تمثل الهجرة إلى الحبشة للمرة الثانية في تاريخ المسلمين جولة من جولات الصراع بين الحق والباطل بكل تفاصيلها، فلجوء أهل الإيمان للهجرة إلى مكان آمن، ولحاق أهل الباطل بهم وملاحقتهم لهم من نماذج ذلك الصراع الباقي ببقاء الإسلام والكفر.
[ ٩ / ١ ]
الهجرة الثانية إلى الحبشة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الدرس التاسع من دروس السيرة النبوية.
تحدثنا عن الهجرة إلى الحبشة، وكيف هاجر المسلمون، وكيف استقبلوا هناك، ولماذا اختار النبي ﷺ الحبشة دون غيرها، ثم عن عودة المسلمين إلى الحبشة عندما سمعوا بإشاعة مفادها أن مكة آمنت، ثم اكتشفوا بعد ذلك عدم دقة الخبر، فرجعوا مرة أخرى إلى الحبشة، واشتد التعذيب بأرض مكة للمؤمنين المستضعفين، فهنا أمر رسول الله ﷺ بالهجرة الثانية إلى الحبشة.
وكان هذا القرار -قرار الهجرة الثانية- أصعب بكثير من القرار الأول لأمور: أولًا: أن قريشًا أخذت حذرها، وأغلقت أبواب مكة، ووضعت الحراس على كل مخارجها ومداخلها، فأصبح الخروج صعبًا.
ثانيًا: أن العدد هذه المرة كبير، ففي أول مرة كانوا (١٤) رجلًا و(٣) نسوة، أما الآن فهم قرابة المائة من غير الأطفال والمتاع الذي أخذوه معهم، ولا ننسى أن مكة بلد صغير، فخروج هذا العدد منها يهزها.
ثالثًا: أن فيهم أسماء لامعة في الإسلام ستخرج من داخل بيوت زعماء مكة المشركين، يظهر هذا من قراءة أسماء المهاجرين إلى الحبشة في المرة الثانية، سنجد مثلًا السيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب زعيم زعماء مكة في ذلك الوقت.
وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة أيضًا كان زعيمًا كبيرًا من زعماء الكفر.
أما سهيل بن عمرو أحد كبار زعماء مكة، والذي كان يقوم بدور المفاوض في صلح الحديبية فقد خرج من بيته ثلاثة من أولاده: سهلة بنت سهيل بن عمرو، وأم كلثوم بنت سهيل بن عمرو، وعبد الله بن سهيل بن عمرو.
وهاجرت أيضًا فاطمة بنت صفوان بن أمية وصفوان بن أمية لم يؤمن إلا بعد فتح مكة.
وهاجر فراس بن النضر بن الحارث، والنضر بن الحارث هو الذي ذهب إلى فارس وعاد يحكي للناس حياة رستم وإسفنديار وحاول أن يبعد الناس عن دين الله ﷿ بكل طريقة ممكنة، ها قد خرج ابنه مهاجرًا مع المسلمين إلى الحبشة.
وهاجر هشام بن العاص بن وائل، والعاص بن وائل من أكابر المشركين، ومن الذين نزل القرآن يلعنهم: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم:٧٧]، وهشام بن العاص أخو عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه، لكن عمرو بن العاص في ذلك الوقت لم يكن قد آمن بعد.
إذًا: خروج هؤلاء وأمثالهم من داخل بيوت أولئك الزعماء سيحدث زلزلة في مكة ولا شك، وسيصاب كل زعيم في كبريائه وذكائه وحكمته وتقديره للأمور والأحداث.
في هذا الجو الصعب، وفي هذه الخلفية المعقدة، أصدر الرسول ﷺ القرار بالهجرة إلى الحبشة.
كان أمير المهاجرين هذه المرة جعفر بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، وبدأت عملية من أعقد عمليات المناورة بخطة محكمة؛ فقد درست المداخل والمخارج بعناية شديدة، وتعاون الجميع من الصغار والكبار والرجال والنساء لإنجاح هذه المهمة، وبفضل الله ﷾ نجحت العملية، وخرج من مكة مائة أو أكثر -على اختلاف الروايات- من الرجال والنساء والأطفال معهم المتاع والزاد، خرجوا إلى البحر الأحمر وركبوا السفن، واتجهوا إلى الحبشة، ولم ينجح الكفار في الإمساك بأي منهم! ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨].
تصوروا موقف الكفار في اليوم الثاني وقد وجدوا مكة المكرمة نقص منها مائة شخص، تخيلوا الفراغ الهائل الذي تركه هؤلاء الصالحون والصالحات وراءهم.
كان المسلمون في غزوة بدر (٣١٣)، معنى هذا أنه لا يوجد بيت في مكة إلا وخرج منه ابن أو أخ أو أخت.
بفضل الله وصل المؤمنون إلى الحبشة واستقبلهم النجاشي ﵀ خير استقبال، وكان كما قال عنه النبي ﷺ: (ملك لا يظلم عنده أحد)، كان استقباله على نفس المستوى من استقبال الوفد الأول الذي ذهب في هجرة الحبشة الأولى.
لكن هل قبلت قريش بالأمر الواقع، وفكرت في إنهاء الصراع الطويل بينها وبين المؤمنين؟
[ ٩ / ٢ ]
الهجرة الثانية إلى الحبشة وموقف قريش منها
قد يُعتقد بأن قريشًا ارتاحت لما خرج المؤمنون الخارجون على النظام في مكة، واستقرت الأوضاع بعد ذلك، لكن لا بد أن يحدث الصدام الذي هو سنة من سنن الله ﷿، حتى لو ترك المؤمنون البلد بالكلية: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧] أي: لا تزال قريش وراء المؤمنين في كل مكان في الأرض إلى أن ترجعهم عن الإسلام، فالهدف الأساسي لدى قريش هو تنازل المسلمين عن الدين.
[ ٩ / ٣ ]
وفد قريش إلى النجاشي
قررت قريش أن تتبع المسلمين في الحبشة، ولما كانت قريش لا تستطيع أن تهاجم الحبشة بجيش؛ لأنها مملكة قوية على مسافة بعيدة، بالإضافة إلى العلاقات الطيبة بين الحبشة ومكة، فبحثت قريش عن حل لا يدفع للقتال، فقررت أن ترسل وفدًا يطلب من ملك الحبشة أن يرد المسلمين إليها، يعني: لجأت إلى المفاوضات السياسية بينها وبين ملك الحبشة، والمهمة صعبة؛ لأن ملك الحبشة مشتهر بين الناس أنه لا يظلم عنده أحد، مما يجعل المهمة تحتاج إلى احتيال كبير، فحاولت قريش بكل طاقتها أن تنجح هذه المهمة، فاختارت على رأس الوفد اثنين من أمكر رجال قريش: عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة وهذان أسلما بعد ذلك، لكن إسلامهما كان متأخرًا.
كان عمرو بن العاص مشهورًا بالدهاء والمكر، ويستطيع بذكائه -بحسابات قريش- أن يتصرف مع ملك الحبشة، ليس هذا فحسب، بل هو صديق شخصي له، وفوق كل هذا فأخو عمرو بن العاص وهو هشام بن العاص كان ضمن المهاجرين إلى الحبشة، فالأمر بالنسبة لـ عمرو يعتبر قضية شخصية، وأيضًا مهمة رسمية، وأيضًا أخو عبد الله بن ربيعة عباس بن أبي ربيعة ﵄ كان من المهاجرين، فاختاروا هذين الرجلين ليقوما بهذه المهمة في منتهى الجدية، وأنفقوا كثيرًا على هذه السفارة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٣٦]، حملَّت قريش الوفد بالهدايا الثمينة وبالذات الجلود، وهذا نوع من الرشوة للملك ولرجال الحكم في الحبشة.
كان عمرو بن العاص في منتهى الذكاء، فلم يدخل على النجاشي مباشرة، إنما ذهب في البداية إلى البطارقة، وهم يمثلون كبار رجال الحكم والدين الموجودين تحت النجاشي في الحبشة، وحمَّلهم جميعًا بالهدايا العظيمة، وبهذا ضمن وقوفهم معه ضد المسلمين، وتأثيرهم على النجاشي.
[ ٩ / ٤ ]
لقاء عمرو بن العاص بالنجاشي وطلبه رد المسلمين إليه ورد النجاشي عليه
دخل عمرو على النجاشي، وكان اللقاء حارًا بين الصديقين، ليس هذا فقط، بل أتى له بالهدايا العظيمة وأعطاها له، وأصبح الجو مهيأ للكلام، فالكل أخذ الثمن، والابتسامات على الوجوه، والخطة جارية كما يريد.
كان عمرو شديد الذكاء، واختار كل كلمة بدقة شديدة، وأثرت كلماته مع أنها لم تستمر كثيرًا، قال: (أيها الملك! إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء).
وهذه سقطة من عمرو بن العاص وكذبة، فمعظم المهاجرين من الأشراف العقلاء، وليسوا من الغلمان السفهاء، ولكنه سهم يضرب به للتحقير من شأن المسلمين، وفي اعتقاده أن النجاشي لن يقدم كلام الغلمان السفهاء على كلام سفارة قريش الرسمية، كان هذا هو السهم الأول لـ عمرو.
أما السهم الثاني فقال فيه: (فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك).
يعني: لا هم يريدوننا ولا حتى أنت شخصيًا يريدونك، هكذا هم في تصوير عمرو بن العاص: لم يراعوا حق الأهل، ولا حق المستضيف لهم.
ثم قال في سهمه الثالث: (وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم؛ لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينًا).
يعني: أنا مرسل إليك من قبل أشراف ورؤساء وزعماء مكة، وهذه إشارة خفية بالتهديد بقطع العلاقات بين مكة والحبشة، ووقف كل المعاملات الاقتصادية والهدايا والجلود.
هذا أولًا.
ثم ثانيًا: هؤلاء الأشراف هم آباؤهم وأعمامهم، يعني: لهم حق الأبوة على هؤلاء، فـ عمرو بن العاص يحاول أن يستثير أخلاق النجاشي لرد هؤلاء الأولاد إلى آبائهم.
وثالثًا: يقول له: أنت ممكن أن تنخدع بحلاوة كلامهم، لكن الذين يعلمونهم حق العلم هم الذين عاشوا معهم فترة طويلة، كما قال عمرو بن العاص: فهم أعلى بهم عينًا.
أي: انتبه ولا تنخدع بكلامهم، فالذين عاشوا معهم ثلاثين وأربعين سنة يقولون لك بأنهم يكذبون ويخدعون، ويقولون كلامًا غير موافق للحقيقة.
إذًا: تكلم عمرو بن العاص بكلمة موجزة ذكية لا تخلو من أدب جم، وكان المطلوب فيها رد المسلمين إلى مكة.
بعدما انتهى عمرو بن العاص من كلامه، وقبل أن يتكلم النجاشي تدخل البطارقة والوزراء وكبار القوم وقالوا: صدقا أيها الملك -أي: عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة - فأسلمهم إليهما، فليرداهم إلى قومهم وبلادهم.
وهؤلاء البطارقة والوزراء قد أخذوا الرشوة، وكان عمرو بن العاص يشعر بسعادة كبيرة، فكل شيء يمشي كما خطط، وكان كل مراده أن يرجع النجاشي إليه المسلمين من غير أن يسمع كلامهم ولا حجتهم؛ لأن عمرًا يعرف أن كلام المسلمين جميل ومقنع، وأن معهم أسلحة لا يمكنه مواجهتها، وأهم هذه الأسلحة القرآن الكريم، لكن النجاشي ملك لا يظلم عنده أحد، وليس من العدل أن يحكم في قضية دون أن يستمع إلى الطرف الآخر.
هذه أبسط قواعد العدل في الحكم.
قال النجاشي ردًا على عمرو وردًا على البطارقة الموالين والمحبين لـ عمرو: لا والله لا أسلمهم إليهما، ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان -غلمان سفهاء خرجوا عن دين الآباء وفعلوا كذا وكذا- أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني.
ثم بعث للمسلمين الذين علموا بمجيء عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة لاستعادتهم.
اجتمع المسلمون في مجلس سريع للشورى، وقالوا: ما تقولون للنجاشي إذا جئتموه؟ قالوا: نقول: والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا كائنًا في ذلك ما هو كائن، ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس:٦٤].
كانت الرؤية واضحة تمامًا عند المسلمين بلا خوف أو قلق؛ لأن الخوف إنما يكون من ربنا وحسب.
هذا هو الشعور والإحساس الذي كان عند المسلمين، لا يوجد أي نوع من القلق؛ لأنهم سيقولون كلام ربنا سبحان وتعالى.
ثم اختاروا متحدثًا عنهم هو جعفر بن أبي طالب ﵁ لأمور: أولًا: أنه رئيس الوفد، ورئيس الوفد هو الممثل الرسمي للوفد، ومؤكد أنه التقى قبل ذلك بـ النجاشي، وألف الحوار معه.
ثانيًا: أنه خطيب مفوه يستطيع أن يوصل كلام المسلمين بأفضل صورة ممكنة.
ثالثًا: أنه من أشرف أشراف الوفد، هاشمي قرشي، وفي هذا رد على كلمة عمرو بن العاص: إنه قد ضوى إلى بلادك غلمان سفهاء.
[ ٩ / ٥ ]
اجتماع جمع المسلمين ووفد قريش ببلاط النجاشي
ذهب المسلمون للقاء النجاشي في اجتماع مهيب، كان النجاشي وسط الاجتماع ومن حوله الأساقفة والبطارقة والوزراء، وكبار رجال الدولة، وأمامهم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة ومن ورائهم الوفد القرشي الكافر، وجعفر بن أبي طالب ومن ورائه الوفد المسلم.
بدأ الاجتماع الكبير، وافتتح النجاشي هذا الاجتماع بسؤال للمسلمين في منتهى الوضوح والغرابة، قال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من هذه الأمم؟ الغريب في السؤال أن المسلمين ما قالوا للنجاشي أي شيء قبل ذلك عن دينهم، ولا هو سأل، ولم يتحمس المسلمون للقيام بواجب الدعوة في الحبشة؛ لأن الهدف المرحلي للمسلمين في هذه الفترة هو الحفاظ على الدين ممثلًا في المسلمين، ولأنهم يدركون مدى قوتهم البسيطة، ولم يريدوا أن يفتحوا عليهم جبهات جديدة داخل الحبشة، وآثروا أن يتكتموا أمرهم، ويحافظوا على سريتهم، ويهتموا بالدواعي الأمنية للوفد المسلم على حساب الناحية الدعوية في هذه المرحلة.
وهذا من فقه المرحلة.
فـ النجاشي ﵀ لم يسأل، واكتفى فقط بمجرد قول المسلمين بأنهم قد ظلموا في بلادهم فلجئوا إليه، أما كيف ظلموا؟ ولماذا؟ لم يسأل.
لكن الوضع في هذا الوقت تغير بالنسبة للنجاشي؛ لأنه ستحدث بينه وبين مكة مشكلة سياسية، ولابد من التحقيق فيها، كما أن الوضع تغير بالنسبة للمسلمين، ولا ينبغي لهم أن يسكتوا في هذا الوقت، فهم الآن يمثلون دين الإسلام، ولو قالوا كلامًا مغايرًا للحقيقة قد يفهم الإسلام بصورة خاطئة، نعم، من الممكن أن يسبب لهم التصريح بالإسلام مشكلة، لكن ليس أمامهم غير هذا، فماذا سيقول جعفر في كلمته أمام النجاشي والوزراء وعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة؟ قال كلمات وكأن الله ﷾ هو الذي وضعها على لسان جعفر ﵁ وأرضاه، وبالترتيب الذي قاله قسم جعفر المقالة إلى عدة مقاطع، كل مقطع له غرض معين، ورتبها ترتيبًا جميلًا.
المقطع الأول قال فيه: (أيها الملك! كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعف).
هذه أمور تأنف منها النفوس الكريمة، وفي هذا إشارة واضحة إلى أن عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة ما زالا على هذه الصورة الخبيثة، وهذه الجاهلية التي يتحدث عنها جعفر بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، ثم إن كل المشاكل التي عرضها جعفر في حال الجاهلية تتعلق بالظلم، إما الظلم مع النفس بعبادة الأصنام: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، أو مع الرحم بقطع الأرحام، أو مع الجار بالإساءة إليه، أو مع الضعيف بأكل حقه.
وتخيل أن هذه الصورة تعرض على ملك عادل لا يظلم عنده أحد.
ثم إن النجاشي شعر بالبشاعة التي عليها أهل مكة وعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة.
فكان هذا أول سهم أطلقه جعفر بن أبي طالب في مقتل لقريش.
المقطع الثاني: قال جعفر: (فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه)، يعني: الذي جاء بهذا الدين ليس رجلًا أفاكًا كذابًا يريد خداع الناس، إنما يشهد بصدقه وأمانته وعفافه؛ لأن الرسول ﷺ كان مشهورًا بذلك في مكة، ولا ننسى أن النصارى يؤمنون بالرسل بصفة عامة، والإنجيل والتوراة فيهما الحديث عن رسل كثيرين، فالحديث عن الرسل ليس بمستغرب لديهم.
فكان هذا هو السهم الثاني من سهام جعفر ﵁ وأرضاه.
المقطع الثالث: تكلم فيه عن الصورة المضادة للجاهلية، قال: (فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام إلخ.
تقول السيدة أم سلمة ﵂ راوية القصة: (فعدد عليه أمور الإسلام)، يعني: ذكر له أمورًا كثيرة من فضائل الإسلام.
أنا أريد منك أن تتخيل موقف النجاشي وهو يسمع هاتين الصورتين المتناقضتين، صورة الإسلام، وصورة الجاهلية، مع العلم أن جعفرًا لم يكذب، إنما الحقيقة أن الباطل بطبيعته قبيح مقيت، والإسلام بطبيعته جميل محبوب.
فكان هذا هو السهم الثالث من سهام جعفر ﵁ وأرضاه.
المقطع الرابع: قال جعفر: (فصدقنا
[ ٩ / ٦ ]
إسلام حمزة
وقع حدث مهم ما بين الهجرتين الأولى والثانية إلى الحبشة، كان سببًا في تغيير كبير في مسار الدعوة، وهو إسلام حمزة بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه، ثم إسلام عمر بن الخطاب ﵁ بعده بثلاثة أيام فقط، وذلك في أواخر السنة السادسة من النبوة ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦].
نبدأ بإسلام حمزة بن عبد المطلب ﵁؛ لأنه كان الأسبق: كان حمزة بن عبد المطلب فارسًا من فرسان قريش الأشداء، كان من أقواهم شكيمة ﵁ وأرضاه، وفي يوم من الأيام -وكان ما يزال كافرًا- خرج إلى الصيد، وفي هذا اليوم مر أبو جهل برسول الله ﷺ فوجده جالسًا وحيدًا عند الصفا، وكانت بعيدة قليلًا عن بيوت مكة، فتطاول على الرسول ﷺ بلسانه وسبه سبًا قبيحًا، والرسول ﷺ ساكت لم يرد عليه: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، وهذا ليس أي جاهل، بل هو أبو جهل نفسه، ولم يزده حلم رسول الله ﷺ إلا جهلًا، فأخذ حجرًا ورماه في رأس الرسول ﷺ، فسالت الدماء من رأسه! فذهب أبو جهل فرحًا بعمله، ويظن أنه لم يره أحد، لكن الله ﷿ الذي لا يغفل ولا ينام له تدبير عجيب، فقد سخر الله ﷿ مولاة لـ عبد الله بن جدعان رأت الذي دار بين رسول الله ﷺ وبين أبي جهل، فلما أتى حمزة بن عبد المطلب وقفت الجارية تقص عليه الحادث.
الجارية كافرة ومولاها كافر، والذي تحكي له كافر، لكن: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١].
قالت الجارية: يا أبا عمارة! لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد.
فأثارت الحمية في قلب حمزة ﵁، خصوصًا عندما زادت كلمة (ابن أخيك).
قالت: لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفًا من أبي الحكم بن هشام، وجده ها هنا جالسًا فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه محمد ولم يكلمه.
انصرف محمد ﷺ؛ لأنه لا يوجد أحد يدافع عنه، فقد كان الوحيد في أعمامه الذي يدافع عنه أبو طالب، لكن أين بقية الأعمام؟ أين أبو لهب؟ كان من أشد المحاربين له.
أين العباس وحمزة؟ لا يوجد أحد مشغول برسول الله ﷺ، لا يوجد أحد فيهم متذكر لـ عبد الله والد الرسول ﷺ، يا ترى لو كان حيًا هل سيكون الموقف مثل هذا؟ أين بنو هاشم؟ وأين بنو عبد مناف؟ أبو جهل زعيم بني مخزوم يضرب أشرف شرفاء بني هاشم على الإطلاق، بل أشرف إنسان في الأرض.
عندها تجمعت المشاعر في قلب حمزة مشاعر الحب لمحمد ﷺ، ولأبيه عبد الله الذي مات وترك محمدًا لهم، مشاعر القبلية الهاشمية القرشية الشريفة، مشاعر الغيظ من زعيم بني مخزوم، مشاعر النخوة والنصرة للمظلوم، مشاعر الإحراج أمام شباب وفرسان مكة، مشاعر كثيرة جعلت الدم يغلي في قلب حمزة.
ذهب حمزة مسرعًا إلى أبي جهل، فعرف أنه في المسجد الحرام، فأقبل نحوه لا يقوى أحد على معارضته، حتى وقف أمامه، ثم رفع قوسه وضرب رأس أبي جهل ضربة شجت رأسه وتفجر منها الدم، قصاص ضربة بضربة، ودماء بدماء، وإذا كان الرسول ﷺ ضرب بعيدًا عن الناس فقد ضربه بين الناس في المسجد الحرام، فضيحة بكل المقاييس.
هذا الرد في عرف الناس يشفي الغليل، لكن حمزة ما زال لم يشف غليله، ما زال يريد أن يغيظه أكثر، ولو قتله ستنشب حرب هائلة في مكة بين بني هاشم وبني مخزوم، ولكنه فكر في أشد ما يغيظ أبا جهل، إنه الدين الجديد الإسلام، فاندفع حمزة دون تفكير وقال: أتشتمه وأنا على دينه، أقول ما يقول، فرد علي ذلك إن استطعت، يريد أن يغيظه بكل طاقته، لم يفكر في عواقب هذه الكلمة الخطيرة، المهم في هذا الوقت أن أبا جهل يذل وسط الناس.
كان أبو جهل غارقًا في فضيحته، ولم يعد يعرف بم يفكر، وحمزة أمامه يقول بأنه قد أسلم، فقام رجال من بني مخزوم لينتصروا لـ أبي جهل، لكن أبا جهل كان يخشى من ذلك، فقال في ذلة شديدة: دعوا أبا عمارة، فإني والله قد سببت ابن أخيه سبًا قبيحًا.
جلس حمزة بعد هذا مع نفسه، أبهذه السهولة يدخل في دين الإسلام؟ أبهذه السهولة يقول في لحظة واحدة الكلمة التي رفض أن يقولها في سنوات مضت، يسمع فيها عن الإسلا
[ ٩ / ٧ ]