بعث النبي ﷺ في أمة متفرقة فجمع شملها، وأنار ظلمتها، وأقام معوجها، وعاش حاكمًا وقائدًا بين أصحابه كواحد منهم، لم يفضل نفسه عليهم بطعام ولا شراب ولا بسكن ولا بمال، وتحمل من الأذى والجوع والحصار أكثر منهم، وكان في ذلك يبني دولته رويدًا رويدًا على أسس عقدية متينة، ولم يأبه بكل من حاربه من قريب وبعيد، وجعل من دولته مثلًا يحتذي به كل من أراد أن يشيد دولة وينشئ مجتمعًا؛ لذا كان حقًا علينا اتباعه وطاعته وحبه والسير على منواله والدعوة إلى دينه.
[ ٤٦ / ١ ]
مراحل دعوة النبي ﵊
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا؛ إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: فمع المحاضرة الثامنة عشرة من محاضرات السيرة النبوية، وهي -في الحقيقة- المحاضرة الأخيرة من هذه المجموعة: مجموعة الفتح والتمكين، وإنه لمن الصعب على النفس أن نتحدث عن خاتمة للسيرة، فإن أنفسنا قد تعلقت تعلقًا كبيرًا بالحديث عن رسولنا ﷺ؛ فحديثنا عنه كان أسعد حديث، وتدبرنا لسيرته كان أجمل تدبر، واستفادتنا منها كانت أقصى استفادة، لكن لا بد من تعليق ختامي على هذه السيرة العظيمة، وعزاؤنا أن هذا لن يكون -إن شاء الله- آخر حديثنا عن حبيبنا ﷺ، بل ستتوالى بعد ذلك دراسات ودراسات تتناول جوانب شتى من حياته ﷺ.
إن سيرته كانت مثالًا يحتذى به في كل شيء، كانت مثالًا للفرد والجماعة، مثالًا واضح المعالم للمجتمعات الصغيرة والكبيرة لبناء الأمم، فقد استطاع ﷺ بالمنهج الرباني الذي أوحي إليه أن يبني أمة من لا شيء، وأن يجمع العرب والعجم على دين واحد ومبدأ واحد، وأن يقيم حضارة استحال على الزمان أن يجود بمثلها.
بعث ﷺ في أمة مفرقة مشتتة، فشا فيها الظلم، وتعددت فيها صور الباطل، وكثرت فيها الآثام والشرور، وتمكن فيها المتكبرون والمتجبرون، فبدأ في أناة عجيبة وصبر رائع يغير الأوضاع، يعدل من المسار، يقوم المعوج، يوضح الطريق، يكمل الأخلاق، ما ترك معروفًا إلا وأمر به، ولا منكرًا إلا ونهى عنه، مع العلم أن طريقه لم يكن سهلًا، بل كان مليئًا بالصعاب والأشواك، فقد عارضه الكثيرون، وحاربه القريب والبعيد، حتى حاربته عشيرته وقاومه أهله، ومع هذا ما لانت له قناة، وما فترت له عزيمة ﷺ.
مر ﷺ في بنائه لأمته بمراحل محددة لا بد أن تمر بها كل أمة لكي تبنى، وكان له سنة ثابتة في كل مرحلة.
[ ٤٦ / ٢ ]
مرحلة الإعداد
المرحلة الأولى التي مر بها ﷺ أسميها: مرحلة الإعداد، هذه المرحلة بدأت منذ نزول الوحي، واستمرت حوالي خمس عشرة سنة من حياته ﷺ، وهي فترة بقائه في مكة وسنتين من المدينة المنورة إلى قبيل موقعة بدر.
في هذه الفترة بدأ ﷺ بانتقاء الأفراد الصالحين لحمل الأمانة الثقيلة، ونجح ﷺ في تربيتهم وإعدادهم لهذه المهمة الضخمة، مهمة حمل الدين الإسلامي، ليس فقط إلى أهل مكة أو إلى العرب، بل إلى العالم أجمع.
كان بناءً صعبًا شاقًا، كان بناءً للإنسان من جديد حرص فيه ﷺ على توجيه نيات وقلوب الصحابة ﵃ وأرضاهم إلى ربهم ﷾ الواحد الأحد الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، خلصت قلوبهم لله ﷿، عظموا قدره، أحبوا جنته، خافوا من ناره؛ فتحركت كل ذرة في كيانهم له ﷾، أصبح منتهى آمالهم أن يعملوا له ﷾، وأن يرضى عنهم، وأن يقبل منهم، وأن يغفر لهم ويرحمهم، فلما أصبحوا على هذه الصورة هانت عليهم كل المصاعب، وهانت عليهم كل المشكلات، صغرت في أعينهم جبابرة الأرض ومن ثم حملوا رسالة الإسلام العظيمة، وقاوموا بإصرار كل من حاول أن يثنيهم عن الوصول بهذه الرسالة إلى آفاق الأرض وإلى كل العالمين.
واعلموا أنه بدون جيل كجيل الصحابة ﵃ وأرضاهم يستحيل بناء الأمة الإسلامية.
هذه كانت أول خطوة: إعداد الطائفة التي تحمل على أكتافها الأمة الإسلامية.
لم يتركه أهل مكة يفعل هذا دون مقاومة أو صد، بل حاربوه هو وأصحابه ﷺ بكل طريقة، عذبوهم، قهروهم، بطشوا بهم، وقتلوا منهم حتى اضطروهم إلى الهجرة إلى بلاد الحبشة مرة ثم الثانية، ومع ذلك كان المؤمنون في ازدياد في العدد وازدياد في الإيمان، اضطر المشركون أن يحصروهم في شعب أبي طالب ثلاث سنين كاملة فما ضعفوا وما استكانوا، وخرجوا من الشعب أشد قوة وأعظم بأسًا.
مات نصيره من أعمامه أبو طالب، وماتت زوجته الوفية خديجة ﵂؛ فاشتد إيذاء قومه له أكثر من ذي قبل، حتى خرج إلى الطائف يبحث عن النصرة فما وجدها، بل وجد الصد والإعراض والتكذيب والشقاق وسوء الأخلاق، ثم عاد مرة ثانية إلى مكة ﷺ يكلم كل صغير وكبير في الإسلام، يخاطب كل وافد على مكة في حج أو في غيره ليشرح له رسالة ربه ﷾، فكذبته عامة القبائل ورفضوا دعوته بكل إصرار، حتى شاء الله ﷿ له أن يقابل ستة من الخزرج من أهل يثرب -المدينة المنورة- فآمنوا به وصدقوه وعادوا إلى قومهم بالدين الجديد يدعون إلى الإسلام في المدينة المنورة، فآمن معهم آخرون وجاءوا بعد عام إلى مكة ليبايعوا رسول الله ﷺ بيعة العقبة الأولى، ثم عادوا إلى المدينة ومعهم مصعب بن عمير فما تركوا بيتًا ولا شارعًا ولا حديقة ولا مجتمعًا إلا وعرفوه بالدين، فانتشر الإسلام في المدينة انتشارًا باهرًا، وجاء منهم بعد عام آخر ثلاثة وسبعين من الرجال وامرأتان، جاءوا ليبايعوا الرسول ﵊ بيعة العقبة الثانية ليصبحوا بذلك أنصار الله ورسوله، وما هي إلا أشهر قليلة بعد تلك البيعة حتى ترك رسول الله ﷺ مكة بكفرها، وهاجر إلى المدينة المؤمنة التي صارت بعد ذلك معقل الإسلام، ونواة الدولة الإسلامية الأولى، وهاجر الصحابة المكيون إلى المدينة مع رسولهم ﷺ، وعرفوا بعد ذلك بالمهاجرين، واجتمع المهاجرون والأنصار بقيادة الرسول ﷺ على بناء الدولة الإسلامية كما ينبغي أن تبنى الدول.
بنى ﷺ دولته بشمول عجيب، بناها بتوازن لافت للنظر، استكمل كل جوانب دولته السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية وقبل ذلك العقائدية، وصارت دولته مضربًا للمثل لأي دولة في العالم في الرقي والحضارة والسمو والأخلاق، ومع صغر حجم دولته وقلة إمكاناتها المادية لم يتركه أعداؤهم من المشركين من أهل قريش أو من الذين لم يؤمنوا من أهل المدينة، بل تعاونوا مع الأعراب ومع اليهود على حربه والكيد له ﷺ، لكنه قاومهم بحكمة وحنكة لافتة للنظر، تارة بالمعاهدات، وتارة بالإعراض، وتارة بالسرايا، وظل في كل ذلك محافظًا على نهجه التربوي للمهاجرين والأنصار حتى أذن الله ﷿ للصدام الأول بين الكفر والإيمان، وبين أهل الحق وأهل الباطل، أذن الله ﷿ أن يحدث هذا الصدام فدخل المسلمون بسببه في مرحلة جديدة.
كانت غزوة بدر الكبرى أو يوم الفرقان، وحدث فيها ما لا يتخيله عامة البشر، فقد انتصرت الفئة القليلة المؤمنة على الكثرة المشركة، وتحقق وعد الله ﷿، وارتفع شأن المسلمين في الجزيرة العربية، وسمع بهم كل العرب، وخضع مشركو المدينة ودخلوا في الإسلام إما اقتناعًا به وإما نفاقًا له، فظهرت بذلك طائفة المنافقين الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، وصارت هذه الفئة أخطر
[ ٤٦ / ٣ ]
مرحلة وضوح الرؤية
بعد غزوة بدر دخل المسلمون في مرحلة جديدة هامة أسميها: مرحلة زمن وضوح الرؤية، وهي عبارة عن سلسلة مضنية من الأزمات والابتلاءات والمعارك، فقد وقعت غزوة بني قينقاع بعد أقل من شهر من غزوة بدر، وحدثت مفاصلة مع اليهود مع شدة احتياج المسلمين في ذلك الوقت لمال وسلاح اليهود، لكن المؤمن الصادق لم يكترث بهذا، بينما ظهر ولاء المنافقين لليهود، ثم كانت مصيبة أحد ومأساة بئر معونة وحادثة ماء الرجيع، فكان لهذه الأزمات المتتالية أبلغ الأثر في تمييز الصف.
هذه المصائب لم يخترها الرسول ﵊، بل هي السنة الإلهية في اختبار المجتمع المسلم، فيثبت الصادقون وينجحون، ويهتز المنافقون ويفشلون، ومع هذه الفترة العصيبة كانت الانتصارات التي تبشر المؤمنين، فقد كان الانتصار المهيب على بني قينقاع وعلى بني النضير وغير ذلك من بعض الانتصارات التي رأيناها في بعض السرايا والغزوات، حتى شاء الله ﷿ أن يحدث التمحيص الكبير والابتلاء العظيم، والتفرقة الواضحة بين المؤمنين الصادقين والمنافقين الكاذبين، فكان اجتماع المشركين من قريش وغطفان وغيرهما على حرب المسلمين بمساعدة يهود خيبر، وعرف ذلك في السيرة بغزوة الأحزاب أو غزوة الخندق.
هذه كانت واحدة من أشد الأزمات التي مرت بالأمة الإسلامية إن لم تكن أشدها على الإطلاق، وبفضل الله ثبت المسلمون وصبروا وتحملوا الجوع والخوف والبرد، وكتب الله لهم في النهاية النصر بعد أن كشفت لهم تمامًا أوراق المنافقين، وعلا نجم المؤمنين بعد هذه الغزوة، حتى قال ﷺ بعد رحيل الأحزاب كلمته المشهورة التي تعبر عن دخول مرحلة جديدة، قال: (الآن نغزوهم ولا يغزونا)، نحن نسير إليهم.
ثم كتب الله ﷿ النصر للمسلمين في غزوة بني قريظة، وهي القبيلة اليهودية الثالثة بالمدينة بعد بني قينقاع وبني النضير، وبذلك أمنت المدينة من شر يهود في الداخل، ولم يبق من اليهود إلا التجمع الكبير خارج المدينة وهو تجمع خيبر، وكان العام السادس الذي تلا غزوة الأحزاب عامًا عسكريًا بحتًا انتشرت فيه سرايا المسلمين هنا وهناك، ودانت لهم السيطرة على بقاع كثيرة في الجزيرة، وانتهى هذا العام بحدث جليل مهيب سماه رب العالمين ﷾ فتحًا مبينًا، ألا وهو صلح الحديبية، والذي اعترفت فيه قريش وللمرة الأولى بدولة المسلمين، وازدادت هيبة المسلمين في الجزيرة بشكل واضح، وأعقب ذلك تحركات سياسية وعسكرية ودعوية من المسلمين على أعلى مستوى، وانتقل المسلمون من المحلية إلى العالمية، ومن الجزيرة العربية إلى كافة الممالك والإمبراطوريات المعاصرة في ذلك الوقت.
وراسل ﷺ ملوك وأمراء العالم يدعوهم إلى الإسلام، وأعقب ذلك بانتصار جليل على اليهود في خيبر، ثم انتصار أجلّ على الرومان في مؤتة، وأسلم الكثير من عظماء وفرسان العرب حتى توجت الانتصارات الإسلامية بالفتح العظيم في العام الثامن من الهجرة، حيث فتحت مكة أحب بلاد الله ﷿ إلى الله ورسوله، وآمن أهل مكة بعد رحلة طويلة من الصد عن الإيمان.
وبعدها مباشرة انتصر المسلمون انتصارًا باهرًا على قبيلتي هوازن وثقيف في موقعة حنين المشهورة بعد هزة وانكسارة أولى بهجوم ساحق وسيطرة كاملة على مجريات الأمور، وغنم المسلمون في هذه الغزوة ما لا يتخيلونه من الأموال والأنعام، وذاع صيت المسلمين في كل مكان، وجاءت الوفود من كل ناحية إلى المدينة المنورة تبايع على الإسلام، وأشرقت الأرض بنور ربها، وقرت عين الحبيب ﷺ برؤية الإسلام يدخل كل بيت، وبرؤية الناس يسعدون بإيمانهم وينقذون من النار.
وتخلل هذا الإقبال على دين الإسلام دعوة جريئة من رسول الله ﷺ إلى جهاد الرومان في تبوك، وكان التجمع الإسلامي الرائع في ثلاثين ألف مقاتل مؤمن يقطعون الصحراء في ظروف صعبة قاسية دون تردد ولا وجل، فأنزل الله ﷿ عليهم نصره دون قتال، وفرت جحافل الرومان من جيوش الإيمان، وارتفعت راية الإسلام في كل ربوع الجزيرة، بل وفي أطرافها وما حولها.
ثم ختم رسول الله ﷺ حياته بحجة الوداع في العام العاشر من الهجرة بمظاهر إيمانية رائعة حضرها ما يزيد على مائة ألف مؤمن، فكانت هذه الحجة تتويجًا لجهود مضنية، ولتضحيات سخية، واطمأن ﷺ على اجتماع أمته وعلى فقهها في دينها، وكمل الدين وتمت النعمة بنزول قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] ومن ثم انتهت مهمة رسول الله ﷺ في تبليغ الرسالة وبناء الأمة، وحان وقت رحيله لينتقل بعد ذلك إلى حياة لا تعب فيها ولا نصب في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
حياة حافلة يظل البشر إلى يوم القيامة ينهلون من خيرها، ويستفيدون من دروسها، ويتعلمون من مواقفها، ويستمتعون بأحداثها، إنها سيرة خير البشر، وسيد المرسلين، وإمام الدعاة، وخاتم النبيين، حبيب الرح
[ ٤٦ / ٤ ]
السمات العامة للسيرة النبوية
بعد هذا العرض السريع لهذه السيرة العظيمة سيرة الحبيب ﷺ، لا بد لنا من وقفة أو وقفات معها نستخرج منها بعض السمات العظيمة -لا كل السمات- التي تظهر في عموم البعث النبوي لا في موقف عابر وليس في حدث معين، سمات عامة تصاحب كل مواقف السيرة من أولها إلى آخرها، ونسأل الله ﷿ أن ينفعنا بها جميعًا.
[ ٤٦ / ٥ ]
شخصية النبي ﷺ الباهرة العظيمة
أول سمة نلاحظها في السيرة النبوية هي: الشخصية الباهرة لرسول الله ﷺ، إنها فعلًا شخصية باهرة، هذه الشخصية ظلت محافظة على هذا الإبهار منذ الميلاد وإلى الممات، وهذا أمر في منتهى العجب لا يفسر إلا بكون هذا الرجل ﷺ رسولًا من رب العالمين ﷾، معصومًا من الآثام والشرور، لا أثر للشيطان عليه من قريب ولا بعيد، لا سبيل إلى غوايته بصورة من الصور ﷺ، هذه أعظم شخصية في تاريخ الخلق، ليس فقط في السابقين، ولكن إلى يوم القيامة، وليس فقط في عموم البشر بل في الأنبياء والمرسلين.
فرسول الله ﷺ لم يكن رسولًا فقط، بل كان حاكمًا وقائدًا وزعيمًا، ومع هذا عاش مع أصحابه وأتباعه كواحد منهم، ما فضل نفسه عليهم بطعام ولا بشراب ولا بسكن ولا بمال، تحمل معهم الأذى في كل موضع، وجاع معهم كما يجوعون بل أكثر، وتعب معهم كما يتعبون بل أشد، وحوصر معهم وهاجر وقاتل، بل كان أقربهم للعدو، ما فر يومًا في حياته لا في أحد ولا في حنين ولا في غيرهما، لم يزده كثرة الأذى إلا صبرًا، ولم يزده إسراف الجاهلين إلا حلمًا، ما غضب لذاته قط ﷺ، وما انتقم لنفسه أبدًا، إلا أن تنتهك حرمة الله ﷿ فينتقم حينئذ لله.
كان كريمًا واسع الكرم، جاءت له الدنيا راغمة فأنفقها كلها في سبيل الله، كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعًا من شعير، مع كونه في ذلك الوقت كان يرأس دولة تشمل الجزيرة العربية بكاملها، لم يورث درهمًا ولا دينارًا، ولا عرف عنه قط أنه خص نفسه بشيء دون أصحابه وأتباعه، كان كثير المخالطة لشعبه، لم ينعزل عنهم أبدًا، كان يجالس الفقراء ويرحم المساكين وتسير به الأمة في شوارع المدينة لحاجتها أينما شاءت، وكان يعود المرضى ويشهد الجنائز، ويخطب الجمع، ويعطي الدروس، ويزور أصحابه في بيوتهم ويزورونه في بيته ﷺ، وهو في كل ذلك دائم الابتسام، منبسط الأسارير، متهلل الوجه ﷺ.
كان رحيمًا بأمته تمام الرحمة، ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه، كان كثير العفو حتى عمن ظلمه وبالغ في ظلمه، كان واصلًا للرحم حتى لمن قطع رحمه وبالغ في القطع.
لم تكن عظمته ﷺ في معاملاته مع الناس أو في أخلاقه الكريمة فقط، ولكنه كان سياسيًا بارعًا، وقائدًا حكيمًا، وخطيبًا مفوهًا لا تفوت عليه صغيرة ولا كبيرة، أوتي جوامع الكلم، يتكلم بالكلمات القليلة فيمكث العلماء والحكماء الأعوام والقرون يستخرجون المعاني الهائلة منها، يحاور كأفضل ما تكون المحاورة، ويفاوض فما يتنازل أو يزل أو يظلم أو يغضب، يستعين بأصحابه ويشاورهم مع رجاحة عقله عنهم، وارتفاع منزلته فوقهم، ما يسفه رأيًا ولا ينتقص أحدًا، الحكمة ضالته أينما وجدها أخذها ما دامت في حدود الشرع.
كانت حياته كلها على هذه الصورة البهية النقية، حتى انبهر به أعداؤه قبل أصحابه، وحتى عظمه وبجله وقدره من سمع عنه ولم يره، بل الذين لم يعاصروه أصلًا، بل حتى من هم من غير المسلمين.
يقول بسمارك زعيم ألمانيا المشهور في القرن التاسع عشر: إني أدعي أن محمدًا ﷺ قدوة ممتازة، وليس في الإمكان إيجاد قدوة كمحمد ثانيًا.
ﷺ.
برناردشو الأديب البريطاني المشهور كان يقول: لو كان محمد بن عبد الله - ﷺ - بيننا الآن لحل مشاكل العالم كلها وهو يشرب كوبًا من القهوة.
يقول لامارتين الشاعر الفرنسي المتميز: من ذا الذي يجرؤ من الناحية البشرية على تشبيه رجل من رجال التاريخ بمحمد؟ - ﷺ- ومن هو الرجل الذي ظهر أعظم منه عند النظر إلى جميع المقاييس التي تقاس بها عظمة الإنسان.
ويقول تولستوي الأديب الروسي المشهور: أنا واحد من المبهورين بالنبي محمد ﷺ الذي اختاره الله الواحد لتكون آخر الرسالات على يديه، وليكون هو أيضًا آخر الأنبياء.
ويقول جوته الشاعر الألماني الشهير: بحثت في التاريخ عن مثل أعلى لهذا الإنسان فوجدته في النبي العربي محمد ﷺ.
هذا هو رسولنا ﷺ، تعرفنا في هذه السلسلة على طرف ضئيل جدًا من شخصيته العظيمة، ولن نستطيع بأي حال من الأحوال أن نحيط بعظمته؛ لأن محاولة الإحاطة بعظمته تدخل فعلًا في باب المستحيل، هي هذه السمة الأولى البارزة من خلال دراسة السيرة النبوية.
[ ٤٦ / ٦ ]
عظمة جيل الصحابة
السمة الثانية في السيرة النبوية هي: روعة وعظمة ورقي الجيل الذي عاصر رسول الله ﷺ من المؤمنين، وهم الصحابة ﵃ وأرضاهم.
الصحابة هم خير البشر بعد الأنبياء، يقول ﷺ: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) إلى آخر الحديث.
لقد اختار الله ﷿ الصحابة لصحبة نبيه ﷺ تمامًا كما اختار نبيه ﷺ، والرسول ﵊ كان أميًا لا يكتب ولا يقرأ، فكان لا بد من وجود جيل صالح ورع حكيم دقيق لينقل بأمانة وبدقة ما قاله أو فعله أو أقره رسول الله ﷺ، ظهر لنا منذ أول لحظات هذه السيرة وحتى خاتمتها أن هذا الجيل كان جيلًا أمينًا مضحيًا مجاهدًا متجردًا لله ﷿، حريصًا على كل خير، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، باذلًا الوسع كل الوسع لنصرة الله ورسوله ودين الإسلام.
رأينا في هذه المحاضرات مواقف مشرفة لا تحصى في كل المواقف، في مكة والمدينة، في بدر وأحد والأحزاب والحديبية ومكة وتبوك وغيرها وغيرها، وليس فقط في الغزوات أو المعارك ولكن في كل مواقف السيرة، وليس معنى هذا أنهم جيل بلا أخطاء أو أنهم معصومون من الزلل، ولكن كما يقولون: أخطاؤهم تذوب في بحار حسناتهم، كما أنهم بفضل الله كانوا سريعي التوبة من ذنوبهم، سريعي الأوبة إلى الله ﷿، وفوق ذلك لم يتهم واحد منهم بالكذب أو الخيانة أو التضليل.
هؤلاء هم صحابة الرسول ﵊، والذين وصفهم عبد الله بن مسعود ﵁ بقوله: كانوا أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، اختارهم الله لصحبة نبيه ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.
[ ٤٦ / ٧ ]
السنة مصدر أساسي للتشريع
السمة الثالثة: السنة مصدر أساسي للتشريع: ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن السنة النبوية مصدر رئيس لا غنى عنه أبدًا من مصادر التشريع في الإسلام، والسنة التي أقصدها هنا هي منهجه ﷺ في الحياة، هي كل قول أو فعل صدر منه، كل تقرير أقره ﷺ، ليس القرآن وحده هو المصدر التشريعي الوحيد كما يدعي بعض المنكرين للسنة، بل رأينا بوضوح في السيرة النبوية من خلال هذه الدراسة: أن حياته ﷺ كانت تشريعًا كاملًا للأمة، كانت تفسيرًا جليًا لآيات القرآن الكريم، كانت تفصيلًا لما أجمل في القرآن، كانت بسطًا لما اختصر في القرآن، بل كانت أحيانًا مشرعة لأحكام لم تأت أصلًا في القرآن، رأينا ذلك في غزوة خيبر عندما حرم الرسول ﷺ الحمر الإنسية.
رأينا بوضوح في السيرة النبوية أن قصة الرسول ﵊ لم تكن مجرد قصة لعابد يصلي ويصوم ويقوم ويقرأ القرآن، لكن حياته كانت تشريعًا كاملًا متكاملًا، قام فيها ﷺ بتوضيح موقف الشرع من كل قضية من قضايا الحياة.
هذا ما يجعلنا نقول وبصدق: إن الاستغناء عن السنة يعني الاستغناء عن الدين، والطعن في حجية السنة هو الطعن في الإسلام ذاته، ودراسة السيرة أكبر دليل على الموضوع.
[ ٤٦ / ٨ ]
شمولية الإسلام
السمة الرابعة: شمولية الإسلام: الإسلام ليس كما يعتقده الكثيرون صيام وصلاة؛ إذ ليس موطن تطبيق الإسلام المسجد فقط، ولكن الإسلام دين يحكم كل دقائق الحياة، كما يتضح من اسمه، فالإسلام هو إسلام كامل لله رب العالمين، ويظهر معنى الإسلام الذي نقصده في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] فالعبادة والحياة والممات كلها لله ﷿، وليس معنى هذا أن التشريع جمود يمنع من مواكبة تغيرات الزمان، لكن التشريع فيه مرونة كبيرة جدًا تجعله صالحًا لكل ظرف، قابلًا للتطبيق في الجزيرة العربية وفي غيرها من بقاع العالم المختلفة، قابلًا للتطبيق في زمان الرسول ﵊ وفي الأزمان التي لحقته وفي زماننا وإلى يوم القيامة.
واجه الرسول ﵊ ظروفًا متباينة تمامًا في مراحل حياته المختلفة، ومع ذلك كان هناك قانون لكل فترة حسب الظروف والمتغيرات، وكان هذا القانون من الشمول بحيث إنه غطى كل جوانب الحياة الإيمانية والتعبدية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والقضائية والعسكرية وغير ذلك من الجوانب، استوعب القانون الإسلامي معاملات الرسول ﵊ وأصحابه في فترة مكة، فترة الاضطهاد والتعذيب والتنكيل، كما أنه استوعب معاملات الرسول ﵊ وأصحابه في المدينة المنورة في كل مراحلها، سواء في فترة الإعداد، أو في فترة الصدام مع العدو، أو في فترة التمكين والعلو في الجزيرة، في فترة دعوة العالم، في كل هذه الفترات استوعب القانون الإسلامي كل المتغيرات والظروف.
ما يجعلنا نجزم بشمول المنهج الإسلامي، وأنه منهج بلا ثغرات مطلقًا، وكيف يكون به ثغرات وهو منهج رب العالمين ﷾؟! كيف يصل المخلوق إلى ما هو أبدع وأروع مما صنعه الخالق؟! هذا مستحيل، هذا هو منهجنا منهج الإسلام، وكان هذا واضحًا تمام الوضوح في دراسة السيرة النبوية.
[ ٤٦ / ٩ ]
الوسطية في منهج النبي ﷺ
السمة الخامسة البارزة في السيرة النبوية هي: الوسطية في منهجه ﷺ: ولا بد أن نتحدث عن الوسطية بعد حديثنا عن الشمول؛ فالذي يدرس السيرة النبوية ويتجول بين صفحاتها يدرك تمامًا أن رسول الله ﷺ تعامل مع قضايا حياته المختلفة بتوازن رائع، فليس معنى أنه كان يجد قرة عينه في الصلاة أن يهمل بيته، بل كان يأمر الصحابة ﵃ وأرضاهم الذين يبالغون في العبادة إلى درجة إهمال شئون حياتهم الأخرى، يأمرهم أن يقللوا من العبادة، وأن يأخذوا من وقت الصلاة والصيام ويعطوا زوجاتهم وأولادهم، نعم كان يحب الإنفاق في سبيل الله ويحض عليه، لكنه ما كان يترك أصحابه ينفقون كل أموالهم في سبيل الله دون أن يتركوا شيئًا لأولادهم، بل أمرهم أن يتركوا ورثتهم أغنياء، ولم يقبل منهم ﷺ إنفاق المال كله في سبيل إلا في ظروف معينة، ومن أفراد بأعيانهم كـ الصديق ﵁ في قصة الهجرة وتبوك.
وليس معنى أنه كان يحب الموت في سبيل الله ﷺ حتى قال: (لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل) ليس معنى هذا أن يلقي بنفسه في المهالك دون اكتراث أبدًا، بل رأيناه ﷺ يلبس درعين من حديد، ويضع الخطة المناسبة للمعركة، ويرسل العيون، ويأخذ بجوانب الحيطة والحذر، ويؤمن ظهره، ويحمي جيوشه وشعبه، هكذا رأيناه في دروس السيرة النبوية ﷺ.
حياة متوازنة راقية لا إفراط ولا تفريط، لا تشدد وتطرف، وكذلك لا تسيب وتنازل، حياة متوازنة عبر عنها ربنا ﷾ بقوله وهو يصف هذه الأمة العظيمة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣].
[ ٤٦ / ١٠ ]
البعد الأخلاقي للتشريعات الإسلامية
السمة السادسة، وقد رأيناها واضحة في السيرة النبوية: البعد الأخلاقي العظيم في كل التشريعات الإسلامية، قال الرسول ﵊ فيما رواه البيهقي عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه وهو يصف بعثته ﷺ، ويقصرها ﷺ على إتمام مكارم الأخلاق، يقول: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
عند النظر إلى كل شعائر الإسلام تجد أنها في المقام الأول تسمو بالأخلاق، الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، الصوم ينهى عن قول الزور والشقاق والعراك والتشاحن، الصدقة تطهر النفس وتوطد العلاقات الطيبة في المجتمع، وهكذا في كل التشريعات.
في أحداث السيرة النبوية رأينا أن الرسول ﵊ كان حريصًا على هذا الجانب الأخلاقي في كل مواقفه وفي كل معاملاته ﷺ.
يكفي فقط أن نذكر مجالين يتعجب الكثير في زماننا الآن من ارتباط الأخلاق بهما: أما المجال الأول فهو: المجال السياسي، ألف الناس في زماننا الآن وقبل ذلك تصوير السياسة على أنها خبث وكيد وخيانة وغدر ونفاق وعنف، لكن الرسول ﵊ أثبت لنا عكس ذلك تمامًا، رأيناه في مكة وفي المدينة يحاور ويفاوض، ولكنه ما كذب ولا غدر ولا خان ﷺ، بل إنه لم تخرج منه كلمة سوء واحدة يندم عليها ﷺ، لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا حتى مع أعتى الأعداء، بل كان واسع الصدر ﷺ، كان مبتسمًا هادئًا حييًا، كان خلوقًا ﷺ في سياسته الداخلية مع شعبه وحكومته وأعوانه وأنصاره بل ومع معارضيه، بل حتى المنافقين معلومي النفاق بالوحي كان يحسن صحبتهم ويعفو عن سبابهم أو قطيعتهم ﷺ.
وكان خلوقًا كذلك في سياسته الخارجية مع رسل وأمراء وملوك العالم، حتى من حاربه منهم فإنه لم يخرج أبدًا عن حدود اللياقة والأدب وحسن الخلق ﷺ، وراجع -إذا أحببت- محاوراته ﷺ مع كفار مكة أمثال عتبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة ووفود قريش المتتالية.
أيضًا انظر إلى مباحثاته ﷺ مع بني عامر وبني شيبان وغيرهما، وراجع بيعتي العقبة الأولى والثانية، راجع المعاهدات والمحاورات مع اليهود ومع مشركي المدينة، راجع صلح الحديبية، راجع استقباله ﷺ للوفود المختلفة على مدار السنوات المتعاقبة، راجع الرسائل إلى ملوك العالم، والخطب السياسية والمكاتبات إلى العمال والأمراء، ولا نبالغ إذا قلنا: إن علينا أن نراجع حياته بكاملها لأنه ما خلت لحظة من لحظات حياته، ولا مرحلة من المراحل التي مر بها في سياسته من أخلاق رفيعة وخلال حميدة في كل المواقف.
هذه كانت أخلاقه في الجانب السياسي من حياته ﷺ، والكلام يستغربه سياسيو العصر الحديث ومحللو العالم ومفكروه، لكن هذا واقع رأيناه في السيرة النبوية.
المجال الآخر -وهو صعب أن تجد زعيمًا من زعماء العالم إلا من رحم الله ﷿- يفلح في التحلي بالأخلاق في الجانب العسكري والواقع أن الضوابط الأخلاقية التي وضعها ﷺ في حروبه من المستحيل فعلًا الإلمام بها في هذه العجالة، فهي تحتاج إلى بحث مفصل ودراسة متأنية، ويكفي أن نذكر أنه كان دائمًا يجعل الحروب آخر الحلول، لم يكن أبدًا -كما يشاع عنه في بعض الكتابات أو الرسوم- متعطشًا للدماء كما نرى الكثير الآن من قادة وعسكري العالم، لكن كان كثير العفو ﷺ عن عدوه في حالة تسليم العدو ورضوخه، وراجعوا فتح مكة، راجعوا موقعة حنين وغيرهما، وكان يحرم ﷺ الخيانة في الحرب، أو نقض العهود، أو الهجوم دون إنذار، وكان يحرم قتل النساء والأطفال وكبار السن ورجال الدين غير المحاربين، وكان يكرم الأسرى ويوصي بهم، وكان يحرم قطع النخيل والأشجار إلا بضرورة عسكرية، وكان لا يهدم الديار ولا يخرب الأراضي ﷺ، كان لا يعيث في الأرض فسادًا بما اعتدنا أن نراه في الحروب غير الإسلامية سواء في القديم أو الحديث، دعوة الإسلام دعوة أخلاق في المقام الأول، والذي يدرس أحداث السيرة سيجد أن هذه السمة بارزة لا تخفى على أي محلل، ولن يجهلها أي منصف، وصدق الله ﷿ عندما وصف حبيبنا ﷺ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] إذًا: هذه هي السمة السادسة من السمات البارزة في السيرة النبوية.
[ ٤٦ / ١١ ]
أبدية الحرب والصراع بين الكفر والإيمان في الحياة
السمة السابعة: أن الحرب بين الحق والباطل وبين الإيمان والكفر حرب أبدية يستحيل أن تخلو منها فترة من فترات الحياة، فالحق من وظيفته أن يقاوم الباطل، وكذلك الباطل لن يرضى أبدًا أن يبقى الحق في الأرض دون مقاومة، والرسول ﵊ كان يدرك ذلك جيدًا، وكان يجاهد الكفار بطرق مختلفة حسب المرحلة، فأحيانًا يجاهد باللسان والقرآن، وأحيانًا بالسلاح والسنان، قد تختلف الوسيلة ولكنه في كل الأحوال يجاهد ﷺ، أحيانًا يختلف العدو حسب المرحلة، لكن دائمًا هناك عدو، تارة يكون الأعداء من قريش، وتارة من مشركي المدينة، وتارة من المنافقين، وتارة من الأعراب، وتارة من اليهود، وتارة من النصارى، وتارة من المجوس، يتنوع أعداء الأمة حسب المكان والزمان، لكن يغلب على صفة كل الحروب أنها حرب عقائدية تدور في محورها الرئيس حول قضية الدين، يدخل فيها أحيانًا عوامل أخرى مثل الاقتصاد أو بعض الأمور الاجتماعية أو حب السلطة، لكن يظل العامل الرئيس في المعركة هو الدين، في هذا المعنى قال ربنا ﷾: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]، وهذا أمر رأيناه في كل مراحل السير، طالما أن المسلمين مستمسكون بدينهم ستظل الحرب دائرة بينهم وبين أعدائهم.
كان الرسول ﵊ يعلم أن هذا الصراع ليس صراعًا شخصيًا معه ﷺ، إنما هو صراع عقائدي سيستمر مع أصحابه وأتباعه إلى يوم القيامة، لذا كان من آخر وصاياه ﷺ إنفاذ بعث أسامة بن زيد ﵄ إلى حرب الرومان، وأوصى بإخراج المشركين من جزيرة العرب، وجعل الجهاد ﷺ ذروة سنام الإسلام، ولن يأتي زمان أبدًا على الأرض يختفي فيه الشر وينتهي الباطل، أو يرضى فيه أهل الباطل عن أهل الحق فتكون حالة من الحوار فقط دون قتال.
وقد وعد الله ﷿ الشيطان بالبقاء إلى يوم يبعثون، وسيظل للشيطان محاولات ومحاولات لإضلال الخلق، ولن يقبل المؤمن الصادق بهذا الإفساد في الأرض، وستبقى أيضًا محاولات الإصلاح مستمرة إلى يوم القيامة، ومن ثم فالجهاد ماض إلى يوم القيامة.
هذا ما رأيناه في السيرة ورأيناه بعد ذلك بعد أحداث السيرة، ونراه في زماننا هذا، وسيبقى إلى يوم القيامة، سنة من سنن رب العالمين: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠].
[ ٤٦ / ١٢ ]
بث الأمل في المسلمين
السمة الثامنة من السمات البارزة في السيرة النبوية هي: سمة الأمل الذي كان يبثه ﷺ في المسلمين في كل المواقف وبلا استثناء.
إن المؤمن لا يقنط أبدًا من رحمة الله ﷿، ولا يقنط أبدًا من فضله وكرمه ﷾، قال الله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦].
لذا فإن المؤمن مع رؤيته للظروف القاسية التي تمر بها الأمة الإسلامية لا يتأثر مطلقًا بذلك، ويعلم دائمًا أن الميزان في صالحه ما دام الله ﷿ معه، من هذا المنطلق يمكننا فهم الروح المتفائلة التي كان يتصف بها المجتمع المسلم في كل مراحل السيرة النبوية حتى في أشد هذه المراحل ظلامًا، رأينا ذلك في كل سنوات مكة الصعبة، بل رأينا الرسول ﵊ يبشر سراقة بن مالك بسواري كسرى وهو مطارد في هجرته من مكة إلى المدينة، ورأيناه يبشر بنصر المسلمين في بدر مع كون المشركين ثلاثة أضعاف المسلمين، ورأيناه يطمئن المسلمين بعد مصيبة أحد أن الدولة الأخيرة ستكون للمؤمنين، ورأيناه يبشر المؤمنين ليس بفك الحصار عن المدينة أيام الأحزاب فقط، ولكن أيضًا بفتح فارس والشام واليمن، منهج حياة كامل رأيناه بارزًا في السيرة النبوية في كل المراحل.
لم يكن هذا التبشير فقط في المواطن الصعبة أو في مواقف الأزمات، بل كان سياسة عامة انتهجها ﷺ في كل أحاديثه وخطبه وحواراته وتعليقاته ﷺ.
يقول ﷺ فيما رواه الإمام مسلم عن ثوبان ﵁ وأرضاه: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها)، إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة مما يجعل هذه البشرى وهذا الأمل منهجًا واضحًا من مناهج رسول الله ﷺ في بناء أمته.
[ ٤٦ / ١٣ ]
سعادة المسلمين بالمنهج الإسلامي
السمة التاسعة من السمات البارزة في حياته ﷺ هي: سعادة المسلمين بمنهجهم الإسلامي حتى في أشد حالات التعب والمعاناة.
ولعلنا نفسر سبب السعادة بعد بدر والأحزاب وفتح مكة وغير ذلك من الانتصارات والإنجازات، لكن قد يتساءل أحد ممن يدرسون السيرة فيقول: هل هناك سعادة في تعذيب أهل مكة للمؤمنين؟ هل هناك سعادة في مصيبة أحد؟ هل هناك سعادة في أزمة حنين؟ الحق: أنه ليس هناك فترة من فترات السيرة النبوية إلا وتلحظ فيها لونًا من ألوان السعادة، حتى ولو كان الظاهر حزنًا وألمًا؛ فالمسلم الصادق يعاني ويتألم وهو يعلم أن العاقبة للمتقين، وأنه سيأتي يوم يمكن الله ﷿ فيه للإسلام ويعز فيه الدين، وهذا الأمل يبعث في نفسه الراحة والسعادة والاطمئنان، إضافة إلى سعادة المؤمن بعدم خصامه مع الكون والأرض والمخلوقات، فالكل يعبد الله ﷿ في تناسق جميل، وانسجام طبيعي.
أما الكافر فهو يعيش في تناقض مع نفسه ومع الكون، الكون كله يشهد بكل ذرة فيه بعظمة الخالق ووحدانيته وحكمته، والكافر لا يقر بذلك، فأي تعاسة تكون في نفسه؟ وأي سعادة يعيش فيها المؤمن بتوافقه مع الكون في عبادة رب العالمين ﷾؟! والمسلم فوق ذلك ينتظر جنة في الآخرة، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ويعلم يقينًا أنه سيعوض يوم القيامة عن كل ظلم وقع عليه، وعن كل ألم تحمله، وعن كل هم أو غم عاش فيه، هذا التعويض المنتظر يخفف عليه كثيرًا من ألمه ونصبه، حتى رأينا من يفقد حياته، ومع ذلك يقول كلمات تعبر عن منتهى السعادة، مثل حرام بن ملحان ﵁ وأرضاه وهو يطعن بالحربة في ظهره فتخرج من صدره وهو يقول: فزت ورب الكعبة، فزت ورب الكعبة.
سبحان الله! هذه أيضًا سعادة.
وأمثلة ذلك كثيرة في السيرة النبوية، ولعلنا لا نبالغ إن قلنا: إن في باطن كل ألم سعادة؛ لأن المسلم يستشعر وقت وقوع الألم أنه قد كفر عنه جانب من خطاياه، ورفع قدره بدرجة معينة في الجنة، فانتظار المؤمن للجنة وحب المؤمن للجنة يجعله يقبل الألم، بل ويرضى به، وهذا نوع من أنواع السعادة لا تجده إلا عند المؤمنين حقيقة.
كانت هذه السمة التاسعة من سمات السيرة النبوية: السعادة في كل مواقف السيرة حتى وإن كانت مواقف مؤلمة.
[ ٤٦ / ١٤ ]
وضوح مهمة البلاغ في الدعوة
السمة العاشرة والأخيرة هي: وضوح مهمة الرسول ﵊، ومن ثم مهمة الداعية من بعده، هذه المهمة كانت من أول يوم في البعثة إلى آخر يوم في حياته ﷺ واضحة تمامًا، ألا وهي البلاغ، يقول ربنا ﷾: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة:٩٩].
فالرسول ﵊ كان يعلم ما يريد من أول أيام الدعوة، وحرص الرسول ﷺ على تبليغ كل من يعرف ومن لا يعرف، واختلفت وسائل البلاغ في كل مرحلة، لكن البلاغ كان سمة عامة في كل مراحل السيرة، في أول أيام الدعوة كان البلاغ سرًا وعن طريق الانتقال، واستمر ذلك ثلاث سنوات كاملة، ثم أعلن الرسول ﵊ الأمر على الناس، وبلغ أهل مكة جميعًا، وناداهم قبيلة قبيلة ورهطًا رهطًا، وصدوه عن دعوته وقاوموه، لكنه ما قصر ﷺ في البلاغ أبدًا، بل كان يذهب إليهم في اجتماعاتهم وبيوتهم، وكان لا يترك زائرًا يدخل مكة إلا وحدثه عن الإسلام وبلغه إياه، وكان لا يترك وفدًا أتى للحج إلا وشرح له الرسالة الإسلامية وبشره وأنذره، وكان يجد إعراضًا كثيرًا وسخرية مرة، ومع ذلك ما توانى لحظة عن إيصال رسالته للناس ﷺ.
وفي فترة المدينة المنورة اجتهد في نشر دعوته وتبليغ الناس، ليس فقط في المدينة ولكن في كل أرجاء الجزيرة، ووصل الأمر في السنة السابعة من الهجرة إلى مكاتبة زعماء وملوك العالم لتبليغهم دعوة الإسلام، كانت المهمة واضحة تمام الوضوح في ذهنه ﷺ، إنه البلاغ مهمة الرسل، ومهمة أتباعهم الذين يسيرون في طريقهم.
الرسول ﵊ كان متفانيًا في أداء هذه المهمة النبيلة إلى درجة أنه كان يحزن حزنًا شديدًا يكاد يهلكه عندما لا يهتدي إنسان بكلمات القرآن، مع أن مهمة الرسول ﵊ هي البلاغ فقط وليست الهداية، إلى الدرجة التي رفق الله ﷿ به وأنزل آيات في مواطن عدة من القرآن الكريم تنهاه عن الحزن الشديد، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل:١٢٧] وأمثال ذلك كثير في القرآن الكريم.
إذًا: على المسلم الفاهم الواعي أن يلتقط هذه المهمة النبيلة ليجعلها مهمة حياته، لا يرضى أبدًا بأقل منها رسالة، لا يرضى أبدًا بأبسط منها قضية، هذه هي قضية المسلم في حياته بكاملها، وهذا ما فهمناه بوضوح من خلال السيرة النبوية.
كانت هذه السمة العاشرة من السمات البارزة في السيرة النبوية، فتلك عشرة كاملة.
[ ٤٦ / ١٥ ]
سمات أخرى في السيرة النبوية
هل هذا كل شيء أردنا أن نذكره عن رسولنا ﷺ؟ لا، فالبعض يتعجب من الحديث عن السيرة النبوية في ست وأربعين محاضرة متتالية، شملت الفترة المكية والمدنية، ويظن أن هذا يعتبر كثيرًا، ولكني أقول: إن هذه بداية وليست نهاية؛ لأن السيرة النبوية فيها جوانب هائلة من المستحيل أن نحيط بها في مئات المحاضرات، ونحن أتينا على بعض الجوانب في هذه السيرة النبوية من حياته ﷺ فقط.
هناك جوانب أخرى كثيرة من جوانب عظمته ﷺ تحتاج إلى تفريغ وقت، وإلى بذل جهد لكي تدرس وتفهم؛ لذا سنحاول إعداد بعض المحاضرات الخاصة بحبيبنا ﷺ، فعلى سبيل المثال: سنتكلم عن الرسول ﵊ وأخطاء المؤمنين، وعن الرسول ﵊ والدولة الشاملة، والرسول ﵊ وحل مشكلات العالم، والرسول ﵊ وفقه المعاملات، وأخلاق الرسول ﷺ، والجانب الأخلاقي في التشريعات الإسلامية المختلفة، والرسول ﵊ وفن امتلاك القلوب، والرسول ﵊ وما تميز به عن عموم المسلمين، وخصائص حياة الرسول ﵊، ومعجزات الرسول ﵊ سواء كانت القرآن الكريم أو المعجزات الحسية التي رآها معاصروه، أو الإنباء بالغيب، أو الإسراء والمعراج، إلى أشياء كثيرة جدًا نحتاج أن نفصل فيها في حياة حبيبنا ﷺ.
بالإضافة إلى جوانب كثيرة متعلقة بخصائص حياته ﷺ، مثل فن الإدارة، فن القيادة، فن التغيير، فن الخطابة، فن تربية الأطفال، وغير ذلك من فنون إبداعية تحتاج إلى تفصيل ودراسة وتعمق.
هذه بعض البحوث التي سنعملها إن شاء الله في الفترات القادمة، وهي مجرد فصول من كتاب ضخم كبير يستحيل إتمامه أبدًا، وسيظل الدعاة والعلماء ينهلون من هذا النبع الصافي إلى يوم القيامة.
[ ٤٦ / ١٦ ]
واجباتنا تجاه نبينا ﷺ
هناك وقفة مهمة بعد دراسة هذه السيرة الرائعة: لا بد أن يظهر علينا في سلوكنا وحياتنا -بل وفي اعتقادنا- أثر لهذه الدراسة، لا بد أن هناك أمانة علقت في رقابنا، لا بد أن هناك واجبًا حمل علينا.
في إيجاز شديد: يجب على كل مؤمن ومؤمنة بعد قراءة هذه السيرة أن يقوم بالأمور التالية، وهي واجبات في غاية الأهمية: أولًا: أن يحب رسول الله ﷺ.
فهذه قضية مصيرية فعلًا، وهي علامة من علامات اكتمال الإيمان، فالرسول ﵊ يقول في الحديث الشريف كما في البخاري عن أنس ﵁: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين).
والذي يعرف السيرة ولا يحب رسول الله ﷺ إنسان مجنون لا عقل له، أو منافق لا إيمان في قلبه، أو عاصٍ غمرت المعاصي قلبه، أو متكبر ينكر الحق وهو يستيقنه، كل مواقف السيرة بلا استثناء تدفع دفعًا إلى حب الرسول ﷺ، بل وإلى تقديم حبه على أي حب آخر، وهذا من أهم أهداف دراسة السيرة النبوية.
ثانيًا: أن تعرفه ﷺ بأن تدرس تفاصيل سيرته، فنحن تكلمنا في ست وأربعين محاضرة عن لقطات سريعة من حياته ﷺ، وما أكثر ما كتب عنه وما سيكتب، وسيرته لا تنتهي عجائبها ﷺ، ما أكثر من تكلم عنه ﷺ من الدعاة والعلماء ومن المسلمين ومن غير المسلمين، نحتاج أن نجعل لأنفسنا يوميًا وردًا ثابتًا نعرف فيه شيئًا عن حبيبنا ﷺ، هذا الواجب الثاني: أن نعرفه ﷺ.
ثالثًا: أن نعرف به الآخرين ممن لا يعرفونه، أو يعرفونه بصورة مشوهة مغايرة للحقيقة، وأن نحبب فيه خلق الله ﷿، وأكثر من أوصيك بهم أولادك وأطفال المسلمين، فهؤلاء إن تربوا على حب رسول الله ﷺ وصلوا إلى كل نجاح في الدنيا والآخرة، ووصلت بهم الأمة إلى أعلى الدرجات.
رابعًا: أن تتبعه وتقلده ﷺ في كل صغيرة وكبيرة في حياتك.
فنحن استمعنا إلى السيرة، وعرفنا منهجه ﷺ، واطلعنا على سلوكه وأخلاقه، وأدركنا جهاده وصبره وكفاحه، نريد أن نسقط كل موقف من مواقفه ﷺ على واقع حياتنا، نريد أن نطبق كل سنة من سننه ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا.
واعلم أن علامة الحب الرئيسة هي الاتباع، وأن حبًا بلا اتباع يعني غرورًا وبطرًا وجهلًا وحماقة.
خامسًا: أن تصدقه في كل ما قاله أو أخبر عنه ﷺ.
اقبل كل ما قاله ﷺ دون تردد، صدق أحاديثه دون ريب، اعلم أنك قد تفتن بعقلك فترد حديثًا صحيحًا لرسول الله ﷺ، وهذا هو طريق الهاوية، ومنحدر الهلاك فلا تلقين أبدًا بنفسك فيه.
سادسًا: أن تدافع عنه الحملات الشرسة التي تحاول النيل منه ﷺ، وهي حملات لا تنتهي.
رأينا في السيرة النبوية الصحابة ﵃ وأرضاهم رجالًا ونساءً وشيوخًا وأطفالًا يدافعون بالغالي والثمين عن رسول الله ﷺ، رأينا الرجل يتمنى أن يقتل ولا يشاك رسول الله ﷺ شوكة في قدمه، رأينا الأطفال يقاتلون الفرسان، والنساء يحملن السيوف، ورأينا الأموال تنفق، والجهود تبذل حتى يتم الدفاع عن رسول الله ﷺ، هذا هو المنهج الذي نريد أن نسير عليه في حياتنا كلها: أن ندافع عن الرسول ﵊ بكل ذرة في حياتنا، بكل أموالنا، بكل جهدنا، بكل فكرنا، بكل حياتنا.
سابعًا: أن نشتاق إليه ﷺ.
والذي هو مشتاق فعلًا لإنسان يتمنى أن يقابله، وهذا في الدنيا يكون في عمرة أو حج إن كنا مستطيعين لذلك نذهب ونزوره في مسجده ﷺ ونسلم عليه في قبره، وسيرد عليك السلام حتمًا كما قال ﷺ في الحديث الشريف، لكن الأهم من ذلك والأعظم: أن نشتاق إلى لقائه عند حوضه ﷺ يوم القيامة، ولا يكون ذلك إلا بإيمان عميق، وبعمل صالح، وباتباع دقيق لسنته ﷺ، وإلا قال لنا يوم القيامة: سحقًا، سحقًا.
ونسأل الله ﷿ أن يسقينا من حوضه شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدًا.
ثامنًا: أن تحب آل بيته ﷺ.
هذا أمر هام جدًا وعظيم، وللأسف فالكثير من المسلمين لا يظهر ذلك خوفًا من التشبه بمغالاة الشيعة في أمر أهل البيت، لكن الصواب أن يقف المسلم موقف الاعتدال الذي أراده لنا رسول الله ﷺ، فهو قد أوصى بآل بيته وبحبهم، وفي نفس الوقت ربط هذه المحبة بطاعتهم لله ﷿ وعدم مخالفتهم له، هذا هو الميزان الأمثل في التعامل.
يقول الرسول ﵊ في حديث زيد بن أرقم ﵁ في صحيح مسلم: (أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) قالها ثلاثًا ﷺ، كل هذا لا يتعارض مع وجوب اتباع
[ ٤٦ / ١٧ ]
اعتذار
في النهاية بعد أن عشنا هذه اللحظات السعيدة في ظلال السيرة النبوية أحب أن أختم هذه اللحظات برسالة أوجهها بكل ذرة في كياني إلى حبيبي وحبيبنا رسول الله ﷺ، أقول له: عذرًا يا رسول الله، عذرًا إن كنا نجهل الكثير والكثير من حياتك، فسيرتك الإحاطة بها أمر مستحيل، لكن عزاؤنا أننا نحاول ونحاول ونقرأ ونبحث ونجمع ونحفظ ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، عذرًا -يا رسول الله- إن كنا قد قصرنا في الكثير من سننك، فليس هذا -أبدًا- تقليلًا من شأنها أو إهمالًا لقدرها، فإنا -والله- نعلم أن الخير كل الخير فيها، وأن الرحمة كل الرحمة في باطنها، ونعدك أن نأتي منها ما استطعنا كما أمرتنا، وأن ندرب أنفسنا وأزواجنا وأولادنا وإخواننا وكل أهلنا ومن وصلنا إليه من أتباعك وأحبابك، ندرب كل هؤلاء على تطبيقها واتباعها والتحلي بها.
عذرًا -يا رسول الله- إن كانت تمر علينا أيام فلا نذكر طرفًا من سيرتك، ولا موقفًا من مواقفك، ولا حديثًا من أحاديثك، فإنا -ولا حول ولا قوة إلا بالله- قد شغلتنا أموالنا وأهلونا عن تذكر كلماتك العاطرة، وتوجيهاتك الحكيمة، ليس هذا -والله- نفاقًا ولا جحودًا، ولكن تقصير نرجو له تداركًا إن شاء الله، وخطأ نرجو له إصلاحًا، فنحن -والله- نحبك، بل نحب الثرى الذي مشيت عليه، والديار التي سكنت فيها، والبلاد التي عشت فيها، ولا نصبر على فراقك والبعد عنك، وأملنا أن نلقاك على الحوض إن شاء الله.
عذرًا -يا رسول الله- إن جهل عليك بعض الجاهلين من أبناء أمتك فتطاولوا عليك باعتراض، أو تهجموا عليك بشبهة، فهذا الجهل منهم لا يقلل إلا من شأنهم هم، ولا يحط إلا من قدرهم هم، وحلمك -كما نعلم- أوسع من جهلهم، وعلمك أشمل من علمهم، وما جرأهم عليك إلا سوء تربيتهم، وفساد مناهجهم، وجريهم وراء كل غربي، وفتنتهم بشركائهم من الجن والإنس، وسوف يعلمون في يوم قريب من السعيد ومن الشقي، ومن الذي يرحب به ويسقى من حوضك، ومن الذي يقال له: سحقًا سحقًا.
عذرًا -يا رسول الله- إن كانت أمتك الآن ليست على الصورة التي تحب، وليست في المكان الذي تريد؛ فهذه تراكمات سنين وأخطاء أجيال، لكن عزاؤنا أننا عدنا بفضل الله إلى جادة الطريق، فقامت الصحوة الإيمانية، وازدهرت الدعوة الإسلامية، وحرص الكثير من أبناء أمتك على تدارك ما فاتهم واللحاق بركب الصالحين، ولا نشك أبدًا أن هذا طريق العزة لهذه الأمة، فنحن -إن شاء الله- فيه سائرون صابرون مجاهدون، وبشارتك معنا أنه لا تزال طائفة من أمتك ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، نسأل الله أن نكون منهم.
وختامًا: نسأل الله ﷿ أن يشفعك فينا، وأن ييسر لنا أن نشرب من حوضك يوم القيامة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدًا، وأن يجعلنا ممن يدخلون الجنة معك، ويرفعون إلى صحبتك، فقد بشرتنا بأن المرء يحشر مع من أحب، ونحن -والله- نحبك ونحب أصحابك وإن لم نعمل بأعمالكم.
نسأل الله أن يغفر لنا تقصيرنا، وأن يستر عيوبنا، وأن يكفر عنا سيئاتنا، وأن يرفع لنا درجاتنا، وأن يجعلنا مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم، اللهم صل على محمد وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة، اللهم ابعثه مقامًا محمودًا يغبطه به الأولون والآخرون، اللهم آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، اللهم جازه عنا وعن المسلمين وعن العالمين خير الجزاء، وصل اللهم عليه في الأولين، وصل اللهم عليه في الآخرين، وصل اللهم عليه في الملأ الأعلى إلى يوم الدين، آمين، آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[ ٤٦ / ١٨ ]