خلفت مصيبة أحد على المسلمين أزمات، فقد اهتزت هيبة المسلمين، وتعرضوا لأزمات كثيرة منها تجمع القبائل للهجوم على المدينة، وشاء الله أن يخرج المسلمون منها بسلام، ثم جاءت أزمة ماء الرجيع وأزمة بئر معونة، وكان وقع هاتين الأزمتين كبيرًا على المسلمين، وبعد غزوة بني النضير استرد المسلمون هيبتهم في الجزيرة العربية، فقد قام النبي ﷺ ببعث الجيوش والسرايا لتأديب الأعراب حول المدينة، واستطاع ﷺ أن يفرقهم، وأرعب قريشًا بخروجه في غزوة بدر الصغرى.
[ ٢٧ / ١ ]
ملخص مصائب أحد وعلاج ما فيها من نتائج سلبية
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الثالث عشر من دروس السيرة النبوية في العهد المدني.
في الدروس السابقة تحدثنا عن غزوة أحد والمصيبة الكبيرة التي وقع فيها المسلمون، سواء كانت المصيبة نتيجة مخالفة الرماة لأجل الدنيا، أو كانت نتيجة الهروب من أرض المعركة أو الإحباط، أو غير ذلك من الأمور.
وذكرنا الآثار الوخيمة التي أتت على الجيش المسلم نتيجة هذه المصائب المتتالية، وذكرنا أن الرسول ﵊ بعد أن دفن الشهداء المسلمين وعاد إلى المدينة المنورة، استطاع بفضل الله ﷿ وبالمنهج الرباني الحكيم أن يخرج بالمسلمين من هزيمتهم النفسية، وأن يصلح انكسارهم الكبير، وينتقل بهم ليس فقط إلى مجرد تضميد الجراح، بل إلى مرحلة الهجوم من جديد على جيش الكفار، وإعادة الكرة عليهم، ورفع الرأس من جديد، وإعادة الهيبة إلى الأمة الإسلامية، وخرج بعد أقل من أربع وعشرين ساعة إلى غزوة حمراء الأسد يطارد المشركين، وعسكر بالقرب من المدينة المنورة على بعد ثمانية أميال، ولما علم بذلك جيش المشركين فر إلى مكة، ولم يقو على اللقاء الجديد مع المسلمين، هذا ملخص ما قد ذكرناه في الدروس الثلاثة السابقة.
إن قريشًا قبل أن تغادر أرض أحد كانت قد أعلنت للمسلمين أنها على استعداد للتلاقي مرة ثانية، واختارت بنفسها المكان الذي سيتم فيه اللقاء الثالث بينها وبين المسلمين، واختارت موقع بدر، لترد بذلك هزيمة بدر؛ ولترفع من جديد من قيمة قريش وهيبتها في وسط الجزيرة العربية، وقبل الرسول ﵊ هذا الأمر، وقال: (موعدكم في قابل) أي: في العام القادم في نفس المكان.
إذًا: كان اللقاء الأول بين المسلمين وبين الكفار في بدر في رمضان سنة (٢هـ)، واللقاء الثاني كان في شوال سنة (٣هـ)، واللقاء الثالث منتظر ومفترض أن يكون في شوال سنة (٤هـ)، ووافق الطرفان على ذلك، وعاد الرسول ﵊ من موقعة حمراء الأسد إلى المدينة؛ ليعيد حساباته من جديد.
وعلى الرغم من أن غزوة حمراء الأسد أعادت شيئًا من الهيبة إلى الأمة الإسلامية، إلا أنه لا شك أن موقعة أحد هزت سمعة الدولة الإسلامية في الجزيرة العربية بكاملها.
وقد رأينا بعد غزوة بدر انتشارًا إسلاميًا كبيرًا في الجزيرة العربية، بل سيطرة عسكرية على مناطق بعيدة جدًا عن المدينة المنورة، ورأينا رضوخ كثير من القبائل العربية -على الرغم أنها ما زالت على إشراكها- لسيطرة المسلمين العسكريين؛ لأن وقع بدر على قلوب الناس كان كبيرًا فعلًا، فقريش من أعظم القبائل العربية التي هزمت على يد هذه المجموعة الناشئة، ولا شك أن في ذلك مقومات قوة وظهور لا يتخيلها عموم القبائل العربية في ذلك الوقت؛ ولذلك كانت السنة التي تلت بدرًا لها وضع ممتاز جدًا بالنسبة للمسلمين.
وعاش المسلمون فيها فترة سعيدة من فترات إنشاء الدولة الإسلامية، وعلى النقيض تمامًا الفترة التي تلت غزوة أحد كانت فترة صعبة جدًا من أشد فترات السيرة النبوية صعوبة.
وقد مررنا بفترات كثيرة وصعبة في السيرة النبوية، وكل فترة لها طابع خاص، لكن الفترة التي أعقبت غزوة أحد بدأت كل القبائل العربية المحيطة بالمدينة المنورة وغيرها من أعداء الأمة تتربص الدوائر بالأمة الإسلامية؛ لأنها مصابة إصابة فادحة، فسبعون من الشهداء، وفرار الجيش الإسلامي من أرض موقعة أحد كان له واقع سيئ على نفوس المسلمين وسمعتهم، فمع أنهم قاموا من جديد في حمراء الأسد، لكن هذا الأمر لم يرد الكثير من السوء الذي أصاب السمعة الإسلامية.
تعالوا لنحلل الموقف بعد غزوة أحد.
إن أعداء الأمة الإسلامية الآن حوالي أربع طوائف: الطائفة الأولى الكبيرة: هي قريش، وقد هدأت بانتصارها في أحد، وقبلت ذلك الانتصار تعويضًا عن بدر، ولا يزال أمامها سنة قادمة للحرب مع المسلمين، بالإضافة إلى أنها ما زالت تتربص الدوائر بالمسلمين؛ لأن المسلمين ما زالوا يسيطرون على الطرق التي تمر منها القوافل التجارية القرشية من مكة إلى الشام، فلا بد لقريش أن تنهي أمر المسلمين، كذلك لم تكن مقتنعة تمام الاقتناع أنها أدت ما يجب أن تؤديه؛ لأن الرسول ﵊ ما زال حيًا وأبو بكر ما زال حيًا وعمر ما زال حيًا، وهؤلاء هم الذين سأل عنهم أبو سفيان، وهم يعلمون أن الدين الإسلامي نفسه عنده الإمكانية لتغيير الأفراد تغييرًا جذريًا، ورأوا مجموعة كبيرة من الصحابة كانوا أناسًا عاديين قبل الإسلام، وبعد الإسلام أصبحوا من القادة والمفكرين والمفاوضين وغير ذلك من الرموز الإسلامية المبهرة أيام رسول الله ﷺ.
فهم يخافون من كون هؤلاء القادة ما زال
[ ٢٧ / ٢ ]
الأزمات التي مر بها المسلمون بعد غزوة أحد
في الشهور الستة الأولى بعد غزوة أحد مر المسلمون بخمس أزمات خطيرة جدًا، كلما خرجوا من أزمة دخلوا في أخرى، وهذا تصديق لكلام رب العالمين ﷾ في قوله: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، فالدولة كانت للمسلمين بعد بدر، وأصبحت لغير المسلمين بعد أحد.
[ ٢٧ / ٣ ]
دعوة بني أسد لحرب المسلمين
الأزمة الأولى: دعوة بني أسد لحرب المسلمين، كان فيهم طليحة بن خويلد الأسدي، جمع الجيوش وبدأ يفكر في غزو المدينة المنورة، وعلم الرسول ﵊ بذلك، فبعث بسرعة سرية أبي سلمة لمحاولة تفتيت هذه القوى قبل أن تتجمع وتهاجم المدينة المنورة.
خرجت سرية أبي سلمة في (١) محرم سنة (٤هـ) يعني: بعد حوالي شهرين ونصف شهر تقريبًا من غزوة أحد، واستطاعت هذه السرية أن تشتت شمل بني أسد، وبالفعل تفرقوا في الجبال ولم يتم الغزو، لكن ظهرت نوايا المؤامرة من قبل القبائل المحيطة بالمدينة المنورة.
[ ٢٧ / ٤ ]
تجمع قبائل هذيل لحرب المسلمين
الثانية: في نفس الوقت الذي جاء فيه خبر تجمع بني أسد للهجوم على المدينة المنورة، تجمعت بعض القبائل الأخرى بقيادة رجل اسمه خالد بن سفيان الهذلي لغزو المدينة المنورة أيضًا، وهو من أعظم وأكبر وأشرس المقاتلين العرب، كان رجلًا ضخمًا، وله قدرات قيادية هائلة، جمع قبائل هذيل كلها، وهي بطون كثيرة جدًا.
وعندما وصل الخبر إلى الرسول ﵊ اهتم جدًا بالأمر، وأرسل إلى عبد الله بن أنيس ﵁، وذكر له قصة خالد بن سفيان الهذلي، وطلب منه أن يذهب إليه ويقتله؛ لأنه هو الرأس المدبر، ولو قتل فإنه من الصعب أن تتجمع هذه القبائل، وبالتالي يتجنب الرسول ﵊ مأساة كبرى قد تتعرض لها المدينة المنورة، وظهرت هناك مشكلة، وهي أن عبد الله بن أنيس لم ير من قبل خالد بن سفيان الهذلي ولا يعرفه، فقال: (يا رسول الله! انعته حتى أعرفه)، فأعطاه الرسول ﵊ علامة غريبة، قال: (إذا رأيته وجدت له قشعريرة) يعني: حين تراه ستصاب بالرعب، فقال عبد الله بن أنيس: (يا رسول الله! ما فرقت من شيء قط) أي: ما خفت من شيء أبدًا، فقال له ﷺ: (بلى، آية ما بيني وبينه أن تجد له قشعريرة إذا رأيته).
ذهب عبد الله بن أنيس ودخل المنطقة التي فيها قبائل هذيل، ومن بعيد رأى خالد بن سفيان الهذلي يقول عبد الله بن أنيس: (فلما رأيته هبته وفرقت منه، فقلت: صدق الله ورسوله).
أخذ عبد الله بن أنيس يفكر كيف يمكن أن يغتال هذا الرجل الضخم، فقرر أن يذهب إليه ليحتال عليه بحيلة، وكان ذلك بعد وقت دخول صلاة الظهر، وخشي أن يفوته وقت صلاة الظهر، ولكنه إذا صلى الظهر قد يراه فيكتشف أمره؛ لذلك اجتهد عبد الله بن أنيس اجتهادًا غريبًا، وبعد ذلك أقر الشرع هذا الاجتهاد، وهو أن يصلي وهو يسير إليه، قال: (فصليت وأنا أمشي نحوه أومئ برأسي الركوع والسجود) يعني: يشير برأسه للركوع والسجود وهو يمشي، سبحان الله! وأصبحت هذه الصلاة معروفة في الفقه بصلاة الطالب وصلاة المطلوب، أي: الذي يَطلُب رجلًا للقتل والذي يُطْلَب للقتل.
قال: (فلما انتهيت إليه، قال: من الرجل؟ - أي: خالد يسأل عبد الله بن أنيس - قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل، فجاءك لهذا، قال: أجل.
أنا في ذلك، قال عبد الله: فمشيت معه شيئًا حتى إذا أمكنني حملت عليه بالسيف حتى قتلته، ثم خرجت وتركته، وعدت إلى الرسول ﵊، فلما رآني قال قبل أن أتكلم: أفلح الوجه.
قلت: قتلته يا رسول الله! قال: صدقت، ثم قام معي ﷺ، فدخل بيته فأعطاني عصاه، فقال: أمسك هذه عندك يا عبد الله بن أنيس! قال: فخرجت بها على الناس، فقالوا: ما هذه العصا قال: قلت: أعطانيها رسول الله ﷺ وأمرني أن أمسكها، قالوا: أولا ترجع إلى رسول الله ﷺ فتسأله عن ذلك؟ فقال: فرجعت إليه ﷺ فقلت: يا رسول الله! لم أعطيتني هذه العصا؟ قال: آية بيني وبينك يوم القيامة) يعني: ستكون هذه العصا حجة له عند رب العالمين ﷾، وهو أن الرسول ﷺ كافأني يومًا على عمل عظيم قمت به لصالح الأمة الإسلامية.
ولما مات عبد الله بن أنيس ﵁ وأرضاه أمر أن تدفن معه هذه العصا، وبالفعل وضعت معه في كفنه ﵁ وأرضاه.
إذًا: حصل للمسلمين أزمتان: أزمة بني أسد، وأزمة هذيل، وخرج المسلمون بفضل الله من هاتين الأزمتين بسلام.
[ ٢٧ / ٥ ]
أزمة بعث الرجيع
الأزمة الثالثة: كانت أزمة تعرف في التاريخ ببعث ماء الرجيع، كانت في شهر صفر من السنة الرابعة من الهجرة يعني: بعد أحد بأربعة شهور، جاءت قبيلة عضل وقبيلة قارة، وهما قبيلتان من القبائل العربية، وذكرا أن فيهما إسلامًا، يعني: هناك بوادر إسلام، لكنهما لا يعرفان شيئًا عنه، فطلبا بعثًا من الصحابة يذهب إليهما ليعلمهما الإسلام والقرآن.
واختار الرسول ﵊ عشرة من الصحابة، وأمر عليهم عاصم بن ثابت ﵁ وأرضاه، وذهبت هذه المجموعة لتعليم هؤلاء الإسلام، وفي الطريق غدرت بهم قبيلتا عضل وقارة، واستصرخا عليهم حيًا من هذيل، فهذيل ما زالت متوترة لقتل قائدهم خالد بن سفيان الهذلي، فلما حصل هذا الاستنفار تجمعوا حول هؤلاء العشرة، وطلبوا منهم النزول على العهد والميثاق، وقالوا: إذا نزلتم على العهد والميثاق لا نقتل منكم أحدًا، فرفض عاصم بن ثابت ﵁، وقال: لا أنزل على عهد مشرك، وقاتل في أصحابه هذا القتال أسفر عن قتل سبعة من المسلمين، وبقي ثلاثة منهم فنزلوا على العهد، هؤلاء الثلاثة: هم خبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة وواحد ثالث لم يعرف الرواة اسمه، فلما أمسكوا بالثلاثة أخذوا يكتفونهم، فقال الثالث: هذا أول الغدر.
فبدأ يقاوم فقتلوه، وبقي الاثنان، ولما وصلوا بهما إلى بلادهم باعوهما لأهل مكة، فاشترى صفوان بن أمية زيد بن الدثنة وقتله بأبيه أمية بن خلف الذي قتل في بدر، وأما خبيب بن عدي فقد اشترته مكة وأخذوا جميعًا يتجمعون لقتله، وخرجوا به إلى التنعيم حتى لا يقتلوه في البلد الحرام، وأجمعوا على صلبه ليقتل، فقال ﵁ وأرضاه: دعوني حتى أركع ركعتين، فتركوه فصلى ركعتين خفيفتين، ولما سلم قال: والله لولا أن تقولوا: إن ما بي جزع لزدت في الركعتين، ثم رفع يده وقال: اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تغادر منهم أحدًا، ثم بدأ ينشد مجموعة من الأبيات قال: ولست أبالي حين أقتل مسلمًا على أي شق كان في الله مصرعي أي: في أي مكان، وبأي طريقة، مادام في سبيل الله فهذه أمنيتي، ثم قال له أبو سفيان قبل أن يقتل: أيسرك أن محمدًا عندنا نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال: لا والله ما يسرني أني في أهلي، وأن محمدًا في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكه تؤذيه، سبحان الله! كان الصحابة جميعًا يفتدون رسول الله ﷺ بأرواحهم، وكان هذا الكلام يخرج من قلبه ﵁ وأرضاه، ثم قدم للقتل فقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا ﵁ وأرضاه ولم يقر بكلمة واحدة من الذي يريدون.
أما قائد هذه المجموعة عاصم بن ثابت ﵁ وأرضاه كانت هناك امرأة من بني عبد الدار اسمها سلافة بنت سعد أقسمت أنها إن أمسكت بـ عاصم بن ثابت لتشربن الخمر في قحف رأسه؛ لأنه اشترك في قتل بعض من بنيها، هذا المرأة مات زوجها وأربعة من أولادها في موقعة أحد، وهم من بني عبد الدار، وسمع مجموعة من بني لحيان بمقتل عاصم بن ثابت، فذهبوا بسرعة ليأخذوه ويذهبوا به إلى سلافة بنت سعد فلما ذهبوا إليه وجدوا مجموعة كبيرة من الدبر - ذكور النحل- تغطي عاصم بن ثابت ﵁، فما استطاعوا أن يقتربوا منه، فابتعدوا عنه وبالليل جاءوا ليأخذوه، فوجدوا أن سيلًا من السيول -يقول الراوي: وليس في السماء سحابة واحدة- قد احتمل عاصم بن ثابت إلى حيث لا يعلمون واختفت الجثة؛ وذلك لأن عاصمًا ﵁ كان في حياته بعد أن أسلم يقسم أنه لا يمس مشركًا، وفي قتاله يوم الرجيع قال: اللهم إني قد حميت دينك أول النهار، فاحم لحمي في آخره.
فحمى الله لحمه وهو ميت.
ولما كانت هذه القصة تحكى أمام عمر بن الخطاب ﵁ يقول: يحفظ الله ﷿ العبد المؤمن بعد وفاته كما يحفظه في حياته.
إذًا هذه قصة ماء الرجيع، وكانت مأساة حقيقية للمسلمين، عشرة من خيار الصحابة ماتوا في وقت واحد.
في نفس الوقت الذي خرج فيه هؤلاء العشرة إلى ماء الرجيع حصلت قصة ثانية في وقت متزامن، يعني: قبل أن يصل خبر قتل هؤلاء العشرة حصلت قصة ثانية خطيرة جدًا.
[ ٢٧ / ٦ ]
أزمة بعث بئر معونة
جاء عامر بن مالك أحد زعماء بني عامر؛ ليقدم هدية إلى رسول الله ﷺ، فعل ذلك نوعًا من التقارب بين القبائل وليس طمعًا في الإسلام، فالرسول ﵊ قال: (أسلمت؟ قال: لا.
قال: فإني لا أقبل هدية من مشرك، قال: فإن القوم يرغبون في الإسلام فابعث معنا من يعلمهم الإسلام، فقال ﷺ: إني أخاف عليهم أهل نجد، فقال عامر: فإني جار لهم) أي: إني أجيرهم من بني عامر، وبنو عامر هم معظم أهل نجد، فوافق الرسول ﵊، ولأن قبيلة بني عامر كانت قبيلة كبيرة وأهل نجد هم مجموعات هائلة من القبائل، اختار الرسول ﷺ مجموعة كبيرة من الصحابة يعرفون بالقراء، كلهم كانوا يقرءون القرآن ويتدارسونه ليل نهار، كانوا من خيار الصحابة ﵁ وأرضاهم أجمعين، وكان تعدادهم سبعين صحابيًا، وأمر عليهم المنذر بن عمرو الخزرجي ﵁.
وكان هؤلاء السبعون معظمهم من الأنصار، وأخرجهم ﷺ ليقوموا بدعوة هذه القبائل الكبيرة للإسلام، وخرجوا في جوار عامر بن مالك زعيم بني عامر.
وفي الطريق وبعد أن وصلوا إلى منطقة تعرف باسم بئر معونة عسكروا فيها، وهي بئر بين بني عامر وبين بني سليم، فنزلوا هناك وبعثوا أحد الصحابة وهو حرام بن ملحان برسالة إلى عامر بن الطفيل ابن أخي عامر بن مالك وكان عامر بن الطفيل رجلًا شريرًا آثمًا غادرًا، وبينه وبين الرسول ﷺ قصة قديمة.
كان قد جاء إلى الرسول ﵊ وعرض عليه أمرًا قال: (أخيرك بين ثلاث خصال: أن يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أن أكون خليفتك، أو أن أغزوك بأهل غطفان) يعني: يهدده، فرفض الرسول ﵊ كل هذه المطالب جميعًا وردها.
فلما بعث الصحابة حرام بن ملحان برسالة يدعونه فيها إلى الإسلام، أشار الغادر عامر بن الطفيل إلى أحد رجاله -مع أن الرسل لا تقتل- أن يطعنه من ظهره، فجاء الرجل بحربة كبيرة وطعنه من خلفه فأنفذها حتى خرجت من صدره ﵁، ولما اخترق الرمح ظهر حرام بن ملحان وخرج من صدره وأدرك أنه ميت -أخذ الدم الذي يتفجر من جسده بيديه، وبدأ يمسح به وجهه ورأسه ويقول: فزت ورب الكعبة فزت ورب الكعبة.
سبحان الله! تخيل في هذا الموقف شابًا مثل حرام بن ملحان ﵁ وأرضاه يُطعن هذا الطعن، وكل الذي يفكر فيه هذا الوقت أنه مات في سبيل الله ﷿ شهيدًا، فقال: فزت ورب الكعبة.
إنه لمنظر بديع، منظر يعبر عن صدق النوايا في القلب، يعبر عن الثبات إلى آخر اللحظات حتى في أشد المواقف صعوبة، كثير من الناس تهتز عند لحظات الموت، لكن ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
وأدهش الموقف كل الحضور، حتى إن جبار بن سلمى الذي طعن حرام بن ملحان في ظهره حين سمع ذلك، قال: فقلت في نفسي: ما فاز؟ ما فاز؟ ألست قد قتلت الرجل؟ فقال له الناس حوله: يقول المسلمون: إن هذه شهادة، فسأل جبار بن سلمى عن ذلك حتى عرف أمر الشهادة في الإسلام، وذهب إلى المدينة المنورة يسأل عن ذلك، وكان ذلك سببًا في إسلامه ﵁ وأرضاه.
هذا الموقف خطير، ويجعلنا نسأل سؤالًا: هل الشهيد يتألم مثل ما نحن نتألم؟ يا ترى! بعد الطعنة التي دخلت في ظهره وخرجت من صدره يستطيع أن يفكر ويزن الأمور، ويقول كلامًا في منتهى الحكمة مثل هذا الذي قاله؟ يرد علينا الرسول ﷺ ويقول في الحديث: (ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة)، لما تقرصك حشرة أو ناموسة أو غيرها من الحشرات هذه القرصة التي تشعر بها أنت يشعر بها الشهيد، حتى ولو كان مطعونًا أو مضروبًا بسيبف أو أطلق عليه صاروخًا، لا يشعر الشهيد إلا بمثل ألم القرصة، ونحن نوقن بذلك تمامًا كما صور الحديث ﷺ.
إذًاَ: كان هذا أول الغدر، قتل حرام بن ملحان ﵁، ثم قام عدو الله عامر بن الطفيل باستنفار بني عامر لقتال المسلمين في بئر معونة، فرفض بنو عامر وقالوا: لا نخفر ذمة عامر بن مالك، فإن عامر بن مالك كان قد أجار المسلمين من بني عامر، فقام عامر بن الطفيل باستنفار بني سليم، فأجابته بعض البطون من بني سليم: عصية ورعل وذكوان، وجاءت هذه القبائل وأحاطت بالمسلمين الذين في بئر معونة، وقاتل المسلمون جميعًا حتى قتلوا إلا واحدًا منهم أصيب إصابات بالغة، وظنوا أنه قتيل، هو كعب بن زيد
[ ٢٧ / ٧ ]
أزمة بني النضير
الخامسة: أخذ الرسول ﵊ مجموعة من الصحابة، وذهب إلى بني النضير، ليجمع الدية لقتيلي عمرو بن أمية، وأخذ معه أبا بكر وعمر وطائفة من الصحابة ﵃ وأرضاهم، ولما ذهب إليهم اجتمع اليهود بعيدًا عن رسول الله ﷺ، وقالوا: أيكم يأخذ هذه الرحى ويصعد فيلقيها على رأس محمد فيشدخه بها؟ وهكذا حاولوا اغتيال رسول الله ﷺ، فهم يرون أن المسلمين في أزمة، كانت مصيبة أحد قبل أربعة شهور سبعين شهيدًا، وشهداء ماء الرجيع عشرة، وشهداء بئر معونة سبعين، فالمسلمون في أزمة، واليهود أهل غدر وخيانة، فرأوا الفرصة سانحة في أن يقتلوا الرسول ﵊، ويتخلصوا من دولة الإسلام تمامًا، فسألوا: من الذي يقوم بإسقاط رحى على رأسه؟ فقال رجل اسمه عمرو بن جحاش: أنا، فقال لهم سلام بن مشكم أحد زعماء اليهود: لا تفعلوا، فوالله ليخبرن بما هممتم به، فانظر إلى أي حد كان اقتناعهم بأنه رسول الله! قال: ليخبرن بما هممتم به، وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه.
لكن حيي بن أخطب زعيم بني النضير وأبو السيدة صفية ﵂ وأرضاها أصر على قتل الرسول ﷺ.
وبالفعل اجتمع الملأ على ذلك، وقام عمرو بن جحاش بحمل حجر كبير، وصعد فوق البيت ليلقيه على الرسول ﷺ، وفي هذه الأثناء وهم يتفقون جاء جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ وأعلمه بما يدبرون، فترك الرسول ﵊ المكان، وانتقل مباشرة إلى المدينة المنورة، مضى ولم يقل لأصحابه شيئًا؛ حتى لا يلفت الأنظار، واتبعه أصحابه ﵃.
ولما وصل الرسول ﷺ إلى المدينة أخبر الصحابة بأن اليهود كانت تدبر مكيدة لقتله ﷺ، وفي هذا نقض صريح ومباشر للعهد الذي بينهم وبين المسلمين، ومن ثم قرر ﷺ إجلاء بني النضير من المدينة المنورة.
أرسل ﷺ لهم رسالة يقول فيها: (اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها، وقد أجلتكم عشرًا -أي: عشرة أيام- فمن وجدته بعد ذلك ضربت عنقه).
ومع قوة اليهود وبأسهم وسلاحهم وعتادهم وحصونهم وقع الرعب في قلوبهم عندما قرأوا الرسالة، وقرروا الخروج فعلًا، وبدءوا يجهزون العدة؛ ليخرجوا من المدينة المنورة دون قتال.
وعندما نووا الرحيل جاء إليهم رئيس المنافقين عبد الله بن أبي فقال لهم: لا تخرجوا من دياركم فإن معي ألفين، يدخلون معكم حصنكم فيموتون دونكم، وقد كان اليهود على عزم أكيد للخروج، ثم ثبتهم في البقاء مجموعة من المنافقين، فالمنافقون خطرهم شديد جدًا؛ لذلك يقول رب العالمين ﷾ في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، المنافق في الظاهر أنه مسلم؛ لكن سوء أعمالهم لا يفكر فيها اليهود أنفسهم، ذهبوا إلى اليهود وثبتوهم وقالوا: إنهم سيحاربون معهم ضد المسلمين إن حدثت حرب، وأنزل الله ﷿ قرآنًا يفضح فيه أفعال اليهود والمنافقين.
قال ﷾: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر:١١ - ١٢].
هذا كلام الله ﷾، المنافقون قلوبهم ضعيفة واهنة؛ لأنها بعيدة عن الحق، قلوبهم في الظاهر مسلمة وفي الباطن تكره الإسلام وتتعاون مع اليهود، لكن إن جاء خطر عليهم تنكروا لعهودهم كما يتنكر اليهود، وكما يتنكر أعداء الأمة بصفة عامة لأخلاقهم ولعهودهم.
فهذا الذي حصل تمامًا، ثبت المنافقون اليهود، وثبت اليهود بكلام المنافقين ولم يخرجوا، وأرسلوا رسالة إلى الرسول ﵊ يقولون فيها: إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك.
وكان الموقف في غاية الحرج، فالرسول ﵊ مصاب في (١٥٠) صحابيًا في خلال الشهور الأربعة التي مضت، وسيدخل الآن في حرب كبيرة مع بني النضير، لكن إن سكت سيكون هناك هزة كبيرة لسمعة الأمة الإسلامية، فكان لا بد من أخذ قرار حازم مع مثل هؤلاء، سواء كانوا بني النضير أو غيرهم، لا بد أن يحفظ كرامة الأمة الإسلامية.
وبالفعل جهز ﷺ جيشًا في ربيع الأول سنة (٤هـ)، وانطلق لحصار بني النضير، وضرب الحصار عليها من كل مكان حوالي ست ليال، وفي بعض الروايات خمس عشرة ليلة، لكن الراجح: ست ليال فقط، ثم هزم ال
[ ٢٧ / ٨ ]
إرسال الجيوش والسرايا لتثبيت دعائم الأمن واسترداد هيبة الإسلام من جديد
[ ٢٧ / ٩ ]
غزوة نجد
أحب الرسول ﵊ أن يستغل هذا الظرف، وبدأ يرسل السرايا والجيوش لتثبيت دعائم الأمن في الجزيرة العربية، ولاسترداد الهيبة من جديد، وأول جيش خرج كان على رأسه الرسول ﷺ نفسه في غزوة تسمى غزوة نجد، وذهب لتأديب قبائل نجد التي تجمعت لقتل المسلمين في بئر معونة وماء الرجيع، ولما خرج فروا منه جميعًا، ولم يلق قتالًا ﷺ، لكنه استعاد الهيبة بشكل كبير.
[ ٢٧ / ١٠ ]
غزوة بدر الصغرى
أخذ ﷺ يعد العدة ويجهز الجيش للقاء القادم مع المشركين، فقد كان هناك تواعد بين المسلمين والمشركين على اللقاء للمرة الثالثة: الأولى: بدر، والثانية: أحد، وكان من المفروض أن يكون اللقاء الثالث في هذه الأيام في السنة الرابعة من الهجرة.
وبالفعل جهز النبي ﷺ جيشه، وفي شعبان (٤هـ) أرسل رسالة إلى قريش يتواعد معها على اللقاء في بدر، وخرج النبي ﷺ بجيش قوامه (١٥٠٠) مقاتل، وذهب إلى بدر، وخرج كذلك أبو سفيان من مكة بـ (٢٠٠٠) من المقاتلين، ووصل المشركون إلى منطقة تسمى مر الظهران قريبة جدًا من مكة، وعسكر الجيش هناك، ولا يزال أمامه طريق طويل حتى يصل لبدر، لكن الجيش الذي خرج كان متثاقلًا تمامًا، وعنده نوع من التردد الكبير في قتال المسلمين، وفي داخله الهلع والهيبة للمسلمين مع أن الموقعة الأخيرة كانت لصالح المشركين، ووقف أبو سفيان في مر الظهران يخاطب الجيش ويقول لأصحابه: يا معشر قريش! إنه لا يصلحكم إلا عام خصب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، وإني راجع فارجعوا.
هكذا كان أبو سفيان، يتحجج بحجج واهية، فلو كانوا حريصين على القتال لخرجوا.
فاجتمع القوم على الرجوع، ولم يعارض أحد أبا سفيان في قضية العودة إلى مكة المكرمة، وبذلك تخلفوا عن اللقاء الذي وعدوا به رسول الله ﷺ.
ولم يبق الرسول ﵊ في بدر ثلاثة أيام فقط، بل بقي ثمانية أيام متصلة؛ حتى يثبت للجميع أنه لا يهاب قريشًا ولا يخاف جيوشها ولا عدتها ولا عتادها، وكان في هذا أثر إيجابي كبير للدولة الإسلامية في الجزيرة العربية.
[ ٢٧ / ١١ ]
تأديب قبائل منطقة دومة الجندل شمال المدينة
سمع الرسول ﷺ أن بعض القبائل في شمال الجزيرة العربية في منطقة دومة الجندل بدءوا يتجمعون ويهاجمون القوافل المارة، ويقتلون المسلمين هناك، وهي قبائل كبيرة وضخمة في هذه المنطقة، فجمع الرسول ﵊ جيشًا ليذهب إلى دومة الجندل، وهي تبعد عن المدينة مسافة أكثر من (٤٥٠) كيلو، ذهب ﷺ بنفسه، وهناك بدأ يفرق السرايا والجيوش في الأماكن المختلفة، وفروا منه جميعًا ولم يلق ﷺ قتالًا، ولكنه ثبت من جديد دعائم الدولة الإسلامية في هذه المنطقة، بل وسمع الناس جميعًا في الجزيرة العربية بأخبار الجيوش الإسلامية التي تتجه هنا وهناك، وكان هذا في ربيع أول سنة (٥هـ).
[ ٢٧ / ١٢ ]
نتائج خروج المسلمين من الأزمات بعد أحد
كانت غزوة أحد في شوال سنة (٣هـ)، وفي الشهور الستة التي بعدها كانت هناك أزمات كبيرة مرت بها الأمة الإسلامية، أزمة بني أسد، وأزمة خالد بن سفيان، وأزمة ماء الرجيع، وأزمة بئر معونة، ثم في النهاية أزمة بني النضير.
خرج المسلمون من هذه الأزمات في يوم خروج بني النضير، واستطاع المسلمون من جديد أن يستعيدوا الهيبة، واستغل الرسول ﷺ هذا الموقف في نشر الهيبة والسمعة الجيدة للمسلمين في الجزيرة العربية، فقام بعدة سرايا وغزوات من أشهرها: غزوة نجد، واللقاء الذي كان منتظرًا بينه وبين المشركين في بدر، عرفت في التاريخ بغزوة بدر الصغرى تمييزًا لها عن غزوة بدر الكبرى التي كانت في سنة (٢هـ)، ثم قام بغزوة دومة الجندل.
وكان لكل هذا نتائج كبيرة في الجزيرة العربية على كل المحاور، سواء كانت نتائج في داخل المدينة المنورة أو في خارجها.
[ ٢٧ / ١٣ ]
استكانة المنافقين داخل المدينة المنورة
أولًا: استكان المنافقون في داخل المدينة المنورة، بعد مصيبة أحد نجم النفاق في المدينة المنورة، وجاهر المنافقون المسلمين بالعداء، بل وتعاونوا مع بني النضير ووعدوهم بالمساعدة ضد المسلمين إن حارب اليهود والمسلمين، لكن بعد هذه السرايا والغزوات استكان المنافقون تمامًا، ورضخوا لأوامر الرسول ﷺ، وكتموا في قلوبهم الكفر، وأصبحوا في داخل صف المسلمين، وهذا فيه خطر كبير، لذلك نتوقع أن تحدث أزمة تكشف المنافقين قريبًا.
[ ٢٧ / ١٤ ]
تحرك مخاوف اليهود
ثانيًا: تحركت مخاوف اليهود؛ فلم يبق من اليهود في المدينة المنورة إلا بنو قريظة، وبقي يهود بني قريظة على العهد، لكن في قلوبهم قلق ورعب شديد من المسلمين، فهذه بنو قينقاع قد خرجت، وخرج وراءها بنو النضير، ولم يبق غير بني قريظة.
كذلك يهود خيبر رأت أن اليهود يخرجون من داخل المدينة المنورة، وبعد أن ينتهي الرسول ﵊ من قصة اليهود في المدينة المنورة، لا يستبعد أن يتجه إلى يهود الشمال إلى خيبر، أضف إلى ذلك أن بني النضير هاجرت إلى خيبر، ونقلوا ليهود خيبر كل الكراهية التي حملوها معهم من المدينة المنورة، كذلك زعماء بني النضير انتقلوا إلى خيبر، وفيهم من الشر ما فيهم، منهم حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق وغيرهما من زعماء اليهود، فمن المتوقع أن تكون هناك مشاكل كثيرة تجيء من ناحية خيبر.
[ ٢٧ / ١٥ ]
شعور قريش بالقلق والخوف من المسلمين
ثالثًا: بدأت قريش تشعر بالقلق، ومع أنها كانت رافعة رأسها بعد أحد، لكنها اهتزت هزة كبيرة برجوعها عن بدر الصغرى، وعدم القدرة على مواجهة المسلمين، مع أن عدد الكفار في غزوة بدر الصغرى (٢٠٠٠)، وعدد المسلمين فيها (١٥٠٠)، أضف إلى ذلك انقطاع التجارة إلى الشام تمامًا بعد قيام الدولة الإسلامية، فهذا أمر لا بد أن تفكر فيه قريش.
إذًا: قريش بدأت تشعر بالقلق الشديد تجاه المسلمين، لكن لا تدري كيف تتصرف؟
[ ٢٧ / ١٦ ]
شعور القبائل المحيطة بالمدينة المنورة بالقلق والخوف من المسلمين
رابعًا: القبائل التي تحيط بالمدينة المنورة هي قبائل الأعراب التي تعيش في البادية بدأت تشعر بالقلق الشديد، وأهم هذه القبائل قبائل غطفان التي منها قبائل بني سليم وقبائل بني هذيل وبني لحيان، وهي القبائل التي غدرت بالمسلمين سواء في بئر معونة أو في ماء الرجيع.
[ ٢٧ / ١٧ ]
مقدمات تجمع الأحزاب لغزو المدينة
لما رجع الرسول ﵊ من غزوة دومة الجندل عاهد عيينة بن حصن أحد زعماء بني فزارة، وبنو فزارة فرع من فروع بني سليم، وهذا الفرع لم يكن ممن غدر بالمسلمين في بئر معونة؛ لذلك عاهد الرسول ﷺ عيينة لفترة من الزمان.
إن هذه المتغيرات التي حدثت في الجزيرة العربية وفي المدينة المنورة في خلال السنة السابقة كانت سببًا لحدوث شيء كبير ضد المسلمين في الفترة القادمة، فهناك منافقون داخل المدينة ويهود، وهناك قريش، وهناك قبائل عربية غير مسلمة حول المدينة المنورة.
[ ٢٧ / ١٨ ]
دور اليهود في تجمع الأحزاب لحرب المسلمين
كل الطوائف من اليهود والمشركين كانت حاقدة على الإسلام، وكان المسلمون في كل المعارك السابقة يواجهون كل قبيلة على حدة، فإذا تجمعت هذه القبائل فإنها ستحدث أزمة كبيرة على المسلمين، لكن كيف تتجمع هذه القبائل وهي متفرقة في شدة التفرق؟ فإن العرب لم يتجمعوا في يوم من الأيام، إنما هم عبارة عن قبائل منفردة؛ كل قبيلة لها قانونها ولها زعيمها ورأيها، فكيف تتجمع هذه القبائل على قلب رجل واحد لحرب المسلمين؟ هذا شيء مستغرب، لكن لليهود فيه دور كبير.
لقد كان لليهود دور كبير في تجمع القبائل لحرب المسلمين، فقد جمعوا القبائل من هنا وهناك ولم يشتركوا هم في المعركة، وهذا هو دور اليهود المعروف عنهم منذ سنين طويلة، وما زالوا يعملون ذلك باحتراف إلى هذا الوقت، وسيستمرون على ذلك، فهم دائمًا يؤلبون غيرهم على حرب الإسلام وحرب دعوة الحق، ويخرجون هم تمامًا من الصورة والأحداث.
وهذا ما فعله اليهود أيام الرسول ﷺ، خرجت من خيبر مجموعة من يهود خيبر وبني النضير، فيهم حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق، وأخذوا يؤلبون القبائل على المسلمين، ويجمعون القبائل المتفرقة لحرب دولة الإسلام في المدينة المنورة.
ذهبوا أولًا إلى قريش وقالوا لهم: الفرصة سانحة في أن نجمع لكم القبائل من غطفان وبني سليم وغيرها لحرب المسلمين، ولم تصدق قريش أنها وجدت مثل هذه الفرصة؛ وذلك لأن قريشًا طعنت في كبريائها يوم أن عادت من بدر الصغرى دون قتال في شعبان سنة (٤ هـ)، وبدأ القرشيون يجمعون من القبائل المحيطة بمكة المكرمة ما يستطيعون جمعه من الجنود، حتى جمعوا (٤٠٠٠) مقاتل، وانتقل اليهود بسرعة من قريش إلى غطفان في شرق الجزيرة العربية، والتقوا بزعماء غطفان هنا وهناك، وكانت هذه القبائل الغطفانية تنتظر الفرصة كذلك، فقال لهم اليهود: قريش معكم، فقد جمعت (٤٠٠٠) مقاتل، لكن غطفان لم تتشجع كثيرًا على القتال لخوفها من المسلمين، مع أن قبائل غطفان كثيرة ومعها قريش، لكن اليهود ما يئسوا، قالوا لهم: إن لم تكونوا متحمسين على القتال فنحن نحمسكم بالمال، فمع بخل اليهود الشديد إلا أنهم ينفقون المال الكثير إذا كان هذا الإنفاق للصد عن سبيل الله، فهم ينفقون ببذخ وكرم كبير لا يتخيله أحد، هذه هي طبيعتهم، فوعدوا زعيم بني فزارة عيينة بن حصن وبقية زعماء غطفان أن يعطوهم ثمار خيبر كاملة لمدة سنة، وكانت خيبر غنية بالثمار، فكل ما ينتج فيها من ثمار يدفع لغطفان ولـ عيينة بن حصن على أن يجمعوا جيشًا قوامه (٦٠٠٠) مقاتل.
إذًا: ستة آلاف من غطفان وبني سليم، وأربعة آلاف من قريش، وهكذا اجتمع (١٠.
٠٠٠) مقاتل، وطارت الأنباء المرعبة إلى المدينة المنورة، فقد كان هذا أخطر الأنباء من أول إنشاء الدولة الإسلامية، فإن العرب كانوا إذا وصل عددهم (١٠٠٠) يفتخرون، يقول أحدهم: إنا لنزيد على الـ (١٠٠٠)، ولن يغلب (١٠٠٠) من قلة، إذًا: تخيل (١٠.
٠٠٠) مقاتل قادمين باتجاه المدينة المنورة ليحاصروها من كل مكان، وفيهم من الحقد ما فيهم.
ووصل الخبر على المسلمين وكان ثقيلًا، وميز الله بهذا الخبر الخبيث من الطيب، قال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال:٣٧]، فإنه لما سمع المؤمنون الصادقون بهذا الخبر قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]، فالجيوش والأمم والأعادي كلهم سيتجمعون عليهم باختلاف إستراتجياتهم وأفكارهم، لكن وعدهم الله بالنصر عليهم إن هم تمسكوا بمنهجه ﷾، فها هو الجزء الأول يتحقق: وهو تجمع الأحزاب حول المسلمين، أما الجزء الثاني فلا بد أن يتحقق: وهو النصر عليهم ما داموا متمسكين بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ، وهم بفضل الله متمسكون: فالنصر آتٍ إن شاء الله، مع أن الظاهر مختلف تمامًا، فالأحزاب (١٠.
٠٠٠) مقاتل يحاصرون المدينة، فكيف الخروج من هذه الأزمة؟ فما زالوا لا يعرفون، لكنهم متيقنون تمامًا في وعد رب العالمين: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢].
أما على الناحية الثانية فارتعب المنافقون، كيف يحاربون عشرة آلاف مقاتل؟ والمنافقون لا يحسبون الأمر إلا بحسابات الورقة والقلم والحسابات المادية فقط، ولا يقتنعون بقدرة رب العالمين ﷾ وبحكمته وبإرادته وبهيمنته على الكون بكامله، فلم يستطيعوا أن يعوا هذا الأمر، وأخذوا يحسبون كل شيء بالورقة والقلم، كيف يحارب المسلمون (١٠.
٠٠٠)، والمسلمون داخل المدينة بكاملها سواء كانوا من الرجال أو من النساء أو من الأطفال أو من الشيوخ أو من الصادقين أو من المنافقين لا يصل عددهم إلى (١٠.
٠٠٠)؟ فكيف سيحاربون جيشًا مؤهلًا لحرب المسلمين قوامه (١٠.
٠٠٠) مقاتل؟ وحينما سمع
[ ٢٧ / ١٩ ]