من آثار صلح الحديبية العظيمة فتح خيبر، فقد سارع الرسول ﷺ بعد عودته إلى المدينة من صلح الحديبية إلى خيبر، لتأديب اليهود ومعاقبتهم على دسائسهم ومؤامراتهم، واصطفى للقتال من بايع بيعة الرضوان، فأجرى الله تعالى على أيديهم فتح خيبر وغنم المسلمون أموالها، وكان ذلك فتحًا مبينًا.
[ ٣٤ / ١ ]
أسباب فتح خيبر
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس السادس من دروس السيرة النبوية: العهد المدني فترة الفتح والتمكين.
تحدثنا قبل ذلك عن صلح الحديبية، وذكرنا أن صلح الحديبية يعتبر نقطة تحول حقيقي ويعتبر نقلة نوعية في تاريخ الأمة الإسلامية بكل المقاييس، ولذلك بدأ الرسول ﷺ بعد هذا الصلح الهام يرتب أوراقه من جديد، فقد قام بخطوتين كان من الصعب جدًا أن يقوم بهما قبل هذا الصلح: الخطوة الأولى: خطوة مراسلة زعماء وملوك العالم، وهي خطوة ما كان يستطيع أن يقوم بها أبدًا قبل صلح الحديبية؛ لأن دولة الإسلام في ذلك الوقت كانت دولة غير مستقرة، غير معترف بها حتى في محيط الجزيرة العربية، فكيف يعترف بها على مستوى العالم، أما بعد صلح الحديبية فقد استقرت الأوضاع إلى حد كبير جدًا في المدينة المنورة، وأمن الناس من احتمال الحرب، واعترفت قريش بالدولة الإسلامية، وكذلك اعترفت القبائل العربية الكبرى بهذه الدولة الجديدة، بدليل دخول بعض القبائل -كخزاعة- في حلف الرسول ﷺ، ونتيجة هذا الاستقرار بدأ الرسول ﵊ في نشر الإسلام عالميًا عن طريق مراسلات عديدة إلى زعماء وملوك العالم كما فصلنا.
إذًا: هذه كانت هي الخطوة الأولى بعد صلح الحديبية، وتقريبًا بدأت في أول محرم سنة سبع أو في أواخر سنة ست في آخر ذي الحجة.
الخطوة الثانية: فتح خيبر، وقد قام به ﷺ بمجرد أن انتهى من صلح الحديبية.
وخيبر كما نعلم جميعًا من أكبر التجمعات اليهودية في الجزيرة العربية، وملف اليهود بصفة عامة مع الرسول ﷺ أسود شديد السواد، وهذا السواد شمل كل فترات المعاملات، سواء في السلم أو في الحرب، أو في وقت المعاهدة التي عقدها مع يهود المدينة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، كان الأصل عند اليهود في التعامل هو الخيانة المتكررة، والتشكيك المستمر في دين الإسلام، ومحاولة إثارة الفتنة على الدوام، ثم تطور الأمر إلى معارك حقيقية بين المسلمين وبين يهود القبائل الثلاث، وانتهى الأمر بإجلاء قبيلتي بني قينقاع وبني النضير، وقتل رجال القبيلة الثالثة بني قريظة، ولم يبق من تجمعات اليهود الكبرى في الجزيرة إلا تجمع خيبر وما حولها من تجمعات أصغر مثل تجمع تيماء، وتجمع فدك، وتجمع وادي القرى، لكن التجمع الرئيس كان تجمع خيبر، وهذا التجمع الكبير من أقوى التجمعات اليهودية مطلقًا، وقد ازداد قوة بعد إجلاء يهود بني النضير؛ لأنهم انضموا بكل طاقتهم إلى يهود خيبر، وإذا كنا رأينا قبل ذلك أن كل التعاملات اليهودية مع الرسول ﵊ كان فيها خيانة وغدر وكيد وتدبير مؤامرات تلو المؤامرات، فإن يهود خيبر لم يخالفوا هذه القاعدة، مع أن علاقة يهود خيبر بالرسول ﵊ لم تكن مباشرة كالقبائل اليهودية الثلاث التي ذكرناها قبل ذلك، إلا أنهم لم يكفوا عن محاولتهم للكيد للدولة الإسلامية في المدينة المنورة، وأخطر محاولات ومؤامرات خيبر كانت مؤامرة جمع القبائل العربية المختلفة لحرب المسلمين في المدينة المنورة في غزوة الأحزاب، فيهود خيبر بعثوا وفدًا كبيرًا جدًا مكونًا من عشرين زعيمًا من زعماء خيبر، بالاشتراك مع بعض زعماء قبيلة بني النضير، وبدءوا يجوبون القبائل العربية الكبرى مثل: قريش، وغطفان وغيرهما؛ لتحفيز هذه القبائل على الاجتماع لحرب المسلمين، ولم يكتف يهود خيبر بالدور التنسيقي للأحزاب، بل بذلوا المال وثمار خيبر لقبائل غطفان؛ لكي يدفعوها دفعًا لاستئصال المسلمين، وقبائل غطفان مرتزقة يحاربون بالأجر، فخيبر ضحت بنصف ثمارها؛ لكي تدفع غطفان لحرب المسلمين، وليس هذا فحسب، بل كان لهم دور كبير جدًا في إقناع بني قريظة بخيانة عهد الرسول ﷺ، وهذا الفعل كان سيؤدي إلى كارثة حقيقية بالمدينة المنورة، لولا أن الله ﷿ لطف بعباده المؤمنين، كما فصلنا وشرحنا في غزوة الأحزاب.
رغم فشل الأحزاب في غزو المدينة إلا أن يهود خيبر لم يكفوا أبدًا عن محاولتهم المضنية لإيذاء المسلمين، وثبت أنهم قاموا بالتجسس مع المنافقين في المدينة المنورة؛ لكي يدبروا مؤامرات كيدية للمسلمين، ووصل الأمر إلى محاولة اغتيال الرسول ﷺ.
وهذا التاريخ الطويل من الكيد والدس والمؤامرات يحتاج إلى وقفة من المسلمين، وكان من الأفضل والمناسب أن تكون هذه الوقفة بعد غزوة الأحزاب مباشرة، لكن لم يكن ذلك ممكنًا ومتيسرًا؛ لأن الرسول ﵊ كان يخشى أن تباغت قريش المدينة المنورة في أي لحظة، وما غزوة الأحزاب عنه ببعيد، لأنه قد يجتمع الناس من جديد لمحاصرة المدينة واقتحامها، فالرسول عليه الصلاة والس
[ ٣٤ / ٢ ]
أهداف سرعة خروج الرسول ﷺ إلى خيبر
خرج رسول الله ﷺ وأصحابه إلى خيبر بعد أقل من شهر من عودته من صلح الحديبية في محرم سنة سبع، وكانت هذه السرعة لأهداف، منها: أنه يريد حفظ كرامة الأمة الإسلامية بالرد على اليهود الغادرين.
ومنها: أنه لا يأمن غدر قريش وحلفائها؛ من أجل ذلك بادر إلى هذه الخطوة قبل أن تفكر قريش في الغدر أو تستعد له.
ومنها: أن خبر صلح الحديبية وصل حتمًا إلى يهود خيبر، وقد يتوقعون هجومًا من المسلمين، لذلك كلما كان أسرع كان أفضل قبل أن يستعد اليهود.
ومنها: أنه أراد أن يرفع معنويات المسلمين المنكسرة بعد صلح الحديبية، فهم لم يكونوا قد رأوا الخير الذي ترتب على صلح الحديبية، فأراد ﷺ أن يعوضهم بهذا الفتح القريب.
وفوق كل هذه الأهداف أن رب العالمين ﷾ كان قد بشر المؤمنين أن هناك مغانم كثيرة سيحققونها بعد صلح الحديبية، كما جاء في سورة الفتح التي نزلت مباشرة بعد الصلح، ولعل هذه الغنائم تكون غنائم خيبر، وقد كان كما قال الله ﷿ في سورة الفتح: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح:٢٠].
فقوله تعالى: (مَغَانِمَ كَثِيرَةً) هي مغانم خيبر وغير خيبر من الفتوحات الإسلامية التي جاءت بعد هذا الصلح العظيم.
وقوله: (هَذِهِ) يعني: صلح الحديبية.
[ ٣٤ / ٣ ]
سبب عدم قبول الرسول ﷺ خروج المنافقين معه إلى خيبر
كانت هناك مشكلة كبيرة جدًا، وهي أن الرسول ﷺ كان خائفًا من خيانة المنافقين داخل المدينة المنورة، وكما ذكرنا أن المنافقين يتعاملون مع اليهود، والعلاقة بينهم كانت حميمة من أيام بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، والآن ثبت أنهم يتعاملون مع يهود خيبر، فالرسول ﵊ لا يريد أن يخرج معه المنافقون في هذا الجيش، فماذا يفعل؟ هو لا يستطيع أن يقف ويقول: المنافق لا يخرج؛ لأن النفاق أمر قلبي، لكن الرسول ﷺ أعلن أنه لا يخرج إلى قتال أهل خيبر إلا من شهد صلح الحديبية، وبذلك يضمن أن كل من شارك في هذا الفتح سيكون من المؤمنين؛ لأن هذه المجموعة التي شاركت في صلح الحديبية جميعًا مؤمنون كما قال الله ﷿ عنهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، فخرج الرسول ﵊ بألف وأربعمائة مقاتل، وهم الذين كانوا معه في صلح الحديبية.
وكما هو معلوم إذا رأينا الصف المؤمن خالصًا نقيًا مؤمنًا؛ فإن الله ﷿ يمنحه النصر والتمكين.
فخرج هذا الجيش العظيم بهذه الروح الطيبة المتفائلة، ولنتذكر أن ألف وأربعمائة مقاتل سيحاربون أعدادًا ضخمة هائلة؛ لأن أعداد اليهود كانت أضعاف أضعاف الجيش الإسلامي، ومع ذلك كانوا خارجين بتصميم ويقين على أن النصر من عند الله ﷾، قال الله ﷾ في كتابه الكريم: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩].
وكما توقع الرسول ﵊ فقد أرسل المنافقون إلى يهود خيبر يخبرونهم بقدوم الرسول ﷺ إلى خيبر، بل وشجعوهم على قتال الرسول ﷺ، وقالوا لهم: لا تخافوا منهم؛ فإن عددكم وعدتكم كثيرة، وقوم محمد شرذمة قليلون عزل لا سلاح معهم إلا القليل.
[ ٣٤ / ٤ ]
قرارات الرسول ﷺ في تأمين عملية اجتياح خيبر
لما وصلت رسالة المنافقين إلى أهل خيبر بخروج الرسول ﷺ إليهم واستعد أهل خيبر، ولم يكتفوا بالاستعداد والتحصن، بل أرسلوا أحد زعماء اليهود واسمه كنانة بن أبي الحقيق، وهو أخو سلام بن أبي الحقيق الذي قتل قبل عدة أشهر على أيدي المسلمين، أرسلوا كنانة بن أبي الحقيق إلى قبائل غطفان المرتزقة وعرضوا عليهم المال؛ لكي يساعدوهم ويعاونوهم في حرب المسلمين، وعرضوا عليهم نصف ثمار خيبر، وبالفعل بدأت قبائل غطفان في التجهز للخروج في اتجاه خيبر وأعدوا جيشًا كبيرًا جدًا لهذا الأمر، وبفضل الله اكتشفت مخابرات الرسول ﷺ هذا التحرك لغطفان، وبسرعة أخذ الرسول ﵊ عدة قرارات لكي يؤمن عملية اجتياح خيبر: أولًا: أخرج ﷺ سرية بقيادة أبان بن سعيد ﵁ باتجاه أعراب نجد حول المدينة؛ لكي يثير الرعب في هذه المنطقة فلا تجرؤ غطفان ولا غير غطفان على مهاجمة المدينة المنورة؛ لأنها خالية تقريبًا من الرجال في ذلك الوقت.
إذًا: أول شيء: أنه قام بتأمين المدينة المنورة.
ثانيًا: أرسل سرية إلى ديار غطفان، فالمسلمون متجهون إلى الشمال باتجاه خيبر، والرسول ﷺ أرسل سرية إلى الشمال الشرقي إلى ديار غطفان؛ لكي يوهم جيش غطفان أنه سيغزو ديارهم لا ديار اليهود، وأمر هذه السرية أن تظهر أمرها ولا تتخفى، وتحدث لغطًا وصوتًا عاليًا، لكي يلفت أنظار جيش غطفان فيعود مرة ثانية إلى دياره، ولا يشترك مع أهل خيبر في الدفاع عن حصون خيبر، وفعلًا هذا الذي حصل، فجيش غطفان لما سمع الصوت رجع سريعًا عائدًا إلى قبائله وإلى دياره، وترك يهود خيبر يواجهون الرسول ﵊ منفردين.
ثالثًا: أن الرسول ﷺ غير اتجاهه، حيث أخذ بعض الأدلة لتدله على طريق آخر ليدخل خيبر من شمالها وليس من جنوبها، والمدينة المنورة في جنوب خيبر، وبدلًا من أن يدخل من الجنوب دخل من الشمال، ويكون بذلك حقق شيئين، وضرب عصفورين بحجر: أولًا: سيحول بين غطفان وبين خيبر بجيشه، فجيشه سيفصل بين قبائل غطفان وبين مدينة خيبر.
ثانيًا: سيمنع اليهود من الفرار إلى الشام، فيحصر اليهود في منطقة خيبر، وسيكون الطريق إلى الشمال مغلقًا بالجيش الإسلامي.
وهذا تخطيط عسكري على أحسن مستوى.
[ ٣٤ / ٥ ]
عوامل ومقومات النصر في جيش الرسول ﷺ في غزوة خيبر
نستطيع بهذا أن نتبين بعض ملامح الجيش المنصور من الخطوات السابقة: أولًا: الجيش بكامله من المؤمنين وهذا أهم عامل، فالرسول ﵊ حدد الخروج في أولئك الذين شهدوا صلح الحديبية، حتى لو كان هؤلاء قلة، فإنهم سينتصرون بإذن الله ﷿.
فكل الجيش كان مؤمنًا، وكان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالرسول ﷺ، ويجمعهم رباط العقيدة، وقد تخلت غطفان عن اليهود؛ لأنه لا يربطهم ببعضهم إلا المصالح الدنيوية، أما الجيش الإسلامي بشتى فروعه: قبائل الأنصار، وقبائل المهاجرين، وغير ذلك من القبائل التي دخلت مع الرسول ﵊ في المدينة المنورة، كل هذا الجيش كان وحدة واحدة، وهذا من أهم عوامل النصر.
وكذلك الأخذ بالأسباب: إعداد العدة، والخطة، والخطط البديلة، وتغيير الاتجاه، والعيون، فكل شيء يستطيع أن يفعله ﵊ من أسباب النصر فعله ﷺ، فهو سيدخل منطقة خيبر وعنده مقومات النصر للمسلمين.
واقترب الرسول ﵊ من خيبر جدًا، وكان هذا الاقتراب في الليل، والرسول ﷺ لم يكن يقاتل بالليل، كان ينتظر حتى يأتي الفجر، ثم يقاتل بعد الفجر ﷺ، فاختار ﷺ مكانًا وعسكر فيه قريبًا من مجموعة حصون اسمها حصون النطاة، على وزن حصاة، وكانت مجموعة حصون كبيرة في منطقة خيبر، وعندما اختار الرسول ﵊ ذلك المكان جاء إليه الحباب بن المنذر ﵁ وأرضاه وقال: (يا رسول الله! إن هذا المنزل قريب من حصن نطاة، وجميع مقاتلي خيبر فيها، وهم يدرون أحوالنا ونحن لا ندري أحوالهم، وسهامهم تصل إلينا وسهامنا لا تصل إليهم، ولا نأمن من بياتهم، وهذا بين النخلات، ومكان غائر، وأرض وخيمة) يعني: هذا مكان بين النخلات قد يتسلل اليهود من خلال النخيل إلى الرسول ﷺ وأصحابه ولا يدركون هذا التسلسل.
(فلو أمرت بمكان آخر نتخذه معسكرًا، فقال ﷺ: الرأي ما أشرت به) وغير ﵊ المكان إلى المكان الذي أشار به الحباب بن المنذر ﵁ وأرضاه، والحباب قبل ذلك أشار بمثل هذه المشورة في موقعة بدر، ورأينا سعة صدر الرسول ﵊ لقضية الشورى وسماع آراء الآخرين، وكيف كان ذلك سببًا للنصر في بدر، وسيكون سببًا من أسباب النصر في خيبر، وهي سنن ثابتة كما نرى.
[ ٣٤ / ٦ ]
إعطاء الرسول ﷺ الراية في خيبر لعلي ﵁
بعد أن استقر الجيش الإسلامي في مكانه الجديد، قام ﷺ وخطب في الناس وقال لهم: (لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله عليه).
واضح جدًا من هذا الوصف أن من يفتح الله ﷿ على يديه البلاد، ويمكن له في الأرض وينصره على أعدائه لا بد لهذه الشخصية أن تكون محبة لله ﷿ ولرسوله الكريم ﷺ، وأن تكون محل حب الله ﷿ وحب رسوله الكريم ﷺ، هذه الصفة لا تأتي إلا بموافقة تامة للشرع وبصدق كامل في النية، والله ﷿ مطلع على القلوب، ولا يعطي نصره إلا لمن أحب ﷾.
وهذا الأمر ينطبق على كل مراحل التمكين في حياة الأمة الإسلامية، وعلى كل انتصارات الأمة الإسلامية، فأنت إذا رأيت الله ﷿ نصر خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه، أو نصر عمرو بن العاص، أو نصر صلاح الدين الأيوبي، أو سيف الدين قطز، أو يوسف بن تاشفين أو أي إنسان مكن له في الأرض ونصر، فاعلم أن هذه علامة من علامات حب الله ﷿ للعبد.
فالرسول ﷺ لما قال هذه الكلمات وأصبح في اليوم الثاني جاء الناس جميعًا متشوفين لحمل هذه الراية، فقال ﷺ: (أين علي بن أبي طالب؟ فقال الناس: يا رسول الله! هو يشتكي عينيه، فأرسل إليه) فسيدنا علي بن أبي طالب كان عنده رمد في عينيه، وكان لا يرى إلا بصعوبة، فهم قالوا: يا رسول الله! إنه مريض به رمد في عينيه، فالرسول ﷺ أصر على الإتيان بـ علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، فلما جاء بصق ﷺ في عينيه فبرئ علي بن أبي طالب كأن لم يكن به أي مرض، وأعطاه ﷺ الراية، وكان الجميع يرى أن ظروف علي بن أبي طالب لا تسمح له بالقيادة، ولكن رب العالمين ﷾ يسر له ذلك الأمر، فإن كنت صادقًا فسيفتح الله لك أبواب العمل، وأبواب التوفيق إلى عمل، حتى وإن كانت الظروف صعبة والمعوقات كثيرة، قال الله ﷿ في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
فأخذ سيدنا علي الراية وقال: (يا رسول الله! أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟) فقال ﷺ موضحًا الغاية من الحرب في الإسلام: (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيهم، فوالله! لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم).
يبين الرسول ﵊ أن إسلام هؤلاء أحب إليه من أموالهم ومن ديارهم ومن سلطانهم ومن كل شيء، فمع كل التاريخ الأسود لليهود، ومع كل المحاولات المضنية التي بذلوها لاستئصال المسلمين في المدينة المنورة، إلا أن الرسول ﷺ ما زال إلى هذه اللحظة حريصًا تمام الحرص على إسلامهم وهدايتهم إلى رب العالمين ﷾.
[ ٣٤ / ٧ ]
بدء تحرك الرسول ﷺ وأصحابه تجاه حصون خيبر بعد إصرار اليهود على الحرب
بدأ الجيش الإسلامي في التحرك باتجاه خيبر، وخرج اليهود كالعادة من حصونهم إلى مزارعهم، وفوجئوا برسول الله ﷺ والجيش معه، فقالوا: محمد والخميس.
و(الخميس) يعني: الجيش الكبير، ورجعوا هاربين بسرعة إلى حصونهم، وأغلقوا الأبواب عليهم، وصاح الرسول ﵊ صيحة عالية سمعها الجيش بكامله وسمعها اليهود، قال ﷺ: (الله أكبر! خربت خيبر، الله أكبر! خربت خيبر، الله أكبر! خربت خيبر) قالها ثلاثًا ﷺ ثم قال: (إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين).
فهذه الكلمات كانت آثارها هامة على الجيشين: الجيش الإسلامي، والجيش اليهودي، فهو يذكر المسلمين بأن النصر من عند الله ﷿، وأن الله ﷿ أكبر من أي عدو، فإن كنتم ترون حصون خيبر وسلاح خيبر وأعداد خيبر أكثر بكثير منكم فاعلموا أن الله ﷿ معنا وهو ناصرنا عليهم، ففيها رفع الروح المعنوية عند المسلمين، وذكر المسلمين بأيام الله ﷿، ذكرهم ببدر وذكرهم بالأحزاب، وذكرهم بما حدث قبل ذلك من قتال مع اليهود في المواقع الثلاثة التي ذكرناها قبل ذلك.
وهذه الكلمات أيضًا وصلت إلى أسماع اليهود وأوقعت الهزيمة النفسية في قلوبهم.
(الله أكبر! خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين).
و(المنذرون) هم اليهود؛ لأن الرسول ﵊ بلغهم الرسالة مرات عديدة فأبوا أن يستمعوا إلى كلامه، ثم أعاد عليهم الرسالة على لسان علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه كما فصلنا.
[ ٣٤ / ٨ ]
فتح الرسول ﷺ لحصون خيبر واحدًا تلو الآخر
خيبر عبارة عن منطقة ذات حصون كثيرة جدًا، فيها حصون كبيرة وفيها حصون صغيرة، لكن الحصون الكبيرة عبارة عن ثمانية حصون رئيسة، خمسة منها في منطقة، وثلاثة في منطقة ثانية، والخمسة الحصون هي خط الدفاع الاستراتيجي الأول لليهود، وهذه الحصون مقسمة إلى ثلاثة حصون وحصنين، ثلاثة حصون في منطقة اسمها النطاة، واثنان في منطقة اسمها الشق، والحصون الثلاثة التي في منطقة النطاة أسماؤها: ناعم، ثم الصعب بن معاذ، ثم قلعة الزبير، أول حصن منها قابل الرسول ﵊ كان حصن ناعم، وهو من الحصون القوية جدًا في خيبر، والرسول ﵊ اقترب كثيرًا من هذا الحصن، وأرسل علي بن أبي طالب ليدعوهم إلى الإسلام كما ذكرنا قبل ذلك، وهنا لا ينبغي أن يقول قائل: إنه لا إكراه في الدين؛ لأن الحرب هنا ليست عقابًا لهم على تركهم للإسلام، وليست عقابًا لهم على رفضهم الدعوة الإسلامية، ولكن جاء الرسول ﵊ من المدينة المنورة إلى خيبر ليعاقب اليهود على جرائمهم المتعددة السابقة، ليعاقبهم على تحزيبهم الأحزاب وحصار المدينة المنورة، وعلى تجسسهم مع المنافقين في داخل المدينة المنورة، وعلى محاولتهم اغتيال الرسول ﵊، وعلى تحفيزهم لغطفان أكثر من مرة لحرب المسلمين، فلذلك قرر الرسول ﵊ أن يعاقبهم، ولكنه أعطى لهم فرصة أخيرة ليرفعوا عن أنفسهم العقاب الذي يستحقونه، فهو أخبرهم إن أسلمتم رفعنا عنكم العقاب وتناسينا كل ما سبق، وهذه سعة صدر ورحمة من رسول الله ﷺ، لكن اليهود رفضوا هذه الدعوة، رفضوا دعوة علي بن أبي طالب ﵁ لهم بالإسلام، وقرروا الحرب، واغتروا كثيرًا بقواتهم وأعدادهم وحصونهم.
[ ٣٤ / ٩ ]
فتح الرسول ﷺ وأصحابه لحصن ناعم بعد قتل مرحب وأخيه ياسر
عادة الحروب القديمة أن يبدأ القتال بمبارزة بين أحد الفرسان من فريق، وأحد الفرسان من الفريق الآخر، والمنتصر في هذه المبارزة يعطي دفعة معنوية كبيرة للفريق الذي انتصر في هذه اللحظات الأولى من القتال، فاليهود أخرجوا أحد أبطالهم وأشد فرسانهم وكان اسمه مرحبًا، وكان عملاقًا ضخم الجثة، وخرج وطلب المبارزة فخرج له عامر بن الأكوع ﵁ وأرضاه، وسرعان ما دارت المبارزة بين الاثنين، وضرب عامر بن الأكوع مرحبًا اليهودي ضربة كبيرة، ولكن طاشت الضربة ولم تصل إلى مرحب، لكن هذه الضربة أكملت الطريق ووقع سيف عامر نفسه في ركبته، فقتل عامر بسيفه خطأ، واستشهد ﵁ وأرضاه، فقال الناس: قتل نفسه، وتأثر الناس جدًا من هذا الموقف، بل وصل الأمر إلى أن بعض الصحابة قالوا: حبط عمله، وكأنه قد قتل نفسه بإرادته، وهذا لم يحدث، ودليل ذلك أن الرسول ﵊ علق بعد ذلك على هذه الحادثة، وأثنى على عامر بن الأكوع ﵁ وأرضاه، فقال: (إن له لأجرين، وجمع بين إصبعيه ﷺ، ثم قال: إنه لجاهد مجاهد) يعني: مجتهد جدًا في العلم والعبادة والعمل، مجاهد في سبيل الله.
(قل عربي مشى بها مثله) يعني: نادر جدًا من العرب من مشى في أرض المعركة أو مشى في الأرض بصفة عامة مثل هذا الرجل المجاهد عامر بن الأكوع ﵁ وأرضاه، لكن في أرض المعركة أحدث قتل عامر بن الأكوع هزة عند المسلمين، ورفع الروح المعنوية عند اليهود، فوقف مرحب القائد اليهودي يطلب المبارزة من جديد بعد أن ارتفعت معنوياته في اللحظات الأولى من القتال، فخرج له من المسلمين البطل الإسلامي علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه حامل راية المسلمين في موقعة خيبر، ودار بينهما قتال شديد عنيف، ثم من الله ﷿ على علي بن أبي طالب بالنصر، كما تنبأ بذلك رسول الله ﷺ، (رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله عليه)، وبالفعل فتح الله ﷿ على علي بن أبي طالب ﵁ فقتل مرحبًا، وقتل مرحب فيه إشارة كبيرة إلى أن النصر سيكون للمسلمين؛ لأن مرحبًا كان أقوى رجل في اليهود، وكان اليهود لا يتصورون أبدًا أن يقتله أحد المسلمين، وخرج أخو مرحب واسمه ياسر، وأراد الثأر لأخيه، وكان أيضًا من العمالقة اليهود، خرج يطلب المبارزة فخرج له الزبير بن العوام ﵁ وأرضاه، واستطاع الزبير ﵁ وأرضاه أن يقتل ياسرًا أخا مرحب، وكانت بداية الانتصار للمسلمين واحتدم اللقاء بين الفريقين، واللقاء لم يتم في ساعة أو ساعتين ولكن استمر عدة أيام منفصلة، وهذا غريب في عرف القتال عند العرب؛ لأن العادة -كما رأينا قبل ذلك في بدر وفي أحد وفي غيرهما- أن يكون اللقاء يومًا واحدًا، لكن في هذا اللقاء الشديد دارت المعركة أكثر من يوم، حتى تسلل اليهود من حصن ناعم وتركوه فارغًا للمسلمين، وكان هذا التسلل ليلًا في أحد الأيام، وانتقلوا إلى الحصن الذي وراءه وهو حصن الصعب بن معاذ، واحتل المسلمون حصن ناعم، وكان ذلك رافدًا قويًا للجيش الإسلامي في موقعة خيبر.
[ ٣٤ / ١٠ ]
فتح الرسول ﷺ وأصحابه لحصن الصعب بن معاذ
لم يكتف الرسول ﷺ بهذا النصر الجزئي في هذه المعركة، بل استمر في القتال مع اليهود، فهو جاء لينتقم من أفعال اليهود المتكررة، وليخرج اليهود من هذه البلاد كما أخرج قبل ذلك يهود بني قينقاع وبني النضير، وحاصر الرسول ﵊ حصن الصعب بن معاذ حصارًا شديدًا، وحصن الصعب بن معاذ كان أشد صعوبة من الحصن الذي قبله حصن ناعم.
ومع أن الحصار شديد، ومع أن فتنة الحرب كبيرة، إلا أن الله ﷿ أراد أن يبتلي المؤمنين أكثر وأكثر، فأوقعهم في أمر صعب إلى جوار صعوبة الحرب، وهو أمر الجوع، لقد جاع المسلمون جوعًا شديدًا، حتى قالوا: لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء.
ولما ازداد الجوع بالمسلمين قام بعض رجال الجيش الإسلامي بذبح بعض الحمير للأكل، والعرب كانت تأكل الحمير في ظروف معينة، ولم يكن هذا الأمر محرمًا على المسلمين في ذلك الوقت، ونصبوا القدور ولم يكن هذا بعلم الرسول ﷺ، ولما رأى الرسول ﵊ النيران مشتعلة، قال: (على أي شيء توقدون؟) وهو يعلم أنه ليس مع الجيش لحم يوقد عليه النار، فقالوا: (يا رسول الله! على لحم) يعني: نوقد هذه النيران على لحم.
(قال: أي لحم؟ قالوا: لحوم الحمر الإنسية) يعني: لحوم الحمر التي نعرفها وتستخدم في النقل، وهذه الحمير لم تكن محرمة على المسلمين حتى تلك اللحظة، ولكن الرسول ﵊ في هذا الموقف الصعب قام ونهى عن أكل لحوم الحمر الإنسية، حيث قال: (إنها لا تحل لامرئ مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر).
هذا موقف صعب، الناس في ضائقة وفي مخمصة شديدة، كما وصف أحد الصحابة أنه جوع شديد جدًا، وبدأت اللحوم تنضج، ورائحة اللحوم بدأت تظهر عند الناس ونفوسهم متشوقة إلى الأكل، ثم أتى النهي من عند رسول الله ﷺ.
وهذا ابتلاء كبير لا ينصاع له إلا مؤمن كامل الإيمان، وبفضل الله نجح الجيش بلا استثناء في هذا الاختبار، والكل لم يأكل من هذه اللحوم؛ بل إن الرسول ﵊ لم يكتف بتحريم الأكل من لحوم الحمر الإنسية، وإنما قال (أريقوها واكسروها) يعني: أريقوا ما في القدور من اللحوم والمرق واكسروا القدور؛ ليختفي كل أثر لهذه اللحوم، فسأل بعض الصحابة: (أنريقها ونغسلها؟) يعني: بدل الكسر نغسل القدور، (فقال: أو ذاك) يعني: قبل ﷺ بغسل القدور.
وهذا التحريم جاء في وقت يحتاج فيه الجيش لهذا الأكل، وواضح أن الرسول ﵊ كان يرى أن موقف الصحابة لم يصل بعد إلى موقف الاضطرار، وما زال بهم قوة أن يبقوا بدون طعام فترة من الزمان، وإلا لو كانوا مضطرين لجاز لهم أكل أي شيء حتى الميتة كما يعلم الجميع.
هذه تربية إيمانية عالية جدًا، ونجاح عظيم للجيش المؤمن، وهذه من أعظم أسباب النصر.
وهذا يلفت أنظارنا لمسألة مهمة نحب أن نقف عليها، وهي أن هذا التحريم الذي جاء على لسان الرسول ﵊ لم يأت في القرآن الكريم، والله ﷾ ذكر في الكتاب أنواعًا كثيرة من المحرمات على المسلمين، منها: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ [المائدة:٣]، وغيرها من المحرمات التي ذكرت للمسلمين.
وتحريم الحمر الإنسية لم يأت في كتاب الله ﷿، وإنما جاء فقط في السنة النبوية، ومع ذلك على المسلمين ألا يأكلوا من الحمر الإنسية، والرسول ﵊ بعد رجوعه إلى المدينة المنورة قال في خطبة ذات يوم للصحابة بعد أن ادعى بعض المنافقين أنه يكتفي فقط بالقرآن الكريم، أو أن الرسول ﵊ تنبأ أنه سيأتي زمان على المسلمين فيدعي بعضهم أن القرآن الكريم يكفيهم دون السنة، فروى أبو داود ﵀ عن المقدام بن معدي كرب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه).
و(الكتاب) يعني: القرآن الكريم.
(ومثله معه) يعني: السنة المطهرة، والسنة وحي من رب العالمين ﷾.
(ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه) يعني: يقصد هذا الشخص الجالس على أريكته الاكتفاء بالقرآن والابتعاد عن السنة.
ثم قال: (ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع)، وذكر ﷺ أنواعًا أخرى من المحرمات، وهذه المحرمات لم تأت في كتاب رب العالمين ﷾، ومع ذلك فهي محرمة على المسلمين بتحريم الرسول ﷺ لها، فثبت الحكم عند المسلمين، وهذا من أبلغ الأدلة لكون السنة النبوية مصدرًا هامًا من مصادر التشريع.
بعد هذه الأزمة التي حصلت للمسلمي
[ ٣٤ / ١١ ]
فتح الرسول ﷺ وأصحابه لحصن قلعة الزبير
بعد أن سقط حصن ناعم، ثم سقط حصن الصعب بن معاذ، وفيه وجدوا الكثير من الطعام كما ذكرنا، انتقلوا بعد ذلك إلى حصن قلعة الزبير، وهو الحصن الثالث في المنطقة، وحصن قلعة الزبير من أمنع الحصون في هذه المنطقة، وكما يقول الرواة: لا تقدر عليه الخيل والرجال؛ لأنه فوق قمة جبل، ويصعب الوصول إليه، ففرض الرسول ﵊ عليه الحصار مدة ثلاثة أيام، ثم ألقى الله ﷿ الرعب في قلب رجل من اليهود، فأتى وتسلل من الحصن، وجاء إلى الرسول ﵊ وطلب الأمان، ثم قال له: يا أبا القاسم! إنك لو أقمت شهرًا ما بالوا، إن لهم شرابًا وعيونًا تحت الأرض، يخرجون بالليل ويشربون منها ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك.
يعني: هناك شراب يدخل إلى الحصن عن طريق عيون تدخل من تحت الأرض، وهم في كل ليلة يخرجون دون أن يشعر المسلمون ويأخذون من هذا الشراب، فيقول اليهودي: فإن قطعت مشربهم عليهم أصحروا لك.
يعني: لو قطعت هذه العيون لا بد أن يخرجوا؛ لأنهم لن يستطيعوا أن يعيشوا بدون ماء، فقطع ﷺ الماء عن اليهود، فخرجوا وقاتلوا أشد القتال، واستمر القتال فترة من الزمان حتى انتصر المسلمون، وافتتحت قلعة الزبير.
وهذه من أشد المعارك ضراوة في تاريخ المسلمين، فهم عند كل حصن يقاتلون أيامًا، ثم يهربون من الحصن إلى الحصن الذي يليه، وهكذا وهذه الحصون مبنية بمهارة عجيبة جدًا، فكل حصن متصل بالآخر.
وهكذا انتهى الرسول ﵊ من فتح الحصون الثلاثة الأولى، التي هي: حصن ناعم، وحصن الصعب بن معاذ، وحصن قلعة الزبير، وكانت في منطقة تسمى النطاة.
وقبل أن ننتقل ونعرف ماذا عمل الرسول ﷺ بعد فتح حصون منطقة النطاة، لا بد أن نقف وقفة ونقول: إن نصر الله ﷾ يأتي بعد أن يستنفد المسلمون كل أسباب النصر، وقد لا تؤدي هذه الأسباب إلى النصر بذاتها، بل كثيرًا ما يحدث أن يعجز المسلمون بعد بذل الأسباب، ثم يأتي النصر من حيث لا يتوقعون، كما فعل الله ﷿ قبل ذلك في بدر وفي الأحزاب وفي مواطن كثيرة، وجنود الرحمن كثيرون، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١].
وأحد جنود الرحمن ﷾ في موقعة خيبر كان ذلك اليهودي، وهو ما زال على يهوديته، فأتى إلى رسول الله ﷺ وكشف له الطريق الذي به استطاع المصطفى ﷺ والصحابة الذين معه أن يفتحوا هذا الحصن الصعب: قلعة الزبير، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦].
[ ٣٤ / ١٢ ]
فتح الرسول ﷺ وصحابته لحصني أبي والنزار من الشق
بعد هذه الفتوح انتقل اليهود إلى الحصن الذي يليه، الذي هو: حصن قلعة أبي، وهو أحد حصون منطقة الشق، فبعد أن فتحت منطقة النطاة كلها بقيت منطقة الشق وفيها حصنان: أبي، والنزار، ودار قتال عنيف حول قلعة أبي إلى أن فتحت بنفس الطريقة، حصار ثم قتال، ثم هرب اليهود إلى الحصن الذي يليه، الذي هو حصن النزار.
وهذا الحصن الخامس وقف الرسول ﵊ محاصرًا له عدة أيام؛ لأنه كان أمنع الحصون الخمسة، لذلك وضع اليهود في ذلك الحصن الذراري والنساء، وظنوا أنه من المستحيل أن يفتح، ولذلك استمر الحصار فترة طويلة من الزمان بالقياس إلى ما قبله، وما استطاع الرسول ﵊ أن يفتح الحصن، فلجأ ﵊ إلى طريقة جديدة في الحرب، أتى بالمنجنيق، وكان المسلمون قد استولوا عليه من بعض الحصون اليهودية السابقة، يقال: كان في حصن الصعب بن معاذ، فنصب رسول الله ﷺ المنجنيق وبدأ يقصف الحصن بقذائف من بعد، حتى أحدث خللًا في بعض الجدران لهذا الحصن، ومن هذا الخلل تسلل المسلمون إلى داخل الحصن ودار قتال من أعنف أنواع القتال في داخل الحصن، وكتب الله ﷿ النصر للمسلمين، وفتح الحصن العظيم حصن النزار، وهرب منه بقية اليهود إلى حصون المنطقة الأخرى التي اسمها الكتيبة، وتركوا خلفهم النساء والأطفال وكل شيء.
[ ٣٤ / ١٣ ]
حصار الرسول ﷺ لحصن القموص وتسليم حصني الوطيح والسلالم
انتقل الرسول ﵊ إلى منطقة الكتيبة، ومنطقة الكتيبة منطقة واسعة فيها ثلاثة حصون كبيرة: حصن القموص، وحصن الوطيح، وحصن السلالم، هذه الحصون الثلاثة كانت من الحصون المنيعة، وتحصن فيها اليهود، لكنهم كانوا قد أصيبوا بهزيمة نفسية كبيرة نتيجة الهزائم المتلاحقة في أكثر من موقعة سابقة في خبير.
ففتح خيبر ليس مجرد لقاء عابر، وليس مجرد موقعة واحدة، بل هو عبارة عن عدة مواقع متتالية في مكان واحد، حصن وراء حصن، حتى فتح المسلمون خمسة حصون صعبة دون هزيمة واحدة؛ لذلك كانت خيبر محفورة في أذهان اليهود، ومحفورة في أذهان المسلمين، فهي من أعظم انتصارات المسلمين مطلقًا، وسماها ربنا في كتابه الكريم فتحًا: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨] أي: فتح خيبر.
انتقل الرسول ﷺ إلى منطقة الكتيبة وحاصر أول حصن الذي هو حصن القموص، واستمر الحصار أربعة عشر يومًا متصلة، واختلف الرواة فيما حدث في هذا الحصن، هل دار قتال بعد هذا الحصار، أم أنهم سلموا بدون قتال؟ الثابت أن الحصنين الآخرين اللذين هما حصن الوطيح وحصن السلالم سُلِّما دون قتال، لكن المختلف فيه هو حصن القموص، لكن سواء دار قتال أو لم يدر قتال، فقد طلب اليهود بعد عدة أيام أن ينزلوا على الصلح، وقاموا بعمل المفاوضات مع رسول الله ﷺ، فقبل ﷺ أن يتفاوضوا في هذا الأمر، وكان الذي نزل للمفاوضة هو كنانة بن أبي الحقيق، فدار بينه وبين الرسول ﷺ حوار طويل خلاصته أن المفاوضات في صالح المسلمين (١٠٠%)، فقد صالح اليهود على حقن دماء كل من في الحصون من المقاتلة والذرية والنساء، على أن يتركوا الديار والثياب والأموال والذهب والفضة وكل شيء، فسيخرجون في أكبر هزيمة من هزائم اليهود مطلقًا، والحقيقة أنه كان انتصارًا مهولًا بالنسبة للمسلمين، والرسول ﵊ في هذا المعاهدة شرط عليهم شرطًا هامًا جدًا، قال: (وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله ﷺ إن كتمتموني شيئًا) يعني: لو أخفى اليهود شيئًا من الأموال أو من الذهب والفضة، فإنه يجوز للرسول ﵊ أن يعاقبهم؛ بسبب إخفائهم للمال أو للذهب أو الفضة.
وقبل اليهود بذلك الشرط، وبدءوا في الخروج من خيبر.
[ ٣٤ / ١٤ ]
وقفة مع قتال الرسول ﷺ لليهود بخيبر ومقارنة ذلك بقتال غير المسلمين
نقف وقفة ونقول: يجب ألا ينسى المحلل لهذه الغزوة أنها من أولها إلى آخرها جاءت عقابًا لليهود على خياناتهم المتكررة، وتأليبهم القبائل العربية على حرب المدينة المنورة، ومحاولاتهم المستمرة لاستئصال أهل المدينة المنورة، واغتيال الرسول ﷺ، وكون الرسول ﵊ يقبل بخروجهم أحياء؛ فهذا تفضل منه ﷺ، وكان من حقه أن يعاملهم بالمثل وبالقصاص بأن يقتل المقاتلة الذين يقاتلون منهم، لكن أقيمت المعاهدة على هذا النمط.
وكل الغربيين الذين حللوا موقعة خيبر يقولون: إن هذا من الظلم لليهود، وهذا من الشر في الحروب، وهذا من التجاوز في المعاملة! نقول: هذه طبيعة الحروب، وكان اليهود حريصين تمام الحرص على قتل المسلمين، والناظر إلى تاريخ الحروب في الأرض يجد أن حروب الرسول ﵊ هي من أرحم الحروب مطلقًا في تاريخ الإنسانية، ولو نظرتم إلى حال الإنجليز والفرنسيين في الحروب، وإلى حال ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، فخسائر ألمانيا في الحرب العالمية الثانية (٢٠) مليون قتيل، منهم (٨٥٠) ألفًا من الجنود، يعني: أقل من مليون من الجنود، و(١٩) مليونًا من المدنيين قتلوا في الحروب، بينما في عهد الرسول ﵊ لم يقتل مدني أبدًا، بل كان يأمر الناس أن (اغزوا في سبيل لله، على بركة الله، لا تقتلوا شيخًا كبيرًا، ولا طفلًا صغيرًا، ولا امرأة، ولا منعزلًا في صومعة) ولا أي إنسان لم يقاتل المسلمين، وكان يفرق ﷺ بين الكافر الذي يقاتل المسلمين، والكافر الذي لا يقاتل المسلمين، بل أمر الله ﷿ أن يبلغ الكافر الذي لا يقاتل المسلمين مأمنه، ويعلم الدين، فالأمر ليس على إطلاقه أننا نحارب كل الكفار ونقتل كل الكفار، بل نقاتل من قتل المسلمين أو وقف أمام نشر الدين، فهذا أمر لا بد أن نضعه في حساباتنا عند تحليل غزوة خيبر وفتح خيبر، فقد كان فيها رحمة كبيرة، وبرغم الهزيمة القاسية التي وقعت على اليهود؛ إلا أنه لم يقتل من اليهود غير ثلاثة وتسعين مقاتلًا، واستشهد من المسلمين ستة عشر إلى ثمانية مجاهدًا حسب اختلاف الروايات.
[ ٣٤ / ١٥ ]
مصالحة الرسول ﷺ ليهود خيبر
لقد ترك اليهود غنائم ضخمة جدًا، تركوا أموالًا وديارًا، وتركوا أهم من ذلك النخيل، وكانت خيبر بلادًا غنية جدًا بالزراعة، فتركوا كل هذا وراءهم وبدءوا في عملية الخروج.
ثم إن اليهود بعد قرار المعاهدة وقرار الخروج من خيبر قدموا عرضًا إلى رسول الله ﷺ، قالوا: (يا محمد! دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها، فنحن أعلم بها منكم).
وقد كانت أراضيها كبيرة جدًا، والصحابة لم يكن لهم علم كبير بالزراعة، وهي بعيدة عن المدينة المنورة، واليهود يستطيعون أن يصلحوا هذه الأراضي ويخرجوا منها الثمار، فقالوا: دعنا نقوم على إصلاح هذه الأراضي، ثم نقيم معاهدة بيننا وبينك على اقتسام هذا الثمار، فوجد الرسول ﵊ أن هذا العرض عرض مناسب للمسلمين، فأقر اليهود على أن يعطيهم الشطر من كل زرع ومن كل ثمرة، ما بدا لرسول الله ﷺ أن يقرهم في خيبر، فإذا أمر ﷺ في يوم من الأيام دون تحديد في هذه المعاهدة بخروج اليهود من خيبر فعليهم أن يخرجوا، وهو ما تم بعد ذلك في عهد عمر بن الخطاب كما يعلم الجميع.
انتهت المعركة بهذا الأمر، وبدأ ﵊ يقسم غنائم خيبر الكثيرة جدًا على المسلمين غير الزراعة، كان هناك سلاح، وكان هناك أموال، فهذه الغنائم كانت كثيرة، حتى إن عبد الله بن عمر ﵄ يقول -كما روى البخاري -: ما شبعنا حتى فتحنا خيبر.
وتقول السيدة عائشة ﵂كما جاء في البخاري -: لما فتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر.
وكان من بنود المعاهدة أن من كتم مالًا من اليهود عن المسلمين برئت منه ذمة الله ﷿ وذمة رسوله الكريم ﷺ، بمعنى أنه يقتل لإخفائه ذلك المال.
فاكتشف الرسول ﵊ أن كنانة بن أبي الحقيق أخفى مالًا، ذكر له ذلك أحد اليهود، فأتى بـ كنانة بن أبي الحقيق، وبدأ باستجوابه فقال له ﷺ: (هل أخفيت مالًا؟! فقال: لا.
فقال ﷺ: أرأيت إن وجدناه عندك أأقتلك؟ قال: نعم)، فأمر ﷺ بالبحث في أرضه، وكان أحد اليهود قد عين مكانًا معينًا، قال: إن كنانة قد أخفى في هذا المكان شيئًا، فبحثوا في ذلك المكان فوجدوا كنزًا كبيرًا من المال، وقتل كنانة بن أبي الحقيق نتيجة مخالفته للمعاهدة التي كانت مع المسلمين، وسبيت امرأة كنانة بن أبي الحقيق، وكانت امرأة كنانة هي صفية بنت حيي بن أخطب، وكما نعلم جميعًا أن رسول الله ﷺ تزوجها بعد ذلك وأصبحت من أمهات المؤمنين.
[ ٣٤ / ١٦ ]
الحكمة من زواج الرسول ﷺ بصفية بنت حيي ﵂
لنا وقفة مع زواج الرسول ﵊ من السيدة صفية ﵂ وأرضاها.
بداية الأمر أن السيدة صفية أخذت في السبي وكانت مع أحد أصحاب رسول الله ﵊، وهو دحية الكلبي ﵁ وأرضاه، فأتى أحد الصحابة إلى رسول لله ﷺ وقال له: إن هذه بنت ملك، ولاينبغي أن تكون إلا لك، فأخذها ﷺ.
وفي زواجه ﷺ من السيدة صفية حكم، من هذه الحكم أنه رفع درجة السيدة صفية، فهي بنت ملك أو بنت زعيم من زعماء اليهود، وزوجة زعيم من زعماء اليهود، فلا يليق أن تعطى لأي إنسان من المسلمين، فرفع من قدرها وعظم من شأنها، وتزوجها ﷺ بعد أن أعلنت إسلامها.
ثم إن هذا الزواج فيه استمالة لقلوب اليهود، فعندما يكون بينهم وبين زعيم الدولة الإسلامية نبي هذه الأمة علاقة مصاهرة؛ فإن هذه العلاقة قد ترقق قلوب اليهود وتفتح قلوبهم للإسلام.
ثم إن هذا سيمنع الخلاف بين الصحابة؛ لأن أحد الصحابة -كما ذكرنا- جاء إليه وقال: أعطيت دحية الكلبي هذه، فقد ينظر بعض الصحابة إلى أنه أعطى أحد الصحابة شيئًا قد يناسب غيره من عموم الصحابة، وبذلك قطع الخلاف بين الصحابة ﵃ وأرضاهم أجمعين، وكانت هذه بداية خير كبير للسيدة صفية، فقد أصبحت أم المؤمنين ﵂ وأرضاها، وروت الكثير والكثير عن رسولنا الكريم ﷺ.
إذًا: هذه كانت غزوة خيبر.
[ ٣٤ / ١٧ ]
مؤامرات اليهود ضد المسلمين بعد غزوة خيبر
هل امتنع كيد اليهود بعد هذه الغزوة، وبعد هذا القتال المرير الذي دار عدة أيام بلغ شهرًا أو أكثر من القتال؟ هل سكنوا لذلك الأمر؟ لم يكتف اليهود بذلك، بل استمروا في المؤامرات وفي الكيد وفي الدس، حتى إنهم فكروا في قتل الرسول ﵊ قبل أن يغادر خيبر.
وكلنا نعرف قصة الشاة المسمومة، ونحتاج إلى أن نقف وقفة مع هذه الشاة، لنرى رد فعل الرسول ﵊ مع هذا الأمر، حيث اجتمع اليهود على محاولة اغتيال الرسول ﵊ بعد انتصار المسلمين في خيبر، وقصة الشاة المسمومة ليست تفكيرًا من امرأة واحدة كما تروي بعض الروايات، بل كان بتدبير من كل اليهود، والروايات كلها صحيحة، ولا بد من الجمع بينها كما سنذكر.
هذه رواية في صحيح البخاري تقول: (إن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة، فأكل منها ﷺ، فجيء بها إلى الرسول ﵊ فسألها عن ذلك؟ قالت: أردت قتلك، قال: ما كان الله ليسلطك على ذلك).
وفي بعض الروايات أن هذه المرأة هي زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم الذي قتله المسلمون قبل ذلك، فأرادت أن تنتقم لزوجها القتيل، ولقومها بصفة عامة.
وهناك رواية أخرى في صحيح البخاري أيضًا وفي صحيح مسلم كذلك، يروي هذه الرواية أبو هريرة ﵁، يقول: (لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سم، فقال رسول الله ﷺ: اجمعوا لي من هاهنا من اليهود، فجمعوا له اليهود، فقال لهم ﷺ: إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقوني عنه؟ فقالوا: نعم، يا أبا القاسم، فقال لهم ﷺ: من أبوكم؟ قالوا: أبونا فلان، فقال ﷺ: كذبتم، بل أبوكم فلان) ذكروا رجلًا معينًا، فذكر لهم خلافه.
(فقالوا: صدقت وبررت).
بهذا السؤال أثبت الرسول ﵊ لهم أنه يستطيع أن يكتشف الكذب الذي يكذبونه بواسطة الوحي، فسألهم سؤالًا آخر، وقال: (هل أنتم صادقوني عن شيء إن أنا سألتكم عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كما عرفته في أبينا، فقال لهم ﷺ: من أهل النار؟ فقالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفونا فيها) يعني: يمكث اليهود فيها قليلًا ثم يدخل المسلمون فيها إلى الأبد، هذا كلام اليهود.
فقال ﷺ: (اخسئوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدًا، فقال لهم بعد ذلك: هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه؟ فقالوا: نعم، فقال: هل جعلتم في هذه الشاة سمًا؟ فقالوا: نعم) يعني: أن اليهود اجتمعوا على جعل السم في الشاة ليقتلوا الرسول ﵊، ثم أعطوا هذه الشاة لامرأة سلام بن مشكم لتهديها لرسول الله ﷺ.
فقال لهم ﷺ: (ما حملكم على ذلك؟ فقالوا: أردنا إن كنت كذابًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًا لن يضرك).
فالرسول ﷺ بعد اعتراف اليهود اعترافًا صريحًا جازمًا بأنهم دبروا محاولة لقتله عفا عنهم جميعًا.
فهذه من أبلغ مواطن الرحمة في حياته ﷺ، وعفا عن المرأة التي قدمت له الشاة، وسئل مباشرة ﷺ: (ألا تقتلها؟ قال: لا) ولم يقتل المرأة.
ثم إن أحد الصحابة ﵃ وأرضاهم -وهو بشر بن البراء بن معرور - أكل مع رسول الله ﷺ وقت أكله من الشاة المسمومة، وكما هو مشهور أن الشاة المسمومة قالت لرسول الله ﷺ: (لا تأكل مني فإني مسمومة)، فالرسول ﷺ لفظ الشاة وأمر الصحابة ألا يأكلوا، لكن هذا الصحابي بشر بن البراء كان قد ابتلع قطعة من اللحم من هذه الشاة المسمومة فمات بها، فلما مات بشر بن البراء بن معرور ﵁ أقام رسول الله ﷺ الحد على المرأة التي قدمت الشاة فقتلها به.
يعني: من كل أرض خيبر لم تقتل إلا امرأة واحدة؛ لأنها قتلت رجلًا من المسلمين بالشاة المسمومة، وإذا قارنا هذه المعركة العظيمة بكل معارك الأرض، كما ذكرنا أن ألمانيا قتل منها (٢٠) مليونًا منهم، (١٩) مليون مدني، وهذا تكرر في معظم المعارك الأخرى، ففي (ناجازاكي) و(هيروشيما) قتل ربع مليون وكلهم من المدنيين، رجال ونساء وأطفال، فشتان بين حروب المسلمين وبين حروب غير المسلمين.
من الأشياء الهامة جدًا: أن الرسول ﵊ في غزوة خيبر غنم مجموعة من صحائف التوراة، ومع أنه ﷺ يعلم أنها محرفة تمام التحريف، وأنه قد أزيلت منها البشارات التي تبشر به ﷺ، وأنه قد اعتدي فيها كثيرًا على حرمات الله ﷿، إلا أنه سلم هذه الصحائف كاملة لليهود عندما طلبوها من
[ ٣٤ / ١٨ ]
الآثار المترتبة على غزوة خيبر
كانت غزوة خيبر غزوة مهولة من غزوات المسلمين، وتركت أثرًا ضخمًا جدًا على الجزيرة العربية، وأشد هذه الآثار على اليهود القريبين من خيبر أو البعيدين عن خيبر، فكل اليهود في المنطقة بعد أن سمعوا أنباء خيبر بدءوا يفكرون تفكيرًا جديًا في التسليم لرسول الله ﷺ، ومن هؤلاء يهود فدك فقد قبلوا أن ينزلوا على نفس الصلح الذي نزلت عليه يهود خيبر، على أن يكون لهم النصف من الثمار كنفس المعاهدة التي تمت في خيبر.
كذلك يهود وادي القرى قاوموا في البداية بعض المقاومة، ثم إنهم بعد ذلك قبلوا أيضًا بنفس الصلح.
وكذلك يهود تيماء، وبذلك حيد جانب اليهود تمامًا في الجزيرة العربية.
فعاد الرسول ﵊ بعد هذه الغزوة إلى المدينة المنورة في أواخر صفر، أو أوائل ربيع الأول سنة سبع، يعني: بقي أكثر من شهر في منطقة خيبر، كما توقع ﷺ أنه سيبقى وقتًا طويلًا هناك.
فيكون الرسول ﵊ قد تخلص نهائيًا من خطر اليهود، فإذا أضفنا إلى هذا التخلص ما حدث في صلح الحديبية مع قريش فسنجد أن معظم القوى الموجودة في الجزيرة قد تعامل معها رسول الله ﷺ، ولم يبق من قوى الجزيرة إلا قوة غطفان، وإن وجه إليها رسول الله ﷺ بعض السرايا، لكنها تحتاج هي الأخرى إلى وقفة جادة وتصرف حكيم سريع من رسول الله ﷺ.
ترى ماذا فعل ﷺ مع غطفان؟ وماذا كان موقف الجزيرة العربية بعد هذا الفتح العظيم، فتح خيبر؟ وما هي الآثار الضخمة لصلح الحديبية التي بدأ المسلمون في جنيها في العام السابع من الهجرة؟ وما هي عمرة القضاء التي اتفق رسول الله ﷺ مع قريش على أن تكون بعد عام من صلح الحديبية؟ هذه الأحداث وغيرها سنتحدث عنها في درسنا القادم.
نسأل الله ﷿ أن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤].
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٣٤ / ١٩ ]