وهم من قبيلة جفنة وكانت (جلّق) - دمشق- عاصمتهم، ومن أشهرهم: الحارث بن جبلة، والمنذر بن جبلة، وجبلة بن الأيهم، وهو اخر ملوك الغساسنة، وفي عهده فتح المسلمون بلاد الشام، (وجبلة) هو صاحب القصة المشهورة مع سيدنا عمر بن الخطاب «٢»، وبسببها تنصّر بعد أن أسلم، ثم لحق ببلاد الروم.
وكان ملوك الحيرة، وغسان بوصفهم من سلالة يمنية يحتفظون في مظاهرهم وحضارتهم بالحضارة اليمنية. وأبرز مثال لذلك القصران الشهيران:
(الخورنق) و(السدير) .
على أن أهم دور قامت به هاتان المملكتان هو أنهما كانتا جسرا عبرت عليه
_________________
(١) سموا باسم بئر نزلوا عليه وهم خارجون من اليمن.
(٢) ذلك أنه وطىء إزاره وهو يطوف بالكعبة رجل مسلم، فلطمه جبلة لطمة شديدة، فذهب الرجل شاكيا إلى أمير المؤمنين عمر، فأراد أن يقصه منه، ففر ثم تنصر ولحق ببلاد الروم حتى مات.
[ ١ / ٦٨ ]
ألوان من حضارة الفرس والروم إلى شبه الجزيرة، وأهم هذه الألوان الحضارية هي: الدين، وضروب من المعازف، وأدوات اللهو، والقراءة، والكتابة، وبعض الألفاظ اللغوية، والفنون الحربية وغيرها.
الحالة الدينية عند العرب «١»
يكاد يتفق علماء الأديان على أن التدين غريزة في الإنسان، وقد عبر عن هذه الحقيقة معجم (لاروس) للقرن العشرين بقوله: «إن الغريزة الدينية مشتركة بين كل الأجناس البشرية حتى أشدها همجية، وأقربها إلى الحياة الحيوانية، وإن الاهتمام بالمعنى الإلهي، وبما فوق الطبيعة، هو إحدى النزعات العالمية الخالدة للإنسانية، وإن هذه الغرايز الدينية لا تخفى بل لا تضعف ولا تذبل»، وشرح (بارتلمي سانت هلير) نشأة التدين بقوله: «ما العالم؟
ما الإنسان؟ من أين جاا؟ من صنعهما؟ ما نهايتهما؟ وما الموت؟ وماذا بعد الموت؟ هذه الأسئلة لا توجد أمة، ولا شعب، ولا مجتمع إلا وضع لها حلولا جيدة، أو رديئة، مقبولة أو سخيفة، وهذا هو التدين» «٢» .
وقد اختلف علماء الأديان في تحقيق الظروف التي تنمّي غريزة التدين في النفس، فيرى بعضهم أنها تنمو حيث يصل الإنسان إلى مستوى من السمو الفكري، والوعي الثقافي، الذي يفكر فيه: كيف خلق؟ ومن خلقه؟ وإلى أين يصير؟
ويرى بعضهم أن غريزة التدين تنمو حيث يظهر اختلاف المظاهر الكونية، وحين يشتد إحساسه بالضعف أمام هذه المظاهر.
ويرى فريق ثالث: أنها تنمو تبعا للرخاء، وهدوء البال، فيجد فراغا من شغله، وهمومه، للبحث في الكون، وخالقه، ومدبره.
_________________
(١) حينما يتكلّم عن الدين كظاهرة من الظواهر البشرية يراد به ما هو أعمّ من أن يكون سماويا أو أرضيا، حقا أو باطلا.
(٢) «الدين»، ص ٧٥، ٧٦.
[ ١ / ٦٩ ]
والحق أن كلّا من هؤلاء نظر إلى المسألة من جانب خاص، ولا يمكن أن ينهض واحد منها ليكون سببا لنمو فكرة التدين عند جميع البشر، وفي جميع البيئات، والظروف والملابسات «١» .
ومهما يكن من شيء فقد كان العرب من طوائف البشر المتدينين، بل والمتصلبين في عقائدهم على ما كان فيها من زيغ وضلال، ووثنية.