يقول الزبير بن العوام ﵁: (لقد رأيتني مع رسول الله - ﷺ - حين اشتدّ الخوف علينا، أرسل الله علينا النوم، فما منّا من رجل إلَّا ذقنه في صدره، فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير -ما أسمعه إلَّا كالحلم- يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا .. فحفظتها منه، وفي ذلك
_________________
(١) سنده صحيح رواه الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا حجاج بن المنهال (ح) وحدثنا محمَّد بن محمَّد التمار، حدثنا أبو الوليد ومحمَّد بن كثير .. قالوا: حدثنا عمرو بن مرزوق الواشحي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد بن رافع بن خديج عن جدته وهي امرأة رافع ﵁ .. ويحيى تابعي ثقة (الجرح والتعديل-٩/ ١٦٨) وتلميذه صدوق (التهذيب- ٨/ ١٠١) (التقريب-٢/ ٧٨) وتلاميذ عمرو كلهم ثقات انظر: (التقريب- ٢/ ٢٠٣) (١/ ١٥٤) وأبو الوليد هو الطيالسي (التقريب- ٢/ ٣١٩) وشيخ الطبراني وتلميذ الحجاج هو الثقة علي بن عبد العزيز بن المرزبان البغوي (البلغة- ٢٢٨).
[ ٢ / ٢٢٨ ]
أنزل الله: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا، لقول معتب) (١) والآيات التي نزلت في هذا المنافق المدعو: معتب بن قشير وبقايا المنافقين الذين أبقاهم الخوف .. وأفصح عن نفاقهم الخوف .. هذه الآيات هي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢)، أما أولئك الذين لاذوا بالفرار بعد نزول الرماة وحدوث الانتكاسة، فقد تاب الله عليهم وعفى عنهم وأنزل فيهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٣).
أمّا على أرض المعركة الآن .. فهذا أنس يقول: (ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمِّرتان، أرى خدم سوقهما، تنقزان القرب على متونهما، تفرغانه في أفواه القوم، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم) (٤). أمّا عمر بن الخطاب فيحدّثنا عن امرأة عظيمة أخرى هي "أم سليط"، فيقول: (إنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد) (٥).
_________________
(١) سنده صحيح رواه ابن إسحاق (تفسير ابن كثير-٢/ ١٢٦): حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال: قال الزبير وهذا السند صحيح مر معنا وسوف يمر معنا إن شاء الله ويحيى ووالده تابعيان ثقتان.
(٢) سورة آل عمران: الآية ١٥٤.
(٣) سورة آل عمران: الآية ١٥٥.
(٤) حديث صحيح رواه البخاري (٣٨١١).
(٥) حديث صحيح رواه البخاري (٤٠٧١).
[ ٢ / ٢٢٩ ]
شرب النبي - ﷺ - وشرب العطشى .. وانحاز كل جيش إلى معسكره .. إلَّا مسلمًا كان يطارد فلول المشركين .. ويطارده الإعجاب في كل مكان يصول فيه ويجول .. لقد كان هذا الفارس المتغلغل في جموع المشركين وأجسادهم ملء السمع والبصر من الصحابة .. كانوا يمدحونه يرون أنه أكثر من صارع الكفار وصرعهم .. وأنه لا أحد ممّن بقي حيًا من المسلمين قاتل مثل قتاله .. وسمع الرسول - ﷺ - بأمره فسأل عن اسمه ونسبه فأخبروه فلم يعرفه .. ووصفوا له وجهه وجسده ولباسه فلم يعرفه .. وبينما كان يطارد إحدى ضحاياه مرت ضحيته ومرّ كالسهم وراءها بين عيني رسول الله - ﷺ - .. فقال رسول الله - ﷺ - كلمة آلمت الصحابة جدًا: