لقد ظهرت قوة الإسلام وعزته بعد صلح الحديبية في عمرة القضية وغيرها من الأحداث، وبسبب ظهور هذه العزة دخل كبار فرسان قريش في الإسلام، فقد أسلم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة بعد عمرة القضية؛ وذلك لما رأوا من عزة الإسلام والمسلمين، وتناقص الأرض على قريش، ودخول القبائل المجاورة لها في الإسلام، وهذا يدل على الحكمة التي ظهرت في سياسة النبي ﷺ مع الأحداث.
[ ٣٥ / ١ ]
الوضع العام بعد فتح خيبر
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد.
فمع الدرس السابع من دروس السيرة النبوية: العهد المدني فترة الفتح والتمكين.
تحدثنا في الدروس السابقة عن بعض آثار صلح الحديبية المجيدة، ومن هذه الآثار -كما ذكرنا في الدرس السابق-: فتح خيبر، والآن نقف وقفة لتحليل الوضع بعد فتح خيبر.
تحليل الوضع في أوائل العام السابع من الهجرة: أولًا: حيّد جانب قريش، وبدأت الأرض تتناقص من حول قريش، وشعرت قريش بعظمة الدولة الإسلامية وخاصة بعد فتح خيبر، وكانت قريش تعتبر خيبر من أقوى حصون الجزيرة العربية مطلقًا، وكانت تعتبر اليهود من أشد الناس قتالًا ومن أقواهم عدة، فكانت هزيمة اليهود في خيبر ضربة كبيرة جدًا ليس لليهود فقط، ولكن لقريش في عقر دارها، لم تتصور قريش أن المسلمين بلغوا من القوة إلى الدرجة التي تمكنهم من فتح خيبر.
ثانيًا: أمن المسلمون جانب اليهود بعد هزيمتهم في خيبر، وأصبح للمسلمين اليد العليا بلا منازع في الصراع الذي بينهم وبين اليهود بصفة عامة، ورأينا قبل هذا أن المسلمين لم يكتفوا فقط بفتح خيبر، ولكنهم فتحوا أيضًا وادي القرى وتيماء وفدك، يعني: جميع التجمعات اليهودية الموجودة في شمال المدينة المنورة.
ثالثًا: ازدادت قوة المسلمين بشكل ملحوظ، وكان ارتفاع الروح المعنوية عند المسلمين عاليًا جدًا؛ لأن فتح خيبر كان فيه خير كثير جدًا للأمة الإسلامية، ليس من الجانب العسكري فقط، ولكن من الجانب الاقتصادي أيضًا، وذكرنا قول السيدة عائشة ﵂ عندما قالت: ما شبعنا من التمر إلا بعد فتح خيبر.
وكذلك قول عبد الله بن عمر ﵄.
وفوق ارتفاع الروح المعنوية انضم المسلمون من أماكن مختلفة في الجزيرة العربية إلى قوة المدينة المنورة، وجاء المسلمون من الحبشة، وهذا حدث تزامن مع فتح خيبر ولم نذكره في الدرس الماضي، ففي أواخر خيبر بعد أن تم فتح خيبر جاء جعفر بن أبي طالب ﵁ وأرضاه والمهاجرون من الحبشة، حتى إن الرسول ﵊ أسهم لهم من أسهم خيبر؛ لأنه اعتبرهم مشاركين في الغزوة حيث جاءوا بهذه النية من الحبشة، فكانت إضافة كبيرة جدًا للدولة الإسلامية، وقدم أيضًا الأشعريون وعلى رأسهم أبو موسى الأشعري ﵁ وأرضاه من اليمن، وقدم كذلك الدوسيون وقبائل دوس قبائل كبيرة من اليمن، جاءت أيضًا في ذلك الوقت وعلى رأسهم الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁ وأرضاه، وقدم المسلمون من قبائل أخرى كبيرة إلى المدينة المنورة، وازدادت أعداد المسلمين بعد فتح خيبر أو بعد صلح الحديبية، بل إن المسلمين قدموا أيضًا من مكة المكرمة ذاتها، بعد أن تنازلت قريش عن بند إعادة المسلمين المهاجرين من مكة إلى المدينة، بعد الحرب التي شنها عليهم أبو بصير ﵁ وأرضاه وأصحابه، كما ذكرنا في الدروس السابقة، وبدأت قوة الدولة الإسلامية تنمو، وفي نفس الوقت بدأت قوة قريش تقل، ثم إن هناك عددًا كبيرًا من العرب بعد صلح الحديبية أسلم ودخل في صف المسلمين، لم يكن يقوى على إعلان إسلامه قبل صلح الحديبية.
إذًا: بعد أن وضعت الحرب في الجزيرة العربية أوزارها وأمن الناس جانب قريش دخل في الإسلام من كان مترددًا.
رابعًا: بقي من الأعداء القدامى للمسلمين قبيلة غطفان، وقبيلة غطفان مجموعة من المرتزقة يؤجرون للهجوم على الغير، استأجرهم قبل ذلك اليهود لحرب المسلمين في الأحزاب، وحاصروا المدينة المنورة بستة آلاف مقاتل مع أربعة آلاف من قريش، وكان الجميع عشرة آلاف، وكانوا يريدون استئصال الدولة الإسلامية تمامًا، ولهم تاريخ معقّد مع المسلمين، ففي أكثر من مرة يحدث منهم نوع من الغدر بالمسلمين وقتل عدد من المسلمين، وما أحداث بئر معونة وغيرها من الأحداث ببعيدة من المسلمين، وآخر الأحداث التي حصلت من غطفان كان حصار الأحزاب، ثم محاولة معاونة يهود خيبر في حربهم ضد المسلمين لولا أن فرّق رسول الله ﷺ هذا التحالف الذي كان بين اليهود وبين غطفان، عن طريق إرسال سرية إلى غطفان كما فصلنا في الدرس السابق.
لقد تخلص المسلمون من عدوين: من قريش عن طريق المصالحة والمهادنة، ومن اليهود عن طريق الحرب كما في فتح خيبر، ولم يبق أمامهم سوى عدو واحد كبير وهو غطفان، بهذا التحليل أستطيع أن أحدد أهداف المرحلة القادمة.
[ ٣٥ / ٢ ]
أهداف الرسول ﷺ في مرحلة ما بعد فتح خيبر
ما هي أهداف الرسول ﷺ في العام السابع، أهداف المرحلة التي بعد فتح خيبر؟ لقد كان للرسول ﷺ هدفان رئيسان في العام السابع من الهجرة، أو في الفترة التي تلت فتح خيبر.
الهدف الأول: هو نشر الدعوة، واستغلال الهدنة التي حصلت بين المسلمين وبين قريش بعد صلح الحديبية.
الهدف الثاني: إيقاف خطورة قبيلة غطفان وتأمين جانبهم، والانتقام لكرامة الأمة الإسلامية من حصار غطفان ومن حرب غطفان المرة تلو المرة للمسلمين.
من اللافت للنظر أن الرسول ﵊ لتحقيق هذين الهدفين سلك مسلكًا واحدًا وهو إظهار القوة والعظمة والعزة للإسلام والمسلمين، فكما أن الإسلام دين وشريعة وقرآن يتلى يؤثر في قلوب الكثير من الناس، إلا أن هناك الكثير من الناس لا يتأثرون إلا بمظاهر القوة، ولا ينبهرون إلا بعزة الإسلام وسيادته على الغير، والطابع الذي كان يغلب على السنة السابعة هو إظهار القوة الإسلامية والعظمة الإسلامية والعزة الإسلامية، وقد ظهر ذلك في مراسلات الرسول ﵊، وظهر ذلك في حروب الرسول ﵊، وظهر ذلك في عمرة القضاء، وظهر تأثر الكثير من أهل مكة وأهل الجزيرة بصفة عامة -بل والعالم أجمع- بمظاهر القوة الإسلامية التي ظهرت في العام السابع من الهجرة.
لننظر هنا كيف حقق النبي ﷺ الهدفين في السنة السابعة من الهجرة عن طريق إظهار القوة الإسلامية.
[ ٣٥ / ٣ ]
نشر الدعوة
الهدف الأول: نشر الدعوة، تكلمنا قبل هذا على الرسائل للزعماء والملوك، وفصّلنا فيها كثيرًا، وهذه الرسائل أضافت للمسلمين قوة كبيرة جدًا، وليست قوة معنوية، ولكن قوة عددية؛ لأن بعض هذه الرسائل أدت إلى دخول عدد جديد من المشركين في الإسلام، ومن أبرز هؤلاء مملكة البحرين بكاملها، دخل زعيمها المنذر بن ساوى ودخل جميع شعب البحرين في صف المسلمين، وكذلك دخلت دولة اليمن في الإسلام بعد إسلام باذان قائد اليمن الفارسي عندما آمن برسول الله ﷺ، وآمن معه شعبه الفارسيون الذين يعيشون في اليمن وأهل اليمن الأصليين، الجميع تقريبًا آمن ودخل في صف الدولة الإسلامية، نعم هم بقوا في مكانهم في اليمن، ولكن هذه إضافة قوية جدًا للدولة الإسلامية، ولا ننسى أن اليمن في جنوب قريش والمدينة المنورة في شمال قريش، بهذا تكون مكة المكرمة محاصرة بين مناطق إسلامية، وهذا بلا شك إضافة كبيرة للدولة الإسلامية الجديدة.
إذًا: أرسل الرسول ﷺ الدعاة هنا وهناك يدعون الناس إلى الإسلام، وبدأت القبائل تفكر في الإسلام بطريقة جديدة دون خوف أو وجل من قريش، فهناك أعداد كبيرة من العرب دخلت في الدين الإسلامي بعد صلح الحديبية.
[ ٣٥ / ٤ ]
إيقاف خطورة قبيلة غطفان
الهدف الثاني: إيقاف خطورة قبيلة غطفان، وقد أرسل الرسول ﵊ ليوقف خطورة غطفان ويؤمن جانبها عدة سرايا قرابة ست سرايا، ثم خرج إليها في غزوة ذات الرقاع، وكانت هذه الغزوة في شهر ربيع الأول سنة سبع، يعني: كانت بداية فتح خيبر في أول محرم سنة سبع، واستمر أكثر من شهر، فالرسول ﷺ خرج في أواخر شهر صفر سنة سبع أو أوائل ربيع الأول سنة سبع إلى غطفان، فهو خرج إلى غطفان بمجرد أن عاد من فتح خيبر، كان في حركة دائبة وفي جهاد مستمر في سبيل الله، وذكرت بعض كتب السير أن غزوة ذات الرقاع كانت في السنة الرابعة، وهذا لا يستقيم؛ لأن أبا موسى الأشعري ﵁ وأرضاه ثبت في البخاري أنه شارك في غزوة ذات الرقاع، وأبو موسى الأشعري باتفاق لم يأت إلا في العام السابع من الهجرة مع قدوم جعفر بن أبي طالب ﵁ إلى خيبر، فمن المؤكد أن غزوة ذات الرقاع تمت في السنة السابعة من الهجرة.
وهذه الغزوة كانت موجهة إلى قبائل غطفان، وقبائل غطفان لم تكتف بحصار المدينة المنورة في غزوة الأحزاب ولا بمساعدة اليهود في خيبر، بل كانوا يعدون العدة لغزو المدينة المنورة مرة أخرى بعد غزوة الأحزاب؛ وذلك لأنهم علموا أن الرسول ﷺ أرسل إليهم سرية قبل ذلك وهو يفتح خيبر، فلذلك أرادوا أن يغزوا المدينة المنورة من جديد، فكان على الرسول ﵊ أن يقف وقفة جادة تجاههم، ويخرج إليهم ﷺ بنفسه بدلًا من أن ينتظرهم في المدينة المنورة؛ لكي لا يُظَن أن المسلمين يخافون من غطفان وأنهم لا يجرءون على المواجهة المباشرة معهم، فالرسول ﵊ لا يريد وجود هذا الانطباع السلبي لا عند غطفان ولا عند أهل الجزيرة العربية بصفة عامة؛ ولهذا جهز ﵊ جيشًا وخرج فيه بنفسه ﷺ، ويبدو أن جيوش المسلمين في ذلك الوقت كانت موزعة في أماكن مختلفة، فهناك جيوش في خيبر وفي وادي القرى وفدك وتيماء وفي غيرها من الأماكن الملتهبة في ذلك الوقت؛ فلذلك لم يأمن الرسول ﵊ أن يترك المدينة بلا جيش يحميها، فهو لا يأمن غدر قريش، وقد تلف قبائل غطفان من هنا أو هناك لتدخل إلى المدينة المنورة، واليهود كذلك قد يغدرون، فهناك أمور خطيرة جدًا تجعله يترك حامية في داخل المدينة المنورة، وهذه الأمور جعلت الرسول ﵊ يخرج في جيش صغير نسبيًا، هذا الجيش كان تقريبًا أربعمائة وفي بعض الروايات سبعمائة من الصحابة ﵃ أجمعين، ولم يكن معهم من الإبل إلا القليل، حتى إن الستة من الصحابة كانوا يتناوبون ركوب البعير الواحد، وذهب الرسول ﵊ مسافة كبيرة جدًا بجيشه في عمق الصحراء، توغل جدًا حتى بلغ ديار غطفان، وغطفان إلى الشمال الشرقي من المدينة المنورة على مسافة عدة ليال من المدينة، ولكون المسافة كبيرة والصحابة يسيرون على أقدامهم فقد أثّر ذلك جدًا عليهم ﵃ أجمعين، روى البخاري ﵀ عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه)، أي: أن الستة يتناوبون على بعير واحد فقط، يقول: (فنقبت أقدامنا ونقبت قدماي وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت ذات الرقاع لما كنا نعصب الخرق على أرجلنا).
نحتاج إلى أن نقف وقفة مع هذا الموقف، فهذا الحديث وأمثاله يوضح لنا مدى التضحية والبذل والعطاء الذي تميز به هذا الجيل النادر، وهو جيل الصحابة ﵃ وأرضاهم، لقد كانوا في حركة دائبة مستمرة في سبيل الله.
ففي الأشهر الأخيرة من السنة السادسة ذهب الرسول ﷺ والصحابة إلى مكة المكرمة لأداء العمرة، مع التضحية التامة بالنفس والذهاب إلى عقر دار قريش، وبيعة على عدم الفرار وعلى الموت، واستعداد تام للقتال حتى النهاية، ثم عودة للمدينة المنورة بعد صلح الحديبية، وانطلاق مباشر إلى حصون وقلاع خيبر وقتال شرس أكثر من شهر متصل في خيبر، وانتصار مهيب لا مثيل له، ثم عودة للمدينة لعدة أيام ثم الخروج والسير في الصحراء مسافة طويلة لقتال قبيلة غطفان، وهي من أقوى وأشرس قبائل العرب.
فالصحابة كانوا في حركة دائمة في سبيل الله، وبذل وتضحية في كل دقيقة، وسبق أن رأينا كيف أن جعفر بن أبي طالب ﵁ وأرضاه عاد من الحبشة ووجد أن الرسول ﵊ قد غادر المدينة إلى خيبر فترك المدينة مباشرة واتجه إلى خيبر ليشترك في القتال، وأبو موسى الأشعري ﵁ وأرضاه يأتي من اليمن في أيام خيبر، فيخرج بعد قدومه بعدة أيام إلى هذه الغزوة الشديدة غزوة ذات الرقاع، لم تكن هناك لحظة ضائعة في حياة هذا الجيل، ولعل ذلك هو الذي يفسر الكم الهائل من الأحداث التي تمت في زمن البعثة النبوية، و
[ ٣٥ / ٥ ]
قصتان وقعتا بعد غزوة ذات الرقاع
عاد الرسول ﵊ دون قتال، لكن ترك أثرًا لا يُمحى من قلوب غطفان، وشاء الله ﷿ أن يضاعف من هذا الأثر بقصتين حدثتا مباشرة بعد هذه الغزوة أثناء عودة الرسول ﷺ من غطفان إلى المدينة المنورة.
[ ٣٥ / ٦ ]
القصة الأولى
القصة الأولى: جاء في البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄: أن الجيش الإسلامي وهو عائد من غطفان إلى المدينة المنورة نزل في مكان ليستريح، فتفرق الناس في ظلال الشجر ليستظلوا، ونزل رسول الله ﷺ تحت شجرة، فعلّق بها سيفه، قال جابر: فنمنا نومًا، أي: الرسول ﷺ وجميع الصحابة ناموا؛ فالطريق متعب، قال: فجاء رجل من الأعراب المشركين فاخترط سيف رسول الله ﷺ ورفعه فوق رأس الرسول ﷺ، وفجأة استيقظ الرسول ﷺ ووجد الأعرابي واقفًا على رأسه بالسيف، فقال له الأعرابي المشرك -وهو من غطفان-: أتخافني؟ الأعرابي يخاطب الرسول ﷺ: أتخافني؟ وهذا السؤال غريب، وكان من المتوقع من هذا الرجل أن يقتل رسول الله ﷺ، وبذلك ينال شرفًا كبيرًا جدًا عند أهل غطفان، لكن الرجل لم يفعل ذلك، وإنما بدأ في حوار مع الرسول ﵊، وهذا لمنع رب العالمين ﷾ رسوله الكريم من أذى الآخرين، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] قال له: أتخافني؟ فرد الرسول ﵊ وقال: لا.
يعني: ما اهتز له جسم ولا دخل في قلبه أي خوف، فتعجب الأعرابي من هذا الموقف، السيف في يده والرسول ﵊ أعزل وليس معه أحد ومع ذلك لا يخاف، فقال الأعرابي: فمن يمنعك مني؟ فقال ﷺ: الله.
وفي رواية أن الأعرابي كرر السؤال ثلاث مرات: من يمنعك مني؟ من يمنعك مني؟ من يمنعك مني؟ وفي كل مرة يقول الرسول ﷺ: الله.
الله، فوقع السيف من يد الأعرابي، وفي رواية البخاري أيضًا يقول: إن الأعرابي شام السيف، أي: أنه أغمد السيف ولم يقع منه رغمًا عن إرادته؛ تعجبًا من ثبات الرسول ﵊، وفي الرواية التي ذكرها الإمام أحمد بن حنبل وابن إسحاق رحمهما الله: أنه عندما وقع السيف من يد الأعرابي، فأمسك رسول الله ﵊ بالسيف ورفعه على الأعرابي وقال له: من يمنعك مني؟ فالأعرابي كافر ما استطاع أن يقول: الله، وما استطاع أن يلجأ إلى آلهته المزعومة من الأصنام، لكن طمع في كرم الرسول ﵊ فقال له: كن خير آخذ، فقال ﷺ: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ فقال الأعرابي: أعاهدك ألا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك.
أي: أنه لم يسلم، لكنه وعد الرسول ﵊ ألا يقاتله بعد ذلك، وعلى الرغم من الموقف الشديد إلا أن الأعرابي لم يستطع أن يأخذ قرار الإسلام، ومع ذلك أطلق رسول الله ﷺ سراحه ولم يعاقبه، وثبت ذلك في البخاري أن الرسول ﵊ لم يعاقب هذا الرجل، وعاد الرجل إلى أهله سالمًا وقال لهم: جئتكم من عند خير الناس، وفي رواية: أن عددًا كبيرًا من أهله أسلم، وأن هذا الرجل اسمه غورث بن الحارث.
فهذه القصة وإن كانت في ظاهرها عابرة، إلا أنها تركت أثرًا كبيرًا جدًا في أعراب هذه المنطقة من قبائل غطفان، وأدركوا بهذه القصة أن رسول الله ﷺ ليس رجلًا كريمًا فقط، وليس قائدًا شجاعًا جريئًا فقط، وإنما هو أيضًا نبي مرسل؛ لأنه ليس من عادة الملوك والقادة أن يتركوا من وقف على رءوسهم بالسيف مهددًا هكذا، ليس من عادتهم الرحمة والكرم والتسامح إلى هذا الحد، فهذا ليس من طبع الملوك والقادة.
ولا شك أن هذه القصة بالإضافة إلى غزو الرسول ﷺ لهم بجيشه الصغير البسيط دون خوف ولا وجل؛ كان لها أبلغ الأثر في تفكير هؤلاء الأعراب جديًا في قضية الإسلام.
[ ٣٥ / ٧ ]
القصة الثانية
هذه قصة أخرى عجيبة حدثت في أثناء رجوع هذا الجيش المبارك إلى المدينة المنورة، ورواها أبو داود عن جابر ﵁ وأرضاه: أن جيش المسلمين نزل بأحد الأماكن للراحة، فعيّن رسول الله ﷺ رجلين للحراسة: عباد بن بشر الأنصاري ﵁، وعمار بن ياسر المهاجري ﵁، فقسم الليل بينهما، فكانت نوبة عباد بن بشر، فأراد أن يقطع الليل بالصلاة، ووقف يصلي قيام الليل، فجاءه أحد المشركين أيضًا من غطفان، ورماه بسهم، فنزع عباد السهم وأكمل صلاته، والدم يسيل منه ويتفجّر، فرماه المشرك بسهم آخر فنزعه عباد وأكمل صلاته، فجاءه السهم الثالث فنزعه عباد ثم ركع وسجد وأنهى صلاته، ولم يقطع الصلاة فجأة ولكنه أكمل صلاته، ثم أيقظ عمار بن ياسر، فلما وجد عمار بن ياسر الدماء في كل مكان ورأى الأسهم الثلاثة، قال لـ عباد: هلا أيقظتني أول ما رمى؟ فيرد عباد بن بشر ﵁ في يقين وخشوع ويقول: كنت في سورة أقرؤها، فلم أحب أن أقطعها.
وفي رواية ابن إسحاق: قال عباد: وايم الله لولا أن أضيّع ثغرًا أمرني رسول الله ﷺ بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أحب إلي من قطعها.
أي: لقطع هذا الرجل حياتي قبل أن أقطع هذه السورة، ولك أن تتصور مدى استمتاع عباد بقراءته، ومدى حبه لقيام الليل، ومدى استغراقه في عبادته، ومدى خشوعه وتركيزه في الصلاة ﵁ وأرضاه.
والشاهد في هذه القصة هو أن هذا الرجل المشرك الذي أطلق السهام هرب عندما رأى عمار بن ياسر استيقظ وفر إلى قومه، ولا ندري عنه شيئًا بعد ذلك، إلا أنه انبهر لرؤية أولئك الذين كانوا منذ قليل يغزونهم بشجاعة ويحاربونهم بضراوة يقفون في عبادتهم بهذه الصورة الخاشعة، لا شك أن جمع الصحابة بين الجهاد والصلاة، وبين القتال والعبادة، وبين القوة والرحمة، وبين الثأر للكرامة والعفو عند المقدرة، لا شك أن ذلك كان لافتًا للنظر جدًا لكل الناس، ولا شك أنه كان يترك انطباعًا إيجابيًا عند عموم البشر، بغض النظر عن جنسياتهم أو أعرافهم أو قبائلهم.
[ ٣٥ / ٨ ]
إرسال الرسول ﷺ للسرايا بعد غزوة ذات الرقاع
كانت غزوة ذات الرقاع غزوة بلا قتال، لكنها غيّرت كثيرًا في أوساط قبائل غطفان، وعدّلت كثيرًا من سلوكهم، وهذا سوف يفسّر لنا أحداثًا كثيرة ستأتي بعد هذا.
لم يكتف الرسول ﵊ بعد غزوة غطفان بهذا الإنذار القوي الموجه لها، لكن أرسل بعد غزوة ذات الرقاع ست سرايا متتالية كلها في العام السابع من الهجرة، أرسل هذه السرايا إلى عدة مناطق مهمة في الجزيرة العربية، وهي: منطقة كديد، ومنطقة تربة، ومنطقة بني مرة، ومنطقة ميفعة، ومنطقة يمن، ومنطقة الغابة، ست مناطق، والقاسم المشترك بين كل هذه المناطق أنها كلها أرض لغطفان.
إذًا: هناك تركيز واضح على قبيلة غطفان في العام السابع الهجري، وواضح أن الرسول ﵊ يسير بخطة محكمة، ليست هناك عشوائية أبدًا في الأداء، فالرسول ﵊ بعد صلح الحديبية وتحييد جانب قريش وجه كامل الطاقة لردع بقية الأحزاب، ولصد بقية أعداء الأمة، ولهذا رأينا الحرب ضد اليهود والحرب ضد غطفان، فالأمور في غاية الترتيب، ونجح الرسول ﵊ في هذه الحملات المتكررة في ردع اليهود وغطفان تمامًا، وبذلك أصبحت القوة الإسلامية في أواخر العام السابع الهجري هي القوة الأولى في الجزيرة العربية، ومع نجاح هذا الجانب العسكري للدولة الإسلامية إلا أن الرسول ﵊ لم يترك مهمته الأولى كرسول وهي مهمة البلاغ ونشر الدعوة إلى الله ﷿ في كل مكان في الجزيرة العربية، بل خرج خارج الجزيرة العربية كما ذكرنا، ودعا إلى الإسلام صراحة وبقوة وعزة حتى وصل الإسلام إلى معظم ممالك العالم في ذلك الوقت.
إذًا: كملخص للعام السابع الهجري: نجد أنه كان عامًا جهاديًا ودعويًا، بدأ فيه المسلمون في جني ثمرات صلح الحديبية، وصلت في هذا العام دعوة الإسلام إلى كل مكان، وانتصر المسلمون فيه انتصارًا باهرًا على اليهود في خيبر ووادي القرى وفدك وتيماء، وانكمشت غطفان وتضاءلت جدًا، وعرفت أن قوة المسلمين أعلى بكثير من قوتها، حتى وإن كان عدد المسلمين قليلًا، وزاد عدد المسلمين بشكل ملحوظ بعد قدوم المسلمين من كل مكان، فقد جاء مهاجرو الحبشة وجاء الأشعريون والدوسيون وغيرهم، بل وأسلم الكثير والكثير في العام السابع الهجري، وكان عامًا حافلًا بالدعوة والجهاد، وتوج هذا العام في آخره بتحقيق شيء فرح المسلمون به كثيرًا، وهو دخول مكة المكرمة لأداء العمرة؛ لأن من بنود صلح الحديبية أن المسلمين يرجعون دون دخول مكة للعمرة في العام السادس الهجري، على أن يأتي المسلمون بعد عام، أي: في نهاية العام السابع الهجري ليدخلوا مكة معتمرين، ليس معهم إلا سلاح المسافر، ويخرج أهل مكة من مكة تمامًا، ويتركون البلد الحرام للمسلمين مدة ثلاثة أيام متواصلة، وبالفعل مرت السنة كما رأينا وجاء شهر ذي القعدة من العام السابع الهجري، وأُعلن في المدينة المنورة عن العمرة العظيمة، وأمر الرسول ﵊ ألا يتخلف عنها أحد شهد الحديبية، وستبدأ تفصيلات هامة لهذه العمرة المباركة، وفي الحقيقة تحتاج منا إلى وقفة مهمة جدًا.
[ ٣٥ / ٩ ]
عمرة القضاء وآثارها الإيجابية على المسلمين
لقد خرج في هذه العمرة المباركة ألفان من الصحابة ﵃ وأرضاهم من غير النساء والصبيان، يعني: كل من شهد الحديبية خرج إلا من استشهد، وخرج معهم أيضًا آخرون، فالصحابة الذين كانوا في الحديبية هم ألف وأربعمائة، وفي هذا الوقت خرج ألفان، وخرجوا بالسلاح الكامل في موكب مهيب، ومع أن الرسول ﵊ كان متفقًا مع قريش أنه لا يدخل مكة إلا بسلاح المسافر فقط، إلا أنه ﷺ لم يأمن من غدر قريش، فخرج بالسلاح الكامل والعدة الكاملة، بالرماح وبالسهام والدروع وبكل شيء وكأنه مستعد لحرب، لكنه سيترك كل هذه الأشياء خارج مكة ليدخل مكة بسلاح المسافر فقط، وفاء لعهده ﷺ، فجمع بين الأمرين: الأخذ بالأسباب والحماية لهؤلاء الخارجين إلى مكة المكرمة للعمرة، وفي نفس الوقت يدخل بعهده مع قريش إلى مكة بسلاح المسافر، وأحرم ﷺ من ذي الحليفة (أبيار علي)، وظل يلبي من ذي الحليفة إلى أن وصل إلى مكة المكرمة، عشرة أيام تقريبًا من التلبية المتواصلة، ووصل إلى مكة، وهذه اللحظة من أعظم لحظات السيرة النبوية؛ فهي لحظة مهيبة فعلًا، بعد سبع سنوات كاملة من الهجرة، وبعد أن ترك الرسول ﷺ أحب البلاد إليه يعود الحبيب ﷺ إلى بلده مكة.
فالأيام تمر بحلوها ومرها، تمر بسعادتها وأحزانها، الأيام تمر دومًا: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨].
شتان بين حال المسلمين منذ سبع سنوات وحالهم الآن، خرج رسول الله ﷺ من مكة منذ سبع سنوات مهاجرًا يترقب ويستخفي بنفسه ويختبئ هنا تارة وهنا تارة، يخفي آثاره قدر ما يستطيع، واليوم يدخل رسول الله ﷺ مكة معلنًا للجميع أنه داخل، وليس هذا الإعلان لأهل مكة فقط، بل لأهل الجزيرة جميعًا، بل لعله للعالم أجمع.
خرج الرسول ﵊ من مكة منذ سبع سنوات هو وصاحبه الصديق وعامر بن فهيرة والدليل المشرك عبد الله بن أريقط، أربعة نفر لا يكاد يراهم أحد، والآن يعود الرسول ﵊ بألفين من الرجال دون النساء والصبيان، في مظاهرة إيمانية عظيمة، وتلبية تقطع صمت الصحراء، تُعلن لكل الخلق أن: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، حقًا لا شريك لك، حقًا إن الحمد كله لله، وحقًا إن الملك كله لله، والدليل أن هذه العمرة التي نتحدث عنها قبل سبع سنوات منها يخرج أهل مكة جميعًا يبحثون عن رسول الله ﷺ في كل بقعة ليقتلوه، والآن خرج أهل مكة جميعًا إلى جبال مكة وإلى أودية مكة يفسحون الطريق لرسول الله ﷺ، ليدخل مكة معتمرًا ملبيًا، رافعًا رأسه، محاطًا بكوكبة من المسلمين المسلحين بالسيوف في أعظم تشريفة رأتها مكة في كل تاريخها، اكتفى أهل مكة بالمراقبة له ولأصحابه وهم يؤدون شعائر العمرة على طريقة المسلمين.
[ ٣٥ / ١٠ ]
مظاهر قوة المسلمين في عمرة القضاء
هذا حدث من أعظم أحداث السيرة النبوية، وهذه العمرة تمهيد نفسي رائع لما سيحدث بعد ذلك بعام، عندما يدخل الرسول ﷺ مكة فاتحًا، ولعل قضية فتح مكة تكون غير متوقعة عند كثير من الصحابة؛ لأن مكة أعظم مدن الجزيرة، بل أعظم مدن العالم، وقريش هي أعز قبيلة في العرب، فكون المسلمين سيأتون في جيش لاقتحام مكة، ويغزون قريشًا في عقر دارها هذا أمر بعيد جدًا في تصور الكثيرين، لكن بعد هذه العمرة أصبح الوضع مختلفًا، رأى المسلمون أهل مكة يفسحون لهم الطريق دون مقاومة، وليس هذا فقط، بل إنهم يتركونهم ثلاثة أيام متواصلة في داخل مكة، يكتفون فقط بالمراقبة بحسرة، وهم لا يستطيعون فعل أي شيء، لا شك أن المسلمين لاحظوا الانبهار الذي كان عند القرشيين من رؤية قوة المسلمين؛ ولنا مع هذا الانبهار من أهل قريش وقفة؛ لأن الرسول ﵊ كان يعرف أن هناك أناسًا كثيرين لا ينبهرون إلا بالقوة، ولا يحترمون غيرهم إلا إذا وجدوه صلبًا شديدًا عزيزًا، وصدق عثمان بن عفان ﵁ إذ يقول: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
فأهل مكة عند سماع الآيات الجليلة الباهرة للقرآن الكريم لم يرتدعوا، مع تمام علمهم أن القرآن معجز وأنه فوق طاقة البشر، وأنهم لا يستطيعون الإتيان بسورة من مثله ولو اجتمعوا لذلك، لم يرتدعوا بهذا القرآن العظيم، لكن على الناحية الأخرى وقفوا منبهرين تمامًا أمام قوة المسلمين وجلد المسلمين، والرسول ﵊ كان يعرف هذا جيدًا، وحرص تمام الحرص على إبراز قوة المسلمين قدر المستطاع ﷺ، ومن ذلك مثلًا: أولًا: جاء ﵊ بالسلاح الكامل من المدينة المنورة، لكنه أبقى السلاح خارج مكة مع سرية من الصحابة، وكانوا مائتي رجل، وكان عليهم محمد بن مسلمة ﵁، وبعد أن انتهى ﷺ ومن معه من العمرة تبادل هؤلاء الحراس مع مجموعة أخرى من المسلمين وأدوا العمرة كغيرهم من الصحابة ﵃ وأرضاهم، فالمسلمون جاءوا من المدينة إلى مكة بالسلاح؛ لأنهم يعرفون أن هناك عيونًا لقريش ترقب الموقف، فلما رأت قريش الرسول ﷺ معه قوة السلاح وقوة جيوش غير معتمرة، أرسلوا إلى الرسول ﵊ بذلك الأمر، وأخبروه أنه قد وعدهم أن يدخل مكة فقط بسلاح المسافر، فأخبرهم ﷺ أنه عند وعده، وأنه سيترك السلاح خارج مكة، ولكنه لا يأمن على نفسه ولا على جيشه من غدر قريش؛ فلذلك أخذ بالأسباب ﷺ، فأتى بعدة كاملة؛ ليلقي الرهبة في قلوب المشركين.
ثانيًا: دخل الرسول ﵊ مكة راكبًا ناقته القصواء، والمسلمون حوله يشهرون سيوفهم لحمايته، تصور كون الرسول ﷺ في وسط المسلمين وهم محيطون به كما يحيط السوار بالمعصم؛ حماية له من المشركين أو من غدر قريش.
إذًا: هذا منظر مهيب جدًا.
ثالثًا: دخل المسلمون مكة وهم يلبون جميعًا في صوت واحد: لبيك اللهم لبيك، وأنا أريد منك أن تتصور أن ألفين من الرجال الأشداء يلبون ويرفعون أصواتهم بالتلبية وهم يدخلون مكة، أول مرة ترى مكة منظرًا كهذا.
رابعًا: يتقدم صفوف المسلمين عبد الله بن رواحة ﵁ وأرضاه وهو ينشد الشعر، نحن نستغرب ونقول: لماذا هذا الشعر في مثل هذا الموقف؟! لقد كان الشعر عند العرب وسيلة الإعلام الأولى، إذا قيل الشعر وقف الجميع ليستمع، وكان عبد الله بن رواحة يعرف جيدًا هذا الموقف، واختار من شعره ما يناسب إظهار القوة، ومما قاله في شعره ما جاء في سنن الترمذي والنسائي عن أنس ﵁ وأرضاه، والحديث حسن صحيح قال: خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تنزيله ضربًا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله إلى آخر الأبيات، والمضمون لهذا الشعر أن عبد الله بن رواحة ﵁ وأرضاه يفسح الطريق لرسول الله ﷺ، ويعلنها واضحة صريحة أنه سيضرب كل من سوّلت له نفسه الغدر به ﷺ.
فـ عمر بن الخطاب ﵁ لم يستوعب هذا الذي فعله عبد الله بن رواحة ﵁، فقال له: (وفي حرم الله تقول الشعر؟) لكن الرسول ﷺ كان موافقًا لفعل عبد الله بن رواحة؛ لأنه مدرك لعقلية العرب عامة ولعقلية قريش خاصة، فقال له: (خل عنه يا عمر، فلهي أسرع فيهم من نضح النبل) يعني: هذه الأبيات أسرع في قريش من رمي النبل والسهام، فكان هذا الأمر فعلًا من أقوى الأسلحة التي وجهت لقريش.
خامسًا: صلى الرسول ﵊ بالمسلمين الصلوات الخمس في الأيام الثلاثة بصورة جماعية في الحرم، وتصور صلاة ألفين من الرجال غير النساء والصبيان بطريقة واحدة بتكبير وتحميد، وبقيادة منظمة ل
[ ٣٥ / ١١ ]
قصة إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة
لقد حدث شيء مهم في شهر صفر سنة ثمان، يحتاج إلى وقفة كبيرة ومهمة، وهو من أعظم ثمار صلح الحديبية وعمرة القضاء، وهذا الحدث يعتبر نقطة تحول ليست في تاريخ مكة المكرمة ولا في تاريخ الجزيرة العربية ولا في تاريخ العالم في ذلك الوقت، ولكن في تاريخ الإنسانية وإلى يوم القيامة، فأنت عندما تتدبر في هذا الحدث وآثار هذا الحدث على الأرض بصفة عامة في عمق الزمان والمكان تجد له آثارًا لا تنتهي، هذا الحدث العظيم هو إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة ﵃ أجمعين، ثلاثة من عمالقة مكة، بل من عمالقة الأرض بصفة عامة، هؤلاء الثلاثة لم يسلموا فقط في شهر صفر سنة ثمان، بل أسلموا في يوم واحد من شهر صفر سنة ثمان، فهذا نصر كبير جدًا للإسلام والمسلمين، فقد عبّر ﷺ عن إسلامهم بقوله: (إن مكة قد ألقت إلينا أفلاذ كبدها) وفي رواية: (أفلاذ أكبادها) يعني: خلاصة ما في مكة هم هؤلاء الثلاثة ﵃ وأرضاهم.
انظر إلى الآثار التي حدثت في الأرض على يد خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه، وعلى يد عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه، من الآثار أنها فُتحت العراق، وفُتحت فارس، وفُتحت بلاد ما وراء النهر، وفُتحت أرمينية، وفُتحت بلاد كثيرة جدًا في آسيا، وفُتحت الشام، كل ذلك على يد البطل خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه، وكذلك فُتحت فلسطين وفُتحت مصر على يد عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه، فكم من المسلمين الذين في هذه البلاد؟ وكم من الأعمال الصالحة؟ وكم من الجهاد في سبيل الله؟ وكم من الدعوة إلى الله ﷿؟ وكم من العلم؟ وكم الإضافات الإنسانية؟ كل هؤلاء دخلوا بجهاد هذين البطلين العظيمين: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص ﵄، فهو إنجاز هائل للمسلمين في العام الثامن من الهجرة، فإضافة هذين الاثنين في الدولة الإسلامية من أقوى الإضافات في تاريخ الإسلام، وأعطى الرسول ﵊ هذين الرجلين أهمية خاصة جدًا في أحاديثه وفي معاملاته ﷺ، حتى إنه أعطى خالد بن الوليد ﵁ لقبًا ما أعطاه لأحد قبله ولا بعده، وسماه سيف الله المسلول، وقال عن عمرو بن العاص كلمات ما قالها لأحد غيره ﵁، قال عنه: (أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص) والحديث صحيح كما رواه الإمام أحمد والترمذي رحمهما الله عن عقبة بن عامر ﵁ وأرضاه، وحسّن هذا الحديث الألباني ﵀.
فقوله: (أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص) كلمة كبيرة جدًا في حق هذا البطل العظيم، ويقول الرسول ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي عن طلحة ﵁ وصححه الألباني، يقول: (عمرو بن العاص من صالحي قريش) وهذا الكلام فيه أبلغ الرد على كل من يطعن في هذين الصحابيين الجليلين العظيمين اللذين فتحا بلادًا شتى، لا أقول: دخل مئات الآلاف في الإسلام على يديهما فقط، وإنما دخل الملايين من البشر في زمانهم وإلى الآن، فكل المسلمين في فلسطين وفي العراق ومصر والشام، كل هؤلاء يدينون بالفضل لهذين البطلين.
هذا أمر خارج عن التصور، ويعتبر من أعظم أحداث التاريخ الإسلامي، لا بد أن ندرس إسلام هذين البطلين، لا بد أن نفهم لماذا أسلما بعد سنوات طويلة جدًا من الصد والبُعد عن دين الله ﷿؟ فإسلام هذين البطلين وغيرهما يحتاج منا إلى وقفة وتحليل، فالذي دفع هؤلاء إلى الإسلام هو الانبهار بقوة الإسلام، والانبهار بعظمة الرسول ﷺ كقائد، فهؤلاء جميعًا من القادة العسكريين، ومن الفرسان المشهورين في بلاد العرب، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام قائد بارع عظيم من القواد لم يروا مثله قبل ذلك، حتى في موقعة أحد فشل سيدنا خالد في إحباط الخطة التي وضعها الرسول ﷺ إلا بعد أن خالف الرماة أمر الرسول ﷺ، فقد كانت الخطة في تمام الإحكام، وكان سيدنا خالد يدرس هذا الكلام جيدًا، ويعرف أنه لا يستطيع الغلبة على الرسول ﵊، ولولا مخالفة الرماة لما استطاع أن يأتي المسلمين من خلفهم، ولهرب مع من يهرب، فـ خالد قد فشل أكثر من مرة أمام الرسول ﷺ، مما جعله ينبهر تمام الانبهار بقوة وبأس وتخطيط الرسول ﷺ، وفوق ذلك ينبهر بأخلاق الرسول ﵊ كداعية وكإنسان يعيش وسط الناس بمبادئ وقيم معينة لا يخالفها، وعادة العسكريين أنهم يدوسون على كل القيم والأخلاق، ويحققون الأهداف بغض ا
[ ٣٥ / ١٢ ]
كيفية إسلام خالد بن الوليد
لقد وقف خالد بن الوليد ﵁ في جمع من المشركين بعد خروج الرسول ﵊ من مكة المكرمة في عمرة القضاء، في أواخر العام السابع من الهجرة، وقف وقال للجميع كلامًا عجيبًا غريبًا يُستغرب جدًا من مثله في هذا الموقف، قال لهم: لقد استبان لكل ذي عقل أن محمدًا ليس بساحر ولا شاعر، وأن كلامه من كلام رب العالمين، وقف هذا الموقف مع أنه كان قد سمع كثيرًا من القرآن الكريم وكثيرًا من أحاديث الرسول ﵊ قبل ذلك، لكن الآن جوبه بقوة وعزّة الإسلام فانبهر ﵁ فقام هذا المقام وقال هذه الكلمات وهو من هو، وهو من أعظم زعماء مكة مطلقًا، وكان قائد الفرسان في معارك قريش، ولعل هذا هو الذي أخّر إسلامه إلى هذا الوقت، فعندما أسلم كان عمره سبعًا وأربعين سنة، ففي هذه الفترة كان قائدًا في قريش، فكان يخشى على مكانته إذا انضم إلى الإسلام، وكانت له مكانة مرموقة جدًا في الجيش المكي، وله مكانة مرموقة في وسط العرب، فخاف على هذه المكانة أن تضيع، وبالإضافة إلى أن أباه الوليد بن المغيرة كان من أشد أعداء الدعوة الإسلامية، لكن خالد بن الوليد في هذا الوقت تغير وانبهر بقوة الإسلام، وانبهر بالرسول ﵊ أكثر وأكثر، وهذا الذي جعله يقول هذه الكلمات التي تعبر عن رغبته في دخول الإسلام، ثم علّق على هذه الكلمات وقال: فحق لكل ذي لب أن يتبعه.
ولما علم أبو سفيان ما قال خالد بن الوليد ناداه حتى يتأكد من أنه قال هذا الكلام أم لم يقله، فأكد له خالد صحة ما قال وكرر نفس الكلمات أمام أبي سفيان، فاندفع أبو سفيان إلى خالد بن الوليد يريد أن يضربه، فحجز بينهما عكرمة بن أبي جهل، وكان عكرمة في ذلك الوقت لا يزال مشركًا، وكان من أكثر الرجال قربًا إلى قلب خالد بن الوليد، وكانت بينهما صداقة قديمة جدًا، فحجز عكرمة بين أبي سفيان وبين خالد وقال كلمات عجيبة هو الآخر لـ أبي سفيان قال: مهلًا يا أبا سفيان، فوالله لقد خفت للذي خفت أن أقول مثل ما قال خالد وأكون على دينه.
يعني: كما أنك تخاف من أن كلام خالد يؤثر في الناس، فأنا أيضًا قد خفت من هذا الكلام، بل إنني خفت أن أكون على دين محمد بعد هذا الذي رأيت في عمرة القضاء، ثم قال له: أنتم تقتلون خالدًا على رأي رآه، وهذه قريش كلها تبايعت عليه؟ والله لقد خفت ألا يحول الحول حتى يتبعه أهل مكة كلهم.
أي: ليس خالد وحده منبهرًا بمحمد وأصحابه، وهذا كلام صريح جدًا، لكن كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، الجميع يعلم أن هذا الدين حق، وأن هذا الرسول حق؛ فلذلك كسر بعضهم كبرياءه واتبع الرسول ﵊، وبعضهم ظل في كبريائه وفي غيه إلى أن مات على ذلك، والحمد لله أن كل هؤلاء الذين دخلوا في الحوار أسلموا بعد هذا، لكن تأخر إسلام بعضهم عن بعض.
إذًا: هذا كان موقف خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه، ولا ننسى أن خالد بن الوليد في يوم الحديبية قال كلمة عظيمة في حق المسلمين، قال: إن القوم ممنوعون، وذلك عندما نزلت صلاة الخوف كما ذكرنا ذلك في درس الحديبية، فـ خالد بن الوليد يعلم أن القوم ممنوعون من الله ﷿، وأن الله ﷿ يحيطهم برعاية وعناية خاصة جدًا، وهذا كله كان له أثر كبير جدًا في قلب خالد بن الوليد.
لكن هناك شيء آخر أيضًا أثر في خالد كثيرًا، وهو أن خالد بن الوليد عندما رأى جيش المسلمين داخل مكة المكرمة للعمرة في العام السابع من الهجرة، لم يستطع أن يحتمل هذا المنظر في بدايته، وخرج من مكة وتركها، وكان له أخ اسمه الوليد بن الوليد ﵁ وهو من الصحابة الذين دخلوا مع النبي ﷺ إلى مكة للعمرة، فعندما دخل بحث عن أخيه خالد بن الوليد ليخبره عن أمر الإسلام فلم يجده، فكتب له كتابًا قال له فيه: بسم الله الرحمن الرحيم.
أما بعد: فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك، ومثل الإسلام جهله أحد؟ ثم كتب كلامًا عجيبًا بعد ذلك، قال: وقد سألني رسول الله ﷺ عنك فهذه الكلمات كانت من أبلغ الكلمات أثرًا في إسلام خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه.
قال له أخوه الوليد بن الوليد: (وقد سألني رسول الله ﷺ عنك قال: أين خالد؟ فقلت: يأتي الله به، فقال: ما مثله جهل الإسلام؟).
أي: كيف لـ خالد
[ ٣٥ / ١٣ ]
كيفية إسلام عمرو بن العاص
لقد ظل عمرو بن العاص فترة طويلة جدًا من حياته يرفض فكرة الإسلام، فـ عمرو بن العاص عندما أسلم كان عمره سبعًا وخمسين سنة، بقي فترة طويلة جدًا من حياته يحارب الإسلام والمسلمين، فقد ظل أكثر من عشرين سنة من عمره وهو يرفض فكرة الإسلام، فما الذي غيّر فكر عمرو بن العاص؟ كانت عند عمرو بن العاص موانع كثيرة جدًا، فقد كان له قيمة كبيرة في قريش كـ خالد بن الوليد، وكان أبوه العاص بن وائل من أشد أعداء الدعوة الإسلامية، فقد تربى في بيت يكره الإسلام والمسلمين، فهذا الذي جعله يتأخر هذه الفترة الطويلة من الزمن، وانظر إلى بداية التغير في فكر عمرو بن العاص، يقول: لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق جمعت رجالًا من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون -والله- أني أرى أمر محمد يعلو الأمور علوًا عظيمًا، فبدأ عمرو بن العاص وهو من دهاة العرب، فكان يرقب بعينه أن الأيام القادمة للمسلمين وعلى قريش، فقال: وإني قد رأيت أمرًا فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشي، وقد كان النجاشي صديقًا حميمًا لـ عمرو بن العاص، فيقول: رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي.
فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد.
انظروا إلى أي مدى بلغت الكراهية في قلبه لرسول الله ﷺ، أي: لأن يحكمهم النجاشي خير من أن يحكمهم محمد ﷺ، مع أن محمدًا ﷺ قرشي، ومن نفس القبيلة التي منها عمرو بن العاص، وقد كان عمرو بن العاص سهميًا قرشيًا، وكان الرسول ﵊ هاشميًا قرشيًا، لكن عمرو بن العاص يقبل بحكم النجاشي ولا يقبل بحكم بمحمد ﷺ! ثم يقول: وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا، فلن يأتينا منهم إلا كل خير، أي: أنه لو انتصرت قريش على المسلمين فسيعود بعد ذلك عمرو بن العاص وله من المكانة المحفوظة ما له في قريش.
وهذا موقف سلبي؛ لأنه يترك الحرب تثور بين قريش وبين المسلمين، فإن انتصرت قريش عاد إليها وإن لم تنتصر بقي هناك عند النجاشي، هذا موقف سلبي من عمرو بن العاص في ذلك الوقت، وسبحان الذي أعزه بعد ذلك بالإسلام.
المهم أن أصحابه وافقوه على هذا الرأي، وقالوا: إن هذا هو الرأي، قال: ثم قلت: فاجمعوا لنا ما نهديه له، وكان من أكثر ما يحبه النجاشي هو الجلود، ولذلك جمعوا له كمية كبيرة من الجلود وأخذوها وسافروا إلى النجاشي، وكما يقول عمرو بن العاص: فوالله إنا لعنده إذا جاءه عمرو بن أمية ﵁ الصحابي الجليل أرسله الرسول ﵊ إلى النجاشي ليأتي بـ جعفر بن أبي طالب وأصحابه بعد صلح الحديبية، فعندما رأى عمرو بن العاص عمرو بن أمية عند النجاشي فكّر في شيء، وهو أن يطلب قتل عمرو بن أمية، فإن قتله أصبحت له يد كبيرة عند قريش، فدخل عمرو بن العاص على النجاشي فقال له: أيها الملك! إني قد رأيت رجلًا خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا، فأعطنيه لأقتله، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا، لكن رد فعل النجاشي كان خارج تصورات عمرو بن العاص تمامًا، لقد غضب النجاشي غضبًا شديدًا، حتى قال عمرو بن العاص: لو انشقت لي الأرض لدخلت فيها فرقًا منه، ثم قلت له: أيها الملك! والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتك، وكان النجاشي قد أسلم وأخفى إسلامه، لكن وجد فرصة لأن يدعو عمرو بن العاص، فهو يخاف أن يدعو بدعوته في داخل الحبشة حتى لا يخلعه قومه من كرسيه، لكن عمرو بن العاص صاحبه وبينهما علاقة قديمة جدًا، فأراد أن يصل إليه بالخير الذي وصل إليه قبل ذلك، النجاشي، فقال النجاشي: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لقتله؟ ثم قال عمرو بن العاص: قلت: أيها الملك! أكذلك هو؟ قال: ويحك يا عمرو أطعني واتبعه، فإنه والله لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، وفجأة ألقى الله ﷿ في قلب عمرو بن العاص الإسلام.
وهذه تراكمات كثيرة، فهو منبهر كما ذكرنا قبل ذلك برسول الله ﷺ، منبهر بكامل حياة الرسول ﵊، لكن تنازعه نفسه ألا يؤمن؛ بسبب العادات والتقاليد، ومعاداة أبيه للرسول ﵊، فهذه أمور كثيرة جدًا كانت مانعة له عن الإسراع إلى الإسلام، لكن فجأة اكتشف الحق أمام عينيه، فقال للنجاشي: أفتبايعني له على الإسلام؟ قال النجاشي: نعم، فبسط يده فبايعته على الإسلام، أي: أن إسلام عمرو ب
[ ٣٥ / ١٤ ]
كيفية إسلام عثمان بن طلحة
بعد أن تحدثنا عن عمرو بن العاص وعن خالد بن الوليد سنتحدث عن عثمان بن طلحة، فـ عثمان بن طلحة ﵁ وأرضاه من بني عبد الدار حامل مفتاح الكعبة، وإسلام عثمان بن طلحة يعتبر إضافة سياسية في منتهى القوة للدولة الإسلامية؛ فهؤلاء هم عمالقة مكة بالفعل، وعظماء مكة: خالد بن الوليد بن المغيرة، وعمرو بن العاص بن وائل، وعثمان بن طلحة العبدري ﵃ أجمعين، هؤلاء الثلاثة من أعظم الفرسان في تاريخ مكة جميعًا، فكان هذا هو الحدث الهائل الذي حدث في صفر سنة ثمان، وهو من أعظم آثار الحديبية وعمرة القضاء مطلقًا، وآثار هذا الحدث ما زلنا نجنيها إلى هذه اللحظة، وسنظل نجني في هذه الآثار إلى يوم القيامة، فهذا الحدث هائل لن تدركوا عظمته إلا بدراسة الفتوح الإسلامية، ورؤية الآثار العظيمة التي تركها هؤلاء العمالقة ﵃ وأرضاهم للإسلام والمسلمين.
في الدرس القادم -إن شاء الله- سوف نتعرف على بداية إسلام هؤلاء العمالقة الثلاثة، وما هو دورهم الفعّال المباشر في خط سير الدولة الإسلامية؟ وما هي أعظم المهمات التي قام بها كل من هؤلاء الثلاثة في تاريخ الإسلام وفي تاريخ الدولة الإسلامية؟ نسأل الله ﷿ أن يفقهنا في سننه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤].
وجزاكم الله خيرًا كثيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٣٥ / ١٥ ]