بعد هزيمة هوازن أمام المسلمين في حنين، وبعد تقسيم الغنائم على الجيش وما وقع بسببها من مواقف متباينة، ومعالجة الرسول ﷺ لتلك المواقف بحكمة وحنكة، بعد ذلك كله جاء وفد هوازن وأعلن إسلامه، وطالب برد السبي، فقام ﷺ بخطة رائعة في إرجاع سبي هوازن، فكانت خطة ناجحة بكل المقاييس والمعايير، وانضمت قبيلة هوازن إلى جماعة المسلمين مجاهدة في سبيل الله تعالى، وكل هذا يبين لنا أن دين الإسلام دين رحمة وهداية للناس.
[ ٤٢ / ١ ]
موقف الأنصار من توزيع غنائم حنين على المؤلفة قلوبهم
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الرابع عشر من دروس السيرة النبوية: العهد المدني: فترة الفتح والتمكين.
في الدرس السابق تحدثنا عن توزيع غنائم حنين، وعن تقسيم أربعة أخماس الغنيمة على الجيش بكامله، ثم توزيع الخمس المتبقي على المؤلفة قلوبهم من طلقاء مكة وزعماء مكة وزعماء القبائل العربية المختلفة، وكان كما رأينا توزيعًا سخيًا بلغ مائة من الإبل للبعض، وتجاوز هذا الرقم للبعض الآخر، وذكرنا علة ذلك وأن الرسول ﵊ كان يريد استقرار الدولة الإسلامية، ووازن بين مصلحة هذا الاستقرار، وبين مفسدة حرمان المجاهدين الذين بذلوا الجهد، وكانوا سببًا مباشرًا في النصر يوم حنين، فوجد ﷺ بعد هذه الموازنة أن استقرار الدولة الإسلامية أثقل، ولذلك أعطى المؤلفة قلوبهم ومنع السابقين، وتفهم كثير من الصحابة هذا الموقف، لكن هذا التفهم لم يكن من الجميع، بل غضبت مجموعة من الصحابة لهذا الفعل، وشعرت هذه المجموعة أنها حرمت ما تستحقه، بينما أعطي من لا يستحق، فهذه المجموعة من الأصحاب هم الأنصار، غضب كثير من الأنصار؛ لأن الرسول ﷺ لم يعطهم من الخمس المملوك للدولة، مع أنه أعطى بسخاء مجموعة حديثة الإسلام، ما قدمت شيئًا للإسلام، وما خدمت الدولة الإسلامية خدمة تذكر.
وقبل أن تأخذوا موقفًا من الأنصار، وقبل أن توجهوا اللوم على الأنصار بأي صورة من صور اللوم، فتعالوا بنا نراجع بعض الحقائق التاريخية الهامة: أولًا: على أكتاف الأنصار قامت الدولة الإسلامية الأولى، قبل ظهور الأنصار في الصورة كان المسلمون متشتتين في الأرض، ناس في مكة وناس في الحبشة وناس في غيرها من القبائل، فجعل الله ﷿ الأنصار سببًا في جمع شمل المسلمين، وفي إقامة الدولة الإسلامية، وذلك عندما استضافوا الرسول ﵊ والمسلمين في مدينتهم، المدينة المنورة.
ثانيًا: أخذ الأنصار منذ الأيام الأولى لإسلامهم القرار بمواجهة الأحمر والأسود من الناس، كانوا يعرفون تمامًا أن الإسلام يعني: مفارقة العرب قاطبة، يعني: قطع الحبال التي بينهم وبين اليهود، يعني: مواجهة العالم، هكذا كانوا يعرفون، وهكذا أخذوا القرار بمنتهى التشرف القوة.
ثالثًا: أن قيمة المال في عيون الأنصار قليل جدًا، بل لعله منعدم، فأحيانًا قد لا يرون لأنفسهم حقًا في أموالهم الشخصية، فتجدهم يعطون هذه الأموال للآخرين بطيب نفس، قل أن يوجد مثلهم في البشر، ورأينا كيف كانوا يقسمون الأموال بينهم وبين المهاجرين ﵃، بغض النظر عن الحالة المادية للأنصاري الذي ينفق، وقد ذكر ﷾ ذلك في كتابه الكريم، ووصف الأنصار بصفة الإيثار، قال ﷾: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]، حتى الفقير من الأنصار كان ينفق في سبيل الله ويؤثر غيره على نفسه وهو محتاج.
هذه هي نفسية الأنصار بشهادة رب العالمين ﷾.
رابعًا: اشترك الأنصار في كل غزوات الرسول ﷺ، بل كانوا الجانب الأعظم من الجيش في بدء أول مواقع المسلمين، وبدء المسلمين كانوا (٣١٣) أو (٣١٤) والأنصار كانوا يمثلون ثلثي الجيش تقريبًا، (٢٣١) من الأنصار، و(٨٣) أو (٨٤) من المهاجرين، واستمر الأمر على ذلك في بقية الغزوات إلا الغزوات المتأخرة التي زاد فيها عدد المسلمين جدًا، لكن في الغزوات الأولى كان معظم الجيش من الأنصار ﵃ وأرضاهم.
ولديهم من المواقف المشرفة في التاريخ ما لا يحصى، ومن أشهر المواقف موقف أحد، ففي أحد فر بعض المسلمين، وصار إحباط من بعض المسلمين، لكن الثبات كل الثبات كان في جانب الأنصار ﵃ وأرضاهم، فرأينا في غزوة أحد استشهاد شباب الأنصار حول الرسول ﷺ الواحد تلو الآخر، كانوا واقفين حوله تسعة، سبعة من الأنصار واثنين من المهاجرين: سعد، وطلحة ﵄، مات السبعة كلهم تحت أقدام الرسول ﷺ دفاعًا عنه ﷺ، ورأينا أمثلة سعد بن الربيع وحنظلة وأنس بن النضر وعبد الله بن حرام وخيثمة وعمرو بن الجموح وغيرهم.
وشهداء أحد كانوا سبعين، وكان فيهم (٦٦) أنصاريًا، يعني نسبة (٩٤%)، بذل، تضحية، جهاد في سبيل الله بالمال وبالنفس.
خامسًا: أن الأنصار على خلاف
[ ٤٢ / ٢ ]
خوف الأنصار من ترك الرسول ﷺ للمدينة والإقامة بمكة
على الرغم من كل ما ذكرناه، وعلى الرغم من المثل الذي وضحنا به هذه الصورة، فهذا الموقف وهذه الكلمات لم تكن من عامة الأنصار، إنما كانت من بعض شباب الأنصار، ودليل ذلك ما جاء في الصحيحين في البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ سأل عن الذي قال هذا الكلام وأعلن بهذا الاعتراض، فقال فقهاء الأنصار وعلماؤهم وسابقوهم: (أما ذوي رأينا يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا، وأما أناس حديثة أسنانهم قالوا: يغفر الله لرسول الله يعطي قريشًا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم) يعني: أن هذا الكلام كان من بعض الشباب، لكن سعد بن عبادة ﵁ كما سيتبين في الأحداث القادمة كان موافقًا على هذا الكلام، مع أنه لم يقله، وهذا الكلام واضح في رواية الإمام أحمد ﵀: قال سعد بن عبادة ﵁ لرسول الله ﷺ: (يا رسول الله! إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء، قال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ فقال سعد: يا رسول الله! ما أنا إلا من قومي) يعني: أنني أشعر بما يشعرون به وإن كنت لم أقل مثل ما قالوا.
ولا تنسوا أن الأنصار بشر وليسوا ملائكة، والبشر جبلوا على حب المال، فإذا كان هذا المال حلالًا صرفًا فما المانع من طلبه، وخاصة إذا كانوا يشعرون أنهم هم السبب في تلك الثروة، فلماذا لا يأخذون جزءًا منها.
ثم إن هناك بعدًا آخر مهمًا جدًا وهو أن الأنصار كانوا يخشون أن يتركهم رسول الله ﷺ ويعيش في مكة المكرمة خير بقاع الأرض، وأحب بلاد الله إلى قلب الرسول ﷺ، وفيها الآل والعشيرة، وفيها الطفولة والشباب والذكريات، وفيها أعز قبائل العرب قريش، وأهم مركز من مراكز التجارة في الجزيرة العربية، ويأتي لها الناس جميعًا طول السنة من كل مكان، وفيها من المقومات الكثيرة ما يجعل اختيارها كعاصمة جديدة للدولة الإسلامية أمرًا مقبولًا جدًا ومتوقعًا، فلما حدث توزيع الغنائم بهذه الصورة ثارت الشكوك في قلوب الأنصار، ولا ننسى أن الأنصار قالوا هذا الكلام قبل ذلك منذ أقل من شهرين عندما فتحت مكة، وطمأنهم ﷺ أنه سيعود معهم إلى المدينة ولن يبقى في مكة المكرمة، وقال: (المحيا محياكم، والممات مماتكم) غير أنهم خافوا أن يكون الظرف قد تغير، والأحداث الجديدة غيرت من الصورة، وأن الرسول ﵊ أصبح له رأي جديد في هذه القضية، وأنه سيعود إلى مكة المكرمة ولن يعود معهم إلى المدينة المنورة، والرسول ﵇ كان يشعر بأن الأنصار يشعرون بهذا المعنى؛ لأن في الحوار الذي دار بينهم كما سنرى أكد على أنه سيعود معهم إلى المدينة المنورة، فشعر أن الأنصار كانوا خائفين من بقاء الرسول ﷺ في مكة ويترك المدينة مع كل المشاكل التي ممكن أن تحصل في المدينة المنورة نتيجة خروج الرسول ﵊ والجيش الإسلامي الأساس من المدينة.
أيضًا ينبغي أن نذكر عظمة سعد بن عبادة ﵁ والأنصار ﵃ أجمعين، الذين كانوا صرحاء إلى أبعد درجة، وهذه الصراحة هي التي عالجت الموقف، فلو أخذ الأنصار بمثاليات غير واقعية، وأنكروا وجود مشكلة لتفاقمت هذه المشكلة، وحينها سيكون الحل والعلاج صعبًا أو مستحيلًا.
[ ٤٢ / ٣ ]
كيفية تعامل الرسول ﷺ مع الأنصار في موقفهم من توزيع غنائم حنين
تعالوا بنا ننظر كيف تعامل رسول الله ﷺ مع بوادر هذه الأزمة الخطيرة؟ وإن سريان مثل هذا الشعور في هذه الطائفة المهمة جدًا من الجيش قد يؤدي إلى كوارث مستقبلية، هذه الكوارث بكل وضوح قد تعصف بالدولة الإسلامية.
ماذا نفعل إذا كانت هناك بوادر انسلاخ مجموعة من الجنود عن الصف العام للمسلمين؟ فهيا بنا لنرى المنهج النبوي الرفيع في علاج مثل هذا الأمر، هذا العلاج يجمع بشكل فريد فعلًا بين إقناع العقل وإرضاء العاطفة: أولًا: عدم التغافل عن النار التي تحت الرماد، كان الموقف الشرعي والعقلي للرسول ﷺ في قضية الغنائم سليمًا تمامًا، وهو الأولى بلا جدال، بدليل أن الوحي لم ينزل بخلاف ذلك، ومع ذلك الرسول ﵊ حرص على علاج الموقف من البداية، لم يقل مثل ما يقول الكثير من الناس: ما دام أنني على الصواب لا يهمني كلام الناس، لم يقل: ما دام الله ﷾ راضيًا وعالمًا ليس هناك داع إلى أن أسترضي الناس أو أبين لهم الأمر.
لم يقل: إن الأنصار مؤمنون شديدو الإيمان، وهذا كلام عارض لن يؤثر في مستقبل الدولة الإسلامية.
لم يقل: إن الأيام كفيلة بحل هذه القضايا، بل إنه لم يقل: أنا رسول الله ﷺ وواجب عليهم الطاعة.
لم يقل هذا الكلام ولا غيره من الكلام، بل انتقل إلى حل المشكلة بموضوعية، وأخذ الموضوع بمنتهى الجدية، ولم يؤجل الموضوع يومًا واحدًا، ولا حتى ساعة واحدة، كان حاسمًا تمامًا في قراره، سريعًا في حل الأزمة، قال لـ سعد بن عبادة مباشرة: (فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة).
إذًا: الملمح الأول في حل المشكلة: عدم التغافل عن الأزمة وهي ما زالت في بدايتها.
ثانيًا: أن الرسول ﵊ أراد أن لا ينتشر الأمر بين المسلمين، فقصر الحديث فيه مع أهل المشكلة وهم الأنصار، فهو لم يشأ أن يعلم به عامة الناس؛ لئلا يفتن بعضهم بالشبهة التي أثيرت، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لكي لا يأخذ الناس موقفًا سلبيًا من الأنصار إذا تبين خطأ الأنصار، لكي تظل صورة الأنصار جميلة ومحفوظة عند عامة الناس، ولذلك عندما رأى الرسول ﷺ بعض المهاجرين يدخلون إلى الحظيرة التي سيتم فيها اللقاء في البداية تركهم، لكن عندما رآهم يزيدون منع دخول المهاجرين، وسمح بدخول الأنصار فقط، فهو حصر المشكلة في إطار محدود، بل إنه في رواية في البخاري ومسلم عن أنس سألهم تصريحًا قال: (أفيكم أحد من غيركم؟ قالوا: لا، إلا ابن أخت لنا، فقال ﷺ: ابن أخت القوم منهم).
الشاهد أن معظم الذين حضروا أو كلهم من الأنصار.
ثالثًا: أن وسائل حل مثل هذه المشاكل الضخمة من أبلغ الوسائل، فقد حرص الرسول ﵊ على لقاء أصحاب المشكلة بنفسه ﷺ، ليسمع منهم ويسمعوا منه دون واسطة؛ لأن الواسطة قد لا تحمل الكلمات تمامًا كما قيلت، وهذا الكلام ليس طعنًا في الواسطة أو تقليلًا من إمكانيات الواسطة، أبدًا، لكن شعور الجنود عامة بالقرب من قائدهم يحل الكثير جدًا من المشاكل التي ممكن أن تحصل.
أحيانًا الحوار المباشر بين القائد والجنود يخرج بعض القضايا التي يكتمها الجنود عادة، ويفتح باب التحاور، ويناقش الفرعيات، وكل هذا الكلام يساهم في احتواء الأزمة في أولها.
رابعًا: أن الرسول ﵊ علل بوضوح وصراحة التقسيم الذي قسمه للغنائم، وذكر لهم السبب الذي من ورائه أعطى هؤلاء وترك الأنصار، قال لهم: (فإني أعطي رجالًا حديثي عهد بكفر أتألفهم) يعني: ليس تقديمي لهم؛ لأني أحبهم بصورة أكبر، أو لأني أقدر موقفهم البطولي، أو أداءهم المتميز، بل على العكس أنا وبكل صراحة أعلم أن قلوبهم مترددة، وأن أقدامهم ليست براسخة بعد في الإسلام، ولذلك أعطيهم.
فهذه الكلمات جاءت في منتهى الوضوح وبدون تورية حتى تحل المشكلة حلًا جذريًا.
خامسًا: أن الرسول ﵊ لفت أنظار الأنصار إلى النظر أيضًا إلى النصف المملوء من الكوب، هذا هو النظر الواقعي، لو كان هناك كوب مملوء إلى النصف، فليس من الصواب أن تنظر إلى نصفه الفارغ، فتكون شديد التشاؤم، وليس من الصواب أيضًا أن تنظر إلى نصفه المملوء فتكون شديد التفاؤل بصورة غير واقعية، لكن الصواب أن تكون متوازنًا وترى الأمر على حقيقته، نصف مملوء ونصف فارغ، نعم أنتم لم تأخذوا من هذا المال ومن هذه العطايا السخية، لكن ألم تأخذوا شيئًا؟! هل ألفتم النعمة فنسيتموها؟! ألم يقدم لكم رسول الله ﷺ شيئًا قبل ذلك؟! ألم ينفعكم الإسلام؟! ألم تستفيدوا من انضمامكم إلى هذا الكيان الجديد في الدولة الإسلامية؟! انظروا نظرة متوازنة حتى لا تشعروا بالغبن أو الظلم، فالرسول ﷺ لم يترك هذا الكلام عائمًا دون توثيق، بل ذكر طرفًا مما حصله الأنصار من الإسلام، ولم يذكر كل النعم، ذكر بعض النعم، وكان
[ ٤٢ / ٤ ]
قدوم وفد هوازن مسلمًا
بعد انتهاء توزيع الغنائم بكاملها ورضا كل فريق بما أخذ، سواء من الجزء الرئيسي من الغنيمة أو من الخمس الذي وهب للبعض، بعد انتهاء هذا التوزيع حدثت مفاجأة ضخمة غير متوقعة، جاء وفد من قبيلة هوازن أو بالتحديد من بطون بني نصر وبني سعد وكل بطون هوازن الأخرى باستثناء قبيلة ثقيف، جاءوا جميعًا إلى وادي الجعرانة.
لماذا جاءوا إلى هذا المكان الآن؟ هل جاءوا للتهديد والوعيد، أم جاءوا للمفاوضات مع الرسول ﵊، أم جاءوا لتحديد موعد جديد للقتال والثأر؟ لم يأتوا لهذا كله، وإنما جاءوا للإسلام، جاء وفد هوازن يعلن إسلامه بين يدي رسول الله ﷺ، وكان الوفد مكونًا من أربعة عشر نفرًا، يمثلون بطون هوازن المختلفة باستثناء ثقيف كما قلنا.
وجدوا أنفسهم خسروا كل شيء، خسروا نساءهم وأبناءهم وأموالهم وأنعامهم، خسروا حاضرهم وسيخسرون أيضًا مستقبلهم إن هم بقوا على الشرك، ومثلما ذكرنا قبل ذلك أنهم كانوا قد فروا إلى الطائف مع ثقيف، وما استطاعوا الخروج لحرب المسلمين، وكان أمامهم بعد فقد كل هذه الممتلكات أن يفقدوا أيضًا ديارهم، ويعيشوا عمرهم لاجئين عند ثقيف في الطائف، كان موقفهم صعبًا جدًا، ففكروا لو أنهم عادوا إلى رسول الله ﷺ فقد يقبل منهم إسلامهم، وقد يعيد إليهم بعض الممتلكات، وواضح جدًا أنهم لم يأتوا حبًا في الإسلام، لكن معظم الذين يدخلون الإسلام لأجل شيء دنيوي يحبونه بعد فترة من الزمان تقصر أو تطول، فهم في النهاية بعد أن يعيشوا الإسلام سيشعرون بقيمته.
جلس وفد هوازن مع الرسول ﵊ وأعلنوا إسلامهم، ثم قالوا: (يا رسول الله! إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا منّ الله عليك) ثم قام خطيبهم زهير بن صرد فقال: (يا رسول الله! إنما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك - يعني منهم بنو سعد الذين أرضعوا الرسول ﷺ - ثم أنشد شعرًا كان منه: امنن علينا رسول الله في كرم فإنك المرء نرجوه وننتظر) فماذا يفعل الرسول ﷺ في موقف مثل هذا؟ الموقف في غاية الحرج، ها هي القبيلة الضخمة هوازن تأتي لتعلن إسلامها، وكما ذكرنا أنهم ما أتوا حبًا في الإسلام، ولكنهم جاءوا لأنهم خسروا كل شيء، ولم يعد أمامهم من سبيل إلا أن يسلموا، فيستردوا شيئًا من ممتلكاتهم، فماذا يحدث إن لم تعد لهم نساؤهم وأموالهم؟ إن ردتهم محتملة جدًا، بل هي الأغلب، وهذا هو المتوقع، في نفس الوقت الرسول ﵊ قسم كل شيء في الغنائم على الجيش، أربعة أخماس الغنائم تقسمت على أفراد الجيش العام، وقسم كذلك الخمس المتبقي على سادة القبائل والزعماء وطلقاء مكة وغيرهم من المؤلفة قلوبهم، فالرسول ﵊ أعطى هذه العطايا ليتألف قلوب الناس، لو أخذ منهم هذه الأشياء فقد يرتدون عن الإسلام، فماذا يعمل؟ هو يريد إسلام هوازن، وفي نفس الوقت يريد ثبات أهل مكة وزعماء القبائل، كيف الخروج من هذه الأزمة؟
[ ٤٢ / ٥ ]
خطوات الرسول ﷺ في استرجاع سبي هوازن من المسلمين
تعالوا لننظر إلى المنهج الإسلامي الذي رأيناه من حبيبنا ﷺ لحل مثل هذه المعضلة، فقد تحرك الرسول ﵊ في ثلاث خطوات رائعة: الخطوة الأولى: حاول أن يصل مع هوازن إلى حل في منتصف الطريق، ليس من الممكن أن يرجع لهم كل شيء، وحاول أن يصل معهم إلى أكبر تنازل ممكن، بحيث يقبلون به مع ثباتهم على الإسلام، فقال لهم ﷺ في وضوح: (أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟) حتى في رواية البخاري يقول: (أحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال، وقد كنت استأنيت بهم) يعني: أنا أخرت توزيع الغنائم لعلكم تأتون، لكنكم تأخرتم، وهو بهذا يحاول أن يلطف قلوبهم.
وهنا يتصرف الرسول ﷺ بوضوح وبتعقل وبواقعية، لا يندفع بعاطفته إلى أمر قد لا يقدر عليه، ونحن لا بد أن نلاحظ أن السبي والأموال ليست أمورًا مسروقة أو منهوبة من هوازن، وإنما هي حق للمسلمين، وتطلب هوازن أن يتنازل عنها المسلمون كرمًا منهم، فالرسول ﷺ خيرهم بين السبي أو المال، فماذا كان رد فعل هوازن؟ كانوا واقعيين، قالوا: (يا رسول الله! خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا، فلترد إلينا نساءنا وأبناءنا، فهو أحب إلينا) فاختاروا السبي دون الأموال.
الخطوة الثانية: إشعار هوازن أن رسول الله ﷺ شخصيًا معهم قلبًا وقالبًا، وأنه متعاطف معهم إلى أقصى درجة، وسوف يضحي هو شخصيًا من أجلهم، وسيبذل قصارى جهده لاسترداد السبي من أفراد الجيش الإسلامي، أي: أن الرسول ﵊ وضع نفسه في خندق هوازن، وصار مدافعًا عن قضيتهم، ولا شك أن الرسول ﵊ قد ثبت أقدامهم بهذا العرض، فقد قال لهم في تجرد: (أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم) يعني: أنا متنازل عما كان في نصيبي من السبي، وبصفتي عميد لعائلة عبد المطلب فسوف أطلب منهم رد السبي الذي أخذوه منكم، لكن في نفس الوقت أنا لا أستطيع أن أجبر بقية أفراد الجيش على رد ما معهم، لكني سأحاول.
هنا نجد ما نسميه بواقعية العطاء عند رسول الله ﷺ، هو لم يعد إلا بما يستطيع، وكان كريمًا واسع الكرم ﷺ، تنازل عن نصيبه وأقنع بني عبد المطلب بالتنازل عن حقوقها، لكنه لم يعط ما لا يملك.
الخطوة الثالثة خطوة هائلة مذهلة، لا أعتقد أن لها مثيلًا في تاريخ الأرض: اتفق الرسول ﷺ مع هوازن على القيام بمحاولة لطيفة أمام المسلمين، يقنع فيها أفراد الجيش المسلم بإعادة السبي إلى هوازن.
هذه المحاولة من الرسول ﵊ يبذل فيها هذا الجهد من أجل قبيلة كانت تحاربه منذ شهرين فقط، بل كانت حريصة تمام الحرص على استئصاله وأصحابه، فالرسول ﷺ لقنهم ما يقولونه تمامًا باللفظ، قال ﷺ: (إذا صليت الظهر بالناس فقوموا وقولوا للناس: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا، فسأعطيكم عند ذلك، وأسأل لكم).
لاحظ العظمة النبوية، هو لم يتنازل عن حقه في السبي وحق بني عبد المطلب بينه وبينهم فقط، بل أراد أن يكون ذلك الأمر في العلن، ليقتدي به بقية المسلمين فيتنازلون عن السبي الذي ملكوه، ثم إنه يعلم وفد هوازن ألفاظًا ترقق من مشاعر المسلمين: (إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله) وهنا الرسول ﵊ سيقبل شفاعة المسلمين، وليس من المعقول أن المسلمين لن يقبلوا بشفاعة الرسول ﵊، ثم إن الرسول ﵊ يؤكد لهم على واقعية الطلب، ينصحهم ألا يطلبوا الأموال والشياة، وإنما يطلبون السبي فقط؛ لكي لا يصعبوا الأمر على المسلمين فتفشل المحاولة، وفوق كل ذلك وعد الرسول ﵊ وفد هوازن أنه سيسأل بنفسه المسلمين أنهم يرجعون السبي إلى هوازن.
ولاحظ مدى الرقي والتوازن والتعامل الحضاري من رسول الله ﷺ، فهو مع كونه زعيم الأمة الإسلامية ورئيس الدولة والرسول المطاع ﷺ، إلا أنه لا يريد أن يجبر المسلمين على رأي يرى أنه لا يجوز له تأميم ما لا يملك، وأن هذا حق المالكين الآن، وليس له دخل فيه، إنما سيدخل في القضية في صورة شفيع أو وسيط يريد الخير بصدق للطرفين.
هل جاء في التاريخ كله شيئًا مثل هذا؟! وعظمة الموقف لم تنته بعد، ما زال هناك فصول في القصة.
[ ٤٢ / ٦ ]
موقف المسلمين من طلب الرسول ﷺ منهم إرجاع سبي هوازن
لما صلى الرسول ﷺ الظهر بالمسلمين، ثم كما هو متفق عليه مع هوازن، قام وفد هوازن يخاطب المسلمين جميعًا، وكأنهم لم يجلسوا مع الرسول ﷺ قبل ذلك، وقالوا مثل ما نصحهم الرسول ﵊ تمامًا، قالوا: (إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله، في أبنائنا ونسائنا).
فقام صلى الله عليه سلم قابلًا شفاعة المسلمين وقال: (أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم) وكأن هذا الكلام لأول مرة يقوله، فالرسول ﵊ قام بما ينبغي عليه تجاه هوازن، وبقي أن يقوم المسلمون برد سبيهم كما فعل ﷺ وأن يقبلوا بشفاعته كما قبل هو بشفاعتهم، لكن تعالوا لنر رد فعل المسلمين، والحقيقة أن رد المسلمين كان متباينًا، فالبعض وافق والبعض رفض.
قام المهاجرون فقالوا: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ، أي: نعطي رسول الله ﷺ مطلق الحرية في التصرف فيه، وبالتالي سيرد إلى هوازن سبيهم، وقام الأنصار كذلك وقالوا: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ، وفي ذلك دليل على أن المهاجرين والأنصار أخذوا من الغنائم، وإلا ماذا سيعيدون؟ فواضح أنهم أخذوا أربعة أخماس الغنيمة، والآن يعيدون ما أخذوه.
فهذا سبي أعيد من قسم هام من أقسام الجيش من المهاجرين والأنصار، لكن تبقى أقسام كبيرة من الجيش وخاصة الأعراب؛ لأنهم غالب الجيش، وهم في الأساس قبائل تميم وفزارة وسليم، فقام الأقرع بن حابس زعيم بني تميم وقال: أما أنا وبنو تميم فلا.
وقام عيينة بن حصن زعيم بن فزارة وقال: وأما أنا وبنو فزارة فلا.
وقام العباس بن مرداس زعيم بني سليم وقال: وأما أنا وبنو سليم فلا.
هذه ثلاث مشاكل كبيرة، فقامت بنو سليم وقالت: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ.
يعني: بنو سليم رفضت كلام زعيمهم العباس بن مرداس وقالت: سنعيد السبي مع رسول الله ﷺ.
موقف هذه القبائل الثلاث يحتاج إلى وقفة وتحليل.
قبيلة تميم وفزارة رفضتا إعادة السبي إلى هوازن، بينما قبلت قبيلة سليم، فبقيت مشكلتان أمام الرسول ﵊: المشكلة الأولى: هي رفض قبيلة فزارة وتميم إعادة السبي، وهذا الموقف قد يؤثر على إسلام هوازن.
المشكلة الثانية: الخلاف الذي ظهر بين رأي العباس بن مرداس زعيم قبيلة سليم وبين أفراد القبيلة.
أما المشكلة الأولى: وهي مشكلة رفض قبيلتي فزارة وتميم إعادة السبي، فالرسول ﵊ لم ييئس من ذلك الأمر، لكن النظرة مادية بحتة عند تميم وفزارة، ولذلك دخل معهم الرسول ﷺ في مساومة مادية تجارية تناسب طبيعتهم في هذه المرحلة، فكان ﷺ واقعيًا إلى أبعد درجة، لم يلمهم على أنهم لم يقبلوا شفاعته؛ لأن هذا حقهم ورفضوا أن يتنازلوا عنه، وليس هذا أمرًا مباشرًا منه ﷺ، فقال لهم: (أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي فله بكل إنسان يتنازل عنه من السبي ست فرائض من أول شيء نصيبه).
سبحان الله! هل وقع في التاريخ كله موقف مشابه لهذا الموقف؟! أنا والله لا أجد له مثيلًا إلا موقفه ﷺ من طلقاء مكة.
فالرسول ﵊ سيدفع لهم قيمة ما عندهم من السبي مضاعفًا ست مرات من أول سبي يحصل عليه المسلمين بعد ذلك.
والنبي ﵊ يدافع عن هوازن وكأنها أقرب الأقربين إليه ﷺ، مع أنها لم تسلم إلا منذ ساعة من الزمان، وقبلها كانت من ألد أعدائه ﷺ، يعني: أنه سيغرم الدولة الإسلامية ستة أضعاف قيمة السبي؛ من أجل الحفاظ على عقيدة هؤلاء القوم الجدد، فهو يتفاوض مع جيشه ليعيدوا السبي لهوازن لا يوجه لهم أمرًا؛ لأنه يعلم أن ذلك حقهم.
وهو ﷺ يفهم طبيعة النفس البشرية، ويفهم حدود العدل، ويفهم أسس القيادة، ويفهم قواعد الإدارة، ويفهم طرق الحكم، ويفهم فنون التعامل مع الناس بصفة عامة، إنه بلا جدال بحر لا ساحل له، وقدوة لا مثيل لها، من المستحيل أن نحيط بعظمته ﷺ، ولو قضينا الأعمار في تحليل السيرة النبوية.
فماذا فعلت تميم وفزارة إزاء هذا العرض المغري من رسول الله ﷺ؟! لقد قبلت القبيلتان بالكامل إعادة السبي إلى هوازن، ونجح العرض النبوي في الخروج من الأزمة، وعاد كل السبي إلى هوازن، إلا عجوزًا كانت في يد عيينة بن حصن الفزاري رفض أن يرجعها في أول الأمر كيدًا لهوازن، ثم أعادها بعد ذلك، وبذلك حلت المشكلة الأولى، وعاد جميع السبي إلى هوازن.
المشكلة الثانية: أن هناك تعارضًا بين رأي زعيم القبيلة وبين جمهور الأتباع من القبيلة.
هذا السبي حق شخصي لكل فرد، ليس حقًا عامًا للقبيلة، بمعنى أنه لو اعترض فرد أو اثنان أو أكثر من أفراد القبيلة ما جاز هـ
[ ٤٢ / ٧ ]
موقف الرسول ﷺ من مالك بن عوف النصري بعد إسلام قبيلته هوازن
بقي في قصة هوازن فصل عجيب جدًا يحتاج إلى وقفة وتحليل واستفادة، يحتاج أن نحمله ليس فقط للمسلمين، ولكن إلى أهل الأرض جميعًا لنقول لهم: هذا هو قدوتنا ﷺ، فأي قدوة تتبعون؟! هذا الفصل العجيب هو أنه ﷺ اكتشف أن مالك بن عوف النصري الزعيم الشاب قائد هوازن الذي جمع الجموع للحرب، والذي كان يريد أن يستأصل المسلمين، اكتشف أنه ليس مع الوفد المفاوض، وهو زعيم الناس ولم يأت معهم، ولم يسمع عنه كلمة، فسأل عنه، فقالوا له: إنه في الطائف في حصون ثقيف يخشى على نفسه من القتل، فقام ﷺ في موقف رائع لا يقل عن المواقف الرائعة السابقة فقال: (أخبروا مالكًا أنه إن أتاني مسلمًا رددت عليه أهله وماله) يعني: ليس أهله فقط، وإنما أهله وماله، ثم قال: (وأعطيته مائة من الإبل).
هل ترون كم هو عظيم ﷺ؟! لقد كان الهدف الأسمى في حياة الرسول ﵊ هداية الناس لرب العالمين ﷾، بغض النظر عن تاريخهم وعن عداوتهم السابقة له وللمسلمين، فهو ﷺ لم يغب عن ذهنه هذا الهدف، فهو حتى مع مالك بن عوف ما زال يحرص على إسلامه وهدايته.
فالرسول ﷺ قائد محنك حكيم مجرب، يقدر الأمور بحكمة، ويزن الأشخاص بميزان الذهب أو أدق، فـ مالك بن عوف النصري قوة لا يستهان بها، ولا يمكن أبدًا أن تتجاهل، فهو رجل استطاع أن يجمع ويحرك أكثر من (٢٥٠٠٠) ألف مقاتل، واستطاع أن يقنعهم أن يضحوا بكل ثرواتهم من أجل قضية ما، فوجود هذا الرجل خارج الصف أمر خطير فعلًا، وخاصة أنه في ثقيف، وثقيف لم تسلم بعد، وخطر ثقيف لم ينقطع عن المسلمين، ووجود شخصية خطيرة مثل هذه في داخل حصون ثقيف أمر لا تؤمن عواقبه، ثم إن هذا الرجل استطاع تحريك الجموع الكثيرة من أجل قضية قبائلية تافهة بالقياس إلى أهداف القتال في الإسلام.
فماذا سيحصل لو انضم هذا القائد الخطير إلى صفوف الجيش المسلم؟ ماذا سيفعل لو أصبح مقاتلًا في سبيل الله بدلًا من أن يكون مقاتلًا في سبيل هوازن؟ لذلك حرص الرسول ﵊ كل الحرص على إسلامه، وحرص في نفس الوقت على حفظ كرامته، فرفع قيمته فخصه بوضع غير الناس، خصه بإعادة المال له مع الأهل، وليس فقط الأهل، ووعد بإعطائه مائة من الإبل كنوع من تأليف القلب؛ لأن الرسول ﷺ يعلم أن إسلام هوازن ضربة كبيرة جدًا لـ مالك بن عوف، ومع ذلك لم يرد أن يكسر معنوياته، ولم يرد أن يذله وأن يعيره بانضمام جنوده إلى جيش المسلمين، وإنما عرض عليه عرضًا مغريًا جدًا، وهو يعلم أن وضع مالك الآن أصبح صعبًا للغاية، ومن ثم فتح له باب الرجوع إلى الله، والانضمام إلى دولة الإسلام.
هذه هي الحكمة، لو تريد أن تعرف ماذا تعني كلمة حكمة، فادرس سيرة الرسول ﷺ.
وصل الخبر إلى مالك في الطائف، وكما توقع الرسول ﵊ كان وضع مالك صعبًا جدًا شديد الصعوبة، كان يتخوف على نفسه من قبيلة ثقيف، فقد أصبح وضعهم في مأزق خطير، كتب عليهم أن يحصروا في مدينتهم، ومالك هو الذي وضعهم في هذا الموقف الصعب، فأصبح خائفًا منهم، ومالك لم يعد لديه أتباع، فقد أسلمت قبيلته، وأصبح موقفه في غاية الحرج، فجاءت دعوة الرسول ﵊ منقذة له من أزمة خطيرة، جاءت هذه الدعوة لتخرجه من موقف لا يحسد عليه، وبالفعل لم يتردد مالك بن عوف لحظة ولم يفكر كثيرًا، بل أسرع من فوره إلى لقاء الرسول ﷺ وأعلن إسلامه بين يديه.
هل يوجد أحد في الدنيا كان يتوقع نتيجة مثل هذه بعد شهرين من موقعة حنين؟! أرأيتم المنهج الإسلامي في التعامل مع البشر؟! أي قائد غير الرسول ﵊ ممن لا ينهج نهجه يكون همه الأول بعد النصر البحث عن قواد عدوه، لكي يحكم عليهم بالحبس، أو بالنفي، أو بالقتل، ويضع لهم صورًا على الإنترنت، لكن الرسول ﵊ كان حريصًا على كل البشر بغض النظر عن تاريخهم أو مواقفهم السابقة، فكانت نتيجة موقفه ذلك أن أسلمت هذه الشخصية القيادية الفذة مالك بن عوف، فقوة مالك بن عوف التي تكلمنا عليها قبل ذلك، وقدرته على الحشد سيكون في صالح المسلمين.
لكن الرسول ﵊ كان يعلم أن مالك بن عوف إنما أسلم في ظروف صعبة، وقد يكون إسلامه رغبة في المال والأهل والإبل، أو رهبة من ثقيف أو من رسول الله ﷺ، فكيف نثبت أقدامه في الإسلام؟ كيف نستفيد من طاقاته وقدراته؟ هل بمائة من الإبل أم أن هناك وسائل أخرى؟ انظروا إلى فعل النبي الحكيم ﷺ، قام بخطوتين مبهرتين: الخطوة الأولى: أعاد مالك بن عوف إلى زعامة هوازن.
ومثل
[ ٤٢ / ٨ ]