غَزْوَةُ ذِي قرد
غَارة ابْن حصن على لقاح الرَّسُول:
ثُمّ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَلَمْ يُقِمْ بِهَا إلّا لَيَالِيَ قَلَائِلَ حَتّى أَغَارَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيّ، فِي خَيْلٍ مِنْ غَطَفَانَ عَلَى لِقَاحٍ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْغَابَةِ وَفِيهَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ وَامْرَأَةٌ لَهُ فَقَتَلُوا الرّجُلَ وَاحْتَمَلُوا الْمَرْأَةَ فِي اللّقَاحِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَمَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، كُلّ قَدْ حَدّثَ فِي غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ بَعْضَ الْحَدِيثِ:
أَنّهُ كَانَ أَوّلَ مَنْ نَذَرَ بِهِمْ سَلَمَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ الْأَسْلَمِيّ غَدَا يُرِيدُ الْغَابَةَ
_________________
(١) غَزْوَةُ ذِي قَرَد وَيُقَالُ فِيهِ: قُرُدٌ بِضَمّتَيْنِ هَكَذَا أَلْفَيْته مُقَيّدًا عَنْ أَبِي عَلِيّ وَالْقَرَدُ فِي اللّغَةِ الصّوفُ الرّدِيءُ يُقَالُ فِي مِثْلِ عَثَرْت عَلَى الْغَزْلِ بِأُخْرَةٍ فَلَمْ تَدَعْ بِنَجْدِ قَرَدَةً.
[ ٧ / ٥ ]
مُتَوَشّحًا قَوْسَهُ وَنَبْلَهُ وَمَعَهُ غُلَامٌ لِطَلْحَةِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ مَعَهُ فَرَسٌ لَهُ يَقُودُهُ حَتّى إذَا عَلَا ثَنِيّةَ الْوَدَاعِ نَظَرَ إلَى بَعْضِ خُيُولِهِمْ فَأَشْرَفَ فِي نَاحِيَةِ سَلْعٍ. ثُمّ صَرَخَ وَاصَبَاحَاه، ثُمّ خَرَجَ يَشْتَدّ فِي آثَارِ الْقَوْمِ وَكَانَ مِثْلَ السّبُعِ حَتّى لَحِقَ بِالْقَوْمِ فَجَعَلَ يَرُدّهُمْ بِالنّبْلِ وَيَقُولُ إذَا رَمَى خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ، الْيَوْمَ يَوْمُ الرّضّعِ فَإِذَا وَجّهَتْ الْخَيْلُ نَحْوَهُ انْطَلَقَ هَارِبًا، ثُمّ عَارَضَهُمْ فَإِذَا أَمْكَنَهُ الرّمْيُ رَمَى، ثُمّ قَالَ خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ، الْيَوْمَ يَوْمُ الرّضّعِ قَالَ فَيَقُولُ قَائِلُهُمْ أُوَيْكِعُنَا هُوَ أَوّلُ النّهَارِ.
صُرَاخ الرَّسُول وتسابق الفرسان إِلَيْهِ:
قَالَ: وَبَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ صِيَاحُ ابْنِ الْأَكْوَعِ فَصَرَخَ بِالْمَدِينَةِ " الْفَزَعَ الْفَزَعَ" فَتَرَامَتْ الْخُيُولُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَكَانَ أَوّلَ مَنْ انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْفُرْسَانِ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو، وَهُوَ الّذِي يُقَالُ لَهُ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ ثُمّ كَانَ أَوّلَ فَارِسٍ وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ الْمِقْدَادِ مِنْ الْأَنْصَارِ، عَبّادُ بْنُ بِشْرِ بْنِ وَقْشِ بْنِ زُغْبَةَ بْنِ زَعُورَاءَ، أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَسَعْدُ بْنُ زَيْدٍ، أَحَدُ بَنِي كَعْبِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَأُسَيْدُ بْنُ ظَهِيرٍ، أَخُو بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ يَشُكّ فِيهِ وَعُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ أَخُو بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ ; وَمُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ أَخُو بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَأَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيّ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ وَأَبُو عَيّاشٍ وَهُوَ عُبَيْدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الصّامِتِ، أَخُو بَنِي زُرَيْقٍ. فَلَمّا اجْتَمَعُوا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَمّرَ عَلَيْهِمْ سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ فِيمَا بَلَغَنِي، ثُمّ قَالَ اُخْرُجْ فِي طَلَبِ الْقَوْمِ، حَتّى أَلْحَقَك فِي النَّاس.
الرَّسُول ونصيحته لأبي عَيَّاش بترك فرسه:
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ لِأَبِي عَيّاشٍ " يَا أَبَا عَيّاشٍ لَوْ أَعْطَيْت هَذَا الْفَرَسَ رَجُلًا، هُوَ أَفْرَسُ مِنْك فَلَحِقَ بِالْقَوْمِ؟ قَالَ أَبُو عَيّاشٍ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا أَفْرَسُ النّاسِ ثُمّ ضَرَبْت الْفَرَسَ، فَوَاَللهِ مَا جَرَى بِي خَمْسِينَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٦ ]
ذِرَاعًا حَتّى طَرَحَنِي، فَعَجِبْت أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لَوْ أَعْطَيْته أَفْرَسَ مِنْك، وَأَنَا أَقُولُ أَنَا أَفْرَسُ النّاسِ "فَزَعَمَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى فَرَسَ أَبِي عَيّاشٍ مُعَاذَ بْنَ مَاعِصٍ أَوْ عَائِذَ بْنَ مَاعِصِ بْنِ قَيْسِ بْنِ خُلْدَةَ وَكَانَ ثَامِنًا، وَبَعْضُ النّاس يَعُدّ سَلَمَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ أَحَدَ الثّمَانِيّةِ وَيَطْرَحُ أُسَيْدَ بْنَ ظُهَيْرٍ، أَخَا بَنِي حَارِثَةَ وَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِك كَانَ. وَلَمْ يَكُنْ سَلَمَةُ يَوْمَئِذٍ فَارِسًا، وَقَدْ كَانَ أَوّلَ مَنْ لَحِقَ بِالْقَوْمِ عَلَى رِجْلَيْهِ. فَخَرَجَ الْفُرْسَانُ فِي طَلَبِ الْقَوْمِ حَتَّى تَلَاحَقُوا.
سبق مُحرز إِلَى الْقَوْم ومقتله:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ:
أَنّ أَوّلَ فَارِسٍ لَحِقَ بِالْقَوْمِ مُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ أَخُو بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ -وَكَانَ يُقَالُ لِمُحْرِزِ الْأَخْرَمُ وَيُقَالُ لَهُ قُمَيْرٌ- وَأَنّ الْفَزَعَ لَمّا كَانَ جَالَ فَرَسٌ لِمَحْمُودِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي الْحَائِطِ، حِينَ سَمِعَ صَاهِلَةَ الْخَيْلِ وَكَانَ فَرَسًا صَنِيعًا جَامّا، فَقَالَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ حِينَ رَأَيْنَ الْفَرَسَ يَجُولُ فِي الْحَائِطِ بِجِذْعِ نَخْلٍ هُوَ مَرْبُوطٌ فِيهِ يَا قُمَيْرُ هَلْ لَك فِي أَنْ تَرْكَبَ هَذَا الْفَرَسَ؟ فَإِنّهُ كَمَا تَرَى، ثُمّ تَلْحَقُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِالْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ نَعَمْ فَأَعْطَيْنَهُ إيّاهُ. فَخَرَجَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَذّ الْخَيْلَ بِجَمَامِهِ حَتّى أَدْرَكَ الْقَوْمَ فَوَقَفَ لَهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهمْ ثُمّ قَالَ قِفُوا يَا مَعْشَرَ بَنِي اللّكِيعَةِ حَتّى يَلْحَقَ بِكُمْ مَنْ وَرَاءَكُمْ مِنْ أَدْبَارِكُمْ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. قَالَ وَحَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَتَلَهُ وَجَالَ الْفَرَسُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ حَتّى وَقَفَ عَلَى آرِيّهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَلَمْ يُقْتَلْ مِنْ الْمُسلمين غَيره
رَأْي ابْن هِشَام فِيمَن قتل مَعَ مُحرز:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
"وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَعَ مُحْرِزٍ وَقاص بن مجزز الْمُدْلِجِيّ، فِيمَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ".
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٧ ]
أَسْمَاءُ أَفْرَاسِ الْمُسْلِمِينَ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ اسْمُ فَرَسِ مَحْمُودٍ ذَا اللّمّةِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
"وَكَانَ اسْمُ فَرَسِ سَعْدِ بْنِ زَيْدٍ: لَاحِقٌ وَاسْمُ فَرَسِ الْمِقْدَادِ بَعْزَجَةُ وَيُقَالُ سُبْحَةُ وَاسْمُ فَرَسِ عُكَاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ ذُو اللّمّةِ وَاسْمُ فَرَسِ أَبِي قَتَادَةَ: حَزْوَةُ وَفَرَسِ عَبّادِ بْنِ بِشْرٍ لَمّاعُ وَفَرَسُ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ: مَسْنُونٌ وَفَرَسُ أَبِي عَيّاشٍ جُلْوَةُ".
_________________
(١) أَسْمَاءُ أَفْرَاسِ الْمُسْلِمِينَ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ أَسْمَاءَ خَيْلِ جَمَاعَةٍ مِمّنْ حَضَرَهَا، فَذَكَرَ بَعْزَجَةَ فَرَسَ الْمِقْدَادِ، وَالْبَعْزَجَةُ شِدّةُ جَرْيٍ فِي مُغَالَبَةٍ كَأَنّهُ مَنْحُوتٌ مِنْ بَعَجَ إذَا شَقّ وَعَزّ أَيْ غَلَبَ. وَأَمّا سُبْحَةُ فَمِنْ سَبَحَ إذَا عَلَا عُلُوّا فِي اتّسَاعٍ وَمِنْهُ سُبْحَانَ اللهِ وَسُبُحَاتُ اللهِ عَظَمَتُهُ وَعُلُوّهُ لِأَنّ النّاظِرَ الْمُفَكّرَ فِي [اللهِ] سُبْحَانَهُ يَسْبَحُ فِي بَحْرٍ لَا سَاحِلَ لَهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ حَقَائِقَ وَدَقَائِقَ أَسْرَارٍ فِي شَرْحِ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ. وَأَمّا حَزْوَةُ فَمِنْ حَزَوْت الطّيْرَ إذَا زَجَرْتهَا، أَوْ مِنْ حَزَوْت الشّيْءَ إذَا أَظْهَرْته. قَالَ الشّاعِرُ: تَرَى الْأَمْعَزَ الْمَحْزُوّ فِيهِ كَأَنّهُ مِنْ الْحَرّ وَاسْتِقْبَالِهِ الشّمْسَ مَسْطَحُ وَجُلْوَةُ مِنْ جَلَوْت السّيْفَ وَجَلَوْت الْعَرُوسَ كَأَنّهَا تَجْلُو الْفَمَ عَنْ قَلْبِ صَاحِبِهَا، وَمَسْنُونٌ مِنْ سَنَنْت الْحَدِيدَةَ إذَا صَقَلْتهَا.
[ ٧ / ٨ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:
أَنّ مُجَزّرًا إنّمَا كَانَ عَلَى فَرَسٍ لَعُكَاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ يُقَالُ لَهُ الْجَنَاحُ فَقُتِلَ مُجَزّرٌ واستلبت الْجنَاح.
الْقَتْلَى من الْمُشْرِكِينَ:
وَلَمّا تَلَاحَقَتْ الْخَيْلُ قَتَلَ أَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثَ بْنَ رِبْعِيّ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ حَبِيبَ بْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وَغَشّاهُ بُرْدَهُ ثُمّ لَحِقَ بِالنّاسِ.
وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمُسْلِمِينَ.
اسْتِعْمَالُ ابْنِ أُمّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ.
_________________
(١) سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ: وَذَكَرَ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ، وَاسْمُ الْأَكْوَعِ سِنَانٌ وَخَبَرُ سَلَمَةَ فِي ذَلِك الْيَوْمِ أَطْوَلُ مِمّا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ، وَأَعْجَبُ فَإِنّهُ اسْتَلَبَ وَحْدَهُ فِي ذَلِك الْيَوْمِ مِنْ الْعَدُوّ وَهُوَ رَاجِلٌ قَبْلَ أَنْ تَلْحَقَ بَهْ الْخَيْلُ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً وَثَلَاثِينَ دَرَقَةً وَقَتَلَ مِنْهُمْ بِالنّبْلِ كَثِيرًا، فَكُلّمَا هَرَبُوا أَدْرَكَهُمْ وَكُلّمَا رَامُوهُ أَفْلَتْ مِنْهُمْ وَشُهْرَةُ حَدِيثِهِ تُغْنِي عَنْ سَرْدِهِ فَإِنّهُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورَةِ وَقِيلَ إنّ سَلَمَةَ هَذَا هُوَ الّذِي كَلّمَهُ الذّئْبُ وَقِيلَ إنّ الّذِي كَلّمَهُ الذّئْبُ هُوَ أُهْبَانُ بْنُ صَيْفِيّ وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ.
[ ٧ / ٩ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَإِذَا حَبِيبٌ مُسَجّى بِبُرْدِ أَبِي قَتَادَةَ، فَاسْتَرْجَعَ النّاسُ وَقَالُوا: قُتِلَ أَبُو قَتَادَةَ ; فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْسَ بِأَبِي قَتَادَةَ وَلَكِنّهُ قَتِيلٌ لِأَبِي قَتَادَةَ، وَضَعَ عَلَيْهِ بُرْدَهُ لِتَعْرِفُوا أَنّهُ صَاحِبُهُ.
وَأَدْرَكَ عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ أَوْبَارًا وَابْنَهُ عَمْرَو بْنَ أَوْبَارٍ، وَهُمَا عَلَى بَعِيرٍ وَاحِدٍ فَانْتَظَمَهُمَا بِالرّمْحِ فَقَتَلَهُمَا جَمِيعًا، وَاسْتَنْقَذُوا بَعْضَ اللّقَاحِ وَسَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ بِالْجَبَلِ مِنْ ذِي قَرَدٍ وَتَلَاحَقَ بِهِ النّاسُ فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِهِ وَأَقَامَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَقَالَ لَهُ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ: يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ سَرّحْتنِي فِي مِائَةِ رَجُلٍ لَاسْتَنْقَذْت بَقِيّةَ السّرْحِ وَأَخَذْت بِأَعْنَاقِ الْقَوْمِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنِي: " إنّهُمْ الْآنَ لَيَغْبَقُونَ فِي غَطَفَانَ"
_________________
(١) شَرْحُ الْيَوْمَ يَوْمُ الرّضّعِ: وَقَوْلُهُ الْيَوْمَ يَوْمُ الرّضّعِ يُرِيدُ يَوْمَ اللّئَامِ أَيْ يَوْمُ جُبْنِهِمْ وَفِي قَوْلِهِمْ لَئِيمٌ رَاضِعٌ أَقْوَالٌ ذَكَرَهَا ابْنُ الْأَنْبَارِيّ. قِيلَ الرّاضِعُ هُوَ الّذِي رَضَعَ اللّؤْمَ فِي ثَدْيَيْ أُمّهِ أَيْ غُذّيَ بِهِ وَقِيلَ هُوَ الّذِي يَرْضِعُ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ يَسْتَكْثِرُ مِنْ الْجَشَعِ بِذَلِك. وَشَاهِدُ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ امْرَأَةٍ مِنْ الْعَرَبِ تَذُمّ رَجُلًا: إنّهُ لَأُكُلَةٌ ثُكُلَةٌ يَأْكُلُ مِنْ جَشَعِهِ خِلَلَهُ أَيْ مَا يَتَخَلّلُ بَيْنَ أَسْنَانِهِ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَلَمْ أَسْمَعْ فِي الْجَشَعِ وَالْحِرْصِ أَبْلَغَ مِنْ هَذَا، وَمِنْ قَوْلِهِمْ هُوَ يُثِيرُ الْكِلَابَ مِنْ مَرَابِضِهَا، أَيْ يَلْتَمِسُ تَحْتَهَا عَظْمًا يَتَعَرّقُهُ وَقِيلَ فِي اللّئِيمِ الرّاضِعِ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِمّا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النّاسِ وَمَذْكُورٌ فِي كُتُبِهِمْ. وَقَوْلُهُ: الْيَوْمَ يَوْمُ الرّضّعِ بِالرّفْعِ فِيهِمَا، وَبِنَصْبِ الْأَوّلِ وَرَفْعِ الثّانِي، حَكَى سِيبَوَيْهِ: الْيَوْمَ يَوْمُك، عَلَى أَنْ تَجْعَلَ الْيَوْمَ ظَرْفًا فِي مَوْضِعِ خَبَرٍ لِلثّانِي، لِأَنّ ظُرُوفَ الزّمَانِ يُخْبَرُ بِهَا عَنْ زَمَانٍ مِثْلِهَا إذَا كَانَ الظّرْفُ يَتّسِعُ وَلَا يَضِيقُ عَلَى الثّانِي، مِثْلُ أَنْ تَقُولَ السّاعَةَ يَوْمُك، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾
[ ٧ / ١٠ ]
تَقْسِيمُ الْفَيْءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ
فَقَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ فِي كُلّ مِائَةِ رَجُلٍ جَزُورًا، وَأَقَامُوا عَلَيْهَا، ثُمّ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَافِلًا حَتّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ.
امْرَأَةُ الْغِفَارِيّ وَمَا نَذَرَتْ مَعَ الرّسُولِ
وَأَقْبَلَتْ امْرَأَةُ الْغِفَارِيّ عَلَى نَاقَةٍ مِنْ إبِلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ فَأَخْبَرَتْهُ الْخَبَرَ، فَلَمّا فَرَغَتْ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ إنّي قَدْ نَذَرْت لِلّهِ أَنْ أَنْحَرَهَا إنْ نَجّانِي اللهُ عَلَيْهَا; قَالَ فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمّ قَالَ: " بِئْسَ مَا جَزَيْتهَا أَنْ حَمَلَك اللهُ عَلَيْهَا وَنَجّاك بِهَا ثُمّ تَنْحَرِينَهَا إنّهُ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ وَلَا فِيمَا لَا تَمْلِكِينَ إنّمَا هِيَ نَاقَةٌ مِنْ إبِلِي، فَارْجِعِي إلَى أَهْلِك عَلَى بَرَكَةِ اللهِ".
وَالْحَدِيثُ عَنْ امْرَأَةِ الْغِفَارِيّ وَمَا قَالَتْ وَمَا قَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَبَى الزّبَيْرِ الْمَكّيّ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ.
_________________
(١) [الْمُدّثّرُ: ٩] أَنّ يَوْمَئِذٍ ظَرْفٌ لِيَوْمٌ عَسِيرٌ وَذَلِك أَنّ ظُرُوفَ الزّمَانِ أَحْدَاثٌ وَلَيْسَتْ بِجُثَثِ فَلَا يَمْتَنِعُ فِيهَا مِثْلُ هَذَا، كَمَا لَا يَمْتَنِعُ فِي سَائِرِ الْأَحْدَاثِ وَقَوْلُهُ ﵇ لِلْغِفَارِيّةِ وَاسْمُهَا لَيْلَى، وَيُقَالُ هِيَ امْرَأَةُ أَبِي ذَرّ حِينَ أَخْبَرَتْهُ أَنّهَا نَذَرَتْ إنْ اللهُ نَجّاهَا، عَلَيْهَا أَنْ تَنْحَرَهَا، قَالَ فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- ثُمّ قَالَ " بِئْسَ مَا جَزَيْتهَا أَنْ حَمَلَك اللهُ عَلَيْهَا وَنَحّاك بِهَا، ثُمّ تَنْحَرِينَهَا إنّهُ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ وَلَا فِي مَا لَا تَمْلِكِينَ "فِيهِ حُجّةٌ لِلشّافِعِيّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ إنّ مَا أَحْرَزَهُ الْعَدُوّ مِنْ مَالٍ إنّهُ لَهُمْ بِلَا ثَمَنٍ قَبْلَ الْقَسْمِ وَبَعْدَهُ لِأَنّهُ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ مِلْكِهِ حَوْزُ الْعَدُوّ لَهُ وَقَالَ مَالِكٌ هُوَ أَوْلَى بِهِ قَبْلَ الْقَسْمِ وَصَاحِبُهُ بَعْدَ الْقَسْمِ أَوْلَى بِهِ بِالثّمَنِ وَفِيهِ قَوْلَانِ آخَرَانِ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ. حَوْلَ النّذْرِ وَالطّلَاقِ وَالْعِتْقِ: وَقَوْلُهُ ﵇ " إنّهُ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ وَلَا فِيمَا لَا تَمْلِكِينَ "وَقَوْلُهُ
[ ٧ / ١١ ]
شِعْرُ حَسّانَ فِي ذِي قَرَدٍ:
وَكَانَ مِمّا قِيلَ مِنْ الشّعْرِ فِي يَوْمِ ذِي قَرَدٍ قَوْلَ حَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ:
لَوْلَا الّذِي لَاقَتْ وَمَسّ نُسُورَهَا بِجَنُوبِ سَايَةَ أَمْسِ فِي التّقْوَادِ
لَلَقِينَكُمْ يَحْمِلْنَ كُلّ مُدَجّجٍ حَامِي الْحَقِيقَةِ مَاجِدِ الْأَجْدَادِ
_________________
(١) ﵇ " لَا نَذْرَ لِأَحَدِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَلَا طَلَاقَ لِأَحَدِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَلَا عِتْقَ لِأَحَدِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ "حَدِيثٌ مَرْوِيّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَكِنّهُ لَمْ يُخَرّجْ فِي الصّحِيحَيْنِ لِعِلَلِ فِي أَسَانِيدِهِ وَقَدْ قَالَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْ لَا طَلَاقَ قَبْلَ الْمِلْكِ جَمَاعَةٌ مِنْ الصّحَابَةِ وَفُقَهَاءِ التّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَسَوَاءٌ عِنْدَهُمْ عَيّنَ امْرَأَةً أَوْ لَمْ يُعَيّنْ وَإِلَيْهِ مَالَ الْبُخَارِيّ ﵀ وَرَوَاهُ ابْنُ كِنَانَةَ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ وَهْبٍ، وَاحْتَجّ ابْنُ عَبّاسٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمّ طَلّقْتُمُوهُنّ﴾ [الْأَحْزَابُ: ٤٩] قَالَ فَإِذًا لَا طَلَاقَ إلّا بَعْدَ نِكَاحٍ وَقَالَ شَرِيكٌ الْقَاضِي: النّكَاحُ عَقْدٌ وَالطّلَاقُ حَلّ، فَلَا يَكُونُ الْحَلّ إلّا بَعْدَ الْعَقْدِ. مِنْ شَرْحِ شِعْرِ حَسّانَ أَعْضَاءَ الْخَيْلِ: وَذَكَرَ شِعْرَ حَسّانَ: لَوْلَا الّذِي لَاقَتْ وَمَسّ نُسُورَهَا يَعْنِي: الْخَيْلَ وَالنّسْرَ كَالنّوَاةِ فِي بَاطِنِ الْحَافِرِ وَفِي الْفَرَسِ عِشْرُونَ عُضْوًا، كُلّ عُضْوٍ مِنْهَا يُسَمّى بِاسْمِ طَائِرٍ فَمِنْهَا النّسْرُ وَالنّعَامَةُ وَالْهَامَةُ وَالسّمَامَةُ وَالسّعْدَانَةُ وَهِيَ الْحَمَامَةُ وَالْقَطَاةُ الذّبَاب وَالْعُصْفُورُ وَالْغُرَابُ وَالصّرَدُ وَالصّقْرُ وَالْخَرَبُ وَالنّاهِضُ وَهُوَ فَرْخُ الْعُقَابِ وَالْخُطّابِ ذَكَرَهَا وَبَقِيّتَهَا الْأَصْمَعِيّ، وَرَوَى فِيهَا
[ ٧ / ١٢ ]
وَلَسَرّ أَوْلَادَ اللّقِيطَةِ أَنّنَا سِلْمٌ غَدَاةَ فَوَارِسِ الْمِقْدَادِ
كُنّا ثَمَانِيَةً وَكَانُوا جَحْفَلًا لَجِبًا فَشُكّوا بِالرّمَاحِ بَدَادِ
_________________
(١) شِعْرًا لِأَبِي حَزْرَةَ جَرِيرٍ وَهُوَ: وَأَقَبّ كَالسّرْحَانِ تَمّ لَهُ مَا بَيْنَ هَامَتِهِ إلَى النّسْرِ رَحِبَتْ نَعَامَتُهُ وَوُفّرَ فَرْخُهُ وَتَمَكّنَ الصّرْدَانُ فِي النّحْرِ وَأَنَافَ بِالْعُصْفُورِ فِي سَعَفٍ هَامٍ أَشَمّ مُوَثّقُ الْجِذْرِ وَازْدَانَ بِالدّيكَيْنِ صَلْصَلُهُ وَنَبَتْ دَجَاجَتُهُ عَنْ الصّدْرِ وَالنّاهِضَانِ أُمِرّ جَلْزُهُمَا فَكَأَنّمَا عُثِمَا عَلَى كَسْرِ مُسْحَنْفِرُ الْجَنْبَيْنِ مُلْتَئِمٌ مَا بَيْنَ شِيمَتِهِ إلَى الْغُرّ وَصَفَتْ سُمَانَاهُ وَحَافِرُهُ وَأَدِيمُهُ وَمَنَابِتُ الشّعْرِ وَسَمَا الْغُرَابُ لِمَوْقِعَيْهِ مَعًا فَأَبَيْنَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ وَاكْتَنّ دُونَ قَبِيحِهِ خُطّافُهُ وَنَأْتِ سَمَامَتُهُ عَلَى الصّقْرِ وَتَقَدّمَتْ عَنْهُ الْقَطَاةُ لَهُ فَنَأْتِ بِمَوْقِعِهَا عَنْ الْحُرّ وَسَمَا عَلَى نِقْوَيْهِ دُونَ حِدَاتِهِ خَرَبَانُ بَيْنَهُمَا مَدَى الشّبْرِ يَدَعُ الرّضِيمَ إذَا جَرَى فِلَقًا بَتَوَائِمٍ كَمَوَاسِمٍ سُمْرِ رُكّبْنَ فِي مَحْضِ الشّوَى سَبِطٍ كَفْتِ الْوُثُوبِ مُشَدّدِ الْأَسْرِ بَدَادٌ وَفِجَارٌ: وَقَوْلُهُ فَشَكّوا بِالرّمَاحِ بَدَادِ. بَدَادُ مِنْ التّبَدّدِ وَهُوَ التّفَرّقُ وَهُوَ فِي مَوْضِعِ
[ ٧ / ١٣ ]
كُنّا مِنْ الْقَوْمِ الّذِينَ يَلُونَهُمْ وَيُقَدّمُونَ عِنَانَ كُلّ جَوَادِ
كَلّا وَرَبّ الرّاقِصَاتِ إلَى مِنًى يَقْطَعْنَ عَرْضَ مَخَارِمِ الْأَطْوَادِ
حَتّى نُبِيلُ الْخَيْلَ فِي عَرَصَاتِكُمْ وَنَئُوبُ بِالْمَلَكَاتِ وَالْأَوْلَادِ
_________________
(١) نَصْبٍ غَيْرَ أَنّهُ مَبْنِيّ وَنَصْبُهُ كَانْتِصَابِ الْمَصْدَرِ إذَا قُلْت: مَشَيْت الْقَهْقَرَى، وَقَعَدْت الْقُرْفُصَاءَ وَكَأَنّهُ قَالَ طَعَنُوا الطّعْنَةُ الّتِي يُقَالُ لَهَا بَدَادِ وَبَدَادُ مِثْلُ فَجَارِ مِنْ قَوْلِهِ احْتَمَلْت فَجَارِ جَعَلُوهُ اسْمًا عَلَمًا لِلْمَصْدَرِ كَمَا قَالُوا: فَحَمَلْت بَرّةَ فَجُعِلَ بَرّةُ عَلَمًا لِلْبِرّ وَسِرّ هَذِهِ الْعَلَمِيّةِ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ أَنّهُمْ أَرَادُوا الْفِعْلَ الْأَتَمّ الّذِي يُسَمّى بِاسْمِ ذَلِكَ الْفِعْلِ حَقِيقَةً فَقَدْ يَقُولُ الْإِنْسَانُ بَرّ فُلَانٌ وَفَجَرَ أَيْ قَارَبَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِك، أَوْ فَعَلَ مِنْهُ بَعْضَهُ فَإِذَا قَالَ فَعَلْت بَرّةَ فَإِنّمَا يُرِيدُ الْبِرّ الّذِي يُسَمّى بِرّا عَلَى الْحَقِيقَةِ فَجَاءَ بِالِاسْمِ الْعَلَمِ الّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مُسَمّاهُ حَقِيقَةً إذْ لَا يُتَصَوّرُ هَذَا الضّرْبُ مِنْ الْمَجَازِ فِي الْأَعْلَامِ وَكَذَلِكَ إذَا أَرَادَ الْفُجُورَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَأَرَادَ رَفْعَ الْمَجَازِ سَمّاهُ فَجَازَ تَحْقِيقًا لِلْمَعْنَى، أَيْ مِثْلَ هَذِهِ الْفَعْلَةِ يَنْبَغِي أَنْ تُسَمّى بِاسْمِ الْفُجُورِ حَقِيقَةً وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي النّدَاءِ يَا فَسَاقِ وَيَا فُسْقُ فَجَاءُوا بِالصّيغَةِ الْمَعْرُوفَةِ الْعَلَمِيّةِ الْمَعْرُوفَةِ مَعَ النّدَاءِ خَاصّةً أَيْ إنّ هَذَا الِاسْمَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اسْمَهُ الّذِي يُدْعَى بِهِ إذْ الِاسْمُ الْعَلَمُ أَلْزَمُ لِمُسَمّاهُ مِنْ اسْمٍ مُشْتَقّ مِنْ فِعْلٍ فَعَلَهُ لِأَنّ الْفِعْلَ لَا يَثْبُتُ وَالِاسْمَ الْعَلَمَ يَثْبُتُ فَهَذَا هُوَ مَعْزَاهُمْ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الّتِي هِيَ عَلَى صِيَغِ الْأَعْلَامِ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ فَتَأَمّلْهَا، وَقَدْ بَسَطْنَا هَذِهِ الْغُرُضَ بَسْطًا شَافِيًا فِي أَسْرَارِ مَا يَنْصَرِفُ وَمَا لَا يَنْصَرِفُ فَلْتُنْظَرْ هُنَالِكَ فَثَمّ تَرَى سِرّ بِنَائِهَا عَلَى الْكَسْرِ مَعَ مَا يَتّصِلُ بِمَعَانِيهَا إنْ شَاءَ اللهُ وَأَلْفَيْت فِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ ﵀ عَلَى قَوْلِهِ فَشُكّوا بِالرّمَاحِ فَشُلّوا بِاللّامِ الرّوَايَةُ الصّحِيحَةُ وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى، وَوَقَعَ فِي الْأَصْلَيْنِ فَشُكّوا بِالْكَافِ كَمَا فِي هَذَا الْأَصْلِ. إلَى هَاهُنَا انْتَهَى كَلَامُ الشّيْخِ وَالشّلّ بِاللّامِ الطّرْدُ وَالشّكّ بِالْكَافِ الطّعْنُ كَمَا قَالَ:
[ ٧ / ١٤ ]
رَهْوًا بِكُلّ مُقَلّصٍ وَطِمِرّةٍ فِي كُلّ مُعْتَرَكٍ عَطَفْنَ رَوَادِي
أَفْنَى دَوَابِرَهَا وَلَاحَ مُتُونَهَا يَوْمٌ تُقَادُ بِهِ وَيَوْمُ طِرَادِ
فَكَذَاك إنّ جِيَادَنَا مَلْبُونَةٌ وَالْحَرْبُ مُشْعَلَةٌ بِرِيحِ غَوَادِ
وَسُيُوفُنَا بِيضُ الْحَدَائِدِ تَجْتَلِي جُنَنَ الْحَدِيدِ وَهَامَةَ الْمُرْتَادِ
أَخَذَ الْإِلَهُ عَلَيْهِمْ لِحَرَامِهِ وَلِعِزّةِ الرّحْمَنِ بِالْأَسْدَادِ
كَانُوا بِدَارِ نَاعِمِينَ فَبَدّلُوا أَيّامَ ذِي قَرَدٍ وُجُوهَ عِبَادِ
غَضَبُ سَعْدٍ عَلَى حَسّانَ وَمُحَاوَلَةُ حَسّانَ اسْتِرْضَاءَهُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
فَلَمّا قَالَهَا حَسّانُ غَضِبَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ، وَحَلَفَ أَنْ لَا يُكَلّمَهُ أَبَدًا ; قَالَ انْطَلَقَ إلَى خَيْلِي وَفَوَارِسِي فَجَعَلَهَا لِلْمِقْدَادِ فَاعْتَذَرَ إلَيْهِ حَسّانُ وَقَالَ وَاَللهِ مَا ذَاكَ أَرَدْت، وَلَكِنّ الرّوِيّ وَافَقَ اسْمَ الْمِقْدَادِ، وَقَالَ أَبْيَاتًا يُرْضِي بِهَا سَعْدًا:
إذَا أَرَدْتُمْ الْأَشَدّ الْجَلْدَا أَوْ ذَا غِنَاءٍ فَعَلَيْكُمْ سَعْدَا
سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ لَا يُهَدّ هَدّا
فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ سَعْدٌ وَلَمْ يُغْنِ شَيْئًا.
_________________
(١) شَكّ الْفَرِيصَةَ بِالْمِدْرَى فَأَنْفَذَهَا شَكّ الْمُبَيْطَرِ إذْ يَشْفِي مِنْ الْعَضَدِ عَوْدٌ إلَى شَرْحِ شِعْرِ حَسّانَ: وَقَوْلُهُ رَهْوًا أَيْ مَشْيًا بِسُكُونِ وَيُقَالُ لِمُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ أَيْضًا رَهْوٌ وَالرّهْوُ أَسْمَاءُ الْكُرْكِيّ وَالرّهْوُ الْمِرْآةُ الْوَاسِعَةُ. وَقَوْلُهُ رَوَادِي، أَيْ تَرْدِي بِفُرْسَانِهَا، أَيْ: تُسْرِعُ
[ ٧ / ١٥ ]
شِعْرٌ آخَرُ لِحَسّانَ فِي يَوْمِ ذِي قَرَدٍ:
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي يَوْمِ ذِي قَرَدٍ:
أَظَنّ عُيَيْنَةُ إذْ زَارَهَا بِأَنْ سَوْفَ يَهْدِمَ فِيهَا قُصُورَا
فَأُكْذِبْت مَا كُنْت صَدّقْته وَقُلْتُمْ سَنَغْنَمُ أَمْرًا كَبِيرَا
فَعِفْت الْمَدِينَةَ إذْ زُرْتهَا وَآنَسْت لِلْأَسَدِ فِيهَا زَئِيرًا
فَوَلّوْا صِرَاعًا كَشَدّ النّعَامِ وَلَمْ يَكْشِفُوا عَنْ مُلِطّ حَصِيرًا
أَمِيرٌ عَلَيْنَا رَسُولُ الْمَلِيكِ أَحْبِبْ بِذَاكَ إلَيْنَا أَمِيرَا
رَسُولٌ نُصَدّقُ مَا جَاءَهُ وَيَتْلُو كِتَابًا مُضِيئًا مُنِيرَا
شِعْرُ كَعْبٍ فِي يَوْمِ ذِي قَرَدٍ لِلْفَوَارِسِ:
أَتَحْسَبُ أَوْلَادُ اللّقِيطَةِ أَنّنَا عَلَى الْخَيْلِ لَسْنَا مِثْلَهُمْ فِي الْفَوَارِسِ
وَإِنَّا أنَاس لانرى الْقَتْل سبة ولاننثني عِنْدَ الرّمَاحِ الْمَدَاعِسِ
وَإِنّا لَنَقْرِي الضّيْفَ مِنْ قَمَعِ الذّرَا ونضرب رَأس الأبلخ الْمُتَشَاوِسِ
نَرُدّ كُمَاةَ الْمُعْلَمِينَ إذَا انْتَخَوْا بِضَرْبِ يُسَلّي نَخْوَةَ الْمُتَقَاعِسِ
_________________
(١) قَصِيدَةٌ أُخْرَى لِحَسّانَ: وَقَوْلُ حَسّانَ فِي خَيْلِ عُيَيْنَةَ: فَوَلّوْا سِرَاعًا كَشَدّ النّعَا مِ وَلَمْ يَكْشِفُوا عَنْ مُلِطّ حَصِيرَا أَيْ لَمْ يَغْنَمُوا بَعِيرًا، وَلَا كَشَفُوا عَنْهُ حَصِيرًا يَعْنِي: بِالْحَصِيرِ مَا يُكَنّفُ بِهِ حَوْلَ الْإِبِلِ مِنْ عِيدَانِ الْحَظِيرَةِ وَالْمُلِطّ مِنْ قَوْلِهِمْ لَطّتْ النّاقَةُ وَأَلَطّتْ بِذَنَبِهَا إذَا أَدْخَلَتْهُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا.
[ ٧ / ١٦ ]
بِكُلّ فَتًى حَامِي الْحَقِيقَةِ مَاجِدٍ كَرِيمٍ كَسِرْحَانِ الْغَضَاةِ مُخَالِسِ
يَذُودُونَ عَنْ أَحْسَابِهِمْ وَتِلَادِهِمْ بِبِيضِ تَقُدّ الْهَامَ تَحْتَ الْقَوَانِسِ
فَسَائِلْ بَنِي بَدْرٍ إذَا مَا لَقِيتهمْ بِمَا فَعَلَ الْإِخْوَانُ يَوْمَ التّمَارُسِ
إذَا مَا خَرَجْتُمْ فَاصْدُقُوا مِنْ لَقِيتُمْ وَلَا تَكْتُمُوا أَخْبَارَكُمْ فِي الْمَجَالِسِ
وَقُولُوا زَلَلْنَا عَنْ مَخَالِبِ خَادِرٍ بِهِ وَحَرٌ فِي الصّدْرِ مَا لَمْ يُمَارِسْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَيْتَهُ "وَإِنّا لَنُقْرِي الضّيْفَ" أَبُو زَيْدٍ.
شِعْرُ شَدّادٍ لِعُيَيْنَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ شَدّادُ بْنُ عَارِضٍ الْجُشَمِيّ، فِي يَوْمِ ذِي قَرَدٍ لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وَكَانَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ يُكَنّى بِأَبِي مَالِكٍ:
فَهَلّا كَرَرْت أَبَا مَالِكٍ وَخَيْلُك مُدْبِرَةٌ تُقْتَلُ
ذَكَرْت الْإِيَابَ إلَى عَسْجَرٍ وَهَيْهَاتَ قَدْ بَعُدَ الْمُقْفَلُ
وَطَمّنْتَ نَفْسَك ذَا مَيْعَةٍ مِسَحَ الْفَضَاءِ إذَا يُرْسَلْ
إذَا قَبضته إِلَيْك الشمَال جَاشَ كَمَا اضْطَرَمَ الْمِرْجَلُ
فَلَمّا عَرَفْتُمْ عباد الْإِلَه لَمْ يَنْظُرْ الْآخِرَ الْأَوّلُ
عَرَفْتُمْ فَوَارِسَ قَدْ عَوّدُوا طِرَادَ الْكُمَاةِ إذَا أَسْهَلُوا
إذَا طَرَدُوا الْخَيْلَ تَشْقَى بِهِمْ فَضَاحًا وَإِنْ يُطْرَدُوا يَنْزِلُوا
فَيَعْتَصِمُوا فِي سَوَاء الْمقَام بِالْبِيضِ أَخْلَصَهَا الصّيْقَلُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٧ ]
غَزْوَةُ بني المصطلق
وَقتهَا:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ بَعْضَ جُمَادَى الْآخِرَةِ وَرَجَبًا ثُمّ غَزَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، فِي شَعْبَانَ سنة سِتّ.
اسْتِعْمَال أبي ذَر على الْمَدِينَة:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا ذَرّ الْغِفَارِيّ وَيُقَالُ نُمَيْلَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ اللَّيْثِيّ.
سَبَب غَزْو الرَّسُول لَهُم:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَمُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبّانَ، كُلّ قَدْ حَدّثَنِي بَعْضَ حَدِيثِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ قَالُوا:
بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ يَجْمَعُونَ لَهُ وَقَائِدُهُمْ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ضِرَارٍ أَبُو جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، زَوْجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِهِمْ.
_________________
(١) غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ بَنُو جُذَيْمَةَ بْنِ كَعْبٍ مِنْ خُزَاعَةَ، فَجُذَيْمَةُ هُوَ الْمُصْطَلِقُ وَهُوَ مُفْتَعِلٌ مِنْ الصّلْقِ وَهُوَ رَفْعُ الصّوْتِ. وَذَكَرَ الْمُرَيْسِيعَ، وَهُوَ مَاءٌ لِخُزَاعَةَ وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ رَسَعَتْ عَيْنُ الرّجُلِ إذَا دَمَعَتْ مِنْ فَسَادٍ.
[ ٧ / ١٨ ]
خَرَجَ إلَيْهِمْ حَتّى لَقِيَهُمْ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ الْمُرَيْسِيعُ، مِنْ نَاحِيَةِ قُدَيْدٍ إلَى السّاحِلِ، فَتَزَاحَفَ النّاسُ وَاقْتَتَلُوا، فَهَزَمَ اللهُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ وَنَفَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فأفاءهم عَلَيْهِ.
موت ابْنِ صُبَابَةَ:
وَقَدْ أُصِيبَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَنِي كَلْبِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرٍ يُقَالُ لَهُ هِشَامُ بْنُ صُبَابَةَ، أَصَابَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ رَهْطِ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ، وَهُوَ يَرَى أَنّهُ مِنْ الْعَدُوّ فَقتله خطأ.
جَهْجَاه وَسنَان وَمَا كَانَ من ابْن أبي:
فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ وَرَدَتْ وَارِدَةُ النّاسِ وَمَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ أَجِيرٌ لَهُ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، يُقَالُ لَهُ جَهْجَاهُ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُودُ فَرَسَهُ فَازْدَحَمَ جَهْجَاهٌ وَسِنَانُ بْنُ وَبَرٍ الْجُهَنِيّ حَلِيفُ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ عَلَى الْمَاءِ فَاقْتَتَلَا، فَصَرَخَ الْجُهَنِيّ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَصَرَخَ جَهْجَاهٌ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ فَغَضِبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ ابْنُ سَلُولَ وَعِنْدَهُ رَهْطٌ مِنْ قَوْمِهِ فِيهِمْ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ غُلَامٌ حَدَثٌ فَقَالَ أَوَقَدْ فَعَلُوهَا، قَدْ نَافَرُونَا وَكَاثَرُونَا فِي بِلَادِنَا، وَاَللهِ مَا أَعُدّنَا وَجَلَابِيبَ قُرَيْشٍ
_________________
(١) وَذَكَرَ سِنَانَ بْنَ وَبْرَةَ وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ سِنَانُ بْنُ تَمِيمٍ مِنْ جُهَيْنَةَ بْنِ سَوْدِ بْنِ أَسْلَمَ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ. تَحْرِيمُ دَعْوَى الْجَاهِلِيّةِ وَذَكَرَ أَنّهُ نَادَى: يَا لَلْأَنْصَارِ وَنَادَى جَهْجَاهٌ الْغِفَارِيّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا قَالَ النّبِيّ ﷺ حِينَ سَمِعَهُمَا، وَفِي الصّحِيحِ أَنّهُ ﵇ حِينَ سَمِعَهُمَا مِنْهُمَا، قَالَ" دَعُوهَا فَإِنّهَا مُنْتِنَةٌ " يَعْنِي: إنّهَا كَلِمَةٌ خَبِيثَةٌ لِأَنّهَا مِنْ دَعْوَى
[ ٧ / ١٩ ]
إلّا كَمَا قَالَ الْأَوّلُ سَمّنْ كَلْبَك يَأْكُلْك، أَمَا وَاَللهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنّ الْأَعَزّ مِنْهَا الْأَذَلّ.
ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ فَقَالَ لَهُمْ هَذَا مَا فَعَلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ أَحْلَلْتُمُوهُمْ بِلَادَكُمْ وَقَاسَمْتُمُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ أَمَا وَاَللهِ لَوْ أَمْسَكْتُمْ عَنْهُمْ مَا بِأَيْدِيكُمْ لَتَحَوّلُوا إلَى غَيْرِ دَارِكُمْ. فَسَمِعَ ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَمَشَى بِهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَذَلِكَ عِنْدَ فَرَاغِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ عَدُوّهِ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، وَعِنْدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، فَقَالَ مُرْ بِهِ عَبّادَ بْنَ بِشْرٍ فَلْيَقْتُلْهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَكَيْفَ يَا عُمَرُ إذَا تَحَدّثَ النّاسُ أَنّ مُحَمّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ لَا وَلَكِنْ أَذّنْ بِالرّحِيلِ وَذَلِكَ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْتَحِلُ فِيهَا، فارتحل النَّاس
اعتذار ابْن أبي للرسول
وَقَدْ مَشَى عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ ابْنُ سَلُولَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ بَلَغَهُ أَنّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قَدْ بَلَغَهُ مَا سَمِعَ مِنْهُ فَحَلَفَ بِاَللهِ مَا قُلْت مَا قَالَ وَلَا تَكَلّمْت بِهِ - وَكَانَ فِي قَوْمِهِ شَرِيفًا عَظِيمًا - فَقَالَ مَنْ حَضَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَا رَسُولَ اللهِ عَسَى أَنْ يَكُونَ الْغُلَامُ قَدْ أَوْهَمَ فِي حَدِيثِهِ وَلَمْ يَحْفَظْ مَا قَالَ الرّجُلُ حَدَبًا عَلَى ابْنِ أُبَيّ ابْنِ سَلُولَ ودفعا عَنهُ
_________________
(١) الْجَاهِلِيّةِ وَجَعَلَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ إخْوَةً وَحِزْبًا وَاحِدًا، فَإِنّمَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الدّعْوَةُ يَا لَلْمُسْلِمِينَ فَمَنْ دَعَا فِي الْإِسْلَامِ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيّةِ فَيَتَوَجّهُ لِلْفُقَهَاءِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا: أَنْ يُجْلَدَ مَنْ اسْتَجَابَ لَهَا بِالسّلَاحِ خَمْسِينَ سَوْطًا اقْتِدَاءً بِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي جَلْدِهِ النّابِغَةَ الْجَعْدِيّ خَمْسِينَ سَوْطًا، حِينَ سَمِعَ يَا لَعَامِرٍ فَأَقْبَلَ يَشْتَدّ بِعُصْبَةِ لَهُ. وَالْقَوْلُ الثّانِي: أَنّ فِيهَا الْجَلْدَ دُونَ الْعَشْرَةِ لِنَهْيِهِ ﵇ أَنْ يُجْلَدَ أَحَدٌ فَوْقَ الْعَشْرَةِ إلّا فِي حَدّ وَالْقَوْلُ الثّالِثُ اجْتِهَادُ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَاهُ مِنْ سَدّ الذّرِيعَةِ وَإِغْلَاقِ بَابِ الشّرّ إمّا بِالْوَعِيدِ وَإِمّا بِالسّجْنِ وَإِمّا بِالْجَلْدِ. فَإِنْ قِيلَ إنّ النّبِيّ ﷺ لَمْ يُعَاقِبْ الرّجُلَيْنِ حِينَ دَعَوْا بِهَا قُلْنَا: قَدْ قَالَ دَعُوهَا
[ ٧ / ٢٠ ]
الرَّسُول وَأسيد ومقالة ابْن أبي:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَلَمّا اسْتَقَلّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَسَارَ لَقِيَهُ أُسَيْدَ بْنُ حُضَيْرٍ فَحَيّاهُ بِتَحِيّةِ النّبُوّةِ وَسَلّمَ عَلَيْهِ ثُمّ قَالَ يَا نَبِيّ اللهِ وَاَللهِ لَقَدْ رُحْت فِي سَاعَةٍ مُنْكَرَةٍ مَا كُنْت تَرُوحُ فِي مِثْلِهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَوَمَا بَلَغَك مَا قَالَ صَاحِبُكُمْ؟ قَالَ وَأَيّ صَاحِبٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ. قَالَ وَمَا قَالَ؟ قَالَ زَعَمَ أَنّهُ إنْ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنّ الْأَعَزّ مِنْهَا الْأَذَلّ قَالَ فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ وَاَللهِ تُخْرِجُهُ مِنْهَا إنْ شِئْت، هُوَ وَاَللهِ الذّلِيلُ وَأَنْت الْعَزِيزُ ثُمّ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ اُرْفُقْ بِهِ فَوَاَللهِ لَقَدْ جَاءَنَا اللهُ بِك، وَإِنّ قَوْمَهُ لَيَنْظِمُونَ لَهُ الْحَرَزَ لِيُتَوّجُوهُ فَإِنّهُ لَيَرَى أَنّك قَدْ استلبته ملكا.
سير الرَّسُول بِالنَّاسِ ليشغلهم عَن الْفِتْنَة:
ثُمّ مَشَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنّاسِ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ حَتّى أَمْسَى، وَلَيْلَتَهُمْ حَتّى أَصْبَحَ وَصَدْرَ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ حَتّى آذَتْهُمْ الشّمْسُ ثُمّ نَزَلَ بِالنّاسِ فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ وَجَدُوا مَسّ
_________________
(١) فَإِنّهَا مُنْتِنَةٌ فَقَدْ أَكّدَ النّهْيَ فَمَنْ عَادَ إلَيْهَا بَعْدَ هَذَا النّهْيِ وَبَعْدَ وَصْفِ النّبِيّ ﷺ لَهَا بِالْإِنْتَانِ وَجَبَ أَنْ يُؤَدّبَ حَتّى يَشُمّ نَتْنَهَا، كَمَا فَعَلَ أَبُو مُوسَى ﵀ بِالْجَعْدِيّ فَلَا مَعْنَى لِنَتْنِهَا إلّا سُوءُ الْعَاقِبَةِ فِيهَا وَالْعُقُوبَةُ عَلَيْهَا. جَهْجَاهٌ وَأَمّا جَهْجَاهٌ فَهُوَ ابْنُ مَسْعُودِ بْنِ سَعْدِ بْنِ حَرَامٍ وَهُوَ الّذِي رَوَى عَنْ النّبِيّ ﷺ" الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ " وَهُوَ كَانَ صَاحِبَ هَذِهِ الْقِصّةِ فِيمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبَزّارُ، وَقَدْ قِيلَ أَيْضًا: إنّ الرّجُلَ الّذِي
[ ٧ / ٢١ ]
الْأَرْضِ فَوَقَعُوا نِيَامًا، وَإِنّمَا فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيَشْغَلَ النّاسَ عَنْ الْحَدِيثِ الّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بن أبي.
تنبؤ الرَّسُول بِمَوْت رِفَاعَة:
ثُمّ رَاحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنّاسِ وَسَلَكَ الْحِجَازَ حَتّى نَزَلَ عَلَى مَاءٍ بِالْحِجَازِ فُوَيْقَ النّقِيعِ ; يُقَالُ لَهُ بَقْعَاءُ. فَلَمّا رَاحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَبّتْ عَلَى النّاسِ رِيحٌ شَدِيدَةٌ آذَتْهُمْ وَتَخَوّفُوهَا ; فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا تَخَافُوهَا، فَإِنّمَا هَبّتْ لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ الْكُفّارِ. فَلَمّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ وَجَدُوا رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ أَحَدَ بَنِي قَيْنُقَاعِ وَكَانَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءِ يَهُودَ وَكَهْفًا لِلْمُنَافِقِينَ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ
مَا نَزَلَ فِي ابْنِ أُبَيّ مِنْ الْقُرْآنِ:
وَنَزَلَتْ السّورَةُ الّتِي ذَكَرَ اللهُ فِيهَا الْمُنَافِقِينَ فِي ابْنِ أُبَيّ وَمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ أَمْرِهِ فَلَمّا نَزَلَتْ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأُذُنِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ثُمّ قَالَ هَذَا الّذِي أَوْفَى اللهُ بِأُذُنِهِ " وَبَلَغَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ الّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِ أَبِيهِ.
_________________
(١) قَالَ فِيهِ ﵇ هَذِهِ الْمَقَالَةَ هُوَ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ الْحَنَفِيّ، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ، وَقِيلَ بَلْ هُوَ أَبُو بَصْرَةَ [جَمِيلُ بْن بَصْرَةَ] الْغِفَارِيّ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَمَاتَ جَهْجَاهٌ هَذَا بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ ﵀ أَخَذَتْهُ الْأَكِلَةُ فِي رُكْبَتِهِ فَمَاتَ مِنْهَا، وَكَانَ قَدْ كَسَرَ بِرُكْبَتِهِ عَصَا رَسُولِ اللهِ ﷺ - الّتِي كَانَ يَخْطُبُ بِهَا، وَذَلِكَ أَنّهُ انْتَزَعَهَا مِنْ عُثْمَانَ حِينَ أُخْرِجَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَمُنِعَ مِنْ الصّلَاةِ فِيهِ فَكَانَ هُوَ أَحَدَ الْمُعِينِينَ عَلَيْهِ حَتّى كَسَرَ الْعَصَا عَلَى رُكْبَتِهِ فِيمَا ذَكَرُوا، فَابْتُلِيَ بِمَا اُبْتُلِيَ بِهِ مِنْ الْأَكِلَةِ. نَعُوذُ بِاَللهِ مِنْ عُقُوبَتِهِ وَنَسْتَجِيرُ بِهِ مِنْ الْأَهْوَاءِ الْمُضِلّةِ.
[ ٧ / ٢٢ ]
طلب ابْن عبد الله بن أبي أَن يتَوَلَّى هُوَ قتل ابيه وعفو الرَّسُول عَنهُ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ:
أَنّ عَبْدَ اللهِ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إنّهُ بَلَغَنِي أَنّك تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيّ فِيمَا بَلَغَك عَنْهُ فَإِنْ كُنْت لَا بُدّ فَاعِلًا فَمُرْنِي بِهِ فَأَنَا أَحْمِلُ إلَيْك رَأْسَهُ فَوَاَللهِ لَقَدْ عَلِمَتْ الْخَزْرَجُ مَا كَانَ لَهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرّ بِوَالِدِهِ مِنّي، وَإِنّي أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلُهُ فَلَا تَدْعُنِي نَفْسِي أَنْظُرُ إلَى قَاتِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ يَمْشِي فِي النّاسِ فَأَقْتُلُهُ فَأَقْتُلُ [رَجُلًا] مُؤْمِنًا بِكَافِرِ فَأَدْخُلُ النّارَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَلْ نَتَرَفّقُ بِهِ وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِي مَعنا.
تولي قوم ابْن أبي مجازاته:
وَجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا أَحْدَثَ الْحَدَثَ كَانَ قَوْمُهُ هُمْ الّذِينَ يُعَاتِبُونَهُ وَيَأْخُذُونَهُ وَيُعَنّفُونَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعُمَرِ بْنِ الْخَطّاب، حِينَ بَلَغَهُ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهِمْ كَيْفَ تَرَى يَا عُمَرُ أَمَا وَاَللهِ لَوْ قَتَلْته يَوْمَ قُلْت لِي اُقْتُلْهُ لَأَرْعِدْت لَهُ آنِفَ لَوْ أَمَرْتهَا الْيَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلْته ; قَالَ قَالَ عُمَرُ قَدْ وَاَللهِ عَلِمْت لَأَمْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ أَمْرِي
_________________
(١) مَوْقِفُ عَبْدِ اللهِ الصّحَابِيّ مِنْ أَبِيهِ الْمُنَافِقِ وَدِلَالَتُهُ: وَذَكَرَ مَقَالَةَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ، وَأَنّ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ اسْتَأْذَنَ النّبِيّ ﷺ فِي قَتْلِ أَبِيهِ مِنْ أَجْلِ تِلْكَ الْمَقَالَةِ وَفِي هَذَا الْعِلْمُ الْعَظِيمُ وَالْبُرْهَانُ النّيّرُ مِنْ أَعْلَامِ النّبُوّةِ فَإِنّ الْعَرَبَ كَانَتْ أَشَدّ خَلْقِ اللهِ حَمِيّةً وَتَعَصّبًا، فَبَلَغَ الْإِيمَانُ مِنْهُمْ وَنُورُ الْيَقِينِ مِنْ قُلُوبِهِمْ إلَى أَنْ يَرْغَبَ الرّجُلُ مِنْهُمْ فِي قَتْلِ أَبِيهِ وَوَلَدِهِ تَقَرّبًا إلَى اللهِ وَتَزَلّفًا إلَى رَسُولِهِ مَعَ أَنّ الرّسُولَ - ﵇ - أَبْعَدُ النّاسِ نَسَبًا مِنْهُمْ وَمَا تَأَخّرَ إسْلَامُ قَوْمِهِ وَبَنِيّ عَمّهِ وَسَبَقَ إلَى الْإِيمَانِ بِهِ الْأَبَاعِدُ إلّا لِحِكْمَةِ عَظِيمَةٍ إذْ لَوْ بَادَرَ أَهْلُهُ وَأَقْرَبُوهُ إلَى الْإِيمَانِ بِهِ لَقِيلَ قَوْمٌ أَرَادُوا الْفَخْرَ بِرَجُلِ مِنْهُمْ وَتَعَصّبُوا لَهُ فَلَمّا بَادَرَ إلَيْهِ الْأَبَاعِدُ وَقَاتَلُوا عَلَى حُبّهِ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ عُلِمَ أَنّ ذَلِكَ عَنْ بَصِيرَةٍ صَادِقَةٍ وَيَقِينٍ قَدْ تَغَلْغَلَ فِي قُلُوبِهِمْ وَرَهْبَةٍ مِنْ اللهِ أَزَالَتْ صِفَةً قَدْ كَانَتْ
[ ٧ / ٢٣ ]
مَقْيَسٍ بن صبَابَة وحيلته فِي الْأَخْذ بثأر أَخِيه وشعره فِي ذَلِك:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَدِمَ مَقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ مِنْ مَكّةَ مُسْلِمًا، فِيمَا يَظْهَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ جِئْتُك مُسْلِمًا، وَجِئْتُك أَطْلُبُ دِيَةَ أَخِي، قُتِلَ خَطَأً. فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِدِيَةِ أَخِيهِ هِشَامِ بْنِ صُبَابَةَ ; فَأَقَامَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَيْرَ كَثِيرٍ ثُمّ عَدَا عَلَى قَاتِلِ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ ثُمّ خَرَجَ إلَى مَكّةَ مُرْتَدّا "فَقَالَ فِي شِعْرٍ يَقُولُهُ:
شَفَى النّفْسَ أَنْ قَدْ مَاتَ بِالْقَاعِ مُسْنَدًا تُضَرّجُ ثَوْبَيْهِ دِمَاءُ الْأَخَادِعِ
وَكَانَتْ هُمُومُ النّفْسِ مِنْ قَبْلِ قَتْلِهِ تُلِمّ فَتَحْمِينِي وِطَاءَ الْمَضَاجِعِ
حَلَلْت بِهِ وِتْرِي وَأَدْرَكْت ثُؤْرَتِي وَكُنْت إلَى الْأَوْثَانِ أَوّلَ رَاجِعِ
ثَأَرْت بِهِ فِهْرًا وَحَمّلْت عَقْلَهُ سَرَاةَ بَنِي النّجّارِ أَرْبَابِ فَارِعِ
وَقَالَ مَقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ أَيْضًا:
_________________
(١) سَدِكَتْ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ أَخْلَاقِ الْجَاهِلِيّةِ لَا يَسْتَطِيعُ إزَالَتُهَا إلّا الّذِي فَطَرَ الْفِطْرَةَ الْأُولَى، وَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى مَا يَشَاءُ وَأَمّا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ فَكَانَ مِنْ كُتّابِ النّبِيّ - ﷺ - وَكَانَ اسْمُهُ حُبَابٌ وَبِهِ كَانَ يُكَنّى أَبُوهُ فَسَمّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ مَاتَ شَهِيدًا بِالْيَمَامَةِ ﵁ وَرَوَى الدّارَقُطْنِيّ مُسْنَدًا "أَنّ النّبِيّ - ﷺ - مَرّ عَلَى جَمَاعَةٍ فِيهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ فَسَلّمَ عَلَيْهِمْ ثُمّ وَلّى، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ لَقَدْ عَنَا ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ فَسَمِعَهَا ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ فَاسْتَأْذَنَ النّبِيّ ﷺ فِي أَنْ يَأْتِيَهُ بِرَأْسِ أَبِيهِ فَقَالَ لَا، وَلَكِنْ بِرّ أَبَاك " وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنّ النّبِيّ ﷺ حِينَ بَلَغَتْهُ مَقَالَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ: مَتَنَ النّاسَ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ وَيُرْوَى مَشَى، فَأَمّا مَتَنَ فَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ يُقَالُ سَارُوا سَيْرًا مُمَاتِنًا، أَيْ بَعِيدًا.
[ ٧ / ٢٤ ]
جَلّلْته ضَرْبَةً بَاءَتْ لَهَا وَشَلٌ مِنْ نَاقِعِ الْجَوْفِ يَعْلُوهُ وَيَنْصَرِمُ
فَقُلْت وَالْمَوْتُ تَغْشَاهُ أَسِرّتُهُ لَا تَأْمَنَنّ بَنِي بَكْرٍ إذْ ظَلَمُوا
شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَكَانَ شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ: يَا مَنْصُورُ، أَمِتْ أَمِتْ.
قَتْلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَأُصِيبَ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ يَوْمَئِذٍ نَاسٌ، وَقَتَلَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ مَالِكًا وَابْنَهُ وَقَتَلَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَجُلًا مِنْ فُرْسَانِهِمْ يُقَالُ لَهُ أَحْمَرُ أَوْ أُحَيْمِرُ
أَمْرُ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ أَصَابَ مِنْهُمْ سَبْيًا كَثِيرًا، فَشَاءَ قَسْمَهُ فِي الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ فِيمَنْ أُصِيبَ يَوْمَئِذٍ مِنْ السّبَايَا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ، زَوْجُ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
_________________
(١) حَوْلَ حَدِيثِ جُوَيْرِيَةَ "مُلّاحَةٌ وَمَلِيحٌ" فَصْلٌ وَذَكَرَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَوُقُوعَهَا فِي السّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، أَوْ لِابْنِ عَمّ لَهُ ثُمّ جَاءَتْ تَسْتَعِينُ فِي كِتَابَتِهَا، قَالَتْ عَائِشَةُ وَكَانَتْ امْرَأَةً حُلْوَةً مُلّاحَةً. الْمُلّاحُ أَبْلَغُ مِنْ الْمَلِيحِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَكَذَلِكَ الْوَضّاءُ أَبْلَغُ مِنْ الْوَضِيءِ وَالْكُبّارُ كَذَلِكَ أَبْلَغُ مِنْ الْكَبِيرِ غَيْرَ أَنّهُ لَا يُوصَفُ الْبَارِي سُبْحَانَهُ بِهَذَا اللّفْظِ فَيُقَالُ فِيهِ كُبّارٌ بِمَعْنَى كَبِيرٍ لِأَنّهُ عَلَى بِنْيَةِ الْجَمْعِ نَحْوَ ضُرّابٍ وَشُهّادٍ فَكَانَ لَفْظُ الْكَبِيرِ وَنَحْوُهُ أَبْعَدَ مِنْ الِاشْتِرَاكِ وَأَدَلّ عَلَى الْوَحْدَانِيّةِ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَأَمّا مَعْنَى: الْمُلّاحَةِ فَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنّهَا مِنْ الْمُلْحَةِ وَهِيَ الْبَيَاضُ، تَقُولُ
[ ٧ / ٢٥ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
لَمّا قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ فِي السّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشّمّاسِ أَوْ لِابْنِ عَمّ لَهُ فَكَاتَبَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا، وَكَانَتْ امْرَأَةً حُلْوَةً مُلّاحَةً لَا يَرَاهَا أَحَدٌ إلّا أَخَذَتْ بِنَفْسِهِ فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَسْتَعِينُهُ فِي كِتَابَتِهَا قَالَتْ عَائِشَةُ فَوَاَللهِ مَا هُوَ إلّا أَنْ رَأَيْتهَا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي فَكَرِهْتهَا، وَعَرَفْت أَنّهُ سَيَرَى مِنْهَا ﷺ مَا رَأَيْت، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ
_________________
(١) الْعَرَبُ: عِنَبٌ مُلّاحِيّ وَالصّحِيحُ فِي مَعْنَى الْمَلِيحِ، أَنّهُ مُسْتَعَارٌ مِنْ قَوْلِهِمْ طَعَامٌ مَلِيحٌ إذَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْمِلْحِ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهُ وَلِذَلِكَ إذَا بَالَغُوا فِي الْمَدْحِ قَالُوا: مَلِيحٌ قَزِيحٌ فَمَلِيحٌ مِنْ مَلَحْت الْقِدْرَ وَقَزِيحٌ مِنْ قَزَحْتهَا إذَا طَيّبْت نَكْهَتَهَا بِالْأَفَاوِيَةِ وَهِيَ الْأَقْزَاحُ وَبِذَلِكَ عَلَى بُعْدِ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ الْبَيَاضِ قَوْلُهُمْ فِي الْأَسْوَدِ مَلِيحٌ وَفِي الْعَيْنَيْنِ إذَا اشْتَدّ سَوَادُهُمَا وَحُسْنُهُمَا كَمَا جَاءَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبّةً مِنّي﴾ [طَه: ٣٩] . أَنّهَا مَلَاحَةٌ فِي الْعَيْنَيْنِ وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ: الْحُسْنُ فِي الْعَيْنَيْنِ وَالْجَمَالُ فِي الْأَنْفِ وَالْمَلَاحَةُ فِي الْفَمِ. وَقَالَتْ امْرَأَةُ خَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ لِبَعْلِهَا: إنّك لَجَمِيلٌ يَا أَبَا صَفْوَانَ فَقَالَ وَكَيْفَ وَلَيْسَ عِنْدِي رِدَاءُ الْجَمَالِ وَلَا بُرْنُسُهُ وَلَا عَمُودُهُ؟ ثُمّ قَالَ عَمُودُهُ الطّولُ وَأَنَا رَبْعَةٌ وَبُرْنُسُهُ سَوَادُ الشّعْرِ وَأَنَا أَشْمَطُ وَرِدَاؤُهُ الْبَيَاضُ، وَأَنَا آدَمُ وَلَكِنْ قُولِي: إنّك مَلِيحٌ ظَرِيفٌ. فَعَلّمَهَا أَنّ الْمَلَاحَةَ قَدْ تَكُونُ مِنْ صِفَةِ الْآدَمِ فَهِيَ إِذا لَيْسَتْ مِنْ مَعْنَى الْبَيَاضِ فِي شَيْءٍ وَإِنّمَا هِيَ ضِدّ الْمَسَاسَةِ. غَيْرَةُ نِسَاءِ النّبِيّ ﷺ وَالنّظَرُ إلَى الْمَرْأَةِ وَقَوْلُ عَائِشَةَ فِي جُوَيْرِيَةَ فَوَاَللهِ مَا هُوَ إلّا أَنْ رَأَيْتهَا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي
[ ٧ / ٢٦ ]
الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ، سَيّدِ قَوْمِهِ وَقَدْ أَصَابَنِي مِنْ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْك، فَوَقَعْت فِي السّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ بْنِ الشّمّاسِ أَوْ لِابْنِ عَمّ لَهُ فَكَاتَبْته عَلَى نَفْسِي فَجِئْتُك أَسْتَعِينُك عَلَى كِتَابَتِي، قَالَ فَهَلْ لَك فِيّ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَتْ وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ أَقْضِي عَنْك كِتَابَتَك وَأَتَزَوّجُك ; قَالَتْ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ قَدْ فَعَلْت. قَالَتْ وَخَرَجَ الْخَبَرُ إلَى النّاسِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ تَزَوّجَ جُوَيْرِيَةَ ابْنَةَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ، فَقَالَ النّاسُ أَصْهَارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَرْسَلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ قَالَتْ فَلَقَدْ أُعْتِقَ بِتَزْوِيجِهِ إيّاهَا مِائَةُ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَمَا أَعْلَمُ امْرَأَةً كَانَتْ أَعْظَمَ عَلَى قَوْمِهَا بَرَكَةً مِنْهَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَيُقَالُ لَمّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَمَعَهُ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَكَانَ بِذَاتِ الْجَيْشِ دَفَعَ جُوَيْرِيَةَ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَدِيعَةً وَأَمَرَهُ
_________________
(١) فَكَرِهْتهَا. فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَزْوَاجُ النّبِيّ - ﷺ - مِنْ الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ وَالْعِلْمِ بِمَوْقِعِ الْجَمَالِ مِنْهُ كَمَا قَدْ رُوِيَ أَنّهُ - ﵇ - أَنّهُ خَطَبَ امْرَأَةً فَأَرْسَلَ عَائِشَةَ لِتَنْظُرَ إلَيْهَا، فَلَمّا رَجَعَتْ إلَيْهِ قَالَتْ مَا رَأَيْت طَائِلًا، فَقَالَ بَلَى لَقَدْ رَأَيْت: خَالًا قَدْ خَدّهَا اقْشَعَرّتْ مِنْهُ كُلّ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِك. وَأَمّا نَظَرُهُ ﵇ لِجُوَيْرِيَةَ حَتّى عَرَفَ مِنْ حُسْنِهَا مَا عَرَفَ فَإِنّمَا ذَلِكَ لِأَنّهَا كَانَتْ امْرَأَةً مَمْلُوكَةً وَلَوْ كَانَتْ حُرّةً مَا مَلَأَ عَيْنَهُ مِنْهَا، لِأَنّهُ لَا يُكْرَهُ النّظَرُ إلَى الْإِمَاءِ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ نَظَرَ إلَيْهَا، لِأَنّهُ نَوَى نِكَاحَهَا، كَمَا نَظَرَ إلَى الْمَرْأَةِ الّتِي قَالَتْ لَهُ إنّي قَدْ وَهَبْت نَفْسِي لَك يَا رَسُولَ اللهِ فَصَعّدَ فِيهَا النّظَرَ ثُمّ صَوّبَ ثُمّ أَنْكَحَهَا مِنْ غَيْرِهِ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﵇ الرّخْصَةُ فِي النّظَرِ إلَى الْمَرْأَةِ عِنْدَ إرَادَةِ نِكَاحِهَا، "وَقَالَ لِلْمُغِيرَةِ حِينَ شَاوَرَهُ فِي نِكَاحِ امْرَأَةٍ لَوْ نَظَرْت إلَيْهَا، فَإِنّ ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا " وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ لِمُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ حِينَ أَرَادَ نِكَاحَ ثُبَيْتَةَ بِنْتَ الضّحّاكِ، وَقَدْ أَجَازَهُ مَالِكٌ فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي زَيْدٍ. وَفِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرَةَ " لَا حَرَجَ أَنْ يَنْظُرَ الرّجُلُ إلَى الْمَرْأَةِ إذَا أَرَادَ
[ ٧ / ٢٧ ]
بِالِاحْتِفَاظِ بِهَا، وَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ الْمَدِينَةَ، فَأَقْبَلَ أَبُوهَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ضِرَارٍ بِفِدَاءِ ابْنَتِهِ فَلَمّا كَانَ بِالْعَقِيقِ نَظَرَ إلَى الْإِبِلِ الّتِي جَاءَ بِهَا لِلْفِدَاءِ فَرَغِبَ فِي بَعِيرَيْنِ مِنْهَا، فَغَيّبَهُمَا فِي شِعْبٍ مِنْ شِعَابِ الْعَقِيقِ، ثُمّ أَتَى إلَى النّبِيّ ﷺ وَقَالَ يَا مُحَمّدُ أَصَبْتُمْ ابْنَتِي، وَهَذَا فِدَاؤُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَيْنَ الْبَعِيرَانِ اللّذَانِ غَيّبْتهمَا بِالْعَقِيقِ، فِي شِعْبِ كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ الْحَارِثُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ، وَأَنّك مُحَمّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَوَاَللهِ مَا اطّلَعَ عَلَى ذَلِكَ إلّا اللهُ فَأَسْلَمَ الْحَارِثُ وَأَسْلَمَ مَعَهُ ابْنَانِ لَهُ وَنَاسٌ مِنْ قَوْمِهِ وَأَرْسَلَ إلَى الْبَعِيرَيْنِ فَجَاءَ بِهِمَا، فَدَفَعَ الْإِبِلَ إلَى النّبِيّ ﷺ وَدُفِعَتْ إلَيْهِ ابْنَتُهُ جُوَيْرِيَةُ فَأَسْلَمَتْ وَحَسُنَ إسْلَامُهَا، فَخَطَبَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى أَبِيهَا، فَزَوّجَهُ إيّاهَا، وَأَصْدَقَهَا أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ "
الْوَلِيدِ بن عقبَة وَبَنُو المصطلق ومانزل فِي ذَلِك من الْقُرْآن:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ إلَيْهِمْ بَعْدَ إسْلَامِهِمْ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَلَمّا
_________________
(١) تَزَوّجَهَا، وَهِيَ لَا تَشْعُرُ وَفِي تَرَاجِمِ الْبُخَارِيّ: النّظَرُ إلَى الْمَرْأَةِ قَبْلَ التّزْوِيجِ وَأَوْرَدَ فِي الْبَابِ قَوْلَهُ ﵇ لِعَائِشَة: أَرَيْتُك فِي الْمَنَامِ يَجِيءُ بِك الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ فَكُشِفَتْ عَنْ وَجْهِك، فَقَالَ هَذِهِ امْرَأَتُك، فَقُلْت: إنْ يَكُنْ مِنْ عِنْدِ اللهِ يَمْضِهِ " وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ حَسَنٌ. وَفِي قَوْلِهِ إنْ يَكُنْ مِنْ عِنْدِ اللهِ سُؤَالٌ لِأَنّ رُؤْيَاهُ وَحْيٌ فَكَيْفَ يُشَكّ فِي أَنّهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ. وَالْجَوَابُ أَنّهُ لَمْ يَشُكّ فِي صِحّةِ الرّؤْيَا، وَلَكِنّ الرّؤْيَا قَدْ تَكُونُ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَقَدْ تَكُونُ لِمَنْ هُوَ نَظِيرُ الْمَرْءِ أَوْ سَمِيّهُ فَمِنْ هَاهُنَا تَطَرّقَ الشّكّ مَا بَيْنَ أَنْ تَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهَا، أَوْ لَهَا تَأْوِيلٌ كَذَلِكَ وَسَمِعْت شَيْخَنَا يَقُولُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ وَلِغَيْرِهِ فِيهِ قَوْلٌ لَا أَرْضَاهُ فَلَا يَخْلُو نَظَرُهُ ﵇ إلَيْهَا مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ وَإِلّا فَقَدْ قَالَ الله تَعَالَى لَهُ: ﴿قُلْ
[ ٧ / ٢٨ ]
سَمِعُوا بِهِ رَكِبُوا إلَيْهِ فَلَمّا سَمِعَ بِهِمْ هَابَهُمْ فَرَجَعَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ أَنّ الْقَوْمَ قَدْ هَمّوا بِقَتْلِهِ وَمَنَعُوهُ مَا قِبَلَهُمْ مِنْ صَدَقَتِهِمْ فَأَكْثَرَ الْمُسْلِمُونَ فِي ذِكْرِ غَزْوِهِمْ حَتّى هَمّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَنْ يَغْزُوَهُمْ فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ قَدِمَ وَفْدُهُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ سَمِعْنَا بِرَسُولِك حِينَ بَعَثْته إلَيْنَا، فَخَرَجْنَا إلَيْهِ لِنُكْرِمَهُ وَنُؤَدّيَ إلَيْهِ مَا قِبَلَنَا مِنْ الصّدَقَةِ فَانْشَمَرَ رَاجِعًا، فَبَلَغَنَا أَنّهُ زَعَمَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنّا خَرَجْنَا إلَيْهِ لِنَقْتُلَهُ وَوَاللهِ مَا جِئْنَا لِذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ وَفِيهِمْ ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ وَاعْلَمُوا أَنّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ . [الحجرات ٦ - ٧] . إِلَى آخر الْآيَة.
وَقَدْ أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ سَفَرِهِ ذَلِكَ كَمَا حَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، حَتّى إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ مَعَهُ عَائِشَةُ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ قَالَ فِيهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا.
_________________
(١) لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ وَهُوَ إمَامُ الْمُتّقِينَ وَقُدْوَةُ الْوَرِعِينَ ﷺ. جُوَيْرِيَةُ وَأَمّا جُوَيْرِيَةُ فَهِيَ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَائِدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَذِيمَةَ، وَجَذِيمَةُ الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، كَانَ اسْمُهَا بَرّةُ فَسَمّاهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - جُوَيْرِيَةَ وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذَا فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ وَكَذَلِكَ زَيْنَبُ.
[ ٧ / ٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بِنْتُ جَحْشٍ كَانَ اسْمُهَا بَرّةَ أَيْضًا وَزَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ رَبِيبَتُهُ ﵇ كَانَ اسْمُهَا بَرّةُ فَسَمّاهُنّ جُمَعٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ الِاسْمِ تُوُفّيَتْ جُوَيْرِيَةُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ سَنَةَ سِتّ أَوْ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ وَكَانَتْ قَبْلَ أَنْ تُسْبَى عِنْدَ مُسَافِعِ بْنِ صَفْوَانَ الْخُزَاعِيّ.
[ ٧ / ٣٠ ]
خَبَرُ الْإِفْكِ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ سَنَةَ سِتّ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
حَدّثَنَا الزّهْرِيّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقّاصٍ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ كُلّ قَدْ حَدّثَنِي بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَعْضُ الْقَوْمِ كَانَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ وَقَدْ جَمَعْت لَك الّذِي حَدثنِي الْقَوْم.
شَأْن الرَّسُول مَعَ نِسَائِهِ فِي سَفَره:
قَالَ مُحَمّدُ بْنُ إسْحَاقَ وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عبد الرَّحْمَن، عنعائشة عَنْ نَفْسِهَا، حِينَ قَالَ فِيهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، فَكُلّ قَدْ دَخَلَ فِي حَدِيثِهَا عَنْ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا يُحَدّثُ بَعْضُهُمْ مَا لَمْ يُحَدّثْ صَاحِبُهُ وَكُلّ كَانَ عَنْهَا ثِقَةً فَكُلّهُمْ حَدّثَ عَنْهَا مَا سمع قَالَت
سُقُوط عقد عَائِشَة وتخلفها للبحث عَنهُ:
كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيّتُهُنّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ فَلَمّا كَانَتْ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ فَخَرَجَ سَهْمِي عَلَيْهِنّ مَعَهُ فَخَرَجَ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ
قَالَتْ: وَكَانَ النّسَاءُ إذْ ذَاكَ إنّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلَقَ لَمْ يُهَيّجْهُنّ اللّحْمُ فَيَثْقُلْنَ وَكُنْت إذَا رُحّلَ لِي بَعِيرِي جَلَسْت فِي هَوْدَجِي، ثُمّ يَأْتِي الْقَوْمُ الّذِينَ يُرَحّلُونَ لِي وَيَحْمِلُونَنِي، فَيَأْخُذُونَ بِأَسْفَلِ الْهَوْدَجِ فَيَرْفَعُونَهُ فَيَضَعُونَهُ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ فَيَشُدّونَهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٠ ]
بِحِبَالِهِ ثُمّ يَأْخُذُونَ بِرَأْسِ الْبَعِيرِ فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ. قَالَتْ فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ سَفَرِهِ ذَلِكَ وَجّهَ قَافِلًا حَتّى إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْمَدِينَةِ نَزَلَ مَنْزِلًا، فَبَاتَ بِهِ بَعْضَ اللّيْلِ ثُمّ أَذّنَ فِي النّاسِ بِالرّحِيلِ فَارْتَحَلَ النّاسُ وَخَرَجْت لِبَعْضِ حَاجَتِي، وَفِي عُنُقِي عِقْدٌ لِي، فِيهِ جَزْعُ ظَفَارٍ، فَلَمّا فَرَغْت انْسَلّ مِنْ عُنُقِي وَلَا أَدْرِي، فَلَمّا رَجَعْت إلَى الرّحْلِ ذَهَبْت أَلْتَمِسُهُ فِي عُنُقِي، فَلَمْ أَجِدْهُ وَقَدْ أَخَذَ النّاسُ فِي الرّحِيلِ فَرَجَعْت إلَى مَكَانِي الّذِي ذَهَبْت إلَيْهِ فَالْتَمَسْته حَتّى وَجَدْته، وَجَاءَ الْقَوْمُ حلافى، الّذِينَ كَانُوا يُرَحّلُونَ لِي الْبَعِيرَ وَقَدْ فَرَغُوا مِنْ رَاحِلَتِهِ فَأَخَذُوا الْهَوْدَجَ وَهُمْ يَظُنّونَ أَنّي فِيهِ كَمَا كُنْت أَصْنَعُ فَاحْتَمَلُوهُ فَشَدّوهُ عَلَى الْبَعِيرِ وَلَمْ يَشُكّوا أَنّي فِيهِ ثُمّ أَخَذُوا بِرَأْسِ الْبَعِيرِ فَانْطَلَقُوا بِهِ فَرَجَعْت إلَى الْعَسْكَرِ وَمَا فِيهِ مِنْ دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ قَدْ انْطلق النَّاس.
مُرُور ابْن الْمُعَطل بهَا واحتماله إِيَّاهَا على بعيره:
قَالَتْ فَتَلَفّفْت بِجِلْبَابِي، ثُمّ اضْطَجَعْت فِي مَكَانِي، وَعَرَفْت أَنْ لَوْ قَدْ اُفْتُقِدْت
_________________
(١) حَدِيثُ الْإِفْكِ فِيهِ مِنْ الْغَرِيبِ قَوْلُ عَائِشَةَ: وَالنّسَاءُ يَوْمَئِذٍ لَمْ يُهَيّجْهُنّ اللَّحْم فيثقلن التهيج: انْتِفَاخٌ فِي الْجِسْمِ قَدْ يَكُونُ مِنْ سِمَنٍ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ آفَةٍ قَالَ الْأَصْمَعِيّ أَوْ غَيْرُهُ: هَجَمْت عَلَى حَيّ مِنْ الْعَرَبِ بِوَادٍ خَصِيبٍ وَإِذَا أَلْوَانُهُمْ مُصْفَرّةٌ وَوُجُوهُهُمْ مُهَيّجَةٌ فَقُلْت لَهُمْ: مَا بَالُكُمْ؟ وَادِيكُمْ أَخْصَبُ وَاد وَأَنْتُم لاتشبهون الْمَخَاصِبَ فَقَالَ لِي شَيْخٌ مِنْهُمْ: إنّ بَلَدَنَا لَيْسَتْ لَهُ رِيحٌ يُرِيدُ: أَنّ الْجِبَالَ أَحَاطَتْ بِهِ فَلَا تُذْهِبُ الرّيَاحُ وَبَاءَهُ وَلَا رَمَدَهُ. صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطّلِ: وَفِيهِ ذِكْرُ صَفْوَانَ بْنِ الْمُعَطّلِ بْنِ رُبَيْضَةَ بْنِ خُزَاعِيّ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ مُرّةَ بْنِ
[ ٧ / ٣١ ]
لَرُجِعَ إلَيّ. قَالَتْ فَوَاَللهِ إنّي لَمُضْطَجِعَةٌ إذْ مَرّ بِي صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطّلِ السّلَمِيّ، وَقَدْ كَانَ تَخَلّفَ عَنْ الْعَسْكَرِ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ فَلَمْ يَبِتْ مَعَ النّاسِ فَرَأَى سَوَادِي، فَأَقْبَلَ حَتّى وَقَفَ عَلَيّ وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ فَلَمّا رَآنِي قَالَ إنّا لِلّهِ وَإِنّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، ظَعِينَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا مُتَلَفّفَةٌ فِي ثِيَابِي، قَالَ مَا خَلْفَك يَرْحَمُك اللهُ؟ قَالَتْ فَلَمّا كَلّمْته، ثُمّ قَرّبَ الْبَعِيرَ فَقَالَ ارْكَبِي وَاسْتَأْخَرَ عَنّي. قَالَتْ فَرَكِبْت، وَأَخَذَ بِرَأْسِ الْبَعِيرِ فَانْطَلَقَ سَرِيعًا، يَطْلُبُ النّاسَ فَوَاَللهِ مَا أَدْرَكْنَا النّاسَ وَمَا اُفْتُقِدْت حَتّى أَصْبَحْت، وَنَزَلَ النّاسُ فَلَمّا اطْمَأَنّوا طَلَعَ الرّجُلُ يَقُودُ بِي، فَقَالَ أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، فَارْتَعَجَ الْعَسْكَرُ وَوَاللهِ مَا أَعْلَمُ بِشَيْءِ من ذَلِك.
_________________
(١) فَالِجِ بْن ذَكُوَانُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمٍ السّلَمِيّ، ثُمّ الذّكُوَانِيّ يُكَنّى أَبَا عَمْرٍو، وَكَانَ يَكُونُ عَلَى سَاقَةِ الْعَسْكَرُ يَلْتَقِطُ مَا يَسْقُطُ مِنْ مَتَاعِ الْمُسْلِمِينَ حَتّى يَأْتِيَهُمْ بِهِ وَلِذَلِكَ تَخَلّفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الّذِي قَالَ فِيهِ أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، وَقَدْ رُوِيَ فِي تَخَلّفِهِ سَبَبٌ آخِرُ وَهُوَ أَنّهُ كَانَ ثَقِيلُ النّوْمِ لَا يَسْتَيْقِظُ حَتّى يَرْتَحِلَ النّاسُ. وَيَشْهَدُ لِصِحّةِ هَذَا حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ "أَنّ امْرَأَةَ صَفْوَانَ اشْتَكَتْ بِهِ إلَى النّبِيّ - ﷺ - وَذَكَرَتْ أَشْيَاءَ مِنْهَا أَنّهُ لَا يُصَلّي الصّبْحَ فَقَالَ صَفْوَانُ يَا رَسُولِ اللهِ إنّي امْرِئِ ثَقِيلُ الرّأْسِ لَا أَسْتَيْقِظُ حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ فَقَالَ لَهُ النّبِيّ ﵇ فَإِذَا اسْتَيْقَظْت فَصَلّ " وَقَدْ ضَعّفَ الْبَزّارُ حَدِيثَ أَبِي دَاوُدَ هَذَا فِي مُسْنَدِهِ. وَقُتِلَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطّلِ شَهِيدًا فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَانْدَقّتْ رِجْلُهُ يَوْمَ قُتِلَ فَطَاعَنَ بِهَا، وَهِيَ مُنْكَسِرَةٌ حَتّى مَاتَ وَذَلِكَ بِالْجَزِيرَةِ بِمَوْضِعِ يُقَالُ لَهُ شِمْطَاطٌ. تَفْسِيرُ أَسْقَطُوا وَفِيهِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّهُمْ دَعَوْا الْجَارِيَةَ فَسَأَلُوهَا حَتّى أَسْقَطُوا لَهَا
[ ٧ / ٣٢ ]
إِعْرَاض الرَّسُول عَنْهَا:
ثُمّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ اشْتَكَيْت شَكْوَى شَدِيدَةً وَلَا يَبْلُغُنِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ وَقَدْ انْتَهَى الْحَدِيثُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَإِلَى أَبَوِيّ لَا يَذْكُرُونَ لِي مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، إلّا أَنّي قَدْ أَنْكَرْت مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْضَ لُطْفِهِ بِي، كُنْت إذَا اشْتَكَيْت رَحِمَنِي
_________________
(١) بِهِ يُرِيدُ أَفْصَحُوا بِالْأَمْرِ وَنَقَرُوا عَنْهُ يُقَالُ سَاقَطْته الْحَدِيثَ مُسَاقَطَةً وَأَسْقَطُوا بِهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى قَالَ أَبُو حَيّةَ [النّمَيْرِيّ]: إذَا هُنّ سَاقَطْنَ الْحَدِيثَ كَأَنّهُ سِقَاطُ حَصَى الْمَرْجَانِ مِنْ سِلْكٍ نَاظِمٍ كَذَا فَسّرَهُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بَطّالٍ وَفِيمَا ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ مِنْ رِوَايَةِ الشّيْبَانِيّ عَنْهُ أَنّهُمْ أَدَارُوا الْجَارِيَةَ عَلَى الْحَدِيثِ وَلَمْ يَصْرُخُوا لَهَا حَتّى فَطِنَتْ بِمَا أَرَادُوا، فَقَالَتْ مَا أَعْلَمُ عَلَيْهَا عَيْبًا، الْحَدِيثُ. وَأَمّا ضَرْبُ عَلِيّ لِلْجَارِيَةِ وَهِيَ حُرّةٌ وَلَمْ تَسْتَوْجِبْ ضَرْبًا، وَلَا اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فِي ضَرْبِهَا، فَأَرَى مَعْنَاهُ أَنّهُ أَغْلَظَ لَهَا بِالْقَوْلِ وَتَوَعّدَهَا بِالضّرْبِ وَاتّهَمَهَا أَنْ تَكُونَ خَانَتْ اللهَ وَرَسُولَهُ فَكَتَمَتْ مِنْ الْحَدِيثِ مَا لَا يَسَعُهَا كَتْمُهُ مَعَ إدْلَالِهِ وَأَنّهُ كَانَ مِنْ أَهْلُ الْبَيْتِ، وَفِي غَيْرِ حَدِيثِ ابْنِ إسْحَاقَ قَالَتْ الْجَارِيَةُ وَاَللهِ مَا أَعْلَمُ عَلَيْهَا إلّا مَا يَعْلَمُ الصّائِغُ عَلَى الذّهَبِ الْأَحْمَرِ. بَرِيرَةُ: وَأَمّا بَرِيرَةُ فَهِيَ مَوْلَاةُ عَائِشَةَ - ﵂ - الّتِي اشْتَرَتْهَا مِنْ بَنِي كَاهِلٍ فَأَعْتَقَتْهَا، وَخُيّرَتْ فِي زَوْجِهَا، وَكَانَ عَبْدًا لِبَنِي جَحْشٍ. هَذِهِ رِوَايَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنّهُ كَانَ حُرّا، وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ
[ ٧ / ٣٣ ]
وَلَطَفَ بِي، فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِي فِي شَكْوَايَ تِلْكَ فَأَنْكَرْت ذَلِكَ مِنْهُ كَانَ إذَا دَخَلَ عَلَيّ وَعِنْدِي أُمّي تَمَرّضَنِي - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهِيَ أُمّ رُومَانَ، وَاسْمُهَا زَيْنَبُ بِنْتُ عَبْدِ دُهْمَانَ، أَحَدُ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ - قَالَ كَيْفَ تِيكُمْ، لَا يَزِيدُ على ذَلِك.
_________________
(١) وَالْأَوْلَى رِوَايَةُ عُرْوَةَ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمّدٍ عَنْ عَائِشَةَ وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ بِتَخْيِيرِ الْأَمَةِ إذَا عَتَقَتْ وَإِنْ كَانَ بَعْلُهَا حُرّا، وَقَوْلُ أَهْلِ الْحِجَازِ عَلَى حَسَبِ رِوَايَتِهِمْ فَلَا يَرَوْنَ تَخْيِيرَهَا، إلّا إذَا كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، وَعَاشَتْ بَرِيرَةُ حَتّى رَوَى عَنْهَا الْحَدِيثَ بَعْضُ التّابِعِينَ. "قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: كُنْت أُجَالِسُ بَرِيرَةَ قَبْلَ أَنْ أَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ فَتَقُولُ لِي: يَا أَبَا عَبْدِ الْمَلِكِ إنّ فِيك خِصَالًا خَلِيقَةً بِهَذَا الْأَمْرِ فَإِنْ وُلّيت هَذَا الْأَمْرَ فَاتّقِ اللهَ فِي الدّمَاءِ فَإِنّي سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ إنّ الرّجُلَ لَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنّةِ بَعْدَ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا بِمِحْجَمَةِ دَمٍ أَرَاقَهَا مِنْ مُسْلِمٍ فِي غَيْرِ حَقّ "وَالْبَرِيرَةُ وَاحِدَةُ الْبَرِيرِ وَهُوَ ثَمَرُ الْأَرَاكِ. أُمّ رُومَانَ: وَأَمّا أُمّ رُومَانَ، وَهِيَ أُمّ عَائِشَةَ فَقَدْ مَرّ ذِكْرُهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهِيَ زَيْنَبُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ عُوَيْمِرِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ دُهْمَانَ، وَهِيَ مِنْ كِنَانَةَ وَاخْتُلِفَ فِي عَمُودِ نَسَبِهَا، وُلِدَتْ لِأَبِي بَكْرٍ عَائِشَةُ وَعَبْدُ الرّحْمَنِ وَكَانَتْ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ سَخْبَرَةَ فَوَلَدَتْ لَهُ الطّفَيْلَ وَتُوُفّيَتْ أُمّ رُومَانَ سَنَةَ سِتّ مِنْ الْهِجْرَةِ وَنَزَلَ النّبِيّ - ﷺ - فِي قَبْرِهَا، وَقَالَ " اللهُمّ إنّهُ لَمْ يَخَفْ عَلَيْك مَا لَقِيَتْ أُمّ رُومَانَ فِيك، وَفِي رَسُولِك " وَقَالَ " مَنْ سَرّهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى امْرَأَةٍ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، فَلْيَنْظُرْ إلَى أُمّ رُومَانَ"
[ ٧ / ٣٤ ]
انتقالها إِلَى بَيت أَبِيهَا وَعلمهَا بِمَا قيل فِيهَا:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
قَالَتْ: حَتّى وَجَدْت فِي نَفْسِي، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ حِينَ رَأَيْت مَا رَأَيْت مِنْ جَفَائِهِ لِي: لَوْ أَذِنْت لِي، فَانْتَقَلْت إلَى أُمّي، فَمَرّضَتْنِي؟ قَالَ لَا عَلَيْك. قَالَتْ فَانْتَقَلْت إلَى أُمّي، وَلَا عِلْمَ لِي بِشَيْءِ مِمّا كَانَ حَتّى نَقِهْت مِنْ وَجَعِي بَعْدَ بِضْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَكُنّا قَوْمًا عَرَبًا، لَا نَتّخِذُ فِي بُيُوتِنَا هَذِهِ الْكُنُفَ الّتِي تَتّخِذُهَا الْأَعَاجِمُ، نَعَافُهَا وَنَكْرَهُهَا، إنّمَا كُنّا نَذْهَبُ فِي فُسَحِ الْمَدِينَةِ، وَإِنّمَا كَانَتْ النّسَاءُ يَخْرُجْنَ كُلّ لَيْلَةٍ فِي حَوَائِجِهِنّ فَخَرَجْت لَيْلَةً لِبَعْضِ حَاجَتِي وَمَعِي أُمّ مِسْطَحٍ بِنْتُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَتْ أُمّهَا بِنْتَ صَخْرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ ﵁ قَالَتْ فَوَاَللهِ إنّهَا لَتَمْشِي مَعِي إذْ عَثَرَتْ فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ وَمِسْطَحٌ لَقَبٌ وَاسْمُهُ عَوْفٌ قَالَتْ قُلْت: بِئْسَ لَعَمْرُ اللهِ مَا قُلْت لِرَجُلِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، قَالَتْ أَوَمَا بَلَغَك الْخَبَرُ يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ قُلْت: وَمَا الْخَبَرُ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِاَلّذِي كَانَ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ قَالَتْ قُلْت: أَوَقَدْ كَانَ هَذَا؟ قَالَتْ نَعَمْ وَاَللهِ فَقَدْ كَانَ. قَالَتْ فَوَاَللهِ مَا قَدَرْت عَلَى أَنْ أَقْضِيَ حَاجَتِي، وَرَجَعْت، فَوَاَللهِ مَا زِلْت أَبْكِي حَتّى ظَنَنْت أَنّ الْبُكَاءَ سَيُصَدّعُ كَبِدِي ; قَالَتْ وَقُلْت لِأُمّي: يَغْفِرُ اللهُ لَك، تَحَدّثَ النّاسُ بِمَا تَحَدّثُوا بِهِ وَلَا تَذْكُرِينَ لِي مِنْ
_________________
(١) وَهْمٌ لِلْبُخَارِيّ وَرَوَى الْبُخَارِيّ حَدِيثًا عَنْ مَسْرُوقٍ، وَقَالَ فِيهِ "سَأَلْت أُمّ رُومَانَ وَهِيَ أُمّ عَائِشَةَ عَمّا قِيلَ فِيهَا" وَمَسْرُوقٌ وُلِدَ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِلَا خِلَافٍ فَلَمْ يَرَ أُمّ رُومَانَ قَطّ، فَقِيلَ إنّهُ وَهِمَ فِي الْحَدِيثِ وَقِيلَ بَلْ الْحَدِيثُ صَحِيحٌ وَهُوَ مُقَدّمٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ السّيرَةِ مِنْ مَوْتِهَا فِي حَيَاةِ النّبِيّ ﷺ وَقَدْ تَكَلّمَ شَيْخُنَا أَبُو بَكْرٍ - رَحِمَهُ
[ ٧ / ٣٥ ]
ذَلِكَ شَيْئًا قَالَتْ أَيْ بُنَيّةُ خَفّضِي عَلَيْك الشّأْنَ فَوَاَللهِ لَقَلّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبّهَا، لَهَا ضَرَائِرُ إلّا كَثُرْنَ وَكَثُرَ النّاسُ عَلَيْهَا.
خطْبَة الرَّسُول فِي النَّاس يذكر إِيذَاء قوم لَهُ فِي عرضه:
قَالَتْ: وَقَدْ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النّاسِ يَخْطُبُهُمْ وَلَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمّ قَالَ: أَيّهَا النّاسُ مَا بَالُ رِجَالٍ يُؤْذُونَنِي فِي أَهْلِي، وَيَقُولُونَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ الْحَقّ وَاَللهِ مَا عَلِمْت مِنْهُمْ إلّا خَيْرًا وَيَقُولُونَ ذَلِكَ لِرَجُلِ وَاَللهِ مَا عَلِمْت مِنْهُ إلّا خَيْرًا، وَمَا يَدْخُلُ بَيْتًا مِنْ بُيُوتِي إلّا وَهُوَ معي.
أثر ابْن أبي وَحمْنَة فِي إِشَاعَة هَذَا الحَدِيث:
قَالَتْ: وَكَانَ كَبُرَ ذَلِكَ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ ابْنُ سَلُولَ فِي رِجَالٍ مِنْ الْخَزْرَجِ مَعَ الّذِي قَالَ مِسْطَحٌ وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، وَذَلِكَ أَنّ أُخْتَهَا زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَمْ تَكُنْ مِنْ نِسَائِهِ امْرَأَةٌ تُنَاصِينِي فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَهُ غَيْرَهَا، فَأَمّا زَيْنَبُ فَعَصَمَهَا اللهُ تَعَالَى بِدِينِهَا فَلَمْ تَقُلْ إلّا خَيْرًا وَأَمّا حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، فَأَشَاعَتْ مِنْ
_________________
(١) اللهُ- عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَاعْتَنَى بِهِ لِإِشْكَالِهِ فَأَوْرَدَهُ مِنْ طُرُقٍ فَفِي بَعْضِهَا: حَدّثَتْنِي أُمّ رُومَانَ، وَفِي بَعْضِهَا عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ أُمّ رُومَانَ مُعَنْعَنًا، قَالَ ﵀ وَالْعَنْعَنَةُ أَصَحّ فِيهِ وَإِذَا كَانَ الْحَدِيثُ مُعَنْعَنًا كَانَ مُحْتَمَلًا، وَلَمْ يَلْزَمْ فِيهِ مَا يَلْزَمُ فِي حَدّثَنَا، وَفِي سَأَلْت، لِأَنّ لِلرّاوِي أَنْ يَقُولَ عَنْ فُلَانٍ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْحَدِيثِ. تُنَاصِبُنِي أَوْ تُنَاصِينِي: وَقَوْلُ عَائِشَةَ: لَمْ تَكُنْ امْرَأَةٌ تُنَاصِبُنِي فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَهُ غَيْرَهَا، هَكَذَا فِي الْأَصْلِ تُنَاصِبُنِي، وَالْمَعْرُوفُ فِي الْحَدِيثِ تُنَاصِينِي مِنْ الْمُنَاصَاةُ وَهِيَ الْمُسَاوَاةُ وَأَصْلُهُ مِنْ النّاصِيَةِ
[ ٧ / ٣٦ ]
ذَلِكَ مَا أَشَاعَتْ تُضَادّنِي لِأُخْتِهَا، فشقيت بذلك.
مَا كَانَ بَين الْمُسلمين بعد خطْبَة الرَّسُول:
فَلَمّا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تِلْكَ الْمَقَالَةَ قَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ إنْ يَكُونُوا مِنْ الْأَوْسِ نَكْفِكَهُمْ وَإِنْ يَكُونُوا مِنْ إخْوَانِنَا مِنْ الْخَزْرَجِ، فَمُرْنَا بِأَمْرِك، فَوَاَللهِ إنّهُمْ لَأَهْلٌ أَنْ تُضْرَبَ أَعْنَاقُهُمْ قَالَتْ فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يُرَى رَجُلًا صَالِحًا، فَقَالَ كَذَبْت لَعَمْرُ اللهِ لَا تَضْرِبُ أَعْنَاقَهُمْ أَمَا وَاَللهِ مَا قُلْت هَذِهِ الْمَقَالَةَ إلّا أَنّك قَدْ عَرَفْت أَنّهُمْ مِنْ الْخَزْرَجِ، وَلَوْ كَانُوا مِنْ قَوْمِك مَا قُلْت هَذَا، فَقَالَ أُسَيْدٌ كَذَبْت
_________________
(١) شِعْرُ حَسّانَ فِي الْتعَرِيضِ بِابْنِ الْمُعَطّلِ وَذَكَرَ قَوْلَ حَسّانَ أَمْسَى الْجَلَابِيبُ قَدْ عَزّوا وَقَدْ كَثُرُوا وَابْنُ الْفُرَيْعَةِ أَمْسَى بَيْضَةَ الْبَلَدِ يَعْنِي بِالْجَلَابِيبِ الْغُرَبَاءَ وَبَيْضَةُ الْبَلَدِ يَعْنِي: مُنْفَرِدًا، وَهِيَ كَلِمَةٌ يُتَكَلّمُ بِهَا فِي الْمَدْحِ تَارَةً وَفِي مَعْنَى الْقِلّ أُخْرَى، يُقَالُ فُلَانٌ بَيْضَةُ الْبَلَدِ أَيْ أَنّهُ وَاحِدٌ فِي قَوْمِهِ عَظِيمٌ فِيهِمْ وَفُلَانٌ بَيْضَةُ الْبَلَدِ يُرِيدُ أَنّهُ ذَلِيلٌ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ. وَأَمّا قَوْلُهُ قَدْ ثَكِلَتْ أُمّهُ مَنْ كُنْت صَاحِبَهُ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مَنْ مُبْتَدَأٌ وَقَدْ ثَكِلَتْ أُمّهُ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ الْمُقَدّمِ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ مَفْعُولًا بِثَكِلَتْ وَأُضْمِرَ قَبْلَ الذّكْرِ مَعَ اتّصَالِ الضّمِيرِ بِالْفَاعِلِ فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ جَزَى رَبّهُ عَنّي عَدِيّ بْنَ حَاتِمٍ وَمِثْلُ قَوْلِهِ أَبْقَى الْيَوْمَ مَجْدُهُ مُطْعِمَا
[ ٧ / ٣٧ ]
لَعَمْرُ اللهِ وَلَكِنّك مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ قَالَتْ وَتَسَاوَرَ النّاسُ حَتّى كَادَ يَكُونُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَيّيْنِ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ شَرّ. وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدخل عَليّ.
استشارة الرَّسُول لعَلي وَأُسَامَة:
[قَالَتْ]: فَدَعَا عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَاسْتَشَارَهُمَا، فَأَمّا أُسَامَةُ فَأَثْنَى عَلَيّ خَيْرًا وَقَالَهُ ثُمّ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَهْلُك وَلَا نَعْلَمُ مِنْهُمْ إلّا خَيْرًا، وَهَذَا الْكَذِبُ وَالْبَاطِلُ وَأَمّا عَلِيّ فَإِنّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إنّ
_________________
(١) وَقَدْ تَقَدّمَ الْقَوْلُ فِيهِ. وَقَوْلُهُ فَيَغْطَئِلُ يُرِيدُ الْبَحْرَ أَيْ يَهِيجُ وَيَعْتَلِمُ وَأَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ الْغَيْطَلَةِ وَهِيَ الظّلْمَةُ وَأَصْلُهَا: يَغْطَالّ مِثْلَ يَسْوَادّ، لَكِنّهُ هَمَزَ الْأَلِفَ لِئَلّا يَجْتَمِعَ سَاكِنَانِ وَإِنْ كَانَ اجْتِمَاعُهُمَا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ حَسَنًا كَقَوْلِهِ ﵎: ﴿وَلَا الضّالّينَ﴾ وَلَكِنّهُمَا فِي الشّعْرِ لَا يَجْتَمِعَانِ إلّا فِي عُرُوضٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الْمُتَقَارِبُ وَمَعَ هَذَا فَقَدْ قَرَأَ أَيّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ [كَيْسَانُ] السّخْتِيَانِيّ ﴿وَلَا الضّالّينَ﴾ بِهَمْزَةِ مَفْتُوحَةٍ وَقَرَأَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: ﴿إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانّ﴾ [الرّحْمَنُ ٥٦] وَأَنْشَدَ الْخَطّابِيّ: سَقَى مُطْغِيَاتِ الْمَحْلِ سَكْبًا وَدِيمَةً عِظَامُ ابْنُ لَيْلَى حَيْثُ كَانَ رَمِيمُهَا فَأَصْبَحَ مِنْهَا كُلّ وَادٍ وَتَلْعَةٍ حَدَائِقَ خُضْرًا مُزْهَئِرّا عَمِيمُهَا أَنْشَدَ خَاطِمَهَا زَأَمّهَا أَنْ تَهْرُبَا
[ ٧ / ٣٨ ]
النّسَاءَ لَكَثِيرٌ وَإِنّك لَقَادِرٌ عَلَى أَنْ تَسْتَخْلِفَ وَسَلْ الْجَارِيَةَ فَإِنّهَا سَتَصْدُقُك. فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَرِيرَةَ لِيَسْأَلَهَا، قَالَتْ فَقَامَ إلَيْهَا عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَضَرَبَهَا ضَرْبًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ اُصْدُقِي رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَتْ فَتَقُولُ وَاَللهِ مَا أَعْلَمُ إلّا خَيْرًا، وَمَا
_________________
(١) فَإِنْ قِيلَ الْهَمْزَةُ فِي هَذَا كُلّهِ مَفْتُوحَةٌ وَفِي قَوْلِهِ يَغْطَئِلّ مَكْسُورَةٌ وَكَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصّحِيحِ أَسْوَدُ مُرْبَئِدّ فِي رِوَايَةٍ. قُلْنَا: إنّمَا كُسِرَتْ الْهَمْزَةُ فِي مُزْهَئِرّ وَمُرْبَئِدّ وَيَغْطَئِلّ، بَعْدَ أَنْ فُتِحَتْ فِي الْمَاضِي، فَقِيلَ اغْطَأَلّ وَازْهَأَرّ فَصَارَ عَلَى وَزْنِ اطْمَأَنّ فَجَاءَ اسْمُ الْفَاعِلِ وَالْمُسْتَقْبَلِ عَلَى ذَلِكَ الْقِيَاسِ مَكْسُورًا كَمَا يُكْسَرُ فِي مُطْمَئِنّ. تَفْسِيرُ الْعَجَبِ وَقَوْلُ ثَابِتٍ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ أَمَا أَعْجَبَك ضَرْبُ حَسّانَ بِالسّيْفِ مَعْنَاهُ أَمَا جَعَلَك تَعْجَبُ تَقُولُ عَجِبْت مِنْ الشّيْءِ وَأَعْجَبَنِي الشّيْءُ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْعَجَبُ مِنْ مَكْرُوهٍ أَوْ مَحْبُوبٍ وَهُوَ عِنْدَ النّاسِ بِمَعْنَى سَرّنِي لَا غَيْرَ وَفِي الْحَدِيثِ وَكَلَام الْعَرَبِ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مِنْهَا فِي الْكَامِل فَلَأَعْجَبَنِي أَنْ أَعْجَبَهُ بُكَاءُ أَبِيهِ وَفِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ حَسّانَ، وَكَذَلِكَ أَنْشَدَ أَلَا هُزِئَتْ بِنّا قُرَشِيّةٌ يَهْتَزّ مَنْكِبُهَا تَقُول لِي: ابْنُ قَيْسٍ ذَا وَبَعْضُ الشّيْبِ يُعْجِبُهَا. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: لَوْ كُنْت أَعْجَبُ مِنْ شَيْءٍ لَأَعْجَبَنِي سَعْيُ الْفَتَى، وَهُوَ مَخْبُوءٌ لَهُ الْقِدْرُ لَهُ
[ ٧ / ٣٩ ]
كُنْت أَعِيبُ عَلَى عَائِشَةَ شَيْئًا، إلّا أَنّي كُنْت أَعْجِنُ عَجِينِي، فَآمُرُهَا أَنْ تَحْفَظَهُ فَتَنَامُ عَنْهُ فَتَأْتِي الشَّاة فتأكله
_________________
(١) وَقَوْلُهُ ﵇ أَتَشَوّهْت عَلَى قَوْمِي أَنْ هَدَاهُمْ اللهُ مَعْنَاهُ أَقَبّحْت ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ حِينَ سَمّيْتهمْ بِالْجَلَابِيبِ مِنْ أَجْلِ هِجْرَتِهِمْ إلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ؟ بِيرُحَاءٍ: وَقَوْلُهُ فَأَعْطَاهُ عِوَضًا مِنْهَا بِيرَحَاءٍ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنّ هَذِهِ الْبِئْرَ سُمّيَتْ بِيرَحَاءٍ، بِزَجْرِ الْإِبِلِ عَنْهَا، وَذَلِكَ أَنّ الْإِبِلَ يُقَالُ لَهَا إذَا زُجِرَتْ عَنْ الْمَاءِ وَقَدْ رَوِيَتْ حا حا، وَهَكَذَا كَانَ الْأَصِيلِيّ يُقَيّدُهُ بِرَفْعِ الرّاءِ إذَا كَانَ الِاسْمُ مَرْفُوعًا، وَبِالْمَدّ وَغَيْرُ الْأَصِيلِيّ يَقُولُ بِيرَحَا بِالْفَتْحِ عَلَى كُلّ حَالٍ وَبِالْقَصْرِ يَجْعَلُهُ اسْمًا وَاحِدًا، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ فِيهِ بَيْرَحَا، بِفَتْحِ الْبَاء مَعَ الْقَصْرِ وَفِي الصّحِيحِ أَنّ أَبَا طَلْحَةَ دَفَعَ بِيرَحَاءٍ إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَجَعَلَهَا صَدَقَةً فَأَمَرَهُ النّبِيّ - ﷺ - أَنْ يَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ فَقَسَمَهَا بَيْنَ أُبَيّ وَحَسّانَ وَفَسّرَ الْبُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُدَ الْقَرَابَةَ الّتِي بَيْنَ أَبِي طَلْحَةَ وَبَيْنَهُمَا قَالَا: فَأَمّا حَسّانُ فَهُوَ ابْنُ الْمُنْذِرِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ حَرَامٍ وَأَبُو طَلْحَةَ هُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ حَرَامٍ فَهَذِهِ قَرَابَةٌ قَرِيبَةٌ وَأَمّا أُبَيّ، فَيَجْتَمِعُ مَعَهُ فِي الْأَبِ السّادِسِ وَهُوَ عَمْرُو بْنُ مَالِكِ بْنِ النّجّارِ وَقَدْ كَانَ أُبَيّ غَنِيّا، فَكَيْفَ تَرَكَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ وَخَصّهُ؟ وَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنّ أُبَيّا كَانَ ابْنَ عَمّةِ أَبِي طَلْحَةَ وَهِيَ صُهَيْلَةُ بِنْتُ الْأَسْوَدِ بْنِ حَرَامٍ وَهُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ النّسَبِ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ النّسَبِ خَصّهُ بِهَا، لَا مِنْ أَجْلِ النّسَبِ الّذِي ذَكَرْنَاهُ فَإِنّهُ بَعِيدٌ وَإِنّمَا قَالَ لَهُ النّبِيّ ﷺ "اجْعَلْهَا فِي الْأَقْرَبِينَ"
[ ٧ / ٤٠ ]
نزُول الْقُرْآن بِبَرَاءَة عَائِشَةَ:
قَالَتْ: ثُمّ دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعِنْدِي أَبَوَايَ وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَأَنَا أَبْكِي، وَهِيَ تَبْكِي مَعِي، فَجَلَسَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمّ قَالَ يَا عَائِشَةُ، إنّهُ قَدْ كَانَ مَا قَدْ بَلَغَك مِنْ قَوْلِ النّاسِ فَاتّقِي اللهَ وَإِنْ كُنْت قَدْ قَارَفْت سُوءًا، مِمّا يَقُولُ النّاسُ فَتُوبِي إلَى اللهِ فَإِنّ اللهَ يَقْبَلُ التّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ قَالَتْ فَوَاَللهِ مَا هُوَ إلّا أَنْ قَالَ لِي ذَلِكَ فَقَلَصَ دَمْعِي، حَتّى مَا أُحِسّ مِنْهُ شَيْئًا، وَانْتَظَرْت أَبَوَيّ أَنْ يُجِيبَا عَنّي رَسُولَ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَتَكَلّمَا. قَالَتْ وَاَيْمُ اللهِ لَأَنَا كُنْت أَحْقَرُ فِي نَفْسِي، وَأَصْغَرُ شَأْنًا مِنْ أَنْ يُنَزّلَ اللهُ فِيّ قُرْآنًا يُقْرَأُ بِهِ فِي الْمَسَاجِدِ وَيُصَلّى بِهِ وَلَكِنّي قَدْ كُنْت أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي نَوْمِهِ شَيْئًا يُكَذّبُ بِهِ اللهُ عَنّي، لِمَا يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَتِي، أَوْ يُخْبَرَ خَبَرًا، فَأَمّا قُرْآنٌ يَنْزِلُ فِيّ فَوَاَللهِ لَنَفْسِي كَانَتْ أَحْقَرَ عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ. قَالَتْ فَلَمّا لَمْ أَرَ أَبَوَيّ يَتَكَلّمَانِ قَالَتْ قُلْت لَهُمَا: أَلَا تُجِيبَانِ رَسُولَ اللهِ ﷺ؟ قَالَتْ فَقَالَا: وَاَللهِ مَا نَدْرِي بِمَاذَا نُجِيبُهُ قَالَتْ وَاَللهِ مَا أَعْلَمُ أَهْلَ بَيْتٍ دَخَلَ عَلَيْهِمْ مَا دَخَلَ عَلَى آلِ أَبِي بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْأَيّامِ قَالَتْ فَلَمّا أَنْ اسْتَعْجَمَا عَلَيّ اسْتَعْبَرْت فَبَكَيْت، ثُمّ قُلْت: وَاَللهِ لَا أَتُوبُ إلَى اللهِ مِمّا ذَكَرْت أَبَدًا. وَاَللهِ إنّي لَأَعْلَمُ لَئِنْ أَقْرَرْت بِمَا يَقُولُ النّاسُ وَاَللهُ يَعْلَمُ أَنّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ لَأَقُولَنّ مَا لَمْ يَكُنْ وَلَئِنْ أَنَا أَنْكَرْت مَا يَقُولُونَ لَا تُصَدّقُونَنِي. قَالَتْ ثُمّ الْتَمَسْت اسْمَ يَعْقُوبَ فَمَا أَذْكُرُهُ فَقُلْت: وَلَكِنْ سَأَقُولُ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يُوسُفُ ١٨] . قَالَتْ فَوَاَللهِ مَا بَرِحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَجْلِسَهُ حَتّى تَغَشّاهُ مِنْ اللهِ مَا كَانَ يَتَغَشّاهُ فَسُجّيَ بِثَوْبِهِ وَوُضِعَتْ لَهُ
_________________
(١) حَوْلَ بَرَاءَة عَائِشَة ﵂ وَفِي الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنّهُ لَمّا أَنْزَلَ اللهُ بَرَاءَتَهَا قَامَ إلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَقَبّلَ رَأْسَهَا، فَقَالَتْ لَهُ هَلّا كُنْت عَذَرْتنِي، فَقَالَ أَيّ سَمَاءٍ تُظِلّنِي، وَأَيّ أَرْضٍ تُقِلّنِي، إنْ قُلْت بِمَا لَا أَعْلَمُ وَكَانَ نُزُولُ بَرَاءَةِ عَائِشَةَ - ﵂ - بَعْدَ قُدُومِهِمْ الْمَدِينَةَ بِسَبْعِ وَثَلَاثِينَ لَيْلَةً فِي قَوْلِ بَعْضِ الْمُفَسّرِينَ.
[ ٧ / ٤١ ]
وِسَادَةٌ مِنْ أُدْمٍ تَحْتَ رَأْسِهِ فَأَمّا أَنَا حِينَ رَأَيْت مِنْ ذَلِكَ مَا رَأَيْت، فَوَاَللهِ مَا فَزِعْت وَلَا بَالَيْت، قَدْ عَرَفْت أَنّي بَرِيئَةٌ وَأَنّ اللهَ ﷿ غَيْرُ ظَالِمِي، وَأَمّا أَبَوَايَ فَوَاَلّذِي نَفْسُ عَائِشَةَ بِيَدِهِ مَا سُرّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى ظَنَنْت لَتَخْرُجَنّ أَنْفُسُهُمَا، فَرَقًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ اللهِ تَحْقِيقُ مَا قَالَ النّاسُ قَالَتْ ثُمّ سُرّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَجَلَسَ وَإِنّهُ لَيَتَحَدّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ فِي يَوْمٍ شَاتٍ فَجَعَلَ يَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ وَيَقُولُ أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ بَرَاءَتَك، قَالَتْ قُلْت: بِحَمْدِ اللهِ ثُمّ خَرَجَ إلَى النّاسِ فَخَطَبَهُمْ وَتَلَا عَلَيْهِمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ ثُمّ أَمَرَ بِمِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ وَحَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَكَانُوا مِمّنْ أَفْصَحَ بِالْفَاحِشَةِ فَضربُوا حَدهمْ
أَبُو أَيُّوب وَذكره طهر عَائِشَة لزوجه:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ بَعْضِ رِجَالِ بَنِي النّجّار
أَنّ أَبَا أَيّوبَ خَالِدَ بْنَ زَيْدٍ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أُمّ أَيّوبَ "يَا أَبَا أَيّوبَ أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النّاسُ فِي عَائِشَةَ؟ قَالَ بَلَى، وَذَلِكَ الْكَذِبُ أَكُنْت يَا أُمّ أَيّوبَ فَاعِلَةً؟ قَالَتْ لَا وَاَللهِ مَا كُنْت لِأَفْعَلَهُ قَالَ فَعَائِشَةُ وَاَللهِ خير مِنْك
مَا نزل من الْقُرْآن فِي ذَلِك
قَالَتْ فَلَمّا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِذِكْرِ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْفَاحِشَةِ مَا قَالَ مِنْ أَهْلِ الْإِفْكِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنّ الّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النّورُ ١١ وَمَا بَعْدَهَا]، وَذَلِكَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَصْحَابُهُ الّذِينَ قَالُوا مَا قَالُوا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ وَذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ وَأَصْحَابُهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاَلّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَبْلَ هَذَا. ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ أَيْ فَقَالُوا كَمَا قَالَ أَبُو أَيّوبَ وَصَاحِبَتُهُ ثُمّ قَالَ: ﴿إِذْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٢ ]
تَلَقّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النُّور: ١٥] .
هم أبي بكر بِعَدَمِ الْإِنْفَاق على مسطح ثمَّ عدوله:
فَلَمّا نَزَلَ هَذَا فِي عَائِشَةَ، وَفِيمَنْ قَالَ لَهَا مَا قَالَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ وَحَاجَتِهِ" وَاَللهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا، وَلَا أَنْفَعُهُ بِنَفْعِ أَبَدًا بَعْدَ الّذِي قَالَ لِعَائِشَة، وَأَدْخَلَ عَلَيْنَا قَالَتْ فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النُّور: ٢٢]
تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
يُقَالُ كِبْرُهُ وَكُبْرُهُ فِي الرّوَايَةِ وَأَمّا فِي الْقُرْآنِ فَكِبْرَهُ بِالْكَسْرِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ وَلَا يَأْلُ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ. قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ حَجَرٍ الْكِنْدِيّ:
أَلَا رُبّ خَصْمٍ فِيك أَلْوَى رَدَدْته نَصِيحٌ عَلَى تَغْذَالِهِ غَيْرِ مُؤْتَلِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ وَيُقَالُ ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ﴾ وَلَا يَحْلِفُ أُولُو الْفَضْلِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ، فِيمَا بَلَغَنَا عَنْهُ.
وَفِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لِلّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [الْبَقَرَةُ ٢٢٦] وَهُوَ مِنْ الْأَلْيَةِ وَالْأَلْيَةُ الْيَمِينُ. قَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
آلَيْتَ مَا فِي جَمِيعِ النّاسِ مُجْتَهِدًا مِنّي أَلِيّةَ بَرّ غَيْرِ إفْنَادِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللهُ فِي مَوْضِعِهَا. فَمَعْنَى: أَنْ يُؤْتُوا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٣ ]
فِي هَذَا الْمَذْهَبِ أَنْ لَا يُؤْتُوا، وَفِي كِتَابِ اللهِ ﷿ ﴿يُبَيّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلّوا﴾ [النّسَاءُ: ١٧٦] يُرِيدُ أَنْ لَا تَضِلّوا، ﴿وَيُمْسِكُ السّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [الْحَجّ: ٦٥] يُرِيدُ أَنْ لَا تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ وَقَالَ ابْنُ مُفَرّغٍ الْحِمْيَرِيّ:
لَا ذَعَرْت السّوَامَ فِي وَضَحِ الصّبْ حِ مُغِيرًا وَلَا دُعِيَتْ يَزِيدَا
يَوْمَ أُعْطِي مَخَافَةَ الْمَوْتِ ضَيْمًا وَالْمَنَايَا يَرْصُدْنَنِي أَنْ أَحِيدَا
يُرِيدُ أَنْ لَا أَحِيدَ وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
قَالَتْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بَلَى وَاَللهِ إنّي لَأُحِبّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ إلَى مِسْطَحٍ نَفَقَتَهُ الّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ وَاَللهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أبدا.
هم ابْنُ الْمُعَطّلِ بِقَتْلِ حَسّانَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ إنّ صَفْوَانَ بْنَ الْمُعَطّلِ اعْتَرَضَ حَسّانَ بْنَ ثَابِتٍ بِالسّيْفِ حِينَ بَلَغَهُ مَا كَانَ يَقُولُ فِيهِ وَقَدْ كَانَ حَسّانُ قَالَ شِعْرًا مَعَ ذَلِكَ يُعَرّضُ بِابْنِ الْمُعَطّلِ فِيهِ وَبِمَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْعَرَبِ مِنْ مُضَرَ، فَقَالَ
أَمْسَى الْجَلَابِيبُ قَدْ عَزّوا وَقَدْ كَثُرُوا وَابْنُ الْفُرَيْعَةِ أَمْسَى بَيْضَةَ الْبَلَدِ
قَدْ ثَكِلَتْ أُمّهُ مَنْ كُنْت صَاحِبَهُ أَوْ كَانَ مُنْتَشِبًا فِي بُرْثُنِ الْأَسَدِ
مَا لِقَتِيلِي الّذِي أَغْدُو فَآخُذُهُ مِنْ دِيّةٍ فِيهِ يُعْطَاهَا وَلَا قَوَدِ
مَا الْبَحْرُ حِينَ تَهُبّ الرّيحُ شَامِيَةً فَيَغْطَئِلُ وَيَرْمِي الْعُبْرَ بِالزّبَدِ
يَوْمًا بِأَغْلَبَ مِنّي حِينُ تُبْصِرُنِي مِلْغَيْظِ أَفْرِي كَفَرْيِ الْعَارِضِ الْبَرِدِ
أَمّا قُرَيْشٌ فَإِنّي لَنْ أُسَالِمَهُمْ حَتّى يُنِيبُوا مِنْ الْغَيّاتِ لِلرّشَدِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٤ ]
وَيَشْهَدُوا أَنّ مَا قَالَ الرّسُولُ لَهُمْ حَقّ وَيُوفُوا بِعَهْدِ اللهِ وَالْوُكْدِ
فَاعْتَرَضَهُ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطّلِ، فَضَرَبَهُ بِالسّيْفِ ثُمّ قَالَ كَمَا حَدّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ:
تَلْقَ ذُبَابَ السّيْفِ عَنّي فَإِنّنِي غُلَامٌ إذَا هُوجِيَتْ لَسْت بِشَاعِرِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التّيْمِيّ:
أَنّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ الشّمّاسِ وَثَبَ عَلَى صَفْوَانَ بْنِ الْمُعَطّلِ، حِينَ ضَرَبَ حَسّانَ فَجَمَعَ يَدَيْهِ إلَى عُنُقِهِ بِحَبْلِ ثُمّ انْطَلَقَ بِهِ إلَى دَارِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَقَالَ مَا هَذَا؟ قَالَ مَا أَعْجَبَك ضَرَبَ حَسّانَ بِالسّيْفِ وَاَللهِ مَا أَرَاهُ إلّا قَدْ قَتَلَهُ قَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ: هَلْ عَلِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَيْءِ مِمّا صَنَعْت؟ قَالَ لَا وَاَللهِ قَالَ لَقَدْ اجْتَرَأْت، أَطْلِقْ الرّجُلَ فَأَطْلِقْهُ ثُمّ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَدَعَا حَسّانَ وَصَفْوَانَ بْنَ الْمُعَطّلِ، فَقَالَ ابْنُ الْمُعَطّلِ يَا رَسُولَ الله: آذَانِي وَهَجَانِي، فَاحْتَمَلَنِي الْغَضَبُ فَضَرَبْته، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحَسّانَ " أَحْسِنْ يَا حَسّانُ أَتَشَوّهْت عَلَى قَوْمِي أَنْ هَدَاهُمْ اللهُ لِلْإِسْلَامِ "ثُمّ قَالَ " أَحْسِنْ يَا حَسّانُ فِي الّذِي أَصَابَك قَالَ هِيَ لَك يَا رَسُولَ اللهِ "
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَيُقَالُ أَبَعْدَ أَنْ هَدَاكُمْ اللهُ لِلْإِسْلَامِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَاهُ عِوَضًا مِنْهَا بِيرَحَاءٍ، وَهِيَ قَصْرُ بَنِي حُدَيْلَةَ الْيَوْمَ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَتْ مَالًا لِأَبِي طَلْحَةَ بْنِ سَهْلٍ تَصَدّقَ بِهَا عَلَى آلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَعْطَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَسّانَ فِي ضَرْبَتِهِ وَأَعْطَاهُ سِيرِينَ، أَمَةٌ قِبْطِيّةٌ فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ حَسّانَ، قَالَتْ وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ لَقَدْ سُئِلَ عَنْ ابْن الْمُعَطل
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٥ ]
فوجدوه رَجُلًا حَصُورًا، مَا يَأْتِي النّسَاءَ ثُمّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهِيدًا
قَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَعْتَذِرُ مِنْ الّذِي كَانَ قَالَ فِي شَأْنِ عَائِشَةَ ﵂
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنّ بِرِيبَةِ وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
عَقِيلَةُ حَيّ مِنْ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ كِرَامِ الْمَسَاعِي مَجْدُهُمْ غَيْرُ زَائِلِ
_________________
(١) شِعْرُ حَسّانَ فِي مَدْحِ عَائِشَةَ: وَقَوْلُ حَسّانَ فِي عَائِشَةَ: حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنّ بِرِيبَةِ وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ حَصَانٌ فَعَالٌ بِفَتْحِ الْحَاءِ يَكْثُرُ فِي أَوْصَافِ الْمُؤَنّثِ وَفِي الْأَعْلَامِ مِنْهَا، كَأَنّهُمْ قَصَدُوا بِتَوَالِي الْفَتَحَاتِ مُشَاكَلَةَ خِفّةِ اللّفْظِ لِخِفّةِ الْمَعْنَى، أَيْ الْمُسَمّى بِهَذِهِ الصّفَاتِ خَفِيفٌ عَلَى النّفْسِ وَحَصَانٌ مِنْ الْحِصْنِ وَالتّحَصّنِ وَهُوَ الِامْتِنَاعُ عَلَى الرّجَالِ مِنْ نَظَرِهِمْ إلَيْهَا، وَقَالَتْ جَارِيَةٌ مِنْ الْعَرَبِ لِأُمّهَا: يَا أُمّتَا أَبْصَرَنِي رَاكِبٌ يَسِيرُ فِي مُسْحَنْفَرٍ لَاحِبِ جَعَلْت أَحْثِي التّرَابَ فِي وَجْهِهِ حُصْنًا وَأَحْمِي حَوْزَةَ الْغَائِبِ فَقَالَتْ لَهَا أُمّهَا: الْحُصْنُ أَدْنَى لَوْ تَآبَيْتِهِ مِنْ حَثْيِك التّرَبَ عَلَى الرّاكِبِ ذَكَرَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ السّيرَافِيّ فِي شَرْحِ أَبْيَاتِ الْإِيضَاحِ وَالرّزَانُ وَالثّقَالُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهِيَ الْقَلِيلَةُ الْحَرَكَةِ. وَقَوْلُهُ وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ أَيْ خَمِيصَةَ الْبَطْنِ مِنْ لُحُومِ النّاسِ
[ ٧ / ٤٦ ]
مُهَذّبَةٌ قَدْ طَيّبَ اللهُ خِيمَهَا وَطَهّرَهَا مِنْ كُلّ سُوءٍ وَبَاطِلِ
فَإِنْ كُنْت قَدْ قُلْت الّذِي قَدْ زَعَمْتُمْ فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إلَيّ أَنَامِلِي
وَكَيْفَ وَوُدّي مَا حَيِيت وَنُصْرَتِي لِآلِ رَسُولِ اللهِ زَيْنُ الْمَحَافِلِ
لَهُ رَتَبٌ عَالٍ عَلَى النّاسِ كُلّهِمْ تَقَاصَرُ عَنْهُ سَوْرَةُ الْمُتَطَاوِلِ
فَإِنّ الّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلَائِطِ وَلَكِنّهُ قَوْلُ امْرِئِ بِي مَاحِلِ
_________________
(١) أَيْ اغْتِيَابِهِمْ وَضَرَبَ الْغَرْثَ مَثَلًا، وَهُوَ عَدَمُ الطّعْمِ وَخُلُوّ الْجَوْفِ وَفِي التّنْزِيلِ ﴿أَيُحِبّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الْحُجُرَاتُ ١٢] ضَرَبَ الْمَثَلَ لِأَخْذِهِ فِي الْعِرْضِ بِأَكْلِ اللّحْمِ لِأَنّ اللّحْمَ سِتْرٌ عَلَى الْعَظْمِ وَالشّاتِمُ لِأَخِيهِ كَأَنّهُ يُقَشّرُ وَيَكْشِفُ مَا عَلَيْهِ مِنْ سِتْرٍ. وَقَالَ مَيْتًا، لِأَنّ الْمَيّتَ لَا يُحِسّ، وَكَذَلِكَ الْغَائِبُ لَا يَسْمَعُ مَا يَقُولُ فِيهِ الْمُغْتَابُ ثُمّ هُوَ فِي التّحْرِيمِ كَأَكْلِ لَحْمِ الْمَيّتِ. وَقَوْلُهُ مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ يُرِيدُ الْعَفَائِفَ الْغَافِلَةُ قُلُوبُهُنّ عَنْ الشّرّ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿إِنّ الّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النّورُ ٢٣] جَعَلَهُنّ غَافِلَاتٍ لِأَنّ الّذِي رُمِينَ بِهِ مِنْ الشّرّ لَمْ يَهْمُمْنَ بِهِ قَطّ وَلَا خَطَرَ عَلَى قُلُوبِهِنّ فَهُنّ فِي غَفْلَةٍ عَنْهُ وَهَذَا أَبْلَغُ مَا يَكُونُ مِنْ الْوَصْفِ بِالْعَفَافِ. وَقَوْلُهُ لَهُ رَتَبٌ عَالٍ عَلَى النّاسِ كُلّهِمْ الرّتَبُ مَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ وَعَلَا، وَالرّتَبُ أَيْضًا: قُوّةٌ فِي الشّيْءِ وَغِلَظٌ فِيهِ وَالسّوْرَةُ رُتْبَةٌ رَفِيعَةٌ مِنْ الشّرَفِ مَأْخُوذَةُ اللّفْظِ مِنْ سُورِ الْبِنَاءِ. وَقَوْلُهُ: فَإِنّ الّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلَائِطِ. أَيْ بِلَاصِقِ يُقَالُ مَا يَلِيطُ ذَلِكَ بِفُلَانِ أَيْ مَا يُلْصَقُ بِهِ وَمِنْهُ سُمّيَ الرّبَا: لِيَاطًا، لِأَنّهُ أُلْصِقَ بِالْبَيْعِ وَلَيْسَ بِبَيْعِ
[ ٧ / ٤٧ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
بَيْتُهُ "عَقِيلَةُ حَيّ" وَاَلّذِي بَعْدَهُ وَبَيْتُهُ "لَهُ رَتَبٌ عَالٍ" عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ
أَنّ امْرَأَةً مَدَحَتْ بِنْتَ حَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنّ بِرِيبَةِ وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَكِنْ أَبُوهَا.
شِعْرٌ فِي هِجَاءِ حَسّانَ وَمِسْطَحٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ قَائِلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي ضَرْبِ حَسّانَ وَأَصْحَابِهِ فِي فِرْيَتِهِمْ عَلَى عَائِشَةَ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فِي ضَرْبِ حَسّانَ وَصَاحِبَيْهِ
لَقَدْ ذَاقَ حَسّانُ الّذِي كَانَ أَهْلَهُ وَحَمْنَةُ إذْ قَالُوا هَجِيرًا وَمِسْطَحُ
_________________
(١) وَفِي الْكِتَابِ الّذِي كَتَبَ لِثَقِيفِ وَمَا كَانَ مِنْ دَيْنٍ لَيْسَ فِيهِ رَهْنٌ فَإِنّهُ لِيَاطٌ مُبَرّأٌ مِنْ اللهِ. وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ مُفَسّرًا إنْ شَاءَ اللهُ. وَقَوْلُهُ فِي الشّعْرِ فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إلَيّ أَنَامِلِي دُعَاءٌ عَلَى نَفْسِهِ وَفِيهِ تَصْدِيقٌ لِمَنْ قَالَ إنّ حَسّانَ لَمْ يُجْلَدْ فِي الْإِفْكِ وَلَا خَاضَ فِيهِ وَأَنْشَدُوا الْبَيْتَ الّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ: لَقَدْ ذَاقَ حَسّانُ الّذِي كَانَ أَهْلَهُ عَلَى خِلَافِ هَذَا اللّفْظِ لَقَدْ ذَاقَ عَبْدُ اللهِ مَا كَانَ أَهْلَهُ وَحَمْنَةُ إذْ قَالُوا: هَجِيرًا وَمِسْطَحُ
[ ٧ / ٤٨ ]
تَعَاطَوْا بِرَجْمِ الْغَيْبِ زَوْجَ نَبِيّهِمْ وَسَخْطَةَ ذِي الْعَرْشِ الْكَرِيمِ فَأُتْرِحُوا
_________________
(١) مَا نَزَلَ فِي حَقّ أَصْحَابِ الْإِفْكِ: وَذَكَرَ مَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي أَصْحَابِ الْإِفْكِ وَقَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَلَقّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ [النّورُ ١٥] وَكَانَتْ عَائِشَةُ - ﵂ تَقْرَؤُهَا: إذْ تَلِقُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ مِنْ الْوَلَقِ وَهُوَ اسْتِمْرَارُ اللّسَانِ بِالْكَذِبِ. وَأَمّا إقَامَةُ الْحَدّ عَلَيْهِمْ فَفِيهِ التّسْوِيَةُ بَيْنَ أَفْضَلِ النّاسِ بَعْدَ النّبِيّ - ﷺ - وَأَدْنَى النّاسِ دَرَجَةً فِي الْإِيمَانِ لَا يُزَادُ الْقَاذِفُ عَلَى الثّمَانِينَ وَإِنْ شَتَمَ خَيْرَ النّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا يَنْقُصُ مِنْهَا، فَإِنْ قَذَفَ قَاذِفٌ الْيَوْمَ إحْدَى أُمّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ سِوَى عَائِشَةَ، فَيَتَوَجّهُ فِيهِ لِلْفُقَهَاءِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يُجْلَدَ ثَمَانِينَ كَمَا يَقْتَضِيهِ عُمُومُ التّنْزِيلِ وَكَمَا فَعَلَ النّبِيّ - ﷺ - بِاَلّذِينَ قَذَفُوا أَهْلَهُ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ بِبَرَاءَتِهَا، وَأَمّا بَعْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ بِبَرَاءَتِهَا فَيُقْتَلُ قَاذِفُهَا قَتْلَ كُفْرٍ وَلَا يُصَلّى عَلَيْهِ وَلَا يُورَثُ لِأَنّهُ كَذّبَ اللهَ تَعَالَى. وَالْقَوْلُ الثّانِي فِي قَاذِفِ أُمّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ عَائِشَةَ - ﵅ أَنْ يُقْتَلَ أَيْضًا، وَبِهِ كَانَ يَأْخُذُ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - وَيَحْتَجّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنّ الّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الْأَحْزَابُ: ٥٧] الْآيَةُ وَإِذَا قَذَفَ أَزْوَاجَ النّبِيّ ﵇ فَقَدْ سَبّهُ. فَمِنْ أَعْظَمِ الْإِذَايَةِ أَنْ يُقَالَ عَنْ الرّجُلِ قَرْنَانٌ وَإِذَا سُبّ نَبِيّ بِمِثْلِ هَذَا فَهُوَ كُفْرٌ صُرَاحٌ وَقَدْ قَالَ الْمُفَسّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ أَيْ خَانَتَا فِي الطّاعَةِ لَهُمَا، وَالْإِيمَانِ وَمَا بَغَتْ امْرَأَةُ نَبِيّ قَطّ، أَيْ مَا زَنَتْ. إهْدَاءُ سِيرِينَ إلَى حَسّانَ وَذَكَرَ أَنّ النّبِيّ - ﷺ - أَعْطَى حَسّانَ جَارِيَتَهُ بِضَرْبِ صَفْوَانَ بْنِ الْمُعَطّلِ لَهُ
[ ٧ / ٤٩ ]
وَآذَوْا رَسُولَ اللهِ فِيهَا فَجُلّلُوا مَخَازِيَ تَبْقَى عَمّمُوهَا وَفُضّحُوا
وَصَبّتْ عَلَيْهِمْ مُحْصِدَاتٌ كَأَنّهَا شَآبِيبُ قَطْرٍ مِنْ ذُرَى الْمُزْنِ تسفح
_________________
(١) وَهَذِهِ الْجَارِيَةُ اسْمُهَا سِيرِينُ بِنْتُ شَمْعُونَ أُخْتُ مَارِيَةَ سُرّيّةُ النّبِيّ - ﷺ - وَهِيَ أُمّ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ حَسّانَ الشّاعِرِ وَكَانَ عَبْدُ الرّحْمَنِ يَفْخَرُ بِأَنّهُ ابْنُ خَالَةِ إبْرَاهِيمَ ابْنِ النّبِيّ ﷺ وَقَدْ رَوَتْ سِيرِينُ هَذِهِ عَنْ النّبِيّ ﷺ حَدِيثًا قَالَتْ رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ خَلَلًا فِي قَبْرِ إبْرَاهِيمَ ابْنِهِ فَأَصْلَحَهُ وَقَالَ " إنّ اللهَ يُحِبّ مِنْ الْعَبْدِ إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَنْ يُصْلِحَهُ "
[ ٧ / ٥٠ ]
أَمر الحديبة فِي آخِرِ سَنَةِ سِتّ وَذَكَرَ بَيْعَةَ الرّضْوَانِ وَالصُّلْح بَين الرَّسُول ﷺ وَبَيْنَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ أَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ شَهْرَ رَمَضَانَ وَشَوّالًا، وَخَرَجَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ مُعْتَمِرًا، لَا يُرِيدُ حَربًا.
نميلَة عَلَى الْمَدِينَةِ:
قَالَ ابْن هِشَام: وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة نُمَيْلَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ اللّيْثِيّ.
_________________
(١) غَزْوَةُ الْحُدَيْبِيَةِ يُقَالُ فِيهَا: الْحُدَيْبِيَةُ بِالتّخْفِيفِ وَهُوَ الْأَعْرَفُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيّةِ. قَالَ الْخَطّابِيّ: أَهْلُ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ الْحُدَيْبِيَةُ بِالتّشْدِيدِ وَالْجِعْرَانَةُ كَذَلِكَ وَأَهْلُ الْعَرَبِيّةِ يَقُولُونَهُمَا: بِالتّخْفِيفِ وَقَالَ الْبَكْرِيّ: أَهْلُ الْعِرَاقِ يُشَدّدُونَ الرّاءَ وَالْيَاءَ فِي الْجِعْرَانَةِ وَالْحُدَيْبِيَةِ وَأَهْلُ الْحِجَازِ يُخَفّفُونَ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النّحّاسُ سَأَلْت كُلّ مَنْ لَقِيته مِمّنْ أَثِقُ بِعِلْمِهِ عَنْ الْحُدَيْبِيَةِ فَلَمْ يَخْتَلِفُوا عَلَى أَنّهَا بِالتّخْفِيفِ
[ ٧ / ٥١ ]
قَالَ ابْن إِسْحَاق:
استنفار الرَّسُول النَّاس
وَاسْتَنْفَرَ الْعَرَبَ وَمَنْ حَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي مِنْ الْأَعْرَابِ لِيَخْرُجُوا مَعَهُ وَهُوَ يَخْشَى مِنْ قُرَيْشٍ الّذِي صَنَعُوا، أَنْ يَعْرِضُوا لَهُ بِحَرْبِ أَوْ يَصُدّوهُ عَنْ الْبَيْتِ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَعْرَابِ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مَنْ لَحِقَ بِهِ مِنْ الْعَرَبِ، وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ لِيَأْمَنَ النّاسُ مِنْ حَرْبِهِ وَلِيَعْلَمَ النّاسُ أَنّهُ إنّمَا خَرَجَ زَائِرًا لِهَذَا الْبَيْتِ ومعظما لَهُ
عدَّة الرِّجَال:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ
_________________
(١) الْمِيقَاتُ وَالْإِشْعَارُ: فَصْلٌ وَذَكَرَ خُرُوجَ النّبِيّ - ﷺ - مُعْتَمِرًا إلَى مَكّةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ مِنْ أَيْنَ أَحْرَمَ وَفِي الصّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ الزّهْرِيّ أَنّهُ أَحْرَمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَهُوَ خِلَافُ مَا يُرْوَى عَنْ عَلِيّ ﵀ مِنْ قَوْلِهِ" إنّ تَمَامَ الْعُمْرَةِ أَنْ تُحْرِمَ بِهَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِك" وَهَذَا مِنْ قَوْلِ عَلِيّ مُتَأَوّلٌ فِيمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ مِنْ وَرَاءِ الْمِيقَاتِ فَهُوَ الّذِي يُحْرِمُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ كَمَا يُحْرِمُ أَهْلُ مَكّةَ مِنْ مَكّةَ فِي الْحَجّ. وَفِيهِ أَنّهُ أَشْعَرَ الْهَدْيَ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ النّخَعِيّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ فِي قَوْلِهِمْ إنّ الْإِشْعَارَ مَنْسُوخٌ بِنَهْيِهِ عَنْ الْمُثْلَةِ وَيُقَالُ لَهُمْ إنّ النّهْيَ عَنْ الْمُثْلَةِ كَانَ بِإِثْرِ غَزْوَةِ أُحُدٍ فَلَا يَكُونُ النّاسِخُ مُتَقَدّمًا عَلَى الْمَنْسُوخِ. الْكُوفَةِ فِي قَوْلِهِمْ إنّ الْإِشْعَارَ مَنْسُوخٌ بِنَهْيِهِ عَنْ الْمُثْلَةِ وَيُقَالُ لَهُمْ إنّ النّهْيَ عَنْ الْمُثْلَةِ كَانَ بِإِثْرِ غَزْوَةِ أُحُدٍ، فَلَا يَكُونُ النّاسِخُ مُتَقَدّمًا عَلَى الْمَنْسُوخِ. مِنْ شَرْحِ حَدِيثِ الْحُدَيْبِيَةِ وَفِيهِ أَنّهُمْ مَرّوا بِطَرِيقِ أَجْرَدَ وَمَعْنَاهُ كَثِيرُ الْحِجَارَةِ وَالْجَرَدُ الْحَجَرُ.
[ ٧ / ٥٢ ]
عَنْ مِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَنّهُمَا حَدّثَاهُ قَالَا:
خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ يُرِيدُ زِيَارَةَ الْبَيْتِ لَا يُرِيدُ قِتَالًا، وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ سَبْعِينَ بَدَنَةً وَكَانَ النّاسُ سَبْعَمِائَةِ رَجُلٍ فَكَانَتْ كُلّ بَدَنَةٍ عَنْ عَشْرَةِ نَفَر
وَكَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فِيمَا بَلَغَنِي، يَقُولُ كُنّا أَصْحَابُ الْحُدَيْبِيَة أَرْبَعَ عشرَة مائَة.
الرَّسُول وَبشر بن سُفْيَان:
قَالَ الزّهْرِيّ:
وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى إذَا كَانَ بِعُسْفَانَ لَقِيَهُ بِشْرُ بْنُ سُفْيَانَ الْكَعْبِيّ - قَالَ
_________________
(١) وَفِيهِ أَنّهُ بَعَثَ عَيْنًا لَهُ مِنْ خُزَاعَةَ إلَى مَكّةَ، فَدَلّ عَلَى أَنّهُ يَجُوزُ لِلرّجُلِ أَنْ يُسَافِرَ وَحْدَهُ إذَا مَسّتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ أَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ صَلَاحٌ لِلْمُسْلِمَيْنِ. وَفِي الْبُخَارِيّ وَالنّسَوِيّ أَنّ عَيْنَهُ الّذِي أَرْسَلَ جَاءَهُ بِغَدِيرِ الْأَشْطَاطِ وَالْأَشْطَاطُ جَمْعُ شَطّ وَهُوَ السّنَامُ قَالَ الرّاجِزُ شَطّا رَمَيْت فَوْقَهُ بِشَطّ وَشَطّ الْوَادِي: أَيْضًا جَانِبُهُ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ الْأَشْظَاظُ بِالظّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاسْمُ عَيْنِهِ ذَلِكَ بُسْرُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الْخُزَاعِيّ وَهُوَ الّذِي بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ بُدَيْلِ ابْنِ أُمّ أَصْرَمَ وَهُوَ بُدَيْلُ بْنُ سَلَمَةَ إلَى خُزَاعَةَ يَسْتَنْفِرُهُمْ إلَى قِتَالِ أَهْلِ مَكّةَ عَامَ الْفَتْحِ.
[ ٧ / ٥٣ ]
ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ بُسْرٌ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ هَذِهِ قُرَيْشٌ، قَدْ سَمِعَتْ بِمَسِيرِك، فَخَرَجُوا مَعَهُمْ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النّمُورِ وَقَدْ نَزَلُوا بِذِي طُوًى، يُعَاهِدُونَ اللهَ لَا تَدْخُلُهَا عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَهَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي خَيْلِهِمْ قَدْ قَدّمُوهَا إلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ، قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " يَا وَيْحَ قُرَيْشٍ لَقَدْ أَكَلَتْهُمْ الْحَرْبُ، مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلّوْا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَرَبِ، فَإِنْ هُمْ أَصَابُونِي كَانَ الّذِي أَرَادُوا، وَإِنْ أَظْهَرَنِي اللهُ عَلَيْهِمْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَافِرِينَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا قَاتَلُوا وَبِهِمْ قُوّةٌ فَمَا تَظُنّ قُرَيْشٌ، فَوَاَللهِ لَا أَزَالُ أُجَاهِدُ عَلَى الّذِي بَعَثَنِي اللهُ بِهِ حَتّى يُظْهِرَهُ اللهُ أَوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ
_________________
(١) وَفِيهِ أَنّ قُرَيْشًا خَرَجَتْ وَمَعَهَا الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ. الْعُوذُ جَمْعُ عَائِذٍ وَهِيَ النّاقَةُ الّتِي مَعَهَا وَلَدُهَا، يُرِيدُ أَنّهُمْ خَرَجُوا بِذَوَاتِ الْأَلْبَانِ مِنْ الْإِبِلِ لِيَتَزَوّدُوا أَلْبَانَهَا، وَلَا يَرْجِعُوا، حَتّى يُنَاجِزُوا مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ فِي زَعْمِهِمْ وَإِنّمَا قِيلَ لِلنّاقَةِ عَائِذٌ وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ هُوَ الّذِي يَعُوذُ بِهَا، لِأَنّهَا عَاطِفٌ عَلَيْهِ كَمَا قَالُوا: تِجَارَةٌ رَابِحَةٌ وَإِنْ كَانَتْ مَرْبُوحًا فِيهَا، لِأَنّهَا فِي مَعْنَى نَامِيَةٍ وَزَاكِيَةٍ، وَكَذَلِكَ عِيشَةٌ رَاضِيَةٌ لِأَنّهَا فِي مَعْنَى صَالِحَةٍ وَمِنْ نَحْوِ هَذَا قَوْلُهُ ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ [الْفَتْحُ ٢٥] وَإِنْ كَانَ عَاكِفًا، لِأَنّهُ مَحْبُوسٌ فِي الْمَعْنَى، فَتَحَوّلَ وَزْنُهُ فِي اللّفْظِ إلَى وَزْنِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ كَمَا قَالُوا فِي الْمَرْأَةِ تُهْرَاقُ الدّمَاءَ وَقِيَاسُهُ تُهْرِيقُ الدّمَاءَ وَلَكِنّهُ فِي مَعْنَى: تُسْتَحَاضُ فَحُوّلَ إلَى وَزْنِ مَا لَمْ يُسَمّ فَاعِلُهُ الدّمَاءُ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْمَفْعُولِ كَمَا كَانَتْ. وَقَوْلُهُ فِي بِئْرِ الْحُدَيْبِيَةِ: إنّمَا يُتَبَرّضُ مَاؤُهَا تَبَرّضًا مِنْ الْبَرَضِ وَهُوَ الْمَاءُ الّذِي يَقْطُرُ قَلِيلًا قَلِيلًا، وَالْبَارِضُ مِنْ النّبَاتِ الّذِي كَأَنّهُ يَقْطُرُ مِنْ الرّيّ وَالنّعْمَةِ. قَالَ الشّاعِرُ رَعَى بَارِضَ الْبُهْمَى جَمِيمًا وَبُسْرَةً وَصَمْعَاءَ حَتّى آنَفَتْهُ نِصَالُهَا
[ ٧ / ٥٤ ]
السّالِفَةُ " ثُمّ قَالَ " مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِهِمْ الّتِي هُمْ بِهَا "؟
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ:
أَنّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ قَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ فَسَلَكَ بِهِمْ طَرِيقًا وَعِرًا أَجْرَلَ بَيْنَ شِعَابٍ فَلَمّا خَرَجُوا مِنْهُ وَقَدْ شَقّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَفْضَوْا إلَى أَرْضٍ سَهْلَةٍ عِنْدَ مُنْقَطَعِ الْوَادِي ; قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلنّاسِ " قُولُوا: نَسْتَغْفِرُ اللهَ وَنَتُوبُ إلَيْهِ" ; فَقَالُوا ذَلِكَ فَقَالَ" وَاَللهِ إنّهَا لَلْحِطّةُ الّتِي عُرِضَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل. فَلم يقولوه ا
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ:
فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النّاسَ فَقَالَ " اُسْلُكُوا ذَاتَ الْيَمِينِ بَيْنَ ظَهْرَيْ الْحَمْشِ، فِي طَرِيقٍ تُخْرِجُهُ عَلَى ثَنِيّةِ الْمُرَارِ مَهْبِطِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ أَسْفَلِ مَكّةَ قَالَ فَسَلَكَ الْجَيْشُ
_________________
(١) يُقَالُ لِكُلّ شَيْءٍ فِي أَوّلِهِ بُسْرَةٌ حَتّى لِلشّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِهَا، وَصَمْعَاءُ مُتّحِدَةٌ قَدْ شَوّكَتْ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَذَكَرَ أَنْ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ سَلَكَ بِهِمْ طَرِيقًا وَعِرًا أَجْرَلَ يُقَالُ إنّ ذَلِكَ الرّجُلُ هُوَ نَاجِيَةُ الْأَسْلَمِيّ وَهُوَ سَائِقُ بُدْنِهِ وَهُوَ نَاجِيَةُ بْنُ جُنْدُبٍ وَيُقَالُ فِيهِ ابْنُ عُمَيْرٍ وَكَانَ اسْمُهُ ذَكْوَانُ، فَسَمّاهُ النّبِيّ ﷺ نَاجِيَةَ حِينَ نَجَا مِنْ كُفّارِ قُرَيْشٍ، وَعَاشَ إلَى زَمَنِ مُعَاوِيَةَ وَأَمّا صَاحِبُ بُدْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي الْمُوَطّإِ وَغَيْرِهِ فَاسْمُهُ ذُؤَيْبُ بْنُ حَلْحَلَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كُلَيْبِ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُمَيْرِ بْنِ حُبْشِيّةَ بْنِ سَلُولَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ، وَهُوَ لُحَيّ بْنُ حَارِثَةَ جَدّ خُزَاعَةَ، وَذُؤَيْبٌ هَذَا هُوَ وَالِدُ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ الْقَاضِي صَاحِبُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَعَاشَ ذُؤَيْبٌ إلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ أَيْضًا. وَذَكَرَ فِي نَسَبِ أَسْلَمَ بْنِ أَفْصَى بْنِ أَبِي حَارِثَةَ وَهُوَ وَهْمٌ وَقَدْ أَصْلَحَهُ ابْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ هُوَ حَارِثَةُ يَعْنِي ابْنَ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ مَاءِ السّمَاءِ بْنِ حَارِثَةَ
[ ٧ / ٥٥ ]
ذَلِكَ الطّرِيقَ فَلَمّا رَأَتْ خَيْلُ قُرَيْشٍ فَتْرَةَ الْجَيْشِ قَدْ خَالَفُوا عَنْ طَرِيقِهِمْ رَجَعُوا رَاكِضِينَ إلَى قُرَيْشٍ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى إذَا سَلَكَ فِي ثَنِيّةِ الْمُرَارِ بَرَكَتْ نَاقَتُهُ فَقَالَتْ النّاسُ خَلَأَتْ النّاقَةُ قَالَ مَا خَلَأَتْ وَمَا هُوَ لَهَا بِخُلُقِ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ عَنْ مَكّةَ. لَا تَدْعُونِي قُرَيْشٌ الْيَوْمَ إلَى خُطّةٍ يَسْأَلُونَنِي فِيهَا صِلَةَ الرّحِمِ إلّا أَعْطَيْتهمْ إيّاهَا ثُمّ قَالَ للنَّاس "انزلُوا "، قِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا بِالْوَادِي مَاءٌ نَنْزِلُ عَلَيْهِ فَأَخْرَجَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَأَعْطَاهُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ فَنَزَلَ بِهِ فِي قَلِيبِ مِنْ تِلْكَ الْقُلُبِ. فَغَرَزَهُ فِي جَوْفِهِ فَجَاشَ بِالرّوَاءِ حَتّى ضَرَبَ النّاسُ عَنهُ بِعَطَن.
الَّذِي نزل بِسَهْم الرَّسُول فِي طلب المَاء:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَسْلَمَ: أَنّ الّذِي نَزَلَ فِي الْقَلِيبِ بِسَهْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَاجِيَةُ بْنُ جُنْدُبِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ يَعْمَرَ بْنِ دَارِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
_________________
(١) الْغِطْرِيفُ بْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ الْأَسَدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ إسْحَاقَ لَمْ يَهِمْ فِيهِ وَلَكِنّهُ نَسَبَهُ إلَى أَبِي حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، وَهُوَ عَمّ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَحَارِثَةُ هُوَ أَبُو الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ. وَذَكَرَ قَوْلَهُ ﵇ " لَا تَدْعُونِي قُرَيْشٌ الْيَوْمَ إلَى خُطّةٍ "الْحَدِيثُ وَفِي غَيْرِ رِوَايَةُ ابْنِ إسْحَاقَ عَنْ الزّهْرِيّ أَنّهُ قَالَ " وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْعُونِي قُرَيْش " وَلَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ إنْ شَاءَ اللهُ وَقَدْ تَكَلّمُوا فِي ذَلِكَ فَقِيلَ إنّمَا أَسْقَطَ الِاسْتِثْنَاءَ لِأَنّهُ أَمْرٌ وَاجِبٌ كَانَ قَدْ أَمَرَ بِهِ أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ فِي الْحَدِيثِ " إنّمَا أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ لَنْ أُخَالِفَ أَمْرَهُ، وَلَنْ يُضَيّعَنِي " وَقِيلَ إنّ إسْقَاطَ الِاسْتِثْنَاءِ إنّمَا هُوَ مِنْ الرّاوِي إمّا نَسِيَهُ وَإِمّا لَمْ يَحْفَظْهُ.
[ ٧ / ٥٦ ]
وَائِلَةَ بْنِ سَهْمِ بْنِ مَازِنِ بْنِ سَلَامَانَ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ أَفَصَى بْنِ أَبِي حَارِثَةَ، وَهُوَ سَائِقُ بُدْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَفْصَى بْنُ حَارِثَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ زَعَمَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ
أَنّ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ كَانَ يَقُولُ "أَنَا الّذِي نَزَلْت بِسَهْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ "فَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ.
شعر لناجية يثبت أَنه حَامِل سهم الرَّسُول:
وَقَدْ أَنْشَدَتْ أَسْلَمُ أَبْيَاتًا مِنْ شِعْرٍ قَالَهَا نَاجِيَةُ قَدْ ظَنَنّا أَنّهُ هُوَ الّذِي نَزَلَ بِالسّهْمِ فَزَعَمَتْ أَسْلَمُ أَنّ جَارِيَةً مِنْ الْأَنْصَارِ أَقْبَلَتْ بِدَلْوِهَا، وَنَاجِيَةُ فِي الْقَلِيبِ يَمِيحُ عَلَى النّاسِ فَقَالَتْ
يَا أَيّهَا الْمَائِحُ دَلْوِي دُونَكَا إنّي رَأَيْت النّاسَ يَحْمَدُنّكَا
يُثْنُونَ خَيْرًا وَيُمَجّدُونَكَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى:
إنّي رَأَيْت النّاسَ يَمْدَحُونَكَا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
_________________
(١) وَفِي الْحَدِيثِ أَوْ تَنْفَرِدُ هَذِهِ السّالِفَةُ. السّالِفَةُ صَفْحَةُ الْعُنُقِ وَانْفِرَادُهَا عِبَارَةٌ عَنْ الْقَتْلِ أَوْ الذّبْحِ وَفِي الرّجَزِ الّذِي أَنْشَدَهُ يَا أَيّهَا الْمَائِحُ دَلْوِي دُونَكَا لَوْ قَالَ دُونَك دَلْوِي لَكَانَ الدّلْوُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْإِغْرَاءِ فَلَمّا قَدّمَهَا عَلَى دُونَك، لَمْ يَجُزْ نَصْبُهَا بِدُونِك، وَلَكِنّهُ بِفِعْلِ آخَرَ كَأَنّهُ قَالَ امْلَأْ دَلْوِي، فَقَوْلُهُ دُونَكَا أَمْرٌ بَعْدَ أَمْرٍ.
[ ٧ / ٥٧ ]
فَقَالَ نَاجِيَةُ وَهُوَ فِي الْقَلِيبِ يَمِيحُ عَلَى النّاسِ
قَدْ عَلِمَتْ جَارِيَةٌ يَمَانِيَهْ أَنّي أَنَا الْمَائِحُ وَاسْمِي نَاجِيَهْ
وَطَعْنَةٍ ذَاتِ رَشَاشٍ وَاهِيَهْ طَعَنْتهَا عِنْدَ صُدُورِ الْعَادِيَهْ
فَقَالَ الزّهْرِيّ فِي حَدِيثِهِ
فَلَمّا اطْمَأَنّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَتَاهُ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيّ، فِي رِجَالٍ مِنْ خُزَاعَةَ، فَكَلّمُوهُ وَسَأَلُوهُ مَا الّذِي جَاءَ بِهِ؟ فَأَخْبَرَهُمْ أَنّهُ لَمْ يَأْتِ يُرِيدُ حَرْبًا، وَإِنّمَا جَاءَ زَائِرًا لِلْبَيْتِ، وَمُعَظّمًا لِحُرْمَتِهِ ثُمّ قَالَ لَهُمْ نَحْوًا مِمّا قَالَ لِبِشْرِ بْنِ سُفْيَانَ فَرَجَعُوا إلَى قُرَيْشٍ فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّكُمْ تَعْجَلُونَ عَلَى مُحَمّدٍ إنّ مُحَمّدًا لَمْ يَأْتِ لِقِتَالِ وَإِنّمَا جَاءَ زَائِرًا هَذَا الْبَيْتَ، فَاتّهَمُوهُمْ وَجَبّهُوهُمْ وَقَالُوا: وَإِنْ كَانَ جَاءَ وَلَا يُرِيدُ قِتَالًا، فَوَاَللهِ لَا يَدْخُلُهَا عَلَيْنَا عَنْوَةً أَبَدًا، وَلَا تَحَدّثُ بِذَلِكَ عَنّا الْعَرَبُ.
قَالَ الزّهْرِيّ: وَكَانَتْ خُزَاعَةُ عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُسْلِمُهَا وَمُشْرِكُهَا، لَا يُخْفُونَ عَنْهُ شَيْئًا كَانَ بِمَكَّة.
مكرز رَسُول قُرَيْش إِلَى الرَّسُول:
قَالَ:
ثُمّ بَعَثُوا إلَيْهِ مِكْرَزَ بْنَ حَفْصِ بْنِ الْأَخْيَفِ، أَخَا بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ، فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُقْبِلًا قَالَ " هَذَا رَجُلٌ غَادِر" فَلَمّا انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَلّمَهُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَحْوًا مِمّا قَالَ لِبُدَيْلٍ وَأَصْحَابِهِ فَرَجَعَ إلَى قُرَيْشٍ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ.
الْحُلَيْس رَسُول من قُرَيْش على الرَّسُول:
ثُمّ بَعَثُوا إلَيْهِ الْحُلَيْسَ بْنَ عَلْقَمَةَ أَوْ ابْنَ زَبّانٍ وَكَانَ يَوْمَئِذٍ سَيّدَ الْأَحَابِيشِ، وَهُوَ
_________________
(١) وَفِيهِ قَوْلُهُ ﷺ فِي الْحُلَيْسِ" إنّ هَذَا مِنْ قَوْمٍ يَتَأَلّهُونَ " أَيْ يُعَظّمُونَ أَمْرَ الْإِلَهِ وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ:
[ ٧ / ٥٨ ]
أَحَدُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ ; فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: " إنّ هَذَا مِنْ قَوْمٍ يَتَأَلّهُونَ، فَابْعَثُوا الْهَدْيَ فِي وَجْهِهِ حَتّى يَرَاهُ" فَلَمّا رَأَى الْهَدْيَ يَسِيلُ عَلَيْهِ مِنْ عُرْضِ الْوَادِي فِي قَلَائِدِهِ وَقَدْ أَكَلَ أَوْبَارَهُ مِنْ طُولِ الْحَبْسِ عَنْ مَحَلّهِ رَجَعَ إلَى قُرَيْشٍ، وَلَمْ يَصِلْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ إعْظَامًا لِمَا رَأَى، فَقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ. قَالَ فَقَالُوا لَهُ اجْلِسْ فَإِنّمَا أَنْتَ أَعْرَابِيّ لَا عِلْمَ لَك.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ:
أَنّ الْحُلَيْسَ غَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ وَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَاَللهِ مَا عَلَى هَذَا حَالَفْنَاكُمْ، وَلَا عَلَى هَذَا عَاقَدْنَاكُمْ. أَيُصَدّ عَنْ بَيْتِ اللهِ مَنْ جَاءَ مُعَظّمًا لَهُ وَاَلّذِي نَفْسُ الْحُلَيْسِ بِيَدِهِ لَتُخَلّنّ بَيْنَ مُحَمّدٍ وَبَيْنَ مَا جَاءَ لَهُ أَوْ لَأُنَفّرَنّ بِالْأَحَابِيشِ نُفْرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ". قَالَ فَقَالُوا لَهُ مَهْ كُفّ عَنّا يَا حُلَيْسُ حَتّى نَأْخُذَ لِأَنْفُسِنَا مَا نرضى بِهِ
عُرْوَة بن مَسْعُود رَسُول من قُرَيْش إِلَى الرَّسُول:
قَالَ الزّهْرِيّ فِي حَدِيثِهِ:
_________________
(١) سَبّحْنَ وَاسْتَرْجَعْنَ مَنْ تَأَلّهَ أَيْ مِنْ تَنَسّكٍ وَتَعْظِيمٍ لِلّهِ سُبْحَانَهُ وَصْفُ الْجَمْعِ بِالْمُفْرَدِ وَقَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ لِقُرَيْشِ قَدْ عَرَفْتُمْ أَنّكُمْ وَالِدٌ أَيْ كُلّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ كَالْوَالِدِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنْتُمْ حَيّ قَدْ وَلَدَنِي، لِأَنّهُ كَانَ لِسُبَيْعَةَ بِنْتِ عَبْدِ شَمْسٍ،
[ ٧ / ٥٩ ]
ثُمّ بَعَثُوا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثّقَفِيّ ; فَقَالَ "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّي قَدْ رَأَيْت مَا يَلْقَى مِنْكُمْ مَنْ بَعَثْتُمُوهُ إلَى مُحَمّدٍ إذْ جَاءَكُمْ مِنْ التّعْنِيفِ وَسُوءِ اللّفْظِ وَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنّكُمْ وَالِدٌ وَإِنّي وَلَدٌ - وَكَانَ عُرْوَةُ لِسُبَيْعَةَ بِنْتِ عَبْدِ شَمْسٍ - وَقَدْ سَمِعْت بِاَلّذِي نَابَكُمْ فَجَمَعْت مَنْ أَطَاعَنِي مِنْ قَوْمِي، ثُمّ جِئْتُكُمْ حَتّى آسَيْتُكُمْ بِنَفْسِي، قَالُوا: صَدَقْت، مَا أَنْتَ عِنْدَنَا بِمُتّهَمِ. فَخَرَجَ حَتّى أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمّ قَالَ يَا مُحَمّدُ أَجَمَعْت أَوْشَابَ النّاسِ ثُمّ جِئْت بِهِمْ إلَى بَيْضَتِك لِتَفُضّهَا بِهِمْ إنّهَا قُرَيْشٌ قَدْ خَرَجَتْ مَعَهَا الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ. قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النّمُورِ يُعَاهِدُونَ اللهَ لَا تَدْخُلُهَا عَلَيْهِمْ عَنْوَةً أَبَدًا وَاَيْمُ اللهِ لَكَأَنّي بِهَؤُلَاءِ قَدْ انْكَشَفُوا عَنْك غَدًا. قَالَ وَأَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَاعِدٌ فَقَالَ اُمْصُصْ بَظْرَ اللّاتِ، أَنَحْنُ نَتَكَشّفُ عَنْهُ؟ قَالَ مَنْ هَذَا يَا مُحَمّدُ؟ قَالَ هَذَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، قَالَ أَمَا وَاَللهِ لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَك عِنْدِي لَكَافَأْتُك بِهَا، وَلَكِنّ هَذِهِ بِهَا، قَالَ ثُمّ جَعَلَ يَتَنَاوَلُ لِحْيَةَ
_________________
(١) وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي الْجَمَاعَةِ هُمْ لِي صَدِيقٌ وَعَدُوّ. وَفِي التّنْزِيلِ ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النّسَاءُ٦٩] فَيُفْرَدُ لِأَنّهُ صِفَةٌ لِفَرِيقِ وَحِزْبٍ وَيَقْبُحُ أَنْ تَقُولَ قَوْمُك ضَاحِكٌ أَوْ بَاكٍ وَإِنّمَا يَحْسُنُ هَذَا إذَا وَصَفْت بِصَدِيقِ وَرَفِيقٍ وَعَدُوّ لِأَنّهَا صِفَةٌ تَصْلُحُ لِلْفَرِيقِ وَالْحِزْبِ لِأَنّ الْعَدَاوَةَ وَالصّدَاقَةَ صِفَتَانِ مُتَضَادّتَانِ فَإِذَا كَانَ عَلَى أَحَدِهِمَا الْفَرِيقُ الْوَاحِدُ كَانَ الْآخَرُ عَلَى ضِدّهَا، وَكَانَتْ قُلُوبُ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ فِي تِلْكَ الصّفَةِ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي عُرْفِ الْعَادَةِ فَحَسُنَ الْإِفْرَادُ وَلَيْسَ يَلْزَمُ مِثْلُ هَذَا فِي الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَنَحْوِهِ حَتّى يُقَالَ هُمْ قَاعِدٌ أَوْ قَائِمٌ كَمَا يُقَالُ هُمْ صَدِيقٌ لِمَا قَدّمْنَاهُ مِنْ الِاتّفَاقِ وَالِاخْتِلَافِ. وَأَمّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غَافِرٌ ٦٧]، بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ [النّورُ ٥٩] فَالْأَحْسَنُ فِي حُكْمِ الْبَلَاغَةِ أَنْ يُعَبّرَ عَنْ الْأَطْفَالِ الرّضّعِ بِالطّفْلِ فِي الْوَاحِدِ وَالْجَمِيعِ لِأَنّهُمْ مَعَ حِدْثَانِ الْوِلَادَةِ كَالْجِنْسِ الّذِي يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بِلَفْظِ وَاحِدٍ أَلَا تَرَى أَنّ بَدْءَ الْخَلْقِ طِينٌ ثُمّ مَنِيّ، وَالْمَنِيّ جِنْسٌ لَا يَتَمَيّزُ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ فَلِذَلِكَ لَا يُجْمَعُ وَكَذَلِكَ الطّينُ ثُمّ يَكُونُ الْخَلْقُ عَلَقًا، وَهُوَ الدّمُ فَيَكُونُ ذَلِكَ جِنْسًا، ثُمّ
[ ٧ / ٦٠ ]
رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُكَلّمُهُ قَالَ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَاقِفٌ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْحَدِيدِ. قَالَ فَجَعَلَ يَقْرَعُ يَدَهُ إذَا تَنَاوَلَ لِحْيَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَيَقُولُ اُكْفُفْ يَدَك عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ لَا تَصِلَ إلَيْك، قَالَ فَيَقُولُ عُرْوَةُ وَيْحَك مَا أَفَظّك وَأَغْلَظَك قَالَ فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ مَنْ هَذَا يَا مُحَمّدُ؟ قَالَ هَذَا ابْنُ أَخِيك الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَالَ أَيْ غُدَرُ وَهَلْ غَسَلْت سَوْءَتَك إلّا بِالْأَمْسِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
أَرَادَ عُرْوَةُ بِقَوْلِهِ هَذَا أَنّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ قَبْلَ إسْلَامِهِ قَتَلَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَالِكٍ مِنْ ثَقِيفٍ، فَتَهَايَجَ الْحَيّانِ مِنْ ثَقِيفٍ: بَنُو مَالِكٍ رَهْطُ الْمَقْتُولِينَ وَالْأَحْلَافُ رَهْطُ الْمُغِيرَةِ فَوَدَى عُرْوَةُ الْمَقْتُولِينَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ دِيَةً وَأَصْلَحَ ذَلِكَ الْأَمْرَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ الزّهْرِيّ:
فَكَلّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَحْوِ مِمّا كَلّمَ بِهِ أَصْحَابَهُ وَأَخْبَرَهُ أَنّهُ لَمْ يَأْتِ يُرِيدُ حَرْبًا. فَقَامَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَدْ رَأَى مَا يَصْنَعُ بِهِ أَصْحَابُهُ لَا يَتَوَضّأُ إلّا ابْتَدَرُوا
_________________
(١) يُخْرِجُهُمْ اللهُ طِفْلًا، أَيْ جِنْسًا تَالِيًا لِلْعَلَقِ وَالْمَنِيّ لَا يَكَادُ يَتَمَيّزُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ إلّا عِنْدَ آبَائِهِمْ فَإِذَا كَبُرُوا وَخَالَطُوا النّاسَ وَعَرَفَ النّاسُ صُوَرَهُمْ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَصَارُوا كَالرّجَالِ وَالْفِتْيَانِ قِيلَ فِيهِمْ حِينَئِذٍ أَطْفَالٌ كَمَا يُقَالُ رِجَالٌ وَفِتْيَانٌ وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ بِالْأَجِنّةِ أَنّهُمْ مُغَيّبُونَ فِي الْبُطُونِ فَلَمْ يَكُونُوا كَالْجِنْسِ الظّاهِرِ لِلْعُيُونِ كَالْمَاءِ وَالطّينِ وَالْعَلَقِ وَإِنّمَا جَمْعُ الْجَنِينِ عَلَى أَجِنّةٍ وَحَسُنَ ذَلِكَ فِيهِ لِأَنّهُ تَبَعٌ لِلْبَطْنِ الّذِي هُوَ فِيهِ وَيُقَوّي هَذَا الْغَرَضَ الّذِي صَمَدْنَا إلَيْهِ فِي الطّفْلِ قَوْلُ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مَجَاعَةَ لِعُمَرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَدْ سَأَلَهُ هَلْ بَقِيَ مِنْ كُهُولِ بَنِي مَجَاعَةَ أَحَدٌ؟ قَالَ نَعَمْ وَشَكِيرٌ كَثِيرٌ فَانْظُرْ كَيْفَ قَالَ الْكُهُولُ وَجَمَعَ، وَقَالَ فِي الصّغَارِ شَكِيرٌ كَمَا تَقُولُ حَشِيشٌ وَنَبَاتٌ فَتُفْرَدُ لِأَنّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ وَالطّفْلُ فِي مَعْنَى الشّكِيرِ مَا دَامُوا رُضّعًا، حَتّى يَتَمَيّزُوا بِالْأَسْمَاءِ وَالصّوَرِ عِنْدَ النّاسِ فَهَذَا حُكْمُ الْبَلَاغَةِ وَمَسَاقُ الْفَصَاحَةِ فَافْهَمْهُ.
[ ٧ / ٦١ ]
وَضُوءَهُ وَلَا يَبْصُقُ بُصَاقًا إلّا ابْتَدَرُوهُ وَلَا يَسْقُطُ مِنْ شَعْرِهِ شَيْءٌ إلّا أَخَذُوهُ. فَرَجَعَ إلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَ "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنّي قَدْ جِئْت كِسْرَى فِي مُلْكِهِ، وَقَيْصَرَ فِي مُلْكِهِ وَالنّجَاشِيّ فِي مُلْكِهِ وَإِنّي وَاَللهِ مَا رَأَيْت مَلِكًا فِي قَوْمٍ قَطّ مِثْلَ مُحَمّدٍ فِي أَصْحَابِهِ وَلَقَدْ رَأَيْت قَوْمًا لَا يُسْلِمُونَهُ لِشَيْءِ أَبَدًا، فروا رَأْيكُمْ"
خرَاش رَسُول الرَّسُول إِلَى قُرَيْش:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَا خِرَاشَ بْنَ أُمَيّةَ الْخُزَاعِيّ، فَبَعَثَهُ إلَى قُرَيْشٍ بِمَكّةَ، وَحَمَلَهُ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ الثّعْلَبُ لِيُبْلِغَ أَشْرَافَهُمْ عَنْهُ مَا جَاءَ لَهُ فَعَقَرُوا بِهِ جَمَلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَرَادُوا قَتْلَهُ فَمَنَعَتْهُ الْأَحَابِيشُ، فَخَلّوْا سَبِيلَهُ حَتّى أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ.
النَّفر القرشيون الَّذين أرسلتهم قُرَيْش للعدوان ثمَّ عَفا عَنْهُم الرَّسُول:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدّثَنِي بَعْضُ مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ:
أَنّ قُرَيْشًا كَانُوا بَعَثُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ أَوْ خَمْسِينَ رَجُلًا، وَأَمَرُوهُمْ أَنْ يُطِيفُوا بِعَسْكَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيُصِيبُوا لَهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدًا، فَأُخِذُوا أَخْذًا، فَأُتِيَ بِهِمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَفَا عَنْهُمْ وَخَلّى سَبِيلَهُمْ وَقَدْ كَانُوا رَمَوْا فِي عَسْكَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْحِجَارَةِ والنبل.
_________________
(١) وَأَمّا قَوْلُ عُرْوَةَ جَمَعْت أَوْشَابَ النّاسِ يُرِيدُ أَخْلَاطًا، وَكَذَلِكَ الْأَوْبَاشُ. وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ " أَمّا الْمَالُ فَلَسْت مِنْهُ فِي شَيْء " فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَنّ
[ ٧ / ٦٢ ]
عُثْمَان رَسُول مُحَمَّد إِلَى قُرَيْش:
ثُمّ دَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ لِيَبْعَثَهُ إلَى مَكّةَ، فَيُبَلّغَ عَنْهُ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مَا جَاءَ لَهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إنّي أَخَافُ قُرَيْشًا عَلَى نَفْسِي، وَلَيْسَ بِمَكّةَ مِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ أَحَدٌ يَمْنَعُنِي، وَقَدْ عَرَفَتْ قُرَيْشٌ عَدَاوَتِي إيّاهَا، وَغِلْظَتِي عَلَيْهَا، وَلَكِنّي أَدُلّك عَلَى رَجُلٍ أَعَزّ بِهَا مِنّي، عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ. فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ، فَبَعَثَهُ إلَى أَبِي سُفْيَانَ وَأَشْرَافِ قُرَيْشٍ، يُخْبِرُهُمْ أَنّهُ لَمْ يَأْتِ لِحَرْبِ وَأَنّهُ إنّمَا جَاءَ زَائِرًا لِهَذَا الْبَيْتِ، ومعظما لِحُرْمَتِهِ
إِشَاعَة مقتل عُثْمَان:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَ عُثْمَانُ إلَى مَكّةَ، فَلَقِيَهُ أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ حِينَ دَخَلَ مَكّةَ، أَوْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا، فَحَمَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمّ أَجَارَهُ حَتّى بَلّغَ رِسَالَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَانْطَلَقَ عُثْمَانُ حَتّى أَتَى أَبَا سُفْيَانَ وَعُظَمَاءَ قُرَيْشٍ، فَبَلّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَا أَرْسَلَهُ بِهِ فَقَالُوا لِعُثْمَانِ حِينَ فَرَغَ مِنْ رِسَالَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَيْهِمْ إنْ شِئْت أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَطُفْ فَقَالَ مَا كُنْت لِأَفْعَل حَتّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وَاحْتَبَسَتْهُ قُرَيْشٌ عِنْدَهَا، فَبَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ أَنّ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ قَدْ قُتِلَ.
_________________
(١) أَمْوَالَ الْمُشْرِكِينَ حَرَامٌ إذَا أَمّنُوك وَأَمّنْتهمْ وَإِنّمَا يَحِلّ بِالْمُحَارَبَةِ وَالْمُغَالَبَةِ لَا عِنْدَ طُمَأْنِينَتِهِمْ إلَيْك وَأَمَنَتِهِمْ مِنْك، فَإِنّ ذَلِكَ هُوَ الْغَدْرُ وَفِي هَذَا الْمَعْنَى آثَارٌ قَدْ مَضَى بَعْضُهَا، وَسَيَأْتِي بَعْضُهَا فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ وَغَيْرِهَا. وَفِيهِ أَنّهُمْ كَانُوا يَتَدَلّكُونَ بِنُخَامَةِ النّبِيّ - ﷺ إذَا تَنَخّمَ. وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ النّخَامَةِ خِلَافًا لِلنّخَعِيّ وَمَا يُرْوَى فِي ذَلِكَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيّ. وَحَدِيثُ "إذَا تَنَخّمَ أَحَدُكُمْ فِي الصّلَاة" أَبْيَنُ فِي الْحُجّةِ لِأَنّ حَدِيثَ السّيرَةِ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ بِالنّبِيّ ﷺ.
[ ٧ / ٦٣ ]
بيعَة الرضْوَان
مبايعة الرَّسُول النَّاس على الْحَرْب وتخلف الْجد:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ حِينَ بَلَغَهُ أَنّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ " لَا نَبْرَحُ حَتّى نُنَاجِزَ الْقَوْمَ " فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ النّاسَ إلَى الْبَيْعَةِ. فَكَانَتْ بَيْعَةُ الرّضْوَانِ تَحْتَ الشّجَرَةِ، فَكَانَ النّاسُ يَقُولُونَ بَايَعَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمَوْتِ وَكَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يُبَايِعْنَا عَلَى الْمَوْتِ وَلَكِنْ بَايَعَنَا عَلَى أَنْ لَا نَفِرّ.
فَبَايَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النّاسَ وَلَمْ يَتَخَلّفْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَضَرَهَا، إلّا الْجَدّ بْنُ قَيْسٍ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ فَكَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ وَاَللهِ لَكَأَنّي أَنْظُرُ إلَيْهِ لَاصِقًا بِإِبْطِ نَاقَتِهِ. قَدْ ضَبَأَ إلَيْهَا، يَسْتَتِرُ بِهَا مِنْ النّاسِ. ثُمّ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنّ الّذِي ذُكِرَ مِنْ أَمْرِ عُثْمَان بَاطِل.
أول من بَايع:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَذَكَرَ وَكِيعٌ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ الشّعْبِيّ: أَنّ أَوّلَ مَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَيْعَةَ الرّضْوَانِ أَبُو سِنَانٍ الْأَسَدِيّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَمّنْ حَدّثَهُ بِإِسْنَادِ لَهُ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي عُمَرَ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَايَعَ لِعُثْمَانِ فَضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٦٤ ]
أَمر الْهُدْنَة
إرْسَال قُرَيْش سهيلا إِلَى الرَّسُول للصلح:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ الزّهْرِيّ:
"ثُمّ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، أَخَا بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ، إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالُوا لَهُ ائْتِ مُحَمّدًا فَصَالِحْهُ وَلَا يَكُنْ فِي صُلْحِهِ إلّا أَنْ يَرْجِعَ عَنّا عَامَهُ هَذَا، فَوَاَللهِ لَا تُحَدّثُ الْعَرَبُ عَنّا أَنّهُ دَخَلَهَا عَلَيْنَا عَنْوَةً أَبَدًا. فَأَتَاهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ; فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُقْبِلًا، قَالَ قَدْ أَرَادَ الْقَوْمُ الصّلْحَ حِينَ بَعَثُوا هَذَا الرّجُلَ "فَلَمّا انْتَهَى سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ تَكَلّمَ فَأَطَالَ الْكَلَامَ وَتَرَاجَعَا ثُمّ جَرَى بَيْنَهُمَا الصُّلْح.
عمر يُنكر على الرَّسُول الصّلْحُ:
فَلَمّا الْتَأَمَ الْأَمْرُ وَلَمْ يَبْقَ إلّا الْكِتَابُ وَثَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، فَأَتَى أَبَا بَكْر فَقَالَ "يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ بِرَسُولِ اللهِ؟ قَالَ بَلَى. قَالَ أَوَلَسْنَا بِالْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ بَلَى، قَالَ أَوَلَيْسُوا بِالْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ بَلَى، قَالَ فَعَلَامَ نُعْطِيَ الدّنِيّةَ فِي دِينِنَا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا عُمَرُ الْزَمْ غَرْزَهُ فَإِنّي أَشْهَدُ أَنّهُ رَسُولُ اللهِ قَالَ عُمَرُ وَأَنَا أَشْهَدُ أَنّهُ
_________________
(١) حَوْلَ الْمُصَالَحَةِ فَصْلٌ: وَذَكَرَ مُصَالَحَةَ النّبِيّ - ﷺ - لِقُرَيْشِ وَشَرْطَهُمْ أَنْ لَا يَأْتِيَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ مِمّنْ هُوَ عَلَى دِينِهِ إلّا رَدّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُصَالَحَةُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى غَيْرِ مَالٍ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ وَذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ وَقَدْ تَقَدّمَ مُصَالَحَتُهُمْ عَلَى مَالٍ يُعْطُونَهُ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَجُوزُ صُلْحُهُمْ إلَى أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا رَآهُ الْإِمَامُ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يَتَجَاوَزُ فِي صُلْحِهِمْ إلَى أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ وَحُجّتُهُمْ أَنّ حَظْرَ الصّلْحِ هُوَ الْأَصْلُ بِدَلِيلِ آيَةِ الْقِتَالِ وَقَدْ وَرَدَ التّحْدِيدُ بِالْعَشْرِ فِي حَدِيثِ ابْنِ إسْحَاقَ فَحَصَلَتْ الْإِبَاحَةُ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ مُتَحَقّقَةً وَبَقِيَتْ الزّيَادَةُ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ الْحَظْرُ وَفِيهِ الصّلْحُ عَلَى أَنْ يُرَدّ
[ ٧ / ٦٥ ]
رَسُولُ اللهِ ثُمّ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَلَسْت بِرَسُولِ اللهِ؟ قَالَ " بَلَى "، قَالَ أَوَلَسْنَا بِالْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ " بَلَى"، قَالَ أَوَلَيْسُوا بالمشركين؟ قَالَ "ب لى "، قَالَ فَعَلَامَ نُعْطِي الدّنِيّةَ فِي دِينِنَا؟ قَالَ " أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ لَنْ أُخَالِفَ أَمْرَهُ، وَلَنْ يُضَيّعَنِي" قَالَ فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ مَا زِلْت أَتَصَدّقُ وَأَصُومُ وَأُصَلّي وَأُعْتِقُ مِنْ الّذِي صَنَعْت يَوْمَئِذٍ مَخَافَةَ كَلَامِي الّذِي تَكَلّمْت بِهِ حَتّى رَجَوْت أَنْ يَكُونَ خَيْرًا.
عَلِيّ يَكْتُبُ شُرُوطَ الصّلْحِ
قَالَ ثُمّ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ فَقَالَ اُكْتُبْ
_________________
(١) الْمُسْلِمُ إلَى دَارِ الْكُفْرِ وَهَذَا مَنْسُوخٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ سُرّيّةِ خَالِدٍ حِينَ وَجّهَهُ النّبِيّ - ﷺ - إلَى خَثْعَمٍ، وَفِيهِمْ نَاسٌ مُسْلِمُونَ فَاعْتَصَمُوا بِالسّجُودِ فَقَتَلَهُمْ خَالِدٌ فَوَدَاهُمْ النّبِيّ - ﷺ - نِصْفَ الدّيَةِ وَقَالَ " أَنَا بَرِيءٌ مِنْ مُسْلِمٍ بَيْنَ مُشْرِكِين "وَقَالَ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ: هُوَ جَائِزٌ وَلَكِنْ لِلْخَلِيفَةِ الْأَكْبَرِ لَا لِمَنْ دُونَهُ وَفِيهِ نَسْخُ السّنّةِ بِالْقُرْآنِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَإِنّ هَذَا الْعَهْدَ كَانَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَأْتِيَهُ مُسْلِمٌ إلّا رَدّهُ فَنَسَخَ اللهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي النّسَاءِ خَاصّةً فَقَالَ ﷿ ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنّ إِلَى الْكُفّارِ﴾ [الْمُمْتَحَنَةُ ١٠] هَذَا عَلَى رِوَايَةِ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ الزّهْرِيّ، فَإِنّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ أَنْ لَا يَأْتِيَهُ أَحَدٌ، وَأَحَدٌ يَتَضَمّنُ الرّجَالَ وَالنّسَاءَ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ فِي مِثْلِ هَذَا تَخْصِيصُ عُمُومٍ لَا نَسْخٌ عَلَى أَنّ بَعْضَ حُذّاقِ الْأُصُولِيّينَ قَدْ قَالَ فِي الْعُمُومِ إذَا عُمِلَ بِمُقْتَضَاهُ فِي عَصْرِ النّبِيّ - ﷺ - وَاعْتُقِدَ فِيهِ الْعُمُومُ ثُمّ وَرَدَ التّخْصِيصُ فَهُوَ نَسْخٌ وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنْ لَا يَأْتِيَهُ رَجُلٌ. فَهَذَا اللّفْظُ لَا يَتَنَاوَلُ النّسَاءَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ إنّمَا اسْتَجَازَ النّبِيّ - ﷺ - رَدّ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ فِي هَذَا الصّلْحِ لِقَوْلِهِ ﵇ " لَا تَدْعُونِي قُرَيْشٌ إلَى خُطّةٍ يُعَظّمُونَ فِيهَا الْحَرَمَ إلّا أَجَبْتهمْ إلَيْهَا " وَفِي رَدّ الْمُسْلِمِ إلَى مَكّةَ عِمَارَةُ الْبَيْتِ وَزِيَادَةُ خَيْرٍ لَهُ فِي الصّلَاةِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالطّوَافِ بِالْبَيْتِ، فَكَانَ هَذَا مِنْ تَعْظِيمِ حُرُمَاتِ اللهِ تَعَالَى، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ حُكْمًا مَخْصُوصًا بِمَكّةَ وَبِالنّبِيّ ﷺ وَيَكُونُ غَيْرَ جَائِزٍ لِمَنْ بَعْدَهُ كَمَا قَالَ الْعِرَاقِيّونَ.
[ ٧ / ٦٦ ]
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ قَالَ فَقَالَ سُهَيْلٌ لَا أَعْرِفُ هَذَا، وَلَكِنْ اُكْتُبْ بِاسْمِك اللهُمّ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " اُكْتُبْ بِاسْمِك اللهُمّ"، فَكَتَبَهَا، ثُمّ قَالَ " اُكْتُبْ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمّدٌ رَسُولُ اللهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو "، قَالَ فَقَالَ سُهَيْلٌ لَوْ شَهِدْت أَنّك رَسُولُ اللهِ لَمْ أُقَاتِلْك، وَلَكِنْ اُكْتُبْ اسْمَك وَاسْمَ أَبِيك، قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " اُكْتُبْ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، اصْطَلَحَا عَلَى وَضْعِ
_________________
(١) حُكْمُ الْمُهَاجِرَاتِ فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ اللهِ سُبْحَانَهُ ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنّ﴾ [الْمُمْتَحَنَةُ ١] . هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَخْصُوصٌ بِنِسَاءِ أَهْلِ الْعَهْدِ وَالصّلْحِ وَكَانَ الِامْتِحَانُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمَرْأَةَ الْمُهَاجِرَةَ أَنّهَا مَا خَرَجَتْ نَاشِزًا وَلَا هَاجَرَتْ إلّا لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ فَإِذَا حَلَفَتْ لَمْ تُرَدّ وَرُدّ صَدَاقُهَا إلَى بَعْلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْعَهْدِ لَمْ تُسْتَحْلَفْ وَلَمْ يُرَدّ صَدَاقُهَا. وَفِيهِ أَنّ النّبِيّ ﷺ مَحَا اسْمَهُ وَهُوَ رَسُولُ اللهِ وَكَتَبَ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ لِأَنّهُ قَوْلُ حَقّ كُلّهُ وَظَنّ بَعْضُ النّاسِ أَنّهُ كَتَبَ بِيَدِهِ وَفِي الْبُخَارِيّ أَنّهُ كَتَبَ وَهُوَ لَا يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ فَتَوَهّمَ أَنّ اللهَ تَعَالَى أَطْلَقَ يَدَهُ بِالْكِتَابَةِ فِي تِلْكَ السّاعَةِ خَاصّةً وَقَالَ هِيَ آيَةٌ فَيُقَالُ لَهُ كَانَتْ تَكُونُ آيَةً لَوْلَا أَنّهَا مُنَاقِضَةٌ لِآيَةِ أُخْرَى، وَهُوَ كَوْنُهُ أُمّيّا لَا يَكْتُبُ وَبِكَوْنِهِ أُمّيّا فِي أُمّةٍ أُمّيّةٍ قَامَتْ الْحُجّةُ وَأُفْحِمَ الْجَاحِدُ وَانْحَسَمَتْ الشّبْهَةُ فَكَيْفَ يُطْلِقُ اللهُ يَدَهُ لِتَكُونَ آيَةً؟ وَإِنّمَا الْآيَةُ أَنْ لَا يَكْتُبَ وَالْمُعْجِزَاتُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَدْفَعَ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَإِنّمَا مَعْنَى: كَتَبَ أَيْ أَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ.
[ ٧ / ٦٧ ]
الْحَرْبِ عَنْ النّاسِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهِنّ النّاسُ وَيَكُفّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ عَلَى أَنّهُ مَنْ أَتَى مُحَمّدًا مِنْ قُرَيْشٍ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيّهِ رَدّهُ عَلَيْهِمْ وَمَنْ جَاءَ قُرَيْشًا مِمّنْ مَعَ مُحَمّدٍ لَمْ يَرُدّوهُ عَلَيْهِ وَأَنّ بَيْنَنَا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً وَأَنّهُ لَا إسْلَالَ وَلَا إغْلَالَ وَأَنّهُ مَنْ أَحَبّ أَنْ
_________________
(١) وَكَانَ الْكَاتِبُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ كَتَبَ لَهُ عِدّةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْأَرْقَمِ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَخُوهُ أَبَانُ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ ابْنُ سَلُولَ، وَأُبَيّ بْنُ كَعْبٍ الْقَارِي، وَقَدْ كَتَبَ لَهُ أَيْضًا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵃ وَكَتَبَ لَهُ كَثِيرًا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بَعْدَ عَامِ الْفَتْحِ وَكَتَبَ لَهُ أَيْضًا الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ، وَمُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَجُهَيْمُ بْنُ الصّلْتِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَمُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَحَنْظَلَةُ الْأُسَيْدِيّ وَهُوَ حَنْظَلَةُ بْنُ الرّبِيعِ وَفِيهِ يَقُولُ الشّاعِرُ بَعْدَ مَوْتِهِ إنّ سَوَادَ الْعَيْنِ أَوْدَى بِهِ حُزْنٌ عَلَى حَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ وَالْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيّ، ذَكَرَهُمْ عُمَرُ بْنُ شَبّةَ فِي كِتَابِ الْكُتّابِ لَهُ. بِاسْمِك اللهُمّ وَأَمّا قَوْلُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو لَهُ وَلَكِنْ اُكْتُبْ بِاسْمِك اللهُمّ فَإِنّهَا كَلِمَةٌ كَانَتْ قُرَيْشٌ تَقُولُهَا وَلِقَوْلِهِمْ لَهَا سَبَبٌ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ التّعْرِيفِ وَالْإِعْلَامِ وَأَوّلُ مَنْ قَالَهَا أُمَيّةُ بْنُ أَبِي الصّلْتِ، وَمِنْهُ تَعَلّمُوهَا وَتَعَلّمَهَا هُوَ مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْجِنّ فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ ذَكَرَهُ الْمَسْعُودِيّ وَهُوَ الْخَبَرُ الّذِي لَخّصْنَاهُ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ. عَيْبَةٌ مَكْفُوفَةٌ فَصْلٌ وَذَكَرَ فِي الْكِتَابِ وَأَنّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ عَيْبَةً مَكْفُوفَةً أَيْ صُدُورٌ مُنْطَوِيَةٌ
[ ٧ / ٦٨ ]
يَدْخُلَ فِي عِقْدِ مُحَمّدٍ وَعَهْدِهِ دَخَلَ فِيهِ وَمَنْ أَحَبّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عِقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ دخل فِيهِ
دُخُول خُزَاعَةُ فِي عَهْدِ مُحَمّدٍ وَبَنُو بَكْرٍ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ:
فَتَوَاثَبَتْ خُزَاعَةُ فَقَالُوا: نَحْنُ فِي عِقْدِ مُحَمّدٍ وَعَهْدِهِ وَتَوَاثَبَتْ بَنُو بَكْرٍ فَقَالُوا: نَحْنُ فِي عِقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ وَأَنّك تَرْجِعُ عَنّا عَامَك هَذَا، فَلَا تَدْخُلُ عَلَيْنَا مَكّةَ، وَأَنّهُ إذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ خَرَجْنَا عَنْك فَدَخَلْتهَا بِأَصْحَابِك، فَأَقَمْت بِهَا ثَلَاثًا، مَعَك سِلَاحُ الرّاكِبِ السّيُوفُ فِي الْقُرُبِ لَا تدْخلهَا بغَيْرهَا.
_________________
(١) عَلَى مَا فِيهَا لَا تُبْدِي عَدَاوَةً وَضَرَبَ الْعَيْبَةَ مَثَلًا، وَقَالَ الشّاعِرُ وَكَادَتْ عِيَابُ الْوُدّ مِنّا وَمِنْهُمْ وَإِنْ قِيلَ أَبْنَاءُ الْعُمُومَةِ تَصْفَرُ وَقَالَ ﷺ " الْأَنْصَارُ كَرِشِي وَعَيْبَتِي "فَضَرَبَ الْعَيْبَةَ مَثَلًا لِمَوْضِعِ السّرّ، وَمَا يُعْتَدّ بِهِ مِنْ وُدّهِمْ. وَالْكَرِشُ وِعَاءٌ يُصْنَعُ مِنْ كَرِشِ الْبَعِيرِ يُجْعَلُ فِيهِ مَا يُطْبَخُ مِنْ اللّحْمِ يُقَالُ مَا وَجَدْت لِهَذِهِ الْبَضْعَةِ فَاكَرِشٍ أَيْ إنّ الْكَرِشَ قَدْ امْتَلَأَ فَلَمْ يَسَعْهَا فَمُهُ. وَيُضْرَبُ أَيْضًا هَذَا مَثَلًا، كَمَا قَالَ الْحَجّاجُ مَا وَجَدْت إلَى دَمِ فُلَانٍ فَاكَرِشٍ. وَقَوْلُهُ وَلَا إغْلَالَ هِيَ الْخِيَانَةُ يُقَالُ فُلَانٌ مُغِلّ الْأُصْبُعِ أَيْ خَائِنُ الْيَدِ. قَالَ الشّاعِرُ حَدّثْت نَفْسَك بِالْوَفَاءِ وَلَمْ تَكُنْ بِالْغَدْرِ خَائِنَةً مِثْلَ الْأُصْبُعِ وَالْإِسْلَالُ: السّرِقَةُ وَالْخُلْسَةُ وَنَحْوُهَا، وَهِيَ السّلّةُ. قَالُوا فِي الْمَثَلِ الْخَلّةُ تَدْعُو إِلَى السلَّة
[ ٧ / ٦٩ ]
مَا أهم النَّاس من الصُّلْح ومجيء أبي جَنْدَلُ:
فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَكْتُبُ الْكِتَابَ هُوَ وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، إذْ جَاءَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي الْحَدِيدِ قَدْ انْفَلَتَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَرَجُوا وَهُمْ لَا يَشُكّونَ فِي الْفَتْحِ لِرُؤْيَا رَآهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمّا رَأَوْا مَا رَأَوْا مِنْ الصّلْحِ وَالرّجُوعِ وَمَا تَحَمّلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي نَفْسِهِ دَخَلَ عَلَى النّاسِ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ حَتّى كَادُوا يَهْلِكُونَ فَلَمّا رَأَى سُهَيْلٌ أَبَا جَنْدَلٍ قَامَ إلَيْهِ فَضَرَبَ وَجْهَهُ وَأَخَذَ بِتَلْبِيبِهِ ثُمّ قَالَ يَا مُحَمّدُ قَدْ لَجّتْ الْقَضِيّةُ بَيْنِي وَبَيْنَك قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَك هَذَا ; قَالَ " صَدَقْت "، فَجَعَلَ يَنْتُرُهُ بِتَلْبِيبِهِ وَيَجُرّهُ لِيَرُدّهُ إلَى قُرَيْشٍ، وَجَعَلَ أَبُو جَنْدَلٍ يَصْرُخُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَأُرَدّ إلَى الْمُشْرِكِينَ يَفْتِنُونِي فِي دِينِي؟ فَزَادَ ذَلِكَ النّاسَ إلَى مَا بِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " يَا أَبَا جَنْدَلٍ اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ فَإِنّ اللهَ جَاعِلٌ لَك وَلِمَنْ مَعَك مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، إنّا قَدْ عَقَدْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ صُلْحًا، وَأَعْطَيْنَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَأَعْطَوْنَا عَهْدَ اللهِ وَإِنّا لَا نَغْدِرُ بِهِمْ قَالَ فَوَثَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ مَعَ أَبِي جَنْدَلٍ يَمْشِي إلَى جَنْبِهِ وَيَقُولُ اصْبِرْ يَا أَبَا جَنْدَلٍ فَإِنّمَا هُمْ الْمُشْرِكُونَ وَإِنّمَا دَمُ أَحَدِهِمْ دَمُ كَلْبٍ. قَالَ وَبُدْنِي قَائِمَ السّيْفِ
_________________
(١) أَبُو جَنْدَلٍ وَصَاحِبُهُ فِي الْخَمْرِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ خُرُوجَ أَبِي جَنْدَلٍ يَرْسُفُ فِي الْحَدِيدِ. أَبُو جَنْدَلٍ هُوَ الْعَاصِ بْنُ سُهَيْلٍ وَأَمّا أَخُوهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَكَانَ قَدْ فَرّ يَوْمَ بَدْرٍ إلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَحِقَ بِهِمْ وَشَهِدَ بَدْرًا، وَالْمَشَاهِدَ كُلّهَا، وَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا، وَأَمّا أَبُو جَنْدَلٍ فَاسْتُشْهِدَ مَعَ أَبِيهِ بِالشّامِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ وَهُوَ الّذِي شَرِبَ الْخَمْرَ مُتَأَوّلًا لِقَوْلِهِ ﵎: ﴿لَيْسَ عَلَى الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ ثُمّ اتّقَوْا وَآمَنُوا ثُمّ اتّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الْمَائِدَةُ ٩٣] فَجَلَدَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَمْرِ عُمَرَ وَجَلَدَ صَاحِبَهُ وَهُوَ ضِرَارٌ، ثُمّ إنّ أَبَا جَنْدَلٍ أَشْفَقَ مِنْ الذّنْبِ حَتّى قَالَ لَقَدْ هَلَكْت، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ ﵁ فَكَتَبَ إلَيْهِ إنّ الّذِي زَيّنَ لَك الْخَطِيئَةَ هُوَ الّذِي حَظَرَ عَلَيْك التّوْبَةَ ﴿بِسْمِ اللهِ
[ ٧ / ٧٠ ]
مِنْهُ. قَالَ يَقُولُ عُمَرُ رَجَوْت أَنْ يَأْخُذَ السّيْفَ فَيَضْرِبَ بِهِ أَبَاهُ قَالَ فَضَنّ الرّجُلُ بِأَبِيهِ ونفذت الْقَضِيَّة.
من شَهِدُوا عَلَى الصّلْحِ
فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الْكِتَابِ أَشْهَدَ عَلَى الصّلْحِ رِجَالًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَرِجَالًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ، وَعَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ، وَمَحْمُودَ بْنَ مَسْلَمَةَ، وَمِكْرَزَ بْنَ حَفْصٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ وَعَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَكَتَبَ وَكَانَ هُوَ كَاتِبَ الصّحِيفَةِ.
_________________
(١) الرّحْمَنِ الرّحِيمِ حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذّنْبِ وَقَابِلِ التّوْبِ﴾ [غَافِرٌ ١ ٢] الْآيَةُ. وَكَانَ شَرِبَهَا مَعَهُ ضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ، وَأَبُو الْأَزْوَرِ فَلَمّا أَمَرَ عُمَرُ أَنْ يُجْلَدُوا، قَالُوا: دَعْنَا نَلْقَى الْعَدُوّ فَإِنْ قُتِلْنَا فَذَاكَ وَإِلّا حَدَدْتُمُونَا، فَقُتِلَ أَبُو الْأَزْوَرِ وَحُدّ الْآخَرَانِ الدنية الَّتِي رفضها عمر ﵁: فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ عُمَرَ - ﵁ - فَعَلَامَ نُعْطَى الدّنِيّةَ فِي دِينِنَا، هِيَ فَعِيلَةٌ مِنْ الدّنَاءَةِ وَأَصْلُهَا الْهَمْزُ وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ لِعُمَرِ " إنّي عَبْدُ اللهِ وَلَسْت أَعْصِيهِ وَهُوَ نَاصِرِي "وَأَنّهُ أَتَى أَبَا بَكْرٍ - ﵁ - فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِلنّبِيّ ﷺ فَجَاوَبَهُ أَبُو بَكْرٍ بِمِثْلِ مَا جَاوَبَهُ بِهِ النّبِيّ ﷺ حَرْفًا بِحَرْفِ ثُمّ قَالَ لَهُ يَا عُمَرُ الْزَمْ غَرْزَهُ فَإِنّي أَشْهَدُ أَنّهُ رَسُولُ اللهِ قَالَ عُمَرُ وَمَا
[ ٧ / ٧١ ]
نحر الرَّسُول وَحلق فاقتدى بِهِ النَّاس:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُضْطَرِبًا فِي الْحِلّ وَكَانَ يُصَلّي فِي الْحَرَمِ، فَلَمّا فَرَغَ مِنْ الصّلْحِ قَدِمَ إلَى هَدْيِهِ فَنَحَرَهُ ثُمّ جَلَسَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ وَكَانَ الّذِي حَلَقَهُ فِيمَا بَلَغَنِي، فِي
_________________
(١) شَكَكْت مُنْذُ أَسْلَمْت إلّا تِلْكَ السّاعَةَ وَفِي هَذَا أَنّ الْمُؤْمِنَ قَدْ يَشُكّ، ثُمّ يُجَدّدُ النّظَرَ فِي دَلَائِلِ الْحَقّ فَيَذْهَبُ شَكّهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ قَالَ هُوَ شَيْءٌ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ، ثُمّ ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ - ﷺ – ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي﴾ [الْبَقَرَةُ ٢٦٠] وَلَوْلَا الْخُرُوجُ عَمّا صَمَدْنَا إلَيْهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ لَذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِ إبْرَاهِيمَ ﷺ ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي﴾ وَذَكَرْنَا النّكْتَةَ الْعُظْمَى فِي ذَلِكَ وَلَعَلّنَا أَنْ نَلْقَى لَهَا مَوْضِعًا، فَنَذْكُرَهَا. وَالشّكّ الّذِي ذَكَرَهُ عُمَرُ وَابْنُ عَبّاسٍ مَا لَا يُصِرّ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَإِنّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْوَسْوَسَةِ الّتِي قَالَ فِيهَا ﵇ مُخْبِرًا عَنْ إبْلِيسَ " الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي رَدّ كَيْدَهُ إلَى الْوَسْوَسَةِ " مَوْقِفُ أُمّ سَلَمَةَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ: وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ مِنْ الصّحِيحِ أَنّهُ ﵇ دَخَلَ عَلَى أُمّ سَلَمَةَ وَشَكَا إلَيْهَا مَا لَقِيَ مِنْ النّاسِ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحْلِقُوا وَيَنْحَرُوا، فَلَمْ يَفْعَلُوا لِمَا بِهِمْ مِنْ الْغَيْظِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ اُخْرُجْ إلَيْهِمْ فَلَا تُكَلّمْهُمْ حَتّى تَحْلِقَ وَتَنْحَرَ فَإِنّهُمْ إذَا رَأَوْك قَدْ فَعَلْت ذَلِكَ لَمْ يُخَالِفُوك. فَفَعَلَ ﷺ وَفَعَلَ النّاسُ وَكَانَ الّذِي حَلَقَ رَأْسَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ خِرَاشَ بْنَ أُمَيّةَ [بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ مُنْقِذِ بْنِ عَفِيفِ بْنِ كُلَيْبِ بْنِ حُبْشِيّةَ ابْنُ سَلُولَ] الْخُزَاعِيّ [ثُمّ الْكَلْبِيّ] وَهُوَ الّذِي كَانَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ إِلَى مَكّةَ فَعَقَرُوا جَمَلَهُ وَأَرَادُوا قَتْلَهُ فَحِينَئِذٍ بَعَثَ
[ ٧ / ٧٢ ]
ذَلِكَ الْيَوْمِ خِرَاشَ بْنَ أُمَيّةَ بْنِ الْفَضْلِ الْخُزَاعِيّ فَلَمّا رَأَى النّاسُ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ نَحَرَ وَحَلَقَ تَوَاثَبُوا يَنْحَرُونَ وَيَحْلِقُونَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاس، قَالَ:
دَعْوَة الرَّسُول للمحلقين ثمَّ للمقصرين:
حَلَقَ رِجَالٌ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَصّرَ آخَرُونَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " يَرْحَمُ اللهُ الْمُحَلّقِينَ "، قَالُوا: وَالْمُقَصّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ "يَرْحَمُ اللهُ الْمُحَلّقِينَ "، قَالُوا: وَالْمُقَصّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ " يَرْحَمُ اللهُ الْمُحَلّقِينَ "، قَالُوا: وَالْمُقَصّرِينَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ " والمقصري ن"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ فَلِمَ ظَاهَرْت التّرْحِيمَ لِلْمُحَلّقِينَ دُونَ الْمُقَصّرِينَ؟ قَالَ " لم يشكوا ".
_________________
(١) إلَيْهِمْ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ ﵁ فَفِي تَرْكِهِمْ لِلْبِدَارِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ الْأَمْرَ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْأُصُولِيّينَ وَفِيهِ أَنّهُمْ حَمَلُوا الْأَمْرَ عَلَى غَيْرِ الْوُجُوبِ لِقَرِينَةِ وَهِيَ أَنّهُمْ رَأَوْهُ لَمْ يَحْلِقْ وَلَمْ يَنْحَرْ وَلَمْ يُقَصّرْ فَلَمّا رَأَوْهُ قَدْ فَعَلَ اعْتَقَدُوا وُجُوبَ الْأَمْرِ وَامْتَثَلُوهُ. وَفِيهِ أَيْضًا إبَاحَةُ مُشَاوَرَةِ النّسَاءِ وَذَلِكَ أَنّ النّهْيَ عَنْ مُشَاوَرَتِهِنّ إنّمَا هُوَ عِنْدَهُمْ فِي أَمْرِ الْوِلَايَةِ خَاصّةً كَذَلِكَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النّحّاسُ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ. الْمُقَصّرُونَ فَصْلٌ وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ اسْتِغْفَارَ النّبِيّ - ﷺ - لِلْمُحَلّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصّرِينَ مَرّةً وَاحِدَةً. وَلَمْ يَكُنْ الْمُقَصّرُ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إلّا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ، وَالْآخَرُ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيّ، كَذَلِكَ جَاءَ فِي مُسْنَدِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ ﵁
[ ٧ / ٧٣ ]
أهْدى الرَّسُول جملا فِيهِ برة من فضَّة:
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ: حَدّثَنِي مُجَاهِدٌ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ:
"أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَهْدَى عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي هَدْيَاه جَمَلًا لِأَبِي جَهْلٍ فِي رَأْسِهِ بُرّةٌ مِنْ فِضّةٍ يَغِيطُ بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ "
نُزُولُ سُورَةِ الْفَتْحِ:
قَالَ الزّهْرِيّ فِي حَدِيثِهِ ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ وَجْهِهِ ذَلِكَ قَافِلًا، حَتّى إذَا كَانَ بَيْنَ مَكّةَ وَالْمَدِينَةِ، نَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ ﴿إِنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخّرَ وَيُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ . [الْفَتْح: ٢،١]
ذِكْرُ الْبَيْعَةِ:
ثُمّ كَانَتْ الْقِصّةُ فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ حَتّى انْتَهَى إلَى ذِكْرِ الْبَيْعَةِ فَقَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ ﴿إِنّ الّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ . [الْفَتْح: ١١] .
ذِكْرُ مَنْ تَخَلّفَ
ثُمّ ذَكَرَ مَنْ تَخَلّفَ عَنْهُ مِنْ الْأَعْرَابِ، ثُمّ قَالَ حِينَ اسْتَفَزّهُمْ لِلْخُرُوجِ مَعَهُ فَأَبْطَئُوا عَلَيْهِ ﴿سَيَقُولُ لَك الْمُخَلّفُونَ مِنْ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ . [الْفَتْح: ١١]
ثُمّ الْقِصّةَ عَنْ خَبَرِهِمْ حَتّى انْتَهَى إلَى قَوْلِهِ ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدّلُوا كَلَامَ اللهِ قُلْ لَنْ تَتّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ﴾ .. ثُمّ الْقِصّةَ عَنْ خَبَرِهِمْ وَمَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِهَادِ الْقَوْمِ أُولِي الْبَأْسِ الشّدِيدِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ ابْنِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٧٤ ]
عَبّاسٍ، قَالَ فَارِسٌ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ الزّهْرِيّ أَنّهُ قَالَ أُولُو الْبَأْسِ الشّدِيدِ حَنِيفَةُ مَعَ الْكَذّابِ.
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا وَعدكُم الله مَغَانِم كَثِيرَة تَأْخُذُونَهَا فَعَجّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الْفَتْح: ١٨-٢١] .
ذَكَرَ كَفّ الرّسُولِ عَنْ الْقِتَالِ
ثُمّ ذَكَرَ مَحْبِسَهُ وَكَفّهُ إيّاهُ عَنْ الْقِتَالِ بَعْدَ الظّفَرِ مِنْهُ بِهِمْ يَعْنِي النّفَرَ الّذِينَ أَصَابَ مِنْهُمْ وَكَفّهُمْ عَنْهُ ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الّذِي كَفّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هُمُ الّذِينَ كَفَرُوا وَصَدّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلّهُ﴾ .
تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
الْمَعْكُوفُ الْمَحْبُوسُ قَالَ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ:
وَكَأَنّ السموط عكفه السلك بِعِطْفَيْ جَيْدَاءَ أُمّ غَزَالِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٧٥ ]
مَعَرّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الْفَتْح: ٢٥] وَالْمَعَرّةُ الْغُرْمُ أَيْ أَنْ تُصِيبُوا مِنْهُمْ [مَعَرّةً] بِغَيْرِ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوا دِيَتَهُ فَأَمّا إثْمٌ فَلَمْ يَخْشَهُ عَلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
بَلَغَنِي عَنْ مُجَاهِدٍ أَنّهُ قَالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَسَلَمَةَ بْنِ هِشَامٍ، وَعَيّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَأَبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ. وَأَشْبَاهِهِمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ قَالَ ﵎: ﴿إِذْ جَعَلَ الّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيّةَ حَمِيّةَ الْجَاهِلِيّةِ﴾ يَعْنِي سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو حِينَ حَمِيَ أَنْ يَكْتُبَ بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ وَأَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التّقْوَى وَكَانُوا أَحَقّ بِهَا﴾ أَيْ التّوْحِيدَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرّؤْيَا بِالْحَقّ لَتَدْخُلُنّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ [الْفَتْح: ٢٦] أَيْ لِرُؤْيَا رَسُولِ اللهِ ﷺ الّتِي رَأَى، أَنّهُ سَيَدْخُلُ مَكّةَ آمِنًا لَا يَخَافُ يَقُولُ مُحَلّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصّرِينَ مَعَهُ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ.
يَقُولُ الزّهْرِيّ:
فَمَا فُتِحَ فِي الْإِسْلَامِ فَتْحٌ قَبْلَهُ كَانَ أَعْظَمَ مِنْهُ إنّمَا كَانَ الْقِتَالُ حَيْثُ الْتَقَى النّاسُ فَلَمّا كَانَتْ الْهُدْنَةُ وَوَضَعَتْ الْحَرْبُ وَأَمِنَ النّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَالْتَقَوْا، فَتَفَاوَضُوا فِي الْحَدِيثِ وَالْمُنَازَعَةِ فَلَمْ يُكَلّمْ أَحَدٌ بِالْإِسْلَامِ يَعْقِلُ شَيْئًا إلّا دَخَلَ فِيهِ وَلَقَدْ دَخَلَ فِي تَيْنِك السّنَتَيْنِ مِثْلُ مَنْ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٧٦ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَالدّلِيلُ عَلَى قَوْلِ الزّهْرِيّ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ إلَى الْحُدَيْبِيَةِ فِي أَلْفٍ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، فِي قَوْلِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، ثُمّ خَرَجَ عَامَ فَتْحِ مَكّةَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَتَيْنِ فِي عَشْرَةِ آلَافٍ
مَا جَرَى عَلَيْهِ أَمْرُ قَوْمٍ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ بَعْدَ الصّلْحِ
مَجِيءُ أَبِي بَصِيرٍ إلَى الْمَدِينَةِ وَطَلَبُ قُرَيْشٍ لَهُ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَتَاهُ أَبُو بَصِيرٍ عُتْبَةُ بْنُ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ، وَكَانَ مِمّنْ حُبِسَ بِمَكّةَ فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَتَبَ فِيهِ أَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ وَالْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثّقَفِيّ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَعَثَا رَجُلًا مِنْ بَنِي لُؤَيّ وَمَعَهُ مَوْلًى لَهُمْ فَقَدِمَا رَسُولَ اللهِ ﷺ بِكِتَابِ الْأَزْهَرِ وَالْأَخْنَسِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَا أَبَا بَصِيرٍ إنّا قَدْ أَعْطَيْنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مَا قَدْ عَلِمْت، وَلَا يَصْلُحُ لَنَا فِي دِينِنَا الْغَدْرُ وَإِنّ اللهَ جَاعِلٌ لَك وَلِمَنْ مَعَك مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، فَانْطَلِقْ إلَى قَوْمِك، قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَتَرُدّنِي إلَى الْمُشْرِكِينَ يَفْتِنُونَنِي فِي دِينِي؟ قَالَ يَا أَبَا بَصِيرٍ انْطَلِقْ فَإِنّ اللهَ تَعَالَى سَيَجْعَلُ لَك وَلِمَنْ مَعَك مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا
قَتْلُ أَبِي بَصِيرٍ لِلْعَامِرِيّ وَمَقَالَةُ الرّسُولِ فِي ذَلِكَ
فَانْطَلَقَ مَعَهُمَا، حَتّى إذَا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ جَلَسَ إلَى جِدَارٍ وَجَلَسَ مَعَهُ
_________________
(١) أَبُو بَصِيرٍ وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي بَصِيرٍ وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ عُبَيْدُ بْنُ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ وَقِيلَ عتبَة.
[ ٧ / ٧٧ ]
صَاحِبَاهُ فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَصَارِمٌ سَيْفُك هَذَا يَا أَخَا بَنِي عَامِرٍ؟ فَقَالَ نَعَمْ قَالَ أَنْظُرُ إلَيْهِ؟ قَالَ اُنْظُرْ إنْ شِئْت. قَالَ فَاسْتَلّهُ أَبُو بَصِيرٍ، ثُمّ عَلَاهُ بِهِ حَتّى قَتَلَهُ وَخَرَجَ الْمَوْلَى سَرِيعًا حَتّى أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَالِعًا، قَالَ إنّ هَذَا الرّجُلَ قَدْ رَأَى فَزَعًا، فَلَمّا انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ وَيْحَك مَا لَك؟ " قَالَ قَتَلَ صَاحِبُكُمْ صَاحِبِي. فَوَاَللهِ مَا بَرِحَ حَتّى طَلَعَ أَبُو بَصِيرٍ مُتَوَشّحًا بِالسّيْفِ حَتّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ وَفّتْ ذِمّتُك، وَأَدّى اللهُ عَنْك، أَسْلَمْتنِي بِيَدِ الْقَوْمِ وَقَدْ امْتَنَعْت بِدِينِي أَنْ أُفْتَنَ بِهِ أَوْ يُعْبَثَ بِي. قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " وَيْلُ أُمّهِ مَحَشّ حَرْبٍ لَوْ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ.
اجْتِمَاع المحتسبين إِلَى أبي بَصِير وإيذاؤهم قُريْشًا وإيواء الرَّسُول لَهُم:
ثُمّ خَرَجَ أَبُو بَصِيرٍ حَتّى نَزَلَ الْعِيصَ، مِنْ نَاحِيَةِ ذِي الْمَرْوَةِ، عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ بِطَرِيقِ قُرَيْشٍ الّتِي كَانُوا يَأْخُذُونَ عَلَيْهَا إلَى الشّامِ، وَبَلَغَ الْمُسْلِمِينَ الّذِينَ كَانُوا احْتَبَسُوا بِمَكّةَ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِأَبِي بَصِيرٍ وَيْلُ أُمّهِ مَحَشّ حَرْبٍ لَوْ كَانَ مَعَهُ رِجَال فَخَرَجُوا إلَى أَبِي بَصِيرٍ بِالْعِيصِ فَاجْتَمَعَ إلَيْهِ مِنْهُمْ قَرِيبٌ مِنْ سَبْعِينَ رَجُلًا، وَكَانُوا قَدْ ضَيّقُوا عَلَى قُرَيْشٍ، لَا يَظْفَرُونَ بِأَحَدِ مِنْهُمْ إلّا قَتَلُوهُ وَلَا تَمُرّ بِهِمْ عِيرٌ إلّا اقْتَطَعُوهَا، حَتّى كَتَبَتْ قُرَيْشٌ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ تَسْأَلُ بِأَرْحَامِهَا إلّا آوَاهُمْ فَلَا حَاجَةَ لَهُمْ بِهِمْ. فَآوَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَدِمُوا عَلَيْهِ الْمَدِينَةَ.
_________________
(١) وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ ﷺ لَهُ حِينَ قَتَلَ أَحَدَ الرّجُلَيْنِ وَيْلُ أُمّهِ مَحَشّ حَرْبٍ وَفِي الصّحِيحِ وَيْلُ أُمّهِ مُسَعّرُ حَرْب يُقَالُ حَشَشْت النّارَ وَأَرّثْتُهَا، وَأَذْكَيْتهَا، وَأَثْقَبْتُهَا وَسَعّرْتهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَسُمّيَ الْأَسْعَرُ الْجُعْفِيّ أَسْعَرَ بِقَوْلِهِ فَلَا يَدْعُنِي قَوْمِي لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ لَئِنْ لَمْ أُسْعِرْ عَلَيْهِمْ وَأُثْقِبِ وَكَانَ اسْمُهُ مَرْثَدَ بْنَ حُمْرَانَ وَمَالِكٌ فِي هَذَا الْبَيْتِ هُوَ مَذْحِجُ، وَأَمّا لُحُوقُ
[ ٧ / ٧٨ ]
أَرَادَ سُهَيْل ودي أبي بَصِير وَشعر موهب فِي ذَلِك:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو بَصِير ثقفي.
قَالَ ابْن إِسْحَاق:
فَلَمّا بَلَغَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو قَتْلُ أَبِي بَصِيرٍ صَاحِبهمْ الْعَامِرِيّ أَسْنَدَ ظَهْرَهُ إلَى الْكَعْبَةِ، ثُمّ قَالَ وَاَللهِ لَا أُؤَخّرُ ظَهْرِي عَنْ الْكَعْبَةِ حَتّى يُودَى هَذَا الرّجُلُ فَقَالَ أَبُو
_________________
(١) أَبِي بَصِيرٍ بِسَيْفِ الْبَحْرِ فَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنْ الزّهْرِيّ، أَنّهُ كَانَ يُصَلّي بِأَصْحَابِهِ هُنَالِكَ حَتّى لَحِقَ بِهِمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ فَقَدّمُوهُ لِأَنّهُ قُرَشِيّ، فَلَمْ يَزَلْ أَصْحَابُهُ يَكْثُرُونَ حَتّى بَلَغُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَكَانَ أَبُو بَصِيرٍ كَثِيرًا مَا يَقُولُ هُنَالِكَ اللهُ الْعَلِيّ الْأَكْبَرُ مَنْ يَنْصُرُ اللهَ فَسَوْفَ يُنْصَرْ فَلَمّا جَاءَهُمْ الْفَرَجُ مِنْ اللهِ تَعَالَى، وَكَلّمَتْ قُرَيْشٌ النّبِيّ ﷺ أَنْ يُؤْرِبَهُمْ إلَيْهِ لَمّا ضَيّقُوا عَلَيْهِمْ وَرَدَ كِتَابُ النّبِيّ ﷺ وَأَبُو بَصِيرٍ فِي الْمَوْتِ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَأُعْطِي الْكِتَابَ فَجَعَلَ يَقْرَؤُهُ وَيُسَرّ بِهِ حَتّى قُبِضَ وَالْكِتَابُ عَلَى صَدْرِهِ فَبُنِيَ عَلَيْهِ هُنَاكَ مَسْجِدٌ يَرْحَمُهُ اللهُ. عُمْرَةٌ وَفِي الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ السّيرَةِ أَنّ الْمُسْلِمِينَ حِينَ حَلَقُوا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهُمْ بِالْحِلّ قَدْ مُنِعُوا أَنْ يَدْخُلُوا الْحَرَمَ جَاءَتْ الرّيحُ فَاحْتَمَلَتْ شُعُورَهُمْ حَتّى أَلْقَتْهَا فِي الْحَرَمِ، فَاسْتَبْشَرُوا بِقَبُولِ اللهِ عُمْرَتَهُمْ. ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ. وَالْعُمْرَةُ مُشْتَقّةٌ مِنْ عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَبُنِيَتْ عَلَى فُعْلَةٍ لِأَنّهَا فِي مَعْنَى
[ ٧ / ٧٩ ]
سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَاَللهِ إنّ هَذَا لَهُوَ السَّفه وَاَللهِ لَا يُودَى ثَلَاثًا، فَقَالَ فِي ذَلِكَ مَوْهِبُ بْنُ رَبَاحٍ أَبُو أُنَيْسٍ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو أُنَيْسٍ أَشْعَرِيّ
_________________
(١) قُرْبَةٍ وَوُصْلَةٍ إلَى اللهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنّهَا الزّيَارَةُ فِي اللّغَةِ بِبَيّنِ وَلَا فِي قَوْلِ الْأَعْشَى حُجّةٌ لَهُمْ لِأَنّهُ مُحْتَمَلُ التّأْوِيلِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَجَاشَتْ النّفْسُ لَمّا جَاءَ فَلّهُمْ وَرَاكِبٌ جَاءَ مِنْ تَثْلِيثَ مُعْتَمِرُ قَتْلُ أَبِي بَصِيرٍ لِلْكَافِرِ فَصْلٌ وَمِمّا يُسْأَلُ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَبِي بَصِيرٍ قَتْلُهُ الرّجُلَ الْكَافِرَ وَهُوَ فِي الْعَهْدِ أَكَانَ ذَلِكَ حَرَامًا أَمْ مُبَاحًا لَهُ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ رَفْعُ الْحَرَجِ عَنْهُ لِأَنّ النّبِيّ - ﷺ - لَمْ يُثَرّبْ، بَلْ مَدَحَهُ وَقَالَ وَيْلُ أُمّهِ مِحَشّ حَرْبٍ. فَإِنْ قِيلَ وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ جَائِزًا لَهُ وَقَدْ حَقَنَ الصّلْحُ الدّمَاءَ؟ قُلْنَا: إنّمَا ذَلِكَ فِي حَقّ أَبِي بَصِيرٍ عَلَى الْخُصُوصِ لِأَنّهُ دَافَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَدِينِهِ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَإِنّمَا لَمْ يُطَالِبْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ - بِدِيَةِ. وَلِأَنّ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ لَمْ يُطَالِبُوهُ إمّا لِأَنّهُمْ كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا، وَإِمّا لِأَنّ اللهَ شَغَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ حَتّى انْتَكَثَ الْعَهْدُ وَجَاءَ الْفَتْحُ. فَإِنْ قِيلَ فَإِنّ النّبِيّ ﷺ كَانَ يَدِي مَنْ قُتِلَ خَطَأً مِنْ أَهْلِ الصّلْحِ كَمَا وَدَى الْعَامِرِيّيْنِ وَغَيْرَهُمَا قُلْنَا: عَنْ هَذَا جَوَابَانِ أَحَدُهُمَا: أَنّ أَبَا بَصِيرٍ كَانَ قَدْ رَدّهُ إلَى الْمُشْرِكِينَ فَصَارَ فِي حُكْمِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ فِي فِئَةِ الْمُسْلِمِينَ وَحِزْبِهِمْ فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِمَا يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ. وَالْجَوَابُ الثّانِي: أَنّهُ إنْ كَانَ قَتَلَ عَمْدًا، وَلَمْ يَكُنْ قَتَلَ خَطَأً كَمَا كَانَ قَتَلَ
[ ٧ / ٨٠ ]
أَتَانِي عَنْ سُهَيْلٍ ذَرْءُ قَوْلٍ فَأَيْقَظَنِي وَمَا بِي مِنْ رُقَادِ
فَإِنْ تَكُنْ الْعِتَابَ تُرِيدُ مِنّي فَعَاتِبْنِي فَمَا بِك مِنْ بِعَادِي
أَتُوعِدُنِي وَعَبْدُ مَنَافَ حَوْلِي بِمَخْزُومِ أَلَهَفًا مَنْ تَعَادِي
فَإِنْ تَغْمِزْ قَنَاتِي لَا تَجِدْنِي ضَعِيفَ الْعُودِ فِي الْكُرَبِ الشّدَادِ
أُسَامِي الْأَكْرَمِينَ أَبًا بِقَوْمِي إذَا وَطِئَ الضّعِيفُ بِهِمْ أُرَادِي
هُمْ مَنَعُوا الظّوَاهِرَ غَيْرَ شَكّ إلَى حَيْثُ الْبَوَاطِنِ فَالْعَوَادِي
بِكُلّ طِمِرّةٍ وَبِكُلّ نَهْدٍ سِوَاهُمْ قَدْ طُوِينَ مِنْ الطّرَادِ
لَهُمْ بِالْخَيْفِ قَدْ عَلِمَتْ مَعَدّ رِوَاقُ الْمَجْدِ رُفّعُ بِالْعِمَادِ
ابْنُ الزّبَعْرَى يَرُدّ عَلَى مَوْهِبٍ:
فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزّبَعْرَى، فَقَالَ:
وَأَمْسَى مَوْهِبٌ كَحِمَارِ سُوءٍ أَجَازَ بِبَلْدَةِ فِيهَا يُنَادِي
_________________
(١) الْعَامِرِيّيْنِ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ: لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا [وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا] . مِنْ مَوَاقِفِ عُمَرَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ فَصْلٌ وَقَوْلُ عُمَرَ لِلنّبِيّ - ﷺ أَلَمْ تَعِدْنَا أَنّا تَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ فَقَالَ " نَعَمْ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. كَانَ النّبِيّ - ﷺ - قَدْ أُرِيَ ذَلِكَ فِي مَنَامِهِ وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ثُمّ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرّؤْيَا بِالْحَقّ﴾ [الْفَتْحُ ٢٧] الْآيَةُ وَيُسْأَلُ عَنْ قَوْلِهِ ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الْفَتْح: ٢٧] مَا فَائِدَةُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ خَبَرٌ وَاجِبٌ؟ وَفِي الْجَوَابِ أَقْوَالٌ أَحَدُهَا: أَنّهُ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ ﴿آمِنِينَ﴾ لَا إلَى
[ ٧ / ٨١ ]
فَإِنّ الْعَبْدَ مِثْلُك لَا يُنَاوِي سُهَيْلًا ضَلّ سَعْيُك مَنْ تُعَادِي
فَأَقْصِرْ يَا ابْنَ قَيْنِ السّوءِ عَنْهُ وَعُدْ عَنْ الْمَقَالَةِ فِي الْبِلَادِ
وَلَا تَذْكُرْ عِتَابَ أَبِي يَزِيدَ فَهَيْهَاتَ الْبُحُورُ مِنْ الثّمَادِ
أَمْرُ الْمُهَاجِرَاتِ بعد الْهُدْنَة
هِجْرَة أُمّ كُلْثُوم إِلَى الرَّسُول وإباؤه ردهَا:
[قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ]:
وَهَاجَرَتْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أُمّ كُلْثُومٍ بِنْت عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ فِي تِلْكَ الْمُدّةِ فَخَرَجَ أَخَوَاهَا عُمَارَةُ وَالْوَلِيدُ ابْنَا عُقْبَةَ حَتّى قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْأَلَانِهِ أَنْ يَرُدّهَا
_________________
(١) نَفْسِ الدّخُولِ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنّ الْوَعْدَ بِالْأَمَانِ قَدْ انْدَرَجَ فِي الْوَعْدِ بِالدّخُولِ. الثّانِي: أَنّهُ وَعْدٌ عَلَى الْجُمْلَةِ وَالِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إلَى التّفْصِيلِ إذْ لَا يَدْرِي كُلّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ هَلْ يَعِيشُ إلَى ذَلِكَ أَمْ لَا، فَرَجَعَ الشّكّ إلَى هَذَا الْمَعْنَى، لَا إلَى الْأَمْرِ الْمَوْعُودِ بِهِ وَقَدْ قِيلَ إنّمَا هُوَ تَعْلِيمٌ لِلْعِبَادِ أَنْ يَقُولُوا هَذِهِ الْكَلِمَةَ ويستعملونها فِي كُلّ فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ أَعْنِي: إنْ شَاءَ اللهُ. بَيْعَةُ الشّجَرَةِ وَأَوّلُ مَنْ بَايَعَ: فَصْلٌ وَذَكَرَ بَيْعَةَ الشّجَرَةِ، وَسَبَبَهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوّلَ مَنْ بَايَعَ وَذَكَرَ الْوَاقِدِيّ أَنّ أَوّلَ مَنْ بَايَعَ بَيْعَةَ الرّضْوَانِ سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الْأَسَدِيّ. وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: أَوّلُ مَنْ بَايَعَ أَبُو سِنَانٍ وَاسْمُهُ وَهْبُ بْنُ مِحْصَنٍ أَخُو عُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ
[ ٧ / ٨٢ ]
عَلَيْهِمَا بِالْعَهْدِ الّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ فِي الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَمْ يَفْعَلْ أَبَى اللهُ ذَلِكَ.
سُؤال ابْن أبي هنيدة لعروة عَن آيَة الْمُهَاجِرَات ورده عَلَيْهِ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي الزّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَ:
دَخَلْت عَلَيْهِ وَهُوَ يَكْتُبُ كِتَابًا إلَى ابْنِ أَبِي هُنَيْدَةَ، صَاحِبِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَكَتَبَ إلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنّ إِلَى الْكُفّارِ لَا هُنّ حِلّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلّونَ لَهُنّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنّ أُجُورَهُنّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠]
تَفْسِير ابْن هِشَام لبَعض الْغَرِيب:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
_________________
(١) الْأَسَدِيّ، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَ أَبُو سِنَانٍ أَسَنّ مِنْ أَخِيهِ عُكّاشَةَ بِعَشْرِ سِنِينَ شَهِدَ بَدْرًا، وَتُوُفّيَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَيُرْوَى أَنّهُ حِينَ قَالَ لِلنّبِيّ ﷺ اُبْسُطْ يَدَك أُبَايِعْك، قَالَ عَلَامَ تُبَايِعُنِي؟ قَالَ عَلَى مَا فِي نَفْسِك يَا رَسُولَ اللهِ وَأَمّا سِنَانٌ ابْنُهُ فَهُوَ أَيْضًا بَدْرِيّ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَأَمّا مُبَايَعَتُهُمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَحْتَ الشّجَرَةِ، وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْ جَابِرٍ وَأَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ فِي الرّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْهُ فَبَايَعُوهُ فِي قَوْلِ جَابِرٍ عَلَى أَنْ لَا يَفِرّوا. قَالَ وَلَمْ يُبَايِعُوهُ عَلَى الْمَوْتِ. وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ: بَايَعَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمَوْتِ قَالَ التّرْمِذِيّ: وَكِلَا الْحَدِيثِينَ صَحِيحٌ لِأَنّ بَعْضَهُمْ بَايَعَ عَلَى أَنْ لَا يَفِرّوا، وَلَمْ يَذْكُرُوا الْمَوْتَ وَبَعْضَهُمْ قَالَ أُبَايِعُك عَلَى الْمَوْتِ
[ ٧ / ٨٣ ]
وَاحِدَةُ الْعَصْمِ عِصْمَةٌ وَهِيَ الْحَبْلُ وَالسّبَبُ. قَالَ عَشِيّ بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ
إلَى الْمَرْءِ قَيْسٍ نُطِيلُ السّرَى وَنَأْخُذُ مِنْ كُلّ حَيّ عِصَمْ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠]
عود إِلَى جَوَاب عُرْوَة:
قَالَ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزّبَيْرِ: إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ صَالَحَ قُرَيْشًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ يَرُدّ عَلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيّهِ فَلَمّا هَاجَرَ النّسَاءُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَإِلَى الْإِسْلَامِ أَبَى اللهُ أَنْ يُرْدَدْنَ إلَى الْمُشْرِكِينَ إذَا هُنّ اُمْتُحِنّ بِمِحْنَةِ الْإِسْلَامِ فَعُرِفُوا أَنّهُنّ إنّمَا جِئْنَ رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ وَأَمَرَ بِرَدّ صَدَقَاتِهِنّ إلَيْهِمْ إنْ احْتَبَسْنَ عَنْهُمْ إنْ هُمْ رَدّوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ صَدَاقَ مِنْ حَبَسُوا عَنْهُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النّسَاءَ وَرَدّ الرّجَالَ وَسَأَلَ الّذِي أَمَرَهُ اللهُ بِهِ أَنْ يَسْأَلَ مِنْ صَدَقَاتِ نِسَاءِ مَنْ حَبَسُوا مِنْهُنّ وَأَنْ يَرُدّوا عَلَيْهِمْ مِثْلَ الّذِي يَرُدّونَ عَلَيْهِمْ إنْ هُمْ فَعَلُوا، وَلَوْلَا الّذِي حَكَمَ اللهُ بِهِ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ لَرَدّ رَسُولُ اللهِ ﷺ النّسَاءَ كَمَا رَدّ الرّجَالَ وَلَوْلَا الْهُدْنَةُ وَالْعَهْدُ الّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ لَأَمْسَكَ النّسَاءَ وَلَمْ يَرْدُدْ لَهُنّ صَدَاقًا، وَكَذَلِكَ كَانَ يَصْنَعُ بِمَنْ جَاءَهُ مِنْ الْمُسْلِمَاتِ قبل الْعَهْد
سُؤال ابْنُ إسْحَاقَ الزُّهْرِيّ عَن آيَة الْمُهَاجِرَات:
قَالَ ابْن إِسْحَاق:
_________________
(١) مَا قَالَهُ أَبُو جَنْدَلٍ فَصْلٌ وَمِمّا قَالَهُ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ أَيّامَ كَوْنِهِ مَعَ أَبِي بَصِيرٍ بِسَيْفِ الْبَحْرِ أَبْلِغْ قُرَيْشًا عَنْ أَبِي جَنْدَلٍ أَنّا بِذِي الْمَرْوَةِ فَالسّاحِلِ
[ ٧ / ٨٤ ]
وَسَأَلْت الزّهْرِيّ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَقَوْلِ اللهِ ﷿ فِيهَا:
﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتّقُوا اللهَ الّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [الممتحنة: ١١] فَقَالَ يَقُولُ إنْ فَاتَ أَحَدًا مِنْكُمْ أَهْلُهُ إلَى الْكُفّارِ وَلَمْ تَأْتِكُمْ امْرَأَةٌ تَأْخُذُونَ بِهَا مِثْلَ الّذِي يَأْخُذُونَ مَعَكُمْ فَعَرَضُوهُمْ فِي فَيْءٍ إنْ أَصَبْتُمُوهُ فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ . إلَى قَوْلِ اللهِ ﷿ ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ كَانَ مِمّنْ طَلّقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، طَلّقَ امْرَأَتَهُ قُرَيْبَةَ بِنْتِ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَتَزَوّجَهَا بَعْدَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَهُمَا عَلَى شِرْكِهِمَا بِمَكّةَ وَأُمّ كُلْثُومٍ بِنْتَ جَرْوَلَ أُمّ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ الْخُزَاعِيّةَ فَتَزَوّجَهَا أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ، رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ وَهُمَا عَلَى شِرْكِهِمَا.
بُشْرَى فَتْحِ مَكّةَ وَتَعْجِيلُ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ:
أَنّ بَعْضَ مَنْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ لَمّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ: أَلَمْ تَقُلْ يَا رَسُولَ اللهِ إنّك تَدْخُلُ مَكّةَ آمِنًا؟ قَالَ " بَلَى، أَفَقُلْت لَكُمْ مِنْ عَامِي هَذَا؟ " قَالُوا: لَا، قَالَ " فَهُوَ كَمَا قَالَ لِي جِبْرِيلُ ﵇ "
_________________
(١) فِي مَعْشَرٍ تَخْفُقُ أَيْمَانُهُمْ بِالْبِيضِ فِيهَا وَالْقَنَا الذّابِلِ يَأْبَوْنَ أَنْ تَبْقَى لَهُمْ رُفْقَةٌ مِنْ بَعْدِ إسْلَامِهِمْ الْوَاصِلِ أَوْ يَجْعَلُ اللهُ لَهُمْ مَخْرَجًا وَالْحَقّ لَا يُغْلَبُ بِالْبَاطِلِ فَيَسْلَمُ الْمَرْءُ بِإِسْلَامِهِ أَوْ يُقْتَلُ الْمَرْءُ وَلَمْ يَأْتَلِ
[ ٧ / ٨٥ ]
ذِكْرُ الْمَسِيرِ إلَى خَيْبَرَ فِي الْمُحَرّمِ سنة سبع
الْخُرُوج إِلَى خَيْبَر:
قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق
ثُمّ أَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالْمَدِينَةِ حِينَ رَجَعَ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ، ذَا الْحِجّةِ وَبَعْضَ الْمُحَرّمِ وَوَلِيَ تِلْكَ الْحِجّةَ الْمُشْرِكُونَ ثُمّ خَرَجَ فِي بَقِيّةِ الْمُحَرّمِ إِلَى خَيْبَر
اسْتِعْمَال نميلَة على الْمَدِينَة:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ نُمَيْلَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ اللّيْثِيّ، وَدَفَعَ الرّايَةَ إلَى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَكَانَت بَيْضَاء.
_________________
(١) غَزْوَةُ خَيْبَرَ ذَكَرَ الْبَكْرِيّ أَنّ أَرْضَ خَيْبَرَ سُمّيَتْ بِاسْمِ رَجُلٍ مِنْ الْعَمَالِيقِ. نَزَلَهَا وَهُوَ خَيْبَرُ بْنُ قَانِيَةَ بْنِ مَهْلَايِلَ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْوَطِيحِ، وَهُوَ مِنْ حُصُونِهَا أَنّهُ سُمّيَ بِالْوَطِيحِ بْنِ مَازِنٍ رَجُلٌ مِنْ ثَمُودَ وَلَفْظُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْوَطْحِ وَهُوَ مَا تَعَلّقَ بِالْأَظَافِرِ وَمَخَالِبِ الطّيْرِ مِنْ الطّينِ.
[ ٧ / ٨٦ ]
ارتجاز ابْن الْأَكْوَع وَدُعَاء الرَّسُول لَهُ واستشهاده:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التّيْمِيّ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ نَصْرِ بْنِ دَهْرٍ الْأَسْلَمِيّ أَنّ أَبَاهُ حَدّثَهُ:
أَنّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ - يَقُولُ فِي مَسِيرِهِ إلَى خَيْبَرَ لِعَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ وَهُوَ عَمّ سَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ، وَكَانَ اسْمُ الْأَكْوَعِ سِنَانٌ انْزِلْ يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ فَخُذْ لَنَا مِنْ هَنَاتِك، قَالَ فَنَزَلَ يَرْتَجِزُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ
وَاَللهِ لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدّقْنَا وَلَا صَلّيْنَا
_________________
(١) شَرْحُ هَنَةٍ وَالْحُدَاءِ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ قَوْلَهُ ﵇ لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ خُذْ لَنَا مِنْ هَنَاتِك. الْهَنَةُ كِنَايَةٌ عَنْ كُلّ شَيْءٍ لَا تَعْرِفُ اسْمَهُ أَوْ تَعْرِفُهُ فَتُكَنّي عَنْهُ وَأَصْلُ الْهَنَةِ هَنْهَةٌ وَهَنْوَةٌ. قَالَ الشّاعِرُ [أَرَى ابْنَ نَزَارٍ قَدْ جَفَانِي وَقَلّنِي] عَلَى هَنَوَاتٍ شَأْنُهَا مُتَتَابِعُ وَفِي الْبُخَارِيّ: أَنّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ الْأَكْوَعِ أَلَا تَنْزِلُ فَتُسْمِعَنَا مِنْ هُنَيْهَاتِكَ صَغّرَهُ بِالْهَاءِ وَلَوْ صَغّرَهُ عَلَى لُغَةِ مَنْ قَالَ هَنَوَاتٍ لَقَالَ هُنَيّاتِك، وَإِنّمَا أَرَادَ - ﷺ - أَنْ يَحْدُوَ بِهِمْ وَالْإِبِلُ تُسْتَحَثّ بِالْحِدَاءِ وَلَا يَكُونُ الْحِدَاءُ إلّا بِشِعْرِ أَوْ رَجَزٍ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَوّلَ مَنْ سَنّ حُدَاءَ الْإِبِلِ وَهُوَ مُضَرُ بْنُ نَزَارٍ، وَالرّجَزُ شِعْرٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَرِيضًا، وَقَدْ قِيلَ لَيْسَ بِشِعْرِ وَإِنّمَا هِيَ أَشْطَارُ أَبْيَاتٍ وَإِنّمَا الرّجَزُ الّذِي هُوَ شِعْرٌ سُدَاسِيّ الْأَجْزَاءِ نَحْوَ مَقْصُورَةِ ابْنِ دُرَيْدٍ أَوْ رُبَاعِيّ الْأَجْزَاءِ نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ يَا مُرّ يَا خَيْرَ أَخ نَازَعْت دَرّ الْحَلْمَةِ
[ ٧ / ٨٧ ]
إنّا إذَا قَوْمٌ بَغَوْا عَلَيْنَا وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا وَثَبّتْ الْأَقْدَامَ إنْ لَاقَيْنَا
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْحَمُك اللهُ ; فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ: وَجَبَتْ وَاَللهِ يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ أَمْتَعْتنَا بِهِ فَقُتِلَ يَوْمَ خَيْبَرَ شَهِيدًا، وَكَانَ قَتْلُهُ فِيمَا بَلَغَنِي، أَنّ سَيْفَهُ رَجَعَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُقَاتِلُ فَكَلَمَهُ كَلْمًا شَدِيدًا، فَمَاتَ مِنْهُ فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ شَكّوا فِيهِ.
_________________
(١) وَاحْتَجّ مَنْ قَالَ فِي مَشْطُورِ الرّجَزِ أَنّهُ لَيْسَ بِشِعْرِ أَنّهُ قَدْ جَرَى عَلَى لِسَانِ النّبِيّ - ﷺ - وَكَانَ لَا يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ الشّعْرُ وَقَدْ رُوِيَ أَنّهُ أَنْشَدَ هَذَا الرّجَزَ الّذِي قَالَهُ ابْنُ الْأَكْوَعِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ أَيْضًا إمّا مُتَمَثّلًا وَإِمّا مُنْشِئًا: هَلْ أَنْتَ إلّا إصْبَعٌ دَمِيَتْ وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيت وَفِي هَذَا الرّجَزِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ مِمّا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ وَغَيْرِهِ فَاغْفِرْ فِدَاءً لَك مَا أَبْقَيْنَا وَيُرْوَى مَا اقْتَفَيْنَا أَيْ مَا تَتَبّعْنَا مِنْ الْخَطَايَا، مِنْ قَفَوْت الْأَثَرَ وَاقْتَفَيْته. وَفِي التّنْزِيلِ ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الْإِسْرَاءُ ٣٦] وَأَمّا قَوْلُهُ مَا أَبْقَيْنَا، أَيْ مَا خَلّفْنَا مِمّا اكْتَسَبْنَا، أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ مَا أَبْقَيْنَا مِنْ الذّنُوبِ فَلَمْ نُحَقّقْ التّوْبَةَ مِنْهُ كَمَا يَنْبَغِي. وَقَوْلُهُ فِدَاءً لَك قَدْ قِيلَ إنّ الْخِطَابَ لِلنّبِيّ - ﷺ - أَيْ اغْفِرْ لَنَا تَقْصِيرَنَا فِي حَقّك وَطَاعَتِك، إذْ لَا يُتَصَوّرُ أَنْ يُقَالَ لِلّهِ ﵎ مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ وَذَلِكَ أَنّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ فِدَاءً لَك أَيْ فِدَاءً لَك أَنْفُسُنَا وَأَهْلُونَا، وَحُذِفَ الِاسْمُ الْمُبْتَدَأُ لِكَثْرَةِ دَوْرِهِ فِي الْكَلَامِ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ وَإِنّمَا يَفْدِي الْإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ مَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْفَنَاءُ.
[ ٧ / ٨٨ ]
وَقَالُوا: إنّمَا قَتَلَهُ سِلَاحُهُ حَتّى سَأَلَ ابْنُ أَخِيهِ سَلَمَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ وَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ النّاسِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إنّهُ لَشَهِيدٌ وَصَلّى عَلَيْهِ فَصَلّى عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ.
_________________
(١) اسْتِعْمَالُ الْكَلِمَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا وَأَقْرَبُ مَا قِيلَ فِيهِ مِنْ الْأَقْوَالِ إلَى الصّوَابِ أَنّهَا كَلِمَةٌ يُتَرْجَمُ بِهَا عَنْ مَحَبّةٍ وَتَعْظِيمٍ فَجَازَ أَنْ يُخَاطَبَ بِهَا مَنْ لَا يَجُوزُ فِي حَقّهِ الْفِدَاءُ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْفَنَاءُ قَصْدًا لِإِظْهَارِ الْمَحَبّةِ وَالتّعْظِيمِ لَهُ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْكَلِمَةِ مَا ذَكَرْنَا، فَرُبّ كَلِمَةٍ تُرِكَ أَصْلُهَا، وَاسْتُعْمِلَتْ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَتْ لَهُ أَوّلَ كَمَا جَاءُوا بِلَفْظِ الْقَسَمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْقَسَمِ إذَا أَرَادُوا تَعَجّبًا وَاسْتِعْظَامًا لِأَمْرِ كَقَوْلِهِ ﵇ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيّ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إنْ صَدَقَ وَمُحَالٌ أَنْ يَقْصِدَ ﷺ الْقَسَمَ بِغَيْرِ اللهِ ﵎، لَا سِيّمَا بِرَجُلِ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ وَإِنّمَا هُوَ تَعَجّبٌ مِنْ قَوْلِ الْأَعْرَابِيّ وَالْمُتَعَجّبُ مِنْهُ هُوَ مُسْتَعْظَمٌ وَلَفْظُ الْقَسَمِ فِي أَصْلِ وَضْعِهِ لِمَا يُعَظّمُ فَاتّسَعَ فِي اللّفْظِ حَتّى قِيلَ عَلَى الْوَجْهِ. وَقَالَ الشّاعِرُ فَإِنْ تَكُ لَيْلَى اسْتَوْدَعَتْنِي أَمَانَةً فَلَا وَأَبِي أَعْدَائِهَا لَا أَخُونُهَا لَمْ يُرِدْ أَنْ يُقْسِمَ بِأَبِي أَعْدَائِهَا، وَلَكِنّهُ ضَرْبٌ مِنْ التّعَجّبِ وَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ شُرّاحِ الْحَدِيثِ إلَى النّسْخِ فِي قَوْله: أَفْلَحَ وَأَبِيهِ قَالُوا: نَسَخَهُ قَوْلُهُ ﵇ لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَهَذَا قَوْلٌ لَا يَصِحّ، لِأَنّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنّ النّبِيّ ﷺ - كَانَ يَحْلِفُ قَبْلَ النّسْخِ بِغَيْرِ اللهِ وَيُقْسِمُ بِقَوْمِ كُفّارٍ وَمَا أَبْعَدَ هَذَا مِنْ شِيمَتِهِ - ﷺ - تَاللهِ مَا فَعَلَ هَذَا قَطّ، وَلَا كَانَ لَهُ بِخُلُقِ. وَقَالَ قَوْمٌ رِوَايَةُ إسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ مُصَحّفَةٌ وَإِنّمَا هُوَ أَفْلَحَ وَاَللهِ إنْ صَدَقَ. وَهَذَا أَيْضًا مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَاعْتِرَاضٌ عَلَى الْأَثْبَاتِ الْعُدُولِ
[ ٧ / ٨٩ ]
دُعَاء الرَّسُول لما أشرف على خَيْبَر:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَرْوَانَ الْأَسْلَمِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُعَتّبِ بْنِ عَمْرٍو: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا أَشْرَفَ عَلَى خَيْبَرَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ وَأَنَا فِيهِمْ " قِفُوا "، ثُمّ
_________________
(١) فِيمَا حَفِظُوا، وَقَدْ خَرّجَ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الزّكَاةِ قَوْلَهُ ﵇ لِرَجُلِ سَأَلَهُ أَيّ الصّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ وَأَبِيك لَأُنْبِئك أَوْ قَالَ لَأُخْبِرَنّكَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَخَرّجَ فِي كِتَابِ الْبِرّ وَالصّلَةِ قَوْلَهُ لِرَجُلِ سَأَلَهُ مَنْ أَحَقّ النّاسِ بِأَنْ أَبَرّهُ أَوْ قَالَ أَصْلُهُ؟ فَقَالَ وَأَبِيك لَأُنْبِئكَ صِلْ أُمّك، ثُمّ أَبَاك ثُمّ أَدْنَاك فَأَدْنَاك فَقَالَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كَمَا تَرَى وَأَبِيك، فَلَمْ يَأْتِ إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ إِذا فِي رِوَايَتِهِ بِشَيْءِ إمْرٍ وَلَا بِقَوْلِ بِدْعٍ وَقَدْ حَمَلَ عَلَيْهِ فِي رِوَايَتِهِ رَجُلٌ مِنْ عُلَمَاءِ بِلَادِنَا وَعُظَمَاءِ مُحَدّثِيهَا، وَغَفَلَ - عَفَا اللهُ عَنْهُ - عَنْ الْحَدِيثَيْنِ اللّذَيْنِ تَقَدّمَ ذِكْرُهُمَا، وَقَدْ خَرّجَهُمَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجّاجِ. وَفِي تَرَاجِمِ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي مُصَنّفِهِ مَا يَدُلّ عَلَى أَنّهُ كَانَ يَذْهَبُ إلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالنّسْخِ وَأَنّ الْقَسَمَ بِالْآبَاءِ كَانَ جَائِزًا، وَاَلّذِي ذَكَرْنَاهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ كَمَا قَدّمْنَا، وَلَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ وَأَبِي، وَإِنّمَا قَالَ وَأَبِيهِ أَوْ وَأَبِيك بِالْإِضَافَةِ إلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ أَوْ الْغَائِبِ وَبِهَذَا الشّرْطِ يَخْرُجُ عَنْ مَعْنَى الْحَلِفِ إلَى مَعْنَى التّعَجّبِ الّذِي ذَكَرْنَاهُ. الْإِسْنَادُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَرْوَانَ وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ حَدِيثَهُ ﵇ حِينَ أَشْرَفَ عَلَى خَيْبَرَ، وَقَالَ فِي إسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ [أَبِي] مَرْوَانَ وَهَذَا هُوَ الصّحِيحُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ لِأَنّ عَطَاءَ بْنَ
[ ٧ / ٩٠ ]
قَالَ اللهُمّ رَبّ السّمَوَاتِ وَمَا أَظْلَلْنَ وَرَبّ الْأَرَضِينَ وَمَا أَقْلَلْنَ وَرَبّ الشّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ وَرَبّ الرّيَاحِ وَمَا أَذْرَيْنَ فَإِنّا نَسْأَلُك خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَنَعُوذُ بِك مِنْ شَرّهَا وَشَرّ أَهْلِهَا وَشَرّ مَا فِيهَا، أَقَدِمُوا بِسْمِ اللهِ.قَالَ وَكَانَ يَقُولُهَا ﵇ لِكُلّ قَرْيَة دَخلهَا.
فرار أهل خَيْبَر لما رأو الرَّسُول:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ يُغِرْ عَلَيْهِمْ حَتّى يُصْبِحَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ. فَنَزَلْنَا خَيْبَرَ لَيْلًا، فَبَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى إذَا أَصْبَحَ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا، فَرَكِبَ وَرَكِبْنَا مَعَهُ فَرَكِبْت خَلْفَ أَبِي طَلْحَةَ وَإِنّ قَدَمِي لَتَمَسّ قَدَمَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاسْتَقْبَلَنَا عُمّالُ خَيْبَرَ غَادِينَ قَدْ خَرَجُوا بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ فَلَمّا رَأَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَالْجَيْشَ قَالُوا: مُحَمّدٌ وَالْخَمِيسُ مَعَهُ فَأَدْبَرُوا هِرَابًا،
_________________
(١) أَبِي مَرْوَانَ الْأَسْلَمِيّ مَعْرُوفٌ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُكَنّى أَبَا مُصْعَبٍ قَالَهُ الْبُخَارِيّ فِي التّارِيخِ وَبَعْضُ مَنْ يَرْوِي السّيرَةَ يَقُولُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَسْلَمِيّ وَالصّحِيحُ مَا قَدّمْنَاهُ الْمَكَاتِلُ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ حِينَ اسْتَقْبَلَتْهُمْ عُمّالُ خَيْبَرَ بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ الْمَكَاتِلُ جَمْعُ مِكْتَلٍ وَهِيَ الْقُفّةُ الْعَظِيمَةُ سُمّيَتْ بِذَلِكَ لِتَكَتّلِ الشّيْءِ فِيهَا، وَهُوَ تَلَاصُقُ بَعْضِهِ بِبَعْضِ وَالْكُتْلَةُ وَمِنْ التّمْرِ وَنَحْوِهِ فَصِيحَةٌ وَإِنْ ابْتَذَلَتْهَا الْعَامّةُ. خَرِبَتْ خَيْبَرُ: وَقَوْلُ النّبِيّ ﷺ حِينَ رَآهُمْ " اللهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ ". فِيهِ إبَاحَةُ التّفَاؤُلِ وَقُوّةٌ لِمَنْ اسْتَجَازَ الرّجَزَ وَقَدْ قَدّمْنَا فِي ذَلِكَ قَوْلًا مُقْنِعًا، وَذَلِكَ أَنّهُ رَأَى الْمَسَاحِيّ
[ ٧ / ٩١ ]
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " اللهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ".
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنَا هَارُونُ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أنس بِمثلِهِ.
منَازِل الرَّسُول فِي طَرِيقه إِلَى خَيْبَر:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى خَيْبَرَ سَلَكَ عَلَى عِصْرٍ فَبُنِيَ لَهُ فِيهَا مَسْجِدٌ ثُمّ عَلَى الصّبْهَاءِ ثُمّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِجَيْشِهِ حَتّى نَزَلَ بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ الرّجِيعُ، فَنَزَلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَطَفَانَ، لِيَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَمُدّوا أَهْلَ خَيْبَرَ، وَكَانُوا لَهُمْ مُظَاهِرِينَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ.
_________________
(١) وَالْمَكَاتِلَ وَهِيَ مِنْ آلَةِ الْهَدْمِ، وَالْحَفْرِ مَعَ أَنّ لَفْظَ الْمِسْحَاةِ مِنْ سَحَوْت الْأَرْضَ إذَا قَشّرْتهَا، فَدَلّ ذَلِكَ عَلَى خَرَابِ الْبَلْدَةِ الّتِي أَشْرَفَ عَلَيْهَا، وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ قَالَ حِينَ ذَكَرَ الْمَسَاحِيّ كَانُوا يُؤْتُونَ الْمَاءَ إلَى زَرْعِهِمْ مَعْنَاهُ يَسُوقُونَ. وَالْأَتِيّ هِيَ الصّافِيَةُ. الْخَمِيسُ: وَقَوْلُ الْيَهُودِ: مُحَمّدٌ وَالْخَمِيسُ سُمّيَ الْجَيْشُ الْعَظِيمُ خَمِيسًا، لِأَنّ لَهُ سَاقَةً وَمُقَدّمَةً وَجَنَاحَيْنِ وَقَلْبًا، لَا مِنْ أَجْلِ تَخْمِيسِ الْغَنِيمَةِ فَإِنّ الْخُمُسَ مِنْ سُنّةِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ كَانَ الْجَيْشُ يُسَمّى خَمِيسًا فِي الْجَاهِلِيّةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا الشّاهِدَ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا تَقَدّمَ.
[ ٧ / ٩٢ ]
غطفان ومحاولتهم مَعُونَة خَيْبَر ثمَّ انخذالهم:
فَبَلَغَنِي أَنّ غَطَفَانَ لَمّا سَمِعَتْ بِمَنْزِلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ جَمَعُوا لَهُ ثُمّ خَرَجُوا لِيُظَاهِرُوا يَهُودَ عَلَيْهِ حَتّى إذَا سَارُوا مَنْقَلَةً سَمِعُوا خَلْفَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ حِسّا ظَنّوا أَنّ الْقَوْمَ قَدْ خَالَفُوا إلَيْهِمْ فَرَجَعُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ فَأَقَامُوا فِي أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَخَلّوْا بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَين خَيْبَر.
افْتِتَاح رَسُول الله الْحُصُون:
وَتَدَنّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْأَمْوَالَ يَأْخُذُهَا مَالًا مَالًا، وَيَفْتَتِحُهَا حِصْنًا حِصْنًا، فَكَانَ أَوّلُ حُصُونِهِمْ اُفْتُتِحَ حِصْنَ نَاعِمٍ، وَعِنْدَهُ قُتِلَ مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ، أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ مِنْهُ رَحًا فَقَتَلَتْهُ ثُمّ الْقَمُوصِ، حِصْنِ بَنِي أَبِي الْحُقَيْقِ وَأَصَابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهُمْ سَبَايَا، مِنْهُنّ صَفِيّةُ بِنْتُ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ، وَكَانَتْ عِنْدَ كِنَانَةَ بْنِ الرّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ وَبِنْتَيْ عَمّ لَهَا، فَاصْطَفَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَفِيَّة لنَفسِهِ.
نهى الرَّسُول يَوْم خَيْبَر على أَشْيَاء:
وَكَانَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيّ قَدْ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَفِيّةَ فَلَمّا أَصْفَاهَا لِنَفْسِهِ أَعْطَاهُ ابْنَتَيْ عَمّهَا، وَفَشَتْ السّبَايَا مِنْ خَيْبَرَ فِي الْمُسْلِمِينَ.
وَأَكَلَ الْمُسْلِمُونَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ مِنْ حُمُرِهَا، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَنَهَى النّاسَ عَنْ أُمُورٍ سَمّاهَا لَهُمْ
_________________
(١) تَدَنّي الْحُصُونِ وَقَوْلُهُ يَتَدَنّى الْحُصُونَ أَيْ يَأْخُذُ الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى. حُكْمُ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ وَالْخَيْلِ وَذِكْرُ نَهْيِهِ ﵇ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَنّهُ نَهَى ﵇ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ وَأَرْخَصَ لَهُمْ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ أَمّا الْحُمُرُ الْأَهْلِيّةُ فَمُجْتَمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهَا إلّا شَيْئًا يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ وَعَائِشَةَ
[ ٧ / ٩٣ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ ضَمْرَةَ الْفَزَارِيّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلِيطٍ عَنْ أَبِيهِ. قَالَ:
أَتَانَا نَهْيُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيّةِ وَالْقُدُورُ تَفُورُ بِهَا، فَكَفَأْنَاهَا عَلَى وُجُوهِهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مَكْحُولٍ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَاهُمْ يَوْمَئِذٍ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ إتْيَانِ الْحَبَالَى مِنْ السّبَايَا، وَعَنْ أَكْلِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيّ وَعَنْ أَكْلِ كُلّ ذِي نَابٍ مِنْ السّبَاعِ وَعَنْ بَيْعِ الْمَغَانِمِ حَتّى تُقَسّمَ
_________________
(١) وَطَائِفَةٍ مِنْ التّابِعِينَ. وَحُجّةُ مَنْ أَبَاحَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيّ مُحَرّمًا عَلَى طَاعِمٍ﴾ [الْأَنْعَامُ ١٤٥] الْآيَةُ وَهِيَ مَكّيّةٌ وَحَدِيثُ النّهْيِ عَنْ الْحُمُرِ كَانَ بِخَيْبَرِ فَهُوَ الْمُبَيّنُ لِلْآيَةِ وَالنّاسِخُ لِلْإِبَاحَةِ وَمِنْ حُجّتِهِمْ أَيْضًا قَوْلُهُ ﷺ لِرَجُلِ اسْتَفْتَاهُ فِي أَكْلِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيّ يُقَالُ فِي اسْمِهِ غَالِبُ بْنُ أَبْحَرَ الْمُزَنِيّ: أَطْعِمْ أَهْلَك مِنْ سَمِينِ مَالِك وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يُعَارَضُ بِمِثْلِهِ حَدِيثُ النّهْيِ مَعَ أَنّهُ مُحْتَمِلٌ لِتَأْوِيلَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الرّجُلُ مِمّنْ أَصَابَتْهُ مَسْغَبَةٌ شَدِيدَةٌ فَأُرْخِصَ لَهُ فِيهِ أَوْ يَكُونَ ذَلِكَ مَنْسُوخًا بِالتّحْرِيمِ عَلَى أَنّ بَعْضَ رُوَاةِ الْحَدِيثِ زَادَ فِيهِ بَيَانًا، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ لِلرّجُلِ إنّمَا نُهِيت عَنْ حَوَالِي الْقَرْيَةِ أَوْ جَوّالِي الْقَرْيَةِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي الرّوَايَةِ وَأَمّا حَدِيثُ جَابِرٍ فِي إبَاحَةِ الْخَيْلِ فَصَحِيحٌ وَيُعَضّدُهُ حَدِيثُ أَسْمَاءَ أَنّهَا قَالَتْ ضَحّيْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِفَرَسِ وَقَالَ بِإِبَاحَةِ لُحُومِ الْخَيْلِ الشّافِعِيّ وَاللّيْثُ وَأَبُو يُوسُفَ وَذَهَبَ
[ ٧ / ٩٤ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي سَلَامُ بْنُ كِرْكِرَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيّ وَلَمْ يَشْهَدْ جَابِرٌ خَيْبَرَ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ نَهَى النّاسَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ أَذِنَ لَهُمْ فِي أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي مَرْزُوقٍ مَوْلَى تُجِيبَ، عَنْ حَنَشٍ الصّنْعَانِيّ قَالَ:
غَزَوْنَا مَعَ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيّ الْمَغْرِبَ فَافْتَتَحَ قَرْيَةً مِنْ قُرَى الْمَغْرِبِ يُقَالُ لَهَا: جَرْبَةُ فَقَامَ فِينَا خَطِيبًا، فَقَالَ يَا أَيّهَا النّاسُ إنّي لَا أَقُولُ فِيكُمْ إلّا مَا سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَقُولُهُ فِينَا يَوْمَ خَيْبَرَ، قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ " لَا يَحِلّ لِامْرِئِ
_________________
(١) مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيّ إلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنّهُ ﵇ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ وَالْبِغَالِ وَالْخَيْلِ وَقَدْ خَرّجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَحَدِيثُ الْإِبَاحَةِ أَصَحّ غَيْرَ أَنّ مَالِكًا ﵀ نَزَعَ بِآيَةِ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَهِيَ أَنّ اللهَ جَلّ ذِكْرُهُ ذَكَرَ الْأَنْعَامَ فَقَالَ ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النَّحْل:٥] ثُمّ ذَكَرَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ فَقَالَ ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النَّحْل: ٨] هَذَا انْتِزَاعٌ حَسَنٌ. وَوَجْهُ الدّلِيلِ مِنْ الْآيَةِ أَنّهُ قَالَ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ [النّحْلُ ٥] فَذَكَرَ الدّفْءَ وَالْمَنَافِعَ وَالْأَكْلَ ثُمّ أَفْرَدَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ بِالذّكْرِ ثُمّ جَاءَ بِلَامِ الْعِلّةِ وَالنّسَبِ فَقَالَ ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ أَيْ لِهَذَا سَخّرْتهَا لَكُمْ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَعَدّى مَا سُخّرَتْ لَهُ وَأَمّا نَهْيُهُ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْجَلّالَةِ وَعَنْ رُكُوبِهَا، فَهِيَ الّتِي تَأْكُلُ الْجَلّةَ وَهُوَ الرّوْثُ وَالْبَعْرُ وَفِي السّنَنِ لِلدّارَقُطْنِيّ أَنّهُ ﵇ نَهَى عَنْ أَكْلِ الْجَلّالَةِ حَتّى تُعْلَفَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَهَذَا نَحْوٌ مِمّا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنّهُ كَانَ لَا يَأْكُلُ الدّجَاجَ الْمُخَلّاةَ حَتّى تُقْصَرَ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ. ذَكَرَهُ الْهَرَوِيّ.
[ ٧ / ٩٥ ]
يُؤْمِنُ بِاَللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ يَعْنِي إتْيَانَ الْحَبَالَى مِنْ السّبَايَا، وَلَا يَحِلّ لِامْرِئِ يُؤْمِنُ بِاَللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُصِيبَ امْرَأَةً مِنْ السّبْيِ حَتّى يَسْتَبْرِئَهَا، وَلَا يَحِلّ لِامْرِئِ يُؤْمِنُ بِاَللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَبِيعَ مَغْنَمًا حَتّى يُقْسَمَ وَلَا يَحِلّ لِامْرِئِ يُؤْمِنُ بِاَللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَرْكَبَ دَابّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتّى إذَا أَعْجَفَهَا رَدّهَا فِيهِ وَلَا يَحِلّ لِامْرِئِ يُؤْمِنُ بِاَللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتّى إذَا أَخْلَقَهُ رَدّهُ فِيهِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسَيْطٍ أَنّهُ حَدّثَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ، قَالَ:
_________________
(١) الْوَرِقُ: وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ نَهْيَهُ ﵊ عَنْ بَيْعِ الْفِضّةِ بِالْفِضّةِ وَإِبَاحَةِ بَيْعِ الذّهَبِ بِالْوَرِقِ فَدَلّ عَلَى أَنّ الْوَرِقَ وَالْفِضّةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَقَدْ فَرّقَ بَيْنَهُمَا أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ فَقَالَ الرّقَةُ وَالْوَرِقُ مَا كَانَ سِكّةً مَضْرُوبَةً فَإِنْ كَانَ حُلِيّا أَوْ حُلِيّةً، أَوْ نُقَرًا لَمْ يُسَمّ وَرِقًا، يُرِيدُ بِهَذِهِ التّفْرِقَةِ أَنْ لَا زَكَاةَ فِي حُلِيّ الْفِضّةِ وَالذّهَبِ لِأَنّ النّبِيّ - ﷺ - حِينَ ذَكَرَ الزّكَاةَ قَالَ " فِي الرّقَةِ الْخُمْسُ " وَحِينَ ذَكَرَ الرّبَا قَالَ " الْفِضّةُ بِالْفِضّةِ ". قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ، وَفِي أَحَادِيثَ سِوَاهُ قَدْ تَتَبّعْتهَا مَا يَدُلّ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ مِنْهَا قَوْلُهُ ﵇ فِي صِفَةِ الْحَوْضِ يَصُبّ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنْ الْجَنّةِ أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ وَالْآخَرُ مِنْ وَرِقٍ وَفِي حَدِيثِ عَرْفَجَةَ حِينَ أُصِيبَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ قَالَ فَاِتّخَذْت أَنْفًا مِنْ ورق الحَدِيث فِيهِ
[ ٧ / ٩٦ ]
نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ أَنْ نَبِيعَ أَوْ نَبْتَاعَ تِبْرَ الذّهَبِ بِالذّهَبِ الْعَيْنِ وَتِبْرَ الْفِضّةِ بِالْوَرِقِ الْعَيْنِ وَقَالَ ابْتَاعُوا تِبْرَ الذّهَبِ بِالْوَرِقِ الْعَيْنِ، وَتِبْرَ الْفِضّةِ بِالذّهَبِ الْعَيْنِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَدَنّى الْحُصُونَ وَالْأَمْوَالَ.
شَأْنُ بني سهم الأسلميين:
فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنّهُ حَدّثَهُ بَعْضُ أَسْلَمَ:
أَنّ بَنِي سَهْمٍ مِنْ أَسْلَمَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: وَاَللهِ يَا رَسُولَ اللهِ لَقَدْ جُهِدْنَا وَمَا بِأَيْدِينَا مِنْ شَيْءٍ فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْئًا يُعْطِيهِمْ إيّاهُ فَقَالَ اللهُمّ إنّك قَدْ عَرَفْت حَالَهُمْ وَأَنْ لَيْسَتْ بِهِمْ قُوّةٌ وَأَنْ لَيْسَ بِيَدِي شَيْءٌ أُعْطِيهِمْ إيّاهُ فَافْتَحْ عَلَيْهِمْ أَعْظَمَ حُصُونِهَا عَنْهُمْ غِنَاءً وَأَكْثَرَهَا طَعَامًا وَوَدَكًا فَغَدَا النّاسُ فَفَتَحَ اللهُ ﷿ حِصْنَ الصّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ، وَمَا بِخَيْبَرِ حِصْنٌ كَانَ أَكْثَرَ طَعَامًا وَوَدَكًا مِنْهُ.
مَقْتَلُ مَرْحَبٍ الْيَهُودِيّ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَلَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ حُصُونِهِمْ مَا افْتَتَحَ وَجَازَ مِنْ الْأَمْوَالِ مَا جَازَ انْتَهَوْا إلَى حِصْنَيْهِمْ الْوَطِيحِ وَالسّلَالِمِ، وَكَانَ آخِرَ حُصُونِ أَهْلِ خَيْبَرَ افْتِتَاحًا، فَحَاصَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.
_________________
(١) شَوَاهِدَ كَثِيرَةٍ تَدُلّ عَلَى أَنّ الْفِضّةَ تُسَمّى وَرِقًا عَلَى أَيّ حَالٍ كَانَتْ. وَقَوْلُهُ بِالذّهَبِ الْعَيْنِ وَالْوَرِقِ الْعَيْنِ يُرِيدُ النّقْدَ لِأَنّ الْغَائِبَ تُسَمّى ضِمَارًا، كَمَا قَالَ وَعَيْنُهُ كَالْكَالِئِ الضّمَارِ وَسُمّيَ الْحَاضِرُ عَيْنًا لِمَوْضِعِ الْمُعَايَنَةِ
[ ٧ / ٩٧ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَكَانَ شِعَارُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ، يَا مَنْصُورُ، أَمِتْ أَمِتْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ أَخُو بَنِي حَارِثَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ،
قَالَ خَرَجَ مَرْحَبٌ الْيَهُودِيّ مِنْ حِصْنِهِمْ قَدْ جَمَعَ سِلَاحَهُ يَرْتَجِزُ وَهُوَ يَقُولُ
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنّي مَرْحَبُ شَاكِي السّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرّبُ
أَطْعَنُ أَحْيَانًا وَحِينًا أَضْرِبُ إذَا اللّيُوثُ أَقْبَلَتْ تَخَرّبُ
إنّ حِمَايَ لِلْحِمَى لَا يُقْرَبُ
وَهُوَ يَقُولُ مَنْ يُبَارِزُ؟ فَأَجَابَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، فَقَالَ
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنّي كَعْبُ مُفَرّجُ الْغُمّى جَرِيءٌ صُلْبُ
إذْ شَبّتْ الْحَرْبُ تَلَتْهَا الْحَرْبُ مَعِي حُسَامٌ كَالْعَقِيقِ عَضْبُ
نَطَؤُكُمْ حَتّى يَذِلّ الصّعْبُ نُعْطِي الْجَزَاءَ أَوْ يَفِيءَ النّهْبُ
بِكَفّ مَاضٍ لَيْسَ فِيهِ عَتْبُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنّي كَعْبُ وَأَنّنِي مَتَى تَشِبّ الْحَرْبُ
مَاضٍ عَلَى الْهَوْلِ جَرِيءُ صُلْبُ مَعِي حُسَامٌ كَالْعَقِيقِ عَضْبُ
بِكَفّ مَاضٍ لَيْسَ فِيهِ عَتْبُ نَدُكّكُمْ حَتّى يَذِلّ الصّعْبُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَمَرْحَبٌ مِنْ حِمْيَرَ.
_________________
(١) فَالْعَيْنُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ عِنْته أَعِينُهُ إذَا أَبْصَرْته بِعَيْنِك، وَسُمّيَ الْمَفْعُولُ بِالْمَصْدَرِ وَنَحْوٌ مِنْهُ الصّيْدُ لِأَنّهُ مَصْدَرٌ صِدْت أَصِيدُ وَقَدْ جَاءَ فِي التّنْزِيلِ ﴿لَا تَقْتُلُوا الصّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ﴿الْمَائِدَةُ ٩٥] فَسَمّاهُ بِالْمَصْدَرِ وَلَعَلّك أَنْ تَلْحَظَ مِنْ هَذَا الْمَطْلَعِ
[ ٧ / ٩٨ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيّ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ لِهَذَا؟ قَالَ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَنَا لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا وَاَللهِ الْمَوْتُورُ الثّائِرُ قُتِلَ أَخِي بِالْأَمْسِ فَقَالَ فَقُمْ إلَيْهِ " اللهُمّ أَعِنْهُ عَلَيْهِ. قَالَ فَلَمّا دَنَا أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ دَخَلَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ عُمْرِيّةٌ مِنْ شَجَرِ الْعُشْرِ فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا يَلُوذُ بِهَا مِنْ صَاحِبِهِ كُلّمَا لَاذَ بِهَا مِنْهُ اقْتَطَعَ صَاحِبُهُ بِسَيْفِهِ مَا دُونَهُ مِنْهَا، حَتّى بَرَزَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ وَصَارَتْ بَيْنَهُمَا كَالرّجُلِ الْقَائِمِ مَا فِيهَا فَنَنٌ ثُمّ حَمَلَ مَرْحَبٌ عَلَى مُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَضَرَبَهُ فَاتّقَاهُ بِالدّرَقَةِ فَوَقَعَ سَيْفُهُ فِيهَا، فَعَضّتْ بِهِ فَأَمْسَكَتْهُ وَضَرَبَهُ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ حَتّى قَتَلَهُ
مَقْتَلُ يَاسِرٍ أَخِي مَرْحَبٍ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ خَرَجَ بَعْدَ مَرْحَبٍ أَخُوهُ يَاسِرٌ وَهُوَ يَقُولُ مَنْ يُبَارِزُ؟ فَزَعَمَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أَنّ
_________________
(١) مَعْنَى الْعَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طَه: ٣٩] فَقَدْ أَمْلَيْنَا فِيهَا، وَفِي مَسْأَلَةِ الْيَدِ مَسْأَلَتَيْنِ لَا يُعْدَلُ بِقِيمَتِهِمَا الدّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا. مَتَى حُرّمَ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ؟ فَصْلٌ وَمِمّا يَتّصِلُ بِحَدِيثِ النّهْيِ عَنْ أَكْلِ الْحُمُرِ تَنْبِيهٌ عَلَى إشْكَالٍ فِي رِوَايَةُ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، فَإِنّهُ قَالَ فِيهَا: نَهَى النّبِيّ ﷺ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ وَهَذَا شَيْءٌ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السّيَرِ وَرُوَاةِ الْأَثَرِ أَنّ الْمُتْعَةَ حُرّمَتْ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمّدٍ فَقَالَ فِيهِ إنّ النّبِيّ ﷺ - نَهَى عَنْ أَكْلِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ عَامَ خَيْبَرَ، وَعَنْ الْمُتْعَةِ فَمَعْنَاهُ عَلَى هَذَا اللّفْظِ وَنَهَى عَنْ الْمُتْعَةِ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَهُوَ إِذا تَقْدِيمٌ
[ ٧ / ٩٩ ]
الزّبَيْرَ بْنَ الْعَوّامِ خَرَجَ إلَى يَاسِرٍ فَقَالَتْ أُمّهُ صَفِيّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ: يَقْتُلُ ابْنِي يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ بَلْ ابْنُك يَقْتُلُهُ إنْ شَاءَ اللهُ فَخَرَجَ الزّبَيْرُ فَالْتَقَيَا، فَقَتَلَهُ الزّبَيْرُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ:
أَنّ الزّبَيْرَ كَانَ إذَا قِيلَ لَهُ وَاَللهِ إنْ كَانَ سَيْفُك يَوْمَئِذٍ لَصَارِمًا عَضْبًا، قَالَ وَاَللهِ مَا كَانَ صَارِمًا، وَلَكِنّي أَكْرَهْته.
_________________
(١) وَتَأْخِيرٌ وَقَعَ فِي لَفْظِ ابْنِ شِهَابٍ، لَا فِي لَفْظِ مَالِكٍ لِأَنّ مَالِكًا قَدْ وَافَقَهُ عَلَى لَفْظِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ رُوَاةِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ فَأَغْرَبُ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ رِوَايَةُ مَنْ قَالَ إنّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، ثُمّ رِوَايَةُ الْحَسَنِ أَنّ ذَلِكَ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَالْمَشْهُورُ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ رِوَايَةُ الرّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنّ ذَلِكَ كَانَ عَامَ الْفَتْحِ. وَقَدْ خَرّجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا حَدِيثٌ آخَرُ خَرّجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَنّ تَحْرِيمَ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ كَانَ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ، وَمَنْ قَالَ مِنْ الرّوَاةِ كَانَ فِي غَزْوَةِ أَوْطَاسٍ، فَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَنْ قَالَ عَامَ الْفَتْحِ فَتَأَمّلْهُ وَاَللهُ الْمُسْتَعَانُ. وَذَكَرَ قَوْلَهُ - ﵇ – " لَأُعْطِيَنّ الرّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ" وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ: فَبَاتَ النّاسُ يَدُوكُونَ أَيّهُمْ يُعْطَاهَا وَمَعْنَاهُ مِنْ الدّوكَةِ وَالدّوْكَةِ وَهُوَ اخْتِلَاطُ الْأَصْوَاتِ.
[ ٧ / ١٠٠ ]
شَأْنُ عَلِيّ يَوْمَ خَيْبَرَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ فَرْوَةَ الْأَسْلَمِيّ عَنْ أَبِيهِ سُفْيَانَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ، قَالَ:
بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ الصّدّيقَ ﵁ بِرَايَتِهِ وَكَانَتْ بَيْضَاءَ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، إلَى بَعْضِ حُصُونِ خَيْبَرَ، فَقَاتَلَ فَرَجَعَ وَلَمْ يَكُ فَتْحٌ وَقَدْ جُهِدَ ثُمّ بَعَثَ الْغَدَ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ، فَقَاتَلَ ثُمّ رَجَعَ وَلَمْ يَكُ فَتْحٌ وَقَدْ جُهِدَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَأُعْطِيَنّ الرّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ لَيْسَ بِفَرّارِ.قَالَ يَقُولُ سَلَمَةُ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيّا رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ وَهُوَ أَرْمَدُ فَتَفَلَ فِي عَيْنِهِ ثُمّ قَالَ خُذْ هَذِهِ الرّايَةَ فَامْضِ بِهَا حَتّى يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْك.
قَالَ يَقُولُ سَلَمَةُ فَخَرَجَ وَاَللهِ بِهَا يَأْنِحُ يُهَرْوِلُ هَرْوَلَةً وَإِنّا لَخَلْفَهُ نَتْبَعُ
_________________
(١) عَلِيّ وَدُعَاءُ الرّسُولِ ﷺ وَذَكَرَ أَنّ عَلِيّا - ﵁ - انْطَلَقَ بِالرّايَةِ يَأْنِحُ وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ يَؤُجّ، فَمَنْ رَوَاهُ يَأْنِحُ فَهُوَ مِنْ الْأَنِيحِ وَهُوَ عُلُوّ النّفَسِ يُقَالُ فَرَسٌ أَنْوَحُ مِنْ هَذَا، وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنّهُ رَأَى رَجُلًا يَأْنِجُ بِبَطْنِهِ فَقَالَ مَا هَذَا؟ فَقَالَ بَرَكَةٌ مِنْ اللهِ فَقَالَ بَلْ هُوَ عَذَابٌ عَذّبَك بِهِ. وَمَنْ رَوَاهُ يَؤُجّ، فَمَعْنَاهُ يُسْرِعُ يُقَالُ أَجّتْ النّاقَةُ تَؤُجّ إذَا أَسْرَعَتْ فِي مَشْيِهَا، وَزَادَ الشّيْبَانِيّ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حِينَ ذَكَرَ أَنّ عَلِيّا كَانَ أَرْمَدَ وَأَنّ النّبِيّ ﷺ - تَفَلَ فِي عَيْنَيْهِ فَبَرَأَ قَالَ فَمَا وَجِعَتْ عَيْنُهُ حَتّى مَضَى سَبِيلُه قَالَ وَكَانَ عَلِيّ يَلْبَسُ الْقَبَاءَ الْمَحْشُوّ الثّخِينَ فِي شِدّةِ الْحَرّ فَلَا يُبَالِي بِالْحَرّ وَيَلْبَسُ الثّوْبَ الْخَفِيفَ فِي شِدّةِ الْبَرْدِ فَلَا يُبَالِي بِالْبَرْدِ وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَ أَنّ النّبِيّ - ﷺ - دَعَا لَهُ يَوْمَ خَيْبَرَ حِينَ رَمِدَتْ عَيْنُهُ أَنْ يَشْفِيَهُ اللهُ وَأَنْ يُجَنّبَهُ الْحَرّ وَالْبَرْدَ فَكَانَ ذَلِكَ.
[ ٧ / ١٠١ ]
أَثَرَهُ حَتّى رَكّزَ رَايَتَهُ فِي رَضْمٍ مِنْ حِجَارَةٍ تَحْتَ الْحِصْنِ فَاطّلَعَ إلَيْهِ يَهُودِيّ مِنْ رَأْسِ الْحِصْنِ فَقَالَ مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ أَنَا عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ يَقُولُ الْيَهُودِيّ. عَلَوْتُمْ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى، أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَ فَمَا رَجَعَ حَتّى فَتَحَ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ:
خَرَجْنَا مَعَ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرَايَتِهِ فَلَمّا دَنَا مِنْ الْحِصْنِ خَرَجَ إلَيْهِ أَهْلُهُ فَقَاتَلَهُمْ فَضَرَبَهُ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ فَطَاحَ تُرْسُهُ مِنْ يَدِهِ فَتَنَاوَلَ عَلِيّ ﵇ بَابًا كَانَ عِنْدَ الْحِصْنِ فَتَرّسَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ فَلَمْ يَزَلْ فِي يَدِهِ وَهُوَ يُقَاتِلُ حَتّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ ثُمّ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ حِينَ فَرَغَ فَلَقَدْ رَأَيْتنِي فِي نَفَرٍ سَبْعَةٍ مَعِي، أَنَا ثَامِنُهُمْ نَجْهَدُ عَلَى أَنْ نَقْلِبَ ذَلِكَ الْبَابَ فَمَا نَقْلِبُهُ.
أَمْرُ أبي الْيُسْر كَعْب بن عَمْرو:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ الْأَسْلَمِيّ، عَنْ بَعْضِ رِجَالِ بَنِي سَلِمَةَ عَنْ أَبِي الْيُسْرِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ
وَاَللهِ إنّا لَمَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِخَيْبَرِ ذَات عَشِيّةً إذْ أَقْبَلَتْ غَنَمٌ لِرَجُلِ مِنْ يَهُودَ تُرِيدُ حِصْنَهُمْ وَنَحْنُ مُحَاصِرُوهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ رَجُلٌ يُطْعِمُنَا مِنْ هَذِهِ الْغَنَمِ؟ قَالَ أَبُو الْيُسْرِ فَقُلْت: أَنَا يَا رَسُولَ الله قَالَ ف افع ل قَالَ فَخَرَجْت أَشْتَدّ مِثْلَ الظّلِيمِ فَلَمّا نَظَرَ إلَيّ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُوَلّيًا قَالَ اللهُمّ أَمْتِعْنَا بِهِ قَالَ فَأَدْرَكْت الْغَنَمَ
_________________
(١) صَاحِبُ الْمَغَانِمِ وَابْنُ مُغَفّلٍ فَصْلٌ وَذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفّلٍ حِينَ احْتَمَلَ جِرَابَ الشّحْمِ وَأَرَادَ صَاحِبُ الْمَغَانِمِ أَخْذَهُ مِنْهُ وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَ صَاحِبِ الْمَغَانِمِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنّهُ قَالَ كَانَ عَلَى الْمَغَانِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ أَبُو الْيُسْرِ كَعْبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ هَكَذَا وَجَدْته فِي بَعْضِ كُتُبِ الْفِقْهِ مَرْوِيّا عَنْ ابْنِ وَهْبٍ، وَلَمْ يَتّصِلْ لِي بِهِ إسْنَادٌ.
[ ٧ / ١٠٢ ]
وَقَدْ دَخَلَتْ أُولَاهَا الْحِصْنَ فَأَخَذْت شَاتَيْنِ مِنْ أُخْرَاهَا، فَاحْتَضَنْتهمَا تَحْتَ يَدِي، ثُمّ أَقْبَلْت بِهِمَا أَشْتَدّ كَأَنّهُ لَيْسَ مَعِي شَيْءٌ حَتّى أَلْقَيْتهمَا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَبَحُوهُمَا فَأَكَلُوهُمَا، فَكَانَ أَبُو الْيُسْرِ مِنْ آخِرِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ هَلَاكًا، فَكَانَ إذَا حَدّثَ هَذَا الْحَدِيثَ بَكَى، ثُمّ قَالَ " أُمْتِعُوا بِي، لَعَمْرِي، حَتّى كُنْت مِنْ آخِرِهِمْ هَلَكًا
صَفِيّةُ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَلَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْقَمُوصَ، حِصْنَ بَنِي أَبِي الْحُقَيْقِ أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَفِيّةَ بِنْتِ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ، وَبِأُخْرَى مَعَهَا، فَمَرّ بِهِمَا بِلَالٌ وَهُوَ الّذِي جَاءَ بِهِمَا
_________________
(١) الصّفِيّ وَالْمِرْبَاعُ فَصْلٌ: وَذَكَرَ صَفِيّةَ بِنْتَ حُيَيّ وَأُمّهَا بُرْدَةَ بِنْتَ سَمَوْأَلٍ أُخْتَ رِفَاعَةَ بْنِ سَمَوْأَلٍ الْمَذْكُورِ فِي الْمُوَطّإِ وَأَنّهُ اصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَتْ صَفِيّةُ مِنْ الصّفِيّ وَالصّفِيّ مَا يَصْطَفِيهِ أَمِيرُ الْجَيْشِ لِنَفْسِهِ قَالَ الشّاعِرُ [عَبْدُ اللهِ بْنُ غَنَمَةَ الضّبّيّ يُخَاطِبُ بِسْطَامَ بْنِ قَيْسٍ]: لَك الْمِرْبَاعُ مِنْهَا وَالصّفَايَا [وَحُكْمُك وَالنّشِيطَةُ وَالْفُضُولُ] فَالْمِرْبَاعُ رُبْعُ الْغَنِيمَةِ. وَالصّفِيّ مَا يُصْطَفَى لِلرّئِيسِ وَكَانَ هَذَا فِي الْجَاهِلِيّةِ فَنُسِخَ الْمِرْبَاعُ بِالْخُمْسِ وَبَقِيَ أَمْرُ الصّفِيّ. مَصْدَرُ أَمْوَالِ النّبِيّ ﷺ وَزَوَاجُهُ مِنْ صَفِيّةَ وَكَانَتْ أَمْوَالُ النّبِيّ ﷺ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ مِنْ الصّفِيّ وَالْهَدِيّةِ تُهْدَى إلَيْهِ
[ ٧ / ١٠٣ ]
عَلَى قَتْلَى مِنْ قَتْلَى يَهُودَ فَلَمّا رَأَتْهُمْ الّتِي مَعَ صَفِيّةَ صَاحَتْ وَصَكّتْ وَجْهَهَا وَحَثَتْ التّرَابَ عَلَى رَأْسِهَا ; فَلَمّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ أَعْزِبُوا عَنّي هَذِهِ الشّيْطَانَةَ وَأَمَرَ بِصَفِيّةَ فَحِيزَتْ خَلْفَهُ وَأَلْقَى عَلَيْهَا رِدَاءَهُ فَعَرَفَ الْمُسْلِمُونَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ اصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِبِلَالِ فِيمَا بَلَغَنِي حِينَ رَأَى بِتِلْكَ الْيَهُودِيّةِ مَا رَأَى: أَنُزِعَتْ مِنْك الرّحْمَةُ يَا بِلَالُ، حِينَ تَمُرّ بِامْرَأَتَيْنِ عَلَى قَتْلَى رِجَالِهِمَا؟ وَكَانَتْ صَفِيّةُ قَدْ رَأَتْ فِي الْمَنَامِ وَهِيَ عَرُوسٌ بِكِنَانَةَ بْنِ الرّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ أَنّ قَمَرًا وَقَعَ فِي حِجْرِهَا، فَعَرَضَتْ رُؤْيَاهَا عَلَى زَوْجِهَا، فَقَالَ مَا هَذَا إلّا أَنّك تُمَنّينَ مَلِكَ الْحِجَازِ مُحَمّدًا، فَلَطَمَ وَجْهَهَا لَطْمَةً خَضّرَ عَيْنَهَا مِنْهَا. فَأَتَى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَبِهَا أَثَرٌ مِنْهُ فَسَأَلَهَا مَا هُوَ؟ فَأَخْبَرَتْهُ هَذَا الْخَبَرَ.
بَقِيّةُ أَمر خَيْبَر
عُقُوبَة كنَانَة بن الرّبيع:
وَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكِنَانَةَ بْنِ الرّبِيعِ وَكَانَ عِنْدَهُ كَنْزُ بَنِي النّضِيرِ فَسَأَلَهُ عَنْهُ فَجَحَدَ أَنْ يَكُونَ يَعْرِفُ مَكَانَهُ فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إنّي رَأَيْت كِنَانَةَ يُطِيفُ بِهَذِهِ الْخَرِبَةِ كُلّ غَدَاةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
_________________
(١) وَهُوَ فِي بَيْتِهِ لَا فِي الْغَزْوِ مِنْ بِلَادِ الْحَرْبِ وَمِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ وَرَوَى يُونُسُ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَمّعٍ الْأَنْصَارِيّ قَالَ حَدّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ، قَالَ حَدّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي النّضِيرِ كَانَ فِي حِجْرِ صَفِيّةَ بِنْتِ حُيَيّ مِنْ رَهْطِهَا يُقَالُ لَهُ رَبِيعٌ عَنْ صَفِيّةَ بِنْتِ حُيَيّ قَالَتْ مَا رَأَيْت أَحَدًا قَطّ أَحْسَنَ خُلُقًا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَدْ رَأَيْته رَكِبَ بِي مِنْ خَيْبَرَ حِينَ أَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِ عَلَى نَاقَتِهِ لَيْلًا فَجَعَلْت أَنْعَسُ فَيَضْرِبُ رَأْسِي مُؤَخّرَةُ الرّحْلِ فَيَمَسّنِي بِيَدِهِ وَيَقُولُ " يَا هَذِهِ مَهْلًا يَا ابْنَةَ حُيَيّ "، حَتّى إذَا جَاءَ الصّهْبَاءَ، قَالَ " أَمَا إنّي أَعْتَذِرُ إلَيْك يَا صَفِيّةُ مِمّا صَنَعْت بِقَوْمِك
[ ٧ / ١٠٤ ]
لِكِنَانَةَ أَرَأَيْت إنْ وَجَدْنَاهُ عِنْدَك أَأَقْتُلُك؟ " قَالَ نَعَمْ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْخَرِبَةِ فَحُفِرَتْ فَأَخْرَجَ مِنْهَا بَعْضَ كَنْزِهِمْ ثُمّ سَأَلَهُ عَمّا بَقِيَ فَأَبَى أَنْ يُؤْذِيَهُ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ الزّبَيْرَ بْنَ الْعَوّامِ فَقَالَ عَذّبْهُ حَتّى تَسْتَأْصِلَ مَا عِنْدَهُ فَكَانَ الزّبَيْرُ يَقْدَحُ بِزَنْدِ فِي صَدْرِهِ حَتّى أَشْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ ثُمّ دَفَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى مُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَضَرَبَ عُنُقَهُ بِأَخِيهِ مَحْمُودِ بْنِ مَسْلَمَةَ
وَحَاصَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ فِي حِصْنَيْهِمْ الْوَطِيحِ وَالسّلَالِمِ حَتّى إذَا
_________________
(١) إنّهُمْ قَالُوا لِي: كَذَا، وَقَالُوا لِي: كَذَا. وَحَدِيثُ اصْطِفَائِهِ صَفِيّةَ يُعَارِضُهُ فِي الظّاهِرِ الْحَدِيثُ الْآخَرُ عَنْ أَنَسٍ أَنّهَا صَارَتْ لِدِحْيَةَ فَأَخَذَهَا مِنْهُ وَأَعْطَاهُ سَبْعَةَ أَرْأُسٍ وَيُرْوَى أَنّهُ أَعْطَاهُ بِنْتَيْ عَمّهَا عِوَضًا مِنْهَا، وَيُرْوَى أَيْضًا أَنّهُ قَالَ لَهُ خُذْ رَأْسًا آخَرَ مَكَانهَا وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ فَإِنّمَا أَخَذَهَا مِنْ دِحْيَةَ قَبْلَ الْقَسْمِ وَمَا عَوّضَهُ مِنْهَا لَيْسَ عَلَى جِهَةِ الْبَيْعِ وَلَكِنْ عَلَى جِهَةِ النّفْلِ وَالْهِبَةِ وَاَللهُ أَعْلَمُ. غَيْرَ أَنّ بَعْضَ رُوَاةِ الْحَدِيثِ فِي الْمُسْنَدِ الصّحِيحِ يَقُولُونَ فِيهِ إنّهُ اشْتَرَى صَفِيّةَ مِنْ دِحْيَةَ وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ فِيهِ بَعْدَ الْقَسْمِ فَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ. وَكَانَ أَمْرُ الصّفِيّ أَنّهُ كَانَ ﵇ إذَا غَزَا فِي الْجَيْشِ اخْتَارَ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقَسْمِ رَأْسًا وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِذَا قَعَدَ وَلَمْ يَخْرُجْ مَعَ الْجَيْش ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ صَفِيّ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَمْرُ الصّفِيّ بَعْدَ الرّسُولِ ﵇ لِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ فِي قَوْلِ أَبِي ثَوْرٍ وَخَالَفَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَقَالُوا: كَانَ خُصُوصًا لِلنّبِيّ ﵇. صَدَاقُ صَفِيّةَ وَقَوْلُهُ أَعْتَقَهَا، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، هُوَ صَحِيحٌ فِي الْعَقْلِ وَقَالَ بِهِ كَثِيرٌ
[ ٧ / ١٠٥ ]
أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ سَأَلُوهُ أَنْ يُسَيّرَهُمْ وَأَنْ يَحْقِنَ لَهُمْ دِمَاءَهُمْ فَفَعَلَ وَكَانَ
_________________
(١) مِنْ الْعُلَمَاءِ وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ تَأَوّلَهُ خُصُوصًا بِالنّبِيّ ﷺ أَوْ مَنْسُوخًا، وَمِمّنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَجَمَاعَةٌ سِوَاهُ لَا يَرَوْنَ مُجَرّدَ الْعِتْقِ يُغْنِي عَنْ صَدَاقٍ. حَنَشٌ الصّنْعَانِيّ وَذَكَرَ حَدِيثَ حَنَشٍ الصّنْعَانِيّ عَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ. هُوَ حَنَشُ بْنُ عَبْدِ اللهِ السّبَائِيّ جَاءَ إلَى الْأَنْدَلُسِ مَعَ مُوسَى بْنِ نَصِيرٍ وَهُوَ الّذِي ابْتَنَى جَامِعَ سَرَقُسْطَةَ وَأَسّسَ جَامِعَ قُرْطُبَةَ أَيْضًا فِيمَا ذَكَرُوا وَتَوَهّمَ الْبُخَارِيّ أَنّهُ حَنَشُ بْنُ عَلِيّ وَأَنّ الِاخْتِلَافَ فِي اسْمِ أَبِيهِ وَقَدْ فَرّقَ بَيْنَهُمَا عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ فَقَالَ حَنَشُ بْنُ عَلِيّ السّبَائِيّ مِنْ صَنْعَاءِ الشّامِ وَمِنْهَا أَبُو الْأَشْعَثِ الصّنْعَانِيّ وَحَنَشُ بْنُ عَبْدِ اللهِ السّبَائِيّ مِنْ صَنْعَاءِ الْيَمَنِ وَكِلَاهُمَا يَرْوِي عَنْ عَلِيّ فَمِنْ هَهُنَا دَخَلَ الْوَهْمُ عَلَى الْبُخَارِيّ هَكَذَا ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ وَيُرْوَى عَنْ عَلِيّ أَيْضًا حَنَشُ بْنُ رَبِيعَةَ وَحَنَشُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ وَهُمَا غَيْرُ هَذَيْنِ. وَطْءٌ مَنْهِيّ عَنْهُ وَفِيهِ أَنّ لَا تُوطَأَ حَامِلٌ مِنْ السّبَايَا حَتّى تَضَعَ وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النّبِيّ - ﷺ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنّهُ نَظَرَ إلَى أَمَةٍ مُجِحّ أَيْ مُقْرِبٍ فَسَأَلَ عَنْ صَاحِبِهَا فَقِيلَ إنّهُ يُلِمّ بِهَا فَقَالَ لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنَةً تَدْخُلُ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَهَذَا وَجْهٌ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ "لَا يَحِلّ لِامْرِئِ يُؤْمِنُ بِاَللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ
[ ٧ / ١٠٦ ]
رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ حَازَ الْأَمْوَالَ كُلّهَا: الشّقّ وَنَطَاةَ وَالْكَتِيبَةَ وَجَمِيعَ حُصُونِهِمْ إلّا مَا كَانَ
_________________
(١) مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ " مَعْنَى إتْيَانِ الْحَبَالَى مِنْ السّبَايَا فَإِنْ فَعَلَ فَالْوَلَدُ مُخْتَلَفٌ فِي إلْحَاقِهِ بِهِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشّافِعِيّ: لَا يَلْحَقُ بِهِ وَقَالَ اللّيْثُ يَلْحَقُ بِهِ لِقَوْلِ النّبِيّ ﷺ كَيْفَ يَسْتَعْبِدُهُ وَقَدْ غَذّاهُ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ عَلِيّ يَقْتُلُ مَرْحَبًا فَصْلٌ " وَمِمّا يَتّصِلُ بِقِصّةِ مَرْحَبٍ الْيَهُودِيّ مَعَ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الْكِتَابِ قَوْلُ عَلِيّ أَنَا الّذِي سَمّتْنِي أُمّي حَيْدَرَهْ أَضْرِبُ بِالسّيْفِ رُءُوسَ الْكَفَرَهْ أَكِيلُهُمْ بِالصّاعِ كَيْلَ السّنْدَرَهْ أَيْ أَجْزِيهِمْ بِالْوَفَاءِ وَالسّنْدَرَةُ شَجَرَةٌ يُصْنَعُ مِنْهَا مَكَايِيلُ عِظَامٌ. حَيْدَرَةُ وَفِي قَوْلِهِ ﵁ سَمّتْنِي أُمّي حَيْدَرَهْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَحَدُهَا: أَنّ اسْمَهُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدّمَةِ أَسَدٌ وَالْأَسَدُ هُوَ الْحَيْدَرَةُ. الثّانِي: أَنّ أُمّهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَسَدٍ حِينَ وَلَدَتْهُ كَانَ أَبُوهُ غَائِبًا فَسَمّتْهُ بِاسْمِ أَبِيهَا أَسَدٍ فَقَدِمَ أَبُوهُ فَسَمّاهُ عَلِيّا. الثّالِثُ أَنّهُ لُقّبَ فِي صِغَرِهِ بِحَيْدَرَةَ لِأَنّ الْحَيْدَرَةَ الْمُعْتَلِي لَحْمًا مَعَ عَظْمِ بَطْنٍ وَكَذَلِكَ كَانَ عَلِيّ ﵁ وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ اللّصُوصِ حِينَ فَرّ مِنْ سِجْنِهِ الّذِي كَانَ يُسَمّى نَافِعًا وَقِيلَ فِيهِ يَافِعٌ أَيْضًا بِالْيَاءِ
[ ٧ / ١٠٧ ]
مِنْ ذَيْنِك الْحِصْنَيْنِ. فَلَمّا سَمِعَ بِهِمْ أَهْلُ فَدَك قَدْ صَنَعُوا مَا صَنَعُوا بَعَثُوا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يُسَيّرَهُمْ وَأَنْ يَحْقِنَ دِمَاءَهُمْ وَيُخَلّوا لَهُ الْأَمْوَالَ فَفَعَلَ.
_________________
(١) وَلَوْ أَنّي مَكَثْت لَهُمْ قَلِيلًا لَجَرّونِي إلَى شَيْخٍ بِطِينِ مِنْ حُصُونِ خَيْبَرَ وَذَكَرَ شَقّا وَالنّطَاةَ وَشَقّ بِالْفَتْحِ أَعْرَفُ عِنْدَ أَهْلِ اللّغَةِ كَذَلِكَ قَيّدَهُ الْبَكْرِيّ. وَذَكَرَ وَادِيَ خَاصٍ مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ. وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ إنّمَا هُوَ وَادِي خَلْصٍ بِاللّامِ وَالْأَوّلُ تَصْحِيفٌ. وَقَالَ الْبَكْرِيّ: هُوَ خَلْصٌ بِاللّامِ وَأَنْشَدَ الْبَكْرِيّ لِخَالِدِ بْنِ عَامِرٍ وَإِنّ بِخَلْصٍ خَلْصِ آرَةَ بُدّنًا نَوَاعِمَ كَالْغِزْلَانِ مَرْضَى عُيُونُهَا الْحَالُ وَالْمَعْرِفَةُ لَفْظًا فَصْلٌ وَذَكَرَ فِي أَشْعَارِ خَيْبَرَ قَوْلَ الْعَبْسِيّ. وَفِي آخِرِهِ فَرّتْ يَهُودُ يَوْمَ ذَلِكَ فِي الْوَغَى تَحْتَ الْعَجَاجِ غَمَائِمَ الْأَبْصَارِ وَهُوَ بَيْتٌ مُشْكِلٌ غَيْرَ أَنّ فِي بَعْضِ النّسَخِ وَهِيَ قَلِيلَةٌ عَنْ ابْنِ هِشَامٍ أَنّهُ قَالَ فَرّتْ فَتَحَتْ مِنْ قَوْلِك: فَرَرْت الدّابّةَ إذَا فَتَحْت فَاهَا. وَغَمَائِمُ الْأَبْصَارِ هِيَ مَفْعُولُ فَرّتْ وَهِيَ جُفُونُ أَعْيُنِهِمْ هَذَا قَوْلٌ وَقَدْ يَصِحّ أَنْ يَكُونَ فَرّتْ مِنْ الْفِرَارِ وَغَمَائِمُ الْأَبْصَارِ مِنْ صِفَةِ الْعَجَاجِ وَهُوَ الْغُبَارُ وَنَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ مِنْ الْعَجَاجِ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الْمَعْرِفَةِ عِنْدَ مَنْ لَيْسَ بِشَاذّ فِي النّحْوِ. وَلَا مَاهِرٍ فِي الْعَرَبِيّةِ وَأَمّا عِنْدَ أَهْلِ التّحْقِيقِ فَهُوَ نَكِرَةٌ لِأَنّهُ لَمْ يُرِدْ الْغَمَائِمَ حَقِيقَةً وَإِنّمَا أَرَادَ مِثْلَ الْغَمَائِمِ فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ
[ ٧ / ١٠٨ ]
وَكَانَ فِيمَنْ مَشَى بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ مُحَيّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ أَخُو بَنِي حَارِثَةَ فَلَمّا نَزَلَ أَهْلُ خَيْبَرَ عَلَى ذَلِكَ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يُعَامِلَهُمْ فِي الْأَمْوَالِ عَلَى النّصْفِ وَقَالُوا: نَحْنُ أَعْلَمُ بِهَا مِنْكُمْ وَأَعْمَرُ لَهَا ; فَصَالَحَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى
_________________
(١) بِمُنْجَرِدِ قَيْدِ الْأَوَابِدِ هَيْكَلِ فَقَيْدُهَا هُنَا نَكِرَةٌ لِأَنّهُ أَرَادَ مِثْلَ الْقَيْدِ وَلِذَلِكَ نَعَتَ بِهِ مُنْجَرِدًا أَوْ جَعَلَهُ فِي مَعْنَى مُقَيّدٍ وَكَذَلِكَ قَوْلُ عَبْدَةَ بْنِ الطّبِيبِ تَحِيّةُ مَنْ غَادَرْته غَرَضَ الرّدَى فَنَصَبَ غَرَضًا عَلَى الْحَالِ وَأَصَحّ الْأَقْوَالِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا﴾ [طَه: ١٣١] أَنّهُ حَالٌ مِنْ الْمُضْمَرِ الْمَخْفُوضِ لِأَنّهُ أَرَادَ التّشْبِيهَ بِالزّهْرَةِ مِنْ النّبَاتِ وَمِنْ هَذَا النّحْوِ قَوْلُهُمْ جَاءَ الْقَوْمُ الْجَمّاءَ الْغَفِيرُ انْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ وَفِيهِ الْأَلِفُ وَاللّامُ وَهُوَ مِنْ بَابِ مَا قَدّمْنَاهُ مِنْ التّشْبِيهِ وَذَلِكَ أَنّ الْجَمّاءَ هِيَ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ تُعْرَفُ بِالْجَمّاءِ وَالصّلْعَاءِ فَإِذَا جُعِلَ مَعَهَا الْمِغْفَرُ فَهِيَ غَفِيرٌ فَإِذَا قُلْت: جَاءُوا الْجَمّاءَ الْغَفِيرُ فَإِنّمَا أَرَدْت الْعُمُومَ وَالْإِحَاطَةَ بِجَمِيعِهِمْ أَيْ جَاءُوا جَيْئَةً تَشْمَلُهُمْ وَتَسْتَوْعِبُهُمْ كَمَا تُحِيطُ الْبَيْضَةُ الْغَفِيرُ بِالرّأْسِ فَلَمّا قَصَدُوا مَعْنَى التّشْبِيهِ دَخَلَ الْكَلَامُ الْكَثِيرُ كَمَا تَقَدّمَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ تَفَرّقُوا أَيْدِيَ سَبَا وَأَيَادِيَ سَبَا أَيْ مِثْلَ أَيْدِي سَبَا فَحَسُنَتْ فِيهِ الْحَالُ لِذَلِكَ وَاَلّذِي قُلْنَاهُ فِي مَعْنَى الْجَمّاءَ الْغَفِيرُ رَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَكَانَ عَلَامَةً بِكَلَامِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَقَعْ سِيبَوَيْهِ عَلَى هَذَا الْغَرَضِ فِي مَعْنَى الْجَمّاءِ فَجَعَلَهَا كَلِمَةً شَاذّةً عَنْ الْقِيَاسِ وَاعْتَقَدَ فِيهَا التّعْرِيفَ وَقَرَنَهَا بِبَابِ وَحْدَهُ وَفِي بَابِ وَحْدَهُ أَسْرَارٌ قَدْ أَمْلَيْنَاهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ
[ ٧ / ١٠٩ ]
النّصْفِ عَلَى أَنّا إذَا شِئْنَا أَنْ نُخْرِجَكُمْ أَخَرَجْنَاكُمْ فَصَالَحَهُ أَهْلُ فَدَك عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَكَانَتْ خَيْبَرُ فَيْئًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَتْ فَدَكُ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ لِأَنّهُمْ لَمْ يَجْلِبُوا عَلَيْهَا بِخَيْلِ وَلَا ركاب.
أَمر الشّاةُ الْمَسْمُومَةُ:
فَلَمّا اطْمَأَنّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْدَتْ لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ امْرَأَةُ سَلَامِ بْنِ مِشْكَمٍ شَاةً مَصْلِيّةً وَقَدْ سَأَلَتْ أَيّ عُضْوٍ مِنْ الشّاةِ أَحَبّ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ فَقِيلَ لَهَا: الذّرَاعُ فَأَكْثَرَتْ فِيهَا مِنْ السّمّ ثُمّ سَمّتْ سَائِرَ الشّاةِ ثُمّ جَاءَتْ بِهَا ; فَلَمّا وَضَعَتْهَا
_________________
(١) وَمَسْأَلَةُ وَحْدَهُ تَخْتَصّ بِبَابِ وَحْدَهُ وَهَذَا الّذِي ذَكَرْنَا مِنْ التّنْكِيرِ بِسَبَبِ التّشْبِيهِ إنّمَا يَكُونُ إذَا شَبّهْت الْأَوّلَ بِاسْمِ مُضَافٍ وَكَانَ التّشْبِيهُ بِصِفَةِ مُتَعَدّيَةٍ إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ قَيْدِ الْأَوَابِدِ أَيْ مُقَيّدَ الْأَوَابِدِ وَلَوْ قُلْت: مَرَرْت بِامْرَأَةِ الْقَمَرُ عَلَى التّشْبِيهِ لَمْ يَجُزْ لِأَنّ الصّفَةَ الّتِي وَقَعَ بِهَا التّشْبِيهُ غَيْرُ مُتَعَدّيَةٍ إلَى الْقَمَرِ فَهَذَا شَرْطٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمِمّا يَحْسُنُ فِيهِ التّنْكِيرُ وَهُوَ مُضَافٌ إلَى مَعْرِفَةٍ اتّفَاقُ اللّفْظَيْنِ كَقَوْلِهِ لَهُ صَوْتٌ صَوْتٌ الْحِمَارِ وَزَئِيرٌ زَئِيرُ الْأَسَدِ فَإِنْ قُلْت: فَمَا بَالُ الْجَمّاءَ الْغَفِيرُ جَازَ فِيهَا الْحَالُ وَلَيْسَتْ بِمُضَافَةِ؟ قُلْنَا: لَمْ تَقُلْ الْعَرَبُ جَاءَ الْقَوْمَ الْبَيْضَةُ فَيَكُونُ مِثْلَ مَا قَدّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِك: مَرَرْت بِهَذَا الْقَمَرِ وَإِنّمَا قَالُوا: الْجَمّاءَ الْغَفِيرُ بِالصّفَةِ الْجَامِعَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا هِيَ حَالٌ مِنْهُ وَتِلْكَ الصّفَةُ الْجَمَمُ وَهُوَ الِاسْتِوَاءُ وَالْغَفْرُ وَهِيَ التّغْطِيَةُ فَمَعْنَى الْكَلَامِ جَاءُوا جَيْئَةً مُسْتَوِيَةً لَهُمْ مُوعِبَةً لِجَمِيعِهِمْ فَقَوِيَ مَعْنَى التّشْبِيهِ بِهَذَا الْوَصْفِ فَدَخَلَ التّنْكِيرُ لِذَلِكَ وَحَسُنَ النّصْبُ عَلَى الْحَالِ وَهِيَ حَالٌ مِنْ الْمَجِيءِ. الشّاةُ الْمَسْمُومَةُ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ الشّاةِ الْمَسْمُومَةِ وَأَكْلَ بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ مِنْهَا وَفِيهِ أَنّ الذّرَاعَ كَانَتْ تُعْجِبُهُ لِأَنّهَا هَادِي الشّاةِ وَأَبْعَدُهَا مِنْ الْأَذَى فَلِذَلِكَ جَاءَ مُفَسّرًا فِي هَذَا اللّفْظِ.
[ ٧ / ١١٠ ]
بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَنَاوَلَ الذّرَاعَ فَلَاكَ مِنْهَا مُضْغَةً فَلَمْ يُسِغْهَا وَمَعَهُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ قَدْ أَخَذَ مِنْهَا كَمَا أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَمّا بِشْرٌ فَأَسَاغَهَا ; وَأَمّا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَفَظَهَا ثُمّ قَالَ إنّ هَذَا الْعَظْمَ لَيُخْبِرنِي أَنّهُ مَسْمُومٌ ثُمّ دَعَا بِهَا فَاعْتَرَفَتْ فَقَالَ " مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ؟ " قَالَتْ بَلَغْت مِنْ قَوْمِي مَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْك. فَقُلْت: إنْ كَانَ مَلَكًا اسْتَرَحْت مِنْهُ وَإِنْ كَانَ نَبِيّا فَسَيُخْبَرُ قَالَ فَتَجَاوَزَ عَنْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَاتَ بِشْرٌ مِنْ أَكْلَتِهِ الّتِي أَكَلَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَرْوَانُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلّى قَالَ
كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ قَالَ فِي مَرَضِهِ الّذِي تُوُفّيَ فِيهِ وَدَخَلَتْ أُمّ بِشْرٍ بِنْتُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ تَعُودُهُ يَا أُمّ بِشْرٍ إنّ هَذَا الْأَوَانَ وَجَدْت فِيهِ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ الْأَكْلَةِ الّتِي أَكَلْت مَعَ أَخِيك بِخَيْبَرِ. قَالَ فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَيَرَوْنَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَاتَ شَهِيدًا مَعَ مَا أَكْرَمَهُ اللهُ بِهِ مِنْ النّبُوّةِ.
_________________
(١) فَأَمّا الْمَرْأَةُ الّتِي سَمّتْهُ فَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: صَفَحَ عَنْهَا وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنّهُ قَتَلَهَا وَوَقَعَ فِي كِتَابِ شَرَفِ الْمُصْطَفَى أَنّهُ قَتَلَهَا وَصَلَبَهَا وَهِيَ زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ سَلَامٍ وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهِيَ أُخْتُ مَرْحَبٍ الْيَهُودِيّ وَرَوَى أَيْضًا مِثْلَ ذَلِكَ ابْنُ إسْحَاقَ. وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الرّوَايَتَيْنِ أَنّهُ ﵇ صَفَحَ عَنْهَا أَوّلَ لِأَنّهُ كَانَ - ﷺ - لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ فَلَمّا مَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ مِنْ تِلْكَ الْأَكْلَةِ قَتَلَهَا وَذَلِكَ أَنّ بِشْرًا لَمْ يَزَلْ مُعْتَلّا مِنْ تِلْكَ الْأَكْلَةِ حَتّى مَاتَ مِنْهَا بَعْدَ حَوْلٍ وَقَالَ النّبِيّ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَادّنِي فَهَذَا أَوَانُ قَطَعَتْ أَبْهَرِي وَكَانَ يَنْفُثُ مِنْهَا مِثْلَ عَجْمِ الزّبِيبِ. وَتُعَادّنِي أَيْ تَعْتَادُنِي الْمَرّةَ بَعْدَ الْمَرّةِ قَالَ الشّاعِرُ: أُلَاقِي مِنْ تَذَكّرِ آلِ لَيْلَى كَمَا يَلْقَى السّلَيْمُ مِنْ الْعِدَادِ وَالْأَبْهَرُ عِرْقٌ مُسْتَبْطَنُ الْقَلْبِ. قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ وَلِلْفُؤَادِ وَجِيبٌ تَحْتَ أَبْهَرِهِ لَدْمَ الْوَلِيدِ وَرَاءَ الْغَيْبِ بِالْحَجَرِ
[ ٧ / ١١١ ]
رُجُوعُ الرّسُولِ إلَى الْمَدِينَةِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ انْصَرَفَ إلَى وَادِي الْقُرَى فَحَاصَرَ أَهْلَهُ لَيَالِيَ ثُمّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ.
مقتل غُلَام رِفَاعَة الَّذِي أهداه لِلرّسُولِ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
فَلَمّا انْصَرَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ خَيْبَرَ إلَى وَادِي الْقُرَى نَزَلْنَا بِهَا أَصِيلًا مَعَ مَغْرِبِ الشّمْسِ وَمَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غُلَامٌ لَهُ أَهْدَاهُ لَهُ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ الْجُذَامِيّ ثُمّ الضّبِينِيّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: جُذَامٌ أَخُو لَخْمٍ.
قَالَ: فَوَاَللهِ إنّهُ لَيَضَعُ رَحْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إذْ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَأَصَابَهُ فَقَتَلَهُ فَقُلْنَا: هَنِيئًا لَهُ الْجَنّةُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَلّا وَاَلّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ إنّ شَمْلَتَهُ الْآنَ لَتَحْتَرِقُ عَلَيْهِ فِي النّارِ كَانَ غَلّهَا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ خَيْبَرَ قَالَ
_________________
(١) وَقَدْ رَوَى مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ فِي جَامِعِهِ عَنْ الزّهْرِيّ أَنّهُ قَالَ أَسْلَمَتْ فَتَرَكَهَا النّبِيّ - ﷺ - قَالَ مَعْمَرٌ هَكَذَا قَالَ الزّهْرِيّ: أَسْلَمَتْ وَالنّاسُ يَقُولُونَ قَتَلَهَا وَأَنّهَا لَمْ تُسْلِمْ وَفِي جَامِعِ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ أَيْضًا أَنّ أُمّ بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ قَالَتْ لِلنّبِيّ ﷺ فِي الْمَرَضِ الّذِي مَاتَ مِنْهُ مَا تَتّهِمُ يَا رَسُولَ اللهِ فَإِنّي لَا أَتّهِمُ بِبِشْرِ إلّا الْأَكْلَةَ الّتِي أَكَلَهَا مَعَك بِخَيْبَرِ فَقَالَ وَأَنَا لَا أَتّهِمُ بِنَفْسِي إلّا ذَلِكَ فَهَذَا أَوَانُ قَطَعَتْ أَبْهَرِي.
[ ٧ / ١١٢ ]
فَسَمِعَهَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَتَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَصَبْت شِرَاكَيْنِ لِنَعْلَيْنِ لِي قَالَ فَقَالَ يُقَدّ لَك مِثْلُهُمَا مِنْ النّارِ.
ابْن مُغفل وجراب شَحم أَصَابَهُ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفّلٍ الْمُزَنِيّ قَالَ:
أَصَبْت مِنْ فَيْءِ خَيْبَرَ جِرَابَ شَحْمٍ فَاحْتَمَلْته عَلَى عَاتِقِي إلَى رَحْلِي وَأَصْحَابِي. قَالَ فَلَقِيَنِي صَاحِبُ الْمَغَانِمِ الّذِي جُعِلَ عَلَيْهَا فَأَخَذَ بِنَاحِيَتِهِ وَقَالَ هَلُمّ هَذَا نَقْسِمُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ قُلْت: لَا وَاَللهِ لَا أُعْطِيكَهُ قَالَ فَجَعَلَ يُجَابِذُنِي الْجِرَابَ. قَالَ فَرَآنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ نَصْنَعُ ذَلِكَ. قَالَ فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ضَاحِكًا ثُمّ قَالَ لِصَاحِبِ الْمَغَانِمِ لَا أَبَا لَك خَلّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَالَ فَأَرْسَلَهُ فَانْطَلَقْت بِهِ إلَى رَحْلِي وَأَصْحَابِي فَأَكَلْنَاهُ.
بِنَاء الرَّسُول بصفية وحراسة أبي ايوب للقبة:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَلَمّا أَعْرَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَفِيّةَ بِخَيْبَرِ أَوْ بِبَعْضِ الطّرِيقِ وَكَانَتْ الّتِي جَمّلَتْهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَشَطَتْهَا وَأَصْلَحَتْ مِنْ أَمْرِهَا أُمّ سُلَيْمٍ بِنْتُ مِلْحَانَ أُمّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. فَبَاتَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي قُبّةٍ لَهُ وَبَاتَ أَبُو أَيّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ أَخُو بَنِي النّجّارِ مُتَوَشّحًا سَيْفَهُ يَحْرُسُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَيُطِيفُ بِالْقُبّةِ حَتّى أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمّا رَأَى مَكَانَهُ قَالَ مَا لَك يَا أَبَا أَيّوبَ؟ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ خِفْت عَلَيْك مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَكَانَتْ امْرَأَةً قَدْ قَتَلَتْ أَبَاهَا وَزَوْجَهَا وَقَوْمَهَا وَكَانَتْ حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِكُفْرِ فَخِفْتهَا عَلَيْك فَزَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ اللهُمّ احْفَظْ أَبَا أَيّوبَ كَمَا بَات يحفظني
تطوع بِلَال للحراسة وَغَلَبَة النّوم عَلَيْهِ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي الزّهْرِيّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ قَالَ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١١٣ ]
لَمّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ فَكَانَ بِبَعْضِ الطّرِيقِ قَالَ مِنْ آخِرِ اللّيْلِ مَنْ رَجُلٌ يَحْفَظُ عَلَيْنَا الْفَجْرَ لَعَلّنَا نَنَامُ؟ قَالَ بِلَالٌ أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ أَحْفَظُهُ عَلَيْك. فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَزَلَ النّاسُ فَنَامُوا وَقَامَ بِلَالٌ يُصَلّي فَصَلّى مَا شَاءَ اللهُ ﷿ أَنْ يُصَلّيَ ثُمّ اسْتَنَدَ إلَى بَعِيرِهِ وَاسْتَقْبَلَ الْفَجْرَ يَرْمُقُهُ فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ فَنَامَ فَلَمْ يُوقِظْهُمْ إلّا مَسّ الشّمْسِ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَوّلَ أَصْحَابِهِ هَبّ فَقَالَ " مَاذَا صَنَعْت بِنَا يَا بِلَالُ؟ " قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَخَذَ بِنَفْسِي الّذِي أَخَذَ بِنَفْسِك قَالَ " صَدَقْت " ثُمّ اقْتَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعِيرَهُ غَيْرَ كَثِيرٍ ثُمّ أَنَاخَ فَتَوَضّأَ وَتَوَضّأَ النّاسُ ثُمّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصّلَاةَ فَصَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنّاسِ فَلَمّا سَلّمَ أَقْبَلَ عَلَى النّاسِ فَقَالَ إذَا نَسِيتُمْ الصّلَاةَ فَصَلّوهَا إذَا ذَكَرْتُمُوهَا " فَإِنّ اللهَ ﵎ يَقُولُ ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]
شِعْرُ ابْنِ لُقَيْمٍ فِي فَتْحِ خَيْبَرَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنِي قَدْ أَعْطَى ابْنَ لُقَيْمٍ الْعَبْسِيّ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ مَا بِهَا مِنْ دَجَاجَةٍ أَوْ دَاجِنٍ وَكَانَ فَتْحُ خَيْبَرَ فِي صَفَرٍ فَقَالَ ابْنُ لُقَيْمٍ الْعَبْسِيّ فِي خَيْبَرَ:
رُمِيَتْ نَطَاةُ مِنْ الرّسُولِ بِفَيْلَقِ شَهْبَاءَ ذَاتِ مَنَاكِبٍ وَفِقَارِ
وَاسْتَيْقَنَتْ بِالذّلّ لَمّا شُيّعَتْ وَرِجَالُ أَسْلَمَ وَسْطَهَا وَغِفَارِ
صَبَحَتْ بَنِي عَمْرِو بْنِ زُرْعَةَ غَدْوَةً وَالشّقّ أَظْلَمَ أَهْلُهُ بِنَهَارِ
جَرّتْ بِأَبْطَحِهَا الذّيُولَ فَلَمْ تَدَعْ إلّا الدّجَاجَ تَصِيحُ فِي الْأَسْحَارِ
وَلِكُلّ حِصْنٍ شَاغِلٍ مِنْ خَيْلِهِمْ مِنْ عَبْدِ أَشْهَل أَوْ بَنِي النّجّارِ
وَمُهَاجِرِينَ قَدْ اعْلِمُوا سَمّاهُمْ فَوْقَ الْمَغَافِرِ لَمْ يَنُوا لِفِرَارِ
وَلَقَدْ عَلِمْت لَيَغْلِبَنّ مُحَمّدٌ وَلَيَثْوِيَنّ بِهَا إلَى أَصْفَارِ
فَرّتْ يَهُودٌ يَوْمَ ذَلِكَ فِي الْوَغَى تَحْتَ الْعَجَاجِ غمائم الْأَبْصَار
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١١٤ ]
تَفْسِير ابْن هِشَام لبَعض الْغَرِيب:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
فَرّتْ كَشَفَتْ كَمَا تُفَرّ الدّابّةُ بِالْكَشَفِ عَنْ أَسْنَانِهَا يُرِيدُ كَشَفَتْ عَنْ جُفُونِ الْعُيُونِ غَمَائِمَ الْأَبْصَارِ يُرِيد الْأَنْصَار.
شُهُود النِّسَاء خَيْبَر وَحَدِيث الْمَرْأَةِ الْغِفَارِيّةِ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَشَهِدَ خَيْبَرَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَرَضَخَ لَهُنّ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الْفَيْءِ وَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنّ بِسَهْمِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سُحَيْمٍ عَنْ أُمَيّةَ بْنِ أَبِي الصّلْتِ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ قَدْ سَمّاهَا لِي قَالَتْ:
أَتَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ مَعَك إلَى وَجْهِك هَذَا وَهُوَ يَسِيرُ إلَى خَيْبَرَ فَنُدَاوِيَ الْجَرْحَى وَنُعِينَ الْمُسْلِمِينَ بِمَا اسْتَطَعْنَا فَقَالَ عَلَى بَرَكَةِ اللهِ. قَالَتْ فَخَرَجْنَا مَعَهُ وَكُنْت جَارِيَةً حَدَثَةً فَأَرْدَفَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى حَقِيبَةِ رَحْلِهِ. قَالَتْ فَوَاَللهِ لَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الصّبْحِ وَأَنَاخَ وَنَزَلْت عَنْ حَقِيبَةِ رَحْلِهِ وَإِذَا بِهَا دَمٌ مِنّي وَكَانَتْ أَوّلَ حَيْضَةٍ حِضْتُهَا قَالَتْ
_________________
(١) حَوْلَ حَدِيثِ الْمَرْأَةِ الْغِفَارِيّةِ فَصْلٌ وَذَكَرَ حَدِيثَ الْغِفَارِيّةِ الّتِي شَهِدَتْ خَيْبَرَ وَلَمْ يُسَمّهَا وَقَدْ يُقَالُ اسْمُهَا لَيْلَى وَيُقَالُ هِيَ امْرَأَةُ أَبِي ذَرّ الْغِفَارِيّ وَقَوْلُهَا: رَضَخَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَصْلُ الرّضْخِ أَنْ تَكْسِرَ مِنْ الشّيْءِ الرّطْبِ كِسْرَةً فَتُعْطِيَهَا وَأَمّا الرّضْحُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَكَسْرُ الْيَابِسِ الصّلْبِ قَالَ الشّاعِرُ: كَمَا تَطَايَرَ عَنْ مِرْضَاحِهِ الْعَجَمُ
[ ٧ / ١١٥ ]
فَتَقَبّضْت إلَى النّاقَةِ وَاسْتَحْيَيْت فَلَمّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا بِي وَرَأَى الدّمَ قَالَ مَا لَك؟ لَعَلّك نُفِسْت قَالَتْ قُلْت: نَعَمْ قَالَ فَأَصْلِحِي مِنْ نَفْسِك ثُمّ خُذِي إنَاءً مِنْ مَاءٍ فَاطْرَحِي فِيهِ مِلْحًا ثُمّ اغْسِلِي بِهِ مَا أَصَابَ الْحَقِيبَةَ مِنْ الدّمِ ثُمّ عُودِي لِمَرْكَبِك.
قَالَتْ: فَلَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ رَضَخَ لَنَا مِنْ الْفَيْءِ وَأَخَذَ هَذِهِ الْقِلَادَةَ الّتِي تَرَيْنَ فِي عُنُقِي فَأَعْطَانِيهَا وَعَلّقَهَا بِيَدِهِ فِي عُنُقِي فَوَاَللهِ لَا تُفَارِقُنِي أَبَدًا.
قَالَتْ فَكَانَتْ فِي عُنُقِهَا حَتّى مَاتَتْ ثُمّ أَوْصَتْ أَنْ تُدْفَنَ مَعَهَا. قَالَتْ وَكَانَتْ لَا تَطْهُرُ مِنْ حَيْضَةٍ إلّا جَعَلَتْ فِي طَهُورِهَا مِلْحًا وَأَوْصَتْ بِهِ أَنْ يُجْعَلَ فِي غُسْلِهَا حِينَ مَاتَتْ
_________________
(١) مِنْ أَحْكَامِ الْمَاءِ: وَقَوْلُهَا: أَمَرَنِي أَنْ أَجْعَلَ فِي طَهُورِي مِلْحًا. فِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنّ الْمِلْحَ فِي الْمَاءِ إذَا غَيّرَ طَعْمَهُ صَيّرَهُ مُضَافًا طَاهِرًا غَيْرَ مُطَهّرٍ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدْفَعُ قَوْلَهُ وَمِنْ طَرِيقِ النّظَرِ أَنّ الْمُخَالِطَ لِلْمَاءِ إذَا غَلَبَ عَلَى أَحَدِ أَوْصَافِهِ الثّلَاثَةِ الطّعْمِ أَوْ اللّوْنِ أَوْ الرّائِحَةِ كَانَ حُكْمُ الْمَاءِ كَحُكْمِ الْمَخَالِطِ لَهُ فَإِنْ كَانَ طَاهِرًا غَيْرَ مُطَهّرٍ كَانَ الْمَاءُ بِهِ كَذَلِكَ وَإِذَا كَانَ لَا طَاهِرًا وَلَا مُطَهّرًا كَالْبَوْلِ كَانَ الْمَاءُ لِمُخَالَطَتِهِ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْمَخَالِطُ لَهُ طَاهِرًا مُطَهّرًا كَالتّرَابِ كَانَ الْمَاءُ طَاهِرًا مُطَهّرًا وَالْمِلْحُ إنْ كَانَ مَاءً جَامِدًا فَهُوَ فِي الْأَصْلِ طَاهِرٌ مُطَهّرٌ وَإِنْ كَانَ مَعْدِنِيّا تُرَابِيّا فَهُوَ كَالتّرَابِ فِي مُخَالَطَةِ الْمَاءِ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ نَاقِلًا لِلْمَاءِ عَنْ حُكْمِ الطّهَارَةِ وَالتّطْهِيرِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ فِي السّيرَةِ أَنّ النّبِيّ ﷺ اغْتَسَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ جَفْنَةٍ فِيهَا مَاءٌ وَكَافُورٌ وَمَحْمَلُ هَذِهِ الرّوَايَةِ عِنْدِي إنْ صَحّتْ عَلَى أَنّهُ قَصَدَ بِهَا التّطَيّبَ وَأَنّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الرّوَايَةِ مُتَعَلّقٌ لِتَرْخِيصِهِ.
[ ٧ / ١١٦ ]
شُهَدَاءُ خَيْبَرَ مَنْ بني أُميَّة:
قَالَ ابْن إِسْحَاق:
وَهَذِه تَسْمِيَة من اُسْتُشْهِدَ بِخَيْبَرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ ثُمّ مِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، ثُمّ مِنْ حَلْفَائِهِمْ رَبِيعَةُ بْنُ أَكْثَمَ بْنِ سَخْبَرَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ لُكَيْزِ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدٍ، وَثَقِيفُ بْنُ عَمْرٍو، وَرِفَاعَةُ بن مسروح.
من بني أَسد:
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى: عَبْدُ اللهِ بْنُ الْهُبَيْبِ، وَيُقَالُ ابْنُ الْهَبِيبِ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، بْنِ أُهَيْبِ بْنِ سُحَيْمِ بْنِ غَيْرَةَ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ حَلِيفٌ لِبَنِي أَسَدٍ، وَابْنُ أختهم.
من الْأَنْصَار:
وَمِنْ الْأَنْصَارِ ثُمّ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، مَاتَ مِنْ الشّاةِ الّتِي سُمّ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَفُضَيْلُ بْنُ النُّعْمَان. رجلَانِ.
من زُرَيْق:
وَمِنْ بَنِي زُرَيْقٍ مَسْعُودُ بْنُ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ خَلَدَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْق.
_________________
(١) مِنْ شُهَدَاءِ خَيْبَرَ: وَذَكَرَ فِيمَنْ اُسْتُشْهِدَ بِخَيْبَرِ أَبَا الضّيّاحِ بْنَ ثَابِتٍ وَلَمْ يُسَمّهِ وَقَالَ الطّبَرِيّ: اسْمُهُ النّعْمَانُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ النّعْمَانِ، وَقَالَ غَيْرُهُ اسْمُهُ عُمَيْرٌ. وَذَكَرَ فِيمَنْ اُسْتُشْهِدَ عَامِرَ بْنَ الْأَكْوَعِ، وَهُوَ الّذِي رَجَعَ عَلَيْهِ سَيْفُهُ فَقَتَلَهُ فَشَكّ النّاسُ فِيهِ فَقَالُوا: قَتَلَهُ سِلَاحُهُ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنّبِيّ ﷺ فَقَالَ إنّهُ جَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، وَقَلّ عَرَبِيّ، مُشَابِهًا مِثْلَهُ وَفِي رِوَايَةٍ مَشَى بِهِ مِثْلُهُ وَيُرْوَى أَيْضًا: نَشَأَ بِهَا مِثْلَهُ كُلّ هَذَا يُرْوَى فِي الْجَامِعِ الصّحِيحِ وَهَذَا اضْطِرَابٌ مِنْ رُوَاةِ الْكِتَابِ
[ ٧ / ١١٧ ]
من الْأَوْس:
وَمِنْ الْأَوْسِ ثُمّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَدِيّ بْنِ مَجْدَعَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بني حَارِثَة.
من بني عَمْرو:
وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ أَبُو ضَيّاحِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ النّعْمَانِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَالْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ ; وَعُرْوَةُ بْنُ مُرّةَ بْنِ سُرَاقَةَ، وَأَوْسُ بْنُ الْقَائِدِ وَأُنَيْفُ بْنُ حَبِيبٍ وَثَابِتُ بْنُ أثلة، وَطَلْحَة.
من غفار:
وَمِنْ بَنِي غِفَارٍ: عُمَارَةُ بْنُ عُقْبَةَ، رمي بِسَهْم.
من أسلم:
وَمِنْ أَسْلَمَ: عَامِرُ بْنُ الْأَكْوَعِ، وَالْأَسْوَدُ الرّاعِي، وَكَانَ اسْمُهُ أَسْلَمَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأَسْوَدُ الرّاعِي مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ.
من بني زهرَة:
وَمِمّنْ اُسْتُشْهِدَ بِخَيْبَرِ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، مِنْ بَنِي زُهْرَةَ مَسْعُودُ بْنُ رَبِيعَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ من القارة.
من الْأَنْصَار:
وَمِنْ الْأَنْصَارِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ أَوْسُ بْنُ قَتَادَةَ.
_________________
(١) فَمَنْ قَالَ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ فَالْهَاءُ عَائِدَةٌ عَلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا تَقُولُ لَيْسَ بَيْنَ لَابَتَيْهَا مِثْلُ فُلَانٍ يُقَالُ هَذَا فِي الْمَدِينَةِ، وَفِي الْكُوفَةِ، وَلَا يُقَالُ فِي بَلَدٍ لَيْسَ حَوْلَهُ لَابَتَانِ أَيْ حَرّتَانِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ عَائِدَةً عَلَى الْأَرْضِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿كُلّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرّحْمَنُ ٢٦] .
[ ٧ / ١١٨ ]
أَمْرُ الْأَسْوَدِ الرّاعِي فِي حَدِيث خَيْبَر
إِسْلَامه واستشهاده:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَ مِنْ حَدِيث الْأَسْوَدِ الرّاعِي، فِيمَا بَلَغَنِي: أَنّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُحَاصِرٌ لِبَعْضِ حُصُونِ خَيْبَرَ، وَمَعَهُ غَنَمٌ لَهُ كَانَ فِيهَا أَجِيرًا لِرَجُلِ مِنْ يَهُودَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ اعْرِضْ عَلَيّ الْإِسْلَامَ فَعَرَضَهُ عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ - وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يُحَقّرُ أَحَدًا أَنْ يَدْعُوَهُ إلَى الْإِسْلَامِ وَيَعْرِضَهُ عَلَيْهِ - فَلَمّا أَسْلَمَ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إنّي كُنْت أَجِيرًا لِصَاحِبِ هَذِهِ الْغَنَمِ وَهِيَ أَمَانَةٌ عِنْدِي، فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِهَا؟ قَالَ اضْرِبْ فِي وُجُوهِهَا فَإِنّهَا سَتَرْجِعُ إلَى رَبّهَا - أَوْ كَمَا قَالَ - فَقَالَ الْأَسْوَدُ فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ الْحَصَى فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِهَا، وَقَالَ ارْجِعِي إلَى صَاحِبِك، فَوَاَللهِ لَا أَصْحَبُك أَبَدًا، فَخَرَجَتْ مُجْتَمِعَةً كَأَنّ سَائِقًا يَسُوقُهَا، حَتّى دَخَلَتْ الْحِصْنَ ثُمّ تَقَدّمَ إلَى ذَلِكَ الْحِصْنِ لِيُقَاتِلَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَأَصَابَهُ حَجَرٌ فَقَتَلَهُ وَمَا صَلّى لِلّهِ صَلَاةً قَطّ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَوُضِعَ خَلْفَهُ وَسُجّيَ بِشَمْلَةِ كَانَتْ عَلَيْهِ فَالْتَفَتَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ
_________________
(١) الْحَالُ مِنْ النّكِرَةِ وَمَنْ رَوَاهُ مُشَابِهًا مُفَاعِلًا مِنْ الشّبَهِ فَهُوَ حَالٌ مِنْ عَرَبِيّ وَالْحَالُ مِنْ النّكِرَةِ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا دَلّتْ عَلَى تَصْحِيحِ مَعْنًى كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ فَصَلّى خَلْفَهُ رِجَالٌ قِيَامًا. الْحَالُ هَاهُنَا مُصَحّحَةٌ لِفِقْهِ الْحَدِيثِ أَيْ صَلّوْا فِي هَذِهِ الْحَالِ وَمَنْ احْتَجّ فِي الْحَالِ مِنْ النّكِرَةِ بِقَوْلِهِمْ وَقَعَ أَمْرٌ فَجْأَةً فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، لِأَنّ فَجْأَةً لَيْسَ حَالًا مِنْ أَمْرٍ إنّمَا هُوَ حَالٌ مِنْ الْوُقُوعِ كَمَا تَقُولُ جَاءَنِي رَجُلٌ مَشْيًا، فَلَيْسَ مَشْيًا حَالٌ مِنْ رَجُلٍ كَمَا تَوَهّمُوا، وَإِنّمَا هِيَ حَالٌ مِنْ الْمَجِيءِ لِأَنّ الْحَالَ هِيَ صَاحِبُ الْحَالِ وَتَنْقَسِمُ أَقْسَامًا: حَالٌ مِنْ فَاعِلٍ كَقَوْلِك: جَاءَ زَيْدٌ مَاشِيًا، وَحَالٌ مِنْ الْفِعْلِ كَقَوْلِك: جَاءَ زَيْدٌ مَشْيًا وَرَكْضًا، وَحَالٌ مِنْ الْمَفْعُولِ كَقَوْلِك: جَاءَنِي الْقَوْمُ جَالِسًا، فَهِيَ
[ ٧ / ١١٩ ]
وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ثُمّ أَعْرَضَ عَنْهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ أَعْرَضْت عَنْهُ؟ قَالَ " إنّ مَعَهُ الْآنَ زَوْجَتَيْهِ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ "
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ أَنّهُ ذَكَرَ لَهُ:
أَنّ الشّهِيدَ إذَا مَا أُصِيبَ تَدَلّتْ [لَهُ] زَوْجَتَاهُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ عَلَيْهِ تَنْفُضَانِ التّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ وَتَقُولَانِ تَرّبَ اللهُ وَجْهَ مَنْ تَرّبَك، وَقَتَلَ مَنْ قَتَلَك
أَمْرُ الْحَجّاجِ بْنِ علاط السّلمِيّ
حيلته فِي جمع مَاله من مَكَّة:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ، كَلّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْحَجّاجَ بْنَ عِلَاطٍ السّلَمِيّ، ثُمّ الْبَهْزِيّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إنّ لِي بِمَكّةَ مَالًا عِنْدَ صَاحِبَتِي أُمّ شَيْبَةَ بِنْتِ أَبِي طَلْحَةَ - وَكَانَتْ عِنْدَهُ لَهُ مِنْهَا مُعَرّضُ بْنُ الْحَجّاجِ وَمَالٌ مُتَفَرّقٌ فِي تُجّارِ أَهْلِ مَكّةَ، فَأْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ فَأَذِنَ لَهُ قَالَ إنّهُ لَا بُدّ لِي يَا رَسُولَ اللهِ مِنْ أَنْ أَقُولَ قَالَ:
_________________
(١) صِفَةُ الْمَفْعُولِ فِي وَقْتِ وُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ أَوْ صِفَةُ الْفَاعِلِ فِي وَقْتِ وُقُوعِ الْفِعْلِ مِنْهُ أَوْ صِفَةُ الْفِعْلِ فِي وَقْتِ وُقُوعِهِ وَنَعْنِي بِالْفِعْلِ الْمَصْدَرَ. حَدِيثُ الْحَجّاجِ بْنِ عِلَاطٍ فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ الْحَجّاجِ بْنِ عِلَاطٍ السّلَمِيّ: وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي حَدِيثِ إسْلَامِهِ خَبَرًا عَجِيبًا اتّفَقَ لَهُ مَعَ الْجِنّ، وَهُوَ وَالِدُ نَصْرِ بْنِ حَجّاجٍ الّذِي حَلَقَ عُمَرُ رَأْسَهُ وَنَفَاهُ مِنْ الْمَدِينَةِ لَمّا سَمِعَ قَوْلَ الْمَرْأَةِ فِيهِ أَلَا سَبِيلَ إلَى خَمْرٍ فَأَشْرَبَهَا أَمْ لَا سَبِيلَ إلَى نَصْرِ بْنِ حَجّاجِ وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ هِيَ الْفُرَيْعَةُ بِنْتُ هَمّامٍ وَيُقَالُ إنّهَا أُمّ الْحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ
[ ٧ / ١٢٠ ]
قُلْ قَالَ الْحَجّاجُ فَخَرَجْت حَتّى إذَا قَدِمْت مَكّةَ وَجَدْت بِثَنِيّةِ الْبَيْضَاءِ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ يَتَسَمّعُونَ الْأَخْبَارَ وَيَسْأَلُونَ عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَدْ بَلَغَهُمْ أَنّهُ قَدْ سَارَ إلَى خَيْبَرَ، وَقَدْ عَرَفُوا أَنّهَا قَرْيَةُ الْحِجَازِ، رِيفًا وَمَنَعَةً وَرِجَالًا، فَهُمْ يَتَحَسّسُونَ الْأَخْبَارَ وَيَسْأَلُونَ الرّكْبَانَ فَلَمّا رَأَوْنِي قَالُوا: الْحَجّاجُ بْنُ عِلَاطٍ - قَالَ وَلَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا بِإِسْلَامِي، عِنْدَهُ وَاَللهِ الْخَبَرُ - أَخْبِرْنَا يَا أَبَا مُحَمّدٍ فَإِنّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنّ الْقَاطِعَ قَدْ سَارَ إلَى خَيْبَرَ، وَهِيَ بَلَدُ يَهُودَ وَرِيفُ الْحِجَازِ، قَالَ قُلْت: قَدْ بَلَغَنِي ذَلِكَ وَعِنْدِي مِنْ الْخَبَرِ مَا يَسُرّكُمْ قَالَ فَالْتَبَطُوا بِجَنْبَيْ نَاقَتِي يَقُولُونَ إيه يَا حَجّاجُ قَالَ قُلْت: هُزِمَ هَزِيمَةً لَمْ يَسْمَعُوا بِمِثْلِهَا قَطّ، وَقُتِلَ أَصْحَابُهُ قَتْلًا لَمْ تَسْمَعُوا بِمِثْلِهِ قَطّ، وَأُسِرَ مُحَمّدٌ أَسْرًا، وَقَالُوا: لَا نَقْتُلُهُ حَتّى نَبْعَثَ بِهِ إلَى أَهْلِ مَكّةَ، فَيَقْتُلُوهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ بِمَنْ كَانَ أَصَابَ مِنْ رِجَالِهِمْ. قَالَ فَقَامُوا وَصَاحُوا بِمَكّةَ وَقَالُوا: قَدْ جَاءَكُمْ الْخَبَرُ، وَهَذَا مُحَمّدٌ إنّمَا تَنْتَظِرُونَ أَنْ يُقْدَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ فَيُقْتَلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ. قَالَ قُلْت: أَعِينُونِي عَلَى جَمْعِ مَالِي بِمَكّةَ وَعَلَى غُرَمَائِي، فَإِنّي أُرِيدُ أَنْ أَقْدَمَ خَيْبَرَ، فَأُصِيبَ مِنْ فَلّ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَنِي التّجّارُ إلَى مَا هُنَالِكَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ مِنْ فَيْء مُحَمَّد.
_________________
(١) وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزّبَيْرِ: يَا ابْنَ الْمُتَمَنّيَةِ وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النّاسِ لِمّةً وَوَجْهًا، فَأَتَى الشّامَ، فَنَزَلَ عَلَى أَبِي الْأَعْوَرِ السّلَمِيّ فَهَوِيَتْهُ امْرَأَتُهُ وَهَوَاهَا، وَفَطِنَ أَبُو الْأَعْوَرِ لِذَلِكَ بِسَبَبِ يَطُولُ ذِكْرُهُ فَابْتَنَى لَهُ قُبّةً فِي أَقْصَى الْحَيّ فَكَانَ بِهَا، فَاشْتَدّ ضَنَاهُ بِالْمَرْأَةِ حَتّى مَاتَ كَلَفًا بِهَا، وَسُمّيَ الْمُضْنَى وَضُرِبَتْ بِهِ الْأَمْثَالُ. وَذَكَرَ الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابِ الْأَمْثَالِ لَهُ خَبَرَهُ بِطُولِهِ.
[ ٧ / ١٢١ ]
الْعَبَّاس يستوثق من خبر الجاج ويفاجيء قُريْشًا:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
قَالَ: فَقَامُوا فَجَمَعُوا لِي مَالِي كَأَحَثّ جَمْعٍ سَمِعْت بِهِ. قَالَ وَجِئْت صَاحِبَتِي فَقُلْت، مَالِي، وَقَدْ كَانَ لِي عِنْدَهَا مَالٌ مَوْضُوعٌ لِعَلِيّ أَلْحَقُ بِخَيْبَرِ فَأُصِيبُ مِنْ فُرَصِ الْبَيْعِ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَنِي التّجّارُ قَالَ فَلَمّا سَمِعَ الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ الْخَبَرَ، وَجَاءَهُ عَنّي، أَقْبَلَ حَتّى وَقَفَ إلَى جَنْبِي وَأَنَا فِي خَيْمَةٍ مِنْ خِيَامِ التّجّارِ فَقَالَ يَا حَجّاجُ مَا هَذَا الْخَبَرُ الّذِي جِئْت بِهِ؟ قَالَ فَقُلْت: وَهَلْ عِنْدَك حِفْظٌ لِمَا وَضَعْت عِنْدَك؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ قُلْت: فَاسْتَأْخِرْ عَنّي حَتّى أَلْقَاك عَلَى خَلَاءٍ فَإِنّي فِي جَمْعِ مَالِي كَمَا تَرَى، فَانْصَرَفَ عَنّي حَتّى أَفْرَغَ. قَالَ حَتّى إذَا فَرَغْت مِنْ جَمْعِ كُلّ شَيْءٍ كَانَ لِي بِمَكّةَ وَأَجْمَعْت الْخُرُوجَ لَقِيت الْعَبّاسَ فَقُلْت: احْفَظْ عَلَيّ حَدِيثِي يَا أَبَا الْفَضْلِ، فَإِنّي أَخْشَى الطّلَبَ ثَلَاثًا، ثُمّ قُلْ مَا شِئْت، قَالَ أَفْعَلُ. قُلْت: فَإِنّي وَاَللهِ لَقَدْ تَرَكْت ابْنَ أَخِيك عَرُوسًا عَلَى بِنْتِ مَلِكِهِمْ يَعْنِي صَفِيّةَ بِنْتَ حُيَيّ وَلَقَدْ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، وَانْتَثَلَ مَا فِيهَا، وَصَارَتْ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ فَقَالَ مَا تَقُولُ يَا حَجّاجُ؟ قَالَ قُلْت: إِي وَاَللهِ فَاكْتُمْ عَنّي، وَلَقَدْ أَسْلَمْت وَمَا جِئْت إلّا لِآخُذَ مَالِي، فَرَقًا مِنْ أَنْ أُغْلَبَ عَلَيْهِ فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثٌ فَأَظْهِرْ أَمْرَك، فَهُوَ وَاَللهِ عَلَى مَا تُحِبّ، قَالَ حَتّى إذَا كَانَ الْيَوْمُ الثّالِثُ لَبِسَ الْعَبّاسُ حُلّةً لَهُ وَتَحَلّقَ وَأَخَذَ عَصَاهُ ثُمّ خَرَجَ حَتّى أَتَى الْكَعْبَةَ، فَطَافَ بِهَا، فَلَمّا رَأَوْهُ قَالُوا: يَا أَبَا الْفَضْلِ هَذَا وَاَللهِ التّجَلّدُ لِحَرّ الْمُصِيبَةِ، قَالَ كَلّا، وَاَللهِ الّذِي حَلَفْتُمْ بِهِ لَقَدْ افْتَتَحَ مُحَمّدٌ خَيْبَرَ وَتُرِكَ عَرُوسًا عَلَى بِنْتِ مَلِكِهِمْ وَأَحْرَزَ أَمْوَالَهُمْ وَمَا
_________________
(١) وَقَوْلُهُ الْحَجّاجُ بْنُ عِلَاطٍ وَالْعِلَاطُ وَشْمٌ فِي الْعُنُقِ وَيُقَالُ لَهُ الْعُلْطَةُ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ لِلنّبِيّ ﷺ لَا بُدّ لِي أَنْ أَقُولَ فَقَالَ لَهُ " قُلْ "، يَعْنِي التّكَذّبَ فَأَبَاحَهُ لَهُ لِأَنّهُ مِنْ خُدَعِ الْحَرْبِ وَقَالَ الْمُبَرّدُ إنّمَا صَوَابُهُ أَتَقَوّلُ إِذا أَرَدْت مَعْنَى التّكَذّبِ وَأَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى حَبِيبٌ فَقَالَ بِحَسْبِ امْرِئِ أَثْنَى عَلَيْك بِأَنّهُ يَقُولُ وَإِنْ أَرْبَى فَلَا يَتَقَوّلُ
[ ٧ / ١٢٢ ]
فِيهَا فَأَصْبَحَتْ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ قَالُوا: مَنْ جَاءَك بِهَذَا الْخَبَرِ؟ قَالَ الّذِي جَاءَكُمْ بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ وَلَقَدْ دَخَلَ عَلَيْكُمْ مُسْلِمًا، فَأَخَذَ مَالَهُ فَانْطَلَقَ لِيَلْحَقَ بِمُحَمّدِ وَأَصْحَابِهِ فَيَكُونَ مَعَهُ. قَالُوا: يَا لَعِبَادِ اللهِ انْفَلَتَ عَدُوّ اللهِ أَمَا وَاَللهِ لَوْ عَلِمْنَا لَكَانَ لَنَا وَلَهُ شَأْنٌ قَالَ وَلَمْ يَنْشَبُوا أَنْ جَاءَهُمْ الْخَبَرُ بِذَلِكَ.
شِعْرُ حَسّانَ عَنْ خَيْبَرَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَ مِمّا قِيلَ مِنْ الشّعْرِ فِي يَوْمِ خَيْبَرَ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ:
بِئْسَمَا قَاتَلَتْ خَيَابِرُ عَمّا جَمَعُوا مِنْ مَزَارِعٍ وَنَخِيلِ
كَرِهُوا الْمَوْتَ فَاسْتُبِيحَ حِمَاهُمْ وَأَقَرّوا فِعْلَ اللّئِيمِ الذّلِيلِ
_________________
(١) أَيْ يَقُولُ الْحَقّ إذَا مَدَحَك، وَإِنْ أَفْرَطَ فَلَيْسَ إفْرَاطُهُ بِتَقَوّلِ. تَفْسِيرُ أَوْلَى لَك وَذَكَرَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ فِي حَدِيثِ حَجّاجٍ أَنْ قُرَيْشًا قَالَتْ حِينَ أَفْلَتَهُمْ أَوْلَى لَهُ وَهِيَ كَلِمَةٌ مَعْنَاهَا: الْوَعِيدُ وَفِي التّنْزِيلِ ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [الْقِيَامَةُ ٣٤]، فَهِيَ عَلَى وَزْنِ أَفْعَلَ مِنْ وَلِيَ أَيْ قَدْ وَلِيَهُ الشّرّ، وَقَالَ الْفَارِسِيّ: هِيَ اسْمُ عِلْمٍ وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ وَجَدْت هَذَا فِي بَعْضِ مَسَائِلِهِ وَلَا تَتّضِحُ لِي الْعَلَمِيّةُ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَإِنّمَا هُوَ عِنْدِي كَلَامٌ حُذِفَ مِنْهُ وَالتّقْدِيرُ الّذِي تَصِيرُ إلَيْهِ مِنْ الشّرّ أَوْ الْعُقُوبَةِ أَوْلَى لَك، أَيْ أَلْزَمُ لَك، أَيْ إنّهُ يَلِيك، وَهُوَ أَوْلَى لَك، مِمّا فَرَرْت مِنْهُ فَهُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ وَلَمْ يَنْصَرِفْ لِأَنّهُ وَصْفٌ عَلَى وَزْنِ أَفْعَلَ وَقَوْلُ الْفَارِسِيّ هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ جَعَلَهُ مِنْ بَابِ تَبّا لَهُ غَيْرَ أَنّهُ جَعَلَهُ عَلَمًا لِمَا رَآهُ غَيْرَ مُنَوّنٍ.
[ ٧ / ١٢٣ ]
أَمِنْ الْمَوْتِ يهربون فَإِن الْمَوْت مَوْتَ الْهُزَالِ غَيْرُ جَمِيلِ
حَسّانُ يَعْتَذِرُ عَنْ أَيْمَنَ
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا، وَهُوَ يَعْذُرُ أَيْمَنَ ابْنَ أُمّ أَيْمَنَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَكَانَ قَدْ تَخَلّفَ عَنْ خَيْبَرَ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَكَانَتْ أُمّهُ أُمّ أَيْمَنَ مَوْلَاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهِيَ أُمّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَكَانَ أَخَا أُسَامَةَ لِأُمّهِ
عَلَى حِينِ أَنْ قَالَتْ لِأَيْمَن أُمّهُ جَبُنْت وَلَمْ تَشْهَدْ فَوَارِسَ خَيْبَرِ
_________________
(١) أُمّ أَيْمَنَ: فَصْلٌ وَذَكَرَ شِعْرَ حَسّانَ فِي ابْنِ أُمّ أَيْمَنَ وَاسْمُ أَبِيهِ عُبَيْدٌ، وَاسْمُ أُمّهِ أُمّ أَيْمَنَ بَرَكَةٌ وَهِيَ أُمّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، يُقَالُ لَهَا: أُمّ الظّبَاءِ قَالَ الْوَاقِدِيّ: اسْمُهَا بَرَكَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ [بْنِ عَمْرِو بْنِ حِصْنِ بْنِ مَالِكِ بْنِ مَسْلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ النّعْمَانِ] وَكَانَتْ أُمّةُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَكَانَ النّبِيّ ﷺ يَقُولُ أُمّ أَيْمَنَ أُمّي بَعْدَ أُمّي وَيُقَالُ كَانَتْ لِآمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ أُمّ النّبِيّ - ﷺ - وَهِيَ الّتِي هَاجَرَتْ عَلَى قَدَمَيْهَا مِنْ مَكّةَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَلَيْسَ مَعَهَا أَحَدٌ، وَذَلِكَ فِي حَرّ شَدِيدٍ فَعَطِشَتْ فَسَمِعَتْ حَفِيفًا فَوْقَ رَأْسِهَا، فَالْتَفَتَتْ فَإِذَا دَلْوٌ قَدْ أُدْلِيَتْ لَهَا مِنْ السّمَاءِ فَشَرِبَتْ مِنْهَا، فَلَمْ تَظْمَأْ أَبَدًا، وَكَانَتْ تَتَعَهّدُ الصّوْمَ فِي حَمّارَةِ الْقَيْظِ لِتَعْطَشَ فَلَا تَعْطَشُ وَكَانَ النّبِيّ - ﷺ - يَزُورُهَا، وَكَانَ الْخَلِيفَتَانِ يَزُورَانِهَا بَعْدَهُ وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ قِصّتِهَا عَنْ أُمّ شَرِيكٍ الدّوْسِيّةِ أَنّهَا عَطِشَتْ فِي سَفَرٍ فَلَمْ تَجِدْ مَاءً إلّا عِنْدَ يَهُودِيّ وَأَبَى أَنْ يَسْقِيَهَا إلّا أَنْ تَدِينَ بِدِينِهِ فَأَبَتْ إلّا أَنْ تَمُوتَ عَطَشًا، فَدُلِيَتْ لَهَا دَلْوٌ مِنْ السّمَاءِ
[ ٧ / ١٢٤ ]
أَضَرّ بِهِ شُرْبُ الْمَدِيدِ الْمُخَمّرِ
وَلَوْلَا الّذِي قَدْ كَانَ مِنْ شَأْنِ مُهْرِهِ لَقَاتَلَ فِيهِمْ فَارِسًا غَيْرَ أَعْسَرِ
وَلَكِنّهُ قَدْ صَدّهُ فِعْلُ مُهْرِهِ وَمَا كَانَ مِنْهُ عِنْدَهُ غَيْرَ أَيْسَرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَأَنْشَدَنِي:
وَلَكِنّهُ قَدْ صَدّهُ شَأْنُ مُهْرِهِ وَمَا كَانَ لَوْلَا ذَاكُمْ بِمُقَصّرِ
شِعْرُ نَاجِيَةَ فِي يَوْمِ خَيْبَرَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ نَاجِيَةُ بْنُ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيّ
يَا لَعِبَادِ اللهِ فِيمَ يُرْغَبُ مَا هُوَ إلّا مَأْكَلٌ وَمَشْرَبُ
وَجَنّةٌ فِيهِ نَعِيمٌ مُعْجِبُ
وَقَالَ نَاجِيَةُ بْنُ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيّ أَيْضًا:
أَنَا لِمَنْ أَنْكَرَنِي ابْنُ جُنْدُبِ يَا رُبّ قَرْنٍ فِي مَكَرّي أَنْكَبِ
طَاحَ بِمَغْدَى أَنْسُرٍ وَثَعْلَبِ
_________________
(١) فَشَرِبَتْ ثُمّ رُفِعَتْ الدّلْوُ وَهِيَ تَنْطُرُ. ذَكَرَ خَبَرَهَا ابْنُ إسْحَاقَ فِي السّيرَةِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ، وَهُوَ أَطْوَلُ مِمّا ذَكَرْنَاهُ. وَقَوْلُ حَسّانَ وَأَيْمَنُ لَمْ يَجْبُنْ وَلَكِنّ مُهْرَهُ أَضَرّ بِهِ شُرْبُ الْمَدِيدِ الْمُخَمّرِ الْمَدِيدُ وَقَعَ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ وَلَكِنْ أَلْفَيْت فِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ عَنْ
[ ٧ / ١٢٥ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ الرّوَاةِ لِلشّعْرِ قَوْلُهُ "فِي مَكَرّي"، و"طَاحَ بِمَغْدَى".
شِعْرُ كَعْبٍ فِي يَوْمِ خَيْبَرَ
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي يَوْمِ خَيْبَرَ،
فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ:
وَنَحْنُ وَرَدْنَا خَيْبَرًا وَفُرُوضَهُ بِكُلّ فَتًى عَارِي الْأَشَاجِعِ
مِذْوَدِ جَوَادٍ لِذِي الْغَايَاتِ لَا وَاهِنِ الْقُوَى جَرِيءٍ عَلَى الْأَعْدَاءِ فِي كُلّ مَشْهَدِ
عَظِيمِ رَمَادِ الْقِدْرِ فِي كُلّ شَتْوَةٍ ضُرُوبٍ بِنَصْلِ الْمَشْرَفِيّ الْمُهَنّدِ
يَرَى الْقَتْلَ مَدْحًا إنْ أَصَابَ شَهَادَةً مِنْ اللهِ يَرْجُوهَا وَفَوْزًا بِأَحْمَدِ
_________________
(١) ابْنِ دُرَيْدٍ الْمَرِيدُ بِرَاءٍ وَالْمَرِيسُ أَيْضًا، وَهُوَ تَمْرٌ يُنْقَعُ ثُمّ يُمْرَسُ وَأَنْشَدَ مُسْنَفَاتٍ تُسْقَى ضَيَاحَ الْمَرِيدِ أَبُو أَيّوبَ فِي حِرَاسَةِ النّبِيّ ﷺ وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ ﷺ لِأَبِي أَيّوبَ حِينَ بَاتَ يَحْرُسُهُ " حَرَسَك اللهُ يَا أَبَا أَيّوبَ كَمَا بِتّ تَحْرُسُ نَبِيّهُ ". قَالَ الْمُؤَلّفُ فَحَرَسَ اللهُ أَبَا أَيّوبَ بِهَذِهِ الدّعْوَةِ حَتّى إنّ الرّومَ لَتَحْرُسُ قَبْرَهُ وَيَسْتَسْقُونَ بِهِ وَيَسْتَصِحّونَ وَذَلِكَ أَنّهُ غَزَا مَعَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ خَمْسِينَ فَلَمّا بَلَغُوا الْقُسْطَنْطِينَةَ مَاتَ أَبُو أَيّوبَ هُنَالِكَ وَأَوْصَى يَزِيدَ أَنْ يَدْفِنَهُ فِي أَقْرَبِ مَوْضِعٍ مِنْ مَدِينَةِ الرّومِ، فَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ وَمَشَوْا بِهِ حَتّى إذَا لَمْ يَجِدُوا مَسَاغًا، دَفَنُوهُ فَسَأَلَتْهُمْ الرّومُ عَنْ شَأْنِهِمْ فَأَخْبَرُوهُمْ أَنّهُ كَبِيرٌ مِنْ أَكَابِرِ الصّحَابَةِ فَقَالَتْ الرّومُ لِيَزِيدَ مَا أَحْمَقَك وَأَحْمَقَ مَنْ أَرْسَلَك أَأَمِنْت أَنْ نَنْبُشَهُ بَعْدَك، فَنُحَرّقَ عِظَامَهُ فَأَقْسَمَ لَهُمْ يَزِيدُ لَئِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَنَهْدِمَنّ كُلّ كَنِيسَةٍ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، وَلَنَنْبِشَنّ قُبُورَهُمْ
[ ٧ / ١٢٦ ]
يَذُودُ وَيَحْمِي عَنْ ذِمَارِ مُحَمّدٍ وَيَدْفَعُ عَنْهُ بِاللّسَانِ وَبِالْيَدِ
وَيَنْصُرُهُ مِنْ كُلّ أَمْرٍ يَرِيبُهُ يَجُودُ بِنَفْسِ دُونَ نَفْسِ مُحَمّدِ
يُصَدّقُ بِالْأَنْبِيَاءِ بِالْغَيْبِ مُخْلِصًا يُرِيدُ بِذَاكَ الْفَوْزَ وَالْعِزّ فِي غَدٍ
ذِكْرُ مَقَاسِمِ خَيْبَرَ وَأَمْوَالِهَا
الشق ونطاة والكتيبة:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَتْ الْمَقَاسِمُ عَلَى أَمْوَالِ خَيْبَرَ عَلَى الشّقّ وَنَطَاةَ وَالْكَتِيبَةِ، فَكَانَتْ الشّقّ وَنَطَاةُ فِي سُهْمَانِ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَتْ الْكَتِيبَةُ خُمُسَ اللهِ وَسَهْمَ النّبِيّ ﷺ وَسَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَطُعْمَ أَزْوَاجِ النّبِيّ ﷺ وَطُعْمَ رِجَالٍ مَشَوْا بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ أَهْلِ فَدَك بِالصّلْحِ مِنْهُمْ مُحَيّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، أَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثِينَ وَسْقًا مِنْ شَعِيرٍ وَثَلَاثِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ وَقُسّمَتْ خَيْبَرُ عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ، مَنْ شَهِدَ خَيْبَرَ، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَلَمْ يَغِبْ عَنْهَا إلّا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
_________________
(١) فَحِينَئِذٍ حَلَفُوا لَهُمْ بِدِينِهِمْ لَيُكْرِمُنّ قَبْرَهُ وَلَيَحْرُسُنّهُ مَا اسْتَطَاعُوا، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، قَالَ بَلَغَنِي أَنّ الرّومَ يَسْتَسْقُونَ بِقَبْرِ أَبِي أَيّوبَ ﵀ فَيُسْقَوْنَ قَسْمُ أَمْوَالِ خَيْبَرَ وَأَرَاضِيهَا أَمّا قَسْمُ غَنَائِمِهَا، فَلَا خِلَافَ فِيهِ وَفِي كُلّ مَغْنَمٍ بِنَصّ الْقُرْآنِ كَمَا تَقَدّمَ فِي غَزَاةِ بَدْرٍ وَأَمّا أَرْضُهَا، فَقَسَمَهَا النّبِيّ ﷺ بَيْنَ مَنْ حَضَرَهَا مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَخْرَجَ
[ ٧ / ١٢٧ ]
حَرَامٍ فَقَسَمَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَسَهْمِ مَنْ حَضَرَهَا، وَكَانَ وَادِيَاهَا، وَادِي السّرِيرَةِ، وَوَادِي خَاصٍ، وَهُمَا اللّذَانِ قُسِمَتْ عَلَيْهِمَا خَيْبَرُ، وَكَانَتْ نَطَاةُ وَالشّقّ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، نَطَاةُ مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ وَالشّقّ ثَلَاثَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَقُسّمَتْ الشّقّ وَنَطَاةُ عَلَى أَلْفِ سَهْمٍ وَثَمَانِمِائَةِ سَهْمٍ
مَنْ قُسّمَتْ عَلَيْهِمْ خَيْبَرُ:
وَكَانَتْ عِدّةُ الّذِينَ قُسّمَتْ عَلَيْهِمْ خَيْبَرُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَلْفَ سَهْمٍ وَثَمَانَمِائَةِ سَهْمٍ بِرِجَالِهِمْ وَخَيْلِهِمْ الرّجَالُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً وَالْخَيْلُ مِائَتَا فَارِسٍ، فَكَانَ لِكُلّ فَرَسٍ سَهْمَانِ وَلِفَارِسِهِ سَهْمٌ وَكَانَ لِكُلّ رَاجِلٍ سَهْمٌ فَكَانَ لِكُلّ سَهْمٍ رَأْسٌ جُمِعَ إلَيْهِ مِائَةُ رَجُلٍ فَكَانَتْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا جُمَعٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَفِي يَوْمِ خَيْبَرَ عَرّبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعَرَبِيّ مِنْ الْخَيْلِ وهجن الهجين.
قسْمَة الأسهم على أَرْبَابهَا:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَأْسًا، وَالزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيّ، أَخُو بَنِي الْعَجْلَانِ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَسَهْمُ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَسَهْمُ نَاعِمٍ وَسَهْمُ بَنِي بَيَاضَةَ، وَسَهْمُ بَنِي عُبَيْدٍ، وَسَهْمُ بَنِي حِزَامٍ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ وَعُبَيْدٌ السّهّامُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِنّمَا قِيلَ لَهُ عُبَيْدٌ السّهّامُ لِمَا اشْتَرَى مِنْ السّهَامِ يَوْمَ خَيْبَرَ،
_________________
(١) الْخُمُسَ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ وَقَدْ تَقَدّمَ الْكَلَامُ فِي مَعْنَى: فَلِلّهِ وَلِلرّسُولِ وَمَا مَعْنَى لِسَهْمِ اللهِ وَسَهْمِ الرّسُولِ وَلَوْلَا الْخُرُوجُ عَمّا صَمَدْنَا إلَيْهِ لَذَكَرْنَا سِرّا بَدِيعًا وَفِقْهًا عَجِيبًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلِلّهِ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الْأَنْفَال: ٤١] بِاللّامِ وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فِي الْيَتَامَى
[ ٧ / ١٢٨ ]
وَهُوَ عُبَيْدُ بْنُ أَوْسٍ، أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَسَهْمُ سَاعِدَةَ وَسَهْمُ غِفَارٍ وَأَسْلَمَ، وَسَهْمُ النّجّارِ وَسَهْمُ حَارِثَةَ، وَسَهْمُ أَوْسٍ.
فَكَانَ أَوّلُ سَهْمٍ خَرَجَ مِنْ خَيْبَرَ بِنَطَاةَ سَهْمَ الزّبَيْرِ بْنِ الْعَوّامِ، وَهُوَ الْخَوْعُ وَتَابَعَهُ السّرَيْرُ، ثُمّ كَانَ الثّانِي سَهْمَ بَيَاضَةَ، ثُمّ كَانَ الثّالِثُ سَهْمَ أُسَيْدٍ ثُمّ كَانَ الرّابِعُ سَهْمَ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمّ كَانَ الْخَامِسُ سَهْمَ نَاعِمٍ لِبَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ وَمُزَيْنَةَ وَشُرَكَائِهِمْ وَفِيهِ قُتِلَ مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَهَذِهِ نَطَاةُ
ثُمّ هَبَطُوا إلَى الشّقّ، فَكَانَ أَوّلُ سَهْمٍ خَرَجَ مِنْهُ سَهْمَ عَاصِمِ بْنِ عَدِيّ، أَخِي بَنِي الْعَجْلَانِ وَمَعَهُ كَانَ سَهْمُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمّ سَهْمُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، ثُمّ سَهْمُ
_________________
(١) وَالْمَسَاكِينِ وَقَالَ ﴿وَلِلرّسُولِ﴾ وَقَالَ فِي أَوّلِ السّورَةِ ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الْأَنْفَال: ١] وَقَالَ فِي آيَةِ الْفَيْءِ ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الْحَشْر:٧] وَلَمْ يَقُلْ رَسُولِهِ وَكُلّ هَذَا لِحِكْمَةِ وَحَاشَا لِلّهِ أَنْ يَكُونَ حَرْفٌ مِنْ التّنْزِيلِ خَالِيًا مِنْ حِكْمَةٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ: قَسَمَ النّبِيّ ﷺ أَرْضَ خَيْبَرَ أَثْلَاثًا أَثْلَاثًا، السّلَالِمُ وَالْوَطِيحُ وَالْكَتِيبَةُ، فَإِنّهُ تَرَكَهَا لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا يَعْرُوهُمْ وَفِي هَذَا مَا يُقَوّي أَنّ الْإِمَامَ مُخَيّرٌ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ إنْ شَاءَ قَسَمَهَا أَخْذًا بِقَوْلِ اللهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الْأَنْفَال: ٤١] الْآيَةُ فَيُجْرِيهَا مَجْرَى الْغَنِيمَةِ وَإِنْ شَاءَ وَقَفَهَا كَمَا فَعَلَ عُمَرُ - ﵁ - أَخْذًا بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿وَالّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الْحَشْر:١٠،٧] فَاسْتَوْعَبَتْ آيَةُ الْفَيْءِ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ فَسَمّى آيَةَ الْقُرَى فَيْئًا وَسَمّى الْأُخْرَى غَنِيمَةً فَدَلّ عَلَى افْتِرَاقِهِمَا فِي الْحُكْمِ كَمَا افْتَرَقَا فِي التّسْمِيَةِ وَكَمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَقْوَالٍ مِنْهُمْ مَنْ يَرَى قَسْمَ الْأَرْضِ كَمَا فَعَلَ النّبِيّ ﷺ بِخَيْبَرِ وَهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ، وَمِنْهُمْ
[ ٧ / ١٢٩ ]
سَاعِدَةَ، ثُمّ سَهْمُ النّجّارِ، ثُمّ سَهْمُ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهُ عَلَيْهِ ثُمّ سَهْمُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، ثُمّ سَهْمُ غِفَارٍ وَأَسْلَمَ، ثُمّ سَهْمُ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، ثُمّ سَهْمَا سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَبَنِيّ حَرَامٍ ثُمّ سَهْمُ حَارِثَةَ ثُمّ سَهْمُ عُبَيْدٍ السّهّامِ، ثُمّ سَهْمُ أَوْسٍ وَهُوَ سَهْمُ اللّفِيفِ جُمِعَتْ إلَيْهِ جُهَيْنَةُ وَمَنْ حَضَرَ خَيْبَرَ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ، وَكَانَ حَذْوَهُ سَهْمُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الّذِي كَانَ أَصَابَهُ فِي سَهْمِ عَاصِمِ بْنِ عَدِيّ.
ثُمّ قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْكَتِيبَةَ، وَهِيَ وَادِي خَاصٍ، بَيْنَ قَرَابَتِهِ وَبَيْنَ نِسَائِهِ وَبَيْنَ رِجَالِ الْمُسْلِمِينَ وَنِسَاءٍ أَعْطَاهُمْ مَعَهَا، فَقَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِفَاطِمَة ابْنَتِهِ مِائَتَيْ وَسْقٍ وَلِعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِائَةَ وَسْقٍ وَلِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ مِائَتَيْ وَسْقٍ وَخَمْسِينَ وَسْقًا مِنْ نَوَى، وَلِعَائِشَةَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ مِائَتَيْ وَسْقٍ وَلِأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ مِائَةَ وَسْقٍ وَلِعَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِائَةَ وَسْقٍ وَأَرْبَعِينَ وَسْقًا، وَلِبَنِي جَعْفَرٍ خَمْسِينَ وَسْقًا، وَلِرَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ مِائَةَ وَسْقٍ وَلِلصّلْتِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَابْنَيْهِ مِائَةَ وَسْقٍ لِلصّلْتِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ وَسْقًا، وَلِأَبِي نَبِقَةَ خَمْسِينَ وَسْقًا وَلِرُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ خَمْسِينَ وَسْقًا، وَلِقَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَلِأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَرْبَعِينَ وَسْقًا، وَلِبَنَاتِ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ وَابْنِهِ الْحُصَيْنِ بْنِ الْحَارِثِ مِائَةَ وَسْقٍ وَلِبَنِي عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ سِتّينَ وَسْقًا، وَلِابْنِ أَوْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَلِمِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ وَابْنِ إلْيَاسَ خَمْسِينَ وَسْقًا، وَلِأُمّ رُمَيْثَةَ أَرْبَعِينَ وَسْقًا، وَلِنُعَيْمِ بْنِ هِنْدٍ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَلِبُحَيْنَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَلِعُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَلِأُمّ الْحَكَمِ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَلِجُمَانَةِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَلِابْنِ الْأَرْقَمِ خَمْسِينَ وَسْقًا، وَلِعَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَسْقًا، وَلِحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَلِأُمّ الزّبَيْرِ أَرْبَعِينَ وَسْقًا، وَلِضُبَاعَةَ بِنْتِ الزّبَيْرِ أَرْبَعِينَ وَسْقًا،
_________________
(١) مَنْ يَرَاهَا وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِبَيْتِ مَالِهِمْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِتَخْيِيرِ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ فَكَذَلِكَ افْتَرَقَ رَأْيُ الصّحَابَةِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الْبِلَادِ فَكَانَ رَأْيُ الزّبَيْرِ الْقَسْمَ فَكَلّمَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ حِينَ افْتَتَحَ مِصْرَ فِي قَسْمِهَا فَكَتَبَ عَمْرٌو بِذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ أَنْ دَعْهَا، وَلَا تَقْسِمْهَا، حَتّى يُجَاهِدَ مِنْهَا حَبَلُ
[ ٧ / ١٣٠ ]
وَلِابْنِ أَبِي خُنَيْسٍ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَلِأُمّ طَالِبٍ أَرْبَعِينَ وَسْقًا، وَلِأَبِي بَصْرَةَ عِشْرِينَ وَسْقًا، وَلِنُمَيْلَةَ الْكَلْبِيّ خَمْسِينَ وَسْقًا، وَلِعَبْدِ اللهِ بْنِ وَهْبٍ وَابْنَتَيْهِ تِسْعِينَ وَسْقًا، لَابْنَيْهِ مِنْهَا أَرْبَعِينَ وَسْقًا، وَلِأُمّ حَبِيبٍ بِنْتِ جَحْشٍ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَلِمَلْكُو بْنِ عَبْدَةَ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَلِنِسَائِهِ ﷺ سَبْعَمِائَةِ وَسْقٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَمْحٌ وَشَعِيرٌ وَتَمْرٌ وَنَوًى وَغَيْرُ ذَلِكَ قَسَمَهُ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِمْ وَكَانَتْ الْحَاجَةُ فِي بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ أَكْثَرَ وَلِهَذَا أَعْطَاهُمْ أَكْثَرَ.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم
عهد الرَّسُول إِلَى نِسَائِهِ بنصيبهن فِي الْمَغَانِم:
ذِكْرُ مَا أَعْطَى مُحَمّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ مِنْ قَمْحِ خَيْبَرَ
قَسَمَ لَهُنّ مِائَةَ وَسْقٍ وَثَمَانِينَ وَسْقًا، وَلِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَمْسَةً
_________________
(١) الْحَبَلَةِ وَقَدْ شَرَحْنَا هَذِهِ الْكَلِمَةَ فِي الْمَبْعَثِ قَبْلَ هَذَا بِأَجْزَاءِ وَكَذَلِكَ اسْتَأْمَرَ عُمَرُ - ﵁ - الصّحَابَةَ فِي قَسْمِ أَرْضِ السّوَادِ حِينَ اُفْتُتِحَتْ فَكَانَ رَأْيُ عَلِيّ مَعَ رَأْيِ عُمَرَ - ﵄ - أَنْ يَقِفَهَا، وَلَا يَقْسِمَهَا، وَأَرْضُ السّوَادِ أَوّلُهَا مِنْ تُخُومِ الْمَوْصِلِ مَدَامِعُ الْمَاءِ إلَى عَبّادَانَ مِنْ السّاحِلِ عَنْ يَسَارِ دِجْلَةَ، وَفِي الْعَرْضِ مِنْ جِبَالِ حُلْوَانَ إلَى الْقَادِسِيّةِ مُتّصِلًا بِالْعُذَيْبِ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ، كَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَقُولُ دَلَعَ الْبَرّ لِسَانَهُ فِي السّوَادِ لِأَنّ الْأَرْضَ الْقَادِسِيّةَ كَلِسَانِ فِي الْبَرِيّةِ دَاخِلٌ فِي سَوَادِ الْعِرَاقِ، حَكَاهَا الطّبَرِيّ. وَلَمّا سَارَ عُمَرُ إلَى الشّامِ، وَكَانَ بِالْجَابِيَةِ شَاوَرَ فِيمَا افْتَتَحَ مِنْ الشّامِ: أَيَقْسِمُهَا؟ فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ إنْ قَسَمْتهَا لَمْ يَكُنْ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ شَيْءٌ أَوْ
[ ٧ / ١٣١ ]
وَثَمَانِينَ وَسْقًا، وَلِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَرْبَعِينَ وَسْقًا، وَلِلْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا، وَلِأُمّ رُمَيْثَةَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ.
شَهِدَ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ وعباس وَكتب.
مَا أوصى بِهِ الرّسُولِ عِنْدَ مَوْتِهِ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ لَمْ يُوصِ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ إلّا بِثَلَاثِ أَوْصَى لِلرّهَاوِيّينَ بِجَادّ مِائَةِ وَسْقٍ مِنْ خَيْبَرَ، وَلِلدّارِيّينَ بِجَادّ مِائَةِ وَسْقٍ مِنْ خَيْبَرَ، وَلِلسّبَائِيّين، وللأشعريين بِجَادّ مِائَةِ وَسْقٍ مِنْ خَيْبَرَ،
_________________
(١) نَحْوَ هَذَا، فَأَخَذَ بِقَوْلِ مُعَاذٍ فَأَلَحّ عَلَيْهِ بِلَالٌ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَطَلَبُوا الْقَسْمَ فَلَمّا أَكْثَرُوا، قَالَ اللهُمّ اكْفِنِي بِلَالًا وَذَوِيهِ فَلَمْ يَأْتِ الْحَوْلُ، وَمِنْهُمْ عَلَى الْأَرْضِ عَيْنٌ تَطْرِفُ وَكَانَتْ أَرْضُ الشّامِ كُلّهَا عَنْوَةٌ إلّا مَدَائِنَهَا، فَإِنّ أَهْلَهَا صَالَحُوا عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ فَتَحَهَا عُمَرُ صُلْحًا بَعْدَ أَنْ وَجّهَ إلَيْهَا خَالِدَ بْنَ ثَابِتٍ الْفَهْمِيّ فَطَلَبُوا مِنْهُ الصّلْحَ فَكَتَبَ بِذَلِكَ إلَى عُمَرَ وَهُوَ بِالْجَابِيَةِ، فَقَدِمَهَا، وَقَبِلَ صُلْحَ أَهْلِهَا. وَأَرْضُ السّوَادِ كُلّهَا عَنْوَةٌ إلّا الْحِيرَةَ فَإِنّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ صَالَحَ أَهْلَهَا، وَكَذَلِكَ أَرْضُ بَلَقْيَا أَيْضًا صُلْحٌ وَأُخْرَى يُقَالُ لَهَا: اللّيسُ. وَأَرْضُ خُرَاسَانَ عَنْوَةٌ إلّا تِرْمِذَ فَإِنّهَا قَلْعَةٌ مَنِيعَةٌ وَقِلَاعٌ سِوَاهَا، وَأَمّا أَرْضُ مِصْرَ، فَكَانَ اللّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَدْ اقْتَنَى بِهَا مَالًا وَعَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ أَيّوبَ وَمَالِكُ بْنُ
[ ٧ / ١٣٢ ]
وَأَوْصَى بِتَنْفِيذِ بَعْثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأَلّا يُتْرَكَ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ.
أَمْرُ فَدَك فِي خَبَرِ خَيْبَرَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ قَذَفَ اللهُ الرّعْبَ فِي قُلُوبِ أَهْلِ فَدَك حِينَ بَلَغَهُمْ مَا أَوْقَعَ اللهُ تَعَالَى بِأَهْلِ خَيْبَرَ، فَبَعَثُوا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُصَالِحُونَهُ عَلَى النّصْفِ
_________________
(١) أَنَسٍ، لِأَنّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ لَا تُشْتَرَى، وَكَانَ اللّيْثُ يَرْوِي عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا، وَكِلَا الْخَبَرَيْنِ حَقّ لِأَنّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا أَوّلَ ثُمّ انْتَكَثَتْ بَعْدُ فَأُخِذَتْ عَنْوَةً فَمِنْ هَاهُنَا نَشَأَ الْخِلَافُ فِي أَمْرِهَا، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَقَدْ احْتَجّ مَنْ قَالَ بِالْقَسْمِ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ بِأَنّ عُمَرَ لَمْ يَقِفْ أَرْضَ السّوَادِ وَغَيْرِهَا حَتّى اسْتَطَابَ نَفُوسَ الْمُفْتَتِحِينَ لَهَا، وَأَعْطَاهُمْ حَتّى أَرْضَاهُمْ وَرَوَوْا أَنّ أُمّ كُرْزٍ الْبَجَلِيّةَ سَأَلَتْ سَهْمَ أَبِيهَا فِي أَرْضِ السّوَادِ وَأَبَتْ أَنْ تَتْرُكَهُ فَيْئًا، حَتّى أَعْطَاهَا عُمَرُ رَاحِلَةً وَقَطِيفَةً حَمْرَاءَ وَثَمَانِينَ دِينَارًا، وَكَذَلِكَ رَوَوْا عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيّ فِي سَهْمِهِ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ نَحْوًا مِنْ هَذَا، وَقَالَ مَنْ يَحْتَجّ لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ إنّمَا تَرَضّى عُمَرُ جَرِيرًا، لِأَنّهُ كَانَ نَفَلَهُ تِلْكَ الْأَرْضَ فَكَانَتْ مِلْكًا لَهُ حَتّى مَاتَ وَكَذَلِكَ أُمّ كُرْزٍ كَانَ سَهْمُ أَبِيهَا نَفْلًا أَيْضًا، جَاءَتْ بِذَلِكَ كُلّهِ الْآثَارُ الثّابِتَةُ وَاَللهُ الْمُسْتَعَانُ. أَبُو نَبِقَةَ وَذَكَرَ فِيمَنْ قَسَمَ لَهُ يَوْمَ خَيْبَرَ أَبَا نَبِقَةَ قَسَمَ لَهُ خَمْسِينَ وَسْقًا، وَاسْمُهُ:
[ ٧ / ١٣٣ ]
مِنْ فَدَك، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ رُسُلُهُمْ بِخَيْبَرِ أَوْ بِالطّائِفِ، أَوْ بَعْدَمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَكَانَتْ فَدَكُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَالِصَةً لِأَنّهُ لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهَا بِخَيْلِ وَلَا رِكَابٍ.
تَسْمِيَةُ النّفَرِ الدّارِيّينَ الّذِينَ أَوْصَى لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ من خَيْبَر
نسبهم:
وَهُمْ بَنُو الدّارِ بْنِ هَانِئِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ نُمَارَةَ بْنِ لَخْمٍ، الّذِينَ سَارُوا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الشّامِ: تَمِيمُ بْنُ أَوْسٍ وَنُعَيْمُ بْنُ أَوْسٍ أَخُوهُ وَيَزِيدُ بْنُ قَيْسٍ، وَعَرَفَةُ بْنُ مَالِكٍ، سَمّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ الرّحْمَنِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ عَزّةُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَخُوهُ مُرّانُ بْنُ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مَرْوَانُ بْنُ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَفَاكِهُ بْنُ نُعْمَانَ، وَجَبَلَةُ بْنُ مَالِكٍ وَأَبُو هِنْدِ بْنُ بَرّ، وَأَخُوهُ الطّيّبُ بْنُ بَرّ فَسَمّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عبد الله.
خرص ابْن رَوَاحَة ثمَّ جَبَّار على أهل خَيْبَر:
فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَمَا حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، يَبْعَثُ إلَى أَهْلِ خَيْبَرَ
_________________
(١) عَلْقَمَةُ بْنُ الْمُطّلِبِ وَيُقَالُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَلْقَمَةَ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ هُوَ مَجْهُولٌ وَقَالَ ابْنُ الْفَرَضِيّ أَبُو نَبِقَةَ بْنُ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَاسْمُ أَبِي نَبِقَةَ عَبْدُ اللهِ وَمِنْ وَلَدِهِ مُحَمّدُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَبِقَةَ وَمِنْ وَلَدِهِ أَبُو الْحُسَيْنِ الْمُطّلِبِيّ إمَامُ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ يَحْيَى بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي نَبِقَةَ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.
[ ٧ / ١٣٤ ]
عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ خَارِصًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَيَهُودَ فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمْ فَإِذَا قَالُوا: تَعَدّيْت عَلَيْنَا; قَالَ إنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ فَلَنَا، فَتَقُولُ يَهُودُ بِهَذَا قَامَتْ السّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ
وَإِنّمَا خَرَصَ عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ عَامًا وَاحِدًا، ثُمّ أُصِيبَ بِمُؤْتَةِ يَرْحَمُهُ اللهُ فَكَانَ جَبّارُ بْنُ صَخْرِ بْنِ أُمَيّةَ ابْنِ خَنْسَاءَ أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، هُوَ الّذِي يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ عَبْدِ اللهِ بن رَوَاحَة.
مقتل بن سهل ودية الرَّسُول إِلَى أَهله:
فَأَقَامَتْ يَهُودُ عَلَى ذَلِكَ لَا يَرَى بِهِمْ الْمُسْلِمُونَ بَأْسًا فِي مُعَامَلَتِهِمْ حَتّى عَدَوْا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ سَهْلٍ، أَخِي بَنِي حَارِثَةَ، فَقَتَلُوهُ فَاتّهَمَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي الزّهْرِيّ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ وَحَدّثَنِي أَيْضًا
_________________
(١) أُمّ الْحَكَمِ وَذَكَرَ فِيهِمْ أُمّ الْحَكَمِ وَهِيَ بِنْتُ الزّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ أُخْتُ ضُبَاعَةَ هَكَذَا قَالَ أُمّ الْحَكَمِ وَالْمَعْرُوفُ فِيهَا أَنّهَا أُمّ حَكِيمٍ وَكَانَتْ تَحْتَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَأَمّا أُمّ حَكَمٍ فَهِيَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ وَهِيَ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقُلْت: إنّ ابْنَ إسْحَاقَ إيّاهَا أَرَادَ لَكِنّهَا لَمْ تَشْهَدْ خَيْبَرَ، وَلَا كَانَتْ أَسْلَمَتْ بَعْدُ. أُمّ رِمْثَةَ وَغَيْرُهَا وَذَكَرَ فِيمَنْ قَسَمَ لَهُ أُمّ رِمْثَةَ وَلَا تُعْرَفُ إلّا بِهَذَا الْخَبَرِ، وَشُهُودِهَا فَتْحَ خَيْبَرَ. وَذَكَرَ بُحَيْنَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ. وَبُحَيْنَةُ تَصْغِيرُ بَحْنَةٍ وَهِيَ نَخْلَةٌ مَعْرُوفَةٌ قَالَهُ
[ ٧ / ١٣٥ ]
بَشِيرُ بْنُ يَسَارٍ، مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ:
أُصِيبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ بِخَيْبَرِ وَكَانَ خَرَجَ إلَيْهَا فِي أَصْحَابٍ لَهُ يَمْتَارُ مِنْهَا تَمْرًا، فَوُجِدَ فِي عَيْنٍ قَدْ كُسِرَتْ عُنُقُهُ ثُمّ طُرِحَ فِيهَا; قَالَ فَأَخَذُوهُ فَغَيّبُوهُ ثُمّ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ شَأْنَهُ فَتَقَدّمَ إلَيْهِ أَخُوهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَمَعَهُ ابْنَا عَمّهِ حُوَيّصَةُ وَمُحَيّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ، وَكَانَ عَبْدُ الرّحْمَنِ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنّا، وَكَانَ صَاحِبَ الدّمِ وَكَانَ ذَا قَدَمٍ مِنْ الْقَوْمِ، فَلَمّا تَكَلّمَ قَبْلَ ابْنَيْ عَمّهِ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْكُبْرُ الْكُبْرُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ كَبّرْ كَبّرْ - فِيمَا ذَكَرَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ - فَسَكَتَ فَتَكَلّمَ حُوَيّصَةُ وَمُحَيّصَةُ، ثُمّ تَكَلّمَ هُوَ بَعْدُ فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَتْلَ صَاحِبِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " أَتُسَمّونَ قَاتِلَكُمْ ثُمّ تَحْلِفُونَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا فَنُسَلّمَهُ إلَيْكُمْ؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا كُنّا لِنَحْلِفَ عَلَى مَا لَا نَعْلَمُ قَالَ " أَفَيَحْلِفُونَ بِاَللهِ خَمْسِينَ يَمِينًا مَا قَتَلُوهُ وَلَا يَعْلَمُونَ لَهُ قَاتِلًا ثُمّ يَبْرَءُونَ مِنْ دَمِهِ؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا كُنّا لِنَقْبَلَ أَيْمَانَ يَهُودَ مَا فِيهِمْ مِنْ الْكُفْرِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى إثْمٍ قَالَ فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ مِائَةَ نَاقَةٍ
_________________
(١) أَبُو حَنِيفَةَ وَلَفْظُهَا مِنْ الْبَحُونَةِ وَهِيَ جُلّةُ التّمْرِ وَهِيَ أُمّ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الْفَقِيهِ وَهُوَ ابْنُ مَالِكِ بْنِ الْقِشْبِ الْأَزْدِيّ. الْقَسْمُ لِلنّسَاءِ مِنْ الْمَغْنَمِ وَفِي قَسْمِهِ لِهَؤُلَاءِ النّسَاءِ حُجّةٌ لِلْأَوْزَاعِيّ لِقَوْلِهِ إنّ النّسَاءَ يُقْسَمُ لَهُنّ مَعَ الرّجَالِ فِي الْمَغَازِي، وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ لَا يَرَوْنَ لِلنّسَاءِ مَعَ الرّجَالِ قَسْمًا، وَلَكِنْ يُرْضَخُ لَهُنّ مِنْ الْمَغْنَمِ أَخْذًا بِحَدِيثِ أُمّ عَطِيّةَ قَالَتْ كُنّا نَغْزُو مَعَ النّبِيّ - ﷺ - فَنُدَاوِي الْجَرْحَى، وَنُمَرّضُ الْمَرْضَى وَيُرْضَخُ لَنَا مِنْ الْمَغْنَمِ.
[ ٧ / ١٣٦ ]
قَالَ سَهْلٌ:
فَوَاَللهِ مَا أَنْسَى بَكْرَةً مِنْهَا حَمْرَاءَ ضَرَبَتْنِي وَأَنَا أَحُوزُهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التّيْمِيّ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدِ بْنِ قَيْظِيّ أَخِي بَنِي حَارِثَةَ قَالَ مُحَمّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ:
وَأَيْمُ اللهِ مَا كَانَ سَهْلٌ بِأَكْثَرَ عِلْمًا مِنْهُ وَلَكِنّهُ كَانَ أَسَنّ مِنْهُ وَإِنّهُ قَالَ لَهُ وَاَللهِ مَا هَكَذَا كَانَ الشّأْنُ وَلَكِنّ سَهْلًا أَوْهَمَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ احْلِفُوا عَلَى مَا لَا عِلْمَ لَكُمْ بِهِ وَلَكِنّهُ كَتَبَ إلَى يَهُودِ خَيْبَرَ حِينَ كَلّمَتْهُ الْأَنْصَارُ: إنّهُ قَدْ وُجِدَ قَتِيلٌ بَين أبياتكم فدو هـ فَكَتَبُوا إلَيْهِ يَحْلِفُونَ بِاَللهِ مَا قَتَلُوهُ وَلَا يَعْلَمُونَ لَهُ قَاتِلًا. فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ مِثْلَ حَدِيثِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدٍ إلّا أَنّهُ قَالَ فِي حَدِيثِهِ دُوهُ أَوْ ائْذَنُوا بِحَرْبِ. فَكَتَبُوا يَحْلِفُونَ بِاَللهِ مَا قَتَلُوهُ وَلَا يَعْلَمُونَ لَهُ قَاتِلًا، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ من عِنْده
_________________
(١) الْمُصَافَحَةُ وَالْمُعَانَقَةُ فَصْلٌ: وَذَكَرَ قُدُومَ أَصْحَابِ السّفِينَةِ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَفِيهِمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَنّ النّبِيّ ﷺ الْتَزَمَهُ وَقَبّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَدْ احْتَجّ بِهَذَا الْحَدِيثِ الثّوْرِيّ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي جَوَازِ الْمُعَانَقَةِ وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنّهُ خُصُوصٌ بِالنّبِيّ ﷺ وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ سُفْيَانُ مِنْ حَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ أَظْهَرُ وَقَدْ الْتَزَمَ النّبِيّ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ مَكّةَ. وَأَمّا الْمُصَافَحَةُ بِالْيَدِ عِنْدَ السّلَامِ فَفِيهَا
[ ٧ / ١٣٧ ]
إجلاء الْيَهُود عَن خَيْبَر أَيَّام عُمَر:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَأَلْت ابْنَ شِهَابٍ الزّهْرِيّ:
كَيْفَ كَانَ إعْطَاءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَهُودَ خَيْبَرَ نَخْلَهُمْ حِينَ أَعْطَاهُمْ النّخْلَ عَلَى خَرْجِهَا، أَبَتّ ذَلِك لَهُمْ حَتّى قُبِضَ أَمْ أَعْطَاهُمْ إيّاهَا لِلضّرُورَةِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ؟.
فَأَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ افْتَتَحَ خَيْبَرَ عِنْوَةً بَعْدَ الْقِتَالِ وَكَانَتْ خَيْبَرُ مِمّا أَفَاءَ اللهُ ﷿ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ خَمّسَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَسَمَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَنَزَلَ مَنْ نَزَلَ مِنْ أَهْلِهَا عَلَى الْجَلَاءِ بَعْدَ الْقِتَالِ فَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ إنْ شِئْتُمْ دَفَعْت إلَيْكُمْ هَذِهِ الْأَمْوَالَ عَلَى أَنْ تَعْمَلُوهَا، وَتَكُونُ ثِمَارُهَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ وَأُقِرّكُمْ مَا أَقَرّكُمْ اللهُ فَقَبِلُوا، فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ يَعْمَلُونَهَا. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَبْعَثُ عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ، فَيَقْسِمُ ثَمَرَهَا، وَيَعْدِلُ عَلَيْهِمْ فِي الْخَرْصِ فَلَمّا تَوَفّى اللهُ نَبِيّهُ ﷺ أَقَرّهَا أَبُو بَكْرٍ
_________________
(١) أَحَادِيث مِنْهَا قَوْلُهُ ﵇ " تَمَامُ تَحِيّتِكُمْ الْمُصَافَحَةُ " وَمَعَهَا حَدِيثٌ آخَرُ أَنّ أَهْلَ الْيَمَنِ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ صَافَحُوا النّاسَ بِالسّلَامِ فَقَالَ النّبِيّ ﷺ " إنّ أَهْلَ الْيَمَنِ قَدْ سَنّوا لَكُمْ الْمُصَافَحَةَ " ثُمّ نَدَبَ إلَيْهَا بِلَفْظِ لَا أَذْكُرُهُ الْآنَ غَيْرَ أَنّ مَعْنَاهُ تَنْزِلُ عَلَيْهَا مِائَةُ رَحْمَةٍ تِسْعُونَ مَعَهَا لِلْبَادِئِ وَعَنْ مَالِكٍ فِيهَا رِوَايَتَانِ الْإِبَاحَةُ وَالْكَرَاهَةُ وَلَا أَدْرِي مَا وَجْهُ الْكَرَاهِيَةِ فِي ذَلِكَ. وَلَدُ جَعْفَرٍ وَالنّجَاشِيّ وَكَانَ جَعْفَرٌ قَدْ وُلِدَ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مُحَمّدٌ وَعَوْنٌ وَعَبْدُ اللهِ وَكَانَ النّجَاشِيّ قَدْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ يَوْمَ وُلِدَ عَبْدُ اللهِ فَأَرْسَلَ إلَى جَعْفَرٍ يَسْأَلُهُ كَيْفَ أَسْمَيْت ابْنَك؟
[ ٧ / ١٣٨ ]
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى الْمُعَامَلَةِ الّتِي عَامَلَهُمْ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى تُوُفّيَ ثُمّ أَقَرّهَا عُمَرُ ﵁ صَدْرًا مِنْ إمَارَتِهِ ثُمّ بَلَغَ عُمَرَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِي وَجَعِهِ الّذِي قَبَضَهُ اللهُ فِيهِ لَا يَجْتَمِعَن بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ فَفَحَصَ عُمَرُ ذَلِكَ حَتّى بَلَغَهُ الثّبْتُ فَأَرْسَلَ إلَى يَهُودَ فَقَالَ " إنّ اللهَ ﷿ قَدْ أَذِنَ فِي جَلَائِكُمْ "، قَدْ بَلَغَنِي أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ " لَا يَجْتَمِعَن بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْيَهُودِ فَلْيَأْتِنِي بِهِ أُنْفِذْهُ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْيَهُودِ، فَلْيَتَجَهّزْ لِلْجَلَاءِ فَأَجْلَى عُمَرُ مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْهُمْ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ:
خَرَجْت أَنَا وَالزّبَيْرُ وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ إلَى أَمْوَالِنَا بِخَيْبَرِ نَتَعَاهَدُهَا، فَلَمّا قَدِمْنَا تَفَرّقْنَا فِي أَمْوَالِنَا، قَالَ فَعُدِيَ عَلَيّ تَحْتَ اللّيْلِ وَأَنَا نَائِمٌ عَلَى فِرَاشِي، فَفُدِعَتْ يَدَايَ مِنْ مِرْفَقِي، فَلَمّا أَصْبَحْت أَسْتَصْرِخُ عَلَيّ صَاحِبَايَ فَأَتَيَانِي فَسَأَلَانِي: مَنْ صَنَعَ هَذَا بِك؟ فَقُلْت: لَا أَدْرِي; قَالَ فَأَصْلَحَا مِنْ يَدَيّ ثُمّ قَدِمَا بِي عَلَى عُمَرَ ﵁
_________________
(١) فَقَالَ أَسْمَيْته عَبْدَ اللهِ فَسَمّى النّجَاشِيّ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ وَأَرْضَعَتْهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ امْرَأَةُ جَعْفَرٍ مَعَ ابْنِهَا عَبْدِ اللهِ فَكَانَا يَتَوَاصَلَانِ بِتِلْكَ الْأُخُوّةِ. ضَبْطُ أَجْنَادِينَ وَذَكَرَ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ، وَأَنّهُ اُسْتُشْهِدَ بِأَجْنَادِينَ هَكَذَا تَقَيّدَ فِي الْأَصْلِ بِكَسْرِ الدّالِ وَفَتْحِ أَوّلِهِ وَكَذَا سَمِعْت الشّيْخَ الْحَافِظَ أَبَا بَكْرٍ يَنْطِقُ بِهِ وَقَيّدْنَاهُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ طَاهِرٍ عَنْ أَبِي عَلِيّ الْغَسّانِيّ إجْنَادِينَ بِكَسْرِ أَوّلِهِ وَفَتْحِ الدّالِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيّ فِي كِتَابِ مُعْجَمِ مَا اسْتَعْجَمَ أَجْنَادِينَ بِفَتْحِ أَوّلِهِ وَفَتْحِ الدّالِ وَقَالَ كَأَنّهُ تَثْنِيَةُ أَجْنَادٍ.
[ ٧ / ١٣٩ ]
فَقَالَ هَذَا عَمَلُ يَهُودَ ثُمّ قَامَ فِي النّاسِ خَطِيبًا فَقَالَ أَيّهَا النّاسُ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَنّا نُخْرِجُهُمْ إذَا شِئْنَا، وَقَدْ عَدَوْا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَفَدِعُوا يَدَيْهِ كَمَا قَدْ بَلَغَكُمْ مَعَ عَدْوِهِمْ عَلَى الْأَنْصَارِيّ قَبْلَهُ لَا نَشُكّ أَنّهُمْ أَصْحَابُهُ لَيْسَ لَنَا هُنَاكَ عَدُوّ غَيْرُهُمْ فَمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ بِخَيْبَرِ فَلْيَلْحَقْ بِهِ فَإِنّي مُخْرِجٌ يَهُودَ فَأَخْرَجَهُمْ
قِسْمَةُ عُمَرَ لِوَادِي الْقُرَى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَكْنَفٍ، أَخِي بَنِي حَارِثَةَ، قَالَ:
لَمّا أَخْرَجَ عُمَرُ يَهُودَ مِنْ خَيْبَرَ رَكِبَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَخَرَجَ مَعَهُ جُبَارُ بْنُ صَخْرِ بْنِ أُمَيّةَ ابْنِ خَنْسَاءَ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، وَكَانَ خَارَصَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَحَاسَبَهُمْ - وَيَزِيدُ بْنُ ثَابِتٍ وَهُمَا قَسَمَا خَيْبَرَ بَيْنَ أَهْلِهَا، عَلَى أَصْلِ جَمَاعَةِ السّهْمَانِ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا.
وَكَانَ مَا قَسَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ مِنْ وَادِي الْقُرَى، لِعُثْمَانِ بْنِ عَفّانَ خَطَرٌ وَلِعَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ خَطَرٌ وَلِعُمَرِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ خَطَرٌ وَلِعَامِرِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ خَطَرٌ وَلِعَمْرِو بْنِ سُرَاقَةَ خَطَرٌ وَلِأَشْيَمَ خَطَرٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ وَلِأَسْلَمَ وَلِبَنِي جَعْفَرٍ خَطَرٌ وَلِمُعَيْقِيبٍ خَطَرٌ
_________________
(١) الْقَادِسِيّةُ وَيَوْمُ الْهَرِيرِ وَذَكَرَ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ التّيْمِيّ، وَأَنّهُ قُتِلَ بِالْقَادِسِيّةِ مَعَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ وَالْقَادِسِيّةُ آخِرُ أَرْضِ الْعَرَبِ، وَأَوّلُ أَرْضِ السّوَادِ وَفِي أَيّامِهَا قُتِلَ رُسْتُمُ مَلِكُ الْفُرْسِ فِي يَوْمٍ مِنْ أَيّامهَا يُسَمّى يَوْمَ الْهَرِيرِ وَكَانَ قَدْ أَقْبَلَ بِالْفِيَلَةِ وَجُمُوعٍ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا، وَالْمُسْلِمُونَ فِي عَدَدٍ دُونِ الْعَشْرِ مِنْ عَدَدِ الْمَجُوسِ فَكَانَ الظّفَرُ لِلْمُسْلِمِينَ وَكَانَ الْأَمِيرُ عَلَيْهِمْ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ، وَخَبَرُهَا طَوِيلٌ يَشْتَمِلُ عَلَى أَعَاجِيبَ مِنْ فَتْحِ
[ ٧ / ١٤٠ ]
وَلِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْأَرْقَم خَطَرٌ وَلِعَبْدِ اللهِ وَعُبَيْدِ اللهِ خَطَرَانِ وَلِابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ خَطَرٌ وَلِابْنِ الْبُكَيْرِ خَطَرٌ وَلِمُعْتَمِرِ خَطَرٌ وَلِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ خَطَرٌ وَلِأُبَيّ بْنِ كَعْبٍ خَطَرٌ وَلِمُعَاذِ ابْنِ عَفْرَاءَ خَطَرٌ وَلِأَبِي طَلْحَةَ وَحَسَنٍ خَطَرٌ وَلِجَبّارِ بْنِ صَخْرٍ خَطَرٌ وَلِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رِئَاب خَطَرٌ وَلِمَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو خَطَرٌ وَلِابْنِ حُضَيْرٍ خَطَرٌ وَلِابْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ خَطَرٌ وَلِسَلَامَةِ بْنِ سَلَامَةَ خَطَرٌ وَلِعَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي شَرِيكٍ خَطَرٌ وَلِأَبِي عَبْسِ بْنِ جَبْرٍ خَطَرٌ وَلِمُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ خَطَرٌ وَلِعُبَادَةَ بْنِ طَارِقٍ خَطَرٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ لِقَتَادَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَلِجَبْرِ بْنِ عَتِيكٍ نِصْفُ خَطَرٍ وَلِابْنَيْ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ نِصْفُ خَطَرٍ وَلِابْنِ حَزَمَةَ وَالضّحّاكِ خَطَرٌ فَهَذَا مَا بَلَغَنَا مِنْ أَمْرِ خَيْبَرَ وَوَادِي الْقُرَى وَمَقَاسِمِهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْخَطَرُ النّصِيبُ. يُقَالُ أَخْطَرَ لِي فُلَانٌ خَطَرًا.
_________________
(١) اللهِ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْأُمّةِ اسْتَقْصَاهَا سَيْفُ بْنُ عُمَرَ فِي كِتَابِ الْفُتُوحِ ثُمّ الطّبَرِيّ بَعْدَهُ وَسُمّيَتْ الْقَادِسِيّةُ بِرَجُلِ مِنْ الْهَرَةِ وَكَانَ كِسْرَى قَدْ أَسْكَنَهُ بِهَا اسْمُهُ قَادِسٌ وَقِيلَ وَسُمّيَتْ بِقَوْمِ نَزَلُوهَا مِنْ قَادِسٍ وَقَادِسٌ بِخُرَاسَانَ، وَأَمّا الْقَادِسُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ فَمِنْ أَسْمَاءِ السّفِينَةِ.
[ ٧ / ١٤١ ]
ذِكْرُ قُدُومِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ الْحَبَشَةِ وَحَدِيثُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى الْحَبَشَة
فَرح الرَّسُول بقدوم جَعْفَر
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَذَكَرَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الْأَجْلَحِ عَنْ الشّعْبِيّ:
أَنّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ خَيْبَرَ، فَقَبّلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَالْتَزَمَهُ وَقَالَ: " مَا أَدْرِي بِأَيّهِمَا أَنَا أُسَرّ: بِفَتْحِ خَيْبَرَ، أَمْ بقدوم جَعْفَر "؟
مهاجرة الْحَبَشَة الَّذين قدم بهم عَمْرو بن أُميَّة
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَ مَنْ أَقَامَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى النّجَاشِيّ عَمْرَو بْنَ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ، فَحَمَلَهُمْ فِي سَفِينَتَيْنِ فَقَدِمَ بِهِمْ عَلَيْهِ وَهُوَ بِخَيْبَرِ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ.
مِنْ بني هَاشم
من بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيّةُ وَابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَكَانَتْ وَلَدَتْهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ. قُتِلَ جَعْفَرٌ بِمُؤْتَةِ مِنْ أَرْضِ الشّامِ أَمِيرًا لِرَسُولِ الله ﷺ رجل.
_________________
(١) عَنْ بَعْضِ الْقَادِمِينَ مِنْ الْحَبَشَةِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ فِيمَنْ قَدِمَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ هِشَامَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَاسْمُ أَبِي حُذَيْفَةَ مِهْشَمٌ وَذَكَرَ الْوَاقِدِيّ هِشَامًا. هَذَا فِيمَنْ قَدِمَ مِنْ الْحَبَشَةِ غَيْرَ أَنّهُ قَالَ فِيهِ هَاشِمٌ وَلَمْ يَذْكُرْهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَلَا أَبُو مَعْشَرٍ فِي الْقَادِمِينَ مِنْ الْحَبَشَةِ.
[ ٧ / ١٤٢ ]
من بَنِي عبد شمس
وَمن بني عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمَيْنَةُ بِنْتُ خَلَفِ بْنِ أَسْعَدَ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَيُقَالُ هُمَيْنَةُ بِنْتُ خَلَفٍ - وَابْنَاهُ سَعِيدُ بْنُ خَالِدٍ وَأُمّهُ بِنْتُ خَالِدٍ وَلَدَتْهُمَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ.
قُتِلَ خَالِدٌ بِمَرْجِ الصّفّرِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ بِأَرْضِ الشّامِ؟ وَأَخُوهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ مُحَرّثٍ الْكِنَانِيّ، هَلَكَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ.
قُتِلَ عَمْرٌو بِأَجْنَادِينَ مِنْ أَرْضِ الشّامِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁.
شعر سَعِيدٍ بن الْعَاصِ لِابْنِهِ عَمْرو
ولعمرو بن سعيد يَقُولُ أَبُوهُ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ أَبُو أُحَيْحَةُ
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي عَنْك يَا عَمْرُو سَائِلًا إذَا شَبّ وَاشْتَدّتْ يَدَاهُ وَسُلّحَا
أَتَتْرُكُ أَمْرَ الْقَوْمِ فِيهِ بَلَابِلُ تَكَشّفَ غَيْظًا كَانَ فِي الصّدْرِ مُوجَحَا
شعر أبان بن الْعَاصِ لأخويه خَالِد وَسَعِيد ورد خَالِد
وَلِعَمْرِو وَخَالِدٍ يَقُولُ أَخُوهُمَا أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، حِينَ أَسْلَمَا وَكَانَ أَبُوهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ هَلَكَ بِالظّرَيْبَةِ مِنْ نَاحِيَةِ الطّائِفِ، هَلَكَ فِي مَالٍ لَهُ بِهَا:
أَلَا لَيْتَ مَيْتًا بِالظّرَيْبَةِ شَاهِدُ لِمَا يَفْتَرِي فِي الدّينِ عَمْرٌو وَخَالِدُ
أَطَاعَا بِنَا أَمْرَ النّسَاءِ فَأَصْبَحَا يُعِينَانِ مِنْ أَعْدَائِنَا مَنْ نُكَايِدُ
_________________
(١) وَذَكَرَ فِيمَنْ قَدِمَ مِنْ الْحَبَشَةِ عَبْدَ اللهِ بْنَ حُذَافَةَ وَأَنّهُ الّذِي أَرْسَلَهُ النّبِيّ ﷺ إلَى كِسْرَى. وَذَكَرَ أَيْضًا سَلِيطَ بْنَ عَمْرٍو، وَأَنّهُ كَانَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيّ الْحَنَفِيّ صَاحِبِ الْيَمَامَةِ.
[ ٧ / ١٤٣ ]
فَأَجَابَهُ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، فَقَالَ
أَخِي مَا أَخِي لَا شَاتِمٌ أَنَا عِرْضَهُ وَلَا هُوَ مِنْ سُوءِ الْمَقَالَةِ مُقْصِرُ
يَقُولُ إذَا اشْتَدّتْ عَلَيْهِ أُمُورُهُ أَلَا لَيْتَ مَيْتًا بِالظّرَيْبَةِ يُنْشَرُ
فَدَعْ عَنْك مَيْتًا قَدْ مَشَى لِسَبِيلِهِ وَأَقْبِلْ عَلَى الْأَدْنَى الّذِي هُوَ أَفْقَرُ
وَمُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ خَازِنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ عَلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ إلَى آلِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ؟ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَبْدُ اللهِ بْنُ قَيْسٍ، حَلِيفُ آلِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، أَرْبَعَة نفر.
من بني أَسد
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ: الْأَسْوَدُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ خويلد. رجل.
من بَنِي عبد الدَّار
وَمن بني عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ: جَهْمُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شُرَحْبِيلَ مَعَهُ ابْنَاهُ عَمْرُو بْنُ جَهْمٍ وَخُزَيْمَةُ بْنُ جَهْمٍ وَكَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمّ حَرْمَلَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْأَسْوَدِ هَلَكَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَابْنَاهُ لَهَا. رجل.
من بني زهرَة
وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: عَامِرُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ وَعُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ هُذَيْل. رجلَانِ.
من بني تيم
وَمِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبٍ: الْحَارِثُ بْنُ خَالِدِ بْنِ صَخْرٍ وَقَدْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ رَيْطَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ جُبَيْلَةَ هَلَكَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَة. رجل.
من بني جمح
وَمِنْ بَنِي جُمَحَ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ: عُثْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ أهبان. رجل.
_________________
(١) فَأَمّا كِسْرَى فَهُوَ أبرويز بْنُ هُرْمُزَ بْنِ أَنُوشِرْوَانَ وَمَعْنَى أبرويز الْمُظَفّرُ فِيمَا
[ ٧ / ١٤٤ ]
من بني سهم
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ، مَحْمِيّةُ بْنُ الْجَزْءِ حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي زُبَيْدٍ، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جَعَلَهُ عَلَى خُمُسِ الْمُسلمين. رجل.
من بني عدي
وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ: مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نَضْلَة. رجل.
من بني عَامر
وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ: أَبُو حَاطِبِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ؟ وَمَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ عَمْرَةُ بِنْتُ السّعْدِيّ بْنِ وَقْدَانَ بْنِ عَبْدِ شمس. رجلَانِ.
من بني الْحَارِث
وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرَانَ بْنِ مَالِكٍ: الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ لَقِيطٍ. رَجُلٌ. وَقَدْ كَانَ حَمَلَ مَعَهُمْ فِي السّفِينَتَيْنِ نِسَاءً مِنْ نِسَاءِ مَنْ هَلَكَ هُنَالِكَ من الْمُسلمين.
عدَّة من حملهمْ أُميَّة
فَهَؤُلَاءِ الّذِينَ حَمَلَ النّجَاشِيّ مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ الْضّمْرِي فِي السّفِينَتَيْنِ فَجَمِيعُ مَنْ قَدِمَ فِي السّفِينَتَيْنِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ سِتّةَ عشر رجلا.
سَائِر مهاجرة الْحَبَشَة
وَكَانَ مِمّنْ هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَلَمْ يَقْدَمْ إلّا بَعْدَ بَدْرٍ وَلَمْ يَحْمِلْ النّجَاشِيّ
_________________
(١) ذَكَرَ الْمَسْعُودِيّ، وَهُوَ الّذِي كَانَ غَلَبَ الرّومَ; فَأَنْزَلَ اللهُ فِي قِصّتِهِمْ ﴿الم*غُلِبَتِ الرّومُ*فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الرّوم: ٣،١] وَأَدْنَى الْأَرْض هِيَ بُصْرَى وَفِلَسْطِينُ، وَأَذْرِعَاتُ مِنْ أَرْضِ الشّامِ، قَالَهُ الطّبَرِيّ.
[ ٧ / ١٤٥ ]
فِي السّفِينَتَيْنِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَنْ قَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَنْ هَلَكَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ
مِنْ بني أُميَّة
من بَنِي أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُبَيْدُ اللهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ الْأَسَدِيّ، أَسَدُ خُزَيْمَةَ، حَلِيفُ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، وَابْنَتُهُ حَبِيبَةُ بِنْتُ عُبَيْدِ اللهِ وَبِهَا كَانَتْ تُكَنّى أُمّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ وَكَانَ اسْمُهَا رَملَة.
تنصر ابْن جحش بِالْحَبَشَةِ وَخلف الرَّسُول على امْرَأَته
خَرَجَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مُهَاجِرًا، فَلَمّا قَدِمَ أَرْضَ الْحَبَشَةِ تَنَصّرَ بِهَا وَفَارَقَ الْإِسْلَامَ وَمَاتَ هُنَالِكَ نَصْرَانِيّا، فَخَلّفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى امْرَأَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ أُمّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ
خَرَجَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مُسْلِمًا، فَلَمّا قَدِمَ أَرْضَ الْحَبَشَةِ تَنَصّرَ قَالَ فَكَانَ إذَا مَرّ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ فَتّحْنَا وَصَأْصَأْتُمْ أَيْ قَدْ أَبْصَرْنَا وَأَنْتُمْ تَلْتَمِسُونَ الْبَصَرَ وَلَمْ تُبْصِرُوا بَعْدُ. وَذَلِكَ أَنّ وَلَدَ الْكَلْبِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ عَيْنَيْهِ لِلنّظَرِ صَأْصَأَ قَبْلَ ذَلِكَ فَضَرَبَ ذَلِكَ لَهُ وَلَهُمْ مَثَلًا: أَيْ أَنّا قَدْ فَتّحْنَا أَعْيُنَنَا فَأَبْصَرْنَا، وَلَمْ تَفْتَحُوا أَعْيُنَكُمْ فَتُبْصِرُوا، وَأَنْتُمْ تَلْتَمِسُونَ ذَلِكَ.
_________________
(١) مِنْ رُسُلِ النّبِيّ إلَى الْمُلُوكِ وَالرّؤَسَاءِ: وَذَكَرَ أَبُو رِفَاعَةَ وَثِيمَةُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفُرَاتِ، قَالَ قَدِمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ عَلَى كِسْرَى قَالَ يَا مَعْشَرَ الْفُرْسِ إنّكُمْ عِشْتُمْ بِأَحْلَامِكُمْ لِعِدّةِ أَيّامِكُمْ بِغَيْرِ نَبِيّ وَلَا كِتَابٍ وَلَا تَمَلّكٍ مِنْ الْأَرْضِ إلّا مَا فِي يَدَيْك، وَمَا لَا تَمْلِكُ مِنْهَا أَكْثَرُ وَقَدْ مَلَكَ قَبْلَك مُلُوكٌ أَهْلُ دُنْيَا وَأَهْلُ آخِرَةٍ فَأَخَذَ أَهْلُ الْآخِرَةِ بِحَظّهِمْ مِنْ الدّنْيَا، وَضَيّعَ
[ ٧ / ١٤٦ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَيْسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَهُوَ أَبُو أُمَيّةَ بِنْتُ قَيْسٍ الّتِي كَانَتْ مَعَ أُمّ حَبِيبَةَ؟ وَامْرَأَتُهُ بَرَكَةُ بِنْتُ يَسَارٍ مَوْلَاةُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، كَانَتَا ظِئْرَيْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ، وَأُمّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ فَخَرَجَا بِهِمَا مَعَهُمَا حِينَ هَاجَرَا إلَى أَرْضِ الْحَبَشَة. رجلَانِ.
من بني أَسد
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ: يَزِيدُ بْنُ زَمَعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، قُتِلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَهِيدًا، وَعَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ، هَلَكَ بِأَرْضِ الْحَبَشَة. رجلَانِ.
من بَنِي عبد الدَّار
وَمن بني عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ: أَبُو الرّومِ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ وَفِرَاسُ بْنُ النّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّار. رجلَانِ.
من بني زهرَة
وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرّةَ: الْمُطّلِبُ بْنُ أَزْهَرَ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ
_________________
(١) أَهْلُ الدّنْيَا حَظّهُمْ مِنْ الْآخِرَةِ فَاخْتَلَفُوا فِي سَعْيِ الدّنْيَا، وَاسْتَوَوْا فِي عَدْلِ الْآخِرَةِ وَقَدْ صَغّرَ هَذَا الْأَمْرَ عِنْدَك أَنّا أَتَيْنَاك بِهِ وَقَدْ وَاَللهِ جَاءَك مِنْ حَيْثُ خِفْت، وَمَا تَصْغِيرُك إيّاهُ بِاَلّذِي يَدْفَعُهُ عَنْك، وَلَا تَكْذِيبُك بِهِ بِاَلّذِي يُخْرِجُك مِنْهُ وَفِي وَقْعَةِ ذِي قَارٍ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ فَأَخَذَ الْكِتَابَ فَمَزّقَهُ ثُمّ قَالَ لِي مُلْكٌ هَنِيءٌ لَا أَخْشَى أَنْ أُغْلَبَ عَلَيْهِ وَلَا أُشَارَكَ فِيهِ وَقَدْ مَلَكَ فِرْعَوْنُ بَنِي إسْرَائِيلَ، وَلَسْتُمْ بِخَيْرِ مِنْهُمْ فَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَمْلِكَكُمْ وَأَنَا خَيْرٌ مِنْهُ فَأَمّا هَذَا الْمُلْكُ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنّهُ يَصِيرُ إلَى الْكِلَابِ وَأَنْتُمْ أُولَئِكَ تَشْبَعُ بُطُونُكُمْ وَتَأْبَى عُيُونُكُمْ فَأَمّا وَقْعَةُ ذِي قَارٍ فَهِيَ
[ ٧ / ١٤٧ ]
[بْنِ] الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي عَوْفِ بْنِ ضُبَيْرَةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، هَلَكَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَلَدَتْ لَهُ هُنَالِكَ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْمُطّلِبِ فَكَانَ يُقَالُ إنْ كَانَ لَأَوّلُ رَجُلٍ وَرِثَ أَبَاهُ فِي الْإِسْلَام رجل.
من بني تيم
وَمِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ: عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، قُتِلَ بِالْقَادِسِيّةِ مَعَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقاص. رجل.
من بني مَخْزُوم
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبٍ: هَبّارُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ قُتِلَ بِأَجْنَادِينَ مِنْ أَرْضِ الشّامِ، فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁؟ وَأَخُوهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سُفْيَانَ، قُتِلَ عَامَ الْيَرْمُوكِ بِالشّامِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ ﵁ يُشَكّ فِيهِ أَقُتِلَ ثَمّ أَمْ لَا؟ وَهِشَامُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، ثَلَاثَة نفر.
من بني جمح
وَمِنْ بَنِي جُمَحَ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ: حَاطِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ
_________________
(١) بِوَقْعَةِ الشّامِ. فَانْصَرَفَ عَنْهُ عَبْدُ اللهِ. وَإِنّمَا خَصّ النّبِيّ - ﷺ - عَبْدَ اللهِ بْنَ حُذَافَةَ بِإِرْسَالِهِ إلَى كِسْرَى، لِأَنّهُ كَانَ يَتَرَدّدُ عَلَيْهِمْ كَثِيرًا وَيَخْتَلِفُ إلَى بِلَادِهِمْ وَكَذَلِك سَلِيطُ بْنُ عَمْرٍو كَانَ يَخْتَلِفُ إلَى الْيَمَامَةِ، قَالَ وَثِيمَةُ لَمّا قَدِمَ سَلِيطُ بْنُ عَمْرٍو الْعَامِرِيّ عَلَى هَوْذَةَ وَكَانَ كِسْرَى قَدْ تَوَجّهَ قَالَ يَا هَوْذَةُ إنّك سَوّدَتْك أَعْظُمٌ حَائِلَةٌ وَأَرْوَاحٌ فِي النّارِ وَإِنّمَا السّيّدُ مَنْ مُنّعَ بِالْإِيمَانِ ثُمّ زُوّدَ التّقْوَى، وَإِنّ قَوْمًا سَعِدُوا بِرَأْيِك فَلَا تَشْقَ بِهِ وَإِنّي آمِرُك بِخَيْرِ مَأْمُورٍ بِهِ وَأَنْهَاك عَنْ شَرّ مَنْهِيّ عَنْهُ آمُرُك بِعِبَادَةِ اللهِ وَأَنْهَاك عَنْ عِبَادَةِ الشّيْطَانِ فَإِنّ فِي عِبَادَةِ اللهِ الْجَنّةَ وَفِي عِبَادَةِ
[ ٧ / ١٤٨ ]
حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، وَابْنَاهُ مُحَمّدٌ وَالْحَارِثُ مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُجَلّلِ هَلَكَ حَاطِبٌ هُنَالِكَ مُسْلِمًا، فَقَدِمَتْ امْرَأَتُهُ وَابْنَاهُ وَهِيَ أُمّهُمَا، فِي إحْدَى السّفِينَتَيْنِ وَأَخُوهُ خَطّابُ بْنُ الْحَارِثِ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ فُكَيْهَةُ بِنْتُ يَسَارٍ هَلَكَ هُنَالِكَ مُسْلِمًا، فَقَدِمَتْ امْرَأَتُهُ فُكَيْهَةُ فِي إحْدَى السّفِينَتَيْنِ؟ وَسُفْيَانُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبٍ وَابْنَاهُ جُنَادَةُ وَجَابِرٌ وَأُمّهُمَا مَعَهُ حَسِنَةَ وَأَخُوهُمَا لِأُمّهِمَا شُرَحْبِيلُ ابْنُ حَسِنَةَ وَهَلَكَ سُفْيَانُ وَهَلَكَ ابْنَاهُ جُنَادَةُ وَجَابِرٌ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ ﵁. سِتَّة نفر.
من بني سهم
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ: عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ الشّاعِرُ هَلَكَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَقَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ ﵁ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ وَهُوَ رَسُولُ [رَسُولِ] اللهِ ﷺ إلَى كِسْرَى، وَالْحَارِثُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ، وَمَعْمَرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ
_________________
(١) الشّيْطَانِ النّارَ فَإِنْ قَبِلْت نِلْت مَا رَجَوْت، وَأَمِنْت مَا خِفْت، وَإِنْ أَبَيْت فَبَيْنَنَا وَبَيْنَك كَشْفُ الْغِطَاءِ وَهَوْلُ الْمَطْلَعِ فَقَالَ هَوْذَةُ يَا سَلِيطُ سَوّدَنِي مَنْ لَوْ سَوّدَك شَرُفْت بِهِ وَقَدْ كَانَ لِي رَأْيٌ أَخْتَبِرُ بِهِ الْأُمُورَ فَفَقَدْته فَمَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِي هَوَاءٌ فَاجْعَلْ لِي فُسْحَةً يَرْجِعُ إلَيّ رَأْيِي، فَأُجِيبُك بِهِ إنْ شَاءَ اللهُ. قَالَ وَمِنْ شِعْرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ فِي رِسَالَتِهِ إلَى كِسْرَى وَقُدُومِهِ عَلَيْهِ أَبَى اللهُ إلّا أَنّ كِسْرَى فَرِيسَةٌ لِأَوّلِ دَاعٍ بِالْعِرَاقِ مُحَمّدَا تَقَاذَفَ فِي فُحْشِ الْجَوَابِ مُصَغّرًا لِأَمْرِ الْعَرِيبِ الْخَائِضِينَ لَهُ الرّدَى فَقُلْت لَهُ أَرْوِدْ فَإِنّك دَاخِلٌ مِنْ الْيَوْمِ فِي الْبَلْوَى وَمُنْتَهَبٌ غَدَا فَأَقْبِلْ وَأَدْبِرْ حَيْثُ شِئْت، فَإِنّنَا لَنَا الْمُلْكُ فَابْسُطْ لِلْمُسَالَمَةِ الْيَدَا وَإِلّا فَأَمْسِكْ قَارِعًا سِنّ نَادِمٍ أَقَرّ يُذِلّ الْخَرْجَ أَوْ مُتْ مُوَحّدَا سَفِهْت بِتَمْزِيقِ الْكِتَابِ وَهَذِهِ بِتَمْزِيقِ مُلْكِ الْفُرْسِ يَكْفِي مُبَدّدَا
[ ٧ / ١٤٩ ]
عَدِيّ، وَبِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ، وَأَخٌ لَهُ مِنْ أُمّهِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، يُقَالُ لَهُ سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو، قُتِلَ بِأَجْنَادِينَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَسَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ، قُتِلَ عَامَ الْيَرْمُوكِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ ﵁ وَالسّائِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ، جُرِحَ بِالطّائِفِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقُتِلَ يَوْمَ فِحْلٍ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ ﵁ وَيُقَالُ قُتِلَ يَوْمَ خَيْبَرَ، يُشَكّ فِيهِ وَعُمَيْرُ بْنُ رِئَابِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ مِهْشَمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، قُتِلَ بِعَيْنِ التّمْرِ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، مُنْصَرَفَةٌ مِنْ الْيَمَامَةِ، فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁. أَحَدَ عشر رجلا.
من بني عدي
وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ: عُرْوَةُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ حُرْثَانَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ، هَلَكَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَعَدِيّ بْنُ نَضْلَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ حُرْثَانَ هَلَكَ بِأَرْضِ الْحَبَشَة. رجلَانِ.
تَوْلِيَة عمر النُّعْمَان على ميسَان ثمَّ عَزله
وَقَدْ كَانَ مَعَ عَدِيّ ابْنُهُ النّعْمَانُ بْنُ عَدِيّ فَقَدِمَ النّعْمَانُ مَعَ مَنْ قَدِمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَبَقِيَ حَتّى كَانَتْ خِلَافَةَ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى مَيْسَانَ، مِنْ أَرْضِ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ أَبْيَاتًا مِنْ شِعْرٍ وَهِيَ
أَلَا هَلْ أَتَى الْحَسْنَاءَ أَنّ حَلِيلَهَا بِمَيْسَانَ يُسْقَى فِي زُجَاجٍ وَحَنْتَمِ
إذَا شِئْت غَنّتْنِي دَهَاقِينُ قَرْيَةٍ وَرَقّاصَةٌ تَجْذُو عَلَى كُلّ مَنْسِمِ
_________________
(١) وَقَالَ هَوْذَةُ بْنُ عَلِيّ فِي شَأْنِ سَلِيطٍ أَتَانِي سَلِيطُ وَالْحَوَادِثُ جَمّةٌ فَقُلْت لَهُمْ مَاذَا يَقُولُ سَلِيطُ؟
[ ٧ / ١٥٠ ]
فَإِنْ كُنْت نَدْمَانِي فَبِالْأَكْبَرِ اسْقِنِي وَلَا تَسْقِنِي بِالْأَصْغَرِ الْمُتَثَلّمِ
لَعَلّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَسُوءُهُ تَنَادُمُنَا فِي الجَوْسَقِ الْمُتَهَدّمِ
فَلَمّا بَلَغَتْ أَبْيَاتُهُ عُمَرَ قَالَ نَعَمْ وَاَللهِ إنّ ذَلِكَ لَيَسُوءُنِي، فَمَنْ لَقِيَهُ فَلْيُخْبِرْهُ أَنّي قَدْ عَزَلْته، وَعَزَلَهُ. فَلَمّا قَدِمَ عَلَيْهِ اعْتَذَرَ إلَيْهِ وَقَالَ وَاَللهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا صَنَعْت شَيْئًا مِمّا بَلَغَك أَنّي قُلْته قَطّ، وَلَكِنّي كُنْت امْرِئِ شَاعِرًا، وَجَدْت فَضْلًا مِنْ قَوْلٍ فَقُلْت فِيمَا تَقُولُ الشّعَرَاءُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ وَأَيْمُ اللهِ لَا تَعْمَلْ لِي عَلَى عَمَلٍ مَا بَقِيت، وَقَدْ قُلْت مَا قلت
من بني عَامر
وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ: سَلِيطُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْبَلِ بْنِ عَامِرٍ، وَهُوَ كَانَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيّ الْحَنَفِيّ بِالْيَمَامَةِ. رجل.
من بني الْحَارِث
وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ: عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ غَنْمِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدّادٍ، وَسَعْدُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ ظَرِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ،
_________________
(١) فَقَالَ الّتِي فِيهَا عَلَيّ غَضَاضَةٌ وَفِيهَا رَجَاءٌ مُطْمِعٌ وَقُنُوطُ فَقُلْت لَهُ غَابَ الّذِي كُنْت أَجْتَلِي بِهِ الْأَمْرَ عَنّي فَالصّعُودُ هُبُوطُ وَقَدْ كَانَ لِي وَاَللهُ بَالِغُ أَمْرِهِ أَبَا النّضْرِ جَأْشٌ فِي الْأُمُورِ رَبِيطُ فَأَذْهَبَهُ خَوْفُ النّبِيّ مُحَمّدٍ فَهَوْذَةُ فَهّ فِي الرّجَالِ سَقِيطُ فَأَجْمَعُ أَمْرِي مِنْ يَمِينٍ وَشَمْأَلٍ كَأَنّي رُدُودٌ لِلنّبَالِ لَقِيطُ فَأَذْهَبَ ذَاكَ الرّأْيَ إذْ قَالَ قَائِلٌ أَتَاك رَسُولٌ لِلنّبِيّ خَبِيطُ رَسُولُ رَسُولِ اللهِ رَاكِبُ نَاضِحٍ عَلَيْهِ مِنْ أَوْبَارِ الْحِجَازِ غَبِيطُ سَكَرْت وَدَبّتْ فِي الْمَفَارِقِ وَسْنَةٌ لَهَا نَفَسٌ عَالِي الْفُؤَادِ غَطِيطُ أُحَاذِرُ مِنْهُ سَوْرَةٌ هَاشِمِيّةٌ فَوَارِسُهَا وَسْطَ الرّجَالِ عَبِيطُ فَلَا تُعَجّلْنِي يَا سَلِيطُ فَإِنّنَا نُبَادِرُ أَمْرًا وَالْقَضَاءُ مُحِيطُ
[ ٧ / ١٥١ ]
وَعِيَاضُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدّادٍ. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.
فَجَمِيعُ مَنْ تَخَلّفَ عَنْ بَدْرٍ وَلَمْ يَقْدَمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَكّةَ، وَمَنْ قَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَنْ لَمْ يَحْمِلْ النّجَاشِيّ فِي السّفِينَتَيْنِ أَرْبَعَةٌ وَثَلَاثُونَ رجلا.
الهالكون مِنْهُمْ عبد شمس
وَهَذِه تَسْمِيَة جملَة من هلك مِنْهُم وَمِنْ أَبْنَائِهِمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ
مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُبَيْدُ اللهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ، حَلِيفُ بَنِي أُمَيّةَ، مَاتَ بهَا نَصْرَانِيّا.
من بني أَسد
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ: عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ بْنِ الْحَارِثِ بن أَسد.
من بني جمح
وَمن بني جمح: حَاطِبُ بْنُ الْحَارِثِ وَأَخُوهُ حَطّابُ بن الْحَارِث.
من بني سهم
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ: عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ بن قيس.
من بني عدي
وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ: عُرْوَةُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ حُرْثَانَ بْنِ عَوْفٍ وَعَدِيّ بْنُ نَضْلَةَ. سَبْعَةُ نفر.
من الْأَبْنَاء
وَمِنْ أَبْنَائِهِمْ مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرّةَ: مُوسَى بْنُ الْحَارِثِ بْنِ خَالِدِ بْنِ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ. رَجُلٌ.
_________________
(١) وَسَنَذْكُرُ بَقِيّةَ إرْسَالِ النّبِيّ ﷺ إلَى الْمُلُوكِ وَمَا قَالُوا وَمَا قِيلَ لَهُمْ فِيمَا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللهُ
[ ٧ / ١٥٢ ]
مُهَاجِرَاتُ الْحَبَشَةِ
وَجَمِيعُ مَنْ هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ النّسَاءِ مَنْ قَدِمَ مِنْهُنّ وَمَنْ هَلَكَ هُنَالِكَ سِتّ عَشْرَةَ امْرَأَةً سِوَى بَنَاتِهِنّ اللّاتِي وَلَدْنَ هُنَالِكَ مَنْ قَدِمَ مِنْهُنّ وَمَنْ هَلَكَ هُنَالِكَ وَمَنْ خَرَجَ بِهِ مَعَهُنّ حِينَ خَرَجْنَ.
مِنْ قُرَيْش
من قُرَيْشٍ، مِنْ بَنِي هَاشِمٍ: رُقَيّةُ بِنْتُ رَسُول الله ﷺ
من بني أُميَّة
وَمِنْ بَنِي أُمَيّةَ: أُمّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ وَمَعَهَا ابْنَتُهَا حَبِيبَةُ خَرَجَتْ بِهَا مِنْ مَكّةَ، وَرَجَعَتْ بهَا مَعهَا.
من بني مَخْزُوم
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: أُمّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيّةَ، قَدِمَتْ مَعَهَا بِزَيْنَبِ ابْنَتِهَا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ ولدتها هُنَالك.
من بني تيم
وَمِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرّةَ: رَيْطَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ جُبَيْلَةَ هَلَكَتْ بِالطّرِيقِ وَبِنْتَانِ لَهَا كَانَتْ وَلَدَتْهُمَا هُنَالِكَ عَائِشَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ وَزَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ هَلَكْنَ جَمِيعًا، وَأَخُوهُنّ مُوسَى بْنُ الْحَارِثِ مِنْ مَاءٍ شَرِبُوهُ فِي الطّرِيقِ وَقَدِمَتْ بِنْتٌ لَهَا وَلَدَتْهَا هُنَالِكَ فَلَمْ يَبْقَ مِنْ وَلَدِهَا غَيْرُهَا، يُقَالُ لَهَا: فَاطِمَة.
من بَنِي سَهْمِ
وَمن بني سهم بْنِ عَمْرٍو: رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي عَوْفِ بن ضبيرة.
_________________
(١) حَدِيثُ النّوْمِ عَنْ الصّلَاةِ وَذَكَرَ حَدِيثَ نَوْمِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَنْ الصّلَاةِ مَقْفَلَهُ مِنْ خَيْبَرَ، وَهَذِهِ الرّوَايَةُ أَصَحّ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ كَانَ ذَلِكَ فِي غَزَاةِ حُنَيْنٍ، وَمَنْ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ لِلْحَدِيثِ كَانَ ذَلِكَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُخَالِفِ لِلرّوَايَةِ الْأُولَى، وَأَمّا رِوَايَةُ ابْنِ إسْحَاقَ
[ ٧ / ١٥٣ ]
من بَنِي عَدِيّ
وَمن بني عدي بْنِ كَعْبٍ: لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ بن غَانِم.
من بني عَامر
وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ: سَوْدَةُ بِنْتُ زَمَعَةَ بْنِ قَيْسٍ، وَسَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَابْنَةُ الْمُجَلّلِ وَعَمْرَةُ بِنْتُ السّعْدِيّ بْنِ وَقْدَانَ، وَأُمّ كُلْثُومٍ بِنْتُ سُهَيْلِ بن عَمْرو.
من غرائب الْعَرَب
وَمِنْ غَرَائِبِ الْعَرَبِ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسِ بْنِ النّعْمَانِ الْخَثْعَمِيّةُ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ مُحَرّثٍ الْكِنَانِيّةُ وَفُكَيْهَةُ بِنْتُ يَسَارٍ، وَبَرَكَةُ بِنْتُ يَسَارٍ وَحَسِنَةُ أُمّ شُرَحْبِيلَ ابْن حَسَنَة.
أبناؤهم بِالْحَبَشَةِ
وَهَذِهِ تَسْمِيَةُ مَنْ وُلِدَ مِنْ أَبْنَائِهِمْ بِأَرْض الْحَبَشَة.
من بَنِي هَاشِمٍ
وَمن بني هَاشم: عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أبي طَالب.
من بَنِي عبد شمس
وَمن بني عَبْدِ شَمْسٍ: مُحَمّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ وَسَعِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، وَأُخْتُهُ أَمَةُ بنت خَالِد.
من بَنِي مَخْزُومٍ
وَمن بني مَخْزُوم: زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ بن الْأسد
_________________
(١) لِلْحَدِيثِ عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ مُرْسَلًا، فَهَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الزّهْرِيّ، وَرَوَاهُ عَنْهُ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، وَقَالَ فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَهُ التّرْمِذِيّ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَدْ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ الزّهْرِيّ مُسْنَدًا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ
[ ٧ / ١٥٤ ]
من بَنِي زُهْرَةَ
وَمن بني زهرَة: عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُطّلِبِ بن أَزْهَر.
من بني تيم
وَمِنْ بَنِي تَيْمٍ: مُوسَى بْنُ الْحَارِثِ بْنِ خَالِدٍ، وَأَخَوَاتُهُ عَائِشَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ وَزَيْنَبُ بنت الْحَارِث.
الذُّكُور مِنْهُم
الرّجَالُ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَمُحَمّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ وَسَعِيدُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُطّلِبِ، وَمُوسَى بن الْحَارِث.
الْإِنَاث مِنْهُم
وَمِنْ النّسَاءِ خَمْسٌ:
أَمَةُ بِنْتُ خَالِدٍ وَزَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ، وَعَائِشَةُ وَزَيْنَبُ وَفَاطِمَةُ بَنَاتُ الْحَارِثِ بْنِ خَالِدِ بْنِ صَخْرٍ.
_________________
(١) وَمَعْمَرٌ مِنْ طَرِيقِ أَبَانِ الْعَطّارِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ مُسْنَدًا أَيْضًا، وَذَكَرَ فِيهِ هُوَ وَأَبَانُ الْعَطّارُ أَنّهُ أَذّنَ وَأَقَامَ فِي تِلْكَ الصّلَاةِ حِينَ خَرَجَ مِنْ الْوَادِي، وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَذَانَ مِنْ رُوَاةِ الْحَدِيثِ إلّا قَلِيلٌ
[ ٧ / ١٥٥ ]
عُمْرَةُ الْقَضَاءِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سنة سبع
خُرُوج الرَّسُول مُعْتَمِرًا فِي ذِي الْقعدَة
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ عُمَيْرٍ أَقَامَ بِهَا شَهْرَيْ رَبِيعٍ وَجُمَادَيَيْنِ وَرَجَبًا وَشَعْبَانَ وَرَمَضَانَ وَشَوّالًا، يَبْعَثُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ فِي غَزْوِهِ وَسَرَايَاهُ ﷺ ثُمّ خَرَجَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ فِي الشّهْرِ الّذِي صَدّهُ فِيهِ الْمُشْرِكُونَ مُعْتَمِرًا عُمْرَةَ الْقَضَاءِ مَكَانُ عُمْرَتِهِ الّتِي صَدّوهُ عَنْهَا.
ابْن الأضبط على الْمَدِينَة
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ عُوَيْفَ بْنَ الأضبط الديلِي.
سَبَب تَسْمِيَتهَا بِعُمْرَة الْقصاص
وَيُقَالُ لَهَا عُمْرَةُ الْقِصَاصِ لِأَنّهُمْ صَدّوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ فِي الشّهْرِ
_________________
(١) عُمْرَةُ الْقَضِيّةِ وَيُرْوَى أَيْضًا: عُمْرَةُ الْقَضَاءِ وَيُقَالُ لَهَا: عُمْرَةُ الْقِصَاصِ وَهَذَا الِاسْمُ أَوْلَى بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الشّهْرُ الْحَرَامُ بِالشّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾
[ ٧ / ١٥٦ ]
الْحَرَامِ مِنْ سَنَةِ سِتّ فَاقْتَصّ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهُمْ فَدَخَلَ مَكّةَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ الّذِي صَدّوهُ فِيهِ مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ.
وَبَلَغَنَا عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ قَالَ فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [الْبَقَرَة ١٩٤] .
خُرُوج الْمُسلمين الَّذين صدوا أَولا مَعَه
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَخَرَجَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ مِمّنْ كَانَ صُدّ مَعَهُ فِي عُمْرَتِهِ تِلْكَ وَهِيَ سَنَةُ سَبْعٍ فَلَمّا سَمِعَ بِهِ أَهْلُ مَكّةَ خَرَجُوا عَنْهُ وَتَحَدّثَتْ قُرَيْشٌ بَيْنَهَا أَنّ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ فِي عُسْرَةٍ وَجهد وَشدَّة.
سَبَب الهرولة بَين الصَّفَا والمروة
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ:
صَفّوا لَهُ عِنْدَ دَارِ النّدْوَةِ لِيَنْظُرُوا إلَيْهِ وَإِلَى أَصْحَابِهِ فَلَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ
_________________
(١) [الْبَقَرَةِ ١٩٤] وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا نَزَلَتْ فَهَذَا الِاسْمُ أَوْلَى بِهَا، وَسُمّيَتْ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ لِأَنّ النّبِيّ ﷺ قَاضَى قُرَيْشًا عَلَيْهَا، لَا لِأَنّهُ قَضَى الْعُمْرَةَ الّتِي صُدّ عَنْ الْبَيْتِ فِيهَا، فَإِنّهَا لَمْ تَكُ فَسَدَتْ بِصَدّهِمْ عَنْ الْبَيْتِ بَلْ كَانَتْ عُمْرَةً تَامّةً مُتَقَبّلَةً حَتّى إنّهُمْ حِينَ حَلَقُوا رُءُوسَهُمْ بِالْحِلّ احْتَمَلَتْهَا الرّيحُ فَأَلْقَتْهَا فِي الْحَرَمِ، فَهِيَ مَعْدُودَةٌ فِي عُمَرِ النّبِيّ ﷺ وَهِيَ أَرْبَعٌ عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَةُ الْقَضَاءِ وَعُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ، وَالْعُمْرَةُ الّتِي قَرَنَهَا مَعَ حَجّهِ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ فَهُوَ أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ أَنّهُ كَانَ قَارِنًا فِي تِلْكَ الْحَجّةِ وَكَانَتْ إحْدَى عُمَرِهِ ﵇ فِي شَوّالٍ كَذَلِكَ
[ ٧ / ١٥٧ ]
الْمَسْجِدَ اضْطَبَعَ بِرِدَائِهِ وَأَخْرَجَ عَضُدَهُ الْيُمْنَى، ثُمّ قَالَ رَحِمَ اللهُ امْرِئِ أَرَاهُمْ الْيَوْمَ مِنْ نَفْسِهِ قُوّةً ثُمّ اسْتَلَمَ الرّكْنَ، وَخَرَجَ يُهَرْوِلُ وَيُهَرْوِلُ أَصْحَابُهُ مَعَهُ حَتّى إذَا وَارَاهُ الْبَيْتُ مِنْهُمْ وَاسْتَلَمَ الرّكْنَ الْيَمَانِيّ، مَشَى حَتّى يَسْتَلِمَ الرّكْنَ الْأَسْوَدَ، ثُمّ هَرْوَلَ كَذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى سَائِرَهَا. فَكَانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ كَانَ النّاسُ يَظُنّونَ أَنّهَا لَيْسَتْ عَلَيْهِمْ. وَذَلِكَ أَنّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ إنّمَا صَنَعَهَا لِهَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْشٍ لِلّذِي بَلَغَهُ عَنْهُمْ حَتّى إذَا حَجّ حَجّةَ الْوَدَاعِ فَلَزِمَهَا، فَمَضَتْ السّنة بهَا.
_________________
(١) رَوَى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ وَأَكْثَرُ الرّوَايَاتِ أَنّهُنّ كُنّ كُلّهُنّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إلّا الّتِي قَرَنَ مَعَ حَجّهِ كَذَلِكَ رَوَى الزّهْرِيّ، وَانْفَرَدَ مَعْمَرٌ عَنْ الزّهْرِيّ بِأَنّهُ ﵇ كَانَ قَارِنًا، وَأَنّ عُمَرَهُ كُنّ أَرْبَعًا بِعُمْرَةِ الْقِرَانِ. وَأَمّا حَجّاتُهُ ﵇ فَقَدْ رَوَى التّرْمِذِيّ أَنّهُ حَجّ ثَلَاثَ حَجّاتٍ ثِنْتَيْنِ بِمَكّةَ وَوَاحِدَةً بِالْمَدِينَةِ وَهِيَ حَجّةُ الْوَدَاعِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ إلّا حَجّةُ الْوَدَاعِ وَإِنْ كَانَ حَجّ مَعَ النّاسِ إذْ كَانَ بِمَكّةَ كَمَا رَوَى التّرْمِذِيّ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْحَجّ عَلَى سُنّةِ الْحَجّ وَكَمَالِهِ لِأَنّهُ كَانَ مَغْلُوبًا عَلَى أَمْرِهِ وَكَانَ الْحَجّ مَنْقُولًا عَنْ وَقْتِهِ كَمَا تَقَدّمَ فِي أَوّلِ الْكِتَابِ فَقَدْ ذَكَرَ أَنّهُمْ كَانُوا يَنْقُلُونَهُ عَلَى حَسَبِ الشّهُورِ الشّمْسِيّةِ وَيُؤَخّرُونَهُ فِي كُلّ سَنَةٍ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وَهَذَا هُوَ الّذِي مَنَعَ النّبِيّ - ﷺ - أَنْ يَحُجّ مِنْ الْمَدِينَةِ، حَتّى كَانَتْ مَكّةُ دَارَ إسْلَامٍ وَقَدْ كَانَ أَرَادَ أَنْ يَحُجّ مَقْفَلَهُ مِنْ تَبُوكَ، وَذَلِكَ بِإِثْرِ فَتْحِ مَكّةَ بِيَسِيرِ ثُمّ ذَكَرَ أَنّ بَقَايَا الْمُشْرِكِينَ يَحُجّونَ وَيَطُوفُونَ عُرَاةً فَأَخّرَ الْحَجّ حَتّى نَبَذَ إلَى كُلّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ وَذَلِكَ فِي السّنَةِ التّاسِعَةِ ثُمّ حَجّ فِي السّنَةِ الْعَاشِرَةِ بَعْدَ امّحَاءِ رُسُومِ الشّرْكِ وَانْحِسَامِ سِيَرِ الْجَاهِلِيّةِ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ "إنّ الزّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ".
[ ٧ / ١٥٨ ]
ارتجاز ابْن رَوَاحَة وَهُوَ يَقُود نَاقَة الرَّسُول
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ دَخَلَ مَكّةَ فِي تِلْكَ الْعُمْرَةِ دَخَلَهَا وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ يَقُولُ
خَلّوا بَنِي الْكُفّارِ عَنْ سَبِيلِهِ خَلّوا فَكُلّ الْخَيْرِ فِي رَسُولِهِ
يَا رَبّ إنّي مُؤْمِنٌ بِقَيْلِهِ أَعْرِفُ حَقّ اللهِ فِي قَبُولِه
نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ كَمَا قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ
_________________
(١) حُكْمُ الْعُمْرَةِ وَالْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَر وَابْنِ عَبّاسٍ، وَقَالَ الشّعْبِيّ: لَيْسَتْ بِوَاجِبَةِ وَذُكِرَ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: ﴿وَأَتِمّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ ١٩٦] بِالرّفْعِ لَا يَعْطِفُهَا عَلَى الْحَجّ. وَقَالَ عَطَاءٌ هِيَ وَاجِبَةٌ إلّا عَلَى أَهْلِ مَكّةَ، وَيَكْرَهُ مَالِكٌ أَنْ يَعْتَمِرَ الرّجُلُ فِي الْعَامِ مِرَارًا، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْإِبَاحَةِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيّ وَابْنِ عَبّاسٍ وَعَائِشَةَ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمّدٍ قَالُوا: يَعْتَمِرُ الرّجُلُ فِي الْعَامِ مَا شَاءَ تَفْسِيرُ شِعْرِ عَمّارٍ وَذَكَرَ قَوْلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ وَهُوَ آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: خَلّوا بَنِي الْكُفّارِ عَنْ سَبِيلِهِ نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ كَمَا قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ
[ ٧ / ١٥٩ ]
ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ إلَى آخِرِ الْأَبْيَاتِ لِعَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ وَالدّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنّ ابْنَ رَوَاحَةَ إنّمَا أَرَادَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكُونَ لَمْ يُقِرّوا بِالتّنْزِيلِ وَإِنّمَا يُقْتَلُ عَلَى التّأْوِيلِ مَنْ أقرّ بالتنزيل
زواج الرَّسُول بميمونة
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَمُجَاهِدٍ أَبِي الْحَجّاجِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَزَوّجَ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ وَهُوَ حَرَامٌ وَكَانَ الّذِي زَوّجَهُ إيّاهَا الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَكَانَتْ جَعَلَتْ أَمْرَهَا إلَى أُخْتِهَا أُمّ الْفَضْلِ وَكَانَتْ أُمّ الْفَضْلِ تَحْتَ الْعَبّاسِ
_________________
(١) وَيُرْوَى الْيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ بِسُكُونِ الْبَاءِ وَهُوَ جَائِزٌ فِي الضّرُورَةِ نَحْوَ قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ فَالْيَوْمَ أَشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا فِي الْكَلَامِ إذَا اتّصَلَ بِضَمِيرِ الْجَمْعِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَمْرٍو أَنّهُ كَانَ يَقْرَأُ ﴿يَأْمُرْكُمْ﴾ [الْبَقَرَة:٦٧] ﴿وَيَنْصُرْكُمْ﴾ [آل عمرَان: ١٦٠] وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ الْأَخِيرَانِ هُمَا لِعَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ كَمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، قَالَهُمَا يَوْمَ صِفّينَ وَهُوَ الْيَوْمُ الّذِي قُتِلَ فِيهِ عَمّارٌ قَتَلَهُ أَبُو الْغَادِيَةِ الْفَزَارِيّ وَابْنُ جَزْءٍ اشْتَرَكَا فِيهِ. حُكْمُ الزّوَاجِ لِلْمُحْرِمِ فَصْلٌ: وَذَكَرَ تَزَوّجَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لِمَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الْهِلَالِيّةِ، وَأُمّهَا
[ ٧ / ١٦٠ ]
فَجَعَلَتْ أُمّ الْفَضْلِ أَمْرَهَا إلَى الْعَبّاسِ فَزَوّجَهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ بِمَكّةَ وَأَصْدَقَهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْبَعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ.
إرْسَال قُرَيْش حويطبا إِلَى الرَّسُول يطْلب مِنْهُ الْخُرُوج من مَكَّة
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكّةَ ثَلَاثًا، فَأَتَاهُ حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلٍ، فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فِي الْيَوْمِ الثّالِثِ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ وَكّلَتْهُ بِإِخْرَاجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مَكّةَ; فَقَالُوا لَهُ إنّهُ قَدْ انْقَضَى أَجَلُك،
_________________
(١) هِنْدُ بِنْتُ عَوْفٍ الْكِنَانِيّةُ إلَى آخِرِ قِصّتِهَا، وَفِيهِ أَنّ حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزّى، قَالَ لِلنّبِيّ ﷺ فِي الْيَوْمِ الثّالِثِ اُخْرُجْ عَنّا، وَقَدْ كَانَ أَرَادَ أَنْ يَبْتَنِيَ بِمَيْمُونَةَ فِي مَكّةَ، وَيَصْنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَقَالَ لَهُ حُوَيْطِبٌ لَا حَاجَةَ لَنَا بِطَعَامِك فَاخْرُجْ عَنّا، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: "يَا عَاضّا بِبَظْرِ أُمّهِ أَرْضُك وَأَرْضُ أُمّك؟ هِيَ دُونَهُ؟ فَأَسْكَتَهُ النّبِيّ ﷺ وَخَرَجَ وَفَاءً لَهُمْ بِشَرْطِهِمْ وَابْتَنَى بِهَا بِسَرِفِ وَبِسَرِفِ، كَانَتْ وَفَاتُهَا ﵂ حِينَ مَاتَتْ وَذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتّينَ وَقِيلَ سَنَةَ سِتّ وَسِتّينَ وَصَلّى عَلَيْهَا ابْنُ عَبّاسٍ، وَيَزِيدُ بْنُ الْأَصَمّ، وَكِلَاهُمَا ابْنُ أُخْتٍ لَهَا، وَيُقَالُ فِيهَا نَزَلَتْ ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنّبِيّ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٥٠] فِي أَحَدِ الْأَقْوَالِ وَذَلِكَ أَنّ الْخَاطِبَ جَاءَهَا، وَهِيَ عَلَى بَعِيرِهَا، فَقَالَتْ الْبَعِيرُ وَمَا عَلَيْهِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَاخْتَلَفَ النّاسُ فِي تَزْوِيجِهِ إيّاهَا أَكَانَ مُحْرِمًا أَمْ حَلَالًا، فَرَوَى ابْنُ عَبّاسٍ أَنّهُ تَزَوّجَهَا مُحْرِمًا، وَاحْتَجّ بِهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ فِي تَجْوِيزِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَخَالَفَهُمْ أَهْلُ الْحِجَازِ، وَاحْتَجّوا بِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ أَنْ يُنْكِحَ الْمُحْرِمُ أَوْ يَنْكِحَ وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِيهِ أَوْ يَخْطُبَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَعَارَضُوا حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ بِحَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ
[ ٧ / ١٦١ ]
فَاخْرُجْ عَنّا; فَقَالَ النّبِيّ ﷺ وَمَا عَلَيْك لَوْ تَرَكْتُمُونِي فَأَعْرَسْت بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَصَنَعْنَا لَكُمْ طَعَامًا فَحَضَرْتُمُوهُ؟ قَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي طَعَامِك، فَاخْرُجْ عَنّا. فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَخَلّفَ أَبَا رَافِعٍ مَوْلَاهُ عَلَى مَيْمُونَةَ أَتَاهُ بِهَا بِسَرِفِ فَبَنَى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ هُنَالِكَ ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ فِي ذِي الْحجَّة.
مانزل من الْقُرْآن فِي عمْرَة الْقَضَاء
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
_________________
(١) الْأَصَمّ أَنّ النّبِيّ ﷺ تَزَوّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَال وَخَرّجَ الدّارَقُطْنِيّ وَالتّرْمِذِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِعٍ أَنّ النّبِيّ ﷺ تَزَوّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالِ. وَرَوَى الدّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّهُ تَزَوّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ كَرِوَايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ. وَفِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ مِنْ حَدِيثِ مَسْرُوقٍ وَعَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ تَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَاحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَإِنْ لَمْ تُذْكَرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَيْمُونَةُ فَنِكَاحُهَا أَرَادَتْ وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَخَرّجَ الْبُخَارِيّ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ، وَلَمْ يَعْقِلْهُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ أَنّهُ قَالَ غَلِطَ ابْنُ عَبّاسٍ أَوْ قَالَ وَهِمَ مَا تَزَوّجَهَا النّبِيّ ﷺ إلّا وَهُوَ حَلَالٌ وَلَمّا أَجْمَعُوا عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ النّبِيّ - ﷺ - تَزَوّجَهَا مُحْرِمًا، وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُحَدّثِينَ غَيْرَ ذَلِكَ اسْتَغْرَبْت اسْتِغْرَابًا شَدِيدًا مَا رَوَاهُ الدّارَقُطْنِيّ فِي السّنَنِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ يَتِيمِ عُرْوَةَ وَمِنْ طَرِيقِ مَطَرٍ الْوَرّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ النّبِيّ ﷺ تَزَوّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ فَهَذِهِ الرّوَايَةُ عَنْهُ مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ غَيْرِهِ فَقِفْ عَلَيْهَا، فَإِنّهَا غَرِيبَةٌ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، وَقَدْ كَانَ مِنْ شُيُوخِنَا ﵏ مَنْ يَتَأَوّلُ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ: تَزَوّجَهَا مُحْرِمًا أَيْ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ وَفِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ، وَذَلِكَ أَنّ ابْنَ عَبّاسٍ رَجُلٌ عَرَبِيّ فَصِيحٌ فَتَكَلّمَ بِكَلَامِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يُرِدْ الْإِحْرَامَ بِالْحَجّ وَقَدْ قَالَ الشّاعِرُ:
[ ٧ / ١٦٢ ]
فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ عَلَيْهِ فِيمَا حَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرّؤْيَا بِالْحَقّ لَتَدْخُلُنّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ . [الْفَتْح: ٢٧] يَعْنِي خَيْبَرَ.
_________________
(١) قَتَلُوا ابْنَ عَفّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا وَدَعَا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَخْذُولَا وَذَلِكَ أَنّ قَتْلَهُ كَانَ فِي أَيّامِ التّشْرِيقِ وَاَللهُ أَعْلَمُ أَأَرَادَ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ، أَوْ لَا؟.
[ ٧ / ١٦٣ ]
ذِكْرُ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَمَانٍ وَمَقْتَلُ جَعْفَرٍ وَزَيْدٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَأَقَامَ بِهَا بَقِيّةَ ذِي الْحِجّةِ وَوُلِيَ تِلْكَ الْحَجّةَ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُحَرّمَ وَصَفَرًا وَشَهْرَيْ رَبِيعٍ وَبَعَثَ فِي جُمَادَى الْأُولَى بَعْثَهُ إلَى الشّامِ الّذِينَ أصيبوا بمؤتة.
بعث الرَّسُول إِلَى مُؤْتَة واختياره الْأُمَرَاء
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَ:
"بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْثَهُ إلَى مُؤْتَةَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَمَانٍ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَقَالَ إنْ أُصِيبَ زَيْدٌ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى النّاسِ فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ على النَّاس.
_________________
(١) غَزْوَةُ مُؤْتَةَ وَهِيَ مَهْمُوزَةُ الْوَاوِ وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ مِنْ الشّامِ، وَأَمّا الْمُوتَةُ بِلَا هَمْزٍ فَضَرْبٌ مِنْ الْجُنُونِ وَفِي الْحَدِيثِ أَنّ النّبِيّ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ" أَعُوذُ بِاَللهِ مِنْ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ " وَفَسّرَهُ رَاوِي الْحَدِيثِ فَقَالَ " نَثْفُهُ الشّعْرُ وَنَفْخُهُ الْكِبْرُ وَهَمْزُهُ الْمُوتَةُ".
[ ٧ / ١٦٤ ]
بكاء ابْن رَوَاحَة مَخَافَة النَّار وشعره للرسول
فَتَجَهّزَ النّاسُ ثُمّ تَهَيّئُوا لِلْخُرُوجِ وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ فَلَمّا حَضَرَ خُرُوجُهُمْ وَدّعَ النّاسُ أُمَرَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسَلّمُوا عَلَيْهِمْ. فَلَمّا وَدّعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ مَنْ وَدّعَ مِنْ أُمَرَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَكَى، فَقَالُوا: مَا يُبْكِيك يَا ابْنَ رَوَاحَةَ؟ فَقَالَ أَمَا وَاَللهِ مَا بِي حُبّ الدّنْيَا وَلَا صَبَابَةٌ بِكُمْ وَلَكِنّي سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ ﷿ يَذْكُرُ فِيهَا النّارَ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبّكَ حَتْمًا مَقْضِيّا﴾ [مَرْيَمَ: ٧١]، فَلَسْت أَدْرِي كَيْفَ لِي بِالصّدَرِ بَعْدَ الْوُرُودِ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ صَحِبَكُمْ اللهُ وَدَفَعَ عَنْكُمْ وَرَدّكُمْ إلَيْنَا صَالِحِينَ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ:
لَكِنّنِي أَسْأَلُ الرّحْمَنَ مَغْفِرَةً وَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزّبَدَا
أَوْ طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرّانَ مُجْهِزَةً بِحِرْبَةِ تُنْفِذُ الْأَحْشَاءَ وَالْكَبِدَا
حَتّى يُقَالَ إذَا مَرّوا عَلَى جَدَثِي أَرْشَدَهُ اللهُ مِنْ غَازٍ وَقَدْ رَشَدَا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ إنّ الْقَوْمَ تَهَيّئُوا لِلْخُرُوجِ فَأَتَى عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَوَدّعَهُ ثُمّ قَالَ
_________________
(١) تَفْسِيرُ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلّا وَارِدُهَا﴾ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ قَوْلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ حِينَ ذَكَرَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلّا وَارِدُهَا﴾ [مَرْيَمَ: ٧١] فَلَسْت أَدْرِي كَيْفَ لِي بِالصّدَرِ بَعْدَ الْوُرُودِ وَقَدْ تَكَلّمَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا بِأَقْوَالِ مِنْهَا أَنّ الْخِطَابَ مُتَوَجّهٌ إلَى الْكُفّارِ عَلَى الْخُصُوصِ وَاحْتَجّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: وَإِنْ مِنْهُمْ إلّا وَارِدُهَا، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ الْوُرُودُ هَهُنَا هُوَ الْإِشْرَافُ عَلَيْهَا وَمُعَايَنَتُهَا، وَحَكَوْا عَنْ الْعَرَبِ: وَرَدْت
[ ٧ / ١٦٥ ]
فَثَبّتَ اللهُ مَا أَتَاك مِنْ حَسَنٍ تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَاَلّذِي نُصِرُوا
إنّي تَفَرّسْت فِيك الْخَيْرَ نَافِلَةً اللهُ يَعْلَمُ أَنّي ثَابِتُ الْبَصَرِ
أَنْتَ الرّسُولُ فَمَنْ يُحْرَمْ نَوَافِلُهُ وَالْوَجْهُ مِنْهُ فَقَدْ أَزْرَى بِهِ الْقَدَرُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ
أَنْتَ الرّسُولُ فَمَنْ يُحْرَمْ نَوَافِلَهُ وَالْوَجْهَ مِنْهُ فَقَدْ أَزْرَى بِهِ الْقَدَرُ
فَثَبّتَ اللهُ مَا أَتَاك مِنْ حَسَنٍ فِي الْمُرْسَلِينَ وَنَصْرًا كَاَلّذِي نُصِرُوا
إنّي تَفَرّسْت فِيك الْخَيْرَ نَافِلَةً فَرَاسَةً خَالَفَتْ فِيك الّذِي نَظَرُوا
يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ خَرَجَ الْقَوْمُ وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى إذَا وَدّعَهُمْ وَانْصَرَفَ عَنْهُمْ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ:
خَلَفَ السّلَامُ عَلَى امْرِئِ وَدّعْته فِي النّخْلِ خَيْرَ مُشَيّعٍ وَخَلِيلِ
تخوف النَّاس من لِقَاء هِرقل وَشعر ابْن رَوَاحَة يشجعهم.
ثُمّ مَضَوْا حَتّى نَزَلُوا مَعَانَ، مِنْ أَرْضِ الشّامِ، فَبَلَغَ النّاسُ أَنّ هِرَقْلَ قَدْ نَزَلَ مَآبَ،
_________________
(١) الْمَاءَ فَلَمْ أَشْرَبْ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ الْوُرُودُ هَهُنَا هُوَ الْمُرُورُ عَلَى الصّرَاطِ لِأَنّهُ عَلَى مَتْنِ جَهَنّمَ أَعَاذَنَا اللهُ مِنْهَا، وَرُوِيَ" أَنّ اللهَ ﵎ يَجْمَعُ الْأَوّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِيهَا، ثُمّ يُنَادِي مُنَادٍ خُذِي أَصْحَابَك وَدَعِي أَصْحَابِي " وَقَالَتْ طَائِفَةٌ الْوُرُودُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدُ بِحَظّ مِنْهَا، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الدّنْيَا بِالْحُمّيّاتِ فَإِنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ "الْحُمّى كِيرٌ مِنْ جَهَنّمَ وَهُوَ حَظّ كُلّ مُؤْمِنٍ مِنْ النّارِ"
[ ٧ / ١٦٦ ]
مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ، فِي مِائَةِ أَلْفٍ مِنْ الرّومِ، وَانْضَمّ إلَيْهِمْ مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامٍ وَالْقَيْنِ وَبَهْرَاءِ وَبَلِيّ مِائَةُ أَلْفٍ مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ بَلِيّ ثُمّ أَحَدُ إرَاشَةَ يُقَالُ لَهُ مَالِكُ بْنُ زَافِلَةَ. فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ أَقَامُوا عَلَى مَعَانَ لَيْلَتَيْنِ يُفَكّرُونَ فِي أَمْرِهِمْ وَقَالُوا: نَكْتُبُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنُخْبِرُهُ بِعَدَدِ عَدُوّنَا، فَإِمّا أَنْ يَمُدّنَا بِالرّجَالِ وَإِمّا أَنْ يَأْمُرَنَا بِأَمْرِهِ فَنَمْضِي لَهُ. قَالَ" فَشَجّعَ النّاسَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَقَالَ يَا قَوْمِ وَاَللهِ إنّ الّتِي تَكْرَهُونَ لَلّتِي خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ الشّهَادَةَ وَمَا نُقَاتِلُ النّاسَ بِعَدَدِ وَلَا قُوّةٍ لَا كَثْرَةٍ مَا نُقَاتِلُهُمْ إلّا بِهَذَا الدّينِ الّذِي أَكْرَمَنَا اللهُ بِهِ فَانْطَلِقُوا فَإِنّمَا هِيَ إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إمّا ظُهُورٌ وَإِمّا شَهَادَةٌ. قَالَ فَقَالَ النّاسُ قَدْ وَاَللهِ صَدَقَ ابْنُ رَوَاحَةَ" فَمَضَى النّاسُ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فِي مَحْبِسِهِمْ ذَلِكَ
جَلَبْنَا الْخَيْلَ مِنْ أَجَإٍ وَفَرْعٍ تُغَرّ مِنْ الْحَشِيشِ لَهَا الْعُكُومُ
حَذَوْنَاهَا مِنْ الصّوّانِ سِبْتًا أَزَلّ كَأَنّ صَفْحَتَهُ أَدِيمُ
أَقَامَتْ لَيْلَتَيْنِ عَلَى مَعَانٍ فَأَعْقَبَ بَعْدَ فَتْرَتِهَا جُمُومُ
فَرُحْنَا وَالْجِيَادُ مُسَوّمَاتٌ تَنَفّسُ فِي مَنَاخِرِهَا السّمُومُ
فَلَا وَأَبِي مَآبَ لَنَأْتِيَنّهَا وَإِنْ كَانَتْ بِهَا عَرَبٌ وَرُومُ
_________________
(١) شَرْحُ شِعْرِ ابْنِ رَوَاحَةَ وَذَكَرَ شِعْرَ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ وَفِيهِ تُقَرّ مِنْ الْحَشِيشِ لَهَا الْعُكُومُ تُقَرّ: أَيْ يُجْمَعُ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ وَالْعُكُومُ جَمْعُ عِكْمٍ. وَفِيهِ:
[ ٧ / ١٦٧ ]
فَعَبّأْنَا أَعِنّتَهَا فَجَاءَتْ عَوَابِسَ وَالْغُبَارُ لَهَا بَرِيمُ
بِذِي لَجَبٍ كَأَنّ الْبَيْضَ فِيهِ إذَا بَرَرَتْ قَوَانِسُهَا النّجُومُ
فَرَاضِيَةُ الْمَعِيشَةِ طَلّقَتْهَا أَسَنّتْهَا فَتَنْكِحُ أَوْ تَئِيمُ
_________________
(١) مِنْ الْغُبَارِ لَهَا بَرِيمٌ الْبَرِيمُ خَيْطٌ تَحْتَزِمُ بِهِ الْمَرْأَةُ وَالْبَرِيمُ أَيْضًا: لَفِيفُ النّاسِ وَأَخْلَاطُهُمْ وَيُقَالُ هُمْ بَرِيمَانِ أَيْ لَوْنَانِ مُخْتَلِطَانِ. وَفِيهِ أَقَامَتْ لَيْلَتَيْنِ عَلَى مَعَانٍ قَالَ الشّيْخُ أَبُو بَحْرٍ مُعَانُ بِضَمّ الْمِيمِ وَجَدْته فِي الْأَصْلَيْنِ وَأَصْلَحَهُ عَلَيْنَا الْقَاضِي - ﵀ - حِينَ السّمَاعِ مَعَانَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَهُوَ اسْمُ مَوْضِعٍ وَذَكَرَهُ الْبَكْرِيّ بِضَمّ الْمِيمِ وَقَالَ هُوَ اسْمُ جَبَلٍ وَالْمَعَانُ أَيْضًا: حَيْثُ تُحْبَسُ الْخَيْلُ وَالرّكَابُ وَيَجْتَمِعُ النّاسُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَمْعَنْت النّظَرَ أَوْ مِنْ الْمَاءِ الْمَعِينِ فَيَكُونُ وَزْنُهُ فَعَالًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعَوْنِ فَيَكُونُ وَزْنُهُ مَفْعَلًا، وَقَدْ جَنّسَ الْمَعَرّي بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ فَقَالَ مَعَانٌ مِنْ أَحِبّتِنَا مَعَانُ تُجِيبُ الصّاهِلَاتِ بِهَا الْقِيَانِ وَقَوْلُهُ فَرَاضِيَةُ الْمَعِيشَةِ طَلّقَتْهَا أَيْ الْمَعِيشَةُ الْمَرْضِيّةُ وَبَنَاهَا عَلَى فَاعِلَةٍ لِأَنّ أَهْلَهَا رَاضُونَ لِأَنّهَا فِي
[ ٧ / ١٦٨ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: "وَيُرْوَى: جَلَبْنَا الْخَيْلَ مِنْ آجَامٍ قُرْحٍ"، وَقَوْلُهُ "فَعَبّأْنَا أَعِنّتَهَا" عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ مَضَى النّاسُ فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنّهُ حُدّثَ عَنْ "زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ كُنْت يَتِيمًا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ فِي حِجْرِهِ، فَخَرَجَ بِي فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ مُرْدِفِي عَلَى حَقِيبَةِ رَحْلِهِ فَوَاَللهِ إنّهُ لَيَسِيرُ لَيْلَةً إذَا سَمِعْته وَهُوَ يَنْشُدُ أَبْيَاتَهُ هَذِهِ
إذَا أَدّيْتنِي وَحَمَلْتِ رَحْلِي مَسِيرَةَ أَرْبَعٍ بَعْدَ الْحِسَاءِ
فَشَأْنُك أَنْعُمٌ وَخَلَاك ذَمّ وَلَا أَرْجِعْ إلَى أَهْلِي وَرَائِي
وَجَاءَ الْمُسْلِمُونَ وَغَادَرُونِي بِأَرْضِ الشّامِ مُشْتَهِيَ الثّوَاءِ
_________________
(١) مَعْنَى صَالِحَةٍ وَقَدْ تَقَدّمَ طَرَفٌ مِنْ الْقَوْلِ فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَقَوْلُهُ وَخَلَاك ذَمّ، أَيْ فَارَقَك الذّمّ، فَلَسْت بِأَهْلِ لَهُ وَقَدْ أَحْسَنَ فِي قَوْلِهِ فَشَأْنُك أَنْعُمٌ وَخَلَاك ذَمّ بَعْدَ قَوْلِهِ إذَا بَلَغَتْنِي، وَأَحْسَنَ أَيْضًا مَنْ اتّبَعَهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى، كَقَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ وَإِذَا الْمَطِيّ بِنَا بَلَغْنَ مُحَمّدًا فَظُهُورُهُنّ عَلَى الرّجَالِ حَرَامُ وَكَقَوْلِ الْآخَرِ نَجَوْتِ مِنْ حَلّ وَمِنْ رِحْلَةٍ يَا نَاقُ إنْ قَرّبْتنِي مِنْ قُثَمْ
[ ٧ / ١٦٩ ]
وَرَدّك كُلّ ذِي نَسَبٍ قَرِيبٍ إلَى الرّحْمَنِ مُنْقَطِعَ الْإِخَاءِ
هُنَالِكَ لَا أُبَالِي طَلْعَ بَعْلٍ وَلَا نَخْلٍ أَسَافِلُهَا رِوَاءُ
فَلَمّا سَمِعْتهنّ مَعَهُ بَكَيْت. قَالَ فَخَفَقَنِي بِالدّرّةِ وَقَالَ مَا عَلَيْك يَا لُكَعُ أَنْ يَرْزُقَنِي اللهُ شَهَادَةً وَتَرْجِعُ بَيْنَ شُعْبَتَيْ الرّحْلِ "قَالَ ثُمّ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فِي بَعْضِ سَفَرِهِ ذَلِكَ وَهُوَ يَرْتَجِزُ
يَا زَيْدُ زَيْدَ الْيَعْمَلَاتِ الذّبّلِ تَطَاوَلَ اللّيْلُ هُدِيت فَانْزِلْ
_________________
(١) وَقَدْ أَسَاءَ الشّمّاخُ حَيْثُ يَقُولُ إذَا بَلّغْتنِي وَحَمَلْتِ رَحْلِي عَرَابَةَ فَاشْرَقِي بِدَمّ الْوَتِينِ وَيَذْكُرُ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ هَانِئٍ أَنّهُ كَانَ يَشْنَؤُهُ إذْ ذَكَرَ هَذَا الْبَيْتَ وَذَكَرَ مُهَلْهِلُ بْنُ يَمُوتَ بْنِ الْمُزْرِعِ عَنْ أَبِي تَمّامٍ أَنّهُ قَالَ كَانَ الْحَسَنُ يَشْنَأُ الشّمّاخَ وَأَنَا أَلْعَنُهُ مِنْ أَجْلِ قَوْلِهِ هَذَا. "وَقَوْلُ النّبِيّ ﷺ لِلْغِفَارِيّةِ بِئْسَ مَا جَزَيْتِيهَا يَشُدّ الْغَرَضَ الْمُتَقَدّمَ وَيَشْهَدُ لِصِحّتِهِ ". وَقَوْلُهُ مُسْتَنْهِي الثّوَاءِ مُسْتَفْعِلٌ مِنْ النّهَايَةِ وَالِانْتِهَاءِ أَيْ حَيْثُ انْتَهَى مَثْوَاهُ وَمَنْ رَوَاهُ مُشْتَهِيَ الثّوَاءِ أَيْ لَا أُرِيدُ رُجُوعًا. وَقَوْلُهُ حَذَوْنَاهَا مِنْ الصّوّانِ سِبْتًا
[ ٧ / ١٧٠ ]
لِقَاءُ الرّومِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَمَضَى الْعَبّاسُ حَتّى إذَا كَانُوا بِتُخُومِ الْبَلْقَاءِ لَقِيَتْهُمْ جُمُوعُ هِرَقْلَ، مِنْ الرّومِ وَالْعَرَبِ، بِقَرْيَةِ مِنْ قُرَى الْبَلْقَاءِ يُقَالُ لَهَا: مَشَارِفُ، ثُمّ دَنَا الْعَدُوّ، وَانْحَازَ الْمُسْلِمُونَ إلَى قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا مُؤْتَةُ، فَالْتَقَى النّاسُ عِنْدَهَا، فَتَعَبّأَ لَهُمْ الْمُسْلِمُونَ فَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنَتِهِمْ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ يُقَالُ لَهُ قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِمْ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ عُبَادَةُ بْنُ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ عُبَادَةُ بْنُ مَالِكٍ.
_________________
(١) أَيْ حَذَوْنَاهَا نِعَالًا مِنْ حَدِيدٍ جَعَلَهُ سِبْتًا لَهَا، مَجَازًا. وَصَوّانٌ مِنْ الصّوْنِ أَيْ يَصُونَ حَوَافِرَهَا، أَوْ أَخْفَافَهَا، إنْ أَرَادَ الْإِبِلَ فَهُوَ فَعّالٌ مِنْ الصّوْنِ فَقَدْ كَانُوا يَحْذُونَهَا السّرِيحَ وَهُوَ جِلْدٌ يَصُونَ أَخْفَافَهَا، وَأَظْهَرُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالصّوّانِ يَبِيسَ الْأَرْضِ أَيْ لَا سِبْتَ لَهُ إلّا ذَلِكَ وَوَزْنُهُ فَعَلَانٌ مِنْ قَوْلِهِمْ نَخْلَةٌ خَاوِيَةٌ أَيْ يَابِسَةٌ وَأَنْشَدَ أَبُو عَلِيّ قَدْ أُوبِيَتْ كُلّ مَاءٍ فَهْيَ صَاوِيَةٌ مَهْمَا تُصِبْ أُفُقًا مِنْ بَارِقٍ تَشِمُ وَيَشْهَدُ لِمَعْنَى الصّوّانِ هُنَا قَوْلُ النّابِغَةِ الذّبْيَانِيّ يَرَى وَقْعُ الصّوّانِ حَدّ نُسُورِهَا فَهُنّ لِطَافٌ كَالصّعَادِ الذّوَابِلِ وَعَيْنُ الْفِعْلِ فِي صَوّانٍ وَلَامُهُ وَاوٌ وَأَدْخَلَ صَاحِبُ الْعَيْنِ فِي بَابِ الصّادِ وَالْوَاوِ وَالْيَاءِ هَذَا اللّفْظَ فَقَالَ صَوِيَ يَصْوِي: إذَا يَبِسَ وَنَخْلَةٌ صَاوِيَةٌ وَلَوْ كَانَ مِمّا لَامُهُ يَاءً لَقِيلَ فِي صَوّانٍ صَيّانٍ كَمَا قِيلَ طَيّانُ وَرَيّانُ وَلَكِنْ لَمّا انْقَلَبَتْ الْوَاوُ يَاءً مِنْ أَجْلِ الْكَثْرَةِ تَوَهّمَ الْحَرْفَ مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ
[ ٧ / ١٧١ ]
مَقْتَلُ ابْنِ حَارِثَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ الْتَقَى النّاسُ وَاقْتَتَلُوا، فَقَاتَلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بِرَايَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى شَاطَ فِي رِمَاحِ الْقَوْمِ.
إمَارَةُ جَعْفَرٍ وَمَقْتَلُهُ
ثُمّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَقَاتَلَ بِهَا. حَتّى إذَا أَلْحَمَهُ الْقِتَالُ اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ، فَعَقَرَهَا، ثُمّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتّى قُتِلَ.فَكَانَ جَعْفَرٌ أَوّلَ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَقَرَ فِي الْإِسْلَامِ.
وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبّادٍ قَالَ حَدّثَنِي أَبِي الّذِي
_________________
(١) وَقَوْلُ عَبْدِ اللهِ هَلْ أَنْتَ إلّا نُطْفَةٌ فِي شَنّةِ النّطْفَةُ الْقَلِيلُ فِي الْمَاءِ وَالشّنّةُ السّقَاءُ الْبَالِي، فَيُوشِكُ أَنْ تُهْرَاقَ النّطْفَةُ وَيَنْخَرِقَ السّقَاءُ ضَرَبَ ذَلِكَ مَثَلًا لِنَفْسِهِ فِي جَسَدِهِ. عَقْرُ جَعْفَرٍ فَرَسَهُ وَمَقْتَلُهُ وَأَمّا عَقْرُ جَعْفَرٍ فَرَسَهُ وَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَدَلّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ إذَا خِيفَ أَنْ يَأْخُذَهَا الْعَدُوّ، فَيُقَاتِلَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يَدْخُلْ هَذَا فِي بَابِ النّهْيِ عَنْ تَعْذِيبِ الْبَهَائِمِ وَفِعْلِهَا عَبَثًا غَيْرَ أَنّ أَبَا دَاوُدَ خَرّجَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ حَدّثَنَا النّفَيْلِيّ قَالَ حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ عَنْ ابْنِ عَبّادٍ يَعْنِي: يَحْيَى بْنَ عَبّادٍ عَنْ أَبِيهِ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَ حَدّثَنِي أَبِي الّذِي أَرْضَعَنِي، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي مُرّةَ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ غَزَاةِ مُؤْتَةَ، قَالَ وَاَللهِ لَكَأَنّي أَنْظُرُ إلَى جَعْفَرٍ حِينَ اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ فَعَقَرَهَا، ثُمّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتّى قُتِلَ
[ ٧ / ١٧٢ ]
أَرْضَعَنِي، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي مُرّةَ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ قَالَ وَاَللهِ لَكَأَنّي أَنْظُرُ إلَى جَعْفَرٍ حِينَ اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ، ثُمّ عَقَرَهَا ثُمّ قَاتَلَ حَتّى قُتِلَ وَهُوَ يَقُولُ
يَا حَبّذَا الْجَنّةُ وَاقْتِرَابُهَا طَيّبَةٌ وَبَارِدٌ شَرَابُهَا
وَالرّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا كَافِرَةٌ بَعِيدَةٌ أَنْسَابُهَا
عَلَيّ إنْ لَاقَيْتهَا ضِرَابُهَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخَذَ اللّوَاءَ بِيَمِينِهِ فَقُطِعَتْ فَأَخَذَهُ بِشِمَالِهِ فَقُطِعَتْ
_________________
(١) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ بِالْقَوِيّ وَقَدْ جَاءَ فِيهِ نَفْيٌ كَثِيرٌ عَنْ أَصْحَابِ النّبِيّ ﷺ. وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ ﷺ فِي جَعْفَرٍ فَأَثَابَهُ اللهُ بِذَلِكَ جَنَاحَيْنِ فِي الْجَنّةِ يَطِيرُ بِهِمَا حَيْثُ شَاءَ " وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ النّبِيّ ﷺ عَلَيْهِ وَقَالَ" دَخَلْت الْجَنّةَ الْبَارِحَةَ فَرَأَيْت جَعْفَرًا يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ وَجَنَاحَاهُ مُضَرّجَانِ بِالدّمِ " وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، قَالَ"قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُثِلَ لِي جَعْفَرٌ وَزَيْدٌ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فِي خَيْمَةٍ مِنْ دَرّ عَلَى أَسِرّةٍ فَرَأَيْت زَيْدًا وَعَبْدَ اللهِ وَفِي أَعْنَاقِهِمَا صُدُودٌ وَرَأَيْت جَعْفَرًا مُسْتَقِيمًا. فَقِيلَ لِي: إنّهُمَا حِينَ غَشِيَهُمَا الْمَوْتُ أَعْرَضَا بِوُجُوهِهِمَا، وَمَضَى جَعْفَرٌ فَلَمْ يَعْرِضْ " وَسَمِعَ النّبِيّ - ﷺ - فَاطِمَةَ حِينَ جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ تَقُولُ وَاعَمّاهُ فَقَالَ عَلَى مِثْلِ جَعْفَرٍ فَلْتَبْكِ الْبَوَاكِي وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ مَا احْتَذَى النّعَالَ وَلَا رَكِبَ الْمَطَايَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ جَعْفَرٍ وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ:
[ ٧ / ١٧٣ ]
فَاحْتَضَنَهُ بِعَضُدَيْهِ حَتّى قُتِلَ ﵁ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً فَأَثَابَهُ اللهُ بِذَلِكَ جَنَاحَيْنِ فِي الْجَنّةِ يَطِيرُ بِهِمَا حَيْثُ شَاءَ. وَيُقَالُ إنّ رَجُلًا مِنْ الرّومِ ضَرَبَهُ يَوْمَئِذٍ ضَرْبَةً فَقَطعه نِصْفَيْنِ.
_________________
(١) كُنْت إذَا سَأَلْت عَلِيّا حَاجَةً فَمَنَعَنِي أُقْسِمُ عَلَيْهِ بِحَقّ جَعْفَرٍ فَيُعْطِينِي" مَعْنَى الْجَنَاحَيْنِ وَمِمّا يَنْبَغِي الْوُقُوفُ عَلَيْهِ فِي مَعْنَى الْجَنَاحَيْنِ أَنّهُمَا لَيْسَا كَمَا يَسْبِقُ إلَى الْوَهْمِ عَلَى مِثْلِ جَنَاحَيْ الطّائِرِ وَرِيشِهِ لِأَنّ الصّورَةَ الْآدَمِيّةَ أَشْرَفُ الصّوَرِ وَأَكْمَلُهَا، وَفِي قَوْلِهِ ﵇" إنّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ " تَشْرِيفٌ لَهُ عَظِيمٌ وَحَاشَا لِلّهِ مِنْ التّشْبِيهِ وَالتّمْثِيلِ وَلَكِنّهَا عِبَارَة عَنْ صِفَةٍ مَلَكِيّةٍ وَقُوّةٍ رُوحَانِيّةٍ أُعْطِيَهَا جَعْفَرٌ كَمَا أُعْطِيَتْهَا الْمَلَائِكَةُ وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِمُوسَى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طَه: ٢٢] فَعَبّرَ عَنْ الْعَضُدِ بِالْجَنَاحِ تَوَسّعًا، وَلَيْسَ ثَمّ طَيَرَانٌ فَكَيْفَ بِمَنْ أُعْطِيَ الْقُوّةَ عَلَى الطّيَرَانِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ أَخْلِقْ بِهِ إِذا: أَنْ يُوصَفَ بِالْجَنَاحِ مَعَ كَمَالِ الصّورَةِ الْآدَمِيّةِ وَتَمَامِ الْجَوَارِحِ الْبَشَرِيّةِ وَقَدْ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَجْنِحَةِ الْمَلَائِكَةِ لَيْسَتْ كَمَا يُتَوَهّمُ مِنْ أَجْنِحَةِ الطّيْرِ وَلَكِنّهَا صِفَاتٌ مَلَكِيّةٌ لَا تُفْهَمُ إلّا بِالْمُعَايَنَةِ وَاحْتَجّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فَاطِرِ ١] فَكَيْفَ تَكُونُ كَأَجْنِحَةِ الطّيْرِ عَلَى هَذَا، وَلَمْ يُرَ طَائِرٌ لَهُ ثَلَاثَةُ أَجْنِحَةٍ وَلَا أَرْبَعَةٌ فَكَيْفَ بِسِتّمِائَةِ جَنَاحٍ كَمَا جَاءَ فِي صِفَةِ جِبْرِيلَ ﵇، فَدَلّ عَلَى أَنّهَا صِفَاتٌ لَا تَنْضَبِطُ كَيْفِيّتُهَا لِلْفِكْرِ وَلَا وَرَدَ أَيْضًا فِي بَيَانِهَا، خَبَرٌ فَيَجِبُ عَلَيْنَا الْإِيمَانُ بِهَا، وَلَا يُفِيدُنَا عِلْمًا إعْمَالُ الْفِكْرِ فِي كَيْفِيّتِهَا، وَكُلّ امْرِئِ قَرِيبٌ مِنْ مُعَايَنَةِ ذَلِكَ.
[ ٧ / ١٧٤ ]
إِمَارَة ابْن رَوَاحَة ومقتله
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبّادٍ قَالَ حَدّثَنِي أَبِي الّذِي أَرْضَعَنِي، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي مُرّةَ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ فَلَمّا قُتِلَ جَعْفَرٌ أَخَذَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ الرّايَةَ ثُمّ تَقَدّمَ بِهَا، وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ فَجَعَلَ يَسْتَنْزِلُ نَفْسَهُ وَيَتَرَدّدُ بَعْضَ التّرَدّدِ ثُمّ قَالَ
أَقْسَمْت يَا نَفْسُ لَتَنْزِلَنّهْ لَتَنْزِلَن أَوْ لَتُكْرَهَنّهْ
إنْ أَجْلَبَ النّاسُ وَشَدّوا الرّنّهْ مَا لِي أَرَاك تَكْرَهِينَ الْجَنّهْ
قَدْ طَالَ مَا قَدْ كُنْت مُطْمَئِنّهْ هَلْ أَنْتِ إلّا نُطْفَةٌ فِي شَنّهْ
_________________
(١) فَإِمّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الّذِينَ ﴿تَتَنَزّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنّةِ الّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] وَإِمّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الّذِينَ تَقُولُ لَهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَهُمْ بَاسِطُو أَيْدِيَهُمْ ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ . [الْأَنْعَام: ٩٣] فَضْلُ ابْنِ رَوَاحَةَ وَأَمّا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ مَا ذَكَرَ مِنْ فَضَائِلِهِ. وَذَكَرَ قَوْلَهُ لِلنّبِيّ ﷺ فَثَبّتَ اللهُ مَا آتَاك مِنْ حَسَنٍ تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَاَلّذِي نُصِرُوا وَرَوَى غَيْرُهُ "أَنّهُ ﵇ قَالَ لَهُ قُلْ شِعْرًا تَقْتَضِبُهُ اقْتِضَابًا، وَأَنا أنظر إِلَيّ ك، فَقَالَ مِنْ غَيْرِ رَوِيّةٍ إنّي تَفَرّسْت فِيك الْخَيْرَ الْأَبْيَاتِ حَتّى انْتَهَى إلَى قَوْلِهِ
[ ٧ / ١٧٥ ]
وَقَالَ أَيْضًا:
يَا نَفْسُ إلّا تُقْتَلِي تَمُوتِي هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صَلِيَتْ
وَمَا تَمَنّيْت فَقَدْ أُعْطِيَتْ إنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيَتْ
يُرِيدُ صَاحِبَيْهِ زَيْدًا وَجَعْفَرًا ثُمّ نَزَلَ. فَلَمّا نَزَلَ أَتَاهُ ابْنُ عَمّ لَهُ بِعِرْقِ مِنْ لَحْمٍ فَقَالَ شُدّ بِهَذَا صُلْبَك، فَإِنّك قَدْ لَقِيت فِي أَيّامِك هَذِهِ مَا لَقِيت، فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ ثُمّ انْتَهَسَ مِنْهُ نَهْسَةً ثُمّ سَمِعَ الْحَطْمَةَ فِي نَاحِيَةِ النّاسِ فَقَالَ وَأَنْتَ فِي الدّنْيَا ثُمّ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ ثُمّ أَخَذَ سَيْفَهُ فَتَقَدّمَ فَقَاتَلَ حَتّى قتل.
ابْن الْوَلِيد وانصرافه بِالنَّاسِ
ثُمّ أَخَذَ الرّايَةَ ثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ أَخُو بَنِي الْعَجْلَانِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ اصْطَلِحُوا عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ قَالُوا: أَنْتَ قَالَ مَا أَنَا بِفَاعِلِ. فَاصْطَلَحَ النّاسُ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَلَمّا أَخَذَ الرّايَةَ دَافَعَ الْقَوْمَ وَحَاشَى بِهِمْ ثُمّ انْحَازَ وَانْحِيزَ عَنْهُ حَتّى انْصَرَفَ بِالنّاسِ.
تَنَبّؤُ الرّسُولِ بِمَا حدث للْمُسلمين مَعَ الرّوم
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَلَمّا أُصِيبَ الْقَوْمُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنِي:" أَخَذَ الرّايَةَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَقَاتَلَ بِهَا حَتّى قُتِلَ شَهِيدًا ثُمّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَقَاتَلَ بِهَا حَتّى قُتِلَ شَهِيدًا قَالَ ثُمّ صَمَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى تَغَيّرَتْ وُجُوهُ الْأَنْصَارِ، وَظَنّوا أَنّهُ قَدْ كَانَ فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ بَعْضُ مَا يَكْرَهُونَ ثُمّ قَالَ ثُمّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَاتَلَ بِهَا حَتّى قُتِلَ
_________________
(١) فَثَبّتَ اللهُ مَا آتَاك مِنْ حَسَنٍ فَقَالَ لَهُ النّبِيّ ﷺ " وَأَنْتَ فَثَبّتَك اللهُ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ "
[ ٧ / ١٧٦ ]
شَهِيدًا، ثُمّ قَالَ لَقَدْ رُفِعُوا إلَيّ فِي الْجَنّةِ، فِيمَا يَرَى النّائِمُ عَلَى سُرَرٍ مِنْ ذَهَبٍ فَرَأَيْت فِي سَرِيرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ ازْوِرَارًا عَنْ سَرِيرَيْ صَاحِبَيْهِ فَقُلْت: عَمّ هَذَا؟ فَقِيلَ لِي: مَضَيَا وَتَرَدّدَ عَبْدُ اللهِ بَعْضَ التّرَدّدِ ثُمّ مَضَى
حُزْنُ الرّسُولِ على جَعْفَر ووصاته بآله
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أُمّ عِيسَى الْخُزَاعِيّةِ عَنْ أُمّ جَعْفَرِ بِنْتِ مُحَمّدِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ جَدّتِهَا "أَسْمَاءِ بِنْتِ عُمَيْسٍ، قَالَتْ لَمّا أُصِيبَ جَعْفَرٌ وَأَصْحَابُهُ دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ دَبَغْت أَرْبَعِينَ مَنًا - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: أَرْبَعِينَ مَنِيئَةً - وَعَجَنْت عَجِينِي، وَغَسَلْت بَنِيّ وَدَهَنْتهمْ وَنَظّفْتهمْ. قَالَتْ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ائْتِينِي بِبَنِيّ جَعْفَرٍ قَالَتْ فَأَتَيْته بِهِمْ فَتَشَمّمَهُمْ وَذَرِفَتْ عَيْنَاهُ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي، مَا يُبْكِيك؟ أَبَلَغَك عَنْ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ شَيْءٌ؟ قَالَ نَعَمْ أُصِيبُوا هَذَا الْيَوْمَ. قَالَتْ فَقُمْت أَصِيحُ وَاجْتَمَعَتْ إلَيّ النّسَاءُ وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى أَهْلِهِ فَقَالَ لَا تُغْفِلُوا آلَ جَعْفَرٍ مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا لَهُمْ طَعَامًا فَإِنّهُمْ قَدْ شُغِلُوا بِأَمْرِ صَاحِبِهِمْ
وَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمّدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِيّ ﷺ قَالَتْ: لَمّا أَتَى نَعْيُ جَعْفَرٍ عَرَفْنَا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْحُزْنَ. قَالَتْ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إنّ النّسَاءَ عَنّيْنَنَا وَفَتَنّنَا، قَالَ فَارْجِعْ إلَيْهِنّ فَأَسْكِتْهُنّ. قَالَتْ فَذَهَبَ ثُمّ رَجَعَ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ - قَالَ تَقُولُ وَرُبّمَا ضَرّ التّكَلّفُ أَهْلَهُ - قَالَتْ قَالَ فَاذْهَبْ فَأَسْكِتْهُنّ فَإِنّ أَبَيْنَ فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنّ التّرَابَ قَالَتْ وَقُلْت فِي نَفْسِي: أَبْعَدَك اللهُ فَوَاَللهِ مَا تَرَكْت نَفْسَك وَمَا أَنْتَ بِمُطِيعِ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَتْ وَعَرَفْت أَنّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَحْثِيَ فِي أَفْوَاهِهِنّ التّرَابَ
_________________
(١) فَضْلُ زَيْدٍ وَأَمّا زَيْدٌ فَقَدْ تَقَدّمَ التّعْرِيفُ بِهِ وَبِجُمْلَةِ مِنْ فَضَائِلِهِ فِي أَحَادِيثِ الْمَبْعَثِ
[ ٧ / ١٧٧ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَدْ كَانَ قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ الْعُذْرِيّ، الّذِي كَانَ عَلَى مَيْمَنَةِ الْمُسْلِمِينَ قَدْ حَمَلَ عَلَى مَالِكِ بْنِ رَافِلَةَ فَقَتَلَهُ فَقَالَ قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ:
طَعَنَتْ ابْنَ زافلة بن الإراش بِرُمْحِ مَضَى فِيهِ ثُمّ انْحَطَمْ
ضَرَبْت عَلَى جِيدِهِ ضَرْبَةً فَمَالَ كَمَا مَالَ غُصْنُ السّلَمْ
وَسُقْنَا نِسَاءَ بَنِي عَمّهِ غَدَاةَ رَقُوقَيْنَ سَوْقَ النّعَمْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ "ابْنَ الْإِرَاشِ" عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ. وَالْبَيْتُ الثّالِثُ عَنْ خَلّادِ بْنِ قُرّةَ؟ وَيُقَالُ مَالِكِ بْنِ رَافِلَةَ.
كَاهِنَةُ حَدَسٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَتْ كَاهِنَةٌ مِنْ حَدَسٍ حِينَ سَمِعَتْ بِجَيْشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُقْبِلًا، قَدْ قَالَتْ لِقَوْمِهَا مِنْ حَدَسٍ - وَقَوْمُهَا بَطْنٌ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو غَنْمٍ - أُنْذِرُكُمْ قَوْمًا خُزْرًا - يَنْظُرُونَ شَزْرًا، وَيَقُولُونَ الْخَيْلَ تَتْرَى، وَيُهْرِيقُونَ دَمًا عَكْرًا. فَأَخَذُوا بِقَوْلِهَا، وَاعْتَزَلُوا مِنْ بَيْنِ لَخْمٍ، فَلَمْ تَزَلْ بَعْدُ أَثْرِي حَدَسٍ. وَكَانَ الّذِينَ صَلَوْا الْحَرْبَ يَوْمَئِذٍ بَنُو ثَعْلَبَةَ بَطْنٌ مِنْ حَدَسٍ فَلَمْ يَزَالُوا قَلِيلًا بَعْدُ. فَلَمّا انْصَرَفَ خَالِدٌ بِالنّاسِ أَقْبَلَ بهم قَافِلًا.
رُجُوع الْجَيْش وتلقى الرَّسُول لَهُ وَغَضب الْمُسلمين
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
_________________
(١) وَحَسْبُك بِذِكْرِ اللهِ لَهُ بِاسْمِهِ فِي الْقُرْآنِ وَلَمْ يُذْكَرْ أَحَدٌ مِنْ الصّحَابَة بِاسْمِهِ سِوَاهُ وَقَدْ بَيّنّا النّكْتَةَ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ التّعْرِيفِ وَالْأَعْلَامِ فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ. رُجُوعُ أَهْلِ مُؤْتَةَ فَصْلٌ وَذَكَرَ رُجُوعَ أَهْلِ مُؤْتَة وَمَا لَقَوْا مِنْ النّاسِ إذْ قَالُوا لَهُمْ يَا فُرّارُ
[ ٧ / ١٧٨ ]
فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَ:
لَمّا دَنَوْا مِنْ حَوْلِ الْمَدِينَةِ تَلَقّاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ قَالَ وَلَقِيَهُمْ الصّبْيَانُ يَشْتَدّونَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مُقْبِلٌ مَعَ الْقَوْمِ عَلَى دَابّةٍ فَقَالَ خُذُوا الصّبْيَانَ فَاحْمِلُوهُمْ، وَأَعْطُونِي ابْنَ جَعْفَرٍ. فَأُتِيَ بِعَبْدِ اللهِ فَأَخَذَهُ فَحَمَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ وَجَعَلَ النّاسُ يَحْثُونَ عَلَى الْجَيْشِ التّرَابَ وَيَقُولُونَ يَا فُرّارُ فَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْسُوا بِالْفُرّارِ وَلَكِنّهُمْ الْكُرّارُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ بَعْضِ آلِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ: وَهُمْ أَخْوَالُهُ عَنْ أُمّ سَلَمَةَ زَوْجِ النّبِيّ ﷺ قَالَ "قَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ لِامْرَأَةِ سَلَمَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ مَا لِي لَا أَرَى سَلَمَةَ يَحْضُرُ الصّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ وَاَللهِ مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ كُلّمَا خَرَجَ صَاحَ بِهِ النّاسُ يَا فُرّارُ فَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ حَتّى قَعَدَ فِي بَيْتِهِ فَمَا يَخْرُجُ
شِعْرُ قَيْسٍ فِي الِاعْتِذَارِ عَنْ تَقَهْقُرِ خَالِدٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
_________________
(١) فَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَرِوَايَةُ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّهُمْ قَالُوا لِلنّبِيّ - ﷺ - نَحْنُ الْفَرّارُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ " بَلْ أَنْتُمْ الْكَرّارُونَ وَقَالَ لَهُمْ أَنَا فِئَتُكُمْ " يُرِيدُ أَنّ مَنْ فَرّ مُتَحَيّزًا إلَى فِئَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ وَإِنّمَا جَاءَ الْوَعِيدُ فِيمَنْ فَرّ عَنْ الْإِمَامِ وَلَمْ يَتَحَيّزْ إلَيْهِ أَيْ لَمْ يَلْجَأْ إلَى حَوْزَتِهِ فَيَكُونُ مَعَهُ فَالْمُتَحَيّزُ مُتَفَيْعِلٌ مِنْ الْحَوْزِ وَلَوْ كَانَ وَزْنُهُ مُتَفَعّلًا، كَمَا يَظُنّ بَعْضُ النّاسِ لَقِيلَ فِيهِ مُتَحَوّزٌ. وَرُوِيَ أَنّ عُمَرَ ﵁ حِينَ بَلَغَهُ قَتْلُ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَيّامِ الْقَادِسِيّةِ، قَالَ هَلّا تَحَيّزُوا إلَيْنَا، فَإِنّا فَيْئَةٌ لِكُلّ مُسْلِمٍ.
[ ٧ / ١٧٩ ]
وَقَدْ قَالَ فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ النّاسِ وَأَمْرِ خَالِدٍ وَمُخَاشَاتِهِ بِالنّاسِ وَانْصِرَافِهِ بِهِمْ قَيْسُ بْنُ الْمُسَحّرِ الْيَعْمُرِيّ، يَعْتَذِرُ مِمّا صَنَعَ يَوْمَئِذٍ وَصَنَعَ النّاسُ
فَوَاَللهِ لَا تَنْفَكّ نَفْسِي تَلُومُنِي عَلَى مَوْقِفِي وَالْخَيْلُ قَابِعَةٌ قُبْلُ
وَقَفْت بِهَا لَا مُسْتَجِيرًا فَنَافِذًا وَلَا مَانِعًا مَنْ كَانَ حُمّ لَهُ الْقَتْلُ
عَلَى أَنّنِي آسَيْت نَفْسِي بِخَالِدِ أَلَا خَالِدٌ فِي الْقَوْمِ لَيْسَ لَهُ مِثْلُ
وَجَاشَتْ إلَيّ النّفْسُ مِنْ نَحْوِ جَعْفَرٍ بِمُؤْتَةِ إذْ لَا يَنْفَعُ النّابِلَ النّبْلُ
وَضَمّ إلَيْنَا حَجْزَتَيْهِمْ كِلَيْهِمَا مُهَاجِرَةٌ لَا مُشْرِكُونَ وَلَا عُزْلُ
فَبَيّنَ قَيْسٌ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ النّاسُ مِنْ ذَلِكَ فِي شِعْرِهِ أَنّ الْقَوْمَ حَاجَزُوا وَكَرِهُوا الْمَوْتَ وَحَقّقَ انْحِيَازَ خَالِدٍ بِمَنْ مَعَهُ.
_________________
(١) وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ مُخَاشَاةَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بِالنّاسِ يَوْمَ مُؤْتَة. وَالْمُخَاشَاةُ الْمُحَاجَزَةُ وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الْخَشْيَةِ لِأَنّهُ خَشِيَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِقِلّةِ عَدَدِهِمْ فَقَدْ قِيلَ كَانَ الْعَدُوّ مِائَتَيْ أَلْفٍ مِنْ الرّومِ، وَخَمْسِينَ أَلْفًا مِنْ الْعَرَبِ، وَمَعَهُمْ مِنْ الْخُيُولِ وَالسّلَاحِ مَا لَيْسَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَفِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ: وَكَانَ الْعَدُوّ مِائَةَ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفًا، وَقَدْ قِيلَ إنّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَبْلُغْ عَدَدُهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَمَنْ رَوَاهُ حَاشَى بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَهُوَ مِنْ الْحَشَى، وَهِيَ النّاحِيَةُ وَفِي رِوَايَةِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبُغَ عَنْ ابْنِ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ أَنّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ حَاشَى بِهِمْ فَقَالَ مَعْنَاهُ انْحَازَ بِهِمْ وَشِعْرُ قُطْبَةَ بْنِ قَتَادَةَ يَدُلّ عَلَى أَنّهُ قَدْ كَانَ ثَمّ ظَفَرٌ وَمَغْنَمٌ لِقَوْلِهِ وَسُقْنَا نِسَاءَ بَنِي عَمّهِ غَدَاةَ رَقُوقَيْنَ سَوْقَ النّعَمْ وَفِي هَذَا الشّعْرِ أَنّهُ قَتَلَ رَئِيسًا مِنْهُمْ وَهُوَ مَالِكُ بْنُ رَافِلَةَ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ، فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخَذَ خَالِدٌ الرّايَةَ حَتّى فَتَحَ اللهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأَخْبَرَ أَنّهُ قَدْ كَانَ ثَمّ فَتْحٌ وَفِي الرّايَةِ الْأُخْرَى حِينَ قِيلَ لَهُمْ يَا فُرّارُ
[ ٧ / ١٨٠ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَأَمّا الزّهْرِيّ فَقَالَ فِيمَا بَلَغَنَا عَنْهُ:
أَمّرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَتّى قَفَلَ إلَى النّبِيّ ﷺ.
شِعْرُ حَسّانٍ فِي بُكَاءِ قَتْلَى مُؤْتَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَ مِمّا بَكَى بِهِ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثَابِتٍ:
_________________
(١) دَلِيلٌ عَلَى أَنّهُ قَدْ كَانَ ثَمّ مُحَاجَزَةٌ وَتَرْكٌ لِلْقِتَالِ حَتّى قَالُوا: نَحْنُ الْفَرّارُونَ فَقَالَ لَهُمْ النّبِيّ ﷺ مَا تَقَدّمَ فَاَللهُ أَعْلَمُ. طَعَامُ التّعْزِيَةِ وَغَيْرِهَا فَصْلٌ وَذَكَرَ أَنّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمَرَ أَنْ يُصْنَعَ لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامٌ فَإِنّهُمْ قَدْ شُغِلُوا بِأَمْرِ صَاحِبِهِمْ وَهَذَا أَصْلٌ فِي طَعَامِ التّعْزِيَةِ وَتُسَمّيهِ الْعَرَبُ الْوَضِيمَةَ كَمَا تُسَمّي طَعَامَ الْعُرْسِ الْوَلِيمَةَ وَطَعَامَ الْقَادِمِ مِنْ السّفَرِ النّقِيعَةَ وَطَعَامَ الْبِنَاءِ الْوَكِيرَةَ وَكَانَ الطّعَامُ الّذِي صُنِعَ لِآلِ جَعْفَرٍ فِيمَا ذَكَرَ الزّبَيْرُ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ فَعَمَدَتْ سَلْمَى مَوْلَاةُ النّبِيّ ﷺ إلَى شَعِيرٍ فَطَحَنَتْهُ ثُمّ آدَمَتْهُ بِزَيْتِ وَجَعَلَتْ عَلَيْهِ فُلْفُلًا، قَالَ عَبْدُ اللهِ فَأَكَلْت مِنْهُ وَحَبَسَنِي النّبِيّ ﷺ مَعَ إخْوَتِي فِي بَيْتِهِ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ.
[ ٧ / ١٨١ ]
وَهُمْ إذَا مَا نَوّمَ النّاسُ مُسْهِرُ
لِذِكْرَى حَبِيبٍ هَيّجْت لِي عِبْرَةً سُفُوحًا وَأَسْبَابُ الْبُكَاءِ التّذَكّرُ
بَلَى إنّ فِقْدَانَ الْحَبِيبِ بَلِيّةٌ وَكَمْ مِنْ كَرِيمٍ يُبْتَلَى ثُمّ يَصْبِرُ
رَأَيْت خِيَارَ الْمُؤْمِنِينَ تواردوا شعوب وخالفا بَعْدَهُمْ يَتَأَخّرُ
فَلَا يُبْعِدَن اللهُ قَتْلَى تَتَابَعُوا بِمُؤْتَةِ مِنْهُمْ ذُو الْجَنَاحَيْنِ جَعْفَرُ
وَزَيْدٌ وَعَبْدُ اللهِ حِينَ تَتَابَعُوا جَمِيعًا وَأَسْبَابُ الْمَنِيّةِ تَخْطِرُ
غَدَاةَ مَضَوْا بِالْمُؤْمِنِينَ يَقُودُهُمْ إلَى الْمَوْتِ مَيْمُونُ النّقِيبَةِ أَزْهَرُ
أغر كضوء البد مِنْ آلِ هَاشِمٍ أَبِيّ إذَا سِيمَ الظّلَامَةِ مِجْسَرُ
فَطَاعَنَ حَتّى مَالَ غير موسد بمعترك فِيهِ قَنَا مُتَكَسّرُ
فَصَارَ مَعَ الْمُسْتَشْهِدِينَ ثَوَابَهُ جِنَانٌ وَمُلْتَفّ الْحَدَائِقِ أَخْضَرُ
وَكُنّا نَرَى فِي جَعْفَرٍ مِنْ مُحَمَّد
وَفَاء وَأمر حَازِمًا حِينَ يَأْمُرُ
فَمَا زَالَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ دَعَائِمُ عِزّ لَا يَزُلْنَ وَمَفْخَرُ
هُمْ جَبَلُ الْإِسْلَامِ وَالنّاسُ حَوْلَهُمْ رضام إِلَى الطود يروق ويقهر
بهَا ليل مِنْهُمْ جَعْفَرٌ وَابْنُ أُمّهِ عَلِيّ وَمِنْهُمْ أَحْمَدُ الْمُتَخَيّرُ
_________________
(١) مِنْ شِعْرِ حَسّانٍ فِي رِثَاءِ جَعْفَرٍ: وَذَكَرَ قَوْلَ حَسّانٍ يَرْثِي جَعْفَرًا: تَأَوّبَنِي لَيْلٌ بِيَثْرِبَ أَعْسَرُ أَعْسَرُ: بِمَعْنَى عَسِرٍ، وَفِي التّنْزِيلِ: ﴿يَوْمُ عَسِرٌ﴾ [الْقَمَر: من الْآيَة ٨] فِيهِ وَأَيْضًا ﴿عَسِيرٌ﴾ [المدثر: من الْآيَة ٩] وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، فَمَنْ قَالَ: عَسِرَ [يَعْسَرُ] قَالَ: عَسِيرٌ بِالْيَاءِ، وَمَنْ قَالَ: عَسِرَ يَعْسَرُ، قَالَ فِي الِاسْمِ: عَسِرٌ وَأَعْسَرُ، مِثْلَ حَمِقٌ وَأَحْمَقُ. وَفِي هَذَا الشّعْرِ قَوْلُهُ: بَهَالِيلُ مِنْهُمْ جَعْفَرٌ وَابْنُ أُمّهِ عَلِيّ وَمِنْهُمْ أَحْمَدُ الْمُتَخَيّرُ
[ ٧ / ١٨٢ ]
وَحَمْزَةُ وَالْعَبّاسُ مِنْهُمْ وَمِنْهُمْ عَقِيلٌ وَمَاءُ الْعُودِ مِنْ حَيْثُ يُعْصَرُ
_________________
(١) الْبَهَالِيلُ: جَمْعُ بُهْلُولٍ، وَهُوَ الْوَضِيءُ الْوَجْهِ مَعَ طول. وَقَوله: مِنْهُم أَحْمَدُ الْمُتَخَيّرُ، فَدَعَا بِهِ بَعْضُ النّاسِ لَمّا أَضَافَ أَحْمَدَ الْمُتَخَيّرَ إلَيْهِمْ، وَلَيْسَ بِعَيْبِ لِأَنّهَا لَيْسَتْ بِإِضَافَةِ تَعْرِيفٍ، وَإِنّمَا هُوَ تَشْرِيفٌ لَهُمْ حَيْثُ كَانَ مِنْهُمْ، وَإِنّمَا ظَهَرَ الْعَيْبُ فِي قَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ: كَيْفَ لَا يُدْنِيك مِنْ أَمَلٍ مَنْ رَسُولُ اللهِ مِنْ نَفَرِهِ لِأَنَّهُ ذكر وَاحِد، وَأَضَافَ إلَيْهِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا عِيبَ عَلَى الْأَعْشَى: شَتّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا وَيَوْمُ حَيّانَ أَخِي جَابِرِ وَكَانَ حَيّانُ أَسَنّ مِنْ جَابِرٍ، وَأَشْرَفَ فَغَضِبَ عَلَى الْأَعْشَى حَيْثُ عَرّفَهُ بِجَابِرِ وَاعْتَذَرَ إلَيْهِ مِنْ أَجْلِ الرّوِيّ، فَلَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُ، وَوَجَدْت فِي رِسَالَةِ الْمُهَلْهَلِ بْنِ يَمُوتَ بْنِ الْمُزْرِعِ، قَالَ: قَالَ عَلِيّ بْنُ الْأَصْفَرِ، وَكَانَ مِنْ رُوَاةِ أَبِي نُوَاسٍ قَالَ: لَمّا أَبُو نُوَاسٍ: أَيهَا المنتاب عَن عُفُرِهِ أَنْشَدَنِيهَا فَلَمّا بَلَغَ قَوْلَهُ: كَيْفَ لَا يُدْنِيك مِنْ أَمَلٍ مَنْ رَسُولُ اللهِ مِنْ نَفَرِهِ وَقَعَ لِي أَنّهُ كَلَامٌ مُسْتَهْجَنٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ إذْ كَانَ حَقّ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ وَلَا يُضَافَ إلَى أَحَدٍ فَقُلْت لَهُ: أَعَرَفْت عَيْبَ هَذَا الْبَيْتِ؟ قَالَ: مَا يَعِيبُهُ إلّا جَاهِلٌ بِكَلَامِ الْعَرَبِ، وَإِنّمَا أَرَدْت أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ الْقَبِيلِ الّذِي هَذَا الْمَمْدُوحُ مِنْهُ، أَمَا سَمِعْت قَوْلَ حَسّانِ بْنِ ثَابِتِ شَاعِرِ دِينِ الْإِسْلَامِ: وَمَا زَالَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ دَعَائِمُ عز لَا ترام وَمَفْخَرُ بَهَالِيلُ مِنْهُمْ جَعْفَرٌ وَابْنُ أمه عَليّ وَمِنْهُم أَحْمَدُ الْمُتَخَيّرُ
[ ٧ / ١٨٣ ]
عِمَاسٍ إذَا مَا ضَاقَ بِالنّاسِ مصدر
هم أولياءالله أَنْزَلَ حُكْمَهُ عَلَيْهِمْ وَفِيهِمْ ذَا الْكِتَابُ الْمُطَهّرُ
شِعْرُ كَعْبٍ فِي بُكَاءِ قَتْلَى مُؤْتَةَ
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ:
سَحّا كَمَا وَكَفَ الطباب المخضل قَامَ الْعُيُون ودمع عَيْنك يهمل
_________________
(١) وَقَوْلُهُ: بِهِمْ تُفْرَجُ اللّأْوَاءُ فِي كُلّ مَأْزِقٍ *عِمَاسٍ الْمَأْزِقُ: الْمَضِيقُ مِنْ مَضَائِقِ الْحَرْبِ وَالْخُصُومَةِ وَهُوَ مِنْ أَزَقْت الشّيْءَ إذَا ضَيّقْته وَفِي قِصّةِ ذِي الرّمّةِ قَالَ: سَمِعْت غُلَامًا يَقُولُ لِغِلْمَةِ قَدْ أَزَقْتُمْ هَذِهِ الْأُوقَةَ حَتّى جَعَلْتُمُوهَا كَالْمِيمِ ثُمّ أَدْخَلَ مَنْجَمَهُ يَعْنِي عَقِبَةً فِيهَا،حَتّى أَفْهَقَهَا، أَيْ حَرّكَهُ حَتّى وَسّعَهَا. وَالْعِمَاسُ: الْمُظْلِمُ، وَالْأَعْمَسُ: الضّعِيفُ الْبَصَرُ وَحُفْرَةٌ معمسة، أَي مفطاة قَالَ الشّاعِرُ: فَإِنّك قَدْ غَطّيْت أَرْجَاءَ هُوّةٍ مُعَمّسَةٍ لَا يُسْتَبَانُ تُرَابُهَا بِثَوْبِك فِي الظّلْمَاءِ ثُمّ دَعَوْتنِي فَجِئْت إلَيْهَا سَادِرًا لَا أَهَابُهَا أَنْشَدَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِي فِي خير لِزُرَارَةَ بْنِ عُدُسٍ. حَوْلُ شِعْرِ كَعْبٍ وَذَكَرَ شِعْرَ كَعْبٍ وَفِيهِ سَحّا كَمَا وَكَفَ الطّبَابُ الْمُخْضِلُ
[ ٧ / ١٨٤ ]
فِي لَيْلَةٍ وَرَدَتْ عَلَيّ هُمُومُهَا طَوْرًا أَخِنّ وَتَارَةً أَتَمَلْمَلُ
وَاعْتَادَنِي حُزْنٌ فَبِتّ كَأَنّنِي بِبَنَاتِ نَعْشٍ وَالسّمَاكِ مُوَكّلُ
وَكَأَنّمَا بَيْنَ الْجَوَانِحِ وَالْحَشَى مِمّا تَأَوّبَنِي شِهَابٌ مُدْخَلُ
وَجْدًا عَلَى النّفَرِ الّذِينَ تَتَابَعُوا يَوْمًا بِمُؤْتَة أُسْنِدُوا لَمْ يُنْقَلُوا
صَلّى الْإِلَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ فِتْيَةٍ وَسَقَى عِظَامَهُمْ الْغَمَامُ الْمُسَبّلُ
صَبَرُوا بِمُؤْتَة لِلْإِلَهِ نُفُوسَهُمْ حَذَرَ الرّدَى وَمَخَافَةَ أَنْ يَنْكُلُوا
فَمَضَوْا أَمَامَ الْمُسْلِمِينَ كَأَنّهُمْ فُنُقٌ عَلَيْهِنّ الْحَدِيدُ الْمُرْفَلُ
_________________
(١) الطّبَابُ جَمْعُ طِبَابَةٍ وَهِيَ سَيْرٌ بَيْنَ خَرَزَتَيْنِ فِي الْمَزَادَةِ فَإِذَا كَانَ غَيْرَ مُحْكَمٍ وَكَفَ مِنْهُ الْمَاءُ وَالطّبَابُ أَيْضًا: جَمْعُ طَبّةٍ وَهِيَ شِقّةٌ مُسْتَطِيلَةٌ. وَقَوْلُهُ طَوْرًا أَخِنّ. الْخَنِينُ بِالْخَاءِ الْمَنْقُوطَةِ حَنِينٌ بِبُكَاءِ فَإِذَا كَانَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَلَيْسَ مَعَهُ بُكَاءٌ وَلَا دَمْعٌ الِاسْتِقَاءُ لِلْقُبُورِ عِنْدَ الْعَرَبِ وَقَوْلُهُ: وَسَقَى عِظَامَهُمْ الْغَمَامُ الْمُسْبِلُ يَرُدّ قَوْلَ مَنْ قَالَ إنّمَا اسْتَسْقَتْ الْعَرَبُ لِقُبُورِ أَحِبّتِهَا لِتَخْصَبَ أَرْضُهَا فَلَا يَحْتَاجُونَ إلَى الِانْتِقَالِ عَنْهَا لِمَطْلَبِ النّجْعَةِ فِي الْبِلَادِ. وَقَالَ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الدّلَائِلِ فَهَذَا كَعْبٌ يَسْتَسْقِي لِعِظَامِ الشّهَدَاءِ بِمُؤْتَة وَلَيْسَ مَعَهُمْ وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْآخَرِ سَقَى مُطْغِيَاتِ الْمَحْلِ جُودًا وَدِيمَةً عِظَامَ ابْنِ لَيْلَى حَيْثُ كَانَ رَمِيمُهَا فَقَوْلُهُ: حَيْثُ كَانَ رَمِيمُهَا يَدُلّ عَلَى أَنّهُ لَيْسَ مُقِيمًا مَعَهُ وَإِنّمَا اسْتِسْقَاؤُهُمْ لِأَهْلِ الْقُبُورِ اسْتِرْحَامٌ لَهُمْ لِأَنّ السّقْيَ رَحْمَةٌ وَضِدّهَا عَذَابٌ. وَقَوْلُهُ كَأَنّهُمْ فُنُقٌ جَمْعُ: فَنِيقٍ وَهُوَ الْفَحْلُ كَمَا قَالَ الْآخَرُ وَهُوَ طُخَيْمٌ مَعِي كُلّ فَضْفَاضِ الرّدَاءِ كَأَنّهُ إذَا مَا سَرَتْ فِيهِ الْمُدَامُ فَنِيقُ
[ ٧ / ١٨٥ ]
إذْ يَهْتَدُونَ بِجَعْفَرِ وَلِوَائِهِ قُدّامَ أَوّلِهِمْ فَنِعْمَ الْأَوّلُ
حَتّى تَفَرّجَتْ الصّفُوفُ وَجَعْفَرٌ حَيْثُ الْتَقَى وَعْثُ الصّفُوفِ مُجَدّلُ
فَتَغَيّرَ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ لِفَقْدِهِ وَالشّمْسُ قَدْ كَسَفَتْ وَكَادَتْ تَأْفِلُ
قَرْمٌ عَلَا بُنْيَانُهُ مِنْ هَاشِمٍ فَرْعًا أَشَمّ وَسُؤْدُدًا مَا يُنْقَلُ
قَوْمٌ بِهِمْ عَصَمَ الْإِلَهُ عِبَادَهُ وَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْكِتَابُ الْمُنْزَلُ
لَا يُطْلِقُونَ إلَى السّفَاهِ حُبَاهُمْ وَيُرَى خَطِيبُهُمْ بِحَقّ يَفْصِلُ
بِيضُ الْوُجُوهِ تُرَى بُطُونُ أَكُفّهُمْ تَنْدَى إذَا اعْتَذَرَ الزّمَانُ الْمُمْحِلُ
وَبِهَدْيِهِمْ رَضِيَ الْإِلَهُ لِخَلْقِهِ وَبِجَدّهِمْ نُصِرَ النّبِيّ الْمُرْسَلُ
_________________
(١) وَقَوْلُهُ فَتَغَيّرَ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ لِفَقْدِهِ وَالشّمْسُ قَدْ كَسَفَتْ وَكَادَتْ تَأْفِلُ قَوْلُهُ حَقّ، لِأَنّهُ إنْ كَانَ عَنَا بِالْقَمَرِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَجَعَلَهُ قَمَرًا، ثُمّ جَعَلَهُ شَمْسًا، فَقَدْ كَانَ تَغَيّرَ بِالْحُزْنِ لِفَقْدِ جَعْفَرٍ وَإِنْ كَانَ أَرَادَ الْقَمَرَ نَفْسَهُ فَمَعْنَى الْكَلَامِ وَمَغْزَاهُ حَقّ أَيْضًا، لِأَنّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ تَعْظِيمُ الْحُزْنِ وَالْمُصَابِ وَإِذَا فُهِمَ مَغْزَى الشّاعِرِ فِي كَلَامِهِ وَالْمُبَالِغُ فِي الشّيْءِ فَلَيْسَ بِكَذِبِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ ﵇ أَمّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ أَرَادَ بِهِ الْمُبَالَغَةَ فِي شِدّةِ أَدَبِهِ لِأَهْلِهِ فَكَلَامُهُ كُلّهُ حَقّ - ﷺ - وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي مِثْلِ قَوْلِ الشّاعِرِ [طُفَيْلٍ الْغَنَوِيّ] إذَا مَا غَضِبْنَا غَضْبَةً مُضَرِيّةً هَتَكْنَا حِجَابَ الشّمْسِ أَوْ قَطَرَتْ دَمًا قَالَ إنّمَا أَرَادَ فَعَلْنَا فِعْلَةً شَنِيعَةً عَظِيمَةً فَضَرَبَ الْمَثَلَ بِهَتْكِ حِجَابِ الشّمْسِ وَفُهِمَ مَقْصِدُهُ فَلَمْ يَكُنْ كَذِبًا، وَإِنّمَا الْكَذِبُ أَنْ يَقُولَ فَعَلْنَا، وَهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا، وَقَتَلْنَا وَهُمْ لَمْ يَقْتُلُوا.
[ ٧ / ١٨٦ ]
شِعْرُ حَسّانٍ فِي بُكَاءِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْكِي جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁
وَلَقَدْ بَكَيْت وَعَزّ مَهْلَكُ جَعْفَرٍ حِبّ النّبِيّ عَلَى الْبَرّيّةِ كُلّهَا
وَلَقَدْ جَزِعْت وَقُلْت حِينَ نُعِيت لِي مَنْ لِلْجِلَادِ لَدَى الْعُقَابِ وَظِلّهَا
بِالْبِيضِ حِينَ تُسَلّ مِنْ أَغْمَادِهَا ضَرْبًا وَإِنْهَالِ الرّمَاحِ وَعَلّهَا
بَعْدَ ابْنِ فَاطِمَةَ الْمُبَارَكِ جَعْفَرٍ خَيْرِ الْبَرّيّةِ كُلّهَا وَأَجَلّهَا
رُزْءًا وَأَكْرَمَهَا جَمِيعًا مُحْتَدّا وَأَعَزّهَا مُتَظَلّمًا وَأَذَلّهَا
لِلْحَقّ حِينَ يَنُوبُ غَيْرَ تَنَحّلٍ كَذِبًا وَأَنْدَاهَا يَدًا وَأَقَلّهَا
فُحْشًا وَأَكْثَرِهَا إذَا مَا يُحْتَدَى فَضْلًا وَأَبْذَلِهَا نَدَى وَأَبَلّهَا
بِالْعُرْفِ غَيْرَ مُحَمّدٍ لَا مِثْلُهُ حَيّ مِنْ أَحْيَاءِ الْبَرّيّةِ كُلّهَا
_________________
(١) مِنْ شِعْرِ حَسّانٍ فِي رِثَاءِ جَعْفَرٍ وَذَكَرَ أَبْيَاتِ حَسّانٍ وَفِي بَعْضِهَا تَضْمِينٌ نَحْوَ قَوْلِهِ وَأَذَلّهَا، ثُمّ قَالَ فِي أَوّلِ بَيْتٍ آخَرَ لِلْحَقّ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي بَيْتٍ آخَرَ وَأَقَلّهَا، وَقَالَ فِي الّذِي بَعْدَهُ فُحْشًا، وَهَذَا يُسَمّى التّضْمِينُ. وَذَكَرَ قُدَامَةُ فِي كِتَابِ نَقْدِ الشّعْرِ أَنّهُ عَيْبٌ عِنْدَ الشّعَرَاءِ وَلَعَمْرِي إنّ فِيهِ مَقَالًا، لِأَنّ آخِرَ الْبَيْتِ يُوقَفُ عَلَيْهِ فَيُوهِمُ الذّمّ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ وَأَذَلّهَا، وَكَذَلِكَ وَأَقَلّهَا، وَقَدْ غَلَبَ الزّبْرِقَانُ عَلَى الْمُخَبّلِ السّعْدِيّ وَاسْمُهُ كَعْبٌ بِكَلِمَةِ قَالَهَا الْمُخَبّلُ أَشْعَرَ مِنْهُ وَلَكِنّهُ لَمّا قَالَ يَهْجُوهُ وَأَبُوك بَدْرٌ كَانَ يَنْتَهِزُ الْخُصْيَ وَأَبِي الْجَوَادُ رَبِيعَةُ بْنِ قِتَالِ وَصَلَ الْكَلَامَ بِقَوْلِهِ وَأَبِي، وَأَدْرَكَهُ بُهْرٌ أَوْ سُعْلَةٌ فَقَالَ لَهُ الزّبْرِقَانُ فَلَا بَأْسَ
[ ٧ / ١٨٧ ]
شِعْرُ حَسّانٍ فِي بُكَاءِ ابْنِ حَارِثَةَ وَابْنِ رَوَاحَةَ
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي يَوْمِ مُؤْتَةَ يَبْكِي زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ:
عَيْنِ جُودِي بِدَمْعِك الْمَنْزُورِ وَاذْكُرِي فِي الرّخَاءِ أَهْلَ الْقُبُورِ
وَاذْكُرِي مُؤْتَةَ وَمَا كَانَ فِيهَا يَوْمَ رَاحُوا فِي وَقْعَةِ التّغْوِيرِ
حِينَ رَاحُوا وَغَارُوا ثُمّ زَيْدٌ نِعْمَ مَأْوَى الضّرِيكِ وَالْمَأْسُورِ
حِبّ خَيْرِ الْأَنَامِ طُرّا جَمِيعًا سَيّدَ النّاسِ حُبّهُ فِي الصّدُورِ
ذَاكُمْ أَحْمَدُ الّذِي لَا سِوَاهُ ذَاكَ حُزْنِي لَهُ مَعًا وَسُرُورِي
إنّ زَيْدًا قَدْ كَانَ مِنّا بِأَمْرِ لَيْسَ أَمْرَ الْمُكَذّبِ الْمَغْرُورِ
_________________
(١) إِذا، فَضُحِكَ مِنْ الْمُخَبّلِ وَغَلَبَ عَلَيْهِ الزّبْرِقَانُ وَإِذَا كَانَ هَذَا مَعِيبًا فِي وَسَطِ الْبَيْتِ فَأَحْرَى أَنْ يُعَابَ فِي آخِرِهِ إذَا كَانَ يُوهِمُ الذّمّ وَلَا يَنْدَفِعُ ذَلِكَ الْوَهْمُ إلّا بِالْبَيْتِ الثّانِي، فَلَيْسَ هَذَا مِنْ التّحْصِينِ عَلَى الْمَعَانِي وَالتّوَقّي لِلِاعْتِرَاضِ. وَقَوْلُ حَسّانٍ عَيْنِ جُودِي بِدَمْعِك الْمَنْزُورِ النّزْرُ الْقَلِيلُ وَلَا يَحْسُنُ هَهُنَا ذِكْرُ الْقَلِيلِ وَلَكِنّهُ مَنْ نَزَرْت الرّجُلَ إذَا أَلَحَجْت عَلَيْهِ وَنَزَرْت الشّيْءَ إذَا اسْتَنْفَدْته، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ - ﵀ - نَزَرْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - الْأَصَحّ فِيهِ التّخْفِيفُ قَالَ الشّاعِرُ فَخُذْ عَفْوَ مَنْ تَهْوَاهُ لَا تَنْزُرَنهُ فَعِنْدَ بُلُوغ الكدر رنق الْمَشَارِبَ وَقَوْلُهُ:يَوْمَ رَاحُوا فِي وَقْعَةِ التّغْوِيرِ هُوَ مَصْدَرُ غَوّرْت إذَا تَوَسّطَ الْقَائِلَةَ مِنْ
[ ٧ / ١٨٨ ]
ثُمّ جُودِي لِلْخَزْرَجِيّ بِدَمْعِ سيدا كَانَ ثمَّ غَيْرَ نَزُورِ
قَدْ أَتَانَا مِنْ قَتْلِهِمْ مَا كَفَانَا فَبِحُزْنِ نَبِيتُ غَيْرَ سُرُورِ
وَقَالَ شَاعِرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِمّنْ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ:
كَفَى حُزْنًا أَنّي رَجَعْت وَجَعْفَرٌ وَزَيْدٌ وَعَبْدُ اللهِ فِي رَمْسِ أَقْبُرِ
قَضَوْا نَحْبَهُمْ لَمّا مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ وَخُلِفْت لِلْبَلْوَى مَعَ الْمُتَغَبّرِ
ثَلَاثَةُ رَهْطٍ قُدّمُوا فَتَقَدّمُوا إلَى ِرْدٍ مَكْرُوهٍ مِنْ الْمَوْتِ أَحْمَرِ
شُهَدَاءُ مُؤْتَةَ
وَهَذِهِ تَسْمِيَةُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ مُؤْتَةَ:
مِنْ بني هَاشم
من قُرَيْشٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي هَاشِم جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ﵁.
من بَنِي عَدِيّ
وَمن بني عدي بْنِ كَعْبٍ: مَسْعُودُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ حَارِثَةَ بن نَضْلَة
_________________
(١) النّهَارِ وَيُقَالُ أَيْضًا: أَغْوَرُ فَهُوَ مُغْوِرٌ وَفِي حَدِيثِ الْإِفْكِ مُغْوِرِينَ فِي نَحْرِ الظّهِيرَةِ وَإِنّمَا صَحّتْ الْوَاوُ فِي مُغْوِرٍ وَفِي أَغْوَرَ مِنْ هَذَا، لِأَنّ الْفِعْلَ بُنِيَ فِيهِ عَلَى الزّوَائِدِ كَمَا يُبْنَى اسْتَحْوَذَ وَأُغِيلَتْ الْمَرْأَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَغَارَ عَلَى الْعَدُوّ وَلَا أَغَارَ الْحَبْلَ. وَذَكَرَ فِيمَنْ اُسْتُشْهِدَ بِمُؤْتَة أَبَا كُلَيْبِ بْنَ أَبِي صَعْصَعَةَ. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فِيهِ أَبُو كِلَابٍ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ وَقَالَ أَبُو عُمَرَ لَا يُعْرَفُ فِي الصّحَابَةِ أَحَدٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو كُلَيْبٍ.
[ ٧ / ١٨٩ ]
من بَنِي مَالِكِ
وَمن بني مَالك بْنِ حِسْلٍ: وَهْبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سرح.
من الْأَنْصَار
وَمِنْ الْأَنْصَارِ ثُمّ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَعَبّادُ بْنُ قَيْسٍ.
وَمِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّجّارِ: الْحَارِثُ بْنُ النّعْمَانِ بْنِ أَسَافِ بْنِ نَضْلَةَ بْنِ عَبْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ غَنْمٍ
وَمِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النّجّار سُرَاقَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطِيّةَ ابْن خنساء
من ذكرهم ابْن هِشَام
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَمِمّنْ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ مُؤْتَةَ، فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ.
مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النّجّارِ: أَبُو كُلَيْبٍ وَجَابِرٌ ابْنَا عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ مَبْذُولٍ وَهُمَا لِأَبٍ وَأُمّ.
وَمِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ أَفْصَى: عَمْرٌو وَعَامِرٌ ابْنَا سَعْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبّادِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَفْصَى.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ أَبُو كِلَابٍ وَجَابِرٌ ابْنَا عَمْرٍو.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ١٩٠ ]
ذِكْرُ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ الْمَسِيرَ إلَى مَكّةَ وَذِكْرُ فَتْحِ مَكّةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سنة ثَمَان
الْقِتَال بَين بكر وخزاعة
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ أَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ بَعْثِهِ إلَى مُؤْتَة جُمَادَى الْآخِرَةِ وَرَجَبًا.
ثُمّ إنّ بَنِي بَكْرِ بْنَ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ عَدَتْ عَلَى خُزَاعَةَ، وَهُمْ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ بِأَسْفَلِ مَكّةَ يُقَالُ لَهُ الْوَتِيرُ، وَكَانَ الّذِي هَاجَ مَا بَيْنَ بَنِي بَكْرٍ وَخُزَاعَةَ أَنّ رَجُلًا مِنْ بَنِي الْحَضْرَمِيّ وَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ عَبّادٍ - وَحِلْفُ الْحَضْرَمِيّ يَوْمَئِذٍ إلَى الْأَسْوَدِ بْنِ رَزْنٍ - خَرَجَ تَاجِرًا، فَلَمّا تَوَسّطَ أَرْضَ خُزَاعَةَ، عَدَوْا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا مَالَهُ فَعَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ فَقَتَلُوهُ فَعَدَتْ خُزَاعَةُ قُبَيْلَ الْإِسْلَامِ عَلَى بَنِي الْأَسْوَدِ بْنِ رَزْنِ
_________________
(١) بَدْءُ فَتْحِ مَكّةَ ذَكَرَ فِي الْأَسْوَدِ بْنِ رَزْنٍ الْكِنَانِيّ بِفَتْحِ الرّاءِ وَذَكَرَ الشّيْخُ الْحَافِظُ أَبُو بَحْرٍ أَنّ أَبَا الْوَلِيدِ أَصْلَحَهُ رِزْنًا بِكَسْرِ الرّاءِ قَالَ وَالرّزْنُ نُقْرَةٌ فِي حَجَرٍ يُمْسِكُ الْمَاءَ وَفِي كِتَابِ الْعَيْنِ الرّزْنُ أَكَمَةٌ تُمْسِكُ الْمَاءَ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ وَذَكَرَ أَنّ
[ ٧ / ١٩١ ]
الدّيلِيّ - وَهُمْ مَنْخِرُ بَنِي كِنَانَةَ وَأَشْرَافُهُمْ - سَلْمَى وَكُلْثُومٌ وَذُؤَيْبٌ - فَقَتَلُوهُمْ بِعَرَفَةَ عِنْدَ أَنْصَابِ الْحَرَمِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي الدّيلِ، قَالَ:
كَانَ بَنُو الْأَسْوَدِ بْنِ رَزْنٍ يُؤَدّونَ فِي الْجَاهِلِيّةِ دِيَتَيْنِ دِيَتَيْنِ وَنُودِيَ دِيَةً دِيَةً لِفَضْلِهِمْ فِينَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَبَيْنَا بَنُو بَكْرٍ وَخُزَاعَةَ عَلَى ذَلِكَ حَجَزَ بَيْنَهُمْ الْإِسْلَامُ وَتَشَاغَلَ النّاسُ بِهِ. فَلَمّا كَانَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، كَانَ فِيمَا شَرَطُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَشَرَطَ لَهُمْ كَمَا حَدّثَنِي الزّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَائِنَا:
أَنّهُ مَنْ أَحَبّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَهْدِهِ فَلْيَدْخُلْ فِيهِ وَمَنْ أَحَبّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ فَلْيَدْخُلْ فِيهِ فَدَخَلَتْ بَنُو بَكْرٍ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ وَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَهْدِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا كَانَتْ الْهُدْنَةُ اغْتَنَمَهَا بَنُو الدّيلِ مِنْ بَنِي بَكْرٍ مِنْ خُزَاعَةَ، وَأَرَادُوا أَنْ يُصِيبُوا مِنْهُ ثَأْرًا بِأُولَئِكَ النّفَرِ الّذِينَ أَصَابُوا مِنْهُمْ بِبَنِي الْأَسْوَدِ بْنِ رِزْنٍ فَخَرَجَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدّيلِيّ فِي بَنِي الدّيلِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَائِدُهُمْ وَلَيْسَ كُلّ بَنِي بَكْرٍ تَابَعَهُ حَتّى بَيْتِ خُزَاعَةَ وَهُمْ عَلَى الْوَتِيرِ، مَاءٍ لَهُمْ فَأَصَابُوا مِنْهُمْ رَجُلًا، وَتَحَاوَزُوا وَاقْتَتَلُوا، وَرَفَدَتْ بَنِي بَكْرٍ قُرَيْشٌ بِالسّلَامِ وَقَاتَلَ مَعَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ مَنْ قَاتَلَ بِاللّيْلِ مُسْتَخْفِيًا، حَتّى حَازُوا خُزَاعَةَ إلَى الْحَرَمِ، فَلَمّا انْتَهَوْا إلَيْهِ قَالَتْ بَنُو بَكْرٍ يَا نَوْفَلُ إنّا قَدْ دَخَلْنَا الْحَرَمَ، إلَهَك إلَهَك، فَقَالَ كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ لَا إلَهَ لَهُ الْيَوْمَ يَا بَنِي بَكْرٍ
_________________
(١) بَنِي رِزْنٍ مِنْ بَنِي بَكْرٍ وَقَدْ قِيلَ فِيهِ الدّئِلُ وَقَدْ أَشْبَعْنَا الْقَوْلَ فِيهِ فِي أَوّلِ الْكِتَابِ وَمَا قَالَهُ اللّغَوِيّونَ وَالنّسّابُونَ وَذَكَرْنَا هُنَالِكَ كُلّ دِيلٍ فِي الْعَرَبِ، وَكُلّ دُوَلٍ وَالْحَمْدُ لِلّهِ.
[ ٧ / ١٩٢ ]
أَصِيبُوا ثَأْرَكُمْ فَلَعَمْرِي إنّكُمْ لَتَسْرِقُونَ فِي الْحَرَمِ، أَفَلَا تُصِيبُونَ ثَأْرَكُمْ فِيهِ وَقَدْ أَصَابُوا مِنْهُمْ لَيْلَةَ بَيّتُوهُمْ بِالْوَتِيرِ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ مُنَبّهٌ وَكَانَ مُنَبّهٌ رَجُلًا مَفْئُودًا خَرَجَ هُوَ وَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهُ تَمِيمُ بْنِ أَسَدٍ، وَقَالَ لَهُ مُنَبّهٌ يَا تَمِيمُ اُنْجُ بِنَفْسِك، فَأَمّا أَنَا فَوَاَللهِ إنّي لَمَيّتٌ قَتَلُونِي أَوْ تَرَكُونِي لَقَدْ أَنّبْت فُؤَادِي، وَانْطَلَقَ تَمِيمٌ فَأَفْلَتَ وَأَدْرَكُوا مُنَبّهًا فَقَتَلُوهُ فَلَمّا دَخَلَتْ خُزَاعَةُ مَكّةَ، لَجَئُوا إلَى دَارِ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ وَدَارِ مَوْلًى لَهُمْ يُقَالُ لَهُ رَافِعٌ فَقَالَ تَمِيمُ بْنُ أَسَدٍ يَعْتَذِرُ مِنْ فِرَارِهِ عَنْ مُنَبّهٍ.
شِعْرُ تَمِيمٍ فِي الِاعْتِذَارِ مِنْ فِرَارِهِ عَنْ مُنَبّهٍ
لَمّا رَأَيْت بَنِي نُفَاثَةَ أَقْبَلُوا يَغْشَوْنَ كُلّ وَتِيرَةٍ وَحِجَابِ
صَخْرًا وَرَزْنًا لَا عَرِيبَ سِوَاهُمْ يُزْجُونَ كُلّ مُقَلّصٍ خِنّابِ
وَذَكَرْت ذَحْلًا عِنْدَنَا مُتَقَادِمًا فِيمَا مَضَى مِنْ سَالِفِ الْأَحْقَابِ
وَنَشَيْتُ رِيحَ الْمَوْتِ مِنْ تِلْقَائِهِمْ وَرَهِبْت وَقْعَ مُهَنّدٍ قَضّابِ
وَعَرَفْت أَنّ مَنْ يَثْقُفُوهُ يَتْرُكُوا لَحْمًا لِمُجْرِيَةِ وَشِلْوَ غُرَابِ
_________________
(١) حَوْلَ شِعْرِ تَمِيمٍ: وَذَكَرَ شِعْرَ تَمِيمِ بْنِ أَسَدٍ، وَفِيهِ يُزْجُونَ كُلّ مُقَلّصٍ خِنّابِ الْخِنّابُ الطّوِيلُ مِنْ الْخَيْلِ وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْجَمْهَرَةِ وَيُقَالُ الْخِنّابُ الْوَاسِعُ الْمَنْخِرَيْنِ وَالْخِنّابَةُ جَانِبُ الْأَنْفِ وَفِي الْعَيْنِ الْخِنّابُ الرّجُلُ الضّخْمُ وَهُوَ الْأَحْمَقُ أَيْضًا، وَالْمُقَلّصُ مِنْ الْخَيْلِ الْمُنْضَمّ الْبَطْنِ وَالْقَوَائِمِ وَإِنْ قُلْت: الْمُقَلّصُ بِكَسْرِ اللّامِ فَهُوَ مِنْ قَلَصَتْ الْإِبِلُ إذَا شَمّرَتْ قَالَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ.
[ ٧ / ١٩٣ ]
قَوّمْت رِجْلًا لَا أَخَافُ عِثَارَهَا وَطَرَحْت بِالْمَتْنِ الْعَرَاءِ ثِيَابِي
وَنَجَوْت لَا يَنْجُو نَجَائِي أَحْقَبُ عِلْجٌ أَقَبّ مُشَمّرُ الْأَقْرَابِ
تَلْحَى وَلَوْ شَهِدَتْ لَكَانَ نَكِيرُهَا بَوْلًا يَبُلّ مَشَافِرَ الْقَبْقَابِ
الْقَوْمُ أَعْلَمُ مَا تَرَكْت مُنَبّهًا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ فَاسْأَلِي أَصْحَابِي
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَتُرْوَى لِحَبِيبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ [الْأَعْلَمِ] الْهُذَلِيّ وَبَيْتُهُ "وَذَكَرْت ذَحْلًا عِنْدَنَا مُتَقَادِمًا" عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَقَوْلُهُ "خِنّابِ" و"عِلْجٌ أَقَبّ مُشَمّرُ الْأَقْرَابِ" عَنْهُ أَيْضًا.
شِعْرُ الْأَخْزَرِ فِي الْحَرْبِ بَيْنَ كِنَانَةَ وَخُزَاعَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ الْأَخْزَرُ بْنُ لُعْطٍ الدّيلِيّ فِيمَا كَانَ بَيْنَ كِنَانَةَ وَخُزَاعَةَ فِي تِلْكَ الْحَرْبِ:
_________________
(١) وَفِيهِ ظِلّ عُقَابِ وَهِيَ الرّايَةُ وَكَانَ اسْمُ رَايَةِ النّبِيّ - ﷺ - الْعُقَابَ وَالدّلِيلُ عَلَى أَنّهُ يُقَالُ لِكُلّ رَايَةٍ عُقَابٌ قَوْلُ قَطَرِيّ بْنِ الْفُجَاءَةِ وَيُكَنّى أَبَا نَعَامَةَ رَئِيسَ الْخَوَارِجِ: يَا رُبّ ظِلّ عُقَابٍ قَدْ وَفَيْت بِهَا مُهْرِي مِنْ الشّمْسِ وَالْأَبْطَالُ تَجْتَلِدُ وَفِيهِ يَبُلّ مَشَافِرَ الْقَبْقَابِ الْقَبْقَابُ أَرَادَ بِهِ الْفَرْجَ وَالْقَبْقَبُ وَالْقَبْقَابُ الْبَطْنُ أَيْضًا. حَوْلَ شِعْرِ الْأَخْزَرِ وَذَكَرَ قَوْلَ الْأَخْزَرِ وَفِيهِ
[ ٧ / ١٩٤ ]
أَلَا هَلْ أَتَى قُصْوَى الْأَحَابِيشِ أَنّنَا رَدَدْنَا بَنِي كَعْبٍ بِأَفْوَقَ نَاصِلِ
حَبَسْنَاهُمْ فِي دَارَةِ الْعَبْدِ رَافِعٍ وَعِنْدَ بُدَيْلٍ مَحْبِسًا غَيْرَ طَائِلِ
بِدَارِ الذّلِيلِ الْآخِذِ الضّيْمِ بَعْدَمَا شَفَيْنَا النّفُوسَ مِنْهُمْ بِالْمَنَاصِلِ
حَبَسْنَاهُمْ حَتّى إذَا طَالَ يَوْمُهُمْ نَفَخْنَا لَهُمْ مِنْ كُلّ شِعْبٍ بِوَابِلِ
نُذَبّحْهُمُ ذَبْحَ التّيُوسِ كَأَنّنَا أُسُودٌ تَبَارَى فِيهُمُ بِالْقَوَاصِلِ
هُمْ ظَلَمُونَا وَاعْتَدَوْا فِي مَسِيرِهِمْ وَكَانُوا لَدَى الْأَنْصَابِ أَوّلَ قَاتِلِ
كَأَنّهُمْ بِالْجِزْعِ إذْ يَطْرُدُونَهُمْ قَفَا ثَوْرَ حَفّانُ النعام الجوافل
_________________
(١) قَفَا ثَوْرَ حَفّانُ النّعَامِ الْجَوَافِلِ قَفَا ثَوْرَ يَعْنِي: الْجَبَلَ وَقَفَا ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ الّذِي قَبْلَهُ وَقَالَ قَفَا ثَوْرَ وَلَمْ يُنَوّنْ لِأَنّهُ اسْمُ عَلَمٍ مَعَ ضَرُورَةِ الشّعْرِ وَقَدْ تَكَلّمْنَا عَلَى هَذَا فِيمَا قَبْلُ وَلَوْ قَالَ قَفَا ثَوْرَ بِنَصْبِ الرّاءِ وَجَعَلَهُ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ لَمْ يَبْعُدْ لِأَنّ مَا لَا تَنْوِينَ فِيهِ وَهُوَ غَيْرُ مُعْرَبٍ بِأَلِفِ وَلَامٍ وَلَا إضَافَةٍ فَلَا يَدْخُلُهُ الْخَفْضُ لِئَلّا يُشْبِهَ مَا يُضِيفُهُ الْمُتَكَلّمُ إلَى نَفْسِهِ وَقَفَا ثَوْرَ بِهَذَا اللّفْظِ تَقَيّدَ فِي الْأَصْلِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْبَرْقِيّ فِي شَرْحِ هَذَا الْبَيْتِ أَنّهُ بِفَاثُورَ لِأَنّهُ قَالَ الْفَاثُورُ سَبِيكَةُ الْفِضّةِ وَكَأَنّهُ شَبّهَ الْمَكَانَ بِالْفِضّةِ لِنِقَائِهِ وَاسْتِوَائِهِ فَإِنْ كَانَتْ الرّوَايَةُ كَمَا قَالَ فَهُوَ اسْمُ مَوْضِعٍ وَالْفَاثُورُ خِوَانٌ مِنْ فِضّةٍ وَيُقَالُ. إبْرِيقٌ مِنْ فِضّةٍ قِيلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِ جَمِيلٍ وَصَدْرٍ كَفَاثُورِ اللّجَيْنِ وَجِيدُ وَفِي قَوْلِ لَبِيَدٍ حَقَائِبُهُمْ رَاحٌ عَتِيقٌ وَدَرْمَكٌ وَمِسْكٌ وَفَاثُورِيّةٌ وَسُلَاسِلُ وَكَمَا قَالَ الْبَرْقِيّ: أَلْفَيْته فِي نُسَخٍ صَحِيحَةٍ سِوَى نُسْخَةِ الشّيْخِ وَإِنْ صَحّ مَا
[ ٧ / ١٩٥ ]
شعر بُدَيْلٌ يَرُدّ عَلَى الْأَخْزَرِ
فَأَجَابَهُ بُدَيْلُ بْنُ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَجَبّ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ بَدِيلُ ابْنِ أُمّ أَصْرَمَ، فَقَالَ
تَفَاقَدَ قَوْمٌ يَفْخَرُونَ وَلَمْ نَدَعْ لَهُمْ سَيّدًا يَنْدُوهُمُ غَيْرَ نَافِلِ
أَمِنْ خِيفَةِ الْقَوْمِ الْأُلَى تَزْدَرِيهِمْ تُجِيزُ الْوَتِيرَ خَائِفًا غَيْرَ آيِلِ
وَفِي كُلّ يَوْمٍ نَحْنُ نَحْبُو حِبَاءَنَا لِعَقْلِ وَلَا يُحْبَى لَنَا فِي الْمَعَاقِلِ
_________________
(١) فِي نُسْخَةِ الشّيْخِ فَهُوَ كَلَامٌ حُذِفَ مِنْهُ وَمَعْنَاهُ قَفَا فَاثُورَ، وَحَسُنَ حَذْفُ الْفَاءِ الثّانِيَةِ كَمَا حَسُنَ حَذْفُ اللّامِ الثّانِيَةِ فِي قَوْلِهِمْ عُلَمَاءُ بَنِي فُلَانٍ لَا سِيّمَا مَعَ ضَرُورَةِ الشّعْرِ وَتَرْكِ الصّرْفِ لِأَنّهُ جَعَلَهُ اسْمَ بُقْعَةٍ وَمِنْ الشّاهِدِ عَلَى أَنّ فَاثُورَ اسْمُ بُقْعَةٍ قَوْلُ لَبِيَدٍ وَيَوْمَ طَعَنْتُمْ فَاسْمَعَدّتْ وُفُودُكُمْ بِأَجْمَادِ فَاثُورٍ كَرِيمِ مُصَابِرِ أَيْ أَنَا كَرِيمٌ مُصَابِرٌ وَلِذَلِكَ قَالَ الْبَكْرِيّ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ اخْتِلَافًا، وَقَالَ هُوَ اسْمُ جَبَلٍ يَعْنِي فَاثُورَ، وَقَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ حَيّ مَحَاضِرُهُمْ شَتّى وَجَمْعُهُمْ دَوْمُ الْإِيَادِ وَفَاثُورٌ إذَا انْتَجَعُوا وَقَالَ لَبِيدٌ وَلَدَى النّعْمَانِ مِنّي مَوْطِنٌ بَيْنَ فَاثُورِ آفَاقٍ فَالدّخَلْ وَحَقّانُ النّعَامِ صِغَارُهَا، وَهُوَ مَرْفُوعٌ لِأَنّهُ خَبَرُ كَأَنّ. حَوْلُ شِعْرِ بُدَيْلٍ وَذَكَرَ شِعْرَ بُدَيْلِ ابْنِ أُمّ أَصْرَمَ، وَفِيهِ غَيْرُ آيِلٍ هُوَ فَاعِلٌ مِنْ آلَ إذَا رَجَعَ وَلَكِنّهُ قَلَبَ الْهَمْزَةَ الّتِي هِيَ بَدَلٌ مِنْ الْوَاوِ يَاءً لِئَلّا تَجْتَمِعَ هَمْزَتَانِ وَكَانَتْ الْيَاءُ أَوْلَى بِهَا لِانْكِسَارِهَا.
[ ٧ / ١٩٦ ]
وَنَحْنُ صَبَحْنَا بِالتّلَاعَةِ دَارَكُمْ بِأَسْيَافِنَا يَسْبِقْنَ لَوْمَ الْعَوَاذِلِ
وَنَحْنُ مَنَعْنَا بَيْنَ بَيْضٍ وَعِتْوَدٍ إلَى خَيْفِ رَضْوَى مِنْ مَجَرّ الْقَنَابِلِ
وَيَوْمَ الْغَمِيمِ قَدْ تَكَفّتَ سَاعِيًا عُبَيْسٌ فَجَعْنَاهُ بِجَلْدِ حُلَاحِلِ
أَإِنْ أَجْمَرْت فِي بَيْتِهَا أُمّ بَعْضِكُمْ بِجُعْمُوسِهَا تَنْزُونَ أَنْ لَمْ نُقَاتِلْ
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللهِ مَا إنْ قَتَلْتُمْ وَلَكِنْ تَرَكْنَا أَمْرَكُمْ فِي بَلَابِلِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ قَوْلُهُ " غَيْرَ نَافِلِ "، وَقَوْلُهُ " إلَى خَيْفِ رَضْوَى " عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
شِعْرُ حَسّانٍ فِي الْحَرْبِ بَيْنَ كِنَانَةَ وَخُزَاعَةَ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ
لَحَا اللهُ قَوْمًا لَمْ نَدَعْ مِنْ سَرَاتِهِمْ لَهُمْ أَحَدًا يَنْدُوهُمُ غَيْرَ نَاقِبِ
أَخُصْيَيْ حِمَارٍ مَاتَ بِالْأَمْسِ نَوْفَلًا مَتَى كُنْت مِفْلَاحًا عَدُوّ الْحَقَائِبِ
_________________
(١) وَفِيهِ ذِكْرُ عُيَيْسٍ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْكِتَابِ عُبَيْسٌ بِالْبَاءِ الْمَنْقُوطَةِ بِوَاحِدَةِ مِنْ أَسْفَلَ. وَفِيهِ أَإِنْ أَجْمَرْت فِي بَيْتِهَا أُمّ بَعْضِكُمْ بِجُعْمُوسِهَا أَيْ رَمَتْ بِهِ بِسُرْعَةِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ ضَرْبٍ مِنْ الْحَرْثِ يَسْمُجُ وَصْفُهُ.
[ ٧ / ١٩٧ ]
شِعْرُ عَمْرٍو الْخُزَاعِيّ لِلرّسُولِ يَسْتَنْصِرُهُ وَرَدّهُ عَلَيْهِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا تَظَاهَرَتْ بَنُو بَكْرٍ وَقُرَيْشٌ عَلَى خُزَاعَةَ، وَأَصَابُوا مِنْهُمْ مَا أَصَابُوا، وَنَقَضُوا مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ بِمَا اسْتَحَلّوا مِنْ خُزَاعَةَ، وَكَانَ فِي عَقْدِهِ وَعَهْدِهِ خَرَجَ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيّ، ثُمّ أَحَدُ بَنِي كَعْبٍ حَتّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمّا هَاجَ فَتْحَ مَكّةَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ ظَهْرَانِيّ النّاسِ فَقَالَ
يَا رَبّ إنّي نَاشِدٌ مُحَمّدًا حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا
قَدْ كُنْتُمْ وُلْدًا وَكُنّا وَالِدًا ثُمّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا
فَانْصُرْ هَدَاك اللهُ نَصْرًا أَعْتَدَا وَادْعُ عِبَادَ اللهِ يَأْتُوا مَدَدَا
فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَجَرّدَا إنْ سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبّدَا
فِي فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدًا إنّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوك الْمَوْعِدَا
وَنَقَضُوا مِيثَاقَك الْمُوَكّدَا وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءٍ رُصّدَا
_________________
(١) حَوْلَ شِعْرِ عَمْرِو بْنِ سَالِمٍ وَذَكَرَ أَبْيَاتِ عَمْرِو بْنِ سَالِمٍ وَفِيهَا: قَدْ كُنْتُمْ وُلْدًا وَكُنّا وَالِدًا يُرِيدُ أَنّ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أُمّهُمْ مِنْ خُزَاعَةَ، وَكَذَلِكَ قُصَيّ أُمّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ سَعْدٍ الْخُزَاعِيّةُ وَالْوُلْدُ بِمَعْنَى الْوَلَدِ. وَقَوْلُهُ ثُمّتَ أَسْلَمْنَا، هُوَ مِنْ السّلْمِ لِأَنّهُمْ لَمْ يَكُونُوا آمَنُوا بَعْدُ غَيْرَ أَنّهُ قَالَ رُكّعًا وَسُجّدَا، فَدَلّ عَلَى أَنّهُ كَانَ فِيهِمْ مَنْ صَلّى لِلّهِ فَقُتِلَ وَاَللهُ أَعْلَمُ
[ ٧ / ١٩٨ ]
هُمْ بَيّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجّدًا وَقَتَلُونَا رُكّعًا وَسُجّدَا
يَقُولُ قُتِلْنَا وَقَدْ أَسْلَمْنَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى [أَيْضًا]:
فَانْصُرْ هَدَاك اللهُ نَصْرًا أَيّدَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى أَيْضًا:
[نَحْنُ وَلَدْنَاك فَكُنْت وَلَدًا]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "نُصِرْت يَا عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ " ثُمّ عُرِضَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَنَانٌ مِنْ السّمَاءِ فَقَالَ إنّ هَذِهِ السّحَابَةَ لَتَسْتَهِلّ بِنَصْرِ بني كَعْب
_________________
(١) وَذَكَرَ فِيهِ الْوَتِيرَ، وَهُوَ اسْمُ مَاءٍ مَعْرُوفٍ فِي بِلَادِ خُزَاعَةَ، وَالْوَتِيرُ فِي اللّغَةِ الْوَرْدُ الْأَبْيَضُ وَقَدْ يَكُونُ مِنْهُ بَرّيّ، فَمُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَاءُ سُمّيَ بِهِ وَأَمّا الْوَرْدُ الْأَحْمَرُ فَهُوَ الْحَوْجَمُ وَيُقَالُ لِلْوَرْدِ كُلّهِ جَلّ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَكَأَنّ لَفْظَ الْحَوْجَمِ مِنْ الْحَجْمَةِ وَهِيَ حُمْرَةٌ فِي الْعَيْنَيْنِ يُقَالُ مِنْهُ رَجُلٌ أَحْجَمُ مَا قَالَ عُمَرُ لِأَبِي سُفْيَانَ وَمَعْنَاهُ وَذَكَرَ قَوْلَ عُمَرَ ﵁ فَوَاَللهِ لَوْ لَمْ أَجِدْ إلّا الذّرّ لَجَاهَدْتُكُمْ بِهِ وَهُوَ كَلَامٌ مَفْهُومُ الْمَعْنَى، وَقَدْ تَقَدّمَ أَنّ مِثْلَ هَذَا لَيْسَ بِكَذِبِ وَإِنْ كَانَ الذّرّ لَا يُقَاتَلُ بِهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ فِي حَدِيثِ الْمُوَطّأِ "وَاَللهِ لَيَمُرّن بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِك "، يَعْنِي الْجَدْوَلَ وَهُوَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لَا يُعَدّ كَذِبًا، لِأَنّهُ جَرَى فِي كَلَامِهِمْ كَالْمَثَلِ.
[ ٧ / ١٩٩ ]
ذهَاب ابْنُ وَرْقَاءَ إلَى الرَّسُول بِالْمَدِينَةِ شاكيا وتعرف أبي سُفْيَان أمره
ثُمّ خَرَجَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ فِي نَفَرٍ مِنْ خُزَاعَةَ حَتّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَأَخْبَرُوهُ بِمَا أُصِيبَ مِنْهُمْ وَبِمُظَاهَرَةِ قُرَيْشٍ بَنِي بَكْرٍ عَلَيْهِمْ ثُمّ انْصَرَفُوا رَاجِعِينَ إلَى مَكّةَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلنّاسِ " كَأَنّكُمْ بِأَبِي سُفْيَانَ قَدْ جَاءَكُمْ لِيَشُدّ الْعَقْدَ وَيَزِيدَ فِي الْمُدّةِ ". وَمَضَى بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ وَأَصْحَابُهُ حَتّى لَقَوْا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ بِعُسْفَانَ قَدْ بَعَثَتْهُ قُرَيْشٌ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَشُدّ الْعَقْدَ وَيَزِيدَ فِي الْمُدّةِ وَقَدْ رَهِبُوا الّذِي صَنَعُوا. فَلَمّا لَقِيَ أَبُو سُفْيَانَ بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ قَالَ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْت يَا بُدَيْلُ؟ وَظَنّ أَنّهُ قَدْ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ تَسَيّرْت فِي خُزَاعَةَ فِي هَذَا السّاحِلِ، وَفِي بَطْنِ هَذَا الْوَادِي، قَالَ أَوَ مَا جِئْت مُحَمّدًا؟ قَالَ لَا ; فَلَمّا رَاحَ بُدَيْلٌ إلَى مَكّةَ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لَئِنْ جَاءَ بُدَيْلٌ الْمَدِينَةَ لَقَدْ عَلَفَ بِهَا النّوَى فَأَتَى مَبْرَكَ رَاحِلَتِهِ فَأَخَذَ مِنْ بَعْرِهَا فَفَتّهُ فَرَأَى فِيهِ النّوَى، فَقَالَ أَحْلِفُ بِاَللهِ لَقَدْ جَاءَ بديل مُحَمَّدًا.
خُرُوج أبي سُفْيَان إِلَى الْمَدِينَة للصلح وإخفاقه
ثُمّ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ حَتّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَمّا ذَهَبَ لِيَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ طَوَتْهُ عَنْهُ فَقَالَ يَا بُنَيّةُ مَا أَدْرِي أَرَغِبْت بِي عَنْ هَذَا الْفِرَاشِ أَمْ رَغِبْت بِهِ عَنّي؟ قَالَ بَلْ هُوَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَنْتَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ نَجِسٌ وَلَمْ أُحِبّ أَنْ تَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ وَاَللهِ لَقَدْ أَصَابَك يَا بُنَيّةُ بَعْدِي شَرّ. ثُمّ خَرَجَ حَتّى أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَكَلّمَهُ لَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ شَيْئًا، ثُمّ ذَهَبَ إلَى أَبِي بَكْرٍ، فَكَلّمَهُ أَنْ يُكَلّمَ لَهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ مَا أَنَا بِفَاعِلِ ثُمّ أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ فَكَلّمَهُ فَقَالَ أَأَنَا أَشْفَعُ لَكُمْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ فَوَاَللهِ لَوْ لَمْ أَجِدْ إلّا الذّرّ لَجَاهَدْتُكُمْ بِهِ. ثُمّ خَرَجَ فَدَخَلَ عَلَى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهَا، وَعِنْدَهَا حَسَنُ
_________________
(١) شَرْحُ قَوْلِ فَاطِمَةَ لِأَبِي سُفْيَانَ وَذَكَرَ قَوْلَ فَاطِمَةَ وَاَللهِ مَا بَلَغَ بُنَيّ أَنْ يُجِيرَ بَيْنَ النّاسِ وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ
[ ٧ / ٢٠٠ ]
بْنُ عَلِيّ غُلَامٌ يَدِبّ بَيْنَ يَدَيْهَا، فَقَالَ يَا عَلِيّ، إنّك أَمَسّ الْقَوْمِ بِي رَحِمًا، وَإِنّي قَدْ جِئْت فِي حَاجَةٍ فَلَا أَرْجِعَن كَمَا جِئْت خَائِبًا، فَاشْفَعْ لِي إلَى رَسُولِ اللهِ فَقَالَ وَيْحَك يَا أَبَا سُفْيَانَ وَاَللهِ لَقَدْ عَزَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَمْرٍ مَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُكَلّمَهُ فِيهِ. فَالْتَفَتَ إلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ يَا ابْنَةَ مُحَمّدٍ، هَلْ لَك أَنْ تَأْمُرِي بُنَيّك هَذَا فَيُجِيرَ بَيْنَ النّاسِ فَيَكُونَ سَيّدَ الْعَرَبِ إلَى آخِرِ الدّهْرِ؟ قَالَتْ وَاَللهِ مَا بَلَغَ بُنَيّ ذَاكَ أَنْ يُجِيرَ بَيْنَ النّاسِ وَمَا يُجِيرُ أَحَدٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ يَا أَبَا الْحَسَنِ إنّي أَرَى الْأُمُورَ قَدْ اشْتَدّتْ عَلَيّ فَانْصَحْنِي ; قَالَ وَاَللهِ مَا أَعْلَمُ لَك شَيْئًا يُغْنِي عَنْك شَيْئًا، وَلَكِنّك سَيّدُ بَنِي كِنَانَةَ فَقُمْ فَأَجِرْ بَيْنَ النّاسِ ثُمّ الْحَقْ بِأَرْضِك ; قَالَ أَوَ تَرَى ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنّي شَيْئًا؟ قَالَ لَا وَاَللهِ مَا أَظُنّهُ وَلَكِنّي لَا أَجِدُ لَك غَيْرَ ذَلِكَ. فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَيّهَا النّاسُ إنّي قَدْ أَجَرْت بَيْنَ النّاسِ. ثُمّ رَكِبَ بَعِيرَهُ فَانْطَلَقَ فَلَمّا قَدِمَ عَلَى قُرَيْشٍ، قَالُوا: مَا وَرَاءَك؟ قَالَ جِئْت مُحَمّدًا فَكَلّمْته، فَوَاَللهِ مَا رَدّ عَلَيّ شَيْئًا، ثُمّ جِئْت ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ خَيْرًا، ثُمّ جِئْت ابْنَ الْخطاب فَوَجَدته أدنى الْعَدُوّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَعْدَى الْعَدُوّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ جِئْت عَلِيّا فَوَجَدْته أَلْيَنَ الْقَوْمِ وَقَدْ أَشَارَ عَلَيّ بِشَيْءِ صَنَعْته، فَوَاَللهِ مَا أَدْرِي
_________________
(١) هَذَا مُحْتَجّا بِهِ عَلَى مَنْ أَجَازَ أَمَانَ الصّبِيّ وَجِوَارَهُ وَمَنْ أَجَازَ جِوَارَ الصّبِيّ إنّمَا أَجَازَهُ إذَا عَقَلَ الصّبِيّ، وَكَانَ كَالْمُرَاهِقِ. وَقَوْلُهَا: وَلَا يُجِيرُ أَحَدٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَقَدْ قَالَ ﵇ " يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُم "، فَمَعْنَى هَذَا - وَاَللهُ أَعْلَمُ - كَالْعَبْدِ وَنَحْوِهِ يَجُوزُ جِوَارُهُ فِيمَا قَلّ مِثْلَ أَنْ يُجِيرَ وَاحِدًا مِنْ الْعَدُوّ أَوْ نَفَرًا يَسِيرًا، وَأَمّا أَنْ يُجِيرَ عَلَى الْإِمَامِ قَوْمًا يُرِيدُ الْإِمَامُ غَزْوَهُمْ وَحَرْبَهُمْ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَى الْإِمَامِ وَهَذَا هُوَ الّذِي أَرَادَتْ فَاطِمَةُ - ﵂ - وَاَللهُ أَعْلَمُ وَأَمّا جِوَارُ الْمَرْأَةِ وَتَأْمِينُهَا فَجَائِزٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ إلّا سَحْنُونٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فَإِنّهُمَا قَالَا: هُوَ مَوْقُوفٌ
[ ٧ / ٢٠١ ]
هَلْ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا أَمْ لَا؟ قَالُوا: وَبِمَ أَمَرَك؟ قَالَ أَمَرَنِي أَنْ أُجِيرَ بَيْنَ النّاسِ فَفَعَلْت، قَالُوا: فَهَلْ أَجَازَ ذَلِكَ مُحَمّدٌ؟ قَالَ لَا، قَالُوا: وَيْلَك وَاَللهِ إنْ زَادَ الرّجُلُ عَلَى أَنْ لَعِبَ بِك، فَمَا يُغْنِي عَنْك مَا قُلْت. قَالَ لَا وَاَللهِ مَا وَجَدْت غير ذَلِك
تجهيز الرّسُولُ لِفَتْحِ مَكّةَ
وَأَمَر رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْجِهَازِ وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُجَهّزُوهُ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى ابْنَتِهِ عَائِشَةَ ﵂، وَهِيَ تُحَرّكُ بَعْضَ جِهَازِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ أَيْ بُنَيّةُ أَأَمَرَكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُجَهّزُوهُ؟ قَالَتْ نَعَمْ فَتَجَهّزَ قَالَ فَأَيْنَ تَرَيْنَهُ يُرِيدُ؟ قَالَتْ (لَا) وَاَللهِ مَا أَدْرِي. ثُمّ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْلَمَ النّاسَ أَنّهُ سَائِرٌ إلَى مَكّةَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْجِدّ وَالتّهَيّؤِ وَقَالَ اللهُمّ خُذْ الْعُيُونَ وَالْأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتّى نَبْغَتَهَا فِي بِلَادِهَا فَتَجَهّزَ النّاسُ.
فَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُحَرّضُ النّاسَ وَيَذْكُرُ مُصَابَ رجال خُزَاعَة:
شعر حسان فِي تحريض النَّاس
عَنَانِي وَلَمْ أَشْهَدْ بِبَطْحَاءِ مَكّةَ رِجَالُ بَنِي كَعْبٍ تُحَزّ رِقَابُهَا
بِأَيْدِي رِجَالٍ لَمْ يَسُلّوا سُيُوفَهُمْ وَقَتْلَى كَثِيرٌ لَمْ تُجَنّ ثِيَابُهَا
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ تَنَالَن نُصْرَتِي سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَخْزُهَا وَعُقَابُهَا
وَصَفْوَانُ عَوْدٌ حَنّ مِنْ شُفْرِ اسْتِهِ فَهَذَا أَوَانُ الْحَرْبِ شُدّ عُصَابُهَا
فَلَا تَأْمَنَنّا يَا ابْنَ أُمّ مُجَالِدٍ إذَا اُحْتُلِبَتْ صِرْفًا وَأَعْصَلَ نَابُهَا
وَلَا تَجْزَعُوا مِنّا فَإِنّ سُيُوفَنَا لَهَا وَقْعَةٌ بِالْمَوْتِ يُفْتَحُ بَابُهَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
_________________
(١) عَلَى إجَازَةِ الْإِمَامِ وَقَدْ قَالَ ﵇ لِأُمّ هَانِئٍ " قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت يَا أُمّ هَانِئٍ "، وَرُوِيَ مَعْنَى قَوْلِهِمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ. وَأَمّا جِوَارُ الْعَبْدِ فَجَائِزٌ إلّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَوْلُ النّبِيّ ﷺ " يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ " يَدْخُلُ فِيهِ الْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ
[ ٧ / ٢٠٢ ]
قَوْلُ حَسّانٍ بِأَيْدِي رِجَالٍ لَمْ يَسُلّوا سُيُوفَهُمْ يَعْنِي قُرَيْشًا، "وَابْنَ أُمّ مُجَالِدٍ"يَعْنِي عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ.
كِتَابُ حَاطِبٍ إِلَى قُرَيْش وَعلم الرَّسُول بأَمْره
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَائِنَا، قَالُوا:
لَمّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَسِيرَ إلَى مَكّةَ كَتَبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ كِتَابًا إلَى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ بِاَلّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الْأَمْرِ فِي السّيْرِ إلَيْهِمْ ثُمّ أَعْطَاهُ
_________________
(١) حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ وَمَا كَانَ فِي كِتَابِهِ فَصْلٌ: وَذَكَرَ كِتَابَ حَاطِبٍ إلَى قُرَيْشٍ، وَهُوَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى، وَالْبَلْتَعَةُ فِي اللّغَةِ التّظَرّفُ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَاسْمُ أَبِي بَلْتَعَةَ عَمْرٌو، وَهُوَ لَخْمِيّ، فِيمَا ذَكَرُوا، وَمِنْ ذُرّيّتِهِ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ [بْنِ زِيَادٍ] الْأَنْدَلُسِيّ الّذِي رَوَى الْمُوَطّأَ عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ زِيَادُ شَبْطُونَ وَكَانَ قَاضِي طُلَيْطِلَةَ وَكَانَ شَبْطُونُ زَوْجًا لِأُمّهِ فَصُرِفَ بِهِ ﵀ وَقَدْ قِيلَ إنّهُ كَانَ فِي الْكِتَابِ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَدْ تَوَجّهَ إلَيْكُمْ بِجَيْشِ كَاللّيْلِ يَسِيرُ كَالسّيْلِ وَأُقْسِمُ بِاَللهِ لَوْ سَارَ إلَيْكُمْ وَحْدَهُ لَنَصَرَهُ اللهُ عَلَيْكُمْ فَإِنّهُ مُنْجِزٌ لَهُ مَا وَعَدَهُ وَفِي تَفْسِيرِ [يَحْيَى] بْنِ سَلّامٍ أَنّهُ كَانَ فِي الْكِتَابِ الّذِي كَتَبَهُ حَاطِبٌ أَنّ النّبِيّ مُحَمّدًا قَدْ نَفَرَ إمّا إلَيْكُمْ وَإِمّا إلَى غَيْرِكُمْ فَعَلَيْكُمْ الْحَذَرَ.
[ ٧ / ٢٠٣ ]
امْرَأَةً زَعَمَ مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَنّهَا مِنْ مُزَيْنَةَ، وَزَعَمَ لِي غَيْرُهُ أَنّهَا سَارّةُ مَوْلَاةٌ لِبَعْضِ بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَجَعَلَ لَهَا جُعْلًا عَلَى أَنْ تُبَلّغَهُ قُرَيْشًا، فَجَعَلَتْهُ فِي رَأْسِهَا ثُمّ فَتَلَتْ عَلَيْهِ قُرُونَهَا، ثُمّ خَرَجَتْ بِهِ وَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ الْخَبَرُ مِنْ السّمَاءِ بِمَا صَنَعَ حَاطِبٌ فَبَعَثَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ ﵄، فَقَالَ أَدْرَكَا امْرَأَةً قَدْ كَتَبَ مَعَهَا حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ بِكِتَابِ إلَى قُرَيْشٍ، يُحَذّرُهُمْ مَا قَدْ أَجْمَعْنَا لَهُ فِي أَمْرِهِمْ فَخَرَجَا حَتّى أَدْرَكَاهَا بِالْخُلَيْقَةِ خُلَيْقَةِ بَنِي أَبِي أَحْمَدَ فَاسْتَنْزَلَاهَا، فَالْتَمَسَاهُ فِي رَحْلِهَا، فَلَمْ يَجِدَا شَيْئًا، فَقَالَ لَهَا عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إنّي أَحْلِفُ بِاَللهِ مَا كُذِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَا كُذِبْنَا، وَلَتُخْرِجَن لَنَا هَذَا الْكِتَابَ أَوْ لَنَكْشِفَنّكِ فَلَمّا رَأَتْ الْجِدّ مِنْهُ قَالَتْ أَعْرِضْ فَأَعْرَضَ فَحَلّتْ قُرُونَ رَأْسِهَا، فَاسْتَخْرَجَتْ الْكِتَابَ مِنْهَا، فَدَعَتْهُ إلَيْهِ فَأَتَى بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَاطِبًا، فَقَالَ " يَا حَاطِبُ مَا حَمَلَك عَلَى هَذَا "؟ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَمَا وَاَللهِ إنّي لَمُؤْمِنٌ بِاَللهِ وَرَسُولِهِ مَا غَيّرْت وَلَا بَدّلْت، وَلَكِنّي كُنْت امْرِئِ لَيْسَ لِي فِي الْقَوْمِ مِنْ أَصْلٍ وَلَا عَشِيرَةٍ، وَكَانَ لِي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَلَدٌ وَأَهْلٌ فَصَانَعْتهمْ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، يَا رَسُولَ اللهِ دَعْنِي فَلْأَضْرِبْ عُنُقَهُ فَإِنّ الرّجُلَ قَدْ نَافَقَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " وَمَا
_________________
(١) تَصْحِيفُ هُشَيْمٍ لِخَاخٍ: وَذَكَرَ أَنّ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ أَدْرَكُوهَا بِرَوْضَةِ خَاخٍ بِخَاءَيْنِ مَنْقُوطَتَيْنِ وَكَانَ هُشَيْمٌ يَرْوِيهِ حَاجٍ بِالْحَاءِ وَالْجِيمِ وَهُوَ مِمّا حُفِظَ مِنْ تَصْحِيفِ هُشَيْمٍ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَرْوِي: سَدّادًا مِنْ عَوْنِ [بْنِ أَبِي شَدّادٍ] بِفَتْحِ السّينِ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ يَقُولُ فِيهِ بَرْزَةُ بِالزّايِ وَفَتْحِ الْبَاءِ فِي تَصْحِيفِ كَثِيرٍ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ ثَبْتٌ مُتّفَقٌ عَلَى عَدَالَتِهِ عَلَى أَنّ الْبُخَارِيّ، قَدْ ذَكَرَ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ أَيْضًا أَنّهُ قَالَ فِيهِ حَاجٍ كَمَا قِيلَ عَنْ هُشَيْمٍ، فَاَللهُ أَعْلَمُ وَفِي هَذَا الْخَبَرِ مِنْ رِوَايَةِ الشّيْبَانِيّ أَنّ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيّ أَبُو بَكْرٍ وَأَنَا أُغَرْبِلُ حِنْطَةً لَنَا، فَسَأَلَنِي وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَكْلُهُمْ لِلْبُرّ وَإِنْ كَانَ أَغْلَبُ أَحْوَالِهِمْ أَكْلَ الشّعِيرِ وَلَا يُقَالُ حِنْطَةٌ إلّا لِلْبُرّ.
[ ٧ / ٢٠٤ ]
يُدْرِيك يَا عُمَرُ لَعَلّ اللهَ قَدْ اطّلَعَ إلَى أَصْحَابِ بَدْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ "فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي حَاطِبٍ ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لَا تَتّخِذُوا عَدُوّي وَعَدُوّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدّةِ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ إلَى آخِرِ الْقِصّةِ.
_________________
(١) تَفْسِيرُ ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدّةِ﴾ فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ اللهِ ﷿ فِي حَاطِبٍ ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة:١] أَيْ تَبْذُلُونَهَا لَهُمْ وَدُخُولُ الْبَاءِ وَخُرُوجُهَا عِنْدَ الْفَرّاءِ سَوَاءٌ وَالْبَاءُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لَا تُزَادُ فِي الْوَاجِبِ وَمَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ الْبَصْرِيّينَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ النّصِيحَةَ بِالْمَوَدّةِ قَالَ النّحّاسُ: مَعْنَاهُ تُخْبِرُونَهُمْ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ الرّجُلُ أَهْلَ مَوَدّتِهِ وَهَذَا التّقْدِيرُ إنْ نَفَعَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَمْ يَنْفَعْ فِي مِثْلِ قَوْلِ الْعَرَبِ: أَلْقَى إلَيْهِ بِوِسَادَةِ أَوْ بِثَوْبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيُقَالُ إِذا إنْ أَلْقَيْت تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ تُرِيدَ وَضْعَ الشّيْءِ فِي الْأَرْضِ فَتَقُولَ أَلْقَيْت السّوْطَ مِنْ يَدِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَالثّانِي: أَنْ تُرِيدَ مَعْنَى الرّمْيِ بِالشّيْءِ فَتَقُولَ أَلْقَيْت إلَى زَيْدٍ بِكَذَا: أَرْمَيْته بِهِ وَفِي الْآيَةِ إنّمَا هُوَ إلْقَاءٌ بِكِتَابِ وَإِرْسَالٌ بِهِ فَعَبّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْمَوَدّةِ لِأَنّهُ مِنْ أَفْعَالِ أَهْلِ الْمَوَدّةِ فَمِنْ ثَمّ حَسُنَتْ الْبَاءُ لِأَنّهُ إرْسَالٌ بِشَيْءِ فَتَأَمّلْهُ. قَتْلُ الْجَاسُوسِ: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى قَتْلِ الْجَاسُوسِ فَإِنّ عُمَرَ ﵁ قَالَ دَعْنِي فَلْأَضْرِبْ عُنُقَهُ فَقَالَ لَهُ النّبِيّ ﷺ " وَمَا يُدْرِيك يَا عُمَرُ لَعَلّ اللهَ اطّلَعَ إلَى أَصْحَابِ بَدْرٍ "، الْحَدِيثَ فَعَلّقَ حُكْمَ الْمَنْعِ مِنْ قَتْلِهِ بِشُهُودِ بَدْرٍ فَدَلّ عَلَى أَنّ مَنْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ وَلَيْسَ بِبَدْرِيّ أَنّهُ يُقْتَلُ. زَادَ الْبُخَارِيّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ قَالَ فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَا عُمَرَ - ﵁ - وَقَالَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ يَعْنِي حِينَ
[ ٧ / ٢٠٥ ]
خُرُوجُ الرّسُولِ فِي رَمَضَان واستخلافه أَبَا رهم
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ، قَالَ:
ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ لِسَفَرِهِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا رُهْمٍ كُلْثُومَ بْنَ حُصَيْنِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ خَلَفٍ الْغِفَارِيّ وَخَرَجَ لِعَشْرِ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ فَصَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَصَامَ النّاسُ مَعَهُ حَتّى إذَا كَانَ بِالْكُدَيْدِ بَيْنَ عُسْفَانَ وأمج أفطر.
نزولهم مر الظهْرَان وتحسس قُرَيْش أَخْبَار الرَّسُول
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ مَضَى حَتّى نَزَلَ مَرّ الظّهْرَانِ فِي عَشْرَةِ آلَافٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَسَبّعَتْ سُلَيْمٌ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ أَلّفَتْ سُلَيْمٌ وَأَلّفَتْ مُزَيْنَةُ. وَفِي كُلّ الْقَبَائِلِ عَدَدٌ وَإِسْلَامٌ وَأَوْعَبَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، فَلَمْ يَتَخَلّفْ عَنْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ،
_________________
(١) سَمِعَهُ يَقُولُ فِي أَهْلِ بَدْرٍ مَا قَالَ وَفِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ أَنّ حَاطِبًا قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ كُنْت عَزِيزًا فِي قُرَيْشٍ، وَكَانَتْ أُمّي بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ فَأَرَدْت أَنْ يَحْفَظُونِي فِيهَا أَوْ نَحْوَ هَذَا، ثُمّ فَسّرَ الْعَزِيزَ وَقَالَ هُوَ الْغَرِيبُ. عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَيّةَ: وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ ﷺ لِأُمّ سَلَمَةَ حِينَ اسْتَأْذَنَتْهُ فِي أَخِيهَا عَبْدِ اللهِ بْنِ أُمَيّةَ وَأَمّا ابْنُ عَمّتِي وَصِهْرِي فَهُوَ الّذِي قَالَ لِي بِمَكّةَ مَا قَالَ يَعْنِي حِينَ قَالَ لَهُ وَاَللهِ لَا آمَنْت بِك حَتّى تَتّخِذَ سُلّمًا إلَى السّمَاءِ فَتَعْرُجَ فِيهِ وَأَنَا أَنْظُرُ ثُمّ تَأْتِيَ بِصَكّ وَأَرْبَعَةٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَك أَنّ اللهَ قَدْ أَرْسَلَك وَقَدْ تَقَدّمَتْ هَذِهِ الْقِصّةُ.
[ ٧ / ٢٠٦ ]
فَلَمّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَرّ الظّهْرَانِ، وَقَدْ عُمّيَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ قُرَيْشٍ، فَلَمْ يَأْتِهِمْ خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا يَدْرُونَ مَا هُوَ فَاعِلٌ وَخَرَجَ فِي تِلْكَ اللّيَالِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْب وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ يَتَحَسّسُونَ الْأَخْبَارَ وَيَنْظُرُونَ هَلْ يَجِدُونَ خَبَرًا أَوْ يَسْمَعُونَ بِهِ وَقَدْ كَانَ الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ لَقِيَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِبَعْض الطَّرِيق.
هِجْرَة الْعَبَّاس
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
لَقِيَهُ بِالْجُحْفَةِ مُهَاجِرًا بِعِيَالِهِ وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُقِيمًا بِمَكّةَ عَلَى سِقَايَتِهِ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْهُ رَاضٍ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ.
إِسْلَام أبي سُفْيَان بن الْحَارِث وَعبد الله بن أُميَّة
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَدْ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَدْ لَقِيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَيْضًا بِنِيقِ الْعُقَابِ، فِيمَا بَيْنَ مَكّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَالْتَمَسَا الدّخُولَ عَلَيْهِ فَكَلّمَتْهُ أُمّ سَلَمَةَ فِيهِمَا، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ ابْنُ عَمّك وَابْنُ عَمّتِك وَصِهْرُك ; قَالَ لَا حَاجَةَ لِي بِهِمَا، أَمّا ابْنُ عَمّي فَهَتَكَ عِرْضِي، وَأَمّا ابْنُ عَمّتِي وَصِهْرِي فَهُوَ
_________________
(١) وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ هُوَ أَخُو أُمّ سَلَمَةَ لِأَبِيهَا، وَأُمّهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَأُمّ سَلَمَةَ أُمّهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ جِذْلِ الطّعَانِ وَهُوَ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ الْفِرَاسِيّ، وَاسْمُ أَبِي أُمَيّةَ حُذَيْفَةُ وَكَانَتْ عِنْدَهُ أَرْبَعُ عَوَاتِكَ قَدْ ذَكَرْنَا مِنْهُنّ هَهُنَا ثِنْتَيْنِ.
[ ٧ / ٢٠٧ ]
الّذِي قَالَ لِي بِمَكّةَ مَا قَالَ. قَالَ فَلَمّا خَرَجَ الْخَبَرُ إلَيْهِمَا بِذَلِكَ وَمَعَ أَبِي سُفْيَانَ بُنَيّ لَهُ. فَقَالَ وَاَللهِ لَيَأْذَنَن لِي أَوْ لَآخُذَن بِيَدِيّ بُنَيّ هَذَا، ثُمّ لَنَذْهَبَنّ فِي الْأَرْضِ حَتّى نَمُوتَ عَطَشًا وَجَوْعًا، فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَقّ لَهُمَا، ثُمّ أَذِنَ لَهُمَا، فَدَخَلَا عَلَيْهِ فَأَسْلَمَا وَأَنْشَدَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ قَوْلَهُ فِي إسْلَامِهِ وَاعْتَذَرَ إلَيْهِ مِمّا كَانَ مَضَى مِنْهُ فَقَالَ:
شعر أبي سُفْيَان فِي الِاعْتِذَار عَمَّا كَانَ فِيهِ قبل إِسْلَامه
لَعَمْرُك إنّي يَوْمَ أَحْمِلُ رَايَةً لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللّاتِي خَيْلَ مُحَمّدِ
لَكَالْمُدْلِجِ الْحَيْرَانِ أَظْلَمَ لَيْلُهُ فَهَذَا أَوَانِي حِينَ أُهْدِي وَأَهْتَدِي
هَدَانِي هَادٍ غَيْرُ نَفْسِي وَنَالَنِي مَعَ اللهِ مَنْ طَرّدْتُ كُلّ مُطَرّدِ
أَصُدّ وَأَنْأَى جَاهِدًا عَنْ مُحَمّدٍ وَأُدْعَى وَإِنْ لَمْ أَنْتَسِبْ مِنْ مُحَمّدِ
هُمْ مَا هُمْ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهَوَاهُمْ وَإِنْ كَانَ ذَا رَأْيٍ يُلَمْ وَيُفَنّدْ
_________________
(١) عَنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ وَابْنِهِ وَقَصِيدَتِهِ وَقَوْلُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ أَوْ لَآخُذَن بِيَدِ بُنَيّ هَذَا، ثُمّ لَنَذْهَبَنّ فِي الْأَرْضِ. لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ إسْحَاقَ اسْمَ ابْنِهِ ذَلِكَ وَلَعَلّهُ أَنْ يَكُونَ جَعْفَرًا، فَقَدْ كَانَ إذْ ذَاكَ غُلَامًا مُدْرِكًا، وَشَهِدَ مَعَ أَبِيهِ حُنَيْنًا، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَلَا عَقِبَ لَهُ. وَذَكَرَ الزّبَيْرَ لِأَبِي سُفْيَانَ وَلِذَا يُكَنّى أَبَا الْهِيَاجِ فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ لَا أَدْرِي: أَهُوَ جَعْفَرٌ أَمْ غَيْرُهُ وَمَاتَ أَبُو سُفْيَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁ وَقَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ لَا تَبْكُنّ عَلَيّ فَإِنّي لَمْ أَنْتَطِفْ بِخَطِيئَةِ مُنْذُ أَسْلَمْت، وَمَاتَ مِنْ ثُؤْلُولٍ حَلَقَهُ الْحَلّاقُ فِي حَجّ فَقَطَعَهُ مَعَ الشّعْرِ فَنَزَفَ مِنْهُ وَقِيلَ فِي اسْمِ أَبِي سُفْيَانَ الْمُغِيرَةُ وَقِيلَ بَلْ الْمُغِيرَةُ أَخُوهُ قَالَ الْقُتَبِيّ: إخْوَتُهُ الْمُغِيرَةُ وَنَوْفَلٌ وَعَبْدُ شَمْسٍ وَرَبِيعَةُ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ.
[ ٧ / ٢٠٨ ]
أُرِيدُ لِأَرْضِيهِمْ وَلَسْت بِلَائِطِ مَعَ الْقَوْمِ مَا لَمْ أُهْدَ فِي كُلّ مَقْعَدِ
فَقُلْ لِثَقِيفِ لَا أُرِيدُ قِتَالَهَا وَقُلْ لِثَقِيفِ تِلْكَ غَيْرِي أَوْعِدِي
فَمَا كُنْت فِي الْجَيْشِ الّذِي نَالَ عَامِرًا وَمَا كَانَ عَنْ جَرّا لِسَانِي وَلَا يَدِي
قَبَائِلُ جَاءَتْ مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ نَزَائِعَ جَاءَتْ مِنْ سِهَامٍ وَسُرْدَدِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى "وَدَلّنِي عَلَى الْحَقّ مَنْ طَرّدْتُ كُلّ مُطَرّدِ".
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمُوا أَنّهُ حِينَ أَنْشَدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَوْلَهُ "وَنَالَنِي مَعَ اللهِ مَنْ طَرّدْتُ كُلّ مُطَرّدِ" ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ " أَنْتَ طَرّدْتَنِي كُلّ مُطَرّدِ ".
فَلَمّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَرّ الطّهْرَانِ قَالَ الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، فَقُلْت: وَاصَبَاحَ
_________________
(١) وَزْنُ فُعْلَلٍ: وَقَوْلُهُ: نَزَائِعَ جَاءَتْ مِنْ سِهَامٍ وَسُرْدَدِ عَلَى وَزْنِ فَعَالٍ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُرْدَدِ بِضَمّ أَوّلِهِ وَإِسْكَانِ ثَانِيهِ هَكَذَا ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ وَيَعْقُوبُ وَبِفَتْحِ الدّالِ ذَكَرَهُ غَيْرُهُمَا، وَهُمَا مَوْضِعَانِ مِنْ أَرْضِ عَكّ وَذَلِكَ أَنّ سِيبَوَيْهِ مِنْ أَصْلِهِ أَنّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ فُعْلَلٌ بِالْفَتْحِ وَحَكَاهُ الْكُوفِيّونَ فِي جُنْدُبٍ وَسُرْدَدٍ وَغَيْرِهِمَا، وَلَا يَنْبَغِي أَيْضًا عَلَى أَصْلِ سِيبَوَيْهِ أَنْ يَمْتَنِعَ الْفَتْحُ فِي سُرْدَدٍ لِأَنّ إحْدَى الدّالَيْنِ زَائِدَةٌ مِنْ أَجْلِ الضّعِيفِ وَإِنّمَا الّذِي يَمْتَنِعُ فِي الْأَبْنِيَةِ مِثْلُ جُعْفُرٍ بِضَمّ أَوّلِهِ وَفَتْحِ ثَانِيهِ فَمِثْلُ سُرْدَدٍ وَالسّودَدِ وَالْحُولَلِ جَمْعُ حَائِلٍ، وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ طُحْلُبٍ وَيُرْفَعُ وَجُؤْذَرٍ فَهُوَ دَخِيلٌ فِي الْكَلَامِ وَلَا يُجْعَلُ أَصْلًا، وَلَا يَمْتَنِعُ أَيْضًا جُنْدَبٌ بِفَتْحِ الدّالِ لِأَنّ النّونَ زَائِدَةٌ.
[ ٧ / ٢٠٩ ]
قُرَيْشٍ، وَاَللهِ لَئِنْ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكّةَ عَنْوَةً قَبْلَ أَنْ يَأْتُوهُ فَيَسْتَأْمِنُوهُ إنّهُ لَهَلَاكُ قُرَيْشٍ إلَى آخِرِ الدّهْرِ. قَالَ فَجَلَسْت عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْبَيْضَاءِ فَخَرَجْت عَلَيْهَا. قَالَ حَتّى جِئْت الْأَرَاكَ، فَقُلْت: لَعَلّي أَجِدُ بَعْضَ الْحَطّابَةِ أَوْ صَاحِبَ لَبَنٍ أَوْ ذَا حَاجَةٍ يَأْتِي مَكّةَ، فَيُخْبِرُهُمْ بِمَكَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَخْرُجُوا إلَيْهِ فَيَسْتَأْمِنُوهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا عَلَيْهِمْ عَنْوَةً. قَالَ فَوَاَللهِ إنّي لَأَسِيرُ عَلَيْهَا، وَأَلْتَمِسُ مَا خَرَجْت لَهُ إذْ سَمِعْت كَلَامَ أَبِي سُفْيَانَ وَبُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ وَهُمَا يَتَرَاجَعَانِ وَأَبُو سُفْيَانَ يَقُولُ مَا رَأَيْت كَاللّيْلَةِ نِيرَانًا قَطّ وَلَا عَسْكَرًا قَالَ يَقُولُ بُدَيْلٌ هَذِهِ وَاَللهِ خُزَاعَةُ حَمَشَتْهَا الْحَرْبُ. قَالَ يَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ خُزَاعَةُ أَذَلّ وَأَقَلّ مِنْ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ نِيرَانَهَا وَعَسْكَرَهَا، قَالَ فَعَرَفْت صَوْتَهُ فَقُلْت: يَا أَبَا حَنْظَلَةَ فَعَرَفَ صَوْتِي، فَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ؟ قَالَ قُلْت: نَعَمْ قَالَ مَا لَك؟ فِدَاك أَبِي وَأُمّي قَالَ قُلْت: وَيْحَك يَا أَبَا سُفْيَانَ هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النّاسِ وَاصَبَاحَ قُرَيْشٍ وَاَللهِ قَالَ فَمَا الْحِيلَةُ؟ فِدَاك أَبِي وَأُمّي؟ قَالَ قُلْت وَاَللهِ لَئِنْ ظَفِرَ بِك لَيَضْرِبَن عُنُقَك، فَارْكَبْ فِي عَجُزِ هَذِهِ الْبَغْلَةِ حَتّى آتِي بِك رَسُولَ اللهِ ﷺ فَاسْتَأْمَنَهُ لَك ; قَالَ فَرَكِبَ خَلْفِي وَرَجَعَ صَاحِبَاهُ
_________________
(١) عَوْدٌ إلَى أَبِي سُفْيَانَ: وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ رَضِيعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَرْضَعَتْهُمَا حَلِيمَةُ وَكَانَ آلَفَ النّاسِ لَهُ قَبْلَ النّبُوّةِ لَا يُفَارِقُهُ فَلَمّا نُبّئَ كَانَ أَبْعَدَ النّاسِ عَنْهُ وَأَهْجَاهُمْ لَهُ إلَى أَنْ أَسْلَمَ، فَكَانَ أَصَحّ النّاسِ إيمَانًا، وَأَلْزَمَهُمْ لَهُ ﷺ وَلِأَبِي سُفْيَانَ هَذَا قَالَ النّبِيّ ﷺ " أَنْتَ يَا أَبَا سُفْيَانَ كَمَا قِيلَ كُلّ الصّيْدِ فِي جَوْفِ الْفَرَا "، وَقِيلَ بَلْ قَالَهَا لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَالْأَوّلُ أَصَحّ. وَقَوْلُ بُدَيْلٍ حَمَشَتْهُمْ الْحَرْبُ يُقَالُ حَمَشْت الرّجُلَ إذَا أَغْضَبْته، وَحَمَشْت النّارَ أَيْضًا إذَا أَوْقَدْتهَا، وَيُقَالُ. حَمَسْت بِالسّينِ.
[ ٧ / ٢١٠ ]
قَالَ فَجِئْت بِهِ كُلّمَا مَرَرْت بِنَارِ مِنْ نِيرَانِ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا: مَنْ هَذَا؟ فَإِذَا رَأَوْا بَغْلَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا عَلَيْهَا، قَالُوا: عَمّ رَسُولِ اللهِ عَلَى بَغْلَتِهِ حَتّى مَرَرْت بِنَارِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ ﵁ فَقَالَ مَنْ هَذَا؟ وَقَامَ إلَيّ فَلَمّا رَأَى أَبَا سُفْيَانَ عَلَى عَجُزِ الدّابّةِ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ عَدُوّ اللهِ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَمْكَنَ مِنْك بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ ثُمّ خَرَجَ يَشْتَدّ نَحْوَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَكَضْت الْبَغْلَةَ فَسَبَقْته بِمَا تَسْبِقُ الدّابّةُ الْبَطِيئَةُ الرّجُلَ الْبَطِيءَ قَالَ فَاقْتَحَمْت عَنْ الْبَغْلَةِ فَدَخَلْت عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا أَبُو سُفْيَانَ قَدْ أَمْكَنَ اللهُ مِنْهُ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ فَدَعْنِي فَلْأَضْرِبْ عُنُقَهُ قَالَ قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ إنّي قَدْ أَجَرْته، ثُمّ جَلَسْت إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخَذْت بِرَأْسِهِ فَقُلْت: وَاَللهِ لَا يُنَاجِيهِ اللّيْلَةَ دُونِي رَجُلٌ فَلَمّا أَكْثَرَ عُمَرُ فِي
_________________
(١) عَنْ إسْلَامِ سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ: وَذَكَرَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي إسْلَامِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ أَنّ الْعَبّاسَ لَمّا احْتَمَلَهُ مَعَهُ إلَى قُبّتِهِ فَأَصْبَحَ عِنْدَهُ رَأَى النّاسَ وَقَدْ ثَارُوا إلَى ظُهُورِهِمْ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَا أَبَا الْفَضْلِ مَا لِلنّاسِ أَأُمِرُوا فِيّ بِشَيْءِ؟ قَالَ لَا، وَلَكِنّهُمْ قَامُوا إلَى الصّلَاةِ فَأَمَرَهُ الْعَبّاسُ فَتَوَضّأَ ثُمّ انْطَلَقَ بِهِ إلَى النّبِيّ ﷺ فَلَمّا دَخَلَ ﵇ فِي الصّلَاةِ كَبّرَ فَكَبّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ ثُمّ رَكَعَ فَرَكَعُوا، ثُمّ رَفَعَ فَرَفَعُوا، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ طَاعَةَ قَوْمٍ جَمَعَهُمْ مِنْ هَهُنَا وَهَهُنَا، وَلَا فَارِسَ الْأَكَارِمِ وَلَا الرّومِ ذَاتِ الْقُرُونِ بِأَطْوَعَ مِنْهُمْ لَهُ وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ أَنّ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ لِلنّبِيّ ﷺ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ كَيْفَ أَصْنَعُ بِالْعُزّى؟ فَسَمِعَهُ عُمَرُ ﵁ مِنْ وَرَاءِ الْقُبّةِ فَقَالَ لَهُ نَخْرَا عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ وَيْحَك يَا عُمَرُ إنّك رَجُلٌ فَاحِشٌ دَعْنِي مَعَ ابْنِ عَمّي، فَإِيّاهُ أُكَلّمُ. وَذَكَرَ قَوْلَ أَبِي سُفْيَانَ لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أَخِيك الْغَدَاةَ عَظِيمًا، وَقَوْلَ
[ ٧ / ٢١١ ]
شَأْنِهِ قَالَ قُلْت: مَهْلًا يَا عُمَرُ فَوَاَللهِ أَنْ لَوْ كَانَ مِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ مَا قُلْت هَذَا، وَلَكِنّك قَدْ عَرَفْت أَنّهُ مِنْ رِجَالِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ فَقَالَ مَهْلًا يَا عَبّاسُ فَوَاَللهِ لَإِسْلَامُك يَوْمَ أَسْلَمْت كَانَ أَحَبّ إلَيّ مِنْ إسْلَامِ الْخَطّابِ لَوْ أَسْلَمَ، وَمَا بِي إلّا أَنّي قَدْ عَرَفْت أَنّ إسْلَامَك كَانَ أَحَبّ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ إسْلَامِ الْخَطّابِ لَوْ أَسْلَمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " اذْهَبْ بِهِ يَا عَبّاسُ إلَى رَحْلِك، فَإِذَا أَصْبَحْت فَأْتِنِي بِهِ "، قَالَ فَذَهَبْت بِهِ إلَى رَحْلِي، فَبَاتَ عِنْدِي، فَلَمّا أَصْبَحَ غَدَوْت بِهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ " وَيْحَك يَا أَبَا سُفْيَانَ أَلَمْ يَأْنِ لَك أَنْ تَعْلَمَ أَنّهُ لَا إلَهَ إلّا اللهُ؟ " قَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي مَا أَحْلَمَك وَأَكْرَمَك وَأَوْصَلَك، وَاَللهِ لَقَدْ ظَنَنْت أَنْ لَوْ كَانَ مَعَ اللهِ إلَهٌ غَيْرُهُ لَقَدْ أَغْنَى عَنّي شَيْئًا بَعْدُ قَالَ " وَيْحَك يَا أَبَا سُفْيَانَ أَلَمْ يَأْنِ لَك أَنْ تَعْلَمَ أَنّي رَسُولُ اللهِ؟ " قَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي، مَا أَحْلَمَك وَأَكْرَمَك وَأَوْصَلَك أَمّا هَذِهِ وَاَللهِ فَإِنّ فِي النّفْسِ مِنْهَا حَتّى الْآنَ شَيْئًا. فَقَالَ لَهُ الْعَبّاسُ وَيْحَك أَسْلِمْ وَاشْهَدْ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَأَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ قَبْلَ أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُك. قَالَ فَشَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقّ فَأَسْلَمَ قَالَ الْعَبّاسُ قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ إنّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبّ هَذَا الْفَخْرَ فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا، قَالَ " نَعَمْ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ " فَلَمّا ذَهَبَ لِيَنْصَرِفَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " يَا عَبّاسُ احْبِسْهُ بِمَضِيقِ الْوَادِي عِنْدَ خَطْمِ الْجَبَلِ حَتّى تَمُرّ بِهِ جُنُودُ اللهِ فَيَرَاهَا ". قَالَ فَخَرَجْت حَتّى حَبَسْته بِمَضِيقِ الْوَادِي، حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَحْبِسَهُ. عرض الْجَيْش
عرض جيوش الرَّسُول أَمَام أبي سُفْيَان
قَالَ: وَمَرّتْ الْقَبَائِلُ عَلَى رَايَاتِهَا، كُلّمَا مَرّتْ قَبِيلَةٌ قَالَ يَا عَبّاسُ مَنْ هَذِهِ؟ فَأَقُولُ سُلَيْمٌ فَيَقُولُ مَا لِي وَلِسُلَيْمِ ثُمّ تَمُرّ الْقَبِيلَةُ فَيَقُولُ يَا عَبّاسُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟
_________________
(١) الْعَبّاسِ لَهُ إنّهَا النّبُوّةُ قَالَ شَيْخُنَا أَبُو بَكْرٍ ﵀ إنّمَا أَنْكَرَ الْعَبّاسُ عَلَيْهِ أَنْ ذَكَرَ الْمُلْكَ مُجَرّدًا مِنْ النّبُوّةِ مَعَ أَنّهُ كَانَ فِي أَوّلِ دُخُولِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَإِلّا فَجَائِزٌ أَنْ يُسَمّى مِثْلُ هَذَا مُلْكًا، وَإِنْ كَانَ لِنَبِيّ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي دَاوُدَ ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ [ص: ٢٠] وَقَالَ سُلَيْمَان. ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥] غَيْرَ أَنّ الْكَرَاهِيَةَ أَظْهَرُ
[ ٧ / ٢١٢ ]
فَأَقُولُ مُزَيْنَةُ، فَيَقُولُ مَا لِي وَلِمُزَيْنَةَ حَتّى نَفِدَتْ الْقَبَائِلُ مَا تَمُرّ بِهِ قَبِيلَةٌ إلّا يَسْأَلُنِي عَنْهَا، فَإِذَا أَخْبَرْته بِهِمْ قَالَ مَا لِي وَلِبَنِي فُلَانٍ حَتّى مَرّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَإِنّمَا قِيلَ لَهَا الْخَضْرَاءُ لِكَثْرَةِ الْحَدِيدِ وَظُهُورِهِ فِيهَا.
قَالَ الْحَارِثُ بْنُ حَمْزَةَ الْيَشْكُرِيّ:
ثَمّ حُجْرًا أَعْنِي ابْنَ أُمّ قَطَامٍ وَلَهُ فَارِسِيّةٌ خَضْرَاءُ
يَعْنِي الْكَتِيبَةَ، وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيّ:
لَمّا رَأَى بَدْرًا تَسِيلُ جِلَاهُهُ بِكَتِيبَةِ خَضْرَاءَ مِنْ بَلْخَزْرَجِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ قَدْ كَتَبْنَاهَا فِي أَشْعَارِ يَوْمِ بَدْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فِيهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، ﵃ لَا يُرَى مِنْهُمْ إلّا الْحَدَقُ مِنْ الْحَدِيدِ فَقَالَ سُبْحَانَ اللهِ يَا عَبّاسُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ قُلْت: هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ; قَالَ مَا لِأَحَدِ بِهَؤُلَاءِ قِبَلٌ وَلَا طَاقَةٌ وَاَللهِ يَا أَبَا الْفَضْلِ لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أَخِيك الْغَدَاةَ عَظِيمًا، قَالَ قُلْت: يَا أَبَا سُفْيَانَ إنّهَا النّبُوّةُ. قَالَ فَنعم إِذن
_________________
(١) فِي تَسْمِيَةِ حَالِ النّبِيّ ﷺ مُلْكًا لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنّ النّبِيّ ﷺ خُيّرَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَبِيّا عَبْدًا، أَوْ نَبِيّا مَلِكًا، فَالْتَفَتَ إلَى جِبْرِيلَ، فَأَشَارَ إلَيْهِ أَنْ تَوْضَعْ فَقَالَ بَلْ نَبِيّا عَبْدًا أَشْبَعُ يَوْمًا، وَأَجُوعُ يَوْمًا وَإِنْكَارُ الْعَبّاسِ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ يُقَوّي هَذَا الْمَعْنَى، وَأَمْرُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ بَعْدَهُ يَكْرَهُ أَيْضًا أَنْ يُسَمّى مَلِكًا، لِقَوْلِهِ ﵇ فِي حَدِيثٍ آخَرَ " يَكُونُ بَعْدَهُ خُلَفَاءُ ثُمّ يَكُونُ أُمَرَاءُ ثُمّ يَكُونُ مُلُوكٌ ثُمّ جَبَابِرَةٌ "، وَيُرْوَى: ثُمّ يَعُودُ الْأَمْرُ بَزَيْزِيّا، وَهُوَ تَصْحِيفٌ قَالَ الْخَطّابِيّ: إنّمَا هُوَ بِزّيزَيّ، أَيْ قَتْلٌ وَسَلْبٌ.
[ ٧ / ٢١٣ ]
رُجُوع ابي سُفْيَان إِلَى أهل مَكَّة يُحَذرهُمْ
قَالَ قُلْت: النّجَاءَ إلَى قَوْمِك، حَتّى إذَا جَاءَهُمْ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، هَذَا مُحَمّدٌ قَدْ جَاءَكُمْ فِيمَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ فَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ فَقَامَتْ إلَيْهِ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، فَأَخَذَتْ بِشَارِبِهِ فَقَالَتْ اُقْتُلُوا الْحَمِيتَ الدّسِمَ الْأَحْمَسَ قُبّحَ مِنْ طَلِيعَةِ قَوْمٍ قَالَ وَيْلَكُمْ لَا تَغُرّنكُمْ هَذِهِ مِنْ أَنْفُسِكُمْ فَإِنّهُ قَدْ جَاءَكُمْ مَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ فَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ قَالُوا: قَاتَلَك اللهُ وَمَا تُغْنِي عَنّا دَارُك، قَالَ وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ فَتَفَرّقَ النّاسُ إلَى دُورِهِمْ وَإِلَى الْمَسْجِدِ
وُصُولُ النّبِيّ ﷺ إلَى ذِي طُوًى
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا انْتَهَى إلَى ذِي طُوًى وَقَفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُعْتَجِرًا بِشِقّةِ بُرْدٍ حِبَرَةٍ حَمْرَاءَ، وَإِنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَيَضَعُ رَأْسَهُ تَوَاضُعًا لِلّهِ حِينَ رَأَى مَا أَكْرَمَهُ اللهُ بِهِ مِنْ الْفَتْحِ حَتّى إنّ عُثْنُونَهُ لَيَكَادُ يَمَسّ وَاسِطَةَ الرّحْلِ.
_________________
(١) قَوْلُ هِنْدٍ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ وَقَوْلُ هِنْدٍ: اُقْتُلُوا الْحَمِيتَ الدّسِمَ الْأَحْمَسَ. الْحَمِيتُ الزّقّ، نَسَبَتْهُ إلَى الضّخْمِ وَالسّمَنِ وَالْأَحْمَسُ أَيْضًا الّذِي لَا خَيْرَ عِنْدَهُ مِنْ قَوْلِهِمْ عَامٌ أَحْمَسُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَطَرٌ وَزَادَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي حَدِيثِهِ أَنّهَا قَالَتْ يَا آلَ غَالِبٍ اُقْتُلُوا الْأَحْمَقَ فَقَالَ لَهَا أَبُو سُفْيَانَ وَاَللهِ لَتُسْلِمَن أَوْ لَأَضْرِبَن عُنُقَك وَفِي إسْلَامِ أَبِي سُفْيَانَ قَبْلَ هِنْدٍ وَإِسْلَامُهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدّتِهَا، ثُمّ اسْتَقَرّا عَلَى نِكَاحِهِمَا وَكَذَلِكَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ مَعَ امْرَأَتِهِ حُجّةٌ لِلشّافِعِيّ فَإِنّهُ لَمْ يُفَرّقْ بَيْنَ أَنْ تُسْلِمَ قَبْلَهُ أَوْ يُسْلِمَ قَبْلَهَا، مَا دَامَتْ فِي الْعِدّةِ. وَفَرّقَ مَالِكٌ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى مَا فِي الْمُوَطّأِ وَغَيْرِهِ.
[ ٧ / ٢١٤ ]
إِسْلَام أبي قُحَافَة
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّتِهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ:
لَمّا وَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذِي طُوًى قَالَ أَبُو قُحَافَةَ لِابْنَةِ مِنْ أَصْغَرِ وَلَدِهِ أَيْ بُنَيّةُ اظْهَرِي بِي عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ قَالَتْ وَقَدْ كُفّ بَصَرُهُ قَالَتْ فَأَشْرَفَتْ بِهِ عَلَيْهِ فَقَالَ أَيْ بُنَيّةُ مَاذَا تَرَيْنَ؟ قَالَتْ أَرَى سَوَادًا مُجْتَمِعًا، قَالَ تِلْكَ الْخَيْلُ قَالَتْ وَأَرَى رَجُلًا يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ مُقْبِلًا وَمُدْبِرًا، قَالَ أَيْ بُنَيّةُ ذَلِكَ الْوَازِعُ يَعْنِي الّذِي يَأْمُرُ الْخَيْلَ وَيَتَقَدّمُ إلَيْهَا، ثُمّ قَالَتْ قَدْ وَاَللهِ انْتَشَرَ السّوَادُ قَالَتْ فَقَالَ قَدْ وَاَللهِ إذَنْ دُفِعَتْ الْخَيْلُ فَأَسْرِعِي بِي إلَى بَيْتِي، فَانْحَطّتْ بِهِ وَتَلَقّاهُ الْخَيْلُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى بَيْتِهِ قَالَتْ وَفِي عُنُقِ الْجَارِيَةِ طَوْقٌ مِنْ وَرِقٍ فَتَلَقّاهَا رَجُلٌ فَيَقْتَطِعُهُ مِنْ عُنُقِهَا، قَالَتْ فَلَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكّةَ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ أَتَى أَبُو بَكْرٍ بِأَبِيهِ يَقُودُهُ فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ " هَلّا تَرَكْت الشّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتّى أَكُونَ أَنَا آتِيهِ فِيهِ؟ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ أَحَقّ أَنْ يَمْشِيَ إلَيْك مِنْ أَنْ تَمْشِيَ إلَيْهِ أَنْتَ قَالَ فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمّ مَسَحَ صَدْرَهُ ثُمّ قَالَ لَهُ " أَسْلِمْ " فَأَسْلَمَ قَالَتْ فَدَخَلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَكَأَنّ
_________________
(١) إسْلَامُ أَبِي قُحَافَةَ وَذَكَرَ إسْلَامُ أَبِي قُحَافَةَ وَاسْمُهُ عُثْمَانُ بْنُ عَامِرٍ وَاسْمُ أُمّهِ قَيْلَةُ بِنْتُ أَذَاةَ. وَقَوْلُهُ لِبِنْتِ لَهُ وَهِيَ أَصْغَرُ وَلَدِهِ يُرِيدُ وَاَللهُ أَعْلَمُ أَصْغَرُ أَوْلَادِهِ الّذِينَ لِصُلْبِهِ وَأَوْلَادِهِمْ لِأَنّ أَبَا قُحَافَةَ لَمْ يَعِشْ لَهُ وَلَدٌ ذَكَرٌ إلّا أَبُو بَكْرٍ وَلَا تُعْرَفُ لَهُ بِنْتٌ إلّا أُمّ فَرْوَةَ الّتِي أَنْكَحَهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁ مِنْ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ تَمِيمٍ الدّارِيّ فَهِيَ هَذِهِ الّتِي ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قِيلَ كَانَتْ لَهُ بِنْتٌ أُخْرَى تُسَمّى قُرَيْبَةَ تَزَوّجَهَا قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَالْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ أَبِي قُحَافَةَ هِيَ إحْدَى هَاتَيْنِ عَلَى هَذَا، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
[ ٧ / ٢١٥ ]
رَأْسَهُ ثَغَامَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " غَيّرُوا هَذَا مِنْ شَعْرِهِ ثُمّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِيَدِ أُخْتِهِ وَقَالَ أُنْشِدُ اللهَ وَالْإِسْلَامَ طَوْقَ أُخْتِي، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، قَالَتْ فَقَالَ أَيْ أُخَيّة، احْتَسِبِي طَوْقَك، إنّ الْأَمَانَةَ فِي النّاسِ الْيَوْم لقَلِيل
_________________
(١) وَفِي الْحَدِيثِ وَكَانَ رَأْسُهُ ثَغَامَةً وَالثّغَامُ مِنْ نَبَاتِ الْجِبَالِ وَهُوَ مِنْ الْجَنَبَةِ وَأَشَدّ مَا يَكُونُ بَيَاضًا إذَا أَمْحَلَ وَالْحَلِيّ مِثْلُهُ يُشَبّهُ بِهِ الشّيْبُ قَالَ الرّاجِزُ وَلِمّتِي كَأَنّهَا حَلِيّةٌ حُكْمُ الْخِضَابِ وَقَوْلُ النّبِيّ ﷺ فِي شَيْبِ أَبِي قُحَافَةَ " غَيّرُوا هَذَا " مِنْ شَعْرِهِ هُوَ عَلَى النّدْبِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ لِمَا دَلّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ عَنْهُ ﵇ أَنّهُ لَمْ يُغَيّرْ شَيْبَهُ وَقَدْ رَوَى مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّهُ خَضَبَ. وَقَالَ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ إنّمَا كَانَتْ شَيْبَاتٍ يَسِيرَةً يُغَيّرُهَا بِالطّيبِ. وَقَالَ أَنَسٌ لَمْ يَبْلُغْ النّبِيّ ﷺ حَدّ الْخِضَابِ وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ أَرَتْنِي أُمّ سَلَمَةَ شَعْرًا مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ مَوْهَبٍ قَالَ بَعَثَنِي أَهْلِي بِقَدَحِ إلَى أُمّ سَلَمَةَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ اطّلَعْت فِي الْجُلْجُلِ فَرَأَيْت شَعَرَاتٍ حُمْرًا، وَهَذَا كَلَامٌ مُشْكِلٌ وَشَرْحُهُ فِي مُشْكِلِ وَكِيعِ بْنِ الْجَرّاحِ قَالَ كَانَ جُلْجُلًا مِنْ فِضّةٍ صُنِعَ صِيوَانًا لِشَعَرَاتِ كَانَتْ عِنْدَهُمْ مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَإِنْ قِيلَ فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّهُ كَانَ مَخْضُوبَ الشّيْبِ وَقَدْ صَحّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ أَنّهُ ﵇ لَمْ يَكُنْ بَلَغَ أَنْ يَخْضِبَ إنّمَا كَانَتْ شَعَرَاتٍ تُعَدّ.
[ ٧ / ٢١٦ ]
دُخُول جُيُوشُ الْمُسْلِمِينَ مَكّةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ فَرّقَ جَيْشَهُ مِنْ ذِي طُوًى، أَمَرَ الزّبَيْرَ بْنَ الْعَوّامِ أَنْ يَدْخُلَ فِي بَعْضِ النّاسِ مِنْ كُدًى، وَكَانَ
_________________
(١) فَالْجَوَابُ أَنّهُ لَمّا تُوُفّيَ خَضَبَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ شَعْرِهِ تِلْكَ الشّعَرَاتِ لِيَكُونَ أَبْقَى لَهَا، كَذَلِكَ قَالَ الدّارَقُطْنِيّ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِ الْمُوَطّأِ لَهُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَخْضِبُ بِالْحِنّاءِ وَالْكَتَمِ وَكَانَ عُمَرُ يَخْضِبُ بِالصّفْرَةِ وَكَذَلِكَ عُثْمَانُ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ يَخْضِبُ بِالْخِطْرِ وَهُوَ الْوَسْمَةُ وَأَمّا الصّفْرَةُ فَكَانَتْ مِنْ الْوَرْسِ أَوْ الْكُرْكُمِ وَهُوَ الزّعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ يَنْبُتُ بِالْيَمَنِ يُقَالُ لِجَيّدِهِ بَادِرَةُ الْوَرْسِ وَمِنْ أَنْوَاعِهِ الْعَسْفُ وَالْحَبَشِيّ وَهُوَ آخِرُهُ وَيُقَالُ مِنْ الْحِنّاءِ حَنّا شَيْبَهُ وَرَقّنَهُ وَجَمْعُ الْحِنّاءِ حِنّانٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ قَالَ الشّاعِرُ وَلَقَدْ أَرُوحُ بِلِمّةِ فَيْنَانَةٍ سَوْدَاءَ قَدْ رُوِيَتْ مِنْ الْحِنّانِ مِنْ كِتَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَزِيدُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ فِي شَيْبِ أَبِي قُحَافَةَ وَجَنّبُوهُ السّوَادَ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى كَرَاهَةِ الْخِضَابِ بِالسّوَادِ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمِنْ أَجْلِ حَدِيثٍ آخَرَ جَاءَ فِي الْوَعِيدِ وَالنّهْيِ لِمَنْ خَضَبَ بِالسّوَادِ وَقِيلَ أَوّلُ مَنْ خَضَبَ بِالسّوَادِ فِرْعَوْنُ، وَقِيلَ أَوّلُ مَنْ خَضَبَ بِهِ مِنْ الْعَرَبِ عَبْدُ الْمُطّلِبِ، وَتَرَخّصَ قَوْمٌ فِي الْخِضَابِ بِالسّوَادِ مَعَهُمْ مُحَمّدُ بْنُ عَلِيّ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنّهُ قَالَ اخْضِبُوا بِالسّوَادِ فَإِنّهُ أَنْكَى لِلْعَدُوّ وَأَحَبّ لِلنّسَاءِ وَقَالَ ابْنُ بَطّالٍ فِي الشّرْحِ إذَا كَانَ الرّجُلُ كَهْلًا لَمْ يَبْلُغْ الْهَرَمَ جَازَ لَهُ الْخِضَابُ بِالسّوَادِ لِأَنّ فِي ذَلِكَ مَا قَالَ عُمَرُ ﵁ مِنْ الْإِرْهَابِ عَلَى الْعَدُوّ وَالتّحَبّبِ إلَى النّسَاءِ وَأَمّا إذَا قَوّسَ وَاحْدَوْدَبَ فَحِينَئِذٍ يُكْرَهُ لَهُ السّوَادُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَبِي قُحَافَةَ غَيّرُوا شَيْبَهُ وَجَنّبُوهُ السّوَادَ.
[ ٧ / ٢١٧ ]
الزّبَيْرُ عَلَى الْمُجَنّبَةِ الْيُسْرَى، وَأَمَرَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَنْ يَدْخُلَ فِي بَعْضِ النّاسِ مِنْ كَدَاءٍ.
تخوف الْمُهَاجِرُونَ على قُرَيْش من سعد وَمَا أَمر بِهِ الرَّسُول
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ سَعْدًا حِينَ وَجّهَ دَاخِلًا، قَالَ:
الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ الْيَوْمُ تُسْتَحَلّ الْحُرْمَةُ فَسَمِعَهَا رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ -
_________________
(١) كَدَاءُ وَكُدًى فَصْلٌ: وَذَكَرَ كَدَاءَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْمَدّ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكّةَ، وَكُدًى وَهُوَ مِنْ نَاحِيَةِ عَرَفَةَ وَبِمَكّةَ مَوْضِعٌ ثَالِثٌ يُقَالُ كُدَا بِضَمّ الْكَافِ وَالْقَصْرِ وَأَنْشَدُوا فِي كَدَاءٍ وَكُدًى: أَقْفَرَتْ بَعْدَ عَبْدِ شَمْسٍ كَدَاءُ فَكُدَيّ فَالرّكْنُ وَالْبَطْحَاءُ وَالْبَيْتُ لِابْنِ قَيْسٍ الرّقَيّاتِ يَذْكُرُ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ الْعَامِرِيّينَ رَهْطَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو. مَوْقِفُ إبْرَاهِيمَ بِكَدَاءَ: وَبِكَدَاءَ وَقَفَ إبْرَاهِيمُ ﵇ حِينَ دَعَا لِذُرّيّتِهِ بِالْحَرَمِ كَذَلِكَ رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، فَقَالَ ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٣٧] فَاسْتُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ وَقِيلَ لَهُ ﴿أَذّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الْحَج: ٢٧] أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ يَأْتُوك، وَلَمْ يَقُلْ يَأْتُونِي، لِأَنّهَا اسْتِجَابَةٌ لِدَعْوَتِهِ فَمِنْ
[ ٧ / ٢١٨ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ اسْمَعْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، مَا نَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي قُرَيْشٍ صَوْلَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَدْرِكْهُ فَخُذْ الرّايَةَ مِنْهُ فَكُنْ أَنْتَ الّذِي تدخل بهَا
_________________
(١) ثَمّ - وَاَللهُ أَعْلَمُ - اسْتَحَبّ النّبِيّ ﷺ إذَا أَتَى لِمَكّةَ أَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ كَدَاءَ، لِأَنّهُ الْمَوْضِعُ الّذِي دَعَا فِيهِ إبْرَاهِيمُ بِأَنْ يَجْعَلَ أَفْئِدَةً مِنْ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ. مَوْقِفُ الرّسُولِ ﷺ مِنْ سَعْدٍ فَصْلٌ: وَذَكَرَ نَزْعَ الرّايَةِ مِنْ سَعْدٍ حِينَ قَالَ الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ. وَزَادَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ فِي الْخَبَرِ أَنّ ضِرَارَ بْنَ الْخَطّابِ قَالَ يَوْمَئِذٍ شِعْرًا حِينَ سَمِعَ قَوْلَ سَعْدٍ اسْتَعْطَفَ فِيهِ النّبِيّ ﷺ عَلَى قُرَيْشٍ، وَهُوَ مِنْ أَجْوَدِ شِعْرٍ لَهُ يَا نَبِيّ الْهُدَى إِلَيْك لجا حَيّ قُرَيْشٍ وَلَاتَ حِينَ لَجَاءِ حِينَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ سَعَةُ الْأَرْ ضِ وَعَادَاهُمْ إلَهُ السّمَاءِ وَالْتَقَتْ حَلْقَتَا البطان على الْقَوْم وَنُودُوا بِالصّيْلَمِ الصّلْعَاءِ إنّ سَعْدًا يُرِيد قاصمة الظّهْر بِأَهْلِ الْحَجُونِ وَالْبَطْحَاءِ خَزْرَجِيّ لَوْ يَسْتَطِيع من الغيظ رَمَانَا بِالنّسْرِ وَالْعَوّاءِ فَلَئِنْ أَقْحَمَ اللّوَاءَ وَنَادَى يَا حُمَاةَ اللّوَاءِ أَهْلَ اللّوَاءِ لَتَكُونَن بِالْبِطَاحِ قُرَيْشٌ بُقْعَةُ الْقَاعِ فِي أَكُفّ الْإِمَاءِ فَحِينَئِذٍ انْتَزَعَ النّبِيّ ﷺ الرّايَةَ مِنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِيمَا ذَكَرُوا، وَاَللهُ أَعْلَمُ وَمَدّ فِي هَذَا الشّعْرِ الْعَوّاءَ وَأَنْكَرَ الْفَارِسِيّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ مَدّهَا، وَقَالَ لَوْ مُدّتْ لَقِيلَ فِيهَا: الْعَيّاءُ كَمَا قِيلَ فِي: الْعَلْيَاءِ لِأَنّهَا لَيْسَتْ بِصِفَةِ كَالْعَشْوَاءِ قَالَ وَإِنّمَا هِيَ
[ ٧ / ٢١٩ ]
طَرِيق الْمُسلمين فِي دُخُول مَكّةَ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ فِي حَدِيثِهِ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَدَخَلَ مِنْ اللّيطِ، أَسْفَلَ مَكّةَ، فِي بَعْضِ النّاسِ وَكَانَ خَالِدٌ عَلَى الْمُجَنّبَةِ الْيُمْنَى، وَفِيهَا أَسْلَمُ وَسُلَيْمٌ وَغِفَارٌ وَمُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَةُ وَقَبَائِلُ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ.
وَأَقْبَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرّاحِ بِالصّفّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَنْصِبُ لِمَكّةَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ أَذَاخِرَ، حَتّى نَزَلَ بِأَعْلَى مَكّةَ وَضُرِبَتْ لَهُ هُنَالك قُبَّته.
تعرض صَفْوَان فِي نفر مَعَه لِلْمُسْلِمِينَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ:
أَنّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيّةَ وَعِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ وَسُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو كَانُوا قَدْ جَمَعُوا نَاسًا بِالْخَنْدَمَةِ لِيُقَاتِلُوا، وَقَدْ كَانَ حِمَاسُ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ، أَخُو بَنِي بَكْرٍ يُعِدّ سِلَاحًا قَبْلَ دُخُولِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَيُصْلِحُ مِنْهُ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ لِمَاذَا تُعِدّ مَا أَرَى؟ قَالَ
_________________
(١) مَقْصُورَةٌ كَالشّرْوَى وَالنّجْوَى، وَغَفَلَ عَنْ وَجْهٍ ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيّ الْقَالِي، فَإِنّهُ قَالَ عَنْ مَدّ الْعَوّاءِ فَهِيَ عِنْدَهُ فَعّالٌ مِنْ عَوَيْت الشّيْءَ إذَا لَوَيْت ظَرَفَهُ وَهَذَا حَسَنٌ جِدّا لَا سِيّمَا، وَقَدْ صَحّ مَدّهَا فِي الشّعْرِ الّذِي تَقَدّمَ وَغَيْرِهِ وَالْأَصَحّ فِي مَعْنَاهَا: أَنّ الْعَوّاءَ مِنْ الْعَوّةِ وَالْعَوّةُ هِيَ الدّبُرُ فَكَأَنّهُمْ سَمّوْهَا بِذَلِكَ لِأَنّهَا دُبُرُ الْأَسَدِ مِنْ الْبُرُوجِ. خُنَيْسُ بْنُ خَالِدٍ فَصْلٌ: وَذَكَرَ خُنَيْسَ بْنَ خَالِدٍ وَقَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ: خُنَيْسٌ مِنْ خُزَاعَةَ، لَمْ
[ ٧ / ٢٢٠ ]
لِمُحَمّدِ وَأَصْحَابِهِ قَالَتْ وَاَللهِ مَا أَرَاهُ يَقُومُ لِمُحَمّدِ وَأَصْحَابِهِ شَيْءٌ قَالَ وَاَللهِ إنّي لَأَرْجُو أَنْ أُخْدِمَك بَعْضَهُمْ ثُمّ قَالَ
إنْ يُقْبِلُوا الْيَوْمَ فَمَا لِي عِلّةٌ هَذَا سِلَاحٌ كَامِلٌ وَأَلَهْ
وَذُو غِرَارَيْنِ سَرِيعُ السّلّهْ
ثُمّ شَهِدَ الْخَنْدَمَةَ مَعَ صَفْوَانَ وَسُهَيْلِ وَعِكْرِمَةَ، فَلَمّا لَقِيَهُمْ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، نَاوَشُوهُمْ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ فَقَتَلَ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ، أَحَدَ بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ، وَخُنَيْسَ بْنَ خَالِدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَصْرَمَ، حَلِيفُ بَنِي مُنْقَذٍ، وَكَانَا فِي خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَشَذّا عَنْهُ فَسَلَكَا طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِهِ فَقُتِلَا جَمِيعًا قُتِلَ خُنَيْسُ بْنُ خَالِدٍ قَبْلَ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ، فَجَعَلَهُ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ بَيْنَ رِجْلَيْهِ ثُمّ قَاتَلَ عَنْهُ حَتّى قُتِلَ وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ
قَدْ عَلِمَتْ صَفْرَاءُ مِنْ بَنِي فِهِرْ نَقِيّةَ الْوَجْهِ نَقِيّةَ الصّدِرْ
_________________
(١) يَخْتَلِفُوا عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّهُ خُنَيْسٌ بِالْخَاءِ الْمَنْقُوطَةِ وَالنّونِ وَأَكْثَرُ مَنْ أَلّفَ فِي الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ يَقُولُ الصّوَابُ فِيهِ حُبَيْشٌ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ وَالشّيْنِ الْمَنْقُوطَةِ وَكَذَلِكَ فِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ أَنّ الصّوَابَ فِيهِ حُبَيْشٌ وَأَبُوهُ خَالِدٌ هُوَ الْأَشْعَرُ بْنُ حُنَيْفٍ وَقَدْ رَفَعْنَا نَسَبَهُ عِنْدَ ذِكْرِ أُمّ مَعْبَدٍ لِأَنّهَا بِنْتُهُ وَهُوَ بِالشّيْنِ الْمَنْقُوطَةِ وَأَمّا الْأَسْعَرُ بِالسّينِ الْمُهْمَلَةِ فَهُوَ الْأَسْعَرُ الْجُعْفِيّ، وَاسْمُهُ " مَرْثَدُ بْنُ عِمْرَانَ وَسُمّيَ الْأَسْعَرُ لِقَوْلِهِ فَلَا يَدْعُنِي قَوْمِي لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ لَئِنْ أَنَا لَمْ أَسْعَرْ عَلَيْهِمْ وَأُثْقِبِ يَعْنِي بِمَالِكِ مَذْحِجٍ. وَذَكَرَ الرّجَزَ الّذِي لِكُرْزِ قَدْ عَلِمَتْ صَفْرَاءُ مِنْ بَنِي فِهِرْ
[ ٧ / ٢٢١ ]
لَأَضْرِبَن الْيَوْمَ عَنْ أَبِي صَخِرْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ خُنَيْسٌ يُكَنّى أَبَا صَخْرٍ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: خُنَيْسُ بْنُ خَالِدٍ مِنْ خُزَاعَةَ.
_________________
(١) أَشَارَ بِقَوْلِهِ صَفْرَاءَ إلَى صُفْرَةِ الْخَلُوقِ وَقِيلَ بَلْ أَرَادَ مَعْنَى: قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ كَبِكْرِ مُقَانَاةِ الْبَيَاضُ بِصُفْرَةِ غَذَاهَا نَمِيرُ الْمَاءِ غَيْرَ مُحَلّلِ وَكَقَوْلِ الْأَعْشَى: نُرْضِيك مِنْ دَلّ وَمِنْ حُسْنٍ مُخَالِطُهُ غَرَارَة حَمْرَاءُ غَدْوَتهَا، وَصَفْرَ اءُ الْعَشِيّةِ كَالْعَرَارَةِ وَقَوْلُهُ مِنْ بَنِي فِهِرْ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَكَذَلِكَ الصّدِرْ فِي الْبَيْتِ الثّانِي، وَأَبُو صَخْرٍ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْعَرَبِ فِي الْوَقْفِ عَلَى مَا أَوْسَطُهُ سَاكِنٌ فَإِنّ مِنْهُمْ مَنْ يَنْقُلُ حَرَكَةَ لَامِ الْفِعْلِ إلَى عَيْنِ الْفِعْلِ فِي الْوَقْفِ وَذَلِكَ إذَا كَانَ الِاسْمُ مَرْفُوعًا أَوْ مَخْفُوضًا، وَلَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي النّصْبِ وَعِلَلُهُ مُسْتَقْصَاةٌ فِي النّحْوِ. حَوْلَ لِمَاذَا وَمُوتِمَةِ وَذَكَرَ خَبَرَ حِمَاسٍ وَقَوْلَ امْرَأَتِهِ لَهُ لِمَاذَا تُعِدّ السّلَاحَ بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ وَلَا يَجُوزُ حَذْفُهَا مِنْ أَجْلِ تَرْكِيبِ ذَا مَعَهَا، وَالْمَعْرُوفُ فِي مَا إذَا كَانَتْ اسْتِفْهَامًا مَجْرُورَةً أَنْ تُحْذَفَ مِنْهَا الْأَلِفُ فَيُقَالُ لِمَ وَبِمَ قَالَ ابْنُ السّرّاجِ الدّلِيلُ عَلَى أَنّ ذَا جُعِلَتْ مَعَ مَا اسْمًا وَاحِدًا أَنّهُمْ اتّفَقُوا عَلَى إثْبَاتِ الْأَلِفِ مَعَ حَرْفِ الْجَرّ فَيَقُولُونَ لِمَاذَا فَعَلْت، وَبِمَاذَا جِئْت، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ.
[ ٧ / ٢٢٢ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ قَالَا:
وَأُصِيبَ مِنْ جُهَيْنَةَ سَلَمَةُ بْنُ الْمَيْلَاءِ مِنْ خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَأُصِيبَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ نَاسٌ قَرِيبٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، ثُمّ انْهَزَمُوا، فَخَرَجَ حِمَاسٌ مُنْهَزِمًا حَتّى دَخَلَ بَيْتَهُ ثُمّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَغْلِقِي عَلَيّ بَابِي، قَالَتْ فَأَيْنَ مَا كُنْت تَقُولُ؟ فَقَالَ
إنّكِ لَوْ شَهِدْت يَوْمَ الْخَنْدَمَهْ إذْ فَرّ صَفْوَانُ وَفَرّ عِكْرِمَهْ
وَأَبُو يَزِيدَ قَائِمٌ كَالْمُوتِمَهْ واستقبلتهم بِالسّيُوفِ الْمُسْلِمَهْ
_________________
(١) حَوْلَ رَجَزَيْ حِمَاسٍ وَقَوْلُهُ: وَذُو غِرَارَيْنِ سَرِيعُ السّلّهْ بِكَسْرِ السّينِ هُوَ الرّوَايَةُ يُرِيدُ الْحَالَةَ مِنْ سَلّ السّيْفِ وَمَنْ أَرَادَ الْمَصْدَرَ فَتَحَ. وَقَوْلُهُ وَأَبُو يَزِيدَ قَائِمٌ كَالْمُوتِمَهْ يُرِيدُ الْمَرْأَةَ لَهَا أَيْتَامٌ وَالْأَعْرَفُ فِي مِثْلِ هَذَا مُوتِمٌ ثُمّ مُطْفِلٌ وَجَمْعُهَا مَيَاتِمُ وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرّوَايَةِ الْمُوتِمَةُ الْأُسْطُوَانَةُ وَهُوَ تَفْسِيرٌ غَرِيبٌ وَهُوَ أَصَحّ مِنْ التّفْسِيرِ الْأَوّلِ لِأَنّهُ تَفْسِيرُ رَاوِي الْحَدِيثِ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ هَذَا يَكُونُ لَفْظُ الْمُوتِمَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ وَتَمّ وَأَتَمّ إذَا ثَبَتَ لِأَنّ الْأُسْطُوَانَةَ تَثْبُتُ مَا عَلَيْهَا، وَيُقَالُ فِيهَا عَلَى هَذَا مُوتِمَةٌ بِالْهَمْزِ وَتُجْمَعُ مَآتِمُ وَمُوتِمَةٌ بِلَا هَمْزٍ وَتُجْمَعُ مَوَاتِمُ. وَقَوْلُهُ وَأَبُو يَزِيدَ بِقَلْبِ الْهَمْزَةِ مِنْ أَبُو أَلِفًا سَاكِنَةً فِيهِ حُجّةٌ لِوَرْشِ [وَاسْمُهُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ حَيْثُ أَبْدَلَ الْهَمْزَةَ أَلِفًا سَاكِنَةً وَهِيَ مُتَحَرّكَةٌ وَإِنّمَا قِيَاسُهَا عِنْدَ النّحْوِيّينَ أَنْ تَكُونَ بَيْنَ بَيْنَ. وَمِثْلُ قَوْلِهِ وَأَبُو يَزِيدَ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ:
[ ٧ / ٢٢٣ ]
يَقْطَعْنَ كُلّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ ضَرْبًا فَلَا يُسْمَعُ إلّا غَمْغَمَهْ
لَهُمْ نَهِيتٌ خَلْفَنَا وَهَمْهَمَهْ لَمْ تَنْطِقِي فِي اللّوْمِ أَدْنَى كَلِمَهْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ قَوْلَهُ " كَالْمُوتِمَهْ " وَتُرْوَى لِلرّعَاشِ الْهُذَلِيّ.
شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ يَوْم الْفَتْح وحنين والطائف:
وَكَانَ شِعَارُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكّةَ وَحُنَيْنٍ وَالطّائِفِ، شِعَارُ
_________________
(١) فَارْعَيْ فَزَارَةَ لَا هَنَاكِ الْمَرْتَعُ وَإِنّمَا هُوَ هَنَأَكِ بِالْهَمْزِ وَتَسْهِيلِهَا بَيْنَ بَيْنَ فَقَلْبُهَا أَلِفًا عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ الْمَعْرُوفِ فِي النّحْوِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الْمِنْسَاةِ وَهِيَ الْعَصَا، وَأَصْلُهَا الْهَمْزُ لِأَنّهَا مِفْعَلَةٌ مِنْ نَسَأْت، وَلَكِنّهَا فِي التّنْزِيلِ كَمَا تَرَى، وَأَبُو يَزِيدَ الّذِي عَنَى فِي هَذَا الْبَيْتِ هُوَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو خَطِيبُ قُرَيْشٍ. وَقَوْلُهُ لَهُمْ نَهِيتٌ النّهِيتُ صَوْتُ الصّدْرِ وَأَكْثَرُ مَا تُوصَفُ بِهِ الْأُسْدُ قَالَ ابْنُ الْأَسْلَتِ كَأَنّهُمْ أُسْدٌ لَدَى أَشْبُلٍ يَنْهِتْنَ فِي غِيلٍ وَأَجْزَاعِ وَالْغَمْغَمَةُ أَصْوَاتٌ غَيْرُ مَفْهُومَةٍ مِنْ اخْتِلَاطِهَا طَرَفٌ مِنْ أَحْكَامِ أَرْضِ مَكّةَ وَنَذْكُرُ هَاهُنَا طَرَفًا مِنْ أَحْكَامِ أَرْضِ مَكّةَ، فَقَدْ اُخْتُلِفَ هَلْ افْتَتَحَهَا
[ ٧ / ٢٢٤ ]
الْمُهَاجِرِينَ يَا بَنِي عَبْدِ الرّحْمَنِ وَشِعَارُ الْخَزْرَجِ: يَا بَنِي عَبْدِ اللهِ وَشِعَارُ الْأَوْسِ: يَا بَنِي عُبَيْدِ اللهِ.
عهد الرَّسُول إِلَى أمرائه وَأمره بقتل نفر سماهم:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ عَهِدَ إلَى أُمَرَائِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا مَكّةَ، أَنْ لَا يُقَاتِلُوا إلّا مَنْ قَاتَلَهُمْ إلّا أَنّهُ قَدْ عَهِدَ فِي نَفَرٍ سَمّاهُمْ أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ وَإِنْ وُجِدُوا تَحْتَ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدٍ أَخُو بَنِي عَامِرِ بن لؤَي.
_________________
(١) النّبِيّ ﷺ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا، لِيَبْتَنِيَ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمُ هَلْ أَرْضُهَا مِلْكٌ لِأَهْلِهَا أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ ﵁ كَانَ يَأْمُرُ بِنَزْعِ أَبْوَابِ دُورِ مَكّةَ إذَا قَدِمَ الْحَاجّ، وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى عَامِلِهِ بِمَكّةَ أَنْ يُنْهِيَ أَهْلَهَا عَنْ كِرَاءِ دُورِهَا إذَا جَاءَ الْحَاجّ فَإِنّ ذَلِكَ لَا يَحِلّ لَهُمْ. وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ - إنْ كَانَ النّاسُ لَيَضْرِبُونَ فَسَاطِيطَهُمْ بِدُورِ مَكّةَ لَا يَنْهَاهُمْ أَحَدٌ، وَرُوِيَ أَنّ دُورَ مَكّةَ كَانَتْ تُدْعَى السّوَائِبُ، وَهَذَا كُلّهُ مُنْتَزَعٌ مِنْ أَصْلَيْنِ أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ ﵎: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الْحَجّ ٢٥] وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الْحَرَمُ كُلّهُ مَسْجِدٌ وَالْأَصْلُ الثّانِي: أَنّ النّبِيّ ﷺ دَخَلَهَا عَنْوَةً غَيْرَ أَنّهُ مَنّ عَلَى أَهْلِهَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا مِنْ الْبِلَادِ كَمَا ظَنّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فَإِنّهَا مُخَالِفَةٌ لِغَيْرِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: مَا خَصّ اللهُ بِهِ نَبِيّهُ فَإِنّهُ قَالَ ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلّهِ وَالرّسُولِ﴾ [الْأَنْفَالِ ١] وَالثّانِي فِيمَا خَصّ اللهُ تَعَالَى بِهِ مَكّةَ فَإِنّهُ جَاءَ لَا تَحِلّ غَنَائِمُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا، وَهِيَ حَرَمُ اللهِ تَعَالَى وَأَمْنُهُ فَكَيْفَ تَكُونُ أَرْضُهَا أَرْضَ خَرَاجٍ فَلَيْسَ لِأَحَدِ افْتَتَحَ بَلَدًا أَنْ يَسْلُكَ بِهِ سَبِيلَ
[ ٧ / ٢٢٥ ]
سَبَب أَمر الرَّسُول بقتل سعد وشفاعة عُثْمَان فِيهِ
وَإِنّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِهِ لِأَنّهُ قَدْ كَانَ أَسْلَمَ، وَكَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ الْوَحْيَ فَارْتَدّ مُشْرِكًا رَاجِعًا إلَى قُرَيْشٍ، فَفَرّ إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ، وَكَانَ أَخَاهُ لِلرّضَاعَةِ فَغَيّبَهُ حَتّى أَتَى بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ اطْمَأَنّ وَأَهْلُ مَكّةَ، فَاسْتَأْمَنَ لَهُ فَزَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَمَتَ طَوِيلًا، ثُمّ قَالَ " نَعَمْ "، فَلَمّا انْصَرَفَ عَنْهُ عُثْمَانُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ لَقَدْ صَمَتّ لِيَقُومَ إلَيْهِ بَعْضُكُمْ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: فَهَلّا أَوْمَأْت إلَيّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ " إنّ النّبِيّ لَا يَقْتُلُ بِالْإِشَارَةِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثُمّ أَسْلَمَ بَعْدُ فَوَلّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ بَعْضَ أَعْمَالِهِ ثُمّ وَلّاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ بَعْدَ عُمَرَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبْدُ اللهِ بْنُ خَطَلٍ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ غَالِبٍ:
إنّمَا أَمَرَ بِقَتْلِهِ أَنّهُ كَانَ مُسْلِمًا، فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُصَدّقًا، وَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ مَعَهُ مَوْلًى لَهُ يَخْدُمُهُ وَكَانَ مُسْلِمًا، فَنَزَلَ مَنْزِلًا، وَأَمَرَ الْمَوْلَى أَنْ يَذْبَحَ لَهُ تَيْسًا، فَيَصْنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَلَمْ يَصْنَعْ لَهُ شَيْئًا، فَعَدَا عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ ثُمّ ارْتَدَّ مُشْركًا.
أَسمَاء من أَمر الرَّسُول بِقَتْلِهِم وَسبب ذَلِك
وَكَانَ لَهُ قَيْنَتَانِ فَرْتَنَى وَصَاحِبَتُهَا وَكَانَتَا تُغَنّيَانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِهِمَا مَعَهُ.
_________________
(١) مَكّةَ، فَأَرْضُهَا إِذا وَدُورُهَا لِأَهْلِهَا، وَلَكِنْ أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِمْ التّوْسِعَةَ عَلَى الْحَجِيجِ إذَا قَدِمُوهَا، وَلَا يَأْخُذُوا مِنْهُمْ كِرَاءً فِي مَسَاكِنِهَا، فَهَذَا حُكْمُهَا فَلَا عَلَيْك بَعْدَ هَذَا، فُتِحَتْ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا، وَإِنْ كَانَتْ ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً.
[ ٧ / ٢٢٦ ]
وَالْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ بْنِ قُصَيّ، وَكَانَ مِمّنْ يُؤْذِيهِ بِمَكّةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ حَمَلَ فَاطِمَةَ وَأُمّ كُلْثُومٍ، ابْنَتَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مَكّةَ يُرِيدُ بِهِمَا الْمَدِينَةَ، فَنَخَسَ بِهِمَا الْحُوَيْرِثَ بْنَ نُقَيْذٍ فَرَمَى بِهِمَا إلَى الْأَرْضِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِقْيَسُ بْنُ حُبَابَةَ [أَوْ ضَبَابَةَ أَوْ صُبَابَةَ] وَإِنّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِهِ لِقَتْلِ الْأَنْصَارِيّ الّذِي كَانَ قَتَلَ أَخَاهُ خَطَأً وَرُجُوعُهُ إلَى قُرَيْشٍ مُشْرِكًا وَسَارّةُ مَوْلَاةٌ لِبَعْضِ بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ.
وَكَانَتْ سَارّةُ مِمّنْ يُؤْذِيهِ بِمَكّةَ فَأَمّا عِكْرِمَةُ فَهَرَبَ إلَى الْيَمَنِ، وَأَسْلَمَتْ امْرَأَتُهُ أُمّ حَكِيمِ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ. فَاسْتَأْمَنَتْ لَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَمّنَهُ فَخَرَجَتْ فِي طَلَبِهِ إلَى الْيَمَنِ، حَتّى أَتَتْ بِهِ رَسُولَ اللهِ
_________________
(١) الْهُذَلِيّ الْقَتِيلُ وَذَكَرَ الْهُذَلِيّ الّذِي قُتِلَ وَهُوَ وَاقِفٌ فَقَالَ أَقَدْ فَعَلْتُمُوهَا يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ، وَرَوَى الدّارَقُطْنِيّ فِي السّنَنِ أَنّ النّبِيّ قَالَ لَوْ كُنْت قَاتِلَ مُسْلِمٍ بِكَافِرِ لَقَتَلْت خِرَاشًا بِالْهُذَلِيّ يَعْنِي بِالْهُذَلِيّ قَاتِلَ ابْنِ أَثْوَعَ وَخِرَاشٌ هُوَ قَاتِلُهُ وَهُوَ مِنْ خُزَاعَةَ. هَلْ تُعِيذُ الْكَعْبَةُ عَاصِيًا فَصْلٌ وَذَكَرَ قِصّةَ ابْنِ خَطَلٍ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللهِ وَقَدْ قِيلَ فِي اسْمِهِ هِلَالٌ وَقَدْ قِيلَ هِلَالٌ كَانَ أَخَاهُ وَكَانَ يُقَالُ لَهُمَا: الْخَطَلَانِ وَهُمَا مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ، وَأَنّ النّبِيّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهِ فَقُتِلَ وَهُوَ مُتَعَلّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَفِي هَذَا أَنّ الْكَعْبَةَ لَا تُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا تَمْنَعُ مِنْ إقَامَةِ حَدّ وَاجِبٍ وَأَنّ مَعْنَى قَوْلِهِ
[ ٧ / ٢٢٧ ]
ﷺ فَأَسْلَمَ. وَأَمّا عَبْدُ اللهِ بْنُ خَطَلٍ، فَقَتَلَهُ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَخْزُومِيّ وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيّ، اشْتَرَكَا فِي دَمْعٍ وَأَمّا مِقْيَسُ بْنُ حُبَابَةَ فَقَتَلَهُ نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَقَالَتْ أُخْتُ مِقْيَسٍ فِي قَتْلِهِ
لَعَمْرِي لَقَدْ أَخْزَى نُمَيْلَةَ رَهْطُهُ وَفَجّعَ أَضْيَافَ الشّتَاءِ بِمِقْيَسِ
فَلِلّهِ عَيْنًا مَنْ رَأَى مِثْلَ مِقْيَسٍ إذَا النّفَسَاءُ أَصْبَحَتْ لَمْ تُخَرّسْ
وَأَمّا قَيْنَتَا ابْنِ خَطَلٍ فَقُتِلَتْ إحْدَاهُمَا، وَهَرَبَتْ الْأُخْرَى، حَتّى اُسْتُؤْمِنَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدُ فَأَمّنَهَا.
وَأَمّا سَارّةُ فَاسْتُؤْمِنَ لَهَا فَأَمّنَهَا، ثُمّ بَقِيَتْ حَتّى أَوْطَأَهَا رَجُلٌ مِنْ النّاسِ فَرَسًا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ بِالْأَبْطَحِ فَقَتَلَهَا.
وَأَمّا الْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذٍ فَقَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أبي طَالب.
_________________
(١) تَعَالَى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمرَان:٩٧] إنّمَا مَعْنَاهُ الْخَبَرُ عَنْ تَعْظِيمِ حُرْمَةِ الْحَرَمِ فِي الْجَاهِلِيّةِ نِعْمَةً مِنْهُ عَلَى أَهْلِ مَكّةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنّاس﴾ إلَى آخِرِ الْآيَةِ [الْمَائِدَةِ ٩٧] فَكَانَ فِي ذَلِكَ قِوَامٌ لِلنّاسِ وَمَصْلَحَةٌ لِذُرّيّةِ إسْمَاعِيلَ - ﷺ - وَهُمْ قُطّانُ الْحَرَمِ، وَإِجَابَةً لِدَعْوَةِ إبْرَاهِيمَ ﵇ حَيْثُ يَقُولُ اجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النّاسَ تَهْوِي إلَيْهِمْ وَعِنْدَمَا قَتَلَ النّبِيّ ﷺ ابْنَ خَطَلٍ قَالَ لَا يُقْتَلُ قُرَشِيّ صَبْرًا بَعْدَ هَذَا كَذَلِكَ قَالَ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ. صَلَاةُ الْفَتْحِ فَصْلٌ: وَذَكَرَ صَلَاةَ النّبِيّ ﷺ فِي بَيْتِ أُمّ هَانِئٍ وَهِيَ صَلَاةُ الْفَتْحِ تُعْرَفُ بِذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَكَانَ الْأُمَرَاء يصلونها إذَا افْتَتَحُوا بَلَدًا. قَالَ الطّبَرِيّ: صَلّى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ، حِينَ افْتَتَحَ الْمَدَائِنَ، وَدَخَلَ إيوَانَ كِسْرَى، قَالَ فَصَلّى فِيهِ صَلَاةَ الْفَتْحِ قَالَ وَهِيَ ثَمَانِي رَكَعَاتٍ لَا يُفْصَلُ بَيْنَهَا، وَلَا تُصَلّى بِإِمَامِ فَبَيّنَ الطّبَرِيّ سُنّةَ هَذِهِ الصّلَاةِ وَصِفَتَهَا، وَمِنْ سُنّتِهَا أَيْضًا أَنْ لَا يُجْهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ
[ ٧ / ٢٢٨ ]
حَدِيث الرجلَيْن اللَّذين أمنتهما أُمّ هَانِئٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي مُرّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنّ أُمّ هَانِئِ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ:
لَمّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى مَكّةَ، فَرّ إلَيّ رَجُلَانِ مِنْ أَحْمَائِي، مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، وَكَانَتْ عِنْدَ هُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيّ، قَالَتْ فَدَخَلَ عَلَيّ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَخِي، فَقَالَ وَاَللهِ لَأَقْتُلَنهُمَا، فَأَغْلَقْت عَلَيْهِمَا بَابَ بَيْتِي، ثُمّ جِئْت رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكّةَ، فَوَجَدْته يَغْتَسِلُ مِنْ جَفْنَةٍ إنّ فِيهَا لَأَثَرَ الْعَجِينِ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبِهِ فَلَمّا اغْتَسَلَ أَخَذَ ثَوْبَهُ فَتَوَشّحَ بِهِ ثُمّ صَلّى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ مِنْ الضّحَى ثُمّ انْصَرَفَ إلَيّ فَقَالَ مَرْحَبًا وَأَهْلًا يَا أُمّ هَانِئٍ مَا جَاءَ بِك؟ " فَأَخْبَرْته خَبَرَ الرّجُلَيْنِ وَخَبَرَ عَلِيّ فَقَالَ " قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت، وَأَمّنّا مَنْ أَمّنْت، فَلَا يَقْتُلْهُمَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُمَا الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ.
_________________
(١) وَالْأَصْلُ مَا تَقَدّمَ مِنْ صَلَاةِ النّبِيّ ﷺ فِي حَدِيثِ أُمّ هَانِئٍ وَذَلِكَ ضُحًى. أُمّ هَانِئٍ وَأُمّ هَانِئٍ اسْمُهَا: هِنْدٌ تُكَنّى بِابْنِهَا هَانِئِ بْنِ هُبَيْرَةَ وَلَهَا ابْنٌ مِنْ هُبَيْرَةَ اسْمُهُ يُوسُفُ وَثَالِثٌ وَهُوَ الْأَكْبَرُ اسْمُهُ جَعْدَةُ وَقِيلَ إيّاهُ عَنَتْ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ زَعَمَ ابْنُ أُمّي عَلَى أَنّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا أَجَرْته فُلَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ وَقَدْ قِيلَ فِي اسْمِ أُمّ هَانِئٍ فَاخِتَةُ.
[ ٧ / ٢٢٩ ]
طواف الرَّسُول بِالْبَيْتِ وكلمته فِيهِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنْ صَفِيّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ مَكّةَ، وَاطْمَأَنّ النّاسُ خَرَجَ حَتّى جَاءَ الْبَيْتَ فَطَافَ بِهِ سَبْعًا عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الرّكْنَ بِمِحْجَنِ فِي يَدِهِ فَلَمّا قَضَى طَوَافَهُ دَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ، فَأَخَذَ مِنْهُ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ، فَفُتِحَتْ لَهُ فَدَخَلَهَا
_________________
(١) عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدٍ فَصْلٌ: وَذَكَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ أَحَدَ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ يُكَنّى أَبَا يَحْيَى، وَكَانَ كَاتَبَ النّبِيّ - ﷺ - ثُمّ ارْتَدّ وَلَحِقَ بِمَكّةَ ثُمّ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ وَعُرِفَ فَضْلُهُ وَجِهَادُهُ وَكَانَ عَلَى مَيْمَنَةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حِينَ افْتَتَحَ مِصْرَ، وَهُوَ الّذِي افْتَتَحَ إفْرِيقِيّةَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَغَزَا الْأَسَاوِدَ مِنْ النّوْبَةِ ثُمّ هَادَنَهُمْ الْهُدْنَةَ الْبَاقِيَةَ إلَى الْيَوْمِ فَلَمّا خَالَفَ مُحَمّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ عَلَى عُثْمَانَ - ﵁ - اعْتَزَلَ الْفِتْنَةَ وَدَعَا اللهَ ﷿ أَنْ يَقْبِضَهُ وَيَجْعَلَ وَفَاتَهُ بِأَثَرِ صَلَاةِ الصّبْحِ فَصَلّى بِالنّاسِ الصّبْحَ وَكَانَ يُسَلّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ فَلَمّا سَلّمَ التّسْلِيمَةَ الْأُولَى عَنْ يَمِينِهِ وَذَهَبَ لِيُسَلّمَ الْأُخْرَى، قُبِضَتْ نَفْسُهُ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِعُسْفَانَ وَهُوَ الّذِي يَقُولُ فِي حِصَارِ عُثْمَانَ أَرَى الْأَمْرَ لَا يَزْدَادُ إلّا تَفَاقُمًا وَأَنْصَارُنَا بِالْمَكّتَيْنِ قَلِيلُ وَأَسْلَمْنَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَالْهَوَى إلَى أَهْلِ مِصْرَ وَالذّلِيلُ ذَلِيلُ نُمَيْلَةُ: وَأَمّا نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فَهُوَ لَيْثِيّ أَحَدُ بَنِي كَعْبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لَيْثٍ صَحِبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَشَهِدَ كَثِيرًا مِنْ مَشَاهِدِهِ وَغَزَوَاتِهِ.
[ ٧ / ٢٣٠ ]
فَوَجَدَ فِيهَا حَمَامَةً مِنْ عِيدَانٍ فَكَسَرَهَا بِيَدِهِ ثُمّ طَرَحَهَا، ثُمّ وَقَفَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ وَقَدْ اسْتَكَفّ لَهُ النّاسُ فِي الْمَسْجِدِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ أَلَا كُلّ مَأْثُرَةٍ أَوْ دَمٍ أَوْ مَالٍ يُدَعّى فَهُوَ تَحْتَ قَدَمَيّ هَاتَيْنِ إلّا سِدَانَةَ الْبَيْتِ وَسِقَايَةَ الْحَاجّ أَلَا وَقَتِيلَ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ بِالسّوْطِ وَالْعَصَا، فَفِيهِ الدّيَةُ مُغَلّظَةً مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا. يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّ اللهَ قَدْ
_________________
(١) عَنْ ابْنِ نُقَيْذٍ وَالْقَيْنَتَيْنِ: وَأَمّا الْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذٍ الّذِي أَمَرَ بِقَتْلِهِ مَعَ ابْنِ خَطَلٍ، فَهُوَ الّذِي نَخَسَ بِزَيْنَبِ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ أَدْرَكَهَا، هُوَ وَهَبّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ، فَسَقَطَتْ عَنْ دَابّتِهَا، وَأَلْقَتْ جَنِينَهَا. وَأَمّا الْقَيْنَتَانِ اللّتَانِ أَمَرَ بِقَتْلِهِمَا، وَهُمَا سَارّةُ وَفَرْتَنَى فَأَسْلَمَتْ فَرْتَنَى، وَآمَنَتْ سَارّةُ وَعَائِشَةُ إلَى زَمَنِ عُمَرَ ﵀ ثُمّ وَطِئَهَا فَرَسٌ فَقَتَلَهَا عَنْ الدّيَاتِ فِي خُطْبَةِ الرّسُولِ ﷺ فَصْلٌ: وَذَكَرَ خُطْبَةَ النّبِيّ - ﷺ - وَفِيهَا ذِكْرُ الدّيَاتِ وَذِكْرُ قَتِيلِ الْخَطَأِ وَذِكْرُ شِبْهِ الْعَمْدِ وَتَغْلِيظِ الدّيَةِ فِيهِ وَهِيَ أَنْ يُقْتَلَ الْقَتِيلُ بِسَوْطِ أَوْ عَصًا، فَيَمُوتَ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ: أَنْ لَا قَوَدَ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ وَالْمَشْهُورُ عَنْ الشّافِعِيّ أَنّ
[ ٧ / ٢٣١ ]
أَذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيّةِ وَتَعَظّمَهَا بِالْآبَاءِ النّاسُ مِنْ آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ ثُمّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿يَا أَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الْحُجُرَاتِ ١٣] . الْآيَةَ كُلّهَا. ثُمّ قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مَا تَرَوْنَ أَنّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ قَالَ اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطّلَقَاءُ
إقْرَارُ الرّسُولِ بْنِ طَلْحَةَ عَلَى السّدَانَةِ
ثُمّ جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَقَامَ إلَيْهِ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمِفْتَاحُ الْكَعْبَةِ فِي يَدِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ اجْمَعْ لَنَا الْحِجَابَةَ مَعَ السّقَايَةِ صَلّى اللهُ عَلَيْك;
_________________
(١) فِيهِ الدّيَةَ مُغَلّظَةً أَثْلَاثًا، وَلَيْسَ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ إلّا قَوَدٌ فِي عَمْدٍ فِي خَطَإِ تُؤْخَذُ أَخْمَاسًا عَلَى مَا فَسّرَ الْفُقَهَاءُ وَهُوَ قَوْلُ اللّيْثِ وَكَذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ إنّ الْقَوَدَ لَا يَكُونُ إلّا بِالسّيْفِ وَاحْتَجّوا بِأَثَرِ يُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا أَنْ لَا قَوَدَ إلّا بِحَدِيدَةِ وَعَنْ عَلِيّ مَرْفُوعًا أَيْضًا: لَا قَوَدَ إلّا بِالسّيْفِ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا قَوَدَ إلّا بِحَدِيدَةِ وَهُوَ يَدُورُ عَلَى أَبِي مُعَاذٍ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ بِإِجْمَاعِ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ يَدُورُ عَلَى الْمُعَلّى بْنِ هِلَالٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيّ لَا تَقُومُ بِإِسْنَادِهِ حُجّةٌ وَحُجّةُ الْآخَرِينَ فِي أَنّ الْقَاتِلَ يُقْتَلُ بِمَا قَتَلَ بِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ ١٩٤]، وَحَدِيثُ الْيَهُودِيّ الّذِي رَضَخَ رَأْسَ الْجَارِيَةِ عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا، فَأَمَرَ النّبِيّ ﷺ أَنْ يُرْضَخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ
[ ٧ / ٢٣٢ ]
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " أَيْنَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ؟ " فَدُعِيَ لَهُ فَقَالَ هَاكَ مِفْتَاحَك يَا عُثْمَانُ، الْيَوْمُ يَوْمُ بِرّ وَوَفَاءٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِعَلِيّ " إنّمَا أُعْطِيكُمْ مَا تُرْزَءُونَ لَا مَا ترزءون".
أَمر الرَّسُول بطمس مَا بِالْبَيْتِ من صور:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْبَيْتَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَرَأَى فِيهِ صُوَرَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرَهُمْ فَرَأَى إبْرَاهِيمَ ﵇ مُصَوّرًا فِي يَدِهِ الْأَزْلَامُ يَسْتَقْسِمُ بِهَا، فَقَالَ قَاتَلَهُمْ اللهُ جَعَلُوا شَيْخَنَا يَسْتَقْسِمُ بِالْأَزْلَامِ مَا شَأْنُ إبْرَاهِيمَ وَالْأَزْلَامِ ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٦٧] ثُمّ أَمَرَ بِتِلْكَ الصّوَرِ كلهَا فطمست.
صَلَاة الرَّسُول بِالْبَيْتِ وتوخي ابْن عمر مَكَانَهُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي
_________________
(١) الصّلَاةُ فِي الْكَعْبَةِ وَأَمّا دُخُولُهُ ﵇ الْكَعْبَةَ وَصَلَاتُهُ فِيهَا، فَحَدِيثُ بِلَالٍ أَنّهُ صَلّى فِيهَا، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ لَمْ يُصَلّ فِيهَا، وَأَخَذَ النّاسُ بِحَدِيثِ بِلَالٍ لِأَنّهُ أَثْبَتَ الصّلَاةَ وَابْنُ عَبّاسٍ نَفَى، وَإِنّمَا يُؤْخَذُ بِشَهَادَةِ الْمُثْبِتِ لَا بِشَهَادَةِ النّافِي، وَمَنْ تَأَوّلَ قَوْلَ بِلَالٍ أَنّهُ صَلّى، أَيْ دَعَا، فَلَيْسَ بِشَيْءِ لِأَنّ فِي حَدِيثِ عُمَرَ أَنّهُ صَلّى فِيهَا رَكْعَتَيْنِ وَلَكِنّ رِوَايَةَ ابْنِ عَبّاسٍ وَرِوَايَةَ بِلَالٍ صَحِيحَتَانِ لِأَنّهُ ﵇ دَخَلَهَا يَوْمَ النّحْرِ فَلَمْ يُصَلّ وَدَخَلَهَا مِنْ الْغَدِ فَصَلّى، وَذَلِكَ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَرْوِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادِ حَسَنٍ خَرّجَهُ الدّارَقُطْنِيّ، وَهُوَ مِنْ فَوَائِدِهِ.
[ ٧ / ٢٣٣ ]
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ وَمَعَهُ بِلَالٌ ثُمّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَخَلّفَ بِلَالٌ فَدَخَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى بِلَالٍ فَسَأَلَهُ أَيْنَ صَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ وَلَمْ يَسْأَلْهُ كَمْ صَلّى، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا دَخَلَ الْبَيْتَ مَشَى قِبَلَ وَجْهِهِ وَجَعَلَ الْبَابَ قِبَلَ ظَهْرِهِ حَتّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ قَدْرُ ثَلَاثِ أَذْرُعٍ، ثُمّ يُصَلّي يَتَوَخّى بِذَلِكَ الْمَوْضِعَ الّذِي قَالَ لَهُ بِلَال.
سَبَب إسْلَامُ عَتّابٍ وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ عَامَ الْفَتْحِ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذّنَ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْب وَعَتّابُ بْنُ أَسِيدٍ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ جُلُوسٌ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ عَتّابُ بْنُ أَسِيدٍ: لَقَدْ أَكْرَمَ اللهُ أَسِيدًا أَلَا يَكُونُ سَمِعَ هَذَا، فَيَسْمَعُ مِنْهُ مَا يَغِيظُهُ. فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ: أَمَا وَاَللهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنّهُ مُحِقّ لَاتّبَعْته، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ لَا أَقُولُ شَيْئًا: لَوْ تَكَلّمْت لَأَخْبَرَتْ عَنّي هَذِهِ الْحَصَى، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ النّبِيّ ﷺ فَقَالَ قَدْ عَلِمْت الّذِي قُلْتُمْ ثُمّ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ فَقَالَ الْحَارِثُ وَعَتّابٌ نَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللهِ وَاَللهِ مَا اطّلَعَ عَلَى هَذَا أَحَدٌ كَانَ مَعَنَا، فَنَقُول أخْبرك.
_________________
(١) عَنْ إسْلَامِ أَبِي سُفْيَانَ وَصَاحِبَيْهِ فَصْلٌ: وَذَكَرَ كَسْرَ الْأَصْنَامِ وَطَمْسَ التّمَاثِيلِ وَمَقَالَةَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ حِينَ اجْتَمَعَ هُوَ وَأَبُو سُفْيَانَ وَعَتّابُ بْنُ أَسِيدٍ، فَتَكَلّمُوا فَأَخْبَرَهُمْ النّبِيّ ﷺ كَمَا أَخْبَرَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِاَلّذِي قَالُوهُ فَصَحّ بِذَلِكَ يَقِينُهُمْ وَحَسُنَ إسْلَامُهُمْ وَفِي التّرْمِذِيّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ لَعَنَ النّبِيّ ﷺ الْحَارِثَ وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَصَفْوَانَ بْنَ أُمَيّةَ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ١٢٨] قَالَ فَتَابُوا بَعْدُ وَحَسُنَ إسْلَامُهُمْ وَرُوِينَا بِإِسْنَادِ مُتّصِلٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ خَرَجَ النّبِيّ - ﷺ - عَلَى أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِ أَبُو سُفْيَانَ قَالَ فِي نَفْسِهِ لَيْتَ شِعْرِي بِأَيّ شَيْءٍ غَلَبْتنِي،
[ ٧ / ٢٣٤ ]
سَبَب تَسْمِيَة الرَّسُول لخراش بِالْقِتَالِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَنْدَرَ الْأَسْلَمِيّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ. قَالَ.
كَانَ مَعَنَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَحْمَرُ بَأْسًا، وَكَانَ رَجُلًا شُجَاعًا، وَكَانَ إذَا نَامَ غَطّ غَطِيطًا مُنْكَرًا لَا يَخْفَى مَكَانَهُ فَكَانَ إذَا بَاتَ فِي حَيّهِ بَاتَ مُعْتَنِزًا، فَإِذَا بُيّتَ الْحَيّ صَرَخُوا يَا أَحْمَرُ فَيَثُورُ مِثْلَ الْأَسَدِ لَا يَقُومُ لِسَبِيلِهِ شَيْءٌ. فَأَقْبَلَ غَزِيّ مِنْ هُذَيْلٍ يُرِيدُونَ حَاضِرَهُ حَتّى إذَا دَنَوْا مِنْ الْحَاضِرِ قَالَ ابْنُ الْأَثْوَعِ الْهُذَلِيّ: لَا تَعْجَلُوا عَلَيّ حَتّى أَنْظُرَ، فَإِنْ كَانَ فِي الْحَاضِرِ أَحْمَرُ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِمْ فَإِنّ لَهُ غَطِيطًا لَا يَخْفَى، قَالَ فَاسْتَمَعَ فَلَمّا سَمِعَ غَطِيطَهُ مَشَى إلَيْهِ حَتّى وَضَعَ السّيْفَ فِي صَدْرِهِ ثُمّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ حَتّى قَتَلَهُ ثُمّ أَغَارُوا عَلَى الْحَاضِرِ فَصَرَخُوا يَا أَحْمَرُ وَلَا أَحْمَرَ لَهُمْ فَلَمّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ وَكَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ أَتَى ابْنُ الْأَثْوَعِ الْهُذَلِيّ حَتّى دَخَلَ مَكّةَ يَنْظُرُ وَيَسْأَلُ عَنْ أَمْرِ النّاسِ وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ فَرَأَتْهُ خُزَاعَةُ، فَعَرَفُوهُ فَأَحَاطُوا بِهِ وَهُوَ إلَى جَنْبِ جِدَارٍ مِنْ جُدُرِ مَكّةَ، يَقُولُونَ أَأَنْتَ قَاتِلُ أَحْمَرَ؟ قَالَ نَعَمْ أَنَا قَاتِلُ أَحْمَرَ
_________________
(١) فَأَقْبَلَ النّبِيّ ﷺ حَتّى ضَرَبَ بِيَدِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَقَالَ بِاَللهِ غَلَبْتُك يَا أَبَا سُفْيَانَ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ أَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللهِ مِنْ مُسْنَدِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ، وَرَوَى الزّبَيْرُ بِإِسْنَادِ يَرْفَعُهُ إلَى مَنْ سَمِعَ النّبِيّ ﷺ يُمَازِحُ أَبَا سُفْيَانَ فِي بَيْتِ أُمّ حَبِيبَةَ وَأَبُو سُفْيَانَ يَقُولُ لَهُ تَرَكْتُك، فَتَرَكَتْك الْعَرَبُ، وَلَمْ تَنْتَطِحْ بَعْدَهَا جَمّاءُ وَلَا قَرْنَاءُ وَالنّبِيّ ﷺ يَضْحَكُ وَيَقُولُ أَنْتَ تَقُولُ هَذَا يَا أَبَا حَنْظَلَة وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ جَلّ وَعَزّ ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدّةً﴾ [الْمُمْتَحِنَةِ ٧] قَالَ هِيَ مُعَاهَدَةُ النّبِيّ ﷺ لِأَبِي سُفْيَانَ. وَقَالَ أَهْلُ التّفْسِيرِ رَأَى النّبِيّ ﷺ فِي الْمَنَامِ أَسِيدَ بْنَ أَبِي الْعِيصِ وَالِيًا عَلَى مَكّةَ مُسْلِمًا، فَمَاتَ عَلَى الْكُفْرِ فَكَانَتْ الرّؤْيَا لِوَلَدِهِ عَتّابٍ حِينَ أَسْلَمَ، فَوَلّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكّةَ، وَهُوَ ابْنُ إحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً وَرَزَقَهُ كُلّ يَوْمٍ دِرْهَمًا، فَقَالَ أَيّهَا النّاسُ أَجَاعَ اللهُ كَبِدَ مَنْ جَاعَ عَلَى دِرْهَمٍ الْحَدِيثَ وَقَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ وَاَللهِ مَا اكْتَسَبْت فِي وِلَايَتِي كُلّهَا إلّا قَمِيصًا
[ ٧ / ٢٣٥ ]
فَمَه؟ قَالَ إذْ أَقْبَلَ خِرَاشُ بْنُ أُمَيّةَ مُشْتَمِلًا عَلَى السّيْفِ فَقَالَ هَكَذَا عَنْ الرّجُلِ وَوَاللهِ مَا نَظُنّ إلّا أَنّهُ يُرِيدُ أَنْ يُفْرِجَ النّاسُ عَنْهُ. فَلَمّا انْفَرَجْنَا عَنْهُ حَمَلَ عَلَيْهِ فَطَعَنَهُ بِالسّيْفِ فِي بَطْنِهِ. فَوَاَللهِ لَكَأَنّي أَنْظُرُ إلَيْهِ وَحِشْوَتُهُ تَسِيلُ مِنْ بَطْنِهِ وَإِنّ عَيْنَيْهِ لَتُرَنّقَانِ فِي رَأْسِهِ وَهُوَ يَقُولُ أَقَدْ فَعَلْتُمُوهَا يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ؟ حَتّى انْجَعَفَ فَوَقَعَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ عَنْ الْقَتْلِ فَقَدْ كَثُرَ الْقَتْلُ إنْ نَفَعَ لَقَدْ قَتَلْتُمْ قَتِيلًا لَأَدِيَنه
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ الْأَسْلَمِيّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ،
قَالَ لَمّا بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا صَنَعَ خِرَاشُ بْنُ أُمَيّةَ، قَالَ إنّ خِرَاشًا لَقَتّالٌ يعِيبهُ بذلك.
_________________
(١) مُعَقّدًا كَسَوْته غُلَامِي كَيْسَانَ وَكَانَ قَدْ قَالَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَسَمِعَ بِلَالًا يُؤَذّنُ عَلَى الْكَعْبَةِ، لَقَدْ أَكْرَمَ اللهُ أَسِيدًا، يَعْنِي: أَبَاهُ أَنْ لَا يَكُونَ سَمِعَ هَذَا فَيَسْمَعُ مَعَهُ مَا يَغِيظُهُ وَكَانَتْ تَحْتَ عَتّابٍ جُوَيْرِيّةُ بِنْتُ أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَهِيَ الّتِي خَطَبَهَا عَلِيّ عَلَى فَاطِمَةَ فَشَقّ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ النّبِيّ ﷺ "لَا آذَنُ ثُمّ لَا آذَنُ إنّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنّي " الْحَدِيثَ فَقَالَ عَتّابٌ أَنَا أُرِيحُكُمْ مِنْهَا فَتَزَوّجَهَا، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرّحْمَنِ الْمَقْتُولَ يَوْمَ الْجَمَلِ يُرْوَى أَنّ عَتّابًا طَارَتْ بِكَفّهِ يَوْمَ قُتِلَ وَفِي الْكَفّ خَاتَمُهُ فَطَرَحَتْهَا بِالْيَمَامَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَعُرِفَتْ بِالْخَاتَمِ.
[ ٧ / ٢٣٦ ]
مَا كَانَ بَيْنَ أَبِي شُرَيْحٍ وَابْن سعد حِين ذكره بِحرْمَة مَكَّة
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيّ قَالَ:
لَمّا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ الزّبَيْرِ مَكّةَ لِقِتَالِ أَخِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، جِئْته، فَقُلْت لَهُ يَا هَذَا، إنّا كُنّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ مَكّةَ، فَلَمّا كَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ عَدَتْ خُزَاعَةُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ هُذَيْلٍ فَقَتَلُوهُ وَهُوَ مُشْرِكٌ فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِينَا خَطِيبًا، فَقَالَ " يَا أَيّهَا النّاسُ إنّ اللهَ حَرّمَ مَكّةَ يَوْمَ خَلَقَ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَهِيَ حَرَامٌ مِنْ حَرَامٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا يَحِلّ لِامْرِئِ يُؤْمِنُ بِاَللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ فِيهَا دَمًا وَلَا يَعْضِدَ فِيهَا شَجَرًا، لَمْ تُحْلَلْ لِأَحَدِ كَانَ قَبْلِي، وَلَا تَحِلّ لِأَحَدِ يَكُونُ بَعْدِي، وَلَمْ تُحْلَلْ لِي إلّا هَذِهِ السّاعَةَ غَضَبًا عَلَى أَهْلِهَا أَلَا: ثُمّ قَدْ رَجَعَتْ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ فَلْيُبَلّغْ الشّاهِدُ مِنْكُمْ الْغَائِبَ فَمَنْ قَالَ لَكُمْ أَنّ رَسُولَ اللهِ قَاتَلَ فِيهَا، فَقُولُوا: إنّ اللهَ قَدْ أَحَلّهَا لِرَسُولِهِ وَلَمْ يُحْلِلْهَا لَكُمْ يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ عَنْ الْقَتْلِ فَلَقَدْ كَثُرَ الْقَتْلُ إنْ نَفَعَ لَقَدْ قَتَلْتُمْ قَتِيلًا لَأَدِيَنه، فَمَنْ قُتِلَ بَعْدَ مُقَامِي هَذَا فَأَهْلُهُ بِخَيْرِ النّظَرَيْنِ إنْ شَاءُوا فَدَمُ قَاتِلِهِ وَإِنْ شَاءُوا فَعَقْلُهُ " ثُمّ وَدَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَلِكَ الرّجُلَ الّذِي قَتَلَتْهُ خُزَاعَةُ، فَقَالَ عَمْرٌو لِأَبِي شُرَيْحٍ انْصَرِفْ أَيّهَا الشّيْخُ فَنَحْنُ أَعْلَمُ بِحُرْمَتِهَا مِنْك، إنّهَا لَا تَمْنَعُ سَافِكَ دَمٍ وَلَا خَالِعَ طَاعَةٍ وَلَا مَانِعَ جِزْيَةٍ فَقَالَ أَبُو شُرَيْحٍ إنّي كُنْت شَاهِدًا وَكُنْت غَائِبًا، وَلَقَدْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُبَلّغَ شَاهِدُنَا غَائِبَنَا، وَقَدْ أَبْلَغْتُك، فَأَنْتَ وشأنك.
_________________
(١) الْحَنْفَاءُ بِنْتُ أَبِي جَهْلٍ: وَكَانَتْ لِأَبِي جَهْلٍ بِنْتٌ أُخْرَى، يُقَالُ لَهَا: الْحَنْفَاءُ كَانَتْ تَحْتَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، يُقَالُ إنّهَا وَلَدَتْ لَهُ ابْنَهُ أَنَسًا الّذِي كَانَ يَضْعُفُ وَفِيهِ جَرَى الْمَثَلُ أَسَاءَ سَمْعًا فَأَسَاءَ إجَابَةً وَيُقَالُ إنّهُ نَظَرَ يَوْمًا إلَى رَجُلٍ عَلَى نَاقَةٍ يَتْبَعُهَا خَرُوفٌ
[ ٧ / ٢٣٧ ]
أول قَتِيل وداه الرَّسُول يَوْمَ الْفَتْحِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي أَنّ أَوّلَ قَتِيلٍ وَدَاهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ جُنَيْدِبُ بْنُ الْأَكْوَعِ قَتَلَتْهُ بَنُو كَعْبٍ، فَوَدَاهُ بِمِائَةِ نَاقَةٍ.
تخوف الْأَنْصَار من بَقَاء الرَّسُول فِي مَكَّة وطمأنة الرَّسُول لَهُم
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ
أَنّ النّبِيّ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ مَكّةَ وَدَخَلَهَا، قَامَ عَلَى الصّفَا يَدْعُو [اللهَ] وَقَدْ أَحْدَقَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ، فَقَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ أَتَرَوْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ إذْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ أَرْضَهُ وَبَلَدَهُ يُقِيمُ بِهَا؟ فَلَمّا فَرَغَ مِنْ دُعَائِهِ قَالَ " مَاذَا قُلْتُمْ؟ " قَالُوا: لَا شَيْءَ يَا رَسُولَ اللهِ فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتّى أَخْبَرُوهُ فَقَالَ النّبِيّ ﷺ مَعَاذَ اللهِ الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَات مماتكم
سُقُوط أصنام الْكَعْبَة بِإِشَارَة من الرَّسُول
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الرّوَايَةِ فِي إسْنَادٍ لَهُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ
_________________
(١) فَقَالَ يَا أَبَتْ أَذَاكَ الْخَرُوفُ مِنْ تِلْكَ النّاقَةِ؟ فَقَالَ أَبُوهُ صَدَقَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، وَكَانَتْ حِينَ خَطَبَهَا قَالَتْ إنْ جَاءَتْ مِنْهُ حَلِيلَتُهُ بِوَلَدِ أَحْمَقَتْ وَإِنْ أَنْجَبَتْ فَعَنْ خَطَأٍ مَا أَنْجَبَتْ وَقَدْ قِيلَ فِي بِنْتِ أَبِي جَهْلٍ الْحَنْفَاءِ إنّ اسْمَهَا صَفِيّةُ فَاَللهُ أَعْلَمُ. إسْلَامُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ: وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ أَلَا تَرَى مَا يَصْنَعُ مُحَمّدٌ مِنْ كَسْرِ الْآلِهَةِ وَنِدَاءِ هَذَا الْعَبْدِ الْأَسْوَدِ عَلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ إنْ كَانَ اللهُ يَكْرَهُ هَذَا، فَسَيُغَيّرُهُ ثُمّ حَسُنَ إسْلَامُهُ ﵁ بَعْدُ وَهَاجَرَ إلَى الشّامِ، فَلَمْ يَزَلْ جَاهِدًا
[ ٧ / ٢٣٨ ]
دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَطَافَ عَلَيْهَا وَحَوْلَ الْبَيْتِ أَصْنَامٌ مَشْدُودَةٌ بِالرّصَاصِ فَجَعَلَ النّبِيّ ﷺ يُشِيرُ بِقَضِيبِ فِي يَدِهِ إلَى الْأَصْنَامِ وَيَقُولُ ﴿جَاءَ الْحَقّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الْإِسْرَاءِ ٨١] فَمَا أَشَارَ إلَى صَنَمٍ مِنْهَا فِي وَجْهِهِ إلّا وَقَعَ لِقَفَاهُ وَلَا أَشَارَ إلَى قَفَاهُ إلّا وَقَعَ لِوَجْهِهِ حَتّى مَا بَقِيَ مِنْهَا صَنَمٌ إلّا وَقَعَ فَقَالَ تَمِيمُ بْنُ أَسَدٍ الْخُزَاعِيّ فِي ذَلِكَ
وَفِي الْأَصْنَامِ مُعْتَبَرٌ وَعِلْمٌ لِمَنْ يَرْجُو الثّوَابَ أَو العقابا
_________________
(١) مُجَاهِدًا، حَتّى اُسْتُشْهِدَ هُنَالِكَ ﵀. إسْلَامُ بِنْتِ أَبِي جَهْلٍ: وَأَمّا بِنْتُ أَبِي جَهْلٍ فَقَالَتْ حِينَ سَمِعَتْ الْأَذَانَ عَلَى الْكَعْبَةِ، فَلَمّا قَالَ الْمُؤَذّنُ أَشْهَدُ أَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ قَالَتْ عَمْرِي لَقَدْ أَكْرَمَك اللهُ وَرَفَعَ ذِكْرَك، فَلَمّا سَمِعَتْ حَيّ عَلَى الصّلَاةِ قَالَتْ أَمّا الصّلَاةُ فَسَنُؤَدّيهَا، وَلَكِنْ وَاَللهِ مَا تُحِبّ قُلُوبُنَا مَنْ قَتَلَ الْأَحِبّةَ ثُمّ قَالَتْ إنّ هَذَا الْأَمْرَ لَحَقّ، وَقَدْ كَانَ الْمَلَكُ جَاءَ بِهِ أَبِي، وَلَكِنْ كَرِهَ مُخَالَفَةَ قَوْمِهِ وَدِينَ آبَائِهِ. وَأَمّا أَبُو مَحْذُورَةَ الْجُمَحِيّ، وَاسْمُهُ سَلَمَةُ بْنُ مِعْيَرٍ وَقِيلَ سَمُرَةُ فَإِنّهُ لَمّا سَمِعَ الْأَذَانَ وَهُوَ مَعَ فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ خَارِجَ مَكّةَ أَقْبَلُوا يَسْتَهْزَؤُونَ وَيَحْكُونَ صَوْتَ الْمُؤَذّنِ غَيْظًا، فَكَانَ أَبُو مَحْذُورَةَ مِنْ أَحْسَنِهِمْ صَوْتًا، فَرَفَعَ صَوْتَهُ مُسْتَهْزِئًا بِالْأَذَانِ فَسَمِعَهُ النّبِيّ ﷺ فَأَمَرَ بِهِ فَمَثَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يَظُنّ أَنّهُ مَقْتُولٌ فَمَسَحَ النّبِيّ ﷺ نَاصِيَتَهُ وَصَدْرَهُ بِيَدِهِ قَالَ فَامْتَلَأَ قَلْبِي وَاَللهِ إيمَانًا وَيَقِينًا وَعَلِمْت أَنّهُ رَسُولُ اللهِ فَأَلْقَى عَلَيْهِ النّبِيّ - ﷺ - الْأَذَانَ وَعَلّمَهُ إيّاهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذّنَ لِأَهْلِ
[ ٧ / ٢٣٩ ]
كَيفَ أسلم فَضَالَةَ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي
أَنّ فَضَالَةَ بْنَ عُمَيْرِ بْنِ الْمُلَوّحِ اللّيْثِيّ أَرَادَ قَتْلَ النّبِيّ ﷺ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَامَ الْفَتْحِ فَلَمّا دَنَا مِنْهُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " أَفَضَالَةَ؟ " قَالَ نَعَمْ فَضَالَةَ يَا رَسُولَ اللهِ
_________________
(١) مَكّةَ، وَهُوَ ابْنُ سِتّ عَشْرَةَ سَنَةً فَكَانَ مُؤَذّنَهُمْ حَتّى مَاتَ ثُمّ عَقِبَهُ بَعْدَهُ يَتَوَارَثُونَ الْأَذَانَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ وَفِي أَبِي مَحْذُورَةَ يَقُولُ الشّاعِرُ أَمَا وَرَبّ الْكَعْبَةِ الْمَسْتُورَهْ وَمَا تَلَا مُحَمّدٌ مِنْ سُورَهْ وَالنّغَمَاتِ مِنْ أَبِي مَحْذُورَهْ لَأَفْعَلَن فِعْلَةً مَذْكُورَهْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ وَأَمّا هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ، فَإِنّ مِنْ حَدِيثِهَا يَوْمَ الْفَتْحِ أَنّهَا بَايَعَتْ النّبِيّ ﷺ وَهُوَ عَلَى الصّفَا، وَعُمَرُ دُونَهُ بِأَعْلَى الْعَقَبَةِ، فَجَاءَتْ فِي نِسْوَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ يُبَايِعْنَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَعُمَرُ يُكَلّمُهُنّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمّا أَخَذَ عَلَيْهِنّ أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاَللهِ شَيْئًا قَالَتْ هِنْدُ: قَدْ عَلِمْت أَنّهُ لَوْ كَانَ مَعَ اللهِ غَيْرُهُ لَأَغْنَى عَنّا، فَلَمّا قَالَ وَلَا يَسْرِقْنَ قَالَتْ وَهَلْ تَسْرِقُ الْحُرّةُ، لَكِنْ يَا رَسُولَ اللهِ أَبُو سُفْيَانَ رَجُلٌ مَسِيكٌ رُبّمَا أَخَذْت مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ مَا يُصْلِحُ وَلَدَهُ فَقَالَ النّبِيّ ﷺ " خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ "، ثُمّ قَالَ إنّك لَأَنْتِ هِنْدُ؟ " قَالَتْ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ اُعْفُ عَنّي، عَفَا اللهُ عَنْك، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ حَاضِرًا، فَقَالَ أَنْتِ فِي حِلّ مِمّا أَخَذْت فَلَمّا قَالَ وَلَا يَزْنِينَ، قَالَتْ وَهَلْ تَزْنِي الْحُرّةُ يَا رَسُولَ اللهِ فَلَمّا قَالَ " وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوفٍ "، قَالَتْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي مَا أَكْرَمَك، وَأَحْسَنَ مَا دَعَوْت
[ ٧ / ٢٤٠ ]
قَالَ " مَا كَانَتْ تُحَدّثُ بِهِ نَفْسَك؟ " قَالَ لَا شَيْءَ كُنْت أَذْكُرُ اللهَ قَالَ فَضَحِكَ النّبِيّ ﷺ ثُمّ قَالَ "اسْتَغْفِرْ اللهَ "، ثُمّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ فَسَكَنَ قَلْبُهُ فَكَانَ فَضَالَةُ يَقُولُ وَاَللهِ مَا رَفَعَ يَدَهُ عَنْ صَدْرِي حَتّى مَا مِنْ خَلْقِ اللهِ شَيْءٌ أَحَبّ إلَيّ مِنْهُ قَالَ فَضَالَةُ فَرَجَعْت إلَى أَهْلِي، فَمَرَرْت بِامْرَأَةِ كُنْت أَتَحَدّثُ إلَيْهَا، فَقَالَتْ هَلُمّ إلَى الْحَدِيثِ فَقُلْت: لَا. وَانْبَعَثَ فَضَالَةُ يَقُولُ:
قَالَتْ هَلُمّ إلَى الْحَدِيثِ فَقُلْت لَا يَأْبَى عَلَيْك اللهُ وَالْإِسْلَامُ
لَوْ مَا رَأَيْت مُحَمّدًا وَقَبِيلَهُ بِالْفَتْحِ يَوْمَ تُكْسَرُ الْأَصْنَامُ
لَرَأَيْت دِينَ أَضْحَى بَيّنًا وَالشّرْكُ يَغْشَى وَجْهَهُ الْإِظْلَامُ
_________________
(١) إلَيْهِ فَلَمّا سَمِعَتْ " وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنّ "، قَالَتْ وَاَللهِ قَدْ رَبّيْنَاهُمْ صِغَارًا، حَتّى قَتَلْتهمْ أَنْتَ وَأَصْحَابُك بِبَدْرِ كِبَارًا، قَالَ فَضَحِكَ عُمَرُ مِنْ قَوْلِهَا حَتّى مَالَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ لَا عَمْرُو بْنُ الزّبَيْرِ فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيّ وَاسْمُهُ خُوَيْلِدُ بْنُ عَمْرٍو، وَقِيلَ عَمْرُو بْنُ خُوَيْلِدٍ، وَقِيلَ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو، وَقِيلَ هَانِئُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ لَمّا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ الزّبَيْرِ مَكّةَ لِقِتَالِ أَخِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ بِمَكّةَ هَذَا وَهْمٌ مِنْ ابْنِ هِشَامٍ، وَصَوَابُهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ، وَهُوَ الْأَشْدَقُ وَيُكَنّى أَبَا أُمَيّةَ وَهُوَ الّذِي كَانَ يُسَمّى لَطِيمَ الشّيْطَانِ وَكَانَ جَبّارًا شَدِيدَ الْبَأْسِ حَتّى خَافَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى مَكّةَ، فَقَتَلَهُ بِحِيلَةِ فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ وَرَأَى رَجُلٌ عِنْدَ مَوْتِهِ فِي الْمَنَامِ قَائِلًا يَقُولُ أَلَا يَا لَقَوْمِي لِلسّفَاهَةِ وَالْوَهْنِ وَلِلْعَاجِزِ الْمَوْهُونِ وَالرّأْيِ فِي الْأَفْنِ وَلِابْنِ سَعِيدٍ بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ عَلَى قَدَمَيْهِ خَرّ لِلْوَجْهِ وَالْبَطْنِ رَأَى الْحِصْنَ مَنْجَاةً مِنْ الْمَوْتِ فَالْتَجَا إلَيْهِ فَزَارَتْهُ الْمَنِيّةُ فِي الْحِصْنِ فَقَصّ رُؤْيَاهُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُمَهَا، حَتّى كَانَ مِنْ قَتْلِهِ مَا كَانَ وَهُوَ الّذِي خَطَبَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَعَفَ حَتّى سَالَ الدّمُ إلَى أَسْفَلِهِ
[ ٧ / ٢٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فَعُرِفَ بِذَلِكَ مَعْنَى حَدِيثِهِ ﵇ الّذِي يُرْوَى عَنْهُ " كَأَنّي بِجَبّارِ مِنْ بَنِي أُمَيّةَ يَرْعُفُ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا حَتّى يَسِيلَ الدّمُ إلَى أَسْفَلِهِ" أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ فَعُرِفَ الْحَدِيثُ فِيهِ فَالصّوَابُ إِذا عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ لَا عَمْرُو بْنُ الزّبَيْرِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَهَكَذَا وَقَعَ فِي الصّحِيحَيْنِ. ذَكَرَ هَذَا التّنْبِيهَ عَلَى ابْنِ هِشَامٍ أَبُو عُمَرَ - ﵀ - فِي كِتَابِ الْأَجْوِبَةِ عَنْ الْمَسَائِلِ الْمُسْتَغْرَبَةِ وَهِيَ مَسَائِلُ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ لِلْبُخَارِيّ تَكَلّمَ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ وَإِنّمَا دَخَلَ الْوَهْمُ عَلَى ابْنِ هِشَامٍ أَوْ عَلَى الْبَكّائِيّ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ أَجْلِ أَنّ عَمْرَو بْنَ الزّبَيْرِ، كَانَ مُعَادِيًا لِأَخِيهِ عَبْدِ اللهِ وَمُعِينًا لِبَنِي أُمَيّةَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ وَاَللهُ أَعْلَمُ أُمّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ فَصْلٌ: وَذَكَرَ أُمّ حَكِيمٍ بِنْتَ الْحَارِثِ وَكَانَتْ تَحْتَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَأَنّهَا اتّبَعَتْهُ حِينَ فَرّ مِنْ الْإِسْلَامِ فَاسْتَأْمَنَتْ لَهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَاسْتُشْهِدَ عِكْرِمَةُ بِالشّامِ فَخَطَبَهَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ. وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، فَخُطِبَتْ إلَى خَالِدٍ فَتَزَوّجَهَا، فَلَمّا أَرَادَ الْبِنَاءَ بِهَا، وَجُمُوعُ الرّومِ قَدْ احْتَشَدَتْ قَالَتْ لَهُ لَوْ أَمْهَلْت حَتّى يَفُضّ اللهُ جَمْعَهُمْ قَالَ إنّ نَفْسِي تُحَدّثُنِي أَنّي أُصَابُ فِي جُمُوعِهِمْ فَقَالَتْ دُونَك، فَابْتَنَى بِهَا، فَلَمّا أَصْبَحَ الْتَقَتْ الْجُمُوعُ وَأَخَذَتْ السّيُوفُ مِنْ كُلّ فَرِيقٍ مَأْخَذَهَا فَقُتِلَ خَالِدٌ وَقَاتَلَتْ يَوْمَئِذٍ أُمّ حَكِيمٍ وَإِنّ عَلَيْهَا لِلرّدْعِ الْخَلُوقَ وَقَتَلَتْ سَبْعَةً مِنْ الرّومِ بِعَمُودِ الْفُسْطَاطِ بِقَنْطَرَةِ تُسَمّى إلَى الْيَوْمِ بِقَنْطَرَةِ أُمّ حَكِيمٍ وَذَلِكَ فِي غَزْوَةِ أَجْنَادِينَ.
[ ٧ / ٢٤٢ ]
أَمَانُ الرّسُولِ لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَ
خَرَجَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ يُرِيدُ جدة ليركب مِنْهَا إلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ يَا نَبِيّ اللهِ إنّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيّةَ سَيّدُ قَوْمِهِ وَقَدْ خَرَجَ هَارِبًا مِنْك لِيَقْذِفَ نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ فَأَمّنْهُ صَلّى اللهُ عَلَيْك ; قَالَ " هُوَ آمِنٌ "؟ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ فَأَعْطِنِي آيَةً يَعْرِفُ بِهَا أَمَانَك ; فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِمَامَتَهُ الّتِي دَخَلَ فِيهَا مَكّةَ، فَخَرَجَ بِهَا عُمَيْرٌ حَتّى
_________________
(١) دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ وَذَكَرَ فِي خُطْبَةِ النّبِيّ ﷺ " أَلَا كُلّ مَأْثُرَةٍ أَوْ دَمٍ أَوْ مَالٍ يُدَعّى، فَهُوَ تَحْتَ قَدَمَيّ هَاتَيْنِ " وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ وَأَوّلُ دَمٍ أَضَعُهُ دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ. كَانَ لِرَبِيعَةَ ابْنٌ قُتِلَ فِي الْجَاهِلِيّةِ اسْمُهُ آدَمُ وَقِيلَ تَمّامٌ وَهُوَ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ. حَوْلَ التّخْيِيرِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَبَيْنَ الدّيَةِ فَصْلٌ: وَذَكَرَ فِي حَدِيثِ ابْنِ شُرَيْحٍ قَوْلَهُ ﵇ فَمَنْ قُتِلَ بَعْدَ مُقَامِي هَذَا، فَأَهْلُهُ بِخَيْرِ النّظَرَيْنِ. إنْ شَاءُوا فَدَمُ قَاتِلِهِ وَإِنْ شَاءُوا فَعَقْلُه وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ فِيهِ أَلْفَاظُ الرّوَاةِ وَظَاهِرُهُ عَلَى هَذِهِ الرّوَايَةِ أَنّ وَلِيّ الدّمِ هُوَ الْمُخَيّرُ إنْ شَاءَ أَخَذَ الدّيَةَ وَهُوَ الْعَقْلُ وَإِنْ شَاءَ قَتَلَ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي فَصْلٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنْ يَخْتَارَ وَلِيّ الْمَقْتُولِ أَخْذَ الدّيَةِ وَيَأْبَى الْقَاتِلُ إلّا أَنْ يُقْتَصّ مِنْهُ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَلَا اخْتِيَارَ لِلْقَاتِلِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُقْتَلُ الْقَاتِلُ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى إعْطَاءِ الْمَالِ وَتَأَوّلُوا الْحَدِيثَ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ بِهَا طَائِفَةٌ مِنْ السّلَفِ وَقَالَ آخَرُونَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُ
[ ٧ / ٢٤٣ ]
أَدْرَكَهُ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ يَا صَفْوَانُ فِدَاك أَبِي وَأُمّي، اللهَ اللهَ فِي نَفْسِك أَنْ تُهْلِكَهَا، فَهَذَا أَمَانٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَدْ جِئْتُك بِهِ قَالَ وَيْحَك اُغْرُبْ عَنّي فَلَا تُكَلّمْنِي ; قَالَ أَيْ صَفْوَانُ فِدَاك أَبِي وَأُمّي، أَفْضَلُ النّاسِ وَأَبَرّ النّاسِ وَأَحْلَمُ النّاسِ وَخَيْرُ النّاسِ ابْنُ عَمّك، عِزّهُ عِزّك، وَشَرَفُهُ شَرَفُك، وَمُلْكُهُ مُلْكُك ; قَالَ إنّي أَخَافُهُ عَلَى نَفْسِي، قَالَ هُوَ أَحْلَمُ مِنْ ذَاكَ وَأَكْرَمُ فَرَجَعَ مَعَهُ حَتّى وَقَفَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ صَفْوَانُ إنّ هَذَا يَزْعُمُ أَنّك قَدْ أَمّنْتنِي، قَالَ " صَدَقَ "، قَالَ فَاجْعَلْنِي فِيهِ بِالْخِيَارِ شَهْرَيْنِ قَالَ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
_________________
(١) الشّافِعِيّ، وَأَشْهَبَ وَمَنْشَأُ الِاخْتِلَافِ مِنْ الِاحْتِمَالِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الْبَقَرَةِ ١٧٨] فَاحْتَمَلَتْ الْآيَةُ عِنْدَ قَوْمٍ أَنْ تَكُونَ مِنْ وَاقِعَةً عَلَى وَلِيّ الْمَقْتُولِ وَمِنْ أَخِيهِ أَيْ مِنْ وَلِيّهِ الْمَقْتُولِ أَيْ مِنْ دِيَتِهِ وَعُفِيَ لَهُ أَيْ يُسّرَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ وَاحْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ مِنْ وَاقِعَةً عَلَى الْقَاتِلِ وَعُفِيَ مِنْ الْعَفْوِ عَنْ الدّمِ وَلَا خِلَافَ أَنّ الْمُتّبِعَ بِالْمَعْرُوفِ هُوَ وَلِيّ الدّمِ وَأَنّ الْمَأْمُورَ بِأَدَاءِ بِإِحْسَانِ هُوَ الْقَاتِلُ وَإِذَا تَدَبّرْت الْآيَةَ عَرَفْت مَنْشَأَ الْخِلَافِ مَعَهَا، وَلَاحَ مِنْ سِيَاقَةِ الْكَلَامِ أَيّ الْقَوْلَيْنِ أَوْلَى بِالصّوَابِ. وَأَمّا مَا ذَكَرْت مِنْ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ النّقَلَةِ فِي الْحَدِيثِ فَيَحْصُرُهَا سَبْعَةُ أَلْفَاظٍ أَحَدُهَا: إمّا أَنْ يَقْتُلَ وَإِمّا أَنْ يُفَادِيَ. وَالثّانِي: إمّا أَنْ يُعْقَلَ أَوْ يُقَادَ. الثّالِثُ إمّا أَنْ يَفْدِيَ وَإِمّا أَنْ يُقْتَلَ. الرّابِعُ إمّا أَنْ تُعْطَى الدّيَةُ أَوْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ. الْخَامِسُ إمّا أَنْ يَعْفُوَ أَوْ يَقْتُلَ. السّادِسُ يُقْتَلُ أَوْ يُفَادَى. السّابِعُ مَنْ قَتَلَ مُتَعَمّدًا دُفِعَ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا وَإِنْ شَاءُوا
[ ٧ / ٢٤٤ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ صَفْوَانَ قَالَ لِعُمَيْرِ وَيْحَك اُغْرُبْ عَنّي، فَلَا تُكَلّمْنِي، فَإِنّك كَذّابٌ لِمَا كَانَ صَنَعَ بِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي آخِرِ حَدِيثِ يَوْمِ بَدْرٍ.
إسْلَامُ عِكْرِمَةَ وَصَفْوَانَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي الزّهْرِيّ: أَنّ أُمّ حَكِيمٍ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَفَاخِتَةَ بِنْتَ الْوَلِيدِ - وَكَانَتْ فَاخِتَةُ عِنْدَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ، وَأُمّ حَكِيمٍ عِنْدَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ أَسْلَمَتَا ; فَأَمّا أُمّ حَكِيمٍ فَاسْتَأْمَنَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِعِكْرِمَةَ فَأَمّنَهُ فَلَحِقَتْ بِهِ بِالْيَمَنِ فَجَاءَتْ بِهِ فَلَمّا أَسْلَمَ عِكْرِمَةُ وَصَفْوَانُ أَقَرّهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَهُمَا عَلَى النّكَاحِ الْأَوّلِ.
_________________
(١) أَخَذُوا الدّيَةَ. خَرّجَهُ التّرْمِذِيّ. وَرِوَايَةُ ابْنِ إسْحَاقَ فِي السّيرَةِ ثَامِنَةٌ وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الرّوَايَاتِ قُوّةٌ لِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَفِي بَعْضِهَا قُوّةٌ لِرِوَايَةِ أَشْهَبَ فَتَأَمّلْهَا. النّهْيُ عَنْ اشْتِمَالِ الصّمّاءِ وَالِاحْتِبَاءِ وَخُطْبَتُهُ ﵇ أَطْوَلُ مِمّا ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ، وَفِيهَا مِنْ رِوَايَةِ الشّيْبَانِيّ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ: نَهْيُهُ عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ وَصَلَاةِ سَاعَتَيْنِ يَعْنِي طُلُوعَ الشّمْسِ وَغُرُوبَهَا، وَأَنْ لَا يَتَوَارَثَ أَهْلُ مِلّتَيْنِ وَعَنْ لُبْسَتَيْنِ وَطُعْمَتَيْنِ وَفُسّرَتَا فِي الْحَدِيثِ فَقَالَ اللّبْسَتَانِ اشْتِمَالُ الصّمّاءِ وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرّجُلُ وَلَيْسَ بَيْنَ عَوْرَتِهِ وَالسّمَاءِ حِجَابٌ وَالطّعْمَتَانِ الْأَكْلُ بِالشّمَالِ وَأَنْ يَأْكُلَ مُنْبَطِحًا عَلَى بَطْنِهِ
[ ٧ / ٢٤٥ ]
إسْلَامُ ابْنِ الزّبَعْرَى وَشِعْرُهُ فِي ذَلِكَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ حَسّانِ بْنِ ثَابِتٍ
قَالَ رَمَى حَسّانُ ابْنَ الزّبَعْرَى وَهُوَ بِنَجْرَانَ بِبَيْتِ وَاحِدٍ مَا زَادَهُ عَلَيْهِ
لَا تَعْدَمْنَ رَجُلًا أَحَلّك بُغْضُهُ نَجْرَانَ فِي عَيْشٍ أَحَذّ لَئِيمِ
فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ الزّبَعْرَى خَرَجَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَسْلَمَ فَقَالَ حِينَ أَسْلَمَ
يَا رَسُولَ الْمَلِيكِ إنّ لِسَانِي رَاتِقٌ مَا فَتَقْت إذْ أَنَا بُورُ
إذْ أُبَارِي الشّيْطَانَ فِي سُنَنِ الْغَيّ وَمَنْ مَالَ مَيْلُهُ مَثْبُورُ
آمَنَ اللّحْمُ وَالْعِظَامُ لِرَبّي ثُمّ قَلْبِي الشّهِيدُ أَنْتَ النّذِيرُ
إنّنِي عَنْك زَاجِرٌ ثَمّ حَيّا مِنْ لُؤَيّ وَكُلّهُمْ مَغْرُورُ
_________________
(١) شِعْرُ ابْنِ الزّبَعْرَى فَصْلٌ: وَذَكَرَ شِعْرَ ابْنِ الزّبَعْرَى: الزّبَعْرَى: الْبَعِيرُ الْأَزَبّ مَعَ قِصَرٍ وَفِيهِ رَاتِقٌ مَا فَتَقْت إذْ أَنَا بُورُ قَوْلُهُ فَتَقْت يَعْنِي: فِي الدّينِ فَكُلّ إثْمٍ فَتْقٌ وَتَمْزِيقٌ وَكُلّ تَوْبَةٍ رَتْقٌ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قِيلَ لِلتّوْبَةِ نَصُوحٌ مِنْ نَصَحْت إذَا خِطْته، وَالنّصَاحُ الْخَيْطُ وَيَشْهَدُ لِصِحّةِ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ نُرَقّعُ دُنْيَانَا بِتَمْزِيقِ دِينِنَا فَلَا دِينُنَا يَبْقَى، وَلَا مَا نُرَقّعُ وَقَوْلُهُ إذْ أَنَا بُورُ أَيْ هَالِكٌ يُقَالُ رَجُلٌ بُورٌ وَبَائِرٌ وَقَوْمٌ بُورٌ وَهُوَ جَمْعُ بَائِرٍ كَانَ الْأَصْلُ فِيهِ فُعُلٌ بِتَحْرِيكِ الْوَاوِ وَأَمّا رَجُلٌ بُورٌ فَوَزْنُهُ فُعْلٌ
[ ٧ / ٢٤٦ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزّبَعْرَى أَيْضًا حِينَ أَسْلَمَ
مَنَعَ الرّقَادَ بَلَابِلٌ وَهُمُومُ وَاللّيْلُ مُعْتَلِجُ الرّوَاقِ بَهِيمُ
مِمّا أَتَانِي أَنّ أَحْمَدَ لَامَنِي فِيهِ فَبِتّ كَأَنّنِي مَحْمُومُ
يَا خَيْرَ مَنْ حَمَلَتْ عَلَى أَوْصَالِهَا عَيْرَانَةٌ سُرُحُ الْيَدَيْنِ غَشُومُ
إنّي لَمُعْتَذِرٌ إلَيْك مِنْ الّذِي أَسْدَيْت إذْ أَنَا فِي الضّلَالِ أَهِيمُ
أَيّامَ تَأْمُرُنِي بِأَغْوَى خُطّةٍ سَهْمٌ وَتَأْمُرُنِي بِهَا مَخْزُومُ
وَأَمُدّ أَسْبَابَ الرّدَى وَيَقُودُنِي أَمْرُ الْغُوَاةِ وَأَمْرُهُمْ مَشْئُومُ
فَالْيَوْمَ آمَنَ بِالنّبِيّ مُحَمّدٍ قَلْبِي وَمُخْطِئُ هَذِهِ مَحْرُومُ
مَضَتْ الْعَدَاوَةُ وَانْقَضَتْ أَسْبَابُهَا وَدَعَتْ أَوَاصِرُ بَيْنَنَا وَحُلُومُ
فَاغْفِرْ فِدًى لَك وَالِدِيّ كِلَاهُمَا زَلَلِي، فَإِنّك رَاحِمٌ مَرْحُومُ
وَعَلَيْك مِنْ عِلْمِ الْمَلِيكِ عَلَامَةُ نُورٍ أَغَرّ وَخَاتَمٌ مَخْتُومُ
أَعْطَاك بَعْدَ مَحَبّةٍ بُرْهَانَهُ شَرَفًا وَبُرْهَانُ الْإِلَهِ عَظِيمُ
وَلَقَدْ شَهِدْت بِأَنّ دِينَك صَادِقٌ حَقّ وَأَنّك فِي الْعِبَادِ جَسِيمُ
وَاَللهُ يَشْهَدُ أَنّ أَحْمَدَ مُصْطَفًى مُسْتَقْبَلٌ فِي الصّالِحِينَ كَرِيمُ
_________________
(١) بِالسّكُونِ لِأَنّهُ وَصْفٌ بِالْمَصْدَرِ وَمِنْهُ قِيلَ أَرْضٌ بُورٌ مِنْ الْبَوَارِ وَهُوَ هَلَاكُ الْمَرْعَى وَيُبْسُهُ. وَقَوْلُ ابْنِ الزّبَعْرَى: وَاللّيْلُ مُعْتَلِجُ الرّوَاقِ بَهِيمُ الِاعْتِلَاجُ شِدّةٌ وَقُوّةٌ وَقَدْ تَقَدّمَ شَرْحُهَا. وَالْبَهِيمُ الّذِي لَيْسَ فِيهِ لَوْنٌ يُخَالِطُ لَوْنَهُ. وَقَوْلُهُ سُرُحُ الْيَدَيْنِ غَشُومُ. الْغَشُومُ الّتِي لَا تُرَدّ عَنْ وَجْهِهَا، وَيُرْوَى سَعُومُ وَهِيَ الْقَوِيّةُ عَلَى السّيْرِ.
[ ٧ / ٢٤٧ ]
قَرْمٌ عَلَا بُنْيَانَهُ مِنْ هَاشِمٍ فَرْعٌ تَمَكّنَ فِي الذّرَا وَأُرُومُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهَا لَهُ.
بَقَاءُ هُبَيْرَةَ عَلَى كُفْرِهِ وَشِعْرُهُ فِي إسْلَامِ زَوْجِهِ أُمّ هَانِئٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمّا هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيّ فَأَقَامَ بِهَا حَتّى مَاتَ كَافِرًا، وَكَانَتْ عِنْدَهُ أُمّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، وَاسْمُهَا هِنْدٌ، وَقَدْ قَالَ حِينَ بَلَغَهُ إسْلَامُ أُمّ هَانِئٍ
أَشَاقَتْك هِنْدٌ أَمْ أَتَاك سُؤَالُهَا كَذَاك النّوَى أَسْبَابُهَا وَانْفِتَالُهَا
وَقَدْ أَرَقّتْ فِي رَأْسِ حِصْنٍ مُمَنّعٍ بِنَجْرَانَ يَسْرِي بَعْدَ لَيْلٍ خَيَالُهَا
وَعَاذِلَةٍ هَبّتْ بِلَيْلِ تَلُومُنِي وَتَعْذِلُنِي بِاللّيْلِ ضَلّ ضَلَالُهَا
وَتَزْعُمُ أَنّي إنْ أَطَعْت عَشِيرَتِي سَأَرْدَى. وَهَلْ يُرْدِينِ إلّا زِيَالُهَا
فَإِنّي لَمِنْ قَرْمٍ إذَا جَدّ جَدّهُمْ عَلَى أَيّ حَالٍ أَصْبَحَ الْيَوْمَ حَالُهَا
وَإِنّي لَحَامٍ مِنْ وَرَاءِ عَشِيرَتِي إذَا كَانَ مِنْ تَحْتِ الْعَوَالِي مَجَالُهَا
وَصَارَتْ بِأَيْدِيهَا السّيُوفُ كَأَنّهَا مَخَارِيقُ وِلْدَانٍ وَمِنْهَا ظِلَالُهَا
وَإِنّي لَأَقْلَى الْحَاسِدِينَ وَفِعْلَهُمْ عَلَى اللهِ رِزْقِي نَفْسُهَا وَعِيَالُهَا
وَإِنّ كَلَامَ الْمَرْءِ فِي غَيْرِ كُنْهِهِ لَكَالنّبْلِ تَهْوِي لَيْسَ فِيهَا نِصَالُهَا
فَإِنْ كُنْت قَدْ تَابَعْت دِينَ مُحَمّدٍ وَعَطَفَتْ الْأَرْحَامَ مِنْك حِبَالُهَا
فَكُونِي عَلَى أَعْلَى سَحِيقٍ بِهَضْبَةِ مُلَمْلَمَةٍ غَبْرَاءَ يَبْسٍ بِلَالُهَا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَيُرْوَى: "وَقَطَعَتْ الْأَرْحَامَ مِنْك حِبَالُهَا"
عُدّةُ مَنْ شَهِدَ فَتْحَ مَكّةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَ جَمِيعُ مَنْ شَهِدَ فَتْحَ مَكّةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَشْرَةَ آلَافٍ. وَمِنْ بَنِي سُلَيْمٍ سَبْعُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٤٨ ]
مِائَةٍ وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ أَلْفٌ وَمِنْ بَنِي غِفَارٍ أَرْبَعُ مِائَةٍ وَمِنْ أَسْلَمَ أَرْبَعُ مِائَةٍ وَمِنْ مُزَيْنَةَ أَلْفٌ وَثَلَاثَةُ نَفَرٍ وَسَائِرُهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ وَحُلَفَائِهِمْ وَطَوَائِفُ الْعَرَبِ مِنْ تَمِيمٍ وَقَيْسٍ وَأَسَدٍ.
شِعْرُ حَسّانٍ فِي فَتْحِ مَكّةَ
وَكَانَ مِمّا قِيلَ مِنْ الشّعْرِ فِي يَوْمِ الْفَتْحِ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيّ
عَفَتْ ذَاتُ الْأَصَابِعِ فَالْجِوَاءُ إلَى عَذْرَاءَ مَنْزِلُهَا خِلَاءُ
دِيَارٌ مِنْ بَنِي الْحَسْحَاسِ قَفْرٌ تُعْفِيهَا الرّوَامِسُ وَالسّمَاءُ
وَكَانَتْ لَا يَزَالُ بِهَا أَنِيسٌ خِلَالَ مُرُوجِهَا نَعَمٌ وَشَاءُ
_________________
(١) حَوْلَ شِعْرِ حَسّانٍ فَصْلٌ وَذَكَرَ شِعْرَ حَسّانٍ يَوْمَ الْفَتْحِ وَأَوّلُهُ عَفَتْ ذَاتُ الْأَصَابِعِ فَالْجِوَاءُ ذَاتُ الْأَصَابِعِ: مَوْضِعٌ بِالشّامِ وَالْجِوَاءُ كَذَلِكَ وَبِالْجِوَاءِ كَانَ مَنْزِلُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ، وَكَانَ حَسّانُ كَثِيرًا مَا يَرِدُ عَلَى مُلُوكِ غَسّانَ بِالشّامِ يَمْدَحُهُمْ فَلِذَلِكَ يَذْكُرُ هَذِهِ الْمَنَازِلَ. وَقَوْلُهُ إلَى عَذْرَاءَ، هِيَ قَرْيَةٌ عِنْدَ دِمَشْقَ، فِيهَا قُتِلَ حُجْرُ بْنُ عَدِيّ وَأَصْحَابُهُ. وَقَوْلُهُ نَعَمٌ وَشَاءُ. النّعَمُ الْإِبِلُ فَإِذَا قِيلَ أَنْعَامٌ دَخَلَ فِيهَا الْغَنَمُ وَالْبَقَرُ وَالْإِبِلُ. وَالشّاءُ وَالشّوِيّ: اسْمٌ لِلْجَمِيعِ كَالضّأْنِ وَالضّئِينِ وَالْإِبِلِ وَالْإِبِيلِ وَالْمَعْزِ وَالْمَعِيزِ وَأَمّا الشّاةُ فَلَيْسَتْ مِنْ لَفْظِ الشّاءِ لِأَنّ لَامَ الْفِعْلِ مِنْهَا هَاءٌ. وَبَنُو الْحَسْحَاسِ: حَيّ مِنْ بَنِي أَسَدٍ. وَقَوْلُهُ الرّوَامِسُ وَالسّمَاءُ يَعْنِي: الرّيَاحَ وَالْمَطَرَ. وَالسّمَاءُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَقَعُ
[ ٧ / ٢٤٩ ]
فَدَعْ هَذَا وَلَكِنْ مِنْ لِطَيْفِ يُؤَرّقُنِي إذَا ذَهَبَ الْعِشَاءُ
_________________
(١) عَلَى الْمَطَرِ وَعَلَى السّمَاءِ الّتِي هِيَ السّقْفُ وَلَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ وَنَحْوِهِ وَلَا مِنْ قَوْلِهِ إذَا سَقَطَ السّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا لِأَنّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مَطَرَ السّمَاءِ فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَلَكِنْ إنّمَا عَرَفْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي جَمْعِهِ سُمَيّ وَهُمْ يَقُولُونَ فِي جَمْعِ السّمَاءِ سَمَوَاتٌ وَأَسْمِيَةٌ فَعَلِمْنَا أَنّهُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ. وَقَوْلُهُ وَلَكِنْ مَنْ لِطَيْفِ. الطّيْفُ مَصْدَرُ طَافَ الْخَيَالُ يَطِيفُ طَيْفًا، وَلَكِنْ لَا يُقَالُ لِلْخَيَالِ هُوَ طَائِفٌ عَلَى وَزْنِ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنْ طَافَ لِأَنّهُ لَا حَقِيقَةَ لِلْخَيَالِ فَيَرْجِعُ الْأَمْرُ إلَى أَنّهُ هُوَ الطّيْفُ وَهُوَ تَوَهّمٌ وَتَخَيّلٌ فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ لَهُ حَقِيقَةٌ قُلْت فِيهِ طَائِفٌ وَفِي مَصْدَرِهِ طَيْفٌ كَمَا فِي التّنْزِيلِ ﴿طَائِفٌ مِنَ الشّيْطَانِ﴾ [الْأَعْرَافِ ٢٠١] وَقَدْ قُرِئَ أَيْضًا "طَيْفٌ مِنْ الشّيْطَان"، لِأَنّ غُرُورَ الشّيْطَانِ وَأَمَانِيّهُ تُشَبّهُ بِالْخَيَالِ وَمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ. وَأَمّا قَوْلُهُ ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبّك﴾ [الْقَلَمِ ١٩] فَلَيْسَ فِيهِ إلّا اسْمُ الْفَاعِلِ دُونَ الْمَصْدَرِ لِأَنّ الّذِي طَافَ عَلَيْهَا لَهُ حَقِيقَةٌ وَهُوَ فَاعِلٌ مَعْرُوفٌ بِالْفِعْلِ يُقَالُ إنّهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَتَحَصّلَ مِنْ هَذَا ثَلَاثُ مَرَاتِبَ الْخَيَالُ وَلَا حَقِيقَةَ لَهُ فَلَا يُعَبّرُ عَنْهُ إلّا بِالطّيْفِ وَحَدِيثُ الشّيْطَانِ وَوَسْوَسَتُهُ يُقَالُ فِيهِ طَائِفٌ وَطَيْفٌ وَكُلّ طَائِفٍ سِوَى هَذَيْنِ فَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ لَا يُعَبّرُ عَنْهُ بِطَيْفِ وَلَا بِطَوَافِ فَقِفْ عَلَى هَذِهِ النّكْتَةِ فِيهِ. وَقَوْلُهُ يُؤَرّقُنِي إذَا ذَهَبَ الْعِشَاءُ أَيْ يُسَهّرُنِي، فَيُقَالُ كَيْفَ يُسَهّرُهُ.
[ ٧ / ٢٥٠ ]
فَلَيْسَ لِقَلْبِهِ مِنْهَا شِفَاءُ
كَأَنّ خَبِيئَةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ
_________________
(١) الطّيْفُ وَالطّيْفُ حُلْمٌ فِي الْمَنَامِ؟. فَالْجَوَابُ أَنّ الّذِي يُؤَرّقُهُ لَوْعَةٌ يَجِدُهَا عِنْدَ زَوَالِهِ كَمَا قَالَ [حَبِيبُ بْنُ أَوْسٍ أَبُو تَمّامٍ] الطّائِيّ: ظَبْيٌ تَقَنّصْتُهُ لَمّا نَصَبْت لَهُ مِنْ آخِرِ اللّيْلِ أَشْرَاكًا مِنْ الْحُلْمِ ثُمّ انْثَنَى، وَبِنَا مِنْ ذِكْرِهِ سَقَمٌ بَاقٍ وَإِنْ كَانَ مَعْسُولًا مِنْ السّقَمِ وَقَدْ أَحْسَنَ فِي قَوْلِهِ مِنْ آخِرِ اللّيْلِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنّهُ سَهِرَ لَيْلَهُ كُلّهُ إلّا سَاعَةً جَاءَ الْخَيَالُ مِنْ آخِرِهِ فَكَأَنّهُ مُسْتَرَقٌ مِنْ قَوْلِ حَسّانٍ وَخَيَالٌ إذَا تَقُومُ النّجُومُ وَنَظِيرُ قَوْلِهِ يُؤَرّقُنِي، أَيْ يُؤَرّقُنِي بِزَوَالِهِ عَنّي قَوْلُ الْبُحْتُرِيّ أَلَمّتْ بِنَا بَعْدَ الْهُدُوّ فَسَامَحَتْ بِوَصْلِ مَتَى تَطْلُبْهُ فِي الْجِدّ تَمْنَعْ وَوَلّتْ كَأَنّ الْبَيْنَ يَخْلُجُ شَخْصَهَا أَوَانَ تَوَلّتْ مِنْ حِشَائِي وَأَضْلُعِي وَقَوْلُهُ: لِشَعْثَاءَ الّتِي قَدْ تَيّمَتْهُ شَعْثَاءُ الّتِي يُشَبّبُ بِهَا حَسّانُ هِيَ بِنْتُ سَلّامِ بْنِ مِشْكَمٍ الْيَهُودِيّ وَرُوِيَ أَنّهُ قَالَ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنّ مُحَمّدًا نَبِيّ، وَلَوْلَا أَنْ تُعَيّرَ بِهَا شَعْثَاءُ ابْنَتِي لَتَبِعْته، وَقَدْ كَانَتْ تَحْتَ حَسّانٍ أَيْضًا امْرَأَةٌ اسْمُهَا شَعْثَاءُ بِنْتُ كَاهِنٍ الْأَسْلَمِيّةُ وَلَدَتْ لَهُ أُمّ فِرَاسٍ. وَقَوْلُهُ كَأَنّ خَبِيئَةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ إلَى آخِرِهِ خَبَرُ كَأَنّ فِي هَذَا الْبَيْتِ
[ ٧ / ٢٥١ ]
إذَا مَا الْأَشْرِبَاتُ ذُكِرْنَ يَوْمًا فَهُنّ لِطَيّبِ الرّاحِ الْفِدَاءُ
فَوَلِيّهَا الْمَلَامَةَ إنْ أَلَمْنَا إذَا مَا كَانَ مَغْثٌ أَوْ لَحَاءُ
وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا وَأُسْدًا مَا يُنَهْنِهُنَا اللّقَاءُ
_________________
(١) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ كَأَنّ فِي فِيهَا خَبِيئَةً وَمِثْلُ هَذَا الْمَحْذُوفِ فِي النّكِرَاتِ حَسَنٌ كَقَوْلِهِ إنّ مَحَلّا وَإِنّ مُرْتَحِلًا أَيْ إنّ لَنَا مَحَلّا، وَكَقَوْلِ الْآخَرِ وَلَكِنّ زِنْجِيّا طَوِيلًا مَشَافِرُهْ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيّ فِي صِفَةِ الدّجّالِ أَعْوَرَ كَأَنّ عِنَبَةً طَافِيَةً أَيْ كَأَنّ فِي عَيْنِهِ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنّ بَعْدَ هَذَا الْبَيْتِ بَيْتًا فِيهِ الْخَبَرُ وَهُوَ عَلَى أَنْيَابِهَا أَوْ طَعْمُ غَضّ مِنْ التّفّاحِ هَصَرَهُ اجْتِنَاءُ وَهَذَا الْبَيْتُ مَوْضُوعٌ لَا يُشْبِهُ شِعْرَ حَسّانٍ وَلَا لَفْظَهُ. وَقَوْلُهُ نُوَلّيهَا الْمَلَامَةَ إنْ أَلَمْنَا أَيْ إنْ أَتَيْنَا بِمَا نُلَامُ عَلَيْهِ صَرَفْنَا اللّوْمَ إلَى الْخَمْرِ وَاعْتَذَرْنَا بِالسّكْرِ. وَالْمَغْتُ الضّرْبُ بِالْيَدِ وَاللّحَاءُ الْمُلَاحَاةُ بِاللّسَانِ وَيُرْوَى أَنّ حَسّانًا مَرّ بِفِتْيَةِ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فِي الْإِسْلَامِ فَنَهَاهُمْ فَقَالُوا: وَاَللهِ لَقَدْ أَرَدْنَا تَرْكَهَا فَيُزَيّنُهَا لَنَا قَوْلُك: وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا
[ ٧ / ٢٥٢ ]
عَدِمْنَا خَيْلَنَا إنْ لَمْ تَرْوِهَا تُثِيرُ النّقْعَ مَوْعِدُهَا كَدَاءُ
يُنَازِعْنَ الْأَعِنّةَ مُصْغِيَاتٍ عَلَى أَكْتَافِهَا الْأَسَلُ الظّمَاءُ
تَظَلّ جِيَادُنَا مُتَمَطّرَاتٍ يَلْطُمُهُنّ بِالْخُمُرِ النّسَاءُ
_________________
(١) فَقَالَ وَاَللهِ لَقَدْ قُلْتهَا فِي الْجَاهِلِيّةِ وَمَا شَرِبْتهَا مُنْذُ أَسْلَمْت، وَكَذَلِكَ قِيلَ إنّ بَعْضَ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ قَالَهَا فِي الْجَاهِلِيّةِ وَقَالَ آخِرَهَا فِي الْإِسْلَامِ. مَعْنَى التّفْضِيلِ فِي شَرّكُمَا: وَفِيهَا يَقُولُ لِأَبِي سُفْيَانَ: فَشَرّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ وَفِي ظَاهِرُ اللّفْظِ بَشَاعَةٌ لِأَنّ الْمَعْرُوفَ أَنْ لَا يُقَالَ هُوَ شَرّهُمَا إلّا وَفِي كِلَيْهِمَا شَرّ، وَكَذَلِكَ شَرّ مِنْك، وَلَكِنّ سِيبَوَيْهِ قَالَ فِي كِتَابِهِ تَقُولُ مَرَرْت بِرَجُلِ شَرّ مِنْك، إذَا نَقَصَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ وَهَذَا يَدْفَعُ الشّنَاعَةَ عَنْ الْكَلَامِ الْأَوّلِ وَنَحْوٌ مِنْهُ قَوْلُهُ ﵇ " شَرّ صُفُوفِ الرّجَالِ آخِرُهَا" يُرِيدُ نُقْصَانَ حَظّهِمْ عَنْ حَظّ الْأَوّلِ كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ التّفْضِيلَ فِي الشّرّ وَاَللهُ أَعْلَمُ. يَلْطِمُ أَوْ يُطَلّمُ وَفِيهَا قَوْلُهُ فِي صِفَةِ الْخَيْلِ يَلْطِمُهُنّ بِالْخُمُرِ النّسَاءُ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ فِي الْجَمْهَرَةِ كَانَ الْخَلِيلُ ﵀ يَرْوِي بَيْتَ حَسّانٍ يُطَلّمُهُنّ بِالْخُمُرِ وَيُنْكِرُ يُلَطّمُهُنّ وَيَجْعَلُهُ بِمَعْنَى: يَنْفُضُ النّسَاءُ بِخُمُرِهِنّ مَا عَلَيْهِنّ مِنْ غُبَارٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَأَتْبَعَ بِذَلِكَ ابْنُ دُرَيْدٍ قَوْلُهُ الطّلْمُ ضَرْبُك خُبْزَةَ الْمَلّةِ بِيَدِك لِتَنْفُضَ مَا عَلَيْهَا مِنْ الرّمَادِ وَالطّلْمَةُ الْخُبْزَةُ وَمَعَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرَرْنَا بِقَوْمِ يُعَالِجُونَ طَلْمَةً لَهُمْ فَنَفَرْنَاهُمْ عَنْهَا، فَاقْتَسَمْنَاهَا، فَأَصَابَتْنِي مَعَهَا كِسْرَةٌ وَكُنْت أَسْمَعُ فِي بَلَدِي أَنّهُ مَنْ أَكَلَ الْخُبْزَ سَمِنَ فَجَعَلْت أَنْظُرُ فِي عِطْفِي: هَلْ ظَهَرَ فِيّ السّمَنُ بَعْدُ. وَمِمّا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى أَنّ النّبِيّ ﷺ رُئِيَ يَمْسَحُ وَجْهَ فَرَسِهِ بِرِدَائِهِ فَقَالَ " عُوتِبْت اللّيْلَةَ فِي الْخَيْلِ "
[ ٧ / ٢٥٣ ]
فَإِمّا تُعْرِضُوا عَنّا اعْتَمَرْنَا وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ
وَإِلّا فَاصْبِرُوا لِجِلَادِ يَوْمٍ يُعِينُ اللهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ
وَجِبْرِيلُ رَسُولُ اللهِ فِينَا وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ
وَقَالَ اللهُ قَدْ أَرْسَلْت عَبْدًا يَقُولُ الْحَقّ إنْ نَفَعَ الْبَلَاءُ
شَهِدْت بِهِ فَقُومُوا صَدّقُوهُ فَقُلْتُمْ لَا نَقُومُ وَلَا نَشَاءُ
وَقَالَ اللهُ قَدْ سَيّرْت جُنْدًا هُمْ الْأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللّقَاءُ
لَنَا فِي كُلّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدّ سِبَابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ
فَنُحْكِمُ بِالْقَوَافِي مَنْ هَجَانَا وَنَضْرِبُ حِينَ تَخْتَلِطُ الدّمَاءُ
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنّي مُغَلْغَلَةً فَقَدْ بَرِحَ الْخَفَاءُ
_________________
(١) وَفِيهَا: وَنُحْكِمُ بِالْقَوَافِي مَنْ هَجَانَا نُحْكِمُ أَيْ نَرُدّ وَنَقْرَعُ هُوَ مِنْ حَكَمَةِ الدّابّةِ وَهُوَ لِجَامُهَا، وَيَكُونُ الْمَعْنَى أَيْضًا: نُفْحِمُهُمْ وَنُخْرِسُهُمْ فَتَكُونُ قَوَافِينَا لَهُمْ كَالْحَكَمَاتِ لِلدّوَابّ قَالَ زُهَيْرٌ قَدْ أُحْكِمَتْ حَكَمَاتِ الْقَدّ وَالْأَبْقَا وَفِي هَذِهِ الْقَصِيدَةِ مَوْعِدُهَا كَدَاءُ، وَفِي رِوَايَةِ الشّيْبَانِيّ يَسِيلُ بِهَا كُدَيّ أَوْ كَدَاءُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا كُدَيّا وَكَدَاءَ، وَذَكَرْنَا مَعَهُمَا كُدًى، وَزَادَ الشّيْبَانِيّ فِي رِوَايَتِهِ أَبْيَاتًا فِي هَذِهِ الْقَصِيدَةِ وَهِيَ وَهَاجَتْ دُونَ قَتْلِ بَنِي لُؤَيّ جَذِيمَةُ إنّ قَتْلَهُمْ شِفَاءُ
[ ٧ / ٢٥٤ ]
بِأَنّ سُيُوفَنَا تَرَكَتْك عَبْدًا وَعَبْدُ الدّارِ سَادَتُهَا الْإِمَاءُ
هَجَوْت مُحَمّدًا وَأَجَبْت عَنْهُ وَعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ
أَتَهْجُوهُ وَلَسْت لَهُ بِكُفْءِ فَشَرّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
هَجَوْت مُبَارَكًا بَرّا حَنِيفًا أَمِينَ اللهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ
أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ؟
فَإِنّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي لِعَرْضِ مُحَمّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
لِسَانِي صَارِمٌ لَا عَيْبَ فِيهِ وَبَحْرِي لَا تُكَدّرُهُ الدّلَاءُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَهَا حَسّانُ يَوْمَ الْفَتْحِ وَيُرْوَى: لِسَانِي صَارِمٌ لَا عَتْبَ فِيهِ " وَبَلَغَنِي عَنْ الزّهْرِيّ أَنّهُ قَالَ لَمّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ النّسَاءَ يَلْطِمْنَ الْخَيْلَ بِالْخُمُرِ تَبَسّمَ إلَى أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ ﵁
شِعْرُ أَنَسِ بْنِ زُنَيْمٍ فِي الِاعْتِذَارِ إلَى الرّسُولِ
مِمّا قَالَ ابْنُ سَالِمٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَنَسُ بْنُ زُنَيْمٍ الدّيلِيّ يَعْتَذِرُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِمّنْ كَانَ قَالَ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيّ:
أَأَنْتَ الّذِي تُهْدِي مَعَدّ بِأَمْرِهِ بَلْ اللهُ يَهْدِيهِمْ وَقَالَ لَك اشْهَدْ
_________________
(١) وَحِلْفُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ وَحِلْفُ قُرَيْظَةَ فِينَا سَوَاءُ أُولَئِكَ مَعْشَرٌ أَلّبُوا عَلَيْنَا فَفِي أَظْفَارِنَا مِنْهُمْ دِمَاءُ سَتُبْصِرُ كَيْفَ نَفْعَلُ بِابْنِ حَرْبٍ بِمَوْلَاك الّذِينَ هُمْ الرّدَاءُ حَوْلَ شِعْرِ أَنَسِ بْنِ سُلَيْمٍ فَصْلٌ: وَذَكَرَ شِعْرَ أَنَسِ بْنِ سُلَيْمٍ الدّيلِيّ وَفِيهِ
[ ٧ / ٢٥٥ ]
وَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا أَبَرّ وَأَوْفَى ذِمّةً مِنْ مُحَمّدِ
أَحَثّ عَلَى خَيْرٍ وَأَسْبَغَ نَائِلًا إذَا رَاحَ كَالسّيْفِ الصّقِيلِ الْمُهَنّدِ
وَأَكْسَى لِبُرْدِ الْخَالِ قَبْلَ ابْتِذَالِهِ وَأَعْطَى لِرَأْسِ السّابِقِ الْمُتَجَرّدِ
تَعَلّمْ رَسُولَ اللهِ أَنّك مُدْرِكِي وَأَنّ وَعِيدًا مِنْك كَالْأَخْذِ بِالْيَدِ
تَعَلّمْ رَسُولَ اللهِ أَنّك قَادِرٌ عَلَى كُلّ صِرْمٍ مُتْهِمِينَ وَمُنْجِدِ
تَعَلّمْ بِأَنّ الرّكْبَ رَكْبُ عُوَيْمِرٍ هُمْ الْكَاذِبُونَ الْمُخْلِفُو كُلّ مَوْعِدِ
ونَبّوْا رَسُولَ اللهِ أَنّي هَجَوْته فَلَا حَمَلَتْ سَوْطِي إلَيّ إذَنْ يَدِي
سِوَى أَنّنِي قَدْ قُلْت وَيْلَ أُمّ فِتْيَةٍ أُصِيبُوا بِنَحْسِ لَا يُطْلَقُ وَأَسْعُدِ
أَصَابَهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ لِدِمَائِهِمْ كِفَاءُ فَعَزّتْ عِبْرَتِي وَتَبَلّدِي
_________________
(١) وَأَكْسَى لِبُرْدِ الْخَالِ قَبْلَ ابْتِذَالِهِ الْخَالُ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ وَهُوَ مِنْ رَفِيعِ الثّيَابِ وَأَحْسَبُهُ سُمّيَ بِالْخَالِ الّذِي بِمَعْنَى الْخُيَلَاءِ كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: الْبَرّ أَبْغِي لَا الْخَالَ وَفِيهِ تَعَلّمْ رَسُولَ اللهِ أَنّك مُدْرِكِي وَأَنّ وَعِيدًا مِنْك كَالْأَخْذِ بِالْيَدِ وَهَذَا الْبَيْتُ سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ كَذَا أَلْفَيْته فِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الشّيْخِ ﵀ وَمَعْنَاهُ مِنْ أَحْسَنِ الْمَعَانِي يُنْظَرُ إلَى قَوْلِ النّابِغَةِ فَإِنّك كَاللّيْلِ الّذِي هُوَ مُدْرِكِي وَإِنْ خِلْت أَنّ الْمُنْتَأَى عَنْك وَاسِعُ خَطَاطِيفُ حُجْنٍ فِي حِبَالٍ مَتِينَةٍ تُمَدّ بِهَا أَيْدٍ إلَيْك نَوَازِعُ فَالْقَسِيمُ الْأَوّلُ كَالْبَيْتِ الْأَوّلِ مِنْ قَوْلِ النّابِعَةِ وَالْقَسِيمُ الثّانِي كَالْبَيْتِ الثّانِي، لَكِنّهُ أَطْبَعُ مِنْهُ وَأَوْجَزُ. وَقَوْلُ النّابِغَةِ كَاللّيْلِ فِيهِ مِنْ حُسْنِ التّشْبِيهِ مَا لَيْسَ فِي قَوْلِ الدّيلِيّ إلّا أَنّهُ يَسْمُجُ مِثْلُ هَذَا التّشْبِيهِ فِي النّبِيّ ﷺ لِأَنّهُ نُورٌ وَهُدًى، فَلَا يُشَبّهُ بِاللّيْلِ وَإِنّمَا حَسُنَ فِي قَوْلِ النّابِغَةِ أَنْ يَقُولَ كَاللّيْلِ وَلَمْ يَقُلْ كَالصّبْحِ لِأَنّ اللّيْلَ تُرْهَبُ غَوَائِلُهُ وَيُحْذَرُ مِنْ إدْرَاكِهِ مَا لَا يَحْذَرُ مِنْ النّهَارِ وَقَدْ أَخَذَ بَعْضُ
[ ٧ / ٢٥٦ ]
فَإِنّك قَدْ أَخْفَرْت إنْ كُنْت سَاعِيًا بِعَبْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَابْنَةِ مَهْوَدِ
ذُؤَيْبٌ وَكُلْثُومٌ وَسَلْمَى تَتَابَعُوا جَمِيعًا فَإِلّا تَدْمَعْ الْعَيْنُ أَكْمَدْ
وَسَلْمَى وَسَلْمَى لَيْسَ حَيّ كَمِثْلِهِ وَإِخْوَتِهِ وَهَلْ مُلُوكٌ كَأَعْبُدِ؟
فَإِنّي لَا دِينًا فَتَقْت وَلَا دَمًا هَرَقْت تَبِين عَالِمَ الْحَقّ وَاقْصِدْ
شِعْرُ بُدَيْلٍ فِي الرّدّ عَلَى ابْنِ زُنَيْمٍ
فَأَجَابَهُ بُدَيْلُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ ابْنُ أُمّ أَصْرَمَ، فَقَالَ
بَكَى أَنَسٌ رَزْنًا فَأَعْوَلَهُ اُلْبُكَا فَأَلّا عَدِيّا إذْ تُطَلّ وَتُبْعَدُ
بَكَيْت أَبَا عَبْسٍ لِقُرْبِ دِمَائِهَا فَتُعْذِرَ إذْ لَا يُوقِدُ الْحَرْبَ مُوقَدُ
أَصَابَهُمْ يَوْمَ الْخَنَادِمِ فِتْيَةٌ كِرَامٌ فَسَلْ مِنْهُمْ نُفَيْلُ وَمَعْبَدُ
هُنَالِكَ إنْ تَسْفَحْ دُمُوعُك لَا تُلَمْ عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ تَدْمَعْ الْعَيْنُ فَاكْمَدُوا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
_________________
(١) الأندلسيين هَذَا الْمَعْنَى، فَقَالَ فِي هَرَبِهِ مِنْ ابْنِ عَبّادٍ كَأَنّ بِلَادَ اللهِ وَهِيَ عَرِيضَةٌ تَشُدّ بِأَقْصَاهَا عَلَيّ الْأَنَامِلَا فَأَيْنَ مَفَرّ الْمَرْءِ عَنْك بِنَفْسِهِ إذَا كَانَ يَطْوِي فِي يَدَيْك الْمَرَاحِلَا وَهَذَا كُلّهُ مَعْنًى مُنْتَزَعٌ مِنْ الْقُدَمَاءِ. رَوَى الطّبَرِيّ أَنّ "منوشهر بْنَ إيرج بْنِ أفريدون بْنِ أَثَفَيَانِ" وَهُوَ الّذِي بُعِثَ مُوسَى ﵇ فِي زَمَانِهِ أَعْنِي زَمَانَ منوشهر قَالَ حِينَ عَقَدَ التّاجَ عَلَى رَأْسِهِ فِي خُطْبَةٍ لَهُ طَوِيلَةٍ "أَيّهَا النّاسُ إنّ الْخَلْقَ لِلْخَالِقِ وَإِنّ الشّكْرَ لِلْمُنْعِمِ وَإِنّ التّسْلِيمَ لِلْقَادِرِ وَإِنّهُ لَا أَضْعَفَ مِنْ مَخْلُوقٍ طَالِبًا أَوْ مَطْلُوبًا، وَلَا أَقْوَى مِنْ طَالِبٍ طِلْبَتُهُ فِي يَدِهِ وَلَا أَعْجَزَ مِنْ مَطْلُوبٍ هُوَ فِي يَدِ طَالِبِهِ".
[ ٧ / ٢٥٧ ]
شِعْرُ بُجَيْرٍ فِي يَوْمِ الْفَتْحِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ بُجَيْرُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى فِي يَوْمِ الْفَتْحِ
نَفَى أَهْلَ الْحَبَلّقِ كُلّ فَجّ مُزَيْنَةُ غُدْوَةً وَبَنُو خِفَافِ
ضَرَبْنَاهُمْ بِمَكّةَ يَوْمَ فتح النـ ـبِي الْخَيْر بالبيض الْخفاف
_________________
(١) حَوْلَ شِعْرِ بُجَيْرِ بْنِ زُهَيْرٍ وَأَنْشَدَ لِبُجَيْرِ بْنِ زُهَيْرٍ نَفَى أَهْلَ الْحَبَلّقِ كُلّ فَجّ مُزَيْنَةُ غُدْوَةً وَبَنُو خفاف الحبلق أَرْضٌ يَسْكُنُهَا قَبَائِلُ مِنْ مُزَيْنَةَ، وَقَيْسٍ: وَالْحَبَلّقُ الْغَنَمُ الصّغَارُ وَلَعَلّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَهْلَ الْحَبَلّقِ أَصْحَابَ الْغَنَمِ وَبَنُو عُثْمَانَ هُمْ مُزَيْنَةُ وَهُمْ بَنُو عُثْمَانَ بْنِ لَاطِمِ بْنِ أَدّ بْنِ طَابِخَةَ وَمُزَيْنَةُ أُمّهُمْ بِنْتُ كَلْبِ بْنِ وَبَرَةَ بْنِ تَغْلِبَ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، وَأُخْتُهَا: الْحَوْأَبُ الّتِي عُرِفَ بِهَا مَاءُ الْحَوْأَبِ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأَصْلُ الْحَوْأَبِ فِي اللّغَةِ الْقَدَحُ الضّخْمُ الْوَاسِعُ وَبَنُو خِفَافٍ بَطْنٌ مِنْ سُلَيْمٍ وَقَوْلُهُ ضَرَبْنَاهُمْ بِمَكّةَ يَوْمَ فَتْحِ النّ ـبِي الْخَيْر بالبيض الْخفاف فِي الْبَيْتِ مُدَاخَلَةٌ وَهُوَ انْتِهَاءُ الْقَسِيمِ الْأَوّلِ فِي بَعْضِ كَلِمَةٍ مِنْ الْقَسِيمِ الثّانِي، وَهُوَ عَيْبٌ عِنْدَهُمْ إلّا فِي الْخَفِيفِ وَالْهَزَجِ وَمَعْنَى الْخَيْرِ أَيْ ذُو الْخَيْرِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ الْخَيّرَ فَخَفّفَ كَمَا يُقَالُ هَيْنٌ وَهَيّنٌ. وَفِي التّنْزِيلِ ﴿خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرّحْمَنِ ٧٠] . وَقَوْلُهُ كَمَا انْصَاعَ الْفُوَاقُ مِنْ الرّصَافِ أَيْ ذَهَبَ وَالرّصَافُ عَصَبَةٌ تُلْوَى عَلَى فَوْقِ السّهْمِ وَأَرَادَ بِالْفُوَاقِ الْفَوْقَ وَهُوَ غَرِيبٌ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْعَيْنِ فِي الْفُوَاقِ صَوْتَ الصّدْرِ وَهُوَ بِالْهَمْزِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْأَعْرَابِيّ، لِأَنّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ.
[ ٧ / ٢٥٨ ]
صَبَحْنَاهُمْ بِسَبْعِ مِنْ سُلَيْمٍ وَأَلْفٍ مِنْ بَنِي عُثْمَانَ وَافِ
نَطَا أَكْتَافَهُمْ ضَرْبًا وَطَعْنًا وَرَشْقًا بِالْمَرِيشَةِ اللّطَافِ
نَرَى بَيْنَ الصّفُوفِ لَهَا حَفِيفًا كَمَا انْصَاعَ الْفُوَاقُ مِنْ الرّصَافِ
فَرُحْنَا وَالْجِيَادُ تَجُولُ فِيهِمْ بِأَرْمَاحِ مُقَوّمَةِ الثّقَافِ
فَأُبْنَا غَانِمِينَ بِمَا اشْتَهَيْنَا وَآبُوا نَادِمِينَ عَلَى الْخِلَافِ
وَأَعْطَيْنَا رَسُولَ اللهِ مِنّا مَوَاثِقَنَا عَلَى حُسْنِ التّصَافِي
وَقَدْ سَمِعُوا مَقَالَتَنَا فَهَمّوا غَدَاةَ الرّوْعِ مِنّا بِانْصِرَافِ
شِعْرُ ابْنِ مِرْدَاسٍ فِي فَتْحِ مَكّةَ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ ابْنُ مِرْدَاسٍ السّلَمِيّ فِي فَتْحِ مَكّةَ:
مِنّا بِمَكّةَ يَوْمَ فَتْحِ مُحَمّدٍ أَلْفٌ تَسْهِيلُ بِهِ الْبِطَاحُ مُسَوّمُ
_________________
(١) عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ وَاَلّذِينَ حَرّمُوا الْخَمْرَ وَذَكَرَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ وَيُكَنّى أَبَا الْفَضْلِ وَقِيلَ أَبَا الْهَيْثَمِ وَمِنْ ذُرّيّتِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ فَقِيهُ الْأَنْدَلُسِ وَنَسَبُهُ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسِ بْنِ أَبِي عَامِرِ بْنِ جَارِيَةَ بْنِ عَبْدِ بْنِ عَبّاسِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمٍ السّلَمِيّ كَانَ أَبُوهُ حَاجِبًا لِحَرْبِ بْنِ أُمَيّةَ وَقَتَلَتْهُمَا الْجِنّ فِي خَبَرٍ مَشْهُورٍ وَعَبّاسٌ مِمّنْ حَرّمَ عَلَى نَفْسِهِ الْخَمْرَ فِي الْجَاهِلِيّةِ وَحَرّمَهَا أَيْضًا عَلَى نَفْسِهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، وَقَبْلَ هَؤُلَاءِ حَرّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ عَبْدُ الْمُطّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ وَوَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جُدْعَانَ وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ
[ ٧ / ٢٥٩ ]
نَصَرُوا الرّسُولَ وأشاهدا أَيّامِهِ وَشِعَارُهُمْ يَوْمَ اللّقَاءِ مُقَدّمُ
فِي مَنْزِلٍ ثَبَتَتْ بِهِ أَقْدَامُهُمْ ضَنْكٍ كَأَنّ الْهَامَ فِيهِ الحنتم
الله مكنه لَهُ وَأَذَلّهُ حُكْمُ السّيُوفِ لَنَا وَجْدٌ مُزْحِم
عُودُ الرّيَاسَةِ شَامِخٌ عُرَنِيّتُهُ مُتَطَلّعٌ ثَغْرَ الْمَكَارِمِ خَضْرَمُ
إسْلَامُ عَبّاسِ بن مرداس
سَبَب إسْلَامُ بن مرداس
قَالَ ابْن هِشَام: وَكَانَ إِسْلَام عَبّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ فِيمَا حَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ وَحَدِيثُهُ أَنّهُ كَانَ لِأَبِيهِ مِرْدَاسٍ وَثَنٌ يَعْبُدُهُ وَهُوَ حَجَرٌ كَانَ يُقَالُ لَهُ ضِمَارٌ، فَلَمّا حَضَرَ مِرْدَاسٌ قَالَ لِعَبّاسِ أَيْ بُنَيّ اُعْبُدْ ضَمَارِ فَإِنّهُ يَنْفَعُك وَيَضُرّك، فَبَيْنَا عَبّاسٌ
_________________
(١) بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَمِنْ قُدَمَاءِ الْجَاهِلِيّةِ عَامِرُ بْنُ الظّرِبِ الْعُدْوَانِيّ. وَذَكَرَ فِي سَبَبِ إسْلَامِ عَبّاسٍ مَا سَمِعَ مِنْ جَوْفِ الصّنَمِ الّذِي كَانَ يَعْبُدُهُ وَهُوَ ضَمَارِ بِكَسْرِ الرّاءِ وَهُوَ مِثْلُ حَذَامِ وَرَقَاشِ وَلَا يَكُونُ مِثْلُ هَذَا الْبِنَاءِ إلّا فِي أَسْمَاءِ الْمُؤَنّثِ وَكَانُوا يَجْعَلُونَ آلِهَتَهُمْ إنَاثًا كَاَللّاتِي وَالْعُزّى وَمَنَاةَ لِاعْتِقَادِهِمْ الْخَبِيثَ فِي الْمَلَائِكَةِ أَنّهَا بَنَاتٌ. وَفِي ضَمَارِ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَبَنِيّ تَمِيمٍ الْبِنَاءُ عَلَى الْكَسْرِ لَا غَيْرُ مِنْ أَجْلِ أَنّ آخِرَهُ رَاءٌ وَمَا لَمْ يَكُنْ فِي آخِرِهِ رَاءٌ كَحَذَامِ وَرَقَاشِ فَهُوَ مَبْنِيّ فِي لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَمُعْرَبٌ غَيْرُ مُجْرًى فِي لُغَةِ غَيْرِهِمْ كَذَلِكَ قَالَ سِيبَوَيْهِ.
[ ٧ / ٢٦٠ ]
يَوْمًا عِنْدَ ضَمَارِ، إذْ سَمِعَ مِنْ جَوْفِ ضمار مناديا يَقُوله:
قُلْ لِلْقَبَائِلِ مِنْ سُلَيْمٍ كُلّهَا أَوْدَى ضِمَارٌ وَعَاشَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ
إنّ الّذِي وَرِثَ النّبُوّةَ وَالْهُدَى بَعْدَ ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ قُرَيْشٍ مُهْتَدِي
أَوْدَى ضِمَارٌ وَكَانَ يُعْبَدُ مُدّةً قَبْلَ الْكِتَابِ إلَى النّبِيّ مُحَمّدِ
فَحَرَقَ عَبّاسٌ ضَمَارِ، وَلَحِقَ بِالنّبِيّ ﷺ فَأَسْلَمَ.
_________________
(١) وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدّنْيَا فِي سَبَبِ إسْلَامِ عَبّاسٍ حَدِيثًا أَسْنَدَهُ عَنْ رِجَالِهِ عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَنَسٍ السّلْمَانِيّ عَنْ عَبّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ أَنّهُ كَانَ فِي لِقَاحٍ لَهُ نِصْفَ النّهَارِ فَاطّلَعَتْ عَلَيْهِ نَعَامَةٌ بَيْضَاءُ عَلَيْهَا رَاكِبٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بَيَاضٌ فَقَالَ لِي: يَا عَبّاسُ أَلَمْ تَرَ أَنّ السّمَاءَ كَفّتْ أَحْرَاسَهَا، وَأَنّ الْحَرْبَ جَرَعَتْ أَنْفَاسَهَا، وَأَنّ الْخَيْلَ وَضَعَتْ أَحْلَاسَهَا، وَأَنّ الّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ الْبِرّ وَالتّقَى يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لَيْلَةَ الثّلَاثَاءِ صَاحِبَ النّاقَةِ الْقَصْوَاءِ. قَالَ فَخَرَجْت مَرْعُوبًا قَدْ رَاعِنِي مَا رَأَيْت، وَسَعَيْت، حَتّى جِئْت وَثَنًا لِي، يُقَالُ لَهُ الضّمَارِ كُنّا نَعْبُدُهُ وَنُكَلّمُ مِنْ جَوْفِهِ فَكَنَسْت مَا حَوْلَهُ ثُمّ تَمَسّحْت بِهِ فَإِذَا صَائِحٌ يَصِيحُ مِنْ جَوْفِهِ قُلْ لِلْقَبَائِلِ مِنْ قُرَيْشٍ كُلّهَا هَلَكَ الضّمَارُ وَفَازَ أَهْلُ الْمَسْجِد هَلَكَ الضّمَارُ وَكَانَ يُعْبَدُ مُدّةً قَبْلَ الصّلَاةِ عَلَى النّبِيّ مُحَمّدِ إنّ الّذِي وَرِثَ النّبُوّةَ وَالْهُدَى بَعْدَ ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ قُرَيْشٍ مُهْتَدِي قَالَ فَخَرَجْت مَذْعُورًا حَتّى جِئْت قَوْمِي، فَقَصَصْت عَلَيْهِمْ الْقِصّةَ وَأَخْبَرْتهمْ الْخَبَرَ فَخَرَجْت فِي ثَلَاثِمِائَةٍ مِنْ قَوْمِي مِنْ بَنِي جَارِيَةَ إلَى النّبِيّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ فَلَمّا رَآنِي النّبِيّ ﷺ تَبَسّمَ وَقَالَ " إلَيّ يَا عَبّاسُ كَيْفَ إسْلَامُك؟
[ ٧ / ٢٦١ ]
شِعْرُ جَعْدَةَ فِي يَوْمِ الْفَتْحِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ جَعْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْخُزَاعِيّ يَوْمَ فَتْحِ مَكّةَ:
أَكَعْبُ بْنُ عَمْرٍو دَعْوَةٌ غَيْرُ بَاطِلٍ لِحَيْنِ لَهُ يَوْمَ الْحَدِيدِ مُتَاحِ
أُتِيحَتْ لَهُ مِنْ أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ لِتَقْتُلَهُ لَيْلًا بِغَيْرِ سِلَاحِ
وَنَحْنُ الْأُلَى سَدّتْ غَزَالَ خُيُولُنَا وَلَفْتًا سَدَدْنَاهُ وَفَجّ طِلَاحِ
خَطَرْنَا وَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ بِجَحْفَلِ ذَوِي عَضُدٍ مِنْ خَيْلِنَا وَرِمَاحِ
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
_________________
(١) فَقَصَصْت عَلَيْهِ الْقِصّةَ فَقَالَ صَدَقْت، فَأَسْلَمْت أَنَا وَقَوْمِي. شِعْرُ جَعْدَةَ فَصْلٌ وَذَكَرَ فِي شِعْرِ جَعْدَةَ الْخُزَاعِيّ غَزَالَ، وَهُوَ اسْمُ طَرِيقٍ غَيْرُ مَصْرُوفٍ وَقَالَ كُثَيّرُ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ يَذْكُرُ غَزَالَ: أُنَادِيك مَا حَجّ الْحَجِيجُ وَكَبّرَتْ بِفَيْفَا غَزَالٍ رُفْقَةٌ وَأَهَلّتْ وَكَذَلِكَ لَفْتٌ اسْمُ مَوْضِعٍ وَفِي لَفْتٍ يَقُولُ مَعْقِلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ لَعَمْرُك مَا خَشِيت وَقَدْ بَلَغْنَا جِبَالَ الْجَوْزِ مِنْ بَلَدٍ تَهَامِ نَزِيعًا مُحْلِبًا مِنْ أَهْلِ لَفْتٍ لِحَيّ بَيْنَ أُثْلَةَ وَالنّجَامِ وَقَدْ تَقَدّمَ هَذَا الْبَيْتُ الْأَخِيرُ فِي بَابِ الْهِجْرَةِ.
[ ٧ / ٢٦٢ ]
شِعْرُ بُجَيْدٍ فِي يَوْمِ الْفَتْحَ
وَقَالَ بُجَيْدُ بْنُ عِمْرَانَ الْخُزَاعِيّ:
وَقَدْ أَنْشَأَ اللهُ السّحَابَ بِنَصْرِنَا رُكَامَ صِحَابِ الْهَيْدَبِ الْمُتَرَاكِبِ
وَهِجْرَتُنَا فِي أَرْضِنَا عِنْدَنَا بِهَا كِتَابٌ أَتَى مِنْ خَيْرِ مُمْلٍ وَكَاتِبِ
وَمِنْ أَجْلِنَا حَلّتْ بِمَكّةَ حُرْمَةٌ لِنُدْرِكَ ثَأْرًا بِالسّيُوفِ الْقَوَاضِبِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٦٣ ]
مَسِيرُ خَالِدِ بْنِ الْوَلَيدِ بَعْدَ الْفَتْحِ إلَى بَنِي جَذِيمَةَ مِنْ كِنَانَةَ وَمَسِيرُ عَلِيّ لِتَلَافِي خطأ خَالِد
وصاة الرَّسُول لَهُ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا حَوْلَ مَكّةَ السّرَايَا تَدْعُو إلَى اللهِ ﷿ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِقِتَالِ وَكَانَ مِمّنْ بَعَثَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ بِأَسْفَلَ تِهَامَةَ دَاعِيًا، وَلَمْ يَبْعَثْهُ مُقَاتِلًا، فَوَطِئَ بَنِي جَذِيمَةَ فَأَصَابَ مِنْهُمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السّلَمِيّ فِي ذَلِكَ
فَإِنْ تَكُ قَدْ أَمّرْت فِي الْقَوْمِ خَالِدًا وَقَدّمْته فَإِنّهُ قَدْ تَقَدّمَا
بِجُنْدِ هَدَاهُ اللهُ أَنْتَ أَمِيرُهُ نُصِيبُ بِهِ فِي الْحَقّ مَنْ كَانَ أَظْلَمَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ فِي حَدِيثِ يَوْمِ حُنَيْنٍ، سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللهُ فِي مَوْضِعِهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي حَكِيمُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ عَبّادِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمّدِ بْنِ عَلِيّ، قَالَ:
بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ حِينَ افْتَتَحَ مَكّةَ دَاعِيًا، وَلَمْ يَبْعَثْهُ مُقَاتِلًا،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٦٣ ]
وَمَعَهُ قَبَائِلُ مِنْ الْعَرَبِ: سُلَيْمُ بْنُ مَنْصُورٍ وَمُدْلِجُ بْنُ مُرّةَ فَوَطِئُوا بَنِي جَذِيمَةَ بْنَ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ فَلَمّا رَآهُ الْقَوْمُ أَخَذُوا السّلَاحَ فَقَالَ خَالِدٌ ضَعُوا السّلَاحَ فَإِنّ النّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ قَالَ لَمّا أَمَرَنَا خَالِدٌ أَنْ نَضَعَ السّلَاحَ قَالَ رَجُلٌ مِنّا يُقَالُ لَهُ جَحْدَمٌ وَيْلَكُمْ يَا بَنِي جَذِيمَةَ إنّهُ خَالِدٌ وَاَللهِ مَا بَعْدَ وَضْعِ السّلَاحِ إلّا الْإِسَارُ وَمَا بَعْدَ الْإِسَارِ إلّا ضَرْبُ الْأَعْنَاقِ وَاَللهِ لَا أَضَعُ سِلَاحِي أَبَدًا. قَالَ فَأَخَذَهُ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ فَقَالُوا: يَا جَحْدَمُ أَتُرِيدُ أَنْ تَسْفِكَ دِمَاءَنَا؟ إنّ النّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا وَوَضَعُوا السّلَاحَ وَوُضِعَتْ الْحَرْبُ وَأَمِنَ النّاسُ فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتّى نَزَعُوا سِلَاحَهُ وَوَضَعَ الْقَوْمُ السّلَاحَ لِقَوْلِ خَالِدٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي حَكِيمُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمّدِ بْنِ عَلِيّ، قَالَ:
فَلَمّا وَضَعُوا السّلَاحَ أَمَرَ بِهِمْ خَالِدٌ عِنْدَ ذَلِكَ فَكُتّفُوا، ثُمّ عَرَضَهُمْ عَلَى
_________________
(١) سَرِيّةُ خَالِدٍ إلَى بَنِي جَذِيمَةَ: وَذَكَرَ سَرِيّةَ خَالِدٍ إلَى بَنِي جَذِيمَةَ وَتُعْرَفُ بِغَزْوَةِ الْغَميْطِ وَهُوَ اسْمُ مَاءٍ لِبَنِي جَذِيمَةَ. وَذَكَرَ شِعْرَ امْرَأَةٍ اسْمُهَا: سَلْمَى، وَفِيهِ وَمُرّةُ حَتّى يَتْرُكُوا الْبَرْكَ ضَابِحَا الْبَرْكُ: جَمَاعَةُ الْإِبِلِ وَمَاصَعَ جَالَدَ وَقَاتَلَ وَضَابِحَا مِنْ الضّبْحِ وَهُوَ نَفْسُ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ إذَا عُيّيَتْ وَفِي التّنْزِيلِ ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات:١] وَفِي الْخَبَرِ: مَنْ سَمِعَ ضَبْحَةً بِلَيْلِ فَلَا يَخْرُجُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَهُ شَرّ. قَالَ الرّاجِزُ نَحْنُ نَطَحْنَاهُمْ غَدَاةَ الْجَمْعَيْنِ
[ ٧ / ٢٦٤ ]
السّيْفِ فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ فَلَمّا انْتَهَى الْخَبَرُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ إلَى السّمَاءِ ثُمّ قَالَ اللهُمّ إنّي أَبْرَأُ إلَيْك مِمّا صَنَعَ خَالِدُ بن الْوَلِيد
غضب الرَّسُول مِمَّا فعل خَالِد وإرساله عليا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّهُ حُدّثَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَحْمُودِيّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَأَيْت كَأَنّي لَقَمْت لُقْمَةً مِنْ حَيْسٍ فَالْتَذَذْت طَعْمَهَا، فَاعْتَرَضَ فِي حَلْقِي مِنْهَا شَيْءٌ حِينَ ابْتَلَعْتهَا، فَأَدْخَلَ عَلِيّ يَدَهُ فَنَزَعَهُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ ﵁ يَا رَسُولَ اللهِ هَذِهِ سَرِيّةٌ مِنْ سَرَايَاك
_________________
(١) بِالضّابِحَاتِ فِي غُبَارِ النّقْعَيْنِ نَطْحًا شَدِيدًا لَا كَنَطْحِ الطّورَيْنِ وَالضّبْحُ وَالضّبْيُ مَصْدَرُ ضَبَحَتْ وَضُبِيَتْ أَيْ شُوِيَتْ وَقُلِيَتْ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ. قَالَ وَالْمَضَابِي وَالْمَضَابِحُ هُوَ الْمَقَالِي. وَذَكَرَ تَبَرّؤَ النّبِيّ - ﷺ - مِمّا فَعَلَ خَالِدٌ وَهَذَا نَحْوٌ مِمّا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ حِينَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ ﵄: إنّ فِي سَيْفِ خَالِدٍ رَهَقًا. إنّ فِي سَيْفِ خَالِدٍ رَهَقًا فَاقْتُلْهُ وَذَلِكَ حِينَ قَتَلَ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ، وَجَعَلَ رَأْسَهُ تَحْتَ قِدْرٍ حَتّى طُبِخَ بِهِ وَكَانَ مَالِكٌ ارْتَدّ ثُمّ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ وَلَمْ يُظْهِرْ ذَلِكَ لِخَالِدِ وَشَهِدَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ مِنْ الصّحَابَةِ بِرُجُوعِهِ إلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَقْبَلْهُمَا، وَتَزَوّجَ امْرَأَتَهُ فَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ اُقْتُلْهُ فَقَالَ لَا أَفْعَلُ لِأَنّهُ مُتَأَوّلٌ فَقَالَ اعْزِلْهُ فَقَالَ لَا أَغْمِدُ سَيْفًا سَلّهُ اللهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَلَا أَعْزِلُ وَالِيًا وَلّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَذَكَرَ قَوْلَ الرّجُلِ لِلْمَرْأَةِ اسْلِمِي حُبَيْشُ عَلَى نَفَدِ الْعَيْشِ النّفَدُ مَصْدَرُ نَفِدَ إذَا فَنِيَ وَهُوَ النّفَادُ وَحُبَيْشٌ مُرَحّمٌ مِنْ حُبَيْشَةَ.
[ ٧ / ٢٦٥ ]
تَبْعَثُهَا، فَيَأْتِيك مِنْهَا بَعْضُ مَا تُحِبّ، وَيَكُونُ فِي بَعْضِهَا اعْتِرَاضٌ فَتَبْعَثُ عَلِيّا فَيُسَهّلُهُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي أَنّهُ انْفَلَتَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَلْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ؟ فَقَالَ نَعَمْ قَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ رَجُلٌ أَبْيَضُ رَبْعَةٌ فَنَهَمَهُ خَالِدٌ فَسَكَتَ عَنْهُ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ طَوِيلٌ مُضْطَرِبٌ فَرَاجَعَهُ فَاشْتَدّتْ مُرَاجَعَتُهُمَا ; فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ: أَمّا الْأَوّلُ يَا رَسُولَ اللهِ فَابْنِي عَبْدُ اللهِ وَأَمّا الْآخَرُ فَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي حَكِيمُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمّدِ بْنِ عَلِيّ قَالَ ثُمّ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ فَقَالَ يَا عَلِيّ، اُخْرُجْ إلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فَانْظُرْ فِي أَمْرِهِمْ وَاجْعَلْ أَمْرَ الْجَاهِلِيّةِ تَحْتَ قَدَمَيْك. فَخَرَجَ عَلِيّ حَتّى جَاءَهُمْ وَمَعَهُ مَالٌ قَدْ بَعَثَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَوَدَى لَهُمْ الدّمَاءَ وَمَا أُصِيبَ لَهُمْ مِنْ الْأَمْوَالِ حَتّى إنّهُ لَيُدْنِي لَهُمْ مِيلَغَةَ الْكَلْبِ حَتّى إذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ وَلَا مَالٍ إلّا وَدَاهُ بَقِيَتْ مَعَهُ بَقِيّةٌ مِنْ الْمَالِ فَقَالَ لَهُمْ عَلِيّ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مَعَهُمْ هَلْ بَقِيَ لَكُمْ بَقِيّةٌ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ لَمْ يُودَ لَكُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ فَإِنّي أُعْطِيكُمْ هَذِهِ الْبَقِيّةَ مِنْ هَذَا الْمَالِ احْتِيَاطًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِمّا يَعْلَمُ وَلَا تَعْلَمُونَ فَفَعَلَ. ثُمّ رَجَعَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ أَصَبْت وَأَحْسَنْت. قَالَ ثُمّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَائِمًا شَاهِرًا يَدَيْهِ حَتّى إنّهُ لَيُرَى مِمّا تَحْتَ مَنْكِبَيْهِ يَقُولُ اللهُمّ إنّي أَبْرَأُ إلَيْك مِمّا صَنَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ثَلَاث مَرَّات
معذرة خَالِد فِي قتال الْيَوْم
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ يَعْذُرُ خَالِدًا إنّهُ قَالَ مَا قَاتَلْت حَتّى أَمَرَنِي بِذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ السّهْمِيّ، وَقَالَ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَمَرَك أَنْ تُقَاتِلَهُمْ لِامْتِنَاعِهِمْ مِنْ الْإِسْلَامِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو الْمَدَنِيّ: لَمّا أَتَاهُمْ خَالِدٌ قَالُوا: صبأنا صبأنا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٦٦ ]
مَا كَانَ بَيْنَ خَالِد وَبَين عبد الرَّحْمَن وزجر الرَّسُول لخَالِد
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَدْ كَانَ جَحْدَمُ قَالَ لَهُمْ حِينَ وَضَعُوا السّلَاحَ وَرَأَى مَا يَصْنَعُ خَالِدٌ بِبَنِي جَذِيمَةَ يَا بَنِي جَذِيمَةَ ضَاعَ الضّرْبُ، قَدْ كُنْت حَذّرْتُكُمْ مَا وَقَعْتُمْ فِيهِ. قَدْ كَانَ بَيْنَ خَالِدٍ وَبَيْنَ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فِيمَا بَلَغَنِي، الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: عَمِلْت بِأَمْرِ الْجَاهِلِيّةِ فِي الْإِسْلَامِ. فَقَالَ إنّمَا ثَأَرْت بِأَبِيك. فَقَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ كَذَبْت، قَدْ قَتَلْت قَاتِلَ أَبِي، وَلَكِنّك ثَأَرْت بِعَقّك الْفَاكِهَ بْنَ الْمُغِيرَةِ، حَتّى كَانَ بَيْنَهُمَا شَرّ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ مَهْلًا يَا خَالِدُ دَعْ عَنْك أَصْحَابِي، فَوَاَللهِ لَوْ كَانَ لَك أُحُدٌ ذَهَبًا ثُمّ أَنْفَقْته فِي سَبِيلِ اللهِ مَا أَدْرَكْت غُدْوَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي وَلَا روحته
مَا كَانَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَبني جذيمة من استعداد للحرب ثمَّ الصُّلْح
وَكَانَ الْفَاكِهُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَعَوْفُ بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ وَعَفّانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ قَدْ خَرَجُوا تُجّارًا إلَى الْيَمَنِ، وَمَعَ عَفّانَ ابْنُهُ عُثْمَانُ وَمَعَ عَوْفٍ ابْنُهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ فَلَمّا أَقْبَلُوا حَمَلُوا مَالَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ بْنِ عَامِرٍ كَانَ هَلَكَ بِالْيَمَنِ إلَى وَرَثَتِهِ فَادّعَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ خَالِدُ بْنُ هِشَامٍ وَلَقِيَهُمْ بِأَرْضِ بَنِي جَذِيمَةَ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إلَى أَهْلِ الْمَيّتِ فَأَبَوْا عَلَيْهِ فَقَاتَلَهُمْ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى الْمَالِ لِيَأْخُذُوهُ وَقَاتَلُوهُ فَقُتِلَ عَوْفُ بْنُ عَبْدِ عَوْفٍ وَالْفَاكِهُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَنَجَا عَفّانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ وَابْنُهُ عُثْمَانُ وَأَصَابُوا مَالَ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَمَالَ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفٍ فَانْطَلَقُوا بِهِ وَقَتَلَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ خَالِدَ بْنَ هِشَامٍ قَاتِلَ أَبِيهِ فَهَمّتْ قُرَيْشٌ بِغَزْوِ بَنِي جَذِيمَةَ فَقَالَتْ بَنُو جَذِيمَةَ: مَا كَانَ مُصَابُ أَصْحَابِكُمْ عَلَى مَلَإِ مِنّا، إنّمَا عَدَا عَلَيْهِمْ قَوْمٌ بِجَهَالَةِ فَأَصَابُوهُمْ وَلَمْ نَعْلَمْ فَنَحْنُ نَعْقِلُ لَكُمْ مَا كَانَ لَكُمْ قِبَلَنَا مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ فَقَبِلَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ وَوَضَعُوا الْحَرْبَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٦٧ ]
شِعْرُ سَلْمَى فِيمَا بَيْنَ جَذِيمَةَ وَقُرَيْشٍ
وَقَالَ قَائِلٌ مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا سَلْمَى:
وَلَوْلَا مَقَالُ الْقَوْمِ لِلْقَوْمِ أَسْلِمُوا لَلَاقَتْ سُلَيْمٌ يَوْمَ ذَلِكَ نَاطِحَا
لَمَاصَعَهُمْ بُسْرٌ وَأَصْحَابُ جَحْدَمٍ وَمُرّةُ حَتّى يَتْرُكُوا الْبَرْكَ ضَابِحَا
فَكَائِنٌ تَرَى يَوْمَ الْعَمِيصَاءِ مِنْ فَتًى أُصِيبَ وَلَمْ يُجْرَحْ وَقَدْ كَانَ جَارِحَا
أَلَظّتْ بِخُطّابِ الْأَيَامَى وَطَلّقَتْ غَدَاتَئِذٍ مِنْهُنّ مَنْ كَانَ نَاكِحَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ "بُسْرٌ" "وَأَلَظّتْ بِخُطّابِ" عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
شِعْرُ ابْنِ مِرْدَاسٍ فِي الرّدّ عَلَى سَلْمَى
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَأَجَابَهُ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ وَيُقَالُ بَلْ الْجَحّافُ بْنُ حَكِيمٍ السّلَمِيّ:
دَعِي عَنْك تَقْوَالَ الضّلَالِ كَفَى بِنَا لِكَبْشِ الْوَغَى فِي الْيَوْمِ وَالْأَمْسِ نَاطِحَا
فَخَالِدُ أَوْلَى بِالتّعَذّرِ مِنْكُمْ غَدَاةَ عَلَا نَهْجًا مِنْ الْأَمْرِ وَاضِحَا
مُعَانًا بِأَمْرِ اللهِ يُزْجِي إلَيْكُمْ سَوَانِحٌ لَا تَكْبُو لَهُ وَبَوَارِحَا
نَعَوْا مَالِكًا بِالسّهْلِ لَمّا هَبَطْنَهُ عَوَابِسَ فِي كَابِي الْغُبَارِ كَوَالِحَا
فَإِنْ نَكُ أَثْكَلْنَاك سَلْمَى فَمَالِكٌ تَرَكْتُمْ عَلَيْهِ نائحات ونائحا
شعر الجحاف فِي الرَّد عَلَى سَلْمَى
قَالَ الْجَحّافُ بْنُ حَكِيمٍ السّلَمِيّ:
شَهِدْنَ مَعَ النّبِيّ مُسَوّمَاتٍ حُنَيْنًا وَهِيَ دَامِيَةُ الْكَلَامِ
وَغَزْوَةَ خَالِدٍ شَهِدَتْ وَجَرّتْ سَنَابِكَهُنّ بِالْبَلَدِ الْحَرَامِ
نَعْرِضُ لِلطّعَانِ إذَا الْتَقَيْنَا وُجُوهًا لَا تُعَرّضُ لِلّطَامِ
وَلَسْت بِخَالِعِ عَنّي ثِيَابِي إذَا هَزّ الْكُمَاةُ وَلَا أُرَامِي
وَلَكِنّي يَجُولُ الْمُهْرُ تَحْتِي إلَى الْعَلَوَاتِ بِالْعَضْبِ الْحُسَامِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٦٨ ]
حَدِيثُ ابْنِ أبي حَدْرَد الْفَتى الجذمي يَوْمَ الْفَتْحِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَحَدّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيّ قَالَ كُنْت يَوْمَئِذٍ فِي خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَقَالَ لِي فَتًى مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ وَهُوَ فِي سِنّي، وَقَدْ جُمِعَتْ يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ بِرُمّةِ وَنِسْوَةٌ مُجْتَمِعَاتٌ غَيْرَ بَعِيدٍ مِنْهُ يَا فَتَى، فَقُلْت: مَا تَشَاءُ؟ قَالَ هَلْ أَنْتَ آخِذٌ بِهَذِهِ الرّمّةِ فَقَائِدِي إلَى هَؤُلَاءِ النّسْوَةِ حَتّى أَقْضِيَ إلَيْهِنّ حَاجَةً ثُمّ تَرُدّنِي بَعْدُ فَتَصْنَعُوا بِي مَا بَدَا لَكُمْ؟ قَالَ قُلْت: وَاَللهِ لَيَسِيرٌ مَا طَلَبْت. فَأَخَذْت بِرُمّتِهِ فَقُدْته بِهَا، حَتّى وَقَفَ عَلَيْهِنّ فَقَالَ اسْلَمِي حُبَيْشُ عَلَى نَفَدٍ مِنْ الْعَيْشِ
أَرَيْتُك إذْ طَالَبْتُكُمْ فَوَجَدْتُكُمْ بِحَلْيَةَ أَوْ أَلْفَيْتُكُمْ بِالْخَوَانِقِ
أَلَمْ يَكُ أَهْلًا أَنْ يُنَوّلَ عَاشِقٌ تَكَلّفَ إدْلَاجَ السّرَى وَالْوَدَائِقِ
فَلَا ذَنْبَ لِي قَدْ قُلْت إذْ أَهْلُنَا مَعًا أَثِيبِي بِوُدّ قَبْلَ إحْدَى الصّفَائِقِ
أَثِيبِي بِوُدّ قَبْلَ أَنْ تُشْحَطَ النّوَى وَيَنْأَى الْأَمِيرُ بِالْحَبِيبِ الْمُفَارِقِ
فَإِنّيَ لَا ضَيّعْت سِرّ أَمَانَةٍ وَلَا رَاقَ عَيْنِي عَنْك بُعْدَك رَائِقِ
سِوَى أَنّ مَا نَالَ الْعَشِيرَةَ شَاغِلٌ عَنْ الْوُدّ إلّا أَنْ يَكُونَ التّوَامُقِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُ الْبَيْتَيْنِ الْآخَرَيْنِ مِنْهَا لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ عَنْ
_________________
(١) شِعْرُ أَبِي حَدْرَدٍ وَحَلْيَةُ وَالْخَوَانِقُ: مَوْضِعَانِ وَالْوَدَائِقُ جَمْعُ وَدِيقَةٍ وَهُوَ شِدّةُ الْحَرّ فِي الظّهِيرَةِ سُمّيَتْ بِذَلِكَ مِنْ الْوَدْقِ لِأَنّ فِي ذَلِك الْوَقْتِ يَسِيلُ لُعَابُ الشّمْسِ وَهُوَ مَا تَرَاهُ الْعَيْنُ كَالسّرَابِ وَنَحْوِهِ وَقَالَ الرّاجِزُ وَقَامَ مِيزَانُ النّهَارِ فَاعْتَدَلْ وَسَالَ لِلشّمْسِ لُعَابٌ فَنَزَلْ
[ ٧ / ٢٦٩ ]
الزّهْرِيّ عَنْ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيّ
[قَالَ] قَالَتْ: وَأَنْت فَحُيّيت سَبْعًا وَعَشْرًا وِتْرًا وَثَمَانِيًا تَتْرَى قَالَ ثُمّ انْصَرَفْت بَهْ فَضَرَبْت عُنُقَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي أَبُو فِرَاسِ بْنُ أَبِي سُنْبُلَةَ الْأَسْلَمِيّ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْهُمْ عَمّنْ كَانَ حَضَرَهَا مِنْهُمْ قَالُوا: فَقَامَتْ إلَيْهِ حِينَ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ فَأَكَبّتْ عَلَيْهِ فَمَا زَالَتْ تُقَبّلُهُ حَتّى مَاتَتْ عِنْدَهُ.
شِعْرُ رَجُلٌ مِنْ بني جذيمة يَوْم الْفَتْح
قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَقَالَ رجل من بَنِي جَذِيمَةَ
جَزَى اللهُ عَنّا مُدْلِجًا حَيْثُ أَصْبَحَتْ جَزَاءَةَ بُوسَى حَيْثُ سَارَتْ وَحَلّتْ
أَقَامُوا عَلَى أَقْضَاضِنَا يَقْسِمُونَهَا وَقَدْ نَهِلَتْ فِينَا الرّمَاحُ وَعَلّتْ
فَوَاَللهِ لَوْلَا دِينُ آلِ مُحَمّدٍ لَقَدْ هَرَبَتْ مِنْهُمْ خُيُولٌ فَشُلّتْ
وَمَا ضَرّهُمْ أَنْ لَا يُعِينُوا كَتِيبَةً كَرِجْلِ جَرَادٍ أُرْسِلَتْ فَاشْمَعَلّتِ
فَإِمّا يَنْبُوَا أَوْ يَثُوبُوا لِأَمْرِهِمْ فَلَا نَحْنُ نَجْزِيهِمْ بِمَا قد أضلت
_________________
(١) وَقَالَ الْأَحْوَلُ يُقَالُ وَدَقَ إذَا دَنَا مِنْ الْأَرْضِ وَيُقَالُ هُوَ وَادِقُ السّرّةِ إذَا كَانَتْ مَائِلَةً إلَى جِهَةِ الْأَرْضِ وَأَنْشَدَ وَادِقًا سُرّاتُهَا فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْوَدِيقَةُ مِنْ وَدَقَتْ الشّمْسُ إذَا دَنَتْ مِنْ الْأُفُقِ فَاشْتَدّ حَرّهَا، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ فَنَهَمَهُ خَالِدٌ أَيّ زَجَرَهُ [وَنَجَهَهُ] وَرَوَى النّسَائِيّ فِي قِصّةِ
[ ٧ / ٢٧٠ ]
شعر وهب فِي الرَّد عَلَيْهِ
فَأَجَابَهُ وَهْبٌ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ فَقَالَ
دَعَوْنَا إلَى الْإِسْلَامِ وَالْحَقّ عَامِرًا فَمَا ذَنْبُنَا فِي عَامِرٍ إذْ تَوَلّتْ
وَمَا ذَنْبُنَا فِي عَامِرٍ لَا أَبَا لَهُمْ لِأَنْ سَفِهَتْ أَحْلَامُهُمْ ثُمّ ضَلّتْ
وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ
لِيَهْنِئْ بَنِي كَعْبٍ مُقَدّمِ خَالِدٍ وَأَصْحَابِهِ إذْ صَبّحَتْنَا الْكَتَائِبُ
فَلَا تِرَةٌ يَسْعَى بِهَا ابْنُ خُوَيْلِدٍ وَقَدْ كُنْت مَكْفِيّا لَوْ انّكَ غَائِبُ
فَلَا قَوْمُنَا يَنْهَوْنَ عَنّا غُوَاتَهُمْ وَلَا الدّاءَ مِنْ يَوْمِ الْغُمَيْصَاءِ ذَاهِبُ
شِعْرُ غُلَامٍ جَذِيمِيّ هَارِبٍ أَمَامَ خَالِدٍ
وَقَالَ غُلَامٌ مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ وَهُوَ يَسُوقُ بِأُمّهِ وَأُخْتَيْنِ لَهُ وَهُوَ هَارِبٌ بِهِنّ مِنْ جَيْشِ خَالِدٍ
رَخّينَ أَذْيَالَ الْمُرُوطِ وَأَرْبِعَنْ مَشْيَ حَيِيّاتٍ كَأَنْ لَمْ يُفْزَعَنْ
إنْ تُمْنَعْ الْيَوْمَ نِسَاءٌ تُمْنَعُنْ
ارْتِجَازُ غِلْمَةٌ مِنْ بَنِي مُسَاحِقٍ حِينَ سَمِعُوا بِخَالِدٍ
وَقَالَ غِلْمَةٌ مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو مُسَاحِقٍ يَرْتَجِزُونَ حِينَ سَمِعُوا بِخَالِدٍ فَقَالَ أَحَدُهُمْ
قَدْ عَلِمَتْ صَفْرَاءُ بَيْضَاءُ الْإِطِلْ يَحُوزُهَا ذُو ثَلّةٍ وَذُو إبِلْ
لَأُغْنِيَنّ الْيَوْمَ مَا أَغْنَى رَجُلْ
وَقَالَ الْآخَرُ
_________________
(١) الْمَرْأَةِ الّتِي مَاتَتْ مُكِبّةً عَلَى الرّجُلِ الْمَقْتُولِ قَالَ حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ عَلِيّ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَلِيّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَافِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ النّحْوِيّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ النّبِيّ ﷺ بَعَثَ سَرِيّةً قَالَ فَغَنِمُوا وَفِيهِمْ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُمْ إنّي لَسْت مِنْهُمْ
[ ٧ / ٢٧١ ]
قَدْ عَلِمَتْ صَفْرَاءُ تُلْهِي الْعِرْسَا لَا تَمْلَأْ الْحَيْزُومَ مِنْهَا نَهْسَا
لَأَضْرِبَنّ الْيَوْمَ ضَرْبًا وَعْسَا ضَرْبَ الْمُحِلّينَ مَخَاضًا قُعْسَا
وَقَالَ الْآخَرُ
أَقْسَمْت مَا إنْ خَادِرٌ ذُو لِبْدَةٍ شَثْنُ الْبَنَانِ فِي غَدَاةٍ بَرْدَةٍ
جَهْمُ الْمُحَيّا ذُو سِبَالٍ وَرْدَةٍ يُرْزِمُ بَيْنَ أَيْكَةٍ وَجَحْدَةٍ
ضَارٍ بِتَأْكَالِ الرّجَالِ وَحْدَةٍ بِأَصْدَقِ الْغَدَاةِ مِنّي نَجْدَةٍ
مَسِيرُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لِهَدْمِ الْعُزَّى
خَالِد وهدمه للعزى
ثُمّ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إلَى الْعُزّى، وَكَانَتْ بِنَخْلَةَ وَكَانَتْ بَيْتًا يُعَظّمُهُ هَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ وَمُضَرَ كُلّهَا، وَكَانَتْ سَدَنَتُهَا وَحُجّابُهَا بَنِي شَيْبَانَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ حُلَفَاءِ بَنِي هَاشِمٍ فَلَمّا سَمِعَ صَاحِبُهَا السّلَمِيّ بِمَسِيرِ خَالِدٍ إلَيْهَا، عَلّقَ عَلَيْهَا سَيْفَهُ وَأَسْنَدَ فِي الْجَبَلِ الّذِي هِيَ فِيهِ وَهُوَ يَقُولُ
أَيَا عُزّ شُدّي شَدّةً لَا شَوَى لَهَا عَلَى خَالِدٍ أَلْقِي الْقِنَاعَ وَشَمّرِي
يَا عُزّ إنْ لَمْ تَقْتُلِي الْمَرْءَ خَالِدًا فَبُوئِي بِإِثْمٍ عَاجِلٍ أَوْ تُنْصَرِي
فَلَمّا انْتَهَى إلَيْهَا خَالِدٌ هَدَمَهَا، ثُمّ رَجَعَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ أَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكّةَ بَعْدَ فَتْحِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً يَقْصُرُ الصّلَاةَ.
_________________
(١) عَشِقْت امْرَأَةً فَلَحِقْتهَا، فَدَعَوْنِي أَنْظُرُ إلَيْهَا نَظْرَةً ثُمّ اصْنَعُوا بِي مَا بَدَا لَكُمْ قَالَ فَإِذَا امْرَأَةٌ طَوِيلَةٌ أَدْمَاءُ فَقَالَ لَهَا: اسْلِمِي حُبَيْشُ قَبْلَ نَفَدِ الْعَيْشِ وَذَكَرَ الْبَيْتَيْنِ الْأَوّلِينَ مِنْ الْقِطْعَةِ الْقَافِيّةِ أَوّلَ هَذَا الْخَبَرِ نَاقِصِي الْوَزْنِ وَبَعْدَهُمَا قَالَتْ نَعَمْ
[ ٧ / ٢٧٢ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فَتْحُ مَكّةَ لِعَشْرِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ.
_________________
(١) فَدَيْتُك، فَقَدّمُوهُ فَضَرَبُوا عُنُقَهُ فَجَاءَتْ الْمَرْأَةُ فَوَقَفَتْ عَلَيْهِ فَشَهِقَتْ شَهْقَةً أَوْ شَهْقَتَيْنِ ثُمّ مَاتَتْ فَلَمّا قَدِمُوا عَلَى النّبِيّ ﷺ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ " أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَحِيمٌ ". خَرّجَهُ النّسَوِيّ فِي بَابِ قَتْلِ الْأُسَارَى مِنْ مُصَنّفِهِ
[ ٧ / ٢٧٣ ]
غَزْوَةُ حُنَيْنٍ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ بعد الْفَتْح
اجْتِمَاع هوزان
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَلَمّا سَمِعَتْ هَوَازِنُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ مَكّةَ، جَمَعَهَا مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النّضْرِيّ فَاجْتَمَعَ إلَيْهِ مَعَ هَوَازِنَ ثَقِيفٌ كُلّهَا، وَاجْتَمَعَتْ نَصْرٌ وَجُشَمٌ كُلّهَا، وَسَعْدُ بْنُ بَكْرٍ، وَنَاسٌ مِنْ بَنِي هِلَالٍ وَهُمْ قَلِيلٌ وَلَمْ يَشْهَدْهَا مِنْ قَيْسِ عَيْلَانَ إلّا هَؤُلَاءِ وَغَابَ عَنْهَا فَلَمْ يَحْضُرْهَا مِنْ هَوَازِنَ كَعْبٌ وَلَا كِلَابٌ وَلَمْ يَشْهَدْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ
_________________
(١) ذِكْرُ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ وَحُنَيْنٌ الّذِي عُرِفَ بَهْ الْمَوْضِعُ هُوَ حُنَيْنُ بْنُ قَانِيَةَ بْنِ مَهْلَايِلَ كَذَا قَالَ الْبَكْرِيّ، وَقَدْ قَدّمْنَا أَنّهُ قَالَ فِي خَيْبَرَ مِثْلَ هَذَا أَنّهُ ابْنُ قَانِيَةَ فَاَللهُ أَعْلَمُ. مِنْ الْبَلَاغَةِ النّبَوِيّةِ: وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: غَزْوَةُ أَوْطَاسٍ سُمّيَتْ بِالْمَوْضِعِ الّذِي كَانَتْ فِيهِ الْوَقْعَةُ وَهُوَ مِنْ وَطَسْت الشّيْءَ وَطْسًا إذَا كَدّرْته، وَأَثّرْت فِيهِ. وَالْوَطِيسُ نَقْرَةٌ فِي حُجَرٍ تُوقَدُ
[ ٧ / ٢٧٤ ]
لَهُ اسْمٌ وَفِي بَنِي جُشَمٍ دُرَيْدُ بْنُ الصّمّةِ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ إلّا التّيَمّنُ بِرَأْيِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِالْحَرْبِ وَكَانَ شَيْخًا مُجَرّبًا، وَفِي ثَقِيفٍ سَيّدَانِ لَهُمْ. فِي الْأَحْلَافِ قَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مُعَتّبٍ وَفِي بَنِي مَالِكٍ ذُو الْخِمَارِ سُبَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكٍ وَأَخُوهُ أَحْمَرُ بْنُ الْحَارِثِ وَجِمَاعُ أَمْرِ النّاسِ إلَى مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النّصْرِيّ. فَلَمّا أَجْمَعَ السّيْرَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَطّ مَعَ النّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ فَلَمّا
_________________
(١) حَوْلَهُ النّارُ فَيُطْبَخُ بِهِ اللّحْمُ وَالْوَطِيسُ التّنّورُ وَفِي غَزْوَةِ أَوْطَاسٍ قَالَ النّبِيّ ﷺ " الْآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ "وَذَلِكَ حِينَ اسْتَعَرْت الْحَرْبُ وَهِيَ مِنْ الْكَلِمِ الّتِي لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهَا ﷺ فَمِنْهَا هَذِهِ. وَمِنْهَا: " مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ "قَالَهَا فِي فَضْلِ مَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللهِ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ عَنْهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَتِيكٍ، قَالَ ابْنُ عَتِيكٍ وَمَا سَمِعْت هَذِهِ الْكَلِمَةَ يَعْنِي: حَتْفَ أَنْفِهِ مِنْ أَحَدِ الْعَرَبِ قَبْلَهُ - ﷺ وَمِنْهَا: " لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرّتَيْنِ " قَالَهَا لِأَبِي عَزّةَ الْجُمَحِيّ يَوْمَ أُحُدٍ، وَقَدْ مَضَى حَدِيثُهُ. وَمِنْهَا: " لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ " وَسَيَأْتِي سَبَبُهُمَا. وَمِنْهَا: قَوْلُهُ ﵇ " يَا خَيْلَ اللهِ ارْكَبِي " قَالَهَا يَوْمَ حُنَيْنٍ أَيْضًا فِي حَدِيثٍ خَرّجَهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ الْجَاحِظُ فِي كِتَابِ الْبَيَانِ عَنْ يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ لَمْ يَبْلُغْنَا مِنْ رَوَائِعِ الْكَلَامِ مَا بَلَغَنَا عَنْ النّبِيّ ﷺ وَغَلِطَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَنُسِبَ إلَى التّصْحِيفِ وَإِنّمَا قَالَ الْقَائِلُ مَا بَلَغَنَا عَنْ الْبَتّيّ يُرِيدُ عُثْمَانَ الْبَتّيّ فَصَحّفَهُ الْجَاحِظُ، وَالنّبِيّ - ﷺ - أَجَلّ مِنْ أَنْ يُخْلَطَ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ الْفُصَحَاءِ حَتّى يُقَالَ مَا بَلَغَنَا عَنْهُ مِنْ الْفَصَاحَةِ أَكْثَرُ مِنْ الّذِي بَلَغَنَا عَنْ غَيْرِهِ كَلَامُهُ أَجَلّ مِنْ
[ ٧ / ٢٧٥ ]
نَزَلَ بِأَوْطَاسٍ اجْتَمَعَ إلَيْهِ النّاسُ وَفِيهِمْ دُرَيْدُ بْنُ الصّمّةِ فِي شِجَارٍ لَهُ يُقَادُ بِهِ فَلَمّا نَزَلَ قَالَ "بِأَيّ وَادٍ أَنْتُمْ؟ " قَالُوا: بِأَوْطَاسٍ قَالَ "نِعْمَ مَجَالُ الْخَيْلِ لَا حَزْنٌ ضَرِسْ وَلَا سَهْلٌ دَهِسْ مَا لِي أَسْمَعُ رُغَاءَ الْبَعِيرِ وَنُهَاقَ الْحَمِيرِ وَبُكَاءَ الصّغِيرِ وَيُعَارَ الشّاءِ؟ " قَالُوا: سَاقَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ مَعَ النّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ. قَالَ " أَيْنَ مَالِكٌ؟ " قِيلَ هَذَا مَالِكٌ وَدُعِيَ لَهُ فَقَالَ " يَا مَالِكُ إنّك قَدْ أَصْبَحْت رَئِيسَ قَوْمِك، وَإِنّ هَذَا يَوْمٌ كَائِنٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ مِنْ الْأَيّامِ. مَا لِي أَسْمَعُ رُغَاءَ الْبَعِيرِ وَنُهَاقَ الْحَمِيرِ وَبُكَاءَ الصّغِيرِ وَيُعَارَ الشّاءِ؟ " قَالَ سُقْت مَعَ النّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ قَالَ " وَلِمَ ذَاكَ؟ " قَالَ أَرَدْت أَنْ أَجْعَلَ خَلْفَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَهْلُهُ وَمَالُهُ لِيُقَاتِلَ عَنْهُمْ قَالَ " فَأَنْقَضَ بِهِ ". ثُمّ قَالَ رَاعِي ضَأْنٍ وَاَللهِ وَهَلْ يَرُدّ
_________________
(١) ذَلِك، وَأَعْلَى، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ. ابْنُ الصّمّةِ وَالْخَنْسَاءُ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ دُرَيْدَ بْنَ الصّمّةِ الْجُشَمِيّ أَحَدَ بَنِي جُشَمِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، وَفِيهِ تَقُولُ الْخَنْسَاءُ حِينَ خَطَبَهَا: مَا كُنْت تَارِكَةً بَنِي عَمّي، كَأَنّهُمْ صُدُورُ الرّمَاحِ ومرتتة شَيْخًا مِنْ بَنِي جُشَمٍ وَهُوَ دُرَيْدُ بْنُ الصّمّةِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ خُزَاعَةَ بْنِ غَزِيّةَ بْنِ جُشَمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، يُكَنّى أَبَا قُرّةَ وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ زِيَادٍ يُقَالُ كَانَ يَوْمَئِذٍ ابْنَ سِتّينَ وَمِائَةٍ وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللّيْثِ عَنْ اللّيْثِ قَالَ كَانَ دُرَيْدٌ يَوْمَئِذٍ ابْنَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ. وَقَوْلُهُ فِي شِجَارٍ لَهُ الشّجَارُ مِثْلُ الْهَوْدَجِ وَفِي الْعَيْنِ الشّجَارُ خَشَبُ الْهَوْدَجِ. وَقَوْلُهُ فَأَنْقَصَ بِهِ أَيْ صَوّتَ بِلِسَانِهِ فِي فَمِهِ مِنْ النّقِيضِ وَهُوَ الصّوْتُ
[ ٧ / ٢٧٦ ]
الْمُنْهَزِمَ شَيْءٌ؟ إنّهَا إنْ كَانَتْ لَك لَمْ يَنْفَعْك إلّا رَجُلٌ بِسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْك فُضِحْت فِي أَهْلِك وَمَالِك، ثُمّ قَالَ مَا فَعَلَتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ؟ قَالُوا: لَمْ يَشْهَدْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ، قَالَ " غَابَ الْحَدّ وَالْجَدّ، وَلَوْ كَانَ يَوْمَ عَلَاءٍ وَرِفْعَةٍ لَمْ تَغِبْ عَنْهُ كَعْبٌ وَلَا كِلَابٌ وَلَوَدِدْت أَنّكُمْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلَتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ فَمَنْ شَهِدَهَا مِنْكُمْ؟ " قَالُوا: عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ، وَعَوْفُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ " ذَانَك الْجَذَعَانِ مِنْ عَامِرٍ لَا يَنْفَعَانِ وَلَا يَضُرّانِ يَا مَالِكُ إنّك لَمْ تَصْنَعْ بِتَقْدِيمِ الْبَيْضَةِ بَيْضَةِ هَوَازِنَ إلَى نُحُورِ الْخَيْلِ شَيْئًا، ارْفَعْهُمْ إلَى مُتَمَنّعِ بِلَادِهِمْ وَعُلْيَا قَوْمِهِمْ ثُمّ أَلْقِ الصّبّاءَ عَلَى مُتُونِ الْخَيْلِ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ لَحِقَ بِك مَنْ وَرَاءَك، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْك أَلْفَاك ذَلِكَ قَدْ أَحْرَزْت أَهْلَك وَمَالَك "، قَالَ وَاَللهِ لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ إنّك قَدْ كَبِرْت وَكَبِرَ عَقْلُك. وَاَللهِ لَتُطِيعُنّنِي يَا مَعْشَرَ هَوَازِنَ أَوْ لَأَتّكِئَنّ عَلَى هَذَا السّيْفِ حَتّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي.
وَكَرِهَ أَنْ يَكُونَ لِدُرَيْدِ بْنِ الصّمّةِ فِيهَا ذِكْرٌ أَوْ رَأْيٌ فَقَالُوا: أَطَعْنَاك ; فَقَالَ دُرَيْدُ بْنُ الصّمّةِ: هَذَا يَوْمٌ لَمْ أَشْهَدْهُ وَلَمْ يَفُتْنِي:
يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ أَخُبّ فِيهَا وَأَضَعْ
أَقُودُ وَطْفَاءَ الزّمَعْ كَأَنّهَا شَاةٌ صَدَعْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ قَوْلَهُ
يَا لَيْتَنِي فِيهَا جذع
_________________
(١) وَقِيلَ الْإِنْقَاضُ بِالْإِصْبَعِ الْوُسْطَى وَالْإِبْهَامِ كَأَنّهُ يَدْفَعُ بِهِمَا شَيْئًا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْبَرْقِيّ. وَقَوْلُهُ رَاعِي ضَأْنٍ يُجَهّلُهُ بِذَلِكَ كَمَا قَالَ الشّاعِرُ أَصْبَحْت هُزُءَ الرّاعِي الضّأْنِ أُعْجِبُهُ مَاذَا يَرِيبُك مِنّي رَاعِيَ الضّانِ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ - ﵁ - لِرَجُلٍ قُمْ فَمَا نَفَعَك صِدَاغٌ وَلَا رَاعِي ضَأْنٍ. وَالدّرَيْدُ فِي اللّغَةِ تَصْغِيرُ أَدْرَدَ وَهُوَ تَصْغِيرُ التّرْخِيمِ وَالصّمّةُ الشّجَاعُ وَجَمْعُهُ صِمَمٌ.
[ ٧ / ٢٧٧ ]
الْمَلَائِكَة وعيون مَالك بن عَوْف
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ قَالَ مَالِكٌ لِلنّاسِ إذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَاكْسِرُوا جُفُونَ سُيُوفِكُمْ ثُمّ شُدّوا شَدّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ.
قَالَ: وَحَدّثَنِي أُمَيّةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ أَنّهُ حَدّثَ
أَنّ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ بَعَثَ عُيُونًا مِنْ رِجَالِهِ، فَأَتَوْهُ وَقَدْ تَفَرّقَتْ أَوْصَالُهُمْ فَقَالَ وَيْلَكُمْ مَا شَأْنُكُمْ؟ فَقَالُوا: رَأَيْنَا رِجَالًا بِيضًا عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ فَوَاَللهِ مَا تَمَاسَكْنَا أَنْ أَصَابَنَا مَا تَرَى، فَوَاَللهِ مَا رَدّهُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ أَنْ مَضَى عَلَى مَا يُرِيد.
بعث ابْن أبي حَدْرَد عينا على هوزان
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَلَمّا سَمِعَ بِهِمْ نَبِيّ اللهِ ﷺ بَعَثَ إلَيْهِمْ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيّ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي النّاسِ فَيُقِيمَ فِيهِمْ حَتّى يَعْلَمَ عِلْمَهُمْ ثُمّ يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِمْ. فَانْطَلَقَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ فَدَخَلَ فِيهِمْ فَأَقَامَ فِيهِمْ حَتّى سَمِعَ وَعَلِمَ مَا قَدْ أَجْمَعُوا لَهُ مِنْ حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسَمِعَ مِنْ مَالِكٍ وَأَمْرَ هَوَازِنَ مَا هُمْ عَلَيْهِ ثُمّ أَقْبَلَ حَتّى أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ عُمَرُ
_________________
(١) مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ وَابْنُ حَدْرَدٍ وَذَكَرَ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ النّصْرِيّ رَئِيسَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَهُوَ مَالِكُ بْنُ عَوْفِ بْنِ سَعْدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ يَرْبُوعَ بْنِ وَاثِلَةَ بْنِ دُهْمَانَ بْنِ نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ النّصْرِي. وَذَكَرَ بَعْثَ النّبِيّ - ﷺ - عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي حَدْرَدٍ عَيْنًا إلَى هَوَازِنَ، وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ سَعْدٍ وَسَلَامَةُ هُوَ أَبُو حَدْرَدٍ وَهُوَ مِنْ بَنِي هَوَازِنَ بْنِ أَسْلَمَ بْن أَفْصَى بْنِ حَارِثَةَ وَهُمْ إخْوَةُ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، أَعْنِي بَنِي أَسْلَمَ بْنِ أَفْصَى، مَاتَ عَبْدُ اللهِ
[ ٧ / ٢٧٨ ]
كَذَبَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ " إنّ أَكْذَبْتنِي فَرُبّمَا كَذَبْت بِالْحَقّ يَا عُمَرُ فَقَدْ كَذّبْت مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنّي، فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " قَدْ كُنْت ضَالّا فَهَدَاك اللهُ يَا عمر".
سَأَلَ الرَّسُول صَفْوَان أدرعه وسلاحه فَقبل
فَلَمّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ السّيْرَ إلَى هَوَازِنَ لِيَلْقَاهُمْ ذُكِرَ لَهُ أَنّ عِنْدَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ أَدْرَاعًا لَهُ وَسِلَاحًا، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ فَقَالَ " يَا أَبَا أُمَيّةَ أَعِرْنَا سِلَاحَك هَذَا نَلْقَ فِيهِ عَدُوّنَا غَدًا "، فَقَالَ صَفْوَانُ أَغَصْبًا يَا مُحَمّدُ؟ قَالَ " بَلْ عَارِيّةً وَمَضْمُونَةً حَتّى نُودِيهَا إلَيْك "فَقَالَ لَيْسَ بِهَذَا بَأْسٌ فَأَعْطَاهُ مِائَةَ دُرْعٍ بِمَا يَكْفِيهَا مِنْ السّلَاحِ فَزَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَأَلَهُ أَنْ يَكْفِيَهُمْ حملهَا، فَفعل.
خُرُوج الرَّسُول بجيشه إِلَى هوزان
قَالَ: ثُمّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُ أَلْفَانِ مِنْ أَهْلِ مَكّةَ مَعَ عَشْرَةِ آلَافٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ فَفَتَحَ اللهُ بِهِمْ مَكّةَ، فَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَتّابَ بْنَ أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ "عَلَى مَكّةَ أَمِيرًا عَلَى مَنْ تَخَلّفَ عَنْهُ مِنْ النّاسِ"، ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى وَجْهِهِ يُرِيدُ لِقَاءَ هَوَازِنَ.
قَصِيدَةُ ابْنِ مِرْدَاسٍ
فَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السّلَمِيّ
أَصَابَتْ الْعَامَ رِعْلًا غُولُ قَوْمِهِمْ وَسَطَ الْبُيُوتِ وَلَوْنُ الْغُولِ أَلْوَانُ
_________________
(١) سَنَةَ إحْدَى وَسَبْعِينَ وَهُوَ الْعَامُ الّذِي قُتِلَ فِيهِ مُصْعَبُ بْنُ الزّبَيْرِ. شَهِدَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ مَعَ النّبِيّ - ﷺ - الْحُدَيْبِيَةَ، وَمَا بَعْدَهَا، وَفَاتَهُ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ. حَوْلَ قَصِيدَةِ عَبّاسٍ النّونِيّةِ وَذَكَرَ شِعْرَ عَبّاسٍ وَفِيهِ
[ ٧ / ٢٧٩ ]
يَا لَهْفَ أُمّ كِلَابٍ إذْ تُبَيّتُهُمْ خَيْلُ ابْنِ هَوْذَةَ لَا تُنْهَى وَإِنْسَانُ
لَا تَلْفِظُوهَا وَشُدّوا عِقْدَ ذِمّتِكُمْ إنّ ابْنَ عَمّكُمْ سَعْدٌ وَدَهْمَانُ
_________________
(١) أَصَابَتْ الْعَامَ رِعْلًا. وَهِيَ قَبِيلَةٌ مِنْ سُلَيْمٍ وَفِي الْحَدِيثِ "قَنَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهْرَيْنِ يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعَصِيّةَ"، وَهُمْ الّذِينَ غَدَرُوا بِأَصْحَابِ بِئْرِ مَعُونَةَ. وَقَوْلُهُ خَيْلُ ابْنِ هَوْذَةَ لَا تُنْهَى وَإِنْسَانُ إنْسَانُ: قَبِيلَةٌ مِنْ قَيْسٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي نَصْرٍ قَالَهُ الْبَرْقِيّ، وَقِيلَ هُمْ مِنْ بَنِي جُشَمِ بْنِ بَكْرٍ وَمِنْ بَنِي إنْسَانَ شَيْطَانُ بْنُ مُدْلِجٍ صَاحِبُ حَمِيدَةَ وَهِيَ فَرَسٌ لَهُ تَضْرِبُ بِهَا الْعَرَبُ الْمَثَلَ فِي الشّؤْمِ فَيُقَالُ أَشْأَمُ مِنْ حَمِيدَةَ وَسَبَبُ ذَلِكَ خَبَرٌ يَطُولُ ذَكَرَهُ الْأَصْبَهَانِيّ فِي الْأَمْثَالِ. سَعْدٌ وَدَهْمَانُ وَسَعْدٌ وَدَهْمَانُ ابْنَا نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ كَذَا وَجَدْته فِي بَعْضِ الْمُعَلّقَاتِ وَالْمَعْرُوفُ فِي قَيْسٍ: دُهْمَانَ بْنُ أَشْجَعَ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ وَالِدُ نَصْرِ بْنِ دُهْمَانَ الّذِي عَاشَ مِائَةً وَتِسْعِينَ سَنَةً حَتّى تَقَوّسَ ظَهْرُهُ بَعْدَ انْحِنَاءٍ وَاسْوَدّ شَعْرُهُ بَعْدَ ابْيِضَاضٍ فَكَانَ أُعْجُوبَةً فِي الْعَالَمِ وَقَالَ الشّاعِرُ لِنَصْرِ بْنِ دُهْمَانَ الْهُنَيْدَةُ عَاشَهَا وَتِسْعِينَ حَوْلًا ثُمّ قُوّمَ فَانْصَاتَا وَعَادَ سَوَادُ الرّأْسِ بَعْدَ ابْيِضَاضِهِ وَلَكِنّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ قَدْ مَاتَا
[ ٧ / ٢٨٠ ]
لَنْ تَرْجِعُوهَا وَإِنْ كَانَتْ مُجَلّلَةً مَا دَامَ فِي النّعَمِ الْمَأْخُوذِ أَلْبَانُ
شَنْعَاءُ جَلّلَ مِنْ سَوْآتِهَا حَضَنٌ وَسَالَ ذُو شَوْغَرٍ مِنْهَا وَسُلْوَانُ
لَيْسَتْ بِأَطْيَبَ مِمّا يَشْتَوِي حَذَفٌ إذْ قَالَ كُلّ شِوَاءِ الْعِيرِ جُوفَانُ
_________________
(١) وَمِمّنْ ذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ أَبُو الْحَسَنِ الدّارَقُطْنِيّ ﵀. وَحُنَيْنٌ: اسْمُ جَبَلٍ وَمِنْهُ الْمَثَلُ أَنْجَدَ مَنْ رَأَى حُنَيْنًا. وَقَوْلُهُ مِمّا يَشْتَوِي حَذَفٌ. الْحَذَفُ غَنَمٌ سُودٌ صِغَارٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ وَفِي الْحَدِيثِ" سَوّوا صُفُوفَكُمْ لَا تَخَلّلَكُمْ الشّيَاطِينُ كَأَنّهَا بَنَاتُ حَذَفٍ"يَعْنِي فِي الصّفّ فِي الصّلَاةِ هَكَذَا قَالَ الْبَرْقِيّ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْبَيْتِ وَاَلّذِي أَرَادَ الشّاعِرُ إنّمَا هُوَ رَجُلٌ فَلَعَلّهُ كَانَ يُسَمّى بِحَذَفٍ وَالْحَذَفُ هِيَ الْغَنَمُ السّودُ الّتِي ذَكَرْنَا. وَقَوْلُهُ كُلّ شِوَاءِ الْعِيرِ جُوفَانُ. يُقَالُ إنّهُ شُوِيَ لَهُ غُرْمُولُ حِمَارٍ فَأَكَلَهُ فِي الشّوَاءِ فَوَجَدَهُ أَجْوَفَ وَقِيلَ لَهُ إنّهُ الْقُنْبُ أَيْ وِعَاءُ الْقَضِيبِ فَقَالَ كُلّ شِوَاءِ الْعِيرِ جُوفَانُ فَضُرِبَ هَذَا الْكَلَامُ مَثَلًا، وَقِيلَ كَانَ فَزَارِيّ وَتَغْلِبِيّ وَكَلْبِيّ اجْتَمَعُوا فِي سِرّ وَقَدْ اشْتَوَوْا حِمَارَ وَحْشٍ فَغَابَ الْفَزَارِيّ فِي بَعْضِ حَاجَاتِهِ فَأَكَلَ صَاحِبُهُ الْعِيرَ وَاخْتَبَآ لَهُ غُرْمُولَهُ فَلَمّا جَاءَ قَالَا لَهُ هَذَا خَبْؤُنَا لَك، فَجَعَلَ يَأْكُلُ وَلَا يُسِيغُهُ فَضَحِكَا مِنْهُ فَاخْتَرَطَ سَيْفَهُ وَقَالَ لَأَقْتُلَنّكُمَا إنْ لَمْ تَأْكُلَاهُ فَأَبَى أَحَدُهُمَا فَضَرَبَهُ بِالسّيْفِ فَأَبَانَ رَأْسَهُ وَكَانَ اسْمُهُ مِرْقَمَهْ فَقَالَ صَاحِبُهُ طَاحَ مِرْقَمَهْ فَقَالَ الْفَزَارِيّ، وَأَنْتَ إنْ لَمْ تَلْقُمْهُ أَرَادَ تَلْقُمَهَا، فَطَرَحَ حَرَكَةَ الْهَاءِ عَلَى الْمِيمِ وَحَذَفَ الْأَلِفَ كَمَا قَدْ قِيلَ فِي الْحِيرَةِ
[ ٧ / ٢٨١ ]
وَفِي هَوَازِنَ قَوْمٌ غَيْرَ أَنّ بِهِمْ دَاءُ الْيَمَانِي فَإِنْ لَمْ يَغْدِرُوا خَانُوا
فِيهِمْ أَخٌ لَوْ وَفَوْا أَوْ بَرّ عَهْدَهُمْ وَلَوْ نَهَكْنَاهُمْ بِالطّعْنِ قَدْ لَانُوا
***
أَبْلِغْ هَوَازِنَ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا مِنّي رِسَالَةَ نُصْحٍ فِيهِ تِبْيَانُ
أَنّي أَظُنّ رَسُولَ اللهِ صَابِحَكُمْ جَيْشًا لَهُ فِي فَضَاءِ الْأَرْضِ أَرْكَانُ
فِيهِمْ أَخُوكُمْ سُلَيْمٌ غَيْرَ تَارِكِكُمْ وَالْمُسْلِمُونَ عِبَادُ اللهِ غَسّانُ
وَفِي عِضَادَتِهِ الْيُمْنَى بَنُو أَسَدٍ وَالْأَجْرَبَانِ بَنُو عَبْسٍ وَذُبْيَانُ
تَكَادُ تَرْجُفُ مِنْهُ الْأَرْضُ رَهْبَتَهُ وَفِي مُقَدّمِهِ أَوْسٌ وَعُثْمَانُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَوْسٌ وَعُثْمَانُ قَبِيلَا مُزَيْنَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مِنْ قَوْلِهِ "أَبْلِغْ هَوَازِنَ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا" إلَى آخِرِهَا، فِي هَذَا
_________________
(١) أَيّ رِجَالٍ بِهِ أَيْ بِهَا، وَقَدْ عُيّرَتْ فَزَارَةُ بِهَذَا الْخَبَرِ حَتّى قَالَ سَالِمُ بْنُ دَارَةَ لَا تَأْمَنَن فَزَارِيّا خَلَوْت بِهِ عَلَى قُلُوصِك، وَاكْتُبْهَا بِأَسْيَارِ لَا تَأْمَنَنهُ وَلَا تَأْمَنْ بَوَائِقَهُ بَعْدَ الّذِي امْتَلّ أَيْرَ الْعَيْرِ فِي النّارِ أَطْعَمْتُمْ الضّيْفَ غُرْمُولًا مُخَاتَلَةً فَلَا سَقَاكُمْ إلَهِي الْخَالِقُ الْبَارِي مِنْ كِتَابِ الْأَمْثَالِ لِلْأَصْبَهَانِيّ. فَهَذَا الْفَزَارِيّ هُوَ حَذَفٌ الْمَذْكُورُ فِي الْبَيْتِ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ وَالْأَجْرَبَانِ بَنُو عَبْسٍ وَذُبْيَانُ سَمّاهُمَا بِالْأَجْرَبَيْنِ تَشْبِيهًا بِالْأَجْرَبِ الّذِي لَا يُقْرَبُ وَقَالَ مَجْذُومٌ مِنْ الْعَرَبِ: بِأَيّ فَعَالٍ رَبّ أُوتِيت مَا أَرَى أَظَلّ كَأَنّي كُلّمَا قُمْت أَجْرَبُ أَيْ يُفَرّ مِنّي، وَفِي الْخَبَرِ أَنّ عُمَرَ لَمّا نُهِيَ النّاسُ عَن مجالسة صبيغ بْنِ
[ ٧ / ٢٨٢ ]
الْيَوْمِ وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ وَهُمَا مَفْصُولَتَانِ وَلَكِنّ ابْنَ إسْحَاقَ جَعلهمَا وَاحِدَة.
أَمر ذَاتُ أَنْوَاطٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدّؤَلِيّ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللّيْثِيّ أَنّ الْحَارِثَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ:
خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيّةِ قَالَ فَسِرْنَا مَعَهُ إلَى حُنَيْنٍ، قَالَ وَكَانَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْعَرَبِ لَهُمْ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ خَضْرَاءُ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، يَأْتُونَهَا كُلّ سَنَةٍ فَيُعَلّقُونَ أَسْلِحَتَهُمْ عَلَيْهَا، وَيَذْبَحُونَ عِنْدَهَا، وَيَعْكُفُونَ عَلَيْهَا يَوْمًا.
قَالَ فَرَأَيْنَا وَنَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سِدْرَةً خَضْرَاءَ عَظِيمَةً قَالَ فَتَنَادَيْنَا مِنْ جَنَبَاتِ الطّرِيقِ يَا رَسُولَ اللهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " اللهُ أَكْبَرُ قُلْتُمْ وَاَلّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إنّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الْأَعْرَاف: ١٣٨] إنّهَا السّنَنُ لَتَرْكَبُنّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قبلكُمْ".
_________________
(١) عَسَلٍ كَانَ كُلّمَا حَلّ مَوْضِعًا تَفَرّقَ النّاسُ عَنْهُ كَأَنّهُ بَعِيرٌ أَجْرَبُ وَمَنْ رَوَاهُ الْأَجْرَبَانُ بِضَمّ النّونِ فَهُوَ جَائِزٌ فِي كُلّ اثْنَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ كَالْجَلَمَيْنِ يُقَالُ فِيهِمَا: الْجَلَمَانُ بِضَمّ النّونِ وَكَذَلِكَ الْقَمَرَانِ وَرُوِيَ أَنّ فَاطِمَةَ - ﵂ - نَادَتْ ابْنَيْهَا فِي لَيْلَةِ ظُلْمَةٍ يَا حَسَنَانُ يَا حُسَيْنَانُ بِضَمّ النّونِ قَالَهُ الْهَرَوِيّ فِي الْغَرِيبَيْنِ.
[ ٧ / ٢٨٣ ]
لِقَاء هوزان وثبات الرّسُولِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
"لَمّا اسْتَقْبَلْنَا وَادِيَ حُنَيْنٍ انْحَدَرْنَا فِي وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ تِهَامَةَ أَجْوَفَ حَطُوطٍ إنّمَا نَنْحَدِرُ فِيهِ انْحِدَارًا، قَالَ وَفِي عَمَايَةِ الصّبْحِ وَكَانَ الْقَوْمُ قَدْ سَبَقُونَا إلَى الْوَادِي، فَكَمَنُوا لَنَا فِي شِعَابِهِ وَأَحْنَائِهِ وَمَضَايِقِهِ وَقَدْ أَجْمَعُوا وَتَهَيّئُوا وَأَعَدّوا، فَوَاَللهِ مَا رَاعَنَا وَنَحْنُ مُنْحَطّونَ إلّا الْكَتَائِبُ قَدْ شَدّوا عَلَيْنَا شَدّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَانْشَمَرَ النّاسُ رَاجِعِينَ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ"
وَانْحَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ الْيَمِينِ ثُمّ قَالَ "أَيْنَ أَيّهَا النّاسُ؟ هَلُمّوا إلَيّ أَنَا رَسُولُ اللهِ أَنَا مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ". قَالَ فَلَا شَيْءَ حَمَلَتْ الْإِبِلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فَانْطَلَقَ النّاسُ إلّا أَنّهُ قَدْ بَقِيَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَفَرٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأهل بَيته.
أَسمَاء من ثَبت مَعَ الرَّسُول
وَفِيمَنْ ثَبَتَ مَعَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ وَابْنُهُ وَالْفَضْلُ بْنُ الْعَبّاسِ وَرَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأَيْمَنُ بْنُ عُبَيْدٍ، قُتِلَ يَوْمَئِذٍ.
_________________
(١) أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبْ فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ - ﷺ – " أَيْنَ أَيّهَا النّاسُ؟ أَنَا مُحَمّدٌ أَنَا رَسُولُ اللهِ وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرّوَايَةِ " أَنَا النّبِيّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطّلِب "
[ ٧ / ٢٨٤ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اسْمُ ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ جَعْفَرٌ وَاسْمُ أَبِي سُفْيَانَ الْمُغِيرَةُ وَبَعْضُ النّاسِ يَعُدّ فِيهِمْ قُثَمَ بْنَ الْعَبّاسِ، وَلَا يَعُدّ ابْنَ أَبِي سُفْيَانَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
وَرَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أَحْمَرُ بِيَدِهِ رَايَةٌ سَوْدَاءُ فِي رَأْسِ رُمْحٍ لَهُ طَوِيلٍ أَمَامَ هَوَازِنَ، وَهَوَازِنُ خَلْفَهُ إذَا أَدْرَكَ طَعَنَ بِرُمْحِهِ وَإِذَا فَاتَهُ النّاسُ رَفَعَ رُمْحَهُ لِمَنْ وَرَاءه فأتبعوه.
شماتة أبي سُفْيَان وَغَيره بِالْمُسْلِمِينَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَلَمّا انْهَزَمَ النّاسُ وَرَأَى مَنْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ جُفَاةِ أَهْلِ مَكّةَ الْهَزِيمَةَ تَكَلّمَ رِجَالٌ مِنْهُمْ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ الضّغْنِ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ "لَا تَنْتَهِي هَزِيمَتُهُمْ دُونَ الْبَحْرِ، وَإِنّ الْأَزْلَامَ لَمَعَهُ فِي كِنَانَتِهِ "وَصَرَخَ جَبَلَةُ بْنُ الْحَنْبَلِ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: كَلَدَةُ بْنُ الْحَنْبَلِ - وَهُوَ مَعَ أَخِيهِ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ مُشْرِكٌ فِي الْمُدّةِ الّتِي جَعَلَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَلَا بَطَلَ السّحْرُ الْيَوْمَ فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ اُسْكُتْ فَضّ اللهُ فَاك، فَوَاَللهِ لَأَنْ يَرُبّنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبّ إلَيّ مِنْ أَنْ يَرُبّنِي رَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ.
شِعْرُ حَسّانَ فِي هِجَاءِ كَلَدَةَ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَهْجُو كَلَدَةَ:
_________________
(١) وَهُوَ كَلَامٌ مَوْزُونٌ وَقَدْ تَقَدّمَ الْكَلَامُ فِي مِثْلِ هَذَا، وَأَنّهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ حَتّى يُقْصَدَ بِهِ الشّعْرُ. وَلِلْخَطّابِيّ فِي كِتَابِ الْأَعْلَامِ تَنْبِيهٌ عَلَى قَوْلِهِ " أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبْ "قَالَ إنّمَا خَصّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ بِالذّكْرِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَقَدْ انْهَزَمَ النّاسُ تَشْبِيهًا لِنُبُوّتِهِ وَإِزَالَةً لِلشّكّ لِمَا اشْتَهَرَ وَعُرِفَ مِنْ رُؤْيَا عَبْدِ الْمُطّلِبِ الْمُبَشّرَةِ بِالنّبِيّ ﷺ وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُهَا، وَلِمَا أَنْبَأَتْ بِهِ الْأَحْبَارُ وَالرّهْبَانُ فَكَأَنّهُ يَقُولُ أَنَا.
[ ٧ / ٢٨٥ ]
رَأَيْت سَوَادًا مِنْ بِعِيدٍ فَرَاعِنِي أَبُو حَنْبَلٍ يَنْزُو عَلَى أُمّ حَنْبَلِ
كَأَنّ الّذِي يَنْزُو بِهِ فَوْقَ بَطْنِهَا ذِرَاعُ قَلُوصٍ مِنْ نِتَاجِ ابْنِ عِزْهِلِ
أَنْشَدَنَا أَبُو زَيْدٍ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ وَذَكَرَ لَنَا أَنّهُ هَجَا بِهِمَا صَفْوَانَ بْنَ أُمَيّةَ، وَكَانَ أَخَا كَلَدَةَ لِأُمّهِ.
عجز شيبَة عَن قتل الرَّسُول وَقد هم بِهِ
وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدّارِ. قُلْت: الْيَوْمَ أُدْرِكُ ثَأْرِي مِنْ مُحَمّدٍ وَكَانَ أَبُوهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، الْيَوْمَ أَقْتُلُ مُحَمّدًا. قَالَ فَأَرَدْت بِرَسُولِ اللهِ لِأَقْتُلَهُ فَأَقْبَلَ شَيْءٌ حَتّى تَغَشّى فُؤَادِي، فَلَمْ أُطِقْ ذَاكَ وَعَلِمْت أَنّهُ مَمْنُوعٌ مِنّي.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ مَكّةَ، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ حِينَ فَصَلَ مِنْ مَكّةَ إلَى حُنَيْنٍ، وَرَأَى كَثْرَةَ مَنْ مَعَهُ مِنْ جُنُودِ اللهِ " لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلّةٍ ".
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمَ بَعْضُ النّاسِ أَنّ رَجُلًا مِنْ بَنِي بكر قَالَهَا.
رُجُوع النَّاس بِنِدَاء الْعَبَّاس والانتصار بَعْدَ الْهَزِيمَةِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي الزّهْرِيّ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ الْعَبّاسِ عَنْ أَبِيهِ الْعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، قَالَ:
إنّي لَمَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ آخُذُ بِحَكَمَةِ بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ قَدْ شَجَرْتهَا بِهَا، قَالَ
_________________
(١) ذَاكَ فَلَا بُدّ مِمّا وُعِدْت بِهِ لِئَلّا يَنْهَزِمُوا عَنْهُ وَيَظُنّوا أَنّهُ مَقْتُولٌ وَمَغْلُوبٌ فَاَللهُ أَعْلَمُ أَأَرَادَ ذَلِكَ رَسُولُهُ أَمْ لَا شَيْبَةُ وَمُحَاوَلَةُ قَتْلِ الرّسُولِ ﷺ: وَذَكَرَ قِصّةَ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ حِينَ أَرَادَ قَتْلَ النّبِيّ ﷺ قَالَ فَجَاءَ شَيْءٌ حَتّى
[ ٧ / ٢٨٦ ]
وَكُنْت امْرَأً جَسِيمًا شَدِيدَ الصّوْتِ قَالَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ حِينَ رَأَى مَا رَأَى مِنْ النّاسِ " أَيْنَ أَيّهَا النّاسُ؟ " فَلَمْ أَرَ النّاسَ يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ فَقَالَ " يَا عَبّاسُ اُصْرُخْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ: يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ السّمُرَةِ " قَالَ فَأَجَابُوا: لَبّيْكَ لَبّيْكَ قَالَ فَيَذْهَبُ الرّجُلُ لِيُثْنِيَ بَعِيرَهُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فَيَأْخُذُ دُرْعَهُ فَيَقْذِفُهَا فِي عُنُقِهِ وَيَأْخُذُ سَيْفَهُ وَتُرْسَهُ وَيَقْتَحِمُ عَنْ بَعِيرِهِ وَيُخَلّي سَبِيلَهُ فَيَؤُمّ الصّوْتَ حَتّى يَنْتَهِيَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ. حَتّى إذَا اجْتَمَعَ إلَيْهِ مِنْهُمْ مِائَةٌ اسْتَقْبَلُوا النّاسَ فَاقْتَتَلُوا، وَكَانَتْ الدّعْوَى أَوّلَ مَا كَانَتْ يَا لِلْأَنْصَارِ. ثُمّ خَلَصَتْ أَخِيرًا: يَا لِلْخَزْرَجِ. وَكَانُوا صَبْرًا عِنْدَ الْحَرْبِ فَأَشْرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي رَكَائِبِهِ. فَنَظَرَ إلَى مُجْتَلَدِ الْقَوْمِ وَهُمْ يَجْتَلِدُونَ فَقَالَ " الْآنَ حمي الْوَطِيس ".
بلَاء عَليّ والأنصاري فِي هَذِه الْحَرْب:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْن جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
بَيْنَا ذَلِكَ الرّجُلُ مِنْ هَوَازِنَ صَاحِبُ الرّايَةِ عَلَى جَمَلِهِ يَصْنَعُ مَا يَصْنَعُ إذْ هَوَى لَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُرِيدَانِهِ قَالَ فَيَأْتِيهِ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ خَلْفِهِ فَضَرَبَ عُرْقُوبَيْ الْجَمَلِ فَوَقَعَ عَلَى عَجُزِهِ وَوَثَبَ
_________________
(١) تَغَشّى فُؤَادِي، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيخِهِ قَالَ شَيْبَةُ الْيَوْمَ آخُذُ بِثَأْرِي، فَجِئْت النّبِيّ ﷺ مِنْ خَلْفِهِ فَلَمّا هَمَمْت بِهِ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِنْ نَارٍ وَسُوَرٌ مِنْ حَدِيدٍ قَالَ فَالْتَفَتَ إلَيّ النّبِيّ - ﷺ - وَتَبَسّمَ وَعَرَفَ الّذِي أَرَدْت، فَمَسَحَ صَدْرِي، وَذَهَبَ عَنّي الشّكّ، أَوْ كَمَا قَالَ ذَهَبَ عَنّي بَعْضُ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ.
[ ٧ / ٢٨٧ ]
الْأَنْصَارِيّ عَلَى الرّجُلِ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً أَطَنّ قَدَمَهُ بِنِصْفِ سَاقِهِ فَانْجَعَفَ عَنْ رَحْلِهِ قَالَ وَاجْتَلَدَ النّاسُ فَوَاَللهِ مَا رَجَعَتْ رَاجِعَةُ النّاسِ مِنْ هَزِيمَتِهِمْ حَتّى وَجَدُوا الْأُسَارَى مُكَتّفِينَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
قَالَ: وَالْتَفَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَكَانَ مِمّنْ صَبَرَ يَوْمَئِذٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَانَ حَسَنَ الْإِسْلَامِ حِينَ أَسْلَمَ، وَهُوَ آخِذٌ بِثَفَرِ بَغْلَتِهِ فَقَالَ " مَنْ هَذَا؟ " قَالَ أَنَا ابْنُ أُمّك يَا رَسُول الله.
شَأْن أُمّ سُلَيْمٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ الْتَفَتَ فَرَأَى أُمّ سُلَيْمٍ بِنْتَ مِلْحَانَ، وَكَانَتْ مَعَ زَوْجِهَا أَبِي طَلْحَةَ وَهِيَ حَازِمَةٌ وَسَطَهَا بِبُرْدٍ لَهَا، وَإِنّهَا لَحَامِلٌ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَمَعَهَا جَمَلُ أَبِي طَلْحَةَ وَقَدْ خَشِيَتْ أَنْ يَعُزّهَا الْجَمَلُ فَأَدْنَتْ رَأْسَهُ مِنْهَا، فَأَدْخَلَتْ يَدَهَا فِي خِزَامَتِهِ مَعَ الْخِطَامِ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ " أُمّ سُلَيْمٍ؟ " قُلْت: نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي يَا رَسُولَ اللهِ اُقْتُلْ هَؤُلَاءِ الّذِينَ يَنْهَزِمُونَ عَنْك كَمَا تَقْتُلُ الّذِينَ يُقَاتِلُونَك، فَإِنّهُمْ لِذَلِكَ أَهْلٌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " أَوَيَكْفِي اللهُ يَا أُمّ سُلَيْمٍ؟ " قَالَ وَمَعَهَا خِنْجَرٌ فَقَالَ لَهَا أَبُو طَلْحَةَ مَا هَذَا الْخِنْجَرُ مَعَك يَا أُمّ سُلَيْمٍ؟ قَالَتْ خِنْجَرٌ أَخَذْته، إنْ دَنَا مِنّي أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بَعَجْته بِهِ ". قَالَ يَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ أَلَا تَسْمَعُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا تَقُولُ أُمّ سُلَيْمٍ الرّمَيْصَاءُ.
_________________
(١) أُمّ سُلَيْمٍ وَالْفِرَارُ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَذَكَرَ أُمّ سُلَيْمٍ وَهِيَ مُلَيْكَةُ بِنْتُ مِلْحَانَ وَقَالَ فِي اسْمِهَا رُمَيْلَةَ وَيُقَالُ سُهَيْلَةُ وَتُعْرَفُ بِالْغُمَيْصَاءِ وَالرّمَيْصَاءِ لِرَمَصٍ كَانَ فِي عَيْنَيْهَا، وَأَبُو طَلْحَةَ بَعْلُهَا هُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ حَرَامٍ وَهُوَ الْقَائِلُ أَنَا أَبُو طَلْحَةَ وَاسْمِي: زَيْدٌ وَكُلّ يَوْمٍ فِي سِلَاحِي صَيْدٌ
[ ٧ / ٢٨٨ ]
شِعْرُ مَالِكِ بْنِ عَوْف فِي هزيمَة النَّاس
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ وَجّهَ إلَى حُنَيْنٍ، قَدْ ضَمّ بَنِي سُلَيْمٍ الضّحّاكِ بْنِ سُفْيَانَ الْكِلَابِيّ، فَكَانُوا إلَيْهِ وَمَعَهُ وَلَمّا انْهَزَمَ النّاسُ قَالَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ يَرْتَجِزُ بِفَرَسِهِ
_________________
(١) وَقَوْلُ أُمّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللهِ اُقْتُلْ هَؤُلَاءِ الّذِينَ يَنْهَزِمُونَ عَنْك. إنْ قِيلَ كَيْفَ فَرّ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْهُ حَتّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ مِنْهُمْ إلّا ثَمَانِيَةٌ وَالْفِرَارُ مِنْ الزّحْفِ مِنْ الْكَبَائِرِ وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ مَا أَنْزَلَ. قُلْنَا: لَمْ يُجْمِعْ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ إلّا فِي يَوْمِ بَدْرٍ وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ وَنَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلّ عَلَى هَذَا، فَإِنّهُ قَالَ ﴿وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الْأَنْفَالُ ١٦] فَيَوْمَئِذٍ إشَارَةٌ إلَى يَوْمِ بَدْرٍ ثُمّ نَزَلَ التّحْقِيقُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فِي الْفَارّينَ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ﴾ [آلُ عِمْرَانَ: ١٥٥] وَكَذَلِكَ أَنْزَلَ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التّوْبَةُ ٢٥] وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ سَلَامٍ وَكَانَ الْفِرَارُ مِنْ الزّحْفِ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ الْكَبَائِرِ وَكَذَلِك يَكُونُ مِنْ الْكَبَائِرِ فِي مَلْحَمَةِ الرّومِ الْكُبْرَى، وَعِنْدَ الدّجّالِ وَأَيْضًا فَإِنّ الْمُنْهَزِمِينَ عَنْهُ ﵇ رَجَعُوا لِحِينِهِمْ وَقَاتَلُوا مَعَهُ حَتّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ. حَوْلَ رَجَزٍ مَالِكٍ وَقَوْلُ مَالِكٍ فِي رَجَزِهِ
[ ٧ / ٢٨٩ ]
أَقْدِمْ مُحَاجُ إنّهُ يَوْمٌ نُكُرْ مِثْلِي عَلَى مِثْلِك يَحْمِي وَيَكِرّ
إذَا أُضِيعَ الصّفّ يَوْمًا وَالدّبُرْ ثُمّ احْزَأَلّتْ زُمَرٌ بَعْدَ زُمَرْ
كَتَائِبٌ يُكِلّ فِيهِنّ الْبَصَرْ قَدْ أَطْعُنُ الطّعْنَةَ تَقْذِي بِالسّبُرْ
حِينَ يُذَمّ الْمُسْتَكِينُ الْمُنْجَحِرْ وَأَطْعَنُ النّجْلَاءَ تَعْوِي وَتَهِرْ
لَهَا مِنْ الْجَوْفِ رَشَاشٌ مُنْهَمِرْ تَفْهَقُ تَارَاتٍ وَحِينًا تَنْفَجِرْ
وَثَعْلَبُ الْعَامِلُ فِيهَا مُنْكَسِرْ يَا زَيْدُ يَا ابْنَ هَمْهَمٍ أَيْنَ تَفِرّ
قَدْ نَفِدَ الضّرْسُ وَقَدْ طَالَ الْعُمُرْ قَدْ عَلِمَ الْبِيضُ الطّوِيلَاتُ الْخُمُرْ
أَنّي قَدْ امْثَالُهَا غَيْرُ غَمِرْ إذْ تُخْرَجُ الْحَاصِنُ مِنْ تَحْتِ السّتُرْ
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ أَيْضًا:
أَقْدِمْ مُحَاجُ إنّهَا الْأَسَاوِرَهْ وَلَا تَغُرّنّكَ رِجْلٌ نَادِرَهْ
_________________
(١) قَدْ أَطْعُنُ الطّعْنَةَ تَقْذِي بِالسّبُرْ السّبُرُ جَمْعُ سَابِرٍ وَهُوَ الْفَتِيلُ الّذِي يُسْبَرُ بِهِ الْجُرْحُ أَيْ يُجْبَرُ. وَقَوْلُهُ فِي الرّجَزِ الْآخَرِ أَقْدِمْ مُحَاجُ إنّهَا الْأَسَاوِرَهْ وَقَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ: هُمَا لِغَيْرِ مَالِكٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ يَعْنِي يَوْمَ الْقَادِسِيّةِ، وَكَانَتْ الدّوْلَةُ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الْفُرْسِ، وَالْأَسَاوِرَةُ مُلُوكُ الْفُرْسِ، وَقُتِلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ رُسْتُمُ مَلِكُهُمْ دُونَ الْمَلِكِ الْأَكْبَرِ وَكَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ بِمَ سُمّيَتْ الْقَادِسِيّةُ. وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي قَتَادَةَ فِي سَلَبِ الْقَتِيلِ قَالَ فَاشْتَرَيْت بِثَمَنِهِ مَخْرَفًا فَإِنّهُ لَأَوّلُ مَالٍ اعْتَقَدْته، يُقَالُ اعْتَقَدْت مَالِي، أَيْ اتّخَذْت مِنْهُ عُقْدَةً كَمَا تَقُولُ نُبْذَةٌ أَوْ قِطْعَةٌ وَالْأَصْلُ فِيهِ مِنْ الْعَقْدِ وَأَنّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا عَقَدَ عَلَيْهِ وَأَنْشَدَ أَبُو عَلِيّ [الْقَالِي]:
[ ٧ / ٢٩٠ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ لِغَيْرِ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْم.
شَأْن أبي قَتَادَة وسلبه
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، أَنّهُ حَدّثَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيّ قَالَ وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى بَنِي غِفَارٍ أَبِي مُحَمّدٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَا: "قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: رَأَيْت يَوْمَ حُنَيْنٍ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ مُسْلِمًا وَمُشْرِكًا، قَالَ وَإِذَا رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ
_________________
(١) وَلَمّا رَأَيْت الدّهْرَ أَنْحَتْ صُرُوفُهُ عَلَيّ وَأَوْدَتْ بِالذّخَائِرِ وَالْعُقَدْ حَذَفْت فُضُولَ الْعَيْشِ حَتّى رَدَدْتهَا إلَى الْقُوتِ خَوْفًا أَنْ أُجَاءَ إلَى أَحَدْ وَيُرْوَى: تَأَثّلْته، وَهِيَ رِوَايَةُ الْمُوَطّأِ وَيُقَالُ مَخْرَفٌ بِفَتْحِ الرّاءِ وَكَسْرِهَا، وَأَمّا كَسْرُ الْمِيمِ فَإِنّمَا هُوَ لِلْمِخْرَفِ وَهِيَ الْآلَةُ الّتِي تُخْتَرَفُ بِهَا التّمْرَةُ أَيْ تُجْتَنَى بِفَتْحِ الْمِيمِ مَعْنَاهُ الْبُسْتَانُ مِنْ النّخْلِ هَكَذَا فَسّرُوهُ وَفَسّرَهُ الْحَرْبِيّ، وَأَجَادَ فِي تَفْسِيرِهِ فَقَالَ الْمَخْرَفُ نَخْلَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ نَخَلَاتٌ يَسِيرَةٌ إلَى عَشْرٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ فَهُوَ بُسْتَانٌ أَوْ حَدِيقَةٌ وَيُقَوّي مَا قَالَهُ الْحَرْبِيّ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ الْمَخْرَفُ مِثْلُ الْخَرُوفَةِ وَالْخَرُوفَةُ هِيَ النّخْلَةُ يَخْتَرِفُهَا الرّجُلُ لِنَفْسِهِ وَلِعِيَالِهِ وَأَنْشَدَ مِثْلُ الْمَخَارِفِ مِنْ خَيْلَانَ أَوْ هَجَرَا قَالَ وَيُقَالُ الْخَرُوفَةُ خَرِيفَةٌ أَيْضًا. السّلَبُ لِلْقَاتِلِ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفِقْهِ أَنّ السّلَبَ لِلْقَاتِلِ حُكْمًا شَرْعًا جَعَلَ ذَلِكَ الْإِمَامُ
[ ٧ / ٢٩١ ]
يُرِيدُ أَنْ يُعِينَ صَاحِبَهُ الْمُشْرِكَ عَلَى الْمُسْلِمِ. قَالَ فَأَتَيْته فَضَرَبْت يَدَهُ فَقَطَعْتهَا، وَاعْتَنَقَنِي بِيَدِهِ الْأُخْرَى، فَوَاَللهِ مَا أَرْسَلَنِي حَتّى وَجَدْت رِيحَ الدّمِ. وَيُرْوَى: رِيحَ الْمَوْتِ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَادَ يَقْتُلُنِي، فَلَوْلَا أَنّ الدّمَ نَزَفَهُ لَقَتَلَنِي، فَسَقَطَ فَضَرَبْته فَقَتَلْته، وَأَجْهَضَنِي عَنْهُ الْقِتَالُ وَمَرّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكّةَ فَسَلَبَهُ فَلَمّا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا وَفَرَغْنَا مِنْ الْقَوْمِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ وَاَللهِ لَقَدْ قَتَلْت قَتِيلًا ذَا سَلَبٍ فَأَجْهَضَنِي عَنْهُ الْقِتَالُ فَمَا أَدْرِي مَنْ اسْتَلَبَهُ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكّةَ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ عَنّي مِنْ سَلَبِهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ ﵁ لَا وَاَللهِ لَا يُرْضِيهِ مِنْهُ تَعْمِدُ إلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللهِ يُقَاتِلُ عَنْ دِينِ اللهِ تُقَاسِمُهُ سَلَبَهُ اُرْدُدْ عَلَيْهِ سَلَبَ قَتِيلِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَدَقَ فَارْدُدْ عَلَيْهِ سَلَبَهُ. فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَأَخَذْته مِنْهُ فَبِعْته، فَاشْتَرَيْت مِنْهُ مَخْرَفًا، فَإِنّهُ لَأَوّلُ مَالٍ اعْتَقَدْته.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ لَقَدْ اسْتَلَبَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَحْدَهُ عشْرين رجلا.
_________________
(١) لَهُ أَوْ يَجْعَلُهُ وَهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ، وَقَالَ مَالِكٌ إنّمَا ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ لَهُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ مَعْمَعَةِ الْحَرْبِ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وَيَكْرَهُ مَالِكٌ ﵀ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقِتَالِ لِئَلّا يُخَالِطَ النّيّةَ غَرَضٌ آخَرُ غَيْرُ احْتِسَابِ نَفْسِهِ لِلّهِ تَعَالَى، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا.
[ ٧ / ٢٩٢ ]
نصْرَة الْمَلَائِكَةِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَحَدّثَنِي أَبِي إسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، أَنّهُ حَدّثَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ:
لَقَدْ رَأَيْت قَبْلَ هَزِيمَةِ الْقَوْمِ وَالنّاسُ يَقْتَتِلُونَ مِثْلَ الْبِجَادِ الْأَسْوَدِ أَقْبَلَ مِنْ السّمَاءِ حَتّى سَقَطَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ فَنَظَرْت، فَإِذَا نَمْلٌ أَسْوَدُ مَبْثُوثٌ قَدْ مَلَأَ الْوَادِيَ لَمْ أَشُكّ أَنّهَا الْمَلَائِكَةُ ثُمّ لَمْ يَكُنْ إلّا هَزِيمَةُ الْقَوْمِ.
هَزِيمَةُ الْمُشْرِكِينَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا هَزَمَ اللهُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ حُنَيْنٍ، وَأَمْكَنَ رَسُولَهُ ﷺ مِنْهُمْ قَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ
_________________
(١) نُزُولُ الْمَلَائِكَةِ وَقَوْلُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ لَقَدْ رَأَيْت مِثْلَ الْبِجَادِ يَعْنِي الْكِسَاءَ مِنْ النّمْلِ مَبْثُوثًا، يَعْنِي رَآهُ يَنْزِلُ مِنْ السّمَاءِ. قَالَ لَمْ أَشُكّ أَنّهَا الْمَلَائِكَةُ وَقَدْ قَدّمَ ابْنُ إسْحَاقَ قَوْلَ الْآخَرِ رَأَيْت رِجَالًا بِيضًا عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ وَكَانَتْ الْمَلَائِكَةُ فَأَرَاهُمْ اللهُ لِذَلِكَ الْهَوْاَزنِيّ عَلَى صُوَرِ الْخَيْلِ وَالرّجَالِ تَرْهِيبًا لِلْعَدُوّ وَرَآهُمْ جُبَيْرٌ عَلَى صُورَةِ النّمْلِ الْمَبْثُوثِ إشْعَارًا بِكَثْرَةِ عَدَدِهَا، إذْ النّمْلُ لَا يُسْتَطَاعُ عَدّهَا مَعَ أَنّ النّمْلَةَ يُضْرَبُ بِهَا الْمَثَلُ فِي الْقُوّةِ فَيُقَالُ أَقْوَى مِنْ النّمْلَةِ لِأَنّهَا تَحْمِلُ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْ جِرْمِهَا بِأَضْعَافٍ وَقَدْ قَالَ رَجُلٌ لِبَعْضِ الْمُلُوكِ جَعَلَ اللهُ قُوّتَك قُوّةَ النّمْلَةِ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَيْسَ فِي الْحَيَوَانِ مَا يَحْمِلُ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ إلّا النّمْلَةُ وَهَذَا الْمَثَلُ قَدْ ذَكَرَهُ الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابِ الْأَعْمَالِ مَقْرُونًا بِهَذَا الْخَبَرِ، وَقَدْ أُهْلِكَ بِالنّمْلِ أُمّةٌ مِنْ الْأُمَمِ وَهُمْ جُرْهُمٌ.
[ ٧ / ٢٩٣ ]
قَدْ غَلَبَتْ خَيْلُ اللهِ خَيْلَ اللّاتِ وَاَللهُ أَحَقّ بِالثّبَاتِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالرّوَايَةِ لِلشّعْرِ:
غَلَبَتْ خَيْلُ اللهِ خَيْلَ اللّاتِ وَخَيْلُهُ أَحَقّ بِالثّبَاتِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَلَمّا انْهَزَمَتْ هَوَازِنُ اسْتَحَرّ الْقَتْلُ مِنْ ثَقِيفٍ فِي بَنِي مَالِكٍ فَقُتِلَ مَعَهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا تَحْتَ رَايَتِهِمْ فِيهِمْ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَبِيبٍ وَكَانَتْ رَايَتُهُمْ مَعَ ذِي الْخِمَارِ فَلَمّا قُتِلَ أَخَذَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فَقَاتَلَ بِهَا حَتّى قُتِلَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ وَهْبِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ:
لَمّا بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَتْلُهُ قَالَ أَبْعَدَهُ اللهُ فَإِنّهُ كَانَ يبغض قُريْشًا.
الْغُلَام النَّصْرَانِي الأغرل وَمَا كَاد يلْحق ثقيفا بِسَبَبِهِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ:
أَنّهُ "قُتِلَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ غُلَامٌ لَهُ نَصْرَانِيّ أَغْرَلُ قَالَ فَبَيْنَا رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَسْلُبُ قَتْلَى ثَقِيفٍ، إذْ كَشَفَ الْعَبْدَ يَسْلُبُهُ فَوَجَدَهُ أَغْرَل. قَالَ فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ يَعْلَمُ اللهُ أَنّ ثَقِيفًا غُرْلٌ. قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: فَأَخَذْت بِيَدِهِ وَخَشِيت أَنْ تَذْهَبَ عَنّا فِي الْعَرَبِ، فَقُلْت: لَا تَقُلْ ذَاكَ فِدَاك أَبِي وَأُمّي، إنّمَا هُوَ غُلَامٌ لَنَا نَصْرَانِيّ. قَالَ ثُمّ جَعَلْت أَكْشِفُ لَهُ عَنْ الْقَتْلَى، وَأَقُولُ لَهُ أَلَا تَرَاهُمْ مُخْتَنِينَ كَمَا ترى
فرار قَارب وَقَومه وَشعر ابْن مرداس فِي هجائهم
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَتْ رَايَةُ الْأَحْلَافِ مَعَ قَارِبِ بْنِ الْأَسْوَدِ، فَلَمّا انْهَزَمَ النّاسُ أَسْنَدَ رَايَتَهُ إلَى شَجَرَةٍ وَهَرَبَ هُوَ وَبَنُو عَمّهِ وَقَوْمُهُ مِنْ الْأَحْلَافِ، فَلَمْ يُقْتَلْ مِنْ الْأَحْلَافِ غَيْرَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٩٤ ]
رَجُلَيْنِ رَجُلٌ مِنْ غِيَرَةَ يُقَالُ لَهُ وَهْبٌ وَآخَرُ مِنْ بَنِي كُبّةَ يُقَالُ لَهُ الْجُلَاحُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ بَلَغَهُ قَتْلُ الْجُلَاحِ " قُتِلَ الْيَوْمَ سَيّدُ شَبَابِ ثَقِيفٍ " إلّا مَا كَانَ مِنْ ابْنِ هُنَيْدَةَ يَعْنِي بِابْنِ هُنَيْدَةَ الْحَارِثَ بن أويس.
قصيدة أُخْرَى لِابْنِ مِرْدَاسٍ
فَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السّلَمِيّ يَذْكُرُ قَارِبَ بْنَ الْأَسْوَدِ وَفِرَارَهُ مِنْ بَنِي أَبِيهِ وَذَا الْخِمَارِ وَحَبْسَهُ قَوْمَهُ لِلْمَوْتِ
أَلَا مِنْ مُبْلِغٍ غَيْلَانَ عَنّي وَسَوْفَ - إخَالُ - يَأْتِيهِ الْخَبِيرُ
وَعُرْوَةُ إنّمَا أُهْدِي جَوَابًا وَقَوْلًا غَيْرَ قَوْلِكُمَا يَسِيرُ
بِأَنّ مُحَمّدًا عَبْدٌ رَسُولٌ لِرَبّ لَا يَضِلّ وَلَا يَجُورُ
وَجَدْنَاهُ نَبِيّا مِثْلَ مُوسَى فَكُلّ فَتًى يُخَايِرُهُ مُخِيرُ
وَبِئْسَ الْأَمْرُ أَمْرُ بَنِي قَسِيّ بِوَجّ إذْ تُقُسّمَتْ الْأُمُورُ
أَضَاعُوا أَمْرَهُمْ وَلِكُلّ قَوْمٍ أَمِيرٌ وَالدّوَائِرُ قَدْ تَدُورُ
فَجِئْنَا أُسْدَ غَابَاتٍ إلَيْهِمْ جُنُودُ اللهِ ضاحية تسير
_________________
(١) حَوْلَ قَصِيدَةِ ابْنِ مِرْدَاسٍ فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ عَبّاسٍ وَسَوْفَ إخَالُ يَأْتِيك الْخَبِيرُ الْفِعْلُ الْمُسْتَقْبَلُ هُوَ يَأْتِيك، وَإِنْ كَانَ حَرْفُ سَوْفَ دَاخِلًا عَلَى إخَالُ فِي اللّفْظِ فَإِنّ مَا يَدُلّ عَلَيْهِ مِنْ الِاسْتِقْبَالِ إنّمَا هُوَ الْفِعْلُ الثّانِي كَمَا قَالَ وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إخَالُ أَدْرِي
[ ٧ / ٢٩٥ ]
نَؤُم الْجَمْعَ جَمْعَ بَنِي قَسِيّ عَلَى حَنَقٍ نَكَادُ لَهُ نَطِيرُ
وَأُقْسِمُ لَوْ هُمْ مَكَثُوا لَسِرْنَا إلَيْهِمْ بِالْجُنُودِ وَلَمْ يَغُورُوا
فَكُنّا أُسْدَ لَيّةَ ثَمّ حَتّى أَبَحْنَاهَا وَأَسْلَمَتْ النّصُورُ
وَيَوْمٌ كَانَ قَبْلُ لَدَى حُنَيْنٍ فَأَقْلَعَ وَالدّمَاءُ بِهِ تَمُورُ
مِنْ الْأَيّامِ لَمْ تَسْمَعْ كَيَوْمٍ وَلَمْ يَسْمَعْ بِهِ قَوْمٌ ذُكُورُ
قَتَلْنَا فِي الْغُبَارِ بَنِي حُطَيْطٍ عَلَى رَايَاتِهَا وَالْخَيْلُ زُورُ
وَلَمْ يَكُ ذُو الْخِمَارِ رَئِيسَ قَوْمٍ لَهُمْ عَقْلٌ يُعَاقِبُ أَوْ مُكِيرُ
أَقَامَ بِهِمْ عَلَى سُنَنِ الْمَنَايَا وَقَدْ بَانَتْ لِمُبْصِرِهَا الْأُمُورُ
فَأَفْلَتْ مَنْ نَجَا مِنْهُمْ حَرِيضًا وَقُتّلَ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرُ
وَلَا يُغْنِي الْأُمُورَ أَخُو الْتَوَانِي وَلَا الْغَلِقُ الصّرَيّرَةِ الْحَصُورُ
أَحَانَهُمُ وَحَانَ وَمَلّكُوهُ أُمُورَهُمْ وَأَفْلَتَتْ الصّقُورُ
بَنُو عَوْفٍ تَمِيحُ بِهِمْ جِيَادٌ أُهِينَ لَهَا الْفَصَافِصُ وَالشّعِيرُ
فَلَوْلَا قَارِبٌ وَبَنُو أَبِيهِ تَقَسّمَتْ الْمَزَارِعُ وَالْقُصُورُ
_________________
(١) وَذَلِكَ أَنّ إخَالُ فِي مَعْنَى: أَظُنّ، وَلَيْسَ يُرِيدُ أَنّهُ يَظُنّ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ وَإِنّمَا يُرِيدُ أَنْ يَخَالَ الْآنَ أَنْ سَيَكُونُ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ: فَإِنْ يُهْدَوْا إلَى الْإِسْلَامِ يُلْفَوْا أُنُوفَ النّاسِ مَا سَمَرُ السّمِيرُ أُنُوفَ النّاسِ انْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ لِأَنّهُ نَكِرَةٌ لَمْ يَتَعَرّفْ بِالْإِضَافَةِ لِأَنّهُ لَمْ يَرِدْ الْأُنُوفُ بِأَعْيَانِهَا، وَلَكِنّ أَشْرَافًا، وَهَذَا كَقَوْلِهِ بِمُنْجَرَدٍ قَيْدِ الْأَوَابِدِ لِأَنّهُ جَعَلَهُ كَالْقَيْدِ وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ فِي: نَصْبِ غَمَائِمَ الْأَبْصَارِ عَلَى
[ ٧ / ٢٩٦ ]
وَلَكِنّ الرّيَاسَةَ عَمّمُوهَا عَلَى يَمَنٍ أَشَارَ بِهِ الْمُشِيرُ
أَطَاعُوا قَارِبًا وَلَهُمْ جُدُودٌ وَأَحْلَامٌ إلَى عِزّ تَصِيرُ
فَإِنْ يُهْدَوْا إلَى الْإِسْلَامِ يُلْفَوْا أُنُوفَ النّاسِ مَا سَمَرُ السّمِيرُ
وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا فَهُمْ أَذَانٌ بِحَرْبِ اللهِ لَيْسَ لَهُمْ نَصِيرُ
كَمَا حَكّتْ بَنِي سَعْدٍ وَحَرْبٌ بِرَهْطِ بَنِي غَزِيّةَ عَنْقَفِيرُ
كَأَنّ بَنِي مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ إلَى الْإِسْلَامِ ضَائِنَةٌ نَخُورُ
فَقُلْنَا أَسْلِمُوا إنّا أَخُوكُمْ وَقَدْ بَرَأَتْ مِنْ الْإِحَنِ الصّدُورُ
كَأَنّ الْقَوْمَ إذْ جَاءُوا إلَيْنَا مِنْ الْبَغْضَاءِ بَعْدَ السّلْمِ عُورُ
_________________
(١) الْحَالِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ مَا مَنَعَهُ سِيبَوَيْهِ حِينَ قَالَ مُعْتَرِضًا عَلَى الْخَلِيلِ لَوْ قُلْت مَرَرْت بِقَصِيرٍ الطّوِيلَ تُرِيدُ مِثْلَ الطّوِيلِ لَمْ يَجُزْ وَاَلّذِي أَرَادَهُ الْخَلِيلُ هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ اسْتِعَارَةِ الْكَلِمَةِ عَلَى جِهَةِ التّشْبِيهِ نَحْوَ قَيْدِ الْأَوَابِدِ وَأُنُوفِ النّاسِ تُرِيدُ أَشْرَافَهُمْ فَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ وَصْفًا لِلنّكِرَةِ وَحَالًا مِنْ الْمَعْرِفَةِ وَقَدْ أَلْحَقَ بِهَذَا الْبَابِ لَهُ صَوْتٌ صَوْتُ الْحِمَارِ عَلَى الصّفّةِ وَضَعّفَهُ سِيبَوَيْهِ فِي الْحَالِ وَهُوَ فِي الصّفّةِ أَقْبَحُ وَإِنّمَا أَلْحَقَهُ الْخَلِيلُ بِمَا تَنَكّرَ وَهُوَ مُضَافٌ إلَى مُعْرِفَةٍ مِنْ أَجْلِ تُكَرّرْ اللّفْظِ فِيهِ فَحَسُنَ لِذَلِك. وَقَوْلُهُ: وَأُسْلِمَتْ النّصُورُ. ذَكَرَ الْبَرْقِيّ أَنّ النّصُورَ هَاهُنَا جَمْعُ: نَاصِرٍ وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي كَذَلِك. فَإِنّ فَاعِلًا قَلّ مَا يُجْمَعُ عَلَى فَعُولٍ وَإِنْ جُمِعَ فَلَيْسَ هُوَ بِالْقِيَاسِ الْمُطّرِدِ وَإِنّمَا هُمْ بَنُو نَصِيرٍ مِنْ هَوَازِنَ رَهْطُ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النّصْرِيّ يُقَال لَهُمْ النّصُورُ كَمَا يُقَال لِبَنِي الْمُهَلّبِ الْمَهَالِبَةُ وَلِبَنِي الْمُنْذِرِ الْمَنَاذِرَةِ، وَكَمَا يُقَال الْأَشْعَرُونَ وَهُمْ بَنُو أَشْعَرَ بْنِ أُدَدٍ وَالتّوَتْيَاتُ لِبَنِي تُوَبْتِ بْنِ أَسَدٍ. جَمْعُ أَخ وَابْنٍ: وَقَوْلُهُ إنّا أَخُوكُمْ جَمَعَ أَخًا جَمْعًا مُسْلَمًا بِالْوَاوِ وَالنّونِ ثُمّ حُذِفَتْ النّونُ لِلْإِضَافَةِ كَمَا أَنْشَدُوا:
[ ٧ / ٢٩٧ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: غَيْلَانُ غَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ الثّقَفِيّ، وَعُرْوَةُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُود الثَّقَفِيّ.
مقتل دُرَيْد بن الصمَّة
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ أَتَوْا الطّائِفَ وَمَعَهُمْ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ وَعَسْكَرَ بَعْضُهُمْ بِأَوْطَاسٍ وَتَوَجّهَ بَعْضُهُمْ نَحْوَ نَخْلَةَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيمَنْ تَوَجّهَ نَحْوَ نَخْلَةَ إلّا بَنُو غِيَرَةَ مِنْ ثَقِيفٍ، وَتَبِعَتْ خَيْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَنْ سَلَكَ فِي نَخْلَةَ مِنْ النّاسِ وَلَمْ تَتْبَعْ مَنْ سَلَكَ الثّنَايَا.
فَأُدْرِكَ رَبِيعَةُ بْنُ رَفِيعِ بْنِ أُهْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ سَمّانِ بْنِ عَوْفِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الدّغُنّةِ وَهِيَ أُمّهُ فَغَلَبَتْ عَلَى اسْمِهِ وَيُقَالُ ابْنُ لَذْعَةَ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ - دُرَيْدُ بْنُ الصّمّةِ، فَأُخِذَ بِخِطَامِ جَمَلِهِ وَهُوَ يُظَنّ أَنّهُ امْرَأَةٌ وَذَلِكَ أَنّهُ فِي شِجَارٍ لَهُ فَإِذَا بِرَجُلٍ فَأَنَاخَ بِهِ فَإِذَا شَيْخٌ كَبِيرٌ وَإِذَا هُوَ دُرَيْدُ بْنُ الصّمّةِ وَلَا يَعْرِفُهُ الْغُلَامُ فَقَالَ لَهُ دُرَيْدٌ مَا تُرِيدُ بِي؟ قَالَ أَقْتُلُك. قَالَ وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ أَنَا رَبِيعَةُ بْنُ رَفِيعٍ السّلَمِيّ ثُمّ ضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ فَلَمْ يُغْنِ شَيْئًا، فَقَالَ بِئْسَ مَا سَلّحَتْك أُمّك خُذْ سَيْفِي هَذَا مِنْ مُؤَخّرِ الرّحْلِ وَكَانَ الرّحْلُ فِي الشّجَارِ ثُمّ اضْرِبْ بِهِ وَارْفَعْ عَنْ الْعِظَامِ وَاخْفِضْ عَنْ الدّمَاغِ فَإِنْ كُنْت كَذَلِكَ أَضْرَبَ الرّجَالِ ثُمّ إذَا أَتَيْت أُمّك فَأَخْبِرْهَا أَنّك قَتَلْت دُرَيْدَ بْنَ الصّمّةِ، فَرُبّ وَاَللهِ يَوْمٌ قَدْ مُنِعْت فِيهِ نِسَاءَك. فَزَعَمَ بَنُو سُلَيْمٍ أَنّ رَبِيعَةَ لَمّا ضَرَبَهُ فَوَقَعَ تَكَشّفَ فَإِذَا عِجَانُهُ وَبُطُونُ فَخِذَيْهِ مِثْلُ
_________________
(١) وَلَمّا تَبَيّنّ أَصْوَاتَنَا بَكَيْنَ وَفَدّيْنَنَا بِالْأَبِينَا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَضْعُ الْوَاحِدِ مَوْضِعَ الْجَمِيعِ كَمَا تَقَدّمَ فِي قَوْلِهِ أَنْتُمْ الْوَلَدُ وَنَحْنُ الْوُلْدُ
[ ٧ / ٢٩٨ ]
الْقِرْطَاسِ مِنْ رُكُوبِ الْخَيْلِ أَعْرَاءً فَلَمّا رَجَعَ رَبِيعَةُ إلَى أُمّهِ أَخْبَرَهَا بِقَتْلِهِ إيّاهُ فَقَالَتْ أَمَا وَاَللهِ لَقَدْ أَعْتَقَ أُمّهَاتٍ لَك ثَلَاثًا.
فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ دُرَيْدٍ فِي قَتْلِ رَبِيعَةَ دُرَيْدًا
لَعَمْرُك مَا خَشِيت عَلَى دُرَيْدٍ بِبَطْنِ سُمَيْرَةٍ جَيْشَ الْعَنَاقِ
جَزَى عَنْهُ الْإِلَهُ بَنِي سُلَيْمٍ وَعَقّتْهُمْ بِمَا فَعَلُوا عَقَاقُ
وَأَسْقَانَا إذَا قُدْنَا إلَيْهِمْ دِمَاءَ خِيَارِهِمْ عِنْدَ التّلَاقِي
فَرُبّ عَظِيمَةٍ دَافَعَتْ عَنْهُمْ وَقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسَهُمْ التّرَاقِي
وَرُبّ كَرِيمَةٍ أَعْتَقْت مِنْهُمْ وَأُخْرَى قَدْ فَكَكْت مِنْ الْوَثَاقِ
وَرُبّ مُنَوّهٍ بِك مِنْ سُلَيْمٍ أَجَبْت وَقَدْ دَعَاك بِلَا رَمَاقِ
فَكَانَ جَزَاؤُنَا مِنْهُمْ عُقُوقًا وَهَمّا مَاعَ مِنْهُ مُخّ سَاقِي
عَفَتْ آثَارُ خَيْلِك بَعْدَ أَيْنٍ بِذِي بَقَرٍ إلَى فَيْفِ النّهَاقِ
وَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ دُرَيْدٍ أَيْضًا:
قَالُوا قَتَلْنَا دُرَيْدًا قُلْت قَدْ صَدَقُوا فَظَلّ دَمْعِي عَلَى السّرْبَالِ يَنْحَدِرُ
لَوْلَا الّذِي قَهَرَ الْأَقْوَامَ كُلّهِمْ رَأَتْ سُلَيْمٌ وَكَعْبٌ كَيْفَ تَأْتَمِرُ
إذَنْ لَصَبّحَهُمْ غِبّا وَظَاهِرَةً حَيْثُ اسْتَقَرّتْ نَوَاهُمْ جَحْفَلٌ ذَفِرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَيُقَالُ اسْمُ الّذِي قَتَلَ دُرَيْدًا: عَبْدُ اللهِ بْنُ قُنَيْعِ بْنِ أُهْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ.
مَصْرَعُ أَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيّ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي آثَارِ مَنْ تَوَجّهَ قِبَلَ أَوْطَاسٍ أَبَا عَامِرٍ الْأَشْعَرِيّ، فَأَدْرَكَ مِنْ النّاسِ بَعْضَ مَنْ انْهَزَمَ فَنَاوَشُوهُ الْقِتَالَ فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ بِسَهْمٍ فَقُتِلَ فَأَخَذَ الرّايَةَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٩٩ ]
أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَهُوَ ابْنُ عَمّهِ فَقَاتَلَهُمْ فَفَتَحَ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ وَهَزَمَهُمْ.
فَيَزْعُمُونَ أَنّ سَلَمَةَ بْنَ دُرَيْدٍ هُوَ الّذِي رَمَى أَبَا عَامِرٍ الْأَشْعَرِيّ بِسَهْمٍ فَأَصَابَ رُكْبَتَهُ فَقَتَلَهُ فَقَالَ
إنْ تَسْأَلُوا عَنّي فَإِنّي سَلَمَهْ ابْنُ سَمَادِيرَ لِمَنْ تَوَسّمَهْ
أَضْرِبُ بِالسّيْفِ رُءُوسَ الْمُسْلِمَهْ
وسمادير أمه.
دُعَاء الرَّسُول لبني رِئَابٍ
وَاسْتَحَرّ الْقَتْلُ مِنْ بَنِي نَصْرٍ فِي بَنِي رِئَابٍ فَزَعَمُوا أَنّ عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ - وَهُوَ الّذِي يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْعَوْرَاءِ وَهُوَ أَحَدُ بَنِي وَهْبِ بْنِ رِئَابٍ - قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكَتْ بَنُو رِئَابٍ فَزَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ " اللهُمّ اجبر مصيبتهم "
وَصِيَّة مَالِكِ بن عَوْف لِقَوْمِهِ ولقاء الزبير لَهُم
وَخَرَجَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ عِنْدَ الْهَزِيمَةِ فَوَقَفَ فِي فَوَارِسَ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى ثَنِيّةٍ مِنْ الطّرِيقِ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ قِفُوا حَتّى تَمْضِيَ ضُعَفَاؤُكُمْ وَتَلْحَقَ أُخْرَاكُمْ فَوَقَفَ هُنَاكَ حَتّى مَضَى مَنْ كَانَ لَحِقَ بِهِمْ مِنْ مُنْهَزِمَةِ النّاسِ؟ فَقَالَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ فِي ذَلِكَ
وَلَوْلَا كَرّتَانِ عَلَى مُحَاجٍ لَضَاقَ عَلَى الْعَضَارِيطِ الطّرِيقُ
وَلَوْلَا كَرّ دُهْمَانَ بْنِ نَصْرٍ لَدَى النّخَلَاتِ مُنْدَفِعَ الشّدِيقِ
لَآبَتْ جَعْفَرٌ وَبَنُو هِلَالٍ خَزَايَا مُحْقِبِينَ عَلَى شُقُوقِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذِهِ الْأَبْيَاتُ لِمَالِكِ بْنِ عَوْفٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ.
وَمِمّا يَدُلّك عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصّمّةِ فِي صَدْرِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا فَعَلَتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ؟ فَقَالُوا لَهُ لَمْ يَشْهَدْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَجَعْفَرُ بْنُ كِلَابٍ. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ لَآبَتْ جَعْفَرٌ وَبَنُو هِلَالٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٠٠ ]
وَبَلَغَنِي أَنّ خَيْلًا طَلَعَتْ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الثّنِيّةِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ مَاذَا تَرَوْنَ؟ فَقَالُوا: نَرَى قَوْمًا وَاضِعِي رِمَاحَهُمْ بَيْنَ آذَانِ خَيْلِهِمْ طَوِيلَةً بَوَادّهُمْ فَقَالَ هَؤُلَاءِ بَنُو سُلَيْمٍ، وَلَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ فَلَمّا أَقْبَلُوا سَلَكُوا بَطْنَ الْوَادِي. ثُمّ طَلَعَتْ خَيْلٌ أُخْرَى تَتْبَعُهَا، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ مَاذَا تَرَوْنَ؟ قَالُوا: نَرَى قَوْمًا عَارِضِي رِمَاحَهُمْ أَغْفَالًا عَلَى خَيْلِهِمْ فَقَالَ هَؤُلَاءِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، وَلَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ فَلَمّا انْتَهَوْا إلَى أَصْلِ الثّنِيّةِ سَلَكُوا طَرِيقَ بَنِي سُلَيْمٍ. ثُمّ طَلَعَ فَارِسٌ ; قَفّال لِأَصْحَابِهِ مَاذَا تَرَوْنَ؟ قَالُوا: نَرَى فَارِسًا طَوِيلَ الْبَادّ وَاضِعًا رُمْحَهُ عَلَى عَاتِقِهِ عَاصِبًا رَأْسَهُ بِمُلَاءَةٍ حَمْرَاءَ، فَقَالَ هَذَا الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ وَأَحْلِفُ بِاللّاتِ لَيُخَالِطَنّكُمْ فَاثْبُتُوا لَهُ. فَلَمّا انْتَهَى الزّبَيْرُ إلَى أَصْلِ الثّنِيّةِ أَبْصَرَ الْقَوْمَ فَصَمَدَ لَهُمْ فَلَمْ يَزَلْ يُطَاعِنُهُمْ حَتّى أَزَاحَهُمْ عَنْهَا.
شِعْرُ سَلَمَةَ فِي فِرَارِهِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ دُرَيْدٍ وَهُوَ يَسُوقُ بِامْرَأَتِهِ حَتّى أَعْجَزَهُمْ
نَسّيْتنِي مَا كُنْت غَيْرَ مُصَابَةٍ وَلَقَدْ عَرَفْت غَدَاةَ نَعْفَ الْأَظْرُبِ
أَنّي مَنَعْتُك وَالرّكُوبُ مُحَبّبٌ وَمَشَيْت خَلْفَك مِثْلَ مَشْيِ الْأَنْكَبِ
إذْ فَرّ كُلّ مُهَذّبٍ ذِي لِمّةٍ عَنْ أُمّهِ وَخَلِيلِهِ لم يعقب
بَقِيَّة حَدِيث مقتل أَبِي عَامِرٍ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ وَحَدِيثِهِ أَنّ أَبَا عَامِرٍ الْأَشْعَرِيّ لَقِيَ يَوْمَ أَوْطَاسٍ عَشْرَةَ إخْوَةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَحَمَلَ عَلَيْهِ
_________________
(١) مِنْ وَصْفِ الزّبَيْرِ وَقَوْلُهُ فِي صِفَةِ الزّبَيْرِ طَوِيلُ الْبَادّ أَيْ الْفَخْرِ وَالْبَدَدُ تَبَاعُدُ مَا بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ.
[ ٧ / ٣٠١ ]
أَحَدُهُمْ فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَبُو عَامِرٍ وَهُوَ يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ وَيَقُولُ اللهُمّ اشْهَدْ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ أَبُو عَامِرٍ ثُمّ حَمَلَ عَلَيْهِ آخَرُ فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَبُو عَامِرٍ وَهُوَ يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ وَيَقُولُ اللهُمّ اشْهَدْ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ أَبُو عَامِرٍ. ثُمّ جَعَلُوا يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ رَجُلًا رَجُلًا، وَيَحْمِلُ أَبُو عَامِرٍ وَهُوَ يَقُولُ ذَلِكَ حَتّى قَتَلَ تِسْعَةً وَبَقِيَ الْعَاشِرُ فَحَمَلَ عَلَى أَبِي عَامِرٍ وَحَمَلَ عَلَيْهِ أَبُو عَامِرٍ وَهُوَ يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ وَيَقُولُ اللهُمّ اشْهَدْ عَلَيْهِ فَقَالَ الرّجُلُ اللهُمّ لَا تَشْهَدْ عَلَيّ فَكَفّ عَنْهُ أَبُو عَامِرٍ فَأَفْلَتْ ثُمّ أَسْلَمَ بَعْدُ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ. فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا رَآهُ قَالَ " هَذَا شَرِيدُ أَبِي عَامِرٍ "وَرَمَى أَبَا عَامِرٍ أَخَوَانِ الْعَلَاءُ وَأَوْفَى ابْنَا الْحَارِثِ مِنْ بَنِي جُشَمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا قَلْبَهُ وَالْآخَرُ رُكْبَتَهُ فَقَتَلَاهُ وَوَلِيَ النّاسَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فَحَمَلَ عَلَيْهِمَا فَقَتَلَهُمَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُشَمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ يَرْثِيهِمَا:
إنّ الرّزِيّةَ قَتْلُ الْعَلَاءِ وَأَوْفَى جَمِيعًا وَلَمْ يُسْنَدَا
هُمَا الْقَاتِلَانِ أَبَا عَامِرٍ وَقَدْ كَانَ ذَا هِبَةٍ أَرْبَدَا
هُمَا تَرَكَاهُ لَدَى مَعْرَكٍ كَأَنّ عَلَى عِطْفِهِ مُجْسَدَا
فَلَمْ تَرَ فِي النّاسِ مِثْلَيْهِمَا أَقَلّ عِثَارًا وَأَرْمَى يَدَا
النّهْيُ عَنْ قَتْلِ الضّعَفَاءِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرّ يَوْمَئِذٍ بِامْرَأَةٍ وَقَدْ قَتَلَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالنّاسُ مُتَقَصّفُونَ عَلَيْهَا، فَقَالَ " مَا هَذَا؟ " فَقَالُوا: امْرَأَةٌ قَتَلَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِبَعْضِ مَنْ مَعَهُ " أَدْرِكْ خَالِدًا، فَقُلْ لَهُ: إنّ رَسُولَ اللهِ يَنْهَاك أَنْ تَقْتُلَ وَلِيدًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ عسيفا "
_________________
(١) مِنْ أَحْكَامِ الْقِتَالِ وَقَوْلُهُ فِي الْمَرْأَةِ الْمَقْتُولَةِ أَدْرِكْ خَالِدًا، فَقُلْ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنْهَاك أَنْ تَقْتُلَ وَلِيدًا، أَوْ امْرَأَةً أَوْ عَسِيفًا الْعَسِيفُ الْأَجِيرُ وَهَذَا مُنْتَزَعٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، لِأَنّهُ يَقُولُ ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [الْبَقَرَةُ ١٩٠]
[ ٧ / ٣٠٢ ]
شَأْن بجاد والشيماء
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يَوْمَئِذٍ " إنْ قَدَرْتُمْ عَلَى بِجَادٍ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَلَا يُفْلِتَنّكُمْ " وَكَانَ قَدْ أَحْدَثَ حَدَثًا، فَلَمّا ظَفِرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ سَاقُوهُ وَأَهْلَهُ وَسَاقُوا مَعَهُ الشّيْمَاءَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى أُخْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الرّضَاعَةِ فَعَنُفُوا عَلَيْهَا فِي السّيَاقِ فَقَالَتْ لِلْمُسْلِمِينَ تَعْلَمُوا وَاَللهِ أَنّي لَأُخْتُ صَاحِبِكُمْ مِنْ الرّضَاعَةِ فَلَمْ يُصَدّقُوهَا حَتّى أَتَوْا بِهَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ السّعْدِيّ، قَالَ:
فَلَمّا اُنْتُهِيَ بِهَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ إنّي أُخْتُك مِنْ
_________________
(١) فَاقْتَضَى دَلِيلُ الْخِطَابِ أَلَا تُقْتَلَ الْمَرْأَةُ إلّا أَنْ تُقَاتِلَ وَقَدْ أَخْطَأَ مَنْ قَاسَ مَسْأَلَةَ الْمُرْتَدّةِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنّ الْمُرْتَدّةَ لَا تُسْتَرَقّ وَلَا تُسْبَى، كَمَا تُسْبَى نِسَاءُ الْحَرْبِ وَذَرَارِيّهُمْ فَتَكُونُ مَالًا لِلْمُسْلِمِينَ فَنَهَى عَنْ قَتْلِهِنّ لِذَلِكَ. حُكْمُ رَفْعِ الْيَدِ فِي الدّعَاءِ وَذَكَرَ فِيمَنْ اُسْتُشْهِدَ أَبَا عَامِرٍ وَاسْمُهُ عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمِ بْنِ حَصّارٍ وَهُوَ عَمّ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيّ، وَهُوَ الّذِي اسْتَغْفَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ قُتِلَ رَافِعًا يَدَيْهِ جِدّا، يَقُولُ " اللهُمّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ "ثَلَاثًا، وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الدّعَاءِ وَقَدْ كَرِهَهُ قَوْمٌ رَوَى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ أَنّهُ رَأَى قَوْمًا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي الدّعَاءِ فَقَالَ أَوَقَدْ رَفَعُوهَا؟ قَطَعَهَا اللهُ وَاَللهِ لَوْ كَانُوا بِأَعْلَى شَاهِقٍ مَا ازْدَادُوا مِنْ اللهِ بِذَلِكَ قُرْبًا، وَذُكِرَ لِمَالِكٍ أَنّ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ كَانَ يَدْعُو بِإِثْرِ كُلّ صَلَاةٍ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فَقَالَ ذَلِكَ حَسَنٌ وَلَا أَرَى أَنْ يَرْفَعَهُمَا جِدّا. وَحُجّةُ مَنْ رَأَى الرّفْعَ أَحَادِيثُ مِنْهَا مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا، وَمِنْهَا حَدِيثٌ تَقَدّمَ فِي سَرِيّةِ الْغُمَيْصَاءِ حِينَ رَفَعَ النّبِيّ - ﷺ - يَدَيْهِ وَقَالَ " اللهُمّ إنّي أَبْرَأُ إلَيْك مِمّا صَنَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ "ثَلَاثَ
[ ٧ / ٣٠٣ ]
الرّضَاعَةِ قَالَ " وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ " قَالَتْ عَضّةٌ عَضَضْتَنِيهَا فِي ظَهْرِي وَأَنَا مُتَوَرّكَتُك ; قَالَ فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعَلَامَةَ فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ فَأَجْلَسَهَا عَلَيْهِ وَخَيّرَهَا، وَقَالَ " إنْ أَحْبَبْت فَعِنْدِي مَحَبّةُ مَكْرَمَةٍ وَإِنْ أَحْبَبْت أَنْ أُمَتّعَك وَتَرْجِعِي إلَى قَوْمِك فَعَلْت "؟ فَقَالَتْ بَلْ تُمَتّعُنِي وَتَرُدّنِي إلَى قَوْمِي، فَمَتّعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَدّهَا إلَى قَوْمِهَا "فَزَعَمَتْ بَنُو سَعْدٍ أَنّهُ أَعْطَاهَا غُلَامًا لَهُ يُقَالُ لَهُ مَكْحُولٌ، وَجَارِيَةٌ فَزَوّجَتْ أَحَدُهُمَا الْأُخْرَى، فَلَمْ يَزَلْ فِيهِمْ مِنْ نَسْلِهِمَا بَقِيّةٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التَّوْبَة: ٢٥-٢٦]
تَسْمِيَةُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ يَوْم حنين
قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَهَذِه تَسْمِيَة من اسْتشْهد يَوْمَ حُنَيْنٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ
_________________
(١) مَرّاتٍ وَلِكُلّ شَيْءٍ وَجْهٌ فَمَنْ كَرِهَ فَإِنّمَا كَرِهَ الْإِفْرَاطَ فِي الرّفْعِ كَمَا كُرِهَ رَفْعُ الصّوْتِ بِالدّعَاءِ جِدّا. قَالَ ﷺ " أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمّ وَلَا غَائِبًا "وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ الّذِي قَدّمْنَاهُ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ الْحَفْنَةُ وَشَاهَتْ الْوُجُوهُ فَصْلٌ: وَمِمّا ذُكِرَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ الْحَفْنَةُ الّتِي أَخَذَهَا النّبِيّ ﷺ مِنْ الْبَطْحَاءِ، وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ فَرَمَى بِهَا أَوْجُهَ الْكُفّارِ وَقَالَ " شَاهَتْ الْوُجُوهُ "فَانْهَزَمُوا. وَالْمُسْتَقْبَلُ مِنْ شَاهَتْ تَشَاهُ لِأَنّ وَزْنَهُ فَعَلَ
[ ٧ / ٣٠٤ ]
مِنْ قُرَيْشٍ ثُمّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ: أَيْمَنُ بْنُ عُبَيْدٍ.
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى: يَزِيدُ بْنُ زَمَعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، جَمَحَ بِهِ فَرَسٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ الْجُنَاحُ فَقُتِلَ.
وَمِنْ الْأَنْصَارِ: سُرَاقَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيّ مِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ.
وَمِنْ الْأَشْعَرِيّينَ: أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيّ.
جمع سَبَايَا حنين
ثُمّ جُمِعَتْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبَايَا حُنَيْنٍ وَأَمْوَالُهَا وَكَانَ عَلَى الْمَغَانِمِ مَسْعُودُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيّ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَسَلّمَ بِالسّبَايَا وَالْأَمْوَالِ إلَى الْجِعِرّانَةِ، فَحُبِسَتْ بِهَا.
شِعْرُ بُجَيْرٍ يَوْمَ حُنَيْنٍ
وَقَالَ بُجَيْرُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ:
لَوْلَا الْإِلَهُ وَعَبْدُهُ وَلّيْتُمْ حِينَ اسْتَخَفّ الرّعْبُ كُلّ جَبَانٍ
_________________
(١) وَفِيهِ أَنّ الْبَغْلَةَ حَضَجَتْ بِهِ إلَى الْأَرْضِ حِينَ أَخَذَ الْحَفْنَةَ ثُمّ قَامَتْ بِهِ وَفَرّوا حَضَجَتْ أَيْ ضَرَبَتْ بِنَفْسِهَا إلَى الْأَرْضِ وَأَلْصَقَتْ بَطْنَهَا بِالتّرَابِ وَمِنْهُ الْحِضَاجُ وَهُوَ زِقّ مَمْلُوءٌ قَدْ أُسْنِدَ إلَى شَيْءٍ وَأَمِيلُ إلَيْهِ وَالْبَغْلَةُ الّتِي كَانَ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ هِيَ الّتِي تُسَمّى الْبَيْضَاءَ وَهِيَ الّتِي أَهْدَاهَا إلَيْهِ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُ الْأُخْرَى، وَاسْمُهَا: دُلْدُلُ وَذِكْرُ مَنْ أَهْدَاهَا إلَيْهِ. نِدَاءُ أَصْحَابِ الشّجَرَةِ وَذَكَرَ نِدَاءَ الْعَبّاسِ يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ السّمُرَةِ وَكَانَ الْعَبّاسُ صِيّتَا جَهِيرًا
[ ٧ / ٣٠٥ ]
بِالْجِزْعِ يَوْمَ حَبَا لَنَا أَقْرَانُنَا وَسَوَابِحٌ يَكْبُونَ لِلْأَذْقَانِ
مِنْ بَيْنِ سَاعٍ ثَوْبُهُ فِي كَفّهِ وَمُقَطّرٍ بِسَنَابِكِ ولبان
وَالله أكرمنا وَأظْهر ديننَا وأعزنا بِعبَادة الرَّحْمَن
وَاَللهُ أَهْلَكَهُمْ وَفَرّقَ جَمْعَهُمْ وَأَذَلّهُمْ بِعِبَادَةِ الشّيْطَانِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيَرْوِي فِيهَا بَعْضُ الرّوَاةِ
إذْ قَامَ عَمّ نَبِيّكُمْ وَوَلِيّهُ يَدْعُونَ يَا لَكَتِيبَةِ الْإِيمَانِ
أَيْنَ الّذِينَ هُمْ أَجَابُوا رَبّهُمْ يَوْمَ الْعَرِيضِ وَبَيْعَةِ الرّضْوَانِ
شِعْرٌ لِعَبّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ:
إنّي وَالسّوَابِحُ يَوْمَ جَمْعٍ وَمَا يَتْلُو الرّسُولُ مِنْ الْكِتَابِ
لَقَدْ أَحْبَبْت مَا لَقِيَتْ ثَقِيفٌ بِجَنْبِ الشّعْبِ أَمْسِ مِنْ الْعَذَابِ
هُمْ رَأْسُ الْعَدُوّ مِنْ أَهْل نَجْدٍ فَقَتْلُهُمْ أَلَذّ مِنْ الشّرَابِ
هَزَمْنَا الْجَمْعَ جَمْعَ بَنِي قَسِيّ وَحَكّتْ بَرْكَهَا بِبَنِي رِئَابِ
وَصِرْمًا مِنْ هِلَالٍ غَادَرَتْهُمْ بِأَوْطَاسٍ تُعَفّرُ بِالتّرَابِ
وَلَوْ لَاقَيْنَ جَمْعَ بَنِي كِلَابٍ لَقَامَ نِسَاؤُهُمْ وَالنّقْعُ كَابِي
رَكَضْنَا الْخَيْلَ فِيهِمْ بَيْنَ بُسّ إلَى الْأَوْرَالِ تَنْحِطُ بِالنّهَابِ
بِذِي لَجَبٍ رَسُولُ اللهِ فِيهِمْ كَتِيبَتُهُ تَعَرّضُ لِلضّرَابِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
قَوْلُهُ "تُعَفّرُ بِالتّرَابِ ": عَنْ غَيْرِ ابْن إِسْحَاق.
_________________
(١) وَأَصْحَابُ السّمُرَةِ هُمْ أَصْحَابُ بَيْعَةِ الرّضْوَانِ الّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَ الشّجَرَةِ، وَكَانَتْ الشّجَرَةُ سَمُرَةً.
[ ٧ / ٣٠٦ ]
شعر ابْن عفيف فِي الرَّد عَلَى ابْنِ مِرْدَاسٍ
فَأَجَابَهُ عَطِيّةُ بْنُ عَفِيفٍ النّصْرِيّ، فِيمَا حَدّثَنَا ابْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ
أَفَاخِرَةٌ رِفَاعَةُ فِي حُنَيْنٍ وَعَبّاسُ ابْنُ رَاضِعَةِ اللّجَابِ
فَإِنّك وَالْفِجَارَ كَذَاتِ مِرْطٍ لِرَبّتِهَا وَتَرْفُلُ فِي الْإِهَابِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ عَطِيّةُ بْنُ عَفِيفٍ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ لَمّا أَكْثَرَ عَبّاسٌ عَلَى هَوَازِنَ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ وَرِفَاعَةُ مِنْ جُهَيْنَةَ.
شِعْرٌ آخَرُ لِعَبّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَيْضًا
يَا خَاتَمَ النّبَاءِ إنّك مُرْسَلٌ بِالْحَقّ كُلّ هُدَى السّبِيلِ هُدَاكَا
إنّ الْإِلَهَ بَنَى عَلَيْك مَحَبّةً فِي خَلْقِهِ وَمُحَمّدًا سَمّاكَا
ثُمّ الّذِينَ وَفَوْا بِمَا عَاهَدْتهمْ جُنْدٌ بَعَثْت عَلَيْهِمْ الضّحّاكَا
رَجُلًا بِهِ ذَرَبُ السّلَاحِ كَأَنّهُ لَمّا تَكَنّفَهُ الْعَدُوّ يَرَاكَا
يَغْشَى ذَوِي النّسَبِ الْقَرِيبِ وَإِنّمَا يَبْغِي رِضَا الرّحْمَنِ ثُمّ رِضَاكَا
_________________
(١) الضّحّاكُ بْنُ سُفْيَانَ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ الضّحّاكَ بْنَ سُفْيَانَ الْكِلَابِيّ، وَهُوَ الضّحّاكُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عَوْفِ بْنِ كَعْبِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ كِلَابٍ الْكِلَائِيّ يُكَنّى أَبَا سَعِيدٍ وَكَانَ يَقُومُ عَلَى رَأْسِ النّبِيّ - ﷺ - مُتَوَشّحًا بِالسّيْفِ وَكَانَ يُعَدّ وَحْدَهُ بِمِائَةِ فَارِسٍ، وَكَانَتْ بَنُو سُلَيْمٍ يَوْمَ حُنَيْنٍ تِسْعَمِائَةٍ فَأَمّرَهُ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَخْبَرَهُ أَنّهُ قَدْ تَمّمَهُمْ بِهِ أَلْفًا، وَإِيّاهُ أَرَادَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ بِقَوْلِهِ جُنْدٌ بَعَثْت عَلَيْهِمْ الضّحّاكَا
[ ٧ / ٣٠٧ ]
أُنْبِيكَ أَنّي قَدْ رَأَيْت مَكَرّهُ تَحْتَ الْعَجَاجَةِ يَدْمَغُ الْإِشْرَاكَا
طَوْرًا يُعَانِقُ بِالْيَدَيْنِ وَتَارَةً يَفْرِي الْجَمَاجِمَ صَارِمًا بَتّاكًا
يَغْشَى بِهِ هَامَ الْكُمَاةِ وَلَوْ تَرَى مِنْهُ الّذِي عَايَنْت كَانَ شَفَاكَا
وَبَنُو سُلَيْمٍ مُعْنِقُونَ أَمَامَهُ ضَرْبًا وَطَعْنًا فِي الْعَدُوّ دِرَاكًا
يَمْشُونَ تَحْتَ لِوَائِهِ وَكَأَنّهُمْ أُسْدُ الْعَرِينِ أَرَدْنَ ثَمّ عِرَاكَا
مَا يَرْتَجُونَ مِنْ الْقَرِيبِ قَرَابَةً إلّا لِطَاعَةِ رَبّهِمْ وَهَوَاكَا
هَذِي مَشَاهِدُنَا الّتِي كَانَتْ لَنَا مَعْرُوفَةً وَوَلِيّنَا مَوْلَاكَا
وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَيْضًا
إمّا تَرَى يَا أُمّ فَرْوَةَ خَيْلُنَا مِنْهَا مُعَطّلَةً نُقَادُ وَظُلّعُ
أَوْهَى مُقَارَعَةُ الْأَعَادِي دَمّهَا فِيهَا نَوَافِذُ مِنْ جِرَاحٍ تَنْبُعُ
فَلَرُبّ قَائِلَةٍ كَفَاهَا وَقْعُنَا أَزْمَ الْحُرُوبِ فَسِرْبُهَا لَا يُفْزَعُ
لَا وَفْدَ كَالْوَفْدِ الْأُلَى عَقَدُوا لَنَا سَبَبًا بِحَبْلِ مُحَمّدٍ لَا يُقْطَعُ
وَفْدُ أَبُو قُطْنٍ حُزَابَةُ مِنْهُمْ وَأَبُو الْغُيُوثِ وَوَاسِعٌ وَالْمِقْنَعُ
وَالْقَائِدُ الْمِئَةَ الّتِي وَفّى بِهَا تِسْعَ الْمِئِينَ فَتَمّ أَلْفٌ أَقْرَعُ
جَمَعَتْ بَنُو عَوْفٍ وَرَهْطُ مُخَاشِنٍ سِتّا وَأَحْلَبُ مِنْ خِفَافٍ أَرْبَعُ
فَهُنَاكَ إذْ نُصِرَ النّبِيّ بِأَلْفِنَا عَقَدَ النّبِيّ لَنَا لِوَاءً يَلْمَعُ
فُزْنَا بِرَايَتِهِ وَأَوْرَثَ عِقْدُهُ مَجْدُ الْحَيَاةِ وَسُؤْدُدًا لَا يُنْزَعُ
وَغَدَاةَ نَحْنُ مَعَ النّبِيّ جُنَاحُهُ بِبِطَاحِ مَكّةَ وَالْقَنَا يَتَهَزّعُ
كَانَتْ إجَابَتُنَا لِدَاعِي رَبّنَا بِالْحَقّ مِنّا حَاسِرٌ وَمُقَنّعُ
_________________
(١) وَقَالَ الْبَرْقِيّ: لَيْسَ الضّحّاكُ بْنُ سُفْيَانَ هَذَا بِالْكِلَابِيّ إنّمَا هُوَ الضّحّاكُ بْنُ سُفْيَانَ السّلَمِيّ. وَذَكَرَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ نَسَبَهُ مَرْفُوعًا إلَى بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمٍ وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو عُمَرَ فِي الصّحَابَةِ إلّا الْأَوّلُ وَهُوَ الْكِلَابِيّ فَاَللهُ أَعْلَمُ.
[ ٧ / ٣٠٨ ]
فِي كُلّ سَابِغَةٍ تَخَيّرَ سَرْدَهَا دَاوُدُ إذْ نَسَجَ الْحَدِيدَ وَتُبّعُ
وَلَنَا عَلَى بِئْرَيْ حُنَيْنٍ مَوْكِبٌ دَمَغَ النّفَاقَ وَهَضْبَةٌ مَا تُقْلَعُ
نُصِرَ النّبِيّ بِنَا وَكُنّا مَعْشَرًا فِي كُلّ نَائِبَةٍ نَضُرّ وَنَنْفَعُ
ذُدْنَا غَدَاتَئِذٍ هَوَازِنَ بِالْقَنَا وَالْخَيْلُ يَغْمُرُهَا عَجَاجٌ يَسْطَعُ
إذْ خَافَ حَدّهُمْ النّبِيّ وَأَسْنَدُوا جَمْعًا تَكَادُ الشّمْسُ مِنْهُ تَخْشَعُ
تُدْعَى بَنُو جُشَمٍ وَتُدْعَى وَسْطَهُ أَفْنَاءَ نَصْرٍ وَالْأَسِنّةُ شُرّعُ
حَتّى إذَا قَالَ الرّسُولُ مُحَمّدٌ أَبَنِي سُلَيْمٍ قَدْ وَفَيْتُمْ فَارْفَعُوا
رُحْنَا وَلَوْلَا نَحْنُ أَجْحَفَ بَأْسُهُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ وَأَحْرَزُوا مَا جَمّعُوا
وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَيْضًا فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ
عَفَا مِجْدَلٌ مِنْ أَهْلِهِ فَمُتَالِعُ فَمِطْلَا أَرِيكٍ قَدْ خَلَا فَالْمَصَانِعُ
دِيَارٌ لَنَا يَا جُمْلُ إذْ جُلّ عَيْشِنَا رَخِيّ وَصَرْفُ الدّارِ لِلْحَيّ جَامِعُ
حُبَيّبَهٌ أَلَوَتْ بِهَا غُرْبَةُ النّوَى لِبَيْنٍ فَهَلْ مَاضٍ مِنْ الْعَيْشِ رَاجِعُ
فَإِنّ تَبْتَغِي الْكُفّارُ غَيْرَ مَلُومَةٍ فَإِنّي وَزِيرٌ لِلنّبِيّ وَتَابِعُ
_________________
(١) قَصِيدَةُ ابْنِ مِرْدَاسٍ الْعَيْنِيّةُ: وَذَكَرَ شِعْرَ عَبّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ الّذِي أَوّلُهُ عَفَا مِجْدَلٌ مِنْ أَهْلِهِ فَمُتَالِعُ الْمِجْدَلُ الْقَصْرُ وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ اسْمُ عَلَمٍ لِكَانَ. وَفِيهِ فَمِطْلَا أَرِيكٍ. الْمِطْلُ يُمَدّ وَيُقْصَرُ وَهِيَ أَرْضٌ تَعْقِلُ الرّجُلَ عَنْ الْمَشْيِ فَقِيلَ إنّهَا مِفْعَالٌ مِنْ الطّلْيِ وَهُوَ الْجَرْيُ يُطْلَى، أَيْ تُعْقَلُ رِجْلُهُ وَقِيلَ إنّ الْمِطْلَاءَ فِعْلَاءُ مِنْ مَطَلْت إذَا مَدَدْت، وَجَمْعُهُ مِطَالٌ فِي الْأَمَالِي:
[ ٧ / ٣٠٩ ]
دَعَانَا إلَيْهِمْ خَيْرُ وَفْدٍ عَلِمَتْهُمْ خُزَيْمَةُ وَالْمَرّارُ مِنْهُمْ وَوَاسِعُ
فَجِئْنَا بِأَلْفٍ مِنْ سُلَيْمٍ عَلَيْهِمْ لَبُوسٌ لَهُمْ مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ رَائِعُ
نُبَايِعُهُ بِالْأَخْشَبَيْنِ وَإِنّمَا يَدُ اللهِ الْأَخْشَبَيْنِ نُبَايِعُ
فَجُسْنَا مَعَ الْمَهْدِيّ مَكّةَ عَنْوَةً بِأَسْيَافِنَا وَالنّقْعُ كَابٍ وَسَاطِعُ
عَدَنِيّةٌ وَالْخَيْلُ يَغْشَى مُتُونَهَا حَمِيمٌ وَآنٍ مِنْ دَمِ الْجَوْفِ نَاقِعُ
وَيَوْمُ حُنَيْنٍ حِينَ سَارَتْ هَوَازِنُ إلَيْنَا وَضَاقَتْ بِالنّفُوسِ الْأَضَالِعُ
صَبَرْنَا مَعَ الضّحّاكِ لَا يَسْتَفِزّنَا قِرَاعُ الْأَعَادِي مِنْهُمْ وَالْوَقَائِعُ
أَمَامَ رَسُولِ اللهِ يَخْفُقُ فَوْقَنَا لِوَاءٌ كَخُذْرُوفِ السّحَابَةِ لَامِعُ
عَشِيّةَ ضَحّاكُ بْنُ سُفْيَانَ مُعْتَصٍ بِسَيْفِ رَسُولِ اللهِ وَالْمَوْتُ كَانِعُ
نَذُودُ أَخَانَا عَنْ أَخِينَا وَلَوْ نَرَى مَصَالًا لَكُنّا الْأَقْرَبِينَ نُتَابِعُ
وَلَكِنّ دِينَ اللهِ دِينُ مُحَمّدٍ رَضِينَا بِهِ فِيهِ الْهُدَى وَالشّرَائِعُ
_________________
(١) أَمَا تَسْأَلَانِ اللهَ أَنّ يَسْقِيَ الْحِمَى أَلَا فَسَقَى اللهُ الْحِمَى فَالْمَطَالِيَا وَفِيهِ تَذُودُ أَخَانَا عَنْ أَخِينَا، وَلَوْ نَرَى مَصَالًا لَكُنّا الْأَقْرَبِينَ نُتَابِعُ يُرِيدُ أَنّهُ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وَسُلَيْمٌ مِنْ قَيْسٍ، كَمَا أَنّ هَوَازِنَ مِنْ قَيْسٍ، كِلَاهُمَا ابْنُ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسٍ، فَمَعْنَى الْبَيْتِ نُقَاتِلُ إخْوَتَنَا، وَنَذُودُهُمْ عَنْ إخْوَتِنَا مِنْ سُلَيْمٍ وَلَوْ نَرَى فِي حُكْمِ الدّينِ مَصَالًا مُفْعِلًا مِنْ الصّوْلَةِ لَكُنّا مَعَ الْأَقْرَبِينَ هَوَازِنُ: وَلَكِنّ دِينَ اللهِ دِينُ مُحَمّدٍ رَضِينَا بِهِ فِيهِ الْهُدَى وَالشّرَائِعُ
[ ٧ / ٣١٠ ]
أَقَامَ بِهِ بَعْدَ الضّلَالَةِ أَمْرَنَا وَلَيْسَ لِأَمْرِ حَمّهُ اللهُ دَافِعُ
_________________
(١) وَفِيهِ قَوْلُهُ دَعَانَا إلَيْهِ خَيْرُ وَفْدٍ عَلِمَتْهُمْ خُزَيْمَةُ وَالْمَدّارُ مِنْهُمْ وَوَاسِعُ هَؤُلَاءِ وَفْدُ بَنِي سُلَيْمٍ وَفَدُوا عَلَى النّبِيّ - ﷺ - فَأَسْلَمُوا، ثُمّ دَعَوْا قَوْمَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَذَكَرَ فِيهِمْ الْمَدّارَ السّلَمِيّ وَوَاسِعًا السّلَمِيّ وَخُزَيْمَةَ، وَهُوَ خُزَيْمَةُ بْنُ جُزَيّ أَخُو حِبّانَ بْنِ جُزَيّ وَكَانَ الدّارَقُطْنِيّ يَقُولُ فِيهِ جِزَيّ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالزّايِ. وَفِيهَا: يَدَ اللهِ بَيْنَ الْأَخْشَبَيْنِ نُبَايِعُ مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنّ الّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الْفَتْحُ ١٠] أَقَامَ يَدَ رَسُول اللهِ ﷺ مَقَامَ يَدِهِ كَمَا قَالَ - ﷺ - فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ: " هُوَ يَمِينُ اللهِ فِي الْأَرْضِ "، أَقَامَهُ فِي الْمُصَافَحَةِ وَالتّقْبِيلِ مَقَامَ يَمِينِ الْمَلِكِ الّذِي يُصَافِحُ بِهَا، لِأَنّ الْحَاجّ وَافِدٌ عَلَى الْمَلِكِ الْأَعْلَى وَزَائِرٌ بَيْتَهُ فَجَعَلَ تَقْبِيلَهُ الْحَجَرَ مُصَافَحَةً لَهُ وَكَمَا جُعِلَتْ يَمِينُ السّائِلِ الْآخِذِ لِلصّدَقَةِ الْمُتَقَبّلَةِ يَمِينَ الرّحْمَنِ سُبْحَانَهُ تَرْغِيبًا فِي الصّدَقَةِ وَتَبْشِيرًا بِقَبُولِهَا، وَتَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ مَنْ أُعْطِيَتْ لَهُ فَإِنّمَا أَعْطَاهَا الْمُتَصَدّقُ لِلّهِ سُبْحَانَهُ وَإِيّاهُ سُبْحَانَهُ أَفْرَضَ فَقَالَ ﷾: ﴿وَيَأْخُذُ الصّدَقَاتِ﴾ [التّوْبَةُ ١٠٤] وَقَالَ ﷺ " إنّمَا يَضَعُهَا فِي كَفّ الرّحْمَنِ يُرَبّيهَا لَه " الْحَدِيثُ.
[ ٧ / ٣١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) شِعْرُ عَبّاسٍ الْكَافِي: وَقَوْلُ عَبّاسٍ فِي الشّعْرِ الْكَافِي: إنّ الْإِلَهَ بَنَى عَلَيْك مَحَبّةً فِي خَلْقِهِ وَمُحَمّدًا سَمّاكَا مَعْنًى دَقِيقٌ وَغَرَضٌ نَبِيلٌ وَتَفَطّنٌ لِحِكْمَةٍ نَبَوِيّةٍ قَدْ بَيّنّاهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ فِي تَسْمِيَةِ اللهِ تَعَالَى لِنَبِيّهِ مُحَمّدًا وَأَحْمَدَ وَأَنّهُ اسْمٌ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ قَوْمِهِ قَبْلَهُ وَأَنّ أُمّهُ أُمِرَتْ فِي الْمَنَامِ أَنْ تُسَمّيَهُ مُحَمّدًا، فَوَافَقَ مَعْنَى الِاسْمِ صِفَةَ الْمُسَمّى بِهِ مُوَافَقَةً تَامّةً قَدْ بَيّنّا شَرْحَهَا هُنَالِكَ وَلِذَلِك قَالَ بَنَى عَلَيْك مَحَبّةً لِأَنّ الْبِنَاءَ تَرْكِيبٌ عَلَى أُسّ فَأَسّسَ لَهُ سُبْحَانَهُ مُقَدّمَاتٍ لِنُبُوّتِهِ مِنْهَا: تَسْمِيَتُهُ بِمُحَمّدٍ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ ثُمّ لَمْ يَزَلْ يُدْرِجُهُ فِي مَحَامِدِ الْأَخْلَاقِ وَمَا تُحِبّهُ الْقُلُوبُ مِنْ الشّيَمِ حَتّى بَلَغَ إلَى أَعْلَى الْمَحَامِدِ مَرْتَبَةً وَتَكَامَلَتْ لَهُ الْمَحَبّةُ مِنْ الْخَالِقِ وَالْخَلِيقَةِ، وَظَهَرَ مَعْنَى اسْمِهِ فِيهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَهُوَ اللّبِنَةُ الّتِي اسْتَتَمّ بِهَا الْبِنَاءُ كَمَا أَخْبَرَ ﵇ وَهَذَا كُلّهُ مَعْنَى بَيْتِ عَبّاسٍ حَيْثُ قَالَ إنّ الْإِلَهَ بَنَى عَلَيْك، الْبَيْتُ. الدّامّاءُ وَالدّأْمَاءُ وَقَوْلُهُ فِي الْعَيْنِيّةِ الْأُخْرَى يَصِفُ الْخَيْلَ أَوْهَى مُقَارَعَةُ الْأَعَادِي دَمّهَا يُرِيدُ شَحْمَهَا، يُقَالُ أَدْمِمْ قِدْرَك بِوَدَكٍ وَدَمَمْت الشّيْءَ طَلَيْته، وَمِنْهُ الدّامّاءُ أَحَدُ جُحْرَةِ الْيَرْبُوعِ لِأَنّهُ يَدُمّ بَابَهُ بِقِشْرٍ رَقِيقٍ مِنْ الْأَرْضِ فَلَا يَرَاهُ الصّائِدُ فَإِذَا طَلَبَ مِنْ الْقَاصِعَاءِ أَوْ الرّاهِطَاءِ أَوْ النّافِقَاءِ أَوْ الْعَانُقَاءِ وَهِيَ الْأَبْوَابُ الْأُخَرُ نَطَحَ بِرَأْسِهِ بَابَ الدّامّاءِ فَخَرَقَهُ وَأَمّا الدّأْمَاءُ بِالتّخْفِيفِ فَهُوَ الْبَحْرُ وَهُوَ فَعْلَاءُ
[ ٧ / ٣١٢ ]
وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَيْضًا فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ
تَقَطّعَ بَاقِي وَصْلِ أُمّ مُؤَمّلٍ بِعَاقِبَةٍ وَاسْتَبْدَلَتْ نِيّةً خُلْفَا
وَقَدْ حَلَفَتْ بِاَللهِ لَا تَقْطَعُ الْقُوَى فَمَا صَدَقَتْ فِيهِ وَلَا بَرّتْ الْحَلْفَا
خُفَافِيّةٌ بَطْنُ الْعَقِيقِ مَصِيفُهَا وَتَحْتَلّ فِي الْبَادِينَ وَجْرَةَ فَالْعُرْفَا
فَإِنْ تَتْبَعْ الْكُفّارَ أُمّ مُؤَمّلٍ فَقَدْ زَوّدَتْ قَلْبِي عَلَى نَأْيِهَا شَغَفَا
وَسَوْفَ يُنْبِيهَا الْخَبِيرُ بِأَنّنَا أَبَيْنَا وَلَمْ نَطْلُبْ سِوَى رَبّنَا حِلْفَا
وَأَنّا مَعَ الْهَادِي النّبِيّ مُحَمّدٍ وَفِينَا وَلَمْ يَسْتَوْفِهَا مَعْشَرٌ أَلْفَا
_________________
(١) لِأَنّهُ يُهْمَزُ فَيُقَالُ دَأْمَاءُ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ. شِعْرُ عَبّاسٍ الْفَاوِيّ وَذَكَرَ شِعْرَ عَبّاسٍ الْفَاوِيّ وَفِيهِ بِعَاقِبَةٍ وَاسْتَبْدَلَتْ نِيّةً خُلْفَا النّيّةُ: مِنْ النّوَى وَهُوَ الْبُعْدُ. وَخُلْفَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ أَيْ فَعَلْت ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْخُلْفِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكّدًا لِلِاسْتِبْدَالِ لِأَنّ اسْتِبْدَالَهَا بِهِ خُلْفٌ مِنْهَا لِمَا وَعَدَتْهُ بِهِ وَيُقَوّي هَذَا الْبَيْتَ الْبَيْتُ الّذِي بَعْدَهُ وَقَدْ حَلَفَتْ بِاَللهِ لَا تَقْطَعُ الْقُوَى يَعْنِي: قُوَى الْحَبْلِ وَالْحَبْلُ هُنَا: هُوَ الْعَهْدُ ثُمّ قَالَ فَمَا صَدَقَتْ فِيهِ وَلَا بَرّتْ الْحَلْفَا وَهَذَا هُوَ الْخُلْفُ الْمُتَقَدّمُ ذِكْرُهُ. وَقَوْلُهُ وَفِينَا وَلَمْ يَسْتَوْفِهَا مَعْشَرٌ أَلْفَا
[ ٧ / ٣١٣ ]
بِفِتْيَانِ صِدْقٍ مِنْ سُلَيْمٍ أَعِزّةٍ أَطَاعُوا فَمَا يَعْصُونَ مِنْ أَمْرِهِ حَرْفَا
خِفَافٌ وَذَكْوَانُ وَعَوْفٌ تَخَالُهُمْ مَصَاعِبُ زَافَتْ فِي طَرُوقَتِهَا كُلْفَا
كَأَنّ النّسِيجَ الشّهْبَ وَالْبِيضَ مُلْبَسٌ أَسُودًا تَلَاقَتْ فِي مَرَاصِدِهَا غُضْفَا
بِنَا عَزّ دِينُ اللهِ غَيْرَ تَنَحّلٍ وَزُدْنَا عَلَى الْحَيّ الّذِي مَعَهُ ضِعْفَا
بِمَكّةَ إذْ جِئْنَا كَأَنّ لِوَاءَنَا عُقَابٌ أَرَادَتْ بَعْدَ تَحْلِيقِهَا خَطْفَا
عَلَى شُخّصِ الْأَبْصَارِ تَحْسَبُ بَيْنَهَا إذَا هِيَ جَالَتْ فِي مَرَاوِدِهَا عَزْفَا
غَدَاةَ وَطِئْنَا الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ نَجِدْ لِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ عَدْلًا وَلَا صَرْفَا
_________________
(١) أَيْ وَفِينَا أَلْفًا وَلَمْ يَسْتَوْفِهَا غَيْرُنَا، أَيْ لَمْ يَسْتَوْفِ هَذِهِ الْعُدّةَ غَيْرُنَا مِنْ الْقَبَائِلِ. وَقَوْلُهُ: إذَا هِيَ جَالَتْ فِي مَرَاوِدِهَا عَزْفَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ مِرْوَدٍ وَهُوَ الْوَتَدُ كَمَا قَالَ الْآخَرُ يَصِفُ طَعْنَةً ومستنة كاستنان الخروف قَدْ قَطَعَ الْحَبْلَ بِالْمِرْوَدِ وَالْخَرُوفُ هَاهُنَا فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ الْمُهْرُ وَقَالَ آخَرُونَ وَالْفَرَسُ يُسَمّى خَرُوفًا، وَمَعْنَاهُ عِنْدِي فِي هَذَا الْبَيْتِ أَنّهَا صِفَةٌ مِنْ خَرَفْت الثّمَرَةَ إذَا جَنَيْتهَا فَالْفَرَسُ خَرُوفٌ لِلشّجَرِ وَالنّبَاتِ لَا نَقُولُ إنّ الْفَرَسَ يُسَمّى خَرُوفًا فِي عُرْفِ اللّغَةِ وَلَكِنْ خَرُوفٌ فِي مَعْنَى أَكُولٍ لِأَنّهُ يَخْرُفُ أَيْ يَأْكُلُ فَهُوَ صِفَةٌ لِكُلّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ مِنْ الدّوَابّ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَرَاوِدِهَا جَمْعُ مُرَادٍ وَهُوَ حَيْثُ تَرُودُ الْخَيْلِ تَذْهَبُ وَتَجِيءُ فَمُرَادُ وَمَرَاوِدُ مِثْلُ مَقَامٍ وَمَقَاوِمَ وَمَنَارٍ وَمَنَاوِرَ
[ ٧ / ٣١٤ ]
بِمُعْتَرَكٍ لَا يَسْمَعُ الْقَوْمُ وَسْطَهُ لَنَا زَجْمَةً إلّا التّذَامُرَ وَالنّقْفَا
بِبِيضٍ نُطِيرُ الْهَامَ عَنْ مُسْتَقَرّهَا وَنَقْطِفُ أَعْنَاقَ الْكُمَاةِ بِهَا قَطْفَا
فَكَائِن تَرَكْنَا مِنْ قَتِيلٍ مُلَحّبٍ وَأَرْمَلَةٍ تَدْعُو عَلَى بَعْلِهَا لَهْفَا
رِضَا اللهِ نَنْوِي لَا رِضَا النّاسِ نَبْتَغِي وَلِلّهِ مَا يَبْدُو جَمِيعًا وَمَا يَخْفَى
وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاس أَيْضًا
_________________
(١) وَقَوْلُهُ لَنَا زَجْمَةً إلّا التّذَامُرَ وَالنّقْفَا يُقَالُ مَا زَجَمَ زَجْمَةً أَيْ مَا نَبَسَ بِكَلِمَةٍ وَقَوْسٌ زَجُومٌ أَيْ ضَعِيفَةُ الْإِرْنَانِ. وَقَوْلُهُ إلّا التّذَامُرَ أَيْ يَذْمُرُ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَيُحَرّضُهُ عَلَى الْقَتْلِ وَالنّقْفُ كَسْرُ الرّءُوسِ وَنَاقِفُ الْحَنْظَلَةِ كَاسِرُهَا وَمُسْتَخْرِجُ مَا فِيهَا. النّسَبُ إلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ وَتَصْغِيرُهَا قَالَ الْمُؤَلّفُ وَإِنّمَا قُلْنَا فِي هَذِهِ الْقَصِيدَةِ وَفِي الَّتِي بعْدهَا الفاوية وَالرّاوِيَةُ لِأَنّ النّسَبَ إلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ الّتِي أَوَاخِرُهَا أَلِفٌ هَكَذَا، هُوَ بِالْوَاوِ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ وَفِي التّصْغِيرِ تُقْلَبُ أَلِفُهَا يَاءً تَقُولُ فِي تَصْغِيرِ بَاءٍ بُيَيّةٌ وَخَاءٍ خُيَيّةٌ وَمَا كَانَ آخِرُهُ حَرْفًا سَالِمًا مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ قُلِبَتْ أَلِفُهُ وَاوًا فِي التّصْغِيرِ فَتَقُولُ فِي الذّالِ ذُوَيْلَةُ وَفِي الضّادِ ضُوَيْدَةُ وَكَذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ وَقِيَاسُ الْوَاوِ فِي النّحْوِ أَنْ تُصَغّرَ أُوَيّةٌ بِهَمْزَةٍ [فِي] أَوّلِهَا. الْقَصِيدَةُ الرّاوِيَةُ وَقَوْلُ عَبّاسٍ فِي الْقَصِيدَةِ الرّاوِيَةُ:
[ ٧ / ٣١٥ ]
مَا بَالُ عَيْنِك فِيهَا عَائِرٌ سَهَرٌ مِثْلُ الْحَمَاطَةِ أَغْضَى فَوْقَهَا الشّفُرُ
عَيْنٌ تَأَوّبَهَا مِنْ شَجْوِهَا أَرَقٌ فَالْمَاءُ يَغْمُرُهَا طَوْرًا وَيَنْحَدِرُ
كَأَنّهُ نَظْمُ دُرّ عِنْدَ نَاظِمَةٍ تَقَطّعَ السّلْكُ مِنْهُ فَهُوَ مُنْتَثِرُ
يَا بُعْدَ مَنْزِلِ مَنْ تَرْجُو مَوَدّتَهُ وَمَنْ أَتَى دُونَهُ الصّمّانُ فَالْحُفَرُ
دَعْ مَا تَقَدّمَ مِنْ عَهْدِ الشّبَابِ فَقَدْ وَلّى الشّبَابُ وَزَارَ الشّيْبُ وَالزّعَرُ
وَاذْكُرْ بَلَاءَ سُلَيْمٍ فِي مَوَاطِنِهَا وَفِي سُلَيْمٍ لِأَهْلِ الْفَخْرِ مُفْتَخَرُ
قَوْمٌ هُمْ نَصَرُوا الرّحْمَنَ وَاتّبَعُوا دِينَ الرّسُولِ وَأَمْرُ النّاسِ مُشْتَجَرُ
لَا يَغْرِسُونَ فَسِيلَ النّخْلِ وَسْطَهُمْ وَلَا تُخَاوِرُ فِي مَشْتَاهُمْ الْبَقَرُ
إلّا سَوَابِحَ كَالْعِقْبَانِ مَقْرَبَةً فِي دَارَةٍ حَوْلَهَا الْأَخْطَارُ وَالْعُكَرُ
تُدْعَى خِفَافٌ وَعَوْفٌ فِي جَوَانِبِهَا وَحَيّ ذَكْوَانَ لَا مَيْلُ وَلَا ضُجُرُ
_________________
(١) مِثْلُ الْحَمَاطَةِ أَغْضَى فَوْقهَا الشفر الْحَمَامَة مِنْ وَرَقِ الشّجَرِ مَا فِيهِ خُشُونَةٌ وَحُرُوشَةٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْحُمَاطُ وَرَقُ التّينِ الْجَبَلِيّ. وَقَالَ أَيْضًا فِي بَاب الْقَطَانِيّ الْحَمَاطُ تِبْنُ الذّرَةِ إذَا ذُرّيَتْ وَلَهُ أُكَالٌ فِي الْجِلْدِ. وَالْعَائِرُ كَالشّيْءِ يَتَنَخّسُ فِي الْعَيْنِ كَأَنّهُ يَعُورُهَا، وَجَعَلَهُ سَهِرًا، وَإِنّمَا السّهِرُ الرّجُلُ لِأَنّهُ لَمْ يَفْتُرْ عَنْهُ فَكَأَنّهُ قَدْ صَهِرَ وَلَمْ يَنَمْ كَمَا قَالَ آخَرُ فِي وَصْفِ بَرْقٍ حَتّى شَئَاهَا كَلِيلٌ مُوهِمًا عَمَلُ بَاتَتْ طِرَابًا وَبَاتَ اللّيْلُ لَمْ يَنَمْ شَئَاهَا: شَاقّهَا، يُقَالُ شَاهَ وَشَاءَهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَيْ شَاقّهُ وَأَنْشَدَ وَلَقَدْ عَهِدْت تَشَاءُ بِالْأَظْعَانِ فَتَأَمّلْهُ فَإِنّهُ بَدِيعٌ مِنْ الْمَعَانِي. وَقَوْلُهُ الصّمّانُ وَالْحَفَرُ: هُمَا مَوْضِعَانِ وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيّ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَالْعَكَرُ جَمْعُ عَكَرَةٍ وَهِيَ الْقِطْعَةُ الضّخْمَةُ مِنْ الْمَالِ. وَعَكَرَةُ.
[ ٧ / ٣١٦ ]
الضّارِبُونَ جُنُودَ الشّرْكِ ضَاحِيَةً بِبَطْنِ مَكّةَ وَالْأَرْوَاحُ تَبْتَدِرُ
حَتّى دَفَعْنَا وَقَتْلَاهُمْ كَأَنّهُمْ نَخْلٌ بِطَاهِرَةِ الْبَطْحَاءِ مُنْقَعِرُ
وَنَحْنُ يَوْمَ حُنَيْنٍ كَانَ مَشْهَدُنَا لِلدّينِ عِزّا وَعِنْدَ اللهِ مُدّخَرُ
إذْ نَرْكَبُ الْمَوْتَ مُخْضَرّا بَطَائِنُهُ وَالْخَيْلُ يَنْجَابُ عَنْهَا سَاطِعٌ كَدِرُ
تَحْتَ اللّوَاءِ مَعَ الضّحّاكِ يَقْدُمُنَا كَمَا مَشَى اللّيْثُ فِي غَابَاتِهِ الْخَدِرُ
فِي مَأْزِقٍ مِنْ مَجَرّ الْحَرْبِ كَلْكَلُهَا تَكَادُ تَأْفُلُ مِنْهُ الشّمْسُ وَالْقَمَرُ
وَقَدْ صَبَرْنَا بِأَوْطَاسٍ أَسِنّتَنَا لِلّهِ نَنْصُرُ مَنْ شِئْنَا وَنَنْتَصِرُ
حَتّى تَأَوّبَ أَقْوَامٌ مَنَازِلَهُمْ لَوْلَا الْمَلِيكُ وَلَوْلَا نَحْنُ مَا صَدَرُوا
فَمَا تَرَى مَعْشَرٌ قَلّوا وَلَا كَثُرُوا إلّا قَدْ اصْبَحَ مِنّا فِيهِمْ أَثَرُ
وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَيْضًا
يَا أَيّهَا الرّجُلُ الّذِي تَهْوِي بِهِ وَجْنَاةُ مُجْمَرَةُ الْمَنَاسِمِ عِرْمِسُ
_________________
(١) اللّسَانِ أَيْضًا أَصْلُهُ وَمَا غَلُظَ مِنْهُ وَعَكَدَتُهُ أَيْضًا بِالدّالِ قَصِيدَةُ عَبّاسٍ السّينِيّةُ: وَقَوْلُهُ فِي السّينِيّةِ وَجْنَاءُ مُجْمَرَةُ الْمَنَاسِمِ عِرْمِسُ وَجْنَاءُ غَلِيظَةُ الْوَجَنَاتِ بَارِزَتُهَا، وَذَلِكَ يَدُلّ عَلَى غُثُورِ عَيْنَيْهَا، وَهُمْ يَصِفُونَ الْإِبِلَ بِغُئُورِ الْعَيْنَيْنِ عِنْدَ طُولِ السّفَارِ وَيُقَالُ هِيَ الْوَجْنَةُ فِي الْآدَمِيّينَ رَجُلٌ مُوجَنٌ وَامْرَأَةٌ مُوجَنَةٌ وَلَا يُقَالُ وَجْنَاءُ. قَالَهُ يَعْقُوبُ. وَمُجْمَرَةُ الْمَنَاسِمِ أَيْ
[ ٧ / ٣١٧ ]
إمّا أَتَيْت عَلَى النّبِيّ فَقُلْ لَهُ حَقّا عَلَيْك إذَا اطْمَأَنّ الْمَجْلِسُ
يَا خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطِيّ وَمَنْ مَشَى فَوْقَ التّرَابِ إذَا تُعَدّ الْأَنْفُسُ
إنّا وَفَيْنَا بِاَلّذِي عَاهَدْتنَا وَالْخَيْلُ تُقْدَعُ بِالْكُمَاةِ وَتُضْرَسُ
إذْ سَالَ مِنْ أَفْنَاءِ بُهْثَةَ كُلّهَا جَمْعٌ تَظِلّ بِهِ الْمَخَارِمُ تَرْجِسُ
حَتّى صَبَحْنَا أَهْلَ مَكّةَ فَيْلَقًا شَهْبَاءَ يَقْدُمُهَا الْهُمَامُ الْأَشْوَسُ
مِنْ كُلّ أَغْلَبَ مِنْ سُلَيْمٍ فَوْقَهُ بَيْضَاءَ مُحْكِمَةَ الدّخَالِ وَقَوْنَسُ
يَرْوِي الْقَنَاةَ إذَا تَجَاسَرَ فِي الْوَغَى وَتَخَالُهُ أَسَدًا إذَا مَا يَعْبِسُ
يَغْشَى الْكَتِيبَةَ مُعْلِمًا وَبِكَفّهِ عَضْبٌ يَقُدّ بِهِ وَلَدْنٌ مِدْعَسُ
وَعَلَى حُنَيْنٍ قَدْ وَفَى مِنْ جَمْعِنَا أَلْفٌ أُمِدّ بِهِ الرّسُولُ عَرَنْدَسُ
كَانُوا أَمَامَ الْمُؤْمِنِينَ دَرِيئَةً وَالشّمْسُ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهِمْ أَشْمَسُ
_________________
(١) نَكَبَتْ مَنَاسِمَهَا الْجِمَارُ وَهِيَ الْحِجَارَةُ وَالْعِرْمِسُ الصّخْرَةُ الصّلْبَةُ وَتُشَبّهُ بِهَا النّاقَةُ الْجَلْدَةُ وَقَدْ يُرِيدُ بِمُجْمَرَةٍ أَيْضًا أَنّ مَنَاسِمَهَا مُجْتَمِعَةٌ مُنْضَمّةٌ فَذَلِكَ أَقْوَى لَهَا، وَقَدْ حُكِيَ أَجْمَرَتْ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا إذَا ظَفّرَتْهُ وَأَجْمَرَ الْأَمِيرُ الْجَيْشَ أَيْ حَبَسَهُ عَنْ الْقُفُولِ قَالَ الشّاعِرُ مُعَاوِيَ إمّا أَنْ يُجَهّزَ أَهْلُنَا إلَيْنَا، وَإِمّا أَنّ نَئُوبَ مُعَاوِيَا أَأَجْمَرْتنَا إجْمَارَ كِسْرَى جُنُودَهُ وَمَنّيْتنَا حَتّى نَسِينَا الْأَمَانِيَا وَقَوْلُهُ كَانُوا أَمَامَ الْمُؤْمِنِينَ دَرِيئَةً الدّرِيئَةُ الْحَلْقَةُ الّتِي يُتَعَلّمُ عَلَيْهَا الرّمْيُ أَيْ كَانُوا كَالدّرِيئَةِ لِلرّمَاحِ وَقَوْلُهُ وَالشّمْسُ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهِمْ أَشْمَسُ يُرِيدُ لَمَعَانَ الشّمْسِ فِي كُلّ بَيْضَةٍ مِنْ بَيْضَاتِ الْحَدِيدِ وَالسّيُوفِ كَأَنّهَا
[ ٧ / ٣١٨ ]
نَمْضِي وَيَحْرُسُنَا الْإِلَهُ بِحِفْظِهِ وَاَللهُ لَيْسَ بِضَائِعٍ مَنْ يَحْرُسُ
وَلَقَدْ حُبِسْنَا بِالْمَنَاقِبِ مَحْبِسًا رَضِيَ الْإِلَهُ بِهِ فَنِعْمَ الْمَحْبِسُ
وَغَدَاةَ أَوْطَاسٍ شَدَدْنَا شَدّةً كَفَتْ الْعَدُوّ وَقِيلَ مِنْهَا يَا احْبِسُوا
تَدْعُو هَوَازِنَ بِالْإِخَاوَةِ بَيْنَنَا ثَدْيٌ تَمُدّ بِهِ هَوَازِنُ أَيْبَسُ
حَتّى تَرَكْنَا جَمْعَهُمْ وَكَأَنّهُ عِيرٌ تُعَاقِبُهُ السّبَاعُ مُفَرّسُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي خَلَفٌ الْأَحْمَرُ قَوْلَهُ "وَقِيلَ مِنْهَا يَا احْبِسُوا".
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَيْضًا:
نَصَرْنَا رَسُولَ اللهِ مِنْ غَضَبٍ لَهُ بِأَلْفِ كَمِيّ لَا تُعَدّ حَوَاسِرُهْ
حَمَلْنَا لَهُ فِي عَامِلِ الرّمْحِ رَايَةً يَذُودُ بِهَا فِي حَوْمَةِ الْمَوْتِ نَاصِرُهْ
وَنَحْنُ خَضَبْنَاهَا دَمًا فَهْوَ لَوْنُهَا غَدَاةَ حُنَيْنٍ يَوْمَ صَفْوَانَ شَاجِرُهْ
وَكُنّا عَلَى الْإِسْلَامِ مَيْمَنَةً لَهُ وَكَانَ لَنَا عَقْدُ اللّوَاءِ وَشَاهِرُهْ
وَكُنّا لَهُ دُونَ الْجُنُودِ بِطَانَةً يُشَاوِرُنَا فِي أَمْرِهِ وَنُشَاوِرُهْ
دَعَانَا فَسَمّانَا الشّعَارَ مُقَدّمًا وَكُنّا لَهُ عَوْنًا عَلَى مَنْ يُنَاكِرُهْ
جَزَى اللهُ خَيْرًا مِنْ نَبِيّ مُحَمّدًا وَأَيّدَهُ بِالنّصْرِ وَاَللهُ نَاصِرُهْ
_________________
(١) شَمْسٌ وَهُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ وَتَشْبِيهٌ مَلِيحٌ. وَفِيهَا قَوْلُهُ وَالْخَيْلُ تَقْرَعُ بِالْكُمَاةِ وَتُضْرَسُ أَيْ تَضْرِبُ أَضْرَاسَهَا بِاللّجُمِ. تَقُولُ ضَرَسَتْهُ أَيْ ضَرَبَتْ أَضْرَاسَهُ كَمَا تَقُولُ رَأَسْته، أَيْ أَصَبْت رَأْسَهُ.
[ ٧ / ٣١٩ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
أَنْشَدَنِي مِنْ قَوْلِهِ "وَكُنّا عَلَى الْإِسْلَامِ" إلَى آخِرِهَا، بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ وَلَمْ يَعْرِفْ الْبَيْتَ الّذِي أَوّلُهُ "حَمَلْنَا لَهُ فِي عَامِلِ الرّمْحِ رَايَةً" وَأَنْشَدَنِي بَعْدَ قَوْلِهِ
"وَكَانَ لَنَا عَقْدُ اللّوَاءِ وَشَاهِرُهْ":"وَنَحْنُ خَضَبْنَاهُ دَمًا فَهْوَ لَوْنُهُ"
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَيْضًا
مَنْ مُبْلِغُ الْأَقْوَامِ أَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ الْإِلَهِ رَاشِدٌ حَيْثُ يَمّمَا
دَعَا رَبّهُ وَاسْتَنْصَرَ اللهَ وَحْدَهُ فَأَصْبَحَ قَدْ وَفّى إلَيْهِ وَأَنْعَمَا
سَرَيْنَا وَوَاعَدْنَا قُدَيْدًا مُحَمّدًا يَؤُمّ بِنَا أَمْرًا مِنْ اللهِ مُحْكَمَا
تَمَارَوْا بِنَا فِي الْفَجْرِ حَتّى تَبَيّنُوا مَعَ الْفَجْرِ فِتْيَانًا وِغَابًا مُقَوّمَا
عَلَى الْخَيْلِ مَشْدُودًا عَلَيْنَا دُرُوعُنَا وَرَجْلًا كَدُفّاعِ الْأَتِيّ عَرَمْرَمَا
فَإِنّ سَرَاةَ الْحَيّ إنْ كُنْت سَائِلًا سُلَيْمٌ وَفِيهِمْ مِنْهُمْ مَنْ تَسَلّمَا
_________________
(١) قَصِيدَةُ عَبّاسٍ الْمِيمِيّةِ وَقَوْلُهُ فِي كَلِمَتِهِ الْمِيمِيّةِ وَفِيهِمْ مِنْهُمْ مَنْ تَسَلّمَا. يُرِيدُ وَفِي سُلَيْمٍ مِنْ اعْتَزَى إلَيْهِمْ مِنْ حُلَفَائِهِمْ فَتَسَلّمَ بِذَلِكَ كَمَا تَقُولُ تَقَيّسَ الرّجُلُ إذَا اعْتَزَى إلَى قَيْسٍ. أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: وَقَيْسُ عَيْلَانَ وَمَنْ تَقَيّسَا
[ ٧ / ٣٢٠ ]
وَجُنْدٌ مِنْ الْأَنْصَارِ لَا يَخْذُلُونَهُ أَطَاعُوا فَمَا يَعْصُونَهُ مَا تَكَلّمَا
فَإِنْ تَكُ قَدْ أَمّرْت فِي الْقَوْمِ خَالِدًا وَقَدّمْته فَإِنّهُ قَدْ تَقَدّمَا
بِجُنْدٍ هَدَاهُ اللهُ أَنْتَ أَمِيرُهُ تُصِيبُ بِهِ فِي الْحَقّ مَنْ كَانَ أَظْلَمَا
حَلَفْت يَمِينًا بَرّةً لِمُحَمّدٍ فَأَكْمَلْتهَا أَلْفًا مِنْ الْخَيْلِ مُلْجَمَا
وَقَالَ نَبِيّ الْمُؤْمِنِينَ تَقَدّمُوا وَحُبّ إلَيْنَا أَنْ نَكُونَ الْمُقَدّمَا
وَبِتْنَا بِنَهْيِ الْمُسْتَدِيرِ وَلَمْ يَكُنْ بِنَا الْخَوْفُ إلّا رَغْبَةً وَتَحَزّمَا
أَطَعْنَاك حَتّى أَسْلَمَ النّاسُ كُلّهُمْ وَحَتّى صَبَحْنَا الْجَمْعَ أَهْلَ يَلَمْلَمَا
يَضِلّ الْحِصَانُ الْأَبْلَقُ الْوَرْدُ وَسْطُهُ وَلَا يَطْمَئِنّ الشّيْخُ حَتّى يُسَوّمَا
سَمَوْنَا لَهُمْ وِرْدَ الْقَطَا زَفّهُ ضُحًى وَكُلّ تَرَاهُ عَنْ أَخِيهِ قَدْ احْجَمَا
لَدُنْ غُدْوَةٍ حَتّى تَرَكْنَا عَشِيّةً حُنَيْنًا وَقَدْ سَالَتْ دَوَافِعُهُ دَمَا
إذَا شِئْت مِنْ كُلّ رَأَيْت طِمِرّةً وَفَارِسُهَا يَهْوِي وَرُمْحًا مُحَطّمَا
وَقَدْ أَحْرَزَتْ مِنّا هَوَازِنُ سِرْبَهَا وَحُبّ إلَيْهَا أَنْ نَخِيبَ وَنُحْرَمَا
شِعْرُ ضَمْضَمٍ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ ضَمْضَمُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ جُشَمِ بْنِ عَبْدِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ عَصِيّةَ السّلَمِيّ فِي يَوْمِ حُنَيْن، وَكَانَتْ ثَقِيفٌ أَصَابَتْ كِنَانَةَ بْنَ الْحَكَمِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الشّرِيدِ، فَقَتَلَ بِهِ مِحْجَنًا وَابْنَ عَمّ لَهُ وَهُمَا مِنْ ثَقِيفٍ:
نَحْنُ جَلَبْنَا الْخَيْلَ مِنْ غَيْرِ مَجْلَبٍ إلَى جُرَشٍ مِنْ أَهْلِ زَيّانَ وَالْغَمْ
_________________
(١) حَوْلَ قَصِيدَةِ ضَمْضَمِ بْنِ الْحَارِثِ وَأَنْشَدَ لِضَمْضَمِ بْنِ الْحَارِثِ وَهُوَ مِمّنْ شَهِدَ حُنَيْنًا مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ يَنْبَغِي لِأَبِي عُمَرَ ﵀ أَنْ يَذْكُرَهُ فِي الصّحَابَةِ لِأَنّهُ مِنْ شَرْطِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ وَقَدْ أَنْشَدَ لَهُ ابْنُ إسْحَاقَ مَا يَدُلّ عَلَى أَنّهُ مِنْهُمْ لِقَوْلِهِ يَوْمًا عَلَى أَثَرِ النّهَابِ وَتَارَةً كُتِبَتْ مُجَاهَدَةً مَعَ الْأَنْصَارِ
[ ٧ / ٣٢١ ]
نُقَتّلُ أَشْبَالَ الْأُسُودِ وَنَبْتَغِي طَوَاغِيَ كَانَتْ قَبْلَنَا لَمْ تُهْدَمْ
فَإِنْ تَفْخَرُوا بِابْنِ الشّرِيدِ فَإِنّنِي تَرَكْت بِوَجّ مَأْتَمًا بَعْدَ مَأْتَمِ
أَبَأْتهمَا بِابْنِ الشّرِيدِ وَغَرّهُ جِوَارَكُمْ وَكَانَ غَيْرَ مُذَمّمِ
تُصِيبُ رِجَالًا مِنْ ثَقِيفٍ رِمَاحُنَا وَأَسْيَافُنَا يَكْلُمْنَهُمْ كُلّ مَكْلَمِ
وَقَالَ ضَمْضَمُ بْنُ الْحَارِث أَيْضًا
أَبْلِغْ لَدَيْك ذَوِي الْحَلَائِلِ آيَةً لَا تَأْمَنَنّ الدّهْرَ ذَاتَ خِمَارِ
بَعْدَ الّتِي قَالَتْ لِجَارَةِ بَيْتِهَا قَدْ كُنْت لَوْ لَبِثَ الْغَزِيّ بِدَارِ
لَمّا رَأَتْ رَجُلًا تَسَفّعَ لَوْنَهُ وَغْرُ الْمَصِيفَةِ وَالْعِظَامُ عَوَارِي
مُشُطَ الْعِظَامِ تَرَاهُ آخِرَ لَيْلِهِ مُتَسَرْبِلًا فِي دُرْعِهِ لِغَوَارِ
إذْ لَا أُزَالُ عَلَى رِحَالَةِ نَهْدَةٍ جَرْدَاءَ تَلْحَقُ بِالنّجَادِ إزَارِي
يَوْمًا عَلَى أَثَرِ النّهَابِ وَتَارَةً كُتِبَتْ مُجَاهِدَةً مَعَ الْأَنْصَارِ
وَزُهَاءَ كُلّ خَمِيلَةٍ أَزْهَقْتهَا مَهْلًا تَمَهّلُهُ وَكُلّ خَبَارِ
كَيْمَا أُغَيّرُ مَا بِهَا مِنْ حَاجَةٍ وَتَوَدّ أَنّي لَا أءوب فجار
_________________
(١) يَعْنِي: فَرَسَهُ وَكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ أَبُو عُمَرَ ضَمْضَمَ بْنَ قَتَادَةَ الْعِجْلِيّ وَلَهُ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ فِي قُدُومِهِ عَلَى النّبِيّ ﷺ وَذَلِكَ أَنّهُ قَالَ لَهُ "يَا رَسُولَ اللهِ إنّي قَدْ تَزَوّجْت امْرَأَةً فَوَلَدَتْ لِي غُلَامًا أَسْوَدَ فَقَالَ لَهُ النّبِيّ - ﷺ - " هَلْ لَك مِنْ إبِلٍ "، فَقَالَ نَعَمْ "وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ غَيْرَ أَنّهُ لَمْ يُسَمّ بِاسْمِهِ فِي الصّحِيحَيْنِ، وَسُمّيَ فِي بَعْضِ الْمُسْنَدَاتِ وَذَكَرَهُ عَبْدُ الْغَنِيّ فِي الْمُبْهَمَاتِ وَذَكَرَ عَبْدُ الْغَنِيّ فِي الْحَدِيثِ زِيَادَةً حَسَنَةً قَالَ "كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ بَنِي عِجْلٍ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ عَجَائِزُ مِنْ عِجْلٍ فَسُئِلْنَ عَنْ الْمَرْأَةِ الّتِي وَلَدَتْ الْغُلَامَ الْأَسْوَدَ فَقُلْنَ كَانَ فِي آبَائِهَا رَجُلٌ أَسْوَدُ
[ ٧ / ٣٢٢ ]
شعر أبي خرَاش فِي رِثَاءُ ابْن الْعَجْوَة
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ:
أُسِرَ زُهَيْرُ بْنُ الْعَجْوَةِ الْهُذَلِيّ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَكُتِفَ فَرَآهُ جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ الْجُمَحِيّ، فَقَالَ لَهُ أَأَنْتَ الْمَاشِي لَنَا بِالْمَغَايِظِ؟ فَضَرَبَ عُنُقَهُ فَقَالَ أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيّ يَرْثِيهِ وَكَانَ ابْنَ عَمّهِ
عَجّفَ أَضْيَافِي جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ بِذِي فَجْرٍ تَأْوِي إلَيْهِ الْأَرَامِلُ
طَوِيلُ نِجَادِ السّيْفِ لَيْسَ بِجَيْدَرٍ إذَا اهْتَزّ وَاسْتَرْخَتْ عَلَيْهِ الْحَمَائِلُ
تَكَادُ يَدَاهُ تُسْلِمَانِ إزَارَهُ مِنْ الْجُودِ لَمّا أَذْلَقَتْهُ الشّمَائِلُ
_________________
(١) شِعْرُ أَبِي خِرَاشٍ وَذَكَرَ شِعْرَ أَبِي خِرَاشٍ وَاسْمُهُ خُوَيْلِدُ بْنُ مُرّةَ شَاعِرٌ إسْلَامِيّ مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ﵀ مِنْ نَهْشِ حَيّةٍ نَهَشَتْهُ كَانَ سَبَبُهَا أَضْيَافٌ نَزَلُوا بِهِ وَخَبَرُهُ بِذَلِكَ عَجِيبٌ وَلَهُ فِيهِ شِعْرٌ. وَالْخِرَاشُ وَسْمٌ لِإِبِلٍ يَكُونُ مِنْ الصّدْغِ إلَى الذّقْنِ فَقَوْلُهُ تَكَادُ يَدَاهُ تُسْلَمَانِ إزَارَهُ مِنْ الْجُودِ لَمّا أَذْلَفَتْهُ الشّمَائِلُ يُرِيدُ أَنّهُ مِنْ سَخَائِهِ يُرِيدُ أَنْ يَتَجَرّدَ مِنْ إزَارِهِ لِسَائِلِهِ فَيُسَلّمَهُ إلَيْهِ وَأَلْفَيْت بِخَطّ أَبِي الْوَلِيدِ الْوَقْشِيّ الْجُودُ هَاهُنَا، وَعَلَى هَذِهِ الرّوَايَةِ وَبِهَذِهِ الرّتْبَةِ السّخَاءُ وَكَذَلِكَ فَسّرَهُ الْأَصْمَعِيّ وَالطّوسِيّ وَأَمّا عَلَى مَا وَقَعَ فِي شِعْرِ الْهُذَلِيّ وَفُسّرَ فِي الْغَرِيبِ الْمُصَنّفِ فَهُوَ الْجُوعُ وَمَوْضِعُهُ فِي الشّعْرِ الْمَذْكُورِ يَتْلُو قَوْلَهُ تَرَوّحَ مَقْرُورًا. وَفِي الْغَرِيبِ رِدَاءَهُ بَدَلَ إزَارِهِ.
[ ٧ / ٣٢٣ ]
إلَى بَيْتِهِ يَأْوِي الضّرِيكُ إذَا شَتَا وَمُسْتَنْبِحٌ بَالِي الدّرِيسَيْنِ عَائِلُ
تَرَوّحَ مَقْرُورًا وَهَبّتْ عَشِيّةً لَهَا حَدَبٌ تَحْتَثّهُ فَيُوَائِلُ
فَمَا بَالُ أَهْلِ الدّارِ لَمْ يَتَصَدّعُوا وَقَدْ بَانَ مِنْهَا اللّوْذَعِيّ الْحُلَاحِلُ
فَأُقْمِمَ لَوْ لَاقَيْته غَيْرَ مُوثَقٍ لِآبَك بِالنّعْفِ الضّبَاعِ الْجَيَائِلُ
وَإِنّك لَوْ وَاجَهْته إذْ لَقِيته فَنَازَلْته أَوْ كُنْت مِمّنْ يُنَازِلُ
لَظَلّ جَمِيلٌ أَفْحَشَ الْقَوْمِ صُرَعَةً وَلَكِنّ قَرْنَ الظّهْرِ لِلْمَرْءِ شَاغِلُ
فَلَيْسَ كَعَهْدِ الدّارِ يَا أُمّ ثَابِتٍ وَلَكِنْ أَحَاطَتْ بِالرّقَابِ السّلَاسِلُ
وَعَادَ الْفَتَى كَالشّيْخِ لَيْسَ بِفَاعِلٍ سِوَى الْحَقّ شَيْئًا وَاسْتَرَاحَ الْعَوَاذِلُ
_________________
(١) وَقَوْلُهُ: وَلَكِنّ قَرْنَ الظّهْرِ لِلْمَرْءِ شَاغِلُ قَرْنٌ بِالْقَافِ جَمْعُهُ أَقْرَانٍ وَيُرْوَى: وَلَكِنّ أَقْرَانَ الظّهُورِ مَقَاتِلُ مَقَاتِلُ جَمْعُ مَقْتَلٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ مِثْلُ مِحْرَبٍ مِنْ الْحَرْبِ أَيْ مَنْ كَانَ قِرْنَ طُهْرٍ فَإِنّهُ قَاتِلٌ وَغَالِبٌ. وَقَوْلُهُ يَصِفُ الرّيحَ لَهَا حَدَبٌ تَحْتَثّهُ فَيُوَائِلُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَقَعَ فِي الْأَصْلِ وَقَدْ يُسَمّى انْحِدَارُ الْمَاءِ وَنَحْوُهُ حَدَبًا، فَيَكُونُ هَذَا مِنْهُ وَإِلّا فَالْخَدَبُ بِالْخَاءِ الْمَنْقُوطَةِ أَشْبَهُ بِمَعْنَى الْبَيْتِ لِأَنّهُمْ يَقُولُونَ رِيحٌ خَدْبَاءُ كَانَ بِهَا خَدْبًا، وَهُوَ الْهَوَجُ.
[ ٧ / ٣٢٤ ]
وَأَصْبَحَ إخْوَانُ الصّفَاءِ كَأَنّمَا أَهَالَ عَلَيْهِمْ جَانِبَ التّرْبِ هَائِلُ
فَلَا تَحْسَبِي أَنّي نَسَبْت لَيَالِيًا بِمَكّةَ إذْ لَمْ نَعْدُ عَمّا نُحَاوِلُ
إذْ النّاسُ نَاسٌ وَالْبِلَادُ بِغِرّةٍ وَإِذْ نَحْنُ لَا تُثْنَى علينا المداخل
شعر ابْن عَوْف فِي الِاعْتِذَار من فِرَارِهِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ وَهُوَ يَعْتَذِرُ يَوْمَئِذٍ مِنْ فِرَارِهِ
مَنَعَ الرّفَادَ فَمَا أُغَمّضُ سَاعَةً نَعَمٌ بِأَجْزَاعِ الطّرِيقِ مُخَضْرَمُ
سَائِلْ هَوَازِنَ هَلْ أَضَرّ عَدُوّهَا وَأُعِينَ غَارِمُهَا إذَا مَا يَغْرَمُ
وَكَتِيبَةٌ لَبّسْتهَا بِكَتِيبَةٍ فِئَتَيْنِ مِنْهَا حَاسِرٌ وَمُلْأَمُ
وَمُقَدّمٌ تَعْيَا النّفُوسُ لِضِيقِهِ قَدّمْته وَشُهُودُ قَوْمِي أَعْلَمُ
فَوَرَدْته وَتَرَكْت إخْوَانًا لَهُ يَرِدُونَ غَمْرَتَهُ وَغَمَرَتُهُ الدّمُ
فَإِذَا انْجَلَتْ غَمَرَاتُهُ أَوْرَثْنَنِي مَجْدَ الْحَيَاةِ وَمَجْدَ غُنْمِ يُقْسَمُ
كَلّفْتُمُونِي ذَنْبَ آلِ مُحَمّدٍ وَاَللهُ أَعْلَمُ مَنْ أَعَقّ وَأَظْلَمُ
وَخَذَلْتُمُونِي إذْ أُقَاتِلُ وَاحِدًا وَخَذَلْتُمُونِي إذْ تُقَاتِلُ خَثْعَمُ
وَإِذَا بَنَيْت الْمَجْدَ يَهْدِمُ بَعْضُكُمْ لَا يَسْتَوِي بَانٍ وَآخَرُ يَهْدِمُ
وَأَقَبّ مِخْمَاصِ الشّتَاءِ مُسَارِعٌ فِي الْمَجْدِ يَنْمِي لِلْعُلَى مُتَكَرّمٌ
أَكْرَهْت فِيهِ أَلّةً يَزْنِيّةً سَحْمَاءَ يَقْدَمُهَا سِنَانٌ سَلْجَمُ
وَتَرَكْت حَنّتَهُ تَرُدّ وَلِيّهُ وَتَقُولُ لَيْسَ عَلَى فُلَانَةَ مَقْدَمُ
وَنَصَبْت نَفْسِي لِلرّمَاحِ مُدَجّجًا مِثْلَ الدّرِيئَةِ تستحل وتشرم
_________________
(١) مِنْ شِعْرِ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ وَذَكَرَ فِي آخِرِ بَيْتٍ مِنْ شِعْرِ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ: مِثْلَ الدّرِيئَةِ تُسْتَحَلّ وَتُشْرَمُ
[ ٧ / ٣٢٥ ]
شعر لهوازني يَذْكُرُ إسْلَامَ قَوْمِهِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ قَائِلٌ فِي هَوَازِنَ أَيْضًا، يَذْكُرُ مَسِيرَهُمْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَعَ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ بَعْدَ إسْلَامِهِ
أَذْكُرْ مَسِيرَهُمْ لِلنّاسِ إذْ جَمَعُوا وَمَالِكٌ فَوْقَهُ الرّايَاتِ تَخْتَفِقُ
وَمَالِكُ مَالِكٌ مَا فَوْقَهُ أَحَدٌ يَوْمَ حُنَيْنٍ عَلَيْهِ التّاجُ يَأْتَلِقُ
حَتّى لَقُوا الْبَاسَ حِينَ الْبَاسُ يَقْدُمهُمْ عَلَيْهِمْ الْبِيضُ وَالْأَبْدَانُ وَالدّرَقُ
فَضَارَبُوا النّاسَ حَتّى لَمْ يَرَوْا أَحَدًا حَوْلَ النّبِيّ وَحَتّى جَنّهُ الْغَسَقُ
ثُمّتَ نُزّلَ جِبْرِيلُ بِنَصْرِهِمْ مِنْ السّمَاءِ فَمَهْزُومٌ وَمُعْتَنِقُ
مِنّا وَلَوْ غَيْرَ جِبْرِيلِ يُقَاتِلُنَا لَمَنّعَتْنَا إذَنْ أَسْيَافُنَا الْعُتُقُ
وَفَاتَنَا عُمَرُ الْفَارُوقُ إذْ هُزِمُوا بِطَعْنَةٍ بَلّ مِنْهَا سَرْجَهُ الْعَلَقُ
جُشَمِيّةٌ تَرْثِي أَخَوَيْهَا
وَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي جُشَمٍ تَرْثِي أَخَوَيْنِ لَهَا أُصِيبَا يَوْمَ حُنَيْنٍ:
أَعَيْنِيّ جُودَا عَلَى مَالِكٍ مَعًا وَالْعَلَاءِ وَلَا تَجْمُدَا
هُمَا الْقَاتِلَانِ أَبَا عَامِرٍ وَقَدْ كَانَ ذَا هِبَةٍ أَرْبَدَا
هُمَا تَرَكَاهُ لَدَى مُجْسَدٍ يَنُوءُ نَزِيفًا وَمَا وُسّدَا
_________________
(١) الدّرِيئَةُ الْحَلْقَةُ الّتِي يُتَعَلّمُ عَلَيْهَا الطّعْنُ وَهُوَ مَهْمُوزٌ وَتُسْتَحَلّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَقَعَ فِي الْأَصْلِ وَفِي غَيْرِهِ تُسْتَخَلّ بِالْخَاءِ مُعْجَمَةً وَهُوَ أَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى مِنْ الْخِلَالِ وَقَدْ يَكُونُ لِتَسْتَحِلّ وَحَيّه مِنْ الْحَلّ إذْ بَعْدَهُ تُشْرَمُ وَكِلَاهُمَا قَرِيبٌ فِي الْمَعْنَى.
[ ٧ / ٣٢٦ ]
أَبُو ثَوَابٍ يَهْجُو قُرَيْشًا
وَقَالَ أَبُو ثَوَابٍ زَيْدُ بْنُ صُحَارٍ، أَحَدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ:
أَلَا هَلْ أَتَاك أَنْ غَلَبَتْ قُرَيْشٌ هَوَازِنَ وَالْخُطُوبُ لَهَا شُرُوطُ
وَكُنّا يَا قُرَيْشُ إذَا غَضِبْنَا يَجِيءُ مِنْ الْغِضَابِ دَمٌ عَبِيطُ
وَكُنّا يَا قُرَيْشُ إذَا غَضِبْنَا كَأَنّ أُنُوفَنَا فِيهَا سَعُوطُ
فَأَصْبَحْنَا تُسَوّقُنَا قُرَيْشٌ سِيَاقَ الْعِيرِ يَحْدُوهَا النّبِيطُ
فَلَا أَنَا إنْ سُئِلْت الْخَسْفَ آبٍ وَلَا أَنَا أَنْ أَلِينَ لَهُمْ نَشِيطُ
سَيُنْقَلُ لَحْمُهَا فِي كُلّ فَجّ وَتُكْتَبُ فِي مَسَامِعِهَا الْقُطُوطُ
وَيُرْوَى "الْخُطُوطُ"، وَهَذَا الْبَيْتُ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعْدٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ أَبُو ثَوَابٍ زِيَادُ بْنُ ثَوَابٍ. وَأَنْشَدَنِي خَلَفٌ الْأَحْمَرُ قَوْلَهُ
يَجِيءُ مِنْ الْغِضَابِ دَمٌ عَبِيطُ
وَآخِرَهَا بَيْتًا عَنْ غَيْرِ ابْن إِسْحَاق.
شعر ابْن وهب فِي الرَّد عَلَى أَبِي ثَوَابٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، فَقَالَ
بِشَرْطِ اللهِ نَضْرِبُ مَنْ لَقِينَا كَأَفْضَلَ مَا رَأَيْت مِنْ الشّرُوطِ
وَكُنّا يَا هَوَازِنُ حِينَ نَلْقَى نَبُلّ الْهَامَ مِنْ عَلَقٍ عَبِيطِ
بِجَمْعِكُمْ وَجَمْعِ بَنِي قَسِيّ نَحُكّ الْبَرْكَ كَالْوَرِقِ الْخَبِيطِ
أَصَبْنَا مِنْ سُرَاتِكُمُ وَمِلْنَا بِقَتْلٍ فِي الْمَبَايِنِ وَالْخَلِيطِ
بِهِ الْمُلْتَاثُ مُفْتَرِشٌ يَدَيْهِ يَمُجّ الْمَوْتَ كَالْبِكْرِ النّحِيطِ
فَإِنْ تَكُ قَيْسُ عَيْلَانَ غِضَابًا فَلَا يَنْفَكّ يُرْغِمُهُمْ سَعُوطِي
شِعْرُ خَدِيجٍ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ
وَقَالَ خَدِيجُ بْنُ الْعَوْجَاءِ النّصْرِيّ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٢٧ ]
لَمّا دَنَوْنَا مِنْ حُنَيْنٍ وَمَائِهِ رَأَيْنَا سَوَادًا مُنْكَرَ اللّوْنِ أَخْصَفَا
بِمَلْمُومَةٍ شَهْبَاءَ لَوْ قَدَفُوا بِهَا شَمَارِيخَ مِنْ عُزْوَى إذَنْ عَادَ صَفْصَفَا
وَلَوْ إنّ قَوْمِي طَاوَعَتْنِي سَرَاتُهُمْ إذَنْ مَا لَقِينَا الْعَارِضَ الْمُتَكَشّفَا
إذَنْ مَا لَقِينَا جُنْدَ آلِ مُحَمّدٍ ثَمَانِينَ أَلْفًا وَاسْتَمَدّوا بِخَنْدَقَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٢٨ ]
ذِكْرُ غَزْوَةِ الطّائِفِ بَعْدَ حُنَيْنٍ فِي سنة ثَمَان
فلول ثَقِيف
وَلَمّا قَدِمَ فَلّ ثَقِيفٍ الطّائِفَ أَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ مَدِينَتِهَا، وَصَنَعُوا الصَّنَائِع لِلْقِتَالِ.
_________________
(١) غَزْوَةُ الطّائِفِ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ النّسَبِ أَنّ الدّمُونَ بْنَ الصّدَفِ، وَاسْمُ الصّدَفِ: مَلَكُ بْنُ مَالِكِ بْنِ مُرَتّعِ بْنِ كِنْدَةَ مِنْ حَضْرَمَوْتَ أَصَابَ دَمًا مِنْ قَوْمِهِ فَلَحِقَ بِثَقِيفٍ فَأَقَامَ فِيهِمْ وَقَالَ لَهُمْ أَلَا أَبْنِي لَكُمْ حَائِطًا يُطِيفُ بِبَلَدِكُمْ فَبَنَاهُ فَسُمّيَ بِهِ الطّائِفُ، ذَكَرَهُ الْبَكْرِيّ هَكَذَا قَالَ وَإِنّمَا هُوَ الدّمُونُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ دَهْقَلٍ وَهُوَ مِنْ الصّدَفِ، وَلَهُ ابْنَانِ أَدْرَكَا النّبِيّ - ﷺ - وَبَايَعَاهُ اسْمُ أَحَدِهِمَا: الْهُمَيْلُ وَالْآخَرُ قَبِيصَةُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُمَا أَبُو عُمَرَ فِي الصّحَابَةِ وَذَكَرَهُمَا غَيْرُهُ. وَذَكَرَ أَنّ أَصْلَ أَعْنَابِهَا أَنّ قَيْسَ بْنَ مُنَبّهٍ وَهُوَ ثَقِيفٌ أَصَابَ دَمًا فِي قَوْمِهِ أَيْضًا، وَهُمْ إيَادٌ فَفَرّ إلَى الْحِجَازِ، فَمَرّ بِامْرَأَةٍ يَهُودِيّةٍ فَآوَتْهُ وَأَقَامَ عِنْدَهَا زَمَانًا،
[ ٧ / ٣٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ثُمّ انْتَقَلَ عَنْهَا، فَأَعْطَتْهُ قُضُبًا مِنْ الْحُبْلَةِ وَأَمَرَتْهُ أَنْ يَغْرِسَهَا فِي أَرْضٍ وَصَفَتْهَا لَهُ فَأَتَى بِلَادَ عَدْوَانَ، وَهُمْ سُكّانُ الطّائِفِ فِي ذَلِكَ الزّمَانِ فَمَرّ بِسُخَيْلَةَ جَارِيَةِ عَامِرِ بْنِ الظّرِبِ الْعَدْوَانِيّ وَهِيَ تَرْعَى غَنَمًا، فَأَرَادَ سِبَاءَهَا، وَأَخَذَ الْغَنَمَ فَقَالَتْ لَهُ أَلَا أَدُلّك عَلَى خَيْرٍ مِمّا هَمَمْت بِهِ اقْصِدْ إلَى سَيّدِي وَجَاوِرْهُ فَهُوَ أَكْرَمُ النّاسِ فَأَتَاهُ فَزَوّجَهُ مِنْ بِنْتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ عَامِرٍ فَلَمّا جَلَتْ عَدْوَانُ عَنْ الطّائِفِ بِالْحُرُوبِ الّتِي وَقَعَتْ بَيْنَهَا أَقَامَ قَسِيّ، وَهُوَ ثَقِيفٌ، فَمِنْهُ تَنَاسَلَ أَهْلُ الطّائِفِ، وَسُمّيَ قَسِيّا بِقَسْوَةِ قَلْبِهِ حِينَ قَتَلَ أَخَاهُ أَوْ ابْنَ عَمّهِ وَقِيلَ سمي ثقيفا لِقَوْلِهِمْ فِيهِ مَا أَثْقَفَهُ حِينَ ثَقِفَ عَامِرًا حَتّى أَمّنَهُ وَزَوّجَهُ بِنْتَه. وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسّرِينَ وَجْهًا آخَرَ فِي تَسْمِيَتِهَا بِالطّائِفِ فَقَالَ فِي الْجَنّةِ الّتِي ذَكَرَهَا اللهُ سُبْحَانَهُ فِي سُورَةِ ﴿ن﴾ حَيْثُ يَقُولُ ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [الْقَلَمُ ١٩] . قَالَ كَانَ الطّائِفُ جِبْرِيلَ ﵇ اقْتَلَعَهَا مِنْ مَوْضِعِهَا، فَأَصْبَحَتْ كَالصّرِيمِ وَهُوَ اللّيْلُ أَصْبَحَ مَوْضِعُهَا كَذَلِكَ ثُمّ سَارَ بِهَا إلَى مَكّةَ، فَطَافَ بِهَا حَوْلَ الْبَيْتِ ثُمّ أَنْزَلَهَا حَيْثُ الطّائِفُ الْيَوْمَ فَسُمّيَتْ بِاسْمِ الطّائِفِ الّذِي طَافَ عَلَيْهَا، وَطَافَ بِهَا، وَكَانَتْ تِلْكَ الْجَنّةُ بِضَرْوَانَ عَلَى فَرَاسِخَ مِنْ صَنْعَاءَ، وَمِنْ ثَمّ كَانَ الْمَاءُ وَالشّجَرُ بِالطّائِفِ دُونَ مَا حَوْلَهَا مِنْ الْأَرَضِينَ وَكَانَتْ قِصّةُ أَصْحَابِ الْجَنّةِ بَعْدَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلّى اللهُ عَلَى نَبِيّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلّمَ بِيَسِيرٍ ذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ النّقّاشُ وَغَيْرُهُ. فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا كَانَ ثَقِيفٌ هُوَ قَسِيّ بْنُ مُنَبّهٍ كَمَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَغَيْرُهُ
[ ٧ / ٣٣٠ ]
المتخلفون عَن حنين والطائف
وَلَمْ يَشْهَدْ حُنَيْنًا وَلَا حِصَارَ الطّائِفِ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ وَلَا غَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ كَانَا بِجُرَشٍ يَتَعَلّمَانِ صَنْعَةَ الدّبّابَاتِ والمجانيق والضبور.
_________________
(١) فَكَيْفَ قَالَ سِيبَوَيْهِ حَاكِيًا عَنْ الْعَرَبِ: ثَقِيفُ بْنُ قَسِيّ فَجَعَلَهُ ابْنًا لِقَسِيّ؟ قِيلَ إنّمَا أَرَادَ سِيبَوَيْهِ أَنّ الْحَيّ سُمّيَ ثَقِيفًا، وَهُمْ بَنُو قَسِيّ كَمَا قَالُوا: بَاهِلَةُ بْنُ أَعْصَرَ وَإِنّمَا هِيَ أُمّهُمْ وَلَكِنْ سُمّيَ الْحَيّ بِهَا، ثُمّ قِيلَ فِيهِ ابْنُ أَعْصَرَ كَذَلِكَ قَالُوا: ثَقِيفُ بْنُ قَسِيّ عَلَى هَذَا، وَيُقَوّي هَذَا أَنّ سِيبَوَيْهِ إنّمَا قَالَ حَاكِيًا: هَؤُلَاءِ ثَقِيفُ بْنُ قَسِيّ. آلَاتُ الْحَرْبِ فِي الطّائِفِ فَصْلٌ: وَذَكَرَ تَعَلّمَ أَهْلِ الطّائِفِ صَنْعَةَ الدّبّابَاتِ وَالْمَجَانِيقِ وَالضّبُورِ. الدّبّابَةُ آلَةٌ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ يَدْخُلُ فِيهَا الرّجَالُ فَيَدُبّونَ بِهَا إلَى الْأَسْوَارِ لِيَنْقُبُوهَا، وَالضّبُورُ مِثْلُ رُءُوسِ الْأَسْفَاطِ يُتّقَى بِهَا فِي الْحَرْبِ عِنْدَ الِانْصِرَافِ وَفِي الْعَيْنِ الضّبْرُ جُلُودٌ يُغْشَى بِهَا خَشَبٌ يُتّقَى بِهَا فِي الْحَرْبِ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ الزّهْرِيّ " أَنّ اللهَ ﵎ حِينَ مَسَخَ بَنِي إسْرَائِيلَ قِرَدَةً مَسَخَ رُمّانَهُمْ الْمَظّ وَبُرّهُمْ الذّرَةَ وَعِنَبَهُمْ الْأَرَاكَ، وَجَوْزَهُمْ الضّبْرَ "وَهُوَ مِنْ شَجَرِ الْبَرِيّةِ وَلَهُ ثَمَرٌ كَالْجَوْزِ لَا نَفْعَ فِيهِ فَهَذَا مَعْنًى آخَرُ غَيْرَ الْأَوّلِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الضّبْرِ إنّهُ كَالْجَوْزِ يُنَوّرُ وَلَا يُطْعَمُ. قَالَ وَيُقَالُ أَظَلّ الظّلَالِ ظِلّ الضّبْرَةِ وَظِلّ التّنْعِيمَةِ وَظِلّ الْحَجَرِ، قَالَ وَوَرَقُهَا كَدَارٍ كَثِيفَةٍ فَكَانَ ظِلّهَا لِذَلِكَ أَلْمَى كَثِيفًا، وَأَمّا الْمَظّ الّذِي تَقَدّمَ ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ وَرُمّانُ الْبَرّ يُنَوّرُ وَلَا يُثْمِرُ وَلَهُ جُلّنَارُ كَمَا لِلرّمّانِ
[ ٧ / ٣٣١ ]
مسير الرَّسُول إِلَى الطَّائِف وَشعر كَعْب
ثُمّ سَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الطّائِفِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حُنَيْنٍ ; فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، حِينَ أَجْمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ السّيْرَ إلَى الطّائِفِ:
شِعْرُ كَعْبٍ
قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةَ كُلّ رَيْبٍ وَخَيْبَرَ ثُمّ أَجْمَمْنَا السّيُوفَا
فَلَسْت لِحَاضِنٍ إنْ لَمْ تَرَوْهَا بِسَاحَةِ دَارِكُمْ مِنّا أُلُوفَا
وَنَنْتَزِعُ الْعُرُوشَ بِبَطْنِ وَجّ وَتُصْبِحُ دُورُكُمْ مِنْكُمْ خُلُوفَا
وَيَأْتِيكُمْ لَنَا سُرْعَانُ خَيْلٍ يُغَادِرُ خَلْفَهُ جَمْعًا كَثِيفَا
_________________
(١) يُمْتَصّ مِنْهُ الْمَذَخُ وَهُوَ عَسَلٌ كَثِيرٌ يُشْبِعُ مَنْ امْتَصّهُ حَتّى يَمْلَأَ بَطْنَهُ ذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ النّبَاتِ ". وَأَمّا الْمَجَانِيقُ فَمَعْرُوفَةٌ وَهِيَ أَعْجَمِيّةٌ عَرّبَتْهَا الْعَرَبُ. قَالَ كُرَاعٌ كُلّ كَلِمَةٍ فِيهَا جِيمٌ وَقَافٌ أَوْ جِيمٌ وَكَافٌ فَهِيَ أَعْجَمِيّةٌ وَذَلِكَ كَالْجُوَالِقِ وَالْجَوْلَقِ وَجِلّقٍ وَالْكَيْلَجَةِ وَهِيَ مِكْيَالٌ صَغِيرٌ وَالْكَفْجَلَارُ وَهِيَ الْمِغْرَفَةُ وَالْقَبْجُ وَهُوَ الْحَجَلُ وَمَا كَانَ نَحْوَ ذَلِكَ وَالْمِيمُ فِي مَنْجَنِيقٍ أَصْلِيّةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَالنّونُ زَائِدَةٌ وَلِذَلِكَ سَقَطَتْ فِي الْجَمْعِ. حَوْلَ شِعْرِ كَعْبٍ وَذَكَرَ شِعْرَ كَعْبٍ وَفِيهِ وَكَمْ مِنْ مَعْشَرٍ أَلَبُوا عَلَيْنَا أَيْ جَمَعُوا، وَصَمِيمُ الْجِذْم مَفْعُولٌ بِأَلَبُوا، وَفِيهِ يَصِفُ السّيُوفَ
[ ٧ / ٣٣٢ ]
إذَا نَزَلُوا بِسَاحَتِكُمْ سَمِعْتُمْ لَهَا مِمّا أَنَاخَ بِهَا رَجِيفَا
بِأَيْدِيهِمْ قَوَاضِبُ مُرْهِفَاتٍ يَزُرْنَ الْمُصْطَلِينَ بِهَا الْحُتُوفَا
كَأَمْثَالِ الْعَقَائِقِ أَخْلَصَتْهَا قُيُونُ الْهِنْدِ لَمْ تَضْرِبْ كَتِيفَا
تَخَالُ جَدِيّةِ الْأَبْطَالِ فِيهَا غَدَاةَ الزّحْفِ جَادِيّا مَدُوفَا
أَجَدّهُمْ أَلَيْسَ لَهُمْ نَصِيحٌ مِنْ الْأَقْوَامِ كَانَ بِنَا عَرِيفَا
وَأَنّا قَدْ أَتَيْنَاهُمْ بِزَحْفٍ يُحِيطُ بِسُورِ حِصْنِهِمْ صُفُوفَا
رَئِيسُهُمْ النّبِيّ وَكَانَ صُلْبًا نَقِيّ الْقَلْبِ مُصْطَبِرًا عَزُوفَا
رَشِيدُ الْأَمْرِ ذُو حُكْمٍ وَعِلْمٍ وَحِلْمٍ لَمْ يَكُنْ نَزِقًا خَفِيفَا
نُطِيعُ نَبِيّنَا وَنُطِيعُ رَبّا هُوَ الرّحْمَنُ كَانَ بِنَا رَءُوفَا
فَإِنْ تُلْقُوا إلَيْنَا السّلَمَ نَقْبَلْ وَنَجْعَلُكُمْ لَنَا عَضُدًا وَرِيفَا
وَإِنْ تَابُوا نُجَاهِدْكُمْ وَنَصْبِرْ وَلَا يَكُ أَمْرُنَا رَعَشًا ضَعِيفَا
نُجَالِدُ مَا بَقِينَا أَوْ تُنِيبُوا إلَى الْإِسْلَامِ إذْعَانًا مُضِيفَا
نُجَاهِدُ لَا نُبَالِي مَنْ لَقِينَا أَأَهّكْنَا التّلَادَ أَمْ الطّرِيفَا
وَكَمْ مِنْ مَعْشَرٍ أَلَبُوا عَلَيْنَا صَمِيمَ الْجِذْمِ مِنْهُمْ وَالْحَلِيفَا
أَتَوْنَا لَا يَرَوْنَ لَهُمْ كِفَاءً فَجَدّعْنَا الْمَسَامِعَ وَالْأَنُوفَا
_________________
(١) كَأَمْثَالِ الْعَقَائِقِ أَخْلَصَتْهَا قُيُونُ الْهِنْدِ لَمْ تَضْرِبْ كَتِيفَا الْعَقَائِقُ جَمْعُ عَقِيقَةٍ وَهُوَ الْبَرْقُ تَنْعَقُ عَنْهُ السّحَابُ. وَقَوْلُهُ لَمْ تَضْرِبْ كَتِيفًا، جَمْعُ كَتِيفَةٍ وَهِيَ صَحِيفَةٌ مِنْ حَدِيدٍ صَغِيرَةٌ وَأَصْلُ الْكَتِيفِ الضّيّقُ مِنْ كُلّ شَيْءٍ.
[ ٧ / ٣٣٣ ]
بِكُلّ مُهَنّدٍ لَيْنٍ صَقِيلٍ يَسُوقُهُمْ بِهَا سَوْقًا عَنِيفَا
لِأَمْرِ اللهِ وَالْإِسْلَامِ حَتّى يَقُومَ الدّينُ مُعْتَدِلًا حَنِيفَا
وَتُنْسَى اللّاتُ وَالْعُزّى وَوَدّ وَنَسْلُبُهَا الْقَلَائِدَ وَالشّنُوفَا
فَأَمْسَوْا قَدْ أَقَرّوا وَاطْمَأَنّوا وَمَنْ لَا يَمْتَنِعْ يقبل خسوفا
شعر كنَانَة فِي الرَّد عَلَى كَعْبٍ
فَأَجَابَهُ كِنَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَالَيْلَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، فَقَالَ
مَنْ كَانَ يَبْغِينَا يُرِيدُ قِتَالَنَا فَإِنّا بِدَارِ مُعَلّمٍ لَا نَرِيمُهَا
وَجَدْنَا بِهَا الْآبَاءَ مِنْ قَبْلِ مَا تَرَى وَكَانَتْ لَنَا أَطْوَاؤُهَا وَكُرُومُهَا
_________________
(١) شِعْرُ كِنَانَةَ وَذَكَرَ شِعْرَ كِنَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَالَيْلَ الثّقَفِيّ، وَفِيهِ وَكَانَتْ لَنَا أَطْوَاؤُهَا وَكُرُومُهَا الْأَطْوَاءُ جَمْعُ طَوِيّ وَهِيَ الْبِئْرُ جُمِعَتْ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ تَوَهّمُوا سُقُوطَ يَاءَ فَعِيلٍ مِنْهَا إذْ كَانَتْ زَائِدَةً. وَفِيهَا: وَقَدْ جَرّبَتْنَا قَبْلَ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ إنّمَا قَالَ هَذَا جَوَابًا لِلْأَنْصَارِ لِأَنّهُمْ بَنُو حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، وَعَمْرٍو وَهُوَ مُزَيْقِيَاءُ وَعَامِرٌ هُوَ مَاءُ السّمَاءِ وَلَمْ يَرِدْ أَنّ الْأَنْصَار جَرّبَتْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ وَإِنّمَا أَرَادَ إخْوَتَهُمْ وَهُمْ خُزَاعَةُ لِأَنّهُمْ بَنُو رَبِيعَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَقَدْ كَانُوا حَارَبُوهُمْ عِنْدَ نُزُولِهِمْ مَكّةَ، وَقَالَ الْبَكْرِيّ فِي مَعْنَى هَذَا الْبَيْتِ إنّمَا أَرَادَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَكَانُوا مُجَاوِرِينَ لِثَقِيفٍ وَأُمّهُمْ عَمْرَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ الظّرِبِ الْعَدْوَانِيّ وَأُخْتُهَا زَيْنَبُ كَانَتْ تَحْتَ ثَقِيفٍ، وَأَكْثَرُ قَبَائِلِ ثَقِيفٍ مِنْهَا، وَكَانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ أَنْزَلَتْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ فِي أَرْضِهِمْ لِيَعْمَلُوا
[ ٧ / ٣٣٤ ]
فَأَخْبَرَهَا ذُو رَأْيِهَا وَحَلِيمُهَا
وَقَدْ عَلِمَتْ إنْ قَالَتْ الْحَقّ أَنّنَا إذَا مَا أَبَتْ صُعْرُ الْخُدُودِ نُقِيمُهَا
نُقَوّمُهَا حَتّى يَلِينَ شَرِيسُهَا وَيُعْرَفُ لِلْحَقّ الْمُبِينِ ظَلُومُهَا
عَلَيْنَا دِلَاصٌ مِنْ تُرَاثٍ مُحَرّقٍ كَلَوْنِ السّمَاءِ زَيّنَتْهَا نُجُومُهَا
نُرَفّهُهَا عَنّا بِبِيضٍ صَوَارِمٍ إذَا جُرّدَتْ فِي غَمْرَةٍ لَا نشيمها
شعر شَدّادٍ فِي الْمَسِيرِ إلَى الطّائِفِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ شَدّادُ بْنُ عَارِضٍ الْجُشَمِيّ فِي مَسِيرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى الطّائِفِ:
لَا تَنْصُرُوا اللّاتَ إنّ اللهَ مُهْلِكُهَا وَكَيْفَ يُنْصَرُ مَنْ هُوَ لَيْسَ يَنْتَصِرُ
إنّ الّتِي حُرّقَتْ بِالسّدّ فَاشْتَغَلَتْ وَلَمْ يُقَاتِلْ لَدَى أَحْجَارِهَا هَدَرُ
إنّ الرّسُولَ مَتَى يَنْزِلْ بِلَادَكُمْ يَظْعَنْ وَلَيْسَ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا بَشَرُ
الطّرِيقُ إلَى الطّائِفِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَسَلَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى نَخْلَةَ الْيَمَانِيّةِ، ثُمّ عَلَى قَرْنٍ، ثُمّ عَلَى الْمُلَيْحِ، ثُمّ عَلَى
_________________
(١) فِيهَا، وَيَكُونَ لَهُمْ النّصْفُ فِي الزّرْعِ وَالثّمَرِ ثُمّ إنّ ثَقِيفًا مَنَعَتْهُمْ ذَلِكَ وَتَحَصّنُوا مِنْهُمْ بِالْحَائِطِ الّذِي بَنَوْهُ حَوْلَ حَاضِرِهِمْ فَحَارَبَتْهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، فَلَمْ يَظْفَرُوا مِنْهُمْ بِشَيْءٍ وَجَلَوْا عَنْ تِلْكَ الْبِلَادِ وَلِذَلِكَ يَقُولُ كِنَانَةُ وَقَدْ جَرّبَتْنَا قَبْلَ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ الْبَيْتُ ذَكَرَهُ الْبَكْرِيّ فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ لَخّصْته.
[ ٧ / ٣٣٥ ]
بُحْرَةِ الرّغَاءِ مِنْ لَهِيّةَ فَابْتَنَى بِهَا مَسْجِدًا فَصَلّى فِيهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ:
أَنّهُ أَقَادَ يَوْمَئِذٍ بِبُحْرَةِ الرّغَاءِ حِينَ نَزَلَهَا، بِدَمٍ وَهُوَ أَوّلُ دَمٍ أُقِيدَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ، فَقَتَلَهُ بِهِ وَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِلِيّةَ بِحِصْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ فَهُدِمَ ثُمّ سَلَكَ فِي طَرِيقٍ يُقَالُ لَهَا: الضّيّقَةُ، فَلَمّا تَوَجّهَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ سَأَلَ عَنْ اسْمِهَا، فَقَالَ " مَا اسْم هَذِهِ الطّرِيقِ؟ " فَقِيلَ لَهُ الضّيّقَةُ، فَقَالَ " بَلْ هِيَ الْيُسْرَى "، ثُمّ خَرَجَ مِنْهَا عَلَى نَخْبٍ حَتّى نَزَلَ تَحْتَ سِدْرَةٍ يُقَالُ لَهَا: الصّادِرَةُ، قَرِيبًا مِنْ مَالِ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ " إمّا أَنْ تُخْرِجَ وَإِمّا أَنْ نُخَرّبَ عَلَيْك حَائِطَك " فَأَبَى أَنْ يُخْرِجَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِإِخْرَابِهِ.
ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ الطّائِفِ، فَضَرَبَ بِهِ عَسْكَرَهُ فَقُتِلَ بِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالنّبْلِ وَذَلِكَ أَنّ الْعَسْكَرَ اقْتَرَبَ مِنْ حَائِطِ الطّائِفِ، فَكَانَتْ النّبْلُ تَنَالُهُمْ وَلَمْ يَقْدِرْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنْ يَدْخُلُوا حَائِطَهُمْ أَغْلَقُوهُ دُونَهُمْ فَلَمّا أُصِيبَ أُولَئِكَ النّفَرُ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالنّبْلِ وَضَعَ عَسْكَرَهُ عِنْدَ مَسْجِدِهِ الّذِي بِالطّائِفِ الْيَوْمَ فَحَاصَرَهُمْ بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ سَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَمَعَهُ امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِهِ إحْدَاهُمَا أُمّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيّةَ ضَرَبَ لَهُمَا قُبّتَيْنِ ثُمّ صَلّى بَيْنَ الْقُبّتَيْنِ. ثُمّ أَقَامَ فَلَمّا أَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ بَنَى عَلَى مُصَلّى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ بْنِ وَهْبِ بْنِ مُعَتّبِ بْنِ مَالِكٍ مَسْجِدًا، وَكَانَتْ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ سَارِيَةٌ فِيمَا يَزْعُمُونَ لَا تَطْلُعُ الشّمْسُ عَلَيْهَا يَوْمًا مِنْ الدّهْرِ إلّا سُمِعَ لَهَا نَقِيضٌ فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، وتراموا النبل.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٣٦ ]
الرَّسُول أَوّلُ مَنْ رَمَى بِالْمَنْجَنِيقِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَرَمَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْمَنْجَنِيقِ. حَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَوّلُ مَنْ رَمَى فِي الْإِسْلَامِ بِالْمَنْجَنِيقِ رَمَى أَهْلَ الطّائِفِ.
يَوْمَ الشّدْخَةِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
حَتّى إذَا كَانَ يَوْمَ الشّدْخَةِ عِنْدَ جِدَارِ الطّائِفِ، دَخَلَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَحْتَ دَبّابَةٍ ثُمّ زَحَفُوا بِهَا إلَى جِدَارِ الطّائِفِ لِيُحَرّقُوهُ فَأَرْسَلَتْ عَلَيْهِمْ ثَقِيفٌ سِكَكَ الْحَدِيدِ مُحْمَاةً بِالنّارِ فَخَرَجُوا مِنْ تَحْتِهَا، فَرَمَتْهُمْ ثَقِيفٌ بِالنّبْلِ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ رِجَالًا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَطْعِ أَعْنَابِ ثَقِيفٍ، فَوَقَعَ النّاسُ فِيهَا يقطعون.
الْمُفَاوضَة مَعَ ثَقِيف:
وَتَقَدّمَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إلَى الطّائِفِ، فَنَادَيَا ثَقِيفًا: أَنْ
_________________
(١) أَوّلُ مَنْ رَمَى بِالْمَنْجَنِيقِ فِي الْجَاهِلِيّةِ وَالْإِسْلَامِ فَصْلٌ وَذَكَرَ حِصَارَ الطّائِفِ، وَأَنّ أَوّلَ مَنْ رَمَى بِالْمَنْجَنِيقِ فِي الْإِسْلَامِ النّبِيّ ﷺ. قَالَ الْمُؤَلّفُ وَأَمّا فِي الْجَاهِلِيّةِ فَيُذْكَرُ أَنّ جَذِيمَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ فَهْمِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دَوْسٍ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِالْأَبْرَشِ أَوّلُ مَنْ رَمَى بِالْمَنْجَنِيقِ وَكَانَ مِنْ مُلُوكِ الطّوَائِفِ وَكَانَ يُرْعَفُ بِالْوَضّاحِ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: مُنَادِمُ الْفَرْقَدَيْنِ لِأَنّهُ رَبَأَ بِنَفْسِهِ عَنْ مُنَادَمَةِ النّاسِ فَكَانَ إذَا شَرِبَ نَادَمَ الْفَرْقَدَيْنِ عَجَبًا بِنَفْسِهِ ثُمّ نَادَمَ بَعْدَ ذَلِكَ مَالِكًا وَعُقَيْلًا اللّذَيْنِ يَقُولُ فِيهِمَا مُتَمّمُ [بْنُ نُوَيْرَةَ يَرْثِي أَخَاهُ مَالِكًا]: وَكُنّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً مِنْ الدّهْرِ حَتّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدّعَا وَيُذْكَرُ أَيْضًا أَنّهُ أَوّلُ مَنْ أَوْقَدَ الشّمْعَ.
[ ٧ / ٣٣٧ ]
أَمّنُونَا حَتّى نُكَلّمَكُمْ فَأَمّنُوهُمَا، فَدَعَوَا نِسَاءً مِنْ نِسَاءٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَبَنِيّ كِنَانَةَ لَيَخْرُجُنّ إلَيْهِمَا، وَهُمَا يَخَافَانِ عَلَيْهِنّ السّبَاءَ فَأَبَيْنَ مِنْهُنّ آمِنَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ كَانَتْ عِنْدَ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ لَهُ مِنْهَا دَاوُدُ بْنُ عُرْوَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَيُقَالُ إنّ أُمّ دَاوُدَ مَيْمُونَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِي مُرّةَ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ فَوَلَدَتْ لَهُ دَاوُدَ بْنَ أَبِي مُرّةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَالْفِرَاسِيّةُ بِنْتُ سُوَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ، لَهَا عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنِ قَارِبٍ، وَالْفَقِيمِيّةُ أُمَيْمَةُ بِنْتُ النّاسِئِ أُمَيّة بْن قُلْع ; فَلَمّا أَبَيْنَ عَلَيْهِمَا، قَالَ لَهُمَا ابْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ "يَا أَبَا سُفْيَانَ وَيَا مُغِيرَةُ أَلَا أَدُلّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمّا جِئْتُمَا لَهُ إنّ مَالَ بَنِي الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطّائِفِ، نَازِلًا
_________________
(١) غَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ: وَذَكَرَ حُلِيّ بَادِيَةَ بِنْتِ غَيْلَانَ وَهُوَ غَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ الثّقَفِيّ، وَهُوَ الّذِي أَسْلَمَ، وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَأَمَرَهُ النّبِيّ ﷺ أَنْ يُمْسِكَ أَرْبَعًا، وَيُفَارِقَ سَائِرَهُنّ فَقَالَ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ: يَخْتَارُ أَرْبَعًا، وَقَالَ فُقَهَاءُ الْعِرَاقِ: بَلْ يُمْسِكُ الّتِي تَزَوّجَ أَوّلًا، ثُمّ الّتِي تَلِيهَا إلَى الرّابِعَةِ وَاحْتَجّ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ بِأَنّ النّبِيّ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِلْهُ أَيّتَهنّ تَزَوّجَ أَوّلَ وَتَرْكُهُ لِلِاسْتِفْصَالِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّهُ مُخَيّرٌ حَتّى جَعَلَ الْأُصُولِيّونَ مِنْهُمْ هَذَا أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الْعُمُومِ فَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي كِتَابِ الْبُرْهَانِ تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ
[ ٧ / ٣٣٨ ]
بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ الْعَقِيقُ، إنّهُ لَيْسَ بِالطّائِفِ مَالٌ أَبْعَدُ رِشَاءً وَلَا أَشَدّ مُؤْنَةً وَلَا أَبْعَدُ عِمَارَةً مِنْ مَالِ بَنِي الْأَسْوَدِ وَإِنّ مُحَمّدًا إنْ قَطَعَهُ لَمْ يُعْمَرْ أَبَدًا، فَكَلّمَاهُ فَلْيَأْخُذْ لِنَفْسِهِ أَوْ لِيَدْعُهُ لِلّهِ وَلِلرّحِمِ فَإِنّ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ مِنْ الْقَرَابَةِ مَا لَا يُجْهَلُ فَزَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَرَكَهُ لَهُمْ"
رُؤْيا الرَّسُول وَتَفْسِير ابي بكر لَهَا
وَقَدْ بَلَغَنِي أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ وَهُوَ مُحَاصِرٌ ثَقِيفًا: " يَا أَبَا بَكْرٍ، إنّي رَأَيْت أَنّي أُهْدِيَتْ لِي قُعْبَةٌ مَمْلُوءَةٌ زَيْدًا، فَنَقَرَهَا دِيكٌ فَهَرَاقَ مَا فِيهَا. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَظُنّ أَنْ تُدْرِكَ مِنْهُمْ يَوْمَك هَذَا مَا تُرِيدُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا لَا أَرَى ذَلِكَ "
ارتحال الْمُسلمين وَسبب ذَلِك
ثُمّ إنّ خُوَيْلَةَ بِنْتَ حَكِيمِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْأَوْقَصِ السّلَمِيّةَ وَهِيَ امْرَأَةُ عُثْمَانَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ أَعْطِنِي إنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْك الطّائِفَ حُلِيّ بَادِيَةَ ابْنَةَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ أَوْ حُلِيّ الْفَارِعَةِ بِنْتِ عُقَيْلٍ وَكَانَتَا مِنْ أَحْلَى نِسَاءِ ثَقِيفٍ.
_________________
(١) فِي حِكَايَاتِ الْأَحْوَالِ مَعَ الِاحْتِمَالِ يَتَنَزّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ كَحَدِيثِ غَيْلَانَ. وَغَيْلَانُ هَذَا هُوَ الّذِي قُدّمَ عَلَى كِسْرَى، فَسَأَلَهُ أَيّ وَلَدِهِ أَحَبّ إلَيْهِ؟ فَقَالَ غَيْلَانُ الْغَائِبُ حَتّى يَقْدَمَ وَالْمَرِيضُ حَتّى يُفِيقَ وَالصّغِيرُ حَتّى يَكْبُرَ فَقَالَ لَهُ كِسْرَى: مَا غِذَاؤُك فِي بَلَدِك؟ قَالَ الْخُبْزُ. قَالَ هَذَا عَقْلُ الْخُبْزِ تَفْضِيلًا لِعَقْلِهِ عَلَى عُقُولِ أَهْلِ الْوَرّ وَنَسَبَ الْمُبَرّدُ هَذِهِ الْحِكَايَةَ مَعَ كِسْرَى إلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيّ الْحَنَفِيّ، وَالصّحِيحُ عِنْدَ الْإِخْبَارِيّينَ مَا قَدّمْنَاهُ وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ. بَادِيَةُ بِنْتُ غَيْلَانَ وَأَمّا بَادِيَةُ ابْنَتُهُ فَقَدْ قِيلَ فِيهَا: بَادِنَةُ بِالنّونِ وَالصّحِيحُ بِالْيَاءِ وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَهِيَ الّتِي قَالَ فِيهَا هِيتٌ الْمُخَنّثُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَيّةَ" إنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ الطّائِفَ، فَإِنّي أَدُلّك عَلَى بَادِيَةَ بِنْتِ غَيْلَانَ فَإِنّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ
[ ٧ / ٣٣٩ ]
فَذُكِرَ لِي أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهَا:" وَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤْذَنْ لِي فِي ثَقِيفٍ يَا خُوَيْلَةُ؟ " فَخَرَجَتْ خُوَيْلَةُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعُمَرِ بْنِ الْخَطّابِ فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ مَا حَدِيثٌ حَدّثَتْنِيهِ خُوَيْلَةُ زَعَمَتْ أَنّك قُلْته؟ قَالَ " قَدْ قُلْته " ; قَالَ أَوَمَا أُذِنَ لَك فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " لَا ". قَالَ أَفَلَا أُؤَذّنُ بِالرّحِيلِ؟ قَالَ " بَلَى ". قَالَ فَأَذّنَ عُمَرُ بالرحيل
_________________
(١) فَسَمِعَهُ النّبِيّ ﷺ فَقَالَ " قَاتَلَك اللهُ لَقَدْ أَمْعَنْت النّظَرَ وَقَالَ لَا يَدْخُلَنّ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُنّ " ثُمّ نَفَاهُ إلَى رَوْضَةِ خَاخٍ فَقِيلَ إنّهُ يَمُوتُ بِهَا جُوعًا فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ كُلّ جُمُعَةٍ يَسْأَلُ النّاسَ وَيُرْوَى فِي الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ لَمْ تَقَعْ فِي الصّحِيحِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ مَعَ ثَغْرٍ كَالْأُقْحُوَانِ إنْ قَامَتْ تَثَنّتْ وَإِنْ قَعَدَتْ تَبَنّتْ وَإِنْ تَكَلّمَتْ تَغَنّتْ يَعْنِي مِنْ الْغُنّةِ وَالْأَصْلُ تَغَنّنَتْ فَقُلِبَتْ إحْدَى النّونَيْنِ يَاءً وَهِيَ هَيْفَاءُ شَمُوعٌ نَجْلَاءُ كَمَا قَالَ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ بَيْضَاءُ فَرْعَاءٌ يُسْتَضَاءُ بِهَا كَأَنّهَا خُوطُ بَانَةٍ قَصِفُ تَنْتَرِقُ الطّرْفَ وَهِيَ لَاهِيَةٌ كَأَنّمَا شَفّ وَجْهَهَا نُزَفُ تَنَامُ عَنْ كِبْرِ شَأْنِهَا فَإِذَا قَا مَتْ رُوَيْدًا تَكَادُ تَنْغَرِفُ وَفِي هَذَا الْبَيْتِ صَحّفَ ابْنُ دُرَيْدٍ أَعْنِي قَوْلَهُ تُغْتَرَقُ فَقَالَ هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ حَتّى هُجّيَ بِذَلِكَ فَقِيلَ أَلَسْت قِدْمًا جَعَلْت تَعْتَرِقُ الْ طَرْفَ بِجَهْلِ مَكَانٍ تَغْتَرِقُ
[ ٧ / ٣٤٠ ]
عُيَيْنَة وَمَا كَانَ يخفي من نِيَّته
فَلَمّا اسْتَقَلّ النّاسُ نَادَى سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ عَلّاجٍ أَلَا إنّ الْحَيّ مُقِيمٌ. قَالَ يَقُولُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: أَجَلْ وَاَللهِ مُجِدّةً كِرَامًا، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَاتَلَك اللهُ يَا عُيَيْنَةُ، أَتَمْدَحُ الْمُشْرِكِينَ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَدْ جِئْت تَنْصُرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ إنّي وَاَللهِ مَا جِئْت لِأُقَاتِلَ ثَقِيفًا مَعَكُمْ
_________________
(١) وَقُلْت: كَانَ الْخِبَاءُ مِنْ أَدَمٍ وَهُوَ حِبَاءٌ يُهْدَى وَيُصْطَدَقُ وَكَانَ صَحّفَ أَيْضًا قَوْلَ مُهَلْهَلٍ فَقَالَ فِيهِ الْخِبَاءُ وَبَادِيَةُ هَذِهِ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ جُوَيْرِيَةَ وَهِيَ امْرَأَةُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ. الْمُخَنّثُونَ الّذِينَ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ الْمُخَنّثُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْبَعَةً هِيتٌ هَذَا، وَهَرِمٌ وَمَاتِعٌ وَإِنْهٌ وَلَمْ يَكُونُوا يَزْنُونَ بِالْفَاحِشَةِ الْكُبْرَى، وَإِنّمَا كَانَ تَأْنِيثُهُمْ لِينًا فِي الْقَوْلِ وَخِضَابًا فِي الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ كَخِضَابِ النّسَاءِ وَلَعِبًا كَلَعِبِهِنّ وَرُبّمَا لَعِبَ بَعْضُهُمْ بِالْكُرّجِ وَفِي مَرَاسِيلِ أَبِي دَاوُدَ"أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ ﵁ رَأَى لَاعِبًا يَلْعَبُ بِالْكُرّجِ فَقَالَ " لَوْلَا أَنّي رَأَيْت هَذَا يَلْعَبُ بِهِ عَلَى عَهْدِ النّبِيّ - ﷺ - لَنَفَيْته مِنْ الْمَدِينَةِ". عُيَيْنَةُ وَذَكَرَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، وَاسْمُهُ حُذَيْفَةُ وَإِنّمَا قِيلَ لَهُ عُيَيْنَةُ لِشَتْرٍ كَانَ بِعَيْنِهِ.
[ ٧ / ٣٤١ ]
وَلَكِنّي أَرَدْت أَنْ يَفْتَحَ مُحَمّدٌ الطّائِفَ، فَأُصِيبَ مِنْ ثَقِيفٍ جَارِيَةً أَتّطِئُهَا، لَعَلّهَا تَلِدُ لِي رَجُلًا، فَإِنّ ثَقِيفًا قَوْمٌ مَنَاكِيرُ.
وَنَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي إقَامَتِهِ مِمّنْ كَانَ مُحَاصَرًا بِالطّائِفِ عَبِيدٌ، فَأَسْلَمُوا، فَأَعْتَقَهُمْ رَسُول الله ﷺ.
عُتَقَاء ثَقِيف
قَالَ ابْن إِسْحَاق: وحَدثني مِنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُكَدّمٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ ثَقِيفٍ، قَالُوا:
لَمّا أَسْلَمَ أَهْلُ الطّائِفِ تَكَلّمَ نَفَرٌ مِنْهُمْ فِي أُولَئِكَ الْعَبِيدِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " لَا، أُولَئِكَ عُتَقَاءُ اللهِ "وَكَانَ مِمّنْ تَكَلّمَ فِيهِمْ الْحَارِثُ بْنُ كَلَدَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَدْ سَمّى ابْنُ إسْحَاقَ مَنْ نَزَلَ مِنْ أُولَئِكَ الْعَبِيدِ.
إِطْلَاق أبي بن مَالك من يَد مَرْوَان وَشعر الضَّحَّاك فِي ذَلِك
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَدْ كَانَتْ ثَقِيفٌ أَصَابَتْ أَهْلًا لِمَرْوَانَ بْنِ قَيْسٍ الدّوْسِيّ وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ، وَظَاهَرَ
_________________
(١) الْعَبِيدُ الّذِينَ نَزَلُوا مِنْ حِصْنِ الطّائِفِ وَذَكَرَ الْعَبِيدَ الّذِينَ نَزَلُوا مِنْ الطّائِفِ، وَلَمْ يُسَمّهِمْ وَمِنْهُمْ أَبُو بَكْرَةَ نُفَيْعُ بْنُ مَسْرُوحٍ تَدَلّى مِنْ سُوَرِ الطّائِفِ عَلَى بَكْرَةٍ فَكُنّيَ أَبَا بَكْرَةَ وَهُوَ مِنْ أَفَاضِلِ الصّحَابَةِ وَمَاتَ بِالْبَصْرَةِ وَمِنْهُمْ الْأَزْرَقُ وَكَانَ عَبْدًا لِلْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ الْمُتَطَبّبُ وَهُوَ زَوْجُ سُمَيّةَ مَوْلَاةِ الْحَارِثِ أُمّ زِيَادِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَأُمّ سَلَمَةَ بْنِ الْأَزْرَقِ وَبَنُو سَلَمَةَ بْنُ الْأَزْرَقِ وَلَهُمْ صِيتٌ وَذِكْرٌ بِالْمَدِينَةِ وَقَدْ انْتَسَبُوا إلَى غَسّانَ، وَغَلِطَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ فَجَعَلَ سُمَيّةَ هَذِهِ الْمَذْكُورَةَ أُمّ عَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَجَعَلَ سَلَمَةَ بْنَ الْأَزْرَقِ أَخَا عَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ لِأُمّهِ وَقَدْ ذَكَرَ أَنّ الْأَزْرَقَ خَرَجَ مِنْ الطّائِفِ، فَأَسْلَمَ وَسُمَيّةُ قَدْ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ قَتَلَهَا أَبُو جَهْلٍ وَهِيَ إذْ ذَاكَ تَحْتَ يَاسِرٍ
[ ٧ / ٣٤٢ ]
رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى ثَقِيفٍ، فَزَعَمَتْ ثَقِيفٌ، وَهُوَ الّذِي تَزْعُمُ بِهِ ثَقِيفٌ أَنّهَا مِنْ قَيْسٍ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِمَرْوَانَ بْنِ قَيْسٍ: خُذْ يَا مَرْوَانُ بِأَهْلِك أَوّلَ رَجُلٍ مِنْ قَيْسٍ تَلْقَاهُ فَلَقِيَ أُبَيّ بْنَ مَالِكٍ الْقُشَيْرِيّ، فَأَخَذَهُ حَتّى يُؤَدّوا إلَيْهِ أَهْلَهُ فَقَامَ فِي ذَلِكَ الضّحّاكُ بْنُ سُفْيَانَ الْكِلَابِيّ، فَكَلّمَ ثَقِيفًا حَتّى أَرْسَلُوا أَهْلَ مَرْوَانَ وَأَطْلَقَ لَهُمْ أُبَيّ بْنَ مَالِكٍ "فَقَالَ الضّحّاكُ بْنُ سُفْيَانَ فِي شَيْءٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُبَيّ بْنِ مَالِكٍ
أَتَنْسَى بَلَائِي يَا أُبَيّ بْنَ مَالِكٍ غَدَاةَ الرّسُولُ مُعْرِضٌ عَنْك أَشْوَسُ
يَقُودُك مَرْوَانُ بْنُ قَيْسٍ بِحَبْلِهِ ذَلِيلًا كَمَا قِيدَ الذّلُولُ الْمُخَيّسُ
فَعَادَتْ عَلَيْك مِنْ ثَقِيفٍ عِصَابَةٌ مَتَى يَأْتِهِمْ مُسْتَقْبِسُ الشّرّ يُقْبَسُوا
فَكَانُوا هُمْ الْمَوْلَى فَعَادَتْ حُلُومُهُمْ عَلَيْك وَقَدْ كَادَتْ بِك النّفْسُ تَيْأَسُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: "يُقْبَسُوا" عَنْ غَيْرِ ابْنِ إِسْحَاق.
الشُّهَدَاء الْمُسلمين يَوْمِ الطّائِفِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
_________________
(١) أَبِي عَمّارٍ كَمَا تَقَدّمَ فِي بَابِ الْمَبْعَثِ فَتَبَيّنَ غَلَطُ ابْنِ قُتَيْبَةَ وَوَهْمُهُ وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو عُمَرَ النّمِرِيّ كَمَا قُلْت. وَمِنْ أُولَئِكَ الْعَبِيدِ الْمُنْبَعِثُ وَكَانَ اسْمُهُ الْمُضْطَجِعُ فَبَدّلَ النّبِيّ ﷺ اسْمَهُ وَكَانَ عَبْدًا لِعُثْمَانِ بْنِ عَامِرِ بْنِ مُعَتّبٍ. وَمِنْهُمْ يُحَنّسُ النّبّالُ وَكَانَ عَبْدًا لِبَعْضِ آلِ يَسَارٍ. وَمِنْهُمْ وَرْدَانُ جَدّ الْفُرَاتِ بْنِ زَيْدِ بْنِ وَرْدَان، وَكَانَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ خَرَشَةَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ وَكَانَ أَيْضًا لِخَرَشَةَ وَجَعَلَ النّبِيّ - ﷺ - وَلَاءَ هَؤُلَاءِ الْعَبِيدِ لِسَادَتِهِمْ حِينَ أَسْلَمُوا. كُلّ هَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ.
[ ٧ / ٣٤٣ ]
هَذِهِ تَسْمِيَةُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الطّائِفِ:
مِنْ قُرَيْش
من قُرَيْشٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ: سَعِيدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ، وَعُرْفُطَةُ بْنُ جَنّابٍ حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ الْأَسَدِ بْنِ الْغَوْثِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ ابْنُ حُبَابٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَمِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرّةَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقُ، رُمِيَ بِسَهْمٍ فَمَاتَ مِنْهُ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، مِنْ رَمْيَةٍ رُمِيَهَا يَوْمَئِذٍ.
وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ.
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرٍو: السّائِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ.
وَمِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ جُلَيْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ.
من الْأَنْصَار
وَاسْتُشْهِدَ مِنْ الْأَنْصَارِ:
مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: ثَابِتُ بْنُ الْجَذَعِ.
_________________
(١) وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ فِيهِمْ نَافِعَ بْنَ مَسْرُوحٍ، وَهُوَ أَخُو نُفَيْعِ أَبِي بَكْرَةَ وَيُقَالُ فِيهِ وَفِي أَخِيهِ ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ. وَذَكَرَ ابْنُ سَلَامٍ فِيهِمْ نَافِعًا مَوْلَى غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثّقَفِيّ، وَذَكَرَ أَنّ وَلَاءَهُ رَجَعَ إلَى غَيْلَانَ حِينَ أَسْلَمَ وَأَحْسَبُهُ وَهْمًا مِنْ ابْنِ سَلَامٍ أَوْ مِمّنْ رَوَاهُ عَنْهُ وَإِنّمَا الْمَعْرُوفُ نَافِعُ بْنُ غَيْلَانَ وَاَللهُ أَعْلَمُ.
[ ٧ / ٣٤٤ ]
وَمِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النّجّارِ الْحَارِثُ بْنُ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ.
وَمِنْ بَنِي سَاعِدَةَ الْمُنْذِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ.
وَمِنْ الْأَوْسِ: رُقَيْمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَوْذَان بْنِ مُعَاوِيَةَ.
فَجَمِيعُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ بِالطّائِفِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، سَبْعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَرْبَعَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَرَجُلٌ مِنْ بني لَيْث.
شعر فِي حُنَيْنٍ وَالطّائِفِ
فَلَمّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ الطّائِفِ بَعْدَ الْقِتَالِ وَالْحِصَارِ قَالَ بُجَيْرُ بْنُ زُهَيْرِ بْن أَبِي سُلْمَى يَذْكُرُ حُنَيْنًا وَالطّائِفَ
كَانَتْ عُلَالَةُ يَوْمَ بَطْنِ حُنَيْنٍ وَغَدَاةَ أَوْطَاسٍ وَيَوْمَ الْأَبْرَقِ
_________________
(١) مِنْ نَسَبِ بُجَيْرِ بْنِ زُهَيْرٍ وَذَكَرَ شِعْرَ بُجَيْرِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى، وَاسْمُ أَبِي سُلْمَى: رَبِيعَةُ، وَهُوَ مِنْ بَنِي لَاطِمِ بْنِ عُثْمَانَ وَهِيَ مُزَيْنَةُ، عُرِفُوا بِأُمّهِمْ وَقَدْ قَدّمْنَا أَنّهَا بِنْتُ كَلْبِ بْنِ وَبَرَةَ وَأَنّ أُخْتَهَا الْحَوْأَبُ وَبِهَا سُمّيَ مَاءُ الْحَوْأَبِ وَعُثْمَانُ هُوَ ابْنُ أَدّ بْنِ طَابِخَةَ. حَوْلَ شِعْرِ بُجَيْرٍ وَقَوْلُهُ: كَانَتْ عُلَالَةُ يَوْمَ بَطْنِ حُنَيْنٍ هَذَا مِنْ الْإِقْوَاءِ الّذِي تَقَدّمَ ذِكْرُهُ وَهُوَ أَنْ يُنْقِصَ حَرْفًا مِنْ آخِرِ الْقَسِيمِ الْأَوّلِ مِنْ الْكَامِلِ وَهُوَ الّذِي كَانَ الْأَصْمَعِيّ يُسَمّيهِ الْمُقْعَدُ.
[ ٧ / ٣٤٥ ]
جَمَعَتْ بِإِغْوَاءٍ هَوَازِنُ جَمْعَهَا فَتَبَدّوْا كَالطّائِرِ الْمُتَمَزّقِ
لَمْ يَمْنَعُوا مِنّا مَقَامًا وَاحِدًا إلّا جِدَارَهُمْ وَبَطْنَ الْخَنْدَقِ
وَلَقَدْ تَعَرّضْنَا لِكَيْمَا يَخْرُجُوا فَتَحَصّنُوا مِنّا بِبَابٍ مُغْلَقِ
تَرْتَدّ حَسْرَانَا إلَى رَجْرَاجَةٍ شَهْبَاءَ تَلْمَعُ بِالْمَنَايَا فَيْلَقِ
مَلْمُومَةٌ خَضْرَاءَ لَوْ قَذَفُوا بِهَا حَضَنًا لَظَلّ كَأَنّهُ لَمْ يُخْلَقْ
مَشْيَ الضّرَاءِ عَلَى الْهَرَاسِ كَأَنّنَا قُدُرٌ تَفَرّقُ فِي الْقِيَادِ وَتَلْتَقِي
_________________
(١) وَقَوْلُهُ كَانَتْ عُلَالَةَ. الْعُلَالَةُ جَرْيٌ بَعْدَ جَرْيٍ أَوْ قِتَالٌ بَعْدَ قِتَالٍ يُرِيدُ أَنّ هَوَازِنَ جَمَعَتْ جَمْعَهَا عُلَالَةً فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَحُذِفَ التّنْوِينُ مِنْ عُلَالَةَ ضَرُورَةً وَأُضْمِرَ فِي كَانَتْ اسْمُهَا، وَهُوَ الْقِصّةُ وَإِنْ كَانَتْ الرّوَايَةُ بِخَفْضِ يَوْمٍ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْتِزَامِ الضّرُورَةِ الْقَبِيحَةِ بِالنّصْبِ وَلَكِنّ أَلْفِيّتَهُ فِي النّسْخَةِ الْمُقَيّدَةِ وَإِذَا كَانَ الْيَوْمُ مَخْفُوضًا بِالْإِضَافَةِ جَازَ فِي عُلَالَةَ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى خَبَرِ كَانَ فَيَكُونُ اسْمُهَا عَائِدًا عَلَى شَيْءٍ تَقَدّمَ ذِكْرُهُ وَيَجُوزُ الرّفْعُ فِي عُلَالَةَ مَعَ إضَافَتِهَا إلَى يَوْمٍ عَلَى أَنْ تَكُونَ كَانَ تَامّةً مُكْتَفِيَةً بِاسْمٍ وَاحِدٍ وَيَجُوزُ أَنْ تَجْعَلَهَا اسْمًا عَلَمًا لِلْمَصْدَرِ مِثْلَ بَرّةَ وَفَجَارِ وَيُنْصَبُ يَوْمٌ عَلَى الظّرْفِ كَمَا تَقَيّدَ فِي النّسْخَةِ. وَقَوْلُهُ تَرْتَدّ حَسْرَانَا، جَمْعُ: حَسِيرٍ وَهُوَ الْكَلِيلُ. وَالرّجْرَاجَةُ الْكَتِيبَةُ الضّخْمَةُ مِنْ الرّجْرَجَةِ وَهِيَ شِدّةُ الْحَرَكَةِ وَالِاضْطِرَابِ. وَفَيْلَقٌ مِنْ الْفِلْقِ وَهِيَ الدّاهِيَةُ. وَالْهَرَاسُ شَوْكٌ مَعْرُوفٌ وَالضّرَاءُ الْكِلَابُ وَهِيَ إذَا مَشَتْ فِي الْهَرَاسِ ابْتَغَتْ لِأَيْدِيهَا مَوْضِعًا، ثُمّ تَضَعُ أَرْجُلَهَا فِي مَوْضِعِ أَيْدِيهَا، شَبّهَ الْخَيْلَ بِهَا. وَالْفُدُرُ الْوُعُولُ الْمُسِنّةُ. وَالنّهِيءُ الْغَدِيرُ، سُمّيَ بِذَلِكَ لِأَنّهُ مَاءٌ نَهَاهُ مَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ عَنْ السّيَلَانِ فَوَقَفَ.
[ ٧ / ٣٤٦ ]
فِي كُلّ سَابِغَةٍ إذَا مَا اسْتَحْصَنَتْ كَالنّهْيِ هَبّتْ رِيحُهُ الْمُتَرَقْرِقِ
جُدُلٌ تَمَسّ فُضُولَهُنّ نِعَالُنَا مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ وَآلِ مُحَرّقِ
أَمْرُ أَمْوَالِ هَوَازِنَ وَسَبَايَاهَا وَعَطَايَا الْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْهَا وَإِنْعَامُ رَسُولِ الله ﷺ فِيهَا
دُعَاء الرَّسُول لهوزان
ثُمّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ انْصَرَفَ عَنْ الطّائِفِ عَلَى دَحْنَا حَتّى نَزَلَ الْجِعْرَانَةَ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ النّاسِ وَمَعَهُ مِنْ هَوَازِنَ سَبْيٌ كَثِيرٌ وَقَدْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَوْمَ ظَعَنَ عَنْ ثَقِيفٍ: يَا رَسُولَ اللهِ اُدْعُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " اللهُمّ اهْدِ ثَقِيفًا وأت بهم ".
من الرَّسُول على هوزان
ثُمّ أَتَاهُ وَفْدُ هَوَازِنَ بِالْجِعْرَانَةِ وَكَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ سَبْيِ هَوَازِنَ سِتّةُ آلَافٍ مِنْ الذّرَارِيّ وَالنّسَاءِ وَمِنْ الْإِبِلِ وَالشّاءِ مَا لَا يُدْرَى مَا عِدّتُهُ.
_________________
(١) وَقَوْلُهُ جُدُلٌ: جَمْعُ جَدْلَاءَ وَهِيَ الشّدِيدَةُ الْفَتْلِ وَمَنْ رَوَاهُ: جَدْلٌ فَمَعْنَاهُ: ذَاتُ جَدْلٍ. وَقَوْلُهُ وَآل مُحَرّقِ يَعْنِي عُمَرَ بْنِ هِنْدَ مَلِكَ الْحِيرَةِ، وَقَدْ تَقَدّمَ فِي أَوّلِ الْكِتَابِ سَبَبُ تَسْمِيَتِهِ بِمُحَرّقٍ وَفِي زَمَانِهِ وُلِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا ذَكَرُوا - وَاَللهُ أَعْلَمُ. دَحْنَا وَمَسْحُ ظَهْرِ آدَمَ فَصْلٌ وَذَكَرَ انْصِرَافَ النّبِيّ ﷺ عَنْ الطّائِفِ عَلَى دَحْنَا. وَدَحْنَا هَذِهِ هِيَ الّتِي خُلِقَ مِنْ تُرْبِهَا آدَمُ صَلّى اللهُ عَلَى نَبِيّنَا وَعَلَيْهِ وَفِي الْحَدِيثِ " إنّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ
[ ٧ / ٣٤٧ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو:
أَنّ وَفْدَ هَوَازِنَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَدْ أَسْلَمُوا، فَقَالُوا: يَا رَسُولُ إنّا أَصْلٌ وَعَشِيرَةٌ، وَقَدْ أَصَابَنَا مِنْ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْك، فَامْنُنْ عَلَيْنَا، مَنّ اللهُ عَلَيْك. قَالَ وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ، ثُمّ أَحَدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، يُقَالُ لَهُ زُهَيْرٌ يُكَنّى أَبَا صُرَدٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إنّمَا فِي الْحَظَائِرِ عَمّاتُك وَخَالَاتُك وَحَوَاضِنُك اللّاتِي كُنّ يَكْفُلْنَك، وَلَوْ أَنّا مَلَحْنَا لِلْحَارِثِ بْنِ أَبِي شَمِرٍ، أَوْ النّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، ثُمّ نَزَلَ مِنّا بِمِثْلِ الّذِي نَزَلْت بِهِ رَجَوْنَا عَطْفَهُ وَعَائِدَتَهُ عَلَيْنَا، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمَكْفُولِينَ
_________________
(١) دَحْنَا، وَمَسَحَ ظَهْرَهُ بِنُعْمَانِ الْأَرَاكِ "رَوَاهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وَكَانَ مَسْحُ ظَهْرِ آدَمَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْجَنّةِ بِاتّفَاقٍ مِنْ الرّوَايَاتِ وَاخْتَلَفَتْ الرّوَايَةُ فِي مَسْحِ ظَهْرِهِ فَرُوِيَ مَا تَقَدّمَ وَهُوَ أَصَحّ، وَرُوِيَ أَنّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَمَاءِ الدّنْيَا قَبْلَ هُبُوطِهِ إلَى الْأَرْضِ وَهُوَ قَوْلُ السّدّيّ، وَكِلْتَا الرّوَايَتَيْنِ ذَكَرَهُمَا الطّبَرِيّ. وَقَوْلُهُ حَتّى نَزَلَ الْجِعْرَانَةَ، بِسُكُونِ الْعَيْنِ فِيهَا هُوَ أَصَحّ الرّوَايَتَيْنِ وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطّابِيّ أَنّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ يُشَدّدُونَ الرّاءَ وَقَدْ ذُكِرَ أَنّ الْمَرْأَةَ الّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوّةٍ كَانَتْ تُلَقّبُ بِالْجِعْرَانَةِ وَاسْمُهَا: رَيْطَةُ بِنْتُ سَعْدٍ وَأَنّ الْمَوْضِعَ يُسَمّى بِهَا، وَاَللهُ أَعْلَمُ. حَوْلَ قَوْلِ زُهَيْرٍ أَبِي صُرَدٍ فَصْلٌ: وَذَكَرَ زُهَيْرًا أَبَا صُرَدٍ وَقَوْلُهُ لِلنّبِيّ ﷺ وَلَوْ أَنّا مَلَحْنَا لِلْحَارِثِ بْنِ أَبِي شَمِرٍ، أَوْ لِلنّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ وَقَدْ تَقَدّمَ فِي أَوّلِ الْكِتَابِ التّعْرِيفُ بِالْحَارِثِ وَبِالنّعْمَانِ وَمَلَحْنَا: أَرْضَعْنَا، وَالْمِلْحُ الرّضَاعُ قَالَ الشّاعِرُ
[ ٧ / ٣٤٨ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: وَلَوْ أَنّا مَالَحْنَا الْحَارِثَ بْنَ أَبِي شَمِرٍ، أَوْ النّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " بْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ أَحَبّ إلَيْكُمْ أَمْ أَمْوَالُكُمْ؟ " فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ خَيّرْتنَا بَيْنَ أَمْوَالِنَا وَأَحْسَابِنَا، بَلْ تَرُدّ إلَيْنَا نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، فَهُوَ أَحَبّ إلَيْنَا، فَقَالَ لَهُمْ " أَمّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ وَإِذَا مَا أَنَا صَلّيْت الظّهْرَ بِالنّاسِ فَقُومُوا فَقُولُوا: إنّا نَسْتَشْفِعُ بِرَسُولِ اللهِ إلَى الْمُسْلِمِينَ وَبِالْمُسْلِمِينَ إلَى رَسُولِ اللهِ فِي أَبْنَائِنَا وَنِسَائِنَا، فَسَأُعْطِيكُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَأَسْأَلُ لَكُمْ " فَلَمّا صَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنّاسِ الظّهْرَ قَامُوا فَتَكَلّمُوا بِاَلّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " وَأَمّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ ". فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: وَمَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ. وَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: وَمَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ. فَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ أَمّا أَنَا وَبَنُو تَمِيمٍ فَلَا. وَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ أَمّا أَنَا وَبَنُو فَزَارَةَ فَلَا. وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَمّا أَنَا وَبَنُو سُلَيْمٍ فَلَا فَقَالَتْ بَنُو سُلَيْمٍ: بَلَى، مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ.
قَالَ يَقُولُ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ لِبَنِي سُلَيْمٍ وَهّنْتُمُونِي.
_________________
(١) فَلَا يُبْعِدُ اللهُ رَبّ الْعِبَا دِ وَالْمِلْحُ مَا وَلَدَتْ خَالِدَهْ هُمْ الْمُطْعِمُو الضّيْفَ شَحْمَ السّنَا م والكاسر وَاللَّيْلَة الْبَارِدَهْ وَهُمْ يَكْسِرُونَ صُدُورَ الْقَنَاِ بِالْخَيْلِ تُطْرَدُ أَوْ طَارِدَهْ فَإِنْ يَكُنْ الْمَوْتُ أَفْنَاهُمْ فَلِلْمَوْتِ مَا تَلِدُ الْوَالِدَهْ وَأَمّا زُهَيْرٌ الّذِي ذَكَرَهُ فَهُوَ ابْنُ صُرَدٍ يُكَنّى أَبَا صُرَدٍ وَقِيلَ أَبَا جَرْوَلَ، وَكَانَ مِنْ رُؤَسَاءِ بَنِي جُشَمٍ وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ إسْحَاقَ شِعْرَهُ فِي النّبِيّ ﷺ ذَلِكَ الْيَوْمَ فِي رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ وَذَكَرَهُ فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْهُ وَهُوَ أَمْنِنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللهِ فِي كَرَمٍ فَإِنّك الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَنْتَظِرُ
[ ٧ / ٣٤٩ ]
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمّا مَنْ تَمَسّكَ مِنْكُمْ بِحَقّهِ مِنْ هَذَا السّبْيِ فَلَهُ بِكُلّ إنْسَانٍ سِتّ فَرَائِضَ مِنْ أَوّلِ سَبْيٍ أُصِيبُهُ فَرُدّوا إلَى النّاسِ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي أَبُو وَجْزَةَ يَزِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ السّعْدِيّ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ جَارِيَةً يُقَالُ لَهَا: رَيْطَةُ بِنْتُ هِلَالِ بْنِ حَيّانَ بْنِ عُمَيْرَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ نَاصِرَةَ بْنِ قُصَيّةَ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَأَعْطَى عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ جَارِيَةً يُقَالُ لَهَا: زَيْنَبُ بِنْتُ حَيّانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَيّانَ، وَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ جَارِيَةً فَوَهَبَهَا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ابْنِهِ.
_________________
(١) اُمْنُنْ عَلَى بَيْضَةٍ قَدْ عَاقَهَا قَدَرٌ مُمَزّقٌ شَمْلَهَا فِي دَهْرِهَا غِيَرُ يَا خَيْرَ طِفْلٍ وَمَوْلُودٍ وَمُنْتَخَبٍ فِي الْعَالَمِينَ إذَا مَا حُصّلَ الْبَشَرُ إنْ لَمْ تُدَارِكْهُمْ نَعْمَاءُ تَنْشُرُهَا يَا أَرْجَحَ النّاسِ حِلْمًا حِينَ يُخْتَبَرُ اُمْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْت تَرْضَعُهَا إذْ فُوك تَمْلَأُهُ مِنْ مَحْضِهَا الدّرَرُ إذْ كُنْت طِفْلًا صَغِيرًا كُنْت تَرْضَعُهَا وَإِذْ يُزَيّنْكَ مَا تَأْتِي وَمَا تَدَرُ لَا تَجْعَلَنّا كَمَنْ شَالَتْ نَعَامَتُهُ وَاسْتَبْقِ مِنّا مِنْهُ مَعْشَرٌ زُهْرُ يَا خَيْرَ مَنْ مَرَحَتْ كُمْتُ الْجِيَادِ بِهِ عِنْدَ الْهِيَاجِ إذَا مَا اسْتَوْقَدَ الشّرَرُ إنّا لَنَشْكُرُ آلَاءً وَإِنْ كُفِرَتْ وَعِنْدَنَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ مُدّخَرُ إنّا نُؤَمّلُ عَفْوًا مِنْك تَلْبَسُهُ هَذِي الْبَرِيّةِ إذْ تَعْفُو وَتَنْتَصِرُ فَاغْفِرْ عَفَا اللهُ عَمّا أَنْتَ رَاهِبُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إذْ يُهْدَى لَك الظّفَرُ مِنْ أَحْكَامِ السّبَايَا فَصْلٌ وَذَكَرَ رَدّ السّبَايَا إلَى هَوَازِنَ، وَأَنّهُ مَنْ لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِالرّدّ عَوّضَهُ مِمّا كَانَ بِيَدِهِ وَاسْتَطَابَ نُفُوسَ الْبَاقِينَ وَذَلِكَ أَنّ الْمَقَاسِمَ كَانَتْ قَدْ وَقَعَتْ فِيهِمْ وَلَا
[ ٧ / ٣٥٠ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ،
قَالَ:
بَعَثْت بِهَا إلَى أَخْوَالِي مِنْ بَنِي جُمَحٍ لِيُصْلِحُوا لِي مِنْهَا، وَيُهَيّئُوهَا، حَتّى أَطُوفَ
_________________
(١) يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُنّ عَلَى الْأَسْرَى بَعْدَ الْقَسْمِ وَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ الْمَقَاسِمِ كَمَا فَعَلَ النّبِيّ - ﷺ - بِأَهْلِ خَيْبَرَ حِينَ مَنّ عَلَيْهِمْ وَتَرَكَهُمْ عُمّالًا لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَرْضِهِمْ الّتِي افْتَتَحُوهَا عَنْوَةً كَذَلِكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، قَالَ وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُنّ عَلَيْهِمْ فَيَرُدّهُمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَلَكِنْ عَلَى أَنْ يُؤَدّوا الْجِزْيَةَ وَيَكُونُوا تَحْتَ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ وَالْإِمَامُ مُخَيّرٌ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْفِدَاءِ وَالْمَنّ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَالْفِدَاءِ بِالنّفُوسِ لَا بِالْمَالِ كَذَلِكَ قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ هَذَا فِي الرّجَالِ وَأَمّا الذّرَارِيّ وَالنّسَاءُ فَلَيْسَ إلّا الِاسْتِرْقَاقُ أَوْ الْمُفَادَاةُ بِالنّفُوسِ دُونَ الْمَالِ كَمَا تَقَدّمَ. وَذَكَرَ الْجَارِيَةَ الّتِي أُعْطِيَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَنّهُ بَعَثَ بِهَا إلَى أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي جُمَحٍ لِيُصْلِحُوا لَهُ مِنْهَا كَيْ يُصِيبَهَا، وَهَذَا لِأَنّهَا كَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ لِأَنّهُ لَا يَجُوزُ وَطْءُ وَثَنِيّةٍ وَلَا مَجُوسِيّةٍ بِمِلْكِ يَمِينٍ وَلَا بِنِكَاحٍ حَتّى تُسْلِمَ وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ فَلَا بُدّ أَيْضًا مِنْ اسْتِبْرَائِهَا، وَأَمّا الْكِتَابِيّاتُ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ وَطْئِهِنّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ التّابِعِينَ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ إبَاحَةُ وَطْءِ الْمَجُوسِيّةِ وَالْوَثَنِيّةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتّى يُؤْمِنّ﴾ [الْبَقَرَةُ: ٢٢١] تَحْرِيمٌ عَامّ إلّا مَا خَصّصَتْهُ آيَةُ الْمَائِدَةِ مِنْ الْكِتَابِيّاتِ وَالنّكَاحُ يَقَعُ عَلَى الْوَطْءِ بِالْعَقْدِ وَالْمِلْكِ. حَوْلَ سَبْيِ حُنَيْنٍ: وَكَانَ سَبْيُ حُنَيْنٍ سِتّةَ آلَافِ رَأْسٍ وَكَانَ النّبِيّ - ﷺ - قَدْ وَلّى أَبَا سُفْيَانَ
[ ٧ / ٣٥١ ]
بِالْبَيْتِ ثُمّ آتِيهِمْ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُصِيبَهَا إذَا رَجَعْت إلَيْهَا. قَالَ فَخَرَجْت مِنْ الْمَسْجِدِ حِينَ فَرَغْت، فَإِذَا النّاسُ يَشْتَدّونَ فَقُلْت: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: رَدّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا ; فَقُلْت: تِلْكُمْ صَاحِبَتُكُمْ فِي بَنِي جُمَحٍ فَاذْهَبُوا فَخُذُوهَا، فَذَهَبُوا إلَيْهَا، فَأَخَذُوهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
_________________
(١) بْنَ حَرْبٍ أَمْرَهُمْ وَجَعَلَهُ أَمِينًا عَلَيْهِمْ قَالَهُ الزّبَيْرُ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ ذَكَرَهُ الزّبَيْرُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَنّ أَبَا جَهْمِ بْنَ حُذَيْفَةَ الْعَدَوِيّ كَانَ عَلَى الْأَنْفَالِ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَجَاءَهُ خَالِدُ بْنُ الْبَرْصَاءِ فَأَخَذَ مِنْ الْأَنْفَالِ زِمَامَ شَعْرٍ فَمَانَعَهُ أَبُو جَهْمٍ فَلَمّا تَمَانَعَا ضَرَبَهُ أَبُو جَهْمٍ بِالْقَوْسِ فَشَجّهُ مُنَقّلَةٌ فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ خَالِدٌ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ لَهُ خُذْ خَمْسِينَ شَاةً وَدَعْهُ فَقَالَ أَقِدْنِي مِنْهُ فَقَالَ خُذْ مِائَةً وَدَعْهُ فَقَالَ أَقِدْنِي مِنْهُ فَقَالَ خُذْ خَمْسِينَ وَمِائَةً وَدَعْهُ وَلَيْسَ لَك إلّا ذَلِكَ وَلَا أُقِصّكَ مِنْ وَالٍ عَلَيْك فَقُوّمَتْ الْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً مِنْ الْإِبِلِ فَمِنْ هُنَالِكَ جُعِلَتْ دِيَةُ الْمُنَقّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً. إعْطَاءُ الْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ الْغَنَائِمِ: فَصْلٌ وَأَمّا إعْطَاءُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ حَتّى تَكَلّمَتْ الْأَنْصَارُ فِي ذَلِكَ وَكَثُرَتْ مِنْهُمْ الْقَالَةُ وَقَالَتْ يُعْطِي صَنَادِيدَ الْعَرَبِ وَلَا يُعْطِينَا، وَأَسْيَافُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ فَلِلْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنّهُ أَعْطَاهُمْ مِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْدُودٌ لِأَنّ خُمْسَ الْخُمْسِ مِلْكٌ لَهُ وَلَا كَلَامَ لِأَحَدٍ فِيهِ.
[ ٧ / ٣٥٢ ]
وَأَمّا عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فَأَخَذَ عَجُوزًا مِنْ عَجَائِزِ هَوَازِنَ، وَقَالَ حِينَ أَخَذَهَا: أَرَى عَجُوزًا إنّي لَأَحْسَبُ لَهَا فِي الْحَيّ نَسَبًا، وَعَسَى أَنْ يَعْظُمَ فِدَاؤُهَا فَلَمّا رَدّ رَسُولُ اللهِ ﷺ السّبَايَا بِسِتّ فَرَائِضَ أَبَى أَنْ يَرُدّهَا، فَقَالَ لَهُ زُهَيْرٌ أَبُو صُرَدٍ خُذْهَا عَنْك، فَوَاَللهِ مَا فُوهَا بِبَارِدٍ وَلَا ثَدْيُهَا بِنَاهِدٍ وَلَا بَطْنُهَا بِوَالِدٍ وَلَا زَوْجُهَا بِوَاجِدٍ وَلَا دَرّهَا بِمَاكِدٍ. فَرَدّهَا بِسِتّ فَرَائِضَ حِينَ قَالَ لَهُ زُهَيْرٌ مَا قَالَ فَزَعَمُوا أَنّ عُيَيْنَةَ لَقِيَ الْأَقْرَعَ
_________________
(١) الْقَوْلُ الثّانِي: أَنّهُ أَعْطَاهُمْ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ وَأَنّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالنّبِيّ ﷺ لِقَوْلِهِ ﵎: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلّهِ وَالرّسُولِ﴾ [الْأَنْفَالُ ١] وَهَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا يَرُدّهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ نُسَخِ هَذِهِ الْآيَةِ وَقَدْ تَقَدّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ غَيْرَ أَنّ بعض الْعلمَاء احْتج لِهَذَا الْقَوْلِ بِأَنّ الْأَنْصَارَ لَمّا انْهَزَمُوا يَوْمَ حُنَيْنٍ فَأَيّدَ اللهُ رَسُولَهُ وَأَمَدّهُ بِمَلَائِكَتِهِ فَلَمْ يَرْجِعُوا حَتّى كَانَ الْفَتْحُ رَدّ اللهُ تَعَالَى أَمْرَ الْمَغَانِمِ إلَى رَسُولِهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ فَلَمْ يُعْطِهِمْ مِنْهَا شَيْئًا وَقَالَ لَهُمْ " أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النّاسُ بِالشّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُوا بِرَسُولِ اللهِ إلَى رِحَالِكُمْ " فَطَيّبَ نُفُوسَهُمْ بِذَلِكَ بَعْدَمَا فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ. وَالْقَوْلُ الثّالِثُ: وَهُوَ الّذِي اخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ أَنّ إعْطَاءَهُمْ كَانَ مِنْ الْخُمْسِ حَيْثُ يَرَى أَنّ فِيهِ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ. فَصْلٌ وَمِمّا لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ إسْحَاقَ يَوْمَ حُنَيْنٍ "أَنّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أُثْقِلَ بِالْجِرَاحَةِ يَوْمَئِذٍ فَأَتَاهُ النّبِيّ ﷺ يَقُولُ مَنْ يَدُلّنِي عَلَى رَحْلِ خَالِدٍ حَتّى دُلّ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ قَدْ أُسْنِدَ إلَى مُؤَخّرَةِ رَحْلِهِ فَنَفَثَ عَلَى جُرْحِهِ فَبَرِئَ "ذَكَرَهُ الْكَشّيّ. وَصْفُ عَجُوزِ ابْنِ حِصْنٍ فَصْلٌ وَذَكَرَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وَقَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ صُرَدٍ لَهُ فِي الْعَجُوزِ الّتِي أَخَذَهَا: مَا فُوهَا بِبَارِدٍ وَلَا ثَدْيُهَا بِنَاهِدٍ وَلَا دَرّهَا بِمَاكِدٍ وَيُقَالُ أَيْضًا: بِنَاكِدٍ يُرِيدُ لَيْسَتْ بِغَزِيرَةِ الدّرّ وَالنّوقُ النّكْدُ الْغَزِيرَاتُ اللّبَنِ وَأَحْسَبُهُ مِنْ الْأَضْدَادِ
[ ٧ / ٣٥٣ ]
بْنَ حَابِسٍ فَشَكَا إلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ إنّك وَاَللهِ مَا أَخَذْتهَا بَيْضَاءَ غَرِيرَةً وَلَا نصفا وثيرة.
إِسْلَام مَالك بن عَوْف النصري
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِوَفْدِ هَوَازِنَ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ مَا فَعَلَ؟ فَقَالُوا: هُوَ بِالطّائِفِ مَعَ ثَقِيفٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَخْبِرُوا مَالِكًا أَنّهُ إنْ أَتَانِي مُسْلِمًا رَدَدْت عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَأَعْطَيْته مائَة من الإب ل فَأُتِيَ مَالِكٌ بِذَلِكَ فَخَرَجَ إلَيْهِ مِنْ الطّائِفِ. وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ خَافَ ثَقِيفًا عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَعْلَمُوا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ مَا قَالَ فَيَحْبِسُوهُ فَأَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَهُيّئَتْ لَهُ وَأَمَرَ بِفَرَسٍ لَهُ فَأُتِيَ بِهِ إلَى الطّائِفِ، فَخَرَجَ لَيْلًا، فَجَلَسَ عَلَى فَرَسِهِ فَرَكَضَهُ حَتّى أَتَى رَاحِلَتَهُ حَيْثُ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُحْبَسَ فَرَكِبَهَا
_________________
(١) لِأَنّهُ قَدْ يُقَالُ أَيْضًا نَكِدَ لَبَنُهَا إذَا نَقَصَ قَالَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ وَالصّحِيحُ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ أَنّ النّكِدَ هِيَ الْقَلِيلَاتُ اللّبَنِ مِنْ قَوْلِهِ ﷿ ﴿لَا يَخْرُجُ إِلّا نَكِدًا﴾ [الْأَعْرَافُ ٥٨] وَأَنّ الْمُكْدَ بِالْمِيمِ هِيَ الْغَزِيرَاتُ اللّبَنِ قَالَ ابْنُ سِرَاجٍ لِأَنّهُ مِنْ مَكَدَ فِي الْمَكَانِ إذَا أَقَامَ فِيهِ وَقَدْ يُقَالُ أَيْضًا: نَكِدَ فِي مَعْنَى مَكَدَ أَيْ ثَبَتَ. الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَذَكَرَ "الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ وَكَانَ مِنْ الْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ ثُمّ حَسُنَ إسْلَامُهُ بَعْدُ وَهُوَ الّذِي قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَيْتِ﴾ [آلُ عِمْرَانَ: ٩٧] أَفِي كُلّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ لَوْ قُلْتهَا لَوَجَبَتْ "وَهُوَ الّذِي "قَالَ لِلنّبِيّ ﷺ حِينَ أَقْطَعَ أَبْيَضَ بْنَ حَمّالٍ الْمَاءَ الّذِي بِمَأْرِبٍ أَتَدْرِي مَا أَقْطَعْته يَا رَسُولَ اللهِ؟ إنّمَا أَقْطَعْته الْمَاءَ الْعِدّ فَاسْتَرْجَعَهُ النّبِيّ - ﷺ "- وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ غَيْرَ أَنّهُ لَمْ يُسَمّ قَائِلَ هَذَا الْكَلَامَ فِيهِ إلّا الدّارَقُطْنِيّ فِي رِوَايَتِهِ وَزَادَ فِيهِ
[ ٧ / ٣٥٤ ]
فَلَحِقَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَدْرَكَهُ بِالْجِعْرَانَةِ أَوْ بِمَكّةَ فَرَدّ عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَأَعْطَاهُ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ" فَقَالَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ حِينَ أَسْلَمَ:
مَا إنْ رَأَيْت وَلَا سَمِعْت بِمِثْلِهِ فِي النّاسِ كُلّهُمُ بِمِثْلِ مُحَمّدِ
أَوْفَى وَأَعْطَى لِلْجَزِيلِ إذَا اُجْتُدِيَ وَمَتَى تَشَأْ يُخْبِرْك عَمّا فِي غَدٍ
إذَا الْكَتِيبَةُ عَرّدَتْ أَنْيَابَهَا بِالسّمْهَرِيّ وَضَرْبِ كُلّ مُهَنّدِ
فَكَأَنّهُ لَيْثٌ عَلَى أَشْبَالِهِ وَسْطَ الْهَبَاءَةِ خَادِرٌ فِي مَرْصَدِ
فَاسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ وَتِلْكَ الْقَبَائِلُ ثُمَالَةُ وَسَلِمَةُ وَفَهْمٌ فَكَانَ يُقَاتِلُ بِهِمْ ثَقِيفًا، لَا يَخْرُجُ لَهُمْ سَرْحٌ إلّا أَغَار عَلَيْهِ حَتّى ضَيّقَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ أَبُو مِحْجَنِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الثّقَفِيّ:
هَابَتْ الْأَعْدَاءُ جَانِبَنَا ثُمّ تَغْزُونَا بَنُو سَلَمَهْ
_________________
(١) أَيْضًا: "قَالَ أَبْيَضُ عَلَى أَنْ يَكُونَ صَدَقَةً مِنّي يَا رَسُولَ اللهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ نَعَمْ "وَأَمّا نَسَبُ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ فَهُوَ ابْنُ حَابِسِ بْنِ عِقَالٍ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ مُجَاشِعِ [بْنِ دَارِمٍ] التّمِيمِيّ الْمُجَاشِعِيّ الدّارِمِيّ وَأَمّا عُيَيْنَةُ فَاسْمُهُ حُذَيْفَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيّ، وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُهُ. مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ فَصْلٌ: وَذَكَرَ تَوْلِيَةَ النّبِيّ ﷺ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ عَلَى ثُمَالَةَ وَبَنِيّ سَلِمَةَ وَفَهْمٍ. وَثُمَالَةُ هُمْ بَنُو أَسْلَمَ بْنُ أَحْجَنَ أُمّهُمْ ثُمَالَةُ وَقَوْلُ أَبِي مِحْجَنٍ فِيهِ هَابَتْ الْأَعْدَاءُ جَانِبَنَا ثُمّ تَغْزُونَا بَنُو سَلَمَهْ هَكَذَا تَقَيّدَ فِي النّسْخَةِ بِكَسْرِ اللّامِ وَالْمَعْرُوفُ فِي قَبَائِلِ قَيْسٍ: سَلَمَةُ بِالْفَتْحِ إلّا أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْأَزْدِ، فَإِنّ ثُمَالَةَ الْمَذْكُورِينَ مَعَهُمْ حَيّ مِنْ الْأَزْدِ وَفَهْمٌ مِنْ دَوْسٍ، وَهُمْ مِنْ الْأَزْدِ أَيْضًا، وَأُمّهُمْ جَدِيلَةُ وَهِيَ مِنْ غَطَفَانَ بْنِ قَيْسِ بْنِ غَيْلَانَ عَلَى أَنّهُ لَا يُعْرَفُ فِي الْأَزْدِ سَلِمَةُ إلّا فِي الْأَنْصَارِ، وَهُمْ مِنْ الْأَزْدِ وَسَلِمَةُ أَيْضًا فِي
[ ٧ / ٣٥٥ ]
وَأَتَانَا مَالِكٌ بِهِمْ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ وَالْحُرْمَهْ
وَأَتَوْنَا فِي مَنَازِلِنَا وَلَقَدْ كُنّا أولي نقمه
قسم الْفَيْء
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ رَدّ سَبَايَا حُنَيْنٍ إلَى أَهْلِهَا، رَكِبَ وَاتّبَعَهُ النّاسُ يَقُولُونَ يَا رَسُولَ اللهِ أَقْسِمْ عَلَيْنَا فَيْئَنَا مِنْ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ حَتّى أَلْجَئُوهُ إلَى شَجَرَةٍ فَاخْتَطَفَتْ عَنْهُ رِدَاءَهُ فَقَالَ أَدّوا عَلَيّ رِدَائِي أَيّهَا النّاسُ فَوَاَللهِ أَنْ لَوْ كَانَ لَكُمْ بِعَدَدِ شَجَرِ تِهَامَةَ نَعَمًا لَقَسَمْته عَلَيْكُمْ ثُمّ مَا أَلْفَيْتُمُونِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذّابًا، ثُمّ قَامَ إلَى جَنْبِ بَعِيرٍ. فَأَخَذَ وَبَرَةً مِنْ سَنَامِهِ فَجَعَلَهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ ثُمّ رَفَعَهَا، ثُمّ قَالَ أَيّهَا النّاسُ وَاَللهِ مَا لِي مِنْ فَيْئِكُمْ وَلَا هَذِهِ الْوَبَرَةِ إلّا الْخُمُسُ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ. فَأَدّوا الْخِيَاطَ وَالْمُخْيَطَ فَإِنّ الْغُلُولَ يَكُونُ عَلَى أَهْلِهِ عَارًا وَنَارًا وَشَنَارًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِكُبّةٍ مِنْ خُيُوطِ شَعْرٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَخَذْت هَذِهِ الْكُبّةَ أَعْمَلُ بِهَا بَرْذعَةَ بَعِيرٍ لِي دَبِرٍ فَقَالَ أَمّا نَصِيبِي مِنْهَا فَلَك قَالَ أَمَا إذْ بَلَغَتْ هَذَا فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا، ثُمّ طَرَحَهَا مِنْ يَدِهِ"
_________________
(١) جُعْفَى هُمْ وَسَلِمَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ذُهْلِ بْنِ مُرّانَ بْنُ جُعْفِيّ وَسَلِمَةُ فِي جُهَيْنَةَ أَيْضًا سَلِمَةُ بْنُ نَصْرِ بْنِ غَطَفَانَ بْنِ قَيْسِ بْنِ جُهَيْنَةَ وَجُعْفِيّ مِنْ مَذْحِجَ وَجُهَيْنَةُ مِنْ قُضَاعَةَ. وَأَمّا مِحْجَنٌ فَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ حَبِيبٍ، وَقِيلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حَبِيبٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُقْدَةَ بْنِ غِيَرَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ قَيْسٍ الثّقَفِيّ وَقَدْ تَقَدّمَ نَسَبُ أُحْجَنَ عِنْدَ ذِكْرِنَا لَهَبَ بْنَ أُحْجَنَ قَبْلَ بَابِ الْمَبْعَثِ. وَذَكَرَ أَبَا السّنَابِلِ بْنَ بَعْكَكٍ وَاسْمُهُ حَبّةُ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الدّارِ وَكَانَ شَاعِرًا
[ ٧ / ٣٥٦ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ
أَنّ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ دَخَلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ عَلَى امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَسَيْفُهُ مُتَلَطّخٌ دَمًا، فَقَالَتْ إنّي قَدْ عَرَفْت أَنّك قَدْ قَتَلْت، فَمَاذَا أَصَبْت مِنْ غَنَائِمِ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ دُونَك هَذِهِ الْإِبْرَةُ تَخِيطِينَ بِهَا ثِيَابَك، فَدَفَعَهَا إلَيْهَا، فَسَمِعَ مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَلْيَرُدّهُ حَتّى الْخِيَاطَ وَالْمُخْيَطَ. فَرَجَعَ عَقِيلٌ فَقَالَ مَا أَرَى إبْرَتَك إلّا قَدْ ذَهَبْت، فَأَخَذَهَا، فَأَلْقَاهَا فِي الْغَنَائِم.
عَطاء الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَأَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُؤَلّفَةَ قُلُوبُهُمْ وَكَانُوا أَشْرَافًا مِنْ أَشْرَافِ النّاسِ يَتَأَلّفُهُمْ وَيَتَأَلّفُ بِهِمْ قَوْمَهُمْ فَأَعْطَى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ مِائَةَ بَعِيرٍ وَأَعْطَى ابْنَهُ مُعَاوِيَةَ مِائَةَ بَعِيرٍ وَأَعْطَى حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ مِائَةَ بَعِيرٍ وَأَعْطَى الْحَارِثَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ، أَخَا بَنِي عَبْدِ الدّارِ مِائَةَ بَعِيرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: نَصِيرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمُهُ الْحَارِثَ أَيْضًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَأَعْطَى الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ مِائَةَ بَعِيرٍ وَأَعْطَى سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو مِائَةَ بَعِيرٍ وَأَعْطَى حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ أَبِي قَيْسٍ مِائَةَ بَعِيرٍ وَأَعْطَى الْعَلَاءَ بْنَ جَارِيَةَ الثّقَفِيّ حَلِيفَ بَنِي زُهْرَةَ مِائَةَ بَعِيرٍ وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ مِائَةَ بَعِيرٍ وَأَعْطَى الْأَقْرَعَ
_________________
(١) وَحَدِيثُهُ مَعَ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيّةِ حِينَ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا مَذْكُورٌ فِي الصّحَاحِ.
[ ٧ / ٣٥٧ ]
بْنَ حَابِسٍ التّمِيمِيّ مِائَةَ بَعِيرٍ. وَأَعْطَى مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ النّضْرِيّ مِائَةَ بَعِيرٍ وَأَعْطَى صَفْوَانَ بْنَ أُمَيّةَ مِائَةَ بَعِيرٍ فَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ الْمِئِينَ.
وَأَعْطَى دُونَ الْمِائَةِ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْهُمْ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ الزّهْرِيّ، وَعُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيّ، وَهِشَامُ بْنُ عَمْرٍو أَخُو بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ، لَا أَحْفَظُ مَا أَعْطَاهُمْ وَقَدْ عَرَفْت أَنّهَا دُونَ الْمِائَةِ وَأَعْطَى سَعِيدَ بْنَ يَرْبُوعِ بْنِ عَنْكَثَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَخْزُومٍ خَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ وَأَعْطَى السّهْمِيّ خَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُهُ عَدِيّ بْنُ قَيْسٍ.
شعر ابْن مرداس يسْتَقْبل مَا أَخذ وإرضاء الرَّسُول لَهُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَأَعْطَى عَبّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ أَبَاعِرَ فَسَخِطَهَا، فَعَاتَبَ فِيهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ يُعَاتِبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ
كَانَتْ نِهَابًا تَلَافَيْتهَا بِكَرّي عَلَى الْمُهْرِ فِي الْأَجْرَعِ
وَإِيقَاظِي الْقَوْمِ أَنْ يَرْقُدُوا إذَا هَجَعَ النّاسُ لَمْ أَهْجَعْ
فَأَصْبَحَ نَهْبي وَنهب العبيد بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ
وَقَدْ كُنْت فِي الْحَرْبِ ذَا تُدْرَإٍ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أُمْنَعْ
إلّا أَفَائِلَ أُعْطِيتهَا عَدِيدَ قَوَائِمِهَا الْأَرْبَعِ
وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ يَفْوَقَانِ شَيْخِي فِي الْمَجْمَعِ
وَمَا كُنْت دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا وَمَنْ تَضَعُ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي يُونُسُ النّحْوِيّ:
فَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ يَفْوَقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٣٥٨ ]
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوا عَنّي لِسَانَهُ فَأَعْطَوْهُ حَتّى رَضِيَ فَكَانَ ذَلِكَ قَطْعَ لِسَانِهِ الّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ "أَنّ عَبّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْتَ الْقَائِلُ
فَأَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبُ الْعَبِيدِ بَيْنَ الْأَقْرَعِ وَعُيَيْنَةِ؟
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ: بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُمَا وَاحِدٌ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَشْهَدُ أَنّك كَمَا قَالَ اللهُ ﴿وَمَا عَلّمْنَاهُ الشّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي إسْنَادٍ لَهُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ "ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ
_________________
(١) قَوْلُ النّبِيّ ﷺ لِمِرْدَاسٍ: فَصْلٌ وَذَكَرَ "قَوْلَ النّبِيّ ﷺ لِعَبّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ أَنْتَ الْقَائِلُ فَأَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبُ الْعَبِيدِ بَيْنَ الْأَقْرَعِ وَعُيَيْنَةِ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ: بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُمَا وَاحِدٌ يَعْنِي فِي الْمَعْنَى، وَأَمّا فِي الْفَصَاحَةِ فَاَلّذِي أُجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ ﷺ هُوَ الْأَفْصَحُ فِي تَنْزِيلِ الْكَلَامِ وَتَرْتِيبِهِ وَذَلِكَ أَنّ الْقَبْلِيّةَ تَكُونُ بِالْفَضْلِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنَ النّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ﴾ [النّسَاءُ ٦٩] وَتَكُونُ بِالرّتْبَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى حِينَ ذَكَرَ الْيَهُودَ وَالنّصَارَى، فَقَدِمَ الْيَهُودُ لِمُجَاوَرَتِهِمْ الْمَدِينَةَ، فَهُمْ فِي الرّتْبَةِ قَبْلَ النّصَارَى، وَقَبْلِيّةٌ بِالزّمَانِ نَحْوَ ذِكْرِ التّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بَعْدَهُ وَنُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَقَبْلِيّةٌ بِالسّبَبِ وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ مَا هُوَ عِلّةُ الشّيْءِ وَسَبَبُ وُجُودِهِ ثُمّ يَذْكُرُ الْمُسَبّبَ بَعْدَهُ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ مِثْلُ أَنْ يَذْكُرَ مَعْصِيَةً وَعِقَابًا أَوْ طَاعَةً وَثَوَابًا فَالْأَجْوَدُ فِي حُكْمِ الْفَصَاحَةِ تَقْدِيمُ السّبَبِ.
[ ٧ / ٣٥٩ ]
بَايَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ فَأَعْطَاهُمْ يَوْمَ الْجِعْرَانَةِ مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْن.
مِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ: أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيّةَ، وَطُلَيْقُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ أُمَيّةَ، وَخَالِدُ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيّةَ.
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ: شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ، وَأَبُو السّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمِيلَةَ بْنِ السّبّاقِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ.
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَخَالِدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَهِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَسُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَالسّائِبُ بْنُ أَبِي السّائِبِ بْنِ عَائِذِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ.
وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ: مُطِيعُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ نَضْلَةَ وَأَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ.
وَمِنْ بَنِي جُمَحِ بْنِ عَمْرٍو. صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَأُحَيْحَةُ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُمَيْرُ بْنُ وَهْبِ بْنِ خَلَفٍ.
وَمِنْ بَنِي سَهْمٍ عَدِيّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ.
وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ: حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ وَهِشَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَبِيبٍ.
_________________
(١) الْقَبْلِيّةُ بَيْنَ الْأَقْرَعِ وَعُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعُ وَعُيَيْنَةُ مِنْ بَابِ قَبْلِيّةِ الْمَرْتَبَةِ وَقَبْلِيّةِ الْفَضْلِ أَمّا قَبْلِيّةُ الرّتْبَةِ فَإِنّهُ مِنْ خِنْدِفٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى النّبِيّ ﷺ مِنْ عُيَيْنَةَ فَتَرَتّبَ فِي الذّكْرِ قَبْلَهُ وَأَمّا قَبْلِيّةُ الْفَضْلِ فَإِنّ الْأَقْرَعَ حَسُنَ إسْلَامُهُ وَعُيَيْنَةَ لَمْ يَزَلْ مَعْدُودًا فِي أَهْلِ الْجَفَاءِ حَتّى ارْتَدّ وَآمَنَ بِطُلَيْحَةَ وَأُخِذَ أَسِيرًا فَجَعَلَ الصّبْيَانُ يَقُولُونَ لَهُ - وَهُوَ يُسَاقُ
[ ٧ / ٣٦٠ ]
وَمِنْ أَفْنَاءِ الْقَبَائِلِ مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ صَخْرِ بْنِ رَزْنِ بْنِ يَعْمَرَ بْنِ نُفَاثَةَ بْنِ عَدِيّ بْنِ الدّيلِ.
وَمِنْ بَنِي قَيْسٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ ثُمّ مِنْ بَنِي كِلَابِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ الْأَحْوَصِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، وَلَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ.
وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: خَالِدُ بْنُ هَوْذَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَحَرْمَلَةُ بْنُ هَوْذَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرٍو.
وَمِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَالِكُ بْنُ عَوْفِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعٍ.
وَمِنْ بَنِي سُلَيْمِ بْنِ مَنْصُورٍ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ بُهْثَةُ بْنُ سُلَيْمٍ.
وَمِنْ بَنِي غَطَفَانَ، ثُمّ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ.
وَمِنْ بَنِي تَمِيمٍ ثُمّ مِنْ بَنِي حَنْظَلَةَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسِ بْنِ عِقَالٍ مِنْ بَنِي مُجَاشِعِ بن دارم.
سُئِلَ الرَّسُول عَن عدم إِعْطَائِهِ جعيلا فَأجَاب
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التّيْمِيّ:
_________________
(١) إلَى أَبِي بَكْرٍ - وَيْحَك يَا عَدُوّ اللهِ ارْتَدَدْت بَعْدَ إيمَانِك، فَيَقُولُ وَاَللهِ مَا كُنْت آمَنْت، ثُمّ أَسْلَمَ فِي الظّاهِرِ وَلَمْ يَزَلْ جَافِيًا أَحْمَقَ حَتّى مَاتَ وَبِحَسْبِك تَسْمِيَةُ النّبِيّ ﷺ لَهُ " الْأَحْمَقُ الْمُطَاعُ "وَمِمّا يُذْكَرُ مِنْ جَفَائِهِ أَنّ عَمْرَو بْنَ مَعْدِي كَرِبَ نَزَلَ بِهِ
[ ٧ / ٣٦١ ]
أَنّ قَائِلًا قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَصْحَابِهِ يَا رَسُولَ اللهِ أَعْطَيْت عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِائَةً وَتَرَكْت جُعَيْلَ بْنَ سُرَاقَةَ الضّمْرِيّ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " أَمَا وَاَلّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ لَجُعَيْلُ بْنُ سُرَاقَةَ خَيْرٌ مِنْ طِلَاعِ الْأَرْضِ كُلّهِمْ مِثْلَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وَالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ وَلَكِنّي تَأَلّفْتهمَا لِيَسْلَمَا، وَوَكَلْت جُعَيْلَ بْنَ سُرَاقَةَ إِلَى إِسْلَامه "
اعْتِرَاض ذِي الْخوَيْصِرَة التَّمِيمِي
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ عَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ، عَنْ مِقْسَمٍ أَبِي الْقَاسِمِ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ:
خَرَجْت أَنَا وَتَلِيدُ بْنُ كِلَابٍ اللّيْثِيّ حَتّى أَتَيْنَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ مُعَلّقًا نَعْلَهُ بِيَدِهِ فَقُلْنَا لَهُ هَلْ حَضَرْت رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ كَلّمَهُ التّمِيمِيّ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ نَعَمْ "جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُعْطِي النّاسَ فَقَالَ يَا مُحَمّدُ قَدْ رَأَيْت مَا صَنَعْت فِي هَذَا الْيَوْمِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " أَجَلْ فَكَيْفَ رَأَيْت؟ " فَقَالَ لَمْ أَرَك عَدَلْت ; قَالَ فَغَضِبَ النّبِيّ ﷺ ثُمّ قَالَ " وَيْحَك إذَا لَمْ يَكُنْ الْعَدْلُ عِنْدِي، فَعِنْدَ مَنْ يَكُونُ؟ " فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ: يَا
_________________
(١) ضَيْفًا، فَقَالَ لَهُ عُيَيْنَةُ هَلْ لَك فِي الْخَمْرِ نَتَنَادَمُ عَلَيْهَا؟ فَقَالَ عَمْرٌو: أَلَيْسَتْ مُحَرّمَةً فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ عُيَيْنَةُ إنّمَا قَالَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فَقُلْنَا نَحْنُ لَا، فَشَرِبَا. حَدِيثُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ وَذَكَرَ حَدِيثَ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التّمِيمِيّ، وَمَا قَالَ فِيهِ النّبِيّ ﵇ وَفِي شِيعَتِهِ وَقَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ " يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِهِ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ إلَى صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَكُمْ إلَى صِيَامِهِمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدّينِ كَمَا يَمْرُقُ السّهْمُ مِنْ الرّمِيّةِ " الْحَدِيثُ فَكَانَ كَمَا قَالَ - ﷺ - وَظَهَرَ صِدْقُ الْحَدِيثِ فِي الْخَوَارِجِ، وَكَانَ
[ ٧ / ٣٦٢ ]
رَسُولَ اللهِ أَلَا أَقْتُلُهُ؟ فَقَالَ " لَا، دَعْهُ فَإِنّهُ سَيَكُونُ لَهُ شِيعَةٌ يَتَعَمّقُونَ فِي الدّينِ حَتّى يَخْرُجُوا مِنْهُ كَمَا يَخْرُجُ السّهْمُ مِنْ الرّمِيّةِ يَنْظُرُ فِي النّصْلِ فَلَا يُوجَدُ شَيْءٌ ثُمّ فِي الْقِدْحِ فَلَا يُوجَدُ شَيْءٌ ثُمّ فِي الْفُوقِ فَلَا يُوجَدُ شَيْءٌ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدّم "
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَلِيّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَوْ جَعْفَرٌ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَسَمّاهُ ذَا الْخُوَيْصِرَةِ.
شِعْرُ حَسّانَ فِي حِرْمَانِ الْأَنْصَارِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ أَبِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَمّا أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا أَعْطَى قُرَيْشًا وَقَبَائِلَ الْعَرَبِ، وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا، قَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُعَاتِبُهُ فِي ذَلِكَ
زَادَتْ هُمُومٌ فَمَاءُ الْعَيْنِ مُنْحَدِرٌ سَحَا إذَا حَفَلَتْهُ عَبْرَةٌ دِرَرُ
_________________
(١) أَوّلُهُمْ مِنْ ضِئْضِئِي ذَلِكَ الرّجُلِ أَيْ مِنْ أَصْلِهِ وَكَانُوا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ الّتِي قَالَ فِيهَا النّبِيّ ﷺ " مِنْهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشّيْطَانِ " فَكَانَ بَدْؤُهُمْ مِنْ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ وَكَانَ آيَتُهُمْ ذُو الثّدَيّةِ الّذِي قَتَلَهُ عَلِيّ ﵁ وَكَانَتْ إحْدَى يَدَيْهِ كَثَدْيِ الْمَرْأَةِ وَاسْمُ ذِي الثّدَيّةِ نَافِعٌ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَغَيْرُهُ يَقُولُ اسْمُهُ حُرْقُوصُ [بْنُ زُهَيْرٍ] وَقَوْلُ أَبِي دَاوُدَ أَصَحّ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. شِعْرُ حَسّانَ فِي عِتَابِهِ ﷺ وَذَكَرَ شِعْرَ حَسّانَ وَفِيهِ
[ ٧ / ٣٦٣ ]
وَجْدًا بِشَمّاءَ إذْ شَمّاءُ بَهْكَنَةٌ هَيْفَاءُ لَا ذَنَنٌ فِيهَا وَلَا خَوَرُ
دَعْ عَنْك شَمّاءَ إذْ كَانَتْ مَوَدّتُهَا نَزَرًا وَشَرّ وَصَالِ الْوَاصِلِ النّزَرُ
وَأْتِ الرّسُولَ فَقُلْ يَا خَيْرَ مُؤْتَمَنٍ لِلْمُؤْمِنِينَ إذَا مَا عُدّدَ الْبَشَرُ
عَلَامَ تُدْعَى سُلَيْمٌ وَهِيَ نَازِحَةٌ قُدّامَ قَوْمٍ هُمْ آوَوْا وَهُمْ نَصَرُوا
سَمّاهُمْ اللهُ أَنْصَارًا بِنَصْرِهِمْ دِينَ الْهُدَى وَعَوَانُ الْحَرْبِ تَسْتَعِرُ
وَسَارَعُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْتَرَفُوا لِلنّائِبَاتِ وَمَا خَامُوا وَمَا ضَجِرُوا
وَالنّاسُ أَلْبٌ عَلَيْنَا فِيك لَيْسَ لَنَا إلّا السّيُوفُ وَأَطْرَافُ الْقَنَا وَزَرُ
نُجَالِدُ النّاسَ لَا نُبْقِي عَلَى أَحَدٍ وَلَا نُضَيّعُ مَا تُوحِي بِهِ السّوَرُ
وَلَا تَهِرّ جُنَاةُ الْحَرْبِ نَادِيَنَا وَنَحْنُ حِينَ تَلَظّى نَارُهَا سُعُرُ
كَمَا رَدَدْنَا بِبَدْرٍ دُونَ مَا طَلَبُوا أَهْلَ النّفَاقِ وَفِينَا يَنْزِلُ الظّفَرُ
وَنَحْنُ جُنْدُك يَوْمَ النّعْفِ مِنْ أُحُدٍ إذْ حَزَبَتْ بَطَرًا أَحْزَابَهَا مُضَرُ
فَمَا وَنَيْنَا وَمَا خِمْنَا وَمَا خَبُرُوا مِنّا عِثَارًا وَكُلّ النّاسِ قد عثروا
وجد الْأَنْصَار لحرمانهم فاسترضاهم الرَّسُول
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ حَدّثَنَا ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ وَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيَدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قَالَ:
لَمّا أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا، فِي قُرَيْشٍ وَفِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى كَثُرَتْ مِنْهُمْ الْقَالَةُ حَتّى قَالَ قَائِلُهُمْ لَقَدْ لَقِيَ وَاَللهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَوْمَهُ فَدَخَلَ
_________________
(١) هَيْفَاءُ لَا ذَنَنٌ فِيهَا وَلَا خَوَرُ الذّنَنُ الْغَدْرُ وَالتّفْلُ وَالذّنِينُ الْمُخَاطُ وَالذّنَنُ أَيْضًا أَلّا يَنْقَطِعَ حَيْضُ الْمَرْأَةِ يُقَالُ امْرَأَةٌ دَنّاءُ وَلَوْ رُوِيَ بِالدّالِ الْمُهْمَلَةِ لَكَانَ جَيّدًا أَيْضًا، فَإِنّ الدّنَنَ بِالدّالِ هُوَ قِصَرُ الْعُنُقِ وَتَطَامُنُهَا، وَهُوَ عَيْبٌ. وَالْبَهْكَنَةُ الضّخْمَةُ.
[ ٧ / ٣٦٤ ]
عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عِبَادَةَ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إنّ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْك فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْت فِي هَذَا الْفَيْءِ الّذِي أَصَبْت، قَسَمْت فِي قَوْمِك، وَأَعْطَيْت عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُ فِي هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ. قَالَ " فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟ " قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَنَا إلّا مِنْ قَوْمِي، قَالَ " فَاجْمَعْ لِي قَوْمَك فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ " قَالَ فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ الْأَنْصَارَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَجَاءَ رِجَالٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا، وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدّهُمْ فَلَمّا اجْتَمَعُوا لَهُ أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ قَدْ اجْتَمَعَ لَك هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمّ قَالَ " يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ: مَا قَالَة بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجْدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا عَلَيّ فِي أَنْفُسِكُمْ؟ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلّالًا فَهُدَاكُمْ الله، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللهُ وَأَعْدَاءَ فَأَلّفَ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ " قَالُوا: بَلَى، اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنّ وَأَفْضَلُ ثُمّ قَالَ " أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؟ " قَالُوا: بِمَاذَا نُجِيبُك يَا رَسُولَ اللهِ؟ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنّ وَالْفَضْلُ قَالَ ﷺ " أَمَا وَاَللهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَلَصُدّقْتُمْ أَتَيْتنَا مُكَذّبًا فَصَدّقْنَاك، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاك، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاك، وَعَائِلًا فَآسَيْنَاك. أَوَجَدْتُمْ يَا
_________________
(١) حَوْلَ عِتَابِ النّبِيّ لِلْأَنْصَارِ فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ - ﷺ - لِلْأَنْصَارِ " مَا قَالَة بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجْدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ "هَكَذَا الرّوَايَةُ جِدَةٌ وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ اللّغَةِ مَوْجِدَةٌ إذَا أَرَدْت الْغَضَبَ وَإِنّمَا الْجِدَةُ فِي الْمَالِ. وَقَوْلُهُ ﵇ فِي لُعَاعَةٍ مِنْ الدّنْيَا تَأَلّفْت بِهَا قَوْمًا، لِيُسْلِمُوا. اللّعَاعَةُ بَقْلَةٌ نَاعِمَةٌ وَهَذَا نَحْوٌ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: "الْمَالُ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ "وَاللّعَةُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَهِيَ الْمَرْأَةُ الْمَلِيحَةُ الْعَفِيفَةُ وَاللّعْلَعُ السّرَابُ وَلُعَاعُهُ بَصِيصُهُ.
[ ٧ / ٣٦٥ ]
مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِكُمْ فِي لُعَاعَةٍ مِنْ الدّنْيَا تَأَلّفْت بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إلَى إسْلَامِكُمْ أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَنْ يَذْهَبَ النّاسُ بِالشّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُوا بِرَسُولِ اللهِ إلَى رِحَالِكُمْ؟ فَوَاَلّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْت امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ شِعْبًا، لَسَلَكْت شِعْبَ الْأَنْصَارِ. اللهُمّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ"
قَالَ فَبَكَى الْقَوْمُ حَتّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللهِ قَسْمًا وَحَظّا. ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَفَرّقُوا
عُمْرَةُ الرّسُولِ مِنْ الْجِعْرَانَةِ وَاسْتِخْلَافُهُ عَتّابَ بْنَ أَسِيدٍ عَلَى مَكّةَ، وَحَجّ عَتّابٌ بِالْمُسْلِمِينَ سَنَةَ ثَمَانٍ
اعْتِمَارُ الرّسُولِ وَاسْتِخْلَافُهُ ابْنَ أَسِيدٍ عَلَى مَكّةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
_________________
(١) جُعَيْلَ بْنُ سُرَاقَةَ وَذَكَرَ جُعَيْلَ بْنَ سُرَاقَةَ وَقَوْلَ النّبِيّ - ﷺ - فِيهِ وَوَكَلْت جُعَيْلَ بْنَ سُرَاقَةَ إلَى إسْلَامِهِ. نَسَبَ ابْنُ إسْحَاقَ جُعَيْلًا إلَى ضَمْرَةَ وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي غِفَارٍ، لِأَنّ غِفَارًا، هُمْ بَنُو مُلَيْلِ بْنِ ضَمْرَةَ مِنْ بَنِي لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ. وَأَمّا حَدِيثُ التّمِيمِيّ الّذِي قَالَ لِلنّبِيّ ﷺ حِينَ أَعْطَى الْمُؤَلّفَةَ قُلُوبُهُمْ لَمْ أَرَك عَدَلْت، فَغَضِبَ النّبِيّ ﷺ ثُمّ قَالَ "إذَا لَمْ يَكُنْ الْعَدْلُ عِنْدِي، فَعِنْدَ مَنْ يَكُونُ؟ "وَقَالَ أَيْضًا: " إنّي أَرَى قِسْمَةَ مَا أُرِيدُ بِهَا وَجْهَ اللهِ "فَقَالَ ﷺ " أَيَأْمَنُنِي اللهُ فِي السّمَاءِ وَلَا تَأْمَنُونِي " أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ فَالرّجُلُ هُوَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ كَذَلِكَ جَاءَ ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ.
[ ٧ / ٣٦٦ ]
ثُمّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الْجِعْرَانَةِ مُعْتَمِرًا، وَأَمَرَ بِبَقَايَا الْفَيْءِ فَحُبِسَ بِمَجَنّةَ بِنَاحِيَةِ مَرّ الظّهْرَانِ، فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عُمْرَتِهِ انْصَرَفَ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ وَاسْتَخْلَفَ عَتّابَ بْنَ أَسِيدٍ عَلَى مَكّةَ، وَخَلّفَ مَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، يُفَقّهُ النّاسَ فِي الدّينِ وَيُعَلّمُهُمْ الْقُرْآنَ وَاتّبِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِبَقَايَا الْفَيْءِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنّهُ قَالَ لَمّا اسْتَعْمَلَ النّبِيّ ﷺ عَتّابَ بْنَ أَسِيدٍ عَلَى مَكّةَ رَزَقَهُ كُلّ يَوْمٍ دِرْهَمًا، فَقَامَ فَخَطَبَ النّاسَ فَقَالَ "أَيّهَا النّاسُ أَجَاعَ اللهُ كَبِدَ مَنْ جَاعَ عَلَى دِرْهَمٍ، فَقَدْ رَزَقَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ دِرْهَمًا كُلّ يَوْمٍ فَلَيْسَتْ بِي حَاجَةٌ إلَى أَحَد"
وَقْتُ الْعُمْرَةِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَتْ عُمْرَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي ذِي الْقِعْدَةِ فَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فِي بَقِيّةِ ذِي الْقِعْدَةِ أَوْ فِي ذِي الْحِجّةِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
_________________
(١) وَيُذْكَرُ عَنْ الْوَاقِدِيّ أَنّهُ قَالَ هُوَ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ السّعْدِيّ مِنْ سَعْدِ تَمِيمٍ وَقَدْ كَانَ لِحُرْقُوصٍ هَذَا مَشَاهِدُ مَحْمُودَةٌ فِي حَرْبِ الْعِرَاقِ مَعَ الْفُرْسِ أَيّامَ عُمَرَ ثُمّ كَانَ خَارِجِيّا، وَفِيهِ يَقُولُ نُحَيْبَةُ الْخَارِجِيّ حَتّى أُلَاقِيَ فِي الْفِرْدَوْسِ حُرْقُوصًا وَلِذَلِكَ قَالَ فِيهِ النّبِيّ ﷺ " إنّهُ سَيَكُونُ مِنْ ضِئْضِئِهِ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ إلَى صَلَاتِهِمْ "وَذَكَرَ صِفَةَ الْخَوَارِجِ، وَلَيْسَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ هَذَا ذَا النّدَيّةِ الّذِي قَتَلَهُ عَلِيّ بِالنّهَرِ وَأَنّ ذَلِكَ اسْمُهُ نَافِعٌ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَكَلَامُ الْوَاقِدِيّ حَكَاهُ ابْنُ الطّلّاعِ فِي الْأَحْكَامِ لَهُ.
[ ٧ / ٣٦٧ ]
وَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ لِسِتّ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ فَمَا زَعَمَ أَبُو عَمْرٍو الْمَدَنِيّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَحَجّ النّاسُ تِلْكَ السّنَةَ عَلَى مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَحُجّ عَلَيْهِ وَحَجّ بِالْمُسْلِمِينَ تِلْكَ السّنَةَ عَتّابُ بْنُ أَسِيدٍ، وَهِيَ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَقَامَ أَهْلُ الطّائِفِ عَلَى شِرْكِهِمْ وَامْتِنَاعِهِمْ فِي طَائِفِهِمْ مَا بَيْنَ ذِي الْقِعْدَةِ إذْ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ.
أَمْرُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ بَعْدَ الِانْصِرَافِ عَن الطَّائِف
تخوف بجير على أَخِيه كَعْب ونصيحته لَهُ
وَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ مُنْصَرَفِهِ عَنْ الطّائِفِ كَتَبَ بُجَيْرُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى إلَى أَخِيهِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ يُخْبِرُهُ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَتَلَ رِجَالًا بِمَكّةَ مِمّنْ كَانَ يَهْجُوهُ وَيُؤْذِيهِ وَأَنّ مَنْ بَقِيَ مِنْ شُعَرَاءِ قُرَيْشٍ، ابْنُ الزّبَعْرَى وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ، قَدْ هَرَبُوا فِي كُلّ وَجْهٍ فَإِنْ كَانَتْ لَك فِي نَفْسِك حَاجَةٌ فَطِرْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَإِنّهُ لَا يَقْتُلُ أَحَدًا جَاءَهُ تَائِبًا، وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَانْجُ إلَى نَجَائِك مِنْ الْأَرْضِ وَكَانَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ قَدْ قَالَ
أَلَا أَبْلِغَا عَنّي بُجَيْرًا رِسَالَةً فَهَلْ لَك فِيمَا قُلْت وَيْحَك هَلْ لَكَا؟
فَبَيّنْ لَنَا إنْ كُنْت لَسْت بِفَاعِلٍ عَلَى أَيّ شَيْءٍ غَيْرَ ذَلِكَ دَلّكَا
عَلَى خُلُقٍ لَمْ أُلْفِ يَوْمًا أَبَالَهُ عَلَيْهِ وَمَا تُلْفِي عَلَيْهِ أَبَا لَكَا
فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَلَسْت بِآسِفٍ وَلَا قَائِلٍ إمّا عَثَرْت لَعًا لَكَا
_________________
(١) شِعْرُ بُجَيْرٍ وَكَعْبٍ ابْنَيْ زُهَيْرٍ فَصْلٌ: وَذَكَرَ قِصّةَ بُجَيْرِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى، وَاسْمُ أَبِي سُلْمَى: رَبِيعَةُ بْنُ رِيَاحٍ أَحَدُ بَنِي مُزَيْنَةَ
[ ٧ / ٣٦٨ ]
سَقَاك بِهَا الْمَأْمُونُ كَأْسًا رَوِيّةً فَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلّكَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى " الْمَأْمُورُ ". وَقَوْلُهُ " فَبَيّنْ لَنَا " عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ وَحَدِيثِهِ
مَنْ مُبْلِغٌ عَنّي بُجَيْرًا رِسَالَةً فَهَلْ لَك فِيمَا قُلْت بِالْخَيْفِ هَلْ لَكَا
شَرِبْت مَعَ الْمَأْمُونِ كَأْسًا رَوِيّةً فَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلّكَا
وَخَالَفْت أَسْبَابَ الْهُدَى وَاتّبَعْته عَلَى أَيّ شَيْءٍ وَيْبَ غَيْرِك دَلّكَا
عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمّا وَلَا أَبًا عَلَيْهِ وَلَمْ تُدْرِكْ عَلَيْهِ أَخًا لَكَا
فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَلَسْت بِآسِفٍ وَلَا قَائِلٍ إمّا عَثَرْت لَعًا لَكَا
قَالَ وَبَعَثَ بِهَا إلَى بُجَيْرٍ فَلَمّا أَتَتْ بُجَيْرًا كَرِهَ أَنْ يَكْتُمَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَنْشَدَهُ إيّاهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمّا سَمِعَ " سَقَاك بِهَا الْمَأْمُونُ" صَدَقَ وَإِنّهُ لَكَذُوب أَنَا الْمَأْمُونُ: وَلَمّا سَمِعَ "عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمّا وَلَا أَبًا عَلَيْهِ" قَالَ " أَجَلْ لَمْ يُلْفِ عَلَيْهِ أَبَاهُ وَلَا أُمّهُ "
_________________
(١) وَفِي شِعْرِ كَعْبٍ إلَى أَخِيهِ بُجَيْرٍ سَقَاك بِهِ الْمَأْمُونُ كَأْسًا رَوِيّةً وَيُرْوَى: الْمَحْمُودُ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ، أَرَادَ بِالْمَحْمُودِ مُحَمّدًا - ﷺ - وَكَذَلِكَ الْمَأْمُونُ وَالْأَمِينُ كَانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمّي بِهِمَا النّبِيّ ﷺ قَبْلَ النّبُوّةِ. وَقَوْلُهُ لِأَخِيهِ بُجَيْرٍ عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمّا وَلَا أَبًا عَلَيْهِ وَلَمْ تُدْرِكْ عَلَيْهِ أَخَا لَكَا إنّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنّ أُمّهُمَا وَاحِدَةٌ وَهِيَ كَبْشَةُ بِنْتُ عَمّارٍ السّحَيْمِيّةُ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ الْأَعْرَابِيّ عَنْ ابْنِ الْكَلْبِيّ. وَقَوْلُهُ إمّا عَثَرْت لَعًا لَكَا، كَلِمَةٌ تُقَالُ لِلْعَاثِرِ دُعَاءً لَهُ بِالْإِقَالَةِ قَالَ الْأَعْشَى:
[ ٧ / ٣٦٩ ]
ثُمّ قَالَ بُجَيْرٌ لِكَعْبٍ
مَنْ مُبْلِغٌ كَعْبًا فَهَلْ لَك فِي الّتِي تَلُومُ عَلَيْهَا بَاطِلًا وَهِيَ أَحْزَمُ
إلَى اللهِ "لَا الْعُزّى وَلَا اللّاتِ" وَحْدَهُ فَتَنْجُو إذَا كَانَ النّجَاءُ وَتَسْلَمُ
لَدَى يَوْمِ لَا يَنْجُو وَلَيْسَ بِمُفْلِتٍ مِنْ النّاسِ إلّا طَاهِرُ الْقَلْبِ مُسْلِمُ
فَدِينُ زُهَيْرٍ وَهُوَ لَا شَيْءَ دِينُهُ وَدِينُ أَبِي سُلْمَى عَلَيّ مُحَرّمُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
_________________
(١) فَالتّعْسُ أَدْنَى لَهَا مِنْ أَنْ يُقَالَ لَعَا لَهَا وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَلَا لَعَا لِبَنِي فَعْلَانَ إذْ عَثَرُوا وَقَوْلُ بُجَيْرٍ وَدِينُ زُهَيْرٍ وَهُوَ لَا شَيْءَ دِينُهُ رِوَايَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ وَقَدْ رَوَاهُ الْقَالِيّ فَقَالَ وَهُوَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ وَفَسّرَهُ عَلَى التّقْدِيمِ وَالتّأْخِيرِ أَرَادَ وَدِينُ زُهَيْرٍ غَيْرُهُ وَهُوَ لَا شَيْءَ. وَرِوَايَةُ ابْنِ إسْحَاقَ أَبْعَدُ مِنْ الْإِشْكَالِ وَأَصَحّ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَكَعْبٌ هَذَا مِنْ فُحُولِ الشّعَرَاءِ هُوَ وَأَبُوهُ زُهَيْرٌ وَكَذَلِكَ ابْنُهُ عُقْبَةُ بْنُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ يُعْرَفُ عُقْبَةُ بِالْمُضَرّبِ وَابْنُ عُقْبَةَ الْعَوّامُ شَاعِرٌ أَيْضًا، وَهُوَ الّذِي يَقُولُ:
[ ٧ / ٣٧٠ ]
وَإِنّمَا يَقُولُ كَعْبٌ " الْمَأْمُونُ "، وَيُقَالُ " الْمَأْمُورُ " فِي قَوْلِ ابْنِ هِشَامٍ: لِقَوْلِ قُرَيْشٍ الّذِي كَانَتْ تَقُولُهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ.
قُدُومُ كَعْبٍ عَلَى الرّسُولِ وَقَصِيدَتُهُ اللّامِيّةُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَلَمّا بَلَغَ كَعْبًا الْكِتَابُ ضَاقَتْ بِهِ الْأَرْضُ وَأَشْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَرْجَفَ بِهِ مَنْ كَانَ فِي حَاضِرِهِ مِنْ عَدُوّهِ فَقَالُوا: هُوَ مَقْتُولٌ فَلَمّا لَمْ يَجِدْ مِنْ شَيْءٍ بُدّا، قَالَ قَصِيدَتَهُ الّتِي يَمْدَحُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَذَكَرَ فِيهَا خَوْفَهُ وَإِرْجَافَ الْوُشَاةِ بِهِ مِنْ عَدُوّهِ
_________________
(١) أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ تَغَيّرَ بَعْدَنَا مَلَاحَةُ عَيْنَيْ أُمّ عَمْرٍو وَجِيدُهَا وَهَلْ بَلِيَتْ أَثْوَابُهَا بَعْدَ جِدّةٍ أَلَا حَبّذَ أَخْلَاقُهَا وَجَدِيدُهَا وَمِمّا يُسْتَحْسَنُ وَيُسْتَجَادُ مِنْ قَوْلِ كَعْبٍ لَوْ كُنْت أَعْجَبُ مِنْ شَيْءٍ لَأَعْجَبَنِي سَعْيُ الْفَتَى وَهُوَ مَخْبُوءٌ لَهُ الْقَدَرُ يَسْعَى الْفَتَى لِأُمُورٍ لَيْسَ يُدْرِكُهَا فَالنّفْسُ وَاحِدَةٌ وَالْهَمّ مُنْتَشِرُ وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ لَا تَنْتَهِي الْعَيْنُ حَتّى يَنْتَهِي الْأَثَرُ وَقَوْلُهُ: إنْ كُنْت لَا تَرْهَبُ ذَمّي لِمَا تَعْرِفُ مِنْ صَفْحِي عَنْ الْجَاهِلْ فَاخْشَ سُكُوتِي إذْ أَنَا مُنْصِتٌ فِيك لِمَسْمُوعِ خَنَا الْقَائِلْ فَالسّامِعُ الذّمّ شَرِيكٌ لَهُ وَمُطْعِمُ الْمَأْكُولِ كَالْآكِلْ مَقَالَةُ السّوءِ إلَى أَهْلِهَا أَسْرَعُ مِنْ مُنْحَدِرٍ سَائِلْ وَمَنْ دَعَا النّاسَ إلَى ذَمّهِ ذَمّوهُ بِالْحَقّ وَبِالْبَاطِلْ
[ ٧ / ٣٧١ ]
ثُمّ خَرَجَ حَتّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلَ عَلَى رَجُلٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَعْرِفَةٌ مِنْ جُهَيْنَةَ، كَمَا ذُكِرَ لِي، فَغَدَا بِهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ صَلّى الصّبْحَ فَصَلّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمّ أَشَارَ لَهُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ هَذَا رَسُولُ اللهِ فَقُمْ إلَيْهِ فَاسْتَأْمِنْهُ.
فَذُكِرَ لِي أَنّهُ قَامَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى جَلَسَ إلَيْهِ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَعْرِفُهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إنّ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ قَدْ جَاءَ لِيَسْتَأْمِنَ مِنْك تَائِبًا مُسْلِمًا، فَهَلْ أَنْتَ قَابِلٌ مِنْهُ إنْ أَنَا جِئْتُك بِهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " نَعَمْ "، قَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ:
أَنّهُ وَثَبَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ دَعْنِي وَعَدُوّ اللهِ أَضْرِبُ عُنُقَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " دَعْهُ عَنْك، فَإِنّهُ قَدْ جَاءَ تَائِبًا، نَازِعًا عَمّا كَانَ عَلَيْهِ " فَقَالَ فَغَضِبَ كَعْبٌ عَلَى هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ، لِمَا صَنَعَ بِهِ صَاحِبُهُمْ وَذَلِكَ أَنّهُ لَمْ يَتَكَلّمْ فِيهِ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ إلّا بِخَيْرٍ فَقَالَ فِي قَصِيدَتِهِ الّتِي قَالَ حِينَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ مُتَيّمٌ إثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ
وَمَا سُعَادُ غَدَاةَ الْبَيْنِ إذْ رَحَلُوا إلّا أَغَنّ غَضِيضُ الطّرْفِ مَكْحُولُ
هَيْفَاءُ مُقْبِلَةٌ عَجْزَاءُ مُدْبِرَةٌ لَا يُشْتَكَى قِصَرٌ مِنْهَا وَلَا طُولُ
_________________
(١) قَصِيدَةُ بَانَتْ سُعَادُ وَذَكَرَ قَصِيدَتَهُ بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ وَفِيهَا قَوْلُهُ شُجّتْ بِذِي شَبَمٍ. يَعْنِي: الْخَمْرَ وَشُجّتْ كُسِرَتْ مِنْ أَعْلَاهَا لِأَنّ الشّجّةَ لَا تَكُونُ إلّا فِي
[ ٧ / ٣٧٢ ]
تَجْلُو عَوَارِضَ ذِي ظَلْمٍ إذَا ابْتَسَمَتْ كَأَنّهُ مَنْهَلٌ بِالرّوْحِ مَعْلُولُ
شُجّتْ بِذِي شَيَمٍ مِنْ مَاءِ مَحْنِيَةٍ صَافٍ بِأَبْطَحَ أَضْحَى وَهُوَ مَشْمُولُ
تَنْفِي الرّيَاحُ الْقَذَى عَنْهُ وَأَفْرَطَهُ مِنْ صَوْبِ غَادِيَةٍ بِيضٌ يَعَالِيلُ
فَيَا لَهَا حُلّةٌ لَوْ أَنّهَا صَدَقَتْ بِوَعْدِهَا أَوْ لَوْ إنّ النّصْحَ مَقْبُولُ
لَكِنّهَا خُلّةٌ قَدْ سِيطَ مِنْ دَمِهَا فَجَعٌ وَوَلَعٌ وَإِخْلَافٌ وَتَبْدِيلُ
فَمَا تَدُومُ عَلَى حَالٍ تَكُونُ بِهَا كَمَا تَلَوّنَ فِي أَثْوَابِهَا الْغُولُ
وَمَا تَمَسّكَ بِالْعَهْدِ الّذِي زَعَمَتْ إلّا كَمَا يُمْسِكُ الْمَاءَ الْغَرَابِيلُ
_________________
(١) الرّأْسِ وَالشّيَمُ الْبَرْدُ وَأَفْرَطَهُ أَيْ مَلَأَهُ. وَالْبِيضُ الْيَعَالِيلُ السّحَابُ وَقِيلَ جِبَالٌ يَنْحَدِرُ الْمَاءُ مِنْ أَعْلَاهَا، وَالْيَعَالِيلُ أَيْضًا: الْغُدْرَانُ وَاحِدُهَا يَعْلُولٌ لِأَنّهُ يُعِلّ الْأَرْضَ بِمَائِهِ. وَقَوْلُهُ يَا وَيْحَهَا خُلّةٌ قَدْ سِيطَ مِنْ دَمِهَا أَيْ خُلِطَ بِلَحْمِهَا وَدَمِهَا هَذِهِ الْأَخْلَاقُ الّتِي وَصَفَهَا بِهَا مِنْ الْوَلَعِ وَهُوَ الْخَلْفُ وَالْكَذِبُ وَالْمَطْلُ يُقَالُ سَاطَ الدّمَ وَالشّرَابَ إذَا ضَرَبَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ. وَقَالَ الشّاعِرُ يَصِفُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبّاسٍ: صَمُوتٌ إذَا مَا زَيّنَ الصّمْتُ أَهْلَهُ وَفَتّاقُ أَبْكَارِ الْكَلَامِ الْمُخَتّمِ وَعَى مَا حَوَى الْقُرْآنُ مِنْ كُلّ حِكْمَةٍ وَسِيطَتْ لَهُ الْآدَابُ بِاللّحْمِ وَالدّمِ وَالْغُولُ الّتِي تَتَرَاءَى بِاللّيْلِ. وَالسّعْلَاةُ مَا تَرَاءَى بِالنّهَارِ مِنْ الْجِنّ، وَقَدْ أَبْطَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حُكْمَ الْغُولِ حَيْثُ قَالَ " لَا عَدْوَى وَلَا غُولَ " وَلَيْسَ يُعَارِضُ هَذَا مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﵇ " إذَا تَغَوّلَتْ الْغِيلَانُ فَارْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ
[ ٧ / ٣٧٣ ]
فَلَا يَغُرّنّكَ مَا مَنّتْ وَمَا وَعَدَتْ إنّ الْأَمَانِيّ وَالْأَحْلَامَ تَضْلِيلُ
كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلًا وَمَا مَوَاعِيدُهَا إلّا الْأَبَاطِيلُ
أَرْجُو وَآمُلُ أَنْ تَدْنُو مَوَدّتُهَا وَمَا إخَالُ لَدَيْنَا مِنْك تَنْوِيلُ
أَمْسَتْ سُعَادُ بِأَرْضٍ لَا يُبَلّغُهَا إلّا الْعِتَاقُ النّجِيبَاتُ الْمَرَاسِيلُ
وَلَنْ يُبَلّغَهَا إلّا عُذَافِرَةٌ لَهَا عَلَى الْأَيْنِ إرْقَالٌ وَتَبْغِيلُ
مِنْ كُلّ نَضّاخَةِ الذّفْرَى إذَا عَرِقَتْ عُرْضَتُهَا طَامِسُ الْأَعْلَامِ مَجْهُولُ
تَرْمِي الْغُيُوبَ بِعَيْنَيْ مُفْرِدٍ لَهَقٍ إذَا تَوَقّدَتْ الْحِزّانُ وَالْمِيلُ
_________________
(١) بِالْأَذَانِ " وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي أَيّوبَ مَعَ الْغُولِ حِينَ أَخَذَهَا، لِأَنّ قَوْلَهُ ﵇ " لَا غُولَ إنّمَا أَبْطَلَ بِهِ مَا كَانَتْ الْجَاهِلِيّةُ تَتَقَوّلُهُ مِنْ أَخْبَارِهَا وَخُرَافَاتِهَا مَعَهَا ". وَقَوْلُهُ كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلًا هُوَ عُرْقُوبُ بْنُ صَخْرٍ مِنْ الْعَمَالِيقِ الّذِينَ سَكَنُوا يَثْرِبَ، وَقِيلَ بَلْ هُوَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَقِصّتُهُ فِي إخْلَافِ الْوَعْدِ مَشْهُورَةٌ حِينَ وَعَدَ أَخَاهُ بِجَنَا نَخْلَةٍ لَهُ وَعْدًا مِنْ بَعْدِ وَعْدٍ ثُمّ جَذّهَا لَيْلًا، وَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا. وَالتّبْغِيلُ ضَرْبٌ مِنْ السّيْرِ سَرِيعٌ وَالْحِزّانُ جَمْعُ حَزْنٍ وَهُوَ مَا غَلُظَ مِنْ الْأَرْضِ. وَالْمِيلُ مَا اتّسَعَ مِنْهَا. وَقَوْلُهُ تَرْمِي النّجَادَ وَأَنْشَدَهُ أَبُو عَلِيّ تَرْمِي الْغُيُوبَ وَهُوَ جَمْعُ غَيْبٍ وَهُوَ مَا غَار مِنْ الْأَرْضِ كَمَا قَالَ ابْنُ مِقْبَلٍ لَزْمُ الْغُلَامِ وَرَاءَ الْغَيْبِ بِالْحَجَرِ وَقَوْلُهُ:
[ ٧ / ٣٧٤ ]
ضَخْمٌ مُقَلّدُهَا فَعْمٌ مُقَيّدُهَا فِي خَلْقِهَا عَنْ بَنَاتِ الْفَحْلِ تَفْضِيلُ
غَلْبَاءُ وَجْنَاءُ عُلْكُومٌ مُذّكّرَةٌ فِي دَفّهَا سَعَةٌ قُدّامُهَا مِيلُ
وَجِلْدُهَا مِنْ أُطُومٍ مَا يُؤَيّسُهُ طِلْحٌ بِضَاحِيَةِ الْمَتْنَيْنِ مَهْزُولُ
حَرْفٌ أَخُوهَا أَبُوهَا مِنْ مُهَجّنَةٍ وَعَمّهَا خَالُهَا قَوْدَاءُ شِمْلِيلُ
يَمْشِي الْقُرَادُ عَلَيْهَا ثُمّ يُزْلِقُهُ مِنْهَا لَبَانٌ وَأَقْرَابٌ زَهَالِيلُ
عَيْرَانَةٌ قُذِفَتْ بِالنّحْضِ عَنْ عُرُضٍ مِرْفَقُهَا عَنْ بَنَاتِ الزّوْرِ مَفْتُولُ
كَأَنّمَا فَاتَ عَيْنَيْهَا وَمَذْبَحُهَا مِنْ خَطْمِهَا وَمِنْ اللّحْيَيْنِ بِرْطِيلُ
تَمُرّ مِثْلَ عَسِيبِ النّخْلِ ذَا خُصَلٍ فِي غَارِزٍ لَمْ تَخَوّنُهُ الْأَحَالِيلُ
قَنْوَاءُ فِي حُرّتَيْهَا لِلْبَصِيرِ بِهَا عِتْقٌ مُبِينٌ وَفِي الْخَدّيْنِ تَسْهِيلُ
تَخْدِي عَلَى يَسَرَاتٍ وَهِيَ لَاحِقَةٌ ذَوَابِلٌ مَسّهُنّ الْأَرْضَ تَحْلِيلُ
_________________
(١) حَرْفٌ أَبُوهَا أَخُوهَا مِنْ مُهَجّنَةٍ وَعَمّهَا خَالُهَا قَوْدَاءُ شِمْلِيلُ الْقَوْدَاءُ الطّوِيلَةُ الْعُنُقِ. وَالشّمْلِيلُ السّرِيعَةُ. وَالْحَرْفُ النّاقَةُ الضّامِرُ. وَقَوْلُهُ مِنْ مُهَجّنَةٍ أَيْ مِنْ إبِلٍ مُهَجّنَةٍ مُسْتَكْرَمَةٍ هِجَانٍ. وَقَوْلُهُ أَبُوهَا أَخُوهَا أَيْ أَنّهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مِنْ الْكَرَمِ وَقِيلَ إنّهَا مِنْ فَحْلٍ حَمَلَ عَلَى أُمّهِ فَجَاءَتْ بِهَذِهِ النّاقَةِ فَهُوَ أَبُوهَا وَأَخُوهَا، وَكَانَتْ لِلنّاقَةِ الّتِي هِيَ أُمّ هَذِهِ بِنْتٌ أُخْرَى مِنْ الْفَحْلِ الْأَكْبَرِ فَعَمّهَا خَالُهَا عَلَى هَذَا، وَهُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَكْرَمِ النّتَاجِ وَالْقَوْلُ الْأَوّلُ ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيّ الْقَالِيّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فَاَللهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ أَقْرَابٌ زَهَالِيلُ أَيْ خَوَاصِرُ مُلْسٌ وَاحِدُهَا: زُهْلُولٌ وَالْبِرْطِيلُ حَجَرٌ طَوِيلٌ وَيُقَالُ لِلْمِعْوَلِ أَيْضًا: بِرْطِيلٌ. وَقَوْلُهُ ذَوَابِلٌ وَقْعُهُنّ الْأَرْضَ تَحْلِيلُ
[ ٧ / ٣٧٥ ]
سُمْرُ الْعُجَايَاتِ يَتْرُكْنَ الْحَصَى زِيَمًا لَمْ يَقِهِنّ رُءُوسُ الْأُكْمِ تَنْعِيلُ
كَأَنّ أَوْبَ ذِرَاعَيْهَا وَقَدْ عَرِقَتْ وَقَدْ تَلَفّعَ بِالْقُورِ الْعَسَاقِيلُ
يَوْمًا يَظَلّ بِهِ الْحِرْبَاءُ مُصْطَخِدًا كَأَنّ ضَاحِيَهُ بِالشّمْسِ مَمْلُولُ
وَقَالَ لِلْقَوْمِ حَادِيهِمْ وَقَدْ جُعِلَتْ وُرْقُ الْجَنَادِبِ يَرْكُضْنَ الْحَصَا قِيلُوا
شَدّ النّهَارُ ذِرَاعًا عَيْطَلٍ نَصَفٌ قَامَتْ فَجَاوَبَهَا نُكْدٌ مَثَاكِيلُ
نَوّاحَةٌ رَخْوَةُ الضّبَعَيْنِ لَيْسَ لَهَا لَمّا نَعَى بِكْرَهَا النّاعُونَ مَعْقُولُ
تَفْرِي اللّبَانَ بِكَفّيْهَا وَمِدْرَعِهَا مُشَقّقٌ عَنْ تَرَاقِيهَا رَعَابِيلُ
تَسْعَى الْغُوَاةُ جَنَابَيْهَا وَقَوْلُهُمْ إنّك يَا ابْنَ أَبِي سُلْمَى لَمَقْتُولُ
_________________
(١) تَحْلِيلُ أَيْ قَلِيلٌ. يُقَالُ مَا أَقَامَ عِنْدَنَا إلّا كَتَحْلِيلِ الْأَلِيّةِ وَكَتَحِلّةِ الْمَقْسِمِ وَعَلَيْهِ حَمَلَ ابْنُ قُتَيْبَةَ قَوْلَهُ ﵇ " لَنْ تَمَسّهُ النّارُ إلّا تَحِلّةَ الْقَسَمِ "وَغَلّطَ أَبَا عُبَيْدٍ حَيْثُ فَسّرَهُ عَلَى الْقَسَمِ حَقِيقَةً. قَالَ الْقُتَبِيّ لَيْسَ فِي الْآيَةِ قَسَمٌ لِأَنّهُ قَالَ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلّا وَارِدُهَا﴾ [مَرْيَمُ: ٧١] وَلَمْ يُقْسِمْ. قَالَ الْخَطّابِيّ: هَذِهِ غَفْلَةٌ مِنْ ابْنِ قُتَيْبَةَ فَإِنّ فِي أَوّلِ الْآيَةِ ﴿فَوَرَبّكَ لَنَحْشُرَنّهُمْ وَالشّيَاطِينَ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلّا وَارِدُهَا﴾ دَاخِلٌ تَحْتَ الْقَسَمِ الْمُتَقَدّمِ. وَقَوْلُهُ بِالْقُورِ الْعَسَاقِيلُ. الْقُورُ جَمْعُ قَارَةٍ وَهِيَ الْحِجَارَةُ السّودُ. وَالْعَسَاقِيلُ هُنَا السّرَابُ وَهَذَا مِنْ الْمَقْلُوبِ أَرَادَ وَقَدْ تَلَفّعَتْ الْقُودُ بِالْعَسَاقِيلِ. وَفِيهَا قَوْلُهُ تَمْشِي الْغُوَاةُ بِجَنْبَيْهَا، أَيْ بِجَنْبَيْ نَاقَتِهِ. عَنْ الْقَوْلِ وَالْقِيلِ إعْرَابًا وَمَعْنًى وَقَوْلُهُ: إنّك يَا ابْنَ أَبِي سُلْمَى لَمَقْتُولُ وَيُرْوَى: وَقَيْلُهُمْ وَهُوَ أَحْسَنُ فِي
[ ٧ / ٣٧٦ ]
وَقَالَ كُلّ صَدِيقٍ كُنْت آمُلُهُ لَا أُلْهِيَنّكَ إنّي عَنْك مَشْغُولُ
_________________
(١) الْمَعْنَى، وَأَوْلَى بِالصّوَابِ لِأَنّ الْقِيلَ هُوَ الْكَلَامُ الْمَقُولُ فَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ إنّك يَا ابْنَ أَبِي سُلْمَى لَمَقْتُولُ خَبَرٌ تَقُولُ إذَا سُئِلْت مَا قِيلُك؟ قِيلِي: إنّ اللهَ وَاحِدٌ فَقَوْلُك: إنّ اللهَ وَاحِدٌ هُوَ الْقِيلُ وَالْقَوْلُ مَصْدَرٌ كَالطّحْنِ وَالذّبْحِ وَالْقِيلُ اسْمٌ لِلْمَقُولِ كَالطّحْنِ وَالذّبْحِ بِكَسْرِ أَوّلِهِ وَإِنّمَا حَسُنَتْ هَذِهِ الرّوَايَةُ لِأَنّ الْقَوْلَ مَصْدَرٌ فَيَصِيرُ إنّك يَا ابْنَ أَبِي سُلْمَى فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ فِيهِ فَيَبْقَى الْمُبْتَدَأُ بِلَا خَبَرٍ إلّا أَنْ تَجْعَلَ الْمَقُولَ هُوَ الْقَوْلَ عَلَى الْمَجَازِ كَمَا يُسَمّى الْمَخْلُوقُ خَلْقًا، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ ﷿ ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبّ﴾ [الزّخْرُفُ ٨٨] فِي مَوْضِعِ الْبَدَلِ مِنْ الْقِيلِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إِلّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الْوَاقِعَةُ ٢٦] مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ فَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْبَدَلِ مِنْ قِيلًا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا﴾ [النّسَاءُ ١٢٢] أَيْ حَدِيثًا مَقُولًا، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَسْأَلَةٌ مِنْ النّحْوِ ذَكَرَهَا سِيبَوَيْهِ، وَابْنُ السّرَاجِ فِي كِتَابِهِ وَأَخَذَ الْفَارِسِيّ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ ابْنِ السّرَاجِ فَكَثِيرًا مَا يَنْقُلُ مِنْ كِتَابِهِ بِلَفْظِهِ غَيْرَ أَنّهُ أَفْسَدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَلَمْ يَفْهَمْ مَا أَرَادَ بِهَا، وَذَلِكَ أَنّهُمَا قَالَا: إذَا قُلْت أَوّلَ مَا أَقُولُ إنّي أَحْمَدُ اللهَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ فَهُوَ عَلَى الْحِكَايَةِ فَظَنّ الْفَارِسِيّ أَنّهُ يُرِيدُ عَلَى الْحِكَايَةِ بِالْقَوْلِ فَجَعَلَ إنّي أَحْمَدُ اللهَ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ بِأَقُولُ فَلَمّا بَقِيَ لَهُ الْمُبْتَدَأُ بِلَا خَبَرٍ تَكَلّفَ لَهُ تَقْدِيرًا لَا يُعْقَلُ فَقَالَ تَقْدِيرُهُ أَوّلُ مَا أَقُولُ إنّي أَحْمَدُ اللهَ مَوْجُودٌ أَوْ ثَابِتٌ فَصَارَ مَعْنَى كَلَامِهِ إلَى أَنّ أَوّلَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الّتِي هِيَ إنّي أَحْمَدُ اللهَ مَوْجُودٌ أَيْ أَوّلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مَوْجُودٌ فَآخِرُهَا إِذا مَعْدُومٌ وَهَذَا خُلْفٌ مِنْ الْقَوْلِ كَمَا تَرَى، وَقَدْ وَافَقَهُ ابْنُ جِنّي عَلَيْهِ رَأَيْته فِي بَعْضِ مَسَائِلِهِ قَالَ قُلْت لِأَبِي عَلِيّ لِمَ لَا يَكُونُ إنّي أَحْمَدُ اللهَ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، كَمَا تَقُولُ أَوّلُ سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا: " ﴿إِنّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الْكَوْثَرُ: ١] أَوْ نَحْوَ هَذَا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى حَذْفِ خَبَرٍ قَالَ فَسَكَتَ وَلَمْ يَجِدْ جَوَابًا، وَإِنّمَا مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَوّلُ مَا أَقُولُ أَيْ أَوّلُ الْقِيلِ الّذِي أَقُولُهُ إنّي أَحْمَدُ اللهَ عَلَى حِكَايَةِ الْكَلَامِ الْمَقُولِ وَهَذَا الّذِي أَرَادَ سِيبَوَيْهِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ السّرَاجِ فَإِنْ فَتَحْت الْهَمْزَةَ
[ ٧ / ٣٧٧ ]
فَقُلْت خَلّوا سَبِيلِي لَا أَبَا لَكُمْ فَكُلّ مَا قَدّرَ الرّحْمَنُ مَفْعُولُ
كُلّ ابْنِ أُنْثَى وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهُ يَوْمًا عَلَى آلَةٍ حَدْبَاءَ مَحْمُولُ
نُبّئْت أَنّ رَسُولَ اللهِ أَوْعَدَنِي وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ مَأْمُولُ
مَهْلًا هَدَاك الّذِي أَعْطَاك نَافِلَةَ الْ قُرْآنِ فِيهَا مَوَاعِيظٌ وَتَفْصِيلُ
لَا تَأْخُذَنّي بِأَقْوَالِ الْوُشَاةِ وَلَمْ أُذْنِبْ وَلَوْ كَثُرَتْ فِيّ الْأَقَاوِيلُ
لَقَدْ أَقُومُ مَقَامًا لَوْ يَقُومُ بِهِ أَرَى وَأَسْمَعُ مَا لَوْ يَسْمَعُ الْفِيلُ
لَظَلّ يَرْعَدُ إلّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْ الرّسُولِ بِإِذْنِ اللهِ تَنْوِيلُ
حَتّى وَضَعْت يَمِينِي مَا أُنَازِعُهُ فِي كَفّ ذِي نَقَمَاتٍ قِيلُهُ الْقِيلُ
فَلَهُوَ أَخَوْفُ عِنْدِي إذْ أُكَلّمُهُ وَقِيلَ إنّك مَنْسُوبٌ وَمَسْئُولُ
مِنْ ضَيْغَمٍ بِضَرّاءِ الْأَرْضِ مُخْدَرُهُ فِي بَطْنِ عَثّرَ غِيلٌ دُونَهُ غِيلُ
يَغْدُو فَيَلْحَمُ ضِرْغَامَيْنِ عَيْشُهُمَا لَحْمٌ مِنْ النّاسِ مَعْفُورٌ خَرَادِيلُ
_________________
(١) مِنْ أَنّ صَارَ مَعْنَى الْكَلَامِ أَوّلُ الْقَوْلِ لَا أَوّلُ الْقِيلِ وَكَانَتْ مَا وَاقِعَةً عَلَى الْمَصْدَرِ وَصَارَ مَعْنَاهُ أَوّلُ قَوْلِي الْحَمْدُ إذْ الْحَمْدُ قَوْلٌ وَلَمْ يُبَيّنْ مَعَ فَتْحِ الْهَمْزَةِ كَيْفَ حَمِدَ اللهَ هَلْ قَالَ الْحَمْدُ لِلّهِ بِهَذَا اللّفْظِ أَوْ غَيْرِهِ وَعَلَى كَسْرِ الْهَمْزَةِ قَدْ بَيّنَ كَيْفَ حَمِدَ حِينَ افْتَتَحَ كَلَامَهُ بِأَنّهُ قَالَ إنّي أَحْمَدُ اللهَ بِهَذَا اللّفْظِ أَوْ غَيْرِهِ وَعَلَى كَسْرِ الْهَمْزَةِ قَدْ بَيّنَ كَيْفَ حَمِدَ حِينَ افْتَتَحَ كَلَامَهُ بِأَنّهُ قَالَ إنّي أَحْمَدُ اللهَ بِهَذَا اللّفْظِ لَا بِلَفْظٍ آخَرَ فَقِفْ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَتَدَبّرْهَا إعْرَابًا وَمَعْنًى، فَقُلْ مَنْ أَحْكَمَهَا وَحَسْبُك أَنّ الْفَارِسِيّ لَمْ يَفْهَمْ عَمّنْ قَبْلَهُ وَجَاءَ بِالتّخْلِيطِ الْمُتَقَدّمِ وَاَللهُ الْمُسْتَعَانُ. عَوْدٌ إلَى بَانَتْ سُعَادُ: وَالْخَرَادِيلُ: الْقِطَعُ مِنْ اللّحْمِ وَفِي الْحَدِيثِ فِي صِفَةِ الصّرَاطِ فَمِنْهُمْ الْمُوبَقُ بِعَمَلِهِ وَمِنْهُمْ الْمُخَرْدَلُ أَيْ تُخَرْدِلُ لَحْمَهُ الْكَلَالِيبُ الّتِي حَوْلَ
[ ٧ / ٣٧٨ ]
إذَا يُسَاوِرُ قِرْنًا لَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْقِرْنَ إلّا وَهُوَ مَفْلُولُ
مِنْهُ تَظَلّ سِبَاعُ الْجَوّ نَافِرَةً وَلَا تَمْشِي بِوَادِيهِ الْأَرَاجِيلُ
وَلَا يَزَالُ بِوَادِيهِ أَخُو ثِقَةٍ مُضَرّجُ الْبِزّ وَالدّرْسَانِ مَأْكُولُ
إنّ الرّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ مُهَنّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ مَسْلُولُ
فِي عُصْبَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ بِبَطْنِ مَكّةَ لَمّا أَسْلَمُوا زُولُوا
زَالُوا فَمَا زَالَ أَنْكَاسٌ وَلَا كُشَفٌ عِنْدَ اللّقَاءِ وَلَا مِيلٌ مَعَازِيلُ
شُمّ الْعَرَانِينِ أَبْطَالٌ لَبُوسُهُمْ مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ فِي الْهَيْجَا سَرَابِيلُ
بِيضٌ سَوَابِغُ قَدْ شُكّتْ لَهَا حَلَقٌ كَأَنّهَا حَلَقُ الْقَفْعَاءِ مَجْدُولُ
لَيْسُوا مَفَارِيحَ إنْ نَالَتْ رِمَاحُهُمْ قَوْمًا وَلَيْسُوا مَجَازِيعًا إذَا نِيلُوا
_________________
(١) الصّرَاطِ سَمِعْت شَيْخَنَا الْحَافِظَ أَبَا بَكْرٍ ﵀ يَقُولُ تِلْكَ الْكَلَالِيبُ هِيَ الشّهَوَاتُ لِأَنّهَا تَجْذِبُ الْعَبْدَ فِي الدّنْيَا عَنْ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى سَوَاءِ الصّرَاطِ فَتُمَثّلُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ بِضَرَاءِ الْأَرْضِ. الضّرَاءُ مَا وَارَاك مِنْ شَجَرٍ وَالْخَمْرُ مَا وَارَاك مِنْ شَجَرٍ وَغَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ بِوَادِيهِ الْأَرَاجِيلُ أَيْ الرّجّالَةُ قِيلَ إنّهُ جَمْعٌ الْجَمْعُ كَأَنّهُ جَمْعُ الرّجْلِ وَهُمْ الرّجّالَةُ عَلَى أَرْجُلٍ ثُمّ جَمَعَ أَرَجُلًا عَلَى أَرَاجِلَ وَزَادَ الْيَاءَ ضَرُورَةً. وَالدّرْسُ الثّوْبُ الْخَلِقُ. وَالْفَقْعَاءُ شَجَرَةٌ لَهَا ثَمَرٌ كَأَنّهُ حَلَقٌ. وَيُرْوَى أَنّ النّبِيّ - ﷺ - حِينَ أَنْشَدَهُ كَعْبٌ إنّ الرّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ مُهَنّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ مَسْلُولُ نَظَرَ إلَى أَصْحَابِهِ كَالْمُعْجَبِ لَهُمْ مِنْ حُسْنِ الْقَوْلِ وَجَوْدَةِ الشّعْرِ. وَقَوْلُهُ
[ ٧ / ٣٧٩ ]
يَمْشُونَ مَشْيَ الْجِمَالِ الزّهْرِ يَعْصِمُهُمْ ضَرْبٌ إذَا عَرّدَ السّودُ التّنَابِيلُ
لَا يَقَعُ الطّعْنُ إلّا فِي نُحُورِهِمْ وَمَا لَهُمْ عَنْ حِيَاضِ الْمَوْتِ تَهْلِيلُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ كَعْبٌ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ بَعْدَ قُدُومِهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَبَيْتُهُ " حَرْفٌ أَخُوهَا أَبُوهَا " وَبَيْتُهُ "يَمْشِي الْقُرَادَ" وَبَيْتُهُ "عَيْرَانَةٌ قُذِفَتْ"، وَبَيْتُهُ "تَمُرّ مِثْلَ عَسِيبِ النّخْلِ"، وَبَيْتُهُ "تَفْرِي اللّبَانَ" وَبَيْتُهُ "إذَا يُسَاوِرُ قَرْنًا "وَبَيْتُهُ "وَلَا يَزَالُ بِوَادِي": عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
اسْتِرْضَاءُ كَعْبِ الْأَنْصَارِ بِمَدْحِهِ إيّاهُمْ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ:
فَلَمّا قَالَ كَعْبٌ "إذَا عَرّدَ السّودُ التّنَابِيلُ"، وَإِنّمَا يُرِيدُنَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، لَمّا كَانَ صَاحِبُنَا صَنَعَ بِهِ مَا صَنَعَ وَخَصّ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ
_________________
(١) لَيْسَ لَهُمْ عَنْ حِيَاضِ الْمَوْتِ تَهْلِيلُ التّهْلِيلُ أَيْ يَنْكُصُ الرّجُلُ عَنْ الْأَمْرِ جُبْنًا. وَقَوْلُهُ فِي الْأَنْصَارِ: ضَرَبُوا عَلِيّا يَوْمَ بَدْرٍ ضَرْبَةً بَنُو عَلِيّ هُمْ بَنُو كِنَانَةَ، يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَلِيّ لِمَا تَقَدّمَ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَأَرَادَ ضَرَبُوا قُرَيْشًا لِأَنّهُمْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ. وَقَوْلُهُ إذَا عَرّدَ السّودُ التّنَابِيلُ جَمْعُ تِنْبَالٍ وَهُوَ الْقَصِيرُ وَقَوْلُهُ عَرّدَ أَيْ هَرَبَ. قَالَ الشّاعِرُ يُعَرّدُ عَنْهُ صَحْبُهُ وَصَدِيقُهُ وَيَنْبُشُ عَنْهُ كَلْبُهُ وَهُوَ ضَارِبُهْ
[ ٧ / ٣٨٠ ]
بِمِدْحَتِهِ غَضِبَتْ عَلَيْهِ الْأَنْصَارُ ; فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ يَمْدَحُ الْأَنْصَارَ، وَيَذْكُرُ بَلَاءَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَوْضِعَهُمْ مِنْ الْيُمْنِ
مَنْ سَرّهُ كَرَمُ الْحَيَاةِ فَلَا يَزَلْ فِي مِقْنَبٍ مِنْ صَالِحِي الْأَنْصَارِ
وَرِقُوا الْمَكَارِمَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ إنّ الْخِيَارَ هُمْ بَنُو الْأَخْيَارِ
الْمُكْرِهِينَ السّمْهَرِيّ بِأَذْرُعٍ كَسَوَالِفِ الْهِنْدِيّ غَيْرِ قِصَارِ
وَالنّاظِرِينَ بِأَعْيُنٍ مُحْمَرّةٍ كَالْجَمْرِ غَيْرِ كَلَيْلَةِ الْأَبْصَارِ
وَالْبَائِعِينَ نُفُوسَهُمْ لِنَبِيّهِمْ لِلْمَوْتِ يَوْمَ تَعَانُقٍ وَكِرَارِ
وَالْقَائِدِينَ النّاسَ عَلَى أَدْيَانِهِمْ بِالْمَشْرِفِيّ وَبِالْقَنَا الْخَطّارِ
يَتَطَهّرُونَ يَرَوْنَهُ نُسُكًا لَهُمْ بِدِمَاءِ مِنْ عَلِقُوا مِنْ الْكُفّارِ
دَرِبُوا كَمَا دَرِبَتْ بِبَطْنِ خَفِيّةٍ غُلْبُ الرّقَابِ مِنْ الْأُسُودِ ضَوَارِي
وَإِذَا حَلَلْت لِيَمْنَعُوك إلَيْهِمْ أَصْبَحْت عِنْدَ مَعَاقِلِ الْأَعْفَارِ
_________________
(١) عِلّةُ السّوَادِ فِي أَهْلِ الْيَمَنِ وَشَرْحُ بَيْتٍ لِحَسّانَ وَجَعَلَهُمْ سُودًا لِمَا خَالَطَ أَهْلَ الْيَمَنِ مِنْ السّودَانِ عِنْدَ غَلَبَةِ الْحَبَشَةِ عَلَى بِلَادِهِمْ وَلِذَلِك قَالَ حَسّانُ فِي آلِ جَفْنَةَ أَوْلَادُ جَفْنَةَ حَوْلَ قَبْرِ أَبِيهِمْ بِيضُ الْوُجُوهِ مِنْ الطّرَازِ الْأَوّلِ يَعْنِي بِقَوْلِهِ مِنْ الطّرَازِ الْأَوّلِ أَنّ آلَ جَفْنَةَ كَانُوا مِنْ الْيَمَنِ، ثُمّ اسْتَوْطَنُوا الشّامَ بَعْدَ سَيْلِ الْعَرِمِ، فَلَمْ يُخَالِطْهُمْ السّودَانُ كَمَا خَالَطُوا مَنْ كَانَ مِنْ الْيَمَنِ، مِنْ الطّرَازِ الْأَوّلِ الّذِي كَانُوا عَلَيْهِ فِي أَلْوَانِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ. وَقَوْلُهُ حَوْلَ قَبْرِ أَبِيهِمْ أَيْ إنّهُمْ لِعِزّهِمْ لَمْ يَجْلُوا عَنْ مَنَازِلِهِمْ قَطّ، وَلَا فَارَقُوا قَبْرَ أَبِيهِمْ.
[ ٧ / ٣٨١ ]
ضَرَبُوا عَلِيّا يَوْمَ بَدْرٍ ضَرْبَةً دَانَتْ لِوَقْعَتِهَا جَمِيعُ نِزَارِ
لَوْ يَعْلَمُ الْأَقْوَامُ عِلْمِي كُلّهُ فِيهِمْ لَصَدّقَنِي الّذِينَ أُمَارِي
قَوْمٌ إذَا خَوَتْ النّجُومُ فَإِنّهُمْ لِلطّارِقِينَ النّازِلِينَ مَقَارِي
فِي الْغُرّ مِنْ غَسّانَ مِنْ جُرْثُومَةٍ أَغْيَتْ مَحَافِرُهَا عَلَى الْمِنْقَارِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ حِينَ أَنْشَدَهُ "بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ": " لَوْلَا ذَكَرْت الْأَنْصَارَ بِخَيْرٍ، فَإِنّهُمْ لِذَلِكَ أَهْلٌ "فَقَالَ كَعْبٌ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ وَهِيَ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذُكِرَ لِي عَنْ عَلِيّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ أَنّهُ قَالَ أَنْشَدَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ
_________________
(١) مَدْحٌ آخَرَ لِكَعْبٍ وَمِمّا أَجَادَ فِيهِ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ قَوْلُهُ يَمْدَحُ النّبِيّ ﷺ تَخْدِي بِهِ النّاقَةُ الْأَدْمَاءُ مُعْتَجِرًا بِالْبُرْدِ كَالْبَدْرِ جَلّى لَيْلَةَ الظّلَمِ فَفِي عَطَافَيْهِ أَوْ أَثْنَاءِ بُرْدَتِهِ مَا يَعْلَمُ اللهُ مِنْ دِينٍ وَمِنْ كَرَمِ
[ ٧ / ٣٨٢ ]
غَزْوَةُ تَبُوكَ فِي رَجَبٍ سنة تسع
أَمر الرَّسُول النَّاس بالتهيؤ لِتَبُوكَ
قَالَ حَدّثَنَا أَبُو مُحَمّدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَكّائِيّ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطّلِبِيّ قَالَ ثُمّ أَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ مَا بَيْنَ ذِي الْحِجّةِ إلَى رَجَبٍ ثُمّ أَمَرَ النّاسَ بِالتّهَيّؤِ لِغَزْوِ الرّومِ وَقَدْ ذَكَرَ لَنَا الزّهْرِيّ وَيَزْدُ بْنُ رُومَانَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ
_________________
(١) غَزْوَةُ تَبُوكَ سُمّيَتْ بِعَيْنِ تَبُوكَ، وَهِيَ الْعَيْنُ الّتِي أَمَرَ رَسُولُ الله - ﷺ - النّاسَ أَلَا يَمَسّوا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا، فَسَبَقَ إلَيْهَا رَجُلَانِ وَهِيَ تَبِضُ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَا يُدْخِلَانِ فِيهَا سَهْمَيْنِ لِيَكْثُرَ مَاؤُهَا، فَسَبّهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ لَهُمَا: مَا زُلْتُمَا تَبُوكَانِهَا مُنْذُ الْيَوْم فِيمَا ذَكَرَ الْقُتَبِيّ قَالَ وَبِذَلِكَ سُمّيَتْ الْعَيْنُ تَبُوكَ، وَالْبَوْكُ كَالنّقْشِ وَالْحَفْرِ فِي الشّيْءِ وَيُقَالُ مِنْهُ بَاكَ الْحِمَارُ الْأَتَانَ يَبُوكُهَا إذَا نَزَا عَلَيْهَا. وَوَقَعَ فِي السّيرَةِ فَقَالَ مَنْ سَبَقَنَا إلَى هَذَا؟ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ فُلَانٌ
[ ٧ / ٣٨٣ ]
بْنِ قَتَادَةَ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَائِنَا، كُلّ حَدّثَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مَا بَلَغَهُ عَنْهَا، وَبَعْضُ الْقَوْمِ يُحَدّثُ مَا لَا يُحَدّثُ بَعْضٌ
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتّهَيّؤِ لِغَزْوِ الرّومِ، وَذَلِكَ فِي زَمَانٍ مِنْ عُسْرَةِ النّاسِ وَشِدّةٍ مِنْ الْحَرّ وَجَدْبٍ مِنْ الْبِلَادِ وَحِينَ طَابَتْ الثّمَارُ وَالنّاسُ يُحِبّونَ الْمُقَامَ فِي ثِمَارِهِمْ وَظِلَالِهِمْ وَيَكْرَهُونَ الشّخُوصَ عَلَى الْحَالِ مِنْ الزّمَانِ الّذِي هُمْ عَلَيْهِ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَلّمَا يَخْرُجُ فِي غَزْوَةٍ إلّا كَنّى عَنْهَا، وَأَخْبَرَ أَنّهُ يُرِيدُ غَيْرَ الْوَجْهِ الّذِي يَصْمُدُ لَهُ إلّا مَا كَانَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَإِنّهُ بَيّنَهَا لِلنّاسِ لِبُعْدِ الشّقّةِ وَشِدّةِ الزّمَانِ وَكَثْرَةِ الْعَدُوّ الّذِي يَصْمُدُ لَهُ لِيَتَأَهّبَ النّاسُ لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ فَأَمَرَ النّاسَ بِالْجِهَازِ وَأَخْبَرَهُمْ أَنّهُ يُرِيد الرّوم.
تخلف الْجد وَمَا نزل فِيهِ
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ فِي جِهَازِهِ ذَلِكَ لِلْجَدّ بْنِ قَيْسٍ أَحَدِ بَنِي سَلِمَةَ: يَا جَدّ، هَلْ لَك الْعَامَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟ فَقَالَ يَا رَسُول الله أَو تَأذن لِي وَلَا تَفْتِنّي؟ فَوَاَللهِ لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي أَنّهُ مَا مِنْ رَجُلٍ بِأَشَدّ عُجْبًا بِالنّسَاءِ مِنّي، وَإِنّي أَخْشَى إنْ رَأَيْت نِسَاءَ بَنِي الْأَصْفَرِ أَنْ لَا أَصْبِرَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ قَدْ أَذِنْت لَك فَفِي الْجَدّ بْنِ قَيْسٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنّ جَهَنّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التّوْبَةُ ٤٩] . أَيْ إنْ كَانَ إنّمَا خَشِيَ الْفِتْنَةَ مِنْ نِسَاءِ بَنِي الْأَصْفَرِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِهِ فَمَا سَقَطَ فِيهِ مِنْ الْفِتْنَةِ أَكْبَرُ بِتَخَلّفِهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالرّغْبَةِ بِنَفْسِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَيَقُولُ وَإِنّ جَهَنّمَ لمن وَرَائه.
_________________
(١) وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: فِيمَا ذُكِرَ لِي، سَبَقَهُ إلَيْهَا أَرْبَعَةٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ مُعَتّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ الطّائِيّ، وَوَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَزَيْدُ بْنُ لُصَيْتٍ. وَذَكَرَ الْجَدّ بْنَ قَيْسٍ، وَقَوْلَ النّبِيّ ﷺ لَهُ يَا جَدّ هَلْ لَك الْعَامَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَر يُقَالُ إنّ الرّومَ قِيلَ لَهُمْ بَنُو الْأَصْفَرِ، لِأَنّ عِيصُو بْنُ إسْحَاقَ كَانَ بِهِ صُفْرَةٌ وَهُوَ جَدّهُمْ وَقِيلَ إنّ الرّومَ بْنَ عِيصُو هُوَ الْأَصْفَرُ وَهُوَ أَبُوهُمْ وَأُمّهُ
[ ٧ / ٣٨٤ ]
مَا نزل فِي الْقَوْم المثبطين
وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرّ زَهَادَةً فِي الْجِهَادِ وَشَكّا فِي الْحَقّ وَإِرْجَافًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللهُ ﵎ فِيهِمْ ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرّ قُلْ نَارُ جَهَنّمَ أَشَدّ حَرّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التّوْبَةُ ٨١، ٨٢] .
تَحْرِيقِ بَيت سويلم وَشعر الضَّحَّاك فِي ذَلِك
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي الثّقَةُ عَمّنْ حَدّثَهُ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عَنْ إسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَارِثَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ قَالَ:
بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنّ نَاسًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ يَجْتَمِعُونَ فِي بَيْتِ سُوَيْلِمٍ الْيَهُودِيّ، وَكَانَ بَيْتُهُ عِنْدَ جَاسُومٍ، يُثَبّطُونَ النّاسَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ النّبِيّ ﷺ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُحَرّقَ عَلَيْهِمْ بَيْتَ سُوَيْلِمٍ فَفَعَلَ طَلْحَةُ. فَاقْتَحَمَ الضّحّاكُ بْنُ خَلِيفَةَ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ فَانْكَسَرَتْ رِجْلُهُ وَاقْتَحَمَ أَصْحَابُهُ فَأَفْلَتُوا.
فَقَالَ الضّحّاكُ فِي ذَلِكَ.
كَادَتْ وَبَيْتِ اللهِ نَارُ مُحَمّدٍ يَشِيطُ بِهَا الضّحّاكُ وَابْنُ أُبَيْرِقِ
وَظَلْت وَقَدْ طَبّقْت كَبْسَ سُوَيْلِمٍ أَنُوءُ عَلَى رِجْلِي كَسِيرًا وَمِرْفَقِي
سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا أَعُودُ لِمِثْلِهَا أَخَافُ وَمَنْ تَشْمَلُ بِهِ النَّار يحرق
حث الرَّسُول على النَّفَقَة وشأن عُثْمَان فِي ذَلِك
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَدّ فِي سَفَرِهِ وَأَمَرَ النّاسَ بِالْجِهَازِ وَالِانْكِمَاشِ وَحَضّ أَهْلَ الْغِنَى عَلَى النّفَقَةِ وَالْحُمْلَانِ فِي سَبِيلِ اللهِ فَحَمَلَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْغِنَى
_________________
(١) نَسْمَةُ بِنْتُ إسْمَاعِيلَ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوّلِ الْكِتَابِ مَنْ وَلَدَتْ مِنْ الْأُمَمِ وَلَيْسَ كُلّ الرّومِ مِنْ وَلَدِ بَنِي الْأَصْفَرِ فَإِنّ الرّومَ الْأُوَلَ هُمْ فِيمَا زَعَمُوا مِنْ وَلَدِ يُونَانِ بْنِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ وَاَللهُ أَعْلَمُ بِحَقَائِقِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَصِحّتِهَا.
[ ٧ / ٣٨٥ ]
وَاحْتَسَبُوا، وَأَنْفَقَ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ فِي ذَلِكَ نَفَقَةً عَظِيمَةً لَمْ يُنْفِقْ أَحَدٌ مِثْلَهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ
أَنّ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ أَنْفَقَ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اللهُمّ ارْضَ عَنْ عُثْمَانَ، فَإِنّي عَنهُ رَاض.
شَأْن الْبَكّائِينَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ إنّ رِجَالًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُمْ الْبَكّاءُونَ، وَهُمْ سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ سَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَعُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَخُو بَنِي حَارِثَةَ وَأَبُو لَيْلَى عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ أَخُو بَنِي مَازِنِ بْنِ النّجّارِ وَعَمْرُو بْنُ حُمَامِ بْنِ الْجَمُوحِ أَخُو بَنِي سَلِمَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُغَفّلِ الْمُزَنِيّ - وَبَعْضُ النّاسِ يَقُولُ بَلْ هُوَ عَبْدُ اللهِ الْفَزَارِيّ. فَاسْتَحْمَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَكَانُوا أَهْلَ حَاجَةٍ فَقَالَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، فَتَوَلّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدّمْعِ حَزَنًا أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَبَلَغَنِي أَنّ ابْنَ يَامِينَ بْنَ عُمَيْرِ بْنِ كَعْبٍ النّضْرِيّ لَقِيَ أَبَا لَيْلَى عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ كَعْبٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ مُغَفّلٍ وَهُمَا يَبْكِيَانِ فَقَالَ مَا يُبْكِيكُمَا؟
قَالَا: جِئْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ لِيَحْمِلَنَا، فَلَمْ نَجِدْ عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا عَلَيْهِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نَتَقَوّى بِهِ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ فَأَعْطَاهُمَا نَاضِحًا لَهُ فَارْتَحَلَاهُ وَزَوّدَهُمَا شَيْئًا مِنْ تَمْرٍ فَخَرَجَا مَعَ رَسُول الله ﷺ.
شَأْن المعذرين
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
_________________
(١) وَذَكَرَ يُونُسَ بِإِثْرِ حَدِيثِ الْجَدّ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ أَنّ الْيَهُودَ أَتَوْا النّبِيّ ﷺ يَوْمًا، فَقَالُوا: يَا أَبَا
[ ٧ / ٣٨٦ ]
وَجَاءَهُ الْمُعَذّرُونَ مِنْ الْأَعْرَابِ، فَاعْتَذَرُوا إلَيْهِ فَلَمْ يَعْذِرْهُمْ اللهُ تَعَالَى. وَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنّهُمْ نَفَرٌ مِنْ بني غفار.
تخلف نفر عَن غير شكّ
ثُمّ اسْتَتَبّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ سَفَرَهُ وَأَجْمَعَ السّيْرَ وَقَدْ كَانَ نَفَرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَبْطَأَتْ بِهِمْ النّيّةُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى تَخَلّفُوا عَنْهُ عَنْ غَيْرِ شَكّ وَلَا ارْتِيَابٍ مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي كَعْبٍ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ وَمُرَارَةُ بْنُ الرّبِيعِ أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيّةَ، أَخُو بَنِي وَاقِفٍ وَأَبُو خَيْثَمَةَ أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ. وَكَانُوا نَفَرَ صِدْقٍ لَا يُتّهَمُونَ فِي إسْلَامهمْ.
خُرُوج الرَّسُول واستعماله على الْمَدِينَة
فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلَى ثَنِيّةِ الْوَدَاعِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ مُحَمّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيّ.
وَذَكَرَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مُحَمّدٍ الدّرَاوَرْدِيّ عَنْ أَبِيهِ
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ، مَخْرَجَهُ إلَى تَبُوكَ: سِبَاعَ بن عرفطة.
تخلف الْمُنَافِقين
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَضَرَبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ مَعَهُ عَلَى حِدَةِ عَسْكَرِهِ أَسْفَلَ مِنْهُ نَحْوَ ذُبَابٍ، وَكَانَ فِيمَا يَزْعُمُونَ لَيْسَ بِأَقَلّ الْعَسْكَرَيْنِ. فَلَمّا سَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَخَلّفَ عَنْهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ، فِيمَنْ تَخَلّفَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَأهل الريب.
_________________
(١) الْقَاسِمِ إنْ كُنْت صَادِقًا أَنّك نَبِيّ فَالْحَقْ بِالشّامِ فَإِنّ الشّامَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَأَرْضُ الْأَنْبِيَاءِ فَصَدّقَ النّبِيّ - ﷺ - مَا قَالُوا فَغَزَا غَزْوَةَ تَبُوكَ لَا يُرِيدُ إلّا الشّامَ، فَلَمّا بَلَغَ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ بَعْدَمَا خُتِمَتْ السّورَةُ ﴿وَإِنْ كَادُوا
[ ٧ / ٣٨٧ ]
شَأْن عَليّ بن أبي طَالب
وَخَلّفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ عَلَى أَهْلِهِ وَأَمَرَهُ بِالْإِقَامَةِ فِيهِمْ فَأَرْجَفَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ وَقَالُوا: مَا خَلّفَهُ إلّا اسْتِثْقَالًا لَهُ وَتَخَلّفًا مِنْهُ. فَلَمّا قَالَ ذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ أَخَذَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ سِلَاحَهُ ثُمّ خَرَجَ حَتّى أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجُرْفِ فَقَالَ يَا نَبِيّ اللهِ زَعَمَ الْمُنَافِقُونَ أَنّك إنّمَا خَلّفْتنِي لِأَنّك اسْتَثْقَلْتنِي وَتَخَفّفْت مِنّي. فَقَالَ كَذَبُوا، وَلَكِنّنِي خَلّفْتُك لِمَا تَرَكْت وَرَائِي، فَارْجِعْ فَاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي وَأَهْلِك، أَفَلَا تَرْضَى يَا عَلِيّ أَنْ تَكُونَ مِنّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ إلّا أَنّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي، فَرَجَعَ عَلِيّ إلَى الْمَدِينَةِ، وَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى سَفَرِهِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ
أَنّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِعَلِيّ هَذِه الْمقَالة.
شَأْن أبي خَيْثَمَة
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ رَجَعَ عَلِيّ إلَى الْمَدِينَةِ، وَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى سَفَرِهِ. ثُمّ إنّ أَبَا خَيْثَمَةَ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ سَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَيّامًا إلَى أَهْلِهِ فِي يَوْمٍ حَارّ فَوَجَدَ امْرَأَتَيْنِ لَهُ فِي عَرِيشَيْنِ لَهُمَا فِي حَائِطِهِ قَدْ رَشّتْ كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَرِيشَهَا، وَبَرّدَتْ لَهُ فِيهِ مَاءً وَهَيّأَتْ لَهُ فِيهِ طَعَامًا. فَلَمّا دَخَلَ قَامَ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ فَنَظَرَ إلَى امْرَأَتَيْهِ وَمَا صَنَعَتَا لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الضّحّ وَالرّيحِ وَالْحَرّ وَأَبُو خَيْثَمَةَ فِي ظِلّ بَارِدٍ وَطَعَامٍ مُهَيّأٍ وَامْرَأَةٍ حَسْنَاءَ فِي مَالِهِ مُقِيمٌ مَا هَذَا بِالنّصَفِ ثُمّ قَالَ وَاَللهِ لَا أَدْخُلُ عَرِيشَ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَتّى أَلْحَقَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَهَيّئَا لِي زَادًا، فَفَعَلَتَا. ثُمّ قَدّمَ
_________________
(١) لَيَسْتَفِزّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا - إلَى قَوْلِهِ – تَحْوِيلًا﴾ [الْإِسْرَاءُ ٧٦، ٧٧] . فَأَمَرَهُ بِالرّجُوعِ إلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَ فِيهَا مَحْيَاك،
[ ٧ / ٣٨٨ ]
نَاضِحَهُ فَارْتَحَلَهُ ثُمّ خَرَجَ فِي طَلَبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى أَدْرَكَهُ حِينَ نَزَلَ تَبُوكَ.
وَقَدْ كَانَ أَدْرَكَ أَبَا خَيْثَمَةَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيّ فِي الطّرِيقِ يَطْلُبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَتَرَافَقَا، حَتّى إذَا دَنَوْا مِنْ تَبُوكَ، قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ لِعُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ إنّ لِي ذَنْبًا، فَلَا عَلَيْك أَنْ تَخَلّفَ عَنّي حَتّى آتِيَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَفَعَلَ حَتّى إذَا دَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ نَازِلٌ بِتَبُوكَ قَالَ النّاسُ هَذَا رَاكِبٌ عَلَى الطّرِيقِ مُقْبِلٌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ ; فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ وَاَللهِ أَبُو خَيْثَمَةَ. فَلَمّا أَنَاخَ أَقْبَلَ فَسَلّمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَوْلَى لَك يَا أَبَا خَيْثَمَةَ. ثُمّ أَخْبَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ الْخَبَرَ ; فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْرًا، وَدَعَا لَهُ بِخَيْرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا، وَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ قَيْسٍ:
لَمّا رَأَيْت النّاسَ فِي الدّينِ نَافَقُوا أَتَيْت الّتِي كَانَتْ أَعَفّ وَأَكْرَمَا
وَبَايَعْت بِالْيُمْنَى يَدِي لِمُحَمّدٍ فَلَمْ أَكْتَسِبْ إثْمًا وَلَمْ أَغْشَ مَحْرَمَا
تَرَكْت خَضِيبًا فِي الْعَرِيشِ وَصِرْمَةً صَفَايَا كِرَامًا بُسْرُهَا قَدْ تَحَمّمَا
وَكُنْت إذَا شَكّ الْمُنَافِقُ أَسْمَحْت إلَى الدّينِ نَفْسِي شَطْرَهُ حَيْثُ يمما
النَّبِي والمسلمون بِالْحِجْرِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ مَرّ بِالْحِجْرِ نَزَلَهَا، وَاسْتَقَى النّاسُ مِنْ بِئْرِهَا، فَلَمّا
_________________
(١) وَفِيهَا مَمَاتُك، وَمِنْهَا تُبْعَثُ ثُمّ قَالَ ﴿أَقِمِ الصّلَاةَ لِدُلُوكِ الشّمْسِ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿مَحْمُودًا﴾ [الْإِسْرَاءُ ٧٨، ٧٩] فَرَجَعَ النّبِيّ ﷺ فَأَمَرَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ سَلْ رَبّك،
[ ٧ / ٣٨٩ ]
رَاحُوا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا، وَلَا تَتَوَضّئُوا مِنْهُ لِلصّلَاةِ وَمَا كَانَ مِنْ عَجِينٍ عَجَنْتُمُوهُ فَاعْلِفُوهُ الْإِبِلَ وَلَا تَأْكُلُوا مِنْهُ شَيْئًا، وَلَا يَخْرُجَنّ أَحَدٌ مِنْكُمْ اللّيْلَةَ إلّا وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ، فَفَعَلَ النّاسُ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلّا أَنّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ خَرَجَ أَحَدُهُمَا لِحَاجَتِهِ وَخَرَجَ الْآخَرُ فِي طَلَبِ بَعِيرٍ لَهُ فَأَمّا الّذِي ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فَإِنّهُ خُنِقَ عَلَى مَذْهَبِهِ وَأَمّا الّذِي ذَهَبَ فِي طَلَبِ بَعِيرِهِ فَاحْتَمَلَتْهُ الرّيحُ حَتّى طَرَحَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيّئٍ. فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلّا وَمَعَهُ صَاحِبُهُ. ثُمّ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلّذِي أُصِيبَ عَلَى مَذْهَبِهِ فَشُفِيَ وَأَمّا الْآخَرُ الّذِي وَقَعَ بِجَبَلَيْ طَيّئٍ فَإِنّ طَيّئًا أَهْدَتْهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ
وَالْحَدِيثُ عَنْ الرّجُلَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيّ، وَقَدْ حَدّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنْ قَدْ سَمّى لَهُ الْعَبّاسُ الرّجُلَيْنِ وَلَكِنّهُ اسْتَوْدَعَهُ إيّاهُمَا، فَأَبَى عَبْدُ اللهِ أَنْ يُسَمّيَهُمَا لِي.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَلَغَنِي عَنْ الزّهْرِيّ أَنّهُ قَالَ
لَمّا مَرّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْحِجْرِ سَجّى ثَوْبَهُ عَلَى وَجْهِهِ وَاسْتَحَثّ رَاحِلَتَهُ ثُمّ قَالَ لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ الّذِينَ ظَلَمُوا إلّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ خَوْفًا أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَلَمّا أَصْبَحَ النّاسُ وَلَا مَاءَ مَعَهُمْ شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَرْسَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ سَحَابَةً فَأَمْطَرَتْ حَتّى ارْتَوَى النّاسُ وَاحْتَمَلُوا حَاجَتَهُمْ مِنْ الْمَاءِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيَدٍ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، قَالَ قُلْت لِمَحْمُودٍ
_________________
(١) فَإِنّ لِكُلّ نَبِيّ مَسْأَلَةً وَكَانَ جِبْرِيلُ ﵇ لَهُ نَاصِحًا، وَكَانَ مُحَمّدٌ ﷺ لَهُ مُطِيعًا، فَقَالَ مَا تَأْمُرُنِي أَنْ أَسْأَلَ؟ قَالَ ﴿وَقُلْ رَبّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾
[ ٧ / ٣٩٠ ]
هَلْ كَانَ النّاسُ يَعْرِفُونَ النّفَاقَ فِيهِمْ؟ قَالَ نَعَمْ وَاَللهِ إنْ كَانَ الرّجُلُ لَيَعْرِفُهُ مِنْ أَخِيهِ وَمِنْ أَبِيهِ وَمِنْ عَمّهِ وَفِي عَشِيرَتِهِ ثُمّ يُلَبّسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى ذَلِكَ. ثُمّ قَالَ مَحْمُودٌ لَقَدْ أَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ قَوْمِي عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ مَعْرُوفٍ نِفَاقُهُ كَانَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَيْثُ سَارَ فَلَمّا كَانَ مِنْ أَمْرِ النّاسِ بِالْحِجْرِ مَا كَانَ وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ دَعَا، فَأَرْسَلَ اللهُ السّحَابَةَ فَأَمْطَرَتْ حَتّى ارْتَوَى النّاسُ قَالُوا: أَقْبَلْنَا عَلَيْهِ نَقُولُ وَيْحَك، هَلْ بَعْدَ هَذَا شَيْءٌ قَالَ سَحَابَة مارة
نَاقَة للرسول ضلت وَحَدِيث ابْنِ اللّصَيْتِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَارَ حَتّى إذَا كَانَ بِبَعْضِ الطّرِيقِ ضَلّتْ نَاقَتُهُ فَخَرَجَ أَصْحَابُهُ فِي طَلَبِهَا، وَعِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ، وَكَانَ عَقِبِيّا بَدْرِيّا، وَهُوَ عَمّ بَنِي عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَكَانَ فِي رَحْلِهِ زَيْدُ بْنُ اللّصَيْتِ الْقَيْنُقَاعِيّ وَكَانَ مُنَافِقًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ ابْنُ لُصَيْبٍ بِالْبَاءِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيَدٍ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ قَالُوا:
فَقَالَ زَيْدُ بْنُ اللّصَيْتِ وَهُوَ فِي رَحْلِ عُمَارَةَ وَعُمَارَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَلَيْسَ مُحَمّدٌ يَزْعُمُ أَنّهُ نَبِيّ، وَيُخْبِرُكُمْ عَنْ خَبَرِ السّمَاءِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعُمَارَةُ عِنْدَهُ إنّ رَجُلًا قَالَ هَذَا مُحَمّدٌ يُخْبِرُكُمْ أَنّهُ نَبِيّ، وَيَزْعُمُ أَنّهُ يُخْبِرُكُمْ
_________________
(١) وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ وَهَؤُلَاءِ نَزَلْنَ عَلَيْهِ فِي رَجْعَتِهِ مِنْ تَبُوكَ
[ ٧ / ٣٩١ ]
بِأَمْرِ السّمَاءِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ وَإِنّي وَاَللهِ مَا أَعْلَمُ إلّا مَا عَلّمَنِي اللهُ وَقَدْ دَلّنِي اللهُ عَلَيْهَا، وَهِيَ فِي هَذَا الْوَادِي، فِي شِعْبِ كَذَا وَكَذَا، قَدْ حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِزِمَامِهَا، فَانْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُونِي بِهَا، فَذَهَبُوا، فَجَاءُوا بِهَا. فَرَجَعَ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ إلَى رَحْلِهِ فَقَالَ وَاَللهِ لَعَجَبٌ مِنْ شَيْءٍ حَدّثْنَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ آنِفًا، عَنْ مَقَالَةِ قَائِلٍ أَخْبَرَهُ اللهُ عَنْهُ بِكَذَا وَكَذَا، لِلّذِي قَالَ زَيْدُ بْنُ لُصَيْتٍ فَقَالَ رَجُلٌ مِمّنْ كَانَ فِي رَحْلِ عُمَارَةَ وَلَمْ يَحْضُرْ رَسُولَ اللهِ ﷺ زَيْدٌ وَاَللهِ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ.
فَأَقْبَلَ عُمَارَةُ عَلَى زَيْدٍ يُجَافِي عُنُقَهُ وَيَقُولُ إلَيّ عِبَادَ اللهِ إنّ فِي رَحْلِي لَدَاهِيَةٌ وَمَا أَشْعُرُ اُخْرُجْ أَيْ عَدُوّ اللهِ مِنْ رَحْلِي، فَلَا تَصْحَبْنِي.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَزَعَمَ بَعْضُ النّاسِ أَنّ زَيْدًا تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ بَعْضُ النّاسِ لَمْ يَزَلْ مُتّهَمًا بِشَرّ حَتّى هَلَكَ.
ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ سَائِرًا، فَجَعَلَ يَتَخَلّفُ عَنْهُ الرّجُلُ فَيَقُولُونَ يَا رَسُولَ اللهِ تَخَلّفَ فُلَانٌ فَيَقُولُ دَعُوهُ فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللهُ تَعَالَى بِكُمْ وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمْ اللهُ مِنْهُ حَتّى قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ تَخَلّفَ أَبُو ذَرّ وَأَبْطَأَ بِهِ بَعِيرُهُ فَقَالَ دَعُوهُ فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللهُ بِكُمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمْ اللهُ مِنْهُ وَتَلَوّمَ أَبُو ذَرّ عَلَى بَعِيرِهِ فَلَمّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ أَخَذَ مَتَاعَهُ فَحَمَلَهُ عَلَى
_________________
(١) إبْطَاءُ أَبِي ذَرّ فَصْلٌ وَذَكَرَ أَبَا ذَرّ الْغِفَارِيّ، وَإِبْطَاءَهُ. وَاسْمُهُ جُنْدُبُ بْنُ جُنَادَةَ هَذَا أَصَحّ مَا قِيلَ فِيهِ وَقَدْ قِيلَ فِيهِ بَرِيرُ بْنُ عِشْرِقَةَ وَجُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَابْنُ السّكَنِ أَيْضًا.
[ ٧ / ٣٩٢ ]
ظَهْرِهِ ثُمّ خَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَاشِيًا. وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ فِي بَعْضِ مَنَازِلِهِ فَنَظَرَ نَاظِرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إنّ هَذَا الرّجُلَ يَمْشِي عَلَى الطّرِيقِ وَحْدَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كُنْ أَبَا ذَرّ. فَلَمّا تَأَمّلَهُ الْقَوْمُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ وَاَللهِ أَبُو ذَرّ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَحِمَ اللهُ أَبَا ذَرّ يَمْشِي وَحْدَهُ وَيَمُوتُ وَحْدَهُ وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ.
وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ الْأَسْلَمِيّ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ
لَمّا نَفَى عُثْمَانُ أَبَا ذَرّ إلَى الرّبَذَةِ، وَأَصَابَهُ بِهَا قَدَرُهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ إلّا امْرَأَتُهُ وَغُلَامُهُ فَأَوْصَاهُمَا أَنْ اغْسِلَانِي وَكَفّنَانِي، ثُمّ ضَعَانِي عَلَى قَارِعَةِ الطّرِيقِ فَأَوّلُ رَكْبٍ يَمُرّ بِكُمْ فَقُولُوا: هَذَا أَبُو ذَرّ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ. فَلَمّا مَاتَ فَعَلَا ذَلِكَ بِهِ. ثُمّ وَضَعَاهُ عَلَى قَارِعَةِ الطّرِيقِ وَأَقْبَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي رَهْطٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عُمّارٍ فَلَمْ يَرُعْهُمْ إلّا بِالْجِنَازَةِ عَلَى ظَهْرِ الطّرِيقِ قَدْ كَادَتْ الْإِبِلُ تَطَؤُهَا، وَقَامَ إلَيْهِمْ الْغُلَامُ. فَقَالَ هَذَا أَبُو ذَرّ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ.
قَالَ فَاسْتَهَلّ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَبْكِي وَيَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَمْشِي وَحْدَك، وَتَمُوتُ وَحْدَك، وَتُبْعَثُ وَحْدَك. ثُمّ نَزَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَوَارَوْهُ ثُمّ حَدّثَهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَهُ وَمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَسِيرِهِ إلَى تَبُوكَ.
_________________
(١) وَقَوْلُ النّبِيّ ﷺ كُنْ أَبَا ذَرّ، وَفِي أَبِي خَيْثَمَةَ كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ، لَفْظُهُ لَفْظُ الْأَمْرِ وَمَعْنَاهُ الدّعَاءُ كَمَا تَقُولُ أَسْلِمْ سَلّمَك اللهُ. إعْرَابُ كَلِمَةِ وَحْدَهُ وَقَوْلُهُ فِي أَبِي ذَرّ رَحِمَ اللهُ أَبَا ذَرّ يَمْشِي وَحْدَهُ وَيَمُوتُ وَحْدَهُ أَيْ
[ ٧ / ٣٩٣ ]
تَخْذِيلُ الْمُنَافِقِينَ الْمُسْلِمِينَ وَمَا نَزَلَ فِيهِمْ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَدْ كَانَ رَهْطٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَمَعَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَشْجَعَ حِلْفٌ لِبَنِي سَلِمَةَ يُقَالُ لَهُ مُخَشّنُ بْنُ حُمَيّرٍ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَال: مَخْشِيّ - يُشِيرُونَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إلَى تَبُوكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَتَحْسَبُونَ جِلَادَ بَنِي الْأَصْفَرِ كَقِتَالِ الْعَرَبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَاَللهِ لَكَأَنّا بِكُمْ غَدًا مُقَرّنِينَ فِي الْحِبَالِ إرْجَافًا وَتَرْهِيبًا لِلْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ مُخَشّنُ بْنُ حُمَيّرٍ: وَاَللهِ لَوَدِدْت أَنّي أُقَاضِيَ عَلَى أَنْ يُضْرَبَ كُلّ رَجُلٍ مِنّا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَأَنْ نَنْفَلِتَ أَنْ يَنْزِلَ فِينَا قُرْآنٌ لِمَقَالَتِكُمْ هَذِهِ.
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ - فِيمَا بَلَغَنِي - لِعَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَدْرِكْ الْقَوْمَ فَإِنّهُمْ قَدْ احْتَرَقُوا، فَسَلْهُمْ عَمّا قَالُوا، فَإِنْ أَنْكَرُوا فَقُلْ بَلَى، قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا. فَانْطَلَقَ إلَيْهِمْ عَمّارٌ فَقَالَ ذَلِكَ لَهُمْ فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ فَقَالَ وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاقِفٌ عَلَى نَاقَتِهِ فَجَعَلَ يَقُولُ وَهُوَ آخِذٌ بِحَقَبِهَا: يَا رَسُولَ اللهِ إنّمَا كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنّ إِنّمَا كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التّوْبَةُ ٦٥] . وَقَالَ مُخَشّنُ بْنُ حُمَيّرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ قَعَدَ بِي اسْمِي وَاسْمُ أَبِي، وَكَأَنّ الّذِي عُفِيَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُخَشّنُ بْنُ حُمَيّرٍ، فَتَسَمّى عَبْدَ الرّحْمَنِ وَسَأَلَ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَقْتُلَهُ شَهِيدًا لَا يُعْلَمُ بِمَكَانِهِ فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ أثر.
الصُّلْح بَين الرَّسُول ويحنة
وَلَمّا انْتَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى تَبُوكَ، أَتَاهُ يُحَنّةُ بْنُ رُؤْبَةَ، صَاحِبُ أَيْلَةَ، فَصَالَحَ
_________________
(١) يَمُوتُ مُنْفَرِدًا، وَأَكْثَرُ مَا تُسْتَعْمَلُ هَذِهِ الْحَالُ لِنَفْيِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْفِعْلِ نَحْوَ كَلّمَنِي زَيْدٌ وَحْدَهُ أَيْ مُنْفَرِدًا بِهَذَا الْفِعْلِ وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا مَعَهُ غَيْرُهُ أَيْ كَلّمَنِي خُصُوصًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قُلْت: كَلّمْته مِنْ بَيْنِهِمْ وَحْدَهُ كَانَ مَعْنَاهُ خُصُوصًا كَمَا قَرّرَهُ
[ ٧ / ٣٩٤ ]
رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَعْطَاهُ الْجِزْيَةَ وَأَتَاهُ أَهْلُ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ، فَأَعْطَوْهُ الْجِزْيَةَ فَكَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَهُمْ كِتَابًا، فَهُوَ عِنْدَهُمْ.
كِتَابُ الرَّسُول ليحنة
فَكَتَبَ لِيُحَنّةَ بْنِ رُؤْبَةَ
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ هَذِهِ أَمَنَةٌ مِنْ اللهِ وَمُحَمّدٍ النّبِيّ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيُحَنّةَ بْنِ رُؤْبَةَ وَأَهْلِ أَيْلَةَ، سُفُنُهُمْ وَسَيّارَتُهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ لَهُمْ ذِمّةُ اللهِ وَذِمّةُ مُحَمّدٍ النّبِيّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الشّامِ، وَأَهْلِ الْيَمَنِ، وَأَهْلِ الْبَحْرِ فَمَنْ أَحْدَثَ مِنْهُمْ حَدَثًا، فَإِنّهُ لَا يَحُولُ مَالُهُ دُونَ نَفْسِهِ وَإِنّهُ طَيّبٌ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنْ النّاسِ وَإِنّهُ لَا يَحِلّ أَنْ يُمْنَعُوا مَاءً يَرِدُونَهُ وَلَا طَرِيقًا يُرِيدُونَهُ مِنْ بَرّ أَو بَحر.
_________________
(١) سِيبَوَيْهِ، وَأَمّا الّذِي فِي الْحَدِيثِ فَلَا يَتَقَدّرُ هَذَا التّقْدِيرَ لِأَنّهُ مِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَمُوتَ خُصُوصًا، وَإِنّمَا مَعْنَاهُ مُنْفَرِدًا بِذَاتِهِ أَيْ عَلَى حِدَتِهِ كَمَا قَالَ يُونُسُ فَقَوْلُ يُونُسَ صَالِحٌ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ وَتَقْدِيرُ سِيبَوَيْهِ لَهُ بِالْخُصُوصِ يَصْلُحُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاطِنِ وَإِنّمَا لَمْ يَتَعَرّفْ وَحْدَهُ بِالْإِضَافَةِ لِأَنّ مَعْنَاهُ كَمَعْنَى لَا غَيْرَ وَلِأَنّهَا كَلِمَةٌ تُنْبِئُ عَنْ نَفْيٍ وَعَدَمٍ وَالْعَدَمُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مُتَعَرّفًا مُتَعَيّنًا بِالْإِضَافَةِ وَإِنّمَا لَمْ يُشْتَقّ مِنْهُ فِعْلٌ وَإِنْ كَانَ مَصْدَرًا فِي الظّاهِرِ لِمَا قَدّمْنَاهُ مِنْ أَنّهُ لَفْظٌ يُنْبِئُ عَنْ عَدَمٍ وَنَفْيٍ وَالْفِعْلُ يَدُلّ عَلَى حَدَثٍ وَزَمَانٍ فَكَيْفَ يُشْتَقّ مِنْ شَيْءٍ لِشَيْءٍ بِحَدَثٍ إنّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ انْتِفَاءِ الْحَدَثِ عَنْ كُلّ أَحَدٍ إلّا عَنْ زَيْدٍ مَثَلًا إذَا قُلْت: جَاءَنِي زَيْدٌ وَحْدَهُ أَيْ لَمْ يَجِئْ غَيْرُهُ وَإِنّمَا يُقَالُ انْعَدَمَ وَانْتَفَى بَعْدَ الْوُجُودِ لَا قَبْلَهُ لِأَنّهُ أَمْرٌ مُتَجَدّدٌ كَالْحَدَثِ وَقَدْ أَطْنَبْنَا فِي هَذَا الْغَرَضِ وَزِدْنَاهُ بَيَانًا فِي مَسْأَلَةِ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ وَشَرْحِهَا. أَجَأٌ وَسَلْمَى فَصْلٌ وَذَكَرَ الرّجُلَ الّذِي طَرَحَتْهُ الرّيحُ بِجَبَلَيْ طَيئ، وهما أجأوسلمى وَعَرّفَ أَجَأً بِأَجَأِ بْنِ عَبْدِ الْحَيّ كَانَ صُلِبَ فِي ذَلِكَ الْجَبَلِ وَسَلْمَى صُلِبَتْ فِي
[ ٧ / ٣٩٥ ]
حَدِيث أسر أكيدر ثمَّ مصالحته
ثُمّ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَا خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَبَعَثَهُ إلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ، وَهُوَ أُكَيْدِرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ كَانَ مَلِكًا عَلَيْهَا، وَكَانَ نَصْرَانِيّا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِخَالِدٍ إنّك سَتَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ. فَخَرَجَ خَالِدٌ حَتّى إذَا كَانَ مِنْ حِصْنِهِ بِمَنْظَرِ الْعَيْنِ وَفِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ صَائِفَةٍ وَهُوَ عَلَى سَطْحٍ لَهُ وَمَعَ امْرَأَتِهِ فَبَاتَتْ الْبَقَرُ تَحُكّ بِقُرُونِهَا بَابَ الْقَصْرِ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ هَلْ رَأَيْت مِثْلَ هَذَا قَطّ؟ قَالَ لَا وَاَللهِ قَالَتْ فَمَنْ يَتْرُكُ هَذِهِ؟ قَالَ لَا أَحَدَ. فَنَزَلَ فَأَمَرَ بِفَرَسِهِ فَأُسْرِجَ لَهُ وَرَكِبَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فِيهِمْ أَخٌ يُقَالُ لَهُ حُسّانُ. فَرَكِبَ وَخَرَجُوا مَعَهُ بِمَطَارِدِهِمْ. فَلَمّا خَرَجُوا تَلَقّتْهُمْ خَيْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخَذَتْهُ وَقَتَلُوا أَخَاهُ وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُخَوّصٍ بِالذّهَبِ فَاسْتَلَبَهُ خَالِدٌ فَبَعَثَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ قُدُومِهِ بِهِ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ
_________________
(١) الْجَبَلِ الْآخَرِ فَعُرِفَ بِهَا، وَهِيَ سَلْمَى بِنْتُ حَامٍ فِيمَا ذُكِرَ وَاَللهُ أَعْلَمُ. أُكَيْدِرٌ وَالْكِتَابُ الّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ فَصْلٌ: وَذَكَرَ كِتَابَهُ لِأُكَيْدِرِ دُومَةَ وَدُومَةُ بِضَمّ الدّالِ هِيَ هَذِهِ وَعُرِفَتْ بِدُومِيّ بْنِ إسْمَاعِيلَ فِيمَا ذَكَرُوا، وَهِيَ دُومَةُ الْجَنْدَلِ، وَدُومَةُ بِالضّمّ أُخْرَى، وَهِيَ عِنْدَ الْحِيرَةِ، وَيُقَالُ لِمَا حَوْلَهَا: النّجَفُ، وَأَمّا دَوْمَةُ بِالْفَتْحِ فَأُخْرَى مَذْكُورَةٌ فِي أَخْبَارِ الرّدّةِ. وَذَكَرَ أَنّهُ كَتَبَ لِأُكَيْدِرِ دُومَةَ كِتَابًا فِيهِ عَهْدٌ وَأَمَانٌ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَنَا قَرَأْته
[ ٧ / ٣٩٦ ]
رَأَيْت قَبَاءَ أُكَيْدِرٍ حِين قَدِمَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَلْمِسُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ وَيَتَعَجّبُونَ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَتَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا؟ فَوَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ إنّ خَالِدًا قَدّمَ أُكَيْدِرًا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ ثُمّ خَلّى سَبِيلَهُ فَرَجَعَ إلَى قَرْيَتِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ طَيّئٍ يُقَالُ لَهُ بُجَيْرُ بْنُ بُجَرَةَ يَذْكُرُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِخَالِدٍ إنّك سَتَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ، وَمَا صَنَعَتْ الْبَقَرُ تِلْكَ اللّيْلَةَ حَتّى اسْتَخْرَجَتْهُ لِتَصْدِيقِ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ
_________________
(١) أَتَانِي بِهِ شَيْخٌ هُنَالِكَ فِي قَضِيمٍ وَالْقَضِيمُ الصّحِيفَةُ وَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللهِ لِأُكَيْدِرٍ حِينَ أَجَابَ إلَى الْإِسْلَامِ وَخَلَعَ الْأَنْدَادَ وَالْأَصْنَامَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ سَيْفِ اللهِ فِي دُومَةِ الْجَنْدَلِ وَأَكْنَافِهَا، إنّ لَنَا الضّاحِيَةَ مِنْ الضّحْلِ وَالْبَوْرَ وَالْمَعَامِيَ وَأَغْفَالَ الْأَرْضِ وَالْحَلْقَةَ وَالسّلَاحَ وَالْحَافِرَ وَالْحِصْنَ وَلَكُمْ الضّامِنَةُ مِنْ النّخْلِ وَالْمَعِينِ مِنْ الْمَعْمُورِ لَا تُعْدَلُ سَارِحَتُكُمْ وَلَا تُعَدّ فَارِدَتُكُمْ وَلَا يُحْظَرُ عَلَيْكُمْ النّبَاتُ تُقِيمُونَ الصّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَتُؤْتُونَ الزّكَاةَ بِحَقّهَا، عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ عَهْدُ اللهِ وَالْمِيثَاقُ وَلَكُمْ بِذَلِكَ الصّدْقُ وَالْوَفَاءُ. شَهِدَ اللهُ وَمَنْ حَضَرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الضّاحِيَةُ أَطْرَافُ الْأَرْضِ وَالْمَعَامِي: مَجْهُولُهَا، وَأَغْفَالُ الْأَرْضِ مَا لَا أَثَرَ لَهُمْ فِيهِ مِنْ عِمَارَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَالضّامِنَةُ مِنْ النّخْلِ مَا دَاخَلَ بَلَدَهُمْ وَلَا يُحْظَرُ عَلَيْكُمْ النّبَاتُ أَيْ لَا تُمْنَعُونَ مِنْ الرّعْيِ حَيْثُ شِئْتُمْ وَلَا تُعْدَلُ سَارِحَتُكُمْ أَيْ لَا تُحْشَرُ إلَى الْمُصَدّقِ وَإِنّمَا أَخَذَ مِنْهُمْ بَعْضَ هَذِهِ الْأَرَضِينَ مَعَ الْحَلْقَةِ وَهِيَ السّلَاحُ وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَ أَهْلِ الطّائِفِ حِينَ جَاءُوا تَائِبِينَ لِأَنّ هَؤُلَاءِ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ وَأَخَذَ مَلِكَهُمْ أَسِيرًا، وَلَكِنّهُ أَبْقَى لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا تَضَمّنَهُ
[ ٧ / ٣٩٧ ]
تَبَارَكَ سَائِقُ الْبَقَرَاتِ إنّي رَأَيْت اللهَ يَهْدِي كُلّ هَادِ
فَمَنْ يَكُ حَائِدًا عَنْ ذِي تَبُوكِ فَإِنّا قَدْ أمرنَا بِالْجِهَادِ
الرُّجُوع إِلَى الْمَدِينَة
فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَبُوكَ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَمْ يُجَاوِزْهَا ثُمّ انْصَرَفَ قَافِلًا إلَى الْمَدِينَةِ.
حَدِيثُ وَادِي الْمُشَقّقِ وَمَائِهِ
وَكَانَ فِي الطّرِيقِ مَاءٌ يَخْرُجُ مِنْ وَشَلٍ، مَا يَرْوِي الرّاكِبَ وَالرّاكِبَيْنِ وَالثّلَاثَةَ بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ وَادِي الْمُشَقّقِ ; فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ سَبَقَنَا إلَى ذَلِكَ الْوَادِي فَلَا يَسْتَقِيَنّ مِنْهُ شَيْئًا حَتّى نَأْتِيَهُ. قَالَ فَسَبَقَهُ إلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ فَاسْتَقَوْا مَا فِيهِ فَلَمّا أَتَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَفَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرَ فِيهِ شَيْئًا. فَقَالَ مَنْ سَبَقَنَا إلَى هَذَا الْمَاءِ؟ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَقَالَ أَوَلَمْ أَنْهَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْهُ شَيْئًا حَتّى آتِيَهُ ثُمّ لَعَنَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَدَعَا عَلَيْهِمْ. ثُمّ نَزَلَ فَوَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ الْوَشَلِ فَجَعَلَ يَصُبّ فِي
_________________
(١) الْكِتَابُ لِأَنّهُ لَمْ يُقَاتِلْهُمْ حَتّى يَأْخُذَهُمْ عَنْوَةً كَمَا أَخَذَ خَيْبَر، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَكَانَتْ أَمْوَالُهُمْ كُلّهَا لِلْمُسْلِمِينَ وَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي رِقَابِهِمْ كَمَا تَقَدّمَ وَلَوْ جَاءُوا إلَيْهِ تَائِبِينَ أَيْضًا قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَيْهِمْ كَمَا فَعَلَتْ ثَقِيفٌ مَا أَخَذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا. الْكِتَابُ إلَى هِرَقْلَ وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ هِرَقْلَ، فَإِنّ النّبِيّ - ﷺ - كَتَبَ إلَيْهِ مِنْ تَبُوكَ مَعَ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ وَنَصّهُ مَذْكُورٌ فِي الصّحَاحِ مَشْهُورٌ فَأَمَرَ هِرَقْلُ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إنّ هِرَقْلَ قَدْ آمَن بِمُحَمّد وَاتّبَعَهُ فَدَخَلَتْ الْأَجْنَادُ فِي سِلَاحِهَا، وَأَطَافَتْ بِقَصْرِهِ تُرِيدُ قَتْلَهُ فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ إنّي أَرَدْت أَنْ أَخْتَبِرَ صَلَابَتَكُمْ فِي دِينِكُمْ فَقَدْ رَضِيت عَنْكُمْ فَرَضُوا عَنْهُ ثُمّ كَتَبَ كِتَابًا، وَأَرْسَلَهُ مَعَ دِحْيَةَ يَقُولُ فِيهِ لِلنّبِيّ - ﷺ - إنّي مُسْلِمٌ وَلَكِنّي مَغْلُوبٌ عَلَى أَمْرِي، وَأَرْسَلَ إلَيْهِ بِهَدِيّةٍ فَلَمّا قَرَأَ النّبِيّ ﷺ كِتَابَهُ قَالَ كَذَبَ عَدُوّ اللهِ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ، بَلْ هُوَ على نَصْرَانِيّتِهِ
[ ٧ / ٣٩٨ ]
يَدِهِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَصُبّ ثُمّ نَضَحَهُ بِهِ وَمَسَحَهُ بِيَدِهِ وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ فَانْخَرَقَ مِنْ الْمَاءِ - كَمَا يَقُولُ مَنْ سَمِعَهُ - مَا إنّ لَهُ حِسّا كَحِسّ الصّوَاعِقِ فَشَرِبَ النّاسُ وَاسْتَقَوْا حَاجَتَهُمْ مِنْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَئِنْ بَقِيتُمْ أَوْ مَنْ بَقِيَ مِنْكُمْ لَتَسْمَعُنّ بِهَذَا الْوَادِي، وَهُوَ أَخْصَبُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَا خَلفه.
وَفَاة ذِي البجادين وَقيام الرَّسُول على دَفنه
قَالَ وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التّيْمِيّ، أَنّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُحَدّثُ قَالَ
قُمْت مِنْ جَوْفِ اللّيْلِ وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، قَالَ فَرَأَيْت شُعْلَةً مِنْ نَارٍ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ قَالَ فَاتّبَعْتهَا أَنْظُرُ إلَيْهَا، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ
_________________
(١) مَوْقِفُهُ ﷺ مِنْ بَعْضِ الْهَدَايَا وَقَبِلَ هَدِيّتَهُ وَقَسّمَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ لَا يَقْبَلُ هَدِيّةَ مُشْرِكٍ مُحَارِبٍ وَإِنّمَا قَبِلَ هَذِهِ لِأَنّهَا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَلِذَلِكَ قَسّمَهَا عَلَيْهِمْ وَلَوْ أَتَتْهُ فِي بَيْتِهِ كَانَتْ لَهُ خَالِصَةً كَمَا كَانَتْ هَدِيّةُ الْمُقَوْقِسِ خَالِصَةً لَهُ وَقَبِلَهَا مِنْ الْمُقَوْقِسِ، لِأَنّهُ لَمْ يَكُنْ مُحَارِبًا لِلْإِسْلَامِ بَلْ كَانَ قَدْ أَظْهَرَ الْمَيْلَ إلَى الدّخُولِ فِي الدّينِ وَقَدْ رَدّ هَدِيّةَ أَبِي بَرَاءٍ مُلَاعِبِ الْأَسِنّةِ وَكَانَ أَهْدَى إلَيْهِ فَرَسًا، وَأَرْسَلَ إلَيْهِ إنّي قَدْ أَصَابَنِي وَجَعٌ أَحْسَبُهُ قَالَ يُقَالُ لَهُ الدّبَيْلَةُ فَابْعَثْ إلَيّ بِشَيْءٍ أَتَدَاوَى بِهِ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ النّبِيّ - ﷺ - بِعُكّةِ عَسَلٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَشْفِيَ بِهِ وَرَدّ عَلَيْهِ هَدِيّتَهُ وَقَالَ إنّي نُهِيت عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَنْسُبُ هَذَا الْخَبَرَ لِعَامِرِ بْنِ الطّفَيْلِ عَدُوّ اللهِ وَإِنّمَا هُوَ عَمّهُ عَامِرُ بْنُ مَالِكٍ. وَقَوْلُهُ ﵇ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يَقُلْ
[ ٧ / ٣٩٩ ]
وَعُمَرُ وَإِذَا عَبْدُ اللهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ الْمُزَنِيّ قَدْ مَاتَ وَإِذَا هُمْ قَدْ حَفَرُوا لَهُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حُفْرَتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُدَلّيَانِهِ إلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ أَدْنِيَا إلَيّ أَخَاكُمَا، فَدَلّيَاهُ إلَيْهِ فَلَمّا هَيّأَهُ لِشِقّهِ قَالَ اللهُمّ إنّي أَمْسَيْت رَاضِيًا عَنْهُ فَارْضَ عَنْهُ. قَالَ يَقُولُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: يَا لَيْتَنِي كُنْت صَاحِبَ الْحُفْرَةِ
_________________
(١) عَنْ هَدِيّتِهِمْ يَدُلّ عَلَى أَنّهُ إنّمَا كَرِهَ مُلَايَنَتَهُمْ وَمُدَاهَنَتَهُمْ إذَا كَانُوا حَرْبًا، لِأَنّ الزّبْدَ مُشْتَقّ مِنْ الزّبْدِ كَمَا أَنّ الْمُدَاهَنَةَ مُشْتَقّةٌ مِنْ الدّهْنِ فَعَادَ الْمَعْنَى إلَى مَعْنَى اللّينِ وَالْمُلَايَنَةِ وَوُجُودِ الْجِدّ فِي حَرْبِهِمْ وَالْمُخَاشَنَةِ. وَقَدْ رَدّ هَدِيّةَ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيّ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَفِيهَا قَالَ إنّي نُهِيت عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْدَى إلَى أَبِي سُفْيَانَ عَجْوَةً وَاسْتَهْدَاهُ أَدَمًا فَأَهْدَاهُ أَبُو سُفْيَانَ وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ الْأَدَمَ وَذَلِك فِي زَمَنِ الْهُدْنَةِ الّتِي كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَقَدْ رُوِيَ أَنّ هِرَقْلَ وَضَعَ كِتَابَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الّذِي كَتَبَ إلَيْهِ فِي قَصَبَةٍ مِنْ ذَهَبٍ تَعْظِيمًا لَهُ وَأَنّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَتَوَارَثُونَهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ فِي أَرْفَعِ صِوَانٍ وَأَعَزّ مَكَانٍ حَتّى كَانَ عِنْدَ " إذفونش " الّذِي تَغَلّبَ عَلَى طُلَيْطِلَةَ وَمَا أَخَذَ أَخَذَهَا مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ ثُمّ كَانَ عِنْدَ ابْنِ بِنْتِهِ الْمَعْرُوفِ " بِالسّلِيطِينَ " حَدّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنّهُ حَدّثَهُ مَنْ سَأَلَهُ رُؤْيَتَهُ مِنْ قُوّادِ أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ يُعْرَفُ بِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ فَأَخْرَجَهُ إلَيّ فَاسْتَعْبَرْته وَأَرَدْت تَقْبِيلَهُ وَأَخْذَهُ بِيَدِي، فَمَنَعَنِي مِنْ ذَلِكَ صِيَانَةً لَهُ وَضَنّا بِهِ عَلَيّ. وَيُقَالُ هِرَقْلُ وَهِرْقِلُ. حَوْلَ قِصّةِ الْبَكّائِينَ فَصْلٌ وَذَكَرَ الْبَكّائِينَ وَذَكَرَ فِيهِمْ عُلْبَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ أَنّ عُلْبَةَ خَرَجَ مِنْ اللّيْلِ فَصَلّى مَا شَاءَ اللهُ ثُمّ بَكَى، وَقَالَ " اللهُمّ إنّك قَدْ أَمَرْت بِالْجِهَادِ وَرَغّبْت فِيهِ ثُمّ لَمْ تَجْعَلْ عِنْدِي، مَا أَتَقَوّى بِهِ مَعَ رَسُولِك، وَلَمْ تَجْعَلْ فِي يَدِ
[ ٧ / ٤٠٠ ]
سَبَب تَسْمِيَة ذَا الْبِجَادَيْنِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَإِنّمَا سُمّيَ ذُو الْبِجَادَيْنِ لِأَنّهُ كَانَ يُنَازَعُ إلَى الْإِسْلَامِ فَيَمْنَعُهُ قَوْمُهُ مِنْ ذَلِكَ وَيُضَيّقُونَ عَلَيْهِ حَتّى تَرَكُوهُ فِي بِجَادٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَالْبِجَادُ الْكِسَاءُ الْغَلِيظُ الْجَافِي، فَهَرَبَ مِنْهُمْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمّا كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ شَقّ بِجَادَهُ بِاثْنَيْنِ فَاتّزَرَ بِوَاحِدٍ وَاشْتَمَلَ بِالْآخَرِ ثُمّ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقِيلَ لَهُ ذُو الْبِجَادَيْنِ لِذَلِكَ وَالْبِجَادُ أَيْضًا: الْمَسْحُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
كَأَنّ أَبَانَا فِي عَرَانِينِ وَدْقِهِ كَبِيرُ أُنَاسٍ فِي بجاد مزمل
سُؤال الرَّسُول لأبي رهم عَمَّن تخلف
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، عَنْ ابْنِ أُكَيْمَةَ اللّيْثِيّ عَنْ ابْنِ أَخِي أَبِي رُهْمٍ الْغِفَارِيّ أَنّهُ سَمِعَ أَبَا رُهْمٍ كُلْثُومَ بْنَ الْحُصَيْنِ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَ الشّجَرَةِ، يَقُولُ:
_________________
(١) رَسُولِك مَا يَحْمِلُنِي عَلَيْهِ وَإِنّي أَتَصَدّقُ عَلَى كُلّ مُسْلِمٍ بِكُلّ مَظْلِمَةٍ أَصَابَنِي بِهَا فِي مَالٍ أَوْ جَسَدٍ أَوْ عِرْضٍ ثُمّ أَصْبَحَ مَعَ النّاسِ وَقَالَ النّبِيّ ﷺ: أَيْنَ الْمُتَصَدّقُ فِي هَذِهِ اللّيْلَةِ؟ لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ، ثُمّ قَالَ: أَيْنَ الْمُتَصَدّقُ فِي هَذِهِ اللّيْلَةِ فَلْيَقُمْ وَلَا يَتَزَاهَدُ مَا صَنَعَ هَذِهِ اللّيْلَةَ؟ فَقَامَ إلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: أَبْشِرْ فَوَاَلّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ كُتِبَ فِي الزّكَاةِ الْمُتَقَبّلَةِ. وَأَمّا سَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُغَفّلِ فَرَآهُمَا يَامِينُ بْنُ كَعْبٍ يَبْكِيَانِ فَزَوّدَهُمَا، وَحَمَلَهُمَا، فَلَحِقَا بِالنّبِيّ ﷺ. مَعْنَى كَلِمَةِ حَسّ فَصْلٌ وَقَوْلُهُ خَبَرًا عَنْ أَبِي رُهْمٍ أَصَابَتْ رِجْلِي رِجْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرِجْلُهُ فِي الْغَرْزِ فَمَا اسْتَيْقَظْت إلّا بِقَوْلِهِ حَسّ. الْغَرْزُ لِلرّحْلِ كَالرّكَابِ لِلسّرْجِ،
[ ٧ / ٤٠١ ]
غَزَوْت مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَسِرْت ذَاتَ لَيْلَةٍ مَعَهُ وَنَحْنُ بِالْأَخْضَرِ قَرِيبًا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَلْقَى اللهُ عَلَيْنَا النّعَاسَ فَطَفِقْت أَسْتَيْقِظُ وَقَدْ دَنَتْ رَاحِلَتِي مِنْ رَاحِلَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيُفْزِعُنِي دُنُوّهَا مِنْهُ مَخَافَةَ أَنْ أُصِيبَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ فَطَفِقْت أَحُوزُ رَاحِلَتِي عَنْهُ حَتّى غَلَبَتْنِي عَيْنِي فِي بَعْضِ الطّرِيقِ وَنَحْنُ فِي بَعْضِ اللّيْلِ فَزَاحَمَتْ رَاحِلَتِي رَاحِلَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرِجْلُهُ فِي الْغَرْزِ فَمَا اسْتَيْقَظْت إلّا بِقَوْلِهِ حَسّ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ اسْتَغْفِرْ لِي. فَقَالَ سِرْ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْأَلُنِي عَمّنْ تَخَلّفَ عَنْ بَنِي غِفَارٍ، فَأُخْبِرُهُ بِهِ فَقَالَ وَهُوَ يَسْأَلُنِي: مَا فَعَلَ النّفَرُ الْحُمْرُ الطّوَالُ الثّطَاطُ. فَحَدّثْته بِتَخَلّفِهِمْ. قَالَ فَمَا فَعَلَ النّفَرُ السود الجعاد
_________________
(١) وَحَسّ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ عِنْدَ وُجُودِ الْأَلَمِ وَفِي الْحَدِيثِ أَنّ طَلْحَةَ لَمّا أُصِيبَتْ يَدُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ حَسّ فَقَالَ النّبِيّ - ﷺ - لَوْ أَنّهُ قَالَ بِسْمِ اللهِ يَعْنِي مَكَانَ حَسّ لَدَخَلَ الْجَنّةَ وَالنّاسُ يَنْظُرُونَ أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ وَلَيْسَتْ حَسّ بِاسْمٍ وَلَا بِفِعْلٍ إنّهَا لَا مَوْضِعَ لَهَا مِنْ الْإِعْرَابِ وَلَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ صَهْ وَمَهْ وَرُوَيْدٍ لِأَنّ تِلْكَ أَسْمَاءٌ سُمّيَ الْفِعْلُ بِهَا وَإِنّمَا حَسّ صَوْتٌ كَالْأَنِينِ الّذِي يُخْرِجُهُ الْمُتَأَلّمُ نَحْوَ آهْ وَنَحْوِ قَوْلِ الْغُرَابِ غَلَقِ وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ فِي أُفّ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مِنْ بَابِ الْأَصْوَاتِ مَبْنِيّةً كَأَنّهُ يُحْكَى بِهَا صَوْتُ النّفْخِ وَالثّانِي أَنْ تَكُونَ مُعْرَبَةً مِثْلُ تَبّا يُرَادُ بِهِ الْوَسَخُ. وَقَوْلُهُ السّودُ الثّطَاطُ جَمْعُ: ثَطّ وَهُوَ الّذِي لَا لِحْيَةَ لَهُ. قَالَ الشّاعِرُ كَهَامَةِ الشّيْخِ الْيَمَانِيّ الثّطّ
[ ٧ / ٤٠٢ ]
القصا ر؟ قَالَ قُلْت: وَاَللهِ مَا أَعْرِفُ هَؤُلَاءِ مِنّا. قَالَ: بَلَى الّذِينَ لَهُمْ نَعَمٌ بِشَبَكَةِ شَدَخٍ فَتَذَكّرْتهمْ فِي بَنِي غِفَارٍ، وَلَمْ أَذْكُرْهُمْ حَتّى ذَكَرْت أَنّهُمْ رَهْطٌ مِنْ أَسْلَم كَانُوا حُلَفَاءَ فِينَا فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ أُولَئِكَ رَهْطٌ مِنْ أَسْلَمَ، حُلَفَاءُ فِينَا ; فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا مَنَعَ أَحَدَ أُولَئِكَ حِينَ تَخَلّفَ أَنْ يَحْمِلَ عَلَى بَعِيرٍ مِنْ إبِلِهِ امْرَأً نَشِيطًا فِي سَبِيلِ اللهِ؟ إنّ أَعَزّ أَهْلِي عَلَيّ أَنْ يَتَخَلّفَ عَنّي الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارُ وَغِفَارٌ وَأَسْلَمُ
أَمْرُ مَسْجِدِ الضّرَارِ عِنْدَ الْقُفُولِ مِنْ غَزْوَة تَبُوك
دعوتهم الرَّسُول للصَّلَاة فِيهِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ بِذِي أَوَانٍ، بَلَدٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ وَكَانَ أَصْحَابُ مَسْجِدِ الضّرَارِ قَدْ كَانُوا أَتَوْهُ وَهُوَ يَتَجَهّزُ إلَى تَبُوكَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إنّا قَدْ بَنَيْنَا مَسْجِدًا لِذِي الْعِلّةِ وَالْحَاجَةِ وَاللّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَاللّيْلَةِ الشّاتِيَةِ وَإِنّا نُحِبّ أَنْ تَأْتِيَنَا، فَتُصَلّيَ لَنَا فِيهِ فَقَالَ إنّي عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ وَحَالِ شُغْلٍ أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ وَلَوْ قَدْ قَدِمْنَا إنْ شَاءَ اللهُ لَأَتَيْنَاكُمْ فَصَلّيْنَا لكم فِيهِ
_________________
(١) وَنَحْوٌ مِنْهُ السّنَاطُ وَمِنْ الْمُحَدّثِينَ مَنْ يَرْوِيهِ الشّطَاطُ وَأَحْسَبُهُ تَصْحِيفًا. وَقَوْلُهُ شَبَكَةَ شَدَخٍ مَوْضِعٌ مِنْ بِلَادِ غِفَارٍ. أَصْحَابُ مَسْجِدِ الضّرَارِ فَصْلٌ وَذَكَرَ الْمُنَافِقِينَ الّذِينَ اتّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا. وَذَكَرَ فِيهِمْ جَارِيَةَ بْنَ عَامِرٍ وَكَانَ يُعْرَفُ بِحِمَارِ الدّارِ وَهُوَ جَارِيَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ مُجَمّعِ بْنِ الْعَطّافِ.
[ ٧ / ٤٠٣ ]
أَمر الرَّسُول اثْنَيْنِ بهدمه
فَلَمّا نَزَلَ بِذِي أَوَانٍ، أَتَاهُ خَبَرُ الْمَسْجِدِ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَالِكَ بْنَ الدّخْشُمِ أَخَا بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وَمَعْنَ بْنَ عَدِيّ أَوْ أَخَاهُ عَاصِمَ بْنَ عَدِيّ، أَخَا بَنِي الْعَجْلَانِ فَقَالَ انْطَلِقَا إلَى هَذَا الْمَسْجِدِ الظّالِمِ أَهْلُهُ فَاهْدِمَاهُ وَحَرّقَاهُ فَخَرَجَا سَرِيعَيْنِ حَتّى أَتَيَا بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وَهُمْ رَهْطُ مَالِكِ بْنِ الدّخْشُمِ، فَقَالَ: مَالِكٌ لِمَعْنٍ أَنْظِرْنِي حَتّى أَخْرُجَ إلَيْك بِنَارٍ مِنْ أَهْلِي. فَدَخَلَ إلَى أَهْلِهِ فَأَخَذَ سَعَفًا مِنْ النّخْلِ فَأَشْعَلَ فِيهِ نَارًا، ثُمّ خَرَجَا يَشْتَدّانِ حَتّى دَخَلَاهُ وَفِيهِ أَهْلُهُ فَحَرّقَاهُ وَهَدَمَاهُ وَتَفَرّقُوا مَعَهُ عَنْهُ وَنَزَلَ فِيهِمْ مِنْ الْقُرْآنِ مَا نَزَلَ ﴿وَالّذِينَ اتّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التَّوْبَة: من الْآيَة ١٠٧] إلَى آخر الْقِصَّة.
_________________
(١) وَذَكَرَ فِيهِمْ ابْنَهُ مُجَمّعًا، وَكَانَ إذْ ذَاكَ غُلَامًا حَدَثًا قَدْ جَمَعَ الْقُرْآنَ فَقَدّمُوهُ إمَامًا لَهُمْ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِشَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِمْ وَقَدْ ذُكِرَ أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ فِي أَيّامِهِ أَرَادَ عَزْلَهُ عَنْ الْإِمَامَةِ وَقَالَ أَلَيْسَ بِإِمَامِ مَسْجِدِ الضّرَارِ، فَأَقْسَمَ لَهُ مُجَمّعٌ أَنّهُ مَا عَلِمَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَا ظَنّ إلّا الْخَيْرَ فَصَدّقَهُ عُمَرُ وَأَقَرّهُ وَكَانَتْ مَسَاجِدُ الْمَدِينَةِ تِسْعَةً سِوَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كُلّهُمْ يُصَلّونَ بِأَذَانِ بِلَالٍ كَذَلِكَ قَالَ بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَشَجّ فِيمَا رَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ، والدّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ، فَمِنْهَا مَسْجِدُ رَاتِجٍ، وَمَسْجِدُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَمَسْجِدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَبْذُولٍ، وَمَسْجِدُ جُهَيْنَةَ وَأَسْلَمَ، وَأَحْسَبُهُ قَالَ وَمَسْجِدُ بَنِي سَلِمَةَ، وَسَائِرُهَا مَذْكُورٌ فِي السّنَنِ وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي الْمَسَاجِدِ الّتِي فِي الطّرِيقِ مَسْجِدًا بِذِي الْخِيفَةِ كَذَا وَقَعَ فِي كِتَابِ أَبِي بَحْرٍ بِالْخَاءِ مُعْجَمَةً وَوَقَعَ الْجِيفَةِ بِالْجِيمِ فِي كِتَابٍ قُرِئَ عَلَى ابْنِ أَبِي سِرَاجٍ وَابْنِ الْإِقْلِيلِيّ وَأَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ.
[ ٧ / ٤٠٤ ]
أَسمَاء بَنَاته
وَكَانَ الّذِينَ بَنَوْهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا: خِذَامُ بْنُ خَالِدٍ مِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ زَيْدٍ، أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْف وَمِنْ دَارِهِ أُخْرِجَ مَسْجِدُ الشّقَاقِ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ مِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَمُعَتّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبُو حَبِيبَةَ بْنُ الْأَزْعَرِ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَعَبّادُ بْنُ حُنَيْفٍ أَخُو سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْف وَجَارِيَةُ بْنُ عَامِرٍ وَابْنَاهُ مُجَمّعُ بْنُ جَارِيَةَ، وَزَيْدُ بْنُ جَارِيَةَ وَنَبْتَلُ بْنُ الْحَارِثِ مِنْ ضُبَيْعَةَ، وَبَحْزَجٌ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَة وَبِجَادُ بْنُ عُثْمَانَ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ، وَوَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَهُوَ مِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدٍ رَهْطِ أَبِي لُبَابَةَ بْنِ الْمُنْذر.
مَسَاجِد الرَّسُول فِيمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ إِلَى تَبُوك
وَكَانَت مَسَاجِد رَسُول الله ﷺ فِيمَا بَين الْمَدِينَة إلَى تَبُوكَ مَعْلُومَةً مُسَمّاةً مَسْجِدٌ بِتَبُوكَ، وَمَسْجِدٌ بِثَنِيّةِ مِدْرَانَ، وَمَسْجِدٌ بِذَاتِ الزّرَابِ وَمَسْجِدٌ بِالْأَخْضَرِ وَمَسْجِدٌ بِذَاتِ الْخِطْمِيّ وَمَسْجِدٌ بِأَلَاءَ وَمَسْجِدٌ بِطَرَفِ الْبَتْرَاءِ، مِنْ ذَنَبِ كَوَاكِبَ وَمَسْجِدٌ بِالشّقّ، شِقّ تَارَا، وَمَسْجِدٌ بِذِي الْجِيفَةِ، وَمَسْجِدٌ بِصَدْرِ حَوْضَى، وَمَسْجِدٌ بِالْحِجْرِ وَمَسْجِدٌ بِالصّعِيدِ، وَمَسْجِدٌ بِالْوَادِي، الْيَوْمَ وَادِي الْقُرَى. وَمَسْجِدٌ بِالرّقْعَةِ مِنْ الشّقّةِ شِقّةِ بَنِي عُذْرَةَ، وَمَسْجِدٌ بِذِي الْمَرْوَةِ، وَمَسْجِدٌ بِالْفَيْفَاءِ، وَمَسْجِدٌ بِذِي خُشُبٍ.
أَمْرُ الثّلَاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا وَأَمْرُ الْمُعَذّرِينَ فِي غَزْوَة تَبُوك
نهي الرَّسُول عَن كَلَام الثَّلَاثَة الْمُخلفين
وَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَقَدْ كَانَ تَخَلّفَ عَنْهُ رَهْطٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَتَخَلّفَ
_________________
(١) عَنْ الثّلَاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا: فَصْلٌ وَذَكَرَ الثّلَاثَةَ الّذِينَ خُلّفُوا، وَنَهْيَ النّاسِ عَنْ كَلَامِهِمْ وَإِنّمَا اشْتَدّ غَضَبُهُ عَلَى مَنْ تَخَلّفَ عَنْهُ وَنَزَلَ فِيهِمْ مِنْ الْوَعِيدِ مَا نَزَلَ حَتّى تَابَ اللهُ عَلَى الثّلَاثَةِ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ الْجِهَادُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ لَا مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ لَكِنّهُ فِي حَقّ
[ ٧ / ٤٠٥ ]
أُولَئِكَ الرّهْطُ الثّلَاثَةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ شَكّ وَلَا نِفَاقٍ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَمُرَارَةُ بْنُ الرّبِيعِ وَهِلَالُ بْنُ أُمَيّةَ ; فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ لَا تُكَلّمُنّ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ الثّلَاثَة وَأَتَاهُ مَنْ تَخَلّفَ عَنْهُ مِنْ الْمُنَافِقِينَ فَجَعَلُوا يَحْلِفُونَ لَهُ وَيَعْتَذِرُونَ فَصَفَحَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَمْ يَعْذِرْهُمْ اللهُ وَلَا رَسُولُهُ. وَاعْتَزَلَ الْمُسْلِمُونَ كَلَامَ أُولَئِكَ النّفَرِ الثّلَاثَةِ.
حَدِيثُ كَعْب عَن تخلفه
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذَكَرَ الزّهْرِيّ مُحَمّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنّ أَبَاهُ عَبْدَ اللهِ وَكَانَ قَائِدَ أَبِيهِ حِينَ أُصِيبَ بَصَرُهُ قَالَ سَمِعْت أَبِي كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَحَدِيثَ صَاحِبَيْهِ قَالَ:
مَا تَخَلّفْت عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطّ، غَيْرَ أَنّي كُنْت قَدْ تَخَلّفْت عَنْهُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَكَانَتْ غَزْوَةً لَمْ يُعَاتِبْ اللهُ وَلَا رَسُولُهُ أَحَدًا تَخَلّفَ عَنْهَا، وَذَلِكَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ إنّمَا خَرَجَ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتّى جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوّهِ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ وَلَقَدْ شَهِدْت مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْعَقَبَةَ، وَحِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَا أُحِبّ أَنّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ وَإِنْ كَانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ هِيَ أَذْكَرَ فِي النّاسِ مِنْهَا. قَالَ كَانَ مِنْ خَبَرِي حِينَ تَخَلّفْت عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنّي لَمْ أَكُنْ قَطّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنّي حِينَ تَخَلّفْت عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَة وَوَاللَّه مَا اجْتَمَعَتْ لِي رَاحِلَتَانِ قَطّ حَتّى اجْتَمَعَتَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَلّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا إلّا وَرّى بِغَيْرِهَا، حَتّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ فَغَزَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَرّ شَدِيدٍ وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا،
_________________
(١) الْأَنْصَارِ كَانَ فَرْضَ عَيْنٍ وَعَلَيْهِ بَايَعُوا النّبِيّ ﷺ أَلَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ نَحْنُ الّذِينَ بَايَعُوا مُحَمّدًا عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقينَا أبدا من تَخَلّفَ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ إنّمَا تَخَلّفَ لِأَنّهُمْ خَرَجُوا لِأَخْذِ عِيرٍ وَلَمْ يَظُنّوا
[ ٧ / ٤٠٦ ]
وَاسْتَقْبَلَ غَزْوَ عَدُوّ كَثِيرٍ فَجَلّى لِلنّاسِ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهّبُوا لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ وَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُ بِوَجْهِهِ الّذِي يُرِيدُ وَالْمُسْلِمُونَ مِنْ تَبَعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَثِيرٌ لَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ يَعْنِي بِذَلِكَ الدّيوَانَ يَقُولُ لَا يَجْمَعُهُمْ دِيوَانٌ مَكْتُوبٌ.
قَالَ كَعْبٌ فَقَلّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيّبَ إلّا ظَنّ أَنّهُ سَيَخْفَى لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ مِنْ اللهِ وَغَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتْ الثّمَارُ وَأُحِبّتْ الظّلَالُ فَالنّاسُ إلَيْهَا صُعْرٌ فَتَجَهّزَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَجَهّزَ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَجَعَلْت أَغْدُو لِأَتَجَهّزَ مَعَهُمْ فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ حَاجَةً فَأَقُولُ فِي نَفْسِي، أَنَا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ إذَا أَرَدْت، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتّى شَمّرَ النّاسُ بِالْجِدّ فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَادِيًا، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جِهَازِي شَيْئًا، فَقُلْت: أَتَجَهّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمّ أَلْحَقُ بِهِمْ فَغَدَوْت بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا لِأَتَجَهّزَ فَرَجَعْت وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، ثُمّ غَدَوْت فَرَجَعْت وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتّى أَسْرَعُوا، وَتَفَرّطَ الْغَزْوُ فَهَمَمْت أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ وَلَيْتَنِي فَعَلْت، فَلَمْ أَفْعَلْ وَجَعَلْت إذَا خَرَجْت فِي النّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَطُفْت فِيهِمْ يُحْزِنُنِي أَنّي لَا أَرَى إلّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِي النّفَاقِ أَوْ رَجُلًا مِمّنْ عَذَرَ اللهُ مِنْ الضّعَفَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ يَا رَسُولَ اللهِ حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَالنّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قُلْت وَاَللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا مِنْهُ إلّا خَيْرًا ; فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
فَلَمّا بَلَغَنِي أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ تَوَجّهَ قَافِلًا مِنْ تَبُوكَ، حَضَرَنِي بَثّي، فَجَعَلْت أَتَذَكّرُ الْكَذِبَ وَأَقُولُ بِمَاذَا أَخْرُجُ مِنْ سَخْطَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَدًا وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ كُلّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي ; فَلَمّا قِيلَ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَظَلّ قَادِمًا زَاحَ عَنّي
_________________
(١) أَنْ سَيَكُونُ قِتَالٌ فَكَذَلِكَ كَانَ تَخَلّفُهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ كَبِيرَةً لِأَنّهَا كَالنّكْثِ لِبَيْعَتِهِمْ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ بَطّالٍ ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا أَعْرِفُ لَهَا وَجْهًا غَيْرَ الّذِي قَالَ وَأَمّا الثّلَاثَةُ فَهُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي كَعْبٍ، وَاسْمُ أَبِي
[ ٧ / ٤٠٧ ]
الْبَاطِلُ وَعَرَفْت أَنّي لَا أَنْجُو مِنْهُ إلّا بِالصّدْقِ فَأَجْمَعْت أَنْ أَصْدُقَهُ وَصَبّحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمّ جَلَسَ لِلنّاسِ فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلّفُونَ فَجَعَلُوا يَحْلِفُونَ لَهُ وَيَعْتَذِرُونَ وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَيَقْبَلُ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَانِيَتَهُمْ وَأَيْمَانَهُمْ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ وَيَكِلُ سَرَائِرَهُمْ إلَى اللهِ تَعَالَى، حَتّى جِئْت فَسَلّمْت عَلَيْهِ فَتَبَسّمَ تَبَسّمَ الْمُغْضَبِ ثُمّ قَالَ لِي: تَعَالَهُ، فَجِئْت أَمْشِي، حَتّى جَلَسْت بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لِي: مَا خَلّفَك؟ أَلَمْ تَكُنْ ابْتَعْت ظَهْرَك؟ قَالَ قُلْت: إنّي يَا رَسُولَ اللهِ وَاَللهِ لَوْ جَلَسْت عِنْدَ غَيْرِك مِنْ أَهْلِ الدّنْيَا، لَرَأَيْت أَنّي سَأَخْرُجُ مِنْ سُخْطِهِ بِعُذْرٍ وَلَقَدْ أُعْطِيت جَدَلًا، لَكِنْ وَاَللهِ لَقَدْ عَلِمْت لَئِنْ حَدّثْتُك الْيَوْمَ حَدِيثًا كَذِبًا لَتَرْضَيَنّ عَنّي، وَلَيُوشِكَنّ اللهُ أَنْ يُسْخِطَك عَلَيّ وَلَئِنْ حَدّثْتُك حَدِيثًا صِدْقًا تَجِدُ عَلَيّ فِيهِ إنّي لَأَرْجُو عُقْبَايَ مِنْ اللهِ فِيهِ وَلَا وَاَللهِ مَا كَانَ لِي عُذْرٌ وَاَللهِ مَا كُنْت قَطّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنّي حِينَ تَخَلّفْت عَنْك. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمّا هَذَا فَقَدْ صُدِقْت فِيهِ، فَقُمْ حَتّى يَقْضِيَ اللهُ فِيك فَقُمْت، وَثَارَ مَعِي رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، فَاتّبَعُونِي فَقَالُوا لِي: وَاَللهِ مَا عَلِمْنَاك كُنْت أَذْنَبْت ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، وَلَقَدْ عَجَزْت أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْت إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَا اعْتَذَرَ بِهِ إلَيْهِ الْمُخَلّفُونَ قَدْ كَانَ كَافِيَك ذَنْبَك اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَك، فَوَاَللهِ مَا زَالُوا بِي حَتّى أَرَدْت أَنْ أَرْجِعَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأُكَذّبَ نَفْسِي، ثُمّ قُلْت لَهُمْ هَلْ لَقِيَ هَذَا أَحَدٌ غَيْرِي؟ قَالُوا: نَعَمْ رَجُلَانِ قَالَا مِثْلَ مَقَالَتِك، وَقِيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قِيلَ لَك ; قُلْت: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرّبِيعِ الْعَمْرِيّ، مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَهِلَالُ بْنُ (أَبِي) أُمَيّةَ الْوَاقِفِيّ ; فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ فِيهِمَا أُسْوَةٌ فَصُمْت حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي، وَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كَلَامِنَا
_________________
(١) كَعْبٍ عَمْرُو بْنُ الْقَيْنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلِمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ الْأَنْصَارِيّ السّلَمِيّ، يُكَنّى: أَبَا عَبْدِ اللهِ وَقِيلَ أَبَا عَبْدِ الرّحْمَنِ [وَقِيلَ أَبَا بَشِيرٍ] أُمّهُ لَيْلَى بِنْتُ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ أَيْضًا، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيّةَ، وَهُوَ مِنْ بَنِي وَاقِفٍ وَمُرَارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَيُقَالُ ابْنُ الرّبِيعِ الْعُمَرِيّ الْأَنْصَارِيّ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْف
[ ٧ / ٤٠٨ ]
أَيّهَا الثّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلّفَ عَنْهُ فَاجْتَنَبَنَا النّاسُ وَتَغَيّرُوا لَنَا، حَتّى تَنَكّرَتْ لِي نَفْسِي وَالْأَرْضُ فَمَا هِيَ بِالْأَرْضِ الّتِي كُنْت أَعْرِفُ فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً فَأَمّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا، وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا، وَأَمّا أَنَا فَكُنْت أَشَبّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ فَكُنْت أَخْرُجُ وَأَشْهَدُ الصّلَوَاتِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَأَطُوفُ بِالْأَسْوَاقِ وَلَا يُكَلّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأُسَلّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصّلَاةِ فَأَقُولُ فِي نَفْسِي، هَلْ حَرّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدّ السّلَامِ عَلَيّ أَمْ لَا؟ ثُمّ أُصَلّي قَرِيبًا مِنْهُ فَأُسَارِقُهُ النّظَرَ فَإِذَا أَقْبَلْت عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إلَيّ وَإِذَا الْتَفَتّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنّي، حَتّى إذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيّ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ مَشَيْت حَتّى كَوّرْت جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ. وَهُوَ ابْنُ عَمّي، وَأَحَبّ النّاسِ إلَيّ فَسَلّمْت عَلَيْهِ فَوَاَللهِ مَا رَدّ عَلَيّ السّلَامَ فَقُلْت: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أَنْشُدُك بِاَللهِ هَلْ تَعْلَمُ أَنّي أُحِبّ اللهَ وَرَسُولَهُ؟ فَسَكَتَ. فَعُدْت فَنَاشَدْته، فَسَكَتَ عَنّي، فَعُدْت فَنَاشَدْته فَسَكَتَ عَنّي، فَعُدْت فَنَاشَدْته، فَقَالَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَفَاضَتْ عَيْنَايَ وَوَثَبْت فَتَسَوّرْت الْحَائِطَ، ثُمّ غَدَوْت إلَى السّوقِ فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِالسّوقِ إذَا نَبَطِيّ يَسْأَلُ عَنّي مِنْ نَبَطِ الشّامِ، مِمّا قَدِمَ بِالطّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ مَنْ يَدُلّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ قَالَ فَجَعَلَ النّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إلَيّ حَتّى جَاءَنِي، فَدَفَعَ إلَيّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسّانَ، وَكَتَبَ كِتَابًا فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ فَإِذَا فِيهِ أَمّا بَعْدُ فَإِنّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنّ صَاحِبَك قَدْ جَفَاك، وَلَمْ يَجْعَلْك اللهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِك. قَالَ قُلْت حِينَ قَرَأْتهَا: وَهَذَا مِنْ الْبَلَاءِ أَيْضًا، قَدْ بَلَغَ بِي مَا وَقَعْت فِيهِ أَنْ طَمِعَ فِيّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشّرْكِ. قَالَ فَعَمَدْت بِهَا إلَى تَنّورٍ فَسَجَرْته بِهَا. فَأَقَمْنَا عَلَى ذَلِكَ حَتّى إذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنْ الْخَمْسِينَ إذَا رَسُولُ رَسُولِ اللهِ يَأْتِينِي، فَقَالَ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْمُرُك أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَك، قَالَ قُلْت: أُطَلّقُهَا أَمْ مَاذَا؟ قَالَ لَا، بَلْ اعْتَزِلْهَا وَلَا تَقْرَبْهَا، وَأَرْسَلَ إلَى صَاحِبَيّ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَقُلْت لِامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِك،
_________________
(١) زَاحَ عَنّي الْبَاطِلُ: فَصْلٌ وَذَكَرَ قَوْلَ كَعْبٍ زَاحَ عَنّي الْبَاطِلُ يُقَال: زَاحَ وَانْزَاحَ إذَا ذَهَبَ وَالْمَصْدَرُ زُيُوحًا وَزَيَحَانًا، إحْدَاهُمَا عَنْ الْأَصْمَعِيّ، وَالْأُخْرَى عَنْ الْكِسَائِيّ.
[ ٧ / ٤٠٩ ]
فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتّى يَقْضِيَ اللهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ مَا هُوَ قَاضٍ. قَالَ وَجَاءَتْ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيّةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ إنّ هِلَالَ بْنَ أُمَيّةَ شَيْخٌ كَبِيرٌ ضَائِعٌ لَا خَادِمَ لَهُ أَفَتَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَا يَقْرَبَنّكِ ; قَالَتْ: وَاَللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا بِهِ مِنْ حَرَكَةٍ إلَيّ وَاَللهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إلَى يَوْمِهِ هَذَا، وَلَقَدْ تَخَوّفْت عَلَى بَصَرِهِ. قَالَ فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوْ اسْتَأْذَنْت رَسُولَ اللهِ لِامْرَأَتِك، فَقَدْ أَذِنَ لِامْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ قَالَ فَقُلْت: وَاَللهِ لَا أَسْتَأْذِنُهُ فِيهَا، مَا أَدْرِي مَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِي فِي ذَلِكَ إذَا اسْتَأْذَنْته فِيهَا، وَأَنَا رَجُلٌ شَابّ، قَالَ فَلَبِثْنَا بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ فَكَمَلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينِ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا، ثُمّ صَلّيْت الصّبْحَ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، عَلَى الْحَالِ الّذِي ذَكَرَ اللهُ مِنّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيْنَا الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيّ نَفْسِي، وَقَدْ كُنْت ابْتَنَيْت خَيْمَةً فِي ظَهْرِ مَبْلَغٍ فَكُنْت أَكُونُ فِيهَا إذْ سَمِعْت صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَيّ فَهُوَ سَلْعٌ يَقُولُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ، أَبْشِرْ قَالَ فَخَرَرْت سَاجِدًا، وَعَرَفْت أَنْ قَدْ جَاءَ الْفرج.
تَوْبَة الله عَلَيْهِم:
قَالَ وَآذَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النّاسَ بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلّى الْفَجْرَ فَذَهَبَ النّاسُ يُبَشّرُونَنَا، وَذَهَبَ نَحْوَ صَاحِبَيّ مُبَشّرُونَ وَرَكَضَ رَجُلٌ إلَيّ فَرَسًا. وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ، حَتّى أَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ فَكَانَ الصّوْتُ أَسْرَعَ مِنْ الْفَرَسِ، فَلَمّا جَاءَنِي الّذِي سَمِعْت صَوْتَهُ يُبَشّرُنِي، نَزَعْت ثَوْبِي، فَكَسَوْتهمَا إيّاهُ بِشَارَةً وَاَللهِ مَا أَمْلِكُ يَوْمَئِذٍ
_________________
(١) وَقَوْلُهُ: فَقَامَ إلَيّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ يُهَنّئُنِي، فَكَانَ كَعْبٌ يَرَاهَا لَهُ فِيهِ جَوَازُ السّرُورِ بِالْقِيَامِ إلَى الرّجُلِ كَمَا سُرّ كَعْبٌ بِقِيَامِ طَلْحَةَ إلَيْهِ وَقَدْ قَالَ ﵇ فِي خَبَرِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: قُومُوا إلَى سَيّدِكُمْ وَقَامَ هُوَ ﷺ إلَى قَوْمٍ مِنْهُمْ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ وَإِلَى عَدِيّ بْنِ حَاتِمٍ، وَإِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ مَكّةَ وَغَيْرِهِمْ وَلَيْسَ هَذَا بِمُعَارِضٍ لِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ عَنْهُ - ﷺ - أَنّهُ قَالَ: " مَنْ سَرّهُ
[ ٧ / ٤١٠ ]
غَيْرَهُمَا، وَاسْتَعَرْت ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتهمَا، ثُمّ انْطَلَقْت أَتَيَمّمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَتَلَقّانِي النّاسُ يُبَشّرُونَنِي بِالتّوْبَةِ يَقُولُونَ لِيَهْنِكَ تَوْبَةُ اللهِ عَلَيْك، حَتّى دَخَلْت الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ حَوْلَهُ النّاسُ فَقَامَ إلَيّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، فحياني وَهَنأَنِي، وَوَاللَّه مَا قَامَ إلَيّ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ. قَالَ فَكَانَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ لَا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةِ.
قَالَ كَعْبٌ فَلَمّا سَلّمْت عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ لِي، وَوَجْهُهُ يُبْرِقُ مِنْ السّرُورِ أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرّ عَلَيْك مُنْذُ وَلَدَتْك أُمّك، قَالَ قُلْت: أَمِنْ عِنْدِك يَا رَسُولَ اللهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ؟ قَالَ: بَلْ مِنْ عِنْدِ اللهِ. قَالَ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا اسْتَبْشَرَ كَانَ وَجْهُهُ قِطْعَةَ قَمَرٍ. قَالَ وَكُنّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ. قَالَ فَلَمّا جَلَسْت بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ إنّ مِنْ تَوْبَتِي إلَى اللهِ ﷿ أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي، صَدَقَةً إلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَمْسِكْ عَلَيْك بَعْضَ مَالِك، فَهُوَ خَيْرٌ لَك. قَالَ قُلْت: إنّي مُمْسِكٌ سَهْمِي الّذِي بِخَيْبَرِ وَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ إنّ اللهَ قَدْ نَجّانِي بِالصّدْقِ وَإِنّ مِنْ تَوْبَتِي إلَى اللهِ أَنْ لَا أُحَدّثَ إلّا صدقا مَا حييتوالله مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ النّاسِ أَبْلَاهُ اللهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْت لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِمّا أَبْلَانِي اللهُ وَاَللهِ مَا تَعَمّدْت مِنْ كِذْبَةٍ مُنْذُ ذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى يَوْمِي هَذَا، وَإِنّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللهُ فِيمَا بَقِيَ.
وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الّذِينَ اتّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ
_________________
(١) أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النّارِ" وَيُرْوَى: يَسْتَجِمّ لَهُ الرّجَالُ لِأَنّ هَذَا الْوَعِيدَ إنّمَا تَوَجّهَ لِلْمُتَكَبّرِينَ وَإِلَى مَنْ يَغْضَبُ أَوْ يَسْخَطُ أَلّا يُقَامَ لَهُ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السّلَفِ يُقَامُ إلَى الْوَالِدِ بِرّا بِهِ وَإِلَى الْوَلَدِ سُرُورًا بِهِ وَصَدَقَ هَذَا
[ ٧ / ٤١١ ]
رَحِيمٌ وَعَلَى الثّلَاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التّوْبَةَ ١١٧- ١١٩] .
قَالَ كَعْبٌ فَوَاَللهِ مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيّ نِعْمَةً قَطّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ كَانَتْ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْته، فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الّذِينَ كَذَبُوا، فَإِنّ اللهَ ﵎ قَالَ فِي الّذِينَ كَذَبُوهُ حِينَ أُنْزِلَ الْوَحْيُ شَرّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ قَالَ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنّ اللهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التّوْبَةَ ٩٥،٩٦] .
قَالَ وَكُنّا خُلّفْنَا أَيّهَا الثّلَاثَةُ عَنْ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَعَذَرَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمْرَنَا، حَتّى قَضَى اللهُ فِيهِ مَا قَضَى، فَبِذَلِكَ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الثّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التَّوْبَة: من الآ ١١٨]
وَلَيْسَ الّذِي ذَكَرَ اللهُ مِنْ تَخْلِيفِنَا لِتَخَلّفِنَا عَنْ الْغَزْوَةِ وَلَكِنْ لِتَخْلِيفِهِ إيّانَا، وَإِرْجَائِهِ أَمْرَنَا عَمّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُ.
_________________
(١) الْقَائِلُ فَإِنّ فَاطِمَةَ ﵂ كَانَتْ تَقُومُ إلَى أَبِيهَا ﷺ بِرّا بِهِ وَكَانَ هُوَ ﷺ يَقُومُ إلَيْهَا سُرُورًا بِهَا ﵂، وَكَذَلِك كُلّ قِيَامٍ أَثْمَرَهُ الْحُبّ فِي اللهِ وَالسّرُورُ بِأَخِيك بِنِعْمَةِ اللهِ وَالْبِرّ بِمَنْ يُحِبّ بِرّهُ فِي اللهِ ﵎، فَإِنّهُ خَارِجٌ عَنْ حَدِيثِ النّهْيِ وَاَللهُ أَعْلَمُ.
[ ٧ / ٤١٢ ]
أَمْرُ وَفْدِ ثَقِيفٍ وَإِسْلَامُهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سنة تسع
سَلام عُرْوَة بن مَسْعُود ورجوعه إِلَى قومه
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ مِنْ تَبُوكَ فِي رَمَضَانَ وَقَدِمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الشّهْرِ وَفْدُ ثَقِيفٍ.
وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِمْ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا انْصَرَفَ عَنْهُمْ اتّبَعَ أَثَرَهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثّقَفِيّ، حَتّى أَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْمَدِينَةِ، فَأَسْلَمَ وَسَأَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى قَوْمِهِ بِالْإِسْلَامِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَمَا يَتَحَدّثُ قَوْمُهُ إنّهُمْ قَاتِلُوك وَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنّ فِيهِمْ نَخْوَةَ الِامْتِنَاعِ الّذِي كَانَ مِنْهُمْ فَقَالَ عُرْوَةُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا أَحَبّ إلَيْهِمْ مِنْ أَبْكَارِهِمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ من أَبْصَارهم.
دعاؤه لِلْإِسْلَامِ ومقتله
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
_________________
(١) إسْلَامُ ثَقِيفٍ فِيهِ قَوْلُ النّبِيّ ﷺ فِي عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ حِينَ قُتِلَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ صَاحِبِ يَاسِينَ فِي قَوْمِهِ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ ﷺ كَمَثَلِ صَاحِبِ يَاسِينَ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَذْكُورَ فِي سُورَةِ يَاسِينَ الّذِي قَالَ لِقَوْمِهِ ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] فَقَتَلَهُ قَوْمُهُ وَاسْمُهُ حَبِيبُ بْنُ مُرّي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ صَاحِبَ إلْيَاسَ وَهُوَ الْيَسَعُ فَإِنّ إلْيَاسَ يُقَالُ فِي اسْمِهِ يَاسِينُ أَيْضًا، وَقَالَ الطّبَرِيّ: هُوَ إلْيَاسُ بْنُ يَاسِينَ وَفِيهِ قَالَ اللهُ ﵎: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصّافّاتِ:١٣٠] فَاَللهُ أَعْلَمُ وَقَدْ بَيّنّا فِي
[ ٧ / ٤١٣ ]
وَكَانَ فِيهِمْ كَذَلِكَ مُحَبّبًا مُطَاعًا، فَخَرَجَ يَدْعُو قَوْمَهُ إلَى الْإِسْلَامِ رَجَاءَ أَنْ لَا يُخَالِفُوهُ لِمَنْزِلَتِهِ فِيهِمْ فَلَمّا أَشْرَفَ لَهُمْ عَلَى عِلّيّةٍ لَهُ وَقَدْ دَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَأَظْهَرَ لَهُمْ دِينَهُ رَمَوْهُ بِالنّبْلِ مِنْ كُلّ وَجْهٍ فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ. فَتَزْعُمُ بَنُو مَالِكٍ أَنّهُ قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أَوْسُ بْنُ عَوْفٍ، أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ مَالِكٍ وَتَزْعُمُ الْأَحْلَافُ أَنّهُ قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ مِنْ بَنِي عَتّابِ بْنِ مَالِك يُقَالُ لَهُ وَهْبُ بْنُ جَابِرٍ فَقِيلَ لِعُرْوَةِ مَا تَرَى فِي دَمِك؟ قَالَ كَرَامَةً أَكْرَمَنِي اللهُ بِهَا، وَشَهَادَةً سَاقَهَا اللهُ إلَيّ فَلَيْسَ فِيّ إلّا مَا فِي الشّهَدَاءِ الّذِينَ قُتِلُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ عَنْكُمْ فَادْفِنُونِي مَعَهُمْ فَدَفَنُوهُ مَعَهُمْ فَزَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِيهِ إنّ مَثَلَهُ فِي قَوْمِهِ لَكَمَثَلِ صَاحِبِ يَاسِينَ فِي قومه.
ائتمار ثَقِيف على إرْسَال نفر للرسول
ثُمّ أَقَامَتْ ثَقِيفٌ بَعْدَ قَتْلِ عُرْوَةَ أَشْهُرًا، ثُمّ إنّهُمْ ائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ وَرَأَوْا أَنّهُ لَا طَاقَةَ
_________________
(١) التّعْرِيفِ وَالْإِعْلَامِ مَعْنَى إلْيَاسَ وَإِلْيَاسِينَ وَآلِ يَاسِينَ بَيَانًا شَافِيًا، وَأَوْضَحْنَا خَطَأَ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنّ إلْيَاسِينَ جَمْعٌ كَالْأَشْعَرِينَ وَضَعْفَ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنّ يَاسِينَ هُوَ مُحَمّدٌ ﷺ فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ. زَوْجُ عُرْوَةَ وَكَانَتْ تَحْتَ عُرْوَةَ مَيْمُونَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، فَوَلَدَتْ لَهُ أَبَا مُرّةَ بْنَ عُرْوَةَ وَبِنْتُ أَبِي مُرّةَ هِيَ لَيْلَى امْرَأَةُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيّ ﵉ وَلَدَتْ لِلْحُسَيْنِ عَلِيّا الْأَكْبَرَ قُتِلَ مَعَهُ بِالطّفّ وَأَمّا عَلِيّ الْأَصْغَرُ فَلَمْ يُقْتَلْ مَعَهُ وَأُمّهُ أُمّ وَلَدٍ وَاسْمُهَا سُلَافَةُ وَهِيَ بِنْتُ كِسْرَى بْنِ يَزْدَجِرْدَ وَأُخْتُهَا الْغَزَالُ هِيَ أُمّ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن بن الْحَارِث بْنِ هِشَامٍ.
[ ٧ / ٤١٤ ]
لَهُمْ بِحَرْبِ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنْ الْعَرَبِ وَقَدْ بَايَعُوا وَأَسْلَمُوا.
حَدّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ:
أَنّ عَمْرَو بْنَ أُمَيّةَ أَخَا بَنِي عِلَاجٍ كَانَ مُهَاجِرًا لِعَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَمْرٍو، الّذِي بَيْنَهُمَا سَيّئٌ وَكَانَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ مِنْ أَدْهَى الْعَرَبِ، فَمَشَى إلَى عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَمْرٍو، حَتّى دَخَلَ دَارَهُ ثُمّ أَرْسَلَ إلَيْهِ أَنّ عَمْرَو بْنَ أُمَيّةَ يَقُولُ لَك: اُخْرُجْ إلَيّ قَالَ فَقَالَ عَبْدُ يَالِيلَ لِلرّسُولِ وَيْلَك أَعَمْرٌو أَرْسَلَك إلَيّ؟ قَالَ نَعَمْ وَهَا هُوَ ذَا وَاقِفًا فِي دَارِك، فَقَالَ إنّ هَذَا الشّيْءَ مَا كُنْت أَظُنّهُ لَعَمْرٌو كَانَ أَمْنَعَ فِي نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ فَخَرَجَ إلَيْهِ فَلَمّا رَآهُ رَحّبَ بِهِ فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: إنّهُ قَدْ نَزَلَ بِنَا أَمْرٌ لَيْسَتْ مَعَهُ هِجْرَةٌ إنّهُ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ هَذَا الرّجُلِ مَا قَدْ رَأَيْت، قَدْ أَسْلَمَتْ الْعَرَبُ كُلّهَا، وَلَيْسَتْ لَكُمْ بِحَرْبِهِمْ طَاقَةٌ فَانْظُرُوا فِي أَمْرِكُمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ ائْتَمَرَتْ ثَقِيفٌ بَيْعَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَفَلَا تَرَوْنَ أَنّهُ لَا يَأْمَنُ لَكُمْ سِرْبٌ وَلَا يَخْرُجُ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلّا اُقْتُطِعَ فَاتّمَرُوا بَيْنَهُمْ وَأَجْمَعُوا أَنْ يُرْسِلُوا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلًا، كَمَا أَرْسَلُوا عُرْوَةَ فَكَلّمُوا عَبْدَ يَالِيلَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، وَكَانَ سِنّ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَرَضُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأَبَى أَنْ يَفْعَلَ وَخَشِيَ أَنْ يُصْنَعَ بِهِ إذَا رَجَعَ كَمَا صُنِعَ بِعُرْوَةِ. فَقَالَ لَسْت فَاعِلًا حَتّى تُرْسِلُوا مَعِي رِجَالًا،
_________________
(١) حَوْلَ هَدْمِ اللّاتِ فَصْلٌ: وَذَكَرَ إِسْلَام ثَقِيف وَهدم طَاغِيَتِهِمْ وَهِيَ اللّاتُ، وَأَنّ الْمُغِيرَةَ وَأَبَا سُفْيَانَ هُمَا اللّذَانِ هَدَمَاهَا وَذَكَرَ بَعْضَ مَنْ أَلّفَ فِي السّيَرِ أَنّ الْمُغِيرَةَ قَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ حِينَ هَدَمَهَا: أَلَا أُضْحِكُك مِنْ ثَقِيفٍ؟ فَقَالَ بَلَى، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ وَضَرَبَ بِهِ اللّاتَ ضَرْبَةً ثُمّ صَاحَ وَخَرّ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَجّتْ الطّائِفُ بِالصّيَاحِ سُرُورًا بِأَنّ اللّاتَ قَدْ صَرَعَتْ الْمُغِيرَةَ وَأَقْبَلُوا يَقُولُونَ كَيْفَ رَأَيْتهَا يَا مُغِيرَةُ دُونَكَهَا إنْ اسْتَطَعْت، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّهَا تُهْلِكُ مَنْ عَادَاهَا، وَيْحَكُمْ أَلَا تَرَوْنَ مَا تَصْنَعُ؟ فَقَامَ الْمُغِيرَةُ يَضْحَكُ مِنْهُمْ وَيَقُولُ لَهُمْ يَا خُبَثَاءُ وَاَللهِ مَا قَصَدْت إلّا الْهُزُأَ بِكُمْ ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى هَدْمِهَا، حَتّى اسْتَأْصَلَهَا، وَأَقْبَلَتْ عَجَائِزُ ثَقِيفٍ تَبْكِي حَوْلَهَا، وَتَقُولُ أَسْلَمَهَا الرّضّاعُ إذْ كَرِهُوا الْمِصَاعَ أَيْ أَسْلَمَهَا اللّئَامُ حِينَ كَرِهُوا الْقِتَالَ.
[ ٧ / ٤١٥ ]
فَأَجْمَعُوا أَنْ يَبْعَثُوا مَعَهُ رَجُلَيْنِ مِنْ الْأَحْلَافِ، وَثَلَاثَةً مِنْ بَنِي مَالِكٍ فَيَكُونُوا سِتّةً فَبَعَثُوا مَعَ عَبْدِ يَالِيلَ الْحَكَمَ بْنَ عَمْرِو بْنِ وَهْبِ بْنِ مُعَتّبٍ وَشُرَحْبِيلَ بْنَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ مُعَتّبٍ، وَمِنْ بَنِي مَالِكٍ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ بِشْرِ بْنِ عَبْدِ دُهْمَانَ، أَخَا بَنِي يَسَارٍ وَأَوْسَ بْنَ عَوْفٍ، أَخَا بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْف وَنُمَيْرَ بْنَ خَرَشَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، أَخَا بَنِي الْحَارِثِ. فَخَرَجَ بِهِمْ عَبْدُ يَالِيلَ وَهُوَ نَابُ الْقَوْمِ وَصَاحِبُ أَمْرِهِمْ وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِمْ إلّا خَشْيَةً مِنْ مِثْلِ مَا صُنِعَ بِعُرْوَةِ بْنِ مَسْعُودٍ لِكَيْ يَشْغَلَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَى الطَّائِف رهطه.
قدومهم الْمَدِينَة وسؤالهم الرَّسُول أَشْيَاء أَبَاهَا عَلَيْهِم
فَلَمّا دَنَوْا مِنْ الْمَدِينَةِ، وَنَزَلُوا قَنَاةً أَلِفُوا بِهَا الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، يَرْعَى فِي نَوْبَتِهِ رِكَابَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَانَتْ رِعْيَتُهَا نُوَبًا عَلَى أَصْحَابِهِ ﷺ فَلَمّا رَآهُمْ تَرَكَ الرّكَابَ عِنْدَ الثّقَفِيّينَ وَضَبَرَ يَشْتَدّ، لِيُبَشّرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِقُدُومِهِمْ عَلَيْهِ فَلَقِيَهُ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ عَنْ رَكْبِ ثَقِيفٍ أَنْ قَدْ قَدِمُوا يُرِيدُونَ الْبَيْعَةَ وَالْإِسْلَامَ بِأَنْ يَشْرُطَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ شُرُوطًا، وَيَكْتَتِبُوا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ كِتَابًا فِي قَوْمِهِمْ وَبِلَادِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِلْمُغِيرَةِ أَقْسَمْت عَلَيْك بِاَللهِ لَا تَسْبِقْنِي إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى أَكُونَ أَنَا أُحَدّثُهُ فَفَعَلَ الْمُغِيرَةُ. فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِقُدُومِهِمْ عَلَيْهِ ثُمّ خَرَجَ الْمُغِيرَةُ إلَى أَصْحَابِهِ فَرَوّحَ الظّهْرَ مَعَهُمْ وَعَلّمَهُمْ كَيْفَ يُحَيّونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَفْعَلُوا إلّا بِتَحِيّةِ الْجَاهِلِيّةِ وَلَمّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ضَرَبَ عَلَيْهِمْ قُبّةً فِي نَاحِيَةِ مَسْجِدِهِ كَمَا يَزْعُمُونَ فَكَانَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، هُوَ الّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ
_________________
(١) فِقْهُ حَدِيثِ كِتَابِ النّبِيّ ﷺ لِثَقِيفٍ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ كِتَابَهُ ﷺ لِثَقِيفٍ وَذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ، وَذَكَرَ فِيهِ شَهَادَةَ عَلِيّ وَابْنَيْهِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ قَالَ وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ شَهَادَةُ الصّبْيَانِ وَكِتَابَةُ أَسْمَائِهِمْ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَإِنّمَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ إذَا أَدّوْهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَيْضًا شَهَادَةُ الِابْنِ مَعَ شَهَادَةِ أَبِيهِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ.
[ ٧ / ٤١٦ ]
حَتّى اكْتَتَبُوا كِتَابَهُمْ. وَكَانَ خَالِدٌ هُوَ الّذِي كَتَبَ كِتَابَهُمْ بِيَدِهِ وَكَانُوا لَا يَطْعَمُونَ طَعَامًا يَأْتِيهِمْ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى يَأْكُلَ مَعَهُ خَالِدٌ حَتّى أَسْلَمُوا وَفَرَغُوا مِنْ كِتَابِهِمْ وَقَدْ كَانَ فِيمَا سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَدَعَ لَهُمْ الطّاغِيَةَ، وَهِيَ اللّاتُ لَا يَهْدِمُهَا ثَلَاثَ سِنِينَ فَأَبَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَمَا بَرِحُوا يَسْأَلُونَهُ سَنَةً سَنَةً وَيَأْبَى عَلَيْهِمْ حَتّى سَأَلُوا شَهْرًا وَاحِدًا بَعْدَ مَقْدَمِهِمْ فَأَبَى عَلَيْهِمْ أَنْ يَدَعَهَا شَيْئًا مُسَمّى، وَإِنّمَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ فِيمَا يُظْهِرُونَ أَنْ يَتَسَلّمُوا بِتَرْكِهَا مِنْ سُفَهَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَذَرَارِيّهِمْ وَيَكْرَهُونَ أَنْ يُرَوّعُوا قَوْمَهُمْ بِهَدْمِهَا حَتّى يَدْخُلَهُمْ الْإِسْلَامُ فَأَبَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إلّا أَنْ يَبْعَثَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فَيَهْدِمَاهَا، وَقَدْ كَانُوا سَأَلُوهُ مَعَ تَرْكِ الطّاغِيَةِ أَنْ يُعْفِيَهُمْ مِنْ الصّلَاةِ وَأَنْ لَا يَكْسِرُوا أَوْثَانَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمّا كَسْرُ أَوْثَانِكُمْ بِأَيْدِيكُمْ فَسَنُعْفِيكُمْ مِنْهُ وَأَمّا الصّلَاةُ فَإِنّهُ لَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَا صَلَاةَ فِيهِ فَقَالُوا: يَا مُحَمّدُ فَسَنُؤْتِيكهَا، وَإِنْ كَانَت دناءة.
تأمير عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ عَلَيْهِم
فَلَمّا أَسْلَمُوا وَكَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ كِتَابَهُمْ أَمّرَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنّا، وَذَلِكَ أَنّهُ كَانَ أَحْرَصَهُمْ عَلَى التّفَقّهِ فِي الْإِسْلَامِ وَتَعَلّمِ الْقُرْآنِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ يَا رَسُولَ اللهِ إنّي قَدْ رَأَيْت هَذَا الْغُلَامَ مِنْهُمْ مِنْ أَحْرَصِهِمْ عَلَى التّفَقّهِ فِي الْإِسْلَامِ وَتعلم الْقُرْآن
_________________
(١) وَذَكَرَ فِي الْكِتَابِ وَجّا، وَأَنّهُ حَرَامٌ عِضَاهُهُ وَشَجَرُهُ يَعْنِي حَرَامًا عَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ كَتَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ وَمَكّةَ. وَوَجّ هِيَ أَرْضُ الطّائِفِ، وَهِيَ الّتِي جَاءَ فِيهَا الْحَدِيثُ إنّ آخِرَ وَطْأَةٍ وَطِئَهَا الرّبّ بِوَج وَمَعْنَاهَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ آخِرُ غَزْوَةٍ وَوَقْعَةٍ كَانَتْ بِأَرْضِ الْعَرَبِ بِوَجّ لِأَنّهَا آخِرُ غَزَوَاتِهِ - ﷺ - إلَى الْعَرَبِ، وَقَدْ قِيلَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ غَيْرُ هَذَا، مِمّا ذَكَرَهُ الْقُتَبِيّ، وَنَحْنُ نَضْرِبُ عَنْ ذِكْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْهَامِ التّشْبِيهِ وَاَللهُ الْمُسْتَعَانُ.
[ ٧ / ٤١٧ ]
بِلَال ووفد ثَقِيف فِي رَمَضَان
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطِيّةَ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ رَبِيعَةَ الثّقَفِيّ، عَنْ بَعْضِ وَفْدِهِمْ. قَالَ:
كَانَ بِلَالٌ يَأْتِينَا حِينَ أَسْلَمْنَا وَصُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا بَقِيَ مِنْ رَمَضَانَ بِفِطْرِنَا وَسَحُورِنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَأْتِينَا بِالسّحُورِ وَإِنّا لَنَقُولُ إنّا لِنَرَى الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ فَيَقُولُ قَدْ تَرَكْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَسَحّرُ لِتَأْخِيرِ السّحُورِ وَيَأْتِينَا بِفِطْرِنَا، وَإِنّا لَنَقُولُ مَا نَرَى الشّمْسَ كُلّهَا ذَهَبَتْ بَعْدُ. فَيَقُولُ مَا جِئْتُكُمْ حَتّى أَكَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمّ يَضَعُ يَدَهُ فِي الْجَفْنَةِ فَيَلْتَقِمُ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بِفَطُورِنَا وَسَحُورِنَا.
عهد الرَّسُول لِابْنِ أبي الْعَاصِ حِين أمره على ثَقِيف
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ مُطَرّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشّخّيرِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، قَالَ:
كَانَ مِنْ آخِرِ مَا عَهِدَ إلَيّ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ بَعَثَنِي عَلَى ثَقِيفٍ أَنْ قَالَ: يَا عُثْمَانُ تَجَاوَزْ فِي الصّلَاةِ، وَاقْدُرْ النّاسَ بِأَضْعَفِهِمْ فَإِنّ فِيهِمْ الْكَبِيرَ وَالصّغِيرَ وَالضّعِيفَ وَذَا الْحَاجة
هدم الطاغية
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا فَرَغُوا مِنْ أَمْرِهِمْ وَتَوَجّهُوا إلَى بِلَادِهِمْ رَاجِعِينَ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، فِي هَدْمِ الطّاغِيَةِ، فَخَرَجَا مَعَ الْقَوْمِ حَتّى إذَا
_________________
(١) وَجّ: وَقَدْ قِيلَ فِي وَجّ هِيَ الطّائِفُ نَفْسُهَا، وَقِيلَ هُوَ اسْمٌ لِوَادٍ بِهَا، وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ أُمَيّةَ بْنِ الْأَسْكَرِ
[ ٧ / ٤١٨ ]
قَدِمُوا الطّائِفَ أَرَادَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنْ يُقَدّمَ أَبَا سُفْيَانَ فَأَبَى ذَلِكَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَيْهِ وَقَالَ اُدْخُلْ أَنْتَ عَلَى قَوْمِك ; وَأَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ بِمَالِهِ بِذِي الْهَدْمِ ; فَلَمّا دَخَلَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ عَلَاهَا يَضْرِبُهَا بِالْمِعْوَلِ وَقَامَ قَوْمُهُ دُونَهُ بَنُو مُعَتّبٍ، خَشْيَةَ أَنْ يُرْمَى أَوْ يُصَابَ كَمَا أُصِيبَ عُرْوَةُ وَخَرَجَ نِسَاءُ ثَقِيفٍ حُسّرًا يَبْكِينَ عَلَيْهَا وَيَقُلْنَ
لَتَبْكِيَنّ دُفّاعْ أَسْلَمَهَا الرّضّاعْ
لَمْ يُحْسِنُوا الْمِصَاعْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: لَتَبْكِيَنّ عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَيَقُول أَبُو سُفْيَانَ وَالْمُغِيرَةُ يضْربهَا بالفأس واهالك! آهالك! فَلَمّا هَدَمَهَا الْمُغِيرَةُ وَأَخَذَ مَالَهَا وَحُلِيّهَا أَرْسَلَ إلَى أَبِي سُفْيَانَ وَحُلِيّهَا مَجْمُوعٌ وَمَالُهَا مِنْ الذَّهَب والجزع.
_________________
(١) إذْ يَبْكِي الْحَمَامُ بِبَطْنِ وَجّ عَلَى بَيْضَاتِهِ بَكَيَا كِلَابَا وَقَالَ آخَرُ أَتُهْدِي لِي الْوَعِيدَ بِبَطْنِ وَجّ كَأَنّي لَا أَرَاك وَلَا تَرَانِي وَقَدْ أَلْفَيْت فِي نُسْخَةِ الشّيْخِ وَجًا بِتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَالصّوَابُ تَشْدِيدُهَا كَمَا تَقَدّمَ وَقَالَ أُمَيّةُ بْنُ أَبِي الصّلْتِ: إنّ وَجّا وَمَا يَلِي بَطْنَ وَجّ دَارُ قَوْمِي بِرَبْوَةٍ وَزُتُوقِ
[ ٧ / ٤١٩ ]
إِسْلَام أبي مليح وقارب
وَقَدْ كَانَ أَبُو مُلَيْحِ بْنُ عُرْوَةَ وَقَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ وَفْدِ ثَقِيفٍ، حِينَ قُتِلَ عُرْوَةُ يُرِيدَانِ فِرَاقَ ثَقِيفٍ، وَأَنْ لَا يُجَامِعَاهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا، فَأَسْلَمَا ; فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ تَوَلّيَا مَنْ شِئْتُمَا ; فَقَالَا: نَتَوَلّى اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَخَالَكُمَا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، فَقَالَا: وَخَالَنَا أَبَا سُفْيَانَ بن حَرْب.
سؤالهما الرَّسُول قَضَاء دين من أَمْوَال الطاغية
فَلَمّا أَسْلَمَ أَهْلُ الطّائِفِ وَوَجّهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا سُفْيَان وَالْمُغِيرَةَ إلَى هَدْمِ الطّاغِيَةِ، سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَبُو مُلَيْحِ بْنُ عُرْوَةَ أَنْ يَقْضِيَ عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الطّاغِيَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ قَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَعَنْ الْأَسْوَدِ يَا رَسُولَ اللهِ فَاقْضِهِ وَعُرْوَةُ وَالْأَسْوَدُ أَخَوَانِ لِأَبٍ وَأُمّ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إنّ الْأَسْوَدَ مَاتَ مُشْرِكًا. فَقَالَ قَارِبٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ يَا رَسُولَ اللهِ وَلَكِنْ تَصِلُ مُسْلِمًا ذَا قَرَابَةٍ يَعْنِي نَفْسَهُ إنّمَا الدّيْنُ عَلَيّ وَإِنّمَا أَنَا الّذِي أُطْلَبُ بِهِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَ عُرْوَةَ وَالْأَسْوَدِ مِنْ مَالِ الطّاغِيَة. فَلَمّا جَمَعَ الْمُغِيرَةُ مَالَهَا قَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَمَرَك أَنْ تَقْضِيَ عَنْ عُرْوَةَ وَالْأَسْوَدِ دَيْنَهُمَا، فَقَضَى عَنْهُمَا.
كتاب الرَّسُول لثقيف
وَكَانَ كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الّذِي كَتَبَ لَهُمْ:
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مِنْ مُحَمّدٍ النّبِيّ رَسُولِ اللهِ إلَى الْمُؤْمِنِينَ: إنّ عِضَاهَ وَجّ وَصَيْدَهُ لَا يُعْضَدُ مَنْ وُجِدَ يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَإِنّهُ يُجْلَدُ وَتُنْزَعُ ثِيَابُهُ
_________________
(١) وَسُمّيَتْ وَجّا فِيمَا ذَكَرُوا بِوَجّ بْنِ عَبْدِ الْحَيّ مِنْ الْعَمَالِقَةِ، وَيُقَالُ وَجّ، وَأَجّ بِالْهَمْزَةِ قَالَهُ يَعْقُوبُ فِي كِتَابِ الْإِبْدَالِ وَكِتَابُهُ ﷺ لِأَهْلِ الطّائِفِ أَطْوَلُ مِمّا
[ ٧ / ٤٢٠ ]
فَإِنْ تَعَدّى ذَلِكَ فَإِنّهُ يُؤْخَذُ فَيُبْلَغُ بِهِ إلَى النّبِيّ مُحَمّدٍ وَإِنّ هَذَا أَمْرُ النّبِيّ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللهِ
وَكَتَبَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ: بِأَمْرِ الرّسُولِ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ فَلَا يَتَعَدّهُ أَحَدٌ، فَيَظْلِمَ نَفْسَهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ مُحَمّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
_________________
(١) ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ بِكَثِيرٍ وَقَدْ أَوْرَدَهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِكَمَالِهِ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ.
[ ٧ / ٤٢١ ]
حج أبي بكر بالناس سنة تسع
حَجّ أَبِي بَكْرٍ بِالنّاسِ سَنَةَ تِسْعٍ وَاخْتِصَاصُ النّبِيّ ﷺ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ بِتَأْدِيَةِ أَوّلِ بَرَاءَةٌ عَنْهُ وَذِكْرُ بَرَاءَةٌ وَالْقِصَصُ فِي تَفْسِيرهَا
تأمير أبي بكر على الْحَج
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ أَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَقِيّةَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَشَوّالًا وَذَا الْقَعْدَةِ ثُمّ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْحَجّ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ لِيُقِيمَ لِلْمُسْلِمِينَ حَجّهُمْ وَالنّاسُ مِنْ أَهْلِ الشّرْكِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ مِنْ حَجّهِمْ فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَمَنْ مَعَهُ من الْمُسلمين.
نزُول بَرَاءَة فِي نقص مَا بَين الرَّسُول وَالْمُشْرِكين
وَنَزَلَتْ بَرَاءَةٌ فِي نَقْضِ مَا بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْعَهْدِ الّذِي كَانُوا عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَنْ لَا يُصَدّ عَنْ الْبَيْتِ أَحَدٌ جَاءَهُ وَلَا يُخَافَ أَحَدٌ فِي الشّهْرِ
_________________
(١) إنْزَالُ سُورَةِ بَرَاءَةٌ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مِنْ تَبُوكَ، فَذَكَرَ مُخَالَطَةَ الْمُشْرِكِينَ لِلنّاسِ فِي حَجّهِمْ وَتَلْبِيَتِهِمْ بِالشّرْكِ وَطَوَافِهِمْ عُرَاةً بِالْبَيْتِ، وَكَانُوا يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ أَنْ يَطُوفُوا كَمَا وُلِدُوا بِغَيْرِ الثّيَابِ الّتِي أَذْنَبُوا فِيهَا، وَظَلَمُوا، فَأَمْسَكَ - ﷺ - عَنْ الْحَجّ فِي ذَلِكَ الْعَامِ وَبَعَثَ أَبَا بَكْرٍ - ﵁ - بِسُورَةِ بَرَاءَةٌ لِيَنْبِذَ إلَى كُلّ ذِي عَهْدٍ
[ ٧ / ٤٢١ ]
الْحَرَامِ. وَكَانَ ذَلِكَ عَهْدًا عَامّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النّاسِ مِنْ أَهْلِ الشّرْكِ وَكَانَتْ بَيْنَ ذَلِكَ عُهُودٌ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ قَبَائِلَ مِنْ الْعَرَبِ خَصَائِصَ إلَى آجَالٍ مُسَمّاةٍ فَنَزَلَتْ فِيهِ وَفِيمَنْ تَخَلّفَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ عَنْهُ فِي تَبُوكَ، وَفِي قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ فَكَشَفَ اللهُ تَعَالَى فِيهَا سَرَائِرَ أَقْوَامٍ كَانُوا يَسْتَخِفّونَ بِغَيْرِ مَا يُظْهِرُونَ مِنْهُمْ مَنْ سُمّيَ لَنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُسَمّ لَنَا، فَقَالَ ﷿: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أَيْ لِأَهْلِ الْعَهْدِ الْعَامّ مِنْ أَهْلِ الشّرْكِ ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ، وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجّ الْأَكْبَرِ أَنّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ أَيْ بَعْدَ هَذِهِ الْحَجّةِ ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشّرِ الّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. إِلّا الّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أَيْ الْعَهْدَ الْخَاصّ إلَى الْأَجَل الْمُسَمّى ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدّتِهِمْ إِنّ اللهَ يُحِبّ الْمُتّقِينَ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ يَعْنِي الْأَرْبَعَةَ الّتِي ضَرَبَ لَهُمْ أَجَلًا ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصّلَاةَ وَآتَوُا الزّكَاةَ فَخَلّوا سَبِيلَهُمْ إِنّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أَيْ مِنْ هَؤُلَاءِ
_________________
(١) عَهْدَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلّا بَعْضَ بَنِي بَكْرٍ الّذِينَ كَانَ لَهُمْ عَهْدٌ إلَى أَجَلٍ خَاصّ، ثُمّ أَرْدَفَ بِعَلِيّ ﵁ فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ لِلنّبِيّ ﷺ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ أُنْزِلَ فِيّ قُرْآنٌ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَرَدْت أَنْ يُبَلّغَ عَنّي مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَمَرَنِي عَلِيّ - ﵁ - أَنْ أَطُوفَ فِي الْمَنَازِلِ مِنْ مِنًى بِبَرَاءَةٌ فَكُنْت أَصِيحُ حَتّى صَحِلَ حَلْقِي، فَقِيلَ لَهُ بِمَ كُنْت تُنَادِي؟ فَقَالَ بِأَرْبَعٍ أَلّا يَدْخُلَ الْجَنّةَ إلّا مُؤْمِنٌ وَأَلّا يَحُجّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَأَلّا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ وَمَنْ
[ ٧ / ٤٢٢ ]
الّذِينَ أَمَرْتُك بِقَتْلِهِمْ ﴿اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التَّوْبَة: ١،٦]
ثُمّ قَالَ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الّذِينَ كَانُوا هُمْ وَأَنْتُمْ عَلَى الْعَهْدِ الْعَامّ أَنْ لَا يُخِيفُوكُمْ وَلَا يُخِيفُوهُمْ فِي الْحُرْمَةِ وَلَا فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ ﴿عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلّا الّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وَهِيَ قَبَائِلُ مِنْ بَنِي بَكْرٍ الّذِينَ كَانُوا دَخَلُوا فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، إلَى الْمُدّةِ الّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، فَلَمْ يَكُنْ نَقَضَهَا إلّا هَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْشٍ; وَهِيَ الدّيلُ مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِل، الّذِينَ كَانُوا دَخَلُوا فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ. فَأَمَرَ بِإِتْمَامِ الْعَهْدِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ نَقَضَ مِنْ بَنِي بَكْرٍ إلَى مُدّتِهِ ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنّ اللهَ يُحِبّ الْمُتّقِينَ﴾ .
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ الْمُشْرِكُونَ الّذِينَ لَا عَهْدَ لَهُمْ إلَى مُدّةٍ مِنْ أَهْلِ الشّرْكِ الْعَامّ ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّا وَلَا ذِمّةً﴾ .
تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَام لبَعض الْغَرِيب
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْإِلّ: الْحِلْفُ. قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ أَحَدُ بَنِي أُسَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ:
لَوْلَا بَنُو مَالِكٍ وَالْإِلّ مَرْقَبَةٌ وَمَالِكٌ فِيهِمْ الْآلَاءُ وَالشّرَفُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ وَجَمْعُهُ آلَالٌ قَالَ الشّاعِرُ
_________________
(١) كَانَ لَهُ عَهْدٌ فَلَهُ أَجَلٌ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ثُمّ لَا عَهْدَ لَهُ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ إذَا سَمِعُوا النّدَاءَ بِبَرَاءَةٌ يَقُولُونَ لِعَلِيّ سَتَرَوْنَ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ بِأَنّهُ لَا عَهْدَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ابْنِ عَمّك إلّا الطّعْنُ وَالضّرْبُ ثُمّ إنّ النّاسَ فِي ذَلِكَ الْمُدّةِ رَغِبُوا فِي الْإِسْلَامِ حَتّى دَخَلُوا فِيهِ طَوْعًا وَكَرْهًا، وَحَجّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ وَحَجّ الْمُسْلِمُونَ وَقَدْ عَادَ الدّينُ كُلّهُ وَاحِدًا لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ. وَأَمّا النّدَاءُ فِي أَيّامِ التّشْرِيقِ بِأَنّهَا أَيّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَفِي بَعْضِ الرّوَايَاتِ أَكْلٍ
[ ٧ / ٤٢٣ ]
فَلَا إلّ مِنْ الْآلَالِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَلَا تَأْلُنّ جُهْدَا
وَالذّمّةُ الْعَهْدُ. قَالَ الْأَجْدَعُ بْنُ مَالِكٍ الْهَمْدَانِيّ، وَهُوَ أَبُو مَسْرُوقِ بْنُ الْأَجْدَعِ الْفَقِيهُ:
وَكَانَ عَلَيْنَا ذِمّةٌ أَنْ تُجَاوِزُوا مِنْ الْأَرْضِ مَعْرُوفًا إلَيْنَا وَمُنْكَرَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي ثَلَاثَةِ أَبْيَاتٍ لَهُ وَجَمْعُهَا: ذِمَمٌ.
﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ. اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّا وَلَا ذِمّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ أَيْ قَدْ اعْتَدَوْا عَلَيْكُمْ ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصّلَاةَ وَآتَوُا الزّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدّينِ وَنُفَصّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [التَّوْبَة:٧،١١]
اخْتِصَاصُ الرّسُولِ عَلِيّا بِتَأْدِيَةِ بَرَاءَةٌ عَنْهُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي حَكِيمُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ عَبّادِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمّدِ بْنِ عَلِيّ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ أَنّهُ قَالَ:
لَمّا نَزَلَتْ بَرَاءَةٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَدْ كَانَ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ الصّدّيقَ لِيُقِيمَ لِلنّاسِ الْحَجّ قِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ بَعَثْت بِهَا إلَى أَبِي بَكْر فَقَالَ لَا يُؤَدّي عَنّي إلّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي ثُمّ دَعَا عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: اُخْرُجْ بِهَذِهِ الْقِصّةِ مِنْ صَدْرِ بَرَاءَةٌ، وَأَذّنْ فِي النّاسِ يَوْمَ النّحْرِ إذَا اجْتَمَعُوا بِمِنًى: أَنّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنّةَ كَافِرٌ وَلَا يَحُجّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ وَمَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ
_________________
(١) وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ فَإِنّ الّذِي أُمِرَ أَنْ يُنَادِيَ بِذَلِكَ فِي أَيّامِ التّشْرِيقِ هُوَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَأَوْسُ بْنُ الْحَدَثَانِ وَفِي الصّحِيحِ أَنّ زَيْدَ بْنَ مِرْبَعٍ وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا: عَبْدُ اللهِ بْنُ مِرْبَعٍ كَانَ مِمّنْ أُمِرَ أَنْ يُنَادِيَ بِذَلِكَ وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ بِشْرِ بْنِ سُحَيْمٍ الْغِفَارِيّ وَقَدْ رُوِيَ أَنّ حُذَيْفَةَ كَانَ الْمُنَادِيَ بِذَلِكَ وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ
[ ٧ / ٤٢٤ ]
عَهْدٌ فَهُوَ لَهُ إلَى مُدّتِهِ فَخَرَجَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ عَلَى نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْعَضْبَاءِ حَتّى أَدْرَكَ أَبَا بَكْرٍ بِالطّرِيقِ فَلَمّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ بِالطّرِيقِ قَالَ أَأَمِيرٌ أَمْ مَأْمُورٌ؟ فَقَالَ بَلْ مَأْمُورٌ ثُمّ مَضَيَا. فَأَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنّاسِ الْحَجّ وَالْعَرَبُ إذْ ذَاكَ فِي تِلْكَ السّنَةِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ مِنْ الْحَجّ الّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيّةِ حَتّى إذَا كَانَ يَوْمُ النّحْرِ قَامَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَأَذّنَ فِي النّاسِ بِاَلّذِي أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَيّهَا النّاسُ إنّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنّةَ كَافِرٌ وَلَا يَحُجّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ وَمَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَهْدٌ فَهُوَ لَهُ إلَى مُدّتِهِ وَأَجّلَ النّاسَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ أَذّنَ فِيهِمْ لِيَرْجِعَ كُلّ قَوْمٍ إلَى مَأْمَنِهِمْ أَوْ بِلَادِهِمْ ثُمّ لَا عَهْدَ لِمُشْرِكٍ وَلَا ذِمّةَ إلّا أَحَدٌ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَهْدٌ إلَى مُدّةٍ فَهُوَ لَهُ إلَى مُدّتِهِ. فَلَمْ يَحُجّ بَعْدَ ذَلِكَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ.
ثُمّ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَكَانَ هَذَا مِنْ بَرَاءَةٍ فِيمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشّرْكِ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ الْعَامِ وَأَهْلِ الْمُدّةِ إلَى الْأَجَلِ الْمُسَمّى.
مَا نَزَلَ فِي الْأَمْرِ بِجِهَادِ الْمُشْرِكِينَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ بِجِهَادِ أَهْلِ الشّرْكِ مِمّنْ نَقَضَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ الْخَاصّ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ الْعَامّ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ الّتِي ضَرَبَ لَهُمْ أَجَلًا إلّا أَنْ يَعْدُوَ فِيهَا عَادٍ مِنْهُمْ فَيُقْتَلَ بِعَدَائِهِ فَقَالَ ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوّلَ مَرّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَاتِلُوهُمْ
_________________
(١) أَيْضًا، وَبِلَالٍ ذَكَرَ بَعْضَ ذَلِكَ الْبَزّارُ فِي مُسْنَدِهِ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التَّوْبَة:٥] أَنّهُ أَرَادَ ذَا الْحِجّةِ وَالْمُحَرّمَ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِ وَأَنّهُ جَعَلَ ذَلِكَ أَجَلًا لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَمَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ جَعَلَ لَهُ أَرْبَعَةَ
[ ٧ / ٤٢٥ ]
يُعَذّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ﴾ أَيْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التَّوْبَة:١٣،١٦]
تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلِيجَةٌ دَخِيلٌ وَجَمْعُهَا: وَلَائِجُ وَهُوَ مِنْ وَلَجَ يَلِجُ أَيْ دَخَلَ يَدْخُلُ وَفِي كِتَابِ اللهِ ﷿ ﴿حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [لأعراف:٤٠] أَيْ يَدْخُلَ يَقُولُ لَمْ يَتّخِذُوا دَخِيلًا مِنْ دُونِهِ يُسِرّونَ إلَيْهِ غَيْرَ مَا يُظْهِرُونَ نَحْوَ مَا يَصْنَعُ الْمُنَافِقُونَ يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ لِلّذِينَ آمَنُوا ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [الْبَقَرَة:١٤] قَالَ الشّاعِرُ
وَاعْلَمْ بِأَنّك قَدْ جَعَلْت وَلِيجَة سَاقُوا إلَيْك الْحَتْفَ غَيْرَ مَشُوبِ
مَا نَزَلَ فِي الرّدّ عَلَى قُرَيْشٍ بِادّعَائِهِمْ عِمَارَةَ الْبَيْتِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ ذَكَرَ قَوْلَ قُرَيْشٍ: إنّا أَهْلُ الْحَرَمِ، وَسُقَاةُ الْحَاجّ وَعُمّارُ هَذَا الْبَيْتِ فَلَا أَحَدَ
_________________
(١) أَشْهُرٍ أَوّلُهَا يَوْمُ النّحْرِ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التَّوْبَة:٣] قِيلَ أَرَادَ حِينَ الْحَجّ أَيْ أَيّامَ الْمَوْسِمِ كُلّهَا، لِأَنّ نِدَاءَ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِبَرَاءَةٌ كَانَ فِي تِلْكَ الْأَيّامِ. مَا نَزَلَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ: فَصْلٌ وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَأَهْلُ التّفْسِيرِ يَقُولُونَ إنّ آخِرَهَا نَزَلَ قَبْلَ أَوّلِهَا، فَإِنّ أَوّلَ مَا نَزَلَ مِنْهَا: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التَّوْبَة:٤١] ثُمّ نَزَلَ أَوّلُهَا فِي نَبْذِ كُلّ عَهْدٍ إلَى صَاحِبِهِ كَمَا تَقَدّمَ.
[ ٧ / ٤٢٦ ]
أَفْضَلُ مِنّا، فَقَالَ ﴿إِنّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التَّوْبَة:١٨] أَيْ إنّ عِمَارَتَكُمْ لَيْسَتْ عَلَى ذَلِكَ وَإِنّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ أَيْ مَنْ عَمَرَهَا بِحَقّهَا ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصّلَاةَ وَآتَى الزّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التَّوْبَة:١٨] أَيْ فَأُولَئِكَ عُمّارُهَا ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التَّوْبَة:١٨] وَعَسَى مِنْ اللهِ حَقّ.
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَوُونَ﴾ [التَّوْبَة:١٨،١٩]
مَا نَزَلَ فِي الْأَمْرِ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ
ثُمّ الْقِصّةُ عَنْ عَدُوّهِمْ حَتّى انْتَهَى إلَى ذِكْرِ حُنَيْنٍ، وَمَا كَانَ فِيهِ وَتَوَلّيهِمْ عَنْ عَدُوّهِمْ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى مِنْ نُصْرَةٍ بَعْدَ تَخَاذُلِهِمْ ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ وَذَلِكَ أَنّ النّاسَ قَالُوا: لَتَنْقَطِعَنّ عَنّا الْأَسْوَاقُ فَلَتَهُكّنّ التّجَارَةُ وَلَيَذْهَبَنّ مَا كُنّا نُصِيبُ فِيهَا مِنْ
_________________
(١) وَقَوْلُهُ ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ فِيهِ أَقْوَالٌ قِيلَ مَعْنَاهُ شُبّانًا وَشُيُوخًا، وَقِيلَ أَغْنِيَاءَ وَفُقَرَاءَ وَقِيلَ أَصْحَابَ شُغْلٍ وَغَيْرَ ذِي شُغْلٍ وَقِيلَ رُكْبَانًا وَرَجّالَةً. عَنْ الْأَجْدَعِ بْنِ مَالِكٍ وَأَنْشَدَ شَاهِدًا عَلَى أَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ لِلْأَجْدَعِ بْنِ مَالِكٍ وَالِدِ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ وَقَدْ غَيّرَ عُمَرُ ﵁ اسْمَ الْأَجْدَعِ وَقَالَ الْأَجْدَعُ اسْمُ شَيْطَانٍ فَسَمّاهُ عَبْدَ الرّحْمَنِ وَيُكَنّى مَسْرُوقٌ أَبَا عَائِشَةَ. وَقَوْلُهُ فِي الْبَيْتِ يَصْطَادُك الْوَحَدَ أَيْ يَصْطَادُ بِك، وَأَرَادَ بِالْوَحَدِ الثّوْرَ الْوَحْشِيّ. وَقَوْلُهُ بِشَرِيجٍ بَيْنَ الشّدّ وَالْإِيضَاعِ يُقَالُ هُمَا شَرِيجَانِ أَيْ مُخْتَلِفَانِ وَقَبْلَ هَذَا الْبَيْتِ بِأَبْيَاتٍ فِي شِعْرِ الْأَجْدَعِ
[ ٧ / ٤٢٧ ]
الْمَرَافِقِ فَقَالَ اللهُ ﷿ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أَيْ مِنْ وَجْهٍ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿إِنْ شَاءَ إِنّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، قَاتِلُوا الّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرّمُونَ مَا حَرّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقّ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التَّوْبَة:٢٨،٢٩] أَيْ فَفِي هَذَا عِوَضٌ مِمّا تَخَوّفْتُمْ مِنْ قَطْعِ الْأَسْوَاقِ فَعَوّضَهُمْ اللهُ بِمَا قَطَعَ عَنْهُمْ بِأَمْرِ الشّرْكِ مَا أَعْطَاهُمْ مِنْ أَعْنَاقِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْجِزْيَةِ.
_________________
(١) أَسَأَلْتنِي بِرَكَائِبِي وَرِحَالِهَا وَنَسِيت قَتْلَى فَوَارِسِ الْأَرْبَاعِ وَذَكَرَهُ أَبُو عَلِيّ [الْقَالِي] فِي الْأَمَالِي، فَقَالَ وَسَأَلْتنِي بِالْوَاوِ وَقَدْ خَطّئُوهُ وَقَالُوا: إنّمَا هُوَ أَسَأَلْتنِي. وَفَوَارِسُ الْأَرْبَاعِ قَدْ سَمّاهُمْ أَبُو عَلِيّ فِي الْأَمَالِي، وَذَكَرَ لَهُمْ خَبَرًا. إعْطَاءُ الْجِزْيَةِ عَنْ يَدٍ وَذَكَرَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التَّوْبَة:٢٩] وَقِيلَ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ أَيْضا: أَحَدُهَا: أَنْ يُؤَدّيَهَا الذّمّيّ بِنَفْسِهِ وَلَا يُرْسِلَهَا مَعَ غَيْرِهِ. الثّانِي: أَنْ يُؤَدّيَهَا قَائِمًا، وَاَلّذِي يَأْخُذُهَا قَاعِدًا. الثّالِثُ: أَنّ مَعْنَاهُ عَنْ قَهْرٍ وَإِذْلَالٍ. الرّابِعُ: أَنّ مَعْنَاهُ عَنْ يَدٍ مِنْكُمْ أَيْ إنْعَامٍ عَلَيْهِمْ بِحَقْنِ دِمَائِهِمْ وَأَخْذِ
[ ٧ / ٤٢٨ ]
مَا نَزَلَ فِي أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ
ثُمّ ذَكَرَ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ بِمَا فِيهِ مِنْ الشّرّ وَالْفِرْيَةِ عَلَيْهِ حَتّى انْتَهَى إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التَّوْبَة:٣٤]
مَا نَزَلَ فِي النّسِيءِ
ثُمّ ذَكَرَ النّسِيءَ وَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ أَحْدَثَتْ فِيهِ. وَالنّسِيءُ مَا كَانَ يُحِلّ مَا حَرّمَ اللهُ تَعَالَى مِنْ الشّهُورِ وَيُحَرّمُ مِمّا أَحَلّ اللهُ مِنْهَا، فَقَالَ ﴿إِنّ عِدّةَ الشّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أَيْ لَا تَجْعَلُوا حَرَامَهَا حَلَالًا، وَلَا حَلَالَهَا حَرَامًا: أَيْ كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الشّرْكِ ﴿إِنّمَا النّسِيءُ﴾ الّذِي كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلّ بِهِ الّذِينَ كَفَرُوا يُحِلّونَهُ عَامًا وَيُحَرّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدّةَ مَا حَرّمَ اللهُ فَيُحِلّوا مَا حَرّمَ اللهُ زُيّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [التَّوْبَة:٣٧]
مَا نَزَلَ فِي تَبُوكَ
ثُمّ ذَكَرَ تَبُوكَ وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ تَثَاقُلِ الْمُسْلِمِينَ عَنْهَا، وَمَا أَعْظَمُوا مِنْ غَزْوَةِ الرّومِ، حِينَ دَعَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى جِهَادِهِمْ وَنِفَاقَ مَنْ نَافَقَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ حِين دُعُوا إلَى مَا دُعُوا إلَيْهِ مِنْ الْجِهَادِ ثُمّ مَا نَعَى عَلَيْهِمْ مِنْ إحْدَاثِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ فَقَالَ
_________________
(١) الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ بَدَلًا مِنْ الْقَتْلِ كُلّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الْمُفَسّرِينَ وَلَفْظُ الْآيَةِ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ هَذِهِ الْمَعَانِي، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿قَاتِلُوا الّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التَّوْبَة:٢٩] وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يُصَدّقُونَ بِالْآخِرَةِ فَمَعْنَاهُ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ سَلّامٍ أَنّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَا يَقُولُونَ بِإِعَادَةِ الْأَجْسَادِ وَيَقُولُونَ إنّ الْأَرْوَاحَ هِيَ الّتِي تُبْعَثُ دُونَ الْأَجْسَادِ.
[ ٧ / ٤٢٩ ]
تَعَالَى: ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ ثُمّ الْقِصّةُ إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ايُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [التَّوْبَة:٣٩] إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التَّوْبَة:٣٨،٤٠]
مَا نَزَلَ فِي أَهْلِ النّفَاقِ
ثُمّ قَالَ تَعَالَى لِنَبِيّهِ ﷺ يَذْكُرُ أَهْلَ النّفَاقِ ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشّقّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أَيْ إنّهُمْ يَسْتَطِيعُونَ ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتّى يَتَبَيّنَ لَكَ الّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التَّوْبَة:٤٢،٤٧]
تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الْغَرِيبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ سَارُوا بَيْنَ أَضْعَافِكُمْ فَالْإِيضَاعُ ضَرْبٌ مِنْ السّيْرِ أَسْرَعُ مِنْ الْمَشْيِ قَالَ الْأَجْدَعُ بْنُ مَالِكٍ الْهَمْدَانِيّ:
يَصْطَادُك الْوَحَدَ الْمُدِلّ بِشَأْوِهِ بِشَرِيجَ بَيْنَ الشّدّ وَالْإِيضَاعِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
_________________
(١) مِنْ الْمُعَذّرِينَ وَذَكَرَ فِي الْمُعَذّرِينَ خُفَافَ بْنَ إيمَاءَ بْنِ رَحْضَةَ، وَيُقَالُ فِيهِ رُحْضَةُ بِالضّمّ ابْنُ خَرِبَةَ وَكَانَ لَهُ وَلِأَبِيهِ إيمَاءَ وَلِجَدّهِ رَحْضَةَ صُحْبَةٌ. مَاتَ خُفَافٌ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ - ﵁ - وَكَانَ إمَامًا لِبَنِي غِفَارٍ
[ ٧ / ٤٣٠ ]
عَوْدٌ إلَى مَا نَزَلَ فِي أَهْلِ النّفَاقِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَ الّذِينَ اسْتَأْذَنُوهُ مِنْ ذَوِي الشّرَفِ فِيمَا بَلَغَنِي، مِنْهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ ابْنِ سَلُولَ وَالْجَدّ بْنُ قَيْسٍ ; وَكَانُوا أَشْرَافًا فِي قَوْمِهِمْ فَثَبّطَهُمْ اللهُ لِعِلْمِهِ بِهِمْ أَنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ فَيُفْسِدُوا عَلَيْهِ جُنْدَهُ وَكَانَ فِي جُنْدِهِ قَوْمٌ أَهْلُ مَحَبّةٍ لَهُمْ وَطَاعَةٍ فِيمَا يَدْعُونَهُمْ إلَيْهِ لِشَرَفِهِمْ فِيهِمْ. فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْتَأْذِنُوك، ﴿وَقَلّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ أَيْ لِيُخَذّلُوا عَنْك أَصْحَابَك وَيَرُدّوا عَلَيْك أَمْرَك ﴿حَتّى جَاءَ الْحَقّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ - وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التَّوْبَة:٤٧،٤٩] وَكَانَ الّذِي قَالَ ذَلِكَ. فِيمَا سُمّيَ لَنَا، الْجَدّ بْنُ قَيْسٍ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، حِين دَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى جِهَادُ الرّومِ. ثُمّ كَانَتْ الْقِصّةُ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدّخَلًا لَوَلّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التَّوْبَة:٥٧،٥٨] أَيْ إنّمَا نِيّتُهُمْ وَرِضَاهُمْ وَسُخْطُهُمْ لِدُنْيَاهُمْ.
مَا نَزَلَ فِي ذِكْرِ أَصْحَابِ الصّدَقَاتِ
ثُمّ بَيّنَ الصّدَقَاتِ لِمَنْ هِيَ وَسَمّى أَهْلَهَا، فَقَالَ ﴿إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَاِبْنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التَّوْبَة:٦٠]
_________________
(١) وَذَكَرَ ابْنَ عُقَيْلٍ صَاحِبَ الصّاعِ الّذِي لَمَزَهُ الْمُنَافِقُونَ وَاسْمُهُ جَثْجَاثٌ وَقَدْ قِيلَ فِي صَاحِبِ الصّاعِ أَنّهُ رِفَاعَةُ بْنُ سَهْلٍ
[ ٧ / ٤٣١ ]
مَا نَزَلَ فِيمَنْ آذَوْا الرّسُولَ
ثُمّ ذَكَرَ غِشّهُمْ وَأَذَاهُمْ النّبِيّ ﷺ فَقَالَ ﴿وَمِنْهُمُ الّذِينَ يُؤْذُونَ النّبِيّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التَّوْبَة: ٦١] وَكَانَ الّذِي يَقُولُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ فِيمَا بَلَغَنِي، نَبْتَلُ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَذَلِكَ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ إنّمَا مُحَمّدٌ أُذُنٌ مَنْ حَدّثَهُ شَيْئًا صَدّقَهُ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ [التَّوْبَة: ٦١] أَيْ يَسْمَعُ الْخَيْرَ وَيُصَدّقُ بِهِ.
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التَّوْبَة: ٦٢] ثُمّ قَالَ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنّ إِنّمَا كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ﴾ [التَّوْبَة: ٦٥، ٦٦] وَكَانَ الّذِي قَالَ وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ، أَخُو بَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدٍ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْف وَكَانَ الّذِي عُفِيَ عَنْهُ فِيمَا بَلَغَنِي: مُخَشّنُ بْنُ حُمَيّرٍ الْأَشْجَعِيّ، حَلِيفُ بَنِي سَلِمَةَ، وَذَلِكَ أَنّهُ أَنْكَرَ مِنْهُمْ بَعْضَ مَا سَمِعَ.
ثُمّ الْقِصّةُ مِنْ صِفَتِهِمْ حَتّى انْتَهَى إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيّهَا النّبِيّ جَاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ وَلِيّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [التَّوْبَة: ٧٣، ٧٤] وَكَانَ الّذِي قَالَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ الْجُلَاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ صَامِتٍ فَرَفَعَهَا عَلَيْهِ رَجُلٌ كَانَ فِي حُجْرَةٍ يُقَالُ لَهُ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ فَأَنْكَرَهَا وَحَلَفَ بِاَللهِ مَا قَالَهَا، فَلَمّا نَزَلَ فِيهِمْ الْقُرْآنُ تَابَ وَنَزَعَ وَحَسُنَتْ حَالُهُ وَتَوْبَتُهُ فِيمَا بَلَغَنِي.
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصّدّقَنّ وَلَنَكُونَنّ مِنَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٣٢ ]
الصَّالِحِينَ﴾ [التَّوْبَة: ٧٥] وَكَانَ الّذِي عَاهَدَ اللهَ مِنْهُمْ ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ، وَمُعَتّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وَهُمَا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ.
ثُمّ قَالَ ﴿الّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطّوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقَاتِ وَالّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التَّوْبَة: ٧٩] وَكَانَ الْمُطّوّعُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقَاتِ عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَعَاصِمَ بْنَ عَدِيّ أَخَا بَنِي الْعَجْلَانِ وَذَلِكَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَغِبَ فِي الصّدَقَةِ وَحَضّ عَلَيْهَا، فَقَامَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَتَصَدّقَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَقَامَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيّ، فَتَصَدّقَ بِمِائَةِ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ فَلَمَزُوهُمَا وَقَالُوا: مَا هَذَا إلّا رِيَاءٌ وَكَانَ الّذِي تَصَدّقَ بِجُهْدِهِ أَبُو عُقَيْلٍ أَخُو بَنِي أُنَيْفٍ أَتَى بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ فَأَفْرَغَهَا فِي الصّدَقَةِ فَتَضَاحَكُوا بِهِ وَقَالُوا: إنّ اللهَ لَغَنِيّ عَنْ صَاعِ أَبِي عُقَيْلٍ.
ثُمّ ذَكَرَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ حِينَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْجِهَادِ وَأَمَرَ بِالسّيْرِ إلَى تَبُوكَ، عَلَى شِدّةِ الْحَرّ وَجَدْبِ الْبِلَادِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرّ قُلْ نَارُ جَهَنّمَ أَشَدّ حَرّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ. فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التَّوْبَة: ٨٢] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ﴾ [التَّوْبَة: ٨٥] .
مَا نَزَلَ بِسَبَبِ صَلَاةِ النّبِيّ عَلَى ابْنِ أُبَيّ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي الزّهْرِيّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ:
سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ يَقُولُ: لَمّا تُوُفّيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ، دُعِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلصّلَاةِ عَلَيْهِ فَقَامَ إلَيْهِ فَلَمّا وَقَفَ عَلَيْهِ يُرِيدُ الصّلَاةَ تَحَوّلْت حَتّى قُمْت فِي صَدْرِهِ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ أَتُصَلّي عَلَى عَدُوّ الله عبد اللهِ بْنِ أُبَيّ ابْنِ سَلُولَ؟ الْقَائِلِ كَذَا يَوْمَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٣٣ ]
كَذَا، وَالْقَائِلِ كَذَا يَوْمَ كَذَا؟ أُعَدّدُ أَيّامَهُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَبَسّمُ حَتّى إذَا أَكْثَرْت قَالَ يَا عُمَرُ أَخّرْ عَنّي، إنّي قَدْ خُيّرْت فَاخْتَرْت، قَدْ قِيلَ لِي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التَّوْبَة: ٨٠] فَلَوْ أَعْلَمُ أَنّي إنْ زِدْت عَلَى السّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْت. قَالَ ثُمّ صَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَشَى مَعَهُ حَتّى قَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتّى فُرِغَ مِنْهُ. قَالَ فَعَجِبْت لِي وَلِجُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَوَاَللهِ مَا كَانَ إلّا يَسِيرًا حَتّى نَزَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ: ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التَّوْبَة: ٨٤] فَمَا صَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَهُ عَلَى مُنَافِقٍ حَتّى قَبَضَهُ اللهُ تَعَالَى.
مَا نَزَلَ فِي الْمُسْتَأْذِنِينَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطّوْلِ مِنْهُمْ﴾ وَكَانَ ابْنُ أُبَيّ مِنْ أُولَئِكَ فَنَعَى اللهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَذَكَرَهُ مِنْهُ ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَكِنِ الرّسُولُ وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أَعَدّ اللهُ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَجَاءَ الْمُعَذّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التَّوْبَة: ٨٦، ٩٠] إلَى آخِرِ الْقِصّةِ. وَكَانَ الْمُعَذّرُونَ، فِيمَا بَلَغَنِي نَفَرًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ، مِنْهُمْ خُفَافُ بْنُ إيمَاءِ بْنِ رَحَضَةَ، ثُمّ كَانَتْ الْقِصّةُ لِأَهْلِ الْعُذْرِ حَتّى انْتَهَى إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا عَلَى الّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ حَزَنًا أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التَّوْبَة: ٩٢] وَهُمْ الْبَكّاءُونَ.
ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنّمَا السّبِيلُ عَلَى الّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وَالْخَوَالِفُ النّسَاءُ. ثُمّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٣٤ ]
ذَكَرَ حَلِفَهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ وَاعْتِذَارَهُمْ فَقَالَ: ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنّ اللهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ .
مَا نَزَلَ فِيمَنْ نَافَقَ مِنْ الْأَعْرَابِ
ثُمّ ذَكَرَ الْأَعْرَابَ وَمَنْ نَافَقَ مِنْهُمْ وَتَرَبّصَهُمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِالْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتّخِذُ مَا يُنْفِقُ﴾ أَيْ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ نَفَقَةٍ فِي سَبِيلِ الله ﴿مَغْرَمًا وَيَتَرَبّصُ بِكُمُ الدّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السّوْءِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ثُمّ ذَكَرَ الْأَعْرَابَ أَهْلَ الْإِخْلَاصِ وَالْإِيمَانِ مِنْهُم فَقَالَ: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَوَاتِ الرّسُولِ أَلَا إِنّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ [التَّوْبَة: ٩٨، ٩٩] .
مَا نَزَلَ فِي السّابِقِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ
ثُمّ ذَكَرَ السّابِقِينَ الْأَوّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَفَضْلَهُمْ وَمَا وَعَدَهُمْ اللهُ مِنْ حُسْنِ ثَوَابِهِ إيّاهُمْ ثُمّ أَلْحَقَ بِهِمْ التّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ فَقَالَ ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التَّوْبَة: ١٠٠] ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِمّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ أي لَجّوا فِيهِ وَأَبَوْا غَيْرَهُ ﴿سَنُعَذّبُهُمْ مَرّتَيْنِ﴾ وَالْعَذَابُ الّذِي أَوْعَدَهَا اللهُ تَعَالَى مَرّتَيْنِ فِيمَا بَلَغَنِي: غَمّهُمْ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ وَمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْظِ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ حِسْبَةٍ ثُمّ عَذَابُهُمْ فِي الْقُبُورِ إذَا صَارُوا إلَيْهَا، ثُمّ الْعَذَابُ الْعَظِيمُ الّذِي يَرُدّونَ إلَيْهِ عَذَابُ النّارِ وَالْخُلْدِ فِيهِ. ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٣٥ ]
ثمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التَّوْبَة:١٠٣] إِلَى آخر الْقِصَّة. ثمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التَّوْبَة:١٠٦] وَهُمْ الثّلَاثَةُ الّذِينَ خُلّفُوا، وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمْرَهُمْ حَتّى أَتَتْ مِنْ اللهِ تَوْبَتُهُمْ. ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالّذِينَ اتّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ [التَّوْبَة:١٠٧] إِلَى آخر الْقِصّةَ ثُمّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التَّوْبَة:١١١] ثُمّ كَانَ قِصّةُ الْخَبَرِ عَنْ تَبُوكَ، وَمَا كَانَ فِيهَا إلَى آخِرِ السّورَةِ.
وَكَانَتْ بَرَاءَةٌ تُسَمّى فِي زَمَانِ النّبِيّ ﷺ وَبَعْدَهُ الْمُبَعْثِرَةَ لِمَا كَشَفَتْ مِنْ سَرَائِرِ النّاسِ. وَكَانَتْ تَبُوكُ آخِرَ غَزْوَةٍ غَزَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ.
شِعْرُ حَسّانَ الّذِي عَدّدَ فِيهِ الْمَغَازِيَ
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُعَدّدُ أَيّامَ الْأَنْصَارِ مَعَ النّبِيّ ﷺ وَيَذْكُرُ مَوَاطِنَهُمْ مَعَهُ فِي أَيّامِ غَزْوِهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَتُرْوَى لِابْنِهِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ حَسّانَ:
أَلَسْت خَيْرَ مَعَدّ كُلّهَا نَفَرًا وَمَعْشَرًا إنْ هُمْ عُمّوا وَإِنْ حُصِلُوا
_________________
(١) قَصِيدَةُ حَسّانَ الْمِيمِيّةُ فَصْلٌ وَذَكَرَ كَلِمَةَ حَسّانَ الْمِيمِيّةَ وَفِيهَا: أَلَسْت خَيْرَ مَعَدّ كُلّهَا نَفَرًا وَحَسّانُ لَيْسَ مِنْ مَعَدّ وَلَكِنْ أَرَادَ أَلَسْت خَيْرَ النّاسِ فَأَقَامَ مَعَدّا لِكَثْرَتِهَا مَقَامَ النّاسِ.
[ ٧ / ٤٣٦ ]
قَوْمٌ هُمْ شَهِدُوا بَدْرًا بِأَجْمَعِهِمْ مَعَ الرّسُولِ فَمَا آلَوْا وَمَا خَذَلُوا
وَبَايَعُوهُ فَلَمْ يَنْكُثْ بِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَمْ يَكُ فِي إيمَانِهِمْ دَخَلُ
وَيَوْمَ صَبّحَهُمْ فِي الشّعْبِ مِنْ أُحُدٍ ضَرْبٌ رَصِينٌ كَحَرّ النّارِ مُشْتَعِلُ
وَيَوْمَ ذِي قَرَدٍ يَوْمَ اسْتَثَارَ بِهِمْ عَلَى الْجِيَادِ فَمَا خَامُوا وَمَا نَكَلُوا
وَذَا الْعُشَيْرَةِ جَاسُوهَا بِخَيْلِهِمْ مَعَ الرّسُولِ عَلَيْهَا الْبَيْضُ وَالْأَسَلُ
وَيَوْمَ وَدّانَ أَجْلَوْا أَهْلَهُ رَقَصًا بِالْخَيْلِ حَتّى نَهَانَا الْحَزْنُ وَالْجَبَلُ
وَلَيْلَةً طَلَبُوا فِيهَا عَدُوّهُمْ لِلّهِ وَاَللهُ يَجْزِيهِمْ بِمَا عَمِلُوا
وَغَزْوَةً يَوْمَ نَجْدٍ ثُمّ كَانَ لَهُمْ مَعَ الرّسُولِ بِهَا الْأَسْلَابُ وَالنّفَلُ
وَلَيْلَةً بِحُنَيْنٍ جَالَدُوا مَعَهُ فِيهَا يَعِلّهُمُ بِالْحَرْبِ إذْ نَهَلُوا
وَغَزْوَةَ الْقَاعِ فَرّقْنَا الْعَدُوّ بِهِ كَمَا تَفَرّقَ دُونَ الْمَشْرَبِ الرّسَلُ
وَيَوْمَ بُويِعَ كَانُوا أَهْلَ بَيْعَتِهِ عَلَى الْجِلَادِ فَآسَوْهُ وَمَا عَدَلُوا
وَغَزْوَةَ الْفَتْحِ كَانُوا فِي سَرِيّتِهِ مُرَابِطِينَ فَمَا طَاشُوا وَمَا عَجِلُوا
وَيَوْمَ خَيْبَرَ كَانُوا فِي كَتِيبَتِهِ يَمْشُونَ كُلّهُمْ مُسْتَبْسِلٌ بَطَلُ
بِالْبَيْضِ تَرْعَشُ فِي الْأَيْمَانِ عَارِيَةً تَعْوَجّ فِي الضّرْبِ أَحْيَانًا وَتَعْتَدِلُ
وَيَوْمَ سَارَ رَسُولُ اللهِ مُحْتَسِبًا إلَى تَبُوكَ وَهُمْ رَايَاتُهُ الْأُوَلُ
وَسَاسَةُ الْحَرْبِ إنْ حَرْبٌ بَدَتْ لَهُمْ حَتّى بَدَا لَهُمْ الْإِقْبَالُ وَالْقَفَلُ
أُولَئِكَ الْقَوْمُ أَنْصَارُ النّبِيّ وَهُمْ قَوْمِي أَصِيرُ إلَيْهِمْ حِينَ أَتّصِلُ
مَاتُوا كِرَامًا وَلَمْ تُنْكَثْ عُهُودُهُمْ وَقَتْلُهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ إذْ قُتِلُوا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ عَجُزُ آخِرِهَا بَيْتًا عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
كُنّا مُلُوكَ النّاسِ قَبْلَ مُحَمّدٍ فَلَمّا أَتَى الْإِسْلَامُ كَانَ لَنَا الْفَضْلُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٣٧ ]
وَأَكْرَمَنَا اللهُ الّذِي لَيْسَ غَيْرَهُ إلَهٌ بِأَيّامٍ مَضَتْ مَا لَهَا شَكْلُ
بِنَصْرِ الْإِلَهِ وَالرّسُولِ وَدِينِهِ وَأَلْبَسَنَاهُ اسْمًا مَضَى مَا لَهُ مِثْلُ
أُولَئِكَ قَوْمِي خَيْرُ قَوْمِك بِأَسْرِهِمْ فَمَا عُدّ مِنْ خَيْرٍ فَقَوْمِي لَهُ أَهْلُ
يَرُبّونَ بِالْمَعْرُوفِ مَعْرُوفَ مَنْ مَضَى وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ دُونَ مَعْرُوفِهِمْ قَفْلُ
إذَا اخْتُبِطُوا لَمْ يُفْحِشُوا فِي نَدِيّهِمْ وَلَيْسَ عَلَى سُؤَالِهِمْ عِنْدَهُمْ بُخْلُ
وَإِنْ حَارَبُوا أَوْ سَالَمُوا لَمْ يُشَبّهُوا فَحَرْبُهُمْ حَتْفٌ وَسِلْمُهُمْ سَهْلُ
وَجَارُهُمْ مُوفٍ بِعَلْيَاءِ بَيْتِهِ لَهُ مَا ثَوَى فِينَا الْكَرَامَةُ وَالْبَذْلُ
وَحَامِلُهُمْ مُوفٍ بِكُلّ حَمَالَةٍ تَحَمّلَ لَا غُرْمٌ عَلَيْهَا وَلَا خَذْلُ
وَقَائِلُهُمْ بِالْحَقّ إنْ قَالَ قَائِلٌ وَحِلْمُهُمْ عَوْدٌ وَحُكْمُهُمْ عَدْلُ
وَمِنّا أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ حَيَاتَهُ وَمَنْ غَسّلَتْهُ مِنْ جَنَابَتِهِ الرّسْلُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَوْلُهُ وَأَلْبَسَنَاهُ اسْمًا عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا:
قَوْمِي أُولَئِكَ إنْ تَسْأَلِي كِرَامٌ إذَا الضّيْفُ يَوْمًا أَلَمْ
_________________
(١) وَفِيهَا: وَنَادِ جِهَارًا وَلَا تَحْتَشِمْ وَفِيهَا رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنّ الْحِشْمَةَ لَا تَكُونُ إلّا بِمَعْنَى الْغَضَبِ وَأَنّهَا مِمّا يَضَعُهَا النّاسُ غَيْرَ مَوْضِعِهَا، وَقَدْ جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: لِكُلّ طَاعِمٍ حِشْمَةٌ فَابْدَءُوهُ بِالْيَمِينِ وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ لَا يَرْفَعَنّ أَحَدُكُمْ يَدَهُ عَنْ الطّعَامَ قَبْلَ أَكِيلِهِ فَإِنّ ذَلِكَ مِمّا يَحْشِمُه وَأَنْشَدَ أَبُو الْفَرَجِ لِمُحَمّدِ بْنِ يَسِيرٍ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مِثْلُ حَسّانَ فِي الْحُجّةِ
[ ٧ / ٤٣٨ ]
عِظَامُ الْقُدُورِ لِأَيْسَارِهِمْ يَكُبّونَ فِيهَا الْمُسِنّ السّنِمْ
يُؤَاسُونَ جَارَهُمْ فِي الْغِنَى وَيَحْمُونَ مَوْلَاهُمْ إنْ ظُلِمْ
فَكَانُوا مُلُوكًا بِأَرْضِيهِمْ يُنَادُونَ عَضْبًا بِأَمْرٍ غُشُمْ
مُلُوكًا عَلَى النّاسِ لَمْ يُمْلَكُوا مِنْ الدّهْرِ يَوْمًا كَحِلّ القَسَمْ
فَأَنْبَوْا بِعَادٍ وَأَشْيَاعِهَا ثَمُودَ وَبَعْضِ بَقَايَا إرَمْ
بِيَثْرِبَ قَدْ شَيّدُوا فِي النّخِيلِ حُصُونًا وَدُجّنَ فِيهَا النّعَمْ
نَوَاضِحَ قد علمتها الْيَهُود (عَلْ) إلَيْك وَقَوْلًا هَلُمْ
وَفِيمَا اشْتَهَوْا مِنْ عَصِيرِ الْقِطَا فِ وَالْعَيْشِ رَخْوًا عَلَى غَيْرِهِمْ
فَسِرْنَا إلَيْهِمْ بِأَثْقَالِنَا عَلَى كُلّ فَحْلٍ هِجَانٍ قَطِمْ
جَنَبْنَا بِهن جِيَاد الْخُيُول قَدْ جَلّلُوهَا جِلَالَ الْأَدَمْ
فَلَمّا أَنَاخُوا بِجَنْبَيْ صِرَارٍ وَشَدّوا السّرُوجَ بِلَيّ الحُزُمْ
فَمَا رَاعَهُمْ غير معج الْخُيُول وَالزّحْفُ مِنْ خَلْفِهِمْ قَدْ دَهِمْ
فَطَارُوا سِرَاعًا وَقَدْ أُفْزِعُوا وَجِئْنَا إلَيْهِمْ كَأُسْدِ الأُجُمْ
عَلَى كُلّ سَلْهَبَةٍ فِي الصّيَا نِ لَا يَشْتَكِينَ نُحُولَ السّأَمْ
_________________
(١) فِي انْقِبَاضٍ وَحِشْمَةٍ فَإِذَا جَالَسْت أَهْلَ الْوَفَاءِ وَالْكَرَمِ أَرْسَلْت نَفْسِي عَلَى سَجِيّتِهَا وَقُلْت مَا شِئْت غَيْرَ مُحْتَشِمِ وَفِيهَا قَوْلُهُ وَكَانُوا مُلُوكًا، وَلَمْ يَمْلِكُوا مِنْ الدّهْرِ يَوْمًا كَحِلّ القَسَمْ فِيهِ شَاهِدٌ لِمَا قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي تَفْسِيرِ كَحِلّةِ الْقَسَمِ وَخِلَافُهُ لِأَبِي عُبَيْدٍ، وَقَدْ قَدّمْنَا قَوْلَهُمَا فِيمَا تَقَدّمَ مِنْ شَرْحِ قَصِيدَةِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ
[ ٧ / ٤٣٩ ]
وَكُلّ كُمَيْتٍ مُطَارِ الْفُؤَادِ أَمِينِ الْفُصُوصِ كَمِثْلِ الزّلَمْ
عَلَيْهَا فَوَارِسُ قَدْ عُوّدُوا قِرَاعَ الْكُمَاةِ وَضَرْبَ الْبُهَمْ
مُلُوكٌ إذَا غشموا فِي الْبِلَاد لَا يَنْكُلُونَ وَلَكِنْ قُدُمْ
فَأُبْنَا بِسَادَاتِهِمْ وَالنّسَاءِ وَأَوْلَادِهِمْ فِيهِمْ تُقْتَسَمْ
وَرِثْنَا مَسَاكِنَهُمْ بَعْدَهُمْ وَكُنّا مُلُوكًا بِهَا لَمْ نَرِمْ
فَلَمّا أَتَانَا الرّسُولُ الرّشِي دُ بِالْحَقّ وَالنّورِ بَعْدَ الظّلَمْ
قُلْنَا صَدَقْت رَسُولَ الْمَلِيكِ هَلُمّ إلَيْنَا وَفِينَا أَقِمْ
فَنَشْهَدُ أَنَّك عبد الْإِلَه أُرْسِلْت نُورًا بِدِينٍ قِيَمْ
فَإِنّا وَأَوْلَادَنَا جُنّةٌ نَقِيك وَفِي مَالِنَا فَاحْتَكِمْ
فَنَحْنُ أُولَئِكَ إنْ كَذبُوك فَنَادِ دَاء وَلَا تَحْتَشِمْ
وَنَادِ بِمَا كُنْت أَخْفَيْته نِدَاءً جِهَارًا وَلَا تَكْتَتِمْ
فَصَارَ الْغُوَاةُ بِأَسْيَافِهِمْ إلَيْهِ يَظُنّونَ أَنْ يُخْتَرَمْ
فَقُمْنَا إلَيْهِمْ بِأَسْيَافِنَا نُجَالِدُ عَنْهُ بُغَاةَ الْأُمَمْ
_________________
(١) وَأَنْشَدَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إذَا عَصَفَتْ رِيحٌ فَلَيْسَ بِقَائِمٍ بِهَا وَتَدٌ إلّا تَحِلّةَ مُقْسِمِ وَأَنْشَدَ أَيْضًا: قَلِيلًا كَتَحْلِيلِ الْأُلَى ثُمّ أَصْبَحَتْ الْبَيْتَ. وَقَوْلُهُ وَعِزّا أَشَمْ هُوَ كَقَوْلِ الْعَرَبِ: عِزّةٌ قَعْسَاءُ يُرِيدُ شَمّاءُ لِأَنّ الْأَقْعَسَ الّذِي يُخْرِجُ صَدْرَهُ وَيُدْخِلُ ظَهْرَهُ وَقَدْ فَسّرَهُ الْمُبَرّدُ غَيْرَ هَذَا التّفْسِيرِ وَبَيْتُ حَسّانَ يَشْهَدُ لِمَا قُلْنَاهُ إنّمَا هُوَ الشّمَمُ الّذِي يُوصَفُ بِهِ ذُو الْعِزّةِ فَوُصِفَتْ الْعِزّةُ بِهِ مَجَازًا.
[ ٧ / ٤٤٠ ]
بِكُلّ صَقِيلٍ لَهُ مَيْعَةٌ رَقِيقِ الذّبَابِ عَضُوضٍ خَذِمْ
إذَا مَا يُصَادف صم الْعِظَام لَمْ يَنْبُ عَنْهَا وَلَمْ يَنْثَلِمْ
فَذَلِكَ مَا وَرّثَتْنَا الْقُرُو مُ مَجْدًا تَلِيدًا وَعِزّا أَشَمّ
إذَا مَرّ نَسْلٌ كَفَى نَسْلُهُ وَغَادَرَ نَسْلًا إذَا مَا انْفَصَمْ
فَمَا إنْ مِنْ النّاسِ إلّا لَنَا عَلَيْهِ وَإِنْ خَاصَ فَضْلُ النّعَمْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ بَيْتَهُ:
_________________
(١) تَفْسِيرُ سُورَةِ النّصْرِ فَصْلٌ وَذَكَرَ سُورَةَ ﴿إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النَّصْر:١﴾ وَتَفْسِيرُهُ لَهَا فِي الظّاهِرِ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ حِينَ سَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ تَأْوِيلِهَا، فَأَخْبَرَهُ أَنّ اللهَ تَعَالَى أَعْلَمَ فِيهَا نَبِيّهُ ﵇ بِانْقِضَاءِ أَجَلِهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إلّا مَا قُلْت. وَظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يَدُلّ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وَعُمَرُ لِأَنّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ فَاشْكُرْ رَبّك، وَاحْمَدْهُ كَمَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: إنّمَا قَالَ: ﴿فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّك وَاسْتَغْفِرْهُ إنّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النَّصْر:٣] فَهَذَا أَمْرٌ لِنَبِيّهِ ﵇ بِالِاسْتِعْدَادِ لِلِقَاءِ رَبّهِ تَعَالَى وَالتّوْبَةِ إلَيْهِ وَمَعْنَاهَا الرّجُوعُ عَمّا كَانَ بِسَبِيلِهِ مِمّا أُرْسِلَ بِهِ مِنْ إظْهَارِ الدّينِ إذْ قَدْ فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ وَتَمّ مُرَادُهُ فِيهِ فَصَارَ جَوَابُ إذَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النَّصْر:٢] مَحْذُوفًا. وَكَثِيرًا مَا يَجِيءُ فِي الْقُرْآنِ الْجَوَابُ مَحْذُوفًا، وَالتّقْدِيرُ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ فَقَدْ انْقَضَى الْأَمْرُ وَدَنَا الْأَجَلُ وَحَانَ اللّقَاءُ فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنّهُ كَانَ تَوّابًا وَوَقَعَ فِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ مُبَيّنًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ فَقَالَ فِيهِ فَقَدْ دَنَا أَجَلُك فَسَبّحْ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الّذِي فَهِمَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وَهُوَ حَذْفُ جَوَابِ إذَا، وَمَنْ لَمْ يَتَنَبّهْ لِهَذِهِ النّكْتَةِ حَسِبَ أَنّ جَوَابَ إذَا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿فَسَبِّحْ﴾ [النَّصْر:٣] كَمَا تَقُولُ إذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَصُمْ وَلَيْسَ فِي هَذَا التّأْوِيلِ مِنْ الْمُشَاكَلَةِ لِمَا قَبْلَهُ مَا فِي تَأْوِيلِ ابْنِ عَبّاسٍ فَتَدَبّرْهُ فَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ
[ ٧ / ٤٤١ ]
فَكَانُوا مُلُوكًا بِأَرْضِيهِمْ يُنَادُونَ غُضْبًا بِأَمْرٍ غُشُمْ
وَأَنْشَدَنِي:
بِيَثْرِبَ قَدْ شَيّدُوا فِي النّخِيلِ حُصُونًا وَدُجّنَ فِيهَا النّعَمْ
وَبَيْتَهُ "وَكُلّ كُمَيْتٍ مُطَارِ الْفُؤَادِ" عَنْهُ.
_________________
(١) عَنْهُ وَحَسْبُك بِهِمَا فَهْمًا لِكِتَابِ اللهِ ﵎، فَالْفَاءُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَابِطَةٌ لِلْأَمْرِ بِالْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ وَعَلَى مَا ظَهَرَ لِغَيْرِهِ رَابِطَةٌ لِجَوَابِ الشّرْطِ الّذِي فِي "إذَا".
[ ٧ / ٤٤٢ ]
ذِكْرُ سَنَةِ تِسْعٍ وَتَسْمِيَتِهَا سَنَةَ الْوُفُودِ وَنُزُولِ سُورَةِ الْفَتْحِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
لَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكّةَ، وَفَرَغَ مِنْ تَبُوكَ، وَأَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ وَبَايَعَتْ ضَرَبَتْ إلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ كُلّ وَجْهٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ أَنّ ذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَأَنّهَا كَانَتْ تُسَمّى سَنَةَ الْوُفُودِ.
انْقِيَادُ الْعَرَبِ وَإِسْلَامُهُمْ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَإِنّمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَرَبّصُ بِالْإِسْلَامِ أَمْرَ هَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَمْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَذَلِكَ أَنّ قُرَيْشًا كَانُوا إمَامَ النّاسِ وَهَادِيَهُمْ وَأَهْلَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَصَرِيحَ وَلَدِ
_________________
(١) قُدُومُ الْوُفُودِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنْ أَصَحّ مَا جَاءَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ وَهُمْ الّذِينَ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ " مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى " وَقَدْ تَكَرّرَ حَدِيثُهُمْ فِي
[ ٧ / ٤٤٣ ]
إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ ﵉ وَقَادَةَ الْعَرَبِ لَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ هِيَ الّتِي نَصَبَتْ لِحَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَخِلَافِهِ فَلَمّا اُفْتُتِحَتْ مَكّةُ، وَدَانَتْ لَهُ قُرَيْشٌ، وَدَوّخَهَا الْإِسْلَامُ وَعَرَفَتْ الْعَرَبُ أَنّهُ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِحَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا عَدَاوَتِهِ فَدَخَلُوا فِي دِينِ اللهِ كَمَا قَالَ ﷿ أَفْوَاجًا، يَضْرِبُونَ إلَيْهِ مِنْ كُلّ وَجْهٍ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيّهِ ﷺ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النَّصْر:١،٣] أَيْ فَاحْمَدْ اللهَ عَلَى مَا أَظْهَرَ مِنْ دِينِك، وَاسْتَغْفِرْهُ إنّهُ كَانَ تَوّابًا.
قُدُومُ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ وَنُزُولُ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ
رِجَالُ الْوَفْدِ
فَقَدِمَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وُفُودُ الْعَرَبِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ
_________________
(١) الصّحِيحَيْنِ دُونَ تَسْمِيَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَمِنْهُمْ أَشَجّ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَهُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ عَائِذٍ قَالَ لَهُ النّبِيّ ﷺ " إنّ فِيك خَلّتَيْنِ يُحِبّهُمَا اللهُ وَرَسُولُهُ الْحِلْمَ وَالْأَنَاةَ "وَمِنْهُمْ أَبُو الْوَازِعِ الزّارِعُ بْنُ عَامِرٍ وَابْنُ أُخْتِهِ مَطَرُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنْزِيّ. وَلَمّا ذَكَرُوا لِلنّبِيّ ﷺ أَنّهُ ابْنُ أُخْتِهِمْ قَالَ " ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ ". وَمِنْهُمْ ابْنُ أَخِي الزّارِعِ وَكَانَ مَجْنُونًا، فَجَاءَ بِهِ مَعَهُ لِيَدْعُوَ لَهُ النّبِيّ - ﷺ - فَمَسَحَ ظَهْرَهُ وَدَعَا لَهُ فَبَرِئَ لِحِينِهِ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا فَكُسِيَ جَمَالًا وَشَبَابًا، حَتّى كَانَ وَجْهُهُ وَجْهَ الْعَذْرَاءِ وَمِنْهُمْ الْجَهْمُ بْنُ قُثَمَ لَمّا نَهَاهُمْ النّبِيّ ﵇ عَنْ الشّرْبِ فِي الْأَوْعِيَةِ وَحَذّرَهُمْ مَا يَقَعُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْجِرَاحِ وَأَخْبَرَهُمْ أَنّهُمْ إذَا شَرِبُوا الْمُنْكَرَ عَمَدَ أَحَدُهُمْ إلَى ابْنِ عَمّهِ فَجَرَحَهُ وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ قَدْ جُرِحَ فِي ذَلِكَ وَكَانَ يُخْفِي جُرْحَهُ وَيَكْتُمُهُ وَذَلِكَ الرّجُلُ هُوَ جَهْمُ بْنُ قُثَمَ، عَجِبُوا مِنْ عِلْمِ النّبِيّ ﵇ بِذَلِكَ وَإِشَارَتِهِ إلَى ذَلِكَ الرّجُلِ. وَمِنْهُمْ أَبُو خَيْرَةَ الصّبَاحِيّ مِنْ بَنِي صُبَاحِ بْنِ لُكَيْزٍ مِنْ حَدِيثِهِ عَنْ رَسُولِ
[ ٧ / ٤٤٤ ]
بْنِ عُدَسَ التّمِيمِيّ، فِي أَشْرَافِ بَنِي تَمِيمٍ مِنْهُمْ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التّمِيمِيّ، وَالزّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ التّمِيمِيّ، أَحَدُ بَنِي سَعْدٍ وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ، وَالْحَبْحَابُ بْنُ يَزِيدَ.
شَيْءٌ عَنْ الْحُتَاتِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْحُتَاتُ وَهُوَ الّذِي آخَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ آخَى بَيْنَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَبَيْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ وَعَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَبَيْنَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ وَالزّبَيْرِ بْنِ الْعَوّامِ، وَبَيْنَ أَبِي ذَرّ الْغِفَارِيّ وَالْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو الْبَهْرَانِيّ، وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَالْحُتَاتِ بْنِ يَزِيدَ الْمُجَاشِعِيّ فَمَاتَ الْحُتَاتُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ فِي خِلَافَتِهِ فَأَخَذَ مُعَاوِيَةُ مَا تَرَكَ وِرَاثَةً بِهَذِهِ الْأُخُوّةِ فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ لِمُعَاوِيَةَ
أَبُوك وَعَمّي يَا مُعَاوِيَ أَوْرَثَا تُرَاثًا فَيَحْتَازُ التّرَاثَ أَقَارِبُهْ
فَمَا بَالُ مِيرَاثِ الْحُتَاتِ أَكَلْته وَمِيرَاثِ حَرْبٍ جَامِدٌ لَك ذَائِبُهْ
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
_________________
(١) اللهِ ﷺ أَنّهُ قَالَ " اللهُمّ اغْفِرْ لِعَبْدِ الْقَيْسِ " وَأَنّهُ زَوّدَهُمْ الْأَرَاكَ يَسْتَاكُونَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَزِيدَةُ الْعَصْرِيّ جَدّ هُودِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مَزِيدَةَ وَعَلَى هُودٍ يَدُورُ حَدِيثُهُ فِي التّمْرِ الْبَرْنِيّ وَأَنّهُ دَوَاءٌ وَلَيْسَ فِيهِ دَاءٌ وَمِنْهُمْ قَيْسُ بْنُ النّعْمَانِ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ فَهَذَا مَا بَلَغَنِي مِنْ تَسْمِيَةِ مَنْ وَفَدَ عَلَى النّبِيّ ﷺ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ. وَذَكَرَ فِي الْوُفُودِ الْحُتَاتَ بْنَ يَزِيدَ وَقَوْلَ الْفَرَزْدَقِ لِمُعَاوِيَةَ فِيهِ فَمَا بَالُ مِيرَاثِ الْحُتَاتِ أَكَلْته
[ ٧ / ٤٤٥ ]
سَائِرُ رِجَالِ الْوَفْدِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَفِي وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ نُعَيْمُ بْنُ يَزِيدَ وَقَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، أَخُو بَنِي سَعْدٍ فِي وَفْدٍ عَظِيمٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَعُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، أَحَدُ بَنِي دَارِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ،
وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ أَحَدُ بَنِي دَارِمِ بْنِ مَالِكٍ وَالْحُتَاتُ بْنُ يَزِيدَ أَحَدُ بَنِي دَارِمِ بْنِ مَالِكٍ وَالزّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ، أَحَدُ بَنِي بَهْدَلَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ، أَحَدُ بَنِي مِنْقَرِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، أَحَدُ بَنِي مِنْقَرِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَمَعَهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيّ، وَقَدْ كَانَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ شَهِدَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَتْحَ مَكّةَ وَحُنَيْنًا وَالطّائِفَ.
صِيَاحُهُمْ بِالرّسُولِ وَكَلِمَةُ عُطَارِدٍ
فَلَمّا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ كَانَا مَعَهُمْ فَلَمّا دَخَلَ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ الْمَسْجِدَ نَادَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ وَرَاءِ حُجُرَاتِهِ أَنْ اُخْرُجْ إلَيْنَا يَا مُحَمّدُ فَآذَى ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ صِيَاحِهِمْ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقَالُوا: يَا مُحَمّدُ جِئْنَاك نُفَاخِرُك، فَأْذَنْ لِشَاعِرِنَا وَخَطِيبِنَا، قَالَ " قَدْ أُذِنَ لِخَطِيبِكُمْ فَلْيَقُلْ " فَقَالَ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، فَقَالَ:
_________________
(١) الْبَيْتَ وَبَعْدَهُ فِي غَيْرِ سِيرَةِ ابْنِ إسْحَاقَ: فَلَوْ أَنّ هَذَا كَانَ فِي غَيْرِ مُلْكِكُمْ لَبُؤْت بِهَا أَوْ غَصّ بِالْمَاءِ شَارِبُهْ شَرْحُ صَاحِبِ الْحُلّةِ وَذَكَرَ فِيهِمْ عُطَارِدَ بْنَ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ، وَهُوَ صَاحِبُ الْحُلّةِ الّتِي قَالَ فِيهَا
[ ٧ / ٤٤٦ ]
الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي لَهُ عَلَيْنَا الْفَضْلُ وَالْمَنّ، وَهُوَ أَهْلُهُ الّذِي جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَوَهَبَ لَنَا أَمْوَالًا عِظَامًا، نَفْعَلُ فِيهَا الْمَعْرُوفَ وَجَعَلَنَا أَعَزّ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَأَكْثَرَهُ عَدَدًا، وَأَيْسَرَهُ عُدّةً فَمَنْ مِثْلُنَا فِي النّاسِ؟ أَلَسْنَا بِرُءُوسِ النّاسِ وَأُولِي فَضْلِهِمْ؟ فَمَنْ فَاخَرَنَا فَلْيَعْدُدْ مِثْلَ مَا عَدَدْنَا، وَإِنّا لَوْ نَشَاءُ لَأَكْثَرْنَا الْكَلَامَ وَلَكِنّا نَحْيَا مِنْ الْإِكْثَارِ فِيمَا أَعْطَانَا، وَإِنّا نُعْرَفُ بِذَلِكَ.
أَقُولُ هَذَا لِأَنْ تَأْتُوا بِمِثْلِ قَوْلِنَا، وَأَمْرٍ أَفْضَلَ مِنْ أَمْرِنَا. ثُمّ جَلَسَ.
_________________
(١) النّبِيّ ﷺ " إنّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ الْحُلّةَ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ [فِي الْآخِرَةِ] " وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁ أَتَكْسُونِي هَذِهِ وَقَدْ قُلْت فِي حُلّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْت، وَكَانَ سَبَبُ تِلْكَ الْحُلّةِ أَنّ حَاجِبَ بْنَ زُرَارَةَ أَبَا عُطَارِدٍ كَانَ وَفَدَ عَلَى كِسْرَى لِيَأْخُذَ مِنْهُ أَمَانًا لِقَوْمِهِ لِيَقْرُبُوا مِنْ رِيفِ الْعِرَاقِ لِجَدْبٍ أَصَابَ بِلَادَهُمْ فَسَأَلَهُ كِسْرَى رَهْنًا لِيَسْتَوْثِقَ بِهَا مِنْهُمْ فَدَفَعَ إلَيْهِ قَوْسَهُ رَهِينَةً فَاسْتَحْمَقَهُ الْمَلِكُ وَضَحِكَ مِنْهُ فَقِيلَ لَهُ أَيّهَا الْمَلِكُ إنّهُمْ الْعَرَبُ لَوْ رَهَنَك أَحَدُهُمْ تِبْنَةً مَا أَسْلَمَهَا غَدْرًا فَقَبِلَهَا مِنْهُ كِسْرَى، فَلَمّا أَخْصَبَتْ بِلَادُهُمْ انْتَشَرُوا رَاجِعِينَ إلَيْهَا، وَجَاءَ حَاجِبٌ يَطْلُبُ قَوْسَهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ كَسَاهُ كِسْرَى تِلْكَ الْحُلّةَ الّتِي كَانَتْ عِنْدَ عُطَارِدٍ الْمَذْكُورَةَ فِي جَامِعِ الْمُوَطّإِ. ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ أَوْ مَعْنَاهُ وَفِي الْمُوَطّإِ أَنّ عُمَرَ ﵁ - كَسَا الْحُلّةَ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكّةَ قَالَ ابْنُ الْحَذّاءِ كَانَ أَخَاهُ لِأُمّهِ وَاسْمُهُ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ الثّقَفِيّ، وَهُوَ جَدّ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ لِأُمّهِ هَكَذَا ذَكَرَ فِي تَسْمِيَةِ رِجَالِ الْمُوَطّإِ وَغَلِطَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنّهُ قَالَ كَانَ أَخَا عُمَرَ لِأُمّهِ وَإِنّمَا هُوَ أَخُو زَيْدِ بْنِ الْخَطّابِ لِأُمّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ وَهْبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَأَمّا أُمّ عُمَرَ فَهِيَ حَنْتَمَةُ بِنْتُ هَاشِمِ بْنِ
[ ٧ / ٤٤٧ ]
كَلِمَةُ ثَابِتٍ فِي الرّدّ عَلَى عُطَارِدٍ
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشّمّاسِ أَخِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: " قُمْ فَأَجِبْ الرّجُلَ فِي خُطْبَتِهِ ". فَقَامَ ثَابِتٌ فَقَالَ:
الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي السّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ خَلْقُهُ قَضَى فِيهِنّ أَمْرَهُ وَوَسِعَ كُرْسِيّهُ عِلْمُهُ وَلَمْ يَكُ شَيْءٌ قَطّ إلّا مِنْ فَضْلِهِ ثُمّ كَانَ مِنْ قُدْرَتِهِ أَنْ جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَاصْطَفَى مِنْ خَيْرِ خَلْقِهِ رَسُولًا، أَكْرَمَهُ نَسَبًا، وَأَصْدَقَهُ حَدِيثًا، وَأَفْضَلَهُ حَسَبًا، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ وَائْتَمَنَهُ عَلَى خَلْقِهِ فَكَانَ خِيرَةَ اللهِ مِنْ الْعَالَمِينَ ثُمّ دَعَا النّاسَ إلَى الْإِيمَانِ بِهِ فَآمَنَ بِرَسُولِ اللهِ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قَوْمِهِ وَذَوِي رَحِمِهِ أَكْرَمُ النّاسِ حَسَبًا، وَأَحْسَنُ النّاسِ
_________________
(١) الْمُغِيرَةِ [بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَخْزُومٍ]، وَالْغَلَطُ الثّانِي أَنّهُ جَعَلَهُ ثَقِيفِيّا وَإِنّمَا هُوَ سُلَمِيّ وَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ مُرّةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ فَالِجِ بْنِ ذَكْوَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمٍ هَكَذَا نَسَبَهُ الزّبَيْرُ وَبِنْتُهُ أُمّ سَعْدٍ وَلَدَتْ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيّبِ. نَسَبُ ابْنِ الْأَهْتَمِ وَذَكَرَ فِيهِمْ عَمْرَو بْنَ الْأَهْتَمِ وَنَسَبَهُ وَاسْمُ الْأَهْتَمِ سُمَيّ بْنُ سِنَانٍ وَهُوَ جَدّ شَبِيبِ بْنِ شَيْبَةَ وَخَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ الْخَطِيبَيْنِ الْبَلِيغَيْنِ وَسُمّيَ سُمَيّ بِالْأَهْتَمِ لِأَنّ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ ضَرَبَهُ فَهَتَمَ فَاهُ. عَنْ كرْسِي الله ﷻ: وَذَكَرَ خُطْبَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، وَفِيهَا وَسِعَ كُرْسِيّهُ عِلْمُهُ وَفِيهِ رَدّ عَلَى مَنْ قَالَ الْكُرْسِيّ هُوَ الْعِلْمُ وَكَذَلِك مَنْ قَالَ هُوَ الْقُدْرَةُ لِأَنّهُ لَا تُوصَفُ الْقُدْرَةُ وَالْعِلْمُ بِأَنّ الْعِلْمَ وَسِعَهَا، وَإِنّمَا كُرْسِيّهُ مَا أَحَاطَ بِالسّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ وَهُوَ دُونَ الْعَرْشِ كَمَا
[ ٧ / ٤٤٨ ]
وُجُوهًا، وَخَيْرُ النّاسِ فِعَالًا. ثُمّ كَانَ أَوّلَ الْخَلْقِ إجَابَةً وَاسْتَجَابَ لِلّهِ حِينَ دَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَحْنُ فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ وَوُزَرَاءُ رَسُولِهِ نُقَاتِلُ النّاسَ حَتّى يُؤْمِنُوا بِاَللهِ فَمَنْ آمَنَ بِاَللهِ وَرَسُولِهِ مَنَعَ مِنّا مَالَهُ وَدَمَهُ وَمَنْ كَفَرَ جَاهَدْنَاهُ فِي اللهِ أَبَدًا، وَكَانَ قَتْلُهُ عَلَيْنَا يَسِيرًا. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالسّلَامُ عَلَيْكُمْ.
_________________
(١) جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ فَعِلْمُهُ سُبْحَانَهُ قَدْ وَسِعَ الْكُرْسِيّ بِمَا حَوَاهُ مِنْ دَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ وَجَلَائِلِهَا وَجُمَلِهَا وَتَفَاصِيلِهَا، وَقَدْ قِيلَ إنّ الْكُرْسِيّ فِي الْقُرْآنِ هُوَ الْعَرْشُ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ حُجّةً لِهَذَا الْقَوْلِ لِأَنّهُ لَمْ يُرِدْ أَنّ الْعِلْمَ وَسِعَ الْكُرْسِيّ فَمَا دُونَهُ عَلَى الْخُصُوصِ دُونَ مَا فَوْقَهُ فَجَائِزٌ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْعَرْشَ وَمَا تَحْتَهُ وَاَللهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ صَحّتْ الرّوَايَةُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ الْكُرْسِيّ هُوَ الْعِلْمُ فَمُؤَوّلَةٌ كَأَنّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَفْسِيرَ لَفْظِ الْكُرْسِيّ وَلَكِنْ أَشَارَ إلَى أَنّ مَعْنَى الْعِلْمِ وَالْإِحَاطَةِ يُفْهَمُ مِنْ الْآيَةِ لِأَنّ الْكُرْسِيّ الّذِي هُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ مِنْ سَرِيرِ الْمُلْكِ إذَا وَسِعَ مَا وَسِعَ فَقَدْ وَسِعَهُ عِلْمُ الْمَلِكِ وَمُلْكُهُ وَقُدْرَتُهُ وَنَحْوَ هَذَا، فَلَيْسَ فِي أَنْ يَسَعَ الْكُرْسِيّ مَا وَسِعَهُ مَدْحٌ وَثَنَاءٌ عَلَى الْمَلِكِ سُبْحَانَهُ إلّا مِنْ حَيْثُ تَضَمّنِ سَعَةِ الْعِلْمِ وَالْمُلْكِ وَإِلّا فَلَا مَدْحَ فِي وَصْفِ الْكُرْسِيّ بِالسّعَةِ وَالْآيَةُ لَا مَحَالَةَ وَارِدَةٌ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ وَالتّعْظِيمِ لِلْعَلِيّ الْعَظِيمِ الّذِي لَا يَئُودُهُ حِفْظُ مَخْلُوقَاتِهِ كُلّهَا، وَهُوَ الْحَيّ الْقَيّومُ وَقَرّى الطّبَرِيّ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ، وَاحْتَجّ لَهُ بِقَوْلِهِ ﷿ ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [الْبَقَرَة:٢٥٥] وَبِأَنّ الْعَرَبَ تُسَمّي الْعُلَمَاءَ كَرَاسِيّ. قَالَ وَمِنْهُ سُمّيَتْ الْكُرّاسُ لِمَا تَضَمّنَتْهُ وَتَجْمَعُهُ مِنْ الْعِلْمِ وَأَنْشَدَ تَحُفّهُمْ بِيضُ الْوُجُوهِ وَعَصَبَةٌ كَرَاسِيّ بِالْأَحْدَاثِ حِينَ تَنُوبُ أَيْ عَالِمُونَ بِالْأَحْدَاثِ.
[ ٧ / ٤٤٩ ]
شِعْرُ الزّبْرِقَانِ فِي الْفَخْرِ بِقَوْمِهِ
فَقَامَ الزّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ، فَقَالَ:
نَحْنُ الْكِرَامُ فَلَا حَيّ يُعَادِلُنَا مِنّا الْمُلُوكُ وَفِينَا تُنْصَبُ الْبِيَعُ
وَكَمْ قَسَرْنَا مِنْ الْأَحْيَاءِ كُلّهِمْ عِنْدَ النّهَابِ وَفَضْلُ الْعِزّ يُتّبَعُ
وَنَحْنُ يُطْعِمُ عِنْدَ الْقَحْطِ مُطْعِمُنَا مِنْ الشّوَاءِ إذَا لَمْ يُؤْنَسْ الْقَزَعُ
بِمَا تَرَى النّاسَ تَأْتِينَا سَرَاتُهُمْ مِنْ كُلّ أَرْضٍ هُوِيّا ثُمّ تَصْطَنِعُ
فَنَنْحَرُ الْكُومَ عُبْطًا فِي أَرُومَتِنَا لِلنّازِلِينَ إذَا مَا أُنْزِلُوا شَبِعُوا
_________________
(١) شِعْرُ الزّبْرِقَانِ وَذَكَرَ شِعْرَ الزّبْرِقَانِ وَأَنّ بَعْضَ النّاسِ يُنْكِرُ الشّعْرَ لَهُ وَذَكَرَ الْبَرْقِيّ أَنّ الشّعْرَ لِقَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيّ وَكَانَ الزّبْرِقَانُ يُرْفَعُ لَهُ بَيْتٌ مِنْ عَمَائِمَ وَثِيَابٍ وَيُنْضَخُ بِالزّعْفَرَانِ وَالطّيبِ وَكَانَتْ بَنُو تَمِيمٍ تَحُجّ ذَلِكَ الْبَيْتَ. قَالَ الشّاعِرُ وَهُوَ الْمُخَبّلُ السّعْدِيّ، وَاسْمُهُ كَعْبُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ قِتَالٍ وَأَشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً يَحُجّونَ سِبّ الزّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا وَالسّبّ: الْعِمَامَةُ وَأَحْسَبُهُ أَشَارَ إلَى هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ بِمَا تَرَى النّاسَ تَأْتِينَا سَرَاتُهُمْ الْبَيْتَ. وَلَيْسَ السّرَاةُ جَمْعَ سَرِيّ كَمَا ظَنّوا، وَإِنّمَا هُوَ كَمَا تَقُولُ ذُرْوَتُهُمْ وَسَنَامُهُمْ وَسَرَاةُ كُلّ شَيْءٍ أَعْلَاهُ وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَالزّبْرِقَانُ مِنْ أَسْمَاءِ الْقَمَرِ. قَالَ الشّاعِرُ تُضِيءُ بِهِ الْمَنَابِرُ حِينَ يَرْقَى عَلَيْهَا مِثْلَ ضَوْءِ الزّبْرِقَانِ
[ ٧ / ٤٥٠ ]
فَلَا تَرَانَا إلَى حَيّ نُفَاخِرُهُمْ إلّا اسْتَفَادُوا فَكَانُوا الرّأْسَ يُقْتَطَعُ
فَمَنْ يُفَاخِرُنَا فِي ذَاكَ نَعْرِفُهُ فَيَرْجِعُ الْقَوْمُ وَالْأَحْبَارُ تَسْتَمِعُ
إنّا أَبَيْنَا وَلَا يَأْبَى لَنَا أَحَدٌ إنّا كَذَلِكَ عِنْدَ الْفَخْرِ نَرْتَفِعُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى:
مِنّا الْمُلُوكُ وَفِينَا تُقْسَمُ الرّبَعُ
وَيُرْوَى:
مِنْ كُلّ أَرْضٍ هَوَانَا ثُمّ نُتّبَعُ
رَوَاهُ لِي بَعْضُ بَنِي تَمِيمٍ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهَا لِلزّبْرِقَانِ.
شِعْرُ حَسّانَ فِي الرّدّ عَلَى الزّبْرِقَانِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَ حَسّانُ غَائِبًا، فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ. قَالَ حَسّانُ جَاءَنِي رَسُولُهُ فَأَخْبَرَنِي أَنّهُ إنّمَا دَعَانِي لِأُجِيبَ شَاعِرَ بَنِي تَمِيمٍ فَخَرَجْت إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَقُولُ
مَنَعْنَا رَسُولَ اللهِ إذْ حَلّ وَسْطَنَا عَلَى أَنْفِ رَاضٍ مِنْ مَعَدّ وَرَاغِمِ
مَنَعْنَاهُ لَمّا حَلّ بَيْنَ بُيُوتِنَا بِأَسْيَافِنَا مِنْ كُلّ بَاغٍ وَظَالِمِ
_________________
(١) وَالزّبْرِقَانُ أَيْضًا: الْخَفِيفُ الْعَارِضَيْنِ وَكَانَتْ لَهُ ثَلَاثَةُ أَسْمَاءَ الزّبْرِقَانُ وَالْقَمَرُ وَالْحُصَيْنُ وَثَلَاثُ كُنًى: أَبُو الْعَبّاسِ وَأَبُو شَذْرَةَ وَأَبُو عَيّاشٍ وَهُوَ الزّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ خَلَفِ بْنِ بَهْدَلَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ. شِعْرُ حَسّانَ فِي الرّدّ عَلَى الزّبْرِقَانِ فِي الْمِيمِيّةِ وَالْعَيْنِيّةِ وَقَوْلُ حَسّانَ
[ ٧ / ٤٥١ ]
بِجَابِيَةِ الْجَوْلَانِ وَسْطَ الْأَعَاجِمِ
هَلْ الْمَجْدُ إلّا السّودَدُ الْعَوْدُ وَالنّدَى وَجَاهُ الْمُلُوكِ وَاحْتِمَالُ الْعَظَائِمِ
قَالَ فَلَمّا انْتَهَيْت إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَامَ شَاعِرُ الْقَوْمِ فَقَالَ مَا قَالَ عَرَضْت فِي قَوْلِهِ وَقُلْت عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ. قَالَ فَلَمّا فَرَغَ الزّبْرِقَانُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ " قُمْ يَا حَسّانُ فَأَجِبْ الرّجُلَ فِيمَا قَالَ ". فَقَامَ حَسّانُ فَقَالَ
إنّ الذّوَائِبَ مِنْ فِهْرٍ وَإِخْوَتِهِمْ قَدْ بَيّنُوا سُنّةً لِلنّاسِ تُتّبَعُ
يَرْضَى بِهِمْ كُلّ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ تَقْوَى الْإِلَهِ وَكُلّ الْخَيْرِ يُصْطَنَعُ
قَوْمٌ إذَا حَارَبُوا ضَرّوا عَدُوّهُمْ أَوْ حَاوَلُوا النّفْعَ فِي أَشْيَاعِهِمْ نَفَعُوا
سَجِيّةٌ تِلْكَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ إنّ الْخَلَائِقَ فَاعْلَمْ شَرّهَا الْبِدَعُ
_________________
(١) بِبَيْتٍ حَرِيدٍ عِزّهُ وَثَرَاؤُهُ يُرِيدُ بَيْتٍ شَرَفُهُمْ مِنْ غَسّانَ وَهُمْ مُلُوكُ الشّامِ، وَهُمْ وَسَطَ الْأَعَاجِمِ، وَالْبَيْتُ الْحَرِيدُ الْمُنْفَرِدُ عَنْ الْبُيُوتِ كَمَا انْفَرَدَتْ غَسّانُ، وَانْقَطَعَتْ عَنْ أَرْضِ الْعَرَبِ، وَكَانَ حَسّانُ يَضْرِبُ بِلِسَانِهِ أَرْنَبَةَ أَنْفِهِ هُوَ وَابْنُهُ وَأَبُوهُ وَجَدّهُ وَكَانَ يَقُولُ لَوْ وَضَعْته يَعْنِي لِسَانَهُ عَلَى حَجَرٍ لَفَلَقَهُ أَوْ عَلَى شَعْرٍ لَحَلَقَهُ وَمَا يَسُرّنِي بِهِ مَقُولٌ مِنْ مَعَدّ. وَقَوْلُ حَسّانَ: يُخَاضُ إلَيْهِ السّمّ وَالسّلَعُ السّلَعُ شَجَرٌ مُرّ. قَالَ أُمَيّةُ [بْنُ أَبِي الصّلْتِ]: عُشَرٌ مَا وَفَوْقَهُ سَلَعٌ مَا عَائِلٌ مَا، وَعَالَتْ الْبَيْقُورَا
[ ٧ / ٤٥٢ ]
إنْ كَانَ فِي النّاسِ سَبّاقُونَ بَعْدَهُمْ فَكُلّ سَبْقٍ لِأَدْنَى سَبْقِهِمْ تَبَعُ
لَا يَرْفَعُ النّاسُ مَا أَوْهَتْ أَكُفّهُمْ عِنْدَ الدّفَاعِ وَلَا يُوهُونَ مَا رَقَعُوا
إنْ سَابَقُوا النّاسَ يَوْمًا فَازَ سَبْقُهُمْ أَوْ وَازَنُوا أَهْلَ مَجْدٍ بِالنّدَى مَتَعُوا
أَعِفّةٌ ذُكِرَتْ فِي الْوَحْيِ عِفّتُهُمْ لَا يَطْمَعُونَ وَلَا يُرْدِيهِمْ طَمَعُ
لَا يَبْخَلُونَ عَلَى جَارٍ بِفَضْلِهِمْ وَلَا يَمَسّهُمْ مِنْ مَطْمَعٍ طَبَعُ
إذَا نَصَبْنَا لِحَيّ لَمْ نَدِبّ لَهُمْ كَمَا يَدِبّ إلَى الْوَحْشِيّةِ الذّرَعُ
نَسْمُو إذَا الْحَرْبُ نَالَتْنَا مَخَالِبُهَا إذَا الزّعَانِفُ مِنْ أَظْفَارِهَا خَشَعُوا
لَا يَفْخَرُونَ إذَا نَالُوا عَدُوّهُمْ وَإِنْ أُصِيبُوا فَلَا خُورٌ وَلَا هُلُعُ
كَأَنّهُمْ فِي الْوَغَى وَالْمَوْتِ مُكْتَنِعٌ أُسْدٌ بِحَلْبَةَ فِي أَرْسَاغِهَا فَدَعُ
خُذْ مِنْهُمْ مَا أَتَى عَفْوًا إذَا غَضِبُوا وَلَا يَكُنْ هَمّك الْأَمْرَ الّذِي مَنَعُوا
فَإِنّ فِي حَرْبِهِمْ فَاتْرُكْ عَدَاوَتَهُمْ شَرّا يُخَاضُ عَلَيْهِ السّمّ وَالسّلَعُ
_________________
(١) يُرِيدُ أَنّهُمْ كَانُوا إذَا اسْتَسْقَوْا فِي الْجَاهِلِيّةِ رَبَطُوا السّلَعَ وَالْعُشَرَ فِي أَذْنَابِ الْبَقَرِ. وَقَوْلُهُ: شَمَعُوا، أَيْ ضَحِكُوا وَمَزَحُوا. قَالَ الشّاعِرُ [الْمُتَنَخّلُ الْهُذَلِيّ] يَصِفُ الْأَضْيَافَ وَأَبْدَؤُهُمْ بِمَشْمَعَةٍ وَأُثْنِي بِجُهْدِي مِنْ طَعَامٍ أَوْ بِسَاطِ وَفِي الْحَدِيثِ مَنْ تَتَبّعَ الْمَشْمَعَةَ شَمّعَ اللهُ بِهِ. يُرِيدُ مِنْ ضَحِكَ مِنْ النّاسِ وَأَفْرَطَ فِي الْمَزْحِ. وَقَوْلُهُ: أَوْ وَازَنُوا أَهْلَ مَجْدٍ بِالنّدَى مَتَعُوا أَيْ ارْتَفَعُوا، يُقَال: مَتَعَ النّهَارُ إذَا ارْتَفَعَ.
[ ٧ / ٤٥٣ ]
أَكْرِمْ بِقَوْمٍ رَسُولُ اللهِ شِيعَتُهُمْ إذَا تَفَاوَتَتْ الْأَهْوَاءُ وَالشّيَعُ
أَهْدَى لَهُمْ مِدْحَتِي قَلْبٌ يُؤَازِرُهُ فِيمَا أَحَبّ لِسَانٌ حَائِكٌ صَنَعُ
فَإِنّهُمْ أَفْضَلُ الْأَحْيَاءِ كُلّهِمْ إنْ جَدّ بِالنّاسِ جِدّ الْقَوْلِ أَوْ شَمَعُوا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ:
يَرْضَى بِهَا كُلّ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ تَقْوَى الْإِلَهِ وَبِالْأَمْرِ الّذِي شَرَعُوا
شِعْرٌ آخَرُ لِلزّبْرِقَانِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَنّ الزّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ لَمّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ قَامَ فَقَالَ
أَتَيْنَاك كَيْمَا يَعْلَمَ النّاسُ فَضْلَنَا إذَا احْتَفَلُوا عِنْدَ احْتِضَارِ الْمَوَاسِمِ
بِأَنّا فُرُوعُ النّاسِ فِي كُلّ مَوْطِنٍ وَأَنْ لَيْسَ فِي أَرْضِ الْحِجَازِ كَدَارِمِ
وَأَنّا نَذُودُ الْمُعْلِمِينَ إذَا انْتَخَوْا وَنَضْرِبُ رَأْسَ الْأَصْيَدِ الْمُتَفَاقِمِ
وَأَنّ لَنَا الْمِرْبَاعَ فِي كُلّ غَارَةٍ نُغِيرُ بِنَجْدٍ أَوْ بِأَرْضِ الْأَعَاجِمِ
شِعْرٌ آخَرُ لِحَسّانَ فِي الرّدّ عَلَى الزّبْرِقَانِ
فَقَامَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فَأَجَابَهُ فَقَالَ:
هَلْ الْمَجْدُ إلّا السّودَدُ الْعَوْدُ وَالنّدَى وَجَاهُ الْمُلُوكِ وَاحْتِمَالُ الْعَظَائِمِ
نَصَرْنَا وَآوَيْنَا النّبِيّ مُحَمّدًا عَلَى أَنْفِ رَاضٍ مِنْ مَعَدّ وَرَاغِمِ
_________________
(١) شِعْرٌ آخَرُ لِحَسّانَ فِي الرّدّ عَلَى الزّبْرِقَانِ وَقَوْلُ حَسّانَ وَطِبْنَا لَهُ نَفْسًا بِفَيْءِ الْمَغَانِمِ يُرِيدُ طِيبَ نُفُوسِهِمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ حِينَ أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُؤَلّفَةَ قُلُوبُهُمْ وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا.
[ ٧ / ٤٥٤ ]
بِحَيّ حَرِيدٍ أَصْلُهُ وَثَرَاؤُهُ بِجَابِيَةِ الْجَوْلَانِ وَسْطَ الْأَعَاجِمِ
نَصَرْنَاهُ لَمّا حَلّ وَسْطَ دِيَارِنَا بِأَسْيَافِنَا مِنْ كُلّ بَاغٍ وَظَالِمِ
جَعَلْنَا بَنِينَا دُونَهُ وَبَنَاتِنَا وَطِبْنَا لَهُ نَفْسًا بِفَيْءِ الْمَغَانِمِ
وَنَحْنُ ضَرَبْنَا النّاسَ حَتّى تَتَابَعُوا عَلَى دِينِهِ بِالْمُرْهَفَاتِ الصّوَارِمِ
وَنَحْنُ وَلَدْنَا مِنْ قُرَيْشٍ عَظِيمَهَا وَلَدْنَا نَبِيّ الْخَيْرِ مِنْ آلِ هَاشِمِ
بَنِي دَارِمٍ لَا تَفْخَرُوا إنّ فَخْرَكُمْ يَعُودُ وَبَالًا عِنْدَ ذِكْرِ الْمَكَارِمِ
هَبِلْتُمْ عَلَيْنَا تَفْخَرُونَ وَأَنْتُم لَنَا خَوَلٌ مَا بَيْنَ ظِئْرٍ وَخَادِمِ
فَإِنْ كُنْتُمْ جِئْتُمْ لِحَقْنِ دِمَائِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ أَنْ تُقْسَمُوا فِي الْمَقَاسِمِ
فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ نِدّا وَأَسْلِمُوا وَلَا تَلْبَسُوا زِيّا كَزِيّ الْأَعَاجِمِ
إسْلَامُهُمْ وَتَجْوِيزُ الرّسُولِ إيّاهُمْ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَلَمّا فَرَغَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ قَوْلِهِ قَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَأَبِي، إنّ هَذَا الرّجُلَ لِمُؤَتّى لَهُ لَخَطِيبُهُ أَخْطَبُ مِنْ خَطِيبِنَا، وَلَشَاعِرُهُ أَشْعَرُ مِنْ شَاعِرِنَا، وَلَأَصْوَاتُهُمْ أَحْلَى مِنْ أَصْوَاتِنَا. فَلَمّا فَرَغَ الْقَوْمُ أَسْلَمُوا، وَجَوّزَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَحْسَنَ جَوَائِزَهُمْ.
شِعْرُ ابْنِ الْأَهْتَمِ فِي هِجَاءِ قَيْسٍ لِتَحْقِيرِهِ إيّاهُ
كَانَ عَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ قَدْ خَلّفَهُ الْقَوْمُ فِي ظَهْرِهِمْ وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ سِنّا، فَقَالَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، وَكَانَ يُبْغِضُ عَمْرَو بْنَ الْأَهْتَمِ: يَا رَسُولَ اللهِ إنّهُ قَدْ كَانَ رَجُلٌ مِنّا فِي رِحَالِنَا، وَهُوَ غُلَامٌ حَدَثٌ وَأَزْرَى بِهِ فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِثْلَ مَا أَعْطَى الْقَوْمَ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ حِينَ بَلَغَهُ أَنّ قَيْسًا قَالَ ذَلِكَ يَهْجُوهُ
_________________
(١) شَرْحُ قَوْلِ ابْنِ الْأَهْتَمِ لِابْنِ عَاصِمٍ فَصْلٌ وَذَكَرَ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ الْأَهْتَمِ لِقَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ
[ ٧ / ٤٥٥ ]
عِنْدَ الرّسُولِ فَلَمْ تَصْدُقْ وَلَمْ تُصِبْ
سُدْنَاكُمْ سُودَدًا رَهْوًا وَسُودَدُكُمْ بَادٍ نَوَاجِذُهُ مُقْعٍ عَلَى الذّنَبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَقِيَ بَيْتٌ وَاحِدٌ تَرَكْنَاهُ لِأَنّهُ أَقْذَعَ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَفِيهِمْ نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ ﴿إِنّ الّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الْحُجُرَاتِ:٤]
_________________
(١) ظَلِلْت مُفْتَرِشَ الْهَلْبَاءِ تَشْتُمُنِي عِنْدَ النّبِيّ فَلَمْ تَصْدُقْ وَلَمْ تُصِبْ الْهَلْبَاءُ فَعْلَاءُ مِنْ الْهُلْبِ وَهُوَ الْخَشِينُ مِنْ الشّعْرِ يُقَالُ مِنْهُ رَجُلٌ أَهْلَبُ وَمِنْهُ قَوْلُ الشّعْبِيّ فِي مُشْكِلَةٍ نَزَلَتْ هَلْبَاءُ زَبّاءُ ذَاتُ وَبَرٍ كَأَنّهُ أَرَادَ بِمُفْتَرِشِ الْهَلْبَاءِ أَيْ مُفْتَرِشًا لِحْيَتَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِمُفْتَرِشِ الْهَلْبَاءِ يَعْنِي امْرَأَةً. وَقِيلَ الْهَلْبَاءُ يُرِيدُ بِهَا هَاهُنَا دُبُرَهُ فَإِنْ كَانَ عَنَى امْرَأَةً فَهُوَ نَصْبٌ عَلَى النّدَاءِ. مَا نَزَلَ فِي وَفْدِ تَمِيمٍ مِنْ الْحُجُرَاتِ وَذَكَرَ مَا أَنْزَلَ اللهُ ﵎ فِيهِمْ فِي سُورَةِ الْحُجُرَاتِ وَقَدْ كَانَ عُمَرُ وَأَبُو بَكْرٍ اخْتَلَفَا فِي أَمْرِ الزّبْرِقَانِ وَعَمْرِو بْنِ الْأَهْتَمِ، فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا بِتَقْدِيمِ الزّبْرِقَانِ وَأَشَارَ الْآخَرُ بِتَقْدِيمِ عَمْرِو بْنِ الْأَهْتَمِ حَتّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتّقُوا اللهَ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:١،٢] فَكَانَ عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا كَلّمَ النّبِيّ ﵇ لَا يُكَلّمُهُ إلّا كَأَخِي السّرَارِ.
[ ٧ / ٤٥٦ ]
قِصّةُ عَامِرِ بْنِ الطّفَيْلِ وَأَرْبَدَ بْنِ قَيْسٍ فِي الْوِفَادَةِ عَنْ بَنِي عَامِر
بَعْضُ رِجَالِ الْوَفْدِ
وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَفْدُ بَنِي عَامِرٍ فِيهِمْ عَامِرُ بْنُ الطّفَيْلِ وَأَرْبَدُ بْنُ قَيْسِ
_________________
(١) إنّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا وَفِي هَذَا الْوَفْدِ جَاءَ الْحَدِيثُ أَنّ رَجُلَيْنِ قَدِمَا مِنْ نَجْدٍ فَخَطَبَا، فَعَجِبَ النّاسُ لِبَيَانِهِمَا، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ " إنّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا " وَأَدْخَلَهُ مَالِكٌ فِي بَابِ مَا يُذَمّ مِنْ الْقَوْلِ مِنْ أَجْلِ أَنّ السّحْرَ مَذْمُومٌ شَرْعًا، وَغَيْرُهُ يَذْهَبُ إلَى أَنّهُ مَدْحٌ لَهُمَا بِالْبَيَانِ وَاسْتِمَالَةِ الْقُلُوبِ كَالسّحْرِ وَكَانَ مِنْ قَوْلِهِمَا. إنّ عَمْرًا قَالَ لِلنّبِيّ ﷺ فِي الزّبْرِقَانِ إنّهُ مُطَاعٌ فِي أَدْنَيْهِ سَيّدٌ فِي عَشِيرَتِهِ فَقَالَ الزّبْرِقَانُ لَقَدْ حَسَدَنِي يَا رَسُولَ اللهِ لِشَرَفِي، وَلَقَدْ عَلِمَ أَفْضَلَ مِمّا قَالَ. قَالَ فَقَالَ عَمْرٌو: إنّهُ لَزَمِرُ الْمُرُوءَةِ ضَيّقُ الْعَطَنِ لَئِيمُ الْخَالِ فَعَرَفَ الْإِنْكَارَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ رَضِيت فَقُلْت أَحْسَنَ مَا عَلِمْت، وَسَخِطْت فَقُلْت أَقْبَحَ مَا عَلِمْت، وَلَقَدْ صَدَقْت فِي الْأُولَى وَمَا كَذَبْت فِي الثّانِيَةِ فَحِينَئِذٍ قَالَ النّبِيّ ﷺ " إنّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا " وَقَوْلُهُ لَئِيمُ الْخَالِ قِيلَ إنّ أُمّهُ كَانَتْ مِنْ بَاهِلَةَ، قَالَهُ ابْنُ ثَابِتٍ فِي الدّلَائِلِ وَقَدْ أَنْكَرَ هَذَا عَلَيْهِ وَمِمّنْ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ أَبُو مَرْوَانَ بْنُ سِرَاجٍ فَاَللهُ أَعْلَمُ لِأَنّ أَهْلَ النّسَبِ ذَكَرُوا أَنّ أُمّ الزّبْرِقَانِ عُكْلِيّةٌ مِنْ بَنِي أُقَيْشٍ وَعُكْلٌ وَإِنْ كَانَتْ تَجْتَمِعُ مَعَ تَمِيمٍ فِي أُدّ بْنِ طَابِخَةَ لَكِنّ تَمِيمًا أَشْرَفُ مِنْهُمْ وَلَا سِيّمَا بَنِي سَعْدٍ رَهْطُ الزّبْرِقَانِ فَلِذَلِكَ جَعَلَهُ عَمْرٌو لَئِيمَ الْخَالِ. خَبَرُ عَامِرٍ وَأَرْبَد فَصْلٌ وَذَكَرَ خَبَرَ عَامِرِ بْنِ الطّفَيْلِ وَأَرْبَدَ وَأَنّ أَرْبَدَ قَالَ لِعَامِرٍ: مَا هَمَمْت بِقَتْلِ مُحَمّدٍ إلّا رَأَيْتُك بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَفَأَقْتُلُك؟ وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ: إلّا رَأَيْت
[ ٧ / ٤٥٧ ]
بْنِ جَزْءِ بْنِ خَالِدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَجَبّارُ بْنُ سَلْمَى بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ الثّلَاثَةُ رُؤَسَاءَ الْقَوْمِ وَشَيَاطِينَهُمْ.
تَدْبِيرُ عَامِرٍ لِلْغَدْرِ بِالرّسُولِ
فَقَدِمَ عَامِرُ بْنُ الطّفَيْلِ عَدُوّ اللهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُرِيدُ الْغَدْرَ بِهِ وَقَدْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ يَا عَامِرُ إنّ النّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا فَأَسْلِمْ قَالَ وَاَللهِ لَقَدْ كُنْت آلَيْتَ أَنْ لَا أَنْتَهِيَ حَتّى تَتّبِعَ الْعَرَبُ عَقِبِي، أَفَأَنَا أَتّبِعُ عَقِبَ هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ ثُمّ قَالَ لِأَرْبَدَ إذَا قَدِمْنَا عَلَى الرّجُلِ فَإِنّي سَأَشْغَلُ عَنْك وَجْهَهُ فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ فَاعْلُهُ بِالسّيْفِ فَلَمّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ عَامِرُ بْنُ الطّفَيْلِ: يَا مُحَمّدُ خَالِنِي، قَالَ: " لَا وَاَللهِ حَتّى تُؤْمِنَ بِاَللهِ وَحْدَهُ ". قَالَ يَا مُحَمّدُ خَالِنِي. وَجَعَلَ يُكَلّمُهُ وَيَنْتَظِرُ مِنْ أَرْبَدَ مَا كَانَ أَمَرَهُ بِهِ فَجَعَلَ أَرْبَدُ لَا يُحِيرُ شَيْئًا، قَالَ فَلَمّا رَأَى عَامِرٌ مَا يَصْنَعُ أَرْبَدُ قَالَ يَا مُحَمّدُ خَالِنِي قَالَ " لَا، حَتّى تُؤْمِنَ بِاَللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ". فَلَمّا أَبَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ أَمَا وَاَللهِ لَأَمْلَأَنّهَا عَلَيْك خَيْلًا وَرِجَالًا، فَلَمّا وَلّى قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "اللهُمّ اكْفِنِي عَامِرَ بْنَ الطّفَيْلِ ". فَلَمّا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ عَامِرٌ لِأَرْبَدَ وَيْلَك يَا أَرْبَدُ أَيْنَ مَا كُنْت أَمَرْتُك بِهِ؟ وَاَللهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ رَجُلٌ هُوَ
_________________
(١) بَيْنِي وَبَيْنَهُ سُورًا مِنْ حَدِيدٍ وَكَذَلِك فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ قَالَ عَامِرٌ لَأَمْلَأَنّهَا عَلَيْك خَيْلًا جُرْدًا، وَرِجَالًا مُرْدًا، وَلَأَرْبِطَنّ بِكُلّ نَخْلَةٍ فَرَسًا، فَجَعَلَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ يَضْرِبُ فِي رُءُوسِهِمَا وَيَقُولُ اُخْرُجَا أَيّهَا الْهِجْرِسَانِ فَقَالَ لَهُ عَامِرٌ وَمَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَقَالَ أَحُضَيْرُ بْنُ سِمَاكٍ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَبُوك كَانَ خَيْرًا مِنْك، فَقَالَ بَلْ أَنَا خَيْرٌ مِنْك، وَمِنْ أَبِي، لِأَنّ أَبِي كَانَ مُشْرِكًا، وَأَنْت مُشْرِكٌ. وَذَكَرَ سِيبَوَيْهِ قَوْلَ عَامِرٍ أَغُدّةً كَغُدّةِ الْبَعِيرِ وَمَوْتًا فِي بَيْتِ سَلُولِيّةٍ فِي بَابِ مَا يَنْتَصِبُ عَلَى إضْمَارِ الْفِعْلِ الْمَتْرُوكِ إظْهَارُهُ كَأَنّهُ قَالَ أُغَدّ غُدّةً وَالسّلُولِيّةُ امْرَأَةٌ مَنْسُوبَةٌ إلَى سَلُولَ بْنِ صَعْصَعَةَ وَهُمْ بَنُو مُرّةَ بْنِ صَعْصَعَةَ وَسَلُولُ أُمّهُمْ وَهِيَ بِنْتُ
[ ٧ / ٤٥٨ ]
أَخْوَفَ عِنْدِي عَلَى نَفْسِي مِنْك. وَأَيْمُ اللهِ لَا أَخَافُك بَعْدَ الْيَوْمِ أَبَدًا. قَالَ لَا أَبَالَك لَا تَعْجَلْ عَلَيّ وَاَللهِ مَا هَمَمْت بِاَلّذِي أَمَرْتنِي بِهِ مِنْ أَمْرِهِ إلّا دَخَلْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ الرّجُلِ حَتّى مَا أَرَى غَيْرَك، أَفَأَضْرِبُك بِالسّيْفِ؟
مَوْتُ عَامِرٍ بِدُعَاءِ الرّسُولِ عَلَيْهِ
وَخَرَجُوا رَاجِعِينَ إلَى بِلَادِهِمْ حَتّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطّرِيقِ بَعَثَ اللهُ عَلَى عَامِرِ بْنِ الطّفَيْلِ الطّاعُونَ فِي عُنُقِهِ فَقَتَلَهُ اللهُ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي سَلُولَ فَجَعَلَ يَقُولُ يَا بَنِي عَامِرٍ أَغُدّةً كَغُدّةِ الْإِبِلِ وَمَوْتًا فِي بَيْتِ سَلُولِيّةٍ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ أَغُدّةً كَغُدّةِ الْإِبِلِ وَمَوْتًا فِي بَيْتِ سَلُولِيّةٍ.
مَوْتُ أَرْبَدَ بِصَاعِقَةٍ وَمَا نَزَلَ فِيهِ وَفِي عَامِرٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ خَرَجَ أَصْحَابُهُ حِينَ وَارَوْهُ حِينَ قَدِمُوا أَرْضَ بَنِي عَامِرٍ شَاتِينَ فَلَمّا قَدِمُوا أَتَاهُمْ قَوْمُهُمْ فَقَالُوا: مَا وَرَاءَك يَا أَرْبَدُ؟ قَالَ لَا شَيْءَ وَاَللهِ لَقَدْ دَعَانَا إلَى عِبَادَةِ شَيْءٍ لَوَدِدْت أَنّهُ عِنْدِي الْآنَ فَأَرْمِيهِ بِالنّبْلِ حَتّى أَقْتُلَهُ فَخَرَجَ بَعْدَ مَقَالَتِهِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ مَعَهُ جَمَلٌ لَهُ يَتْبَعُهُ فَأَرْسَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى جَمَلِهِ صَاعِقَةً فَأَحْرَقَتْهُمَا. وَكَانَ أَرْبَدُ بْنُ قَيْسٍ أَخَا لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ لِأُمّهِ.
_________________
(١) ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ وَكَانَ عَامِرُ بْنُ الطّفَيْلِ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ فَلِذَلِكَ اخْتَصّهَا لِقُرْبِ النّسَبِ بَيْنَهُمَا، حَتّى مَاتَ فِي بَيْتِهَا. وَأَمّا أَشْعَارُ لَبِيدٍ فِي أَرْبَدَ فَفِيهَا قَوْلُهُ تَطِيرُ عَدَائِدُ الْأَشْرَاكِ شَفْعًا وَوِتْرًا وَالزّعَامَةُ لِلْغُلَامِ الزّعَامَةُ الرّيَاسَةُ وَقِيلَ أَرَادَ بِالزّعَامَةِ هُنَا بَيْضَةَ السّلَاحِ وَالْأَشْرَاكُ الشّرَكَاءُ وَالْعَدَائِدُ الْأَنْصِبَاءُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْعَدَدِ وَيُقَالُ إنّ أَرْبَدَ حِينَ أَصَابَتْهُ
[ ٧ / ٤٥٩ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ وَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِي عَامِرٍ وَأَرْبَدَ ﴿اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرّعْدَ:٨] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرَّعْد:١١] .
قَالَ الْمُعَقّبَاتُ هِيَ مِنْ أَمْرِ اللهِ يَحْفَظُونَ مُحَمّدًا. ثُمّ ذَكَرَ أَرْبَدَ وَمَا قَتَلَهُ اللهُ بِهِ فَقَالَ: ﴿وَيُرْسِلُ الصّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرَّعْد:١٣]
شِعْرُ لَبِيدٍ فِي بُكَاءِ أَرْبَدَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ لَبِيدٌ يَبْكِي أَرْبَدَ
مَا إنْ تُعَدّي الْمَنُونُ مِنْ أَحَدٍ لَا وَالِدٍ مُشْفِقٍ وَلَا وَلَدِ
أَخْشَى عَلَى أَرْبَدَ الْحُتُوفَ وَلَا أَرْهَبُ نَوْءَ السّمَاكِ وَالْأَسَدِ
فَعَيْنِ هَلّا بَكَيْت أَرْبَدَ إذْ قُمْنَا وَقَامَ النّسَاءُ فِي كَبَدِ
إنْ يَشْغَبُوا لَا يُبَالِ شَغْبَهُمْ أَوْ يَقْصِدُوا فِي الْحُكُومِ يَقْتَصِدْ
حُلْوٌ أَرِيبٌ وَفِي حَلَاوَتِهِ مُرّ لَطِيفُ الْأَحْشَاءِ وَالْكَبِدِ
وَعَيْنِ هَلّا بَكَيْت أَرْبَدَ إذْ أَلْوَتْ رِيَاحُ الشّتَاءِ بِالْعَضَدِ
وَأَصْبَحَتْ لَاقِحًا مُصَرّمَةً حَتّى تَجَلّتْ غَوَابِرُ الْمُدَدِ
أَشْجَعُ مِنْ لَيْثِ غَابَةٍ لَحِمٍ ذُو نَهْمَةٍ فِي الْعُلَا وَمُنْتَقَدِ
لَا تَبْلُغُ الْعَيْنُ كُلّ نَهْمَتِهَا لَيْلَةَ تَمْشِي الْجِيَادُ كَالْقِدَدِ
الْبَاعِثُ النّوْحَ فِي مَآتِمِهِ مِثْلَ الظّبَاءِ الْأَبْكَارِ بِالْجِرَدِ
_________________
(١) الصّاعِقَةُ أَنْزَلَ اللهُ ﵎ عَلَى مُحَمّدٍ ﷺ ﴿وَيُرْسِلُ الصّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرّعْدَ:١٣] يَعْنِي أَرْبَدَ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَعَامِرٌ وَأَرْبَدُ يَجْتَمِعَانِ فِي جَعْفَرِ بْنِ كِلَابِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرٍ وَأُمّهُمَا وَاحِدَةٌ وَسَائِرُ شِعْرِ لَبِيَدٍ فِي أَرْبَدَ مَرْغُوبٌ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِشَرْحِهِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِنَا الْمُتَقَدّمِ وَاَللهُ وَلِيّ التّوْفِيقِ
[ ٧ / ٤٦٠ ]
فَجَعَنِي الْبَرْق وَالصَّوَاعِق بالفارس يَوْمَ الْكَرِيهَةِ النّجِدِ
وَالْحَارِبِ الْجَابِرِ الْحَرِيبَ إذَا جَاءَ نَكِيبًا وَإِنْ يَعُدْ يَعْدِ
يَعْفُو عَلَى الْجَهْدِ وَالسّؤَالِ كَمَا يَنْبُتُ غَيْثُ الرّبِيعِ ذُو الرّصَدِ
كُلّ بَنِي حُرّةٍ مُصِيرُهُمْ قُلّ وَإِنْ أَكْثَرَتْ مِنْ الْعَدَدِ
إنْ يُغْبِطُوا يُهْبَطُوا وَإِنْ أُمِرُوا يَوْمًا فَهُمْ لِلْهَلَاكِ وَالنّفَدِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَيْتُهُ وَالْحَارِبِ الْجَابِرِ الْحَرِيبَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَبَيْتُهُ يَعْفُو عَلَى الْجَهْدِ عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ لَبِيدٌ أَيْضًا يَبْكِي أَرْبَدَ
أَلَا ذَهَبَ الْمَحَافِظُ وَالْمُحَامِي وَمَانِعُ ضَيْمِهَا يَوْمَ الْخِصَامِ
وَأَيْقَنْت التّفَرّقَ يَوْمَ قَالُوا تُقُسّمَ مَالُ أَرْبَدَ بِالسّهَامِ
تَطِيرُ عَدَائِدُ الْأَشْرَاكِ شَفْعًا وَوِتْرًا وَالزّعَامَةُ لِلْغُلَامِ
فَوَدّعْ بِالسّلَامِ أَبَا حُرَيْزٍ وَقَلّ وَدَاعُ أَرْبَدَ بِالسّلَامِ
وَكُنْت إمَامَنَا وَلَنَا نِظَامًا وَكَانَ الْجَزْعُ يُحْفَظُ بِالنّظَامِ
وَأَرْبَدُ فَارِسُ الْهَيْجَا إذَا مَا تَقَعّرَتْ الْمَشَاجِرُ بِالْفِئَامِ
_________________
(١) عَنْ لَبِيدٍ: عَلَى أَنّ لَبِيدًا ﵀ قَدْ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ وَعَاشَ فِي الْإِسْلَامِ سِتّينَ سَنَةً لَمْ يَقُلْ فِيهَا بَيْتَ شِعْرٍ فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ تَرْكِهِ الشّعْرَ فَقَالَ مَا كُنْت لِأَقُولَ شِعْرًا بَعْدَ أَنْ عَلّمَنِي اللهُ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَزَادَهُ عُمَرُ فِي عَطَائِهِ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْقَوْلِ فَكَانَ عَطَاؤُهُ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةٍ فَلَمّا كَانَ مُعَاوِيَةُ أَرَادَ أَنْ يَنْقُصَهُ مِنْ عَطَائِهِ الْخَمْسَمِائَةِ وَقَالَ لَهُ مَا بَالُ الْعِلَاوَةِ فَوْقَ الْفَوْدَيْنِ؟ فَقَالَ لَهُ لَبِيدٌ الْآنَ أَمُوتُ وَتَصِيرُ لَك الْعِلَاوَةُ وَالْفَوْدَانِ فَرَقّ لَهُ مُعَاوِيَةُ وَتَرَكَهَا لَهُ فَمَاتَ لَبِيدٌ إثْرَ ذَلِكَ بِأَيّامٍ قَلِيلَةٍ وَقَدْ قِيلَ إنّهُ قَالَ بَيْتًا وَاحِدًا فِي الْإِسْلَامِ الْحَمْدُ لِلّهِ إذْ لَمْ يَأْتِنِي أَجَلِي حَتّى اكْتَسَيْت مِنْ الْإِسْلَامِ سِرْبَالًا
[ ٧ / ٤٦١ ]
إذَا بَكَرَ النّسَاءُ مُرَدّفَاتٍ حَوَاسِرَ لَا يَجِئْنَ عَلَى الْخِدَامِ
فَوَاءَلَ يَوْمَ ذَلِكَ مَنْ أَتَاهُ كَمَا وَأَلَ الْمُحِلّ إلَى الْحَرَامِ
وَيَحْمَدُ قِدْرَ أَرْبَدَ مَنْ عَرَاهَا إذَا مَا ذُمّ أَرْبَابُ اللّحَامِ
وَجَارَتُهُ إذَا حَلّتْ لَدَيْهِ لَهَا نَفَلٌ وَحَظّ مِنْ سَنَامِ
فَإِنْ تَقْعُدْ فَمُكْرَمَةٌ حَصَانٌ وَإِنْ تَظْعَنْ فَمُحْسِنَةُ الْكَلَامِ
وَهَلْ حُدّثْت عَنْ أَخَوَيْنِ دَامَا عَلَى الْأَيّامِ إلّا ابْنَيْ شَمَامِ
وَإِلّا الْفَرْقَدَيْنِ وَآلَ نَعْشٍ خَوَالِدَ مَا تُحَدّثُ بِانْهِدَامِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهِيَ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ لَبِيدٌ أَيْضًا يَبْكِي أَرْبَدَ
انْعَ الْكَرِيمَ لِلْكَرِيمِ أَرْبَدَا انْعَ الرّئِيسَ وَاللّطِيفَ كَبِدَا
يُحْذِي وَيُعْطِي مَالَهُ لِيُحْمَدَا أُدْمًا يُشَبّهْنَ صُوَارًا أُيّدَا
السّابِلَ الْفَضْلِ إذَا مَا عُدّدَا وَيَمْلَأُ الْجَفْنَةَ مَلْئًا مَدَدَا
رِفْهَا إذَا يَأْتِي ضَرِيكٌ وَرَدَا مِثْلُ الّذِي فِي الْغِيلِ يَقْرُو جُمُدَا
يَزْدَادُ قُرْبًا مِنْهُمْ أَنْ يُوعَدَا أَوْرَثْتنَا تُرَاثَ غَيْرِ أَنْكَدَا
غِبّا وَمَالًا طَارِفًا وَوَلَدًا شَرْخًا صُقُورًا يَافِعًا وَأَمْرَدَا
_________________
(١) وَفْدُ جُرَشٍ فَصْلٌ وَذَكَرَ وَفْدَ جُرَشٍ، وَأَنّ خَثْعَمَ ضَوَتْ إلَيْهَا حِينَ حَاصَرَهُمْ صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَأَنْشَدَ حَتّى أَتَيْنَا حُمَيْرًا فِي مَصَانِعِهَا وَجَمْعَ خَثْعَمَ قَدْ صَاغَتْ لَهَا النّذُرُ
[ ٧ / ٤٦٢ ]
وَقَالَ لَبِيدٌ أَيْضًا:
لَنْ تُفْنِيَا خَيْرَاتِ أَرْ بَدَ فَابْكِيَا حَتّى يَعُودَا
قُولَا هُوَ الْبَطَلُ الْمُحَا مِي حِينَ يَكْسُونَ الْحَدِيدَا
وَيَصُدّ عَنّا الظّالِمِـ ـينَ إذَا لَقِينَا الْقَوْمَ صِيدَا
فَاعْتَاقَهُ رب الْبري إِذْ رأى أَن لَا خُلُودَا
فَنَوَى وَلَمْ يُوجَعْ وَلَمْ يُوصَبْ وَكَانَ هُوَ الْفَقِيدَا
وَقَالَ لَبِيدٌ أَيْضًا
يُذَكّرُنِي بِأَرْبَدَ كُلّ خَصْمٍ أَلَدّ تَخَالُ خُطّتَهُ ضِرَارَا
إذَا اقْتَصَدُوا فَمُقْتَصِدٌ كَرِيمٌ وَإِنْ جَارُوا سَوَاءَ الْحَقّ جَارَا
وَيَهْدِي الْقَوْمَ مُطّلِعًا إذَا مَا دَلِيلُ الْقَوْمِ بِالْمَوْمَاةِ حَارَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: آخِرُهَا بَيْتًا عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ لَبِيدٌ أَيْضًا:
أَصْبَحْت أَمْشِي بَعْدَ سَلْمَى بْنِ مَالِكٍ وَبَعْدَ أَبِي قَيْسٍ وَعُرْوَةَ كَالْأَجَبْ
_________________
(١) وَيُرْوَى خُمَيْرًا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفِي حِمْيَرَ حِمْيَرُ الْأَدْنَى، وَهُوَ حِمْيَرُ بْنُ الْغَوْثِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَدِيّ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ شُدَدَ بْنِ زُرْعَةَ وَهُوَ حِمْيَرُ الْأَصْغَرُ بْنُ سَبَأٍ الْأَصْغَرِ بْنِ كَعْبِ كَهْفِ الظّلْمِ بْنِ زَيْدِ الْجُمْهُورِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ جُشَمَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ وَائِلِ بْنِ الْغَوْثِ بْنِ حَيْدَان بْنِ قَطَنِ بْنِ عَرِيبِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ الْهَمَيْسَعِ بْنِ حِمْيَرَ الْأَكْبَرِ وَهُوَ الْعَرَنْجَجُ وَقَالَ الْأَبْرَهِيّ: وَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ حِمْيَرَ بِالنّسَبِ وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى أَبَرْهَةَ بْنِ الصّبَاحِ الْحِمْيَرِيّ فِي حِمْيَرَ الْأَدْنَى الْمَبْدُوءِ بِذِكْرِهِ حِمْيَرُ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَصِحّ رِوَايَةُ الْخَاءِ الْمَنْقُوطَةِ
[ ٧ / ٤٦٣ ]
إذَا مَا رَأَى ظِلّ الْغُرَابِ أَضَجّهُ حِذَارًا عَلَى بَاقِي السّنَاسِنِ وَالْعَصَبْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
قُدُومُ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَافِدًا عَنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَبَعَثَ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ.
سُؤَالُهُ الرّسُولَ أَسْئِلَةً ثُمّ إسْلَامُهُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ نُوَيْفِعٍ عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ وَافِدًا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَدِمَ عَلَيْهِ وَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ثُمّ عَقَلَهُ ثُمّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ وَكَانَ ضِمَامٌ رَجُلًا جَلْدًا أَشْعَرَ ذَا غَدِيرَتَيْنِ فَأَقْبَلَ حَتّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَيّكُمْ ابْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ؟ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ". قَالَ أَمُحَمّدٌ؟ قَالَ " نَعَمْ "; قَالَ يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، إنّي سَائِلُك وَمُغَلّظٌ
_________________
(١) وَمَنْ رَوَاهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَهُوَ تَصْغِيرُ حِمْيَرَ تَصْغِيرَ التّرْخِيمِ وَالْعَرَنْجَجُ فِي لُغَةٍ حِمْيَرُ الْعَتِيقُ. حَدِيثُ ضِمَامٍ فَصْلٌ وَذَكَرَ حَدِيثَ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَهُوَ الّذِي قَالَ فِيهِ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: جَاءَنَا أَعْرَابِيّ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ الْحَدِيثَ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطّإِ عَنْ عَمّهِ عَنْ جَدّهِ عَنْ طَلْحَةَ وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ لِمَا فِيهِ مِنْ دُخُولِ الْمُشْرِكِ الْمَسْجِدَ
[ ٧ / ٤٦٤ ]
عَلَيْك فِي الْمَسْأَلَةِ فَلَا تَجِدَنّ فِي نَفْسِك، قَالَ لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي، فَسَلْ عَمّا بَدَا لَك قَالَ أَنْشُدُك اللهَ إلَهَك وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَك، وَإِلَه مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَك، آللهُ بَعَثَك إلَيْنَا رَسُولًا؟ قَالَ: " اللهُمّ نَعَمْ " ; قَالَ فَأَنْشُدُك اللهَ إلَهَك وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَك، وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَك، آللهُ أَمَرَك أَنْ تَأْمُرَنَا أَنْ نَعْبُدَهُ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ نَخْلَعَ هَذِهِ الْأَنْدَادَ الّتِي كَانَ آبَاؤُنَا يَعْبُدُونَ مَعَهُ؟ قَالَ: " اللهُمّ نَعَمْ "، قَالَ فَأَنْشُدُك اللهَ إلَهَك وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَك، وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَك، آللهُ أَمَرَك أَنْ نُصَلّيَ هَذِهِ الصّلَوَاتِ الْخَمْسَ؟ قَالَ " اللهُمّ نَعَمْ " قَالَ ثُمّ جَعَلَ يَذْكُرُ فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ فَرِيضَةً فَرِيضَةً. الزّكَاةَ وَالصّيَامَ وَالْحَجّ وَشَرَائِعَ الْإِسْلَامِ كُلّهَا، يَنْشُدُهُ عِنْدَ كُلّ فَرِيضَةٍ مِنْهَا كَمَا يَنْشُدُهُ فِي الّتِي قَبْلَهَا، حَتّى إذَا فَرَغَ قَالَ فَإِنّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ وَسَأُؤَدّي هَذِهِ الْفَرَائِضَ وَأَجْتَنِبُ مَا نَهَيْتنِي عَنْهُ ثُمّ لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ ثُمّ انْصَرَفَ إلَى بَعِيرِهِ رَاجِعًا. قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " إنْ صَدَقَ ذُو الْعَقِيصَتَيْنِ دَخَلَ الْجَنّة " قَالَ فَأَتَى بَعِيرَهُ فَأَطْلَقَ عِقَالَهُ ثُمّ خَرَجَ حَتّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَاجْتَمَعُوا إلَيْهِ فَكَانَ أَوّلَ مَا تَكَلّمَ بِهِ أَنْ قَالَ بِئْسَ اللّاتُ وَالْعُزّى قَالُوا: مَهْ يَا ضِمَامُ اتّقِ الْبَرَصَ اتّقِ الْجُذَامَ اتّقِ الْجُنُونَ قَالَ وَيْلَكُمْ إنّهُمَا وَاَللهِ لَا يَضُرّانِ وَلَا يَنْفَعَانِ إنّ اللهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا اسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِمّا كُنْتُمْ فِيهِ وَإِنّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ قَالَ فَوَاَللهِ مَا أَمْسَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي حَاضِرِهِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إلّا مُسْلِمًا.
قَالَ يَقُولُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ: فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ.
_________________
(١) وَذَكَرَ مَعَهُ حَدِيثَ الْيَهُودِ حِينَ دَخَلُوا الْمَسْجِدَ وَذَكَرُوا أَنّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، وَقَالَ بِهِ الشّافِعِيّ، وَكَرِهَ مَالِكٌ دُخُولَ الذّمّيّ الْمَسْجِدَ وَخَصّصَ أَبُو حَنِيفَةَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ لِقَوْلِ اللهِ ﵎: ﴿إِنّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التّوْبَةَ:٢٨] الْآيَةَ وَتَعَلّقَ مَالِكٌ بِالْعِلّةِ الّتِي نَبّهَتْ عَلَيْهَا الْآيَةُ وَهِيَ التّنْجِيسُ فَعَمّ الْمَسَاجِدَ كُلّهَا.
[ ٧ / ٤٦٥ ]
قُدُومُ الْجَارُودِ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْجَارُودُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَنَشٍ أَخُو عَبْدِ الْقَيْسِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْجَارُودُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْمُعَلّى فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ وَكَانَ نَصْرَانِيّا.
ضَمَان الرَّسُول دينه وإسلامه
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ:
لَمّا انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَلّمَهُ فَعَرَضَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْإِسْلَامَ وَدَعَاهُ إلَيْهِ وَرَغّبَهُ فِيهِ فَقَالَ يَا مُحَمّدُ إنّي قَدْ كُنْت عَلَى دِينٍ وَإِنّي تَارِكٌ دِينِي لِدِينِك، أَفَتَضْمَنُ لِي دِينِي؟ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " نَعَمْ أَنَا ضَامِنٌ أَنْ قَدْ هَدَاك اللهُ إلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ " قَالَ فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمَ أَصْحَابُهُ ثُمّ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ الْحُمْلَانَ فَقَالَ " وَاَللهِ مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ". قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ فَإِنّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بِلَادِنَا ضَوَالّ مِنْ ضَوَالّ النّاسِ أَفَنَتَبَلّغُ عَلَيْهَا إلَى بِلَادِنَا؟ قَالَ: " لَا، إيّاكَ وَإِيّاهَا، فَإِنّمَا تِلْكَ حَرَقُ النّارِ ".
_________________
(١) حَوْلَ حَدِيثِ الْجَارُودِ فَصْلٌ وَذَكَرَ الْجَارُودَ الْعَبْدِيّ وَهُوَ بِشْرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْمُعَلّى، يُكَنّى أَبَا الْمُنْذِرِ وَقَالَ الْحَاكِمُ: يُكَنّى أَبَا غِيَاثٍ وَأَبَا عِتَابٍ وَسُمّيَ الْجَارُودَ لِأَنّهُ أَغَارَ عَلَى قَوْمٍ مِنْ بَكْرٍ فَجَرّدَهُمْ قَالَ الشّاعِرُ وَدُسْنَاهُمْ بِالْخَيْلِ مِنْ كُلّ جَانِبٍ كَمَا جَرّدَ الْجَارُودُ بَكْرَ بْنَ وَائِلِ وَذَكَرَ فِي آخِرِ حَدِيثِ الْجَارُودِ الْغَرُورَ بْنَ النّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَكَانَ كِسْرَى
[ ٧ / ٤٦٦ ]
مَوْقِفُهُ مِنْ قَوْمِهِ فِي الرّدّةِ
فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ الْجَارُودُ رَاجِعًا إلَى قَوْمِهِ وَكَانَ حَسَنَ الْإِسْلَامِ صُلْبًا عَلَى دِينِهِ حَتّى هَلَكَ وَقَدْ أَدْرَكَ الرّدّةَ فَلَمّا رَجَعَ مِنْ قَوْمِهِ مَنْ كَانَ أَسْلَمَ مِنْهُمْ إلَى دِينِهِمْ الْأَوّلِ مَعَ الْغَرُورِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ النّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، قَامَ الْجَارُودُ فَتَكَلّمَ فَتَشَهّدَ شَهَادَةَ الْحَقّ وَدَعَا إلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ أَيّهَا النّاسُ إنّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأُكَفّرُ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُرْوَى: وَأَكْفِي مَنْ لَمْ يَشْهَدْ.
إسْلَامُ ابْنِ سَاوَى
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيّ قَبْلَ فَتْحِ مَكّةَ إلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيّ فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ ثُمّ هَلَكَ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ رِدّةِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْعَلَاءُ عِنْدَهُ أَمِيرًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى الْبَحْرَيْنِ.
قُدُومُ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ وَمَعَهُمْ مُسَيْلِمَةُ الْكَذّابُ
وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ فِيهِمْ مُسَيْلِمَةُ بْنُ حَبِيبٍ الْحَنَفِيّ الْكَذّابُ.
_________________
(١) حِينَ قَتَلَ النّعْمَانَ صَيّرَ أَمْرَ الْحِيرَةِ إلَى هَانِئِ بْنِ قَبِيصَةَ الشّيْبَانِيّ وَلَمْ يَبْقَ لِآلِ الْمُنْذِرِ رَسْمٌ وَلَا أَمْرٌ يُذْكَرُ حَتّى كَانَتْ الرّدّةُ وَمَاتَ هَانِئُ بْنُ قَبِيصَةَ فَأَظْهَرَ أَهْلُ الرّدّةِ أَمْرَ الْغَرُورِ بْنِ النّعْمَانِ وَاسْمُهُ الْمُنْذِرُ وَإِنّمَا سُمّيَ الْغَرُورَ لِأَنّهُ غَرّ قَوْمَهُ فِي تِلْكَ الرّدّةِ أَوْ غَرّوهُ وَاسْتَعَانُوا بِهِ عَلَى حَرْبِهِمْ فَقُتِلَ هُنَالِكَ وَزَعَمَ وَثِيمَةُ بْنُ مُوسَى أَنّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ ارْتِدَادِهِ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ وَنَسَبُ مُسَيْلِمَةَ فَصْلٌ وَذَكَرَ وَفْدَ بَنِي حَنِيفَةَ وَاسْمُ حَنِيفَةَ أَثَالُ بْنُ لُجَيْمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ
[ ٧ / ٤٦٧ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مُسَيْلِمَةُ بْنُ ثُمَامَةَ وَيُكَنّى أَبَا ثُمَامَةَ.
مَا كَانَ مِنْ الرّسُولِ لِمُسَيْلِمَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَكَانَ مَنْزِلُهُمْ فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، ثُمّ مِنْ بَنِي النّجّارِ فَحَدّثَنِي بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: أَنّ بَنِي حَنِيفَةَ أَتَتْ بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَسْتُرُهُ
_________________
(١) بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ مَعَ مُسَيْلِمَةَ عَلَى النّبِيّ ﷺ وَهُوَ مُسَيْلِمَةُ بْنُ ثُمَامَةَ بْنِ كَبِيرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ هِفّانَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ الدّوَلِ بْنِ حَنِيفَةَ يُكَنّى أَبَا ثُمَامَةَ وَقِيلَ أَبَا هَارُونَ وَكَانَ يُسَمّى بِالرّحْمَنِ فِيمَا رُوِيَ عَنْ الزّهْرِيّ قَبْلَ مَوْلِدِ عَبْدِ اللهِ وَالِدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَقُتِلَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً وَكَانَتْ قُرَيْشٌ حِينَ سَمِعَتْ بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ قَالَ قَائِلُهُمْ دُقّ فُوك، إنّمَا تَذْكُرُ مُسَيْلِمَةَ رَحْمَانَ الْيَمَامَةِ، وَكَانَ الرّحّالُ الْحَنَفِيّ، وَاسْمُهُ نَهَارُ بْنُ عُنْفُوَةَ وَالْعُنْفُوَةُ يَابِسُ الْحَلِيّ وَهُوَ نَبَاتٌ وَذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ فِيهِ عُنْثُوَ بِالثّاءِ الْمُثَلّثَةِ وَقَالَ هُوَ يَابِسُ الْحَلِيّ وَالْحَلِيّ: النّصِيّ، وَهُوَ نَبْتٌ - قَدِمَ فِي وَفْدِ الْيَمَامَةِ عَلَى النّبِيّ ﷺ فَآمَنَ وَتَعَلّمَ سُوَرًا مِنْ الْقُرْآنِ فَرَآهُ النّبِيّ - ﷺ - يَوْمًا جَالِسًا مَعَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدُهُمَا فُرَاتُ بْنُ حَيّانَ، وَالْآخَرُ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ ضِرْسُ أَحَدِكُمْ فِي النّارِ مِثْلُ أُحُدٍ فَمَا زَالَا خَائِفَيْنِ حَتّى ارْتَدّ الرّحّالُ، وَآمَنَ بِمُسَيْلِمَةَ وَشَهِدَ زُورًا أَنّ النّبِيّ - ﷺ - قَدْ شَرِكَهُ مَعَهُ فِي النّبُوّةِ وَنَسَبَ إلَيْهِ بَعْضَ مَا تَعَلّمَ مِنْ الْقُرْآنِ فَكَانَ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ الْفِتْنَةِ عَلَى بَنِي حَنِيفَةَ وَقَتَلَهُ زَيْدُ بْنُ الْخَطّابِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، ثُمّ قَتَلَ زَيْدَ بْنَ الْخَطّابِ سَلَمَةُ بْنُ صُبَيْحٍ الْحَنَفِيّ، وَكَانَ مُسَيْلِمَةُ صَاحِبَ نَيْرُوجَاتٍ يُقَالُ إنّهُ أَوّلُ مَنْ أَدْخَلَ الْبَيْضَةَ فِي الْقَارُورَةِ وَأَوّلُ مَنْ وَصَلَ جَنَاحَ الطّائِرِ
[ ٧ / ٤٦٨ ]
بِالثّيَابِ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ. مَعَهُ عَسِيبٌ مِنْ سَعَفِ النّخْلِ فِي رَأْسِهِ خُوصَاتٌ فَلَمّا انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُمْ يَسْتُرُونَهُ بِالثّيَابِ كَلّمَهُ وَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ " لَوْ سَأَلْتنِي هَذَا الْعَسِيبَ مَا أَعْطَيْتُكَهُ ".
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدّثَنِي شَيْخٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ أَنّ حَدِيثَهُ كَانَ عَلَى غَيْرِ هَذَا.
_________________
(١) الْمَقْصُوصَ وَكَانَ يَدّعِي أَنّ ظَبْيَةً تَأْتِيهِ مِنْ الْجَبَلِ فَيَحْلُبُ لَبَنَهَا، وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يَرْثِيهِ لَهَفِي عَلَيْك أَبَا ثُمَامَةَ لَهَفِي عَلَى رُكْنِي شَمَامَةِ كَمْ آيَةٍ لَك فِيهِمْ كَالشّمْسِ تَطْلُعُ مِنْ غَمَامَةِ وَكَذَبَ بَلْ كَانَتْ آيَاتُهُ مَنْكُوسَةً تَفَلَ فِي بِئْرِ قَوْمٍ سَأَلُوهُ ذَلِكَ تَبَرّكًا فَمَلُحَ مَاؤُهَا، وَمَسَحَ رَأْسَ صَبِيّ فَقَرِعَ قَرَعًا فَاحِشًا، وَدَعَا لِرَجُلٍ فِي ابْنَيْنِ لَهُ بِالْبَرَكَةِ فَرَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ فَوَجَدَ أَحَدَهُمَا قَدْ سَقَطَ فِي الْبِئْرِ وَالْآخَرَ قَدْ أَكَلَهُ الذّئْبُ وَمَسَحَ عَلَى عَيْنَيْ رَجُلٍ اسْتَشْفَى بِمَسْحِهِ فَابْيَضّتْ عَيْنَاهُ مُؤَذّنَا مُسَيْلِمَةَ وَسَجَاحَ وَاسْمُ مُؤَذّنِهِ حُجَيْرٌ وَكَانَ أَوّلَ مَا أُمِرَ أَنْ يَذْكُرَ مُسَيْلِمَةَ فِي الْأَذَانِ تَوَقّفَ فَقَالَ لَهُ مُحَكّمُ بْنُ الطّفَيْلِ صَرّحْ حُجَيْرُ فَذَهَبَتْ مَثَلًا. وَأَمّا سَجَاحُ الّتِي تَنَبّأَتْ فِي زَمَانِهِ وَتَزَوّجَهَا، فَكَانَ مُؤَذّنُهَا جَنَبَةَ بْنَ طَارِقٍ وَقَالَ الْقُتَبِيّ: اسْمُهُ زُهَيْرُ بْنُ عَمْرٍو، وَقِيلَ إنّ شِبْثَ بْنَ رِبْعِيّ أَذّنَ لَهَا أَيْضًا، وَتُكَنّى أُمّ صَادِرٍ وَكَانَ آخِرُ أَمْرِهَا أَنْ أَسْلَمَتْ فِي زَمَانِ عُمَرَ كُلّ هَذَا مِنْ كِتَابِ الوّاقِدِيّ وَغَيْرِهِ. وَكَانَ مُحَكّمُ بْنُ طُفَيْلٍ الْحَنَفِيّ، صَاحِبَ حَرْبِهِ وَمُدَبّرَ أَمْرِهِ وَكَانَ أَشْرَفَ مِنْهُ فِي حَنِيفَةَ وَيُقَالُ فِيهِ مُحَكّمٌ وَمُحَكّمٌ وَفِيهِ يَقُولُ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ: يَا مُحَكّمُ بْنَ طُفَيْلٍ قَدْ أُتِيحَ لَكُمْ لِلّهِ دُرّ أَبِيكُمْ حَيّةِ الْوَادِي
[ ٧ / ٤٦٩ ]
زَعَمَ أَنّ وَفْدَ بَنِي حَنِيفَةَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَخَلّفُوا مُسَيْلِمَةَ فِي رِحَالِهِمْ فَلَمّا أَسْلَمُوا ذَكَرُوا مَكَانَهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إنّا قَدْ خَلّفْنَا صَاحِبًا لَنَا فِي رِحَالِنَا وَفِي رِكَابِنَا يَحْفَظُهَا لَنَا، قَالَ فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ مَا أَمَرَ بِهِ لِلْقَوْمِ وَقَالَ أَمَا إنّهُ لَيْسَ بِشَرّكُمْ مَكَانًا، أَيْ لِحِفْظِهِ ضَيْعَةَ أَصْحَابِهِ وَذَلِكَ الّذِي يُرِيدُ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
ارْتِدَادُهُ وَتَنَبّؤُهُ
قَالَ: ثُمّ انْصَرَفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَاءُوهُ بِمَا أَعْطَاهُ فَلَمّا انْتَهَوْا إلَى الْيَمَامَةِ
_________________
(١) وَقَالَ أَيْضًا: يَخْبِطْنَ بِالْأَيْدِي حِيَاضَ مُحَكّمِ امْرَأَةُ مُسَيْلِمَةَ وَقَوْلُ ابْنِ إسْحَاقَ: انْزِلُوا، يَعْنِي وَفْدَ بَنِي حَنِيفَةَ بِدَارِ الْحَارِثِ. الصّوَابُ بِنْتُ الْحَارِثِ وَاسْمُهَا: كَيْسَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ كُرَيْزِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَقَدْ تَقَدّمَ فِي غَزْوَةِ قُرَيْظَةَ الْكَلَامُ عَلَى كَيْسَةَ وَكَيْسَةُ بِالتّخْفِيفِ وَأَنّهَا كَانَتْ امْرَأَةً لِمُسَيْلِمَةَ قَبْلَ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ أَنْزَلَهُمْ بِدَارِهَا وَكَانَتْ تَحْتَ مُسَيْلِمَةَ ثُمّ خَلَفَ عَلَيْهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرٍ وَذَكَرْنَا هُنَالِكَ أَنّ الصّوَابَ مَا قَالَهُ ابْنُ إسْحَاقَ أَنّ اسْمَ تِلْكَ الْمَرْأَةِ زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ، كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَالْمَذْكُورَةُ هَاهُنَا كَيْسَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ وَإِيّاهُ عَنَى رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ خَطَبَ فَقَالَ أُرِيت فِي يَدَيّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَكَرِهْتهمَا، فَنَفَخْت فِيهِمَا فَطَارَا فَأَوّلْتهمَا كَذّابَ الْيَمَامَةِ وَالْعَنْسِيّ، صَاحِبَ صَنْعَاءَ، فَأَمّا مُسَيْلِمَةُ فَقَتَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَأَفْنَى قَوْمَهُ قَتْلًا وَسَبْيًا. مَسْعُودٌ الْعَنْسِيّ وَأَمّا مَسْعُودُ بْنُ كَعْبٍ الْعَنْسِيّ، وَعَنْسٌ مِنْ مَذْحِجٍ، فَاتّبَعَتْهُ قَبَائِلُ مِنْ مَذْحِجٍ وَالْيَمَنُ عَلَى أَمْرِهِ وَغَلَبَ عَلَى صَنْعَاءَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ذُو الْخِمَارِ وَيُلَقّبُ عَيْهَلَةَ
[ ٧ / ٤٧٠ ]
ارْتَدّ عَدُوّ اللهِ وَتَنَبّأَ وَتَكَذّبَ لَهُمْ وَقَالَ إنّي قَدْ أُشْرِكْت فِي الْأَمْرِ مَعَهُ. وَقَالَ لِوَفْدِهِ الّذِينَ كَانُوا مَعَهُ أَلَمْ يَقُلْ لَكُمْ حِينَ ذَكَرْتُمُونِي لَهُ أَمَا إنّهُ لَيْسَ بِشَرّكُمْ مَكَانًا ; مَا ذَاكَ إلّا لِمَا كَانَ يَعْلَمُ أَنّي قَدْ أُشْرِكْت فِي الْأَمْرِ مَعَهُ ثُمّ جَعَلَ يَسْجَعُ لَهُمْ الْأَسَاجِيعَ وَيَقُولُ لَهُمْ فِيمَا يَقُولُ مُضَاهَاةً لِلْقُرْآنِ لَقَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَى الْحُبْلَى، أَخْرَجَ مِنْهَا نَسَمَةً
_________________
(١) وَكَانَ يَدّعِي أَنّ سَحِيقًا وَشَرِيقًا يَأْتِيَانِهِ بِالْوَحْيِ وَيَقُول: هُمَا مَلَكَانِ يَتَكَلّمَانِ عَلَى لِسَانِي، فِي خُدَعٍ كَثِيرَةٍ يُزَخْرِفُ بِهَا، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ مَالِكِ بْنِ عَنْسٍ، وَبَنُو عَنْسٍ جُشَمُ وَجُشَيْمٌ وَمَالِكٌ وَعَامِرٌ وَعَمْرٌو، وَعَزِيزٌ وَمُعَاوِيَةُ وَعَتِيكَةُ وَشِهَابٌ وَالْقِرّيّةُ وَيَامُ وَمِنْ وَلَدِ يَامَ بْنِ عَنْسٍ عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَأَخَوَاهُ عَبْدُ اللهِ وَحُوَيْرِثٌ ابْنَا يَاسِرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَالِكٍ قَتَلَهُ فَيْرُوزُ الدّيْلَمِيّ، وَقَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ وَدَاذَوَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْأَبْنَاءِ دَخَلُوا عَلَيْهِ مِنْ سِرْبٍ صَنَعَتْهُ لَهُمْ امْرَأَةٌ كَانَ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهَا مِنْ الْأَبْنَاءِ فَوَجَدُوهُ سَكْرَانَ لَا يَعْقِلُ مِنْ الْخَمْرِ فَخَبَطُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ وَهُمْ يَقُولُونَ ضَلّ نَبِيّ مَاتَ وَهُوَ سَكْرَانْ وَالنّاسُ تَلْقَى جُلّهُمْ كَالذّبّانْ النّورُ وَالنّارُ لَدَيْهِمْ سِيّانْ ذَكَرَهُ الدّوْلَابِيّ، وَزَادَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْهُ أَنّ امْرَأَتَهُ سَقَتْهُ الْبَنْجَ فِي شَرَابِهِ تِلْكَ اللّيْلَةَ وَهِيَ الّتِي احْتَفَرَتْ السّرْبَ لِلدّخُولِ عَلَيْهِ وَكَانَ اغْتَصَبَهَا، لِأَنّهَا كَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النّسَاءِ وَكَانَتْ مُسْلِمَةً صَالِحَةً وَكَانَتْ تُحَدّثُ عَنْهُ أَنّهُ لَا يَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ وَاسْمُهَا الْمَرْزُبَانَةُ وَفِي صُورَةِ قَتْلِهِ اخْتِلَافٌ. وَقَوْلُهُ ﷺ أُرِيت سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَنَفَخْتهمَا فَطَارَا، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتّعْبِيرِ تَأْوِيلُ نَفْخِهِ لَهُمَا أَنّهُمَا بِرِيحِهِ قُتِلَا، لِأَنّهُ لَمْ يَغْزُهُمَا بِنَفْسِهِ وَتَأْوِيلُ الذّهَبِ أَنّهُ زُخْرُفٌ فَدَلّ لَفْظُهُ عَلَى زَخْرَفَتِهِمَا، وَكَذِبِهِمَا، وَدَلّ الْإِسْوَارَانِ بِلَفْظِهِمَا
[ ٧ / ٤٧١ ]
تَسْعَى، مِنْ بَيْنِ صِفَاقٍ وَحَشَى وَأَحَلّ لَهُمْ الْخَمْرَ وَالزّنَا، وَوَضَعَ عَنْهُمْ الصّلَاةَ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَشْهَدُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بِأَنّهُ نَبِيّ، فَأَصْفَقَتْ مَعَهُ حَنِيفَةُ عَلَى ذَلِكَ فَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ.
قُدُومُ زَيْدِ الْخَيْلِ فِي وَفد طَيء
إسْلَامُهُ وَمَوْتُهُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَفْدُ طَيّئٍ فِيهِمْ زَيْدُ الْخَيْلِ، وَهُوَ سَيّدُهُمْ فَلَمّا انْتَهَوْا
_________________
(١) عَلَى مَلِكَيْنِ لِأَنّ الْأَسَاوِرَةَ هُمْ الْمُلُوكُ وَبِمَعْنَاهُمَا عَلَى التّضْيِيقِ عَلَيْهِ لِكَوْنِ السّوَارِ مُضَيّقًا عَلَى الذّرَاعِ. زَيْدُ الْخَيْلِ فَصْلٌ وَذَكَرَ زَيْدَ الْخَيْلِ، وَهُوَ زَيْدُ بْنُ مُهَلْهِلِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُنْهِبٍ يُكَنّى: أَبَا مُكْنِفٍ الطَّائِي وَاسم طييء أُدَدُ وَقِيلَ لَهُ زَيْدُ الْخَيْلِ لِخَمْسِ أَفْرَاسٍ كَانَتْ لَهُ لَهَا أَسْمَاءُ أَعْلَامٍ ذَهَبَ عَنّي حِفْظُهَا الْآنَ. وَذَكَرَ قَوْلَهُ ﷺ " إنْ يَنْجُ زَيْدٌ مِنْ حُمّى الْمَدِينَةِ ". أَسْمَاءُ الْحُمّى قَالَ الرّاوِي: وَلَمْ يُسَمّهَا بِاسْمِهَا الْحُمّى، وَلَا أُمّ مَلْدَمٍ سَمّاهَا بِاسْمٍ آخَرَ ذَهَبَ عَنّي، وَالِاسْمُ الّذِي ذَهَبَ عَنْ الرّاوِي مِنْ أَسْمَاءِ الْحُمّى، هُوَ أُمّ كُلْبَةَ ذُكِرَ
[ ٧ / ٤٧٢ ]
إلَيْهِ كَلّمُوهُ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمُوا، فَحَسُنَ إسْلَامُهُمْ وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَمَا حَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ مِنْ رِجَالِ طَيّئٍ مَا ذُكِرَ لِي رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ بِفَضْلٍ ثُمّ جَاءَنِي، إلّا رَأَيْته دُونَ مَا يُقَالُ فِيهِ إلّا زَيْدَ الْخَيْلِ: فَإِنّهُ لَمْ يَبْلُغْ كُلّ مَا كَانَ فِيهِ ثُمّ سَمّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْدَ الْخَيْرِ وَقَطَعَ لَهُ فَيْدًا وَأَرَضِينَ مَعَهُ وَكَتَبَ لَهُ بِذَلِكَ
فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَاجِعًا إلَى قَوْمِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " إنْ يَنْجُ زَيْدٌ مِنْ حُمّى الْمَدِينَةِ " فَإِنّهُ قَالَ قَدْ سَمّاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِاسْمٍ غَيْرِ الْحُمّى، وَغَيْرِ أُمّ مَلْدَمٍ فَلَمْ يُثْبِتْهُ - فَلَمّا انْتَهَى مِنْ بَلَدِ نَجْدٍ إلَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِهِ يُقَالُ لَهُ فَرْدَةُ، أَصَابَهُ الْحُمّى بِهَا فَمَاتَ وَلَمّا أَحَسّ زَيْدٌ بِالْمَوْتِ قَالَ:
_________________
(١) لِي أَنّ أَبَا عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ فِي مَقَاتِلِ الْفُرْسَانِ وَلَمْ أَرَهُ وَلَكِنْ رَأَيْت الْبَكْرِيّ ذَكَرَهُ فِي بَابٍ أَفْرَدَهُ مِنْ أَسْمَاءِ الْبِلَادِ وَلَهَا أَيْضًا اسْمٌ سِوَى هَذِهِ الْأَسْمَاءِ ذَكَرَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ فِي الْجَمْهَرِ قَالَ سَبَاطِ مِنْ أَسْمَاءِ الْحُمّى عَلَى وَزْنِ رَقَاشِ وَأَمّا أُمّ مَلْدَمٍ فَيُقَالُ بِالدّالِ وَبِالذّالِ وَبِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا، وَهُوَ [مِنْ] اللّدْمِ وَهُوَ شِدّةُ الضّرْبِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُمّ كُلْبَةَ هَذَا الِاسْمُ مُغَيّرًا مِنْ كُلْبَةٍ بِضَمّ الْكَافِ وَالْكُلْبَةُ شِدّةُ الرّعْدَةِ وَكُلَبُ الْبَرْدِ مَدَائِدُهُ فَهَذِهِ أُمّ كُلْبَةَ بِالْهَاءِ وَهِيَ الْحُمّى، وَأَمّا أُمّ كُلْبٍ، فَشَجَرَةٌ لَهَا نُورٌ حَسَنٌ وَهِيَ إذَا حُرّكَتْ أَنْتَنُ شَيْءٍ وَزَعَمَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنّ الْغَنَمَ إذَا مَسّتْهَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَقْرَبَ الْغَنَمَ لَيْلَتَهَا تِلْكَ مِنْ شدَّة إنتانها. خبر زَيْدٍ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَذَكَرَ فِي خَبَرِ زَيْدِ الْخَيْلِ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيّ الْبَغْدَادِيّ مَا هَذَا نَصّهُ خَرَجَ نفر من طَيء يُرِيدُونَ النّبِيّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ وُفُودًا، وَمَعَهُمْ زَيْدُ الْخَيْلِ، وَوَزَرُ بْنُ سُدُوسٍ النّبْهَانِيّ وَقَبِيصَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ جُوَيْنٍ الْجِرْمِيّ، وَهُوَ النّصْرَانِيّ، وَمَالِكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَيْبَرِيّ بْنِ أَفْلَتَ بْنِ سَلْسَلَةَ وَقُعَيْنُ بْنُ خُلَيْفٍ الطّرِيفِيّ رَجُلٌ مِنْ جَدِيلَةَ ثُمّ مِنْ بَنِي بَوْلَانَ فَعَقَلُوا رَوَاحِلَهُمْ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَدَخَلُوا، فَجَلَسُوا قَرِيبًا مِنْ النّبِيّ - ﷺ - حَيْثُ يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ فَلَمّا نَظَرَ النّبِيّ - ﷺ - إلَيْهِمْ قَالَ:
[ ٧ / ٤٧٣ ]
أَمُرْتَحِلٌ قَوْمِي الْمَشَارِقَ غُدْوَةً وَأُتْرَكُ فِي بَيْتٍ بِفَرْدَةَ مُنْجِدِ
_________________
(١) " إنّي خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ الْعُزّى، وَلَاتِهَا، وَمِنْ الْجَمَلِ الْأَسْوَدِ الّذِي تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَمِمّا حَازَتْ مِنَاع، مِنْ كُلّ ضَارٍ غَيْرِ نَفّاعٍ " فَقَامَ زَيْدُ الْخَيْلِ، فَكَانَ مِنْ أَعْظَمِهِمْ خُلُقًا وَأَحْسَنِهِمْ وَجْهًا وَشِعْرًا، وَكَانَ يَرْكَبُ الْفَرَسَ الْعَظِيمَ الطّوِيلَ فَتَخُطّ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ كَأَنّهُ حِمَارٌ فَقَالَ لَهُ النّبِيّ ﷺ - وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ " الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَتَى بِك مِنْ سَهْلِك وَحَزَنِك، وَسَهّلَ قَلْبَك لِلْإِيمَانِ، ثُمّ قَبَضَ عَلَى يَدِهِ فَقَالَ مَنْ أَنْتَ؟ " فَقَالَ أَنَا زَيْدُ الْخَيْلِ بْنُ مُهَلْهِلٍ وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ، وَأَنّك عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ فَقَالَ: لَهُ " بَلْ أَنْت زيد الخي ر، ثُمّ قَالَ: "يَا زَيْدُ مَا خُبّرْت عَنْ رَجُلٍ شَيْئًا قَطّ إلّا رَأَيْته دُونَ مَا خُبّرْت عَنْهُ غَيْرَك "، فَبَايَعَهُ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا عَلَى مَا أَرَادَ وَأَطْعَمَهُ قِرًى كَثِيرَةً مِنْهَا: فَيْدٌ، وَكَتَبَ لِكُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى قَوْمِهِ إلّا وَزَرَ بْنَ سُدُوسٍ فَقَالَ إنّي لَأَرَى رَجُلًا لَيَمْلِكَنّ رِقَابَ الْعَرَبِ، وَلَا وَاَللهِ لَا يَمْلِكُ رَقَبَتِي عَرَبِيّ أَبَدًا، ثُمّ لَحِقَ بِالشّامِ وَتَنَصّرَ وَحَلَقَ رَأْسَهُ فَلَمّا قَامَ زَيْدٌ مِنْ عِنْدِ النّبِيّ ﷺ قَالَ: " أَيْ فَتًى لَمْ تُدْرِكْهُ أُمّ كُلْبَةَ " يَعْنِي: الْحُمّى، وَيُقَالُ: بَلْ قَالَ: " إنْ نَجَا مِنْ آجَامِ الْمَدِينَةِ "، فَقَالَ زَيْدٌ حِينَ انْصَرَفَ: أُنِيخَتْ بِآجَامِ الْمَدِينَةِ أَرْبَعًا وَعَشْرًا يُغَنّي فَوْقَهَا اللّيْلَ طَائِرُ فَلَمّا قَضَتْ أَصْحَابُهَا كُلّ بُغْيَةٍ وَخَطّ كِتَابًا فِي الصّحِيفَةِ سَاطِرُ شَدَدْت عَلَيْهَا رَحْلَهَا وَشَلِيلَهَا مِنْ الدّرْسِ وَالشّعْرَاءِ وَالْبَطْنُ ضَامِر الدّرْسُ الْجَرَبُ وَالشّعْرَاءُ ذُبَابٌ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيّ فِي حَدِيثِهِ
[ ٧ / ٤٧٤ ]
أَلَا رُبّ يَوْمٍ لَوْ مَرِضْت لَعَادَنِي عَوَائِدُ مَنْ لَمْ يُبْرَ مِنْهُنّ يُجْهَدْ
فَلَمّا مَاتَ عَمَدَتْ امْرَأَتُهُ إلَى مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ كُتُبِهِ الّتِي قَطَعَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَحَرّقَتْهَا بِالنّارِ.
أَمْرُ عَدِيّ بن حَاتِم
هربه إِلَى الشَّام فِرَارًا من الرَّسُول
وَأَمّا عَدِيّ بْنُ حَاتِمٍ فَكَانَ يَقُولُ فِيمَا بَلَغَنِي: مَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْعَرَبِ كَانَ أَشَدّ كَرَاهِيَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ سَمِعَ بِهِ مِنّي، أَمّا أَنَا فَكُنْت امْرَأً شَرِيفًا، وَكُنْت نَصْرَانِيّا، وَكُنْت أَسِيرُ فِي قَوْمِي بِالْمِرْبَاعِ فَكُنْت فِي نَفْسِي عَلَى دِينٍ وَكُنْت مَلِكًا فِي قَوْمِي، لِمَا كَانَ يُصْنَعُ بِي. فَلَمّا سَمِعْت بِرَسُولِ اللهِ ﷺ كَرِهْته، فَقُلْت لِغُلَامٍ كَانَ لِي عَرَبِيّ وَكَانَ رَاعِيًا لِإِبِلِي: لَا أَبَالَك، أَعْدِدْ لِي مِنْ إبِلِي أَجْمَالًا ذُلُلًا سِمَانًا، فَاحْتَبِسْهَا قَرِيبًا مِنّي، فَإِذَا سَمِعْت بِجَيْشٍ لِمُحَمّدٍ قَدْ وَطِئَ هَذِهِ الْبِلَادَ فَآذِنّي، فَفَعَلَ ثُمّ إنّهُ أَتَانِي ذَاتَ
_________________
(١) وَأَهْدَى زَيْدٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مَخْذُومًا وَالرّسُوبَ وَكَانَا سَيْفَيْنِ لِصَنَمِ بَلِيّ الْفَلْسِ فَلَمّا انْصَرَفُوا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " مَا قَدِمَ عَلَيّ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ يُفَضّلُهُ قَوْمُهُ إلّا رَأَيْته دُونَ مَا يُقَالُ إلّا مَا كَانَ مِنْ زَيْدٍ فَإِنْ يَنْجُ زَيْدٌ مِنْ حُمّى الْمَدِينَةِ فَلِأَمْرٍ مَا هُوَ ". وَقَوْلُهُ: أَلَا رُبّ يَوْمٍ لَوْ مَرِضْت لَعَادَنِي عَوَائِدُ مَنْ لَمْ يُبْرَ مِنْهُنّ يُجْهَدْ وَبَعْدَهُ: فَلَيْتَ اللّوَاتِي عُدْنَنِي لَمْ يَعُدْنَنِي وَلَيْتَ اللّوَاتِي غِبْنَ عَنّي شُهّدِي
[ ٧ / ٤٧٥ ]
غَدَاةٍ فَقَالَ يَا عَدِيّ مَا كُنْت صَانِعًا إذَا غَشِيَتْك خَيْلُ مُحَمّدٍ فَاصْنَعْهُ الْآنَ فَإِنّي قَدْ رَأَيْت رَايَاتٍ فَسَأَلْت عَنْهَا، فَقَالُوا: هَذِهِ جُيُوشُ مُحَمّدٍ. قَالَ فَقُلْت: فَقَرّبْ إلَيّ أَجْمَالِي، فَقَرّبَهَا، فَاحْتَمَلْت بِأَهْلِي وَوَلَدِي، ثُمّ قُلْت: أَلْحَقُ بِأَهْلِ دِينِي مِنْ النّصَارَى بِالشّامِ فَسَلَكْت الْجَوْشِيّةَ، وَيُقَالُ الْحَوْشِيّةَ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ - وَخَلّفْت بِنْتًا لِحَاتِمٍ فِي الْحَاضِرِ فَلَمّا قَدِمْت الشّامَ أَقمت بهَا.
أسر الرَّسُول ابْنة حَاتِم ثمَّ إِطْلَاقهَا
وَتُخَالِفُنِي خَيْلٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَتُصِيبُ ابْنَةَ حَاتِمٍ فِيمَنْ أَصَابَتْ فَقُدِمَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَبَايَا من طَيء وَقَدْ بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ هَرَبِي إلَى الشّامِ، قَالَ فَجُعِلَتْ بِنْتُ حَاتِمٍ فِي حَظِيرَةٍ بِبَابِ الْمَسْجِدِ كَانَتْ السّبَايَا يُحْبَسْنَ فِيهَا، فَمَرّ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَامَتْ إلَيْهِ وَكَانَتْ امْرَأَةً جَزْلَةً فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكَ الْوَالِدُ وَغَابَ الْوَافِدُ فَامْنُنْ عَلَيّ مَنّ اللهُ عَلَيْك.
قَالَ " وَمَنْ وَافِدُك؟ " قَالَتْ عَدِيّ بْنُ حَاتِمٍ. قَالَ الْفَارّ مِنْ اللهِ وَرَسُولِهِ؟ قَالَتْ ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَرَكَنِي، حَتّى إذَا كَانَ مِنْ الْغَدِ مَرّ بِي، فَقُلْت لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ وَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ بِالْأَمْسِ.
قَالَتْ حَتّى إذَا كَانَ بَعْدَ الْغَدِ مَرّ بِي وَقَدْ يَئِسْت مِنْهُ فَأَشَارَ إلَيّ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ أَنْ قُومِي فَكَلّمِيهِ قَالَ فَقُمْت إلَيْهِ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكَ الْوَالِدُ وَغَابَ الْوَافِدُ فَامْنُنْ عَلَيّ مَنّ اللهُ عَلَيْك ; فَقَالَ ﷺ " قَدْ فَعَلْت، فَلَا تَعْجَلِي بِخُرُوجٍ حَتّى تَجِدِي مِنْ قَوْمِك مَنْ يَكُونُ لَهُ ثِقَةً حَتّى يُبَلّغَك إلَى بِلَادِك، ثُمّ آذِنِينِي ". فَسَأَلْت عَنْ الرّجُلِ الّذِي أَشَارَ إلَيّ أَنْ أُكَلّمَهُ فَقِيلَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ وَأَقَمْت حَتّى قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَلِيّ أَوْ قُضَاعَةَ، قَالَتْ وَإِنّمَا أُرِيدُ أَنْ آتِيَ أَخِي بِالشّامِ. قَالَتْ فَجِئْت رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ قَوْمِي، لِي فِيهِمْ ثِقَةٌ وَبَلَاغٌ. قَالَتْ فَكَسَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَحَمَلَنِي، وَأَعْطَانِي نَفَقَةً فَخَرَجْت مَعَهُمْ حَتّى قدمت الشَّام.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٧٦ ]
إِشَارَة ابْنة حَاتِم على عدي بِالْإِسْلَامِ
قَالَ عَدِيّ: فَوَاَللهِ إنّي لَقَاعِدٌ فِي أَهْلِي، إذْ نَظَرْت إلَى ظَعِينَةٍ تُصَوّبُ إلَيّ تَؤُمّنَا، قَالَ فَقُلْت ابْنَةُ حَاتِمٍ قَالَ فَإِذَا هِيَ هِيَ فَلَمّا وَقَفَتْ عَلَيّ انْسَحَلَتْ تَقُولُ الْقَاطِعُ الظّالِمُ احْتَمَلْت بِأَهْلِك وَوَلَدِك، وَتَرَكْت بَقِيّةَ وَالِدِك عَوْرَتَك، قَالَ قُلْت: أَيْ أُخَيّةُ لَا تَقُولِي إلّا خَيْرًا، فَوَاَللهِ مَا لِي مِنْ عُذْرٍ لَقَدْ صَنَعْت مَا ذَكَرْت. قَالَ ثُمّ نَزَلَتْ فَأَقَامَتْ عِنْدِي، فَقُلْت لَهَا: وَكَانَتْ امْرَأَةً حَازِمَةً مَاذَا تَرَيْنَ فِي أَمْرِ هَذَا الرّجُلِ؟ قَالَتْ أَرَى وَاَللهِ أَنْ تَلْحَقَ بِهِ سَرِيعًا، فَإِنْ يَكُنْ الرّجُلُ نَبِيّا فَلِلسّابِقِ إلَيْهِ فَضْلُهُ وَإِنْ يَكُنْ مَلِكًا فَلَنْ تُذَلّ فِي عِزّ الْيَمَنِ، وَأَنْتَ أَنْتَ. قَالَ قُلْت: وَاَللهِ إنّ هَذَا الرَّأْي
قدوم عدي على الرَّسُول وإسلامه
قَالَ فَخَرَجْت حَتّى أَقْدَمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْت عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَسْجِدِهِ فَسَلّمْت عَلَيْهِ فَقَالَ: " مَنْ الرّجُلُ؟ " فَقُلْت: عَدِيّ بْنُ حَاتِمٍ ; فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَانْطَلَقَ بِي إلَى بَيْتِهِ فَوَاَللهِ إنّهُ لَعَامِدٌ بِي إلَيْهِ إذْ لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ ضَعِيفَةٌ كَبِيرَةٌ
_________________
(١) قُدُومُ عَدِيّ بْنِ حَاتِمٍ وَهُوَ عَدِيّ بْنُ حَاتِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ حَشْرَجِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ جَرْوَلَ بْنِ ثُعَلَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْغَوْث بن طَيء يُكَنّى أَبَا ظَرِيفٍ وَحَدِيثُ إسْلَامِهِ صَحِيحٌ عَجِيبٌ خَرّجَهُ التّرْمِذِيّ، وَأُخْتُهُ الّتِي ذُكِرَ إسْلَامُهَا أَحْسَبُ اسْمَهَا سَفّانَةَ لِأَنّي وَجَدْت فِي خَبَرٍ عَنْ امْرَأَةِ حَاتِمٍ تَذْكُرُ فِيهِ مِنْ سَخَائِهِ قَالَتْ فَأَخَذَ حَاتِمٌ عَدِيّا يُعَلّلُهُ مِنْ الْجُوعِ وَأَخَذْت أَنَا سَفّانَةَ وَلَا يُعْرَفُ لِعَدِيّ وَلَدًا نُقْرَضُ عَقِبُهُ وَلِحَاتِمٍ عَقِبٌ مِنْ قَبْلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَاتِمٍ ذَكَرَهُ الْقُتَبِيّ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ بِنْتٌ إلّا سَفّانَةُ فَهِيَ إِذا هَذِهِ الْمَذْكُورَةُ فِي السّيرَةِ وَاَللهُ أَعْلَمُ وَأُمّ حَاتِمٍ عِنَبَةُ
[ ٧ / ٤٧٧ ]
فَاسْتَوْقَفَتْهُ فَوَقَفَ لَهَا طَوِيلًا تُكَلّمُهُ فِي حَاجَتِهَا ; قَالَ قُلْت فِي نَفْسِي: وَاَللهِ مَا هَذَا بِمَلِكٍ قَالَ ثُمّ مَضَى بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى إذَا دَخَلَ بِي بَيْتَهُ تَنَاوَلَ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ مَحْشُوّةً لِيفًا، فَقَذَفَهَا إلَيّ فَقَالَ " اجْلِسْ عَلَى هَذِهِ " قَالَ قُلْت: بَلْ أَنْتَ فَاجْلِسْ عَلَيْهَا، فَقَالَ " بَلْ أَنْتَ فَجَلَسْت عَلَيْهَا "، وَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْأَرْضِ قَالَ قُلْت فِي نَفْسِي: وَاَللهِ مَا هَذَا بِأَمْرِ مَلِكٍ ثُمّ قَالَ إيهِ يَا عَدِيّ بْنَ حَاتِمٍ " أَلَمْ تَكُ رَكُوسِيّا؟ " قَالَ قُلْت: بَلَى، (قَالَ): " أَوَلَمْ تَكُنْ تَسِيرُ فِي قَوْمِك بِالْمِرْبَاعِ؟ " قَالَ قُلْت: بَلَى، قَالَ "فَإِنّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَحِلّ لَك فِي دِينِك " ; قَالَ قُلْت: أَجَلْ وَاَللهِ وَقَالَ وَعَرَفْت أَنّهُ نَبِيّ مُرْسَلٌ يَعْلَمُ مَا يُجْهَلُ ثُمّ قَالَ " لَعَلّك يَا عَدِيّ إنّمَا يَمْنَعُك مِنْ دُخُولٍ فِي هَذَا الدّينِ مَا تَرَى مِنْ حَاجَتِهِمْ فَوَاَللهِ لَيُوشِكَنّ الْمَالُ أَنْ يَفِيضَ فِيهِمْ حَتّى لَا يُوجَدَ مَنْ يَأْخُذُهُ وَلَعَلّك إنّمَا يَمْنَعُك مِنْ دُخُولٍ فِيهِ مَا تَرَى مِنْ كَثْرَةِ عَدُوّهِمْ وَقِلّةِ عَدَدِهِمْ فَوَاَللهِ لَيُوشِكَنّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْمَرْأَةِ تَخْرُجُ مِنْ الْقَادِسِيّةِ عَلَى بَعِيرِهَا (حَتّى) تَزُورَ هَذَا الْبَيْتَ لَا تَخَافُ وَلَعَلّك إنّمَا يَمْنَعُك مِنْ دُخُولٍ فِيهِ أَنّك تَرَى أَنّ الْمُلْكَ وَالسّلْطَانَ فِي غَيْرِهِمْ وَأَيْمُ اللهِ لَيُوشِكَنّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْقُصُورِ الْبِيضِ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ قَدْ فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ " قَالَ فَأَسْلَمْت.
وُقُوعُ مَا وَعَدَ بِهِ الرّسُولُ عَدِيّا
وَكَانَ عَدِيّ يَقُولُ: قَدْ مَضَتْ اثْنَتَانِ وَبَقِيَتْ الثّالِثَةُ وَاَللهِ لَتَكُونَنّ قَدْ رَأَيْت الْقُصُورَ الْبِيضَ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ قَدْ فُتِحَتْ وَقَدْ رَأَيْت الْمَرْأَةَ تَخْرُجُ مِنْ الْقَادِسِيّةِ عَلَى
_________________
(١) بِنْتُ عَفِيفِ [بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْقَيْسِ] كَانَتْ مِنْ أَكْرَمِ النّاسِ وَهِيَ الّتِي تَقُولُ لَعَمْرِي لَقَدْ مَا عَضّنِي الْجُوعُ عَضّةً فَآلَيْت أَلّا أَحْرِمَ الدّهْرَ جَائِعًا وَالسّفّانَةُ الدّرّةُ وَبِهَا كَانَ يُكَنّى حَاتِمٌ.
[ ٧ / ٤٧٨ ]
بَعِيرِهَا لَا تَخَافُ حَتّى تَحُجّ هَذَا الْبَيْتَ وَأَيْمُ اللهِ لَتَكُونَنّ الثّالِثَةُ لَيَفِيضَنّ الْمَالُ حَتّى لَا يُوجَدَ مَنْ يَأْخُذُهُ
قُدُومُ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ الْمُرَادِيّ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَدِمَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ الْمُرَادِيّ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مُفَارِقًا لِمُلُوكِ كِنْدَةَ، وَمُبَاعِدًا لَهُمْ إلَى رَسُول الله ﷺ.
يَوْم الرَّدْم بَين مُرَاد وهمدان
وَقَدْ كَانَ قُبَيْلَ الْإِسْلَامِ بَيْنَ مُرَادٍ وَهَمْدَانَ وَقْعَةٌ أَصَابَتْ فِيهَا هَمْدَانُ مِنْ مُرَادٍ مَا أَرَادُوا، حَتّى أَثْخَنُوهُمْ فِي يَوْمٍ كَانَ يُقَالُ لَهُ يَوْمُ الرّدْمِ، فَكَانَ الّذِي قَادَ هَمْدَانَ إلَى مُرَادٍ الْأَجْدَعُ بْنُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الّذِي قَادَ هَمْدَانَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَالِكُ بْنُ حَرِيم الْهَمدَانِي.
شعر فَرْوَة فِي يَوْم الرَّدْم
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَقُولُ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ:
مَرَرْنَا عَلَى لُفَاةَ وَهُنّ خُوصٌ يُنَازِعْنَ الْأَعِنّةَ يَنْتَحِينَا
فَإِنْ نَغْلِبْ فَغَلّابُونَ قِدْمًا وَإِنْ نُغْلَبْ فَغَيْرُ مُغَلّبِينَا
وَمَا إنْ طِبّنَا جُبْنٌ وَلَكِنْ مَنَايَانَا وَطُعْمَةُ آخَرِينَا
كَذَاك الدّهْرُ دَوْلَتُهُ سِجَالٌ تَكُرّ صُرُوفُهُ حِينًا فَحِينَا
فَبَيْنَا مَا نُسَرّ بِهِ وَنَرْضَى وَلَوْ لُبِسَتْ غَضَارَتُهُ سِنِينَا
إذْ انْقَلَبَتْ بِهِ كَرّاتُ دَهْرٍ فَأَلْقَيْت الْأُلَى غُبِطُوا طَحِينَا
فَمَنْ يُغْبَطْ بِرَيْبِ الدّهْرِ مِنْهُمْ يَجِدْ رَيْبَ الزّمَانِ لَهُ خَئُونَا
فَلَوْ خَلَدَ الْمُلُوكُ إذَنْ خَلَدْنَا وَلَوْ بَقِيَ الْكِرَامُ إذَنْ بَقِينَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٧٩ ]
فَأَفْنَى ذَلِكَ سَرَوَاتِ قَوْمِي كَمَا أَفْنَى الْقُرُونَ الْأَوّلِينَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَوّلُ بَيْتٍ مِنْهَا، وَقَوْلُهُ فَإِنْ نَغْلِبْ عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قُدُومُ فَرْوَةَ عَلَى الرّسُولِ وَإِسْلَامُهُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَلَمّا تَوَجّهَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مُفَارِقًا لِمُلُوكِ كِنْدَةَ، قَالَ
لَمّا رَأَيْت مُلُوكَ كِنْدَةَ أَعْرَضَتْ كَالرّجْلِ خَانَ الرّجْلَ عِرْقُ نَسَائِهَا
قَرّبْت رَاحِلَتِي أَؤُمّ مُحَمّدًا أَرْجُو فَوَاضِلَهَا وَحُسْنَ ثَرَائِهَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: أَرْجُو فَوَاضِلَهُ وَحُسْنَ ثَنَائِهَا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنِي: يَا فَرْوَةُ هَلْ سَاءَك مَا أَصَابَ قَوْمَك يَوْمَ الرّدْمِ؟ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ ذَا يُصِيبُ قَوْمَهُ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمِي يَوْمَ الرّدْمِ لَا يَسُوءُهُ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَهُ: " أَمَا إنّ ذَلِكَ لَمْ يَزِدْ قَوْمَك فِي الْإِسْلَامِ إلّا خَيْرًا ".
وَاسْتَعْمَلَهُ النّبِيّ ﷺ عَلَى مُرَادٍ وَزُبَيْدٍ وَمَذْحِجٍ كُلّهَا، وَبَعَثَ مَعَهُ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَى الصّدَقَةِ فَكَانَ مَعَهُ فِي بِلَادِهِ حَتّى تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
قُدُومُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ فِي أُنَاسٍ مِنْ بَنِي زُبَيْدٍ
وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ فِي أُنَاسٍ مِنْ بَنِي زُبَيْدٍ، فَأَسْلَمَ وَكَانَ عَمْرٌو قَدْ قَالَ لِقَيْسِ بْنِ مَكْشُوحٍ الْمُرَادِيّ حِينَ انْتَهَى إلَيْهِمْ أَمْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَا قَيْسُ، إنّك سَيّدُ قَوْمِك، وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ مُحَمّدٌ قَدْ خَرَجَ بِالْحِجَازِ يَقُولُ إنّهُ نَبِيّ، فَانْطَلِقْ بِنَا إلَيْهِ حَتّى نَعْلَمَ عِلْمَهُ فَإِنْ كَانَ نَبِيّا كَمَا يَقُولُ فَإِنّهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٨٠ ]
لَنْ يَخْفَى عَلَيْك، وَإِذَا لَقِينَاهُ اتّبَعْنَاهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ عَلِمْنَا عِلْمَهُ فَأَبَى عَلَيْهِ قَيْسٌ ذَلِكَ وَسَفّهَ رَأْيَهُ فَرَكِبَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ حَتّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَسْلَمَ وَصَدّقَهُ وَآمَنَ بِهِ.
فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ قَيْسَ بْنَ مَكْشُوحٍ أَوْعَدَ عَمْرًا، وَتَحَطّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ خَالَفَنِي وَتَرَكَ رَأْيِي ; فَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ فِي ذَلِكَ
أَمَرْتُك يَوْم ذِي صنعاء أَمْرًا بَادِيًا رَشَدُهْ
أَمرتك باتقاء الله وَالْمَعْرُوفِ تَتّعِدُهْ
خَرَجْت مِنْ الْمُنَى مِثْلَ الْ حُمَيّرِ غَرّهُ وَتِدُهْ
تُمَنّانِي عَلَى فَرَسٍ عَلَيْهِ جَالِسًا أَسَدُهْ
عَلَيّ مُفَاضَةٌ كَالنّهْ يِ أَخْلَصَ مَاءَهُ جَدَدُهْ
تَرُدّ الرّمْحَ مُنْثَنِيَ السـ نان عَوَائِرًا قِصَدُهْ
فَلَو لاقيتني للقيت لَيْثًا فَوْقَهُ لِبَدُهْ
تُلَاقِي شَنْبَثًا شَثْنَ الْ بَرَاثِنِ نَاشِزًا كَتَدُهْ
يُسَامِي الْقِرْنَ إنْ قِرْنٌ تَيَمّمَهُ فَيَعْتَضِدُهْ
فَيَأْخُذُهُ فَيَرْفَعُهُ فَيَخْفِضُهُ فَيَقْتَصِدُهْ
فَيَدْمَغُهُ فَيَحْطِمُهُ فَيَخْضِمُهُ فَيَزْدَرِدُهْ
ظَلُومُ الشّرك فِيمَا أحرزت أَنْيَابُهُ وَيَدُهْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ:
أَمَرْتُك يَوْم ذِي صنعاء ءَ أَمْرًا بَاديًا رَشَدُهْ
أَمرتك باتقاء الله تَأْتِيهِ وتَتّعِدُهْ
فَكُنْت كَذِي الحُمَيّرِ غَرّ رَه مِمّا بِهِ وَتِدُهْ
لَمْ يُعْرَفْ سَائِرُهَا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٨١ ]
ارْتِدَادُهُ وَشِعْرُهُ فِي ذَلِكَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَأَقَامَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ فِي قَوْمِهِ مِنْ بَنِي زُبَيْدَةَ وَعَلَيْهِمْ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ. فَلَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ارْتَدّ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ، وَقَالَ حِينَ ارْتَدّ
وَجَدْنَا مُلْكَ فَرْوَةَ شَرّ مُلْكٍ حِمَارًا سَافَ مَنْخَرُهُ بِثُفْرِ
وَكُنْت إذَا رَأَيْت أَبَا عُمَيْرٍ تَرَى الْحُوَلَاءَ مِنْ خَبَثٍ وَغَدْرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ بِثُفْرِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ.
قُدُومُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ فِي وَفد كِنْدَة
قدوم وإسلامهم
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فِي وَفْدِ كِنْدَةَ، فَحَدّثَنِي الزّهْرِيّ بْنُ شِهَابٍ أَنّهُ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي ثَمَانِينَ رَاكِبًا مِنْ كِنْدَةَ، فَدَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَسْجِدَهُ وَقَدْ رَجّلُوا جُمَمَهُمْ وَتَكَحّلُوا، وَعَلَيْهِمْ جُبَبُ الْحِبَرَةِ وَقَدْ كَفّفُوهَا بِالْحَرِيرِ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ " أَلَمْ تُسْلِمُوا؟ " قَالُوا: بَلَى، قَالَ " فَمَا بَالُ هَذَا الْحَرِيرِ فِي أَعْنَاقِكُمْ؟ " قَالَ فَشَقّوهُ مِنْهَا، فألقوه.
أنتساب الْوَفْد إِلَى آكل المرار
ثُمّ قَالَ لَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: يَا رَسُولَ اللهِ نَحْنُ بَنُو آكِلِ الْمُرَارِ، وَأَنْتَ ابْنُ آكِلِ الْمُرَارِ قَالَ فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ " نَاسِبُوا بِهَذَا النّسَبِ الْعَبّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَرَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ "، وَكَانَ الْعَبّاسُ وَرَبِيعَةُ رَجُلَيْنِ تَاجِرَيْنِ وَكَانَا إذَا شَاعَا فِي بَعْضِ الْعَرَبِ، فَسُئِلَا مِمّنْ هُمَا؟ قَالَا: نَحْنُ بَنُو آكِلِ الْمُرَارِ، يَتَعَزّزَانِ بِذَلِكَ وَذَلِكَ أَنّ كِنْدَةَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٨٢ ]
كَانُوا مُلُوكًا: ثُمّ قَالَ لَهُمْ " لَا، بَلْ نَحْنُ بَنُو النّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، لَا نَقْفُو أُمّنَا، وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا "، فَقَالَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: هَلْ فَرَغْتُمْ يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ؟ وَاَللهِ لَا أَسْمَعُ رَجُلًا يَقُولُهَا إلّا ضَربته ثَمَانِينَ.
نسب الْأَشْعَث إِلَى آكل المرار
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ مِنْ وَلَدِ آكِلِ الْمُرَارِ مِنْ قِبَلِ النّسَاءِ وَآكِلُ الْمُرَارِ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُجْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ ثَوْرِ بْنِ مُرَتّعِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ كِنْدِيّ وَيُقَالُ كِنْدَةُ، وَإِنّمَا سُمّيَ آكِلَ الْمُرَارِ لِأَنّ عَمْرَو بْنَ الْهَبُولَةِ الْغَسّانِيّ أَغَارَ عَلَيْهِمْ وَكَانَ الْحَارِثُ غَائِبًا، فَغَنِمَ وَسَبَى، وَكَانَ فِيمَنْ سَبَى أُمّ أُنَاسِ بِنْتُ عَوْفِ بْنِ مُحَلّمِ الشّيْبَانِيّ امْرَأَةُ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو، فَقَالَتْ لِعَمْرٍو فِي مَسِيرِهِ لَكَأَنّي بِرَجُلٍ أَدْلَمَ أَسْوَدَ كَأَنّ مَشَافِرَهُ مَشَافِرُ بَعِيرٍ آكِلِ مُرَارٍ قَدْ أَخَذَ بِرَقَبَتِك، تَعْنِي: الْحَارِثَ فَسُمّيَ آكِلَ الْمُرَارِ وَالْمُرَارُ شَجَرٌ. ثُمّ تَبِعَهُ الْحَارِثُ فِي بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَلَحِقَهُ فَقَتَلَهُ وَاسْتَنْقَذَ امْرَأَتَهُ وَمَا كَانَ أَصَابَ. فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلّزَةَ الْيَشْكُرِيّ لِعَمْرِو بْنِ الْمُنْذِرِ وَهُوَ عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ اللّخْمِيّ:
وَأَقَدْنَاك رب غَسَّان بالمنذر كَرْهًا إذْ لَا تُكَالُ الدّمَاءُ
لِأَنّ الْحَارِثَ الْأَعْرَجَ الْغَسّانِيّ قَتَلَ الْمُنْذِرُ أَبَاهُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ أَطْوَلُ مِمّا ذَكَرْت، وَإِنّمَا مَنَعَنِي مِنْ اسْتِقْصَائِهِ مَا ذَكَرْت مِنْ الْقَطْعِ. وَيُقَالُ بَلْ آكِلُ الْمُرَارِ حُجْرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ صَاحِبُ هَذَا الْحَدِيثِ وَإِنّمَا سُمّيَ آكِلَ الْمُرَارِ لِأَنّهُ أَكَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ شَجَرًا يُقَالُ لَهُ الْمُرَارُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٨٣ ]
قُدُومُ صُرَدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَزْدِيّ
إسْلَامُهُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَزْدِيّ، فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ فِي وَفْدٍ مِنْ الْأَزْدِ، فَأَمّرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ. وَأَمَرَهُ أَنْ يُجَاهِدَ بِمَنْ أَسْلَمَ مَنْ كَانَ يَلِيهِ مِنْ أَهْلِ الشّرْكِ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ.
قِتَالُهُ أَهْلَ جُرَشَ
فَخَرَجَ صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يَسِيرُ بِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ بِجُرَشَ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ مَدِينَةٌ مُعَلّقَةٌ وَبِهَا قَبَائِلُ مِنْ قَبَائِلِ الْيَمَنِ، وَقَدْ ضَوَتْ إلَيْهِمْ خَثْعَمُ، فَدَخَلُوهَا مَعَهُمْ حِينَ سَمِعُوا بِسَيْرِ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ فَحَاصَرُوهُمْ فِيهَا قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ وَامْتَنَعُوا فِيهَا مِنْهُ ثُمّ إنّهُ رَجَعَ عَنْهُمْ قَافِلًا، حَتّى إذَا كَانَ إلَى جَبَلٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ شَكْرٌ، ظَنّ أَهْلُ جُرَشَ أَنّهُ إنّمَا وَلّى عَنْهُمْ مُنْهَزِمًا، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ حَتّى إذَا أَدْرَكُوهُ عَطَفَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَهُمْ قَتْلًا شَدِيدًا.
إخْبَارُ الرّسُولِ وَافِدِي جُرَشَ بِمَا حَدَثَ لِقَوْمِهَا
وَقَدْ كَانَ أَهْلُ جُرَشَ بَعَثُوا رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ يَرْتَادَانِ وَيَنْظُرَانِ فَبَيْنَمَا هُمَا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَشِيّةً بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إذْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " بِأَيّ بِلَادِ اللهِ شَكْرٌ؟ " فَقَامَ إلَيْهِ الْجُرَشِيّانِ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ بِبِلَادِنَا جَبَلٌ يُقَال لَهُ كَشْرٌ ; وَكَذَلِكَ يُسَمّيهِ أَهْلُ جُرَشَ، فَقَالَ " إنّهُ لَيْسَ بِكَشْرٍ وَلَكِنّهُ شَكْرٌ " ; قَالَا: فَمَا شَأْنُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ "إنّ بُدْنَ اللهِ لَتُنْحَرُ عِنْدَهُ الْآنَ " قَالَ فَجَلَسَ الرّجُلَانِ إلَى أَبِي بَكْرٍ أَوْ إلَى عُثْمَانَ فَقَالَ لَهُمَا: وَيْحَكُمَا إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَيَنْعَى لَكُمَا قَوْمَكُمَا، فَقُومَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاسْأَلَاهُ أَنْ يَدْعُوَ اللهَ أَنْ يَرْفَعَ عَنْ قَوْمِكُمَا ; فَقَامَا إلَيْهِ فَسَأَلَاهُ ذَلِكَ فَقَالَ " اللهُمّ ارْفَعْ عَنْهُمْ " فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَاجِعِينَ إلَى قَوْمِهِمَا،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٨٤ ]
فَوَجَدَا قَوْمَهُمَا قَدْ أُصِيبُوا يَوْمَ أَصَابَهُمْ صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فِي الْيَوْمِ الّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا قَالَ وَفِي السّاعَةِ الّتِي ذَكَرَ فِيهَا مَا ذَكَرَ
إسْلَامُ أَهْلِ جُرَشَ
وَخَرَجَ وَفْدُ جُرَشَ حَتّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَسْلَمُوا، وَحَمَى لَهُمْ حِمًى حَوْلَ قَرْيَتِهِمْ عَلَى أَعْلَامٍ مَعْلُومَةٍ لِلْفَرَسِ وَالرّاحِلَةِ وَلِلْمُثِيرَةِ بَقَرَةِ الْحَرْثِ فَمَنْ رَعَاهُ مِنْ النّاسِ فَمَالُهُمْ سُحْتٌ. فَقَالَ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ رَجُلٌ مِنْ الْأَزْدِ: وَكَانَتْ خَثْعَمُ تُصِيبُ مِنْ الْأَزْدِ فِي الْجَاهِلِيّةِ وَكَانُوا يَعْدُونَ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ
يَا غَزْوَةً مَا غَزَوْنَا غَيْرَ خَائِبَةٍ فِيهَا الْبِغَالُ وَفِيهَا الْخَيْلُ وَالْحُمُرُ
حَتّى أَتَيْنَا حُمَيْرًا فِي مَصَانِعِهَا وَجَمْعَ خَثْعَمَ قَدْ شَاعَتْ لَهَا النّذُرُ
إذَا وَضَعْت غَلِيلًا كُنْت أَحْمِلُهُ فَمَا أُبَالِي أَدَانُوا بَعْدُ أَمْ كَفَرُوا
قُدُومُ رَسُولِ مُلُوكِ حمير بِكِتَابِهِمْ:
قدوم رَسُولِ مُلُوك حمير
وَقدم على رَسُول اللهِ ﷺ كِتَابُ مُلُوكِ حِمْيَرَ، مَقْدَمَهُ مِنْ تَبُوكَ، وَرَسُولُهُمْ إلَيْهِ بِإِسْلَامِهِمْ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ كُلَالٍ، وَنُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ كُلَالٍ. وَالنّعْمَانُ قِيلَ ذِي رُعَيْنٍ وَمَعَافِرَ وَهَمْدَانَ ; وَبَعَثَ إلَيْهِ زُرْعَةُ ذُو يَزَنٍ مَالِكَ بْنَ مُرّةَ الرّهَاوِيّ بِإِسْلَامِهِمْ وَمُفَارَقَتِهِمْ الشّرْكَ وَأَهْلَهُ.
كِتَابُ الرّسُولِ إلَيْهِمْ
فَكَتَبَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ
" بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللهِ النّبِيّ، إلَى الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، وَإِلَى نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، وَإِلَى النّعْمَانِ قِيلَ ذِي رُعَيْنٍ وَمَعَافِرَ وَهَمْدَانَ. أَمّا بَعْدَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٨٥ ]
ذَلِكُمْ فَإِنّي أَحْمَدُ إلَيْكُمْ اللهَ الّذِي لَا إلَهَ إلّا هُوَ أَمّا بَعْدُ فَإِنّهُ قَدْ وَقَعَ بِنَا رَسُولُكُمْ مُنْقَلَبَنَا مِنْ أَرْضِ الرّومِ، فَلَقِيَنَا بِالْمَدِينَةِ فَبَلّغَ مَا أَرْسَلْتُمْ بِهِ وَخَبّرَنَا مَا قِبَلَكُمْ وَأَنْبَأَنَا بِإِسْلَامِكُمْ وَقَتْلِكُمْ الْمُشْرِكِينَ وَأَنّ اللهَ قَدْ هَدَاكُمْ بِهُدَاهُ إنْ أَصْلَحْتُمْ وَأَطَعْتُمْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَأَقَمْتُمْ الصّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزّكَاةَ وَأَعْطَيْتُمْ مِنْ الْمَغَانِمِ خُمُسَ اللهِ وَسَهْمَ الرّسُولِ وَصَفِيّهُ وَمَا كُتِبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الصّدَقَةِ مِنْ الْعَقَارِ عُشْرَ مَا سَقَتْ الْعَيْنُ وَسَقَتْ السّمَاءُ وَعَلَى مَا سَقَى الْغَرْبُ نِصْفَ الْعُشْرِ وَأَنّ فِي الْإِبِلِ الْأَرْبَعِينَ ابْنَةَ لَبُونٍ وَفِي ثَلَاثِينَ مِنْ الْإِبِلِ ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٍ وَفِي كُلّ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاةٌ وَفِي كُلّ عَشْرٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاتَانِ وَفِي كُلّ أَرْبَعِينَ مِنْ الْبَقَرِ بَقَرَةٌ وَفِي كُلّ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ تَبِيعٌ جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ وَفِي كُلّ أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ سَائِمَةً وَحْدَهَا، شَاةٌ وَأَنّهَا فَرِيضَةُ اللهِ الّتِي فُرِضَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقَةِ فَمَنْ زَادَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَمَنْ أَدّى ذَلِكَ وَأَشْهَدَ عَلَى إسْلَامِهِ وَظَاهَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَإِنّهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ وَلَهُ ذِمّةُ اللهِ وَذِمّةُ رَسُولِهِ وَإِنّهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيّ أَوْ نَصْرَانِيّ فَإِنّهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ وَمَنْ كَانَ عَلَى يَهُودِيّتِهِ أَوْ نَصْرَانِيّتِهِ فَإِنّهُ لَا يُرَدّ عَنْهَا، وَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ عَلَى كُلّ حَالٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرّ أَوْ عَبْدٍ دِينَارٌ وَافٍ مِنْ قِيمَةِ الْمَعَافِرِ أَوْ عِوَضُهُ ثِيَابًا، فَمَنْ أَدّى ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَإِنّ لَهُ ذِمّةَ اللهِ وَذِمّةَ رَسُولِهِ وَمَنْ مَنَعَهُ فَإِنّهُ عَدُوّ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ. أَمّا بَعْدُ فَإِنّ رَسُولَ اللهِ مُحَمّدًا النّبِيّ أَرْسَلَ إلَى زُرْعَةَ ذِي يَزَنٍ أَنْ إذَا أَتَاكُمْ رُسُلِي فَأُوصِيكُمْ بِهِمْ خَيْرًا: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ، وَمَالِكُ بْنُ عُبَادَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ نَمِرٍ وَمَالِكُ بْنُ مُرّةَ وَأَصْحَابُهُمْ وَأَنْ اجْمَعُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنْ الصّدَقَةِ وَالْجِزْيَةِ مِنْ مُخَالِفِيكُمْ وَأَبْلِغُوهَا رُسُلِي، وَأَنّ أَمِيرَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَا يَنْقَلِبَنّ إلّا رَاضِيًا. أَمّا بَعْدُ. فَإِنّ مُحَمّدًا يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَأَنّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمّ إنّ مَالِكَ بْنَ مُرّةَ الرّهَاوِيّ قَدْ حَدّثَنِي أَنّك أَسْلَمْت مِنْ أَوّلِ حِمْيَرَ، وَقَتَلْت الْمُشْرِكِينَ فَأَبْشِرْ بِخَيْرٍ وَآمُرُك بِحِمْيَرَ خَيْرًا، وَلَا تَخُونُوا وَلَا تَخَاذَلُوا، فَإِنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ هُوَ وَلِيّ غَنِيّكُمْ وَفَقِيرِكُمْ وَأَنّ الصّدَقَةَ لَا تَحِلّ لِمُحَمّدٍ وَلَا لِأَهْلِ بَيْتِهِ إنّمَا هِيَ زَكَاةٌ يُزَكّى بِهَا عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَابْنِ السّبِيلِ وَإِنّ مَالِكًا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٨٦ ]
قَدْ بَلّغَ الْخَبَرَ، وَحَفِظَ الْغَيْبَ وَآمُرُكُمْ بِهِ خَيْرًا، وَإِنّي قَدْ أَرْسَلْت إلَيْكُمْ مِنْ صَالِحِي أَهْلِي وَأُولِي دِينِهِمْ وَأُولِي عِلْمِهِمْ وَآمُرُك بِهِمْ خَيْرًا، فَإِنّهُمْ مَنْظُورٌ إلَيْهِمْ وَالسّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ ".
وَصِيّةُ الرّسُولِ مُعَاذًا حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ
بَعْثُ الرّسُولِ مُعَاذًا عَلَى الْيَمَنِ وَشَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِ بِهَا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنّهُ حَدّثَ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ بَعَثَ مُعَاذًا، أَوْصَاهُ وَعَهِدَ إلَيْهِ ثُمّ قَالَ لَهُ يَسّرْ وَلَا تُعَسّرْ وَبَشّرْ وَلَا تُنَفّرْ وَإِنّك سَتَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَسْأَلُونَك مَا مِفْتَاحُ الْجَنّةِ فَقُلْ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ قَالَ فَخَرَجَ مُعَاذٌ حَتّى إذَا قَدِمَ الْيَمَنَ قَامَ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالَتْ يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ مَا حَقّ زَوْجِ الْمَرْأَةِ عَلَيْهَا؟ قَالَ وَيْحَك إنّ الْمَرْأَةَ لَا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تُؤَدّيَ حَقّ زَوْجِهَا، فَأَجْهِدِي نَفْسَك فِي أَدَاءِ حَقّهِ مَا اسْتَطَعْت، قَالَتْ وَاَللهِ لَئِنْ كُنْت صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إنّك لَتَعْلَمُ مَا حَقّ الزّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ. قَالَ وَيْحَك لَوْ رَجَعْت إلَيْهِ فَوَجَدْته تَنْثَعِبُ مَنْخَرَاهُ قَيْحًا وَدَمًا، فَمَصَصْت ذَلِكَ حَتّى تُذْهِبِيهِ مَا أَدّيْت حَقّهُ.
إسْلَامُ فَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو الْجُذَامِيّ
إسْلَامُهُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَبَعَثَ فَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو النّافِرَةَ الْجُذَامِيّ ثُمّ النّفَاثِيّ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ
_________________
(١) حَدِيثُ فَرْوَةَ "مَعْنَى قَرْوٍ" وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ حَدِيثَ فَرْوَةَ وَقَوْلَهُ
[ ٧ / ٤٨٧ ]
رَسُولًا بِإِسْلَامِهِ وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ وَكَانَ فَرْوَةُ عَامِلًا لِلرّومِ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ الْعَرَبِ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ مَعَانَ وَمَا حَوْلَهَا مِنْ أَرْضِ الشّامِ.
حَبْسُ الرّومِ لَهُ وَشِعْرُهُ فِي مَحْبِسِهِ
فَلَمّا بَلَغَ الرّومَ ذَلِكَ مِنْ إسْلَامِهِ طَلَبُوهُ حَتّى أَخَذُوهُ فَحَبَسُوهُ عِنْدَهُمْ فَقَالَ فِي مَحْبِسِهِ ذَلِكَ
طَرَقَتْ سُلَيْمَى مَوْهِنًا أَصْحَابِي وَالرّومُ بَيْنَ الْبَابِ وَالْقِرْوَانِ
صَدّ الْخَيَالُ وَسَاءَهُ مَا قَدْ رَأَى وَهَمَمْت أَنْ أُغْفِي وَقَدْ أَبْكَانِي
لَا تَكْحَلَنّ الْعَيْنَ بَعْدِي إثْمِدًا سَلْمَى وَلَا تَدِيِنّ لِلْإِتْيَانِ
وَلَقَدْ عَلِمْت أَبَا كُبَيْشَةَ أَنّنِي وَسْطَ الْأَعِزّةِ لَا يُحَصّ لِسَانِي
فَلَئِنْ هَلَكْت لَتَفْقِدُنّ أَخَاكُمْ وَلَئِنْ بَقِيت لَتَعْرِفُنّ مَكَانِي
وَلَقَدْ جَمَعْت أَجَلّ مَا جَمَعَ الْفَتَى مِنْ جَوْدَةٍ وَشَجَاعَةٍ وَبَيَانِ
_________________
(١) طَرَقَتْ سُلَيْمَى مَوْهِنًا أَصْحَابِي وَالرّومُ بَيْنَ الْبَابِ وَالْقِرْوَانِ الْقِرْوَانُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ قَرْوٍ وَهُوَ حَوْضُ الْمَاءِ مِثْلُ صِنْوَانٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ: قَرِيّ مِثْلُ صَلِيبٍ وَصُلْبَانٍ. وَأَصَحّ مَا قِيلَ فِي الْقَرْوِ إنّهُ حُوَيْضٌ مِنْ خَشَبٍ تُسْقَى فِيهِ الدّوَابّ، وَتَلِغُ فِيهِ الْكِلَابُ وَفِي الْمَثَلِ مَا فِيهَا لَاعِي قَرْوٍ أَيْ مَا فِي الدّارِ حَيَوَانٌ وَأَرَادَ بِلَاعِي قَرْوٍ لَاعِقَ قَرْوٍ وَقَلَبَ الْقَافَ الْأُولَى يَاءً لِلتّضْعِيفِ. إبْدَالُ آخِرِ حَرْفٍ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ وَحَسّنَ ذَلِكَ أَنّهُ اسْمُ فَاعِلٍ وَقَدْ يُبْدِلُونَ مِنْ آخِرِ حَرْفٍ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ يَاءً
[ ٧ / ٤٨٨ ]
فَلَمّا أَجَمَعَتْ الرّومُ لِصَلْبِهِ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ عَفْرَاءُ بِفِلَسْطِينَ قَالَ
أَلَا هَلْ أَتَى سَلْمَى بِأَنّ حَلِيلَهَا عَلَى مَاءِ عَفْرَا فَوْقَ إحْدَى الرّوَاحِلِ
عَلَى نَاقَةٍ لَمْ يَضْرِبْ الْفَحْلُ أُمّهَا مُشَذّبَةٍ أَطْرَافُهَا بِالْمَنَاجِلِ
مَقْتَلُهُ فَزَعَمَ الزّهْرِيّ بْنُ شِهَابٍ:
أَنّهُمْ لَمّا قَدّمُوهُ لِيَقْتُلُوهُ. قَالَ
بَلّغْ سَرَاةَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنّنِي سِلْمٌ لِرَبّي أَعْظُمِي وَمَقَامِي
ثُمّ ضَرَبُوا عُنُقَهُ وَصَلَبُوهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ يَرْحَمُهُ اللهُ تَعَالَى.
_________________
(١) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمّ تَضْعِيفٌ كَقَوْلِهِمْ فِي الْخَامِسِ خَامِيهِمْ وَفِي سَادِسِهِمْ سَادِيهِمْ وَكَذَلِكَ إلَى الْعَاشِرِ وَنَحْوٌ مِنْهُ مَا أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ. وَلِضَفَادِي جَمّهِ نَقَانِقُ أَيْ لِضَفَادِعِ جَمّهِ وَأَنْشَدَ مِنْ الثّعَالِي وَوَخْزٌ مِنْ أَرَانِبِهَا أَرَادَ الثّعَالِبَ وَأَرَانِبِهَا، وَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْرُوفًا فَلَاعِي قَرْوٍ أَحَقّ أَنْ يُقْلَبَ آخِرُهُ يَاءً كَرَاهَةَ اجْتِمَاعِ قَافَيْنِ. وَذَكَرَ قُدُومَ وَفْدِ كِنْدَةَ، وَفِيهِ قَوْلُهُ ﵇ لَا نَقْفُو أُمّنَا، وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا وَفِي هَذَا مَا يَدُلّ عَلَى أَنّ الْأَشْعَثَ قَدْ أَصَابَ فِي بَعْضِ قَوْلِهِ نَحْنُ وَأَنْتَ بَنُو
[ ٧ / ٤٨٩ ]
إسْلَامُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ عَلَى يَدَيْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لَمّا سَارَ إلَيْهِمْ
دَعْوَةُ خَالِدٍ النّاسَ إلَى الْإِسْلَامِ وَإِسْلَامُهُمْ
ثُمّ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ أَوْ جُمَادَى الْأُولَى، سَنَةَ عَشْرٍ إلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ بِنَجْرَانَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ ثَلَاثًا، فَإِنْ اسْتَجَابُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَقَاتِلْهُمْ. فَخَرَجَ خَالِدٌ حَتّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ فَبَعَثَ الرّكْبَانَ يَضْرِبُونَ فِي كُلّ وَجْهٍ وَيَدْعُونَ إلَى الْإِسْلَامِ وَيَقُولُونَ أَيّهَا النّاسُ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا. فَأَسْلَمَ النّاسُ وَدَخَلُوا فِيمَا دُعُوا إلَيْهِ فَأَقَامَ فِيهِمْ خَالِدٌ يُعَلّمُهُمْ الْإِسْلَامَ وَكِتَابَ اللهِ وَسُنّةَ نَبِيّهِ ﷺ وَبِذَلِكَ كَانَ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إنْ هُمْ أَسْلَمُوا وَلَمْ يُقَاتِلُوا.
كتاب خَالِد إِلَى الرَّسُول يسْأَله رَأْيه فِي الْبَقَاء أَو الْمَجِيء
ثُمّ كَتَبَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، السّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ فَإِنّي أَحْمَدُ إلَيْك اللهَ الّذِي لَا إلَهَ إلّا هُوَ أَمّا بَعْدُ يَا رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ
_________________
(١) آكِلِ الْمُرَارِ، وَذَلِكَ أَنّ فِي جَدّاتِ النّبِيّ ﷺ مَنْ هِيَ مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ مِنْهُنّ دَعْدُ بِنْتُ سُرَيْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْكِنْدِيّ الْمَذْكُورِ وَهِيَ أُمّ كِلَابِ بْنِ مُرّةَ، وَقِيلَ بَلْ هِيَ جَدّةُ كِلَابٍ أُمّ أُمّهِ هِنْدٍ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ هِنْدًا هَذِهِ وَأَنّهَا وَلَدَتْ كِلَابًا. قُدُومُ وَفْدِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ ذَكَرَ فِيهِمْ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَدَانِ، وَاسْمُ عَبْدِ الْمَدَانِ عَمْرُو بْنُ الدّيّانِ وَالدّيّانُ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ قَطَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ الْحَارِثِيّ.
[ ٧ / ٤٩٠ ]
عَلَيْك، فَإِنّك بَعَثْتنِي إلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ وَأَمَرْتنِي إذَا أَتَيْتهمْ أَلّا أُقَاتِلَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ وَأَنْ أَدْعُوَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَسْلَمُوا أَقَمْت فِيهِمْ وَقَبِلْت مِنْهُمْ وَعَلّمْتهمْ مَعَالِمَ الْإِسْلَامِ وَكِتَابَ اللهِ وَسُنّةَ نَبِيّهِ وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا قَاتَلْتهمْ. وَإِنّي قَدِمْت عَلَيْهِمْ فَدَعَوْتهمْ إلَى الْإِسْلَامِ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَبَعَثْت فِيهِمْ رُكْبَانًا، قَالُوا: يَا بَنِي الْحَارِثِ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، فَأَسْلَمُوا وَلَمْ يُقَاتِلُوا، وَأَنَا مُقِيمٌ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ آمُرُهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ اللهُ بِهِ وَأَنْهَاهُمْ عَمّا نَهَاهُمْ اللهُ عَنْهُ وَأُعَلّمُهُمْ مَعَالِمَ الْإِسْلَامِ وَسُنّةَ النّبِيّ ﷺ حَتّى يَكْتُبَ إلَيّ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وَالسّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ
كِتَابُ الرّسُولِ إلَى خَالِدٍ يَأْمُرُهُ بِالْمَجِيءِ
فَكَتَبَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مِنْ مُحَمّدٍ النّبِيّ رَسُولِ اللهِ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ. سَلَامٌ عَلَيْك، فَإِنّي أَحْمَدُ إلَيْك اللهَ الّذِي لَا إلَهَ إلّا هُوَ. أَمّا بَعْدُ فَإِنّ كِتَابَك جَاءَنِي مَعَ رَسُولِك تُخْبِرُ أَنّ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ قَدْ أَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ تُقَاتِلَهُمْ وَأَجَابُوا إلَى مَا دَعَوْتهمْ إلَيْهِ مِنْ الْإِسْلَامِ وَشَهِدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَأَنْ قَدْ هَدَاهُمْ اللهُ بِهُدَاهُ فَبَشّرْهُمْ وَأَنْذِرْهُمْ وَأَقْبِلْ وَلْيُقْبِلْ مَعَك وَفْدُهُمْ وَالسّلَامُ عَلَيْك وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ
_________________
(١) وَذَكَرَ فِيهِمْ أَيْضًا ذَا الْغُصّةِ وَاسْمُهُ الْحُصَيْنُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ شَدّادٍ الْحَارِثِيّ، وَقِيلَ لَهُ ذُو الْغُصّةِ لِغُصّةٍ كَانَتْ فِي حَلْقِهِ لَا يَكَادُ يُبِينُ مِنْهَا، وَذَكَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ يَوْمًا، فَقَالَ لَا تُزَادُ امْرَأَةٌ فِي صَدَاقِهَا عَلَى كَذَا وَكَذَا، وَلَوْ كَانَتْ بِنْتَ ذِي الْغُصّةِ وَذَكَرَ فِيهِمْ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ اللهِ الضّبَابِيّ وَهُوَ ضِبَابٌ بِكَسْرِ الضّادِ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَذْلِجَ وَضِبَابٌ أَيْضًا فِي قُرَيْشٍ وَهُوَ ابْنُ حُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ بْنِ مَعِيصِ بْنِ عَامِرٍ أَخُو حَجَرِ بْنِ عَبْدٍ وَفِي حَجَرٍ وَحُجَيْرٍ يَقُولُ الشّاعِرُ أُنْبِئْت أَنّ غُوَاةً مِنْ بَنِي حَجَرٍ وَمِنْ حُجَيْرٍ بِلَا ذَنْبٍ أَرَاغُونِي
[ ٧ / ٤٩١ ]
قُدُومُ خَالِدٍ مَعَ وَفْدِهِمْ عَلَى الرّسُولِ
فَأَقْبَلَ خَالِدٌ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَقْبَلَ مَعَهُ وَفْدُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ مِنْهُمْ قَيْسُ بْنُ الْحُصَيْنِ ذِي الْغُصّةِ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ، وَيَزِيدُ بْنُ الْمُحَجّلِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ قُرْدٍ الزّيَادِيّ ; وَشَدّادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْقَنَانِيّ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ الضّبَابِيّ.
حَدِيثُ وَفْدِهِمْ مَعَ الرّسُولِ
فَلَمّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَآهُمْ قَالَ " مَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الّذِينَ كَأَنّهُمْ رِجَالُ الْهِنْدِ؟ " قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ هَؤُلَاءِ رِجَالُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ فَلَمّا وَقَفُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ سَلّمُوا عَلَيْهِ وَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللهِ وَأَنّهُ لَا إلَهَ إلّا اللهُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَأَنّي رَسُولُ اللهِ " ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " أَنْتُمْ الّذِينَ إذَا زُجِرُوا اُسْتُقْدِمُوا؟ " فَسَكَتُوا، فَلَمْ يُرَاجِعْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، ثُمّ أَعَادَهَا الثّانِيَةَ فَلَمْ يُرَاجِعْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، ثُمّ أَعَادَهَا الثّالِثَةَ فَلَمْ يُرَاجِعْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، ثُمّ أَعَادَهَا الرّابِعَةَ فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ نَحْنُ الّذِينَ إذَا زُجِرُوا اُسْتُقْدِمُوا، قَالَهَا أَرْبَعَ مِرَارٍ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " لَوْ أَنّ خَالِدًا لَمْ يَكْتُبْ إلَيّ أَنّكُمْ أَسْلَمْتُمْ وَلَمْ تُقَاتِلُوا، لَأَلْقَيْت رُءُوسَكُمْ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ " فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ: أَمَا وَاَللهِ مَا حَمِدْنَاك وَلَا حَمِدْنَا خَالِدًا، قَالَ " فَمَنْ حَمِدْتُمْ؟ " قَالُوا: حَمِدْنَا اللهَ ﷿ الّذِي هَدَانَا بِك يَا رَسُولَ اللهِ
_________________
(١) أَغْنُوا بَنِي حَجَرٍ عَنّا غُوَاتَكُمْ وَيَا حُجَيْرُ إلَيْكُمْ لَا تبوروني الضباب فِي بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَهُمْ ضِبَابٌ وَمُضِبّ وَحِسْلٌ وَحُسَيْلٌ بَنُو مُعَاوِيَةَ بْنِ كِلَابٍ وَأَمّا الضّبَابُ بِالْفَتْحِ فَفِي نَسَبِ النّابِغَةِ الذّبْيَانِيّ ضَبَابُ بْنُ يَرْبُوعِ بْنِ غَيْظٍ وَأَمّا الضّبَابُ بِالضّمّ فَزَيْدٌ وَمَنْجَا ابْنَا ضُبَابٍ مِنْ بَنِي بَكْرٍ ذَكَرَهُ الدّارَقُطْنِيّ.
[ ٧ / ٤٩٢ ]
قَالَ صَدَقْتُمْ. ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " بِمَ كُنْتُمْ تَغْلِبُونَ مَنْ قَاتَلَكُمْ فِي الْجَاهِلِيّةِ؟ " قَالُوا: لَمْ نَكُنْ نَغْلِبُ أَحَدًا ; قَالَ "بَلَى، قَدْ كُنْتُمْ تغلبون من قَاتلك م" قَالُوا: كُنّا نَغْلِبُ مَنْ قَاتَلَنَا يَا رَسُولَ اللهِ إنّا كُنّا نَجْتَمِعُ وَلَا نَفْتَرِقُ وَلَا نَبْدَأُ أَحَدًا بِظُلْمٍ قَالَ صَدَقْتُمْ وَأَمّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ قَيْسَ بْنَ الْحُصَيْنِ.
فَرَجَعَ وَفْدُ بَنِي الْحَارِثِ إلَى قَوْمِهِمْ فِي بَقِيّةٍ مِنْ شَوّالٍ أَوْ فِي صَدْرِ ذِي الْقَعْدَةِ فَلَمْ يَمْكُثُوا بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا إلَى قَوْمِهِمْ إلّا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ حَتّى تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَحِمَ وَبَارَكَ وَرَضِيَ وَأَنْعَمَ.
بَعْثُ الرّسُولِ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ بِعَهْدِهِ إلَيْهِمْ
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعَثَ إلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ وَلّى وَفْدُهُمْ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ، لِيُفَقّهَهُمْ فِي الدّينِ وَيُعَلّمَهُمْ السّنّةَ وَمَعَالِمَ الْإِسْلَامِ وَيَأْخُذَ مِنْهُمْ صَدَقَاتِهِمْ وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا عَهِدَ إلَيْهِ فِيهِ عَهْدَهُ وَأَمَرَهُ فِيهِ بِأَمْرِهِ. " بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ هَذَا بَيَانٌ مِنْ اللهِ وَرَسُولِهِ يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ عَهْدٌ مِنْ مُحَمّدٍ النّبِيّ رَسُولِ اللهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ، أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللهِ فِي أَمْرِهِ كُلّهِ فَإِنّ اللهَ مَعَ الّذِينَ اتّقَوْا وَاَلّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْحَقّ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ وَأَنْ يُبَشّرَ النّاسَ بِالْخَيْرِ وَيَأْمُرَهُمْ بِهِ وَيُعَلّمَ النّاسَ الْقُرْآنَ وَيُفَقّهَهُمْ فِيهِ وَيَنْهَى النّاسَ فَلَا يَمَسّ الْقُرْآنَ إنْسَانٌ إلّا وَهُو طَاهِرٌ وَيُخْبِرَ النّاسَ بِاَلّذِي لَهُمْ وَاَلّذِي عَلَيْهِمْ وَيَلِينَ لِلنّاسِ فِي الْحَقّ وَيَشُدّ عَلَيْهِمْ فِي الظّلْمِ فَإِنّ اللهَ كَرِهَ الظّلْمَ وَنَهَى عَنْهُ فَقَالَ ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ [هُودُ: ١٨]، وَيُبَشّرَ النّاسَ بِالْجَنّةِ وَبِعَمَلِهَا، وَيُنْذِرَ النّاسَ النّارَ وَعَمَلَهَا، وَيَسْتَأْلِفَ النّاسَ حَتّى يَفْقَهُوا فِي الدّينِ وَيُعَلّمَ النّاسَ مَعَالِمَ الْحَجّ وَسُنّتَهُ وَفَرِيضَتَهُ وَمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَالْحَجّ الْأَكْبَرُ الْحَجّ الْأَكْبَرُ وَالْحَجّ الْأَصْغَرُ هُوَ الْعُمْرَةُ وَيَنْهَى النّاسَ أَنْ يُصَلّيَ أَحَدٌ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ صَغِيرٍ إلّا أَنْ يَكُونَ ثَوْبًا يُثْنِي طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ وَيَنْهَى النّاسَ أَنْ يَحْتَبِيَ أَحَدٌ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يُفْضِي بِفَرْجِهِ إلَى السّمَاءِ وَيَنْهَى
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٩٣ ]
أَنْ يُعَقّصَ أَحَدٌ شَعْرَ رَأْسِهِ فِي قَفَاهُ وَيَنْهَى إذَا كَانَ بَيْنَ النّاسِ هَيْجٌ عَنْ الدّعَاءِ إلَى الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ وَلْيَكُنْ دَعْوَاهُمْ إلَى اللهِ ﷿ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فَمَنْ لَمْ يَدْعُ إلَى اللهِ وَدَعَا إلَى الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ فَلْيُقْطَفُوا بِالسّيْفِ حَتّى تَكُونَ دَعْوَاهُمْ إلَى اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَيَأْمُرَ النّاسَ بِإِسْبَاغِ الْوُضُوءِ وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَأَرْجُلَهُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَيَمْسَحُونَ بِرُءُوسِهِمْ كَمَا أَمَرَهُمْ اللهُ وَأَمَرَ بِالصّلَاةِ لِوَقْتِهَا، وَإِتْمَامِ الرّكُوعِ وَالسّجُودِ وَالْخُشُوعِ وَيُغَلّسُ بِالصّبْحِ وَيُهَجّرُ بِالْهَاجِرَةِ حِينَ تَمِيلُ الشّمْسُ وَصَلَاةُ الْعَصْرِ وَالشّمْسُ فِي الْأَرْضِ مُدْبِرَةٌ وَالْمَغْرِبِ حِينَ يُقْبِلُ اللّيْلُ لَا يُؤَخّرُ حَتّى تَبْدُوَ النّجُومُ فِي السّمَاءِ وَالْعِشَاءِ أَوّلَ اللّيْلِ وَأَمَرَ بِالسّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ إذَا نُودِيَ لَهَا، وَالْغُسْلِ عِنْدَ الرّوَاحِ إلَيْهَا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمَغَانِمِ خُمُسَ اللهِ وَمَا كُتِبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقَةِ مِنْ الْعَقَارِ عُشْرَ مَا سَقَتْ الْعَيْنُ وَسَقَتْ السّمَاءُ وَعَلَى مَا سَقَى الْغَرْبُ نِصْفُ الْعُشْرِ وَفِي كُلّ عَشْرٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاتَانِ وَفِي كُلّ عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ وَفِي كُلّ أَرْبَعِينَ مِنْ الْبَقَرِ بَقَرَةٌ وَفِي كُلّ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ تَبِيعٌ جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ وَفِي كُلّ أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ سَائِمَةً وَحْدَهَا شَاةٌ فَإِنّهَا فَرِيضَةُ اللهِ الّتِي افْتَرَضَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقَةِ فَمَنْ زَادَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنّهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيّ أَوْ نَصْرَانِيّ إسْلَامًا خَالِصًا مِنْ نَفْسِهِ وَدَانَ بِدِينِ الْإِسْلَامِ فَإِنّهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ مِثْلُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَيْهِمْ وَمَنْ كَانَ عَلَى نَصْرَانِيّتِهِ أَوْ يَهُودِيّتِهِ فَإِنّهُ لَا يُرَدّ عَنْهَا، وَعَلَى كُلّ حَالِمٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرّ أَوْ عَبْدٍ دِينَارٌ وَافٍ أَوْ عِوَضُهُ ثِيَابًا.
فَمَنْ أَدّى ذَلِكَ فَإِنّ لَهُ ذِمّةَ اللهِ وَذِمّةَ رَسُولِهِ وَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ فَإِنّهُ عَدُوّ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَى مُحَمّدٍ وَالسّلَامُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٩٤ ]
قُدُومُ رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ الْجُذَامِيّ
إسْلَامُهُ وَحَمْلُهُ كِتَابَ الرّسُولِ إلَى قَوْمِهِ
وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، قَبْلَ خَيْبَرَ، رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ الْجُذَامِيّ ثُمّ الضّبَيْبِيّ، فَأَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ غُلَامًا، وَأَسْلَمَ، فَحَسُنَ إسْلَامُهُ وَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ كِتَابًا إلَى قَوْمِهِ. وَفِي الْكِتَابِ " بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللهِ لِرِفَاعَةِ بْنِ زَيْدٍ. إنّي بَعَثْته إلَى قَوْمِهِ عَامّةً وَمَنْ دَخَلَ فِيهِمْ يَدْعُوهُمْ إلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ فَمَنْ أَقْبَلَ مِنْهُمْ فَفِي حِزْبِ اللهِ وَحِزْبِ رَسُولِهِ وَمَنْ أَدْبَرَ فَلَهُ أَمَانُ شَهْرَيْنِ ".
فَلَمّا قَدِمَ رِفَاعَةُ عَلَى قَوْمِهِ أَجَابُوا وَأَسْلَمُوا، ثُمّ سَارُوا إلَى الْحَرّةِ: حَرّةِ الرّجْلَاءِ. وَنَزَلُوهَا.
قُدُومُ وَفْدِ هَمْدَانَ
أَسَمَاؤُهُمْ وَكَلِمَةُ ابْنِ نَمَطٍ بَيْنَ يَدَيْ الرّسُولِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَدِمَ وَفْدُ هَمْدَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا حَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ
_________________
(١) وُفُودُ رِفَاعَةَ فَصْلٌ وَذَكَرَ وُفُودَ رِفَاعَةَ الضّبَيْبِيّ وَأَنّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ غُلَامًا، وَذَلِكَ الْغُلَامُ هُوَ الّذِي يُقَالُ لَهُ مِدْعَمٌ، وَقَعَ ذِكْرُهُ فِي الْمُوَطّإِ. وَذَكَرَ وَفْدَ هَمْدَانَ، وَمَالِكَ بْنَ نَمَطٍ الْهَمْدَانِيّ الّذِي يُقَالُ لَهُ ذُو الْمِشْعَارِ
[ ٧ / ٤٩٥ ]
عَبْدِ اللهِ بْنِ أُذَيْنَةَ الْعَبْدِيّ عَنْ أَبِي إسْحَاقَ السّبِيعِيّ قَالَ:
قَدِمَ وَفْدُ هَمْدَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ نَمَطٍ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَهُوَ ذُو الْمِشْعَارِ وَمَالِكُ بْنُ أَيْفَعَ وَضِمَامُ بْنُ مَالِكٍ السّلْمَانِيّ وَعَمِيرَةُ بْنُ مَالِكٍ الْخَارِفِيّ، فَلَقُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرْجِعَهُ مِنْ تَبُوكَ وَعَلَيْهِمْ مُقَطّعَاتُ الْحِبَرَاتِ. وَالْعَمَائِمُ الْعَدَنِيّةُ بِرِحَالِ الْمَيْسِ عَلَى الْمَهْرِيّةِ وَالْأَرْحَبِيّةِ وَمَالِكُ بْنُ نَمَطٍ وَرَجُلٌ آخَرُ يَرْتَجِزَانِ بِالْقَوْمِ يَقُولُ أَحَدُهُمَا:
هَمْدَانُ خَيْرٌ سَوْقَةً وَأَقْيَالْ لَيْسَ لَهَا فِي الْعَالَمِينَ أَمْثَالْ
مَحَلّهَا الْهَضْبُ وَمِنْهَا الْأَبْطَالْ لَهَا إطَابَاتٌ بِهَا وَآكَالْ
وَيَقُولُ الْآخَرُ
إلَيْك جَاوَزْنَ سَوَادَ الرّيفِ فِي هَبَوَاتِ الصّيْفِ وَالْخَرِيفِ
مُخَطّمَاتٍ بِحِبَالِ اللّيفِ
_________________
(١) وَكُنْيَتُهُ أَبُو ثَوْرٍ وَقَعَ فِي النّسْخَةِ وَفِي أَكْثَرِ النّسَخِ وَأَبُو ثَوْرٍ بِالْوَاوِ كَأَنّهُ غَيْرُهُ وَالصّوَابُ سُقُوطُ الْوَاوِ لِأَنّهُ هُوَ هُوَ وَقَدْ يُخَرّجُ إثْبَاتُ الْوَاوِ عَلَى إضْمَارِ هُوَ كَأَنّهُ قَالَ وَهُوَ أَبُو ثَوْرٍ ذُو الْمِشْعَارِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقَالَ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ مَالِكٌ ذُو الْمِشْعَارِ وَذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ فَقَالَ هُوَ ذُو الْمِشْعَارِ يُكَنّى: أَبَا ثَوْرٍ وَفِي الْكِتَابِ الّذِي كَتَبَهُ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ " هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللهِ إلَى مِخْلَافِ خَارِفٍ وَيَامٍ وَأَهْلِ جَنَابِ الْهَضْبِ وَحِقَافِ الرّمْلِ مَعَ وَافِدِهَا ذِي الْمِشْعَارِ مَالِكِ بْنِ نَمَطٍ " فَهَذَا كُلّهُ يَدُلّ عَلَى أَنّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ وَأَبُو ثَوْرٍ ذُو الْمِشْعَارِ لَا مَعْنَى لَهُ. وَقَوْلُهُ عَلَيْهِمْ مُقَطّعَاتُ الْحِبَرَاتِ الْمُقَطّعَاتُ مِنْ الثّيَابِ فِي تَفْسِيرِ أَبِي عُبَيْدٍ، هِيَ الْقِصَارُ وَاحْتَجّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ فِي صَلَاةِ الضّحَى إذَا انْقَطَعَتْ الظّلَالُ أَيْ قَصُرَتْ وَبِقَوْلِهِمْ فِي الْأَرَاجِيزِ مُقَطّعَاتٍ وَخَطّأَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي هَذَا
[ ٧ / ٤٩٦ ]
فَقَامَ مَالِكُ بْنُ نَمَطٍ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ نَصِيّةٌ مِنْ هَمْدَانَ، مِنْ كُلّ حَاضِرٍ وَبَادٍ أَتَوْك عَلَى قُلُصٍ نَوَاجٍ مُتّصِلَةٍ بِحَبَائِلِ الْإِسْلَامِ لَا تَأْخُذُهُمْ فِي اللهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ مِنْ مِخْلَافِ خَارِفٍ وَيَامٍ وَشَاكِرٍ أَهْلِ السّودِ وَالْقُودِ أَجَابُوا دَعْوَةَ الرّسُولِ وَفَارَقُوا آلِهَاتِ الْأَنْصَابِ عَهْدُهُمْ لَا يُنْقَضُ مَا أَقَامَتْ لَعْلَعُ، وَمَا جَرَى اليعفور بصلع.
كتاب الرَّسُول بِالنَّهْي
فَكَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ كِتَابًا فِيهِ " بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ. هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ مُحَمّدٍ، لِمِخْلَافِ خَارِفٍ وَأَهْلِ جَنَابِ الْهَضْبِ وَحِقَافِ الرّمْلِ مَعَ وَفْدِهَا ذِي الْمِشْعَارِ مَالِكِ بْنِ نَمَطٍ وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى أَنّ لَهُمْ فِرَاعَهَا وَوِهَاطَهَا، مَا أَقَامُوا الصّلَاةَ وَآتَوْا الزّكَاةَ يَأْكُلُونَ عِلَافَهَا وَيَرْعَوْنَ عَافِيَهَا، لَهُمْ بِذَلِكَ عَهْدُ اللهِ وَذِمَامُ رَسُولِهِ وَشَاهِدُهُمْ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ " فَقَالَ فِي ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ نَمَطٍ
ذَكَرْت رَسُولَ اللهِ فِي فَحْمَةِ الدّحَى وَنَحْنُ بِأَعْلَى رَحْرَحَانَ وَصَلْدَدِ
وَهُنّ بِنَا خُوصٌ طَلَائِحُ تَعْتَلِي بِرُكْبَانِهَا فِي لَاحِبٍ مُتَمَدّدِ
_________________
(١) التّأْوِيلِ وَقَالَ إنّمَا الْمُقَطّعَاتُ الثّيَابُ الْمَخِيطَةُ كَالْقُمُصِ وَنَحْوِهَا، سُمّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنّهَا تُقَطّعُ وَتُفَصّلُ ثُمّ تُخَاطُ وَاحْتَجّ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَفِيهِ أَنّهُ خَرَجَ وَعَلَيْهِ مُقَطّعَاتٌ يَجُرّهَا، فَقَالَ لَهُ شَيْخٌ مِنْ بَنِي أُمَيّةَ لَقَدْ رَأَيْت أَبَاك، وَكَانَ مُشَمّرًا غَيْرَ جَرّارٍ لِثِيَابِهِ فَقَالَ لَهُ الْفَتَى: لَقَدْ هَمَمْت بِتَقْصِيرِهَا، فَمَنَعَنِي قَوْلُ الشّاعِرِ فِي أَبِيك: قَصِيرُ الثّيَابِ فَاحِشٌ عِنْدَ ضَيْفِهِ لِشَرّ قُرَيْشٍ فِي قُرَيْشٍ مُرَكّبَا
[ ٧ / ٤٩٧ ]
عَلَى كُلّ فَتْلَاءِ الذّرَاعَيْنِ جَسْرَةٍ تَمُرّ بِنَا مَرّ الْهِجَفّ الخَفَيْدَدِ
حَلَفْت بِرَبّ الرّاقِصَاتِ إلَى مِنًى صَوَادِرَ بِالرّكْبَانِ مِنْ هَضْبِ قَرْدَدِ
بِأَنّ رَسُولَ اللهِ فِينَا مُصَدّقٌ رَسُولٌ أَتَى مِنْ عِنْدِ ذِي الْعَرْشِ مُهْتَدِي
فَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا أَشَدّ عَلَى أَعْدَائِهِ مِنْ مُحَمّدِ
وَأَعْطَى إذَا مَا طَالِبُ الْعُرْفِ جَاءَهُ وَأَفْضَى بِحَدّ الْمَشْرَفِيّ الْمُهَنّدِ
ذِكْرُ الْكَذّابَيْنِ مُسَيْلِمَةَ الْحَنَفِيّ وَالْأَسْوَدِ الْعَنْسِيّ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَدْ كَانَ تَكَلّمَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْكَذّابَانِ مُسَيْلِمَةُ بْنُ حَبِيبٍ بِالْيَمَامَةِ فِي حَنِيفَةَ وَالْأَسْوَدُ بْنُ كَعْبٍ الْعَنْسِيّ بِصَنْعَاءَ.
رُؤْيَا الرّسُولِ فِيهِمَا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَوْ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ النّاسَ عَلَى مِنْبَرِهِ وَهُوَ يَقُولُ أَيّهَا النّاسُ إنّي قَدْ رَأَيْت لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمّ أُنْسِيتهَا، وَرَأَيْت فِي ذِرَاعَيّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَكَرِهْتهمَا، فَنَفَخْتهمَا فَطَارَا، فَأَوّلْتهمَا هَذَيْنِ الْكَذّابَيْنِ صَاحِبَ الْيَمَنِ، وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ
حَدِيثُ الرّسُولِ عَنْ الدّجّالِينَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّهُ قَالَ:
سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ " لَا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يَخْرُجَ ثَلَاثُونَ دَجّالًا كُلّهُمْ يَدّعِي النّبُوّةَ "
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٤٩٨ ]
خُرُوجُ الْأُمَرَاءِ وَالْعُمّالِ عَلَى الصّدَقَاتِ
الْأُمَرَاءُ وَأَسْمَاءُ الْعُمّالِ وَمَا تَوَلّوْهُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ بَعَثَ أُمَرَاءَهُ وَعُمّالَهُ عَلَى الصّدَقَاتِ إلَى كُلّ مَا أَوْطَأَ الْإِسْلَامُ مِنْ الْبُلْدَانِ فَبَعَثَ الْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيّة بْنِ الْمُغِيرَةِ إلَى صَنْعَاءَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ الْعَنْسِيّ وَهُوَ بِهَا، وَبَعَثَ زِيَادَةَ بْنَ لَبِيدٍ أَخَا بَنِي بَيَاضَةَ الْأَنْصَارِيّ إلَى حَضْرَمَوْتَ وَعَلَى صَدَقَاتِهَا ; وَبَعَثَ عَدِيّ بْنَ حَاتِمٍ عَلَى طَيّئٍ وَصَدَقَاتِهَا، وَعَلَى بَنِي أَسَدٍ، وَبَعَثَ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْيَرْبُوعِيّ - عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي حَنْظَلَةَ وَفَرّقَ صَدَقَةَ بَنِي سَعْدٍ عَلَى رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ فَبَعَثَ الزّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ عَلَى نَاحِيَةٍ مِنْهَا، وَقَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ عَلَى نَاحِيَةٍ وَكَانَ قَدْ بَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيّ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، وَبَعَثَ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ إلَى أَهْلِ نَجْرَانَ، لِيَجْمَعَ صَدَقَتَهُمْ وَيَقْدَمَ عَلَيْهِ بِجِزْيَتِهِمْ.
كِتَابُ مُسَيْلِمَةَ إلَى رَسُولِ اللهِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ
وَقَدْ كَانَ مُسَيْلِمَةُ بْنُ حَبِيبٍ قَدْ كَتَبَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللهِ إلَى مُحَمّدٍ رَسُولِ اللهِ: سَلَامٌ عَلَيْك، أَمّا بَعْدُ فَإِنّي قَدْ أُشْرِكْت فِي الْأَمْرِ مَعَك، وَإِنّ لَنَا نِصْفَ الْأَرْضِ وَلِقُرَيْشٍ نِصْفَ الْأَرْضِ وَلَكِنّ قُرَيْشًا قَوْمٌ يَعْتَدُونَ
_________________
(١) وَالظّاهِرُ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِمْ مُقَطّعَاتُ الْحِبَرَاتِ مَا قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وَلَا مَعْنَى لِوَصْفِهَا بِالْقِصَرِ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ. وَالْمَهْرِيّةُ مَنْسُوبَةٌ إلَى مَهْرَةَ بْنِ حَيْدَانَ بْنِ الْحَافّ بْنِ قُضَاعَةَ. وَالْأَرْحَبِيّةُ مَنْسُوبَةٌ إلَى أَرْحَبَ بَطْنٍ مِنْ هَمْدَانَ. وَيَامٌ هُوَ يَامُ
[ ٧ / ٤٩٩ ]
فَقَدِمَ عَلَيْهِ رَسُولَانِ لَهُ بِهَذَا الْكِتَابِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَشْجَعَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيّ عَنْ أَبِيهِ نُعَيْمٍ قَالَ:
سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لَهُمَا حِينَ قَرَأَ كِتَابَهُ: " فَمَا تَقُولَانِ أَنْتُمَا؟ " قَالَا: نَقُولُ كَمَا قَالَ فَقَالَ " أَمَا وَاَللهِ لَوْلَا أَنّ الرّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْت أَعْنَاقَكُمَا ". ثُمّ كَتَبَ إلَى مُسَيْلِمَةَ " بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللهِ، إلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذّابِ: السّلَامُ عَلَى مَنْ اتّبَعَ الْهُدَى. أَمّا بَعْدُ الْأَرْضُ لِلّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ "
وَذَلِكَ فِي آخِرِ سَنَةِ عَشْرٍ.
_________________
(١) بْنُ أُصْبَى، وَخَارِفُ بْنُ الْحَارِثِ بَطْنَانِ مِنْ هَمْدَانَ يُنْسَبُ إلَى يَامٍ زُبَيْدُ [بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ] الْيَامِيّ الْمُحَدّثُ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ فِيهِ الْأَيَامِيّ: وَالْفِرَاعُ مَا عَلَا مِنْ الْأَرْضِ. وَالْوِهَاطُ مَا انْخَفَضَ مِنْهَا، وَاحِدُهَا: وَهْطٌ وَلَعْلَعٌ: اسْمُ جَبَلٍ. وَالصّلّعُ الْأَرْضُ الْمَلْسَاءُ. وَالْخَفَيْدَدُ وَلَدُ النّعَامَةِ. وَالْهِجَفّ: الضّخْمُ. وَذَكَرَ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ، وَقَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ. وَذَكَرَ فِي الشّعْرِ تُلَاقِ شَنْبَثًا شَثْنَ الْـ بَرَاثِنِ نَاشِزًا قَتَدَهْ أَلْفَيْت بِخَطّ الشّيْخِ أَبِي بَحْرٍ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ قَالَ قَالَ الْقَاضِي: لَا أَعْرِفُ شَنْبَثًا الْآنَ وَلَعَلّهُ تُلَاقِ شَرْ نَبَثًا، وَجَزَمَ تُلَاقِ لِمَا فِي قَوْلِهِ: فَلَوْ لَاقَيْتنِي مِنْ قُوّةِ الشّرْطِ فَكَأَنّهُ أَرَادَ إنْ لَاقَيْتنِي تُلَاقِ.
[ ٧ / ٥٠٠ ]
حَجّةُ الْوَدَاعِ
تَجَهّزُ الرّسُولِ وَاسْتِعْمَالُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا دُجَانَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَلَمّا دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ذُو الْقَعْدَةِ تَجَهّزَ لِلْحَجّ وَأَمَرَ النّاسَ بِالْجَهَازِ لَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِيّ ﷺ قَالَتْ:
خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْحَجّ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا دُجَانَةَ السّاعِدِيّ وَيُقَالُ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ الْغِفَارِيّ.
_________________
(١) حَجّةُ الْوَدَاعِ ذَكَرَ فِيهَا حَدِيثَ عَائِشَةَ وَقَوْلَهَا: فَأَهْلَلْنَا بِالْحَجّ وَمَا نَذْكُرُ إلّا أَمْرَ الْحَجّ وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّهُمْ أَفْرَدُوا، وَقَدْ بَيّنَ ذَلِكَ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجّ وَهَذَا هُوَ الصّحِيحُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ فِيهَا لِينٌ عَنْ
[ ٧ / ٥٠١ ]
مَا أَمَرَ بِهِ الرّسُولُ عَائِشَةَ فِي حَيْضِهَا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
لَا يَذْكُرُ وَلَا يَذْكُرُ النّاسُ إلّا الْحَجّ حَتّى إذَا كَانَ بِسَرِفَ وَقَدْ سَاقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُ الْهَدْيَ وَأَشْرَافٌ مِنْ أَشْرَافِ النّاسِ أَمَرَ النّاسَ أَنْ يُحِلّوا بِعُمْرَةٍ إلّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ قَالَتْ وَحِضْت ذَلِكَ الْيَوْمَ فَدَخَلَ عَلَيّ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ " مَا لَك يَا عَائِشَةُ؟ لَعَلّك نُفِسْت؟ " قَالَتْ قُلْت: نَعَمْ وَاَللهِ لَوَدِدْت أَنّي لَمْ أَخْرُجْ مَعَكُمْ عَامِي فِي هَذَا السّفَرِ فَقَالَ " لَا تَقُولِنّ ذَاكَ فَإِنّك تَقْضِينَ كُلّ مَا يَقْضِي الْحَاجّ إلّا أَنّك لَا تَطُوفِينَ بِالْبَيْتِ ". قَالَتْ وَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكّةَ، فَحَلّ كُلّ مَنْ كَانَ لَا هَدْيَ مَعَهُ وَحَلّ نِسَاؤُهُ بِعُمْرَةٍ فَلَمّا كَانَ يَوْمُ النّحْرِ أُتِيت بِلَحْمِ بَقَرٍ كَثِيرٍ فَطُرِحَ فِي بَيْتِي، فَقُلْت: مَا هَذَا؟ قَالُوا: ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ حَتّى إذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ بَعَثَ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ أَخِي عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَأَعْمَرَنِي مِنْ التّنْعِيمِ، مَكَانَ عُمْرَتِي الّتِي فَاتَتْنِي.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ قَالَتْ
_________________
(١) جَابِرٍ أَنّهُ قَالَ "قَرَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الْحَجّ وَالْعُمْرَةِ وَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، وَسَعَى لَهُمَا سَعْيًا وَاحِدًا رَوَاهُ الدّارَقُطْنِيّ، وَرُوِيَ أَيْضًا أَنّ جَابِرًا قَالَ "حَجّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ حَجّاتٍ حَجّتَيْنِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَحَجّتَهُ الّتِي قَرَنَهَا بِعُمْرَتِهِ "وَأَمّا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ فَصَحِيحٌ وَقَالَ فِيهِ: طَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ حَجّتِهِ وَعُمْرَتِهِ طَوَافًا وَاحِدًا" وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْ عَلِيّ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنّهُ طَافَ عَنْهُمَا طَوَافَيْنِ وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ قَارِنًا، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي أَنّهُ ﵇
[ ٧ / ٥٠٢ ]
"لَمّا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ أَنْ يَحْلُلْنَ بِعُمْرَةٍ قُلْنَ فَمَا يَمْنَعُك يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ تَحِلّ مَعَنَا؟ فَقَالَ " إنّي أَهْدَيْت وَلَبّدْت، فَلَا أَحِلّ حَتّى أَنْحَرَ هَدْيِي ".
مُوَافَاةُ عَلِيّ فِي قُفُولِهِ مِنْ الْيَمَنِ رَسُولَ اللهِ فِي الْحَجّ
مَا أَمر بِهِ الرّسُولُ عَلِيّا مِنْ أُمُورِ الْحَجّ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ بَعَثَ عَلِيّا ﵁ إلَى نَجْرَانَ، فَلَقِيَهُ بِمَكّةَ وَقَدْ أَحْرَمَ فَدَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ﵂، فَوَجَدَهَا قَدْ حَلّتْ وَتَهَيّأَتْ فَقَالَ مَا لَك يَا بِنْتَ رَسُولِ اللهِ؟ قَالَتْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَحِلّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَلْنَا. ثُمّ أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمّا فَرَغَ مِنْ الْخَبَرِ عَنْ سَفَرِهِ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ انْطَلِقْ فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَحِلّ كَمَا حَلّ أَصْحَابُك. قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إنّي أَهْلَلْتُ كَمَا أَهْلَلْتَ فَقَالَ " ارْجِعْ فَاحْلِلْ كَمَا حَلّ أَصْحَابُك " ; قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إنّي قُلْت حِينَ أَحْرَمْت: اللهُمّ إنّي أُهِلّ بِمَا أَهَلّ بِهِ نَبِيّك وَعَبْدُك وَرَسُولُك مُحَمّدٌ ﷺ قَالَ " فَهَلْ مَعَك مِنْ هَدْيٍ؟ "
_________________
(١) كَانَ قَارِنًا، وَأَمّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَصَرّحَ فِيهِ بِأَنّهُ كَانَ قَارِنًا، وَقَالَ " مَا تَعُدّونَا إلّا صِبْيَانًا سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْرُخُ بِهِمَا جَمِيعًا يَعْنِي الْحَجّ وَالْعُمْرَةَ"فَاخْتَلَفَتْ الرّوَايَاتُ فِي إحْرَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا تَرَى: هَلْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا، أَوْ مُتَمَتّعًا، وَكُلّهَا صِحَاحٌ إلّا مَنْ قَالَ كَانَ مُتَمَتّعًا، وَأَرَادَ بِهِ أَنّهُ أَهَلّ بِعُمْرَةٍ وَأَمّا مَنْ قَالَ تَمَتّعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَيْ أَمَرَ بِالتّمَتّعِ وَفَسْخِ الْحَجّ بِالْعُمْرَةِ فَقَدْ يَصِحّ هَذَا التّأْوِيلُ وَيَصِحّ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ تَمَتّعَ إذَا قَرَنَ، لِأَنّ الْقِرَانَ ضَرْبٌ مِنْ الْمُتْعَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ إسْقَاطِ أَحَدِ السّفَرَيْنِ. وَاَلّذِي يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ حَدِيثُ الْبُخَارِيّ أَنّهُ "أَهَلّ بِالْحَجّ، فَلَمّا كَانَ بِالْعَقِيقِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ إنّك بِهَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ فَقُلْ لَبّيْكَ
[ ٧ / ٥٠٣ ]
قَالَ لَا. فَأَشْرَكَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي هَدْيِهِ وَثَبَتَ عَلَى إحْرَامِهِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى فَرَغَا مِنْ الْحَجّ وَنَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْهَدْيَ عَنْهُمَا.
شَكَا عَلِيّا جُنْدُهُ إلَى الرّسُولِ لِانْتِزَاعِهِ عَنْهُمْ حُلَلًا مِنْ بَزّ الْيَمَنِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ قَالَ:
لَمّا أَقْبَلَ عَلِيّ ﵁ مِنْ الْيَمَنِ لِيَلْقَى رَسُولَ اللهِ ﷺ بِمَكّةَ تَعَجّلَ إلَى
_________________
(١) بِحَجّ وَعُمْرَةٍ مَعًا " فَقَدْ صَارَ قَارِنًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مُفْرِدًا، وَصَحّ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا، وَأَمْرُهُ لِأَصْحَابِهِ أَنْ يَفْسَخُوا الْحَجّ بِالْعُمْرَةِ خُصُوصٌ لَهُمْ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يَفْعَلَهُ وَإِنّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيُذْهِبَ مِنْ قُلُوبِهِمْ أَمْرَ الْجَاهِلِيّةِ فِي تَحْرِيمِهِمْ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجّ فَكَانُوا يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَيَقُولُونَ إذَا بَرَأَ الدّبَرُ، وَعَفَا الْأَثَرُ وَانْسَلَخَ صَفَرُ حَلّتْ الْعُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَرَ وَلَمْ يَفْسَخْ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَجّهُ كَمَا فَعَلَ أَصْحَابُهُ لِأَنّهُ سَاقَ الْهَدْيَ وَقَلّدَهُ وَاَللهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ ﴿حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلّهُ﴾ [الْبَقَرَةَ ١٩٦] وَقَالَ حِينَ رَأَى أَصْحَابَهُ قَدْ شَقّ عَلَيْهِمْ خِلَافُهُ " لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت لَجَعَلْتهَا عُمْرَةً وَلَمَا سُقْت الْهَدْي " قَالَ شَيْخُنَا أَبُو بَكْرٍ ﵁ إنّمَا نَدِمَ عَلَى تَرْكِ مَا هُوَ أَسْهَلُ وَأَرْفَقُ لَا عَلَى تَرْكِ مَا هُوَ أَفْضَلُ وَأَوْفَقُ وَذَلِكَ لِمَا رَأَى مِنْ كَرَاهَةِ أَصْحَابِهِ لِمُخَالَفَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِنْ أَصْحَابِهِ إلّا طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، فَلَمْ يَحِلّ حَتّى نَحَرَ وَعَلِيّ أَيْضًا أَتَى مِنْ الْيَمَنِ وَسَاقَ الْهَدْيَ فَلَمْ يَحِلّ إلّا بِإِحْلَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَقَوْلُهُ ﵇ فِي خُطْبَةِ الْوَدَاعِ " وَرَجَبُ مُضَرَ الّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ " إنّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنّ رَبِيعَةَ كَانَتْ تُحْرِمُ فِي رَمَضَانَ وَتُسَمّيهِ رَجَبًا مِنْ
[ ٧ / ٥٠٤ ]
رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى جُنْدِهِ الّذِينَ مَعَهُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ فَعَمَدَ ذَلِكَ الرّجُلُ فَكَسَا كُلّ رَجُلٍ مِنْ الْقَوْمِ حُلّةً مِنْ الْبَزّ الّذِي كَانَ مَعَ عَلِيّ ﵁. فَلَمّا دَنَا جَيْشُهُ خَرَجَ لِيَلْقَاهُمْ فَإِذَا عَلَيْهِمْ الْحُلَلُ قَالَ وَيْلَك مَا هَذَا؟ قَالَ كَسَوْت الْقَوْمَ لِيَتَجَمّلُوا بِهِ إذَا قَدِمُوا فِي النّاسِ قَالَ وَيْلَك انْزِعْ قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ فَانْتَزَعَ الْحُلَلَ مِنْ النّاسِ فَرَدّهَا فِي الْبَزّ قَالَ وَأَظْهَرَ الْجَيْشُ شَكْوَاهُ لِمَا صَنَعَ بِهِمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ عَمّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبٍ وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قَالَ: اشْتَكَى النّاسُ عَلِيّا رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِينَا خَطِيبًا، فَسَمِعْته يَقُولُ " أَيّهَا النّاسُ لَا تَشْكُوا عَلِيّا، فَوَاَللهِ إنّهُ لَأَخْشَنُ فِي ذَاتِ اللهِ أَوْ فِي سَبِيلِ اللهِ مِنْ أَنْ يُشْكَى "
خُطْبَةُ الرّسُولِ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى حَجّهِ فَأَرَى النّاسَ مَنَاسِكَهُمْ وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجّهِمْ وَخَطَبَ النّاسَ خُطْبَتَهُ الّتِي بَيّنَ فِيهَا مَا بَيّنَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمّ قَالَ " أَيّهَا النّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنّي لَا أَدْرِي لَعَلّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ
_________________
(١) رَجِبْت الرّجُلَ وَرَجّبْتُهُ إذَا عَظّمْته، وَرَجَبْت النّخْلَةَ إذَا دَعّمْتهَا، فَبَيّنَ ﵇ أَنّهُ رَجَبُ مُضَرَ لَا رَجَبُ رَبِيعَةَ، وَأَنّهُ الّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ وَقَدْ تَقَدّمَ تَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ " إنّ الزّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ "وَتَقَدّمَ اسْمُ ابْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمُسْتَرْضَعِ فِي هُذَيْلٍ،.
[ ٧ / ٥٠٥ ]
أَبَدًا، أَيّهَا النّاسُ إنّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلّغْت، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلْيُؤَدّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنّ كُلّ رِبًا مَوْضُوعٌ وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللهُ أَنّهُ لَا رِبَا، وَإِنّ رِبَا عَبّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلّهُ وَأَنّ كُلّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيّةِ مَوْضُوعٌ وَإِنّ أَوّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيّةِ. أَمّا بَعْدُ أَيّهَا النّاسُ فَإِنّ الشّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ بِمَا تُحَقّرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ أَيّهَا النّاسُ إنّ النّسِيءَ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلّ بِهِ الّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلّونَهُ عَامًا وَيُحَرّمُونَهُ عَامًا، لِيُوَاطِئُوا عِدّةَ مَا حَرّمَ اللهُ فَيُحِلّوا مَا حَرّمَ اللهُ وَيُحَرّمُوا مَا أَحَلّ اللهُ. إنّ الزّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَإِنّ عِدّةَ الشّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ وَرَجَبُ مُضَرَ، الّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمّا بَعْدُ أَيّهَا النّاس، فَإِنّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقّا، وَلَهُنّ عَلَيْكُمْ حَقّا، لَكُمْ عَلَيْهِنّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ وَعَلَيْهِنّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيّنَةٍ فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرّحٍ فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنّ رِزْقُهُنّ وَكُسْوَتُهُنّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنّهُنّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنّ شَيْئًا، وَإِنّكُمْ إنّمَا أَخَذْتُمُوهُنّ بِأَمَانَةِ اللهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنّ بِكَلِمَاتِ اللهِ فَاعْقِلُوا أَيّهَا النّاسُ قَوْلِي، فَإِنّي قَدْ بَلّغْت، وَقَدْ تَرَكْت فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيّنًا، كِتَابَ اللهِ وَسُنّةَ نَبِيّهِ. أَيّهَا النّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ تَعَلّمُنّ أَنّ كُلّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ وَأَنّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ فَلَا يَحِلّ لِامْرِئٍ مِنْ أَخِيهِ إلّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ فَلَا تَظْلِمُنّ أَنْفُسَكُمْ اللهُمّ هَلْ بَلّغْت؟
_________________
(١) وَأَنّ اسْمَهُ آدَمُ وَقِيلَ تَمّامٌ وَكَانَ سَبَبَ قَتْلِهِ حَرْبٌ كَانَتْ بَيْنَ قَبَائِلِ هُذَيْلٍ تَقَاذَفُوا فِيهَا بِالْحِجَارَةِ فَأَصَابَ الطّفْلَ حَجَرٌ وَهُوَ يَحْبُو بَيْنَ الْبُيُوتِ كَذَلِكَ ذَكَرَ الزّبَيْرُ.
[ ٧ / ٥٠٦ ]
فَذُكِرَ لِي أَنّ النّاسَ قَالُوا: اللهُمّ نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " اللهُمّ اشْهَدْ "
اسْمُ الصّارِخِ بِكَلَامِ الرّسُولِ وَمَا كَانَ يُرَدّدُهُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبّادٍ قَالَ:
كَانَ الرّجُلُ الّذِي يَصْرُخُ فِي النّاسِ بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِعَرَفَةَ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ. قَالَ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ " قُلْ يَا أَيّهَا النّاسُ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ هَلّا تَدْرُونَ أَيّ شَهْرٍ هَذَا؟ " فَيَقُولُ لَهُمْ فَيَقُولُونَ الشّهْرُ الْحَرَامُ فَيَقُولُ قُلْ لَهُمْ " إنّ اللهَ قَدْ حَرّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبّكُمْ كَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا "; ثُمّ يَقُولُ قُلْ " يَا أَيّهَا النّاسُ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ هَلْ تَدْرُونَ أَيّ بَلَدٍ هَذَا؟ " قَالَ فَيَصْرُخُ بِهِ قَالَ فَيَقُولُونَ الْبَلَدُ الْحَرَامُ، قَالَ فَيَقُولُ قُلْ لَهُمْ " إنّ اللهَ قَدْ حَرّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبّكُمْ كَحُرْمَةِ بَلَدِكُمْ هَذَا ". قَالَ ثُمّ يَقُولُ قُلْ " يَا أَيّهَا النّاسُ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ هَلْ تَدْرُونَ أَيّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَ فَيَقُولُهُ لَهُمْ. فَيَقُولُونَ يَوْمُ الْحَجّ الْأَكْبَرِ قَالَ فَيَقُولُ قُلْ لَهُمْ إنّ اللهَ قَدْ حَرّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ".
رِوَايَةُ ابْنِ خَارِجَةَ عَمّا سَمِعَهُ مِنْ الرّسُولِ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي لَيْثُ بْنُ أَبَى سُلَيْمٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ الْأَشْعَرِيّ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ قَالَ:
بَعَثَنِي عَتّابُ بْنُ أُسَيْدٍ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ فَبَلَغْته، ثُمّ وَقَفْت تَحْتَ نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَإِنّ لُغَامَهَا لَيَقَعُ عَلَى رَأْسِي، فَسَمِعْته وَهُوَ يَقُولُ " أَيّهَا النّاسُ إنّ اللهَ قَدْ أَدّى إلَى كُلّ ذِي حَقّ حَقّهُ وَإِنّهُ لَا تَجُوزُ وَصِيّةٌ لِوَارِثٍ وَالْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَمَنْ ادّعَى إلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ تَوَلّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا "
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٠٧ ]
بَعْضُ تَعْلِيمِ الرّسُولِ فِي الْحَجّ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَالَ " هَذَا الْمَوْقِفُ لِلْجَبَلِ الّذِي هُوَ عَلَيْهِ وَكُلّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ "وَقَالَ حِينَ وَقَفَ عَلَى قُزَحَ صَبِيحَةَ الْمُزْدَلِفَةِ: " هَذَا الْمَوْقِفُ وَكُلّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ " ثُمّ لَمّا نَحَرَ بِالْمَنْحَرِ بِمِنًى قَالَ " هَذَا الْمَنْحَرُ وكل منى منح ر" فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْحَجّ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ وَأَعْلَمَهُمْ مَا فَرَضَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَجّهِمْ مِنْ الْمَوْقِفِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ وَطَوَافٍ بِالْبَيْتِ وَمَا أُحِلّ لَهُمْ مِنْ حَجّهِمْ وَمَا حُرّمَ عَلَيْهِمْ فَكَانَتْ حَجّةَ الْبَلَاغِ وَحَجّةَ الْوَدَاعِ وَذَلِكَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَحُجّ بَعْدَهَا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٠٨ ]
بَعْثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ إلَى أَرْضِ فِلَسْطِينَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
ثُمّ قَفَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ بَقِيّةَ ذِي الْحِجّةِ وَالْمُحَرّمَ وَصَفَرَ وَضَرَبَ عَلَى النّاسِ بَعْثًا إلَى الشّامِ، وَأَمّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَوْلَاهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يُوطِئَ الْخَيْلَ تُخُومَ الْبَلْقَاءِ وَالدّارُومِ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ، فَتَجَهّزَ النّاسُ وَأَوْعَبَ مَعَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ الْمُهَاجِرُونَ الْأَولونَ.
_________________
(١) بَعْثُ أُسَامَةَ وَأَمّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُسَامَةَ عَلَى جَيْشٍ كَثِيفٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُغِيرَ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا، وَأَنْ يُحَرّفَ. وَأُبْنَا، هِيَ الْقَرْيَةُ الّتِي عِنْدَ مُؤْتَةَ حَيْثُ قُتِلَ أَبُوهُ زَيْدٌ وَلِذَلِكَ أَمّرَهُ عَلَى حَدَاثَةِ سِنّهِ لِيُدْرِكَ ثَأْرَهُ وَطَعَنَ فِي إمَارَتِهِ أَهْلُ الرّيْبِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " وَاَيْمُ اللهِ إنّهُ لَخَلِيقٌ بِالْإِمَارَةِ وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ لَخَلِيقًا بِهَا " وَإِنّمَا طَعَنُوا فِي إمْرَتِهِ لِأَنّهُ مَوْلًى مَعَ حَدَاثَةِ سِنّهِ لِأَنّهُ كَانَ إذْ ذَاكَ ابْنَ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً وَكَانَ ﵁ أَسْوَدَ الْجِلْدَةِ وَكَانَ أَبُوهُ أَبْيَضَ صَافِيَ الْبَيَاضِ، نَزَعَ فِي اللّوْنِ إلَى أُمّهِ
[ ٧ / ٥٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بَرَكَةَ وَهِيَ أُمّ أَيْمَنَ وَقَدْ تَقَدّمَ حَدِيثُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبّهُ وَيَمْسَحُ خَشْمَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ بِثَوْبِهِ وَعَثَرَ يَوْمًا فَأَصَابَهُ جُرْحٌ فِي رَأْسِهِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُصّ دَمَهُ وَيَمُجّهُ وَيَقُولُ " لَوْ كَانَ أُسَامَةُ جَارِيَةً لَحَلّيْنَاهَا، حَتّى يُرْغَبَ فِيهَا " وَكَانَ يُسَمّى الْحِبّ بن الْحُبّ. عِدّةُ الْغَزَوَاتِ وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ عِدّةَ الْغَزَوَاتِ وَهِيَ سِتّ وَعِشْرُونَ وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَتْ سَبْعًا وَعِشْرِينَ وَإِنّمَا جَاءَ الْخِلَافُ لِأَنّ غَزْوَةَ خَيْبَرَ اتّصَلَتْ بِغَزْوَةِ وَادِي الْقُرَى، فَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ غَزْوَةً وَاحِدَةً وَأَمّا الْبُعُوثُ وَالسّرَايَا فَقِيلَ هِيَ سِتّ وَثَلَاثُونَ كَمَا فِي الْكِتَابِ وَقِيلَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعُونَ وَهُوَ قَوْلُ الوّاقِدِيّ، وَنَسَبَ الْمَسْعُودِيّ إلَى بَعْضِهِمْ أَنّ الْبُعُوثَ وَالسّرَايَا كَانَتْ سِتّينَ. قَاتَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي تِسْعِ غَزَوَاتٍ وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: قَاتَلَ فِي إحْدَى عَشْرَةَ غَزْوَةً مِنْهَا الْغَابَةُ وَوَادِي الْقُرَى وَاَللهُ أَعْلَمُ.
[ ٧ / ٥٠٩ ]
خُرُوج رسل رَسُولِ اللهِ إلَى الْمُلُوكِ
تَذْكِيرُ الرّسُولِ قَوْمَهُ بِمَا حَدَثَ لِلْحَوَارِيّينَ حِينَ اخْتَلَفُوا عَلَى عِيسَى
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
_________________
(١) إرْسَالُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى الْمُلُوكِ الْحَوَارِيّونَ ذَكَرَ فِيهِ إرْسَالَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ الْحَوَارِيّينَ وَأَصَحّ مَا قِيلَ فِي مَعْنَى الْحَوَارِيّينَ أَنّ الْحَوَارِيّ هُوَ الْخُلْصَانُ أَيْ الْخَالِصُ الصّافِي مِنْ كُلّ شَيْءٍ وَمِنْهُ
[ ٧ / ٥٠٩ ]
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعَثَ إلَى الْمُلُوكِ رُسُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَكَتَبَ مَعَهُمْ إلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيّ قَالَ:
بَلَغَنِي أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَ عُمْرَتِهِ الّتِي صُدّ عَنْهَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَة، فَقَالَ " أَيهَا النّاسُ إنّ اللهَ قَدْ بَعَثَنِي رَحْمَةً وَكَافّةً فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيّ كَمَا اخْتَلَفَ الْحَوَارِيّونَ عَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. فَقَالَ أَصْحَابُهُ وَكَيْف اخْتَلَفَ الْحَوَارِيّونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ دَعَاهُمْ إلَى الّذِي دَعَوْتُكُمْ إلَيْهِ فَأَمّا مَنْ بَعَثَهُ مَبْعَثًا قَرِيبًا فَرَضِيَ
_________________
(١) الْحَوَارِيّ، وَالْحُورُ وَقَوْلُ الْمُفَسّرِينَ هُوَ الْخُلْصَانُ كَلِمَةٌ فَصَيْحَةٌ أَنْشَدَ أَبُو حَنِيفَةَ خَلِيلَيّ خُلْصَانَيّ لَمْ يَبْقَ حِسّهَا مِنْ الْقَلْبِ إلّا عُوّذًا سَبَبًا لَهَا قَالَ وَالْعُوّذُ مَا لَمْ تُدْرِكْهُ الْمَاشِيَةُ لِارْتِفَاعِهِ أَوْ لِأَنّهُ بِأَهْدَافٍ فَكَأَنّهُ قَدْ عَاذَ مِنْهَا. مَعْنَى الْمَسِيحِ وَنِهَايَتُهُ وَأَصَحّ مَا قِيلَ فِي مَعْنَى الْمَسِيحِ عَلَى كَثْرَةِ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ أَنّهُ الصّدّيقُ بِلُغَتِهِمْ ثُمّ عَرّبَتْهُ الْعَرَبُ. وَكَانَ إرْسَالُ الْمَسِيحِ لِلْحَوَارِيّينَ بَعْدَ مَا رُفِعَ وَصُلِبَ الّذِي شُبّهَ بِهِ فَجَاءَتْ مَرْيَمُ الصّدّيقَةُ وَالْمَرْأَةُ الّتِي كَانَتْ مَجْنُونَةً فَأَبْرَأَهَا الْمَسِيحُ وَقَعَدَتَا عِنْدَ الْجِذْعِ تَبْكِيَانِ وَقَدْ أَصَابَ أُمّهُ مِنْ الْحُزْنِ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْلَمُ عِلْمَهُ إلّا اللهُ فَأُهْبِطَ إلَيْهِمَا، وَقَالَ عَلَامَ تَبْكِيَانِ؟ فَقَالَتَا: عَلَيْك، فَقَالَ إنّي لَمْ أُقْتَلْ وَلَمْ أُصْلَبْ وَلَكِنّ اللهَ رَفَعَنِي وَكَرّمَنِي، وَشُبّهَ عَلَيْهِمْ فِي أَمْرِي، أَبْلِغَا عَنّي الْحَوَارِيّينَ أَمْرِي، أَنْ يَلْقَوْنِي فِي مَوْضِعِ كَذَا لَيْلًا، فَجَاءَ الْحَوَارِيّونَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فَإِذَا الْجَبَلُ
[ ٧ / ٥١٠ ]
وَسَلّمَ وَأَمّا مَنْ بَعَثَهُ مَبْعَثًا بَعِيدًا فَكَرِهَ وَجْهَهُ وَتَثَاقَلَ فَشَكَا ذَلِكَ عِيسَى إلَى اللهِ فَأَصْبَحَ الْمُتَثَاقِلُونَ وَكُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَتَكَلّمُ بِلُغَةِ الْأُمّةِ الّتِي بُعِثَ إلَيْهَا "
_________________
(١) قَدْ اشْتَعَلَ نُورًا لِنُزُولِهِ بِهِ ثُمّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَدْعُوا النّاسَ إلَى دِينِهِ وَعِبَادَةِ رَبّهِمْ فَوَجّهَهُمْ إلَى الْأُمَمِ الّتِي ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ وَغَيْرُهُ ثُمّ كُسِيَ كُسْوَةَ الْمَلَائِكَةِ فَعَرَجَ مَعَهُمْ فَصَارَ مَلَكِيّا إنْسِيّا سَمَائِيّا أَرْضِيّا. فَصْلٌ وَذَكَرَ فِي الْأُمَمِ الْأُمّةَ الّذِينَ يَأْكُلُونَ النّاسَ وَهُمْ مِنْ الْأَسَاوِدَةِ فِيمَا ذَكَرَهُ الطّبَرِيّ. أُسْطُورَةُ زُرَيْبٍ وَذَكَرَ فِي الْحَوَارِيّينَ زُرَيْبَ بْنَ بَرْثُمْلِي وَهُوَ الّذِي عَاشَ إلَى زَمَنِ عُمَرَ وَسَمِعَ نَضْلَةَ بْنَ مُعَاوِيَةَ أَذَانَهُ فِي الْجَبَلِ فَكَلّمَهُ فَإِذَا رَجُلٌ عَظِيمُ الْخَلْقِ رَأْسُهُ كَدُورِ الرّحَى، فَسَأَلَ نَضْلَةَ وَالْجَيْشَ الّذِينَ كَانُوا مَعَهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: قُبِضَ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ فَقَالُوا: قُبِضَ ثُمّ سَأَلَهُمْ عَنْ عُمَرَ فَقَالُوا: هُوَ حَيّ، وَنَحْنُ جَيْشُهُ فَقَالَ لَهُمْ "أَقْرِئُوهُ مِنّي السّلَامَ ثُمّ أَمَرَهُمْ أَنْ يُبَلّغُوا عَنْهُ وَصَايَا كَثِيرَةً وَأَنْ يُحَذّرَ النّاسَ مِنْ خِصَالٍ إذَا ظَهَرَتْ فِي أُمّةِ مُحَمّدٍ فَقَدْ قَرُبَ الْأَمْرُ وَمِنْهَا لُبْسُ الْحَرِيرِ وَشُرْبُ الْخَمْرِ وَأَنْ يَكْتَفِيَ الرّجَالُ بِالرّجَالِ وَالنّسَاءُ بِالنّسَاءِ". وَذَكَرَ فِيهَا أَيْضًا الْمَعَازِفَ وَالْقِيَانَ وَأَشْيَاءَ غَيْرَ هَذِهِ فَقَالُوا لَهُ مَنْ أَنْتَ يَرْحَمُك اللهُ؟ فَقَالَ زُرَيْبُ بْنُ بَرْثُمْلِي حَوَارِيّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ دَعَوْت اللهَ أَنْ يُحْيِيَنِي، حَتّى أَرَى أُمّةَ مُحَمّدٍ أَوْ نَحْوَ هَذَا الْكَلَامِ وَقَدْ أَرَدْت الْخُلُوصَ
[ ٧ / ٥١١ ]
أَسْمَاءُ الرّسُلِ وَمَنْ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ
فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رُسُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَكَتَبَ مَعَهُمْ كُتُبًا إلَى الْمُلُوكِ يَدْعُوهُمْ فِيهَا إلَى الْإِسْلَامِ. فَبَعَثَ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيّ إلَى قَيْصَرَ مَلِكِ الرّومِ. وَبَعَثَ عَبْدَ اللهِ بْنَ حُذَافَةَ السّهْمِيّ إلَى كِسْرَى، مَلِكِ فَارِسَ، وَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ إلَى النّجَاشِيّ، مَلِكِ الْحَبَشَةِ
وَبَعَثَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ إلَى الْمُقَوْقِسِ، مَلِكِ الْإسْكَنْدَريَّة، وَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ السّهْمِيّ إلَى جَيْفَرَ وَعَيّادٍ ابْنَيْ الْجُلَنْدَى الْأَزْدِيّيْنِ مَلِكَيْ عُمَانَ، وَبَعَثَ سَلِيطَ بْنَ عَمْرٍو، أَحَدَ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ، إلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالَ وَهَوْذَةَ بْنِ عَلِيّ الْحَنَفِيّيْنِ مَلِكَيْ الْيَمَامَةِ، وَبَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيّ إلَى الْمُنْذِرِ بْنِ
_________________
(١) إلَى أُمّةِ مُحَمّدٍ ﷺ فَلَمْ أَسْتَطِعْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ الْكفَّار. وَذكر الدَّارقطني فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا أَنّ عُمَرَ قَالَ لِنَضْلَةَ إنْ لَقِيته فَأَقْرِئْهُ مِنّي السّلَامَ فَإِنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ " إنّ بِذَلِكَ الْجَبَلِ وَصِيّا مِنْ أَوْصِيَاءِ عِيسَى ﵇ " وَالْخَبَرُ بِهَذَا مَشْهُورٌ عَنْهُ، وَفِيهِ طُولٌ فَاخْتَصَرْنَاهُ وَيُقَالُ إنّهُ الْآنَ حَيّ. وَمَنْ قَالَ إنّ الْخَضِرَ وَإِلْيَاسَ قَدْ مَاتَا، فَمِنْ أَصْلِهِ أَيْضًا أَنّ زُرَيْبًا قَدْ مَاتَ لِأَنّهُمْ يَحْتَجّونَ بِالْحَدِيثِ الصّحِيحِ إلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى عَلَى الْأَرْضِ مِمّنْ هُوَ عَلَيْهَا أَحَدٌ. رَسُولُهُ إلَى النّجَاشِيّ وَقَيْصَرَ فَصْلٌ وَذَكَرَ إرْسَالَ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ إلَى النّجَاشِيّ، وَقَدْ قَدّمْنَا ذِكْرَ مَا قَالَ وَمَا قِيلَ لَهُ وَكَذَلِكَ ذَكَرْنَا خَبَرَ سَلِيطٍ مَعَ هَوْذَةَ وَمَا قَالَ لَهُ وَخَبَرَ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ مَعَ كِسْرَى، وَكَلَامَهُ مَعَهُ وَنَذْكُرُ هُنَا بَقِيّةَ الْإِرْسَالِ وَكَلَامَهُمْ فَمِنْهُمْ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيّ، فَقَدِمَ دِحْيَةُ عَلَى قَيْصَرَ وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى هَذَا الِاسْمِ أَعْنِي اسْمَ دِحْيَةَ وَاسْمَ قَيْصَرَ فِيمَا مَضَى مِنْ الْكِتَابِ فَلَمّا قَدِمَ دِحْيَةُ عَلَى قَيْصَرَ قَالَ لَهُ "يَا
[ ٧ / ٥١٢ ]
سَاوَى الْعَبْدِيّ مَلِكِ الْبَحْرَيْنِ، وَبَعَثَ شُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ الْأَسَدِيّ إلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ الْغَسّانِيّ، مَلِكِ تُخُومِ الشّامِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَعَثَ شُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ إلَى جَبَلَةَ بْنِ الْأَيْهَمِ الْغَسّانِيّ وَبَعَثَ الْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيّةَ الْمَخْزُومِيّ إلَى الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ الْحِمْيَرِيّ، مَلِكِ الْيَمَنِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنَا نَسِيت سَلِيطًا وَثُمَامَةَ وَهَوْذَةَ وَالْمُنْذِرَ.
_________________
(١) قَيْصَرُ أَرْسَلَنِي إلَيْك مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك، وَاَلّذِي أَرْسَلَهُ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَمِنْك، فَاسْمَعْ بِذُلّ ثُمّ أَجِبْ بِنُصْحٍ فَإِنّك إنْ لَمْ تَذْلِلْ لَمْ تَفْهَمْ وَإِنْ لَمْ تَنْصَحْ لَمْ تُنْصِفْ قَالَ هَاتِ قَالَ هَلْ تَعْلَمُ أَكَانَ الْمَسِيحُ يُصَلّي؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَإِنّي أَدْعُوك إلَى مَنْ كَانَ الْمَسِيحُ يُصَلّي لَهُ وَأَدْعُوك إلَى مَنْ دَبّرَ خَلْقَ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْمَسِيحُ فِي بَطْنِ أُمّهِ وَأَدْعُوك إلَى هَذَا النّبِيّ الْأُمّيّ الّذِي بَشّرَ بِهِ مُوسَى، وَبَشّرَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ بَعْدَهُ وَعِنْدَك مِنْ ذَلِكَ أَثَارَةٌ مِنْ عِلْمٍ تَكْفِي مِنْ الْعِيَانِ وَتَشْفِي مِنْ الْخَبَرِ، فَإِنْ أَجَبْت كَانَتْ لَك الدّنْيَا وَالْآخِرَةُ وَإِلّا ذَهَبَتْ عَنْك الْآخِرَةُ وَشُورِكْت فِي الدّنْيَا، وَاعْلَمْ أَنّ لَك رَبّا يَقْصِمُ الْجَبَابِرَةَ وَيُغَيّرُ النّعَمَ"، فَأَخَذَ قَيْصَرُ الْكِتَابَ فَوَضَعَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَرَأْسِهِ وَقَبّلَهُ ثُمّ قَالَ أَمَا وَاَللهِ مَا تَرَكْت كِتَابًا إلّا وَقَرَأْته، وَلَا عَالِمًا إلّا سَأَلْته، فَمَا رَأَيْت إلّا خَيْرًا، فَأَمْهِلْنِي حَتّى أَنْظُرَ مَنْ كَانَ الْمَسِيحُ يُصَلّي لَهُ فَإِنّي أَكْرَهُ أَنْ أُجِيبَك الْيَوْمَ بِأَمْرٍ أَرَى غَدًا مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ فَأَرْجِعَ عَنْهُ فَيَضُرّنِي ذَلِكَ وَلَا يَنْفَعَنِي، أَقِمْ حَتّى أَنْظُرَ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ أَتَاهُ وَفَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَفِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بَقِيّةُ حَدِيثِ قَيْصَرَ فَانْظُرْهُ هُنَالِكَ. رَسُولُهُ إلَى الْمُقَوْقِسِ وَأَمّا حَاطِبٌ فَقَدِمَ عَلَى الْمُقَوْقِسِ، وَاسْمُهُ جُرَيْجُ بْنُ مِينَاءَ، فَقَالَ لَهُ "إنّهُ
[ ٧ / ٥١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قَدْ كَانَ رَجُلٌ قَبْلَك يَزْعُمُ أَنّهُ الرّبّ الْأَعْلَى، فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، فَانْتَقَمَ بِهِ ثُمّ انْتَقَمَ مِنْهُ فَاعْتَبِرْ بِغَيْرِك، وَلَا يَعْتَبِرْ بِك غَيْرُك، قَالَ هَاتِ قَالَ إنّ ذَلِكَ دِينٌ لَنْ تَدَعَهُ إلّا لِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَهُوَ الْإِسْلَامُ الْكَافِي بِهِ اللهُ فَقْدَ مَا سِوَاهُ. إنّ هَذَا النّبِيّ ﷺ دَعَا النّاسَ فَكَانَ أَشَدّهُمْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ، وَأَعْدَاهُمْ لَهُ يَهُودُ وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ النّصَارَى، وَلَعَمْرِي مَا بِشَارَةُ مُوسَى بِعِيسَى إلّا كَبِشَارَةِ عِيسَى بِمُحَمّدٍ ﷺ وَمَا دُعَاؤُنَا إيّاكَ إلَى الْقُرْآنِ إلّا كَدُعَائِك أَهْلَ التّوْرَاةِ إلَى الْإِنْجِيلِ، وَكُلّ نَبِيّ أَدْرَكَ قَوْمًا فَهُمْ مِنْ أُمّتِهِ فَالْحَقّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ فَأَنْتَ مِمّنْ أَدْرَكَهُ هَذَا النّبِيّ، وَلَسْنَا نَنْهَاك عَنْ دِينِ الْمَسِيحِ وَلَكِنْ نَأْمُرُك بِهِ" قَالَ الْمُقَوْقِسُ: "إنّي قَدْ نَظَرْت فِي أَمْرِ هَذَا النّبِيّ فَوَجَدْته لَا يَأْمُرُ بِمَزْهُودٍ فِيهِ وَلَا يَنْهَى إلّا عَنْ مَرْغُوبٍ عَنْهُ وَلَمْ أَجِدْهُ بِالسّاحِرِ الضّالّ وَلَا الْكَاهِنِ الْكَاذِبِ وَوَجَدْت مَعَهُ آلَةَ النّبُوّةِ بِإِخْرَاجِ الْخَبْءِ وَالْإِخْبَارِ بِالنّجْوَى، وَسَأَنْظُرُ فَأَهْدَى لِلنّبِيّ ﷺ أُمّ إبْرَاهِيمَ الْقِبْطِيّةَ وَاسْمُهَا: مَارِيَةُ بِنْتُ شَمْعُونَ وَأُخْتَهَا مَعَهَا، وَاسْمُهَا سِيرِينُ وَهِيَ أُمّ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ حَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ وَغُلَامًا اسْمُهُ مَأْبُورُ وَبَغْلَةً اسْمهَا دُلْدُلُ وَكُسْوَةً وَقَدَحًا مِنْ قَوَارِيرَ كَانَ يَشْرَبُ فِيهِ النّبِيّ ﷺ وَكَاتَبَهُ.
[ ٧ / ٥١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) رَسُولُهُ إلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى وَأَمّا الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيّ، فَقَدِمَ عَلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى فَقَالَ لَهُ: "يَا مُنْذِرُ إنّك عَظِيمُ الْعَقْلِ فِي الدّنْيَا، فَلَا تَصْغُرَنّ عَنْ الْآخِرَةِ إنّ هَذِهِ الْمَجُوسِيّةَ شَرّ دِينٍ لَيْسَ فِيهَا تَكَرّمُ الْعَرَبِ، وَلَا عِلْمُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَنْكِحُونَ مَا يُسْتَحْيَا مِنْ نِكَاحِهِ وَيَأْكُلُونَ مَا يُتَكَرّمُ عَلَى أَكْلِهِ وَيَعْبُدُونَ فِي الدّنْيَا نَارًا تَأْكُلُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَسْت بِعَدِيمِ عَقْلٍ وَلَا رَأْيٍ فَانْظُرْ هَلْ يَنْبَغِي لِمَنْ لَا يَكْذِبُ أَنْ لَا تُصَدّقَهُ وَلِمَنْ لَا يَخُونُ أَنْ لَا تَأْمَنَهُ وَلِمَنْ لَا يُخْلِفُ أَنْ لَا تَثِقَ بِهِ فَإِنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا، فَهُوَ هَذَا النّبِيّ الْأُمّيّ الّذِي وَاَللهِ لَا يَسْتَطِيعُ ذُو عَقْلٍ أَنْ يَقُولَ لَيْتَ مَا أَمَرَ بِهِ نَهَى عَنْهُ أَوْ مَا نَهَى عَنْهُ أَمَرَ بِهِ أَوْ لَيْتَ زَادَ فِي عَفْوِهِ أَوْ نَقَصَ مِنْ عِقَابِهِ إنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى أُمْنِيَةِ أَهْلِ الْعَقْلِ وَفِكْرِ أَهْلِ الْبَصَرِ". فَقَالَ الْمُنْذِرُ قَدْ نَظَرْت فِي هَذِهِ الْأَمْرِ الّذِي فِي يَدِي، فَوَجَدْته لِلدّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ وَنَظَرْت فِي دِينِكُمْ فَوَجَدْته لِلْآخِرَةِ وَالدّنْيَا، فَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ قَبُولِ دِينٍ فِيهِ أُمْنِيَةُ الْحَيَاةِ وَرَاحَةُ الْمَوْتِ وَلَقَدْ عَجِبْت أَمْسِ مِمّنْ يَقْبَلُهُ وَعَجِبْت الْيَوْمَ مِمّنْ يَرُدّهُ وَإِنّ مِنْ إعْظَامِ مَنْ جَاءَ بِهِ أَنْ يُعَظّمَ رَسُولُهُ وَسَأَنْظُرُ. مِفْتَاحُ الْجَنّةِ فَصْلٌ وَمِمّا وَقَعَ فِي السّيرَةِ فِي حَدِيثِ الْعَلَاءِ قَوْلُ النّبِيّ ﵇ لَهُ " إذَا سُئِلْت عَنْ مِفْتَاحِ الْجَنّةِ فَقُلْ مِفْتَاحُهَا، لَا إلَهَ إلّا اللهُ" وَفِي الْبُخَارِيّ: قِيلَ لِوَهْبٍ أَلَيْسَ مِفْتَاحُ الْجَنّةِ لَا إلَهَ إلّا اللهُ؟ فَقَالَ بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ مِنْ مِفْتَاحٍ إلّا وَلَهُ أَسْنَانٌ فَإِنْ جِئْت بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَك، وَإِلّا لَمْ يُفْتَحْ لَك، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ
[ ٧ / ٥١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أَنّ ابْنَ عَبّاسٍ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ وَهْبٍ فَقَالَ صَدَقَ وَهْبٌ وَأَنَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ الْأَسْنَانِ مَا هِيَ فَذَكَرَ الصّلَاةَ وَالزّكَاةَ وَشَرَائِعَ الْإِسْلَامِ. عَمْرٌو الْجُلَنْدَى وَأَمّا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِي، فَقَدِمَ عَلَى الْجُلَنْدَى، فَقَالَ لَهُ يَا جُلَنْدَى إنّك وَإِنْ كُنْت مِنّا بَعِيدًا، فَإِنّك مِنْ اللهِ غَيْرُ بَعِيدٍ إنّ الّذِي تَفَرّدَ بِخَلْقِك أَهْلٌ أَنْ تُفْرِدَهُ بِعِبَادَتِك، وَأَنْ لَا تُشْرِكَ بِهِ مَنْ لَمْ يُشْرِكْهُ فِيك، وَاعْلَمْ أَنّهُ يُمِيتُك الّذِي أَحْيَاك، وَيُعِيدُك الّذِي بَدَأَك، فَانْظُرْ فِي هَذَا النّبِيّ الْأُمّيّ الّذِي جَاءَ بِالدّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ بِهِ أَجْرًا فَامْنَعْهُ أَوْ يَمِيلُ بِهِ هَوًى فَدَعْهُ ثُمّ اُنْظُرْ فِيمَا يَجِيءُ بِهِ هَلْ يُشْبِهُ مَا يَجِيءُ بِهِ النّاسُ فَإِنْ كَانَ يُشْبِهُهُ فَسَلْهُ الْعِيَانَ وَتَخَيّرْ عَلَيْهِ فِي الْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُشْبِهُهُ فَاقْبَلْ مَا قَالَ وَخَفْ مَا وَعَدَ قَالَ الْجُلَنْدَى: إنّهُ وَاَللهِ لَقَدْ دَلّنِي عَلَى هَذَا النّبِيّ الْأُمّيّ أَنّهُ لَا يَأْمُرُ بِخَيْرٍ إلّا كَانَ أَوّلَ مَنْ أَخَذَ بِهِ وَلَا يَنْهَى عَنْ شَرّ إلّا كَانَ أَوّلَ تَارِكٍ لَهُ وَأَنّهُ يَغْلِبُ فَلَا يَبْطَرُ وَيُغْلَبُ فَلَا يَضْجَرُ وَأَنّهُ يَفِي بِالْعَهْدِ وَيُنْجِزُ الْمَوْعُودَ وَأَنّهُ لَا يَزَالُ سِرّ قَدْ اطّلَعَ عَلَيْهِ يُسَاوِي فِيهِ أَهْلَهُ وَأَشْهَدُ أَنّهُ نَبِيّ. شُجَاعٌ وَجَبَلَةُ وَأَمّا شُجَاعُ بْنُ وَهْبٍ فَقَدِمَ عَلَى جَبَلَةَ بْنِ الْأَيْهَمِ، وَهُوَ جَبَلَةُ بْنُ الْأَيْهَمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ، وَجَبَلَةُ، وَهُوَ الّذِي أَسْلَمَ ثُمّ تَنَصّرَ مِنْ أَجْلِ لَطْمَةٍ حَاكَمَ فِيهَا إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرّاحِ وَكَانَ طُولُهُ اثْنَيْ عَشَرَ شِبْرًا، وَكَانَ يَمْسَحُ بِرِجْلَيْهِ الْأَرْضَ وَهُوَ رَاكِبٌ فَقَالَ لَهُ يَا جَبَلَةُ إنّ قَوْمَك نَقَلُوا هَذَا النّبِيّ الْأُمّيّ مِنْ دَارِهِ
[ ٧ / ٥١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) إلَى دَارِهِمْ يَعْنِي: الْأَنْصَارَ، فَآوَوْهُ وَمَنَعُوهُ وَإِنّ هَذَا الدّينَ الّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ لَيْسَ بِدِينِ آبَائِك، وَلَكِنّك مَلَكْت الشّامَ وَجَاوَرْت بِهَا الرّومَ، وَلَوْ جَاوَرْت كِسْرَى دِنْت بِدِينِ الْفُرْسِ لِمَلِكِ الْعِرَاقِ، وَقَدْ أَقَرّ بِهَذَا النّبِيّ الْأُمّيّ مِنْ أَهْلِ دِينِك مَنْ إنْ فَضّلْنَاهُ عَلَيْك لَمْ يُغْضِبْك، وَإِنْ فَضّلْنَاك عَلَيْهِ لَمْ يُرْضِك، فَإِنْ أَسْلَمْت أَطَاعَتْك الشّامُ وَهَابَتْك الرّومُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا كَانَتْ لَهُمْ الدّنْيَا وَلَك الْآخِرَةُ وَكُنْت قَدْ اسْتَبْدَلْت الْمَسَاجِدَ بِالْبِيَعِ وَالْأَذَانَ بِالنّاقُوسِ وَالْجُمَعَ بِالشّعَانِينِ وَالْقِبْلَةَ بِالصّلِيبِ وَكَانَ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى، فَقَالَ لَهُ جَبَلَةُ: إنّي وَاَللهِ لَوَدِدْت أَنّ النّاسَ أَجْمَعُوا عَلَى هَذَا النّبِيّ الْأُمّيّ اجْتِمَاعَهُمْ عَلَى خَلْقِ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ سَرّنِي اجْتِمَاعُ قَوْمِي لَهُ وَأَعْجَبَنِي قَتْلُهُ أَهْلَ الْأَوْثَانِ وَالْيَهُودَ، وَاسْتِبْقَاؤُهُ النّصَارَى، وَلَقَدْ دَعَانِي قَيْصَرُ إلَى قِتَالِ أَصْحَابِهِ يَوْمَ مُؤْتَةَ، فَأَبَيْت عَلَيْهِ فَانْتَدَبَ مَالِكَ بْنَ نَافِلَةَ مِنْ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ فَقَتَلَهُ اللهُ وَلَكِنّي لَسْت أَرَى حَقّا يَنْفَعُهُ وَلَا بَاطِلًا يَضُرّهُ وَاَلّذِي يَمُدّنِي إلَيْهِ أَقْوَى مِنْ الّذِي يَخْتَلِجُنِي عَنْهُ وَسَأَنْظُرُ. الْمُهَاجِرُ وَابْنُ كُلَالٍ وَأَمّا الْمُهَاجِرُ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ فَقَدِمَ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، وَقَالَ لَهُ يَا حَارِثُ إنّك كُنْت أَوّلَ مَنْ عَرَضَ عَلَيْهِ النّبِيّ ﷺ نَفْسَهُ فَخَطِئْت عَنْهُ وَأَنْتَ أَعْظَمُ الْمُلُوكِ قَدْرًا، فَإِذَا نَظَرْت فِي غَلَبَةِ الْمُلُوكِ فَانْظُرْ فِي غَالِبِ الْمُلُوكِ وَإِذَا سَرّك يَوْمُك فَخَفْ غَدَك، وَقَدْ كَانَ قَبْلَك مُلُوكٌ ذَهَبَتْ آثَارُهَا وَبَقِيَتْ أَخْبَارُهَا، عَاشُوا طَوِيلًا، أَمّلُوا بَعِيدًا وَتَزَوّدُوا قَلِيلًا، مِنْهُمْ مَنْ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَكَلَتْهُ النّقَمُ وَإِنّي أَدْعُوك إلَى الرّبّ الّذِي إنْ أَرَدْت الْهُدَى لم يَمْنَعْك، وَإِنْ أَرَادَك لَمْ
[ ٧ / ٥١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يَمْنَعْهُ مِنْك أَحَدٌ، وَأَدْعُوك إلَى النّبِيّ الْأُمّيّ الّذِي لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ أَحْسَنُ مِمّا يَأْمُرُ بِهِ وَلَا أَقْبَحُ مِمّا يَنْهَى عَنْهُ وَاعْلَمْ أَنّ لَك رَبّا يُمِيتُ الْحَيّ وَيُحْيِي الْمَيّتَ وَيَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصّدُورُ فَقَالَ الْحَارِثُ قَدْ كَانَ هَذَا النّبِيّ عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَيّ فَخَطِئْت عَنْهُ وَكَانَ ذُخْرًا لِمَنْ صَارَ إلَيْهِ وَكَانَ أَمْرُهُ أَمْرًا سَبَقَ فَحَضَرَهُ الْيَأْسُ وَغَابَ عَنْهُ الطّمَعُ وَلَمْ يَكُنْ لِي قَرَابَةٌ أَحْتَمِلُهُ عَلَيْهَا، وَلَا لِي فِيهِ هَوًى أَتّبِعُهُ لَهُ غَيْرَ أَنّي أَرَى أَمْرًا لَمْ يُوَسْوِسْهُ الْكَذِبُ وَلَمْ يُسْنِدْهُ الْبَاطِلُ. لَهُ بَدْءٌ سَارّ، وَعَاقِبَةٌ نَافِعَةٌ وَسَأَنْظُرُ. وَمِمّا قَالَهُ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ فِي قُدُومِهِ عَلَى قَيْصَرَ أَلَا هَلْ أَتَاهَا عَلَى نَأْيِهَا قَدِمْت عَلَى قَيْصَرَ فقدرته بِصَلَاة الْمَسِيح وَكَانَتْ مِنْ الْجَوْهَرِ الْأَحْمَرِ وَتَدْبِيرِ رَبّك أَمْرَ السّمَا ءِ وَالْأَرْضِ فَأَغْضَى وَلَمْ يُنْكِرْ وَقُلْت: تُقِرّ بِبُشْرَى الْمَسِي حِ فَقَالَ سَأَنْظُرُ قُلْت: اُنْظُرْ فَكَانَ يُقِرّ بِأَمْرِ الرّسُو لِ فَمَالَ إلَى الْبَدَلِ الْأَعْوَرِ فَشَكّ وَجَاشَتْ لَهُ نَفْسُهُ وَجَاشَتْ نَفُوسُ بَنِي الْأَصْفَرِ عَلَى وَضْعِهِ بِيَدَيْهِ الْكِتَا بَ عَلَى الرّأْسِ وَالْعَيْنِ وَالْمَنْخِرِ فَأَصْبَحَ قَيْصَرُ مِنْ أَمْرِهِ بِمَنْزِلَةِ الْفَرَسِ الْأَشْقَرِ يُرِيدُ بِالْفَرَسِ الْأَشْقَرِ مَثَلًا لِلْعَرَبِ يَقُولُونَ أَشْقَرُ إنْ يَتَقَدّمْ يُنْحَرْ وَإِنْ يَتَأَخّرْ يُعْقَرْ وَقَالَ الشّاعِرُ فِي هَذَا الْمَعْنَى: وَهَلْ كُنْت إلّا مِثْلَ سَيّقِهِ الْعِدَا إنْ اسْتَقْدَمَتْ نَحْرٌ وَإِنْ جَبَأَتْ عَقْرُ
[ ٧ / ٥١٨ ]
رِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ بَعْثِ الرّسُولِ رُسُلَهُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ الْمِصْرِيّ:
أَنّهُ وَجَدَ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُ مَنْ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْبُلْدَانِ وَمُلُوكِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَمَا قَالَ لِأَصْحَابِهِ حِينَ بَعَثَهُمْ. قَالَ فَبَعَثْت بِهِ إلَى مُحَمّدِ بْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ فَعَرَفَهُ وَفِيهِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُمْ " إنّ اللهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً وَكَافّةً فَأَدّوا عَنّي يَرْحَمْكُمْ اللهُ وَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيّ كَمَا اخْتَلَفَ الْحَوَارِيّونَ عَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ "، قَالُوا: وَكَيْفَ يَا رَسُولَ اللهِ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ؟ قَالَ " دَعَاهُمْ لِمِثْلِ مَا دَعَوْتُكُمْ لَهُ فَأَمّا مَنْ قَرّبَ بِهِ فَأَحَبّ وَسَلّمَ وَأَمّا مَنْ بَعّدَ بِهِ فَكَرِهَ وَأَبَى، فَشَكَا ذَلِكَ عِيسَى مِنْهُمْ إلَى اللهِ فَأَصْبَحُوا وَكُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَتَكَلّمُ بِلُغَةِ الْقَوْمِ الّذِينَ وُجّهَ إلَيْهِمْ "
أَسْمَاءُ رُسُلِ عِيسَى
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مَنْ بَعَثَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ مِنْ الْحَوَارِيّينَ وَالْأَتْبَاعِ الّذِينَ كَانُوا بَعْدَهُمْ فِي الْأَرْضِ بُطْرُسُ الْحَوَارِيّ، وَمَعَهُ بُولُسُ وَكَانَ بُولُسُ مِنْ الْأَتْبَاعِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْحَوَارِيّينَ إلَى رُومِيّةَ وَأَنْدِرَائِسُ وَمَنْتَا إلَى الْأَرْضِ الّتِي يَأْكُلُ أَهْلُهَا النّاسَ وَتُومَاسُ إلَى أَرْضِ بَابِلَ، مِنْ أَرْضِ الْمَشْرِقِ وَفِيلِبّسُ إلَى أَرْضِ قَرْطَاجَنّةَ، وَهِيَ إفْرِيقِيَةُ وَيُحَنّسُ إلَى إفسوس، قَرْيَةِ الْفِتْيَةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَيَعْقُوبُسُ إلَى أُورَاشَلِمُ وَهِيَ إيلِيَاءُ، قَرْيَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَابْنُ ثَلْمَاءَ إلَى الْأَعْرَابِيّةِ وَهِيَ أَرْضُ الْحِجَازِ، وَسِيمُنُ إلَى أَرْضِ الْبَرْبَرِ، وَيَهُوذَا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْحَوَارِيّينَ جُعِلَ مَكَانَ يُودِسَ.
_________________
(١) وَفِي حَدِيثِ دِحْيَةَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَارِثِ فِي مُسْنَدِهِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ - قَالَ " مَنْ يَنْطَلِقُ بِكِتَابِي هَذَا إلَى قَيْصَرَ وَلَهُ الْجَنّةُ "، فَقَالُوا: وَإِنْ لَمْ يُقْتَلْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ " وَإِنْ لَمْ يُقْتَلْ "، فَانْطَلَقَ بِهِ رَجُلٌ يَعْنِي دِحْيَةَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
[ ٧ / ٥١٩ ]
ذِكْرُ جُمْلَةِ الْغَزَوَاتِ
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ
قَالَ حَدّثَنَا أَبُو مُحَمّدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَكّائِيّ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطّلِبِيّ:
وَكَانَ جَمِيعُ مَا غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَفْسِهِ سَبْعًا وَعِشْرِينَ غَزْوَةً مِنْهَا غَزْوَةُ وَدّانَ، وَهِيَ غَزْوَةُ الْأَبْوَاءِ، ثُمّ غَزْوَةُ بُوَاطٍ، مِنْ نَاحِيَةِ رَضْوَى، ثُمّ غَزْوَةُ الْعُشَيْرَةِ، مِنْ بَطْنِ يَنْبُعَ، ثُمّ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْأُولَى، يَطْلُبُ كُرْزَ بْنَ جَابِرٍ، ثُمّ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى، الّتِي قَتَلَ اللهُ فِيهَا صَنَادِيدَ قُرَيْشٍ، ثُمّ غَزْوَةُ بَنِي سُلَيْمٍ، حَتّى بَلَغَ الْكُدْرَ، ثُمّ غَزْوَةُ السّوِيقِ، يَطْلُبُ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، ثُمّ غَزْوَةُ غَطَفَانَ، وَهِيَ غَزْوَةُ ذِي أَمِر، ثُمّ غَزْوَةُ بَحْرَانَ مَعْدِنٍ بِالْحِجَازِ ثُمّ غَزْوَةُ أُحُدٍ، ثُمّ غَزْوَةُ حَمْرَاءِ الْأَسَدِ ; ثُمّ غَزْوَةُ بَنِي النّضِيرِ ثُمّ غَزْوَةُ ذَاتِ الرّقَاعِ مِنْ نَخْلٍ، ثُمّ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْآخِرَةُ ثُمّ غَزْوَةُ دُومَةِ الْجَنْدَلِ، ثُمّ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ، ثُمّ غَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ، ثُمّ غَزْوَةُ بَنِي لِحْيَانَ، مِنْ هُذَيْلٍ، ثُمّ غَزْوَةُ ذِي قَرَدٍ، ثُمّ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، ثُمّ غَزْوَةُ الْحُدَيْبِيَةِ، لَا يُرِيدُ قِتَالًا، فَصَدّهُ الْمُشْرِكُونَ ثُمّ غَزْوَةُ خَيْبَرَ، ثُمّ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ ثُمّ غَزْوَةُ الْفَتْحِ، ثُمّ غَزْوَةُ حُنَيْنٍ، ثُمّ غَزْوَةُ الطّائِفِ، ثُمّ غَزْوَةُ تَبُوكَ. قَاتَلَ مِنْهَا فِي تِسْعِ غَزَوَاتٍ بَدْرٍ وَأُحُدٍ، وَالْخَنْدَقِ، وَقُرَيْظَةَ وَالْمُصْطَلِقِ وَخَيْبَرَ، وَالْفَتْحِ وَحُنَيْنٍ، وَالطّائِفِ.
_________________
(١) غَزْوَةُ عُمَرَ فَصْلٌ وَذَكَرَ غَزْوَةَ عُمَرَ إلَى تُرَبَةَ، وَهِيَ تُرَبَةُ بِفَتْحِ الرّاءِ أَرْضٌ كَانَتْ لِخَثْعَمَ وَفِيهَا جَاءَ الْمَثَلُ صَادَفَ بَطْنُهُ بَطْنَ تُرَبَةَ، يُرِيدُونَ الشّبَعَ وَالْخِصْبَ. قَالَ الْبَكْرِيّ: وَكَذَلِكَ عُرَنَةُ بِفَتْحِ الرّاءِ يَعْنِي الّتِي عِنْدَ عَرَفَةَ.
[ ٧ / ٥٢٠ ]
ذِكْرُ جُمْلَةِ السّرَايَا وَالْبُعُوثِ
وَكَانَتْ بُعُوثُهُ ﷺ وَسَرَايَاهُ ثَمَانِيًا وَثَلَاثِينَ، مِنْ بَيْنِ بَعْثٍ وَسَرِيّةٍ غَزْوَةُ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ أَسْفَلَ مِنْ ثَنِيّةِ ذِي الْمَرْوَةِ، ثُمّ غَزْوَةُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ سَاحِلَ الْبَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِيصِ ; وَبَعْضُ النّاسِ يُقَدّمُ غَزْوَةَ حَمْزَةَ قَبْلَ غَزْوَةِ عُبَيْدَةَ وَغَزْوَةُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ الْخَرّارَ، وَغَزْوَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ نَخْلَةَ، وَغَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الْقَرَدَةَ، وَغَزْوَةُ مُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ وَغَزْوَةُ مَرْثَدِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ الرّجِيعَ، وَغَزْوَةُ الْمُنْذِرِ بْنِ عَمْرٍو بِئْرَ مَعُونَةَ، وَغَزْوَةُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرّاحِ ذَا الْقَصّةِ مِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ، وَغَزْوَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ تُرَبَةَ مِنْ أَرْضِ بَنِي عَامِرٍ، وَغَزْوَةُ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْيَمَنَ، وَغَزْوَةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْكَلْبِيّ، كَلْبِ لَيْثٍ الْكَدِيدَ، فَأَصَابَ بَنِي الْمُلَوّحِ.
خَبَرُ غَزْوَةِ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ اللّيْثِيّ بَنِي الْمُلَوّحِ
شَأْنُ ابْنِ الْبَرْصَاءِ
وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهَا أَنّ يَعْقُوبَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ، حَدّثَنِي عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ خُبَيْبٍ الْجُهَنِيّ عَنْ الْمُنْذِرِ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ مَكِيثٍ الْجُهَنِيّ، قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَالِبَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْكَلْبِيّ، كَلْبَ بْنَ عَوْفِ بْنِ لَيْثٍ فِي سَرِيّةٍ كُنْت فِيهَا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشُنّ الْغَارَةَ عَلَى بَنِي الْمُلَوّحِ، وَهُمْ بِالْكَدِيدِ فَخَرَجْنَا، حَتّى إذَا كُنّا بِقُدَيْدٍ لَقِينَا الْحَارِثَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ ابْنُ الْبَرْصَاءِ اللّيْثِيّ، فَأَخَذْنَاهُ فَقَالَ إنّي جِئْت أُرِيدُ الْإِسْلَامَ مَا خَرَجْت إلّا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْنَا لَهُ إنْ تَكُ مُسْلِمًا فَلَنْ يَضِيرَك رِبَاطُ لَيْلَةٍ وَإِنْ تَكُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ كُنّا قَدْ اسْتَوْثَقْنَا مِنْك، فَشَدَدْنَاهُ رِبَاطًا، ثُمّ خَلّفْنَا عَلَيْهِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِنَا أَسْوَدَ وَقُلْنَا لَهُ إنْ عَازَك فَاحْتَزّ رَأْسَهُ.
بَلَاءُ ابْنِ مَكِيثٍ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ
قَالَ ثُمّ سِرْنَا حَتّى أَتَيْنَا الْكَدِيدَ عِنْدَ غُرُوبِ الشّمْسِ فَكُنّا فِي نَاحِيَةِ الْوَادِي،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٢١ ]
وَبَعَثَنِي أَصْحَابِي رَبِيئَةً لَهُمْ فَخَرَجْت حَتّى آتِيَ تَلّا مُشْرِفًا عَلَى الْحَاضِرِ فَأَسْنَدْت فِيهِ فَعَلَوْت عَلَى رَأْسِهِ فَنَظَرْت إلَى الْحَاضِرِ فَوَاَللهِ إنّي لَمُنْبَطِحٌ عَلَى التّلّ إذْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مِنْ خِبَائِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ إنّي لَأَرَى عَلَى التّلّ سَوَادًا مَا رَأَيْته فِي أَوّلِ يَوْمِي، فَانْظُرِي إلَى أَوْعِيَتِك هَلْ تَفْقِدِينَ مِنْهَا شَيْئًا، لَا تَكُونُ الْكِلَابُ جَرّتْ بَعْضَهَا، قَالَ فَنَظَرَتْ فَقَالَتْ لَا، وَاَللهِ مَا أَفْقِدُ شَيْئًا، قَالَ فَنَاوِلِينِي قَوْسِي وَسَهْمَيْنِ فَنَاوَلَتْهُ قَالَ فَأَرْسَلَ سَهْمًا، فَوَاَللهِ مَا أَخْطَأَ جَنْبِي، فَأَنْزِعُهُ فَأَضَعُهُ وَثَبَتّ مَكَانِي، قَالَ ثُمّ أَرْسَلَ الْآخَرَ فَوَضَعَهُ فِي مَنْكِبِي، فَأَنْزِعُهُ فَأَضَعُهُ وَثَبَتّ مَكَانِي. فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ لَوْ كَانَ رَبِيئَةً لِقَوْمٍ لَقَدْ تَحَرّكَ لَقَدْ خَالَطَهُ سَهْمَايَ لَا أَبَالَك، إذَا أَصْبَحْت فَابْتَغِيهِمَا، فَخُذِيهِمَا، لَا يَمْضُغُهُمَا عَلَيّ الْكِلَابُ. قَالَ ثُمّ دَخَلَ.
قَالَ وَأَمْهَلْنَاهُمْ حَتّى إذَا اطْمَأَنّوا وَنَامُوا، وَكَانَ فِي وَجْهِ السّحَرِ شَنَنّا عَلَيْهِمْ الْغَارَةَ قَالَ فَقَتَلْنَا، وَاسْتَقْنَا النّعَمَ وَخَرَجَ صَرِيخُ الْقَوْمِ فَجَاءَنَا دَهْمٌ لَا قِبَلَ لَنَا بِهِ وَمَضَيْنَا بِالنّعَمِ وَمَرَرْنَا بِابْنِ الْبَرْصَاءِ وَصَاحِبِهِ فاحتملناهما مَعَنَا، قَالَ وَأَدْرَكَنَا الْقَوْمُ حَتّى قَرُبُوا مِنّا، قَالَ فَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ إلّا وَادِي قُدَيْدٍ، فَأَرْسَلَ اللهُ الْوَادِيَ بِالسّيْلِ مِنْ حَيْثُ شَاءَ ﵎، مِنْ غَيْرِ سَحَابَةٍ نَرَاهَا وَلَا مَطَرٍ فَجَاءَ بِشَيْءٍ لَيْسَ لِأَحَدٍ بِهِ قُوّةٌ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُجَاوِزَهُ فَوَقَفُوا يَنْظُرُونَ إلَيْنَا، وَإِنّا لَنَسُوقُ نَعَمَهُمْ مَا يَسْتَطِيعُ مِنْهُمْ رَجُلٌ أَنْ يُجِيزَ إلَيْنَا، وَنَحْنُ نَحْدُوهَا سِرَاعًا، حَتّى فَتَنّاهُمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى طَلَبِنَا.
قَالَ فَقَدِمْنَا بِهَا عَلَى رَسُول الله ﷺ.
شعار الْمُسلمين فِي هَذِه الْغَزْوَة
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ:
أَنّ شِعَارَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ تِلْكَ اللّيْلَةَ أَمِتْ أَمِتْ. فَقَالَ رَاجِزٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ يَحْدُوهَا:
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٢٢ ]
أَبِي أَبُو الْقَاسِمِ أَنْ تَعَزّبِي فِي خَضِلٍ نَبَاتُهُ مُغْلَوْلِبِ
صُفْرٍ أَعَالِيهِ كَلَوْنِ الْمِدْهَبِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: "كَلَوْنِ الذّهَبِ ".
تَمّ خَبَرُ الْغَزَاةِ وَعُدْت إلَى ذِكْرِ تَفْصِيلِ السّرَايَا وَالْبُعُوثِ.
تَعْرِيفٌ بِعِدّةِ غَزَوَاتٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَغَزْوَةُ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بَنِي عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ مِنْ أَهْلِ فَدَكِ، وَغَزْوَةُ أَبِي الْعَوْجَاءِ السّلَمِيّ أَرْضَ بَنِي سُلَيْمٍ، أُصِيبَ بِهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ جَمِيعًا، وَغَزْوَةُ عُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْغَمْرَةَ، وَغَزْوَةُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ قَطَنًا، مَاءٌ مِنْ مِيَاهِ بَنِي أَسَدٍ، مِنْ نَاحِيَةِ نَجْدٍ، قُتِلَ بِهَا مَسْعُودُ بْنُ عُرْوَةَ، وَغَزْوَةُ مُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ أَخِي بَنِي حَارِثَةَ، الْقُرَطَاءَ مِنْ هَوَازِنَ، وَغَزْوَةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ بَنِي مُرّةَ بِفَدَكِ وَغَزْوَةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ نَاحِيَةَ خَيْبَرَ، وَغَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الْجَمُومَ مِنْ أَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ، وَغَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ جُذَامَ، مِنْ أَرْضِ خُشَيْنٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَنْ نَفْسِهِ وَالشّافِعِيّ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ: مِنْ أَرْضِ حَسْمَى.
غَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إلَى جُذَامَ
سَبَبُهَا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهَا كَمَا حَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ رِجَالٍ مِنْ جُذَامَ كَانُوا عُلَمَاءَ بِهَا، أَنّ رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ الْجُذَامِيّ، لَمّا قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِكِتَابِهِ يَدْعُوهُمْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٢٣ ]
إلَى الْإِسْلَامِ فَاسْتَجَابُوا لَهُ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ قَدِمَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيّ مِنْ عِنْدِ قَيْصَرَ صَاحِبِ الرّومِ، حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَيْهِ وَمَعَهُ تِجَارَةٌ لَهُ حَتّى إذَا كَانُوا بِوَادٍ مِنْ أَوْدِيَتِهِمْ يُقَالُ لَهُ شَنَارُ، أَغَارَ عَلَى دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْهُنَيْدُ بْنُ عُوصٍ وَابْنُهُ عُوصُ بْنُ الْهُنَيْدِ الضّلَعِيّانِ. وَالضّلَيْعُ. بَطْنٌ مِنْ جُذَامَ، فَأَصَابَا كُلّ شَيْءٍ كَانَ مَعَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ قَوْمًا مِنْ الضّبَيْبِ رَهْطِ رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ مِمّنْ كَانَ أَسْلَمَ وَأَجَابَ فَنَفَرُوا إلَى الْهُنَيْدِ وَابْنِهِ فِيهِمْ مِنْ بَنِي الضّبَيْبِ النّعْمَانُ بْنُ أَبِي جِعَالٍ، حَتّى لَقُوهُمْ فَاقْتَتَلُوا، وَانْتَمَى يَوْمَئِذٍ قُرّةُ بْنُ أَشْقَرَ الضّنَاوِيّ ثُمّ الضّلَعِيّ، فَقَالَ أَنَا ابْنُ لُبْنَى، وَرَمَى النّعْمَانَ بْنَ أَبِي جِعَالٍ بِسَهْمٍ فَأَصَابَ رُكْبَتَهُ فَقَالَ حِينَ أَصَابَهُ خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ لُبْنَى، وَكَانَتْ لَهُ أُمّ تُدْعَى لُبْنَى، وَقَدْ كَانَ حَسّانُ بْنُ مَلّةَ الضّبَيْبِيّ قَدْ صَحِبَ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ فَعَلّمَهُ أُمّ الْكِتَابِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ قُرّةُ بْنُ أَشْقَرَ الضّفَارِيّ، وَحَيّانُ بْنُ مَلّةَ.
تَمَكّنُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْكُفّارِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ رِجَالٍ مِنْ جُذَامَ، قَالَ:
فَاسْتَنْقَذُوا مَا كَانَ فِي يَدِ الْهُنَيْدِ وَابْنِهِ فَرَدّوهُ عَلَى دِحْيَةَ فَخَرَجَ دِحْيَةُ حَتّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ وَاسْتَسْقَاهُ دَمَ الْهُنَيْدِ وَابْنِهِ فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَذَلِكَ الّذِي هَاجَ غَزْوَةَ زَيْدٍ جُذَامَ، وَبَعَثَ مَعَهُ جَيْشًا، وَقَدْ وَجّهَتْ غَطَفَانُ مِنْ جُذَامَ وَوَائِلٍ وَمَنْ كَانَ مِنْ سَلَامَانَ وَسَعْدِ بْنِ هُذَيْمٍ حِينَ جَاءَهُمْ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى نَزَلُوا الْحَرّةَ، حَرّةَ الرّجْلَاءِ، وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ بِكُرَاعِ رِبَةَ لَمْ يَعْلَمْ وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ بَنِي الضّبَيْبِ وَسَائِرُ بَنِي الضّبَيْبِ بِوَادِي مَدَانَ، مِنْ نَاحِيَةِ الْحَرّةِ، مِمّا يَسِيلُ مُشَرّقًا، وَأَقْبَلَ جَيْشُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الْأَوْلَاجَ، فَأَغَارَ بِالْمَاقِصِ مِنْ قِبَلِ الْحَرّةِ، فَجَمَعُوا مَا وَجَدُوا مِنْ مَالٍ أَوْ نَاسٍ وَقَتَلُوا الْهُنَيْدَ وَابْنَهُ وَرَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي الْأَحْنَفِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٢٤ ]
قَالَ ابْن هِشَام: من بني الأجنف.
شَأْنُ حَسّانَ وَأُنَيْفٍ ابْنَيْ مَلّةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي حَدِيثِهِ:
وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي الْخَصِيبِ. فَلَمّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ بَنُو الضّبَيْبِ وَالْجَيْشُ بِفَيْفَاءِ مَدَانَ رَكِبَ نَفَرٌ مِنْهُمْ وَكَانَ فِيمَنْ رَكِبَ مَعَهُمْ حَسّانُ بْنُ مَلّةَ، عَلَى فَرَسٍ لِسُوَيْدِ بْنِ زَيْدٍ يُقَالُ لَهَا: الْعَجَاجَةُ وَأُنَيْفُ بْنُ مَلّةَ عَلَى فَرَسٍ لِمَلّةَ يُقَالُ لَهَا: رِغَالُ وَأَبُو زَيْدِ بْنُ عَمْرٍو عَلَى فَرَسٍ يُقَالُ لَهَا: شَمِرٌ، فَانْطَلَقُوا حَتّى إذَا دَنَوْا مِنْ الْجَيْشِ قَالَ أَبُو زَيْدٍ وَحَسّانُ لِأُنَيْفِ بْنِ مَلّةَ كُفّ عَنّا وَانْصَرِفْ فَإِنّا نَخْشَى لِسَانَك، فَوَقَفَ عَنْهُمَا فَلَمْ يَبْعُدَا مِنْهُ حَتّى جَعَلَتْ فَرَسُهُ تَبْحَثُ بِيَدَيْهَا وَتَوَثّبُ فَقَالَ لَأَنَا أَضَنّ بِالرّجُلَيْنِ مِنْك بِالْفَرَسَيْنِ فَأَرْخَى لَهَا، حَتّى أَدْرَكَهُمَا، فَقَالَا لَهُ أَمَا إذَا فَعَلْت مَا فَعَلْت فَكُفّ عَنّا لِسَانَك، وَلَا تَشْأَمْنَا الْيَوْمَ فَتَوَاصَوْا أَنْ لَا يَتَكَلّمَ مِنْهُمْ إلّا حَسّانُ بْنُ مَلّةَ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ كَلِمَةٌ فِي الْجَاهِلِيّةِ قَدْ عَرَفَهَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ إذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ قَالَ بُورِي أَوْ ثُورِي، فَلَمّا بَرَزُوا عَلَى الْجَيْشِ أَقْبَلَ الْقَوْمُ يَبْتَدِرُونَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ حَسّانُ إنّا قَوْمٌ مُسْلِمُونَ وَكَانَ أَوّلَ مَنْ لَقِيَهُمْ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ أَدْهَمَ فَأَقْبَلَ يَسُوقُهُمْ فَقَالَ أُنَيْفٌ بُورِي، فَقَالَ حَسّانُ مَهْلًا، فَلَمّا وَقَفُوا عَلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ حَسّانُ إنّا قَوْمٌ مُسْلِمُونَ فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ فَاقْرَءُوا أُمّ الْكِتَابِ فَقَرَأَهَا حَسّانُ فَقَالَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ: نَادُوا فِي الْجَيْشِ أَنّ اللهَ قَدْ حَرّمَ عَلَيْنَا ثُغْرَةَ الْقَوْمِ الّتِي جَاءُوا مِنْهَا إلّا مَنْ خَتَرَ.
قُدُومُهُمْ عَلَى الرّسُولِ وَشِعْرُ أَبِي جِعَالٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَإِذَا أُخْتُ حَسّانَ بْنِ مَلّةَ، وَهِيَ امْرَأَةُ أَبِي وَبْرِ بْنِ عَدِيّ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ الضّبَيْبِ فِي الْأُسَارَى، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ خُذْهَا، وَأَخَذَتْ بِحَقْوَيْهِ فَقَالَتْ أُمّ الْفِزْزِ الضّلَعِيّةُ أَتَنْطَلِقُونَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٢٥ ]
بِبَنَاتِكُمْ وَتَذَرُونَ أُمّهَاتِكُمْ؟ فَقَالَ أَحَدُ بَنِي الْخَصِيبِ إنّهَا بَنُو الضّبَيْبِ وَسِحْرُ أَلْسِنَتِهِمْ سَائِرَ الْيَوْمِ فَسَمِعَهَا بَعْضُ الْجَيْشِ فَأَخْبَرَ بِهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، فَأَمَرَ بِأُخْتِ حَسّانَ فَفُكّتْ يَدَاهَا مِنْ حَقْوَيْهِ وَقَالَ لَهَا: اجْلِسِي مَعَ بَنَاتِ عَمّك حَتّى يَحْكُمَ اللهُ فِيكُنّ حُكْمَهُ فَرَجَعُوا، وَنَهَى الْجَيْشَ أَنْ يَهْبِطُوا إلَى وَادِيهِمْ الّذِي جَاءُوا مِنْهُ فَأَمْسَوْا فِي أَهْلِيهِمْ وَاسْتَعْتَمُوا، ذَوْدًا لِسُوَيْدِ بْنِ زَيْدٍ فَلَمّا شَرِبُوا عَتَمَتَهُمْ رَكِبُوا إلَى رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ وَكَانَ مِمّنْ رَكِبَ إلَى رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ تِلْكَ اللّيْلَةَ أَبُو زَيْدِ بْنُ عَمْرٍو، وَأَبُو شَمّاسِ بْنُ عَمْرٍو، وَسُوَيْدُ بْنُ زَيْدٍ، وَبَعْجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبَرْذَعُ بْنُ زَيْدٍ وَثَعْلَبَةُ بْنُ زَيْدٍ وَمُخَرّبَةُ بْنُ عَدِيّ وَأُنَيْفُ بْنُ مَلّةَ، وَحَسّانُ بْنُ مَلّةَ، حَتّى صَبّحُوا رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ بِكُرَاعِ رِبَةَ بِظَهْرِ الْحَرّةِ عَلَى بِئْرٍ هُنَالِكَ مِنْ حَرّةِ لَيْلَى، فَقَالَ لَهُ حَسّانُ بْنُ مَلّةَ: إنّك لَجَالِسٌ تَحْلُبُ الْمِعْزَى وَنِسَاءُ جُذَامَ أُسَارَى قَدْ غَرّهَا كِتَابُك الّذِي جِئْت بِهِ فَدَعَا رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ بِجَمَلٍ لَهُ فَجَعَلَ يَشُدّ عَلَيْهِ رَحْلَهُ وَهُوَ يَقُولُ
هَلْ أَنْتَ حَيّ أَوْ تُنَادِي حَيّا
ثُمّ غَدَا وَهُمْ مَعَهُ بِأُمَيّةِ بْنِ ضَفَارَةَ أَخِي الْخَصِيبِيّ الْمَقْتُولِ مُبَكّرِينَ مِنْ ظَهْرِ الْحَرّةِ، فَسَارُوا إلَى جَوْفِ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَلَمّا دَخَلُوا الْمَدِينَةَ، وَانْتَهَوْا إلَى الْمَسْجِدِ نَظَرَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ النّاسِ فَقَالَ لَا تُنِيخُوا إبِلَكُمْ فَتُقْطَعَ أَيْدِيهِنّ، فَنَزَلُوا عَنْهُنّ وَهُنّ قِيَامٌ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَآهُمْ أَلَاحَ إلَيْهِمْ بِيَدِهِ أَنْ تَعَالَوْا مِنْ وَرَاءِ النّاسِ فَلَمّا اسْتَفْتَحَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ الْمَنْطِقَ قَامَ رَجُلٌ مِنْ النّاسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إنّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ سَحَرَةٌ فَرَدّدَهَا مَرّتَيْنِ فَقَالَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ رَحِمَ اللهُ مَنْ لَمْ يَحْذُنَا فِي يَوْمِهِ هَذَا إلّا خَيْرًا. ثُمّ دَفَعَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ كِتَابَهُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الّذِي كَانَ كَتَبَهُ لَهُ. فَقَالَ دُونَك يَا رَسُولَ اللهِ قَدِيمًا كِتَابُهُ حَدِيثًا غَدْرُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " اقْرَأْهُ يَا غُلَامُ وَأَعْلِنْ " ; فَلَمّا قَرَأَ كِتَابَهُ اسْتَخْبَرَهُ فَأَخْبَرُوهُمْ الْخَبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " كَيْفَ أَصْنَعُ بِالْقَتْلَى؟ " (ثَلَاثَ مَرّاتٍ) . فَقَالَ رِفَاعَةُ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَعْلَمُ لَا نُحَرّمُ عَلَيْك حَلَالًا، وَلَا نُحَلّلُ لَك حَرَمًا، فَقَالَ أَبُو زَيْدِ بْنُ عَمْرٍو: أَطْلِقْ لَنَا يَا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٢٦ ]
رَسُولَ اللهِ مَنْ كَانَ حَيّا، وَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ تَحْتَ قَدَمَيّ هَذِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ " صَدَقَ أَبُو زَيْدٍ، ارْكَبْ مَعَهُمْ يَا عَلِيّ " فَقَالَ لَهُ عَلِيّ ﵁ إنّ زَيْدًا لَنْ يُطِيعَنِي يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ " فَخُذْ سَيْفِي هَذَا " فَأَعْطَاهُ سَيْفَهُ فَقَالَ عَلِيّ: لَيْسَ لِي يَا رَسُولَ اللهِ رَاحِلَةٌ أَرْكَبُهَا، فَحَمَلُوهُ عَلَى بَعِيرٍ لِثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرٍو، يُقَالُ لَهُ مِكْحَالٌ فَخَرَجُوا، فَإِذَا رَسُولٌ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ عَلَى نَاقَةٍ مِنْ إبِلِ أَبِي وَبْرٍ يُقَالُ لَهَا: الشّمِرُ فَأَنْزَلُوهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ يَا عَلِيّ، مَا شَأْنِي؟ فَقَالَ مَا لَهُمْ عَرَفُوهُ فَأَخَذُوهُ ثُمّ سَارُوا فَلَقُوا الْجَيْشَ بِفَيْفَاءِ الْفَحْلَتَيْنِ فَأَخَذُوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ حَتّى كَانُوا يَنْزِعُونَ لُبَيْدَ الْمَرْأَةِ مِنْ تَحْتِ الرّحْلِ فَقَالَ أَبُو جِعَالٍ حِينَ فَرَغُوا مِنْ شَأْنِهِمْ
وَعَاذِلَةٍ وَلَمْ تَعْذُلْ بِطِبّ وَلَوْلَا نَحْنُ حُشّ بِهَا السّعِيرُ
تُدَافِعُ فِي الْأُسَارَى بِابْنَتَيْهَا وَلَا يُرْجَى لَهَا عِتْقٌ يَسِيرُ
وَلَوْ وُكِلَتْ إلَى عُوصٍ وَأَوْسٍ لَحَارَ بِهَا عَنْ الْعِتْقِ الْأُمُورُ
وَلَوْ شَهِدَتْ رَكَائِبَنَا بِمِصْرٍ تُحَاذِرُ أَنْ يُعَلّ بِهَا الْمَسِيرُ
وَرَدْنَا مَاءَ يَثْرِبَ عَنْ حِفَاظٍ لِرَبْعٍ إنّهُ قَرَبٌ ضَرِيرُ
بِكُلّ مُجَرّبٍ كَالسّيدِ نَهْدٍ عَلَى أَقْتَادِ نَاجِيَةٍ صَبُورُ
فِدًى لِأَبِي سُلَيْمَى كُلّ جَيْشٍ بِيَثْرِبَ إذْ تَنَاطَحَتْ النّحُورُ
غَدَاةَ تَرَى الْمُجَرّبَ مُسْتَكِينًا خِلَافَ الْقَوْمِ هَامَتُهُ تَدُورُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ وَلَا يُرْجَى لَهَا عِتْقٌ يَسِيرُ. وَقَوْلُهُ عَنْ الْعِتْقِ الْأُمُورُ عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
تَمّتْ الْغَزَاةُ وَعُدْنَا إلَى تَفْصِيلِ ذِكْرِ السّرَايَا وَالْبُعُوثِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَغَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَيْضًا الطّرَفَ مِنْ نَاحِيَةِ نَخْلٍ. مِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٢٧ ]
غَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ بَنِي فَزَارَةَ وَمُصَابُ أُمّ قِرْفَةَ
بَعْضُ مَنْ أُصِيبَ بِهَا
وَغَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَيْضًا وَادِيَ الْقُرَى، لَقِيَ بِهِ بَنِي فَزَارَةَ، فَأُصِيبَ بِهَا نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَارْتُثّ زَيْدٌ مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى، وَفِيهَا أُصِيبَ وَرْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مَدَاشٍ وَكَانَ أَحَدَ بَنِي سَعْدِ بْنِ هُذَيْلٍ، أَصَابَهُ أَحَدُ بَنِي بَدْرٍ.
قَالَ ابْنُ هَشّامٍ: سَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ.
مُعَاوَدَةُ زَيْدٍ لَهُمْ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَلَمّا قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ إلَى أَنْ لَا يَمَسّ رَأْسَهُ غُسْلٌ مِنْ جَنَابَةٍ حَتّى يَغْزُوَ بَنِي فَزَارَةَ فَلَمّا اسْتَبَلّ مِنْ جِرَاحَتِهِ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى بَنِي فَزَارَةَ فِي جَيْشٍ فَقَتَلَهُمْ بِوَادِي الْقُرَى، وَأَصَابَ فِيهِمْ وَقَتَلَ قَيْسُ بْنُ الْمُسَحّرِ الْيَعْمُرِيّ مَسْعَدَةَ بْنَ حَكَمَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَأَسَرَتْ أُمّ قِرْفَةَ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَبِيعَةَ بْنِ بَدْرٍ كَانَتْ عَجُوزًا كَبِيرَةً عِنْدَ مَالِكِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَبِنْتٌ لَهَا، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعَدَةَ، فَأَمَرَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ قَيْسَ بْنَ الْمُسَحّر أَنْ يَقْتُلَ أُمّ قِرْفَةَ فَقَتَلَهَا قَتْلًا عَنِيفًا؟ ثُمّ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِابْنَةِ أُمّ قِرْفَةَ وَبِابْنِ مَسْعَدَةَ.
شَأْنُ أُمّ قِرْفَةَ
وَكَانَتْ بِنْتَ أُمّ قِرْفَةَ لِسَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ كَانَ هُوَ الّذِي أَصَابَهَا، وَكَانَتْ فِي بَيْتِ شَرَفٍ مِنْ قَوْمِهَا؟ كَانَتْ الْعَرَبُ تَقُولُ لَوْ كُنْت أَعَزّ مِنْ أُمّ قِرْفَةَ مَا زِدْت. فَسَأَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ سَلَمَةَ فَوَهَبَهَا لَهُ فَأَهْدَاهَا لِخَالِهِ حَزَنِ بْنِ وَهْبٍ فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ حَزَنٍ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٢٨ ]
شِعْرُ ابْنِ الْمُسَحّرِ فِي قَتْلِ مَسْعَدَةَ
فَقَالَ قَيْسُ بْنُ الْمُسَحّرِ فِي قَتْلِ مَسْعَدَةَ:
سَعَيْت بِوَرْدِ مِثْلَ سَعْيِ ابْنِ أُمّهِ وَإِنّي بِوَرْدِ فِي الْحَيَاةِ لَثَائِرُ
كَرَرْت عَلَيْهِ الْمُهْرَ لَمّا رَأَيْته عَلَى بَطَلٍ مِنْ آلِ بَدْرٍ مَغَاوِرِ
فَرَكِبْت فِيهِ قَعْضَبِيّا كَأَنّهُ شِهَابٌ بِمَعْرَاةٍ يُذَكّى لِنَاظِرِ
غَزْوَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ لِقَتْلِ الْيَسِيرِ بْنِ رِزَامٍ
وَغَزْوَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ خَيْبَرَ مَرّتَيْنِ إحْدَاهُمَا الّتِي أَصَابَ فِيهَا الْيَسِيرَ بْنَ رِزَامٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ ابْنُ رَازِمٍ.
مَقْتَلُ الْيَسِيرِ
وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ الْيَسِيرِ بْنِ رِزَامٍ أَنّهُ كَانَ بِخَيْبَرِ يَجْمَعُ غَطَفَانَ لِغَزْوِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ، حَلِيفُ بَنِي سَلِمَةَ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلَيْهِ كَلّمُوهُ وَقَرّبُوا لَهُ وَقَالُوا لَهُ إنّك إنْ قَدِمْت عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَك وَأَمّرَك، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتّى خَرَجَ مَعَهُمْ فِي نَفَرٍ مِنْ يَهُودَ فَحَمَلَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ عَلَى بَعِيرِهِ حَتّى إذَا كَانَ بِالْقَرْقَرَةِ مِنْ خَيْبَر، عَلَى سِتّةِ أَمْيَالٍ نَدِمَ الْيَسِيرُ بْنُ رِزَامٍ عَلَى مَسِيرِهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَفَطِنَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ، وَهُوَ يُرِيدُ السّيْفَ فَاقْتَحَمَ بِهِ ثُمّ ضَرَبَهُ بِالسّيْفِ فَقَطَعَ رِجْلَهُ وَضَرَبَهُ الْيَسِيرُ بِمِخْرَشِ فِي يَدِهِ مِنْ شَوْحَطٍ فَأَمّهُ وَمَالَ كُلّ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ يَهُودَ فَقَتَلَهُ إلّا رَجُلًا وَاحِدًا أَفْلَتَ عَلَى رِجْلَيْهِ فَلَمّا قَدِمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ تَفَلَ عَلَى شَجّتِهِ فَلَمْ تَقِحْ وَلَمْ تُؤْذِهِ.
غَزْوَةُ ابْنِ عَتِيكٍ خَيْبَرَ
وَغَزْوَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَتِيكٍ خَيْبَرَ، فَأَصَابَ بِهَا أَبَا رَافِعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٢٩ ]
غَزْوَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ لِقَتْلِ خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيّ
مَقْتَلُ ابْنِ نُبَيْحٍ
وَغَزْوَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ خَالِدَ بْنَ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَيْهِ وَهُوَ بِنَخْلَةَ أَوْ بِعُرَنَةَ، يَجْمَعُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ النّاسَ لِيَغْزُوهُ فَقَتَلَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ:
دَعَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ " إنّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنّ ابْنَ سُفْيَانَ بْنَ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيّ يَجْمَعُ لِي النّاسَ لِيَغْزُونِي، وَهُوَ بِنَخْلَةَ أَوْ بِعُرَنَةَ فَأْتِهِ فَاقْتُلْهُ قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ انْعَتْهُ لِي حَتّى أَعْرِفَهُ. قَالَ " إنّك إذَا رَأَيْته أَذْكَرَك الشّيْطَانَ وَآيَةٌ مَا بَيْنَك وَبَيْنَهُ أَنّك إذَا رَأَيْته وَجَدْت لَهُ. قُشَعْرِيرَةً ". قَالَ فَخَرَجْت مُتَوَشّحًا سَيْفِي، حَتّى دَفَعْت إلَيْهِ وَهُوَ فِي ظُعُنٍ يَرْتَادُ لَهُنّ مَنْزِلًا، وَحَيْثُ كَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ فَلَمّا رَأَيْته وَجَدْت مَا قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الْقُشَعْرِيرَةِ فَأَقْبَلْت نَحْوَهُ وَخَشِيت أَنْ تَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مُجَاوَلَةٌ تَشْغَلُنِي عَنْ الصّلَاةِ فَصَلّيْت وَأَنَا أَمْشِي نَحْوَهُ أُومِي بِرَأْسِي، فَلَمّا انْتَهَيْت إلَيْهِ قَالَ مَنْ الرّجُلُ؟ قُلْت: رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ سَمِعَ بِك وَبِجَمْعِك لِهَذَا الرّجُلِ فَجَاءَك لِذَلِكَ. قَالَ أَجَلْ إنّي لَفِي ذَلِك. قَالَ فَمَشَيْت مَعَهُ شَيْئا، حَتَّى إِذا أَمْكَنَنِي حَمَلْت عَلَيْهِ بِالسّيْفِ فَقَتَلْته، ثُمّ خَرَجْت، وَتَرَكْت ظَعَائِنَهُ مُنَكّبَاتٍ عَلَيْهِ؟ فَلَمّا قَدِمْت عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَآنِي، أَفْلَحَ الْوَجْهِ؟ قُلْت: قَدْ قَتَلْته يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ " صَدَقْت "
إهْدَاءُ الرّسُولِ عَصًا لَابْنِ أُنَيْسٍ
ثُمّ قَامَ بِي، فَأَدْخَلَنِي بَيْتَهُ فَأَعْطَانِي عَصًا، فَقَالَ أَمْسِكْ هَذِهِ الْعَصَا عِنْدَك يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ أُنَيْسٍ. قَالَ فَخَرَجْت بِهَا عَلَى النّاسِ فَقَالُوا: مَا هَذَا الْعَصَا؟ قُلْت: أَعْطَانِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَهَا عِنْدِي. قَالُوا: أَفَلَا تَرْجِعُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَسْأَلَهُ لِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ فَرَجَعْت إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ أَعْطَيْتنِي هَذِهِ الْعَصَا؟ قَالَ " آيَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَك يَوْمَ الْقِيَامَةِ. إنّ أَقَلّ النّاسِ الْمُتَخَصّرُونَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٣٠ ]
يَوْمئِذٍ " قَالَ فَقَرَنَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ بِسَيْفِهِ فَلَمْ تَزَلْ مَعَهُ حَتّى مَاتَ ثُمّ أَمَرَ بِهَا فَضُمّتْ فِي كَفَنِهِ ثُمّ دُفِنَا جَمِيعًا.
شِعْرُ ابْنِ أُنَيْسٍ فِي قَتْلِهِ ابْنَ نُبَيْحٍ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ فِي ذَلِكَ:
تَرَكْت ابْنَ ثَوْرٍ كَالْحُوَارِ وَحَوْلَهُ نَوَائِحُ تَفْرِي كُلّ جَيْبٍ مُقَدّدِ
تَنَاوَلْته وَالظّعُنُ خَلْفِي وَخَلْفَهُ بِأَبْيَضَ مِنْ مَاءِ الْحَدِيدِ مُهَنّدِ
عُجُومٍ لِهَامِ الدّارِعِينَ كَأَنّهُ شِهَابُ غَضّى مِنْ مُلْهَبٍ مُتَوَقّدِ
أَقُولُ لَهُ وَالسّيْفُ يَعْجُمُ رَأْسَهُ أَنَا ابْنُ أُنَيْسٍ فَارِسًا غَيْرَ قُعْدُدِ
أَنَا ابْنُ الّذِي لَمْ يُنْزِلْ الدّهْرُ قَدْرَهُ رَحِيبُ فِنَاءِ الدّارِ غَيْرُ مُزَنّدِ
وَقُلْت لَهُ خُذْهَا بِضَرْبَةِ مَاجِدٍ حَنِيفٍ عَلَى دِينِ النّبِيّ مُحَمّدِ
وَكُنْت إذَا هَمّ النّبِيّ بِكَافِرِ سَبَقْت إلَيْهِ بِاللّسَانِ وَبِالْيَدِ
تَمّتْ الْغَزَاةُ وَعُدْنَا إلَى خَبَرِ الْبُعُوثِ.
غَزَوَاتٌ أُخَرُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَغَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ مُؤْتَةَ مِنْ أَرْضِ الشّامِ، فَأُصِيبُوا بِهَا جَمِيعًا، وَغَزْوَةُ كَعْبِ بْنِ عُمَيْرٍ الْغِفَارِيّ ذَاتَ أَطْلَاحٍ، مِنْ أَرْضِ الشّامِ، أُصِيبَ بِهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ جَمِيعًا.
غَزْوَةُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ بَنِي الْعَنْبَرِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ
وَعَدَ الرّسُولُ عَائِشَةَ بِإِعْطَائِهَا سَبْيًا مِنْهُمْ لِتُعْتِقَهُ
وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِمْ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَهُ إلَيْهِمْ فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ فَأَصَابَ مِنْهُمْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٣١ ]
أُنَاسًا، وَسَبَى مِنْهُمْ أُنَاسًا.
فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنّ عَائِشَةَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ يَا رَسُولَ اللهِ إنّ عَلَيّ رَقَبَةً مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ. قَالَ " أَهَذَا سَبْيُ بَنِي الْعَنْبَرِ يَقْدَمُ الْآنَ فَنُعْطِيك مِنْهُمْ إنْسَانًا فَتُعْتِقِينَهُ ".
بَعْضُ مَنْ سُبِيَ وَبَعْضُ مَنْ قُتِلَ وَشِعْرُ سَلْمَى فِي ذَلِكَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَلَمّا قَدِمَ بِسَبْيِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ رَكِبَ فِيهِمْ وَفْدٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، حَتّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْهُمْ رَبِيعَةُ بْنُ رُفَيْعٍ وَسَبْرَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْقَعْقَاعُ بْنُ مَعْبَدٍ وَوَرْدَانُ بْنُ مُحْرِزٍ وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، وَمَالِكُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَفِرَاسُ بْنُ حَابِسٍ فَكَلّمُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيهِمْ فَأَعْتَقَ بَعْضًا، وَأَفْدَى بَعْضًا، وَكَانَ مِمّنْ قُتِلَ يَوْمئِذٍ مِنْ بَنِي الْعَنْبَرِ عَبْدُ اللهِ وَأَخَوَانِ لَهُ بَنُو وَهْبٍ وَشَدّادُ بْنُ فِرَاسٍ وَحَنْظَلَةُ بْنُ دَارِمٍ وَكَانَ مِمّنْ سُبِيَ مِنْ نِسَائِهِمْ يَوْمئِذٍ أَسْمَاءُ بِنْتُ مَالِكٍ وَكَاسٍ بِنْتُ أَرِيّ وَنَجْوَةُ بِنْتُ نَهْدٍ وَجُمَيْعَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، وَعَمْرَةُ بِنْتُ مَطَرٍ، فَقَالَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سَلْمَى بِنْتُ عَتّابٍ
لَعَمْرِي لَقَدْ لَاقَتْ عَدِيّ بْنُ جُنْدُبٍ مِنْ الشّرّ مُهَوّاةً شَدِيدًا كَئُودُهَا
تَكَنّفَهَا الْأَعْدَاءُ مِنْ كُلّ جَانِبٍ وَغُيّبَ عَنْهَا عِزّهَا وَجُدُودُهَا
شِعْرُ الْفَرَزْدَقِ فِي ذَلِكَ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ فِي ذَلِكَ:
وَعِنْدَ رَسُولِ اللهِ قَامَ ابْنُ حَابِسٍ بِخُطّةِ سِوَارٍ إلَى الْمَجْدِ حَازِمِ
لَهُ أَطْلَقَ الْأَسْرَى الّتِي فِي حِبَالِهِ مُغَلّلَةً أَعْنَاقِهَا فِي الشّكَائِمِ
كَفَى أُمّهَاتَ الْخَالِفِينَ عُلِيّهمْ غَلَاءَ الْمُفَادِي أَوْ سِهَامَ الْمَقَاسِمِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٣٢ ]
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَعَدِيّ بْنُ جُنْدُبٍ مِنْ بَنِي الْعَنْبَرِ وَالْعَنْبَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ.
غَزْوَةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَرْضَ بَنِي مُرّةَ
مَقْتَلُ مِرْدَاسٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَغَزْوَةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْكَلْبِيّ - كَلْبِ لَيْثٍ - أَرْضَ بَنِي مُرّةَ، فَأَصَابَ بِهَا مِرْدَاسَ بْنَ نَهِيكٍ، حَلِيفًا لَهُمْ مِنْ الْحُرْقَةِ، مِنْ جُهَيْنَةَ، قَتَلَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْحُرْقَةُ، فِيمَا حَدّثَنِي عُبَيْدَةُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ "أَدْرَكْته أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَلَمّا شَهّرْنَا عَلَيْهِ السّلَاحَ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ قَالَ فَلَمْ نَنْزِعْ عَنْهُ حَتّى قَتَلْنَاهُ فَلَمّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَخْبَرْنَاهُ خَبَرَهُ فَقَالَ يَا أُسَامَةُ مَنْ لَك بِلَا إلَهَ إلّا اللهُ؟ " قَالَ قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ إنّهُ إنّمَا قَالَهَا تَعَوّذًا بِهَا مِنْ الْقَتْلِ قَالَ " فَمَنْ لَك بِهَا يَا أُسَامَةُ؟ " قَالَ فَوَاَلّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقّ مَا زَالَ يُرَدّدُهَا عَلَيّ حَتّى لَوَدِدْت أَنّ مَا مَضَى مِنْ إسْلَامِي لَمْ يَكُنْ وَأَنّي كُنْت أَسْلَمْت يَوْمئِذٍ وَأَنّي لَمْ أَقْتُلْهُ قَالَ قُلْت: أَنْظِرْنِي يَا رَسُولَ اللهِ إنّي أُعَاهِدُ اللهَ أَنْ لَا أَقْتُلَ رَجُلًا يَقُولُ لَا إلَهَ إلّا اللهُ أَبَدًا، قَالَ " تَقُولُ بَعْدِي يَا أُسَامَةُ " قَالَ قُلْت: بَعْدَك
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٣٣ ]
غَزْوَةُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ذَاتَ السّلَاسِلِ
إرْسَالُ عَمْرٍو ثُمّ إمْدَادُهُ
وَغَزْوَةُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ذَاتَ السّلَاسِلِ مِنْ أَرْضِ بَنِي عُذْرَةَ، وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَهُ يَسْتَنْفِرُ الْعَرَبَ إلَى الشّامِ وَذَلِك أَنّ أُمّ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ كَانَتْ امْرَأَةً مِنْ بَلِيّ. فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَيْهِمْ يَسْتَأْلِفُهُمْ لِذَلِكَ حَتّى إذَا كَانَ عَلَى مَاءٍ بِأَرْضِ جُذَامٍ، يُقَالُ لَهُ السّلْسَلُ. وَبِذَلِكَ سُمّيَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ غَزْوَةَ ذَاتِ السّلَاسِلِ، فَلَمّا كَانَ عَلَيْهِ خَافَ فَبَعَثَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْتَمِدّهُ فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرّاحِ فِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوّلِينَ فِيهِمْ أَبُو بَكْر وَعُمَر وَقَالَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ حِينَ وَجّهَهُ لَا تَخْتَلِفَا فَخَرَجَ أَبُو عُبَيْدَةَ حَتّى إذَا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ عَمْرٌو: إنّمَا جِئْت مَدَدًا لِي، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ لَا، وَلَكِنّي عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَنْتَ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ رَجُلًا لَيّنًا سَهْلًا، هَيّنًا عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو بَلْ أَنْتَ مَدَدٌ لِي فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَا عَمْرُو وَإِنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِي: " لَا تَخْتَلِفَا، وَإِنّك إنْ عَصَيْتنِي أَطَعْتُك " قَالَ فَإِنّي الْأَمِيرُ عَلَيْك، وَأَنْتَ مَدَدٌ لِي، قَالَ فَدُونَك. فَصَلّى عَمْرٌو بِالنّاسِ.
_________________
(١) ذِكْرُ غَزْوَةِ ذَاتِ السّلَاسِلِ وَالسّلَاسِلُ مِيَاهٌ وَاحِدُهَا سَلْسَلٌ وَأَنّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ كَانَ الْأَمِيرَ يَوْمئِذٍ وَكَانَ ﵇ أَمَرَهُ أَنّ يَسِيرَ إلَى بَلِيّ، وَأَنّ أُمّ أَبِيهِ الْعَاصِي كَانَتْ مِنْ بَلِيّ: وَاسْمُهَا: سَلْمَى فِيمَا ذَكَرَ الزّبِيرُ وَأَمّا أُمّ عَمْرٍو، فَهِيَ لَيْلَى تُلَقّبُ بِالنّابِغَةِ سُبِيَتْ مِنْ بَنِي جِلّانِ بْنِ عَنْتَرَةَ بْنِ رَبِيعَةَ.
[ ٧ / ٥٣٤ ]
وَصِيّةُ أَبِي بَكْرٍ رَافِعَ بْنَ رَافِعٍ
قَالَ وَكَانَ مِنْ الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ أَنّ رَافِعَ بْنَ أَبِي رَافِعٍ الطّائِيّ، وَهُوَ رَافِعُ بْنُ عُمَيْرَةَ كَانَ يُحَدّثُ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ نَفْسِهِ قَالَ "كُنْت امْرِئِ نَصْرَانِيّا، وَسُمّيت سَرْجِسَ فَكُنْت أَدَلّ النّاسِ وَأَهْدَاهُمْ بِهَذَا الرّمْلِ كُنْت أَدْفِنُ الْمَاءَ فِي بَيْضِ النّعَامِ بِنَوَاحِي. الرّمْلِ فِي الْجَاهِلِيّةِ ثُمّ أُغِيرُ عَلَى إبِلِ النّاسِ فَإِذَا أَدْخَلْتهَا الرّمْلَ غَلَبْت عَلَيْهَا، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَطْلُبَنِي فِيهِ حَتّى أَمَرَ بِذَلِكَ الْمَاءِ الّذِي خَبّأْت فِي بَيْضِ النّعَامِ فَأَسْتَخْرِجُهُ فَأَشْرَبُ مِنْهُ فَلَمّا أَسْلَمْت خَرَجْت فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ الّتِي بَعَثَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إلَى ذَاتِ السّلَاسِلِ، قَالَ فَقُلْت: وَاَللهِ لَأَخْتَارَنّ لِنَفْسِي صَاحِبًا، قَالَ فَصَحِبْت أَبَا بَكْرٍ قَالَ فَكُنْت مَعَهُ فِي رَحْلِهِ قَالَ وَكَانَتْ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ لَهُ فَدَكِيّةٌ فَكَانَ إذَا نَزَلْنَا بَسَطَهَا، وَإِذَا رَكِبْنَا لَبِسَهَا، ثُمّ شَكّهَا عَلَيْهِ بِخِلَالِ لَهُ قَالَ وَذَلِكَ الّذِي لَهُ يَقُولُ أَهْلُ نَجْدٍ حِينَ ارْتَدّوا كُفّارًا: نَحْنُ نُبَايِعُ ذَا الْعَبَاءَةِ قَالَ فَلَمّا دَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ قَافِلِينَ قَالَ قُلْت: يَا أَبَا بَكْرٍ إنّمَا صَحِبَتْك لِيَنْفَعَنِي اللهُ بِك، فَانْصَحْنِي وَعَلّمْنِي، قَالَ لَوْ لَمْ تَسْأَلْنِي ذَلِكَ لَفَعَلْت، قَالَ آمُرُك أَنْ تُوَحّدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تُقِيمَ الصّلَاةَ وَأَنْ تُؤْتِيَ الزّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجّ هَذَا الْبَيْتَ، وَتَغْتَسِلَ مِنْ الْجَنَابَةِ وَلَا تَتَآمَرْ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَبَدًا. قَالَ قُلْت: يَا أَبَا بَكْرٍ أَمّا أَنَا وَاَللهِ فَإِنّي أَرْجُو أَنْ لَا أُشْرِكَ بِاَللهِ أَحَدًا أَبَدًا، وَأَمّا الصّلَاةُ فَلَنْ أَتْرُكَهَا أَبَدًا إنْ شَاءَ اللهُ وَأَمّا الزّكَاةُ فَإِنْ يَكُ لِي مَالٌ أُؤَدّهَا إنْ شَاءَ اللهُ وَأَمّا رَمَضَانُ فَلَنْ أَتْرُكَهُ أَبَدًا إنْ شَاءَ اللهُ وَأَمّا الْحَجّ فَإِنْ أَسْتَطِعْ أَحَجّ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَأَمّا الْجَنَابَةُ فَسَأَغْتَسِلُ مِنْهَا إنْ شَاءَ اللهُ وَأَمّا الْإِمَارَةُ فَإِنّي رَأَيْت النّاسَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَا يَشْرُفُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعِنْدَ النّاسِ إلّا بِهَا، فَلِمَ تَنْهَانِي عَنْهَا؟ قَالَ إنّك إنّمَا اسْتَجْهَدْتَنِي لِأَجْهَدَ لَك،
_________________
(١) وَذَكَرَ فِي هَذِهِ السّرِيّةِ صُحْبَةَ رَافِعِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ لِأَبِي بَكْرٍ وَهُوَ رَافِعُ بْنُ عُمَيْرَةَ وَيُقَالُ فِيهِ ابْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ الّذِي كَلّمَهُ الذّئْبُ وَلَهُ شِعْرٌ مَشْهُورٌ فِي
[ ٧ / ٥٣٥ ]
وَسَأُخْبِرُك عَنْ ذَلِكَ إنّ اللهَ ﷿ بَعَثَ مُحَمّدًا ﷺ بِهَذَا الدّينِ فَجَاهَدَ عَلَيْهِ حَتّى دَخَلَ النّاسُ فِيهِ طَوْعًا وَكَرْهًا، فَلَمّا دَخَلُوا فِيهِ كَانُوا عُوُاذًا لِلّهِ وَجِيرَانِهِ وَفِي ذِمّتِهِ فَإِيّاكَ لَا تُخْفِرْ اللهَ فِي جِيرَانِهِ فَيَتْبَعَك اللهُ فِي خُفْرَتِهِ فَإِنّ أَحَدَكُمْ يُخْفَرُ فِي جَارِهِ فَيَظِلّ نَاتِئًا عَضَلَهُ غَضَبًا لِجَارِهِ أَنْ أُصِيبَتْ لَهُ شَاةٌ أَوْ بَعِيرٌ فَاَللهُ أَشَدّ غَضَبًا لِجَارِهِ قَالَ فَفَارَقْته عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ فَلَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأُمّرَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى النّاسِ قَالَ قَدِمْت عَلَيْهِ فَقُلْت لَهُ يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَمْ تَكُ نَهَيْتنِي عَنْ أَنْ أَتَأَمّرَ عَلَى رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ بَلَى، وَأَنَا الْآنَ أَنَهَاك عَنْ ذَلِكَ قَالَ فَقُلْت لَهُ فَمَا حَمَلَك عَلَى أَنْ تَلِي أَمْرَ النّاسِ؟ قَالَ لَا أَجِدُ مِنْ ذَلِكَ بُدّا، خَشِيت عَلَى أُمّةِ مُحَمّدٍ ﷺ الْفُرْقَةَ
تَقْسِيمُ عَوْفٍ الْأَشْجَعِيّ الْجَزُورَ بَيْنَ قَوْمٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ أَنّهُ حَدّثَ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيّ قَالَ:
كُنْت فِي الْغَزَاةِ الّتِي بَعَثَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إلَى ذَاتِ السّلَاسِلِ، قَالَ فَصَحِبْت أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَمَرَرْت بِقَوْمِ عَلَى جَزُورٍ لَهُمْ قَدْ نَحَرُوهَا،
_________________
(١) تَكْلِيمِ الذّئْبِ لَهُ وَكَانَ الذّئْبُ قَدْ أَغَارَ عَلَى غَنَمِهِ فَاتّبَعَهُ فَقَالَ لَهُ الذّئْبُ. أَلَا أَدُلّك عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَك، قَدْ بُعِثَ نَبِيّ اللهِ وَهُوَ يَدْعُو إلَى اللهِ فَالْحَقْ بِهِ فَفَعَلَ ذَلِكَ رَافِعٌ وَأَسْلَمَ. وَذَكَرَ فِي حَدِيثِهِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ أَنّهُ أَطْعَمَهُ وَعُمَرَ لَحْمَ جَزُورٍ كَانَ قَدْ أَخَذَ مِنْهَا عَشِيرًا عَلَى أَنْ يُجَزّئَهَا لِأَهْلِهَا، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَتَقَيّآ مَا أَكَلَا، وَقَالَا: أَتُطْعِمُنَا مِثْلَ هَذَا، وَذَلِكَ وَاَللهُ أَعْلَمُ أَنّهُمَا كَرِهَا أُجْرَةً مَجْهُولَةً لِأَنّ الْعَشِيرَ وَاحِدُ الْأَعْشَارِ
[ ٧ / ٥٣٦ ]
وَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُعْضُوهَا، قَالَ وَكُنْت امْرِئِ لَبِقًا جَازِرًا، قَالَ فَقُلْت: أَتُعْطُونَنِي مِنْهَا عَشِيرًا عَلَى أَنْ أُقَسّمَهَا بَيْنَكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ فَأَخَذْت الشّفْرَتَيْنِ فَجَزّأْتهَا مَكَانِي، وَأَخَذْت مِنْهَا جُزْءًا، فَحَمَلْته إلَى أَصْحَابِي، فَاطّبَخْنَاهُ فَأَكَلْنَاهُ. فَقَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ أَنّى لَك هَذَا اللّحْمُ يَا عَوْفُ؟ قَالَ فَأَخْبَرْتهمَا خَبَرَهُ فَقَالَا: وَاَللهِ مَا أَحْسَنْت حِينَ أَطْعَمْتنَا هَذَا، ثُمّ قَامَا يَتَقَيّآنِ مَا فِي بُطُونِهِمَا مِنْ ذَلِكَ قَالَ فَلَمّا قَفَلَ النّاسُ مِنْ ذَلِكَ السّفَرِ كُنْت أَوّلَ قَادِمٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ فَجِئْته وَهُوَ يُصَلّي فِي بَيْتِهِ قَالَ فَقُلْت: السّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ قَالَ " أَعَوْفُ بْنُ مَالِكٍ؟ " قَالَ قُلْت: نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي، قَالَ " أَصَاحِبُ الْجَزُورِ؟ " وَلَمْ يَزِدْنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا
_________________
(١) عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ يُقَالُ بُرْمَةٌ أَعْشَارٌ إذَا انْكَسَرَتْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَشِيرُ بِمَعْنَى الْعُشْرِ كَالثّمِينِ بِمَعْنَى الثّمَنِ وَلَكِنّهُ عَامَلَهُمْ عَلَيْهِ قَبْلَ إخْرَاجِ الْجَزُورِ مِنْ جِلْدِهَا، وَقَبْلَ النّظَرِ إلَيْهَا، أَوْ يَكُونَا كَرِهَا جِزَارَةَ الْجَزّارِ عَلَى كُلّ حَالٍ وَاَللهُ أَعْلَمُ. حُرْقَةُ وَذَكَرَ غَزْوَةَ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَقَتْلَهُ مِرْدَاسَ بْنَ نَهِيكٍ مِنْ الْحُرْقَةِ، وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْحُرْقَةُ فِيمَا ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي يَشْكُرَ حُرَقَةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ وَحُرْقَةُ بْنُ مَالِكٍ كِلَاهُمَا مِنْ بَنِي حَبِيبِ بْنِ كَعْبِ بْنِ يَشْكُرَ وَفِي قُضَاعَةَ: حُرْقَةُ بْنُ جَذِيمَةَ بْنِ نَهْدٍ وَفِي تَمِيمٍ حُرَقَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ هَكَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ كُلّهَا بِالْقَافِ وَذَكَرَهَا الدّارَقُطْنِيّ كُلّهَا بِالْفَاءِ.
[ ٧ / ٥٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أَنْسَابٌ: وَذَكَرَ غَزْوَةَ مُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ إلَى الْقُرَطَاءِ وَهُمْ بَنُو قُرْطٍ وَقَرِيطٍ وَقُرَيْطٍ بَنُو أَبِي بَكْرِ بْنِ كِلَابِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ. وَذَكَرَ حَيّانَ بْنَ مِلّةَ وَهُوَ حَسّانُ بْنُ مِلّةَ، وَكَذَلِكَ قَالَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْكِتَابِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ. وَذَكَرَ سَعْدَ بْنَ هُذَيْمٍ وَإِنّمَا هُوَ سَعْدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ لَيْثِ بْنِ سَوْدِ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، وَإِنّمَا نُسِبَ إلَى هُذَيْمٍ لِأَنّ هُذَيْمًا حَضَنَهُ وَهُوَ عَبْدٌ حَبَشِيّ. حَدِيثُ أُمّ قِرْفَةَ الّتِي جَرَى فِيهَا الْمَثَلُ أَمْنَعُ مِنْ أُمّ قِرْفَةَ لِأَنّهَا كَانَتْ يُعَلّقُ فِي بَيْتِهَا خَمْسُونَ سَيْفًا [لِخَمْسِينَ فَارِسًا] كُلّهُمْ لَهَا ذُو مَحْرَمٍ وَاسْمُهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ كُنِيَتْ بِابْنِهَا قِرْفَةَ قَتَلَهُ النّبِيّ ﵇ فِيمَا ذَكَرَ الْوَاقِدِيّ. وَذَكَرَ أَنّ سَائِرَ بَنِيهَا، وَهُمْ تِسْعَةٌ قُتِلُوا مَعَ طُلَيْحَةَ بْنِ بُزَاخَةَ فِي الرّدّةِ وَهُمْ حَكَمَةُ وَخَرَشَةُ وَجَبَلَةُ وَشَرِيكٌ وَوَالَانُ وَرَمْلٌ وَحُصَيْنٌ وَذَكَرَ بَاقِيَهُمْ. وَذَكَرَ أَنّ قِرْفَةَ قُتِلَتْ يَوْمَ بُزَاخَةَ أَيْضًا، وَذَكَرَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَهُوَ الصّحِيحُ كَمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ وَذَكَرَ الدّولَابِيّ أَنّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ حِينَ قَتَلَهَا رَبَطَهَا بِفَرَسَيْنِ ثُمّ رَكَضَا بِهَا حَتّى مَاتَتْ وَذَلِكَ لِسِبّهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَذَكَرَ
[ ٧ / ٥٣٨ ]
غَزْوَةُ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ بَطْنَ إضَمَ وَقَتَلَ عَامِرَ بْنَ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيّ
وغزوة ابْن أبي حَدْرَد وَأَصْحَابه بطن إضم، وَكَانَت قبل الْفَتْح
مقتل ابْن الأضبط وَمَا نزل فِيهِ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ قَالَ:
بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى إضَمَ فِي نَفَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ
_________________
(١) الْمَرْأَةَ الّتِي سَأَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ سَلِمَةَ وَهِيَ بِنْتُ أُمّ قِرْفَةَ وَفِي مُصَنّفِ أَبِي دَاوُدَ. وَخَرّجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ لِسَلَمَةَ " هَبْ لِي الْمَرْأَةَ يَا سَلَمَةُ لِلّهِ أَبُوك " فَقَالَ هِيَ لَك يَا رَسُولَ اللهِ فَفَدَى بِهَا أَسِيرًا كَانَ فِي قُرَيْشٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهَذِهِ الرّوَايَةُ أَصَحّ، وَأَحْسَنُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ، فَإِنّهُ ذَكَرَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهَبَهَا لِخَالِهِ بِمَكّةَ وَهُوَ حَزْنُ بْنُ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَفَاطِمَةُ جَدّةُ النّبِيّ ﷺ أُمّ أَبِيهِ هِيَ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَائِذٍ، فَهَذِهِ الْخَئُولَةُ الّتِي ذَكَرَ وَقُتِلَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ حَزْمٍ بِالْيَمَامَةِ شَهِيدًا، وَحَزْنٌ هَذَا هُوَ جَدّ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ بْنِ حَزْنٍ، وَمَسْعَدَةُ الّذِي ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنّهُ قَتَلَ هُوَ ابْنَ حَكَمَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ وَسَلَمَةُ الّذِي كَانَتْ عِنْدَهُ الْجَارِيَةُ قِيلَ هُوَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ، وَاسْمُ الْأَكْوَعِ سِنَانٌ وَقِيلَ هُوَ سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ قَالَهُ الزّبَيْرُ. غَزْوَةُ أَبِي حَدْرَدٍ وَذَكَرَ غَزْوَةَ أَبِي حَدْرَدٍ وَاسْمُهُ سَلَمَةُ بْنُ عُمَيْرٍ وَقِيلَ عُبَيْدَةُ بْنُ عَامِرٍ. وَذَكَرَ قَتْلَ مُحَلّمِ بْنِ جَثّامَةَ، وَخَبَرَهُ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّ مُحَلّمَ بْنَ جَثّامَةَ مَاتَ بِحِمْصَ فِي إمَارَةِ ابْنِ الزّبَيْرِ، وَأَمّا الّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ ِ ﴿لِمَنْ أَلْقَى
[ ٧ / ٥٣٩ ]
رِبْعِيّ وَمُحَلّمُ بْنُ جَثّامَةَ بْنِ قَيْسٍ، فَخَرَجْنَا حَتّى إذَا كُنّا بِبَطْنِ إضَمَ، مَرّ بِنَا عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيّ، عَلَى تَعَوّدٍ لَهُ وَمَعَهُ مُنَيّعٌ لَهُ وَوَطْبٌ مِنْ لَبَنٍ. قَالَ فَلَمّا مَرّ بِنَا سَلّمَ عَلَيْنَا بِتَحِيّةِ الْإِسْلَامِ فَأَمْسَكْنَا عَنْهُ وَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلّمُ بْنُ جَثّامَةَ، فَقَتَلَهُ لِشَيْءِ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَأَخَذَ بَعِيرَهُ وَأَخَذَ مُتَيّعَهُ. قَالَ فَلَمّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ، نَزَلَ فِينَا: ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا﴾ [النّسَاءُ:٩٤] .. إلَى آخِرِ الْآيَةِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَرَأَ أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ لِهَذَا الْحَدِيثِ.
ابْنُ حَابِسٍ وَابْنُ حِصْنٍ يَخْتَصِمَانِ فِي دَمِ ابْنِ الْأَضْبَطِ إلَى الرّسُولِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَ سَمِعْت زِيَادَ بْنَ ضُمَيْرَةَ بْنِ سَعْدٍ السّلَمِيّ يُحَدّثُ عَنْ عُرْوَةِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ وَكَانَا شَهِدَا حُنَيْنًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ:
صَلّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الظّهْرَ ثُمّ عَمِدَ إلَى ظِلّ شَجَرَةٍ فَجَلَسَ تَحْتَهَا، وَهُوَ بِحُنَيْنٍ، فَقَامَ إلَيْهِ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ، يَخْتَصِمَانِ فِي عَامِرِ بْنِ أَضْبَطَ الْأَشْجَعِيّ عُيَيْنَةُ يَطْلُبُ بِدَمِ عَامِرٍ وَهُوَ يَوْمئِذٍ رَئِيسُ. غَطَفَانَ،
_________________
(١) إِلَيْكُمُ السّلَامَ﴾ [النّسَاءُ:٩٤] وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ شَدِيدٌ فَقَدْ قِيلَ اسْمُهُ فُلَيْتٌ وَقِيلَ وَهُوَ مُحَلّمٌ كَمَا تَقَدّمَ وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي الْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو، وَقِيلَ فِي أُسَامَةَ وَقِيلَ فِي أَبِي الدّرْدَاءِ وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي الْمَقْتُولِ فَقِيلَ مِرْدَاسُ بْنُ نَهِيكٍ، وَقِيلَ عَامِرُ الْأَضْبَطُ وَاَللهُ أَعْلَمُ. كُلّ هَذَا مَذْكُورٌ فِي التّفَاسِيرِ وَالْمُسْنَدَاتِ.
[ ٧ / ٥٤٠ ]
وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ يَدْفَعُ عَنْ مُحَلّمِ بْنِ جَثّامَةَ، لِمَكَانِهِ مِنْ خَنْدَفٍ، فَتَدَاوَلَا الْخُصُومَةَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ نَسْمَعُ فَسَمِعْنَا عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وَهُوَ يَقُولُ وَاَللهِ يَا رَسُولَ اللهِ لَا أَدَعُهُ حَتّى أُذِيقَ نِسَاءَهُ مِنْ الْحُرْقَةِ مِثْلَ مَا أَذَاقَ نِسَائِي، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ "بَلْ تَأْخُذُونَ الدّيَةَ خَمْسِينَ فِي سَفَرِنَا هَذَا، وَخَمْسِينَ إذَا رَجَعْنَا"، وَهُوَ يَأْبَى عَلَيْهِ إذَا قَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ يُقَالُ لَهُ مُكَيْثِرٌ قَصِيرٌ مَجْمُوعٌ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مكبتل - فَقَالَ وَاَللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا وَجَدْت لِهَذَا الْقَتِيلِ شَبَهًا فِي غُرّةِ الْإِسْلَامِ إلّا كَغَنَمِ وُرِدَتْ فَرَمَيْت أُولَاهَا، فَنَفَرْت أُخْرَاهَا، أَسْنُنْ الْيَوْمَ وَغَيّرْ غَذًا. قَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ. فَقَالَ " بَلْ تَأْخُذُونَ الدّيَةَ خَمْسِينَ فِي سَفَرِنَا هَذَا، وَخَمْسِينَ إذَا رَجَعْنَا ". قَالَ فَقَبِلُوا الدّيَةَ. قَالَ ثُمّ قَالُوا: أَيْنَ صَاحِبُكُمْ هَذَا، يَسْتَغْفِرُ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَ فَقَامَ رَجُلٌ آدَمُ ضَرْبٌ طَوِيلٌ عَلَيْهِ حُلّةٌ لَهُ قَدْ كَانَ تَهَيّأَ لِلْقَتْلِ فِيهَا: حَتّى جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ فَقَالَ لَهُ " مَا اسْمُك؟ " قَالَ أَنا محلم بْنُ جَثّامَةَ قَالَ رَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ ثُمّ قَالَ " اللهُمّ لَا تَغْفِرْ لِمُحَلّمِ بْنِ جَثّامَةَ" ثَلَاثًا. قَالَ فَقَامَ وَهُوَ يَتَلَقّى دَمْعَهُ بِفَضْلِ رِدَائِهِ. قَالَ فَأَمّا نَحْنُ فَنَقُولُ فِيمَا بَيْنَنَا: إنّا لَنَرْجُو أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ قَدْ اسْتَغْفَرَ لَهُ وَأَمّا مَا ظَهَرَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَهَذَا.
مَوْتُ مُحَلّمٍ وَمَا حَدَثَ لَهُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ " أَمّنْته بِاَللهِ ثُمّ قَتَلْته " ثُمّ قَالَ لَهُ الْمَقَالَةَ الّتِي قَالَ قَالَ فَوَاَللهِ مَا مَكَثَ مُحَلّمُ بْنُ جَثّامَةَ إلّا سَبْعًا حَتّى مَاتَ فَلَفَظَتْهُ - وَاَلّذِي نَفْسُ الْحَسَنِ بِيَدِهِ - الْأَرْضُ ثُمّ عَادُوا لَهُ فَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ ثُمّ عَادُوا فَلَفَظَتْهُ فَلَمّا غَلَبَ قَوْمُهُ عَمِدُوا إلَى صُدّيْنِ فَسَطَحُوهُ بَيْنَهُمَا ثُمّ رَضَمُوا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ حَتّى وَارَوْهُ قَالَ فَبَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ شَأْنُهُ فَقَالَ " وَاَللهِ إنّ الْأَرْضَ لَتَطّابَقُ عَلَى مَنْ هُوَ شَرّ مِنْهُ وَلَكِنّ اللهَ أَرَادَ أَنْ يَعِظَكُمْ فِي حُرْمِ مَا بَيْنَكُمْ بِمَا أَرَاكُم مِنْهُ "
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٤١ ]
دِيَةُ ابْنِ الْأَضْبَطِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَخْبَرَنَا سَالِمٌ أَبُو النّضْرِ أَنّهُ حَدّثَ:
أَنّ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وَقَيْسًا حِينَ قَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَخَلَا بِهِمْ يَا مَعْشَرَ قَيْسٍ، مَنَعْتُمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَتِيلًا يَسْتَصْلِحُ بِهِ النّاسَ أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَلْعَنَكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيَلْعَنُكُمْ الله بِلَعْنَتِهِ أَوْ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ عَلَيْكُمْ بِغَضَبِهِ؟ وَاَللهِ الّذِي نَفْسُ الْأَقْرَعِ بِيَدِهِ لَتُسَلّمَنّهُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَيَصْنَعَنّ فِيهِ مَا أَرَادَ أَوْ لَآتِيَنّ بِخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يَشْهَدُونَ بِاَللهِ كُلّهُمْ. لِقَتْلِ صَاحِبِكُمْ كَافِرًا، مَا صَلّى قَطّ، فَلَأَطُلّنّ دَمَهُ فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ قَبِلُوا الدّيَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مُحَلّمٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كُلّهِ عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ، وَهُوَ مُحَلّمُ بْنُ جَثّامَةَ بْنِ قَيْسٍ اللّيْثِيّ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: مُحَلّمٌ فِيمَا حُدّثْنَاهُ زِيَادٌ عَنْهُ.
غَزْوَةُ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ لِقَتْلِ رِفَاعَةَ بْنِ قيس الْجُشَمِي
سَببهَا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَغَزْوَةُ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيّ الْغَابَةَ.
وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهَا فِيمَا بَلَغَنِي، عَمّنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ قَالَ تَزَوّجْت امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي، وَأَصْدَقْتهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ قَالَ فَجِئْت رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسْتَعِينُهُ عَلَى نِكَاحِي، فَقَالَ " وَكَمْ أَصْدَقْت؟ " فَقُلْت: مِائَتَيْ دِرْهَمٍ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ " سُبْحَانَهُ لِلّهِ لَوْ كُنْتُمْ تَأْخُذُونَ الدّرَاهِمَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ مَا زِدْتُمْ وَاَللهِ مَا عِنْدِي مَا أُعِينُك بِهِ ". قَالَ فَلَبِثْت أَيّامًا، وَأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُشَمَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، يُقَال لَهُ رِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ، أَوْ قَيْسُ بْنُ رِفَاعَةَ، فِي بَطْنِ جُشَمَ حَتّى نَزَلَ بِقَوْمِهِ وَمَنْ مَعَهُ بِالْغَابَةِ يُرِيدُ أَنْ يَجْمَعَ قَيْسًا
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٤٢ ]
عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَانَ ذَا اسْمٌ فِي جُشَمَ وَشَرَفٌ. قَالَ فَدَعَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَجُلَيْنِ مَعِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ اُخْرُجُوا إلَى هَذَا الرّجُلِ حَتّى تَأْتُوا مَعَهُ بِخَبَرِ وَعِلْمٍ. قَالَ وَقَدّمَ لَنَا شَارِفًا عَجْفَاءَ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَحَدُنَا، فَوَاَللهِ مَا قَامَتْ بِهِ ضَعْفًا حَتّى دَعَمَهَا الرّجَالُ مِنْ خَلْفِهَا بِأَيْدِيهِمْ حَتّى اسْتَقَلّتْ وَمَا كَادَتْ ثُمّ قَالَ تَبْلُغُوا عَلَيْهَا وَاعْتَقَبُوهَا.
انْتِصَارُ الْمُسْلِمِينَ وَنَصِيبُ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ مِنْ فَيْءٍ اسْتَعَانَ بِهِ عَلَى الزّوَاجِ.
قَالَ فَخَرَجْنَا وَمَعَنَا سِلَاحُنَا مِنْ النّبْلِ وَالسّيُوفِ حَتّى إذَا جِئْنَا قَرِيبًا مِنْ الْحَاضِرِ عُشَيْشِيةً مَعَ غُرُوبِ الشّمْسِ. قَالَ كَمَنْت فِي نَاحِيَةٍ وَأَمَرْت صَاحِبِي، فَكَمِنَا فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى مِنْ حَاضِرِ الْقَوْمِ وَقُلْت لَهُمَا: إِذا سَمِعْتُمَانِي قَدْ كَبّرْت وَشَدَدْت فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ فَكَبّرَا وَشَدّا مَعِي. قَالَ فَوَاَللهِ إنّا لَكَذَلِكَ نَنْتَظِرُ غُرّةَ الْقَوْمِ أَوْ أَنْ نُصِيبَ مِنْهُمْ شَيْئًا. قَالَ وَقَدْ غَشِيَنَا اللّيْلُ حَتّى ذَهَبَتْ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ وَقَدْ كَانَ لَهُمْ رَاعٍ قَدْ سَرّحَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ فَأَبْطَأَ عَلَيْهِمْ حَتّى تُخَوّفُوا عَلَيْهِ قَالَ فَقَامَ صَاحِبُهُمْ ذَلِكَ رِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ، فَأَخَذَ سَيْفَهُ فَجَعَلَهُ فِي عُنُقِهِ ثُمّ قَالَ وَاَللهِ لَأَتّبِعَنّ أَثَرَ رَاعِينَا هَذَا، وَلَقَدْ أَصَابَهُ شَرّ، فَقَالَ لَهُ نَفَرٌ مِمّنْ مَعَهُ وَاَللهِ لَا تَذْهَبُ نَحْنُ نَكْفِيك ; قَالَ وَاَللهِ لَا يَذْهَبُ إلّا أَنَا ; قَالُوا: فَنَحْنُ مَعَك ; قَالَ وَاَللهِ لَا يَتْبَعُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ قَالَ وَخَرَجَ حَتّى يَمُرّ بِي. قَالَ فَلَمّا أَمْكَنَنِي نَفَحْته بِسَهْمِي، فَوَضَعَتْهُ فِي فُؤَادِهِ. قَالَ فَوَاَللهِ مَا تَكَلّمَ وَوَثَبْت إلَيْهِ فَاحْتَزَزْتُ رَأْسَهُ. قَالَ وَشَدَدْت فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ وَكَبّرْت، وَشَدّ صَاحِبَايَ وَكَبّرَا. قَالَ فَوَاَللهِ مَا كَانَ إلّا النّجَاءَ مِمّنْ فِيهِ عِنْدَك، عِنْدَك، بِكُلّ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَمَا خُصّ مَعَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. قَالَ وَاسْتَقْنَا إبِلًا عَظِيمَةً وَغَمًا كَثِيرَةً فَجِئْنَا بِهَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ وَجِئْت بِرَأْسِهِ أَحْمِلُهُ مَعِي. قَالَ فَأَعَانَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا فِي صَدَاقِي، فَجَمَعْت إلَيّ أَهْلِي.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٤٣ ]
غَزْوَةُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ إلَى دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ
شَيْءٌ مِنْ وَعْظِ الرّسُولِ لِقَوْمِهِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ سَمِعْت رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَسْأَلُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، عَنْ إرْسَالِ الْعِمَامَةِ مِنْ خَلْفِ الرّجُلِ إذَا اُعْتُمّ قَالَ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ سَأُخْبِرُك إنْ شَاءَ اللهُ عَنْ ذَلِكَ بِعِلْمِ كُنْت عَاشِرَ عَشَرَةِ رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مَسْجِدِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيّ، وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إذْ أَقْبَلَ فَتًى مِنْ الْأَنْصَارِ، فَسَلّمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمّ جَلَسَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْك، أَيّ الْمُؤْمِنِينَ أَفَضْلُ؟ فَقَالَ " أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا " قَالَ فَأَيّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ "أَكْثَرُهُمْ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ وَأَحْسَنُهُمْ اسْتِعْدَادًا لَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ أُولَئِكَ الْأَكْيَاسُ " ثُمّ سَكَتَ الْفَتَى، وَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ " يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسُ خِصَالٍ إذَا نَزَلْنَ بِكَمْ وَأَعُوذُ بِاَللهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنّ إنّهُ لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطّ حَتّى يُعْلِنُوا بِهَا إلّا ظَهَرَ فِيهِمْ الطّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الّتِي لَمْ تَكُنْ فِي أَسْلَافِهِمْ الّذِينَ مَضَوْا ; وَلَمْ يَنْقُضُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إلّا أُخِذُوا بِالسّنِينَ وَشِدّةِ الْمُؤْنَةِ وَجَوْرِ السّلْطَانِ وَلَمْ يَمْنَعُوا الزّكَاةَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إلّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السّمَاءِ فَلَوْلَا الْبَهَائِمُ مَا مُطِرُوا ; وَمَا نَقَضُوا عَهْدَ اللهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إلّا سُلّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوّ مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذَ بَعْضَ مَا كَانَ فِي أَيْدِيهمْ وَمَا لَمْ يَحْكُمْ أَئِمّتُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ وَتَجَبّرُوا فِيمَا أَنَزَلَ اللهُ إلّا جَعَلَ اللهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ".
تَأْمِيرُ ابْنِ عَوْفٍ وَاعْتِمَامُهُ
ثُمّ أَمَرَ عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَنْ يَتَجَهّزَ لِسَرِيّةِ بَعَثَهُ عَلَيْهَا، فَأَصْبَحَ وَقَدْ اعْتَمّ بِعِمَامَةِ مِنْ كَرَابِيسَ سَوْدَاءَ فَأَدْنَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهُ ثُمّ نَقَضَهَا، ثُمّ عَمّمَهُ بِهَا،
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٤٤ ]
وَأَرْسَلَ مَنْ خَلْفَهُ أَرْبَعَ أَصَابِعَ أَوْ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ ثُمّ قَالَ هَكَذَا يَا ابْنَ عَوْفٍ فَاعْتَمّ، فَإِنّهُ أَحْسَنُ وَأَعْرَفُ ثُمّ أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ اللّوَاءَ. فَدَفَعَهُ إلَيْهِ فَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى، وَصَلّى عَلَى نَفْسِهِ ثُمّ قَالَ خُذْهُ يَا ابْنَ عَوْفٍ اُغْزُوَا جَمِيعًا فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَاتَلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللهِ لَا تَغْلُوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، فَهَذَا عَهْدُ اللهِ وَسِيرَةُ نَبِيّهِ فِيكُمْ. فَأَخَذَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ اللّوَاءَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَخَرَجَ إلَى دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ.
غَزْوَةُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرّاحِ إلَى سَيْفِ الْبَحْرِ
نَفَادُ الطّعَامِ وَخَبَرُ دَابّةِ الْبَحْرِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الصّامِتِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ عُبَادَةَ الصّامِتِ، قَالَ:
بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيّةً إلَى سَيْفِ الْبَحْرِ، عَلَيْهِمْ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرّاحِ، وَزَوّدَهُمْ جِرَابًا مِنْ تمر، فَجعل يقوتهم إيّاهُ، حَتّى صَارَ إلَى أَنْ يَعُدّهُ عَلَيْهِمْ عَدَدًا قَالَ: ثُمّ نَفِدَ التّمْرُ، حَتّى كَانَ يُعْطَى كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ تَمْرَةً. قَالَ فَقَسَمَهَا يَوْمًا بَيْنَنَا. قَالَ فَنَقَضَتْ تَمْرَةٌ عَنْ رَجُلٍ فَوَجَدْنَا فَقْدَهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ. قَالَ فَلَمّا جَهَدَنَا الْجَوْعُ أَخْرَجَ اللهُ لَنَا مِنْ الْبَحْرِ، فَأَصَبْنَا مِنْ لَحْمِهَا وَوَدَكِهَا، وَأَقَمْنَا عَلَيْهَا عِشْرِينَ لَيْلَةً، حَتّى سَمِنّا وَابْتَلَلْنَا، وَأَخَذَ أَمِيرُنَا ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهَا، فَوَضَعَهَا عَلَى طَرِيقِهِ، ثُمّ أَمَرَ بِأَجْسَمَ بَعِيرٍ مَعنا، فَحمل عَلَيْهَا أَجْسَمَ رَجُلٍ مِنّا قَالَ: فَجَلَسَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَخَرَجَ، مِنْ تَحْتِهَا وَمَا مَسّتْ رَأْسَهُ. قَالَ: فَلَمَّا قدمن عَلَى رَسُول الله ﷺ أخبرنَا خَبَرَهَا، وَسَأَلْنَاهُ عَمّا صَنَعْنَا فِي ذَلِكَ مِنْ أَكْلِنَا إيّاهُ، فَقَالَ: رِزْقٌ رَزَقَكُمُوهُ اللهُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٤٥ ]
بَعْثُ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ لِقِتَالِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَمَا صَنَعَ فِي طَرِيقِهِ
قُدُومُهُ مَكّةَ وَتَعْرِفُ الْقَوْمِ عَلَيْهِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَمِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إسْحَاقَ مِنْ بُعُوثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسَرَايَاهُ بَعْثَ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ، بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا حَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بَعْدَ مَقْتَلِ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيّ وَأَصْحَابِهِ إلَى مَكّةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْتُلَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَبَعَثَ مَعَهُ جَبّارَ بْنَ صَخْرٍ الْأَنْصَارِيّ فَخَرَجَا حَتّى قَدِمَا مَكّةَ وَحَبَسَا جَمَلَيْهِمَا بِشِعْبِ مِنْ شِعَابِ يَأْجَجَ، ثُمّ دَخَلَا مَكّةَ لَيْلًا، فَقَالَ جَبّارٌ لِعَمْرِو: لَوْ أَنّا طُفْنَا بِالْبَيْتِ وَصَلّيْنَا رَكْعَتَيْنِ؟ فَقَالَ عَمْرٌو: إنّ الْقَوْمَ إذَا تَعَشّوْا جَلَسُوا بِأَفْنِيَتِهِمْ فَقَالَ كَلّا، إنْ شَاءَ اللهُ فَقَالَ عَمْرٌو: فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَصَلّيْنَا، ثُمّ خَرَجْنَا نُرِيدُ أَبَا سُفْيَانَ فَوَاَللهِ إنّا لَنَمْشِي بِمَكّة إذْ نَظَرَ إلَيّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكّةَ فَعَرَفَنِي، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ وَاَللهِ إنْ قَدِمَهَا إلّا لِشَرّ فَقُلْت لِصَاحِبِي: النّجَاءَ فَخَرَجْنَا نَشْتَدّ، حَتّى أَصْعَدْنَا فِي جَبَلٍ وَخَرَجُوا فِي طَلَبِنَا، حَتّى إذَا عَلَوْنَا الْجَبَلَ يَئِسُوا مِنّا، فَرَجَعْنَا، فَدَخَلْنَا كَهْفًا فِي الْجَبَلِ فَبِتْنَا فِيهِ وَقَدْ أَخَذْنَا حِجَارَةً فَرَضَمْنَاهَا دُونَنَا، فَلَمّا أَصْبَحْنَا غَدَا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَقُودُ فَرَسًا لَهُ وَيُخْلِي عَلَيْهَا، فَغَشِيَنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ فَقُلْت: إنْ رَآنَا صَاحَ بِنَا، فأخذنا فَقَتَلْنَا.
قَتله أَبَا سُفْيَان وهربه
قَالَ وَمَعِي خَنْجَرٌ قَدْ أَعْدَدْته لِأَبِي سُفْيَانَ فَأَخْرُجُ إلَيْهِ فَأَضْرِبُهُ عَلَى ثَدْيِهِ ضَرْبَةً وَصَاحَ صَيْحَةً أَسْمَعَ أَهْلَ مَكّةَ، وَأَرْجَعَ فَأَدْخُلُ مَكَانِي، وَجَاءَهُ النّاسُ يَشْتَدّونَ وَهُوَ بِآخِرِ رَمَقٍ فَقَالُوا: مَنْ ضَرَبَك؟ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ وَغَلَبَهُ الْمَوْتُ فَمَاتَ مَكَانَهُ وَلَمْ يُدَلّلْ عَلَى مَكَانِنَا، فَاحْتَمَلُوهُ. فَقُلْت لِصَاحِبِي، لَمّا أَمْسَيْنَا: النّجَاءَ فَخَرَجْنَا لَيْلًا مِنْ مَكّةَ نُرِيدُ الْمَدِينَةَ، فَمَرَرْنَا بِالْحَرَسِ وَهُمْ يَحْرُسُونَ جِيفَةَ خُبَيْبِ بْنِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٤٦ ]
عَدِيّ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ وَاَللهِ مَا رَأَيْت كَاللّيْلَةِ أَشَبَهَ بِمِشْيَةِ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ لَوْلَا أَنّهُ بِالْمَدِينَةِ لَقُلْت هُوَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ قَالَ فَلَمّا حَاذَى الْخَشَبَةَ شَدّ عَلَيْهَا، فَأَخَذَهَا فَاحْتَمَلَهَا، وَخَرَجَا شَدّا، وَخَرَجُوا وَرَاءَهُ حَتّى أَتَى جُرُفًا بِمَهْبِطِ مَسِيلِ يَأْجَجَ، فَرَمَى بِالْخَشَبَةِ فِي الْجُرْفِ، فَغَيّبَهُ اللهُ عَنْهُمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ قَالَ وَقُلْت لِصَاحِبِي: النّجَاءَ النّجَاءَ حَتّى تَأْتِيَ بَعِيرَك فَتَقْعُدَ عَلَيْهِ فَإِنّي سَأَشْغَلُ عَنْك الْقَوْمَ وَكَانَ الْأَنْصَارِيّ لَا رَجِلَةَ لَهُ"
قَتْلُهُ بَكْرِيّا فِي غَارٍ
قَالَ وَمَضَيْت حَتّى أَخْرُجَ عَلَى ضَجْنَانَ ثُمّ أَوَيْت إلَى جَبَلٍ فَأَدْخُلُ كَهْفًا، فَبَيْنَا أَنَا فِيهِ إذْ دَخَلَ عَلَيّ شَيْخٌ مِنْ بَنِي الدّيلِ أَعْوَرُ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ فَقَالَ مَنْ الرّجُلُ؟ فَقُلْت: مِنْ بَنِي بَكْرٍ فَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ مِنْ بَنِي بَكْرٍ فَقُلْت: مَرْحَبًا، فَاضْطَجَعَ ثُمّ رَفَعَ عَقِيرَتَهُ فَقَالَ:
وَلَسْت بِمُسْلِمِ مَا دُمْت حَيّا وَلَا دَانٍ لِدِينِ الْمُسْلِمِينَا
فَقُلْت فِي نَفْسِي: سَتَعْلَمُ فَأَمْهَلْته، حَتّى إذَا نَامَ أَخَذْت قَوْسِي، فَجَعَلْت سِيَتَهَا فِي عَيْنِهِ الصّحِيحَةِ ثُمّ تَحَامَلْت عَلَيْهِ حَتّى بَلَغَتْ الْعَظْمَ ثُمّ خَرَجْت النّجَاءَ حَتّى جِئْت الْعَرْجَ، ثُمّ سَلَكْت رَكُوبَةً، حَتّى إذَا هَبَطْت النّقِيعَ إذَا رَجُلَانِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ كَانَتْ قُرَيْشٌ بَعَثَتْهُمَا عَيْنًا إلَى الْمَدِينَةِ يَنْظُرَانِ وَيَتَحَسّسَانِ فَقُلْت: اسْتَأْسِرَا، فَأَبَيَا، فَأَرْمِي أَحَدَهُمَا بِسَهْمِ فَأَقْتُلُهُ وَاسْتَأْسَرَ الْآخَرُ فَأُوثِقُهُ رِبَاطًا، وَقَدِمْت بِهِ الْمَدِينَةَ.
سَرِيّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إلَى مَدْيَنَ
بَعْثُهُ هُوَ وَضُمَيْرَةُ وَقِصّةُ السّبْيِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَسَرِيّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إلَى مَدْيَن. ذَكَرَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حَسَنِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٤٧ ]
أُمّهِ فَاطِمَةَ ابْنَةِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيّ عَلَيْهِمْ رِضْوَانُ اللهِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ نَحْوَ مَدْيَنَ، وَمَعَهُ ضُمَيْرَةُ مَوْلَى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ وَأَخٌ لَهُ. قَالَتْ فَأَصَابَ سَبْيًا مِنْ أَهْل مِينَاءَ، وَهِيَ السّوَاحِلُ وَفِيهَا جُمّاعٌ مِنْ النّاسِ فَبِيعُوا، فَفُرّقَ بَيْنهمْ فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُمْ يَبْكُونَ فَقَالَ " مَا لَهُمْ؟ " فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ فُرّقَ بَيْنهمْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " لَا تَبِيعُوهُمْ إلّا جَمِيعًا " قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَرَادَ الْأُمّهَاتَ وَالْأَوْلَادَ.
سَرِيّةُ سَالِمِ بْنِ عُمَيْرٍ لِقَتْلِ أَبِي عَفَكٍ
سَبَبُ نِفَاقِ أَبِي عَفَكٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَغَزْوَةُ سَالِمِ بْنِ عُمَيْرٍ لِقَتْلِ أَبِي عَفَكٍ أَحَدِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ثُمّ مِنْ بَنِي عُبَيْدَةَ وَكَانَ قَدْ نَجَمَ نِفَاقُهُ حِينَ قَتَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ صَامِتٍ، فَقَالَ:
لَقَدْ عِشْت دَهْرًا وَمَا إنْ أَرَى مِنْ النّاسِ دَارًا وَلَا مَجْمَعًا
أَبَرّ عُهُودًا وَأَوْفَى لِمَنْ يُعَاقِدُ فِيهِمْ إذَا مَا دَعَا
مِنْ أَوْلَادِ قَيْلَةَ فِي جَمْعِهِمْ يَهُدّ الْجِبَالَ وَلَمْ يَخْضَعَا
فَصَدّعَهُمْ رَاكِبٌ جَاءَهُمْ حَلَالٌ حَرَامٌ لِشَتّى مَعًا
فَلَوْ أَنّ بِالْعِزّ صَدّقْتُمْ أَوْ الْمُلْكِ تَابَعْتُمْ تُبّعَا
قَتْلُ ابْنِ عُمَيْرٍ لَهُ وَشِعْرُ الْمُزَيْرِيّة
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " مَنْ لِي بِهَذَا الْخَبِيثِ؟ " فَخَرَجَ سَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَهُوَ أَحَدُ الْبَكّائِينَ فَقَتَلَهُ فَقَالَتْ أُمَامَةُ الْمُزَيْرِيّة فِي ذَلِكَ:
تُكَذّبُ دِينَ اللهِ وَالْمَرْءَ أَحْمَدَا لَعَمْرُ الّذِي أَمْنَاكَ أَنّ بِئْسَ مَا يُمْنِي
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٤٨ ]
حَبَاك حَنِيفٌ آخِرَ اللّيْلِ طَعْنَةً أَبَا عَفَكٍ خُذْهَا عَلَى كِبَرِ السّنّ
غَزْوَةُ عُمَيْرِ بْنِ عَدِيّ الْخَطْمِيّ لِقَتْلِ عَصْمَاءَ بِنْتِ مَرْوَانَ
نِفَاقُهَا وَشِعْرُهَا فِي ذَلِكَ:
وَغَزْوَةُ عُمَيْرِ بْنِ عَدِيّ الْخَطْمِيّ عَصْمَاءَ بِنْتِ مَرْوَانَ، وَهِيَ مِنْ بَنِي أُمَيّة بْنِ زَيْدٍ فَلَمّا قُتِلَ أَبُو عَفَكٍ نَافَقَتْ فَذَكَرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ وَكَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي خَطْمَةَ وَيُقَالُ لَهُ يَزِيدُ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَتْ تَعِيبُ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ:
بِاسْتِ بَنِي مَالِكٍ وَالنّبِيتِ وَعَوْفٍ وَبِاسْتِ بَنِي الْخَزْرَجِ
أَطَعْتُمْ أَتَاوِيّ مِنْ غَيْرِكُمْ فَلَا مِنْ مُرَادٍ وَلَا مَذْحِجِ
تَرْجُونَهُ بَعْدَ قَتْلِ الرّءُوس كَمَا يُرْتَجَى مَرِقَ الْمُنْضِجِ
أَلَا أَنِفٌ يَبْتَغِي غِرّةً فَيَقْطَعَ مِنْ أَمَلِ الْمُرْتَجِي
شِعْرُ حَسّانَ فِي الرّدّ عَلَيْهَا
قَالَ فَأَجَابَهَا حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ:
بَنُو وَائِلٍ وَبَنُو وَاقِفٍ وَخَطْمَةَ دُونَ بَنِي الْخَزْرَجِ
مَتَى مَا دَعَتْ سَفَهًا وَيْحَهَا بِعَوْلَتِهَا وَالْمَنَايَا تَجِي
فَهَزّتْ فَتًى مَاجِدًا عِرْقُهُ كَرِيمَ الْمُدَاخِلِ وَالْمَخْرَجِ
فَضَرّجَهَا من نجع الدِّمَاء بَعْدَ الْهُدُوّ فَلَمْ يَحْرَجْ
خُرُوجُ الْخَطْمِيّ لِقَتْلِهَا
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِين بَلَغَهُ ذَلِكَ " أَلَا آخِذٌ لِي مِنْ ابْنَةِ مَرْوَانَ؟ " فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عُمَيْرُ بْنُ عَدِيّ الْخَطْمِيّ، وَهُوَ عِنْدَهُ؟ فَلَمّا أَمْسَى مِنْ تِلْكَ اللّيْلَةَ سَرَى عَلَيْهَا فِي بَيْتِهَا فَقَتَلَهَا، ثُمّ أَصْبَحَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إنّي قَدْ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٤٩ ]
قَتَلْتهَا. فَقَالَ نَصَرْت اللهَ وَرَسُولَهُ يَا عُمَيْرُ، فَقَالَ هَلْ عَلَيّ شَيْءٌ مِنْ شَأْنِهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ "
شَأْنُ بَنِي خَطْمَةَ:
فَرَجَعَ عُمَيْرٌ إلَى قَوْمِهِ وَبَنُو خَطْمَةَ يَوْمئِذٍ كَثِيرٌ مَوْجُهُمْ فِي شَأْنِ بِنْتِ مَرْوَانَ وَلَهَا يَوْمئِذٍ بَنُونَ خَمْسَةُ رِجَالٍ فَلَمّا جَاءَهُمْ عُمَيْرُ بْنُ عَدِيّ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ يَا بَنِي خَطْمَةَ أَنَا قَتَلْت ابْنَةَ مَرْوَانَ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمّ لَا تُنْظِرُونَ. فَذَلِكَ الْيَوْمُ أَوّلُ مَا عَزّ الْإِسْلَامُ فِي دَارِ بَنِي خَطْمَةَ وَكَانَ يَسْتَخْفِي بِإِسْلَامِهِمْ فِيهِمْ مَنْ أَسْلَمَ، وَكَانَ أَوّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ بَنِي خَطْمَةَ عُمَيْرُ بْنُ عَدِيّ وَهُوَ الّذِي يُدْعَى الْقَارِئَ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَوْسِ، بْنِ ثَابِتٍ، وَأَسْلَمَ، يَوْمَ قُتِلَتْ ابْنَةُ مَرْوَانَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي خَطْمَةَ لِمَا رَأَوْا وَخُزَيْمَةُ مِنْ عِزّ الْإِسْلَامِ.
أَسْرُ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ الْحَنَفِيّ وَإِسْلَامُهُ وَالسّرِيّةُ الّتِي أَسَرَتْ ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ الْحَنَفِيّ
إسْلَامُهُ
بَلَغَنِي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّهُ قَالَ خَرَجَتْ خَيْلٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخَذَتْ رَجُلًا مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ لَا يَشْعُرُونَ مَنْ هُوَ حَتّى أَتَوْا بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ أَتَدْرُونَ مَنْ أَخَذْتُمْ، هَذَا ثُمَامَةُ بْنُ
_________________
(١) ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ الْحَنَفِيّ وَإِسْلَامَهُ وَقَدْ خَرّجَ أَهْلُ الْحَدِيثِ حَدِيثَ إسْلَامِهِ وَفِيهِ قَالَ النّبِيّ ﷺ " إنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ وَإِنْ تُرِدْ الْمَالَ تُعْطَهُ " فَقَالَ ﵇ " اللهُمّ أَكْلَةٌ مِنْ جَزُورٍ أَحَبّ إلَيّ مِنْ دَمِ ثُمَامَةَ " فَأَطْلَقَهُ فَتَطَهّرَ وَأَسْلَمَ، وَحَسُنَ إسْلَامُهُ وَنَفَعَ اللهُ بِهِ الْإِسْلَامَ
[ ٧ / ٥٥٠ ]
أُثَالٍ الْحَنَفِيّ، أُحْسِنُوا إسَارَهُ. وَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى أَهْلِهِ فَقَالَ " اجْمَعُوا مَا كَانَ عِنْدكُمْ مِنْ طَعَامٍ فَابْعَثُوا بِهِ إلَيْهِ وَأَمَرَ بِلِقْحَتِهِ أَنْ يَغْدَى عَلَيْهِ بِهَا وَيُرَاحُ " فَجَعَلَ لَا يَقَعُ مِنْ ثُمَامَةَ مَوْقِعًا وَيَأْتِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيَقُولُ " أَسْلِمْ يَا ثُمَامَةُ " فَيَقُولُ إيهًا يَا مُحَمّدُ إنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ وَإِنْ تُرِدْ الْفِدَاءَ فَسَلْ مَا شِئْت، فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَمْكُثَ ثُمّ قَالَ النّبِيّ يَوْمًا: " أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ " فَلَمّا أَطْلَقُوهُ خَرَجَ حَتّى أَتَى الْبَقِيعَ، فَتَطَهّرَ فَأَحْسَنَ طَهُورَهُ ثُمّ أَقْبَلَ فَبَايَعَ النّبِيّ ﷺ عَلَى الْإِسْلَامِ فَلَمّا أَمْسَى جَاءُوهُ بِمَا جَاءُوهُ بِمَا كَانُوا يَأْتُونَهُ مِنْ الطّعَامِ فَلَمْ يَنَلْ مَعَهُ إلّا قَلِيلًا، وَبِاللّقْحَةِ فَلَمْ يُصِبْ مِنْ حِلَابِهَا إلّا يَسِيرًا، فَعَجِبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ بَلَغَهُ ذَلِكَ " مِمّ تَعْجَبُونَ؟ أَمِنْ رَجُلٍ أَكَلَ أَوّلَ النّهَارِ. فِي مِعَى كَافِرٍ وَأَكَلَ آخِرَ النّهَارِ فِي مِعَى مُسْلِمٍ إنّ الْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ وَإِنّ الْمُسْلِمَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ "
خُرُوجُهُ إلَى مَكّةَ وَقِصّتُهُ مَعَ قُرَيْشٍ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
فَبَلَغَنِي أَنّهُ خَرَجَ مُعْتَمِرًا، حَتّى إذَا كَانَ بِبَطْنِ مَكّةَ لَبّى، فَكَانَ أَوّلَ مَنْ دَخَلَ مَكّةَ يُلَبّي، فَأَخَذَتْهُ قُرَيْشٌ، فَقَالُوا: لَقَدْ اخْتَرْت عَلَيْنَا، فَلَمّا قَدِمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ دَعُوهُ فَإِنّكُمْ تَحْتَاجُونَ إلَى الْيَمَامَةِ لِطَعَامِكُمْ فَحَثَوْهُ فَقَالَ الْحَنَفِيّ فِي ذَلِكَ
_________________
(١) كَثِيرًا، وَقَامَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَقَامًا حَمِيدًا حِينَ ارْتَدّتْ الْيَمَامَةُ مَعَ مُسَيْلِمَةَ وَذَلِكَ أَنّهُ قَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا، وَقَالَ يَا بَنِي حَنِيفَةَ أَيْنَ عَزَبَتْ عُقُولُكُمْ بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ ﴿حم *تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ* غَافِرِ الذّنْبِ وَقَابِلِ التّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غَافِر:١-٣] أَيْنَ هَذَا مِنْ يَا ضِفْدَعُ نِقّي كَمَا تَنِقّينَ لَا الشّرَابَ تُكَدّرِينَ وَلَا الْمَاءَ تَمْنَعِينَ مِمّا كَانَ يُهْدِي بِهِ مُسَيْلِمَةَ فَأَطَاعَهُ مَعَهُمْ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَانْحَازُوا إلَى الْمُسْلِمِينَ فَفَتّ ذَلِكَ فِي أَعْضَادِ حَنِيفَةَ. وَذَكَرَ ابْنُ
[ ٧ / ٥٥١ ]
وَمِنّا الّذِي لَبّى بِمَكّة مُعْلِنًا بِرَغْمِ أَبِي سُفْيَان فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ
حُدّثْت أَنّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ أَسْلَمَ، لَقَدْ كَانَ وَجْهُك أَبْغَضَ الْوُجُوهِ إلَيّ وَلَقَدْ أَصْبَحَ وَهُوَ أَحَبّ الْوُجُوهِ إلَيّ. وَقَالَ فِي الدّينِ وَالْبِلَادِ مِثْلَ ذَلِكَ.
ثُمّ خَرَجَ مُعْتَمِرًا، فَلَمّا قَدِمَ مَكّةَ، قَالُوا: أَصَبَوْت يَا ثُمَامُ؟ فَقَالَ لَا، وَلَكِنّي اتّبَعْت خَيْرَ الدّينِ دِينَ مُحَمّدٍ وَلَا وَاَللهِ لَا تَصِلُ إلَيْكُمْ حَبّةٌ مِنْ الْيَمَامَةِ حَتّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ. ثُمّ خَرَجَ إلَى الْيَمَامَةِ، فَمَنَعَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا إلَى مَكّةَ شَيْئًا، فَكَتَبُوا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ إنّك تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرّحِمِ وَإِنّك قَدْ قَطَعْت أَرْحَامَنَا، وَقَدْ قَتَلْت الْآبَاءَ بِالسّيْفِ وَالْأَبْنَاءَ بِالْجُوعِ فَكَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَيْهِ أَنْ يُخَلّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْحَمْلِ.
_________________
(١) إسْحَاقَ أَنّهُ الَّذِي قَالَ فِيهِ النّبِيّ ﷺ " الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ " الْحَدِيثَ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هُوَ أَبُو بَصْرَةَ الْغِفَارِيّ، وَفِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنّهُ جَهْجَاهُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ سَعْدِ بْنِ حَرَامٍ الْغِفَارِيّ، وَفِي الدّلَائِلِ أَنّ اسْمَهُ نَضْلَةُ وَقَدْ أَمْلَيْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ نَحْوًا مِنْ كُرّاسَةٍ رَدَدْنَا فِيهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنّهُ مَخْصُوصٌ بِرَجُلِ وَاحِدٍ وَبَيّنَا مَعْنَى الْأَكْلِ وَالسّبْعَةِ الْأَمْعَاءِ وَأَنّ الْحَدِيثَ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصّ، وَلَكِنْ مَعْنَاهُ عَامّ، وَأَتَيْنَا فِي ذَلِكَ بِمَا فِيهِ شِفَاءٌ وَالْحَمْدُ لِلّهِ وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيّ: ذَا دَمٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: ذَا ذِمّ بِالذّالِ الْمُعْجَمَةِ.
[ ٧ / ٥٥٢ ]
سَرِيّةُ عَلْقَمَةَ بْنِ مُجَزّزٍ
سَبَبُ إرْسَالِ عَلْقَمَةَ
وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلْقَمَةَ بْنَ مُجَزّزٍ.
لَمّا قُتِلَ وَقّاصُ بْنُ مُجَزّزٍ الْمُدْلِجِيّ يَوْمَ ذِي قَرَدٍ سَأَلَ عَلْقَمَةُ بْنُ مُجَزّزٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَبْعَثَهُ فِي آثَارِ الْقَوْمِ لِيُدْرِكَ ثَأْرَهُ فِيهِمْ.
دُعَابَةُ ابْنِ حُذَافَةَ مَعَ جَيْشِهِ
فَذَكَرَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمّدٍ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ "أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قَالَ:
بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلْقَمَةَ بْنَ مُجَزّزٍ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ: وَأَنَا فِيهِمْ - حَتّى إذَا بَلَغْنَا رَأْسَ غَزَاتِنَا أَوْ كُنّا بِبَعْضِ الطّرِيقِ أَذِنَ لِطَائِفَةِ مِنْ الْجَيْشِ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللهِ بْنَ حُذَافَةَ السّهْمِيّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَانَتْ فِيهِ دُعَابَةٌ فَلَمّا كَانَ بِبَعْضِ الطّرِيقِ أَوْقَدَ نَارًا، ثُمّ قَالَ لِلْقَوْمِ أَلَيْسَ لِي عَلَيْكُمْ السّمْعُ وَالطّاعَةُ؟ قَالُوا: بَلَى ; قَالَ أَفَمَا أَنَا آمُرُكُمْ بِشَيْءِ إلّا فَعَلْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ فَإِنّي أَعْزِمُ عَلَيْكُمْ بِحَقّي وَطَاعَتِي إلّا تَوَاثَبْتُمْ فِي هَذِهِ النّارِ قَالَ فَقَامَ بَعْضُ الْقَوْمِ يَحْتَجِزُ حَتّى ظَنّ أَنّهُمْ وَاثِبُونَ فِيهَا، فَقَالَ لَهُمْ اجْلِسُوا، فَإِنّمَا كُنْت أَضْحَكُ
_________________
(١) مَا زَادَهُ ابْنُ هِشَامٍ مِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إسْحَاقَ وَذَكَرَ الشّيْخُ الْحَافِظُ أَبُو بَحْرٍ سُفْيَانُ بْنُ الْعَاصِي رَحِمَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ قَالَ نَقَلْت مِنْ حَاشِيَةِ نُسْخَةٍ مِنْ كِتَابِ السّيَرِ مَنْسُوبَةً بِسَمَاعِ أَبِي سَعِيدٍ عَبْدِ الرّحِيمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرّحِيمِ وَأَخَوِيّهِ مُحَمّدٍ وَأَحْمَدَ ابْنَيْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرّحِيمِ مَا هَذَا نُصْحُهُ وَجَدْت بِخَطّ أَخِي قَوْلَ ابْنِ هِشَامٍ: هَذَا مِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إسْحَاقَ هُوَ غَلَطٌ مِنْهُ قَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ فِيمَا حَدّثَ أَسَدٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيّاءَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، وَالْقَائِلُ فِي الْحَاشِيَةِ وَجَدْت بِخَطّ أَخِي هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرّحِيمِ. وَفِي الْكِتَابِ
[ ٧ / ٥٥٣ ]
مَعَكُمْ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ قَدِمُوا عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " مَنْ أَمَرَكُمْ بِمَعْصِيَةِ مِنْهُمْ فَلَا تُطِيعُوهُ ".
وَذَكَرَ مُحَمّدُ بْنُ طَلْحَةَ أَنّ عَلْقَمَةَ بْنَ مُجَزّزٍ رَجَعَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا.
سَرِيّةُ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ لِقَتْلِ الْبَجَلِيّينَ الّذِينَ قَتَلُوا يَسَارًا
شَأْنُ يَسَارٍ
حَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَمّنْ حَدّثَهُ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ، قَالَ:
أَصَابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ مُحَارِبٍ وَبِنِيّ ثَعْلَبَة عَبْدًا يُقَالُ لَهُ يَسَارٌ فَجَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي لِقَاحٍ لَهُ كَانَتْ تُرْعَى فِي نَاحِيَةِ الْجَمّاء، فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ نَفَرٌ مِنْ قَيْسِ كُبّةَ مِنْ بَجِيلَةَ، فَاسْتَوْبَئُوا، وَطَلِحُوا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ " لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى اللّقَاحِ فَشَرِبْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالهَا، فَخَرجُوا إِلَيْهِ ا"
قَتْلُ الْبَجَلِيّينَ وَتَنْكِيلُ الرّسُولِ بِهِمْ
فَلَمّا صَحّوا وَانْطَوَتْ بُطُونُهُمْ عَدَوْا عَلَى رَاعِي رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسَارٍ فَذَبَحُوهُ وَغَرَزُوا الشّوْكَ فِي عَيْنَيْهِ وَاسْتَاقُوا اللّقَاحَ. فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي آثَارِهِمْ كُرْزَ بْنَ
_________________
(١) الْمَذْكُورِ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْمَذْكُورُ فِي غَزْوَةِ الطّائِفِ بَعْدَ قَوْلِهِ فَوَلَدَتْ لَهُ دَاوُدَ بْنَ أَبِي مُرّةَ. إلَى هَاهُنَا انْتَهَى سَمَاعِي مِنْ أَخِي، وَمَا بَقِيَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ سَمِعْته مِنْ ابْنِ هِشَامٍ نَفْسِهِ. عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيّ وَذَكَرَ سَرِيّةَ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ وَحَلّةً لِخُبَيْبِ بْنِ عَدِيّ مِنْ خَشَبَتِهِ الّتِي صُلِبَ فِيهَا وَفِي مُسْنَدِ ابْنِ أبي شيبَة زِيَادَة حَسَنَةٌ أَنّهُمَا حِينَ حَلّاهُ مِنْ الْخَشَبَةِ الْتَقَمَتْهُ الْأَرْضُ.
[ ٧ / ٥٥٤ ]
جَابِرٍ، فَلَحِقَهُمْ فَأَتَى بِهِمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرْجِعُهُ مِنْ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ.
غَزْوَةُ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إلَى الْيَمَنِ
وَغَزْوَةُ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ إلَى الْيَمَنِ غَزَاهَا مَرّتَيْنِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو الْمَدَنِيّ:
بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ إلَى الْيَمَنِ، وَبَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي جُنْدٍ آخَرَ وَقَالَ " إنْ الْتَقَيْتُمَا فَالْأَمِيرُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ".
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ بَعْثَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فِي حَدِيثِهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي عِدّةِ الْبُعُوثِ وَالسّرَايَا، فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْعِدّةُ فِي قَوْلِهِ تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ.
بَعْثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ إلَى أَرْضِ فِلَسْطِينَ وَهُوَ آخِرُ الْبُعُوثِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إلَى الشّامِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُوطِئ الْخَيْلَ
_________________
(١) وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ مَقْتَلَ الْعَصْمَاءِ بِنْتِ مَرْوَانَ وَفِي خَبَرِهَا قَالَ ﷺ " لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ " وَكَانَتْ تَسُبّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَتَلَهَا بَعْلُهَا عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " اشْهَدُوا أَنّ دَمَهَا هَدَرٌ ". قَالَ الدّارَقُطْنِيّ: مِنْ هَاهُنَا يَقُمْ أَصْلُ التّسْجِيلِ فِي الْفِقْهِ لِأَنّهُ قَدْ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِإِمْضَاءِ الْحُكْمِ وَوَقَعَ فِي مُصَنّفِ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَنّهَا كَانَتْ يَهُودِيّةً وَكَانَتْ تُطْرَحُ الْمَحَائِضُ فِي مَسْجِدِ بَنِي حَطْمَةَ فَأَهْدَرَ
[ ٧ / ٥٥٥ ]
تُخُومَ الْبَلْقَاءِ وَالدّارُومِ، مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ فَتَجَهّزَ النّاسُ وَأُوعِبَ مَعَ أُسَامَةَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوّلُونَ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهُوَ آخِرُ بَعْثٍ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
_________________
(١) رَسُولُ اللهِ ﷺ دَمَهَا، وَقَالَ " لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَان ".
[ ٧ / ٥٥٦ ]
ابْتِدَاءُ شَكْوَى رَسُولِ اللهِ ﷺ
بَدْءُ الشّكْوَى
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَبَيْنَا النّاسُ عَلَى ذَلِكَ اُبْتُدِئَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَكْوَاهُ الّذِي قَبَضَهُ اللهُ فِيهِ إلَى مَا أَرَادَ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ وَرَحْمَتِهِ فِي لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ أَوْ فِي أَوّلِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ فَكَانَ أَوّلَ مَا اُبْتُدِئَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا ذُكِرَ لِي، أَنّهُ خَرَجَ إلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، مِنْ جَوْفِ اللّيْلِ فَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ ثُمّ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فَلَمّا أَصْبَحَ اُبْتُدِئَ بِوَجَعِهِ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ مَوْلَى الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ:
بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ جَوْفِ اللّيْلِ فَقَالَ " يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ أَنّي قَدْ أُمِرْت أَنْ أَسَتَغْفِرُ لِأَهْلِ هَذَا الْبَقِيعِ، فَانْطَلِقْ مَعِي "، فَانْطَلَقْت مَعَهُ فَلَمّا وَقَفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ قَالَ " السّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْمَقَابِرِ لِيَهْنِئَ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمّا أَصْبَحَ النّاسُ فِيهِ أَقْبَلَتْ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ آخِرُهَا أَوّلَهَا، الْآخِرَةُ شَرّ مِنْ الْأُولَى "، ثُمّ أَقْبَلَ عَلِيّ، فَقَالَ " يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إنّي قَدْ أُوتِيت مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدّنْيَا وَالْخُلْدِ فِيهَا، ثُمّ الْجَنّةُ فَخُيّرْت بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبّي وَالْجَنّةِ ". قَالَ فَقُلْت: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي، فَخُذْ مَفَاتِيحَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٥٧ ]
خَزَائِنِ الدّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا، ثُمّ الْجَنّةَ قَالَ " لَا وَاَللهِ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ لَقَدْ اخْتَرْت لِقَاءَ رَبّي وَالْجَنّةَ "، ثُمّ اسْتَغْفَرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ، ثُمّ انْصَرَفَ فَبَدَأَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعُهُ الّذِي قَبَضَهُ اللهُ فِيهِ.
تَمْرِيضُهُ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِيّ ﷺ قَالَتْ:
رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الْبَقِيعِ، فَوَجَدَنِي وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا فِي رَأْسِي، وَأَنَا أَقُولُ وَارْأَسَاهُ، فَقَالَ " بَلْ أَنَا وَاَللهِ يَا عَائِشَةُ وَارْأَسَاهُ " قَالَتْ ثُمّ قَالَ " وَمَا ضَرّك لَوْ مُتّ قَبْلِي، فَقُمْت عَلَيْك وَكَفّنْتُك، وَصَلّيْت عَلَيْك وَدَفَنْتُك؟ " قَالَتْ قُلْت: وَاَللهِ لَكَأَنّي بِك، لَوْ قَدْ فَعَلْت ذَلِكَ لَقَدْ رَجَعْت إلَى بَيْتِي، فَأَعْرَسْت فِيهِ بِبَعْضِ نِسَائِك، قَالَتْ فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَتَامّ بِهِ وَجَعُهُ وَهُوَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ حَتّى اسْتَعَزّ بِهِ وَهُوَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ فَدَعَا نِسَاءَهُ فَاسْتَأْذَنَهُنّ فِي أَنْ يُمَرّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَ لَهُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٥٨ ]
ذِكْرُ أَزْوَاجِهِ ﷺ أُمّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ
أَسَمَاؤُهُنّ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَكُنّ تِسْعًا: عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وَحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، وَأُمّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَان بن حَرْب، وَأُمّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسٍ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ، وَمَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ وَجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ، وَصَفِيّةُ بِنْتُ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ، فِيمَا حَدّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
زَوَاجُهُ بِخَدِيجَةَ
وَكَانَ جَمِيعُ مَنْ تَزَوّجَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ عَشْرَةَ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَهِيَ أَوّلُ مَنْ تَزَوّجَ زَوّجَهُ إيّاهَا أَبُوهَا خُوَيْلِدُ بْنُ أَسَدٍ، وَيُقَالُ أَخُوهَا عَمْرُو بْنُ خُوَيْلِدٍ،
_________________
(١) ذِكْرُ أَزْوَاجِ النّبِيّ ﷺ خَدِيجَةُ ﵂ قَدْ تَقَدّمَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ نُبَذٌ كَافِيَةٌ مِنْ التّعْرِيفِ بِهِنّ وَذَكَرَ هَاهُنَا خَدِيجَةَ وَأَنّهَا كَانَتْ عِنْدَ أَبِي هَالَةَ وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ عُتَيّق بْنِ عَائِذٍ قَالَ ابْنُ أَبِي
[ ٧ / ٥٥٩ ]
وَأَصْدَقَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عِشْرِينَ بَكْرَةً فَوَلَدَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَدَهُ كُلّهُمْ إلّا إبْرَاهِيمَ وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ أَبِي هَالَةَ بْنِ مَالِكٍ أَحَدِ بَنِي أُسَيّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ حَلِيفِ بَنِي عَبْدِ الدّارِ فَوَلَدَتْ لَهُ هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ وَزَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي هَالَةَ وَكَانَتْ قَبْلَ أَبِي هَالَةَ عِنْدَ عُتَيّق بْنِ عَابِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللهِ وَجَارِيَةً
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: جَارِيَةٌ مِنْ الْجَوَارِي، تَزَوّجَهَا صَيْفِيّ بْنُ أَبِي رِفَاعَةَ.
زَوَاجُهُ بِعَائِشَةَ
وَتَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ بِمَكّةَ وَهِيَ بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ وَبَنَى بِهَا بِالْمَدِينَةِ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ أَوْ عَشْرٍ وَلَمْ يَتَزَوّجْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكْرًا غَيْرَهَا، زَوّجَهُ إيّاهَا أَبُوهَا أَبُو بَكْرٍ وَأَصْدَقَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَرْبَعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ.
_________________
(١) خَيْثَمَةَ وَلَدَتْ لِعُتَيّق عَبْدَ مَنَافٍ وَكَانَ اسْمُ أَبِي هَالَةَ هِنْدَ بْنَ زُرَارَةَ بْنِ النّبّاشِ وَقِيلَ بَلْ أَبُو هَالَةَ هُوَ زُرَارَةُ وَابْنُهُ هِنْدٌ، مَاتَ هِنْدٌ فِي طَاعُونِ الْبَصْرَة. عَائِشَة ﵂ وَمِمّا نَزِيدُهُ هُنَا فِي ذِكْرِ عَائِشَةَ أَنّهَا كَانَتْ تُكَنّى أُمّ عَبْدِ اللهِ رَوَى ابْنُ الْأَعْرَابِيّ، فِي الْمُعْجَمِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا أَنّهَا أَسَقَطَتْ جَنِينًا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسُمّيَ عَبْدَ اللهِ فَكَانَتْ تُكَنّى بِهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُورُ عَلَى دَاوُدَ بْنِ الْمُحَبّرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَأَصَحّ مِنْهُ حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهَا: " تَكَنّي بِابْنِ أُخْتِك عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ "، وَيُرْوَى بِابْنِك عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، لِأَنّهَا كَانَتْ قَدْ اسْتَوْهَبَتْهُ مِنْ أَبَوَيْهِ فَكَانَ فِي حِجْرِهَا يَدْعُوهَا، أُمّا، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ وَغَيْرُهُ وَأَصَحّ مَا رُوِيَ فِي فَضْلِهَا عَلَى النّسَاءِ قَوْلُهُ ﵇ " فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النّسَاءِ كَفَضْلِ الثّرِيدِ عَلَى
[ ٧ / ٥٦٠ ]
زَوَاجُهُ بِسَوْدَةِ
وَتَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ، زَوّجَهُ إيّاهَا سَلِيطُ بْنُ عَمْرٍو، وَيُقَالُ أَبُو حَاطِبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ، وَأَصْدَقَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَرْبَعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
ابْنُ إسْحَاقَ يُخَالِفُ هَذَا الْحَدِيثَ يَذْكُرُ أَنّ سَلِيطًا وَأَبَا حَاطِبٍ كَانَا غَائِبَيْنِ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ.
وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ السّكْرَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلٍ.
_________________
(١) الطّعَامِ "، وَأَرَادَ الثّرِيدَ بِاللّحْمِ كَذَا رَوَاهُ مُعْمَرٌ فِي جَامِعِهِ مُفَسّرًا عَنْ قَتَادَةَ، وَأَبَانُ يَرْفَعُهُ فَقَالَ فِيهِ كَفَضْلِ الثّرِيدِ بِاللّحْمِ وَوَجْهُ التّفْضِيلِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنّهُ قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ " سَيّدُ إدَامِ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللّحْمُ "، مَعَ أَنّ الثّرِيدَ إذَا أُطْلِقَ لَفْظُهُ فَهُوَ ثَرِيدُ اللّحْمِ وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: إذَا مَا الْخُبْزُ تَأْدِمُهُ بِلَحْمِ فَذَاكَ أَمَانَةَ اللهِ الثّرِيدُ خَدِيجَةُ وَعَائِشَة وَمَرْيَم ﵅: وَلَوْلَا مَا تَقَدّمَ مِنْ الْحَدِيثِ الْمُخَصّصِ لِخَدِيجَةَ بِالْفَضْلِ عَلَيْهَا حَيْثُ قَالَ " وَاَللهِ مَا أَبْدَلَنِي اللهُ خَيْرًا مِنْهَا " لَقُلْنَا بِتَفْضِيلِهَا عَلَى خَدِيجَةَ وَعَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي مَرْيَمَ الصّدّيقَةِ فَإِنّهَا عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ نَبِيّةٌ نَزَلَ عَلَيْهَا جِبْرِيلُ
[ ٧ / ٥٦١ ]
زَوَاجُهُ بِزَيْنَبِ بِنْتِ جَحْشٍ
وَتَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ الْأَسَدِيّةَ. زَوّجَهُ إيّاهَا أَخُوهَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشٍ، وَأَصْدَقَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَرْبَعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَفِيهَا أَنْزَلَ اللهُ ﵎: ﴿فَلَمّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الْأَحْزَاب:٣٧]
زَوَاجُهُ بِأُمّ سَلَمَةَ
وَتَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُمّ سَلَمَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيّةَ، وَاسْمُهَا هِنْدٌ; زَوّجَهُ إيّاهَا سَلَمَةُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ابْنُهَا، وَأَصْدَقَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِرَاشًا حَشْوُهُ لِيفٌ وَقَدَحًا. وَصَحْفَةٌ وَمَجِشّةٌ وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللهِ فَوَلَدَتْ لَهُ سَلَمَةَ وَعُمَرَ وَزَيْنَبَ وَرُقَيّةَ
زَوَاجُهُ بِحَفْصَةَ
وَتَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، زَوّجَهُ إيّاهَا أَبُوهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، وَأَصْدَقَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَرْبَعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدِ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السّهْمِيّ.
_________________
(١) ﵇ بِالْوَحْيِ وَلَا يُفَضّلُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ غَيْرُهُمْ وَمَنْ قَالَ لَمْ تَكُنْ نَبِيّةً وَجَعَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿اصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آلُ عِمْرَانَ:٤٢] مَخْصُوصًا بِعَالَمِ زَمَانِهَا، فَمِنْ قَوْلِهِ: إنّ عَائِشَةَ وَخَدِيجَةَ أَفَضْلُ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي سَائِرِ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إنّهُنّ أَفْضَلُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَنَزَعُوا فِي تَصْحِيحِ هَذَا الْمَذْهَبِ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ وَاَللهُ أَعْلَمُ وَفِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِي فَاطِمَةَ " هِيَ سَيّدَةِ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنّةِ إلّا مَرْيَمَ ". أم سَلمَة ﵂ وَذَكَرَ أُمّ سَلَمَةَ وَأَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَصْدَقَهَا مَجِشّةً وَهِيَ الرّحَى. وَمَعَهُ سُمّيَ
[ ٧ / ٥٦٢ ]
زَوَاجُهُ بِأُمّ حَبِيبَةَ
وَتَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُمّ حَبِيبَةَ وَاسْمُهَا رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، زَوّجَهُ إيّاهَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَهُمَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَأَصْدَقَهَا النّجَاشِيّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْبَعَ مِائَةِ دِينَارٍ، وَهُوَ الّذِي كَانَ خَطَبَهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ الْأَسَدِيّ.
زَوَاجُهُ بِجِوَيْرِيَةَ
وَتَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ الْخُزَاعِيّة، كَانَتْ فِي سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، فَوَقَعَتْ فِي السّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشّمّاسِ الْأَنْصَارِيّ فَكَاتَبَهَا عَلَى نَفْسِهَا، فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَسْتَعِينُهُ فِي كِتَابَتِهَا، فَقَالَ لَهَا: " هَلْ لَك فِي خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ لَمّا قَالَتْ وَمَا هُوَ؟ قَالَ " أَقْضِي عَنْك كِتَابَتَك وَأَتَزَوّجُك؟ " فَقَالَتْ نَعَمْ فَتَزَوّجَهَا.
_________________
(١) الْجَشِيشُ. وَذَكَرَ مَعَ الْمَجِشّةِ أَشْيَاءَ لَا تُعْرَفُ قِيمَتُهَا، مِنْهَا جَفْنَةٌ وَفِرَاشٌ. وَفِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ ذِكْرُ قِيمَتِهَا، قَالَ أَنَسُ "أَصْدَقَهَا مَتَاعًا قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِم" قَالَ الْبَزّارُ: وَيُرْوَى أَرْبَعُونَ درهما. جوَيْرِية ﵂ وَذَكَرَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ مُسَافِعِ بْنِ صَفْوَانَ الْخُزَاعِيّ وَقَالَ أَسْلَمُ الْحَارِثُ وَأَسْلَمَ ابْنَاهُ وَلَمْ يُسَمّهِمَا، وَهُمَا الْحَارِثُ بْنُ الْحَارِثِ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ. زَيْنَبُ بنت جحش ﵂ وَذَكَرَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، وَأَنّ أَخَاهَا أَبَا أَحْمَدَ هُوَ الّذِي أَنْكَحَهَا مِنْ رَسُولِ
[ ٧ / ٥٦٣ ]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثْنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبُكَائِيّ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
وَيُقَالُ لَمّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَمَعَهُ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، فَكَانَ بِذَاتِ الْجَيْشِ دَفَعَ جُوَيْرِيَةَ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَدِيعَةً وَأَمَرَهُ بِالِاحْتِفَاظِ بِهَا، وَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَأَقْبَلَ أَبُوهَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ضِرَارٍ بِفِدَاءِ ابْنَتِهِ فَلَمّا كَانَ بِالْعَقِيقِ نَظَرَ إلَى الْإِبِلِ الّتِي جَاءَ بِهَا لِلْفِدَاءِ فَرَغِبَ فِي بَعِيرَيْنِ مِنْهَا، فَغَيّبَهُمَا فِي شِعْبٍ مِنْ شِعَابِ الْعَقِيقِ، ثُمّ أَتَى النّبِيّ ﷺ فَقَالَ يَا مُحَمّدُ، أَصَبْتُمْ ابْنَتِي، وَهَذَا فَدَاؤُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " فَأَيْنَ الْبَعِيرَانِ اللّذَانِ غَيّبْت بِالْعَقِيقِ فِي شِعْبِ كَذَا وَكَذَا؟ " فَقَالَ الْحَارِثُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ، وَأَنّك رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْك، فَوَاَللهِ مَا اطّلَعَ عَلَى ذَلِكَ إلّا اللهُ تَعَالَى فَأَسْلَمَ الْحَارِثُ وَأَسْلَمَ مَعَهُ ابْنَانِ لَهُ وَنَاسٌ مِنْ قَوْمِهِ وَأَرْسَلَ إلَى الْبَعِيرَيْنِ فَجَاءَ بِهِمَا فَدَفَعَ الْإِبِلَ إلَى النّبِيّ ﷺ وَدُفِعَتْ إلَيْهِ ابْنَتُهُ جُوَيْرِيَةُ فَأَسْلَمَتْ وَحَسُنَ إسْلَامُهَا، وَخَطَبَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى أَبِيهَا، فَزَوّجَهُ إيّاهَا، وَأَصْدَقَهَا أَرْبَعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَكَانَ قَبْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَ ابْنِ عَمّ لَهَا يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ اشْتَرَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوّجَهَا، وَأَصْدَقَهَا أَرْبَعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ.
_________________
(١) اللهِ ﷺ وَهَذَا خِلَافُ مَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنّهَا كَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى صَوَاحِبِهَا، وَتَقُولُ زَوّجَكُنّ أَهْلُوكُنّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَزَوّجَنِي رَبّ الْعَالَمِينَ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنّه لَمّا نَزَلَتْ الْآيَةُ ﴿زَوّجْنَاكهَا﴾ [الْأَحْزَابُ: ٣٧] قَامَ
[ ٧ / ٥٦٤ ]
زَوَاجُهُ بِصَفِيّةَ:
وَتَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَفِيّةَ بِنْتَ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ، سَبَاهَا مِنْ خَيْبَرَ، فَاصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ وَأَوْلَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلِيمَةً مَا فِيهَا شَحْمٌ وَلَا لَحْمٌ كَانَ سَوِيقًا وَتَمْرًا، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ كِنَانَةَ بْنِ الرّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ.
زَوَاجُهُ بِمَيْمُونَةَ
وَتَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنِ بْنِ بَحِيرِ بْنِ هُزَمَ بْنِ رُوَيْبِةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، زَوّجَهُ إيّاهَا الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَأَصْدَقَهَا الْعَبّاسُ عَنْ رَسُولِ اللهِ أَرْبَعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ ; وَيُقَالُ إنّهَا الّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنّبِيّ ﷺ وَذَلِكَ أَنّ خُطْبَةَ النّبِيّ ﷺ انْتَهَتْ إلَيْهَا وَهِيَ عَلَى بَعِيرِهَا، فَقَالَتْ الْبَعِيرُ وَمَا عَلَيْهِ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ فَأَنْزَلَ اللهُ ﵎: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنّبِيّ﴾ [الْأَحْزَابُ:٥٠] .
وَيُقَالُ إنّ الّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنّبِيّ ﷺ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وَيُقَالُ أُمّ شَرِيكٍ غَزِيّةُ بِنْتُ جَابِرِ بْنِ وَهْبٍ مِنْ بَنِي مُنْقِذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَعِيصِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ، وَيُقَالُ بَلْ
_________________
(١) رَسُولُ اللهِ ﷺ - فَدَخَلَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنٍ وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ إسْحَاقَ فِي أَزْوَاجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَرَافِ بِنْتَ خَلِيفَةَ أُخْتَ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيّ، وَذَكَرَهَا غَيْرُهُ وَلَمْ تَقُمْ عِنْدَهُ إلّا يَسِيرًا حَتّى مَاتَتْ وَكَذَلِكَ الْعَالِيَةُ بِنْتُ ظَبْيَانَ [بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ كِلَابٍ] ذَكَرَهَا غَيْرُهُ فِي أَزْوَاجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَكَذَلِكَ وَسْنَى بِنْتُ الصّلْتِ تَزَوّجَهَا ثُمّ خَلّى سَبِيلَهَا، وَيُقَالُ فِيهَا: سَنَا بِنْتُ أَسْمَاءَ بِنْتِ
[ ٧ / ٥٦٥ ]
هِيَ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ بْنِ لُؤَيّ فَأَرْجَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ.
زَوَاجُهُ زَيْنَبَ بِنْتَ خُزَيْمَةَ
وَتَزَوّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ خُزَيْمَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَكَانَتْ تُسَمّى أُمّ الْمَسَاكِينِ لِرَحْمَتِهَا إيّاهُمْ وَرِقّتِهَا عَلَيْهِمْ زَوّجَهُ إيّاهَا قَبِيصَةُ بْنُ عَمْرٍو الْهِلَالِيّ، وَأَصْدَقَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَرْبَعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَكَانَتْ قَبْلَ عُبَيْدَةَ عِنْدَ جَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، وَهُوَ ابْنُ عَمّهَا.
عِدّتُهُنّ وَشَأْنُ الرّسُولِ مَعَهُنّ
فَهَؤُلَاءِ اللّاتِي بَنَى بِهِنّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إحْدَى عَشْرَة، فَمَاتَ قَبْلَهُ مِنْهُنّ ثِنْتَانِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ. وَتُوُفّيَ عَنْ تِسْعٍ قَدْ ذَكَرْنَاهُنّ فِي أَوّلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَثِنْتَانِ لَمْ يَدْخُلْ بِهِمَا: أَسْمَاءُ بِنْتُ النّعْمَانِ الْكِنْدِيّةُ تَزَوّجَهَا فَوَجَدَ بِهَا بَيَاضًا، فَمَتّعَهَا وَرَدّهَا إلَى أَهْلِهَا، وَعَمْرَةُ بِنْتُ يَزِيدَ الْكِلَابِيّةُ وَكَانَتْ حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِكُفْرِ فَلَمّا قَدِمَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ اسْتَعَاذَتْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " مَنِيعٌ عَائِذُ اللهِ " فَرَدّهَا إلَى أَهْلِهَا، وَيُقَالُ إنّ الّتِي اسْتَعَاذَتْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ
_________________
(١) الصّلْتِ. وَمِنْهُنّ أَسْمَاءُ بِنْتُ النّعْمَانِ بْنِ الْجَوْنِ الْكِنْدِيّةُ اتّفَقُوا عَلَى تَزْوِيجِ النّبِيّ ﷺ إيّاهَا، وَاخْتَلَفُوا، فِي سَبَبِ فِرَاقِ النّبِيّ لَهَا. وَكَذَلِكَ قِيلَ فِي: شَرَافِ بِنْتِ خَلِيفَةَ إنّهَا هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَاَللهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ خَوْلَةَ وَيُقَالُ فِيهَا: خُوَيْلَةُ ذُكِرَتْ فِيمَنْ تَزَوّجَهُمْ النّبِيّ ﵇ وَيُقَالُ هِيَ الّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنّبِيّ ﵇.
[ ٧ / ٥٦٦ ]
كِنْدِيّةُ بِنْتُ عَمّ لِأَسْمَاءِ بِنْتِ النّعْمَانِ وَيُقَالُ إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَاهَا، فَقَالَتْ إنّا قَوْمٌ نُؤْتَى وَلَا نَأْتِي; فَرَدّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى أَهْلِهَا.
تَسْمِيَةُ الْقُرَشِيّاتِ مِنْهُنّ
الْقُرَشِيّاتُ مِنْ أَزْوَاجِ النّبِيّ ﷺ سِتّ:
خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ، وَعَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ، وَحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رِيَاحِ بْنِ رِزَاحِ بْنِ عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ، وَأُمّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ ; وَأُمّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَة بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ، وَسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ.
تَسْمِيَةُ الْعَرَبِيّاتِ وَغَيْرُهُنّ
وَالْعَرَبِيّاتُ وَغَيْرُهُنّ سَبْعٌ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشِ بْنِ رِئَابِ بْنِ يَعْمَرَ بْنِ صُبْرَةَ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَبِيرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ ; وَمَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنِ بْنِ بَحِيرِ بْنِ هُزَمَ بْنِ رُوَيْبِةَ بْنِ
_________________
(١) وَفَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذِكْرُ خُرُوجِهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ إلَى الْمَسْجِدِ وَأَنّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ الْإِمَامَ وَأَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْتَمّ بِهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ فِي السّيرَةِ وَالْمَعْرُوفُ فِي الصّحَاحِ أَنّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالنّاسُ يُصَلّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ وَلَكِنْ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ مِنْ طَرِيقٍ مُتّصِلٍ أَنّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ الْإِمَامَ يَوْمئِذٍ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَرَوَى الدّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ
[ ٧ / ٥٦٧ ]
عَبْدِ اللهِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيَلَانَ ; وَزَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارِ الْخُزَاعِيّة، ثُمّ الْمُصْطَلِقيّة، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ النّعْمَانِ الْكِنْدِيّةُ وَعَمْرَةُ بِنْتُ يَزِيدَ الْكِلَابِيّةُ.
غَيْرُ الْعَرَبِيّاتِ
وَمِنْ غَيْرِ الْعَرَبِيّاتِ صَفِيّةُ بِنْتُ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ، مِنْ بَنِي النّضِيرِ.
تَمْرِيضُ رَسُولِ اللهِ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ
مَجِيئُهُ إلَى بَيْتِ عَائِشَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَائِشَة زَوْجِ النّبِيّ ﷺ قَالَتْ:
فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ يَمْشِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِهِ أَحَدُهُمَا الْفَضْلُ بْنُ الْعَبّاسِ وَرَجُلٌ آخَرُ عَاصِبًا رَأْسَهُ تُخَطّ قَدَمَاهُ حَتّى دَخَلَ بَيْتِي. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ فَحَدّثْت هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْعَبّاسِ فَقَالَ هَلْ تَدْرِي مَنْ الرّجُلُ الْآخَرُ؟ قَالَ قُلْت: لَا، قَالَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ
_________________
(١) شُعْبَةَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ " مَا مَاتَ نَبِيّ حَتّى يَؤُمّهُ رَجُلٌ مِنْ أُمّتِهِ "، وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثَ إلّا أَنّهُ سَاقَهُ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرّحْمَنِ مُرْسَلًا، وَقَدْ أَسْنَدَهُ الْبَزّارُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الزّبَيْرِ عَنْ عُمَرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَفِي مَرَاسِيلِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرِضَ عَشَرَةَ أَيّامِ صَلّى أَبُو بَكْرٍ بِالنّاسِ تِسْعَةَ أَيّامٍ
[ ٧ / ٥٦٨ ]
شِدّةُ الْمَرَضِ وَصَبّ الْمَاءِ عَلَيْهِ
ثُمّ غُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَاشْتَدّ بِهِ وَجَعُهُ فَقَالَ " هَرِيقُوا عَلَيّ سَبْعَ قِرَبٍ مِنْ آبَارٍ شَتّى، حَتّى أَخْرُجَ إلَى النَّاس فأعهد إِلَيْهِ م". قَالَتْ فَأَقْعَدْنَاهُ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ثُمّ صَبَبْنَا عَلَيْهِ الْمَاءَ حَتّى طَفِقَ يَقُولُ " حَسْبُكُمْ حَسْبُكُمْ ".
كَلِمَةٌ لِلنّبِيّ وَاخْتِصَاصُهُ أَبَا بَكْرٍ بِالذّكْرِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ الزّهْرِيّ: حَدّثَنِي أَيّوبُ بْنُ بَشِيرٍ
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَاصِبًا رَأْسَهُ حَتّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمّ كَانَ أَوّلَ مَا تَكَلّمَ بِهِ أَنّهُ صَلّى عَلَى أَصْحَابِ أُحُدٍ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ فَأَكْثَرَ الصّلَاةَ عَلَيْهِمْ ثُمّ قَالَ " إنّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللهِ خَيّرَهُ اللهُ بَيْنَ الدّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ ". قَالَ فَفَهِمَهَا أَبُو بَكْرٍ وَعَرَفَ أَنّ نَفْسَهُ يُرِيدُ فَبَكَى وَقَالَ بَلْ نَحْنُ نَفْدِيك بِأَنْفَسِنَا وَأَبْنَائِنَا، فَقَالَ "عَلَى رِسْلِك يَا أَبَا بَكْرٍ"، ثُمّ قَالَ " اُنْظُرُوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ اللّافِظَةَ فِي الْمَسْجِدِ فَسُدّوهَا إلّا بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ فَإِنّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَانَ أَفْضَلَ فِي الصّحْبَةِ عِنْدِي يَدًا مِنْهُ "
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: إلّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ بَعْضِ آلِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلّى:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يَوْمئِذٍ فِي كَلَامِهِ هَذَا: " فَإِنّي لَوْ كُنْت مُتّخِذًا مِنْ الْعِبَادِ خَلِيلًا لَاِتّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ صُحْبَةٌ وَإِخَاءٌ إيمَانٌ حَتّى يَجْمَعَ اللهُ بَيْنَنَا عِنْدَهُ ".
_________________
(١) مِنْهَا، ثُمّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنْهَا يُهَادِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ أُسَامَةَ وَالْفَضْلِ بْنِ عَبّاسٍ حَتّى صَلّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ رَوَاهُ الدّارَقُطْنِيّ، فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنّهُ مَرِضَ عَشَرَةَ أَيّامٍ وَهُوَ غَرِيبٌ وَفِيهِ أَنّ أَحَدَ الرّجُلَيْنِ كَانَ أُسَامَةَ وَالْمَعْرُوفُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ كَانَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَفِيهِ صَلَاتُهُ ﵇ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ.
[ ٧ / ٥٦٩ ]
أَمْرُ الرّسُولِ بِإِنْفَاذِ بَعْثِ أُسَامَةَ
وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَبْطَأَ النّاسَ فِي بَعْثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ فِي وَجَعِهِ فَخَرَجَ عَاصِبًا رَأْسَهُ حَتّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَقَدْ كَانَ النّاسُ قَالُوا فِي إمْرَةِ أُسَامَةَ أَمّرَ غُلَامًا حَدَثًا عَلَى جُلّةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمّ قَالَ " أَيّهَا النّاسُ اُنْفُذُوا بَعْثَ أُسَامَةَ فَلَعَمْرِي لَئِنْ قُلْتُمْ فِي إمَارَتِهِ لَقَدْ قُلْتُمْ فِي إمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ وَإِنّهُ لَخَلِيقٌ لِلْإِمَارَةِ وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ لَخَلِيقًا لَهَا ".
قَالَ ثُمّ نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَانْكَمَشَ النّاسُ فِي جِهَازِهِمْ وَاسْتَعَزّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعُهُ فَخَرَجَ أُسَامَةُ وَخَرَجَ جَيْشُهُ مَعَهُ حَتّى نَزَلُوا الْجُرْفَ، مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى فَرْسَخٍ فَضَرَبَ بِهِ عَسْكَرَهُ وَتَتَامّ إلَيْهِ النّاسُ وَثَقُلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَقَامَ أُسَامَةُ وَالنّاسُ لِيَنْظُرُوا مَا اللهُ قَاضٍ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَصِيّةُ الرّسُولِ بِالْأَنْصَارِ
وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ الزّهْرِيّ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ صَلّى وَاسْتَغْفَرَ لِأَصْحَاب أُحُد، وَذَكَرَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا ذَكَرَ مَعَ مَقَالَتِهِ يَوْمئِذٍ " يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ اسْتَوْصُوا بِالْأَنْصَارِ خَيْرًا، فَإِنّ النّاسَ يَزِيدُونَ وَإِنّ الْأَنْصَارَ عَلَى هَيْئَتِهَا لَا تَزِيدُ وَإِنّهُمْ كَانُوا عَيْبَتِي الّتِي أَوَيْت إلَيْهَا، فَأَحْسِنُوا إلَى مُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ ". قَالَ عَبْدُ اللهِ ثُمّ نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدَخَلَ بَيْتَهُ وَتَتَامّ بِهِ وَجَعُهُ حَتّى غُمِرَ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٧٠ ]
شَأْنُ اللّدُودِ
قَالَ عَبْدُ اللهِ فَاجْتَمَعَ إلَيْهِ نِسَاءٌ مِنْ نِسَائِهِ أُمّ سَلَمَةَ وَمَيْمُونَةُ وَنِسَاءٌ مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُنّ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَعِنْدَهُ الْعَبّاسُ عَمّهُ فَأَجْمَعُوا أَنْ يَلُدّهُ وَقَالَ الْعَبّاسُ لَأَلُدّنّهُ قَالَ فَلَدّوهُ فَلَمّا أَفَاقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ " مَنْ صَنَعَ هَذَا بِي؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ عَمّك، قَالَ " هَذَا دَوَاءٌ أَتَى بِهِ نِسَاءٌ جِئْنَ مِنْ نَحْوِ هَذِهِ الْأَرْضِ "، وَأَشَارَ نَحْوَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ ; قَالَ " وَلِمَ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ؟ " فَقَالَ عَمّهُ الْعَبّاسُ خَشِينَا يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ يَكُونَ بِك ذَاتُ الْجَنْبِ فَقَالَ " إنّ ذَلِكَ لَدَاءٌ مَا كَانَ اللهُ ﷿ لِيَقْذِفَنِي بِهِ لَا يَبْقَى فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ إلّا لُدّ إلّا عَمّي "، فَلَقَدْ لُدّتْ مَيْمُونَةُ وَإِنّهَا لَصَائِمَةٌ، لِقَسَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عُقُوبَةٌ لَهُمْ بِمَا صَنَعُوا بِهِ.
_________________
(١) حَدِيث الْعَبَّاس ﵁: فَصْلٌ وَذَكَرَ حَدِيثَ الْعَبّاسِ وَأَنّهُ قَالَ لَأَلُدّنّهُ فَلَدّوهُ وَحَسَبُوا أَنّ بِهِ ذَاتَ الْجَنْبِ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنّ الْعَبّاسَ حَضَرَهُ وَلّدَهُ مَعَ مَنْ لَدّ. وَفِي الصّحِيحَيْنِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ " لَا يَبْقِيَنّ أَحَدٌ بِالْبَيْتِ إلّا لُدّ إلّا عَمّي الْعَبّاسُ فَإِنّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ "، وَهَذِهِ أَصَحّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ وَإِنّمَا لَدّوهُ لِأَنّهُ ﵇ قَدْ قَالَ " فِي الْقُسْطِ فِيهِ سَبْعَةُ أَشْفِيَةٍ يُلَدّ بِهِ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ وَيُسْعَطُ بِهِ مِنْ الْعَذِرَةِ " وَلَمْ يَذْكُرْ الْخَمْسَةَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَنَحْنُ نَسْتَعْمِلُهُ فِي أَدْوِيَتِنَا كُلّهَا لَعَلّنَا نُصِيبُهَا، وَاللّدُودُ فِي جَانِبِ الْفَمِ مِنْ دَاخِلِهِ يَجْعَلُ هُنَاكَ الدّوَاءَ وَيُحَكّ بِالْإِصْبَعِ قَلِيلًا. وَقَوْلُهُ فِي ذَاتِ الْجَنْبِ " ذَاكَ دَاءٌ مَا كَانَ اللهُ لِيَقْذِفَنِي بِهِ " وَقَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ الطّبَرِيّ لَهُ " أَنَا أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْ أَنْ يَقْذِفَنِي بِهَا" وَفِي رِوَايَةٍ
[ ٧ / ٥٧١ ]
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أُخْرَى: " وَهِيَ مِنْ الشّيْطَانِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُسَلّطَهَا عَلَيّ " وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّهَا مِنْ سَيّئِ الْأَسْقَامِ الّتِي تَعَوّذَ النّبِيّ ﵇ مِنْهَا فِي دُعَائِهِ حَيْثُ يَقُولُ " اللهُمّ إنّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَسَيّئِ الْأَسْقَامِ "، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا مِنْ الشّهَدَاءِ السّبْعَةِ وَلَكِنّهُ ﵇ قَدْ تَعَوّذَ مِنْ الْغَرَقِ وَالْحَرْقِ مَعَ قَوْلِهِ ﵇ " الْغَرِيقُ شَهِيدٌ وَالْحَرِيقُ شَهِيدٌ ". وَقَدْ ذَكَرَ أَنّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ هِيَ الّتِي لَدّتْهُ فَاَللهُ أَعْلَمُ. وَالْوَجَعُ الّذِي كَانَ بِالنّبِيّ ﵇ فَلُدّ هُوَ الْوَجَعُ الّذِي يُسَمّى خَاصِرَةً وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ النّذُورِ مِنْ الْمُوَطّأِ، قَالَ فِيهِ " فَأَصَابَتْنِي خَاصِرَةٌ " قَالَتْ عَائِشَةُ وَكَثِيرًا مَا كَانَ يُصِيبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ الْخَاصِرَةُ. قَالَتْ وَلَا نَهْتَدِي لِاسْمِ الْخَاصِرَةِ وَنَقُولُ أَخَذَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِرْقٌ فِي الْكُلّيّةِ وَفِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ يَرْفَعُهُ إلَى النّبِيّ ﵇ قَالَ " الْخَاصِرَةُ عِرْقٌ فِي الْكُلّيّةِ إذَا تَحَرّكَ وَجَعُ صَاحِبِهِ دَوَاؤُهُ الْعَسَلُ بِالْمَاءِ الْمُحْرَق "، وَهُوَ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ عَبْدُ الرّحِيمِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ عُرْوَةَ وَعَبْدِ الرّحِيمِ ضَعِيفٌ مَذْكُورٌ عِنْدَ الْمُحَدّثِينَ فِي الضّعَفَاءِ وَلَكِنْ قَدْ رَوَتْ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ. وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ هَذَا يَوْمُ بِنْتِ خَارِجَةَ يَا رَسُولَ اللهِ بِنْتُ خَارِجَةَ اسْمُهَا: حَبِيبَةُ وَقِيلَ مَلَكِيّة، وَخَارِجَةُ هُوَ ابْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ وَابْنُ خَارِجَةَ هُوَ زَيْدُ بْنُ خَارِجَةَ الّذِي تَكَلّمَ بَعْدَ الْمَوْتِ فِيمَا رَوَى ثِقَاتُ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ وَذَلِكَ أَنّهُ مَاتَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ فَلَمّا سُجّيَ عَلَيْهِ سَمِعُوا جَلْجَلَةً فِي صَدْرِهِ ثُمّ تَكَلّمَ فَقَالَ أَحْمَدُ أَحْمَدُ فِي الْكِتَابِ الْأَوّلِ صِدْقٌ صِدْقٌ وَأَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ الضّعِيفُ فِي نَفْسِهِ الْقَوِيّ فِي أَمْرِ اللهِ فِي الْكِتَابِ الْأَوّلِ صِدْقٌ صِدْقٌ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، الْقَوِيّ الْأَمِينُ فِي الْكِتَابِ الْأَوّلِ صِدْقٌ صِدْقٌ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ مَضَتْ أَرْبَعٌ وَبَقِيَتْ سَنَتَانِ أَتَتْ الْفِتَنُ وَأَكَلَ الشّدِيدُ الضّعِيفَ
[ ٧ / ٥٧٢ ]
دُعَاءُ الرّسُولِ لِأُسَامَةَ بِالْإِشَارَةِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ السّبّاقِ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ:
لَمّا ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ هَبَطْت وَهَبَطَ النّاسُ مَعِي إلَى الْمَدِينَةِ، فَدَخَلْت عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَدْ أَصْمَتَ فَلَا يَتَكَلّمُ فَجَعَلَ يَرْفَعُ يَدَهُ إلَى السّمَاءِ ثُمّ يَضَعُهَا عَلَيّ فَأَعْرِفُ أَنّهُ يَدْعُو لِي.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ: حَدّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ
_________________
(١) وَقَامَتْ السّاعَةُ وَسَيَأْتِيكُمْ خَبَرُ بِئْرِ أَرِيسَ وَمَا بِئْرُ أَرِيسَ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ: ثُمّ هَلَكَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي خَطْمَةَ فَسُجّيَ بِثَوْبِ فَسَمِعُوا جَلْجَلَةً فِي صَدْرِهِ ثُمّ تَكَلّمَ فَقَالَ إنّ أَخَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ صِدْقٌ صِدْقٌ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ ﵁ وَقَدْ عُرِضَ مِثْلُ هَذِهِ الْقِصّةِ لِرَبِيعِ بْنِ حِرَاشٍ أَخِي رِبْعِيّ بْنِ حِرَاشٍ قَالَ رِبْعِيّ: مَاتَ أَخِي فَسَجَيْنَاهُ وَجَلَسْنَا عِنْدَهُ فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِك إذْ كَشَفَ الثّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمّ قَالَ السَّلَام عَلَيْكُم قلت: سُبْحَانَ اللهِ أَبَعْدَ الْمَوْتِ؟ قَالَ إنّي لَقِيت رَبّي فَتَلَقّانِي بِرَوْحِ وَرَيْحَانٍ وَرَبّ غَيْرِ غَضْبَانَ وَكَسَانِي ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ أَسْرِعُوا بِي إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ - فَإِنّهُ قَدْ أَقَسَمَ أَنْ لَا يَبْرَحَ حَتّى آتِيَهُ وَأُدْرِكُهُ وَإِنّ الْأَمْرَ أَهْوَنُ مَا تَذْهَبُونَ إلَيْهِ فَلَا تَغْتَرّوا، ثُمّ وَاَللهِ كَأَنّمَا كَانَتْ نَفْسُهُ حَصَاةً فَأُلْقِيَتْ فِي طَسْتٍ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلّمَ بِهَا ﵇ فَصْلٌ وَذَكَرَ أَنّ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلّمَ بِهَا ﵇ " اللهُمّ الرّفِيقَ الْأَعْلَى "
[ ٧ / ٥٧٣ ]
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَثِيرًا مَا أَسْمَعُهُ يَقُولُ:
" إنّ اللهَ لَمْ يَقْبِضْ نَبِيّا حَتّى يُخَيّرَهُ ". قَالَتْ فَلَمّا حُضِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَانَ آخِرُ كَلِمَةٍ سَمِعْتهَا وَهُوَ يَقُولُ " بَلْ الرّفِيقُ الْأَعْلَى مِنْ الْجَنّةِ "، قَالَتْ فَقُلْت: إِذا وَاَللهِ لَا يَخْتَارُنَا، وَعَرَفْت أَنّهُ الّذِي كَانَ يَقُولُ لَنَا: " إنّ نَبِيّا لَمْ يُقْبَضْ حَتّى يُخَيّرَ ".
صَلَاةُ أَبِي بَكْرٍ بِالنّاسِ
قَالَ الزّهْرِيّ: وَحَدّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنّ عَائِشَةَ قَالَتْ:
لَمّا اسْتَعَزّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ " مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلّ بِالنّاسِ " قَالَتْ قُلْت: يَا نَبِيّ اللهِ إنّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ ضَعِيفُ الصّوْتِ كَثِيرُ الْبُكَاءِ إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ قَالَ " مُرُوهُ فَلْيُصَلّ بِالنّاسِ ". قَالَتْ فَعُدْت بِمِثْلِ قَوْلِي، فَقَالَ
_________________
(١) وَهَذَا مُنْتَزَعٌ مِنْ قَوْلِهِ ﵎: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ﴾ إلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ً [النّسَاءُ:٦٩] فَهَذَا هُوَ الرّفِيقُ الْأَعْلَى، وَلَمْ يَقُلْ الرّفَقَاءُ لِمَا قَدّمْنَاهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِمّا حَسُنَ ذَلِكَ مَعَ أَنّ أَهْلَ الْجَنّةِ يُدْخِلُونَهَا عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَهَذِهِ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلّمَ بِهَا ﵇ وَهِيَ تَتَضَمّنُ مَعْنَى التّوْحِيدِ الّذِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ آخِرَ كَلَامِ الْمُؤْمِنِ لِأَنّهُ قَالَ ﴿مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ وَهُمْ أَصْحَابُ الصّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَهُمْ أَهْلُ لَا إلَهَ إلّا اللهُ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الْفَاتِحَة:٦-٧] ثُمّ بَيّنَ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدّمَةِ مِنْ الّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ فَذَكَرَهُمْ وَهُمْ الرّفِيقُ الْأَعْلَى الّذِي ذَكَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ خُيّرَ فَاخْتَارَ وَبَعْضُ الرّوَاةِ يَقُولُ عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ وَقَالَ " فِي الرّفِيقِ " وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنّهُ قَالَ " اللهُمّ الرّفِيقَ "، وَأَشَارَ بِالسّبّابَةِ يُرِيدُ التّوْحِيدَ فَقَدْ دَخَلَ بِهَذِهِ
[ ٧ / ٥٧٤ ]
إنّكُنّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ فَمُرُوهُ فَلْيُصَلّ بِالنّاسِ، قَالَتْ فَوَاَللهِ مَا أَقُولُ ذَلِكَ إلّا أَنّي كُنْت أُحِبّ أَنْ يُصْرَفَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَرَفْت أَنّ النّاسَ لَا يُحِبّونَ رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا، وَأَنّ النّاسَ سَيَتَشَاءَمُونَ بِهِ فِي كُلّ حَدَثٍ كَانَ فَكُنْت أُحِبّ أَنْ يُصْرَفَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، قَالَ:
لَمّا اُسْتُعِزّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا عِنْدَهُ فِي نَفَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ دَعَاهُ بِلَالٌ إلَى الصّلَاةِ فَقَالَ " مُرُوا مَنْ يُصَلّي بِالنّاسِ قَالَ فَخَرَجْت فَإِذَا عُمَرُ فِي النّاسِ. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ غَائِبًا، فَقُلْت: قُمْ يَا عُمَرُ فَصَلّ بِالنّاسِ قَالَ فَقَامَ فَلَمّا كَبّرَ سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَوْتَهُ وَكَانَ عُمَرُ رَجُلًا مِجْهَرًا، قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " فَأَيْنَ أَبُو بَكْرٍ؟ يَأْبَى اللهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ يَأْبَى اللهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ " قَالَ فَبَعَثَ إلَى أَبِي بَكْرٍ فَجَاءَ بَعْدَ أَنْ صَلّى عُمَرُ تِلْكَ الصّلَاةَ فَصَلّى بِالنّاسِ. قَالَ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَمْعَةَ قَالَ لِي عُمَرُ وَيْحَك، مَاذَا صَنَعْت بِي يَا ابْنَ زَمْعَةَ وَاَللهِ مَا ظَنَنْت حِينَ أَمَرْتنِي إلّا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَك بِذَلِكَ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا صَلّيْت بِالنّاسِ. قَالَ قُلْت: وَاَللهِ مَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ وَلَكِنّي حِينَ لَمْ أَرَ أَبَا بَكْرٍ رَأَيْتُك أَحَقّ مَنْ حَضَرَ بِالصّلَاةِ بِالنّاسِ.
_________________
(١) الْإِشَارَةِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ ﵇ " مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلّا اللهُ دَخَلَ الْجَنّةَ "، وَلَا شَكّ أَنّهُ ﵇ فِي أَعَلَى دَرَجَاتِ الْجَنّةِ وَلَوْ لَمْ يُشِرْ وَلَكِنْ ذَكَرْنَا هَذَا لِئَلّا يَقُولَ الْقَائِلُ لِمَ لَمْ يَكُنْ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَأَوّلُ كَلِمَةٍ تَكَلّمَ بِهَا رَسُولُ اللهِ وَهُوَ مُسْتَرْضِعٌ عِنْدَ حَلِيمَةَ أَنْ قَالَ "اللهُ أَكْبَرُ " رَأَيْت ذَلِكَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْوَاقِدِيّ.
[ ٧ / ٥٧٥ ]
الْيَوْمُ الّذِي قَبَضَ اللهُ فِيهِ نَبِيّهُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ الزّهْرِيّ: حَدّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنّهُ لَمّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ الّذِي قَبَضَ اللهُ فِيهِ رَسُولَهُ ﷺ خَرَجَ إلَى النّاسِ وَهُمْ يُصَلّونَ الصّبْحَ فَرَفَعَ السّتْرَ وَفَتَحَ الْبَابَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَامَ عَلَى بَابِ عَائِشَةَ فكاد الْمُسلمُونَ يفتتنون فِي صَلَاتِهِمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ رَأَوْهُ فَرَحًا بِهِ وَتَفَرّجُوا فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اُثْبُتُوا عَلَى صَلَاتِكُمْ قَالَ فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سُرُورًا لَمّا رَأَى مِنْ هَيْئَتِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ وَمَا رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ أَحْسَنَ هَيْئَةً مِنْهُ تِلْكَ السّاعَةَ قَالَ: ثُمّ رَجَعَ وَانْصَرَفَ النّاسُ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَفْرَقَ مِنْ وَجَعِهِ فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ إلَى أَهْلِهِ بِالسّنْحِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمّدٍ:
أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ حِينَ سَمِعَ تَكْبِيرَ عُمَرَ فِي الصّلَاةِ: أَيْنَ أَبُو بَكْرٍ؟ يَأْبَى اللهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ. فَلَوْلَا مَقَالَةٌ قَالَهَا عُمَرُ عِنْدَ وَفَاتِهِ لَمْ يَشُكّ الْمُسْلِمُونَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ اسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ وَلَكِنّهُ قَالَ عِنْدَ وَفَاتِهِ: إنْ أَسْتَخْلَفَ فَقَدْ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنّي وَإِنْ أَتْرُكُهُمْ فَقَدْ تَرَكَهُمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنّي. فَعَرَفَ النّاسُ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَسْتَخْلِفْ أَحَدًا وَكَانَ عُمَرُ غَيْرَ مُتّهَمٍ عَلَى أَبِي بَكْرٍ.
_________________
(١) وَأَمّا آخِرَ مَا أَوْصَى بِهِ ﵇ بِأَنْ قَالَ " الصّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ " حَرّكَ لَهَا لِسَانَهُ وَمَا يَكَادُ يُبِينُ، وَفِي قَوْلِهِ " مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ قَوْلَانِ ": قِيلَ أَرَادَ الرّفْقَ بِالْمَمْلُوكِ وَقِيلَ أَرَادَ الزّكَاةَ لِأَنّهَا فِي الْقُرْآنِ مَقْرُونَةٌ بِالصّلَاةِ وَهِيَ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ قَالَهُ الْخَطّابِيّ. وَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂: "فَمِنْ سَفَهِي وَحَدَاثَةِ سِنّي أَنّهُ قُبِضَ فِي حِجْرِي فَوَضَعْت رَأْسَهُ عَلَى الْوِسَادَةِ وَقُمْت أَلْتَدِمُ مَعَ النّسَاءِ" الِالْتِدَامُ ضَرْبُ الْخَدّ بِالْيَدِ وَلَمْ يَدْخُلْ هَذَا فِي التّحْرِيمِ لِأَنّ التّحْرِيمَ إنّمَا وَقَعَ عَلَى الصّرَاخِ وَالنّوَاحِ
[ ٧ / ٥٧٦ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ:
لَمّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَاصِبًا رَأْسَهُ إِلَى الصُّبْح وأبوبكر يُصَلّي بِالنّاسِ فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَفَرّجَ النّاسُ فَعَرَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنّ النّاسَ لَمْ يَصْنَعُوا ذَلِكَ إلّا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَكَصَ عَنْ مُصَلّاهُ فَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ظَهْرِهِ وَقَالَ: " صَلّ بِالنّاسِ " وَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى جَنْبِهِ فَصَلّى قَاعِدًا عَنْ يَمِينِ أَبِي بَكْرٍ فَلَمّا فَرَغَ مِنْ الصّلَاةِ أَقْبَلَ عَلَى النّاسِ فَكَلّمَهُمْ رَافِعًا صَوْتَهُ حَتّى خَرَجَ صَوْتُهُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ يَقُولُ أَيّهَا النّاسُ سُعّرَتْ النّارُ، وَأَقْبَلَتْ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللّيْلِ الْمُظْلِمِ وَإِنّي وَاَللهِ مَا تَمَسّكُونَ عَلَيّ بِشَيْءِ إنّي لَمْ أَحِلّ إلّا مَا أَحَلّ الْقُرْآنُ وَلَمْ أُحَرّمْ إلّا مَا حَرّمَ الْقُرْآنُ
قَالَ فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ كَلَامِهِ قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ يَا نَبِيّ اللهِ إنّي أَرَاك قَدْ أَصْبَحْت بِنِعْمَةِ مِنْ اللهِ وَفَضْلٍ كَمَا نُحِبّ، وَالْيَوْمُ يَوْمُ بِنْتِ خَارِجَةَ أَفَآتِيهَا؟ قَالَ " نَعَمْ "، ثُمّ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ إلَى أَهْلِهِ بِالسّنْحِ
_________________
(١) وَلُعِنَتْ الْخَارِقَةُ وَالْحَالِقَةُ وَالصّالِقَةُ وَهِيَ الرّافِعَةُ لِصَوْتِهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ اللّدْمَ لَكِنّهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فَإِنّهُ مَكْرُوهٌ فِي حَالِ الْمُصِيبَةِ وَتَرْكُهُ أَحْمَدُ إلّا عَلَى أَحْمَدَ ﷺ فَالصّبْرُ يُحْمَدَ فِي الْمَصَائِبِ كُلّهَا إلّا عَلَيْك فَإِنّهُ مَذْمُومُ وَقَدْ كَانَ يُدْعَى لَابِسُ الصّبْرِ حَازِمًا فَأَصْبَحَ يُدْعَى حَازِمًا حِينَ يَجْزَعُ مَتَى تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ وَاتّفَقُوا أَنّهُ تُوُفّيَ ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ إلّا شَيْئًا ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ الْأَرْبِعَاءِ قَالُوا كُلّهُمْ وَفِي رَبِيعٍ الْأَوّلِ غَيْرَ أَنّهُمْ قَالُوا، أَوْ قَالَ أَكْثَرُهُمْ فِي الثّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ وَلَا يَصِحّ أَنْ يَكُونَ تُوُفّيَ ﷺ إلّا فِي الثّانِي مِنْ الشّهْرِ أَوْ الثّالِثَ عَشَرَ أَوْ الرّابِعَ عَشَرَ أَوْ الْخَامِسَ عَشَرَ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنّ وَقْفَةَ عَرَفَةَ
[ ٧ / ٥٧٧ ]
شَأْنُ الْعَبّاسِ وَعَلِيّ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ الزّهْرِيّ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ، قَالَ:
خَرَجَ يَوْمئِذٍ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ عَلَى النّاسِ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ النّاسُ يَا أَبَا حَسَنٍ كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، قَالَ فَأَخَذَ الْعَبّاسُ بِيَدِهِ ثُمّ قَالَ يَا عَلِيّ، أَنْتَ وَاَللهِ عَبْدُ الْعَصَا بَعْدَ ثَلَاثٍ أَحْلِفُ بِاَللهِ لَقَدْ عَرَفْت الْمَوْتَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا كُنْت أَعْرِفُهُ فِي وُجُوهِ بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ، فَانْطَلِقْ بِنَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ فِينَا عَرَفْنَاهُ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا، أَمَرْنَاهُ فَأَوْصَى بِنَا النّاسَ. قَالَ فَقَالَ لَهُ عَلِيّ: إنّي وَاَللهِ لَا أَفْعَلُ وَاَللهِ لَئِنْ مَنَعْنَاهُ لَا يُؤْتِينَاهُ أَحَدٌ بَعْدَهُ.
فَتُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ اشْتَدّ الضّحَاءُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
_________________
(١) فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ كَانَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ التّاسِعُ مِنْ ذِي الْحَجّةِ فَدَخَلَ ذُو الْحَجّةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَكَانَ الْمُحَرّمُ إمّا الْجُمُعَةُ وَإِمّا السّبْتُ فَإِنْ كَانَ الْجُمُعَةُ فَقَدْ كَانَ صَفَرٌ إمّا السّبْتُ وَإِمّا الْأَحَدُ فَإِنْ كَانَ السّبْتُ فَقَدْ كَانَ رَبِيعٌ الْأَحَدَ أَوْ الِاثْنَيْنِ وَكَيْفَا دَارَتْ الْحَالُ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ فَلَمْ يَكُنْ الثّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ بِوَجْهِ وَلَا الْأَرْبِعَاءَ أَيْضًا كَمَا قَالَ الْقُتَبِيّ وَذَكَرَ الطّبَرِيّ عَنْ ابْنِ الْكَلْبِيّ وَأَبِي مِخْنَفٍ أَنّهُ تُوُفّيَ فِي الثّانِي مِنْ رَبِيعٍ الْأَوّلِ وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ أَهْلِ الْجُمْهُورِ فَإِنّهُ لَا يُبْعَدُ أَنْ كَانَتْ الثّلَاثَةُ الْأَشْهُرُ الّتِي قَبْلَهُ كُلّهَا مِنْ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ فَتَدَبّرْهُ فَإِنّهُ صَحِيحٌ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا تَفَطّنَ لَهُ وَقَدْ رَأَيْت لِلْخَوَارِزْمِيّ أَنّهُ تُوُفّيَ عَلَيْهِ
[ ٧ / ٥٧٨ ]
سِوَاك الرّسُولِ قُبَيْلَ الْوَفَاةِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ قَالَتْ:
رَجَعَ إلَيّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حِينَ دَخَلَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاضْطَجَعَ فِي حِجْرِي، فَدَخَلَ عَلَيّ رَجُلٌ مِنْ آلِ أَبِي بَكْرٍ، وَفِي يَدِهِ سِوَاكٌ أَخْضَرُ. قَالَ فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَيْهِ فِي يَدِهِ نَظَرًا عَرَفْت أَنّهُ يُرِيدُهُ قَالَتْ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ أَتُحِبّ أَنْ أُعْطِيَك هَذَا السّوَاكَ؟ قَالَ " نَعَمْ "، قَالَتْ فَأَخَذَتْهُ فَمَضَغَتْهُ لَهُ حَتّى لَيّنَتْهُ ثُمّ أَعْطَيْته إيّاهُ قَالَتْ فَاسْتَنّ بِهِ كَأَشَدّ مَا رَأَيْته يَسْتَنّ بِسِوَاكِ قَطّ، ثُمّ وَضَعَهُ وَوَجَدْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَثْقُلُ فِي حِجْرِي، فَذَهَبْت أَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ فَإِذَا بَصَرُهُ قَدْ شَخَصَ وَهُوَ يَقُولُ " بَلْ الرّفِيقُ الْأَعْلَى مِنْ الْجَنّةِ "، قَالَتْ فَقُلْت: خُيّرْت فَاخْتَرْت وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ قَالَتْ وَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
_________________
(١) السّلَامُ فِي أَوّلِ يَوْمٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوّلِ وَهَذَا أَقْرَبُ فِي الْقِيَاسِ بِمَا ذَكَرَ الطّبَرِيّ عَنْ ابْنِ الْكَلْبِيّ وَأَبِي مِخْنَفٍ. السّوَاكُ فَصْلٌ وَذَكَرَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنّهَا نَاوَلَتْهُ السّوَاكَ حِينَ رَأَتْهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ فَاسْتَاك بِهِ وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ التّنَظّفُ وَالتّطَهّرُ لِلْمَوْتِ وَلِذَلِكَ يُسْتَحَبّ الِاسْتِحْدَادُ لِمَنْ اسْتَشْعَرَ الْقَتْلَ أَوْ الْمَوْتَ كَمَا فَعَلَ خُبَيْبٌ لِأَنّ الْمَيّتَ قَادِمٌ عَلَى رَبّهِ كَمَا أَنّ الْمُصَلّيَ مُنَاجٍ لِرَبّهِ فَالنّظَافَةُ مِنْ شَأْنِهِمَا، وَفِي الْحَدِيثِ " إنّ اللهَ نَظِيفٌ يُحِبّ النّظَافَةَ " خَرّجَهُ التّرْمِذِيّ، وَإِنْ كَانَ مَعْلُولَ السّنَدِ، فَإِنّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ وَلَيْسَ النّظِيفُ مِنْ أَسْمَاءِ الرّبّ وَلَكِنّهُ حَسُنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِازْدِوَاجِ الْكَلَامِ
[ ٧ / ٥٧٩ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبّادٍ، قَالَ:
سَمِعْت عَائِشَةَ تَقُولُ مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي وَفِي دَوْلَتِي، لَمْ أَظْلِمْ فِيهِ أَحَدًا، فَمِنْ سَفَهِي وَحَدَاثَةِ سِنّي أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قُبِضَ وَهُوَ فِي حِجْرِي، ثُمّ
_________________
(١) وَلِقُرْبِ مَعْنَى النّظَافَةِ مِنْ مَعْنَى الْقُدُسِ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ الْقُدّوسُ وَكَانَ السّوَاكُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ عَسِيبِ نَخْلٍ فِيمَا رَوَى بَعْضُهُمْ وَالْعَرَبُ تَسْتَاكُ بِالْعَسِيبِ وَكَانَ أَحَبّ السّوَاكِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ صُرْعُ الْأَرَاكِ، وَاحِدُهَا صَرِيعٌ وَهُوَ قَضِيبٌ يَنْطَوِي مِنْ الْأَرَاكَةِ حَتّى يَبْلُغَ التّرَابَ فَيَبْقَى فِي ظِلّهَا فَهُوَ أَلْيَنُ مِنْ فَرْعِهَا. وَمِمّا رُوِيَ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ - ﵂ - فِي مَعْنَى قَوْلِهَا: بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، أَنّهَا قَالَتْ قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَدَاقِنَتِي فَالْحَاقِنَةُ الثّغْرَةُ وَالدّاقِنَةُ تَحْتَ الدّقْنِ وَيُقَالُ لَهَا: النّونَةُ أَيْضًا. وَرُوِيَ أَيْضًا: بَيْنَ شَجْرِي -بِالشّيْنِ وَالْجِيمِ- وَنَحْرِي، وَسُئِلَ عُمَارَةُ بْنُ عُقَيْلٍ عَنْ مَعْنَاهُ فَشَبّكَ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْهِ وَضَمّهَا إلَى نَحْرِهِ. وَغُسّلَ ﵇ حِينَ قُبِضَ مِنْ بِئْرٍ لِسَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ يُقَالُ لَهَا: بِئْرُ الْغَرْسِ. كَرَامَاتٌ وَمُعْجِزَاتٌ فَصْلٌ وَذَكَرَ أَنّهُمْ كُلّمُوا حِينَ أَرَادُوا نَزْعَ قَمِيصِهِ لِلْغُسْلِ وَكُلّهُمْ سَمِعَ الصّوْتَ وَلَمْ يُرَ الشّخْصُ وَذَلِكَ مِنْ كَرَامَاتِهِ ﷺ وَمِنْ آيَاتِ نُبُوّتِهِ بَعْدَ
[ ٧ / ٥٨٠ ]
وَضَعْت رَأْسَهُ عَلَى وِسَادَةٍ وَقُمْت أَلْتَدِمُ مَعَ النّسَاءِ وَأَضْرِبُ وَجْهِي.
_________________
(١) الْمَوْتِ فَقَدْ كَانَ لَهُ ﵇ كَرَامَاتٌ وَمُعْجِزَاتٌ فِي حَيَاتِهِ وَقَبْلَ مَوْلِدِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ. وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو عُمَرَ ﵀ فِي التّمْهِيدِ مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ أَنّ أَهْلَ بَيْتِهِ سَمِعُوا وَهُوَ مُسَجّى بَيْنَهُمْ قَائِلًا يَقُولُ "السّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ إنّ فِي اللهِ عِوَضًا مِنْ كُلّ تَالِفٍ وَخَلَفًا مِنْ كُلّ هَالِكٍ وَعَزَاءً مِنْ كُلّ مُصِيبَةٍ فَاصْبِرُوا وَاحْتَسِبُوا، إنّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ وَهُوَ حَسْبُنَا، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" قَالَ فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنّهُ الْخَضِرُ صَلّى اللهُ عَلَى نَبِيّنَا وَعَلَيْهِ وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنّ الْفَضْلَ بْنَ عَبّاسٍ كَانَ يُغَسّلُهُ هُوَ وَعَلِيّ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ وَهُوَ يَصُبّ الْمَاءَ يَقُولُ أَرِحْنِي أَرِحْنِي، فَإِنّي أَجِدُ شَيْئًا يَتَنَزّلُ عَلَى ظَهْرِي. وَمِنْهَا أَنّهُ ﵇ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ شَيْءٌ مِمّا يَظْهَرُ مِنْ الْمَوْتَى، وَلَا تَغَيّرَتْ لَهُ رَائِحَةٌ وَقَدْ طَالَ مُكْثُهُ فِي الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ وَكَانَ مَوْتُهُ فِي شَهْرِ أَيْلُولَ فَكَانَ طَيّبًا حَيّا وَمَيّتًا، وَإِنْ كَانَ عَمّهُ الْعَبّاسُ قَدْ قَالَ لِعَلِيّ إنّ ابْنَ أَخِي مَاتَ لَا شَكّ وَهُوَ مِنْ بَنِي آدَمَ يَأْسُنُ كَمَا يَأْسِنُونَ فَوَارَوْهُ. وَكَانَ مِمّا زَادَ الْعَبّاسُ يَقِينًا بِمَوْتِهِ ﵇ أَنّهُ كَانَ قَدْ رَأَى قَبْلَ ذَلِكَ بِيَسِيرِ كَأَنّ الْقَمَرَ رُفِعَ مِنْ الْأَرْضِ إلَى السّمَاءِ بِأَشْطَانِ فَقَصّهَا عَلَى نَبِيّ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ " هُوَ ابْنُ أَخِيك ". وَرَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي السّيرَةِ أَنّ أُمّ سَلَمَةَ قَالَتْ وَضَعْت يَدِي عَلَى صَدْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مَيّتٌ فَمَرّتْ عَلَيّ جُمَعٌ لَا آكُلُ وَلَا أَتَوَضّأُ إلّا وَجَدْت رِيحَ الْمِسْكِ مِنْ يَدِي، وَفِي رِوَايَتِهِ أَيْضًا: أَنّ عَلِيّا نُودِيَ وَهُوَ يُغَسّلُهُ أَنْ ارْفَعْ طَرَفَك إلَى السّمَاءِ. وَفِيهَا أَيْضًا أَنّ عَلِيّا وَالْفَضْلَ حِينَ انْتَهَيَا فِي الْغُسْلِ إلَى أَسْفَلِهِ سَمِعُوا مُنَادِيًا يَقُولُ لَا تَكْشِفُوا عَوْرَةَ نَبِيّكُمْ ﵇.
[ ٧ / ٥٨١ ]
مَقَالَةُ عُمَرَ بَعْدَ وَفَاةِ الرّسُولِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ الزّهْرِيّ: وَحَدّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، فَقَالَ إنّ رِجَالًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ يَزْعُمُونَ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ تُوُفّيَ وَإِنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا مَاتَ وَلَكِنّهُ ذَهَبَ إلَى رَبّهِ كَمَا ذَهَبَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ، فَقَدْ غَابَ عَنْ قَوْمِهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمّ رَجَعَ إلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ قِيلَ قَدْ مَاتَ وَوَاللهِ لَيَرْجَعَنّ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَمَا رَجَعَ مُوسَى، فَلَيَقْطَعَنّ أَيْدِي رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ زَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَاتَ.
_________________
(١) مُوَازَنَةٌ بَيْنَ عُمَرَ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ ﵄: وَأَمّا جَزَعُ عُمَرَ ﵁ وَقَوْلُهُ وَاَللهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَيَرْجِعَنّ كَمَا رَجَعَ مُوسَى ﵇ حَتّى كَلّمَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵀ وَذَكّرَهُ بِالْآيَةِ فَعَقِرَ حَتّى سَقَطَ إلَى الْأَرْضِ وَمَا كَانَ مِنْ ثَبَاتِ جَأْشِ أَبِي بَكْرٍ وَقُوّتِهِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ فَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصّدّيقُ ﵁ مِنْ شِدّةِ التّأَلّهِ وَتَعَلّقِ الْقَلْبِ بِالْإِلَهِ وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمّدًا، فَإِنّ مُحَمّدًا قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنّ اللهَ حَيّ لَا يَمُوتُ. وَمَنْ قُوّةِ تَأَلّهِهِ ﵁ حِينَ أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى رَدّ جَيْشِ أُسَامَةَ حِينَ رَأَوْا الرّدّةَ قَدْ اسْتَعَرَتْ نَارُهَا، وَخَافُوا عَلَى نِسَاءِ الْمَدِينَةِ وَذَرَارِيّهَا، فَقَالَ وَاَللهِ لَوْ لَعِبَتْ الْكِلَابُ بِخَلَاخِلِ نِسَاءِ الْمَدِينَةِ، مَا رَدَدْت جَيْشًا أَنْفَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَلّمَهُ عُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَشَدّ شَيْءٍ عَلَيْهِ أَنْ يُخَالِفَ رَأْيُهُ رَأْيَ سَالِمٍ فَكَلّمُوهُ أَنْ يَدَعَ لِلْعَرَبِ زَكَاةَ ذَلِكَ الْعَامِ تَأَلّفًا لَهُمْ حَتّى يَتَمَكّنَ لَهُ الْأَمْرُ فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
[ ٧ / ٥٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يَتَأَلّفُهُمْ وَكَلّمَهُ عُمَرُ أَنْ يُوَلّيَ مَكَانَ أُسَامَةَ مَنْ هُوَ أَسَنّ مِنْهُ وَأَجْلَدُ فَأَخَذَ بِلِحْيَةِ عُمَرَ وَقَالَ لَهُ يَا ابْنَ الْخَطّابِ أَتَأْمُرُنِي أَنْ أَكُونَ أَوّلَ حَالّ عَقْدًا عَقَدَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَاَللهِ لَأَنْ أَخِرّ مِنْ السّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ فَتَخْطَفُنِي الطّيْرُ أَحَبّ إلَيّ مِنْ أَنْ أُمَالِئَكُمْ عَلَى هَذَا الرّأْيِ وَقَالَ لَهُمْ وَاَللهِ لَوْ أَفْرَدْت مِنْ جَمِيعِكُمْ لَقَاتَلْتهمْ وَحْدِي حَتّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي، وَلَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا، لَجَاهَدْتهمْ عَلَيْهِ أَوَفِي شَكّ أَنْتُمْ أَنّ وَعَدَ اللهِ لَحَقّ. وَإِنّ قَوْلَهُ لَصِدْقٌ وَلَيُظْهِرَنّ اللهُ هَذَا الدّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ. ثُمّ خَرَجَ وَحْدَهُ إلَى ذِي الْقِصّةِ حَتّى اتّبَعُوهُ وَسَمِعَ الصّوْتَ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي كُلّ قَبِيلَةٍ أَلَا إنّ الْخَلِيفَةَ قَدْ تَوَجّهَ إلَيْكُمْ الْهَرَبَ الْهَرَبَ حَتّى اتّصَلَ الصّوْتُ مِنْ يَوْمِهِ بِبِلَادِ حِمْيَرَ، وَكَذَلِكَ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ ﵁ كَانَ يَلُوحُ الْفَرَقُ فِي التّأَلّهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُمَرَ ﵄، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ حِينَ قَالَ النّبِيّ ﷺ " سَمِعْتُك وَأَنْتَ تَخْفِضُ مِنْ صَوْتِك "يَعْنِي فِي صَلَاةِ اللّيْلِ فَقَالَ قَدْ أَسْمَعْت مَنْ نَاجَيْت، وَقَالَ لِلْفَارُوقِ سَمِعْتُك وَأَنْتَ تَرْفَعُ مِنْ صَوْتِك، فَقَالَ كَيْ أَطْرُدَ الشّيْطَانَ وَأُوقِظَ الْوَسْنَانَ. قَالَ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيّ وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ اُنْظُرُوا إلَى فَضْلِ الصّدّيقِ عَلَى الْفَارُوقِ هَذَا فِي مَقَامِ الْمُجَاهَدَةِ وَهَذَا فِي بِسَاطِ الْمُشَاهَدَةِ وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْهُ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ ذَكَرْنَا مَقَالَتَهُ لِلنّبِيّ ﵇ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَهُوَ مَعَهُ فِي الْعَرِيشِ وَكَذَلِكَ فِي أَمْرِ الصّدَقَةِ حِينَ رَغِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهَا، فَجَاءَ عُمَرُ بِنِصْفِ مَالِهِ وَجَاءَ الصّدّيقُ بِجَمِيعِ مَالِهِ فَقَالَ لَهُ النّبِيّ ﵇ " مَا أَبْقَيْت لِأَهْلِك " قَالَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَكَذَلِكَ فَعَلَهُ فِي قِسْمِ الْفَيْءِ حِينَ سَوّى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ هُمْ إخْوَةٌ أَبُوهُمْ الْإِسْلَامُ فَهُمْ فِي هَذَا الْفَيْءِ أُسْوَةٌ وَأُجُورُ أَهْلِ السّوَابِقِ عَلَى اللهِ. وَفَضْلُ عُمَرَ فِي قَسْمِ الْفَيْءِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ عَلَى حَسَبِ
[ ٧ / ٥٨٣ ]
مَوْقِفُ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ وَفَاةِ الرّسُولِ
قَالَ وَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتّى نَزَلَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ حِينَ بَلَغَهُ الْخَبَرُ، وَهُوَ يُكَلّمُ النّاسَ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى شَيْءٍ حَتّى دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مُسَجّى فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ عَلَيْهِ بُرْدٌ حِبَرَةٌ فَأَقْبَلَ حَتّى كَشَفَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ ثُمّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فَقَبّلَهُ ثُمّ قَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي، أَمّا الْمَوْتَةُ الّتِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْك فَقَدْ ذُقْتهَا، ثُمّ لَنْ تُصِيبَك بَعْدَهَا مَوْتَةٌ أَبَدًا. قَالَ ثُمّ رَدّ الْبُرْدَ عَلَى وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ثُمّ خَرَجَ وَعُمَرُ يُكَلّمُ النّاسَ فَقَالَ عَلَى رِسْلِك يَا عُمَرُ أَنْصِتْ فَأَبَى إلّا أَنْ يَتَكَلّمَ فَلَمّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ لَا يُنْصِتُ أَقْبَلَ عَلَى النّاسِ فَلَمّا سَمِعَ النّاسُ كَلَامَهُ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ وَتَرَكُوا عُمَرَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمّ قَالَ
_________________
(١) سَوَابِقِهِمْ ثُمّ قَالَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ لَئِنْ بَقِيت إلَى قَابِلٍ لَأُسَوّيَنّ بَيْنَ النّاسِ وَأَرَادَ الرّجُوعَ إلَى رَأْيِ أَبِي بَكْرٍ ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ ﵁ وَعَنْ جَمِيعِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ– مَا حَدَثَ لِلصّحَابَةِ عَقِبَ وَفَاتِهِ ﷺ وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَغَيْرِهَا مِنْ الصّحَابَةِ أَنّ النّبِيّ ﷺ لَمّا قُبِضَ وَارْتَفَعَتْ الرّنّةُ وَسَجّى رَسُولَ اللهِ ﷺ الْمَلَائِكَةَ دُهِشَ النّاسُ وَطَاشَتْ عُقُولُهُمْ وَأُقْحِمُوا، وَاخْتَلَطُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ خُبِلَ وَمِنْهُمْ مَنْ أُصْمِتَ وَمِنْهُمْ مَنْ أُقْعِدَ إلَى أَرْضٍ فَكَانَ عُمَرُ مِمّنْ خُبِلَ وَجَعَلَ يَصِيحُ وَيَحْلِفُ مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَانَ مِمّنْ أُخْرِسَ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ حَتّى جَعَلَ يُذْهَبُ بِهِ وَيُجَاءُ وَلَا يَسْتَطِيعُ كَلَامًا، وَكَانَ مِمّنْ أُقْعِدَ عَلِيّ، ﵁ فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَرَاكًا، وَأَمّا عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ، فَأُضْنِيَ حَتّى مَاتَ كَمَدًا، وَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَا بَكْرٍ ﵁ وَهُوَ بِالسّنْحِ فَجَاءَ وَعَيْنَاهُ نَهْمُلَانَ وَزَفَرَاتُهُ تَتَرَدّدُ فِي صَدْرِهِ وَغُصَصُهُ تَرْتَفِعُ كَقِطَعِ
[ ٧ / ٥٨٤ ]
أَيّهَا النّاسُ إنّهُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمّدًا فَإِنّ مُحَمّدًا قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنّ اللهَ حَيّ لَا يَمُوتُ.
قَالَ ثُمّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَمَا مُحَمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ﴾ [آلُ عِمْرَانَ:١٤٤] .
قَالَ فَوَاَللهِ لَكَانَ النّاسُ لَمْ يَعْلَمُوا أَنّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ حَتّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ يَوْمئِذٍ
_________________
(١) الْجِرّةِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ جَلْدُ الْعَقْلِ وَالْمَقَالَةِ حَتّى دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَكَبّ عَلَيْهِ وَكَشَفَ وَجْهَهُ وَمَسَحَهُ وَقَبّلَ جَبِينَهُ وَجَعَلَ يَبْكِي، وَيَقُولُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي طِبْت حَيّا وَمَيّتًا، وَانْقَطَعَ لِمَوْتِك مَا لَمْ يَنْقَطِعْ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ النّبُوّةِ فَعَظُمْت عَنْ الصّفّةِ وَجَلَلْت عَنْ الْبُكَاءِ وَخَصَصْت حَتّى صِرْت مَسْلَاةً وَعَمَمْت حَتّى صِرْنَا فِيك سَوَاءً وَلَوْ أَنّ مَوْتَك كَانَ اخْتِيَارًا لَجُدْنَا لِمَوْتِك بِالنّفُوسِ وَلَوْلَا أَنّك نَهَيْت عَنْ الْبُكَاءِ لَأَنْفَدْنَا عَلَيْك مَاءَ الشّؤُونِ فَأَمّا مَا لَا نَسْتَطِيعُ نَفِيَهُ فَكَمَدٌ وَإِدْنَافٌ يَتَحَالَفَانِ لَا يَبْرَحَانِ اللهُمّ أَبْلِغْهُ عَنّا، اُذْكُرْنَا يَا مُحَمّدُ عِنْدَ رَبّك، وَلْنَكُنْ مِنْ بَالِك، فَلَوْلَا مَا خَلّفْت مِنْ السّكِينَةِ لَمْ نَقُمْ لِمَا خَلّفْت مِنْ الْوَحْشَةِ اللهُمّ أَبْلِغْ نَبِيّك عَنّا، وَاحْفَظْهُ فِينَا، ثُمّ خَرَجَ لَمّا قَضَى النّاسُ غَمَرَاتِهِمْ وَقَامَ خَطِيبًا فِيهِمْ بِخُطْبَةِ جُلّهَا الصّلَاةُ عَلَى النّبِيّ مُحَمّدٍ ﷺ وَقَالَ فِيهَا: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَخَاتَمُ أَنْبِيَائِهِ وَأَشْهَدُ أَنّ الْكِتَابَ كَمَا نَزَلَ وَأَنّ الدّينَ كَمَا شُرِعَ وَأَنّ الْحَدِيثَ كَمَا حُدّثَ وَأَنّ الْقَوْلَ كَمَا قَالَ وَأَنّ اللهَ هُوَ الْحَقّ الْمُبِينُ" فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ ثُمّ قَالَ أَيّهَا النّاسُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمّدًا، فَإِنّ مُحَمّدًا قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنّ اللهَ حَيّ لَمْ يَمُتْ وَأَنّ اللهَ قَدْ تَقَدّمَ لَكُمْ فِي أَمْرِهِ فَلَا تَدْعُوهُ جَزَعًا، وَأَنّ اللهَ ﵎ قَدْ اخْتَارَ لِنَبِيّهِ ﵇ مَا عِنْدَهُ عَلَى مَا عِنْدَكُمْ وَقَبَضَهُ إلَى ثَوَابِهِ
[ ٧ / ٥٨٥ ]
قَالَ وَأَخَذَهَا النّاسُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فَإِنّمَا هِيَ فِي أَفْوَاهِهِمْ قَالَ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ عُمَرُ وَاَللهِ مَا هُوَ إلّا أَنْ سَمِعْت أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا، فَعَقَرْت حَتّى وَقَعْت إلَى الْأَرْضِ مَا تَحْمِلُنِي رِجْلَايَ وَعَرَفْت أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ مَاتَ.
_________________
(١) وَخَلّفَ فِيكُمْ كِتَابَهُ وَسُنّةَ نَبِيّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهِمَا عَرَفَ وَمَنْ فَرّقَ بَيْنَهُمَا أَنْكَرَ ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النّسَاءُ:١٣٥] وَلَا يَشْغَلَنّكُمْ الشّيْطَانُ بِمَوْتِ نَبِيّكُمْ وَلَا يَلْفِتَنّكُمْ عَنْ دِينِكُمْ وَعَاجِلُوا الشّيْطَانَ بِالْخِزْيِ تُعْجِزُوهُ وَلَا تَسْتَنْظِرُوهُ فَيَلْحَقَ بِكَمْ. فَلَمّا فَرَغَ مِنْ خُطْبَتِهِ قَالَ يَا عُمَرُ أَأَنْتَ الّذِي بَلَغَنِي عَنْك أَنّك تَقُولُ عَلَى بَابِ نَبِيّ اللهِ وَاَلّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ مَا مَاتَ نَبِيّ اللهِ أَمّا عَلِمْت أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ كَذَا: كَذَا، وَكَذَا، وَقَالَ اللهُ ﷿ فِي كِتَابِهِ ﴿إِنّكَ مَيّتٌ وَإِنّهُمْ مَيّتُونَ﴾ [الزّمَرُ:٣٠] فَقَالَ عُمَرُ وَاَللهِ لَكَأَنّي لَمْ أَسْمَعْ بِهَا فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى قَبْلَ الْآنَ لَمَا نَزَلَ بِنَا، أَشْهَدُ أَنّ الْكِتَابَ كَمَا نَزَلَ وَأَنّ الْحَدِيثَ كَمَا حُدّثَ وَأَنّ اللهَ ﵎ حَيّ لَا يَمُوتُ إنّا لِلّهِ وَإِنّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَى رَسُولِهِ وَعِنْدَ اللهِ نَحْتَسِبُ رَسُولَهُ. وَقَالَ عُمَرُ فِيمَا كَانَ مِنْهُ لَعَمْرِي لَقَدْ أَيْقَنْت أَنّك مَيّتٌ وَلَكِنّمَا أَبْدَى الّذِي قُلْته الْجَزَعْ وَقُلْت يَغِيبُ الْوَحْيُ عَنّا لِفَقْدِهِ كَمَا غَابَ مُوسَى، ثُمّ يَرْجِعْ كَمَا رَجَعَ وَكَانَ هَوَايَ أَنْ تَطُولَ حَيَاتُهُ وَلَيْسَ لِحَيّ فِي بَقَا مَيّتٍ طَمَعْ فَلَمّا كَشَفْنَا الْبُرْدَ عَنْ حُرّ وَجْهِهِ إذَا الْأَمْرُ بِالْجَزَعِ الْمُوهِبِ قَدْ وَقَعْ فَلَمْ تَكُ لِي عِنْدَ الْمُصِيبَةِ حِيلَةٌ أَرُدّ بِهَا أَهْلَ الشّمَاتَةِ وَالْقَذَعْ سِوَى آذَنَ اللهُ فِي كِتَابِهِ وَمَا آذَنَ اللهُ الْعِبَادَ بِهِ يَقَعْ وَقَدْ قَلّتْ مِنْ بَعْدِ الْمَقَالَةِ قَوْلَةً لَهَا فِي حُلُوقِ الشّامِتِينَ بِهِ بَشَعْ
[ ٧ / ٥٨٦ ]
أَمْرُ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ
تَفَرّقُ الْكَلِمَةِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَلَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ انْحَازَ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ إلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَاعْتَزَلَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزّبَيْرُ بْنُ الْعَوَامّ وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ وَانْحَازَ بَقِيّةُ الْمُهَاجِرِينَ إلَى أَبِي بَكْرٍ وَانْحَازَ مَعَهُمْ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَل فَأَتَى آتٍ إلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ إنّ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ مَعَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ قَدْ انْحَازُوا إلَيْهِ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ بِأَمْرِ النّاسِ حَاجَةٌ فَأَدْرِكُوا قَبْلَ أَنْ يَتَفَاقَمَ أَمْرُهُمْ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ لَمْ يُفْرَغْ مِنْ أَمْرِهِ قَدْ أَغْلَقَ دُونَهُ الْبَابَ أَهْلُهُ. قَالَ عُمَرُ فَقُلْت لِأَبِي بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا إلَى إخْوَانِنَا هَؤُلَاءِ مِنْ الْأَنْصَارِ، حَتّى نَنْظُرَ مَا هُمْ عَلَيْهِ.
ابْنُ عَوْفٍ وَمَشُورَتُهُ عَلَى عُمَرَ بِشَأْنِ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ السّقِيفَةِ حِينَ اجْتَمَعَتْ بِهَا الْأَنْصَارُ، أَنّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، حَدّثَنِي عَنْ ابْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ، قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَالَ وَكُنْت فِي
_________________
(١) أَلَا إنّمَا كَانَ النّبِيّ مُحَمّدٌ إلَى أَجَلٍ وَافِي بِهِ الْوَقْتُ فَانْقَطَعْ نَدِينُ عَلَى الْعِلّاتِ مِنّا بِدِينِهِ وَنُعْطِي الّذِي أَعْطَى، وَنَمْنَعُ مَا مَنّعَ وَوَلّيْت مَحْزُونًا بِعَيْنِ سَخِينَةٍ أَكَفْكِفُ دَمْعِي وَالْفُؤَادُ قَدْ انْصَدَعْ وَقُلْت لِعَيْنِي: كُلّ دَمْعٍ ذَخَرْته فَجُودِي بِهِ إنّ الشّجِيّ لَهُ دُفَعْ وَفِي هَذَا الْخَبَرِ أَنّ عُمَرَ قَالَ فَعَقِرْت إلَى الْأَرْضِ يَعْنِي حِينَ قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ مَا قَالَ يُقَالُ عَقِرَ الرّجُلُ إذَا سَقَطَ إلَى الْأَرْضِ مِنْ قَامَتِهِ وَحَكَاهُ يَعْقُوبُ عَفَرَ
[ ٧ / ٥٨٧ ]
مَنْزِلِهِ بِمَنَى أَنْتَظِرُهُ وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ فِي آخِرِ حَجّةٍ حَجّهَا عُمَرُ قَالَ فَرَجَعَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ فَوَجَدَنِي فِي مَنْزِلِهِ بِمَنَى أَنْتَظِرُهُ وَكُنْت أُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ، فَقَالَ لِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ:
لَوْ رَأَيْت رَجُلًا أَتَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ لَك فِي فُلَانٍ يَقُولُ وَاَللهِ لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ لَقَدْ بَايَعْت فُلَانًا، وَاَللهِ مَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ إلّا فَلْتَةً فَتَمّتْ. قَالَ فَغَضِبَ عُمَرُ فَقَالَ إنّي إنْ شَاءَ اللهُ لَقَائِمٌ الْعَشِيّةَ فِي النّاسِ فَمُحَذّرُهُمْ هَؤُلَاءِ الّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ أَمْرَهُمْ قَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ فَقُلْت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَفْعَلْ فَإِنّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رِعَاعَ النّاسِ وَغَوْغَائِهِمْ وَإِنّهُمْ هُمْ الّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى قُرْبِك، حِينَ تَقُومُ فِي النّاسِ وَإِنّي أَخْشَى أَنْ تَقُومَ فَتَقُولُ مَقَالَةً يَطِيرُ بِهَا أُولَئِكَ عَنْك كُلّ مَطِيرٍ وَلَا يَعُوهَا، وَلَا يَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، فَأَمْهِلْ حَتّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ فَإِنّهَا دَارُ السّنّةِ وَتَخْلُصَ بِأَهْلِ الثّقَةِ وَأَشْرَافِ النّاسِ فَتَقُولَ مَا قُلْت بِالْمَدِينَةِ مُتَمَكّنًا، فَيَعِي أَهْلُ الْفِقْهِ مَقَالَتَك، وَيَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، قَالَ فَقَالَ عُمَرُ أَمَا وَاَللهِ إنْ شَاءَ اللهُ لَأَقُومَنّ بِذَلِكَ أَوّلَ مَقَامٍ أَقُومَهُ بِالْمَدِينَةِ
خُطْبَةُ عُمَرَ عِنْدَ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ
قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فِي عَقِبِ ذِي الْحَجّةِ فَلَمّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ عَجّلْت الرّوَاحَ حِينَ زَالَتْ الشّمْسُ فَأَجِدُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ جَالِسًا إلَى رُكْنِ الْمِنْبَرِ فَجَلَسْت حَذْوَهُ تَمَسّ رُكْبَتِي رُكْبَتَهُ فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، فَلَمّا رَأَيْته مُقْبِلًا، قُلْت لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ لَيَقُولَنّ الْعَشِيّةَ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ مَقَالَةً لَمْ يَقُلْهَا مُنْذُ اُسْتُخْلِفَ قَالَ فَأَنْكَرَ عَلَيّ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ ذَلِكَ وَقَالَ مَا عَسَى أَنْ يَقُولَ مِمّا لَمْ يَقُلْ قَبْلَهُ فَجَلَسَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَلَمّا سَكَتَ الْمُؤَذّنُونَ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلٌ لَهُ ثُمّ قَالَ
_________________
(١) بِالْفَاءِ كَأَنّهُ مِنْ الْعَفَرِ وَهُوَ التّرَابُ وَصَوّبَ ابْنُ كَيْسَانَ الرّوَايَتَيْنِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَوْ نَزَلَ بِالْجِبَالِ الصّمّ مَا نَزَلَ بِأَبِي لَهَاضَهَا،
[ ٧ / ٥٨٨ ]
أَمّا بَعْدُ فَإِنّي قَائِلٌ لَكُمْ الْيَوْمَ مَقَالَةً قَدْ قُدّرَ لِي أَنْ أَقُولَهَا، وَلَا أَدْرِي لَعَلّهَا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِي، فَمَنْ عَقَلَهَا وَوَعَاهَا فَلْيَأْخُذْ بِهَا حَيْثُ انْتَهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ وَمَنْ خَشِيَ أَنْ لَا يَعِيَهَا فَلَا يَحِلّ لِأَحَدِ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيّ إنّ اللهَ بَعَثَ مُحَمّدًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ مِمّا أَنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةَ الرّجْمِ فَقَرَأْنَاهَا وَعَلِمْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، وَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ فَأَخْشَى إنْ طَالَ بِالنّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ وَاَللهِ مَا نَجِدُ الرّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ فَيَضِلّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ وَإِنّ الرّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ حَقّ عَلَى مَنْ زَنَى إذَا أُحْصِنَ مِنْ الرّجَالِ وَالنّسَاءِ وَإِذَا قَامَتْ الْبَيّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبْلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ ثُمّ إنّا قَدْ كُنّا نَقْرَأُ فِيمَا نَقْرَأُ مِنْ كِتَابِ اللهِ لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَإِنّهُ كُفْرٌ بِكَمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ أَلَا إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ "لَا تُطْرُونِي كَمَا أُطْرِيَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ " ثُمّ إنّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنّ فُلَانًا قَالَ وَاَللهِ لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ لَقَدْ بَايَعْت فُلَانًا، فَلَا يَغُرّنّ امْرِئِ أَنْ يَقُولَ إنّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ فَلْتَةً فَتَمّتْ وَإِنّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ إلّا أَنّ اللهَ قَدْ وَقَى شَرّهَا، وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ تَنْقَطِعُ الْأَعْنَاقُ إلَيْهِ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ فَمَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنّهُ لَا بَيْعَةَ لَهُ هُوَ وَلَا الّذِي بَايَعَهُ تَغِرّةً أَنْ يُقْتَلَا، إنّهُ كَانَ مِنْ خَبَرِنَا حِينَ تَوَفّى اللهُ نَبِيّهُ ﷺ أَنّ الْأَنْصَارَ خَالَفُونَا، فَاجْتَمَعُوا بِأَشْرَافِهِمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَتَخَلّفَ عَنّا عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزّبَيْرُ بْنُ الْعَوَامّ وَمَنْ مَعَهُمَا، وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إلَى أَبِي بَكْرٍ فَقُلْت لِأَبِي بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا إلَى إخْوَانِنَا هَؤُلَاءِ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَانْطَلَقْنَا نَؤُمّهُمْ حَتّى لَقِينَا مِنْهُمْ رَجُلَانِ صَالِحَانِ فَذَكَرَا لَنَا مَا تَمَالَأَ عَلَيْهِ الْقَوْمُ وَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُونَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ؟ قُلْنَا: نُرِيدُ إخْوَانَنَا هَؤُلَاءِ مِنْ الْأَنْصَارِ، قَالَا: فَلَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَقْرَبُوهُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ اقْضُوا أَمْرَكُمْ.
قَالَ قُلْت: وَاَللهِ لَنَأْتِيَنّهُمْ فَانْطَلَقْنَا حَتّى أَتَيْنَاهُمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ فَإِذَا بَيْنَ
_________________
(١) ارْتَدّتْ الْعَرَبُ وَاشْرَأَبّ النّفَاقُ فَمَا اخْتَلَفُوا فِي نُقْطَةٍ إلّا طَارَ أَبِي بِحَظّهَا وَغِنَائِهَا، وَيُرْوَى فِي بُقْطَةٍ بِالْبَاءِ قَالَهُ الْهَرَوِيّ فِي الْغَرِيبَيْنِ وَفَسّرَهُ بِاللّمْعَةِ وَنَحْوِهَا،
[ ٧ / ٥٨٩ ]
ظَهْرَانَيْهِمْ رَجُلٌ مُزَمّلٌ فَقُلْت: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقُلْت: مَا لَهُ؟ فَقَالُوا: وَجِعٌ. فَلَمّا جَلَسْنَا تَشَهّدَ خَطِيبُهُمْ فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمّ قَالَ أَمّا بَعْدُ فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ وَكَتِيبَةُ الْإِسْلَامِ وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ رَهْطٌ مِنّا، وَقَدْ دَفّتْ دَافّةٌ مِنْ قَوْمِكُمْ قَالَ وَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَحْتَازُونَا مِنْ أَصْلِنَا، وَيَغْصِبُونَا الْأَمْرَ فَلَمّا سَكَتَ أَرَدْت أَنْ أَتَكَلّمَ وَقَدْ زُوّرَتْ فِي نَفْسِي مَقَالَةٌ قَدْ أَعْجَبَتْنِي، أُرِيدُ أَنْ أُقَدّمَهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ وَكُنْت أَدَارِي مِنْهُ بَعْضَ الْحَدّ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رِسْلِك يَا عُمَرُ فَكَرِهْت أَنْ أُغْضِبَهُ فَتَكَلّمَ وَهُوَ كَانَ أَعْلَمُ مِنّي وَأَوْقَرَ فَوَاَللهِ مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبَتْنِي مِنْ تَزْوِيرِي إلّا قَالَهَا فِي بَدِيهَتِهِ أَوْ مِثْلِهَا أَوْ أَفْضَلَ حَتّى سَكَتَ قَالَ أَمّا مَا ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْرٍ فَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ وَلَنْ تَعْرِفَ الْعَرَبُ هَذَا الْأَمْرَ إلّا لِهَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْشٍ، هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ نَسَبًا وَدَارًا; وَقَدْ رَضِيت لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرّجُلَيْنِ فَبَايَعُوا أَيّهمَا شِئْتُمْ وَأَخَذَ بِيَدِي وَبِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرّاحِ وَهُوَ جَالِسٌ بَيْنَنَا، وَلَمْ أَكْرَهْ شَيْئًا مِمّا قَالَهُ غَيْرُهَا، كَانَ وَاَللهِ أَنْ أَقْدَمَ فَتُضْرَبُ عُنُقِي، لَا يُقَرّبُنِي ذَلِكَ إلَى إثْمٍ أَحَبّ إلَيّ مِنْ أَنْ أَتَأَمّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ.
قَالَ قَائِلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكّكُ وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجّبُ مِنّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ. قَالَ فَكَثُرَ اللّغَطُ وَارْتَفَعَتْ الْأَصْوَاتُ حَتّى تَخَوّفْت الِاخْتِلَافَ فَقُلْت: أَبْسِطْ يَدَك يَا أَبَا بَكْرٍ فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْته، ثُمّ بَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ، ثُمّ بَايَعَهُ الْأَنْصَارُ، وَنَزَوْنَا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ: قَالَ فَقُلْت: قَتَلَ اللهُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ.
تَعْرِيفُ بِالرّجُلَيْنِ اللّذَيْنِ لَقِيَا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي طَرِيقِهِمَا إلَى السّقِيفَةِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ الزّهْرِيّ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزّبَيْرِ أَنّ أَحَدَ الرّجُلَيْنِ اللّذَيْنِ لَقَوْا مِنْ الْأَنْصَارِ حِينَ ذَهَبُوا إلَى السّقِيفَةِ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ وَالْآخَرُ مَعْنُ بْنُ عَدِيّ أَخُو
_________________
(١) وَاسْتَشْهَدَ بِالْحَدِيثِ فِي النّفْيِ عَنْ بَقْطِ الْأَرْضِ وَهُوَ أَنْ يَقْطَعَ شَجَرَهَا فَتُتّخَذُ بُقَعًا لِلزّرْعِ وَبَقْطُهَا ضَرْبٌ مِنْ الْمُخَابِرَةِ قَدْ فَسّرَهُ.
[ ٧ / ٥٩٠ ]
بَنِي الْعَجْلَانِ. فَأَمّا عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ فَهُوَ الّذِي بَلَغَنَا أَنّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مَنْ الّذِينَ قَالَ اللهُ ﷿ لَهُم ﴿فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبّونَ أَنْ يَتَطَهّرُوا﴾ [التّوْبَةُ: ١٠٨]؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ "ن عَم الْمَرْءُ مِنْهُمْ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ " وَأَمّا مَعْنُ بْنُ عَدِيّ فَبَلَغَنَا أَنّ النّاسَ بَكَوْا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ تَوَفّاهُ اللهُ ﷿ وَقَالُوا: وَاَللهِ لَوَدِدْنَا أَنّا مُتْنَا قَبْلَهُ إنّا نَخْشَى أَنْ نُفْتَتَنَ بَعْدَهُ. قَالَ مَعْنُ بْنُ عَدِيّ لَكِنّي وَاَللهِ مَا أُحِبّ أَنّي مُتّ قَبْلَهُ حَتّى أُصَدّقَهُ مَيّتًا كَمَا صَدّقْته حَيّا; فَقُتِلَ مَعْنٌ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذّابِ.
خُطْبَةُ عُمَرَ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ عِنْد الْبيعَة الْعَامَّة
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي الزّهْرِيّ، قَالَ حَدّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ:
لَمّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ فِي السّقِيفَةِ وَكَانَ الْغَدُ جَلَسَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَامَ عُمَرُ، فَتَكَلّمَ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمّ قَالَ:
أَيّهَا النّاسُ إنّي كُنْت قُلْت لَكُمْ بِالْأَمْسِ مَقَالَةً مَا كَانَتْ مِمّا وَجَدْتهَا فِي كِتَابِ اللهِ وَلَا كَانَتْ عَهْدًا عَهِدَ إلَيّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَكِنّي قَدْ كُنْت أَرَى أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَيُدَبّرُ أَمْرَنَا ; يَقُولُ يَكُونُ آخِرُنَا وَإِنّ اللهَ قَدْ أَبْقَى فِيكُمْ كِتَابَهُ الّذِي بِهِ هَدَى اللهُ رَسُولَهُ ﷺ فَإِنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ هَدَاكُمْ اللهُ لِمَا كَانَ هَدَاهُ لَهُ وَإِنّ اللهَ قَدْ جَمَعَ أَمْرَكُمْ عَلَى خَيْرِكُمْ صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثَانِي اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الْغَارِ فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ فَبَايَعَ النّاسُ أَبَا بَكْرٍ بَيْعَةَ الْعَامّةِ بَعْدَ بَيْعَةِ السّقِيفَةِ.
خُطْبَةُ أَبِي بَكْرٍ
فَتَكَلّمَ أَبُو بَكْرٍ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِاَلّذِي هُوَ أَهْلُهُ ثُمّ قَالَ "أَمّا بَعْدُ أَيّهَا النّاسُ فَإِنّي قَدْ وُلّيت عَلَيْكُمْ وَلَسْت بِخَيْرِكُمْ فَإِنْ أَحْسَنْت فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَأْت فَقَوّمُونِي، الصّدْقُ أَمَانَةٌ وَالْكَذِبُ خِيَانَةٌ وَالضّعِيفُ فِيكُمْ قَوِيّ عِنْدِي حَتّى أُرِيحَ عَلَيْهِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٩١ ]
حَقّهُ إنْ شَاءَ اللهُ وَالْقَوِيّ فِيكُمْ ضَعِيفٌ عِنْدِي حَتّى آخُذَ الْحَقّ مِنْهُ إنْ شَاءَ اللهُ لَا يَدَعُ قَوْمٌ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ إلّا ضَرَبَهُمْ اللهُ بِالذّلّ وَلَا تَشِيعُ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطّ إلّا عَمّهُمْ اللهُ بِالْبَلَاءِ أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِذَا عَصَيْت اللهَ وَرَسُولَهُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ. قُومُوا إلَى صَلَاتِكُمْ يَرْحَمْكُمْ اللهُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ:
وَاَللهِ إنّي لَأَمْشِي مَعَ عُمَرَ فِي خِلَافَتِهِ وَهُوَ عَامِدٌ إلَى حَاجَةٍ لَهُ وَفِي يَدِهِ الدّرّةُ وَمَا مَعَهُ غَيْرِي، قَالَ وَهُوَ يُحَدّثُ نَفْسَهُ وَيَضْرِبُ وَحْشِيّ قَدَمِهِ بِدِرّتِهِ قَالَ إذَا الْتَفَتَ إلَيّ فَقَالَ يَا ابْنَ عَبّاسٍ، هَلْ تَدْرِي مَا كَانَ حَمَلَنِي عَلَى مَقَالَتِي الّتِي قُلْت حِينَ تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَ قُلْت: لَا أَدْرِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْتَ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنّهُ وَاَللهِ إنْ كَانَ الّذِي حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ إلّا أَنّي كُنْت أَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [الْبَقَرَةُ: ١٤٣]، فَوَاَللهِ إنْ كُنْت لَأَظُنّ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَيَبْقَى فِي أُمّتِهِ حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهَا بِآخِرِ أَعْمَالِهَا، فَإِنّهُ لَلّذِي حَمَلَنِي عَلَى أَنْ قُلْت مَا قُلْت.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٩٢ ]
جِهَازُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَدَفْنُهُ
مَنْ تَوَلّى غُسْلَ الرّسُولِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَلَمّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ أَقْبَلَ النّاسُ عَلَى جِهَازِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الثّلَاثَاءِ فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا:
أَنّ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَالْعَبّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَالْفَضْلَ بْنَ الْعَبّاسِ وَقُثَمَ بْنَ الْعَبّاسِ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَشُقْرَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ هُمْ الّذِينَ وُلّوا غَسْلَهُ وَأَنّ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٩٢ ]
أَوْسَ بْنَ خَوْلِيّ أَحَدَ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، قَالَ لِعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنْشُدُك اللهَ يَا عَلِيّ وَحَظّنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَانَ أَوْسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَهْلِ بَدْرٍ قَالَ اُدْخُلْ فَدَخَلَ فَجَلَسَ وَحَضَرَ غُسْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَسْنَدَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إلَى صَدْرِهِ وَكَانَ الْعَبّاسُ وَالْفَضْلُ وَقُثَمُ يُقَلّبُونَهُ مَعَهُ وَكَانَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَشُقْرَانُ مَوْلَاهُ هُمَا اللّذَانِ يَصُبّانِ الْمَاءَ عَلَيْهِ وَعَلِيّ يُغَسّلُهُ قَدْ أَسْنَدَهُ إلَى صَدْرِهِ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ يُدَلّكُهُ بِهِ مِنْ وَرَائِهِ لَا يُفْضِي بِيَدِهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَلِيّ يَقُولُ "بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي، مَا أَطْيَبَك حَيّا وَمَيّتًا" وَلَمْ يُرَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ مِمّا يُرَى مِنْ الْمَيّتِ.
كَيْفَ غُسّلَ الرّسُولُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَبّادٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
لَمّا أَرَادُوا غَسْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ اخْتَلَفُوا فِيهِ. فَقَالُوا: وَاَللهِ مَا نَدْرِي، أَنُجَرّدُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرّدُ مَوْتَانَا، أَوْ نُغَسّلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ؟ قَالَتْ فَلَمّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللهُ عَلَيْهِمْ النّوْمَ حَتّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إلّا ذَقْنُهُ فِي صَدْرِهِ ثُمّ كَلّمَهُمْ مُكَلّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ أَنْ اغْسِلُوا النّبِيّ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ قَالَتْ فَقَامُوا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَغَسّلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ يَصُبّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ وَيُدَلّكُونَهُ وَالْقَمِيصُ دُونَ أَيْدِيهِمْ
تَكْفِينُ الرّسُولِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَلَمّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كُفّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثَوَابِ ثَوْبَيْنِ صَحَارِيّيْنِ وَبُرْدٌ حَبِرَةٌ أُدْرِجَ فِيهَا إدْرَاجًا، كَمَا حَدّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ عَلِيّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَالزّهْرِيّ، عَنْ عَلِيّ بْنِ الْحُسَيْنِ.
حَفْرُ الْقَبْرِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٥٩٣ ]
لَمّا أَرَادُوا أَنْ يَحْفِرُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرّاحِ يَضْرَحُ كَحَفْرِ أَهْلِ مَكّةَ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ هُوَ الّذِي يَحْفِرُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يُلْحَدُ فَدَعَا الْعَبّاسُ رَجُلَيْنِ فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا: اذْهَبْ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرّاحِ وَلِلْآخَرِ اذْهَبْ إلَى أَبِي طَلْحَةَ. اللهُمّ خِرْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَوَجَدَ صَاحِبُ أَبِي طَلْحَةَ أَبَا طَلْحَةَ فَجَاءَ بِهِ فَلَحَدَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ.
دَفْنُ الرّسُولِ وَالصّلَاةُ عَلَيْهِ
فَلَمّا فَرَغَ مِنْ جَهَازِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الثّلَاثَاءِ وَضَعَ فِي سَرِيرِهِ فِي بَيْتِهِ وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ اخْتَلَفُوا فِي دَفْنِهِ. فَقَالَ قَائِلٌ نَدْفِنُهُ فِي مَسْجِدِهِ وَقَالَ قَائِلٌ بَلْ نَدْفِنُهُ مَعَ أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إنّي سَمِعْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ " مَا قُبِضَ نَبِيّ إلّا دُفِنَ حَيْثُ يُقْبَض" فَرُفِعَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الّذِي تُوُفّيَ عَلَيْهِ فَحُفِرَ لَهُ تَحْتَهُ ثُمّ دَخَلَ النّاسُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُصَلّونَ عَلَيْهِ أَرْسَالًا، دَخَلَ الرّجَالُ حَتّى إذَا فَرَغُوا أَدَخَلَ النّسَاءَ حَتّى إذَا فَرَغَ النّسَاءُ أَدَخَلَ الصّبْيَانَ. وَلَمْ يَؤُمّ النّاسَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أحد.
_________________
(١) كَيْفَ صُلّيَ عَلَى جِنَازَتِهِ ﵇؟ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ وَغَيْرُهُ أَنّ الْمُسْلِمِينَ صَلّوْا عَلَيْهِ أَفْذَاذًا، لَا يَؤُمّهُمْ أَحَدٌ، كُلّمَا جَاءَتْ طَائِفَةٌ صَلّتْ عَلَيْهِ وَهَذَا خُصُوصٌ بِهِ ﷺ وَلَا يَكُونُ هَذَا الْفِعْلُ إلّا عَنْ تَوْقِيفٍ وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنّهُ أَوْصَى بِذَلِكَ ذَكَرَهُ الطّبَرِيّ مُسْنَدًا، وَوَجْهُ الْفِقْهِ فِيهِ أَنّ اللهَ ﵎ افْتَرَضَ الصّلَاةَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿صَلّوا عَلَيْهِ وَسَلّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الْأَحْزَابُ:٥٦] وَحُكْمُ هَذِهِ الصّلَاةِ الّتِي تَضَمّنَتْهَا الْآيَةُ أَلّا تَكُونَ بِإِمَامِ وَالصّلَاةُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَوْتِهِ دَاخِلَةٌ فِي لَفْظِ الْآيَةِ وَهِيَ مُتَنَاوِلَةٌ لَهَا، وَلِلصّلَاةِ عَلَيْهِ عَلَى كُلّ
[ ٧ / ٥٩٤ ]
دفن الرَّسُول
ثُمّ دُفِنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ وَسَطِ اللّيْلِ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي
_________________
(١) حَالٍ وَأَيْضًا فَإِنّ الرّبّ ﵎، قَدْ أَخْبَرَهُ أَنّهُ يُصَلّي عَلَيْهِ وَمَلَائِكَتُهُ فَإِذَا كَانَ الرّبّ تَعَالَى هُوَ الْمُصَلّي وَالْمَلَائِكَةُ قَبْلَ الْمُؤْمِنِينَ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ الْمُؤْمِنِينَ تَبَعًا لِصَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ وَأَنْ تَكُونَ الْمَلَائِكَةُ هُمْ الْإِمَامُ وَالْحَدِيثُ الّذِي ذَكَرْته عَنْ الطّبَرِيّ فِيهِ طُولٌ وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزّارُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُرّةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَفِيهِ أَنّهُ حِينَ جَمَعَ أَهْلَهُ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ﵂ أَنّهُمْ قَالُوا: فَمَنْ يُصَلّي عَلَيْك يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ فَهَلّا غَفَرَ اللهُ لَكُمْ وَجَزَاكُمْ عَنْ نَبِيّكُمْ خَيْرًا، فَبَكَيْنَا وَبَكَى النّبِيّ ﷺ فَقَالَ " إذَا غَسّلْتُمُونِي، وَكَفّنْتُمُونِي، فَضَعُونِي عَلَى سَرِيرِي فِي بَيْتِي هَذَا عَلَى شَفِيرِ قَبْرِي، ثُمّ اُخْرُجُوا عَنّي سَاعَةً فَإِنّ أَوّلَ مَنْ يُصَلّي عَلَيّ جَلِيسِي وَخَلِيلِي جِبْرِيلُ ثُمّ مِيَكَائِيلُ ثُمّ إسْرَافِيلُ ثُمّ مَلَكُ الْمَوْتِ مَعَ جُنُودِهِ ثُمّ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْمَعِهَا، ثُمّ اُدْخُلُوا عَلَيّ فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ فَصَلّوا عَلَيّ وَسَلّمُوا، تَسْلِيمًا، وَلَا تُؤْذُونِي بِتَزْكِيَةِ وَلَا ضَجّةٍ وَلَا رَنّةٍ وَلْيَبْدَأْ بِالصّلَاةِ عَلَيّ رِجَالُ بَيْتِي ثُمّ نِسَاؤُهُمْ وَأَنْتُمْ بَعْدُ أَقْرِئُوا أَنَفْسَكُمْ السّلَامَ مِنّي، وَمَنْ غَابَ مِنْ أَصْحَابِي فَأَقْرِئُوهُ مِنّي السّلَامَ وَمَنْ تَابِعَكُمْ بَعْدِي عَلَى دِينِي، فَأَقْرِئُوهُ مِنّي السّلَامَ فَإِنّي أُشْهِدُكُمْ أَنّي قَدْ سَلّمْت عَلَى مَنْ تَابَعَنِي عَلَى دِينِي مِنْ الْيَوْمِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ "، قُلْت: فَمَنْ يُدْخِلْك قَبْرَك يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ " أَهْلِي مَعَ مَلَائِكَةٍ كَثِيرٍ يَرَوْنَكُمْ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ " مَوته ﵊ كَانَ خَطْبًا كَالِحًا فَصْلٌ وَكَانَ مَوْتُهُ ﵇ خَطْبًا كَالِحًا، وَرُزْءًا لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَادِحًا، كَادَتْ تُهَدّ لَهُ الْجِبَالُ وَتَرْجُفُ الْأَرْضُ وَتَكْسِفُ النّيّرَاتُ لِانْقِطَاعِ خَبَرِ السّمَاءِ
[ ٧ / ٥٩٥ ]
عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ عُمَارَةَ عَنْ عُمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَسَعْدَ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: قَالَت:
_________________
(١) وَفَقَدَ مَنْ لَا عِوَضَ مِنْهُ مَعَ مَا آذَنَ بِهِ مَوْتُهُ ﵇ مِنْ الْفِتَنِ السّحْمِ وَالْحَوَادِثِ الْوُهُمِ وَالْكُرَبِ الْمُدْلَهِمّةِ وَالْهَزَاهِزِ الْمُضْلِعَةِ فَلَوْلَا مَا أَنْزَلَ اللهُ ﵎ مِنْ السّكِينَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَسْرَجَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ نُورِ الْيَقِينِ وَشَرَحَ لَهُ صُدُورَهُمْ مِنْ فَهْمِ كِتَابِهِ الْمُبِينِ لَانْقَصَمَتْ الظّهُورُ وَضَاقَتْ عَنْ الْكُرَبِ الصّدُورُ وَلَعَاقَهُمْ الْجَزَعُ عَنْ تَدْبِيرِ الْأُمُورِ فَقَدْ كَانَ الشّيْطَانُ أَطْلَعَ إلَيْهِمْ رَأْسَهُ وَمَدّ إلَى إغْوَائِهِمْ مَطَامِعَهُ فَأَوْقَدَ نَارَ الشّنَآنِ وَنَصَبَ رَايَةَ الْخِلَافِ وَلَكِنْ أَبَى اللهُ ﵎ إلّا أَنْ يُتِمّ نُورَهُ وَيُعْلِي كَلِمَتَهُ وَيُنْجِزَ مَوْعُودَهُ فَأَطْفَأَ نَارَ الرّدّةِ وَحَسَمَ قَادَةَ الْخِلَافِ وَالْفِتْنَةِ عَلَى يَدِ الصّدّيقِ ﵁ وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَوْلَا أَبُو بَكْرٍ لَهَلَكَتْ أُمّةُ مُحَمّدٍ ﵇ بَعْدَ نَبِيّهَا وَلَقَدْ كَانَ مِنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ يَوْمئِذٍ مِنْ النّاسِ إذَا أَشْرَفُوا عَلَيْهَا سَمِعُوا لِأَهْلِهَا ضَجِيجًا، وَلِلْبُكَاءِ فِي جَمِيعِ أَرْجَائِهَا عَجِيجًا، حَتّى صَحِلَتْ الْحُلُوقُ وَنَزَفَتْ الدّمُوعُ وَحُقّ لَهُمْ ذَلِكَ وَلِمَنْ بَعْدَهُمْ كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيّ وَاسْمُهُ خُوَيْلِدُ بْنُ خَالِدٍ وَقِيلَ ابْنُ مُحَرّثٍ قَالَ بَلَغَنَا أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلِيلٌ فَاسْتَشْعَرْت حُزْنًا وَبِتّ بِأَطْوَلِ لَيْلَةٍ لَا يَنْجَابُ دَيْجُورُهَا، وَلَا يَطْلُعُ نُورُهَا، فَظَلِلْت أُقَاسِي طُولَهَا، حَتّى إذَا كَانَ قُرْبُ السّحَرِ أَغْفَيْت، فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ وَهُوَ يَقُولُ: خَطْبٌ أَجَلّ أَنَاخَ بِالْإِسْلَامِ بَيْنَ النّخِيلِ وَمَعْقِدِ الْآطَامِ قُبِضَ النّبِيّ مُحَمّدٌ فَعُيُونُنَا تُذْرِي الدّمُوعَ عَلَيْهِ بِالتّسْجَامِ قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ: فَوَثَبْت مِنْ نُوُمِي فَزِعًا، فَنَظَرْت إلَى السّمَاءِ فَلَمْ أَرَ إلّا سَعْدَ
[ ٧ / ٥٩٦ ]
مَا علمنَا بدفن رَسُول الله ﷺ حَتَّى سمعنَا صَوت الْمساحِي من جَوف اللَّيْل من لَيْلَة الْأَرْبَعَاء
قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: وَقد حَدثنِي فَاطِمَة هَذَا الحَدِيث
_________________
(١) الذّابِحِ فَتَفَاءَلْت بِهِ ذَبْحًا يَقَعُ فِي الْعَرَبِ، وَعَلِمَتْ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَدْ قُبِضَ وَهُوَ مَيّتٌ مِنْ عِلّتِهِ فَرَكِبْت نَاقَتِي وَسِرْت، فَلَمّا أَصْبَحْت طَلَبْت شَيْئًا أَزْجُرُ بِهِ فَعَنّ لِي شَيْهَمٌ يَعْنِي: الْقُنْفُذَ قَدْ قُبِضَ عَلَى صِلّ يَعْنِي: الْحَيّةَ فَهِيَ تَلْتَوِي عَلَيْهِ وَالشّيْهَمُ يَقْضِمُهَا حَتّى أَكَلَهَا، فَزَجَرْت ذَلِكَ وَقُلْت: شَيْهَمٌ شَيْءٌ مُهِمّ، وَالْتِوَاءُ الصّلّ الْتِوَاءُ النّاسِ عَنْ الْحَقّ عَلَى الْقَائِمِ بَعْدَ النّبِيّ ﷺ ثُمّ أَكْلُ الشّيْهَمِ إيّاهَا غَلَبَةُ الْقَائِمِ بَعْدَهُ عَلَى الْأَمْرِ. فَحَثَثْت نَاقَتِي، حَتّى إذَا كُنْت بِالْغَابَةِ زَجَرْت الطّائِرَ فَأَخْبَرَنِي بِوَفَاتِهِ وَنَعَبَ غُرَابٌ سَانِحٌ فَنَطَقَ مِثْلَ ذَلِكَ فَتَعَوّذَتْ بِاَللهِ مِنْ شَرّ مَا عَنْ لِي فِي طَرِيقِي، وَقَدِمْت الْمَدِينَةَ وَلَهَا ضَجِيجٌ بِالْبُكَاءِ كَضَجِيجِ الْحَجِيجِ إذَا أَهَلّوا بِالْإِحْرَامِ فَقُلْت: مَهْ؟ فَقَالُوا: قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجِئْت الْمَسْجِدَ فَوَجَدْته خَالِيًا، فَأَتَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَصَبْت بَابَهُ مُرْتَجّا، وَقِيلَ هُوَ مُسَجّى فَدَخَلَا بِهِ أَهْلُهُ فَقُلْت: أَيْنَ النّاسُ؟ فَقِيلَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، صَارُوا إلَى الْأَنْصَارِ، فَجِئْت إلَى السّقِيفَةِ فَأَصَبْت أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرّاحِ وَسَالِمًا وَجَمَاعَةً مِنْ قُرَيْشٍ، وَرَأَيْت الْأَنْصَارَ فِيهِمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَفِيهِمْ شُعَرَاؤُهُمْ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَمَلَأٌ مِنْهُمْ فَآوَيْت إلَى قُرَيْشٍ، وَتَكَلّمَتْ الْأَنْصَارُ، فَأَطَالُوا الْخِطَابَ وَأَكْثَرُوا الصّوَابَ وَتَكَلّمَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَلِلّهِ دَرّهُ مِنْ رَجُلٍ لَا يُطِيلُ الْكَلَامَ وَيَعْلَمُ مَوَاضِعَ فَصْلِ الْخِطَابِ وَاَللهِ لَقَدْ تَكَلّمَ بِكَلَامِ لَا يَسْمَعُهُ سَامِعٌ إلّا انْقَادَ لَهُ وَمَالَ إلَيْهِ ثُمّ تَكَلّمَ عُمَرُ ﵁ بَعْدَهُ دُونَ كَلَامِهِ وَمَدّ يَدَهُ فَبَايَعَهُ وَبَايَعُوهُ وَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ وَرَجَعْت مَعَهُ. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ: فَشَهِدْت الصّلَاةَ عَلَى مُحَمّدٍ ﷺ وَشَهِدْت دَفْنُهُ ثُمّ أَنْشَدَ أَبُو ذُؤَيْبٍ يَبْكِي النّبِيّ ﷺ لَمّا رَأَيْت النّاسَ فِي عَسَلَانِهِمْ مِنْ بَيْنِ مَلْحُودٍ لَهُ وَمُضَرّحِ مُتَبَادِرِينَ لِشَرْجَعِ بِأَكُفّهِمْ نَصّ الرّقَابِ لِفَقْدِ أَبْيَضَ أَرْوَحِ
[ ٧ / ٥٩٧ ]
مَنْ تَوَلّى دَفْنَ الرّسُولِ
قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: وَكَانَ الّذِينَ نَزَلُوا فِي قَبْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْفَضْلُ بْنُ عَبّاسٍ، وَقُثَمُ بْنُ عَبّاسٍ، وَشُقْرَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
_________________
(١) فَهُنَاكَ صِرْت إلَى الْهُمُومِ وَمَنْ يَبِتْ جَارَ الْهُمُومُ يَبِيتُ غَيْرَ مُرَوّحِ كَسَفْت لِمَصْرَعِهِ النّجُومُ وَبَدْرُهَا وَتَزَعْزَعَتْ آطَامُ بَطْنِ الْأَبْطَحِ وَتَزَعْزَعَتْ أَجْبَالُ يَثْرِبَ كُلّهَا وَنَخِيلُهَا لِحُلُولِ خَطْبٍ مُفْدِحِ وَلَقَدْ زَجَرْت الطّيْرَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِمُصَابِهِ وَزَجَرْت سَعْدَ الْأَذْبَحِ وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ يَبْكِي رَسُولَ اللهِ ﷺ أَرِقْت فَبَاتَ لَيْلِي لَا يَزُولُ دَلِيلُ أَخِي الْمُصِيبَةِ فِيهِ طُولُ وَأَسْعَدَنِي الْبُكَاءُ وَذَاكَ فِيمَا أُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ قَلِيلُ لَقَدْ عَظُمَتْ مُصِيبَتُنَا وَجَلّتْ عَشِيّةَ قِيلَ قَدْ قُبِضَ الرّسُولُ وَأَضْحَتْ أَرْضُنَا مِمّا عَرَاهَا تَكَادُ بِنَا جَوَانِبُهَا تَمِيلُ فَقَدْنَا الْوَحْيَ وَالتّنْزِيلَ فِينَا يَرُوحُ بِهِ وَيَغْدُو جَبْرَئِيلُ وَذَاكَ أَحَقّ مَا سَأَلَتْ عَلَيْهِ نَفُوسُ النّاسِ أَوْ كَرَبَتْ تَسِيلُ نَبِيّ كَانَ يَجْلُو الشّكّ عَنّا بِمَا يُوحَى إلَيْهِ وَمَا يَقُولُ وَيَهْدِينَا فَلَا نَخْشَى ضَلَالًا عَلَيْنَا وَالرّسُولُ لَنَا دَلِيلُ أَفَاطِمُ إنْ جَزِعْت فَذَاكَ عُذْرٌ وَإِنْ لَمْ تَجْزَعِي، ذَاكَ السّبِيلُ فَقَبْرُ أَبِيك سَيّدُ كُلّ قَبْرٍ وَفِيهِ سَيّدُ النّاسِ الرّسُولُ وَلَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَدُفِنَ وَرَجَعَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ إلَى رِحَالِهِمْ وَرَجَعَتْ فَاطِمَةُ إلَى بَيْتِهَا اجْتَمَعَ إلَيْهَا نِسَاؤُهَا، فَقَالَتْ: اغْبَرّ آفَاقُ السّمَاءِ وَكُوّرَتْ شَمْسُ النّهَارِ وَأَظْلَمَ الْعَصْرَانِ
[ ٧ / ٥٩٨ ]
وَقَدْ قَالَ أَوْسُ بْنُ خَوْلِيّ لِعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَا عَلِيّ، أَنْشُدُك اللهَ وَحَظّنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ انْزِلْ فَنَزَلَ مَعَ الْقَوْمِ وَقَدْ كَانَ مَوْلَاهُ شُقْرَانُ حِينَ وُضِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حُفْرَتِهِ وَبَنَى عَلَيْهِ قَدْ أَخَذَ قَطِيفَةً وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَلْبَسُهَا وَيَفْتَرِشُهَا، دَفَنَهَا فِي الْقَبْرِ وَقَالَ وَاَللهِ لَا يَلْبَسُهَا أَحَدٌ بَعْدَك أَبَدًا.
قَالَ فَدُفِنَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
أَحْدَثُ النّاسِ عَهْدًا بِالرّسُولِ
وَقَدْ كَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ يَدّعِي أَنّهُ أَحْدَثُ النّاسِ عَهْدًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ أَخَذْت خَاتَمِي، فَأَلْقَيْته فِي الْقَبْرِ، وَقُلْت: إنّ خَاتَمِي سَقَطَ مِنّي، وَإِنّمَا طَرَحْته عَمْدًا لِأَمَسّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَكُونُ أَحْدَثَ النّاسِ عَهْدًا بِهِ ﷺ.
_________________
(١) فَالْأَرْضُ مِنْ بَعْدِ النّبِيّ كَئِيبَةٌ أَسَفًا عَلَيْهِ كَثِيرَةَ الرّجَفَانِ فَلْيَبْكِهِ شَرْقُ الْبِلَادِ وَغَرْبُهَا وَلْتَبْكِهِ مُضَرُ وَكُلّ يَمَانِ وَلْيَبْكِهِ الطّوْدُ الْمُعَظّمُ جَوّهُ وَالْبَيْتُ ذُو الْأَسْتَارِ وَالْأَرْكَانُ يَا خَاتَمَ الرّسُلِ الْمُبَارَكِ ضَوْءُهُ صَلّى عَلَيْك مُنَزّلُ الْقُرْآنِ [نَفْسِي فَدَاؤُك مَا لِرَأْسِك مَاثِلًا مَا وَسّدُوك وِسَادَةَ الْوَسْنَانِ] الِاخْتِلَافُ فِي كَفَنِهِ فَصْلٌ وَأَمّا الِاخْتِلَافُ فِي كَفَنِهِ ﵇ كَمْ ثَوْبًا كَانَ وَفِي الّذِينَ أَدَخَلُوهُ قَبْرَهُ وَنَزَلُوا فِيهِ فَكَثِيرٌ وَأَصَحّ مَا رُوِيَ فِي كَفَنِهِ أَنّهُ كُفّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولِيّةٍ وَكَانَتْ تِلْكَ الْأَثْوَابُ مِنْ كُرْسُفٍ وَكَذَلِكَ قَمِيصُهُ ﵇ كَانَ
[ ٧ / ٥٩٩ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ مِقْسَمٍ، أَبِي الْقَاسِمِ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ مَوْلَاهُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ:
اعْتَمَرْت مَعَ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ فِي زَمَانِ عُمَرَ أَوْ زَمَانِ عُثْمَانَ فَنَزَلَ عَلَى أُخْتِهِ أُمّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ فَلَمّا فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ رَجَعَ فَسُكِبَ لَهُ غُسْلٌ فَاغْتَسَلَ فَلَمّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ دَخَلَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا حَسَنٍ جِئْنَا نَسْأَلُك عَنْ أَمْرٍ نُحِبّ أَنْ تُخْبِرَنَا عَنْهُ؟ قَالَ أَظُنّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يُحَدّثُكُمْ أَنّهُ كَانَ أَحْدَثَ النّاسِ عَهْدًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالُوا: أَجَلْ عَنْ ذَلِكَ جِئْنَا نَسْأَلُك، قَالَ كَذَبَ قَالَ أَحْدَثُ النّاسِ عَهْدًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ قُثَمُ بْنُ عَبّاسٍ.
خَمِيصَةُ الرّسُولِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنّ عَائِشَةَ حَدّثَتْهُ قَالَتْ:
كَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ خَمِيصَةً سَوْدَاءَ حِينَ اشْتَدّ بِهِ وَجَعُهُ قَالَتْ فَهُوَ يَضَعُهَا مَرّةً عَلَى وَجْهِهِ وَمَرّةً يَكْشِفُهَا عَنْهُ وَيَقُولُ " قَاتَلَ اللهُ قَوْمًا اتّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ " يُحَذّرُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أُمّتِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
كَانَ آخِرَ مَا عَهِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ قَالَ " لَا يَتْرُكُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ "
_________________
(١) مِنْ قُطْنٍ، وَوَقَعَ فِي السّيرَةِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ أَنّهَا كَانَتْ إزَارًا وَرِدَاءً وَلِفَافَةً وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَفِي الشّرُوحَاتِ وَكَانَتْ اللّبَنُ الّتِي نُضّدَتْ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ تِسْعَ لَبَنَاتٍ. وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِيمَنْ أَلْحَدَهُ شُقْرَانُ مَوْلَاهُ وَاسْمُهُ صَالِحٌ وَشَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ عَبْدٌ قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ فَلَمْ يُسْهَمْ لَهُ انْقَرَضَ عَقِبُهُ فَلَا عَقِبَ لَهُ.
[ ٧ / ٦٠٠ ]
افْتِتَانُ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَوْت الرّسُولِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَلَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَظُمَتْ بِهِ مُصِيبَةُ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَتْ عَائِشَةُ فِيمَا بَلَغَنِي، تَقُولُ لَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ارْتَدّتْ الْعَرَبُ، وَاشْرَأَبّتْ الْيَهُودِيّةُ والنصرانية، وَنَجَمَ النّفَاقُ وَصَارَ الْمُسْلِمُونَ كَالْغَنَمِ الْمَطِيرَةُ فِي اللّيْلَةِ الشّاتِيَةِ لِفَقْدِ نَبِيّهِمْ ﷺ حَتّى جَمَعَهُمْ اللهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ أَكْثَرَ أَهْلِ مَكّةَ لَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَمّوا بِالرّجُوعِ عَنْ الْإِسْلَامِ وَأَرَادُوا ذَلِكَ حَتّى خَافَهُمْ عَتّابُ بْنُ أَسِيدٍ، فَتَوَارَى، فَقَامَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمّ ذَكَرَ وَفَاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالَ إنّ ذَلِكَ لَمْ يَزِدْ الْإِسْلَامَ إلّا قُوّةً، فَمَنْ رَابَنَا ضَرَبْنَا عُنُقَهُ فَتَرَاجَعَ النّاسُ وَكَفَوْا عَمّا هَمّوا بِهِ وَظَهَرَ عَتّابُ بْنُ أَسِيدٍ.
فَهَذَا الْمَقَامُ الّذِي أَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ لِعُمَرِ بْنِ الْخَطّابِ " إنّهُ عَسَى أَنْ يَقُومَ مَقَامًا لَا تَذُمّهُ "
شِعْرُ حَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ فِي مَرْثِيّتِهِ الرّسُولَ
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْكِي رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيمَا حَدّثَنَا ابْنُ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ
بِطَيْبَةَ رَسْمٌ لِلرّسُولِ وَمَعْهَدٌ مُنِيرٌ وَقَدْ تَعْفُو الرّسُومُ وَتَهْمُدُ
_________________
(١) وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ مَرَاثِيَ حَسّانَ فِي النّبِيّ ﷺ وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَشْكُلُ فَنَشْرَحُهُ وَقَدْ رَثَاهُ كَثِيرٌ مِنْ الشّعَرَاءِ وَغَيْرُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ أَفْحَمَهُمْ الْمُصَابُ عَنْ الْقَوْلِ وَأَعْجَزَتْهُمْ الصّفَةُ عَنْ التّأْبِينِ وَلَنْ يَبْلُغَ بِالْإِطْنَابِ فِي مَدْحٍ وَلَا رِثَاءٍ فِي كُنْهِ مَحَاسِنَهُ ﵇ وَلَا قَدْرَ مُصِيبَةٍ فَقَدَهُ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَصَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ
[ ٧ / ٦٠١ ]
وَلَا تَمْتَحِي الْآيَاتُ مِنْ دَارِ حُرْمَةٍ بِهَا مِنْبَرُ الْهَادِي الّذِي كَانَ يَصْعَدُ
وَوَاضِحُ آثَارٍ وَبَاقِي مَعَالِمِ وَرَبْعٌ لَهُ فِيهِ مُصَلّى وَمَسْجِدُ
بِهَا حُجُرَاتٌ كَانَ يَنْزِلُ وَسَطَهَا مِنْ اللهِ نُورٌ يُسْتَضَاءُ وَيُوقَدُ
مَعَارِفُ لَمْ تُطْمَسْ عَلَى الْعَهْدِ آيُهَا أَتَاهَا الْبِلَى فَالْآيُ مِنْهَا تَجَدّدُ
عَرَفْت بِهَا رَسْمَ الرّسُولِ وَعَهْدَهُ وَقَبْرًا بِهَا وَارَاهُ فِي التّرْبِ مُلْحِدُ
ظَلِلْت بِهَا أَبْكِي الرّسُولَ فَأَسْعَدَتْ عُيُونٌ وَمِثْلَاهَا مِنْ الْجَفْنِ تُسْعَدُ
يُذَكّرْنَ آلَاءَ الرّسُولِ وَمَا أَرَى لَهَا مُحْصِيًا نَفْسِي فَنَفْسِي تَبَلّدُ
مُفَجّعَةً قَدْ شَفّهَا فَقْدُ أَحْمَدَ فَظَلّتْ لِآلَاءِ الرّسُولِ تُعَدّدُ
وَمَا بَلَغَتْ مِنْ كُلّ أَمْرٍ عَشِيرُهُ وَلَكِنْ لِنَفْسِي بَعْدَ مَا قَدْ تُوجَدُ
أَطَالَتْ وُقُوفًا تَذْرِفُ الْعَيْنَ جُهْدُهَا عَلَى طَلَلِ الّذِي فِيهِ أَحْمَدُ
فَبُورِكَتْ يَا قَبْرَ الرّسُولِ وَبُورِكَتْ بِلَادٌ ثَوَى فِيهَا الرّشِيدُ الْمُسَدّدُ
وَبُورِكَ لَحْدٌ مِنْك ضُمّنَ طَيّبًا عَلَيْهِ بِنَاءٌ مِنْ صَفِيحٍ مُنَضّدِ
تَهِيلُ عَلَيْهِ التّرْبَ أَيْدٍ وَأَعْيُنٍ عَلَيْهِ وَقَدْ غَارَتْ بِذَلِكَ أَسْعُدُ
لَقَدْ غَيّبُوا حُلْمًا وَعِلْمًا وَرَحْمَةً عَشِيّةَ عَلَوْهُ الثّرَى لَا يُوَسّدُ
وَرَاحُوا بِحُزْنِ لَيْسَ فِيهِمْ نَبِيّهُمْ وَقَدْ وَهَنَتْ مِنْهُمْ ظُهُورٌ وَأَعْضُدُ
يَبْكُونَ مَنْ تَبْكِي السّمَاوَاتُ يَوْمَهُ وَمَنْ قَدْ بَكَتْهُ الْأَرْضُ فَالنّاسُ أَكْمَدُ
وَهَلْ عَدَلَتْ يَوْمًا رَزِيّةُ هَالِكٍ رَزِيّةَ يَوْمٍ مَاتَ فِيهِ مُحَمّدُ
تَقَطّعَ فِيهِ مَنْزِلُ الْوَحْيِ عَنْهُمْ وَقَدْ كَانَ ذَا نُورٍ يَغُورُ وَيَنْجَدُ
يَدُلّ عَلَى الرّحْمَنِ مَنْ يَقْتَدِي بِهِ وَيُنْقِذُ مِنْ هَوْلِ الْخَزَايَا وَيُرْشَدُ
إمَامٌ لَهُمْ يَهْدِيهِمْ الْحَقّ جَاهِدًا مُعَلّمُ صِدْقٍ إنْ يُطِيعُوهُ يُسْعَدُوا
_________________
(١) صَلَاةً تَتّصِلُ مَدَى اللّيَالِي وَالْأَيّامِ وَأَحَلّهُ أَعَلَى مَرَاتِبِ الرّحْمَةِ وَالرّضْوَانِ وَالْإِكْرَامِ وَجَزَاهُ عَنّا أَفْضَلَ مَا جَزَى بِهِ نَبِيّا عَنْ أُمّتِهِ وَلَا خَالَفَ بِنَا عَنْ مِلّته، إنّهُ وَلِيّ الطّولِ وَالْفَضْلِ وَالْإِنْعَامِ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رب الْعَالمين.
[ ٧ / ٦٠٢ ]
عَفُوّ عَنْ الزّلّاتِ يَقْبَلُ عُذْرَهُمْ وَإِنْ يُحْسِنُوا فَاَللهُ بِالْخَيْرِ أَجْوَدُ
وَإِنْ نَابَ أَمْرٌ لَمْ يَقُومُوا بِحَمْلِهِ فَمِنْ عِنْدَهُ تَيْسِيرُ مَا يَتَشَدّدُ
فَبَيْنَا هُمْ فِي نِعْمَةِ اللهِ بَيْنَهُمْ دَلِيلٌ بِهِ نَهْجُ الطّرِيقَةِ يُقْصَدُ
عَزِيزٌ عَلَيْهِ أَنْ يَجُورُوا عَنْ الْهُدَى حَرِيصٌ عَلَى أَنْ يَسْتَقِيمُوا وَيَهْتَدُوا
عُطُوفٌ عَلَيْهِمْ لَا يُثْنَى جَنَاحُهُ إلَى كَنَفٍ يَحْنُو عَلَيْهِمْ وَيَمْهَدُ
فَبَيْنَا هُمْ فِي ذَلِكَ النّورِ إذْ غَدَا إلَى نُورِهِمْ سَهْمٌ مِنْ الْمَوْتِ مُقْصِدُ
فَأَصْبَحَ مَحْمُودًا إلَى اللهِ رَاجِعًا يَبْكِيهِ حَقّ الْمُرْسَلَاتِ وَيُحْمَدُ
وَأَمْسَتْ بِلَادُ الْحَرَمِ وَحْشًا بِقَاعِهَا لِغَيْبَةِ مَا كَانَتْ مِنْ الْوَحْيِ تَعْهَدُ
قِفَارًا سِوَى مَعْمُورَةِ اللّحْدِ ضَافَهَا فَقِيدٌ يَبْكِيهِ بَلَاطٌ وَغَرْقَدُ
وَمَسْجِدُهُ فَالْمُوحِشَاتُ لِفَقْدِهِ خَلَاءٌ لَهُ فِيهِ مَقَامٌ وَمَقْعَدُ
وَبِالْجَمْرَةِ الْكُبْرَى لَهُ ثُمّ أَوْحَشَتْ دِيَارٌ وَعَرْصَاتٌ وَرَبْعٌ وَمَوْلِدُ
فَبَكّى رَسُولَ اللهِ يَا عَيْنُ عَبْرَةً وَلَا أَعْرِفَنّكِ الدّهْرَ دَمْعُك يَجْمُدُ
وَمَا لَك لَا تَبْكِينَ ذَا النّعْمَةِ الّتِي عَلَى النّاسِ مِنْهَا سَابِغٌ يَتَغَمّدُ
فَجُودِي عَلَيْهِ بِالدّمُوعِ وَأَعْوِلِي لِفَقْدِ الّذِي لَا مِثْلَهُ الدّهْرُ يُوجَدُ
وَمَا فَقَدَ الْمَاضُونَ مِثْلَ مُحَمّدٍ وَلَا مِثْلُهُ حَتّى الْقِيَامَةِ يُفْقَدُ
أَعَفّ وَأَوْفَى ذِمّةً بَعْدَ ذِمّةٍ وَأَقْرَبَ مِنْهُ نَائِلًا لَا يُنَكّدُ
وَأَبْذَلَ مِنْهُ لِلطّرِيفِ وَتَالِدٍ إذَا ضَنّ مِعْطَاءٌ بِمَا كَانَ يُتْلَدُ
وَأَكْرَمَ صِيتًا فِي الْبُيُوتِ إذَا انْتَمَى وَأَكْرَمَ جَدّا أَبْطَحِيّا يُسَوّدُ
وَأَمْنَعَ ذَرَوَاتٍ وَأَثْبَتَ فِي الْعُلَا دَعَائِمُ عِزّ شَاهِقَاتٌ تُشَيّدُ
وَأَثْبَتَ فَرْعًا فِي الْفُرُوعِ وَمَنْبَتًا وَعُودًا غَذّاهُ الْمُزْنُ فَالْعُودُ أَغْيَدُ
رَبّاهُ وَلَيَدًا فَاسْتَتَمّ تَمَامُهُ عَلَى أَكْرَمِ الْخَيْرَاتِ رَبّ مُمَجّدُ
تَنَاهَتْ وَصَاةُ الْمُسْلِمِينَ بِكَفّهِ فَلَا الْعِلْمُ مَحْبُوسٌ وَلَا الرّأْيُ يُفْنَدُ
أَقُولُ وَلَا يَلْقَى لِقَوْلِي عَائِبُ مِنْ النّاسِ إلّا عَازِبُ الْعَقْلِ مُبْعَدُ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٦٠٣ ]
وَلَيْسَ هَوَايَ نَازِعًا عَنْ ثَنَائِهِ لَعَلّي بِهِ فِي جَنّةِ الْخُلْدِ أُخْلَدُ
مَعَ الْمُصْطَفَى أَرْجُو بِذَاكَ جِوَارَهُ وَفِي نَيْلِ ذَاكَ الْيَوْمِ أَسْعَى وَأَجْهَدُ
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا، يَبْكِي رَسُولُ اللهِ ﷺ
مَا بَالُ عَيْنِك لَا تَنَامُ كَأَنّمَا كَحَلَتْ مَآقِيُهَا بِكُحْلِ الْأَرْمَدِ
جَزَعًا عَلَى الْمَهْدِيّ أَصْبَحَ ثَاوِيًا يَا خَيْرَ مَنْ وَطِئَ الْحَصَى لَا تَبْعَدْ
وَجْهِي يَقِيك التّرْبَ لَهْفِي لَيْتَنِي غُيّبْت قَبْلَك فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ
بِأَبِي وَأُمّي مَنْ شَهِدْت وَفَاتَهُ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ النّبِيّ الْمُهْتَدِي
فَظَلِلْت بَعْدَ وَفَاتِهِ مُتَبَلّدًا مُتَلَدّدًا يَا لَيْتَنِي لَمْ أُولَدْ
أَأُقِيمُ بَعْدَك بِالْمَدِينَةِ بَيْنَهُمْ يَا لَيْتَنِي صُبّحْت سُمّ الْأَسْوَدِ
أَوْ حَلّ أَمْرُ اللهِ فِينَا عَاجِلًا فِي رَوْحَةٍ مِنْ يَوْمِنَا أَوْ مِنْ غَدٍ
فَتَقُومُ سَاعَتَنَا فَنَلْقَى طَيّبًا مَحْضًا ضَرَائِبُهُ كَرِيمُ الْمَحْتِدِ
يَا بِكْرَ آمِنَةَ الْمُبَارَكَ بِكْرُهَا وَلَدَتْهُ مُحْصَنَةٌ بِسَعْدِ الْأَسْعَدِ
نُورًا أَضَاءَ عَلَى الْبَرّيّةِ كُلّهَا مَنْ يُهْدَ لِلنّورِ الْمُبَارَكِ يَهْتَدِي
يَا رَبّ فَاجْمَعْنَا مَعًا وَنَبِيّنَا فِي جَنّةٍ تَثْنِنِي عُيُونَ الْحُسّدِ
فِي جَنّةِ الْفِرْدَوْسِ فَاكْتُبْهَا لَنَا يَا ذَا الْجَلَالِ وَذَا الْعُلَا وَالسّوْدُدِ
وَاَللهِ أَسْمَع مَا بَقِيت بِهَالِك إلّا بِكَيْت عَلَى النّبِيّ مُحَمّدِ
يَا وَيْحَ أَنْصَارِ النّبِيّ وَرَهْطِهِ بَعْدَ الْمُغَيّبِ فِي سَوَاءِ الْمَلْحَدِ
ضَاقَتْ بِالْأَنْصَارِ الْبِلَادُ فَأَصْبَحُوا سُودًا وُجُوهُهُمْ كَلَوْنِ الْإِثْمِدِ
وَلَقَدْ وَلَدْنَاهُ وَفِينَا قَبْرُهُ وَفُضُولَ نِعْمَتِهِ بِنَا لَمْ نَجْحَدْ
وَاَللهُ أَكَرَمَنَا بِهِ وَهَدَى بِهِ أَنْصَارَهُ فِي كُلّ سَاعَةٍ مَشْهَدِ
صَلّى الْآلِهُ وَمَنْ يَحُفّ بِعَرْشِهِ وَالطّيّبُونَ عَلَى الْمُبَارَكِ أَحْمَدِ
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٦٠٤ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْكِي رَسُولَ اللهِ ﷺ
نَبّ الْمَسَاكِينَ أَنّ الْخَيْرَ فَارَقَهُمْ مَعَ النّبِيّ تَوَلّى عَنْهُمْ سَحَرًا
مَنْ ذَا الّذِي عِنْدَهُ رَحْلِي وَرَاحِلَتِي وَرِزْقُ أَهْلِي إذَا لَمْ يُؤْنَسُوا الْمَطَرَا
أَمْ مَنْ نُعَاتِبُ لَا نَخْشَى جَنَادِعَهُ إذَا اللّسَانُ عَتَا فِي الْقَوْلِ أَوْ عَثَرَا
كَانَ الضّيَاءُ وَكَانَ النّورُ نَتْبَعُهُ بَعْدَ الْإِلَهِ وَكَانَ السّمْعُ وَالْبَصَرَا
فَلَيْتَنَا يَوْمَ وَارَوْهُ بِمُلْحِدِهِ وَغَيّبُوهُ وَأَلْقَوْا فَوْقَهُ الْمَدَرَا
لَمْ يَتْرُكْ اللهُ مِنّا بَعْدَهُ أَحَدًا وَلَمْ يَعِشْ بَعْدَهُ أُنْثَى وَلَا ذَكَرَا
ذَلّتْ رِقَابُ بَنِي النّجّارِ كُلّهِمْ وَكَانَ أَمْرًا مِنْ أَمْرِ اللهِ قَدْ قُدِرَا
وَاقْتَسَمَ الْفَيْءُ دُونَ النّاسِ كُلّهِمْ وَبَدّدُوهُ جِهَارًا بَيْنَهُمْ هَدَرَا
وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَبْكِي رَسُولَ اللهِ ﷺ أَيْضًا:
آلَيْتَ مَا فِي جَمِيعِ النّاسِ مُجْتَهِدًا مِنّي أَلْيَةَ بَرّ غَيْرَ إفْنَادِ
تَاللهِ مَا حَمَلَتْ أُنْثَى وَلَا وَضَعَتْ مِثْلَ الرّسُولِ نَبِيّ الْأُمّةِ الْهَادِي
وَلَا بَرَا اللهُ خَلْقًا مِنْ بَرّيّتِهِ أَوْفَى بِذِمّةِ جَارٍ أَوْ بِمِيعَادِ
مَنْ الّذِي كَانَ فِينَا يُسْتَضَاءُ بِهِ مُبَارَكَ الْأَمْرِ ذَا عَدْلٍ وَإِرْشَادِ
أَمْسَى نِسَاؤُك عَطّلْنَ الْبُيُوتَ فَمَا يَضْرِبْنَ فَوْقَ قَفَا سِتْرٍ بِأَوْتَادِ
مِثْلَ الرّوَاهِبِ يَلْبَسْنَ الْمَبَاذِلَ قَدْ أَيْقَنّ بِالْبُؤْسِ بَعْدَ النّعْمَةِ الْبَادِي
يَا أَفَضْلَ النّاسِ إنّي كُنْت فِي نَهَرٍ أَصْبَحْت مِنْهُ كَمِثْلِ الْمُفْرَدِ الصّادِي
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَجُزُ الْبَيْتِ الْأَوّلِ مِنْ غَيْرِ ابْن إِسْحَاق.
تمّ الْكتاب وَالْحَمْد لله الَّذِي بنعمته تتمّ الصَّالِحَات
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٧ / ٦٠٥ ]
مصَادر ومراجع
فهرس المراجع
١- الْقُرْآن الْكَرِيم، مصحف الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة.
٢- أدباء السجون.
لعبد الْعَزِيز الحلفي بيروت، طبعة دَار عَالم الْكتب.
٣- أدباء الْعَرَب.
للبستاني ط/ دَار مَازِن عبود.
٤- أدب القَاضِي.
للخصاف ط/ بَغْدَاد، ١٣٩٨هـ.
٥- الِاسْتِيعَاب.
لِابْنِ عبد الْبر، الْهِنْد، مطبعة دَار المعارف، الطبعة الأولى.
٦- أَسد الغابة.
لِابْنِ الْأَثِير، ط/ مصر، دَار الشّعب.
٧- أَسْنَى المطالب.
للْأَنْصَارِيِّ، ط/ بيروت، دَار المكتبة الإسلامية.
٨- الْإِصَابَة.
لِابْنِ حجر، ط/ بيروت دَار الْعُلُوم الحديثة.
٩- الْأَعْلَام.
للزركلي، طبعة الرياض الحديثة.
١٠- الأغاني.
للأصفهاني، ط/ الْقَاهِرَة، دَار الْكتب المصرية، الطبعة الأولى، ١٣٤٦هـ.
١١- أقضية الرَّسُول.
لِابْنِ الطلاع، ط/ بيروت، دَار الْكتاب اللبناني، الطبعة الثَّانِيَة، ١٤٠٢هـ.
[ ٧ / ٦٣ ]
١٢الْأَوَائِل.
للعسكري، طبعة الرياض، دَار الْعُلُوم، الطبعة الثَّالِثَة، ١٤٠١هـ.
١٣بَدَائِع الصَّنَائِع.
للكاساني، ط/ مصر، المطبعة الجمالية، الطبعة الأولى، ١٣٣٨هـ.
١٤الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة.
لِابْنِ كثير، ط/ بيروت، مكتبة المعارف، ١٣٧٨هـ.
١٥تَاج الْعَرُوس.
للزبيدي، ط/ بيروت، دَار مكتبة الْحَيَاة.
١٦التعذيب عبر العصور.
لبير تهارت، ط/ سورية، دَار الحوار، الطبعة الأولى، ١٩٨٤م.
١٧تَفْسِير إِسْمَاعِيل بن كثير، بيروت، دَار الْمعرفَة، بيروت، دَار الْكتب العلمية.
١٨تَفْسِير الْقُرْطُبِيّ (الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن)، الْقَاهِرَة، دَار الْكتاب الْعَرَبِيّ، ١٣٨٧هـ.
١٩تقارير الْأَمَانَة الْعَامَّة للجمعيات الْخَيْرِيَّة لتحفيظ الْقُرْآن الْكَرِيم.
٢٠تقارير التحفيظ فِي دور الملاحظة.
٢١تقارير دَار الملاحظة بِالْمَدِينَةِ المنورة
٢٢تقارير الشؤون الدِّينِيَّة فِي الإدارة الْعَامَّة للسجون.
٢٣تقارير وزارة الداخلية الْمُتَعَلّقَة بالسجون.
٢٤تَهْذِيب سير أَعْلَام النبلاء.
لِأَحْمَد الْحِمصِي، ط/ مؤسسة الرسَالَة، الطبعة الأولى.
٢٥حكم الْحَبْس فِي الشَّرِيعَة الإسلامية.
لمُحَمد بن عبد الله الأحمدي، ط/ الرياض، مكتبة الرشد.
٢٦خَزَائِن الْأَدَب.
للحلفي، ط/ الْقَاهِرَة، دَار الْكتاب الْعَرَبِيّ.
[ ٧ / ٦٤ ]
٢٧دَائِرَة المعارف.
لمُحَمد فريد وجدي، ط/ بيروت دَار الْفِكر.
٢٨رِعَايَة الْأَحْدَاث المنحرفين.
لعبد الله نَاصِر السدحان، مكتبة العبيكان، ط/ أولى، ١٤١٧هـ.
٢٩السجْن وموجباته فِي الشَّرِيعَة الإسلامية.
للجريوي، ط/ الرياض، المعهد العالي للْقَضَاء، ١٤٠٧هـ.
٣٠سنَن التِّرْمِذِيّ.
مطبعة الْحلَبِي، الطبعة الثَّانِيَة، ١٣٩٨هـ.
٣١علاج الْقُرْآن للجريمة.
لمُحَمد عبد الله مُحَمَّد الْأمين، ط/ مطبعة ابْن تَيْمِية بِالْقَاهِرَةِ، الطبعة الأولى، ١٤١٣هـ.
٣٢علل وأدوية لمُحَمد الْغَزالِيّ، ط/ دَار الْعلم، الطبعة الثَّانِيَة، ١٤٠٨هـ.
٣٣عُيُون الأنباء.
لِابْنِ أبي أصيبعة، ط/ بيروت، دَار الثقافة، ١٣٩٨هـ.
٣٤الْقَامُوس الْمُحِيط.
لفيروزابادي، الطبعة الرَّابِعَة، دَار الْمَأْمُون، ١٣٥٧هـ.
٣٥الْكَامِل.
لِابْنِ الْأَثِير، ط/ بيروت، دَار الْفِكر.
٣٦لِسَان الْعَرَب.
لِابْنِ مَنْظُور، ط/ بيروت، دَار صادر.
٣٧مَجْمُوع فَتَاوَى شيخ الْإِسْلَام.
لِابْنِ تَيْمِية، الطبعة الأولى، ١٣٨٦هـ.
٣٨الْمجلة الإحصائية الَّتِي تصدرها وزارة الداخلية.
[ ٧ / ٦٥ ]
٣٩مُخْتَار الصِّحَاح.
للرازي، ط/ بيروت، دَار الْفِكر، ١٣٩٢هـ.
٤٠المُصَنّف.
لعبد الرَّزَّاق الصَّنْعَانِيّ، الطبعة الأولى، ١٣٩٢هـ.
٤١مُعْجم الْبلدَانِ.
لياقوت الْحَمَوِيّ، ط/ بيروت، دَار صادر، ١٤٠٤هـ.
٤٢المعجم الْوَسِيط.
إِبْرَاهِيم مصطفى وَآخَرُونَ، مجمع اللُّغَة الْعَرَبيَّة، ط/ بيروت، دَار إحْيَاء التراث.
٤٣النقائض.
لأبي عُبَيْدَة، ط/ ليدن، مطبعة إبريل، ١٩٠٥.
٤٤وفيات الْأَعْيَان.
لِابْنِ خلكان، ط/ بيروت، دَار صادر.
[ ٧ / ٦٦ ]