تمت أعمال الدعوة وإبلاغ الرسالة، وبناء مجتمع جديد، وشعر ﷺ أن مقامه في الدنيا قد أوشك على النهاية، وشاء الله أن يري رسوله ﷺ ثمار دعوته التي عانى في سبيلها ألوانًا من المتاعب ثلاثة وعشرين عامًا، فاجتمع بأفراد قبائل العرب وممثليها في حجة الوداع، ليأخذوا منه شرائع الدين وأحكامه، وليشهدوا له أنه أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة.
[ ٤٥ / ١ ]
حجة الوداع
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس السابع عشر من دروس السيرة النبوية: العهد المدني: فترة الفتح والتمكين.
في الدرس السابق تعرفنا على النتائج العظيمة لغزوة تبوك ورأينا قدوم الوفود الكثيرة إلى المدينة المنورة لتعلن إسلامها بين يدي رسول الله ﷺ، لكن لكل شيء نهاية، ولكل أجل كتاب، ولكل قصة خاتمة، وكثيرًا ما نرى أن عمر الإنسان ينتهي دون أن يرى حلمه يتحقق، أو دون أن يشاهد خطة تنجح، لكن من سعادة الإنسان حقًا أن يطيل الله ﷿ في عمره حتى يرى ثمار عمله، ونتيجة جهده، فيسعد لذلك أيما سعد، ويشعر أن تعب السنين لم يذهب هباء منثورًا، نعم، لا يشترط للإنسان المخلص أن يرى نتيجة كده وتعبه، ولكن لا شك أنها نعمة من الله ﷿ ومنة عظيمة لا تقدر بثمن.
وقد عاش الرسول ﵊ حتى رأى الجزيرة العربية بكاملها تقريبًا تدخل في الإسلام، وتقر به، بعد حرب ضروس، بعد مقاومة عنيفة شديدة، ها قد دخل الناس في دين الله أفواجًا، ها قد مكن للإسلام وارتفعت راية التوحيد في كل مكان، ها قد عادت الكعبة المشرفة إلى حقيقتها، صارت كما كانت أيام إبراهيم ﵊ يوحد فيها الله ﷿، ولا يشرك به أحد أبدًا.
لا أستطيع وصف سعادة الرسول ﵊ الصلاة والسلام بكل هذا الخير.
وكان الرسول ﵊ يسعد إذا رأى رجلًا واحدًا يؤمن، كان يقول: (لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حمر النعم).
فها هو الآن لا يرى رجلًا ولا رجالًا يؤمنون، بل يرى الجموع الغفيرة والقبائل العظيمة والبلاد الكثيرة تدخل في دين الله أفواجًا.
فهذا التمكين يحمل معنى آخر لرسول الله ﷺ ولعموم المسلمين وهو أن مهمة الرسول ﷺ قد أشرفت على الانتهاء، ومهمة الرسول ﵊ كانت البلاغ، وها قد تحققت مهمته على الوجه الأكمل، ووصلت رسالته بيضاء نقية إلى كل الجزيرة العربية، بل وتجاوزت ذلك إلى ممالك العالم القديم، ووصلت الدعوة إلى فارس والروم ومصر واليمن والبحرين وعمان وغيرها، واكتملت كل بنود الشرع الحكيم.
وإذا كان قد حدث ذلك فمعناه: أن حياة رسول الله ﷺ قد قاربت هي الأخرى على الانتهاء.
ومع كل الألم الذي يصاحب النفس عند تصور ذلك، إلا أن الواقع يخبر أن لكل شيء نهاية، ولكل أجل كتابًا، ولكل قصة خاتمة.
ففي أواخر العام العاشر من الهجرة كان واضحًا لرسول الله ﷺ ولصحابته أن أجل الحبيب ﷺ قد اقترب، ومن رحمة رب العالمين ﷾ أنه مهد لهذا الموت بأحداث ومواقف وبعبارات كثيرة؛ وذلك ليهون على المسلمين مصابهم الفادح، ففتح مكة وإسلام هوازن وثقيف وقدوم الوفود تلو الوفود على المدينة المنورة كل ذلك علامة من علامات اقتراب الأجل، وأن المهمة قاربت على الانتهاء.
كذلك في شهر رمضان من السنة العاشرة من الهجرة اعتكف ﷺ عشرين يومًا بدلًا من عشرة أيام كان معتادًا عليها، كل هذا كان تمهيدًا لأمته أنه سيعتزلها ويبتعد عنها مدة أطول من المدة المعتادة، سيأتي وقت يبعد عنها بجسده تمامًا، وإن كان سيظل بروحه وسنته وأقواله وأفعاله وتوجيهاته معهم إلى يوم القيامة.
وفي شهر رمضان أيضًا راجعه جبريل ﵇ القرآن مرتين، بدلًا من مرة واحدة.
وفي شهر شوال توفي ابنه إبراهيم ﵇، ومع أن البعض كان يتمنى أن لو بقي شيء من عقبه ﷺ ليذكرنا به، لكن هذه حكمة ورحمة من رب العالمين ﷾، فنحن رأينا مغالاة الشيعة في أحفاد الرسول ﷺ من ابنته فاطمة ﵂ وأرضاها، ما بالك لو عاش له ولد، وكان له عقب ينتهي نسبهم إلى محمد ﷺ، لا شك أنها كانت ستتحول إلى فتنة عصمنا الله منها، ولله الحمد والمنة.
أيضًا في هذه الأيام بعث ﷺ معاذ بن جبل ﵁ وأرضاه إلى اليمن، وقال له: يا معاذ إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا، أو لعلك أن تمر بمسجدي هذا أو قبري.
هذه إشارات في منتهى الوضوح إلى أن أجله ﷺ قد اقترب.
وفي شهر ذي القعدة من نفس السنة العاشرة بدأ ﷺ في الاستعداد للقيام بالحج، للمرة الأولى والأخيرة في حياته ﷺ، وهي الحجة التي عرفت في التاريخ بحجة الوداع.
ودعا إليها القبائل المختلفة من كل أنحاء الجزيرة العربية، وتجاوز المسلمون الذين حضروا هذه الحجة مائة ألف مسلم، وذكر بعض الرواة أن عدد المسلمين في هذه الحجة كان يزيد على (١٤٠٠٠) من المس
[ ٤٥ / ٢ ]
وصايا الرسول ﷺ في خطبه في حجة الوداع
كانت حجة الوداع من أهم المعسكرات الإيمانية التي عاشها الصحابة ﵃ وأرضاهم مع الرسول ﵊ لعدة أيام، ومن أسعد اللحظات، فقد علمهم وأدبهم وأرشدهم ووضح لهم الطريق وبين لهم المعالم فيها، فهذه الحجة لم تكن مجرد أداء لفريضة، بل وضعت فيها وبوضوح القواعد التي عليها تبنى الأمة الإسلامية، والأمور التي بها تحافظ الأمة الممكنة على تمكينها في الأرض.
وخطب الرسول ﵊ في هذه الحجة ثلاث خطب، في ثلاثة مواضع مختلفة، في هذه الخطب بصر ﷺ الأمة التي كتب الله ﷿ لها التمكين بما يحفظ لها هذا التمكين ويقويه، وهذه الحجة العظيمة، تحتاج إلى دراسة خاصة، وإلى تفريغ جهد ووقت، لعل في هذه المحاضرات لا يتسع الوقت لتحليل حجة الوداع، وسنفرد إن شاء الله لها محاضرة خاصة أو محاضرتين، نتحدث فيهما عن الدروس المستفادة والقواعد الهامة المستنبطة من هذه الحجة العظيمة.
لكن في هذا الدرس سنمر سريعًا على بعض الوصايا التي حرص ﷺ أن يوجهها إلى أمته.
الوصية الأولى: دستور المسلمين هو الكتاب والسنة، والاعتصام بهما يحمي من الضلال ويحفظ الأمة، ويقود إلى الجنة، يقول ﷺ: (وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا بعدي أبدًا، كتاب الله وسنتي).
الوصية الثانية: الوحدة بين المسلمين على أساس الدين والعقيدة، لا على أساس العرق والعنصر، يقول ﷺ: (تعلمون أن كل مسلم أخ للمسلم).
ويقول: (يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى).
الوصية الثالثة: العدل، والعدل المطلق، فلا تقوم أمة ولا تستمر وهي ظالمة، مع وصية خاصة بالنساء، فقال ﷺ: (أيها الناس إن لكم على نسائكم حقًا، ولهن عليكم حقًا).
الوصية الرابعة: التحذير من الذنوب، والتنبيه على أن ما يحتقره العبد من الذنوب قد يؤدي إلى هلكته، والتحذير من الشيطان، قال ﷺ: (ألا إن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدًا، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم، فسيرضى به، فاحذروه على دينكم).
الوصية الخامسة: أن الاقتصاد الإسلامي ليس فيه مشروعية للربا، يقول ﷺ: (ألا وإن ربا الجاهلية موضوع).
وفي رواية يقول: (قضى الله أنه لا ربا).
هكذا وضع ربا الجاهلية جميعها.
الوصية السادسة: البلاغ، مهمة هذه الأمة البلاغ، وأن تحمل رسالة رب العالمين ﷾ إلى العالمين، قال ﷺ: (فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع).
وأكثر ﷺ من قوله: (ألا هل بلغت، اللهم فاشهد، ألا هل بلغت اللهم فاشهد).
إذًا: مهمة الأمة الإسلامية: أن تحمل الرسالة إلى كل العالم.
الوصية السابعة: تأصيل مبدأ التيسير في الدين، وأن الشريعة كلها يسر، فقد أكثر ﷺ في هذه الحجة من قوله: (لا حرج، لا حرج، افعل ولا حرج، افعل ولا حرج).
وليت المسلمين يفقهون طبيعة هذا الدين، إن طبيعة هذا الدين هي اليسر: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه).
الوصية الثامنة: السمع والطاعة لأمير المسلمين ما دام يحكم بكتاب الله ﷿، قال ﷺ: (اسمعوا وأطيعوا، وإن أمر عليكم عبد حبشي، ما أقام فيكم كتاب الله ﷿).
الوصية التاسعة: أن الشرع يطبق على الحاكم كما يطبق المحكومين، ليس هناك استثناء أمام القانون قال ﷺ (ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب).
ابن ابن عم رسول الله ﷺ.
وقال عن الربا: (وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله).
إذًا: تطبق الشريعة على الرسول ﷺ نفسه، وهو زعيم هذه الأمة، وعلى عموم الشعب بكامله ليس هناك استثناء.
الوصية العاشرة: على الدولة الصالحة أن تأخذ بيد شعبها إلى الجنة، وليس فقط أن توفر لهم سبل المعاش المريح، والحياة الرغيدة، قال ﷺ: (وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت).
الدولة العلمانية لا تنظر مطلقًا إلى هذه النقطة، فليذهب الشعب إلى الجحيم إن أراد ذلك، المهم عندها قيم في الدنيا، لكن الدولة الإسلامية لا تنظر للشعب هذه النظرة الآنية السطحية التافهة، وإنما وظيفتها الأولى أن تسعى حثيثًا لهداية الناس إلى رب دين العالمين ﷾، ومن أدوارها أن تدعو شعبها بل وتدعو العالم كله إلى دخول الجنة، فتلك عشر كاملة.
لا شك أن كل وصية من هذه الوصايا تحت
[ ٤٥ / ٣ ]
رجوع الرسول ﷺ من حجة الوداع وتجهيزه جيش أسامة
بعد هذه الحجة رجع الرسول ﵊ إلى المدينة المنورة، ومكث فيها بقية ذي الحجة والمحرم وصفر من السنة الحادية عشرة للهجرة، وفي شهر صفر بدأ الرسول ﵊ في إعداد بعث حربي جديد للشام، لقتال الرومان؛ لأن الرومان قتلوا والي معان عندما أسلم، فكان لا بد من رد حاسم، وهذا هو الإعداد الثالث لمجابهة الدولة الرومانية العظمى: الأول: كان في مؤتة، والثاني: كان في تبوك، والثالث: بعث جيش أسامة بن زيد هذا.
وأمر ﷺ على هذا البعث أسامة بن زيد بن حارثة ﵄، فالرسول ﷺ يلفت أنظارنا بهذا الفعل إلى أمرين مهمين: الأول: ليس من المهم من هو القائد، ولا نسب القائد، ولا عمر القائد، المهم هو كفاءة القائد، وأنه يحتكم في كل أموره إلى كتاب الله ﷿، وإلى سنة نبيه ﷺ.
والقائد في هذه المعركة أسامة بن زيد هو ابن مولى كان يباع ويشترى، وهو زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه.
وفي نفس الوقت كان عمره ثماني عشرة سنة، أو حتى لم يبلغ الثامنة عشرة سنة، ومع ذلك يتولى قيادة هذا الجيش العظيم.
الأمر الثاني: أن طاقات الشباب هائلة، والرسول ﵊ بأي حال من الأحوال لا يضيع جيشه، ولا يخاطر بمصير أمته بزعامة لا تتصف بكفاءة، وبخاصة أن الصراع القادم سيكون مع أعتى قوة في الأرض في زمانهم، ولو لم يكن ﷺ موقنًا تمام اليقين أن أسامة بن زيد ﵄ أهل لهذه المهمة لما ولاه، لا سيما أنه كان تحت إمرة أسامة مجموعة فذة من القادة العسكريين، ومن السابقين، ويكفي أن من جنود أسامة ﵃ في هذه المعركة عمر ﵁.
وهذا الفعل يبين لنا قيمة وإمكانيات الشباب عند رسول الله ﷺ.
وجهز الجيش الهام، وخرج من المدينة المنورة في اتجاه الشام في أواخر شهر صفر سنة إحدى عشرة للهجرة، لكن بعد خروجه مسافة خمسة أميال من المدينة المنورة سمع الجيش بمرض رسول الله ﷺ فانتظروا في مكانهم، لم يكملوا الطريق؛ حتى يطمئنوا على صحة الحبيب ﷺ.
[ ٤٥ / ٤ ]
إلى الرفيق الأعلى
بدأ مرض الرسول ﵊ الذي كان في نهايته الوفاة، ويصعب على النفس أن تتصور موت الرسول ﷺ، فسبحان الله الذي ثبت أصحاب الرسول ﵊ في هذه الفاجعة.
ونحن بعد مرور أكثر من (١٤٠٠) سنة على موت الرسول ﵊ لا نستطيع أن نتمالك أنفسنا عند سماع أو قراءة قصة وفاة الحبيب ﷺ، فقد كانت بلا مبالغة أكبر مصيبة، وأعظم كارثة في تاريخ الأرض منذ خلقها الله ﷿ وإلى يوم القيامة.
ومع كون وفاة الأنبياء بصفة عامة مصيبة كبيرة على أقوامهم، إلا أن مصيبة وفاة الرسول عليه الصلاة السلام كانت أعظم وأجل، ليس فقط لكونه ﷺ أعظم الأنبياء أو سيد المرسلين وإن كان كذلك ﷺ، لكن كانت المصيبة الكبرى هي انقطاع الوحي بعد وفاة الرسول ﷺ انقطاعًا أبديًا إلى يوم القيامة؛ لأنه لا يوجد نبي بعد رسول الله ﷺ، وعلى مدار ثلاثة وعشرين سنة كاملة تعود الصحابة ﵃ وأرضاهم على نزول الوحي من السماء في كل لحظة، وفي كل ظرف وفي كل أزمة.
رحلة طويلة من الأحداث الساخنة والصاخبة والمعقدة كان الوحي فيها دليلًا للمسلمين وهاديًا لهم، ومبصرًا لعقولهم، ومطمئنًا لأفئدتهم.
فما أعجب الحياة في ظل الوحي! ولا شك أن البشر جميعًا يخطئون، والمؤمن الصادق يعتذر سريعًا عن خطئه ويتوب من قريب، لكن أحيانًا تختلط الحقائق مع الأباطيل، فيتوه الصواب بين طرق الخطأ المتشعبة، فتجد الإنسان المسلم يأخذ أحيانًا قرارًا يحسبه سليمًا صحيحًا شرعيًا، بينما يكون الحق في خلاف ذلك، يحدث هذا مرارًا وتكرارًا معنا ومع الناس جميعًا، حتى إننا لا ندري أكنا على حق أم اخترنا الباطل؟ لكن في أيام الوحي كان الوضع مختلفًا عن وضعنا، كان إذا أخطأ الصحابة نزل الوحي يبين لهم الخطأ، ويبصرهم بالطريق، ويوضح الحق من الباطل، فيعلم الصحابة علمًا يقينيًا حدود الحق وحدود الباطل، حتى عندما كان ﷺ يختار رأيًا خلاف الأولى، كان الوحي ينزل بالتصويب وبترتيب الأوليات، وبتوضيح الفروق الدقيقة جدًا بين الصحيح والأصح، وبين الفاضل والمفضول، كانت حياة عجيبة.
نعم، ترك الله ﷿ لنا منهجًا قيمًا عظيمًا نعرف به الحلال من الحرام ونرتب به الأوليات ترتيبًا شرعيًا سليمًا، لكن ليس ذلك كما كان أيام الوحي.
وكان الصحابة ﵃ وأرضاهم يحبون الرسول ﵊ أكثر من حبهم لأبنائهم وإخوانهم وأزواجهم، بل أكثر من أنفسهم، وكلنا نعلم قصة امرأة بني دينار وذكرناها في غزوة أحد، عندما علمت باستشهاد أبيها وأخيها وزوجها في موقعة أحد، فقالت في لهفة: (ما فعل رسول الله ﷺ؟ قالوا: هو بخير كما تحبين، قالت: أرونيه، فلما رأته سالمًا قالت: كل مصيبة بعدك جلل) يعني: صغيرة يسيرة؛ لذلك كانت مصيبة موت الرسول ﷺ أعظم من كل المصائب التي حدثت في الأرض منذ خلقت وإلى يوم القيامة.
[ ٤٥ / ٥ ]
طلائع التوديع
كيف كانت الأيام الأخيرة في حياته ﷺ؟ لقد حرص ﷺ في أيامه الأخيرة على توديع الجميع، حتى إنه لم يودع الأحياء فقط، بل ودع الأموات أيضًا، فقد خرج ﷺ في أوائل شهر صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة إلى أحد فصلى على الشهداء هناك وودعهم، ومن ثم رجع إلى المدينة المنورة، وصعد المنبر وأوصى الناس كما روى البخاري عن عقبة بن عامر قال: (إني فرطكم - يعني: أنا سابقكم إلى الله ﷿-، وإني شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها).
وصايا من الرسول ﵊ إلى أمته في آخر حياته.
وفي أواخره شهر صفر، خرج ﷺ إلى البقيع حيث يدفن الموتى من أهل المدينة المنورة هو وأبو مويهبة وهو مولى للرسول ﵊، روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده والدارمي في سننه عن أبي مويهبة: (أن الرسول ﷺ جاءه من جوف الليل ذات ليلة فقال: يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي، يقول أبو مويهبة ﵁: فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس).
يعني: ما أنتم فيه الآن أفضل مما يعيش فيه الناس، ومما هم قادمون عليه.
ثم قال: (لو تعلمون ما نجاكم الله منه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع أولها آخرها، الآخرة شر من الأولى، يقول أبو مويهبة ﵁: ثم أقبل علي ﷺ فقال: يا أبا مويهبة إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، وخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي ﷿ والجنة، فقال أبو مويهبة: قلت: بأبي وأمي فخذ مفاتيح الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فقال ﷺ لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت ربي ﷿، ثم استغفر لأهل البقيع وبشرهم بقوله: إنا بكم للاحقون، ثم انصرف إلى بيته ﷺ).
[ ٤٥ / ٦ ]
بداية مرضه ﷺ
في اليوم التاسع والعشرين من صفر شهد الرسول ﷺ جنازة في البقيع، وعند رجوعه من البقيع بدأ المرض الذي مات فيه ﷺ، وكان قبل أسبوعين تمامًا من وفاته ﷺ، فقد أصابه صداع شديد في رأسه، وارتفعت درجة حرارته جدًا، حتى ربط عصابة على رأسه، وكان الصحابة ﵃ وأرضاهم يشعرون بالحرارة من فوق العصابة.
كان مرض النبي ﷺ في منتهى الشدة، وكانت السيدة عائشة ﵂ تشعر هي الأخرى بصداع في رأسها، فقالت: (وا رأساه، فقال ﷺ: بل أنا وا رأساه).
ولعلها المرة الأولى في حياته ﷺ التي لا يلتفت فيها إلى مرض السيدة عائشة ﵂؛ لشدة مرضه هو ﷺ، ومع مرور الوقت اشتد المرض برسول الله ﷺ، وكان كعادته ينتقل كل يوم من بيت زوجة إلى بيت أخرى، بحسب دورهن، لكنه مع اشتداد المرض عليه أصبح من الصعب عليه فعلًا أن ينتقل بين الحجرات، فأراد ﷺ أن يستقر في بيت إحداهن إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، فأراد الرسول ﷺ أن يستقر في بيت أحب زوجاته إلى قلبه، السيدة عائشة بنت الصديق ﵄، لكنه استحيا ﷺ أن يطلب ذلك من زوجاته؛ لئلا يكسر نفوسهن، فكان يقول ﷺ: (أين أنا غدًا؟ أين أنا غدًا؟ حتى جاء يوم عائشة فسكن ﷺ).
ففهمن أمهات المؤمنين ﵁، ومن أدبهن وحبهن له أذن له بالبقاء حيث يحب، فبقي ﷺ في بيت السيدة عائشة من يوم خمسة من شهر ربيع الأول إلى آخر حياته ﷺ يعني: بقي: أسبوعًا كاملًا.
[ ٤٥ / ٧ ]
الأسبوع الأخير
في هذا الأسبوع كان لا يقوى ﷺ على المسير، فكان يتحامل على الفضل بن عباس وعلي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، وكانت قدماه تخط في الأرض لا يقوى على المشي، وكان ﷺ عاصبًا رأسه، وقضى هذا الأسبوع الأخير كما ذكرنا كله في بيت عائشة ﵂ وأرضاها.
وكان ﷺ لا يكاد يتكلم في هذا الأسبوع إلا بصعوبة شديدة، حتى قالت السيدة عائشة ﵂: (ما رأيت رجلًا اشتد عليه الوجع من رسول الله ﷺ).
وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁: (أنه دخل على الرسول ﷺ وهو يوعك وعكًا شديدًا، فيقول عبد الله: فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله إنك لتوعك وعكًا شديدًا؟ فقال ﷺ: أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، فقلت: ذلك أن لك أجرين؟ فقال ﷺ: أجل.
ثم قال ﷺ: ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئات كما تحط الشجرة ورقها).
[ ٤٥ / ٨ ]
قبل الوفاة بخمسة أيام
في يوم الأربعاء سبعة ربيع أول سنة إحدى عشرة هجرية قبل الوفاة بخمسة أيام ارتفعت درجة حرارة الرسول ﷺ جدًا، واشتد ألم الرسول ﷺ حتى أغمي عليه أكثر من مرة، فلما أفاق في إحدى المرات أراد أن يخرج إلى المسلمين حتى يوصيهم، فما استطاع أن يتحرك ﷺ.
فقال لأهله: (هريقوا علي سبع قرب من آبار شتى، حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم، فأقعدوه في مخضب عليه الماء، حتى طفق يقول ﷺ: حسبكم حسبكم، وشعر عند ذلك ﷺ بخفة، فدخل المسجد وهو معصوب الرأس، وصعد المنبر والناس مجتمعون حوله فقال: لعنة على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
هذه إشارة شديدة الوضوح باقتراب أجله ﷺ.
ثم إنه ﷺ عرض نفسه للقصاص، فقال: (من كنت جلدت له ظهرًا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضًا فهذا عرضي فليستقد منه).
يقول ذلك ﷺ وهو الذي لم يظلم في حياته قط، بل كان دائم التنازل عن حقه، وما غضب لنفسه قط ﷺ.
يقول ذلك وهو الذي كان يحب الرفق في كل شيء، وهو الذي لم يتلفظ بفحش ولا سوء، ولا طعن حتى في أشد مواقف حياته صعوبة ﷺ.
ثم أوصى ﷺ بالأنصار، فقال: (أوصيكم بالأنصار؛ فإنهم كرشي وعيبتي).
يعني: خاصتي وموضع سري: (وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم).
ثم قال ﷺ بعد ذلك كلامًا مؤثرًا غاية التأثير، روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ أنه قال: (إن عبدًا خيره الله أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده، يقول أبو سعيد ﵁: فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فتعجب الصحابة ﵃ من بكاء الصديق ﵁، قال أبو سعيد الخدري: فعجبنا له، قال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ -يقصدون أبا بكر الصديق - يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيره الله أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا).
لم يدرك الصحابة في هذه الساعة ولم يتصوروا أن الرسول ﵊ هو العبد المقصود بالتخيير، ولكن الصديق ﵁ بما له من حس مرهف وعلم واسع أدرك ذلك الأمر فبكى ﵁ وقال: (فديناك بآبائنا وأمهاتنا، يقول أبو سعيد فكان رسول الله ﷺ هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا، ثم قال ﷺ: إن أمن الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الإسلام ومودته، ثم قال: لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر).
فلما انتهى ﷺ من هذه الوصايا المؤثرة في ذلك اليوم دخل بيته.
[ ٤٥ / ٩ ]
قبل الوفاة بأربعة أيام
في يوم الخميس الثامن من ربيع أول يعني: قبل الوفاة بأربعة أيام حدث موقف هام، روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄: (أن الرسول ﵊ لما اشتد به الوجع قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده -وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه- فـ عمر ﵁ أشفق على الرسول عليه والسلام، فقال: إن النبي ﷺ غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله)، يعني: عمر ﵁ وأرضاه كان يرى أنه لا داعي لإرهاق الرسول ﷺ بالكتابة، وقد حفظ الله ﷿ لهم القرآن، لكن بعض الصحابة اعترضوا على ذلك، وأرادوا أن يكتب لهم الرسول ﵊ الكتاب الذي يريد، فاختلف أهل البيت واختصموا وكثر اللغط، وارتفع الصوت، فلما حدث ذلك قال ﷺ: (قوموا عني).
من الواضح أن الرسول ﵊ لم يكن يرى أن كتابة هذا الذي يريد كتابته أمر واجب ضروري، إنما هو أمر اختياري تقديري؛ لأنه ﷺ عاش بعد هذا أربعة أيام ولم يطلب الكتاب مرة أخرى ليكتب، ولو كان ضروريًا لأمر به ﷺ، لكن على الرغم من أن كتابة الكتاب لم تكن أمرًا حتميًا، إلا أنه كان لغرض الإيضاح، وكان فيه خير ما، لكن منع المسلمون هذا الخير؛ بسبب اختلافهم وكثرة لغطهم.
والاختلاف دومًا يمنع كثيرًا من الخير.
ضحى الرسول ﷺ بهذا الخير الذي كانوا سيحصلونه في سبيل أن يمنع عنهم التنازع؛ ولأن وحدتهم كانت مقدمة عنده على ما دونها من مصالح.
وفي نفس هذا اليوم ثمانية ربيع أول سنة إحدى عشرة هجرية أوصى ﷺ بثلاث وصايا: قال ﷺ: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب).
والوصية الثانية: (وأجيزوا الوفد، بنحو ما كنت أجيزهم به).
يعني: أعطوا الوفد جائزة كما كنت أعطيهم، يعني: أقروهم وأحسنوا ضيافتهم.
أما الوصية الثالثة: فنسيها أحد رواة الحديث، واختلف العلماء في تحديدها، فبعضهم قال: القرآن، وبعضهم قال: تجهيز جيش أسامة بن زيد ﵄، وبعضهم قال: الصلاة.
وكان ﷺ حتى ذلك اليوم وبرغم مرضه يصلي بالناس كل الصلوات، فصلى بهم ذلك اليوم الصبح والظهر والعصر، وبعد ذلك صلى بهم المغرب وقرأ في المغرب بـ (المرسلات عرفًا) ثم عاد إلى بيته ﷺ وقد ثقل عليه المرض جدًا، وأغمى عليه أكثر من مرة، ثم أفاق فقال: (أصلى الناس؟ قال الصحابة: لا، هم ينتظرونك، فقال ﷺ ضعوا لي ماء في المخضب).
مكان يغتسل فيه ﷺ، أراد الاغتسال لتخفيف درجة الحرارة حتى يقوم لتأدية صلاة العشاء، تقول السيدة عائشة ﵂: (ففعلنا، فاغتسل فذهب لينوء فأغمي عليه ﷺ، ثم أفاق، فقال أصلى الناس؟ قلنا: لا يا رسول الله، هم ينتظرونك، قال: ضعوا لي ماء في المخضب، قالت: فقعد فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا يا رسول الله، هم ينتظرونك، فقال للمرة الثالثة: ضعوا لي ماء في المخضب فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه للمرة الثالثة، ثم أفاق: فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله).
أرأيتم الحرص على صلاة الجماعة، والحرص على الذهاب إلى المسجد مع هذا المرض الثقيل وهذا الإغماء المتكرر؟! يا حسرتاه على أقوام أصحاء يتخلفون عن صلاة العشاء وغيرها من صلوات الجماعة، والمساجد على بعد خطوات معدودات من بيوتهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله؟! بعد هذه المحاولات المضنية من رسول الله ﷺ أدرك أنه لن يستطيع الخروج لصلاة الجماعة، وللمرة الأولى في حياته ﷺولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها- لم يستطع أن يتحرك، لكنه مع ذلك كان حريصًا على أمته حتى في أشد حالات مرضه ﷺ، فما زال يردد: (أصلى الناس؟ أصلى الناس؟).
تقول عائشة ﵂: (والناس عكوف في المسجد ينتظرون النبي ﷺ لصلاة العشاء الآخرة) في هذا الوقت قرر ﷺ أن ينوب عنه واحد من المسلمين لإمامة المسلمين في الصلاة، فقال ﷺ: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) فخافت السيدة عائشة أن يتشاءم الناس بأبيها لو وقف مكان الرسول عليه والسلام، فقالت: (إن أبا بكر رجل أسيف -وفي رواية-: رقيق، إذا قرأ غلبه البكاء) فلما أصر ﷺ على اختيار أبي بكر لهذا الأمر أعادت عليه عائشة ﵂ ومن معها من أمهات المؤمنين الاقتراح بتغيير أبي بكر
[ ٤٥ / ١٠ ]
قبل الوفاة بثلاثة أيام
في يوم الجمعة، صلى أبو بكر جميع الصلوات بالمسلمين وخطب بهم الجمعة في ذلك اليوم أيضًا، ولم يستطع ﷺ الحركة مطلقًا في ذلك اليوم، وكان مما أوصى به في ذلك اليوم ما رواه مسلم عن جابر ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ﷿).
في يوم السبت العاشر من ربيع أول صلى أبو بكر جميع الصلوات بالناس، لكن في أثناء صلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس شعر ﷺ في نفسه خفة، فقرر ألا يضيع الفرصة، فحاول أن يصلي مع الجماعة مرة ثانية، فخرج يهادى بين رجلين: العباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب ﵄، ورجلاه تخطان في الأرض، حتى وصلا به إلى الصف الأول، فكان أبو بكر يؤم الناس في ذلك الوقت، فلما أحس أبو بكر بقدوم الرسول عليه والسلام، أراد أن يتأخر فأومأ إليه النبي ﷺ أن مكانك، ثم أتي به ﷺ حتى جلس إلى جنب أبي بكر الصديق ﵁ من ناحية اليسار، يعني: كان الرسول ﷺ في موضع الإمام، فكان النبي ﷺ يصلي جالسًا لا يستطيع القيام، وأبو بكر يصلي بصلاته، ويرفع صوته فيصلي الناس بصلاة أبي بكر.
مجهود هائل من رسول الله ﷺ حتى لا يفوت صلاة واحدة مع الجماعة وهو يستطيع، مع أنه قد وصل إلى هذه الحالة التي وصفنا من التعب والمرض والإغماء.
[ ٤٥ / ١١ ]
قبل يوم من وفاته ﷺ
في يوم الأحد الحادي عشر من شهر ربيع أول، يعني: قبل الوفاة بيوم واحد صلى أبو بكر بالمسلمين كل الصلوات، وتخلص ﷺ من كل بقايا الدنيا التي عنده على بساطتها وقلتها، فأعتق ما تبقى من غلمانه، وتصدق بسبعة دنانير كانت عنده، ووهب للمسلمين أسلحته، ولم يترك في بيته عند موته من الطعام إلا القليل.
روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: (توفي رسول الله ﷺ وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي، فأكلت منه حتى طال علي، فكلته ففني).
يقول أنس ﵁: (ما أمسى عند آل محمد ﷺ صاع بر ولا صاع حب، وإن عنده لتسع نسوة) يعني: كل بيوته ﷺ لم يكن فيها الطعام الذي يكفيهم.
[ ٤٥ / ١٢ ]
آخر يوم من حياته ﷺ
جاء يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول إحدى عشرة هجرية، وهو اليوم الذي شهد أعظم مصيبة في تاريخ البشرية.
يقول أنس بن مالك ﵁: (ما رأيت يومًا قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه ﷺ يوم أن هاجر من مكة إلى المدينة، وما رأيت يومًا كان أظلم من يوم مات فيه رسول الله ﷺ).
وشتان بين بداية هذا اليوم وبين نهايته، فأول هذا اليوم صلى أبو بكر ﵁ وأرضاه صلاة الصبح بالناس، وكانت هذه الصلاة هي السابعة عشرة التي يصليها أبو بكر بالناس في وجود الرسول ﷺ.
يقول أنس ﵁: (كان أبو بكر يصلي بنا في وجع النبي ﷺ الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الإثنين وهم صفوف في الصلاة، كشف النبي ﷺ ستر حجرة عائشة ﵂ ينظر إلينا، ونظر إلى الصحابة ﵃ وأرضاهم ثم تبسم يضحك ﷺ) سعيد برؤيتهم وهم يصلون مجتمعين وراء أبي بكر الصديق ﵁.
يقول أنس (فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي ﷺ، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن النبي ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة، فأشار النبي ﷺ أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر).
لم يستطع ﷺ أن يصلي معهم، ولم يأت عليه في الدنيا صلاة أخرى ﷺ، لما ارتفع الضحى من ذلك اليوم دعا ﷺ ابنته فاطمة ﵂، ثم أسر في أذنها أمرًا فبكت بكاءً شديدًا ﵂ وأرضاها، قال لها: (لا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتقي الله واصبري؛ فإني نعم السلف أنا لك، فلما رأى ﷺ بكاءها قال: يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين، فضحكت ﵂ وأرضاها)، وفي رواية: (أنه بشرها بأنها أول أهل بيته لحوقًا به ﷺ).
لكن السيدة فاطمة ﵂ كانت تشاهد الألم والمعاناة التي يشعر بها الحبيب ﷺ فدفعها ذلك إلى أن تقول: (وا كرب أبتاه فقال ﷺ: ليس على أبيك كرب بعد اليوم).
وصدق ﷺ كيف يشعر بالكرب من رأى مقعده من الجنة وهو حي على وجه الأرض؟! فقد كان الرسول ﷺ يقول قبل أن يمرض: (إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يخير).
أي: يخير بين الموت، وبين البقاء في الدنيا.
تقول السيدة عائشة ﵂: (لما نزل به ورأسه على فخذي غشي عليه ساعة ثم أفاق، فأشخص بصره إلى السقف) يعني: نظر إلى السقف وكأنه يرى مقعده من الجنة، وكأنه يعرض عليه التخيير في هذه اللحظة، ثم قال: (اللهم الرفيق الأعلى).
فاختار لقاء الله ﷿، تقول السيدة عائشة ﵂: (إذًا لا يختارنا، وعرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا به وهو صحيح).
يعني: أنه ﷺ كان أخبرهم بالتخيير.
واقتربت اللحظات الأخيرة من حياته ﷺ وهو يريد أن ينصح أمته حتى آخر أنفاسه ﷺ، فكانت عامة وصية الرسول ﷺ حين حضره الموت: (الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم، الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم، حتى جعل ﷺ يغرغر بها صدره، وما يكاد يفيض بها لسانه).
يوصي الرسول ﷺ يوصي بحاجتين في غاية الأهمية، الأولى: الصلاة، ثم كذلك يوصي بالرقيق والعبيد مما ملكت أيمانكم، ويجمع بينهما، لكي يؤكد على وجوب الإحسان إلى الرقيق.
يروي البخاري أن السيدة عائشة ﵂ كانت تقول: (إن من نعم الله علي أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي، وبين سحري ونحري).
السحر هو الصدر أو الرئة، والنحر هو الرقبة.
يعني: كان الرسول ﵊ يسند رأسه على صدر ورقبة السيدة عائشة ﵂، ثم تكمل عائشة ﵂ وتقول: (وإن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته دخل عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله ﷺ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته، فاشتد عليه، وقلت: للرسول ﵊، لم يستطيع من صلابة السواك الجاف أن يحركه بين أسنانه ﷺ فقالت السيدة ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته.
فأمره- وفي رواية-: أنه
[ ٤٥ / ١٣ ]
تفاقم الأحزان على الصحابة
أظلمت مدينة رسول الله ﷺ، وكان رسول الله ﵇ قد نورها يوم دخلها، فتحولت من يثرب إلى المدينة المنورة، والآن أظلمت نفس المدينة يوم مات الحبيب ﷺ، وكان موته فتنة حقيقة للأمة الإسلامية.
لقد اضطرب المسلمون اضطرابًا شديدًا حتى ذهل بعضهم ولم يستطع التفكير، وقعد بعضهم ولم يستطع القيام، وسكت بعضهم ولم يستطع الكلام، وأنكر بعضهم ولم يستطع التصديق.
[ ٤٥ / ١٤ ]
موقف عمر من خبر موته ﷺ
روى البخاري عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ مات وأبو بكر بالسنح، فقام عمر ﵁ وأرضاه، يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ).
كان يعتقد تمامًا بعدم موته، حتى إنه يقول في رواية أخرى: (والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك).
أي: أنني كنت لا أعتقد إلا أنه لم يمت فعلًا، ثم قال عمر ﵁: (وليبعثنه الله ﷿ فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات).
ويقول في رواية: (إن رجالًا من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ قد مات، وإن رسول الله ﷺ ما مات، لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات).
كان هذا موقف عمر ﵁ وأرضاه، وما أدراك من هو عمر.
يقول ﷺ وهو يتحدث عن أصحابه ويصف أصحابه قال: (وأشدهم في أمر الله عمر).
هذه هو أثر المصيبة على أشد الصحابة في أمر الله ﷿.
انظروا إلى موقف عمر ﵁ وأرضاه؛ لتعلموا عظم أثر المصيبة على الصحابة ﵃ أجمعين.
[ ٤٥ / ١٥ ]
موقف أبي بكر الصديق من خبر موته ﷺ
ظل المسلمون على هذه الحال يتمنون صدق كلام عمر ﵁، حتى جاء الصديق ﵁، ودخل مسرعًا إلى بيت الرسول ﵊، بيت ابنته عائشة ﵂، فوجد رسول الله ﷺ على فراشه قد غطوا وجهه، فكشف عن وجهه، فلما أدرك الحقيقة المرة أن رسول الله ﷺ قد مات، بكى الصديق ﵁ وأرضاه بكاء مرًا؛ لأن الرسول ﷺ كان بالنسبة لـ أبي بكر كل شيء، لم يكن رسولًا فقط بالنسبة له، لكن كان صاحبًا وموطن سر، ومبشرًا ومطمئنًا، وزوجًا لابنته، ورئيسًا لدولته، وهاديًا لطريقه، كان كل شيء، ومع كل ذلك أنزل الله ﷿ علي الصديق ثباتًا عجيبًا، لو لم يكن له من المواقف في الإسلام إلا هذا الموقف لكان كافيًا على عظمته ﵁ وأرضاه.
فأكب الصديق ﵁ وأرضاه على حبيبه ﷺ فقبله في جبهته، ثم قال وهو يضع يده على صدغي الرسول ﵊: وا نبياه، وا خليلاه، وا صفياه، ثم تماسك قائلًا بأبي أنت وأمي طبت حيًا وميتًا، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله ﷿ الموتتين أبدًا، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها، ثم أسرع ﵁ وأرضاه خارجًا إلى الناس، فوجد عمر يقول ما يقول، ويقسم على أن الرسول ﷺ ما مات، فقال: أيها الحالف على رسلك، وفي رواية قال: اجلس يا عمر، لكن عمر لم يكن يسمع شيئًا، فتركه أبو بكر الصديق ﵁ واتجه إلى الناس، فأقبل الناس عليه وتركوا عمر.
فخطب فيهم خطبته المشهورة الموفقة، التي تعتبر على قصرها من أهم الخطب في تاريخ البشرية، ثبت الله ﷿ بها أمة كادت أن تضل، وأوشكت أن تفتن.
قال ﵁ وأرضاه في حزم بعد أن حمد الله وأثنى عليه: ألا من كان يعبد محمدًا ﷺ فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
ينبه الصديق بفقه عميق على حقيقة الأمر، ويضعه في حجمه الطبيعي، فبرغم عظم المصيبة إلا أنها لا يجب أبدًا أن تخرج المسلمين عن شعورهم وعن حكمتهم وعن إيمانهم، فحقيقة الأمر أن رسول الله ﷺ بشر، وحقيقة الأمر أن البشر جميعًا يموتون، وحقيقة الأمر أننا ما عبدناه لحظة واحدة، ولكننا جميعًا عبدنا معه رب العالمين ﷾، والله حي لا يموت، فلا داعي للاختلاط، ولا داعي للفتنة، ولا داعي للاضطراب، وما حدث أمر متوقع، وربنا حي لا يموت، وهو الذي سيجزينا على صبرنا ويعاقبنا على جزعنا.
ثم قرأ الصديق ﵁ وأرضاه في توثيق عجيب آية من سورة آل عمران، تبصر المسلمين بالحقيقة كاملة، وتعرفهم تمامًا بما يجب عليهم تجاه هذا الأمر.
قرأ الصديق ﵁: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤].
يقول ابن عباس ﵄: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله ﷿ أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها.
في هذه اللحظة أدرك الناس حقيقة أن رسول الله ﷺ قد مات.
أخرجت هذه الآية الكريمة المسلمين من أوهام الأحلام إلى حقيقة الموت، يقول عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت، حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، وعلمت أن النبي ﷺ قد مات.
يعني: عمر العملاق ﵁ وأرضاه لم يتحمل المصيبة، فسقط مغشيًا عليه، وارتفع البكاء في كل أنحاء المدينة.
قال أبو ذؤيب الهذلي ﵁: قدمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء، كضجيج الحجيج أهلوا جميعًا بالإحرام، فقلت: مه؟ ماذا حصل؟ فقالوا: قبض رسول الله ﷺ.
وأثرت المصيبة تأثيرًا شديدًا على أم المؤمنين عائشة ﵂، فكانت تقول: (مات رسول الله ﷺ بين سحري ونحري، وفي دولتي لم أظلم فيه أحدًا، فمن حداثة سني أن رسول الله ﷺ قبض وهو في حجري، فوضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم) يعني: أضرب صدري ووجهي مع النساء.
مصيبة كبيرة أخرجت معظم الحكماء عن حكمتهم، لكن الحمد لله الذي من على هذه الأمة بـ الصديق ﵁ وأرضاه، فثبت الله ﷿ به الأمة بكاملها، وبدأت الأمة في أخذ خطوات عملية للخروج
[ ٤٥ / ١٦ ]
ما بعد وفاة رسول الله ﷺ
كان أمام المسلمين أمران في غاية الأهمية، لا بد من حسمهما بسرعة، وهما: من يلي أمور المسلمين بعد وفاة الرسول ﷺ؟ فهذه دولة كبرى الآن لا بد لها من زعامة، وبرغم فداحة المصاب إلا أن واقعية الصحابة حتمت عليهم أن يختاروا من بينهم من يحكمهم بعد رسول الله ﷺ، فاجتمع الصحابة في سقيفة بني ساعدة وبعد مشاورات ومداولات اختاروا الصديق ﵁ وأرضاه، ثاني اثنين، والصاحب الأول لرسول الله ﷺ، وأعلم الصحابة وأتقى الصحابة وأفقه الصحابة ﵃ وأرضاهم أجمعين.
وقد فصلنا كثيرًا هذا الأمر عندما تكلمنا عن الصديق ﵁ وأرضاه في مجموعة المحاضرات الخاصة به.
أما الأمر الثاني فهو قضية تغسيل وتكفين ودفن الرسول ﷺ، فهي قضية حساسة جدًا ومحيرة، ومن القضايا الأولى التي سيأخذ فيها الصحابة ﵃ قرارًا في غياب الرسول ﷺ.
هناك من الأحكام الفقهية ما قد يكون خاصًا به ﷺ، وهناك ما قد يكون عامًا على عموم المسلمين، أما الغسل لجسده الشريف فقد احتار الصحابة في أمره، قالوا: والله ما ندري أنجرد رسول الله ﷺ من ثيابه كما نجرد موتانا، أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله ﷿ عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا ورأسه على صدره، ثم كلمهم متكلم من ناحية البيت لا يرون من هو: أن اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا إلى الرسول ﵊ فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء من فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم.
وهذا حديث صحيح رواه أبو داود وأحمد وابن حبان والحاكم وابن ماجة والبيهقي وغيرهم.
وقام بعملية الغسل مجموعة من الصحابة معظمهم من آل البيت، كان علي بن أبي طالب ﵁ يغسله، وأسامة بن زيد وشقران مولى الرسول ﵊ يصبان الماء، والعباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ وولداه قثم والفضل يقلبونه، وأوس بن خولي الأنصاري ﵁ وأرضاه يسنده على صدره، ثم بعد ذلك كفن ﷺ في ثلاثة أثواب يمانية من كتان يعني من قطن، ليس فيها قميص ولا عمامة.
كان هذا الغسل والتكفين في صباح يوم الثلاثاء الثالث عشر من ربيع الأول، وكان الصحابة في هذا اليوم مشغولين بقضية الاستخلاف.
وبعد الغسل والتكفين وضعوا الرسول ﷺ على فراشه، ثم بدءوا في الصلاة عليه، ودخل الناس أرسالًا، يعني: كانوا يدخلون عشرة عشرة، صلى عليه أولًا أهل البيت، أهل بيته ﷺ وعشيرته، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، ثم بقية الرجال في المدينة، ثم دخلت النساء فصلت عليه، ثم بعد ذلك الصبيان، حتى صلى عليه جميع من بالمدينة من المؤمنين.
ثم كانت بعد ذلك قضية الدفن، واختلف الصحابة في مكان الدفن وفي كيفيته، أما مكان الدفن فقد قال بعضهم: يدفن في مسجده، وقال آخرون: يدفن مع أصحابه في البقيع فقال الصديق ﵁ وأرضاه إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض).
فقرروا أن يدفنوه ﷺ في المكان الذي مات فيه في حجرة عائشة ﵂ وأرضاها.
أما في كيفية الدفن فقد اختلفوا أيضًا في الدفن هل يشق له في قبره أم يلحد؟ على أن يلحدوا له، فجاء أبو طلحة الأنصاري ﵁ وأرضاه ورفع فراش الرسول ﵊ وحفر تحت الفراش، وأصلح اللحد الذي سيدفن فيه الرسول ﷺ، وفي ليلة الأربعاء بدأ الصحابة ﵃ وأرضاهم في إنزال رسول الله ﷺ في قبره.
ونزل في قبره علي بن أبي طالب والفضل بن العباس وقثم بن عباس، وشقران مولى الرسول ﷺ ﵃ أجمعين، وقيل: نزل معهم عبد الله بن عوف وقيل: أوس بن خولي.
وبعد أن وضع ﷺ في قبره أهالوا عليه التراب، لتغلق أهم صفحة من صفحات التاريخ البشرية، لم يصدق الصحابة أنفسهم من كونهم يعيشون في الحياة بدون رسول الله ﷺ، ومن كونهم يمشون على الأرض وهو يرقد تحتها ﷺ.
يقول أنس بن مالك: (ولما نفضنا عن رسول الله ﷺ الأيدي، وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا).
القلوب وكأنها ليست القلوب، كان الرسول ﷺ يمدها بنور وهدى وأمان وراحة واطمئنان، أما الآن فقلوبنا ليست هي القلوب التي كانت يوم كان
[ ٤٥ / ١٧ ]