يعتبر فتح مكة من أعظم لحظات السيرة النبوية عند النبي ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم، فقد كان بمثابة اللحظة التي مسحت آثار المعاناة والألم، واللحظة التي انتظرها المسلمون أكثر من عشرين سنة، واللحظة التي سيحكم فيها حرم الله بشرعه ودينه، بعد معاناة الصحابة بمكة قبل الهجرة مدة ثلاث عشرة سنة لاقوا فيها التعذيب والاضطهاد والتشريد والقتل، فهاهم اليوم يدخلون مكة منتصرين مستبشرين بهذا النصر المبين.
[ ٣٨ / ١ ]
مقدمة بين يدي فتح مكة
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد.
فأهلًا ومرحبًا بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، وأسأل الله ﷿ أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا أجمعين.
مع الدرس العاشر من دروس السيرة النبوية: العهد المدني فترة الفتح والتمكين.
في الدرس السابق تحدثنا عن خيانة ونقض بني بكر وقريش للعهد الذي بينها وبين رسول الله ﷺ، وقتل عدد من رجال خزاعة المحالفة للدولة الإسلامية في ذلك الوقت، ومن ثم أخذ ﷺ القرار بفتح مكة، وتجهيز أكبر عملية عسكرية في تاريخ المسلمين حتى تلك اللحظة.
والواقع أن قريشًا بعد أن قامت بهذه الجريمة وساعدت بني بكر على قتل الرجال من خزاعة في داخل الحرم جلست قريش مع نفسها تتشاور في هذه القضية، فهي قضية خطيرة جدًا: قضية نقض الصلح مع المسلمين، فزعماء قريش عقدوا مجلسًا استشاريًا كبيرًا واجتمع في هذا المجلس أبو سفيان مع قادة مكة، اجتمع مع عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وغيرهم من رجال مكة وزعمائها، وبدءوا يفكرون فيما سيفعلونه نتيجة هذا الأمر الذي حدث وهو نقض المعاهدة، وقد كان هناك تصور عند قريش وخاصة عند أبي سفيان عن المسلمين وصل في تلك اللحظة إلى درجة الانبهار، فصلح الحديبية نفسه كانت الغلبة فيه للمسلمين، والقوة والبأس في صالح المسلمين، والتفريط والتنازل في صف قريش، وتحدثنا عن ذلك بالتفصيل، وقريش ما كانت لتسلّم بذلك الأمر لولا أنها رأت قوة المسلمين، وكان هذا منذ سنتين عندما كان عدد المسلمين (١٤٠٠) فقط في بيعة الرضوان أو في صلح الحديبية، ثم سافر أبو سفيان بعد الصلح إلى غزة للتجارة، وهناك التقى مع هرقل في اللقاء الذي تحدثنا عنه قبل ذلك ودارت بينهما المحاورة العجيبة، وخرج أبو سفيان من هذه المحاورة بتصور هائل عن رسول الله ﷺ، حتى إنه ضرب يدًا بيد وقال: (لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كبشة؛ إنه ليخافه ملك بني الأصفر -يعني: هرقل - فما زلت موقنًا أنه سيظهر) الشاهد أن أبا سفيان كان يرى أن أمر النبي ﷺ سيظهر في يوم من الأيام، ثم إن أبا سفيان ومن معه من أهل قريش شاهدوا الانتصارات الإسلامية المتتالية هنا وهناك، وبالذات في خيبر ثم في مؤتة، وكانت هذه الانتصارات كبيرة جدًا وضخمة جدًا، ثم أسلمت الدول والقبائل المحيطة بمكة المكرمة، أسلمت اليمن، وأسلمت البحرين، وأسلمت عمان وغير ذلك من القبائل، وكل هذا ترك تصورًا بالرهبة والهلع عند قريش من مواجهة المسلمين، أضف إلى ذلك أن قريشًا بدأت تبحث في الفوائد المتحققة من مساعدتها لبني بكر في الخيانة التي تمت بقتل مجموعة من رجال خزاعة، فلم تجد أي نوع من الفائدة تحققت؛ لأن هذه معركة داخلية بين بني بكر وبين خزاعة، فإعانة قريش لبني بكر على حرب خزاعة يعتبر تهورًا ملحوظًا، بالإضافة إلى هذه الأمور خلفية عمرة القضاء، فقبل أقل من سنة واحدة رضي أهل مكة بمنتهى الضعف أن يدخل إليهم الرسول ﷺ مكة، وهو الذي طردوه وعذّبوه وأساءوا إلى سمعته، وحاربوه بكل طاقتهم، وافقوا أن يدخل إلى مكة ومعه (٢٠٠٠) من أتباعه لأداء العمرة، وأخلوا مكة له، وهذا لا شك ترك انطباعًا وتصورًا نفسيًا قاسيًا عند أهل قريش، ولا ننسى مظاهر القوة التي حرص ﷺ أن يظهرها في هذه العمرة، ولا ننسى انبهار قريش بقوة المسلمين وتعليقات قريش عندما رأوا جيش المسلمين وقوة المسلمين، وعمرة القضاء كانت تمهيدًا نفسيًا إيجابيًا للمسلمين، وكانت تمهيدًا نفسيًا سلبيًا للمشركين، وهذا كله من تدبير رب العالمين ﷾.
إذًا: قريش في اجتماعهم أدركوا أن احتمال الحرب وارد، واحتمال غزو مكة مع صعوبة تصور هذا الأمر على الذهن أمر محتمل، وبناء على هذا الاجتماع أخذت قريش قرارًا صعبًا، بل من أصعب القرارات في تاريخ قريش، وهو الذهاب إلى المدينة المنورة لاستسماح الرسول ﵊ أن يتغاضى عن هذا الخطأ، وأن يطيل الهدنة، وهذًا تنازل كبير جدًا، وطعن كبير جدًا في كرامة قريش، وخاصة أن الذي اختاروه للذهاب هو أبو سفيان شخصيًا، أي: زعيم مكة وسيد مكة، ليس مجرد سفير ترسله مكة ولكن زعيم مكة بكاملها وزعيم بني أمية، وله تاريخ طويل مع المسلمين، وله حروب متتالية مع المسلمين، وهاهو أبو سفيان يتنازل عن كبريائه وعن كرامته ويذهب إلى المدينة المنورة؛ ليطلب من الرسول ﷺ أن يطيل الهدنة، وهذا شيء كبير جدًا، ولعل هذه هي ولعل
[ ٣٨ / ٢ ]
موقف الرسول ﷺ وصحابته من أبي سفيان حين جاء إلى المدينة ليطيل مدة الهدنة
ذهب أبو سفيان إلى المدينة المنورة يحاول قدر المستطاع أن يمنع الرسول ﵊ من الانتقام لخزاعة والثأر لكرامته وكرامة الأمة الإسلامية، وأن يطيل المدة بأي ثمن.
ومن هذا الحدث سنأخذ قاعدة مهمة جدًا، وهذا القاعدة ليست فقط في أيام الرسول ﵊ ولكنها ستظل معنا إلى يوم القيامة وهي: إذا كان عدوك حريصًا على السلام وحريصًا على تجنب الصدام بكل ما أوتي من قوة ويدفعك إليه دفعًا فاعلم أنه ضعيف، أو على الأقل يخشى قوتك فلا تضعف ولا تجبن.
فأتى أبو سفيان كي يحاول قدر المستطاع أن يتجنب الصدام، وسنجد الوقفة الإسلامية أمام أبي سفيان، في بداية دخوله إلى المدينة المنورة ذهب إلى ابنته، وبنت أبي سفيان كانت زوجة الرسول ﵊ وهي أم حبيبة ﵂ وأرضاها أم المؤمنين، والتقى أبو سفيان مع أم حبيبة ﵂، وكان هذا اللقاء بعد غياب (١٦) سنة متصلة، فقد كانت أم حبيبة ﵂ هاجرت إلى الحبشة، وبقيت في الحبشة فترة طويلة من الزمان، ثم تزوجها الرسول ﵊ وأتت إلى المدينة المنورة، ولم تمر بمكة منذ (١٦) سنة متصلة، فالعلاقة بينها وبينه منقطعة فترة طويلة، فكان أبو سفيان يظن أن أم حبيبة ستستقبله استقبالًا حافلًا فهو أبوها، ومنذ فترة طويلة من الزمن لم ير أحدهما الآخر، لكن عندما أراد التحدث معها وأراد الجلوس على الفراش، فإذا بها تطوي الفراش وتمنعه من الجلوس، فاستغرب أبو سفيان فقال: يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش، أو رغبت به عني؟ فقالت السيدة أم حبيبة في صلابة وفي قوة: هو فراش رسول الله ﷺ، وأنت مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراشه، فقال أبو سفيان: يا بنية والله لقد أصابك بعدي شر، ثم خرج.
لنا وقفة مع موقف السيدة أم حبيبة، فقد يقول المحلل لهذا الموقف، إن هذا الموقف فيه نوع من الغلظة غير المقبولة من السيدة أم حبيبة مع أبيها أبي سفيان، والواقع أن في مثل هذه الظروف تكون الغلظة؛ فـ أبو سفيان ليس إنسانًا عاديًا، بل زعيم مكة، والجميع في المدينة المنورة يعلم أن هناك نقضًا للمعاهدة التي تمت بين المسلمين وبين قريش، وأنه قد جاء إلى المدينة المنورة لكي يطيل المدة، والرسول ﵊ قد أنبأهم بذلك قبل أن يأتي أبو سفيان في معجزة نبوية ظاهرة، قال ﷺ: (كأنكم بـ أبي سفيان قد جاءكم يشد في العقد ويزيد في المدة)، فعرف المسلمون أنه أتى لهذا الغرض، لذلك أرادت أم حبيبة ﵂ وأرضاها أن تقف هذه الوقفة الصلبة الجريئة القوية مع أبيها؛ ليعلم أبو سفيان أن المسلمين جميعًا صف واحد، وأنهم جميعًا على قلب رجل واحد، حتى إن ابنته أم حبيبة ﵂ وقفت مع الرسول ﵊ ضد أبيها أبي سفيان، فهذا ترك انطباعًا وتصورًا سلبيًا كبيرًا جدًا عند أبي سفيان، فقد عرف أنه يقف أمام أناس من الصعب أن يحاربهم، وليس هذا السلوك الإسلامي العام مع الرحم المشرك أو الرحم غير المسلم؛ لأن الله ﷿ أمر بمصاحبة الآباء والأمهات المشركين بالمعروف، قال ﷾: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، والذي يؤكد على هذا المعنى ما جاء في البخاري عن السيدة أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها قالت: (قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله ﷺ)، أي: أنها جاءت في نفس فترة صلح الحديبية، فالسيدة أسماء سألت الرسول ﷺ وقالت له: (يا رسول الله إن أمي قدمت عليَّ وهي راغبة أفأصلها؟ قال: نعم صليها)، وهذا هو الأصل في المعاملة، لكن موقف أم حبيبة مع أبيها أبي سفيان موقف مختلف، كان موقفًا صحيحًا بدليل سكوت رسول الله ﷺ عن هذا التصرف من السيدة أم حبيبة ﵂.
ثم خرج أبو سفيان من عند السيدة أم حبيبة بهذه الصدمة الكبيرة، واتجه مباشرة إلى الرسول ﵊ ليحاول أن يطيل المدة كما ذكرنا، فتحدث أبو سفيان مع الرسول ﷺ وذكر له رغبته، لكن الرسول ﵊ رفض أن يرد عليه، حتى مجرد الرد لم يرد الرسول ﷺ، وهذا ليس هو التصرف المعتاد من رسو
[ ٣٨ / ٣ ]
استعداد الرسول ﷺ وأصحابه لفتح مكة
أعلن الرسول ﷺ استنفارًا عامًا على كل المستويات لكل أهل المدينة المنورة، وإرسال استدعاءات للمسلمين في القبائل المختلفة، وممن أرسل إليهم غطفان، وأرسل إلى بني سليم، وإلى فزارة، وهؤلاء هم الأحزاب الذين حاصروا المدينة منذ ثلاث سنوات، والرسول ﷺ اتفق مع هذه القبائل على التلاقي عند مر الظهران، ومر الظهران على بعد حوالي (٢٢) كيلو من مكة المكرمة، أي: أن هذه القبائل ستأتي من طرق مختلفة؛ لكي لا تستطيع عيون قريش تقدير عدد الجيش المسلم، وفي نفس الوقت أخرج الرسول ﵊ سرية على رأسها أبو قتادة ﵁ للتمويه، أرسل هذه السرية إلى اتجاه بعيد عن اتجاه مكة المكرمة؛ ليلفت أنظار القرشيين إلى أنه لا يريد مكة المكرمة، وأمر ﷺ المسلمين جميعًا بالسرية التامة، وبعدم إخبار أي إنسان خارج المدينة المنورة بأمر هذا الغزو لمكة المكرمة، ثم رفع يده إلى السماء ودعا وقال: (اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة، ولا يسمعون بنا إلا فجأة) وبدأ الإعداد الضخم للخروج من المدينة المنورة.
في ذلك الوقت حدثت قصة لا أريد أن أقف عندها كثيرًا؛ لأني سأحيلها إن شاء الله إلى مجموعة الرسول ﵊ وأخطاء المؤمنين، لكن نمر سريعًا على هذا الحدث، فالحقيقة أن حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وأرضاه أخطأ خطأ كبيرًا بإرادته بكشف سر رسول الله ﷺ لمشركي قريش، فهو أرسل إليهم رسالة يخبرهم فيها أن رسول الله ﷺ قادم إليهم، ولماذا فعل هذا؟ لأن له عائلة بمكة المكرمة وخشي عليها من بطش قريش، وليست له قبيلة كبيرة بمكة تدافع عن أسرته، فهو رجل حليف ليس من أهل مكة الأصليين، وهذا الأمر لا يبرر أبدًا له هذا الخطأ الكبير، لكن هذا هو الذي حصل، ونزل الوحي يكشف للرسول ﵊ هذا الأمر، واستطاع الرسول ﵊ أن يرسل من يأتي بالرسالة التي أرسلها، وأحبطت هذه المحاولة، وهذا الصحابي الجليل لم يرتكب هذا الخطأ لأنه من المنافقين، بل هي لحظة ضعف خاف فيها على أسرته، ولذلك الرسول ﵊ عفا عنه وتجاوز عن هذا الخطأ؛ لسابق تاريخه ﵁ في الإسلام، وكما هو معروف أن حاطبًا ﵁ من أهل بدر، ولهذا الرسول ﵊ منع عمر من إيذائه وقال له: (إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطّلع على قلوب من شهد بدرًا، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، هذا الحدث يحتاج إلى تفصيل، ولكن كما قلنا سنتحدث عنه بالتفصيل في مجموعة أخطاء المؤمنين.
خرج الرسول ﵊ من المدينة المنورة وكان هذا الخروج في (١٠) رمضان سنة (٨هـ)، واتجه مباشرة إلى مكة المكرمة، وفي الطريق بدأت البشريات تتوافد على المسلمين أولًا في طريقه وبمجرد أن خرج من المدينة المنورة لقي العباس بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه عم الرسول ﷺ، ومن أحب الناس إلى قلبه ﷺ، فقد كان تأخر إسلام العباس ﵁ وأرضاه علامة استفهام كبيرة جدًا، حتى إن هناك من قال: إنه قد أسلم أيام بدر، ولم يفسّر تفسيرًا واضحًا بقاءه في مكة المكرمة دون هجرة كل هذه السنوات، وهناك من قال: إنه بقي في مكة لنقل الأخبار للرسول ﵊، ولم يقم أحد الأدلة على ذلك، لكن الحمد لله أنه هاجر قبل أن يصل الرسول ﵊ إلى مكة المكرمة، وذلك أسعد الرسول ﵊ جدًا، وسر سرورًا عظيمًا برؤية العباس ﵁ وأرضاه، وانضم العباس إلى قوة المسلمين، وسيكون له دور إيجابي كما سنرى ذلك في فتح مكة المكرمة.
ثم أكمل الرسول ﵊ الطريق وقد زادت قوة المسلمين بـ العباس ﵁، فوجد رجلين آخرين: أبا سفيان بن الحارث وعبد الله بن أمية، أحدهما ابن عم الرسول ﵊، والآخر ابن عمة الرسول ﷺ، وهذان الرجلان كانا من أشد الناس على رسول الله ﷺ، وجاءا من مكة المكرمة إلى المدينة ليعلنا إسلامهما بين يدي الرسول ﵊، وتخيل من شدة إيذائهما للرسول ﵊ رفض ﵊ أن يقابلهما، مع أنه ﷺ كان يفرح كثيرًا بمن أتى إليه مسلمًا، إلا أنه رفض في البداية مقابلتهما من شدة إيذائهما له في فترة الفترة المكية، لولا أن السيدة أم سلمة ﵂ وكانت مصاحبة لرسول الله ﷺ في الفتح فتوسطت لهما عند رسول الله ﷺ، فقابلهما الرسول ﷺ وقبل منهما الإسلام بعد أن أعلنا التوبة الكاملة بين يديه ﷺ.
[ ٣٨ / ٤ ]
موقف الرسول ﷺ حين شق الصوم على أصحابه بكراع الغميم
أكمل الرسول ﷺ الطريق، وكما ذكرنا أن هذا الخروج كان في رمضان سنة (٨ هـ)، وصام الجيش معظم الطريق حتى وصلوا إلى كراع الغميم، وكراع الغميم تقريبًا على بعد (٦٠) كيلو أو أكثر من مكة المكرمة، وفي كراع الغميم جاء بعض الصحابة إلى النبي ﷺ وأخبروه أن الناس قد شق عليهم الصيام، وكان هذا بعد صلاة العصر، فماذا فعل ﷺ؟ دعا ﷺ بقدح فيه ماء ورفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب ﷺ، وهذا في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄.
نجد في هذا الموقف أن الرسول ﵊ عقد مقارنة سريعة هامة بين الصوم وبين الجهاد في سبيل الله، فالصوم عبادة عظيمة جدًا، كما قال الله ﷿ في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، كذلك الجهاد عبادة عظيمة جدًا، وهو ذروة سنام الإسلام، وصرّح الرسول ﵊ أنه لا يعدله شيء أيضًا كما في البخاري عن أبي هريرة، فهو في هذا الموقف يقارن بين عبادتين عظيمتين، وهذا الموقف كان محيّرًا للبعض إلا أن الرؤية كانت واضحة جدًا عند رسول الله ﷺ، فلذلك دعا بقدح فيه ماء فشرب وهو صائم، مع أن الموقف كان بعد صلاة العصر، ولم يبق إلا قليل ويدخل وقت المغرب، لكن فعل ذلك ﵊ ليزرع أكثر من معنى في نفوس المسلمين: أولًا: هناك ما يسمى بواجب الوقت، بمعنى أن هناك أشياء لا بد أن تتم الآن، وأشياء أخرى من الممكن أن تؤخر إلى وقت لاحق، فتأخير الصيام لا يضر، لأننا من الممكن أن نقضيه بعد انتهاء فتح مكة، لكن الجهاد الآن لا يؤخر، وخاصة أن الجيش على بعد (٦٠) كيلو من مكة المكرمة.
ثانيًا: ليس من الممكن أن تأتي بكل أنواع الخير، أو تتجنب كل أنواع الشر، هذه من المثاليات غير الممكنة في الدنيا، لكن المسلم الحكيم يوازن بين العمل الفاضل والعمل المفضول، فيقدم الفاضل ويؤخر المفضول، ولا يكون هذا إلا بترتيب جيد للأولويات، وواقعية في الفكر والأداء، وتوفيق من رب العالمين ﷾.
ثالثًا: أن الإسلام ليس شعائر تعبدية فحسب، ومع ذلك ترى الكثير من المسلمين يقصر التزامه بالإسلام على الصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر ونحو ذلك من الشعائر، نقول: الإسلام دين جاء ليحكم كل صغيرة وكبيرة في حياة الناس، ونحن رأينا الرسول ﵊ يؤخر عبادة وشعيرة هامة جدًا ليقوم بأمر آخر من الإسلام أيضًا في صالح الأمة ألا وهو الجهاد في سبيل الله، فالجهاد من الإسلام، والسياسة من الإسلام، والتجارة من الإسلام، والمعاملات من الإسلام وهكذا؛ ولهذا الرسول ﵊ أفطر وأمر الناس بالإفطار وهذا بعد وقت صلاة العصر، بل إن في صحيح مسلم: (أن بعض الصحابة جاءوا إلى النبي ﷺ وقالوا: إن بعض الصحابة لم يفطروا مع الناس)، ماذا علّق ﷺ على هذا الفعل؟ قال ﷺ: (أولئك العصاة أولئك العصاة) مع أنهم لم يرتكبوا ذنبًا، لكن هذه المخالفة في ذلك الوقت ستجعل قوتهم ضعيفة لا يستطيعون الجهاد مع المسلمين، فهنا خالفوا واجب الوقت، وخالفوا تقليد الرسول ﵊ في هذا الأمر، فسمّاهم ﷺ العصاة، مع أنهم يصومون رمضان في رمضان، وهذا يحتاج إلى تدبر عميق وفقه؛ لكي نستطيع فهم الأبعاد التربوية عند رسول الله ﷺ.
[ ٣٨ / ٥ ]
التقاء القبائل عام الفتح بالرسول ﷺ بمر الظهران وموقف زعماء مكة منها
وصل الرسول ﵊ إلى مر الظهران، ومر الظهران على بعد (٢٢) كيلو من مكة المكرمة، وهناك التقت الجنود من القبائل المختلفة من قبائل فزارة ومن قبائل بني سليم ومن غطفان ومزينة وجهينة ومن المدينة المنورة من كل مكان، عشرة آلاف جندي، هذه هي الطاقة الإسلامية، وهذا الوضع كنفس الوضع الذي كان في غزوة الأحزاب ولكن بصورة عكسية، ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] قبل الفتح بثلاث سنوات حوصرت المدينة بعشرة آلاف مشرك، والآن تحاصر مكة بعشرة آلاف مسلم، العدد هو العدد لكن شتان بين الفريقين.
أراد الرسول ﵊ لقريش هزيمة نفسية؛ لكي يدخل مكة بأقل الخسائر الممكنة، فأمر الصحابة ﵃ وأرضاهم في فكرة نبوية عبقرية رائعة أن يشعلوا النيران جميعًا، أي كل فرد منهم يشعل شعلة ويرفعها بيده، فأصبحت عشرة آلاف شعلة من النيران، فالنيران بحد ذاتها مرعبة، فإذا رآها الناس شعروا بالرهبة، وهذه الفكرة كانت مثيرة ومرعبة لأهل قريش، وشاهدوها جميعًا؛ لأن المسافة (٢٢) كيلو بين جيش المسلمين وبين مكة فهي مسافة قريبة يستطيع أهل قريش أن يروا فيه النيران، ومع هذا كان من قريش المراقبين والجواسيس على مقربة من مر الظهران، ورأوا هذه النيران عن قرب، ومن هؤلاء أبو سفيان شخصيًا، وتصور مدى الهلع والرعب عند سيد قريش وعند زعيم مكة الذي يدفعه أن يخرج بنفسه ليراقب أحوال المسلمين، وكان معه بديل بن ورقاء الخزاعي، وذكرنا قبل هذا أن بديل بن ورقاء كان صديقًا شخصيًا لـ أبي سفيان ومع أن بديلًا استغاث بالرسول ﵊ إلا أنه لم يكن يتوقع أبدًا أن يأتي الرسول ﵊ بجيش يفتح مكة المكرمة عقر دار قريش، كان كل أحلامه أن الرسول ﵊ سيطلب من قريش أن تدفع دية المقتولين من خزاعة، لكن الآن يشاهد جيشًا كبيرًا أتى إلى مكة المكرمة.
وهنا يأتي كلام العباس ﵁ وأرضاه عن هذا الموقف العجيب، وهذا في الطبراني بسند صحيح عن العباس ﵁، فـ العباس عندما رأى عشرة آلاف جندي على أبواب مكة المكرمة، ومع ذلك فـ العباس لا يزال حديث الهجرة، بل قد يكون حديث الإسلام، وقريش قبيلة قوية جدًا، وإسلامها لا شك أنه أفضل من قتلها، ثم هم الرحم والأهل والعشيرة، فأول ما رأى هذا العدد يقترب من مكة المكرمة قال: وا صباح قريش، والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوة قبل أن يستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر.
فبدأ يبحث عمن يخبر قريشًا أن الرسول ﵊ قد جاء ليخرجوا ليستأمنوه، فهو الآن لا يدل على أسرار الجيش؛ لأن الجيش قد كشف أمره، فقد أشعل عشرة آلاف شعلة حول مكة المكرمة، فليس هناك أي نوع من التخفي، فالآن هو يريد لقريش أن تستأمن لنفسها، فركب بغلة الرسول ﵊ وبدأ يبحث عن أي إنسان يصل بخبر إلى مكة المكرمة، فسمع همسات من رجلين يتحدثان فأحدهما كان يقول: ما رأيت كاليوم قط نيرانًا ولا عسكرًا، فرد عليه صوت آخر وقال: هذه والله نيران خزاعة حمشتها الحرب.
أي: أن خزاعة جاءت لتنتقم لنفسها من قريش، فقال الأول: خزاعة! والله أذل وألأم من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، فسمعهم العباس بن عبد المطلب فعرف الصوت فناداهما، فكان الصوت الأول أبا سفيان والصوت الثاني بديل بن ورقاء الخزاعي، وكما ذكرنا أن بديل بن ورقاء يعيش في داخل مكة المكرمة؛ فهو لا يعرف أحوال خزاعة، وهل خزاعة جاءت بجيش أو غير خزاعة؟ المهم أن العباس ﵁ لما ناداهما فعرف أبو سفيان صوته فقال: أبو الفضل؟ -أي: العباس بن عبد المطلب - فقلت: نعم، قال: ما لك فداك أبي وأمي، فقلت: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله ﷺ في الناس، وا صباح قريش والله، قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب معي هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله ﷺ أستأمنه لك، فوافق أبو سفيان دون تردد؛ لأن موقفه صعب جدًا فهو زعيم قريش.
فوافق دون تردد وانصاع لنصيحة العباس بن عبد المطلب ﵁، وركب خلفه على بغلة رسول الله ﵊، وانطلق إلى الرسول ﷺ، ورجع بديل بن ورقاء إلى مكة المكرمة، وفي ذهابهما إلى الرسول ﵊ كانا كلما مرا على نار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فيقولون: هذه بغلة الرسول ﵊، وهذا عم الرسول ﵊، إلى أن مرا على نار عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه
[ ٣٨ / ٦ ]
قصة إسلام أبي سفيان ودوره في فتح مكة
لقد عرض الرسول ﵊ الإسلام على أبي سفيان بمنتهى القوة، فهو يعرض عليه الإسلام لنجاته وإلا فالأصل أن الرسول ﵊ في حل من دماء قريش؛ لأنهم خالفوا صلح الحديبية وقتلوا رجالًا من قبيلة خزاعة حليفة المسلمين، فعرض عليه الإسلام بصيغة فيها ترهيب واضح قال: (ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟) تهديد واضح، ذهب وقت الإقناع والمحاورة، والآن نحن على أبواب حرب، وأبو سفيان ليس بالرجل السهل فهو من دهاة العرب، واستطاع أن يقوّم الموقف بأسرع وقت وبصورة واقعية، ولذلك تلطّف في الحوار وأجاب بصورة تجمع بين الموافقة وعدم الاقتناع الكامل، فقال أبو سفيان: (بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئًا)، وبعد مدح الرسول ﵊ لم يجاوب إجابة مباشرة قائلًا: أشهد أن لا إله إلا الله، ولكن قال: لو كان هناك آلهة أخرى كاللات أو هبل أو غيرهما لدافعت عنا، فانتقل معه الرسول ﷺ إلى النقطة الأصعب: وهي الاعتراف بنبوة الرسول ﵊: لأن العرب ما كانوا ينكرون أن الله ﷿ هو الخالق، ولكنهم كانوا يشركون معه أصنامهم، أما قضية النبوة والرسالة فهذه كانت مرفوضة عندهم تمامًا، فقال له الرسول ﵊: (ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟) فـ أبو سفيان حتى هذه اللحظة لم يقتنع بقضية الإيمان، وهو لا يريد في نفس الوقت أن يكذب وهو سيد قريش، وكان كما يقول عن نفسه: وكنت امرأ أتكرم على الكذب، وفي نفس الوقت لا يريد أن يأخذ موقفًا حادًا تكون فيه نهايته، وإنما قال أبو سفيان: (بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، هذه والله كان في نفسي منها شيء حتى الآن)، أي: أنه وإلى هذه اللحظة لم يكن مقتنعًا بنبوته ﷺ، فهو متردد، لا يتصور أبو سفيان أن تنهار مقاومته كلها في لحظة، وهنا تدخل العباس ﵁ ليدرك أبا سفيان فـ العباس مدرك صعوبة الموقف، واحتمال قتل أبي سفيان وغزو مكة وإهلاك قريش احتمال وارد جدًا، وعمر بن الخطاب صرّح بذلك في اليوم الذي قبيل هذا اليوم، فقال العباس في منتهى القوة: (ويحك يا أبا سفيان أسلم، واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله قبل أن تضرب عنقك)، وهذا ليس إكراهًا في الدين، بل هو رحمة؛ لأن قتل أبي سفيان في هذا الموقف لا يستنكره أحد؛ فهو يسمى في أعراف الدول: بمجرم الحرب؛ لأنه دبر اغتيالًا جماعيًا قبل ذلك لسكان المدينة المنورة في غزوة الأحزاب، هذا غير فتنة الناس عن دينهم طول سنوات مكة والمدينة، غير نقضه العهد مع الرسول ﵊ في صلح الحديبية، فقد أصبح حلال الدم، وهذا في عرف الجميع مقبول، وإسلامه يرفع عنه عقوبة مستحقة وله الخيار، فـ أبو سفيان رجل واقعي فقد أدرك خطورة الموقف ولذلك نطق بالشهادتين مباشرة: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأعلن إسلامه أمام الرسول ﵊، والعباس ﵁ صديق قديم لـ أبي سفيان، ويرى الأزمة التي وضع فيها أبو سفيان، ويرى الانهيار الذي تعرض له، ولهذا طلب العباس ﵁ من الرسول ﵊ طلبًا ليخرج أبا سفيان من هذه الأزمة، فقال: (يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئًا)، هنا بدأ الرسول ﵊ يفكر في الأمر، ومن الواضح أن إسلام أبي سفيان كان إسلام اضطرار، فهو لم يقتنع بعد بالنبوة، ولم يشعر بالانتماء الحقيقي للنظام الجديد، فقد ينتهز أي فرصة للانقلاب على المسلمين، وأبو سفيان عظيم مكة لعدة سنوات، فإن لم ينزله ﷺ منزله فإن هذا سيؤثر سلبًا لا شك على أبي سفيان وعلى أهل مكة جميعًا، ثم إن الرسول ﵊ إذا أعطى أبا سفيان شيئًا فهو سوف يستخدمه لصالح الإسلام، وسيكون أبو سفيان من رجاله وولاته بدلًا من أن يكون من أعدائه، وقد يرى ذلك بقية زعماء مكة فيطمعون في شيء من سلطان المسلمين كما أخذ أبو سفيان؛ ولهذا الرسول ﵊ قرر أن يعطيه شيئًا، ولكن الرسول ﷺ في ذلك الوقت لا يملك مالًا كثيرًا يليق بزعيم مكة، ولا يستطيع أن يعده بإمارة؛ لأنه لم يستوثق بعد من صدق إيمانه؛ لأن الظاهر أنه أسلم مضطرًا، وقد يؤذي المسلمين بإمارته سواء على
[ ٣٨ / ٧ ]
خطة الرسول ﷺ العسكرية لدخول مكة
عند اقتراب الرسول ﵊ من مكة بدأ يضع الخطة العسكرية لدخول مكة، فقسّم جيشه إلى أربعة فرق: فرقة على رأسها خالد بن الوليد ﵁، وهذه تدخل من جنوب مكة، وهي فرقة فرسان قوية جدًا.
الفرقة الثانية: على رأسها الزبير بن العوام ﵁ وتدخل من كداء شمال مكة المكرمة، وهي أيضًا فرقة فرسان.
وهاتان الفرقتان تحاصران مكة كأنها بين فكي كماشة.
الفرقة الثالثة: هي فرقة من الرجّالة المشاة بقيادة أبي عبيدة بن الجراح ﵁.
أما الفرقة الرابعة: فهي فرقة الأنصار ﵃ وعلى رأسها سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه، وفي هذه الفرقة كان يسير رسول الله ﷺ، والرسول ﵊ أمر الفرق الأربع بالالتقاء عند الصفا، كل فرقة تأتي من ناحية وتدخل مكة المكرمة ثم يلتقون جميعًا عند جبل الصفا بالقرب من البيت الحرام.
فمعظم الناس في مكة استمعوا لكلام أبي سفيان ودخلوا الأماكن الآمنة، إما أنهم دخلوا المسجد الحرام، أو دخلوا بيوتهم، أو دخلوا دار أبي سفيان، لكن بعض زعماء قريش غير أبي سفيان قرروا القيام بمحاولة يائسة للمقاومة لعلها تنجح مع جمع أوباش قريش، يعني: العبيد والفقراء وعوام الناس، فهؤلاء الزعماء يدفعون بهؤلاء الأوباش إلى قتال الجيش الإسلامي، وكان يرأس هؤلاء عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وهما من أشهر فرسان قريش، وكانت النتيجة في حسابات زعماء قريش أحد أمرين: إما نصر، وسيكون هذا النصر للسادة، وإما هزيمة فعندها سيسلمون للرسول ﵊ ما يريده، ولو كانت الهزيمة قاسية وفقد الجيش؛ لأن الجيش هم من الأوباش الذين لا قيمة لهم عندهم، وهكذا هي الجيوش العلمانية، النصر للسادة، والتضحية والبذل للعبيد، أقصى أحلام الجندي المنتصر في الجيوش العلمانية أن يعطى نيشانًا أو عدة عشرات أو مئات من الجنيهات، وعند الهزيمة يضحون بالآلاف والملايين، أما السادة في الجيوش العلمانية فيحتفلون بالنصر ولا يدفعون أثمان الهزائم، وهذا الكلام خلافًا للجيوش الإسلامية تمامًا، فالرسول ﵊ كان يقاتل مع جنوده كأحدهم تمامًا، يعاني كما يعانون ويتعرض للخطر كما يتعرضون، والغنائم في حالة الفوز توزّع على جيش المنتصر، والهزيمة يشترك في دفع ثمنها الجميع.
وهذا الأمر يزرع الانتماء في قلوب الجميع بصورة تلقائية طبيعية، فهذا هو الوضع في الجيوش الإسلامية، لكن الوضع في مكة كان غير هذا، فقد كان الوضع في مكة عبارة عن قبول المعظم من الناس بدخول البيوت وتجنب القتال، إلا فرقة من العبيد والفقراء يقودهم عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية، وكانت متمركزة عند منطقة تسمى الخندمة في جنوب مكة، وهذه الأخبار تصل الرسول ﵊، ومن ثم أصدر الرسول ﵊ عدة أوامر، أصدر ثلاثة أوامر رئيسية: الأمر الأول: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم، فليس الغرض من الفتح هو الانتقام من أهل مكة، رغم كل التاريخ الأسود لكفارها، لكن الغرض هو حكم هذه البلدة الطيبة بالإسلام، وتعليم الناس دين رب العالمين ﷾، وهذا حكم عام ينطبق على كل الحروب الإسلامية، ورأيناه في جميع الفتوحات الإسلامية.
الأمر الثاني: إذا لقيتم أوباش قريش الذين يقاتلون فاحصدوهم حصدًا.
في مقابل الرحمة في الأمر الأول هناك الحزم والقوة في الأمر الثاني، فلا بد أن يرى أهل الباطل قوة المسلمين وبأسهم، وعندها ستلين قناتهم، وسيسلس قيادهم، وهذا أحفظ لدمائهم ودماء المسلمين.
الأمر الثالث: إهدار دم مجموعة من كفار مكة، وهذه المجموعة ارتكبت جرائم شنيعة في حق الدولة الإسلامية، وهي جرائم لا تغتفر، حتى إن رسول الله ﷺ وهو المشهور بالرحمة والمعروف بالرفق واللين يقول في حقهم: (اقتلوهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة) وكانوا بضعة عشر رجلًا وامرأة، وكانت هذه دلالة واضحة جدًا على جدية الدولة الإسلامية، وعدم قبول الدولة الإسلامية بأي حال من الأحوال أن يسخر أحد منها أو من رموزها، وخاصة أن معظم هؤلاء الذين أُهدر دمهم كانت جريمتهم هي سب الرسول ﷺ والسخرية منه، والتعريض به والتهكم عليه، ولا يخفى على أحد أن الطعن في رسول الله ﷺ ليس كالطعن في أي قائد؛ لأنه ليس مجرد زعيم للدولة الإسلامية، بل هو ناقل عن رب العزة، ورسول من رب العالمين ﷾، فالطعن فيه طعن في دين وشرع وقانون وكيان الدولة الإسلامية، وهو ما لا يجب أن ينسى بسهولة؛ ولهذا كان الأمر الصارم: (اقتلوهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة)، وبعضهم قتل فعلًا وبعضهم تاب، وعاد إلى الرسول ﵊ وأعلن التوبة الصريحة بين يديه وقبل منه الرسول ﷺ.
إذًا: فقد كانت هذه هي أوامر الرسول ع
[ ٣٨ / ٨ ]
موقف الرسول ﷺ من إرادة سعد بن عبادة مقاتلة أهل مكة يوم الفتح
دخلت الجيوش الإسلامية مكة كما خطط لها رسول الله ﷺ، ومكث معظم أهل مكة في بيوتهم وكانت شوارع مكة في الأغلب خالية من المارة، وكانت رغبة الرسول ﷺ الأكيدة ألا يحدث قتال، وخاصة في هذا البلد الحرام، فهي أحب البلاد إلى قلبه ﷺ، ومع وضوح هذه الرغبة في كلام وأفعال الرسول ﵊ إلا أن بعض الصحابة كانت تراودهم أحلام الانتقام ممن أذاقوا المسلمين العذاب ألوانه، من ذلك أن سعد بن عبادة ﵁ سيد الأنصار وقائد كتيبة الأنصار قال في حماسة عند دخوله مكة: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، وهذه الكلمات تعبر عن رغبة في القتال، مع أن هذه الكلمات لها خلفية شرعية ولها منطق مقبول إلا أنها لم ترض الرسول ﷺ، فالخلفية الشرعية أن الرسول ﵊ قال: (إن مكة قد أحلت له ساعة من نهار) يعني: القتال في ذلك الوقت قتال شرعي، لكن الرسول ﵊ كان يريده فقط عند الاضطرار، وأن الأصل ألا نقاتل، ولكن منطق سعد بن عبادة هذا منطق مفهوم ومقبول، فالمنطق كان يؤيد هذا الأمر في رأي العموم من الناس؛ فمكة الآن محكومة بأهل الكفر وقتالهم واجب، فهؤلاء هم الذين عذّبوا المؤمنين، وهم الذين أخرجوا الرسول ﵊ آذوه وأصحابه قبل ذلك، بل إن سعد بن عبادة قد تعرض لأذى قريش بصورة مباشرة، وارجعوا إلى درس بيعة العقبة الثانية ففي آخر البيعة أمسك المشركون بـ سعد بن عبادة وضربوه ضربًا مبرحًا مع كونه سيد الخزرج، ومن الشخصيات الهامة جدًا في الجزيرة العربية، ولا شك أن هذه الحادثة تركت في نفسه أثرًا وأراد أن يعاملهم بالمثل فقال مثل هذه الكلمات، ومع كل هذه المبررات إلا أن الرسول ﵊ لم يكن يريد قتالًا فعلًا، ووصلت إليه كلمة سعد بن عبادة عن طريق أبي سفيان، وأبو سفيان ارتعب عند سماع كلمة سعد بن عبادة هذه، وأسرع إلى الرسول ﵊ يستوثق من أمر الأمان لأهل مكة، فقال ﷺ عندما سمع هذه الكلمات: (اليوم يوم المرحمة) يرد على كلمة سعد: اليوم يوم الملحمة، قال ﵊: (اليوم يوم المرحمة، هذا يوم يعظّم الله فيه الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة) فالرسول ﷺ صحح المفاهيم ولم يكتف بذلك، لقد خشي ﷺ أن يأخذ سعد بن عبادة فرقته من الأنصار بهذه الروح القتالية فيتساهل في أمر القتال، لذلك نزع الراية منه وأعطاها لغيره، لكن بفقه دعوي رائع جدًا أراد أن يطيب خاطر سعد بن عبادة ولا يؤثر على نفسيته وخاصة أنه زعيم الخزرج، فأعطى الراية لـ قيس بن سعد بن عبادة، فكان قرارًا في منتهى الحكمة وأرضى به كل الأطراف، أرضى سعد بن عبادة وأرضى نفسه ﷺ بتنفيذ القرار ألا يقاتل إلا من قاتل، وأرضى أبا سفيان الذي اشتكى إليه هذه الكلمة القاسية عليه، وخاصة أنه قد أعطى أمانًا لأهل مكة.
[ ٣٨ / ٩ ]
موقف الجيش الإسلامي من مقاومة بعض كفار قريش ومكانة الفتح في نفس الرسول وصحابته
دخلت الجيوش الإسلامية مكة من كل مكان، ولم تلق قتالًا يذكر إلا في جنوب شرق مكة كما ذكرنا عند منطقة اسمها الخندمة، حين تزعم عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية أوباش قريش وقاتلوا في هذه المنطقة، والذي دخل من الجنوب من المسلمين خالد بن الوليد ﵁ بفرقة قوية من الفرسان، ومع كون خالد ﵁ صديقًا قديمًا وحميمًا لـ عكرمة ولـ صفوان إلا أنه كان متجردًا تمام التجرد، وقاتل قتالًا شديدًا رائعًا تطاير من حوله المشركون، وما هي إلا لحظات حتى صارت الفرقة المشركة ما بين قتيل وأسير وفار، وهرب صفوان بن أمية وكذلك عكرمة بن أبي جهل هربا من مكة بكاملها، وخمدت المقاومة تمامًا في مكة المكرمة، وفتحت مكة أبوابها لخير البشر ﷺ ليدخلها آمنًا مطمئنًا عزيزًا.
لعل هذه هي أعظم لحظات السيرة النبوية فهي اللحظة التي مسحت آثار المعاناة والألم، واللحظة التي انتظرها المسلمون أكثر من عشرين سنة، واللحظة التي سيحكم فيها حرم الله بشرع الله ﷿، ثلاث عشرة سنة متصلة في مكة من الألم والتعذيب والاضطهاد، أين أولئك الساخرون من الإسلام؟ أين أولئك المتهكمون على رسول الله ﷺ؟ أين الذين كانوا يقولون: شاعر، أو مجنون؟ أين الزعماء والأسياد والأشراف والقواد؟ أين الجبابرة والطواغيت؟ لا تسمع منهم اليوم إلا همسًا.
لا شك أن الرسول ﵊ عند دخوله مكة كان يستعرض شريطًا كاملًا للذكريات، ومر على ذهنه ﷺ وهو يدخل مكة بهذا الدخول العظيم الفاتح، تذكر هنا كانت الطفولة والشباب، وهنا نزل عليه جبريل ﵇ للمرة الأولى، وهنا كانت خديجة ﵂، ذكريات (٢٥) سنة كاملة، ذكريات الجهاد والصبر حتى الوفاة.
هنا مرت لحظات سعيدة جدًا على المسلمين، لحظة يوم أسلم الصديق ويوم أسلم عمر ويوم أسلم عثمان وعلي وحمزة وأبو عبيدة وسعد ذكريات جميلة، هنا دار الأرقم بكل ذكرياته الجميلة أيضًا.
وهنا في نفس الوقت الصبر والكفاح والثبات، فمن هنا خرج المهاجرون إلى الحبشة، ومن هنا خرج المهاجرون أيضًا إلى المدينة المنورة، ومن هنا خرج الرسول ﷺ وصاحبه الصديق في هجرة صعبة في مطاردة شرسة، وزعماء الكفر جميعًا قد جندوا أنفسهم لحربه أو لقتله، يلتفت إلى مكة حال خروجه منها ويقول: (والله إنكِ لأحب بلاد الله إليّ، ولولا أن أهلكِ أخرجوني منكِ ما خرجت) وبعدها تمر الأيام وتمر السنين، أحداث ساخنة، ومواقف صعبة، جهاد ومشقة، وعناء وكفاح، لكن ما غابت مكة عن الذهن لحظة واحدة، وهنا يتحقق حلم السنين، أصبح الأمل واقعًا، وصار الحلم حقيقة، وهناك أناس كثيرون يظنون أن هذا أمر مستحيل، لكن تبقى الحقيقة الواضحة: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:٤٤] إنه نصر الله وتدبير الله وتوفيق الله، فقد كان الرسول ﷺ يدرك ذلك تمام الإدراك؛ لذلك لم يدخل مكة دخول المنتصرين المتكبرين، رافعًا رأسه متعاليًا على غيره، ناسبًا النصر لنفسه، حاشا لله، ولكنه دخل مكة دخول المتواضعين لله ﷿ الخاشعين له، خفض رأسه ﷺ في تواضع حتى كادت أن تمس ظهر دابته، دخل وهو يتلو سورة النصر، فيذكر نفسه ويذكر المؤمنين حوله ويذكر المؤمنين إلى يوم القيامة، بل ويعلم الناس جميعًا أن النصر من عند الله ﷿، وأنه ﷾ إذا قضى شيئًا فلا راد لقضائه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣].
وصار الموكب المهيب الجليل حتى دخل صحن الكعبة، ليبدأ الرسول ﷺ ومن اللحظة الأولى في إعلان إسلامية الدولة وربانية التشريع، وليرسّخ القاعدة الأصيلة ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧].
ونسأل الله ﷿ أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يرفع رايات الموحدين، وأن يرينا يومًا تفتح فيه بلاد الأرض بالإسلام ويظهر فيه الدين، ويعز الله ﷿ فيه المؤمنين، ويذل فيه المشركين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
كما نسأله ﷾ أن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا.
ونسأله ﷾ أن يجمعنا على الخير دائمًا.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤]
[ ٣٨ / ١٠ ]