بعد أن أعز الله المسلمين في غزوة بدر، ظهرت عداوة اليهود جلية داخل المدينة المنورة، فقاموا بتحريض القبائل العربية ضد المسلمين وإثارة الفتن، فكان أن مهدت هذه الأحداث لغزوة أحد.
[ ٢٤ / ١ ]
الأسباب الداعية إلى حصار النبي ليهود بني قينقاع وإجلائهم عن المدينة
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس العاشر من دروس السيرة النبوية في العهد المدني.
في الدروس السابقة تحدثنا عن غزوة بدر وآثارها العظيمة في الجزيرة العربية، وذكرنا موقف قريش وموقف المدينة المنورة وموقف الأعراب، ووقفنا عند ردة فعل اليهود على هذا الانتصار المبهر في غزوة بدر الكبرى.
فأنتم تعلمون أن داخل المدينة المنورة ثلاث قبائل يهودية: قبيلة بني قينقاع، وقبيلة بني النضير، وقبيلة بني قريظة.
وفي شمال المدينة المنورة تجمع ضخم لليهود يقال لهم: يهود خيبر، وقد عمل الرسول ﵊ معاهدة مع اليهود، وحاول اليهود مرارًا وتكرارًا حاولوا أن يخالفوا هذه المعاهدة وأن ينقضوا الميثاق، وتحدثوا كثيرًا بالسوء عن الصحابة وعن رسول الله ﷺ، بل وعن رب العالمين ﷾، وتطاولوا كثيرًا في هذه الكلمات، ولكن الرسول ﵊ كان يضبط النفس ويحاول التحكم قدر المستطاع في أعصاب الصحابة، لكي يمنعهم من الصدام مع اليهود؛ لأن الوضع ما زال مضطربًا داخل المدينة المنورة.
وبعد انتصار الرسول ﵊ على قريش في بدر عاد إلى المدينة المنورة وهو يرفع رأسه بعزة وقوة وبأس، وأرهب ذلك معظم الجزيرة العربية، لكن كان رد فعل اليهود غريبًا، فقد جمع الرسول ﵊ بداية دخوله المدينة المنورة جمع اليهود -يهود بني قينقاع، وحذرهم من مغبة الطغيان والمخالفة المستمرة التي كانوا عليها، وقال لهم: (يا معشر يهود! أسلموا قبل أن يصيبكم مثلما أصاب قريشًا)، وبالطبع هو لا يكرههم على الإسلام أو على الإيمان، ولكن يقول لهم: إن قريشًا لما ظهرت على أمر الله ﷿ أذلها الله ﷿، وهذا له بوادر وظواهر عند اليهود، فهم يخالفون بصورة مستمرة ويسيئون الأدب مع الأنبياء ومع رب العالمين ﷾، لكن رد فعل بني قينقاع كان عنيفًا جدًا، قالوا: يا محمد -ﷺ- لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لن تلقى مثلنا.
إذًا: فهذا إعلان صريح من اليهود وتهديد واضح من اليهود بالحرب على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين، وقد عرفنا المعاهدة التي بها كف الحرب بين الطائفتين، بل وتجعل واجبًا على اليهود أن يناصروا المسلمين في حربهم ضد من يغزو المدينة المنورة سواء من قريش أو من غيرها، لكن الآن بدأ انشقاق كبير داخل المدينة المنورة، وأعلنوا استعدادهم لحرب الرسول ﵊ وهددوه وتوعدوه؛ ضعوا كل هذا بجانب؛ الذكريات القديمة لليهود في خلال السنتين الماضيتين من التكذيب المستمر والادعاء بالباطل على المسلمين وعلى آيات الله ﷿ وعلى الحبيب ﷺ.
عندما قابل كان اليهود النبي ﷺ بهذا الكلام، أنزل الله ﷿ آيات بينات توضح العلاقة بين اليهود والمسلمين في مرحلة قادمة، وهي آيات أنزلت في يهود بني قينقاع، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران:١٢]، ويخبر الله بني قينقاع أن يتعظوا بما حدث في لقريش: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [آل عمران:١٣]، لكن كانت بصائر اليهود مطموسة تمامًا، فلم يفقهوا هذه الآيات ولم يهتموا بها.
إذًا: هذا هو الموقف الذي كان بين اليهود وبين المسلمين، ولم يقف الموقف إلى هنا، بل إنه تصاعد أكثره، فقد حدث أن امرأة من المسلمين قدمت إلى سوق بني قينقاع، وجلست إلى أحد الصاغة اليهود تبيع وتشتري منه، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، أي: يحاولون أن يقنعوها بأن تكشف وجهها، فرفضت المرأة ذلك، فأتى أحد اليهود من ورائها وربط طرف ثوبها في رأسها دون أن تنتبه، فعندما وقفت انكشفت سوءتها فصرخت، فجاء مسلم وقتل اليهودي الذي فعل ذلك، فاجتمع يهود بني قينقاع على المسلم وقتلوه، فكانت بوادر أزمة ضخمة جدًا في داخل المدينة المنورة؛ حيث إن قبيلة بني قينقاع اجتمعت على قتل المسلم بعد أن قامت بجريمة كشف عورة المرأة المسلمة، ووصل الأمر إلى رسول الله ﷺ، فبمجرد أن وصل إليه الأمر جمع الصحابة ﵃ وأرضاهم وجهز الجيش وانطلق مباشرة إلى حصون بني قينقاع، وحاصر يهود بني قينقاع فيها، وأصر ﷺ على استك
[ ٢٤ / ٢ ]
بعض ملامح غزوة بني قينقاع
[ ٢٤ / ٣ ]
أخذ القرار بإجلاء اليهود بعد الاطمئنان إلى قوة الدولة الإسلامية
ظهر لنا في قصة بني قينقاع بعض الملامح.
أولًا: الرسول ﷺ لم يستطع أن يقف هذه الوقفة الجادة القوية مع اليهود إلا بعد أن اطمأن على قوة الجيش والاقتصاد والدولة الإسلامية، بحيث إن السوق الإسلامي أصبح قويًا وموجودًا وله حضور في المدينة المنورة، وتعلمون أن كل التجارة كانت في سوق بني قينقاع، فإذا كانت التجارة معتمدة اعتمادًا كاملًا على بني قينقاع، وبعد ذلك خرجوا إلى الشام، فكيف سيكون الحال داخل المدينة المنورة؟ لذلك فإن الرسول ﵊ أمن نفسه من هذا الأمر من أول يوم نزل فيه المدينة المنورة، وعمل السوق الإسلامي، وصار الماء ملكًا للمسلمين بعد أن كان ملكًا لليهود، وقد تكلمنا على بئر رومة قبل ذلك في الدروس الماضية من العهد المدني.
إن الجيش المسلم جيش معتمد على أفراده تمامًا لا يعتمد على معونات خارجة عن المدينة المنورة، بل يعتمد على المهاجرين والأنصار، ليس مثل عبد الله بن أبي الذي يعتمد على اليهود في حمايته، وهذا الوضع شجع الرسول ﷺ على أن يأخذ قرار الحرب بسهولة.
[ ٢٤ / ٤ ]
الرد السريع على بني قينقاع وعدم التساهل فيما فعلوه مع المرأة المسلمة
الملمح الثاني مهم لنقف عليه في غزوة بني قينقاع: أن الرسول ﵊ لم ير التساهل مطلقًا مع اليهود بعد هذا الموقف الذي فعلوه مع المرأة المسلمة ومع الرجل المسلم الذي قتل؛ لأن فعلهم كان مخالفة صريحة للمعاهدة التي بينه وبينهم، ولو سكت ﷺ على مخالفة اليهود للمعاهدة مرة ثانية وثالثة وأكثر من ذلك -لزاد اليهود من تطاولهم، وبالتالي يبدءون الدخول في مرحلة ثانية من الاستهزاء بالدولة الإسلامية وبكرامتها، وعندما يكون هناك تساهل بالأمر الجديد سيعملون أشياء أخرى أكثر وأكثر، وحدود اليهود ليست لها نهاية.
ورأينا هذا الفعل من اليهود سواء في السابق أو في اللاحق، وسنظل نراه من اليهود إلى يوم القيامة؛ لأن هذه طبيعة من طبائع اليهود.
ففي العصر الحديث خالف اليهود القوانين الإسلامية، وبدءوا بالهجرة إلى فلسطين وكانت الهجرة إلى فلسطين ممنوعة عليهم، وسكت المسلمون، وبعد ذلك تملك اليهود الاقتصاد الفلسطيني في داخل فلسطين بكاملها، كذلك المسلمون لم يحركوا ساكنًا، واستقدم اليهود السلاح الخفيف في داخل فلسطين، كذلك سكت المسلمون عن ذلك، واستقدم اليهود السلاح الثقيل في داخل فلسطين، وكذلك سكت المسلمون عن ذلك، ثم جاء قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين بين اليهود والمسلمين، وكذلك السكوت هو السائد، فقامت إسرائيل سنة (١٩٤٨) ثم قامت حرب سنة (١٩٥٦)، ثم قامت الحرب سنة (١٩٦٧)، ثم أشعلت حرب سنة (١٩٨٢) ضد لبنان وهكذا كلما نسكت يأخذ اليهود منطقة أكبر، كنا نطالب بالعودة إلى حدود التقسيم، وبعد ذلك نطالب بالعودة إلى حدود (١٩٦٧)، وبعد ذلك نطالب بالعودة إلى حدود الانتفاضة، والآن اليهود يعملون الجدار، وسنطالب بالعودة إلى حدود الجدار، وهكذا تساهل وراء تساهل وراء تساهل، حتى أدي للذي نراه الآن.
لذلك تجنب الرسول ﵊ كل هذه المأساة، وأخذ قرارًا حاسمًا وسريعًا بحصار بني قينقاع، وعقابهم بالطريقة التي شرعت في المعاهدة التي بينه وبينهم قبل ذلك بسنتين.
إذًا: هذا هو الوضع الحاسم الذي علمنا إياه الرسول ﷺ.
[ ٢٤ / ٥ ]
قوة العلاقة بين اليهود والمنافقين
الملمح الثالث من ملامح غزوة بني قينقاع: قوة العلاقة بين اليهود وبين المنافقين من المسلمين، المنافقون أسماؤهم إسلامية وصفاتهم إسلامية وشكلهم إسلامي، لكن يتعاملون مع اليهود بمنتهى الحمية والقوة؛ لأنهم يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، واستغل اليهود هذه العلاقة في أيام الرسول صلى ﵊، واستغلوها بعد وفاة الرسول ﵊ وإلى زماننا الآن وإلى يوم القيامة، فالعلاقة وطيدة وأكيدة بين اليهود والمنافقين، وقد ذكر الله ﷿ ذلك في كتابه بتعبير غريب وواضح جدًا، قال ﷾: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ [الحشر:١١] إلى آخر الآيات، فجعل الله ﷿ المنافقين إخوانًا للذين كفروا من أهل الكتاب، فهذا الأمر واضح جدًا في كتاب رب العالمين ﷾، وواضح من خطوات السيرة النبوية كما ترون.
إذًا: هذا هو موقف الرسول ﵊ من بني قينقاع.
[ ٢٤ / ٦ ]
أمر النبي ﷺ بقتل كعب بن الأشرف
شبيه بهذا الموقف في هذه الفترة أيضًا ما فعله ﷺ مع رجل من يهود بني النضير، كان هذا الرجل يقود حربًا ضروسًا ضد المسلمين، ليس كل القبيلة يقودون هذه الحرب، وإنما هو واحد منها كان اسمه كعب بن الأشرف، وهو من قادة بني النضير وزعمائها، هذا الرجل كان يصرح بسب الله ﷿ وبسب رسوله الكريم وكان شاعرًا مجيدًا ينشد الأشعار في هجاء الصحابة ﵃ وأرضاهم، ولم يكتف بذلك الأمر، ولكنه ذهب ليؤلب القبائل على الدولة الإسلامية، ولم يكتف بهذا الأمر، بل ذهب إلى مكة المكرمة، وألب قريشًا على المسلمين، وبدأ يتذاكر معهم قتلى المشركين في بدر، بل إنه فعل ما هو أشد من ذلك وأنكى، وتعلمون أنه من اليهود وهو يعلم أن الرسول ﵊ رسول من عند رب العالمين؛ سأله القرشيون وهم يعبدون الأصنام، قالوا: أديننا أحب إليك، أم دين محمد وأصحابه، وأي الفريقين أهدى سبيلًا؟ فقال الكافر: أنتم أهدى منهم سبيلًا، وفي ذلك أنزل الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء:٥١].
طبعًا هذا الكلام شجع قريشًا على الحرب، ولم يكتف كعب بذلك، بل زاد على ذلك أمورًا تخرج عن فطرة العرب وأدبهم بصفة عامة، سواء كانوا في الإسلام أو في الجاهلية، بدأ يتحدث بالفاحشة في أشعاره عن نساء الصحابة ﵃ وأرضاهم أجمعين.
إذًا: كعب بن الأشرف ارتكب عدة جرائم ضخمة، سب الله ﷿، وسب رسوله الكريم ﷺ، وهجى الصحابة، وهجى الصحابيات بأفحش الكلام، وحرض قريشًا على الانتقام لقتلاها في بدر، وكل هذا مخالفة صريحة للمعاهدة بينهم وبين الرسول ﷺ؛ لأنه كان في المعاهدة: ألا تجار قريش ولا تنصر على المسلمين، فكل هذه الأشياء جعلت الرسول يأخذ قرارًا في منتهى الحسم بقتل كعب بن الأشرف، فقال ﷺ: (من لـ كعب بن الأشرف؛ فإنه آذى الله ورسوله)، فقام محمد بن مسلمة وعباد بن بشر وأبو نائلة والحارث بن أوس ومجموعة من الأوس ﵃ أجمعين، وقرروا القيام بهذا الأمر، وبالفعل خرجت هذه السرية وذهبت إلى كعب بن الأشرف وبطريقة فيها تفصيل لا يسمح المجال بذكره هنا، استطاعوا أن يستخرجوا كعب بن الأشرف بحيلة من داخل حصنه، وقاموا بقتله كما أمر الرسول ﷺ، وبذلك تخلصت الدولة الإسلامية من أحد ألد أعدائها كعب بن الأشرف.
[ ٢٤ / ٧ ]
تعليقات على موقف النبي ﷺ من يهود بني قينقاع وقتل كعب بن الأشرف وحده دون قبيلته
هناك تعليقان على هذا الموقف: التعليق الأول: أن الرسول ﵊ قتل كعب بن الأشرف وحده دون قبيلته، بينما أخرج قبيلة بني قينقاع بكاملها عندما خالفت، فالفرق بين الموقفين: أن قبيلة بني قينقاع أولًا كانت تجاهر بالعداء كقبيلة، والموقف بعد بدر كان واضحًا، وصراعها مع الرسول ﷺ كان معلنًا، بينما قبيلة بني النضير لم تجاهر بهذا العداء إلى هذه اللحظة، بل بعد قتل كعب بن الأشرف جاءت إلى الرسول ﵊ تقر العهد وتطيل المدة.
إذًا: الفرق بين القبيلتين: أن قبيلة بني قينقاع كانت معادية كقبيلة كاملة، والأخرى أحد أفراد القبيلة هو الذي كان يعادي، والسيئة عند الرسول ﷺ لا تعم.
هذا هو التعليق الأول.
التعليق الثاني على موقف بني قينقاع وموقف كعب بن الأشرف: هو وضوح مدى الانحراف الجنسي عند اليهود، ومدى إثارة الغرائز واستخدام ذلك للإفساد في الأرض، ففي قصة المرأة المسلمة حاولوا أولًا كشف وجهها، ثم بعد ذلك كشفوا عورتها، وفي قصة كعب بن الأشرف أخذ يتحدث عن نساء الصحابة ﵅ أجمعين بالفاحشة، وبكلام لا يستقيم أبدًا لإنسان صاحب فطرة سليمة.
إذًا: هذه كانت طريقة من طرق اليهود، كانوا يستخدموها في عهد النبي ﷺ، وقبل عهده وبعد موته، فقد فشا فيهم الزنا حتى قال ﷺ: (أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) وهذا ينشأ عامة في تاريخهم، وإلى الآن معظم وسائل الإعلام والسينما والمواقع الإباحية والبرامج والأفلام الجنسية تمت بصلة كبيرة إلى اليهود، فأكثر من ٥٠% من وسائل الإعلام يملكها اليهود، وأكثر من ٨٠ أو ٩٠% من الإعلانات التي تقدم خلال هذه الوسائل من برامج وأفلام وغيرها تقوم في الأساس على إثارة الغرائز الجنسية وعلى النساء، ولابد أن ينتبه المسلمون لهذه النقطة.
إذًا: بعد موقف النبي ﷺ من بني قينقاع ومن كعب بن الأشرف استقر الوضع داخل المدينة المنورة نسبيًا، وأصبح الرسول ﵊ وأصحابه قوةً كبيرة جدًا داخل المدينة المنورة، وأعلن معظم الناس الإسلام في المدينة، نعم.
منهم منافقون، لكن الذي يحكم المدينة المنورة حكمًا تامًا كاملًا هو الرسول ﷺ؛ لذلك خاف اليهود من المسلمين بعد الموقف الحاسم الذي حصل مع بني قينقاع، وبدأ بنو النضير وبنو قريظة يتربصون بالمسلمين.
[ ٢٤ / ٨ ]
المقدمات الإعدادية لفريق الحق وفريق الباطل في غزوة أحد
إن موقف قريش كان موقفًا سيئًا جدًا، فهي تعاني من أزمة اقتصادية ضخمة، وذلك بقطع طرق التجارة عن الشام، كذلك تعاني من أزمة سياسية ضخمة، وذلك بإهانة كرامتها وضياع هيبتها في الجزيرة العربية بعد الهزيمة المرة على يد المسلمين، خاصة أن الكفار كانوا أضعاف الجيش الإسلامي، كذلك تعاني من أزمة اجتماعية، وذلك بقتل سبعين من أشرافها، وكل واحد من عائلات هؤلاء الأشراف يريد أن يأخذ الثأر لأبيه أو لعمه أو لخاله أو كذا من أقاربه، كذلك تعاني من أزمة دينية؛ لأن الله ﷿ أخبر أن الحرب مستمرة بين الكفار والمسلمين، ما دام المسلمون على دينهم.
قال الله ﷿ في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٣٦]، إذًا: هذا هدف واضح عندهم، والرسول ﵊ ينشر الإسلام في المدينة وما حولها، وبالتالي يرفع من درجة الفوران والغيلان في داخل مكة المكرمة، فيا ترى ماذا سيعملون؟ لنرى الآن ماذا سيفعل القرشيون مع رسول الله ﷺ ومع المؤمنين في المدينة المنورة.
[ ٢٤ / ٩ ]
المقدمات الإعدادية لفريق الباطل
قلنا قبل ذلك: إن الكفار أوقفوا التصرف في قافلة أبي سفيان التي نجت من بدر؛ وذلك لتجهيز جيش ليحارب المسلمين، هذه القافلة كانت تقدر قيمتها بخمسين ألف دينار ذهبي، فهي كمية هائلة من الأموال، ومع ذلك كل هذه الأموال أنفقت للصد عن سبيل الله، وبدأت قريش تجهز الجيش من داخل مكة، بل بدأت تستنفر القبائل المحيطة المساعدة والمعاونة لها، وكونت بالفعل جيشًا كبيرًا قوامه (٣٠٠٠) مقاتل، وأخرجت كل زعماء مكة على رأس الجيش المكي، وعلى رأس كل هؤلاء أبو سفيان، وأكبر المساعدين له في هذه الموقعة هو صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وخالد بن الوليد، هذه هي القوة البشرية التي جهزوها.
أما قوة السلاح فجهزوا (٣٠٠٠) بعير و(٢٠٠) فرس، و(٧٠٠) درع، وخرج مع الجيش (١٥) امرأة من نساء قريش، تتقدمهم سيدة مكة الأولى في ذلك الوقت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان، وكذلك زوجات القادة العظام الكبار في جيش مكة، زوجة صفوان بن أمية، وزوجة عكرمة بن أبي جهل، وزوجة الحارث بن هشام.
وفوق كل هذا حرب إعلامية ضخمة في الجزيرة العربية بكاملها تحفز الناس على حرب المسلمين، وقاد هذه الحملة أبو عزة الجمحي، الأسير الذي أسره ﷺ في غزوة بدر وأطلقه منًا بغير فداء، وأخذ عليه عهدًا ألا يشارك ولا يحفز المشركين على حرب المسلمين، فهاهو الآن يخالف العهد ويحفز العرب بكاملهم على حرب المسلمين، وهذا سيكون له مردود في غزوة أحد كما سنرى إن شاء الله.
القيادة العامة للجيش لـ أبي سفيان، وقائدا سلاح الفرسان خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل، وكان اللواء مع بني عبد الدار.
إذًا: هذا هو إعداد جيش مكة، ومع أن هذا الإعداد إعداد كبير جدًا، إلا أن هذه الموقعة أسهل على المسلمين من موقعة بدر للأسباب التالية: أولًا: فقدت قريش معظم قادتها، فهذا الجيش يخلو من أسماء ضخمة في تاريخ مكة، فليس هناك الوليد بن المغيرة ولا أبو جهل ولا عقبة بن أبي معيط ولا النضر بن الحارث ولا أمية بن خلف، وقتلى بدر من المشركين كثير جدًا.
ثانيًا: المسلمون يعلمون بأمر الحرب ويستعدون لها، حيث إن الخبر وصل من مكة إلى المدينة المنورة مباشرة، وعند الرسول ﵊ وقت للإعداد، فسيخرج بعدة المقاتل لا بعدة المسافر.
ثالثًا: الحرب ستكون في المدينة أو بجانب المدينة المنورة، فعلى على المشركين أن يسيروا مسافة خمسمائة كيلو متر إلى المدينة المنورة حتى يدخلوا في المعركة، فهو مشوار طويل جدًا في الصحراء، والجيش قوامه (٣٠٠٠) مقاتل، فقد تكون هناك مشقة على الجيش، بينما سيخرج المسلمون من المدينة المنورة إلى أحد أو إلى ما حولها حسب اختيار المكان، والمسافة التي سيقطعونها (٥) كيلو أو (١٠) كيلو أو (٢٠) كيلو من المدينة المنورة، فالوضع بالنسبة للمسلمين أقل مشقة.
رابعًا: الحالة المعنوية؛ فمعنويات المسلمين مرتفعة، بينما معنويات الكفار في الحضيض، فقد كانوا مغلوبين في بدر، ومروا بأكثر من أزمة خلال السنة الماضية، وآخر الأزمات كانت أزمة سرية زيد بن حارثة، ففي هذه السرية أخذت القافلة من صفوان بن أمية، وكان فيها بضاعة تقدر بمائة ألف دينار، فكانت ضربة قاسية جدًا لقريش، خاصة أن القافلة كانت تسير على مسافة بعيدة جدًا من المدينة المنورة، مما يثبت لنا الكفاءة العسكرية والمخابراتية للقوة الإسلامية في المدينة المنورة، فكل هذا يضعف جدًا من نفسية الجيش المكي، وكل هذا يبين أن جيش المسلمين له علو وقوة وبأس، مع أن عدد الجيش الإسلامي أقل من عدد الجيش المكي، لكن عوامل نصره كانت كثيرة.
[ ٢٤ / ١٠ ]
المقدمات الإعدادية لفريق الحق
علم الرسول ﷺ أن جيش مكة يستعد للخروج، فاجمع الصحابة للشورى، ولو راجعنا صفات الجيش المنتصر لوجدنا أن كل الصفات العشر تتكرر ثانيًا في الجيش الذي خرج من المدينة إلى أحد، لكن سيحصل اختلاف في نقطة أو نقطتين، لكن إلى الآن الجيش الإسلامي يسير تمامًا كما كان جيش بدر يسير.
فمن العوامل التي تحققت في الجيش المسلم: أولًا: الشورى.
جمعهم الرسول ﷺ ليتشاوروا جميعًا، فأول شيء قرروه قبل التفكير في أي طريقة للقتال أن يؤمنوا المدينة المنورة، فقاموا بتشكيل فرقة لحماية الرسول ﷺ؛ لأن الرسول ﵊ مستهدف، وقد يحصل أي جريمة لاغتياله ﷺ، وهذا سيؤثر على المدينة المنورة، وكان على رأس هذه الفرقة كبار الأوس والخزرج: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأسيد بن حضير، وهي من أقوى الفرق الإسلامية، وبدأت تحوط بيت الرسول ﷺ والمسجد النبوي، وتسير معه في كل مكان.
ثانيًا: وضعوا فرقًا لحماية مداخل المدينة المنورة، حتى لا يباغت المسلمون ليلًا أو نهارًا.
ثالثًا: وضعوا دوريات مراقبة حول المدينة المنورة لاستطلاع مكان الجيش المشرك وخطواته وتحركاته.
رابعًا: جميع المسلمين في المدينة المنورة من الأوس والخزرج والمهاجرين كانوا لا يتحركون إلا بالسلاح حتى في أثناء الصلاة، فقد كان السلاح ملازمًا لهم باستمرار، وهذا يوضح لنا صفة مهمة جدًا من صفات الجيش المنتصر، وهي صفة الإعداد الجيد: مخابرات قوية أتت بالأخبار، حصار، حماية قوية للرسول ﵊، وحماية قوية للمدينة، واستعداد كامل للقتال.
ثم فكروا في الموقف الذي يقومون به: هل يخرجون خارج المدينة أو يمكثون بداخلها؟ أين يحاربون؟ يختارون أرض القتال هم أم يختارها العدو؟ وقبل أن يختاروا القرار قص عليهم الرسول ﵊ رؤيا.
قال لهم: (إني قد رأيت والله خيرًا، ثم قال: رأيت بقرًا تذبح، ورأيت في ذباب سيفي ثلمًا -خدشًا أو كسرًا- ثم قال: ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة).
إذًا: رأى الرسول ﵊ ثلاثة أشياء.
أولًا: رأى أن بقرًا تذبح، وأول ذلك ﷺ بأن نفرًا من أصحابه يقتلون، وأول الخدش أو الكسر الذي في سيفه بأن رجلًا من أهل بيته يقتل، وأول إدخال يده في درع حصينة بالمدينة المنورة، أي: أنه يقاتل في المدينة المنورة، لكنه ذكر هذه الرؤيا ليس على أنها قرار يملى على المسلمين، ولكن في صورة رأي يستأنس به؛ لأنه لو كان وحيًا ما جاز له أن يستشير الصحابة في هذا الأمر، لكنه يرى أن الأمر متروك للشورى ورأي المسلمين، فكان رأيه ﷺ أن يقاتل في المدينة، بل صرح بعد ذلك بهذا الرأي وقال: (يقاتل المسلمون على أفواه الأزقة والنساء من فوق البيت)، يعني: لو بقي ﷺ وجيشه في المدينة المنورة فإن جيش مكة سيضطر إلى دخول المدينة المنورة، وستكون الحرب حرب شوارع، والحرب التي تكون من هذا النوع تكون صعبة جدًا على الجيش المهاجم للبلد، لكن معظم المسلمين كان لهم رأي آخر، خاصة الذين لم يشتركوا في موقعة بدر، كانوا يودون الخروج إلى قتال المشركين خارج المدينة المنورة، حتى قال قائلهم: (يا رسول الله! كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله، فقد ساقه إلينا وقرب المسير، اخرج إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنا عنهم)، وكان من أشد المتحمسين للخروج حمزة بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه، حتى إنه قال كلمة عجيبة للرسول ﵊، قال: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم طعامًا حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة، فانظروا إلى هذه العزيمة، وانظروا إلى القناعة برأي الخروج.
كان معظم الصحابة على هذا الرأي، ولم يكن على رأي رسول الله ﷺ إلا القليل، وكان من هؤلاء: عبد الله بن أبي ابن سلول، وكما تعملون أن عبد الله هو زعيم المنافقون، ولم يكن موافقًا على رأي الرسول ﷺ ومقتنعًا به، وإنما ليسهل عليه الفرار إلى داخل المدينة المنورة، فكل منهم سيقاتل على رأس شارع أو من داخل بيت، وسيكون هناك سهولة للفرار من الموقعة، لكن الرسول ﵊ نزل على رأي الشورى حتى وإن كان مخالفًا لرأيه، حتى وإن كان يتأول في رؤياه أن نفرًا من أصحابه سيقتل، وأن واحدًا من أهل بيته سيصاب، وأنه من الأفضل أن يقاتل في داخل المدينة، لكنه عندما رأى أن ذلك ليس وحيًا من رب العالمين ﷾ نزل عن رأيه لصالح رأي الأغلبية، وقرر الخروج من المدينة المنورة لقتال المشركين.
صلى الرسول ﵊ بالصحابة يوم الجمعة، ووعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد، وبشرهم بالنصر إن هم صبروا وإن هم ساروا على نهج الله ﷿ وعلى أمر نبيه ﷺ، وبالفعل فرح الناس بالخروج وتجهزوا بنشاط
[ ٢٤ / ١١ ]
خروج النبي بجيشه إلى أحد ودور ابن سلول في التثبيط والحط من عزائم المسلمين
خرج الجيش الإسلامي وأخذ الطريق في اتجاه أحد؛ لأنه علم أن الجيش المشرك عسكر عنده، وحاول الرسول ﷺ بقدر المستطاع أثناء السير أن يسير من وسط المزارع التي حول المدينة المنورة؛ حتى لا يكتشف من قبل الجيش المشرك، ووصل بالفعل إلى منطقة أحد، ومن بعد رأى الجيش المشرك، وعندما أصبحوا على مسافة قريبة من أرض المعركة حدث تمرد هائل في الجيش المسلم، فقد خرج عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق، وقال: إنني لا أوافق على القتال في أرض أحد، إنني أرى أنه لن يحصل قتال، فسأعود إلى المدينة المنورة وليس بمفردي، وسآخذ معي كل من أتيت بهم، وكان تعداد الذين أتى بهم (٣٠٠) مائة شخص، أي: ٣٠% من الجيش! ومعلوم أن جيش الكفار (٣٠٠٠) يعني: جيش المسلمين أقل من جيش الكفار بكثير، ومع هذا كله ينسحب (٣٠٠) شخص من أرض المعركة.
وقف عبد الله بن حرام ﵁ وأرضاه أمام المنافقين وهم ينسحبون من أرض المعركة يقول لهم: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، فقالوا: لا نعلم أن هناك قتالًا، فحاول معهم مرة أخرى وأخرى، لكنهم رفضوا، فقال لهم: أبعدكم الله أعداء الله! فسيغني الله عنكم نبيه، ونزل قول الله ﷿: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران:١٦٧].
قد يظن الإنسان أن هذه خسارة كبيرة جدًا للجيش الإسلامي، لكن بالعكس.
قال الله ﷿ يصف حال المنافقين: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:٤٧]، فوجود المنافقين في داخل الصف المسلم خطر كبير جدًا، فإنه من الممكن جدًا أن يكونوا عينًا على المسلمين، أو قد يدلون بآراء فاسدة في الجيش المسلم، بل قد يثيرون بعض الشبهات في داخل الجيش المسلم تجعل بعض المؤمنين الصادقين يترددون في أمر القتال، وهذا عين ما حدث في غزوة أحد، فإن الكلمات التي قالها عبد الله بن أبي قبيل الدخول في أرض المعركة بقليل أثرت في طائفتين من المسلمين الصادقين المؤمنين: بني حارثة من الأوس، وبني سلمة من الخزرج، قالوا: الأولى أن نعود ونقاتل في المدينة، فإن جيشنا قليل وجيشهم كثير، وفكروا جديًا في الرجوع، لولا أن الله ﷿ ثبتهم بصدق إيمانهم، فقد وقف الرسول ﵊ والصحابة، وأقنعوهم بالبقاء في أرض المعركة في أحد؛ حتى يكملوا اللقاء، وفي حقهم نزل قول الله ﷿: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٢٢]، قال الله ﷿: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران:١٢٢]؛ لأنهم ثبتوا فعلًا في أرض القتال ولم يفروا.
[ ٢٤ / ١٢ ]
وصول النبي وجيشه إلى أحد وتوجيهاته ﷺ لأفراد الجيش
ودخل الرسول ﵊ أرض أحد، وبدأ ينظر إلى الأرض بنظرة عسكرية ثاقبة، وبدأ يحط معسكره في المكان المناسب، واختار مكانًا في منتهى العبقرية؛ اختار مكانًا يكون عن ظهره وعن يمينه جبل أحد، فتكون له حماية طبيعية من جبل أحد، وفي نفس الوقت كان جيش مكة في مكان منخفض نسبيًا وهو في مكان مرتفع، وهذا يعطيه قدرة أكبر على القتال، واكتشف ﷺ في أرض القتال أن بجانبه جبل صغير عرف بعد ذلك في التاريخ بجبل الرماة، وهذا الجبل كان على شمال الجيش الإسلامي، ويعتبر ثغرة ضد مصلحة الجيش المسلم؛ لأنه لو استطاع الجيش الكافر أن يلف حول هذا الجبل لدخل على المسلمين من ورائهم، وسيكون الجيش الإسلامي محصورًا بين المشركين من الأمام ومن الخلف؛ ولكي يأمن الرسول ﵊ هذه النقطة الحساسة في أرض التقال، انتخب من أصحابه خمسين راميًا ماهرًا وضعهم على جبل الرماة، وأمرهم أن يصدوا عنهم هجمات الفرسان المشركين، هؤلاء الخمسون كان على رأسهم الصحابي الجليل عبد الله بن جبير الأوسي البدري ﵁ وأرضاه، كان من أعظم الصحابة وأمهر الرماة فيهم، وذكر الرسول ﵊ بعض الأوامر والنصائح له وللفرقة التي معه، نريد أن نقف وقفة طويلة جدًا مع أوامر الرسول ﵊ للفرقة التي كلفت بحماية هذا الجبل.
قال الرسول ﵊ لهم الأمر بطريقة فريدة، طريقة تجعل فهم هذا الأمر بصورة خاطئة يعتبر أمرًا مستحيلًا، فتعالوا واسمعوا الكلام الذي قاله رسول الله ﷺ.
التوجيه الأول: خاطب الرسول ﷺ القائد عبد الله بن جبير أمام الرماة جميعًا.
قال له: (انضح عنا الخيل بالنبل)، هذه الجملة لوحدها تكفي المهمة في منتهى الوضوح، أي: مهمتك ومهمة الرماة أن تمنعوا خيول المشركين من الالتفاف حول الجيش الإسلامي، وليس المنع عن طريق القتال، ولكن عن طريق الرمي من أعلى الجبل، والنضح يعني: الرمي؛ لأن خيل المشركين لن تقابل بخيل من المسلمين، فالمسلمون ليس لهم خيول في موقعة أحد، ولن يستطيع الرماة بسيوفهم أن يقاتلوا هؤلاء المشركين الفرسان، فلابد أن يكون الصد عن طريق الرماية.
إذًا: هذا أمر في منتهى الوضوح وكان كافيًا، لكن الرسول ﵊ لم يكتف به.
التوجيه الثاني: (لا يأتون من خلفنا) الواضح من الأمر الأول أن الغرض عدم الالتفاف حول الجيش الإسلامي، لكن كذلك يريد أن يوضح لهم الأمر على أتم وجه، فقال: (لا يأتون من خلفنا).
التوجيه الثالث: (إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك)، وكأن الرسول ﵊ يرى تمامًا كل الذي سيحصل بعد ذلك في أحد، وينبه الصحابة مرة ومرتين وثلاثًا وما زال في التنبيه: (إن كانت لنا -لو كسبنا- أو علينا -لو خسرنا- لا تتركوا الجبل).
الأمر الرابع: (لا نؤتين من قبلك)، يحرك فيه المشاعر، لا يخسر كل هؤلاء المسلمين الحرب بسبب مجموعة الخمسين هذه، وكل هذا الكلام للقائد عبد الله بن جبير وكل الرماة يسمعون هذا الكلام.
ليس هذا فحسب، فالرسول ﵊ ترك عبد الله بن جبير وانتقل إلى مجموعة الرماة، وبدأ يخاطبهم بنفسه، وقال لهم كلامًا في منتهى العجب، فالتوجيهات الأربعة الأولى كانت موجهة لـ عبد الله بن جبير.
أما التوجيه الخامس: (إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم) يعني: حتى في حال الهزيمة المرة القاتلة التي سيقتل فيها جيش المسلمين بكامله وتنزل الطيور تنهش أجساد المسلمين لا تتحركوا مع كل ذلك، فانظر إلى عظم هذا الأمر سبحان الله! الأمر السادس: (وإن رأيتمونا هزمنا القوم ووطئناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم)، يعني: في حالة النصر الساحق وفرار المشركين، واحتلال المسلمين لمعسكر الكافرين أيضًا لا تبرحوا مكانكم، أظن بعد ذلك إذا حصلت مخالفة فستكون مخالفة متعمدة، ولو حصلت مخالفة متعمدة لأمر الرسول ﵊ لا تتوقع نصرًا أبدًا، وهذا الذي سوف نراه في موقعة أحد.
إذًا: الرسول ﵊ وجه هذه التوجيهات المباشرة الواضحة الجلية هذه إلى فرقة الرماة الخمسين، ونزل ﷺ مرة أخرى إلى جيشه، وبدأ يحفز الناس على الجهاد في سبيل الله، ويذكرهم بالجنة، ثم يحفزهم على التنافس في أعمال الخير وأعمال الجهاد وأعمال القتال، فجعل بينهم نوعًا من التنافس على شيء مهم جدًا، أخذ ﷺ سيفًا بتارًا قويًا ورفعه بين الصحابة، وقال: (من يأخذ هذا السيف بحقه؟)، قال هذا الكلام في وسط مجموعة من المقاتلين الأشداء من المهاجرين والأنصار، فقام إليه أكثر من واحد، منهم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وعمر بن الخطاب وغيرهم وغيرهم، حتى قام إليه
[ ٢٤ / ١٣ ]
المحاولات المبذولة لإثارة حماس الجيش الكافر وتفكيك الصف المسلم في أحد
على الجانب الآخر كذلك كان هناك تحميس وتحفيز في الجيش الكافر، فقد بدأ أبو سفيان ترتيب جيشه، فوضع خالد بن الوليد على الميمنة، ووضع عكرمة على الميسرة، ووضع صفوان على المشاة، وهؤلاء يعتبرون من عمالقة الفرسان في الجيش المشرك، ووضع عبد الله بن ربيعة على رماة النبل، وأعطى اللواء لبني عبد الدار.
ويذكر التاريخ أن بني عبد الدار كانوا دائمًا يحملون اللواء قبل الإسلام وكذلك بعد الإسلام ففي بدر كانوا يحملون اللواء، وفي أحد كذلك كانوا يحملون اللواء، ففي غزوة أحد أراد أبو سفيان أن يستثير حماسة بني عبد الدار، فقال لهم كلامًا في منتهى القسوة حتى يخرج كل ما في نفوسهم.
قال لهم: يا بني عبد الدار! قد وليتم لواءنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، يعني: أنتم كنتم مشاركين في الهزيمة، فإما أن تكفونا لواءنا، وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه، يعني: إن لم تكونوا بقدر حمل هذا اللواء سلموه لي وأنا سوف أتصرف، وهكذا أثار حمية وغضب بني عبد الدار، وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا! ستعلم غدًا إذا التقينا كيف نصنع، وسبحان الله! صدقوا في كلماتهم؛ فقد أبيدوا عن بكرة أبيهم حول اللواء في موقعة أحد كما سنبين إن شاء الله.
إذًا: هذه كانت محاولة من أبي سفيان لاستثارة الهمة عند الجيش المشرك لحرب المسلمين، وليس هذا فحسب، بل إن النساء بدأن يحمسن جيش المشركين للحرب ضد المسلمين، وقفت هند بنت عتبة ومن معها من النساء يشجعن الجيش المشرك على القتال وينشدن الأشعار في ذلك، وهي أشعار كثيرة جدًا ليس المجال أن نفصل فيها، لكن الشاهد أن كل هذه الأشعار كانت عبارة عن علاقات دنيوية أرضية مادية ليس إلا، بينما كان التحفيز على الجانب الآخر في جيش المسلمين بالجنة.
وشتان! وحاول أبو سفيان تفكيك الصف المسلم، راسل الأنصار قال لهم: خلوا بيننا وبين بني عمنا وننصرف عنكم، لا حاجة لنا إلى قتالكم، وكأنه يقول: نحن نريد محاربة القرشيين فقط، علاقتنا بكم أيها الأوس والخزرج! جيدة منذ القدم، لا نريد أن نقاتلكم، لكن هيهات! كيف لهذه الكلمات أن تقع في قلوب الأنصار ﵃ وأرضاهم وهم من أعظم الناس إيمانًا، وقد رد الأنصار عليه ردًا في منتهى العنف وأسمعوه ما يكره فعلًا.
واقتربت ساعة الصفر ودنا الجيشان من بعضهما البعض، قامت قريش بمحاولة أخرى لتفكيك الصف المسلم؛ خرج أبو عامر الفاسق الذي كفر برسول ﷺ، وسماه الرسول ﷺ أبا عامر الفاسق، وقد هرب إلى مكة، والآن خرج مع جيش مكة لمحاربة المسلمين في موقعة أحد، فـ أبو عامر الراهب قرر أن يحاول تفتيت الصف المسلم، فخرج ونادى على قومه الأوس، قال: يا معشر الأوس! أنا أبو عامر -يريد تذكيرهم بنفسه، وكان ابنه حنظلة بن أبي عامر في صف المسلمين، لكن شتان بين الاثنين- فقال الأوس: لا أنعم الله بك عينًا يا فاسق! سبحان الله! قالوا ذلك مباشرة؛ لأنهم يعرفون قصته ويعرفون تاريخه، فقالوا له كلمات بمنتهى القوة والبأس، فقال: لقد أصاب قومي بعدي شرًا، يقصد أنهم تغيروا، وسنرى بعد ذلك عندما يبدأ القتال أن أبا عامر الفاسق سيقاتل قتالًا شديدًا في صف الكفار ضد المسلمين، وسيرمي الحجارة الكثيرة على الجيش المسلم.
إذًا: هذه كانت المحاولة الثانية من قريش لتفكيك الصف المسلم، ولكن فشلت أيضًا، والتقى الجيشان، وستبدأ بعد قليل موقعة من أشرف المواقع في تاريخ المسلمين، وهذه الموقعة في أولها كانت شديدة الشبه بموقعة بدر الكبرى التي مرت بنا في الدروس الماضية، لكن بعض التغييرات البسيطة في الصف المسلم أدت إلى نتائج عكسية هائلة كما تعلمون.
هذه التفصيلات وهذه المناورات التي دارت في أرض أحد لها موضوع خضم جدًا يحتاج منا إلى تفصيل.
ونسأل الله ﷿ أن ييسر لنا ذلك في الدروس القادمة.
ونسأل الله أن يجمعنا على الخير دائمًا، وأن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا.
إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٢٤ / ١٤ ]