يختلف نمط الدعوات الإلهية عن البشرية في أن الأولى لا تعتمد في ديمومتها على فرد أو أفراد بحياتهم تحيا وبموتهم تتلاشى، فمع ما تعرض له النبي ﷺ من أذى زاد بموت عمه وزوجه، إلا أن ذلك لم يثنه عن دعوته، بل ذهب إلى الطائف يدعوهم عشرة أيام، فرفضوا دعوته وسلطوا عليه العبيد والصبيان يرمونه بالحجارة حتى أدموه، ثم عاد إلى مكة هائمًا على وجهه ليقابل ملك الجبال في قرن الثعالب، ثم يؤمن به الجن في وادي نخلة، ويواصل دعوته للحجيج، يبحث عمن يقبل الإسلام وينصر الدين.
[ ١١ / ١ ]
موت أبي طالب وأثره على رسول الله ﷺ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد.
فمع الدرس الحادي عشر من دروس السيرة النبوية في فترة مكة.
تكلمنا عن الأزمة الخطيرة التي عصفت بمكة عندما تجمع بنو عبد مناف لحماية الرسول ﷺ، وتكلمنا عن الحصار الاقتصادي البشع الذي قام به الكفار، وعن فك هذا الحصار، وخروج بني عبد مناف من الشعب في محرم من السنة العاشرة من البعثة النبوية.
بدأت السنة العاشرة بمرض أبي طالب الذي بلغ الثمانين من عمره، كما أن حصار الشعب لثلاث سنوات أكل فيها من ورق الشجر والجلود، بالإضافة إلى القلق، كل هذا أضعف من قوته ولم يتحمل، ولشدة مرضه كانوا يتوقعون له الموت في أي لحظة، وكان زعماء الكفر يخافون من إيذاء رسول الله ﷺ حتى بعد موت أبي طالب فتعيرهم العرب بأنهم استغلوا موته لإيذاء ابن أخيه.
أي: أنه كانت توجد بقايا حياء عند أهل الجاهلية؛ لذا ذهبوا إلى أبي طالب وطلبوا منه في صراحة أن ينظر لهم أي حل مع محمد ﷺ قبل أن يموت، وجمعوا لذلك وفدًا مهيبًا من (٢٥) رجلًا، كان منهم أبو جهل وأبو سفيان وعتبة بن ربيعة وأخوه شيبة بن ربيعة وأمية بن خلف وغيرهم كثير، قالوا له: يا أبا طالب! إنك منا حيث قد علمت -أي أن لك مكانة كبيرة عندنا- وقد حضرك ما ترى، وتخوفنا عليك من الموت، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه فخذ له منا وخذ لنا منه، ليكف عنا ونكف عنه، وليدعنا وديننا وندعه ودينه، وهذا تنازل جديد، وهو في الحقيقة عرض مغر من زعماء مكة، فقبل هذا كانوا يساومون الرسول ﷺ ليترك فكرة الإسلام، وفي هذا الوقت يطلبون منه أن يظل هو وأصحابه مسلمين، ونحن سنظل على ديننا، وليس لأحد دخل بالآخر، فهؤلاء وهؤلاء سيعيشون متجاورين ولا يؤذي بعضهم بعضًا، لكن في المقابل ألا يتكلم رسول الله ﷺ في معتقدات قريش، وألا ينكر عليهم منكرًا، وألا يأمرهم بمعروف، وألا ينصح أحدًا بتطبيق أحكام الله ﷿ على عباد الله، أي: متى ما أرادوا الصلاة فليس هناك مانع، ومتى ما أرادوا الطواف بالكعبة ليس هناك مانع، لكن ليس لهم دخل في شئون مكة الدنيوية، بل يفصلون دينهم عن دنيا مكة.
كان الرسول ﷺ للتو خارجًا من الحصار الرهيب الذي امتد ثلاث سنين، والمسلمون وبنو عبد مناف منهكون، وأبو طالب سوف يموت، ونصف المسلمين مهاجر إلى الحبشة، أي: أن الوضع في مجمله ضعيف، والذي يرى هذا الوضع يعتقد أن هذه فرصة كبيرة للمسلمين.
أرسل أبو طالب إلى رسول الله ﷺ وقال له في حضور المشركين: هؤلاء أشراف قومك، قد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك، فالرسول ﷺ رد عليه وقال: (يا عم! أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟ قال أبو طالب: وإلى ما تدعوهم؟ قال: أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة واحدة تدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم).
القرشيون ما كانوا يحلمون أبدًا بوحدة العرب، وفوق هذا أيضًا العجم! هذا فوق حدود التخيل، أين هم من فارس والروم؟ كل هذا بكلمة؟ أبو جهل كان يظن نفسه ملكًا، والعرب كلها ستسمع كلامه، وأيضًا كسرى وقيصر، فوجد نفسه يقول: ما هي هذه الكلمة؟ اندفع في تهور كالعادة وقال: وأبيك لنعطيكها وعشر أمثالها، فقال رسول الله ﷺ: (تقولون: لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه)، فـ أبو جهل والذين معه أُصيبوا بالذعر، أما زلت مُصرًا على ما أنت عليه؟ أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ إن أمرك لعجب! فهؤلاء الكفار عاشوا يقاتلون من أجل قضية خاسرة، لها يتعبون ويسهرون ويحزنون ويتألمون، وبعد هذا ما هي النتيجة؟ النتيجة لكل هذا التعب والسهر والكد والعرق، يقول ﷾: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤] هذه هي العيشة التي يعيشونها، اجتماعات ومؤتمرات ولقاءات، فهم في حذر وترقب ورعب وهلع، لا يستطيعوا أن يطمئنوا ولا أن يناموا ولا حتى أن يستمتعوا بحياتهم ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤] ومع هذا أيضًا ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] نسأل الله العافية.
أما الصحابة فقد قالوا هذه الكلمة، واستطاعوا فعلًا تجميع العرب تحت راية واحدة، وبعد أن انتهوا من العرب انتقلوا إلى غيرهم، فقد سقطت عروش كسرى وقيصر وغيرهما من ملوك الأرض بجيش لا إله إلا الله، فُتحت بقاع مهولة بلا إله إلا الله، ودخل الناس في دين
[ ١١ / ٢ ]
موت خديجة وأثره على رسول الله ﷺ
في هذا الجو من الأحزان والهموم يدخل رسول الله ﷺ في مصيبة جديدة وهم جديد (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل)، تعرض الرسول ﷺ لكل الابتلاءات التي من الممكن أن تحصل لإنسان من فقر وجوع، وضرب وتعذيب، وسخرية، وحروب وجهاد، ومن فقد للأم وللأب وللجد والعم، وفقد للأولاد وللأصحاب، وترك للديار كل الابتلاءات، وفي هذا الوقت مع كل الهموم التي يعيشها سيدخل في ابتلاء فقد الزوجة، السند العاطفي الجميل لرسول الله ﷺ، ماتت السيدة العظيمة الجليلة خديجة بنت خويلد ﵂.
كانت خديجة نعمة من نعم الله ﷿ على رسول الله ﷺ، وخير متاع الدنيا له، كانت الصدر الحنون، والرأي الحكيم، قضت عشرة طويلة مع رسول الله ﷺ دامت (٢٥) سنة، في كل هذه السنين لم تختلف مع رسول الله ﷺ، ولم تطلب منه شيئًا لنفسها، وعاشت تساعده بكل طاقتها، كانت كل سعادتها أن تراه سعيدًا، فقد كان يتحدث عنها رسول الله ﷺ، فيقول في حب عميق: (آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدّقتني حين كذّبني الناس، وأشركتني في مالها حين حرمني الناس، ورزقني الله ولدها) بعد كل هذا الارتباط الوثيق أذن الله ﷿ بالرحيل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، ماتت خديجة ﵁ وأرضاها.
موت الزوجة بصفة عامة مصيبة، فالرجل مسكين بغير زوجته، وكلما طالت العشرة كان الفراق أصعب، فإن كانت الزوجة صالحة كان الفراق أصعب وأصعب، فما بالك لو كانت الزوجة واحدة من أعظم نساء الأرض.
هذه من أشد المصائب التي مرت برسول الله ﷺ، فقد كان رسول الله ﷺ يقول: (حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون)، يعني: أنها لم تقارن بنساء قريش أو حتى بنساء زمنها، بل بنساء العالمين، فهذه واحدة من أعظم أربع نساء في الخلق، درجة عالية من السمو.
هذه السيدة بهذا القدر وبهذه القيمة والمكانة فارقت رسول الله ﷺ وتركته بعد وفاة أبي طالب بأيام، وفي روايات قبل وفاة أبي طالب بأيام، أي: أن المصيبتين كانتا في وقت قريب، وخلفتا في قلب الرسول ﷺ حزنًا كبيرًا، وكان يحتاج إلى من يسمع منه مشاكله وهمومه ويتحدث معه، كان يقول لها: قريش عملت كذا وكذا! فتقول له: لا بأس فالله معك، وربنا سوف ينصرك، أو يجد ابتسامة تخفف من أحزانه.
كل هذه الأحداث تحصل وعمره خمسون سنة، وقد وهن العظم منه، وكثرت الهموم، وتشعّبت المشاكل، فليست القضية قضية موت أبي طالب ولا السيدة خديجة، ولا الإيذاء الذي يتعرض له من قريش.
إذا كان يحصل معه هكذا من قريش فأكيد أن المسلمين الآخرين سيحصل معهم هذا.
كما أنه كان يحمل هم المستضعفين ويشعر بهم ويخاف عليهم، ويحمل هم مشاكل المسلمين الذين كانوا في الحبشة أكثر من مائة معهم أولادهم، ولا يعلم شيئًا عن وضعهم.
هذه جميعها مشاكل وهموم جعلت ذلك العام يُطلق عليه بحق: عام الحزن.
[ ١١ / ٣ ]
خروج الرسول ﷺ عام الحزن إلى الطائف
كان الهم الكبير الحقيقي في حياة الرسول ﷺ الإسلام، وكان أكثر شيء يزعجه هو بعد الناس عن الإسلام، وأن الموقف تجمد في مكة وأُغلقت جميع أبواب الدعوة فيها، كان هذا أشد ما أثر فيه؛ لأن الدعوة كانت في دمه، ولا يستطيع أن يتوقف عنها، وها هي مكة قد أغلقت كل أبوابها، فهل من المعقول أن يأتي وقت تقف فيه الدعوة؟ مستحيل، الدعوة بالنسبة له كالماء والهواء.
إذًا: كيف سيتصرف في هذا الموقف الصعب؟ كان الله ﷾ يشفق عليه من كثرة حزنه على الناس، فقال له: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣] كان الرسول ﷺ لا يستطيع أن يتحمل وقوف الدعوة؛ لذا فكّر رسول الله ﷺ وللمرة الأولى منذ البعثة أن يخرج بدعوته خارج مكة، وقبل هذا لم يكن هناك خروج من مكة أبدًا؛ لأن أبواب الدعوة كانت مفتوحة فيها، ولو بمشقة، لكن في هذا الوقت بعد أن وقفت الدعوة في مكة أصبح هناك مبرر للخروج، وهذا درس مهم، فإن الداعية لا يترك مكانه ويخرج إلى مكان آخر إلا إذا كان المكان الذي يعيش فيه لا يستطيع أن ينشر فيه دعوته؛ لأن مسئوليته الأساسية هي الناس الذين يعيش معهم.
إذًا: الرسول ﷺ سيخرج، ولكن إلى أين، فمدن الجزيرة كثيرة، والقبائل فيها متعددة؟ فبمن يبدأ؟
[ ١١ / ٤ ]
سبب اختيار الرسول ﷺ الطائف للدعوة
فكر الرسول ﷺ بالطائف، ولم يكن هذا الاختيار عشوائيًا، فالرسول ﷺ سياسي بارع، وقائد محنك يدرس كل خطوة بدقة شديدة، كانت الطائف تتميز عن غيرها من مدن الجزيرة بأشياء مهمة جدًا: أولًا: تُعتبر الطائف هي المدينة الثانية في الجزيرة العربية بعد مكة، فهي مركز حيوي وهام من ناحية الكثافة السكانية والتجارة، ولها مكانة كبيرة في قلوب العرب، فقد كان يقول المشركون: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] القريتان: هما مكة والطائف، فكانت مكانتها عالية، والناس الذين فيها كثر.
ثانيًا: في الطائف قبيلة ثقيف، وهي من أقوى القبائل العربية، وواضح أن قريشًا بعد هذا سوف تحارب الرسول ﷺ، ولا بد أن الرسول ﷺ يبحث عن قبيلة قوية تستطيع أن تقف أمام قريش، وهذا ليس من السهل، وقبيلة ثقيف كانت في منتهى القوة لدرجة أنها هي القبيلة الوحيدة التي استعصت على الرسول ﷺ بعد الفتح، وظل يحاصرها شهرًا كاملًا ولم تُفتح، وإنما أتوا بأنفسهم وأسلموا، فهي فعلًا قبيلة قوية، وضخمة.
ثالثًا: كانت المنافسة الدينية بين مكة والطائف كبيرة، فإذا كانت مكة فيها البيت الحرام وهُبل، فالطائف فيها اللات أشهر أصنام العرب، وكثير من العرب كانوا يحلفون باللات، حتى ممن بداخل مكة، ولعل الطائف ترغب في سحب البساط من تحت أقدام مكة وتتبنى هذه الدعوة الجديدة؛ لكي تتفوق على مكة في ناحية الدين.
رابعًا: أن الطائف قريبة نسبيًا من مكة، والمسافة بينهما حوالي (١٠٠) كيلو، والرسول ﷺ لا يريد أن يبتعد كثيرًا عن مكة، ليسهل التنسيق بين مكة والطائف.
خامسًا: كانت الطائف مهمة بالنسبة لأهل مكة، فأغنياء قريش بصفة عامة كانت لديهم أملاك في الطائف، من بني هاشم وبني عبد شمس وبني مخزوم، ولو دخلت الطائف في الإسلام فستكون ضربة اقتصادية موجعة لقريش.
ومن أجل هذا قرر الرسول ﷺ أن يبتدئ بالطائف، فذهب إليها في شوال من السنة العاشرة من البعثة، في نفس الشهر الذي مات فيه أبو طالب أو بعد على حسب اختلاف الروايات، وهذا يبين إلغاء مصطلح الراحة من حياة رسول الله ﷺ.
كانت المسافة بين الطائف وبين مكة (١٠٠) كيلو، والطريق كله صحراء، والجو حار، وكان هذا في مايو أو يونيو سنة (٦١٩م)، ومع ذلك قرر الرسول ﷺ أن يقطع هذه المسافة مشيًا على الأقدام، ولم يكن من الصعب عليه أن يوفر جملًا أو حصانًا، لكنه أراد ألا يلفت النظر إليه، فلو رآه المشركون سيعلمون أنه مسافر، وتتعطل الدعوة، ولهذا السبب أيضًا أخذ معه زيد بن حارثة، ولم يأخذ معه غيره من الصحابة من فرسان المسلمين كـ حمزة أو عمر أو سعد أو الزبير ممن يحميه هناك في الطائف؛ لأن أي واحد من هؤلاء لو خرج مع الرسول ﷺ خارج مكة سوف يلفت النظر، لكن لو أخذ معه زيد بن حارثة، وكان في ذلك الوقت متبنيه، ومعروف بـ زيد بن محمد، فلن يلفت نظر أحد، فهو رجل يمشي مع ابنه.
[ ١١ / ٥ ]
موقف أهل الطائف من الرسول ﷺ حين أتاهم ودعاهم إلى الإسلام
وصل الرسول ﷺ إلى الطائف، وظل يفكر لمن أذهب؟ وأبتدئ بمن؟ لأن الأمر الآن ليس مجرد دعوة فقط، بل هي دعوة وطلب للنصرة ضد قريش، لذا ذهب لسادة الطائف، فالضعفاء لن يجيروه من قريش، وليس هذا تقليلًا من شأن الضعفاء، ولكن هذه مهمة سياسية، ولا يمكن أن يقاس هذا الموقف بموقف (عبس وتولى)، لا بد من الحديث مع من يستطيع أن يتحمل المسئولية، كما أنه في الطائف ليس له أي إجارة، وبدون دخول المدينة من بابها الرئيسي فلن يتمكن رسول الله ﷺ من دعوة كبير ولا صغير، ولهذا فكّر الرسول ﷺ أن يذهب لقيادة الطائف مباشرة.
وفي هذا رد على من يقول: لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة، فهذه هي السياسة، إلا إذا كان قصدهم أن السياسة لا تنفع إلا بالكذب والنفاق والمظاهر والتجمل الزائف، فأقول له: الإسلام يدعو إلى السياسة النظيفة، والسياسة الشرعية جزء لا يتجزأ من التشريع الإسلامي، وها نحن نرى الرسول ﷺ يعمل بها.
اتجه الرسول ﷺ إلى ثلاثة من أبناء عمرو بن عمير من كبار سادات الطائف، وعرفهم بنفسه ودعاهم للإسلام ودعاهم للنصرة له وللمسلمين ضد قريش، وهؤلاء الثلاثة هم: عبد ياليل ومسعود وحبيب أولاد عمرو بن عمير، فكان ردهم في منتهى السفاهة والتخلف وانعدام الأدب، قال عبد ياليل بن عمرو: إنه سيمرط -يعني: سوف يقطع- ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك، وليس هذا استخفافًا بالرسول ﷺ، لا، وإنما بالله ﷿، أي: سوف يقطع ثياب الكعبة اعتراضًا على إرسال رسول الله ﷺ.
وقال مسعود: أما وجد الله أحدًا غيرك؟ أما الثالث حبيب فحاول أنه يستظرف أو يمثل دور الذكي، إلا أنه كان في منتهى الغباء، قال: والله لا أكلمك أبدًا، إن كنت رسولًا؛ لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك، ولئن كنت تكذب على الله فما ينبغي أن أكلمك.
مع أن الرسول ﷺ اصطدم صدمة جديدة إلا أنه قال لهم: (إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني) أي: إن لم تؤمنوا فاجعلوا هذا الأمر بيني وبينكم، فهو لا يريد أن يصل الخبر إلى قريش، فلو وصل الخبر إليهم سوف يتهم صراحة بتهمة التخابر مع قبيلة أجنبية، ومحاولة زعزعة نظام الحكم في مكة، وإثارة الفتنة إلى آخر الأشياء التي تعرفوها، لكن للأسف كان زعماء الطائف مع أنهم أغبياء ومنعدمو الأخلاق، كانوا أيضًا فاقدي المروءة، فهم لم يكشفوا أمره فقط، بل أغروا به سفهاءهم وغلمانهم.
لم ييأس الرسول ﷺ مما حدث، وظل في الطائف عشرة أيام لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا وكلمه، ولكن كلهم رفضوا، وفي اليوم العاشر قالوا له: اخرج من بلادنا، وصفوا العبيد والسفهاء صفين خارج الطائف، وجعلوه يمر بين الصفين، وبدءوا يرمونه بالحجارة وهو بين الصفين، وبدأ الدم يخرج من الرسول ﷺ وهو لا يستطيع التصرف، وزيد بن حارثة يحاول بكل طاقته أن يبعد الحجارة عن رسول الله ﷺ ولا يستطيع، فالحجارة تأتيه من كل مكان، وشج رأسه ﵁ وأرضاه، ومع كل هذا شتائم وسباب ولعنات، والرسول ﷺ وزيد ﵁ يبذلون قدر استطاعتهم للخروج من بين الصفين في اتجاه مكة، لكن العبيد لم يتركوهم، وأسرعوا خلفهم بالحجارة مسافة خمسة كيلو متر كاملة، ثم رأى الرسول ﷺ حديقة فدخل فيها، لعله يجد من يدافع عنه، وعندما دخلها خاف العبيد من اللحوق به، وعادوا إلى الطائف.
أبعد كل هذا العناء والكد والتعب والمشقة هناك من المسلمين ممن يفرطون بالإسلام؟! الناس لا تدري عن الكم الهائل من التضحيات التي دفعها رسول الله ﷺ، ودفعها زيد بن حارثة وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وحمزة وخديجة وغيرهم، إن الدين لم يأتنا بسهولة، فكل لحظة في حياة الرسول ﷺ كان فيها معاناة شديدة، كل هذا ليبلغنا ويوصل لنا الدين.
ثم إني لا أشك في أن حزن الرسول ﷺ الحقيقي في هذا الموقف كان على أهل الطائف وليس منهم، وكان لسان حاله يقول: يا ليت قومي يعلمون، فالرسول ﷺ كان خائفًا عليهم كما أنه خائف علينا، أكثر شيء يحزنه أن يأتي من يرفض الإيمان وليس أن يؤذيه أو يضربه، فقد قال الله ﷾ له: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النحل:١٢٧] وليس ولا تحزن منهم، فإنه كان خائفًا عليهم ﷺ، فقد كان رحمة حقيقية للأرض ﷺ.
دخل الرسول ﷺ الحديقة واستظل تحت شجرة فيها، ووضع ظهره عليها، وكان يسيل الدم عليه، وثيابه مقطعة والتراب يغطيه، فحاول أن يتما
[ ١١ / ٦ ]
إيمان عداس بالنبي ﷺ
لما لجأ النبي ﷺ إلى الحديقة خرج أصحابها وهما: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة من كفار مكة، وعتبة بن ربيعة كان يفاوض الرسول ﷺ قبل هذا، بل دعا عليه النبي ﷺ، وكان يقول: (اللهم عليك بـ عتبة بن ربيعة، وعليك بـ شيبة بن ربيعة) وكان عتبة وشيبة من أغنياء مكة الذين لهم أملاك في الطائف، لكن مع كل العداء المستحكم بين عتبة وشيبة وبين الرسول ﷺ، إلا أن الحالة التي وصل إليها الرسول ﷺ جعلتهما يعطفان عليه وبعثا له بعنقود عنب مع أحد العبيد، واسمه عداس وكان نصرانيًا، وضع الطبق أمام الرسول ﷺ وأمام زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه، فمد الرسول ﷺ يده إلى الطبق وأخذ عنبة، وقال: (بسم الله) ثم أكلها، تعجب عدّاس من هذه الكلمة؛ لأنه لم يسمع بمثل هذا في الطائف، فقال: إن هذا الكلام لا يقوله أهل هذه البلاد، فالرسول ﵊ قبل أن يشرح له معنى بسم الله الرحمن الرحيم، بدأ يتعرف على عداس، أول شيء في الدعوة التعارف؛ لأن التعارف له هدف واضح، فهو يتكلم معه بأمر الدين، وسأله أسئلة ذات مغزى حتى في هذه الظروف شديدة القسوة لم ينس الرسول ﷺ الدعوة، فأشراف الطائف رفضوا دعوته وضربوه، وهو يبحث عمن يسمع دعوته حتى ولو كان غلامًا صغيرًا، فقال له الرسول ﷺ: (من أي البلاد أنت؟ وما دينك؟ قال الغلام: أنا نصراني من أهل نينوى، فقال رسول الله ﷺ: من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ قال عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله ﷺ: ذاك أخي، كان نبيًا وأنا نبي) هذا الغلام الصغير أدرك في لحظة ما لم يدركه حكماء ثقيف، آمن في لحظة واحدة، وأكب على رأس رسول الله ﷺ وعلى يديه وعلى رجليه يقبلها، كما لو كان الله ﷾ أراد أن يريح قلب الرسول ﷺ بإيمان عبد، ولكن هذا العبد بإيمانه أثقل من أهل ثقيف جميعًا.
كان عتبة وشيبة يراقبان هذا الموقف من بعيد، فقال أحدهما للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك، فدعاه وقال له: ويحك ما هذا؟ قال: يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا الرجل، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي، قال له: ويحك يا عدّاس لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه، وكذبوا والله ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩].
كان لا بد للرسول ﷺ أن يخرج من هذا المكان، فهو غير آمن، فعنقود العنب ليس كافيًا لإثبات حسن النوايا، فهذان هما عتبة وشيبة لعنهما الله.
[ ١١ / ٧ ]
خروج النبي ﷺ من الطائف ووصوله إلى قرن الثعالب ولقاؤه ملك الجبال
بدأ الرسول ﷺ يمشي في اتجاه مكة، وبدأ يفكّر كيف سيدخلها، فالأفكار في عقله تتصارع، وجعلته يمشي وكأنه في حلم، أو مغمى عليه، يقول الرسول ﷺ: (فانطلقت وأنا أهيم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب)، وهو على بعد (٣٥) كيلو متر من الطائف، مشى الرسول ﵊ كل هذه المسافة وهو لا يدري من شدة الهم والتفكير، وفي قرن الثعالب حدث أمر عجيب، يقول رسول الله ﷺ: (فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت) وانظروا إلى مقام الرسول ﷺ، فقد جاءه ملك الجبال ليسمع أمر رسول الله ﷺ، يقول الرسول ﷺ: (فناداني ملك الجبال فسلّم عليّ، ثم قال: يا محمد! إن شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين) أي: لو كنت تريد أن أُسقط عليهم الجبال فعلت.
فقط عليك أن تأمر، فالرسول ﷺ لم يفكر، بل قال في منتهى الهدوء: (بل أرجو أن يخرج الله ﷿ من أصلابهم من يعبد الله ﷿ وحده لا يُشرك به شيئًا).
انظروا إلى رقي أخلاق الرسول ﷺ، ومع كل الألم والحزن والاضطهاد والقهر لا يزال الرسول ﷺ يخاف عليهم، ويأخذ قراره بدون انفعال، ومع كل المصائب التي رآها ﷺ لم يتغير؛ لذا نقول: يستحيل علينا أن نوفي الرسول ﷺ حقه، ألا يستحق أن يصفه الله ﷿ بأنه على خلق عظيم، ويقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] هذا هو رسولنا! يعلمنا الرسول ﷺ الفرق الضخم والمهول بين السياسي الداعية، والسياسي من أهل الدنيا، سياسي الدنيا لا ينظر إلا إلى المصلحة المادية، لكن السياسي الداعية له هدف أصيل، وهو أن يسلم الناس لرب العالمين ﷾، السياسي الداعية لا يحب أن يحصل له التمكين على جثث ملايين الكافرين، وليس هناك مانع من أن يتأخر التمكين قليلًا إلى أن يؤمن الكفار.
إذًا: رسالتك في الأرض أن تعلم الناس وليس أن تجلدهم، الناس سوف تضايقك وتؤذيك، لكن هذا لا يغير طريقك؛ لأنك لا تقبض من الناس أنت تأخذ أجرك من الله ﷾، والله لن يضيع مجهودك! وبعد مرور السنين الطوال أخرج الله ﷿ من أصلابهم من لا يكتفي فقط بقول: لا إله إلا الله، ولكن يحمل لا إله إلا الله إلى كل بقعة في الأرض، فمن صلب الوليد بن المغيرة خرج خالد بن الوليد، ومن صلب العاص بن وائل خرج عمرو بن العاص، ومن صلب عتبة بن ربيعة خرج أبو حذيفة بن عتبة، ومن صلب أبي جهل خرج عكرمة بن أبي جهل.
وبعد وفاة الرسول ﷺ ارتدت كل جزيرة العرب، ولم يبق على الإسلام إلا مكة والطائف والمدينة المنورة، ولو دعا عليها الرسول ﷺ لكان أهلكها الله ﷾، فهاتان المدينتان ثبتتا على الإسلام في زمن الردة، وحملتا الدعوة حتى بعد وفاة الرسول ﷺ؛ لذا علينا أن نفهم ديننا ونفهم دورنا، فدورنا أن نعلِّم من غير أن نمل ولا نكل، ونربي من غير أن نجلد، وندعو جميع العالمين إلى الإسلام من غير أن نأخذ شيئًا منهم، هذا هو دورنا الذي علمناه الرسول ﷺ في كل خطوة من خطوات حياته.
[ ١١ / ٨ ]
مرور النبي ﷺ بوادي نخلة ولقاؤه الجن وإيمانهم به أثناء رجوعه من الطائف
بعد موقف ملك الجبال أكمل الرسول ﷺ طريقه إلى مكة، فلما وصل إلى وادي نخلة على بعد (٤٣) كيلو متر من مكة، وقف يستريح قليلًا، والرسول ﷺ عندما يستريح لا يستريح بالنوم وإنما بالصلاة، فوقف يصلي ويقرأ القرآن، فهو يتزود ليكمل الطريق.
كان الرسول ﷺ يظن أنه وحيد في هذا الوادي، وهذا صحيح بالنسبة للإنس، لكن لم يكن صحيحًا بالنسبة للجن، فكان هناك جن في وادي نخلة، جلسوا يستمعون القرآن من رسول الله ﷺ، قال الله يصف ذلك الحدث: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣٢].
إن كان البشر في الطائف ومكة قد رفضوا الدعوة، فهناك مجموعة لا بأس بها من الجن آمنت، وفي الحقيقة أن هذا لا يخوّف، بل يسعد أن تأتي يوم القيامة وتجد في ميزان حسناتك ألف أو مليون جني، فمثلًا: كنت في يوم من الأيام تدعو إلى الله، أو تقرأ القرآن، أو تذكر الله ﷾ فسمعك جني وآمن، فهذا خير عظيم.
[ ١١ / ٩ ]
فوائد خروج النبي ﷺ من مكة إلى الطائف
قد يظن ظان أن دعوة الطائف لم يكن فيها فوائد، وأن الرسول ﷺ تعذب من غير ثمن، لكن الحمد لله فقد آمن عدّاس، وهذا أمر لا يستهان به، فهذا غلام أو رجل أُنقذ من النار وسيدخل الجنة إن شاء الله.
وهناك أمة ضخمة جدًا من الخلق من الجن قد آمنت بهذه الكلمات التي سمعتها من رسول الله ﷺ.
وهناك التثبيت من الله ﷿ عندما بعث للرسول ﷺ ملك الجبال.
[ ١١ / ١٠ ]
كيفية دخول النبي ﷺ مكة بعد عودته من الطائف
اقترب الرسول ﷺ من مكة عند رجوعه من الطائف، فاستوقفه زيد بن حارثة على مشارف مكة، وقال له: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟ لكن الرسول ﷺ رد عليه بيقين وقال له: (يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصر دينه، ومظهر نبيه)، كأنه لم تكن هناك أي مشكلة وقعت لا في الطائف ولا مكة، بل كأنه سيبتدئ الدعوة من بدايتها.
وصل الرسول ﷺ إلى أبواب مكة، وبدأ في التفكير في كيفية الدخول إليها، فقرر أن يستفيد من قانون الإجارة في مكة، وهو قانون محترم فيها، بما أن الذي يطبقه هم المشركون، لكن الرسول ﷺ يستفيد من هذه القوانين طالما أنها لا تتعارض مع شرع الله ﷿، وليس هذا فحسب، فقد قرر أن يدخل في إجارة مشرك ليس من بني هاشم، وليس بمؤمن؛ لأنه لو دخل في إجارة مؤمن لكان ذلك بمثابة إعلان الحرب بمكة، وسيتميز أهل مكة إلى فريقين: مؤمن، وكافر، وهذا ليس وقت المواجهة، كما أنه لا يجد في بني هاشم على عظمها من يجيره، فكبير بني هاشم بعد موت أبي طالب هو أبو لهب أشد الأعداء لهذه الرسالة، ولن يقبل ولن يترك أحدًا من بني هاشم يحمي الرسول ﷺ.
فبعث الرسول ﵊ إلى الأخنس بن شريك فلم تكن عنده نخوة، وتعلل بأنه حليف، وأنه ليس رجلًا أصيلًا في مكة، فالحليف لا يجير، فبعث إلى سهيل بن عمرو وهو من عظماء مكة، وكان من المفروض أن يوافق، لكنه قال: إن بني عامر لا تجير على بني كعب، وسهيل بن عمرو من بني عامر، والرسول ﷺ من بني كعب، والرسول ﷺ يعرف ويفهم القوانين، ويعرف أنها ليست حتمية، وأنه من الممكن أن يجير الحليف، وأن تجير بنو عامر على بني كعب، وإلا لم يكن ليبعث لهم، كانت هذه اعتذارات مؤدبة من قادة مكة.
ثم بعث الرسول ﷺ إلى المطعم بن عدي أحد زعماء مكة الكبار، وسيد قبيلة بني نوفل بن عبد مناف، وهو أحد الذين شاركوا في نقض الصحيفة بعد ثلاث سنين.
وافق المطعم بن عدي على إجارة رسول الله ﷺ، وقال لبنيه وقومه: البسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت محمدًا، وخرجت كتيبة مسلحة من بني نوفل تستقبل رسول الله ﷺ، وأحاطت به الحمايات، وسارت به حتى وصلت به إلى البيت الحرام، فصلى ركعتين وقام المطعم بن عدي فخطب في الناس، فقال: يا معشر قريش! إني قد أجرت محمدًا، فلا يهجه أحد منكم، ثم أوصلوه إلى بيته ووقفوا على بابه يحمونه! تعامل رسول الله ﷺ في منتهى الحكمة مع الأوضاع المقلوبة في مكة، وكان من المنطقي أن يدخل مكة في حماية سيوف بني هاشم، لكن نذالة أبي لهب وقفت أمام هذا الأمر، لكن هذا الموقف من بني هاشم ومن أبي لهب لم يغلق كل الأبواب، فلا تزال هناك أبواب مفتوحة، نعم هي أبواب كافرة، لكن ما المانع من استغلالها؟ ما المانع من استخدام أحد المعارف من الكافرين للحماية ما دام ليس هناك تنازل ولا تفريط؟ دخل رسول الله ﷺ مكة مرفوع الرأس، وحوله الأسلحة من كل مكان، لم يدخلها متسللًا أو منهزمًا، ومع أن الحماية جميعها آتية من بني نوفل من المطعم بن عدي أحد المشركين، إلا أنه ﷺ كان حريصًا كل الحرص أن يفهم جميع أهل مكة، والمطعم بن عدي أنه لن يتنازل عن الإسلام والدعوة، ولهذا كان أول شيء فعله ﷺ أن ذهب إلى البيت الحرام يصلي فيه ركعتين على طريقة المسلمين، وأمام جميع الناس؛ ليعلن لأهل مكة ولبني نوفل وللمطعم بن عدي أنه ما زال على نفس الطريق، وسوف يأتي الحجاج لمكة، وسيخرج لهم أيضًا ليدعوهم للإسلام، تمامًا كما كان يفعل في أيام أبي طالب.
هذا فقه الواقع، المهم لا يكون هناك تنازل.
عند ذلك يكون الوضع قد استقر نسبيًا في مكة، فالرسول ﷺ محمي بسيوف بني نوفل، وبكلام المطعم بن عدي الذي قاله وسط جميع الناس، لكن الرسول ﷺ رجل بعيد النظر، حنكته التجارب، يعرف أن هذا الموقف من المطعم موقف مؤقت، فقريش مهما كانت لن تترك المطعم يحمي الرسول ﷺ لمدة طويلة أبدًا، ومع هذا فـ المطعم أيضًا كافر وله طاقة والموقف صعب، ومن الممكن أنه لا يستطيع أن يحمي الرسول ﷺ إلى الأبد، كل هذا جعل الرسول ﷺ يبحث عن بديل للمطعم بن عدي.
[ ١١ / ١١ ]
دعوة الرسول ﷺ لوفود الحج
بدأ الرسول ﷺ يزور الوفود التي تأتي لتحج في مكة، وبدأ يعرض عليهم الإسلام كعادته في ذلك، لكن بدأ يطلب منهم فوق هذا النصرة، وأن يساعدوه ويدافعوا عنه، فهو يريد بديلًا للمطعم بن عدي، وفي نفس الوقت لم يقل صراحة أنه سوف يحارب قريشًا، أو أنه سيقف أمامها؛ لأن المرحلة في ذلك الوقت كانت صعبة والوضع غير مستقر، وكل هذا يتم في ذي القعدة وذي الحجة من السنة العاشرة من البعثة.
أي: بعد كل الأحداث المؤلمة والمحزنة التي حدثت في الشهرين الماضيين، كان الرسول ﷺ يتحرك بمنتهى النشاط مع كل الظروف العادية التي تحصل لأي إنسان عنده بيت وأولاد، ولديه مسئوليات.
ومن هذا الموقف تصلنا رسالة هامة من الرسول ﵊، وهي لا عذر لأحد، فكلمة الظروف لم تكن موجودة في قاموس حياة الرسول ﷺ، وكثير من الناس تعتذر بسبب الظروف: أنت لم تعرف ظروفي، ظروفي غير مناسبة، ليس من يديه في الماء كمن هي في النار! يا أخي الحبيب! أنا أريد منك أن تنظر بأمانة لظروف الرسول ﷺ؛ لتستطيع أن تحكم فعلًا إذا كانت ظروفك صعبة أم لا، فقد كان من الممكن أن ينصر الله رسوله ﷺ بكلمة واحدة، ويفتح قلوب العرب لكلامه من أول يوم في الدعوة، ويوفر عليه الجهد والتعب، ويريح قلبه بدلًا من خروجه من حزن ودخوله في آخر، لكن ربنا يعلمنا طبيعة الطريق، فمن الطبيعي أن يكون عندك مشاكل في طريق الدعوة، لكن ليس من المفترض أن توقفك، من الطبيعي أن تحاربك الناس وتؤذيك وتسخر منك، لكن ليس من المفترض أن يوقفك مثل هذا، الناس مريضة بمرض البعد عن ربنا ﷾، وأنت طبيبهم تعالجهم ولا تضربهم، وتحبهم ولا تكرههم.
هذه هي الرسالة التي أخذناها من حياة الرسول ﷺ، والتي أخذناها من مكة والطائف، والتي سوف نأخذها بعد هذا من المدينة المنورة، الرسالة واضحة، طريق الدعوة صعب، لكن لا بد أن نمشي فيه ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:٣٤] دعوة وبعدها تكذيب وإيذاء ثم صبر من الدعاة، وفي الأخير ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ [الأنعام:٣٤] فليس هناك طريق آخر، فهذا طريق الرسل، وطريق كل مسلم يحب دينه، ويريد أن يتحرك وسط الناس.
بدأ الرسول ﷺ يكلم الوفود التي أتت لتزور مكة، ذهب لبني كلب، ولبني كندة، ولبني حنيفة، وذهب لغيرهم، ومع ذلك ما قبل أحد منهم الإسلام، كل هذا وعمه أبو لهب يمشي خلفه في كل زيارة، الرسول ﷺ يقف على كل قبيلة، ويقول لهم: يا بني فلان إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتسمعوني وتصدقوا بي، حتى أُبين عن الله ما بعثني به، يريد منهم أن يسلموا ويدافعوا عنه، وأبو لهب هو أيضًا يبذل مجهودًا، فبعد أن ينتهي الرسول ﷺ من كلامه يقف ويقول لهم: يا بني فلان إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعماقكم إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، يدعي أن هذا ما هو إلا البدعة والضلالة، وأيضًا يقول: فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه، فالناس يسألون ويقولون: من هذا؟ فيقال: عمه، فيقول: من المؤكد أنه يعرفه أكثر منا، فلا يؤمنوا، فيذهب أبو لهب فرحًا بنفسه، ويرى أنه قد أدى واجبه، ولا يعرف أنه يحفر لنفسه قبرًا في جهنم، فهذا اسم على مسمى أبو لهب، حتى إن الله ﷾ قال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:١ - ٣] أي: أنه باسم النار التي سوف يدخلها.
أحد أصحاب القومية العربية كان يجعل هذا الاسم كنيته، وقال: لأن أبا لهب كان عربيًا، وهو يعتز بالعروبة وبأي عربي.
كل القبائل رفضت الدعوة، ولم يكن هناك أحد يفكر، إلا قبيلة واحدة فقط التي أخذت الموضوع بجد وفكّرت في الإسلام، ولكن كانت هناك نقطة معينة اشترطوها على الرسول ﷺ ليسلموا ويدافعوا عنه.
ما هي هذه القبيلة؟ وما الذي اشترطوه على رسول الله ﵊؟ وما هو رد فعل الرسول ﷺ؟ هذه القبيلة هي قبيلة بني عامر، وهي من أعز قبائل العرب، وهي إحدى خمس قبائل لم تعرف في تاريخها كله سبيًا لنسائها، ولا دفعًا لإثارة غيرهم، والمباحثات معها في غاية الحساسية، عرض عليهم الرسول ﷺ الإسلام وطلب منهم النصرة كبقية القبائل، وكان زعيمهم بيحرة بن فراس واهتم بالموضوع ووقف يقول لأصحابه أمام الرسول ﷺ: لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العر
[ ١١ / ١٢ ]