مصعب بن عمير .. الذي خرج من ثروته وزينته ليلحق برسول الله - ﷺ - .. مصعب الذي خرج من مكة وحيدًا ليثقف جيلًا من أجيال المدينة .. مصعب الذي خرج من المدينة نحو أُحُد .. لا يملك من الدنيا إلَّا سيفه ورداءه .. وقرآنًا يملأ صدره ويغنيه عمّا يراه من حطام الدنيا .. سقط
_________________
(١) سنده صحيح رواه ابن إسحاق ومن طريقه الأموي (ابن كثير- ٣/ ٥٥) حدثني يحيى بن عباد، عن أبيه عن جده .. وقد مر معنا هذا الإسناد، وهو صحيح. يحيى ثقة، وعباد تابعي ثقة.
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (٤٢٠٢) وأبو يعلى - زوائد (١/ ٤٢٨) واللفظ له.
(٣) حديث صحيح رواه البخاري وقد مر معنا.
[ ٢ / ٢١٩ ]
مصعب على أرض أُحُد .. تبكيه المدينة ومكّة .. ويبكيه أحد الصحابة بعد مدة .. والطعام بين يديه .. فيقول عندما شاهد الطعام وكان صائمًا: (قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كفن في برده، إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وقتل حمزة وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا -أعطينا من الدنيا ما أعطينا- وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام) (١) .. وتذكره أيضًا رفيق دربه وعذابه خباب بن الأرتّ فقال: (هاجرنا مع رسول الله - ﷺ - ونحن نبتغي وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنّا من مضى بسبيله ولم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير .. قتل يوم أحد، ولم يترك إلَّا نمرة، كنّا إذا غطّينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطّينا رجليه بدا رأسه) (٢) رضي الله عن مصعب ما أعظمه .. سافر والدموع من حوله .. بعد أن ملأ الصدور والنفوس علمًا وحبًا .. نالت منه سيوف الشرك وهو يدافع عن دينه وعن نبيه - ﷺ - .. ونالت السيوف من ذلك الشاب العروس .. الذي ترك فتاته ليموت دون دينه ونبيّه - ﷺ - .. ليكمل احتفالاته في الجنّة .. وكان قبيل سقوطه في صراع مع رجل شجاع من صفوف المشركين هو أبو سفيان .. وهو ليس أبو سفيان زعيم قريش .. لا .. ولكنه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب .. ابن عمّ رسول الله - ﷺ - وهو ما يزال حتى الآن مشركًا .. وقد تغلب عليه حنظلة وعلاه بسيفه وكاد أن يطيح برأسه ولكن ماذا حدث؟
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (١/ ١٢٧٥).
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (١٢٧٦) وقد حذفت كلمات بين عمير وقتل. وهو قوله ﵁: ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهد بها.
[ ٢ / ٢٢٠ ]