كانت هناك إرهاصات ومقدمات بين يدي صلح الحديبية، وقد كان دور النبي ﷺ وصحابته الكرام رضوان الله عليهم حكيمًا في كسب تأييد رسل قريش للمفاوضات معه، وكذلك إضعاف معنويات القرشيين، الأمر الذي جعل الكفة في صالح النبي ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم، فتمخض من تلك المواقف الحكيمة استسلام قريش للصلح مع النبي ﷺ.
[ ٣٠ / ١ ]
بين يدي صلح الحديبية
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الثاني من دروس السيرة النبوية العهد المدني فترة الفتح والتمكين.
وفي هذا الدرس إن شاء الله سنتحدث عن حدث من أعظم أحداث السيرة النبوية، وأعظم أحداث الأرض بصفة عامة، وهو لحظة فارقة حقيقية في تاريخ الأمة الإسلامية، وله انعكاسات ليس فقط على الجزيرة العربية، ولكن على العالم أجمع كما سيتبين لنا إن شاء الله، وهذا الحدث العظيم هو صلح الحديبية.
ويكفي في وصف عظمة هذا الحدث أن الله ﷿ سماه بالفتح المبين، الفتح الذي جاء في الآية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١] الكثير من المفسرين يفسرون هذا الفتح المبين بأنه صلح الحديبية، ويكفي الذين اشتركوا في هذا الخروج إلى صلح الحديبية من الصحابة أنه ﷾ قد رضي عنهم تصريحًا في كتابه الكريم قال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، وكان عددهم (١٤٠٠) صحابي، فهذا الجمع الهائل من الصحابة صرح ربنا ﷾ أنه قد رضي عنهم، وهذا أمر يستوجب منا الوقوف والدراسة والتأني في بحث هذا الموضوع الهام الخطير، لكن لا نستطيع أن نفهم أبعاد صلح الحديبية إلا بالرجوع إلى ما ذكرناه في الدرس السابق، وقد ذكرنا فيه أن الرسول ﷺ بعد غزوة الأحزاب قال كلمته المشهورة: (الآن نغزوهم ولا يغزونا)، ومن ثم كانت السنة السادسة من الهجرة هي السنة التي تلت غزوة الأحزاب، وكان في مجملها مجموعة من السرايا والغزوات في كل مكان في الجزيرة العربية، ونتج عن ذلك آثار كثيرة لخصناها في آخر الدرس السابق، ومجمل هذه الآثار: أن الدولة الإسلامية أصبحت دولة مرهوبة لها قوة وهيبة وعظمة في قلوب جميع العرب بما فيهم قريش، وأن قريشًا بدأت تفتقد إلى الأعوان والأحلاف والأصحاب، وميزان القوى بدأ يسير في صف المسلمين على حساب قريش، هذا الأمر سيكون له مردود هام جدًا في صلح الحديبية، كما سيتبين لنا الآن.
[ ٣٠ / ٢ ]
رؤيا الرسول ﷺ دخول البيت الحرام مع أصحابه
في شهر شوال من السنة السادسة من الهجرة، يعني: بعد مرور سنة من غزوة الأحزاب، رأى الرسول ﷺ رؤيا: رأى أنه يدخل البيت الحرام هو وأصحابه ﵃ أجمعين معتمرين، ورؤيا الأنبياء حق، فالرسول ﷺ سيأخذ أصحابه ويذهب في رحلة عمرة جماعية إلى مكة المكرمة إلى عقر دار قريش، وهذا أمر صعب جدًا، فهم قبل سنة واحدة فقط جاءت الأحزاب في عشرة آلاف مقاتل: (٤٠٠٠) من قريش والقبائل التي تحالفها، و(٦٠٠٠) من غطفان، جاءوا يحاصرون المدينة المنورة بغرض استئصال المؤمنين بكاملهم.
فالرسول ﷺ بعد مرور سنة واحدة من غزوة الأحزاب في شجاعة منقطعة النظير يأمر الصحابة ﵃ وأرضاهم بالتجهز لأداء العمرة، وليس بينه وبين قريش أي نوع من المعاهدات أو الصلح أو الاتفاقيات.
لما ذكر ﷺ هذا الأمر لصحابته ﵃ وأرضاهم قبل الجميع من الصحابة ذلك دون تردد، بل اشتاقوا إلى الأمر، مع أن السفر إلى مكة المكرمة في ذلك الوقت سواء للعمرة أو غيرها يحمل خطورة شديدة جدًا عليهم، والمسلمون قد تحملوا الكثير والكثير قبل ذلك من قريش، وقريش لم ترع أي حق للبيت الحرام ولا للبلد الحرام، فقد انتهكت حرمة البلد الحرام قبل ذلك كثيرًا، ومع ذلك لم يتردد الصحابة ﵃ وأرضاهم في قبول الأمر النبوي بالذهاب إلى العمرة، وقد حاول الرسول ﷺ الاستفادة قدر المستطاع من قوانين المجتمع المشرك التي يعيش فيها، أي: الأعراف الدولية في ذلك الوقت، أعراف الجزيرة العربية، وأعراف قريش ذاتها تقضي بأن الذي يذهب إلى مكة المكرمة لأداء العمرة آمن مهما كان بينه وبين قريش من خلافات، فهل ستحترم قريش هذه القوانين القديمة أم لا؟! هذا ما سنراه.
فخرج المسلمون سعداء قد شرحت صدورهم لهذه العمرة مع خطورتها، وهذا مهم جدًا في بداية أي عمل، لذلك سيدنا موسى ﵇ كان يقول: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه:٢٥]، فالإنسان عندما ينشرح صدره لعمل ما يكون أداؤه فيه أداء متميزًا.
لم يكن هناك أي نوع من الإكراه لصحابة الرسول ﵊ للذهاب إلى هذا المشوار الصعب، لكن في المقابل من الناحية الأخرى جميع المنافقين تقريبًا لم يستطيعوا الخروج إلى هذا المشوار الصعب، وترددوا كثيرًا وفكروا كثيرًا، وفي النهاية أخذوا القرار الحاسم أنهم لن يخرجوا مع الرسول ﵊ إلى مكة المكرمة؛ لأن هذا المشوار في نظرهم مشوار مهلك، كيف نذهب إلى قريش في عقر دارها وبسلاح المسافر، ليس معنا أسلحة الحروب؟ لذلك لم يخرج مع المسلمين إلا منافق واحد اسمه الجد بن قيس.
كذلك الأعراب حول المدينة المنورة دعوا إلى الخروج، ولكنهم جميعًا أبوا أن يخرجوا مع رسول الله ﷺ لذلك هذا الصف الذي خرج من المدينة إلى مكة هو صف خالص نقي طاهر، وعددهم (١٤٠٠) مؤمن ليس فيهم إلا منافق واحد ليس له كبير الأثر في أوساط المؤمنين، وكما هو معلوم في الغزوات السابقة أن الرسول ﷺ إذا خرج بصف مؤمن خالص كان النصر قريبًا بإذن الله ﷿، فسنرى -إن شاء الله- نتائج عظيمة جدًا نتيجة خروج هذا الصف النقي من المدينة المنورة، فقد كانوا (١٤٠٠) وفي رواية: (١٥٠٠) صحابي، وأخذ ﷺ معه في خروجه زوجته أم سلمة ﵂ وأرضاها، وكان هذا الخروج في غرة ذي القعدة سنة (٦) هـ بعد سنة من الأحزاب، واتجه ﷺ إلى مكة المكرمة، وفي ذي الحليفة التي هي الآن آبار علي وهو المكان الذي يحرم منه القادمون من المدينة إلى مكة، هناك في ذي الحليفة أحرم ﷺ وقلد الهدي، وكان قد أخذ معه مجموعة ضخمة من الإبل ليذبحها في مكة المكرمة، وهذا من النوافل، فالرسول ﷺ أحرم بالعمرة ولبس لباس العمرة وبدأ بالتلبية؛ كل هذا ليدل على أنه لم يذهب إلى مكة إلا للعمرة فقط، وهو يعلم ﷺ أن هناك عيونًا كثيرة لقريش على الطريق، وهذه العيون لاشك أنها ستنقل الأخبار إلى مكة المكرمة، وهو لا يريد حربًا مع أهل مكة ولم يذهب إلا للعمرة، وما رآه في الرؤيا هو فقط مجرد العمرة؛ ولذلك لم يخرج ﷺ وأصحابه إلا بسلاح المسافر، وفي طريقه ﷺ من ذي الحليفة إلى مكة المكرمة كان يلبي: لبيك اللهم لبيك إلى آخر الدعاء.
[ ٣٠ / ٣ ]
توقف الرسول ﷺ وأصحابه بكراع الغميم
وصل ﷺ في طريقه إلى منطقة تسمى كراع الغميم، وهو على بعد (٦٠) كيلو أو (٦٤) كيلو تقريبًا من مكة المكرمة، وهناك فوجئ ﵊ بأن قريشًا قد جمعت جيشًا وجمعت الأحابيش، والأحابيش: هي مجموعة من القبائل كانت تتحالف مع قريش، وسميت بذلك؛ لأنهم اجتمعوا عند جبل اسمه حبشي، وعقدوا اتفاقية دفاع مشترك عن مكة المكرمة.
فهذه المجموعة من القبائل جمعتها قريش لصد الرسول ﷺ عن أداء العمرة في مكة المكرمة، مع أن العرف والقانون الدولي في ذلك الوقت يسمح للرسول ﵊ بأن يذهب إلى مكة معززًا مكرمًا ممنوعًا، بل على قريش في أعرافها وفي قوانينها أن ترعى حقوق المسلمين، وأن تخدم المسلمين، وأن تسقي الحجاج، وأن تفعل كذا وكذا، لكن كل هذا ضربت به قريش عرض الحائط، وبدأت التعامل مع الموضوع بنوع من الغدر ومخالفة القوانين والعهود التي بينها وبين العرب قاطبة.
فوجد ﷺ أن هناك جيشًا يقف عند كراع الغميم يمنع المسلمين من الوصول إلى مكة المكرمة، هذا موقف خطير، فالرسول ﷺ ليس معه إلا (١٤٠٠) من المسلمين وبسلاح المسافر، ويقف أمامه عند كراع الغميم جيش، ليس من قريش فقط، ولكن من قريش ومن معها من القبائل المحالفة لها، فوقف ﷺ وبدأ يأخذ الشورى بينه وبين أصحابه، ولم يترك الرسول ﷺ الشورى في موقف من المواقف، إلا في حالة ما إذا كان هناك أمر مباشر من رب العالمين ﷾، إذا كان أمر حل أو حرمة فهنا لا يأخذ الرسول ﵊ رأي الصحابة فيه.
فمثلًا: الخروج من المدينة المنورة إلى مكة لأداء العمرة كان عن وحي من رب العالمين ﷾؛ لذلك لم يجمع الرسول ﷺ أصحابه ليأخذ رأيهم: نذهب أو لا نذهب؟ مع خطورة الأمر.
إذًا: ما دام ربنا ﷾ أمر بكذا أو نهى عن كذا فلا مناقشة ولا تردد، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦]، فالرسول ﷺ إنما هو في قضية عسكرية فأخذ الشورى فيها، فقد جمع أصحابه في هذا الموقف الخطير الذي هم فيه، وشاورهم: هل نحارب هؤلاء الذين تجمعوا لنا أم نعود ولا ندخل إلى مكة؟ هل نغير على قبائل الأحابيش الخالية الآن من الرجال؛ لأن معظم جيش الأحابيش خرج للوقوف عند كراع الغميم؟ وكان ﵊ قد عرض فكرة الالتفاف حول هذا الجيش والميل على قبائلهم الفارغة من الجنود وقتلهم وسبيهم، فيكون ذلك عزة وقوة للمسلمين على الكفار، هذه كانت آراء مطروحة من الرسول ﷺ طرحها على الصحابة ﵃ وأرضاهم؛ ليختاروا ما يناسبهم، وعرض بعض الصحابة ﵃ آراءهم، فكان ممن تكلم أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه، قال: الله ورسوله أعلم إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، يعني: رأي الصديق ﵁ وأرضاه ألا نسعى لقتالهم ولا نذهب إلى قبائل الأحابيش ولا نقاتل هذا الجيش، بل نكمل الطريق في محاولة الوصول إلى البيت، فإن كان هذا الجيش الذي وضع في كراع الغميم مجرد إرهاب للمسلمين ولن يقاتل فنحن سنكمل الطريق ونذهب إلى العمرة في مكة المكرمة، وإن أصروا على القتال قاتلناهم فنحن لا نخشى القتال، ولكن لا نسعى إليه، هذا ملخص رأي أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه.
فالصحابة ﵃ وأرضاهم قبلوا هذا الرأي واستحسنوه، وكذلك النبي ﷺ، ومن ثم أكملوا الطريق، لكن قريشًا كانت مصرة على منع الرسول ﵊ وأصحابه من دخول مكة المكرمة للعمرة؛ لذلك وضعت فرقة قوية من الفرسان على رأسهم خالد بن الوليد ﵁ وكان وقتها مشركًا، وهذه الفرقة من الفرسان حوالي (٢٠٠) فارس، ووراءهم جيش مكة، وهذه الفرقة كانت في كراع الغميم، ولما اقترب الرسول ﵊ وقف أمام هذه الفرقة المسلحة، وعند هذا الوقوف جاء موعد صلاة الظهر، والمسلمون في أي ظرف من الظروف لا يضيعون الصلاة ولا يؤخرون الصلاة عن أوقاتها إلا في الظروف الضيقة المحدودة جدًا، تكاد في السيرة تعد على أصابع اليد الواحدة، كما حدث في غزوة الأحزاب قبل كذا، لكن عموم الأمر أن المسلمين يصلون الصلوات في أوقاتها حتى في ميادين القتال، بل إنهم كثيرًا ما كانوا يصلون الصلاة على خيولهم إيماءً إذا احتدم القتال، هذا اهتمام كبير جدًا بقضية الصلاة، ووقف ﷺ والمسلمون معه يصلون صلاة الظهر خلفه مؤتمين به ﷺ، يركعون ويسجدون جميعًا مع الرسول ﷺ وهم كما ذكرنا (١٤٠٠)، فـ خالد بن الوليد قائد فر
[ ٣٠ / ٤ ]
وصول النبي ﷺ وأصحابه إلى الحديبية
لقد أكمل ﷺ الطريق إلى مكة المكرمة إلى أن وصل إلى مكان يعرف بالحديبية، ويوجد هناك بئر، وهذا الموضع قريب جدًا من مكة المكرمة، يقع بين التنعيم وبين مكة المكرمة، ويبعد التنعيم حوالي (٥) كيلو من مكة المكرمة، فهو ﵊ دخل في حدود مكة المكرمة نفسها، وأصبح الموقف شديد الحرج، ففي أي لحظة من اللحظات القادمة قد يحدث قتال عند إرادة دخول مكة المكرمة، لكن قبل دخول مكة المكرمة حدث أمر مفاجئ، حدث أن ناقة الرسول ﷺ توقفت عن المسير، فالصحابة اجتمعوا ليدفعوا الناقة إلى القيام وإكمال المسيرة إلى مكة المكرمة، وكان الجميع متحمسًا جدًا لدخول مكة المكرمة، ورفضت الناقة أن تقوم، فقال الصحابة: (خلت القصواء خلت القصواء) أي: امتنعت عن القيام وعن التقدم، فقال ﷺ: (ما خلت القصواء وما ذاك لها بخلق) يعني: ليس من خلق القصواء أن ترفض الأمر الموجه إليها، وما ذاك لها بخلق: (ولكن حبسها حابس الفيل) يعني: أنه ﷾ أراد لها ألا تتقدم، فهو أمر من الله ﷿ للناقة.
وقوله: (حبسها حابس الفيل) يعني: الفيل الذي كان يركبه أبرهة عندما أراد دخول مكة المكرمة، لكن الله أمره ألا يدخل، فوقف الفيل ولم يستطع أبرهة أن يدفع الفيل لدخول مكة، فهذا الأمر تكرر تمامًا مع الناقة النبوية.
وقد تكرر هذا الموقف مع الناقة قبل ذلك، ومن أشهر المواقف التي حدثت مثل ذلك: عند هجرة النبي ﷺ فقد ترك ﵊ الناقة تسير إلى أن استقرت في مكان ما، وقال للصحابة من الأنصار ﵃ وأرضاهم: (دعوها فإنها مأمورة)، فنفس الموقف يتكرر في الحديبية؛ بسبب هذا قال الرسول ﷺ كلمة مهمة جدًا، وستفسر لنا هذه الكلمة أمورًا كثيرة آتية بعد ذلك، ثم قال ﷺ بعد أن أحس وشعر أن هناك وحيًا واضحًا في هذه القضية، قال: (والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)، يعني: أن الرسول ﵊ قرر أنه سيقبل بالصلح مع قريش، فهو ﵊ كان يشعر أن هناك وحيًا في هذه القضية لم يكن مباشرًا، لكنه فهمه من خلال وضع الناقة وعلم أنها مأمورة؛ وعلم أن الله ﷾ لا يريد قتالًا يتم بينه وبين قريش في ذلك الوقت، لذلك سيقبل ﵊ بأي خطة تعظم حرمات الله، فهو يشترط في الخطة أن تعظم حرمات الله، فلن يقبل بظلم على المسلمين، ولن يقبل بمخالفة شرعية ﷺ، فهذا أمر في غاية الأهمية.
إذًا: الرسول ﷺ كان يريد مصالحة وخطة ليس فيها قتال، وهذا أيضًا سيفسر لنا قبول الرسول ﵊ بصلح الحديبية بصورة واضحة؛ لأنه أمر مرضي له ﷺ.
وبعد بقاء المسلمين في منطقة الحديبية أرسلت قريش أحد الرسل؛ جاء لكي يحل المشكلة بين المسلمين وبين قريش، وهذا الرسول هو بديل بن ورقاء الخزاعي فهو ليس من قريش وإنما من قبيلة خزاعة، ومعروف أن قبيلة خزاعة حليفة للرسول ﷺ، والرسول ﵊ كان يحب خزاعة، وقريش لم ترسل رجلًا منهم، لم ترسل زعيمًا من زعمائهم يهدد ويتوعد، لا، لأن قريشًا تريد أن تعامل الرسول ﵊ بالسلم، وبنوع من الحسنى، وبتجنب القتال قدر المستطاع، ونحن قد نستغرب ونقول: كيف قبلت قريش العزيزة المنيعة القوية القبيلة الكبيرة المعظمة عند جميع قبائل العرب بلا استثناء، كيف تقبل هذه القبيلة الكبيرة بالجلوس مع الرسول ﵊ في طاولة المفاوضات، مع عدم الضغط المباشر على الرسول ﵊؟ أقول: إن الذي حصل في السنة السادسة من الهجرة أثر تأثيرًا كبيرًا على سلوك قريش، الذي حصل من سرايا وغزوات متتالية في العام السادس من الهجرة كان فيه رفع الراية الجهاد وإظهار الهيبة الإسلامية والعزة الإسلامية في كل مكان، فكل هذا كان له تأثير سلبي واضح على نفسيات قريش، وكان له تأثير معنوي إيجابي رائع جدًا عند المسلمين، مما جعل الموقف يكون بهذه الصورة.
[ ٣٠ / ٥ ]
أول رسل قريش لمفاوضة النبي ﷺ بالحديبية
لقد كان المسلمون على بعد عدة كيلو مترات قريبة جدًا من مكة المكرمة، وبهذه العزة يقفون ينتظرون رسل قريش، وقريش لا تستطيع أن ترسل زعيمًا من زعمائها وإنما تبعث واحدًا وسيطًا يتوسط عند المسلمين أن يعودوا، فذهب بديل بن ورقاء الخزاعي إلى الرسول ﵊؛ ليمنعه قدر المستطاع من دخول مكة، فقريش لا تريد من الرسول ﷺ أن يدخل مكة في ذلك الوقت، ولا تريد أن تحدث معه قتالًا؛ لأنها تشعر أنها أضعف من المسلمين، مع أن المسلمين ليس معهم إلا سلاح المسافر فقط، فوقف بديل بن ورقاء وحاول أن يهدد الرسول ﷺ تهديدًا خفيفًا، لكن هذا التهديد لم يكن من قريش؛ لأن بديل بن ورقاء ليس قرشيًا، فقال بديل مهددًا: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل.
يعني: ما تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي وهما فرعان من قريش يعيشون في مكة تركتهم نازلين قريبًا جدًا من الحديبية، (معهم العوذ المطافيل) يعني: معهم الأبناء والأولاد وهم يريدون حربك يا محمد، فالحرب ستكون ضارية بينك وبين قريش، ثم يكمل بديل بن ورقاء ويقول: وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت.
فماذا كان رد فعل الرسول ﷺ؟ لقد رتب الرسول ﵊ الكلمات ترتيبًا سياسيًا حكيمًا بارعًا، وبين له فيه أنه فهم الموقف تمام الفهم، وأن قدوم الرسول ﵊ إلى مكة المكرمة لم يكن قدومًا متهورًا غير مدروس، بل إن الرسول ﷺ عمل حسابه لكل نقطة، فماذا قال؟ قال: (إنا لم نأت لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين) يعني: نحن لسنا مخالفين لقوانين الجزيرة العربية، وإنما أنتم الذين تخالفون قوانين الجزيرة العربية، وقوانين قريش نفسها تقضي بأن ندخل إلى مكة المكرمة لأداء العمرة إذا أرادنا ذلك، بل على قريش أن تحمينا وتحرسنا بسيوفها، فنحن نسير وفق هذا القانون وأنتم تخالفون هذا القانون.
فهو في منتهى القوة يقول: (إنا لم نأت لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين).
الأمر الثاني: أنت تهددني بقريش وأنهم قد جمعوا العوذ المطافيل وجمعوا جيوشًا ليحاربوني، لا، أنا أعلم بوضع قريش، قال: (وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم) يعني: ليست قادرة على محاربة المسلمين، فقريش أضعف من أن تحارب، فقد عادت من الأحزاب في خزي واضح بعد أن فشلت في غزو المدينة المنورة، وقريش لم تحرك جيشًا واحدًا لقتال المسلمين في خلال السنة السادسة من الهجرة، مع اقتراب المسلمين أكثر من مرة من حدود مكة المكرمة.
إذًا: الرسول ﷺ يعلم القوة التي هو فيها الآن، ويفاوض من هذا الوضع القوي، ولذلك كلماته مسموعة وكلماته مرغوبة عند بديل بن ورقاء وعند القرشيين جميعًا، فقال هذه الكلمات: (وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا)، فبدأ يعدد عروضًا في منتهى الوضوح، فقد أعطاهم ثلاثة عروض ليختاروا منها ما يشاءون.
العرض الأول: (فإن شاءوا ماددتهم ويخلوا بيني وبين الناس) يعني: هذا العرض يقضي أن الرسول ﵊ يطلب من قريش أن تضع الحرب بينه وبينهم مدة من الزمان، وهذه المدة سنة سنتان ثلاث عشر، ويتركون ما بيني وبين الناس، أنا أدعو الناس وهم يدعون الناس، وكل واحد يتصرف دون خشية من الطرف الآخر أن يدخل معه في حرب.
فهذا العرض يفسر لنا أن ما حدث في صلح الحديبية من كون القرشيين يطلبون المعاهدة والمدة كان مطلبًا إسلاميًا في البداية؛ لأنه ﷺ هو الذي طلب هذه المدة؛ لأنه يعلم تمام العلم أن الدعوة في الجو السلمي أكثر إنتاجًا وأعظم تأثيرًا وأسرع إلى قلوب الناس منها في جو الحروب، لذلك كان يطلب ﷺ من قريش أن تضع الحرب بينها وبينه مدة من الزمان؛ ليسمح له فيها بالدعوة في كل مكان دون قتال.
العرض الثاني: (وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا)، يعني: لو أرادوا أن يسلموا ويبقوا مثلنا لهم ما لنا وعليهم ما علينا فعلوا ذلك، فنحن نرحب بهم في الإسلام.
إذًا: كون الرسول ﷺ يقول هذه الكلمات وهو بسلاح المسافر فهذا يدل على عزة الإسلام فعلًا.
العرض الثالث: (وإن أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره)، يعني: قتال إلى النهاية حتى الموت، فنحن لا نخشى القتال، بل نطلبه ونحبه؛ لأنه في سبيل الله ﷿.
والسالفة أي: الرقبة، فهذا كان وضع الرسول ﵊، كلمات في منتهى القوة، وعروض ثلاثة واضحة جدًا.
فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، وأخذ العروض الثلاث وانطلق إلى مكة المكرمة، وعندما ذكر بديل هذه الأمور لزعماء مكة، كان المتوقع منهم أن يثوروا ويغضبوا، كيف يقول لهم ا
[ ٣٠ / ٦ ]
ثاني رسل قريش لمفاوضة النبي ﷺ بالحديبية
لقد حاولت قريش قدر المستطاع أن يتجنبوا اللقاء والصدام مع الرسول ﷺ وإن كان بسلاح المسافر، فأرسلوا الحليس بن علقمة، والحليس بن علقمة من بني الحارث بن عبد مناف بن كنانة زعيم الأحابيش المحالفين لقريش، فقريش للمرة الثانية لم ترسل قريش أحد زعماء قريش؛ لأنه قد يتهور في قرار لا يستطيع القرشيون تحمله، فأرسلوا الحليس بن علقمة، والرسول ﵊ لما رأى الحليس قال: (هذا من قوم يعظمون البدن)، يعني: من قبيلة بني الحارث بن عبد مناف وهم قوم متدينون يحترمون قواعد البيت الحرام وأعراف البيت الحرام، ويعظمون البدن، ويحترمون من جاء لأداء العمرة أو الحج في مكة المكرمة، فالرسول ﵊ عامله بما هو أهله، فأرسل في وجهه البدن؛ ليشعره أنه ما جاء إلى هنا إلا ليقوم بما يعظمه الحليس بن علقمة وقومه، فعندما أرسل البدن في وجهه واستقبله الصحابة يلبون: لبيك اللهم لبيك، لما رآهم الحليس بن علقمة قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت.
فالرسول ﵊ استطاع أن يكسب قلب الحليس بن علقمة حتى قبل أن يتم بينه وبينه كلام، فقد كان عند الرسول ﵊ فقه في منتهى الروعة، فـ الحليس بن علقمة كافر، وبديل بن ورقاء كافر، وأبو سفيان كافر، وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل قبل ذلك، وكل هؤلاء كفار، لكن كل واحد له طريقة تعامل، فهناك كافر غادر، وهناك كافر من نبلاء القوم، وهناك كافر لا يعظم أي دين، وهناك كافر يعظم الدين وإن كان دينًا باطلًا هكذا كل واحد له طريقة في التعامل، والرسول ﵊ يتعامل مع الرجل على قدر علمه وقدر بيئته وقدر ظروفه، وهذه هي الحكمة في حقيقتها.
إذًا: الرسول الثاني لقريش فشل في أداء ما تتمناه قريش، بل بالعكس فقد رجع إليهم وقال لهم: اسمحوا له بالدخول إلى مكة لأداء العمرة، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، لكن قريشًا ضربت بكلامه عرض الحائط، وقالوا: هذا الكلام لا يستقيم نحن نريد أن نمنعه مهما كانت الأعراف والقوانين.
[ ٣٠ / ٧ ]
ثالث رسل قريش لمفاوضة النبي ﷺ بالحديبية
لقد تأزم الموقف جدًا عند قريش، فأرسلت الرسول الثالث وأيضًا ليس من قريش وهو عروة بن مسعود الثقفي من قبيلة ثقيف، فقريش أرسلت واحدًا تعتقد اعتقادًا جازمًا أن المسلمين سيحترمون رأيه ويسمعون كلامه؛ لأنه كان معظمًا جدًا في كل الجزيرة العربية، وهذا الرجل هو عروة بن مسعود الثقفي، وكما تعلمون عندما نزل القرآن الكريم على رسولنا الكريم ﷺ في مكة وبلغ به الناس، وقف القرشيون وقالوا قولتهم التي حكاها الله عنهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، فهم يريدون سحب العظمة من الرسول ﵊ وينسبونها إلى أولئك الذين كثرت أموالهم وعظمت قوتهم في الجزيرة العربية، والقريتان هما: مكة والطائف، والرجل الذي يقصدونه من مكة: هو الوليد بن المغيرة، والذي يقصدونه من الطائف: هو عروة بن مسعود الثقفي هذا.
إذًا: جميع أهل مكة والجزيرة العربية يدركون أن هذا الرجل أعظم رجلين في داخل الجزيرة العربية بكاملها، لذلك أرسلوه للتفاوض مع الرسول ﷺ.
وعروة بن مسعود لكونه عزيزًا وسيدًا جاء بكلمات تهذيبية لرسول الله ﷺ، وفي نفس الوقت إن هدد ولم يقبل الرسول ﷺ بكلامه لن يكون ذلك مؤثرًا على قريش؛ لأنه من ثقيف، فذهب عروة إلى الرسول ﷺ وقال له: (أرأيت لو استأصلت قومك)، انتبه لكلمات عروة بن مسعود الثقفي كيف يقلب الحقائق، كيف يصور رسول الله ﷺ وكأنه يريد أن يقتل الناس وليس العكس، مع أن الرسول ﵊ جاء وأعلن أكثر من مرة: (إنا لم نأت لقتال أحد ولكن أتينا معتمرين)، فهو يريد حقًا تعطيه قريش لكل الناس، ولكنهم يخالفون ويرفضون إعطاء ذلك الحق، فهنا قلب للحقائق وتصوير المظلوم أنه الظالم وتصوير الظالم أنه المعتدى عليه، وهذا أمر متكرر كثيرًا في التاريخ، من ذلك: كلام فرعون عن موسى ﵊ عندما قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦].
فجاء عروة بن مسعود الثقفي وقال: (أرأيت لو استأصلت قومك وقتلت كل من في مكة، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك)، انظر إلى القلب الواضح للحقائق، مع أن الرسول ﵊ لم يقل: إنه يريد أن يستأصل قومه، بل بالعكس هو طلب منهم أن يسمحوا له بالعمرة ويرجع إلى المدينة المنورة، ولم يسأل عن حقوقه داخل مكة المكرمة، ولم يسأل عن دياره، ولم يسأل عن أمواله، ولم يسأل عن كذا وكذا من حقوق الصحابة، فقد سلب هو أصحابه من أهل مكة كل هذه الحقوق، ومع ذلك تجد الكلمات معكوسة تمامًا من عروة بن مسعود الثقفي هذه عاداتهم، ثم يقول عروة بن مسعود: (وإن الأخرى) يعني: إن هي غلبت قريش المسلمين، قال: (فوالله إني لأرى وجوهًا وأرى أوباشًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك)، هذا كلام في منتهى سوء الأدب، يعني: أن هؤلاء الذين معك كلهم إذا بدأت الحرب سيفرون ويتركونك، إنما هم أوباش من الناس، فهو يسب الصحابة ﵃ وأرضاهم أجمعين ويذكر أنهم جميعًا سيفرون عن الرسول ﵊ ويدعونه لقريش.
فهذا الرجل يهدد ويتوعد وليس كالذي سبقه الحليس بن علقمة، فمثل هذا ما ينفع معه الكلام الهادئ وما ينفع معه العظة كما فعل الرسول ﵊ مع الحليس بن علقمة، هناك رد ثان مناسب له، والذي تولى الرد عليه هو أبو بكر الصديق ﵁، مع علمنا بـ الصديق في رفقه ولينه ورقته ورحمته ﵁، لكن كل ذلك في موضعه، أما إذا كان في موضع العزة والقوة فهو أقوى الصحابة ﵁ وأرضاه، وهكذا كان في كل حياته، وراجعوا ما قلناه في محاضرات الصديق ﵁ وأرضاه عن قوة الصديق وبأسه ﵁.
فهنا وقف الصديق وتكلم بغلظة وشدة وعنف لم نعهده فيه قبل ذلك، قال ﵁ وأرضاه بعد أن سب عروة بن مسعود سبة قبيحة مباشرة، قال وهو مستنكر: (أنحن نفر عنه؟) يعني: هل الصحابة تفر عن رسول الله ﷺ؟ وعروة بن مسعود لما سمع السباب الذي قاله أبو بكر الصديق ومعلوم أن عروة بن مسعود زعيم وعظيم من عظماء العرب، ومن المستحيل أن توجه له هذه السبة أو هذا القذف دون أن يحرك الجيوش والجموع، لكنه قال كلمة تعبر عن مدى أخلاقيات بعض رجال العرب حتى في جاهليتهم، قال: (لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأج
[ ٣٠ / ٨ ]
محاولة بعض شباب قريش منع الصلح مع المسلمين
لقد هزمت قريش هزيمة نفسية قاتلة، وبدأت تفكر تفكيرًا جديًا في الصلح، لكن ما هي بنود الصلح؟ ما هي ظروف الصلح التي يفكرون فيها؟ كانوا قبل ذلك يرفضون الجلوس مع النبي ﷺ على طاولة المفاوضات؛ لأنهم لا يعترفون به أصلًا، وهاهم الآن حين رأوا هذه العزة العظيمة للمسلمين يتفاوضون معهم، وبدءوا يفكرون في الصلح، لكن هناك مجموعة من شباب قريش المتحمسين المتهورين أرادوا أن يقطعوا كل طريق للصلح، فقامت هذه المجموعة وهم حوالي (٥٠) شخصًا من المشركين وعلى رأسهم عكرمة بن أبي جهل وكان وقتها مشركًا، قامت هذه المجموعة بالتسلل إلى معسكر المسلمين ليلًا ليقتلوا بعض المسلمين، وهم غرضهم أن يبدأ القتال ثم بعد ذلك ستكون الحرب الكبيرة بين المسلمين وبين قريش.
فما الذي حصل مع هؤلاء؟ لقد كانت هناك مجموعة من الحرس يحمون المسلمين، وعلى رأس الحرس محمد بن مسلمة ﵁ وأرضاه، فاعتقل محمد بن مسلمة هؤلاء الخمسين المشرك، فماذا فعل الرسول ﵊ مع هؤلاء الخمسين؟ لقد أطلقهم ﷺ جميعًا منًا بلا فداء؛ لإبداء حسن النوايا ولإبداء الرغبة في الصلح، كأنه يقول لقريش: هذه رغبة حقيقية عندنا فنحن لم نجئ للقتال إنما جئنا معتمرين، ويريد ﷺ أيضًا الصلح والهدنة؛ لينتشر الإسلام في الجزيرة العربية بأسلوب سلمي، قال الله ﷾ يصف هذا الموقف في كتابه الكريم: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٢٤]، فقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٢٤] يعني: بعد أن أخذتم هؤلاء الخمسين أسارى.
[ ٣٠ / ٩ ]
إرسال النبي ﷺ لعثمان لمفاوضة قريش في الصلح
لقد أرسلت قريش ثلاثة رسل حتى الآن: أرسلت في البداية بديل بن ورقاء الخزاعي من خزاعة، وأرسلت بعد ذلك الحليس بن علقمة من بني الحارث بن كنانة، وأرسلت بعد ذلك عروة بن مسعود الثقفي من ثقيف، وهؤلاء الثلاثة من خارج قريش، أرسلتهم محاولة للتوسط بينهم وبين الرسول ﷺ، وكان الرسول ﵊ في كل مرة يبلغهم بشيء، لكي يوصلوه إلى مكة المكرمة، لكن إلى الآن لم تستمع قريش مباشرة إلى كلام الرسول ﷺ، وقد يكون هؤلاء الرسل لم يبلغوا الأمر بصورة مرضية؛ إما لشيء في صدورهم، أو سوء فهم لقضية من القضايا؛ فلذلك أراد الرسول ﵊ أن يرسل رسولًا من المسلمين، يستطيع بواسطته أن يصل بالمعاني التي يقتنع بها المسلمون ويطالبون بها، يوصلها بوضوح إلى زعماء قريش؛ ليتجنب فتنة ليس لها أصل، فالرسول ﷺ فكر في إرسال سفير ورسول، فمن الذي أراد ﷺ أن يرسله؟ أول من أراد أن يرسله إليهم عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، وعمر بن الخطاب كما تعلمون رجل قوي مفاوض له حكمة وقوة ورأي سديد جدًا، فهو في كثير من المرات ينزل القرآن الكريم موافقًا لرأيه ﵁ وأرضاه، فيما عرف بموافقات عمر ﵁، ومما جعل النبي ﷺ يختار عمر بن الخطاب أنه كان في جاهليته سفيرًا لقريش.
وكانت الزعامة في قريش موزعة على عشر قبائل، كل قبيلة عليها دور من الأدوار في قيادة مكة، والدور الموكل إلى بني عدي -التي هي قبيلة عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه- كان دور السفارة في قريش، والذي كان يقوم بهذا الدور من قبيلة بني عدي هو عمر بن الخطاب نفسه، فالرسول ﵊ أراد أن يبعث رسولًا قديمًا من رسل قريش تعترف به كسفير، فهذا في غاية الأهمية وله عمق إستراتيجي واضح، فهذه كانت وجهة نظر الرسول ﷺ في إرسال عمر بن الخطاب ﵁، لكن على غير المعتاد اعتذر عمر بن الخطاب ﵁ للرسول ﷺ، لأنه علم أن الأمر ليس وحيًا، وإنما هو رأي من الرسول ﵊ له أن يراجع فيه ويعرض رأيه، فعرض عمر بن الخطاب رأيه في منتهى الوضوح ومنتهى الصراحة وقال: (يا رسول الله! ليس لي بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت) يعني: أنا من قبيلة ضعيفة، قبيلة بني عدي بطن ضعيف من بطون قريش، لو حصل وقتل عمر بن الخطاب فلن يتحرك له أحد، ثم قال: (فأرسل عثمان بن عفان فإن عشيرته بها).
وعثمان بن عفان من قبيلة بني أمية وهي قبيلة قوية عزيزة شريفة لها تاريخ ولها جنود ولها رجال، والجميع يعمل لها ألف حساب، ثم يقول: (وإنه -أي: عثمان بن عفان - مبلغ ما أردت) يعني: الذي تريده سيتحقق على يد عثمان ما هو علي يدي أنا، وواضح من كلام عمر بن الخطاب ومن سيرته قبل هذا الأمر وبعد هذا الأمر أنه لا يخشى الموت، ولم يقل هذا الكلام خوفًا من قريش أو من غيرها، بل كان على استعداد دائم أن يبذل روحه في سبيل الله ﷿، لكنه يريد أن تتم المهمة، وهذه المهمة مثل عثمان بن عفان ﵁ سيؤديها؛ لأن عمر ليست له منعة في داخل مكة المكرمة وهو يريد أن تتم هذه المهمة؛ لذلك ذكر اسم عثمان بن عفان، ولماذا عثمان بن عفان من بين (١٤٠٠) صحابي؟ هذا اختيار في منتهى الحكمة فعلًا؛ لأنه الرجل المناسب في المكان المناسب، فـ عثمان بن عفان من قبيلة بني أمية وهي قبيلة قوية تقدر على حماية عثمان بن عفان، وإجارة بني أمية تمضي على كل قريش، كذلك أبو بكر الصديق نفسه لو ذهب فإنه لا يؤدي مثل ما يؤدي عثمان بن عفان؛ لأن قبيلة أبي بكر الصديق قبيلة ضعيفة، التي هي قبيلة بني تيم.
إذًا: كان اختيار عمر موفقًا لـ عثمان جدًا هذا أولًا.
ثانيًا: عثمان بن عفان مشهور بالحلم والحكمة، فعنده القدرة على أن يتفاوض ويؤدي المهمة كما ينبغي أن تؤدى.
ثالثًا: عثمان بن عفان رجل محبوب جدًا في داخل مكة المكرمة سواء في أيام جاهليته أو في أيام إسلامه؛ لأنه كان كريمًا واسع الكرم، يعطي عطاء بلا حدود، وكل أهل مكة قبل ذلك استفادوا منه، فهو عند أهل مكة محبوب، والناس كلها لن تؤذيه قدر المستطاع، وعثمان بن عفان ﵁ وأرضاه زوج ابنتي الرسول ﷺ، كان متزوجًا في البداية من السيدة رقية، فلما ماتت تزوج أم ك
[ ٣٠ / ١٠ ]