الكلمة للشاعر المجاهد .. كعب بن مالك حيث: (كان كعب أوّل من عرف رسول الله - ﷺ - بعد الهزيمة وقول الناس: قتل رسول الله - ﷺ -. قال كعب: عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله - ﷺ -، فأشار إليّ أن انصت "اسكت") (١) .. ربما لكي لا يعلم المشركون بمكانه .. سمع هذا الصرخة سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله وسبعة من الأنصار .. فهبوا نحو صاحبها .. وسمع الصرخة جمع من المشركين فلحقوا بهم .. فماذا حدث يا أنس؟ أجب بالله عليك .. يقول أنس ﵁:
(إن رسول الله - ﷺ - أفرد يوم أُحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه (٢)، قال - ﷺ -: من يردهم عنّا وله الجنّة، أو هو رفيقي
_________________
(١) = -٢/ ٢٥) وشيخه ثقة معروف من رجال مسلم وبقية السند لا يسأل عنها وقد مرت معنا كثيرًا.
(٢) سنده صحيح رواه ابن إسحاق ومن طريقه (الطبراني في الأوسط -مجمع البحرين- ٥/ ١٠٥) والبيهقيُّ في الدلائل (٢/ ٤٨٢): حدثني الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك .. وهذا السند صحيح متصل. الزهري إمام معروف وشيخه له رؤية وهو تابعي ثقة له رؤية رواه عن والده (التقريب-١/ ٤٤٢).
(٣) أي اقتربوا منه.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
في الجنّة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه، فقال: من يردّهم عنّا وله الجنّة أو هو رفيقي في الجنّة، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله - ﷺ - لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا) (١) يعني الأنصار .. لكن الأنصار كانوا حضورًا غامرًا .. مفعمًا بالحب والفداء .. يصنعون الأحداث .. فيتحدث التاريخ وفاءً.
لقد التحق بالأنصار الشهداء شهداءٌ آخرون .. فزاد مجد الأنصار وفخرهم على أرض أُحُد .. يقول أحد الأنصار كأنه يكمل حديث أنس السابق:
(لما كان يوم أحد وولّى الناس، كان رسول الله - ﷺ - في ناحية "في اثني عشر رجلًا. منهم طلحة"، فأدركهم المشركون، فقال النبي - ﷺ -: من للقوم؟ "قال طلحة: أنا. قال - ﷺ -: كما أنت"، فقال رجل: أنا، قال - ﷺ -: أنت، فقاتل حتى قتل. ثم التفت فإذا المشركون، فقال - ﷺ -: من لهم؟ "قال طلحة: أنا، قال - ﷺ -: كما أنت". فقال رجل من الأنصار: أنا، قال - ﷺ -: أنت، فقاتل حتى قتل ..
فلم يزل كذلك حتى بقي مع نبي الله طلحة، "فقال - ﷺ -: من للقوم؟ قال طلحة: أنا" فقاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى قطعت أصابعه، فقال حسّ، فقال رسول الله - ﷺ -: لو قلت: باسم الله، لرفعتك الملائكة والناس ينظرون، ثم ردّ الله المشركين) (٢) الذين سمعوا بمكانه - ﷺ - ولم يبق معه - ﷺ -
_________________
(١) حديث صحيح رواه مسلم (الجهاد- غزوة أحد).
(٢) حديثٌ حسنٌ بما قبله عدا ما بين الأقواس الصغيرة وسنده فيه ضعف، لأنه من رواية أبي الزبير عن جابر وهو مدلس ولم يصرح بالسماع من جابر هنا والرواية عند النسائي- (٦/ ٣٠) والطبرانيُّ (٨/ ٣٠٤) والحاكم (٤/ ٥٧٠) ولآخر الحديث شواهد ضعيفة تقويه =
[ ٢ / ٢٢٤ ]
في هذا الوقت سوى اثنين من الصحابة .. يقول أحد الصحابة: (إنه لم يبق مع النبي - ﷺ - في تلك الأيام الذي يقاتل فيهن غير طلحة وسعد" (١)، وقد قاتل طلحة حتى قطعت أصابعه وشلّت يده .. رآها أحد الذين أدركوا الجاهلية والإِسلام واسمه: قيس بن أبي حازم فقال: (رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي - ﷺ - قد شلّت) (٢).
أثناء هذه الظروف العصيبة والجراح الدامية .. انتشر الخبر أن رسول الله - ﷺ - لا يزال على قيد الحياة .. تداعى الصحابة من كل مكان (فلما عرفوا رسول الله - ﷺ - نهضوا به معهم نحو الشعب، ومعه أبو بكر وعمر وعليّ وطلحة والزبير والحارث بن الصمة في رهط من المسلمين، ولما أسند رسول الله - ﷺ - في الشعب، أدركه أُبيّ بن خلف وهو يقول:
يا محمَّد .. لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: أيعطف عليه يا رسول الله رجلٌ منّا؟ فقال: دعوه، فلما دنا تناول رسول الله - ﷺ - الحربة من الحارث بن الصمة) (٣)، أخذ النبي - ﷺ - الحربة وهو في أشدّ حالات الإعياء والعطش .. لدرجة أنه كان يمشي ويسقط .. ولكنه استجمع قواه ليبعث بها مع حربة الحارث بن الصمة إلى هذا الطاغوت النزق ..
_________________
(١) = عند المقدسي في المختارة (٣/ ٤٢) والطبرانيُّ في مسند الشاميين بسند فيه تابعي مجهول عن أنس (٢/ ١٢٨).
(٢) حديث صحيح رواه البخاري عن أبي عثمان النهدي (٤٠٦٠ - ٤٠٦١).
(٣) حديث صحيح رواه البخاري (٣٧٢٤).
(٤) سنده صحيح رواه ابن إسحاق ومن طريقه أبو نعيم (٤٨٢) وقد مر معنا وللحديث شواهد .. ولم أذكر بقية الحديث لأنه من بلاغات ابن إسحاق دون سند وهو قوله: يقول بعض القوم -فيما ذكر لي-: فلما أخذها رسول الله - ﷺأى الحربة- انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشُّعْر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله فطعنه بها طعنة تدأد منها عن ظهر فرسه مرارًا. والشُّعُر: ذباب أزرق يؤذي الإبل.
[ ٢ / ٢٢٥ ]