لليهود طبيعة ممقوتة ذكرها الله سبحانه في كتابه، فقد وصفهم الله سبحانه بالغدر والخيانة ونكث العهود، ومع ذلك حاول النبي ﷺ وأصحابه التعامل معهم بالحسنى والصبر والحكمة، فقد كانت قوة المسلمين لا تسمح لهم بالمواجهة معهم، فظل المؤمنون يترقبون مرحلة جديدة يعلون فيها دين الله ﷿ وينصرون نبيه ﷺ، ويزيلون فيها قوة اليهود ويدكون معاقلهم.
[ ١٨ / ١ ]
كيفية تعامل النبي ﷺ مع اليهود داخل المدينة وخارجها
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فأهلًا ومرحبًا بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، وأسأل الله ﷿ أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين.
هذا هو الدرس الرابع من دروس السيرة النبوية في العهد المدني.
في الدروس السابقة تحدثنا عن الظروف التي بدأ فيها ﷺ إنشاء دولته، وتحدثنا عن علاقته مع الطوائف المختلفة التي عاصرت هذا القيام، سواء كانوا مسلمين من أوس وخزرج ومهاجرين وغيرهم، أو كانوا مشركين.
وفي الدرس السابق تحدثنا عن مشركي قريش كفار مكة، وكيف كادوا لأمة الإسلام، وكيف خرج ﷺ من الأزمة بنجاح، وبتدبير متقن معروف وبخطوات ثابتة، وترك لنا تشريعًا يستطيع المسلمون أن يخرجوا به من كل أزمة مشابهة.
اليوم حديثنا مع أمر في غاية الأهمية والخطورة، وهو موقف الرسول ﷺ من اليهود الذين كانوا في داخل المدينة، تعلمون أنه في داخل المدينة تعيش ثلاث قبائل كبرى لليهود: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وفي شمال المدينة المنورة ووادي القرى تعيش مجموعة ضخمة أخرى من اليهود متجمعة أساسًا في منطقة خيبر، كيف تعامل ﷺ مع هذه الطوائف والقبائل المختلفة من اليهود؟
[ ١٨ / ٢ ]
طبيعة اليهود وكيفية تعاملهم مع المسلمين
حتى نعرف تعامل الرسول ﷺ مع اليهود لابد أن نأخذ خلفية عن طبيعة اليهود، وخلفية عن إستراتيجية اليهود في التعامل مع المسلمين، ملخص تعامل اليهود مع المسلمين مذكور في قول الله ﷿: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]، رأينا في الدرس الماضي المكائد والمؤامرات من قريش الكافرة في حربها ضد رسول الله ﷺ إلا أن حرب اليهود أشد، وعداوة اليهود أشد، ومكر اليهود أشد؛ ولذلك بدأ بهم رب العالمين ﷾ في قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ [المائدة:٨٢].
لنر طريقة تعامل المنهج الإسلامي مع اليهود، وطريقة تناول التشريع الإسلامي لقضية اليهود.
قبل أن يهاجر الرسول ﷺ من مكة إلى المدينة كان هناك إعداد نفسي ومعنوي للصحابة؛ من أجل أن يعرفوا إلى أين سيذهبون بعد ذلك، مع أنه مدة فترة مكة لم يعلم المسلمون أنهم سيرحلون ويهاجرون إلى المدينة المنورة، حيث تجمعات اليهود الكبيرة، لكن هذا إعجاز ظاهر في كتاب رب العالمين ﷾، فكثير من الآيات القرآنية ذكرت اليهود في فترة مكة، والآيات المكية التي تحدثت عن اليهود وعن بني إسرائيل أكثر من أن تحصى، إن هذا المنهج جميل نريد أن نقف عنده وقفة، فنقول: إن ربنا ﷾ كان يوسع الأفق عند المسلمين، فقبل أن تعرف أنك ستلتقي مع اليهود، وقبل أن تعرف أنه سيكون لك دولة في مكان ما، فإن الله ﷾ يوسع لك الأفق، ويعرفك بما هو موجود في الأرض الآن، تجد آيات يستغربها المحلل لها، إلا أن يفقه المنهج الإسلامي الرفيع الذي أوحى به رب العالمين ﷾ إلى نبيه الكريم ﷺ.
تجد مثلًا آيات في القرآن المكي عن الروم، وآيات في القرآن المكي عن اليهود، تجد الرسول ﵊ يخبر الصحابة عن ملوك العجم، يخبرهم عن قيصر وكسرى والمقوقس، يعرف زعماء العالم في زمانه، مع أن المسلمين في فترة مكة كانوا مضطهدين ومشردين وليست لهم دولة ولا شوكة، وكانوا مأمورين ﵃ أجمعين في فترة مكة المكرمة بالكف عن المشركين، يعني: احتمالية قيام دولة كانت بعيدةً جدًا في الحسابات المادية، ومع ذلك فإن رب العالمين ﷾ كان يعلمهم كيف يدور العالم حولهم، وهذا منهج حياة لابد أن نأخذ به، لا نقول: إننا دولة إسلامية بسيطة أو مجموعة من الملتزمين البسطاء القلة، لا داعي إلى معرفة أحوال العالم، وحقيقة أنك تحزن جدًا عندما تجد شبابًا كثيرين لا يعرفون عن أحوال الدنيا شيئًا، لا يعرفون ما الذي يحصل في فلسطين، وما الذي يحصل في الشيشان، وما الذي يحصل في كشمير، والعراق، والسودان، وما الذي يحصل بين الهند وباكستان، وما الذي يحصل بين أمريكا وروسيا، وما الذي يحصل بين أمريكا والصين، فالعلاقات الدولية الكثيرة المعقدة المتشابكة التي حول المسلمين لابد أن يفقهها المسلمون؛ لأنه سيأتي يوم من الأيام يستفيدون من هذه الأمور، فتظهر قوى وتندثر أخرى، وقد يؤثر ذلك سلبًا أو إيجابًا على المسلمين.
تحدث القرآن المكي كثيرًا عن بني إسرائيل، قبل أن يعرف المسلمون أنهم سيذهبون إلى المدينة المنورة، وقد ترك القرآن المكي انطباعات إيجابية كثيرة عن اليهود، وهذا الغرض معروف، وسنتكلم عنه بعد قليل.
كان يتحدث القرآن المكي عن بني إسرائيل دائمًا بلفظ بني إسرائيل، لم يذكر كلمة اليهود أبدًا؛ لأن كلمة اليهود استحدثت بعد ذلك في بني إسرائيل، جاءت هذه الكلمة بعد أن خالفوا كثيرًا، لكن في الفترة التي كانت قبل المخالفة، وكانوا فيها أتباعًا لموسى ﵇ ومن بعده من الأنبياء، كان يطلق عليهم في القرآن الكريم: بنو إسرائيل.
وإسرائيل هو نبي الله يعقوب ﵇، فنسبة هؤلاء إلى نبي تعطي لهم تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا، فترفع قيمة بني إسرائيل في قلوب المسلمين.
أيضًا تكررت كلمة (أهل الكتاب) ثلاثين مرة في القرآن كاملًا، منها آية واحدة فقط في القرآن المكي، وجاءت في قوله تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦]، فلفظة: (أهل الكتاب) تضم اليهود والنصارى، وجاء فيها الأمر بالمخاطبة بالتي هي أحسن.
وتحدث رب العالمين ﷾ في كثير من الآيات عن موسى ﵇، وتكرر ذكر موسى ﵇ في القرآن (١٣٦) مرة، منها (١٢٢) مرة في القرآن المكي، تركيز وتكثيف كبير جدًا على قصة موسى ﵇، ومعظم قصة موسى مع فرعون، وليس عن مخالفات بني إسرائيل الكثيرة، وإن كان هذا موجودًا.
إجمالًا: ذكر رب العالمين ﷾ أنه أعطى بني إسرائيل كثيرًا وكثيرًا، حتى قال ﷾ في القرآن المكي: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢]، وهناك آيات كثيرة تشبه هذا المعنى.
و
[ ١٨ / ٣ ]
ذكر ما فعله الرسول ﷺ مع اليهود لتأليف قلوبهم
عندما دخل الرسول ﵊ المدينة حاول أن يرقق قلوب اليهود، وأراد إشعارهم بأنهم فريق واحد من المؤمنين، فعمل شيئين بوحي من رب العالمين ﷾.
الأمر الأول: هو اتجاه القبلة ناحية بيت المقدس، ثبت في البخاري ومسلم أن الرسول ﵇ توجه إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرًا من بداية دخوله المدينة حتى قبيل بدر بقليل كما سنرى إن شاء الله في الأحداث.
وهذه القبلة الواحدة تعطيهم انطباعًا واضحًا أنهم فريق واحد يتجهون إلى قبلة واحدة، فنحن وهم نعبد إلهًا واحدًا، ونؤمن بالأنبياء السابقين جميعًا.
بقيت جزئية واحدة فقط، وهي أن اليهود يؤمنون برسول الله ﷺ، الذي هو مذكور عندهم في الكتب المقدسة لاسيما التوراة والإنجيل، وعندهم علامات وبشارات كثيرة تؤكد أنه هو النبي الخاتم ﷺ.
الأمر الثاني: صيام يوم عاشورًا.
لما دخل الرسول ﵊ المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله ﷺ: (ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه، فقال ﷺ: فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه ﷺ، وأمر المسلمين بصيامه).
فالمسلمون واليهود يصومون يومًا واحدًا في السنة، وهذا اليوم فيه تعظيم لموسى ﵇، بل وتقليد له، فالرسول ﷺ وهو النبي الخاتم وأتباعه المؤمنون يقلدون موسى ﵇ في صيامه لهذا اليوم الذي نجاه الله ﷿ فيه، فكل هذا تقريب للقلوب، ومحاولة لاكتساب قلوب اليهود، فنحن لسنا أعداء لليهود، فكلنا نعبد إلهًا واحدًا.
[ ١٨ / ٤ ]
قصة إسلام عبد الله بن سلام وموقف يهود بني قينقاع من إسلامه
بدأ ﷺ في دعوته لليهود، وجمع اليهود مرة ومرتين وثلاثًا، كان يجمع القبائل بعضها مع بعض أحيانًا، وأحيانًا يخاطب الأفراد ﷺ.
وجاء إليه أناس من بني قينقاع ومن بني النضير ومن بني قريظة، وأول من جاء إليه عبد الله بن سلام ﵁ وأرضاه، كان اسمه الحصين بن سلام ﵁ قبل أن يسلم، وسماه الرسول ﷺ عبد الله وهو من بني قينقاع، لما سمع بقدوم الرسول ﷺ إلى المدينة المنورة أراد أن يختبره ليعرف أهو الرسول المذكور في التوراة أو غيره؟ فذهب إليه وقال له: (إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟ ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال رسول الله ﷺ: أما أول أشراط الساعة: فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الشبه في الولد، فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبقت كان الشبه لها، قال: أشهد أنك رسول الله، ثم قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، فإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك) يعني: يكذبونني، يقولون: أنت تقول كلامًا ليس موجودًا في التوراة، (فجاءت اليهود، ودخل عبد الله البيت -يعني: اختبأ داخل البيت- فقال ﷺ: أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: أعلمنا وابن أعلمنا، وأخيرنا وابن أخيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال ﷺ: أفرأيتم إن أسلم عبد الله؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فأعاد عليهم ذلك مرارًا، فقالوا مثل ذلك.
قال: فخرج عبد الله إليهم، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فقال اليهود: شرنا وابن شرنا، ووقعوا فيه).
وفي رواية: (أن عبد الله بن سلام ﵁ وأرضاه قال لهم: يا معشر اليهود! اتقوا الله، فوالذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله جاء بحق، قالوا: كذبت، فأخرجهم ﷺ).
وهنا وضحت الرؤية تمامًا أمام الرسول ﷺ، فاليهود كلهم يعرفون تمام المعرفة أنه رسول، ومع ذلك ينكرون.
أسلم عبد الله بن سلام ﵁ وأرضاه، وأسلم بعد ذلك مجموعة قليلة جدًا من اليهود، أما عموم اليهود فقد ظلوا على كفرهم.
هذا كان موقف بني قينقاع.
[ ١٨ / ٥ ]
موقف بني النضير وبني قريظة من رسالة محمد ﷺ
كان من بني النضير حيي بن أخطب وهو مشهور، وأخوه أبو ياسر بن أخطب، وبنو النضير قبيلة قوية جدًا، فيها الكثير من أشراف اليهود، منهم: سلام بن أبي الحقيق وسلام بن مشكم، وكعب بن الأشرف.
تحكي أم المؤمنين السيدة صفية بنت حيي بن أخطب ﵂ وأرضاها قصة قدوم حيي بن أخطب إلى رسول الله ﷺ، فتقول: إن حيي بن أخطب وعمها أبا ياسر بن أخطب ذهبا إلى الرسول ﵊ في الصباح.
تقول: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، قالت: فأتيا كالين -كسلانين- يمشيان الهوينا، فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إلي واحد منهما مع ما بهما من الغم، وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟ أي: يا ترى أهو الرسول الذي جاء في التوراة؟ قال: نعم.
والله هو، قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم.
قال: فما في نفسك منه، قال: عداوته -والله- ما بقيت.
سبحان الله! وفوق ذلك يحلف ويقول: عداوته -والله- ما بقيت.
بذلك وضح حيي بن أخطب منهج اليهود في التعامل مع الدين الإسلامي الجديد، وهو المنهج الذي ظل ساريًا عند اليهود إلى يومنا هذا إلا من رحم الله تعالى.
وهكذا فإن بني النضير بكاملهم لم يسلم منهم واحد.
كذلك بنو قريظة لم يسلم منهم أحد، وهذا موقف عجيب جدًا يحتاج إلى وقفة وتحليل ودراسة لطبيعة هؤلاء البشر الذين يتعاملون مع رسول يعلمون أنه رسول بهذه الصورة، لكنك عندما تراجع قصتهم مع سيدنا موسى ﵇، فإنك تستطيع أن تفهم لماذا عملوا هكذا مع رسولنا الكريم ﷺ.
[ ١٨ / ٦ ]
المعاهدة النبوية مع اليهود وأسبابها
رفض اليهود جميعًا الإسلام تقريبًا؛ لذلك قرر الرسول ﷺ أن يقوم بمعاهدة بين المسلمين واليهود.
ومن المهم جدًا أن ندرس ظروف هذه المعاهدة وبنودها؛ لكي نستطيع أن نقارن بين واقعنا الذي نعيشه الآن، وبين ما فعله رسول الله ﷺ.
عقد الرسول ﷺ هذه المعاهدة وحافظ عليها، وفي نفس الوقت هو الذي أجلى بني قينقاع، ثم بني النضير، وهو الذي قتل بعد ذلك رجال بني قريظة، ولنا فيه ﷺ أسوة حسنة في كل خطوات حياته.
فلابد أن نعرف متى عاهد؟ ومتى حارب؟ ومتى قبل من اليهود بعض البنود في المعاهدة؟ ومتى لم يقبل منهم أن يمكثوا في المدينة المنورة يومًا واحدًا؟ هذه أمور تحتاج منا إلى بحث دقيق.
قد يكون في قرارة نفس واحد منا غيظ وحقد كبيرين على اليهود؛ لأنهم علموا أنه الرسول الحق، ومع ذلك لم يتبعوه، والدين الإسلامي والشرع الإسلامي لا يظلم الناس شيئًا، فليس معنى قيام دولة إسلامية أن تهضم حقوق أهل الكتاب، والعلاقة بين المسلمين وبين أهل الكتاب واضحة جدًا في كتاب ربنا ﷾، لخصها الله ﷿ في سورة الممتحنة، قال ﷾: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٨ - ٩].
فالإسلام قفزة حضارية هائلة، فالعالم اليوم بالكاد يتحدث عن قبول الآخر وعن الاعتراف به وسماعه، لكن الإسلام يتجاوز هذه المسألة إلى ما هو أعظم منها، العالم الآن قد أصبح في طفولة حضارية، والإسلام منذ (١٤٠٠) سنة نزل بما هو أعظم وأعلى وأسمى من ذلك، نزل بالإحسان إلى الأخ والبر به والعدل معه والرحمة به وهكذا.
فليس معناه أن الرسول ﵊ يكره أهل الكتاب على الدخول في الإسلام، مع أنه كان يتفطر حزنًا ﷺ على يهودي أو نصراني يموت على غير الإسلام، ومع ذلك لا يستطيع أن يكرهه؛ لأن هذا ليس من شرعنا، قال تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦].
فالرسول ﷺ قرر أن يعقد معاهدة مع اليهود، واعلم أن فرصة الدعوة ما زالت موجودة، فلم يكن هناك تاريخ عدائي يذكر بين المسلمين واليهود وقتئذ، نعم، هم كذّبوا الآن، ولكن قد يفتح الله ﷿ قلوبهم إن شاء الله في المستقبل، والرسول ﵊ ما كان ييئس مطلقًا من دعوة إنسان، فقرر أن يعمل معهم معاهدة.
[ ١٨ / ٧ ]
بنود المعاهدة النبوية مع اليهود
إن بنود المعاهدة مع اليهود تستخلص منها قواعد المعاهدات في الإسلام، وأصوله، وهذه المعاهدة بهذا الوصف توضح مدى التجني على السيرة النبوية، الذي قام به من شبّه المعاهدات الحديثة في زماننا مع اليهود بالمعاهدة التي عقدها رسول الله ﷺ مع اليهود في زمانه، وشتان بين المعاهدتين.
تعالوا بنا لنرى بنود معاهدة الرسول ﷺ: أولًا: أن اليهود أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، وهذا البند يوضح لنا حقيقة كبرى، قال تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦] فللمسلمين دين ولليهود دين، وفي هذه المعاهدة تعريف كل اليهود الموجودين في داخل المدينة المنورة بأسماء قبائلهم، يعني: يهود بني النجار، يهود بني حارثة، يهود بني ساعدة، يهود بني عوف وهكذا.
ثانيًا: أن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم.
أي: الذمة المالية لهم محفوظة تمامًا من قبل زعيم الدولة في ذلك الوقت ﷺ، فليس معنى أننا عاهدناهم، وأن الزعامة في الدولة والرئاسة في الدولة للمسلمين أن يؤخذ حقهم، أو أن تؤخذ ممتلكات لهم، بل لهم حرية التملك ما داموا في عهدهم مع المسلمين في داخل الدولة الإسلامية.
وفي نفس الوقت فيها نوع من تميز المسلمين عنهم، فلا تعني هذه المعاهدة أن الأمور ستتميع، ويصبح الاقتصاد الإسلامي ممزوجًا بالاقتصاد اليهودي، لا، ليس للمسلمين دخل بحياتهم، بل لهم حياتهم المستقلة التي يعتزون بها.
ويدخل الرسول ﷺ في المعاهدة هذا البند؛ لأن الاقتصاد في تلك اللحظة كان معظمه في أيدي اليهود.
ثالثًا: أنه في وقت الحرب يتغير هذا الأمر، فإذا حدث حرب أو حصار على المدينة المنورة، فالجميع بحق المواطنة يدافع عن المدينة المنورة، وأن بينهم النصر على من دهم يثرب.
أي: ما دام المسلمون واليهود يعيشون في بلدة واحدة، لزم الجميع الدفاع عن البلد إذا حصل غزو خارجي.
رابعًا: أن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين أي: إذا حصل حرب تجتمع النفقة من الطرفين للدفاع عن البلد.
وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأن النصر للمظلوم، وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.
كلها أمور تحفظ لليهود شأنهم في داخل الدولة التي يتزعمها محمد ﷺ.
خامسًا: هناك بند خطير جدًا وفي منتهى القوة: يقول ﷺ: (وأنه لا تجار قريش ولا من ناصرها) وهذا بند خطير.
فهذه المعاهدة مكتوبة، وقع عليها الرسول ﵊ ووقع عليها اليهود، وهو أنه إذا دهم يثرب أي عدو فعلى الجميع أن يتعاون في صده، حتى ولو كان هذا العدو قريشًا، ولم يكن بين قريش واليهود خلافات قبل ذلك، بل كانت العلاقات الدبلوماسية بينهم جيدة.
فاليهود بهذه المعاهدة قرروا أن يقاطعوا قريشًا؛ لأنهم يتوقعون أن قريشًا تهجم على المدينة المنورة، لكن لمعرفة الرسول ﵊ أن اليهود أهل خداع ومكر وغدر وخيانة، صرح في المعاهدة باسم قريش؛ لئلا تقول اليهود في يوم من الأيام: إن قريشًا مستثناة من هذه المعاهدة، واعلم أن أي معاهدة مع اليهود لابد أن تكون كل كلمة فيها مكتوبة بمنتهى الوضوح، فقوله: (وأنه لا تجار قريش ومن ناصرها)، يعني: إذا هجمت قريش على المدينة فعلى اليهود أن يساعدوا المسلمين في حربهم لا قريشًا في حربها ضد المسلمين، وسنرى مخالفة اليهود لهذا البند في بني قريظة، ونفهم من خلفيات غضب رسول الله ﷺ على بني قريظة، عندما عاونت قريشًا على المسلمين في يوم الأحزاب، فنحن نلاحظ أن هناك قوة وصلابة في المعاهدة من طرف رسول الله ﷺ، وهو الذي كان يملي الشروط على اليهود.
سادسًا: قال ﷺ: (وألا يخرج من اليهود أحد إلا بإذنه ﷺ)، وهذا مثل نظام الجوازات في الوقت الحاضر، لا أحد يغادر الدولة إلا بإذن من السلطة نفسها، فليس لقبائل اليهود في داخل المدينة المنورة أن يخرجوا لحرب أو سفر أو لأمر من الأمور إلا بإذن الرسول ﷺ؛ لأنهم قد يشعلون نار الفتن خارج المدينة؛ فتجر هذه الفتن الويلات على المدينة المنورة بما فيها من اليهود والمسلمين.
إذًا: تأشيرة الخروج والسماح بالسفر كانت في يد الرسول ﷺ، وانظر إلى الفرق الرهيب بين هذه المعاهدة وبين المعاهدات التي عقدت في فلسطين مع اليهود.
سابعًا: أهم بنود هذه المعاهدة: قوله ﷺ: (وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو شجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد ﷺ).
لو حصل خلاف بين المسلم وأخيه، أو حصل خلاف بين المسلمين واليهود، فالحكم لله ﷿ ولرسوله الكريم ﷺ، فانظر يا أخي المسلم إلى مدى القوة، ومدى النصر والبأس الذي حققه ﷺ بهذه المعاهدة، أبعد هذا كله يشبهون المعاهدات الحديثة بهذه المعاهدة التي عقدها رسول الله ﷺ مع اليهود؟!
[ ١٨ / ٨ ]
الفوائد التي نتعلمها من المعاهدة النبوية مع اليهود
نتعلم من هذه المعاهدة أن الإسلام دين ينظم كل أمور الحياة، فها هو الرسول ﷺ الذي علم المسلمين الصلاة والصيام والقيام والقرآن وبناء المساجد يقف بكل صلابة ورجولة وقوة وحكمة وسياسية بارعة، ويعقد مع اليهود معاهدة كانت يد الله ﷿ فيها هي العليا، وقد حصل المسلمون من هذه المعاهدة اتقاء شر اليهود، والتعاون على البر وليس على الإثم، والاعتراف من قبل اليهود بدولة المسلمين الناشئة، وهي مع ذلك لها احترام وعزة ورأي.
كما أن هذه المعاهدة فيها تخذيل قوة اليهود عن معاونة قريش، وهذا نجاح كبير جدًا، فها هو الرسول ﵊ فصل بين الحزبين: حزب قريش وحزب اليهود، وأي مخالفة بعد ذلك سيدفع اليهود ثمنها، والحكم والمرد إلى الرسول ﷺ.
قبل اليهود ولهم من العمر مئات السنين في داخل يثرب بزعامة الرسول ﷺ على المدينة المنورة، فأي فضل وخير وعظمة ونصر وتمكين في هذه المعاهدة التي تمت بين الرسول ﷺ وبين اليهود؟!
[ ١٨ / ٩ ]
الفرق بين المعاهدة النبوية مع اليهود والمعاهدات الحديثة معهم
البون شاسع بين المعاهدة النبوية مع اليهود والمعاهدات الحديثة التي يروق لبعض المسلمين أن يشبهوها بمعاهدة الرسول ﷺ معهم، ففي معاهدة الرسول ﷺ مع اليهود لم يخالف شرع الله ﷿، ولم يقدم تنازلًا واحدًا مخلًا بالدين، وقد بيّنا أن أهم شرط في العهود مع أهل الكتاب: ألا ينقض أمر من أمور الدين، وعندما أقر العدو على امتلاكه لأرض من أراضي المسلمين فإن هذا إخلال واضح بالدين، وهذا الإخلال قد حصل في كثير من المعاهدات مع اليهود في زماننا هذا، وهو إخلال واضح في الشرع لا يقبل أبدًا في معاهدة إسلامية.
ومن مخالفة الشرع أن يعقد الصلح في وقت تعين الجهاد، إذ لا تجوز المعاهدة في وقت تعين الجهاد؛ لأن من الأسباب التي تجعل الجهاد فرض عين نزول العدو في الأرض الإسلامية، كنزول اليهود في أرض فلسطين الآن.
من مخالفة الشرع أيضًا: الإقرار بالظلم، ومعاهدة الرسول ﷺ فيها: أن النصر للمظلوم، فلا يجوز عقد معاهدة يكون من جرائها أن يزج في السجون آلاف من المجاهدين، أو يكون من جرائها إقصاء عدد هائل من المجاهدين عن الأرض الإسلامية، أو يكون من جرائها مصادرة الديار والأموال والأراضي وما إلى ذلك.
في معاهدة الرسول ﷺ: أن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، واليهود في هذا الوقت ظلموا كل الجيران الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والمصريين.
إذًا: فهذه كلها مخالفات شرعية لا تجوز في معاهداتنا مع اليهود وغيرهم.
في زمن الرسول ﷺ وفي عهده كان الخروج من المدينة لا يتم إلا بإذنه، لكن الآن لا يخرج أحد من الفلسطينيين من فلسطين إلا بإذن من اليهود.
أخذ الرسول ﷺ العهد على اليهود ألا يجيروا قريشًا القوة الأولى في الجزيرة في ذلك الوقت، لكن هل أمن المسلمون شر أعدائهم بهذه المعاهدات الحديثة؟ هل اشترط المسلمون على اليهود ألا يعاونوا عدوًا يضرب بلدًا من بلدان المسلمين؟ هل اشترطوا عليهم ألا يعاونوا أمريكا مثلًا في ضرب العراق أو سوريا أو إيران أو السودان أو غيرها من بلاد العالم الإسلامي؟ كل هذا لم يحدث، لكن أهم ما في الأمر أنه عند الاختلاف من يحكم بيننا؟ في معاهدة الرسول ﷺ كان الحكم هو الله ﷿ ورسوله الكريم ﷺ، وهذا مصرح به في المعاهدة، ووقع عليه اليهود، أما الآن فالمرد إلى الأمم المتحدة، أو قل: إلى أمريكا، ثم بعد ذلك من أعطى فلسطين لليهود؟ إنها الأمم المتحدة، هي التي أنشأت قرار التقسيم وأعطت جزءًا كبيرًا جدًا من فلسطين لليهود، وبعد ذلك أعطتها لهم كلها.
فالواقع يا إخواني! أن المعاهدات في العصر الحديث مختلفة اختلافًا بينًا حقيقيًا عن المعاهدة التي عقدها الرسول ﷺ، فلا وجه للمقارنة أبدًا.
[ ١٨ / ١٠ ]
أسباب موافقة اليهود على المعاهدة التي عقدها رسول الله ﷺ معهم
نقف وقفة مع موافقة اليهود على هذه البنود التي في المعاهدة، مع أنهم قوة لا يستهان بها، فاليهود أعداد كبيرة، ولديهم سلاح وقلاع واستقرار وتاريخ ومال، وأشياء كثيرة جدًا وقوية، والدولة الإسلامية ما زالت في طور الإنشاء ولم يعترف بها أحد بعد، فلماذا قبل اليهود بهذه الدنية في هذه المعاهدة؟ ولماذا سلموا رقابهم هكذا لرسول الله ﷺ وللمؤمنين مع قوتهم؟ أولًا: من طبيعة اليهود الجبن الشديد، والله ﷾ ذكر ذلك في أكثر من موضع في كتابه الكريم: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الحشر:١٣].
وقال: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٩٦].
فالجبن الشديد شيء داخلي فطري في اليهود، وهذا لابد من معرفته جيدًا في تعاملنا مع اليهود.
ثانيًا: لو أن هذا الجبن الشديد قوبل بجبن أكبر، فإن الكفة ستكون في صالح اليهود، لكن الرسول ﵊ كان يقف في صلابة وقوة وبأس واضح، والمؤمنون معه على قلب رجل واحد، وما ذلك إلا لوحدتهم.
فالقوة التي وقف بها الرسول ﵊ هو الثبات على المبدأ، وتسابق الصحابة بشتى طوائفهم أوس وخزرج ومهاجرين من مكة المكرمة وغيرهم، وكل هؤلاء يسمعون ويطيعون لقائد واحد بمنهج واحد، وكل هذا كان له أثر كبير في إيقاع الرهبة في قلوب اليهود.
ثالثًا: الفرقة الشديدة بين فرق اليهود، فنحن نتكلم على اليهود وكأنهم فريق واحد، لكن بني قينقاع غير بني النضير وغير بني قريظة وكل فرقة لها مع الفرقة الأخرى عداوات، قال الله في كتابه: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ [الحشر:١٤]، وفي ظاهر الأمر تظن أن دولة اليهود موحدة، لكن الله يقول: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر:١٤].
فبنو قريظة كانت تحالف الأوس، وبنو قينقاع وبنو النضير كانا يحالفان الخزرج، وعندما تقوم حرب بين الأوس والخزرج تقوم حرب بين بني قريظة وبين بني قينقاع وبني النضير وهكذا.
إذًا: بينهم شقاق وخلاف كبير جدًا، والرسول ﵊ يعلم ذلك الأمر، وقال هذه الكلمات في معاهدته بقوة، وهو يعلم أن اليهود لن يجتمعوا أبدًا على قلب رجل واحد بنص كلام رب العالمين ﷾.
رابعًا: المصالح، فاليهود قبلوا بهذه التنازلات حفاظًا على مصالحهم، هم لا يريدون الدخول في مواجهة مع الأوس والخزرج؛ وذلك لأن الأوس والخزرج هم الذين يشترون منهم ما يبيعونه، فلو حصل حرب مع الأوس والخزرج ضاعت التجارة اليهودية، والتجارة والمال هما عصب حياة اليهود، فهم يحرفون الكتاب ويخونون العهود ويغيرون المواثيق من أجل حفنة من المال، والله ﷿ يقول عنهم في كتابه: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:١٦١].
خامسًا: الرهبة والجلال الذي يقع في قلوب الكافرين عند لقاء المؤمنين، وهذا شيء ليس له أدلة في يدك، بل هو شيء رباني وجندي من جنود الرحمن، قال الله ﷿: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر:٢]، بدون أي مبررات مادية يقع الرعب في قلوب الكافرين عند لقاء المؤمنين، بشرط أن يتحقق الإيمان في قلوب المؤمنين، فالله ﷿ وعد أن ينصر من نصره: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].
وقال ﷺ: (نصرت بالرعب مسيرة شهر)، قبل أن يلتقي الرسول ﵊ مع عدوه بشهر يكون العدو مرعوبًا، مع أن الفارق في القوة كبير جدًا، وهو لصالح العدو، هناك فارق في القوى المادية والأعداد والعتاد والحصون والقلاع والتاريخ والسلاح، أمور كثيرة في صالح العدو، ومع ذلك يقع الرعب في قلوبهم؛ لأن الله ﷿ هو الذي يضعه في قلوبهم: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب:٢٦].
إذًا: لهذه الأسباب جلس اليهود على طاولة المفاوضات مع الرسول ﵊، ودب الرعب في قلوبهم، وقبلوا بهذه البنود.
في أزمان أخرى إذا رأيت بأس اليهود وقوتهم على المسلمين فاعلم أن المسلمين خالفوا شرع ربهم ﷾؛ ولذلك هانوا على الله ﷿، فهانوا بعد ذلك على اليهود وعلى غيرهم من الناس، تجد خمسة ملايين يهودي يملون قراراتهم على مليار وأكثر من المسلمين، وهذا ميزان مقلوب، وليس هذا لقوة اليهود، وإنما هو لضعف المسلمين، فلابد أن يعود المسلمون إلى دينهم؛ ليحكموا حكمًا صحيحًا في ضوء الشرع الحكيم.
[ ١٨ / ١١ ]
موقف اليهود بعد عقد النبي ﷺ المعاهدة معهم
هناك شيء مهم في موضوع المعاهدات: وهو أنه لابد للحق من قوة تحميه، فإذا كنت معاهدًا لليهود فلابد أن تكون لك قوة تحميك، ليس من الحكمة مطلقًا أن تعاهد اليهود دون أن يكون لك قوة مخوفة لليهود، حتى ولو كانت كل البنود شرعية؛ لأن من طبيعتهم التمرد والمخالفة ونقض العهود، فإذا لم يكن معك قوة فما أيسر المخالفة عندهم، وانظر إلى قول الله ﷿: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:١٠٠].
فلو افترضنا أن اليهود خالفوا مخالفة صريحة للمعاهدة ماذا ستعمل؟ هل ستكتفي بالشجب والإدانة والصراخ والولولة ولطم الخدود؟ لا؛ لأن هذا كله لا ينفع مع موازين القوى العالمية.
إذًا: المعاهدات مع اليهود تحتاج إلى رجولة، وتحتاج إلى قوة وشجاعة، فلابد أن ترجع إلى معاهدة الرسول ﵊ ماذا فعل؟ ولابد أن تعرف إذا خالف اليهود ماذا تفعل؟ وكيف تتصرف؟ فماذا فعل اليهود بعد هذه المعاهدة؟ مع وفاء المسلمين بالعهد إلا أن اليهود بدءوا يتحرشون بالمسلمين، وكعادة اليهود يتحرشون دائمًا بالمسلمين بصورة غير مباشرة، أي: يدفعون غيرهم للعمل دون أن يكون لهم ظهور واضح في الأمر.
[ ١٨ / ١٢ ]
تأثير اليهود فكريًا على المسلمين والمشركين في المدينة
أولًا: التأثير الفكري على المسلمين وعلى مشركي المدينة، فهناك أناس يفكرون في الإسلام ويريدون أن يدخلوا فيه، فبدأ اليهود في إثارة الشبهات، كما هو معروف الآن بالإعلام اليهودي، فالإعلام اليهودي في هذا الوقت الحاضر أداة من أكبر أدوات الحرب لديهم.
كذلك نفس هذا النظام كان يعمل أيام الرسول ﵊، على سبيل المثال: يعلنون أمام الأنصار أن هذا ليس هو الرسول الذي في كتبهم، ولسان حالهم: نحن أدرى بكتبنا، كان معاذ بن جبل ﵁ وأرضاه في حوار مع اليهود.
قال لهم: يا معشر يهود! اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ.
يعني: كانوا يقولون: إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله ﷿ رسوله الكريم ﷺ كفروا به كما رأينا، فـ معاذ بن جبل يقول لهم متعجبًا: كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ، وتخبروننا بأنه مبعوث وتصفونه بصفته، فما الذي غيركم؟ فقال رجل من أشراف بني النضير اسمه سلام بن مشكم: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم، فأنزل الله ﷿ قوله ﷾: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩].
الشيء الآخر في التأثير الفكري: أنهم فكروا في خطة في منتهى الخبث، فكروا أن يؤمنوا قليلًا مع رسول الله ﷺ ثم يتركوه ويقولوا: لما دخلنا معه وجدنا أنه على باطل؛ فيهتز المسلم الجديد ويتردد الذي يفكر في الإسلام.
وقال الله ﷿ في ذلك: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران:٧٢].
ثم إنهم بدءوا يكذبون القرآن الكريم، على سبيل المثال: القرآن الكريم ذكر أن الجنة للمؤمنين، وأن النار لمن كذب وكفر، قال الله ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٦].
فاليهود يقولون: نحن سندخل النار فترة محدودة جدًا من الزمن قيل في بعض الروايات: سبعة أيام، وفي بعض الروايات: أربعين يومًا وبعد ذلك نخرج من النار، ويدخل الله ﷿ المسلمين النار أبد الآبدين، فأنزل الله ﷿ قوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة:٨٠]، ودعاهم ﷺ إلى تمني الموت، فيموت أكذب الفريقين، فرفضوا ذلك.
قال ابن عباس: لو تمنى اليهود الموت لماتوا.
وقال الله ﷿ في ذلك: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٩٤ - ٩٥].
فهم يعلمون أنهم إذا تمنوا الموت أمام رسول الله ﷺ، ليعرف من هو أكذب الفريقين فإنهم هم الذين سيموتون؛ لأنهم يعلمون أنهم هم الأكذب؛ ولذلك لم يفعلوا.
وقس على هذا الأمر أحداثًا كثيرة؛ حتى إنهم في النهاية أنكروا نبوة سليمان ﵇، وذلك لأن الله ﷿ ذكر في كتابه أنه نبي، فأنكروا نبوته واتهموه بالسحر، وطعنوا في أنبيائهم للطعن في القرآن الكريم، والآيات التي نزلت في ذلك كثيرة، وليس المجال للتفصيل فيها.
إذًا: من أهم وسائل حرب اليهود للمسلمين هو التأثير الفكري عن طريق الحرب الإعلامية التي فعلوها، وإثارة الشبهات عند المسلمين، أو عند من يفكر في الإسلام.
[ ١٨ / ١٣ ]
تأثير اليهود الاقتصادي على أهل المدينة
ثانيًا: التأثير الاقتصادي، فقد ذهبوا إلى الأنصار الذين نصروا رسول الله ﷺ، وأمروهم ألا ينفقوا على من عند رسول الله ﷺ، قال الله ﷿ في ذلك: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٣٧] أي: يكتمون التوراة، فهم يبخلون بالمال، ويأمرون الأنصار بالبخل بمالهم، وبذلك يؤثرون سلبًا على اقتصاد المسلمين.
[ ١٨ / ١٤ ]
محاولة اليهود التفرقة بين المسلمين من الأنصار في المدينة
ثالثًا: محاولة التفرقة بين الصف المسلم، وفك الرباط القوي الذي صنعه ﷺ بين الأوس والخزرج، وقام بهذه المحاولة رجل يهودي كبير في السن اسمه شاس بن قيس.
قال كلمة هي في الحقيقة حكمة، قال: يا معشر يهود! تعلمون والله أنه لا مقام لكم في يثرب إذا اجتمع أبناء قيلة.
وأبناء قيلة: هم الأوس والخزرج؛ وذلك لأنه لو حصل هذا الاجتماع فإنه ستتوطد قوة الرسول ﵊ داخل المدينة المنورة، وفي هذا إيذاء لليهود، فهم يكرهون الرسول ﵊.
كذلك اليهود تجار سلاح، وكانوا يربحون أموالًا طائلة من الحرب بين الأوس والخزرج.
فالرسول ﷺ وحد الأوس والخزرج الآن، فلا يوجد هناك حرب، وستضيع قوة كبيرة جدًا من القوى الاقتصادية عند اليهود، وهي قوة تجارة السلاح، فبعث شاس بن قيس شابًا وقال له: اجلس في مجلس فيه الأوس والخزرج واذكر يوم بعاث، وذكرهم بأشعار يوم بعاث، فتتحرك فيهم النخوة والحمية والقبلية والجاهلية فيصطرع القومان، وبالفعل ذهب ذلك الشاب وعمل هذا العمل، وجلس يقول تلك الأشعار بجانب هذا وهذا، ودخل الشيطان بين الأوس والخزرج، مع أنهم من عمالقة الإيمان حقيقة، لكن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم من العروق، وقام واحد من الأوس وواحد من الخزرج فتصارعا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها جذعة، أي: نرجع مرة أخرى إلى يوم بعاث ونجعلها حربًا جديدة، فغضب الفريقان جميعًا الأوس والخزرج، وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة -مكان يدعى الحرة الآن- السلاح السلاح، فخرجوا إلى الحرة في لحظة من لحظات الضعف التي دخل فيها الشيطان فيها إلى قلوب الأوس والخزرج، وكادت أن تقوم مهلكة عظيمة بين الفريقين.
كان الرسول ﵊ جالسًا وسط مجموعة من المهاجرين، فلما وصله النبأ الخطير قام مسرعًا يجر ثوبه حتى وصل إلى الأنصار وقال كلمات تختلف تمامًا عن الكلمات التي قالها الرسول ﵊ في حل المشكلة القديمة التي دارت قبل ذلك بين مشركي الأوس والخزرج ومؤمني الأوس والخزرج، والتي هيج هذه المشكلة عبد الله بن أبي ابن سلول.
ففي الحدث السابق ذكرهم الرسول ﷺ بالقبلية، وذكرهم بالتحدي لقريش، لكن في هذا الحدث يقول الرسول ﷺ: (يا معشر المسلمين! الله الله) ذكرهم برابطة الإسلام وذكرهم بالله ﷿: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟)، علمهم أن دعوى الفرقة بين المسلمين دعوى الجاهلية، هكذا عرفها ﷺ، فدعوى القومية: أنا أوسي وأنت خزرجي من دعوى الجاهلية، ثم قال: (بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به، وقطع عنكم الجاهلية واستنقذكم بها من الكفر، وألف بين قلوبكم؟) فالحوار مختلف تمامًا، يذكرهم برب العالمين ﷾، ويذكرهم بالإسلام، يذكرهم بقال الله وقال الرسول ﷺ؛ لأن نوعية المخاطب مختلفة، وشتان بين الخطاب لمجموعة مختلطة من المشركين مع المؤمنين، والخطاب لمجموعة خالصة من المؤمنين.
وعرف القوم أنها نزغة من نزغات الشيطان، وكيد من أعدائهم، فبكوا في لحظتهم وتأثروا جميعًا في لحظة واحدة، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين، كأنه لم يحصل شيء.
مرت المشكلة بسلام، ولم يحدث أذى في داخل الصف المسلم، لكن ظهرت خطورة اليهود على المسلمين، وأنزل الله ﷿ في شاس بن قيس قوله ﷾: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:٩٨ - ٩٩].
وأنزل ﷾ أيضًا قولًا في الأوس والخزرج.
قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠٠ - ١٠١].
وتتوالى الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ
[ ١٨ / ١٥ ]
اتهام فنحاص ربنا ﷿ بالفقر ورد ابي بكر الصديق عليه
إن الصبر والحكمة من الرسول ﷺ وصحابته شجع اليهود على تجاوزات أكبر، من ذلك ما حدث عندما دخل الصديق ﵁ وأرضاه بيت المدراس، وهو بيت كبير يعلم فيه اليهود التوراة، ويقوم فيه بالتعليم حبر من أحبار اليهود اسمه فنحاص، ومعه آخر يساعده اسمه أشيع، فدخل أبو بكر على اليهود وهم يعلمون التوراة بطريقتهم، بتحريفها وتزويرها وتبديلها، وبإنكار نبوة الرسول ﷺ، فلما دخل الصديق وسمع هذا الكلام قال لـ فنحاص ومن معه: يا فنحاص! اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمدًا رسول الله ﷺ، وقد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة، فقال فنحاص لـ أبي بكر: والله يا أبا بكر! ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير! -أعوذ بالله يعني: لسنا محتاجين إليه وإنما هو الذي يحتاج إلينا- وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا! وإنا عنه لأغنياء، وما هو عنا بغني، ولو كان عنا غنيًا ما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطينا، ولو كان عنا غنيًا ما أعطانا الربا.
تخيل معنى الكلمات، يقول الله ﷾ في كتابه الكريم: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥]، فهو يقول: إن هذا نوع من الربا، ألست تعطي الله أموالًا وهو يضاعفها لك، فهذا ربا، فكيف ينهى عن الربا ويأخذه؟ فانظروا إلى مدى اعوجاج هذا الخبيث، هذا هو فنحاص، كلام يعبر عن نفسية ممزقة تمامًا، هي نفسية فنحاص ومن كانوا على دينه.
لم يجد أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه كلامًا يرد به عليه، فرد بيديه وضرب فنحاص ضربًا شديدًا في وجهه حتى اختفت معالم وجهه، وذهب إلى رسول الله ﷺ يحكي له الموقف، وكان تصرف أبي بكر على غير ما اتفق عليه المسلمون، إذ كان المسلمون مأمورين بالعفو والصفح وعدم الإيذاء.
فجاء فنحاص يشتكي إلى الرسول ﷺ ما فعله أبو بكر به، وقال له: انظر ما صنع بي صاحبك، فقال ﷺ لـ أبي بكر الصديق: (ما حملك على ما صنعت؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله! إن عدو الله هذا قال قولًا عظيمًا، إنه زعم أن الله فقير وأنهم أغنياء، فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، وضربت وجهه، فأنكر فنحاص وقال: ما قلت ذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران:١٨١]).
وهكذا أنزل الله آيات تصدق قول الصديق ﵁ وأرضاه، وكشفت ما قاله فنحاص عليه لعنة الله، وأنزل الله ﷿ في حق الصديق ﵁ وأرضاه قوله: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران:١٨٦] مع أن الغضب هنا كان لله ﷿ وليس للناس، ومع أن العقاب الذي فعله الصديق يعتبر مناسبًا للحدث؛ لأنه اعتبر أن الدفاع الذي فعله كان مناسبًا للجريمة التي فعلها فنحاص؛ لأن فنحاص سب الله ﷿ سبًا وقحًا وجرح دين المسلمين، وهذا مخالف للعهد، وكان الصديق يستطيع قتل فنحاص، فقد قال لـ فنحاص كما في إحدى الروايات: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت رأسك يا عدو الله! فاكتفى الصديق بهذا الأمر.
إذًا: مع كل هذا إلا أن الله ﷿ أمر المسلمين بالتعقل والصبر، حتى وإن كانت الجريمة قد تمت؛ لأن الدخول في حرب في هذا التوقيت لعله يفتح على المسلمين أبوابًا كبيرة من الفتن، ولعله يؤدي إلى تداعيات لا يتحملها موقف المسلمين في هذه اللحظة.
فيا ترى! هل سيستمر رد فعل المسلمين على كل هذا الإيذاء والتعدي على حرمات رب العالمين ﷾، بمجرد الصبر وتحمل الأذى، وعدم الدخول في صدامات أو صراعات؟ لا شك أن هذه مرحلة، وأن المسلمين بتغير الظروف سيغيرون هذه المرحلة، وستتغير التكليفات التي عليهم.
وسنرى إن شاء الله في اللقاءات القادمة كيف تغيرت الظروف، وأدت إلى تغيرات إستراتيجية كبرى في رد فعل المسلمين لأي إيذاء يقع على الأمة الإسلامية.
إ
[ ١٨ / ١٦ ]