كان يوم فتح مكة يومًا مشهودًا، وفيه من الدروس والعبر الكثير، من ذلك: احتواء الموقف، وإحقاق الحق، وإزهاق الباطل بتكسير الأصنام، وتأليف القلوب، والصفح والعفو عن ألد الأعداء وإدخالهم في حظيرة الإسلام بالأخلاق الرفيعة العالية، وغير ذلك من المواقف العظيمة التي فعلها ﷺ في يوم فتح مكة.
[ ٣٩ / ١ ]
الخطوات التي قام بها الرسول ﷺ بعد فتح مكة مباشرة
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الحادي عشر من دروس السيرة النبوية في العهد المدني فترة الفتح والتمكين.
في الدرس السابق تحدثنا عن لحظة من أهم اللحظات في تاريخ الدعوة الإسلامية، بل وفي تاريخ الأرض عندما دخل رسول الله ﷺ مكة فاتحًا عزيزًا منتصرًا ﷺ، ودخل كما تعلمون في عشرة آلاف من أصحابه ﵃ وأرضاهم أجمعين.
وكما ذكرنا لم يلق مقاومة تذكر في مكة المكرمة إلا مجموعة واحدة من كفار قريش أرادت المقاومة، فاستطاع خالد بن الوليد ﵁ مع فرسان معه أن يقضوا على هذه المقاومة في لحظات، ودانت مكة المكرمة لحكم المسلمين بعد أقل من يوم واحد من فتحها، والرسول ﵊ دخل بموكبه المهيب مخترقًا مكة بكاملها حتى وصل إلى صحن الكعبة.
[ ٣٩ / ٢ ]
تكسير الأصنام
أول ما دخل ﷺ الكعبة المكرمة أمر بتكسير الأصنام التي حولها داخلها، فقد كان حول الكعبة (٣٦٠) صنمًا غير هبل أعظم آلهتهم، فالرسول ﵊ أمر الصحابة ﵃ وأرضاهم أجمعين بتكسير كل هذه الأصنام وشاركهم في ذلك.
وهذا الأمر كان بعد صبر دام (٢١) سنة كاملة، فقد كان الرسول ﷺ يطوف بالكعبة مدة (١٣) سنة متتالية.
أي: الفترة المكية، ولم يفكر مرة واحدة في كسر صنم واحد، وطاف في عمرة القضاء قبل الفتح بعام واحد ولم يفكر لحظة واحدة في كسر صنم واحد من هذه الأصنام، وهذه المفارقة وهذه المقارنة بين الموقفين تحتاج منا إلى وقفة.
بعد صبر (٢١) سنة الآن لا يصبر ﵊ لحظة واحدة، فهو لم يقم الصلاة ولم يكلم الناس ولم يعمل أي شيء قبل أن يكسر الأصنام ويأمر بذلك.
عندما نأتي لندرس سيرة الرسول ﵊ لابد أن نأخذ اهتمامًا خاصًا بالأعمال التي قام بها ﷺ، بمعنى أنه إذا بدأ بشيء ما فهذا الأمر مقصود، فكل خطوة من خطواته ﷺ متابعة بالوحي، وفيها رعاية كاملة من رب العالمين ﷾، وهي تشريع للمسلمين، فالرسول ﵊ يوم الفتح لا يصبر دقائق على وجود صنم يعبد من دون الله ﷿، هذا ما أسميه بـ: فقه الموازنات، وفقه الواقع، وفقه دفع أكبر الضررين، وجلب أكبر المنفعتين، لو كان الرسول ﵊ كسر هذه الأصنام في فترة مكة المكرمة لقامت الدنيا ولم تقعد، ولاستئصل المسلمون بكاملهم من مكة المكرمة.
أما الآن وبعد أن صار ﷺ حاكمًا لمكة المكرمة، بل ولأجزاء كبيرة جدًا من الجزيرة العربية، وصار في هذه القوة فإنه لا يصبر على وجود مثل هذا المنكر الشنيع من صنم يعبد من دون الله ﷿، فكسر كل الأصنام، وكسرها وهو يقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا).
بالإضافة إلى كونه لا يرضى عن وجود هذا المنكر، فتكسيره للأصنام كان خطوة سياسية في منتهى الروعة؛ لأن هذه الخطوة كسرت تمامًا كل معنويات أهل مكة، وهذه الأصنام ظلت تعبد من دون الله لا أقول عشرات السنين بل مئات السنين في داخل مكة المكرمة، أجيال وراءها أجيال تعبد هذه الأصنام، فهاهي الآن تكسر هذه الأصنام، وكل مشرك كان يعتقد في داخله أن هذه الأصنام ستصيبه ﷺ وأصحابه بضرر أو بسوء؛ لأنهم فعلوا معها ذلك، ومع ذلك لم يحدث له شيء، وكذلك الجيش الإسلامي بكامله لم يحدث له شيء، فظهرت الحقيقة واضحة أمام أعين المشركين من أنهم كانوا في ضلال مبين كل هذه السنوات السابقة.
إذًا: هذه خطوة رائعة وهامة جدًا لكسر معنويات كفار قريش، فبعد هذا التكسير لهذه الأصنام خارت قواهم تمامًا وفقدوا كل أمل في المقاومة، والرسول ﵊ لم يكتف بتكسير الأصنام في مكة المكرمة، بل حرص ﷺ على تكسير الأصنام في كل المناطق المحيطة بمكة المكرمة، فأرسل ﷺ سرية بقيادة خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه لكسر العزى، وهي من أكبر الآلهة التي كانت تعبد من دون الله ﷿، فذهب خالد بسرية وكسر هذا الصنم الضخم صنم العزى.
وأرسل سرية بقيادة سعيد بن زيد ﵁ وأرضاه لكسر صنم مناة وهو من أشهر أصنام العرب.
وأرسل سرية بقيادة عمرو بن العاص لهدم صنم سواع، وصنم سواع من الأصنام المشهورة عند العرب أيضًا.
إذًا: الرسول ﵊ بنفسه كسر هبل في صحن الكعبة، وأرسل خالد بن الوليد لكسر العزى، وسعيد بن زيد لكسر مناة، وعمرو بن العاص لكسر سواع، لكن بقي صنم مشهور جدًا من أصنام العرب وهو صنم اللات، وصنم اللات هذا كان موجودًا في مدينة الطائف عند قبيلة ثقيف، وهو من أعظم الأصنام عند العرب، ولم يكسر إلا بعد إسلام ثقيف في السنة التاسعة من الهجرة.
لقد كسر الرسول ﵊ كل الأصنام الكبرى التي استطاع أن يكسرها في ذلك الوقت، سواء في داخل مكة أو في المناطق التي حول مكة.
وبذلك كما ذكرنا سقطت كل معنويات قريش، وحطم تمامًا كل أمل عندهم للمقاومة.
إذًا: هذه كانت أول خطوة عملها الرسول ﷺ: تكسير الأصنام في الكعبة وما حولها.
[ ٣٩ / ٣ ]
أذان بلال يوم الفتح على سطح الكعبة
الخطوة الثانية كانت هامة جدًا، وتضيف معنى مهمًا جدًا عند قريش في ذلك الوقت؛ ليفقهوا الإسلام على حقيقته، وهي: أن الله ﷿ يعز من انتمى إلى هذا الدين، بصرف النظر عن جنسه وعن لونه وعن قبيلته وعن أي شيء، فمن انتمى لهذا الإسلام فهو عزيز ومن لم ينتم إليه فهو ذليل.
رأى المشركون من أهل قريش بعيونهم في ذلك اليوم عندما نادى ﷺ على بلال ﵁ وأرضاه، وأمره أن يصعد فوق الكعبة ليؤذن الأذان للصلاة، وهذه هي المرة الثانية التي يفعل فيها الرسول ﵊ هذا الفعل، أمر بلالًا ﵁ أن يؤذن في الكعبة في عمرة القضاء، والآن يأمر بلالًا أن يقوم بنفس الأمر، ويصعد بلال ﵁ وأرضاه فوق أشرف بقعة في الأرض، فوق الكعبة البيت الحرام؛ ليرفع الأذان لله ﷿، الله أكبر، الله أكبر إلى آخر الأذان.
وبلال ﵁ وأرضاه عندما كان يعذب في مكة قبل الهجرة كان يقول: أحد، أحد، في ذلك الوقت كان يهمس بها همسات لا يسمعها إلا من يعذبه، أما الآن فهو يصدح بالتكبير في كل أرجاء مكة المكرمة، والجميع مسلمهم ومشركهم يستمع إليه ﵁ وأرضاه.
وهذا الأمر كما ذكرنا كان له أشد الأثر على المشركين، ودليل ذلك ما حدث على سبيل المثال من أبي سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام، فهؤلاء الثلاثة كانوا قاعدين في فناء الكعبة يستمعون إلى بلال وهو يؤذن، فـ أبو سفيان كان قد أعلن إسلامه قبل ذلك بين يدي الرسول ﷺ، لكن عتاب بن أسيد كان أحد الشباب في قريش، فقد كان عمره حوالي (٢٠) سنة ما زال مشركًا، والحارث بن هشام أيضًا كان ما زال مشركًا، والحارث بن هشام هذا هو أخو أبي جهل، فهو أحد كبار الزعماء في مكة المكرمة، وأحد زعماء بني مخزوم، فقال عتاب معلقًا على أذان بلال ﵁ وأرضاه فوق الكعبة: أكرم الله أسيدًا -أي: والده أسيد - ألا يكون سمع هذا فسمع منه ما يغيظه، ما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنًا، فقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته، فقال أبو سفيان: لا أقول شيئًا، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى.
يعني: أدرك أن الرسول ﷺ نبي، وسوف يصل إليه الأمر عن طريق الوحي.
فجاءهم ﷺ بعد هذه الكلمات وقال: (قد علمت الذي قلتم، ثم قال: أما أنت يا فلان فقد قلت كذا وكذا، وأما أنت يا فلان فقد قلت كذا وكذا، فقال أبو سفيان: أما أنا يا رسول الله فما قلت شيئًا، فضحك ﷺ، وقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله! ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول: أخبرك).
كذلك بنو سعيد بن العاص لما رأوا بلالًا يؤذن على الكعبة قالوا: لقد أكرم الله سعيدًا إذ قبضه قبل أن يرى هذا الأسود على ظهر الكعبة.
وقال رجل من قريش للحارث بن هشام: ألا ترى إلى هذا العبد أين صعد؟ فرد عليه الحارث بن هشام: دعه فإن يكن الله يكرهه فسيغيره.
أعتقد أن هذا الكلام قاله بعد أن أسلم ﵁، ولكن كان هذا في بداية إسلامه.
وصار بعض قريش يستهزئ ويقلد صوت بلال غيظًا، فقلده أحد الشباب واسمه أبو محذورة الجمحي، وأبو محذورة كان عمره (١٦) سنة، وكان صوته جميلًا جدًا، كان من أحسن قريش صوتًا، فلما رفع صوته بالأذان مستهزئًا سمعه الرسول ﷺ، فاكتشف طاقة موجودة عند هذا الشاب، فناداه، فمثل هذا الشاب الصغير بين يديه ﷺ وهو يظن تمام الظن أنه مقتول؛ لأنه كان يستهزئ بالأذان، فمسح ﷺ صدر وناصية هذا الشاب بيديه الشريفة، فقال أبو محذورة: فامتلأ قلبي إيمانًا ويقينًا، فعلمت أنه رسول الله.
فالرسول ﵊ بعد أن آمن هذا الشاب علمه الأذان، وأصبح هو الذي يؤذن لأهل مكة بعد رحيله ﷺ، وظل الأذان في أبي محذورة وعقب أبي محذورة بعد موته إلى فترة طويلة من الزمان.
والرسول ﵊ بهذا الأذان وضح لقريش أن الله ﷿ يعز من يشاء ويذل من يشاء، وأن العزة الحقيقية لا تكون إلا بالإسلام، هكذا فهم القرشيون في هذا الموقف العظيم.
إذًا: الفتح تم كما رأينا بحرب عسكرية وحرب سياسية وحرب معنوية، والرسول ﷺ أتقن كل هذه الحروب بمنتهى الدقة، الحرب عسكرية أعد إعدادًا قويًا جدًا للجيش، ووضع خطة محكمة فقد أخفى سيره إلى مكة قدر المستطاع، حتى وصل إلى قريش دو
[ ٣٩ / ٤ ]
أخلاقه ﷺ في امتلاك القلوب
الخطوة الثالثة: وسيلة امتلاك القلوب، فالشعب الذي فتح بلده الآن على يدي الرسول ﷺ يكون في داخله غيظ كبير جدًا من المحتل له، سواء كان هذا المحتل من الشرفاء أو من غير ذلك، وكانت هناك حرب طويلة بينهم وبين الرسول ﵊، والرسول ﵊ يعلم ما في داخلهم؛ لذلك أراد ﷺ أن يؤلف قلوبهم، فماذا فعل؟ نحن رأينا قبل ذلك أن الرسول ﵊ ألف قلب أبي سفيان بإعطائه الفخر، وأبو سفيان كما ذكرنا زعيم قبيلة بني أمية، وبنو أمية قبيلة كبيرة في داخل قريش، فهو ﷺ ألف قلب زعيم أكبر القبائل القرشية في داخل مكة المكرمة.
وهذا موقف ثان رائع منه ﷺ في تأليف قبيلة ثانية كبيرة، وهذا الموقف عندما دخل ﷺ الكعبة المكرمة وصلى فيها، ثم خرج ودعا عثمان بن طلحة ﵁ وأرضاه، وعثمان بن طلحة أسلم في أوائل العام الثامن من الهجرة قبل فتح مكة بعدة شهور، أسلم مع عمرو بن العاص ومع خالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة من بني عبد الدار، وبنو عبد الدار من أعظم القبائل القرشية أيضًا وفيها شرف كبير جدًا، فهي حاملة مفتاح الكعبة أبًا عن جد لعشرات السنين قبل ذلك.
فالرسول ﵊ دعا عثمان بن طلحة ﵁ وأمره أن يأتي بمفتاح الكعبة، فظن الجميع أن الرسول ﵊ سيأخذ منهم مفتاح الكعبة؛ ليعطيه لأحد أقاربه ليعطيه شخصًا من بني هاشم، بل إن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه طلب ذلك صراحة، طلب أن يضم مفتاح الكعبة إلى شرف بني هاشم من السقاية والحجابة، فيكون عندهم مفتاح الكعبة، فيكون ذلك شرف الدهر، لكن الرسول ﵊ أخذ المفتاح ووضعه في يد عثمان بن طلحة ﵁ وأرضاه، وهذا الكلام في منتهى العظمة والحكمة، وحتى تعرف مدى العظمة والحكمة راجع موقفًا من المواقف التي مرت قبل ذلك برسول الله ﷺ في مكة المكرمة قبل أن يهاجر، ويومها كان عثمان بن طلحة هذا من الكفار، وكان قد دار بينه وبين عثمان بن طلحة حوار وطلب منه الرسول ﵊ أن يعطيه مفتاح الكعبة ليدخل الكعبة، لكن عثمان بن طلحة في ذلك الوقت رفض، فقال الرسول ﵊: (يا عثمان لعلك ترى هذا المفتاح يومًا بيدي أضعه حيث شئت فقال عثمان: لقد هلكت قريش يومئذ وذلت، فقال ﷺ: بل عمرت وعزت يومئذ)، ومرت الأيام وجاء الرسول ﵊ فاتحًا مكة المكرمة وطلب المفتاح، وعثمان بن طلحة دون تردد أتى بالمفتاح، فهو الآن أصبح من الصحابة المؤمنين البررة، فأتى بالمفتاح ووضعه في يد الرسول ﵊، وهو يظن أن الأمر سيصير إلى ما قاله ﷺ، وسيعطي المفتاح إلى إنسان غيره، لكن الرسول ﷺ وضع المفتاح مرة ثانية في يد عثمان بن طلحة، وقال: (هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء، اليوم يوم بر ووفاء، خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم).
وظل مفتاح الكعبة مع بني عبد الدار، وهو إلى الآن في نسل بني عبد الدار بكلمة الرسول ﵊: (خذوها خالدة تالدة).
إذًا: هذا الموقف من أروع المواقف التي استطاع بها الرسول ﵊ أن يكسب قلوب بني عبد الدار جميعًا، فبنو عبد الدار رأت أن الرسول ﵊ أنزل الناس منازلهم حين أبقى لهم على الفخر الذي كان لهم.
وبذلك استطاع ﷺ أن يسيطر على الموقف إلى درجة كبيرة في داخل مكة المكرمة.
وقبل ذلك كسب قلوب بني أمية، والآن يكسب قلوب بني عبد الدار.
لقد كان ﷺ يسير بخطة محكمة، فقد فعل ﷺ أمرًا من المستحيل أن تجده في تاريخ أي دولة من الدول حاربت دولة أخرى ولو يومًا واحدًا لا عدة سنوات سابقة، لقد وقف الرسول ﵊ في صحن الكعبة في يوم فتح مكة ودعا أهل مكة جميعًا أن يأتوا إلى الكعبة، فأتوا جميعًا، وقد كان موقفهم في منتهى الحرج، بعد صراع طويل جدًا وإيذاء للرسول ﵊، ومصادرة للأموال وللديار، وقتل لبعض الأصحاب، وجلد وتعذيب للبعض الآخر وكذا وكذا من الأمور التي نعلمها، وفصلنا فيها كثيرًا في الفترة المكية، وفي الحروب المتتالية بين المسلمين وبين المشركين، بعد كل هذا التاريخ الطويل من العناء مع أهل مكة يسألهم ﷺ سؤالًا واحدًا فيقول: (ما تظنون أني فاعل بكم؟)، يعني: ماذا سيكون رد فعلي معكم بسبب ما فعلتموه معي ومع أصحابي من إيذ
[ ٣٩ / ٥ ]
موقف الرسول ﷺ مع زعماء مكة المشركين يوم الفتح
لقد بقي من أهل مكة بعض الزعماء وبعض الكبراء لم يسلموا، ففر بعضهم خارج مكة المكرمة، وبعضهم اختفى في بيته، وبعضهم طلب الإجارة من بعض الناس، وهؤلاء الذين هربوا جميعًا كان لهم تاريخ طويل مع رسول الله ﷺ، وكان على رأس هؤلاء عكرمة بن أبي جهل الذي فر خارج مكة المكرمة واتجه إلى اليمن، وفر صفوان بن أمية بن خلف الجمحي إلى البحر الأحمر؛ ليلقي بنفسه في البحر منتحرًا بعد فتح الرسول ﵊ لمكة المكرمة، وبعد أن فقد كل أمل في أن يكون له موضع أو مكان في مكة المكرمة، وهو من الزعماء.
كذلك سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي، وكان له تاريخ طويل مع الرسول ﵊.
كذلك هند بنت عتبة هناك ناس كثير هربوا من وجه الرسول ﷺ في ذلك الوقت، وكل واحد منهم له قصة، وكل واحد منهم شاء ربنا ﷾ شاء أن يدخل الإسلام في قلبه، ولكن بطريقة جميلة جدًا على يد الحبيب ﷺ مباشرة.
[ ٣٩ / ٦ ]
موقفه ﷺ مع سهيل بن عمرو
تعالوا بنا نرى قصتهم واحدًا واحدًا وفيها من العبر ما فيها، فهذا سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي، وهو من كبار زعماء قريش، ومن كبار زعماء مكة في التاريخ، وكبير جدًا في السن، وعنده الكثير من الأولاد، وهؤلاء الأولاد معظمهم من المسلمين وفي جيش المسلمين الفاتح لمكة المكرمة، فهو بعد أن فتحت مكة المكرمة لم يجد له عونًا من الزعماء الذين كانوا معه؛ فكل واحد فر، ففر هو الآخر ودخل بيته، يقول: فانقحمت في بيتي وأغلقت علي بابي، ثم يقول: وأرسلت إلى ابني عبد الله بن سهيل وابنه كان من جنود الجيش الفاتح كان قد أسلم قبل ذلك بزمن، فقال سهيل: وأرسلت إلى ابني عبد الله بن سهيل أن اطلب لي جوارًا من محمد ﷺ، وإني لا آمن من أن أقتل.
فـ سهيل بن عمرو ظل يتذكر تاريخه مع رسول الله ﷺ، يقول: تذكرت أثري عند محمد وأصحابه، فليس أحد أسوأ أثرًا مني، وإني لقيت رسول الله ﷺ يوم الحديبية بما لم يلقه أحد، وكنت الذي كاتبته المعاهدة التي تمت في صلح الحديبية، لو تذكرون كان سهيل بن عمرو ممثل قريش وزعيم قريش الذي أرسلته ليتفاوض مع الرسول ﵊ في الحديبية، فيجد أنه أثر تأثيرًا سلبيًا على الرسول ﵊ وعلى أصحابه، ويظن أن الرسول ﵊ سوف يتذكر له هذه المواقف.
ثم يقول سهيل بن عمرو: ومع حضوري بدرًا وأحدًا، وكلما تحركت قريش كنت معها، فهو يخاف أن يقتل، فذهب عبد الله بن سهيل إلى الرسول ﵊ فقال: (يا رسول الله هل تؤمن أبي؟ فقال ﷺ نعم، هو آمن بأمان الله؛ فليظهر)، انظروا إلى هذا التعامل مع أحد كبار زعماء مكة المكرمة، ومدى العظمة في هذا التعامل، بينما عند احتلال أي دولة لدولة ثانية تجد أن الأمراء والوزراء والكبراء في البلد يتتبعون في كل مكان؛ ليقتلوا، أو يسجنوا في السجون فترات طويلة، أو يمثل بهم أو كذا أو كذا، لكن النبي ﷺ يعطي سهيل بن عمرو الأمان، ويقول: (فليظهر).
وانظروا إلى ما سيأتي من حوار بعد ذلك بينه وبين سهيل بن عمرو أحد كبار الزعماء في مكة المكرمة.
ثم قال ﷺ لأصحابه الذين حوله في ذلك الوقت: (من لقي سهيل بن عمرو فلا يشد النظر إليه)، احذروا أن تروعوا سهيل بن عمرو حين يأتي للتحاور معي، (لا يشد أحدكم النظر إليه، فليخرج، فلعمري إن سهيلًا له عقل وشرف، وما مثل سهيل جهل الإسلام، ولقد رأى ما كان يوضع فيه أنه لم يكن له بناء) فـ سهيل عرف المشكلة التي كانت عنده، والآن هو يريد أن يعود إلى الله ﷿ وإلى رسوله الكريم ﷺ، فلا يرفع أحد إليه النظر، ولا يتهكم أحد عليه بكلمة، ولا يعلق أحد عليه تعليقًا سلبيًا بأي صورة من الصور.
إن له عقلًا وشرفًا.
هكذا يذكر ﷺ صفة سهيل بهذا التعظيم والتكريم له، مع أنه من ألد أعدائه قبل ذلك.
انظروا إلى الرحمة النبوية وإلى فن امتلاك القلوب وعبد الله بن سهيل عندما استمع إلى هذه الكلمات طار بها إلى أبيه، فلما ذكر له هذه الكلمات قال سهيل: كان والله برًا صغيرًا وكبيرًا، وأتى سهيل بن عمرو وأعلن إسلامه بين يدي الرسول ﷺ.
وكما يقول الرواة بعد ذلك: كان سهيل بعد هذا الإسلام كثير الصلاة والصوم والصدقة، وخرج مجاهدًا في سبيل الله، وكان أميرًا على إحدى فرق المسلمين في موقعة اليرموك.
بهذه المعاملة الحسنة من رسول الله ﷺ امتلك قلوب الناس، فعلًا هو فن الدعوة إلى الله ﷿، ليس أبدًا تصرف قائد متغطرس احتل دولة من الدول يسوم أهلها العذاب، ولكن هو التصرف الرحيم من النبي الكريم ﷺ وهو قدوة لنا أجمعين، ولا يخفى على أحد أن الرسول ﷺ امتلك قلوب بني عامر جميعًا بتساهله وتسامحه مع سهيل بن عمرو زعيم بني عامر.
[ ٣٩ / ٧ ]
موقفه ﷺ مع صفوان بن أمية
تعالوا نرى موقفه ﷺ مع صفوان بن أمية، صفوان بن أمية بن خلف كان أبوه من أشد المعاندين لرسول الله ﷺ، ومن الذين قتلوا في بدر، وورث صفوان بن أمية هذه الكراهية للإسلام والمسلمين من أبيه، وحارب الرسول ﵊ بكل طاقته، وكان ممن التف على المسلمين في أحد هو وخالد بن الوليد ﵁، واشترك اشتراكًا كبيرًا في قتل سبعين من شهداء الصحابة ﵃ وأرضاهم، واشترك أيضًا في الأحزاب، بل ومن الذين شاركوا في عملية القتال في داخل مكة المكرمة، بل إن صفوان بن أمية قبل ذلك دبر محاولة لقتل الرسول ﷺ، كأنه عداء شخصي بينه وبين الرسول ﵊، وكما تذكرون هذه المحاولة كانت بينه وبين عمير بن وهب ﵁ وأرضاه، وذكرناها بعد درس بدر، وفيها تعهد صفوان بن أمية لـ عمير بن وهب أن يتحمل عنه عياله وأن يسدد عنه دينه، في نظير أن يقتل عمير رسول الله ﷺ، وقد ذكرنا القصة بتفصيلاتها بعد غزوة بدر، ورأينا كيف أسلم عمير بن وهب في المدينة المنورة، ومرت الأيام وجاء فتح مكة المكرمة وفر صفوان بن أمية لما لم يجد له أي مكان في مكة المكرمة، وعلم أنه لن يستقبل في أي مكان في الجزيرة العربية، فقرر أن يلقي نفسه في البحر؛ ليموت فيه، فخرج في اتجاه البحر الأحمر ومعه غلام اسمه يسار، وليس معه أحد غيره حتى وصل إلى البحر الأحمر، ثم إنه من بعيد رأى أحد الرجال يتتبعه فخاف، وقال لغلامه: ويحك انظر من ترى، قال: هذا عمير بن وهب، وكان عمير بن وهب صديقًا حميمًا لـ صفوان بن أمية قبل أن يسلم، فقال صفوان: ما أصنع بـ عمير والله ما جاء إلا يريد قتلي، فهو الآن مسلم قد ظاهر محمدًا علي، فقال صفوان بن أمية لما لحقه عمير: يا عمير ما كفاك ما صنعت بي، حملتني دينك وعيالك، ثم جئت تريد قتلي.
فقال عمير: جعلت فداك، أنا ما زلت صديقك، وجئتك من عند أبر الناس وأوصل الناس إلى آخر الحكاية فـ عمير بن وهب عندما علم أن صفوان بن أمية هرب من مكة المكرمة، تذكر صديقه القديم صفوان بن أمية، فخاف عليه وخشي عليه وأحب له الإسلام، وأحب له أن يدخل فيما دخل فيه عمير ﵁ ورضي الله عن الصحابة أجمعين، فجاء إلى النبي ﵊ وطلب لـ صفوان بن أمية الأمان، فقال: (يا رسول الله! سيد قومي خرج هاربًا؛ ليقذف نفسه في البحر، وخاف ألا تؤمنه فداك أبي وأمي فقال ﷺ: قد أمنته، فخرج عمير بن وهب حتى وصل إلى صفوان بن أمية كما ذكرنا فقال عمير لـ صفوان: إن رسول الله قد أمنك، فخاف صفوان وقال: لا والله لا أرجع معك حتى تأتيني بعلامة أعرفها تدل على أن الرسول ﷺ أمنني، فرجع عمير بن وهب إلى الرسول ﷺ مرة أخرى، وقال: يا رسول الله! جئت صفوان هاربًا يريد أن يقتل نفسه فأخبرته بما أمنته، فقال: لا أرجع حتى تأتي بعلامة أعرفها، فقال الرسول ﵊: خذ عمامتي)، انظروا إليه ﷺ يحاول قدر المستطاع أن يأتي بكل إنسان إلى الإسلام: (فأخذ عمير العمامة وذهب إلى صفوان بن أمية وقال له: يا أبا وهب جئتك من عند خير الناس وأوصل الناس وأبر الناس وأحلم الناس مجده مجدك، وعزه عزك، وملكه ملكك، فقال له صفوان: أخاف أن أقتل، قال: قد دعاك إلى أن تدخل في الإسلام، فإن رضيت وإلا سيرك شهرين).
انظروا كرم رسول الله ﷺ يقول له: تعال لو أردت أن تسلم الآن فأسلم، ولك ما للمسلمين وعليك ما على المسلمين، وإن أردت أن تأخذ شهرين كاملين لتفكر فيهما فأنت في أمان.
فهو أوفى الناس وأبرهم ﷺ، وقد بعث إليك بعمامته العلامة التي كان يريدها صفوان بن أمية قال عمير بن وهب: تعرفها؟ قال: نعم.
فرجع صفوان بن أمية مع عمير بن وهب إلى رسول الله ﷺ، وهو ليس أمامه أي طريق آخر، ليس أمامه إلا أن يقبل بهذا الأمان، وهو يعرف أن الرسول ﵊ دائم الحفظ لوعده وعهده فهو الصادق الأمين، فعاد مع عمير بن وهب إلى مكة المكرمة ودخل في الحرم والرسول ﵊ يصلي بالناس صلاة العصر، فوقفا سويًا حتى ينتهي الر
[ ٣٩ / ٨ ]
موقفه ﷺ مع عكرمة بن أبي جهل
نأتي إلى قصة واحد من أشد أعداء رسول الله ﷺ في التاريخ كله، هذا هو عكرمة بن أبي جهل وليس فقط مشكلة عكرمة أنه ابن أبي جهل وأنه شرب العداوة هذه المدة الطويلة من أبيه أشد أعداء الإسلام مطلقًا وفرعون هذه الأمة، لكن عكرمة استمر وزاد في العداوة، حتى إن الرسول ﵊ أهدر دمه، وهناك مجموعة من المشركين أهدر الرسول ﵊ دمهم، وقال: (اقتلوهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة)، وكان من هؤلاء عكرمة بن أبي جهل، ولعله علم ذلك فكان ممن قاتل في الخندمة يوم الفتح ضد خالد بن الوليد ﵁، ولكنه بعد هزيمته فر من مكة المكرمة، وحاول أن يصل إلى اليمن، وذهب إلى البحر ليأخذ سفينة وينطلق فيها إلى اليمن، وكانت زوجته أم حكيم بنت الحارث بن هشام ابنة عمه قد أسلمت في يوم الفتح على جبل الصفا مع من أسلم من أهل مكة، فذهبت إلى الرسول ﵊ لتستشفع عنده لـ عكرمة بن أبي جهل أن يؤمنه كما أمن صفوان بن أمية، لكن موقف عكرمة كان مختلفًا، وكما ذكرنا هو مهدر الدم، قالت أم حكيم لرسول الله ﷺ: (قد هرب عكرمة منك إلى اليمن وخاف أن تقتله فأمنه، فالرسول عليه الصلاة قال: هو آمن) لم يذكر لها أنه مهدر الدم، ولم يذكر لها التاريخ الطويل له في العداء، بل قال: (هو آمن)، فخرجت أم حكيم الزوجة الوفية تبحث عن زوجها ذهبت حتى وصلت إلى عكرمة بن أبي جهل وهو يحاول أن يركب سفينة في ساحل البحر الأحمر متجهًا إلى اليمن، فكان في حوار مع ربان السفينة التي سيركبها، لقد كان ربان السفينة مسلمًا، فقال له قبل أن يركب: أخلص، فـ عكرمة بن أبي جهل لا يعرف ما معنى أخلص، قال: أي شيء أقول؟ قال: قل: لا إله إلا الله، فقال عكرمة: ما هربت إلا من هذا، وهو لا يزال في هذا الحوار مع ربان السفينة إذا بـ أم حكيم ﵂ تأتي في هذه اللحظة، فقالت له: يا ابن عم جئتك من عند أوصل الناس وأبر الناس وخير الناس لا تهلك نفسك، وتدعوه إلى العودة معها إلى مكة المكرمة، فوقف لها عكرمة بن أبي جهل، فقالت له أم حكيم: إني استأمنت لك محمدًا ﷺ، قال: أنت فعلت؟ قالت: نعم، أنا كلمته فأمنك، فـ عكرمة بن أبي جهل ضاقت عليه الدنيا كلها، أين يذهب؟ هو يريد أن يذهب الآن إلى اليمن، واليمن بكاملها مسلمة كما ذكرنا قبل ذلك في الدروس السابقة، وغير ذلك من بقاع الأرض تتناقص حوله الآن، فالجميع الآن يدخلون في دين محمد ﷺ فماذا يفعل؟ فبمجرد أن قالت له هذه الكلمات أخذ قرارًا سريعًا بالعودة معها دون تفكير طويل، وعاد إلى مكة المكرمة وقبل أن يدخل مكة المكرمة إذا بالرسول ﵊ يقول لأصحابه كلمات جميلة جدًا، كما ذكرها قبل ذلك في حق سهيل بن عمرو قالها في حق عكرمة بن أبي جهل قال: (يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنًا مهاجرًا فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت).
أي أخلاق كريمة كانت عند رسول الله ﷺ؟ أبو جهل فرعون هذه الأمة ولعنه ﷺ صراحة قبل ذلك، ودعا عليه، وجاء ذكره في أكثر من موضع في القرآن الكريم باللعن عليه، ومع ذلك الرسول ﵊ يأمر الصحابة ﵃ وأرضاهم ألا يلعنوا هذا الرجل فرعون هذه الأمة أمام عكرمة بن أبي جهل؛ لكي لا يؤذوا مشاعر عكرمة، مع أن عكرمة حتى هذه اللحظة لم يسلم بعد، ودخل عكرمة بن أبي جهل إلى مكة المكرمة، فلما رآه الرسول ﷺ وثب إليه وما عليه رداء فرحًا به.
انظروا إلى أسارير الرسول ﵊ كيف انبسطت عندما رأى عكرمة بن أبي جهل يعود إليه ويأتي إليه وهو على أبواب الإسلام، هو لم يسلم بعد، ومع ذلك كان هذا الاستقبال الحافل من رسول الله ﷺ لواحد من أكبر أعدائه قبل ذلك، وكان من أكبر الذين قاوموه ومنعوه من دخول مكة المكرمة قدر ما يستطيع، فهو الآن يستقبله هذا الاستقبال الحافل.
فجلس عكرمة بين يدي الرسول ﵊ وقال: (يا محمد! إن هذه أخبرتني أنك أمنتني -يعني: زوجته- فقال ﷺ: صدقتك فأنت آمن، فقال عكرمة: فإلى ما تدعو يا محمد، قال أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وأخذ يعدد عليه أمور الإسلام، حتى عد كل الخصال الحميدة، فقال
[ ٣٩ / ٩ ]
موقف الرسول ﷺ مع فضالة بن عمير الليثي
نأتي أيضًا إلى قصة إسلام واحد من أشد أعداء الرسول ﵊ وهو فضالة بن عمير الليثي، وهذا الرجل من شدة عدائه للرسول ﵊ أنه قرر أن يقتل الرسول ﵊ في يوم الفتح والرسول ﵊ في وسط الجيش الكبير عشرة آلاف، وإذا قتله فضالة بن عمير فلاشك أنه مقتول، ومع ذلك سيضحي بنفسه ليقتل الرسول ﵊ من شدة كراهيته له، بجوار الرسول ﵊ وهو يطوف بالبيت، فلما دنا من الرسول ﵊ وهو يحمل السيف تحت ملابسه، قال له ﷺ: (أفضاله؟ قال: نعم فضالة يا رسول الله، فقال: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال: لا شيء، كنت أذكر الله، فالرسول ﵊ ضحك وقال: استغفر الله يا فضالة، ثم وضع يده على صدر فضالة فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه)، وأسلم فضالة ﵁ وأرضاه وحسن إسلامه، حتى إنه لما عاد من عند الرسول ﷺ إلى أهله فمر بامرأة كان يتحدث إليها في الجاهلية، فقالت المرأة له: هلم إلى الحديث، فقال: لا، يأبى عليك الله والإسلام.
انظروا تغير (١٨٠) درجة، بعد هذا الإسلام أصبح رجلًا آخر غير الرجل الأول.
هكذا يصنع الإسلام الرجال والنساء على نهجه، بصورة تكاد تكون مختلفة تمام الاختلاف عن حياته قبل الإسلام.
[ ٣٩ / ١٠ ]
موقفه ﷺ مع هند بنت عتبة
من الذين نحب أن نقف مع إسلامهم وقفة هامة وطويلة، ليس مع إسلام أحد رجال مكة أو أحد زعماء مكة، ولكن مع إسلام إحدى نساء مكة، إحدى النساء اللاتي حاربت الإسلام طويلًا ولمدة سنوات كثيرة، ولها ذكريات مؤلمة جدًا مع المسلمين ومع رسول الله ﷺ شخصيًا، سنقف مع إسلام هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان ﵁.
لقد كان هند بنت عتبة موتورة من المسلمين، قتل أبوها عتبة بن ربيعة في بدر، وقتل عمها شيبة بن ربيعة كذلك في بدر، وقتل ابنها حنظلة بن أبي سفيان أيضًا في بدر، وقتل أخوها الوليد بن عتبة بن ربيعة أيضًا في بدر، فتصور أربعة من أقرب الأقرباء إليها قتلوا جميعًا في بدر، وهم جميعًا من سادة قريش.
فالحقيقة موقفها كان في غاية الصعوبة، فقد حملت في قلبها كراهية لم يحملها أحد مثلها إلا القليل، وظلت على هذا الأمر سنوات طويلة منذ بدر وإلى فتح مكة، ست سنوات متصلة، وقبل ذلك أيضًا كانت معادية للإسلام، ولكن ظهرت العداوة بشدة بعد مقتل هؤلاء الأربعة في بدر، وخرجت بنفسها مع الجيش الكافر في موقعة أحد، وحمست الجيش قدر ما تستطيع لحرب المسلمين، ولما فر الجيش من أمام المسلمين في أول المعركة كانت تحثو في وجوههم التراب وتدفعهم دفعًا إلى حرب المسلمين، ولم تفر كما فر الرجال، ثم إنه بعد انتصار أهل مكة على المسلمين في نهاية موقعة أحد قامت بفعل شنيع، قامت بالتمثيل بالجثث، وبدأت تمثل بواحدة تلو الأخرى بنفسها، حتى وصلت إلى حمزة بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه عم الرسول ﷺ، فبقرت بطنه ﵁ وأرضاه وأخرجت كبده ولاكت من كبده، يعني: أكلت من كبده قطعة، فما استساغتها فلفظتها، لكن هذا الموقف أثر بشدة في الرسول ﵊، وخرجت مع المشركين في غزوة الأحزاب، بل واستمرت في حربها ضد الإسلام حتى اللحظات الأخيرة من فتح مكة، رفضت هند بنت عتبة ما طلبه زوجها من أهل مكة من أن يدخلوا في بيوتهم طلبًا لأمان الرسول ﷺ، ودعت أهل مكة لقتل زوجها عندما أصر على مهادنة الرسول ﷺ، ودفعتهم دفعًا إلى القتال، يعني: تاريخ طويل شرس جدًا مع المسلمين، ومع ذلك عندما جلس ﷺ عند جبل الصفا ليبايع الناس على الإسلام جاءت هند بنت عتبة وهي منتقبة متنكرة لا يعرفها ﷺ، والرسول ﵊ كان يبايع النساء في ذلك اليوم مشافهة ما وضع يده في يد امرأة أجنبية قط ﷺ، وكانت بيعة النساء على ألا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن، ولا يعصين في معروف، فبدأت النساء تبايع وقال ﷺ لهن: (بايعنني على ألا تشركن بالله شيئًا، فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا ما لا تأخذه من الرجال) يعني: علينا تفصيلات كثيرة بينما الرجال بايعوا بيعة واحدة فقط، ثم قال الرسول ﷺ: (ولا تسرقن، فوقفت هند وقالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني ويكفي بني، فهل علي من حرج إذا أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال ﷺ: خذي من ماله ما يكفيك وبنيك بالمعروف)، ثم انتبه ﷺ وعلم أن هذه التي تتكلم معه زوجة أبي سفيان فقال: (وإنك لهند بنت عتبة)، فهو ﷺ تذكر في تلك اللحظة حمزة بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه وما حدث له من هند بنت عتبة، قالت هند: (نعم، هند بنت عتبة فاعف عما سلف عفا الله عنك)، فهي تعرف تاريخها مع الرسول ﵊، فالرسول ﷺ دائمًا يعفو ويصفح، وأكمل البيعة مع النساء، وقال: (ولا يزنين، فقالت هند: يا رسول الله! وهل تزني الحرة؟! فقال ﷺ: ولا تقتلن أولادكن، فقالت هند قد ربيناهم صغارًا وقتلتهم كبارًا فأنت وهم أعلم، هل تركت لنا ولدًا إلا قتلته يوم بدر -يعني: أنت قتلت آباءهم يوم بدر وتوصينا بأولادهم- فتبسم ﵊، وضحك عمر ﵁ حتى استلقى على قفاه)، فالرسول ﷺ قدر موقف هند بنت عتبة ومدى صعوبة الإسلام عليها، ومع ذلك هي الآن تسلم عن قناعة، فلما قال ﷺ: (ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن، فقالت هند: والله إن إتيان البهتان لقبيح، فقال ﷺ: ولا يعصينني في معروف، فقالت هند: والله ما جلسنا هذا المجلس وفي أنفسن
[ ٣٩ / ١١ ]
موقف الرسول ﷺ من إجارة أم هانئ يوم الفتح لبعض المشركين
نريد أن نذكر بموقف من المواقف الرائعة في فتح مكة لإحدى نساء المسلمين، وهي السيدة أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ وأرضاها أخت سيدنا علي بن أبي طالب، لما نزل الرسول ﵊ بأعلى مكة ودارت الحرب في أسفل مكة بين مجموعة من المشركين وبين سرية خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه، هرب رجلان من بني مخزوم ولم يجدا أي ملجأ في ذلك الوقت إلا أن يدخلا عند السيدة أم هانئ بنت أبي طالب ﵂؛ لأن زوجها هو هبيرة بن أبي وهب المخزومي، فهم من أقارب زوج السيدة أم هانئ، وطلبا منها أن تجيرهما.
فهذا شيء فيه إهانة كبيرة جدًا عند العرب، لكن في نفس الوقت هذان الاثنان لم يجدا لهما أي سبيل غير أن يطلبا الإجارة من امرأة، فأجارتهما أم هانئ ﵂، فما لبث أن دخل علي بن أبي طالب ﵁ وهو يقول: والله لأقتلنهما، فأغلقت عليهما الباب ﵂، وقالت: قد أجرتهما، فسيدنا علي مصر على أن يقتلهما، فقالت: نذهب إلى الرسول ﵊، فسيدنا علي لما سمع ذلك سكت وذهب معها إلى الرسول ﵊، وعرضت السيدة أم هانئ أمرها عليه وقالت: (يا رسول الله زعم ابن أمي -الذي هو علي بن أبي طالب - أنه قاتل رجلًا أجرته، فقال ﷺ: قد أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت).
يعني: الرسول ﵊ قبل بإجارة أم هانئ في اثنين كانا يقاتلان المسلمين، ومع ذلك الرسول ﵊ يجير من أجارت السيدة أم هانئ ﵂ وأرضاها: (قد أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت).
هذه هي قيمة المرأة في الإسلام، وكما ذكرنا أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام تؤمن عكرمة بن أبي جهل مع أنه كان مهدر الدم.
وكذلك أم هانئ الآن تؤمن الرجلين بعد أن كانا على مقربة من القتل على يد علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه.
قبل ذلك أم سلمة كما ذكرنا في الدرس السابق توسطت عند الرسول ﵊ ليقبل توبة أبي سفيان بن الحارث وعبد الله بن أمية بعد أن رفض ﷺ في البداية.
إذًا: هذه مكانة عظيمة جدًا وراقية جدًا للمرأة في الإسلام، ومنذ الأيام الأولى للإسلام.
[ ٣٩ / ١٢ ]
بعض الأحداث والمواقف التي وقعت بعد فتح مكة
[ ٣٩ / ١٣ ]
موقف الرسول ﷺ من المرأة المخزومية التي سرقت
إن الأحداث في فتح مكة من الصعب أن تحصى في لقاء واحد؛ لأن الأحداث كثيرة جدًا، وكنت أود أن أتكلم فيها، لكن الوقت لا يتسع؛ لذلك سأختار بعض الحوادث القليلة التي أعلق عليها تعليقًا سريعًا، ونسأل الله ﷿ أن يجمع بيننا في اللقاءات الأخرى لنفصل في موقف من أهم المواقف اللافتة للنظر في فتح مكة، وهذا الموقف: هو الموقف من المرأة المخزومية التي سرقت، هذه المرأة سرقت بعد أن فتحت مكة، وكانت من النساء اللاتي أسلمن، فهي من بني مخزوم شريفة من الأشراف، وقبيلة بني مخزوم قبيلة كبيرة جدًا، وكما يعلم الجميع أن العلاقة بين بني مخزوم وبني هاشم كانت علاقة حساسة جدًا، وكان التنافس بينهما على كل الأمور تقريبًا، وكان أبو جهل زعيم بني مخزوم، وكان الموقف حرجًا جدًا مع هذه القبيلة بالذات، ويخشى من أن تنقلب على المسلمين انقلابًا قد لا يحمد عقباه، ومع أننا رأينا الرسول ﵊ يحاول قدر المستطاع أن يؤلف قلوب القبائل، فألف قلوب بني أمية، وألف قلوب بني عبد الدار، وألف قلوب بني عامر كما ذكرنا في الدرس، لكن هذا حدث مهم مع بني مخزوم، وقد يفهمه الفاهمون أنه ليس فيه نوع من التأليف لبني مخزوم، لكن نحتاج أن ندرس الموضوع بدقة.
فهذه امرأة من أشراف بني مخزوم سرقت، فقرر ﷺ أن يقيم عليها الحد وهو أن يقطع يدها؛ لأنها سرقت واكتملت أركان جريمة السرقة، وهنا الرسول ﵊ لم يقل: أريد أن أتألف قلوب بني مخزوم بالعفو عن هذه المرأة التي سرقت، لكنه أقام عليها الحد مضحيًا بما قد يحدث من أحداث دامية في داخل مكة نتيجة تطبيقه لهذا الحد، لأجل أن يرينا معنى مهمًا جدًا ويزرع فينا معنى لازمًا ينبغي أن نفهمه جميعًا فهمًا جيدًا دقيقًا، ألا وهو: أنه لا يمكن أبدًا لأي إنسان مهما كان نسبه ومهما كان شريفًا ومهما كان عظيمًا أن يتغاضى عنها أو يعطلها، أو يقوم بأمر من الأمور يمنع من إقامتها في الدولة الإسلامية، حتى لو كانت العواقب وخيمة، وقرر ﷺ ذلك الأمر وشاع بين الناس أن المرأة المخزومية ستقطع يدها، فذهب بنو مخزوم إلى الرسول ﵊ ليستشفعوا عنده، لكن لم يستطيعوا أن يكلموه مباشرة، فذهبوا إلى أسامة بن زيد بن حارثة ﵄ فقد كان يسمى بين الصحابة: الحب بن الحب، كان حب الرسول ﵊ زيد بن حارثة، وأسامة بن زيد هو الحب بن الحب، وكان الرسول ﷺ يحبه حبًا جمًا، ففي أثناء دخوله مكة المكرمة في يوم الفتح أردفه خلفه، من شدة حبه له ﵁ وأرضاه.
فذهبوا إلى أسامة وقالوا له: استشفع لهذه المرأة ألا تقطع يدها؛ فهي امرأة عزيزة شريفة من بني مخزوم، فـ أسامة بن زيد ﵄ أخذ الموضوع بسهولة ويسر وذهب إلى الرسول ﵊ ليستشفع لهذه المرأة في حد من حدود الله، فلما كلمه أسامة، تلون وجه الرسول ﷺ وغضب غضبًا شديدًا، وقال لـ أسامة: (أتشفع في حد من حدود الله أتشفع في حد من حدود الله؟!) حتى إن أسامة بن زيد ﵄ لم يجد أي مبرر إلا أن يقول: (يا رسول الله استغفر لي يا رسول الله استغفر لي).
فالنبي ﷺ أقام الحد على السيدة المخزومية التي سرقت لم يقبل شفاعة أسامة بن زيد ولا أحد من الصحابة ﵃ أجمعين، ولكنه في آخر اليوم قام وخطب خطبة ليفهم المسلمين هذا المعنى الدقيق؛ ليضع لهم أسس بناء دولة إسلامية، ليوضح لهم أن العدل أساس الملك حقًا، وتطبيقًا واقعيًا في حياة المسلمين، قام ﷺ وقال: (إنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد ﷺ سرقت لقطعت يدها) هكذا في منتهى الوضوح، فحدود الله ﷾ لا يمكن أبدًا أن نقترب منها، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧] وقال ﷿: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة:٢٢٩]، هكذا ينبغي أن نكون مع حدود رب العالمين ﷾.
فهو ﷺ تألف قلوب الناس بأمور مالية وبأمور مادية هذا أمر ممكن، أما أن يتألف قلوب الناس بتعطيل حد من حدود الله فهذا لا يقبل مطلقًا، مهما كان هذا الذي أخطأ عزيزًا أو شريفًا كبيرًا أو صغيرًا، رجلًا أو امرأة، فأي إنسان وقع في حد من حدود الله لابد أن يقام عليه الحد.
وهذه الكلمات التي قالها الرسول ﷺ في خطبته: (لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها)، حتى يفهم بني مخزوم أن هذا أمر ليس خاصًا بهم، و
[ ٣٩ / ١٤ ]
موقفه ﷺ من خزاعة في قتلها لرجل من هذيل ثأرًا لقتيل لها في الجاهلية
هذا موقف آخر ففي نفس الغزوة غزوة الفتح حدث أمر آخر يثبت به الرسول ﵊ نفس المعنى في قلوب المسلمين، فبعد مرور يوم واحد من الفتح بلغ النبي ﷺ أن خزاعة حلفاءه عدت على رجل من هذيل فقتلوه، وهذا الرجل الذي قتل مشرك، وقتلوه برجل قتله في الجاهلية، فغضب ﷺ غضبًا شديدًا وقام بين الناس خطيبًا فخزاعة الآن تأخذ بالثأر لقتيل لها في الجاهلية، وهذا عكس تعاليم الإسلام، وخزاعة تدخل مكة الآن وهي رافعة رأسها؛ لأن الرسول ﵊ فتح مكة من أجل خزاعة، ومع ذلك لا يغفر لها هذا الذنب، (قام ﷺ وخطب في الناس وقال: يا أيها الناس إن الله قد حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا، ولا يعضد فيها شجرًا، وهي لم تحل لأحد كان قبلي ولا تحل لأحد يكون بعدي، ولم تحل لي إلا هذه الساعة، ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم: إن رسول الله ﷺ قد قاتل فيها، فقولوا: إن الله أحلها لرسوله ولم يحلها لكم، ثم قال: يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل، لقد قتلتم قتيلًا لأدينه فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين: إن شاءوا فدم قاتله، وإن شاءوا فعقله) يعني: بعد هذه الحادثة سيخير أهل القتيل بين أمرين: إن شاءوا أن يقتل الذي قتل صاحبهم، وإن شاءوا أن يأخذوا الدية، فهم بخير النظرين فليختاروا ما شاءوا.
إذًا: الحدود نفذت على هذا الملأ الواسع وفي هذه الظروف؛ ليعلم أنه لا تفريط أبدًا في حدود الله ﷿.
فهذه كانت من المواقف الهامة جدًا في فتح مكة.
[ ٣٩ / ١٥ ]
موقفه ﷺ من إقامة وال على مكة بعد الفتح
كان من عادة الرسول ﵊ إذا فتح بلدًا أو دخل الإسلام إلى بلد أن يولي عليها أحدًا من رجاله، لكن المشكلة أن أبا سفيان كان قبل ذلك زعيم مكة بعد مقتل أبي جهل، ولم يطمئن الرسول ﵊ بعد إلى إسلامه حتى يعطيه إمارة مكة، وبالذات أن مكة أعظم مدن العرب على الإطلاق، فهو لا يستطيع أن يعطيها لرجل لم يثق بعد في إسلامه، ونحن علمنا أن في الحوار الذي دار بينه وبين الرسول ﵊ لم يكن فيه أبو سفيان حتى اللحظات الأخيرة مقتنعًا تمام الاقتناع بقضية النبوة، فكيف يتصرف الرسول ﵊؟! إذا أعطى الرسول ﷺ الإمارة لغيره قد يحزن أبو سفيان وينقم على ذلك الأمر ويثور، وقد تثور بنو أمية التي منها أبو سفيان، والرسول ﵊ لا يريد أن تحدث قلاقل أو اضطرابات في مكة وقد أسلمت بكاملها من لحظات قليلة أو أيام قليلة، فالرسول ﵊ في لفتة بارعة أعطى إمارة مكة لـ عتاب بن أسيد ﵁، وكما ذكرنا أن عتاب بن أسيد كان من شباب مكة، فقد كان عمره حوالي (٢٠) سنة تقريبًا، وكان من بني أمية من نفس قبيلة أبي سفيان، فإذا أعطاه الرسول ﵊ إمارة مكة فسيكون فيه تأليف لقلوب بني أمية، ولن تقف بنو أمية طويلًا عند تنحية أبي سفيان عن إمارة مكة؛ لأن الأمير الجديد منها أيضًا، وعتاب بن أسيد شاب لم يتلوث كثيرًا بعقائد المشركين، وليس هناك تاريخ عداء طويل بينه وبين المسلمين فيسهل قياده، وبالفعل فإن عتاب بن أسيد حسن إسلامه جدًا، وكان كثير الصلاة والصيام والصدقة، وكان من المقربين جدًا إلى الرسول ﵊، واستطاع فعلًا بحكمة أن يحفظ الأمن والأمان في داخل مكة، فلم نسمع عن أي قلاقل في حياته في فترة حكمه لمكة المكرمة، لكن الرسول ﵊ يعلم أن عتاب بن أسيد معلوماته عن الإسلام قليلة جدًا؛ لأنه لم يسلم إلا منذ أيام قليلة؛ فلذلك ترك معه معاذ بن جبل الأنصاري ﵁ وأرضاه؛ ليعلم الناس دينهم، لقد ترك معهم بحرًا من بحور العلم معاذ بن جبل، فهو إمام العلماء يوم القيامة وأعلم الناس بالحلال والحرام ﵁، وأهل مكة فيهم الكثير من العقليات والمفكرين والمبدعين، فهم يحتاجون إلى رجل من علماء الأمة ليجادلهم فيما يختلفون فيه، ولا ننسى أن لهم تاريخًا طويلًا جدًا مع الرسول ﵊، وعندهم شبهات كثيرة قالوها قبل ذلك، وأعلم الناس في الرد عليهم في ذلك الوقت هو معاذ بن جبل ﵁ وأرضاه، بذلك استقر الوضع في داخل مكة المكرمة، ودخل الناس جميعًا في الإسلام بفضل الله ﷿.
[ ٣٩ / ١٦ ]
موقف الأنصار ﵃ بعد فتح مكة وما كان من الرسول ﷺ تجاههم
يتبقى لنا موقف نحب أن نعلق عليه في ختام هذا الدرس وهو مهم جدًا، وهو موقف الأنصار ﵃ وأرضاهم.
رأى الأنصار الأحداث التي تجري في داخل مكة المكرمة وإسلام الجميع، وهؤلاء جميعًا هم أهل وعشيرة ورحم الرسول ﷺ، ولاشك أنهم شاهدوا فرحة وسعادة الرسول ﵊ بهذا الإسلام، وشاهدوا أيضًا استقرار الأوضاع في داخل مكة المكرمة، وإسلام عكرمة بن أبي جهل، وإسلام سهيل بن عمرو، وإسلام فضالة بن عمير، وإسلام قادة مكة بصفة عامة.
فالوضع بدأ يستقر جدًا في داخل مكة المكرمة، والرسول ﵊ يقف على الصفا يدعو الله ﷿، والأنصار يقفون تحته يفكرون في وضعهم بعد هذا الفتح، قال بعض الأنصار لبعض: أما الرجل -يقصدون الرسول ﷺ- فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته؛ لأنهم يرون تفاعله ﷺ مع الأحداث في داخل مكة.
قال أبو هريرة راوي الحديث كما عند مسلم: (وجاء الوحي، وكان إذا جاء لم يخف عليهم فليس أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى ينقضي، فلما انقضى الوحي رفع رأسه ﷺ ثم قال: يا معشر الأنصار، قلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة في عشيرته، قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله، قال: فما اسمي إذًا؟ كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم فالمحيا محياكم والممات مماتكم) يعني: أنني سوف أعيش معكم حياتي كاملة، وليس معنى أنني تعاطفت مع هذه الأحداث التي تجري في مكة المكرمة، وأنني فرحت بإسلام هؤلاء العشيرة والأهل والرحم أنني سأبقى في مكة وأترككم.
وقد ذكرنا في بيعة العقبة الثانية أن الأنصار ﵃ وأرضاهم قالوا لرسول الله ﷺ: (إن بيننا وبين القوم حبالًا وإننا قاطعوها) فقد بايعوه ﷺ على حرب الأحمر والأسود من الناس، وصرحوا بأنه بعد هذه البيعة هل إذا استقرت الأوضاع في مكة سيعود إليها ﷺ ويتركهم مع اليهود أو غيرهم من الناس، فقال ﷺ: (بل المحيا محياكم والممات مماتكم، أنا منكم وأنتم مني)، فالرسول ﵊ يؤكد على نفس المعنى الآن ويقول: (ما اسمي إذًا؟ كلا إني عبد الله ورسوله)، يعني: مستحيل أن أخالف ما تعاهدت معكم عليه قبل ذلك، (إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم والممات مماتكم، قال أبو هريرة: فأقبل الأنصار إلى رسول الله ﷺ يبكون ﵃ وأرضاهم ويقولون: والله يا رسول الله! ما قلنا الذي قلنا إلا ضنًا بالله ورسوله) يعني: ما قلنا هذه الكلمات إلا لأننا نريد الله ورسوله، نريدك أن تكون معنا يا رسول الله، فقال ﷺ: (فإن الله ورسوله ليصدقانكم ويعذرانكم)، قبل منهم ﷺ هذا الأمر، وقبل منهم هذا الظن الذي ظنوه برسول الله ﷺ وعذرهم ﵃ وأرضاهم.
والأنصار ﵃ لهم قيمة عالية جدًا في ميزان الإسلام، وبذلوا الكثير والكثير ﵃، ولم يأخذوا شيئًا لا في الفترة المكية بعد البيعة ولا في الفترة المدنية من أولها حتى هذه اللحظة وإلى آخر حياة الرسول ﷺ، ولذلك الرسول ﵊ شرفهم بكلماته العظيمة، فقال في حقهم: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار).
إذًا: نحن نعذر الأنصار تمامًا في هذا الأمر الذي وقعوا فيه، وعذرهم ربهم ﷾ ورسولهم الكريم ﷺ.
وكل بذل الأنصار قبل الفتح وبعد الفتح له قيمة عالية جدًا؛ لأنه كان في وقت الشدة ووقت العناء ووقت المشقة، ولا يمكن أبدًا أن يساويه بذل بعد الفتح، بأي صورة من الصور، ومما يؤكد هذا المعنى الأخير هذه القصة التي أختم بها هذا الدرس، وهي عندما جاء مجاشع بن مسعود ﵁ وأرضاه بأخيه مجالد بن مسعود ﵃ أجمعين جاء ليعلن إسلامه بين يدي الرسول ﵊ بعد الفتح، فـ مجاشع من الذين أسلموا قبل الفتح ومجالد أخوه من الذين أسلموا بعد الفتح، فجاء بأخيه ليبايع بعد الفتح، وقال: (جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة فقال ﵊: ذهب أهل الهجرة بما فيها، فقال: على أي شيء تبايعه، قال: أبايعه على الإسلام والإيمان والجهاد).
إذًا: فالأنصار مكانة عظيمة جدًا، كما قال ربنا ﷾: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَ
[ ٣٩ / ١٧ ]