَوْفٍ، وَعَدِيّ بْنُ نَضْلَةَ. سَبْعَةُ نَفَرٍ.
وَمِنْ أَبْنَائِهِمْ، مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرّةَ: مُوسَى بْنُ الْحَارِثِ بْنِ خَالِدِ بْنِ صَخْرِ بْنِ عامر. رجل.
[مهاجرات الحبشة]
وجميع من هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ النّسَاءِ، مَنْ قَدِمَ مِنْهُنّ وَمَنْ هَلَكَ هُنَالِكَ سِتّ عَشْرَةَ امْرَأَةً، سِوَى بَنَاتِهِنّ اللّاتِي وُلِدْنَ هُنَالِكَ، مَنْ قَدِمَ مِنْهُنّ وَمَنْ هَلَكَ هُنَالِكَ، وَمَنْ خَرَجَ بِهِ مَعَهُنّ حِينَ خَرَجْنَ.
مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْ بَنِي هَاشِمٍ: رُقَيّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَمِنْ بَنِي أُمَيّةَ: أُمّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، مَعَهَا ابْنَتُهَا حَبِيبَةُ، خرجت بها مِنْ مَكّةَ، وَرَجَعَتْ بِهَا مَعَهَا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٤٣ ]
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: أُمّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيّةَ، قَدِمَتْ مَعَهَا بِزَيْنَبِ ابْنَتِهَا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ وَلَدَتْهَا هُنَالِكَ.
وَمِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مرّة: ربطة بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ جُبَيْلَةَ، هَلَكَتْ بِالطّرِيقِ، وَبِنْتَانِ لَهَا كَانَتْ وَلَدَتْهُمَا هُنَالِكَ عَائِشَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ وَزَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ هَلَكْنَ جَمِيعًا، وَأَخُوهُنّ مُوسَى بْنُ الْحَارِثِ، مِنْ مَاءٍ شَرِبُوهُ فِي الطّرِيقِ، وَقَدِمَتْ بِنْتٌ لَهَا وَلَدَتْهَا هُنَالِكَ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ وَلَدِهَا غَيْرُهَا، يُقَالُ لَهَا فَاطِمَةُ.
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرٍو: رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي عوف بن صبيرة.
وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ: لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ بْنِ غَانِمٍ.
وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ: سَوْدَةُ بِنْتُ زَمَعَةَ بْنِ قَيْسٍ، وسهلة بنت سهييل بن عمرو، وابنة المجلّل، وَعَمْرَةُ بِنْتُ السّعْدِيّ بْنِ وَقْدَانَ، وَأُمّ كُلْثُومِ بنت سهيل بن عمرو.
وَمِنْ غَرَائِبِ الْعَرَبِ: أَسَمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسِ بْنِ النّعْمَانِ الْخَثْعَمِيّةُ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ مُحرّث الْكِنَانِيّةُ، وَفُكَيْهَةُ بِنْتُ يَسَارٍ، وَبَرَكَةُ بِنْتُ يَسَارٍ، وَحَسَنَةُ، أُمّ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَة.
وَهَذِهِ تَسْمِيَةُ مَنْ وُلِدَ مِنْ أَبْنَائِهِمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ.
وَمِنْ بَنِي هَاشِمٍ: عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ: مُحَمّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، وَأُخْتُهُ أَمَةُ بِنْتُ خَالِدٍ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦ / ٥٤٤ ]
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ الْأَسَدِ.
وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ: عَبْدُ اللهِ بن المطّلب بن أزهر.
ومن بنى تيم: مُوسَى بْنُ الْحَارِثِ بْنِ خَالِدٍ، وَأَخَوَاتُهُ عَائِشَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ.
الرّجَالُ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ: عَبْدُ اللهِ بْنُ جعفر، ومحمد بن أبى حذيفة، وسعيد ابن خَالِدٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُطّلِبِ، وَمُوسَى بْنُ الحارث.
وَمِنْ النّسَاءِ خَمْسٌ: أَمَةُ بِنْتُ خَالِدٍ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ، وَعَائِشَةُ وَزَيْنَبُ وَفَاطِمَةُ، بَنَاتُ الحارث بن خالد بن صخر.
ــ
غَزْوَةُ خَيْبَرَ ذَكَرَ الْبَكْرِيّ أَنّ أَرْضَ خَيْبَرَ سُمّيَتْ بِاسْمِ رَجُلٍ مِنْ الْعَمَالِيقِ نَزَلَهَا، وَهُوَ خَيْبَرُ بْنُ قَانِيَةَ بْنِ مَهْلَايِلَ «١»، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْوَطِيحِ، وَهُوَ مِنْ حُصُونِهَا أَنّهُ سُمّيَ بِالْوَطِيحِ بْنِ مَازِنٍ، رَجُلٌ مِنْ ثَمُودَ وَلَفْظُهُ مأخوذ من مِنْ الْوَطْحِ، وَهُوَ مَا تَعَلّقَ بِالْأَظَافِرِ، وَمَخَالِبِ الطّيْرِ مِنْ الطّينِ.
شَرْحُ هَنَةٍ وَالْحُدَاءِ:
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ قَوْلَهُ ﵇ لِسَلَمَةَ بْنِ الأكوع: خذلنا من
_________________
(١) قاله فى المعجم منسوبا إلى محمد بن سهل، وفيه قاينة بدلا من قانية.
[ ٦ / ٥٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هَنَاتِك. الْهَنَةُ: كِنَايَةٌ عَنْ كُلّ شَيْءٍ لَا تَعْرِفُ اسْمَهُ، أَوْ تَعْرِفُهُ، فَتُكَنّي عَنْهُ، وَأَصْلُ الْهَنَةِ: هَنْهَةٌ وَهَنْوَةٌ. قَالَ الشّاعِرُ:
[أَرَى ابْنَ نَزَارٍ قَدْ جَفَانِي وَقَلّنِي] عَلَى هَنَوَاتٍ شَأْنُهَا مُتَتَابِعُ
وَفِي الْبُخَارِيّ: أَنّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ الْأَكْوَعِ: أَلَا تَنْزِلُ فَتُسْمِعَنَا مِنْ هُنَيْهَاتِكَ، صَغّرَهُ بِالْهَاءِ، وَلَوْ صَغّرَهُ عَلَى لُغَةِ مَنْ قَالَ هَنَوَاتٍ، لَقَالَ هُنَيّاتِك، وَإِنّمَا أَرَادَﷺ- أَنْ يَحْدُوَ بِهِمْ، وَالْإِبِلُ تُسْتَحَثّ بِالْحِدَاءِ، وَلَا يَكُونُ الْحِدَاءُ إلّا بِشِعْرِ أَوْ رَجَزٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَوّلَ مَنْ سَنّ حُدَاءَ الْإِبِلِ، وَهُوَ مُضَرُ بْنُ نَزَارٍ، وَالرّجَزُ شِعْرٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَرِيضًا، وَقَدْ قِيلَ لَيْسَ بِشِعْرِ، وَإِنّمَا هِيَ أَشْطَارُ أَبْيَاتٍ، وَإِنّمَا الرّجَزُ الّذِي هُوَ شِعْرٌ سُدَاسِيّ الْأَجْزَاءِ، نَحْوَ مَقْصُورَةِ ابْنِ دُرَيْدٍ «١» أَوْ رُبَاعِيّ الْأَجْزَاءِ نَحْوَ قَوْلِ الشاعر:
يامر يا خير أخ نازعت درّ الحلمه
_________________
(١) من جيد شعر ابن دريد المقصورة التى يمدح بها الشاه ميكائيل وولديه وهو الأمير أبو العباس إسماعيل بن عبد الله بن ميكائيل رئيس نيسابور، أحاط فيها بأكثر المقصورة: وأولها: إما ترى رأسى حاكى لونه طرة صبح تحت أذيال الدجى وقد اعتنى بشرحها كثير من المتقدمين والمتأخرين منهم العلامة أحمد بن خالويه. ولكن أولها فى المطبوعة: يا ظبية أشبه شىء بالمها ترعى الخزامى بين أشجار النقا وهى أكثر من مائتين وخمسين بيتا.
[ ٦ / ٥٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَاحْتَجّ مَنْ قَالَ فِي مَشْطُورِ الرّجَزِ أَنّهُ لَيْسَ بِشِعْرِ أَنّهُ قَدْ جَرَى عَلَى لِسَانِ النّبِيّﷺ- وَكَانَ لَا يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ الشّعْرُ، وَقَدْ رُوِيَ أَنّهُ أَنْشَدَ هَذَا الرّجَزَ الّذِي قَالَهُ ابْنُ الْأَكْوَعِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ أَيْضًا إمّا مُتَمَثّلًا وَإِمّا مُنْشِئًا:
هَلْ أَنْتَ إلّا إصْبَعٌ دَمِيَتْ وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيت
وَفِي هَذَا الزجز مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ مِمّا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ وَغَيْرِهِ:
فَاغْفِرْ فِدَاءً لَك «١» مَا أَبْقَيْنَا
وَيُرْوَى مَا اقْتَفَيْنَا أَيْ «٢»: مَا تَتَبّعْنَا مِنْ الْخَطَايَا، مِنْ قَفَوْت الْأَثَرَ، وَاقْتَفَيْته. وَفِي التّنْزِيلِ: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، وَأَمّا قَوْلُهُ:
مَا أَبْقَيْنَا، أَيْ: مَا خَلّفْنَا مِمّا اكْتَسَبْنَا، أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ: مَا أَبْقَيْنَا من لذنوب، فَلَمْ نُحَقّقْ التّوْبَةَ مِنْهُ كَمَا يَنْبَغِي.
وَقَوْلُهُ فِدَاءً لَك قَدْ قِيلَ: إنّ الْخِطَابَ لِلنّبِيّﷺ- أَيْ:
اغْفِرْ لَنَا تَقْصِيرَنَا فِي حَقّك وَطَاعَتِك، إذْ لَا يُتَصَوّرُ أَنْ يُقَالَ لِلّهِ ﵎ مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ، وَذَلِكَ أَنّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: فِدَاءً لَك أَيْ: فِدَاءً لَك أَنْفُسُنَا وَأَهْلُونَا، وَحُذِفَ الِاسْمُ الْمُبْتَدَأُ لِكَثْرَةِ دَوْرِهِ فِي الْكَلَامِ مَعَ الْعِلْمِ به، وإنما
_________________
(١) قد تكون فداء مرفوعة على أنها مبتدأ.
(٢) هذه رواية مسلم والبخارى فى الأدب، وللقابسى: ما لقينا، وفى رواية ما اتقينا، أى ما تركنا من الأوامر. وما ظرفية.
[ ٦ / ٥٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَفْدِي الْإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ مَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْفَنَاءُ.
اسْتِعْمَالُ الْكَلِمَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا:
وَأَقْرَبُ مَا قِيلَ فِيهِ مِنْ الْأَقْوَالِ إلَى الصّوَابِ أَنّهَا كَلِمَةٌ يُتَرْجَمُ بِهَا عَنْ مَحَبّةٍ وَتَعْظِيمٍ، فَجَازَ أَنْ يُخَاطَبَ بِهَا مَنْ لَا يَجُوزُ فِي حَقّهِ الْفِدَاءُ، وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْفَنَاءُ قَصْدًا لِإِظْهَارِ الْمَحَبّةِ وَالتّعْظِيمِ «١» لَهُ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْكَلِمَةِ مَا ذَكَرْنَا، فَرُبّ كَلِمَةٍ تُرِكَ أَصْلُهَا، واستعملت كالمثل فِي غَيْرِ مَا وُضِعَتْ لَهُ أَوّلَ، كَمَا جاؤا بِلَفْظِ الْقَسَمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْقَسَمِ، إذَا أَرَادُوا تَعَجّبًا وَاسْتِعْظَامًا لِأَمْرِ، كَقَوْلِهِ ﵇ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيّ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ. أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إنْ صَدَقَ، وَمُحَالٌ أَنْ يَقْصِدَ ﷺ الْقَسَمَ بِغَيْرِ اللهِ ﵎، لَا سِيّمَا بِرَجُلِ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ، وَإِنّمَا هُوَ تَعَجّبٌ مِنْ قَوْلِ الْأَعْرَابِيّ، وَالْمُتَعَجّبُ مِنْهُ هُوَ مُسْتَعْظَمٌ، وَلَفْظُ الْقَسَمِ فِي أَصْلِ وَضْعِهِ لِمَا يُعَظّمُ، فَاتّسَعَ فِي اللفظ حتى قيل على هذا الْوَجْهِ. وَقَالَ الشّاعِرُ:
فَإِنْ تَكُ لَيْلَى اسْتَوْدَعَتْنِي أَمَانَةً فَلَا وَأَبِي أَعْدَائِهَا لَا أَخُونُهَا
لَمْ يُرِدْ أَنْ يُقْسِمَ بِأَبِي أَعْدَائِهَا، وَلَكِنّهُ ضَرْبٌ مِنْ التّعَجّبِ، وَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ شُرّاحِ الْحَدِيثِ إلَى النّسْخِ فِي قَوْله أَفْلَحَ وَأَبِيهِ، قَالُوا نَسَخَهُ قَوْلُهُ ﵇: لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَهَذَا قَوْلٌ لَا يَصِحّ، لِأَنّهُ لَمْ يَثْبُتْ أن النبي ﷺ- كان يَحْلِفُ قَبْلَ النّسْخِ بِغَيْرِ اللهِ، وَيُقْسِمُ بِقَوْمِ كُفّارٍ، وَمَا أَبْعَدَ هَذَا مِنْ شِيمَتِهِﷺ- تَاللهِ مَا فَعَلَ هَذَا قط «٢»، ولا كان
_________________
(١) هذا كلام محمد بن على بن عمر التميمى المازرى.
(٢) هذا كلام ممتاز لأن القسم بغير الله كفر.
[ ٦ / ٥٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَهُ بِخُلُقِ. وَقَالَ قَوْمٌ: رِوَايَةُ إسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ مُصَحّفَةٌ، وَإِنّمَا هُوَ أَفْلَحَ وَاَللهِ إنْ صَدَقَ. وَهَذَا أَيْضًا مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ، وَاعْتِرَاضٌ عَلَى الْأَثْبَاتِ الْعُدُولِ فِيمَا حَفِظُوا «١»، وَقَدْ خَرّجَ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الزّكَاةِ قَوْلَهُ ﵇ لِرَجُلِ سَأَلَهُ:
أَيّ الصّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: وَأَبِيك لَأُنْبِئك أَوْ قَالَ لَأُخْبِرَنّكَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَخَرّجَ فِي كِتَابِ الْبِرّ وَالصّلَةِ قَوْلَهُ لِرَجُلِ سَأَلَهُ: مَنْ أَحَقّ النّاسِ بِأَنْ أَبَرّهُ، أَوْ قَالَ: أَصْلُهُ؟ فَقَالَ: وَأَبِيك لَأُنْبِئكَ، صِلْ أُمّك، ثُمّ أَبَاك ثُمّ أَدْنَاك فَأَدْنَاك، فَقَالَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كَمَا تَرَى وَأَبِيك، فَلَمْ يَأْتِ إسْمَاعِيلُ ابن جَعْفَرٍ إذًا فِي رِوَايَتِهِ بِشَيْءِ إمْرٍ، وَلَا بِقَوْلِ بِدْعٍ، وَقَدْ حَمَلَ عَلَيْهِ فِي رِوَايَتِهِ رَجُلٌ مِنْ عُلَمَاءِ بِلَادِنَا وَعُظَمَاءِ مُحَدّثِيهَا، وَغَفَلَ- عَفَا اللهُ عَنْهُ- عَنْ الْحَدِيثَيْنِ اللّذَيْنِ تَقَدّمَ ذِكْرُهُمَا، وَقَدْ خَرّجَهُمَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجّاجِ. وَفِي تَرَاجِمِ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي مُصَنّفِهِ مَا يَدُلّ عَلَى أَنّهُ كَانَ يَذْهَبُ إلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالنّسْخِ، وَأَنّ الْقَسَمَ بِالْآبَاءِ كَانَ جَائِزًا، وَاَلّذِي ذَكَرْنَاهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ كَمَا قَدّمْنَا، وَلَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ: وَأَبِي، وَإِنّمَا قَالَ: وَأَبِيهِ، أَوْ وَأَبِيك بِالْإِضَافَةِ إلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ أَوْ الْغَائِبِ، وَبِهَذَا الشّرْطِ يَخْرُجُ عَنْ مَعْنَى الْحَلِفِ إلَى معنى التعجب الذى ذكرناه «٢» .
_________________
(١) ولم لا يكون الأمر أنه قد تشابه على النساخ حروف أبيه بحروف الله؟ وليس فى هذا أى طعن على العدول.
(٢) وأكثر هذا الرجز الذى جر كل هذا نسبه البخارى فى الجهاد إلى عبد الله بن رواحة. ولكن هنا زيادات عما نسب إلى ابن رواحة. وللبخارى فى قصة خيبر رواية فيها اختلاف عما روى ابن إسحاق هنا من هذا الرجز فراجعه
[ ٦ / ٥٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْإِسْنَادُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَرْوَانَ:
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ حَدِيثَهُ ﵇ حِينَ أَشْرَفَ عَلَى خَيْبَرَ، وَقَالَ:
فِي إسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ [أَبِي] مَرْوَانَ، وَهَذَا هُوَ الصّحِيحُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، لِأَنّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي مَرْوَانَ الْأَسْلَمِيّ مَعْرُوفٌ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُكَنّى أَبَا مُصْعَبٍ، قَالَهُ الْبُخَارِيّ فِي التّارِيخِ، وَبَعْضُ مَنْ يَرْوِي السّيرَةَ يَقُولُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ عطاء ابن أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَسْلَمِيّ وَالصّحِيحُ مَا قَدّمْنَاهُ.
الْمَكَاتِلُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ حِينَ اسْتَقْبَلَتْهُمْ عُمّالُ خَيْبَرَ بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ الْمَكَاتِلُ: جَمْعُ مكتل وهى القفّة العظيمة، سمّيت بذلك لتكثّل الشىء فيها، وهو تلاصق بعضه ببعض، والكنلة من التّمْرِ وَنَحْوِهِ فَصِيحَةٌ، وَإِنْ ابْتَذَلَتْهَا الْعَامّةُ.
خَرِبَتْ خَيْبَرُ:
وَقَوْلُ النّبِيّ ﷺ حِينَ رَآهُمْ: اللهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ. فِيهِ إبَاحَةُ التّفَاؤُلِ وَقُوّةٌ لِمَنْ اسْتَجَازَ الرّجَزَ، وَقَدْ قَدّمْنَا فِي ذَلِكَ قَوْلًا مُقْنِعًا، وَذَلِكَ أَنّهُ رَأَى الْمَسَاحِيّ وَالْمَكَاتِلَ وَهِيَ مِنْ آلَةِ الْهَدْمِ وَالْحَفْرِ مَعَ أَنّ لَفْظَ الْمِسْحَاةِ مِنْ سَحَوْت الأرض إذ قَشّرْتهَا، فَدَلّ ذَلِكَ عَلَى خَرَابِ الْبَلْدَةِ الّتِي أَشْرَفَ عَلَيْهَا «١»، وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ قال: حين ذكر المساحى: كانوا
_________________
(١) وأشرف من هذا ما ذكره الحافظ فى الفتح: ويحتمل أن يكون قال: خربت خيبر بطريق الوحى، ويؤيده قوله بعد ذلك: إنا إذا نزلنا بساحة قوم لساء صباح المنذرين، وقد اقتبس من القرآن فى كلامه.
[ ٦ / ٥٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُؤْتُونَ الْمَاءَ إلَى زَرْعِهِمْ مَعْنَاهُ: يَسُوقُونَ. وَالْأَتِيّ هِيَ الصّافِيَةُ «١» .
الْخَمِيسُ:
وَقَوْلُ الْيَهُودِ: مُحَمّدٌ وَالْخَمِيسُ، سُمّيَ الْجَيْشُ الْعَظِيمُ خَمِيسًا، لِأَنّ لَهُ سَاقَةً وَمُقَدّمَةً، وَجَنَاحَيْنِ «٢» وَقَلْبًا، لَا مِنْ أَجْلِ تَخْمِيسِ الْغَنِيمَةِ، فَإِنّ الْخُمُسَ مِنْ سُنّةِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ كَانَ الْجَيْشُ يُسَمّى خَمِيسًا فِي الْجَاهِلِيّةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الشّاهِدَ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا تَقَدّمَ.
تَدَنّي الْحُصُونِ:
وَقَوْلُهُ: يَتَدَنّى الْحُصُونَ، أَيْ يَأْخُذُ الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى.
حُكْمُ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ وَالْخَيْلِ:
وَذِكْرُ نَهْيِهِ ﵇ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَنّهُ نَهَى ﵇ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ، وَأَرْخَصَ لَهُمْ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ، أَمّا الْحُمُرُ الْأَهْلِيّةُ فَمُجْتَمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهَا إلّا شَيْئًا يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ وَعَائِشَةَ، وَطَائِفَةٍ مِنْ التابعين. وحجّة من أباحها قوله تعالى:
_________________
(١) فى اللسان: الأتى بوزن غنى: النهر يسوقه الرجل إلى أرضه، وكل مسيل سهلته لماء أتى، وكل جدول ماء أتى. وأتى الماء- بفتح الهمزة وتشديد التاء مع فتح- وجه له مجرى.
(٢) وكانا يسميان: الميمنة والميسرة.
[ ٦ / ٥٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُلْ: لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ الْآيَةُ وَهِيَ مَكّيّةٌ، وَحَدِيثُ النّهْيِ عَنْ الْحُمُرِ كَانَ بِخَيْبَرِ فَهُوَ الْمُبَيّنُ لِلْآيَةِ، وَالنّاسِخُ لِلْإِبَاحَةِ «١»، وَمِنْ حُجّتِهِمْ أَيْضًا قَوْلُهُ، ﷺ لرجل استفتاه فى أكل الحمار
_________________
(١) عجيب والله أمر هؤلاء الذين يزعمون أن رسول الله «ص» يحرم ما أحله الله. وقد أخرج البخارى عن عمرو بن دينار قال: «قلت لجابر بن زيد: يزعمون أن رسول الله «ص» نهى عن الحمر الأهلية، قال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمر الغفارى عندنا بالبصرة، ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس، وقرأ: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا) وفهم ابن عباس دقيق. ففى الآية حصر لا يأذن لشىء أن يطيف بقدسه، ولا أن يضاف إلى المحصور، ومن يتدبر الآية يهدى الإيمان فى قلبه، والتقديس لما يقول القرآن يمجد فهم ابن عباس ﵁. أو يمكن أن نظن بالقرآن الكريم أن بيانه الحكيم القوى تنها حكمته وتهى قوته بهذه السهولة؟! (قُلْ: لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ، فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا، أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ، فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الأنعام: ١٤٥. وقد ورد بعدها ما حرم الله على الذين هادوا. فتدبر النفى السابق للفعل أجد، ثم كلمة إلا ليتبين أن الآية تؤكد بهذا البيان المحكم أن الله سبحانه لم يحرم شيئا غير ما ورد فى الآية القرآنية. ثم إذا تبين بالدليل القطعى الذى تؤيده التجربة أو الواقع أن شيئا ما يضر الناس تناوله، فانه يكون محرما بنص آية أخرى حيث وصف الرسول ﷺ فى سورة الأعراف بأن «يحل الطيبات ويحرم الخبائث» فكل طيب حلال، وكل خبيث حرام بهذا النص. هذا ولا يصح ترديد أن الحديث ينسخ القرآن، وإلا بهتناه ﷺ، بأنه كان يتقول على الله بعض الأقاويل. وأضرع إلى الله أن يفتح القلوب لكلمة الحق هذه، فلا يرجمنا بسببها قوم لا نكن لهم إلا ما نكن للصفاء والحب والخير.
[ ٦ / ٥٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْأَهْلِيّ، يُقَالُ فِي اسْمِهِ: غَالِبُ بْنُ أَبْحَرَ الْمُزَنِيّ: أَطْعِمْ أَهْلَك مِنْ سَمِينِ مَالِك «١»، وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يُعَارَضُ بِمِثْلِهِ حَدِيثُ النّهْيِ مَعَ أَنّهُ مُحْتَمِلٌ لِتَأْوِيلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الرّجُلُ مِمّنْ أَصَابَتْهُ مَسْغَبَةٌ شَدِيدَةٌ، فَأُرْخِصَ لَهُ فِيهِ، أَوْ يَكُونَ ذَلِكَ مَنْسُوخًا بِالتّحْرِيمِ، عَلَى أَنّ بَعْضَ رُوَاةِ الْحَدِيثِ زَادَ فِيهِ بَيَانًا، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ لِلرّجُلِ: إنّمَا نُهِيت عَنْ حَوَالِي الْقَرْيَةِ أَوْ جَوّالِي «٢» الْقَرْيَةِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي الرّوَايَةِ، وَأَمّا حَدِيثُ جَابِرٍ فِي إباحة لحوم الْخَيْلِ، فَصَحِيحٌ وَيُعَضّدُهُ حَدِيثُ أَسْمَاءَ أَنّهَا قَالَتْ: ضَحّيْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِﷺ- بِفَرَسِ «٣» . وَقَالَ بِإِبَاحَةِ لُحُومِ الْخَيْلِ الشّافِعِيّ وَاللّيْثُ وَأَبُو يُوسُفَ وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيّ إلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنّهُ ﵇ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ وَالْبِغَالِ وَالْخَيْلِ، وقد خرّجه أبو داوود، وحديث لإباحة أَصَحّ غَيْرَ أَنّ مَالِكًا ﵀ نَزَعَ بِآيَةِ مِنْ كِتَابِ اللهِ، وَهِيَ أَنّ اللهَ جَلّ ذِكْرُهُ ذَكَرَ الْأَنْعَامَ، فَقَالَ: وَمِنْها تَأْكُلُونَ ثُمّ ذَكَرَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ فَقَالَ: لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وهذا انْتِزَاعٌ حَسَنٌ. وَوَجْهُ الدّلِيلِ مِنْ الْآيَةِ أَنّهُ قال: وَالْأَنْعامِ
_________________
(١) أخرجه أبو داود وفيه «أطعم أهلك من سمين حمرك» ولست أدرى كيف يحرم الحمار الأهلى، ويقال بحل أكل الحمار الوحشى؟!.
(٢) هى جوال بفتح الجيم والواو وتشديد اللام جمع جالة مثل دواب وسوام وعوام جمع دابة وسامة وهامة. والجوال هى التى تأكل العذرة.
(٣) عن أسماء بنت أبى بكر قالت: «ذبحنا على عهد رسول الله «ص» فرسا، ونحن بالمدينة، فأكلناه، متفق عليه.
[ ٦ / ٥٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ النّحْلُ: ٥ فَذَكَرَ الدّفْءَ وَالْمَنَافِعَ وَالْأَكْلَ، ثُمّ أَفْرَدَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ بِالذّكْرِ، ثُمّ جَاءَ بِلَامِ الْعِلّةِ وَالنّسَبِ، فَقَالَ:
لِتَرْكَبُوهَا، أَيْ لِهَذَا سَخّرْتهَا لَكُمْ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَعَدّى مَا سُخّرَتْ «١» لَهُ، وَأَمّا نَهْيُهُ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْجَلّالَةِ وَعَنْ رُكُوبِهَا «٢»، فَهِيَ الّتِي تَأْكُلُ الْجَلّةَ وَهُوَ الرّوْثُ وَالْبَعْرُ، وَفِي السّنَنِ لِلدّارَقُطْنِيّ أَنّهُ ﵇ نَهَى عَنْ أَكْلِ الْجَلّالَةِ، حَتّى تُعْلَفَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَهَذَا نَحْوٌ مِمّا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنّهُ كَانَ لَا يَأْكُلُ الدّجَاجَ الْمُخَلّاةَ، حَتّى تُقْصَرَ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ. ذَكَرَهُ الْهَرَوِيّ.
الْوَرِقُ:
وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ نَهْيَهُ ﵊ عَنْ بَيْعِ الْفِضّةِ بِالْفِضّةِ، وَإِبَاحَةِ بَيْعِ الذّهَبِ بِالْوَرِقِ، فَدَلّ عَلَى أَنّ الْوَرِقَ وَالْفِضّةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَقَدْ فَرّقَ بَيْنَهُمَا أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ، فَقَالَ: الرّقَةُ وَالْوَرِقُ مَا كَانَ سِكّةً مَضْرُوبَةً، فَإِنْ كَانَ حُلِيّا أَوْ حُلِيّةً، أَوْ نُقَرًا «٣» لَمْ يُسَمّ وَرِقًا، يُرِيدُ بِهَذِهِ التّفْرِقَةِ أَنْ لَا زَكَاةَ فِي حُلِيّ الْفِضّةِ والذّهب، لأن النّبى- صلى الله عليه
_________________
(١) وإن كانت اللام للعلة، فانها لا تفيد الحصر فى الركوب والزينة، فإنه ينتفع بالخيل فى غيرهما، وفى غير الأكل اتفاقا.
(٢) عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله «ص» عن أكل الجلالة وألبانها» رواه الخمسة إلا النسائى. وفى رواية أن رسول الله «ص» نهى عن الجلالة فى الإبل أن يركب عليها، أو يشرب من ألبانها. رواه أبو داود.
(٣) جمع نقرة، وهى القطعة المذابة من الذهب والفضة، وقيل: هو ما سبك مجتمعا منها.
[ ٦ / ٥٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَسَلَّمَ- حِينَ ذَكَرَ الزّكَاةَ قَالَ: فِي الرّقَةِ الْخُمْسُ «١»، وَحِينَ ذَكَرَ الرّبَا قَالَ الْفِضّةُ بِالْفِضّةِ.
قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ، وَفِي أَحَادِيثَ سِوَاهُ قَدْ تَتَبّعْتهَا مَا يَدُلّ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ، مِنْهَا قَوْلُهُ ﵇ فِي صِفَةِ الْحَوْضِ: يَصُبّ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنْ الْجَنّةِ أَحَدُهُمَا [مِنْ ذَهَبٍ وَالْآخَرُ] مِنْ وَرِقٍ «٢»، وَفِي حَدِيثِ عَرْفَجَةَ حِينَ أُصِيبَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ قَالَ: فَاِتّخَذْت أَنْفًا من ورق «٣» الحديث، فى شَوَاهِدَ كَثِيرَةٍ تَدُلّ عَلَى أَنّ الْفِضّةَ تُسَمّى ورقا على أىّ حال كانت.
_________________
(١) زكاة الفضة هى ربع العشر، ففى حديث رواه أحمد وأبو داود والترمذى «هاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهما درهما» وفى حديث آخر رواه البخارى فى الرقة- بكر الراء وتخفيف القاف- وهى الفضة الخالصة- فى مائتى درهم ربع العشر وهذا حر.
(٢) من حديث رواه مسلم.
(٣) لما اتخذ أنفا من ورق أنتن، فاتخذ أنفا من ذهب، وقد ظنه الأصمعى ورقا بفتح الراء، ظنا منه أن الفضة لا تنتن، وخطأه القتبى. والكلاب بضم القاف وفتح اللام اسم ماء كان به يوم من أيام العرب بين البصرة والكوفة. قال أبو عبيد: كلاب الأول وكلاب الثانى يومان كانا بين ملوك كندة، وبنى تميم وفيه أسرت بنو تميم عبد يغوث بن أبى وقاص الحارثى فقال قصيدته الياثية التى أولها: ألا لا تلومانى كفى اللوم ما بيا فما لكما فى اللوم خير ولا ليا ومنها جزى الله قومى بالكلاب ملامة حريمهم والآخرين المواليا-
[ ٦ / ٥٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: بِالذّهَبِ الْعَيْنِ وَالْوَرِقِ الْعَيْنِ، يُرِيدُ النّقْدَ، لِأَنّ الْغَائِبَ تُسَمّى ضِمَارًا، كَمَا قَالَ، وَعَيْنُهُ كالكالىء الضّمَارِ «١»، وَسُمّيَ الْحَاضِرُ: عَيْنًا لِمَوْضِعِ الْمُعَايَنَةِ، فَالْعَيْنُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ عِنْته أَعِينُهُ إذَا أَبْصَرْته بِعَيْنِك، وَسُمّيَ الْمَفْعُولُ بِالْمَصْدَرِ، وَنَحْوٌ مِنْهُ الصّيْدُ، لِأَنّهُ مَصْدَرٌ صِدْت أَصِيدُ، وَقَدْ جَاءَ فِي التّنْزِيلِ:
لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ الْمَائِدَةُ: ٩٥ فَسَمّاهُ بِالْمَصْدَرِ، وَلَعَلّك أَنْ تَلْحَظَ مِنْ هَذَا الْمَطْلَعِ مَعْنَى الْعَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي طَه: ٣٩ فَقَدْ أَمْلَيْنَا فِيهَا، وَفِي مَسْأَلَةِ الْيَدِ مَسْأَلَتَيْنِ لَا يُعْدَلُ بِقِيمَتِهِمَا الدّنْيَا بحذافيرها «٢»
_________________
(١) - ويقول ابن دريد عن الكلاب: «والكلاب موضع بالدهناء بين اليمامة والبصرة كانت فيه وقعتان إحداهما بين ملوك كندة الإخوة، والأخرى بين بنى الحارث وبين بنى تميم يذكر ذلك أبو عبيدة فى كتاب الأيام» أنظر ص ٤٥ ح ٢، ص ٢٦٧ ح ٤ البيان الجاحظ، واللسان، وابن الأثير فى مادتى كلب وورق وص ٢١ الاشتقاق لابن دريد.
(٢) المال الضمار: الغائب الذى لا يرجى. والكالىء فى حديث أنه نهى عن الكالىء بالكالىء، أى النسيئة بالنسيئة، وذلك أن يشترى الرجل شيئا إلى أجل، فاذا حل الأجل لم يجد ما يقضى به، فيقول يعنيه إلى أجل آخر بزيادة شىء فيبيعه منه، ولا يجرى بينهما تقابض، يقال: كلأ الدين كلوء، فهو كالىء إذا تأخر.
(٣) من خير من كتب عن هذا الإمام ابن القيم فى كتابه «الصواعق المرسلة» فراجعه، وقد سبق القول بأنه يجب الإيمان. بكل ما نسبه إلى نفسه من مثل اليد والعين وغيرهما إيمانا مطمئنا بأن الله سبحانه له كل هذا الذى نسبه إلى نفسه، فله يدان وله عينان، ولكن لا تشبه يده بد، ولا عينه عين، لأنه جل شأنه ليس كمثله شىء.
[ ٦ / ٥٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَتَى حُرّمَ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ؟:
فَصْلٌ: وَمِمّا يَتّصِلُ بِحَدِيثِ النّهْيِ عَنْ أَكْلِ الْحُمُرِ تَنْبِيهٌ عَلَى إشْكَالٍ فِي رِوَايَةُ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، فَإِنّهُ قَالَ فِيهَا: نَهَى النّبِيّ ﷺ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ، وَهَذَا شَيْءٌ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السّيَرِ، وَرُوَاةِ الْأَثَرِ، أَنّ الْمُتْعَةَ حُرّمَتْ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمّدٍ، فَقَالَ فِيهِ: إنّ النّبِيّ ﷺ- نَهَى عَنْ أَكْلِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ عَامَ خَيْبَرَ، وَعَنْ الْمُتْعَةِ، فَمَعْنَاهُ عَلَى هَذَا اللّفْظِ: وَنَهَى عَنْ الْمُتْعَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَهُوَ إذًا تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَقَعَ فِي لَفْظِ ابْنِ شِهَابٍ، لَا فِي لَفْظِ مَالِكٍ، لِأَنّ مَالِكًا قَدْ وَافَقَهُ عَلَى لَفْظِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ رُوَاةِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ فَأَغْرَبُ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ رِوَايَةُ مَنْ قَالَ: إنّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، ثُمّ رِوَايَةُ الْحَسَنِ أَنّ ذَلِكَ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، وَالْمَشْهُورُ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ رِوَايَةُ الرّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ «١» عَنْ أَبِيهِ أَنّ ذَلِكَ كَانَ عَامَ الْفَتْحِ. وَقَدْ خَرّجَ مسلم الحديث بطوله «٢» وفى هذا أَيْضًا حَدِيثٌ آخَرُ خَرّجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَنّ تحريم
_________________
(١) نص النودى فى التهذيب على ضبطها بفتح السين وسكون الياء، وضبطت فى نيل الأوطار بضمها.
(٢) ورواه أيضا أحمد. هذا وقد روى عن ابن مسعود أنه قال: «كنا نغزو مع رسول الله «ص» ليس معنا نساء، فقلنا: ألا تختصى، فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) الآية. متفق عليه. وعن-
[ ٦ / ٥٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نِكَاحِ الْمُتْعَةِ كَانَ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ، وَمَنْ قال من الرّواة كان فى غزوة
_________________
(١) - أبى جمرة قال: «سألت ابن عباس عن متعة النساء، فرخص، فقال له مولى له: إنما ذلك فى الحال الشديد وفى النساء قلة أو نحوه، فقال ابن عباس: نعم» رواه البخارى. وقد روى ابن حزم فى المحلى عن جماعة من الصحابة غير ابن عباس، فقال: وقد ثبت على تحليلها بعد رسول الله «ص» جماعة من السلف منهم من الصحابة: أسماء بنت أبى بكر، وجابر بن عبد الله وابن مسعود وابن عباس ومعاوية وعمر بن حريث وأبو سعيد وسلمة ابنا أمية بن خلف، ورواه جابر عن الصحابة مدة رسول الله ومدة أبى بكر ومدة عمر إلى قرب آخر خلافته، وروى عنه أنه إنما أنكرها إذا لم يشهد عليها عدلان فقط، وقال بها من التابعين: طاوس وعطاء وسعيد بن جبير وسائر فقهاء مكة. وقال ابن المنذر: جاء عن الأوائل الرخصة فيها، ولا أعلم اليوم أحدا يجيزها إلا بعض الرافضة» . وقال عياض: «ثم وقع الإجماع من جميع العلماء إلا الروافض» وقال ابن بطال: «روى أهل مكة واليمن عن ابن عباس إباحة المتعة، وروى عنه الرجوع بأسانيد ضعيفة، وإجازة المتعة عنه أصح، وهو مذهب الشيعة. ونقل البيهقى عن جعفر بن محمد أنه سئل عن المتعة فقال: هى الزنا بعينه» وقال القرطبى «الروايات كلها متفقة على أن زمن إباحة المتعة لم يطل، وأنه حرم، ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها إلا من لا يلتفت إليه من الروافض» انظر ص ١٣٥ ح ٦ نيل الأوطار. أقول: وقد أسرفت فتات من الآخذين بحلها فأحالوها زنا بأجر، وبغاء فاجر الفسوق، أيتفق وقداسة الإسلام، وجلال هديه، وسمو الصفاء فى روحانيته، أن يتصل رجل بأمرأة أياما أو أشهرا ثم يتركها بما حملت؟! ترى لمن ينتسب هذا الجنين؟ وكيف يعيش وتعيش أمه، وهى لا تعرف لابنها أبا، وهو لا يدرى له أبا؟ وأية علاقة بالغة السوء تكون بينه وبين أمه. ومر سيرت يا ترى؟ تلك هى نكبة الزنا بعينه. وإذا اقمنا وجوهنا وأفكارنا وقلوبنا لله فى كتابه. فإنا لا نجد فى الذكر-
[ ٦ / ٥٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَوْطَاسٍ، فَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَنْ قَالَ عَامَ الْفَتْحِ، فَتَأَمّلْهُ وَاَللهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَذَكَرَ قَوْلَهُ﵇-: لَأُعْطِيَنّ الرّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبّ اللهَ وَرَسُولَهُ
_________________
(١) - الحكيم شيئا مما يروج له دعاة المتعة، أو دعاة الفسوق. فقوله سبحانه فى سورة النساء (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ، فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) هذا القول ليس نصا لا من بعيد، ولا من قريب يدل على إباحة المتعة ولا بأثارة من فهم إلا فهم الذين يبتغون البغاء اليوم فى إباحة المتعتة، فالله سبحانه قد بين فى الآية ما يحل من نكاح النساء فى مقابلة ما حرم فيما قبلها. وفى صدرها. وبين أنه إذا استمتع الإنسان بامرأة أحلها الله فيمن أحلّ أى تزوجها فعليه الأجر، وهو المهر. ولو تدبرنا قوله جل شأنه فى صفات المؤمنين (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ، أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ، فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ، فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ) المؤمنون ٥، ٦. لو تدبرنا هذا لعلمنا أن هذه المتعة بالمعنى الذى فسروه بها أمر باطل. فما ثم فى الآية إلا نوعان: زوجات وملك يمين، فأين نضع صاحبة المتعة بين هذين النوعين؟؟ لا يمكن اعتبارها زوجة لأن للزواج شروطه المبينة فى القرآن وهذه الشروط لا تنطبق على صاحبة المتعة، ولا يمكن اعتبارها أمة، فمن ابتغى وراء هذين فهو من التادين. ويقول الإمام ابن القيم «ولم يحرم المتعة يوم خيبر، وإنما كان تحريمها عام الفتح، هذا هو الصواب، وقد ظن طائفة من أهل العلم أنه حرمها يوم خيبر، واحتجوا بما فى الصحيحين، ثم ذكر ما ورد فى الصحيحين، ثم ضعف رأى القائلين بأنها حرمت، ثم أبيحت ثم حرمت ثم قال: «وقصة خيبر لم يكن فيها الصحابة يتمتعون باليهوديات، ولا استأذنوا فى ذلك رسول الله «ص» ولا نقله أحد قط فى هذه الغزوة، ولا كان للمتعة فيها ذكر البتة، لا فعلا ولا تحريما بخلاف غزاة الفتح، فإن قصة المتعة كانت فيها فعلا وتحريما مشهورة، وهذه الطريقة أصح الطريقتين، ص ٣٤٦ ح ٢ زاد المعاد.
[ ٦ / ٥٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَيَفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ، وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ: فَبَاتَ النّاسُ يَدُوكُونَ أَيّهُمْ يُعْطَاهَا «١» وَمَعْنَاهُ مِنْ الدّوكَةِ، وَالدّوْكَةِ، وَهُوَ اخْتِلَاطُ الْأَصْوَاتِ.
عَلِيّ وَدُعَاءُ الرّسُولِ ﷺ:
وَذَكَرَ أَنّ عَلِيّا﵁- انْطَلَقَ بِالرّايَةِ يَأْنِحُ، وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ يَؤُجّ، فَمَنْ رَوَاهُ يَأْنِحُ، فَهُوَ مِنْ الْأَنِيحِ وَهُوَ عُلُوّ النّفَسِ، يُقَالُ فَرَسٌ أَنْوَحُ مِنْ هَذَا، وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ﵁- أَنّهُ رَأَى رَجُلًا يَأْنِجُ بِبَطْنِهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: بَرَكَةٌ مِنْ اللهِ، فَقَالَ: بَلْ هُوَ عَذَابٌ عَذّبَك بِهِ وَمَنْ رَوَاهُ يَؤُجّ، فَمَعْنَاهُ: يُسْرِعُ، يُقَالُ: أَجّتْ النّاقَةُ تَؤُجّ إذَا أَسْرَعَتْ فِي مَشْيِهَا، وَزَادَ الشّيْبَانِيّ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حِينَ ذَكَرَ أَنّ عَلِيّا كَانَ أَرْمَدَ، وَأَنّ النّبِيّ ﷺ- تَفَلَ فِي عَيْنَيْهِ فَبَرَأَ، قَالَ: فَمَا وَجِعَتْ عَيْنُهُ حَتّى مَضَى سَبِيلُه «٢»، قَالَ: وَكَانَ عَلِيّ يَلْبَسُ الْقَبَاءَ الْمَحْشُوّ الثّخِينَ فِي شِدّةِ الْحَرّ، فَلَا يُبَالِي بِالْحَرّ، وَيَلْبَسُ الثّوْبَ الْخَفِيفَ فِي شِدّةِ الْبَرْدِ، فَلَا يُبَالِي بِالْبَرْدِ، وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَ أَنّ النّبِيّﷺ- دَعَا لَهُ يَوْمَ خَيْبَرَ حِينَ رَمِدَتْ عَيْنُهُ أَنْ يَشْفِيَهُ اللهُ، وَأَنْ يُجَنّبَهُ الْحَرّ وَالْبَرْدَ، فَكَانَ ذَلِكَ.
صَاحِبُ الْمَغَانِمِ وَابْنُ مُغَفّلٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مغفل حين احتمل جراب الشّحم،
_________________
(١) فى حديث أبى حازم عن سهل بن سعد فى البخارى.
(٢) فى الدلائل للبيهقى: فما وجعها حتى مضى لسبيله، أى: مات.
[ ٦ / ٥٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَرَادَ صَاحِبُ الْمَغَانِمِ أَخْذَهُ مِنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَ صَاحِبِ الْمَغَانِمِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنّهُ قَالَ: كَانَ عَلَى الْمَغَانِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ أَبُو الْيُسْرِ كَعْبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ هَكَذَا وَجَدْته فِي بَعْضِ كُتُبِ الْفِقْهِ مَرْوِيّا عَنْ ابْنِ وَهْبٍ، وَلَمْ يَتّصِلْ لِي بِهِ إسْنَادٌ.
الصّفِيّ وَالْمِرْبَاعُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ صَفِيّةَ بِنْتَ حُيَيّ، وَأُمّهَا بُرْدَةَ بِنْتَ سَمَوْأَلٍ، أُخْتَ رفاعة ابن سَمَوْأَلٍ الْمَذْكُورِ فِي الْمُوَطّإِ، وَأَنّهُ اصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ صَفِيّةُ مِنْ الصّفِيّ، وَالصّفِيّ مَا يَصْطَفِيهِ أَمِيرُ الْجَيْشِ لِنَفْسِهِ قَالَ الشّاعِرُ [عَبْدُ اللهِ بْنُ غَنَمَةَ الضّبّيّ يُخَاطِبُ بِسْطَامَ بْنِ قَيْسٍ]:
لَك الْمِرْبَاعُ مِنْهَا وَالصّفَايَا [وَحُكْمُك وَالنّشِيطَةُ وَالْفُضُولُ «١»]
فَالْمِرْبَاعُ رُبْعُ الْغَنِيمَةِ. وَالصّفِيّ مَا يُصْطَفَى لِلرّئِيسِ، وَكَانَ هَذَا فِي الْجَاهِلِيّةِ، فَنُسِخَ الْمِرْبَاعُ بِالْخُمْسِ وَبَقِيَ أَمْرُ الصّفِيّ.
مَصْدَرُ أَمْوَالِ النّبِيّ ﷺ، وَزَوَاجُهُ مِنْ صَفِيّةَ:
وَكَانَتْ أَمْوَالُ النّبِيّ ﷺ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: مِنْ الصّفِيّ، وَالْهَدِيّةِ تُهْدَى «٢» إلَيْهِ، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ لَا فِي الْغَزْوِ مِنْ بِلَادِ الحرب، ومن
_________________
(١) الزيادة التى بين قوسين من اللسان مادة «نشط وصفى» .
(٢) روى أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان والحاكم من طريق أبى أحمد-
[ ٦ / ٥٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خُمُسِ الْخُمُسِ، وَرَوَى يُونُسُ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَمّعٍ الْأَنْصَارِيّ، قَالَ:
حَدّثَنِي عُثْمَانُ بن كعب القرظىّ، قال: حدثنى فى رَجُلٌ مِنْ بَنِي النّضِيرِ، كَانَ فِي حِجْرِ صَفِيّةَ بِنْتِ حُيَيّ مِنْ رَهْطِهَا يُقَالُ لَهُ: رَبِيعٌ، عَنْ صَفِيّةَ بِنْتِ حُيَيّ قَالَتْ: مَا رَأَيْت أَحَدًا قَطّ أَحْسَنَ خُلُقًا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لَقَدْ رَأَيْته رَكِبَ بِي مِنْ خَيْبَرَ حِينَ أَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِ عَلَى نَاقَتِهِ لَيْلًا فَجَعَلْت أَنْعَسُ فَيَضْرِبُ رَأْسِي مُؤَخّرَةُ الرّحْلِ، فَيَمَسّنِي بِيَدِهِ، وَيَقُولُ: يَا هَذِهِ مَهْلًا يَا ابْنَةَ حُيَيّ، حَتّى إذَا جَاءَ الصّهْبَاءَ «١»، قَالَ: أَمَا إنّي أَعْتَذِرُ إلَيْك يَا صَفِيّةُ مِمّا صَنَعْت بِقَوْمِك، إنّهُمْ قَالُوا لِي: كَذَا، وَقَالُوا لِي: كَذَا. وَحَدِيثُ اصْطِفَائِهِ صَفِيّةَ يُعَارِضُهُ فِي الظّاهِرِ الْحَدِيثُ الْآخَرُ عَنْ أَنَسٍ أَنّهَا صَارَتْ لِدِحْيَةَ فَأَخَذَهَا مِنْهُ، وَأَعْطَاهُ سبعة أرؤس، وَيُرْوَى أَنّهُ أَعْطَاهُ بِنْتَيْ عَمّهَا عِوَضًا مِنْهَا، وَيُرْوَى أَيْضًا أَنّهُ قَالَ لَهُ:
خُذْ رَأْسًا آخَرَ مَكَانهَا «٢»، وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، فَإِنّمَا أخذها من دحية
_________________
(١) - الزبيدى عن سفيان الثورى عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مائشة قالت: كانت صفية من الصفى، وقد فسره ابن سيرين فيما أخرجه أبو داود بإسناد صحيح عنه قال: كان يضرب للنبى «ص» بسهم مع المسلمين، والصفى يؤخذ له رأس من الخمس قبل كل شىء. ومن طريق الشعبى قال: كان للنبى «ص» سهم يدعى الصفى إن شاء، عبدا، وإن شاء أمة، وإن شاء فرسا يختاره من الخمس. ومن طريق قتادة: كان النبى «ص» إذا غزا كان له سهم صاف يأخذه من حيث شاء، وكانت صفية من ذلك السهم.
(٢) الصهباء موضع بينه وبين خيبر يريد كما ذكر ابن سعد، وهى التى بنى فيها رسول الله «ص» بصفية كما جاء فى البخارى وفى رواية عند سد الروحاء.
(٣) قد ذكر البخارى فى رواية له أن صفية كانت فى السبى، فصارت إلى-
[ ٦ / ٥٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَبْلَ الْقَسْمِ: وَمَا عَوّضَهُ مِنْهَا لَيْسَ عَلَى جِهَةِ الْبَيْعِ، وَلَكِنْ عَلَى جِهَةِ النّفْلِ وَالْهِبَةِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. غَيْرَ أَنّ بَعْضَ رُوَاةِ الْحَدِيثِ فِي الْمُسْنَدِ الصّحِيحِ يَقُولُونَ فِيهِ:
إنّهُ اشْتَرَى صَفِيّةَ مِنْ دِحْيَةَ، وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ فِيهِ: بَعْدَ الْقَسْمِ، فَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ.
وَكَانَ أَمْرُ الصّفِيّ أَنّهُ كَانَ ﵇ إذَا غَزَا فِي الْجَيْشِ اخْتَارَ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقَسْمِ رَأْسًا وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فإذا قعد، ولم يخرج مع
_________________
(١) - دحية، وفى رواية أن دحية جاء إلى رسول الله «ص» فقال: أعطنى يا رسول الله جارية من السبى، قال اذهب، فخذ جارية، فأخذ صفية، فجاء رجل، فقال: يا رسول الله: أعطيت دحية صفية سيدة قريظة والنضير، لا تصلح إلا لك، قال: ادعوه بها، فجاء بها، فلما نظر إليها «ص» قال: خذ جارية من السبى غيرها، ثم صارت إلى النبى «ص» فتزوجها، فجعل عنقها صداقها، ورواية سبعة أرؤس رواية مسلم عن أنس نفسه الذى روى عنه البخارى أنه أعطاه جارية!! ولا شك فى أن تصرف الرسول ﷺ فوق ما قيل نبلا وحكمة وسموا فالرجل العظيم الذى اصطفاه الله للنبيين خاتما، واستطاع- بتوفيق الله- تطبيق القرآن كما أمر الله، وأنشأ به خير أمة أخرجت للناس. هذا الإنسان العظيم لا يجوز أن يقال عنه إن جمال صفية هو الذى دعاه إلى هذا التصرف. إن هذا التصرف قد يترفع عنه قائد عسكرى ممتاز الخلق. فما بالك بنبى هو خاتم النبيين يصفه الله بأنه على خلق عظيم؟ ومن خير ما يقال هنا ما ذكر الحافظ فى الفتح لو أن رسول الله «ص» خص بها دحية- وهى كما روى ابن سعد من أضوأ ما يكون من النساء- لأمكن تغير خاطر بعض الصحابة، فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه، واختصاصه ﵊، فإن فى ذلك رضا الجميع ص ٢٣٢ ح ٢ المواهب. وانظر ما كتب العقاد عنها ص ١٩٣ حقائق الإسلام ط ١.
[ ٦ / ٥٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْجَيْش ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ صَفِيّ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَمْرُ الصّفِيّ بَعْدَ الرّسُولِ ﵇ لِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ فِي قَوْلِ أَبِي ثَوْرٍ، وَخَالَفَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَقَالُوا: كَانَ خُصُوصًا لِلنّبِيّ ﵇ «١» .
صَدَاقُ صَفِيّةَ:
وَقَوْلُهُ: أَعْتَقَهَا، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، هُوَ صَحِيحٌ فِي النقل، وَقَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ تَأَوّلَهُ خُصُوصًا بِالنّبِيّ ﷺ أَوْ مَنْسُوخًا، وَمِمّنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَجَمَاعَةٌ سِوَاهُ لَا يَرَوْنَ مُجَرّدَ الْعِتْقِ يُغْنِي عَنْ صَدَاقٍ «٢» .
حَنَشٌ الصّنْعَانِيّ:
وَذَكَرَ حَدِيثَ حَنَشٍ الصّنْعَانِيّ عَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ. هُوَ حَنَشُ بْنُ
_________________
(١) سبق الكلام عن الصفى فى الشرح.
(٢) فى حديث متفق عليه عن أنس ﵁ عَنْ النّبِيّ ﷺ أَنّهُ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها. وقد ذهب الأكثر إلى عدم صحة جعل العتق مهرا متأولين بأنه «ص» أعتقها بشرط أن يتزوجها، فوجب له عليها قيمتها، وكانت معلومة، فتزوجها بها. والذى يرد هذا التأويل أنه ورد فى مسلم بلفظ «ثم تزوجها. وجعل عتقها صداقها» والحق مع القائلين بعدم صحة جعل العتق صداقا، لأن الله يقول: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً، فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا. فالصداق فرض، ولا يجوز للمرأة أن تتنازل عنه كله، بل عن بعضه
[ ٦ / ٥٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَبْدِ اللهِ السّبَائِيّ «١» جَاءَ إلَى الْأَنْدَلُسِ مَعَ مُوسَى بْنِ نَصِيرٍ، وَهُوَ الّذِي ابْتَنَى جَامِعَ سَرَقُسْطَةَ، وَأَسّسَ جَامِعَ قُرْطُبَةَ أَيْضًا، فِيمَا ذَكَرُوا، وَتَوَهّمَ الْبُخَارِيّ أَنّهُ حَنَشُ بْنُ عَلِيّ، وَأَنّ الِاخْتِلَافَ فِي اسْمِ أَبِيهِ، وَقَدْ فَرّقَ بَيْنَهُمَا عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ فَقَالَ: حَنَشُ بْنُ عَلِيّ السّبَائِيّ مِنْ صَنْعَاءِ الشّامِ، وَمِنْهَا أَبُو الْأَشْعَثِ الصّنْعَانِيّ، وَحَنَشُ بْنُ عَبْدِ اللهِ السّبَائِيّ مِنْ صَنْعَاءِ الْيَمَنِ، وَكِلَاهُمَا يَرْوِي عَنْ عَلِيّ، فَمِنْ هَهُنَا دَخَلَ الْوَهْمُ عَلَى الْبُخَارِيّ، هَكَذَا ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، وَيُرْوَى عَنْ عَلِيّ أَيْضًا حَنَشُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَحَنَشُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ وَهُمَا غير هذين «٢» .
وطأ مَنْهِيّ عَنْهُ:
وَفِيهِ: أَنّ لَا تُوطَأَ حَامِلٌ مِنْ السّبَايَا حَتّى تَضَعَ، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النّبِيّﷺ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنّهُ نَظَرَ إلَى أَمَةٍ مُجِحّ أَيْ مُقْرِبٍ «٣»، فَسَأَلَ عَنْ صَاحِبِهَا، فَقِيلَ: إنّهُ يُلِمّ بِهَا، فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنَةً تَدْخُلُ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ. وذكر الحديث.
_________________
(١) ضبطها الخزرجى فى خلاصة تذهيب الكمال بدون ألف، وهى فى تهذيب اللباب السباى. وقال عنه الخزرجى ابن عبيد الله أو ابن على، وفى التهذيب: وابن الملقن عبد الله يروى عن على وابن عباس وفضالة بن عبيد مات سنة ١٠٠.
(٢) فى تذهيب الكمال: حنش بن المعتمر أو ابن ربيعة بن المعتمر الكنانى أبو المعتمر الكنانى.
(٣) هى الحامل التى دنا ولادها. وفى الأصل: مغرب.
[ ٦ / ٥٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَهَذَا وَجْهٌ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا يَحِلّ لامرىء يُؤْمِنُ بِاَللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاؤُهُ زَرْعَ غَيْرِهِ، يَعْنِي إتْيَانِ الْحَبَالَى مِنْ السّبَايَا، فَإِنْ فَعَلَ فَالْوَلَدُ مُخْتَلَفٌ فِي إلْحَاقِهِ بِهِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشّافِعِيّ: لَا يَلْحَقُ بِهِ، وَقَالَ اللّيْثُ: يَلْحَقُ بِهِ لِقَوْلِ النّبِيّ ﷺ: كَيْفَ يَسْتَعْبِدُهُ، وَقَدْ غَذّاهُ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ.
عَلِيّ يَقْتُلُ مَرْحَبًا:
فَصْلٌ: وَمِمّا يَتّصِلُ بِقِصّةِ مَرْحَبٍ الْيَهُودِيّ مَعَ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ﵁- مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الْكِتَابِ قَوْلُ عَلِيّ:
أَنَا الّذِي سَمّتْنِي أُمّي حَيْدَرَهْ أَضْرِبُ بالسّيف رؤس الكفره
أكيلهم بالصّاع كيل السّندره «١»
_________________
(١) هى من رواية يونس عن ابن إسحاق، وفيها: كليث غابات شديد القسورة. بدلا من الشطرة الثانية. وفيها أيضا: أكيلكم. وفى رواية البزار: كليث غابات كريه المنظره، أو فيهم بالصاع كيل السندرة. أنظر ص ١٨٧ وما بعدها- ٤ البداية والنهاية لابن كثير. وهى فى صحيح مسلم أيضا. ويقول الحافظ: وخالف أهل السير فى هذا، فجزم ابن إسحاق وابن عقبة والواقدى بأن الذى قتل مرحبا هو محمد بن مسلمة، وكذا روى أحمد بإسناد حسن عن جابر. وقيل: إن ابن مسلمة كان بارزه فقطع رجليه. فأجهز على عليه، وقيل: قاتله هو الحارث أخو مرحب. ولكن الحافظ يميل إلى أن ما فى الصحيح مقدم على ما سواه، ولا سيما وقد جاء عن بريدة أيضا عند أحمد والنسائى وابن حبان والحاكم. يقصد أن عليا هو قاتل مرحب.
[ ٦ / ٥٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أَيْ أَجْزِيهِمْ بِالْوَفَاءِ. وَالسّنْدَرَةُ: شَجَرَةٌ يُصْنَعُ مِنْهَا مَكَايِيلُ عِظَامٌ حَيْدَرَةُ: وَفِي قَوْلِهِ ﵁: سَمّتْنِي أُمّي حَيْدَرَهْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، ذَكَرَهَا قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ، أَحَدُهَا: أَنّ اسْمَهُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدّمَةِ أَسَدٌ، وَالْأَسَدُ: هُوَ الْحَيْدَرَةُ. الثّانِي: أَنّ أُمّهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَسَدٍ حِينَ وَلَدَتْهُ كَانَ أَبُوهُ غَائِبًا، فَسَمّتْهُ، بِاسْمِ أَبِيهَا أَسَدٍ، فَقَدِمَ أَبُوهُ فَسَمّاهُ عَلِيّا. الثّالِثُ: أَنّهُ لُقّبَ فِي صِغَرِهِ بِحَيْدَرَةَ، لِأَنّ الْحَيْدَرَةَ الْمُعْتَلِي لَحْمًا مَعَ عَظْمِ بَطْنٍ، وَكَذَلِكَ كَانَ عَلِيّ ﵁، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ اللّصُوصِ حِينَ فَرّ مِنْ سِجْنِهِ الّذِي كَانَ يُسَمّى نَافِعًا، وَقِيلَ فِيهِ: يَافِعٌ أَيْضًا بِالْيَاءِ: وَلَوْ أَنّي مَكَثْت لَهُمْ قَلِيلًا لَجَرّونِي إلَى شَيْخٍ بِطِينِ مِنْ حُصُونِ خَيْبَرَ: وَذَكَرَ شَقّا وَالنّطَاةَ وَشَقّ بِالْفَتْحِ أَعْرَفُ عِنْدَ أَهْلِ اللّغَةِ كَذَلِكَ قَيّدَهُ الْبَكْرِيّ. وَذَكَرَ وَادِيَ خَاصٍ مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ. وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: إنّمَا هُوَ وَادِي خَلْصٍ بِاللّامِ، وَالْأَوّلُ تَصْحِيفٌ. وَقَالَ الْبَكْرِيّ: هُوَ خَلْصٌ بِاللّامِ وَأَنْشَدَ الْبَكْرِيّ لِخَالِدِ بْنِ عَامِرٍ: وَإِنّ بِخَلْصٍ خَلْصِ آرَةَ بُدّنًا نَوَاعِمَ كَالْغِزْلَانِ مَرْضَى عيونها الحال المعرفة لَفْظًا: فَصْلٌ: وَذَكَرَ فِي أَشْعَارِ خَيْبَرَ قَوْلَ الْعَبْسِيّ، وَفِي آخِرِهِ:
[ ٦ / ٥٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فرّت يهود يوم ذلك فى الوغا تَحْتَ الْعَجَاجِ غَمَائِمَ الْأَبْصَارِ
وَهُوَ بَيْتٌ مُشْكِلٌ غَيْرَ أَنّ فِي بَعْضِ النّسَخِ، وَهِيَ قَلِيلَةٌ عَنْ ابْنِ هِشَامٍ أَنّهُ قَالَ: فَرّتْ فَتَحَتْ، مِنْ قَوْلِك: فَرَرْت «١» الدّابّةَ، إذَا فَتَحْت فَاهَا. وَغَمَائِمُ الْأَبْصَارِ، هِيَ مَفْعُولُ فَرّتْ، وَهِيَ جُفُونُ أَعْيُنِهِمْ، هَذَا قَوْلٌ، وَقَدْ يَصِحّ أَنْ يَكُونَ فَرّتْ مِنْ الْفِرَارِ، وَغَمَائِمُ الْأَبْصَارِ مِنْ صِفَةِ الْعَجَاجِ، وَهُوَ الْغُبَارُ وَنَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ مِنْ الْعَجَاجِ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الْمَعْرِفَةِ عِنْدَ مَنْ لَيْسَ بِشَاذّ فِي النّحْوِ، وَلَا مَاهِرٍ فِي الْعَرَبِيّةِ، وَأَمّا عِنْدَ أَهْلِ التّحْقِيقِ، فَهُوَ نَكِرَةٌ، لِأَنّهُ لَمْ يُرِدْ الْغَمَائِمَ حَقِيقَةً وَإِنّمَا أراد مثل الغمائم، فهو مثل قول امرىء الْقَيْسِ:
بِمُنْجَرِدِ قَيْدِ الْأَوَابِدِ هَيْكَلِ «٢»
فَقَيْدُهَا هُنَا نَكِرَةٌ، لِأَنّهُ أَرَادَ مِثْلَ الْقَيْدِ، وَلِذَلِكَ نَعَتَ بِهِ مُنْجَرِدًا، أَوْ جَعَلَهُ فِي مَعْنَى مُقَيّدٍ، وكذلك قول عبدة بن الطّيب «٣»:
تَحِيّةُ مَنْ غَادَرْته غَرَضَ الرّدَى
فَنَصَبَ غَرَضًا عَلَى الْحَالِ: وَأَصَحّ الْأَقْوَالِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: زَهْرَةَ
_________________
(١) فى الأصل: فرت. وفى اللسان: فر الدابة يفرها كشف عن أسنانها.
(٢) من معلقته، وأوله: وقد أغتدى والطير فى وكناتها.
(٣) فى الأصل: الطيب، والتصويب من الأمالى للقالى والسمط البكرى والبيان للجاحظ.
[ ٦ / ٥٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْحَياةِ الدُّنْيا «١» طَه: ١٣١ أَنّهُ حَالٌ مِنْ الْمُضْمَرِ الْمَخْفُوضِ، لِأَنّهُ أَرَادَ التّشْبِيهَ بِالزّهْرَةِ مِنْ النّبَاتِ، وَمِنْ هَذَا النّحْوِ قَوْلُهُمْ: جَاءَ الْقَوْمُ الْجَمّاءَ الْغَفِيرُ انْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ، وَفِيهِ الْأَلِفُ وَاللّامُ، وَهُوَ مِنْ بَابِ مَا قَدّمْنَاهُ مِنْ التّشْبِيهِ، وَذَلِكَ أَنّ الْجَمّاءَ هِيَ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ تُعْرَفُ بِالْجَمّاءِ وَالصّلْعَاءِ، فَإِذَا جُعِلَ مَعَهَا الْمِغْفَرُ، فَهِيَ غفير، فإذا قلت: جاؤا الْجَمّاءَ الْغَفِيرُ، فَإِنّمَا أَرَدْت الْعُمُومَ وَالْإِحَاطَةَ بِجَمِيعِهِمْ، أى جاؤا جَيْئَةً تَشْمَلُهُمْ وَتَسْتَوْعِبُهُمْ، كَمَا تُحِيطُ الْبَيْضَةُ الْغَفِيرُ بِالرّأْسِ، فَلَمّا قَصَدُوا مَعْنَى التّشْبِيهِ دَخَلَ الْكَلَامُ الْكَثِيرُ كَمَا تَقَدّمَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: تَفَرّقُوا أَيْدِيَ سَبَا، وَأَيَادِيَ سَبَا، أَيْ: مِثْلَ أَيْدِي سَبَا، فَحَسُنَتْ فِيهِ الْحَالُ لِذَلِكَ، وَاَلّذِي قُلْنَاهُ فِي مَعْنَى الْجَمّاءَ الْغَفِيرُ رَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَكَانَ عَلَامَةً بِكَلَامِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَقَعْ سِيبَوَيْهِ عَلَى هَذَا الْغَرَضِ فِي مَعْنَى الْجَمّاءِ، فَجَعَلَهَا كَلِمَةً شَاذّةً عَنْ الْقِيَاسِ، وَاعْتَقَدَ فِيهَا التّعْرِيفَ وَقَرَنَهَا بِبَابِ وَحْدَهُ، وَفِي بَابِ وَحْدَهُ «٢» أَسْرَارٌ قَدْ أَمْلَيْنَاهَا فِي غَيْرِ هَذَا الكتاب،
_________________
(١) فى إعرابها أقوال: أولها أن تكون منصوبا بفعل محذوف اى جعلنا لهم زهرة، ثانيها أن تكون بدلا من موضع به، ثالثها: أن تكون بدلا من أزواج والتقدير: ذوى زهرة فحذف المضاف. رابعها: أن يكون النصب على الذم، أى أذم أو أعنى، خامسها: أن يكون بدلا من ما. ولكن يلزم من هذا الفصل بين الصلة والموصول بالأجنبى. سادسها: أن يكون حالا من الهاء. أو من ما، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين، وجر الحياة على البدل من ماء، سابعها: أنه تمييز لما أو للهاء فى به، حكى عن الفراء وهو غلط «إملاء ما من به الرحمن للعكبرى» .
(٢) قال أبو بكر: وحده منصوب فى جميع كلام العرب إلا فى ثلاثة مواضع تقول: لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له، ومررت بزيد وحده، وبالقوم-
[ ٦ / ٥٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمَسْأَلَةُ وَحْدَهُ تَخْتَصّ بِبَابِ وَحْدَهُ، وَهَذَا الّذِي ذَكَرْنَا مِنْ التّنْكِيرِ بِسَبَبِ التّشْبِيهِ، إنّمَا يَكُونُ إذَا شَبّهْت الْأَوّلَ بِاسْمِ مُضَافٍ، وَكَانَ التّشْبِيهُ بِصِفَةِ مُتَعَدّيَةٍ إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: قَيْدِ الْأَوَابِدِ، أَيْ مُقَيّدَ الْأَوَابِدِ، وَلَوْ قُلْت:
مَرَرْت بِامْرَأَةِ الْقَمَرُ عَلَى التّشْبِيهِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنّ الصفة التى وقع بها التشبيه غير غَيْرُ مُتَعَدّيَةٍ إلَى الْقَمَرِ، فَهَذَا شَرْطٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَمِمّا يَحْسُنُ فِيهِ التّنْكِيرُ وَهُوَ مُضَافٌ إلَى مَعْرِفَةٍ اتّفَاقُ اللّفْظَيْنِ كَقَوْلِهِ: لَهُ صَوْتٌ صَوْتٌ الْحِمَارِ وَزَئِيرٌ زَئِيرُ الْأَسَدِ، فَإِنْ قُلْت: فَمَا بَالُ الْجَمّاءَ الْغَفِيرُ، جَازَ فِيهَا الْحَالُ، وَلَيْسَتْ بِمُضَافَةِ؟ قُلْنَا: لَمْ تَقُلْ الْعَرَبُ جَاءَ الْقَوْمَ الْبَيْضَةُ، فَيَكُونُ مِثْلَ مَا قَدّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِك: مَرَرْت بِهَذَا الْقَمَرِ، وَإِنّمَا قَالُوا: الْجَمّاءَ الْغَفِيرُ بِالصّفَةِ الْجَامِعَةِ بَيْنَهَا، وَبَيْنَ مَا هِيَ حَالٌ مِنْهُ، وَتِلْكَ الصّفَةُ الْجَمَمُ، وَهُوَ الاستواء والغفر، وهى التغطية فمعنى الكلام: جاؤا جَيْئَةً مُسْتَوِيَةً لَهُمْ، مُوعِبَةً لِجَمِيعِهِمْ، فَقَوِيَ مَعْنَى التّشْبِيهِ بِهَذَا الْوَصْفِ، فَدَخَلَ التّنْكِيرُ لِذَلِكَ، وَحَسُنَ النّصْبُ عَلَى الْحَالِ وَهِيَ حَالٌ مِنْ الْمَجِيءِ.
الشّاةُ الْمَسْمُومَةُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ الشّاةِ الْمَسْمُومَةِ، وأكل بشر بن البراء منها،
_________________
(١) - وحدى، قال: وفى نصب وحده ثلاثة أقوال. قال جماعة من البصريين: هو منصوب على الحال، وقال يونس: وحده هو بمنزلة عنده، وقال هشام: وحده منصوب على المصدر. وقال أبو عبيد: العرب تنصب وحده، فى الكلام كله لا ترفعه ولا تخفضه إلا فى ثلاثة أحرف: نسيج وحده، وعيير وحده، وجحيش وحده. اللسان. ولكلامه عنها بقية أخرى.
[ ٦ / ٥٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَفِيهِ: أَنّ الذّرَاعَ كَانَتْ تُعْجِبُهُ، لِأَنّهَا هَادِي الشّاةِ، وَأَبْعَدُهَا مِنْ الْأَذَى، فَلِذَلِكَ جَاءَ مُفَسّرًا فِي هَذَا اللّفْظِ. فَأَمّا الْمَرْأَةُ الّتِي سَمّتْهُ، فَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: صَفَحَ عَنْهَا، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنّهُ قَتَلَهَا، وَوَقَعَ فِي كِتَابِ شَرَفِ الْمُصْطَفَى، أَنّهُ قَتَلَهَا وَصَلَبَهَا؛ وَهِيَ زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ سَلَامٍ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهِيَ أُخْتُ مَرْحَبٍ الْيَهُودِيّ، وَرَوَى أَيْضًا مِثْلَ ذَلِكَ ابْنُ إسْحَاقَ. وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الرّوَايَتَيْنِ أَنّهُ ﵇ صَفَحَ عَنْهَا، أَوّلَ لِأَنّهُ كَانَﷺ- لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ، فَلَمّا مَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ مِنْ تِلْكَ الْأَكْلَةِ، قَتَلَهَا، وَذَلِكَ أَنّ بِشْرًا لَمْ يَزَلْ مُعْتَلّا مِنْ تِلْكَ الْأَكْلَةِ حَتّى مَاتَ مِنْهَا بَعْدَ حَوْلٍ، وَقَالَ النّبِيّ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ: «مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَادّنِي، فَهَذَا أَوَانُ قَطَعَتْ أَبْهَرِي» وَكَانَ يَنْفُثُ مِنْهَا مِثْلَ عَجْمِ الزّبِيبِ. وَتُعَادّنِي، أَيْ تَعْتَادُنِي الْمَرّةَ بَعْدَ الْمَرّةِ، قَالَ الشّاعِرُ: أُلَاقِي مِنْ تَذَكّرِ آلِ لَيْلَى كَمَا يَلْقَى السّلَيْمُ مِنْ الْعِدَادِ وَالْأَبْهَرُ: عِرْقٌ مُسْتَبْطَنُ الْقَلْبِ. قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ: وَلِلْفُؤَادِ وَجِيبٌ تَحْتَ أَبْهَرِهِ لَدْمَ الْوَلِيدِ وَرَاءَ الْغَيْبِ بِالْحَجَرِ وَقَدْ رَوَى مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ فِي جَامِعِهِ عَنْ الزّهْرِيّ أَنّهُ قَالَ: أَسْلَمَتْ فَتَرَكَهَا النّبِيّﷺ- قَالَ مَعْمَرٌ: هَكَذَا قَالَ الزّهْرِيّ:
[ ٦ / ٥٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَسْلَمَتْ، وَالنّاسُ يَقُولُونَ: قَتَلَهَا، وَأَنّهَا لَمْ تُسْلِمْ «١»، وَفِي جَامِعِ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ أَيْضًا أَنّ أُمّ بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ قَالَتْ لِلنّبِيّ ﷺ فِي الْمَرَضِ الّذِي مَاتَ مِنْهُ مَا تَتّهِمُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنّي لَا أَتّهِمُ بِبِشْرِ إلّا الْأَكْلَةَ الّتِي أَكَلَهَا مَعَك بِخَيْبَرِ، فَقَالَ: وَأَنَا لَا أَتّهِمُ بِنَفْسِي إلّا ذَلِكَ، فَهَذَا أَوَانُ قَطَعَتْ أَبْهَرِي.
حَوْلَ حَدِيثِ الْمَرْأَةِ الْغِفَارِيّةِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ الْغِفَارِيّةِ الّتِي شَهِدَتْ خَيْبَرَ، وَلَمْ يُسَمّهَا، وَقَدْ يُقَالُ: اسْمُهَا لَيْلَى، وَيُقَالُ: هِيَ امْرَأَةُ أَبِي ذَرّ الْغِفَارِيّ، وَقَوْلُهَا رَضَخَ لِي رَسُولُ اللهِﷺ- أَصْلُ الرّضْخِ أَنْ تَكْسِرَ من الشّىء الرّطب كسرة فتعطبها، وَأَمّا الرّضْحُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، فَكَسْرُ الْيَابِسِ، الصّلْبِ. قَالَ الشّاعِرُ:
كَمَا تَطَايَرَ عَنْ مِرْضَاحِهِ الْعَجَمُ
_________________
(١) يقول الحافظ «ولم ينفرد الزهرى بدعواه أنها أسلمت فقد جزم بذلك سليمان التيمى فى مغازيه. وجعلها فى الإصابة فى القسم الأول من الصحابيات، هذا وقد روى البخارى قصة الشاة المسمومة، وفى الصحيحين من حديث شعبة عن هشام بن زيد عن أنس بن مالك أن امرأة يهودية أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ- بشاة مسمومة، فأكل منها. فجىء بِهَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فسألها عن ذلك، قالت: أردت لأقتلك، فقال: ما كان الله ليسلطك على، أو قال: على ذلك. قالوا: ألا تقتلها؟ قال: لا. قال أنس، فما زلت أعرفها فى لهوات رسول الله «ص» واللهوات جمع لهاة، وهى اللحمات فى سقف أقصى الفم.
[ ٦ / ٥٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) منه أَحْكَامِ الْمَاءِ: وَقَوْلُهَا: أَمَرَنِي أَنْ أَجْعَلَ فِي طَهُورِي مِلْحًا. فِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنّ الْمِلْحَ فِي الْمَاءِ إذَا غَيّرَ طَعْمَهُ صَيّرَهُ مُضَافًا طَاهِرًا غَيْرَ مُطَهّرٍ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدْفَعُ قَوْلَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ النّظَرِ أَنّ الْمُخَالِطَ لِلْمَاءِ إذَا غَلَبَ عَلَى أَحَدِ أَوْصَافِهِ الثّلَاثَةِ: الطّعْمِ، أَوْ اللّوْنِ، أَوْ الرّائِحَةِ، كَانَ حُكْمُ الْمَاءِ كَحُكْمِ الْمَخَالِطِ لَهُ، فَإِنْ كَانَ طَاهِرًا غَيْرَ مُطَهّرٍ كَانَ الْمَاءُ بِهِ كَذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ لَا طَاهِرًا وَلَا مُطَهّرًا كَالْبَوْلِ كَانَ الْمَاءُ لِمُخَالَطَتِهِ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْمَخَالِطُ لَهُ طَاهِرًا مُطَهّرًا كَالتّرَابِ كَانَ الْمَاءُ طَاهِرًا مُطَهّرًا، وَالْمِلْحُ إنْ كَانَ مَاءً جَامِدًا، فَهُوَ فِي الْأَصْلِ طَاهِرٌ مُطَهّرٌ، وَإِنْ كَانَ مَعْدِنِيّا تُرَابِيّا، فَهُوَ كَالتّرَابِ فِي مُخَالَطَةِ الْمَاءِ، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ نَاقِلًا لِلْمَاءِ عَنْ حُكْمِ الطّهَارَةِ وَالتّطْهِيرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ فِي السّيرَةِ أَنّ النّبِيّ ﷺ اغْتَسَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ جَفْنَةٍ فِيهَا مَاءٌ وَكَافُورٌ، وَمَحْمَلُ هَذِهِ الرّوَايَةِ عِنْدِي إنْ صَحّتْ عَلَى أَنّهُ قَصَدَ بِهَا التّطَيّبَ، وَأَنّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا، وَلِأَبِي جنيفة فِي هَذِهِ الرّوَايَةِ مُتَعَلّقٌ لِتَرْخِيصِهِ. مِنْ شُهَدَاءِ خَيْبَرَ: وَذَكَرَ فِيمَنْ اُسْتُشْهِدَ بِخَيْبَرِ: أَبَا الضّيّاحِ بْنَ ثَابِتٍ، وَلَمْ يُسَمّهِ، وَقَالَ الطّبَرِيّ: اسْمُهُ النّعْمَانُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ النّعْمَانِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: اسْمُهُ عُمَيْرٌ. وَذَكَرَ فِيمَنْ اُسْتُشْهِدَ: عَامِرَ بْنَ الْأَكْوَعِ، وَهُوَ الّذِي رَجَعَ عَلَيْهِ سَيْفُهُ
[ ٦ / ٥٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فَقَتَلَهُ، فَشَكّ النّاسُ فِيهِ، فَقَالُوا: قَتَلَهُ سِلَاحُهُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنّبِيّ ﷺ، فَقَالَ: إنّهُ جَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، وَقَلّ عَرَبِيّ، مُشَابِهًا مثله، وفى رواية: مشى بها مِثْلُهُ، وَيُرْوَى أَيْضًا: نَشَأَ بِهَا مِثْلَهُ، كُلّ هَذَا يُرْوَى فِي الْجَامِعِ الصّحِيحِ، وَهَذَا اضْطِرَابٌ مِنْ رُوَاةِ الْكِتَابِ، فَمَنْ قَالَ: مَشَى بِهَا مِثْلَهُ فَالْهَاءُ عَائِدَةٌ عَلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا تَقُولُ: لَيْسَ بَيْنَ لَابَتَيْهَا مِثْلُ فُلَانٍ، يُقَالُ هَذَا فِي الْمَدِينَةِ، وَفِي الْكُوفَةِ، وَلَا يُقَالُ فِي بَلَدٍ لَيْسَ حَوْلَهُ لَابَتَانِ، أَيْ حَرّتَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ عَائِدَةً عَلَى الْأَرْضِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ الرّحْمَنُ: ٢٦. الْحَالُ مِنْ النّكِرَةِ: وَمَنْ رَوَاهُ مُشَابِهًا مُفَاعِلًا مِنْ الشّبَهِ، فَهُوَ حَالٌ مِنْ عَرَبِيّ، وَالْحَالُ مِنْ النّكِرَةِ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا دَلّتْ عَلَى تَصْحِيحِ مَعْنًى كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: فَصَلّى خَلْفَهُ رِجَالٌ قِيَامًا. الْحَالُ هَاهُنَا مُصَحّحَةٌ لِفِقْهِ الْحَدِيثِ، أَيْ: صَلّوْا فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَمَنْ احْتَجّ فِي الْحَالِ مِنْ النّكِرَةِ بِقَوْلِهِمْ: وَقَعَ أَمْرٌ فَجْأَةً، فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، لِأَنّ فَجْأَةً، لَيْسَ حَالًا مِنْ أَمْرٍ، إنّمَا هُوَ حَالٌ مِنْ الْوُقُوعِ، كَمَا تَقُولُ: جَاءَنِي رَجُلٌ مَشْيًا، فَلَيْسَ مَشْيًا حَالٌ مِنْ رَجُلٍ، كَمَا تَوَهّمُوا، وَإِنّمَا هِيَ حَالٌ مِنْ الْمَجِيءِ لِأَنّ الْحَالَ هِيَ صَاحِبُ الْحَالِ، وَتَنْقَسِمُ أَقْسَامًا: حَالٌ مِنْ فَاعِلٍ كَقَوْلِك: جَاءَ زَيْدٌ مَاشِيًا، وَحَالٌ مِنْ الْفِعْلِ، كَقَوْلِك: جَاءَ زَيْدٌ مَشْيًا وَرَكْضًا، وَحَالٌ مِنْ الْمَفْعُولِ، كَقَوْلِك: جَاءَنِي الْقَوْمُ جَالِسًا، فَهِيَ صِفَةُ الْمَفْعُولِ فِي وَقْتِ وُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ، أَوْ صِفَةُ الْفَاعِلِ فِي وَقْتِ وُقُوعِ الْفِعْلِ مِنْهُ، أَوْ صِفَةُ الْفِعْلِ فِي وَقْتِ وُقُوعِهِ وَنَعْنِي بِالْفِعْلِ: الْمَصْدَرَ.
[ ٦ / ٥٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَدِيثُ الْحَجّاجِ بْنِ عِلَاطٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ الْحَجّاجِ بْنِ عِلَاطٍ السّلَمِيّ: وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي حَدِيثِ إسْلَامِهِ خَبَرًا عَجِيبًا اتّفَقَ لَهُ مَعَ الْجِنّ، وَهُوَ وَالِدُ نَصْرِ بْنِ حَجّاجٍ الّذِي حَلَقَ عُمَرُ رَأْسَهُ، وَنَفَاهُ مِنْ الْمَدِينَةِ لَمّا سَمِعَ قَوْلَ الْمَرْأَةِ فِيهِ:
أَلَا سَبِيلَ إلَى خَمْرٍ فَأَشْرَبَهَا أَمْ لَا سَبِيلَ إلَى نَصْرِ بْنِ حَجّاجِ
وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ هِيَ الْفُرَيْعَةُ بِنْتُ هَمّامٍ، وَيُقَالُ: إنّهَا أُمّ الْحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ، وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزّبَيْرِ: يَا ابْنَ الْمُتَمَنّيَةِ «١»، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النّاسِ لِمّةً وَوَجْهًا، فَأَتَى الشّامَ، فَنَزَلَ عَلَى أَبِي الْأَعْوَرِ السّلَمِيّ، فَهَوِيَتْهُ امْرَأَتُهُ، وَهَوَاهَا «٢»، وَفَطِنَ أَبُو الْأَعْوَرِ لِذَلِكَ بِسَبَبِ يَطُولُ ذِكْرُهُ، فَابْتَنَى لَهُ قُبّةً فِي أَقْصَى الْحَيّ، فَكَانَ بِهَا، فَاشْتَدّ ضَنَاهُ بِالْمَرْأَةِ، حَتّى مَاتَ كَلَفًا بِهَا، وَسُمّيَ الْمُضْنَى وَضُرِبَتْ بِهِ الْأَمْثَالُ. وَذَكَرَ الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابِ الأمثال له خبره بطوله «٣» .
_________________
(١) زعموا أنهما كانا بحضرة عبد الملك بن مروان، فذكر عروة أخاه عبد الله بن الزبير، فقال له الحجاج: أعند أمير المؤمنين تكنى أخاك المنافق لا أم لك، فقال له عروة: يا ابن المتمنية!! إلى تقول هذا لا أم لك، وأنا ابن عجائز الجنة.
(٢) المعرف فى اللغة أن هوى كرضى، وهو ولا شك خطأ فى الطبع أو النقل وقد ذكرها البغدادى «وهويها» نقلا عن الروض.
(٣) سبق الحديث عن قصتهما وذكرنا بعض مراجع قصتهما.
[ ٦ / ٥٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله: الحجاج بن علاط، والعلاط وسم فِي الْعُنُقِ، وَيُقَالُ لَهُ: الْعُلْطَةُ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ لِلنّبِيّ ﷺ: لَا بُدّ لِي أَنْ أَقُولَ، فَقَالَ لَهُ: قُلْ، يَعْنِي التّكَذّبَ «١»، فَأَبَاحَهُ لَهُ، لِأَنّهُ مِنْ خُدَعِ الْحَرْبِ، وَقَالَ: الْمُبَرّدُ: إنّمَا صَوَابُهُ: أَتَقَوّلُ إذا أَرَدْت مَعْنَى التّكَذّبِ، وَأَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى حَبِيبٌ فَقَالَ:
بحسب أمرىء أَثْنَى عَلَيْك بِأَنّهُ يَقُولُ، وَإِنْ أَرْبَى فَلَا يَتَقَوّلُ
أَيْ: يَقُولُ الْحَقّ إذَا مَدَحَك، وَإِنْ أَفْرَطَ فَلَيْسَ إفْرَاطُهُ بِتَقَوّلِ.
تَفْسِيرُ أَوْلَى لَك:
وَذَكَرَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ فِي حَدِيثِ حَجّاجٍ أَنْ قُرَيْشًا قَالَتْ: حِينَ أَفْلَتَهُمْ:
أَوْلَى لَهُ، وَهِيَ كَلِمَةٌ مَعْنَاهَا: الْوَعِيدُ، وَفِي التّنْزِيلِ: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى الْقِيَامَةُ: ٣٤، فَهِيَ عَلَى وَزْنِ أَفْعَلَ، مِنْ وَلِيَ أَيْ: قَدْ وَلِيَهُ الشّرّ، وَقَالَ الْفَارِسِيّ: هِيَ اسْمُ عِلْمٍ وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ، وَجَدْت هَذَا فِي بَعْضِ مَسَائِلِهِ، وَلَا تَتّضِحُ لِي الْعَلَمِيّةُ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَإِنّمَا هُوَ عِنْدِي كَلَامٌ حُذِفَ مِنْهُ، وَالتّقْدِيرُ: الّذِي تَصِيرُ إلَيْهِ مِنْ الشّرّ أَوْ الْعُقُوبَةِ أَوْلَى لَك، أَيْ أَلْزَمُ لَك، أَيْ إنّهُ يَلِيك، وَهُوَ أَوْلَى لَك، مِمّا فَرَرْت مِنْهُ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَلَمْ يَنْصَرِفْ لِأَنّهُ وَصْفٌ عَلَى وَزْنِ أَفْعَلَ «٢»، وَقَوْلُ الْفَارِسِيّ: هُوَ فِي مَوْضِعِ نصب جعله من
_________________
(١) فى قصة الحجاج عند أحمد أنه قال للرسول (ص) «أفأنا فى حل إن أنا نلت منك، أو قلت شيئا، فأذن له «ص» أن يقول ما شاء» .
(٢) مما فى اللسان عنها أنها اسم لدنوت وقاربت. وقال ثعلب: لم يقل أحد فى أولى لك أحسن مما قال الأصمعى. وقد قال الأصمعى عنها: أولى لك: قاربك ما تكره. وانظر مادة أول ففيها الكثير عنها.
[ ٦ / ٥٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
باب تبّاله «١»، غَيْرَ أَنّهُ جَعَلَهُ عَلَمًا لِمَا رَآهُ غَيْرَ مُنَوّنٍ.
أُمّ أَيْمَنَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ شِعْرَ حَسّانَ فِي ابْنِ أُمّ أَيْمَنَ، وَاسْمُ أَبِيهِ عُبَيْدٌ، وَاسْمُ أُمّهِ أُمّ أَيْمَنَ بَرَكَةٌ، وَهِيَ أُمّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، يُقَالُ لَهَا: أُمّ الظّبَاءِ، قَالَ الْوَاقِدِيّ: اسْمُهَا بَرَكَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ [بْنِ عَمْرِو بْنِ حِصْنِ بْنِ مَالِكِ بْنِ مَسْلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ النّعْمَانِ] «٢» وَكَانَتْ أُمّةُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَكَانَ النّبِيّ ﷺ يَقُولُ: أُمّ أَيْمَنَ أُمّي بَعْدَ أُمّي «٣»، وَيُقَالُ: كَانَتْ لِآمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ أُمّ النّبِيّﷺ- وَهِيَ الّتِي هَاجَرَتْ عَلَى قَدَمَيْهَا مِنْ مَكّةَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَلَيْسَ مَعَهَا أَحَدٌ، وَذَلِكَ فِي حَرّ شَدِيدٍ، فَعَطِشَتْ، فَسَمِعَتْ حَفِيفًا فَوْقَ رَأْسِهَا، فَالْتَفَتَتْ، فَإِذَا دَلْوٌ قَدْ أُدْلِيَتْ لَهَا مِنْ السّمَاءِ فَشَرِبَتْ مِنْهَا، فَلَمْ تَظْمَأْ أَبَدًا «٤»، وَكَانَتْ تَتَعَهّدُ الصّوْمَ فِي حَمّارَةِ الْقَيْظِ، لِتَعْطَشَ فَلَا تَعْطَشُ
_________________
(١) تباله دعاء، نصب، لأنه مصدر محمول على فعله كما تقول شقيا لفلان، معناه: شقى فلان شقيا، ولم يجعل اسما مسندا إلى ما قبله.
(٢) الزيادة فى نسب أم أيمن من الإصابة من أول ابن عمرو بن حصن الخ.
(٣) ذكره ابن أبى خيثمة وانظر ترجمتها فى الإصابة فى الجزء الثامن.
(٤) أخرجه ابن سعد بسنده إلى عثمان بن القاسم يقول: لما هاجرت. الحديث، وأخرجه ابن السكن من طريق هشام بن حسان عن عثمان بنحوه. وقد أخرج البخارى فى تاريخه ومسلم وابن السكن أن أم أيمن كانت وصيفة لعبد الله ابن عبد المطلب.
[ ٦ / ٥٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَانَ النّبِيّﷺ- يَزُورُهَا، وَكَانَ الْخَلِيفَتَانِ يَزُورَانِهَا بَعْدَهُ، وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ قِصّتِهَا عَنْ أُمّ شَرِيكٍ الدّوْسِيّةِ «١» أَنّهَا عَطِشَتْ فِي سَفَرٍ فَلَمْ تَجِدْ مَاءً إلّا عِنْدَ يَهُودِيّ، وَأَبَى أَنْ يَسْقِيَهَا إلّا أَنْ تَدِينَ بِدِينِهِ، فَأَبَتْ إلّا أَنْ تَمُوتَ عَطَشًا، فَدُلِيَتْ لَهَا دَلْوٌ مِنْ السّمَاءِ فَشَرِبَتْ، ثُمّ رُفِعَتْ الدّلو، وهى تنظر. ذَكَرَ خَبَرَهَا ابْنُ إسْحَاقَ فِي السّيرَةِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ، وَهُوَ أَطْوَلُ مِمّا ذكرنا وَقَوْلُ حَسّانَ:
وَأَيْمَنُ لَمْ يَجْبُنْ، وَلَكِنّ مُهْرَهُ أَضَرّ بِهِ شُرْبُ الْمَدِيدِ الْمُخَمّرِ «٢»
الْمَدِيدُ: وَقَعَ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَلَكِنْ أَلْفَيْت فِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ عَنْ ابْنِ دُرَيْدٍ: الْمَرِيدُ بِرَاءٍ، وَالْمَرِيسُ أَيْضًا، وَهُوَ تَمْرٌ يُنْقَعُ ثُمّ يُمْرَسُ وَأَنْشَدَ:
مُسْنَفَاتٍ تُسْقَى ضَيَاحَ الْمَرِيدِ
أَبُو أَيّوبَ فِي حِرَاسَةِ النّبِيّ ﷺ:
وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ ﷺ لِأَبِي أَيّوبَ حِينَ بَاتَ يَحْرُسُهُ:
حَرَسَك اللهُ يَا أَبَا أَيّوبَ، كَمَا بِتّ تَحْرُسُ نَبِيّهُ.
_________________
(١) قصتها وقصة عطش أم أيمن لم يخرجهما غير أصحاب السير، وأما المحدثون أصحاب الصحيح والمسانيد والسنن، فلم يخرجوا شيئا من ذلك.
(٢) شرحه أبو ذر الخشنى: بقوله «هو الدقيق يخلط مع الماء فتشربه الخيل» .
[ ٦ / ٥٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَالَ الْمُؤَلّفُ: فَحَرَسَ اللهُ أَبَا أَيّوبَ بِهَذِهِ الدّعْوَةِ، حَتّى إنّ الرّومَ لَتَحْرُسُ قَبْرَهُ، وَيَسْتَسْقُونَ بِهِ، وَيَسْتَصِحّونَ «١»، وَذَلِكَ أَنّهُ غَزَا مَعَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ خَمْسِينَ، فَلَمّا بَلَغُوا الْقُسْطَنْطِينَةَ مَاتَ أَبُو أَيّوبَ هُنَالِكَ، وَأَوْصَى يَزِيدَ أَنْ يَدْفِنَهُ فِي أَقْرَبِ مَوْضِعٍ مِنْ مَدِينَةِ الرّومِ، فَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ، وَمَشَوْا بِهِ حَتّى إذَا لَمْ يَجِدُوا مَسَاغًا، دَفَنُوهُ، فَسَأَلَتْهُمْ الرّومُ عَنْ شَأْنِهِمْ، فَأَخْبَرُوهُمْ أَنّهُ كَبِيرٌ مِنْ أَكَابِرِ الصّحَابَةِ، فَقَالَتْ الرّومُ لِيَزِيدَ مَا أَحْمَقَك وَأَحْمَقَ مَنْ أَرْسَلَك أَأَمِنْت أَنْ نَنْبُشَهُ بَعْدَك، فَنُحَرّقَ عِظَامَهُ، فَأَقْسَمَ لهم يزيد لئن فعلوا ذلك لنهد منّ كُلّ كَنِيسَةٍ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، وَلَنَنْبِشَنّ قُبُورَهُمْ، فَحِينَئِذٍ حلفوا لهم بدينهم ليكرّ منّ قَبْرَهُ، وَلَيَحْرُسُنّهُ مَا اسْتَطَاعُوا، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنّ الرّومَ يَسْتَسْقُونَ بِقَبْرِ أَبِي أَيّوبَ ﵀، فَيُسْقَوْنَ «٢» .
قَسْمُ أَمْوَالِ خَيْبَرَ وَأَرَاضِيهَا أَمّا قَسْمُ غَنَائِمِهَا، فَلَا خِلَافَ فِيهِ وَفِي كُلّ مَغْنَمٍ بِنَصّ الْقُرْآنِ كَمَا تَقَدّمَ فِي غَزَاةِ بَدْرٍ، وَأَمّا أَرْضُهَا، فَقَسَمَهَا النّبِيّ ﷺ بَيْنَ مَنْ حَضَرَهَا مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَخْرَجَ الْخُمُسَ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السبيل، وقد تقدم الكلام فى معنى: لله ولرسوله، وما معنى سهم اللهِ، وَسَهْمِ الرّسُولِ، وَلَوْلَا الْخُرُوجُ عَمّا صَمَدْنَا إلَيْهِ لَذَكَرْنَا سِرّا بَدِيعًا وَفِقْهًا عَجِيبًا فِي قوله تعالى: فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى باللام، ولم يقل ذلك فى
_________________
(١) عمل جهال قلوبهم فى أكنة.
(٢) ليس هذا من هدى الإسلام فى شىء، هذا وكان غزو القسطنطينة سنة ٥٥.
[ ٦ / ٥٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، وَقَالَ: وَلِلرّسُولِ، وَقَالَ فِي أَوّلِ السورة قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَقَالَ فِي آيَةِ الْفَيْءِ مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ولم يقل: رسوله، وكل هذا الحكمة، وَحَاشَا لِلّهِ أَنْ يَكُونَ حَرْفٌ مِنْ التّنْزِيلِ خَالِيًا مِنْ حِكْمَةٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ: قَسَمَ النّبِيّ ﷺ أَرْضَ خَيْبَرَ أَثْلَاثًا أَثْلَاثًا، السّلَالِمُ وَالْوَطِيحُ وَالْكَتِيبَةُ، فَإِنّهُ تَرَكَهَا لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا يَعْرُوهُمْ، وَفِي هَذَا مَا يُقَوّي أَنّ الْإِمَامَ مُخَيّرٌ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ إنْ شَاءَ قَسَمَهَا أَخْذًا بِقَوْلِ اللهِ سُبْحَانَهُ: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ الْآيَةُ فَيُجْرِيهَا مَجْرَى الْغَنِيمَةِ، وَإِنْ شَاءَ وَقَفَهَا كَمَا فَعَلَ عُمَرُ﵁- أَخْذًا بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى إلَى قَوْلِهِ: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَاسْتَوْعَبَتْ آيَةُ الْفَيْءِ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ، فَسَمّى آيَةَ الْقُرَى فَيْئًا وَسَمّى الْأُخْرَى غَنِيمَةً، فَدَلّ عَلَى افْتِرَاقِهِمَا فِي الْحُكْمِ، كَمَا افْتَرَقَا فِي التّسْمِيَةِ، وَكَمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَقْوَالٍ مِنْهُمْ: مَنْ يَرَى قَسْمَ الْأَرْضِ كَمَا فَعَلَ النّبِيّ ﷺ بِخَيْبَرِ، وَهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهَا وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِبَيْتِ مَالِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِتَخْيِيرِ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ افْتَرَقَ رَأْيُ الصّحَابَةِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الْبِلَادِ، فَكَانَ رَأْيُ الزّبَيْرِ الْقَسْمَ، فَكَلّمَ عَمْرَو بْنَ العاصى حين افتتح مصرفى قَسْمِهَا فَكَتَبَ عَمْرٌو بِذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: أَنْ دَعْهَا، وَلَا تَقْسِمْهَا، حَتّى يُجَاهِدَ مِنْهَا حَبَلُ الْحَبَلَةِ»
، وَقَدْ شرحنا هذه الكلمة فى
_________________
(١) يريد: حتى يغزو منها أولاد الأولاد، ويكون عاما فى الناس والدواب، أى يكثر-
[ ٦ / ٥٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي الْمَبْعَثِ قَبْلَ هَذَا بِأَجْزَاءِ، وَكَذَلِكَ اسْتَأْمَرَ عُمَرُ﵁- الصّحَابَةَ فِي قَسْمِ أَرْضِ السّوَادِ حِينَ اُفْتُتِحَتْ، فَكَانَ رَأْيُ عَلِيّ مَعَ رَأْيِ عُمَرَ﵄- أَنْ يَقِفَهَا، وَلَا يَقْسِمَهَا، وَأَرْضُ السّوَادِ أَوّلُهَا مِنْ تُخُومِ الْمَوْصِلِ مَدَامِعُ الْمَاءِ إلَى عَبّادَانَ مِنْ السّاحِلِ عَنْ يَسَارِ دِجْلَةَ، وَفِي الْعَرْضِ مِنْ جِبَالِ حُلْوَانَ إلَى الْقَادِسِيّةِ مُتّصِلًا بِالْعُذَيْبِ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ، كَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَقُولُ: دَلَعَ الْبَرّ لِسَانَهُ فِي السّوَادِ، لأن أرض القادسية كلسان من الْبَرِيّةِ دَاخِلٌ فِي سَوَادِ الْعِرَاقِ، حَكَاهَا الطّبَرِيّ.
وَلَمّا سَارَ عُمَرُ إلَى الشّامِ، وَكَانَ بِالْجَابِيَةِ شَاوَرَ فِيمَا افْتَتَحَ مِنْ الشّامِ:
أَيَقْسِمُهَا؟ فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: إنْ قَسَمْتهَا لَمْ يَكُنْ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ شَيْءٌ، أَوْ نَحْوَ هَذَا، فَأَخَذَ بِقَوْلِ مُعَاذٍ، فَأَلَحّ عَلَيْهِ بِلَالٌ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَطَلَبُوا الْقَسْمَ، فَلَمّا أَكْثَرُوا، قَالَ: اللهُمّ اكْفِنِي بِلَالًا وَذَوِيهِ، فَلَمْ يَأْتِ الْحَوْلُ، وَمِنْهُمْ عَلَى الْأَرْضِ عَيْنٌ تَطْرِفُ، وَكَانَتْ أَرْضُ الشّامِ كُلّهَا عَنْوَةٌ إلّا مَدَائِنَهَا، فَإِنّ أَهْلَهَا صَالَحُوا عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ فَتَحَهَا عُمَرُ صُلْحًا بَعْدَ أَنْ وَجّهَ إلَيْهَا خَالِدَ بْنَ ثَابِتٍ الْفَهْمِيّ فَطَلَبُوا مِنْهُ الصّلْحَ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ إلَى عُمَرَ، وَهُوَ بِالْجَابِيَةِ، فَقَدِمَهَا، وَقَبِلَ صُلْحَ أَهْلِهَا. وَأَرْضُ السّوَادِ كُلّهَا عَنْوَةٌ إلّا الْحِيرَةَ فَإِنّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ صَالَحَ أهلها، وكذلك أرض باقيا «١»
_________________
(١) - المسلمون فيها بالتوالد، فإذا قسمت لم يكن قد انفرد بها الآباء دون الأولاد، أو يكون: أرد المنع من القسمة حيث علقه على أمر مجهول «النهاية لابن الأثير»
(٢) هى أرض بالنجف دون الكوفة.
[ ٦ / ٥٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَيْضًا صُلْحٌ، وَأُخْرَى يُقَالُ لَهَا: اللّيسُ «١» . وَأَرْضُ خراسان عنوة إلّا رمذ، فَإِنّهَا قَلْعَةٌ مَنِيعَةٌ وَقِلَاعٌ سِوَاهَا، وَأَمّا أَرْضُ مِصْرَ، فَكَانَ اللّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَدْ اقْتَنَى بِهَا مَالًا وَعَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ أَيّوبَ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، لِأَنّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ لَا تُشْتَرَى، وَكَانَ اللّيْثُ يَرْوِي عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا، وَكِلَا الْخَبَرَيْنِ حَقّ لِأَنّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا أَوّلَ، ثُمّ انْتَكَثَتْ بَعْدُ، فَأُخِذَتْ عَنْوَةً، فَمِنْ ههنا نَشَأَ الْخِلَافُ فِي أَمْرِهَا، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَقَدْ احْتَجّ مَنْ قَالَ بِالْقَسْمِ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ بِأَنّ عُمَرَ لَمْ يَقِفْ أَرْضَ السّوَادِ وَغَيْرِهَا حَتّى اسْتَطَابَ نَفُوسَ الْمُفْتَتِحِينَ لَهَا، وَأَعْطَاهُمْ حَتّى أَرْضَاهُمْ، وَرَوَوْا أَنّ أُمّ كُرْزٍ الْبَجَلِيّةَ سَأَلَتْ سَهْمَ أَبِيهَا فِي أَرْضِ السّوَادِ، وَأَبَتْ أَنْ تَتْرُكَهُ فَيْئًا، حَتّى أَعْطَاهَا عُمَرُ رَاحِلَةً وَقَطِيفَةً حَمْرَاءَ وَثَمَانِينَ دِينَارًا، وَكَذَلِكَ رَوَوْا عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيّ فِي سَهْمِهِ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ نَحْوًا مِنْ هَذَا، وَقَالَ مَنْ يَحْتَجّ لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ: إنّمَا تَرَضّى عُمَرُ جَرِيرًا، لِأَنّهُ كَانَ نَفَلَهُ تِلْكَ الْأَرْضَ، فَكَانَتْ مِلْكًا لَهُ، حَتّى مَاتَ، وَكَذَلِكَ أُمّ كُرْزٍ كَانَ سَهْمُ أَبِيهَا نَفْلًا أَيْضًا، جَاءَتْ بِذَلِكَ كُلّهِ الآثار الثابتة والله المستعان «٢» .
_________________
(١) فى معجم البكرى: أليس بضم الهمزة وتشديد اللام مع فتحها، وهى بلدة بالجزيرة وكذلك ضبطت فى المراصد، وقال: الموضع الذى فيه الوقعة بين المسلمين والفرس فى أول أرض العراق من ناحية البادية، وقيل: قرية من قرى الأنبار.
(٢) يقول الإمام ابن القيم «ومن تأمل السير والمغازى حق التأمل تبين له أن خيبر إنما فتحت عنوة، وَأَنّ رَسُولَ اللهِﷺ- استولى على أرضها كلها بالسيف عنوة» ثم ساق الأدلة على هذا ثم قال: فالصواب-
[ ٦ / ٥٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَبُو نَبِقَةَ:
وَذَكَرَ فِيمَنْ قَسَمَ لَهُ يَوْمَ خَيْبَرَ أَبَا نَبِقَةَ قَسَمَ لَهُ خَمْسِينَ وَسْقًا، واسمه:
_________________
(١) - الذى لا شك فيه أنها فتحت عنوة، والإمام مخير فى أرض العنوة بين قسمها ووقفها، ووقف البعض، وقد فعل رسول الله «ص» الأنواع الثلاثة، فقسم قريظة والنضير، ولم يقسم مكة، وقسم شطر خيبر، وترك شطرها، وإنما قسمت- أى أرض خيبر- على ألف وثمانمائة سهم، لأنها كانت طعمة من الله لأهل الحديبية من شهد منهم، ومن غاب» ص ٣٢٥ ح ٢. زاد المعاد. ويقول﵀- فى مكان آخر: «وقد اختلف الفقهاء فى الفىء. هل كان ملكا لرسول الله «ص» يتصرف فيه كيف يشاء أو لم يكن ملكا له؟ على قولين فى مذهب أحمد وغيره. والذى تدل عليه سنته وهديه أنه كان يتصرف فيه بالأمر، فيضعه حيث أمره الله، ويقسمه على من أمر بقسمته عليهم، فلم يكن يتصرف فيه تصرف المالك بشهوته وإرادته، يعطى من أحب. ويمنع من أحب، وإنما كان يتصرف فيه تصرف العبد المأمور ينفذ ما أمره به سيده، ومولاه، فيعطى من أمر باعطائه، ويمنع من أمر بمنعه، وقد صرح، فقال: والله إنى لا أعطى أحدا، ولا أمنعه إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت، فكان عطاؤه ومنعه وقسمته بمجرد الأمر، فإن الله سبحانه خيره بين أن يكون عبدا رسولا وبين أن يكون ملكا رسولا، فاختار أن يكون عبدا رسولا، والفرق بينهما أن العبد الرسول لا يتصرف إلا بأمر سيده ومرسله، والملك الرسول له أن يعطى من يشاء، ويمنع من يشاء كما قال تعالى للملك الرسول سليمان (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) ص: ٣٩، أى: أعط من شئت، وامنع من شئت، لا نحاسبك، وهذه المرتبة هى التى عرضت على نبينا «ص» فرغب عنها إلى ما هو أعلى منها، وهى رتبة العبودية المحضة التى يكون تصرف صاحبها فيها مقصورا على أمر السيد فى كل دقيق وجليل» ص ٤٦٧ ح ٤ زاد المعاد.
[ ٦ / ٥٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلْقَمَةُ بْنُ الْمُطّلِبِ، وَيُقَالُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَلْقَمَةَ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: هُوَ مَجْهُولٌ، وَقَالَ ابْنُ الْفَرَضِيّ: أَبُو نَبِقَةَ بْنُ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَاسْمُ أَبِي نَبِقَةَ: عَبْدُ اللهِ، ومن ولده: محمد بن القلاء بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَبِقَةَ، وَمِنْ وَلَدِهِ: أَبُو الْحُسَيْنِ الْمُطّلِبِيّ إمَامُ مسجد رسول الله ﷺ، وَهُوَ يَحْيَى بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي نَبِقَةَ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.
أُمّ الْحَكَمِ:
وَذَكَرَ فِيهِمْ أُمّ الْحَكَمِ، وَهِيَ بِنْتُ الزّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ أُخْتُ ضُبَاعَةَ، هَكَذَا قَالَ: أُمّ الْحَكَمِ، وَالْمَعْرُوفُ فِيهَا أَنّهَا أُمّ حَكِيمٍ، وَكَانَتْ تحت ربيعة ابن الْحَارِثِ، وَأَمّا أُمّ حَكَمٍ فَهِيَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، وَهِيَ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقُلْت: إنّ ابْنَ إسْحَاقَ إيّاهَا أَرَادَ، لَكِنّهَا لَمْ تَشْهَدْ خَيْبَرَ، وَلَا كَانَتْ أَسْلَمَتْ بَعْدُ.
أُمّ رِمْثَةَ وَغَيْرُهَا:
وَذَكَرَ فِيمَنْ قَسَمَ لَهُ أُمّ رِمْثَةَ «١»، وَلَا تُعْرَفُ إلّا بِهَذَا الْخَبَرِ، وشهودها فتح خيبر.
_________________
(١) ذكرها ابن سعد، وزاد مع التمر خمسة أوسق من الشعير، ونسبها، فقال: أم رمثة بنت عمرو بن هاشم بن المطلب؛ بن عبد مناف، ويقال أم رميثة بالتصغير أسلمت وبايعت. وهى والدة حكيم والد القعقاع، وذكرها فيمن بايع النبى «ص» من المهاجرات «الإصابة» .
[ ٦ / ٥٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ بُحَيْنَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ. وَبُحَيْنَةُ تَصْغِيرُ: بَحْنَةٍ، وَهِيَ نَخْلَةٌ مَعْرُوفَةٌ، قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَلَفْظُهَا مِنْ الْبَحُونَةِ، وَهِيَ جُلّةُ التّمْرِ، وَهِيَ أُمّ عبد الله بن بُحَيْنَةَ الْفَقِيهِ، وَهُوَ ابْنُ مَالِكِ بْنِ الْقِشْبِ الْأَزْدِيّ.
الْقَسْمُ لِلنّسَاءِ مِنْ الْمَغْنَمِ:
وَفِي قَسْمِهِ لِهَؤُلَاءِ النّسَاءِ حُجّةٌ لِلْأَوْزَاعِيّ لِقَوْلِهِ: إنّ النّسَاءَ يُقْسَمُ لَهُنّ مَعَ الرّجَالِ فِي الْمَغَازِي، وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ لَا يَرَوْنَ لِلنّسَاءِ مَعَ الرّجَالِ قَسْمًا، وَلَكِنْ يُرْضَخُ لَهُنّ مِنْ الْمَغْنَمِ أَخْذًا بِحَدِيثِ أُمّ عَطِيّةَ قَالَتْ: كُنّا نَغْزُو مَعَ النّبِيّﷺ- فَنُدَاوِي الْجَرْحَى، وَنُمَرّضُ الْمَرْضَى وَيُرْضَخُ لَنَا مِنْ الْمَغْنَمِ «١» .
الْمُصَافَحَةُ وَالْمُعَانَقَةُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قُدُومَ أَصْحَابِ السّفِينَةِ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَفِيهِمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَنّ النبى ﷺ التزمة وفبّل بين عينيه «٢»، وقد
_________________
(١) الرضخ: العطية القليلة، وفى حديث عن ابن عباس «أن النبى «ص» كان يغزو بالنساء، فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة؛ وأما بسهم فلم يضرب لهن» أحمد ومسلم وأبو داود والترمذى وصححه. ويحذين: يعطين ولهذا قال الترمذى: إنه لا يسهم لهن عند أكثر أهل العلم، وهو قول سفيان الثورى والشافعى. وقال الخطابى عن قول الأوزاعى: أحسهه ذهب إلى حديث حشرج ابن زياد، وإسناده ضعيف لا تقوم به حجة.
(٢) روى قصة أصحاب السفينة البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى مع اختلاف يسير وليس فى روايته الالتزام والتقبيل ولكنهما فى رواية البيهقى.
[ ٦ / ٥٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
احْتَجّ بِهَذَا الْحَدِيثِ الثّوْرِيّ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي جَوَازِ الْمُعَانَقَةِ، وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنّهُ خُصُوصٌ بِالنّبِيّ ﷺ، وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ سُفْيَانُ مِنْ حَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ أَظْهَرُ، وَقَدْ الْتَزَمَ النّبِيّ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ مَكّةَ. وَأَمّا الْمُصَافَحَةُ بِالْيَدِ عِنْدَ السّلَامِ ففيها أحاديث منها قَوْلُهُ ﵇: تمام تحيّتكم المصافحة، ومنها حَدِيثٌ آخَرُ أَنّ أَهْلَ الْيَمَنِ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ صَافَحُوا النّاسَ بِالسّلَامِ، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: إنّ أَهْلَ الْيَمَنِ قَدْ سَنّوا لَكُمْ الْمُصَافَحَةَ، ثُمّ نَدَبَ إلَيْهَا بِلَفْظِ لَا أَذْكُرُهُ الْآنَ غَيْرَ أَنّ مَعْنَاهُ: تَنْزِلُ عليها مائة رحمة تسعون منها للبادىء «١»، وَعَنْ مَالِكٍ فِيهَا رِوَايَتَانِ: الْإِبَاحَةُ وَالْكَرَاهَةُ، وَلَا أدرى ما وجه الكراهية فى ذلك.
_________________
(١) روى الطبرانى بإسناد فيه نظر إلى أبى هريرة قال: قال رسول الله «ص» «إن المسلمين إذا التقيا، فتصافحا؛ وتساءلا أنزل الله بينهما مائة رحمة تسعة وتسعين لأبشهما وأطلقهما وجها، وأبرهما، واحسنهما مسألة بأخيه» وروى البزار بسنده عن عمر بن الخطاب إذا التقى الرجلان المسلمان فسلم أحدهما على صاحبه، فإن أحبهما إلى الله أحسنهما بشرا لصاحبه، فإذا نصافحا نزلت عليهما مائة رحمة للبادى منها تسعون، وللمصافح عشرة. وفى المصافحة روى البخارى والترمذى عن قتادة قال: «قلت لأنس بن مالك ﵁: أكانت المصافحة فى أصحاب رسول الله «ص»؟ قال: نعم» وروى الطبرانى بسنده إلى أنس قال: «كان أصحاب النبى «ص» إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا» ورواته محتج بهم فى الصحيح.
[ ٦ / ٥٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَلَدُ جَعْفَرٍ وَالنّجَاشِيّ: وَكَانَ جَعْفَرٌ قَدْ وُلِدَ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مُحَمّدٌ وَعَوْنٌ وَعَبْدُ اللهِ، وَكَانَ النّجَاشِيّ قَدْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ يَوْمَ وُلِدَ عَبْدُ اللهِ، فَأَرْسَلَ إلَى جَعْفَرٍ يَسْأَلُهُ: كَيْفَ أَسْمَيْت ابْنَك؟ فَقَالَ: أَسْمَيْته عَبْدَ اللهِ، فَسَمّى النّجَاشِيّ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ، وَأَرْضَعَتْهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ امْرَأَةُ جَعْفَرٍ مَعَ ابْنِهَا عَبْدِ اللهِ، فَكَانَا يَتَوَاصَلَانِ بِتِلْكَ الْأُخُوّةِ. ضَبْطُ أَجْنَادِينَ: وَذَكَرَ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ، وَأَنّهُ اُسْتُشْهِدَ بِأَجْنَادِينَ، هَكَذَا تَقَيّدَ فِي الْأَصْلِ بِكَسْرِ الدّالِ وَفَتْحِ أَوّلِهِ، وَكَذَا سَمِعْت الشّيْخَ الْحَافِظَ أَبَا بَكْرٍ يَنْطِقُ بِهِ، وَقَيّدْنَاهُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ طَاهِرٍ عَنْ أَبِي عَلِيّ الْغَسّانِيّ: إجْنَادِينَ بِكَسْرِ أَوّلِهِ وَفَتْحِ الدّالِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيّ فِي كِتَابِ مُعْجَمِ مَا اسْتَعْجَمَ: أَجْنَادِينَ بِفَتْحِ أَوّلِهِ، وَفَتْحِ الدّالِ، وَقَالَ كَأَنّهُ تَثْنِيَةُ أَجْنَادٍ. الفارسية وَيَوْمُ الْهَرِيرِ: وَذَكَرَ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ التّيْمِيّ، وَأَنّهُ قُتِلَ بِالْقَادِسِيّةِ مَعَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ وَالْقَادِسِيّةُ آخِرُ أَرْضِ الْعَرَبِ، وَأَوّلُ أَرْضِ السّوَادِ، وَفِي أَيّامِهَا قُتِلَ رُسْتُمُ مَلِكُ الْفُرْسِ فِي يَوْمٍ مِنْ أَيّامهَا يُسَمّى يَوْمَ الْهَرِيرِ، وَكَانَ قَدْ أَقْبَلَ بِالْفِيَلَةِ، وَجُمُوعٍ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا، وَالْمُسْلِمُونَ فِي عَدَدٍ دُونِ الْعَشْرِ مِنْ عدد المجوس،
[ ٦ / ٥٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَكَانَ الظّفَرُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ الْأَمِيرُ عَلَيْهِمْ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ، وَخَبَرُهَا طَوِيلٌ يَشْتَمِلُ عَلَى أَعَاجِيبَ مِنْ فَتْحِ اللهِ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْأُمّةِ اسْتَقْصَاهَا سَيْفُ بْنُ عُمَرَ فِي كِتَابِ الْفُتُوحِ، ثُمّ الطّبَرِيّ بَعْدَهُ، وَسُمّيَتْ الْقَادِسِيّةُ بِرَجُلِ من الهراة، وَكَانَ كِسْرَى قَدْ أَسْكَنَهُ بِهَا اسْمُهُ: قَادِسٌ، وقيل: سميت بِقَوْمِ نَزَلُوهَا مِنْ قَادِسٍ، وَقَادِسٌ بِخُرَاسَانَ، وَأَمّا الْقَادِسُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، فَمِنْ أَسْمَاءِ السّفِينَةِ «١» .
عَنْ بَعْضِ الْقَادِمِينَ مِنْ الْحَبَشَةِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ فِيمَنْ قَدِمَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ هِشَامَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَاسْمُ أَبِي حُذَيْفَةَ مهشّم، وذكر
_________________
(١) ما ذكره عن قادس أخذه عن البكرى، وقد بدأ أمر القادسية- كما روى الطبرى- فى السنة الرابعة عشرة من الهجرة وقيل سنة ١٦، فى عهد عمر وقد زحف فيها رستم القائد بستين ألفا وقيل ١٢٠ ألفا، وكان المسلمون إثنى عشر ألفا أو عشرة آلاف، وكان مع رستم ثلاثة وثلاثون قيلا وقيل: ثلاثون. وسميت ليلة الهرير ياسمها هذا؛ لأن المقاتلين اجتلدوا فى تلك الليلة من أولها حتى الصباح لا ينطقون كلامهم الهرير. وقد قتل فيها من المسلمين قرابة نصفهم، وحطم جيش كسرى وقتل رستم، واقتحم المسلمون القادسية صدر النهار- الذى أعقب ليلة الهرير، وقد أتت الصلاة وقد أصيب المؤذن فتشاح الناس فى الأذان حتى كادوا أن يجتلدوا بالسيوف فأقرع سعد بينهم. فخرج سهم رجل. فأذن، وقيل- كما روى الواقدى- كان قتال القادسية الخميس والجمعة وليلة السبت، وهى ليلة الهرير. أنظر الطبرى ج ٣ ص ٤٨٠ إلى ص ٥٩٧ وانظر فتوح البلدان ص ٢٦٨. إن قوما يكادون يجتلدون بالسيوف من أجل الأذان. ولا ينسون الصلاة لا بد أن ينتصر الله لهم.
[ ٦ / ٥٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْوَاقِدِيّ هِشَامًا. هَذَا فِيمَنْ قَدِمَ مِنْ الْحَبَشَةِ غَيْرَ أَنّهُ قَالَ فِيهِ: هَاشِمٌ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَلَا أَبُو مَعْشَرٍ فِي الْقَادِمِينَ مِنْ الْحَبَشَةِ.
وَذَكَرَ فِيمَنْ قَدِمَ مِنْ الْحَبَشَةِ عَبْدَ اللهِ بْنَ حُذَافَةَ، وَأَنّهُ الّذِي أَرْسَلَهُ النّبِيّ ﷺ إلَى كِسْرَى.
وَذَكَرَ أَيْضًا سَلِيطَ بْنَ عَمْرٍو، وَأَنّهُ كَانَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيّ الْحَنَفِيّ صَاحِبِ الْيَمَامَةِ.
فَأَمّا كِسْرَى فَهُوَ أبرويز بْنُ هُرْمُزَ بن أنو شروان، وَمَعْنَى أبرويز الْمُظَفّرُ فِيمَا ذَكَرَ الْمَسْعُودِيّ، وَهُوَ الّذِي كَانَ غَلَبَ الرّومَ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ فِي قِصّتِهِمْ:
الم «١» غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَأَدْنَى الْأَرْض هِيَ بُصْرَى وَفِلَسْطِينُ، وَأَذْرِعَاتُ «٢» مِنْ أرض الشام، قاله الطبرى.
معه رُسُلِ النّبِيّ إلَى الْمُلُوكِ وَالرّؤَسَاءِ:
وَذَكَرَ أَبُو رِفَاعَةَ وَثِيمَةُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفُرَاتِ، قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ عَلَى كِسْرَى قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْفُرْسِ إنّكُمْ عِشْتُمْ بِأَحْلَامِكُمْ لِعِدّةِ أَيّامِكُمْ بِغَيْرِ نَبِيّ، وَلَا كِتَابٍ، وَلَا تَمَلّكٍ مِنْ الْأَرْضِ إلّا مَا فِي يَدَيْك، وَمَا لَا تَمْلِكُ مِنْهَا أَكْثَرُ، وَقَدْ مَلَكَ قَبْلَك مُلُوكٌ أَهْلُ دُنْيَا وَأَهْلُ آخِرَةٍ، فَأَخَذَ أهل الآخرة
_________________
(١) تقرأ هكذا: ألف لام ميم.
(٢) قال الخليل: هى منسوبة إلى أذرع مكان أيضا. قال: ومن كسر الألف لم يصرفها، ومن فتحها صرفها.
[ ٦ / ٥٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِحَظّهِمْ مِنْ الدّنْيَا، وَضَيّعَ أَهْلُ الدّنْيَا حَظّهُمْ مِنْ الْآخِرَةِ، فَاخْتَلَفُوا فِي سَعْيِ الدّنْيَا، وَاسْتَوَوْا فِي عَدْلِ الْآخِرَةِ، وَقَدْ صَغّرَ هَذَا الْأَمْرَ عِنْدَك أَنّا أَتَيْنَاك بِهِ، وَقَدْ وَاَللهِ جَاءَك مِنْ حَيْثُ خِفْت، وَمَا تَصْغِيرُك إيّاهُ بِاَلّذِي يَدْفَعُهُ عَنْك، وَلَا تَكْذِيبُك بِهِ بِاَلّذِي يُخْرِجُك مِنْهُ، وَفِي وَقْعَةِ ذِي قَارٍ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ، فَأَخَذَ الْكِتَابَ فَمَزّقَهُ، ثُمّ قَالَ: لِي ملك هنىء لا أخثى أَنْ أُغْلَبَ عَلَيْهِ، وَلَا أُشَارَكَ فِيهِ، وَقَدْ مَلَكَ فِرْعَوْنُ بَنِي إسْرَائِيلَ، وَلَسْتُمْ بِخَيْرِ مِنْهُمْ، فَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَمْلِكَكُمْ، وَأَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، فَأَمّا هَذَا الْمُلْكُ، فَقَدْ عَلِمْنَا أَنّهُ يَصِيرُ إلَى الْكِلَابِ، وَأَنْتُمْ أُولَئِكَ تَشْبَعُ بُطُونُكُمْ، وَتَأْبَى عُيُونُكُمْ، فَأَمّا وَقْعَةُ ذِي قَارٍ، فَهِيَ بِوَقْعَةِ الشّامِ. فَانْصَرَفَ عَنْهُ عَبْدُ اللهِ. وَإِنّمَا خَصّ النّبِيّﷺ- عَبْدَ اللهِ بْنَ حُذَافَةَ بِإِرْسَالِهِ إلَى كِسْرَى، لِأَنّهُ كَانَ يَتَرَدّدُ عَلَيْهِمْ كَثِيرًا وَيَخْتَلِفُ إلَى بِلَادِهِمْ، وَكَذَلِك سَلِيطُ بْنُ عَمْرٍو كَانَ يَخْتَلِفُ إلَى الْيَمَامَةِ، قَالَ وَثِيمَةُ: لَمّا قَدِمَ سَلِيطُ بْنُ عَمْرٍو الْعَامِرِيّ عَلَى هَوْذَةَ، وَكَانَ كِسْرَى قَدْ تَوَجّهَ، قَالَ: يَا هَوْذَةُ إنّك سَوّدَتْك «١» أَعْظُمٌ حَائِلَةٌ، وَأَرْوَاحٌ فِي النّارِ، وَإِنّمَا السّيّدُ مَنْ مُنّعَ بِالْإِيمَانِ ثُمّ زُوّدَ التّقْوَى، وَإِنّ قَوْمًا سَعِدُوا بِرَأْيِك فَلَا تَشْقَ بِهِ، وَإِنّي آمِرُك بِخَيْرِ مَأْمُورٍ بِهِ، وَأَنْهَاك عَنْ شَرّ مَنْهِيّ عَنْهُ، آمُرُك بِعِبَادَةِ اللهِ، وَأَنْهَاك عَنْ عِبَادَةِ الشّيْطَانِ، فَإِنّ فِي عِبَادَةِ اللهِ الْجَنّةَ وَفِي عِبَادَةِ الشيطان النار، فإن قبلت نلت مارجوت، وَأَمِنْت مَا خِفْت، وَإِنْ أَبَيْت فَبَيْنَنَا وَبَيْنَك كَشْفُ الْغِطَاءِ، وَهَوْلُ الْمَطْلَعِ «٢»، فَقَالَ هَوْذَةُ: يَا سَلِيطُ سَوّدَنِي مَنْ لَوْ سَوّدَك شَرُفْت بِهِ، وقد
_________________
(١) فى الأصل: إنه سودت: والتصويب من المواهب ص ٣٥٥ ح ٣.
(٢) فى الأصل: وهو المطلع، والتصويب من المرجع السابق.
[ ٦ / ٥٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) كَانَ لِي رَأْيٌ أَخْتَبِرُ بِهِ الْأُمُورَ، فَفَقَدْته فَمَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِي هَوَاءٌ، فَاجْعَلْ لِي فُسْحَةً يَرْجِعُ إلَيّ رَأْيِي، فَأُجِيبُك بِهِ إنْ شَاءَ الله. قال: ومن شعر عبد الله ابن حُذَافَةَ فِي رِسَالَتِهِ إلَى كِسْرَى وَقُدُومِهِ عَلَيْهِ: أَبَى اللهُ إلّا أَنّ كِسْرَى فَرِيسَةٌ لِأَوّلِ دَاعٍ بِالْعِرَاقِ مُحَمّدَا تَقَاذَفَ فِي فُحْشِ الْجَوَابِ مُصَغّرًا لِأَمْرِ الْعَرِيبِ الْخَائِضِينَ لَهُ الرّدَى فَقُلْت لَهُ: أَرْوِدْ، فَإِنّك دَاخِلٌ مِنْ الْيَوْمِ فِي الْبَلْوَى وَمُنْتَهَبٌ غَدَا فَأَقْبِلْ وَأَدْبِرْ حَيْثُ شِئْت، فَإِنّنَا لَنَا الْمُلْكُ فَابْسُطْ لِلْمُسَالَمَةِ الْيَدَا وَإِلّا فَأَمْسِكْ قَارِعًا سِنّ نَادِمٍ أَقَرّ يُذِلّ الْخَرْجَ أومت مُوَحّدَا سَفِهْت بِتَمْزِيقِ الْكِتَابِ، وَهَذِهِ بِتَمْزِيقِ مُلْكِ الْفُرْسِ يَكْفِي مُبَدّدَا وَقَالَ هَوْذَةُ بْنُ عَلِيّ فِي شَأْنِ سَلِيطٍ: أَتَانِي سَلِيطُ وَالْحَوَادِثُ جَمّةٌ فَقُلْت لَهُمْ: مَاذَا يَقُولُ سَلِيطُ؟ فَقَالَ الّتِي فِيهَا عَلَيّ غَضَاضَةٌ وَفِيهَا رَجَاءٌ مُطْمِعٌ وَقُنُوطُ فَقُلْت لَهُ: غَابَ الّذِي كُنْت أَجْتَلِي بِهِ الْأَمْرَ عَنّي فَالصّعُودُ هُبُوطُ وَقَدْ كَانَ لِي وَاَللهُ بَالِغُ أَمْرِهِ أَبَا النّضْرِ جَأْشٌ فِي الْأُمُورِ رَبِيطُ فَأَذْهَبَهُ خَوْفُ النّبِيّ مُحَمّدٍ فَهَوْذَةُ فَهّ فِي الرّجَالِ سَقِيطُ فَأَجْمَعُ أَمْرِي مِنْ يَمِينٍ وَشَمْأَلٍ كَأَنّي رُدُودٌ لِلنّبَالِ لَقِيطُ فَأَذْهَبَ ذَاكَ الرّأْيَ إذْ قَالَ قَائِلٌ أَتَاك رَسُولٌ لِلنّبِيّ خَبِيطُ رَسُولُ رَسُولِ اللهِ رَاكِبُ نَاضِحٍ عَلَيْهِ مِنْ أَوْبَارِ الْحِجَازِ غَبِيطُ
[ ٦ / ٥٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَكَرْت وَدَبّتْ فِي الْمَفَارِقِ وَسْنَةٌ لَهَا نَفَسٌ عَالِي الْفُؤَادِ غَطِيطُ
أُحَاذِرُ مِنْهُ سَوْرَةٌ هَاشِمِيّةٌ فَوَارِسُهَا وَسْطَ الرّجَالِ عَبِيطُ
فَلَا تُعَجّلْنِي يَا سَلِيطُ فَإِنّنَا نُبَادِرُ أَمْرًا وَالْقَضَاءُ مُحِيطُ
وَسَنَذْكُرُ بَقِيّةَ إرْسَالِ النّبِيّ ﷺ إلَى الْمُلُوكِ، وَمَا قَالُوا، وَمَا قِيلَ لَهُمْ فِيمَا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللهُ.
حَدِيثُ النّوْمِ عَنْ الصّلَاةِ:
وَذَكَرَ حَدِيثَ نَوْمِ رَسُولِ اللهِﷺ- عَنْ الصّلَاةِ مَقْفَلَهُ مِنْ خَيْبَرَ، وَهَذِهِ الرّوَايَةُ أَصَحّ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: كَانَ ذَلِكَ فِي غَزَاةِ حُنَيْنٍ، وَمَنْ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ لِلْحَدِيثِ كَانَ ذَلِكَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُخَالِفِ لِلرّوَايَةِ الْأُولَى، وَأَمّا رِوَايَةُ ابْنِ إسْحَاقَ لِلْحَدِيثِ عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ مُرْسَلًا، فَهَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الزّهْرِيّ، وَرَوَاهُ عَنْهُ صَالِحُ ابن أَبِي الْأَخْضَرِ، وَقَالَ فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَهُ التّرْمِذِيّ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ:
قَدْ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ الزّهْرِيّ مُسْنَدًا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَمَعْمَرٌ مِنْ طَرِيقِ أَبَانِ الْعَطّارِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ مُسْنَدًا أَيْضًا، وَذَكَرَ فِيهِ هُوَ وَأَبَانُ الْعَطّارُ أَنّهُ أَذّنَ، وَأَقَامَ فِي تِلْكَ الصّلَاةِ حِينَ خَرَجَ مِنْ الْوَادِي «١»، وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَذَانَ مِنْ رُوَاةِ الْحَدِيثِ إلّا قليل.
_________________
(١) حديث توكيل بلال بالفجر رواه مسلم أيضا وابن ماجة. وقد روى قصة النوم عن صلاة الصبح عمران بن حصين ولم يذكر فى أى غزوة كانت، ولم يوقت مدتها. وروى مالك عن زيد بن أسلم أن ذلك كان بطريق مكة وهذا مرسل، وقيل إنها كانت فى غزوة تبوك. وقيل إن الحارس فى قصة النوم كان ابن مسعود.
[ ٦ / ٥٩٢ ]
تم بحمد الله الجزء السادس، ويليه الجزء السابع ان شاء الله تعالى وأوله: عمرة القضاء
[ ٦ / ٥٩٣ ]
تصحيح الكتاب انتدبت للتدريس فى قسم الدراسات الإسلامية العليا بكلية الشريعة بمكة المكرمة، فتولى تصحيح الكتاب الأخ الفاضل محمود غانم غيث، فله جزيل شكرى على مجهوده السخى الكريم؟
عبد الرحمن الوكيل
[ ٦ / ٥٩٥ ]
فهرس الجزء السادس من الروض الأنف
ص ٥ مقدمة الجزء السادس
٧ قتل الرسول لأبى بن خلف «س» «١»
٨ شِعْرُ حَسّانَ فِي مَقْتَلِ أُبَيّ بْنِ خَلَفٍ «س»
٨ انتهاء الرسول إلى الشعب «س»
٩ حِرْصُ ابْنِ أَبِي وَقّاصٍ عَلَى قَتْلِ عُتْبَة «س»
٩ صعود قريش الجبل وقتال عمر لهم «س»
٩ ضَعْفُ الرّسُولِ عَنْ النّهُوضِ وَمُعَاوَنَةُ طَلْحَةَ لَهُ «س»
١٠ صلاة الرسول قاعدا «س»
١٠ مقتل اليمان وابن وقش «س»
١١ مقتل حاطب ومقالة أبيه «س»
١٢ مَقْتَلُ قُزْمَانَ مُنَافِقًا كَمَا حَدّثَ الرّسُولُ بِذَلِكَ «س»
١٢ قتل مخيريق «س»
١٢ أمر الحارث بن سويد «س»
١٣ تحقيق ابن هشام فيمن قتل المجذر «س»
١٤ أمر أصيرم «س»
١٤ مقتل عمرو بن الجموح «س»
ص ١٥ هند وتمثيلها بحمزة «ش»
١٦ شِعْرُ هِنْدَ بِنْتِ أُثَاثَةَ فِي الرّدّ عَلَى هند بنت عتبة «س»
١٦ شعر لهند بنت عتبة أيضا «س» ١٦ تَحْرِيضُ عُمَرَ لِحَسّانَ عَلَى هَجْوِ هِنْدَ بِنْتِ عتبة «س»
١٧ اسْتِنْكَارُ الْحُلَيْسِ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ تَمْثِيلَهُ بِحَمْزَةِ «س»
١٧ شَمَاتَةُ أَبِي سُفْيَانَ بِالْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أُحُدٍ وَحَدِيثُهُ مع عمر «س»
١٨ توعد أبى سفيان المسلمين «س»
١٨ خروج على فى آثار المشركين «س»
١٩ أمر القتلى بأحد «س»
٢٠ حُزْنُ الرّسُولِ عَلَى حَمْزَةَ وَتَوَعّدُهُ الْمُشْرِكِينَ بِالْمُثْلَةِ «س»
٢١ ما نزل فى النهى عن المثلة «س»
٢١ صلاة الرسول على حمزة والقتلى «س»
٢١ صفية وحزنها على حمزة «س»
٢٢ دَفْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ مَعَ حَمْزَةَ «س»
_________________
(١) «س» رمز عن السيرة. و«ن. ل» رمز عن النحو واللغة. و«ش» رمز عن الشرح وأما الروض فبدون رمز.
[ ٦ / ٥٩٧ ]
ص ٢٢ دفن الشهداء «س»
٢٣ حزن حمنة على حمزة «س»
٢٤ بكاء نساء الأنصار على حمزة «س»
٢٤ شأن المرأة الدينارية «س»
٢٥ غسل السيوف «س»
٢٦ خروج الرسول فى أثر العدو ليرهبه «س»
٢٧ مثل استماتة من المسلمين فى نصرة الرسول «س»
٢٧ استعمال ابن أم مكتوم على المدينة «س»
٢٨ شأن معبد الخزاعى «س»
٢٩ رِسَالَةُ أَبِي سُفْيَانَ إلَى الرّسُولِ عَلَى لِسَانِ ركب «س»
٢٩ كَفّ صَفْوَانَ لِأَبِي سُفْيَانَ عَنْ مُعَاوَدَةِ الْكَرّةِ «س»
٣٠ مقتل أبى عزة ومعاوية ابن المغيرة «س»
٣٠ مقتل معاوية بن المغيرة «س»
٣١ شَأْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ بَعْدَ ذَلِكَ «س»
٣١ كان يوم أحد محنة «س»
٣٢ قتل الرسول لأبى بن خلف
٣٢ حول عين قتادة
٣٤ حول نسب حذيفة اليمانى
٣٥ الهامة والظمأ
ص ٣٦ حول بعض رجال أحد
٣٦ ابن الجموح
٣٧ حكم (من) والساكن بعدها «ن. ل»
٣٧ لكاع ولكع «ن، ل»
٤٠ الرسول يسأل عن ابن الربيع
٤٠ حميد الطويل وطلحة الطلحات
٤١ أحاديث المثلة والنهى عنها «ش»
٤٢ الصلاة على الشهداء
٤٤ عبد الله بن جحش المجدع
٤٦ حديث عمر وأبى سفيان
٤٧ حديث مخيريق وأول وقف فى الإسلام.
٤٨ غزوة حمراء الأسد
٥٠ أبو عزة الجمحى
٥١ قول لعبد الله بن أبى
٥٢ ذِكْرُ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي أُحُدٍ مِنْ القرآن «س» .
٥٣ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٥٥ النهى عن الربا «س»
٥٦ الحض على الطاعة «س»
٥٧ ذكر ما أصابهم وتعزيتهم عنه «س» .
٥٨ دعوة الجنة للمجاهدين «س»
٥٩ ذكره أن الموت باذن الله
[ ٦ / ٥٩٨ ]
ص ٥٩ ذِكْرُ شَجَاعَةِ الْمُجَاهِدِينَ مِنْ قَبْلُ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ «س» .
٦٠ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س» .
٦١ تحذيره إياهم من إطاعة الكفار «س» .
٦٣ تأنيبه إياهم لفرارهم عن نبيهم «س» .
٦٤ تَحْذِيرُهُمْ أَنْ يَكُونُوا مِمّنْ يَخْشَوْنَ الْمَوْتَ فِي الله «س» .
٦٥ ذكره رحمة الرسول عليهم «س»
٦٦ ما نزل فى الغلول «س»
٦٦ فضل الله على الناس ببعث الرسل «س» .
٦٧ ذكره المصيبة التى أصابتهم «س»
٦٨ الترغيب فى الجهاد «س»
٦٩ مصير قتلى أحد «س»
٧١ ذكر من خرجوا على الرسول إلى حمراء الأسد «س» .
٧٢ ذكر من استشهد بأحد من المهاجرين «س» .
٧٢ من بنى هاشم «س»
٧٢ من بنى أمية «س»
٧٢ من بنى عبد الدار «س»
٧٢ من بنى مخزوم «س»
٧٣ من الأنصار «س»
٧٣ من راتج «س»
٧٤ من بنى ظفر «س»
٧٤ من بنى ضبيعة «س»
٧٤ من بنى عبيد «س»
٧٤ من بنى السلم «س»
٧٥ من بنى العجلان «س»
٧٥ من بنى معاوية «س»
٧٥ من بنى النجار «س»
٧٥ من بنى مبذول «س»
٧٥ من بنى عمرو «س»
٧٦ من بنى عدى «س»
٧٦ من بنى مازن «س»
٧٦ من بنى دينار «س»
٧٦ من بنى الحارث «س»
٧٦ من بنى الأبجر «س»
٧٧ من بنى ساعدة «س»
٧٧ من بنى طريف «س»
٧٧ من بنى عوف «س»
٧٨ من بنى الحبلى «س»
٧٨ من بنى سلمة «س»
٧٨ من بنى سواد «س»
٧٨ من بنى زريق «س»
٧٩ عدد الشهداء «س»
٧٩ من بنى معاوية «س»
٧٩ من بنى خطمة «س»
٧٩ من بنى الخزرج «س»
[ ٦ / ٥٩٩ ]
٧٩ من بنى عمرو «س»
٧٩ من بنى سالم «س»
٨٠ ذِكْرُ مَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ «س»
٨٠ من بنى عبد الدار «س»
٨١ من بنى أسد «س»
٨١ من بنى زهرة «س»
٨١ من بنى مخزوم «س»
٨١ من بنى جمح «س»
٨٢ من بنى عامر «س»
٨٢ عدد قتلى المشركين «س»
٨٢ تَفْسِيرُ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي أُحُدٍ
٨٣ معنى اتخذ «ن. ل»
٨٤ أدلة على صحة خلافة أبى بكر
٨٥ ربيون ورفعها فى الآية «ن. ل»
٨٦ من تفسير أيات أحد
٨٧ حكم الغلول
٨٩ الشهادة والشهداء
٩٣ أرواح الشهداء «ش»
٩٧ إغفال ابن إسحاق نسب عبيد ابن التيهان
٩٨ أبو حنة أو حبة
٩٩ ذِكْرُ مَا قِيلَ مِنْ الشّعْرِ يَوْمَ أُحُدٍ «س»
٩٩ شعر هبيرة «س»
١٠٠ شعر حسان فى الرد على هبيرة «س»
١٠١ شعر كعب فى الرد على هبيرة «س»
١٠٤ شعر لابن الزبعرى «س»
١٠٥ رد حسان على ابن الزبعرى «س»
١٠٦ شِعْرُ كَعْبٍ فِي بُكَاءِ حَمْزَةَ وَقَتْلَى أُحُدٍ «س»
١٠٧ شعر ضرار فى الرد على كعب «س»
١٠٨ شعر ابن الزبعرى فى يوم أحد «س»
١٠٩ شِعْرُ حَسّانٍ فِي الرّدّ عَلَى ابْنِ الزّبَعْرَى «س»
١١١ شِعْرُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي يَوْمِ أُحُدٍ «س»
١١١ شعر كعب فى الرد على ابن العاصى
١١٢ شعر ضرار فى يوم أحد «س»
١١٣ شعر عمرو فى يوم أحد «س»
١١٤ شعر كعب فى الرد على عمير بن العاصى «س»
١١٥ شعر حسان فى أصحاب اللواء «س»
١١٧ شعر حسان فى قتلى يوم أحد «س»
١٢٠ شعر حسان فى بكاء حمزة «س»
١٢١ شعر كعب فى بكاء حمزة «س»
١٢٣ شعر كعب فى أحد «س»
١٢٥ شعر ابن رواحة فى بكاء حمزة «س»
١٢٦ شعر كعب فى أحد «س»
١٢٧ شعر ضرار فى أحد «س»
[ ٦ / ٦٠٠ ]
١٢٨ رجز أبى زعنة يوم أحد «س»
١٢٨ رجز ينسب لعلى فى يوم أحد «س»
١٢٩ رجز عكرمة فى يوم أحد «س»
١٢٩ شِعْرُ الْأَعْشَى التّمِيمِيّ فِي بُكَاءِ قَتْلَى بَنِي عبد الدار يوم أحد «س»
١٣٠ شعر صفية فى بكاء حمزة «س»
١٣١ شعر نعم فى بكاء شماس «س»
١٣١ شعر أبى الحكم فى تعزية نعم «س»
١٣٢ شعر هند بعد عودتها من أحد «س»
١٣٢ شَرْحُ مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ مِنْ الأشعار
١٣٣ حول جمع ندى وأسماء الشهور «ن. ل»
١٣٥ شرح شعر كعب
١٣٧ إقرار الجاهلية بالقدر
١٣٨ شِعْرُ حَسّانَ يَرُدّ بِهِ عَلَى ابْنِ الزّبَعْرَى
١٣٩ متى يضر حذف حرف الجر؟
«ن. ل»
١٤٠ عود إلى شعر حسان
١٤٠ شعر كعب بن مالك
١٤٢ من شعر حسان
١٤٠ شعر كعب بن مالك
١٤٣ فى شعر عمرو بن العاص
١٤٤ شعر كعب
١٤٥ أجود ما قال حسان
١٤٧ شعر ابى علاط
١٤٨ شعر حسان الحائى
١٥١ شعر حسان اللامى
١٥١ ترك تنوين العلم للضرورة «ن. ل»
١٥٢ شعر كعب
١٥٢ قصيدة كعب الزائية
١٥٣ نونية كعب
٢٥٩ شعر ضرار
١٦٠ رجز عكرمة
١٦٠ شعر نعيم
١٦٠ شعر كعب اللامى
١٦٢ ذكر يوم الرجيع «س»
١٦٢ فى سنة ثلاث مقتل خبيب وأصحابه «س»
١٦٣ نسب عضل والقارة «س»
١٦٤ مقتل مرثد وابن البكير وعاصم «س»
١٦٤ حماية الدبر لعاصم «س»
١٦٥ مصرع خبيب وابن طارق وابن الدثنة «س»
١٦٦ مثل من وفاء ابن الدثنة للرسول «س»
١٦٦ مقتل خبيب وحديث دعوته «س»
١٦٨ مَا نَزَلَ فِي سَرِيّةِ الرّجِيعِ مِنْ الْقُرْآنِ «س»
[ ٦ / ٦٠١ ]
١٦٩ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
١٧٠ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س» .
١٧٠ شعر خبيب حين أريد صلبه «س» .
١٧١ شعر حسان فى بكاء خبيب «س»
١٧٣ من اجتمعوا لقتل خبيب «س»
١٧٣ شِعْرُ حَسّانٍ فِي هِجَاءِ هُذَيْلٍ لِقَتْلِهِمْ خُبَيْبًا «س» .
١٧٦ شعر حسان فى بكاء خبيب وأصحابه «س»
١٧٧ حديث بئر معونة «س»
١٧٧ سبب إرسال بعث بئر معونة «س» .
١٧٧ رجال البعث «س»
١٧٨ عامر يقتل صحابيا «س»
١٧٩ قتل العامرين «س»
١٨٠ كراهية الرسول عمل أبى براء «س»
١٨٠ ابن فهيرة والسماء «س»
١٨٠ سبب إسلام ابن سلمى «س»
١٨١ شِعْرُ حَسّانٍ فِي تَحْرِيضِ بَنِي أَبِي بَرَاءٍ على عامر «س»
١٨١ نسب حكم وأم البنين «س»
١٨١ طعن ربيعة لعامر «س»
١٨١ مَقْتَلُ ابْنِ وَرْقَاءَ وَرِثَاءُ ابْنِ رَوَاحَةَ لَهُ «س»
١٨٢ شِعْرُ حَسّانٍ فِي بُكَاءِ قَتْلَى بِئْرِ مَعُونَةَ «س»
١٨٢ شعر كعب فى يوم بئر معونة «س»
١٨٣ نسب القرطاء «س»
١٨٣ مقتل خبيب وأصحابه
١٨٩ ذكر قصة عاصم
١٩٠ مقتل حجر بن عدى
١٩١ لقاء عائشة ومعاوية «ش»
١٩٢ لم صارت صلاة خبيب سنة؟
١٩٣ مَا أَنَزَلَ اللهُ مِنْ الْقُرْآنِ فِي حَقّ خبيب وأصحابه
١٩٧ عدس فى شعر حسان فى خبيب.
١٩٧ دعوة خبيب على قاتليه
١٩٨ ابن كهيبة فى شعر حسان
١٩٩ حول العلم ومنعه من التنوين مع الخفض «ن. ل» .
٢٠٠ اشتقاق اسم خبيب وهذيل «ن. ل» .
٢٠١ سالت بدون همزة «ن. ل»
٢٠١ خبر بئر معونة
٢٠٢ ملاعب الأسنة وإخواته ومعوذ الحكماء.
٢٠٣ شعر لبيد عن ملاعب وإخواته أمام النعمان.
[ ٦ / ٦٠٢ ]
٢٠٥ مصير ابن فهيرة
٢٠٥ أم البنين الأربعة
٢٠٦ الزبان أو الريان
٢٠٦ القرطاء
٢٠٦ شىء منسوخ
٢٠٨ أَمْرُ إجْلَاءِ بَنِي النّضِيرِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ «س»
٢٠٨ بنو النضير يأتمرون بالرسول ﷺ «س»
٢٠٩ الله يعلم نبيه بما دبروا «س»
٢١٠ حصار الرسول النبى النضير «س»
٢١٠ تحريض الرهط لهم ثم محاولتهم الصلح «س»
٢١٠ من هاجر منهم إلى خيبر «س»
٢١١ تقسيم الرسول أموالهم بين المهاجرين «س»
٢١١ من أسلم من بنى النضير «س»
٢١١ تحريض يامين على قتل ابن جحاش «س»
٢١٢ ما نزل فى بنى النضير من القرآن «س»
٢١٢ تفسير بن هشام لبعض الغريب «س»
٢١٤ مَا قِيلَ فِي بَنِي النّضِيرِ مِنْ الشّعْرِ «س»
٢١٧ شعر كعب فى إجلاء بنى النضير وقتل ابن الأشرف «س»
٢١٨ شعر سماك فى الرد على كعب «س»
٢١٩ شعر ابن مرادس فى امتداح رجال بنى النضير «س»
٢١٩ شِعْرُ خَوّاتٍ فِي الرّدّ عَلَى ابْنِ مِرْدَاسٍ «س»
٢٢٠ شِعْرُ ابْنِ مِرْدَاسٍ فِي الرّدّ عَلَى خَوّاتٍ «س»
٢٢١ شِعْرٌ لِكَعْبِ أَوْ ابْنِ رَوَاحَةَ فِي الرّدّ على ابن مرداس «س»
٢٢١ غزوة ذات الرقاع فى سنة أربع «س»
٢٢٢ لم سميت بذات الرقاع؟ «س»
٢٢٢ صلاة الخوف
٢٢٣ هم غورث بن الحارث بقتل الرسول «س»
٢٢٤ قصة جمل جابر «س»
٢٢٦ ابْنُ يَاسِرٍ وَابْنُ بِشْرٍ، وَقِيَامُهُمَا عَلَى حِرَاسَةِ جيش الرسول، وما أصببا به «س»
٢٢٧ رجوع الرسول «س»
٢٢٨ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْآخِرَةِ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ «س»
٢٢٨ خروج الرسول «س»
٢٢٨ استعماله ابن أبى على المدينة «س»
٢٢٨ رجوع أبى سفيان فى رجاله «س»
٢٢٨ الرسول ومخشى الضمرى «س»
[ ٦ / ٦٠٣ ]
ص ٢٢٩ معبد وشعره فى ناقة للرسول هوت «س»
٢٢٩ شِعْرٌ لِابْنِ رَوَاحَةَ أَوْ كَعْبٍ فِي بَدْرٍ «س»
٢٣٠ شعر حسان فى بدر «س»
٢٣٠ شعر أبي سفيان في الرد على حسان «س»
٢٣٢ غزوة بنى النضير وما نزل فيها
٢٣٢ قطع اللينة وتأويله.
٢٣٣ حول أول سورة الحشر
٢٣٦ الكاهنان
٢٣٦ خروج بنى النضير إلى خيبر
٢٣٧ صاحبة عروة بن الورد
٢٤١ غزوة ذات الرقاع
٢٤٢ صلاة الخوف
٢٤٤ رفع المنصوب «ن. ل»
٢٤٦ مُسَاوَمَةُ جَابِرٍ فِي جَمَلِهِ وَمَا فِيهِ مِنْ الفقه
٢٤٧ شُعَيْبٌ لَا يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ وَإِنّمَا عَنْ جده
٢٤٨ الحكمة من مساومة النبى لجابر
٢٤٩ سياقه الحديث عن عمرو بن عبيد
٢٥٠ عمرو بن عبيد
١٥١ تعريف ابن تيمية للقدرية «ش»
٢٥٣ وقعة الحرة وموقف الصحابة منها
ص ٢٥٦ معنى الربيئة «ن. ل»
٢٥٧ فقه الحديث
٢٥٧ حَوْلَ رَجَزِ مَعْبَدٍ وَشِعْرِ حَسّانَ وَأَبِي سُفْيَانَ
٢٦٠ غزوة دومة الجندل «س»
٢٦٠ غزوة الخندق «س»
٢٦١ اليهود تحرض قريشا «س»
٢٦٢ اليهود تحرض غطفان «س»
٢٦٢ خروج الأحزاب من المشركين «س»
٢٦٢ حفر الخندق وتخاذل المنافقين وجد المؤمنين «س»
٢٦٣ ما نزل فى حق العاملين فى الخندق «س»
٢٦٤ تفسير بعض الغريب «س»
٢٦٤ المسلمون يرتجزون فى الحفر «س»
٢٦٥ الآيات التى ظهرت فى حفر الخندق «س»
٢٦٨ تحريض حيى بن أخطب لكعب ابن أسد «س»
٢٦٩ التحرى عن نقض كعب للعهد «س»
٢٧٠ ظهور نفاق المنافقين واشتداد خوف المسلمين «س»
٢٧٠ أكان معتب منافقا؟ «س»
٢٧١ الهم بعقد الصلح مع غطفان «س»
[ ٦ / ٦٠٤ ]
ص ٢٧٢ عبور نفر من المشركين الخندق «س»
٢٧٢ سلمان وإشارته بحفر الخندق «س»
٢٧٣ مبارزة على لعمرو بن عبدود «س»
٢٧٤ شعر حسان فى عكرمة «س»
٢٧٤ شعار المسلمين يوم الخندق «س»
٢٧٤ حديث سعد بن معاذ «س»
٢٧٥ من قاتل سعد؟ «س»
٢٧٦ الحديث عن جبن حسان «س»
٢٧٧ نعم يخذل المشركين «س»
٢٨٠ تعريف ما حل بالمشركين «س»
٢٨١ أبو سفيان ينادى بالرحيل «س»
٢٨٢ الانصراف عن الخندق «س»
٢٨٢ غزوة بنى قريظة «س»
٢٨٢ الأمر الإلهى بحرب بنى قريظة «س»
٢٨٢ على يبلغ الرسول ما سمعه من بنى قريظة «س»
٢٨٣ جبريل فى صورة دحية «س» .
٢٨٣ تلاحق الناس بالرسول «س»
٢٨٤ الحصار «س»
٢٨٤ نصيحة كعب بن أسد لقومه «س»
٢٨٥ قصة أبى لبابة «س»
٢٨٦ توبة الله على أبى لبابة «س»
٢٨٧ إسلام بعض بنى هدل «س»
٢٨٧ عمرو بن سعدى «س»
ص ٢٨٨ تحكيم سعد فى أمر بنى قريظة ورضاء الرسول به «س»
٢٩٠ تنفيذ الحكم فى بنى قريظة س
٢٩٠ مقتل حيى بن أخطب س
٢٩١ المرأة القتيل من بنى قريظة س
٢٩٢ شأن الزبير بن باطا س
٢٩٣ عطية القرظى ورفاعة س
٢٩٤ الرسول ﷺ يقسم فىء بنى قريظة س
٢٩٥ شأن ريحانة س
٢٩٥ ما نزل من القرآن فى الخندق وبنى قريظة «س»
٢٩٦ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٠١ إكرام سعد فى موته «س»
٣٠٣ شهداء الغزوة «س»
٣٠٤ قتلى المشركين «س»
٣٠٥ شهداء المسلمين يوم بنى قريظة «س»
٣٠٥ البشارة بغزو قريش «س»
٣٠٦ غزوة دومة الجندل
٣٠٦ غزوة الخندق
٣٠٧ عيينة بن حصن
٣٠٩ البرقات التى لمعت
٣١٠ ما قيل من الرجز يوم الخندق «ش»
٢١١ تحقيق اسم زغابة
٣١١ يفتل فى الذروة والغارب
[ ٦ / ٦٠٥ ]
ص ٣١٢ اللحن
٣١٥ مصالحة الأحزاب
٣١٦ سلمان منا
٣١٦ حول مبارزة ابن أد لعلى
٣١٩ الفرعل
٣٢٠ ابن العرقة وأم سعد
٣٢١ حول اهتزاز العرش
٣٢٤ أكان حسان جبانا؟
٣٢٤ الحديث عن الصور بن ودحية
٣٢٥ فِقْهُ لَا يُصَلّيَنّ أَحَدُكُمْ الْعَصْرَ إلّا فِي بنى قريظة.
٣٢٨ حول قصة أبى لبابة
٣٢٨ لعل وعسى وليت
٣٣٠ من أسماء السماء
٣٣١ فوقية الله سبحانه
٣٣٣ كيسة
٣٣٤ رفيدة
٣٣٤ غزوة الخندق
٣٣٥ قتل المرتدة
٣٣٥ الزبير بن باطا
٣٣٧ حلة حيى
٣٣٨ سلمى بنت أيوب
٣٣٨ سلمى بنت قيس
٣٣٨ تفسير آيات قرآنية
٣٤٠ اهتزاز العرش
ص ٣٤١ مَا قِيلَ مِنْ الشّعْرِ فِي أَمْرِ الْخَنْدَقِ وبنى قريظة «س»
٣٤١ شعر ضرار «س»
٣٤٢ كعب يرد على ضرار «س»
٣٤٣ شعر ابن الزبعرى «س»
٣٤٤ حسان يرد على ابن الزبعرى «س» .
٣٤٥ كعب يرد على ابن الزبعرى «س»
٣٥١ مسافع يبكى عمرا فى شعره «س» .
٣٥٢ مسافع يؤنب الفرسان الذين كانوا مع عمرو «س»
٣٥٢ هبيرة يبكى عمرا ويعتذر من فراره «س»
٣٥٣ هبيرة يكبى عمرا فى شعره «س»
٣٥٣ حسان يفتخر بقتل عمرو «س»
٣٥٥ شِعْرُ حَسّانَ فِي يَوْمِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَبُكَاءُ ابن معاذ «س» .
٣٥٥ شِعْرُ حَسّانَ فِي بُكَاءِ ابْنِ مُعَاذٍ وَغَيْرِهِ «س» .
٣٥٦ شعر آخر لحسان فى يوم بنى قريظة «س» .
٣٥٧ شعر أبي سفيان في الرد على حسان «س» .
٣٥٨ شِعْرُ ابْنِ جَوّالٍ فِي الرّدّ عَلَى حَسّانَ «س» .
[ ٦ / ٦٠٦ ]
ص ٣٥٨ مقتل سلام بن أبى الحقيق «س»
٣٥٨ الخزرج يستأذنون فى قتل ابن أبى الحقيق «س» .
٣٥٩ التنافس بين الأوس والخزرج فى عمل الخير «س» .
٣٦٠ قصة الذين خرجوا لقتل ابن أبى الحقيق «س» .
٣٦١ شِعْرُ حَسّانَ فِي قَتْلِ ابْنِ الْأَشْرَفِ وَابْنِ أبى الحقيق «س» .
٣٦٢ إسلام عمرو بن العاص وخالد ابن الوليد «س» .
٣٦٢ عمرو وصحبه عند النجاشى «س»
٣٦٣ اجتماع عمرو مع خالد فى الطريق «س» .
٣٦٤ إسلام ابن طلحة «س»
٣٦٤ شعر ابن الزبعرى فى إسلام ابن طلحة وخالد «س» .
٣٦٥ غزوة بنى لحيان «س» .
٣٦٦ فَصْلٌ فِي أَشْعَارِ يَوْمِ الْخَنْدَقِ
٣٦٦ شِعْرُ ضِرَارٍ
٣٦٧ شعر كعب
٣٦٧ من شعر حسان حول أسماء الله
٣٦٩ من شعر كعب
٣٧٣ شعر آخر لكعب
٣٧٦ حكم بله وما بعدها (ن. ل)
٣٧٧ قصيدة كعب العينية
ص ٢٧٧ قيس عيلان وقيس كبة.
٣٧٨ شعر كعب فى الخندق
٣٨٢ مقتل ابن أبى الحقيق
٣٨٦ إسْلَامُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي، وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ.
٣٨٧ ما قاله الضمرى للنجاشى.
٣٨٧ الرسل إلى الملوك
٣٨٨ السمهرية
٣٨٩ غزوة بنى لحيان.
٣٩١ غزوة ذى قرد «س»
٣٩٢ نصيحة الرسول لأبى عياش «س»
٣٩٣ مقتل محرز بن نضلة «س»
٣٩٤ أسماء أفراس المسلمين «س»
٣٩٤ قتلى المشركين «س»
٣٩٥ استعمال ابن أم مكتوم على المدينة «س»
٣٩٥ تقسيم الفىء بين المسلمين «س»
٣٩٦ أمرأة الغفارى وما نذرت مع الرسول «س»
٣٩٦ شعر حسان فى ذى قرد «س»
٣٩٧ غَضَبُ سَعْدٍ عَلَى حَسّانَ وَمُحَاوَلَةُ حَسّانَ اسْتِرْضَاءَهُ «س»
٣٩٧ شِعْرٌ آخَرُ لِحَسّانَ فِي يَوْمِ ذِي قَرَدٍ «س» .
٣٩٨ شعر كعب فى يوم ذى قرد «س»
٣٩٩ شعر شداد لعيينة «س»
[ ٦ / ٦٠٧ ]
ص ٣٩٩ غزوة بنى المصطلق «س»
٤٠٠ سبب الغزوة «س»
٤٠٠ مقتل ابن صبابة خطأ «س»
٤٠٠ فتنة «س»
٤٠١ حول فتنة ابن أبى ونفاقه «س»
٤٠٣ مَا نَزَلَ فِي ابْنِ أُبَيّ مِنْ الْقُرْآنِ «س»
٤٠٣ موقف عبد الله من أبيه «س»
٤٠٤ قدوم مقيس مسلما وشعره «س»
٤٠٥ شعار المسلمين «س»
٤٠٥ قتلى بنى المصطلق «س»
٤٠٥ أمر جويرية بنت الحارث «س»
٤٠٧ ما نزل من القرآن فى حق الوليد بن عقبة «س» .
٤٠٨ خبر الإفك فى غزوة بنى المصطلق «س» .
٤٠٨ الهدى فى السفر مع الزوجات «س»
٤٠٩ حديث الإفك «س»
٤١٣ القرآن وبراءة عائشة «س»
٤١٦ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٤١٧ ابن المعطل يهم بقتل حسان «س»
٤٢٠ شعر فى هجاء حسان ومسطح «س»
٤٢٠ غزوة ذى قرد
٤٢٠ اسماء أفراس المسلمين.
٤٢١ سلمة بن الأكوع
٤٢٢ شرح اليوم يوم الرضع
ص ٤٢٣ جول النذر والطلاق والعتق
٤٢٤ من شرح شعر حسان أعضاء الخيل.
٤٢٦ بداد وفجار
٤٢٧ عود إلى شرح شعر حسان
٤٢٨ قصيدة أخرى لحسان
٤٢٨ غزوة بنى المصطلق
٤٢٩ تحريم دعوى الجاهلية
٤٣٠ جهجاه
٤٣٠ موقف عبد الله للصحابى من أبيه المنافق ودلالته.
٤٣٢ حول حديث جويرية (ملاحة ومليح) (ن. ل)
٤٣٣ غيرة نساء النبى، والنظر إلى المرأة.
٤٣٦ حديث الإفك
٤٣٧ صفوان بن المعطل
٤٣٨ تفسير أسقطوا
٤٣٩ بريرة
٤٣٩ أم رومان
٤٤٠ وهم للبخارى
٤٤١ تناصبنى أو تناصينى
٤٤١ شعر حسان فى التعريض بابن المعطل
٤٤٤ تفسير العجب
٤٤٥ بيرحاء
[ ٦ / ٦٠٨ ]
ص ٤٤٦ حول براءة عائشة
٤٤٧ شعر حسان فى مدح عائشة
٤٤٩ ما نزل فى حق أصحاب الإفك
٤٥٠ إهداء سيرين إلى حسان
٤٥٢ أَمْرُ الْحُدَيْبِيَةِ فِي آخِرِ سَنَةِ سِتّ، وَذِكْرُ بيعة الرضوان، والصلح بين رسول الله (ص) وبين سهيل بن عمرو «س»
٤٥٣ الرسول (ص) يسلك طريقا غير طريق قريش «س»
٤٥٥ ذكر من بعثتهم قريش إلى الرسول (ص) «س»
٤٥٩ عثمان بن عفان فى مكة «س»
٤٦٠ بيعة الرضوان «س»
٤٦١ أمر الهدنة «س»
٤٦٢ على يكتب شروط الصلح «س»
٤٦٣ خزاعة فى عهد محمد، وبنو بكر فى عهد قريش «س»
٤٦٣ جندل بن سهيل «س»
٤٦٤ الذين شهدوا على الصلح «س»
٤٦٤ الإحلال «س»
٤٦٤ الملحقون والمقصرون «س»
٤٦٥ نزول سورة الفتح «س»
ص ٤٦٥ ذكر البيعة س
٤٦٦ ذكر من تخلف «س»
٤٦٧ ذكر كف الرسول عن القتال «س»
٤٦٧ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٤٦٩ مَا جَرَى عَلَيْهِ أَمْرُ قَوْمٍ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ بعد الصلح «س»
٤٦٩ مجىء أبى بصير إلى المدينة وطلب قريش له «س»
٤٦٩ قتل أبى بصير العامرى ومقالة الرسول فى ذلك «س»
٤٧٠ أبو بصير وزملاؤ فى العيص «س»
٤٧١ شعر موهب فى ودى أبى بصير «س»
٤٧١ ابن الزبعرى يرد على موهب «س»
٤٧٢ أمر المهاجرات بعد الهدنة «س»
٤٧٢ الرسول (ص) يأبى رد أم كلثوم «س»
٤٧٢ حول آية المهاجرات المؤمنات «س»
٤٧٤ بشرى فتح مكة وتعجيل بعض المسلمين «س»
[ ٦ / ٦٠٩ ]
ص ٤٧٥ غزوة الحديبية
٤٧٥ الميقات والإشعار
٤٧٦ من شرح حديث الحديبية
٤٨٠ وصف الجمع بالمفرد «ن. ل»
٤٨٣ حول المصالحة
٤٨٥ حكم المهاجرات
٤٨٧ باسمك اللهم
٤٨٨ عيبة مكفوفة
٤٨٩ أبو جندل وصاحباه فى الخمر
٤٩٠ الدنية التى رفضها عمر
٤٩١ موقف أم سلمة فى الحديبية
١٩٢ المقصرون
٤٩٢ أبو بصير
٤٩٣ عمره
٤٩٤ قتل أبى بصير للكافر
٤٩٥ من مواقف عمر فى الحديبية
٤٩٦ بيعة الشجرة وأول من بايع
٤٩٦ تعليق عام على الحديبية «ش»
٤٩٩ ذكر المسير إلى خيبر «س»
٤٩٩ ما قاله أبو جندل
٥٠٢ ما نهى عنه الرسول (ص) فى خيبر «س»
٥٠٤ شأن بنى سهم «ش»
٥٠٥ مقتل مرحب اليهودى «س»
٥٠٦ مقتل ياسر أخى مرحب «س»
ص ٥٠٧ شأن على يوم خيبر «س»
٥٠٨ أمر أبى اليسر «س»
٥٠٩ صفية أم المؤمنين «س»
٥١٠ بقية أمر خيبر «س»
٥١٠ صلح خيبر «س»
٥١١ الشاة المسمومة «س»
٥١٢ رجوع الرسول إلى المدينة «س»
٥١٢ مقتل غلام للرسول (ص) «س»
٥١٣ أمر ابن مغفل والجراب «س»
٥١٤ أبو أيوب يحرس الرسول (ص) ليلة بنائه بصفية «س»
٥١٤ بلال يغلبه النوم وهو يرقب «س» الفجر «س»
٥١٥ شعر ابن لقيم فى فتح خيبر «س»
٥١٦ حديث المرأة الغفارية «س»
٥١٧ شهداء خيبر «س»
٥١٨ أمر الأسود الراعى فى حديث خيبر «س»
٥١٩ أمر الحجاج بن علاط السلمى
٥٢٢ شعر حسان عن خيبر
[ ٦ / ٦١٠ ]
ص ٥٢٢ حسان يعتذر عن أيمن «س»
٥٢٣ شعر ناجية فى يوم خيبر «س»
٥٢٣ شعر كعب فى يوم خيبر «س»
٥٢٤ ذكر مقاسم خيبر «س» وأموالها «س»
٥٢٥ من قسمت عليهم خيبر «س»
٥٢٨ ذكر ما أعطى محمد (ص) «س» نساءه من قمح خيبر «س»
٥٢٨ وصاة الرسول عند موته «س»
٥٢٨ أمر فدك فى خبر خيبر «س»
٥٢٩ تَسْمِيَةُ النّفَرِ الدّارِيّينَ الّذِينَ أَوْصَى لَهُمْ رَسُولُ الله (ص) من خيبر «س»
٥٣١ عمر يجلى يهود خيبر «س»
٥٣٣ قسمة عمر لوادى القرى بين المسلمين «س»
٥٣٤ ذكر قدوم جعفر ابن أَبِي طَالِبٍ مِنْ الْحَبَشَةِ وَحَدِيثُ الْمُهَاجِرِينَ إلَى الحبشة «س»
٥٤٣ مهاجرات الحبشة «س»
٥٤٥ غزوة خيبر
٥٤٥ شرح هنة والحداء
ص ٥٤٨ استعمال الكلمة فى غير موضعها
٥٥٠ الإسناد عن عطاء بن أبى مروان
٥٥٠ المكاتل
٥٥٠ خربت خيبر
٥٥١ الخميس
٥٥١ تدنى الحصون
٥٥١ حكم أكل لحوم الحمر الأهلية والخيل
٥٥٤ الورق
٥٥٧ متى حرم نكاح المتعة؟
٥٦٠ على ودعاء الرسول (ص)
٥٦٠ صاحب المغانم وابن مغفل
٥٦١ الصفى والمرباع
٥٦٤ صداق صفية
٥٦٤ حنش الصنعائى
٥٦٥ وطأ منهى عنه
٥٦٦ على يقتل مرحبا
٥٦٧ حيدرة
٥٦٧ من حصون خيبر
٥٦٧ الحال المعرفة لفظا «ن. ل»
٥٧٠ الشاة المسمومة
٥٧٢ حول حديث المرأة الغفارية
٥٧٣ من أحكام الماء
٥٧٣ من شهداء خيبر
[ ٦ / ٦١١ ]
ص ٥٧٤ الحال من النكرة «ن. ل»
٥٧٥ حديث الحجاج بن علاط
٥٧٦ تفسير أولى لك
٥٧٧ أم أيمن
٥٧٨ أبو أيوب فى حراسة النبى (ص)
٥٧٩ قسم اموال خيبر وأراضيها
٥٨٣ أبو نبقة
٥٨٤ أم الحكم
٥٨٤ أم رمثة وغيرها
٥٨٥ القسم النساء من المغنم
ص ٥٨٥ المصافحة والمعانقة
٥٨٧ ولد جعفر والنجاشى
٥٨٧ ضبط أجنادين «ن. ل»
٥٨٧ القادسية ويوم الهرير
٥٨٨ عن بعض القادمين من الحبشة
٥٨٩ من رسل النبى إلى الملوك والرؤساء
٥٩٢ حديث النوم عن الصلاة فهرس الجزء السادس
[ ٦ / ٦١٢ ]
بعون الله وجميل توفيقه قد تم طبع الجزء السادس من كتاب الروض الأنف بمطابع دار النصر للطباعة ١٣ شارع سعد الله بالدرب الأحمر بالقاهرة:
المحرم سنة ١٣٩٠ هـ أبريل سنة ١٩٧٠ م
[ ٦ / ٦١٣ ]