بعد التأمل الدقيق لما حصل في معركة مؤتة يجد المؤمن مدى معية الله ﷿ لعباده المؤمنين، ففي هذه المعركة غير المتكافئة يواجه ثلاثة آلاف من المسلمين مائتي ألف من الرومان ومن نصارى العرب، ومع ذلك يكون النصر حليف المسلمين، وهذا يدلنا دلالة واضحة على أن الله ﷿ ناصر دينه وعباده الصالحين، وأن النصر لا يخضع للقوة المادية، فعلى المجاهدين أن يبذلوا جهدهم ويصدقوا مع ربهم وسيكون النصر حليفهم.
[ ٣٦ / ١ ]
إرهاصات غزوة مؤتة
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس الثامن من دروس السيرة النبوية: العهد المدني فترة الفتح والتمكين.
وضح لنا في الدرس السابق أن الدولة الإسلامية في العام السابع من الهجرة كانت تسير من ارتفاع إلى ارتفاع، ومن مجد إلى مجد، فمن فتح خيبر إلى انتصارات متتالية على غطفان، إلى عمرة القضاء بكل أبعادها السياسية والدعوية، إلى إسلام أبطال مكة الثلاثة: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة ﵃ أجمعين.
هكذا كانت الدولة الإسلامية، وكان الوضع يسير في تقدم ملموس واضح لكل الناس، لكن هذا النمو المتزايد لفت أنظار الكثيرين ممن لم تكن لهم علاقة مباشرة بالدولة الإسلامية، فأحسوا بخطر قيام هذه الدولة الفتية في المدينة المنورة، ومن ثم بدءوا في التحرش بالدولة الإسلامية، وتفاقم الأمر حتى وصل إلى إراقة دماء مسلمة.
هذه المشاكل في مجموعها كانت تأتي من شمال الجزيرة العربية، وشمال الجزيرة العربية كان موطنًا لعدة قبائل كبرى من قبائل العرب، ومن أشهر هذه القبائل: لخم، وجذام، وبلقين، وبهراء، وبلى، وغسان، وقضاعة، وغيرها من القبائل، وكان الكثير من هذه القبائل يدين بالنصرانية، ويوالي الدولة الرومانية القريبة من هذه الأماكن، فالدولة الرومانية كانت تحتل بلاد الشام، ولها هيمنة على هذه المنطقة بكاملها، وزعماء هذه القبائل على عظمها كانوا عبارة عن مجرد عمال لـ هرقل على بلادهم، كعادة الدولة الصغرى في التعامل مع الدولة العالمية العملاقة.
ولما بدأت الدولة الإسلامية في الظهور، وبخاصة بعد غزوة الأحزاب، بدأت هذه المنطقة الشمالية في التحرش بالدولة الإسلامية.
عندما نقوم بمراجعة سريعة لتاريخ هذه المنطقة، نجد أن الأمور تتصاعد وتنذر بصدام كبير بين قبائل المنطقة الشمالية من الجزيرة العربية وبين الرسول ﵊ في خلال السنتين السابقتين سنة ست وسبع من الهجرة، وقد ذكرنا أنه في شهر جمادى الآخرة سنة ست اعترضت قبيلة جذام دحية الكلبي ﵁ وأرضاه، وأنهم سلبوه كل ما كان معه من هدايا موجهة لرسول الله ﷺ، وكان هذا سببًا في إرسال سرية زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه إلى منطقة حسمى، وتكلمنا عليها من قبل، وكانت سرية ضخمة عددها خمسمائة رجل، وهذه السرية هزت هذه المناطق وحققت نجاحًا كبيرًا للمسلمين.
وأيضًا مر بنا رد هرقل لفكرة الإسلام مع إيمانه الجازم بصدق الرسول ﷺ، إلا أنه ضن بملكه وآثر أن يكون ملكًا على أن يكون مؤمنًا.
وأيضًا مر بنا موقف الحارث بن أبي شمر زعيم دمشق، وعزم هذا الرجل على تجهيز الجيوش لغزو المدينة لولا أن هرقل منعه كما ذكرنا.
كانت هناك حوادث كثيرة تنبئ عن قرب الصدام بين المسلمين وبين هذه المنطقة الشمالية.
أيضًا كانت هناك أحداث جديدة، فقد قامت قبيلة قضاعة في ربيع الأول سنة ثمان باغتيال مجموعة من الصحابة ﵃ وأرضاهم وعددهم خمسة عشر رجلًا، وكان على رأسهم كعب بن عمير الأنصاري أو عمرو بن كعب الغفاري ﵃ أجمعين.
اعترضت قبيلة قضاعة طريقهم وقامت بقتلهم جميعًا إلا رجلًا واحدًا فقط، وهذه السرية التي خرجت للدعوة إلى الله ﷿ تعرف بسرية ذات أطلاح، وقد ذكرنا أن قبيلة قضاعة لم يكن لها علاقة سابقة بالمسلمين فاعتدت على مجموعة من رعايا الدولة الإسلامية.
ثم تفاقم الأمر جدًا عندما أرسل الرسول ﵊ رسالة إلى عظيم بصرى بالأردن يدعوه فيها إلى الإسلام، وحامل الرسالة كان الحارث بن عمير ﵁، وهو في الطريق اعترض طريقه شرحبيل بن عمرو الغساني، وهو عامل هرقل على منطقة البلقاء أيضًا في الأردن، وقيد الحارث بن عمير ثم ضرب عنقه.
وقتل الرسل جريمة شنيعة؛ لأن الأعراف كانت تقضي بعدم قتل الرسل، وكان هذا تجاوزًا خطيرًا جدًا من هذه القبائل، وكما ذكرنا أن معظم هذه القبائل كان يدين بالنصرانية ويتبع الدولة الرومانية.
بعد هذا الحدث زاد الأمر سوءًا، وبدأت الدولة الرومانية ونصارى الشام يتعقبون كل من أسلم ويقتلونه، حتى وصل الأمر إلى قتل والي معان في الأردن؛ لأنه كان قد أسلم، فقتلوه لإسلامه.
إزاء هذه الأوضاع المتردية كان لا بد للدولة الإسلامية من وقفة جادة للدفاع عن هيبة الدولة الإسلامية والثأر لكرامتها.
وقفة لتأمين حركة الدعاة المسلمين لهذه المناطق الشمالية من الجزيرة.
ووقفة لتأمين خط سير التجار المسل
[ ٣٦ / ٢ ]
الإجراءات التي اتخذها الرسول ﷺ بين يدي غزوة مؤتة
قام الرسول ﷺ بعدة خطوات مهمة لمواجهة قبائل الشمال المتحالفة مع الرومان: أولًا: كون أكبر جيش إسلامي خرج من المدينة حتى تلك اللحظة، وعدد هذا الجيش ثلاثة آلاف مقاتل، فهو أكبر رقم يحارب في التاريخ الإسلامي إلى تلك اللحظة.
ثانيًا: ولى على الجيش زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه، وزيد بن حارثة كان قد قضى فترة تدريبية هامة جدًا في السنة السادسة من الهجرة، فقد قاد خمس سرايا متتالية، وكان زيد بن حارثة قد جاء إلى هذه المنطقة قبل ذلك، جاء إلى شمال الجزيرة العربية في سرية حسمى سنة ست، وكانت من السرايا الضخمة الكبيرة، فهو أعلم بهذه المنطقة من غيره من الصحابة.
ثالثًا: لم يجعل الرسول ﷺ لهذه الغزوة أميرًا واحدًا، بل عين ثلاثة من الأمراء، إن قتل واحد تولى الآخر، فقال: (إن قتل زيد فـ جعفر بن أبي طالب، وإن قتل جعفر فـ عبد الله بن رواحة)، وواضح من هذه التولية المتتالية للأمراء أن الرسول ﵊ كان يتوقع حربًا ضروسًا في هذه المنطقة، حربًا يقتل فيها الأمراء الثلاثة، وهي المرة الأولى والأخيرة في حياته ﷺ التي يولي فيها ثلاثة من الأمراء على جيش واحد، ولعل ذلك كان بوحي من الله ﷿.
رابعًا: أخرج الرسول ﷺ مع الجيش البطل الإسلامي الفذ خالد بن الوليد ﵁، ولم يكن مر على إسلام خالد إلا ثلاثة أشهر فقط، ولعل حداثة إسلام خالد بن الوليد ﵁ هي التي منعت الرسول ﵊ من تولية خالد على ذلك الجيش؛ لأنه لا يعرف جنود المسلمين ولا يعرف طاقاتهم، كما أنه لم يختبر بعد مع الصف المؤمن، فهذه أول مهمة يختبر فيها خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه بعد أن أسلم.
ومهمة قيادة ثلاثة آلاف مسلم مهمة كبيرة، تحتاج إلى رجل له تاريخ مأمون مع المسلمين، وعمر خالد في الإسلام ثلاثة أشهر فقط، وعمره في الجاهلية أكثر من عشرين سنة، فلا بد من اختبار.
تجهز الجيش الإسلامي بهذه الصورة القوية، ومع أن المهمة صعبة والطريق طويلة جدًا، أكثر من ألف كيلو من المدينة المنورة، والطريق في صحراء قاحلة، والخروج كان في حر شديد؛ لأن خروج المسلمين كان في جمادى الأولى سنة ثمان وهذا يوافق أغسطس سنة (٦٢٩) م، يعني: في شدة الحر.
مع كل هذه المصاعب إلا أن معنويات الجيش الإسلامي كانت مرتفعة جدًا، وخاصة أن الرسول ﵊ خرج بنفسه لتوديع الجيش، واستمر يمشي معهم حتى بلغ ثنية الوداع.
[ ٣٦ / ٣ ]
مهمة الجيش الإسلامي الخارج إلى مؤتة
حرص الرسول ﵊ أن تكون مهمة هذا الجيش واضحة تمام الوضوح، فالمسافات بين المدينة وبين الأردن كبيرة جدًا، ولم تكن هناك فرصة للاستشارة أو أخذ الرأي، من أجل هذا حدد الرسول ﷺ مهمة الجيش في أمرين: الأمر الأول: دعوة هذه القبائل إلى الإسلام كما ذكرنا أكثر من مرة، إسلامهم أحب إلينا من أموالهم، أحب إلينا من غنائمهم، فكان دائمًا يقدم الدعوة ﷺ.
الأمر الثاني: قتال شرحبيل بن عمرو الغساني ومن عاونه؛ لأنهم قتلوا رسول رسول الله ﷺ الحارث بن عمير ﵁، ومع أن القتال كان لرد الهيبة والاعتبار، وانتقامًا لكرامة الدولة الإسلامية، وثأرًا للحارث بن عمير ﵁، وتأديبًا لـ شرحبيل بن عمرو وقومه، مع كل هذا إلا أن الرسول ﵊ حرص على ألا تخرج الحرب الإسلامية عن ضوابطها الشرعية، وحرص أن يلتزم المسلمون تمامًا بأخلاقهم حتى في أشد حروبهم.
هذه صورة رائعة حضارية من أرقى الصور في التاريخ، قال لهم ﷺ عند خروجهم من المدينة كما روى أبو داود عن أنس ﵁، قال لهم: (انطلقوا باسم الله وبالله، وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا، ولا صغيرًا، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين).
وفي رواية مسلم زاد: (ولا تمثلوا) أي: بالجثث بعد القتل.
هذه هي الحرب في الإسلام، صورة راقية جدًا تحتاج إلى تفصيل، لكن لا يتسع المجال لهذا الآن، لكن كل هذه النصائح وجهت لجيش خرج للانتقام لكرامة الأمة الإسلامية.
المهم في هذا المقام أن نذكر: أن هذا الجيش الإسلامي لم يكن خارجًا لحرب الدولة الرومانية؛ لأن إسلام الدولة الرومانية كان متوقعًا، أو على الأقل أن تبقى على الحياد؛ وذلك للاستقبال الطيب والحسن الذي قابل به هرقل دحية الكلبي ﵁، وللقناعة التي أظهرها هرقل برسول الله ﷺ، فكان من المتوقع أن تتغير قلوبهم للإسلام، وخاصة أنهم أهل كتاب، ومن النصارى، فالرسول ﷺ بعث هذا الجيش لحرب شرحبيل بن عمرو الغساني الذي قتل رسول رسول الله ﷺ، والجيش الإسلامي الذي خرج باتجاه شمال الجزيرة العربية يعتبر من الجيوش الكبيرة في عرف ذلك الزمن، وخاصة أن القبائل العربية لم يكن من عادتها أن تتوحد في حروبها، وليس من المتوقع أن يلقى هذا الجيش الإسلامي جيوشًا أكبر منه بكثير، وهذه الخلفية لا بد أن نضعها في أذهاننا قبل أن نحلل موقعة مؤتة، حتى نعلم أن هذا الجيش لم يلق به إلى التهلكة أبدًا، إنما كان بحسابات ذلك العصر من الجيوش القوية الضخمة.
وأيضًا من الخلفيات المهمة جدًا لهذا الجيش: أنه كان جيشًا أخرويًا بمعنى الكلمة، يعني: أن هذا الجيش بكامله كان من المؤمنين الصادقين الراغبين حقيقة في الموت في سبيل الله، المشتاقين حقيقة للشهادة في سبيل الله، الطامعين في الجنة، الخائفين من النار، كان جيشًا رائعًا بمعنى الكلمة.
عبر عن ذلك أحد أفراد هذا الجيش عبد الله بن رواحة ﵁، لما خرج الجيش من المدينة المنورة بكى هذا القائد الجليل ﵁ بكاءً شديدًا، فظن الناس أنه خائف من الموت، فقالوا له: ما يبكيك يا ابن رواحة؟ فقال: والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار.
يعني: أنا لست خائفًا من الموت، ولا خائفًا من البعد عنكم، لكن أنا خائف أن يكون مصيري النار، يقول: ولكني سمعت سمع الرسول ﵊ يقرأ قول الله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]، يقول عبد الله بن رواحة: فلست أدري كيف لي بالصدور بعد الورود.
هذا يعبر عن مدى خشية وتقوى عبد الله بن رواحة ﵁ وأرضاه، مع جهاده وبذله بداية من بيعة العقبة الثانية، فقد كان من الخزرج في بيعة العقبة الثانية، ومرورًا بكل المشاهد مع الرسول ﵊، فكان من أهل بدر، ومن الثابتين في أحد، ومن أهل الأحزاب، ومن أهل بيعة الرضوان، وهو من الذين عاشوا حياتهم يجاهدون بالسنان واللسان، فسيفه مرفوع في كل المعارك، ولسانه ينزل بالقوارع الشعرية على رءوس أعداء الإسلام، ورأينا قبل هذا أنه كان يقول الشعر بين يدي الرسول ﵊ في عمرة القضاء في داخل الحرم، فتاريخه طويل جدًا، وتاريخه مجيد فعلًا، ومع ذلك يخشى أن يسقط في النار إذا مر على الصراط.
فسماعه لهذه الآية العظيمة دفعه إلى أن يقول هذه الكلمة الإيمانية العظيمة: لست أدري كيف لي بالصدور
[ ٣٦ / ٤ ]
كثرة عدد الجيش الروماني ومن معه وموقف الجيش الإسلامي من ذلك
وصل الجيش الإسلامي الكبير إلى منطقة معان بالأردن في رحلة طويلة شاقة، ووصل هناك في جمادى الأولى سنة ثمان، وعند وصول الجيش الإسلامي وجد هناك في انتظاره مفاجأة غير متوقعة، وجد أن الدولة الرومانية قد ألقت بثقلها في هذا الصراع، فقد أعدت جيشًا هائلًا عدده مائة ألف مقاتل، وأعد العرب النصارى الموالين للرومان مائة ألف مقاتل أيضًا، فصار مجموع جيوش العدو مائتي ألف مقاتل، هذا رقم مهول لا يتصور، وخاصة أن الجيش الإسلامي ثلاثة آلاف مقاتل فقط، فماذا سيفعل أمام كل هذه الجيوش الجرارة؟ وتجمع الرومان بهذه الأعداد الهائلة أمر عجيب حقًا، ليس العجيب في أن الرومان كثرة، نحن تعودنا على هذه الأرقام في حروب الرومان، لكن العجب أن يجمع الرومان هذا العدد المهول لحرب ثلاثة آلاف مقاتل فقط.
ومن الممكن أنهم لم يدركوا عدد المسلمين فأعدوا عددًا يكافئ أي إعداد للمسلمين.
أو أنهم أدركوا فعلًا عدد المسلمين وأرادوا استئصال المسلمين تمامًا؛ حتى لا تقوم لهم قائمة، لا مجرد هزيمة، بل استئصال.
أو لكون هرقل يدرك أنه يحارب نبيًا فأراد أن يعد قوة خارقة لعله يهزم هذا الجيش المؤمن.
المهم أن الدولة الرومانية جهزت مائة ألف واستعانت بمائة ألف من العرب النصارى؛ لتحارب ثلاثة آلاف مقاتل مسلم، وإذا كان هذا التجمع غريبًا من الرومان فهو كذلك أيضًا غريب من العرب؛ لأن العرب لم يكن من عادتهم التجمع والاتحاد، بل كان يحارب بعضهم بعضًا، لم تجمعهم قضية مطلقة من قبل ومع ذلك جمعوا مائة ألف في موقعة واحدة.
هذا الموقف له تفسير واحد، وهذا التفسير هو إشارة هرقل لهم بالنهوض معهم؛ لأن الكثير من القبائل والدول العربية لا تتحرك عند داعي القتال إلا إذا أخذت إذنًا من القائد الأعظم للدولة الأولى في العالم، عندها يهب الجميع لتنفيذ الأمر كأنهم إلى نصب يوفضون.
لقد تجمع في أرض معان مائتا ألف مقاتل غالبهم من النصارى سواء من الرومان أو من العرب ينتظرون قدوم الجيش الإسلامي من المدينة المنورة، وإزاء هذا الوضع الخطير عقد المسلمون مجلسًا استشاريًا، مثل عادتهم دائمًا، وبدءوا في تبادل الرأي، وخرجوا بثلاثة آراء: الرأي الأول: أن يرسل المسلمون رسالة إلى الرسول ﵊ في المدينة المنورة يخبرونه بأن الأعداد ضخمة وهائلة، إما أن يمدهم بمدد، وإما أن يأمرهم بقتال، أو يأمرهم بانسحاب، لكن هذا الرأي لم يكن واقعيًا؛ لأن المسافة بين معان وبين المدينة لا تقطع إلا في أسبوعين على الأقل ذهابًا فقط، معنى هذا: أن الجيش سينتظر شهرًا كاملًا قبل أخذ القرار، وهذا مستحيل، وإن قبل المسلمون بذلك لم تقبل قوات التحالف الرومانية العربية.
الرأي الثاني: أن زيد بن حارثة ﵁ قائد الجيوش ينسحب بالجيش ولا يدخل في أي قتال، وقال أصحاب هذا الرأي لـ زيد بن حارثة: قد وطئت البلاد وأخفت أهلها فانصرف، فإنه لا يعدل العافية شيء.
فأصحاب هذا الفريق يرون أن هذه الحرب مهلكة ولا داعي لدخولها.
الرأي الثالث: الدخول في المعركة دون تردد، ومواجهة هذه الأعداد المهولة في الحرب الفاصلة.
وكان صاحب هذا الرأي عبد الله بن رواحة ﵁ وأرضاه، فقد قام وقال في منتهى الوضوح: يا قوم! والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة.
يعني: ما تخافون منه الموت وهو الذي نريده، وهو الذي خرجنا من أجله.
قال: إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور، وإما شهادة.
كان كلامه في منتهى الوضوح، فقد لخص في كلمته القصيرة جدًا أساسيات الجهاد في سبيل الله، فالجيش المسلم المؤمن جيش يطلب الشهادة ويحرص عليها، والنصر لا يأتي بعدد ولا عدة، إنما يأتي من عند الله ﷿، وليس معنى هذا أن يترك المسلمون الإعداد، لا، ولكن يجب أن يفعلوا ما عليهم والله ﷿ بعد ذلك ينصرهم، وفعلًا قام المسلمون وأعدوا ما عليهم في حدود الطاقة، أعدوا جيشًا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، وهذا شيء كبير جدًا بالنسبة لهم.
ونستنبط من كلام عبد الله بن رواحة أن العدة الرئيسة للمسلمين في القتال هي دين الإسلام، قال: وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به.
وأيضًا نأخذ من كلامه أن المعركة عند المسلمين لا تخلو من أمرين: إما نصر وإما شهادة، أما الرضا بالهزيمة فليس اقتراحًا مطروحًا عند المسلمين، بل هو مرفوض.
ولما قال عبد الله بن رواحة هذه الكلمات قال الناس جميعًا: صدق -والله- ابن رواحة.
يعني: اجتمعوا جميعًا على قرار القتال، ولنا مع هذا القرار وقفة.
لا شك أن إقدام الصحابة ﵃ على هذا الأمر بهذه الصورة الجماعية لهو خير دليل على أنهم طلاب آخرة وليسوا طلاب دنيا، وأن الصدق والإخلاص والتجرد يملأ قلوبهم جميعًا، وأن شجاعتهم بالغة، وأن قوتهم
[ ٣٦ / ٥ ]
احتمالات انتهاء المسلمين إلى خوض غمار الحرب
يرى المسلمون أن القتال أمر ممكن، وأن النصر أمر محتمل، وأن الوسيلة واقعية جدًا لمجابهة الظرف الصعب الذي وضعوا فيه، لكن كيف يكون أمرًا واقعيًا أن يلتقي ثلاثة آلاف بمائتي ألف؟ تفسير هذا الكلام عندي بثلاث احتمالات: الاحتمال الأول: أن المسلمين لم يحصروا أعداد المقاتلين الرومان والعرب حصرًا دقيقًا، وإنما قدروهم مثلًا بخمسة أو عشرة أضعافهم أو أكثر من ذلك بقليل أو أقل من ذلك، فوجدوا أن القتال مع صعوبته ممكن مع هذه الأعداد، وكل معارك المسلمين السابقة كانت بأعداد أقل بكثير من أعداد المشركين، يقول الله ﷿ في كتابه: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩].
وذكر ﷾ أيضًا في سورة الأنفال: أن الجيش المؤمن قادر على مواجهة عشرة أضعافه إن كان قوي الإيمان حقًا، قال ﷾: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال:٦٥].
نعم نزل التخفيف بعد ذلك وجعل المسلم باثنين من الكفار، لكن من الممكن أن يصل المسلم الواحد إلى عشرة من الكفار، بل قد يزيد على ذلك ويصبح الرجل بألف من الكفار، كما قال الصديق ﵁ في حق القعقاع بن عمرو التميمي ﵁، وفي حق عياض بن غنم ﵁، وكما قال عمر بن الخطاب في حق عبادة بن الصامت والزبير بن العوام ومسلمة بن مخلد والمقداد بن عمرو قال: إن الواحد منهم بألف.
وهذا الجيش الإسلامي في مؤتة من المؤمنين الصادقين، والواحد فيهم يوزن بعشرات بل مئات من الكافرين، من أجل ذلك كان قرار الحرب مقبولًا عند المسلمين، وخاصة أنه من المحتمل أنهم قدروا أعداد النصارى بعشرين أو ثلاثين ألفًا فقط، وليس أكثر من ذلك، وهذا أمر محتمل؛ لأن تقدير هذه الأرقام المهولة قد يكون مستحيلًا في هذه الظروف، وخاصة أنهم في أرض مجهولة للمسلمين لا يعرفون خباياها ولا كمائنها ولا طرقها ولا غير ذلك.
إذًا: هذا احتمال، هو أنهم قدروا أعداد الرومان والعرب بأقل من عددها الحقيقي.
الاحتمال الثاني: قد تكون هناك مبالغة في أعداد الرومان والعرب، وإنما هم أقل مما ذكر من الأرقام المهولة التي ذكرت في الكتب، يعني: لم يصلوا مائتي ألف، لكن لا شك أنهم كانوا أضعاف أضعاف المسلمين.
الاحتمال الثالث وهو مهم جدًا: هو أن قادة المسلمين وجدوا أن الانسحاب لن ينجيهم من جيوش التحالف الرومانية العربية، وأنه إن بدأ الجيش الإسلامي في الفرار فقد يحاصر من كل الجهات، وفي هذه الحالة ستكون المعركة عبارة عن مجزرة حقيقية للجيش الإسلامي بكامله، فكان الأفضل الثبات والمقاومة؛ لأن هذا سيعطي دفعة نفسية إيجابية للجيش المسلم في أن يهاجم ويخطط لهزيمة الآخرين بدلًا من أن يفكر في الهرب والدفاع فقط، والعكس سيكون بالنسبة لقوات التحالف الرومانية العربية، فهذه القوات قد تهتز من رؤية أناس يطلبون الموت.
وقد يكون الانسحاب في معركة من هذا القبيل نجاة للطرف المسلم، ويؤيد هذا الكلام أن الانسحاب مشروع، ذكره ﷾ في كتابه بوضوح كما في سورة الأنفال، قال الله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:١٦].
في هذه الآية حدد ربنا ﷾ سببين للانسحاب لا يأثم المسلم فيهما: الأول: أن ينسحب بخطة حربية ليعاود الحرب من جديد.
الثاني: أن تعود فرقة من الجيش إلى جيشها؛ لكي تستعد بصورة أكبر للقتال، ثم تعاود القتال من جديد، وفئة المسلمين في هذه المعركة كانت في المدينة المنورة، فانسحاب الجيش الإسلامي سواء إلى الأردن أو إلى الجزيرة العربية، أو حتى عودته إلى المدينة المنورة ليس فيه خطأ شرعي، ولذلك كان أخذ الصحابة بهذا الرأي أمرًا ممكنًا إن وجدوا أنه يفيد المسلمين.
وعلى العكس؛ ليس من المقبول شرعًا أن يدخل المسلمون في معركة وهم يعلمون أنهم جميعًا سيستشهدون ويفنى الجيش الإسلامي بكامله، لأن هذا يعد تهورًا وليس إقدامًا، ومن هنا نقول: إن الجيش الإسلامي وجد أنه لا أمل في الانسحاب ولا نجاة في الفرار، وأنه يجب عليهم أن يواجهوا هذا الظرف برجولة؛ لكي يخرجوا منه على الأقل بأقل خسائر ممكنة، ومن ثم كان قرار الحرب وعدم الانسحاب.
كذلك نضيف أن سمعة الدولة الإسلامية كانت ولا شك ستتأثر سلبًا إذا انسحب الجيش الإسلامي من المعركة، بعد أن قطع كل هذا الطريق الطويل مسافة (١٠٠٠) كيلو، ومن ثم كان قرار الحرب حافظًا لكرامة الدولة الإسلامية.
إذًا: أخذ المسلمون قرار الحرب بشورى أو قل بإجماع، وانطلقوا ليختاروا م
[ ٣٦ / ٦ ]
مزايا وخصائص اختيار مكان معركة مؤتة
مكان معركة مؤتة عبارة عن سهل منبسط ليس فيه جبال ولا عوائق طبيعية من مياه أو أشجار أو أي شيء، وفيه من المزايا ما ييسر على المسلمين عملية القتال.
أولًا: كونه سهلًا منبسطًا يحرم الفريقين من المناورة ومن وضع الكمائن.
يعني: لو أتيح للرومان فعل الكمائن والمناورات لكان هذا الفعل مصيبة بالنسبة للجيش الإسلامي.
ثانيًا: أنه عبارة عن أرض صحراوية، والعرب قد اعتادوا على القتال في الأرض الصحراوية، بخلاف الجيوش الرومانية التي اعتادت على القتال في الأراضي الخضراء في الشام وفي تركيا وفي الأراضي الكثيرة الأشجار.
ثالثًا: السهل مفتوح من جنوبه على الصحراء الواسعة، فالرومان لا تجرؤ على التوغل في هذه الصحراء، وبهذا يقدر الجيش الإسلامي أن ينسحب إذا أراد الانسحاب.
رابعًا: في جنوب السهل خلف الجيش الإسلامي بعض التلال، فمن الممكن أن تستغل هذه التلال في إخفاء الجيش الإسلامي وراءها إذا أراد الانسحاب ليلًا.
خامسًا: هذا السهل ليست به أي عوائق طبيعية كما ذكرت، ليس هناك أي نوع من الحماية للجندي إلا أن يحتمي وراء سيفه ودرعه، ومن ثم في هذا المكان المفتوح سيظهر أثر الشجاعة والإقدام والتجرد، وهذا الجانب بلا شك يتفوق فيه الجانب الإسلامي تمامًا.
الجنود في الجيش الإسلامي يقاتلون على قضية هامة، وعندهم هدف سام جدًا، فهم يبحثون عن الموت في سبيل الله، بينما يفتقد جيش الرومان هذا الهدف، فجنود الرومان كالقطيع من الحيوانات لا يدري لماذا يقاتل، ولا يدري ماذا يجني من وراء القتال، وإنما إذا جاء الأمر من القيادة العليا بالقتال فليس عليهم إلا التنفيذ، وإن كان هناك نصر فالذي سيحتفل بالنصر والذي سيسعد به هم القادة والقيصر، وإن كان هناك هزيمة فالجنود هم الذين سيدفعون الثمن من أرواحهم وأبدانهم.
هذا كان شأن الجيوش الرومانية وهو شأن كل الجيوش العلمانية في العالم اليوم.
أما العرب النصارى المشاركون في المعركة فلم يشاركوا فيها إلا طاعة لـ هرقل لا حبًا في القتال، ولا يرغبون في ثواب ولا جنة، منتهى أحلامهم أن يرضى عنهم هرقل، وشتان بين من يبحث عن رضا هرقل وبين من يبحث عن رضا رب العالمين ﷾، بين من يقاتل ليعيش، وبين من يقاتل ليموت.
إن اختيار الأرض المنبسطة بهذه الصورة ستجعل اليد العليا للشجاع على الجبان، وللمقدم على المدبر، وهذا كله في صالح المسلمين، واقتربت ساعة الصفر.
[ ٣٦ / ٧ ]
معركة مؤتة
هي بحق أشرس موقعة في السيرة النبوية، أمواج بشرية هائلة من الرومان ونصارى العرب تنساق إلى أرض مؤتة، ورجال كالجبال من المسلمين يقفون ثابتين في واجهة أقوى قوة في العالم آنذاك، وارتفعت صيحات التكبير من المسلمين.
وحمل الراية زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه، وأعطى إشارة البدء لأصحابه واندفع كالسهم ﵁ وأرضاه صوب الجيوش الرومانية، ولم يشهد المسلمون قتالًا مثله قبل ذلك، وارتفع الغبار في أرض المعركة في ثوان معدودات، ولم يعد أحد يسمع إلا أصوات السيوف أو صرخات الألم، لا يتخلل ذلك من الأصوات إلا صيحات تكبير المسلمين، أو بعض الأبيات الشعرية الحماسية التي تدفع المسلمين دفعًا إلى بذل الروح والدماء في سبيل إعلاء كلمة المسلمين، وسالت الدماء غزيرة في أرض مؤتة، وتناثرت الأشلاء في كل مكان، ورأى الجميع الموت مرارًا ومرارًا، كانت فعلًا ملحمة بكل المقاييس، وسقط أول شهداء المسلمين البطل الإسلامي العظيم والقائد المجاهد زيد بن حارثة ﵁ حب رسول الله ﷺ، سقط مقبلًا غير مدبر بعد رحلة جهاد طويلة جدًا، بدأت مع أول أيام نزول الوحي، فهو من أوائل من أسلم على وجه الأرض، وصحب الرسول ﵊ في كل المواطن، وكان هو الوحيد الذي ذهب معه إلى الطائف، والله كأني أراه وهو يدافع بكل ما أوتي من قوة عن حبيبه ﷺ، حتى شج رأسه وسالت دماؤه غزيرة ﵁ وأرضاه، هجرة وجهاد ودعوة وعبادة وقيادة وتجرد.
رأيناه في العام السادس من الهجرة يقود السرايا تلو السرايا في جرأة عجيبة وثبات ناجح، وكأنه يعد لهذا اليوم العظيم، يوم أن يلقى ربه شهيدًا مقبلًا غير مدبر، فهذه أسعد لحظة مرت عليه منذ خلق.
وحمل الراية بطل جديد، إنه جعفر بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، وهذا البطل الشاب المجاهد كان عمره أربعين سنة، وكان قد قضى معظم هذه السنوات في الإسلام، أسلم في أوائل أيام الدعوة، وقضى ما يقرب من خمس عشرة سنة في بلاد الحبشة مهاجرًا بأمر الرسول ﵊، ورجع من الحبشة إلى المدينة المنورة في محرم سنة سبع، وعند وصوله وجد أن النبي ﷺ توجه إلى خيبر فخرج من فوره إلى خيبر ليجاهد مع رسول الله ﷺ.
إنها رغبة حقيقية صادقة في البذل والتضحية.
لقد حمل الراية بعد سقوط أخيه في الإسلام زيد بن حارثة، وقاتل ﵁ قتالًا لم ير مثله، وأكثر الطعن في الرومان، ثم تكالبوا عليه، وكان يحمل راية المسلمين كما ذكرنا، فقطعوا يمينه ﵁ وأرضاه فحمل الراية بشماله لكي لا تسقط، فقطعوا شماله ﵁، فاحتضنها بعضديه قبل أن يسقط شهيدًا ﵁ وأرضاه، ليأخذ الراية من بعده بطل ثالث ألا وهو عبد الله بن رواحة ﵁ وأرضاه.
يقول عبد الله بن عمر ﵄ كما جاء في البخاري: وقفت على جعفر يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين ما بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره، أي: ليس منها شيء في ظهره.
فهو لم يفر ولو للحظة واحدة ﵁ وأرضاه، بل من أرض المعركة إلى الجنة مباشرة، لا يسير فيها بل يطير.
روى الحاكم والطبراني بإسناد جيد عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (رأيت جعفر بن أبي طالب ملكًا في الجنة، مضرجة قوادمه بالدماء، يطير في الجنة).
وروى البخاري أيضًا: أن عبد الله بن عمر ﵄ كان إذا حيا ابن جعفر ﵁ قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين.
﵁ وأرضاه، فربنا ﷾ أبدل جعفر بن أبي طالب جناحًا بدلًا من يديه اللتين قطعتا في سبيل الله ﷿.
إنها حياة جهادية طويلة جدًا والمكافأة الجنة.
ثم حمل الراية عبد الله بن رواحة الخزرجي الأنصاري ﵁ وأرضاه المجاهد الشاب الذي شارك في كل الغزوات السابقة، وجاهد -كما ذكرنا- بسيفه وبلسانه، وهو الذي كان يحمس المسلمين لأخذ قرار الحرب، وهو الذي كان يتمنى ألا يعود إلى المدينة، بل يقتل شهيدًا في أرض الشام، حمل الراية وقاتل قتالًا عظيمًا مجيدًا حتى قتل ﵁ وأرضاه.
ما تردد أبدًا كما أشيع عنه ﵁، وكيف يتردد من يدفع الناس دفعًا للقتال، كيف يتردد من يحمس الناس على طلب الشهادة؟ كيف يتردد من يثق به رسول الله ﷺ فيجعله على قيادة هذا الجيش الكبير؟ كيف يتردد من شهد له ﷺ أنه شهيد، ومن دعا له ﷺ قبل ذلك بالثبات؟ وهذا التردد الذي أشيع عنه لم يتفق عليه عامة أهل السير، لم ينقله الكثير من كتاب السيرة، لم ينقله موسى بن عقبة في مغازيه، ولم ينقله ا
[ ٣٦ / ٨ ]
خطة خالد بن الوليد في تدبير أمر الجيش في معركة مؤتة
بدأ خالد بن الوليد بتنفيذ خطة بارعة عبقرية للوصول بالجيش إلى بر الأمان، وهذه الخطة لها هدف واضح، الهدف هو إشعار الرومان أن هناك مددًا كبيرًا قد جاء للمسلمين؛ حتى يدخل جنود الرومان والعرب المتحالفين معهم الإحباط والخوف والذعر، فهم بصعوبة بالغة صمدوا أمام ثلاثة آلاف مجاهد في اليوم الأول، فكيف إذا جاءهم مدد؟ فماذا عمل خالد بن الوليد حتى يخيف ويرهب الجيش الروماني العربي الذي أمامه؟ أولًا: جعل الخيل أثناء الليل تجري في أرض المعركة، لتثير الغبار الكثير، فيخيل للرومان أن هناك مددًا قد جاء للمسلمين في الليل.
ثانيًا: غير من ترتيب الجيش، فجعل الميمنة ميسرة والميسرة ميمنة، وجعل المقدمة مؤخرة والمؤخرة مقدمة، فلما رأى الرومان هذه الأمور في الصباح، رأوا الرايات والوجوه والهيئة قد تغيرت أيقنوا أن هناك مددًا قد جاء للمسلمين فهبطت معنوياتهم تمامًا.
ثالثًا: جعل في آخر الجيش على بعد كثير من الجيش على أحد التلال مجموعة من الجنود المسلمين منتشرين على مساحة عريضة، ليس لهم دور إلا إثارة الغبار لإشعار الرومان بالمدد المستمر الذي يأتي المسلمين.
رابعًا: بدأ خالد بن الوليد في اليوم الثاني من المعركة يتراجع تدريجيًا بجيشه إلى عمق الصحراء، فظن الرومان أن خالد بن الوليد يسحبهم ويستدرجهم إلى كمين في الصحراء، فترددوا في متابعته، ووقفوا على أرض مؤتة يشاهدون انسحاب خالد دون أن يجرءوا على مهاجمته أو على متابعته.
وبالفعل نجح مراد خالد بن الوليد وسحب الجيش بكامله إلى عمق الصحراء، ثم بدأ الجيش في رحلة العودة إلى المدينة المنورة سالمًا.
[ ٣٦ / ٩ ]
أقوال العلماء في نتائج معركة مؤتة وبيان الراجح منها
لنا مع هذا الموقف وقفات: هل كانت موقعة مؤتة هزيمة للمسلمين أم كانت نصرًا للمسلمين؟ هل كانت مجرد انسحاب ناجح؛ لكونه أفضل النتائج التي يمكن أن نتوقعها في مثل هذه الظروف، أم أنها كانت نصرًا جليلًا للمسلمين وهزيمة منكرة للرومان؟ تباينت آراء المحللين القدامى والمحدثين حول هذه المعركة، تباينت تباينًا عظيمًا فعلًا، فمنهم من رأى أن المعركة كانت انتصارًا للمسلمين، وممن يرى هذا الرأي موسى بن عقبة والزهري والواقدي، ورجح ذلك البيهقي وابن كثير فهؤلاء جميعًا رأوا أن المسلمين انتصروا انتصارًا جليلًا في موقعة مؤتة.
ومن العلماء من عدها هزيمة منكرة للمسلمين كما أشار إلى ذلك ابن سعد في طبقاته.
ومنهم من قال: إن كل فئة قد انحازت عن الأخرى، يعني: هناك تعادل بين الكفتين، مال إلى هذا ابن إسحاق في سيرته، وابن القيم في زاد المعاد.
والحقيقة أني أميل وبشدة مع الرأي الأول القائل بأن هذا كان انتصارًا حقيقيًا للمسلمين، وعندي على هذا الكلام أدلة كثيرة: أولًا: ما جاء في البخاري عن أنس ﵁ يحكي عن معجزة من معجزات الرسول ﷺ وهو يخبر أصحابه عن نبأ أهل مؤتة قبل أن يعودوا إلى المدينة المنورة، قال ﷺ: (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب.
يقول أنس: وعيناه تذرفان) يعني: يبكي ﷺ على استشهاد الثلاثة، وكانوا جميعًا من أحب الناس إلى قلبه ﷺ.
ثم قال ﷺ: (حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليه)، وكلمة: (حتى فتح الله عليه) هذه لا تحتمل معاني كثيرة، وإنما تحمل معنى النصر والفتح والعلو، فالله ﷿ لا يفتح عليهم بمجرد الانسحاب، لكن الواضح أن المسلمين فتح الله عليهم بالنصر.
ثم قرر خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه أن ينسحب وأن يكتفي بهذا الانتصار دون محاولة متابعة الجيش الروماني؛ لأن خالد بن الوليد كان واقعيًا جدًا إلى أبعد درجة، فهو علم أنه لا يستطيع أن يتوغل في أرض الروم بهذا الجيش الإسلامي الصغير، فكان هذا فتحًا من الله ﷿ على المسلمين كما ذكر رسول الله ﷺ، ولو كان الرسول ﵊ يريد أن يذكر أنهم انسحبوا فقط دون انتصار لقال كلمة تدل على هذا المعنى، كأن يقول: حتى أنجاهم الله، أو نحو ذلك من الكلمات، وهو ﷺ أبلغ البشر وأوتي جوامع الكلام، ويستطيع أن يصف بكلمة واحدة الحدث تمامًا كما تم في أرض مؤتة: (حتى فتح الله عليه).
الدليل الثاني: روى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح، وكذلك النسائي والبيهقي عن أبي قتادة ﵁: (أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه قبل أن يعود أهل مؤتة إلى المدينة: ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؟ إنهم انطلقوا حتى لقوا العدو فأصيب زيد شهيدًا فاستغفروا له، فاستغفر له الناس، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فشد على القوم حتى قتل شهيدًا فاشهدوا له بالشهادة واستغفروا له، فاستغفر الناس له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى أصيب شهيدًا فاستغفروا له) هذه الرواية صحيحة تشهد لـ عبد الله بن رواحة بالثبات وتشهد له بالشهادة.
(فاستغفروا له، فاستغفر له الناس، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد فرفع رسول الله ﷺ إصبعيه وقال: اللهم هو سيف من سيوفك فانصره)، يقول عبد الرحمن بن مهدي أحد رواة الحديث وهو شيخ الإمام أحمد بن حنبل: فانتصر به.
هذا دعاء من الرسول ﵊ لسيف الله المسلول خالد وللجيش الإسلامي بالنصر، ودعاؤه ﷺ مستجاب، وهذا الحديث من معجزاته، فهو يخبر به عن الغيب، ومحال أن يتحقق خلاف ما ذكره ﷺ للصحابة، فهو ذكره على سبيل الحجة الدامغة لنبوته ﷺ والحجة الدائمة لإنبائه بالغيب، فحين يدعو فيه بالنصر فلا بد أن يحصل النصر، وهذا صريح في هذه الرواية وهي صحيحة.
الدليل الثالث: كم عدد شهداء المسلمين في هذه الموقعة الطاحنة؟ رقم لا يتصوره أحد مطلقًا، إنهم اثنا عشر شهيدًا فقط، منهم الأمراء الثلاثة، وفي حرب مع مائتي ألف ولم يقتل ويستشهد سوى اثني عشر رجلًا، دليل دامغ على انتصار المسلمين؛ لأن الجيش المهزوم مستحيل أن يقتل منه غير اثني عشر رجلًا فقط، بينما خسر الرومان أضعاف ذلك، ويكفي مَنْ قتلهم خالد بن الوليد
[ ٣٦ / ١٠ ]