سمعه الزبير وأذهله ما سمع .. يقول ﵁: (مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب، وخلوا ظهورنا للخيل، فأُتينا من أدبارنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدًا قد قتل، فانكفأنا، وانكفأ علينا القوم) (١).
لكن أنس بن النضر عم أنس بن مالك لم ينكفئ .. كان يقاتل عن رجلين .. عن معركتين .. عن بدر وعن أُحُد .. يقول أنس ﵁: إن عمّه (غاب عن بدر فقال: غبت عن أول قتال النبي - ﷺ -، لئن أشهدني الله مع النبي - ﷺ - ليرينّ الله "ما أصنع"، ما أجد، فلقي يوم أُحد .. فهُزم الناس فقال: اللهمّ إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ) (٢)، (فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس: يا أبا عمرو أين؟ واهًا لريح الجنّة "إني" أجده دون أحد ..) (٣).
(فقال سعد: أنا معك - قال سعد: فلم أستطع أصنع ما صنع) (٤)، قال أنس: (فقاتلهم حتى قتل، فوجد في جسده بضعٌ وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية) (٥)، كان وجه أنس مشوّهًا لا يعرف .. كان جسد
_________________
(١) سنده صحيح وقد مر معنا وهو بقية حديث الزبير عند ابن إسحاق.
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (٤٠٤٨).
(٣) حديث صحيح رواه مسلم (الإمارة - ثبوت الجنة ..) والزيادة عند البخاري.
(٤) حديث صحيح رواه أحمد .. وهو ثلاثي على شرط الشيخين كما قال ابن كثير .. حدثنا يزيد حدثنا حميد عن أنس .. وشيخ أحمد ثقة وهو ابن هارون .. وشيخه تابعي ثقة سمع من أنس وهو حميد الطويل.
(٥) حديث صحيح رواه مسلم (الإمارة - ثبوت الجنة ..) والزيادة عند البخاري.
[ ٢ / ٢١٨ ]
أنس بن النضر ميدانًا لمعركة أخرى انتصر فيها الوفاء .. وخرج منها أنس مزينًا بالطعنات والشهادة .. فلئن مات رسول الله - ﷺ - شهيدًا .. فليلحق به أنس بن النضر .. أما بعض الصحابة فقد أذهلهم الخبر وأسقط في أيديهم وانهارت معنوياتهم فولّوا عن أرض المعركة لا يلوون على شيء بعد أن رأوا هذه الكارثة .. وسمعوا بمقتله - ﷺ - وكان أحد هؤلاء (عثمان بن عفان وسعد بن عثمان -رجل من الأنصار- حتى بلغوا الجلعب -جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص) (١)، وكأنهم يقولون لأنفسهم: وماذا نحن بعد رسول الله - ﷺ - .. أمّا البقية ففضلوا الموت على ما مات عليه رسول الله - ﷺ - .. أحدهم هذا الفارس المجهول الذي يقول عنه سهل بن سعد: (ما رأينا مثل ما أتى فلان، لقد فرّ الناس وما فرّ، وما ترك للمشركين سادة ولا قادة إلا أتبعها يضربها بسيفه) (٢) .. وما زال يضربهم حتى الآن .. في الوقت الذي استشهد فيه صاحب التمرات فقد (قاتل حتى قتل) (٣)، كما سقط على أرض المعركة رجل فقير لكنه كان بحجم الدنيا .. لقد