بقية الأسرى لم يسحبوا إلى قليب .. ولم يُقتادوا إلى معسكرات تجويع وتعذيب .. ولم يؤمروا بالقيام بأعمال شاقة .. فمنذ أغمد الصحابة سيوفهم تحولت الساحة من أنهار دم إلى واحات سلام .. شرب فيها الأسرى وأكلوا وناموا أكثر من الصحابة وأكثر من نبيهم عليه الصلاة
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٤٠١٩).
[ ٢ / ١٣١ ]
والسلام .. شيء لا يصدق لأنه لم يحدث من قبل .. شيء لا يصدق .. أيعقل أن يعامل المسلمون هؤلاء المشركين الذين حملوا السيوف وطردوا الرسول - ﷺ - واغتصبوا المال والدار .. أيعقل أن يعاملوا معاملة المسكين .. والطفل اليتيم .. أجل يعقل إذا كان القائد هو محمَّد - ﷺ - وكان الجيش من الصحابة .. ها هم يقدمون طعامًا للأسرى أفضل من طعامهم رغم جوعهم ورغبتهم الملحة فيه .. ليس لأنهم أبناء العمومة والعشيرة .. ولا لطمعهم بفدية أكثر فإن من المشركين من لا يملك إلا سيفه .. السبب ببساطة هو وعد نزل كالمطر من السماء .. فأنبت في قلوب المؤمنين تلك الرياض وتلك الرعاية وذلك الفيض من العطاء .. وحي من الله يقول: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (١).
هذه هي معسكرات الأسر في الإِسلام مهما كان الأسير مجرمًا أو مشركًا أو حتى ملحدًا .. هذا هو مفهوم الحبس في الإِسلام إن كان في الإِسلام حبس .. أسير مشرك خرج لسفك الدماء يخجل من كرم آسره .. وآسر يستحي أن يقدم لأسيره طعامًا أقل من طعامه أو مساويًا له .. يكتفي الصحابة بالتمر والماء .. ويقدمون الخبز واللحم -إن وجد- لأسراهم .. أخلاق زرعها - ﷺ - في أعماق أصحابه .. أخلاق تعادل درجات من الصلاة والصيام لا يطيقها الإنسان .. بشرهم - ﷺ - بذلك عندما قال لهم: (إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجات قائم الليل صائم النهار) (٢) .. ومن هو الذي يصلي ليله كله لا يفتر .. ويصوم كل يوم ولا يفطر .. قال
_________________
(١) سورة الإنسان: الآيات ٥ - ٩.
(٢) حديث صحيح. صحيح الجامع (١/ ٣٣٤).
[ ٢ / ١٣٢ ]
لهم - ﷺ -: (إن أقربكم مني مزلًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا في الدنيا) (١) (إن من أحبكم إلي أحسنكم أخلاقًا) (٢) و(من كان سهلًا هينًا لينًا حرمه الله على النار) (٣) غرس - ﷺ - تلك الأخلاق عندما قال لهم: (أنا وكافل اليتيم له أو لغيره في الجنة .. والساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله) (٤) و(أنا زعيم ببيت في .. أعلى الجنة لمن حسن خلقه) (٥).
سحابة عطر كان محمَّد - ﷺ - وأصحابه .. بعد أن كانوا قبل قليل عاصفة من السلاح والموت .. سحابةٌ شعر الأسرى تحتها بالارتياح .. شعروا بنسيم الإِسلام البارد يغمرهم ويلطف لفح الصحراء من حولهم .. وانتشى الأنصار من جديد وتوهج كرمهم وحبهم لرسول الله - ﷺ - بالإيثار من جديد .. يقول أحد أبنائهم: (إن رجالًا من الأنصار استأذنوا رسول الله - ﷺ - قالوا: إيذن لنا فلنترك لابن أختنا العباس فداءه، فقال: لا والله .. لا تذرون منه درهمًا) (٦) وطالب رسول الله عمه العباس بالفداء .. بل كان فداء العباس أكثر من فداء غيره ..
مكث - ﷺ - على أرض المعركة ثلاثة أيام كان فيها مشغولًا بأصحابه .. يعالج قضاياهم وجرحاهم ويتلقى الوحي من الله سبحانه في علاجه ذلك .. لم يكن - ﷺ - مشغولًا. بمن معه فقط بل كان يعيش بقلبه وشعوره مع أحباب لا يراهم حوله .. كان بقلبه وشعوره بين حرات المدينة .. يتذكر
_________________
(١) حديثٌ حسنٌ. صحيح الجامع (١/ ٣٢٧).
(٢) حديث صحيح. صحيح الجامع (١/ ٤٣٨).
(٣) حديث صحيح. صحيح الجامع (٢/ ١١٠٥).
(٤) حديث صحيح. صحيح الجامع (١/ ٣١٠).
(٥) حديثٌ حسنٌ. صحيح الجامع (١/ ٣٠٦).
(٦) حديث صحيح. رواه البخاري (٤٠١٨).
[ ٢ / ١٣٣ ]
أصحابه .. وأهله .. وحبيبته التي لا يدري ما فعل المرض بها .. لا يدري أي حالة تعيشها ابنته رقية .. ترى هل تعافت من مرضها أم أن الأوجاع تداعت على شبابها .. تذكر - ﷺ - المدينة ومن فيها فأرسل ابنه زيد -زيد بن حارثة (١) - ليبشر المدينة بنصر الله .. والقضاء على طواغيت قريش .. يبشر بأسر أشرافهم في يوم الإِسلام العظيم .. يوم الفرقان .. وقد كان ابنه أسامة ابن زيد ملازمًا لعثمان ورقية في مرضها .. وكان مع أول من استقبل والده وأخباره ..
أسامة يحدثنا عن ذلك فيقول: (إن النبي - ﷺ - خلف عثمان بن عفان، وأسامة بن زيد على رقية بنت رسول الله - ﷺ - أيام بدر، فجاء زيد بن حارثة على العضباء ناقة رسول الله - ﷺ - بالبشارة، قال أسامة: فسمعت الهيعة، فخرجت فإذا زيد قد جاء بالبشارة، فوالله ما صدقت حتى رأيت الأسارى، فضرب رسول الله - ﷺ - لعثمان بسهمه) (٢) وهذا يعني أن عثمان كان يريد الخروج مع رسول الله - ﷺ - لكن رسول الله - ﷺ - أمره بالبقاء لتمريض زوجته رقية .. قال عبد الله بن عمر بن الخطاب إن عثمان بن عفان (كانت تحته
_________________
(١) كان يسمى في ذلك الوقت زيد بن محمَّد.
(٢) سنده حسن. رواه البيهقي (٣/ ١٣٠) أخبرنا أبو الحسن المقرئ وهو إمام حافظ ناقد. انظر السير للذهبي (١٧/ ٣٠٥) وشيخه الحسن الدقاق صحيح السماع من أهل القرآن والصلاح. المصدر السابق (١٥/ ٥٣٥) وتاريخ بغداد (٧/ ٤٢٢) وشيخه هو الثقة يوسف ابن يعقوب القاضي. تاريخ بغداد (١٤/ ٣١٠) وشيخه أحد رجال الشيخين: الثقة محمَّد ابن أبي بكر المقدمي. التقريب (٢/ ١٤٨) وشيخه حسن الحديث فهو صدوق في حفظه شيء. التهذيب (٨/ ٥٨) والتقريب (٢/ ٧٢) وهو من رجال الستة واسمه عمرو بن عاصم الكلابي وشيخه ومن فوقه أئمة ثقات: حماد عن هشام عن عروة عن أسامة بن زيد. وللحديث شاهد يأتي ص ١٩٦.
[ ٢ / ١٣٤ ]
ابنة رسول الله - ﷺ - وإنها مرضت، فقال له رسول الله - ﷺ -: إن لك أجر رجل ممّن شهد بدرًا وسهمه) (١).
لكن أين رقية .. أين حبيبتك يا عثمان .. أين حبيبة رسول الله - ﷺ - وريحانته ..؟ الإجابة حزن على وجه عثمان وعلى وجه أسامة.
ماتت رقية ووالدها بعيد عنها .. ماتت قبل أن ترى والدها وتطمئن على سلامته .. دون أن ترى أختها الحزينة زينب .. ها هو الحزن من جديد يخيم على بيت النبي - ﷺ - .. فاطمة تبكي وأم كلثوم تبكي حزنًا على رقية .. زهرة تذبل وشباب يختفي أمام عينيهما .. كم لعبوا سويًا .. كم ضحكوا وتراكضوا وتسابقوا إلى حضن خديجة .. كم تواثبوا وتزاحموا ليركبوا على ظهر محمَّد .. ما أحوج فاطمة وأم كلثوم إلى أبيهما .. ما أحوجهما إلى خديجة .. ما أحوجهما إلى أختهما الكبيرة زينب .. ينثران على صدرها شيئًا من الدموع .. فزينب بعيدة هناك .. حزينة هناك .. في مكة لا يعلمان عنها شيئًا ولا تعلم عنهم شيئًا ..
ماتت رقية قبل أن يصل زيد بالخبر .. فقد (وافق زيد بن الحارثة ابنه أسامة حين سوى التراب على رقية بنت رسول الله، فقيل له: ذاك أبوك حين قدم، قال أسامة فجئت وهو واقف للناس يقول: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل، ونبيه ومنبه وأمية بن خلف، فقلت: يا أبت أحق هذا؟ قال: نعم والله يا بني) (٢) ويختلط الحزن في أجواء المدينة بالفرح، ويبتهج بقية المهاجرين والأنصار بالخبر الذي لا يصدقه إلا
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري (٤٠٦٦).
(٢) حديثٌ حسنٌ. رواه ابن إسحاق ومن طريقه الحاكم (٣/ ٢١٧): حدثني عبد الله بن أبي بكر، وصالح بن أبي أمة عن أبيه .. وهذان طريقان يقوى بعضهما بعضا لأن صالحًا لم يوثقه إلا ابن حبان. ويشهد للحديث حديث أسامة السابق.
[ ٢ / ١٣٥ ]
مؤمن .. ويخفف النصر من الحزن والدموع المنثورة على رحيل رقية .. ويخيم الليل والوجد على عثمان .. إنه يعود إلى منزله فلا يجد فيه رقية .. كم هو مشتاق إليها .. كم هو وحيد دون رقية .. وكم هو وحيد وقد انقطع نسبه مع النبي - ﷺ - .. يا له من ليل حزين لا تبدده إلا الصلاة .. هذا ما يحدث في المدينة أما على أرض المعركة فتتسلل خيوط الفجر إلى سماء بدر .. ويشرق بلالٌ بالأذان .. ويستيقظ من كان نائمًا .. ويصلى الجميع خلف رسول الله - ﷺ - .. إنه فجر اليوم الثالث بعد انقضاء المعركة .. حيث يأمر - ﷺ - بالاستعداد للعودة إلى المدينة .. ويطلب تهيئة راحلته .. ويفرغ الجميع مما أمروا به .. وينطلق - ﷺ - إلى غير ما توقع الصحابة .. فهذا ليس بطريق المدينة .. إنه يتوقف ويتحدث إلى أقوام بشيء مفزع ومخيف جعل أحد الصحابة يستفسره عن ذلك .. أنس بن مالك يحدثنا عن ذلك المسير وعن ذلك التساؤل فيقول: (فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشدت عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته حتى قام على شفى الركى (١) فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم [يا أبا جهل بن هشام .. يا أمية بن خلف .. يا عتبة بن ربيعة .. يا شيبة بن ربيعة .. أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟] يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان .. أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا .. فقال عمر: يا رسول الله .. ما تكلم من أجساد لا أرواح لها. فقال رسول الله - ﷺ -: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم [ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا (٢)] (٣) ولا يقدرون على أن يعودوا فيتوبوا .. مصير أسود رسموه
_________________
(١) حافة البئر.
(٢) أي أنهم يستمعون لقوله - ﷺ - حقًا أثناء خطابه لهم.
(٣) حديث صحيح. رواه البخاري عن أنس (٣٩٧٦) وما بين المعقوفين عند مسلم عن أنس.
[ ٢ / ١٣٦ ]
لأنفسهم .. وجحيم مرعب تسابقوا إليه وهم يحملون أصنامهم .. أما رسول الله - ﷺ - فقد تركهم وما تسابقوا إليه .. وانعطف براحلته نحو عواطف جياشةٍ تنتظره في طيبة الطيبة ..
ليت شعري كيف استقبله أحبابه هناك .. أيهنئون أنفسهم به ويهنئونه بنصر الله .. أم يعزونه في رقية ..؟
كيف استقبله عثمان هناك .. كيف كانت حالته - ﷺ - عندما زاحم الحزن فرحًا يزين صدره ..
كيف كانت حالته عندما التقت عيناه بعيني فاطمة وعيني أم كلثوم ..
وكيف شكتا له الوجد على أختهما الحبيبة ..؟
هذه الحياة لم تصفُ لمحمد - ﷺ - .. لم تصفُ لحبيب الله .. فالحزن والمعاناة جزء من حياته .. يفقد ابنته الشابة ويصبر ويحتسب .. ويتوهج بوعد الله فيخفف عن غيره مصيبته ولوعته رغم ما هو فيه ..
ويقول لعثمان: (لك أجر رجل شهد بدرًا وسهمه) (١)
أما حارثة .. ذلك الشاب المكلف بالمراقبة والرصد والذي استشهد هناك في بدر .. فأمه هنا في المدينة تتلقى الركب تسأل عن حبيبها فيقع الخبر عليها كالموت .. فيحملها الحزن والسؤال إلى نبي الله - ﷺ - .. لقد (أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام فجاءت أمه إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع ..
_________________
(١) حديث صحيح مر معنا وهو عند البخاري (٤٠٦٦).
[ ٢ / ١٣٧ ]
فقال - ﷺ -: ويحك .. أَوَهبلت؟ أَوَجنةٌ واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة وإنه في جنة الفردوس) (١) و(الفردوس ربوة الجنة وأعلاها وأوسطها، ومنها تفجر أنهار الجنة) (٢).
سافر حارثة إلى الفردوس .. وعادت أمه إلى بيتها صابرة محتسبة .. لقد حول الإِسلام الحزن إلى مبعث للسعادة .. واختلطت دموع الحزن بالفرح عند المؤمنين فـ (عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر وكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) (٣) ..
وعجبًا لهذا النبي ما أرحمه .. إنه يتجاوز أحزانه إلى الآخرين ليخفف عنهم .. ليحثهم على الإبحار مع شهدائهم في أنهار الجنة .. وأهل بيت النبي - ﷺ - كانوا مثله .. يواسون تلك البيوت الحزينة .. كهذا البيت الذي تنوح فيه عفراء ﵂: