مع ما بذله الرسول ﷺ وصاحبه الصديق من تدبير الهجرة والتواري عن قريش، إلا أن العجز البشري يبقى له مكان في تلك الخطة، ليأتي التدبير الإلهي ليثبت نصرة الدين ورفعة حامليه، فالأخذ بالأسباب المادية مطلوب، ولكن لا بد من أن يعتمد على مسبب الأسباب ﷾.
[ ١٤ / ١ ]
مخاوف قريش من هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة ومخاطر ذلك عليهم
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الرابع عشر والأخير من دروس الفترة المكية من السيرة النبوية.
تكلمنا في الدرس الماضي عن بيعة العقبة الثانية التي مهدت لقيام دولة الإسلام في المدينة المنورة بعد ذلك، ورأينا مدى استعداد الأنصار للبذل والعطاء والكفاح والجهاد، وكيف قبلوا بكل الشروط الصعبة لبيعة العقبة الثانية، المهم تمت البيعة العظيمة، وعاد الأنصار إلى بلادهم يثرب أو المدينة المنورة، وبدءوا بترتيب أوضاعهم من أجل استقبال أفواج المهاجرين من مكة، وقد بدأت هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة المنورة بعد شهر من البيعة، وتكلمنا عن صعوبة الهجرة وتضحياتها، وعن كفاح الصحابة سواء من الرجال أو النساء، فقد كانت معاناة كبيرة وضخمة، لكنها تمت على خير، ووصل المهاجرون إلى البلد العظيم المدينة المنورة.
لم يبق في مكة إلا ثلاثة فقط: الرسول ﷺ، وأبو بكر الصديق ﵁ وعائلته، وعلي بن أبي طالب ﵁، وذلك بأمر الرسول ﷺ؛ لأن كل واحد منهم له دور مهم في المرحلة القادمة كما سنرى إن شاء الله.
كانت قريش في أزمة كبيرة، ما من يوم يصبحون فيه إلا ويجدون واحدًا من المسلمين قد اختفى، أو عائلة مسلمة اختفت، وبعض الأحيان كانوا يجدون فرعًا كاملًا من قبيلة ليس موجودًا، بحيث إن الهجرة كانت تتم بصورة سرية تمامًا، إلا هجرة عمر بن الخطاب ﵁.
عرف المشركون أن الهجرة كانت إلى المدينة المنورة، ليس فقط من الشك الذي كان في وفد يثرب الذي جاء إلى مكة قبل ذلك في موسم الحج سنة (١٣) من البعثة، لكن من أخبار مؤكدة أتت إلى قريش من المدينة المنورة عن طريق أعوان وحلفاء لهم تؤكد هجرة المسلمين إلى المدينة، ويؤكد على هذا ما حصل من أبي جهل وأخيه الحارث لأخيهما من الأم عياش بن أبي ربيعة ﵁ وأرضاه، كان مسلمًا وهاجر إلى المدينة المنورة مثل بقية المهاجرين المسلمين، وعلم أبو جهل بهجرته، فلحقه أبو جهل وابتكر حيلة من أجل أن يعيد عياشًا إلى مكة، فأقنعه بأن أمه مريضة، وأنها تريد أن تراه قبل أن تموت، وفعلًا أخذت عياش الرقة لأمه، وعاد مع الحارث وأبي جهل، وبينما هو في الطريق قيداه بالحبال وأخذاه إلى مكة وهو مقيد، وقالا لأهل مكة: هكذا فافعلوا بسفهائكم، وحبس في مكة لفترة طويلة.
الشاهد من القصة: أن أبا جهل كان يعرف إلى أين يهاجر المسلمون، وأنهم كانوا يذهبون إلى المدينة المنورة.
سبب هذا الأمر قلقًا لقريش؛ لأنها كانت على فقه كامل بخطورة الموقف عليهم لو انتشر الإسلام، من هذه المخاطر: أولًا: أن الذين هاجروا من مكة ليسوا أغرابًا عن أهل مكة، بل إن كل واحد من زعماء قريش كان له أخ مهاجر أو ابن أو ابنة، وكل واحد منهم بداخله غيظ كبير على الدين الجديد الذي عرضهم لهذه المشكلة، وكل واحد منهم بداخله كذلك حب فطري لأولاده وأقاربه، ويرى أنهم قد بعدوا عنه، فهذه كانت مشكلة كبيرة، وكان من الصعب أن يقبل بها أهل مكة.
ثانيًا: أن دعوة الإسلام لو انتشرت في الجزيرة العربية، فمن الممكن أن تفقد قريش الكثير من مكانتها في الجزيرة، فقد كانت تكسب كثيرًا من تجارة الحج إلى مكة، ومن تجارة بيع الأصنام، نعم، دين الإسلام يشجع الحج إلى مكة، لكن تجارة الأصنام وتجارة الخمور والزنا والربا ستقف، مصالح كثيرة جدًا ستقف لأهل مكة، وكلها سوف تتعطل لو انتشرت دعوة الإسلام في الجزيرة العربية.
ثالثًا: كان المشركون يفهمون جيدًا أن المسلمين ما هاجروا إلى المدينة من أجل قضاء فترة راحة أو استجمام، بل هاجروا لإقامة دولة إسلامية، ولو أقاموا هذه الدولة فلابد أن يعودوا إلى مكة مرة أخرى في يوم من الأيام، وعندما يعودوا إليها، لن يعودوا من أجل السكن فيها، لا، بل سيعودون من أجل أن يحكموا مكة، هكذا يقول المنطق، وطبيعة الدين الإسلامي هكذا تقول، مكث الرسول ﷺ في مكة (١٣) سنة، يفهمهم قضية أن الحكم لله، فمؤكد أن المسلمين لن يرضوا أن يبقى أهل مكة على تحكيمهم لهبل أو أنصار هبل في حياتهم، لابد أن يحكموا الإله الذي يعبدونه ألا وهو الله ﷿، وبالتالي يحكمون مكة، وكان هذا مرعبًا لزعماء قريش.
رابعًا: أن هذه الهجرة لم تكن إلى أي مكان، لا، بل إلى المدينة المنورة (يثرب)، وكان لها وضع خاص، ففي اعتقادي أن هذا المكان أكثر مكان لا يحب المشركون أن تكون الهجرة إليه، وذلك لعدة نقاط: الأولى: أن سكان يثرب هم الأوس والخزرج، وهم من أعز القبائل العربية، ومن أقواها في الحرب، وأشدها ممارسة لفنون
[ ١٤ / ٢ ]
اجتماع قريش بدار الندوة بهدف منع الرسول ﷺ من الهجرة إلى المدينة
نتيجة للعوامل السابقة الموجودة في المدينة المنورة، والتي كانت تسبب خطرًا كبيرًا على زعماء مكة، إلا أن المسلمين كلهم تسربوا من بين أيديهم، ولم يبق إلا الرسول ﷺ واثنين من أصحابه هما: أبو بكر وعلي ﵄، وإذا هاجر الرسول ﷺ بنفسه فكل المشاكل التي يخافونها ستقع، لكن من المؤكد أنه لا خطورة على مكة والرسول ﷺ مازال فيها؛ لأنه من المؤكد أن المهاجرين والمؤمنين من الأوس والخزرج سوف ينتظرون قدوم الرسول ﷺ إلى المدينة؛ من أجل أن يضمنوا سلامته من ناحية، ومن ناحية أخرى ليأخذ القرار بالهجوم على مكة، فلو استطاع المشركون أن يسيطروا على الرسول ﷺ، فإن خطر يثرب سيقل، لكن كيف يسيطرون على رسول الله ﷺ؟ فقبيلة بني هاشم قبيلة كبيرة وعزيزة، ومن الصعب أن يدخلوا معها في حرب أو صراع، فقرر زعماء مكة نتيجة لهذه الحيرة أن يعقدوا اجتماعًا طارئًا، ليجدوا حلًا.
في يوم الخميس (٢٦) صفر من السنة الرابعة عشرة من البعثة عقد الاجتماع، وكان أخطر اجتماع في تاريخ دار الندوة، حضره ممثلون عن كل القبائل القرشية، ما عدا قبيلة بني هاشم؛ مثل أبو جهل بن هشام عن قبيلة بني مخزوم، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وأبو سفيان بن حرب كلهم عن قبيلة بني عبد شمس، والنضر بن الحارث عن بني عبد الدار، وأمية بن خلف عن بني جمح وغيرهم كثير، ولم يسمح لأي قبيلة غير قريش أن تدخل دار الندوة.
وبمناسبة دخول هؤلاء دار الندوة لا يوجد دليل صحيح على قصة إبليس الذي تمثل بصورة الشيخ النجدي وحضر معهم الاجتماع؛ فإن شياطين الإنس في مكة لم يكونوا بحاجة إلى شياطين الجن.
بدأ الاجتماع الخطير، ووضعوا المشكلة التي اجتمعوا من أجلها، وبدءوا بالنظر في آراء الحضور، فالطائفة المعتدلة من زعماء مكة كانوا يرون أن حبس الرسول ﷺ كافيًا، لكن اليمين المكي المتطرف كان رأيه مخالفًا لهذا الرأي، قال أحدهم -ولعله أبو جهل -: لابد من قتل هذا الرجل، وفي الحقيقة أن هذه الفكرة كانت تعجبهم، ولكن لم يكن عند أحد الجرأة أن ينطق بها؛ لأن بني هاشم قبيلة قوية، ومن الذي سيضحي بنفسه وقبيلته ويقف أمام بني هاشم، لكنّ أبا جهل خرج عليهم بفكرة شيطانية، وهي: أن يختاروا من كل قبيلة في مكة شابًا قويًا، فيحاصرون بيت رسول الله ﷺ، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه بين القبائل، فلا تجد بنو هاشم أمامها إلا قبول الدية؛ لأنهم لن يستطيعوا أن يحاربوا كل القبائل، ثم خرجوا بالموافقة على هذا، قال الله ﷿ في كتابه الكريم يصف هذا الحدث: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ [الأنفال:٣٠]، (يثبتوك) أي: يقيدوك أو يحبسوك، ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠].
هذه الأفكار التي ظهرت في دار الندوة، وهذه التدبيرات كلها تقع تحت كلمة: «وَيَمْكُرُونَ».
وفي الجزء المقابل: «وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ».
[ ١٤ / ٣ ]
إعداد الرسول ﷺ للهجرة مع أبي بكر وعلي ﵄
نزل جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ يخبره بأمر هذه الجريمة، وقال له: لا تبت في فراشك الليلة، وأمره بالهجرة، والرسول ﵊ سأله عمن يهاجر معه؟ فقال: أبو بكر الصديق، يعني: صحبة الصديق لرسول الله ﷺ كانت بأمر من الله ﷿، ويا لها من درجة عالية للصديق ﵁ وأرضاه.
بدأ الرسول ﷺ يرتب للهجرة، وبالذات أنه علم أن المشركين يريدون قتله فجر يوم الجمعة (٢٧) صفر سنة (١٤) من النبوة، فزعماء قريش اجتمعوا في يوم الخميس (٢٦) صفر، فكان على الرسول ﷺ أن يبلغ الصديق ﵁ وأرضاه، ويرتب معه موضوع الهجرة، ولابد أن يكون كل شيء في سرية تامة، ولا يلفت أنظار أي شخص من قريش؛ من أجل ألا يقدم زعماء قريش موعد قتل الرسول ﷺ.
وهناك مشكلة أخرى كان يفكر فيها الرسول ﷺ، وهي هل كان أبو بكر جاهزًا للسفر مباشرة في الموعد الذي أخبره جبريل أن يهاجر فيه، فـ الصديق سيترك كل شيء، ولا يدري متى سيرجع، وقد لا يرجع بالمرة، ويموت في المدينة المنورة، وسيأخذه الرسول ﷺ من غير عائلته، فهو سيترك بناته وأولاده وأباه وأمه، وهذه تعتبر مشكلة بالنسبة للصديق.
وهناك مشاكل أخرى أمام الرسول ﷺ، منها: أن قريشًا سوف تكتشف هجرته لا محالة إن آجلًا أو عاجلًا، فكيف يعطل المطاردة المشركة له؟ كيف يهرب منهم والكفار كلهم يعرفون أنه مسافر إلى المدينة المنورة، ويعرفون الاتجاه الذي يمشي فيه؟ ومنها: أنه كانت عنده أمانات كثيرة وضعها أهل مكة عنده، وكأنه مثل البنك بالنسبة لهم، كان يحفظ لهم أماناتهم وأموالهم، ومع أن أهل مكة مشركون ورافضون للإسلام، إلا أنهم لم يجدوا أحدًا في مستوى أمانة الرسول ﷺ، فكانوا يضعون أماناتهم عنده مع حربهم المستمرة له ﷺ، وهذا من أعاجيب الزمان! المهم أن هذه كانت مشاكل أمام الرسول ﷺ، وكان لابد أن يجد لها حلًا.
ذهب الرسول ﷺ إلى الصديق ﵁ في وقت الظهيرة؛ لأن شوارع مكة في ذلك الوقت تكون خالية، ولن يراه أحد إذا ذهب في هذا الوقت، كما أن الصديق لم يكن معتادًا مجيء الرسول ﷺ إليه في هذا الوقت، فيكون هذا أدعى للتخفي.
شيء آخر فكر فيه الرسول ﷺ: أن يكلف سيدنا علي بن أبي طالب ﵁ بمهمتين كبيرتين، المهمة الأولى: أن ينام في فراشه ﷺ في هذه الليلة، ويتغطى ببرده ﷺ، حتى إذا جاء المشركون ونظروا يرون شخصًا نائمًا ومغطى ببردة الرسول ﷺ، فيظنون أنه الرسول ﷺ، فيتأخرون في ملاحقة الرسول ﷺ.
المهمة الثانية: رد الأمانات إلى أصحابها، وبعد أن ينتهي من المهمتين يهاجر إلى المدينة المنورة وحده.
خرج الرسول ﷺ في الظهيرة إلى بيت الصديق ﵁، وزيادة في التخفي غطى رأسه ببعض الثياب، ووصل إلى بيت الصديق من دون أن يراه أحد، فاستغرب الصديق من مجيء الرسول ﷺ في هذا الوقت، وقال: فداه أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، والصديق إلى الآن لا يعلم أنه سيهاجر مع الرسول ﷺ، وأن الهجرة في هذا اليوم ليلًا، في نفس اليوم الذي جاء فيه الرسول ﷺ، فاستأذن الرسول ﷺ فأذن له أبو بكر، فدخل، فوجد مع أبي بكر أهله، فقال له: (أخرج من عندك، فقال الصديق: إنما هم أهلك، بأبي أنت يا رسول الله -يعني: لا تخف منهم- فقال الرسول ﷺ: فإني قد أذن لي في الخروج)، يعني: الهجرة.
وانظروا إلى أول رد فعل للصديق ﵁ وأرضاه، أول شيء كان يشغله أن يكون مع الرسول ﷺ، ولم يتخيل أن يبتعد عن الرسول ﷺ ولو للحظات، فقال أبو بكر عندما علم أن الرسول ﷺ سيهاجر: (الصحبة بأبي أنت يا رسول الله، فقال الرسول ﷺ: نعم، الصحبة).
فرح الصديق بصحبة رسول الله ﷺ في هذه الرحلة، ولم يتمالك نفسه من شدة الفرح، فبكى ﵁ وأرضاه، تقول السيدة عائشة ﵂: (فلم أكن أدري أن أحدًا يبكي من شدة الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي)، هذا مع الخطورة المعروفة في هذه الرحلة، لا شك أن الصديق ﵁ كان يقدر خطورة الموقف، وأنه سيكون من الم
[ ١٤ / ٤ ]
بنود خطة هجرة الرسول ﷺ وصاحبه الصديق ﵁
مكث الرسول ﷺ مع أبي بكر الصديق ﵁ يخططان لأمر الهجرة، فقد وضعا خطة بارعة متقنة، بذلا فيها كل طاقة وفكر، وعملا حسابهما لأشياء كثيرة.
أولًا: لن يبيت الرسول ﷺ في بيته هذه الليلة، وسيخرج من بيته في أول الليل، ويترك عليًا ﵁ وأرضاه نائمًا في سريره، ويجلس في بيت الصديق من أجل أن يتجنب الحصار الذي قد يفرض على بيته ﷺ، فهو يعلم أن موعد القتل الفجر، فيريد أن يترك البيت قبل الفجر، من أجل أن يفوت الفرصة على المشركين.
ثانيًا: سيبقى رسول الله ﷺ في بيت الصديق ﵁ وأرضاه جزءًا من الليل، يعني: لن يهاجرا مباشرة، وسينتظرا إلى أن تهدأ الحركة في مكة تمامًا، في ذلك الوقت سوف يأخذان الراحلتين وينطلقان من بيت الصديق ﵁.
ثالثًا: أنهما لن يخرجا من باب بيت الصديق بل من فتحة في خلف البيت لاحتمال وجود مراقبة على باب البيت؛ فقد يتوقعون هجرته معه، فهو الصاحب الأول للرسول ﷺ.
رابعًا: أن المدينة لها طريقان من مكة: الأول: معروف وسهل وقصير نسبيًا، والثاني: وعر وصعب وطويل وغير مألوف، ولا يعرفه الكثير من الناس، ففكر رسول الله ﷺ أن يهاجر من الطريق الصعب؛ طريق ساحل البحر الأحمر، نعم هو طويل وصعب، لكن لا يعرفه كثير من أهل مكة، فستكون فرصة الهجرة بأمان في هذا الطريق أكبر.
خامسًا: لابد أن يستأجرا دليلًا يكون معهما في هذه الرحلة الصعبة؛ لأن الطريق غير معروف؛ فالسفر في الصحراء أمر خطير، والدليل لابد أن تكون عنده خبرة وأمانة، وفي نفس الوقت لا يشك المشركون في أمره؛ ولذا فإن الرسول ﷺ والصديق اتفقا على دليل اسمه عبد الله بن أريقط، وهذا الدليل من المشركين، وكان هذا الفعل منهما في منتهى الذكاء؛ فإن المشركين لن يشكوا مطلقًا في أمره، كما أنه رجل أمين يكتم السر، وهو في النهاية صاحب مصلحة سوف يؤدي المهمة ويأخذ عليها الأجر، وأكيد أنه أجر مجزٍ.
سادسًا: قرر الرسول ﷺ أنه في أول الهجرة سيتجه نحو اليمن لا المدينة المنورة لمسافة خمسة أميال -يعني: (٨) كيلو متر- للتمويه؛ لأن المشركين إذا افتقدوا الرسول ﷺ، سيبحثون عنه في اتجاه المدينة وليس في اتجاه اليمن.
سابعًا: أنهما سيذهبان أولًا إلى غار ثور في جنوب مكة، وهو غار في جبل عال، والطريق إليه صعب جدًا، وسيمكثان فيه ثلاثة أيام، وبعد ذلك يتحركان إلى المدينة عندما يفقد أهل مكة الأمل في العثور عليهما، وكذلك سوف يتركان الراحلتين مع الدليل عبد الله بن أريقط، من أجل ألا يرى أحد الراحلتين بجانب الغار، وعبد الله بن أريقط سوف يقابلهما بعد ذلك عند الغار بعد ثلاثة أيام.
ثامنًا: يريد الرسول ﷺ أن يعلم الوضع في مكة، وتحركات زعماء مكة، فلابد من شخص يأتي لهم بالأخبار إلى الغار كل يوم ليعدلوا على حسبها الخطة لو حصل شيء مخالف للذي رتبوه، فاتفق الرسول ﷺ مع الصديق ﵁ أن الذي سيقوم بذلك هو عبد الله بن أبي بكر الصديق ﵄، فهو سيمكث في مكة طيلة النهار، ثم يأتي إلى الغار في أول الليل، ويجلس معهما في الغار ويخبرهما أخبار مكة، ثم يرجع إلى مكة قبل الفجر، ثم في الصباح الباكر يظهر نفسه للناس ويقف أمامهم ليروه؛ ليوهمهم أنه بات في مكة ولم يكن خارجها.
تاسعًا: سيقوم عامر بن فهيرة ﵁ مولى الصديق ﵁ وأرضاه بدور التغطية الأمنية لهذه العملية، فهو سيرعى الأغنام على آثار أقدام الرسول ﷺ وأقدام الصديق ﵁، وبعد ذلك فوق أقدام عبد الله بن أبي بكر ﵄، من أجل أن يضيع فرصة تتبع آثار الأقدام بقدر استطاعته، وهذا شيء في منتهى الروعة؛ مع أنهم مشوا في اتجاه الجنوب، ولكن كذلك أخذوا حذرهم في هذا.
عاشرًا: أن الذي سيحضر لهم الطعام والشراب فترة الثلاثة أيام في غار ثور السيدة أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، وكانت حاملًا وفي الشهور الأخيرة من حملها، وإن كان المشركون وضعوا مراقبة على أولاد الصديق الرجال، فمن الصعب أن يضعوها على النساء، كما أنهم لم يعتادوا من النساء أن تقوم بمثل هذه الأدوار، وتذكروا أننا نتكلم عما قبل (١٤٠٠) سنة سابقة، وتخيل معي كيف لامرأة حامل في شهورها الأخيرة تحمل الطعام والشراب وتسير به مسافة (٨) كيلو متر من مكة وحتى غار ثور، ثم تصعد الجبل الصعب، وتفعل ذلك ثلاثة أيام متواصلة! لكن لا تستغربوا، فإنها ابنة الصديق ﵁ وعنها.
[ ١٤ / ٥ ]
حصار المشركين لبيت الرسول ﷺ ليلة الهجرة وخروجه من بينهم سالمًا
عاد الرسول ﷺ إلى بيته وبدأ يجهز نفسه، ونادى عليًا ﵁، وكان في ذلك الوقت عمره (٢٣) سنة، وأخبره بدوره، وأنه سينام في سريره ﷺ طوال الليل، ويتغطى ببرد الرسول ﷺ الأخضر، وفي الصباح يعيد الأمانات لأصحابها.
انتظر الرسول ﷺ في البيت حتى الليل، ثم في أول الليل فكر بالخروج والذهاب إلى الصديق، فرأى أن المشركين قد أتوا مبكرين عن الموعد الذي كان يظنه، ورآهم يحاصرون البيت، وعشرات السيوف تحيط بالبيت، والقرار ليس الحبس أو المحاكمة، لقد صدر القرار بالقتل، وقد أتوا للتنفيذ مباشرة، فماذا يعمل الرسول ﷺ؟ وكيف يخرج؟ أتى جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ، وأخبره بأن يخرج من وسط المشركين، وأن يخرج أمام الناس كلهم، ولن يراك أحد منهم؛ فإن الله ﷿ سيأخذ أبصارهم، ستعمى الأبصار كما عميت قبل ذلك البصائر.
خرج الرسول ﷺ أمام كل الناس ليلة (٢٧) صفر سنة (١٤) من النبوة، خرج وهو يقرأ صدر سورة (يس) من أولها إلى قوله ﷿: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩]، وليس هذا فحسب، بل أخذ الرسول ﷺ حفنة من التراب، ووضع جزءًا منها على رأس كل مشرك؛ من أجل أن يقول لهم: لا تظنوا أنني قد بت خارج البيت، لا، أنا كنت بالداخل وخرجت أمامكم وأنتم لم تروني.
كان من الممكن أن يخرج الرسول ﷺ قبل أن يأتي المشركون، لكن هذا الذي حصل كان لإثبات أن الأمر كله بيد الله ﷿، وأنه بدون توفيق الله ﷿ لا يتم أمر من الأمور، وظهرت المعجزة الظاهرة الواضحة في نصرة الله لرسوله ﷺ.
وصل الرسول ﷺ إلى بيت الصديق ﵁، وجلس عنده حتى نصف الليل حسب الخطة، وبعد ذلك خرجا من الباب الخلفي للبيت، وتسللا من مكة، واتجها جنوبًا إلى غار ثور، وعندما وصلا إلى الغار دخل الصديق ﵁ وأرضاه إلى الغار أولًا، وعمل عملية استكشافية؛ ليطمئن أنه لا خطر فيه، وعندما اطمأن دخل الرسول ﷺ، وبهذا يكون هذا الجزء من الخطة مر بسلام والحمد لله.
هذا ما كان في الغار، أما عند بيت الرسول ﷺ فما زال المشركون على هيئتهم وعلى رءوسهم التراب، وعلي ﵁ مازال نائمًا بداخل البيت، وهم على حالتهم مر عليهم رجل مشرك ووجد على رأس كل رجل حفنة تراب، فاستغرب من شكلهم، فقال: ماذا تنتظرون هنا؟ قالوا: محمدًا قال: خيبكم الله، قد -والله- خرج عليكم.
فانزعجوا وتساءلوا، قبل قليل كان نائمًا، ونحن نراه بالداخل وهو نائم وعليه برده، وبعد ذلك وجدوا التراب على رءوسهم، وليس واحدًا أو اثنين، بل كلهم على رءوسهم التراب، فقام المشركون ونظروا من ثقب الباب، فرأوا رجلًا نائمًا بالداخل وعليه البرد الأخضر، فتحير القوم، وقالوا: والله إنه لنائم، فهل يصدقون ذلك الرجل الذي قال لهم: إنه قد خرج عليكم، والتراب الذي رأوه على رءوسهم، أم يصدقون أعينهم؟ فأراد شخص منهم أن يريح الجميع، قال: لنكسر الباب ونرى من النائم بالداخل، لكن معظم الكفار اعترضوا؛ وقالوا: والله إنها لسبة في العرب أن يتحدث عنا أنا تسورنا الحيطان على بنات العم، وهتكنا ستر حرمتنا، كفار مكة لا يهتكون ستر البيوت، ولا يقتحمون حرمات الديار، لا يدخلون بيتًا بغير إذن أهله! انتظر المشركون إلى الصباح ولم يستطيعوا الدخول إلى بيت الرسول ﷺ؛ حتى لا يلحقهم العيب، وبعد قليل إذا هم بـ علي ﵁ وأرضاه قام من الفراش، كان المشركون حينها في منتهى الغيظ، فأمسكوا بسيدنا علي بن أبي طالب وضربوه ضربًا شديدًا ﵁، وأخذوه إلى البيت الحرام ليحققوا معه، وحبسوه هناك، ومع كل هذا الضرب إلا أنه لم يجب عليهم، ومع كونه فارسًا مغوارًا وكان عمره في ذلك الوقت (٢٣) سنة إلا أنه لم يقاتلهم، وذلك لأمور: أولًا: لم يؤذن بعد للمسلمين بالقتال إلى هذه اللحظة.
ثانيًا: الهلكة محققة لغياب كل المسلمين، ولن يدافع عنه أحد، واجتماع كل المشركين على بني هاشم يصعب الأمر أكثر.
ثالثًا: أن عليه مهمة عظيمة وهي رد الأمانات إلى أهلها، فلابد أن يحافظ على نفسه حتى يؤديها؛ من أجل ذلك لم يرد عليهم حكمة وفقهًا من علي ﵁.
حبس سيدنا علي ساعة من الزمن، لا شهر ولا سنة ولا سنتين؛ لأن كفار مكة رأوا أن من الظلم أن يحبس إنسان بدون جريرة أو بدون ذنب أكثر من ساعة، ففي عرفهم أن الساعة كثيرة جدًا.
مكث علي ﵁ وأرضاه بعد ذلك في مكة ثلاثة أيام يرد الأمانات إلى أهلها، ثم هاجر مباشرة إلى المدينة المنورة.
[ ١٤ / ٦ ]
جهود قريش في البحث عن الرسول ﷺ وأبي بكر بعد خروجهما من مكة مهاجرين
اكتشف زعماء مكة خروج الرسول ﷺ، فأعلنوا حالة الطوارئ القصوى في مكة، وأخذوا مجموعة من القرارات: القرار الأول: مداهمة منزل أبي بكر الصديق ﵁ المتهم بصحبة زعيم المسلمين رسول الله ﷺ، فلعل الرسول ﷺ مختف في بيته، أو أن الصديق يعرف أخبار الرسول ﷺ، وقام بهذه المهمة أبو جهل بنفسه، أخذ معه فرقة وذهب إلى بيت الصديق، وظل يطرق الباب بعنف، ففتحت له السيدة أسماء ﵂، فقال لها: أين أبوك يا ابنة أبي بكر، قالت في هدوء: لا أدري، فرفع أبو جهل يده ولطم خدها حتى طار قرطها.
هذا تجاوز كبير في أعراف مكة، أن رجلًا يضرب امرأة بهذه الصورة، ومع كل هذا التجاوز إلا أن أبا جهل لم يفكر أن يدخل البيت ويقلبه رأسًا على عقب، لم يفكر أن يدخل يبحث على أي دليل، مع خطورة هجرة الرسول ﷺ.
ولماذا لم يدخل؟ تذكروا أن زعماء مكة لا يهتكون حرمات البيوت.
إذًا: الرسول ﷺ ليس في بيت الصديق؛ لذا يجوز أن يكون في بيت آخر من بيوت أصحابه، من أجل ذلك أخذوا القرار الثاني.
القرار الثاني: إحكام المراقبة المسلحة على كل مداخل ومخارج مكة، فإذا كان ما زال داخل مكة أمسكوا به وهو خارج منها.
القرار الثالث: مطلوب حيًا أو ميتًا، إعلان عن جائزة كبرى لمن يأتي برسول ﷺ أو صاحبه الصديق ﵁، والجائزة مائة ناقة، وهذا رقم مهول في ذلك الزمن، ميزانيات ضخمة تنفق لصد الدعوة، ولوقف الدعوة إلى الله ﷿.
القرار الرابع: المطاردة، استخدام قصاص الأثر لمحاولة تتبع آثار الأقدام لرسول ﷺ، استخدموا قصاص الأثر في كل الطرق الخارجة من مكة، وفي الحقيقة أن الكفار كانوا في منتهى الذكاء؛ درسوا كل المخارج بما فيها المخارج الجنوبية البعيدة عن طريق المدينة، ومع كل طرق التأمين التي كانت في خطة الرسول ﷺ، ومع كون الخطة بارعة، إلا أنه ليس من طابع الخطط البشرية أن تصل إلى حد الكمال، فلابد من وجود ثغرات؛ لذا اكتشف القصاصون الطريق الذي سار فيه الرسول ﷺ وصاحبه، ووصلوا إلى الجبل الصعب الذي بداخله غار ثور، وصعدوا الجبل ووصلوا إلى باب غار ثور، ولم يبق لهم إلا أن ينظروا إلى داخل الغار، ولو نظروا إلى داخله سيرون الرسول ﷺ والصديق ﵁.
كان الرسول ﷺ في داخل الغار في سكينة تامة، لكن الصديق ﵁ كان قلقًا، يقول الصديق ﵁: (يا رسول الله! لو أن بعضهم طأطأ بصره لرآنا، فيرد عليه ﷺ فيقول: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما)، إحساس بمعية الله في كل خطوة، والصديق لم يكن خائفًا على نفسه، بل خاف على الرسول ﷺ، ففي بعض الروايات أن الصديق قال للرسول ﷺ: (يا رسول الله! إن قتلت أنا فإنما أنا رجل واحد، وإن قتلت أنت هلكت الأمة).
ماذا فعل المشركون وهم على باب غار ثور؟ يعني: بعدما قطعوا هذا المشوار الطويل (٨) كيلو من الصحراء والجبال والشمس والمشقة، وآثار الأقدام منتهية عند فتحة باب الغار، كان من العقل أن ينظروا ما في الداخل، لكنهم لم ينظروا، كم كانت ستأخذ هذه النظرة لو نظروها؟ لكن (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما).
هناك قصة مشهورة أن العنكبوت نسجت خيطًا كثيفًا على باب الغار، وقال الكفار: لو دخل من ها هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، وهذه القصة ضعيفة من كل طرقها، وإن كان بعض العلماء رفع درجة القصة إلى الحسن لكثرة الطرق، كذلك قصة الحمامتين وقصة الشجرة التي نبتت على باب الغار قصص ضعيفة لا تصح أصلًا، وحتى لو لم تصح قصة نسج العنكبوت فهذا إعجاز أيضًا، وإلا كيف تفسر أن الغار يكون مفتوحًا والآثار وصلت إليه، والكفار لا ينظرون إلى داخله.
هذه معجزة ظاهرة! وليست هي المعجزة الأولى في حياة الرسول ﷺ ولا الأخيرة، فحياته كلها معجزات ﷺ.
فشلت المطاردة ورجع الكفار إلى مكة مرة أخرى وقد يئسوا من العثور على رسول الله ﷺ وعلى الصديق ﵁، لكن مازالت المكافأة معلنة مائة ناقة لمن يعثر على أحدهما حيًا أو ميتًا.
مكث الرسول ﷺ في الغار ثلاثة أيام كما كان مقررًا في الخطة، وعبد الله بن أبي بكر وعامر بن فهيرة وأسماء بنت أبي بكر ﵃ أجمعين كل واحد منهم يقوم بدوره، ومرت الثلاثة الأيام، وجاء الدليل عبد الله بن أريقط بالناقت
[ ١٤ / ٧ ]
مطاردة سراقة بن مالك للرسول ﷺ ومن معه أثناء الهجرة
رأى بعض المشركين القافلة وجاءوا إلى مكة يخبرونهم الخبر، فلعل الركب هم محمد ﷺ وأصحابه، فسمعهم سراقة بن مالك، وكان سراقة بن مالك يفكر في المائة الناقة التي هي لكل واحد من الاثنين، فخدع الناس، وقال لهم: هذا فلان وفلان أعرفهما، ومباشرة جهز فرسه وسلاحه وانطلق ليفوز بالجائزة الكبرى، واستطاع أن يصل إليهم، واقترب منهم، حتى إنه كان يسمع قراءة رسول الله ﷺ للقرآن، وكان رسول الله ﷺ لا يلتفت -كما يقول سراقة كما جاء في البخاري - وأبو بكر يكثر الالتفات من خوفه على رسول الله ﷺ، وعندما اقترب منهم حدثت المعجزة وبدأت الفرس تسيخ في الأرض مرة وثانية وثالثة، وعلم سراقة أن هناك شيئًا غريبًا، يقول: فأدركت أن القوم ممنوعون.
فاقترب منهم وقد سألهم الأمان، وذكر لهم أمر المكافأة التي جعلتها قريش فيهم، فقال له رسول الله ﷺ: (أخف عنا)، وبعد ذلك قال له شيء في منتهى الغرابة، قال: (كأني بك يا سراقة تلبس سواري كسرى)، في هذا الموقف الصعب الذي يطارد فيه من أهل الأرض يبشر سراقة بانهيار عرش كسرى، وأنه سيأتي يوم يأخذ فيه المسلمون سواري كسرى غنيمة، وفي ذلك الوقت سراقة هو الذي سيأخذ هذين السوارين، وسراقة كان يصدق بهذا تمامًا، إلى درجة أنه طلب من الرسول ﷺ أن يكتب له كتابًا بهذا الأمر، حتى إذا مات الرسول ﷺ قبل هذا الشيء فسيكون معه الدليل الذي يأخذ به السوارين، فأمر الرسول ﷺ عامر بن فهيرة أن يكتب له كتابًا، فكتب له على رقة من جلد، وعاد سراقة يبعد الناس عن طريق رسول الله ﷺ، ويقول لهم: قد كفيتكم هذا الطريق.
كان أول اليوم جاهدًا في مطاردة الرسول ﷺ، وفي آخر اليوم كان مدافعًا عنه، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]، والغريب أيضًا أن سراقة مع إحساسه بصدق الرسول ﷺ إلا أنه لم يسلم إلا بعد فتح مكة وحنين، ومرت الأيام وفتحت بلاد فارس وجاءت الغنائم في عهد عمر بن الخطاب وفيها سواري كسرى، فأخرج سراقة كتاب رسول الله ﷺ وسلمه لـ عمر ﵁، فأعطاه عمر ﵁ سواري كسرى تنفيذًا لوعد رسول الله ﷺ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
[ ١٤ / ٨ ]
خروج بريدة بن الحصيب ومن معه لمطاردة الرسول ﷺ أثناء الهجرة
لم تحصل مشاكل أخرى في الطريق إلا قبل المدينة المنورة، فقد فوجئ الرسول ﷺ برجل اسمه بريدة بن الحصيب زعيم قبيلة أسلم، وقد خرج له في (٧٠) من قومه، يريد المكافأة، ومع خطورة الموقف إلا أن الرسول ﷺ لم يفقد أعصابه مطلقًا، بل بدأ يعرض الإسلام على بريدة وعلى قومه، وسبحان مقلب القلوب! وقعت كلمات الله ﷿ في قلب بريدة وأصحابه، فآمنوا جميعًا في لحظة واحدة، فالرسول ﷺ مكث سنين في مكة من أجل أن يأتي بهذا العدد (٧٠)، وفي لحظة واحدة يؤمنون، الله ﷿ يخبرنا أن القلوب بيديه هو ﷾، يستطيع أن ينصرك في الوقت الذي يريده، لكن المهم أنك تعمل كما كان يعمل الرسول ﷺ.
هناك أحداث أخرى كثيرة وهامة وعظيمة ولطيفة في الهجرة، لكن المقام لا يتسع لها، وقد ذكرنا كثيرًا من ذلك في محاضرات: الصديق الصاحب والخليل، فلا داعي للتكرار.
وصل رسول الله ﷺ إلى المدينة المنورة سالمًا، وكان ذلك في يوم (١٢) من ربيع الأول سنة (١٤) من النبوة، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة وهامة في الدعوة الإسلامية، وهي مرحلة إنشاء الدولة الإسلامية في المدينة المنورة.
[ ١٤ / ٩ ]
دروس من الهجرة النبوية
دروس الهجرة لا تحصى ولا تعد، لكننا سنختار بعضًا منها، وبالذات الدروس التي لها علاقة ببناء الأمة الإسلامية.
الدرس الأول: الأخذ بالأسباب، بذل الرسول ﷺ وصاحبه الصديق ﵁ كل ما في الطاقة لإنجاح عملية الهجرة، وهذا هو الإعداد المطلوب من المؤمنين، أن يعدوا كل ما يستطيعون، وليس مطلوبًا منهم أكثر من هذا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]، لكن نلاحظ كذلك أنه مع هذا الإعداد العظيم إلا أنه حدثت بعض الثغرات في الخطة، وهذا شيء خارج عن حدود البشر؛ إذ الكمال لله وحده.
منها: أن المشركين حاصروا بيت الرسول ﷺ قبل خروجه، مع أن التخطيط أنه يخرج قبل الحصار، لكنهم أتوا قبل موعدهم الذي ظنه الرسول ﷺ.
ومنها: أن أحد المشركين رأى الرسول ﷺ بعدما خرج، وقال لزعماء مكة: لقد خرج عليكم محمد.
أيضًا: المشركون وصلوا إلى غار ثور مع كل الاحتياطات التي أخذها الرسول ﷺ، وسراقة لحق بالرسول ﷺ في الطريق.
فمثل هذه الثغرات لابد أن تحصل، لكن المهم أنك بذلت الوسع في الإعداد، وكذلك لو أنك بذلت الاستطاعة فإن الله ﷾ يكمل العجز البشري، مثل ما حدث للكفار وحصل لهم عمى مؤقت أمام بيت الرسول ﷺ، وكذلك لم يدخلوا الغار بعدما وصلوا إلى بابه، وخيل سراقة لا تستطيع المشي في الرمال، أشياء لم تكن في الحسبان، فالله ﷿ يعطيك هدية لو أنك بذلت وسعك.
إذًا: الدرس الأول: أن تبذل الوسع والله ﷿ سيكمل لك العجز من رحمته وكرمه ﷾.
الدرس الثاني: لم يعتمد الرسول ﷺ على الأسباب وترك رب الأسباب، إنما كان يعلم أن الأسباب لا تأتي بنتائجها إلا إذا أراد الله ﷿، ولذلك بعد أن بذل أسبابه كاملة تحلى بقين عظيم، يقين أن ما أراده الله ﷿ سيكون حتمًا، ظهر ذلك في كلمته الرائعة: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما)، وظهر أيضًا في أنه لم يكن يكثر الالتفات في طريقه، فهو مطمئن إلى أن الله ﷿ سينصر رسله والذين آمنوا، ومن غير هذا اليقين لا أعتقد أن بناء الأمة سيحصل، أو أن أي نصر ممكن أن يتحقق، لابد من يقين بنصر الله ﷿.
الدرس الثالث: لم يفقد رسول الله ﷺ روح الأمل في أي لحظة من لحظات حياته، حتى في هذه الرحلة الخطيرة، وهو يخرج من مكة بهذه الطريقة، وهو مطلوب لا يأمن على حياته ولا على حياة أصحابه، حتى في هذه الظروف يبشر سراقة ليس فقط بظهور الإسلام على قريش أو على العرب، بل وبسقوط عرش كسرى تحت أقدام المسلمين، وأخذ كنوز كسرى غنيمة: (كأني بك يا سراقة تلبس سواري كسرى).
الدرس الرابع: حرص الرسول ﷺ في كل مراحل حياته على الصحبة، عاش حياته في مكة بصحبة، وخرج إلى الطائف بصحبة، وقابل الوفود بصحبة، وعقد البيعة التي بنيت عليها دولة الإسلام بصحبة، وها هو يسأل جبريل ﵇ عن صاحبه في الهجرة، كل هذا وهو رسول الله ﷺ، وكل الناس تحتاج إلى صحبة، ويعلمنا رسول الله ﷺ أن نبحث عن الصحبة الصالحة.
الدرس الخامس: وضح لنا وظهر في هذه الرحلة كيف أن القائد العظيم هو الذي يعيش معاناة شعبه، يهاجر كما يهاجرون، ويطارد كما يطاردون، ويتعب كما يتعبون، ويعيش معهم حياتهم بكل ما فيها من آلام وتضحيات، كان من الممكن أن ربنا ﷾ ينقل الرسول ﷺ من مكة إلى المدينة بالبراق الذي نقله قبل ذلك في لحظة واحدة من مكة إلى بيت المقدس، لكن أين القدوة في ذلك؟ لابد للمسلمين من طريق عملي لبناء الأمة، طريق في مقدور عموم المسلمين، ولابد أن يسير في هذا الطريق رسول ﷺ رغم كل المعاناة والتعب؛ ليعطي قدوة لكل قائد.
الدرس السادس: رأينا كيف أن الدعوة في دم رسول الله ﷺ، كانت مثل النفس عند عموم البشر، لا يضيع فرصة، لا يرتبط بظرف، يدعو كل من يستطيع، رأيناه كيف دعا إلى الإسلام بريدة وأصحابه من قبيلة أسلم، لم يكن همه الهروب حتى يصل إلى المدينة، بل اعتبر أن الله ﷿ قد ساق إليه هذا الرجل وقومه هدية من الله ﷿، فتخيلوا فكيف يضيع فرصة مثل هذه، دعا بريدة وأسلم بريدة، وتغير حال بريدة وقبيلة أسلم كلها بعد هذا الإسلام، فانظروا إلى فضل الدعوة.
الدرس السابع: رأينا في هذه الرحلة استعداد الصديق ﵁ وأرضاه للعمل لله ﷿ تحت أي ظرف وفي كل زمان ومكان، القضية في منتهى الوضوح عند الصديق، أهم شيء في حياة الصديق ﵁ هو أن يرضي الله ﷿، وأن يرضي رسوله الكريم ﷺ، لا ينبغي أن يطلبه الله عز
[ ١٤ / ١٠ ]
الملامح العامة لبناء الأمة في الفترة المكية
تمت مرحلة هامة من مراحل السيرة النبوة بالهجرة إلى المدينة، تمت المرحلة المكية بكل أحداثها وآلامها ومشاكلها، مرحلة ذات طابع خاص بدأ الإسلام فيها غريبًا، واستمر غريبًا إلى قرب نهايتها إلى أن آمن الأنصار.
كان الاهتمام الرئيسي لرسول الله ﷺ في هذه المرحلة أن يبني الجانب العقائدي عند الصحابة؛ لا يؤمنون إلا بالله ﷿، لا يتوجهون بالعبادة لأحد سواه، يتوكلون عليه، ينيبون إليه، يخافون عذابه، يرجون رحمته؛ إنه إيمان عميق برب العالمين ﷾، واعتقاد جازم بأن هناك يومًا سيبعث فيه الخلائق أجمعون، وسيقوم فيه الناس لرب العالمين، يحاسبون على ما يعملون، لن يظلم في ذلك اليوم أحد، لن تغفل الذرة والقطمير، وإنها -والله- إما جنة أبدًا أو نار أبدًا.
وإلى جانب العقيدة الراسخة فقد تعلم المؤمنون في هذه المرحلة أيضًا الأخلاق الحميدة؛ هذبت نفوسهم تمامًا، ارتفعوا عن قيم الأرض وأخلاق الأرض وطبائع الأرض إلى قيم السماء وأخلاق السماء وطبائع السماء.
وبالإضافة إلى العقيدة والأخلاق عرف المؤمنون في هذه المرحلة أن الطريق الطبيعي للجنة طريق شاق صعب مليء بالابتلاءات والاختبارات، ما تنتهي من امتحان إلا وهناك امتحان آخر، والله ﷿ يراقب العباد، يراقبهم في صبرهم ومصابرتهم وجهادهم، ولن يستثنى من هذا الاختبار أحد (يبتلى المرء على قدر دينه).
ومع كون هذه المرحلة بكاملها كانت عبارة عن فقرات مختلفة من الإيذاء والتعذيب سواء على الروح أو الجسد، إلا أنها كانت لا تخلو من سعادة، لكن ليست السعادة المادية الحسية التي يجدها الناس في طعام أو شراب أو شهوة، لا، إنما هي سعادة الروح والقلب، سعادة الطاعة لله ﷿، سعادة الصحبة لرسول الله ﷺ، سعادة الصلاة ومناجاة الله ﷿، سعادة الأخوة والألفة بين المؤمنين، سعادة الدعوة إلى الله ﷿، سعادة كبيرة عندما ترى شخصًا كان يسجد لصنم، حياته تافهة حقيرة لا تساوي شيئًا، وفجأة تحول إلى عملاق من عمالقة الأرض، أي عقل وأي حكمة وأي شجاعة وأي أخلاق! سعادة عظيمة فعلًا، سعادة الثبات أمام كل فتن الدنيا، سواء كانت فتنًا في الجسد أو الهجرة أو الإغراءات بالمال أو بالسلطة أو بالنساء أو غيرها من الفتن.
والثبات أمام الفتن لا شك أنه يزرع سعادة في قلوب المؤمنين.
لقد كانت الفترة المكية بمثابة الأساس المتين للصرح الإسلامي الهائل، من المستحيل أن يجتاز المسلمون خطوات كبدر والأحزاب وخيبر وتبوك دون المرور على فترة مكة، من المستحيل أن تبني أمة صالحة، أو تنشئ دولة قوية، أو تخوض جهادًا ناجحًا، أو تثبت في ميادين القتال والنزال، أو تقف بصلابة أمام فتن الدنيا المختلفة، من المستحيل أن تفعل كل ذلك إلا بعد أن تعيش في فترة مكة بكل أبعادها.
على الدعاة المخلصين أن يدرسوا هذه المرحلة بعمق، عليهم أن يقفوا أمام كل حدث، قصر وقته أو صغر حجمه، لابد أن يقفوا أمامه وقوفًا طويلًا طويلًا، هنا البداية التي لابد أن نبدأ منها، بغير مكة لن تكون هناك المدينة، وبغير المهاجرين لن يكون هناك أنصار، وبغير الإيمان والأخلاق والصبر على البلاء لن تكون هناك أمة ودولة وسيادة وتمكين.
كانت هذه هي فترة مكة الجميلة؛ لأنها تحكي قصة رسول الله ﷺ، ومازالت لنا جولات مع فترة جميلة أيضًا من فترات حياة رسول ﷺ، تلك هي فترة المدينة المنورة.
نسأل الله ﷿ أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يجمعنا مع حبيبه وحبيبنا محمد ﷺ في أعلى عليين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤].
وجزاكم الله خيرًا كثيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ١٤ / ١١ ]